المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 113 فهرس المحتويات 1- دراسات في الباقيات الصالحات … تابع (1) … تابع - مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - جـ ٤٣

[مجموعة من المؤلفين]

الفصل: ‌ ‌العدد 113 فهرس المحتويات 1- دراسات في الباقيات الصالحات … تابع (1) … تابع

‌العدد 113

فهرس المحتويات

1-

دراسات في الباقيات الصالحات

تابع (1)

تابع (2)

تابع (3)

أ. د. عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

2-

رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه

تابع (1)

تابع (2)

تابع (3)

تابع (4)

أ. د. محمد بن خليفة بن علي التميمي

3-

أحاديث القراءة في صلاة الفجر جمعا ودراسة

تابع (1)

تابع (2)

تابع (3)

د. إبراهيم بن علي العبيد

4-

تلوين الخطاب لابن كمال باشا

تابع (1)

تابع (2)

تابع (3)

د. عبد الخالق بن مساعد الزهراني

5-

المنهل المؤهول بالبناء للمجهول

تابع (1)

تابع (2)

تابع (3)

لأبي الخير محمد بن ظهيرة تحقيق ودراسة د. عبد الرزاق بن فرج الصاعدي

عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة 1423 هـ / 2002 م

ص: 62

دراسات في الباقيات الصالحات

إعداد

أ. د عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

الأستاذ في كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة

المقدّمة

أحمد الله بمحامده التي هو لها أهلٌ، وأُثني عليه الخير كلَّه، لا أحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، وأصلِّي وأسلّم على خاتم رسله وأنبيائه، وإمام أوليائه وأصفيائه، نبيّنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فلا يخفى على جميع المسلمين ما للكلمات الأربع: ((سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَاّ الله، والله أكبر)) من مكانة في الدّين عظيمة، ومنزلة في الإسلام رفيعة، فهُنَّ أفضل الكلمات وأجلهنَّ، وهنَّ من القرآن، وهنَّ أطيب الكلام وأحبّه إلى الله، وأحبُّ إلى رسوله صلى الله عليه وسلم من كلِّ ما طلعت عليه الشمس، وفيهنَّ رفعٌ للدرجات وتكفيرٌ للذنوب والسيّئات، وجُنَّة لقائلهنَّ من النار، ويأتين يوم القيامة مُنجيات لقائلهنَّ ومقدّمات له، إلى غير ذلك من صنوف الفضائل وأنواع المناقب، ممّا يدلُّ على عظيم شرف هؤلاء الكلمات عند الله وعلوِّ منزلتهنَّ عنده، وكثرة ما يترتَّب عليهنَّ من خيرات متواصلة وفضائل متوالية في الدنيا والآخرة، لذا رأيت أنَّ من المفيد لي ولإخواني المسلمين أن أجمع في بحث مختصر بعض ما ورد في الكتاب والسنة من فضائل لهؤلاء الكلمات الأربع مع بيان دلالاتهنَّ ومقتضياتهنَّ، وقد جعلت ذلك كلَّه في مقدّمة - وهي هذه - وخمسة مباحث وخاتمة كما يلي:

المبحث الأول: في ذكر النصوص الدالة على فضل هؤلاء الكلمات الأربع.

المبحث الثاني: لا إله إلَاّ الله، فضلها ومعناها وشروطها ونواقضها، وفيه عدّة مطالب:

المطلب الأول: فضائل كلمة لا إله إلَاّ الله.

المطلب الثاني: مدلول ومعنى لا إله إلَاّ الله.

المطلب الثالث: شروط لا إله إلاّ الله.

المطلب الرابع: نواقض شهادة أن لا إله إلاّ الله.

المبحث الثالث: في التسبيح فضله ومكانته ومدلوله، وفيه عدّة مطالب:

المطلب الأول: فضل التسبيح.

ص: 63

المطلب الثاني: تسبيحُ جميع الكائنات لله.

المطلب الثالث: معنى التسبيح.

المبحث الرابع: في الحمد، فضله وأنواعه ودلالته، وفيه عدّة مطالب:

المطلب الأول: فضلُ الحمدِ والأدلَّةُ عليه.

المطلب الثاني: المواطن التي يتأكّد فيها الحمد.

المطلب الثالث: في بيان موجبات الحمد وأنواعه.

المطلب الرابع: أفضلُ صِيَغِ الحمد وأكملُها.

المطلب الخامس: تعريفُ الحمد، وبيان الفرق بينه وبين الشكر.

المبحث الخامس: في التكبير فضله ومعناه، وفيه مطلبان:

المطلب الأول: فضل التكبير ومكانته من الدِّين.

المطلب الثاني: في معنى التكبير وبيان مدلوله.

الخاتمة: في بيان التلازم بين هؤلاء الكلمات الأربع.

وسمَّيته ((دراسات في الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَاّ الله، والله أكبر)) ؛ لأنَّ هؤلاء الكلمات الأربع هنَّ أفضل الباقيات الصالحات، واعتمدتُ في أغلب الأحاديث على أحكام العلَاّمة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني يرحمه الله.

وإنِّي أرجو الله أن يكون في ذلك النفع لي وللمسلمين، إنَّه وليُّ التوفيق والسداد.

المبحث الأول:

النصوص الدّالة على فضل هؤلاء الكلمات الأربع

لقد ورد في فضل هؤلاء الكلمات الأربع نصوصٌ كثيرةٌ تدل دلالةً قويةً على عظم شأنهنَّ وجلالة قدرهنَّ، وما يترتّب على القيام بهنَّ من أجورٍ عظيمةٍ وأفضالٍ كريمةٍ، وخيراتٍ متواليةٍ في الدنيا والآخرة، وفيما يلي عرضٌ لجملة من فضائل هؤلاء الكلمات:

ص: 64

أولاً: فمِن فضائل هؤلاء الكلمات: أنَّهنَّ أحب الكلام إلى الله، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَحبُّ الكلام إلى الله - تعالى - أربع، لا يضرك بأيِّهنَّ بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، ورواه الطيالسي في مسنده بلفظ:"أربع هنَّ من أطيب الكلام، وهنّ من القرآن، لا يضرك بأيِّهنَّ بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر".

ثانياً: ومِن فضائلهنَّ: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنَّهنَّ أحبُّ إليه مِمَّا طلعت عليه الشمس (أي: من الدنيا وما فيها)، لما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أحبُّ إلي ممّا طلعت عليه الشمس".

ثالثاً: ومن فضائلهنَّ: ما ثبت في مسند الإمام أحمد، وشعب الإيمان للبيهقي بإسناد جيّد عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: مرّ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلتُ: "إنِّي قد كبرتُ وضعُفت - أو كما قالت - فمُرني بعمل أعمله وأنا جالسة. قال: "سبّحي اللهَ مائة تسبيحة، فإنَّها تعدل لك مائة رقبة تعتقينها من ولد إسماعيل، واحمدي الله مائة تحميدة، تعدل لكِ مائة فرس مُسرجة ملجمة تحملين عليها في سبيل الله، وكَبِّري اللهَ مائة تكبيرة فإنَّها تعدل لك مائة بدَنة مُقلّدة متقبّلَة، وهلِّلي مائة تهليلة - قال ابن خلف (الراوي عن عاصم) أحسبه قال -: تملأ ما بين السماء والأرض، ولا يرفع يومئذ لأحدٍ عملٌ إلا أن يأتي بمثل ما أتيتِ به". قال المنذري: رواه أحمد بإسناد حسن. وحسّن إسناده العلامة الألباني حفظه الله.

ص: 65

وتأمَّل هذا الثواب العظيم المترتِّب على هؤلاء الكلمات، فمن سبّح اللهَ مائة، أي قال: سبحان الله مائة مرّة فإنَّها تعدل عِتق مائة رقبة من ولد إسماعيل، وخصَّ بني إسماعيل بالذِّكر لأنَّهم أشرفُ العرب نَسباً، ومن حَمِد الله مائة، أي من قال: الحمد لله مائة مرّة كان له من الثواب مثل ثواب من تصدّق بمائة فرس مسرجةٍ ملجمةٍ، أي: عليها سرجها ولجامها لحمل المجاهدين في سبيل الله، ومن كبّر اللهَ مائة مرّة، أي قال: الله أكبر مائة مرّة كان له من الثواب مثلُ ثواب إنفاق مائة بدنةٍ مقلّدةٍ متقبّلةٍ، ومن هلّل مائة، أي قال: لا إله إلا الله مائة مرة فإنَّها تملأ ما بين السماء والأرض، ولا يُرفع لأحدٍ عملٌ إلا أن يأتي بمثل ما أتى به.

رابعاً: ومِن فضائل هؤلاء الكلمات: أنَّهنَّ مكفِّرات للذنوب، فقد ثبت في المسند، وسنن الترمذي، ومستدرك الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما على الأرض رجل يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، إلا كُفِّرت عنه ذنوبُه ولو كانت أكثر من زَبَد البحر"، حسنه الترمذي، وصححه الحاكم وأقرَّه الذهبي، وحسّنه الألباني.

والمراد بالذنوب المكفَّرة هنا أي: الصغائر، لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفِّراتٌ ما بينهنَّ إذا اجتُنبت الكبائر"، فقيّد التكفير باجتناب الكبائر؛ لأنَّ الكبيرة لا يُكفِّرها إلا التوبة.

ص: 66

وفي هذا المعنى ما رواه الترمذي وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بشجرة يابسة الورق فضربها بعصاه فتناثر الورق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنَّ الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر لَتُساقط من ذنوب العبد كما تَساقط ورق هذه الشجرة"، وحسّنه الألباني.

خامساً: ومِن فضائل هؤلاء الكلمات: أنَّهنَّ غرس الجنة، روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:"لقيت إبراهيم ليلة أُسري بي، فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني السلامَ، وأخبِرهم أنَّ الجنةَ طيِّبةُ التربة، عذبةُ الماء، وأنَّها قيعان، غِراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، وفي إسناد هذا الحديث عبد الرحمن بن إسحاق، لكن للحديث شاهدان يتقوى بهما من حديث أبي أيوب الأنصاري، ومن حديث عبد الله بن عمر.

والقيعان جمع قاع، وهو المكان المستوي الواسع في وطأة من الأرض يعلوه ماء السماء، فيمسكه ويستوي نباته، كذا في النهاية لابن الأثير، والمقصود أنَّ الجنة ينمو غراسها سريعاً بهذه الكلمات كما ينمو غراس القيعان من الأرض ونبتها.

ص: 67

سادساً: ومِن فضائلهنَّ: أنَّه ليس أحد أفضل عند الله من مؤمن يعمر في الإسلام يكثر تكبيره وتسبيحه وتهليله وتحميده: روى الإمام أحمد، والنسائي في عمل اليوم والليلة بإسناد حسن عن عبد الله بن شداد: أنَّ نفرًا من بني عُذْرَة ثلاثةً أتوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأسلموا قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من يكفينيهم" قال طلحةُ: أنا، قال: فكانوا عند طلحة فبعث النبي صلى الله عليه وسلم بعثاً فخرج فيه أحدُهم فاستشهدَ، قال: ثم بَعَثَ بعثاً آخر، فخرج فيهم آخر فاستشهد، قال: ثم مات الثالثُ على فراشه، قال طلحة: فرأيت هؤلاء الثلاثة الذين كانوا عندي في الجنة، فرأيت الميت على فراشه أمامهم، ورأيت الذي استُشهد أخيرًا يليه، ورأيت الذي استُشهد أولَهم آخرَهم، قال: فدخلني من ذلك، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أنكرتَ من ذلك، ليس أحدٌ أفضل عند الله من مؤمن يُعمّرُ في الإسلام يَكثُر تكبيرُه وتسبيحُه وتهليله وتحميده".

وقد دلّ هذا الحديث العظيم على عِظم فضل من طال عمرُه وحسُن عملُه، ولم يزل لسانُه رَطْباً بذكر الله عز وجل.

سابعاً: ومن فضائلهنَّ: أنَّ الله اختار هؤلاء الكلمات واصطفاهنَّ لعِباده، ورتّب على ذِكر الله بهنّ أجورًا عظيمةً، وثواباً جزيلاً، ففي المسند للإمام أحمد ومستدرك الحاكم بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ الله اصطفى من الكلام أربعاً: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فمن قال: سبحان الله كُتب له عشرون حسنة، وحُطّت عنه عشرون سيّئة، ومن قال: الله أكبر فمثل ذلك، ومن قال: لا إله إلا الله فمثل ذلك، ومن قال: الحمد لله رب العالمين مِن قِبَل نفسِهِ كُتبت له ثلاثون حسنة، وحُطّ عنه ثلاثون خطيئة".

ص: 68

وقد زاد في ثواب الحمد عندما يقوله العبد مِن قِبَل نفسه عن الأربع؛ لأنَّ الحمد لا يقع غالباً إلا بعد سبب كأكلٍ أو شُربٍ، أو حدوث نعمة، فكأنَّه وقع في مقابلة ما أُسديَ إليه وقت الحمد، فإذا أنشأ العبد الحمد من قِبَل نفسه دون أن يدفعه لذلك تجدُّدُّ نعمةٍ زاد ثوابه.

ثامناً: ومِن فضائلهنَّ: أنَّهنَّ جُنّةٌ لقائلهنّ من النار، ويأتين يوم القيامة مُنجيات لقائلهنّ ومقدّمات له، روى الحاكم في المستدرك، والنسائي في عمل اليوم والليلة، وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خُذوا جُنَّتَكم"، قلنا: يا رسول الله من عدو قد حضر! قال: "لا، بل جُنَّتُكم من النار، قولوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنَّهنّ يأتين يوم القيامة منجيات ومقدّمات، وهنّ الباقيات الصالحات". قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، وصححّه العلامة الألباني يرحمه الله.

وقد تضمّن هذا الحديث إضافة إلى ما تقدّم وصفَ هؤلاء الكلمات بأنَّهنَّ الباقيات الصالحات، وقد قال الله - تعالى -:{وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} والباقيات أي: التي يبقى ثوابُها، ويدوم جزاؤُها، وهذا خيرُ أمَلٍ يؤمِّله العبد وأفضل ثواب.

تاسعاً: ومن فضائلهنَّ: أنَّهنَّ يَنعَطِفْن حول عرش الرحمن ولهنّ دويٌّ كدويِّ النحل، يذكرن بصاحبهنَّ، ففي المسند للإمام أحمد، وسنن ابن ماجه، ومستدرك الحاكم عن النعمان بن بَشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ مما تذكرون من جلال الله التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد، يَنعَطِفْن حول العرش لهنّ دَوِيٌّ كدَوِيِّ النحل، تذكر بصاحبها، أما يحب أحدكم أن يكون له، أو لا يزال له من يذكر به". قال البوصيري في زوائد سنن ابن ماجه: إسناده صحيح، رجاله ثقات، وصحّحه الحاكم.

ص: 69

فأفاد هذا الحديث هذه الفضيلة العظيمة، وهي أنَّ هؤلاء الكلمات الأربع يَنعَطِفْن حول العرش أي: يَمِلن حوله، ولهنّ دَوِيٌّ كدَوِيِّ النحل؛ أي: صوتٌ يشبه صوتَ النحل يذكرن بقائلهنّ، وفي هذا أعظم حضٍّ على الذِّكر بهذه الألفاظ، ولهذا قال في الحديث:"ألا يحب أحدكم أن يكون له أو لا يزال له من يذكر به".

عاشراً: ومن فضائلهنَّ: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنَّهنّ ثقيلاتٌ في الميزان، روى النسائي في عمل اليوم والليلة، وابن حبان في صحيحه، والحاكم، وغيرهم عن أبي سلمى رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بَخٍ بَخٍ، - وأشار بيده بخمس - ما أثقلهنّ في الميزان: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والولدُ الصالح يُتوفى للمرء المسلم فيحتسبُه"، صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وللحديث شاهد من حديث ثوبان رضي الله عنه، خرّجه البزار في مسنده، وقال: إسناده حسن.

وقوله في الحديث: "بَخٍ بَخٍ" هي كلمة تُقال عند الإعجاب بالشيء وبيان تفضيله.

حادي عشر: ومن فضائل هؤلاء الكلمات: أنَّ للعبد بقول كلِّ واحدة منهنّ صدقة، روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه: أنَّ ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله ذهب أهل الدُّثور بالأجور، يصلّون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدّقون بفضولِ أموالهم". قال: "أوَ ليس قد جعل الله لكم ما تصدّقون؟ إنَّ بكلِّ تسبيحة صدقة، وكلِّ تكبيرة صدقة، وكلِّ تحميدة صدقة، وكلِّ تهليلةٍ صدقة، وأمرٍ بالمعروف صدقة، ونهيٍ عن منكرٍ صدقة، وفي بُضعِ أحدكم صدقة". قالوا: "يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوتَه ويكون له فيها أجرٌ؟ "قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزرٌ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ".

ص: 70

وقد ظنّ الفقراء أن لا صدقة إلا بالمال، وهم عاجزون عن ذلك، فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ جميع أنواع فعل المعروف والإحسان صدقةٌ، وذكر في مقدّمة ذلك هؤلاء الكلمات الأربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.

ثاني عشر: ومن فضائل هؤلاء الكلمات: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم جعلهنّ عن القرآن الكريم في حقِّ من لا يُحسنه، روى أبو داود، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم عن ابن أبي أوفى رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله إنِّي لا أستطيع أن أتعلّمَ القرآنَ، فعلِّمني شيئاً يُجزيني". قال: "تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله". فقال الأعرابي: هكذا - وقبض يديه - فقال: "هذا لله، فمَا لي؟ "قال: "تقول: اللهمّ اغفر لي وارْحمني وعافِني وارْزقني واهْدِني"، فأخذها الأعرابيُّ وقبض كفّيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أما هذا فقد مَلأَ يديه بالخير".

قال المحدّث أبو الطيّب العظيم آبادي في تعليقه على سنن الدارقطني: سنده صحيح. وقال الألباني يرحمه الله: سنده حسن.

ص: 71

فهذه بعض الفضائل الواردة في السنة النبوية لهؤلاء الكلمات الأربع، وقد ورد لكلِّ كلمة منهن فضائلُ مخصوصةٌ سيأتي تفاصيلها إن شاء الله، ومن يتأمل هذه الفضائل المتقدّمة يجد أنَّها عظيمةٌ جدًا، ودالّةٌ على عِظم قدرِ هؤلاء الكلمات، ورِفعة شأنهنّ وكثرة فوائدهنّ وعوائدهنّ على العبد المؤمن، ولعلّ السر في هذا الفضل العظيم - والله أعلم - ما ذُكر عن بعض أهل العلم أنَّ أسماء الله تبارك وتعالى كلَّها مندرجةٌ في هذه الكلمات الأربع، فسبحان الله يندرج تحته أسماءُ التنزيه كالقدّوس والسلام، والحمد لله مشتملة على إثبات أنواع الكمال لله - تبارك في أسمائه وصفاته -، والله أكبر فيها تكبير الله وتعظيمه، وأنَّه لا يُحصي أحدٌ الثناءَ عليه، ومن كان كذلك فـ (لا إله إلا هو) أي: لا معبود حق سواه.

فلله ما أعظمَ هؤلاء الكلمات، وما أجلَّ شأنهنَّ، وما أكبرَ الخير المترتّب عليهنّ، فنسأل الله أن يوفقنا للمحافظة والمداومة عليهنّ، وأن يجعلنا من أهلهنّ الَّذين ألسنتهم رطبةٌ بذلك، إنَّه وليّ ذلك والقادر.

المبحث الثاني:

لا إله إلَاّ الله، فضلها ومعناها وشروطها ونواقضها:

· المطلب الأول: فضائل لا إله إلَاّ الله

ص: 72

إنَّ كلمة التوحيد: لا إله إلاّ الله، هي أفضل هؤلاء الكلمات الأربع، وأجلّهنّ وأعظمهنّ؛ فلأجلها خُلقت الخليقةُ، وأُرسلت الرسلُ، وأُنزلت الكتبُ، وبها افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وسعداء أهل الجنة وأشقياء أهل النار، فهي العروة الوثقى، وهي كلمة التقوى، وهي أعظم أركان الدِّين وأهم شعب الإيمان، وهي سبيل الفوز بالجنة والنجاة من النار، وهي كلمة الشهادة، ومفتاح دار السعادة، وأصل الدين وأساسه ورأس أمره، وفضائل هذه الكلمة وموقعها من الدين فوق ما يصفُه الواصفون ويعرفه العارفون {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ وَالمَلَائِكَةُ وَأُولُو العِلْمِ قَائِماً بِالقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} .

ولهذا فإنَّ لهذه الكلمة الجليلة فضائلَ عظيمةً، وفواضلَ كريمةً، ومزاياً جمّةً، لا يُمكن لأحد استقصاؤها، ومما ورد في فضل هذه الكلمة في القرآن الكريم أنَّ الله تبارك وتعالى جعلها زبدةَ دعوة الرسل، وخلاصةَ رسالاتهم، قال الله - تعالى -:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} ، وقال - تعالى -:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (1) وقال - تعالى - في أول سورة النحل: {يُنَزِّلُ المَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَّشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاتَّقُونِ} (2) وهذه الآية هي أول ما عدّد الله على عباده من النعم في هذه السورة، فدلّ ذلك على أنَّ التوفيق لذلك هو أعظم نعم الله تعالى التي أسبغها على عباده كما قال - سبحانه -:{وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} (3) قال مجاهد: "لا إله إلا الله".

(1) ورة الأنبياء، الآية:(25) .

(2)

ورة النحل، الآية:(36) .

(3)

ورة النحل، الآية:(2) .

ص: 73

وقال سفيان بن عيينة: "ما أنعم الله على عبد من العباد نعمةً أعظم من أن عرَّفهم لا إله إلا الله".

ومن فضائلها: أنَّ الله وصفها في القرآن بأنَّها الكلمة الطيّبة، قال الله - تعالى -:{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حَينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} .

وهي القول الثابت في قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ} .

وهي العهد في قوله تعالى: {لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَاّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} ، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه قال:"العهد: شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرّأ إلى الله عز وجل من الحول والقوة، وهي رأس كلِّ تقوى".

ومن فضائلها: أنَّها العروة الوثقى التي من تمسّك بها نجا، ومن لم يتمسّك بها هلك، قال تعالى:{فَمَن يَّكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} ، وقال تعالى:{وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى} (1)

ومن فضائلها: أنَّها الكلمة الباقية التي جعلها إبراهيم الخليل عليه السلام في عقِبِه لعلهم يرجعون، قال الله - تعالى -:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَاّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} .

(1) ورة البقرة، الآية:(256) .

ص: 74

وهي كلمة التقوى التي ألزمها الله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا أحقَّ بها وأهلَها، قال الله - تعالى -:{إِذْ َجَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاِهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} .

روى أبو إسحاق السبيعي، عن عمرو بن ميمون قال: ما تكلّمَ الناس بشيء أفضل من لا إله إلا الله، فقال سعد بن عياض:"أتدري ما هي يا أبا عبد الله؟ هي والله كلمة التقوى ألزمها الله أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وكانوا أحقّ بها وأهلَها رضي الله عنهم".

ومن فضائل هذه الكلمة: أنَّها منتهى الصواب وغايته، قال الله تعالى:{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالمَلَائِكَةُ صَفاًّ لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً} .

روى علي بن طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى:{إِلَاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً} أنَّه قال: "إلا من أذنَ له الربّ عز وجل بشهادة أن لا إله إلا لله، وهي منتهى الصواب".

وقال عكرمة: "الصواب: لا إله إلا الله".

ومن فضائلها: أنَّها هي دعوة الحق المرادة بقوله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَاّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى المَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَآءُ الكَافِرِينَ إِلَاّ فِي ضَلَالٍ} .

ومن فضائلها: أنَّها هي الرابطة الحقيقية التي اجتمع عليها أهل دين الإسلام، فعليها يُوالون ويعادون، وبها يُحبّون ويُبغضون، وبسببها أصبح المجتمع المسلم كالجسد الواحد وكالبنيان المرصوص يَشُدُّ بعضها بعضاً.

ص: 75

قال الشيخ العلاّمة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في كتابه أضواء البيان: "والحاصل أنَّ الرابطة الحقيقية التي تَجمع المفترقَ وتؤلف المختلف هي رابطة لا إله إلا الله، ألا ترى أنَّ هذه الرابطة التي تجمع المجتمع الإسلامي كلَّه كأنَّه جسدٌ واحدٌ، وتجعله كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً، عطفت قلوب حملة العرش ومن حوله من الملائكة على بني آدم في الأرض مع ما بينهم من الاختلاف، قال تعالى:{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كَلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً، فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ} ، فقد أشار - تعالى - إلى أنَّ الرابطة التي ربطت بين حملة العرش ومن حوله وبين بني آدم في الأرض حتى دعوا الله لهم هذا الدعاء الصالح العظيم إنَّما هي الإيمان بالله - جلَّ وعلا -.

إلى أن قال رحمه الله: وبالجملة فلا خلاف بين المسلمين أنَّ الرابطة التي تربط أفراد أهل الأرض بعضهم ببعض وتربط بين أهل الأرض والسماء هي رابطة لا إله إلا الله، فلا يجوز ألبتة النداءُ برابطة غيرها" اهـ.

ومن فضائل هذه الكلمة: أنَّها أفضل الحسنات، قال الله - تعالى -:{مَن جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا} .

ص: 76

وقد ورد عن ابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وغيرهم: أنَّ المراد بالحسنة: "لا إله إلا الله"، وعن عكرمة رحمه الله في قول الله عز وجل:{مَن جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا} قال: "قول: لا إله إلا الله. قال: له منها خير؛ لأنَّه لا شيء خير من لا إله إلا الله".

وقد ثبت في المسند وغيره عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله عَلِّمني عملاً يُقرّبني من الجنة ويُباعدني من النار. فقال: "إذا عملتَ سيّئةً فاعمل حسنةً فإنَّها عشر أمثالها". قلت: يا رسول الله، أفَمِنَ الحسنات لا إله إلا الله؟ قال:"نعم هي أحسن الحسنات".

فهذه بعض فضائل هذه الكلمة العظيمة، من خلال ما ورد في القرآن الكريم، وفيما يلي ذكر لبعض فضائلها من خلال ما ورد من ذلك في سنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

فمن فضائلها: أنَّها أفضلُ الأعمال وأكثرُها تضعيفاً، وتَعدِلُ عِتقَ الرِّقاب، وتكون لقائلها حِرزًا من الشيطان، كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيء قديرٌ في يوم مائة مرّة كانت له عِدْل عشرِ رقاب، وكُتب له مائة حسنة، ومُحي عنه مائة سيّئة، ولم يأت أحدٌ بأفضل مما جاء به، إلا أحدٌ عملَ أكثرَ من ذلك".

وفيهما - أيضاً - عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قالها عشرَ مرات كان كمن أَعتقَ أربعة أنفس من وَلَدِ إسماعيل".

ص: 77

ومن فضائلها: أنَّها أفضل ما قاله النبيّون، لما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:"أفضل ما قلتُ أنا والنبيّون عشيةَ عَرَفَةَ: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيء قدير"، وفي لفظ:"خيرُ الدعاءِ دعاءُ يوم عرفة، وخيرُ ما قلته أنا والنبيُّون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيء قدير"(1)

ومن فضائلها: أنَّها ترجحُ بصحائف الذنوبِ يوم القيامة كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما المُخرَّج في المسند، وسنن النسائي، والترمذي، وغيرهما بإسناد جيّد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:"يُصاح برجل من أمّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامةِ، فيُنشرُ له تسعةٌ وتسعون سِجِلاً، كلُّ سِجِلٍّ منها مدّ البصر، ثم يقول الله تبارك وتعالى له: أَتُنكر من هذا شيئا؟ فيقول: لا يا ربّ. فيقول عز وجل: أَلَكَ عُذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا يا رب. فيقول عز وجل: بلى إنَّ لك عندنا حسنة، وإنَّه لا ظلم عليك، فتُخرجُ له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السِجِلَاّت؟ فيقول عز وجل: إنَّك لا تُظلم، قال: فتُوضَع السجلات في كِفَّة والبطاقة في كِفَّة، فطاشت السِجِلَاّت وثقُلت البطاقة".

(1) أخرجه الطبراني في الدعاء (رقم:874) من حديث علي رضي الله عنه.

ص: 78

ولا ريب أنَّ هذا قد قام بقلبه من الإيمان ما جعل بطاقته التي فيها لا إله إلا الله تطيش بتلك السِجلاّت، إذ الناس متفاضلون في الأعمال بحسب ما يقوم بقلوبهم من الإيمان، وإلا فكم من قائل لا إله إلا الله لا يحصل له مثل هذا لضعف إيمانه بها في قلبه، فقد ورد في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:"يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرةٍ من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برّة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير"، فدلّ ذلك على أنَّ أهل لا إله إلا الله متفاوتون فيها بحسب ما قام في قلوبهم من إيمان.

ومن فضائل هذه الكلمة: أنَّها لو وُزِنت بالسموات والأرض رجحت بهنّ كما في المسند عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"أنَّ نوحاً قال لابنه عند موته: آمُرُك بلا إله إلا الله، فإنَّ السموات السبع والأرضين السبع لو وُضعت في كفة، ووُضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهنّ لا إله إلا الله، ولو أنَّ السموات السبع في حلقة مبهمة لقصمتهنّ لا إله إلا الله".

ومن فضائلها: أنَّها ليس لها دون الله حجاب، بل تخرق الحُجب حتى تصل إلى الله عز وجل، ففي الترمذي بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:"ما قال عبدٌ لا إله إلا الله مخلصاً إلا فُتحت له أبواب السماء حتى تُفضي إلى العرش ما اجتَنَب الكبائر".

ومن فضائلها: أنَّها نجاةٌ لقائلها من النار، ففي صحيح مسلم: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سمع مؤذِّناً يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال:"خرج من النار"، وفي الصحيحين من حديث عِتبان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:"إنَّ الله حرّم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله"(1)

(1) صحيح مسلم (رقم:382) .

ص: 79

ومن فضائل هذه الكلمة: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم جعلها أفضل شُعب الإيمان، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق".

ومن فضائلها: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنَّها أفضلُ الذِّكر كما في الترمذي وغيره من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أفضل الذِّكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله".

ومن فضائلها: أنَّ من قالها خالصاً من قلبه يكون أسعد الناس بشفاعة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، كما في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه قال: قيل: يا رسول الله من أَسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أول منك لما رأيت من حِرصك على الحديث، أَسعدُ الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه".

ص: 80

أحاديث القراءة في صلاة الفجر جمعا ودراسة

إعداد

د. إبراهيم بن علي العبيد

الأستاذ المشارك في كلية الحديث والدراسات الإسلامية

المقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (1) .

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} (2) .

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} (3) .

أما بعد:

فهذا بحث متواضع في القراءة في صلاة الفجر جمعت فيه الأحاديث الواردة في القراءة في صلاة الفجر وسميته:

"أحاديث القراءة في صلاة الفجر جمعاً ودراسة"

وقسمته إلى مقدمة وثلاثة مباحث هي:

المبحث الأول: أحاديث القراءة في صلاة الفجر.

المبحث الثاني: أحاديث القراءة في صلاة الفجر يوم الجمعة.

المبحث الثالث: أحاديث القراءة في الصلاة غير مقيدة بالفجر ولا غيرها.

وخاتمة اشتملت على أهم النتائج في هذا البحث.

(1) آل عمران، الآية (102) .

(2)

النساء، الآية (1) .

(3)

الأحزاب، الآية (70، 71) .

ص: 81

وقد جمعت مادة هذا البحث من كتب السنة من مضانها مع تخريجها والحكم عليها بناءً على قواعد المحدثين، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما فإني أكتفي بالعزو إلى من أخرجه من أصحاب الكتب الستة دون غيرهم فإن لم يكن في الصحيحين أو أحدهما فإني أجتهد في تخريجه من دواوين السنة الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم وكتب الزوائد وغيرها.

- أرتب الأحاديث في كل مبحث على حسب درجتها الصحيحة فالحسنة فالضعيفة مالم يكن له شاهد من الأحاديث الصحيحة أو الحسنة فإني أجعله عقبه للعلاقة بينهما.

- إذا صح الحديث من أحد طرقه فإني لا ألتزم الحكم على جميع طرق الحديث اكتفاءً بصحته.

- أنقل أقوال أهل العلم في الحكم على الحديث إن وجدت.

-إذا كان ضعف الحديث ظاهراً فإني لا أستطرد في الكلام عليه.

-أترجم للرواة الذين تدعو الحاجة إلى الترجمة لهم -كمن يدور عليه الحكم على الحديث- من كتاب الكاشف للحافظ الذهبي والتقريب للحافظ ابن حجر مالم أخالفهما بناءً على كلام حفاظ آخرين فإني أبين ذلك.

- إذا لم يكن الراوي من رجال التقريب والكاشف فإني أترجم له من كتب الجرح والتعديل الأخرى.

- أبين الغريب الذي يحتاج إلى بيان من كتب الغريب واللغة.

- عمل الفهارس العلمية.

- فهرس المصادر والمراجع.

- فهرس المواضيع.

هذا وقد بذلت جهدي في إخراج هذا البحث فما كان فيه من صواب فمن توفيق الله عز وجل وما كان فيه من خطأ فأسأل الله العفو والتوفيق للصواب إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المبحث الأول: الأحاديث الواردة في القراءة في صلاة الفجر

[1]

الحديث الأول:

عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر مابين الستين إلى المائة آية".

أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من طرق عن أبي المنهال عن أبي برزة به.

[2]

الحديث الثاني:

ص: 82

عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: "شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي"قال: "طوفي من وراء الناس وأنت راكبة" فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جنب البيت يقرأ ب {وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} " (1) .

أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن محمد بن عبد الرحمن والنسائي عن أبي الأسود وابن ماجه عن محمد بن عبد الرحمن كلاهما عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة به.

وفي لفظ للبخاري من طريق هشام عن عروة عن أم سلمة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون، ففعلت ذلك فلم تصل حتى خرجت".

فبين هشام في هذه الرواية عن عروة أن الصلاة كانت صلاة الصبح.

وفي رواية لابن خزيمة أنها صلاة العشاء من طريق ابن وهب عن مالك وابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير عن زينب عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: "

فسمعته يقرأ في العشاء الآخرة وهو يصلي بالناس {وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} ".

لكن بين الحافظ ابن حجر أن هذه الرواية شاذة لما ذكر رواية البخاري التي ليس فيها ذكر الصبح فقال: لكن تبين ذلك -أي أن الصلاة صلاة الصبح- من رواية أخرى أوردها بعد ستة أبواب من طريق يحي بن أبي زكريا الغساني عن هشام بن عروة عن أبيه ولفظه فقال: "إذا أقيمت الصلاة للصبح فطوفي

".

وهكذا أخرجه الإسماعيلي من رواية حسان بن إبراهيم عن هشام.

(1) الطور آية (1) .

ص: 83

وأما ما أخرجه ابن خزيمة من طريق ابن وهب عن مالك وابن لهيعة جميعاً عن أبي الأسود في هذا الحديث قال فيه: "قالت وهو يقرأ في العشاء الآخرة"فشاذ وأظن سياقه لفظ ابن لهيعة لأن ابن وهب رواه في الموطأ عن مالك فلم يعين الصلاة كما رواه أصحاب مالك كلهم أخرجه الدارقطني في الموطأت له من طرق كثيرة عن مالك، منها رواية ابن وهب المذكورة، وإذا تقرر ذلك فابن لهيعة لا يحتج به إذا أنفرد فكيف إذا خالف. وعرف بهذا اندفاع الإعتراض الذي حكاه ابن التين عن بعض المالكية حيث أنكر أن تكون الصلاة المذكورة صلاة الصبح فقال:"ليس في الحديث بيانها، والأولى أن تحمل على النافلة لأن الطواف يمتنع إذا كان الإمام في صلاة الفريضة"انتهى. وهو رد للحديث الصحيح بغير حجة ا-هـ.

[3]

الحديث الثالث:

عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين يطول في الأولى ويقصر في الثانية ويسمع الآية أحياناً وكان يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب وسورتين وكان يطول في الأولى وكان يطول في الركعة الأولى من صلاة الصبح ويقصر في الثانية".

أخرجه البخاري واللفظ له ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من طرق عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه به.

وعند أبي داود في موضع وابن ماجه عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة وأبي سلمة عن أبي قتادة به.

زاد أبو داود وعبد الرزاق وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي كلهم عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: "فظننا أنه يريد بذلك أن يتدارك الناس الركعة الأولى"وسنده صحيح.

ولفظ ابن خزيمة "فكنا نرى أنه بفعل ذلك ليتأدى الناس".

[4]

الحديث الرابع:

عن قطبة بن مالك رضي الله عنه قال: "صليت وصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ:

ص: 84

{ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} (1) حتى قرأ {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ} (2) قال: فجعلت أرددها ولا أدري ما قال".

أخرجه مسلم عن أبي عوانة وابن عيينة وشعبة، والترمذي عن مسعر وسفيان، والنسائي عن شعبة، وابن ماجه عن شريك وسفيان بن عيينة كلهم عن زياد بن عِلَاقة عن قطبة بن مالك به.

وفي لفظ لمسلم: "سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر: {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ} ".

وفي لفظ لمسلم أيضاً: "فقرأ في أول ركعة {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ} وربما قال: (ق) ".

وفي لفظ للنسائي: "فقرأ في إحدى الركعتين {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ} قال شعبة: فلقيته في السوق في الزحام فقال: (ق) ".

[5]

الحديث الخامس:

عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يقرأ في الفجر بـ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} وكانت صلاته بعد تخفيفاً".

وفي لفظ عن سماك قال: "سألت جابر بن سمرة عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم؟ "فقال: "كان يخفف الصلاة ولا يصلي صلاة هؤلاء قال: وأنبأني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بـ {ق وَالْقُرْآنِ} ونحوها".

أخرجه مسلم عن زائدة باللفظ الأول وعن زهير باللفظ الثاني كلاهما عن سماك ابن حرب عن جابر به.

وخالفهما إسرائيل فرواه عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة فذكر الواقعة ولفظه "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الصلوات كنحو من صلاتكم التي تصلون اليوم، ولكنه كان يخفف، كانت صلاته أخف من صلاتكم، وكان يقرأ في الفجر الواقعة ونحوها من السور".

أخرجه أحمد واللفظ له، وعبد الرزاق، وابن خزيمة، وابن حبان، والطبراني، والحاكم. وصححه الحافظ ابن حجر.

وتابعه سفيان الثوري عن سماك بذكر الواقعة.

أخرجه البيهقي.

(1) ق، آية (1) .

(2)

ق، آية (10) .

ص: 85

قال البيهقي عقب ذكر رواية زهير وزائدة: "ورواه الثوري وإسرائيل عن سماك وقالا في الحديث: "بالواقعة ونحوها من السور".

وأخرجه الطبراني عن إسرائيل عن سماك بذكر "ق"كرواية زهير وزائدة وظاهر سنده أنه حسن.

وفيه اختلاف آخر فقد أخرجه الطبراني عن علي بن سعيد الرازي قال: حدثنا عبد الله بن عمران الأصبهاني قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال: حدثنا شعبة وأيوب بن جابر عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصبح بـ "ياسين".

قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".

وفي هذا نظر فإن شيخ الطبراني وعبد الله بن عمران وأيوب ليسوا من رجال الصحيح ثم إن هذا الطريق يخشى فيه من علي بن سعيد شيخ الطبراني فإنه حدث بأحاديث لم يتابع عليها كما قاله الدارقطني ولعل هذا منها كيف وقد خالف غيره فإن الحديث بذكر (ق) أو الواقعة لا ياسين.

قال الطبراني عقب هذا الحديث: "لم يرو هذا الحديث عن سماك إلا شعبة وأيوب بن جابر ولا رواه عنهما إلا أبو داود تفرد به عبد الله بن عمران".

قال الحافظ ابن حجر بعد ذكره لهذا الطريق بذكر (يس) : "هكذا وقع في هذه الرواية وقد أخرجه مسلم من وجه آخر عن شعبة بهذا السند بلفظ:

"كان يقرأ في الظهر بسبح وفي الصبح أطول من ذلك".

فلعل بعض الرواة حمل حديث أيوب بن جابر على حديث شعبة وأيوب ابن جابر ضعيف".أ. هـ

ورواه أبو عوانة عن سماك عن رجل من أهل المدينة أنه صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم فسمعه يقرأ في صلاة الفجر {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} و {يَس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} .

أخرجه أحمد عن يونس عن أبي عوانة به.

قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".

وأبو عوانة خالف غيره في ذكر الجمع بين السورتين "ق"و "يس".

[6]

الحديث السادس:

ص: 86

عن عبد الله بن السائب رضي الله عنه قال: "صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الصبح بمكة فاستفتح سورة المؤمنين حتى جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى (محمد بن عباد يشك أو اختلفوا عليه) أخذت النبي صلى الله عليه وسلم سعلة، فركع"وعبد الله بن السائب حاضر ذلك.

أخرجه مسلم واللفظ له عن حجاج بن محمد وعبد الرزاق، وأبو داود عن عبد الرزاق وأبو عاصم كلهم عن ابن جريج قال:"سمعت محمد بن عباد بن جعفر يقول أخبرني أبو سلمة بن سفيان وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن المسيب العابدي عن عبد الله بن السائب به".

وأخرجه النسائي من طريق خالد قال حدثنا ابن جريج قال: أخبرني محمد بن عباد حديثاً رفعه إلى أبي سفيان عن عبد الله بن السائب بنحوه.

وأخرجه ابن ماجه من طريق سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن السائب بنحوه.

قال مسلم: وفي حديث عبد الرزاق: فحذف فركع وفي حديثه وعبد الله ابن عمرو ولم يقل ابن العاص.

وهكذا أيضاً عند أبي داود ليس فيه ابن العاص.

قال النووي: "قال الحفاظ: قوله ابن العاص غلط والصواب حذفه ليس هذا عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي بل هو عبد الله بن عمرو الحجازي كذا ذكره البخاري في تاريخه وابن أبي حاتم وخلائق من الحفاظ المتقدمين والمتأخرين" ا-هـ.

وقال الحافظ: "وقوله ابن عمرو بن العاص وهم من بعض أصحاب ابن جريج وقد رويناه في مصنف عبد الرزاق فقال: عبد الله بن عمرو القارئ وهو الصواب" ا-هـ.

وأخرج البخاري هذا الحديث تعليقاً فقال: "ويُذكر عن عبد الله بن السائب

"فذكره.

قال الحافظ: "واختلف في إسناده على ابن جريج فقال ابن عيينة: عنه عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن السائب، أخرجه ابن ماجه.

وقال: أبو عاصم عنه عن محمد بن عباد عن أبي سلمة بن سفيان -أو سفيان بن أبي سلمة- وكأن البخاري علقه بصيغة "يذكر"لهذا الاختلاف مع أن إسناده مما تقوم به الحجة". ا-هـ

[7]

الحديث السابع:

ص: 87

عن عمرو بن حريث رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} (1) .

أخرجه مسلم واللفظ له والنسائي عن الوليد بن سريع وأبو داود وابن ماجه عن أصبغ مولى عمرو بن حريث كلاهما عن عمرو بن حريث به مرفوعاً.

ولفظ أبي داود وابن ماجه {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} .

ولفظ النسائي {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} .

[8]

الحديث الثامن:

عن معاذ بن عبد الله الجهني أن رجلاً من جهينة أخبره أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح {إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْض} (2) في الركعتين كلتيهما فلا أدري أنسي رسول الله صلى الله عليه وسلم أم قرأ ذلك عمداً.

أخرجه أبو داود والبيهقي.

من طريق عمرو بن الحارث عن ابن أبي هلال عن معاذ بن عبد الله الجهني به بإسناد حسن.

وقال النووي: "رواه أبو داود بإسناد صحيح".

وقال الحافظ ابن حجر: "ورواته موثقون".

[9]

الحديث التاسع:

عن شبيب أبي روح عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه صلى صلاة الصبح فقرأ الروم فالتبس عليه فلما صلى قال: "ما بال أقوامٍ يصلون معنا لا يحسنون الطهور فإنما يلبس علينا القرآن أولئك".

أخرجه النسائي عن سفيان، وأحمد عن شعبة وزائدة وسفيان، وعبد الرزاق عن الثوري، وابن أبي عاصم والبزار، والطبراني، وأبو نعيم عن شعبة كلهم عن عبد الملك بن عمير عن شبيب به، إلا عند ابن أبي عاصم والبزار والطبراني وأبي نعيم سمى الصحابي بالأعز.

قال الهيثمي: "رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات".

وسند هذا الحديث حسن فإن مداره على عبد الملك بن عمير وقد اختلف فيه، فضعفه الإمام أحمد جداً وقال:"مضطرب الحديث جداً مع قلة روايته ما أرى له خمس مائة حديث وقد غلط في كثير منها".

وقال ابن معين: "مخلط".

(1) التكوير، آية (17) .

(2)

الزلزلة، آية (1) .

ص: 88

وقال أبو حاتم: "ليس بحافظ هو صالح تغير حفظه قبل موته".

وقال ابن معين: "ثقة إلا أنه أخطأ في حديث أو حديثين".

وقال ابن نمير: "كان ثقة ثبتاً في الحديث".

وقال العجلي: "صالح الحديث". وقال مرة: "ثقة".

وقال النسائي: "ليس به بأس".

وقال عبد الرحمن بن مهدي: "كان سفيان الثوري يعجب من حفظ عبد الملك".

وقال الحافظ ابن حجر: "ثقة فصيح عالم تغير حفظه وربما دلس".

وقال أيضاً: "أحتج به الجماعة وأخرج له الشيخان من رواية القدماء عنه في الاحتجاج، ومن رواية بعض المتأخرين عنه في المتابعات وإنما عيب عليه أنه تغير حفظه لكبر سنه لأنه عاش مائة وثلاث سنين ولم يذكره ابن عدي في الكامل ولا ابن حبان".

وقال الحافظ ابن حجر أيضاً: "هذا حديث حسن أخرجه أحمد عن محمد بن جعفر عن شعبة بهذا السند لكن لم يسم الصحابي قال عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرجه أحمد أيضاً والنسائي من رواية سفيان الثوري عن عبد الملك كذلك.

وشبيب ثقة عده بعضهم في الصحابة غلطاً وسائر رجاله من رجال الصحيح وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان ربما قرأ في الصبح من غير المفصل".أ. هـ.

وأخرج أحمد هذا الحديث من طريق شريك عن عبد الملك بن عمير عن أبي روح الكلاعي قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره.

وفي سنده شريك وخالف غيره فلم يذكر الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بل جعله عن أبي روح مرفوعاً.

وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن عبد الملك عن النبي صلى الله عليه وسلم وزاد "في الفجر يوم الجمعة"لكن معمراً خالف غيره أيضاً فلم يذكر شبيباً ولا صاحب الحديث.

تنبيه:

ذكر ابن أبي عاصم هذا الحديث في ترجمة الأغر غير منسوب وقال: "لا أدري المزني أو جهني أو غيره".

وذكره الطبراني ضمن حديث الأغر المزني.

وذكره أبو نعيم غير منسوب عقب ترجمة الأغر المزني وقال: "ذكره بعض الناس وزعم أنه غير الأول وهما واحد".

وسماه البزار: "الأغر المزني".

ص: 89

قال الحافظ: "ولكن أدخل الطبراني حديثه هذا في أحاديث الأغر المزني وتبعه أبو نعيم وممن غاير بينهما البغوي فأورد حديثه عن زياد ابن يحيى عن مؤمل بسنده وقال فيه: عن الأغر رجل من بني غفار ورواه البزار في مسنده عن زياد بن يحيى بهذا الإسناد فوقع عنده عن الأغر المزني وهو خطأ والله أعلم".أ. هـ

[10]

الحديث العاشر:

عن سليمان بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: "ما رأيت رجلاً أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من فلان لإمام كان بالمدينة قال سليمان بن يسار: فصليت خلفه فكان يطيل الأوليين من الظهر ويخفف الأخريين ويخفف العصر ويقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصل ويقرأ في الأوليين من العشاء من وسط المفصل ويقرأ في الغداة بطوال المفصل".

أخرجه النسائي عن عبد الله بن الحارث، وابن ماجه مختصراً، وأحمد واللفظ له، وابن خزيمة عن أبي بكر الحنفي، والطحاوي مختصراً عن زيد بن الحباب والمغيرة بن عبد الرحمن المخزومي، وابن حبان، والبيهقي عن أبي بكر الحنفي كلهم عن الضحاك بن عثمان قال: حدثني بكير بن عبد الله الأشج قال: حدثنا سليمان بن يسار به.

وحسنه النووي وهو كما قال فإن مداره على الضحاك ابن عثمان تكلم فيه ووثقه غير واحد وحديثه حسن.

قال أبو زرعة: "ليس بقوي"، وقال أبو حاتم:"يكتب حديثه ولا يحتج به وهو صدوق"، وقال يعقوب بن شيبة:"صدوق في حديثه ضعف".

ووثقه أحمد وابن معين وأبو داود وابن بكير وغيرهم.

وقال الذهبي في المغني: "لينه ابن القطان وقال في كتابه من تكلم فيه وهو موثق: صدوق".

وصحح الحديث ابن رجب، وابن عبد الهادي، والحافظ ابن حجر وقال:"هذا حديث صحيح من حديث أبي هريرة والمرفوع منه تشبيه أبي هريرة صلاة الأمير المذكور بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وماعدا ذلك موقوف إن كان الأمير المذكور صحابياً أو مقطوع إن لم يكن".

ص: 90

وقال أيضاً: "فلم يصب من اختصره فإن أبا هريرة لم يتلفظ بقوله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بقصار المفصل إنما تلفظ بالتشبيه وهو لا يستلزم المساواة في جميع صفات الصلاة والله أعلم".

وزاد أحمد والبيهقي في هذا الحديث.

قال الضحاك: وحدثني من سمع أنس بن مالك يقول: "ما رأيت أحداً أشبه صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى يعني عمر بن عبد العزيز"قال الضحاك: "فصليت خلف عمر بن عبد العزيز وكان يصنع مثل ما قال سليمان بن يسار".

لكن هذا الطريق فيه رجل مبهم.

قال الحافظ: "وأما حديث أنس ففي سنده مبهم يمنع من الحكم بصحته والمرفوع منه أيضاً التشبيه وما عداه مقطوع".

وقال ابن رجب عقب رواية أحمد: "وخرج ابن سعد وغيره حديث أنس عن ابن أبي فديك عن الضحاك قال: حدثني يحيى بن سعيد أو شريك بن أبي نمر لا يدري أيهما حدثه عن أنس فذكر الحديث.

والفتى هو عمر بن عبد العزيز كذا قال ابن أبي فديك عن الضحاك بالشك.

ورواه الواقدي عن الضحاك عن شريك من غير شك فهذا حديث صحيح عن أبي هريرة وأنس

" أ. هـ

[11]

الحديث الحادي عشر:

عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المعوذتين قال عقبة:

"فأمّنا بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر". أخرجه النسائي، وابن أبي شيبة، وأبو يعلي،وابن خزيمة، وابن حبان والحاكم، والبيهقي كلهم من طريق سفيان عن معاوية بن صالح عن عبد الرحمن ابن جبير بن نفير عن أبيه عن عقبة بن عامر به ورجال إسناده ثقات غير معاوية وحديثه حسن بالجملة.

قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقد تفرد به أبو أسامة عن الثوري وأبو أسامة ثقة معتمد".

لكن هذا الطريق اختلف فيه على معاوية بن صالح فرواه عنه سفيان عن عبد الرحمن ابن جبير عن أبيه عن عقبة به كما سلف.

ص: 91

ورواه ابن وهب وعبد الرحمن بن مهدي وزيد بن الحباب عنه عن العلاء بن الحارث عن القاسم بن عبد الرحمن عن عقبة بن عامر بنحوه مرفوعاً وزادوا أن ذلك كان في السفر.

أخرجه أبو داود، والنسائي عن ابن وهب، وأحمد عن ابن مهدي، وابن خزيمة عن ابن مهدي وزيد بن الحباب، والحاكم عن ابن مهدي، والبيهقي عن ابن وهب كلهم عن العلاء بن الحارث به.

قال البيهقي: "كذا قال العلاء بن كثير". وقال ابن وهب: "عن معاوية عن العلاء ابن الحارث وهو أصح".أ. هـ.

ورواه عبد الرحمن بن مهدي عنه عن العلاء بن الحارث عن مكحول عن عقبة بنحوه.

أخرجه النسائي عن محمد بن بشار عن عبد الرحمن بن مهدي به. ورواية ابن وهب وعبد الرحمن بن مهدي ومن تابعهما أرجح.

وهذا الحديث له طرق أخرى غير طريق معاوية بن صالح وهي:

الأول: من طريق الوليد بن مسلم حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن القاسم أبي عبد الرحمن عن عقبة بن عامر قال: "بينا أقود برسول الله صلى الله عليه وسلم في نقب من تلك النقاب إذ قال: "ألا تركب يا عقبة" فأجللت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أركب مركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "ألا تركب يا عقبة"فأشفقت أن يكون معصية فنزل وركبت هنيهة ونزلت وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "ألا أعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس" فأقرأني {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} فأقيمت الصلاة فتقدم فقرأ بهما ثم مر بي فقال: "كيف رأيت يا عقبة بن عامر إقرأ بهما كلما نمت وقمت".

أخرجه النسائي، وأحمد، وأبو يعلي وابن خزيمة.

ورجال إسناده ثقات والوليد بن مسلم صرح بالتحديث عن شيخه عند من خرجه وعن شيخ شيخه عند ابن خزيمة وتابعه ابن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن القاسم عن عقبة بنحوه لكنه مختصر.

أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة.

ص: 92

الطريق الثاني: من طريق محمد بن إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن عقبة بن عامر بنحو وفيه قال: "وسمعته يؤمنا بهما في الصلاة"لم يذكر أنها الفجر وذكر أنه في السفر.

أخرجه أبو داود والبيهقي وفيه عنعنة ابن إسحاق.

الطريق الثالث: من طريق هشام بن الغاز عن سليمان بن موسى عن عقبة بن عامر الجهني قال: "كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فلما طلع الفجر أذن وأقام ثم أقامني عن يمينه فقرأ بالمعوذتين فلما انصرف قال: "كيف رأيت؟ " قلت: "قد رأيت يا رسول الله"قال: "فاقرأ بهما كلما نمت وكلما قمت".

أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع عن هشام به.

قال البخاري: "سليمان لم يدرك أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم".

وبالجملة فهذا الحديث بمجموع هذه الطرق يتقوى وأصله في مسلم بذكر فضل المعوذتين دون ذكر القراءة بهما في الصلاة من طريق قيس بن أبي حازم عن عقبة مرفوعاً.

[12]

الحديث الثاني عشر:

عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال: "إن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الصبح {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الفلق: جهنم".

أخرجه أبو يعلى من طريق مغلس الخراساني عن أيوب بن يزيد عن أبي رزين عن عمرو بن عبسة به وسنده ضعيف.

[13]

الحديث الثالث عشر:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قدمت المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فوجدت رجلاً من بني غفار يؤم الناس في صلاة فقرأ في الركعة الأولى سورة مريم وفي الثانية {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} أحسبه قال: في صلاة الفجر".

أخرجه البزار من طريق عثمان بن أبي سليمان عن عراك بن مالك عن أبي هريرة به وسنده صحيح.

قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".

ص: 93

تابع لأحاديث القراءة في صلاة الفجر جمعا ودراسة

[14]

الحديث الرابع عشر:

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالتخفيف ويؤمنا بالصافات".

أخرجه النسائي، وأحمد، وأبو يعلي، وابن خزيمة، وابن حبان والطبراني، والبيهقي من طرق عن ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر به.

وسنده حسن فإن مداره على الحارث هذا وحديثه في مرتبة الحسن والله أعلم.

زاد أبو يعلي عن يزيد بن هارون، وابن حبان عن يزيد بن هارون وشبابة كلاهما عن ابن أبي ذئب به "في صلاة الفجر"وسنده حسن وهذه زيادة ثقة والزيادة من الثقة مقبولة.

وأخرجه الطيالسي من طريق ابن أبي ذئب عن الزهري أو غيره عن سالم-شك أبو داود- عن ابن عمر به وزاد "في الصبح".

وهذه متابعة للحارث بن عبد الرحمن إلا إن كان الغير هو الحارث ابن عبد الرحمن فيعود هذا الطريق إلى الطريق الأول.

[15]

الحديث الخامس عشر:

عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: "ما أخذت {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيد} إلا من وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بها في الصبح".

هذا الحديث مروي من طريقين عن أم هشام بنت حارثة.

الأول: من طريق عبد الرحمن بن أبي الرجّال عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن أم هشام به.

أخرجه النسائي وأحمد.

لكن هذا الطريق مداره على عبد الرحمن بن أبي الرجّال وهو مع ما قيل فيه من كلام وأنه يخطئ فقد خالفه يحيى بن أيوب وسليمان بن بلال روياه عن يحيى بن سعيد عن عمره عن أخت لعمرة بنت عبد الرحمن قالت: "أخذنا {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} من في رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة"فلم يذكرا الصبح.

أخرجه مسلم وأبو داود وقال عقب طريق سليمان بن بلال: "كذا رواه يحيى بن أيوب وابن أبي الرجال عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان".

ص: 94

وهذا يفهم منه أن رواية عبد الرحمن بن أبي الرجال مثل رواية سليمان بن بلال ويحيى بن أيوب والله أعلم.

الطريق الثاني: من طريق عبد الله بن نمير عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن أم هشام بنت حارثة قالت: "حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم (ق) في صلاة الصبح".

أخرجه الطبراني.

وهذا الطريق معلول من أوجه:

الأول: أن هذا الطريق أختلف فيه على ابن إسحاق في سنده ومتنه.

أما المتن فرواه عبد الله بن نمير عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن أم هشام بنت حارثة فذكر صلاة الصبح.

ورواه عبد الله بن نمير وإبراهيم بن سعد وجرير عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن أم هشام بنت الحارث فذكرت الجمعة.

وعبد الله بن نمير وافق رواية إبراهيم وجرير في ذكر الجمعة.

أخرجه مسلم عن إبراهيم بن سعد وابن أبي شيبة وابن سعد عن عبد الله ابن نمير وأبو يعلي عن جرير بن عبد الحميد كلهم عن ابن إسحاق به وصرح ابن إسحاق بالتحديث كما عند مسلم.

ورواه الأوزاعي عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن أم هشام بذكر الجمعة وهذه متابعة لعبد الله بن أبي بكر، أخرجها الطبراني.

أما الاختلاف في السند فعبد الله بن نمير يرويه عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الرحمن بن سعد بن زراره عن أم هشام.

ورواه ابن نمير وإبراهيم بن سعد وجرير عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن أم هشام فهؤلاء الثلاثة عن ابن إسحاق قالوا يحيى بن عبد الله وابن نمير عن ابن إسحاق قال عبد الرحمن بن سعد بن زرارة.

الثاني: أن هذا الطريق فيه عنعنة ابن إسحاق وهو مدلس.

أما الطريق الأخرى التي فيها ذكر الجمعة صرح فيها ابن إسحاق بالتحديث كما عند مسلم.

ص: 95

الثالث: أن هذا الطريق فيه عبد الرحمن بن سعد بن زرارة لم أجد له ترجمة.

الرابع: أن الطبراني ساق هذا الطريق مرة ثانية عقبه ولم يذكر الصبح بل ذكر الجمعة.

والحاصل أن في ثبوت هذا الحديث نظرًا وأن الأظهر أنه يقرأ بها في خطبة الجمعة ومما يؤيد هذا أنه ورد من طريقين آخرين عن أم هشام بذكر الجمعة ولم يذكر فيها الصبح وهما:

الطريق الأول عن عبد الله بن محمد بن معن عن أم هشام.

أخرجه مسلم وأبو داود.

والطريق الثاني عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة.

أخرجه النسائي، وأحمد، والطبراني.

[16]

الحديث السادس عشر:

عن أبي برزة رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الصبح بـ {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً} ".

أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق عن أبي برزة به.

ورجال إسناده ثقات لكني لم أر أحداً ذكر أن أبا إسحاق يروي عن أبي برزة مع أنه أدركه. وقال الحافظ أبو بكر البرديجي: سمع أبو إسحاق من الصحابة من البراء وزيد ابن أرقم وأبي جحيفة وسليمان بن صرد والنعمان بن بشير على خلاف فيهما وعمرو بن شرحبيل وروى عن جابر بن سمرة ولا يصح سماعه منه وقد رأى علي بن أبي طالب ومعاوية وعبد الله بن عمر وجالس رافع بن خديج.

فلم يذكر أنه سمع من أبي برزة والله أعلم.

[17]

الحديث السابع عشر:

عن رفاعة الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقرأ في الصبح بدون عشرين آية ولا يقرأ في العشاء بدون عشر آيات".

أخرجه الطبراني قال: حدثنا المقدام بن داود ثنا أسد بن موسى عن ابن لهيعة ثنا عبيد الله بن أبي جعفر عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن خلاد بن السائب عن رفاعة به وسنده ضعيف لضعف المقدام ابن داود وابن لهيعة.

وأعله الهيثمي بابن لهيعة فقط فقال: "وفيه ابن لهيعة واختلف في الاحتجاج به".

ص: 96

وذكره ابن رجب وعزاه لأبي الشيخ الأصبهاني وقال: "غريب"لكنه قال: "وروى ابن لهيعة عن ابن أبي جعفر عن خالد بن السائب عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره".

لكن هذا الإسناد الظاهر أنه تصحف خلاد إلى خالد ورفاعة إلى أبي قتادة والله أعلم.

[18]

الحديث الثامن عشر:

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه في سفر صلاة الفجر فقرأ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وقال: "قرأت بكم ثلث القرآن وربعه".

أخرجه عبد بن حميد من طريق مندل بن علي عن جعفر بن أبي جعفر الأشجعي عن أبيه عن ابن عمر به وسنده ضعيف لضعف مندل وجعفر ابن أبي جعفر.

قال الحافظ ابن حجر: "ورجاله ثقات إلا مندل بن علي ففيه ضعف وكأنه وهم في قوله بهم فإن الثابت أنه كان يقرأ بهما في ركعتي الفجر".

وأخرجه ابن عدي من طريق غسان بن الربيع عن جعفر بن ميسره به.

في سنده جعفر وأبوه كما تقدم.

وعزاه الهيثمي للطبراني وقال: "وفيه جعفر بن أبي جعفر وقد أجمعوا على ضعفه".

[19]

الحديث التاسع عشر:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم الفجر فقرأ بهم بأقصر سورتين من القرآن أو أوجز قال: فلما قضى الصلاة قال له أبو سعيد الخدري أو معاذ بن جبل رضي الله عنه: يا رسول الله رأيتك صليت صلاة ما رأيتك صليت مثلها قط قال صلى الله عليه وسلم: "أو ما سمعت بكاء الصبي خلفي في صف النساء أردت أن أفرغ له أمه".

أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد كلهم من طريق أبي هارون عن أبي سعيد به.

وسنده ضعيف جداً لضعف أبي هارون العبدي.

قال الحافظ ابن حجر: "هذا حديث غريب أخرجه أبو نعيم الفضل ابن دكين شيخ البخاري في كتاب الصلاة له هكذا".

[20]

الحديث العشرون:

عن أبي أيوب رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الصبح: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْك} ".

ص: 97

أخرجه الحارث من طريق حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي أيوب به.

وفي سنده الواقدي وهو متروك كما قاله غير واحد.

[21]

الحديث الحادي والعشرون:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ في الصبح بـ {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} و {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} ".

أخرجه الحارث من طريق عطاء بن يسار عن ابن عباس به.

وفي سنده الواقدي وهو متروك كما قاله غير واحد.

وقال الهيثمي: "رواه الطبراني في الكبير وفيه ابن لهيعة وفيه كلام".

المبحث الثاني: الأحاديث الواردة في القراءة في صلاة الفجر يوم الجمعة.

[22]

الحديث الأول:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الجمعة في صلاة الفجر: {الم تَنْزِيلُ} السجدة و {هَلْ أَتَى عَلَى الإِِنْسَان} ".

أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه كلهم من طريق سعد ابن إبراهيم عن الأعرج عن أبي هريرة به.

وفي لفظ لمسلم "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصبح يوم الجمعة بـ {الم تَنْزِيل} في الركعة الأولى وفي الثانية {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً} "

[23]

الحديث الثاني:

عن ابن عباس رضي الله عنهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة سورة {الم تَنْزِيل} السجدة و {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً} وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين".

أخرجه مسلم واللفظ له، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه كلهم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس به إلا القراءة في الجمعة فلمسلم وأبي داود فقط.

[24]

الحديث الثالث:

ص: 98

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة: {الم تَنْزِيلُ} و {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ} ".

أخرجه ابن ماجه عن عمرو بن أبي قيس، والبزار عن عمران ابن عيينة، والطبراني عن مسعر بن كدام كلهم عن أبي فروة عن أبي الأحوص عن ابن مسعود به.

وأخرجه الطبراني من طريق أبي إسحاق الهمداني عن أبي الأحوص به وزاد "يديم ذلك".

قال البوصيري: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.

وقال الحافظ بعد ذكر رواية الطبراني هذه: "وأصله في ابن ماجه بدون هذه الزيادة ورجاله ثقات لكن صوب أبو حاتم إرساله".

وقال الهيثمي: "رجاله موثقون".

لكن هذا الطريق طريق أبي الأحوص عن ابن مسعود صوب أبو حاتم والدارقطني إرساله.

قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن حديث رواه عمرو بن قيس وأبو مالك النخعي فقالا عن أبي فروة الهمداني عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال أبي وهما في الحديث رواه الخلق فكلهم قالوا عن أبي فروة عن أبي الأحوص قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم مرسل".

وقال الدارقطني لما سئل عنه: "يرويه أبو فروة مسلم بن سالم الجهني عن أبي الأحوص واختلف عنه فرواه عمران بن عيينة وعبد الله بن الأجلح ومسعر وسليمان التيمي وعمرو بن أبي قيس وحمزة الزيات ومحمد بن جابر عن أبي فروة عن أبي الأحوص عن عبد الله متصلاً".

وكذلك قال حجاج بن نصير عن شعبة عن أبي إسحاق عن أبي فروة وقال شعبة: "فلقيت أبا فروة فحدثني به".

وخالفه أصحاب شعبة: غندر ومعاذ وابن مهدي وغيرهم فرووه عن شعبة عن أبي فروة عن أبي الأحوص مرسلا.

وكذلك رواه الثوري وزهير وزائدة عن أبي فروة عن أبي الأحوص مرسلا.

وكذلك قال ابن عيينة سفيان مرسلاً وقيل عنه متصلاً.

ورواه حماد بن شعيب عن أبي فروة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ووهم فيه والصحيح مرسل.

ص: 99

قيل سمعت حديث حجاج بن نصير عن ابن مخلد فإنه كان يرويه عن حماد بن الحسن بن عنبسة عنه؟ قال: "حدثناه ابن صاعد عن حماد ابن الحسن".

قلت: "أليس قال: عبد الرحمن بن مهدي في حديثه عن شعبة وسفيان ليس بالجهني" قال: "لا أعرفه".

وروى هذا الحديث أبو إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص واختلف عنه فرواه محمد بن عبيد الله العرزمي عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله.

ورواه عمرو بن قيس الملائي وميسره بن حبيب النهدي وشريك عن أبي إسحاق عن أبي فروة عن أبي الأحوص مرسلا.

ورواه شعبة عن أبي إسحاق عن أبي فروة عن أبي الأحوص عن عبد الله قاله حجاج ابن نصير عنه وقد تقدم ذكره.

وقال حمزة الزيات عن أبي إسحاق عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.

وقال شريك: "عن أبي الأحوص عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وحديث سعيد بن جبير محفوظ وحديث أبي الأحوص القول فيه قول من أرسله". أ. هـ

وكلام أبي حاتم والدارقطني هذا إنما هو في طريق أبي الأحوص لكن الحديث له طرق أخرى عن ابن مسعود وهي:

الأول: من طريق سليمان بن يُسَير عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود مرفوعاً.

أخرجه البزار وسنده ضعيف لضعف سليمان هذا.

الثاني: من طريق الحسين بن واقد عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن ابن مسعود مرفوعاً.

أخرجه البزار عن علي بن الحسن بن شقيق والبيهقي عن علي بن الحسين بن واقد كلاهما عن الحسين بن واقد به وسنده لا بأس به.

الثالث: من طريق عبد الملك بن الوليد بن معدان عن عاصم عن زر وأبي وائل عن عبد الله مرفوعاً.

أخرجه البزار وسنده ضعيف لضعف عبد الملك بن الوليد.

والحاصل أن الحديث بهذه الطرق مع الطريق المرسلة السابقة يتقوى ويشهد له حديث أبي هريرة في الصحيحين وابن عباس عند مسلم وغيرهما كما تقدم قبل هذا الحديث والله أعلم.

[25]

الحديث الرابع:

ص: 100

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة في الركعة الأولى بـ {الم تَنْزِيلُ} السجدة وفي الركعة الثانية {هَلْ أَتَى عَلَى الإِِنْسَان} ".

أخرجه الطبراني، والخطيب.

من طريق حفص بن سليمان الغاضري عن منصور بن حيان عن أبي هياج الأسدي عن علي بن ربيعة الوالبي عن علي ابن أبي طالب به.

قال الهيثمي: "رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه حفص ابن سليمان الغاضري وهو متروك لم يوثقه غير أحمد بن حنبل في رواية وضعفه في روايتين وضعفه خلق".

قال الطبراني: "لا يروى هذا الحديث عن علي إلا بهذا الإسناد تفرد به محمد بن بكار".

وأخرجه الطبراني من طريق ليث بن أبي سليم عن عمرو ابن مرة عن الحارث عن علي رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في صلاة الصبح بتنزيل السجدة".

وقال: "لم يروه عن عمرو بن مرة إلا ليث ولا عن ليث إلا معتمر تفرد به عمرو بن علي ولم يرو عمرو بن مرة عن الحارث إلا هذا الحديث".

وقال الهيثمي: "وفيه الحارث الأعور وهو ضعيف".

وقال الحافظ ابن حجر لما ذكر هذه الرواية: "لكن إسناده ضعيف".

[26]

الحديث الخامس:

عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: {الم تَنْزِيلُ} و {هَلْ أَتَى عَلَى الإِِنْسَان} » .أخرجه ابن ماجه.

من طريق الحارث بن نبهان عن عاصم بن بهدلة عن مصعب ابن سعد عن أبيه به وسنده ضعيف لضعف الحارث هذا.

قال البوصيري: "هذا إسناد ضعيف الحارث بن نبهان متفق على ضعفه".

المبحث الثالث: أحاديث القراءة في الصلاة غير مقيدة في الفجر ولا غيرها

ص: 101

تابع لأحاديث القراءة في صلاة الفجر جمعا ودراسة

[27]

الحديث الأول:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "في كل صلاة يقرأ فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم وما أخفى عنا أخفينا عنكم وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت وإن زدت فهو خير".

أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.

من طرق عن عطاء أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول به موقوفاً.

وأخرجه مسلم من طريق أبي أسامة عن حبيب بن الشهيد قال سمعت عطاء يحدث عن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاة إلا بقراءة" قال أبو هريرة: فما أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلناه لكم وما أخفاه أخفيناه لكم".

فجعل أوله مرفوع لكن اعترض على ذلك الدارقطني ورجح وقفه فقال: "وهذا لم يرفع أوله إلا أبو أسامه وخالفه يحيى بن القطان وسعيد بن أبي عروبة وأبو عبيدة الحداد وغيرهم رووه عن حبيب بن الشهيد عن عطاء عن أبي هريرة "في كل صلاة قراءة فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم"جعلوا أول الحديث من قول أبي هريرة وهو الصواب وكذلك رواه قتادة وأيوب وحبيب المعلم وابن جريج".

وقال ابن رجب: "وذكر الدارقطني وأبو مسعود الدمشقي وغيرهما أن رفعه وهم وإنما هو موقوف.

وقد رفعه أيضاً ابن أبي ليلى عن عطاء عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا صلاة إلا بقراءة" قال أبو هريرة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا فيجهر ويخافت فجهرنا فيما جهر وخافتنا فيما خافت".

أخرجه الحارث بن أبي أسامة وابن أبي ليلى سيىء الحفظ جداً ورفعه وهم والله أعلم".ا. هـ

وقال الحافظ ابن حجر: "هكذا أورده مسلم من رواية أبي أسامة عنه وقد أنكره الدارقطني على مسلم وقال: إن المحفوظ عن أبي أسامة وقفه كما رواه أصحاب ابن جريج وكذا رواه أحمد عن يحيى القطان وأبي عبيدة الحداد كلاهما عن حبيب المذكور موقوفاً.

ص: 102

وأخرجه أبو عوانة من طريق يحيى بن أبي الحجاج عن ابن جريج كرواية الجماعة لكن زاد في آخره وسمعته يقول: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وظاهر سياقه أن ضمير "سمعته"للنبي صلى الله عليه وسلم فيكون مرفوعاً بخلاف رواية الجماعة نعم قوله: "وما أسمعنا وما أخفى عنا"يشعر بأن جميع ما ذكره متلقي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيكون للجميع حكم الرفع".أ. هـ

[28]

الحديث الثاني:

عن عائشة رضي الله عنها "أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً في سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "سلوه لأي شيىء يصنع ذلك". قال فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أخبروه أن الله يحبه".

أخرجه البخاري ومسلم والنسائي من طريق عمرة بنت عبد الرحمن وكانت في حجر عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن عائشة به.

[29]

الحديث الثالث:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء فكان كلما أفتتح سورة يقرأ لهم في الصلاة فقرأ بها أفتتح بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} حتى يفرغ منها ثم يقرأ بسورة أخرى معها وكان يصنع ذلك في كل ركعة فكلمه أصحابه فقالوا: "إنك تقرأ بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزيك حتى تقرأ بسورة أخرى فإما أن تقرأ بها وإما أن تدعها وتقرأ بسورة أخرى". قال: "ما أنا بتاركها إن أحببتم أن أؤمكم بها فعلت وإن كرهتم تركتكم وكانوا يرونه أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره"، فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر، فقال: "يا فلان ما يمنعك مما يأمر به أصحابك وما يحملك أن تقرأ هذه السورة في كل ركعة؟ " فقال: "يا رسول الله إني أحبها". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن حبها أدخلك الجنة".

ص: 103

أخرجه البخاري تعليقاً، والترمذي واللفظ له، وأبو يعلي، وابن خزيمة، وابن حبان، والطبراني، والبيهقي من طرق عن عبد العزيز بن محمد عن عبيد الله بن عمر عن ثابت البناني عن أنس به.

قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه من حديث عبيد الله ابن عمر عن ثابت".أ. هـ

وهذا الطريق معلول من وجهين هما:

الأول: أنه من رواية الدراوردي عن عبيد الله بن عمر، قال الإمام أحمد:"ما حدث عن عبيد الله بن عمر فهو عن عبد الله بن عمر".

وقال النسائي فيه: "ليس به بأس وحديثه عن عبيد الله بن عمر منكر".

وقال الدارقطني: "غريب من حديث عبيد الله عن ثابت تفرد به عبد العزيز الدراوردي عنه".

وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عبيد الله إلا عبد العزيز".أ. هـ

وعبيد الله لم ينفرد به فقد تابعه المبارك بن فضالة عن ثابت عن أنس أن رجلاً قال: "يا رسول الله إني أحب هذه السورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} " فقال: "إن حبك إياها يدخلك الجنة" مختصراً.

أخرجه الترمذي، وأحمد، والدارمي، وابن حبان، والبغوي من طرق عن المبارك بن فضالة به ومبارك يدلس ويسوى وقد صرح بالتحديث عن شيخه فقط كما عند الدارمي.

الثاني: الإرسال قال الحافظ ابن حجر: "ذكر الدارقطني في العلل أن حماد بن سلمة خالف عبيد الله في إسناده فرواه عن ثابت عن حبيب ابن سبيعة مرسلاً وقال: وهو أشبه بالصواب وإنما رجحه لأن حماد بن سلمة مقدم في حديث ثابت لكن عبيد الله بن عمر حافظ حجة وقد وافقه مبارك بن فضالة في إسناده فيحتمل أن يكون لثابت فيه شيخان".

وقال ابن رجب: "وإنما لم يخرجه البخاري هاهنا مسنداً لأن حماد ابن سلمة رواه عن ثابت عن حبيب بن سبيعة عن الحارث عن النبي صلى الله عليه وسلم".

قال الدارقطني: هو أشبه بالصواب وحماد بن سلمة ذكر كثير من الحفاظ أنه أثبت الناس في حديث ثابت وأعرفهم به".

ص: 104

والحارث هذا اختلف هل هو صحابي أم لا؟ فقال أبو حاتم الرازي: "له صحبة" وقال الدارقطني: "حديثه مرسل".

والحاصل أن إعلال هذا الحديث بالإرسال قوي ومما يؤيد هذا أن الطريق الموصولة من رواية الدراوردي عن عبيد الله فيها الكلام السابق والمتابع له فضالة وهو يدلس ويسوى لكن الحديث يشهد له حديث عائشة الذي قبله في الصحيحين كما أشار إلى ذلك ابن رجب والله أعلم

[30]

الحديث الرابع:

عن أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: قرأت المفصل الليلة في ركعة فقال هذّاً كهذ الشعر لقد عرفت النظائر التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين في كل ركعة".

أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي عن شعبة عن عمرو بن مرة، والترمذي عن شعبة عن الأعمش كلاهما عن أبي وائل به.

وفي لفظ في الصحيحين من طريق واصل الأحدب عن أبي وائل عن ابن مسعود

"أنا قد سمعنا القراءة وإنى لأحفظ القرناء التي كان يقرأ بهن النبي صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة سورة من المفصل وسورتين من آل حم".

وفي لفظ للبخاري من طريق الأعمش عن شقيق قال: قال عبد الله:

"قد علمت النظائر التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤهن اثنين اثنين في كل ركعة فقام عبد الله ودخل معه علقمة وخرج علقمة فسألناه فقال: عشرون سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود آخرهن الحواميم {حم} الدخان و {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} ".

وأخرج مسلم نحوه وفي لفظ له "اثنتين في ركعة عشرين سورة في عشر ركعات".

وأخرجه أبو داود عن علقمة والأسود، والنسائي عن مسروق، وأحمد عن نهيك بن سنان السلمي وزر، والطحاوي عن نهيك بن سنان وعلقمة والأسود، والطبراني عن نهيك بن سنان ومسروق وعلقمة والأسود كلهم عن ابن مسعود بنحوه.

ص: 105

وزاد أبو داود من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن علقمة والأسود عن ابن مسعود (النجم والرحمن) في ركعة و (اقتربت والحاقة) في ركعة و (الطور والذاريات) في ركعة و (وإذا وقعت ونون) في ركعة و (سأل سائل والنازعات) في ركعة و (ويل للمطففين وعبس) في ركعة و (المدثر والمزمل) في ركعة و (هل أتى ولا أقسم بيوم القيامة) في ركعة و (عم يتساءلون والمرسلات) في ركعة و (الدخان وإذا الشمس كورت) في ركعة".

قال أبو داود: "هذا تأليف ابن مسعود رحمه الله.

ورجال إسناده ثقات لكن هذه الزيادة من طريق إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق وقد ذكر ابن الكيال أن إسرائيل روى عن أبي إسحاق بعد اختلاطه".

وقال الإمام أحمد: "إسرائيل عن أبي إسحاق فيه لين سمع منه بآخره".

وأخرجه ابن خزيمة من طريق أبي خالد الأحمر عن الأعمش عن شقيق قال جاء نهيك بن سنان إلى عبد الله فذكر الحديث وفي آخره "وإني أعلم النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بهن سورتين في ركعة ثم أخذ بيد علقمة فدخل ثم خرج فعدهن علينا".

قال الأعمش: "وهي عشرون سورة على تأليف عبد الله ثم سردها".

ثم قال عَقِبَة نا أبو موسى نا الأعمش وحدثنا يوسف بن موسى وسلم بن جنادة قالا: حدثنا أبو معاوية نا الأعمش فذكر الحديث بطوله إلى قوله فدخل علقمة فسأله ثم خرج إلينا فقال: "عشرون سورة من أول المفصل في تأليف عبد الله لم يزيدوا على هذا".

وأبو خالد الأحمر تفرد بذكر سردها من بين أصحاب الأعمش وقد وثقه غير واحد وتكلم فيه.

وقال البزار: "اتفق أهل العلم بالنقل أنه لم يكن حافظاً وأنه روى عن الأعمش أحاديث لم يتابع عليها".

وقال ابن عدي: "إنما أتى من سوء حفظه فيغلط ويخطئ وهو في الأصل كما قال ابن معين صدوق وليس بحجة".

وأخرجه الطبراني من طريق محمد بن سلمة بن كهيل عن أبيه عن شقيق بن سلمة عن عبد الله وسردها لكن قال الحافظ: "قدّم وأخر في بعض وحذف بعضها ومحمد ضعيف".

ص: 106

وقال ابن رجب: "وهذه الرواية تخالف ما تقدم وتلك الرواية أصح ومحمد بن سلمة بن كهيل تكلم فيه وتابعه عليه أخوه يحيى وهو أضعف منه".

[31]

الحديث الخامس:

عن أنس رضي الله عنه قال: "ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام كانت صلاته متقاربة وكانت صلاة أبي بكر متقاربة فلما كان عمر بن الخطاب مد في صلاة الفجر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال سمع الله لمن حمده قام حتى تقول: قد أوهم ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم".

أخرجه مسلم من طريق حماد عن ثابت عن أنس به.

وأخرجه أحمد، وأبو يعلي مختصراً بذكر موطن الشاهد منه فقط من طريق حميد عن أنس مرفوعاً.

وفي لفظ لأحمد "كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم متقاربة وصلاة أبي بكر وسط وبسط عمر في قراءة صلاة الغداة".

من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري عن حميد عن أنس به.

[32]

الحديث السادس:

عن حفصة رضي الله عنها أنها قالت: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في سبحة قاعداً حتى كان قبل وفاته بعام فكان يصلي في سبحته قاعداً، وكان يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها".

أخرجه مسلم، والنسائي، والترمذي من طريق ابن شهاب عن السائب بن يزيد عن المطلب بن أبي وداعة السهمي عن حفصة به.

[33]

الحديث السابع:

عن عبد الله بن شقيق قال: "سألت عائشة رضي الله عنها: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى؟ "فقالت: "لا إلا أن يجئ من مغيبه"قلت: "هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بين السورتين؟ "قالت: "من المفصل".

أخرجه أبو داود واللفظ له وأحمد ولفظه "يقرن السور" والبيهقي من طريق الجريري عن عبد الله بن شقيق به، وسنده صحيح.

وأخرج مسلم من هذا الطريق طرفه الأول.

ص: 107

وأخرجه أبو داود، وأحمد، وابن أبي شيبة، وابن خزيمة من طرق عن كهمس بن الحسن عن عبد الله بن شقيق قال:"قلت لعائشة هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع السور في ركعة؟ "قالت: "المفصل".

ولفظ أبي داود "أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ السورة في ركعة؟ "قالت: "المفصل". ورجال إسناده ثقات وهذه متابعة لسعيد الجريري.

[34]

الحديث الثامن:

عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "ما من سورة من المفصل صغيرة ولا كبيرة إلا قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها في الصلاة كلها".

أخرجه الطبراني من طريق إسماعيل بن عياش عن صالح ابن كيسان عن نافع عن ابن عمر به.

وسنده ضعيف لأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن صالح بن كيسان وهو مدني وهو ضعيف في غير أهل بلده كما قاله غير واحد.

قال يحيى بن معين: "إسماعيل بن عياش ثقة فيما روى عن الشاميين وأما روايته عن أهل الحجاز فإن كتابه ضاع فخلط في حفظه عنهم".

وقال أيضاً: "إذا حدث عن الشاميين وذكر الخبر فحديثه مستقيم وإذا حدث عن الحجازيين والعراقيين خلِّط ما شئت".

وقال المروزي: "سألته -يعني الإمام أحمد- عن إسماعيل بن عياش فحسن روايته عن الشاميين وقال هو فيهم أحسن حالاً مما روى عن المدنيين وغيرهم".

وقال علي بن المديني: كان يوثق فيما روى عن أصحابه أهل الشام فأما ما روى عن غير أهل الشام ففيه ضعف".

وقال البخاري: "إذا حدث عن أهل بلده فصحيح وإذا حدث عن غير أهل بلده ففيه نظر".

وقال أيضاً: "ما روى عن الشاميين فهو أصح".

وقال الهيثمي: "رواه الطبراني من رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين وهي ضعيفة".

[35]

الحديث التاسع:

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات فقرأ السجدة في المكتوبة".

أخرجه أحمد من طريق جابر عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عمر به.

وسنده ضعيف لضعف جابر الجعفي.

ص: 108

قال الهيثمي: "رواه أحمد وفيه جابر الجعفي وفيه كلام وقد وثقه شعبة والثوري".

[36]

الحديث العاشر:

عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال: "آخر كلام كلمني به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استعملني على الطائف قال: "خفف الصلاة على الناس" حتى وقت لي اقرأ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَق} وأشباهها من القرآن".

أخرجه أحمد وابن أبي شيبة واللفظ له، والطبراني من طريق عبد الله بن خثيم عن داود بن أبي عاصم الثقفي عن عثمان بن أبي العاص به لكن عند أحمد القراءة بالعلق بدل الأعلى.

ورجال إسناده ثقات غير عبد الله بن عثمان بن خثيم وثقه غير واحد وتكلم فيه آخرون.

وقال ابن عدي: "هو عزيز الحديث وأحاديثه حسان مما يجب أن يكتب".

وهذا الحديث رواه سعيد بن المسيب وموسى بن طلحة ومطرف بن عبد الله والنعمان بن سالم الثقفي وداود بن أبي عاصم والمغيرة بن شعبة وعبد الله وعبد ربه ابنا الحكم ابن سفيان وغيرهم عن عثمان بن أبي العاص ولم يذكروا التوقيت والله أعلم.

قال البوصيري: "رواه مسلم في صحيحه من طريق سعيد ابن المسيب عن عثمان بن أبي العاص به بدون قوله: حتى وقت لي إلى آخره".أ. هـ

ومما يشكل على التوقيت في هذا الحديث الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرها من تطويل النبي صلى الله عليه وسلم القراءة في صلاة الفجر وغيرها بأكثر من هذا كما تقدم والله أعلم.

[37]

الحديث الحادي عشر:

عن جابر رضي الله عنه قال: "سنة القراءة في الصلاة: أن يقرأ في الأوليين بأم القرآن وسورة، وفي الأخريين بأم القرآن".

أخرجه الطبراني من طريق عثمان بن الضحاك عن أبيه عن عبيد الله بن مقسم عن جابر به وسنده ضعيف.

قال الطبراني: "لا يروى هذا الحديث عن جابر إلا بهذا الإسناد تفرد به عبيد الله بن مقسم".

وقال الهيثمي: "وفيه شيخ الطبراني وشيخ شيخه لم أجد من ذكرهما".أ. هـ

وفيه أيضاً عثمان بن الضحاك كما تقدم.

[38]

الحديث الثاني عشر:

ص: 109

عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: "ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤم الناس بها في الصلاة المكتوبة".

أخرجه أبو داود والبيهقي من طريق وهب بن جرير حدثنا أبي قال: "سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن عمرو بن شعيب به".

وفيه ابن إسحاق مدلس وقد عنعنه.

ذكره الحافظ في المرتبة الرابعة من المدلسين وقال: "صدوق مشهور بالتدليس عن الضعفاء والمجهولين وعن شر منهم وصفه بذلك أحمد والدارقطني وغيرهما".

[39]

الحديث الثالث عشر:

عن ابن سابط "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الركعة الأولى بسورة نحواً من ستين آية فسمع بكاء صبي قال: فقرأ في الثانية بثلاث آيات".

أخرجه ابن أبي شيبة واللفظ له وعبد الرزاق، وأبو داود كلاهم من طريق سفيان عن أبي السوداء النهدي عن ابن سابط به ورجال إسناده ثقات لكنه مرسل.

قال الحافظ: "وهذا مرسل".

ولفظ أبي داود "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح فقرأ ستين آية فسمع صوت صبي فركع ثم قام فقرأ آيتين ثم ركع".

والحديث في الصحيحين من طريق قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه".

وفي لفظ لمسلم من طريق ثابت البناني عن أنس قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة".

مسألة:

أكثر الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في القراءة في صلاة الفجر القراءة بطوال المفصل لكن يرد على هذا الأحاديث الواردة في القراءة في الفجر بأوساط المفصل وقصاره كحديث عمرو بن حريث القراءة بالتكوير وحديث رجل من جهينة القراءة بالزلزلة وحديث عقبة بن عامر وعمرو بن عبسة القراءة بالمعوذتين، وحديث ابن عمر القراءة بـ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} والصمد وغيرها.

ص: 110

لكن يمكن أن يجاب عن ذلك من وجهين:

الأول: أن التخفيف لعارض من سفر أو بكاء صبي أو غير ذلك.

قال ابن القيم رحمه الله: "وأما تخفيف النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عند بكاء الصبي فلا يعارض ما ثبت عنه من صفة صلاته بل قد قال في الحديث نفسه "إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز" (1) فهذا تخفيف لعارض وهو من السنة كما يخفف في صلاة السفر وصلاة الخوف.

وكل ما ثبت عنه من التخفيف فهو لعارض كما ثبت عنه أنه قرأ في السفر في العشاء بـ {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} (2) وكذلك قراءته في الصبح بالمعوذتين فإنه كان في السفر ولذلك رفع الله الجناح عن الأمة في قصر الصلاة في السفر والخوف.

والقصر قصران: قصر أركان وقصر عدد فإن اجتمع السفر والخوف اجتمع القصران وإن انفرد السفر وحده شرع قصر العدد وإن انفرد الخوف وحده شرع قصر الأركان وبهذا يعلم سر تقييد القصر المطلق في القرآن بالخوف والسفر فإن القصر المطلق الذي يتناول القصريين إنما يشرع عند الخوف والسفر فإن انفرد أحدهما بقى مطلق القصر إما في العدد وإما في القدر".أ. هـ

وقال ابن رجب: "وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على تقصير القراءة في السفر وقال أصحابنا: لا يكره تخفيف القراءة في الصبح وغيرها في السفر دون الحضر".

وقال إبراهيم النخعي: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأون في السفر بالسور القصار.

خرجه ابن أبي شيبة". أ. هـ

ومما يؤيد هذا الوجه وأن هذا ليس منه صلى الله عليه وسلم دائما ما في حديث الرجل من جهينة من قراء النبي صلى الله عليه وسلم بالزلزلة في الركعتين كلتيهما.

(1) انظر: حديث رقم (39) .

(2)

أخرجه البخاري في صحيحه (1/266رقم733) كتاب صفة الصلاة، باب الجهر في العشاء. ومسلم في صحيحه (1/339 رقم 464) كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء.

ص: 111

قال الراوي: فلا أدري أنسى رسول الله صلى الله عليه وسلم أم قرأ ذلك عمداً، فلو كان شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم التخفيف دائماً ما حصل هذا الاستفهام.

الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لبيان الجواز ففي غالب أحواله صلى الله عليه وسلم يقرأ بطوال المفصل لكنه قرأ بقصار المفصل ليبين للأمة جواز ذلك.

قال ابن القيم رحمه الله: "ولو قدر أنه صلى الله عليه وسلم خفف الصلاة لا لعذر كان في ذلك بيان الجواز وأن الاقتصار على ذلك لعذر ونحوه يكفي في أداء الواجب فأما أن يكون هو السنة وغيره مكروه مع أنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم في أغلب أوقاته فحاشى وكلا ولهذا رواته عنه أكثر من رواة التخفيف والذين رووا التخفيف رووه أيضاً فلا نضرب سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضها ببعض بل يستعمل كل منها في موضعه وتخفيفه إما لبيان الجواز وتطويله لبيان الأفضل.

وقد يكون تخفيفه لبيان الأفضل إذا عرض ما يقتضي التخفيف فيكون التخفيف في موضعه أفضل والتطويل في موضعه أفضل ففي الحالين ما خرج عن الأفضل وهذا اللائق بحاله صلى الله عليه وسلم وجزاه عنا أفضل ما جزى نبيًا عن أمته وهو اللائق بمن اقتدى به وائتم به صلى الله عليه وسلم".أ. هـ

فإن قيل فما الجواب عن الأحاديث التي فيها الأمر بتخفيف الصلاة مطلقاً يجاب عن ذلك بما ذكره ابن القيم رحمه: "من أنه يرجع في التخفيف المأمور بة إلى فعله صلى الله عليه وسلم فإنه كان يصلي وراءه الضعيف والكبير وذو الحاجة وقد أمرنا بالتخفيف لأجلهم فالذي كان يفعله هو التخفيف إذ من المحال أن يأمر بأمر ويعلله بعلة ثم يفعل خلافه مع وجود تلك العلة إلا أن يكون منسوخاً.

ص: 112

وفي صحيح مسلم عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طول صلاة الرجل وقصر خطبتة مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة وإن من البيان سحراً" فجعل طول الصلاة علامة على فقه الرجل وأمر بإطالتها وهذا الأمر إما أن يكون عاماً في جميع الصلوات وإما أن يكون المراد به صلاة الجمعة فإن كان عاماً فظاهر وإن كان خاصاً بالجمعة مع كون الجمع فيها يكون عظيماً وفيه الضعيف والكبير وذو الحاجة وتفعل في شدة الحر ويتقدمها خطبتان ومع هذا فقد أمر بإطالتها فما الظن بالفجر ونحوها التي تفعل في وقت البرد والراحة مع قلة الجمع

"أ. هـ.

وقال أيضاً: "إن الإيجاز هو الذي كان يفعله وعليه داوم حتى قبضه الله إليه فلا يجوز غير هذا البتة".

وقال ابن القيم أيضاً: "وأما ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر (بقاف والقرآن المجيد) وكانت صلاته بعد تخفيفاً.

فالمراد به -والله أعلم- أن صلاته كانت بعد الفجر تخفيفاً يعني أنه كان يطيل قراءة الفجر ويخفف قراءة بقية الصلوات لوجهين:

أحدهما: أن مسلماً روى في صحيحه عن سماك بن حرب قال: "سألت جابر بن سمرة عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كان يخفف الصلاة ولا يصلي صلاة هؤلاء قال: وأنبأني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر (بقاف والقرآن المجيد) ونحوها"فجمع بين وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتخفيف وأنه كان يقرأ في الفجر بقاف.

الثاني: أن سائر الصحابة اتفقوا على أن هذه كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي مازال يصليها ولم يذكر أحد أنه نقص في آخر أمره من الصلاة وقد أخبرت أم الفضل عن قراءته في المغرب بالمرسلات في آخر الأمر وأجمع الفقهاء أن السنة في صلاة الفجر أن يقرأ بطوال المفصل.

وأما قوله: "ولا يصلي صلاة هؤلاء"فيحتمل أمرين:

أحدهما: لم يكن بحذف كحذفهم بل يتم الصلاة.

ص: 113

والثاني: أنه لم يكن يطيل القراءة إطالتهم.

وفي مسند أحمد وسنن النسائي عن عبد الله بن عمر قال: "إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأمرنا بالتخفيف وإن كان ليؤمنا بالصافات"وهذا يدل على أن الذي أمر به هو الذي فعله فإنه صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يصلوا مثل صلاته ولهذا صلى على المنبر، وقال:"إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي"(1) .

وقال لمالك بن الحويرث وصاحبه: "صلوا كما رأيتموني أصلي"(2) وذلك أنه ما من فعل في الغالب إلا ويسمى خفيفاً بالنسبة إلى ما هو أطول منه وطويلاً بالنسبة إلى ما هو أخف منه فلا يمكن تحديد التخفيف المأمور به في الصلاة باللغة ولا بالعرف لأنه ليس له عادة في العرف كالقبض والحرز والإحياء والاصطياد حتى يرجع فيه إليه بل هو من العبادات التي يرجع في صفاتها ومقاديرها إلى الشارع كما يرجع إليه في أصلها ولو جاز الرجوع فيه إلى العرف لاختلفت الصلاة الشرعية اختلافاً متبايناً لا ينضبط ولكان لكل أهل عصر ومصر بل لأهل الدرب والسكة وكل محل لكل طائفة غرض وعرف وإرادة في مقدار الصلاة يخالف عرف غيرهم وهذا يفضي إلى تغيير الشريعة وجعل السنة تابعة لأهواء الناس فلا يرجع في التخفيف المأمور به إلا إلى فعله صلى الله عليه وسلم

".أ. هـ

(1) أخرجه البخاري في صحيحه (1/310،311رقم875) كتاب الجمعة، باب الخطبة على المنبر. ومسلم في صحيحه (1/386-387 رقم 544) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة.

(2)

أخرجه البخاري في صحيحه (1/226 رقم 605) كتاب الآذان، باب الآذان للمسافر إذا كانوا جماعة

ص: 114

وقال أيضاً: "وأما إن قدِّر نفور كثير ممن لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى وكثير من الباطوليه الذين يعتادون النقر كصلاة المنافقين وليس لهم في الصلاة ذوق ولا لهم فيها راحة بل يصليها أحدهم استراحة منها لا بها فهؤلاء لا عبرة بنفورهم فإن أحدهم يقف بين يدي المخلوق معظم اليوم ويسعى في خدمته أعظم السعي فلا يشكو طول ذلك ولا يتبرم به فإذا وقف بين يدي ربه في خدمته جزءً يسيراً من الزمان، وهو أقل القليل بالنسبة إلى وقوفه في خدمة المخلوق استثقل ذلك الوقوف واستطال وشكى منه وكأنه واقف على الجمر يتلوى ويتقلى ومن كانت هذه كراهته لخدمة ربه والوقوف بين يديه فالله تعالى أكره لهذه الخدمة منه والله المستعان". أ. هـ

الخاتمة

الحمد لله الذي وفق وأعان على إتمام هذا البحث المتواضع وقد ظهر لي من خلاله الأمور التالية:

-أن عدد الأحاديث الواردة في القراءة في صلاة الفجر (26) حديثاً الثابت منها (16) حديثاً.

-أن عدد الأحاديث الواردة في القراءة في الصلاة غير مقيد بالفجر (13) حديثاً الثابت منها سبعة أحاديث.

-أن غالب الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في القراءة في الفجر بطوال المفصل وأما ما ورد من قراءته بقصار المفصل فمحمول على أن فعله لعارض أو لبيان الجواز والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ص: 115

تابع لأحاديث القراءة في صلاة الفجر جمعا ودراسة

فهرس المصادر والمراجع

- إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة: للإمام أحمد بن أبي بكر البوصيري، تحقيق عادل سعد والسيد محمد بن إسماعيل، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى 1419هـ.

- أحوال الرجال: لأبي إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، تحقيق صبحي السامرائي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1405هـ.

- أطراف الغرائب والأفراد: للإمام الدارقطني تصنيف الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي، تحقيق محمود محمد حسن نصار والسيد يوسف، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1419هـ.

- أطراف مسند الإمام أحمد بن حنبل: للحافظ ابن حجر العسقلاني، تحقيق د/ زهير ناصر الناصر، دار ابن كثير ودار الكلم الطيب، بيروت، الطبعة الأولى 1414هـ.

- الإلتزامات والتتبع: للإمام أبي الحسن الدارقطني، تحقيق الشيخ مقبل بن هادي الوادعي، دار الباز للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية1405هـ.

- الآحاد والمثاني: للإمام ابن أبي عاصم، تحقيق د/ باسم الجوابره، دار الراية، الطبعة الأولى 1411هـ.

- الإستغناء في معرفة المشهورين من حملة العلم بالكنى: لابن عبد البر تحقيق د/ عبد الله بن مرحول السوالمة، دار ابن تيمية، الطبعة الأولى 1405هـ.

- الإصابة في تمييز الصحابة: للحافظ ابن حجر العسقلاني، دار الفكر، بيروت 1398هـ.

- بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث: لنور الدين الهيثمي، تحقيق د/ حسن أحمد الباكري، الجامعة الإسلامية، الطبعة الأولى 1413هـ.

- بلغة القاصي والداني في تراجم شيوخ الطبراني: للشيخ حماد بن محمد الأنصاري رحمه الله، مكتبة الغرباء الأثرية، الطبعة الأولى 1415هـ.

- بلوغ المرام من أدلة الأحكام: للحافظ ابن حجر العسقلاني، تحقيق محمد حامد الفقي، دار الفكر.

- بين الإمامين مسلم والدارقطني: للشيخ ربيع بن هادي المدخلي، الجامعة السلفية بالهند، الطبعة الأولى 1405هـ.

ص: 116

- تاريخ بغداد: للحافظ أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت.

- تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي عن ابن معين في تجريح الرواة وتعديلهم: تحقيق د/ أحمد محمد نور سيف، دار المأمون للتراث، بيروت.

- التاريخ الكبير: للإمام البخاري، توزيع دار الباز، مكة المكرمة.

- تاريخ يحيى بن معين: تحقيق أحمد محمد نور سيف، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، في جامعة أم القرى، مكة المكرمة، الطبعة الأولى 1399هـ.

- المراسيل تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل: لولي الدين أبي زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي، مخطوط.

- تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة: تحقيق د/ إكرام الله إمداد الحق، دار البشائر الإسلامية، بيروت، الطبعة الأولى 1416هـ.

- تقريب التهذيب: لابن حجر العسقلاني، تحقيق محمد عوامة، دار الرشد، سوريا، الطبعة الأولى 1406هـ.

- تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس: لابن حجر العسقلاني، تحقيق د/ عبد الغني البنداري ومحمد عبد العزيز، دار الكتب

العلمية، بيروت، الطبعة الأولى

1405هـ.

- التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير: لابن حجر العسقلاني، تحقيق عبد الله هاشم اليماني، دار المعرفة، لبنان.

- تهذيب التهذيب: للحافظ ابن حجر العسقلاني، طبعة مجلس دائرة المعارف النظامية، الهند، الطبعة الأولى 1327هـ.

- تهذيب السنن: لشمس الدين ابن القيم الجوزية، تحقيق محمد حامد الفقي، مكتبة السنة المحمدية، مصر.

- تهذيب الكمال: للحافظ جمال الدين المزي، تحقيق د/ بشار عواد مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى.

- الثقات: لأبي حاتم بن حبان البستي، دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد، الطبعة الأولى 1399هـ.

- جامع الأصول في أحاديث الرسول: للإمام المبارك بن محمد بن الأثير الجزري تحقيق عبد القادر الأرنؤوط، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى 1403هـ.

ص: 117

- الجرح والتعديل: لأبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، دائرة المعارف العثمانية، الهند، الطبعة الأولى 1372هـ.

- خلاصة الأحكام في مهمات السنن وقواعد الإسلام: محي الدين النووي، تحقيق حسين إسماعيل الجمل، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1416هـ.

- زاد المعاد في هدي خير العباد: للإمام ابن قيم الجوزية، تحقيق شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية 1405هـ.

- سؤالات البرقاني: للدارقطني، تحقيق د/ عبد الرحيم القسقري، كتب خانة جميل، لاهور، باكستان، الطبعة الأولى 1404هـ.

- سؤالات حمزة السهمي: للدارقطني في الجرح والتعديل، تحقيق موفق ابن عبد الله بن عبد القادر، مكتبة المعارف، الطبعة الأولى 1404هـ.

- السنن -المجتبي-: للحافظ أحمد بن شعيب النسائي، تحقيق أبو غدة، دار البشائر الإسلامية، بيروت، الطبعة الثانية 1406هـ.

- السنن: لأبي داود السجستاني الأزدي، تحقيق عزه عبيد الدعاس، دار الحديث، سوريا، الطبعة الأولى 1388هـ.

- السنن: لأبي عيسى الترمذي، تحقيق أحمد شاكر، مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر، الطبعة الثانية 1396هـ.

- السنن: لأبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني ابن ماجه، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، المكتبة العلمية، بيروت.

- السنن: للحافظ علي بن عمر الدارقطني، تصحيح عبد الله هاشم اليماني، دار المحاسن للطباعة، القاهرة.

- السنن الكبري: للإمام النسائي، تحقيق د/ عبد الغافر البنداري، وسيد كردي حسن،

دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 1410هـ.

- السنن الكبرى: للبيهقي، دار الفكر.

- سير أعلام النبلاء: للإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق جماعة من المحققين، إشراف شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1403هـ.

- شرح السنة: للبغوي، تحقيق شعيب الأرنؤوط، ومحمد زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية 1403هـ.

- شرح مسلم: للإمام النووي، دار الفكر.

ص: 118

- شرح مشكل الآثار: لأبي جعفر الطحاوي، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1415هـ.

- شرح معاني الآثار: لأبي جعفر الطحاوي، تحقيق محمد زهير النجار، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 1399هـ.

- صحيح البخاري -الجامع الصحيح المسند-: للإمام البخاري، تحقيق د/ مصطفى البغا، دار ابن كثير واليمامة، دمشق، بيروت، الطبعة الثالثة 1407هـ.

- صحيح ابن حبان -الإحسان ترتيب الأمير علاء الدين-: للإمام أبي حاتم بن حبان البستي، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1408هـ.

- صحيح ابن خزيمة: لأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، تحقيق د/ محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1390هـ.

- صحيح مسلم: للإمام أبي الحسن مسلم بن الحجاج النيسابوري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي.

- الصلاة وحكم تاركها: للإمام ابن قيم الجوزية، تحقيق تيسير زعيتر، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية 1405هـ.

- الضعفاء: لأبي زرعة الرازي، مطبوع ضمن كتاب أبي زرعة الرازي وجهوده في السنة النبوية للدكتور سعدي الهاشمي، الجامعة الإسلامية، الطبعة الأولى 1402هـ.

- علل الترمذي الكبير: ترتيب أبي طالب القيسي، تحقيق حمزة ديب مصطفى، مكتبة الأقصى، الطبعة الأولى 1406هـ.

- علل الحديث: للإمام أبي محمد عبد الرحمن الرازي، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى 1405هـ.

- العلل الواردة في الأحاديث النبوية: لأبي الحسن الدارقطني، تحقيق د/ محفوظ الرحمن بن زين الله السلفي، دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى 1406هـ.

- فتح الباري شرح صحيح البخاري: للحافظ زين الدين أبي الفرج ابن رجب الحنبلي، تحقيق جماعة من المحققين، نشر مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة المنورة، الطبعة

الأولى 1417هـ.

- عمل اليوم والليلة: للإمام النسائي، تحقيق د/فاروق حمادة، مكتبة المعارف، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى 1401هـ.

ص: 119

- فتح الباري بشرح صحيح البخاري: للحافظ ابن حجر العسقلاني، تحقيق سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، نشر رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية.

- القراءة خلف الإمام: للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق محمد السعيد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1405هـ.

- الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة: للإمام شمس الدين الذهبي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 1403هـ.

- الكامل في ضعفاء الرجال: للإمام أبي أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية 1405هـ.

- كشف الأستار عن زوائد مسند البزار على الكتب الستة: للحافظ نور الدين الهيثمي، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية 1404هـ.

- الكنى والأسماء: للإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري، تحقيق د/ عبد الرحيم القشقري، الجامعة الإسلامية، الطبعة الأولى 1404هـ.

- الكنى والأسماء: لأبي بشر محمد بن أحمد الدولابي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية 1403هـ.

- الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الثقات: لأبي البركات محمد بن أحمد ابن الكمال، تحقيق عبد القيوم عبد رب النبي، دار المأمون للتراث، بيروت، دمشق، الطبعة الأولى 1402هـ.

- لسان الميزان: لابن حجر العسقلاني، مؤسسة الأعلمي، بيروت، الطبعة الثانية1390هـ.

- مجمع البحرين بزوائد المعجمين: للحافظ نور الدين الهيثمي، تحقيق عبد القدوس بن محمد نذير، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى 1413هـ.

- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: للحافظ نور الدين الهيثمي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة، الثالثة 1402هـ.

- المجموع شرح المهذب: للإمام النووي، دار الفكر.

ص: 120

- المحرر في الحديث: للحافظ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي لمقدسي، دراسة وتحقيق يوسف المرعشلي، ومحمد سليم سماره، وجمال الذهبي، دار لمعرفة، بيروت، الطبعة الأولى 1405هـ.

- المحلي: للإمام أبي محمد بن حزم الأندلسي، تحقيق د/ عبد الغفار البنداري، دار الكتب العلمية، بيروت.

- المراسيل: للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1408هـ.

- المراسيل: لأبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، تحقيق شكر الله بن نعمة الله القوجاني، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية 1402هـ.

- المستدرك على الصحيحين: لأبي عبد الله الحاكم، دار الكتب العلمية.

- المسند: للإمام أحمد بن حنبل الشيباني، المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة.

- مسند البزار -البحر الزخار-: للإمام أبي بكر البزار، تحقيق د/ محفوظ الرحمن، مؤسسة علوم القرآن، بيروت، ومكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة

الأولى.

- مسند أبي داود الطيالسي: سليمان بن داود بن الجارود، دار المعرفة، بيروت.

- مسند أبي عوانة: يعقوب بن إسحاق، دار المعرفة، بيروت.

- مسند أبي يعلي الموصلي أحمد بن علي التميمي: تحقيق حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، دمشق، الطبعة الأولى 1404هـ.

- مصباح الزجاجة إلى زوائد ابن ماجه: للشهاب أحمد بن أبي بكر البوصيري، تحقيق موسى محمد علي ود/ عزت عطية، دار الكتب الحديثة، مصر.

- المصنف في الأحاديث والآثار: للحافظ أبي بكر بن أبي شيبة، تحقيق عبد الخالق الأفغاني، الدار السلفية، الهند، الطبعة الثانية 1399هـ.

- المصنف: للحافظ عبد الرزاق الصنعاني، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية 1403هـ.

- المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: للحافظ ابن حجر العسقلاني، تحقيق غنيم عباس، وياسر إبراهيم، دار الوطن، الطبعة الأولى 1418هـ.

ص: 121

- المعجم الأوسط: للطبراني، تحقيق د/ محمود الطحان، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الأولى 1405هـ.

- المعجم الكبير: لأبي القاسم الطبراني، تحقيق حمدي السلفي، مطبعة الأمة، بغداد، ومطابع الزهراء الحديثة، الطبعة الأولى والثانية.

- المعجم الصغير: للطبراني، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، المكتبة السلفية، المدينة المنورة، 1388هـ.

- معرفة الثقات: للإمام الحافظ أبي الحسن العجلي، ترتيب الهيثمي والسبكي، تحقيق عبد العليم البسنوي، مكتبة الدار، المدينة المنورة، الطبعة الأولى 1405هـ.

- معرفة الصحابة: لأبي نعيم الأصبهاني، تحقيق عادل يوسف العزازي، دار الوطن، الطبعة الأولى، 1419هـ.

- المغني في الضعفاء: للإمام الذهبي، تحقيق د/ نور الدين عتر.

- المقتنى في سرد الكنى: للإمام شمس الدين الذهبي، تحقيق محمد صالح عبد العزيز المراد، الجامعة الإسلامية، الطبعة الأولى 1408هـ.

- موطأ الإمام مالك بن أنس: تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية.

- المنتخب: للحافظ عبد بن حميد، تحقيق مصطفى العدوي، مكتبة ابن حجر، الطبعة الأولى 1408هـ.

- ميزان الاعتدال في نقد الرجال: للإمام الذهبي، تحقيق علي محمد البجاوي، دار المعرفة، بيروت.

- نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار: للحافظ ابن حجر العسقلاني، تحقيق حميدي عبد المجيد السلفي، مكتبة المثنى، بغداد، الطبعة الأولى.

- النهاية في غريب الحديث: للإمام مجد الدين المبارك بن محمد بن الأثير، تحقيق طاهر الزاوي، ومحمود الطناحي، دار الفكر، بيروت.

- نيل الأوطار شرح منتقى الأخيار: للعلامة الشوكاني، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده.

- هدي الساري مقدمة فتح الباري: لابن حجر العسقلاني، تحقيق الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز تصحيح محب الدين الخطيب، نشر الرئاسة العامة لإدارت البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، السعودية، الرياض.

ص: 122

تلوين الخطاب لابن كمال باشا

دراسة وتحقيق

إعداد

د. عبد الخالق بن مساعد الزهراني

الأستاذ المشارك في كلية اللغة العربية

المقدمة

الحمد لله حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على صفوة خلق الله سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه: أما بعد:

فإن الله قد هيّأ للغة العربية رجالاً، سبروا أغوارها العميقة، وفهموا أسرارها، واستخرجوا دررها، وتنافسوا في خدمتها، فملأت مؤلفاتهم الصحائف، وانتشرت في مشارق الأرض ومغاربها، وبين الحين والآخر نجد مؤلّفاً قشيباً، نفض عنه غبار النسيان، فبدأ بهيّ الطلعة، وليد اللحظة، تتطلع إليه الأنظار، وتهفو إليه الأفئدة، ومع هذا الدأب في إخراج كنوز التراث، والجهد المتواصل في تحقيقها، فما زالت المكتبات تخبّئ في زواياها نفائس، تضنّ بها على محبيها، والمتعطشين إلى ورود حياضها، على الرغم من سعيهم الحثيث إليها، وتنقيبهم الدؤوب عنها في كلّ مكان.

و"تلوين الخطاب"من نفائس المخطوطات، رسالة صغيرة الحجم، جليلة القدر، عثرت على مصورتين منها في مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وهي للعالم المشهور ابن كمال باشا رحمه الله تعالى.

وقد أغراني عنوانها، فهو عنوان جذاب، ينبئ عن اختيار أديب بارع، وعالم متمكن، وحين قلّبت صفحاتها، وجدتها رسالة قيّمة، حقيقة بأن يبذل فيها الجهد والوقت، وقد عثرت على مصوّرتين لها، فشرعت في نسخها، ومقابلة نُسختيها، وحين استعصى عليّ اختيار إحدى النسختين أصلاً عمدت إلى اختيار ما أراه صواباً منهما، وما ترجّح لديّ من خلال قرائن السياق، وأثبت في الهامش ما يخالفه.

ص: 123

وإذا تبيّن لي أنّ في النسختين خطأ ظاهراً، فإنَّني أجعل ما أراه صواباً في المتن وأضعه بين معكوفتين، وأذكر في الهامش ما هو موجود فيهما، وإن كان ما أظنَّه خطأ منقولاً عن أحد المصادر، فإني أستعين بهذا المصدر في التصويب، فأجعل الصواب في المتن، وأذكر في الهامش ما يخالفه.

وقد خدمت النصّ؛ فخرّجت الآيات القرآنية الكريمة التي وردت فيه، فبينت سورها وأرقامها، وخرّجت الأبيات الشعريّة وعزوتها إلى أصحابها، وذكرت مصادرها في الهامش.

وتتتبعت الأقوال التي أوردها المؤلف، فعزوتها إلى أصحابها، ووثّقتها من مؤلفاتهم، سوى نقلين لم أجدهما في المصادر التي أشار المؤلف إلى أنه نقلهما عنها، ونبّهت على ذلك في موضعه من الرسالة.

كما أنه نقل عن الكشف مرتين، والكشف لا يزال مخطوطاً، وقد بحثت عنه في المدينة فلم أجده، وسألت بعض المهتمين بكتب التفسير فلم أجد له خبراً لديهم، ولذا فقد اكتفيت بالتوثيق من حاشية الشهاب الخفاجي على تفسير البيضاوي لأن الشهاب ينقل عن الكشف كثيراً في حاشيته هذه.

وجعلت مدخلاً قبل الرِّسالة، تحدثت فيه عن المؤلف؛ مولده، ونشأته، وطلبه للعلم، ومؤلفاته، وأعماله، ووفاته.

واتضح لي جهده وكفاحه في سبيل تحصيله العلم، حتى أصبح عالماً لا يجارى، يتبوأ أعلى المناصب العلمية في عصره، ويخلّف ثروة كبيرة من المؤلفات في كثير من الفنون.

وتحدثت - أيضاً - عن الرِّسالة؛ فبيّنت عنوانها ووثّقت نسبتها إلى مؤلفها، وعرضت محتواها، وبيّنت قيمتها العلميّة، فذكرت ما فيها من مزايا وحسنات، والمآخذ التي ظهرت لي.

ص: 124

ثم قدّمت وصفاً للنسخ المخطوطة التي اعتمدت عليها في التحقيق وأوردت نماذج منها. ولا يخفى ما في تحقيق المخطوطات من مشقة وعناء، ولا يقدّر ذلك حقّ قدره إلا من مارسه، ورأي الجهد الذي يتكبّده الباحث في سبيل إقامة عبارة أو تصحيح كلمة، أو تخريج بيت، أو توثيق نقل

وغير ذلك مما يعترض الباحث من عقبات يقف أمامها الساعات الطّوال حتى ييسّر الله له تجاوزها.

وكل جهد مهما عظم في عين صاحبه، يكون يسيراً وينقلب متعةً حين تتحقّق الفائدة المرجوّة من ورائه، وأسأل الله عز وجل أن ينفع بهذا الجهد، وأن يجعله لبنة بنّاءة في خدمة اللغة العربية، لغة القرآن الكريم، وأن يجعلنا جنداً مخلصين في سبيل إعلائها والمحافظة عليها، إنه سميع مجيب.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه.

التعريف بالمؤلف (1)

اسمه ونسبه:

هو: أحمد بن سليمان بن كما باشا، الملقب شمس الدين.

اشتهر بابن كمال باشا. تركي الأصل، مستعرب.

حياته:

(1) انظر في ترجمته: - الشقائق النعمانية طاشكبري زادة 226-227 دار الكتاب العربي - بيروت 1975م.

- الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة للشيخ نجم الدين الغزّي 2/107-108 تحقيق د. جبرائيل سليمان جبّور. منشورات دار الآفاق الحديثة - بيروت ط (2) 1979م.

- شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد الحنبلي 8/238-239 دار الفكر د. ت.

- تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان 3/252-253. دار الهلال د. ت.

- الأعلام - خير الدين الزركلي 1/133، دار العلم للملايين (ط 6) 1984م.

- معجم المؤلفين عمر رضا كحالة 1/238 دار إحياء التراث العربي - بيروت.

ص: 125

كانت لأسرته مكانة عالية إضافة إلى ما عرفت به من علم وفضل فقد كان جدّه من أمراء الدولة العثمانية، ولذا فقد نشأ ابن كمال في بيت جاهٍ وسلطان، وهذا يجعل حياته مرفّهة ومنعمّة، ولكنه التحق بالجيش وهو شاب، فكان لهذا أثر في تكوين شخصيته، من حرصٍ على الوقت، وجدٍّ، وتحمّلٍ للشدائد، والصبر على الصعوبات.

وأراد الله له الخير والذّكر الحسن، فرأى منظراً صرفه عمّا هو فيه من عملٍ إلى طلب العلم، وقد وصف ذلك المنظر، فذكر أنه كان مسافراً مع السلطان بايزيد خان ووزيره إبراهيم باشا، ثم صادف أن كان في حضرة الوزير أمير ليس في الأمراء أعظم مكانةً منه؛ لا يتصدّر عليه أحد من الأمراء، وبينما ابن كمال في هذا الموقف العسكري، الذي يقف فيه كل إنسان عند حدود رتبته، ولا يتطلّع إلى أعلى منها؛ إذا هو يشاهد رجلاً رثّ اللباس؛ لا تدلّ هيئته على علوّ منزلة، يخطو خطوات واثقة، فيتصدّر المجلس، ويتبوأ مكاناً أعلى من الأمير، فتدخل الدهشة والحيرة نفس ابن كمال، ويتساءل: لماذا لم يمنعه أحد؟! ولماذا رضي الأمير بهذا الأمر؟! وهمس إلى بعض رفقائه: من هذا الذي تصدّر على مثل هذا الأمير؟!.

فأخبره: إن هذا عالم، يقال له: المولى لطفي.

ولكن ابن كمال لم يقتنع بهذا الجواب، فهو لا يزال يزن الأمور بميزان مادّيّ بحتٍ، ولذا فقد سأل رفيقه أيضاً: كم وظيفته؟ أي ما مقدار ما يتقاضاه من الأجر؟ فأجابه رفيقه: ثلاثون درهماً. ويدهش دهشة كبيرةً، لهذه المكانة التي أتيحت لهذا الرجل؛ إذ كيف يقدّم على الأمير ووظيفته بهذا المقدار الضّئيل؟

ولكن رفيقه بيّن له حقيقة الأمر، فقال:

العلماء معظّمون لعلمهم، فإنه لو تأخّر لم يرض بذلك الأمير ولا الوزير.

ص: 126

وكان له في هذا القول تفكير وتأمّل، دفع به إلى طلب العلم، فهو يريد علوّ المنزلة، ولا يمكن أن يصل إلى منزلة الأمير، ولكنه لو طلب العلم، فأصبح عالماً، فإنّه سيصل إلى منزلة أعلى، ولهذا فقد قرّر أن يكون تلميذاً؛ وكانت هذه بداية انطلاقه نحو تحصيل العلوم المتنوّعة، وبذل في سبيلها أقصى جهده، ووجّه كلّ طاقاته، فحصل له خير كثير، وجمع فنوناً عديدةً، برع فيها كلها وقد وصفه صاحب الشقائق النعمانية وصفاً رائعاً حين قال:"كان رحمه الله تعالى من العلماء الذين صرفوا جميع أوقاتهم إلى العلم، وكان يشتغل به ليلاً ونهاراً، ويكتب جميع ما لاح بباله.. وقد فتر الليل والنهار ولم يفتَّر قلمه".

وأثمر هذا الجهد عن مكانة عالية، وعلم متدفّق، جعلت ابن كمال باشا يتولّى التدريس في عدد من المدارس، حتى وصل إلى أرقاها؛ فدرّس في مدرسة علي بك بمدينة أدرنة، ثم بمدرسة أسكوب، ثم درّس بإحدى المدارس الثمان، ثم بمدرسة السلطان بايزيد بأدرنة.

وتولّى بعد ذلك القضاء بأدرنة. ثم قضاء العسكر الأناضولي. وانتهى به المطاف ليستقرّ في الإفتاء بالقسطنطينية إلى أن توفي سنة 940هـ رحمه الله تعالى.

مؤلفاته:

ص: 127

كان ابن كمال باشا باحثاً موسوعياًّ، خاض غمار التأليف في فنون شتّى، ولو تصفّحنا عناوين مؤلفاته التي ذكرت في المصادر لوجدناه عالماً فذاًّ محيطاً بكثير من العلوم، فقد صنّف في: التفسير، والفقه، والفرائض، والأصول، وعلم الكلام، والبلاغة، واللغة، ولم يقف عند التأليف بالعربيّة، ولكنه ألّف بالفارسيّة والتركيّة، كما كان بارعاً في النظم والإنشاء أيضاً، فهو رجل موهوب، وقد وهب نفسه للعلم، فأثمر جهده عن حصيلة متميّزة، وليس من اليسير حصر مؤلفاته، خاصة أنه كان يعمد إلى اختيار الموضوعات الدقيقة، فيصنف فيها، ولذا كثرت رسائله، فقال عنه صاحب الشقائق "وصنّف رسائل كثيرة في المباحث المهمّة الغامضة، وكان عدد رسائله قريباً من مائة". وشبّهه د/ناصر الرشيد في كثرة تأليفه "بالسيوطي وابن الجوزي وابن حزم وابن تيمية ممن اشتهر في تاريخ الإسلام بكثرة التأليف".

وسأشير هنا إلى ما وقفت عليه من مؤلفاته:

1-

أسرار النحو. وقد حققه د. أحمد حسن حامد.

2-

إصلاح الإيضاح، أو إيضاح الإصلاح في الفقه وهو شرح لمتن للمؤلف.

3-

تاريخ آل عثمان.

4-

تجريد التجريد في علم الكلام.

5-

تغيير التنقيح في الأصول وهو شرح لمتن للمؤلف.

6-

تفسير القرآن العزيز.

وقد حقق الباحث يونس عبد الحي ما سورتي الفاتحة والبقرة منه في رسالة علمية لنيل درجة الماجستير من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وذكر أن هذا التفسير من أول سورة الفاتحة إلى نهاية سورة الصافات.

7-

حواشٍ على التلويح.

8-

حواشٍ على التهافت للمولى خواجة زاده.

9-

حواشٍ على شرح المفتاح للسيد الشريف.

10-

حواشٍ على الكشاف.

11-

رجوع الشيخ إلى صباه.

12-

شرح بعض الهداية.

13-

شرح مشكاة المصابيح.

14-

شرح مفتاح العلوم للسكاكي.

15-

طبقات الفقهاء.

16-

طبقات المجتهدين.

17-

كتاب في الفرائض وهو شرح لمتن للمؤلف.

18-

محيط اللغة.

19-

المهمات في فروع الفقه الحنفي.

ص: 128

وله عدد من الرسائل طبع منها مجموعة تضم ستاً وثلاثين رسالة، ومنها مجموعة مخطوطة تضم ثماناً وعشرين رسالة في الخزانة التيمورية، ومجموعة خطيّة أخرى في أربع وعشرين رسالة فيها أيضاً.

ومن الرسائل التي نشرت - فيما وقفت عليه:

1-

رسالة في تحقيق معنى كاد.

2-

رسالة في تحقيق التغليب.

3-

رسالة أن التوسع شائع.

4-

رسالة في تحقيق المشاكلة.

5-

رسالة في رفع ما يتعلق بالضمائر من الأوهام.

6-

رسالة في الفرق بين "من"التبعيضية و"من"التبيينية.

7-

رسالة في بيان ما إذا كان صاحب علم المعاني يشارك اللغوي في البحث عن مفردات الألفاظ.

8-

رسالة في تحقيق تعريب الكلمة الأعجمية.

9-

التنبيه على غلط الجاهل والنّبية.

10-

رسالة في الكلمات المعرّبة.

11-

رسالة في بيان الأسلوب الحكيم.

12-

المزايا والخواص في الأسلوب البلاغي.

13-

تحقيق معنى النظم والصياغة.

وهذا ما استطعت أن أصل إليه، وهناك من الباحثين من ذكر أن عدد رسائله تفوق ما ذكره صاحبا الشقائق والكواكب السائرة فقد ذكرا أن رسائله قريبة من مائة رسالة، بينما أشار د. محمد حسين: أبو الفتوح إلى أن لابن كمال باشا "عدة رسائل في اللغة، قيل إنها تزيد على ثلاثمائة رسالة في اللغة".

وهذا تراث ضخم أسأل الله أن يدلّ الباحثين على مواطنه كي يخرجوه إلى اللغة العربية ليفيدوا منه، وينهلوا من معينه.

التعريف بالرِّسالة:

عنوانها - توثيق نسبتها إلى المؤلف - بيان محتواها - قيمتها العلميّة - المآخذ عليها

عنوانها:

لم أجد صعوبة في تحديد عنوان الرِّسالة، لأنّ المؤلّف نصّ عليه في مقدمّته، فقال:"وبعد فهذه رسالة مرتّبة في بيان تلوين الخطاب، وتفصيل شعبه....".

ووجدت في إحدى النسخ التي اعتمدتها عنواناً بارزاً هو: "رسالة تلوين الخطاب".

ص: 129

وذكر هذا العنوان - أيضاً - الباحث يونس عبد الحي ما، فقال:"رسالة في الالتفات، وتسمّى برسالة في تلوين الخطاب"(1) .

وإن كان قد وهم في جعلها في الالتفات، لأن المؤلّف نصّ على أنها في تلوين الخطاب، والالتفات إحدى شعبه.

توثيق نسبتها إلى المؤلف:

رسائل ابن كمال باشا كثيرة ومتنوّعة، ولذا كان المترجمون له يذكرون أنّ له رسائل كثيرةٌ وقد تربو على الثلاثمائة عند بعضهم.

وأمام هذا العدد الهائل من الرسائل أحجم الباحثون عن تتبُّعها وبيان عناوينها وفنونها، واكتفوا بذكر ما اطلعوا عليه منها فقط، حتّى هيّأ الله باحثاً جادّاً، تتبّع مصنّفات ابن كمال جميعها، وفصّل فيها، فذكر عناوينها وموضوعاتها، وهو الباحث: يونس عبد الحي ما، وقد أورد مصنفات المؤلف

باللغة العربية في (44) صفحة وهذا جهد يُشكر عليه، وتتبّع دقيق يحمد له.

وكان ممّا أورده من هذه المصنّفات، الرِّسالة التي نحن بصددها، وقد أسماها:

- رسالة في الالتفات، وتسمّى برسالة في تلوين الخطاب.

ومن عرف أسلوب ابن كمال باشا، أو قرأ بعض رسائله، فإنه لن يجد مشكلة في معرفة ما هو له، أو ليس له من الرسائل، فمما يميّز رسائله، أنه درج على نمط معين في التعريف بموضوعها، إذ يقول بعد التحميد:"فهذه رسالة رتبناها"، أو "فهذه رسالة مرتبة في.."

وانظر ما قاله في الرسائل الآتية:

- وبعد فهذه رسالة مرتّبة في وضع كاد وتوضيح طريق استعماله.

- وبعد فهذه رسالة رتّبناها في تحقيق المشاكلة وتفصيل ما يتعلق بها.. .

- وبعد فهذه رسالة رتبناها في رفع ما يتعلق بالضمائر من الأوهام.. .

- وبعد فهذه رسالة رتّبناها في تحقيق معنى النظم والصياغة.. .

وهنا نجد أنّ هذه الرسالة تسير وفق ما ألفناه من قبل في الرسائل السابقة فقد جاء فيها:

- وبعد فهذه رسالة مرتّبة في تلوين الخطاب وتفصيل شعبه....

(1) تحقيق ودراسة سورتي الفاتحة والبقرة من تفسير ابن كمال باشا: 93.

ص: 130

وممّا يوثّق نسبة الرِّسالة إلى صاحبها، أننا نجد علماء يكثر دورانهم في

رسائله، ينقل عنهم، أو يناقشهم ويعترض عليهم، وهؤلاء هم:

1-

الزمخشري، ويشير إليه كثيراً بقوله: صاحب الكشاف.

2-

صاحب الكشف.

3-

البيضاوي.

4-

الشريف الفاضل.

5-

الفاضل التفتازاني.

6-

صدر الأفاضل في ضرام السقط.

وهؤلاء هم الذين تردّد ذكرهم كثيراً في هذه الرسالة، ويبدو أنَّ المؤلّف قد ألفهم واعتاد مناقشتهم أو النقل عنهم في كثير من رسائله.

محتوى الرسالة:

في هذه الرسالة يبحث ابن كمال باشا تلوين الخطاب، فيبيّن أهميته وعناية العرب به أكثر من عنايتهم بقرى الأضياف، وما ذاك إلا لأنَّه قرىً للأرواح، ولذا فقد أولوه عنايتهم.

ثم ذكر أن تلوين الخطاب يكون بأحد هذه الأمور:

1-

العدول عن الخطاب الخاص إلى الخطاب العام، وقد مثّل له بقوله

تعالى: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ

} (1) والشاهد من هذه الآيات في قوله تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} بعد قوله {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ} .

2-

صرف الخطاب عن مخاطب إلى مخاطب. ومثّل له بقول جرير:

ثِقِيْ بِاللهِ لَيْسَ لَهُ شَرِيْكٌ

وَمِنْ عِنْدِ الْخَلَيْفَةِ بِالنَّجَاحِ

أَغِثْنِيْ يَا فِدَاكَ أَبِيْ وَأُمِّي

بِسَيْبٍ مِنْكَ إِنَّك ذُو ارْتِياحِ

(1) سورة الأنعام: 106- 108.

ص: 131

فهو يرى أن الشاعر انتقل من خطاب زوجته إلى خطاب الخليفة، وبناءً على ذلك فليس فيه التفات عنده، وإنما هو من قبيل تلوين الخطاب، لأن من شرط الالتفات أن يكون المخاطب في الحالين واحداً، وقد بيّنت أنّ في هذين البيتين التفاتاً خلاف ما ذهب إليه المؤلف. وسواء كان فيهما التفات أو لم يكن كما قرّر ذلك المؤلف، فهما داخلان تحت تلوين الخطاب.

3-

العدول عن صيغة من الصيغ الثلاث وهي: صيغة التكلم، وصيغة الخطاب، وصيغة الغيبة، إلى الأخرى منها.

وهذا النوع لم يمثّل له.

4-

الالتفات: وذكر أنه: تغيير أسلوب الكلام بنقله من إحدى الصيغ الثلاث المذكورة سابقاً إلى الأخرى؛ بشرط أن يكون الكلام بعد النقل مع من كان قبله.

والفرق بين هذا وما قبله، أنّ هذا خاصّ فيما إذا كان المخاطب قبل النقل وبعده واحداً، بينما الذي قبله عامّ لا يشترط فيه استمرار الكلام بعد النقل مع من كان قبله.

وقد أسهب في هذا النوع، واستغرق منه معظم صفحات الرسالة، ولا غرابة في ذلك فالالتفات مما اعتنى ببحثه البلاغيون.

5-

تغيير الأسلوب دون النقل.

وهذا أيضاً لم يمثّل له، وأرى أنه باب واسع، يشمل كثيراً من الأمور التي يكون فيها تغيير للأسلوب عن مقتضى ظاهر المقام، ويمكن حينئذٍ أن يدخل فيه ما أورده ابن الأثير في الالتفات مثل: الرجوع عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر وعن الفعل الماضي إلى فعل الأمر، والإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل، وعن المستقبل بالماضي.

ص: 132

وحين نمعن النظر في تلوين الخطاب لدى ابن كمال باشا، نجده يحاول استقصاء الأساليب التي تلفت الانتباه، حين تتغيّر من حال إلى حال، وتخرج عن مقتضى الظاهر، فيجعلها داخلة في فروعه، وذلك لأنه رأى أن علماء البلاغة لا يعدّونها من الالتفات بعد أن تحدّد مفهومه، ووضعت له الشروط التي تخرج كثيراً من الأساليب الخارجة عن مقتضى الظاهر، وخاصة عند متأخري علماء البلاغة حيث ذكروا أن الالتفات هو:"التعبير عن معنى بطريق من الثلاثة بعد التعبير عنه بآخر منها" وإن كان السّكاكي أكثر تسامحاً منهم: فلا يشترط

تحقّق التعبير أوّلاً، بل يكتفي بأن يكون التعبير قد عدل عمّا يتطلبه مقتضى الظاهر إلى خلافه.

وكان الالتفات عند السابقين من علماء البيان مصطلحاً عائماً يدخل فيه ما ليس منه، وهذا ما وجد لدى ابن قتيبة، وابن المعتز، وقدامة بن جعفر، وأبي هلال العسكري، وابن رشيق، وغيرهم فالالتفات لديهم غير محدّد، بل أدخل فيه بعضهم التذييل والاعتراض والاستدراك، وكذلك نجد التوسّع فيه عند ابن الأثير من بعد، حيث جعل منه التعبير بالأمر عن المضارع أو الماضي، والتعبير بالمضارع عن الماضي، وبالماضي عن المضارع.

وحين وجد ابن كمال الانفتاح لدى بعض البلاغيين في مفهوم الالتفات، والانغلاق والتضييق لدى بعضهم الآخر، اختار تلوين الخطاب فجمع فيه بين رؤية السابقين واللاحقين، وحافظ على مصطلح الالتفات محدّداً دقيقاً وجعله نوعاً من أنواع تلوين الخطاب.

قيمة الرسالة العلمية

تأتي أهميّة الرسالة من كونها تتناول موضوعاً، لم أجد من أفرد له بحثاً مستقلاً، وهو تلوين الخطاب، ولم أقف على مؤلفٍ - فيما اطلعت عليه - يتحدث عنه، أو يشير إليه سوى عند الشهاب الخفاجي، فقد وردت إشارة خاطفة إليه، ولذا فقد خلت منه المعاجم الأدبية والنقدية الحديثة التي تهتمّ برصد المصطلحات الواردة في القديم والحديث.

ص: 133

ومع هذه الأهميّة، فإنّ للمؤلف وقفاتٍ رائعة، ومناقشات لمن سبقه من العلماء تدلّ على سعة علمه، ودِقَّته، وتفصح عن مكانة الرسالة العلمية، ومن ذلك:

1-

اعتراضه على الزمخشري في استنباط النكتة البلاغية من الالتفات في قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} (1) . حيث قال: "ولذلك صرّح الإمام البيضاوي على وفق إشارة صاحب الكشاف بوجود الالتفات في قوله تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} فإن العدول فيه عن مقتضى ظاهر الكلام، حيث كان سباقه، وهو قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى} على صيغة الغيبة، لا عن مقتضى ظاهر المقام، لأن مقتضاه الخطاب في الموضعين، ونكتة العدول عن مقتضى الظاهر بحسب المقام، التعظيم للنبي عليه الصلاة والسلام، والتلطيف في تأديبه بالعدول عن الخطاب في مقام العتاب، والإباء عن المواجهة بما فيه الكراهة".

وعقَّب على هذا بقوله: "وأمَّا ما قيل: في الإخبار عمّا فرط منه ثم الإقبال عليه، دليل على زيادة الإنكار، كمن يشكو إلى الناس جانياً جنى عليه، ثم يقبل على الجاني إذا حمي في الشكاية مواجهاً له بالتوبيخ، وإلزام الحجة -فوهم لا ينبغي أن يذهب إليه فهم". وهذا القول الذي أشار إليه بقوله: "وأما ما قيل"ورد عند الزمخشري في الكشاف.

2-

اعتراضه على اشتراط "أن يكون التعبير الثاني على خلاف مقتضى الظاهر" في الالتفات ويرى أنه "لا حاجة إلى ذكره، واعتباره شرطاً زائداً على ما ذكرنا، لأن أسلوب الكلام لا يتغيّر إلا إذا كان كذلك، بناءً على أن المراد من مقتضى الظاهر هنا، ظاهر الكلام لا مقتضى ظاهر المقام".

وهذا الذي ذكره وجيه، إذ إن الالتفات في الأصل لا يكون إلا إذا كان التعبير الثاني على خلاف مقتضى الظاهر، فكأنّ اشتراطه لا داعي له، فهو متحقّق، ومن الأولى تركه.

(1) سورة عبس: 1-3.

ص: 134

3-

وقد انتقد الزمخشري في عدم تفصيله لأنواع الالتفات، وأعجب بما أورده السكاكي في هذا الأمر، فقال:"وقد أفصح عن هذا صاحب المفتاح بقوله: بل الحكاية والخطاب والغيبة ثلاثتها ينقل كل واحدٍ منها إلى الآخر، ويسمّى هذا النقل التفاتاً عند علماء المعاني، وإن قصر عنه بيان صاحب الكشاف بقوله: هذا يسمّى الالتفات في علم البيان، وقد يكون من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم، حيث اقتصر على ذكر أنواعه الثلاثة".

وهذا التقصير واضح من الزمخشري، فإن كلامه يوهم أن أنواع الالتفات ثلاثة فقط، بينما هي ستة، وهي ظاهرة في قول السكّاكي.

وفي موضع آخر وجدناه يقدّم الزمخشري على السكاكي في توضيح الالتفات في أبيات امرئ القيس: تطاول ليلك بالإثمد

فقال: "وقال صاحب المفتاح: فالتفت - يعني امرأ القيس - في الأبيات الثلاثة، أراد أنه التفت في كل بيت، وكلام صاحب الكشاف في هذا المعنى أظهر، حيث قال: التفت امرؤ القيس ثلاث التفاتات في ثلاثة أبيات، فإنه نصّ في الثلاث وظاهر في التوزيع".

وهذا مما يدلّ على إنصافه، وميله مع الحق، وتتبّعه للأمانة العلميّة في نقده واستحسانه.

4-

وانتقد السكّاكي، لأنه لم يأت بمثالٍ على الالتفات من التكلم إلى الغيبة، واستدرك عليه بمثالٍ من القرآن الكريم، ورأى أن المثال وإن لم يكن موجوداً في الشعر الجاهلي، فإنه موجود فيما هو أفضل منه وأتمّ، وعلى هذا فلا عذر للسكّاكي في عدم التمثيل له، يقول: «ومثال النوع المذكور من الشعر لم يوجد في أشعار الجاهلية، ولذلك لم يورد صاحب المفتاح مثالاً له، إلا أنه لم يصب في ذلك؛ لأن وجود مثاله في التنزيل كان كافياً، فلا وجه لاقتصاره على إيراد المثال للأقسام الخمسة".

ومثال هذا النوع الذي ذكره، هو قوله تعالى:{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} (1) .

(1) سورة الكوثر آية (1-2) .

ص: 135

ومما يدلّ على اهتمامه بالاستشهاد بالقرآن وعنايته به، استدراكه أيضاً على التفتازاني حين نفى وجود التعبير عن الغائب أو المخاطب بلفظ الجمع المتكلم، وذلك في قوله: "وقد كثر في الواحد من المتكلم لفظ الجمع تعظيماً له، لعدّهم المعظّم كالجماعة، ولم يجيء ذلك للغائب والمخاطب في الكلام القديم، وإنما هو استعمال المولّدين

".

حيث قال المؤلف بعد إيراده هذا القول -: "وفيه نظر؛ لأنه قد جاء ذلك للغائب والمخاطب أيضاً في الكلام القديم" ومثّل للغائب بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} (1) فقد نقل عن البيضاوي في تفسير هذه الآية: "أي قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر الله لتعظيم أمره، والإشعار بأن قضاءه قضاء الله تعالى، وجمع الضمير الثاني للتعظيم".

ومثّل للمخاطب بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا..} (2) في قراءة من جمع لفظ (راعونا) ونقل ذلك عن الزمخشري فقال: "وأما الثاني فقد قال صاحب الكشاف في تفسير قوله تعالى: {لا تقُولُوا راعِنَا} وقرأ ابن مسعود (راعونا) على أنهم كانوا يخاطبونه بلفظ الجمع للتوقير".

5-

وانتقد التفتازاني في شرحه للتلخيص حين قال: "لأنا نعلم من إطلاقاتهم واعتباراتهم، أن الالتفات هو انتقال الكلام من أسلوب من التكلم والخطاب والغيبة، إلى أسلوب آخر غير ما يترقبه المخاطب؛ ليفيد تطرئةً لنشاطه، وإيقاظاً في إصغائه".

فقال: "ولما عرفت أن فائدة التطرئة والإيقاظ مدارها على نقل الكلام من أسلوب إلى آخر مطلقاً، فقد وقفت على ما في كلام الفاضل التفتازاني.... من الخلل، حيث اعتبر في ترتّب الفائدة المذكورة قيداً في الأسلوب المنقول إليه، لا دخل له فيه".

(1) سورة الأحزاب آية: 36.

(2)

سورة البقرة آية: 104.

ص: 136

فالمؤلف يرى أن التفتازاني أخطأ هنا، لأنه جعل هذه الفوائد محصورة في الالتفات، بينما هي في الواقع أعم، فهي صالحة لكل انتقال دون تقييد؛ ولذا فقد ذكر التفتازاني التكلم والخطاب والغيبة، والانتقال إلى أسلوب آخر غير ما يترقبه السامع، يعني لديه: الانتقال من صيغة إلى أخرى من هذه الصيغ، وابن كمال لا يريد هذا التقييد في الأسلوب المنقول إليه، لأنّ الفائدة تشمل ما قيّد بهذا القيد الذي ذكره التفتازاني وما لم يقيّد.

ويلحق بهذا انتقاده السكّاكي ومن تابعه لذكرهم "السامع"حين ذكروا فوائد الالتفات، وكان الأولى أن يذكروا "المخاطب"حتى ينصرف الذهن إلى الالتفات خاصة، فأمّا ذكرهم «السامع» فإنّه لا يفهم منه اقتصار الفوائد على الالتفات فقط، بل يكون الأمر عاماًّ فيه وفي غيره من الأساليب التي يكون فيها انتقال من حالٍ إلى حال.

ورأيه هذا صائب؛ خاصة إذا استحضرنا شرط الالتفات: وهو أن يكون المخاطب بالكلام في الحالين واحداً وقد اختار المؤلف هذا الشرط، ونقله عن صدر الأفاضل.

يقول في ذلك: "واعلم أنّ مدار تلك الفوائد على تلوين الخطاب مطلقاً، سواء كان المخاطب بالكلام في الحالين واحداً، فيوجد شرط الالتفات، أو لا يكون واحداً، فلا يكون من باب الالتفات فحق من يريد ترتّبها على الالتفات خاصة؛ أن يذكر المخاطب بدل السامع، فصاحب المفتاح ومن حذا حذوه من الذين ذكروا السامع، عند تقريرهم الفوائد المذكورة، مرتبة على الالتفات المشروط بالشرط المزبور، لم يكونوا على بصيرة".

6-

وتعقّب السيد الشريف في مسألة نحوية، حين شرح السيد الشريف قول السكّاكي - بعد إيراد أمثلة الالتفات – "وأمثال ما ذكر أكثر من أن يضبطها القلم".

ص: 137

فقد قال المؤلف: "قوله: أكثر من أن يضبطها القلم، مما أخطأ فيه الشارح الفاضل، حيث زعم أن المذكور (من) التفضيلية" وردّ عليه مبيّناً خطأه فقال: «ومبنى ما ذكره أوّلاً وآخراً، الغفول عن أصل في هذا الباب، ذكره الإمام المرزوقي في شرح الحماسة، وصاحب المغرّب، وغيرهما، وهو: أنّ أفعل التفضيل إذا وقع خبراً تحذف عنه أداة التفضيل قياساً، ومنه: الله أكبر وقول الشاعر:

دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ

فكلمة (من) في أمثال ما ذكر متعلقة بما يتضمنه اسم التفضيل".

7-

وانتقد السيد الشريف في فهم قول السكّاكي: "قد يختص مواقعه بلطائف" أي مواقع الالتفات، حيث فهم السيد الشريف أن (قد) هنا معناها التقليل، ولذا ردّ عليه المؤلف هذا الفهم، داعماً ردّه بالشواهد، فقال: "لفظة (قد) تستعار للتكثير، كما في قوله تعالى:{قدْ نرَى تقلُّبَ وجْهِكِ في السِّماءِ} (1) وقول الشاعر:

قَدْ أَتْرُكُ مُصْفَراًّ أَنَامِلُهُ

كَأَنَّ أَثْوَابَهُ مُجَّتْ بِفِرْصَادِ

والشارح الفاضل لغفوله عن استعارة (قد) للتكثير في أمثال هذا المقام، قال في شرحه: ولفظة (قد) إشارة إلى أن الفائدة العامة كافية لحسن الالتفات في مواقعها كلها، لكن ربّما اشتمل بعضها على فائدة أخرى، فيزداد حسنه فيه".

ولعلّ هذه الأمثلة توضّح أهميّة هذه الرسالة، وتفصح عن قيمتها العلميّة، وتلقي الضوء على منزلة المؤلف العلميّة، وأمانته ودقّته.

المآخذ على الرسالة:

(1) سورة البقرة آية 144.

ص: 138

الرّسالة في مجملها عمل جادّ، وجهد مثمر من عالمٍ متمكن، وقد مرّ معنا مزايا كثيرة لها، من خلال تلك الأمثلة التي عرضت جهد المؤلف، ومناقشاته، ولكن البشر مهما بلغوا في درجات الترقي والتجويد، فإنه لابد لهم من كبوة تنبئ عن بشريّتهم، وعدم عصمتهم من الخطأ والزّلل، ومن رحمة الله أن جعل أجراً على ذلك الخطأ من العالم إذا اجتهد قدر طاعته وتحرّى الحق والعدل، وأرجو أن يكون ابن كمال باشا ممّن ينال الأجر والمثوبة من الله فيما اجتهد فيه، وحسبت أن فيه تقصيراً أو خطأ، ومن ذلك:

1-

عدم تعريفه تلوين الخطاب، فالرسالة تحمل هذا العنوان، ومع ذلك فهو لا يحدّده تحديداً دقيقاً، كما صنع في الالتفات، ولعلّ السبب في ذلك، أن تلوين الخطاب باب واسع، يشمل أنواعاً كثيرة من الأساليب، ومع ذلك لم يتناوله العلماء من قبل، أمّا الالتفات فقد وجد السبيل فيه ممهّداً، ولذا فقد أطال في تناوله، وناقش ما وجد من آراء قيلت فيه.

2-

ومما يؤخذ عليه: أنه لم يمثِّل لبعض أنواع تلوين الخطاب فقد ذكر أنه يقع في خمسة أضرب، ومثّل لثلاثةٍ منها فقط وأهمل ضربين.

3-

أنه كان يأتي ببعض الأمثلة غير تامّة، فلا يتبيّن القارئ موضع الشاهد، ومن الأمثلة على ذلك، إيراده لقوله تعالى {ثمَّ توليتُم إلا قليلاً مِنْكُم} شاهداً على عدم وجود الالتفات، فقال:"فلا التفات في قوله تعالى: {ثمَّ توليتُم إلا قليلاً مِنْكُم} لأن الكلام قبله مع أسلاف المخاطبين به، نعم هو على طرزه وطريقته..".

ص: 139

وإيراده لهذا المثال لا يبيّن موطن الالتفات أو عدمه، بل لابدّ من إيراد الآية تامّة، وعند ذلك يتضح ما قاله فيوافقه القارئ أو يخالفه فيما ذهب إليه، والآية تامّة هي قوله تعالى:{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَاّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} (1) .

4-

وقد وهم المؤلف حين تابع التفتازاني، فألحق بالالتفات أمرين فقال: "وقد يطلق الالتفات على معنيين آخرين؛ أحدهما: أن تذكر معنى فتتوهم أن السامع اختلجه شيءٌ فتلتفت إلى ما يزيل اختلاجه، ثم ترجع إلى مقصودك كقول ابن ميّادة:

فلا صَرْمُهُ يبدو وفي اليأس راحةٌ

ولا وصلُهُ يصفو لنا فنكارمُه

فإنه لمّا قال: (فلا صرمه يبدو) واستشعر أن يقول السامع: وما نصنع به؟ فأجاب بقوله: (وفي اليأس راحة) ثم عاد إلى المقصود.

والثاني: تعقيب الكلام بجملة مستأنفة متلاقية له في المعنى، على طريق المثل أو الدعاء، أو نحوهما، كما في قوله تعالى:{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} (2) وقوله تعالى: {ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} (3) .... وفي قول جرير:

مَتَى كَانَ الخِيَامُ بِذِي طُلُوحٍ

سُقِيْتِ الْغَيْثَ أَيَّتُهَا الخِيَامُ

أَتَنْسَى يَوْمَ تَصْقُلُ عَارِضَيْها

بِفَرْعِ بشامةٍ سُقِيَ البَشَامُ

وهذا الذي ذكره يكاد يكون مطابقاً لما ذكره التفتازاني في المطوّل.

(1) سورة البقرة آية (83) .

(2)

سورة المائدة آية: 64.

(3)

سورة التوبة آية: 127.

ص: 140

وأمّا وهمه هنا، فإن هذه الأمثلة التي أوردها ليست من الالتفات، ولا ينطبق عليها شرطه الذي حدّده في الرسالة، وإن كان قد ورد بيت ابن ميّادة وبيت جرير الثاني عند العلماء القدامى، وجعلوهما من الالتفات، فإن المؤلف جاء متأخراً فكان الأجدر به ألا يخلط بين المصطلحات، خاصة أنه سار على نهج السكّاكي ومن تابعه في الالتفات بعد أن تحدّد مفهومه، وأولئك الأقدمون لهم عذرهم، إذ لم تكن المصطلحات قد حدّدت، ولكن المؤلف لا يعذر في هذا، وقد قال د/نزيه عبد الحميد بعد أن أورد بيت جرير الثاني:

"ومن المعروف أن المتأخرين من البلاغيين جعلوا هذا النوع من التذييل، وهو نوع من الإطناب، وهو تعقيب الجملة بجملة تشتمل على معناها للتوكيد، وهو الصواب" كما قال بعد أن أورد بيت ابن ميّادة «وهذا من الاعتراض، يذكره قدامة في الالتفات

والاعتراض نوع من أنواع الإطناب أيضاً، مثله في ذلك مثل التذييل، وعرفه البلاغيون ب: أن يؤتى في أثناء الكلام، أو بين كلامين متصلين معنى؛ بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب، لنكتة".

ولا أدري كيف غاب عن المؤلف هذا الأمر، مع سعة اطّلاعه، وغزارة علمه، وتدقيقه في المسائل؟.

5-

تخطئته للسابقين مع إمكان قبول ما قالوه:

ومن ذلك أنه لم يقرّ بصحة نسبة تحديد الالتفات إلى الجمهور، كما قرّره الخطيب، وأوضحه التفتازاني، فقد قال الخطيب:"والمشهور أن الالتفات هو التعبير عن معنى بطريق من الثلاثة، بعد التعبير بآخر منها" وقال التفتازاني في شرحه: "هذا هو المشهور عند الجمهور".

فردّ المؤلف هذا وقال: "لا يقال المشهور في تفسير الالتفات ما هو المذكور في التلخيص وعليه الجمهور على ما نصّ عليه الفاضل التفتازاني في شرحه، وما ذكرته تفسير محدث له، قلت: بل ما ذكرته على وفق إشارة صاحب المفتاح

ويوافقه ما في الكشاف، وكفى بنا ذانك الشيخان قدوة".

ص: 141

فظهر أنه يتابع الزمخشري والسكّاكي في رأيهما في الالتفات، وأنه لا يشترط فيه تحقّق التعبير بصيغةٍ ما أوّلاً، ثم الانتقال إلى التعبير عنها بصيغة أخرى، بل يكتفي بالعدول عن صيغة يقتضيها أسلوب الكلام إلى أخرى على خلافها.

وهذا اختياره الذي لا ينكره أحد عليه، فله ذلك، ولكن لا ينبغي أن ينفي صحة ما نسبه التفتازاني إلى جمهور البلاغيين في قوله "وبما قررناه تبيّن أن الجمهور لا يرتضي تحديد الالتفات بما ذكر في التلخيص، وأنّ ما ذكر في شرحه من نستبه إليهم فرية ما فيها مرية".

فإن التفتازاني لم ينفرد بذلك، وإنما هو أحد من نسبه إلى الجمهور، فمخالفة المؤلف لهم لا يستدعي إنكار نسبة القول إليهم.

إلا إذا كان يرى أنَّ رأي الجمهور قد انتقض بمخالفة الزمخشري والسكاكي لهم، فيكون لاعتراضه وجه.

ومن ذلك - أيضاً - اعتراضه على السيد الشريف في جعله مثل:

أنا الذي سمّتني أمي حيدرة، وأنت الذي أخلفتني، ونحن قوم فعلنا، وأنتم قدم تجهلون - من باب الالتفات، حيث يرى أنه لم يتحقق النّقل فيها، ولو تحقّق لكانت منه.

مع أنّنا نجد أن كلام السيد الشريف مقبول، خاصة وأنه لم يجزم بكونها من الالتفات؛ وإنما قال:"لا يبعد أن يجعل مثل: أنا الذي سمّتني أمّي حيدرة.... الخ من باب الالتفات من الغيبة إلى التكلم أو الخطاب".

فيمكن توجيه كلامه، بأن هذا احتمال جائز، وهو وارد لأن فيه عدولاً عن صيغة إلى أخرى. فالصيغة التي هي على الظاهر: أن يقول: أنا الذي سمته أمه حيدرة

الخ لأن الاسم الموصول اسم ظاهر، والاسم الظاهر بمنزلة الغائب، فكان مجرى الظاهر أن يأتي بغائب بعده، ولكنه عدل عنه إلى التكلم.

ومذهب السكّاكي يقبل مثل هذه الأمثلة التي أوردها السيد الشريف.

وهنا نجد تذبذباً في تطبيق المؤلف، لأنه ذكر أنه يرتضي رأي السكّاكي في تفسير الالتفات سابقاً، ثم يشترط تحقق النقل هنا من صيغة إلى أخرى كما هو رأي الجمهور.

ص: 142

وهذا التناقض ظاهر إذا نظرنا في قوله: "ومن هنا وما تقدم بيانه تبيّن أن كلاًّ من تغيير الأسلوب والنّقل عن صيغة إلى أخرى، أعم من الآخر من وجه، ولذلك جمعنا بينهما في تفسير الالتفات".

فهو إذن يجمع رأيي السكاّكي والجمهور، ويأخذ بهما جميعاً في الالتفات، فكان من الواجب عليه ألاّ يعترض على السيد الشريف في تلك الأمثلة التي أوردها، وأن يقبل ما قاله فيها، وذلك بناءً على أخذه برأي السكّاكي في الالتفات.

هذه بعض المآخذ التي تبّدت لي من خلال هذه الرِّسالة، وأسأل الله أن يعفو عني وعن المؤلف، وأن يتجاوز عن تقصيرنا، وأن يكتب لنا أجر المجتهد. إنه غفورٌ رحيم.

ص: 143

تابع لتلوين الخطاب لابن كمال باشا

وصف النسخ ونماذج منها:

عثرت على مصوّرتين لتلوين الخطاب، وهما:

المصوّرة الأولى: عدد أوراقها (7.5) سبع ورقات ونصف، في الورقة صفحتان، وفي الصفحة الواحدة (25) خمسة وعشرون سطراً، وفي السطر الواحد (13) ثلاث عشرة كلمة تقريباً.

وكتبت بخط فارسي، وفي بعض صفحاتها تعليقات يسيرة.

ولا يعرف ناسخها ولا تاريخ نسخها.

ويوجد منها صورة فلمية، بمكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية برقم (7313) فيلم وهي مصورة عن المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة.

وقد رمزت لهذه النسخة بالحرف (م) .

المصوّرة الثانية: عدد أوراقها (14) أربع عشرة ورقة. في كل ورقة صفحتان.

وفي الصفحة الواحدة (19) تسعة عشر سطراً. وفي السطر الواحد: (10) عشر كلمات تقريباً.

وكتبت بخط فارسي، وفي بعض صفحاتها تعليقات يسيرة جداً، أقلّ من التعليقات التي وردت على النسخة الأولى.

ولا يعرف ناسخها، ولا تاريخ نسخها.

ويوجد منها صورة فلمية بمكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية برقم (2440) فيلم وهي مصورة عن دار الكتب المصرية.

ورمزت لهذه النسخة بالحرف: (د) .

P329

P330

P331

P332

P333

الحمد لله الذي أنزل الكتاب تبياناً، وجعل الخطاب ألواناً، والصلاة على محمد أولى من نطق بالصواب، وفصل الخطاب، وعلى آله وصحبه خير آل وأصحاب، وبعد: فهذه رسالة مرتبة في بيان تلوين الخطاب، وتفصيل شعبه التي منها الالتفات الذي هو أسلوب متكاثر الفوائد، متناثر الفرائد.

والمراد من الخطاب هنا: توجيه الكلام نحو السامع.

اعلم أنهم يحسنون قرى الأشباح، فيخالفون فيه بين لون ولون، وطعم وطعم كذلك يحسنون قرى الأرواح، فيخالفون فيه أيضاً بين أسلوب وأسلوب وإيرادٍ وإيراد، بل اعتناؤهم بهذا القرى أكثر، واهتمامهم فيه أوفر.

ص: 144

ومرجع التلوين المذكور إلى تغيير الأسلوب، وذلك قد يكون بالعدول عن الخطاب الخاصّ إلى الخطاب العام، كما في قوله تعالى:{وَلَا تَسُبُّوا الَّذِيْنَ يَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللهِ} (1) فإنَّ الخطاب فيما قبله وهو قوله تعالى: {واتَّبِع مَا أُوْحِيَ إليْكَ مِنْ رَبِّكَ} (2) الآية كان خاصاًّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعلّ النكتة فيه التجنب عن مواجهته عليه الصلاة والسلام وحده بالنهي عن خلاف ما هو عليه من الأخلاق الكريمة، إذ لم يكن عليه الصلاة والسلام فحّاشاً ولا سبَّاباً، كما في قوله تعالى:{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَليٍّ وَلَا نَصِيْرٍ} (3) .

وخصوص الخطاب قد يكون صورة لا معنى، فإنّ الخطاب في قوله

تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ} وإن كان خاصاً بحسب الصيغة، لكنه عامّ معنى، فإن المخاطب به كلّ واحد ممن يقدر على الاستدلال من المصنوع على الصانع.

وقد يكون بصرف الخطاب عن مخاطب إلى مخاطب، كما في قول جرير:

ثِقِيْ بِاللهِ لَيْسَ لَهُ شَرِيْكٌ

وَمِنْ عِنْدِ الخَلِيْفَةِ بِالنَّجَاحِ

أَغِثْنِيْ يَا فِدَاكَ أَبِيْ وَأُمِّيْ

بِسَيْبٍ مِنْكَ إِنَّك ذُو ارْتِيَاحِ

فإن [المخاطب] بالبيت الأوّل امرأته، وبالبيت الثاني الخليفة (4)

(1) من سورة الأنعام الآية: (108) .

(2)

من سورة الأنعام الاية: (106) .

(3)

من سورة البقرة الآية (107) وفي م: "وما لكم من دون من ولي

".

(4)

انظر: شروح سقط الزند 5/1902، نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب الناشر الدار القومية للطباعة والنشر - القاهرة 1383هـ 1964م فإن صدر الأفاضل يرى هذا الرأي.

وقد أورد التفتازاني رأي صدر الأفاضل في عدم وجود الالتفات في هذين البيتين، ثم عقّب ذلك بقوله "فهذا أخصّ من تفسير الجمهور"المطوّل: 133 فكأنّه يرى أنّ هذا زيادة وتشدّد في شرط الالتفات لم يذكره الجمهور ولذا قال التفتازاني: "فقول أبي العلا:

هل تزجرنّكم رسالة مرسل

أم ليس ينفع أولاك ألوك

فيه التفات عند الجمهور من الخطاب في (يزجرنكم) إلى الغيبة في (أولاك) بمعنى أولئك، وهو قال إنه إضراب عن خطاب بني كنانة إلى الإخبار عنهم

» المطول 133 -134

وهذا الرأي تابعه المؤلف هنا في هذين البيتين، وأرى أنه وهم فالالتفات ظاهر في هذين البيتين لأنه قال في البيت الأول (من عند الخليفة) والاسم الظاهر بمنزلة الغيبة، ثم قال:(أغثني) فخاطبه، فهنا التفات من الغيبة إلى الخطاب، وإن كان الشاعر وجه الخطاب في البيت الأول إلى زوجته. فهذا لا يلغي الالتفات، لأن الخطاب موجّه في الحقيقة إلى الخليفة وليس إلى الزوجة. وإنّما هو يعرض أمام الخليفة ما قاله لزوجته وفي هذا تصوير لمدى الحاجة والعوز التي يحياها الشاعر هو وأهل بيته.

ص: 145

، وليس هذا

من قبيل الالتفات، كما سبق إلى بعض الأوهام؛ لأنّ من شرطه أن يكون الخطاب في الحالين لواحد، فلا يوجد فيه صرف الخطاب حقيقة وإن وجد ظاهراً، بسبب العدول عن صيغة إلى أخرى، صرّح بذلك صدر الأفاضل حيث قال في شرح سقط الزّند: «قوله: (سقيت الغيث) بمعزل عن الالتفات، لأن قوله:

مَتَىكَانَ (1) الخِيَامُ بِذِيْ طُلُوحٍ (2)

كلام مع غير الخيام، لأنه سؤال عن الخيام " وقال في موضع آخر منه، "كان يرى أنه من قبيل الالتفات، وليس منه، وذلك أنّ من شرط الالتفات أن يكون المخاطب في الحالين واحداً".

وقد يكون بالعدول عن صيغة من الصيغ الثلاث، وهي: صيغة التكلم وصيغة الخطاب، وصيغة الغيبة، إلى الأخرى منها.

(1) في (د) : كا.

(2)

هذا صدر البيت وعجزه: سقيت الغيث أيتها الخيام، وهو لجرير في ديوانه بشرح محمد إسماعيل الصاوي: 512، وهذا البيت أورده ابن الناظم من شواهد الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، انظر ص33، من المصباح. وكذلك جعله العلوي اليمني من الالتفات من الغيبة إلى الخطاب. انظر الطراز 2/140.

وأورده ابن حجة الحموي في خزانته (74) شاهداً على انصراف المتكلم عن الإخبار إلى المخاطبة.

ص: 146

ومنه الالتفات، فإنه تغيير لأسلوب الكلام بنقله من إحدى الصيغ المذكورة إلى الأخرى، بشرط أن يكون الكلام بعد النقل مع من كان قبله، على ما تقدم بيانه. فلا التفات في قوله تعالى:{ثُمَّ تولَّيْتُمْ إلاّ قَلِيْلاً مِنْكُمْ} (1) لأن الكلام قبله مع أسلاف المخاطبين به، نعم هو على طرزه وطريقته، ولذلك قال صاحب الكشاف:" {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} على طريقة الالتفات" فإن قلت: هلاّ يجدي نفعاً اعتبار التغلب الذي ذكره البيضاوي حيث قال في تفسيره: "ولعلّ الخطاب مع الموجودين منهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن قبلهم على التغليب"؟ قلت:

لا، لأنّ اعتباره لا يحقق الشرط المذكور، لأنّ الكلام قبل النّقل مع البعض، وبعده مع الكل حينئذٍ، والكلّ غير البعض.

وقد نبّه على هذا صاحب الكشف، حيث قال في شرح القول المذكور لصاحب الكشاف:"وهو كذلك سواء حمل على تغليب الموجودين في عصره عليه الصلاة والسلام، أو لا" وكلام صاحب المفتاح خلو عن اعتبار هذا الشرط في الالتفات، والشارح الفاضل لم يتعرض له في شرحه.

وأمّا الشرط الآخر المذكور في كتب القوم، وهو أن يكون التعبير الثاني على خلاف مقتضى الظاهر، واعتباره كيلا يدخل في حدّ الالتفات أشياء ليست منه، منها: أنا زيد وأنت عمرو، ونحن رجال وأنتم رجال، وأنت الذي فعل كذا، و:

نَحْنُ اللَّذُوْنَ صَبَّحُوا الصَّبَاحَا

ونحو ذلك ممّا عبّر عن معنى واحد، تارة بضمير المتكلم أو المخاطب، وتارة بالاسم المظهر أو ضمير الغائب.

ص: 147

ومنها: يا زيد قم. ويا رجلاً له بصر خذ بيدي، لأن الاسم المظهر طريق غيبته فلا حاجة إلى ذكره، واعتباره شرطاً زائداً على ما ذكرنا، لأن أسلوب الكلام لا يتغيّر إلاّ إذا كان كذلك، بناءً على أن المراد من مقتضى الظّاهر هنا مقتضى ظاهر الكلام، لا مقتضى ظاهر المقام، ولذلك صرّح الإمام البيضاوي على وفق إشارة صاحب الكشاف، بوجود الالتفات في قوله تعالى:{وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} (1) فإنَّ العدول فيه عن مقتضى ظاهر الكلام، حيث كان سباقه، وهو قوله تعالى:{عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى} (2) على صيغة الغيبة، لا عن مقتضى ظاهر المقام، لأن مقتضاه الخطاب في الموضعين، ونكتة العدول عن مقتضى الظاهر بحسب المقام، التعظيم للنبي عليه الصلاة والسلام، والتلطيف في تأديبه بالعدول عن الخطاب في مقام العتاب، والإباء عن المواجهة بما فيه الكراهة.

وأمّا ما قيل: "في الإخبار عمّا فرط منه، ثم الإقبال عليه دليل على زيادة الإنكار، كمن يشكو إلى الناس جانياً جنى عليه، ثم يقبل على الجاني إذا حمي في الشكاية مواجهاً له بالتوبيخ، وإلزام الحجة" فوهم، لا ينبغي أن يذهب إليه فهم.

ومن تأمل في طريق عتابه تعالى إياه عليه الصلاة والسلام في مواضع العتاب - كقوله تعالى: {عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} (3) فإنْ فيه ما لا يخفى من لطف الكناية عن خطئه عليه الصلاة والسلام في الإذن تعظيماً لشأنه - لا يخطر بباله مثل ذلك الوهم، وإنّما قلنا على ما ذكرنا، إذ لابدّ من اعتباره شرطاً زائداً على ما ذكروا في تفسير الالتفات.

(1) آية (3) من سورة عبس. انظر أنوار التنزيل وأسرار التأويل (2/540) فقد صرح البيضاوي بوجود الالفتات في هذه الآية وذلك لمجيئها بعد قوله تعالى {عبَسَ وَتَوَلّى} وهو واضح.

(2)

آية (1-2) من سورة عبس.

(3)

من آية (43) من سورة التوبة.

ص: 148

قال صاحب التلخيص: والمشهور أن الالتفات هو التعبير عن معنى بطريق من الثلاثة بعد التعبير عنه بآخر منها. وقال الفاضل التفتازاني - في شرحه، "بشرط أن يكون التعبير الثاني على خلاف مقتضى الظاهر" وفي المفتاح:

"ويسمّى هذا النقل التفاتاً عند علماء علم المعاني".

وقال الفاضل الشريف في شرحه: "ثم إن الالتفات من إحدى الطرق الثلاثة إلى آخر منها إنما يسمّى التفاتاً إذا كان على خلاف مقتضى الظاهر، كما يشعر به لفظ النقل، وإيراده في الإخراج لا على مقتضاه، وما ذكر من فائدته العامة" ويردّ عليه أن النقل الذي أشير إليه، هو النقل من صيغة إلى أخرى، وهذا ظاهر عن التأمّل في سياق الكلام المنقول، فلا إشعار فيه بما ذكر، وتعليله على ما نقل عنه في الحاشية "بأن الجاري على مقتضى الظاهر لا يقال فيه: نقل " مردود أيضاً، لأنه [إن] أريد: أنه لا يقال فيه نقل على الإطلاق، فمسلّم ولكن لا يجدي نفعاً، لأن الواقع ههنا النقل المقرون بالإشارة الصارفة عن المتبادر عند الإطلاق فلا صحة له كما لا يخفى، ثم إن قوله: "يتحقق الإشعار في إيراد الالتفات في الإخراج لا على مقتضى الظاهر بما ذكر" مبناه عدم الفرق بين ظاهر المقام وظاهر الكلام؛ فإنّ صاحب المفتاح قد أورد الالتفات في الإخراج على خلاف الظاهر بحسب اقتضاء أسلوب الكلام، وقد نبّهت فيما تقدّم على هذا وعلى الفرق بين الإخراجين. فإن قلت: قد أثبت صاحب المفتاح في أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَىقول امرئ القيس:

تَطَاوَلَ لَيلُكَ بِالأَثْمُدِ

ص: 149

التفاتاً، وهذا بناءً على أنّ كلاً من المتكلم والخطاب والغيبة، إذا كان مقتضى الظاهر فعدل عنه (1) إلى الآخر فهو التفات عنده، قلت: نعم، أثبت فيه التفاتاً على خلاف ما عليه الجمهور، ومع ذلك لم ينكر ثبوت الالتفات إذا نقل الكلام عن أسلوب هو خلاف مقتضى المقام، إلى أسلوب هو مقتضاه ولذلك أثبت التفاتاً آخر في قوله:"وذلك من نبأ جاءني". فظهر أن المعتبر في الالتفات عنده -أيضاَ- الإخراج على خلاف الظاهر بحسب أسلوب الكلام، لا بحسب اقتضاء المقام، كما هو السابق إلى الفهم من النبأ المذكور آنفاً، إلاّ أنّه اكتفى بالعدول عن الأسلوب المتوقع، وقال: يتحقق الشرط المذكور بذلك، والجمهور على أنه لابد من العدول عن أسلوب محقّق.

فإن قلت أليس مقتضى المقام ينتظم مقتضى الكلام؟ فما هو على خلاف مقتضى أسلوبه يكون على خلاف مقتضى المقام أيضاً، قلت: كذلك إلاّ أن مقتضى الظاهر في مصطلح أهل هذا الفن ما يقتضيه ظاهر المقام قبل الشروع في الكلام، ومن خلافه خلاف ذلك فلا ينتضمان ما يحدث بعد الشروع فيه، باختيار أسلوب من الحال، وإنّما لم يعتبروا الحادث بعد الشروع فيه، لأنّه قد يكون مخالفاً للقديم، كما إذا كان المقام مقام الخطاب، وشرع في الكلام على أسلوب الغيبة، وقد مرّ مثاله من التنزيل، فلو اعتبر في مثل ذلك الحادث بعد الشروع يلزم أن يكون الكلام على مقتضى الظاهر من وجه وعلى خلافه من وجه، ولا وجه لترجيح الحادث على القديم، وإسقاطه على حيّز الاعتبار بالكليّة؛ إذ يلزم حينئذٍ أن لا يتحقق مقتضى المقام من جهة الكلام قبل الشروع بل عنده أيضاً، ما لم يتقرر أسلوبه، ولا مجال لأن يقال: أنهم اعتبروا القديم قبل حدوث (2) المعارض، وأسقطوا [ما] بعده، إذ لا مستند لهذا التفصيل من جهة السلف، كما لا يخفى على من تتبّع وأنصف، وبالتجنب عن التعسف اتّصف.

(1) في (د) : عند.

(2)

في د: فيه حدوث المعارض وأسقطوه بعده.

ص: 150

ثمّ إنّ ما زعمه من الإشعار فيما ذكره من الفائدة العامة للالتفات بكونه على مقتضى الظاهر -مردود أيضاً؛ لأن مدار تلك الفائدة على العدول من أسلوب إلى آخر سواء كان العدول عنه على مقتضى الظاهر أو لا، على ما تقف على ذلك بإذن الله تعالى.

لا يُقال: المشهور في تفسير الالتفات ما هو المذكور في التلخيص، وعليه الجمهور على ما نصّ عليه الفاضل التفتازاني في شرحه، وما ذكرته تفسير محدث له، قلت: بل ما ذكرته على وفق إشارة صاحب المفتاح حيث قال: «والعرب يستكثرون منه، ويرون الكلام إذا انتقل من أسلوب إلى أسلوب أدخل في القبول عند السامع، وأحسن تطرئة لنشاطه، وأملأ باستدرار إصغائه» ويوافقه ما في الكشّاف، وكفى بنا ذانك الشيخان قدوةً، وقد وقفت فيما سبق على أن ما ذكر في التلخيص لا يطّرد إلا باعتبار شرط من الخارج، وذلك خارج عن قانون الحدّ، وما ذكرنا سالم عن المحذور المذكور، وذلك لأن الاختلاف في الأسلوب أخصّ من الاختلاف في التعبير؛ فإنّ الثاني يتحقّق في نحو قوله تعالى:{يا أَيُّها الَّذِيْن آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاة} (1) دون الأوّل؛ لأن حق الضمير العائد إلى الموصول أن يكون غائباً، فلا يتغيّر به الأسلوب وإن تغيّر التعبير حتى احتيج إلى اعتبار قيد زايد للاحتراز عن مثله.

وبما قررناه تبيّن أن الجمهور لا يرتضي تحديد الالتفات بما ذكر في التلخيص، وأن ما ذكر في شرحه من نسبته إليهم فرية ما فيها مرية.

ومما يظنّ أنّه من قبيل الالتفات وليس منه قوله تعالى: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ

(1) آية (6) من سورة المائدة.

ص: 151

تَجْهَلُونَ} (1) أما وجه الظنّ فهو أن الاسم الظاهر غائب فلما عدل عنه إلى الخطاب في تجهلون تحقق الالتفات، وأمّا أنه ليس منه فلأنّ في عبارة القوم [جهتا غيبة] وخطاب؛ وذلك لأنّها اسم ظاهر غائب وقد حمل على {أَنْتُمْ} فصار عبارة عن المخاطب، ثم إنّه وصف {تَجْهَلُوْنَ} اعتباراً لجانب خطابه المستفاد من حمله على {أَنْتُمْ} (2) وترجيحاً له على جانب غيبته الثابت في نفسه؛ لأن الخطاب أشرف وأدل وجانب المعنى أقوى وأكمل، فهو بالحقيقة اعتبار لجانب المعنى، وتغليب له على جهة اللفظ، فإنّ الغيبة في لفظ (القوم) ومعناه الخطاب، وبهذا القدر من الاعتبار لا يتغير الأسلوب، ولا يتحقق النقل من طريق إلى آخر، وعلى هذا القياس قول علي رضي الله عنه:"أنا الَّذي سمّتْنِي أمِّي حَيْدَرَة".

قال المرزوقي في شرح قول الحماسة:

[وَإِنَّا] لَقَوْمٌ مَا نَرَى القَتْلَ سُبَّةً

إِذا مَا رَأَتْهُ عَامِرٌ وَسَلُوْلُ

"كان الوجه أن يقول: ما يرون القتل سبَّةً؛ حتى يرجع الضمير من صفة القوم إليه ولا تَعْرى منه، لكنّه لما علم أن المراد بالقوم هم قال: ما نرى، وقد جاء في الصلة مثل هذا وهو فيه أفظع، قال:

أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّيْ حَيْدَرَهْ

أَكِيْلُكُمْ بِالسَّيْفِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ

والوجه سمّته حتى لا تعرى الصلة من ضمير الموصول، قال أبو عثمان

المازني: لولا صحة مورده وتكرره لرددته» والشريف الفاضل لغفوله عمّا قررناه قال في شرحه للمفتاح: «لا يبعد أن يجعل مثل: أنا الذي سمّتني أُمِّي حيدرة، وأنت الذي أخلفتني، ونحن قوم فعلنا، وأنتم قوم تجهلون - من باب الالتفات من الغيبة إلى التكلم أو الخطاب".

(1) آية: 55 من سورة النمل. وورد في النسختين (وأنتم) وهو خطأ.

(2)

ساقط من (د) .

ص: 152

وممّا يشبه الالتفات وليس منه: ما في قوله تعالى: {فَإنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ} (1) من تغيُّر الأسلوب والعدول عن مقتضى ظاهر الكلام؛ وذلك أن موجب طرد الكلام على أسلوب ما سبق من قوله تعالى: {قُلْ أَطِيْعُوا الله وَأَطِيْعُوا الرَّسُوْلَ} (2) وسوقه على مقتضى الظاهر هو أن يقال: فإن تولّوا فإنّما عليهم ما حمّلوا وعليك ما حمّلت، وإنّما قلنا إنّه ليس منه؛ لعدم النقل عن أحد الطرق الثلاثة إلى الآخر منها؛ فإن المتحقق في قوله تعالى:{قُلْ أَطِيْعُوا اللهَ} تنزيلهم منزلة الغائبين، لا سوق الكلام معهم على طريق الغائبة، والفرق واضح وإن خفي على صاحب الكشف حيث قال:"هو التفات حقيقي؛ لأنّه جعلهم غُيّباً، حيث أمر الرسول [صلى الله عليه وسلم] بخطابهم في قوله {قُلْ أَطِيْعُوا اللهَ} ثم خاطبهم بقوله {فَإِنْ تَوَلَّوْا} (3) . وقد نبّه صاحب الكشاف على ما ذكرنا من عدم الالتفات حقيقة فيما ذكر لفقد شرط النقل حيث قال: "صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات" يعني أن مقتضى الظاهر نظم الكلام على الغيبة، ولما صرف عنها كان على طريقة الالتفات وإن لم يكن منه لعدم تحقّق النّقل عن الغيبة، حيث لم يوجب سوق الكلام على صيغتها، ففي إقحام عبارة الطريقة وذكر الصرف دون النّقل تنبيه على ما ذكرنا، فافهم.

(1) آية 54 من سورة النور.

(2)

آية (54) من سورة النور: والآية تامة: {قُلْ أَطِيْعُوا الله وأَطِيْعُوا الرَّسُول فإن توَلَّوا فَإِنَّما عليه ما حُمِّل وعلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تطيعُوه تهتدوا وما على الرَّسُول إلا البلاغُ المُبِيْن} .

(3)

انظر حاشية الشهاب الخفاجي 6/396 فقد ذكر هذا الرأي ثم عقب عليه بقوله: "وقيل إنه من تلوين الخطاب إذ عدل عن خطاب الرسول عليه الصلاة والسلام إلى خطابهم بالذات فليس مندرجاً تحت القول".

ص: 153

ومن ههنا وما تقدم بيانه تبيّن أنّ كلاً من تغيير الأسلوب والنّقل عن صيغة إلى أخرى - أعمّ من الآخر من وجهٍ؛ ولذلك جمعنا بينهما في تفسير الالتفات، وظهر لك شعبة أخرى لتلوين الخطاب، وهي: ما يوجد فيه تغيير الأسلوب دون النّقل.

فاعلم أن أنواع الالتفات بحسب النّقل من كل واحدة من الصيغ الثلاث إلى إحدى الأخريين ستّة، وقد أفصح عن هذا صاحب المفتاح بقوله:"بل الحكاية والخطاب والغيبة ثلاثتها ينقل كل واحد منها إلى الآخر، ويسمّى هذا النقل التفاتاً عند علماء علم المعاني " وإن قصر عنه بيان صاحب الكشاف بقوله: "هذا يسمّى الالتفات في علم البيان، وقد يكون من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى التكلم" حيث اقتصر على ذكر أنواعه الثلاثة، وقوله:"في علم البيان"لا ينافي قول صاحب المفتاح "عند علماء المعاني"لأنه أراد بالبيان علم البلاغة الشامل للمعاني والبيان، وإنما كان الالتفات من علم المعاني لأن ما يترتب عليه من الفوائد من جملة خواصّ التراكيب التي يبحث عنها في العلم المذكور.

وأمّا ما قيل: "يُبحث عنه في علمي البلاغة والبديع، أمّا في المعاني فباعتبار كونه على خلاف مقتضى الظاهر، وأمّا في البيان فباعتبار أنَّه إيراد لمعنى واحد في طرق مختلفة في الدلالة عليه جلاء، [وخفاء] (1) وبهذين الاعتبارين يفيد الكلام حسناً ذاتياً للبلاغة، وأمّا في البديع فمن حيث إنّ فيه جمعاً بين صورٍ متقابلة في معنى واحد فكان من محسّناته المعنوية " - ففيه نظر؛ أمّا أوّلاً: فلأن مجرد كونه على خلاف مقتضى الظاهر لا يكفي في دخوله في علم المعاني، وهذا ظاهر عند من له أدنى تأمل في حدّ العلم المذكور.

(1) هذه الزيادة من حاشية السيد الشريف على الكشاف.

ص: 154

وأمّا ثانياً: فلأن اعتبار أنّه إيراد لمعنى واحد في طرق مختلفة في الدلالة عليه جلاء [وخفاء] ، غير كافٍ في دخوله في علم البيان؛ بل لابدّ معه أن يكون ذلك الاختلاف بحسب الدلالة العقلية، وهو مفقود في الالتفات، ولذلك لم يورده صاحب المفتاح في البيان واقتصر على إيراده في المعاني والبديع.

وعدّه خلاف مقتضى الظاهر من الكناية لا يجدي نفعاً في كونه من البيان؛ لأنه ليس منها حقيقة؛ كيف وهي من أقسام اللفظ، والخلاف المذكور ليس من جنس اللفظ، وكذا إخراج الكلام عليه ليس منه، وإنّما عدّه من الكناية لما بينهما من المشابهة، والشريف الفاضل لغفوله عن هذا قال في شرح المفتاح في حاشيته "وكونه من إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر المندرج تحت الكناية؛ لا يوجب كونه من مباحث البيان كسائر الجزئيات المندرجة تحت (1) قواعده؛ لأن الأحكام الجزئية المندرجة تحت قواعد علم [البيان] فروعٌ وثمراتٌ لمسائله، إذ ليست مبحوثاً عنها بخصوصيّاتها".

ثم إن موجب تعليله بقوله: "لأن الأحكام"الخ. على تقدير تمامه هو إيجاب ما ذكر من الاندراج عدم كونه من مباحث البيان لا عدم إيجاب كونه منها، وإنّما قلنا:"على تقدير تمامه"لأنه محل نظر، فتدبّر.

(1) في (د) : في.

ص: 155

وهذا الكلام قد وقع في البيان استطراداً، فلنعد إلى ما كنّا فيه من تفصيل أنواع الالتفات الحاصلة من ضرب الثلاث في الاثنين، فنقول: أحدها: الالتفات من التكلم إلى الخطاب: ومثاله من التنزيل {وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون} (1) وذلك أن المراد بقوله تعالى: {وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ} المخاطبون، والمعنى: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم فالمعبّر عنه في الجميع هو المخاطبون، ولمّا عبّر عنهم بصيغة التكلم كان مقتضى الظاهر أن لا يغيّر أسلوب الكلام، بل يجري اللاحق على سنن السابق، ويقال: وإليه أرجع، فلمّا عدل عنه إلى ما ذكر تحقق الالتفات.

ومن الشعر:

تَذَكَّرْتَ والذِّكْرَى تَهِيْجُكَ زَيْنَبَا

وَأَصْبَحَ باقِي وَصْلِها قَدْ تَقضَّبا

إن قُرئ (تذكرتَ) بالفتح كما هو الرواية، فالالتفات فيه على رأي صاحب المفتاح؛ حيث كان الظاهر ضمّها على التكلم (2) فعدل عنه إلى الخطاب، وإن قُرِئ بالضمّ فالالتفات في (يهيجك) وهذا باتفاق.

وثانيها: الالتفات من التكلم إلى الغيبة: ومثاله من التنزيل: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ} (3) كان الظاهر أن يقال: فصلّ لنا. قال الفاضل التفتازاني في شرح التلخيص: "وقد كثر في الواحد من المتكلم لفظ الجمع تعظيماً له لعدّهم المعظّم كالجماعة، ولم يجيء ذلك للغائب والمخاطب في الكلام القديم، وإنّما هو استعمال المولّدين كقوله:

بِأَيِّ نَوَاحِي الأَرْضِ أَبْغِي وِصَالَكُمْ

وَأَنْتُمْ مُلُوْكٌ مَا لِمَقْصَدِكُمْ نَحْوُ

(1) الآية (22) من سورة يس والآية من شواهد المصباح في المعاني والبيان والبديع لابن الناظم: 31، والتلخيص (87) والإيضاح (158) .

(2)

في (م) : المتكلم.

(3)

الآية (1-2) من سورة الكوثر، والآية من شواهد: المصباح (33) والتلخيص (17) والإيضاح (158) وشروح التلخيص (1/468) .

ص: 156

تعظيماً للمخاطب وتواضعاً من المتكلم وفيه نظر؛ لأنّه قد جاء ذلك للغائب والمخاطب أيضاً في الكلام القديم، أمّا الأول: فقد قال الإمام البيضاوي في تفسير قوله تعالى: {و (1) مَا كَانَ لِمُوْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللهُ ورَسُوْلُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} (2)"أي قضى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وذكر الله لتعظيم أمره، والإشعار بأنّ قضاءَه قضاءُ الله، تعالى وجمع الضمير الثاني للتعظيم".

وأمّا الثاني فقد قال صاحب الكشاف في تفسير قوله تعالى: {لا تَقُوْلُوا (3) رَاعِنَا (4) } : "وقرأ ابن مسعود: (راعونا) على أنهم كانوا [يخاطبونه] بلفظ الجمع للتوقير" والفاضل المذكور اعترف بما أنكره ههنا - في بحثه: أن الأمر للوجوب من التلويح.

ومثال النوع المذكور من الشعر لم يوجد في أشعار الجاهلية، ولذلك لم يورد صاحب المفتاح مثالاً له إلاّ أنَّه لم يصب في ذلك، لأن وجود مثاله في التنزيل كان كافياً، فلا وجه لاقتصاره على إيراد المثال للأقسام الخمسة.

وثالثها: الالتفات من الخطاب إلى التكلم، ومثاله لم يوجد في التنزيل، وأمّا مثاله من الشعر فقوله:

طَحَا بِكَ قَلْبٌ فِي الحِسَانِ طَرُوبُ

بُعيْدَ الشَّبابِ عَصْرَ حانَ مَشِيْبُ

يُكَلِّفُنِي لَيْلَى وقد شَطَّ وَلْيُها

وَعَادتْ عَوَادٍ بَيْنَناَ وخُطُوبُ

التفت من الخطاب في (طحابك) إلى التكلم؛ حيث لم يقل يكلّفك، وفاعل يكلفني ضميرُ القلب، وليلى مفعوله الثاني، والمعنى: يكلفني ذلك القلب ليلى ويطالبني بوصلها.

(1) ساقط من (د) .

(2)

آية (36) من سروة الأحزاب.

(3)

في (م) : ولا تقولوا.

(4)

سورة البقرة من الآية (104) .

ص: 157

ورابعها: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة؛ ومثاله من التنزيل: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} (1) كان الظاهر أن يقال: وجرين بكم.

ومن الشعر قوله:

إنْ تَسْأَلوا الحقَّ نُعطِ الحقَّ سائِلَهُ

والدِّرْعُ مُحْقَبَةٌ والسَّيْفُ مَقْرُوبُ

التفت في (سائله) من الخطاب إلى الغيبة.

وخامسها: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب؛ ومثاله من التنزيل: {مالكِ يومِ الدِّيْن. إيَّاكَ نَعْبُدُ (2) } كان الظاهر أن يقول: إيّاه نعبد.

ومن الشعر:

طَرَقَ الخَياَلُ ولا كَلَيْلَةِ مُدْلجِ

سَدِكاً بِأَرْحُلِنَا وَلَمْ يَتَعَرَّجِ

أنَّى اهْتَدَيْتِ وَكُنْتِ [غير] رجِيْلَةٍ (3)

والقومُ قَدْ قَطَعُوا متان السَّجْسَجِ (4)

التفت في البيت الثاني من الغيبة إلى الخطاب، حيث قال:(اهتديت) وكان الظاهر أن يقول: اهتدى.

وسادسها: الالتفات من الغيبة إلى التكلم، ومثاله من التنزيل:{والله الَّذِيْ أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيْرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ} (5) كان الظاهر أن يقال: فساقه.

ومن الشعر قوله:

تَطَاوَلَ لَيْلُكَ بالأثْمُدِ

ونَامَ الخَلِيُّ وَلَمْ تَرْقُدِ

(1) الآية (22) من سورة يونس والآية من شواهد المصباح (34) والتلخيص (88) والإيضاح (1/158) .

(2)

آية (4-5) من سورة الفاتحة والآية من شواهد المفتاح: 201، والمصباح: 34، والإيضاح 1/158، والتلخيص (88) وشروحه: 1/469، 471.

(3)

في (م) : صله وفي (د) رحيلة. وما أثبتّه من ديوان الشاعر. والرجيلة: القوّية على المشي.

(4)

في (د) : السجع وفي (م) بسميج، والبيتان للحارث بن حلزة اليشكري، الشاعر الجاهلي،

وهما في ديوانه جمع وتحقيق د. إميل بديع يعقوب ص 42. وهما من شواهد المفتاح: 200، والبيت الثاني فيه:

أنى اهتديت لنا وكنت رحيلة

والقوم قد قطعوا متان السجيج

وورد أيضاً في المصباح: (33) والشطر الأول من البيت الثاني يوافق ما في المفتاح.

(5)

الآية (9) من سورة فاطر.

ص: 158

وبَاتَ وبَاتَتْ لَهُ لَيْلَةٌ

كَلَيْلةِ ذِيْ العَائِر الأرْمَدِ

وَذَلِكَ مِنْ نَبإٍ جاءَنِيْ

وخُبِّرْتُه عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ

التفت في (جاءني)(1) من الغيبة إلى التكلم، وكان الظاهر أن يقول: جاءه. وقال صاحب المفتاح: "فالتفت - يعني امرأ القيس - في الأبيات [الثلاثة] " أراد أنه التفت في كل بيت. وكلام صاحب الكشاف في هذا المعنى أظهر؛ حيث قال: "التفت [امرؤ] القيس ثلاث التفاتات في [ثلاثة] أبيات" فإنه نصّ في الثلاث وظاهر في التوزيع؛ أمّا في الأول: فمن التكلم إلى الخطاب؛ إذا القياس: (تطاول ليلى) .

وأمّا في الثاني: فمن الخطاب إلى الغيبة؛ حيث قال: (وبات) والقياس: (وبتَّ) على الخطاب.

وأمّا في الثالث: فقد مرّ بيانه.

وهذا القول من صاحب الكشاف صريح في أنَّ سَبْقَ طريق آخر تحقيقاً ليس بشرطٍ في الالتفات. فالمخالفة للجهمور في هذا الخصوص ليست من خصائص صاحب المفتاح، بل هو مقلّد فيها لصاحب الكشّاف، فحقُّ ذلك المذهب أن يُنسب إليه لا إلى صاحب المفتاح؛ لأن القول حقُّه أن ينسب إلى من سبق به.

لا يقال: إن في لفظ (ذلك) التفاتاً من الغيبة إلى الخطاب؛ فيكون في تلك الأبيات ثلاثة التفاتات على مذهب الجمهور أيضاً، فلا ضرورة إلى حمل قول صاحب الكشاف على خلاف ما عليه الجمهور، لأنّا نقول: الالتفات فيما ذكر غير متعين، إذ يجوز أن يكون الكاف خطاباً لغيره لا لنفسه؛ على أن قول صاحب الكشاف على ما نبهت فيما تقدم - صريحٌ في توزيع الالتفاتات على الأبيات الثلاثة، وعلى ما ذكر لا يصح ذلك.

(1) في (م) : جاء.

ص: 159

تابع لتلوين الخطاب لابن كمال باشا

اعلم أنه قد دار في ألسنة أرباب البلاغة أن [امرأ] القيس التفت ثلاث مرات في [ثلاثة] أبيات، واستغربوا ذلك غاية الاستغراب وزعموا أنه ثمرة الغراب، وقد وقع في كلامه تعالى التفاتان في مقدار نصف مصراع البيت؛ وذلك أغرب، كما في قوله تعالى:{ثُمَّ رُدُّوْا إِلى اللهِ} (1) فإنَّ في {رُدُّوا} التفاتاً من الخطاب إلى الغيبة، وفي قوله:{إِلى اللهِ} (2) التفاتاً (3) من التكلم إلى الغيبة؛ لأن سياقه قوله تعالى: {حَتَّى (4) إذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُوْنَ} (5) .

وقوله تعالى: {بَارَكْنَا حَوْلَه لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} (6)

(1) الآية 62 من سورة الأنعام.

(2)

في (م) إلى أنه.

(3)

ساقط من (م) .

(4)

ساقط من (م) .

(5)

الآية 61 من سورة الأنعام وسياق الآيتين - حتى يتضح الالتفات - هو {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ، ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} .

(6)

من الآية (1) من سورة الإسراء، والآية بتمامها:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} . وهذه القراءة (ليريه وردت عن الحسن. انظر في ذلك:

- الكشاف: 2/437.

- البحر المحيط: 7/10.

- الدرّ المصون 7/307.

وقد بيّن صاحب الدرٍّ المصون الالتفات فقال: "وقرأ الحسن (ليريه) بالياء من تحت، أي الله تعالى، وعلى هذه القراءة يكون في هذه الآية أربعة التفاتات، وذلك أنّه التفت أوّلاً من الغيبة في قوله {أسرى بعبده} إلى التكلم في قوله {باركنا} ثم التفت ثانياً من التكلم في {باركنا} إلى الغيبة في {ليريه} على هذه القراءة، ثم التفت من هذه الغيبة إلى التكلم في {آياتنا} ، ثم التفت رابعاً من هذا التكلم إلى الغيبة في قوله: {إنّه هو} على الصحيح في الضمير أنه لله..".

ص: 160

على قراءة {لِيُرِيَه} (1) بياء الغيبة، فإن فيه التفاتاً من التكلم إلى الغيبة ثم من الغيبة إلى التكلم.

ومن ههنا تبيّن فساد ما قيل: شرط الالتفات أن يكون التعبيران في [كلامين] .

والفوائد العامّة لأنواع الالتفات هي: حسن التطرئة (2) لأسلوب الكلام، تنشيطاً للسامع، فإن الطبع قد يملّ من أسلوب معين، فإذا خرج عنه الكلام [تتجدّد] له الرغبة إلى الإصغاء ولطف الإيقاظ للسامع، وذلك أن الكلام إذا جرى على سنن واحدٍ ربّما يذهل لكونه جرياً على العادة المعهودة، فيفوته المقصود، وزيادة التقرير للمعنى في ذهن السامع، وذلك أن الكلام اللاحق إذا صرف عن أسلوب السابق تستغربه النّفس فتتنبه له، وتنبعث للنظر فيه وتدبّره، فيشتد وقعه فيها، وقال الفاضل التفتازاني في شرحه للمفتاح: "الفائدة العامة في مطلق الالتفات وجهان يرجع أحدهما إلى المتكلم، وهو قصد التفنّن في الكلام والتصرف فيه بوجوه مختلفة من غير اعتبار لجانب السامع.

وثانيهما (3) : إلى السامع، وهو حسن تنشيطه ولطف إيقاظه".

ويردّ عليه أن القصد المذكور لا يصلح فائدة للالتفات. وكان الشريف الفاضل تنبّه لذلك فعدل عنه إلى قوله: "وهي التصرف والافتنان في وجوه الكلام، وإظهار القدرة من التمكن فيها".

(1) في (د) : يريه.

(2)

في (د) النظرئة.

(3)

في (د) والثاني.

ص: 161

ويتّجه عليه أيضاً أنه: إن أريد مطلق التصرف والافتنان حسناً كان أو قبحاً؛ فلا وجه لعدّه القدرة عليه فضيلة، وإن أريد التصرف والافتنان على وجه يتضمّن الخاصية والمزية فترجع الفائدة إلى تلك الخاصية، فينقلب خاصّة فتدبّر. ولا يذهب عليك أن الفوائد المذكورة إنما تترتب على الالتفات إذا كان فيه انتقال عن أسلوب إلى آخر تحقيقاً لا تقديراً، وما قيل في توجيه قول صاحب المفتاح: بالتعميم للانتقال التقديري - مع تصريحه لعموم تلك الفوائد من الالتفات إذا ورد على السامع خلاف ما يترقبه من الأسلوب الظاهر، كان له مزيد نشاطٍ، ووفور رغبة في الإصغاء إلى الكلام - تعسُّف ظاهر. فإن المذكور في الفوائد: تطرية النشاط، لا تقويته، ولا شبهة في أن التطرئة لا [تتصور] في ابتداء المخاطبة.

واعلم أن مدار تلك الفوائد على تلوين الخطاب مطلقاً، سواء كان المخاطب بالكلام في الحالين واحداً؛ فيوجد شرط الالتفات، أو لا يكون واحداً؛ فلا يكون من باب الالتفات، فحق من يريد ترتبها على الالتفات خاصّة، أن يذكر المخاطب بدل السامع، فصاحب المفتاح ومن حذا حذوه من الذين ذكروا السامع عند تقريرهم الفوائد المذكورة مرتبة على الالتفات المشروط بالشرط المزبور (1) لم يكونوا على بصيرة.

(1) في (د) المرلور. وفي (م) المزلور.

ص: 162

ولما عرفت أن فائدة التطرئة (1) والإيقاظ مدارها على نقل الكلام من أسلوب إلى آخر مطلقاً، فقد وقفت [على] ما في كلام الفاضل التفتازاني؛ حيث قال في شرح التلخيص:"لأنا نعلم قطعاً من إطلاقاتهم واعتباراتهم أن الالتفات هو انتقال الكلام من أسلوب من التكلم والخطاب والغيبة إلى أسلوب آخر غير ما يترقبه المخاطب، ليفيد تطرئة لنشاطه، وإيقاظاً في إصغائه" من الخلل؛ حيث اعتبر في ترتّب الفائدة المذكورة قيداً في الأسلوب المنقول إليه لا دخل له فيه، ثم إنّه لم يصب في قوله: هو انتقال الكلام، لأنه نقل الكلام على ما اختاره صاحب المفتاح.

والتعبير عن معنى واحد بطريقين، على ما هو المشهور، والانتقال المذكور أثره لا نفسه، وما عدّ من المحسنات البديعيّة إنّما هو أثره.

(1) في (د) النظرية.

ص: 163

واعلم أن المراد من المعنى المشترك بين الطريقين المذكورين في التعريف المشهور للالتفات؛ إنّما هو المعنى الثاني لذينك الطريقين، لا معنى الكلام؛ لأنّه متعدد قطعاً، وإنَّما قيّدنا المعنى بالثاني؛ لأن معناهما (1) الأول -أيضاً- متعدد، فإن الكلام إذا نقل عن طريق الخطاب إلى طريق الغيبة مثلاً؛ يكون المعنى الأول للطريق المنقول عنه (الخطاب) ، وللطريق المنقول إليه (الغيبة) ، وهما معنيان مختلفان إنما الاتحاد فيما هو المقصود بهما، فإنّ الَّذي عبّر عنه بطريق الغيبة هو الَّذي قصد بطريق الخطاب، فمرجع ما ذكر إلى اعتبار الشرط الَّذي ذكره صدر الأفاضل، ومن ههنا تَبَيّن أنّ الحاجة إلى اعتبار الشرط المذكور على تقدير تفسير الالتفات بنقل الكلام عن أسلوب إلى آخر، وتغيير أسلوب الكلام بنقله عن صيغة إلى أخرى، وأمّا إذا فُسِّر بالتعبير عن معنى بطريق من الثلاثة بعد التعبير عنه بآخر منها، فلا حاجة إليه، بل لا وجه له؛ إذ حينئذٍ يلزم اعتبار مدلول الشيء شرطاً زائداً عليه، وكأن الفاضل التفتازاني (2) غافل عن دلالة التعبير المذكور على الشرط المزبور (3)، حيث قال في شرحه للتلخيص - بعد التفصيل المشبع في الالتفات على التفسير المذكور -:"وذكر صدر الأفاضل في ضرام السقط "أن من شرط الالتفات أن يكون المخاطب بالكلام في الحالين واحداً"، فإن الظاهر منه اعتبار الشرط المزبور على التفسير المشهور أيضاً.

قال صاحب المفتاح - بعد الإكثار في إيراد الأمثلة للالتفات – "وأمثال ما ذكر أكثر من أن يضبطها القلم، وهذا النوع قد يختص مواقعه بلطائف معانٍ قلّما تتضح إلاّ لأفراد بلغائهم، أو للحذّاق المهرة في هذا الفن، والعلماء النّحارير".

(1) في (د) : معناها.

(2)

في (د) : لا تفتازاني.

(3)

في (م) : المربور.

ص: 164

قوله: "أكثر من أن يضبطها القلم"مما أخطأ فيه الشارح الفاضل حيث زعم أن المذكور (من) التفضيلية، فقال:"يرد عليه أنّ ما بعد (من) لا يصلح أن يكون مفضّلاً عليه، إذ ليس مشاركاً لما قبلها في أصل الفعل؛ أعني الكثرة ونظيره قولهم: أكثر من أن يحصى، [وقولهم] : الناس أكيس من أن يمدحوا رجلاً ما لم يروا عنده آثار إحسان، وهو كثير في كلام المولّدين فقيل: كلمة (من) متعلقة بفعل يتضمّنه اسم التفضيل؛ أي: متباعدة في الكثرة من ضبط القلم، ومن الإحصاء، ومتباعدون في الكياسية من مدح الرجل الخالي عن الإحسان، وردّ بأنّ (من) إذالم تكن تفضيليّة [فقد] استعمل أفعل التفضيل بدون الأشياء الثلاثة، ولاشك أن التفضيل مراد، فالمعنى أكثر مما يمكن أن يضبط بالقلم، ومما يمكن أن يحصى، وأكيس [ممّن] يتأتى منه أن يمدح الخالي عن الإحسان، إلا أنه سومح في العبارة اعتماداً على ظهور المراد". إلى هنا كلامه.

ومبنى ما ذكره أولاً وآخراً الغفول عن أصلٍ في هذا الباب، ذكره الإمام المرزوقي في شرح الحماسة، وصاحب المغرِّب، وغيرهما، وهو: أن أفعل التفضيل إذا وقع خبراً تحذف عنه أداة التفضيل قياساً، ومنه: الله أكبر، وقول الشاعر:

دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ (1)

فكلمة (من) في أمثال ما ذكر متعلقة بما يتضمنه اسم التفضيل، وقوله (قد يختص مواقعه بلطائف)(2) لفظة (قد) فيه تستعار للتكثير، كما في قوله تعالى:{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السِّمَاء} (3) وقول الشاعرِ:

قَدْ أَتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرّاً أنامِلُهُ

كأنَّ أثوابَهُ مُجَّتْ بِفِرْصادِ (4)

(1) هذا عجز بيت للفرزدق وتمامه:

إن الذي سمك السماء بنى لنا

بيتاً دعائمه أعز وأطول

ديوان الفرزدق بشرح مجيد طراد 209.

(2)

سقط من (م) : مواقعه بلطائف.

(3)

الآية 144 من سورة البقرة.

(4)

ومعنى مجّت: صبغت. والفرصاد: التوت، والحمرة.

ص: 165

والشارح الفاضل لغفوله عن استعارة (قد) للتكثير في أمثال هذا المقام، قال في شرحه:"ولفظة (قد) إشارة إلى أن الفائدة العامة كافية لحسن الالتفات في مواقعه كلها، لكن ربما اشتمل بعضها على فائدة أخرى، فيزداد حسنه فيه" ثم إن معنى التبعيض لا يتحمله الكلام المذكور، لأن فحواه الإخبار عن أن مواقع الالتفات لا ينفك عن لطائف أخر على معنى أنّ كلاً منها يلزمه لطيفة مخصوصة زيادة على الفائدة العامة، كما هو مقتضى مقابلة الجمع بالجمع، فالباء داخلة على المقصور لا على المقصور عليه، كما في تحصّك بالعبادة، واختصّ [بها](1) ، إذ لا صحة للإخبار عن أن لطائف أخر

لا تنفك عن مواقع الالتفات.

ومن اللطائف المخصوصة ما ذكره صاحب المفتاح، وصاحب الكشاف، في:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ} . وله وجه آخر، ذكره الفاضل التفتازاني في شرح التلخيص وهو أنَّ "ذكر لوازم الشيء وخواصه، يوجب ازدياد وضوحه، وتميزه، والعلم به، فلما ذكر الله تعالى توجه النفس إلى الذات الحقيق بالعبادة، وكلما أجرى عليه صفة من تلك الصفات العظام ازداد ذلك، وقد وصف أوّلاً بأنه المدبّر للعالم، وثانياً بأنه المنعم بأنواع النعم الدنيوية والأخروية، لينتظم لهم أمر المعاش، ويستعدوا لأمر المعاد.

وثالثاً: بأنه المالك لعالم الغيب، وإليه معاد العباد، فانصرفت النفس بالكلية إليه لتناهي وضوحه، وتميّزه بسبب هذه الصفات، فخوطب تنبيهاً على أنّ من هذه صفاته، يجب أن يكون معلوم التحقق عند العبد متميزاً عن سائر الذوات، حاضراً في قلبه، بحيث يراه ويشاهده حال العبادة، وفيه تعظيم لأمر العبادة وإنها ينبغي أن تكون عن قلب حاضر، كأنه يشاهد ربّه ويراه، ولا يلتفت إلى ما سواه" إلى هنا كلامه وبعبارته.

(1) في النسختين: بوا. وهو خطأ ظاهر.

ص: 166

ولا يذهب عليك أنه لم يصبْ في إطلاق المدبّر على الله تعالى، أمّا على أصل من قال: إن أسماء الله توقيفية (1) فظاهر، وأمّا على أصل المخالف فيه، فلأنه شرط فيه أن لا يكون موهماً لما لا يليق بشأنه تعالى، وفي المدبّر ذلك الإيهام، كما لا يخفى على ذوي الأفهام.

وقد فسّر الفاضل التفتازاني في شرح التلخيص القول المذكور على وفق ما ذكرناه، حيث قال:"أي قد يكون لكل التفات سوى هذا الوجه العام لطيفة، ووجه مختص به بحسب مناسبة المقام" إلا أنّه يتجه عليه أن يقال: لم لا يجوز أن يكون ما يترتب على التفات (2) ، بحسب مناسبة المقام من الوجه الخاص، مترتباً على التفات آخر في مثل ذلك المقام، ولا دليل على انفراد كل فرد، بل كل نوع منه بوجه خاص، لا يشاركه فيه غيره، ولاستقراء القاصر لا يجدي نفعاً.

وقد يطلق الالتفات على معنيين آخرين؛ أحدهما: أن تذكر معنى،

[فتتوهم] أنّ السامع اختلجه (3) شيء، فتلتفت إلى ما يزيل اختلاجه، ثم ترجع إلى مقصودك، كقول ابن ميادة:

فَلا صَرْمُهُ يَبْدو وفي الْيأْسِ راحةٌ

ولا وَصْلُهُ يَصْفو لنا فَنُكَارِمُهْ (4)

فإنَّه لما قال: (فلا صرمه يبدو) واستشعر أن يقول السامع: وما نصنع به؟

فأجاب بقوله: (وفي اليأس راحة) ، ثم عاد إلى المقصود.

(1) في (د) : توفيقية.

(2)

في (م) الالتفات.

(3)

في (م) : اختلمه.

(4)

في (م) : فيكارمه. والبيت في شعر ابن ميادة: 225، جمع وتحقيق د. حنّا جميل حداد من مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق 1402هـ.

ص: 167

والثاني: تعقيب الكلام بجملة مستأنفة متلاقية له في المعنى، على طريق المثل أو الدعاء أو نحوهما، كما في قوله تعالى:{وَقَالَتْ (1) اليَهُوْدُ يَدُ اللهِ مَغْلُوْلَةَ غُلَّتْ أَيْدِيْهِمْ} (2) وقوله تعالى: {ثُمَّ انْصَرَفُوْا صَرَفَ الله قُلُوبَهُمْ} (3) وفي كلامهم: قصم الفقر ظهري، والفقر قاصمات الظهر، وفي قول جرير:

مَتَى كان الخِيَامَ بِذِي طلُوْحٍ

سُقِيْتِ الغَيْثَ أَيَّتُها الخِيامُ

[أَتَنْسَى] يَوْمَ تَصْقُل عارِضَيْهَا

بِفَرْعِ بَشَامَةٍ سُقِيَ الْبَشَامُ

تمت بعونه تعالى وكرمه.

(1) في (م) : قالت: بإسقاط الواو.

(2)

من الآية 64 من سورة المائدة.

(3)

من الآية 127 من سورة التوبة.

ص: 168

تابع لتلوين الخطاب لابن كمال باشا

فهرس المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

كتاب الاختيارين. صنعة الأخفش تحقيق: فخر الدين قباوة. مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1404هـ.

أسلوب الالتفات، دراسة تاريخية فنية، د. نزيه عبد الحميد، مطبعة دار البيان، بمصر ط1، 1403هـ.

الأصمعيات، اختيار الأصمعي. تحقيق وشرح: أحمد محمد شاكر وعبد السلام محمد هارون. دار المعارف. ط7.

الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، ط6، 1984م.

إنباه الرواة على أنباه النحاة. للقفطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. دار الفكر العربي، القاهرة، ط1، 1406هـ.

أنوار التنزيل وأسرار التأويل، للبيضاوي، مطبعة البابي الحلبي وأولاده بمصر ط2، 1388هـ.

الإيضاح في علوم البلاغة. للخطيب القزويني شرح وتعليق د/محمد عبد المنعم خفاجي دار الكتاب اللبناني - بيروت ط5، 1400هـ.

البحر المحيطفي التفسير، لأبي حيان الأندلس. المكتبة التجارية، مكة المكرمة.

بدائع الفوائد. لابن قيم الجوزية. مطبعة الفجالة الجديدة، ط2، 1392هـ.

البديع لابن المعتز. شرحه وعلق عليه: د. محمد عبد المنعم خفاجي، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.

بغية الوعاة للسيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. دار الفكر، ط2، 1399هـ.

تاريخ آداب اللغة العربية. جرجي زيدان. دار الهلال، د. ت.

تأويل مشكل القرآن. لابن قتيبة، شرحه ونشره: السيد أحمد صقر. دار الكتب العلمية، بيروت. ط3، 1401هـ.

تحقيق ودراسة سورتي الفاتحة والبقرة من تفسير ابن كمال باشا. إعداد: يونس عبد الحي ما. رسالة ماجستير، بالجامعة الإسلامية.

تلخيص المفتاح. للخطيب القزويني. مطبعة البابي الحلبي وأولاده بمصر. الطبعة الأخيرة.

تيسير البيضاوي، تعليقات وشروح على أنوار التنزيل من أسرار التأويل للبيضاوي. تأليف: محمد أبو الحسن. دار الأنصار. مصر، ط4.

ص: 169

ثلاث رسائل في اللغة. لابن كمال باشا، تحقيق: د. محمد حسين أبو الفتوح. مكتبة الحياة، بيروت. ط1، 1993م.

ثمار القلوب في المضاف والمنسوب. للثعالبي. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. دار المعارف. القاهرة.

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. دار الكتب العلمية بيروت. ط1، 1408هـ.

حاشية الشهاب المسماة بعناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي. للشهاب الخفاجي نسخة لا يوجد عليها معلومات عن الطبع.

خزانة الأدب وغاية الأرب، لابن حجة الحموي، طبعة قديمة، لا يوجد عليها معلومات عن الطبع.

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب. للبغدادي. تحقيق: عبد السلام محمد هارون. مكتبة الخانجي، القاهرة.

الدرّ المصون في علوم الكتاب والمكنون. للسَّمين الحلبي، تحقيق: د. أحمد الخراط. دار القلم، دمشق، ط1، 1406هـ.

ديوان امرئ القيس. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. دار المعارف. ط4.

ديوان الحارث بن حلّزة. جمع وتحقيق: د. إميل بديع يعقوب. دار الكتاب العربي، بيروت. ط1، 1411هـ.

ديوان عبيد بن الأبرص. شرح أشرف أحمد عدرة. دار الكتاب العربي، بيروت. ط1، 1414هـ.

رسائل ابن كمال باشا اللغوية. تحقيق: د. ناصر الرشيد، النادي الأدبي. الرياض. 1401هـ.

رسالتان في المعرَّب لابن كمال والمنشي. تحقيق: د. سليمان إبراهيم العائد. جامعة أم القرى، مكة المكرمة.

شذرات الذهب في أخبار من ذهب. لابن العماد الحنبلي. دار الفكر، د. ت.

شرح أسماء الله الحسنى للرازي، قدم له وعلق عليه طه عبد الرؤوف سعد. مكتبة الكليات الأزهرية. القاهرة، 1396هـ.

شرح التلخيص المعروف بمختصر المعاني. للتفتازاني. مطبوع بهامش التلخيص.

شرح ديوان جرير. لمحمد إسماعيل الصاوي. الشركة اللبنانية. بيروت.

شرح ديوان الحماسة. للمرزوقي. نشره أحمد أمين وعبد السلام هارون. مطبعة لجنة التأليف والنشر، القاهرة. ط2، 1387هـ.

ص: 170

شرح ديوان علقمة الفحل للأعلم الشنتمري. تقديم: د. حنّا نصر الحتي. دار الكتاب العربي. بيروت، ط1، 1414هـ.

شرح القسم الثالث من مفتاح العلوم للسكاكي، السيد الشريف. مخطوط بمكتبة عارف حكمت، تحت رقم 86/416 بلاغة.

شروح التلخيص. دار الكتب العلمية، بيروت.

شروح سقطالزند. نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب، الدار القومية للطباعة والنشر. القاهرة. 1383هـ.

شعر ابن ميَّادة، جمع وتحقيق: د. حنا جميل حداد. من مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق. 1402هـ.

الشعر والشعراء لابن قتيبة، طبعة محققة ومفهرسة، دار الثقافة، بيروت 1964م.

الشقائق النعمانية. طاشكبري زادة. دار الكتاب العربي. بيروت، 1975م.

كتاب الصناعتين. لأبي هلال العسكري. تحقيق: علي محمد البجاوي. ومحمد أبو الفضل إبراهيم. دار إحياء الكتب العربية. القاهرة، ط1، 1371هـ.

طبقات الشعراء. لابن المعتز، تحقيق: عبد الستار أحمد فراج. دار المعارف ط4.

طبقات فحول الشعراء. لابن سلام. قرأه وشرحه محمود شاكر. مطبعة المدني. القاهرة.

الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز. العلوي اليمني. دار الكتب العلمية. بيروت.

العمدة في محاسن الشعر وآدابه لابن رشيق. تحقيق: د. محمد قرقزان. دار المعرفة، بيروت، ط1، 1408هـ.

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب. للطيبي. تحقيق: صالح عبد الرحمن الفائز، رسالة دكتوراة، بالجامعة الإسلامية.

الكتاب: كتاب سيبويه. تحقيق: عبد السلام محمد هارون. مكتبة الخانجي بالقاهرة. ط2، 1403هـ.

الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل. للزمخشري، حقق الرواية محمد الصادق قمحاوي مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.

الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة، للشيخ نجم الدين الغزي، تحقيق: د. جبرائيل سليمان جبُّور. منشورات دار الآفاق الحديثة، بيروت، ط2، 1979م.

لسان العرب. لابن منطور. دار صادر. بيروت.

ص: 171

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر. لابن الأثير، تحقيق: د. أحمد الحوفي. ود. بدوي طبانة. دار نهضة مصر. القاهرة. ط2.

مجلة الجامعة الإسلامية. العددان. 71، 72، 1406هـ.

مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، العدد الخامس عشر، شعبان، 1416هـ.

مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية. جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي. دار العربية بيروت. ط1، 1399هـ.

مختصر في شواذ القرآن من كتاب البديع لابن خالويه. مكتبة المتنبي، القاهرة.

المطوّل على التلخيص للتفتازاني. مطبعة أحمد كامل، 1330هـ

معاهد التنصيص على شواهد التلخيص. عبد الرحيم العباسي. تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. عالم الكتب. بيروت.

المعجم الأدبي. جبّور عبد النور. دار العلم للملايين، بيروت، ط2، 1984م.

معجم البلاغة العربية د/بدوي طبانة. دار العلوم للطباعة والنشر - الرياض 1402هـ.

المعجم المفصل في الأدب. د. محمد التونجي. دار الكتب العلمية. بيروت ط1، 1413هـ.

معجم المؤلفين، عمر رضا كحالة. دار إحياء التراث العربي. بيروت.

معجم النقد العربي القديم. د. أحمد مطلوب. دار الشؤون الثقافية العامة بغداد. ط1، 1989م.

المغرّب في ترتيب المعرَّب. للمطرزي، دار الكتاب العربي. بيروت.

مفتاح العلوم. للسكاكي. ضبطه وكتب هوامشه، نعيم زرزور. دار الكتب العلمية. بيروت.

المفضليات. اختيار المفضل الضبّي. تحقيق وشرح: أحمد محمد شاكر وعبد السلام هارون. دار المعارف. ط7.

نقد الشعر. لقدامة بن جعفر. تحقيق: كمال مصطفى. مكتبة الخانجي. القاهرة. ط3، 1398هـ.

النوادر في اللغة لأبي زيد الأنصاري. دار الكتاب العربي. بيروت. ط2، 1387هـ.

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان. لابن خلّكان. تحقيق: إحسان عباس. دار الفكر. بيروت.

ص: 172

المنهل المؤهول بالبناء للمجهول

لأبي الخير محمد بن ظهيرة

تحقيق ودراسة

إعداد

د. عبد الرزاق بن فرج الصاعدي

الأستاذ المشارك في كلية اللغة العربية

المُقَدِّمَةُ

أحمدك اللهم حمد معترف بجليل نعمتك، وأذكرك وأشكرك ولا أكفرك، وأثنى عليك الخير كلّه، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلّم على أشرف أنبيائك، وصفوتك من خلقك، سِيِّدنا محمد، وعلى آله وصحبه.

أما بعد؛ فهذا كتاب ((المنهل المأهول بالبناء للمجهول)) لخير الدين أبي الخير محمد بن أبي السعود بن ظهيرة القرشي المكّيّ الشافعيّ، من علماء القرن التّاسع الهجريّ، وأدرك القرن العاشر. وهو مصنف فيما لم يُسَمَّ فاعله من الأفعال، مِمّا اصطُلِحَ عليه بـ ((الأفعال المبنية للمجهول)) أو ((المبنية لغير الفاعل)) .

والأصل في الفعل أن يأتي مبنياً للمعلوم؛ لأنّ الغالب في الأفعال أن يكون لها فاعل معلوم، ولا يستغني الفعل عن فاعله إلا إذا غُيِّرَتْ صيغته وبني للمجهول، فيحذف فاعله، ويسند الفعل للمفعول أو غيره، كالمصدر أو الظرف أو المجرور.

والأفعال في العربية - في هذا - على نوعين:

نوع يجوز فيه الوجهان، البناء للمعلوم والبناء للمجهول، بحسب مراد المتكلم، ووفق القياس المعروف في بناء الأفعال لغير الفاعل، وهذا النوع يؤخذ بالقياس، وهو الكثير الغالب، ويعنى به النّحاة.

ونوع جاء ملازماً للمجهول، وهو ضربان:

ضرب لا يستعمل إلا على تلك الصيغة، كعُنِيْتُ بحاجَتِكَ، ونُفِسَتِ المَرأةُ.

وضربٌ تغلب في استعماله صيغة المبني للمجهول، وقد يستعمل بصيغة ما سُمِّيَ فاعله (المبني للمعلوم) كزُهِيتَ علينا؛ أي: تكبّرت؛ ورد فيه: زَهَا يَزْهُو زَهْواً.

وقد عُنِيَ علماء اللغة بالأفعال المبنية للمعلوم، وصنّفوا فيها تصانيف باسم ((الأفعال)) ومن أبرزهم: ابن القُوطيّة (ت367هـ) وابن طريف (نحو 400هـ) والسرقسطيّ (بعد 400هـ) وابن القطّاع (ت 515هـ) .

ص: 173

أمّا الأفعال المبنية للمجهول بضربَيْها المتقدّمين فلا نعلم كتاباً مستقلاً فيها قبل كتابنا هذا ((المنهل المأهول)) الذي فتح الطريق لمن جاء بعده بالتأليف فيها، فظهر في القرن الحادي عشر كتاب حافل في هذا النوع من الأفعال، وهو كتاب ((إتحاف الفاضل بالفعل المبني لغير الفاعل)) لمحمّد عليّ بن عَلان الصّدّيقيّ المتوفّى سنة (1057هـ) اعتمد فيه المؤلف على كتاب ((المنهل المأهول)) وجعله أساساً لما جاء في كتابه من مادة، وذكر ذلك في مقدمته.

وظهرت في زماننا بعض الدراسات العلمية أو المصنفات المعجمية في هذا النوع من الأفعال، ومن أبرزها:

1-

((الأفعال الملازمة للمجهول بين النحويين واللغويين)) وهو بحث صغير للدكتور مصطفى النّمّاس.

2-

المبني للمجهول في الدرس اللغوي والتطبيق في القرآن الكريم)) للدكتور محمود سليمان ياقوت، وهي دراسة نشرت سنة (1989م) .

3-

((قاموس الأفعال المبنية للمجهول)) لأسماء أبو بكر محمد، وهي مادة معجمية مرتبة على حروف المعجم مستخرجة مما في ((المنهل المأهول)) و ((إتحاف الفاضل)) .

وتكمن أهمية كتابنا هذا ((المنهل المأهول)) في سبقه التاريخي في التأليف في هذا النوع من الأفعال، وطرافة موضوعه، ولهذا فهو جدير بأن يأخذ حقّه من النشر والعناية ليسدّ فراغاً في المكتبة اللغوية.

وقد يَسَّرَ الله لي العمل فيه بعد أن توفرت على ثلاث نسخ خطية له، وسرت في عملي في دراسته وتحقيقه على الخطة التالية:

القسم الأول: الدراسة

الفصل الأول: المُصنِّف:

المبحث الأول: اسمه ونسبه ومولده ووفاته.

المبحث الثاني: شيوخه وتلامذته.

المبحث الثالث: آثاره العلمية وشعره.

الفصل الثاني: كتاب المنهل المأهول

المبحث الأول: تحقيق اسم الكتاب وتوثيق نسبته.

المبحث الثاني: موضوع الكتاب ومادته ومنهجه.

المبحث الثالث: مصادره وشواهده.

القسم الثاني: التحقيق

أولاً: وصف النسخ.

ثانياً: منهج التحقيق.

النص المحقق:

الفهارس.

ص: 174

وفي ختام هذه الكلمة أرجو من الله العليّ القدير أن يجزل المثوبة لمؤلّف هذا الكتاب ولدارسه ومحققه، وأن يجعله من العلم النافع الجاري أجره إلى يوم القيامة، وأرجو ممن ينظر فيه أن يتلطّف بإصلاح ما طغا به القلم، وزاغ عنه البصر، وقصّر عنه الفهم، فالإنسان محل النقص والنسيان، ومن الله العون والتوفيق وعليه التكلان.

القسم الأول: الدراسة

الفصل الأول: المُصَنِّف

المبحث الأول: اسمه ونسبه ومولده ووفاته:

مصنف كتاب المنهل المأهول هو: خير الدين أبو الخير محمد بن أبي السعود ابن ظهيره.

واسمه - كما أورده السخاوي-: محمد بن محمد بن محمد بن محمد خير الدين أبو الخير بن الجمال أبي السعود بن أبي البركات بن أبي السعود القرشي الشافعي ابن ظهيرة.

واسم جَدِّة الثّاني (والد جَدِّه) كما أورده الفاسي والنجم ابن فهد: أبو السعود محمد بن حسين بن علي بن أحمد بن عطية بن ظهيرة (ت802هـ) .

وبالجمع بين الاسمين يكون اسم مؤلف هذه الرسالة بالكامل بعد تجريد آبائه من الكنى والألقاب: محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن حسين بن علي بن أحمد ابن عطية بن ظهيرة المخزوميّ القرشيّ المكّيّ.

ولقبه: خير الدين، وهذا هو المشهور قال السخاوي:"أو قطب الدين" وكنيته: أبو الخير، واشتهر بابن أبي السعود.

وحَدَّد السخاوي تاريخ مولده ومكانه بقوله: "ولد حين خسوف القمر من ليلة الثلاثاء رابع عشر شعبان سنة ستٍّ وأربعين وثمانمائة بمكة".

ص: 175

وينحدر خير الدين ابن ظهيرة من أسرة علم عريقة وفيرة، اشتهر كثير من أفرادها في مكة المكرمة بالشرف والرياسة والعلم، في أجيال متتابعة، طيلة ستة قرون، منذ القرن السابع الهجري، حتى القرن الثاني عشر، وَلِيَتْ خلالها قضاء مكة منذ القرن الثامن الهجري، وقد اضطهدهم المماليك في آخر أيامهم، ثم عاد إليهم القضاء مع دخول العثمانيين الحجاز، ثم ضعف شأنهم في القرن الحادي عشر، وقد عُرِفت هذه الأسرة بـ ((آل ظهيرة)) أو ((أبناء ظهيرة)) وينتهي نسبهم إلى بني مخزوم من قبيلة قريش.

ولما كثر أبناء هذه الأسرة، وبرزوا في العلم والقضاء، واشتهروا ألف فيهم النجم عمر بن فهد القرشي (ت 885هـ) كتاباً سماه ((المشارق المنيرة في ذكر بني ظهيرة)) ذكره الشوكاني،والبغدادي، ولعلّه هو الكتاب الذي ذكره عبد الله مرداد في ((المختصر)) في ترجمة محمد بن يحيى بن ظهيرة بقوله:"وأخبرني من أثق به - أيضاً - بأنه اطلع على رسالة البدور المنيرة في ذكر بني ظهيرة".

وهذا يدلّ على أن الكتاب كان موجوداً في القرن الماضي (الرابع عشر) وقد بحثت عنه في بعض الخزائن المكّيّة وسألت أهل الاختصاص فلم أجد له أثراً. ولم يقف عليه صاحب ((التاريخ والمؤرخون بمكة)) .

ومن أبرز العلماء والقضاة في هذه الأسرة المكية الشهيرة:

1-

محمد بن أحمد بن عمر بن أحمد بن أبي شاكر بن ظهيرة (مجد الدين)(ت 677هـ) .

2-

محمد بن حسين بن علي بن أحمد بن عطية بن ظهيرة (جمال الدين أبو السعود)(ت802هـ) وهو الجد الثاني للمؤلف (أبو جَدِّه) كما تقدم.

3-

محمد بن عبد الله بن ظهيرة (جمال الدين أبو حامد)(ت 817هـ) .

4-

محمد بن محمد بن محمد بن حسين بن ظهيرة (نجم الدين أبو المعالي)(ت 846هـ) .

5-

محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن ظيهرة (جلال الدين أبو السعادات)(ت 861هـ) .

6-

محمد بن إبراهيم بن علي بن ظهيرة (جمال الدين أبو السعود)(ت 907هـ) .

ص: 176

7-

علي بن جار الله بن محمد بن أبي اليمن بن أبي بكر بن أبي البركات محمد بن أبي السعود بن ظهيرة (ت 1010هـ) .

وولد ابن ظهيرة مؤلف هذا الكتاب بمكة - كما أشرت سابقاً - وبها نشأ، وحفظ القرآن، وصلّى به في المسجد الحرام، وحفظ الأربعين النوويّة، ولازم خاله في العربية، والجوجري في الفقه بمكة وبالقاهرة، وأذن له بالإقراء وغيره، وحلّق لإقراء العربية وغيرها، وتدرج حتى تولى القضاء - كما يفهم من عبارة ابن عَلان الصّدّيقيّ.

وأثنى السّخاويّ على رجاحة عقله ووصفه بقوله: "وهو منجمع مذكور بسكون وعقل مع حسن خط وخبرة بالشروط

وبالجملة فهو فاضل ساكن".

ولم تذكر المصادر التي بين أيدينا تاريخ وفاة ابن ظهيرة، ولكن يفهم من كلام السخاويّ المتوفّى سنة (902هـ) أن ابن ظهيرة كان معاصراً له، وكان حياً في مطلع القرن العاشر، أمّا العزّ بن فهد فإنه ذكره ودعا له بالرَّحمة وهذا يدلّ على أنه توفيّ قبل سنة (922هـ) وهي السنة التي توفي فيها العز بن فهد، وبهذا يمكن القول: إن خير الدين أبا الخير بن أبي السعود محمد بن ظهيرة مؤلف هذا الكتاب توفيّ في أوائل القرن العاشر بين سنتي 902هـ و922هـ.

المبحث الثاني: شيوخه وتلامذته:

أولاً: شيوخه:

أخذ خير الدين أبو الخير بن ظهيرة عن عدد من علماء عصره، وأهم شيوخه الذين وقفت عليهم.

1-

سارة ابنة ابن جماعة (ت 855هـ) .

وهي سارة ابنة عمر بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة، وتعرف بابنة ابن جماعة.

ذكر السخاوي أنها أجازت لخير الدين بن ظهيرة.

2-

أبو جعفر بن الضّياء الحلبيّ (ت 857هـ) .

وهو محمد بن أحمد بن عمر بن محمد بن عثمان بن عبيد الله الحلبي، الشهير بأبي جعفر بن أبي الضياء الحلبي.

ذكر السخاوي أنه أجاز لابن ظهيرة.

3-

الشّهاب أحمد بن عليّ المحلّيّ (ت 858هـ) .

وهو أحمد بن عليّ بن محمد بن موسى الشّهاب المحلّيّ ثمّ المدني.

ذكر السّخاويّ أنّ ابن ظهيرة سمع منه.

ص: 177

4-

أبو الحسن الإبّيّ (ت 859هـ) .

وهو علي بن إبراهيم بن راشد أبو الحسن الإبّي (بكسر الهمزة وتشديد الباء) ، سمع منه ابن ظهيرة.

5-

أبو الفتح المراغي (ت 859هـ) .

وهو شرف الدين أبو الفتح محمد بن أبي بكر بن الحسن المراغي.

ذكر صاحب ((الضوء اللامع)) أن ابن ظهيرة سمع منه.

6-

الزين الأميوطيّ (ت 867هـ) .

وهو عبد الرحيم بن إبراهيم الأميوطي، سمع منه ابن ظهيرة.

7-

إمام الكامليّة (ت 876هـ) .

وهو محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن علي بن يوسف الشهير بـ ((إمام الكاملية)) ، سمع منه ابن ظهيرة.

8-

عبد القادر المحيّويّ المالكيّ (ت 880هـ)

وهو عبد القادر بن أبي القاسم بن أبي العباس أحمد بن عبد المعطي المحيوي المالكي، وهو خال ابن ظهيره، وإمام العربية في زمانه، يقول السخاوي:"وقد صار شيخ بَلَدِهِ في مذهبه والعربية غير مدفوع فيهما" ومن أهم مؤلفاته في العربية شرح التسهيل، لم يتمه.

تلمذ عليه ابن ظهيرة في العربية، ولازمه حتى تميز فيها كما يقول السخاوي.

9-

شمس الدين الجوجريّ (ت 889هـ) .

وهو شمس الدين محمد بن عبد المنعم الجوجريّ.

لازمه ابن ظهيرة، وأخذ عنه الفقه بمكة والقاهرة.

10-

شمس الدين السخاوي (ت 905هـ) .

وهو محمد بن عبد الرحمن السخاوي (شمس الدين) المؤرخ المشهور ذكر أن ابن ظهيرة تردد عليه بمكة مع خاله عبد القادر المحيّويّ، ثم تردد عليه منفرداً بالقاهرة، ويبدو أنه أخذ عنه.

11-

ابن الفرات (؟)

وهو محمد بن العباس بن أحمد بن محمد بن الفرات أبو الحسن، شيخ العز ابن فهد، لم أقف على سنة وفاته.

ذكر السخاوي أنه أجاز لابن ظهيرة.

ثانياً: تلامذته:

لم تسعفنا المصادر التي بين أيدينا في التعرف على تلامذة خير الدين بن ظهيرة، وأشار السخاوي إلى واحد منهم في قوله:"قرأ عليه حفيد الأهدل سنن ابن ماجه".

ص: 178

والحفيد هذا هو: حسين بن صديق بن حسن بن عبد الرحمن بن محمد بن علي بن أبي بكر حفيد الشيخ البدر الحسيني الأهدل اليماني الشافعي. ولد سنة (850هـ) وتوفي بعد سنة (905هـ) .

المبحث الثالث: آثاره العلميّة وشعره:

أولاً: آثاره العلميّة:

لابن ظهيرة مؤلّفات في اللغة والنحو وبعض العلوم، وصفها ابن عَلان الصّدّيقيّ بأنّها ((مفيدة)) وأشار إلى أنّ له تحقيقات عديدة، وقد فقد كثير منها، ومما عرفناه من مؤلفات ابن ظهيرة:

1-

رشف الشرابات السنية من مزج ألفاظ الأجرومية:

وهو شرح لكتاب الأجرومية في النحو، ذكره السّخاويّ.

2-

شرح الإيجاز للنووي:

وهو كتاب في المناسك، وصل فيه ابن ظهيرة إلى نحو النصف.

3-

شرح التسهيل لابن مالك:

أكمل فيه شرح خاله عبد القادر المحيوي، من باب التصغير إلى آخر الكتاب.

4-

شرح لاميّة الأفعال لابن مالك:

وهو في التصريف، وصل فيه ابن ظهيرة إلى نحو النصف كما يقول السّخاويّ.

5-

المنهل المأهول بالبناء للمجهول:

وهو هذا الكتاب، وسيأتي الكلام عليه مفصلاً.

ثانياً: شعره:

لابن ظهيرة شعر أشارت إليه بعض المصادر فأوردت نتفاً منه كـ ((الضوء اللامع)) و ((غاية المرام)) .

ويغلب على شعره سمة النظم، كعادة العلماء في أكثر أشعارهم. ومن نظمه مما أورده السخاوي قوله معاتباً:

ماذا الجَفَا يا ظَبْيَةَ الوَعْسَاءِ أَضْرَمْتِ نَارَ الهَجْرِ في أَحْشَائي

وأَنا الّذي أَخْلَصْتُ فيك مَحَبَّتِي ووَقَفْتُ مُخْتَاراً عليك ولائي

وقوله يمدح مكان الشريف محمد بن بركات بن حسن بن عجلان بن رميثة ابن أبي نمي، المسمّى بأمّ شُمَيْلَة سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة:

بأُمِّ شُمَيْلَةٍ حَسُنَ المَقيلُ وطَابَ لَنَا بها الظِّلُّ الظَّلِيلُ

وهَبَّ نَسِيمُها الأَسْنَى صَحيحاً وعهدِي بالنَّسِيم هُوَ العَلِيلُ

لقد كَمُلَتْ مَحَاسِنُها فأَثنى لِسَانُ الحالِ في المَعْنَى يَقُولُ

ص: 179

أَهَلْ لريَاقَتي وصَفَاءِ مَائي ونُضْرَةِ خُضْرَتِي يُبْغَى بَدِيلُ

وهَلْ لمُعَمِّري بَيْنَ البرايا شَبيهٌ أو بَديلٌ أو مَثيلُ

مَلِيكٌ قد سَمَا قُنَنَ المعالي وذَلَّ لِعِزِّهِ الصعبُ المهولُ

هو البطلُ الهِزَبْرُ أبو قِناعٍ محمدٌ الأبيُّ المُسْتَطِيلُ

وقال يهنئ الشريف محمد بن بركات بالنصر والسلامة في وقعة سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة بقصيدة طويلة مطلعها:

في صاَدِقِ الخُبْرِ ما يُغْنِي عن الخَبَر وفي اقتناصِ الصَّياصي غايَةُ الوَطَرِ

ومنها:

مَلْكٌ له في رَحِيبِ الفَضْلِ بَادِرَةٌ وفي حُروبِ الأعادي أيُّ مُصْطَبَرِ

قَرْمٌ هِزَبْرٌ إذا ما شِمْتَ طَلْعَتَهُ رأيتَ عجّاجَ بَحْرٍ غير مُحْتَكرِ

إن جَالَ في صَهَواتِ الخيلِ يومَ وغىً تراهمُ يُلصِقُونَ الأرضَ بالطُّرَر

ومنها:

دَعُوا السَّيوفَ لأَهْلِيها ودونَكُمُ حَرثَ النّهوبِ وجَعْلَ الحبِّ في الحفرِ

وسَلِّمُوا الخيلَ واعَتْاضُوا بها حُمُرا فكم نَرَى حُمُرا منكم على حُمُرِ

أَمَا عَلِمْتُم ولا أَخْلاقَ عِندَكُمُ أنّ الزُّجَاجَةَ لا تَقْوَى على الحَجَرِ

الفصل الثاني

كتاب المنهل المأهول

المبحث الأول: تحقيق اسم الكتاب وتوثيق نسبته:

ورد اسم الكتاب على طُرَّة نسخة الأصل التي اعتمدناها، وهي نسخة دار الكتب المصرية، وورد - أيضاً - في مقدمة الكتاب في النسخ الثلاث المعتمدة في التحقيق، وذلك في قوله:"وسميته المنهل المأهول بالبناء للمجهول".

وذكره البغدادي، ولم يذكر اسم مؤلفه أما المصدر الرئيس الذي ترجم لابن ظهيرة، وهو ((الضوء اللامع)) فلم يذكر هذا الكتاب فيما ذكره من مؤلفات ابن ظهيرة، ولا غرابة في ذلك إذا عرفنا أنّ ابن ظهيرة توفّي بعد السخاوي صاحب ((الضوء اللامع)) فلعله ألفه في أواخر حياته في مطلع القرن العاشر.

ص: 180

والكتاب منسوب إلى مؤلفه خير الدين ابن ظهيرة على طُرّة نسخة دار الكتب، أيضاً، ويؤكد هذه النسبة ما جاء في مقدمة ((إتحاف الفاضل)) لمحمد علي بن عَلان الصّدّيقيّ (1057هـ) في قوله: "

فإنّ الكتاب المسمّى بالمنهل المأهول في الفعل المبني للمجهول جمع الأوحد الفاضل الأمجد العالم العامل الشيخ الإمام الحبر الهمام ذي التّآليف المفيدة والتحقيقات العديدة القاضي خير الدين أبي الخير ابن أبي السعود بن ظهيرة القرشي المخزومي المكي الشافعي تغمده الله برحمته وأسكنه بحبوح جنته مؤلفٌ فريد في بابه، مفيد لقاصدي معناه وطلابه

".

وقد اعتمد عليه ابن عَلان وجعله أصلا لكتابه، وأضاف إليه زيادات من بعض كتب الأفعال، وتبين لي من خلال تحقيق ((المنهل المأهول)) التطابق التام بين نصوصه وما يقابلها في ((إتحاف الفاضل)) بما لا يدع مجالاً للشك في أن هذا الكتاب الذي بين أيدينا هو الكتاب الذي ذكره ابن عَلان، واعتمد عليه، وعزاه لخير الدين ابن ظهيرة.

وابن علان هذا قريب عهد بالمؤلف، وهو من علماء اللغة المدققين في زمانه.

المبحث الثاني: موضوع الكتاب ومادته ومنهجه:

قد يحذف فاعل الفعل فينوب عنه المفعول أو المصدر أو الظرف أو الجار والمجرور بعد بناء الفعل للمجهول، وذلك بتغير صيغته على النحو الذي فصله النحاة، وملخصه:

يبنى الماضي الصحيح للمجهول بضم أوله وكسر ما قبل آخره، سواء كان ثلاثياً مجرداً نحو ((ضُرِبَ)) أو مزيداً فيه نحو ((أُكرم)) أو رباعياً مجرداً نحو ((بُعثر)) أو مزيداً فيه نحو ((تدحرج)) .

وإن كان مبدوءاً بتاء زائدة ضمّ أوّله وثانيه (أي التاء وما بعدها) نحو ((تُعُلِّم)) وإن كان مبدوءاً بهمزة وصل ضُمّ أوله وثالثه، نحو ((انطُلق)) و ((اجتُمع)) و ((اسْتُخرج)) .

أمّا الأجوف فحكم ما لم تعلّ عينه حكم الصحيح في البناء للمجهول، أما ما أعلّت عينه - وهو الكثير - ففيه ثلاث لغات:

ص: 181

1-

كسر الفاء فتسلم الياء وتقلب الواو ياء نحو ((قِيلَ)) و ((بِيعَ)) وهي أفصح اللغات الثلاث، والأصل: قُوِلَ وبُيِعَ.

2-

الإشمام، وهو أن تنحو بكسرة فاء الفعل نحو الضمة، فتميل الياء الساكنة بعدها نحو الواو قليلاً؛ إذ هي تابعة لحركة ما قبلها.

3-

إخلاص ضمة الفاء فتسلم الواو وتقلب الياء واواً نحو: قُول وبُوع، وعليه قول الراجز:

لَيْتَ وهَلْ يَنْفَعُ شَيئاً لَيْت لَيْتَ شَبَاباً بُوعَ فاشْتَرَيت

أمّا الثلاثيّ المضعّف الصحيح فأوجب جمهور العلماء ضم فائه، نحو: عُدّ ورُدّ، وأجاز الكوفيون الكسر، نحو: رِدّ.

وتنقسم الأفعال بالنظر إلى بنائها للمجهول ثلاثة أقسام:

قسم اتفق النحاة على أنه لا يجوز بناؤه للمجهول، وهو كل فعل لا يتصرف، نحو: نِعْمَ وبِئْسَ، وعَسَى، وليس، وحبّذا، وفعل التعجب.

وقسم فيه خلاف، وهو كان وأخواتها.

وقسم اتفق النحويون على جواز بنائه للمفعول، وهو ما بقي من الأفعال المتصرفة، وهو الكثير الغالب.

وثَمّة أفعال جاءت عن العرب ملازمة للبناء للمجهول، كقولهم: عُنِيت بحاجتك ونُفِست المرأة، ونُتِجت، ودُهِشَ، وأُولِعَ، أو غلب عليها البناء للمجهول فقد تستعمل بصيغة ما سمّي فاعله (المبنى للمعلوم) مثل: زُهِيتَ علينا، حكي فيه: زها يزهو.

و ((المنهل المأهول)) - كتابنا هذا - يحوي بين دفتيه ما جمعه مؤلفه ابن ظهيرة من هذا النوع من الأفعال الملازمة للبناء للمجهول أو الذي غلب عليه الاستعمال مبنياً للمجهول، وفي هذا يقول المؤلف في مقدمته:"فإن للعرب ألفاظاً نطقوا بها بالبناء للمجهول، وإن كانت بمعنى الفاعل لا المفعول، فتارة لا يُعَبِّرون عن معنى تلك الألفاظ إلابهذا البناء المذكور، وتارة يعبرون عنه بهذا البناء وبغيره، ويكون أحدهما المشهور".

ص: 182

فأراد المؤلف أن يجمع ما توفّر عليه من هذه الأفعال التي لم تجمع في كتاب مستقلّ بها قبله، وهو في ذلك يقول:"ولم أعلم أحداً تصدّى لجمع هذه الألفاظ من السّلف والخلف، ولا أفرد لها مؤلّفاً يَعْتَمِدُ عليه من وقف".

وأتى على قدر وافر من هذه الأفعال الملازمة للبناء تجاوز عددها المائتين فقد بلغ أربعة ومائتي فعل مبني للمجهول (204) عدا المكرر، وهي مادة زاخرة إذا قيست بما في ((الفصيح)) لثعلب الذي احتوى على ستة وثلاثين فعلاً، ومنظومة الدَّميري التي احتوت على ثلاثة وأربعين فعلاً، ولهذا يعدّ كتاب ((المنهل المأهول)) أغنى كتاب بالأفعال المبنية للمجهول في زمانه، فضلاً عن كونه أول كتاب يؤلف في بابه، وظلّ على تفوّقه حتى منتصف القرن الحادي عشر تقريباً حين ألف محمد بن عَلان الصّدّيقيّ (1057هـ) كتابه ((إتحاف الفاضل بالفعل المبني لغير الفاعل)) فأفاد من المنهل المأهول، وجعله أصلاً لكتابه.

وقد اختار ابن ظهيرة لعرض مادته منهجاً معجمياً، وهو المنهج المعجمي الهجائي الألف بائي القائم على ترتيب الألفاظ بحسب أصولها بالنظر إليها من أولها، وجعل لكل حرف باباً ليُيَسِّرَ مراجعة الكتاب، وليأمن بعض التصحيف، وفي ذلك يقول:"ورتّبت ذلك على حروف المعجم؛ ليسهل الكشف عليها، لمن خفي عليه ضبطها أو استعجم، معتبراً في الترتيب أول الكلمة والأصول من أحرفها لا ما هي به مُتَمَّمة".

وبتأمّل مواد الكتاب يمكن الخروج بالملحوظات المختلفة التالية:

أ- لم يخل حرف من الحروف من مادةٍ لغوية، فجاءت أبواب الكتاب بعدد حروف المعجم، وأوسع الأبواب هو باب الميم وفيه عشرون فعلاً، وأقلها بابا الباء والظاء، وفي كل منهما فعل واحد، ويليهما باب الياء، وفيه فعلان.

ص: 183

ب- جميع الأفعال التي أوردها ابن ظهيرة هي من الثلاثي الأصول، وأكثرها مجردة من الزوائد، وبعضها مزيد بحرف، كالهمزة نحو (أُهدر) أو التضعيف نحو (بُيِّغَ) أو مزيد بحرفين، كالهمزة وتاء الافتعال، نحو (امتُقِعَ) أو الهمزة ونون الانفعال، نحو (انقُطِعَ) أو التاء والتضعيف، نحو (تُودّع) أو مزيد بثلاثة أحرف، كالهمزة والسين والتاء، نحو (اسْتُهْتِرَ) .

ج- الكثير في الأفعال هو ما جاء ملازماً للمجهول، والقليل ما سمع بالوجهين البناء للمجهول والبناء للمعلوم، كما في (بُهِتَ) و (دُجِمَ) و (ذُئِبَ) .

د- كثر البناء للمجهول في الأفعال الدالة على الأمراض، ويظهر ذلك بوضوح في:(رُمِعَ) و (رُهِصَ) و (زُكِمَ) و (سُعِفَ) و (سِيدَ) و (صُدِرَ) و (صُعِفَ) و (صُفِر) و (طُحِل) و (طُرِف) و (طُشَّ) و (طُمِرَ) و (ظُفِرَ) و (عُرِنَ) و (عُرِيَ) و (عُشِيَ) و (عُضِبَ) و (غُمِي) و (فُلِحَ) و (كُبِدَ) و (كُمِنَ) و (لُبِطَ) و (مُغِسَ) .

هـ - كثر البناء للمجهول في الأفعال الدالة على الألوان، كما في (احتُمِلَ) و (سُفّ) و (أُسْقِع) و (شُحِبَ) و (الْتُمِعَ) و (التُمِيَ) و (امْتُقِعَ) و (انتُسِفَ) و (انتُشِفَ) و (انتُقِعَ) و (اهْتُقِعَ) و (اهْتُمِعَ) .

و جاءت بعض الأفعال المبنية للمجهول دالة على الأمطار والرياح، كما في (جُنِبَ) و (رُبِعوا) و (صِيف) و (ضُبِطَ) و (ضُرِبت) و (طُشّت) و (طُلّ) وكُسِعَ) .

ز- بروز شخصية المؤلف العلمية في كتابه، فهو ينقل بوعي ودقّة، ويبدي رأيه في كثير مما يورده، ضبطاً أو تفسيراً، ونحو ذلك، كقوله في مادة (فلج) تعقيباً على ما في المنظومة:"ولم أر له أصلاً، ولعل معناه: انشق الأمر به، فلم يملكه، أو لعله غير الأمن بالأمر، وكأنّ: فُلِجَ الأمر به؛ أي: بالفالج المفهوم من فلج".

ومثل هذا كثير في كتابه.

المبحث الثالث: مصادره وشواهده

أولاً: مصادره:

استقى ابن ظهيرة مادته من المظان اللغوية المختلفة وغيرها، وعوّل على خمسة منها وعنها نقل جُلّ مادته، وهي:

ص: 184

1-

((رموز الكنوز)) :

وهي أرجوزة طويلة في الفقه اشتملت على "فروع غريبة وفوائد حسنة" لكمال الدين محمد بن موسى الدَّمِيريّ (ت 808هـ) صاحب كتاب ((حياة الحيوان)) .

ونظم الدميري في هذه الأرجوزة بعض الأفعال المبنية للمجهول بلغت ثلاثة وأربعين فعلاً في أربعة عشر بيتاً أوردها في باب الحيض.

وقد جعل ابن ظهيرة هذه الأفعال الواردة في المنظومة أساساً لكتابه هذا لما سئل شرحها وضبطها، وأضاف إليها أمثالها من مصادر لغوية مختلفة. وأشار إلى ذلك في مقدمة كتابه وذكر أنها أساس كتابه، وأنه فرقها في كتابه، وميزها في نسخته الأصلية بوضع حرف الدال أمامها بالقلم الأحمر، ولكن النساخ أهملوا ذلك فيما وصل إلينا من نسخ.

وفيما يلي أبيات المنظومة نقلاً عن ابن عَلان الذي أوردها في ذيل كتابه ((إتحاف الفاضل)) وهي:

خَاتِمَةٌ: يُقَالُ هِندٌ نُفِسَتْ وطُلِّقَتْ عَلَى البِنَاءِ اقْتُبِسَتْ

كَنُتِجَتْ وهُزِلَتْ وعُقِرَتْ وحُلِبَتْ ورُهِصَتْ وسُهِرَتْ

وعُقِمَتْ هِندٌ وزَيدٌ شُغِلا وطُلَّ منه دَمُهُ أي قُتِلا

وسُقِطَ المَذْكُورُ في يَدَيْهِ وشُدِهَ الفُؤَادُ أي عَلَيْهِ

ووُضِعَ التَّاجِرُ أي قد خَسِرا ومِثْلُهُ وُكِسَ بَيْعاً وشِرا

ووُقِصَ الرَّاكِبُ مِثْلُ نُحِيا ووُقِرَ الخَبْرُ بِصَدْرِ زُهِيا

دِيْرَ به دِيرَ عليه نُخِيا لُقِيَ في بنائه كزُكِما

غُمَّ الهِلالُ وَالمَرِيضُ أُغْمِيَا وأُوْلِعَ العَاشِقُ ثُمَّ غُشِيا

وامْتُقِعَ اللَّونُ به وانْقُطِعَا وفُلِجَ الأَمْرُ به وقُطِعَا

وبُرَّ حَجُّهُ وزيدٌ بُطِنا وطُلِّقَ النِّسَاءُ جاءَ بالبِنا

وكُسِعَ السِّقا وزيدٌ دُكّا مُرِضَ واضْطُرَّ برفع يحكى

وضُرِبَتْ مَعَ الصَّقِيعِ الأرضُ ومُهِرَ اللّحمُ وطُلَّ الحَرَضُ

ووُقِرَتْ أُذْنُهُ أي أُصِمَّت وأُعْرِبَ الجُرْحُ تعاظم الشدة

ومِثْلُ ذِي البِنْيَةِ في كَلامِهِم يَكْثُرُ إذ يُجْمَعُ في عِظامِهِم

2-

((الفصيح)) :

ص: 185

لأبي العباس أحمد بن يحيى الشهير بـ ((ثعلب)) (ت 291هـ) أشار ابن ظهيرة في مقدمته إلى أنه اطّلع عليه وأفاد مما فيه، ويظهر ذلك بوضوح في الكتاب، مع نصٍّ على اسم ((الفصيح)) في بعض المواضع.

وقد ختم المؤلف كتابه بخاتمة وجيزة اقتبسها من كتاب ((الفصيح)) .

3-

((الصّحاح)) :

للجوهري (ت 393هـ) وجعله المصنف أحد المعاجم الثلاثة التي رجع إليها وأخذ عنها بعض مواده، ونص على ذلك في مقدمته.

4-

((ضياء الحلوم)) :

لعليّ بن نشوان بن سعيد الحميريّ (ت 620هـ) اختصر فيه كتاب والده المسمّى ((شمس العلوم)) وهو أحد المعاجم الثلاثة التي نص ابن ظهيرة في مقدمته على اعتماده عليها، وقد رجع إليه في كثير من المواد.

5-

((القاموس المحيط)) :

لمجد الدين الفيروز آبادي (ت 817هـ) وعليه معتمد ابن ظهيرة في هذا الكتاب، مما ليس في المنظومة أو الفصيح، وقد أشار إليه في مقدمته، وأكثر من النقل عنه في موادّه، كما يظهر من خلال التحقيق، حتى كان له الغلبة في مصادره.

هذه أهمّ مصادر ابن ظهيرة، وقد رجع - في ندرة - إلى ((الجمهرة)) لابن دريد، و ((التهذيب)) للنووي، أما كتب الأفعال فلم أجد دليلاً على رجوعه إليها، ولعلها لم تكن متاحة له.

ثانياً: شواهده:

استشهد ابن ظهيره في كتابه بالقرآن الكريم، والحديث الشريف، والشعر العربي، ولم تكن شواهده في الجملة كثيرة، وبخاصة من القرآن والحديث، إذ لم تتجاوز الآيات التي استدل بها اثنتين في مادتي (نزف) و (هرع) والحديث أقل من ذلك، فهو شاهد واحد ذكره في مادة (تودّع) .

أما شواهد الشعر فكانت أكثر حظاً في كتابه هذا، إذ أورد طائفة منها لشعراء مختلفين، كالأعشى، وطرفة بن العبد، وأكثم بن صيفي، وأبي شبل الأعرابي، وابن أحمر، ولبيد، ودعبل، كما في مواد:(ألق) و (حصي) و (ربع) و (طلّ) و (فظع) و (كسئ) و (كسع) و (هزل) .

القسم الثاني

التحقيق

أولاً: وصف النسخ:

اعتمدت في تحقيق نصّ هذا الكتاب على ثلاث نسخ خطّيّة:

ص: 186

الأولى: مصورة عن نسخة الحميدية في مكتبة السليمانية بإستانبول، وهي ضمن مجموع تحت رقم (1387) ويقع في (226) لوحة وفي آخره ثلاث رسائل على الترتيب:

1-

((المنهل المأهول بالبناء للمجهول)) لابن ظهيرة.

2-

((تلذّذ المحبّ بلذّاته فيمن لُقِّبَ بشيء متّصل بذاته)) للشيبي (ت837هـ) .

3-

((راحة المُعَنَّى في محاسن الكلام المُثَنَّى)) للشيبي - أيضاً.

ولم يتح لي الاطلاع على ما جاء قبل هذه الرسائل في هذا المجموع.

ويقع كتاب ((المنهل المأهول)) في عشر لوحات من اللوحة 212 إلى 221 أي في عشرين صفحة في كل صفحة عشرون أو واحد وعشرون سطراً، ومتوسط ما في كل سطر إحدى عشرة كلمة.

وهو مكتوب بخط نسخي واضح، وكتبت الأفعال المبنية للمجهول فيه بمداد مغاير للمداد الذي كتب به الكتاب.

والنسخة الخطية سليمة من الخرم، وبها بعض السقط استُدركَ بعضه في الحواشي، وهي منسوخة في القرن العاشر أو الحادي عشر، غير أن ناسخها ليس دقيقاً، فهو كثير الخطأ والتصحيف والتحريف، كما يظهر من هوامش التحقيق الآتية، وهي لا تصلح لأن تكون أصلاً عند موازنتها بغيرها من النسخ الآتية.

وقد رمزت لهذه النسخة بحرف ((ح)) .

الثانية: مصورة عن نسخة مكتبة عارف حكمت في مكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة، وهي ضمن مجموع تحت رقم (36/410لغة) يشتمل على أربعة كتب في اللغة، وهي على الترتيب التالي:

1-

((جامع التعريب بالطريق القريب)) لمصطفى المدنيّ (ت1100هـ) .

2-

((المنهل المأهول)) لابن ظهيره (هو كتابنا هذا) .

3-

تَلَذُّذ المحبّ بلذاته فيمن لقب بشيء مُتّصل بذاته)) للشيبي.

4-

((راحة المُعَنَّى في محاسن الكلام المُثَنَّى)) للشيبي.

ويقع ((المنهل المأهول)) في هذه النّسخة في ستّ عشرة لوحة، من اللّوحة (188هـ) إلى (204هـ) أي في اثنتين وثلاثين صفحة، في كلّ منها تسعة عشر سطراً، وفي كلّ سطر تسع كلمات تقريباً.

ص: 187

والنسخة مكتوبة بالخط الفارسي الواضح، وكتبت الأفعال المبنية للمجهول فيها بالمداد الأحمر، وكذلك الأبواب، وهي سليمة من الخرم أو الطمس، وبها بعض السقط، ولم أتمكن من معرفة ناسخها، وإن كنت أرجّح أنّها متأخّرة الزمان بعض الشيء، لنوع الورق والمداد الذي كتبت به؛ ولأنّ مؤلف الكتاب الأوّل من المجموع هو مصطفى المدنيّ المتوفّى سنة (1100هـ) .

وهذه النسخة كسابقتها، مليئة بالتحريفات والتصحيفات، تدلّ على جهل ناسخها باللّغة، وهي منقولة من النّسخة السابقة (نسخة الحميدية) أو أنّهما منقولتان من أصل واحد، والاحتمال الأول أرجح لما يلي:

1-

التطابق بين النسختين في كل ما تحرّف أو تصحّف في النسخة الأولى (الحميدية) في حين تزيد هذه النسخة (عارف حكمت) على سابقتها ببعض التّحريفات والتّصحيفات الخاصّة بناسخها، والّتي لم تكن في نسخة الحميدية، وهي النسخة التي ينقل عنها الناسخ فيما نقدر.

2-

ثمة سقط وقع في هذا الكتاب في النسختين، وتَبَيّنَ بعد المقابلة أنّ كل سقط يقع في مجموع نسخة الحميدية يكون - أيضاً - في مجموع نسخة عارف حكمت، وانفرد الأخير بمواضع ليست في مجموع النسخة الأولى، وهي خاصة بناسخ هذا المجموع (مجموع عارف حكمت) .

وقد رمزت لهذه النسخة بحرف ((ع)) .

الثالثة: مصورة عن نسخة دار الكتب المصرية، تحت رقم (521 لغة) وتقع في أربع عشرة لوحة، أي في ثمان وعشرين صفحة، في كل صفحة ثلاثة وعشرون سطراً، ومتوسط ما في كل سطر إحدى عشرة كلمة، وهي مكتوبة بخط نسخي جميل، والأبواب والأفعال المبنية للمجهول فيها مكتوبة بالمداد الأحمر.

وهذه النسخة سليمة خالية من الخرم أو السقط أو الطمس أو اضطراب الأوراق، فرغ منها ناسخها قاسم الكيكيّ بن عبد الرّحمن الكيكيّ الدّمياطيّ في ليلة الخميس الموافق للحادي والعشرين من شهر محرم من سنة (1298هـ) .

ص: 188

وجاء على طرة هذه النسخة عنوانها وبعض التمليكات، وفي هامشها بعض التعليقات، وفيها أثر للتصحيح والمراجعة، ويبدو أنّها منقولة من أصل قديم ضبطت روايته وصحّحت قراءته، ويظهر أنّ ناسخها قاسم الكيكي على حظ وافر من العلم بالعربية، لندرة تصحيفاته أو تحريفاته، ولتحريه الدّقّة والصّواب في بعض تعليقاته وتصويباته في هوامش النسخة، ولرجوعه إلى مصادر المصنف.

وهذه النسخة هي الوحيدة بين النسخ التي ذُكِرَ فيها اسم المؤلّف فقد جاء على طُرَّتها ما نصّه: "هذا كتاب المنهل المأهول بالبناء للمجهول، تأليف الإمام العلامة الشيخ الأستاذ خير الدين أبي الخير محمد بن ظهيرة القرشي المكّيّ الشّافعيّ تغمّده الله برحمته آمين..".

وقد جعلتُ هذه النسخة أصلاً في التحقيق؛ لاكتمالها وسلامتها من السقط، وخلوها من التصحيف، أو التحريف إلا في القليل النادر، بخلاف النسختين السابقتين اللتين شاع فيهما التصحيف والتحريف بصورة شوهت كثيراً من نصوصهما، وأبعدتها عن معانيها، كما سيأتي في هوامش التحقيق.

وفوق ذلك كلّه فإنّ هذه النسخة تحمل اسم مؤلفها على طرتها، واسم ناسخها في ذيلها.

وقد رمزت لها بعبارة ((الأصل))

وفيما يلي صور للنسخ الثلاث:

P418

P419

P420

P421

P422

P423

P424

صفحة العنوان من نسخة ((الأصل))

الصفحة الأولى من اللوحة الثانية من نسخة ((الأصل))

الصفحة الأخيرة من اللوحة الأخيرة من نسخة ((الأصل))

الصفحة الأولى من اللوحة الأولى من نسخة ((ح))

الصفحة الأخيرة من اللوحة الأخيرة من نسخة ((ح))

الصفحة الأولى من اللوحة الأولى من نسخة ((ع))

الصفحة الأخيرة من اللوحة الأخيرة من نسخة ((ع))

ثانياً: منهج التحقيق:

يتلخّص منهج التحقيق الذي سرت عليه في هذا الكتاب فيما يلي:

ص: 189

أ - نَسْخ النّصّ من الأصل - وهي نسخة دار الكتب المصرية - كما تقدم - ورسمه بما هو متعارف عليه في عصرنا من قواعد الإملاء، وضبطه ضبطاً كاملاً، وتنظيم المادة، ووضع دوالّ القراءة المعروفة؛ لإظهار معاني النّصّ وتوضيح دلالاته.

ب- مقابلة النّصّ بما في النسختين ((ح)) و ((ع)) وإثبات الفروق بين النسخ في الهوامش، والتنبيه على ما وقع في النسخ من تحريفات وتصحيفات، وإثبات الصواب في المتن، ما لم يثبت لدى أن ذلك من المصنّف، ووضع ما زيد على النّصّ من النسختين، أو مما لا بد منه - وهو نادر - بين معقوفين تمييزاً له، مع التنبيه عليه في الحواشي. وأنبه على أنني التزمت استخدام الفاصلة بين رمزي النسختين، فأقول مثلا: "في ح، ع

"ولا أقول: "في ح وع

"خوفاً من لبس الواو بالحرفين.

ج- الاستئناس بما جاء في كتاب ((إتحاف الفاضل بالفعل المبني لغير الفاعل)) لابن عَلان؛ لاشتماله على نصوص ((المنهل المأهول)) .

د- إثبات أرقام اللوحات الخاصّة لمصورة النسخة المعتمدة أصلاً، مع الرمز للصفحة اليمنى من المصورة بـ (أ) ولليسرى بـ (ب) والرقم لأسفل الصفحة.

هـ - توثيق ما جاء في النّصّ بعرض مادته على مصادرها الأصليّة، ككتب الأفعال، ومعاجم اللغة، وربطه بها، بالإحالة عليها في الهوامش، لتتم الفائدة وتسهل المراجعة.

و عزو الآيات إلى السور، وتخريج الأحاديث من كتب الحديث.

ز- تخريج الشواهد الشعرية من مظانها، كالدواوين، والمجاميع الشعرية، وكتب اللغة والمعاجم، ونسبة الأبيات التي لم ينسبها المصنف إلى أصحابها.

ح- التعريف - باقتضاب - بمن يحتاج إلى تعريف من الأعلام الورادة في النص، وترك المشاهير منهم.

ط- التعليق المقتضب على ما يحتاج إلى تعليق من المسائل التصريفية أو اللغوية.

ص: 190

تابع للمنهل المؤهول بالبناء للمجهول

هَذا كِتَابُ المَنْهَلِ المَأْهُولِ بالبِنَاءِ للمَجْهُولِ

تأليف الإمام العلامة الشيخ الأستاذ خير الدين أبي الخير محمد بن ظهيرة القرشي المكي الشافعي

تغمده الله برحمته آمين ونفعنا به والمسلمين وصلى الله على سيدنا محمد

بسم الله الرحمن الرحيم

الحَمْدُ للهِ ذِي الفَضْلِ المَبْذُول، والعِلْمِ العَظيمِ الَّذِي لا يُحْصَرُ بمَعْقُولٍ ولا مَنْقُول، والقُدْرَةِ الجَلِيلَةِ الشَّامِلَةِ للمَوضُوعِ والمَحْمُول، والمَعْرِفَةِ المُحِيطَةِ بالمَعْلُومِ لِغَيرِهِ والمَجْهُول، أَحْمَدُهُ حَمْداً يَتَضَاعَفُ وَيَطُول، وأَشْكُرُهُ شُكْراً يَبْلُغُ المَأْمُول، وأَشْهَدُ أَن لا إَلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، المُنّزَّهُ عَنِ الحُدُوثِ والحُلُول، الدَّائِمِ البَاقِي فَلا يَحُولُ ولا يَزُول، وأَشْهَدُ أنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ الصَّادِقَ فيما يُخْبِرُ ويَقُول، المُعَلِّمَ الخَيرِ فَمِن بَرَكَتِهِ مَعْرِفَةُ المَبْنِي للفَاعِلِ والمَبْني للمَفْعُول، صَلَّى الله وسَلَّم عَلَيه، وعَلَى آلِهِ وأَصْحَابِه البُدُور، الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ أُفُول، صَلاةً وسَلاماً أَنْجُو بِهِما في اليَوْمِ المَهُول.

ص: 191

وبَعْدُ؛ فَإِنَّ لِلْعَرَبِ أَلْفَاظاً نَطَقُوا بها بالبِنَاءِ للمَجْهُول، وإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى الفَاعِلِ لا المَفْعُول، فَتَارةً لا يُعَبِّرُونَ عَن مَعْنى تِلْكَ الأَلْفَاظِ إِلا بهذا [البِنَاءِ] المَذْكُورِ، وتَارةً يُعَبِّرُونَ عَنْهُ بَهَذَا البِنَاء وبِغَيْرِهِ، ويَكُونُ أَحَدُهُمَا هُو المَشْهُور، ولم أَعْلَمْ أَحَداً تَصَدَّى لَجَمْعِ هَذِهِ الأَلْفَاظِ مِنَ السَّلَفِ والخَلَف، ولا أَفْرَدَ لَهَا مُؤَلَّفاً يَعَتَمِدُ عَلَيْهِ مَنْ وَقَف، غَيرَ أَنَّ فِي ((فَصِيحِ)) ثَعْلَبٍ في بَابِ فُعِلَ بِضَمِّ الفَاءِ نَحْواً مِنْ أَرْبَعِينَ لَفْظاً لم يَتَعَرَّضْ فِيها لِضَبْطِ عِيْنِ الكَلِمَةِ؛ وَإِن أَفَادَ ذَلِكَ لِخَطَأٍ، وكَثيرٌ مِمَّن يَتَلَفَّظُ بِشَيءٍ مِنْهَا لا يَنْطِقُ بِهِ عَلَى البِنْيَةِ الَّتِي نَطَقَ بِهَا العَرَبُ، بَلْ يَحِيدُ عَنْها.

فَلَمَّا رَأَيْتُ النَّاسَ يَخْبِطُونَ فِيها خَبْطَ عَشْوَى، ولا يَهْتَدُونَ إِلَى النُّطْقِ بِهَا عَلَى الصَّوَابِ فِي النَّجْوَى، وكَانَ العَلامَةُ الكَمَالُ الدَّمِيريُّ - تَغَمَّدَه اللهُ بِرَحْمَتِهِ - ذَكَرَ أَلْفَاظاً مِنها في بَابِ الحَيضِ مِن منظُومَتِهِ، لكِنَّهُ لم يَضْبِطْها؛ فَصَحَّفَها النُّسَّاخُ؛ حَتَّى خَرَجَتْ عَن مَعْنَاهَا، وخَفِيَ عَلَى المُطَالِعِ فيها مَبْنَاها.

ص: 192

وَسَأَلَنِي بَعْضُ العُلَمَاءِ الأَفَاضِلِ مِمَّن يَعِزُّ عَلَيَّ [2أ] أَنْ أَشْرَحَ تِلْكَ الأَلْفَاظَ بما تَحَرَّرَ لَدَيَّ؛ تَصَدَّيْتُ لِشَرْحِها وضَبْطِهَا بالحَرْفِ، وأَضَفْتُ إِلَيْهَا نَحْو ثَلاثَةِ أَمْثَالِها مِمَّا أو رَدَتْهُ العَرَبُ عَلى ذَلِكَ الوَصْفِ، وجَعَلْتُ عَلامَةً عَلَى الأَلْفَاظِ المَنْظُومةِ دَالاً مَكْتُوبَةً بالأَحْمَرِ لِتَصِيرَ مَعْلُومَةً، وأُنَبِّهُ عَلَى مَا لَمْ أَقِفْ لَهُ عَلَى أَصْلٍ، إِمَّا باعتِبارِ تَحْرِيفِهِ،أو تَصْحِيفِهِ، أو عَدَمِ وُجُودِهِ في نَقْلٍ، مُقَدِّماً المَشْهُورَ مِنَ الأَبْنِيَةِ، مِمَّا جَاءَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ بِنَاءٍ وَاحِدٍ. وقَدْ أُنَبِّهُ عَلَى ضَعْفِ بَعْضِها بِحَسَبِ الوَارِدِ، مُعْتَمِداً في نَقْلِ ذَلِكَ عَلى ما في ((القاموس)) و ((الضِّياء)) و ((الصِّحاح)) سَائلاً مِنَ الله الهِدَايَةَ إلى الصَّوَابِ والفَلاحِ.

ورَتَّبْتُ ذَلِكَ عَلَى حُرُوفِ المُعْجَمِ، لِيَسْهُلَ الكَشْفُ عَلَيها لِمَنْ خَفِيَ عَلَيهِ ضَبْطُها أو اسْتَعْجَمَ، مُعْتَبِراً في التَّرْتِيبِ أولَ الكَلِمَةِ وَالأُصُولَ مِن أَحْرُفِها، لاما هِيَ به مُتَمَّمَةٌ؛ فَصَارَ - بِحَمْد اللهِ تَعَالى - تَأْلِيفاً يُعْتَمَدُ عَلَيهِ في هَذا المَعْنَى ويُرْجَعُ إِلَيهِ عِنْدَ الاخْتِلافِ في شَيءٍ مِنها أَشْكَلَ مِنْهُ المَبْنَى، حَاوِياً لَما في ((الفَصيحِ)) والمَنْظُومَةِ، مُوَضِّحاً لِمَعَاني ذَلِكَ بَحَيثُ صَارَ رَتْبَتُهُ مَفْهُومة، وسَمَّيتُهُ: المَنْهَلَ المَأْهُولَ بِالبِنَاء للمَجْهُول، واللهُ المَسْئُولُ أَنْ يُجْزِلَ عَلَيهِ الثَّوَابَ ويُنِيلَ بِهِ جَنَّةَ المَآبِ، بِجَاهِ سَيِّدِ الأَنَامِ، عَلَيهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلام.

باَبُ الهَمْزةِ

ص: 193

(أُجِرَ) في أو لادِهِ - بالجيم والرَّاء؛ كعُنِيَ - أَيْ: مَاتُوا؛ فَصَارُوا أَجْرَهُ، وأُجِرَتْ يَدُهُ: جُبِرَتْ عَلَى غَيْرِ بُرْءٍ، وآجَرَتِ المَرْأَةُ: أَبَاحَتْ نَفْسَهَا بأَجْرٍ.

(أُرِضَ) - بالرَّاءِ والضَّادِ المُعْجَمَةِ - كعُنِيَ إِذَا أَصَابَهُ زُكَامٌ أو خَبَلٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ والجِنِّ،أو دَاءٌ يُحَرِّكُ مِنْهُ رَأْسَهُ وجَسَدَهُ بِلا عَمْدٍ،أو الخَشَبَةُ أَكَلَتْهَا الأَرَضَةُ - بالتَّحْرِيكِ - الدُّوَيبَّةُ المَعْرُوفَةُ.

(أُزِيَ) الظِّلُّ - بالزَّايِ والمُثَنَّاةِ التَّحتِيَّةِ - كعُنِيَ: قَلَصَ [2ب] كأَزِيَ، كسَمِعَ.

(أَطِمَ) الرَّجُلُ والبَعِيرُ، وأُطِمَ عَلَيهِ، وائتُطِمَ - بالطَّاءِ المُهْمَلَةِ والمِيمِ في الثَّلاثِ؛ كفَرِحَ وعُنِيَ في الأُولَى - أَطْماً بالفَتْحِ؛ والبِنَاءِ للمَفْعُولِ فَقَطْ في الأَخِيرَتَينِ: أَصَابَهُ الإِطَامُ - كغُرَابٍ وكِتَابٍ - وهو حَصَرُ البَوْلِ والَبَعَرِ من دَاءٍ.

(أُفِكَ) الرَّجُلُ - بالفَاءِ والكَافِ - كعُنِيَ: ضَعُفَ عَقْلُهُ، والمَكَانُ لم يُصِبْهُ مَطَرٌ، ولَيْسَ به نَبَاتٌ، وهِيَ بهاءٍ - أَفْكاً، بالفَتْحِ.

(أُفِنَ) الطَّعَامُ - بالفَاءِ والنُّونِ - كعُنِيَ؛ يُؤْفَنُ أَفْناً، فهو مَأْفُونٌ؛ وهو الَّذي يُعْجِبُكَ، ولا خَيرَ فِيهِ.

(أُلِقَ) الرَّجُلُ - باللامِ والقَافِ - كعُنِيَ أَصَابَهُ الجُنُونُ. قَالَ في

((الصِّحَاحِ)) فِي فَصْلِ الهَمْزَةِ مِن بَابِ القَافِ: والأَوْلَقُ: الجُنُونُ؛ وهو (فَوْعَل) ؛ لأَنَّهُ يُقَالُ للمَجْنُونِ مُؤَوْلَقٌ عَلَى (مُفَوعَلَ) وإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الأَوْلَقَ (أَفْعَلَ) لأَنَّهُ يُقَالُ أُلِقَ الرَّجُلُ فهو مَأْلُوقٌ عَلَى (مَفْعُول) .

وقَالَ في فَصْلِ الوَاو مِنَ البَابِ المَذْكُورِ: والأَوْلَقُ شِبْهُ الجُنُونِ، ومِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

ص: 194

لَعَمْرُكَ بي من حُبِّ أَسْماءَ أولَقُ

وقَالَ الأَعْشَى يَصِفُ ناقَتَهُ:

وتُصْبِحُ عن غِبِّ السُّرَى وكَأَنَّمَا

أَلَمَّ بِها مِنْ طَائِفِ الجِنِّ أولَقُ

وهو (أَفْعَلُ) لأَنَّهُم قَالُوا: أُلِقَ الرَّجُلُ فهو مَألُوقٌ، عَلى (مَفْعُول) ويُقَالُ - أيضاً: مُؤَوْلقٌ، مِثل مُعَوْلَقٍ؛ فإنْ جَعَلْتَهُ مِن هَذا فَهُو (فَوْعَل) .

وقَالَ في ((القَامُوسِ)) في فَصْلِ الهَمَزَةِ مِنَ البَابِ المَذْكُورِ إِنَّهُ الجُنُونُ، وَوَزَنَ الفِعْلَ بما ذَكَرْنَا، وفي فَصْلِ الوَاو مِنَ البَابِ المَذْكُورِ: والأَوْلَقُ: الجُنُونُ أو شِبْهُهُ؛ أُلِقَ؛ كعُنِيَ، فَهو مَأْلُوقٌ ومُؤَولَقٌ.

(أُكِمَتِ) الأَرْضُ بالكَافِ والميم [كعُنِيَ] أُكِلَ جَمِيعُ مَا فِيها.

(أُمِهَتِ) الغَنَمُ - بالمِيمِ والهاءِ - كعُنِيَ أَصَابَهَا الأَمِيهَةُ؛ كسَفِينَةٍ،

وهو جُدَريُّ الغَنَمِ؛ أمْهاً وأمِيهَة؛ فهي أمِيهَة ومَأْموهَةٌ ومُؤَمَّهَةٌ، وأَمِهَ [3أ] الرَّجُلُ، فهو مَأْمُوهٌ: لَيْسَ مَعَهُ عَقْلُهُ.

(أُهِلَ) المَكَانُ - بالهاء واللامِ - كعُنِيَ: إِذَا كَانَ فِيه أَهْلٌ؛ فهو [آهِلٌ و] مَأْهُولٌ.

بَابُ البَاءِ المُوَحَّدَةِ

(بُدِئَ) - بالدَّالِ المُهْمَلَةِ والهَمْزَةِ - كعُنِيَ: أَصَابَهُ الجُدَرِيُّ أو الحَصْبَةُ.

(بُرَّ) حَجُّهُ - بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وضَمِّهَا وبالرَّاءِ المُشَدَّدَةِ - أيْ: خَلَصَ مِنَ الإِثْمِ فَهُو مَبْرُورٌ.

(بُطِنَ) الرَّجُلُ - بالطَّاءِ المُهْمَلَةِ والنُّونِ - كعُنِيَ اشْتَكَى بَطْنَهُ.

(بُقِعَ) - بالقَافِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ - كعُنِيَ: رُمِيَ بِكَلامٍ قَبِيح.

ص: 195

(بُيِّغَ) به - بالمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ والغَيْنِ المُعْجَمَةِ - مَجْهُولاً؛ قال المَجْدُ: البَيْغُ: ثَوَرَانُ الدَّمِ وبَاغَ يَبِيغُ: هَلَكَ، وبَيَّغْتُ بِهِ: انقَطَعْتُ بِهِ، وبُيِّغَ به - مَجْهُولاً - وتَبَيَّغَ عَلَيهِ الأَمْرُ: اخْتَلَطَ، والدَّمُ: هَاجَ وغَلَبَ، و اللَّبَنُ: كَثُرَ.

(بُلِيَتِ) النَّاقَةُ باللامِ والمثَنَّاةِ التَّحتِيَّةِ؛ كَعُنِيَ: إِذا مَاتَ رَبُّها، فتُشَدُّ عَنْدَ قَبْرِهِ حَتَّى تَمُوتَ، كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، ويَقُولُونَ: صَاحِبُها يُحْشَرُ عَلَيها.

(بُهِتَ) الرَّجُلُ - بالهاءِ والمُثَنَّاةِ الفَوقِيَةِ؛ كَعَلِمَ ونَصَرَ وكَرُمَ وزُهِيَ: إِذَا أُخِذَ بَغْتَةً أو انقَطَعَأو تَحَيَّرَ؛ فهو مَبْهُوتٌ لا بَاهِتٌ ولا بَهِيتٌ.

بَابُ التَّاءِ المُثَنَّاةِ

[لَمْ أَرَ فِيهِ شَيئاً، وَذَكَرَ في المنظُومَةِ ما صُورَتِهِ] :

...

تُخِمَا

...

... (1)

بالمُثَنَّاةِ والخَاءِ المُعْجمَةِ والمِيمِ، وهوإن كَانَ منَ التُّخْمَةِ أَصْلُهُ الوَاوُ؛ لأنَّ التُّخْمَةَ أَصْلها وُخْمَةٌ ولكن لَمْ أَرَ مَن ذَكَرَه بالبِنَاءِ للمَجْهُولِ. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُصَحَّفاً، وقد نَظَرْتُ فِي جَمِيعِ تَصَاحِيفِهِ فَلَم أَرَ فِيها شَيئاً بالبِنَاءِ للمَجْهُولِ؛ فَليُحَرَّرْ، واللهُ الفَتَّاحُ.

بابُ الثَّاءِ المُثَلَّثَةِ

(ثُئِطَ) الرَّجُلُ - بالهَمْزَةِ والطَّاءِ المُهْمَلَةِ - كعُنِيَ: أَصَابَهُ الثُؤَاطُ - كَغُرابٍ - وهو الزُّكَامُ.

(1) تمام البيت:

دِيرَ به دِيرَ عليه تُخما

لُقِيَ في بنائه كزكما

ص: 196

(ثُغِرَ) فَمُهُ، كعُنِيَ، وأُثْغِرَ - مَضْمُوم الهَمْزَةِ بالغَيْنِ المُعْجَمَةِ والرَّاءِ فِيهِما: دُقَّ وسَقَطَتْ أَسْنَانُهُ أو رَوَاضِعُهُ؛ فَهُو مَثْغُورٌ، أو أَلْقَى ثَغْرَهُ ونَبَتَ [3ب] :[ضِدٌّ](1)

(ثُطِعَ) الرَّجُلُ - بالطَّاءِ والعَيْنِ المُهْمَلَتَينِ؛ كعُنِيَ أَصَابَهُ الثُّطَاعُ - كغُرابٍ - وهو الزُّكَامُ.

(ثُلِجَ) فُؤَادُ الرَّجُلِ - باللامِ والجِيمِ - فهو مَثْلُوجٌ، إذا كانَ بَلِيداً وثُلِجَ

[بالزِّنَةِ والضَّبطِ - أَتَاهُ ثَلَجٌ] إذا سُرَّ بِهِ.

(ثُوِيَ) الرَّجُلُ بالوَاو و [الياءِ](2) المثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ؛ كعُنِيَ: قُبِرَ.

(ثِيبَ) الرَّجُلُ - بالمُثَنَّاةِ التَحْتِيَّةِ والمُوَحَّدَةِ - يَعْنِي أَصَابَه كَسَلٌ وفَتْرَةٌ كفَتْرَةِ النُّعَاسِ، ثَأَباً فَهُو مَثْؤوبٌ.

بابُ الجِيمِ

(جُدِرَ) الشَّخْصُ - بالدَّالِ المُهْمَلَةِ والرَّاءِ - كعُنِيَ، ويُشَدَّدُ: أَصَابَهُ الجُدَرِيّ - بِضَمِّ الجِيمِ وفَتْحِها - وهو قُرُوحٌ في البَدَنِ تَنَفَّطُ وتَقَيَّحُ.

(جُشِرَ) بالشَّخْصِ - بالشِّينِ المُعْجَمَةِ والرَّاءِ - كفَرِحَ وعُنِيَ: حَصَلَ لَهُ خُشُونَةٌ في الصَّدْرِ وغِلَظٌ في الصُّوتِ، فَهُو أَجْشَرُ، وهي جَشْرَاء.

(جُلِدَ) بالرَّجُلِ؛ كَعُنِيَ - باللام والدَّال المُهْمَلَةِ - سَقَطَ.

(جُنِبَ) الرَّجُلُ - بالنُّونِ والمُوَحَّدَةِ - كعُنِيَ: شَكَى جَنْبَهُ، أو أَصَابَتْهُ رِيحُ الجَنُوبِ؛ وهي الَّتِي تُخَالِفُ الشَّمَالَ، مَهَبُّها مِنْ مَطْلَعِ سُهَيلٍ إِلَى مَطْلَعِ الثُّرَيّا، والشَّمَال - بالفَتْحِ ويُكْسَرُ - مَهَبُّها مِن قِبَلِ الحِجْرِ - بِكَسْرِ الحاءِ - أو ما اسْتَقْبَلَكَ عَنْ يَمِينِكَ وأَنْتَ مُسْتَقْبِلٌ.

(1) زيادة من ح، ع. وينظر: القاموس (ثغر) 458، والتاج (ثغر) 3/76. ولم أقف عليه فيما تحت يدي من كتب الأضداد.

(2)

زيادة من ح، ع.

ص: 197

وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَهَبَّهَا بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ وَبَنَاتِ نَعْشٍ أو مِن مَطْلَع الشَّمْسِ إلى مَسْقِطِ النِّسْرِ الطَّائِرِ وَيَكُونُ اسْماً وصِفَةً، ولا تَكَادُ تَهِبُّ لَيلاً.

(جُنَّ) الرَّجُلُ واسْتَجَنَّ - بالنُّونِ المُشَدَّدَةِ فِيهِمَا - أَصَابَهُ الجُنُونُ؛ فَهُو مَجْنُونٌ.

(جُهِضَ) - بالهاءِ والضَّادِ المُعْجَمَةِ - الرَّجُلُ: أُعْجِلَ، والنَّاقَةُ أَلْقَتْ وَلَدَهَا، فَهِيَ مُجْهِض [4أ] .

بَابُ الحَاءِ المُهْمَلَةِ

(حُبِنَ) - بالمُوَحَّدَةِ والنُّونِ - كعُنِيَ وفَرِحَ: إِذا أَصَابَهُ دَاءٌ في البَطْنِ يَعْظُمُ مِنه، ويَرِمُ، حَبْناً ويُحَرَّكُ – وهو أَحْبَنُ، وهِيَ حَبْنَاءُ.

(حُرِصَ) المَرْعَى؛ كعُنِيَ - بالرَّاءِ والصَّادِ المُهْمَلَةِ لَم يُتْرَكْ فيه شَيءٌ. وفي المَنْظُومَةِ: مُرِضَ؛ فَلَعَلَّهُم صَحّفُوا الحَاءَ بالمِيم والصَّادَ المُهْمَلَةَ بالمُعْجَمَةِ؛ فإنَّهُ لَيْسَ في مَرِضَ غَيرُ البِنَاءِ للفَاعِلِ؛ كفَرِحَ، وسَنَذْكُرُهُ في بَابِ المِيمِ - إِن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.

(حُسِفَ) الرَّجُلُ - بالسِّين المُهْمَلَةِ والفَاءِ - كعُنِيَ: رُذِلَ وأُسْقِطَ.

(حُصِيَ) الرَّجُلُ - بالصَّادِ المُهْمَلَةِ والمُثَنَّاهِ التَّحتِيَّةِ - كعُنِيَ: إِذَا أَصَابَتْهُ الحَصَاةُ وهِيَ اشْتِدَادُ البَوْلِ في المَثَانَةِ حَتَّى يَصِيرَ كالحَصَاةِ.

وحُصِيَ العَقْلُ كالأَوَّلِ ضَبْطاً وزِنَةً: إِذا وَفَرَ، وتُفَسَّرُ الحَصَاةُ بالعَقْلِ، قَالَ الشَّاعِرُ:

وأَنَّ لِسَانَ المَرْءِ ما لم تكُن لَهُ

حَصَاةٌ عَلَى عَوْرَاتِهِ لَدَلِيلُ

أي: عَقْلٌ.

(حُطِرَ) الرَّجُلُ - بالطَّاءِ المُهْمَلَةِ والرَّاءِ - كعُنِيَ: جُلِدَ بِهِ إِلى الأَرْضِ؛ أَيْ: سَقَطَ؛ كما تَقَدَّمَ.

ص: 198

(حُفِرَتِ) الأَسْنَانُ - بالفَاءِ والرَّاءِ - كعُنِيَ وضَرَبَ وسَمِعَ: أَصَابَها الحَفَرُ - بالتَّحْرِيك والسُّكُونِ - وهو سُلاقٌ في أُصُولِ الأَسْنَانِ أو صُفْرَةٌ تَعْلُوها. ولم يَذْكُرْ صَاحِبُ ((الصِّحَاحِ)) في فِعْلِه سِوَى اللُّغَتَينِ الأَخِيرَتِينِ، وذَكَرَ أَنَّ ثانِيَتَهُمَا أَرْدَؤُهما.

(حَقِيَ) الرَّجُلُ - بالقَافِ والمُثَنَّاةِ التحتية - كعُنِيَ: أَصَابَهُ وَجَعٌ في بَطْنِهِ من أَكْلِ اللَّحْمِ؛ كالحِقَاءِ - بالكَسْرِ - فهو مَحْقَو ومَحْقِيٌّ.

وحُقِيَ - كعُنِيَ - حَقاً؛ إذا شكى حَقْوَهُ فهو مَحْقِيٌّ، وتحقَّى:[شَكَا حَقْوَهُ]، والحَقْوُ: الكَشْحُ، والإِزارُ، والأَوَّلُ المُرَادُ هَنا.

(حُلِيَتِ) المَرْأَةُ باللامِ والمَثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ؛ نَقَلَهَا الكَمَالُ الدَّميرِيُّ في المَجْهُولِ وقَالَ فِي ((القَامُوسِ)) حَلِيَتِ المَرْأَةُ - كرَضِيَ - حَلْياً فهي حَالٍ وحَالِيَةٌ: استفادت حَلْياً، أو لَبِسَتْهُ؛ كتَحَلَّتْ، أو صَارَتْ ذَاتَ حَلْيٍ. وكَذَلِكَ ضَبَطَهُ [4ب] صَاحِبا ((الصِّحَاح)) و ((الضِّياء)) ولَم يَذْكُرَا فِيه أنَّهُ يُبْنَى للمَجْهُول.

(حُلِبَتْ) نَاقَتُكَ وشَاتُكَ تَحْلِبُ لَبَناً كثيراً، ذَكَرُه في ((الفَصِيحِ)) ، وهو باللامِ والمُوَحَّدَةِ، ولَعَلَّهُ هُو المَذْكُورُ فِي المَنظُومَةِ ونَقَلهُ مِنَ ((الفَصِيحِ)) بِقَرِينَةِ ذِكْرِ ((رُهِصَتْ)) عَقِبَهُ، فإِنَّها كَذَلِكَ ذُكِرَتْ فِي ((الفَصِيحِ)) .

(احْتُمِلَ) بالمِيم واللامِ - غَضِبَ وامْتُقِعَ؛ أي: تَغَيَّرَ.

بَابُ الخَاءِ المَعْجَمَةِ

(خُرِفْنَا) عَلَى ما لم يُسَمَّ فَاعِلُهُ؛ أيْ: أَصَابَنَا مَطَرُ الخَرِيفِ ذَكَرَهُ فِي ((الصِّحَاحِ)) . وقَالَ في ((القَامُوسِ)) : وخُرِفْنَا مَجْهُولاً: أَصَابَنَا ذَلِكَ المَطَرُ، يَعْنِي مَطَر الخَرِيفِ.

ص: 199

(خُسِعَ) عَنِ الرُّجُلِ كَذا - بالسِّينِ والعَيْنِ المُهْمَلَتَينِ - كَعُنِيَ: نُفِيَ.

(خُلِعَ) الرَّجُلُ باللامِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ؛ كَعُنِيَ: التَوَى عُرْقُوبُهُ.

(خُمِلَ) بالمِيم واللامِ؛ كعُنِيَ - الإنْسَانُ أو الحَيَوانُ: أَصَابَهُ الخُمَالُ كَغُرَابٍ، وهو دَاءٌ في مَفَاصِلِ الإِنْسَانِ، وقَوَائِمِ الحَيَوانِ.

بَابُ الدَّالِ المُهْمَلَةِ

(دُبِرَ) القَوْمُ بالمُوَحَّدَةِ والرَّاءِ، كعُنِيَ أَصَابَتْهُم رِيحُ الدَّبُورِ، وهِيَ ريحٌ تُقَابِلُ الصَّبَا وأَدْبَرُوا: دَخَلُوا فِيها - وسَيَأْتِي في بَابِ الصَّادِ المُهْمَلَةِ ذِكْرُ الصَّبَا وبَيَانُ مَهَبِّها وتَعْلَمُ مِنهُ مَهَبَّ الدَّبُورِ.

(دُجِمَ) الإِنْسَانُ بالجِيمِ والمِيمِ كَسَمِعَ وعُنِيَ: حَزِنَ.

(دُخِلَ) بالخَاءِ المُعْجَمَةِ واللامِ كفَرِحَ وعُنِيَ أَصَابَهُ دَخَلٌ في جِسْمِهِ، وهو الفَسَادُ فيه. وكعُنِيَ فَقَطْ أَصَابَهُ هُزَالٌ، أو دَخَلٌ في عَقْلِهِ، وهو الفَسَادُ فِيهِ.

(دُكِعَ) الفَرَسُ أو الجَمَلُ بالكَافِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ كعُنِيَ: أَصَابَهُ الدُّكَاعُ، كَغُرَابٍ، وهو دَاءٌ يُصِيبُ الخَيْلَ والإِبِلَ، فهو مَدْكُوعٌ [5أ] .

(دُكَّ) الإِنْسَانُ - بالكَافِ المُشَدَّدَةِ - أَصَابَهُ مَرَضٌ دَكَّهُ أو حُمَّى دَكَّتْهُ، فَهُو مَدْكُوكٌ.

(دَهِشَ) بالهَاءِ والشِّينِ المُعْجَمَةِ كفَرِحَ - فَهُو دَهِشٌ. وكعُنِيَ فَهُو مَدْهُوشٌ تَحَيَّرَ، أو ذَهَبَ عَقْلُهُ مِنْ ذَهَلٍ أو وَلَهٍ.

(دِيرَ) بِهِ، ودِيرَ عَلَيْهِ بالمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ والرَّاءِ فِيهِمَا: أَصَابَهُ الدُّوَارُ - بالضَّمِّ والفَتْح - وهو شَبِيهُ الدَّوَرَانِ يَأْخُذُ في الرَّأْسِ.

أُدِيرَ به؛ ذَكَرَ في ((الفَصِيحِ)) أَنَّهُ لُغَةٌ ثانِيةٌ في دِيِرَ به.

بَابُ الذَّالِ المُعْجَمَةِ

ص: 200

(ذُئِبَ) الإِنْسَانُ بالهَمْزِ والمُوَحَّدَةِ، كأَذْأَبَ، وفَرِحَ، وكَرُمَ وعُنِيَ: فَزِعَ.

(ذُعِرَ) بالعَيْنِ المُهْمَلَةِ والرَّاءِ كَعُنِيَ: حَصَلَ لَهُ ذُعْرٌ - بالضَّمِّ - وهو الخَوْفُ؛ فَهُو مَذْعُور. وأَمَّا التَّخْوِيفُ فَهُو الذَعَرُ - بالفَتْح - والفِعْلُ كجَعَلَ، والذَعَرُ بالتَّحْرِيكِ: الدَّهَشُ.

بَابُ الرَّاءِ

(رُبِعَ) فُلانٌ - بالمُوَحَّدَةِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ - كعُنِيَ: جَاءَتْهُ الحُمَّى رِبْعاً - بالكَسْرِ. وأُرْبِعَ - بالضَّمِّ - فهو مَرْبُوعٌ ومُرْبَع؛ وهي أَنْ تَأْخُذَ يَوْماً وتَدَعَ يَومَينِ، ثُمَّ تَجِيءَ في اليَوْمِ الرَّابِعِ.

(رُبِعُوا) بالضَّمِّ: مُطِرُوا بالرَّبِيعِ. ومنه رُبِعَتِ الأَرْضُ. والرَّبِيعُ عِنْدَ العَرَبِ رَبِيعَانِ: رَبِيعُ الشُّهُورِ ورَبِيعُ الأَزْمِنَةِ؛ فَرَبِيعُ الشُّهُورِ: شَهْرَانِ بَعْدَ صَفَر لا يُقَالُ فِيه إلا شَهْرُ رَبِيعِ الأّوَّلِ وشَهْرُ رَبِيعِ الآخِرِ.

وأَمَّا رَبِيعُ الأَزْمِنَةِ فَرَبِيعَانِ: الرَّبيعُ الأَوَّل، وهو الفَصْلُ الَّذِي يَأتي فيه الكَمْأَةُ والنَّوْرُ؛ ورَبِيعُ الكَلأ، والرَّبيعُ الثَّانِي، وهو الفَصْلُ الَّذِي تُدْرَكُ فِيه الثِّمارُ.

وفِي النَّاسِ مَن يُسَمِّيهِ: رَبيعُ الأَوَّل. قال في ((الصِّحاح)) : سَمِعْتُ أَبا الغَوْثِ يَقُولُ: العَرَبُ تَجْعَلُ السَّنَةَ سَتَّةَ أَزْمِنَةٍ: شَهْرَانِ مِنها الرَّبيعُ الأوَّل، وشَهْرَانِ صَيْفٌ، وشَهْرَانِ قَيْظٌ، وشَهْرَانِ الرَّبيعُ الثَّاني [5ب] وشَهْرَانِ خَرِيفٌ، وشَهْرَانِ شِتَاءٌ وَأَنَشَدَ:

إِنَّ بَنِيَّ صِبْيَةٌ صَيفِيُّونْ

أَفْلَحَ من كَانَ لَهُ رِبْعِيُّونْ

فَجَعَلَ الصَّيْفَ بَعْدَ الرَّبِيعِ الأَوَّلِ.

ومن ذَلِكَ قَوْلُهُم: رُبِعْنَا - بالبِنَاءِ للمَفْعُولِ - أَي: أَصَابَنَا مَطَرُ الرَّبِيعِ.

ص: 201

(رُجِدَ) بالجِيم والدَّالِ المُهْمَلَةِ؛ كعُنِيَ، رَجْدا، بالفَتْحِ، ورُجِّدَ تَرْجِيداً: ارْتَعَشَ. وأُرْجِدَ - بالبِنَاءِ للمَجْهُولِ: أُرْعِدَ.

(رُجِيَ) عَلَى فُلانٍ بالجِيمِ والمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ كعُنِيَ: أُرْتِجَ عَلَيهِ.

(رَحُمَتِ) المَرْأَةُ - بالحَاءِ المُهْمَلَةِ والمِيمِ، كَكَرُمَ وفَرِحَ وعُنِيَ - رَحْماً

ورَحَامَة ويُحَرَّكُ: اشْتَكَتْ رَحِمَهَا بَعْدَ الوِلادَةِ، فَتَمُوتُ مِنْهُ، أو أَخَذَهَا دَاءٌ في رَحِمِها، فَلا تَقْبَلُ اللِّقَاحَ، أو أن تَلِدَ فلا تُسْقِطَ سَلاهَا.

(رُدِعَ) فَلانٌ - بالدَّالِ والعَيْنِ المُهْمَلَتَينِ - كعُنِيَ: تَغَيَّرَ لَوْنُهُ.

(رُعِفَ) بالعَيْنِ المُهْمَلَةِ والفَاءِ؛ كنَصَرَ ومَنَعَ وكَرُمَ وعُنِيَ وسَمِعَ: خَرَجَ مِن أَنْفِهِ الدَّمُ.

(رُكِضَتِ) الدَّابَّةُ - بالكَافِ والضَّادِ المُعْجَمَةِ: أُجْرِيَتْ.

(رُمِعَ) فُلانٌ - بالمِيمِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ - كعُنِيَ: أَصَابَهُ الرُّمَاعُ كغُرَابٍ؛ وهو وَجَعٌ يَعْتَرِضُ في ظَهْرِ السَّاقِي حَتَّى يَمْنَعَهُ مِنَ السَّقْيِ.

(رُهِصَ) الفَرَسُ - بالهَاءِ والصَّادِ المُهْمَلَةِ - كعُنِيَ فهو رَهِيصٌ ومَرْهُوصٌ: أَصَابَتْهُ الرَّهْصَةُ، وهي وَقْرَةٌ تُصِيبُ باطِنَ حَافِرِهِ. وأَرْهَصَهُ اللهُ. قَالَ الكِسَائيُّ: يُقَالُ مِنْهُ: رَهِصَتِ الدَّابَّةُ - بالكَسْرِ - رَهَصاً وأَرْهَصَهَا اللهُ مِثلُ: أو قَرَهَا اللهُ. قَالَ في ((الصِّحَاح)) ولم يَقُلْ: رُهِصَتْ - يَعْنِي بِضَمِّ الرَّاءِ وكَسْرِ الهاءِ - فهي مَرْهُوصَةٌ ورَهِيصَةٌ. وقَالَهُ غَيْرُهُ.

وفَسَّرَ الرَّهْصَةَ بأَنْ يَدْمَى باطِنُ حَافِر الدَّابَّةِ من حَجَرٍ تَطَؤُهُ، مثل الوَقْرَةِ.

ص: 202

(رِيحَ) بالمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ والهَاء المُهْمَلَةِ: قَالَ في ((الصِّحَاحِ)) رِيحَ [6أ] الغَدِيرُ عَلَى مَا لَم يُسَمَّ فَاعِلُهُ، إذا ضَرَبَتْهُ الرِّيحُ؛ فهومَرُوحٌ.

وقَالَ: الغَدِيرُ القِطْعَةُ مِنَ المَاءِ يُغَادِرُهَا السَّيْلُ وهو فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ؛ لأَنَّهُ يَغدِرُ بِأَهْلِهِ عِندَ شِدَّةِ الحَاجَةِ إِلَيهِ.

وهو بالغَيْنِ المُعْجَمَةِ والدَّالِ المُهْمَلَةِ والرَّاءِ وجَمْعُهُ غُدْرَانٌ وغُدُرٌ.

بَابُ الزَّاي

(زُئِمَ) بالهَمْزِ والمِيم، كفَرِحَ وعُنِيَ فَهُوزَئِمٌ: اشْتَدَّ ذُعْرُهُ.

(زُحِرَ) فُلانٌ - بالحاءِ المُهْمَلَةِ والرَّاءِ- كعُنِيَ: بَخِلَ، فهو مَزْحُورٌ. وزُحَرُ كزُفَرَ، والزَحْرَان كسَكْرَان: البَخِيلُ.

(زُعِقَ) - بالعَيْنِ المُهْمَلَةِ والقَافِ - كعُنِيَ: خَافَ باللَّيلِ ونَشِطَ، فهو زَعِقٌ؛ كَكَتِفٍ.

(زُكِمَ) - بالكافِ والميمِ - كعُنِيَ: أَصَابَهُ الزُّكَامُ - بالضَّمِّ - والزُّكْمَةُ، وذَلِكَ تَحَلُّبُ فُضُولٍ رَطْبَةٍ مِن بَاطِنِ الدِّمَاغِ المُقَدَّمِ إلى المَنْخِرَينِ وزَكَمَهُ وأَزْكَمَهُ، فهو مَزْكُومٌ.

(زُهِيَ) الرَّجُلُ - بالهاءِ والمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ - كعُنِيَ، وكدَعَا قَلِيلَةٌ: إذا تَكَبَّرَ وتَاهَ وافْتَخَرَ.

وفِي ((الصِّحَاحِ)) : زُهِيَ الرَّجُلُ فهو مَزْهُوٌّ، أَيْ: تَكَبَّرَ.

وللعَرَبِ أَحْرُفٌ لا يَتَكَلَّمُون بِها [إلا] على سَبِيلِ المَفْعُولِ، وإن كانت بِمَعْنَى الفَاعِلِ، مِثلُ قَولِهِم: زُهِيَ الرَّجُلُ، وعُنِيَ بالأَمْرِ، ونُتِجَتِ الشَّاةُ والنَّاقَةُ وأَشْبَاهُهَا.

ثُمَّ قَالَ: وفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى حَكَاهَا ابنُ دُرَيدٍ: زُهِيَ يَزْهُو زَهْواً، أَيْ: تَكَبَّرَ.

بَابُ السِّينِ المُهْمَلَةِ

(سُبِطَ) - بالمُوَحَّدَةِ والطَّاءِ المُهْمَلَةِ – كعُنِيَ: حُمَّ.

ص: 203

(سُبِهَ) بالمُوَحَّدَةِ والهَاءِ - كعُنِيَ، سَبْهاً: ذَهَبَ عَقْلُهُ.

(سُدِعَ) - بالدَّالِ والعَيْنِ المُهْمَلَتَينِ - كعُنِيَ، سَدْعَةً شَدِيدَةً [6ب] : نُكِبَ نَكْبَةً شَدِيدَةً.

(سُعِدَ) - بالعَيْنِ والدَّالِ المُهْمَلَتَينِ - كَعَلِمَ وعُنِيَ: حَصَلَت لَهُ السَّعَادَةُ: فَهُو مَسْعُودٌ.

(سُعِفَ) فُلانٌ - بالعَيْنِ المُهْمَلَةِ والفَاءِ - كعُنِيَ: أَصَابَتْهُ السَّعَفَةُ - بالتَّحْرِيْكِ- وهي قُرُوحٌ تَخْرُجُ عَلَى رَأْسِ الصَّبِيِّ ووَجْهِهِ، فَهُو مَسْعُوفٌ.

(أُسِفّ) وَجْهُهُ بالفَاءِ المُشَدَّدَةِ وضَمِّ الهَمْزَةِ: تَغَيَّرَ.

(سُقِطَ) في يَدِهَ كعُنِيَ، وأُسْقِطَ في يَدِهِ - مَضْمُومُ الهَمْزَةِ، بالقَافِ والطَّاءِ المُهْمَلَةِ فِيهما: زَلَّ وأَخْطَأَ، ونَدِمَ وتَحَيَّرَ.

(أُسْقِعَ) لَوْنُهُ - مَضْمُومُ الهَمْزَةِ، بالقَافِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ إذا تَغَيَّرَ.

(سُلِسَ) - باللامِ والسِّينِ المُهْمَلَةِ – كعُنِيَ: ذَهَبَ عَقْلُهُ. والسُّلاسُ - بالضَّمِّ ذَهَابُ العَقْلِ، والمَسْلُوسُ: المَجْنُونُ.

(سُدِبَ) ذَكَرَهُ في المَنْظُومَةِ، فيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بالسِّينِ المُهْمَلَةِ، وأَنْ يَكُونَ بالمُعْجَمَةِ. ولم يَذْكُرْ كُلٌّ من ((القَامُوس)) و ((الصِّحاح)) و ((الضِّياء)) في البابَينِ هذا اللَّفظ بالبِنَاءِ للمَجْهُولِ؛ فَلَعَلَّه تَصْحِيفٌ.

(سِيدَ) الإنْسَانُ والجَمَلُ والكَبْشُ – بالمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ والدَّالِ المُهْمَلَةِ كَعُنِيَ - أَصَابَهُ السُّؤَادُ كغُرَابٍ، وهو دَاءٌ يَأْخُذُ الإنْسَانَ والإِبِلَ والغَنَمَ مِن شُرْبِ المَاءِ المِلح؛ فهو مَسْؤُودٌ.

بَابُ الشِّينِ المُعْجَمَةِ

ص: 204

(شَئِزَ) المَكَانُ - بالهَمْزِ والزَّاي؛ كفَرِحَ - شَأَزاً وشُؤوزاً؛ فهو شَئِزٌ وشَأْزٌ: غَلُظَ وارْتَفَعَ واشْتَدَّ. والرَّجُلُ: قَلِقَ وذُعِرَ؛ كَشُئِزَ؛ كعُنِيَ؛ فهو مَشْؤُوزٌ ومَشُوز وأَشْأَزَهُ غَيْرُهُ.

(شُحِبَ) لَوْنُهُ - بالحَاء المُهْمَلَةِ والمُوَحَّدَةِ كَمَنَعَ ونَصَرَ وكَرُمَ وعُنِيَ - شُحُوباً وشُحُوبَةً: تَغَيَّرَ من هُزَالٍ أو جُوْعٍ [7أ] .

(شُخِصَ) به - بالخَاءِ المُعْجَمَةِ والصَّادِ المُهْمَلَةِ - كَعُنِيَ: أَتَاهُ أَمْرٌ أَقْلَقَهُ وأَزْعَجَهُ.

(شُدِهَ) الفُؤَادُ والقَلْبُ - بالدَّالِ المُهْمَلَةِ والهَاءِ - كعُنِيَ: دُهِشَ وشُغِلَ وحُيِّرَ فاشْتُدِهَ. وقَوْلُهُ في المَنْظُومَةِ:

...

...

...

أَيْ عَلَيهِ

يَعْنِي: شُدِهَ فُؤادُ الشَخْصِ عَلَيْهِ فَلا تَصَرُّفَ له به لشُغْلِهِ بِما وَرَدَ عَلَيهِ، والاسْمُ كغُرَابٍ.

(شُفِهَ) الطَّعَامُ - بالفَاءِ والهاء كعُنِيَ - كَثُرَ آكِلُوهُ.

(شُغِلَ) به - بالغَيْنِ المُعْجَمَةِ واللامِ - كَعُنِيَ ويُقَالُ منه: ما أَشْغَلَهُ (أُشْهِدَ) - مَضْمُومُ الهَمْزَةِ بالهاءِ والدَّالِ المُهْمَلَةِ - مَجْهُولاً: قُتِلَ في سَبِيلِ اللهِ، كاسْتُشْهِدَ، فهو مُشْهَدٌ.

(شُهِرَ) بالهَاءِ والرَّاءِ - في النَّاسِ: إذا عُلِمَ وظَهَرَ.

ص: 205

تابع دراسات في الباقيات الصالحات

المطلب الثاني: مدلولُ ومعنى كلمة لا إله إلاّ الله

إنَّ كلمة التوحيد لا إله إلا الله التي هي خير الذِّكر وأفضله وأكمله لا تكون مقبولة عند الله بمجرّد التلفّظ بها باللسان فقط، دون قيامٍ من العبدِ بحقيقة مدلولها، ودون تطبيق لأساس مقصودها من نفي الشرك وإثبات الوحدانية لله، مع الاعتقاد الجازم لما تضمّنته من ذلك والعمل به، فبذلك يكون العبد مسلماً حقاً، وبذلك يكون من أهل لا إله إلا الله.

وقد تضمّنت هذه الكلمة العظيمة أنَّ ما سوى الله ليس بإله، وأنَّ إلهية ما سواه أبطلُ الباطلِ، وإثباتَها أظلمُ الظلم، ومنتهى الضلال، قال الله - تعالى -:{وَمَنْ أَضَلُّ مِن مَن يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَن لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعُآئِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُوا بِعِبِادِتِهِمْ كَافِرِينَ} ، وقال تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ} ، وقال تعالى:{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ، وقال تعالى:{وَالكَافِرُونَ هُمُ الظَالِمُونَ} ، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، ولا ريب أنَّ صرف العبادة لغير الله ظلم؛ لأنَّه وضع لها في غير موضعها، بل إنَّه أظلم الظلم وأخطره.

ص: 206

إنَّ لِـ لَا إله إلا الله - هذه الكلمة العظيمة - مدلولاً لا بدّ من فهمه، ومعنىً لا بدّ من ضبطه، إذ غيرُ نافع بإجماع أهل العلم النطقُ بها من غير فهم لمعناها، ولا عمل بما تقتضيه، كما قال الله - سبحانه -:{وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَاّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ، ومعنى الآية كما قال أهل التفسير؛ أي: إلا من شهد بلا إله إلا الله وهم يعلمون بقلوبهم معنى ما نطقوا به بألسنتهم، إذ إنَّ الشهادة تقتضي العلم بالمشهود به، فلو كانت عن جهل لم تكن شهادة، وتقتضي الصدق، وتقتضي العمل بذلك، وبهذا يتبيّن أنَّه لا بدّ في هذه الكلمة من العلم بها مع العمل والصدق، فبالعلم ينجو العبد من طريقة النصارى الذين يعملون بلا علم، وبالعمل ينجو من طريق اليهود الذين يعلمون ولا يعملون، وبالصدق ينجو من طريقة المنافقين الذين يُظهرون ما لا يُبطنون، ويكون بذلك من أهل صراط الله المستقيم، من الذين أنعم الله عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

والحاصل أنَّ لا إله إلا الله لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفياً وإثباتاً، واعتقد ذلك وعمل به، أما من قالها وعمل بها ظاهراً من غير اعتقاد فهو المنافق، وأما من قالها وعمل بضدّها وخلافها من الشرك فهو الكافر، وكذلك من قالها وارتدّ عن الإسلام بإنكار شيء من لوازمها وحقوقها فإنَّها لا تنفعه ولو قالها ألف مرّة، وكذلك من قالها وهو يصرف أنواعاً من العبادة لغير الله كالدعاء، والذبح، والنذر، والاستغاثة، والتوكل، والإنابة، والرجاء، والخوف والمحبة، ونحو ذلك..

فمن صرفَ مما لا يصلحُ إلا لله من العبادات لغير الله فهو مشرك بالله العظيم ولو نطق بلا إله إلا الله؛ إذ لم يعمل بما تقتضيه من التوحيد والإخلاص الذي هو معنى ومدلول هذه الكلمة العظيمة.

ص: 207

فإنَّ لا إله إلا الله معناها: لا معبود حق إلا إله واحد، وهو الله وحده لا شريك له، والإله في اللغة هو المعبود، ولا إله إلا الله: أي لا معبود حق إلا الله كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إِلَاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} مع قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (1) فتبيّن بذلك أنَّ معنى الإله هو المعبود، وأنَّ لا إله إلا الله معناها إخلاص العبادة لله وحده واجتناب عبادة الطاغوت، ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لكفار قريش:"قولوا لا إله إلا الله" قالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} (2) وقال قومُ هودٍ لنبيّهم لما قال لهم: قولوا: لا إله إلا الله، قالوا:{أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} (3) قالوا ذلك وهو إنَّما دعاهم إلى لا إله إلا الله؛ لأنَّهم فهموا أنَّ المراد بها نفي الألوهية عن كلِّ ما سوى الله وإثباتُها لله وحده لا شريك له، ف لا إله إلا الله اشتملت على نفي وإثبات، فنفت الإلهية عن كلِّ ما سوى الله - تعالى -، فكلُّ ما سوى الله من الملائكة والأنبياء فضلاً عن غيرهم فليس بإله، وليس له من العبادة شيء، وأثبتت الإلهية لله وحده، بمعنى أنَّ العبد لا يأْلَهُ غيرَه، أي: لا يقصده بشيء من التألّه، وهو تعلّق القلب الذي يوجب قصده بشيء من أنواع العبادة كالدعاء والذبح والنذر وغير ذلك.

(1) سورة الأنبياء، الآية:(25) .

(2)

سورة النحل، الآية:(36) .

(3)

سورة ص، الآية:(5) .

ص: 208

وقد جاء في القرآن الكريم نصوصٌ كثيرةٌ تُبيّنُ معنى كلمة التوحيد لا إله إلا الله، وتوضح المراد بها، ومن ذلك قول الله - تعالى -:{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} ، وقوله تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} (1) وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَاّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (2) وقال تعالى حكاية عن مؤمن يس: {وَمَا لِي لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلَا يُنقِذُونِ إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (3) وقال تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ المُسْلِمِينَ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي} (4) وقال تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون: {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى العَزِيزِ الغَفَّارِ لَا جَرَمَ أَنمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللهِ وَأَنَّ المُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} (5) والآيات في هذا المعنى

(1) ورة البقرة، الآية:(163) .

(2)

ورة البينة، الآية:(5) .

(3)

ورة الزخرف، الآية:(26 - 28) .

(4)

ورة يس، الآية:(22 - 24) .

(5)

ورة الزمر، الآية:(11 - 14) .

ص: 209

كثيرةٌ جدًّا، وهي تُبيِّن أنَّ معنى لا إله إلا الله هو البراءة من عبادة ما سوى الله من الشفعاء والأنداد، وإفرادُ الله وحده بالعبادة، فهذا هو الهدى ودين الحق الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه، أما قول الإنسان لا إله إلا الله من غير معرفة لمعناها ولا عمل بمقتضاها، بل لربما جعل لغير الله حظاً ونصيباً من عبادته من الدعاء والخوف والذبح والنذر وغير ذلك من أنواع العبادات فإنَّ هذا لا يكفي العبدَ لأن يكون من أهل لا إله إلا الله، ولا ينجيه يوم القيامة من عذاب الله.

فليست لا إله إلا الله اسماً لا معنى له، أو قولاً لا حقيقة له، أو لفظاً لا مضمون له، كما قد يظنّه بعض الظانين، الذين يعتقدون أنَّ غاية التحقيق في ذلك هو النطق بهذه الكلمة من غير اعتقاد في القلب بشيء من المعاني، أو التلفظ بها من غير إقامة لشيء من الأصول والمباني، وهذا قطعاً ليس هو شأن هذه الكلمة العظيمة، بل هي اسم لمعنى عظيم، وقول له معنى جليل هو أجل من جميع المعاني، وحاصله كما تقدّم البراءةُ من عبادة كلِّ ما سوى الله، والإقبال على الله وحده خضوعاً وتذلّلاً، وطمعاً ورغباً، وإنابةً وتوكّلاً، ودعاءً وطلباً، فصاحب لا إله إلا الله لا يَسأل إلا الله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يتوكّل إلا على الله، ولا يرجو غير الله، ولا يذبح إلا لله، ولا يصرف شيئاً من العبادة لغير الله، ويكفر بجميع ما يُعبد من دون الله، ويبرأ إلى الله من ذلك.

المطلب الثالث: شروط لا إله إلاّ الله

إنَّ من المعلوم لدى كلِّ مسلمٍ أنَّ كلَّ طاعةٍ يتقرّب بها العبد إلى الله لا تُقبل منه إلا إذا أتى بشروطها، فالصلاة لا تُقبل إلا بشروطها المعلومة، والحج لا يُقبل إلا بشروطه، وجميع العبادات كذلك لا تُقبل إلاّ بشروطها المعلومة من الكتاب والسنة، وهكذا الشأن في لا إله إلا الله لا تُقبل إلا إذا قام العبد بشروطها المعلومة في الكتاب والسنة.

ص: 210

وقد أشار سلفُنا الصالح رحمهم الله إلى أهميّة العناية بشروط لا إله إلا الله ووجوب الالتزام بها، وأنَّها لا تُقبل إلا بذلك، ومن ذلك ما جاء عن الحسن البصري رحمه الله: أنَّه قيل له: إنَّ ناساً يقولون: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة". فقال: "من قال لا إله إلا الله فأدّى حقّها وفرضَها دخل الجنة".

وقال الحسن للفرزدق وهو يدفن امرأته: "ما أعددتَّ لهذا اليوم؟ "قال: "شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة". فقال الحسن: "نِعمَ العُدّة، لكن لـ لا إله إلا الله شروطاً فإياك وقذف المحصنات".

وقال وهب بن منبه لمن سأله: "أليس مفتاح الجَنَّة لا إله إلا الله؟ "قال: "بلى، ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان، فإن أتيت بمفتاح له أسنان فُتح لك، وإلا لم يُفتح. يشير بالأسنان إلى شروط لا إله إلا الله".

ثم إنَّه باستقراء أهل العلم لنصوص الكتاب والسنة تبيّن أنَّ لا إله إلا الله لا تُقبل إلا بسبعة شروط وهي:

1 -

العلم بمعناها نفياً وإثباتاً المنافي للجهل.

2 -

اليقين المنافي للشك والريب.

3 -

الإخلاص المنافي للشرك والرياء.

4 -

الصدق المنافي للكذب.

5 -

المحبّة المنافية للبغض والكره.

6 -

الانقياد المنافي للترك.

7 -

القبول المنافي للردّ.

وقد جمع بعضُ أهل العلم هذه الشروط السبعة في بيتٍ واحدٍ فقال:

علمٌ يقينٌ وإخلاصٌ وصدقُك معْ

محبّةٍ وانقيادٍ والقَبولُ لها

ولنقِف وقفةً مختصرةً مع هذه الشروط لبيان المراد بكلِّ واحدٍ منها، مع ذِكر بعض أدلّتها من الكتاب والسنة.

أما الشرط الأول: وهو العلم بمعناها المراد منها نفياً وإثباتاً المنافي للجهل، وذلك بأن يعلم من قالها أنَّها تنفي جميع أنواع العبادة عن كلِّ ما سوى الله، وتُثبت ذلك لله وحده، كما في قوله سبحانه وتعالى:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} أي: نعبدُك ولا نعبد غيرَك، ونستيعن بك ولا نستعين بسواك.

ص: 211

قال الله - تعالى -: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ} ، وقال تعالى:{إِلاّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} قال المفسِّرون: إلا من شهد ب لا إله إلا الله، {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أي: معنى ما شهدوا به في قلوبهم وألسنتهم.

وثبت في صحيح مسلم من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من مات وهو يعلم أنَّه لا إله إلا الله دخل الجنة"، فاشترط عليه الصلاة والسلام العلمَ.

أما الشرط الثاني: فهو اليقين المنافي للشك والريب، أي: أن يكون قائلها موقناً بها يقيناً جازماً لا شك فيه ولا ريب، واليقين هو تمام العلم وكماله، قال الله - تعالى - في وصف المؤمنين:{إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} ، ومعنى قوله:{ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} أي: أيقنوا ولم يشكّوا.

وثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشهد أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله، لا يلقى اللهَ بهما عبدٌ غيرُ شاكٍّ فيهما إلا دخل الجنة".

وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة - أيضاً - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشِّره بالجنة"، فاشترط اليقين.

ص: 212

والشرط الثالث: هو الإخلاص المنافي للشرك والرياء، وذلك إنَّما يكون بتصفية العمل وتنقيته من جميع الشوائب الظاهرة والخفيّة، وذلك بإخلاص النية في جميع العبادات لله وحده، قال تعالى:{أَلَا للهِ الدِّينُ الخَالِصُ} ، وقال تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إلَاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (1) وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:"أسعدُ الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه"(2) فاشترط الإخلاص.

والشرط الرابع: هو الصدق المنافي للكذب، وذلك بأن يقولَ العبدُ هذه الكلمة صادقاً من قلبه، والصدق هو أن يواطئ القلبُ اللسانَ، ولذا قال الله - تعالى - في ذمِّ المنافقين:{إِذَا جَآءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} ، فوصفهم سبحانه بالكذب؛ لأنَّ ما قالوه بألسنتهم لم يكن موجوداً في قلوبهم، وقال سبحانه وتعالى:{ألم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ} (3) وثبت في الصحيحين عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً عبده ورسوله صادقاً من قلبه إلا حرّمه الله على النار"(4) فاشترط الصدق.

(1) سورة الزمر، الآية:(3) .

(2)

سورة البينة، الآية:(5) .

(3)

سورة المنافقون، الآية:(1) .

(4)

سورة العنكبوت، الآية:(1 - 3) .

ص: 213

الشرط الخامس: المحبَّة المنافية للبغض والكره، وذلك بأن يحب قائلُها اللهَ ورسولَه ودينَ الإسلام والمسلمين القائمين بأوامر الله الواقفين عند حدوده، وأن يُبغض من خالف لا إله إلا الله وأتى بما يُناقضها من شرك وكفر، وممّا يدل على اشتراط المحبة في الإيمان قول الله - تعالى -:{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُباًّ للهِ} ، وفي الحديث:"أوثق عُرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله"(1)

والشرط السادس: القبول المنافي للردّ، فلا بدّ من قبول هذه الكلمة قبولاً حقاً بالقلب واللسان، وقد قصّ الله علينا في القرآن الكريم أنباء من سبق ممّن أنجاهم لقبولهم لا إله إلا الله، وانتقامه وإهلاكه لمن ردّها ولم يقبلها، قال تعالى:{ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقاًّ عَلَيْنَا نُنجِ المُؤْمِنِينَ} ، وقال سبحانه في شأن لمشركين:{إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} (2)

الشرط السابع: الانقياد المنافي للترك؛ إذ لا بد لقائل لا إله إلا الله أن ينقاد لشرع الله، ويُذعنَ لحكمه، ويسلمَ وجهه إلى الله؛ إذ بذلك يكون متمسكاً ب لا إله إلا الله، ولذا يقول تعالى:{وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى} ، أي: فقد استمسك ب لا إله إلا الله، فاشترط سبحانه الانقياد لشرع الله، وذلك بإسلام الوجه له سبحانه.

(1) سورة البقرة، الآية:(165) .

(2)

ورة يونس، الآية:(103) .

ص: 214

فهذه هي شروط لا إله إلا الله، وليس المرادُ منها عدَّ ألفاظها وحفظَها فقط، فكم من عاميٍّ اجتمعت فيه والتزمها ولو قيل له: اعددها لم يُحسن ذلك، وكم من حافظ لألفاظها يجري فيها كالسهم، وتراه يقع كثيراً فيما يناقضها، فالمطلوب إذاً العلم والعمل معاً ليكون المرء بذلك من أهل لا إله إلا الله صدقاً، ومن أهل كلمة التوحيد حقاً، والموفَّق لذلك والمعين هو الله وحده.

المطلب الرابع: نواقض شهادة أن لا إله إلاّ الله

لقد مرّ معنا شروطُ كلمة التوحيد لا إله إلا الله التي لا بد من توفّرها في العبد لتكون مقبولةً منه عند الله، وهي شروطٌ عظيمةُ الشأن، جليلةُ القدر يجب على كلِّ مسلم أن يُعنى بها عنايةً كبيرةً، ويهتمّ بها اهتماماً بالغاً، وإنَّ مما ينبغي أن يهتم به المسلم في هذا الباب العظيم معرفةَ نواقض هذه الكلمة ليكون منها على حذر، فإنَّ الله تبارك وتعالى قد بيّن في كتابه سبيل المؤمنين المحقّقين لهذه الكلمة مفصّلة، وبيّن سبيل المجرمين المخالفين لها مفصّلة، وبيّن سبحانه عاقبة هؤلاء وعاقبة هؤلاء، وأعمال هؤلاء وأعمال هؤلاء، والأسباب التي وفق بها هؤلاء والأسباب التي خذل بها هؤلاء، وجلا - سبحانه - الأمرين في كتابِه وكشفَهما وأوضحَهما وبيّنَهما غايةَ البيانِ، كما قال سبحانه:{وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ} ، وقال سبحانه:{وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِّعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسآءَتْ مَصِيراً} (1) ومن لم يعرف سبيل المجرمين ولم تستبِن له طريقهم أوشك أن يقع في بعض ما هم فيه من الباطل، ولذا قال أمير المؤمنين عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه:"إنَّما تُنقض عرى الإسلام عروةً عروةً إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية".

(1) ورة الأنعام، الآية:(55) .

ص: 215

ولهذا جاءت النصوص الكثيرةُ في الكتاب والسنة المحذرةُ من أسباب الرِّدة وسائر أنواع الشرك والكفر المناقضة لكلمة التوحيد لا إله إلا الله، وقد ذكر العلماء رحمهم الله في باب حكم المرتدّ من كتب الفقه: أنَّ المسلم قد يرتدُّ عن دينه بأنواعٍ كثيرةٍ من النواقض إذا وقع فيها، أو في أيِّ شيء منها ارتَدَّ عن الدِّين وانتقل من الملّة، ولم ينفعه مجرّد التلفّظ ب لا إله إلا الله؛ إذ إنَّ هذه الكلمة العظيمة التي هي خير الذِّكر وأفضله لا تكون نافعة لقائلها إلا إذا أتى بشروطها واجتنب كلَّ أمرٍ يُناقضها.

وما من ريب أنَّ في معرفة المسلم لهذه النواقض فائدةً عظيمةً في دينه، إذا عرفها معرفة يقصد من ورائها السلامة من هذه الشرور، والنجاة من تلك الآفات، ولهذا فإنَّ من عَرَفَ الشركَ والكفرَ والباطلَ وطرقَه وأبغضها وحذرها وحذّر منها ودفعها عن نفسه ولم يدعها تخدش إيمانه، بل يزداد بمعرفتها بصيرة في الحق ومحبة له، وكراهة لتلك الأمور ونفرةً عنها كان له في معرفته هذه من الفوائد والمنافع ما لا يعلمه إلا الله، والله - سبحانه - يُحبُّ أن تُعرف سبيلُ الحق لتُحب وتُسلك، ويحب أن تُعرف سبيل الباطل لتُجتنب وتُبغض؛ إذ إنَّ المسلم كما أنَّه مطالب بمعرفة سبيل الخير ليطبّقها، فهو كذلك مطالب بمعرفة سبل الشر ليحذرها، ولهذا ثبت في الصحيحين عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما أنَّه قال: كان الصحابة يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. ولهذا - أيضاً - قيل:

عرفت الشرَّ لا للشرِّ ولكن لتوقِّيه

ومن لم يعرف الشرَّ من الناس يقع فيه

ص: 216

وإذ كان الأمر بهذه الحال وعلى هذا القدر من الأهمية فإنَّ الواجب على كلِّ مسلم أن يعرف الأمور التي تناقض كلمة التوحيد لا إله إلا الله ليكون منها على حذر، وهي كما تقدّم تنتقض بأمورٍ كثيرةٍ، إلا أنَّ أشدَّ هذه النواقض خطرًا وأكثرها وقوعاً عشرةُ نواقض ذكرها غيرُ واحد من أهل العلم رحمهم الله، وفيما يلي ذكرٌ لها على سبيل الإيجاز، ليحذرها المسلم وليحذِّر منها غيره من المسلمين رجاءَ السلامة والعافية منها.

أما الأول: فهو الشرك في عبادة الله، قال الله - تعالى -:{إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشآءُ} ، وقال - تعالى -:{إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} (1) ومن ذلك دعاءُ الأموات والاستغاثةُ بهم، والنذرُ والذبحُ لهم، ونحو ذلك.

الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكّل عليهم فقد كفر إجماعاً، قال الله - تعالى -:{وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ َيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} .

الثالث: من لم يُكفِّر المشركين أو شَكَّ في كفرهم أو صحّح مذهبهم كَفَر.

الرابع: من اعتقد أنَّ هدي غير النبي صلى الله عليه وسلم أكملُ من هديه، أو أنَّ حكم غيره أحسنُ من حكمه، فهو كافرٌ؛ كالذين يفضِّلون حكم الطاغوت على حكمه سبحانه وتعالى.

الخامس: من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولو عمل به فقد كفر؛ لقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} .

(1) سورة النساء، الآية:(48) .

ص: 217

السادس: من استهزأ بشيء من دين الرسول صلى الله عليه وسلم أو ثوابه أو عقابه كفر، والدليل قوله تعالى:{قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} .

السابع: السحرُ، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر، والدليل قوله - تعالى:{وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} .

الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله -تعالى_:{وَمَن يتولهم مِنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ} .

التاسع: من اعتقد أنَّ بعض الناس يَسَعُه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، فهو كافر؛ لقوله تعالى:{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ} .

العاشر: الإعراض عن دين الله لا يتعلّمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} .

فهذه عشرة أمورٍ من نواقض كلمة التوحيد لا إله إلا الله، فمن وقع في شيء منها - والعياذ بالله انتقض توحيده، وانهدم إيمانه، ولم ينتفع بقوله: لا إله إلا الله. وقد نصّ أهل العلم على أنَّه لا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد، والخائف إلا المكره، وجميع هذه النواقض هي من أعظم ما يكون خطرًا، وأكثر ما يكون وقوعاً، فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه، نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه، ونسأله - سبحانه - أن يُوفِّقنا جميعا لما يرضيه، وأن يهدينا وجميع المسلمين صراطه المستقيم، إنَّه سميعٌ مجيبٌ قريبٌ.

المبحث الثالث:

في التسبيح فضله ومكانته ومدلوله

المطلب الأول: فضل التسبيح

ص: 218

إنَّ التسبيح له شأن عظيم ومكانة رفيعة؛ إذ هو أحد الكلمات الأربع التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنَّها خيرُ الكلام وأحبُّه إلى الله، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم:"أحبّ الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، وقد مرّ معنا جملة طيّبة من أحاديث النبيّ صلى الله عليه وسلم في تفضيل هؤلاء الكلمات، وبيان ما لهنّ من منزلةٍ عاليةٍ ومكانةٍ رفيعةٍ.

وكلمة: سبحان الله، التي هي إحدى هؤلاء الكلمات لها شأن عظيم، فهي من أجلِّ الأذكار المقربة إلى الله، ومن أفضل العبادات الموصلة إليه، وقد جاء في بيان فضلها وشرفها وعِظم قدرها نصوصٌ كثيرة في الكتاب والسنة، بل إنَّ ما ورد في ذلك لا يُمكن حصرُه لكثرته وتعدّده، وقد ورد ذكر التسبيح في القرآن الكريم أكثر من ثمانين مرة، بصِيغ مختلفة وأساليب متنوِّعة، فورد تارة بلفظ الأمر كما في قوله –تعالى-:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} ، وتارة بلفظ الماضي كما في قوله تعالى:{سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} (1) وتارة بلفظ المضارع كما في قوله تعالى: {يُسَبِّحُ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ} (2) وتارة بلفظ المصدر كما في قوله تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} (3)

(1) ورة الأحزاب، الآية:(41 - 42) .

(2)

ورة الحشر، الآية:(1) .

(3)

ورة الجمعة، الآية:(1) .

ص: 219

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى التسبيح في مُفتتح ثَماني سُوَر من القرآن الكريم، فقال تعالى في أول سورة الإسراء:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ، وقال تعالى في أول سورة النحل:{أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (1) وقال تعالى في أوّل سورة الحديد: {سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} (2) وقال تعالى في أوّل سورة الحشر: {سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} (3) وقال تعالى في أول سورة الصف: {سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} (4) وقال تعالى في أول سورة الجمعة: {يُسَبِّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ} (5) وقال تعالى في أول سورة التغابن: {يُسَبِّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (6) وقال تعالى في أول سورة الأعلى: {سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ المَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَى} (7)

(1) سورة الإسراء، الآية:(1) .

(2)

سورة النحل، الآية:(1 - 2) .

(3)

سورة الحديد، الآية:(1) .

(4)

سورة الحشر، الآية:(1) .

(5)

سورة الصف، الآية:(1) .

(6)

سورة الجمعة، الآية:(1) .

(7)

سورة التغابن، الآية:(1) .

ص: 220

قال بعض أهل العلم: والتسبيح ورد في القرآن على نحو من ثلاثين وجهاً، ستةٍ منها للملائكة، وتسعةٍ لنبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأربعةٍ لغيره من الأنبياء، وثلاثةٍ للحيوانات والجمادات، وثلاثةٍ للمؤمنين خاصة، وستةٍ لجميع الموجودات.

أما التي للملائكة فمنها قوله تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} ، الآية، وقوله:{فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} ، وقوله:{وَلَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} (1)

وقوله: {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّآفُونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ} .

وأما التي لنبيّنا صلى الله عليه وسلم فمنها قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ} ، وقوله:{وَمِنَ الَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً} (2) وقوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} (3)

(1) سورة فصّلت، الآية:(38) .

(2)

سورة الحجر، الآية:(98 - 99) .

(3)

سورة الإنسان، الآية:(26) .

ص: 221

وأما التي للأنبياء فقول الله - تعالى - لزكريا عليه السلام: {وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ} ، وقوله - تعالى - عن زكريا عليه السلام في وصيّته لقومه بالمحافظة على التسبيح:{فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِياًّ} (1) وقوله - تعالى - عن يونس عليه السلام في إنجائه من ظلمات البحر وبطن الحوت لملازمته للتسبيح: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (2)

وأما التي للمؤمنين فقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} ، وقوله تعالى:{إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} (3) وقوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَابَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ} (4) الآية.

(1) سورة آل عمران، الآية:(41) .

(2)

سورة مريم، الآية:(11) .

(3)

سورة الأحزاب، الآية:(41، 42) .

(4)

سورة السجدة، الآية:(15) .

ص: 222

وأما التي في الحيوانات والجمادات فمنها قوله تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} ، وقوله تعالى:{إِنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ وَالإِشْرِاقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} (1) وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} (2)

وأما التي لعموم المخلوقات فمنها قوله تعالى: {سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} ، وقوله تعالى:{يُسَبِّحُ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كَلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (3)

(1) سورة الإسراء، الآية:(44) .

(2)

سورة ص، الآية:(18،19) .

(3)

سورة الحشر، الآية:(1) .

ص: 223

وقد ذكر الله - تعالى - لفظة {سُبْحَانَ} في القرآن في خمسة وعشرين موضعاً، في ضمن كلِّ واحد منها إثباتُ صفة من صفات المدح، أو نفيُ صفة من صفات الذم، منها قوله تعالى:{سُبْحاَنَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} ، وقوله تعالى:{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} (1) وقوله تعالى: {سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (2) وقوله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِياًّ وَحِينَ تُظْهِرُونَ} (3) وقوله تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} (4) وقوله تعالى: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} (5)

فهذه النصوص القرآنية الكريمة وما جاء في معناها في كتاب الله تدل أوضح دلالة على جلالة قدر التسبيح، وعظيم شأنه من الدين، وأنَّه من أجَلِّ الأذكار المشروعة، ومن أنفع العبادات المقربة إلى الله عز وجل.

وقد دلّت السنة النبوية - أيضاً - على فضل التسبيح وعظيم مكانته عند الله من وجوه كثيرة، بل إنَّ السنةَ مليئةٌ بالنصوص الدّالة على عظيم شأن التسبيح، وشريف قدره، وجزيل ثواب أهله، وبيان ما أعدّ الله لهم من أجورٍ كريمةٍ، وأفضالٍ عظيمةٍ، وعطايا جمَّةٍ. وقد تضمّنت تلك النصوص الدلالةَ على ذلك من وجوهٍ كثيرةٍ:

(1) سورة البقرة، الآية:(116) .

(2)

سورة الصافات، الآية:(180 - 182) .

(3)

سورة الطور، الآية:(43) .

(4)

سورة الروم، الآية:(17،18) .

(5)

سورة الزخرف، الآية:(82) .

ص: 224

ومن ذلك أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أخبر أنَّ التسبيح أفضل الكلام وأحبُّه إلى الله، وقد سبق أنْ مرَّ معنا قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم:"أحبُّ الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر".

وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذرٍّ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِل: أيُّ الكلام أفضل؟ قال: "ما اصطفى الله لملائكته أو لِعباده: سبحان الله وبحمده".

وفي لفظ آخر للحديث أنَّ أبا ذرّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أُخبرُك بأحبِّ الكلام إلى الله؟ قلتُ: يا رسول الله أخبرني بأحبِّ الكلام إلى الله. قال: إنَّ أحبَّ الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده". فدلّ هذا الحديث على عظيم مكانة هذه الكلمة عند الله عز وجل.

ومِن فضائل التسبيح ما أخبر به النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ مَن قال: سبحان الله وبحمده في يومٍ مائة مرّة حُطَّت عنه ذنوبُه ولو كثُرت. ففي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَن قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرّة حُطَّت خطاياه وإن كانت مِثلَ زَبَدِ البحر".

وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنَّ من قالها في الصّباح مائة مرّة وفي المساء مائة مرّة، لم يأتِ أحدٌ يومَ القيامة بأفضلَ مما جاء به، إلاّ مَن قال مثل ذلك وزاد عليه. فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن قال حين يُصبحُ وحين يُمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرّة لم يأتِ أحدٌ يومَ القيامة بأفضلَ مما جاء به، إلاّ أَحدٌ قال مثل ما قال أو زاد عليه".

ص: 225

وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنَّ من قالها في يومٍ مائة مرّة كُتبت له ألفُ حسنةٍ أو حُطَّت عنه ألفُ خطيئةٍ، والحسنةُ بِعشر أمثالها. روى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه قال: كُنَّا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أيَعجزُ أحدُكم أن يكسب كلَّ يومٍ ألفَ حسنةٍ؟ فسأله سائلٌ من جلسائِه: كيف يكسب أحدُنا ألفَ حسنة؟ قال: يسبِّح مائة تسبيحة فيُكتبُ له ألفُ حسنةٍ أو يُحطُّ عنه ألفُ خطيئةٍ".

ومما ورد في فضل التسبيح إخبار النبيِّ صلى الله عليه وسلم عن ثِقل التسبيح في الميزان يوم القيامة مع خفّة ويسر العمل به في الدنيا. ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلمتان حبيبتان إلى الرّحمن، خفيفتان على اللّسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم".

وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: "كلمتان" هي خبرٌ مقَدَّمٌ مُبتَدَؤُه "سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم"، قال بعض أهل العلم:"والنكتة في تقديم الخبر تشويقُ السّامع إلى المبتدأ، وكلَّما طال الكلام في وصف الخبر حسُن تقديمه؛ لأنَّ كثرةَ الأوصاف الجميلة تزيد السّامع شوقاً". وقد وُصفت الكلمتان في الحديث بثلاثة أوصاف جميلةٍ عظيمةٍ، وهي: أنَّهما حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان.

وقد خُصَّ لفظ الرحمن بالذِّكر هنا؛ لأنَّ المقصود من الحديث بيانُ سعة رحمة الله - تعالى - على عباده حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الجزيل، والأجر العظيم، فما أيسرَ النطق بهاتين الكلمتين على اللسان، وما أعظم أجر ذلك وثوابه عند الكريم الرحمن، وقد وُصفت الكلمتان في الحديث بالخفّة والثقل، الخفّةِ على اللسان والثقلِ في الميزان، لبيان قلّة العمل وكثرة الثواب. فما أوسعَ فضلَ الله! وما أعظمَ عطاءَه!

ص: 226

ومن فضائل هذه الكلمة العظيمة، ما رواه الترمذي، وابن حبّان، والحاكم، وغيرهم، من طريق أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:"مَن قال: سبحان الله العظيم وبحمده غُرست له نخلةٌ في الجنَّةِ"، وله شاهدان:

أحدهما: من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما موقوفاً، خرّجه ابن أبي شيبة في مصنَّفه.

والآخر: من حديث معاذ بن سهل مرفوعاً، خرّجه الإمام أحمد في مسنده.

ومن فضائل هذه الكلمة ما رواه الطبراني، والحاكم، من حديث نافع بن جُبير بن مطعم، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن قال سبحان الله وبحمده، سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلاّ أنت، أستغفرك وأتوب إليك، فقالها في مجلس ذكرٍ كانت كالطّابع يطبع عليه، ومَن قالها في مجلس لغوٍ كانت كفَّارة له".

قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وصحّحه العلاّمة الألبانيُّ.

وروى الترمذي وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "مَن جلس في مجلس فكثُر فيه لغَطُه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلاّ أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلاّ غُفر له ما كان في مجلسه ذلك".

فهذه جملةٌ من الأحاديث الواردة في التسبيح والدّالة على عظيم فضله وثوابه عند الله، وفي أكثر هذه الأحاديث قُرن مع التسبيح حمدُ الله - تعالى -؛ وذلك لأنَّ التسبيح هو تنزيه الله عن النقائص والعيوب، والتحميدُ فيه إثباتُ المحامد كلّها لله عز وجل، والإثبات أكملُ مِنَ السّلب، ولهذا لم يَرِد التسبيحُ مجرّداً، لكن ورد مقروناً بما يدلّ على إثبات الكمال، فتارةً يُقرنُ بالحمد كما في هذه النصوص، وتارةً يُقرنُ باسم من الأسماء الدّالة على العظمة والجلال، كقول: سبحان الله العظيم، وقول: سبحان ربّي الأعلى، ونحو ذلك.

ص: 227

والتنزيه لا يكون مدحاً إلاّ إذا تضمّن معنىً ثبوتيًّا، ولهذا عندما نزَّه الله تبارك وتعالى نفسه عمّا لا يليق به ممّا وصفه به أعداء الرُّسل سلَّم على المرسلين الذين يثبتون لله صفات كماله ونعوت جلاله على الوجه اللاّئق به، وذلك في قوله تعالى:{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} ، وفي هذه الآية - أيضاً - حمد الله نفسه بعد أن نزّهها؛ وذلك لأنَّ الحمدَ فيه إثباتُ كمال الصفات، والتسبيحَ فيه تنزيه الله عن النّقائص والعيوب، فجمع في الآية بين التنزيه عن العيوب بالتسبيح وإثبات الكمال بالحمد، وهذا المعنى يرِد في القرآن والسنّة كثيراً، فالتسبيحُ والحمدُ أصلان عظيمان وأساسان متينان يقوم عليهما المنهجُ الحقُّ في توحيد الأسماء والصفات، وبالله وحده التوفيق.

المطلب الثاني: تسبيحُ جميع الكائنات لله

إنَّ الله - تعالى - لكمال عظمته، ولتمام ملكه وعزَّته، تسبِّحُ له جميعُ الكائنات، من سماء، وأرض، وجبال، وأشجار، وشمس، وقمر، وحيوان، وطيرٍ، وإنْ مِن شيءٍ إلاّ يُسبِّح بحمده.

ص: 228

يقول الله - تعالى -: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} ، ويقول تعالى:{ولَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَاجِبَالَ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرُ} (1) ويقول تعالى: {وسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} (2) وقال تعالى: {إِنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ وَالإِشْرِاقِ} (3) فهذه النصوص العظيمة تدلُّ دلالة ظاهرة أنَّ جميعَ الكائنات تسبِّح اللهَ عز وجل، فالحيوانات تسبِّح لله، والنباتات تسبِّح لله، والجمادات تسبِّح لله، وإنْ مِن شيءٍ خلقه الله إلاّ يسبِّح بحمد الله عز وجل، وإنْ كُنّا لا نفقه تسبيحه، وهو تسبيحٌ حقيقيٌّ يصدر من هذه الكائنات بلسان المقال، وليس بلسان الحال كما يدّعيه بعضهم، واللهُ - جلَّ وعلا - يجعل لهذه الكائنات إدراكات تسبِّح بها يعلمها هو - جلَّ وعلا - ونحن لا نعلمها، كما قال سبحانه:{وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} (4)

(1) ورة الإسراء، الآية:(44) .

(2)

ورة سبأ، الآية (10) .

(3)

ورة الأنبياء، الآية:(79) .

(4)

ورة ص، الآية:(18) .

ص: 229

قال الإمام أبو منصور الأزهريُّ رحمه الله في كتابه تهذيبُ اللغة: "وممّا يدلُّك على أنَّ تسبيح هذه المخلوقات تسبيحٌ تُعُبِّدت به، قول الله جلّ وعزّ للجبال: {يَاجِبَالَ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْر} ، ومعنى أوِّبي أي: سبِّحي مع داود النّهار كلّه إلى الليل، ولا يجوز أن يكون معنى أمر الله جلّ وعزّ للجبال بالتأويب إلاّ تعبُّداً لها، وكذلك قوله جلّ وعزّ: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالنُّجُومُ والجِبَالُ والشَّجَرُ والدَّوَابُّ وكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} (1) فسجود هذه المخلوقات عبادة منها لخالقها لا نفقهها عنها كما لا نفقه تسبيحها، وكذلك قوله: {وَإِنَّ مِنَ الحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ} (2) وقد علم الله هبوطها من خشيته، ولم يعرّفنا ذلك، فنحن نؤمن بما أعلمنا ولا ندّعي بما لم نكلّف بأفهامنا، مِن عِلْمِ فِعلِها كيفيّةً نحدّها" اهـ. كلامه رحمه الله، وهو كلام عظيم وتقرير حسن.

وقال النووي رحمه الله بعد أن أشار إلى ما قيل في المراد بالتسبيح، قال:"والصحيح أنَّه يسبِّح حقيقة، ويجعل الله - تعالى - فيه تمييزاً بحسبه".

وهذا القول هو القول الحق في هذه المسألة بلا ريب، فالله تبارك وتعالى هو الذي بيده أزمّةُ الأمور، وهو القادرُ على كلِّ شيء، وهو - سبحانه - الذي أنطق كلَّ شيء، لا يتعاظمه أمر، ولا يُعجِزه شيء في الأرض ولا في السماء، إنَّما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.

(1) ورة سبأ، الآية:(10) .

(2)

ورة الحج، الآية:(18) .

ص: 230

وأمّا قولُ من قال: إنَّ هذا التسبيح ليس حقيقياً وإنَّما هو تسبيح بلسان الحال فقط فهو قول مجانبٌ للحقيقةِ، بعيدٌ عن الصواب، ولا يعضُدُه دليل، بل الأدلّةٌ صريحةٌ على عدم صحّتِه.

وليس هذا الأمر بأعجب من تسبيح الحصا في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسبيحُ الطعام وهو يُؤكل، وقد كان يسمع ذلك الصحابةُ رضي الله عنهم.

روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "كنّا نعدُّ الآيات بركة وأنتم تعدّونها تخويفاً، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرٍ فقلَّ الماءُ، فقال: اطلبوا فضلةً من ماء، فجاؤوا بإناء فيه ماءٌ قليل، فأدخل يدَه في الإناء ثم قال: حيَّ على الطهور المبارك، والبركة من الله، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد كنّا نسمع تسبيح الطعام وهو يُؤكل".

فلله ما أعظمها من آيةٍ تدلّ على كمال المرسِل سبحانه، وصدق المرسَل - صلوات الله وسلامه عليه -.

وروى الطبراني في المعجم الأوسط، وأبو نعيم في دلائل النبوة عن أبي ذر رضي الله عنه قال: إنّي لشاهدٌ عند النبي صلى الله عليه وسلم في حلقة وفي يده حصى فسبَّحن في يده، وفينا أبو بكر وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ، فسمع تسبيحهنّ مَن في الحلقة، ثمّ دفعهنَّ النّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر فسبّحن مع أبي بكر، سمع تسبيحَهنَّ مَن في الحلقة، ثمّ دفعَهنَّ إلى النّبيِّ صلى الله عليه وسلم فسبَّحن في يده، ثمّ دفعهنَّ النّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى عمر فسبَّحن في يده، وسمع تسبيحَهنَّ مَن في الحلقة، ثم دفعهنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن عفّان فسبَّحن في يده، ثمّ دفعهنّ إلينا فلم يسبِّحن مع أحد منّا".

ص: 231

ولا شكّ أنَّ تسبيح الحصى الصغار والطعام أعجبُ وأبلغُ من تسبيح الجبال، ولذا فإنَّ المعجزة لنبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك أبلغُ من المعجزة لنبيِّ الله داود عليه السلام في تسبيح الجبال معه.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: "وأمّا تسبيح الطّير مع داود عليه السلام فتسبيح الجبال الصمّ أعجبُ مِن ذلك، وقد تقدّم في الحديث أنّ الحصا سبّح في كفِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن حامد: وهذا حديثٌ معروفٌ مشهورٌ، وكانت الأحجارُ والأشجارُ والمدرُ تسلِّم عليه صلى الله عليه وسلم.

وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود قال: "لقد كنّا نسمع تسبيح الطعام وهو يُؤكل"يعني بيد النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكلّمه ذراعُ الشّاة المسمومة وأعلمه بما فيه من السُّمِّ، وشهدت بنبُوَّته الحيواناتُ الإنسيّة والوحشيّة، والجمادات - أيضاً - كما تقدّم بسط ذلك كلِّه، ولا شكّ أنَّ صدور التسبيح من الحصا الصغار الصمّ التي لا تجاويف فيها أعجبُ مِن صدور ذلك من الجبال لما فيها من التجاويف والكهوف، فإنَّها وما شاكلها تردّد صدى الأصوات العالية غالباً كما قال عبد الله بن الزبير كان إذا خطب وهو أمير المدينة بالحرم الشريف تجاوبه الجبال أبو قبيس وزَرُود، ولكن من غير تسبيح، فإنَّ ذلك من معجزات داود عليه السلام، ومع هذا كان تسبيح الحصا في كفِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان أعجب" اهـ. كلامه رحمه الله.

والشّاهد مِن ذلك كلِّه هو أنَّ هذه الكائنات تسبِّح الله - تعالى - تسبيحاً حقيقاً لا يفقهه النّاس ولا يسمعونه، وقد يشاء الله فيُسمِع بعض ذلك من يشاء مِن عباده كما في النصوص المتقدّمة.

ص: 232

ولا ريب أنَّ في هذا أَعظمَ عبرةٍ وأجلَّ عِظةٍ للنّاس إذ تدبّروا في حال هذه الجبال وهي الحجارة الصلبة والصخور الصّمّاء كيف أنَّها تسبِّح بحمد ربِّها وتخشع له وتسجد وتشفق وتهبط من خشيته، وكيف أنّها خافت من ربِّها وفاطرها وخالقها على شدّتها وعِظم خلقها من الأمانة إذ عرَضَها عليها وأشفقت من حملها.

قال ابن القيِّم رحمه الله وهو يتحدّثُ عن هذا الباب العظيم: "فسبحان من اختصَّ برحمته من شاء مِن الجبال والرِّجال

هذا وإنَّها لَتعلمُ أنَّ لها موعداً ويوماً تنسف فيها نسفاً، وتصير كالعهن من هوله وعظمه، فهي مشفقةٌ من هول ذلك الموعد، منتظرةٌ له

فهذا حال الجبال وهي الحجارة الصلبة، وهذه رقّتُها وخشيتُها وتدكدكها من جلال ربِّها وعظمته، وقد أخبر عنها فاطرُها وباريها أنَّه لو أنزل عليها كلامه لخشعت ولتصدّعت من خشية الله. فيا عجباً من مضغة لحمٍ أقسى مِن هذه الجبال تسمع آيات الله تتلى عليها ويُذكرُ الرّبُّ فلا تلين ولا تخشع ولا تنيب

".

فنسأل الله جلّت قدرته وتبارك اسمه أن يحييَ قلوبَنا بالإيمان، وأن يعمُرَها بذكر الكريم الرحمن، وأن يعيذنا من الرّجيم الشيطان، إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه.

المطلب الثالث: معنى التسبيح

لا ريب أنَّ التسبيح يُعدُّ من الأصول المهمّة والأُسُس المتينة التي ينبني عليها المُعتَقَد فيما يتعلّق بمعرفة الربّ تبارك وتعالى وأسمائه وصفاته، إذ إنَّ المُعتَقَدَ في الأسماء والصفات يقوم على أصلين عظيمين وأساسين متينين هما الإثبات للصفات بلا تمثيل، وتنزيه الله عن مشابهة المخلوقات بلا تعطيل.

ص: 233

والتسبيح هو التنزيه، فأصل هذه الكلمة من السَّبح وهو البُعد، قال الأزهري في تهذيب اللغة: "ومعنى تنزيه الله من السوء تبعيده منه، وكذلك تسبيحه تبعيده، من قولك: سبحتُ في الأرض إذا أبعدتَ فيها، ومنه قوله جلّ وعزّ:{وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} ، وكذلك قوله:{وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً} (1) .

فالتسبيح هو إبعادُ صفات النقص من أن تُضافَ إلى الله، وتنزيهُ الربِّ سبحانه عن السوء وعمَّا لا يليقُ به، "وأصلُ التسبيح لله عند العرب التنزيه له من إضافة ما ليس من صفاته إليه، والتبرئة له من ذلك".

وقد ورد هذا المعنى في تفسير التسبيح في حديث يُرفع إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلَاّ أنَّ في إسناده كلاماً، فقد روى الحاكمُ في المستدرك عن عبد الرحمن ابن حمّاد، ثنا حفص ابن سليمان، ثنا طلحة بن يحيى بن طلحة، عن أبيه، عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال: سألتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير سبحان الله، فقال:"هو تنزيه الله عن كلِّ سوءٍ". قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقّبه الذهبي في تلخيصه للمستدرك بقوله: "بل لم يصح فإن طلحة منكر الحديث، قاله البخاري، وحفصٌ واهي الحديث، وعبد الرحمن، قال أبو حاتم: منكر".

ورُويَ الحديثُ من وجه آخر مرسلاً.

وورد في هذا المعنى آثارٌ عديدةٌ عن السلف رحمهم الله، روى جملةً منها الطبريُّ في تفسيره والطبرانيُّ في كتابه الدعاء في باب: تفسير سبحان الله، وغيرهما من أهل العلم، منها:

ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "سبحان الله: تنزيه الله عز وجل عن كُلِّ سُوءٍ".

وعن عبد الله بن بريدة أنَّ رجلاً سأل علياًّ رضي الله عنه عن سبحان الله فقال: "تعظيم جلال الله".

وجاء عن مجاهد أنه قال: "التسبيح انكفاف الله من كلِّ سوءٍ". قال ابن الأثير في النهاية: "أي: تنزيهه وتقديسه".

(1) سورة: يس، الآية:(40) .

ص: 234

وعن ميمون بن مهران قال: "سبحان الله اسم يُعظَّمُ الله به، ويحاشى به من السوء".

وعن أبي عبيدة معمر بن المثنّى قال: "سبحان الله: تنزيه الله وتبرئته".

وعن محمد بن عائشة قال: "تقول العرب إذا أنكرت الشيء وأعظمته سبحان الله، فكأنّه تنزيه الله عز وجل عن كلِّ سوء، لا ينبغي أن يوصف بغير صفته".

والآثار في هذا المعنى عن السلف كثيرة.

ونقل الأزهري في كتابه تهذيب اللغة عن غير واحد من أئمّة اللغة تفسير التسبيح بالمعنى السابق وقال: "وجِماعُ معناه بُعدُه تبارك وتعالى عن أن يكون له مثلٌ أو شريكٌ أو ضِدٌّ أو نِدٌّ".

وبهذه النقول المتقدِّمة يتبيَّنُ معنى التسبيح والمراد به، وأنَّه تنزيه الله عز وجل عن كلِّ نقص وعيبٍ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"والأمر بتسبيحه يقتضي تنزيهه عن كلِّ عَيبٍ وسُوءٍ، وإثباتَ المحامد التي يُحمد عليها، فيقتضي ذلك تنزيهه وتحميده وتكبيره وتوحيده". اهـ كلامه رحمه الله.

وبه يتبيّن أنَّ تسبيحَ الله إنَّما يكون بتبرئة الله وتنزيهه عن كلِّ سوء وعيبٍ، مع إثبات المحامد وصفات الكمال له سبحانه، على وجهٍ يليقُ به، أمَّا ما يفعله المعطِّلةُ من أهل البدع كالمعتزلة وغيرهم من تعطيل للصفات وعدم إثبات لها وجحدٍ لحقائقها ومعانيها بحجة أنَّهم يسبِّحون الله وينزِّهونه، فهو في الحقيقة ليس من التسبيح في شيء، بل هو إنكارٌ وجحودٌ، وضلالٌ وبهتانٌ، ولذا يقول ابن هشام النحوي في كتابه مغني اللبيب:"ألا ترى أنَّ تسبيحَ المعتزلة اقتضى تعطيل كثير من الصفات".

ويقول ابن رجب رحمه الله في معنى قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} أي: "سبِّحه بما حمد به نفسه؛ إذ ليس كلُّ تسبيحٍ بمحمود، كما أنَّ تسبيح المعتزلة يقتضي تعطيل كثير من الصفات".

ص: 235

وقوله رحمه الله: "إذ ليس كلُّ تسبيح بمحمود"كلامٌ في غاية الأهميَّة والدقَّة؛ إذ إنَّ تسبيح الله بإنكار صفاته وجحدها وعدم إثباتها أمرٌ لا يُحمد عليه فاعله، بل يُذمُّ غايةَ الذمِّ، ولا يكون بذلك من المسبِّحين بحمد الله، بل يكون من المعطّلين المنكرين الجاحدين، من الذين نزّه الله نفسه عن قولهم ووصفهم بقوله تعالى:{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} . فسبّح الله نفسه عمّا وصفه به المخالفون للرسل، وسلَّم على المرسلين لسلامة ما قالوه في الله من النقص والعيب.

إنَّ تسبيحَ الله وتنزيهَه وتقديسَه وتعظيمَه يجب أن يكون وفق الضوابط الشرعيّة، وعلى ضوء الأدلّة النقليّة، ولا يجوز بحال أن يُبنى ذلك على الأهواء المجرّدة، أو الظنون الفاسدة، أو الأقيسة العقليّة الكاسدة كما هو الشأن عند أرباب البدع المعطّلين لصفات الربّ - سبحانه -، ومن كان يعتمد في باب التعظيم على هواه بغير هدى من الله، فإنَّه يزِلُّ في هذا الباب ويقع في أنواع من الباطل وصنوف من الضلال. جاء عن عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله وقد ذُكر عنده أنَّ الجهميّة ينفون أحاديث الصفات، ويقولون: الله أعظم من أن يوصف بشيء من هذا أنَّه قال: "قد هلك قوم من وجه التعظيم فقالوا: الله أعظم من أن ينزل كتاباً أو يرسل رسولاً ثم قرأ: {وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ} ثم قال: هل هلكت المجوس إلاّ من جِهة التعظيم؟ قالوا: الله أعظم من أنْ نعبُدَه، ولكن نعبدُ من هو أقربُ إليه منّا، فعبدوا الشمس وسجدوا لها، فأنزل الله عز وجل:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى} (1) .

(1) سورة: الأنعام، الآية:(91) .

ص: 236

وفي كلامه هذا رحمه الله إشارة إلى أنّ التعظيم والتنزيهَ إنْ لم يكن على هديِ الكتاب والسنة فإنّه يكون غاية التعطيل، ومنتهى الجحود والعياذ بالله، ومن يتأمّل حالَ الطوائف الضالّة والفرق المنحرفة التي سلكت في التنزيه والتعظيم هذا الطريق يجد أنهم لم يستفيدوا من ذلك سوى التنقّص لربّ العالمين وجحد صفات كماله ونعوت جلاله، حتى آل الأمر ببعضهم في التنزيه إلى الاعتقاد بأنّه ليس فوق العرش إله يُعبد ولا ربٌّ يُصلى له ويُسجدُ تعالى الله عمّا يقولون، وسبحان الله عمّا يصفون.

إنّ التسبيحَ طاعةٌ عظيمةٌ وعبادةٌ جليلةٌ، والله تبارك وتعالى يحبُّ المسبّحين، والواجب على عبد الله المؤمن أن يكون في تسبيحه لربّه على هديٍ مستقيمٍ، فيُسبّح الله وينزّهه عن كلِّ ما لا يليقُ به من النقائص والعيوب ويُثبتُ له مع ذلك نعوتَ جلاله وصفات كماله، ولا يتجاوزُ في ذلك كلِّه كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال الإمام أحمد رحمه الله:"لا يُوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسولُه صلى الله عليه وسلم لا يُتجاوَزُ القرآن والحديث". ومن كان على ذلك فهو على هدي قويمٍ، وعلى صراطٍ مستقيمٍ.

ص: 237

تابع للمنهل المؤهول بالبناء للمجهول

بَابُ الصَّاد المُهْمَلَةِ

(صُبِيَ) القَوْمُ - بالبَاءِ المُوَحَّدَةِ والمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ - كعُنِيَ: أَصَابَتْهُمْ ريحُ الصَّبَا. وأَصْبَوا: دَخَلُوا فيها.ومَهَبُّهَا من مَطْلَعِ الثُّرَيَّا إِلَى بَنَاتِ نَعْشٍ.

(صُدِرَ) فُلانٌ - بالدَّالِ المُهْمَلَةِ والرَّاءِ - كعُنِيَ: شَكَا صَدْرَهُ.

(صُعِفَ) بالعَيْنِ المُهْمَلَة والفاء - كعُنِيَ؛ فهو مَصْعُوفٌ: أَصَابَتْهُ الصَّعْفَةُ؛ وهي الرِّعْدَةُ من فَزَعٍ أو بَرْدٍ أو غَيرِهِ.

(صُفِرَ) - بالفَاءِ والرَّاءِ - كعُنِيَ أَصَابَهُ الصُّفَارُ كغُرَابٍ؛ وهو كما في ((القاموس)) : المَاءُ الأَصْفَرُ يَجْتَمِعُ في البَطْنِ.

(صِفْنا) قالَ في ((الصِّحَاحِ)) أي: أَصَابَنا مَطَرُ الصَّيفِ؛ وهو (فُعِلْنَا) عَلَى ما لم يُسَمَّ فَاعِلُهُ، مِثل خُرِفْنَا ورُبِعْنَا، وصِيفَتِ الأَرْضُ فَهِيَ مَصِيفَة ومَصْيُوفة، إذا أَصَابَهَا مَطَرُ الصَّيْفِ.

وفي ((القَامُوسِ)) : وصِيفَتِ [7ب] الأَرْضُ، كعُنِيَ.

بابُ الضَّادِ المُعْجَمَةِ

(ضُبِطَتِ) - الأَرْضُ بالمُوَحَّدَةِ والطَّاءِ المُهْمَلَةِ - مجهولاً مُطِرَتْ.

(ضُرِبَتِ) الأَرْضُ - بالرَّاءِ والمُوَحَّدَةِ - كعُنِيَ: أَصَابَهَا الضَّرِيبُ؛ وهو الصَّقِيعُ، كأَسِيرٍ - بالصَّادِ المُهْمَلَةِ والقَافِ - وهو كما قَالَ في ((الضِّياء)) : البَرَدُ المُحْرِقُ للنَّبَاتِ. وقَالَ في ((الصِّحَاحِ)) : والصَّقِيعُ: الَّذِي يَسْقُطُ من السَّمَاء باللَّيلِ، شَبِيه بالثَّلْجِ، وقد صُقِعَتِ الأَرْضُ فهي مَصْقُوعَةٌ.

وقَالَ في الضَّادِ المُعْجَمَةِ من بَابِ المُوَحَّدَةِ: الضَّرِيبُ: الصَّقِيعُ، يُقَالَ منه: ضُرِبَتِ الأَرْضُ، كما تَقُولُ طُلَّتْ، من الطَّلِّ.

فالصَّقِيعُ كالضَّريبِ - بالضَّادِ المُعْجَمَةِ - وَزْناً ومَعْنىً.

ص: 238

وقَدْ أَبْدَلَ النُّسَّاخُ في المَنْظُومَةِ الصَّادَ المُهْمَلَةَ من ((الصَقِيع)) بالسِّينِ المُهْمَلَةِ، قَالَ فِيها:

وَضُرِبَتْ مِنَ الصَّقِيعِ الأَرْضُ

......

...

فَصَارَ بَعْدَ الإِبْدَالِ ((السَّقِيع)) فَصُحِّفَتِ السِّين المُهْمَلَةُ بالشِّين المُعْجَمَةِ والقَافِ بالفاءِ، فَصَارت:((الشَّفيع)) فَبَعُدَ عَنِ المَعْنَى. والصَّواب مَا ذَكَرْنَا.

(اضْطُرَّ) إلى كذا - بالطَّاء المُهْمَلَة والرَّاءِ - مَجْهولاً: أُلْجِئ إِلَيهِ.

بَابُ الطَّاءِ المُهْمَلَةِ

(طُحِلَ) فُلانٌ - بِالحَاءِ المُهْمَلَةِ واللامِ - كعُنِيَ طَحْلاً: شَكا مِن طِحَالِهِ. وأَمَّا عِظَمُ الطِّحَالِ فَيُقَالُ فيهِ: طَحِلَ؛ كفَرِحَ فهو طَحِلٌ، وكذا يُقَالُ في المَاءِ إذَا فَسَدَ وأَنْتَنَ مِنْ حَمَأٍ.

(طُرِفَتِ) العَيْنُ - بالرَّاءِ والفَاءِ - كعُنِيَ؛ فهي مَطْرُوفَةٌ: أَصَابَهَا شَيءٌ فَدَمَعَتْ والاِسْمُ الطُّرْفَةُ - بالضَّمِّ. والعَامَّةُ تَقُولُهُ بالفَتْحِ.

(طُرِقَ) العَقْلُ - بالرَّاءِ والقَافِ - كعُنِيَ: أَصَابَهُ ضَعْفٌ.

(طُشَّ) فُلانٌ - بالشِّينِ المُعْجَمَةِ المُشَدَّدَةِ - مجهولاً - أَصَابَهُ [8أ] الطُّشَاشُ - بفتح الطَّاءِ وضَمِّها - وهو دَاءٌ يُشْبِهُ الزُّكَامَ.

(طُشَّتِ) الأَرْضُ - بالشِّين [المُعْجَمَةِ] المُشّدَّدَةِ - مجهولاً؛ إذا أَصَابَهَا الطَّشِيشُ؛ وهو المَطَرُ الضَّعِيفُ.

(طُلِسَ) بِفُلانٍ في السِّجْنِ - باللامِ والسَّينِ المُهْمَلةِ -[كعُنِيَ] :رُمِيَ به فيه.

(طُلِّقَ) السَّليمُ - باللام المُشَدَّدَةِ والقَافِ مَجْهُولاً - تَطْلِيقاً: رَجَعَتْ إِليه نَفْسُهُ وسَكَنَ وَجَعُهُ.

ص: 239

وفي ((الضِّيَاء)) : وطُلِّق الرَّجُلُ - يَعْنِي بِتَشْدِيدِ اللامِ - إذا لُدِغَ فَسَكَنَ وَجَعُهُ بَعْدَ العِدَادِ وقَالَ في بَابِ العَينِ والدَّالِ في (فِعال) بكَسْرِ الفَاء: العِدَادُ: اهْتِيَاج كُلِّ وَجَعٍ يَأْتِي لَوَقْتٍ كَحُمَّى الرِّبْعِ ونَحْوِهَا. يُقَالُ: إنَّ اللَّسْعَةَ تَأْتِي لِعِدَادٍ؛ أي: الوَقْت الَّذي تَلْسَعُ فيه.

وفي المَنْظُومَةِ:

......

وطُلِّقَ النِّسَاءُ جَاءَ بالبِنَا

ولَعَلَّهُ غَيَّر السَّلِيمَ بالنِّسَاءِ. واللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

(طُلِقَتِ) المَرْأَةُ في المَخَاضِ - باللامِ والقافِ كعُنِيَ - طَلْقاً: أَصَابَهَا وَجَعُ الوِلَادَةِ. وأَمَّا إذا أُرِيدَ الطَّلاقُ فَيُقَالُ: طَلَقَتْ - كنَصَرَ و [كَرُمَ]- من زَوْجِها طَلاقاً: فهي طَالِقٌ.

(طُلَّ) دَمُ فُلانٍ وأُطِلَّ - باللامِ المُشَدَّدَةِ فيهما مَجْهُولاً - أَيْ: أُهْدِرَ فَلايُطَالَبُ به، قَالَ الشَّاعِرُ:

دِمَاؤُهُم لَيْسَ لَهَا طَالِبٌ

مَطْلُولَةٌ مِثْلُ دَمِ العُذْرَه

قَالَ أَبُو زَيدٍ: ولا يُقَالُ: طَلَّ دَمُهُ، يَعْنِي بِفَتْحِ الطَّاء. قَالَ في ((الصِّحَاحِ)) وأَبُو عُبَيدَةَ والكِسَائِيّ يَقُولانِهِ.

قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: فِيهِ ثَلاثُ لُغَاتٍ: طَلَّ وطُلَّ وهي بفتح الطَّاءِ وضَمِّهَا، وأُطِلّ - بزِيَادَةِ هَمَزَةٍ مَضْمُومَةٍ، والطَّاءُ مَكْسُورَةٌ.

وفي المَنْظُوَمَةِ:

......

...

وطُلَّ الحَرْضُ

ومَعْنَاهُ - واللهُ اَعْلَمُ: هُدِرَ العَاشِقُ؛ لأَنَّ الحَرِضَ كَكَتِفٍ هُوَ الَّذِي أَدَّى به العِشْقُ والحَرِضُ - بالحَاءِ المُهْمَلَةِ - والرَّاءِ والضَّادِ المُعْجَمَةِ. وهو في النَّظْمِ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ بالسُّكُونِ حَتَّى يَسْتَقِيمَ [8ب] وَضَمِّهَا:

.... .... .... ....

وطُلَّ مِنْهُ دَمُهُ أَيْ: قُتِلا

ص: 240

وهو يُوْهِمُ أَنَّ طُلَّ مَعْنَاهُ: قُتِلَ مُطْلَقاً، وإِنَّما مَعْنَاهُ: قُتِلَ هَدَراً ولَعَلَّهُ تَرَكَهُ لضِيقِ النَّظْمِ مَعَ اشْتِهَارِهِ عِنْدَهُ.

(طُلَّتِ) الأَرْضُ - باللامِ المُشَدَّدَةِ - مَجْهُولاً: إذا أَصَابَهَا الطَلُّ؛ وهو أَضْعَفُ المَطَرِ يُقَالُ: رَحُبَتْ عَلَيكَ الأَرْضُ، وطُلَّتْ - بِضَمِّ الطَّاءِ - يَعْنِي بِه الأَرْضَ. ويُقَالُ بِفَتْحِ الطَّاءِ، أَيْ: طَلَّتْ (1) عَلَيكَ السَّمَاءُ. قَالَ الشَّاعِرُ:

ومَطْرُوفَةِ العَيْنَينِ خَفَّاقَةِ الحَشَا

مُنَعَّمَةٍ كالرّيمِ طَابَتْ وطُلَّتِ

أَي: مُطِرَت: دَعَا عَلَيهَا بذلك. والمَطْرُوفَةُ العَيْنَينِ الَّتِي تَهِيجُ إِلى الرِّجَالِ.

(طُمِرَ) فُلانٌ في ضِرْسِهِ بالمِيمِ والرَّاءِ كعُنِيَ: هَاجَ وَجَعُهُ عَلَيهِ.

(طُمِلَ) الشَّيءُ - بالمِيمِ واللاّمِ - كعُنِيَ وفَرِحَ: لُطِخَ بدُهْنٍ أو دَمِ أوقَارٍ أو شِبْهِهِ.

بَابُ الظَّاءِ المُعْجَمَةِ

(ظُفِرَ) فُلانٌ في عَينِهِ - بالفَاءِ والرَّاءِ - كعُنِيَ: إذا أَصَابَتْهُ ظَفَرَةٌ، وهي جُلَيدَةٌ تُغَشِّي العَيْنَ، فهو مَظْفُورٌ. وقَدْ ظَفِرَتِ العَيْنُ، كَفَرِحَ، فهي ظَفِرَةٌ.

بَابُ العَيْنِ المُهْمَلَةِ

(عُرِبَ) الجُرْحُ؛ مَجْهُولاً بالرَّاءِ والمُوَحَّدَةِ؛ ذَكَرَهُ فِي المَنْظُومَةِ. قَالَ في ((القَامُوسِ)) : عَرِبَ الجُرْحُ كفَرِحَ: بَقِيَ أَثَرُهُ بَعْدَ البُرْءِ.

ولم يَذْكُرْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ فيُنْظَرْ ما مَعْنَى الَّذي في المَنْظُومَةِ، ولَعَلَّهُ ما ذَكَرَ؛ إِذِ الأَثَرُ لا يَبْقَى بَعْدَ البُرْءِ غَالِباً إلا إِذَا حَصَلَتْ بِهِ شِدَّةٌ عَظِيمَةٌ. واللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

(عُرِقَ) الرَّجُلُ - بالرَّاءِ والقَافِ - كعُنِيَ - عَرَقاً: صَارَ قَلِيلَ اللَّحْمِ.

(1) ينظر: الأفعال للسرقسطي 3/249.

ص: 241

(عُرِنَ) الرَّجُلُ بالرَّاءِ والنُّونِ، كعُنِيَ: شَكَا أَنْفَهُ.

(عُرِيَ) فُلانٌ - بالرَّاءِ والمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ - كعُنِيَ: أَصَابَتْهُ العَرْوَاءُ، وهي قِرَّةُ الحُمَّى ومَسُّها في أَوَّلِ رِعْدَتِها.

وَعُرِيَ إِلى الشَّيءِ - بالرَّاءِ والمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ أَيْضاً - كعُنِيَ: بَاعَهُ ثُمَّ اسْتَوْحَشَ إِليه [9أ] .

(عُقِرَت) المَرْأَةُ - بالقَافِ والرَّاءِ - كعُنِيَ: عُقِمَتْ. وقَالَ في ((الفَصِيحِ)) : "عَقُرَتْ - بِفَتْحِ العَينِ- يَعْنِي المُهْمَلَةَ - وضَمِّ القَافِ"فَيَكُونُ فيه لُغَةٌ ثَانِيَةٌ

(اعْتُقِلَ) لِسَانُهُ - بالقَافِ واللامِ مَجْهُولاً - لم يَقْدِرْ عَلَى الكَلامِ.

(عُقِمَتِ) المَرْأَةُ بالقَافِ والمِيمِ، كفَرِحَ ونَصَرَ، وكَرُمَ وعُنِيَ، عَقَماً [وعَقْماً، ويُضَمُّ] أَصَابَها العُقْمُ بالضَّمِّ - وهو هَزْمَةٌ تَقَعُ في الرَّحِمِ فَلا تَقْبَلُ الوَلَدَ. والهَزْمَةُ بِفَتْحِ الهَاءِ، والزَّايِ - النُّقْرَةُ أو الحُفْرَةُ أو العُقْمُ: انسِدَادٌ.

قَالَ الكِسَائيّ: رَحِمٌ مَعْقُومَةٌ: مَسْدُودَةٌ لا تَلِدُ.

وقَالَ في ((الفَصِيحِ)) وقَدْ عُقِمَتِ المَرْأَةُ إذا لم تَحْمِلْ؛ فهي عَقِيمٌ.

(عُكِمَ) فُلانٌ - بالكَافِ والمِيم - كعُنِيَ: صُرِفَ عن زِيَارَتِهِ.

(عُلِقَ) فُلانٌ - باللامِ والقَافِ - نَشِبَ العَلَقُ بحَلْقِهِ فهو مَعْلُوقٌ.

(عُنِيَ) فُلانٌ بكَذَا - بالنُّونِ والمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ مَضْمُومَ العَيْنِ مَكْسُورَ النُّونِ- عِنَايَةً. وكرَضِيَ قَليلٌ: اهْتَمَّ به، فَهُوَ بِهِ عَنٍ.

وقَالَ في ((الفَصيح)) عُنِيْتُ بِحَاجتِكَ - بضَمِّ أَوَّلِهِ - أُعْنَى بها فَأَنَا بها مَعْنيٌّ.

بَابُ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ

(غُبِنَ) فُلانٌ في البَيْعِ والرَّأْيِ - بالمُوَحَّدَةِ والنُّونِ - كعُنِيَ: خُدِعَ فهو مَغْبُونٌ، والاسْمُ الغَبِينَةُ.

ص: 242

(أُغْرِبَ) الفَرَسُ - بالرَّاءِ والمُوَحَّدَةِ - مَجْهُولاً: إذا فَشَتْ غُرَّتُهُ حَتَّى تَأْخُذَ العَيْنَينِ، فَتَبْيَضُّ الأَشْفَارُ.

وأُغْرِبَ الرَّجُلُ - أَيْضاً - إذا اشْتَدَّ وَجَعُهُ؛ عَنِ الأَصْمَعِيّ.

(غُرِيَ) الرَّجُلُ بكذا؛ كرَضِيَ وعُنِيَ، وأُغْرِيَ به مَجْهُولاً - بالرَّاءِ والمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ فيهما - أُوْلِعَ به.

(غُسِلَ) الفَرَسُ - بالسِّينِ المُهْمَلَةِ والَّلامِ -كعُنِيَ واغْتُسِلَ مَجْهُولاً: عَرِقَ.

(غُشِيَ) عَلَى المَرِيضِ - بالشِّينِ المُعْجَمَةِ والمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ [9ب] كعُنِيَ: غُمِيَ عَلَيهِ، غَشْياً وغَشَياناً؛ فهو مَغْشِيٌّ عَلَيْهِ والاسْمُ الغَشْيَةُ.

(غُضِبَ) - بالضَّادِ المُعْجَمَةِ والمُوَحَّدَةِ - كسَمِعَ وعُنِيَ: إذا أَصَابَهُ الغِضَابُ بِكَسْرِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وَضَمِّهَا؛ وهو القَذَى في العَيْنِ.

(غُلَّ) فُلانٌ – باللامِ المُشَدَّدَةِ – مَجْهُولاً: أَصَابَهُ الغَلَلُ بالتَّحْرِيكِ؛ وهو العَطَشُ أو شِدَّتُهُ، أو حَرَارَةُ الجَوْفِ؛ فهو غَلِيلٌ ومَغْلُولٌ ومُغْتَلٌّ، ويُقَالُ: ما لَهُ؟ أُلَّ وغُلَّ مَجْهُولَينِ: دُعَاءٌ عَلَيْهِ.

(غُمَّ) الهِلالُ بالمِيمِ المُشَدَّدَةِ مَجْهُولاً فَهُو مَغْمُومٌ: حَالَ دُونَهُ غَيْمٌ رَقِيقٌ وغُمَّ عَلَى فُلانٍ الخَبَرُ - بالمِيمِ المُشَدَّدَةِ أَيْضاً - مَجْهُولاً: اسْتَعْجَمَ عَلَيهِ.

(غُمِيَ) عَلَى المَرِيضِ، وأُغْمِيَ عَلَيهِ - بالمِيمِ والمثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ مَجْهُولَيْنِ: غُشِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ.

بَابُ الفَاءِ

(فُسِلَ) فُلانٌ - بالسِّينِ المُهْمَلَةِ واللامِ - كَكَرُمَ وعَلِمَ وعُنِيَ - فَسَالَةً وفُسُولَةً: صَارَ فَسْلاً؛ أَيْ: لا مُرُوءَةَ لَهُ.

(فُصِخَ) بالصَّادِ المُهْمَلَةِ والخَاءِ المُعْجَمَةِ، كعُنِيَ غُبِنَ في البَيْعِ.

ص: 243

(فُصِمَ) البَيْتُ - بالصَّادِ المُهْمَلَةِ والمِيمِ - كعُنِيَ: انْهَدَمَ.

(أُفْظِعَ) فُلانٌ - بالظَّاءِ المُعْجَمَةِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ - مَجْهُولاً: نَزَلَ به أَمْرٌ عَظِيمٌ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيْد:

وهُمُ السُّعاةُ إذا العَشِيرةُ أُفْظِعَتْ

وهُمُ فَوَارِسُهَا وهُمْ حُكَّامُهَا

(فُلِجَ)[فُلانٌ](1) - بالفَاءِ والجِيمِ - كعُنِيَ؛ فهو مَفْلُوجٌ: أَصَابَهُ الفَالِجُ؛ وهو استِرْخَاءُ أَحَدِ شِقَّي البَدَنِ؛ لانصِبَابِ خِلْطٍ بَلْغَمِيٍّ تَنْسَدُّ مِنْهُ مَسَالِكُ الرُّوْحِ. وقِيل الفَالجُ رِيحٌ.

وقَالَ ابنُ دُرَيدٍ: قِيلَ فيه: مَفْلُوجٌ؛ لأَنَّهُ ذَهَبَ نِصْفُهُ ومنه قِيلَ لِشِقَّةِ البَيْتِ: فَلِيجَةٌ.

وفي المَنْظُومَةِ:

............

وفُلِجَ الأَمْرُ به..... [10 أ][1أ]

ولَمْ أَرَ لَهُ أَصْلاً. ولَعَلَّ مَعْنَاهُ: انْشَقَّ الأَمْرُ بِهِ فَلَمْ يَمْلِكْهُ، أو لَعَلَّهُ غَيَّرَ الأَمْنَ بالأَمْرِ، وكَأَنَّ فُلِجَ الأَمْرُ به؛ أَيْ: بالفَالِجِ المَفْهُومِ مِن فُلِجَ.

بَابُ القَافِ

(قُبِضَ) فُلانٌ - بالمُوَحَّدَةِ والضَّادِ المُعْجَمَةِ - كعُنِيَ: مَاتَ.

(اقتُتِلَ) فُلانٌ - بالمُثَنَّاتَينِ الفَوْقِيَّتَينِ واللامِ - مَجْهُولاً: إذَا قَتَلَهُ العِشْقُ أو الجِنُّ.

قَالَ في ((الصِّحَاحِ)) : حَكَاهُ الفَرَّاءُ عَنِ الكِسَائِيّ، ولا يُقَالُ في هَذين إلا اقتُتِلَ.

(قُجِزَ) فُلانٌ - بالجِيمِ والزَّايِ - كعُنِيَ: رُدَّ.

(قُحِلَ) فُلانٌ - بالحَاءِ المُهْمَلَةِ واللامِ - كعَلِمَ وعُنِيَ، قُحُولاً: يَبِسَ جِلْدُهُ عَلى عَظْمِهِ.

(1) ما بين المعقوفين زيادة من ح، ع.

ص: 244

(قُطِعَ) بفُلانٍ وانْقُطِعَ به - بالطَّاء والعَيْنِ المُهْمَلَتَينِ فِيهما - مَجْهُولَين؛ فهو مُنْقَطَعٌ بِهِ: إِذَا عَجَزَ عَن سَفَرِهِ من نَفَقَةٍ ذَهَبَتْ أو رَاحِلَةٍ مَاتَتْ، أو أَتَاهُ أَمْرٌ لا يَقْدِرُ أَنْ يَتَحَرَّكَ مِنْهُ.

(قُطِعَ) فُلانُ - بالطَّاءِ والعَيْنِ - المُهْمَلَتَينِ، كعُنِيَ فَهُوَ مَقْطُوعٌ: أَصَابَهُ القُطْعُ بَضَمِّ القَافِ، وهو البُهْرُ، وانقِطَاعُ النَّفَس ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُو المَرَادُ في المَنْظُومَةِ لا الأَوَّل بِنَاءً عَلَى عَدَمِ تَقْدِيرِ الجَارِّ والمَجْرُورِ بَعْدَهُ في النَّظْمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بما تَقَدَّمَ.

(قُلِعَ) الأَمِيرُ - باللامِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ - كعُنِيَ فَهْوَ مَقْلُوعٌ، أَيْ: مَعْزُولٌ.

(أُقْهِرَ)[فُلانٌ] وقُهِرَ - بالهاءِ والرَّاءِ فيهما - مَجْهُولَينِ: أُذِلَّ وغُلِبَ؛ فهو مَقْهُورٌ.

وقُهِرَ اللَّحْمُ - بالهَاءِ والرَّاءِ - كعُنِيَ: إذَا أَخَذَهُ النَّارُ وسَالَ مَاؤهُ، وهذا مما صُحِّفَ في المَنْظُومَةِ الكَمَالِية.

بَابُ الكَافِ

(كُبِدَ) فُلانٌ - بالمُوَحَّدَةِ والدَّالِ المُهْمَلَةِ - كعُنِيَ: شَكَى كَبِدَهُ مَنَ [10ب] الوَجَعِ الَّذِي بها والكَبِدُ كَكَتِفٍ الجَوْفُ بِكَمَالِهُ، أو وَسَطُ الشَّيءِ أو مُعْظَمُهُ.

(كُسِئَ) القَوْمُ - بالسِّينِ المُهْمَلَةِ والهَمْزِ - مَجْهُولاً: اتُّبِعُوا وطُرِدُوا. قَالَ الشَّاعِرُ:

كُسِئَ الشِّتَاءُ بِسَبْعَةٍ غُبْرِ

أَيْ: طُرِدَ وتُبِعَ، وذَلِكَ [مِثْل كُسِعَ] يَكْسَعُ بالعَيْنِ وسَيَأْتي قَرِيباً.

(كُسِعَ) الشِّتَاءُ - بالسِّينِ والعَيْنِ المُهْمَلَتَينِ - مَجْهُولاً: طُرِدَ وقَالَ الشَّاعِرُ:

كُسِعَ الشِّتَاءُ بِسَبْعَةٍ غُبْرِ

ص: 245

أَيْ: طُرِدَ وأُتْبِعَ ولم يَذْكُرْ في ((القَامُوسِ)) كُسِئَ وكُسِعَ مَجْهُولَين، وإِنَّمَا ذَكَرَهُمَا بالبِنَاءِ للفَاعِلِ، وجَعَلَ مَعْنَاهُما ضَرَبَ، وضَبَطَهُمَا في ((الصِّحاح)) بالقَلَمِ مَبْنِيينِ للمَجْهُولِ في البَيتِ وفَسَّرَهُمَا بما ذَكَرْنَاهُ.

وفي المَنْظُومَةِ:

وكُسِعَ السِّقَا.... .... ....

.... .... ....

بالسِّينِ المُهْمَلَةِ والقَافِ، والظَّاهِرُ أَنَّهُ تَصْحِيفٌ، وإَنَّمَا هُوَ الشِّتَاءُ - بالشِّين المُعْجَمَةِ والمُثَنَّاةِ الفَوْقِيَّةِ- كما هو مَضْبُوطٌ في البَيْتِ بالقَلَمِ من نُسْخَةٍ مُحَرَّرَةٍ فِي مَادَّتِي (كسأ) و (كسع) ونَبَّهَ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُما وَاحدٌ.

والسَّبْعَةُ المَذْكُورَةُ هِي أَيَّامُ العَجُوزِ، قَالَ في ((الصِّحَاحِ)) في مَادَّةِ (عجز) : وأَيَّامُ العَجُوزِ عِنْدَ العَرَبِ خَمْسَةٌ: صِنٌّ وصِنَّبْرٌ، ووَبْر، ومُطْفِئُ الجَمْرِ، ومُكْفِىءُ الظُعُنِ. قَالَ ابن كُنَاسَة: هِي في نَوْءِ الصَّرْفَةِ. قَالَ أَبُو الغَيثِ: هِيَ سَبْعَةُ أَيَّامٍ وأَنْشَدَنِي لابْنِ أَحْمَرَ:

كُسِعَ الشِّتَاءُ بِسَبْعَةٍ غُبْر

أَيامَ شَهْلَتِنا مِنَ الشَّهْرِ

فَإذا انقَضَتْ أَيَّامُهَا ومَضَتْ

صِنٌّ وصِنَّبرٌ مع الوَبْرِ

وبآمرٍ وأخيه مؤتمرٍ

ومُعَلّلٍ وبمطفِىءِ الجَمْرِ

ذَهَبَ الشِّتَاء موَلِّياً عَجِلاً

وأَتَتْكَ وَاقِدَةٌ مَنَ النَجْر

(كُلِبَ) - باللامِ المُوَحَّدَةِ - كعُنِيَ: أَصَابَهُ الكَلاب كسَحَابٍ؛ وهو ذَهَابُ العَقْلِ مِنَ الكَلَبِ.

(كُظِمَ) - بالظَّاءِ المُعْجَمَةِ والمِيمِ - قَالَ في ((القَامُوسِ)) : كعُنِيَ، كُظُوماً: سَكَتَ، وقَوْمٌ كُظَّمٌ، كرُكَّعٍ: سَاكِتُون. [11م] .

(كُمِنَ) - بالمِيمِ والنُّونِ - كَسَمِعَ وعُنِيَ: أَصَابَتْهُ كُمْنَةٌ بِضَمِّ الكَافِ؛ وهي ظُلْمَةُ البَصَرِ، أو جَرَبٌ وحُمْرَةٌ فيه.

بَابُ الَّلامِ

ص: 246

(لُدَّ) الرَّجُلُ بالدَّالِ المُهْمَلَة المُشَدَّدَةِ مَجْهُولاً؛ فهو مَلْدُودٌ، جُعِلَ له اللَّدُودُ كَصَبُورٍ؛ وهو ما يُصَبُّ من الأَدْويَةِ في أَحَدِ شِقَّي الفَمِ وكَلامُ صَاحِبِ ((القَامُوسِ)) يَقْتَضِي أَنَّه لَيْسَ مِمَّا بُنِيَ للمَجْهُولِ.

(لُبِجَ) بفُلانٍ - بالمُوَحَّدَةِ والجِيمِ - كعُنِيَ: صُرِعَ.

(لُبِطَ) فلان -[بالمُوَحَّدَة] والطَّاءِ المُهْمَلَةِ - كعُنِيَ أَصَابَتْهُ اللَّبِيطَةُ، وهي الزُّكَامُ؛ فهو مَلْبُوطٌ، ولُبِطَ به بالزِّنَةِ والضَّبْطِ: سَقَطَ وصُرِعَ.

(لُحِفَ) مِن مَالِهِ فُلانٌ - بالحَاءِ المُهْمَلة واللامِ - كعُنِيَ، لُحْفَةً: ذَهَبَ مِنه شَيءٌ.

(لُحِمَ) فُلانٌ - بالحَاءِ المُهْمَلَةِ والمِيمِ - كعُنِيَ: قُتِلَ، فَهُوَ لَحِيمٌ، كَقَتِيلٍ زِنَةً ومَعْنىً.

(لُقِيَ) فُلانٌ - بالقَافِ والمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ - كعُنِيَ فَهُوَ مَلْقُوٌّ: أَصَابَتْهُ اللَّقْوَةُ، بِفَتْحِ اللامِ المُشَدَّدَة، بَعْدَها قَافٌ سَاكِنَةٌ، وهي دَاءٌ في الوَجْهِ.

(الْتُمِعَ) اللَّونُ - بالمِيمِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ - مَجْهُولاً: ذَهَبَ وتَغَيَّرَ.

(الْتُمِيَ) اللَّونُ - بالمِيم والمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ - مَجْهُولاً: التُمِعَ؛ فهو بِمَعْنَاهُ وزِنَتِهِ.

بَابُ المِيمِ

(مُخِضَتِ) المَرْأَةُ - بِالخَاءِ والضَّادِ المُعْجَمَتَينِ - كَسَمِعَ ومَنَعَ وعُنِيَ: أَخَذَها الطَّلْقُ.

(مُرِرْتُ) به - بالرَّاءِ المُكرَّرة مَجْهُولاً -أُمَرُّ مَرّاً ومِرَّةً: غَلَبَتْ عَلَيَّ المِرَّةُ؛ وهي بكَسْرِ المِيمِ: مِزَاجٌ من أَمْزِجَةِ البَدَنِ.

ص: 247

(مُرِضَ) - بالرَّاءِ والضَّادِ المُعْجَمَةِ - ذَكَرَهُ في المَنْظُومَةِ مِنَ المَجْهُولِ، ولم يَحْكِ فيه الثَّلاثَةُ غَيْرَ البِنَاءِ للفَاعِلِ وفُسِّرَ المَرَضُ في ((القَامُوسِ)) بإِظْلامِ الطَّبِيعَةِ وفي ((الصِّحَاحِ)) بالسُّقْم، وفي ((الضِّياءِ)) بالعِلَّةِ في البَدَنِ، ولعلَّهُ مصحف ((حُرِصَ)) كما تَقَدَّم في بَابِ الحَاءِ، واللهُ تَعَالى أَعْلَمُ.

(مُصِرَ) الفَرَسُ - بالصَّادِ المُهْمَلَةِ والرَّاءِ - كعُنِيَ: استُخْرِجَ جَرْيُهُ.

(مُغِسَ) فُلانٌ - بالغَيْنِ المُعْجَمَةِ والسِّينِ المُهْمَلَةِ - كعُنِيَ وفَرِحَ: أَصَابَهُ

المَغْصُ؛ وهو وَجَعٌ في البَطْنِ، وهو لُغَةٌ في الصَّادِ.

(مُغِصَ) فُلانٌ - بالغَينِ المُعْجَمَةِ والصَّادِ المُهْمَلَةِ - كعُنِيَ: أَصَابَهُ [10ب] المَغْصُ، ويُحَرَّك. قَالَ في ((القَامُوسِ)) وَهِمَ الجَوْهَرِيُّ فيه، وهو مَمْغَوصٌ.

(مُقِع) فلان بكذا - بالقاف والعين المهْمَلةِ - كعُنِيَ: رُمِيَ بِهِ.

(امتُقِعُ) اللَّون - بالقَافِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ - مجْهُولاً: تغَيّر من حزنٍ أو فَزَعٍ.

(مُنِيَ) فلانٌ بِكَذَا - بالنُونِ والمُثناه الَتحْتِيّة - كعُنِيَ ابتلي به.

(مُنِيَ) فُلانٌ لكذا - بالنُّونِ والمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ - كعُنِيَ: وُفِّقَ له.

ص: 248

تابع للمنهل المؤهول بالبناء للمجهول

بَابُ النُّونِ

(نُئِجَ) القَوْمُ - بالهَمْزِ والجِيمِ - كعُنِيَ: أَصَابَتْهُم الرِّيْحُ الّتي لها نَئِيجٌ؛ أَيْ: مَرٌّ سَرِيعٌ بِصَوْتٍ.

(نُتِجَتِ) النَّاقَةُ - بالمُثَنَّاةِ الفَوْقِيَّةِ والجِيمِ - كعُنِيَ، نِتَاجاً: حَانَ نِتَاجُها. وقَالَ يَعْقُوبُ: اسْتَبَانَ حَمْلُها.

(نُجِدَ) فُلانٌ - بالجِيمِ والدَّال المُهْمَلَةِ - كَعُنِيَ: أَصَابَهُ النَجَدُ، وهو الكَرْبُ والغَمُّ.

(نُحِضَ) فُلانٌ - بالحَاءِ المُهْمَلَةِ والضَّادِ المُعْجَمَةِ - كَعُنِيَ: قَلَّ لَحْمُهُ. وانتُحِضَ - مَجْهُولاً - بِمَعْنَاهُ وضَبْطِهِ.

(نُخِشَ) فُلانٌ بالخاءِ والشِّينِ المُعْجَمَتَينِ - كمَنَعَ وعُنِيَ؛ فهو مَنْخُوشٌ، وهي مَنْخُوشَةٌ: هُزِلَ.

(نُخِيَ) فُلانٌ - بالخَاءِ المُعْجَمَةِ والمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ - كعُنِيَ ونَصَرَ: افْتَخَرَ وتَكَبَّرَ.

(نُزِحَ) فلان - بالزَّاي والحَاءِ المُهْمَلَةِ - كعُنِيَ: بَعُدَ عَنْ دِيَارِهِ غَيبَةً بِعِيدةً.

(نُزِفَ) فُلانٌ - بالزَّاي والفَاء - كعُنِيَ: ذَهَبَ عَقْلُهُ أو سَكِرَ، ومِنهُ قَولُهُ تَعَالَى {ولا يُنْزَفُونَ} (1)

(1) سورة الواقعة: الآية 19. وهي قراءة الجمهور، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم {يُنزِفون} بالبناء للمعلوم من الفعل: أنزف. ينظر: السبعة 547، والنشر 2/357، والتيسير 186، والبحر المحيط 7/360، والجامع لأحكام القرآن 15/79، والدرّ المصون 9/305.

وقال مكي في الكشف 2/224: "وحجة من كسر أنه جعله من: أنزف ينزِف، إذا سكر والمعنى: ولاهم عن الخمر يسكرون، فتزول عقولهم، أي: تبعد عقولهم، كما تفعل خمر الدنيا

وحجة من فتح الزاي

أنه جعله من: نزف إذا سكر، وردّه إلى ما لم يسمّ فاعله، لغة مشهورة فيه، وإن كان لا يتعدّى في الأصل، ولم يستعمل: نَزَفَ إذا سكر، إنّما استُعمل بالضمّ.... والمعنى ولاهم عن خمر الجنة يسكرون

ويجوز أن يكون من: أنزف، ردّه إلى ما لم يسم فاعله".

ص: 249

أي: ولا يَسْكَرُون.

ونُزِفَ دَمُهُ، بالزِّنَةِ والضَّبْطِ: سَالَ حَتَّى يَفْرُطَ.

ونُزِفَتِ البِئْرُ بالزِّنَةِ والضَّبْطِ: نُزِحَتْ وأُنزِفَتْ بالضَّبْطِ مَجْهُولاً بمَعْنَاه، وأَنْزَفَهَا رَبُّهَا ونَزَفَها ونَزَفَتْ هِيَ، يَتَعَدَّى ولا يَتَعَدَّى.

(نُسِئَتِ) المَرْأَةُ - بالسِّينِ المُهْمَلَةِ والهَمْزِ - نَسْئاً، كعُنِيَ: تَأَخَّرَ حَيْضُهَا [12أ] عَن وَقْتِهِ فَرُجِيَ أَنَّهَا حُبْلَى، وهي نَسْءٌ لا نَسِيءٌ.

قَالَ المَجْدُ: وَهِمَ فيه الجَوْهَرِيّ.

(انتُسِفَ) اللَّونُ - بالسِّينِ المُهْمَلَةِ والفَاءِ - مَجْهُولاً: تَغَيَّرَ.

(نُشِعَ) بكذا - بالشِّين المُعْجَمَةِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ - فهو مَنْشُوعٌ: أُوْلِعَ به.

(نُشِغَ) الصَّبِيُّ- بالشِّينِ والغَيْنِ المُعْجَمَتَينِ - كعُنِيَ: أُوجِرَ.

ونُشِغَ فُلانٌ - بالشِّينِ - مِثْلُهُ زِنَةً وضَبْطاً: أُوْلِعَ به، فَهُوَ مَنْشُوغٌ به.

(انتُشِفَ) اللَّونُ - بالشِّينِ [المُعْجَمَة] والفَاءِ - مَجْهُولاً: تَغَيَّرَ.

(نُطِعَ) اللَّونُ - بالطَّاءِ والعَينِ المُهْمَلَتَينِ - كعُنِيَ: تَغَيَّرَ.

(نُفِسَتِ) المَرْأَةُ - بالفَاءِ والسّين المُهْمَلَةِ - كسَمِعَ وعُنِيَ: وَلَدَتْ، أو حَاضَتْ، والفَتْحُ به أَكْثَرُ. قَالَ النَّوَوِيُّ في ((التَّهْذِيبِ)) : ضَمُّ النُّونِ في الوِلادَةِ أَكْثَرُ مِن فَتْحِهَا، وفي الحَيضِ بالعَكْسِ. وفي ((شَرْحِ مُسْلِمٍ)) نَحْوُهُ.

وقَالَ الهَرَوِيُّ: إِنَّهُ في الوِلادَةِ بالفَتْحِ لا غَيرُ. وأَصْلُ ذَلِكَ مِنَ النَّفْسِ، وهو الدَّمُ.

ص: 250

[قُلْتُ] : وكَلامُ صَاحِبِ: ((القَامُوسِ)) يَحْتَمِلُ أَنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ((والكَسْرُ فِيه أَكْثَرُ)) رَاجِعٌ إِلَى لَفْظِ نُفِسَتْ مُطْلَقاً، ويَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَاجِعاً إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ، وهو حَاضَتْ؛ فيكون ذَكَرَ بَعْضَ ما في ((التَّهْذِيبِ)) (1) .

نُفِسْتُ عَلَيكَ: بالسِّينِ بالزِّنَةِ والضَّبْطِ -[أَنْفُسُ](2) نَفَاسَةً، ذَكَرَهُ في ((الفَصِيحِ)) ، ولَمْ يَذْكُرْ مَعْنَاه. وقَالَ في ((القَامُوسِ)) :"نَفِسَ به كفَرِحَ: ضَنَّ، و عَلَيْهِ بِخَيرٍ: حَسَدَ، و عَلَيْهِ الشَّيءَ نَفَاسَةً: لم يَرَهُ أَهْلاً لَهُ"فَيَكُونَ فِيه لُغَتَانِ: نُفِسَ كعُنِيَ وفَرِحَ. واللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

(انْتُقِعَ) اللّونُ - بالقَافِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ - مَجْهُولاً: تَغَيَّرَ. وفي ((الصِّحَاحِ)) : "انْتُقِعَ لَوْنُهُ؛ فهو مُنْتَقَعٌ: لُغَةٌ في امْتُقِعَ" وقال: امتُقِعَ لَوْنُهُ: إذا تَغَيَّرَ من حُزنٍ أو فَزَعٍ قال: وكَذَلِكَ: انْتُقِعَ. والمِيْمُ أَجْوَدُ.

(استُنقِعَ) اللَّونُ - بالقَافِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ - مَجْهُولاً: تَغَيَّرَ، وَهُوَ مِن بَابِ الاسْتِفْعَالِ [12ب] .

واستُنْقِعَ الشَّيءُ في المَاءِ - بالزِّنَةِ والضَّبْطِ - نُقِعَ.

(نُكِبَ) الرَّجُلُ - بالكَافِ والمُوَحَّدَةِ - كعُنِيَ فهو مَنكُوبٌ: إِذَا أَصَابَتْهُ نَكْبَةٌ.

(نُهِمَ) الرَّجُلُ - بالهَاءِ والمِيمِ - كفَرِحَ وعُنِيَ: اتَّصَفَ بالنَّهَامَةِ كَسَحَابَةٍ، وهي إِفْرَاطُ الشَّهوةِ في الطَّعَامِ، وأن لا تَمْتَلِئَ عَيْنُ الآكِلِ ولا يَشْبَعَ؛ فَهُوَ نَهِمٌ ونَهِيم ومَنهُومٌ.

بابُ الهَاءِ

(هُبِشَ) الكَلْبُ - بالمُوَحَّدَةِ والشِّينِ المُعْجَمَةِ - كعُنِيَ؛ أَي: حُرِّشَ فاحتَرَشَ.

(1) يعني تهذيب الأسماء واللغات للنووي (القسم الثاني) 2/170.

(2)

زيادة من: ح، ع.

ص: 251

(اسْتُهْتِرَ) بِكَذا - بِأَلِفٍ وسِينٍ مُهْمَلَةٍ فمُثَنّاتَينِ فَوْقِيَّتَينِ بَيْنَهُمَا هَاءٌ فَرَاءٌ آخِرَه - قَالَ في ((القَامُوسِ)) : عَلَى مَا لَم يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وذَكَرَ أَنَّ المُسْتَهْتَرَ - بالفتح - بالشَّيءِ: هو المُولَعُ به، لا يُبالي بما قيل فيه وشُتِمَ له، والَّذي كَثُرَتْ أَبَاطِيلُهُ.

(هُدِمَ) فُلانٌ - بالدَّالِ المُهْمَلَةِ والمِيمِ - كعُنِيَ: أَخَذَهُ الهُدامُ كغُرَابٍ؛ وهو الدُّوَارُ من رُكُوبِ البَحْرِ.

(أُهْدِرَ) دَمُه، فَهُو مُهْدَرٌ.

(هُرِعَ) الرَّجُلُ - بالرَّاءِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ - قَالَ في ((القَامُوسِ)) مَجْهُولاً؛ فهو مُهْرَعٌ: يُرْعَدُ مِن غَضَبٍ أو ضَعْفٍ أو خَوْفٍ.

وقَالَ في ((الضِّياءِ)) : أُهْرِعَ الرَّجُلُ إذا ارْتَعَدَ رَوعاً أو غَضَباً. والإِهْرَاعُ: شِدَّةُ الشَّوْقِ. قَالَ اللهُ تَعَالى: {يُهْرَعُونَ إِلَيهِ} (1) قِيل: لا يَكُونُ الإِهْرَاعُ إلا إِسْرَاعاً مَعً رِعْدَةٍ.

وفي ((الصِّحاح)) وأُهْرِعَ الرَّجُلُ عَلَى ما لم يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ فهو مُهْرَعٌ، إذا كَانَ يُرْعَدُ من غَضَبٍ أو حُمَّى أو فَزَعٍ.

(هُزِلَ) فلان - بالزاي واللام - كعُنِيَ هُزَالاً، وكنَصَرَ هَزْلاً: أصابه الهُزال كغُراب؛ وهو نَقِيضُ السِّمَنِ، ومنه قَوْلُ الشَّاعِرِ:

لَقَد هُزِلَتْ حَتَّى بَدَى من هُزَالها كُلاها وحَتَّى سَامَهَا كلُّ مُفْلِسِ [13أ]

(اهْتُقِعَ) اللَّونُ - بالقَافِ والعَيْنِ والمُهْمَلَةِ - مَجْهُولاً، عَلَى اُفتُعِلَ: تَغَيَّرَ.

(أُهِلَّ) الهِلالُ واسْتُهِلَّ - باللام المُشَدَّدَةِ فيهما - مَجْهُولَين: ظَهَرَ. ويُقَالُ: اسْتَهَلَّ وأَهَلَّ بالبِنَاءِ للفَاعِلِ.

(اهْتُمِعَ) اللَّون - بالمِيم والعَيْنِ المُهْمَلَةِ - عَلَى (افْتُعِلَ) مَجْهُولاً: تَغَيَّرَ.

بَابُ الوَاوِ

(1) سورة هود: الآية 78.

ص: 252

(وَبِئَتِ) الأَرْضُ - بالمُوَحَّدَةِ والهَمْزَةِ - كفَرِحَ، تَيبَأُ وتَوْبَأُ وَبَأً، وككَرُمَ، وَباءً ووَباءةً وأَبَاءً وأَبَاءَةً، وكَعُنِيَ وَبَاءً. وأَوْبَأَتْ،:وهي وَبِئَةٌ ووَبِيئَةٌ ومُوبِئَةٌ: كَثِيرَتُهُ.

(وُثِئَتْ) يَدُهُ فهي موثُوءَةٌ. قَالَهُ في ((الفَصِيحِ)) وهو بالثَّاءِ المُثَلَّثَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ، ولم يَذْكُرْ مَعْنَاهُ، وهو إذا حَصَلَ فيها تَخَدُّرٌ بوَجَعٍ من رَضَّةٍ أو وَقْعَةٍ [أو غَيْر ذَلِكَ](1)

(تُوُدِّع) كعُنِيَ - من فُلانٍ بالدَّالِ والعَيْنِ المُهْمَلتَينِ على (تُفُعِّلَ) - مَجْهُولاً أي: سُلِّمَ عَلَيهِ. وقَولُهُ صلى الله عليه وسلم: "إذا رَأَيْتُ أُمَّتِي تَهَابُ (2) الظَّالِمَ أَنْ تَقُولَ لَه: إِنَّكَ (3) ظَالِمٌ فقد تُوَدِّعَ مِنْهُم"(4) أَيْ: اسْتُرِيحَ مِنهُم وخُذِلُوا، وخُلِّيَ بَيْنَهُم وبَيْنَ المَعَاصِي، أو تُحُفِّظَ منهم، وتُوُقِّيَ كما يُتَوَقَّى من شِرَارِ النَّاسِ.

(وُزِرَ) فُلانٌ - بالزَّاي والرّاء - كعُنِيَ: رُمِيَ بوِزْرٍ.

(وُضِعَ) الرَّجُلُ في تِجَارَتِهِ وأُوْضِعَ بالضَّادِ المُعْجَمَةِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ فيهما مَجْهُولَينِ، أَيْ: خَسِرَ.

(1) ما بين المعقوفين زيادة من ح، ع.

(2)

في ح، ع:((أهابوا)) وهو تحريف، وينظر: القاموس (ودع) 995، وإتحاف الفاضل 26.

(3)

قوله: ((إنك)) ساقط من ح، ع.

(4)

رواه أحمد في المسند 2/163، 189، 190، والبيهقي في شعب الإيمان 6/80 (ح7546) ، والحاكم في المستدرك 4/96، وابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال 3/1267، 1276، 6/2135، والهيثمي في مجمع البحرين 7/240 (ح4384) وابن الجوزي في غريب الحديث 2/459، والسيوطي في الجامع الكبير 1/59، وفي الجامع الصغير 1/44، والألباني في ضعيف الجامع الصغير 1/44.

ص: 253

(وُقِرَ) السَّمْعُ - بالقَافِ والرَّاءِ - كعُنِيَ: أَصَابَهُ الوَقْرُ؛ وهو ثِقَلٌ في الأُذُنِ، أو ذَهَابُ السَّمْعِ كُلِّهِ، ويُقَالُ فيه - أَيْضاً - وَقَرَ كوَعَدَ ووَجِلَ، ومَصْدَرُهُ وَقْراً بالفَتْحِ، والقِيَاسُ بالتَّحْرِيكِ.

وَأَمَّا قوله في المنظومة:

... ......

ووُقِرَ الخَبْرُ بَصَدْرٍ

مَعْنَاهُ: حَصَلَ في الخَبَرِ الكَائِنِ في الصَّدْرِ ثِقَلٌ، وهي صِفَةُ مَدْحِ. واللهُ أَعْلَمُ [13ب] .

(وُقِصَ) عُنُقُ فُلانٍ - بالقَافِ والصَّادِ المُهْمَلَةِ - كُسِرَ؛ فهو مَوْقُوصٌ، وَقَصَتْ به راحِلَتُهُ تَقِصُهُ و الفَرَسُ الآكَامَ دَقَّتْهَا.

ووَقَصَ عُنُقَهُ، كَوَعَدَ: كَسَرَها؛ فَوَقَصَتْ؛ لازِمٌ مُتَعَدٍّ. هَذا كلامُ ((القَامُوسِ)) غَيرَ مُرَتَّبٍ.

وقال في ((الصّحاح)) : [الأَصْمَعِيّ] : وَقَصْتُ عُنُقَهُ [أَقِصُها] وَقْصاً، أَيْ: كَسَرْتُهَا، ولا تكونُ وَقَصَتِ العُنُقُ نَفْسها.

ثُمَّ قَالَ: وُقِصَ الرَّجُلُ فهو مَوْقُوصٌ. ويُقَالُ - أَيْضاً: وَقَصَتْ بِهِ راحِلتُه، وهو كقَولك خُذِ الخِطَامَ، وخُذْ بالخِطَام.

والفَرَسُ يَقِصُ الإِكَامَ؛ أي: يَدُقُّها.

وقَالَ في ((الفَصيحِ)) : وُقِصَ الرَّجُلُ إذا سَقَطَ عن دَابَّتِهِ فانْدَقَّتْ عُنُقُهُ، فهو مَوْقُوصٌ.

وقَوْلُهُ في النَّظْمِ:

ووُقِصَ الرَّاكِبُ

...

...

...

مَعْنَاهُ: انكَسَرَتْ عُنُقُهُ لوُقُوعِهِ عن راحِلَتِهِ، وقَوْلُهُ ((مثل نُخِي)) أَيْ: في الوَزْنِ لافي المَعْنَى، فَقَد سَبَقَ مَعْنَى نُخِيَ في بَابِ النُّونِ.

(وُقِعَ) في يَدِهِ - بالقَافِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ - كعُنِيَ: سُقِطَ.

(وُكِسَ) الرُّجُلُ في تِجَارَتِهِ وبَيْعِهِ وشِرَائِهِ، وأُوكِسَ - بالكَافِ والسِّين المُهْمَلَةِ فيهما مَجْهُولَينِ - فوَكَسَ، كوَعَدَ، مَعْنَاهُ: نَقَصَ.

وقَولُهُ في المَنْظُومَةِ:

...

...

ص: 254

ومِثْلَهُ وَكِسَ

...

أَيْ: هو مِثْلُ: وُضِعَ، في المَعْنَى - إِذ هو قَرِيبٌ - وفي الزِّنةِ، واللهُ أَعْلَمُ.

وأَوْكَسَ مَالُهُ: ذَهَبَ، لازِمٌ مُتَعَدٍّ.

(أُولِعَ) الرَّجُلُ بكذا - باللامِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ مَجْهُولاً - أُغْرِيَ به أو أُشْغِلَ.

بَابُ المُثَنَّاةِ التحتِيَّةِ

(يُدِيَ) فُلانٌ بالدَّالِ المُهْمَلَةِ والمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ - كعُنِيَ ورَضِيَ، وهَذِهِ ضَعِيفَةٌ: أُولِيَ بِراً.

(يُمِنَ) فُلانٌ - بالميمِ والنُّونِ - كعَلِمَ وعُنِيَ وجَعَلَ وكَرُمَ: حَصَلَ لَهُ اليُمْنُ -بالضَّمِّ - وهو البَرَكَةُ، كالمَيْمَنَةِ، فهو مَيْمُونٌ، وأَيْمَنُ، ويَامَنٌ، ويَمينٌ.

خَاتِمَةٌ

قَالَ في ((الفَصِيحِ)) إذا أَمَرْتَ من هذا البَابِ [14أ] كُلِّه كَانَ كُلُّهُ باللامِ، كَقَولِكَ: لِتُعْنَ بحاجَتِي، ولْتُوْضَعْ في تِجَارَتِكَ، ولْتُزْهَ عَلَينَا يا رَجُلُ، ونَحْوَ ذَلِكَ، فَقِسْ عَلَى هَذا إن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.

هَذَا آخِرُ ما تَيَسَّرَ جَمْعُهُ مِنَ الأَفْعَالِ المَسْمُوعَةِ بِالبِنَاءِ للمَجْهُول، واللهُ المَسْؤُولُ في النَّفْعِ بِذَلِكَ وأَنْ يُنِيلَنَا في الدَّارَينِ أَعْظَمَ سُول والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين، وصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتِمِ النَّبِيِّين، وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين وحَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلا باللهِ العَلِيِّ العَظِيم.

ص: 255

تَمَّتْ هَذِهِ النُّسْخَةُ المَبَارَكَةُ السَّاعَة الرَّابِعَةَ مِن لَيْلَةِ الخَمِيسِ المُبَارَكِ المُوَافِق الحادي والعِشرين [من] مُحَرَّم الحرام افتتاح عام 1298هـ عَلَى يَدِ كاتِبِها الفَقِير الحَقِيرِ المُعْتَرِفِ بالذَّنبِ والتَّقْصِيرِ قَاسِم الكيكيّ بن عَبدِ الرّحمن الكيكي غَفَرَ له اللهُ ولِوَالِدَيه ولِوَالِدي والِدَيهِ، ولمن أَحَبَّهُ ولمن يُحِبُّهُ، ولجَمِيعِ المُسْلِمِينِ آمين. وصلّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمّد، وعَلَى آلِهِ وصحبهِ وسلّم. آمين والحمدُ لله ربّ العالمين.

فهرس المصادر والمراجع

1-

الإبدال، لأبي الطيب اللغوي، ت/عز الدين التنوخي، مطبوعات المجمع العلمي العربي بدمشق 1379هـ.

2-

الإبدال والمعاقبة والنظائر، للزجاجي، ت/عز الدين التنوخي، مطبوعات المجمع العلمي العربي بدمشق 1381هـ.

3-

إتحاف الفاضل بالفعل المبني لغير العاقل، لابن علان، ت/يسري عبد الغني عبد الله، دار الكتب العلمية، بيروت، 1407هـ (وجميع إحالاتي غير المقيدة هي على هذه الطبعة)

4-

إتحاف الفاضل بالفعل المبني لغير العاقل، لابن علان،مكتبة القدسي والبدير، دمشق 1384هـ.

5-

إتحاف الورى بأخبار أم القرى، للنجم بن فهد، ت/ فهيم شلتوت، مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى، مكة المكرمة 1403هـ.

6-

أدب الكاتب، لابن قتيبة، ت/ محمد الدالي، مؤسسة الرسالة، بيروت 1402هـ.

7-

ارتشاف الضرب، لأبي حيان، ت/ الدكتور مصطفى النماس، مطبعة النسر الذهبي، القاهرة.

8-

الأزمنة والأمكنة، للمرزوقي، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة.

9-

أساس البلاغة، للزمخشري، ت/ عبد الرحيم محمود، دار المعرفة بيروت 1402هـ.

10-

أسرار العربية، لأبي البركات الأنباري، ت/ محمد بهجة البيطار، مطبوعات المجمع العلمي، دمشق1377هـ.

11-

إسفار الفصيح، لأبي سهل الهروي، ت/ الدكتور أحمد سعيد قشاش، رسالة دكتوراه، الجامعة الإسلامية 1416هـ.

ص: 256

12-

الاشتقاق، لابن دريد، ت/ عبد السلام هارون، الخانجي، القاهرة 1378هـ.

13-

إصلاح المنطق، لابن السكيت، ت/ أحمد شاكر وعبد السلام هارون، دار المعارف، القاهرة 1949م. (الطبعة الثانية) .

14-

الأصول في النحو، لابن السراج، ت/ الدكتور عبد الحسين الفتلي، مؤسسة الرسالة، بيروت 1405هـ.

15-

إعراب الحماسة، لابن جنى، مخطوط، مكتبة أحمد الثالث 2369.

16-

الأغاني، لأبي الفرج الأصفهاني، الدار التونسية للنشر والتوزيع، 1983م.

17-

الأفعال، لابن القطاع، عالم الكتاب، بيروت 1403هـ.

18-

الأفعال، لابن القوطية، ت/علي فوده، الخانجي، القاهرة، 1993م (الطبعة الثانية) .

19-

الأفعال للسرقسطي، ت/ الدكتور حسين محمد شرف، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، 1395هـ.

20-

الأفعال الملازمة للمجهول بين النحويين واللغويين، للدكتور مصطفى النماس، بحث نشر في مجلة كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر 1978م.

21-

الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، للبطليوسي، ت/ مصطفى السقا، القاهرة 1983م.

22-

أقرب الموارد في فصح العربية والشوارد، للشرتوني، المطبعة الكاثوليكية، بيروت 1992م (الطبعة الثانية) .

23-

الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلام، ت/ عبد المجيد قطامش، مركز البحث العلمي، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، 1400هـ.

24-

أمثال العرب، للضّبّي، ت/ الدكتور رمضان عبد التواب، مطبوعات مجمع اللغة العربية، دمشق.

25-

إنباه الرواة على أنباه النحاة، للقفطي، ت/ محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر، القاهرة 1406هـ.

26-

الأنواء في مواسم العرب، لابن قتيبة، حيدر أباد، الدكن 1375هـ.

27-

أوضح المسالك، لابن هشام، ت/ محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت 1394هـ (الطبعة السادسة) .

28-

الإيضاح في شرح المفصل، لابن الحاجب، ت/ موسى بن بنّاي العليلي، وزارة الأوقاف، بغداد 1982م.

29-

إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون، للبغدادي، دار الفكر، بيروت 1402هـ.

ص: 257

30-

البحر المحيط، لأبي حيان، دار الفكر، بيروت 1403هـ (الطبعة الثانية) .

31-

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، للشوكاني، دار المعرفة، بيروت.

32-

تاج العروس، للزبيدي، المطبعة الخيرية، القاهرة 1306هـ.

33-

التاريخ والمؤرخون بمكة، لمحمد الحبيب الهيلة، مؤسسة الفرقان، مكة 1994م.

34-

تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، القاهرة 1931م.

35-

تصحيح الفصيح، لابن درستويه، ت/ الدكتور عبد الله الجبوري، مطبعة الإرشاد، بغداد 1395هـ.

36-

التصريح بمضمون التوضيح، للشيخ خالد الأزهري، دار الفكر، بيروت.

37-

التكملة والذيل والصلة، للصغاني، ت/ عبد العليم الطحاوي وآخرين، مطبعة دار الكتب، القاهرة 1970م.

38-

التلويح في شرح الفصيح، لأبي سهل الهروي، ت/ محمد عبد المنعم خفاجى، مكتبة التوحيد، القاهرة، 1368هـ.

39-

التنبيه والإيضاح، لابن بري، ت/ مصطفى حجازي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1980م.

40-

تهذيب الأسماء واللغات، للنووي، دار الكتب العلمية، بيروت.

41-

تهذيب الخواص من درة الغواص، لابن منظور، نسخة خطية مصورة في مركز البحث العلمي، بجامعة أم القرى في مكة، تحت رقم 489لغة.

42-

تهذيب اللغة، للأزهري، ت/ عبد السلام هارون وآخرين، المؤسسة المصرية العامة للتأليف، القاهرة 1384هـ.

43-

التيسير في القراءات العشر، لأبي عمرو الداني، دار الكتاب العربي، بيروت 1404هـ.

44-

ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، للثعالبي، ت/ محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة 1384هـ.

45-

الجامع الصغير، للسيوطي، دار الكتب العلمية، بيروت 1410هـ.

46-

الجامع الكبير، للسيوطي، مخطوط منشور على هيئته الأصلية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، عن أصله في مكتبة محمد علي برقم (95) .

47-

الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، دار الكتب المصرية، القاهرة 1372هـ.

48-

الجمل في النحو، للزجاجي، ت/ الدكتور علي توفيق الحمد، مؤسسة الرسالة، بيروت 1404هـ.

ص: 258

49-

الجمهرة، لابن دريد، ت/ الدكتور رمزي منير بعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت 1987م.

50-

جمهرة الأمثال، للعسكري، ت/ محمد أبو الفضل إبراهيم، المؤسسة العربية الحديثة 1407هـ.

51-

حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، للسيوطي، ت/محمد أبو الفضل إبراهيم، عيسى البابي الحلبي، القاهرة 1967م.

52-

الحسن والإحسان فيما خلا عنه اللسان، لعبد الله بن عمر البارودي، عالم الكتب، بيروت 1407هـ.

53-

حواشي ابن بري على درة الغواص، نسخة مصوّرة بجامعة أم القرى، تحت رقم 277 لغة.

54-

الحيوان، للجاحظ، ت/ عبد السلام هارون.

55-

خزانة الأدب، للبغدادي، ت/ عبد السلام هارون، الخانجي، القاهرة 1409هـ (الطبعة الثالثة) .

56-

الخطط المقريزية، للمقريزي، دار صادر، بيروت.

57-

الدار اللقيط في أغلاط القاموس المحيط، لداود زاده، نسخة خطية مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية برقم (3991 فلم)

58-

الدار المصون في علوم الكتاب المكنون، للسمين الحلبي، ت/ الدكتور أحمد الخراط، دار القلم، دمشق 1406هـ.

59-

الدرة الفاخرة في الأمثال السائرة، لحمزة الأصفهاني، ت/ عبد المجيد قطامش، دار المعارف، القاهرة.

60-

ديوان ابن أحمر، ت/ حسين عطوان، مطبوعات مجمع اللغة العربية، دمشق.

61-

ديوان امرىء القيس، ت/ محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، 1984م (الطبعة الرابعة) .

62-

ديوان دعبل الخزاعي، ت/ الدكتور محمد يوسف نجم، دار الثقافة، بيروت 1409هـ.

63-

ديوان رؤبة بن العجاج، ت/ وليم بن الورد البروسي، دار الآفاق الجديدة، بيروت 1400هـ.

64-

ديوان طرفة بن العبد، ت/ الدكتور رحاب خضر عكاوي، دار الفكر العربي.

65-

ديوان لبيد بن ربيعة، ت/ الدكتور حسن نصر الحِتّي، دار الكتاب العربي، بيروت1414هـ.

66-

الريح، لابن خالويه، الدكتور حسين محمد شرف، مكتبة الحلبي، المدينة المنورة 1404هـ.

67-

السبعة في القراءات، لابن مجاهد، ت/ الدكتور شوقي ضيف، دار المعارف، القاهرة 1988م.

ص: 259

68-

سنن أبي داود، ت/ محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.

69-

سنن الترمذي (الجامع الصحيح) ت/ أحمد محمد شاكر وآخرين، مصطفى البابي الحلبي، القاهرة 1398هـ.

70-

سنن الدارمي، ت/ محمد أحمد دهمان، دار إحياء السنة النبوية، بيروت.

71-

شرح أبيات إصلاح المنطق، لابن السيرافي، ت/ ياسين محمد السّوّاس، مركز جمعه الماجد، دبي1412هـ.

72-

شرح أدب الكاتب، للجواليقي، قدم له مصطفى صادق الرافعي، دار الكتاب العربي، بيروت.

73-

شرح درة الغواص، للخفاجي، مطبعة الجوائب 1299هـ.

74-

شرح الشافية، للرضي، ت/ محمد نور الحسن وآخرين، دار الكتب العلمية، بيروت 1402هـ.

75-

شرح شواهد المغني، للسيوطي، ت/ أحمد ظافر كوجان، منشورات دار مكتبة الحياة بيروت.

76-

شرح الفصيح للجبان، ت/ عبد الجبار قزاز، المكتبة العلمية، لاهور 1406هـ.

77-

شرح الفصيح لابن هشام اللخمي، ت/ مهدي عبيد جاسم، وزارة الثقافة والإعلام العراقية، بغداد 1409هـ.

78-

شرح القصائد السبع الطوال، لابن الأنباري، ت/ عبد السلام هارون، دار المعارف القاهرة 1963م.

79-

شرح القصائد العشر، للتبريزي، ت/ عبد السلام الحوفي، دار الكتب العلمية، بيروت 1405هـ.

80-

شرح القصائد المشهورات الموسومة بالمعلقات، لابن النحاس، دار الباز، مكة المكرمة 1405هـ.

81-

شرح المعلقات العشر وأخبار شعرائها، لأحمد بن الأمين الشنقيطي، دار القلم، بيروت.

82-

شرح المفصل لابن يعيش، عالم الكتب، بيروت.

83-

شعب الإيمان، للبيهقي، ت/ محمد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية بيروت 1410هـ.

84-

شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، لنشوان بن سعيد الحميري، عالم الكتب، بيروت.

85-

الصحاح، للجوهري، ت/ أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت.

86-

ضعيف الجامع الصغير وزيادته للألباني، المكتب الإسلامي، بيروت 1410 (الطبعة الثالثة) .

87-

الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، للسخاوي، دار مكتبة الحياة، بيروت.

ص: 260

88-

ضياء الحلوم في اختصار شمس العلوم، لعلي بن نشوان الحميري، نسخة خطية في مكتبة عارف حكمت تحت رقم (71/410) .

89-

العباب (حرف الفاء) للصغاني، ت/ محمد حسن آل ياسين، دار الرشيد، بغداد، 1981م.

90-

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين، للفاسي، ت/ فؤاد سيد، القاهرة 1381هـ.

91-

العقد الفريد، لابن عبد ربه، ت/ أحمد أمين وآخرين، دار الكتاب العربي 1406هـ.

92-

العلاقات الحجازية المصرية زمن سلاطين المماليك، لعلي بن حسين السليمان، الشركة المتحدة للنشر والتوزيع، القاهرة 1393هـ.

93-

العين، للخليل بن أحمد، ت/ الدكتور مهدي المخزومي والدكتور إبراهيم السامرائي، مؤسسة الأعلمي، بيروت 1408هـ.

94-

غاية المرام بأخبار البلد الحرام، لعز الدين ابن فهد، ت/ فهيم شلتوت، مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى، مكة المكرمة 1406هـ.

95-

غريب الحديث لابن الجوزي، ت/ عبد المعطي أمين قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت 1405هـ.

96-

الغريبين، للهروي، نسخة فلمية في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة تحت رقم 4303.

97-

فائت الفصيح، لأبي عمر الزاهد، ت/ الدكتور محمد عبد القادر أحمد، القاهرة 1406هـ.

98-

الفاخر، للمفضل بن سلمة، ت/ عبد العليم الطحاوي، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة 1380هـ.

99-

فصل المقال في شرح كتاب الأمثال، لأبي عبيد البكري، ت/ الدكتور إحسان عباس، وعبد المجيد قطامش، مؤسسة الرسالة، بيروت 1403هـ.

100-

الفصيح لثعلب، ت/ عاطف مدكور، دار المعارف، القاهرة 1984م.

101-

فعلت وأفعلت، للزجاج، ت/ ماجد الذهبي، الشركة المتحدة للتوزيع، دمشق 1404هـ.

102-

قاموس الأفعال المبنية للمجهول، لأسماء أبو بكر محمد، دار الجيل، بيروت، ومكتبة التراث الإسلامي، القاهرة.

103-

القاموس المحيط، للفيروز آبادي، مؤسسة الرسالة، بيروت 1407هـ.

104-

القلب والإبدال، لابن السكيت (ضمن مجموع الكنز اللغوي) نشره أوغست هفنر، بيروت 1903م.

ص: 261

105-

الكامل في ضعفاء الرجال، لابن عدي، دار الفكر، بيروت 1405هـ.

106-

الكشاف، للزمخشري، دار الريان للتراث، القاهرة، ودار الكتاب العربي، بيروت 1407هـ.

107-

الكشف عن وجوه القراءات السبع، لمكي بن أبي طالب، ت/ محيي الدين رمضان، مؤسسة الرسالة، بيروت 1407هـ.

108-

لسان العرب، لابن منظور، دار صادر، بيروت.

109-

المبني للمجهول في الدرس اللغوي والتطبيق في القرآن الكريم، للدكتور محمد سليمان ياقوت، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية.

110-

مجاز القرآن، لأبي عبيدة، ت/ الدكتور فؤاد سزكين، الخانجي، القاهرة.

111-

مجمع الأمثال، للميداني، ت/ محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الجيل، بيروت 1407هـ.

112-

مجمع البحرين، للهيثمي، ت/ عبد القدوس نذير، مكتبة الرشد، الرياض 1413هـ.

113-

مجمل اللغة، لابن فارس، ت/ الدكتور زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة بيروت 1406هـ.

114-

المحرر الوجيز، لابن عطيه، المجلس العلمي، فاس، 1395هـ.

115-

المحكم، لابن سيده، ت/ جماعة من العلماء، القاهرة 1377هـ.

116-

المحيط في اللغة لابن عباد، ت/ محمد حسن آل ياسين، عالم الكتب بيروت 1414هـ.

117-

مختار الصحاح، للرازي، مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة.

118-

المختصر من كتاب نشر النور والزهر، لعبد الله مرداد، اختصار وترتيب محمد سعيد العامودي، وأحمد علي، مطبوعات نادي الطائف الأدبي.

119-

المخصص، لابن سيده، بعناية محمد محمود التركزي الشنقيطي، ومعاونة عبد الغني محمود، مطبعة بولاق، القاهرة 1321هـ.

120-

مراتب النحويين، لأبي الطيب اللغوي، ت/ محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة 1955م.

121-

المزهر في علوم اللغة العربية وأنواعها، ت/ محمد جاد المولى وعلي البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر، بيروت.

122-

المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري، دار المعرفة بيروت.

123-

المستقصى في أمثال العربية، للزمخشري، دار الكتب العلمية، بيروت 1397هـ.

ص: 262

124-

مسند الإمام أحمد بن حنبل، المكتب الإسلامي، بيروت 1398هـ.

125-

المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح على حروف المعجم، للعكبري، ت/ ياسين محمد السواس، مركز البحث العلمي، جامعة أم القرى، 1403هـ.

126-

المصباح المنير، للفيومي، ت/ عبد العظيم الشناوي، المكتبة العلمية، بيروت.

127-

معاني القرآن، للفراء، ت/ محمد علي النجار، وأحمد يوسف، عالم الكتب، بيروت 1403هـ.

128-

معاني القرآن وإعرابه، للزجاج، ت/ الدكتور عبد الجليل شلبي، عالم الكتب، بيروت 1408هـ.

129-

المعاني الكبير، لابن قتيبة، دار الكتب العلمية، بيروت 1405هـ.

130-

المعجم الوسيط، للدكتور إبراهيم أنيس ورفاقه، دار الفكر، بيروت.

131-

مقاييس اللغة، لابن فارس، ت/ عبد السلام هارون، دار الكتب العلمية، قم، إيران.

132-

موائد الفضل والكرم الجامعة لتراجم أهل الحرم، لعبد الستار الدهلوي، مخطوط في مكتبة الحرم المكي، تحت رقم (115تراجم) في مكتبة الدهلوي.

133-

نزهة الطرف في علم الصرف، للميداني، دار الأوقاف الجديدة، بيروت 1401هـ.

134-

نسمة السحر في ذكر من تشيع وشعر، ليوسف بن الحسن الصنعاني، دار الكتب المصرية 13849/ح.

135-

النشر في القراءات العشر، لابن الجزري، أشرف على طبعه على محمد الضباع، دار الكتب العلمية، بيروت.

136-

النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، ت/طاهر الزاوي والدكتور محمود الطناحي، المكتبة العلمية، بيروت 1403هـ.

137-

نوادر أبى زيد، ت/ الدكتور محمد عبد القادر أحمد، دار الشروق، بيروت 1401هـ.

138-

نوادر أبي مسحل الأعرابي، ت/ عزة حسن، مطبوعات مجمع اللغة العربية، دمشق1961م.

139-

الوشاح وتثقيف الرماح في رد توهيم المجد الصحاح، لأبي زيد التادلي، نسخة فلمية، محفوظة في مكتبة الجامعة الإسلامية تحت رقم 6422.

140-

وفاق المفهوم في اختلاف المقول والمرسوم، لابن مالك، ت/ بدر الدين محمد شفيع النيبالي، مكتبة الإيمان، المدينة المنورة 1409هـ.

ص: 263

تابع دراسات في الباقيات الصالحات

المبحث الرابع: في الحمد، فضله وأنواعه ودلالته

المطلب الأول: فضلُ الحمدِ والأدلَّةُ عليه

تناولتُ فيما سبق بيان فضلِ كلمة التوحيد لا إله إلا الله وفضلِ التسبيح، وهما إحدى الكلمات الأربع التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنّها أحبّ الكلام إلى الله، وتناولتُ فيها جملة من الأمور المهمّة المتعلّقة بهاتين الكلمتين العظيمتين، وأبدأ الحديث هنا عن الحمد (حمد الله تبارك وتعالى) ، فإنّ له شأناً عظيماً وفضلاً كبيراً، وثوابُه عند الله عظيمٌ، ومنزلته عنده عالية.

فقد افتتح - سبحانه - كتابه القرآن الكريم بالحمد فقال: {الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} ، وافتتح بعض السور فيه بالحمد، فقال في أول الأنعام:{الحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} ، وقال في أوَّلِ الكهف:{الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً} ، وقال في أول سبأ:{الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ} ، وقال في أول فاطر:{الحَمْدُ للهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ المَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ ورُبَاعَ يَزِيدُ فِي الخَلْقِ مَا يَشَآءُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .

ص: 264

وافتتح خلقَه بالحمد فقال: {الحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ} ، واختتمه بالحمد فقال بعد ما ذكر مآل أهل الجنة وأهل النار:{وَتَرَى المَلآئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالحَقِّ وَقِيلَ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} ، وقال - تعالى -:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} (1)

فالحمد له - سبحانه - أوَّله وآخره، وله الحمد في الأولى والآخرة أي: في جميع ما خلق وما هو خالق، كما قال - سبحانه -:{وَهُوَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ لَهُ الحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ، وقال - سبحانه -:{الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ} ، فهو سبحانه المحمود في ذلك كلِّه كما يقول المصلي:"اللهمّ ربّنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئتَ من شيء بعد".

(1) سورة: الزمر، الآية:(75) .

ص: 265

فهذه النصوصُ دالّةٌ على شُمولِ حمده - سبحانه - لخلقِه وأمرِه، فهو سبحانه حمد نفسه في أول الخلق وآخره، وعند الأمر والشرع، وحمد نفسه على ربوبيته للعالَمين، وحمد نفسه على تفرّده بالإلهية وعلى حياته، وحمد نفسه على امتناع اتصافه بما لا يليق بكماله من اتخاذ الولد والشريك وموالاة أحد من خلقه لحاجته إليه، كما في قوله تعالى:{وَقُلِ الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} ، وحمد نفسه على علوّه وكبريائه كما قال - سبحانه -:{فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ العَالَمِينَ وَلَهُ الكِبْرِيَآءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} ، وحمد نفسه في الأولى والآخرة، وأخبر عن سريان حمده في العالم العلوي والسفلي، ونبّه على هذا كلّه في كتابه في آيات عديدة تدل على تنوّع حمده - سبحانه -، وتعدّد أسباب حمده، وقد جمعها الله في مواطن من كتابه، وفرّقها في مواطن أخرى ليتعرّف إليه عباده، وليعرفوا كيف يحمدونه وكيف يثنون عليه، وليتحبّب إليهم بذلك، ويحبّهم إذا عرفوه وأحبّوه وحمدوه.

وقد ورد الحمد في القرآن الكريم في أكثر من أربعين موضعاً، جُمع في بعضها أسباب الحمد، وفي بعضها ذُكرت أسبابه مفصّلةً، فمن الآيات التي جُمع فيها أسباب الحمد قوله تعالى:{الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} ، وقوله:{لَهُ الحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ} ، وقوله:{الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} .

ص: 266

ومن الآيات التي ذُكر فيها أسباب الحمد مفصّلة قوله تعالى: {وَقَالُوا الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ} ، ففيها حمده على نعمة دخول الجَنّة. وقوله - تعالى -:{فَقُلِ الحَمْدُ للهِ الَّذِي نَجّاَنَا مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ} ، ففيها حمده على النصر على الأعداء والسلامة من شرّهم. وقوله - تعالى -:{فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} ، ففيها حمده على نعمة التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده. وقوله - تعالى -:{الحَمْدُ للهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء} ، ففيها حمده - سبحانه- على هبة الولد. وقوله - تعالى -:{الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجاً} ، ففيها حمده - سبحانه - على نعمة إنزال القرآن الكريم قيّماً لا عِوج فيه {لِيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً} . وقوله - تعالى -:{وَقُلِ الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} ففيها حمده - سبحانه - لكماله وجلاله، وتنزّهه عن النقائص والعيوب، والآيات في هذا المعنى كثيرة، فالله تبارك وتعالى هو الحميد المجيد.

ص: 267

و ((الحميد)) اسم من أسماء الله الحسنى العظيمة، وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في أكثر من خمسة عشر موضعاً، منها قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ} ، وقوله - تعالى -:{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} ، وقوله - تعالى -:{للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللهَ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ} (1) وقوله - تعالى -: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ} (2) وقوله - تعالى -: {فَإِنَّ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيداً} (3) فهو تبارك وتعالى الحميد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو تبارك وتعالى المستحق لكل حمد ومحبة وثناء لما اتصف به من صفات الحمد التي هي صفة الجمال والجلال، ولما أنعم به على خلقه من النعم الجزال.

(1) ورة: البقرة، الآية:(267) .

(2)

ورة: لقمان، الآية:(26) .

(3)

ورة: الشورى، الآية:(28) .

ص: 268

وكما أنّ القرآن الكريم قد دلّ على فضل الحمد وعِظم شأنه بأنواع كثيرة من الأدلة، فكذلك السنة مليئةٌ بذكر الأدلة على فضل الحمد وعِظم شأنه، وما يترتّب عليه من الفوائد والثمار والفضائل في الدنيا والآخرة، ونبيّنا صلى الله عليه وسلم هو صاحب لواء الحمد، وهذه مفخرةٌ عظيمةٌ ومكانةٌ رفيعةٌ حظيَ بها - صلوات الله وسلامه عليه -، روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواءُ الحمد ولا فخر، وما من نبيٍّ يومئذ آدم فمَن سواه إلاّ تحت لوائي، وأنا أول شافعٍ، وأوّل مشفّعٍ ولا فخر". فلمّا كان - صلوات الله وسلامه عليه - أحمدَ الخلائق لله، وأكملَهم قياماً بحمده أُعطي لواءَ الحمد، ليأوي إلى لوائه الحامدون لله من الأولين والآخرين، وإلى هذا أشار صلى الله عليه وسلم عندما قال في الحديث:"وما من نبيٍّ يومئ-ذ آدم فمَن سواه إلاّ تحت لوائي"، وهو لواءٌ حقيقيٌّ يحمله النبيُّ صلى الله عليه وسلم يوم القيامة بيده ينضوي تحته وينضمّ إليه جميعُ الحمّادين من الأولين والآخرين، وأقربُ الخلق إلى لوائه أكثرُهم حمداً لله وذِكراً له وقياماً بأمره، وأمّتُه صلى الله عليه وسلم هي خيرُ الأمم، وهم الحمّادون الذين يحمدون الله على السرّاء والضرّاء، وقد رُوي في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أوَّلُ من يُدعى إلى الجنّة الحمّادون، الذين يحمدون الله في السرّاء والضرّاء"، رواه الطبراني في المعجم الكبير، وأبو نعيم في الحلية، والحاكم في المستدرك، لكن في إسناده ضعف، وقد رواه ابن المبارك في الزهد بسند صحيح موقوفاً على سعيد ابن جُبير رحمه الله.

ص: 269

وجاء في أثر يُروى عن كعب قال: "نجده مكتوباً محمّدٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا فظٌّ ولا غليظٌ، ولا صخّابٌ بالأسواق، ولا يجزي بالسيّئة السيّئة، ولكنه يعفو ويغفر، وأمّتُه الحمّادون يكبِّرون الله عز وجل على كلِّ ن-جدٍ، ويحمدونه في كلِّ منزلة

"، رواه الدارمي في مقدّمة سننه.

وفي الجَنّة بيتٌ يُقال له بيتُ الحمد، خُصَّ للذين يحمدون الله في السرّاء والضراء ويصبرون على مُرِّ القضاء، روى الترمذي بإسناد حسن عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ولَدُ العبد قال الله - تعالى - لملائكته: قبضتُم ولدَ عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدَك واسترجع. فيقول الله - تعالى -: ابنوا لعبدي بيتاً في الجَنّة وسمُّوه بيتَ الحمد". فهذا حَمِدَ الله على الضرّاء فنال بحمده هذه الرتبة العلية، ولكن كيف يبلغ العبدُ هذه المنزلة، وكيف يصل إلى هذه الدرجة:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والحمد على الضرّاء يوجبه مشهدان:

أحدهما: علم العبد بأنّ الله - سبحانه - مستوجبٌ ذلك، مستحقٌّ له بنفسه، فإنّه أحسنَ كلَّ شيء خلقه، وأتقن كلَّ شيء، وهو العليم الحكيم، الخبير الرحيم.

والثاني: علمُه بأنّ اختيارَ الله لعبدِه المؤم-ن خيرٌ من اختياره لنفسه، كما روى مسلمٌ في صحيحه وغيرُه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:"والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلاّ كان خيراً له، وليس ذلك لأحدٍ إلاّ للمؤمن، إن أصابته سرّاءُ شكرَ فكان خيراً له، وإنْ أصابته ضرّاءُ صبر فكان خيراً له"، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنّ كلَّ قضاء يقضيه الله للمؤمن الذي يصبر على البلاء ويشكر على السرّاء فهو خير له". اهـ.

ص: 270

فإذا عَلم ذلك العبدُ وتيقّنه أقبل على حمد الله في أحواله كلِّها في سرّائه وضرّائه، وفي شدّته ورخائه، ثم هو في حال شدّته لا ينسى فضلَ الله عليه وعطاءَه ونعمتَه.

جاء رجلٌ إلى يونس بن عبيد رحمه الله يشكو ضيقَ حاله، فقال له يونس:"أيسُرُّك ببصرك هذا مائةَ ألف درهم؟ قال الرجل: لا، قال: فبيديك مائة ألفِ؟ قال: لا، قال: فبرجليك مائةُ ألفِ؟ قال: لا. قال: فذكّره نعم الله عليه، فقال يونس: أرى عندك مئين الألوف وأنت تشكو الحاجة".

وجاء عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنَّه قال: "إنّ رجلاً بُسط له من الدنيا فانتزع ما في يديه، فجعل يحمدُ الله ويثني عليه حتى لم يكن له فراشٌ إلاّ بارِيَّةٌ، قال: فجعل يحمدُ الله ويثني عليه، وبُسط لآخر من الدنيا فقال لصاحب الباريّة: أرأيتك أنت على ما تحمد الله؟ قال: أحمده على ما لو أُعطيت به ما أُعطي الخلق لم أعطِهم إيّاه. قال: وما ذاك؟ قال: أرأيتك بصرك، أرأيتك لسانك، أرأيتك يديك، أرأيتك رجليك".

وثبت في فضل الحمد ما رواه الترمذي وابن ماجه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أفضل الذِكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله"، فجعل - صلوات الله وسلامه عليه - حمدَ الله أفضلَ الدعاءِ، مع أنَّ الحمد إنّما هو ثناءٌ على المحمود مع حبِّه، ولهذا سُئل ابن عيينة رحمه الله عن هذا الحديث فقيل له: كأنّ الحمد لله دعاء؟ فقال: "أما سمعتَ قولَ أمية بن أبي الصلت لعبد الله ابن جدعان يرجو نائلة:

أأذكر حاجتي أم قد كفاني

حباؤك إن شيمتَك الحياءُ

إذا أثنى عليك المرءُ يوما

كفاه من تعرضه الثناءُ

كريم لا يغيره صباحٌ

عن الخلق الجميلِ ولا مساءُ

فهذا مخلوقٌ اكتفى من مخلوقٍ بالثناء عليه، فكيف بالخالق سبحانه".

ويؤيّد هذا المعنى قولُ الله - تعالى -: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} ، فجعل الحمدَ دعاء.

ص: 271

قال ابن القيّم رحمه الله: "الدعاء يُراد به دعاءُ المسألة ودعاء العبادة، والمُثنِي على ربّه بحمده وآلائه داعٍ له بالاعتبارين، فإنَّه طالبٌ منه، طالبٌ له، فهو الداعي حقيقة، قال تعالى: {هُوَ الحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} ".

وممّا ورد في فضل الحمد وعِظم ثوابه عند الله ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعريِّ رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الطَهور شطرُ الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السموات والأرض، والصلاةُ نورٌ، والصدقةُ برهانٌ، والصَّبرُ ضِياءٌ، والقرآن حجّةٌ لك أو عليك، كلُّ الناس يغدو فبائعٌ نفسَه فمعتقُها أو موبقُها".

فأخبر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث عن عظيم فضل الحمد وعظيم ثوابه، وأنَّه يملأ الميزان، وقد قيل: إنَّ المراد بِملئه الميزان أي: لو كان الحمد جسماً لملأ الميزان، وليس بسديد، بل إنَّ الله عز وجل يمثّل أعمال بني آدم وأقوالهم صُوَراً يوم القيامة وتوزن حقيقةً، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين:"كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم".

ص: 272

فالحمد شأنُه عظيمٌ، وثوابُه جزيلٌ، ويترتّب عليه من الأجر والثواب ما لا يعلمه إلاّ الله، وأهله هم الحَرِيُّون يوم القيامة بأعلى المقامات وأرفع الرُّتب وأعلى المنازل، فإنّ الله عز وجل يحبُّ المحامدَ، ويحبُّ من عبده أن يُثنيَ عليه، ويرضى عن عبده أن يأكلَ الأكْلةَ فيحمده عليها، ويشربَ الشربَةَ فيحمده عليها، وهو تبارك وتعالى المانُّ عليهم بالنعمة والمتفضِّل عليهم بالحمد، فهو يبذل نعمه لعباده، ويطلبُ منهم الثناءَ بها وذكرها والحمد عليها، ويرضى منهم بذلك شكراً عليها، وإن كان ذلك كلُّه من فضله عليهم، وهو غير محتاج إلى شكرهم، لكنه يحبُّ ذلك من عباده حيث كان صلاحُ العبد وفلاحُه وكمالُه فيه، فلله الحمد على نعمائه، وله الشكر على وافر فضله وجزيل عطائه حمداً كثيراً طيّباً مباركاً كما يحبُّ ربُّنا ويرضى.

المطلب الثاني: المواطن التي يتأكّد فيها الحمد

لقد مرّ معنا بيانُ فضل الحمد وعظيم ثوابه من خلال النصوص الواردة في ذلك في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهي تدل على أنّ الحمد من أفضل الطاعات وأجلِّ القُربات التي يتقرّب بها العبدُ إلى الله - تعالى -.

والحمدُ مطلوبٌ من المسلم في كلِّ وقت وحين؛ إذ إنَّ العبد في كلِّ أوقاته متقلِّبٌ في نعمة الله، وهو - سبحانه - خالقُ الخلق ورازقهم، وأسبغ عليهم نعمَه ظاهرة وباطنة، دينية ودنيوية، ودفع عنهم النِّقم والمكاره، فليس بالعبادٍ من نعمة إلاّ وهو مولّيها، ولا يدفع الشرَّ عنهم سواه، فهو سبحانه يستحقّ منهم الحمد والثناء في كلِّ وقتٍ وحين، كما أنّه سبحانه يستحقُّ الحمدَ لكمال صفاته، ولِما له من الأسماء الحسنى والنعوت العظيمة التي لا تنبغي إلاّ له، فكلُّ اسم من أسمائه، وكلُّ صفةٍ من صفاته يستحقُّ عليها أكملَ الحمد والثناءِ، فكيف بجميع أسمائه الحسنى وصفاته العظيمة.

ص: 273

وكما أنَّ الحمدَ مطلوبٌ من المسلم في كلِّ وقتٍ، إلَاّ أنَّ هناك أوقاتاً معيّنةً وأحوالاً مخصوصةً تمرُّ بالعبد يكون فيها الحمدُ أكثرَ تأكيداً.

ومن هذه الأوقات والأحوال حمدُ الله في الخطبة وفي استفتاح الأمور، وفي الصلاة، وعقِب الطعام والشراب واللباس، وعند العطاس، ونحو ذلك من المواطن التي ورد في السنة تخصيصها بتأكّد الحمد فيها، ولعلّ من الحسن أن نقف مع بعض النصوص المشتملة على ذكر الأوقات والمواطن التي يتأكّد فيها الحمدُ ممّا وردت به سنّة النبي صلى الله عليه وسلم.

ص: 274

- فمن هذه المواطن حمد الله عند الفراغ من الطعام والشرب، قال الله - تعالى -:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا للهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} ، روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلةَ فيحمدُه عليها ويشربَ الشربةَ فيحمدُه عليها"، وروى الترمذي بإسناد حسن عن معاذ بن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أكلَ طعاماً فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حولٍ منِّي ولا قوّةٍ، غفر له ما تقدّم من ذنبه"(1) وروى البخاري عن أبي أمامة رضي الله عنه: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع مائدته قال: "الحمدُ لله حمداً كثيراً طيّباً مُباركاً فيه، غير مَكْفِيٍّ، ولا مُوَدَّعٍ، ولا مستغنى عنه ربّنا"(2) وروى النسائي في السنن الكبرى بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن جُبير: أنّه حدّثه رجل خَدمَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ثماني سنين أنّه كان يسمع النبيَّ صلى الله عليه وسلم إذا قَرَّب إليه طعاماً يقول: "بسم الله"، وإذا فرغ من طعامه قال:"اللهمَّ أطعمتَ وسقيتَ وأغنيتَ وأقْنيتَ وهدَيتَ وأحييتَ، فلك الحمد على ما أعطيتَ"(3)

(1) صحيح مسلم (رقم:2734) .

(2)

سنن الترمذي (رقم:3458) ، وحسّنه العلاّمة الألباني في الإرواء (7/48) .

(3)

صحيح البخاري (رقم:5459) .

ص: 275

- ومِن مواطن الحمد حمدُ الله في الصلاة، ولا سيّما عند الرفع من الركوع، ففي صحيح مسلم عن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه قال: "سمع الله لمن حمده، ربّنا لك الحمد ملءَ السموات وملءَ الأرض، وملءَ ما شئتَ من شيءٍ بعد"، وفيه - أيضاً - عن أبي سعيد الخدري: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: "اللهمَّ ربَّنا لك الحمد، ملءَ السموات وملءَ الأرض، وملءَ ما شئتَ من شيء بعد، أهلَ الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبدُ، وكلُّنا لك عبد، اللهمَّ لا مانع لما أعطيتَ، ولا معطِيَ لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدّ"، وروى البخاري في صحيحه عن رفاعة بن رافع الزُّرَقيِّ رضي الله عنه قال: كنَّا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم فلما رفع رأسَه من الركوع قال: "سمع الله لمن حمده"، قال رجلٌ وراءه: ربّنا لك الحمد حمداً كثيراً طيِّباً مباركاً فيه، فلمّا انصرف قال:"مَن المتكلِّم؟ " قال: أنا، قال:"قد رأيتُ بضعةً وثلاثين مَلَكاً يبتدرونها أيّهم يكتبها أوّل"، وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يصلي يقول: "اللهمَّ لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمدُ أنت قيُّوم السموات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد أنت الحقُّ، ووعدُك حقٌّ، ولقاؤُك حقٌّ، والجنّةُ حقٌّ، والنار حقٌّ، والنبيّون حق

"، إلى آخر الحديث. وروى مسلمٌ في صحيحه عن عبد الله بن عمر قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رجلٌ: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بُكرةً وأصيلاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن القائل كذا وكذا؟ " فقال رجل من القوم: أنا قلتُها يا رسول الله. قال: "عجبتُ لها فُتحت لها أبواب السماء"، قال ابن عمر: فما تركتها منذ سمعت رسول الله

ص: 276

يقولهنَّ.

- ومن المواطن التي يتأكّد فيها الحمد حمدُ الله في ابتداء الخُطب والدروس، وفي ابتداء الكتب المصنّفة ونحوِ ذلك، روى أهل السنن عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: علَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خُطبةَ الحاجة: "الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلّ فلا هادي له"، ويُستحبّ البدء به في تعليم الناس وفي الخطب سواءً كانت خطبةَ نكاح أو خطبةَ جمعة أو غيرهما.

كما يُستحبُّ الحمد عند حصول نعمة أو اندفاع مكروه، سواءً حصل ذلك للحامِد نفسه أو لقريبه أو لصاحبه أو للمسلمين، روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه:"أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أُتي ليلة أُسريَ به بقدحين من خمر ولبن، فنظر إليهما فأخذ اللبن، فقال له جبريل عليه السلام: الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذتَ الخمر غَوَت أمَّتُك"، وفي سنن أبي داود والنسائي بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا استجدَّ ثوباً سمّاه باسمه عِمامة أو قميصاً أو رداء ثم يقول: "اللهمّ لك الحمد أنتَ كسوتنيه أسألك خيرَه وخيرَ ما صُنع له، وأعوذ بك من شرِّه وشرِّ ما صُنع له".

- ويتأكّد الحمدُ إذا عطس العبدُ، والعطاس نعمة عظيمة من نعم الله على عباده؛ إذ به يزول المحتقن في الأنف، والذي قد يكون في بقائه أذى أو ضررٌ على العبد، ولهذا يتأكّد على العبد حمدُ الله على هذه النعمة، روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا عطس أحدكم فليقُل: الحمد لله، وليَقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله ويصلحُ بالَكم".

ص: 277

ويُستحب للمسلم أن يحمد الله إذا رأى مبتلىً بعاهةٍ أو نحوها، ففي الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"مَن رأى مبتلًى فقال: الحمد لله الذي عافاني ممّا ابتلاك به وفضّلني على كثير ممّن خلق تفضيلاً لم يصبه ذلك البلاءُ".

كما ينبغي للمسلم أن يكون حامداً لله في سرّائه وضرّائه، وفي شدّته ورخائه، وفي سائر شؤونه، وروى ابن ماجه في سننه، والحاكم في مستدركه عن أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يحبّه قال: "الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات"، وإذا رأى ما يكره قال: "الحمد لله على كلِّ حال".

المطلب الثالث: في بيان موجبات الحمد، وأنواعه

لا ريب أنَّ الحمدَ كلَّه لله ربِّ العالمين، فإنّه سبحانه المحمود على كلِّ شيء، وهو المحمود على ما خلقه وأمر به ونهى عنه، والحمدُ أوسعُ الصفات وأعمُّ المدائح وأعظم الثناء، والطرقُ إلى العلم به في غاية الكثرة؛ لأنَّ جميعَ أسمائه تبارك وتعالى حمدٌ، وصفاته حمدٌ، وأفعاله حمدٌ، وأحكامه حمدٌ، وعدله حمدٌ، وانتقامه من أعدائه حمدٌ، وفضله وإحسانه إلى أوليائه حمدٌ، والخلق والأمر إنّما قام بحمده ووُجد بحمده وظهر بحمده، وكان الغاية منه هي حمده، فحمدُه سبحانه سبب ذلك وغايته ومظهره وحامله، فحمده روح كلِّ شيء، وقيامُ كلّ شيء بحمده، وسريان حمده في الموجودات وظهور آثاره أمرٌ مشهودٌ بالأبصار والبصائر.

وقد نبّه سبحانه على شمول حمده لخلقه وأمره بأنْ حَمِدَ نفسَه في أول الخلق وآخره، وعند الأمر والشرع، وحمد نفسه على ربوبيته للعالمين، وحمد نفسه على تفرّده بالإلهية وعلى حياته، وحمد نفسه على امتناع اتصافه بما لا يليق به من اتخاذ الولد والشريك إلى غير ذلك من أنواع ما حمد اللهُ به نفسه في كتابه.

ص: 278

ولهذا فإنَّ من الطرق العظيمة الدالة على شمول معنى الحمد وتناوله لجميع الأشياء معرفةَ العبد لأسماء الربِّ تبارك وتعالى وصفاته، وإقرارَه بأنَّ للعالَم إلهاً حيًّا جامعاً لكلِّ صفة كمال، واسمٍ حسنٍ وثناء جميل وفعل كريم، وأنّه سبحانه له القدرة التامَّةُ والمشيئةُ النافذة والعلم المحيط، والسمعُ الذي وسع الأصوات، والبصرُ الذي أحاط بجميع المبصرات، والرحمة التي وسعت جميع المخلوقات، والملكُ الكامل الذي لا يخرج عنه ذرّة من الذرّات، والغنى التامُّ المطلق من جميع الجهات، والحكمة البالغة المشهودة آثارها في الكائنات، والعزّة الغالبة بجميع الوجوه والاعتبارات، والكلمات التامّات النافذات التي لا يجاوزهنّ بَرٌّ ولا فاجر من جميع البريّات، واحدٌ لا شريك له في ربوبيّته ولا في إلهيته، ولا شبيه له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وليس له من يشركه في ذرّة من ذرّات ملكه، وهو - سبحانه - قيّوم السموات والأرضين إله الأولين والآخرين، ولا يزال - سبحانه - موصوفاً بصفات الجلال، منعوتاً بنعوت الكمال، منزَّهاً عن أضدادها من النقائص والعيوب، فهو الحيّ القيوم الذي لكمال حياته وقيّوميّته لا تأخذه سِنةٌ ولا نوم، مالكُ السموات والأرض الذي لكمال ملكه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، العالم بكلِّ شيء الذي لكمال علمه يعلم ما بين أيدي الخلائق وما خلفهم، فلا تسقطُ ورقةٌ إلَاّ بعلمه، ولا تتحرّك ذرّةٌ إلاّ بإذنه، يعلم دبيبَ الخواطر في القلوب حيث لا يطلع عليه الملك، ويعلم ما سيكونُ منها حيث لا يطلع عليه القلب، البصير الذي لكمال بصره يرى تفاصيل خلق الذرّة الصغيرة وأعضاءَها ولحمَها ودمَها ومخَّها وعروقَها، ويرى دبيبَها على الصخرة الصمّاء في الليلة الظلماء، ويرى ما تحت الأرضين السبع، كما يرى ما فوق السموات السبع، السميعُ الذي قد استوى في سمعه سرُّ القول وجهرُه، وسع سمعُه الأصوات فلا تختلف عليه أصوات الخلق ولا تشتبه

ص: 279

عليه، ولا يُشغلُه منها سمع عن سمع، ولا تغلطُه المسائل، ولا يبرمُه كثرة السائلين، قالت عائشة رضي الله عنها:"الحمد لله الذي وسع سمعُه الأصوات، لقد جاءت المجادِلة تشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني ليخفى عليّ بعضُ كلامها، فأنزل الله عز وجل: {قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ واللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} "، القديرُ الذي لكمال قدرته يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء، ويجعل المؤمنَ مؤمناً والكافرَ كافراً، والبرَّ برًّا والفاجرَ فاجراً، ولكمال قدرته - سبحانه - لا يحيط أحدٌ بشيء من علمه إلاّ بما شاء أن يُعلمه إيّاه، ولكمال قدرته خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيّامٍ وما مسَّه من لغوب، ولا يُعجزه أحدٌ من خلقه ولا يفوته، بل هو في قبضته أين كان، ولكمال غناه استحال إضافة الولد والصاحبة والشريك والشفيع بدون إذنه إليه، ولكمال عظمته وعلوّه وسِعَ كرسيُّه السموات والأرض، ولم تسعه أرضُه ولا سمواتُه، ولم تُحط به مخلوقاته، بل هو العالي على كلِّ شيء، وهو بكلِّ شيء محيط، يقول الله - تعالى - في أوّل سورة يونس: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَاّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللهِ حَقاًّ إِنَّهُ يَبْدَؤُا الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ

ص: 280

وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلَاّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ إِنَّ فِي اخْتِلافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللهُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

ص: 281

وهو - سبحانه - يحبُّ رسُلَه ويُحبُّ عبادَه المؤمنينَ وهم يحبُّونه ويحمدونه، بل لا شيء أحبُّ إليهم منه، ولا أشوقَ إليهم من لقاءه، ولا أقرَّ لعيونهم من رؤيته، ولا أحظى عندهم من قربه، وهو - سبحانه - له الحكمة البالغة في خلقه وأمره، وله النعمة السابغة على خلقه، وكلُّ نعمةٍ منه فضلٌ، وكلُّ نقمةٍ منه عدلٌ، وهو - سبحانه - أرحمُ بعباده من الوالدة بولدها، وأفرحُ بتوبة عبده من واجد راحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلِكة بعد فقدها واليأس منها. وهو - سبحانه - رحيمٌ بعباده لم يُكلِّفهم إلَاّ وُسعهم وهو دون طاقتهم، فقد يطيقون الشيء ويضيق عليهم بخلاف وسعهم فإنَّه ما يسعونه ويسهل عليهم ويفضل قدرهم عنه، ولا يعاقب - سبحانه - أحداً بغير فعله، ولا يعاقبه على فعل غيره، ولا يعاقبه بترك ما لا يقدر على فعله، ولا على فعل ما لا قدرة له على تركه، وهو - سبحانه - حكيمٌ كريمٌ جوادٌ ماجدٌ محسنٌ وَدودٌ صَبورٌ شَكورٌ، يُطاعُ فيَشكرُ، ويُعصى فيَغفِر، لا أحد أصبر على أذى سمعه منه، ولا أحد أحبُّ إليه المدح منه، ولا أحد أحبُّ إليه العذر منه، ولا أحد أحبُّ إليه الإحسان منه، فهو محسن يحبُّ المحسنين، شَكور يحبُّ الشاكرين، جميلٌ يحب الجمال، طيِّبٌ يحبُّ كلَّ طيِّب، عليم يحب العلماءَ من عباده، كريمٌ يحبُّ الكرماء، قويٌّ والمؤمن القويُّ أحبُّ إليه من المؤمن الضعيف، برٌّ يحبُّ الأبرار، عدلٌ يحبُّ أهل العدل، حييٌّ سِتِّيرٌ يحبُّ أهل الحياء والستر. وهو - سبحانه - يحبُّ أسماءَه وصفاته ويحبُّ المتعبِّدين له بها، ويحبُّ من يسأله ويمدحه بها، ويحبُّ من يعرفها ويعقلها ويثني عليه بها، ويحمده ويمدحه بها كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا أحد أحبُّ إليه المدح من الله من أجل ذلك أثنى على نفسه، ولا أحد أغيرُ من الله من أجل ذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحبُّ إليه العذر من الله من أجل ذلك

ص: 282

أرسل الرسل مبشِّرين ومنذرين" (1)

وبهذا يُعلم أنَّ من كان له نصيب من معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العليا الواردة في كتابه وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم عَلِمَ تَمام العلم أنَّ اللهَ لا يكون له من ذلك إلَاّ ما يوجب الحمد والثناء، فالحمد موجب أسمائه الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الحميدة، ولا يُخْبَرُ عنه - سبحانه - إلَاّ بالحمد، ولا يُثنى عليه إلَاّ بأحسن الثناء، كما لا يسمّى إلَاّ بأحسن الأسماء، فكلُّ صفة عليَا واسم حسن وثناء جميل، وكلُّ حمدٍ ومدحٍ وتسبيحٍ وتنزيهٍ وتقديسٍ وإجلالٍ وإكرامٍ فهو لله عز وجل على أكمل الوجوه وأتمِّها وأدومِها. فسبحان الله وبحمده لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني به عليه خلقه. فله الحمد أولاً وآخراً حمداً كثيراً طيِّباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا الكريمُ ويرضى.

وبهذا - أيضاً - يتبيَّن أنَّ حمد الله نوعان: حمدٌ على إحسانه إلى عباده وهو من الشكر، وحمدٌ لما يستحقُّه هو بنفسه من صفات كماله ونعوت جلاله سبحانه، وقد كان أكثر الحديث فيما سبق عن حمد الله على أسمائه الحسنى وصفاته العظيمة، وأنَّ عِلم العبد بها علماً صحيحاً هو من أعظم موجبات قيامه بحمد الله على أحسن وجه وأتمِّ حالٍ.

(1) صحيح مسلم (رقم:2760) .

ص: 283

وأمَّا حمد الله على نعمه وآلائه، وهو النوع الثاني من أنواع الحمد، فقد ورد في شأنه نصوصٌ كثيرةٌ، يقول الله - تعالى -:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ فَاَنَّى تُأْفَكُونَ} ، ويقول تعالى:{أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّموَاتِ وَمَا فِيِ الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} ، ويقول تعالى:{وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ} (1) ويقول تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا} (2) فنِعمُ الله على عباده كثيرةٌ ومتنوّعةٌ، وكلُّ نعمة منها موجبة لحمد المُنعِم سبحانه، وكما أنَّ أسباب الحمد وموجباته متنوِّعةٌ متعدِّدةٌ، فكذلك الحمدُ تنوَّع بتنوّعها وكثُرَ بكثرتها، وقد فصَّل ابن القيّم رحمه الله الحديث عن هذا النوع في كتابه ((طريق الهجرتين)) ، وذكر رحمه الله أنَّ هذا النوع من الحمد حمد النِّعم والآلاء مشهودٌ للخليقة برِّها وفاجرِها، مؤمنِها وكافرِها من جزيل مواهبه، وسعة عطاياه، وكريم أياديه، وجميل صنائعه، وحسن معاملته لعباده، وسعة رحمته لهم، وبرّه ولطفه وحنانه وإجابته لدعوات المضطرّين، وكشف كربات المكروبين، وإغاثة الملهوفين، ورحمته للعالمين، وابتدائه بالنعم قبل السؤال ومن غير استحقاق، بل ابتداءً منه بمجرّد فضله وكرمه وإحسانه، ودفع المِحن والبلايا بعد انعقاد أسبابها، وصرفها بعد وقوعها، ولطفه تعالى في ذلك إلى ما لا تبلغه الآمال، وهداية خاصّته وعباده إلى سبيل دار السلام، ومدافعته عنهم أحسن الدفاع، وحمايتهم عن مراتع الآثام، وحبّب إليهم الإيمان وزيّنه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان وجعلهم من الراشدين، وكتب في قلوبهم

(1) سورة: لقمان، الآية:(20) .

(2)

سورة: النحل، الآية:(53) .

ص: 284

الإيمان وأيدهم بروح منه، وسمّاهم المسلمين مِن قبل أن يخلقهم، وذكرهم قبل أن يذكروه، وأعطاهم قبل أن يسألوه، وتحبّب إليهم بنعمه مع غناه، وتبغضّهم إليه بالمعاصي وفقرهم إليه، ومع هذا كلِّه فاتّخذ لهم داراً، وأعدّ لهم فيها من كلِّ ما تشتهيه الأنفسُ وتلَذُّ الأعين، وملأها من جميع الخيرات، وأودعها من النَّعيم والحَبرة والسرور والبهجة ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، ثم أرسل إليهم الرّسل يدعونهم إليها، ثم يسَّر لهم الأسباب التي توصلهم إليها وأعانهم عليها، ورضي منهم باليسير في هذه المدّةِ القصيرة جدًّا بالإضافة إلى بقاء دار النعيم، وضَمِن لهم إن أحسنوا أن يثيبهم بالحسنة عشراً، وإن أساءوا واستغفروا أن يغفر لهم، ووعدهم أن يمحو ما جَنَوه من السيّئات بما يفعلونه بعدها من الحسنات وذكّرهم بآلائه، وتعرَّف إليهم بأسمائه، وأمرهم بما أمرهم به رحمة منه بهم وإحساناً، لا حاجة منه إليهم، ونهاهم عمّا نهاهم عنه حمايةً وصيانةً لهم لا بُخلاً منه عليهم، وخاطبهم بألطف خطاب وأحلاه، ونصحهم بأحسن النصائح، ووصّاهم بأكمل الوصايا، وأمرهم بأشرف الخصال، ونهاهم عن أقبح الأقوال والأعمال، وصرّف لهم الآيات، وضرب لهم الأمثال، ووسع لهم طرقَ العلم به ومعرفته، وفتح لهم أبواب الهداية، وعرّفهم الأسباب التي تدنيهم مِن رضاه، وتبعدهم عن غضبه، ويخاطبهم بألطف الخطاب، ويسمّيهم بأحسن أسمائهم، كقوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ، {وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ} (1){يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ} (2){قُلْ لِعِبَادِي} (3){وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِي} (4) فيخاطبهم بخطاب الوِداد والمحبّة والتلطّف، كقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا

(1) سورة: إبراهيم، الآية:(34) .

(2)

سورة: النور، الآية:(31) .

(3)

سورة: الزمر، الآية:(53) .

(4)

سورة: إبراهيم، الآية:(31) .

ص: 285

رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا للهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} (1){يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَنَّكُمْ بِاللهِ الغَرُورُ} (2){يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} (3) وأكثرُ القرآن جاء على هذا النمط من خطابه لعباده بالتودّد والتحنّن واللطف والنصيحة البالغة.

يقول تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَاّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} ، قال ابن القيّم رحمه الله: "فتحت هذا الخطاب: إني عاديت إبليس وطردتُه من سمائي وباعدته من قربي؛ إذ لم يسجد لأبيكم آدم، ثم أنتم يا بنيه توالونه وذريّته من دوني وهم أعداؤكم، فليتأمّل اللبيبُ مواقع هذا الخطاب وشدّة لصوقه بالقلوب والتباسه بالأرواح.

ثم إنَّه - سبحانه - قد أعلمَ عباده بأنَّه لا يرضى لهم إلاّ أكرمَ الوسائلِ

(1) سورة: البقرة، الآية:(186) .

(2)

سورة: البقرة، الآيات:(21، 22) .

(3)

سورة: لقمان، الآية:(33) .

ص: 286

ثم هو - سبحانه - لم يخلق عبادَه لحاجة منه إليهم، ولا ليتكثَّر بهم من قلّةٍ، ولا ليتعزَّز بهم من ذِلَّة، بل كما قال - سبحانه -:{وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِن رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللهَ هُوَ الرَزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينِ} ، وقال - سبحانه - عقِب أمره لعباده بالصدقة ونهيهم عن إخراج الرديء من المال:{وَلَا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَاّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنَيٌّ حَمِيدٌ} ، فهو - سبحانه - غنيٌّ عما ينفقون أن ينالَه منه شيء، حميد مستحقٌّ المحامد كلّها، فإنفاق العباد لا يسدُّ منه حاجة ولا يوجب له حمداً، بل هو الغنيُّ بنفسه، الحميد بنفسه وأسمائه وصفاته، وإنفاقُ العباد نفعه عائدٌ لهم وإحسانهم عائدٌ إليهم، كما قال - سبحانه -:{إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} (1) وقال: {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} (2) وقال: {مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} (3) .

هذا ومن أراد مطالعة أصول النِّعم وما توجبه من حمد الله وذكرِه وشكره وحسن عبادتِه فَليُدِمْ سرح الذِّكر في رياض القرآن الكريم، وليتأمّل ما عدّد الله فيه من نعمه وتعرّف بها إلى عباده من أول القرآن إلى آخره {فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ العَالَمِينَ وَلَهُ الكِبْرِيَآءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} .

(1) سورة: البقرة، الآية:(267) .

(2)

سورة: الإسراء، الآية:(7) .

(3)

سورة: الروم، الآية:(44) .

ص: 288

وينبغي أن يُعلم هنا أنَّ الحمد نفسه هو أفضل نعم الله على عباده، وهو أجل من نعم الله التي أنعم بها على العبد من رزقه وعافيته وصحته والتوسعةِ عليه في دنياه ونحوِ ذلك، ويشهد لهذا ما رواه ابنُ ماجه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أنعم الله على عبد بنعمة فقال: "الحمد لله إلا كان ما أعطى أفضل ممّا أخذ".

وروي هذا - أيضاً - عن الحسن البصري موقوفاً عليه، رواه ابن أبي الدنيا في كتابه الشكر، وروى ابن أبي حاتم في تفسيره أنّ بعض عمال عمر بن عبد العزيز كتب إليه: إني بأرضٍ قد كثرت فيها النعم، حتى لقد أشفقتُ على أهلها من ضعف الشكر، فكتب إليه عمر:"إنِّي قد كنت أراك أعلم بالله ممّا أنت، إنَّ الله لم ينعم على عبده نعمة، فحمد الله عليها إلا كان حمدُه أفضلَ من نعمه، لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل، قال الله - تعالى - {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالَا الحَمْدُ للهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ} ، وقال الله {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الجَنَّةِ زُمَراً حَتَى إِذَا جَآؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ وَقَالُوا الحَمْدُ للهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ} ، وأيُّ نِعمة أفضل من دخول الجنة".

ص: 289

فهذا فيه أوضحُ دلالةٍ على أنَّ حمدَ الله على النِّعمة أفضلُ منَ النِّعمة نفسها، وقد استشكل هذا بعضُ أهل العلم وقال: لا يكون فعلُ العبد أفضلَ من فعل الربِّ عز وجل، أورد هذا الاستشكال ابنُ رجب في كتابه ((جامع العلوم والحكم)) وأجاب عنه جواباً وافياً مسدَّداً فقال رحمه الله:"المرادُ بالنِّعمِ النِّعمُ الدنيويةُ، كالعافية والرزق والصحة ودفع المكروه ونحوِ ذلك، والحمدُ هو من النعم الدينية، وكلاهما نعمةٌ من الله، لكن نعمة الله على عبده بهدايته لشكر نعمه بالحمد عليها أفضل من نعمه الدنيوية على عبده، فإنَّ النِّعم الدنيوية إن لم يقترن بها الشكرُ كانت بليَّة، كما قال أبو حازم: كلُّ نعمة لا تقرِّب من الله فهي بلية. فإذا وفَّق الله عبده للشكر على نعمه الدنيوية بالحمد أو غيره من أنواع الشكر كانت هذه النعمة خيراً من تلك النعم وأحبَّ إلى الله عز وجل منها، فإنَّ الله يحب المحامد، ويرضى عن عبده أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها، والثناء بالنعم والحمد عليها وشكرها عند أهل الجود والكرم أحبُّ إليهم من أموالهم، فهم يبذلونها طلباً للثناء، والله عز وجل أكرمُ الأكرمين وأجودُ الأجودين، فهو يبذل نعمه لعباده، ويطلب منهم الثناء بها وذكرها والحمد عليها، ويرضى منهم بذلك شكراً عليها، وإن كان ذلك كلُّه من فضله عليهم، وهو غيرُ محتاجٍ إلى شكرهم، لكنَّه يُحبُّ ذلك من عباده، حيث كان صلاحُ العبد وفلاحُه وكمالُه فيه، ومن فضله أنَّه نسب الحمدَ والشكرَ إليهم، وإن كان من أعظم نعمه عليهم، وهذا كما أنَّه أعطاهم ما أعطاهم من الأموال ثمَّ استقرض منهم بعضَه ومَدَحَهم بإعطائه، والكلُّ ملكه، ومن فضله، ولكن كرمه اقتضى ذلك".اهـ كلامه رحمه الله.

ص: 290

وبه يتبين معنى الحديث المتقدم: "ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله إلا كان ما أعطى أكثر مما أخذ"فالعبد أعطى الحمد، وحمده نفسه نعمة من الله عليه، ولولا توفيقُ الله وإعانتُه لما قام بحمده، فنعمة الله على عبده بتوفيقه للحمد أفضل من نعمة الله عليه بالصحة والعافية والمال ونحو ذلك، والكلُّ نعمة الله، قال ابن القيم رحمه الله:"فنعمة الشكر أجَلُّ من نعمة المال والجاه والولد والزوجة ونحوها". اهـ.

ولهذا فإنَّ حمد الله عز وجل وشكره على نعمه هو بحَدِّ ذاته نعمةٌ عظيمةٌ تستوجب حمداً آخر وشكراً متجدداً.

روى ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر عن بكر بن عبد الله قال: "ما قال عبد قط الحمد لله إلا وجبت عليه نعمة بقوله: الحمد لله فما جزاء تلك النعمة؟ جزاؤها أن يقول الحمد لله فجاءت أخرى، ولا تنفد نعم الله عز وجل".

ولذا قال الإمام الشافعي رحمه الله في حمد الله: "الحمد لله الذي لا تؤدى شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة حادثة توجب على مؤديها شكره بها".

أي: إنَّ العبد إذا حمد الله فهذه نعمة أخرى حادثة تستوجب حمداً آخر.

قال ابن أبي الدنيا: أنشدني محمود الورّاق:

إذا كان شُكري نعمةَ الله نعمةً

عَلَيَّ له في مثلِها يجبُ الشُّكرُ

فكيف وقوعُ الشكرِ إلَاّ بفضله

وإن طالت الأيامُ واتَّصَلَ العُمْرُ

إذا مسَّ بالسرَّاء عَمّ سرورُها

وإذا مسَّ بالضرَّاء أعقَبها الأجْرُ

وما منهما إلَاّ فيه مِنّةٌ

تَضِيقُ بهَا الأَوْهامُ والبِرُّ والبحرُ

وقال آخر في المعنى نفسه:

لو كلُّ جارحةٍ مِنِّي لها لغةٌ

تُثني عليكَ بما أوْلَيْتَ من حَسَنِ

لكان ما زاد شكري إذ شكرتُ به

إليك أبلغَ في الإحسانِ والمِنَنِ

ص: 291

فاللَّهمَّ لك الحمد شكراً، ولك المن فضلاً، لك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بالأهل والمال والمعافاة، لك الحمد بكلِّ نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث، أو سر أو علانية، أو خاصة أو عامة، لك الحمد على ذلك حمداً كثيراً، اللهم لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد ربَّنا إذا رضيت.

ص: 292

تابع دراسات في الباقيات الصالحات

المطلب الرابع: أفضلُ صِيَغِ الحمد وأكملُها

تقدّم بيانُ فضل الحمد وعظم ثوابه عند الله، والإشارةُ إلى بعض صِيَغه الواردة في القرآن الكريم وفي أحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، كقول:{الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} ، وقول:"الحمد لله حمداً كثيراً طيِّباً مباركاً فيه كما يحب ربّنا ويرضى"، ونحو ذلك مما ورد في القرآن الكريم مما حمد به الربُّ نفسه، وما ورد في سنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم مما حمد به الرسول صلى الله عليه وسلم ربَّه، وهي صيغٌ عظيمةٌ مشتملةٌ على أحسن الحمد وأكمله وأوفاه، وقد ذكر بعضُ أهل العلم أنَّ أفضل صيغ الحمد "الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده"، واحتجّ بما ورد عن أبي نصر التمّار أنَّه قال: قال آدم عليه السلام: يا رب شغلتَني بكسب يديّ فعلّمني شيئاً من مجامع الحمد والتسبيح، فأوحى الله إليه يا آدمُ إذا أصبحت فقل ثلاثاً وإذا أمسيت فقل ثلاثاً:"الحمدلله ربِّ العالمين حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، فذلك مجامع الحمد".

وقد رُفع ذلك للإمام المحقق ابن قيِّم الجوزية – رحمه الله فأنكره على قائله غايةَ الإنكار وبيَّن رحمه الله أنَّ ذلك لم يَرِد عن النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من الصحاح أو السنن أو المسانيد ولا يُعرف في شيء من كتب الحديث المعتمدة، وبَسَط القول رحمه الله في ذلك في رسالة مفردة.

قال رحمه الله: "هذا الحديث ليس في الصحيحين ولا في أحدهما ولا يُعرف في شيء من كتب الحديث المعتمدة، ولا له إسناد معروف، وإنَّما يُروى عن أبي نصر التمّار عن آدم أبي البشر، لا يَدري كم بين أبي نصر وآدم إلا الله - تعالى -، وذكر الحديث المتقدّم، ثم قال: فهذا لو رواه أبو نصر التمّار عن سيِّد ولد آدم صلى الله عليه وسلم لما قبلت روايته لانقطاع الحديث فيما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف بروايته له عن آدم.

ص: 293

وقد ظنَّ طائفة من الناس أنَّ هذا الحمد بهذا اللفظ أكمل حمدٍ حُمِد اللهُ به وأفضله وأجمعه لأنواع الحمد، وبنوا على هذا مسألة فقهيّة فقالوا: لو حلف إنسانٌ ليحمدنَّ اللهَ بمجامع الحمد وأجلِّ المحامد فطريقه في برِّ يمينه أن يقول: "الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده"قالوا: ومعنى يوافي نعمه أي: يلاقيها فتحصل النعم معه، ويكافئ - مهموز - أي: يساوي مزيد نعمه، والمعنى: أنَّه يقوم بشكر ما زاد من النعم والإحسان".

قال ابن القيِّم رحمه الله: "والمعروف من الحمد الذي حمد الله به نفسه وحمده به رسوله صلى الله عليه وسلم وسادات العارفين بحمده من أمته ليس فيه هذا اللفظ ألبتة، وأورد بعض صيغ الحمد الواردة في القرآن ثم قال: فهذا حمدُه لنفسه الذي أنزله في كتابه وعلَّمه لعباده، وأخبر عن أهل جنَّته به، وهو آكد من كلِّ حمدٍ وأفضلُ وأكملُ، كيف يبرُّ الحالف في يمينه بالعدول إلى لفظ لم يحمد به نفسه، ولا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا سادات العارفين من أمته، والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حمد الله في الأوقات التي يتأكّد فيها الحمد لم يكن يذكر هذا الحمدَ ألبتة كما في حمد الخطبة، والحمد الذي تستفتح به الأمور، وكما في تشهّد الحاجة، وكما في الحمد عقب الطعام والشراب واللباس والخروج من الخلاء، والحمد عند رؤية ما يسرّه وما لا يسرّه

".

ثم ساق رحمه الله جملةً كبيرةً مما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من صيغ الحمد مما يقال في مثل هذه الأوقات، ثم قال:"فهذا جُملُ مواقع الحمد في كلام الله ورسوله وأصحابه والملائكة قد جُلِّيتْ عليك عرائسها وجُلِبَتْ إليك نفائسها، فلو كان الحديث المسؤول عنه أفضلَها وأكملَها وأجمعَها كما ظنّه الظانّ لكان واسطة عقدها في النظام، وأكثرِها استعمالاً في حمد ذي الجلال والإكرام". اهـ.

ص: 294

وبهذا التحقيق الذي ذكره رحمه الله يتبيّن ضعف هذه الصيغة في الحمد من جهة الرواية، وأنها لو كانت صحيحةً ومشتملةً على أكمل الصيغ لما عدل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما آثر غيرها عليها، قالت عائشة رضي الله عنها:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحبّ الجوامع من الدعاء، ويدَعُ ما سوى ذلك"، رواه أبو داود وغيرُه.

وسبق أن مرّ معنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أفضلُ الدعاء الحمدلله"، وبهذا يُعلم أنَّ هذه الصيغة في الحمد لو كانت أكملَ لما تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم إنَّه - أيضاً - لا يمكن للعبد أن يحمد الله حمداً يوافي نعمة واحدة من نعم الله، فضلاً عن موافاته جميع نعم الله، ولا يمكن أن يكون فعلُ العبد وحمدُه له مكافئاً للمزيد، قال ابن القيّم رحمه الله:"فهذا من أمحل المحال، فإنّ العبد لو أقْدَرَه الله على عبادة الثَّقلين لم يقم بشكر أدنى نعمة عليه.... فمن الذي يقوم بشكر ربِّه الذي يستحقه - سبحانه - فضلاً عن أن يكافئه".

وقال رحمه الله: "

ولكن يحمل على وجه يصح، وهو أنَّ الذي يستحقه الله - سبحانه - من الحمد حمداً يكون موافياً لنعمه ومكافئاً لمزيده وإن لم يَقدِر العبدُ أن يأتي به".

وأحسنُ من هذا وأكملُ ما ثبت في صحيح البخاري وغيره عن أبي أمامة الباهلي أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع مائدته قال: "الحمد لله حمداً كثيراً طيّباً مباركاً فيه غير مكفيٍّ، ولا مودَّع، ولا مستغنى عنه ربّنا"، فلو كانت تلك الصيغة وهي قوله:"حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده"أكمل وأفضل من هذه لما عدل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنّه لا يختار إلاّ الأفضل والأكمل.

ص: 295

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في معنى هذا الحديث: "المخلوق إذا أنعم عليك بنعمة أمكنك أن تكافئه، ونعمُهُ لا تدوم عليك، بل لا بدّ أن يودِّعك ويقطعها عنك، ويمكنك أن تستغني عنه، والله عز وجل لا يمكن أن تكافئه على نعمه، وإذا أنعم عليك أدام نعمَه، فإنّه هو أغنى وأقنى، ولا يُستغنى عنه طرفة عين". اهـ.

وفيه بيانٌ لعظم دلالات الأدعية المأثورة والأذكار الثابتة وعمق معانيها وسلامتها من الخطأ الذي قد يعتري ما سواها، وبهذا تكون السلامةُ وتحصيل الكامل.

فالحمد لله بمحامده التي حمد بها نفسه، وحمده بها الذين اصطفى من خلقه حمداً كثيراً طيّباً مباركاً فيه كما يحب ربّنا ويرضى.

المطلب الخامس: تعريفُ الحمد، وبيان الفرق بينه وبين الشكر

الحمد في اللغة نقيض الذمِّ، قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة:"الحاء والميم والدال كلمةٌ واحدة وأصلٌ واحد يدل على خلاف الذمّ، يُقال: حمدتُ فلاناً أحمده، ورجلٌ محمودٌ ومحمدٌ إذا كثرت خصالُه المحمودة غير المذمومة. ولهذا الذي ذكرناه سُمِّيَ نبيّنا محمداً صلى الله عليه وسلم". اهـ.

وقال الليث: أحمدت الرجل وجدته محموداً، وكذلك قال غيرُه: يُقال أتينا فلاناً فأحمدناه وأذممناه أي: وجدناه محموداً أو مذموماً.

وقوله - تعالى -: {وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} فيه تنبيه على أنّه - صلوات الله وسلامه عليه - محمود في أخلاقه وأفعاله ليس فيه ما يُذمّ، وكذلك قوله:{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ} فمحمّدٌ ههنا وإن كان اسماً له عَلَماً عليه ففيه إشارة إلى وصفه بذلك وتخصيصه بوافر معناه، وأما سواه فقد يُسمَّى بذلك ويكون له حظ من الوصف الذي دلّ عليه هذا الاسم وقد لا يكون، أما الرسول الكريم - صلوات الله وسلامه عليه - فهو محمّدٌ اسماً ووصفاً.

ص: 296

فالحمد هو الثناء بالفضيلة وهو أخصُّ من المدح وأعمُّ من الشكر، فإنَّ المدح يقال فيما يكون من الإنسان باختياره ومما يكون منه وفيه بالتسخير، فقد يُمدح الإنسان بطول قامته وصباحة وجهه، كما يُمدح ببذل ماله وشجاعته وعلمه، والحمد يكون في الثاني دون الأول، أي: أنَّ الإنسان يُحمد على بذل المال والشجاعة والعلم ونحو ذلك مما يكون منه باختياره، ولا يُحمد على صباحة الوجه وطول القامة وحسن الخِلقة ونحو ذلك مما ليس له فيه اختيار.

والشكر لا يُقال إلَاّ في مقابلة نعمة، فكلُّ شكر حمد، وليس كلُّ حمدٍ شكراً، وكلُّ حمد مدح، وليس كلُّ مدح حمداً.

قال ابن القيّم رحمه الله: "الفرق بين الحمد والمدح أن يُقال: الإخبار عن محاسن الغير إما أن يكون إخباراً مجرّداً من حبٍّ وإرادة أو مقروناً بحبّه وإرادته، فإن كان الأول فهو المدح، وإن كان الثاني فهو الحمد، فالحمد إخبارٌ عن محاسن الممدوح مع حبِّه وإجلاله وتعظيمه". اهـ.

وقد سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن الحمد والشكر ما حقيقتهما؟ هل هما معنى واحد أو معنيان؟ وعلى أيّ شيء يكون الحمد؟ وعلى أي شيء يكون الشكر؟

ص: 297

فأجاب رحمه الله بقوله: "الحمد يتضمّن المدحَ والثناءَ على المحمود بذكر محاسنه سواء كان الإحسان إلى الحامد أو لم يكن، والشكر لا يكون إلاّ على إحسان المشكور إلى الشاكر، فمِن هذا الوجه الحمد أعمّ من الشكر؛ لأنّه يكون على المحاسن والإحسان، فإنّ الله يُحمد على ما له من الأسماء الحسنى والمثل الأعلى، وما خلقه في الآخرة والأولى؛ ولهذا قال تعالى:{الحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} ، وقال:{الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الحَمْدُ فِي الآخِرَةِ} (1) وقال: {الحَمْدُ للهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ المَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الخَلْقِ مَا يَشَآءُ} (2) وأما الشكر فإنّه لا يكون إلاّ على الإنعام، فهو أخصُّ من الحمد من هذا الوجه، لكنه يكون بالقلب واليد واللسان، كما قيل:

أفادتكم النَّعماءُ مني ثلاثة

يدي ولساني والضمير المحجّبا

ولهذا قال تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً} ، والحمد إنما يكون بالقلب واللسان، فمن هذا الوجه الشكر أعمّ من جهة أنواعه، والحمد أعمّ من جهة أسبابه، ومن هذا الحديثُ:"الحمد لله رأس الشكر، فمن لم يحمد الله لم يشكره"، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:"إنَّ الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها" ". اهـ كلامه رحمه الله.

(1) سورة: الأنعام، الآية:(1) .

(2)

سورة: سبأ، الآية:(1) .

ص: 298

وبه يتبيّن أن بين الحمد والشكر عموماً وخصوصاً من وجه، فيجتمعان فيما إذا كان باللسان في مقابلة نعمة، فهذا يُسمَّى حمداً ويُسمَّى شكراً، وينفرد الحمد فيما إذا أثنى العبد على ربّه بذكر أسمائه الحسنى ونعوته العظيمة فهذا يُسمَّى حمداً، ولا يُسمَّى شكراً، وينفرد الشكر فيما إذا استعمل العبد نعمة الله في طاعة الله فهذا يُسمى شكراً ولا يُسمَّى حمداً.

إنَّ حمدَ الله هو الثناءُ على الله بذكر صفاته العظيمة ونعمِه العميمة مع حبّه وتعظيمه وإجلاله، وهو مختصٌّ به - سبحانه - لا يكون إلاّ له، فالحمد كلّه لله رب العالمين؛ "ولذلك قال - سبحانه -:{الحَمْدُ للهِ} بلام الجنس المفيدة للاستغراق، فالحمد كلُّه له إمّا ملكاً وإما استحقاقاً، فحمده لنفسه استحقاق، وحمد العباد له وحمدُ بعضهم لبعض ملكٌ له

فالقائل إذا قال: الحمد لله تضمّن كلامه الخبر عن كلِّ ما يحمد عليه تعالى باسم جامع محيطٍ متضمّنٍ لكلّ فرد من أفراد الحمد المحققة والمقدَّرة، وذلك يستلزم إثبات كلِّ كمال يُحمد عليه الربُّ تعالى؛ ولهذا لا تصلح هذه اللفظة على هذا الوجه ولا تنبغي إلا لمن هذا شأنه وهو الحميد المجيد".

وإذا قيل: الحمد كلّه لله، فإنَّ هذا له معنيان:

أحدهما: أنّه محمودٌ على كلِّ شيء، وهو ما يُحمد به رسله وأنبياؤه وأتباعهم، فذلك من حمده تبارك وتعالى، بل هو المحمود بالقصد الأول وبالذات، وما نالوه من الحمد فإنّما نالوه بحمده، فهو المحمود أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً.

والمعنى الثاني: أن يُقال: لك الحمد كلّه؛ أي: التامّ الكامل هذا مختصٌّ بالله ليس لغيره فيه شركه.

قال ابن القيّم رحمه الله بعد أن ذكر هذين المعنيين: "والتحقيق أنَّ له الحمد بالمعنيين جميعاً، فله عمومُ الحمد وكمالُه، وهذا من خصائصه - سبحانه -، فهو المحمود على كلِّ حال، وعلى كلِّ شيء أكمل حمد وأعظمه".

ص: 299

فالحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيِّباً مباركاً فيه كما يحب ربُّنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعِزِّ جلاله بمجامع حمده كلِّها ما علمنا منها وما لم نعلم.

المبحث الخامس:

في التكبير، فضله ومعناه

المطلب الأول: فضل التكبير ومكانته من الدِّين

إنَّ التكبير شأنُه عظيم وثوابُه عند الله جزيل وقد تكاثرت النصوص في الحث عليه والترغيب فيه وذكر ثوابه.

يقول الله - تعالى -: {وَقُلِ الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} ، وقال - تعالى - في شأن الصيام:{وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (1) وقال - تعالى - في شأن الحج وما يكون فيه من نُسك يَتقرَّب فيه العبدُ إلى الله: {لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ} (2) وقال - تعالى -: {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} (3)

(1) سورة: الإسراء، الآية:(111) .

(2)

سورة: البقرة، الآية:(185) .

(3)

سورة: الحج، الآية:(37) .

ص: 300

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو بصدد بيان تفضيل التكبير وعظم شأنه: "ولهذا كان شعائرُ الصلاة والأذان والأعياد والأمكان العالية هو التكبير، وهو أحد الكلمات التي هي أفضل الكلام بعد القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يجئ في شيء من الأثر بدل قول الله أكبر، الله أعظم؛ ولهذا كان جمهور الفقهاء على أن الصلاة لا تنعقد إلا بلفظ التكبير، فلو قال: الله أعظم لم تنعقد به الصلاة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم". وهذا قول مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف وداود وغيرهم، ولو أتى بغير ذلك من الأذكار مثل: سبحان الله، والحمد لله لَم تنعقد به الصلاة.

ولأنَّ التكبيرَ مختصٌّ بالذكر في حال الارتفاع كما أن التسبيح مختص بحال الانخفاض كما في السنن عن جابر بن عبد الله قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا علونا كبرنا وإذا هبطنا سبحنا فوضعت الصلاة على ذلك"........". اهـ.

ص: 301

ثم إنَّ التكبيرَ مصاحِبٌ للمسلم في عبادات عديدة وطاعات متنوعة فالمسلم يكبر الله عند ما يكمل عدَّة الصيام، ويكبر في الحج كما سبق الإشارة إلى دليل ذلك من القرآن الكريم، وأما الصلاة فإنَّ للتكبير فيها شأناً عظيماً ومكانة عالية، ففي النداء إليها يشرع التكبير وعند الإقامة لها، وتحريمها هو التكبير، بل إنَّ تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة، ثم هو يصاحب المسلم في كلِّ خفض ورفع من صلاة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبّر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول: ربنا لك الحمد، ثم يكبر حين يهوي، ثمَّ يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلِّها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس".

ص: 302

وبهذا فالتكبير يتكرر مع المسلم في صلاته مرات كثيرة، فالصلاة الرباعية فيها اثنتان وعشرون تكبيرة، والثنائية فيها إحدى عشرة تكبيرة، وكلُّ ركعة فيها خمسُ تكبيرات، وعلى هذا فالمسلم يكبر الله في اليوم والليلة في الصلوات الخمس المكتوبة فقط أربعاً وتسعين تكبيرة، فكيف إذا كان محافظاً مع ذلك على الرواتب والنوافل، وكيف إذا كان محافظاً على الأذكار التي تكون أدبار الصلوات وفيها التكبير ثلاثٌ وثلاثون مرة، فالمسلم إذا كان محافظاً على الصلوات الخمس مع السنن الرواتب وعددُها ثنتا عشرة ركعة مع الشفع والوتر ثلاث ركعات ومحافظاً على التكبير المسنون أدبار الصلوات ثلاثا وثلاثين مرة فإنَّ عدد تكبيره لله في يومه وليلته يكون ثلاثمائة واثنتين وأربعين تكبيرة، ولا ريب أنَّ هذا فيه دلالة على فضيلة التكبير حيث جعل الله للصلاة منه هذا النصيب الوافر، فإذا ضُمَّ إلى ذلك التكبيرُ في الأذان للصلاة والإقامة لها ممّن يؤذِن أو يُحافظ على إجابة المؤذِن، زاد بذلك عدد تكبيره في يومه وليلته، فإنَّ عدد ما يكون فيهما من تكبيرات في اليوم والليلة خمسون تكبيرة، فإنَّ عدد التكبير بذلك يزيد.

ثم إنَّ المسلم إذا كان محافظاً على التكبير المطلق غير المقيد بوقت فإن عدد تكبيره لله في أيامه ولياليه لا يحصيه إلا الله - سبحانه -.

ص: 303

والتكبير ركنٌ من أركان الصلاة، فتحريمها لا يكون إلاّ به، وهذا يُشعِر ولا ريب بمكانة التكبير من الصلاة، وأنّ الصلاة إنما هي تفاصيل للتكبير الذي هو تحريمها، يقول ابن القيّم رحمه الله: "

لا أحسن من كون التكبير تحريماً لها، فتحريمها تكبير الربّ تعالى الجامع لإثبات كلِّ كمال له، وتنزيهه عن كلِّ نقص وعيبٍ، وإفراده وتخصيصه بذلك، وتعظيمه وإجلاله، فالتكبير يتضمّن تفاصيل أفعال الصلاة وأقوالها وهيآتها، فالصلاة من أوّلها إلى آخرها تفصيل لمضمون ((الله أكبر)) ، وأيّ تحريم أحس-ن من هذا التحريم المتضمّن للإخلاص والتوحيد! ". اهـ.

وبهذا يتبيّن مكانةُ التكبير وجلالةُ قدره وعِظمُ شأنه من الدين، فليس التكبيرُ كلمةً لا معنى لها، أو لفظةً لا مضمون لها، بل هي كلمةٌ، عظيمٌ شأنها، رفيعٌ قدرها تتضمّن المعاني الجليلةَ والمدلولاتِ العميقةَ والمقاصد السامية الرفيعة.

قال ابن جرير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} : "يقول وعظِّم ربَّك يا محمد بما أمرك أن تعظِّمه به من قول وفعل، وأطِعه فيما أمرك ونهاك لنفسه استحقاق، وحمد العباد له"(1)

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في تفسير الآية نفسها: "أي: عظِّمه تعظيماً شديداً، ويظهر تعظيم الله في شدّة المحافظة على امتثال أمره واجتناب نهيه والمسارعة إلى كلِّ ما يرضيه".

وفي هذا إشارةٌ إلى أنّ الدِّينَ كلَّه يُعدُّ تفصيلاً لكلمة ((الله أكبر)) فالمسلم يقوم بالطاعات جميعها والعبادات كلّها تكبيراً لله وتعظيماً لشأنه وقياماً بحقِّه سبحانه، وهذا ممّا يبيّن عظمةَ هذه الكلمة وجلالةَ قدرها، ولهذا يروى عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّه قال:"قول العبد: الله أكبر، خيرٌ من الدنيا وما فيها"، فالله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً.

المطلب الثاني: في معنى التكبير وبيان مدلوله

(1) سورة: الإسراء، الآية:(111) .

ص: 304

التكبير هو تعظيم الربّ تبارك وتعالى وإجلاله، واعتقاد أنّه لا شيء أكبرُ ولا أعظمُ منه، فيصغر دون جلاله كلُّ كبير، فهو الذي خضعت له الرقاب وذلَّت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كلَّ شيء، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعظمته وعلوّه وقدرته الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت حكمه وقهره المخلوقات.

قال الإمام الأزهري في كتابه تهذيب اللغة: "وقول المصلي: الله أكبر، وكذلك قول المؤذِّن، فيه قولان:

أحدهما: أنّ معناه الله كبير، كقول الله جلّ وعزّ:{وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ} ، أي: هو هيّنٌ عليه، ومثله قول مَعنِ بن أوس: لعمرك ما أدري وإني لأوجلُ. معناه: وإني لوجلٌ.

والقول الآخر: أنّ فيه ضميراً، المعنى: الله أكبرُ كبيرٍ، وكذلك الله الأعزّ، أي: أعزُّ عزيزٍ، قال الفرزدق:

إنّ الذي سَمَكَ السماءَ بنى لنا

بيتاً دعائمُه أَعَزُّ وأطولُ

معناه: أعز عزيز، وأطول طويل". اهـ

والصواب من هذين القولين اللذين ذكرهما رحمه الله هو الثاني، بمعنى أن يكون اللهُ عند العبد أكبرَ من كلِّ شيء، أي: لا أكبرَ ولا أعظمَ منه، أما الأول فهو غيرُ صحيحٍ وليس هو معنى الله أكبر.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "التكبير يُراد به أن يكون (الله) عند العبد أكبر من كلِّ شيء، كما قال صلى الله عليه وسلم لعديِّ بن حاتم: "يا عديّ ما يُفرُّك؟ أيُفرُّك أن يُقال: لا إله إلا الله؟ فهل تعلم مِن إله إلاّ الله؟ يا عديّ ما يفرُّك. أيُفرُّك أن يقال: الله أكبر؟ فهل من شيء أكبر من الله؟ "، وهذا يُبطل قولَ من جعل أكبر بمعنى كبير". اهـ.

وحديث عديٍّ هذا رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان وغيرهم بإسناد جيّد.

وبه يتبيّن أن معنى الله أكبر أي: من كلِّ شيء، فلا شيء أكبرُ ولا أعظمُ منه، ولهذا يُقال إنَّ أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال هي: الله أكبر، أي: صِفْهُ بأنّه أكبرُ من كلِّ شيء، قال الشاعر:

ص: 305

رأيتُ الله أكبر كلِّ شيء

محاولةً وأكثرهم جنوداً

والتكبير معناه كما تقدّم التعظيم، لكن ينبغي أن يُعلم أنّ التعظيم ليس مرادفاً في المعنى للتكبير، فالكبرياء أكمل من العظمة؛ لأنّه يتضمّنها ويزيد عليها في المعنى، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"وفي قوله ((الله أكبر)) إثبات عظمته، فإنّ الكبرياء تتضمّن العظمة، ولكن الكبرياء أكمل، ولهذا جاءت الألفاظ المشروعة في الصلاة والأذان بقول: ((الله أكبر)) فإنّ ذلك أكمل من قول الله أعظم، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "يقول الله - تعالى -: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما عذّبته"، فجعل العظمة كالإزار والكبرياء كالرداء، ومعلوم أنّ الرداء أشرف، فلمّا كان التكبيرُ أبلغَ من التعظيم صرّح بلفظه، وتضمّن ذلك التعظيم". اهـ.

وها هنا أمرٌ ينبغي التنبّه له وعدم إغفاله، وهو أن المسلم إذا اعتقد وآمن بأنّ الله سبحانه وتعالى أكبر من كلِّ شيء، وأنّ كلَّ شيء مهما كبر يصغر عند كبرياء الله وعظمته، علمَ من خلال ذلك علم اليقين أن كبرياءَ الربِّ وعظمتَه وجلالَه وجمالَه وسائرَ أوصافه ونعوته أمرٌ لا يمكن أن تحيط به العقول أو تتصوّره الأفهام أو تدركه الأبصار والأفكار، فالله أعظم وأعظم من ذلك، بل إنّ العقولَ والأفهامَ عاجزةٌ عن أن تدركَ كثيراً من مخلوقات الرب تبارك وتعالى، فكيف بالرب - سبحانه -.

ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه أنّه قال: "بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كلِّ سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسيِّ خمسمائة عام، وبين الكرسيِّ والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم".

وروي عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما السموات السبع في الكرسي إلاّ كدراهم سبعة أُلقيت في ترس".

ص: 306

وقال أبو ذر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما الكرسي في العرش إلاّ كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض".

وليتأمّل المسلم في عظم السماء بالنسبة إلى الأرض، وعظم الكرسيِّ بالنسبة إلى السماء، وعِظم العرش بالنسبة إلى الكرسيِّ، فإنّ العقولَ عاجزةٌ عن أن تدرك كمال هذه الأشياء أو أن تحيط بكُنْهِها وكيفيتها وهي مخلوقة، فكيف بالأمر إذاً في الخالق - سبحانه -، فهو أكبر وأجلُّ من أن تعرف العقولُ كُنْهَ صفاته أو تدرك الأفهامُ كبرياءَه وعظمتَه، ولهذا جاءت السنةُ بالنهي عن التفكّر في الله؛ لأنّ الأفكار والعقول لا تدرك كنه صفاته، فالله أكبر من ذلك، قال صلى الله عليه وسلم:"تفكّروا في آلاء الله، ولا تفكّروا في الله عز وجل".

والتفكّرُ المأمور به هنا كما يبيّن ابن القيّم رحمه الله هو إحضار معرفتين في القلب ليستثمر منهما معرفة ثالثة، وهذا يتضح بالمثال، فالمسلم إذا أحضر في قلبه كبر هذه المخلوقات من سموات وأرض وكرسي وعرش ونحو ذلك، ثم أحضر في قلبه عجزه عن إدراك هذه الأشياء والإحاطة بها حصل له بذلك معرفة ثالثة وهي عظمة وكبرياء خالق هذه الأشياء وعجز العقول عن أن تدرك صفاته أو تحيط بنعوته - سبحانه -، يقول - سبحانه -:{وقُلِ الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} ، فالله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً.

الخاتمة

في بيان التلازم بين الكلمات الأربع

ص: 307

الحمد لله أولاً وآخراً، والشكر له ظاهراً وباطناً على نعمه العديدة وآلائه الكثيرة، ومنها إتمام هذا البحث الذي تحدثتُ فيه عن الكلمات الأربع ((سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَاّ الله، والله أكبر)) وما ورد في فضلهنَّ إجمالاً وتفصيلاً، وما يتعلّق كذلك بمعانيهنَّ ومدلولهنّ، ولعلَّ من الحسن في ختام الحديث عن هؤلاء الكلمات أن أشير إلى ما بينهنَّ من ترابط وتلازم، وقد علمنا من خلال ما تقدّم أنَّ هؤلاء الكلمات هنَّ أفضل الكلام بعد القرآن الكريم وهنَّ من القرآن الكريم، وتقدّم معنا - أيضاً - الإشارة إلى جملة كبيرة من النصوص الدالة على عظم شأن ذكر الله - تعالى - بهؤلاء الكلمات الأربع وما يترتّب على ذلك من أجور كثيرة وفضائل وفيرة وخير مستمر في الدنيا والآخرة، ولا شك أنَّ هذا فيه أوضح إشارة على قوة الارتباط بين هذه الكلمات الأربع وشدة الصلة بينهنَّ.

ص: 308

وهؤلاء الكلمات كما أوضح أهل العلم "شطران، فالتسبيح قرين التحميد، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم"، أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة. وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن أبي ذر: "أفضل الكلام ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله وبحمده"، وفي القرآن يقول الله - تعالى -: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} (1) وقال: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} (2) فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي"، يتأوّل القرآن، هكذا في الصحاح عن عائشة رضي الله عنها، فجعل قوله: "سبحانك اللهم وبحمدك" تأويل {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} ، وقد قال تعالى:{فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ} ، وقال:{فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} (3) والآثار في اقترانهما كثيرة.

(1) صحيح مسلم (رقم:2731) .

(2)

سورة البقرة، الآية (30) .

(3)

سورة غافر، الآية (55) .

ص: 309

وأمَّا التهليلُ فهو قرينُ التكبيرِ كما في كلمات الأذان: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلَاّ الله أشهد أنَّ محمداً رسول الله، ثم بعد دعاء العباد إلى الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلَاّ الله، فهو مشتملٌ على التكبير والتشهد [في] أوله وآخره، وهو ذكر لله تعالى، وفي وسطه دعاء الخلق إلى الصلاة والفلاح، فالصلاة هي العمل، والفلاح هو ثواب العمل، لكن جعل التكبير شفعاً والتشهد وتراً، فمع كلِّ تكبيرتين شهادة، وجعل أوله مضاعفاً على آخره، ففي أول الأذان يكبر أربعاً، ويتشهّد مرّتين، والشهادتان جميعاً باسم الشهادة، وفي آخره التكبير مرتان فقط مع التهليل الذي لم يقترن به لفظ الشهادة.

وكما جمع بين التكبير والتهليل في الأذان جمع بينهما في تكبير الإشراف، فكان على الصفا والمروة، وإذا علا شرفاً في غزوة أو حجة أو عمرة يكبر ثلاثاً ويقول:"لا إله إلَاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلَاّ الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده" يفعل ذلك ثلاثاً، وهذا في الصحاح، وكذلك على الدابة كبّر ثلاثاً وهلّل ثلاثاً فجمع بين التكبير والتهليل، وكذلك حديث عدي بن حاتم الذي رواه الترمذي فيه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال له:"يا عدي ما يُفِرُّك؟ أيُفِرُّك أن يقال: لا إله إلَاّ الله، فهل تعلم من إله إلَاّ الله؟ يا عدي ما يُفِرُّك؟ أيُفِرُّك أن يقال: الله أكبر فهل من شيء أكبر من الله" فقرن النبي صلى الله عليه وسلم بين التهليل والتكبير" ".

ص: 310

ثم إنَّ أفضل هؤلاء الكلمات هو التهليل لاشتماله على التوحيد الذي هو أصل الإيمان، وهو الكلام الفارق بين أهل الجنة وأهل النار، وهو ثمن الجنة، ولا يصلح إسلام أحد إلَاّ به ومن كان آخر كلامه لا إله إلَاّ الله دخل الجنة، ومنزلة التحميد والتسبيح منه منزلة الفرع من الأصل، فالتهليل أصل وما سواه فرع له وتابع، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه:"الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلَاّ الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق". فجعل - صلوات الله وسلامه عليه - التهليل أعلا وأرفع شعب الإيمان، وفي المسند عن أبي ذر رضي الله عنه قال:"قلت: يا رسول الله أفمن الحسنات لا إله إلَاّ الله؟ قال: هي أفضل الحسنات"(1) والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جداًّ، وقد تقدّم معنا جملة كبيرة منها.

ولا يعارض هذا ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "أفضل الكلام ما اصطفى الله لملائكته سبحان الله وبحمده"؛ إذ لا يلزم منه - كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن يكون أفضل مطلقاً بدليل أنَّ قراءة القرآن أفضل من الذكر، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها في الركوع والسجود وقال:"إني نُهيتُ أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، أما الركوع فعظموا فيه الربّ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقَمِنٌ أن يستجاب لكم"(2)

(1) صحيح البخاري (رقم:9)، وصحيح مسلم (رقم:35) .

(2)

صحيح مسلم (رقم:2731) .

ص: 311

وها هنا أصل عظيم نبّه عليه شيخ الإسلام رحمه الله وهو أنَّ الشيء إذا كان أفضل من حيث الجملة لم يجب أن يكون أفضل في كل حال ولا لكل أحد، بل المفضول في موضعه الذي شرع فيه أفضل من الفاضل المطلق، كما أنَّ التسبيح في الركوع والسجود أفضل من قراءة القرآن ومن التهليل والتكبير، والتشهد في آخر الصلاة والدعاء بعده أفضل من قراءة القرآن، فالتفضيل مختلف باختلاف الأحوال فقول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل أيُّ الكلام أفضل؟ فقال:"سبحان الله وبحمده"، هذا خرج على سؤال سائل، فربما علم النبي صلى الله عليه وسلم من حال السائل حالاً مخصوصة.

وعلى كلٍّ فالتفضيل مختلف باختلاف الأحوال، وإن كان التهليل أفضل مطلقاً والأحوال ثلاثة: حال يستحب فيها الإسرار ويكره فيها الجهر لأنَّها حال انخفاض كالركوع والسجود، فهنا التسبيح أفضل من التهليل والتكبير، وكذلك في بطون الأودية، وحال يستحب فيه الجهر والإعلان كالإشراف والأذان فهنا التهليل والتكبير أفضل من التسبيح، وحال يشرع فيه الأمران.

نسأل الله الكريم أن يوفقنا وجميع المسلمين لكل خير يحبه ويرضاه، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

فهرس المصادر والمراجع

الآداب: للبيهقي، تحقيق: محمد عبد القادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الأولى (1406هـ) .

الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان: لابن بَلبان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة (1414هـ) .

الأسماء والصفات: للبيهقي، تحقيق: عبد الله بن محمد الحاشدي، مكتبة السوادي جدة، الأولى (1413هـ) .

أضواء البيان: للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، عالم الكتب، بيروت.

البداية والنهاية: للحافظ ابن كثير، مكتبة المعارفة، بيروت، الثانية (1397هـ) .

بدائع الفوائد: لابن القيم، دار الكتاب العربي، بيروت.

بصائر ذوي التمييز: للفيروزأبادي، تحقيق: علي النجار، المكتبة العلمية، بيروت.

ص: 312

تفسير القرآن العظيم: لابن كثير، ط دار الشعب، القاهرة.

تهذيب اللغة: لأبي منصور الأزهري، تحقيق: عبد السلام هارون، دار القومية العربية، القاهرة (1384هـ) .

تيسير العزيز الحميد: للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، المكتب الإسلامي، بيروت (1397هـ) .

جامع البيان عن تأويل آي القرآن: لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، دار الفكر (1405هـ) .

جامع العلوم والحكم: لابن رجب، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، الثانية (1412هـ) .

جامع العلوم والحكم: لابن رجب، دار المعرفة بيروت.

الجامع لأحكام القرآن: للقرطبي، دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى (1408هـ) .

جزء في تفسير الباقيات الصالحات: للعلائي، تحقيق: بدر الزمان محمد شفيع النيبالي، مكتبة الإيمان، الأولى (1407هـ) .

الحجة في بيان المحجة: للحافظ التميمي، دار الراية الرياض، الأولى (1411هـ) .

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: لأبي نعيم الأصبهاني، دار الكتاب العربي، لبنان.

الدرر السنية في الأجوبة النجدية: مطابع المكتب الإسلامي، بيروت.

الدعاء للطبراني: تحقيق: د. محمد سعيد البخاري، دار البشائر الإسلامية، بيروت، الأولى (1407هـ) .

دقائق التفسير: لابن تيمية، تحقيق: د. محمد السيد الجليذ، مؤسسة علوم القرآن، دمشق بيروت.

دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة: للبيهقي، تعليق: د. عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى (1405هـ) .

دلائل النبوة: لأبي القاسم التيمي، تحقيق: مساعد بن سليمان الراشد الحميد، دار العاصمة، (1412هـ) .

الرد على الجهمية: للدارمي، تحقيق: بدر البدر، الدار السلفية، الكويت، الأولى (1405هـ) .

سلسلة الأحاديث الصحيحة: للشيخ الألباني، مكتبة المعارف الرياض.

السنة: لابن أبي عاصم، ومعه ظلال الجنة في تخريج السنة للشيخ الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت ط2 (1405هـ) .

ص: 313

السنن الكبرى: للنسائي، تحقيق: د - عبد الغفّار البنداري، وسيد كسروي، دار الكتب العلمية (بيروت) ، (1411هـ) .

السنن: لأبي داود، تحقيق: عزت عبيد الدعاس، دار الحديث (حمص - سورية) .

السنن: لابن ماجه، تحقيق وترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، المكتبة العلمية (بيروت) .

السنن: للترمذي، دار الكتب العلمية (بيروت)(1408هـ) .

السنن: للدراقطني، عالم الكتب، بيروت لبنان.

السنن: للدرامي، تحقيق: فواز زمرلي، وخالد السبع، دار الريان، الأولى (1407هـ) .

السنن: للنسائي، ط دار الريان.

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: لللالكائي، تحقيق: د. أحمد سعد حمدان، دار طيبة للنشر، الرايض.

شرح صحيح مسلم: للنووي، دار الفكر، بيروت لبنان.

الشكر: لابن أبي الدنيا، تحقيق: بدر البدر.

صحيح البخاري: درا الكتب العلمية، بيروت، الأولى (1412هـ) .

صحيح الجامع الصغير: للشيخ الألباني، المكتب الإسلامي، الثانية، (1406هـ) .

صحيح سنن أبي داود: للألباني، نشر مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض.

صحيح مسلم: لمسلم بن الحجاج، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ط دار الحديث.

الصلاة: لابن القيم، المطبعة السلفية، القاهرة، الخامسة (1399هـ) .

طريق الهجرتين: لابن القيم، المطبعة السلفية، القاهرة، الثالثة (1400هـ) .

عدة الصابرين: لابن القيم، تحقيق: محمد عثمان الخشت، دار الكتاب العربي، الرابعة (1410هـ) .

العظمة: لأبي الشيخ الأصبهاني، تحقيق: رضاء الله بن محمد المباركفوري، دار العاصمة، الرياض، الأولى (1408هـ) .

فتح الباري شرح صحيح البخاري: للحافظ ابن حجر، دار المعرفة بيروت.

فضل التهليل وثوابه الجزيل: لابن البنا، تحقيق: عبد الله بن يوسف الجديع، دار العاصمة، الرياض، الأولى (1409هـ) .

الفوائد: لابن القيم، تحقيق: بشر محمد عيون، نشر مكتبة البيان، الأولى (1407هـ) .

القاموس المحيط: للفيروزأبادي، مؤسسة الرسالة، بيروت الثانية (1407هـ) .

ص: 314

كشف الأستار عن زوائد البزار: للهيثمي، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، مؤسسة الرسالة.

كلمة الإخلاص: لابن رجب، تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، الخامسة (1399هـ) .

مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: للهيثمي، دار الكتاب، بيروت (1407هـ) .

مجموع الفتاوى: لابن تيمية، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مكتبة المعارف الرباط.

مختصر العلو للعلي الغفار: للذهبي، اختصار: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الأولى (1401هـ) .

المستدرك على الصحيحين: للحاكم النيسابوري، دار الكتب العلمية.

المسند: للإمام أحمد بن حنبل، المكتب الإسلامي (بيروت) ، (1405هـ) .

المسند: للطيالسي، دار المعرفة، بيروت، ومكتبة المعارف بالرياض

المصنف: لعبد الرزاق، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت لبنان.

المصنّف: لابن أبي شيبة، تحقيق: كمال يوسف الحوت، دار التاج، بيروت لبنان.

معارج القبول: للشيخ حافظ الحكمي، المطبعة السلفية.

المعجم الأوسط: للطبراني، تحقيق: طارق بن معوض، وعبد المحسن بن إبراهيم، دار الحرمين، القاهرة.

المعجم الكبير للطبراني: تحقيق: حمدي السلفي، دار إحياء التراث العربي، الثانية.

معجم مقاييس اللغة: لابن فارس، دار الكتب العلمية، إيران.

مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: لابن هشام، دار الفكر بيروت.

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة: لابن القيم، تحقيق: محمود حسن ربيع، مكتبة الأزهر، القاهرة، الثانية (1358هـ) .

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة: لابن القيم، تحقيق: علي بن حسن ابن عبد الحميد، دار ابن عفان، الخبر، الأولى (1416هـ) .

مطالع السعد بكشف مواقع الحمد: لابن القيم، تحقيق: فهد العسكر، دار ابن خزيمة، الرياض، الأولى (1414هـ) .

ص: 315

رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه

إعداد

د. محمد بن خليفة بن علي التميمي

الأستاذ المشارك في كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة

المقدمة

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران 102] .

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء 1] .

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب 70-71] .

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

وبعد: فهذا بحث لطيف، وسِفر منيف، يحوي في ثناياه الحديث عن مسألة وقع فيها النزاع بين أهل العلم، وتشعبت بسبب ذلك أقوالهم، منذ عصر الصحابة رضوان الله عليهم، ولهذه المسألة تعلقها بمسائل العقيدة لصلتها بمسألة رؤية الله عز وجل من جهة، ولتعلقها كذلك بخصائص النبي صلى الله عليه وسلم من جهة أخرى، تلك هي مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه عز وجل.

ص: 316

ومعلوم أن التأصيل لمسائل الدين جميعها في منهج أهل السنة ينطلق من نصوص الكتاب والسنة، وفهم السلف الصالح، ومن هذا المنطلق أحببت بحث المسألة، وتأصيلها وفق هذا المنهج مع جمع شتات أقوال العلماء وبيان الراجح منها.

ويمكن حصر الكلام في مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في ثلاثة جوانب:

1-

رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة المعراج.

2-

إثبات رؤية النبي صلى الله عليه وسلم. لربه في المنام.

3-

مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في الدنيا. عيانا.

فمسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه عز وجل ليلة المعراج من المسائل التي وقع الكلام فيها مبكرا في عهد الصحابة.

وقبل البدء في إيضاح هذه المسائل لابد من الإشارة إلى أن الأمة أجمعت على أن الله عز وجل لا يراه أحد في الدنيا بعينه.

وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور في التحذير من فتنة المسيح الدجال أنه قال: "تعلَّموا أنه لن يرى أحد منكم ربه عز وجل حتى يموت" وفي لفظ الترمذي "تعلمون"(1) .

والخلاف إنما وقع في حصول الرؤية للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة ليلة المعراج، وأكثر علماء أهل السنة يثبتون ذلك، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"وأكثر علماء أهل السنة يقولون: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج".

على الرغم من أن الخلاف في هذه المسألة لا يعد من الأمور التي توجب الخروج عن عقيدة السلف، والأمر كما قال عنه الإمام الذهبي: "ولا نعنف من أثبت الرؤية لنبينا في الدنيا، ولا من نفاها، بل نقول الله ورسوله أعلم، بل نعنف ونبدع من أنكر الرؤية في الآخرة، إذ رؤية الله في الآخرة ثبتت بنصوص متوافرة

".

(1) أخرجه مسلم في صحيحه 18/261 كتاب الفتن باب ذكر ابن صياد رقم 7283.

والترمذي في سننه 4/440-441، كتاب الفتن -باب ما جاء في علامة الدجال- حديث رقم 2235.

والإمام أحمد في المسند 5/433.

ص: 317

ولعل من أسباب عدم تعنيف المخالف في ذلك ما يلي:

1 -

ليس في المسألة نص قاطع يجب الأخذ به.

2 -

وقوع التنازع في المسألة بين الصحابة.

3 -

أن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها قال ابن أبي العز: "وإن كانت رؤية الرب تعالى أعظم وأعلى، فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها البتة".

وبناءً على ما حوته المسألة من تفريعات فقد قسمت البحث وفق الخطة التالية إلى ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة المعراج.

وفيه أربعة مطالب:

المطلب الأول: أقوال الصحابة في هذه المسألة.

المطلب الثاني: أقوال التابعين وتابعي التابعين.

المطلب الثالث: أقوال العلماء في المسألة.

المطلب الرابع: وقفات في مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة المعراج.

المبحث الثاني: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في المنام.

وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: الأحاديث الواردة في المسألة.

المطلب الثاني: القول في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في المنام.

المطلب الثالث: أقوال أهل العلم في الرؤية المنامية عمومًا.

المبحث الثالث: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في الدنيا عيانًا.

وفيه مطلبان:

المطلب الأول: قول أهل السنة في مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه عيانًا في الدنيا.

المطلب الثاني: الأحاديث الموضوعة في المسألة.

المبحث الرابع: رؤية البشر لربهم في الحياة الدنيا.

الخاتمة.

وبعد فهذا جهد المقل فلعلي أسهمت في خدمة هذه المسألة، ويسرت على إخواني الباحثين من طلاب العلم جمع ما تفرق من أقوال أهل العلم فيها، ومستند كل قول والقائل به، فأرجو أن أكون قد وفقت في توضيح جوانب هذه المسائل، وحسن عرضها، وبيان الصواب فيها، والله أسأل أن ينفعني وإخواني المسلمين بما كتبت، وأن يجعله عملاً صالحًا، ولوجهه خالصًا، وأن لا يجعل لأحد فيه شركًا.

المبحث الأول: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة المعراج:

ص: 318

هذه المسألة هي التي وقع الكلام فيها مبكرًا بين الصحابة، ومن أهل العلم من يرى أنه لا خلاف بين أقوالهم في المسألة وأنها متوافقة، وإنما مرجع الخلاف إلى فهم بعض المتأخرين لأقوالهم وطريقة توجيهها، وبعضهم الآخر يرى أن هناك خلافاً بين الصحابة في المسألة، وأن أقوالهم متباينة فيها، وبنى على هذا الفهم أمورًا وأحكامًا، ومن أجل ذلك أحببت أن أعرض أقوال الصحابة بشكل مستقل، ومن ثم أعرض لأقوال التابعين وتابعيهم، وبعد ذلك أعرض أقوال العلماء وما وجّه به كل فريق قوله في المسألة، فهذا المنهج هو الأسلم لكي يفهم القارئ أقوال السلف مستقلة عن طريقة توجيه كل طائفة لها، ومن ثم سيسهل بعد تصورها مستقلة معرفة توجيه كل صاحب قول لتلك الآثار، ومستنده في فهمه لها، وأي الأقوال أولى بالصواب.

المطلب الأول: أقوال الصحابة في هذه المسألة

القول الأول: من أثبت الرؤية مطلقا:

1 -

قول ابن عباس رضي الله عنهما:

أ - عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم".

ب - عن ابن عباس في قوله {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} (1) .قال: "رأى ربه فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى".

ج - عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "رأى محمدٌ ربَّه". قلت: أليس الله يقول {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} [الأنعام 103]، قال: ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، وقال: أُرِيَه مرتين".

(1) الآيتان (13-14) من سورة النجم.

ص: 319

د - عن عبد الله بن عمر أنه بَعَثَ إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهم يسأله: هل رأى محمدٌ صلى الله عليه وسلم ربَّه؟ فبعث إليه: "أن نعم قد رآه"، فرد رسوله إليه وقال: كيف رآه؟ فقال: "رآه على كرسي من ذهب، تحمله أربعة من الملائكة، ملك في صورة رجل، وملك في صورة أسد، وملك في صورة ثور، وملك في صورة نسر، في روضة خضراء، دونه فراش من ذهب".

2 -

قول أنس بن مالك رضي الله عنه

عن قتادة أن أنسًا رضي الله عنه قال: "رأى محمدٌ ربَّه".

3 -

قول أبي هريرة رضي الله عنه

قال داود بن حصين: سأل مروان أبا هريرة رضي الله عنه: هل رأى

محمدٌ صلى الله عليه وسلم ربَّه عز وجل؟ فقال: "نعم، قد رآه".

القول الثاني: من قيدها بالرؤية القلبية:

وقد روي في ذلك حديث مرفوع لكنه ضعيف؛ لإرساله وهو ما رواه محمد بن كعب القرظي قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ قال: "رأيته بفؤادي، ولم أره بعيني".

1 -

قول ابن عباس رضي الله عنهما:

أ - عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم 13] قال: "إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بقلبه".

ب - وعن أبي العالية عن ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بفؤاده مرتين".

2 -

قول أبي ذر رضي الله عنه

أ - عن إبراهيم التيمي أن أبا ذر رضي الله عنه قال: "رآه بقلبه ولم تره عيناه". وفي رواية: "رآه بقلبه".

ب - وأخرج النسائي عن أبي ذر قال: "رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربَّه بقلبه ولم يره ببصره".

القول الثالث: من نفى الرؤية مطلقا.

1 -

قول عائشة رضي الله عنها

ص: 320

عن مسروق قال: كنت متكئا عند عائشة رضي الله عنها فقالت: "يا أبا عائشة: ثلاث من تكلم بواحدة منهن، فقد أعظم على الله الفرية، من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله، قال: وكنت متكئا فجلست فقلت: يا أم المؤمنين: أنظريني ولا تعجليني: ألم يقل الله عز وجل {وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ} {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} فقالت: أنا أول هذه الأمة، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطًا من السماء سادًا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض. فقالت: ألم تسمع أن الله يقول {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَار} [الأنعام 103] . أو لم تسمع أن الله يقول {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى 51] .....".

2 -

قول ابن مسعود رضي الله عنه

عن زر بن عبد الله بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى:{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم 13]، قال:"رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته، له ستمائة جناح".

3 -

قول أبي هريرة رضي الله عنه

عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله تعالى {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} قال: "رأى جبريل".

4 -

قول أبي ذر رضي الله عنه

ص: 321

عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسألته، قال: عما كنت تسأله؟ قال: إذن لسألته هل رأى ربه؟ فقال: قد سألته أنا، قلت: فما قال؟ قال: "نور أنى أراه"، وفي رواية "رأيت نوراً"(1)

(1) أخرجه مسلم في صحيحه 3/15 كتاب الإيمان باب في قوله صلى الله عليه وسلم: "نور أنى أراه" وفي قوله: "رأيت نورا" والترمذي 5/396 كتاب التفسير باب ومن سورة النجم رقم 3282. وقد أخرج الإمام أحمد في المسند 5/147 من طريق عفان عن همام عن قتادة بلفظ "قد رأيته نور أنى أراه" وأخرجه أيضا عبد الله بن أحمد في السنة 1/289-290رقم 556 وأبو بكر النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص 52 رقم 65 من طريق عفان عن يزيد بن إبراهيم عن قتادة بلفظ "قد رأيته" فقط. ونقل أبو عوانة 1/146-147 عقبه عن عثمان بن أبي شيبة أنه قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: "ما زلت منكرا لحديث يزيد بن إبراهيم حتى حدثنا عفان عن همام عن قتادة عن عبد الله بن شقيق قال قلت لأبي ذر

"ونقل هذا الكلام كذلك الحافظ ابن كثير في تفسيره 7/453 عن الخلال فقال: "وقد حكى الخلال في علله عن الإمام أحمد قد سئل عن هذا الحديث فقال: ما زلت منكرا له، وما أدري ما وجهه". وقال ابن القيم:"سمعت شيخ الإسلام أحمد بن تيمية يقول في قوله صلى الله عليه وسلم: "نور أنى أراه" معناه كان ثَمّ نور، وحال دون رؤيته نور فأنى أراه؟ قال: ويدل عليه أن في بعض ألفاظ الصحيح "هل رأيت ربك؟ فقال: "رأيت نورًا". وقد أعظل أمر هذا الحديث على كثير من الناس، حتى صحفه بعضهم فقال:"نوراني أراه"على أنها ياء النسب، والكلمة كلمة واحدة، وهذا خطأ لفظًا ومعنى، وإنما أوجب لهم هذا الإشكال والخطأ أنهم اعتقدوا أن الرسول رأى ربه، وكان قوله "أنى أراه" كالإنكار للرؤية حاروا في الحديث ورده بعضهم باضطراب لفظه، وكل هذا عدول عن موجب الدليل"مجموع الفتاوى 6/507، اجتماع الجيوش الإسلامية ص 47 - 48

ص: 322

التعليق على الأقوال السابقة:

الذي يلاحظ من الآثار السالفة الذكر أنها خلت من النص على رؤية العين فهي: إما أثبتت الرؤية مطلقًا، أو قيدتها بالرؤية القلبية أو نفتها مطلقًا.

ولذلك علق شيخ الإسلام ابن تيمية على هذا بقوله: "ليس ذلك بخلاف في الحقيقة، فإن ابن عباس لم يقل رآه بعيني رأسه ".

وقال أيضًا: "وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل، كما في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك: فقال: "نور أنى أراه"".

وكذا جزم ابن كثير بأنه لم يصح أن أحدًا من الصحابة قال بالرؤية البصرية حيث قال: "وما روي في ذلك من إثبات الرؤية بالبصر فلا يصح من ذلك لا مرفوعًا، بل ولا موقوفًا، والله أعلم".

وقال أيضًا: "وفي رواية عنه - يعني ابن عباس - أطلق الرؤية، وهي محمولة على المقيدة بالفؤاد، ومن روى عنه بالبصر فقد أغرب، فإنه لا يصح في ذلك شيء عن الصحابة رضي الله عنهم".

ويجب الإشارة هنا إلى أنه يجب التفريق بين قضيتين، قضية الرؤية والكلام عليها، وقضية الآيات التي استدل بها ابن عباس على إثبات رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه، بينما استدلت بها عائشة وغيرها على أنها تتعلق برؤية جبريل.

قال ابن القيم: "وأما قول ابن عباس أنه رآه بفؤاده مرتين فإن كان استناده إلى قوله تعالى: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} ثم قال {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} والظاهر أنه مستنده فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أن هذا المرئي جبريل رآه مرتين في صورته التي خلق عليها ".

وعلى العموم فإن الكلام على تفسير الآيات ليس هذا مجاله وسيأتي الحديث عنه.

ص: 323

تابع لرؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه

المطلب الثاني: أقوال التابعين وتابعي التابعين

لو نظرنا في أقوال التابعين وتابعي التابعين لوجدناها لم تخرج عن أقوال الصحابة السابق ذكرها إلا أنه لم يرد عن أحد منهم نفي الرؤية مطلقًا اللهم إلا من توقف في المسألة وإليك أقوالهم:

القول الأول: من أثبت الرؤية مطلقا

1 -

قول كعب الأحبار:

عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: قال لي كعب: "إن الله عز وجل قسَّم رؤيته وكلامه بين موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم فكلَّمه موسى مرتين ورآه محمد مرتين".

2 -

قول عكرمة (106 هـ)

أ - عن عيسى بن عبيد وسالم مولى معاوية قالا: "سمعنا عكرمة، وسئل: هل رأى محمد ربه؟. قال: "نعم، قد رأى ربَّه".

ب - عن عباد بن منصور قال: سألت عكرمة عن قوله {مَا كَ ذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم 11]، قال:"أتريد أن أقول لك: قد رآه. نعم قد رآه، ثم قد رآه، ثم قد رآه، حتى ينقطع النفس".

3 -

قول الحسن البصري (110هـ)

وعن المبارك بن فضالة قال: "كان الحسن يحلف ثلاثة لقد رأى محمد ربه".

4 -

قول الزهري (125 هـ)

الإمام الزهري ممن نسب إليه القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج كما ذكر ذلك ابن حجر.

5 -

قول معمر (154 هـ)

روى ابن خزيمة في التوحيد أن عبد الرزاق قال بعد أن روى حديث مسروق مع عائشة: "فذكرت هذا الحديث لمعمر، فقال: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس".

6 -

قول إبراهيم بن طهمان (168 هـ)

قال حفص بن عبد الله سمعت إبراهيم بن طهمان يقول: "والله الذي لا إله إلا هو لقد رأى محمد ربه".

القول الثاني: من قيدها بالرؤية القلبية

1 -

قول كعب الأحبار

ص: 324

عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: "اجتمع ابن عباس وكعب، فقال ابن عباس: إنا بنو هاشم نزعم أو نقول إن محمدًا رأى ربه مرتين. قال: فكبر كعب حتى جاوبته الجبال ثم قال (أي كعب) : إن الله قسَّم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى صلى الله عليهم وسلم فرآه محمد بقلبه وكلمه موسى".

2 -

قول مجاهد بن جبر (104 هـ)

عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} [النجم 16] قال: "كان أغصان السدرة من لؤلؤ وياقوت وزبرجد، فرآه محمد صلى الله عليه وسلم بقلبه ورأى ربه".

3 -

قول أبي العالية رفيع بن مهران (93 هـ)

عن أبي العالية في قوله: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} ، قال:"محمدٌ رآه بفؤاده ولم يره بعينه".

4 -

قول أبي صالح مولى أم هانئ (بعد المائة)

عن أبي صالح في قوله {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} ، قال:"رآه مرتين بفؤاده".

5 -

قول الربيع بن أنس (140 هـ)

عن أبي جعفر عن الربيع بن أنس في قوله {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ} : "فلم يكذبه"{مَا رَأَى} قال: "رأى ربَّه"وفي رواية قال: "رأى محمدٌ ربَّه بفؤاده".

القول الثالث: من رجح التوقف في المسألة

6 -

قول سعيد بن جبير (95 هـ)

عن سعيد بن جبير قال: "لا أقول رآه ولا لم يره".

المطلب الثالث: أقوال العلماء في المسألة.

بعد استعراض أقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم نعرض لأقوال من بعدهم في المسألة وهي خمسة أقوال:

القول الأول: من أثبت الرؤية مطلقا.

وهو رواية عن الإمام أحمد، وقول ابن خزيمة، والآجري، والألوسي.

1 -

قول الإمام أحمد (241هـ)

حكى أبو يعلى في كتابه الروايتين والوجهين اختلاف الروايات عن الإمام أحمد في مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه على ثلاث روايات أحدها أنه رآه مطلقا.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكذلك الإمام أحمد تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول: "رآه بفؤاده"".

ص: 325

وقال ابن كثير: "وممن أطلق الرؤية أبو هريرة وأحمد بن حنبل رضي الله عنهما".

2 -

قول ابن خزيمة (311هـ)

الإمام ابن خزيمة نصر في كتابه التوحيد القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة

المعراج، وأطال في سرد الحجج على ذلك.

ولكن ابن كثير رحمه الله نسب إليه بأنه يقول بالرؤية البصرية كما سيأتي ذكر قوله.

3 -

قول الإمام الآجري (360 هـ)

بوب الإمام الآجري في كتابه الشريعة باباً بعنوان "باب ذكر ما خصَّ الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم من الرؤية لربه عز وجل".

ثم ساق مجموعة من الأحاديث والأثار التي تدل على أنه ينصر القول بأنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه عز وجل ليلة المعراج.

4 -

قول الألوسي

قال الألوسي في تفسيره: "وأنا أقول برؤيته صلى الله عليه وسلم ربَّه سبحانه وبدنوه على الوجه اللائق".

ونسبه إلى معظم الصوفية فقال: "ومعظم الصوفية على هذا، فيقولون بدنو الله عز وجل من النبي صلى الله عليه وسلم، ودنوه - سبحانه - على الوجه اللائق، وكذا يقولون بالرؤية كذلك".

القول الثاني: من قيد الرؤية بالعين

نسب القول بتقييد الرؤية بالعين إلى بعض العلماء، ومن بينهم بعض الصحابة والتابعين، وفي نسبة ذلك إلى بعضهم نظر، وممن نسب لهم القول بذلك: ابن عباس، وأنس بن مالك، والحسن البصري، وعكرمة، ورواية عن الإمام أحمد، وابن خزيمة، وابن جرير، وأبو الحسن الأشعري وعامة أتباعه، وأبو عبد الله بن حامد وأبو بكر النجاد والقاضي أبو يعلى، وعبد القادر الجيلاني، وجماعة من المتأخرين.

فقد نسب البغوي هذا القول إلى ابن عباس فقال في تفسيره: "وعن ابن عباس أنه قال رأى ربه بعينه".

وقد سبق الرد على ذلك عند عرض أقوال الصحابة، وأن هذا التقييد بالعين لم يثبت عن ابن عباس.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين".

ص: 326

وقال البغوي أيضًا:"وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه وهو قول أنس والحسن وعكرمة".

وبالنسبة لما نسبه البغوي إلى أنس وعكرمة من تقييد الرؤية بالعين فإن الروايات السابق ذكرها عنهما جاءت مطلقة، وكذا ما أوردناه عن الحسن البصري فإن الرواية جاءت مطلقة، وقد سبق كذلك الإشارة إلى ما ورد في تفسير البغوي عن الحسن البصري أنه قال:"رآه بعينه"ولكن البغوي لم يسندها فلا يعدل عن الرواية التي سبق إيرادها عن الحسن من إطلاق الرؤية وعدم تقييدها بالعين، والله أعلم.

قال ابن كثير: "وقول البغوي في تفسيره: وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه وهو قول أنس والحسن وعكرمة، فيه نظر والله أعلم".

وقال ابن كثير: "ورأى، أي: النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل ببصره على قول بعضهم، وهو اختيار الإمام أبي بكر بن خزيمة من أهل الحديث، وتبعه في ذلك جماعة من المتأخرين".

وقال أيضًا: "وصرح بعضهم بالرؤية بالعينين، واختاره ابن جرير، وبالغ فيه، وتبعه على ذلك آخرون من المتأخرين، وممن نص على الرؤية بعيني رأسه الشيخ أبو الحسن الأشعري فيما نقله السهيلي عنه، واختاره الشيخ أبو زكريا النووي في فتاويه".

وحمل القاضي أبو يعلى في كتابه الروايتين والوجهين وفي إبطال

التأويلات الرواية التي عن الإمام أحمد بأنها نص على الرؤية بالعين، فقال في كتاب الروايتين:"فظاهر هذا أنه أثبت رؤيا عين"وقال في إبطال التأويلات: "والرواية الأولى أصح، وأنه رآه في تلك الليلة بعينيه".

وقد اعترض شيخ الإسلام على هذا التوجيه من القاضي فقال: "وكذلك الإمام أحمد تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول: "رآه بفؤاده"، ولم يقل أحد: أنه سمع أحمد يقول رآه بعينه، لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق، ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين.

ص: 327

وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل، كما في صحيح مسلم عن أبي ذر قال:"سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك: فقال: "نور أنى آراه"".

وقال فيما نقله عنه تلميذه ابن القيم: "قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه-: وليس قول ابن عباس إنه رآه مناقضا لهذا ولا قوله رآه بفؤاده وقد صح عنه أنه قال: "رأيت ربي تبارك وتعالى" ولكن لم يكن هذا في الإسراء ولكن كان في المدينة لما احتبس عنهم في صلاة الصبح ثم أخبرهم عن رؤية ربه تبارك وتعالى تلك الليلة في منامه، وعلى هذا بنى الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- وقال: نعم رآه حقا فإن رؤيا الأنبياء حق ولابد، ولكن لم يقل أحمد -رحمه الله تعالى- إنه رآه بعيني رأسه يقظة، ومن حكى عنه ذلك فقد وهم عليه، ولكن قال: مرة رآه، ومرة قال: رآه بفؤاده، فحكيت عنه روايتان، وحكيت عنه الثالثة من تصرف بعض أصحابه أنه رآه بعيني رأسه، وهذه نصوص أحمد موجودة ليس فيها ذلك".

ص: 328

وكذلك اعترض ابن القيم على توجيه القاضي أبي يعلى -أيضا- فقال: "وقد جعلها القاضي مختلفة، وجعل المسألة على ثلاث روايات، ثم احتج للرواية الأولى بحديث أم الطفيل، وحديث عبد الرحمن بن عائش الحضرمي ولا دلالة فيهما، لأنها رؤية منام فقط، واحتج لها بما لا يرضى أحمد أن يحتج به، وهو حديث لا يصح عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعا: "لما كانت ليلة أسري بي رأيت ربي في أحسن صورة، فقال: فيما يختصم الملأ الأعلى؟ " (1) وذكر الحديث وهذا غلط قطعًا فإنما القصة كانت بالمدينة، كما قال معاذ بن جبل: "احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح حتى كدنا نترآى عين الشمس، ثم خرج وصلى بنا ثم قال:"رأيت ربي البارحة في أحسن صورة فقال: يا محمد: فيما يختصم الملأ الأعلى؟ " وذكر الحديث فهذا كان بالمدينة والإسراء بمكة وليس عن الإمام أحمد، ولا عن النبي صلى الله عليه وسلم نص أنه رآه بعينه يقظة، وإنما حمل القاضي كلام أحمد ما لا يحتمله، واحتج لما فهم منه بما لا يدل عليه، وكلام أحمد يصدق بعضه بعضا، والمسألة رواية واحدة عنه فإنه لم يقل بعينه، وإنما قال: رآه. واتبع في ذلك قول ابن عباس: رأى محمد ربه. ولفظ الحديث "رأيت ربي" وهو مطلق وقد جاء بيانه في الحديث الآخر.

(1) سيأتي تخريجه.

ص: 329

ولكن في رد الإمام أحمد قول عائشة ومعارضته بقول النبي صلى الله عليه وسلم إشعار بأنه أثبت الرؤية التي أنكرتها عائشة، وهي لم تنكر رؤية المنام، ولم تقل من زعم أن محمدًا رأى ربه في المنام فقد أعظم على الله الفرية، وهذا يدل على أحد أمرين: إما أن يكون الإمام أحمد أنكر قول من أطلق نفي الرؤية؛ إذ هو مخالفة للحديث وإما أن يكون رواية عنه بإثبات الرؤية، وقد صرح بأنه رآه رؤيا حلم بقلبه، وهذا تقييد منه للرؤية، وأطلق عنه بأنه رآه، وأنكر قول من نفى مطلق الرؤية، واستحسن قول من قال رآه ولا يقول بعينه ولا بقلبه. وهذه النصوص عنه متفقة لا مختلفة وكيف يقول أحمد:"بعيني رأسه يقظة"ولم يجد ذلك في حديث قط، فأحمد إنما اتبع ألفاظ الحديث كما جاءت، وإنكاره قول من قال: لم يره أصلا لا يدل على إثبات رؤية اليقظة بعينه والله أعلم)) .

قول الأشعري (324هـ) وعامة أتباعه:

ممن نسب هذا القول إلى أبي الحسن الأشعري وأكثر أتباعه القاضي عياض، والقرطبي في تفسيره، والنووي وابن كثير وابن حجر.

قال القاضي عياض: "وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري رضي الله عنه وجماعة من أصحابه: أنه رأى الله -تعالى- ببصره وعيني رأسه، وقال: كلُّ آية أوتيها نبيٌّ من الأنبياء عليهم السلام فقد أوتي مثلها نبيُّنا، وخُصَّ من بينهم بتفضيل الرُّؤية".

وهذا ما ذكره شارح جوهرة التوحيد -وهو من الأشاعرة- في شرحه فقال: "والراجح عند أكثر العلماء أنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه سبحانه وتعالى بعيني رأسه وهما في محلهما، خلافا لمن قال: حولا إلى قلبه لحديث ابن عباس وغيره".

قول أبي بكر النجاد أحمد بن سليمان (348 هـ)

ص: 330

حكى القاضي أبو علي بن أبي موسى عن أبي بكر النجاد قال: "رآى محمد ربه إحدى عشرة مرة، منها بالسنة تسع مرات في ليلة المعراج، حين كان يتردد بين موسى وبين الله عز وجل يسأل أن يخفف عن أمته الصلاة فنقص خمسة وأربعين صلاة في تسع مقامات ومرتين بالكتاب"(1) .

قول أبي عبد الله الحسن بن حامد (403 هـ)

نقل أبو يعلى في كتابه الروايتين والوجهين أن اختيار شيخه أبي عبد الله ابن حامد أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة الإسراء بعينه.

وقال القاضي أبو يعلى -بعد أن أورد الرواية الأولى عن الإمام أحمد- بأنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج بعينه، وجعلها هي الصحيحة قال:"وهذه الرواية اختيار أبي بكر النجاد".

قول القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء (458 هـ)

رجح القول بالرؤية البصرية فقال -في معرض ذكره للروايات الواردة عن الإمام أحمد-: "والرواية الأولى أصح، وأنه رآه في تلك الليلة بعينه".

وقال: "وما رويناه عن ابن عباس أولى مما روي عن عائشة؛ لأن قول ابن عباس يطابق قول النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت رؤيته في تلك الليلة؛ ولأنه مثبت والمثبت مقدم على النافي، ولا يجوز أن يثبت ابن عباس ذلك إلا عن توقيف؛ إذ لا مجال للقياس في ذلك".

قول عبد القادر الجيلاني (471 هـ)

وهذا القول قال به أيضًا - عبد القادر - الجيلاني في كتابه الغنية، حيث قال:"ونؤمن بأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه عز وجل ليلة الإسراء بعيني رأسه لا بفؤاده ولا في المنام".

قول النووي (676 هـ)

(1) إبطال التأويلات 1/114

ص: 331

قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم: "فالحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعيني رأسه ليلة الإسراء لحديث ابن عباس وغيره مما تقدم، وإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا مما لا ينبغي أن يتشكك فيه ثم عائشة رضي الله عنها لم تنف الرؤية بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان معها فيه حديث لذكرته، وإنما اعتمدت الاستنباط من الآيات".

قول الحافظ مغلطاي (762 هـ)

قال رحمه الله: "والصحيح أن الإسراء كان يقظة بجسده، وأنه مرات متعددة، وأنه رأى ربه عز وجل بعيني رأسه صلى الله عليه وعلى آله

وصحبه وسلم".

قول السيوطي (911 هـ)

قال السيوطي في الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج: "الراجح عند أكثر العلماء أنه صلى الله عليه وسلم رأى ربَّه بعيني رأسه ليلة الإسراء لحديث ابن عباس وغيره، وإثبات هذا لا يكون إلا بالسماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تعتمد عائشة في نفي الرؤية على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما اعتمدت على الاستنباط من الآيات".

قول القسطلاني (923 هـ)

قال رحمه الله: "

ثم عرج به من المسجد الأقصى إلى فوق سبع سموات ورأى ربه بعيني رأسه وأوحى إليه ما أوحى".

قول محمد بن أحمد الصاوي (1241 هـ)

قال في حاشيته على تفسير الجلالين: "...... واختلف في تلك الرؤية، فقيل: رآه بعينه حقيقة، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين منهم ابن عباس، وأنس ابن مالك، والحسن، وغيرهم،

وقيل: لم يره بعينه وهو قول عائشة رضي الله عنها، والصحيح الأول؛ لأن المثبت مقدم على النافي؛ أو لأن عائشة لم يبلغها حديث الرؤية لكونها كانت حديثة السن ".

القول الثالث: من قيدها بالرؤية القلبية

قول الإمام أحمد (241هـ)

ص: 332

ذكر أبو يعلى في الروايتين والوجهين أن للإمام أحمد رواية أخرى أثبت فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بقلبه كما جاء ذلك في بعض الروايات عن ابن عباس.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية "وكذلك الإمام أحمد تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول: "رآه بفؤاده"".

قول القرطبي المفسر. (671 هـ)

قال في تفسير قوله تعالى {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} : "أي لم يكذب قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، وذلك أن الله – تعالى - جعل بصره في فؤاده حتى رأى ربه تعالى وجعل الله تلك رؤية".

قول أبي المظفر السمعاني (489هـ)

قال أبو المظفر السمعاني في تفسيره: "وقد ثبت عن ابن عباس أنه قال رأى محمد ربه بفؤاده فإن قال قائل: المؤمنون يرونه بفؤادهم، وليس ذلك إلا العلم به فما معنى تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم؟.

والجواب أنهم قالوا: إن الله – تعالى - خلق رؤية لفؤاده فرأى بفؤاده مثل ما يرى الإنسان بعينه".

قول شيخ الإسلام ابن تيمية (728هـ)

قال رحمه الله في مجموع الفتاوى: "وأما الرؤية، فالذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: "رأى محمد ربه بفؤاده مرتين"وعائشة أنكرت الرؤية. فمن الناس من جمع بينهما فقال: عائشة أنكرت رؤية العين وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد. والألفاظ الثابثة عن ابن عباس هي مطلقة، أو مقيدة بالفؤاد، تارة يقول: "رأى محمد ربه"، وتارة يقول: "رآه محمد"، ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح أنه رآه بعينه

وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل، كما في صحيح مسلم عن أبي ذر قال:"سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ فقال: "نور أنى آراه"".

ص: 333

وقد قال تعالى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} [الإسراء 1] ، ولو كان قد أراه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك أولى.

وكذلك قوله {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} [النجم 12] ، {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم 18] ، ولو كان رآه بعينه لكان ذكر ذلك أولى.

وفي الصحيحين عن ابن عباس: في قوله {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ} [الإسراء 60]، قال:"هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به"، وهذه رؤيا الآيات لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج، فكان ذلك فتنة لهم، حيث صدقه قوم وكذبه قوم، ولم يخبرهم أنه رأى ربه بعينه، وليس في شئ من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ما دونه".

قال ابن القيم رحمه الله: "قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه-: وليس قول ابن عباس: إنه رآه مناقضا لهذا، ولا قوله رآه بفؤاده، وقد صح عنه أنه قال: "رأيت ربي تبارك وتعالى" ولكن لم يكن هذا في الإسراء ولكن كان في المدينة لما احتبس عنهم في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤية ربه تبارك وتعالى تلك الليلة في منامه، وعلى هذا بنى الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - وقال: نعم رآه حقا، فإن رؤيا الأنبياء حق ولابد، ولكن لم يقل أحمد - رحمه الله تعالى -: إنه رآه بعيني رأسه يقظة. ومن حكى عنه ذلك فقد وهم عليه، ولكن قال: مرة رآه، ومرة قال: رآه بفؤاده، فحكيت عنه روايتان، وحكيت عنه الثالثة من تصرف بعض أصحابه أنه رآه بعيني رأسه. وهذه نصوص أحمد موجودة ليس فيها ذلك.

ص: 334

وأما قول ابن عباس: أنه رآه بفؤاده مرتين، فإن كان استناده إلى قوله - تعالى - {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} ثم قال {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} والظاهر أنه مستنده فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أن هذا المرئي جبريل رآه مرتين في صورته التي خلق عليها، وقول ابن عباس هو مستند الإمام أحمد في قوله رآه بفؤاده والله أعلم".

قول ابن كثير (704 هـ)

قال ابن كثير بعد ذكر الروايات عن ابن عباس أنه رآه بفؤاده مرتين:

".... وقد خالفه ابن مسعود، وفي رواية عنه أنه أطلق الرؤية، وهي محمولة على المقيدة بالفؤاد، ومن روى عنه بالبصر فقد أغرب، فإنه لا يصح في ذلك شئ عن الصحابة رضي الله عنهم وقول البغوي في تفسيره: وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه، وهو قول أنس والحسن وعكرمة، فيه نظر والله أعلم".

وقال رحمه الله في البداية والنهاية:

"واختلفوا في الرؤية فقال بعضهم: رآه بفؤاده مرتين، قاله ابن عباس

وطائفة، وأطلق ابن عباس وغيره الرؤية وهو محمول على التقييد. وممن أطلق الرؤية أبو هريرة وأحمد بن حنبل رضي الله عنهما. وصرح بعضهم بالرؤية بالعينين، واختاره ابن جرير وبالغ فيه، وتبعه على ذلك آخرون من المتأخرين. وممن نص على الرؤية بعيني رأسه الشيخ أبو الحسن الأشعري فيما نقله السهيلي عنه، واختاره الشيخ أبو زكريا النووي في فتاويه. وقالت طائفة: لم يقع ذلك لحديث أبي ذر

وقالوا: لم يمكن رؤية الباقي بالعين الفانية

والخلاف في هذه المسألة مشهور بين السلف والخلف والله أعلم".

ص: 335

وقال رحمه الله في الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم: "ورأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل ببصره على قول بعضهم، وهو اختيار الإمام أبي بكر بن خزيمة من أهل الحديث، وتبعه على ذلك جماعة من المتأخرين. وروى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه رآه بفؤاده مرتين، وأنكرت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها رؤية البصر، وروى مسلم عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله رأيت ربك فقال: "نور أنى أراه" وإلى هذا مال جماعة من الأئمة قديما وحديثا اعتمادًا على هذا الحديث، واتباعًا لقول عائشة رضي الله عنها قالوا: هذا مشهور عنها، ولم يعرف لها مخالف من الصحابة إلا ما روي عن ابن عباس أنه رآه بفؤاده، ونحن نقول به، وما روي في ذلك من إثبات الرؤية بالبصر فلا يصح شيء من ذلك لا مرفوعا بل ولا موقوفا والله أعلم".

قول ابن أبي العز (792 هـ)

قال ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: "واتفقت الأمة على أنه لا يراه أحد في الدنيا بعينه، ولم يتنازعوا في ذلك إلا في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، منهم من نفى رؤيته بالعين، ومنهم من أثبتها له صلى الله عليه وسلم".

وقال في موضع آخر: "

وقد تقدم ذكر اختلاف الصحابة في رؤيته صلى الله عليه وسلم ربَّه عز وجل بعين رأسه، وأن الصحيح أنه رآه بقلبه، ولم يره بعين رأسه. وقوله {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم 11] ، {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم 13] صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا المرئي جبريل رآه مرتين على صورته التي خلق عليها".

قول ابن حجر (852 هـ)

ص: 336

قال رحمه الله: "جاءت عن ابن عباس أخبار مطلقة، وأخرى مقيدة فيجب حمل مطلقها على مقيدها

وعلى هذا فيمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة بأن يحمل نفيها على رؤية البصر، وإثباته على رؤية القلب، ثم المراد برؤية الفؤاد رؤية القلب، لا مجرد حصول العلم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان عالما بالله على الدوام، بل مراد من أثبت له أنه رآه بقلبه أن الرؤية التي حصلت له خلقت في قلبه، كما يخلق الرؤية بالعين لغيره، والرؤية لا يشترط لها شيء مخصوص عقلا، ولو جرت العادة خلقها في العين".

قول السفاريني (1118هـ)

قال رحمه الله في لوامع الأنوار:

"

وإذاعلم ما حررناه فيمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة رضي الله عنهم بأن يحمل نفيها على رؤية البصر، وإثباته على رؤية القلب كما قاله الحافظ ابن حجر في شرح البخاري" (1) .

قول محمد الأمين الشنقيطي (1393 هـ)

الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله ممن يرجح الرؤية القلبية فقد قال رحمه الله: "التحقيق الذي دلت عليه نصوص الشرع أنه صلى الله عليه وسلم لم يره بعين رأسه، وما جاء عن بعض السلف من أنه رآه، فالمراد به الرؤية بالقلب، كما في صحيح مسلم أنه رآه بفؤاده مرتين، لا بعين الرأس".

القول الرابع: من قال رآه مرة بفؤاده ومرة بعينه.

وبه قال قوام السنة أبو القاسم الأصبهاني، وأنور شاه الكشميري.

1 -

قول أبي القاسم الأضبهاني (535 هـ)

قال قوام السنة أبو القاسم الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة: "ومن مذهب أهل السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج، وكان رؤيا يقظة لا رؤيا منام.

وروي عن أحمد بن حنبل رحمه الله قال: رآه بعين رأسه، وروي عنه أنه رآه بعين قلبه، والصحيح أنه رآه بعين رأسه، وعين قلبه.

(1) لوامع الأنوار البهية 2/254-255.وقد بحث مسألة الرؤية من 2/250 إلى 2/256.

ص: 337

قيل في التفسير {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} رآه في المرة الأولى بعيني قلبه، وفي المرة الأخرى بعيني رأسه".

2 -

قول أنور شاه الكشميري

قال أنور شاه الكشميري - فيما نقله عنه صاحب فتح الملهم -:

"إن الراجح في آية النجم أن الرؤية في قوله تعالى {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} أن الرؤية هنا للفؤاد، والرؤية في قوله تعالى {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} أن الرؤية هنا بالعين.

وقال: وعن ابن عباس أنه كان يقول أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ربَّه مرتين، مرة ببصره ومرة بفؤاده، رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح، خلا جهور بن منصور الكوفي وجهور بن منصور ذكره ابن حبان في الثقات كذا في الزوائد".

القول الخامس: من نفى الرؤية مطلقا

وقال بهذا القول: الدارمي، وابن عطية، وأبو حيان.

قول الإمام الدارمي (280 هـ)

قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي - في رده على بشر الريسي -:"ويلك، إن تأويل هذا الحديث على غير ما ذهبت إليه لما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث أبي ذر: إنه لم ير ربه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لن تروا ربكم حتى تموتوا" وقالت عائشة رضي الله عنها: "من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية"وأجمع المسلمون على ذلك مع قول الله {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} يعنون أبصار أهل الدنيا، وإنما هذه الرؤية كانت في المنام، وفي المنام يمكن رؤية الله على كل حال، وفي كل صورة".

قول ابن عطية (546 هـ)

ذهب ابن عطية في تفسيره إلى ترجيح مذهب عائشة رضي الله عنها ومن معها في أنه صلى الله عليه وسلم لم ير ربَّه، ونسبه إلى الجمهور.

قول أبي حيان الأندلسي (756 هـ)

كما ذهب أبو حيان إلى ترجيح مذهب عائشة ومن معها.

القول السادس: من توقف في المسألة.

قول القاضي عياض (544 هـ)

قال القاضي عياض: "ووقف بعض مشايخنا في هذا، وقال: ليس عليه دليل واضح، ولكنه جائز أن يكون.

ص: 338

قال القاضي أبو الفضل: الحق الذي لاامتراء فيه أن رؤيته تعالى في الدنيا جائزة عقلاً، وليس في العقل ما يحيلها".

وقال أيضا: "وأما وجوبه لنبينا صلى الله عليه وسلم والقول بأنه رآه بعينه، فليس فيه قاطع أيضا، ولا نص، إذ المعول فيه على آية النجم والتنازع فيهما مأثور والاحتمال لهما ممكن ولا أثر قاطع متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.

وحديث ابن عباس خبر عن اعتقاده لم يسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيجب العلم باعتقاد مضمنه.

ومثله حديث أبي ذر في تفسير الآية، وحديث معاذ محتمل للتأويل، وهو مضطرب الإسناد والمتن.

وحديث أبي ذر الآخر محتمل مشكل فروي: "نور أنى أراه" وحكى بعض شيوخنا أنه روي: "نَورَاني أراه".

وفي حديثه الآخر: سألته فقال: "رأيت نورا" وليس ممكن الاحتجاج بواحد منها على صحة الرؤية فإن كان الصحيح رأيت نورا فهو قد أخبر أنه لم ير الله، وإنما رأى نورا منعه وحجبه عن رؤية الله.

وإلى هذا يرجع قوله: "نور أنى أراه" أي كيف أراه مع حجاب النور المغشي للبصر، وهذا مثل ما في الحديث الآخر:"حجابه النور" وفي الحديث الآخر: "لم أره بعيني ولكن رأيته بقلبي مرتين" وتلا {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} والله قادر على خلق الإدراك الذي في البصر في القلب، أو كيف شاء لا إله غيره.

فإن ورد حديث نص بين في الباب وجب المصير إليه، إذ لا استحالة فيه، ولا مانع قطعي يرده والله الموفق".

قول أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي (656هـ)

قال رحمه الله: "وذهبت طائفة من المشايخ إلى الوقف، وقالوا: ليس عليه قاطع نفيًا ولا إثباتًا، ولكنه جائز عقلاً وهذا هو الصحيح".

ص: 339

وقال في موضع آخر: "

ثم هل وقعت رؤية الله -تعالى- لمحمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء أو لم تقع؟ ليس في ذلك دليل قاطع، وغاية ما للمستدل على نفي ذلك أو إثباته التمسك بظواهر متعارضة معرّضة للتأويل، والمسألة ليست من باب العمليات فيكتفى فيها بالظنون، وإنما هي من باب المعتقدات ولا مدخل للظنون فيها".

قول الذهبي (748 هـ)

قال رحمه الله: "والذي دلَّ عليه الدليل عدم الرؤية مع إمكانها، فنقف عن هذه المسألة، فإن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، فإثبات ذلك أو نفيه صعب، والوقوف سبيل السلامة والله أعلم، ولا نعنف من أثبت الرؤية لنبينا في الدنيا، ولا من نفاها، بل نقول الله ورسوله أعلم، بل نعنف ونبدع من أنكر الرؤية في الآخرة؛ إذ رؤية الله في الآخرة ثبتت بنصوص متوافرة.. ".

ولكن ورد في كتابه العرش ما يناقض ذلك حيث صرح بإثبات الرؤية فقال: "وأكثر الصحابة على أنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه....قلت: لأنه رآه في عالم البقاء حين خرج من عالم الفناء، وارتقى فوق السموات السبع فهذا الحديث أيضًا دال على أنه سبحانه وتعالى فوق السموات وفوق جميع المخلوقات، ولولا ذلك لكان معراج النبي صلى الله عليه وسلم إلى فوق السماء السابعة إلى السدرة المنتهى، ودنو الجبار منه، وتدليه سبحانه وتعالى بلا كيف حتى كان من النبي صلى الله عليه وسلم قاب قوسين أو أدنى، وأنه رآه تلك الليلة، وأن جبريل علا به حتى أتى به إلى الله تعالى".

ص: 340

تابع لرؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه

المطلب الرابع: وقفات في مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة المعراج.

بعد استعرض الأقوال الواردة في المسألة يمكن استخلاص الوقفات التالية:

الوقفة الأولى: بالنظر إلى الآيات القرآنية التي استدل بها كل فريق فإنها لا تدل دلالة صريحة على إثبات الرؤية ولاعلى نفيها.

فنفاة الرؤية استدلوا بقوله تعالى {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَار} وقوله تعالى {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} فعائشة رضي الله عنها استدلت بهاتين الآيتين فقالت: "من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله، والله يقول {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} والله يقول {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} ". وقد أجاب ابن عباس على الاستدلال بقوله {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} لما سئل عنها بقوله: "ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره".

قال ابن خزيمة: "لم تحك عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خبرها أنه لم ير ربه عز وجل، وإنما تلت قوله عز وجل {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} وقوله {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَاّ وَحْياً....} تدبر الآيتين ووفق لإدراك الصواب علم أنه ليس في واحدة من الآيتين ما يستحق من قال: أن محمدًا رأى ربه الرمي بالفرية على الله كيف بأن يقول "قد أعظم الفرية على الله؟ "".

لأن قوله {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} قد يحتمل معنين على مذهب من يثبت رؤية النبي صلى الله عليه وسلم خالقه عز وجل، قد يحتمل بأن يكون معنى قوله {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} على ما قال ترجمان القرآن لمولاه عكرمة: ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء.

ص: 341

والمعنى الثاني، أي: لا تدركه الأبصار أبصار الناس لأن الأعم والأظهر من لغة العرب أن الأبصار إنما يقع على أبصار جماعة، لا أحسب عربيا يجيء من طريق اللغة يقول لبصر امرئ واحد أبصار، وإنما يقال لبصر امرئ واحد بصر، ولا سمعنا عربيا يقول لعين امرئ واحد بصرين فكيف أبصار.

ولو قلنا: إن الأبصار ترى ربنا في الدنيا لكنا قد قلنا الباطل والبهتان، فأما من قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى ربه دون سائر الخلق فلم يقل: إن الأبصار قد رأت ربها في الدنيا فكيف يكون يا ذوي الحجى من يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى ربه دون سائر الخلق مثبتا أن الأبصار قد رأت ربها فتفهموا يا ذوي الحجى هذه النكتة تعلموا أن ابن عباس رضي الله عنهما وأبو ذر وأنس بن مالك ومن وافقهم لم يعظموا الفرية على الله، ولا خالفوا حرفا من كتاب الله في هذه المسألة.

فأما ذكرها {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ .....} فلم يقل أبو ذر وابن عباس رضي الله عنهما وأنس بن مالك ولا واحد منهم ولا أحد ممن يثبت رؤية النبي صلى الله عليه وسلم خالقه عز وجل أن الله كلمه في ذلك الوقت الذي كان يرى ربه فيه، فيلزم أن يقال: قد خالفتم هذه الآية. ومن قال إن النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى ربه لم يخالف قوله تعالى {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ ....} وإنما يكون مخالفا لهذه الآية من يقول رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه فكلمه الله في ذلك الوقت".

وأما الآيات التي استدل بها على إثبات الرؤية فهي:

قوله تعالى: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} [النجم 11-14] .

وقوله تعالى {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم 18] .

ص: 342

فهذه الآيات كما ذكر أهل العلم لاتدل دلالة صريحة على إثبات رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه وإليك أقوالهم:

قال الإمام ابن خزيمة عن الاستدلال بقوله تعالى {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} : "وليس هذا التأويل الذي تأولوه لهذه الآية بالبيِّن، وفيه نظر؛ لأن الله إنما أخبر في هذه الآية أنه رأى من أيات ربه الكبرى. ولم يُعلم الله في هذه الآية أنه رأى ربه - جل وعلا - وآيات ربنا ليس هو ربنا - جل وعلا - فتفهموا لا تغالطوا في تأويل هذه الآية".

قال القاضي عياض: "وأما وجوبه لنبينا صلى الله عليه وسلم والقول: إنه رآه بعينه، فليس فيه قاطع أيضًا ولا نص، إذ المعول على آية النجم والتنازع فيهما مأثور والاحتمال لهما ممكن".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك".

وقال أيضًا: "وقد قال تعالى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} [الإسراء 1] ، ولو كان قد أراه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك أولى.

وكذلك قوله: {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} [النجم 12] ، {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم 18] ، ولو كان رآه بعينه لكان ذكر ذلك أولى.

وفي الصحيحين عن ابن عباس في قوله {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ} [الإسراء 60]، قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، وهذه رؤيا الآيات لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج، فكان ذلك فتنة لهم، حيث صدقه قوم وكذبه قوم، ولم يخبرهم أنه رأى ربه بعينه، وليس في شئ من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ما دونه".

ص: 343

وقال ابن القيم "وأما قول ابن عباس أنه رآه بفؤاده مرتين، فإن كان استناده إلى قوله تعالى {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} ثم قال {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} والظاهر أنه مستنده، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أن هذا المرئي جبريل رآه مرتين في صورته التي خلق عليها ".

وقال أيضًا: "والمقصود أن المخبر عنه بالرؤية في سورة النجم هو جبريل، وأما قول ابن عباس: "رأى محمد ربه بفؤاده مرتين"فالظاهر أن مستنده هذه الآية، وقد تبين أن المرئي فيها جبريل فلا دلالة فيها على ما قاله ابن عباس".

وقال شارح الطحاوية: "وقوله {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم 11] ، {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم 13] صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا المرئي جبريل رآه مرتين على صورته التي خلق عليها".

وقال ابن كثير: "وهذا الذي قلناه من أن هذا المقترب الداني صار بينه وبين محمد صلى الله عليه وسلم إنما هو جبريل عليه السلام هو قول أم المؤمنين عائشة، وابن مسعود، وأبي ذر، وأبي هريرة، كما سنورد أحاديثهم قريبًا إن شاء الله.

وروى مسلم في صحيحه عن ابن عباس أنه قال: "رأى محمد ربه بفؤاده مرتين"، فجعل هذه إحداهم ا. وجاء في حديث شريك بن أبي نمر عن أنس في حديث الإسراء "ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى"، ولهذا تكلم كثير من الناس في متن هذه الرواية، وذكروا أشياء فيها من الغرابة، فإن صح فهو محمول على وقت آخر، وقصة أخرى، لا أنها تفسير لهذه الآية، فإن هذه كانت ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض لا ليلة الإسراء، ولهذا قال بعده {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} ، فهذه هي ليلة الإسراء، والأولى كانت في الأرض".

الوقفة الثانية: وبالنسبة للسنة ليس هناك دليل صريح قاطع -أيضًا- لأحد الفريقين.

قال ابن خزيمة: "لم تحك عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخبرها أنه لم ير ربه عز وجل".

ص: 344

قال القاضي عياض: "ولا أثر قاطع متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولم ترو عائشة رضي الله عنها في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا، ولا سألته عن ذلك. ولا نُقل في ذلك عن الصديق رضي الله عنه، كما يروونه ناس من الجهال: "أن أباها سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: نعم، وقال لعائشة: لا" فهذا الحديث كذب باتفاق العلماء".

قال النووي: "ثم عائشة رضي الله عنها لم تنف الرؤية بحديث عن رسول صلى الله عليه وسلم ولو كان معها حديث لذكرته، وإنما اعتمدت الاستنباط من الآيات".

وقال السيوطي: "ولم تعتمد عائشة في نفي الرؤية على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما اعتمدت الاستنباط من الآيات".

ومع كون الأدلة من السنة لا تنص على نفي الرؤية مطلقًا إلا أنها تنفي الرؤية البصرية.

قال ابن أبي العز: "لكن لم يرد نص بأنه صلى الله عليه وسلم رأى ربَّه بعين رأسه، بل ورد ما يدل على نفي الرؤية، وهو ما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ فقال: "نور أنى أراه" وفي رواية "رأيت نوراً"، وقد روى مسلم – أيضًا - عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، فقال: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور - وفي رواية - النار، لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"، فيكون - والله أعلم - معنى قوله لأبي ذر: "رأيت نوراً" أنه رأى الحجاب، أي: فكيف أراه والنور حجاب بيني وبينه يمنعني من رؤيته، فهذا صريح في نفي الرؤية والله أعلم.

وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على ذلك".

الوقفة الثالثة: إن قول ابن عباس لا يمكن أن يقال من قبيل الاجتهاد.

ص: 345

قال ابن خزيمة: "..فقد ثبت عن ابن عباس إثباته أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى ربه وبيقين يعلم كل عالم أن هذا من الجنس الذي لا يدرك بالعقول والأراء والجنان والظنون، ولا يدرك مثل هذا العلم إلا من طريق النبوة إما بكتاب أو بقول نبي مصطفى، ولا أظن أحدا من أهل العلم يتوهم أن ابن عباس قال رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه برأي وظن، لا ولا أبو ذر، لا ولا أنس بن مالك، نقول كما قال معمر بن راشد لما ذكر اختلاف عائشة رضي الله عنها وابن عباس رضي الله عنهما في هذه المسألة: "ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس"نقول عائشة الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله عالمة فقيهة كذلك ابن عباس رضي الله عنهما ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم له أن يرزق الحكمة والعلم وهذا المعنى من الدعاء وهو المسمى بترجمان القرآن، ومن كان الفاروق رضي الله عنه يسأله عن بعض معاني القرآن فيقبل منه".

قال القاضي أبو يعلى: "وما رويناه عن ابن عباس أولى مما روي عن عائشة.... ولا يجوز أن يثبت ابن عباس ذلك إلا عن توقيف؛ إذ لا مجال للقياس في ذلك".

وقال النووي: "وإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا مما لا ينبغي أن يتشكك فيه".

وقال السيوطي: "وإثبات هذا لا يكون إلا بالسماع".

الوقفة الرابعة: المثبت مقدم على النافي.

مع عدم وجود النص القاطع من الكتاب أو السنة، ومع ثبوت الرواية عن ابن عباس وأن ذلك لا يمكن اعتباره من باب الاجتهاد منه، فإن بعض من رجح قول ابن عباس احتج لقوله: بأن ابن عباس مثبت، وعائشة تنفي، والقاعدة تقول في مثل هذا الحال: قول المثبت مقدم على قول النافي وممن احتج بذلك:

ص: 346

ابن خزيمة حيث قال: "وقال أبو ذر وابن عباس رضي الله عنهما قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه، وقد أعلمت في مواضع في كتبنا أن النفي لا يوجب علما، والإثبات هو الذي يوجب العلم".

وقال القاضي أبو يعلى: "وما رويناه عن ابن عباس أولى مما روي عن عائشة

لأنه مثبت والمثبت مقدم على النافي".

وقال البيجوري في شرحه على جوهرة التوحيد: "وقد نفت السيدة عائشة رضي الله عنها وقوعها له صلى الله عليه وسلم لكن قدم عليها ابن عباس؛ لأنه مثبت والقاعدة: أن المثبت مقدم على النافي".

قال الصاوي في حاشيته على تفسير الجلالين: "

واختلف في تلك الرؤية، فقيل رآه بعينه حقيقة، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين منهم ابن عباس، وأنس بن مالك، والحسن، وغيرهم

وقيل: لم يره بعينه، وهو قول عائشة رضي الله عنها، والصحيح الأول، لأن المثبت مقدم على النافي".

الوقفة الخامسة: الجمع مقدم في حال التعارض.

في حال وجود الخلاف فإن الجمع أولى من الترجيح في حال التعارض إذا كان ممكنًا، وهذا ما دعى بعض العلماء إلى حمل نفي عائشة على الرؤية البصرية، وإثبات ابن عباس على الرؤية القلبية، وبهذا يزول التعارض بين القولين. وممن أخذ بهذا الجمع شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وابن أبي العز، وابن كثير، وابن حجر، والسفاريني، والشنقيطي وغيرهم، وقد تقدم ذكر أقوالهم.

الوقفة السادسة: المقصود بالرؤية القلبية.

وضح القائلون بالرؤية القلبية المقصود بذلك، ومن أقوالهم في معنى الرؤية القلبية:

ما قاله القرطبي - صاحب التفسير - في تفسير قوله تعالى {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} : "أي: لم يكذب قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، وذلك أن - الله تعالى - جعل بصره في فؤاده حتى رأى - ربه تعالى - وجعل الله تلك رؤية".

ص: 347

وقال أبو العباس القرطبي رحمه الله في المفهم: "وقول ابن عباس: أنه عليه السلام رآه بفؤاده مرتين. الفؤاد القلب ولا يريد بالرؤية – هنا - العلم، فإنه عليه الصلاة والسلام كان عالماً بالله على الدوام، وإنما أراد أن الرؤية التي تخلق في العين خلقت للنبي صلى الله عليه وسلم في القلب، وهذا على ما يقوله أئمتنا: إن الرؤية لا يشترط لها محل مخصوص عقلاً، بل يجوز أن يخلق في أي محل كان، وإنما العادة جارية بخلقها في العين".

وقال أبو المظفر السمعاني في تفسيره: "وقد ثبت عن ابن عباس أنه قال: رأى محمد ربه بفؤاده، فإن قال قائل: المؤمنون يرونه بفؤادهم، وليس ذلك إلا العلم به فما معنى تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم.

والجواب أنهم قالوا: إن الله - تعالى - خلق رؤية لفؤاده فرأى بفؤاده مثل ما يرى الإنسان بعينه".

وقال ابن حجر رحمه الله: "ثم المراد برؤية الفؤاد رؤية القلب، لا مجرد حصول العلم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان عالما بالله على الدوام، بل مراد من أثبت له أنه رآه بقلبه أن الرؤية التي حصلت له خلقت في قلبه، كما يخلق الرؤية بالعين لغيره والرؤية لا يشترط لها شيء مخصوص عقلا ولو جرت العادة خلقها في العين".

ص: 348

تابع لرؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه

المبحث الثاني: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في المنام

المطلب الأول: الأحاديث الواردة في المسألة.

الاعتماد في هذه المسألة على بعض الأحاديث من بينها:

1-

الحديث الأول.

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: "احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة في صلاة الصبح، حتى كدنا نتراءى قرن الشمس، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا فثوّب بالصلاة، وصلى وتجوّز في صلاته فلما سلم قال: "كما أنتم على مصافكم، ثم أقبل إلينا فقال: إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمت من الليل فصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي حتى استثقلت (1) فإذا أنا بربي عز وجل في أحسن صورة. فقال: يا محمد أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ (2) . قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام. قال: سل. قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها حق فادرسوها وتعلموها".

هذا الحديث جاء عن جمع من الصحابة رضي الله عنهم من عدة طرق إليك تفصيلها:

الأول: عن عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعا..

(1) استثقلت، أي: نمت.

(2)

المراد بهم الملائكة.

ص: 349

أخرجه الإمام أحمد في المسند 5/243. والترمذي في السنن 5/368 كتاب التفسير باب ومن سورة (ص) رقم 3235 وقال: "هذا حديث حسن صحيح سألت محمد بن إسماعيل - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح".وابن خزيمة في التوحيد 2/540 رقم 320 وقال عن هذه الرواية: أنها "أشبه بالصواب". والحاكم في المستدرك 1/521. والطبراني في المعجم الكبير 20/109. والدارقطني في الرؤية ص 167 رقم 253 وص 170 رقم 259. وأورد هذا الحديث بمختلف طرقه في كتابه العلل (6/54-57 رقم 973) وتكلم عليها بكلام طويل ثم حكم عليها في نهاية كلامه بقوله: "ليس فيها صحيح، وكلها مضطربة". والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات 1/125. وابن عدي في الكامل 6/2344. والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص 55-56 رقم 74-75.

وحديث معاذ هذا صححه الإمام أحمد كما في الكامل لابن عدي 6/2344 وتهذيب التهذيب6/205.

الثاني: عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي مرفوعا.

أخرجه الدارمي في السنن 2/126 كتاب الرؤية باب في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم الرب تعالى في النوم. وابن خزيمة في التوحيد 2/534 رقم 318. وابن أبي عاصم في السنة 1/169 رقم 388 وفي 1/204 رقم 467-468 وقال الألباني: "حديث صحيح". والآجري في الشريعة 3/1549-1551 رقم 1041. والحاكم في المستدرك 1/520 وصححه ووافقه الذهبي. واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة 3/514 رقم 901-902 مختصرا. والدراقطني في الرؤية ص 170 رقم 260. والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص 57 رقم 77 وص 58 رقم 80-81. والبغوي في تفسيره 7/101 وفي شرح السنة 4/35-36 رقم 924. وابن الجوزي في العلل المتناهية 1/17. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 7/176-177 وقال رجاله ثقات.

وانظر الكلام حول أسانيد هذا الطريق في الميزان 2/571 والإصابة 2/405 وتهذيب التهذيب 6/204.

الثالث: عبد الرحمن بن عائش عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا.

ص: 350

أخرجه الإمام أحمد في المسند 5/378.وعبد الله بن أحمد في السنة 2/489 رقم 1121. وابن خزيمة في التوحيد 2/537.

الرابع: عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا.

أخرجه الترمذي في السنن 5/366 كتاب التفسير باب من سورة (ص) رقم 3234 وقال: "حسن غريب من هذا الوجه". وابن خزيمة في التوحيد 2/538 رقم 319. وابن أبي عاصم في السنة 1/204 رقم 469 وقال الألباني: "حديث صحيح". والآجري في الشريعة 3/1547-1549رقم 1039-1040. والدارقطني في الرؤية ص 175-176 رقم 268-269. كلهم من طريق أيوب عن أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج عن ابن عباس مرفوعا مطولا.

وجاء من طريق أيوب عن أبي قلابة، عن ابن عباس مرفوعا دون ذكر خالد بن اللجلاج.

أخرجه أحمد في المسند 1/368 وقال الشيخ أحمد شاكر - في تعليقه على المسند - 5/162: "إسناده صحيح". والترمذي في السنن 5/366 كتاب التفسير باب من سورة (ص) رقم 3233. وابن خزيمة في التوحيد 2/540 رقم 320. والدراقطني في الرؤية ص 176 رقم 271-273. وأبو بكر النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص 56 رقم 76. وابن الجوزي في العلل المتناهية 1/21.

وقال الترمذي بعد الحديث: "وقد ذكروا بين أبي قلابة وبين ابن عباس في هذا الحديث رجلا، وقد رواه قتادة عن أبي قلابة، عن خالد بن اللجلاج، عن ابن عباس".

الخامس: عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ص: 351

أخرجه ابن خزيمة في التوحيد 2/543. وابن أبي عاصم في السنة 1/204 رقم 470 وقال الألباني: "حديث صحيح بما تقدم له من الشواهد". والدارقطني في الرؤية ص 181 رقم 284-287. والبزار كما في كشف الأستار 3/13-14 رقم 2128. والبغوي في شرح السنة 4/38-39 رقم 925. وأبو بكر النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص 60 رقم 83. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 7/177-178 وقال: "رواه البزار من طريق أبي يحيى عن أبي أسماء الرحبي، وأبو يحيى لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات" وكذا قال الألباني في تخريج السنة 1/205: "أنه لا يعرف أبا يحي". وعرفه ابن خزيمة كما في التوحيد 2/543 فقال: "هو عندي سليمان أو سليم ابن عامر". وجزم بذلك البغوي في شرح السنة 4/39 فقال: "هو سليم بن عامر الخبارائي تابعي سمع أبا أمامة". وهو ثقة. انظر التقريب ص 404.

وفيه أبو يزيد الشامي لا يعرف بجرح ولا تعديل "التوحيد 2/544 وشرح السنة 4/39"وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 9/459 ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.

السادس: عن أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعا.

أخرجه ابن أبي عاصم في السنة 1/170 رقم 379 وفي 1/203 رقم 466 وقال الألباني: "حديث صحيح". والطبراني في الكبير 8/349 رقم 8117. والدارقطني في الرؤية ص 178-180 رقم 277-280. وأبو بكر النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص 58 رقم 78. وأورده السيوطي في الدر المنثور 5/597 ونسبه إلى ابن مردويه. وقال الهيثمي في المجمع 7/179: "رواه الطبراني، وفيه ليث بن أبي سليم، وهو حسن الحديث على ضعفه، وبقية رجاله ثقات". قال الحافظ في التقريب ص 817-818 عن ليث: "صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه فترك".

السابع: عن جابر بن سمرة رضي الله عنه مرفوعا.

أخرجه ابن أبي عاصم في السنة 1/203 رقم 465 وقال الألباني: "إسناده حسن". وأورده السيوطي في الدر المنثور 5/597 ونسبه إلى الطبراني في السنة وابن مردويه.

ص: 352

الثامن: عن ابن عمر رضي الله عنه مرفوعا.

أخرجه الدارقطني في الرؤية ص 180 رقم 283. والبزار كما في كشف الأستار 3/14-15 رقم 2129. وقال الهيثمي في المجمع 7/178: "رواه البزار وفيه سعيد بن سنان وهو ضعيف، وقد وثقه بعضهم، ولم يلتفت إليه في ذلك".

وانظر ترجمته في تهذيب الكمال 10/495 وقال عنه الحافظ في التقريب ص 381: "متروك".

التاسع: عن أبي رافع رضي الله عنه مرفوعا.

أخرجه الطبراني في الكبير 1/317 رقم 938. وقال الهيثمي في المجمع 1/237: "رواه الطبراني في الكبير، وفيه عبد الله بن إبراهيم بن الحسين عن أبيه لم أر من ترجمهما". وأورده المتقي الهندي في كنز العمال 1/227 رقم 1151.

العاشر: عن أبي هريرة مرفوعا.

أخرجه الدارقطني في الرؤية ص 182 رقم 288. والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص 59 رقم 82. واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد3/520 رقم 919. وابن الجوزي في العلل المتناهية 1/20. وأورده السيوطي في الدر المنثور 5/597 ونسبه إلى الطبراني في السنة وابن مردويه.

وفيه عبد الله بن أبي حميد قال عنه الحافظ في التقريب ص 637: "متروك الحديث".

الحادي عشر: عن أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعا.

أخرجه الدارقطني في الرؤية ص 178 رقم 276 وص 189 رقم 315. وابن حبان في المجروحين 3/135. وأبو بكر النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق ص 58 رقم 79. وابن الجوزي في العلل المتناهية 1/20.والسيوطي في الدر المنثور 5/597 ونسبه إلى الطبراني في السنة والشيرازي في الألقاب. وابن حجر في الإصابة 2/406 ونسبه إلى الطبراني في السنة.

وفيه يوسف بن عطية قال عنه الحافظ في التقريب ص 1094: "متروك".

الثاني عشر: عن عمران بن حصين رضي الله عنه مرفوعا.

أخرجه الدارقطني في الرؤية ص 180 رقم.

الثالث عشر: عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه مرفوعا.

ص: 353

أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد 8/151-152. وبإسناده ابن الجوزي في العلل المتناهية 1/16 من طريقين. وأورده السيوطي في الدر المنثور 5/598 ونسبه إلى الطبراني في السنة والخطيب.

وقد ورد في بعض ألفاظ حديث أبي عبيدة زيادة قوله صلى الله عليه وسلم: "لما كانت ليلة أسري بي

إلخ"كما أوردها السيوطي في الدر إلا أن هذه الزيادة لم ترد في رواية الخطيب للحديث وعنه ابن الجوزي.

وقد جزم الإمام ابن القيم بأنها خطأ فقال رحمه الله: "وهو حديث لا يصح عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعا: "لما كانت ليلة أسري بي رأيت ربي في أحسن صورة فقال: فيما يختصم الملأ الأعلى؟ " وذكر الحديث ثم قال: "وهذا غلط قطعا فإنما القصة كانت بالمدينة، كما قال معاذ بن جبل:"احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح حتى كدنا نترآى عين الشمس، ثم خرج وصلى بنا ثم قال: "رأيت ربي البارحة في أحسن صورة فقال: يا محمد: فيما يختصم الملأ الأعلى؟ "وذكر الحديث فهذا كان بالمدينة والإسراء بمكة".التبيان في أقسام القرآن ص260-261.

الرابع عشر: عن عدي بن حاتم رضي الله عنه مرفوعا.

أورده السيوطي في الدر المنثور 5/598 ونسبه إلى ابن مردويه. وفي اللفظ الذي أورده السيوطي الزيادة نفسها التي في حديث أبي عبيدة وقد سبق الكلام عليها والله أعلم.

وللحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله رسالة في شرح هذا الحديث تحت عنوان (اختيار الأولى شرح حديث اختصام الملأ الأعلى) طبعت بتحقيق حسين الجمل في مؤسسة الكتب الثقافية بيروت لبنان ط1-1407هـ.

وهناك اختلاف في بعض ألفاظ الحديث، وذلك في مختلف الروايات التي جاءت من طرق أخرى عن أربعة عشر صحابيا، كما هو مبين في تخريج الحديث، إلا أني لم أتعرض لاختلاف ألفاظه؛ لأن جميع من رووه اتفقوا على الجملة الأولى وهي قوله صلى الله عليه وسلم "رأيت ربي في أحسن صورة" وهي موطن الشاهد في هذه المسألة.

ص: 354

وقد وردت أحاديث أخرى فيها إثبات الرؤية المنامية، لكن في تصحيحها وتضعيفها نزاع كبير بين أهل العلم وهي:

2-

الحديث الثاني:

عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيت ربي عز وجل".

أخرجه بهذا اللفظ الإمام أحمد في المسند 1/285،290. وعبد الله بن أحمد في السنة 2/484 رقم 1117، وفي2/503 رقم1167. وابن أبي عاصم في السنة 1/188 رقم 433، وفي 1/191-192 رقم 440. والآجري في الشريعة 3/1542 رقم 1033. واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد 3/512-513 رقم 897. والذهبي في السير 10/113-114. وأورده الهيثمي في المجمع /78 وقال:"رجاله رجال الصحيح". وقال ابن كثير في تفسيره 7/425: "إسناده على شرط الصحيح لكنه مختصر من حديث الرؤية". وقال الألباني في تخريج السنة 1/188: "حديث صحيح مختصر من حديث الرؤية". وقال: "أخرجه – أيضا - الضياء في المختارة 66/79/1"ثم قال: "وروى الضياء في المختارة عن أبي زرعة الرازي: "حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس في الرؤية صحيح ولا ينكره إلا معتزلي".

وجاء من طرق أخرى بلفظ آخر أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات 2/363-364 رقم 938، والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات 1/133-136، 143، والخطيب في تاريخ بغداد 11/214، وابن عدي في الكامل 2/677، وأبو بكر بن أبي داود والطبراني في السنة كما في اللالئ المصنوعة 1/29، وابن الجوزي في العلل المتناهية 1/22-23، وأورده المتقي الهندي في كنز العمال 1/228 رقم 1152.

كلهم من طرق عن حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا لكن بلفظ: "رأيت ربي عز وجل جعدا أمرد عليه حلة خضراء"أو نحو ذلك.

قال ابن الجوزي في العلل المتناهية 1/23: "هذا الحديث لا يثبت وطرقه كلها على حماد بن سلمة قال ابن عدي: قد قيل: أن ابن أبي العوجاء كان ربيب حماد فكان يدس في كتبه هذه الأحاديث".

ص: 355

وقد ذكر هذه الحكاية ابن عدي في الكامل لكن من طريق محمد بن شجاع الثلجي وابن الثلجي هذا له ترجمة مظلمة انظرها في ميزان الاعتدال 3/577-579، وابن عدي نفسه قال في الكامل:"إنه كان يضع الحديث في التشبيه وينسبها إلى أصحاب الحديث يثلبهم بذلك". وانظر التنكيل 1/243-244.

وقال الذهبي في السير 10/113-114: "وهو خبر منكر نسأل الله السلامة في الدين، فلا هو على شرط البخاري، ولا مسلم ورواته، وإن كانوا غير متهمين فما هم بمعصومين من الخطأ والنسيان فأول الخبر قال "رأيت ربي" وما قيده بالنوم وبعض من يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج يحتج بظاهر الحديث".

ونقل السيوطي في اللالئ المصنوعة 1/31 عن ابن أبي داود قوله بعد الحديث: "فهذا من أنكر ما أتى به حماد بن سلمة، وهذه الرؤية رؤية منام إن صحت".

فإن كان الحمل في هذا الحديث على حماد بن سلمة فقد قال ابن عدي في الكامل: "إن الأحاديث التي رويت عن حماد بن سلمة في الرؤية قد رواها غير حماد بن سلمة".

وقد رد الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في التنكيل 1/244 على الكوثري الذي زعم أن حماد بن سلمة روى أحاديث طامات من بينها هذا فقال: "والجواب: أن لهذا الحديث طرقا معروفة في بعضها ما يشعر بأنها رؤيا منام، وفي بعضها ما يصرح بذلك، فإن كان كذلك اندفع الاستنكار، وإلا فلأهل العلم في تلك الأحاديث كلام معروف".

وقد أطال القاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات في الكلام على طرق

الحديث وذكر من صححه من أهل العلم وبخاصة كلام الإمام أحمد بما ملخصه أن الحديث صحيح والله أعلم انظر: إبطال التأويلات 1/139-145.

3-

الحديث الثالث:

عن عمارة بن عامر، عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب رضي الله عنهما قالت:"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أنه رأى ربه عز وجل في المنام في صورة شاب موفر في خضر على فراش من ذهب، في رجليه نعلان من ذهب".

ص: 356

أخرجه ابن أبي عاصم في السنة 1/205 رقم 471. والطبراني في المعجم الكبير 25/143 رقم 346. والبيهقي في الأسماء والصفات 2/367-369 رقم 942. والدارقطني في الرؤية ص 190 رقم 316. والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات 1/141. والخطيب في تاريخ بغداد 13/311. وابن الجوزي في العلل المتناهية 1/15 وفي الموضوعات 1/181 من طريق الخطيب. والهيثمي في مجمع الزوائد 7/179. والسيوطي في اللالئ المصنوعة 1/30. وابن عراق في تنزيه الشريعة 1/145. والشوكاني في الفوائد المجموعة ص 447-448. والمتقي الهندي في كنز العمال 1/228 رقم 1153.

وقال ابن حبان في الثقات 5/245: "عمارة بن عامر عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت ربي" حديثا منكرا لم يسمع عمارة من أم الطفيل وإنما ذكرته لكي لا يغتر الناظر فيه، فيحتج به من حديث أهل مصر".

وقال البخاري في التاريخ الكبير 6/3111: "لا يعرف سماع عمارة من أم الطفيل" وقال في التاريخ الأوسط 1/435 "ولايعرف عمارة ولا سماعه من أم الطفيل".

وقد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع وقال: "أما نعيم فقد وثقه قوم، وقال ابن عدي: كان يضع الحديث، وكان يحيى بن معين يهجنه في رواية حديث أم الطفيل، وكان يقول ما كان ينبغي به أن يحدث بمثل هذا الحديث"وانظر: تاريخ بغداد 13/311.

ثم قال: "وأما مروان فقال أبو عبد الرحمن النسائي: ومن مروان حتى يصدق على الله عز وجل. قال مهنا: سألت أحمد عن هذا الحديث، فحوّل وجهه عني، وقال: هذا حديث منكر، هذا رجل مجهول: يعني مروان"اهـ. انظر إبطال التأويلات 1/140.ثم قال: "ولا يعرف – أيضا - عمارة".

وتبعه في ذلك الشوكاني كما في الفوائد المجموعة ص 447، 448 وقال:"موضوع، وفي إسناده وضاع وكذاب ومجهول".

ص: 357

لكن تعقبه المحقق الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي رحمه الله بقوله: "يريد بالأول نعيم بن حماد بناء على قول ابن الجوزي، قال ابن عدي: يضع الحديث. وهذا وهم قبيح من ابن الجوزي، وإنما حكى ابن عدي، عن الدولابي، عن بعضهم لا يدرى من هو ورده ابن عدي، وحمل على الدولابي". راجع ترجمة نعيم في تهذيب التهذيب ومقدمة الفتح.

ويريد بالكذاب مروان بن عثمان بناء على ما روى عن النسائي أنه قال: ومن مروان بن عثمان حتى يصدق على الله، وهذا لا يعطي أنه كذاب، وعدم التصديق لا يستلزم التكذيب، فإنه يحتمل التوقف، ويحتمل قوله على أنه أخطأ.

ويدل على هذا أن النسائي أخرج لمروان هذا في سننه.

ويريد بالمجهول عمارة بن عامر بن حزم، ويقال: عمارة بن عمير، وذكره البخاري في الضعفاء، وذكره ابن حبان في الثقات، وذكر هذا الحديث وقال: منكر لم يسمعه عمارة من أم الطفيل، وله شواهد ذكرها في اللآلئ، وحاصله رؤيا المنام تجيء - غالبا - على وجه التمثيل المفتقر إلى التأويل، والله أعلم.

وقال الألباني في تخريج السنة 1/205 رقم 471: "حديث صحيح بما قبله وإسناده ضعيف مظلم".

المطلب الثاني: القول في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في المنام.

أثبت العلماء رؤية النبي صلى الله عليه وسلم المنامية لربه عز وجل، واعتمدوا في ذلك على الأحاديث الواردة بهذا الشأن، والتي تقدم ذكرها في المطلب الأول، وهذه الرؤيا ليست محل خلاف، وقد وقعت بالمدينة النبوية، وهناك فرق بينها وبين الرؤية التي وقعت ليلة الإسراء بمكة، والتي دار الخلاف عليها حسب ما تقدم ذكره في المبحث الأول، وهذه الرؤيا التي وقعت في المنام داخلة في عموم أن رؤيا الأنبياء وحي.

ص: 358

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد صح عنه أنه قال: "رأيت ربي تبارك وتعالى" ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان في المدينة لما احتبس عنهم في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤية ربه تبارك وتعالى تلك الليلة في منامه، وعلى هذا بنى الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - وقال: نعم رآه حقا، فإن رؤيا الأنبياء حق ولابد".

وقال أيضًا: "وكذلك الحديث الذي رواه أهل العلم أنه قال: "رأيت ربي في صورة كذا وكذا"، يروى من طريق ابن عباس، ومن طريق أم الطفيل، وغيرهما وفيه "أنه وضع يده بين كتفيَّ حتى وجدت برد أنامله على صدري"، هذا الحديث لم يكن ليلة المعراج، فإن هذا الحديث كان بالمدينة. وفي الحديث: أن النبي نام عن صلاة الصبح، ثم خرج إليهم، وقال: "رأيت كذا وكذا"وهو من رواية من لم يصل خلفه إلا بالمدينة كأم الطفيل وغيرها، والمعراج إنما كان من مكة باتفاق أهل العلم، وبنص القرآن والسنة المتواترة، كما قال الله تعالى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} [الإسراء 1] .

فعلم أن هذا الحديث كان رؤيا منام بالمدينة، كما جاء مفسرًا في كثير من طرقه أنه كان رؤيا منام، مع أن رؤيا الأنبياء وحي، لم يكن رؤيا يقظة ليلة المعراج".

المطلب الثالث: أقوال أهل العلم في الرؤية المنامية عمومًا

ذكر غير واحد من أهل العلم أن رؤية الله في المنام جائزة، وهذه الرؤية شأنها شأن سائر الرؤى المنامية تعبر، فإن النائم لا يرى الله حقيقة، فرؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة، ولها تعبير، وتأويل؛ لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق، وإليك بعض أقوال العلماء في هذه المسألة.

قال الإمام الدارمي: "وفي المنام يمكن رؤية الله على كل حال، وفي كل صورة".

ص: 359

قال الإمام البغوي: "رؤية الله في المنام جائزة، قال معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إني نعست فرأيت ربي"وتكون رؤيته - جلّت قدرته - ظهور العدل، والفرج، والخصب، والخير لأهل ذلك الموضع، فإن رآه فوعد له جنة أو مغفرة، أو نجاة من النار، فقوله حق ووعده صدق. وإن رآه ينظر إليه، فهو رحمته، وإن رآه معرضا عنه فهو تحذير من الذنوب، لقوله سبحانه وتعالى {أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ} [آل عمران 77] وإن أعطاه شيئا من متاع الدنيا فأخذه فهو بلاء ومحن، وأسقام تصيب بدنه، يعظم بها أجره، لا يزال يضطرب فيها حتى يؤديه إلى الرحمة، وحسن العاقبة".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صور متنوعة على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحا لم ير إلا صورة حسنة، وإذا كان في إيمانه، نقص رأى ما يشبه إيمانه ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة ولها تعبير وتأويل، لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق".

وقال رحمه الله في بيان تلبيس الجهمية: "فالإنسان قد يرى ربه في المنام ويخاطبه. فهذا حق في الرؤيا، ولا يجوز أن يعتقد أن الله في نفسه مثل ما رأى في المنام، فإن سائر ما يرى في المنام لا يجب أن يكون مماثلاً، ولكن لابد أن تكون الصورة التي رآه فيها مناسبة، ومشابهة لاعتقاده في ربه، فإن كان إيمانه واعتقاده مطابقا أتي من الصور وسمع من الكلام ما يناسب ذلك، وإلا كان بالعكس.

قال بعض المشايخ: "إذا رأى العبد ربه في صورة كانت تلك الصورة حجاباً بينه وبين الله. وما زال الصالحون وغيرهم يرون ربهم في المنام ويخاطبهم، وما أظن عاقلاً ينكر ذلك، فإن وجود هذا مما لا يمكن دفعه، إذ الرؤيا تقع للإنسان بغير اختياره، وهذه مسألة معروفة، وقد ذكرها العلماء من أصحابنا وغيرهم في أصول الدين.

ص: 360

وحكوا عن طائفة من المعتزلة وغيرهم إنكار رؤية الله، والنقل بذلك متواتر عمن رأى ربه في المنام، ولكن لعلهم قالوا: لا يجوز أن يعتقد أنه رأى ربه في المنام، فيكونون قد جعلوا هذا من أضغاث الأحلام، ويكونون من فرط سلبهم ونفيهم نفوا أن تكون رؤية الله في المنام رؤية صحيحة كسائر ما يرى في المنام، فهذا مما يقوله المتجهمة، وهو باطل، مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، بل ولما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم، وليس في رؤية الله في المنام نقص ولا عيب يتعلق به سبحانه وتعالى، وإنما ذلك بحسب حال الرائي، وصحة إيمانه وفساده، واستقامة حاله وانحرافه، وقول من يقول: ما خطر بالبال أو دار في الخيال فالله بخلافه ونحو ذلك [بياض بمقدار أربع كلمات] إذا حمل على مثل هذا كان محملاً صحيحًا، فلا نعتقد ما يتخيله الإنسان في منامه أويقظته من الصور أن الله في نفسه مثل ذلك، بل نفس الجن والملائكة لا يتصورها الإنسان، ويتخيلها على حقيقتها، بل هي على خلاف مايتخيله ويتصوره في منامه ويقظته، وإن كان ما رآه مناسبًا ومشابهًا لها، فالله -تعالى- أجل وأعظم".

المبحث الثالث: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في الدنيا عيانًا.

المطلب الأول: قول أهل السنة في مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه عيانًا في الدنيا.

ينبغي - هنا - التفريق، وعدم الخلط بين مسألتين، المسألة الأولى: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة المعراج، وهذه هي التي حصل الكلام فيها بين أهل السنة، وقد تقدم بسط ذلك في المبحث الأول؛ والمسألة الثانية: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في الدنيا عيانًا وهذه لم يختلف فيها قول أهل السنة، فهم مجمعون على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه في الدنيا عياناً، وأن ما ذكر من أحاديث في هذه المسألة فهو في عداد الموضوعات التي لا يصح نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

ص: 361

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد اتفق المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه بعينه في الأرض، وأن الله ينزل له إلى الأرض، وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم قط حديث فيه أن الله نزل له إلى الأرض، بل الأحاديث الصحيحة: "أن الله يدنو عشية عرفة" وفي رواية "إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفرله؟ " ".

المطلب الثاني: الأحاديث الموضوعة في المسألة.

علم في المطلب السابق أنه لم يصح حديث في مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في الدنيا عياناً، وقد ذكر العلماء أن ما يروى في هذا الشأن فهو كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، وليس له أصل.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكل حديث فيه "أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينه في الأرض"، فهو كذب باتفاق المسلمين وعلمائهم، هذا شيء لم يقله أحد من علماء المسلمين ولا رواه أحد منهم.

وقال أيضًا: "وبالجملة أن كل حديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينيه في الأرض، وفيه أنه نزل له إلى الأرض، وفيه أن رياض الجنة خطوات الحق، وفيه أنه وطئ على صخرة بيت المقدس، كل هذا كذب باطل باتفاق علماء المسلمين، من أهل الحديث وغيرهم".

ومن الأحاديث الموضوعة في هذا الشأن ما يلي:

1-

الحديث الأول.

عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها مرفوعا: "رأيت ربي عز وجل على جمل أحمر عليه إزاران وهو يقول: قد سمحت قد غفرت إلا المظالم، فإذا كان ليلة المزدلفة، ثم يصعد إلى السماء، وينصرف الناس إلى منى".

أورده ابن الجوزي في الموضوعات (1/180) وقال عنه: "هذا حديث لا يشك أحد في أنه موضوع، محال".

والسيوطي في اللآلي المصنوعة 1/27.

وابن عراق في تنزيه الشريعة 1/139 رقم 17 وقال: "أخرجه الأهوازي في الصفات من حديث أسماء فقبح الله واضعه".

2-

الحديث الثاني.

ص: 362

عن أبي رزين العقيلي رضي الله عنه مرفوعا: "رأيت ربي بمنى يوم النفر، على جمل أورق عليه جبة صوف أمام الناس".

أورده الذهبي في ميزان الاعتدال 1/513 وفي السير 18/16-17.

والقاضي الفتني في تذكرة الموضوعات ص 12-13.

والقاري في المصنوع في معرفة الحديث الموضوع ص 102.

واتفقوا على أنه موضوع باطل، وأن المتهم به هو أبوعلي الأهوازي، كما قال ابن عساكر.

المبحث الرابع: رؤية البشر لربهم في الحياة الدنيا.

لعل من المناسب بعد ذكر ما يتعلق بمسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه، وما يتصل بها من مسائل، الإشارة إلى مسألة رؤية البشر لربهم في الحياة الدنيا، وذلك لما بين المسألتين من ترابط من جهة وجود نوع علاقة بين المسألتين، باعتبار أن من زعم جواز حصول الرؤية للبشر استند في زعمه على ما ذكر من أحاديث مكذوبة في وقوع الرؤية للنبي صلى الله عليه وسلم في الحياة الدنيا، ومعلوم أن بضاعة المتصوفة الذين جوزوا حصول ذلك لأوليائهم هي الأحاديث المكذوبة من مثل ما تقدم ذكره في المطلب الثاني من المبحث الثالث، وعلى هذا الاعتبار بنى أولئك المتصوفة مزاعمهم، بأن ذلك يجوز حصوله لمن وصل إلى مرحلة معينة في الولاية التي قد يعتبرها البعض منهم فوق منزلة النبوة، وبهذه النظرة ما المانع أن يحصل مثل ذلك لغير النبي صلى الله عليه وسلم.

وأما من قال بامتناع رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في الدنيا عياناً، فلا شك أنه يقول بامتناعها على غيره من باب أولى، فإذا كانت الرؤية لم تحصل للنبي صلى الله عليه وسلم -مع ما له من مكانة وشرف ومنزلة عظيمة عند الله - فكيف تحصل لمن هو دونه في المنزلة والمكانة، على أن مستند من نفى رؤية البشر لله في الدنيا هو نص السنة، كما سيأتي ذكره.

ومسألة رؤية البشر لله عمومًا يتنازعها ثلاث طوائف:

الطائفة الأولى: من نفى الرؤية بإطلاق فلم يثبتها في الدنيا، ولا في الآخرة على حد سواء، بل نفى حتى الرؤيا المنامية.

ص: 363

وهؤلاء هم الجهمية والمعتزلة المعطلة الذين ليس عندهم فوق العرش إلا العدم المحض.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وحكوا عن طائفة من المعتزلة وغيرهم إنكار رؤية الله، والنقل بذلك متواتر عمن رأى ربه في المنام، ولكن لعلهم قالوا: لا يجوز أن يعتقد أنه رأى ربه في المنام فيكونون قد جعلوا هذا من أضغاث الأحلام، ويكونون من فرط سلبهم ونفيهم نفوا أن تكون رؤية الله في المنام رؤية صحيحة كسائر ما يرى في المنام، فهذا مما يقوله المتجهمة، وهو باطل مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، بل ولما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم".

وقال أيضًا: "وإنما يكذب بها أو يحرفها - أي: أحاديث الرؤية في الآخرة - الجهمية، ومن تبعهم من المعتزلة والرافضة ونحوهم، من الذين يكذبون بصفات الله تعالى، وبرؤيته وغير ذلك، وهم المعطلة شرار الخلق والخليقة.

ودين الله وسط بين تكذيب هؤلاء بما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآخرة، وبين تصديق الغالية، بأنه يرى بالعيون في الدنيا، وكلاهما باطل".

الطائفة الثانية: من يثبت الرؤية بإطلاق فيزعم أن الله يرى في الدنيا عياناً، كما يرى في الآخرة عياناً. وهذا يقول به بعض المتصوفة من الاتحادية والحلولية.

فأما الاتحادية أهل وحدة الوجود فهم الذين لا يميزون الخالق بصفات تميزه عن المخلوق، ويقولون بأن وجود الخالق هو وجود المخلوق. فعلى سبيل المثال هم يقولون بأن الله هو المتكلم بكل ما يوجد من الكلام، وفي ذلك يقول ابن عربي:

ألا كل قول في الوجود كلامه

سواء علينا نثره ونظامه

يعم به أسماع كل مكون

فمنه إليه بدؤه وختامه

ص: 364

فيزعمون أنه هو المتكلم على لسان كل قائل. ولا فرق عندهم بين قول فرعون: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات 24]{مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص 28] وبين القول الذي يسمعه موسى {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [طه 14]، بل يقولون: إنه الناطق في كل شيء، فلا يتكلم إلا هو، ولا يسمع إلا هو، حتى قول مسيلمة الكذاب، والدجال، وفرعون، يصرحون بأن أقوالهم هي قوله".

وهذا قول أصحاب وحدة الوجود كابن عربي، وابن سبعين، وابن الفارض، والعفيف التلمساني.

وأصل مذهبهم: أن كل واحد من وجود الحق، وثبوت الخلق يساوى الآخر، ويفتقر إليه، وفي هذا يقول ابن عربي:

فيعبدني وأعبده

ويحمدني وأحمده

ويقول: إن الحق يتصف بجميع صفات العبد المحدثات، وإن المحدث يتصف بجميع صفات الرب، وإنهما شيء واحد؛ إذ لا فرق في الحقيقة بين الوجود والثبوت فهو الموصوف عندهم بجميع صفات النقص والذم والكفر والفواحش والكذب والجهل، كما هو الموصوف عندهم بصفات المجد والكمال فهو العالم والجاهل، والبصير والأعمى، والمؤمن والكافر، والناكح والمنكوح، والصحيح والمريض، والداعي والمجيب، والمتكلم والمستمع، وهو عندهم هوية العالم ليس له حقيقة مباينة للعالم، وقد يقولون: لا هو العالم ولا غيره، وقد يقولون: هو العالم – أيضا - وهو غيره، وأمثال هذه المقالات التي يجمع فيها في المعنى بين النقيضين مع سلب النقيضي".

وهؤلاء الاتحادية يجمعون بين النفي العام، والإثبات العام، فعندهم أن ذاته لا يمكن أن ترى بحال وليس له اسم ولا صفة ولا نعت، إذ هو الوجود المطلق الذي لا يتعين، وهو من هذه الجهة لا يرى ولا اسم له.

ص: 365

ويقولون: إنه يظهر في الصور كلها، وهذا عندهم هو الوجود الاسمي لا الذاتي، ومن هذه الجهة فهو يرى في كل شيء، ويتجلى في كل موجود، لكنه لا يمكن أن ترى نفسه، بل تارة يقولون كما يقول ابن عربي: ترى الأشياء فيه، وتارة يقولون: يرى هو في الأشياء، وهو تجليه في الصور، وتارة يقولون كما يقول ابن سبعين:

عين ما ترى ذات لا ترى

وذات لا ترى عين ما ترى

وهم مضطربون؛ لأن ما جعلوه هو الذات عدم محض، إذ المطلق لا وجود له في الخارج مطلقًا بلا ريب، لم يبق إلا ما سموه مظاهر ومجالي، فيكون الخالق عين المخلوقات لا سواها، وهم معترفون بالحيرة والتناقض مع ما هم فيه من التعطيل والجحود.

وفي هذا يقول ابن عربي:

فإن قلت بالتنزيه كنت مقيداً

وإن قلت بالتشبيه كنت محدداً

وإن قلت بالأمرين كنت مسددًا

وكنت إمامًا في المعارف سيدًا

فمن قال بالإشفاع كان مشركًا

ومن قال بالإفراد كان موحدًا

فإياك والتشبيه إن كنت ثانيًا

وإياك والتنزيه إن كنت مفردًا

فما أنت هو بل أنت هو وتراه

في عين الأمور مسرحا ومقيدًا (1)

وأما الفرق بين الاتحاد والحلول، فإن الاتحاد كاتحاد الماء باللبن، وأما الحلول فكحلول الماء في الإناء.

والقسمة بين الحلولية والاتحادية رباعية، فإن كل واحد من الحلول والاتحاد: إما معين في شخص، وإما مطلق.

قال شيخ الإسلام: "وذلك أن القسمة رباعية؛ لأن من جعل الرب هو العبد حقيقة، فإما أن يقول بحلوله فيه، أو اتحاده به، وعلى التقدرين: فإما أن يجعل ذلك مختصا ببعض الخلق كالمسيح، أو يجعله عاما لجميع الخلق، فهذه أربعة أقسام:

(1) بغية المرتاد (ص473)

ص: 366

الأول: هو الحلول الخاص: وهو قول النسطورية من النصارى ونحوهم ممن يقول: إن اللاهوت حل في الناسوت وتدرع به، كحلول الماء في الإناء، وهؤلاء حققوا كفر النصارى؛ بسبب مخالطتهم للمسلمين، وكان في زمن المأمون؛ وهذا قول من وافق هؤلاء النصارى من غالية هذه الأمة، كغالية الرافضة الذين يقولون: إنه حلَّ بعلي بن أبي طالب، وأئمة أهل بيته، وغالية النُسَّاك الذين يقولون بالحلول في الأولياء، ومن يعتقدون فيه الولاية أو في بعضهم، كالحلاج ويونس والحاكم ونحو هؤلاء.

والثاني: هو الاتحاد الخاص: وهو قول يعقوبية النصارى، وهم أخبث قولاً، وهم السودان والقبط، يقولون: إن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزجا

كاختلاط اللبن بالماء، وهو قول من وافق هؤلاء من غالية المنتسبين إلى الإسلام.

والثالث: هو الحلول العام: وهو قول الذي ذكره أئمة أهل السنة والحديث عن طائفة من الجهمية المتقدمين، وهو قول غالب متعبدة الجهمية الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان، ويتمسكون بمتشابه من القرآن كقوله {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} [الأنعام 3] وقوله {وَهُوَ مَعَكُمْ} [الحديد 4] والرد على هؤلاء كثير مشهور في كلام أئمة السنة، وأهل المعرفة وعلماء الحديث.

الرابع: الاتحاد العام: وهو قول هؤلاء الملاحدة الذين يزعمون أنه عين وجود الكائنات، وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى من وجهين:

من جهة أن أولئك قالوا: إن الرب يتحد بعبده الذي قربه واصطفاه بعد أن لم يكونا متحدين، وهؤلاء يقولون: مازال الرب هو العبد وغيره من المخلوقات ليس هو غيره.

ص: 367

والثاني من جهة أن أولئك خصوا ذلك بمن عظَّموه كالمسيح، وهؤلاء جعلوا ذلك ساريا في الكلاب والخنازير والأقذار والأوساخ، وإذا كان الله - تعالى - قد قال {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} الآية، فكيف بمن قال: إن الله هو الكفار، والمنافقون، والصبيان، والمجانين، والأنجاس، والأنتان، وكل شيء؟! ".

وأما عن الحلولية، فقد قال الأشعري: "وفي الأمة قوم ينتحلون النسك، يزعمون أنه جائز على الله - تعالى - الحلول في الأجسام، وإذا رأوا شيئا يستحسنونه قالوا: لا ندري، لعله، ربنا.

ومنهم من يقول: إنه يرى الله في الدنيا على قدر الأعمال، فمن كان عمله أحسن رأى معبوده أحسن.

ومنهم من يجوِّز على الله - تعالى - المعانقة والملامسة والمجالسة في الدنيا، وجوّزوا مع ذلك على الله - تعالى الله عن قولهم - أن نلمسه.

ومنهم من يزعم أن الله - سبحانه - ذو أعضاء وجوارح وأبعاض: لحم ودم على صورة الإنسان له ما للإنسان من الجوارح - تعالى ربنا عن قولهم علوا كبيرا.

وكان في الصوفية رجل يُعرف بأبي شعيب يزعم أن الله يسر ويفرح بطاعة أوليائه، ويغتم ويحزن إذا عَصَوْهُ.

وفي النسَّاك قوم يزعمون أن العبادة تبلغ بهم إلى منزلة تزول عنهم العبادات، وتكون الأشياء المحظورات على غيرهم - من الزنا وغيره - مباحات لهم. وفيهم من يزعم أن العبادة تبلغ بهم أن يروا الله، ويأكلوا من ثمار الجنة، ويعانقوا الحور العين في الدنيا، ويحاربوا الشياطين، ومنهم من يزعم أن العبادة تبلغ بهم إلى أن يكونوا أفضل من النبيين والملائكة المقربين".

ص: 368

وعلق شيخ الإسلام على كلام الأشعري بعد أن أورده في منهاج السنة بقوله: "قلت: هذه المقالات التي حكاها الأشعري - وذكروا أعظم منها - موجودة في الناس قبل هذا الزمان. وفي هذا الزمان منهم من يقول بحلوله في الصور الجميلة، ويقول: إنه بمشاهدة الأمرد يشاهد معبوده، أو صفات معبوده، أو مظاهر جماله، ومن هؤلاء من يسجد للأمرد. ثم من هؤلاء من يقول بالحلول والاتحاد العام، لكنه يتعبد بمظاهر الجمال، لما في ذلك من اللذة له، فيتخذ إلهه هواه، وهذا موجود في كثير من المنتسبين إلى الفقر والتصوف. ومنهم من يقول: إنه يرى الله مطلقًا ولا يعيِّن الصورة الجميلة، بل يقولون إنهم يرونه في صور مختلفة. ومنهم من يقول: إن المواضع المخضرَّة خطا عليها، وإنما اخضرت من وطئه عليها، وفي ذلك حكايات متعددة يطول وصفها. وأما القول بالإباحة وحل المحرمات - أو بعضها - للكاملين في العلم والعبادة فهذا أكثر من الأول، فإن هذا قول أئمة الباطنية القرامطة الإسماعيلية، وغير الإسماعيلية، وكثير من الفلاسفة، ولهذا يُضرب بهم المثل فيقال: فلان يستحل دمي، كاستحلال الفلاسفة محظورات الشرائع، وقول كثير ممن ينتسب إلى التصوف والكلام، وكذلك من يفضل نفسه أو متبوعه على الأنبياء، موجود كثير في الباطنية والفلاسفة وغلاة المتصوفة وغيرهم، وبسط الكلام على هذا له موضع آخر.

ففي الجملة هذه مقالات منكرة باتفاق علماء السنة والجماعة، وهي - وأشنع منها - موجودة في الشيعة.

وكثير من النسَّاك يظنون أنهم يرون الله في الدنيا بأعينهم، وسبب ذلك أنه يحصل لأحدهم في قلبه بسبب ذكر الله - تعالى - وعبادته من الأنوار ما يغيب به عن حسه الظاهر، حتى يظن أن ذلك شيء يراه بعينه الظاهرة، وإنما هو موجود في قلبه.

ص: 369

ومن هؤلاء من تخاطبه تلك الصورة التي يراها خطاب الربوبية ويخاطبها أيضًا بذلك، ويظن أن ذلك كله موجود في الخارج عنه، وإنما هو موجود في نفسه، كما يحصل للنائم إذا رأى ربه في صورة بحسب حاله. فهذه الأمور تقع كثيرًا في زماننا وقبله، ويقع الغلط منهم حيث يظنون أن ذلك موجود في الخارج.

وكثير من هؤلاء يتمثل له الشيطان، ويرى نورًا أو عرشا أو نورًا على

العرش، ويقول: أنا ربك. ومنهم من يقول: أنا نبيك، وهذا قد وقع لغير واحد. ومن هؤلاء من تخاطبه الهواتف بخطاب على لسان الإلهية أو غير ذلك، ويكون المخاطب له جنيًّا، كما قد وقع لغير واحد. لكن بسط الكلام على ما يُرى ويُسمع وما هو في النفس والخارج، وتمييز حقه من باطله ليس هذا موضعه، وقد تكلمنا عليه في غير هذا الموضع.

وكثير من الجهَّال أهل الحال وغيرهم يقولون: إنهم يرون الله عيانًا في الدنيا، وأنه يخطو خطوات".

وقال ابن القيم: "ومن ظنَّ من القوم أن كشف العين ظهور الذات المقدسة لعيانه حقيقة فقد غلط أقبح الغلط. وأحسن أحواله: أن يكون صادقًا ملبوسًا عليه. فإن هذا لم يقع في الدنيا لبشر قط، وقد منع منه كليم الرحمن صلى الله عليه وسلم.

وقد اختلف السلف والخلف: هل حصل هذا لسيد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه؟ فالأكثرون على أنه لم ير الله سبحانه، وحكاه عثمان بن سعيد الدارمي إجماعًا من الصحابة. فمن ادعى كشف العيان البصري عن الحقيقة الإلهية فقد وهم وأخطأ، وإن قال: إنما هو كشف العيان القلبي، بحيث يصير الرب سبحانه كأنه مرئي للعبد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "أن تعبد الله كأنك تراه" فهذا حق، وهو قوة يقين، ومزيد علم فقط.

ص: 370

نعم، قد يظهر له نور عظيم، فيتوهم أن ذلك نور الحقيقة الإلهية، وأنها قد تجلت له، وذلك غلط أيضاً، فإن نور الرب – تعالى – لا يقوم له شيء، ولما ظهر للجبل منه أدنى شيء ساخ وتدكدك، وقال ابن عباس في قوله تعالى {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} قال:"ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى به لم يقم له شيء".

وهذا النور الذي يظهر للصادق: هو نور الإيمان الذي أخبر الله عنه في قوله {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ} قال أبي بن كعب: "مثل نوره في قلب المؤمن" فهذا نور يضاف إلى الرب، ويقال هو نور الله كما أضافه الله - سبحانه - إلى نفسه، والمراد: نور الإيمان الذي جعله الله له خلقًا وتكوينًا كما قال تعالى {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} فهذا النور إذا تمكن من القلب، وأشرق فيه: فاض على الجوارح. فيرى أثره في الوجه والعين، ويظهر في القول والعمل. وقد يقوى حتى يشاهده صاحبه عياناً؛ وذلك لاستيلاء أحكام القلب عليه، وغيبة أحكام النفس.

والعين شديدة الارتباط بالقلب تظهر ما فيه، فتقوى مادة النور في القلب ويغيب صاحبه بما في قلبه عن أحكام حسه. بل وعن أحكام العلم فينتقل من أحكام العلم إلى أحكام العيان.

وسر المسألة: أن أحكام الطبيعة والنفس شيء، وأحكام القلب شيء، وأحكام الروح شيء، وأنوار العبادات شيء، وأنوار استيلاء معاني الصفات والأسماء على القلب شيء، وأنوار الذات المقدسة شيء وراء ذلك كله.

فهذا الباب يغلط فيه رجلان، أحدهما: غليظ الحجاب، كثيف الطبع والآخر: قليل العلم، يلتبس ما في ذهنه بما في الخارج، ونور المعاملات بنور رب الأرض والسموات {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} ".

ص: 371

وقال أيضًا: "والرب تبارك وتعالى وراء ذلك كله، منزه مقدس عن اطلاع البشر على ذاته، أو أنوار ذاته، أو صفاته، أو أنوار صفاته. وإنما هي الشواهد التي تقوم بقلب العبد، كما يقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة والجنة والنار، وما أعد الله لأهلهما".

وقال أيضًا: "فإن نور الجلال في القلب ليس هو نور ذي الجلال في الخارج. فإن ذلك لا تقوم له السموات والأرض؛ ولو ظهر للوجود لتدكدك، لكنه شاهد دال على ذلك، كما أن المثل الأعلى شاهد دال على الذات. والحق وراء ذلك كله، منزه عن حلول واتحاد، وممازجة لخلقه؛ وإنما تلك رقائق وشواهد تقوم بقلب العارف، تدل على قرب الألطاف منه في عالم الغيب حيث يراها، وإذا فني فإنما يفنى بحال نفسه لا بالله ولا فيه، وإذا بقي فإنما يبقى بحاله هو ووصفه، لا ببقاء ربه وصفاته، ولا يبقى بالله إلا الله، ومع ذلك فالوصول حق يجد الواصل آثار تجلي الصفات في قلبه، وآثار تجلي الحق في قلبه. ويوقف القلب فوق الأكوان كلها بين يدي الرب - تعالى - وهو على عرشه، ومن يكاشف بآثار الجلال والإكرام فيجد العرش والكرسي تحت مشهد قلبه حكما، وليس الذي يجده تحت قلبه حقيقة العرش والكرسي بل شاهد ومثال علمي يدل على قرب قلبه من ربه، وقرب ربه من قلبه، وبين الذوقين تفاوت فإذا قرب الرب - تعالى - من قلب عبده بقيت الأكوان كلها تحت مشهد قلبه، وحينئذ يطلع في أفقه شمس التوحيد فينقشع بها ضباب وجوده ويضمحل ويتلاشى، وذاته وحقيقته موجودة بائنة عن ربه، وربه بائن عنه، فحينئذ يغيب العبد عن نفسه ويفنى، وفي الحقيقة هو باق غير فان، ولكنه ليس في سره غير الله قد فني فيه عن كل ما سواه.

نعم، قد يتفق له في هذه الحالة أن لا يجد شيئا غير الله؛ فذلك لاستغراق قلبه في مشهوده وموجوده، ولو كان ذلك في نفس الأمر لكان العبد في هذه الحال خلقا بارئا مصورا أزليا أبديا.

ص: 372

فعليك بهذا الفرقان، واحذر فريقين هما أعدى عدو لهذا الشأن فريق الجهمية المعطلة التي ليس عندها فوق العرش إلا العدم المحض، فشَمُّ رائحة هذا المقام من أبعد الأمكنة حرام عليها، وفريق أهل الاتحاد القائلين بوحدة الوجود وأن العبد ينتهي في هذا السفر إلى أن يشهد وجوده هو عين وجود الحق جل جلاله، وعيشك بجهلك خير من معرفة هاتين الطائفتين، وانقطاعك مع الشهوات خير من أن تكون معهما والله المستعان وعليه التكلان".

الطائفة الثالثة: من نفى الرؤية العيانية في الدنيا، وأثبتها في الآخرة وذلك في عرصات يوم القيامة، وفي الجنة.

وهذا قول أهل السنة والجماعة.

قال الإمام البربهاري: "ومن زعم أنه يرى ربه في دار الدنيا؛ فهو كافر بالله عز وجل".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكذلك كل من ادعى أنه رأى ربه بعينه قبل الموت فدعواه باطلة باتفاق أهل السنة والجماعة، لأنهم اتفقوا جميعًا على أن أحدًا من المؤمنين لا يرى ربه بعيني رأسه حتى يموت. وثبت ذلك في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه لما ذكر الدجال قال: "واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت".

كذلك روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخر، يحذر أمته فتنة الدجال، بين لهم أن أحدًا منهم لن يرى ربه حتى يموت، فلا يظن أحد أن هذا الدجال الذي رآه هو ربه.

ولكن الذي يقع لأهل حقائق الإيمان من المعرفة بالله ويقين القلوب ومشاهدتها وتجليتها هو على مراتب كثيرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل عليه السلام عن الإحسان قال:"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

وقد يحصل لبعض الناس في اليقظة – أيضاً - من الرؤيا نظير ما يحصل للنائم في المنام، فيرى بقلبه مثل ما يرى النائم. وقد يتجلى له من الحقائق ما يشهده بقلبه، فهذا كله يقع في الدنيا.

ص: 373

وربما غلب أحدهم ما يشهده قلبه وتجمعه حواسه فيظن أنه رأى ذلك بعيني رأسه، حتى يستيقظ فيعلم أنه منام، وربما علم في المنام أنه منام.

فهكذا من العباد من يحصل له مشاهدة قلبية تغلب عليه حتى تفنيه عن الشعور بحواسه، فيظنها رؤية بعينه وهو غلط في ذلك، وكل من قال من العباد المتقدمين أو المتأخرين أنه رأى ربه بعيني رأسه فهو غالط في ذلك بإجماع أهل العلم والإيمان.

نعم، رؤية الله بالأبصار هي للمؤمنين في الجنة، وهي أيضًا للناس في عرصات القيامة، كما تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:"إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب، وكما ترون القمر ليلة البدر صحوًا ليس دونه سحاب"(1) ".

"

وهذه الأحاديث وغيرها في الصحاح، وقد تلقاها السلف والأئمة بالقبول، واتفق عليها أهل السنة والجماعة، وإنما يكذب بها أو يحرفها الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة والرافضة ونحوهم من الذين يكذبون بصفات الله - تعالى - وبرؤيته وغير ذلك، وهم المعطلة شرار الخلق والخليقة.

ودين الله وسط بين تكذيب هؤلاء بما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآخرة، وبين تصديق الغالية، بأنه يرى بالعيون في الدنيا، وكلاهما باطل.

وهؤلاء الذين يزعم أحدهم أنه يراه بعيني رأسه في الدنيا هم ضلال كما تقدم، فإن ضموا إلى ذلك أنهم يرونه في بعض الأشخاص، إما بعض الصالحين، أو بعض المردان، أو بعض الملوك أو غيرهم، عظم ضلالهم وكفرهم، وكانوا حينئذ أضل من النصارى الذين يزعمون أنهم رأوه في صورة عيسى بن مريم.

بل هم أضل من أتباع الدجال الذي يكون في آخر الزمان، ويقول للناس أنا ربكم.

(1) حديث متواتر.

ص: 374

فهذا - أي الدجال - ادعى الربوبية وأتى بشبهات فتن بها الخلق، حتى قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم:"إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت"(1) ، فذكر لهم علامتان ظاهرتين يعرفهما جميع الناس، لعلمه صلى الله عليه وسلم بأن من الناس من يضل فيُجَوِّز أن يرى ربه في الدنيا في صورة البشر، كهؤلاء الضلال الذين يعتقدون ذلك، وهؤلاء قد يسمون (الحلولية) و (الاتحادية) ".

فهؤلاء الضلال الكفار الذين يزعم أحدهم أنه يرى ربه بعينه، وربما زعم أنه جالسه وحادثه أو ضاجعه، وربما يعين أحدهم آدميًا إما شخصًا، أو صبيًا، أو غير ذلك، ويزعم أنه كلمهم. يستتابون، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم وكانوا كفارًا، إذ هم أكفر من اليهود والنصارى الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، فإن المسيح رسول كريم وجيه عند الله في الدنيا والآخرة ومن المقربين، فإذا كان الذين قالوا: إنه هو الله، وإنه اتحد به أو حل فيه قد كفرهم وعظم كفرهم، بل الذين قالوا أنه اتخذ ولدًا حتى قال {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً أن أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَاّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً} [مريم 88-93] ، فكيف بمن يزعم في شخص من الأشخاص أنه هو؟ هذا أكفر من الغالية الذين يزعمون أن عليًا رضي الله عنه، أو غيره من أهل البيت هو الله.

(1) سبق تخريجه في بداية البحث.

ص: 375

وهؤلاء هم الزنادقة الذين حرقهم علي رضي الله عنه بالنار، وأمر بأخاديد خدت لهم عند باب كنده، وقذفهم فيها بعد أن أجلهم ثلاثًا ليتوبوا، فلما لم يتوبوا أحرقهم بالنار، واتفقت الصحابة رضي الله عنهم على قتلهم، لكن ابن عباس رضي الله عنهما كان مذهبه أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق، وهو قول أكثر العلماء، وقصتهم معروفة عند العلماء".

الخاتمة

بعد هذا العرض لمسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه، ولبعض المسائل المتعلقة بها أعرض أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذا البحث فأقول:

أولاً: بالنسبة لرؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة المعراج فإن الأدلة التي استعرضانها في المبحث الخاص بهذه المسألة ليست قاطعة، وغالبها مبني على الاجتهاد مما يصعب مهمة الترجيح بينها، لكن الذي تطمئن إليه النفس هو ترجيح مذهب من جمع بين أقوال الصحابة ومن بعدهم من نفي وقوع الرؤية البصرية، وأن الرؤية التي أثبتها بعضهم إنما المراد بها الرؤية القلبية، وهو مذهب جماعة من المحققين على رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية وابن كثير وابن حجر رحمهم الله جميعا - وغيرهم.

ثانياً: أما بالنسبة لرؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في المنام فإن هذه المسألة متفق على وقوعها له صلى الله عليه وسلم وجواز وقوعها لغيره من البشر، ولم يقع نزاع في ذلك بين أهل السنة والجماعة.

ثالثاً: أما الرؤية العيانية في الدنيا فقد اتفق أهل السنة والجماعة على عدم وقوعها لأحد لا للنبي صلى الله عليه وسلم ولا لغيره، وأن كل الأحاديث التي تروى في هذه المسألة فهي موضوعة لا يصح منها شيء.

وكل ما يدعيه الصوفية خاصة، ومن نحا نحوهم من رؤيتهم الله تبارك وتعالى عيانًا في هذه الدنيا فإنه كذب محض ولا أساس له من الصحة. فإن هذا مما وقع الاتفاق على عدم وقوعه لأحد كما سبق.

ص: 376

وفي الختام فهذا جهدي أقدمه لإخواني القراء، فما كان فيه من صواب فمن الله وحده، وما كان فيه من خطأ فمني وأستغفر الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ص: 377

تابع لرؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه

قائمة المصادر والمراجع

الأسماء والصفات، أحمد بن حسين البيهقي، تحقيق عبد الله بن محمد الحاشدي، مكتبة السوادي للتوزيع، جدة، المملكة العربية السعودية، ط1، 1413هـ/1993م.

أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن، محمد الأمين الشنقيطي، مطبعة المدني، مصر.

أعلام الموقعين عن رب العالمين، محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، مصر، 1388هـ.

الإبانة عن أصول الديانة، أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، تحقيق عبد القادر الأرنؤوط، مكتبة دار البيان، دمشق، سوريا، ط1، 1401هـ/1981م.

إبطال التأويلات لأخبار الصفات، أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن الفراء، تحقيق محمد بن حمد الحمود، مكتبة دار الإمام الذهبي، الكويت، ط1، 1401هـ.

اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ابن قيم الجوزية محمد بن أبي بكر، تحقيق د/ عواد عبد الله المعتق، مكتبة الرشد، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط2، 1415هـ/1995.

الإشارة إلى سيرة المصطفى، الحافظ مغلطاي، تحقيق محمد نظام الدين الفتيح، دار القلم، دمشق سوريا، الدار الشامية بيروت لبنان، ط1، 1416هـ، 1996م.

الإصابة في تمييز الصحابة، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.

إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ابن القيم، مكتبة المعارف، الرياض.

الإيمان، محمد بن إسحاق بن يحيى بن منده، تحقيق د/علي بن محمد ناصر الفقيهي، من مطبوعات المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية.

اختيار الأولى شرح حديث اختصام الملأ الأعلى - ابن رجب الحنبلي - تحقيق حسين الجمل، مؤسسة الكتب الثقافية بيروت لبنان ط1، 1407هـ.

البحر المحيط، أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي، تحقيق مجموعة من الباحثين، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط1، 1413هـ، 1993م.

ص: 378

البداية والنهاية، أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي، مكتبة المعارف، بيروت، لبنان، ط4، 1401هـ.

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (نقض تأسيس الجهمية) ، شيخ الإسلام بن تيمية أحمد بن عبد الحليم، مطبعة الحكومة، مكة المكرمة، المملكة العربية السعودية، ط1، 1391هـ.

التاريخ الأوسط، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق محمد بن إبراهيم اللحيدان، دار الصميعي، الرياض، ط1، 1418هـ، 1998م.

التاريخ الكبير، عبد الله بن إسماعيل البخاري، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، لبنان، 1407هـ.

تاريخ بغداد، أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.

تاريخ دمشق، علي بن الحسن بن عساكر، تحقيق: محب الدين العمروي، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1415هـ.

التبيان في أقسام القرآن، محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية.

تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف، أبو الحجاج يوسف المزي، تحقيق عبد الصمد شرف الدين، الدار القيمة، بمباي الهند، ط2، 1403هـ، 1983م.

تحفة المريد بشرح جوهرة التوحيد، إبراهيم اللقاني، دار الكتب العلمية، لبنان.

التدوين في أخبار قزوين، عبد الكريم الرافعي، تحقيق عزيز الله العطاردي، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، 1408هـ، 1987م.

تفسير القرآن العظيم، عبد الرحمن ابن أبي حاتم، تحقيق أسعد محمد الطيب، مكتبة نزار الباز، مكة المكرمة، ط1، 1417هـ، 1997م.

تفسير القرآن، إسحاق بن إبراهيم البستي، تحقيق عثمان معلم محمود شيخ علي، رسالة دكتوره بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة.

تفسير الحسن البصري، جمع د/ شير علي شاه، الجامعة العربية، كراتشي باكستان، ط1، 1413هـ، 193م.

تفسير القرآن، أبو المظفر السمعاني، تحقيق ياسر بن إبراهيم وغنيم غنيم، دار الوطن، الرياض، ط1، 1418هـ، 1997م.

التفسير الكبير، فخر الدين محمد بن عمر الرازي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط3.

ص: 379

تفسير النسائي، جمع صبري عبد الخالق الشافعي وآخر، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت لبنان، ط1، 1410هـ، 1990م.

تفسير القرآن العظيم، أبو الفداء إسماعيل بن كثير، دار المعرفة، بيروت، لبنان.

تقريب التهذيب، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق: أبو الأشبال صغير أحمد شاغف الباكستاني، دار العاصمة، ط1، 1416هـ.

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، أبو عمرو يوسف بن عبد الله بن عبد البر، تحقيق: عبد الله بن الصديق، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، ط2، 1399هـ/1979م.

تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة، أبو الحسن علي بن محمد بن عراق، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف وعبد الله محمد الصديق، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط2، 1401هـ.

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل، عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية، الرياض، 1403هـ، 1983م.

تهذيب التهذيب، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، مجلس دائرة المعارف النظامية، الهند، ط1، 1325.

تهذيب الكمال في أسماء الرجال، أبو الحجاج يوسف المزي، تحقيق: بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط5، 1415هـ/1994م.

التوحيد وإثبات صفات الرب عز وجل، محمد بن إسحاق بن خزيمة، تحقيق: عبد العزيز بن إبراهيم الشهوان، مكتبة الرشد، الرياض، ط1، 1408هـ.

التوحيد ومعرفة أسماء الله وصفاته على الاتفاق والتفرق، ابن مندة، تحقيق: د/علي بن محمد بن ناصر فقيهي، الجامعة الإسلامية، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية.

الثقات، محمد بن حبان البستي، دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، الهند.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن، محمد بن جرير الطبري، تحقيق: محمود محمد شاكر، شركة ومكتبة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط3.

الجامع الصحيح، محمد بن إسماعيل البخاري، دار السلام، الرياض، ط1، 1417 هـ، 1997م.

ص: 380

الجامع الصحيح، محمد بن إسماعيل البخاري، طبعة دار السلام، الرياض، المملكة العربية السعودية.

حاشية الصاوي على تفسير الجلالين، أحمد الصاوي المالكي، دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان.

الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، قوام السنة إسماعيل بن محمد الأصبهاني، تحقيق: محمد بن ربيع بن هادي المدخلي، دار الراية، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط1، 1411هـ/1990م.

الدر المنثور في التفسير بالمأثور، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، دار المعرفة، بيروت، لبنان.

درء تعارض العقل والنقل، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: د/ محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود، الرياض، المملكة العرببة السعودية.

الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج، جلال الدين السيوطي، تحقيق أبو إسحاق الحويني، دار ابن عفان، الخبر، ط1، 1416هـ، 1996م.

ذيل طبقات الحنابلة، عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، طبع بذيل طبقات الحنابلة.

الرؤية، علي بن عمر الدارقطني، تحقيق: مبروك إسماعيل مبروك، مكتبة القرآن، القاهرة، مصر.

الرد على الجهمية، عثمان بن سعيد الدارمي، ضمن مجموعة عقائد السلف، منشأة المعارف، الإسكندرية، مصر.

الرد على المريسي، عثمان بن سعيد الدارمي، ضمن مجموعة عقائد السلف، منشأة المعارف، الإسكندرية، مصر.

الرد على من يقول القرآن مخلوق، أحمد بن النجاد، تحقيق: رضا الله محمد إدريس، مكتبة الصحابة، الكويت، 1400هـ.

الروايتين والوجهين (مسائل من أصول الديانات، أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء، تحقيق سعود الخلف، دار البخاري، المدينة النبوية.

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، أبي الفضل شهاب الدين محمود البغدادي الآلوسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.

زاد المعاد في هدى خير العباد، ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط14، 1407هـ.

ص: 381

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، محمد بن يوسف الصالحي، تحقيق عادل عبد الموجود وآخر، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط1، 1414هـ.

السنة، أبو بكر عمرو بن أبي عاصم، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط1، 1400هـ.

السنة، أحمد بن محمد بن هارون الخلال، تحقيق: د/عطية الزهراني، دار الراية، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط1، 1410هـ.

السنة، عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل، تحقيق: د/محمد بن سعيد القحطاني، دار ابن القيم، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط1، 1406هـ.

السنن (مع شرح السيوطي، وحاشية السندي) ، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر النسائي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.

السنن، أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي، تعليق عزت عبيد الدعاس وعادل السيد، نشر وتوزيع محمد علي السيد، حمص، ط1، 1388هـ.

السنن، أبو عبد الله، محمد بن يزيد بن ماجه القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.

السنن، أبو عيسى، محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، تحقيق: أحمد شاكر، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.

السنن، عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.

سير أعلام النبلاء، محمد بن أحمد بت عثمان الذهبي، تحقيق: مجموعة من العلماء، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط2، 1402هـ.

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، هبة الله بن الحسن الطبري اللالكائي، تحقيق: د/أحمد سعد حمدان، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط1.

شرح السنة، حسين بن مسعود بن محمد البغوي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وزهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1394هـ.

شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي، تحقيق:

ص: 382

الشريعة، محمد بن الحسين الآجري، تحقيق: د/ عبد الله بن عمر الدميجي، دار الوطن، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط1، 1418هـ/1997م.

الشفا بمعرفة حقوق المصطفى، القاضي عياض، تحقيق علي محمد البجاوي، دار الكتاب العربي، بيروت لبنان، 1404هـ، 1984م.

صحيح ابن حبان، ترتيب ابن بلبان علاء الدين الفارسي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.

صحيح مسلم بشرح النووي، مسلم بن الحجاج القشيري، دار الفكر، بيروت، لبنان، ط2، 1399هـ.

ظلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بريوت، لبنان، ط1، 1400هـ.

العرش، محمد بن عثمان ابن أبي شيبة، تحقيق محمد بن خليفة التميمي، مكتبة الرشد، الرياض، ط1، 1418هـ، 1998م.

العلل، علي بن عمر الدارقطني، نحقيق محفوظ الرحمن السلفي، دار طيبة، الرياض، ط1، 1406هـ، 1986م.

العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، أبو الفرج، عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، تحقيق: إرشاد الحق الأثري، دار العلوم الأثرية، فيصل أباد، باكستان، ط2، 1401هـ.

الغنية لطالبي طريق الحق، عبد القادر الجيلاني، شركة البابي الحلبي، القاهرة، مصر، ط3، 1375هـ.

فتح الباري، محمد بن علي بن حجر العسقلاني، المكتبة السلفية، القاهرة، مصر.

فتح الملهم، بشير أحمد الديوبندي، مكتبة الحجاز، كراتشي باكستان.

الفتوحات الإلهية، سليمان بن عمر العجيلي، المكتبة التجارية الكبرى، مصر.

الفصول في اختصار سيرة الرسول، إسماعيل بن كثير، مطبعة العلوم، ط1، 1357هـ.

الفوائد المجموعة من الأحاديث الموضوعة، محمد بن علي الشوكاني، نحقيق عبد الرحمن المعلمي، مطبعة السنة المحمدية، 1397هـ.

الكامل في ضعفاء الرجال، أبو أحمد، عبد الله بن عدي الجرجاني، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ط1، 1404هـ.

ص: 383

الكتاب اللطيف لشرح مذاهب أهل السنة، عمر بن أحمد بن شاهين، تحقيق: عبد الله بن محمد البصيري، مكتبة الغرباء، المدينة النبوية، ط1، 1416هـ.

كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة، علي بن أبي بكر الهيثمي، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط1، 1399هـ.

كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، علاء الدين علي بن لامتقى بن حسام الدين الهندي، مؤسسة الرسالة، 1399هـ.

اللآلئي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ط3، 1401هـ.

لسان الميزان، علي بن حجر العسقلاني، مصورة عن طبعة دائرة المعارف بالهند، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان، ط2، 1390هـ.

لوامع الأنوار البهية، محمد بن أحمد الفارييني، مطبعة المدني.

المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين، أبو حاتم، محمد بن حبان بن أحمد بن حبان البستي، تحقيق: محمد إبراهيم زايد، دار الوعي، حلب، سوريا، ط1، 1396هـ.

مجمع البحرين في زوائد المعجمين، نور الدين الهيثمي، تحقيق عبد القدوس محمد نذير، مكتبة الرشد، الرياض، ط1، 1413هـ، 1992م.

مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 1402هـ.

مجموع الفتاوى، شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، دار العربية، بيروت، لبنان.

المحرر الوجيز، عبد الحق بن غالب بن عطية، تحقيق المجلس العلمي بفاس، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المملكة المغربية، 1395هـ، 1975م.

مدارج السالكين، ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 1972م.

المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة، عبد اله بن سلمان الأحمدي، دار طيبة، الرياض، ط2، 1416هـ.

ص: 384

المستدرك على الصحيحين، أبو عبد الله، محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1398هـ.

المسند (البحر الزخار) ، البزار، تحقيق: محفوظ الرحمن زين الله، مؤسسة علوم القرآن، بيروت، لبنان، ط1، 1409هـ.

المسند، الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، دار صادر، بيروت، لبنان.

مصنف عبد الرزاق، عبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، ط2، 1403هـ.

معالم التنزيل، الحسن بن مسعود البغوي، مطابع المنار، ط1.

المعجم الأوسط، سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق: طارق بن عوض الله وعبد المحسن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين، القاهرة، مصر، 1416هـ.

المعجم الكبير، أبو القاسم، سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، الدار العربية، بغداد، العراق، ط1.

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي، تحقيق مجموعة من الباحثين، دار ابن كثير ودار الكلم الطيب، دمشق سوريا، ط1، 1417هـ، 1996م.

مقالات الإسلاميين، أبو الحسن، علي بن إسماعيل الأشعري، تحقيق: محمد محيى الدين، مكتبة النهضة، مصر، 1389هـ.

منهاج السنة، شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، طبع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، المملكة العربية السعودية.

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، أحمد بن محمد القسطلاني، تحقيق صالح أحمد الشامي، المكتب الإسلامي، بيروت لبنان، ط1، 1412هـ، 1991م.

الموضوعات، عبد الرحمن بن محمد بن الجوزي، تحقيق نور الدين بويا جيلار، أضواء السلف، الرياض، ط1، 1418هـ، 1997م.

ميزان الاعتدال، محمد بن أحمد عثمان الذهبي، تحقيق: علي البجاوي، دار المعرفة، بيروت، لبنان.

ص: 385