المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 115 فهرس المحتويات 1- مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في مباحث - مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - جـ ٤٤

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌ ‌العدد 115 فهرس المحتويات 1- مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في مباحث

‌العدد 115

فهرس المحتويات

1-

مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في مباحث من علوم القرآن الكريم وتفسيره

تابع (1)

تابع (2)

تابع (3)

د. شايع بن عبده بن شايع الأسمري

2-

حقيقة السحر وحكمه في الكتاب والسنة

تابع (1)

تابع (2)

الدكتور عواد بن عبد الله المعتق

3-

أحكام اللّمس في الطّهارة اللّمس في الطّهارة

تابع (1)

4-

العلمانية وموقف الإسلام منها

تابع (1)

تابع (2)

د. حمود بن أحمد الرحيلي

5-

أبو تراب الغوي وكتابه الإعتقاب (القسم الثاني)

تابع (1)

تابع (2)

تابع (3) - فهرس المصادر والمراجع

د. عبد الرزاق بن فراج الصاعدي

عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة 1423 هـ / 2002 م

ص: 214

مع الإمام أبي اسحاق الشاطبي في مباحث من علوم القرآن الكريم وتفسيره

إعداد:

د. شايع بن عبده بن شايع الأسمري

الأستاذ المساعد في كلية القرآن الكريم في الجامعة

خطبة البحث

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسولُه.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (1){يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} (2){يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} (3) .

أما بعد: فإن علماء الأندلس لهم مكانةٌ عالية في تاريخ حضارة المسلمين؛ لما قدموه من بحوث قيِّمة في جميع المجالات - دينية ودنيوية - إلا أن هذه المكانة العالية أتت عليها أقدارُ الله تعالى التي لا رادّ لها، فكان مصير هذه الحضارة العالية، والأبحاث القيمة على ثلاثة أقسام:

(1) سورة آل عمران، الآية:102.

(2)

سورة النساء، الآية:1.

(3)

سورة الأحزاب، الآية: 70، 71. وهذه خطبة الحاجة، التي علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وأخرجها طائفة من الأئمة: منهم أبو داود في سننه (2/238، 239) كتاب النكاح، باب خطبة النكاح، ح (2118) ، وابن ماجة في سننه (1/609) كتاب النكاح، باب خطبة النكاح، ح (1892) وصححها الشيخ الألباني. انظر صحيح سنن ابن ماجة (1/319) .

ص: 215

القسم الأول - وهو الأكثر الأعظم - قضى عليه الإفرنج عبدة الصليب وأبادوه، عند استيلائهم على بلاد الأندلس، وإخراج المسلمين منها.

والقسم الثاني: ادّعاه أولئك الأوغاد - النصارى - ونسبوه لأنفسهم، وزعموا أنهم أهل السبق فيه.

والقسم الثالث: بعضه لا زال مدفونا مخطوطا في مكتبات العالم - ولعله الأكثر من هذا القسم - وبعضه أُخرج لكنه لا زال بحاجة إلى دراسة لاستخراج درره ولآلئه، وتنبيه الدارسين عليها؛ علّهم يفيدون منها في حياتهم العملية.

ومؤلفات الإمام أبي إسحاق الشاطبي الغرناطي من غرر ذلك التراث القيم، وما خرج منها فهو لا يزال بحاجة إلى بيان العلوم التي احتوى عليها، وتوجيه الدارسين إلى الإفادة منها، خصوصا الأبحاث المتعلقة بعلوم القرآن الكريم وتفسيره، فإن مؤلفات هذا الإمام قد حوت على جملة مباركة طيبة، لكن لا يعرفها إلا القليل من الباحثين والدارسين، فجاء هذا البحث ليُعرّف ببعض أنواع علوم القرآن الكريم وتفسيره التي اشتملت عليها مؤلفات الإمام أبي إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى، والتي هي في حقيقتها قواعد وأصول عامة، تهدي الدارسين وترشدهم إلى الإفادة من أعظم كتاب أُنزل من عند الله تعالى.

وليوجه أنظار الباحثين والدارسين - من أهل القرآن وعلومه - إلى الاستفادة من مؤلفات الإمام أبي إسحاق الشاطبي، رحمه الله تعالى.

وهو في الوقت نفسه إشادة واعتراف بفضل الإمام أبي إسحاق الشاطبي على أهل القرآن الكريم وعلومه.

هذا وقد سميت هذا البحث "مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في مباحث من علوم القرآن الكريم وتفسيره".

والله تعالى أسأل أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به الباحثين والدارسين، وأن يزيد به الإمام أبا إسحاق الشاطبي رفعة ومكانة.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

1 -

أهمية الموضوع، وسبب اختياره:

ص: 216

إن هذا الموضوع - "مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في مباحث من علوم القرآن الكريم وتفسيره" - له أهمية ويستحق الدراسة؛ لأسباب أشرت إلى بعضها - إجمالاً - في خطبة الكتاب، وأُفصّل أهمها فيما يلي:

1 -

هذا الموضوع يتعلّق بإمام، معدود من المجدّدين في الإسلام بما قدم من أبحاث قيمة في موضوعها ومضمونها.

2 -

هذه الدراسة هي الأولى من نوعها، إذ لا أعلم أنه كُتب حول الإمام أبي إسحاق الشاطبي فيما يتصل بعلوم القرآن الكريم وتفسيره.

3 -

هذه الدراسة ستكون - بإذن الله تعالى - توجيها للباحثين والدارسين في تفسير القرآن الكريم وعلومه إلى الإفادة من كتب الإمام أبي إسحاق الشاطبي؛ لأنّ كثيرًا من الباحثين والدارسين يعدونه من أهل الفقه وأصوله فحسب.

4 -

هذه الدراسة جمعت طائفةً من أصول التفسير وقواعده، وجَعَلَتْها في متناول الباحثين، مع الإشارة إلى مواطنها من كتب الإمام أبي إسحاق الشاطبي لمن أراد الدراسة والتوسع في تلك القواعد والأصول.

5 -

تطرق أبو إسحاق الشاطبي إلى مباحث قيّمة لم يُسبق إليها سواء في أصول التفسير، أو في التفسير، فجاء هذا البحث ليوجه أنظار الدارسين إليها، ويعطيهم صورة صادقة عنها.

2 -

خطة البحث:

يتكون هذا البحث من مقدمة، وثلاثة فصول، وخاتمة.

المقدمة: وتشمل:

1 -

أهمية الموضوع، وسبب اختياره.

2 -

خطة البحث.

3 -

المنهج المتبع في إخراج البحث.

الفصل الأول: عن حياة الإمام أبي إسحاق الشاطبي؛ويشمل - بإيجاز - ما يلي:

1 -

اسم الإمام أبي إسحاق الشاطبي ونسبه.

2 -

مولد الإمام أبي إسحاق الشاطبي ونشأته.

3 -

بعض شيوخ الإمام أبي إسحاق الشاطبي.

4 -

بعض تلاميذ الإمام أبي إسحاق الشاطبي.

5 -

مذهب الإمام أبي إسحاق الشاطبي.

6 -

مقاومة الإمام أبي إسحاق الشاطبي للبدع والمبتدعة.

7 -

ثناء العلماء على الإمام أبي إسحاق الشاطبي.

8 -

آثار الإمام أبي إسحاق الشاطبي العلمية.

ص: 217

9 -

مكانة الإمام أبي إسحاق الشاطبي في علوم القرآن الكريم وتفسيره.

10 -

شعر الإمام أبي إسحاق الشاطبي.

11 -

وفاة الإمام أبي إسحاق الشاطبي، رحمه الله تعالى.

الفصل الثاني: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في مباحث من علوم القرآن الكريم (وفيه اثنا عشر مبحثا) :

المبحث الأول: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في أسباب النزول.

المبحث الثاني: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في الأقوال المحكية في القرآن الكريم.

المبحث الثالث: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في منهج القرآن الكريم في الترغيب والترهيب.

المبحث الرابع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في أقسام العلوم المضافة إلى القرآن الكريم.

المبحث الخامس: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في التفسير الإشاري للقرآن الكريم.

المبحث السادس: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في قوله: إن المدني من السور ينبغي أن يكون منزلاً على المكي في الفهم وكذلك المكي بعضه مع بعض والمدني بعضه مع بعض.

المبحث السابع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في أن تفسير القرآن الكريم يتبع فيه المفسر التوسط والاعتدال ويجتنب فيه الإفراط والتفريط

المبحث الثامن: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في بيان المقصود بالرأي المذموم والرأي الممدوح في تفسير القرآن الكريم.

المبحث التاسع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في حكم ترجمة القرآن الكريم

المبحث العاشر: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في التفسير العلمي للقرآن الكريم

المبحث الحادي عشر: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في أسباب الاختلاف

غير المؤثرة في تفسير القرآن الكريم.

المبحث الثاني عشر: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في وجود المعرَّب في القرآن الكريم.

الفصل الثالث: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في مباحث من تفسير القرآن الكريم (وفيه عشرة مباحث) :

المبحث الأول: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في تفسير القرآن بالقرآن.

المبحث الثاني: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في تفسير القرآن بالسنة.

ص: 218

المبحث الثالث: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في تفسير القرآن بأقوال الصحابة رضي الله عنهم.

المبحث الرابع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في تفسير القرآن بأقوال التابعين وأتباعهم.

المبحث الخامس: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في شيء من تعقيباته وآرائه في التفسير.

المبحث السادس: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في نحو القرآن وبلاغته.

المبحث السابع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في ذكر القراءات وتوجيهها.

المبحث الثامن: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في تفسير آيات العقيدة.

المبحث التاسع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في أحكام القرآن الكريم.

المبحث العاشر: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في الإفادة من أصول الفقه في تفسير القرآن الكريم.

الخاتمة: أهم النتائج التي ظهرت لي من خلال هذا البحث، والتوصيات.

3 -

المنهج المتبع في إخراج البحث:

1 -

تأمّلت في كتب الإمام أبي إسحاق الشاطبي، ودونت كثيرًا من المباحث التي رأيت أن لها صلة بعلوم القرآن الكريم وتفسيره.

2 -

رتبت هذه المباحث على حسب الخطّة المذكورة في الفصلين: الثاني، والثالث.

3 -

قابلت النصوص المنقولة على أصولها المطبوعة للتأكد من سلامة النقل.

4 -

أشرت إلى الكلام المحذوف - أثناء النقل من النصوص - بوضع ثلاث نقاط، وفي هذه الحالة أطلب من القارئ مراجعة الكتاب المنقول منه بقولي: انظر، وأما إذا كان الكلام لم يُحذف منه شيء أشرت إلى المرجع بقولي: الموافقات - مثلاً - ثم أذكر الجزء والصفحة، وهذا في الغالب.

5 -

نقلت من كتب الإمام أبي إسحاق الشاطبي ما يوضِّح عنوان المبحث، وأحلت القارئ على باقي الكلام في الكتاب المنقول منه، وحرصت أن يكون الكلام المنقول هو الزبدة والخلاصة التي يستفيد منهما أهل التفسير وعلوم القرآن.

ص: 219

6 -

كان لي بعض المداخلات والتعليقات على كثير من المباحث تجدها أحيانا في آخر المبحث - تحت عنوان بارز - وقد تكون في أثنائه، وقد تكون في أوله، وقد تكون في الحاشية.

7 -

أشرت إلى اسم السورة، ورقم الآية، في كل الآيات المنقولة - في الأصل - وذلك في الحاشية.

8 -

خرجت الأحاديث والآثار من مظانها، وحرصت أن أذكر كلام أهل العلم على الحديث (تصحيحا، وتحسينا، وتضعيفا) ما لم يكن في الصحيحين، أو أحدهما. وأما الآثار عن الصحابة والتابعين فقمت بتخريجها، وإذا وجدت لأهل العلم عليها كلاما نقلته، وإن لم أجد حاولت إعطاء القارئ شيئا عن حال رجال إسنادها.

9 -

شرحت الكلمات الغريبة، ولم أتوسع في ذلك.

10 -

ترجمت لبعض الأعلام الذين رأيت أنهم يحتاجون لترجمة، ولم أتوسع في هذا الجانب خشية إثقال الحواشي.

11 -

أشرت إلى أماكن بعض النقولات التي نقلها الإمام الشاطبي عن بعض العلماء، وقد أترك البعض، إذ ليس المقام مقام تحقيق فليزم توثيق كل نص من مرجعه، أضف إلى ذلك أنه قد ينقل عن علماء مشافهة، وقد ينقل من مؤلفات هي في عداد المفقود الآن.

12 -

أشرت إلى المباحث التي استفادها بعض المفسرين المتأخرين من كتب الإمام أبي إسحاق الشاطبي، وذلك في الحاشية.

13 -

وثقت القراءات التي ذُكرت في أثناء المباحث من كتب القراءات المعتمدة، وبينت المتواتر منها والشاذ.

14 -

لم أجيء بكل المباحث التي حوتها كتب الإمام أبي إسحاق الشاطبي - مما يتعلق بعلوم القرآن وتفسيره - وإنما جئت بما يعطي القارئ صورة جيدة عن القيمة العلمية، التي حوتها مؤلفات الإمام أبي إسحاق الشاطبي، من علوم القرآن الكريم وتفسيره.

15 -

ذكرت بين يدي الفصلين الثاني والثالث تمهيدًا قصيرًا.

16 -

ذكرت ترجمة موجزة للإمام أبي إسحاق الشاطبي، حرصت أن آتي فيها ببعض الجديد، مثل إظهار مكانة الإمام أبي إسحاق الشاطبي في علوم القرآن الكريم وتفسيره، وغير ذلك مما لا تجده في الدراسات التي سبقتني.

ص: 220

17 -

اعتمدت في نقل كلام الإمام أبي إسحاق من كتابه الموافقات على

النسخة التي حققها الشيخ مشهور بن حسن، وقد أرجع إلى النسخة التي حققها العلاّمة عبد الله دراز عند الحاجة.

18 -

وضعت خاتمة لهذا البحث بينت فيها أهم النتائج التي ظهرت لي خلال المدة التي عشتها مع هذا البحث، مع إبداء بعض التوصيات التي أرجو أن يؤخذ بها.

19 -

وضعت الفهارس اللَاّزمة للإفادة من هذا البحث، وهي على النحو التالي:

1 -

فهرس آيات القرآن الكريم.

2 -

فهرس الأحاديث الشريفة.

3 -

فهرس الآثار.

4 -

فهرس المصادر والمراجع.

5 -

فهرس مواضع البحث.

هذه أهم الركائز التي اتبعتها في إخراج هذا البحث، وأرجو أن أكون قد وُفقت في ذلك.

هذا وقد اجتهدت في السلامة من الزلل، لكنني لا أشك في وقوعه، فأستغفر الله تعالى من ذلك.

وأرجو أن أكون قد أديت شيئا من حق الإمام أبي إسحاق الشاطبي على أهل القرآن الكريم بهذا البحث المتواضع، كما أرجو أن أكون قد أسديت شيئا لمكتبة التفسير وعلوم القرآن الكريم.

وكتبه: شايع بن عبده بن شايع الأسمري

الفصل الأول

عن حياة الإمام أبي إسحاق الشاطبي ويشمل - بإيجاز - ما يلي:

1 -

اسم الإمام أبي إسحاق الشاطبي ونسبه: هو الإمام إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي، أبو إسحاق، الشهير بالشاطبي.

2 -

مولد الإمام أبي إسحاق الشاطبي ونشأته: لم تُسلط - كتب التراجم المعتمدة - الأضواء على مكان ولادته، ولا عن تاريخها، ولا عن كيفيّة نشأته.

إلا أن الذي يبدو - والله أعلم - أن أصله كان من مدينة شَاطِبَة، وأنه ولد في مدينة غرناطة، قبيل سنة 720هـ.

ص: 221

أما عن نشأته: فقد نشأ على حبّ العلم، ومتابعة الدرس منذ نعومة أظفاره، حدثنا هو بذلك في مقدمة كتابه الاعتصام، نقتطف من ذلك قوله: " لم أزل منذ فُتق للفهم عقلي، ووجه شطر العلم طلبي، أنظر في عقلياته، وشرعياته، وأصوله، وفروعه، لم أقتصر منه على علم دون علم، ولا أفردت عن أنواعه نوعًا دون آخر حسبما اقتضاه الزمان والإمكان

" (1) .

3 -

بعض شيوخ الإمام أبي إسحاق الشاطبي: تتلمذ الإمام أبو إسحاق الشاطبي على جماعة من العلماء، ذكر منهم بعض المعاصرين أربعة وعشرين شيخًا، أكتفي بذكر من ذكرهم العلامة أحمد بابا التنبكتي، حيث قال: "أخذ العربية وغيرها عن أئمة منهم الإمام المفتوح عليه في فنها ابن الفخار البيري.والإمام الشريف رئيس العلوم اللسانية أبو القاسم السبتي والإمام المحقق أعلم أهل وقته الشريف أبو عبد الله التلمساني

والإمام علاّمة وقته بإجماع أبو عبد الله المقري

وقطب الدائرة

الإمام الشهير أبو سعيد ابن لب، والإمام الجليل

ابن مرزوق الجد، والعلاّمة المحقّق المدرس الأصولي أبو علي منصور بن محمد الزاوي، والعالم المفسر المؤلف أبو عبد الله البلنسي

والعلامة الرحلة الخطيب أبو جعفر الشقوري

والعالم الحافظ الفقيه أبو العباس القباب، والمفتي المحدّث أبو عبد الله الحفّار، وغيرهم".

4 -

بعض تلاميذ الإمام أبي إسحاق الشاطبي: قال أحمد بابا التنبكتي: "أخذ عنه جماعة من الأئمة كالإمامين العلامتين أبي يحيى بن عاصم الشهير، وأخيه القاضي المؤلف أبي بكر بن عاصم، والشيخ أبي عبد الله البياني، وغيرهم".

قلت: ومن هؤلاء الغير أبو عبد الله محمد بن محمد المجاري الأندلسي، وأبو جعفر أحمد القصار الأندلسي الغرناطي، وأبو الحسن علي بن سمعت، الذي أجازه الإمام الشاطبي إجازة عامة.

(1) الاعتصام (1/31) .

ص: 222

5 -

مذهب الإمام أبي إسحاق الشاطبي: هو مالكي المذهب، يدل على ذلك أن علماء المالكية أدخلوه في عداد طبقاتهم، ولم ينازعهم في ذلك أحد من أهل المذاهب الفقهية الأخرى، ووصفه المعتنين بالتراجم عمومًا بأنه مالكي المذهب.

ومن الأدلة على هذه المسألة أن الإمام الشاطبي - نفسه - قد اعتنى بذكر أقوال الإمام مالك، وغيره من أئمة المذهب، يظهر ذلك جليا من خلال كتبه.

وهذا لا يعني أن الإمام الشاطبي مقلد أعمى متعصب، بل هو يعتمد في فتاواه على المأثور من نصوص الوحي، وأقوال أعلام المذهب المالكي، وإذا لم يظفر بشيء من ذلك في المسألة، يجتهد بانيا على مراعاة مقاصد الشريعة الإسلامية.

وأما مذهب الإمام أبي إسحاق الشاطبي في العقيدة: فهو مذهب أهل السنة والجماعة، المبني على الكتاب والسنة، وذلك في الجملة؛ إذ أنه لم يسلم من الميل إلى رأي الأشاعرة في بعض الصفات - وفي غير الصفات -، فمن ذلك قوله: " والحب والبغض من الله تعالى، إما أن يراد بهما نفس الإنعام أو الانتقام، فيرجعان إلى صفات الأفعال على رأي من قال بذلك، وإما أن يراد بهما إرادة الإنعام والانتقام فيرجعان إلى صفات الذات؛ لأن نفس الحب والبغض المفهومين في كلام العرب حقيقة محالان على الله تعالى

" (1) .

وقال: "

قوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِم} (2) ، {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} (3) وأشباه ذلك إنما جرى على معتادهم في اتخاذ الآلهة في الأرض، وإن كانوا مقرين بإلهيّة الواحد الحقّ، فجاءت الآيات بتعيين الفوق وتخصيصه تنبيها على نفي ما ادَّعوه في الأرض فلا يكون فيه دليل على إثبات الجهة البتة".

(1) الموافقات (2/194) .

(2)

سورة النحل، الآية:50.

(3)

سورة الملك، الآية:16.

ص: 223

وقال: " (فصل) وهل للقرآن مأخذ في النظر على أن جميع سوره كلام واحد بحسب خطاب العباد، لا بحسبه في نفسه؟. فإن كلام الله في نفسه كلام واحد لا تعدّد فيه بوجه ولا باعتبار، حسبما يتبين في علم الكلام".

فأنت ترى في المثال الأول أن الإمام الشاطبي أوّل الحب والبغض بإرادة الإنعام والانتقام، أو أنهما نفس الإنعام والانتقام.

وفي المثال الثاني يؤوّل صفة الفوقية الثابتة في النصوص لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته.

وفي المثال الثالث يجعل كلام الله تعالى معنى قائما بالنفس، مجردًا عن الألفاظ والحروف.

ولا شك أن أبا إسحاق - غفر الله له - قد فاته الصواب في هذه الأمثلة الثلاثة.

6 -

مقاومة الإمام أبي إسحاق الشاطبي للبدع والمبتدعة: أصيب العالم الإسلامي بعد القرون المفضّلة ببعض الانحراف عمّا كان عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكلما ابتعد آخر هذه الأمة عن أولها ازداد ظهور البدع، حتى كان عصر الإمام الشاطبي - رحمه الله تعالى - فزادت هذه الحال سواء في شرق العالم الإسلامي، أم في غربه.

وكانت غرناطة - في عصر الإمام الشاطبي - مجمع فلول الهزائم، وملتقى آفات اجتماعية نشأ عنها انتشار بعض البدع التي أدت إلى ضعف المسلمين.

وكانت هذه الحال لا ترضي الإمام الشاطبي، وهو يعلم أنه مأمور بإنكار المنكر.

فقام في هذا الجانب خير قيام، وألف في ذلك كتابًا حافلاً نصر به سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وقمع به بدع المبتدعين.

وقد تحدث هو بنفسه عن بعض مما قام به في هذا الشأن فقال: "

لم أزل أتتبع البدع التي نبّه عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحذر منها، وبيَّن أنها ضلالة، وخروج عن الجادة، وأشار العلماء إلى تمييزها والتعريف بجملة منها؛ لعلي أجتنبها فيما استطعت، وأبحث عن السنن التي كادت تطفئ نورها تلك المحدثات؛ لعلي أجلو بالعمل سناها، وأُعد يوم القيامة فيمن أحياها

".

ص: 224

وأثنى عليه العلماء بذلك، فمن ذلك قول أحمد بابا التنبكتي: "

حريصًا على اتباع السنة، مجانبًا للبدع والشبهة، ساعيًا في ذلك، مع تثبت تام، منحرف عن كلّ ما ينحو للبدع وأهلها، وقع له في ذلك أمور مع جماعة من شيوخه وغيرهم في مسائل".

هذا ولم يسلم الإمام الشاطبي من ألسنة المبتدعة أعداء السنة فنسبوا إليه ما لم يقل، واتهموه بأشياء هو برئ منها براءة ذئب يوسف عليه السلام.

وقد أشار إلى ذلك بعض من ترجم له، كما تقدم قريبا في كلام التنبكتي.

كما أشار هو إلى شيء من الابتلاء الذي أُصيب به في سبيل قول الحق ورد الباطل.

7 -

ثناء العلماء على الإمام أبي إسحاق الشاطبي: لم تسلط

الأضواء على حياة الإمام أبي إسحاق الشاطبي وفضائله - بما يستحق - وما ذلك - في نظري - إلاّ لأنه خالف مألوف المبتدعة فأحيا السنة وأمات البدعة، وإلاّ فما معنى أن يكتب المقَّري صاحب نفح الطيب صفحات وصفحات كلها إطراء وثناء عن الزنديق الحلولي ابن عربي، فإذا جاء إلى الإمام الشاطبي يكتفي ببعض النقولات من كتبه، ولا يجود علينا بشيء من حياته وإمامته.

ويكتفي آخر - عن الإمام الشاطبي - بقوله: "إبراهيم الشاطبي الغرناطي أبو إسحاق".

ومع ذلك فلا تخلو هذه الأمة ممن يقول الحق فمن ذلك: قول تلميذه أبي عبد الله المجاري: "الشيخ الإمام العلامة الشهير، نسيج وحده، وفريد عصره، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي".

وقال عنه أحمد بابا التنبكتي: "الإمام العلامة، المحقق القدوة، الحافظ الجليل المجتهد، كان أصوليا مفسرًا، فقيها محدثا، لغويا بيانيا، نظارًا ثبتا، ورعا صالحا زاهدًا، سنيا إماما مطلقا، بحاثا مدققا جدليا، بارعا في العلوم، من أفراد العلماء المحققين الأثبات، وأكابر الأئمة المتقنين الثقات

".

وحسبك بشهادة هذين الإمامين الفاضلين، وإنما يعرف الفضل لأهله أهلُه.

وقد تابعهما في الثناء على الإمام أبي إسحاق الشاطبي محمد مخلوف وغيره من المتأخرين.

ص: 225

8 -

آثار الإمام أبي إسحاق الشاطبي العلمية: ألف الإمام أبو إسحاق الشاطبي تآليف نفيسة في موضوعها ومضمونها "اشتملت على تحرير للقواعد، وتحقيقات لمهمات الفوائد" نشير إليها فيما يلي:

1 -

الموافقات: وهو كتاب معدود في أصول الفقه، وكان قد سماه "عنوان التعريف بأسرار التكليف"؛ لأجل ما أُودع فيه من الأسرار التكليفية المتعلقة بهذه الشريعة الحنيفيّة.

لكن بعض شيوخ الشاطبي أخبره برؤيا جعلت الإمام الشاطبي يسمي هذا الكتاب باسم "الموافقات".

وهو كتاب عظيم القدر جليل النفع، أثنى عليه المتقدمون من العلماء، والمتأخرون، وكُتبت حوله الدراسات العلمية، واختصره بعض العلماء، ونظمه بعض تلاميذ المؤلف، وطبع أكثر من طبعة، ولا تكاد تخلو منه مكتبة طالب علم.

2 -

الاعتصام: وهو كتاب في غاية الإجادة، تناول فيه الإمام أبو إسحاق الشاطبي موضوع البدع، وبحثها بحثا علميا، وسبرها بمعيار الأصول الشرعية، بحيث أن من جاء بعد الإمام أبي إسحاق الشاطبي فألف في رد البدع فهو عيال على كتاب الاعتصام، والكتاب لم يتمه مؤلفه، وقد طبع عدّة طبعات.

3 -

الإفادات والإنشادات: وهو كتاب لطيف الحجم يبدؤه المؤلف بإفادة يتبعها بإنشادة، وقد جمع فيه المؤلف طرفا وتحفا وملحا أدبية، وهو مطبوع بتحقيق أبي الأجفان.

4 -

المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية (1) : نسبه إليه تلميذه المجاري باسم "شرح رجز ابن مالك"، وكذلك نسب إليه كتاب الموافقات، والاعتصام، وأشار إليه أحمد بابا التنبكتي بقوله:"شرحه الجليل على الخلاصة في النحو في أسفار أربعة كبار لم يؤلف عليها مثله بحثًا وتحقيقًا فيما أعلم".

وذكر الدكتور أبو الأجفان وجود نسخة من الكتاب بالخزانة الملكية بالرباط برقم (276)، وقال: ويقوم مركز البحوث بجامعة أم القرى بتحقيق هذا الشرح ونشره.

(1) انظر مقدمة الدكتور عياد الثبيتي لتحقيق الكتاب (1/ط، ي) .

ص: 226

قلت: وقفت على مجلدين منه مطبوعين، حققهما الدكتور عيَّاد الثبيتي، ونشرتهما مكتبة دار التراث بمكة المكرّمة عام 1417هـ. تضمنا من النائب عن الفاعل إلى نهاية حروف الجر، وهو شرح حافل يدل على إمامة مؤلفه رحمه الله تعالى في فنّ العربية.

وقد بلغني أن الكتاب سيخرج كاملاً في وقت قريب إن شاء الله تعالى، ويقوم بالإشراف على إخراجه معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى.

5 -

كتاب المجالس: شرح فيه كتاب البيوع من صحيح الإمام البخاري، ذكر ذلك أحمد بابا، وقال:"فيه من الفوائد والتحقيقات ما لا يعلمه إلا الله".

6 -

عنوان الاتفاق في علم الاشتقاق: نسبه إليه أحمد بابا، وإسماعيل باشا.

7 -

أصول النحو: نسبه إليه - أيضا - أحمد بابا، وقال عن الكتابين:"وقد ذكرهما معا في شرح الألفية، ورأيت في موضع آخر أنه أتلف الأول في حياته، وأن الثاني أُتلف أيضا".

8 -

وله فتاوى كثيرة: ذكر ذلك أحمد بابا، وأورد طائفة منها الدكتور أبو الأجفان في مقدمة كتاب الإفادات والإنشادات، وكذلك في آخره، وقد أوردها غيره من المتقدمين، وجمعها أبو الأجفان باسم "فتاوى الإمام الشاطبي".

وقد زاد الدكتور أبو الأجفان كتابا آخر بعنوان "شرح جليل على الخلاصة في النحو"عدّه كتابا، وعدّ "شرح رجز ابن مالك في النحو"كتابا آخر، وتابعه على ذلك الشيخ مشهور بن حسن.

والذي يظهر لي - والله أعلم - أنه كتاب واحد، ذكره تلميذ أبي إسحاق الشاطبي بعنوان:"شرح رجز ابن مالك"، وذكره أحمد بابا فلم يحدد اسمه بل قال:"شرح جليل علىالخلاصة في النحو"، فظنهما الدكتور أبو الأجفان كتابين، وإنما هما كتاب واحد.

ويدل على هذا أن أحدًا من المتقدمين لم يذكر الكتابين معا.

ثم اطلعت بعد كتابة هذه الأسطر على مقدمة الدكتور عياد للمقاصد الشافية فوجدته قد سبقني إلى هذا التنبيه.

ص: 227

9 -

مكانة الإمام أبي إسحاق الشاطبي في علوم القرآن الكريم وتفسيره: الإمام أبو إسحاق الشاطبي برزت مواهبه في أكثر من جانب من جوانب البحث العلمي، فهو فقيه، وأصولي، وعالم بمقالات الإسلاميين، ونحوي بارع، وما من فنّ من هذه الفنون، إلا وله فيه مؤلف يشهد بإمامته، عليه رحمة الله تعالى.

والإمام أبو إسحاق الشاطبي ليس باحثا تقليديا يعيد ما سبق إليه الأوائل، بل هو باحث مجدد ابتكر وأضاف.

إلا أن كتابات هذا الإمام لم يكن شيء منها في علوم القرآن، أو في تفسيره، في حدّ علمي، وأعني أنه لم يخص ذلك بمؤلف خاص.

وإنما تعرض لجانب التفسير وعلوم القرآن من خلال مؤلفاته فجاء في هذا الجانب بفوائد قد لا توجد عند المتخصصين، الذين وهبوا حياتهم لكتاب الله بحثًا في علومه وتفسيره.

ولأجل هذه المباحث القيمة - في علوم القرآن وتفسيره - وصفه علماء التراجم بالإمامة في ذلك، فقال أحمد بابا التنبكتي:"له القدم الراسخ والإمامة العظمى في الفنون فقه-اوأصولاً وتفسيرًا وحديثا، وعربية وغيرها".

ووصفه محمد مخلوف بالفقيه الأصولي، المفسر المحدث.

وكذا قال عنه عمر رضا كحالة.

واستفاد من أبي إسحاق طائفةٌ من الباحثين المتأخرين في تفسير القرآن وعلومه، وهذه شهادة لأبي إسحاق بمعرفته بهذا العلم الجليل. ومن هؤلاء الباحثين:

الدكتور فهد بن عبد الرحمن الرومي، في كتابه "بحوث في أصول التفسير ومناهجه".

والدكتور عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ، في كتابه "تفسير سورة العصر".

والدكتور خالد بن عثمان السبت، في كتابه "قواعد التفسير جمعا ودراسة".

والأستاذ مصطفى إبراهيم المشني، في كتابه "مدرسة التفسير في الأندلس".

والدكتور عبد الوهاب فايد، في كتابه "منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم".

والدكتور محمد حسين الذهبي، في كتابه "التفسير والمفسرون".

والدكتور محمد أشرف الملباري، في تحقيق "نواسخ القرآن"لابن الجوزي.

ص: 228

والدكتور سليمان اللاحم، في تحقيق "الناسخ والمنسوخ"لأبي جعفر النحاس.

والدكتور محمد بن صالح المديفر، في تحقيق "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز"لأبي عبيد القاسم بن سلَاّم.

والدكتور شايع بن عبده الأسمري، في تحقيق "نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام"للإمام القصاب.

والدكتور رمزي نعناعة، في كتابه "بدع التفاسير في الماضي والحاضر".

والدكتور عبد المجيد عبد السلام المحتسب، في كتابه "اتجاهات التفسير في العصر الراهن".

والدكتور محمد الصادق عرجون، في كتابه "القرآن العظيم هدايته وإعجازه في أقوال المفسرين".

والعلامة ابن عاشور في كتابه "التحرير والتنوير".

وعلاّمة الشام في زمانه القاسمي، في كتابه "محاسن التأويل".

والدكتور سعود بن عبد الله الفنيسان، في كتابه "اختلاف المفسرين أسبابه وآثاره".

والعلامة الشيخ عبد العظيم الزرقاني، في كتابه "مناهل العرفان".

والعلامة الشيخ مناع القطان، في كتابه "مباحث في علوم القرآن".

والخلاصة مما تقدم أن الإمام أبا إسحاق الشاطبي له مكانته في التفسير وعلوم القرآن؛ لما يلي:

1 -

لما دونه في مؤلفاته من دقيق المباحث في هذا الجانب.

2 -

لشهادة علماء التراجم له بالإمامة في جانب التفسير.

3 -

لاعتماد طائفة من الباحثين في التفسير وعلوم القرآن على مؤلفات الإمام أبي إسحاق الشاطبي.

10 -

شعر الإمام أبي إسحاق الشاطبي: بلاد الأندلس من البلاد التي اختصّها الله بالجمال في طبيعتها، فأثر ذلك في أبنائها الذين عاشوا على ترابها، وكذلك فيمن قدم إليها من بلاد أخرى، فقالوا الشعر من أعماق نفوسهم دونما تكلّف.

والإمام أبو إسحاق الشاطبي كان ممن ينظم الشعر، ولكن لم تمدنا المصادر بالكثير من نظمه، الذي قال عنه عبد الوهاب بن منصور:"وله أشعار متوسطة مثل أشعار الفقهاء التي هي أنظام في الحقيقة".

قلت: نقل أحمد بابا طائفة منها في كتابه نيل الابتهاج.

ص: 229

ومنها ما أورده أبو إسحاق الشاطبي في كتابه الإفادات والإنشادات في مدح الشفا لَمَّا طلب منه الوزير ابن زمرك ذلك فقال:

يا من سَمَا لمراقي المجد مَقْصَدُه

فَنَفْسُهُ بِنَفِيسِ العِلْمِ قد كَلفت

هَذِي ريَاضٌ يروق العقلَ مخبَرُها

هي الشِّفا لنفوسِ الخلق إن دَنفت

وكان ممن نظم في هذا الغرض جماعة من الأدباء، منهم أبو القاسم بن رضوان، وغيره.

إلا أن الإمام محمد بن العباس التلمساني قد شهد لأبيات أبي إسحاق بأنها أحسن ما قيل في مدح الشفا.

11 -

وفاة الإمام أبي إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى: قال تلميذه أبو عبد الله المجاري: وتوفي رحمه الله في شعبان عام تسعين وسبعمائة. وكذلك قال أحمد بابا، إلا أنه زاد يوم الثلاثاء. وتبعهما على ذكر سنة وفاته كل من جاء بعدهما ممن رأيت.

رحم الله تعالى أبا إسحاق الشاطبي وجمعنا به في مستقر رحمته ودار كرامته.

ص: 230

العلمانية وموقف الإسلام منها

إعداد:

د. حمود بن أحمد الرحيلي

الستاذ المشارك في كلية الدعوة في الجامعة

المقدّمة

الحمد لله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد بن عبد الله الذي تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وعلى آله وأصحابه، ومن نهج نهجهم وسلك سبيلهم إلي يوم الدين.

أما بعد:

فإنه لما كان المسلمون يجمعهم كتاب ربهم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتجمعهم سنة رسوله صلى الله عليه وسلم كانوا أمة واحدة قوية وعزيزة ورائدة.

ولكن لما اتصلت هذه الأمة بالأمم الأخرى ذات الأنماط الحضارية المختلفة، فإن هذه الأمة قد تأثرت بكيد أعدائها من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان والملاحدة حتى أصبح المتأثرون بفكر أولئك الأعداء أمة داخل الأمة الإسلامية.

وما لذلك من سبب سوى البعد عن منهج الله الذي أنزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم هداية ونوراً وإخراجاً للناس من الظلمات إلى النور.

وهذا البحث المتواضع يتناول جانباً مهما وخطيراً من جوانب هذاالتيار الفكري الذي وفد على الأمة الإسلامية واستهدف إبعادها عن عقيدتها وربطها بالفكر المهيمن في هذا العصر البعيد عن هدي الله ومنهج رسوله صلى الله عليه وسلم.

وهذا التيار الذي نحن بصدد الحديث عنه، هو تيار "العلمانية"ذلك المصطلح الغربي الذي يوحي ظاهره أن طريقة الحياة التي يدعو إليها تعتمد على العلم وتتخذه سنداً لها ليخدع الناس بصواب الفكرة واستقامتها. حتى انطلى الأمر على بعض السذج وأدعياء العلم فقبلوا المذهب منبهرين بشعاره، وقد أوصلهم ذلك إلى البعد عن الدين بعداً واضحاً.

وإن من أقوى الأدلة المشاهدة في الرد على العلمانيين هو ما تحقق من تطبيق الشريعة الإسلامية في المملكة العربية السعودية في العصر الحديث من نجاح عظيم في شتى المجالات.

ص: 231

وقد حاولت في هذا البحث إلقاء بعض الضوء على هذا الموضوع وسميته: "العلمانية وموقف الإسلام منها".

خطة البحث

وقد جعلت البحث في مقدمة وخمسة فصول وخاتمة:

وقد اشتملت المقدمة على أهمية الموضوع والخطة ومنهجي في البحث.

والفصل الأول: في تعريف العلمانية ومفهومها، وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: تعريف العلمانية في اللغة والاصطلاح.

والمبحث الثاني: التضليل والخداع في تسميتها.

والمبحث الثالث: مراحل العلمانية أو صورها.

والفصل الثاني: في أسباب ظهورها ونشأتها وآثارها في الغرب، وفيه مبحثان:

المبحث الأول: أسباب ظهور العلمانية وظروف نشأتها في الغرب، ويشتمل على ما يلي:

أولاً: طغيان رجال الكنيسة.

ثانياً: الصراع بين الكنيسة والعلم.

ثالثاً: الثورة الفرنسية.

رابعاً: نظرية التطور.

خامساً: طبيعة التعاليم النصرانية.

سادساً: دور اليهود.

المبحث الثاني: آثار العلمانية في الغرب.

والفصل الثالث: الإسلام يتنافى مع العلمانية.

والفصل الرابع: في عوامل انتقالها إلى العالم الإسلامي وآثارها السيئة عليه، وفيه مبحثان:

المبحث الأول: عوامل انتقالها إلى العالم الإسلامي، ويشتمل على ما يلي:

أولاً: انحراف كثير من المسلمين عن العقيدة الصحيحة.

ثانياً: الاستعمار الغربي والشرقي.

ثالثاً: الغزو الفكري.

رابعاً: المستشرقون.

خامساً: المنصّرون.

سادساً: الأقليات غير المسلمة داخل المجتمعات الإسلامية.

سابعاً: تقدم الغرب الهائل في مضمار العلم المادي.

ثامناً: البعثات إلى الخارج.

المبحث الثاني: في آثارها السيئة على العالم الإسلامي.

والفصل الخامس: في موقف الإسلام من العلمانية، وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: حكم الإسلام من العلمانية.

المبحث الثاني: عمد وقواعد العلمانية وتفنيدها.

المبحث الثالث: التطبيق العملي للإسلام.

وأما الخاتمة فقد أوجزت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها في البحث.

ص: 232

هذا وقد عزوت الآيات الكريمة إلى السور مع ترقيمها، كما خرجت الأحاديث النبوية الواردة في البحث، وشرحت معاني الكلمات الغريبة، كما عزوت ما تناولته في البحث إلى المصادر والمراجع التي رجعت إليها في هذاالشأن.

هذا. وأحبُّ أن أنبه بأن ما نقلته عن كتب في هذه السلسلة لا يعني موافقتي لأصحابها في المنهج، وإنما كان ذلك لحاجة هذه الأبحاث لمثل تلك المراجع، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها.

وقد ألحقت بهذا فهرساً للآيات الكريمة، وفهرساً للأحاديث والآثار، وقائمة بأسماء المصادر والمراجع مرتبة حسب حروف الهجاء مبيناً اسم المؤلف والطبعة وتاريخ النشر ما أمكن، وقائمة أخرى للموضوعات.

وإنه على الرغم من كثرة الكتابات عن العلمانية إلا أني قد بذلت جهداً في إضافة فوائد مهمة كعمد العلمانية وتفنيدها، وتوضيح آثارها، وبيان موقف الإسلام منها على التفصيل، مبتعداً عن الاستطرادات المملة والاختصارات المخلة.

وأسأل الله جلت قدرته أن أكون قد وفقت فيما كتبت، وأن يتجاوز عن التقصير إنه ولي ذلك والقادر عليه.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الفصل الأول

تعريف العلمانية ومفهومها

المبحث الأول

تعريف العلمانية في اللغة والاصطلاح

العلمانية لغة: لم توجد لفظ العلمانية في معاجم اللغة العربية القديمة، وقد وردت في بعض المعاجم الحديثة ومن ذلك:

أ– ما ورد في معجم المعلم البستاني: "العلماني: العامي الذي ليس بإكليريكي".

ب- وفي المعجم العربي الحديث: "علماني: ما ليس كنسياً ولا دينياً".

ج- وفي المعجم الوسيط "العلماني نسبة إلى العَلم بمعنى العالم، وهو خلاف الديني أو الكهنوتي".

ولعل المعنى الصحيح لترجمةكلمة "العلمانية"هى "اللادينية"أو "الدنيوية" وليس المعنى ما يقابل الأخروية فحسب، بل بمعنى ما لا صلة له بالدين، يتضح ذلك مما تورده دوائر المعارف الأجنبية للكلمة:

ص: 233

تقول دائرة المعارف البريطانية: "هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس عن الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بالحياة الدنيا وحدها".

وتقول دائرة المعارف الأمريكية: "الدنيوية هى: نظام أخلاقي أسس على مبادئ الأخلاق الطبيعية ومستقل عن الديانات السماوية أو القوى الخارقة للطبيعة..".

والتعبير الشائع في الكتب الإسلامية المعاصرة هو فصل الدين عن الدولة.

وهو في الحقيقة لا يعطي المدلول الكامل للعلمانية الذي ينطبق على الأفراد وعلى السلوك الذي قد لا يكون له صلة بالدولة.

والعلمانية في الاصطلاح:

هي دعوة إلى إقامة الحياة على غير الدين، وتعنى في جانبها السياسي بالذات اللادينية في الحكم، وهى اصطلاح لا صلة له بكلمة العلم والمذهب العلمي.

ولاشك أن كلمة العلمانية اصطلاح جاهلي غربي يشير إلى انتصار العلم على الكنيسة النصرانية التي حاربت التطور باسم الدين.

ومن هذا يتضح لنا أنه لا علاقة لكلمة العلمانية بالعلم، وإنما علاقتها قائمة بالدين على أساس سلبي وهو نفي الدين عن مجالات الحياة: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والفكرية

الخ.

المبحث الثاني

التضليل والخداع في تسميتها

وقد أدرك أعداء الإسلام أن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة بما قرراه من تشريع هما مصدر قوة المسلمين، وأنه لا أمل في القضاء على الإسلام والمسلمين مادام المسلمون يطبقون إسلامهم تطبيقاً عملياً في كل حياتهم.

ومن هنا وضعوا أسلوبا جديداً لمقاومة الإسلام وهو: محاولة إبعاده عن مجال الحياة وإحلال القوانين الوضعية الغربية مكانه، ليصلوا بذلك إلى ما يريدون من هدم العقيدة الإسلامية، وإخراج المسلمين من التوحيد إلى الشرك.

وهذا ما قصده أعداء الإسلام حين نادوا في المجتمعات الإسلامية بفكرة إبعاد الإسلام عن مجال التطبيق، والاستعاضة عنه بنظام الغرب وقوانينه. وهو ما عرف في التاريخ "بالفصل بين الدين والدولة".

ص: 234

وإمعاناً في التضليل والخداع سماها الفكر الغربي "بالعلمانية"وهو اصطلاح يوحي بأن لها صلة بالعلم حتى ينخدع الآخرون بصواب الفكرة واستقامتها، فمن الذي يقف في وجه دعوة تقول للناس إن العلم أساسها وعمادها.

ومن هنا انطلى الأمرُ على بعض السذج وأدعياء العلم، فقبلوا المذهب منبهرين بشعاره دون أن ينتبهوا إلى حقيقته وأبعاده.

والحق أن الإسلام لا يصدُّ عن العلم والانتفاع به، ولكن أي علم هذا الذي يدعيه دعاة العلمانية، ويزعمون أنه سندها وأساسها؟. إنه العلم الذي يكون بعيداً عن الدين أو الفصل الكامل بين الدين والحياة.

والعلمانية بهذا المفهوم تعتبر في ميزان الإسلام مفهوماً جاهلياً؛ إذ تعني عزل الدين عن شئون الحياة، وذلك أن الإسلام دين متكامل جاء لينظم الحياة بأوجه نشاطها ويوجه الناس إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة، وإبعاد الدين عن الحياة وعن شئون الدنيا، وعزله عن العقيدة والشريعة والاقتصاد والسياسة والتعليم والأسرة والمجتمع وغيرها، إنما يعني في الإسلام الكفر وحكم الجاهلية والصد عن سبيل الله، وتعطيل حدوده.

كما أن اسم "العلمانية"يوحي بأن العلم والدين ضدان وإن الصراع قائم بينهما، كما يوحي بأن الدين لا علاقة له بالدنيا، وأن التمسك به يعني التأخر والرجعية والجهل، وهذا خطأ فاحش لأن الدين - الذي هو الإسلام - هو دين العلم والسعادة والتقدم، وهذا لا يخفى على الغربيين أنفسهم - فضلاً عن المسلمين - إن الإسلام هو الذي فتح لهم آفاق العلم والاختراع والتقدم والحضارة.

والسبب الأول في تسمية هذا المذهب بالعلمانية، هو ما فعله رجال الكنيسة النصرانية الذين وقفوا ضد التحضر والتقدم في الغرب زاعمين أن الدين يحرم العلم التجريبي والاختراعات والاكتشافات الناتجة عنه.

المبحث الثالث

مراحل العلمانية أو (صورها)

ذهب البعض إلى أن الفكر العلماني الأوروبي مرَّ بمرحلتين:

المرحلة أو (الصورة) الأولى:

ص: 235

مرحلة العلمانية المعتدلة، وهي مرحلة القرنين السابع عشر والثامن عشر - وهى وإن اعتبر الدين فيها أمراً شخصياً - لا شأن للدولة به إلا أن على الدولة - مع ذلك - أن تحمي الكنيسة، وبالأخص في جباية ضرائبها. والتفكير العلماني في هذه المرحلة وإن طالب بتأكيد الفصل بين الدولة والكنيسة إلا أنه لم يسلب المسيحية كدين من كل قيمة لها. وإن كان ينكر فيها بعض تعاليمها، ويطالب بإخضاع تعاليم المسيحية إلى العقل، وإلى مبادئ الطبيعة مما نشأ عنه المذهب المعروف باسم مذهب الربوبيين، وهو مذهب يعترف بوجود الله كأصل للعالم، ولكنه ينكر الإعجاز والوحي وتدخل الله في العالم.

ومن دعاة هذه المرحلة: فولتير (1694-1713م) في فرنسا، وشفتسيري (1671-1713م) في إنجلترا، وليسنج (1729-1781م) في ألمانيا، والفيلسوف الإنجليزي جون لوك (1632-1714م) ، وهوبز (1588-1679م) ، وديكارت، وبيكون، وسبينوزا، وجان جاك روسو، وأضرابهم.

المرحلة أو (الصورة) الثانية:

وهي مرحلة العهد المادي أو ما يسمى بالثورة العلمانية، وهى مرحلة القرن التاسع عشر ومابعده، وعلمانية هذه المرحلة هى مرحلة إلغاء الدين - أي دين إلغاءً كلياً وعدم الإيمان بالأمور الغيبية - وليس فصلاً بينه وبينه الدولة كما هو المفهوم في المرحلة الأولى، واعتبار أن الموجود الحقيقي هو المحسوس فقط، والدافع عليها هو الاستئثار بالسلطة، ولذلك كانت العلمانية غير مساوية لمفهوم الفصل بين الكنيسة والدولة، بل كانت إلغاء للدين كمقدمة ضرورية إلى السلطة المنفردة التي هى سلطة جماعة العمل أو المجتمع أو الدولة أو الحزب حسب تحديد بعض هؤلاء الشيوعيين اليساريين.

ومن دعاة هذه المرحلة: هيجيل وفيرباخ وكارل ماركس وأضرابهم.

الفصل الثاني

أسباب ظهور العلمانية وآثارها في الغرب

المبحث الأول

أسباب ظهور العلمانية وظروف نشأتها في الغرب

ويشتمل على ما يلي:

أولاً: طغيان رجال الكنيسة:

ص: 236

لقد عاشت أوروبا في القرون الوسطى فترة قاسية، تحت طغيان رجال الكنيسة وهيمنتهم، وفساد أحوالهم، واستغلال السلطة الدينية لتحقيق أهوائهم، وإرضاء شهواتهم، تحت قناع القداسة التي يضفونها على أنفسهم، ويهيمنون بها على الأمة الساذجة، ثم اضطهادهم الشنيع لكل من يخالف أوامر أو تعليمات الكنيسة المبتدعة في الدين، والتي ما أنزل الله بها من سلطان، حتى لو كانت أموراً تتصل بحقائق كونية تثبتها التجارب والمشاهد العلمية.

وقد شمل هيمنة الكنيسة النواحي الدينية، والاقتصادية، والسياسية، والعلمية، وفرضت على عقول الناس وأموالهم وتصرفاتهم وصاية لا نظير لها على الإطلاق وسنعرض إلى شيء من ذلك بإيجاز:

أ - الطغيان الديني:

1-

إنَّ الإيمان بالله الواحد الأحد، الذي لا إله غيره ولا معبود بحق سواه، وإن عيسى عبد الله ورسوله، قد تحول في عقيدة النصارى إلى إيمان باله مثلث يتجسد، أويحلُّ بالإنسان ذي ثلاثة أقانيم (الأب والابن ورح القدس) .

وذلك أنه منذ مجمع نيقية سنة 325م والكنيسة تمارس الطغيان الديني والإرهاب في أبشع صوره، ففرضت بطغيانها هذا عقيدة التثليث قهراً، وحرّمت ولعنت مخالفيها، بل سفكت دماء من ظفرت به من الموحدين، وأذاقتهم صنوف التعذيب وألوان النكال.

وتتفق المصادر على أن اليد الطولى في تحريف العقيدة النصرانية تعود إلى بولس "شاؤل"اليهودي، وهو الذي أثار موضوع ألوهية المسيح لأول مرة مدعياً أنه ابن الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

2-

والعبادات قد دخلت فيها أوضاع بشرية كنسية مبتدعة، وهذه المبتدعات حمّلها النصارى مفاهيم غيبية، وفسّروها بأن لها أسراراً مقدسة، وجعلوا لها طقوساً تُمارس في مناسباتها، ويجب احترامها والتقيد بها.

3-

والأحكام التشريعية معظمها أوامر وقرارات كنسية بابوية، ما أنزل الله بها من سلطان، وهى تُحلّلُ وتُحرِّم من غير أن يكون لها مستند من كتاب الله، أو من سنة رسوله عليه الصلاة والسلام.

ص: 237

ونصّبت الكنيسة نفسها عن طريق المجامع المقدسة "إلهاً"يُحلُّ ويُحرِّمُ، ينسخُ ويضيف، وليس لأحد حق الاعتراض، أو على الأقل حق إبداء الرأي كائناً من كان، وإلا فالحرمان مصيره، واللعنة عقوبته؛ لأنه كافر ((مهرطق)) .

وقد كان الختان واجباً فأصبح حراماً، وكانت الميتة محرمة فأصبحت مباحة، وكانت التماثيل شركاً ووثنية فأصبحت تعبيراً عن التقوى، وكان زواج رجال الدين حلالاً فأصبح محظوراً، وكان أخذ الأموال من الأتباع منكراً فأصبحت الضرائب الكنسية فرضاً لازماً، وأمورٌ كثيرة نقلتها المجامع من الحل إلى الحرمة أو العكس دون أن يكون لديها من الله سلطان، أو ترى في ذلك حرجاً.

وأضافت الكنيسة إلى عقيدة التثليث عقائد وآراء أخرى تحكم البديهة باستحالتها ولكن لا مناص من الإيمان بها والإقرار بشرعيتها على الصورة التي توافق هوى الكنيسة.

بعض شعائر المسيحية:

ومن شعائر المسيحية الحالية والتي هى خليط من وثنيات العالم القديم ما يلي:

1-

التعميد: وطريقته هى: رش الماء على الجبهة أو غمس أي جزء من الجسم في الماء، ويكثر أن يغمس الشخص كله في الماء، ولابد أن يقوم بهذه العملية كاهن يعمد الإنسان باسم الأب والابن وروح القدس، ولا يقوم غير الكهنة بالتعميد إلا للضرورة، وحينئذ يسمى التعميد:"تعميد الضرورة".

2-

العشاء الرباني: ويرمز به إلى عشاء عيسى الأخير مع تلاميذه إذ اقتسم معهم الخبز والنبيذ، والخبز يرمز إلى جسد المسيح الذي كُسِّرَ لنجاة البشرية، أما الخمر فيرمز إلى دمه الذي سفك لهذا الغرض، ويُستعمل في العشاء الرباني قليل من الخبز وقليل من الخمر لذكرى ما فُعل بالمسيح ليلة موته وكذلك ليكون هذا طعاماً روحياً للمسيحيين، فمن أكل هذا الخبز وشرب هذا الخمر استحال الخبز إلى لحم المسيح والخمر إلى دمه فيحصل امتزاج بين الآكل وبين المسيح وتعاليمه إلى غير ذلك من المزاعم الباطلة.

ص: 238

3-

تقديس الصليب وحمله: إن تقديس الصليب عند المسيحيين سبق صلب المسيح نفسه، فقد ورد عن المسيح قوله:"إن أراد أحدٌ أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني".

ومعنى حمل الصليب عندهم هو الاستهانة بالحياة والاستعداد للموت في أبشع صورة، أي صلبا على خشبة كما يفعل بالمجرمين والآثمين، وقويت فكرة تقديس الصليب بعد صلب عيسى -على زعمهم- فأصبح أداة تذكر المسيحيين بالتضحية الضخمة التي قام بها المسيح من أجل البشر. (1) وقولهم هذا باطل، قال تعالى:{وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} (2) .

4-

عقيدة الخطيئة الموروثة: وأساس هذا الموضوع عند المسيحيين أن من صفات الله العدل والرحمة، وبمقتضى صفة العدل كان على الله أن يعاقب ذرية آدم بسبب الخطيئة التي ارتكبها أبوهم، وطُرد بها من الجنة، واستحق هو وأبناؤه البعد عن الله بسببها، وبمقتضى صفة الرحمة كان على الله أن يغفر سيئات البشر، ولم يكن هناك من طريق للجمع بين العدل والرحمة إلا بتوسط ابن الله ووحيده وقبوله في أن يظهر في شكل إنسان، وأن يعيش كما يعيش الإنسان، ثم يصلب ظلماً ليكفّر عن خطيئة البشر.

(1) انظر: المسيحية لأحمد شلبي ص 170 - 171، والنصرانية لأبي زهرة ص 129-130.

(2)

سورة النساء، الآيتان (157- 158) .

ص: 239

وقد ورد في العهد الجديد ما نصه: "وإن ابن الإنسان قد جاء ليخلص ما قد هلك، فبمحبته ورحمته قد صنع طريقاً للخلاص، لهذا كان المسيح هو الذي يكفّر عن خطايا العالم، وهو الوسيط الذي وفق بين محبة الله تعالى وبين عدله ورحمته، إذ إن مقتضى العدل أن الناس كانوا يستمرون في الابتعاد عن الله بسبب ما اقترف أبوهم، ولكن باقتراف العدل والرحمة وبتوسط الابن الوحيد، وقبوله للتكفير عن خطايا الخلق، قرب الناس من الرب بعد الابتعاد".

فهذه الأناجيل تذكر أن أهم الأغراض التي ظهر من أجلها المسيح ابن مريم أو المسيح ابن الله - على زعمهم - هو أن يكفر بدمه الخطيئة التي ارتكبها آدم عليه السلام والتي انتقلت بطريق الوراثة إلى جميع نسله، وأنه صلب بالفعل، فحقق بذلك أهم غرض ظهر من أجله.

والقرآن يرد على هذه الفرية، ويبين أن آدم عليه السلام قد أناب إلى الله تعالى واستغفر من خطيئته التي ارتكبها إذ أكل من الشجر فغفرها الله له، وأن الخطيئة لا يحمل وزرَها غير مقترفها، قال تعالى:{وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (1) .

وقال تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (2) .

وقال عز وجل: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} (3) .

كما أن الوزر لا يحمل تبعته إلا من اقترفه قال تعالى: {

أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} (4) .

وعززت الكنيسة سلطتها الدينية الطاغية بادعاء حقوق لا يملكها إلا الله؛ مثل: حق الغفران، وحق الحرمان، وحق التحلة، ولم تتردد في استعمال هذه الحقوق واستغلالها.

صكوك الغفران والحرمان:

(1) سورة فاطر، الآية (18) .

(2)

سورة البقرة، الآية (37) .

(3)

سورة طه، الآيتان (121 -122) .

(4)

سورة النجم، الآيتان (38-39) .

ص: 240

فأما غفران الذنوب فقد أصبح بدعة عجيبة، وذلك أنه إذا أراد البابا أن يبني كنيسة أو يجمع مالاً لشيءٍ ما؛ طبع صكوك الغفران ووزعها على أتباعه ليبيعوها للناس؛ كالذين يبيعون أسهم الشركات. وبالصك فراغٌ تُرِكَ ليُكتب به اسم الذي سيغفر ذنبه، والعجيب أن هذا الصك يَغفر لمشتريه ما تقدم من الذنوب وما تأخر، فهو بعبارة أخرى إذن بارتكاب كل الجرائم بعد أن ضُمنت الجنة لهذا المحظوظ.

الاعتراف:

ولم تقف قضية غفران الذنوب عند هذه الصكوك، بل سرعان ما دخلها عنصر جديد فاضح ذلك ما يسمى "الاعتراف"فكان على المذنب أن يعترف بذنبه، في خلوة مع قسيسه؛ ليستطيع هذا القسيس أن يغفر له ذنبه، وفي خلوات الاعتراف حدثت أشياء يقشعر له الوجدان.

وأما حق التحلة فهو حق خاص يبيح للكنيسة أن تخرج عن تعاليم الدين وتتخلى عن الالتزام بها متى اقتضت المصلحة - مصلحتها هى -ذلك.

حياة الرهبنة:

قال تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} (1) .

قال ابن كثير - رحمه الله تعالى - عند قوله تعالى: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} "أي فما قاموا بما التزموه حق القيام، وهذا ذم لهم من وجهين:

أحدهما: الابتداع في دين الله مالم يأمر به الله.

والثاني: في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله عز وجل".

وتمارس حياة الرهبنة داخل الأديرة بالانقطاع عن الحياة العامة، وبالامتناع عن الزواج وتضم الراهبين والراهبات، وكأي حياة تنافي الفطرة وتلغيها، شهدت الأديرة أحط ألوان الفسوق بما نمسك عنه.

(1) سورة الحديد، الآية (27) .

ص: 241

إلى غير ذلك من العقائد والمبتدعات النصرانية التي فرضتها الكنيسة على أتباعها، وكل هذه العقائد واضح بطلانها بحمد الله في العقيدة الإسلامية، وإنَّ ديناً من هذا القبيل هو مقطوع الصلة بما أنزل الله تعالى من الحق، وغير صالح لأن يكون له سلطان على العقول البشرية في عصور التنور الفكري، والتقدم الحضاري، وانتشار العلوم والمعارف.

ب- الطغيان المالي:

إن المتأمل في الأناجيل - على الرغم من تحريفها - يجد أنها لم تنه عن شيء كنهيها عن اقتناء الثروة والمال.

جاء في إنجيل متى: "لا تقتنوا ذهباً ولا فضةً ولا نحاساً في مناطقكم ولا مزوداً للطريق ولا ثوبين ولا أحذية ولا عصا ".

وجاء في إنجيل مرقص: "مرور جملٍ من ثقب إبرةٍ أيسر من أن يدخل غنيٌ إلى ملكوت الله".

وجاء في إنجيل لوقا: "لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون، ولا للجسد بما تلبسون، الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس، تأملوا الغربان، إنها لا تزرع ولا تحصد، وليس لها مخدع ولا مخزن، والله يقيتها، كم أنتم بالحرى أفضل من الطيور".

إلا أن القرون التالية قد شهدت مفارقة عجيبة بين مفهوم الكنيسة عن الدنيا وبين واقعها العملي، حتى صار جمع المال والاستكثار من الثروات غاية لديهم، فتهالك رجال الدين على جمع المال والإسراف والبذخ والانغماس في الشهوات والملذات.

ويمكن إيجاز مظاهر الطغيان الكَنَسِيّ في هذا المجال فيمايلي:

1-

الأملاك الإقطاعية:

ص: 242

يقول ديورانت: "أصبحت الكنيسة أكبر ملاك الأراضي وأكبر السادة الإقطاعيين في أوروبا، فقد كان دير "فلدا"مثلاً يمتلك (15000) قصر صغير، وكان دير "سانت جول"يملك (2000) من رقيق الأرض، كان "الكوين فيتور"أحد رجال الدين سيداً لعشرين ألفاً من أرقاء الأرض، وكان الملك هو الذي يعين رؤساء الأساقفة والأديرة

وكانوا يقسمون يمين الولاء لغيرهم من الملاك الإقطاعيين ويلقبون بالدوق والكونت وغيرها من الألقاب الإقطاعية

وهكذا أصبحت الكنيسة جزءاً من النظام الإقطاعي.

وكانت أملاكها الزمنية: أي المادية، وحقوقها والتزاماتها الإقطاعية مما يجلل بالعار كل مسيحي متمسك بدينه، وسخرية تلوكها ألسنة الخارجين على الدين ومصدراً للجدل والعنف بين الأباطرة والبابوات".

2-

الأوقاف:

كانت الكنيسة تملك المساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية باعتبارها أوقافاً للكنيسة، بدعوى أنها تصرف عائداتها على سكان الأديرة، وبناء الكنائس، وتجهيز الحروب الصليبية، إلا أنها أسرفت في تملك الأوقاف حتى وصلت نسبة أراضي الكنيسة في بعض الدول إلى درجة لا تكاد تصدق، وقد قال المصلح الكنسي "ويكلف"- وهو من أوائل المصلحين -:"إن الكنيسة تملك أراضي إنجلترا وتأخذ الضرائب الباهظة من الباقي، وطالب بإلغاء هذه الأوقاف واتهم رجال الدين بأنهم "أتباع قياصرة لا أتباع الله".

3-

العشور:

فرضت الكنيسة على كل أتباعها ضريبة (العشور) وبفضلها كانت الكنيسة تضمن حصولها على عشر ما تغله الأراضي الزراعية والإقطاعيات، وعشر ما يحصل عليه المهنيون وأرباب الحرف غير الفلاحين ولم يكن في وسع أحد أن يرفض شيئاً من ذلك فالشعب خاضع تلقائياً لسطوتها (1) .

4-

ضريبة السنة الأولى:

(1) المرجع السابق (2 / 380) .

ص: 243

لم تشبع الأوقاف والعشور نهم الكنيسة الجائع، وجشعها البالغ، بل فرضت الرسوم والضرائب الأخرى، لاسيما في الحالات الاستثنائية؛ كالحروب الصليبية والمواسم المقدسة، وظلت ترهق بها كاهل رعاياها، فلما تولى البابا حنا الثاني والعشرون جاء ببدعة جديدة هى "ضريبة السنة الأولى"وهى مجموعة الدخل السنوي الأول لوظيفة من الوظائف الدينية أو الإقطاعية تدفع للكنيسة بصفة إجبارية، وبذلك ضمنت الكنيسة مورداً مالياً جديداً (1) .

5-

الهبات والعطايا:

وكانت الكنيسة تحظى بالكثير من الهبات التي يقدمها الأثرياء الإقطاعيون للتملق والرياء، أو يهبها البعض بدافع الإحسان والصدقة. وقد قويت هذه الدوافع بعد مهزلة صكوك الغفران، إذ انهالت التبرعات على الكنيسة، وتضخمت ثروات رجال الدين تضخماً كبيراً.

هذا. ولا ننسى المواسم المقدسة والمهرجانات الكنيسية التي كانت تدرُّ الأموال الطائلة على رجال الكنيسة؛ فمثلاً في سنة 1300م عقد مهرجان لليوبيل واجتمع له جمهور حاشد من الحجاج في روما بلغ من انهيال المال إلى خزائن البابوية أن ظل موظفان يجمعان بالمجاريف الهبات التي وضعت عند قبر القديس بطرس.

6-

العمل المجاني "السخرة":

لم تقنع الكنيسة بامتلاك الإقطاعيات برقيقها وما يملكه بعض رجال الدين من آلاف الأرقاء، بل أرغمت أتباعها على العمل المجاني في حقولها وفي مشروعاتها، ولاسيما بناء الكنائس والأضرحة وكان على الناس أن يرضخوا لأوامرها ويعملوا بالمجان لمصلحتها مدة محدودة، هى في الغالب يَوْمٌ واحِدٌ في الأسبوع، ولا ينالون مقابل ذلك جزاءً ولا شكورا.

وبهذا يتبين لنا أن الانحراف والفساد الديني والاجتماعي قد وصل على يد الكنيسة النصرانية ورجالها وتعاليمها المزيفة إلى حد لم يعد يتحمله الناس ولا تطيقه فطرة البشر، حيث شقيت أوروبا برجال الدين الدجالين، وبتسلطهم ونفوذهم باسم الدين، وباسم الرب.

ج-الطغيان السياسي:

(1) معالم تاريخ الإنسانية (3/913) .

ص: 244

أما الطغيان السياسي فقد بلغت سلطة البابا الدينية المهيمنة على ذوي السلطة الإدارية والسياسية أوجها، حتى كان باستطاعة البابا أن يتوج الملوك والأباطرة، وأن يخلع تيجانهم إذا نازعوه ورفضوا أوامره، وأن يحرمهم من الدين، وأن يحرم شعوبهم الذين يوالونهم، ولايستجيبون لأوامر الخلع البابوية.

حتى إن البابا "جريجوري"السابع خلع الإمبراطور الألماني "هنري" الرابع وحرمه، وأحلَّ أتباعه والأمراء من ولائهم له، وألبهم عليه، فعقد الأمراء اجتماعاً قرروا فيه أنه إذا لم يحصل الإمبراطور على مغفرة البابا فإنه سيفقد عرشه إلى الأبد، فاضطر هذا الإمبراطور حفاظاً على عرشه أن يسعى لاسترضاء البابا سنة (1077م) فاجتاز جبال الألب في شتاء بارد مسافراً إلى البابا الذي كان في قلعته بمرتفعات "كانوسا"في "تسكانيا"وظل واقفاً في الثلح في فناء القلعة ثلاثة أيام، وهو في لباس الرهبان، متدثراً بالخيش، حافي القدمين، عاري الرأس، يحمل عكازه مظهراً ندمه وتوبته، حتى ظفر بعفو البابا، وحصل على رضاه.

ثانياً: الصراع بين الكنيسة والعلم:

الصراع بين الدين والعلم مشكلة من أعمق وأعقد المشكلات في التاريخ الفكري الأوروبي إن لم تكن أعمقها على الإطلاق.

وذلك أن الكنيسة كانت هي صاحبة السلطة طوال القرون الوسطى في أوروبا حتى قامت النهضة العلمية هناك.

وفي هذه الأثناء وقعت الحروب الصليبية بين المسلمين والأوروبيين، واستمرت طوال القرنين الحادي عشر، والثاني عشر الميلادي، واحتك الصليبيون خلالها بالمسلمين ووقفوا عن كثب على صفات الإسلام وروعته في جميع مجالات العلوم والفنون، في الأندلس والشمال الإفريقي وصقلية وغيرها، حيث كانت المدارس والجامعات المتعددة في كل مكان في بلاد المسلمين، يؤمها طلاب العلم، ومنهم الأوروبيون الذين وفدوا يتعلمون من الأساتذة المسلمين، وترجمت بعض الكتب إلى اللغة الإنجليزية.

ص: 245

فلما عاد أولئك الأوروبيين الذين تأثروا بنور الإسلام وعرفوا أن الكنيسة ورجالها عملة مزيفة، ووسيلة للدجل والتحكم الظالم في عباد الله، أخذ هؤلاء يقاومون الكنيسة ودينها المزيف وأعلنوا كشوفاتهم العلمية والجغرافية، والعلوم الطبيعية التي تحرمها الكنيسة، وعند ذلك قامت قيامة من يُسمون لدى النصارى برجال الدين، واحتدم الصراع، ومكث قروناً بين رجال العلم ورجال الكنيسة، فأخذوا يُكفّرون ويقتلون ويحرقون ويشردون المكتشفين، وأنشأت الكنيسة محاكم للتفتيش لملاحقة حملة الأفكار المخالفة لآرائها وأفكارها.

ومكث هذا الصراع عدة قرون، وانتهى بإبعاد الكنيسة ورجالها عن التدخل في نظم الحياة وشئون الدولة، فالدين - بمعنىً أوضح - مهمته داخل جدران الكنيسة فقط ولا داعي لوجوده خارجها، ويكون لرجال الدولة والعلم إدارة شئون الحياة بالأسلوب الذي يناسبهم سواء أكان متفقاً مع مبادئ الدين أم لا؟!!

وبما أن الدين بصبغته الإلهية النقية لم يدخل المعركة، فإن الأولى أن نسمي ما حدث في أوروبا صراعاً بين الكنيسة والعلم، وليس بين الدين والعلم أو بين رجال الدين والعلماء.

ونظراً لأن الصراع الدامي الطويل قد انتهى بأول انتصار حاسم لأعداء الكنيسة اثناء الثورة الفرنسية فإننا سنتناول ذلك بإيجاز.

ثالثاً: الثورة الفرنسية:

ونتيجة لوضع الكنيسة ودينها المحرف، ووقوفها ضد مطالب الناس، دبّر اليهود مكايدهم لاستغلال الثورة النفسية التي وصلت إليها الشعوب الأوروبية، لاسيما الشعب الفرنسي.. فأعدوا الخطط اللازمة؛ لإقامة الثورة الفرنسية الرامية إلى تغيير الأوضاع السائدة، وفي مقدمتها عزل الدين النصراني المحرف الذي حارب العلم عن الحياة، وحصره في داخل الكنيسة وإبعاد رجالها عن التحكم الظالم.

ص: 246

وفعلاً قامت الثورة الكبرى عام (1789م) واستطاع اليهود أن يجنوا ثمرات عملهم على حساب آلام الشعوب، والدماء التي أهرقت من جرائها، واستطاعوا أن يظلوا في الخفاء بعيداً عن الأضواء، وأن يزوروا كثيراً من الحقائق التاريخية؛ لستر مكايدهم وغاياتهم، واستطاعوا أن يصوروا هذه الثورة وما جرّت وراءها بالصورة الجميلة المحببة، وأن يجعلوها إحدى الأعمال التاريخية المجيدة، وذلك عن طريق الدعايات والإشاعات المزخرفة المقرونة بالشعارات البراقة التي انخدع بها الناس، وأخذت ترددها دون أن تفهم الهدف الذي ترمي إليه.

ووضع اليهود شعاراً مثلثاً لهذه الثورة هو "الحرية، والمساواة، والإخاء".

أما أصل مخططات هذه الثورة فقد وضعها جماعة النورانيين من الحاخامين اليهود، واستخدموا للبدء بالدعوة إليها بين سادة المال اليهود العالميين، الثري المرابي الكبير "روتشيلد الأول"ثم ابنه "ناتان روتشيلد".

ومما يدل على أن الثورة الفرنسية هي من صنع اليهود وتدبيرهم ماتتبجح به بروتوكولاتهم فتقول: "تذكروا الثورة الفرنسية التي نسميها "الكبرى"إن أسرار تنظيمها التمهيدي معروفة لنا جيداً لأنها من صنع أيدينا".

وتقول: "كذلك كنا قديماً أول من صاح في الناس "الحرية، والمساواة والإخاء"كلمات ما انفكت ترددها منذ ذلك الحين ببغاوات جاهلة متجمهرة من كل مكان حول هذه الشعائر.

وتمخضت الثورة عن نتائج بالغة الخطورة، فقد ولدت لأول مرة في تاريخ أوروبا المسيحية دولة جمهورية، لادينية، تقوم فلسفتها على الحكم باسم الشعب - وليس باسم الله - وعلى حرية التدين بدلاً من الكثلكة وعلى الحرية الشخصية بدلاً من التقيد بالأخلاق الدينية، وعلى دستور وضعي بدلاً من قرارات الكنيسة.

وقامت الثورة بأعمال غريبة على عصرها فقد حلت الجمعيات الدينية، وسرحت الرهبان والراهبات، وصادرت أموال الكنيسة، وألغت كل امتيازاتها، وحوربت العقائد الدينية هذه المرة علناً وبشدة

ص: 247

وقد سرت الثورة إلى كل الغرب؛ لأنه لا يدين بالإسلام دين العلم والحق والعدل.

رابعاً: نظرية التطور:

في سنة 1859م نشرالباحث الإنجليزي "تشارلزداروين" كتابه "أصل الأنواع"الذي يركز على قانون الانتقاء الطبيعي وبقاء الأنسب، وقد جعلت نظريته كون الجد الحقيقي للإنسان جرثومة صغيرة عاشت في مستنقع راكد قبل ملايين السنين، والقرد مرحلة من مراحل التطور التي كان الإنسان آخرها فاحدث ذلك ضجة لم يحدثها أي مؤلف آخر في التاريخ الأوروبي قاطبة، وكان له من الآثار في المجالات الفكرية والعملية مالم يكن في الحسبان.

وهذه النظرية أدت إلى انهيار العقيدة الدينية، ونشر الإلحاد في أوروبا، وقد استغلها اليهود استغلالاً بشعاً.

والنظرية في جوهرها فرضية بيولوجية أبعد شيء عن أن تكون نظرية فلسفية عامة، كما أنها بعيدة عن أن تكون حقيقة علمية ثابتة، وقد قال أحد العلماء الغربيين في النظرية الداروينية: بـ "بإنَّها أبوها الكفر وأمها القذارة".

والنظرية الداروينية باطلة بكتاب الله تعالى وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وباطلة بجميع الكتب السماوية، وباطلة بإجماع المسلمين في كل زمان ومكان، وباطلة بالعقل الصحيح، وبالفطرة السليمة من الشذوذ والانحراف.

فبنو آدم وجميع الحيوانات والطيور، وجميع مافي البراري والبحار، من آلاف السنين وهي على ما هي عليه لم تتغير أشكالها ولا أسماؤها.

ومذهب داروين باطل؛ لعدم مشاهدة أي ارتقاء من أي نوع من مخلوقات الله، فمن الذي عاش آلاف السنين حتى شاهد تغير الإنسان من خلية إلى حشرة إلى حيوان إلى قرد كما يزعم داروين، وهو الذي لم يعش سوى أقل من 75 سنة.

قال تعالى: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً} (1) .

(1) سورة الكهف، الآية (51) .

ص: 248

والنظرية باطلة بقوله تعالى: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} (1) فالله تعالى إنما أهبط من الجنة أدمياً يعقل ولم يهبط حشرة ثم صارت حيواناً لا يعقل ثم صار قرداً.

والداروينيون الملاحدة يقولون على الله بغير علم قال تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} (2) وهم يجادلون بالباطل، قال تعالى:{وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوا} (3) إلى غير ذلك من الأدلة التي تنسف خرافة النظرية الداروينية.

خامساً: طبيعة التعاليم النصرانية:

بالإضافة إلى ما سبق نجد أن التعاليم النصرانية قد تحولت إلى طقوس جامدة لا حياة فيها، واتجهت في جوهرها للتزهد، واحتقار الحياة الدنيوية، والتجرد من عالم المادة مثل:

"من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضاً، ومن سخرك ميلاً واحداً فاذهب معه اثنين".

"مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني ملكوت الله".

"أحبوا أعداءكم، وأحسنوا إلى مُبغضيكم، باركوا لاعينكم، وصلُّوا لأجل الذين يُسيئون إليكم، من ضربك على خدك فاعرض له الآخر أيضاً، ومن أخذ رداءك فلا تمنعه ثوبك أيضاً".

"لاتهتموا لحياتكم بما تأكلون ولا للجسد بما تلبسون".

لقد نظرت أوروبا إلى هذه التعاليم الموغلة في السماحة فوجدتها بعيدة عن واقع الحياة وظروف العصر.

(1) سورة البقرة، الآية (36) .

(2)

سورة النجم، الآية (28) .

(3)

سورة الكهف، الآية (56) .

ص: 249

أما الإسلام فلأنه الرسالة الخاتمة للناس جميعاً فقد جمع بين الحياتين، وطلب العناية بهما معاً - وإن وجه إلى تغليب العمل للباقية منهما، قال تعالى:{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَة} (1) .

وقال تعالى: {وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ} (2) .

والإسلام شرع مقابلة السيئة بمثلها ردعاً للظلم، وكسراً لشوكته، ثم حث على العفو والصفح عن المسيء؛ ذلك أن الناس يختلفون في طباعهم، فمنهم اللين المتسامح، ومنهم الشديد الصعب. فشرع الإسلام لهذا وذاك وقال تعالى:{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (3) .

وقال تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} (4) .

أما ما جاء في النصرانية فلا يصلح توجيهاً عاماً لكل الناس ذلك أن مطالبة الإنسان بمحبة عدوه ومباركة لاعنيه أمر قد لا تطيقه بعض النفوس، كما قد لا تحتمل السكوت على الضرب؛ ولذلك جاءت الشريعة الإسلامية بمنهج وسط. العقوبة بالمثل وفتح الباب للعفو والصفح.

على أن معاملة المعتدين والمجرمين بمثل هذا الأسلوب المتساهل، وتركهم دون معاقبة أو تأديب فيه تشجيع لهم على المضي في سلوكهم إلى آخر مدى؛ ولذلك كان التشريع الإسلامي تشريعاً مناسباً في كل زمان ومكان والحمد لله.

سادساً: دور اليهود:

(1) سورة الأعراف، الآية 32.

(2)

سورة القصص، الآية 77.

(3)

سورة الشورى، الآية 40.

(4)

سورة النحل 126.

ص: 250

وليس غريباً بعد الذي تقدم - كما جاء في الثورة الفرنسية - أن يكون اليهود وراء الدعوة إلى إقامة الحياة على غير الدين، وذلك من أجل السيطرة، ومن أجل إزالة الحاجز الديني الذي يقف أمام اليهود حائلاً بينهم وبين أمم الأرض.

هذه أهم الأسباب والعوامل التي أدت إلى ظهور هذا الفكر الجاهلي، والذي هيمن على أوروبا كلها، وأصبح يحمل شعارات الإلحاد والفوضى الأخلاقية عناداً للكنيسة ورجالها.

والحق أَنَّ هذه الأسباب وتلك الظروف ليست مبررة لابتعاد النصارى وغيرهم عن الدين، وإنما يجب عليهم أن يبحثوا عن الدين الصحيح، والإسلام هو دين الله الحق الذي ارتضاه للناس جميعاً، وهو دين العلم للعالم كله، كما أثبت العلم بكل فروعه أنه لا يعادي هذا الدين ولا ينافيه، بل يسير في ركابه ويكشف جوهره الثمين للناس.

وفكرة أن العلم لا صلة له بالدين وأن الدين يحارب العلم، هى الفكرة السائدة في الغرب طيلة القرنين الثامن عشر، والتاسع عشر الميلاديين، ومع إطلالة القرن العشرين بدأت بوادر التفاهم والمصالحة بين رجال الكنيسة والاتجاه الجاهلي، وانتهت بتنازلات كبيرة من الطرفين إلى أن دخلت الأحزاب الدينية النصرانية مجالات السياسة في بعض الدول الغربية.

المبحث الثاني

آثار العلمانية في الغرب

ص: 251

وعلى الرغم من أن الحضارة العلمانية الغربية قد قدمت للإنسان كل وسائل الراحة وكل أسباب التقدم المادي، إلا أنها فشلت في أن تقدم له شيئاً واحداً وهو السعادة والطمأنينة والسكينة، بل العكس قدمت للإنسان هناك مزيداً من التعاسة والقلق والبؤس والتمزق والاكتئاب، وذلك لأن السعادة والسكينة أمور تتعلق بالروح، والروح لا يشبعها إلا الإيمان بخالقها، والالتزام بأوامره واجتناب نواهيه؛ قال تعالى:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ} (1) أي جعل الطمأنينة والوقار في قلوب المؤمنين الذين استجابوا لله ولرسوله، وانقادوا لحكم الله ورسوله، فلما أطمأنت قلوبهم بذلك واستقرت، زادهم إيماناً مع إيمانهم.

وكيف تنزل السكينة في قلوب أناس أقاموا حضارتهم على غير أساس من الإيمان بالله تعالى وشرعه؟

بل الذي يحصل لهم هو مزيد من القلق والتعاسة والضيق والخوف يقول الله تبارك وتعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} (2) .

قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام": يقول تعالى: "يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به".

في قوله: {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} .

(1) سورة الفتح، الآية (4) .

(2)

سورة الأنعام، الآية (125) .

ص: 252

قال الإمام الطبري رحمه الله: "ومن أراد الله إضلاله عن سبيل الهدى لشغله بكفره، وصده عن سبيله، يجعل صدره بخذلانه وغلبة الكفر عليه حرجاً، والحرج: أشد الضيق. وهو ههنا الصدر الذي لا تصل إليه الموعظة، ولا يدخله نور الإيمان لرين الشرك عليه".. وقوله: {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} قال: وهذا مثل ضربه لله لقلب هذا الكافر في شدة ضيقه عن وصول الإيمان إليه يقول: فمثله في امتناعه عن قبول الإيمان وضيقه عن وصوله إليه مثل امتناعه عن الصعود إلى السماء وعجزه عنه.

وقوله: {وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} يقول تعالى ذكره: وهذا الذي بينا لك يا محمد في هذه السورة وغيرها من سور القرآن، هو صراط ربك، يقول: طريق ربك ودينه الذي ارتضاه لنفسه ديناً، وجعله مستقيماً لا اعوجاج فيه فاثبت عليه وحرّم ما حرمته عليك، وأحلل ما أحللته لك، فقد بينا الآيات والحجج على حقيقة ذلك وصحته لقوم يذّكرون.. وخصَّ بها الذين يتذكرون؛ لأنهم هم أهل التمييز والفهم، وأولو الحجا والفضل".أ. هـ

وبهذا يتبين لنا حالة القلق الرهيب التي تعيشها المجتمعات التي تسير على غير هدى الله وشرعه، على الرغم من تقدمها المادي، ووصولها إلى أرقى أساليب التقنية الحديثة.

وهذا ما أيده الواقع الملموس في البلاد التي ابتعدت عن شرع الله، فالإنسان إنما يكون في حالة طيبة نفسياً وبدنياً عندما تقوى صلته بالله تعالى، ويلتزم بأوامره ويجتنب نواهيه.

ص: 253

ولذلك يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "في القلب شعث - أي تمزق وتفرق - لا يلمهُ إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار إليه، وفيه نيران حسرات لا يُطفئها إلا الرضى بأمره ونهيه وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه، ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبداً".

إن إبعاد الدين عن مجالات الحياة في المجتمعات الغربية كان - ولا يزال - من أهم الأسباب التي أدت إلى الإفلاس والحيرة والضياع.

وإن مما نتج عن ذلك مما هو مشاهد وملموس ما يلي:

1-

الولوغ والانغماس في المشروبات الروحية والإدمان على المخدرات.

2-

الأمراض العصبية والنفسية.

3-

الجرائم البشعة بمختلف أنواعها كالسرقات، والاغتصاب، والشذوذ الجنسي، والقتل وغيرها.

4-

تأجيج الغرائز الجنسية بين الجنسين.

5-

انتشار الأمراض المخيفة كالزهري، والسيلان، وأخيراً يبتلي الله تلك المجتمعات بالطاعون الجديد وهو مرض "الإيدز".

6-

الانتحار.

إن الغرب يعيش حياة الضنك والقلق، فلا طمأنينة له ولا راحة، ولا انشراح لصدور أهله، بل صدورهم في ضيق وقلق وحيرة، وما ذلك إلا لضلالهم وبعدهم عن الله، وإن تنعموا ظاهراً في الحياة الدنيا.

قال تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} (1)

قال ابن كثير رحمه الله: "أي أكثر الناس ليس لهم علم إلا بالدنيا وأكسابها وشؤونها وما فيها، فهم حذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها، وهم غافلون في أمور الدين وما ينفعهم في الدار الآخرة".

(1) سورة الروم، الآية (7) .

ص: 254

وقال تعالى: {

فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (1) .

أما الزواج فقد قل في المجتمعات الغربية - إن لم يكن قد ندر - وفترات الاختيار التي تسبقه قد تمتد سنين، وفي هذه الفترة يمارس فيها الزنا والفحش، وغالباً ما تنتهي فترات الاختيار بالاكتفاء بما حصل فيها، ثم الانتقال إلى اختيار آخر أو العدول عن فكرة الزواج إلى فكرة المعاشرة الحرة الاختيارية بينهما دون أعباء الزواج.

وحتى إذا اختاروا الزواج فهم ينفرون من الأطفال، وقد بلغ الأمر أن أكثرهم إذا رزق باطفال فإنهم غالباً لا يصحبونهم في فترات الفسح في نهاية الأسابيع حتى يستمتعوا وحدهم بالفسحة دون ضجيج الأولاد.

أما المجتمع فهو يعاني من التفكك والانحلال، وانعدام العلاقات بين الجيران حتى إن الواحد إذا مات لا يُعرف إلا من رائحته النتنة التي تتصاعد بعد أيام من موته.

وإن العلاج الناجع لتلك الأمراض التي تعاني منها المجتمعات الغربية وغيرها، إنما يوجد في تطبيق الإسلام، عقيدة وشريعة ومنهاج حياة، على جميع الأفراد والجماعات؛ إذ هو الدين الذي ارتضاه الله، واصطفاه وحده للناس جميعاً في كل زمان ومكان وهو – سبحانه - أعلم بما يصلح أمور خلقه في دنياهم وآخرتهم.

(1) سورة طه، الآيتان (123-124) .

ص: 255

تابع العلمانية وموقف الإسلام منها

الفصل الثالث

الإسلام يتنافى مع العلمانية

مما سبق يظهر لنا أنَّ العلمانية ظهرت في أوروبا نتيجة لظروف خاصة بعضها يتعلق بالكنيسة وديانتها المحرفة، وطغيانها الأعمى في شتى المجالات الدينية والاقتصادية والسياسية، وبعضها يتعلق بتعاليم النصرانية نفسها ودور اليهود.

وتلك الظروف لا تنطبق على الإسلام؛ وذلك لأسباب أبرزها وأهمها ما يلي:

1-

أنَّ أول ما يلاحظ في دين أوروبا هو التحريف الذي أصاب العقيدة والشريعة. عقيدة التثليث المضطربة، والأناجيل المحرفة والمتناقضة، ثم النظرة القاصرة التي فصلت الدين عن الدولة والحياة، وحصرته في الأديرة والكنائس.

أما الإسلام فهو عقيدة، وشريعة دين ودولة، حيث وضع نظاماً كاملاً ومحدداً لكل شأن من شئون الحياة.

قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (1) .

قال ابن كثير رحمه الله عند تفسيره لهذه الآية:

قال ابن مسعود: "قد بين لنا في هذا القرآن كل علم وكل شيء"، وقال مجاهد:"كل حلال وكل حرام، وقول ابن مسعود أعم وأشمل، فإن القرآن اشتمل على كل علم نافع من خبر ماسبق، وعلم ما سيأتي، وكل حلال وحرام، وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ومعاشهم ومعادهم..".

وقد تكفل الله تعالى بحفظ هذا القرآن من التغيير بخلاف الكتب السابقة قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (2) .

2-

أَنَّه ليس في الإسلام كهنوت (3) ولا واسطة بين الخالق وخلقه، وبإمكان أي مسلم في أي مكان وفي أي زمان، من ليل أو نهار أن يتصل بربه بلا كاهن ولا قسيس.

(1) سورة النحل، الآية (89) .

(2)

سورة الحجر، الآية (9) .

(3)

الكهنوت رجال الدين عند اليهود والنصاري ونحوهم. انظر: المعجم الوسيط (2/803) .

ص: 256

قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (1) .

وقال عز وجل: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (2) .

والإسلام إنما جاء لتحرير العباد، من عبودية العباد إلى عبادة ربِّ العباد دون من سواه، ولا يجوز صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله تعالى كائناً من كان.

قال تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (3) .

والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - إنما بعثوا بالدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ كما قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (4) .

وقال عز وجل: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (5) .

وقال سبحانه: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} (6) .

(1) سورة البقرة، الآية (186) .

(2)

سورة آل عمران، الآية (135) .

(3)

سورة آل عمران، الآيتان (79-80) .

(4)

سورة النحل، الآية (36) .

(5)

سورة الأنبياء، الآية (25) .

(6)

سورة الزخرف، الآية (45) .

ص: 257

وقال تعالى إِخباراً عن الملائكة الكرام: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} (1) .

فالإسلام إنما جاء لإخراج الناس من عبادة البشر إلى عبادة الله وحده، ولذلك قال ربعي بن عامر رضي الله عنه لرستم قائد جيش الفرس: "إن الله ابتعثنا، والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام

".

3-

والإسلام يقرر أنه لا عصمة لبشر إلا الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه، وبعد ذلك فالكل سواء رجل دين أو رجل دنيا {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (2) ، وبذلك سد الإسلام الباب أمام نظام الكهانة الذي ابتدعه القساوسة، ولم يعترف بوجود طبقة ممتازة يدعي رجال الدين أن لها عصمة أو قداسة، وأساس التحاكم بين جميع الناس هو كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (3) .

4-

أَنَّه ليس في الإسلام صراع أو خصام بين الدين والعلم، كالذي حدث بين الكنيسة ورواد الفكر الغربي في عصر النهضة، بل إن الإسلام على العكس من ذلك فيه انسجام تام بينهما، ودعوة جادة من الإسلام للعلم والتعليم.

إن طلب العلم في الإسلام فريضة على كل مسلم ومسلمة ولم يقيد حرية العلماء والباحثين، فقد دعا القرآن إلى العلم في كثير من الآيات البينات.

(1) سورة الأنبياء، الآية (29) .

(2)

سورة الحجرات، الآية (13) .

(3)

سورة النساء، الآية (59) .

ص: 258

وفي رحاب القرآن الكريم، وبتوجيه منه قامت في العالم نهضة علمية، ووصل العلماء من خلاله إلى كثير من الابتكارات العلمية في مختلف المجالات؛ كالطبيعة والكيمياء والفلك والطب وغيرها.

وقد أشاد القرآن الكريم بمنزلة العلماء قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (1) .

وقد قرنهم الله تعالى بنفسه وملائكته في الشهادة بوحدانيته تعالى؛ قال سبحانه: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (2) .

كما أن أول نزول القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم -قد نوه بقيمة القراءة والتعليم؛ قال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق خَلَقَ الأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (3) .

(1) سورة فاطر، الآية (28) .

(2)

سورة آل عمران، الآية (18) .

(3)

سورة العلق، الآيات (1-5) .

ص: 259

والعلم في الإسلام عام وشامل، يقوم على استغلال طاقات الإنسان والكون بما يحقق للإنسانية الرخاء والاستقرار، وذلك يشمل جميع المعارف التي تحتاج إليها البشرية، سواء أكان مصدرها القرآن الكريم والسنة النبوية، كعلوم الدين من العقيدة والتفسير والحديث والفقه والدعوة وغيرها، أم كان مصدرها التجربة والنظر في الكون والحياة؛ كالرياضيات والكيمياء وعلوم الطب والفيزياء والهندسة وغيرها، وهذا الشمول دلت عليه نصوص كثيرة؛ منها قوله صلى الله عليه وسلم:"ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله به طريقاً إلى الجنة"(1) .وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"(2) .

ومما يدل على أنه لا مجال للصراع بين الدين والعلم في الإسلام، أنه لم يحدث في التاريخ الإسلامي أن عالماً يبحث في الطب أو يبحث في الفلك أو الفيزياء أو الكيمياء، وجد نفسه معزولاً عن العقيدة الإسلامية، أو وجد أنها تعطله عن البحث العلمي الدقيق، وإنما عاش العلم في ظلال العقيدة.

5-

ليس في الإسلام تعاليم فات أوانها، أو أحكام انقضى زمنها. إن كل مافي الإسلام حيٌ دائماً، متجدد دائماً، صالح للتطبيق في كل زمان ومكان إلى أن تعود الحياة إلى ربها. والإسلام بهذا الشمول، وبهذه المرونة قد كفل لأحكامه التطبيقية النمو والتجدد على مدى الأزمان.

(1) صحيح مسلم (4/2074) كتاب الذكر والدعاء

حديث (2699) وسنن الترمذي كتاب العلم حديث (2646) وابن ماجه المقدمة رقم (225) ومسند الإمام أحمد المكثرين رقم (7118) .

(2)

صحيح مسلم (3/1255) كتاب الوصية حديث (1631) وسنن أبي داود كتاب الوصايا حديث (2494) وسنن الترمذي كتاب الأحكام حديث (1376) والنسائي كتاب الوصايا حديث (3651) ومسند الإمام أحمد المكثرين حديث (7842) .

ص: 260

قال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} (1) وقال سبحانه: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (2) وقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً} (3) .

قال الإمام ابن كثير رحمه الله عند تفسيره للآية الأخيرة:

"هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة، حيث أكمل الله تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم - صلوات الله وسلامه عليه - ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق، لا كذب فيه ولا خلف".

وقال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (4) .

6-

أَنَّ الملاحظ أن الموطن الذي ولد فيه الفكر العلماني - وهو إنجلترا وفرنسا وألمانيا - لم يأخذ بالاتجاه العلماني في التطبيق في الحياة العلمية، فالتاج البريطاني لم يزل حامياً للبروتستانت، وفرنسا لم تزل حامية للكثلكة في صورة عملية، والدولة في إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا على الرغم من أنها علمانية - تساعد المدارس الدينية من ضرائبها الخاصة التي تجبيها من المواطنين، مع علمها باستقلال هذه المدارس في برامجها التعليمية.

جاء في صحيفة المدينة المنورة العدد (12227) :

(1) سورة الأنعام، الآية (38) .

(2)

سورة النحل، الآية (89) .

(3)

سورة المائدة، الآية (3) .

(4)

سورة الأنعام، الآية (115) .

ص: 261

إن العلمانية في مفهوم المجتمع الغربي لا تعني التحرر من الدين ونبذه كما يتوهم البعض في عالمنا الإسلامي، ففي حرب "الفولكلاند" الشهيرة التي حدثت بين بريطانيا والأرجنتين عام 1982م نقل التليفزيون البريطاني صوراً لرئيسة الوزراء -آنذاك- وهى تذهب إلى الكنيسة مصلية وداعية، وأثناء حرب الخليج اتصل الرئيس الأمريكي – السابق - "جورج بوش"باثنين من رجال الدين أبلغهما أنه يصلي من أجل السلام، وإن الرجال الثلاثة صلوا معاً، وهذا الأمر لا يقتصر على الرؤساء، بل يشمل الأحزاب كذلك، فهذا حزب العمال البريطاني يبدأ مؤتمره السنوي بالصلوات المسيحية في الكنيسة، وممن عرفوا بتدينهم في هذا الحزب: النائب العمالي السابق "إريك هيفر"وكان محسوباً على اليسار المتشدد في الحزب نفسه وكان - أيضاً - عضواً عاملاً في الكنيسة، وألف قبل وفاته كتاباً عن الديانة المسيحية.

وقد حضرت "تاتشر"رئيسة وزراء بريطانيا - آنذاك - صلاة تخصه بعد وفاته، ولما سئلت: ما الذي يجمعها بشخص مثل "هيفر"؟

أجابت فيما معناه: هو التوجه الديني المسيحي.

وكذلك شوهد "ديفيد أوين"وزير خارجية بريطانيا العمالي السابق في عهد حكومة جيمس كالاهان وهو داخل الكنيسة متأملاً ومتعبداً.

وقد كان "جورتوماس"المتحدث باسم مجلس العموم البريطاني لفترةطويلة يعمل واعظاً في الكنيسة إضافة إلى عمله.

ص: 262

هذه أمثلة قليلة ولكنها ذات دلالة ومعنى، وهى تكشف جهل كثير من العلمانيين في عالمنا الإسلامي، وتخبطهم في مفهوم العلمانية الذي أولعوا به. وإذا كانت هذه الفئة المحسوبة على المسلمين تجعل التجرؤ على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من باب حرية الكلمة، فإنها تجهل أن حرية الكلمة في الغرب لا تجيز التجديف ضد الديانة المسيحية، وإن من يفعل ذلك يتعرض لعقاب صارم، ومناهضة شديدة من قبل المؤسسات الرسمية والشعبية على حدٍّ سواء، وإذا كان هذا البعض يتوهم أن التنصل من ثوابت عقيدته الإسلامية السمحة يجعله عظيماً في عيون الآخرين، فإن العكس هو الصحيح؛ فالأمم لا تحترم من ينبذون تعاليم دينهم أو يتجرأون عليه زوراً وبهتاناً.

الفصل الرابع

عوامل انتقال العلمانية إلى العالم الإسلامي وآثارها السيئة عليه

المبحث الأول

عوامل انتقالها إلى العالم الإسلامي

بدأت فكرة العلمانية تغزو العالم الإسلامي منذ أكثر من قرن من الزمان لكنها لم تتمكن إلا في بداية القرن العشرين الميلادي، حين طبقت - على مستوى الدولة - على أنقاض الخلافة العثمانية ثم سرت إلى أكثر بلدان العالم الإسلامي وكانت هناك عدة عوامل رئيسية ساعدت على ظهور انتقال العلمانية إلى العالم الإسلامي أهمها:

أولاً: انحراف كثير من المسلمين عن العقيدة الصحيحة المستمدة من الكتاب والسنة، ومن هنا كثرت البدع والخرامات والشعوذة والأهواء وقلَّ الفقه في الدين بينهم.

ومن انحراف بعض المسلمين عن عقيدتهم ظهور الفرق الصوفية

بينهم، وكان من الأخطاء الأساسية في الفكر الصوفي النظرة العدائية إلى الحياة الدنيا تلك التي يبدو أنها متأثرة بالفكر البوذي والفلسفات المنحرفة.

ص: 263

وحدث أن أقبل العامة بقيادة المتصوفين على الطقوس والأوراد. وهذا الخلط الصوفي الأحمق يعتبر أول تصدع أصاب كيان الأمة الإسلامية، وهذا الانحراف العقدي وقع قبل احتكاك الغرب اللاديني بالشرق، بل قبل قيام الدولة العثمانية، وفي آخر عهد العثمانيين ازداد الأمر سوءاً وتطورت الانحرافات حتى توهم الناس أن العبادة هي ما يأمر به المشايخ والأولياء من البدع، ووقعت الأمة في شرك حقيقي، وذلك بما يمارسه الناس من بدع الأضرحة والمشاهد والمزارات، وتقديس الموتى والاعتماد عليهم في جلب النفع ودفع الضرر، ووصل الأمر إلى حالة مزرية جداً حين كانت جيوش المستعمرين تقتحم المدن الإسلامية، والمسلمون يستصرخون بالأسياد أو الأولياء الذين قد مضى على وفاتهم مئات السنين.

ومن ذلك قول بعض الشعراء:

يا خائفين من التتر

لوذوا بقبر أبي عمر

وقال:

عوذوا بقبر أبي عمر

ينجيكم من الضّرر

ولذلك يقول ابن تيمية - رحمه الله تعالى - عنهم:

"وأما الجهاد فالغالب عليهم أنهم أبعد من غيرهم، حتى نجد في عوام المؤمنين من الحب للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمحبة والتعظيم لأمر الله، والغضب والغيرة لمحارم الله، مالا يوجد فيهم، حتى إِنَّ كثيراً منهم يعدون ذلك - أي الجهاد - نقصاً في طريق الله وعيباً".

بل ربما يظنون أن الذكر والتفكر والفناء والبقاء هو الأصل والأهم".

ثانياً: الاستعمار الغربي والشرقي:

ص: 264

لقد تعرض العالم الإسلامي لهجمات قوية من قبل أعدائه عبر عصور التاريخ، ولكن لما كان المسلمون متمسكين بدينهم وأكثر استعداداً للجهاد في سبيل الله، استطاعوا أن يردوا حملات أعدائهم، ولكن لما ضعف المسلمون وكثرت فيهم البدع والخرافات واجتالتهم الطرق الصوفية، ولجأ بعضهم إلى التعلق بالقبور والتمسح بها والذبح لها ودعاء الموتى، واستسلم بعضهم إلى ملذات الدنيا، والبعض الآخر بدأ يتشبث بالأفكار الوافدة، وقعدوا عن الجهاد، بعد ذلك انقض عليهم الأعداء من كل جانب ولم تنته الحربان العالميتان إلا والعالم الإسلامي غالبه تحت السيطرة الغربية النصرانية أو الروسية الشيوعية.

عدا المملكة العربية السعودية التي حماها الله تعالى من الاستعمار والاحتلال، وذلك لأن هذه البلاد حرم الإسلام، بها المدينتان المقدستان: مكة المكرمة دار القبلة ومهبط الوحي، والمدينة النبوية مأوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومأرز الإيمان، وقد أنعم الله عليها بدعوة التوحيد التي أعلنها الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى- ونصرها الإمام محمد ابن سعود وأحفاده رحمهم الله ثم هيأ الله لها الملك عبد العزيز رحمه الله الذي جمع الكلمة ووحَّد الصف تحت راية التوحيد، وهذا هو السر في عدم دخول المحتلين هذه البلاد.

وكذلك أفغانستان وشمال اليمن لم يدخلهما الاحتلال - آنذاك - وذلك لتمسك أهلهما بالإسلام، ولوعورة مسالكهما، ولصلابة أهلهما في الدفاع ولكن لما كثر في أهل أفغانستان الخبث، وقل تمسكهم بالإسلام غزتهم الشيوعية الملحدة، ولكن لم يلبث المجاهدون الأفغان - ومعهم كثير من المسلمين - أن أعلنوا الجهاد في سبيل الله، ووقفوا أمام جحافل الكفر والإلحاد.

ونسأل الله الذي أخرج الشيوعيين من أفغانستان أن يجمع كلمة أهلها على الحق، وما فيه مصلحة أفغانستان المسلمة.

وفيما يلي نوّد اعطاء فكرة عن كل من الاستعمار الغربي والاستعمار الشرقي:

ص: 265

أولاً: الاستعمار الغربي:

إن الاستعمار الغربي الذي سيطر على كثير من البلدان الإسلامية لم يكن مخططه أن يستغل خيرات تلك البلاد ويستعبد سكانها فحسب - كما يظن البعض - بل كان أهم مخطّطاته محاربة الإسلام، وتجهيل المسلمين بحقيقة دينهم بجميع الوسائل الممكنة له الظاهرة والخفية.

وإليك أهم الوسائل التي استعملها الاستعمار في محاربة المسلمين:

أ- نشر الثقافة الغربية على نطاق واسع، مع السعي في التخفيف من الثقافة العربية الإسلامية أو القضاء عليها إن أمكن ذلك ولو مع طول الزمن.

ب- تشجيع مدارس التبشير المسيحي، وتدوين مناهجها لكي ينصرف أبناء المسلمين إليها تاركين مدارسهم الإسلامية، وقد نجح في ذلك كله.

ج- تشجيع الطوائف المنحرفة التي تعمل باسم الإسلام في ميدان الدعوة كالقاديانية، وبعض الطوائف الصوفية؛ ليتمكن من ضرب الإسلام ودعوته من الداخل بأيد تنتمي إليه، تلهج بذكره، وهذا أخطر سلاح استعمله الاستعمار ضد الإسلام ودعوته.

هـ- اعتبار اللغة الإنجليزية لغة رسمية في كثير من البلدان العربية والإسلامية، مما جعل شباب المسلمين يقبلون على هذه اللغة في الوقت الذي يجهلون فيه لغتهم الأصلية، بل استطاع الاستعمار أن يحمل الشباب السذج على كراهية الإسلام وأهله بدعوة أنه دين تعصب، ودين تأخر، وانطلى هذا الكلام على شباب المسلمين؛ لجهلهم حقيقته فضلوا.

وبسبب الاستعمار والتبشير انتشرت المعتقدات العلمانية في العالم الإسلامي.

وقد حرص الغرب منذ وطئت أقدامه أراضي المسلمين على نشر العلمانية بأكثر من سبيل. وكان أهم مجالات نشرها ووسائلها فيما يلي:

1-

في التعليم وله في ذلك أكثر من سبيل أهمها:

(أ) حصر التعليم الديني وحصاره مادياً ومعنوياً.

(ب) الابتعاث إلى الدول غير الإسلامية وحقق ذلك الابتعاث نتائجه المقصودة.

(ج) نشر المدارس الأجنبية في البلاد الإسلامية.

(د) تمييع المناهج الإسلامية باسم التطور.

ص: 266

(هـ) نشر الاختلاط بين الجنسين في مراحل التعليم وقد بدأوا بها في الجامعات.

2-

في الإعلام والإعلام يخاطب الملايين من الناس ببرامجه، وأكثر هذه الملايين ساذجة تؤثر فيها الكلمة مقروءة أو مسموعة أو منظورة.

3-

إبعاد الإسلام عن مجال التطبيق.

ومما يدل على دور الاستعمار الغربي في نقل العلمانية إلى البلدان الإسلامية أن أول عمل قام به الإنجليز في الهند هو إلغاء الشريعة الإسلامية، وأول عمل قام به نابليون في مصر هو تعطيل الشريعة الإسلامية، وإحلال القانون الفرنسي محلها، وأول عمل قام به المخطط اليهودي الصليبي في تركيا هو إلغاء الشريعة الإسلامية ثم إعلان تركيا دولة لادينية.

"وأخيراً غادر المستعمرون ديار المسلمين بعد أن خلفوا على تركتهم ورثة مخلصين؛ ليحافظوا عليها، ولأنهم يتمكنون من العمل في صالحهم أكثر مما يتمكنون هم بأنفسهم".

ثانياً: الاستعمار الشرقي:

ص: 267

يقول شيخنا الدكتور محمد أمان الجامي رحمه الله: "فبينما يعاني الدعاة تلك المعاناة من الاستعمار الغربي وورثته المخلصين إذا هم يفاجأون باستعمار من نوع آخر أشد ضراوة، وأشد حقداً على الدعوة الإسلامية وأهلها، وهو الاستعمار الشرقي الملحد، وكان ماكراً يظهر للغوغاوّيين نوعاً من الرحمة في أسلوب معسول يخدع السذج من الناس، فقد خدع الطبقة الفقيرة ووعدهم بثراء يأتيهم بين عشية وضحاها إذا آمنوا به، وأخلصوا له ليثيرهم ضد الأغنياء، وأصحاب الأموال الطائلة، وكان يضحك على سذاجة الفقراء، فيقول لهم: إن هؤلاء الإقطاعيين طالما ظلموكم، ونحن نريد أن نمنَّ عليكم، وننقذكم مما أنتم فيه من الفقر والحاجة، ونرفعكم إلى المستوى اللائق بكم؛ لتحقق بذلك العدالة الاجتماعية، حتى تعيشوا مع هؤلاء الأثرياء الإقطاعيين جنباً إلى جنب، ومن هنا طار الفقراء فرحاً وصفقوا لهم حتى كلت أيديهم من التصفيق، وهتفوا لهم بالبقاء: يعيش يعيش حتى بحت حناجرهم، فجعل الفقراء ينتظرون الثراء الموعود به من السادة المستعمرين الشيوعيين فلم يجدوا شيئاً بل الحالة تزداد سوءاً، فإذا المستعمرون يهجمون على أموال الأثرياء فيصادرونها باسم الفقراء، ولكن لم تنقل إلى خزائن الفقراء -كما كان يتوقع الفقراء - بل نقلت إلى الخزينة الخاصة لتشتري بها الضمائر الرخيصة، والأيدي الأثيمة لتسلط على دعاة الإسلام، وعلماء المسلمين بالتعذيب والتشريد والتقتيل لمحاولة القضاء على الدعوة وأهلها.

إن هذا الاستعمار الشرقي من مكائده أنه دخل المنطقة وهو ينادي ويهتف مع المواطنين: يسقط الاستعمار، يسقط الاستعمار، الاستعمار عدو الإنسانية إلى آخر الهتافات المضللة فاطمأن الغوغاويُّون، وهتفوا بحياة الرفيق المخلص على درب الحرية: الرفيق الرفيق، ولكنه لم يرفق بهم ولم يرحمهم.

ص: 268

وهكذا. ولا يزال يفسد في الأرض، ويسفك الدماء، ويهلك الحرث والنسل، ويكسب الأصدقاء من أناس من بني جلدتنا، ويتكلمون بلساننا، وينتسبون إلى ديننا وإسلامنا، فيما يبدو للناس، وعلى الرغم من ذلك كله كان هذا الاستعمار هو صديق جمهور الغوغائيين؛ لأنه يمدنا بالأسلحة التي يحارب بها الاستعمار إنها من عجائب الدهر!! وهل هناك استعمار أظلم من هذا الاستعمار الذي لم يترك لنا ديناً ولا دنيا. {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (1)

فما قيمة الأسلحة التي ندفع ثمنها ديننا وعقيدتنا؟؟ أفلا يعقلون!! ".إهـ

وهكذا صور لنا شيخنا محمد أمان – رحمه الله حقيقة الاستعمار الشرقي الشيوعي، الذي قام على تضليل السذج والغوغاويّين من الناس، فلما مكنوه من الأمر، وجدوا أنفسهم أنه قد سلبهم دينهم ودنياهم.

قال الشاعر:

ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا

وأقبح الكفر والإفلاس بالرجلِ

ثالثاً: الغزو الفكري:

وذلك بمحاولة إبعاد المسلمين عن دينهم بوسائل مختلفة، وتحت أسماء خادعة رقيقة مثل:"التغريب، التحديث أو الحداثة، التمدين، التحضر، التغيير الاجتماعي، وعملت العلمانية في مجالاتها، وشقت طريقها في مجاريها".

قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: "الغزو الفكري هو مصطلح حديث يعني مجموعة الجهود التي تقوم بها أمة من الأمم للاستيلاء على أمة أخرى أو التأثير عليها حتى تتجه وجهة معينة.

وهو أخطر من الغزو العسكري؛ لأن الغزو الفكري ينحو إلى السرية، وسلوك المآرب الخفية في بادئ الأمر، فلا تحس به الأمة المغزوة، ولا تستعد لصده والوقوف في وجهه حتى تقع فريسة له، وتكون نتيجته أن هذه الأمة تصبح مريضة الفكر والإحساس، تحبُّ ما يريده لها عدوها أن تحبه، وتكره ما يريد منها أن تكرهه.

(1) سورة الحج، الآية (46) .

ص: 269

وهو داء عضال يفتك بالأمم، ويذهب شخصيتها، ويزيل معاني الأصالة فيها، والأمة التي تبتلى به لا تحس بما أصابها، ولا تدري عنه؛ ولذلك يصبح علاجها أمراً صعباً وإفهامها سبيل الرشد شيئاً عسيراً..".

رابعاً: المستشرقون:

سلك المستشرقون طرقاً عديدة في الوصول إلى أغراضهم ومنها:

1-

التدريس الجامعي.

2-

جمع المخطوطات العربية وفهرستها.

3-

التحقيق والنشر.

4-

الترجمة من العربية إلى اللغات الأوروبية.

5-

التأليف في شتى مجالات الدراسات العربية والإسلامية، بالإضافة إلى الاشتراك في بعض المجامع اللغوية، والمجامع العلمية في العالم الإسلامي.

ولكن أخطر وسائلهم على الإطلاق كانت هى: التأليف حيث ألفوا كثيراً من الكتب التي تطعن في الإسلام ومنها كتاب "حياة محمد"للسير ولين مور، و"الإسلام"للفردجيوم، و"الإسلام"لهنري لامنس، و"دعوة المآذنة"لكينيت كراج، و"ترجمة القرآن"لآربري، و"الإسلام"لصموئيل زويمر (1) و"مصادر الإسلام"لتسدل، ومن أخطر الكتب التي بثها المستشرقون: دائرة المعارف، وقاموس المنجد، والموسوعة الغربية الميسرة.

وما كتبه المستشرقون عن الإسلام قد اشتمل على الكثير من الافتراءات إما عمداً عن حقد وقصد إلى إضعاف عقيدة المسلمين - وهو الأرجح - وإما جهلاً منهم بالمصادر الإسلامية، ساعد عليه جهلهم بلغة الإسلام اللغة العربية.

وتتلخص جهود المستشرقين في هذا المجال فيما يلي:

1-

الطعن في حقيقة الإسلام والقرآن والنبوة.

2-

الزعم بأن الإسلام استنفذ أغراضه، وهو عبارة عن طقوس وشعائر روحية.

3-

الزعم بأن الفقه الإسلامي مأخوذ من القانون الروماني.

(1) زويمر صمويل (1867-1952م) رئيس المبشرين في الشرق الأوسط، تولىتحرير مجلة العالم الإسلامي التي أنشأها مع ماكدونلد، وله مصنفات في العلاقات بين المسيحية وبين الإسلام أفقدها بتعصبه واعتسافه وتضليله قيمتها العلمية. المستشرقون لنجيب العقيقي3/138.

ولم أقف على تراجم لبقية هؤلاء المستشرقين.

ص: 270

4-

الزعم بأن الإسلام لا يتلاءم مع الحضارة ويدعو إلى التخلف.

5-

الدعوة إلى تحرير المرأة وفق الأسلوب الغربي.

6-

تشويه الحضارة الإسلامية وتاريخها.

7-

تضخيم حجم الحركات الهدامة في التاريخ الإسلامي، والزعم بأنها حركات إصلاح.

8-

إحياء الحضارات القديمة.

9-

اقتباس الأنظمة والمناهج اللادينية عن الغرب ومحاكاته فيها.

10-

تربية الأجيال تربية لا دينية.

وقد انتشرت هذه المعتقدات مع الأسف في العالم الإسلامي.

خامساً: المنصّرون:

كما أن للمستشرقين والمنصرين أهدافاً مشتركة لهم وسائل متداخلة، ويمكن القول بأن ميدان المستشرقين الأساسي هو الثقافة والفكر، بينما يركز المنصرون جهودهم في النواحي الاجتماعية والتربوية.

وقد نقل المنصّرون العلمانية من خلال نشراتهم وكتبهم، ومن خلال

التمثيليات والأفلام، ومن خلال المدارس المختلفة التي بدأت بالأجنبية، ثم كان تأثيرهم على مناهج التعليم الوطنية.

ووسائل المنصرين في هذا المجال كثيرة جداً نذكر منها:

1-

استخدام الطب كوسيلة للتنصير.

2-

استخدام أعمال الخير والخدمات الاجتماعية: كإنشاء ملاجئ للأيتام، ومراكز رعاية اجتماعية للفقراء والمحتاجين.

3-

استخدام الطلبة وعامة الناس في التنصير.

4-

استخدام الرشوة.

5-

استخدام المكتبات والصحافة.

6-

استخدام النوادي والجمعيات.

7-

الاهتمام بالمرأة المسلمة وذلك بمحاولة إبعادها عن عقيدتها وإغرائها بتقليد المرأة الغربية.

8-

المؤتمرات المشتركة.

9-

البعثات الخارجية.

10-

إنشاء المحاضن والمدارس والجامعات الأجنبية.

11-

استخدام القوة أحياناً.

ص: 271

إلى غير ذلك من الأساليب التي استخدمها المنصرون في الوصول إلى غاياتهم المكشوفة؛ كبناء الكنائس، وتوزيع الأناجيل، وإقامة الندوات، والاهتمام بإفساد الريف الإسلامي - الذي يتميز عادةً بالمحافظة على القيم الإسلامية - والسيطرة على وسائل التربية والإعلام واستخدامها في سمومهم، وتوهين العقيدة الإسلامية في النفوس، مع صرف العناية إلى الأطفال، والنفاذ إلى عقولهم من خلال تلك الوسائل.

سادساً: الأقليات غير المسلمة داخل المجتمعات الإسلامية:

وذلك كالنصارى، واليهود، والشيوعيين، وأصحاب الاتجاهات المنحرفة من جمعيات وأحزاب ونحوهم، وكل هؤلاء لاينعمون بضلالتهم وانحرافهم وفسادهم إلا تحت شعار كشعار ما يسمى بالعلمانية، لذلك تضافرت جهودهم على نشرها وبثها، والدعاية لها، حتى انخدع بذلك كثيرون من السذج، وأنصاف المتعلمين من أبناء المسلمين.

سابعاً: تقدم الغرب الهائل في مضمار العلم المادي والقوة جعل كثيرين من المسلمين ينبهرون بذلك التقدم، ويعزونه إلى الاتجاه الجاهلي الحديث (العلماني) ، وصدقوا دون تفكير مزاعم الكفار بأن الدين معوق للعلم، وظنوا أن بلادهم لا تتقدم حتى تفصل الدين -الإسلام- عن الدولة والحياة، وهذا بلا شك جهل بالإسلام جنى ثماره النكدة أكثر المسلمين.

ثامناً: البعثات إلى الخارج:

إن الطلاب الذين يذهبون من أبناء المسلمين إلى الدول غير الإسلامية، ولم تكن لديهم الحصانة الكافية من عقيدتهم، إن هؤلاء من أخطر الوسائل؛ لأن كثيراً منهم تعلقوا بقيم الغرب أو الشرق ومثله وعاداته، وقد عاد هؤلاء إلى بلدانهم وهم يحملون ألقاباً علمية وضعتهم في مناصب التوجيه، ونظر الناس إليهم على أنهم قدوة؛ لأنهم وطنيون.

المبحث الثاني

آثار العلمانية السيئة على العالم الإسلامي

وقد كان لتسرب العلمانية إلى المجتمعات الإسلامية أسوأ الأثر على المسلمين في دينهم ودنياهم.

ص: 272

وإليك بعض الآثار السيئة التي جنتها المجتمعات الإسلامية من تطبيق العلمانية:

1-

رفض التحاكم إلى كتاب الله تعالى، وإقصاء الشريعة الإسلامية عن كافة مجالات الحياة، والاستعاضة عن ذلك بالقوانين الوضعية المقتبسة عن أنظمة الكفار، واعتبار الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية تخلفاً ورجعية.

2-

جعل التعليم خادماً لنشر الفكر العلماني وذلك عن الطرق التالية:

أ- بث الأفكار العلمانية في ثنايا المواد الدراسية.

ب- تقليص الفترة الزمنية المتاحة للمادة الدينية إلى أقصى حد ممكن، وتكون في آخر اليوم الدراسي وقد لا تؤثر في تقديرات الطلاب.

ج- منع تدريس نصوص معينة لأنها واضحة صريحة في كشف باطلهم وتزييف ضلالاتهم.

د- تحريف النصوص الشرعية عن طريق تقديم شروح مقتضبة ومبتورة لها، بحيث تبدو وكأنها تؤيد الفكر العلماني، أو على الأقل لا تعارضه.

3-

إذابة الفوارق بين حملة الرسالة الصحيحة، وهم المسلمون، وبين أهل التحريف والتبديل والإلحاد، وصهر الجميع في إطار واحد. فالمسلم والنصراني، واليهودي، والشيوعي، والمجوسي، والبرهمي، وغيرهم يتساوون أمام القانون، لا فضل لأحد على الآخر إلا بمقدار الاستجابة لهذا الفكر العلماني.

4-

نشر الإباحية والفوضى الأخلاقية، وتهديم بنيان الأسرة باعتبارها النواة الأولى في البنية الاجتماعية وذلك عن طريق:

أ- القوانين الوضعية التي تبيح الرذيلة ولا تعاقب عليها.

ب- وسائل الإعلام المختلفة التي لا تكل ولا تمل من محاربة الفضيلة ونشر الرذيلة.

ج- محاربة الحجاب وفرض السفور والاختلاط في المدارس والجامعات والمصالح والهيئات.

ص: 273

إن أعداء الإسلام لم يكتفوا بإبعاد الشريعة الإسلامية عن مجالات الأنظمة السياسية والاقتصادية والتعليمية والإعلامية فحسب، بل تمادوا في الاعتداء على أنظمة الأسرة المسلمة، وهذا أمر في غاية الخطورة؛ لأن تلك الأنظمة جاءت ملائمة لطبيعة الإنسان وغرائزه، حتى لا يحيد ويصرف تلك الغرائز في المحرمات، ولذا فإن الله تعالى أمر بالزواج؛ فقال: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ

} (1) وقال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً

} (2) .

وعن أبي هريرة وأبي حاتم المزني رضي الله عنهما قال صلى الله عليه وسلم: "إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض"(3)، ووجه النبي صلى الله عليه وسلم الشباب بقوله:"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج"(4) .

وحرم الإسلام الزنا وحذر من الاقتراب منه؛ قال تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً} (5) .

(1) سورة النور، الآية (32) .

(2)

سورة الروم، الآية (21) .

(3)

سنن الترمذي 3/395 كتاب النكاح رقم الحديث (1085) وسنن ابن ماجه 1/632 كتاب النكاح رقم الحديث (1967) واللفظ له.

(4)

صحيح البخاري بشرح الفتح 9/106 كتاب النكاح رقم الحديث (5065) وصحيح مسلم 2/1018 كتاب النكاح رقم الحديث (1400) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

(5)

سورة الإسراء، الآية (32) .

ص: 274

وأمر الله المؤمنين والمؤمنات بغض أبصارهم، وحفظ فروجهم، وفرض الحجاب على المرأة المسلمة، ومنعها من التبرج وإظهار محاسنها ومفاتنها، وذلك صيانة لكرامتها، وحفاظاً على عفتها، قال تعالى:{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} (1) وقال سبحانه: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ} (2) .

وحرم الإسلام الخلوة بالأجنبية، ففي الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم"(3) .

فالله سبحانه وتعالى جعل للأسرة المسلمة نظاماً متكاملاً، يكفل لها الخير والسعادة في الدنيا والآخرة، ولذا فإن الله حينما يحرم علينا الفواحش والخبائث التي تضر بنا في ديننا ودنيانا، لا يريد حرماننا، وإنما يحافظ على ما فيه صلاحنا فيحل الطيبات لنا، وهو العالم بطبائع البشر، فلا يعرض الناس للفتنة للوقوع فيها، بل يسد أبوابها حتى لا يكلفهم مقاومتها، فهو دين وقاية للمجتمع، قبل أن يقيم الحدود ويوقع العقوبات عليها، وربك أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.

(1) سورة النور، الآية (30) .

(2)

سورة النور، الآية (31) .

(3)

صحيح البخاري بشرح الفتح9/330-331 كتاب النكاح رقم 5233،ومسلم 2/978 كتاب الحج رقم (1341) واللفظ له.

ص: 275

ولهذا نقول: ماذا يريد دعاة السفور، والمزينون للناس حب الشهوات؟! إنهم يريدون إطلاق الغرائز من عقالها، بالكلمة، والصورة، والقصة، والفلم، والمعسكر المختلط؛ ليوقعوا الفتاة المسلمة التي أعزها الله بدين الإسلام، وتعاليمه السمحة القيمة، التي تصونها من الوقوع في حبائلهم، حتى تصبح بضاعة مزجاة ساقطة لا قيمة لها، كما كانت في الجاهلية، فأعزها الله بالإسلام فحماها طفلة من الوأد الذي كان يمارس في حقها، فتدفن حية لا ذنب لها إلا أن الله خلقها أنثى {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ. بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} (1) بل جعلها الإسلام حجاباً من النار لكافلها، ثم جعلها أختاً مصونة، وأماً كريمة، حث على البر بها، والإحسان إليها، هكذا تكون المرأة إذا كانت صالحة، وهي فتنة إن حادت عن هذا الطريق؛ لأن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أخبر أنه لم يترك فتنة أشد على أمته من الدنيا والنساء، فهى فتنة إذا تركت تعاليم دينها، وذهبت مع دعوات الذين يريدونها سلعة يعبث بها ذئاب البشر، باسم الحرية والمساواة الزائفة. إن العزة والكرامة في الدنيا والآخرة للمرأة المسلمة، المحافظة على تعاليم دينها، وإننا نجد بحمد الله في كثير من مجتمعات العالم الإسلامي عودة الفتاة المسلمة إلى تعاليم دينها، وأبرز ذلك ظاهرة الحجاب في تلك البلاد الإسلامية، وذلك ما يدعو إلى التفائل بعز هذا الإسلام ونصره، وذلك بعد أن جرب المخدوعون ما دعاهم إليه من يدعون إلى الحرية الزائفة، التي ظهر عوارها، وبان خداعها، فظهر الحق وهم كارهون، والله متم نوره ولو كره الكافرون.

(1) سورة التكوير، الآيتان (8، 9) .

ص: 276

5-

الدعوة إلى القومية أو الوطنية، وهى دعوة تعمل على تجميع الناس تحت جامع وهمي من الجنس، أو اللغة، أو التاريخ، أو المكان، أو المصالح، أو المعيشة المشتركة، أو وحدة الحياة الاقتصادية، على ألا يكون الدين عاملاً من عوامل الاجتماع ولمّ الصف، بل الدين من منظار هذه الدعوة يُعدُّ عاملاً من عوامل التفرق والشقاق.

ولا شك أَنَّ الفكرة القومية أو الوطنية وفدت إلى ديار المسلمين من الغرب، والذي احتضنها وغذاها ودعا إليها عقول غير إسلامية، وأشخاص ليسوا بمسلمين، ولقد كان ظهور الفكرة - سواء أكانت عربية أم طورانيّة - مصدر شر على جميع المسلمين، وزاد الأمر سوءاً عندما امتزجت القومية العربية مؤخراً بالاتجاهات الاشتراكية العربية الثورية.

ولقد أثارت الدعوة إلى القومية طوائف أخرى تعيش في المنطقة، ودفعتها لأن ترفع نفس الراية، ففي السودان دعا سكان الجنوب إلى بعث القومية الزنجية، وفي الشمال الإفريقي ارتفعت أصوات بقومية بربرية؛ كرد فعل للقومية العربية، وفي العراق دعا سكان الشمال إلى بعث القومية الكردية، وفي الهند ظهر مسلمون يفخرون بالانتساب إلى القومية الهندية.

وهكذا كانت الآثار القومية السيئة لا حد لها، وبدل أن تكون طريقا لوحدة عربية شاملة، كما زعم دعاتها، أصبحت من عوامل بث الاضطرابات والتفرق بين الأمة الإسلامية، خاصة عندما عرّج بها دعاتها على الاشتراكية الثورية، وأغرقوا الشعوب بسيل من الشعارات التي لا محتوى لها، ولا مضمون وراءها، كالتغيير الثوري، والحل الثوري، ومجتمع الكفاية والعدل والتقدمية والتحررية وغير ذلك من الشعارات الزائفة.

ص: 277

ولا يفهم من هذا توهين علاقة الإنسان بقومه أو وطنه، فتلك من الفطرة البشرية المركوزة في جبلة الإنسان، وليست محبة الإنسان لوطنه وأمته وسعيه في سبيل تقدمها وازدهارها، والعمل على أن تكون كرامتها مصونة، وحصونها محمية، وإنما الإنكار على ابتعاد المسلم عن دينه وعقيدته، وحصر ولائه للقوم أو الوطن، والتحول إلى العصبية العمياء، التي تنتصر للقوم أو الوطن بالحق أو بالباطل، وعدم الاهتمام بالإسلام وقضايا المسلمين.

6-

الدعوة إلى الارتماء في أحضان الغرب وأخذ حضارته دون وعي ولا تمييز:

فقد قام بهذه الفكرة كثير من دعاة التضليل للأمة الإسلامية عند ضعف المسلمين وتفرقهم، حيث زعموا أن سبيل التقدم والنهضة، هو السير خلف ركاب الغربيين، والأخذ بمنهجهم وطريقتهم في كل شيء، حتى نكون مثلهم في الحضارة الحديثة، بخيرها وشرها، وما يحمد منها وما يُعاب.

ونتيجة لتلك الدعوات المغرضة من أدعياء الفكر، ذهب كثير من أبناء المسلمين إلى الدول الأوروبية، لإكمال تعليمهم، وغالباً مايتأثر هؤلاء الطلاب بعادات الغرب وأفكاره.

7-

الزعم بأن الشريعة الإسلامية لا تتوافق مع الحضارة الحديثة:

وهذا الزعم جاء نتيجة لاحتكاك أبناء الأمة الإسلامية بالحضارة الغربية الحديثة، فظنوا – جهلاً - أن الإسلام لا يتوافق مع الحياة العصرية، ولا ينسجم مع متطلبات الإنسان في هذا العصر.

بل قالوا إن الشريعة الإسلامية هى السبب في التخلف والرجعية، وأن السبيل إلى التخلص من هذا الداء، والنهوض بالأمة إلى التقدم والحضارة هو نبذ الإسلام وتعاليمه.

فهذه بعض الآثار والثمار السيئة والخبيثة التي انتهجتها العلمانية في البلاد الإسلامية التي تبنت العلمانية.

ص: 278

"والعلمانيون في العالم الإسلامي يعرفون بالاستهانة بالدين، والتهكم والاستهزاء بالمتمسكين به، كما يعرفون بإثارة الشبهات، وإشاعة الفواحش (كالسكر، والتبرج، والاختلاط المحرم) ونشر الرذائل، ومحاربة الحشمة والفضيلة، والحدود الشرعية، والاستهانة بالسنن، كما يعرفون أيضاً بحب الفساق والكفار والإعجاب بمظاهر الحياة الغربية وتقليدها".

ص: 279

تابع العلمانية وموقف الإسلام منها

الفصل الخامس

موقف الإسلام من العلمانية

المبحث الأول

حكم الإسلام من العلمانية

الإسلام يرفض العلمانية رفضاً قاطعاً سواء أكانت العلمانية بمعنى فصل الدين عن الحياة، أم بمعنى اللادينية؛ لأنها دعوة ضد الإسلام.

فالدولة في الإسلام ضرورة لابد منها، وذلك لإنفاذ الأحكام الشرعية، وصيانة الحقوق، ووصول الدين إلى أهدافه وأغراضه في حفظ الدين والنفوس والعقول والأعراض والمال وغيرها.

أمَّا إذا أبعد الإسلام عن الحكم وعطلت صلاحياته، فستصبح كثيرٌ من أحكامه وتشريعاته حبراً على ورق؛ لأنه لا يمكن تنفيذ تلك الأحكام من قبل الفرد وحده، وذلك كالجهاد في سبيل الله تعالى، وتنفيذ القصاص، وجباية الزكاة، وتأمين الطرق، ونشر الأمن، وفض الخصومات وما شابه ذلك.

إن الإسلام جاء عقيدة تنظم علاقة الناس بربهم، وشريعة تدير جميع شئون الحياة كلها، والدين عند الله تعالى هو الإسلام، والإسلام كما يدلُّ عليه اسمه هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك.

وقد شملت أوامر الله ونواهيه الحياة بأسرها، فليس هناك جانب من جوانب الحياة أو شيء من نظمها إلا ولله تعالى فيه حكم، فحياتنا العقدية، والاجتماعية، والتربوية والاقتصادية، والسياسية، وضع لنا أصول التعامل فيها، وفصل لنا بعض جوانبها تفصيلاً.

قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (1) .

قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "قال ابن مسعود: قد بين لنا في هذا القرآن كل علم وكل شيء. وقال مجاهد: كل حلال وكل حرام، وقول ابن مسعود أعم وأشمل، فإن القرآن اشتمل على كل نافع من خبر ماسبق، وعلم ما سيأتي، وكل حلال وحرام، وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ودينهم ومعاشهم ومعادهم".

ويمكن إيضاح وبيان حكم الإسلام من العلمانية كما يلي:

(1) سورة النحل، الآية (89) .

ص: 280

1-

العلمانية من الجانب العقدي تعني التنكر للدين وعدم الإيمان به، وترك العمل بأحكامه، وحدوده، وهذا كفر صريح.

2-

العلمانية في الجانب التشريعي تعني فصل الدين عن الدولة، أو فصل الدين عن الحياة كلها، وهذا يعني الحكم بغير ما أنزل الله.

وقد فصل علماء العقيدة الحكم بهذا على النحو التالي:

أ- إذا وقع الحكم بغير ما أنزل الله تعالى والحاكم (سواء أكان فرداً أم مجموعة) يرى أن حكم الله غير صالح أو غير جدير، أو أن حكم القوانين أصلح وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس

أو اعتقد أن حكم القوانين مساوية لحكم الله ورسوله، أو اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله ونحو ذلك فهو كفر اعتقاد مخرج عن الملة.

وهو من نواقض الإسلام، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:"من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر".

وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:

ص: 281

"ويدخل في القسم الرابع - أي من نواقض الإسلام - من اعتقد أن الأنظمة والقوانين التي يسنها الناس أفضل من شريعة الإسلام أو أنها مساوية لها أو أنه يجوز التحاكم إليها، ولو اعتقد أن الحكم بالشريعة أفضل أو أن نظام الإسلام لا يصلح تطبيقه في القرن العشرين، أو أنه كان سبباً في تخلف المسلمين، أو أنه يحصر في علاقة المرء بربه، دون أن يتدخل في شئون الحياة الأخرى، ويدخل في الرابع أيضاً من يرى أن إنفاذ حكم الله في قطع يد السارق، أو رجم الزاني المحصن، لا يناسب العصر الحاضر، ويدخل في ذلك أيضاً كل من اعتقد أنه يجوز الحكم بغير شريعة الله في المعاملات أو الحدود أو غيرهما، وإن لم يعتقد أن ذلك أفضل من حكم الشريعة، لأنه بذلك يكون قد استباح ما حرمه الله إجماعاً، وكل من استباح ما حرمه الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة، كالزنا والخمر والربا والحكم بغير شريعة الله فهو كافر بإجماع المسلمين".

ب- وإذا وقع الحكم عن جهل، أو ضعف، أو لهوى في نفس صاحبه، أو لغرض دنيوي، مع الاعتقاد بأن حكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أحق وأصلح وأجدر، وأنه أفضل من القوانين الوضعية فهذا كفر عملي، وهو فسق وظلم تقام الحجة على صاحبه، ويبين له الحق، ويجب على المسلم أن يتوب إلى الله تعالى، ويرجع إليه.

ويدل على ذلك فهم السلف لقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (1) .

حيث قال ابن عباس رضي الله عنهما:"ليس بكفر ينقل عن الملة"بل إذا فعله فهو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر، وبكذا وكذا (2) .

وقال طاووس مثله، وقال عطاء:"كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق".

(1) سورة المائدة، الآية (44) .

(2)

انظر: كتاب الإيمان لأبي عبيد بن سلام ص94 (ضمن رسائل أربع) . وتفسير الطبري (6/256) مدارج السالكين (1/364-365) .

ص: 282

قال شارح الطحاوية: "وهنا أمر يجب أن يتفطن له، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً ينقل عن الملة، وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة"وذلك بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله فهذا كفر أكبر، وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعلمه في هذه الواقعة، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا عاص ويسمى كافرا".

ومن المعلوم أن الحكم بما أنزل الله في الشريعة الإسلامية يعني الحكم بالكتاب والسنة على السواء.

كما يدل على ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (1) .

وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:

"

أما من حكم بغير ما أنزل الله اتباعاً للهوى، أو لرشوة، أو لعداوة بينه وبين المحكوم عليه، أو لأسباب أخرى، وهو يعلم أنه عاص لله بذلك، وأن الواجب عليه تحكيم شرع الله فهذا يعتبر من أهل المعاصي والكبائر ويعتبر قد أتى كفراً أصغر وظلماً أصغر وفسقاً أصغر، كما جاء هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعن طاووس وجماعة من السلف الصالح وهو المعروف عند أهل العلم".

3-

والعلمانية من الجانب الأخلاقي تعني: الانفلات والفوضى في إشاعة الفاحشة والرذيلة والشذوذ، والاستهانة بالدين والفضيلة، وسنن الهدى، وهذا ضلال مبين وفساد في الأرض، ومن العلمانيين من يرى أن السنن والآداب الشرعية والأخلاق الإسلامية إنما هى تقاليد موروثة. وهذا تصور جاهلي منحرف.

(1) سورة النساء، الآية (59) .

ص: 283

إن العلمانية في حكم الإسلام دعوة مرفوضة؛ لأنها دعوة إلى حكم الجاهلية، أي إلى الحكم بما وضع البشر، لا بما أنزل الله، والله تعالى يقول في محكم كتابه العزيز:

{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (1) .

يقول ابن كثير رحمه الله عند قوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} : أي فاحكم يا محمد بين الناس: عربهم، وعجمهم، أُمِّيِّهم وكتابِيِّهم بما أنزل الله إليك هذا الكتاب العظيم، وبما قرره لك من حكم من كان قبلك من الأنبياء، ولم ينسخه في شرعك".

(1) سورة المائدة، الآيات (48-50) .

ص: 284

وقال رحمه الله عند قوله تعالى {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} : "ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله؛ كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم

ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه، وآمن به، وأيقن، وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء".

ومن الآيات المبينة لأصول الحكم وقواعده:

قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (1) .

وقوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (2) .

(1) سورة النساء، الآيتان (58-59) .

(2)

سورة آل عمران، الآية (159) .

ص: 285

وقوله تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} (1) .

يقول ابن كثير - رحمه الله تعالى - عند الآية الأخيرة: "يقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً" ولهذا قال: {ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} :أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم، فلا يجدون في أنفسهم حرجاً مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليماً كلياً من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة

".

وقال تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون} (2) .

وقال عز وجل: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (3) .

إلى غير ذلك من الآيات في هذا الخصوص.

ومن نصوص السنة التي تتعلق بالحكم مايلي:

1-

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"إنما الإمام جُنَّة (4) يقاتل من ورائه ويتقى به (5)

".

(1) سورة النساء، الآية (65) .

(2)

سورة النور، الآية (51) .

(3)

سورة آل عمران، الآية (85) .

(4)

الإمام جنة أي: كالستر؛ لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين، ويمنع الناس بعضهم من بعض ويحمي بيضة الإسلام، ويتقيه الناس ويخافون سطوته. شرح النووي على مسلم (12/230) .

(5)

ومعنى يتقى به: أي يتقى به شر العدو وشر أهل الفساد والظلم مطلقاً.

ص: 286

2-

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أتى ابن مطيع قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من خلع يداً من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية"(1) .

3-

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعنى، ومن يعص الأمير فقد عصاني"(2) .

4-

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة (3) عليك"(4) .

5-

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم"(5) .

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك حتى لا يقع بينهم خلاف.

6-

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "

لايحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمروا عليهم أحدهم

" (6) .

يقول ابن تيمية رحمه الله: "فإذا كان - أي النبي صلى الله عليه وسلم قد أوجب في أقل الجماعات وأقصر الاجتماعات أن يولي أحدهم كان هذا تنبيهاً على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك".

(1) صحيح مسلم (3/1478) كتاب الإمارة حديث (1851) .

(2)

صحيح البخاري بشرح الفتح 6/116كتاب الجهاد رقم الحديث (2957) صحيح مسلم (3/1466) كتاب الإمارة حديث (1835) .

(3)

الأثرة هى الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا عليكم، اي أسمعوا وأطيعوا، وإن اختص الأمراء بالدنيا ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم.

انظر: شرح النووي على مسلم (12/225) .

(4)

صحيح مسلم (3/1467) كتاب الإمارة حديث (1836) .

(5)

سنن أبي داود (3/81) كتاب الجهاد حديث (2608- 2609) .

(6)

سنن أبي داود (3/81) ومسند الإمام أحمد (2/177) واللفظ له.

ص: 287

إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة التي تدل على أنه لابد من إقامة حاكم يرعى حقوق الله تعالى، ويصون حقوق الناس، ويسوس الأمة بالعدل، وينصف المظلوم، ويؤدي لكل ذي حق حقه.

وأنه يجب له السمع والطاعة في غير معصية الله، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وأنه لا يجوز الخروج أو خلع هذه الطاعة، وأن من خلع هذه الطاعة لا حجة له في فعله، ولا عذر له يوم القيامة.

كما أن الأحاديث تدل على وجوب لزوم الجماعة، وعدم الخروج عنها، لأن ذلك يؤدي إلى الافتراق والاختلاف في الأمة، وهذا الأمر أصل من أصول أهل السنة والجماعة، التي باينوا فيها أهل البدع والأهواء، فعلى المرء المسلم أن يسمع ويطيع لولاة الأمر في المعروف، فإن ذلك من طاعة الله عز وجل.

ولقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا أعياه أمر سأل الناس، وقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيه بقضاء؟ فإن كان عندهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه قضاء أخذ به وقال: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا، وإن لم يجد فيه سنة، استشار رؤوس الناس وخيارهم، فإن أجمع أمرهم على رأي قضى به.

وكان عمر رضي الله عنه يفعل ذلك، فإن لم يجد في القرآن والسنة نظر: هل لأبي بكر فيه قضاء، فإن وجد قضى به، وإلا دعا رؤوس المسلمين فاستشارهم فإذا اجتمعوا على أمر أخذ به.

المبحث الثاني

عمد وقواعد العلمانية

لم أجد من كتب عن عمد وقواعد العلمانية، وإنما أثبت ما أوردته هنا اعتماداً على الاستقراء لأفكار ومباديء العلمانيين، وقد لخصت ذلك فيما يلي:

1-

ينكر بعض العلمانيين وجود الله تعالى، ويهملون أمور الغيب، من بعث وثواب وعقاب وغير ذلك، وبعضهم يفصل بين وجود الله سبحانه، وبين تأثيره في الحياة.

ومما لاشك فيه أن الله تعالى فطر الناس على وجوده ووحدانيته

ص: 288

قال تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} (1) وكل الأدلة الشرعية والبراهين العقلية وغيرها، تدل دلالة قاطعة على ذلك.

وفي كل شيء له آيةٌ

تدلُ على أنه واحدُ

ولقد بينا ذلك في غير هذا البحث.

وهذه العقيدة القائمة على الإلحاد ينشأ عنها مجتمع لا يؤمن بالله الواحد الأحد، ولا يؤمن باليوم الآخر، وما فيه من الثواب والعقاب، ولا يؤمن بدين، ولا يعترف بخلق، وإنما ينشأ عنه مجتمع غايته متع الحياة وملذاتها، ولذلك فإن قبول العلمانية في أي مجتمع معناه تبني الإلحاد والمروق من الإسلام وردة صريحة عن دين الله الذي ارتضاه لعباده حتى ولو كانت العلمانية بمعناها المعتدل في مرحلتها الأولى.

2-

إقامة حاجز بين عالمي الروح والمادة، والقيم الروحية لديهم سلبية، وإقامة الحياة على أساس مادي.

والعلمانيون بهذا المبدأ يفرضون على الإنسان قوانين لا تلائم تكوينه الذاتي، القائم على التوازن الدقيق بين المادية والروحية، فإنها تتعرض دائما للتمرد والعصيان، الأمر الذي يدفعها دائماً إلى إعادة النظر في قوانينها ونظمها وتغيير مناهجها، وذلك من أجل تقبل الناس لها ومحاولة للتوازن والتوافق.

والمجتمعات العلمانية عامة تقوم على أساس الإشباع المادي للإنسان، مع إهمالها تماماً للناحية الروحية والنفسية؛ لأنها استبعدت الدين من مجال الحياة، وأقامت حضارة غربية أفقدت الرؤية الواضحة للإنسان، وحولته إلى حيوان يأكل ويشرب، ولا هم له غير ذلك، وأغلب ما يقع اليوم من الجرائم والمآثم، إنما هو بسبب هذا الإشباع المادي، وثمرة الكفر بالله واليوم الآخر، وأثر من آثار التنكر للحق، والاستهانة بالأخلاق.

(1) سورة الروم الآية (30) .

ص: 289

ومن ثَم كانت هذه النظرة المادية للحياة نظرة من شأنها أن تباعد بين الإنسان وفطرته الخيّرة، وتسلخه من الطيبة والسماحة، وتميت فيه عاطفة المحبة والرحمة، وتجعل منه عدواً لنفسه وللبشرية، وتجعله شر ما يدب على الأرض؛ قال تعالى:{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} (1) .

أما الإنسان في ظل الإسلام المتمسك به عقيدةً وشريعة ومنهج حياة، فإنه سوف يعيش مكرما معززاً، لأنه يعيش حياته وفقاً لشرع الله الذي يحقق له السعادة في الدنيا والآخرة؛ قال تعالى:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} (2) وقال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (3)

3-

فصل الدين عن السياسة، أو إقامة الحياة على غير الدين.

إن العلمانية بفصلها الدين عن الدولة، أو إقامة الحياة على غير الدين، تفتح المجال للانتماءات الوضعية والطبقية والمذهبية والقومية وغيرها.

والهدف من فصل الدين عن السياسة وعن شؤون الحياة، هو هدم العقيدة الصحيحة، وإخراج الناس من نور التوحيد إلى ظلمات الشرك الإلحاد، وإحلال القوانين الوضعية محل الشريعة الإسلامية، وإبعاد الإسلام عن التطبيق العملي.

(1) سورة الأنفال، الآيتان (22، 23) .

(2)

سورة الإسراء، الآية (70) .

(3)

سورة النحل، الآية (97) .

ص: 290

وهذه الفكرة بعيدة كل البعد عن عقيدة الإسلام وشريعته، فالله –تعالى - يخاطب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله:{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} (1) .وقال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (2) .

إن القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فيه كل ما تحتاج إليه البشرية في كل زمان ومكان، من خيري الدنيا والآخرة.

وفصل الدين عن الدولة أساس العلمانية التي نادى بها الغرب، ولجأ إليها كرد فعل لاضطهاد الكنيسة للعلم والعلماء، لا يبرر إبعاده للدين عن شؤون الحياة؛ لأنه لو اتجه إلى الإسلام دون تعصب أو غرور لوجد فيه ضالته وهدايته.

4-

العلمانية تقوم على تطبيق مبدأ النفعية (البراجماتية)(3) مع كل شيء في الحياة.

والبراجماتية تقوم على إنكار وجود الله وألوهيته، وتنكر الدين والأخلاق، وتجعل المنفعة المادية العاجلة وحدها المسيطرة على هذا المذهب، وهى أساس أي عمل أو فكرة، وتجعل مصلحة الإنسان لنفسه فوق مصالح الآخرين حتى ولو أضرَّ بهم.

(1) سورة المائدة، الآية (49) .

(2)

سورة النحل، الآية (89) .

(3)

يتلخص مذهب (البراجماتية) في أنه يقيس القضية بنتائجها العملية، ويرى أتباعها أن قيمة المعتقدات والقيم الخلقية نابعة من أثرها، فما حقق منفعة للإنسان، فهو خير وصحيح، والعكس بالعكس، ومن أبرز روادها: وليم جيمس، وتشارلز برس، وجون ديوي.

انظر: اتجاهات في الفلسفة المعاصرة عزمي إسلام 85، العصرانية ص50، والاتجاهات الفكرية المعاصرة وموقف الإسلام منها 65.

ص: 291

أما الإسلام فقد جاء بما يكفل الخير والصلاح لكل الناس، وجميع المصالح والمنافع في الإسلام يسودها التعاون والإيثار والمحبة، وابتغاء الأجر والمثوبة من الله تعالى.

قال تعالى: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} (1) وقال تعالى: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (2) وقال تعالى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} (3) وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (4) .

وفي الحديث الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّجَ الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة"(5) .

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل سُلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة"(6) إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة في هذا الشأن.

(1) سورة النساء، الآية (114) .

(2)

سورة البقرة، الآية (195) .

(3)

سورة البقرة، الآية (272) .

(4)

سورة المائدة، الآية (2) .

(5)

صحيح البخاري بشرح الفتح 5/97 كتاب المظالم رقم 2442، ومسلم 4/1996 كتاب البر والصلة والآداب رقم 2580.

(6)

صحيح البخاري بشرح الفتح 5/309 كتاب الصلح رقم 2707، ومسلم 2/699 كتاب الزكاة رقم 1009 واللفظ له.

ص: 292

5-

تعتمد العلمانية على مبدأ (الميكيافيلية)(1) في فلسفة الحكم والسياسة والأخلاق. وهو مبدأ يقوم على أن (الغاية تبرر الوسيلة) مهما كانت هذه الوسيلة منافية للدين والأخلاق، ومهما كانت حسنة أو سيئة.

وهذا الاتجاه المنحرف إذا أُخذ على إطلاقه، فَهو طريق كل المنحرفين الظالمين المفسدين في الأرض، والأخذ بهذا الاتجاه - المستهين بفضائل الأخلاق الإنسانية - لتحقيق غايات الأفراد أو الجماعات هو نذير دمار عام وشامل لكّل الشعوب التي تأخذ به.

إن الرذائل الخلقية التي تقتضيها المكيافيلية مقبولة عند دعاتها إذا كانوا يمارسونها هم ضد غيرهم، ومرفوضة إذا كان غيرهم يمارسها ضدهم، وهذا تناقض منطقي بدهي، لا يلتزم به من يحاكم الأمور بعقله، ولكن يكابر فيه من يحاكم الأمور بأهوائه، وشهواته، ومصالحه الخاصة.

إن من المعروف في الحياة أن لكل إنسان، ولكل مجموعة بشرية، مطالب نفسية، وحاجات جسدية، وأنه لابد لتحقيق أي مطلب من مطالب النفس، وأية حاجة من حاجات الجسد من اتخاذ وسيلة إلى ذلك.

فهل يصح في عقل أي إنسان عاقل اتخاذ أية وسيلة في الدنيا، مهما كان شأنها عظيماً، لأية حاجة مهما كان شأنها حقيراً تافهاً؟

فإذا كانت الغايات مطلقاً تبرر أية وسيلة دون قيد أو شرط، فما أجدر المكيافيلي الذي يأخذ بهذه الفكرة الفاسدة أن ينحدر إلى أخس مرتبة يمكن أن تُتصور في الوجود، ويُرد إلى أسفل سافلين.

(1) نسبة إلى ميكافيلي نيقولا (1469-1527م) إيطالي الجنسية، وهو أول المفكرين السياسيين الأوروبيين، اشتهر بكتابه (الأمير) الذي فيه دعوة صريحة إلى فصل السياسة عن الدين والأخلاق، ووضع مبدأً عملياً لها وهو (الغاية تبرر الوسيلة) .

انظر: كواشف زيوف ص379، وموقف الإسلام من نظرية ماركس ص612.

ص: 293

والإسلام يراعي الحق والعدل والخير والفضيلة، ويأمر المسلمين بالتزام ما أمر الله به من الخير واجتناب ما نهى عنه من الشر، وغايات الإنسان يجب أن تكون مقيدة بشرع الله تعالى، فلا يجوز الوصول إلى الغاية الشريفة بالوسائل المحرمة.

المبحث الثالث

التطبيق العملي للإسلام

ولقد جاء التطبيق العملي للإسلام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في شتى المجالات، وقد كان عليه الصلاة والسلام مبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله - تعالى - بالحكمة والموعظة الحسنة، وكان إمام الأمة وقاضيها، والمعلم والموجه، وقائد الجيش، وقد كان لهذه التربية النبوية الكريمة الأثر الكبير في توجيه سلوكهم، كما كان للعقيدة الإلهية الأثر العظيم في توجيه النفوس المؤمنة نحو الخير والفضيلة.

ومن هنا سطر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في العدل، والسياسة، وفي المعاملات، والأخلاق، وفي الخوف من الله والتوكل عليه، وفي علاقة الرجل مع أهله وخدمه، ومع المجتمع الذي يعيش فيه، ضربوا أروع الأمثلة في شتى المجالات؛ لأن الإيمان بالله إذا وقر في نفس الإنسان فإنه يسعى إلى عمل كل ما يرضي الله تبارك وتعالى، ويبتعد عن كل ما يخالف أوامره ونواهيه.

وسار على نهج النبي صلى الله عليه وسلم خلفاؤه الراشدون فلم يفصلوا بين الدين والسياسة، أو الدين والحياة، بل ربطوا ذلك ربطاً محكماً، وكانوا يرجعون إلى الكتاب والسنة في كل أمورهم.

ومن شواهد ذلك ما حصل بين أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما من محاورة بشأن قتال مانعي الزكاة.

فأبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول: "والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه".

ص: 294

وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يعارض في ذلك مستدلاً بقول - النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله"(1) .

ويحتج الصديق بما جاء في الحديث: "إلا بحقها" ويقول الزكاة من حق الأموال.

وهكذا نجد أن الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدون لم يفصلوا بين دين وسياسة، بل إنهم كانوا يسيرون مع الدين حيث سار.

إن الإسلام هو شريعة الله الخالدة، وقد تناولت الشريعة الإسلامية شؤون الحياة كلها: عقيدة، وعبادة، واجتماعاً، واقتصاداً، وسياسةً، وحكماً، وحددت النصوص الشرعية أصول الأحكام في: الأحوال الشخصية، والمعاملات، والعقوبات، واستمد فقهاء الإسلام من هذه الأصول - من الكتاب والسنة - الأحكام الجزئية التي تتجدد بتجدد الأحداث في كل عصر، وظل تطبيق أحكام هذه الشريعة الغراء في أمة الإسلام مستمراً، في عصور التاريخ المختلفة - وإن ذكرت بعض المصادر توقف العمل بالأحكام الشرعية عندما دخل هولاكو بغداد - ولم يقبل أحد من حكام المسلمين التهاون في الأحكام الشرعية، لأن تحكيم الشريعة الإسلامية من أصول الإيمان بهذا الدين القويم.

فلما كثُر احتكاك المسلمين بالغرب تأثر بعض المسلمين بالثقافة الغربية، وتسرب الفكر الغربي إلى ديار الإسلام، وبدأ التهاون في التزام أحكام الشريعة، ثم كان استبدال القوانين الوضعية بها مرحلة مرحلة.

ولا يزال تطبيق الشريعة الإسلامية قائماً ولله الحمد، فنحن في هذه البلاد نعيش تحت راية التوحيد، ونستظل بأحكام الإسلام وتشريعاته السمحة.

الخاتمة

(1) صحيح البخاري مع الفتح (1/75) كتاب الإيمان. باب: فإن تابوا

، وصحيح مسلم (1/53) كتاب الإيمان حديث (22) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

ص: 295

وبعد حمد الله – تعالى - وتوفيقه لي على إتمام هذا البحث المتواضع أود أن ألخص أهم ما اشتمل عليه فيما يلي:

1-

إن العلمانية اصطلاح جاهلي، لا صلة له بالعلم، وإنما سماها أعداء الإسلام بذلك إمعانا منهم في التضليل والخداع، وإلا فإن عزل الدين عن العقيدة والشريعة وجميع نواحي الحياة يعني في الإسلام الكفر، والمروق من الدين، وحكم الجاهلية وتعطيل حدود الله وشرعه.

2-

إن أهم الأسباب التي أدت إلى ظهور العلمانية في أوروبا هو التحريف في أصول الدين، وتسلط رجال الكنيسة دينياً، واقتصادياً، وسياسياً، ولا يخفى ما لليهود من دور بارز في ذلك.

3-

إن ظروف نشأة العلمانية في أوروبا لا تنطبق على الإسلام والمجتمعات الإسلامية، وذلك لأنه - بحمد الله - ليس في الإسلام تحريف في مصدر عقيدته، وليس فيه كهنوت، ولا واسطة بين الخالق وخلقه، وأنه لا عصمة لأحد إلا للرسل - عليهم الصلاة والسلام - فيما يبلغونه عن الله تبارك وتعالى كما أَنَه ليس في الإسلام صراع أو خصام بين الدين والعلم، بل إن الإسلام يدعو إلى العلم النافع المثمر، ويحث عليه، كما أن الإسلام صالح للتطبيق في كل زمان ومجتمع ومكان.

4-

إن من أسباب انتقال العلمانية إلى العالم الإسلامي انحراف كثير من المسلمين عن العقيدة الصحيحة المستمدة من الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح، وسيطرة الاستعمار الغربي والشرقي على كثير من أقطاره عسكرياً، وثقافياً، واقتصادياً، بالإضافة إلى إعجاب كثير من المسلمين بتقدم الغرب الهائل في مضمار العلم المادي.

5-

إن إبعاد الدين عن مجالات الحياة في المجتمعات الأوروبية قد حولها إلى الإفلاس والحيرة والضياع، وحياة الضنك وعدم الطمأنينة، وذلك بسبب ابتعادها عن الإيمان بالله - تعالى - وشرعه، كما أنه كان لتسرب العلمانية إلى المجتمعات الإسلامية أسوأ الأثر على المسلمين في دينهم ودنياهم، وذلك لابتعادهم عن نور الكتاب والسنة.

ص: 296

6-

إن الإسلام يرفض العلمانية رفضاً قاطعاً؛ لأنها دعوة ضد الإسلام الذي جاء لإخراج الناس من الظلمات إلى النور.

7-

إن العلمانية تتعارض مع الإسلام تعارضاً تاماً في شتى المجالات، ولا وجه للمقارنة بينهما على الإطلاق، وذلك لأن الإسلام نظام إلهي شرعه رب الخلق الذي يعلم أحوال عباده، وما يصلح معاشهم، وما يحقق لهم الخير في دنياهم وأخراهم.

والعلمانية هى من وضع البشر وهم يخضعون للأهواء والشهوات، وتتغلب عليهم العواطف البشرية التي تحيد بهم عن الحق والصواب.

8-

إن الإسلام هو دين الحق الذي يجب على الناس جميعاً أن ينقادوا له، ويتمسكوا به، عقيدةً وشريعة، ومنهج حياة وفقاً لما جاء في كتاب الله – تعالى - وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإن على ولاة أمور المسلمين أن يطبقوا هذا الدين على شعوبهم؛ لينعم الناس بالعدل والأمان والهداية والاستقرار.

وإن في تطبيق ولاة الأمر للشريعة الإسلامية في المملكة العربية السعودية لخير شاهد على صلاحها، وإمكان تطبيقها في العصر الحديث. نسأل الله تعالى لهم التوفيق والسداد والثبات على ذلك.

وفي الختام أحب أن أذكر بما قصه الله - تعالى - علينا في كتابه الكريم عن أمة انتكس رأيها فزهدت بحق واضح بين يديها، وتعلقت بباطل عند غيرها جهلاً وسفهاً.

يقول سبحانه وتعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} (1) .

(1) سورة الأعراف، الآيات (138-140) .

ص: 297

وعن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط فمررنا بسدرة فقلنا:"يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر إنها السنن قلتم، والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون لتركبن سنن من كان قبلكم" (1) .

هذا، وأسأل الله - تعالى - أن يعزّ دينه ويعلي كلمته، وأن يحق الحق ويبطل الباطل، وأن يوفقنا وجميع المسلمين لما يرضيه، ويعافينا من أسباب غضبه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.

قائمة بأهم المصادر والمراجع

- القرآن الكريم.

1-

الاتجاهات الفكرية المعاصرة وموقف الإسلام منها:

د. جمعة الخولي، الطبعة الأولى 1407هـ، مطابع الجامعة الإسلامية، بالمدينة المنورة.

2-

الاتجاهات الفكرية المعاصرة:

د. علي جريشة، ط الأولى، 1407هـ، دار الوفاء للطباعة، المنصورة.

3-

أحجار على رقعة الشطرنج:

وليام كار، دار النفائس، ط الأولى.

4-

احذروا الأساليب الحديثة في مواجهة الإسلام:

د. سعدالدين السيد صالح، ط الثانية1413هـ-1993م، دار الأرقم، الزقازيق.

5-

أخطار الغزو الفكري على العالم الإسلامي:

د. صابر طعيمة، ط الأولى 1404هـ-1984م، عالم الكتب، بيروت.

6-

أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي:

د. علي جريشة وزميله، دار الاعتصام، القاهرة.

7-

الاستشراق والتبشير وصلتهما بالإمبريالية العالمية:

د. إبراهيم خليل، القاهرة.

8-

الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري:

(1) سنن الترمذي (4/475) كتاب الفتن، باب ماجاء لتركبن سنن من كان قبلكم، وقال: حديث حسن صحيح، وذكر «خيبر» بدل «حنين» .ومسند الإمام أحمد (5/218) .

ص: 298

د. محمد زقزوق، دار المنار، ط الثانية 1409هـ-1989م.

9-

الاستقامة لابن تيمية:

لأبي العباس تقي الدين أحمد عبد الحليم المتوفى سنة (728هـ) مكتبة ابن تيمية، الطبعة الثانية 1409هـ.

10-

أضواء على طريق الدعوة إلى الإسلام:

د. محمد أمان الجامي، طبع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والدعوة والإرشاد، الرياض 1404هـ.

11-

أعلام الموقعين:

لابن قيّم الجوزية، دار الجيل، بيروت، 1973م.

12-

الإيمان:

لشيخ الإسلام ابن تيمية، دار الكتب العلمية، ط ا، بيروت 1403هـ.

13-

تاريخ أوروبا في العصور الوسطى:

أ. هـ فيشر، ت مصطفى زيادة، مصر 1966م.

14-

تاريخ نجد:

للشيخ حسين بن غنام، تحقيق د. ناصرالدين الأسد، دار الشروق، ط4، 1415هـ-1994م.

15-

التبشير الصليبي:

دار الفلاح، بيشاور، ط الثانية 1413هـ-1992م.

16-

التبشير والاستعمار في البلاد العربية:

د. مصطفى خالدي، وعمر فروج، المكتبة العصرية، بيروت.

17-

الترغيب والترهيب:

للإمام الحافظ زكي الدين المنذري (ت656هـ) نشر إحياء التراث العربي، بيروت ط3، 1388هـ.

18-

تفسير القرآن العظيم:

للحافظ ابن كثير (ت774هـ) مطبعة الفجالة الجديدة، القاهرة، ط الأولى 1384هـ، نشر المكتبة الحديثة.

19-

تهافت العلمانية في الصحافة العربية:

سالم بهنساوي، دار الوفاء، ط الأولى 1410هـ-1990م.

20-

تهافت العلمانية في مناظرة نقابة المهندسين بالأسكندرية:

د. صلاح الصاوي ط1413هـ، الآفاق الدولية للإعلام، القاهرة.

21-

تهافت العلمانية:

د. عمادالدين خليل، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1403هـ-1983م.

22-

جامع البيان عن تأويل آي القرآن المعروف بتفسير الطبري:

لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت310هـ) شركة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر، ط الثالثة.

23-

الجامع الصحيح:

للحافظ أبي عيسى محمد الترمذي (279هـ) دار إحياء التراث العربي.

24-

الجامع الفريد:

ص: 299

يحتوي كتُباً ورسائل لأئمة الدعوة الإسلامية، طبع على نفقة محمد بن إبراهيم النعمان، دار الأصفهاني للطباعة بجدة.

25-

جذور العلمانية:

د. السيد أحمد فرج، دار الوفاء للطباعة والنشر، المنصورة، ط الخامسة1413 هـ-1993م.

26-

الحسبة في الإسلام:

لشيخ الإسلام ابن تيمية، دار العلمية، ط ا، بيروت، 1412هـ-1992م.

27-

حقيقة التبشير بين الماضي والحاضر:

م. أحمد عبد الوهاب، مكتبة وهبة، القاهرة، ط الأولى، 1401هـ-1988م.

28-

الخطر اليهودي (بروتوكولات حكماء صهيون) :

ت. محمد خليفة التونسي، دار الكتاب العربي، بيروت.

29-

ركائز الإيمان:

محمد الغزالي، القاهرة، 1974م.

30-

سنن أبي داود:

للإمام الحافظ أبي داودسليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي (ت275هـ) دار الحديث للطباعة والنشر، بيروت، ط الأولى، 1388هـ، إعداد وتعليق الدعاس.

31-

سنن الدارمي:

دار الريان للتراث، القاهرة، ط 1، 1407هـ.

32-

شرح نواقض الإسلام:

لأبي أسامة حسن بن علي العواجي، ط 1، 1413هـ-1993م، أضوء المنار، المدينة المنورة.

33-

شرح النووي على صحيح مسلم:

دار الفكر، بيروت.

34-

صحيح البخاري مع فتح الباري:

للإمام محمد بن إسماعيل البخاري (ت256هـ) طبع المكتبة السلفية.

35-

صحيح مسلم:

للإمام الحافظ أبي الحسن مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (ت261هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق فؤاد عبد الباقي.

36-

الصوفية نشأتها وتطورها:

لمحمد العبده، وطارق عبد الحكيم، دار الأرقم، الكويت، ط 1، 1406هـ- 1986 م.

37-

العصرانية في حياتنا الاجتماعية:

د عبد الرحمن الزنيدي، دار المسلم، ط 1، 1415هـ-1994م، الرياض.

38-

عقيدة المسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين:

للشيخ صالح البليهي، ط 2، 1404هـ.

39-

العلمانية، نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة:

لسفر الحوالي، دار مكة للطباعة والنشر، نشر جامعة أم القرى، ط، 1402

هـ-1982م.

40-

العلمانية، النشأة والأثر في الشرق والغرب:

ص: 300

زكريا فايد، ط1، 1408هـ-1988م، الزهراء للأعلام العربي.

41-

العلمانية وثمارها الخبيثة:

لمحمد شاكر الشريف، دار الوطن، ط 1، 1411هـ، الرياض.

42-

الغارة على العالم الإسلامي:

ترجمة محمد الخطيب، ومساعد اليافي، مكتبة أسامة بن زيد، بيروت.

43-

الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي:

د. محمد البهي، دار الفكر، ط 6، 1973م.

44-

قاموس المورد:

لمنير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، 1977م.

45-

قصة الحضارة:

لديورانت، نشر الإدارة العربية في جامعة الدول العربية، مطابع الدجوي، القاهرة، ترجمة محمد بدران.

46-

الكتاب المقدس:

دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط.

47-

الكشاف الفريد عن معاول الهدم ونقائض التوحيد:

لخالد محمد علي الحاج، دولة قطر، 1403هـ-1983م.

48-

كواشف زيوف:

عبد الرحمن الميداني، دار القلم، ط 1، 1405هـ-1985م.

49-

لماذا نرفض العلمانية:

محمد محمد بدري، دار ابن الجوزي، ط1، 1412هـ الدمام.

50-

مجموع فتاوي ومقالات متنوعة:

لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، ط2، 1411هـ-1990م.

51-

محاضرات في النصرانية:

لمحمد أبي زهرة، دار الفكر العربي، ط 3، 1381هـ.

52-

مختار الصحاح:

للشيخ الإمام محمد بن أبي بكر الرازي، مكتبة لبنان.

53-

المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام:

لمحمد محمود الصواف، دار الإصلاح، السعودية، الدمام.

54-

مدارج السالكين:

للإمام ابن قَيِّم الجوزيّة (ت751هـ) دار الكتب العلمية، بيروت،

ط1، 1403هـ-1983م.

55-

مذاهب فكرية معاصرة:

محمد قطب، دار الشروق، بيروت، ط 2، 1407هـ-1987م.

56-

مذابح وجرائم محاكم التفتيش في الأندلس:

محمد على قطب، مكتبة القرآن.

57-

مسند الإمام أحمد بن حنبل:

دار صادر، بيروت.

58-

المسيحية:

د. أحمد شلبي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة.

59-

معالم تاريخ الإنسانية:

ص: 301

هـ. ج. ولز، مطبعة لجنة التأليف والترجمة، القاهرة، ط 1، 1950م.

60-

معاول الهدم والتدمير في النصرانية وفي التبشير:

إبراهيم الجبهان، دار المجتمع، جدة، ط 6، 1413هـ-1993م.

61-

المعجم العربي الحديث:

لأروس، د. خليل الجسر، مكتبة الأروس، باريس.

62-

المعجم الوسيط:

لمجموعة من علماء اللغة العربية، مصر.

63-

المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي:

رتبه ونظمه لفيف من المستشرقين، نشره د. أ-ي ونسك، أستاذ العربية بجامعة ليدن، 1936م.

64-

المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم:

وضعه محمد فؤاد عبد الباقي، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة.

65-

المواجهة بين الإسلام والعلمانية:

د. محمد صلاح الصاوي، ط 1، 1413هـ، الآفاق الدولية للإعلام.

66-

مؤامرة فصل الدين عن الدولة:

محمد كاظم حبيب، دار الإيمان، لبنان، ط 1، 1394هـ-1974م.

67-

الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة:

ناصر القفاري وزميله، ط1، 1413هـ-1992م، دار الصميعي للنشر، الرياض.

68-

الموسوعة العربية الميسرة:

دار نهضة لبنان للطبع والنشر، 1401هـ-1981م، بيروت.

69-

الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة:

الندوة العالمية للشباب الإسلامي، ط 2، 1409هـ-1989م، الرياض.

70-

موقف الإسلام من نظرية ماركس:

أحمد العوايشة، دار مكة للطباعة، ط 1، 1402هـ-1982م.

71-

النهاية في غريب الحديث والأثر:

تحقيق طاهر الزواوي، ومحمود الطناحي، المكتبة الإسلامية لصاحبها الحاج رياض الشيخ القاهرة بدءً من 1383هـ – 1963م.

72-

نواقض الإسلام:

رسالة للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أعدها وصححها مجموعة من العلماء الذين شاركوا في مؤتمر أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، طبع جامعة الإمام محمد بن سعود.

ص: 302

أبو تراب الغوي وكتابه الإعتقاب (القسم الثاني)

إعداد:

د. عبد الرزاق بن فراج الصاعدي

الأستاذ المشارك في كلية الغة العربية في الجامعة

(باب اعتقاب الفاء واللام)

267-

أبو تراب عن الكلابيّ: "وادٍ جَرِل، إذا كان كثيرَ الجِرَفَةِ، والعَتَبُ والشَّجَر".

قال: وقال حَتْرش: "مكان جَرِل، فيه تَعَادٍ واختلاف".

قال: وقال غيره من أعراب قيس: "أرض جَرِفة مختلفة، وقِدْحٌ جَرِفٌ ورجل جَرِفٌ كذلك".

268-

قال ابن الفرج: "تغلّف بالغالية إذا كان ظاهراً، وتغلّل بها إذا كان داخلاً في أصول الشَّعَر".

(باب اعتقاب الفاء والميم)

269-

أبو تراب عن بعض بني سُليم: "في الغِرارة ثُفْلة من تمر، وثُمْلة من تمر؛ أي: بقيّة منه".

270-

قال أبو تراب: قال زائدة القَيسِيّ: "خَضَفَ بها وخَضَمَ بها؛ إذا ضَرَطَ".

قال: وقاله عرّام، وأنشد للأغلب:

إن قَابَلَ العِرسَ تَشَكَّى وخَضَمْ"

271-

روى ابن الفرج عن أعرابيّ أنه قال: "أصفقت الباب وأصمقتُه بمعنى أغلقته.

وقال غيره: هي الإجافةُ دون الإغلاق".

272-

روى إسحاق بن الفرج عن شبانة الأعرابيّ أنه قال: "غُلامٌ أُملودٌ وأُفلوذٌ إذا كان تاماً مُحْتَلماً شَطْباً".

(باب اعتقاب الفاء والهاء)

273-

قال ابن الفَرَج: "سمعت عَرَّاماً يقول: تاه بَصَرُ الرجل وتاف؛ إذا نظر إلى الشيء في دوام، وأنشد:

فَمَا أَنسَ مِن أشياءَ لا أَنسَ نَظْرتي

بِمَكَّةَ إِنِّي تَائِفُ النَّظَرَاتِ

وتَافَ عَنِّي بَصَرُك وتاه؛ إذا تَخَطَّى".

274-

قال الجوهري: "وهَرْهَرْتُ الشيء: لغة في فَرْفَرْتُهُ، إذا حَرّكتَه. وهذا الحرف نقلته من كتاب الاعتقاب لأبي تراب من غير سماع".

(باب اعتقاب القاف والكاف)

275-

ابن الفرج: "الحَسَاكل والحَسَاقل صغار الصّبيان؛ يقال: مات فلان وخَلَّفَ يَتَامَى حَسَاكل، واحدهم حِسْكِل، وكذلك صغار كلّ شيء حَسَاكل".

276-

قال ابن الفرج: "

قال: والزّحاليك والزّحاليق واحد.

ص: 303

ثعلب عن ابن الأعرابيّ قال: "والتَّزَحْلُكُ: التزحلق، وهي الزّحاليك والزّحاليق".

277-

قال أبو تراب: قال الأصمعيّ: "شقأ نابُ البعير وشَكَأَ، إذا طلع فشَقَّ اللَّحْم".

278-

أبو تراب عن الأصمعيّ: "إبل شُوَيقِئة وشويكئة حين يطلع نابها، من شقأ نابه وشكأ وشاك - أيضاً، وأنشد:

شُويقيّة النَّابَينِ تَعْدِلُ دَفَّها

بأَفْتَلَ من سَعَدانه الزَّورِ بائنِ

وقال آخر:

عَلَى مُسْتَظِلاتِ العُيُونِ سَوَاهِم

شُوَيكئةٍ يَكْسُو بُرَاهَا لُغامُهَا"

279-

قال إسحاق بن فرج: "سمعت أعرابياً يقول: عَقَدَ فلانُ بن فلان عُنقه إلى فلان؛ إذا لجأ إليه، وعكدها".

280-

قال ابن الفرج: "كان ذلك في إقحاط الزَّمَان وإكحاط الزَّمَان، أي في شِدَّته".

281-

قال الأزهريّ: "قال ابن الأعرابيّ: خرج فلان يَتَقَّمَّهُ في الأرض: لا يدري أين يذهب.

وقال أبو سعيد: ويَتَكَمَّهُ مثله، رواه أبو تراب في كتابه".

282-

قال أبو تراب: قال شُجَاع: غُلامٌ قُدُرٌّ وكُدُرٌّ، وهو التَّامّ دون المُحْتَلِم".

283-

قال أبو سعيد فيما روى عنه أبو تراب: قَصَمَ راجعاً، وكَصَمَ راجعاً إذا رجع من حيث جاء ولم يتمّ إلى حيث قَصَدَ، وأنشد بيت عَدِيّ بن زيد:

وأَمَرْنَاهُ بِهِ مِن بَيْنِهَا

بَعْدَ ما انْصَاعَ مُصِرّاً وكَصَمْ"

284-

قال أبو تراب: "قال عرام: هذه قُمْزَةٌ من تَمْرٍ وكُمْزَةٌ، وهي الفِدْرَةُ كجثمان القطا أو أكثر قليلاً، والجَمِيعُ: كُمَزٌ وقُمَزٌ".

285-

روى أبو تراب عن أبي العَمَيثل، يُقَالُ: نُقِتَ العَظْمُ ونُكِتَ، إذا أُخْرِجَ مُخُّهُ، وأنشد:

وَكَأَنَّهَا في السِّبِّ مُخَّةُ آدبٍ

بَيْضَاءُ أُدّبَ بدؤُها المَنقُوتُ"

(باب اعتقاب القاف واللام)

286-

قال ابن الفرج: سمعت الحُصينيّ يقول: "هو أَفْلَسُ من ضَارِبِ قِحْفِ اسْتِهِ، ومن ضارب لِحْفِ اسْتِهِ.

قال: وهو شقّ الاست، وإنما قيل ذلك؛ لأنه لا يجد شيئاً يلبسه؛ فتقع يدُه على شُعب أسته".

ص: 304

287-

قال أبو تراب: سمعت الحصينيّ يقول: "قطّيتُ على القَومِ وتَلَطَّيْتُ عليهم، إذا كانت لي عندهم طَلِبَةٌ فأخذتُ من مالهم شيئاً فسبقت به".

(باب اعتقاب القاف والميم)

288-

قال أبو تراب: "سمعتُ شمراً وأبا سعيد يقولان: رجل حُزُقَّةٌ وحُزُمَّةٌ إذا كان قصيراً".

289-

أبو تراب عن السّلميّ: "صَقَلَه بالعصا وصَمَلَه: إذا ضربه بها".

(باب اعتقاب القاف والنّون)

290-

قال أبو تراب: "سمعت عرّاماً يقول: كذبت عَذَّاقته وعَذَّانته، وهي استه. وامرأة عَذَقَانةٌ وشَقَذَانةٌ، وغَذَوَانةٌ، أي: بَذيّةٌ سَلِيطة. وكذلك امرأة سَلَطانةٌ وسَلَتانةٌ".

(باب اعتقاب القاف والهاء)

291-

أبو تراب: قال الأصمعيّ: "مَرَّ فُلان يَهْزَعُ ويَقْزَعُ، أي: يَعْرُجُ، وهو أن يعدوَ عدواً شديداً - ايضاً".

292-

روى ابن الفرج عن مُدْرِك، يقال:"للرّجل قَوْمٌ يقمِشونَ له، ويهمشون له، بمعنى واحد".

(باب اعتقاب الكاف واللام)

293-

قال أبو تراب: قال الفراء: "كَفَخَه كَفْخاً؛ إذا ضَرَبَه. وقال أبو زيد: لَفَخَهُ لَفْخاً على رأسه، إذا ضَرَبَه".

(باب اعتقاب الكاف والميم)

294-

روى أبو تراب عن عقبة السّلميّ أنه قال: "كَدَشْتُ من فلان شيئاً، واكتَدَشْتُ، وامْتَدَشْتُ؛ إذا أصبت منه شيئاً".

(باب اعتقاب الكاف والنّون)

295-

قال ابن الفرج: قال أبو عمرو: الكَعْظَلَةُ والنَّعْظَلَةُ: العَدْوُ البَطِئ. وأنشد:

لا يُدْرَكُ الفَوْتُ بِشَدٍّ كَعْظَلِ

إلا بإجْذَامِ النَّجَاءِ المُعْجَلِ"

(باب اعتقاب الكاف والهاء)

296-

قال ابن الفرج: "سمعت خليفة يقول: للبيت كِواءٌ كَثِيرةٌ وهِواءٌ كثيرة، والواحدة كَوّة وهَوّة، وأمّا النّضر فإنه زعم أنّ الهَوَّةَ بمعنى الكوّة تجمع هُوىً، مثل قرية وقُرىً".

(باب اعتقاب اللام والميم)

297-

قال أبو تراب: "سمعت مبتكراً السّلميّ يقول: دَقَل فلانٌ لَحْيَ الرّجل ودَقَمَه، إذا ضرب فمه وأنفه.

ص: 305

والدّقل لا يكون إلا في اللَّحْي والقَفَا، والدَّقْمُ في الأنْفِ والفَمِ".

298-

روى ابن الفرج لأبي عمرو: يقال: مَقِسَتْ نَفْسُهُ تَمْقَسُ فَهِيَ مَاقِسةٌ إذا أَنِفَتْ، وقال مرةً خَبُثَتْ، وهي بمعنى لَقِسَتْ".

(باب اعتقاب اللام والنّون)

299-

قال أبو تراب: قال المُؤَرِّجُ: "حَطَبٌ جَزْنٌ وجزلٌ، وجَمْعُهُ: أجزُنٌ وأَجْزُلٌ، وهي الخشب الغلاظ. قال جَزْء بن الحارث:

حَمَى دُونَه بالشَّوك والتّفَّ دُونَهُ

من السِّدْر سُوقٌ ذاتُ هَوْلٍ وأجْزُنِ"

300-

قال ابن الأعرابيّ: "الحَقْلَةُ والحَقْنَةُ وَجَعٌ يكون في البطنِ، والجميع أَحْقَالٌ وأَحْقَانٌ، رواه أبو تراب".

301-

روى ابن الفرج - عن بَعضِهم - أنه قال: "هو خَامِلُ الذِّكر، وخَامِنُ الذِّكْر، بمعنى واحد".

302-

قال أبو تراب: سَمِعتُ السُّلَمِيّ يقول: رَأَيْتُ رَجُلاً يَتَطَايَرُ شِلَّمُهُ وشِنَّمُهُ؛ أي شراره من الغضب، وأنشد:

إن تحمليه ساعةً فَرُبَّما

أطار في حُبِّ رِضاكِ الشِّلَّمَا

30-

قال أبو تراب: سمعت غير واحد من الأعراب يقول: فلانٌ

عِسْلُ مَالٍ وعِسْنُ مال؛ إذا حسن القيام عليه".

304-

أبو تراب: قال بعض قبائل غَنِيّ: "يقال لَجْلَجْتُ المُضْغَةَ ونَجْنجَتْهَا؛ إذا حَرَّكتَها في فِيكَ ورَدَّدْتَهَا، فلم تبتلعها".

305-

قال أبو تراب: "سمعت شُجاعاً السُّلَمِيّ يقول: لكع الرَّجُلُ الشَّاة؛ إذا نهزها، ونكعها؛ إذا فعل بها ذلك عند حلبها، وهو أن يضرب ضرعها لِتَدرَّ".

306-

قال أبو تراب: "يقال: لاصَ عن الأمر وناص: بمعنى حادَ. وقال أبو سعيد اللحياني: أَلَصْتُ أن آخُذَ منه شَيئاً أُلِيصُ إلاصَةً، وأنَصْتُ أُنِيصُ إِنَاصَةً؛ أي: أَرَدْتُ".

307-

أبو تراب عن الكِلابيّ: "امْتَشَلْتُ النَّاقَةَ وامتَشَنتها؛ إذا حَلَبْتَهَا".

308-

أبو تراب: "يقال للمَنجَنِيقِ: المِنجَلِيقُ".

(باب اعتقاب اللام والواو)

ص: 306

30-

قال أبو تراب: "قال السّلميّ: الوَخِيفَةُ واللَّخِيفة والحَزِيرة:

واحد. وهي من أطعمة الأعراب، وقريب منها: السَّخِينة".

310 – قال أبو تراب: قال: "وعبد أَلْكَعُ أَوْكَعُ، وامْرَأَةٌ لَكْعَاءُ ووَكْعَاءُ، وهي الحَمْقَاءُ".

(باب اعتقاب اللام والياء)

311-

روى أبو تراب للكسائيّ: "هو خَاتِلٌ له وخاتٍ له؛ بمعنى واحد، وقال أوس بن حجر:

يَدِبُّ إليه خَاتِياً يَدَّرِِي لَهُ

لِيَعْقِرَهُ في رَمْيهِ حِينَ يُرْسِلُ"

312-

أبو تراب: "تَزَلَّقَ فُلانٌ وتَزَيَّقَ؛ إذا تَزَيَّنَ".

(باب اعتقاب الميم والنون)

313-

روى أبو تراب لأبي عمرو الشّيبانيّ: يقال: "إبْزِيمٌ وإبْزِين، ويُجْمَعُ أبازين، وقال أبو دُواد أيضاً في صِفَةِ الخَيل:

مِنْ كُلّ جَردَاءَ قَدْ طَارَتْ عَقِيْقَتُهَا

وكلِّ أَجْرَدَ مُسْتَرخِي الأبَازِينِ"

314-

قال ابن الفرج: "سمعت السّلميّ يقول: جَنَشَ القومُ للقوم وجمشوا لهم؛ أي: أقبلوا إليهم. وأنشد:

أَقُولُ لعَبَّاسٍ وقَدْ جَنَشَتْ لَنَا

حُيَيٌّ وأَفْلَتْنَا فُوَيْتَ الأظافِرِ"

315-

روى أبو تراب لأبي مالك: "المُدَمَّسُ والمُدَنَّس بمعنى واحد، وقد دَنِسَ ودَمِسَ".

وقال أبو زيد: "المُدَمَّس: المخبوء".

وقال أبو تراب: المدمَّس: الذي عليه وَضَر العَسَل، وأَنكَرَ قول أبي زيد".

316 -

قال أبو تراب: قال أبو عمرو: "الدِّمْدِم: أُصُول الصِّلِّيان المحيل، في لُغَةِ بَني أَسَد، وهو في لغة بني تميم: الدِّندِن".

317-

قال ابن الفرج: "سمعتُ جماعةً من قيسٍ يقولون: فلان يَعْثِمُ ويَعْثِنُ؛ أي: يجتهد في الأمر ويُعْمِلُ نَفْسَهُ فيه".

318-

قال أبو تراب: "سمعت أبا سعيد وغيره من أهل العلم يقولون: إِدَاوَةٌ مقموعة ومقنوعة، بالميم والنّون: خُنِثَ رَأسُهَا".

319-

روى أبو تراب عن بعض العرب: "امتَتَحْتُ الشَّيءَ وانتَتَحْتُه وانتزعته بمعنى واحد".

ص: 307

320-

قال أبو تراب: "وسمعت واقعاً يقول: مَثَّ الجُرْحَ ونَثَّهُ؛ إذا دَهَنَهُ.

وقال ذلك عرّامٌ".

321 -

قال أبو تراب: قال الفراء وأبو سعيد: "مَسَخَه الله قِرْداً، ونَسَخَه قِرْداً: بمعنى واحد".

322 -

قال ابن الفرج: "سمعت شُجَاعاً السُّلَمِيّ يقول: أَمْضَحْتُ عِرْضي وأَنضَحْتُهُ؛ إذا أَفْسَدْتُهُ، وقال خَلِيفة: أَمْضَحْتُهُ إذا أنهبتَهُ النَّاس".

323-

قال أبو تراب: "يقال انتَطَلَ فلانٌ من الزِّقِّ نَطْلَةً، وامتَطَلَ مَطْلَة؛ إذا اصْطَبَّ منه شيئاً يسيراً.

ويقال: "نَطَلَ فُلانٌ نفسَهُ بالماء نَطْلاً؛ إذا صَبَّ عليه منه شيئاً بعد شيءٍ يَتَعَالَجُ به".

(باب اعتقاب الميم والهاء)

324-

قال أبو تراب: "سمعتُ عَرَّاما يقول: طَمَّسَ في الأرض، وطَهَّسَ، إذا دَخَلَ فيها: إمّا راسخاً، وإمّا واغِلاً، وقاله شُجَاعٌ - أيضاً – بالهاء".

325-

قال أبو تراب سمعت الخُصيبيّ يقول: "مَرَدَهُ وهَرَدَهُ؛ إذا قَطَعَه وهَرَطَ عِرْضَهُ وهَرَدَهُ، ومن أمثالهم: تَمَرَّدَ مَارِدٌ وعَزَّ الأبلَقُ، وهما حِصنان في بلاد العرب غَزَتْهُمَا الزَّبَّاء، فامتنعا عليها، فقالت هذه المقالة، وصارت مثلاً لكُلّ عَزِيز ممتنع، والمرِّيدُ الخَبِيثُ".

326-

أبو تراب عن واقع: "بعير نَمِشٌ ونَهِشٌ؛ إذا كان في خُفِّه أثرٌ يَتَبَيَّن في الأرض من غير أثره".

(باب اعتقاب الميم والواو)

327-

أبو تراب عن الأشجعيّ: يقال: "ما أدري أين طَمَسَ وأين طَوَّسَ؛ أي: أين ذَهَبَ".

328-

أبو تراب الطَّوَاطِمُ والطَمَاطِمُ العُجْمُ، وأنشد للأفوه الأوديّ:

كالأسود الحَبَشِيّ الحَمْشِ يَتْبَعُهُ

سُودٌ طماطمُ في آذانها النُّطَفُ"

(باب اعتقاب النّون والهاء)

329 -

قال الأصمعيّ فيما روى له ابن الفَرَج: "نَزَأْتُ الرّاحلَةَ

وهَزَأتُهَا؛ إذا حَرَّكْتَهَا".

(باب اعتقاب النّون والواو)

ص: 308

330 -

أبو تراب عن الحُصَيِنِي قال: "أَنضَفَتِ النَّاقَةُ وأوْضَفَتْ؛ إذا خَبَّتْ. وأَوْضَفْتُهَا فَوَضَفَتْ؛ إذا فَعَلَتْ".

331-

قال أبو تراب: "سمعت أبا الجهم الجعفريّ يقول: سمعت منه نَغْمَةً ووَغْمَةً عرفتها، قال: والوغم: النغمة وأنشد:

سَمِعْتُ وَغْماًمِنك يا بَلْهَيْثَمِ

فَقُلتُ لَبَّيهِ ولم أُهَتِّمِ"

(باب اعتقاب النّون والياء)

332-

أبو عبيد: الأمويّ، قال:"الزِّنجيل الضّعيف من الرّجال".

قال: وقال الفَرَّاء: "الزيجيل بالياء".

وقال أبو تراب، قال مزاحم:"الزِّنجيل القَوِيُّ الضَّخم".

333-

قال أبو تراب: "سَمِعْتُ العَبْسِيِّين يقولون: فَنَّش الرجل عن الأمر، وفَيَّش؛ إذا خام عنه".

(باب اعتقاب الواو والياء)

334-

الدَّليص: البريق، وأنشد أبو تراب:

بات يضُوزُ الصِّلِّيانَ ضَوزا

ضَوْزَ العجوزِ العَصَبَ الدَّلَّوْصَا

قال: "والدَّلَّوص: الّذي يَدِيصُ".

335 -

أبو تراب عن الكلابي: "شَوَّط القِدْر وشَيَّطَها؛ إذا أغلاها".

336-

قال أبو تراب: "يقال للكثير: كَيْثَرٌ، وكَوْثَرٌ، وأنشد:

هل العِزُّ إلا اللُّهَى والثَّرا

ءُ والعَدَدُ الكَيْثَرُ الأعظم"

337-

قال أبو تراب: "سمعت الجعفريين: أنا مُسْتَوْهِر بالأمر، أي: مستيقن.

وقال السّلميّ: "مستَيهر".

(باب اعتقاب الياء والألف اللّيّنة)

338 -

روى أبو تراب عن عرّام: "يقال: رأيت ضُوَاكةً من الناس، وضَوِيكةً؛ أي: جماعة من سائر الحيوان.

ويقال: "اضطَوَكُوا على الشيء واعْتَلَجُوا وادَّوَّسُوا؛ إذا تنازعوا بشدة".

(باب الاعتقاب في حروف مختلفة)

339-

روى إسحاق بن الفرج للأصمعي: "يقال: بضّعه، وكنّعه، وكوَّعه، بمعنى واحد".

340-

قال أبو تراب: "احتفد واحتمد واحتفل، بمعنى واحد".

341-

قال ابن الفرج: "سمعت مُدْرِكاً الجعفري يقول: سبقني فلان قَبْصاً وحَقْصاً وشدّاً بمعنى واحد".

ص: 309

342 -

أبو تراب: قال الأصمعيّ: "شَخَزَ عينه وضخزها وبخصها بمعنى واحد. قال: ولم أر أحداً يعرفه".

343-

روى أبو تراب عن أصحابه: "أَصْمَقْتُ البابَ: أَغْلَقْتُهُ".

344-

روى أبو تراب عن مُدرِك الجعفريّ: "مَرَط فلان فُلاناً، وهَرَدَه؛ إذا آذاه".

345 -

قال ابن فارس: "ذكر عن رجل يقال له أبو تراب، ولا نعرفه نحن: بَجَسْتُ الجرح مثل بَطَطْتُهُ".

ص: 310

تابع أبو تراب الغوي وكتابه الإعتقاب (القسم الثاني)

(باب الفوائد والنوادر)

346-

قال أبو تراب: "كنت سمعتُ من أبي الهَمَيسَع حرفاً، وهو جَحْلَنجع، فذكرتُهُ لشَمِر بن حَمْدَوَيه، وتبرّأت إليه من معرفته، وأنشدته فيه ما كان أنشدني، قال: وكان أبو الهَمَيْسَع ذكر أنُه من أعراب مَدْين، وكنا لا نكاد نفهم كلامه، فكتبه شَمِر، والأبيات الّتي أنشدني:

إن تَمْنَعِي صَوْبَكِ صَوْبَ المَدْمَعِ

يَجْرِي عَلَى الخَدِّ كضِئْبِ الثَّعْثَعِ

من طَمْحَةٍ صَبيرُهَا جَحْلنْجَع

لم يَحْضُهَا الجَدْوَلُ بالتَّنَوَّع

قال: وكان يُسمِّي الكور المِحْضى".

347-

قال أبو تراب - أيضاً -: "سمعت أعرابياً من بني تميم يكنّى أبا الخَيْهَفْعَى، وسألته عن تفسير كنيته، فقال: إذا وقع الذئب على الكلبة جاءت بالسِّمع، وإذا وقع الكلبُ على الذّئبة جاءت بالخَيْهَفْعَي. وليس هذا على أبنية أسمائهم مع اجتماع ثلاثة أحرف من حروف الحلق".

قال الأزهريّ: "قلت: وهذه حروف لا أعرفها، ولم أجد لها أصلاً في كتب الثّقات الّذين أخذوا عن العرب العاربة ما أودعوا كتبهم، ولم أذكرها وأنا أحُقُّها، ولكني ذكرتها استنداراً لها، وتعجّباً منها، ولا أدري ما صحّتها".

348-

قال أبو تراب: "سمعت أبا الهَمَيسَع الأعرابيّ يُنشد:

إن تمنعي صَوْبَكِ صَوْبَ المَدْمَعِ

يَجْرِي على الخدّ كَصَيبِ الثَّعْثَع"

349-

قال ابن الفرج: "سألت عامرياً عن أصل عشبة رأيتها معه. فقلت: ما هذا؟ فقال: عُنقُر.

وسمعت غيره يقول: عُنْقَر بفتح القاف. وأنشد:

يُنجِدُ بَينَ الإِسْكَتَينِ عُنقَرَهْ

وبَيْنَ أَصْلِ الدَّرَكَين قَنفَرَهْ"

350-

قال النّضر - فيما حكى عنه أبو تراب: "الغَوهَقُ: الغراب، وأنشد:

يَتْبَعْنَ وَرْقَاءَ كَلََوْنِ الغَوْهَقِ"

351 -

قال أبو تراب: "القُطْعة في طَيِّئ كالعنعنة في تميم، وهو أن يقول: يا أبا الحكا، يريد يا أبا الحكم، فيقطع كلامَه".

ص: 311

352-

قال أبو تراب: "وأنشدني جماعة من فصحاء قيس وأهل الصّدق منهم:

حاملةٌ دَلْوُكَ لا مَحْمُولَه

مَلأَي مِنَ الماءِ كعين النُّوْنَهْ

فقلت لهم: "رواها الأصمعي: كعين المُوْلَه، فلم يَعْرفوها، وقالوا: النونة: السمكة".

353-

قال ابن الفرج: وسألت مُبتكراً عن النُّباج فقال: لا أعرف النُّباج إلا الضُّراط".

354-

قال أبو تراب: "سمعت أعرابياً من بني سُليم يقول: ما مأنت مَأنه، أي ما عَلِمتُ عِلمه. وهو بِمَأنه؛ أي: بعلمه".

355-

قال الأزهريّ: "أخبرني المنذريُّ عن ابن حَمُّوَيْه، قال سمعت أبا تراب يقول: كتب أبو محلّم إلى رجل: اشتر لنا جَرَّة، ولتكن غير قَعْراء ولا دَنَّاء ولا مُطَرْبَلة الجوانب.

قال ابن حَمُّوَيْة: "فسألت شَمِرا عن الدَّنّاء فقال: القصيرة، قال: والمطربلة: الطّويلة".

356-

أبو تراب عن الأصمعيّ: "العنك: الثلث الباقي من الليل.

وقال أبو عمرو: العِنك ثلثه الثّاني".

357-

قال إسحاق بن الفرج: "عَرَبه: باحة العرب، وباحة دار أبي الفصاحة إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.

قال: وفيهما يقول قائلهم:

وعَرْبَةُ أَرْضٌ ما يُحِلُّ حَرَامَها

مِنَ النَّاسِ إلا اللَّوْذَعِيُّ الحُلاحِلُ

يعني النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أُحِلَّتْ له مكّة ساعة من نهار، ثمّ هي حرام إلى يوم القيامة.

قال: واضطُرّ الشّاعر إلى تسكين الرّاء من عَرَبة فسكَّنها. وأنشد قول الآخر:

ورُجَّتْ بَاحَةُ العَرَباتِ رَجّاً

تَرَقْرَقُ في مَنَاكِبِهَا الدَّمَاءُ

كما قال: "وأقامت قريش بعربة، فَتَنَّخَتْ بها، وانتشر سائر العرب في جزيرتها، فنُسبوا كلّهم إلىعَرَبة؛ لأنّ أباهم إسماعيل صلى الله عليه وسلم بها نشأ، ورَبَلَ (أي كثر أولاده) فيها فكثروا، فلمّا لم تحتملهم البلاد انتشروا، وأقامت قريش بها".

ص: 312

358-

قال أبو تراب قال عرّام: "الحُلاّمُ: ما بَقَرْتُ عنه بطن أَمّه، فوجدتُهُ قد حَمَّم وشَعَّر فإن لم يكن كذلك فهو غَضِين. وقد أغضنت النّاقة إذا فعلت ذلك".

359-

روى أبو تراب للأصمعي أنه قال: "العَهْجُ والعَوْهجُ: الطّويلة".

360-

قال أبو تراب: "قال سلمان بن المغيرة: مَصَلَ فلان لفلان من حَقّه: إذا خرج له منه.

وقال غيره: ما زِلت أطالبه بحقِّي حتى مصل به صاغراً".

361-

"قال ابن الفرج: "غلام هَبَرْكل: قوي.

قال: وأنشدتنا أمّ البُهْلُول:

يا رُبّ بيضاءَ بِوَعْثِ الأَرْمُلِ

قَدْ شُغِفَتْ بِنَا شِيءٍ هَبَرْكلِ"

362-

قال مبتكر الأعرابيّ فيما روى أبو تراب عنه: "إنّهم يسيرون سَيرَ الميقابِ، وهو أن يواصلوا بين يوم وليلة".

363-

قال أبو تراب: "القَرْقَل: قميص من قُمُصِ النساء، بلا لَبِنَةٍ، وجمعُه قَراقل".

364-

روى ابن الفرج عن أبي سعيد الضّرير أنّه قال: أما أنا فأقرأ: {بَلْ أدْرَكَ عِلْمُهُم في الآخِرَة} (1) ومعناه عنده أنهم علموا في الآخرة أنّ الذي كانوا يوعدون حقٌ. وأنشد الأخطل:

وأَدْرَكَ عِلمي في سُوَاءَةَ أَنَّهَا

تُقِيمُ عَلَى الأَوْتَارِ والمَشْرَبِ الكَدْرِ

أي: أحاطَ عِلْمِي أنَّها كذلك.

قال: والقَول في تفسير أَدْرَكَ وادَّراك، ومعنى الآية ما قاله السُّدِّيّ، وذهب إليه أبو معاذ النّحويّ وأبو سعيد الضّرير، والّذي ذهب الفّرّاء في معنى تدارك؛ أي: تتابع علمهم بالحَدْسِ والظَّنِّ في الآخرة أنّها تكون أو لا تكون ليس بالبَيِّن، إنما معناه أنّ عِلمهم في الآخرة تواطأ وحقَّ حين حَقّتِ القيامة وحُشِرُوا وبان لهم صدق ما وُعِدُوا به حين لا ينفعهم ذلك العلم ثمّ قال جلّ وعزّ {بَلْ هُمْ في شَكٍّ مِنها بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُون} (2) أي: جاهلون.

والشَّكُّ في أمر الآخرة: كُفْرٌ".

(1) سورة النمل: الآية: 66.

(2)

سورة النمل: الآية 66، والآية في التّهذيب 10/112 محرفة.

ص: 313

365-

قال أبو تراب: "القَهْبَلِسُ: الأبيض الّذي تعلوه كُدْرَة".

366-

قال أبو عبيد عن الفرّاء: "قَرْطَبْتُهُ؛ إذا صرعتَه، والقُرطبَى: السّيف. وأنشد أبو تراب في كتاب الاعتقاب بيتاً لابن الصَّامت الجُشَمِيّ:

رَفَوْني وقالوا لا تُرَعْ يا ابنَ صامِتٍ صَامِتٍ

فَظَلْتُ أُنَادِيهم بثَدْيٍ مُجَدَّدِ

وَمَا كُنْتُ مُغْترَّاً بأَصْحَابِ عَامِرٍ

مع القُرطُبَى تبّتْ بقائمة يَدِي

قال: "القُرْطُبَى: السَّيْفُ".

367-

"قال أبو تراب: "أنشدني الغَنَويّ في القوس:

تُجَاوِبُ الصَّوْتَ بتَرْنَمُوتِهَا

تَسْتَخْرِجُ الحَبَّةَ مِن تَابُوتِهَا

يعني: حبَّةَ القلب من الجوف".

368-

الرَّمَشُ تَفَتُّلٌ في الشُّفْر وحُمْرَةٌ في الجَفْنِ مع ماءٍ يسيل. رَجُل أَرْمَشُ وامْرَأَةٌ رَمْشَاءُ وعَيْنٌ رَمْشَاءُ، وقد أَرْمَشَ، وأنشد ابن الفَرَج:

لَهُم نَظَرٌ نَحْوي يَكَادُ يُزِيلُنِي

وَأَبْصَارُهُم نَحْوَ العَدُوِّ مرامِشُ

قال: "مَرامِشُ غَضِيضَةٌ من العَدَاوَةِ".

369-

روى أبو تراب: لبعض الأعراب: "ضاج السَّهم عن الهدف إذا مال عنه.

قال: وقال غيره: "ضَاجَ الرَّجُلُ عَنِ الحَقِّ: مَالَ عنه".

370-

"أبو تراب، عن الأَصْمَعِيّ، يُقَالُ: "قُمْ يَافُلُ، ويَافُلاه، فمن قَالَ: يافُلُ، فَمَضَى فَرَفَعَ بِغَير تَنْوِينٍ، فَقَال: قُمْ يَافُلُ؛ وقَالَ الكُمِيتُ:

يُقال لمثلي: وَيْهاً فُلُ

ومَن قَالَ: يَافُلاه، فَسَكَتَ أَثْبَتَ الهَاءَ، فَقَالَ: قُلْ ذَلِكَ يا فُلاه، وإذا مَضَى قَالَ: يَا فُلا قُلْ ذلك، فَطَرَحَ ونَصَبَ".

371-

قال الجوهريُّ: "قال الخَليل: الكُمْلُولُ: نَبْتٌ، وهو بالفَارِسِيَّةِ: بَرْغَسْتْ، حَكَاه أبو تراب في كِتابِ الاعْتِقَابِ".

372-

وعن أبي تراب؛ أَنْشَدَنِي الجَهْمُ الجَعْديّ:

قَالَتْ لَهُ واقتَبَصَتْ مِنْ أَثَرِه

يا رَبِّ صاحِبْ شيخنا في سَفَرِه

ص: 314

فَقُلْتُ لَه: كَيْفَ اقْتَبَصَتْ من أَثَرِهِ؟ فَقَال: أَخَذَتْ قُبْصَةً مِنْ أَثِرِهِ في الأَرْضِ فَقَبَّلَتْهُ".

373-

قَالَ أبو تُرابٍ عَنِ الأَصْمَعِيِّ: "الطُّحُومُ: الدَّفْعُ، والطَّحْمُ: الدَّفْعُ، وكَذّلِكَ طَحْمَةُ السَّيْلِ".

374-

قال الأزهريّ: "ابن السِّكِّيت: القَرْفُ: شيءٌ من جُلُودٍ يَعمَلُ فِيْه الخَلْعُ. والخَلْعُ: أَنْ يُؤْخَذَ لَحْمُ جَزُورٍ ويُطْبَخَ بِشَحْمِهِ ويُجْعَلَ فيه تَوَابِل، ثُمَّ يُفَرَّغَ في هَذَا الجِلْدِ. قَالَ مُعَقِّر البارقيّ:

وذُبْيانِيَّةٍ وَصَّتْ بَنِيهَا

بأَنْ كَذَبَ القَراطِفُ والقُرُوفُ

قال وقِرْفُ كُلِّ شَجَرَةٍ: قِشْرُهَا.

وقال أبو سَعِيدٍ في قَولِهِ:

بِأَنْ كَذَبَ القَرَاطِفُ والقُرُوفُ

قال: "القَرْفُ: الأَدِيمُ الأَحْمَرُ".

ورَوَى أبو تُرابٍ عَن أَبِي عَمْروٍ: "القُرُوفُ: الأُدْمُ الحُمْرُ. الوَاحِدُ قَرْفٌ.

قَالَ: والقُرُوفُ والظُّرُوفُ بِمَعْنىً وَاحِدٍ ".

375-

قَالَ الجَوْهَرِيُّ: "حَكَى أَبُو عَمْرٍو: الحَرْشَفَةُ: الأَرْضُ الغَلِيظَةُ. نَقَلْتُهُ مِن كِتَابِ "الاعْتِقَابِ"من غَيْرِ سَمَاعٍ".

(انتهت المادّة المجموعة بعون الله وفضله، وتَمّتْ مراجعتها الأخيرة في يوم الاثنين

الموافق للسابع والعشرين من شهر جُمادى الآخرة من سنة 1421هـ

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين)

ص: 315

تابع أبو تراب الغوي وكتابه الإعتقاب (القسم الثاني)

فهرس ألفاظ التعاقب

(أحن) أَحِنَ عليه ووَحِنَ.

7

(أرض) آرضهم وآركهم.

198

(أرك) آرضهم وأركهم.

198

(أسس) ألحق الحِسّ بالإسِّ.

131

(أشش) ألحق الحش بالإشّ.

131

(ألس) أُلاق وأُلاس.

157

(ألق) أُلاق وأُلاس.

157

(أنث) يقال للحديد اللّين: أَنِيف وأَنيث.

53

(أنف) يقال للحديد: أَنِيف وأنيث.

53

(بتع) الانبتاع والانبتال

243

(بتل) الانبتاع والانبتال

243

(بجس) بجستُ الجرح وبططته.

345

(بحت) برد بَحْت ولَحْت

برد بحت وسحت ولحت.

32

21

(بخز) بخز عينه وبخسها.

120

(بخس) بخز عينه وبخسها.

120

(بخص) شَخَرَ عينه وضخزها وبخصها

342

(برجس) البرجاس والمرجاس.

36

(برغست) يقال للكُمْلُول: بَره غَسْت.

371

(برى) انبرى واندرى.

16

(بزم) إِبْزِيم وإبزين

313

(بزن) إبْزِيم وإبزين.

313

(بسر) اختصر الجارية وابتسرها

161

(بصص) حصيص القوم وبصيصهم

حصيص القوم وبصيصهم ونصيصهم.

13

15

(بضض) احتضضت نفسي لفلان وابتضضتها

14

(بضع) بجست الجرح وبططته

345

(بقط) تذقَّطتُ الشّيء وتبقّطته

تَسَقَّطتُ الخبر وتبقّطته.

19

20

(بلبل) البَلابل والتَلاتل

10

(بلج) بلج بالشيء وثلج به

12

(بلل) ما فيه بُلالة ولا علالة

26

(بنش) بّنَّش الرجل في الأمر وفَنَّش

27

(بنظ) امرأة شنظيان بنظيان

22

(بنن) أدنّ الرجل بالمكان وأبنّ.

16

(بهض) بهضني الأمر وبهظني

192 202

(بهط) بهضني الأمر وبهطني

202

(بهظ) بهضني الأمر وبهظني

192

(بوح) باحة الدار وقاحتها

باحة العرب

31

357

(بوك) داك الرجل المرأة وباكها

17

(بوى) إلحق بطيّتك وبيّتك

24

(تأق) تئق الرجل ومئق

47

(ترنم) الترنموت = رنم

(تلتل) البلابل والتلاتل

10

(تنبل) رجل تنبل وتنتل

11

(تنتل) رجل تنبل وتنتل

11

(تيف) تاه بصره وتاف

273

(تيه) تاه بصره وتاف

273

(ثرو) هو ذو ذروة من المال وثروة

46

(ثعب) الثَّعب والثَّغْب

رأيتهم مذعابين ومثعابين.

215

50

(ثعثع) الثَّعْثع

344

ص: 316

(ثعجر) اثعنجح المطر واثعنجر

76

(ثعحج) اثعنحج المطر واثعنجر

76

(ثغب) الثَّعْب والثَّغْب

218

(ثفل) ثُفْلة من تمر وثملة

269

(ثلج) بلج بالشيء وثلج به

12

(ثمل) ثفلة من تمرو وثملة

269

(ثوج) الثَّوج والفوج

54

(جبس) هو جِبْس عِبْس لِبْس

68

(جحس) الجَحْس والجَحْش

132

(جحش) الجَحْش والجَحْس

132

(جحلجع) جحلنجع

446

(جخر) رجل أجخى وأجخر

117

(جخى) رجل أجخى وأجخر

117

(جدف) جدفت السماء بالثلج وخدفت

62

(جذن) الجذّان والكَذّان

69

(جردب) جَرْدَبت الطعام وجردمته

37

(جردم) جردّبت الطعام وجردمته

37

(جرر) جرّة قعراء ودناء

351

(جرف) رجل مُجارف ومحارف

وادٍ جَرِل وجَرِفٌ

267

60

(جرل) جرل وجَرِفٌ،

267

(جرمق) الجرماق والجلماق

90

(جزل) حطب جَزْن جَزْلٌ

299

(جزن) حطب جَزْنٌ جَزْلٌ

299

(جسم) تجشَّمت الأمر وتجسمته

133

(جشم) تجشَّمت الأمر وتجسّمته

133

(جضد) رجل جلد وجضد

199

(جعب) ضربه فجعبه وجعفه

28

(جعجع) الجعجع والجفجف

232

(جعف) ضربه فجعبه وجعفه

28

(جفجف) الجعجع والجفجف

232

(جلد) رجل جلد وجضد

199

(جلع) الجَلَعة والجَلَقة

236، 237

(جلق) الجَلَعة والجَلَقة

236، 237

(جلمق) الجرماق والجلماق

90

(جمش) جمش القومُ لهم وجنشوا

314

(جنش) جمش القومُ لهم وجنشوا

314

(حبج) حدجه بالعصا وحبجه

حبجه بالعصا وخبجه

18

61

(حبر) ما أصبت منه حَبَربراً ولا حبنبراً

106

(حبض) الإحباض والإحباط

189

(حبط) الإحباض والإحباط

189

(حثو) حذوت التراب وحثوته

49

(حدج) حدجه بالعصا وحبجه

18

(حذو) حذوت التراب وحثوته

49

(حرشف) الحرشفة

375

(حرف) رجل مُجارف ومحارف

60

(حزق) رجل حُزُقّة حُزُمّة

288

(حزم) رجل حَزُقّة حُزُمّة

288

(حسس) ألحق الحسّ بالإسّ

131

(حسفل) جاء بحسكِلِه وبحسفِله

الحساكل والحسافل

262

(حسقل) الحساقل والحساكل

275

(حسكل) جاء بحسكله وبحسفله

الحساكل والحسافل

275

259

(حشش) ألحق الحشّ بالإشّ

131

(حصص) حصيص القوم وبصيصهم

ص: 317

حصيص القوم وبصيصهم ونصيصهم

13

15

(حضض) احتضضت نفسي لفلان وابتضضتها

14

(حطب) احتطَبَ عليه واحتَقَبَ

207

(حظب) حظب على العمل عظب

80

(حفد) احتفد واحتمد واحتمل

340

(حفظ) محافظ عليه ومحافل

217

(حفل) محافظ عليه ومحافل

احتفل واحتفد واحتمد

217

340

(حقب) احتطب عليه واحتقب

207

(حقص) سبقني قبصاً وحقصاً

341

(حقل) الحَقْلة والحقْنَة

300

(حقن) الحَقْلَة والحَقْنَة

300

(حلأ) حَلَتُّه وحلأته

1

(حلت) حَلَتُّه وحلأته

1

(حلم) الحُلام

358

(حمد) احتمد واحتفل واحتفد

340

(حمز) حَمَزَه وحَمَظَه

126

(حمظ) حَمَزَه وحَمَظَه

126

(خبج) حبجه بالعصا وخَبَجَه

7

(ختل) هو خاتلٌ له وخاتٍ له

310

(ختى) هو خاتل له وخاتٍ له

311

(خدف) خدفت السماء بالثلج وخدفت

62

(خرش) لي عنده خراشة وخماشة

101

(خزع) اختزعه عرقُ سوء فاختزله

244

(خزل) اختزعه عرقُ سوء فاختزله

245

(خصر) اختصر الجارية وابتسرها

161

(خضف) خضف بها وخضم بها

270

(خضم) خضف بها وخضم بها

270

(خمش) لي عنده خراشة وخماشة

101

(خمل) خامل الذكر وخامن

301

(خمن) خامل الذكر وخامن

301

(خثفع) الخيهفعى

347

(دخمس) أمر مُدَخمس ومدهمس

84

(درفق) مرّ مراً درنفقا ودلنفقا

91

(درقع) درقل القوم ودرقعوا

245

(درقل) درقل القوم ودرقعوا

245

(درك) ادّارك

360

(درى) انبرى واندرى

16

(دعس) طريق مدعوس ومدعوق

158

(دعق) طريق مدعوس ومدعوق

158

(دغمس) أمر مُدَغْمس ومُدَهْمَس

259

(دقل) دقل لحيَه ودقمه

297

(دقم) دقل لحيَه ودقمه

297

(دلص) الدَّليص والدَّلُوص

334

(دلع) اندلع بطن المرأة واندلق

238

(دلنق) مرّ مراً درنفقا ودلنفقاً

(دلق) اندلع بطن المرأة واندلق

91

238

(دمدم) الدَّمدم والدِّندن

316

(دمس) المُدَمَّس والمُدَنَّس

315

(دندنه) الدَّمدم والدِّندن.

316

(دنس) المُدَمَّس والمُدَنَّس.

315

(دنن) أدنَّ الرجل بالمكان وأبنَّ

جرّة لا قعراء ودنّاء

16

355

(دهمس) أمر مَدَ خمس ومدهمس

أمر مُدَ غمس ومُدَ همس

ص: 318

84

259

(دوغ) داغ القوم وداكوا

258

(دوك) داغ القوم وداكوا

داك الرجل المرأة وباكها

256

17

(ذأت) ذَأَتَه وذعته

2

(ذرو) هو ذو ذروة من المال وثروة

48

(ذعب) رأيتهم مذعابّين ومثعابيّن

50

(ذعت) ذأته وذعته

2

(دقط) تَذَقَّطْتُ الشيء تَذَقُّطاً

وتَبَقَّطْتُهُ وتَبَقُّطاً

19

(رجب) رجبتُ فلاناً ورجمته

38

(رجز) الرِّجز والرِّجس

118

(رجس) الرِّجز والرِّجس

والمرجاس والبرجاس

118

36

(رجع) رَجَعَ كلامي في الرجل ونجع فيه

106

(رجل) المنجول والمرجول

108

(رجم) رجبتُ فلاناً ورجمته

38

(ردد) ردّه عن الأمر ولدَّه

92

(ردم) هَدَّم ثوبه وردّمه

113

(رزم) المهزام والمرزام

114

(رسح) الرَّصَح والرَّسَح

81

(رسم) الرَّسْم والرَّشْم

الروسم والروشم

134

(رشم) الرَّسْم والرَّشم

الروسم والروشم

134

(رصح) الأرصح والأرصع

81

(رصع) الأرصح والأرصع

81

(رعج) الارتعاج والارتعاش والارتعاد

66

(رعد) الارتعاج والارتعاش والارتعاد

66

(رعش) الارتعاج والارتعاش والارتعاد

66

(ركز) رُمْح مركوز وموكوز

116

(رمز) ارتمزت الفرس وارتمضت

122

(رمش) الرَّمشُ والأرْمَش

368

(رمض) ارتمزت الفرس وارتمضت

122

(رنم) الترنموت

367

(رهس) تركت القوم قد ارتهسوا وارتهشوا

136

(رهش) تركت القوم قد ارتهسوا وارتهشوا

136

(زأب) زأبت وقأبت

128

(زأج) زمج بين القوم وزأج

6

(زجل) الزِّنجيل والزِّيجيل

332

(زحف) أزحف الرّجل وأزحك

261

(زحك) أزحف الرّجل وأزحك

261

(زحلق) الزّحاليك والزّحاليق

276

(زخر) زاخرته وفاخرته

127

(زعب) زَعَبَ لي وزَهَبَ

ازدهبه وازدعبه

247

251

(زغب) أخذت بزغب رقبته ولغبها

129

(زقم) الزَّقم واللَّقم

130

(زلق) تزلّق وتزيّق

312

(زمج) زمج بين القوم وزأج

نيّة زَمَجٌ وشَمَخٌ

زمج بأنفه وشمخ.

6

121

121

(زنجل) الزَّنجبيل والزِّنجبيل

332

(زهب) زَغَبَ لي وزَهَبَ

ازدهبه وازدعبه.

250

251

(زيق) تزلّق وتزيّق.

312

(سبح) السِّباح والسٍّماح

سبحت في الأرض وسبخت فيها.

ص: 319

39

62

(سبخ) سبَخت في الأرض وسبخت فيها

62

(سحت) برد بحت وسحت ولحت

21

(سخا) سخا النّار وصخاها

147

(سدأ) السِّندأو القندأو

159

(سدر) يضرب أَسْدَرَيه وأَصْدَرَيه

148

(سذق) السَّوْذق والشَّوذق

137

(سرع) سُرُوع وسُرُوغ

225

(سرغ) سُرُوع وسُرُوغ

225

(سرهف) سَرْهَفَ غذاءه وشرهفه

138

(سطأ) سطأ المرأة وشطأها

137

(سعط) السعوط والصعوط

208

(سقط) تسقّطت الخبر وتبقطته

20

(سقع) الديك يَسْقَع ويَصْقَع

149

(سلت) ذهب فَلْتَة وسلته

انسلت يعدو وانهلت

سلت الدم وهلته.

158

167

167

(سلج) سَلَجَ الناقة وملجها

165

(سلح) السُّلَحة والسُّلَكة

83

(سلحف) الشَّلَّحف والسَّلَّحف

141

(سلعف) الشِّلَّعف والسِّلَّعف

141

(سلك) السُّلحة والسُّلَكة

83

(سلل) امتلّ واستلّ وانملّ وانسلّ

166

(سمح) السِّباح والسَّماح

39

(سمر) تركتكم سامراً وعامراً

154

(سندق) سُندوق وصندوق

150

(سنسن) السَّناسن والشناشن

142

(سوم) سار القوم وساموا

102

(سير) سار القوم وساموا

102

(شخب) شخل فلان ناقته وشخبها

33

(شخر) شَخَرَ عينه وصخرها

342

(شخل) شخل فلان ناقته وشخبها

33

(شذق) السَّوذق والشَّوذق

137

(شرهف) سَرْهَفَ غذاءه وشرهفه

138

(شرى) أشريت بين القوم وأغريت

139

(شسب) الشاسب والشاسف

29

(شسف) الشاسب والشاسف

29

(شصب) هي الشصائب والشصائص

الشصائب والشطائب.

23

179،180

(شصص) هي الشصائب والشَّصائص.

23

(شطأ) شَطَأتْ به وفطأت

سطأ المرأة وشطأها

168

139

(شطب) شَطَبَ وشطف

الشصائب والشطائب.

30

179،180

(شطف) شَطَفَ وشَطَبَ

30

(شظظ) طاروا شظاظاً وشعاعاً

216

(شعع) طاروا شطاظاً وشعاعاً

216

(شقأ) شقأ ناب البعير وشكأ

إبل شويقئة وشويكئة

277

278

(شكأ) شقأ ناب البعير وشكأ

إبل شويقئة وشويكئة.

277

278

(شلحف) الشّلّحف والسِّلّحف

140

(شلعف) الشِّلّغف والسِّلّعف

الشِّلّغف والشِّلَّعف

137

219

(شلغف) الشِّلَّغف والشِّلّعف.

219

(شلم) يتطاير شِلَّمه وشنَّمه

202

ص: 320

(شمخ) زمج بأنفه وشمخ

نيّة زَمَخٌ شَمَخٌ

121

121

(شمر) انشمل في حاجته وانشمر فيها

93

(شمعط) اشمعطّ القوم واشمعلوا

212

(شمعل) اشمعطّ القوم واشمعلوا

212

(شمل) انشمل في حاجته وانشمر فيها

93

(شنشن) السناسن والشناسن

144

(شنظ) امرأة شنظيان بنظيان

22

(شنعف) الشِّنَّعف والشِّنَّغف

220

(شنم) يتطاير شلَّمه وشِنّمه

292

(شوط) شَوَّط القِدر وشيطها

335

(صأب) صؤاب القمل وصغا به

فئبت وصئبت

5

183

(صأبل) الصئبل والضئبل

176

(صأم) فئمت وصئمت

183

(صخا) سخا النار وصخاها

147

(صدد) صَدَّه عنه وضَدَّه

177

(صدر) يضرب أسْدَرَيه وأَصْدَرَيه

148

(صرع) المهروع والمصروع

188

(صرى) صراهنّ وطِراهنّ

181

(صطع) خطيب مصْطَع ومِصْقَع

208

(صعصع) صعصع رأسه وصغصغه

221

(صعط) الصَّعوط والسَّعوط

208

(صغب) صؤاب القمل وصغابه

5

(صغصغ) صعصع رأسه وصغصغه

221

(صفق) أصفقت الباب وأصمقته

271

(صقع) الديك يسقع ويصقع

خطيب مِصْطَع ومِصْقَع

صقعٌ خالٍ وصقلٌ خالٍ

صقله بالعصا وصقعه.

149

208

246

246

(صقل) صِقعٌ خالٍ وصقل خالٍ

صقله بالعصا وصقعه

صقله بالعصا وصمله.

246

246

289

(صلت) صلتُّ الفرس كَلَتُّهُ

186

(صمق) أصفقت الباب وأصمقته

أصمقت الباب وأغلقته

271

343

(صمل) صقله بالعصا وصمله

289

(صندق) سُندوق وصُندوق.

150

(ضأبل) الصئبل والضئبل

176

(ضبر) الضِّبن والضبر

109

(ضبن) الضّبن والضبر

109

(ضجع) اضطجع والطَجَعَ

200

(ضخز) شخز عينه وضخزها

342

(ضدد) صَدَّه عن الأمر وضدّه

177

(ضمد) العَمَد والضَّمد

194

(ضهد) أضهدتُ بالرّجل وألهدت به

201

(ضوك) رأيت ضُواكه من النّاس وضَوِيكه

338

(ضوو) سمعت ضَوّة القوم وعوَّتهم

195

(ضيج) ضاج السّهم

369

(طحم) الطَّحْم والطّحوم

373

(طخف) الطّخيفة واللخيفة

213

(طربل) المطربلة

355

(طرخم) شباب مطرهم ومطرخم

إنه لمُطْرخِمّ ومُطْلَخِمّ

84

94

(طرد) اضطرادٌ والطِراد

200

(طرق) عَرَقة الإبل وطرقتها

203

ص: 321

(طرهم) شباب مطرهم ومطرخم.

85

(طرى) صَراهنّ وطراهنّ

181

(طسم) الغَسَمُ والطّسم

204

(ططم) الطّواطم والطّماطم

328

(طلخم) إنه لُمطرَخِمّ ومُطْلَخِمّ

94

(طلف) لا تذهب به طلفاً ولا ظلفاً

203

(طمس) طَمَّس في الأرض وطَهَّس

طَمَسَ وطَوَّس.

324

327

(طمطم) الطّواطم والطماطم

328

(طهس) طَمَّسَ في الأرض وطَهَّسَ

324

(طوس) طَمَسَ وطَوَّس

327

(طول) التنوّل والتطوّل

215

(طوى) اِلْحَقْ بطيّتك وبيّتك

24

(ظلف) الظّلَف والطَّلف

203

(عبج) العبكة والعبجة

70

(عبس) هو جِبْسٌ عِبْسٌ

68

(عبك) العبكة والعبجة

70

(عتر) عادت لعِتْرِها لميس ولعكرها

45

(عثث) يقال للعجوز عُفَّة وعُثّة

55

(عثم) فلان يعثم ويعثِن

317

(عثن) العثن والعهن

فلان يعثم ويعثن

58

317

(عدف) عِدْفة وهِدْفة وهَدِف

252

(عذق) كذبت عذّاقته وعذّانته

290

(عذن) العذّانة والكذّانة

كذبت عذّاقته وعذّانته

242

290

(عرجم) علجوم وعُرْجوم

95

(عرز) التعريز والتعريض

120

(عرض) التعريز والتعريض

123

(عرق) عَرَقَة الإبل وطرقتها

205

(عسس) المعَسُّ المعَشُّ

144

(عسق) العشق والعسق

143

(عسل) عِسْل مالٍ وعسْنُ مال

303

(عسن) أَعْسَان وأغْسان

عِسْل مالٍ، وعِسْنُ مال

219

303

(عشش) المَعَسّ والمَعَشُّ

144

(عشق) العشق والعسق

143

(عظب) حظب على العمل وعظب

82

(عفط) عَفَقَ بها وعَفَطَ

209

(عفف) يقال للعجوز: غُفَّة وعُثَّة

55

(عفق) عَفَقَ بها وعَفَطَ

عافق وغافق

209

223

(عقد) عقد عنفه وعكدها

279

(عكد) عقد عنقه وعكدها

279

(عكر) عادت لعِتْرها لميس ولعكرها

45

(عكظ) عكّظه عن حاجته ونكّظه

248

(علجم) عُلْجوم وعُرْجوم

95

(علل) ما فيه بُلالة ولا علالة

26

(عمد) العمد والضمد

194

(عمر) تركتكم سامراً وعامراً

154

(عمس) تعامست وتعامشت

147

(عمش) تعامست وتعامشت

147

(عنذ) فلانة تغنذي به وتعنذي

225

(عنعن) العنعنة في تميم

351

(عنقر) عُنقر وعُنقُر

349

(عنك) العِنك

356

ص: 322

(عنى) ما أعْنَى شيئاً وما أغنى

ما يعانون ما لَهم ولا يُفانونه

224

233

(عهج) العهج والعوهج.

359

(عهن) العثن والعهن.

59

(عوو) ضوّة القوم وعوّتهم

195

(غبش) الغطش والغبش

25

(غثر) تركت القوم في غيثرة وغيثمة

103

(غثم) تركت القوم في غيثرة وغيثمة

103

(غدد) أغدّ وأضدّ

196

(غذذ) غضضت منه وغَذذت

89

(غرى) أشريت بين القوم وأغريت

169

(غسس) غُسَّ له الخنجر وغُلّ

163

(غسم) الغَسَمُ والطسم

206

(غسن) أغسان وأعسان

222

(غضض) غضضت منه وغذذت

غضضت الغصن وغضفته

89

197

(غضف) غضضت الغصن وغضفته

197

(غطش) الغَطَش والغبش

25

(غطغط) المغطغطة والمغظغظة

204

(غظغظ) المغطغطة والمغظغظة

204

(غفق) عافق وغافق

223

(غلف) تغلّف بالغالية وتغلل بها

268

(غلل) غُسَّ له الخنجر وغُلَّ

تغلّف بالغالية وتغلل بها.

163

268

(غمم) المغمّة والمكمة

258

(غنذ) فلانة تغنذي بهم وتعنذي

225

(غنظ) غنظه وكنظه

257

(غنى) ما أَعْنَى شيئاً وما أَغْنَى

224

(غهق) الغَوْهق

350

(فأب) فَئِبْتُ وصئبْتُ

183

(فخر) زاخرته وفاخرته

127

(فرس) فريصة وفريسة

الفَرْسُ والفَرْصُ

151

151

(فرص) الفَرْس والفَرْصُ

فريصة وفريسة

151

151

(فرطح) فَرْطح، القُرْص وفلطحه

96

(فرطس) الفنطيسة والفرطيسة

110

(فرع) فَرَّع بين القوم وفرّق

239

(فرفر) هرهرته وفرفرته

274

(فرق) فرّع بين القوم وفرّق

239

(فسل) فصلت المرأة وفسلت

152

(فشش) الأفعى تكشّ وتَفِشُّ

265

(فشى) كلمة فاغية وفاشية

170

(فصص) فصصته وفصلته

187

(فصل) فصلت المرأة وفسلت

فصصته وفصلته

152

187

(فطأ) فطأت به وشطأت به

171

(فعم) أفعمت الرجل وأفغمته

225

(فغم) أفعمت الرجل وأفغمته

225

(فغى) كلمة فاغية وفاشية

170

(فكر) تفكّن وتفكّر

111

(فكن) تفكّن وتفكّر

111

(فلت) ذهب فَلْتَةً وسَلْتَةً

فَرَسٌ فُلَّتٌ كُلَّتٌ وفُلَتٌ كُلَتٌ

156

264

(فلد) غلام أملودٌ وأُفلود

272

(فلطح) فرْطح القرص وفلطحه

96

(فلن) يا فلان ويا فلاه

366

ص: 323

(فنش) بَنَّش الرجل في الأمر وفنَّش

فَنَّش عن الأمر وفَيَّش

27

333

(فنطس) الفنطيسة والفِرطيسة

110

(فني) ما يعانون ما لهم ولا يفانونه

لا يقانون مالهم ولا يفانونه

233

261

(فوج) الثوج والفوج

54

(فيش) فَنَّش عن الأمر وفَيَّش

333

(قأب) زأبت وقأبت

128

(قبح) قاذحني وقابحني

82

(قبص) سبقني فلان قبصاً وحقصاً

أخذت قُبصَة من أثره

341

372

(قحط) إقحاط الزمان وإكحاطه

280

(قحف) قحف استه ولحفها

286

(قدأ) القندأو والسندأو

159

(قدر) غلام قُدُرٌ وكُدُرٌ

282

(قدفر) = (قندفر)

(قدفل) = (قندفر)

(قذح) المقاذحة والمقاذعة

أقزع له وأقذع

82

88

(قرطب) القُرطُبَى

366

(قرفل) القَرْفَل

359

(قزع) مَرَّ فلان يَهْزَع ويَقْزَع

أقزع له وأقذع.

291

88

(قصم) قَصَمَ راجعاً وكَصَمَ

283

(قطع) القُطعة في طيِّئ

351

(قطى) تقطّيت عليهم وتلطّيت

287

(قعث) انقعث الجدار انقعف

56، 58

(قعر) جَرَّة لا قعراء ولا دنّاء

355

(قعف) انقعث الجدار وانقعف

56، 57

(قمز) هذه قُمْزَةٌ وكُمْزَةٌ

284

(قمش) يقمشون ويهمشون

291

(قمع) إداوة مقموعة ومقنوعة

318

(قمه) يَتَقَمَّهُ ويتكمَّهُ

281

(قندفر) القندفيل والقندفير

97

(قندفيل) القندفيل والقندفير

97

(قنع) إداوة مقموعة ومقنوعة

318

(قنى) لا يقانون ما لهم ولا يفانونه

261

(قهبلس) القَهْبَلِسُ

365

(قوز) تَقَوّز البيت وتَقَوَّض

124

(قوض) تقَوَّز البيت وتَقَوّض

124

(قيح) باحة الدار وقاحتها

31

(كبع) الكبوع والكنوع

41

(كثأ) أُكثّعُ السقاءَ وأكثّئه

3

(كثح) كسح وكثح

51

(كثر) الكَيْثَرُ والكوثر

336

(كثع) أُكثِّعُ السقاءَ وأُكثِّئُهُ

3

(كحط) إقحاط الزمان وإكحاطه

280

(كدر) غلام قُدُرٌّ وكُدُرٌّ

والكَدَرُ والكَدَنُ.

282

112

(كدش) اكتدشت وامتدشت

294

(كدن) الكدن والكدر

112

(كذن) الجذّان والكذّان

كذبت عذّانته وكذّانته

69

242

(كرع) كمع الفرس وكرع

104

(كسح) كسح وكثح

51

(كسم) روضة أكسوم ويكسوم

9

ص: 324

(كشش) الأفعى تَكشّ وتَفِشُّ

265

(كصم) قصم راجعاً وكصم

283

(كعظل) الكعظلة والنعظلة

295

(كفخ) كفخه ولمخه

293

(كلت) صَلتُّ الفرسَ وكَلَتُّه

فرس فُلَّتٌ وكُلَّتٌ وفُلَت كُلَت

185

264

(كلس) كَلَّسَ على القوم وكلَّل

164

(كلل) كلَّسَ على القوم وكلّلَ

164

(كمز) هذه قُمْزَةٌ وكُمْزَةٌ

284

(كمش) يقمشون له ويكمشون

288

(كمع) كمع الفرسُ وكرع

104

(كمل) الكملُول

371

(كمم) المِغمّة والمِكمّة

258

(كنظ) غنظه وكنظه

257

(كنع) الكبوع والكنوع

بَضَّعَه وكَنَّعَه وكوَّعه

41

339

(كوع) بضّعه وكنّعه وكوَّعه

339

(كوا) للبيت كِواء وهواء

296

(لبأ) اللباء واللياء

42

(لبس) هو جِبْسٌ وعِبْسٌ لِبْسٌ

68

(لتأ) لعن الله أماً لتأت به ولكأت به

46

(لتب) التُبْ بها والتم بها.

40

(لتم) اُلْتُبْ بها والتم بها

40

(لجلج) لجلجت المضغة ونجنجتها

304

(لحت) برد بحت وسحت ولحت

21

(لحف) قِحْف استه وكفته

286

(لخف) الطخيفة واللخيفة

الوخيفة واللخيفة

213

309

(لدد) رَدَّه عن الأمر ولَدَّه

92

(لزب) طين لازب ولازق

31

(لزق) طين لازبٌ ولازق

31

(لطى) تقطّيت عليهم تلطّيت

287

(لغب) زغب رقبته ولغبها

129

(لفأ) لفأه بالعصا ولكأه

266

(لفخ) كفخه ولفخه

293

(لقس) مَقِسَتْ نفسُه ولَقِسَتْ

298

(لقم) الزقم واللقم

130

(لكأ) لفأه بالعصا ولكأه

266

(لكع) لَكَعَ الشاة ونكعها

عبد ألكعُ أوكع

305

310

(لهدت) أَضْهَدتُ بالرجل وألهدتُ

200

(لوص) لاص عنه وناص

306

(ليأ) اللباء واللياء

42

(مأق) تئِق الرجل ومَئق

47

(مأن) ما مأنت مأنه

354

(متج) سرنا عُقْبة متوجاً ومتوحاً

61

(متح) سرنا عُقْبةً متوجاً ومتوخاً

متح الشيء ومتخه

امتتحت الشيء وانتتحته.

61

73

319

(متخ) متخ الشيء ومتحه

سرنا عُقْبَةً متوجاً ومتوخاً

73

61

(مثث) مثّ الجرح ومشّه

مَثّ الجرح ونثَّه

52

320

(مجع) ثماجن الرجلان وتماجعا

249

(مجن) تماجن الرجلان وتماجعا

246

(محج) محج المرأة ومخجها

74

ص: 325

(مخج) محج المرأة ومخجها

74

(مدش) اكتدشت وامتشت

294

(مرج) المِرِّيج والمرِّيخ

هو المريخ والمرِيج

65

64

(مرخ) المِرِّيخ والمِرّيخ

هو المريخ والمريج

65

64

(مرد) مَرَدَه وهَرَدَه

325

(مرط) مرطه وهرده

344

(مسخ) مسخه ونسخه

321

(مشش) مثّ الجرح ومَشّه

يمتشّ ويمتشن

52

175

(مشط) الممشوط والممشوق

210

(مشع) امتشعتُ ما فيه وامتشقته

240

(مشغ) مشغه ومشقه

254

(مشق) امتشعت ما فيه وامتشقته

مشغه ومشقه

240

254

(مشل) امتشلت الناقة وامتشنتها

307

(مشن) يمتشّ ويمتشن

امتشلت الناقة وامتشنتها

175

307

(مصص) مضمض إناءه ومصمصه

178

(مصل) مصل فلان لفلان حقّه

مصل به صاغراً

360

360

(مصمص) مضمض إناءه ومصمصه.

178

(مضح) أمضحته وأنضحته

322

(مضض) تماضّ القوم وتماظّوا

194

(مضمض) تماضّ القوم وتماظّوا

194

(مضمض) مضمض إناءه ومصمصمه

178

(مطأ) مطا الرجل المرأة ومطأها

8

(مطل) انتطله وامتطله

323

(مطا) مطا الرجل المرأة ومطأها

8

(مظظ) تماضّ القوم وتماظّوا

194

(معص) في بطنه مَعَص ومَغَص

227

(معط) طويل مُمعَّط ومُمَغّط

228

(مغص) في بطنه معَص ومَغَص

227

(مغط) طويل مُمَعّط ومُمَغّط

228

(مقس) مَقِسَتْ نفسه ولَقِسَتْ

298

(ملج) سلَج الناقة وملجها

165

(ملد) غلام أُمْلودٌ وأُفلود

272

(ملز) امَّلز من الأمر وامّلَسَ

119

(ملس) بعته الملسى والملطى

امَّلَز من الأمر وامَّلَس

ملسني بلسانه وملطني.

150

119

160

(ملط) بعته الملسى والملطى

ملسني بلسانه وملطني

153

160

(ملع) ناقة مَيْلَع ميلق

241

(ملق) ناقة مَيْلَع ميلق

241

(ملل) امتلّ واستلّ وانملّ وانسلّ

166

(منجلق) المنجنيق والمنجليق

308

(منجنق) المنجنيق والمنجليق

308

(موله) عين المولة

352

(نبث) نبّث عن الأمر ونقَّث

نبيثة البئر ونقيثتها

31

31

(نبج) النّباج

353

(نبط) ينتبق وينتبط

211

(نبق) ينتبق وينتبط

211

(نتت) لبطنه نتيت ونفيت

44

(نتح) امتتحت الشيء وانتَتَحْتُهُ

319

ص: 326

(نجنج) لجلجت المضغة ونجنجتها

304

(نخس) نُخِشَ لحم الرجل ونُخِسَ

145

(نخش) نُخِشَ لجم الرجل ونُخِسَ

145

(ندش) نَدَفَ القطن وندشه

172

(ندف) نَدَفَ القطن وندشه

172

(نزأ) نزأت الراحلة وهزأتها

329

(نزر) نَزَّره ونَزَّهه

115

(نزه) نَزَّره ونَزَّهه

115

(نسخ) مسخه ونسخه

321

(نسس) النَّسيس والنَّكيس

162

(نشط) نشلتْه الحيّة ونشطته

214

(نشع) نشغه ونشعه

نُشِغ به ونُشِع به

النشوع والنشوغ.

228

228

230

(نشغ) نشغه ونشعه

نُشِغ به ونشع به

النشوع والنشوغ.

228

228

230

(نشل) نشلته الحية ونشطته.

214

(نصع) شرب حتى نَصَعَ ونَقَعَ

النِّصَع والنِّطع.

185

182

(نضح) النَّضح والنَّضخ

أمضحته وأنضحته.

75

322

(نضخ) النضح والنضخ

75

(نضف) أنضفتِ الناقةُ وأوضفت

330

(نطس) تنطّع وتنطّس

155

(نطع) تنطّع وتنطّس

النِّصَع والنِّطع

155

182

(نطل) انتطله وامتطله

323

(نعج) النعج والنهج

258

(نعظل) النعظلة والكعظلة

295

(نغض) نهضنا إلى القوم ونغضنا.

260

(نغم) سمعت منه نغمة ووغمة

331

(نغى) نغْيَة حق ونَقْية

255

(نفت) لبطنه نتيت ونفيت

44

(نفف) هي النَّفِّيّة والنَّيِّيّة

58

(نقت) نُقِتَ العظم ونُكِتَ

285

(نقث) نبيثة البئر ونقيثتها

31

(نقش) المنقِّشة والمنقّلة

174

(نقع) شرب حتى نَصَعَ ونقع

185

(نقل) المُنَقِّشة والمنقلة

174

(نقى) نَغْيَة حق ونَقْية

255

(نكت) نُقِتَ العظم ونُكِث

285

(نكس) النَّسِيس والنكيس

162

(نكش) نكف البئر ونكشها

162

(نكظ) عَكّظَه عن حاجته ونكّظه

248

(نكع) نكع عن الأمر ونكل

لكع الشاة ونكعها

247

305

(نكف) نكف البئر ونكشها

173

(نكل) نكع عن الأمر ونكل

247

(نمر) نمر في الجبل ونمل

98

(نمش) بعير نمِشٌ ونَهِش

326

(نمل) نمر في الجبل ونمل

98

(نهج) النعج والنهج

253

(نهش) بعير نمش ونهِش

326

(نهض) نهضنا إلى القوم ونغضنا

260

(نوص) لاص عن الأمر وناص

306

(نوض) الأنواض والأنواط

190

(نوط) الأنواض والأنواط

190

ص: 327

(نول) التنوّل والتطوّل

215

(نون) عين النونة وعين المولة

352

(هبركل) غلام هبركل

361

(هجأ) هَجَعَ غرثُهُ وهجأ

4

(هجع) هجع غرثه وهجأ

هجيع من الليل وهزيع

4

67

(هجنع) الهَجَنَّع والهَجَنّف

235

(هجنف) الهَجَنَّعَّ والهَجَنَّفَّ

235

(هدر) هَدَرَ الغلام وهَدَلَ

99

(هدف) عِدْفَة وعِدَف وهِدْفة وهِدَف

252

(هدل) هَدَرَ الغلام وهَدَلَ

99

(هدم) هَدَّمَ ثوبه وردّمه

113

(هرجب) الهراجيب والهراجيل

34

(هرد) مَرَدَ وهَرَدَهُ

مرطه وهرده

325

444

(هرع) المهروع والمصروع

188

(هرهر) هرهرته وفرفرته

274

(هزأ) نَزَأت الراحلة وهزأتها

329

(هزز) جاء يهزُّ المشي ويهضّه

125

(هزع) هجيع من الليل وهزيع

مرَّ فلان يهزَع ويَقْزَع

67

291

(هزم) المهزام والمرزام

114

(هضب) يهضل بالكلام ويهضب به

35

(هضض) جاء يهز المشي ويهضه

125

(هضل) يهضل بالكلام ويهضب به

35

(هلت) انسلت يعدو وانهلت

سلت الدم وهلته

167

167

(هلغف) الهِلَّغف

220

(همش) يقمشونَ ويهمشون

292

(هوا) للبيت كواء وهواء

296

(وبع) كذبت وبّاعته ووبّاغته

231

(وبغ) كذبت وبّاعته وبّاغته

231

(وحن) أَحِنَ عليه ووَحِنَ

7

(وخض) وخطه الشيب وخضه

193

(وخط) وخطه الشيب وخضه

193

(وخف) الوَخيفة واللخيفة

309

(وضع) أوضفت الناقة وأوضعت

234

(وضف) أَنضَفتِ الناقة وأوضفت

أوضفت الناقة وأوضعت

330

234

(وطأ) وطأ الرجل المرأة ووطاها

8

(وطا) وطا الرجل المرأة ووطأها

8

(وغر) الوغر والوغم

105

(وغم) الوغر والوغم

سمعت منه نغمه ووغمه

105

331

(وقب) يسيرون سيراً الميقاب

362

(وقش) الوَقَش والوقص

168

(وقص) الوَقَش والوقص

168

(وكز) رمح مركوز وموكوز

116

(وكع) عبد ألكع أوكعُ

310

(وله) عين المولة وعين النونة

348

(وهر) مستوهر بالأمر ومستيهر.

337

(ويح) الويح والويس

77،78

(ويس) الويح والويس

77، 78

(ويل) الويح والويس والويل

78، 79

(يهر) مستوهر بالأمر ومستيهر

337

ص: 328

أبو تراب الغوي وكتابه الإعتقاب (القسم الثاني)

فهرس المصادر والمراجع

1-

الإبدال، لأبي الطيب اللغوي، بتحقيق عز الدين التنوخي، مطبوعات المجمع العلمي العربي بدمشق 1379هـ.

2-

الإبل، للأصمعي، بعناية أوغست هفنر، المطبعة الكاثوليكية، بيروت 1903 (ضمن كتاب الكنز اللغوي)

3-

إشارة التعيين في تراجم النحاة واللغويين، لعبد الباقي اليمني، بتحقيق الدكتور عبد المجيد دياب، مركز الملك فيصل للبحوث، الرياض 1406هـ.

4-

الأشباه والنظائر، للسيوطي، بتحقيق عبد الإله نبهان، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق 1406هـ

5-

الأفعال، للسرقسطي المعفاري، بتحقيق الدكتور حسين محمد شرف، الهيئة العامةلشؤون المطابع الأميرية، مصر 1395هـ.

6-

الأمالي، لأبي علي القالي، بتحقيق محمد عبد الجواد الأصمعي، دار الكتب المصرية 1926م.

7-

إنباه الرواة على أنباه النحاة للقفطي، بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر، القاهرة، ومؤسسة الكتب الثقافية بيروت 1406هـ.

8-

الأنساب، للسمعاني، بتحقيق عبد الرحمن بن يحيى المعلّمي، بيروت1400هـ الطبعة الثانية.

9-

إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون، للبغدادي، دار الفكر، بيروت 1402هـ.

10-

البارع في اللغة، لأبي علي القالي، بتحقيق هاشم الطعان، مكتبة النهضة، بغداد 1973م.

11-

بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، للسيوطي، بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة 1964م.

12-

تاج العروس، للزبيدي، المطبعة الخيرية، القاهرة 1306هـ.

13-

تاريخ التراث العربي، (المجلد الثامن) للدكتور فؤاد سزكين، إدارة الثقافة والنشر العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض 1408هـ.

14-

التتمة في التصريف، لابن القبيصي، بتحقيق الأستاذ الدكتور محسن ابن سالم العميري، مطبوعات نادي مكة الأدبي، 1414هـ.

15-

تحبير الموشّين في التعبير بالسين والشين، للفيروز آبادي، نسخة خطية بمكتبة عارف حكمت، برقم (101 - 410) .

ص: 329

16-

تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، لابن مالك، بتحقيق محمد كامل بركات، دار الكتاب العربي، القاهرة 1387هـ.

17-

التكملة والذيل والصلة، للصغاني، بتحقيق عبد العليم الطحاوي وآخرين، مطبعة دار الكتب، القاهرة 1970م.

18-

تلخيص ابن مكتوم (تلخيص أخبار النحويين) لابن مكتوم، مخطوط برقم 2069، دار الكتب المصرية (تاريخ - تيمور)

19-

التنبيه والإيضاح عما وقع في الصحاح، لابن بري، بتحقيق مصطفى حجاري، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1980م.

20-

تهذيب اللغة، للأزهري بتحقيق عبد السلام هارون وآخرين، المؤسسة المصرية العامة للتأليف، القاهرة 1384هـ.

21-

الجمهرة، لابن دريد، بتحقيق الدكتور رمزي بعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت 1987م.

22-

الخاطريات، لابن جني، بتحقيق علي ذو الفقار شاكر، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1408هـ.

23-

خزانة الأدب، لعبد القادر البغدادي، بتحقيق عبد السلام هارون، الخانجي، القاهرة 1409هـ، الطبعة الثالثة.

24-

الخصائص، لابن جني، بتحقيق محمد علي النجار، دار الكتب المصرية، القاهرة 1371هـ.

25-

ديوان الأدب، للفارابي، بتحقيق الدكتور أحمد مختار عمر، الهيئة المصرية لشؤون المطابع الأميرية 1394هـ.

26-

شرح الشافية، للرضي، بتحقيق محمد نور الحسن ومحمد الزفزاف ومحمد محيي الدين عبد الحميد، دار الكتب العلمية، بيروت 1402هـ.

27-

شرح المفصل، لابن يعيش، عالم الكتب، بيروت.

28-

الصاحبي في فقه اللغة، لابن فارس بتحقيق السيد أحمد صقر، مطبعة عيسى البابي الحلبي القاهرة 1977م.

29-

الصحاح، للجوهري، بتحقيق أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت.

30-

طبقات ابن قاضي شهبة، بتحقيق محسن غياض، مطبعة النعمان، النجف 1974م.

31-

طبقات النحويين واللغويين، لأبي بكر الزبيدي، بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة 1984م.

32-

ظاهرة الإبدال اللغوي، للدكتور علي حسين البواب، دار العلوم، الرياض، 1404هـ.

ص: 330

33-

العباب، للصغاني (حرف الهمزة) بتحقيق الدكتور قير محمد حسن، مطبوعات المجمع العلمي العراقي 1398هـ 1987م.

34-

العباب، للصغاني (حرف الغين) بتحقيق محمد حسن آل ياسين، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، 1980م.

35-

العباب، للصغاني (حرف الفاء) بتحقيق محمد حسن آل ياسين، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، 1981م.

36-

العين، للخليل بن أحمد، بتحقيق الدكتور مهدي المخزومي والدكتور إبراهيم السامرائي، مؤسسة الأعلمي، بيروت 1408هـ.

37-

الفائق في غريب الحديث، للزمخشري، بتحقيق محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر، بيروت 1399هـ.

38-

فقه اللغة وسر العربية، للثعالبي، بتحقيق سليمان البواب، دار الحكمة، دمشق 1409هـ.

39-

الفهرست، لابن النديم، بتحقيق رضا تجدّد، دار المسيرة، بيروت 1407هـ.

40-

القاموس المحيط، للفيروز آبادي، مؤسسة الرسالة، بيروت 1407هـ.

41-

الكتاب، لسيبويه، بتحقيق عبد السلام هارون، عالم الكتب، بيروت 1403هـ.

42-

كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، للحاجّ خليفة، دار الفكر، بيروت 1402هـ.

43-

لسان العرب، لابن منظور، دار صادر، بيروت.

44-

المحكم، لابن سيده، بتحقيق جماعة من العلماء، القاهرة 1377هـ.

45-

المحيط في اللغة، للصاحب بن عبَّاد، بتحقيق محمد حسن آل ياسين، عالم الكتب 1414هـ - 1994م.

46-

المخصص، لابن سيده، بعناية محمد محمود التركزي الشنقيطي ومعاونة عبد الغني محمود، مطبعة بولاق، القاهرة 1321هـ.

47-

المزهر، للسيوطي، بتحقيق محمد جاد المولى وعلي البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر، بيروت.

48-

المصباح المنير، للفيومي، بتحقيق عبد العظيم الشناوي، المكتبة العلمية، بيروت.

49-

معجم الأدباء (إرشاد الأريب) لياقوت الحموي، بتحقيق الدكتور إحسان عباس، دار الغرب، بيروت 1993م.

50-

المعجم العربي، للدكتور حسين نصّار، دار مصر للطباعة، القاهرة 1956م.

ص: 331

51-

المفصل في علم العربية، للزمخشري، دار الجيل، الطبعة الثّانية.

52-

مقاييس اللغة، لابن فارس، بتحقيق عبد السلام هارون، دار الكتب العلمية إيران، قم.

53-

المقتضب، للمبرد، بتحقيق محمد عبد الخالق عضيمة، عالم الكتب، بيروت.

54-

نزهة الألباء في طبقات الأدباء، للأنباري، بتحقيق الدكتور إبراهيم السامرائي، مكتبة المنار، عمان 1405هـ.

55-

نكت الهميان في نكت العميان، للصفدي، بتحقيق أحمد زكي باشا، المطبعة الجمالية، القاهرة 1329هـ.

56-

هدية العارفين، لإسماعيل باشا البغدادي، دار الفكر 1402هـ.

57-

الوافي بالوفيات، للصفدي، باعتناء جماعة من العلماء، دار صادر، بيروت 1969م.

58-

الوجيز في علم الصرف، لأبي البركات الأنباري، بتحقيق الدكتور علي حسين البواب، دار العلوم، الرياض 1402هـ.

59-

وفاق المفهوم في اختلاف المقول والمرسوم، لابن مالك، بتحقيق بدر الزمان محمد شفيع النيبالي، مكتبة الإيمان، المدينة المنورة 1409هـ.

60-

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لابن خلكان، بتحقيق الدكتور إحسان عباس، دار صادر، بيروت 1398هـ.

ص: 332

تابع مع الإمام أبي اسحاق الشاطبي في مباحث من علوم القرآن الكريم وتفسيره

الفصل الثاني

مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في مباحث من علوم القرآن الكريم (وفيه اثنا عشر مبحثا)

سنصحب - بإذن الله تعالى - الإمام أبا إسحاق الشاطبي في مباحث من علوم القرآن الكريم، وسيتبيّن لنا من خلال هذه المباحث أنّ الإمام أبا إسحاق الشاطبي مفسر مؤصل لعلم التفسير، يضع القواعد والأسس التي يُعتمد عليها في فهم كتاب الله تعالى.

وكنت أود أن يكون عنوان هذا الفصل "مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في أصول التفسير"، لكنّ هذا العنوان يُخرج بعض المباحث النفيسة المتعلقة بعلوم القرآن الكريم، ففضلت أن يكون العنوان شاملاً لأصول التفسير وغيره؛ إذْ لا ريبَ أنّ أصول التفسير يدخل ضمن علوم القرآن الكريم.

فإلى هذه المباحث نتركك، ونسأل الله أن ينفعنا وإيّاك بما نقرأ وندرس.

المبحث الأول: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في أسباب النزول

قال رحمه الله تعالى: "معرفة أسباب التنزيل لازمة لمن أراد علم القرآن، والدليل على ذلك أمران:

أحدهما: أن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن - فضلاً عن معرفة مقاصد كلام العرب - إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال، حال الخطاب من جهة نفس الخطاب، أو المخاطِب، أو المخاطَب، أو الجميع؛ إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين، وبحسب مخاطبين، وبحسب غير ذلك كالاستفهام لفظه واحد، ويدخله معان أُخر من تقرير وتوبيخ وغير ذلك. وكالأمر يدخله معنى الإباحة والتهديد والتعجيز وأشباهها، ولا يدل على معناها المراد إلا الأمور الخارجة، وعمدتها مقتضيات الأحوال

ومعرفة الأسباب رافعةٌ لكل مشكل في هذا النمط، فهي من المهمات في فهم الكتاب....

الوجه الثاني: وهو أن الجهل بأسباب التنزيل موقع في الشبه والإشكالات، ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال حتى يقع الاختلاف، وذلك مظنة وقوع النزاع".

ص: 333

ثم ضرب أبو إسحاق الشاطبي أمثلة توضّح ما ذكره ثانيا، نذكر بعضها فيما يلي:

أ - "روى ابن وهب عن بكير، أنه سأل نافعا كيف كان رأي ابن عمر في الحروريّة؟ (1) ، قال: "يراهم شرار خلق الله إنهم انطلقوا إلى آيات أنزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين".

ب - "ورُوي أن مروان أرسل بوابه إلى ابن عباس، وقال: قل له: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا، لنُعذبن أجمعون. فقال ابن عباس: مالكم ولهذه الآية؟ إنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم يهود فسألهم عن شيء فكتموه إيَّاه، وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه، بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم، ثم قرأ: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب

} إلى قوله: {وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} (2) فهذا السبب بيَّن أن المقصود من الآية غير ما ظهر لمروان".

ج - "ورُوي أن عمر استعمل قدامة بن مظعون على البحرين، فقدم الجارود على عمر فقال: إن قدامة شرب فسكر. فقال عمر: من يشهد على ما تقول؟. قال الجارود: أبو هريرة يشهد على ما أقول. وذكر الحديث، فقال عمر: يا قدامة إني جالدُك. قال: والله لو شربت كما يقولون ما كان لك أن تجلدني. قال عمر: ولم؟. قال: لأن الله يقول: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ} (3) الخ. فقال عمر: إنك أخطأت التأويل يا قدامة، إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله ".

(1) الحرورية هم الخوارج. انظر الفرق بين الفرق ص (75) . وسموا بالحروريّة لأنهم نزلوا مكان-ايسمّى بذلك. انظر فتح الباري (12/284) .

(2)

سورة آل عمران، الآية: 187 - 188. والحديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (8/233) كتاب التفسير، باب {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا} ح (4568) .

(3)

سورة المائدة، الآية:93.

ص: 334

ثم قال أبو إسحاق الشاطبي: "ففي الحديثين بيان أن الغفلة عن أسباب التن-زيل تؤدِّي إلى الخروج عن المقصود بالآيات".

ثم ساق أبو إسحاق الشاطبي الأثر الذي فيه إنكار ابن مسعود على من قال: إن المقصود بالدخان في قوله تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} (1) يوم القيامة، ثم ذكر قول ابن مسعود في الآية، وأن الدخان إنما كان في الدنيا استجابة لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم.

ثم قال أبو إسحاق: "وهكذا شأنُ أسباب النزول في التعريف بمعاني المنزَّل، بحيث لو فقد ذكر السبب، لم يعرف من المنزل معناه على الخصوص، دون تطرق من الاحتمالات، وتوجه الإشكالات

".

ثم ساق أبو إسحاق الشاطبي عن بعض الصحابة والتابعين آثارًا تحرض طالب العلم على تعلم علم الأسباب، وتشير إلى أن علم الأسباب من العلوم التي يكون العالم بها عالما بالقرآن.

التعليق على مبحث: أسباب النزول:

هذا المبحث من المباحث المهمة في علوم القرآن الكريم، ولأهميّته فقد أفرده طائفة من العلماء بالتأليف، منهم الإمام علي بن المديني، والإمام الواحدي، وكتابه مشهور معروف، والإمام ابن حجر العسقلاني في كتابه "العجاب في بيان الأسباب"قال عنه تلميذه السيوطي:"مات عنه مسوَّدة فلم نقف عليه كاملاً".

ثم ألف فيه الإمام السيوطي كتابا حافلاً موجزًا محررًا، سمّاه "لباب النقول في أسباب النزول".

ثم أفرد الشيخ مقبل بن هادي الوادعي الصحيح من أسباب النزول بمؤلف سماه "الصحيح المسند من أسباب النزول".

وأما من تكلّم على هذا المبحث ضمن مؤلّف فهم كثيرون جدًّا، فإنه لا يكاد يخلو مؤلف في التفسير من هذا المبحث، وكذلك لا يخلو كتاب بحث في علوم القرآن الكريم من هذا المبحث.

(1) سورة الدخان، الآية:10.

ص: 335

هذا، ولا يخفى على من قرأ كلام أبي إسحاق الشاطبي أنه قد اختصر في حديثه على هذا المبحث على بعض أهمية أسباب النزول، وهو معذور في ذلك؛ إذ إن كتابه الموافقات إنما هو في أصول الفقه، وليس في علوم القرآن.

وإليك بعض ما قاله العلماء في فوائد معرفة أسباب النزول.

1 -

معرفة حكمة الله تعالى، التي دعت إلى تشريع حكم من الأحكام، فيزداد المؤمن إيمانا، وتسوق الكافر إلى الإيمان والتصديق.

2 -

معرفة السبب يُعين على فهم الآية، ويدفع الإشكال عنها، ويكشف الغموض الذي يكتنف تفسيرها، وهذا أشار إليه أبو إسحاق الشاطبي، ونص عليه الواحدي، وابن دقيق العيد، وابن تيمية.

3 -

دفع توهم الحصر عما يفيد بظاهره الحصر.

4 -

تخصيص حكم ما نزل - إن كان بصيغة العموم - بالسبب عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ، وهي مسألة خلافية.

5 -

معرفة أن سبب النزول غير خارج عن حكم الآية إذا ورد مخصص لها.

6 -

معرفة من نزلت فيه الآية على التعيين حتى لا يشتبه بغيره، فيتهم البريء، ويبرأ المريب.

7 -

تيسير الحفظ، وتسهيل الفهم، وتثبيت الوحي في ذهن كل من يسمع الآية إذا عرف سببها؛ وذلك أن ربط الأسباب بالمسببات، والأحكام بالحوادث، والحوادث بالأشخاص والأزمنة والأمكنة، كل ذلك من دواعي تقرر الأشياء وانتقاشها في الذهن.

المبحث الثاني: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في الأقوال المحكية في القرآن الكريم

قال الإمام أبو إسحاق رحمه الله تعالى: "كل حكاية وقعت في القرآن فلا يخلو أن يقع قبلها أو بعدها - وهو الأكثر - رد لها، أو لا، فإن وقع رد فلا إشكال في بطلان ذلك المحكي وكذبه، وإن لم يقع معها رد فذلك دليل على صحة المحكى وصدقه.

ص: 336

أما الأول فظاهر، ولا يحتاج إلى برهان، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى:{إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} (1) فأعقب بقوله: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} (2) ....

وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُون} (3) فرد عليهم بقوله: {فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً} (4) .

وقال: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً} (5) ثم رد عليهم بأوجه كثيرة ثبتت في أثناء القرآن كقوله: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} (6)، وقوله:{بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَاأَرْض} (7)، وقوله:{سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ} (8) الآية، وقوله:{تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ} (9) إلى آخره، وأشباه ذلك".

وقد ذكر أبو إسحاق أمثلة كثيرة أكتفي منها بما أوردت، ومن أراد الوقوف عليها فلينظر كتابه الموافقات.

ثم قال رحمه الله تعالى: "وأما الثاني فظاهر أيضا، ولكن الدليل على صحته من نفس الحكاية وإقرارها، فإن القرآن سُمي فرقانا، وهدىً، وبرهانا، وبيانا، وتبيانا لكل شيء، وهو حجة على الخلق على الجملة والتفصيل والإطلاق والعموم، وهذا المعنى يأبى أن يحكى فيه ما ليس بحق ثم لا ينبه عليه.

(1) سورة الأنعام، الآية:91.

(2)

سورة الأنعام، الآية:91.

(3)

سورة الفرقان، الآية:4.

(4)

سورة الفرقان، الآية:4.

(5)

سورة البقرة، الآية:116.

(6)

سورة الأنبياء، الآية:26.

(7)

سورة البقرة، الآية:116.

(8)

سورة يونس، الآية:68.

(9)

سورة مريم، الآية:90.

ص: 337

وأيضا فإن جميع ما يحكى فيه من شرائع الأوّلين وأحكامهم، ولم ينبه على إفسادهم وافترائهم فيه فهو حق، يجعل عمدة عند طائفة في شريعتنا ويمنعه قوم، لا من جهة قدح فيه، ولكن من جهة أمر خارج عن ذلك، فقد اتفقوا على أنه حق وصدق كشريعتنا، ولا يفترق ما بينهما إلاّ بحكم النسخ فقط".

"ومن أمثلة هذا القسم: جميع ما حُكي عن المتقدمين من الأمم السالفة مما كان حقا، كحكايته عن الأنبياء والأولياء، ومنه قصة ذي القرنين، وقصة الخضر مع موسى عليه السلام، وقصة أصحاب الكهف، وأشباه ذلك".

المبحث الثالث: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في منهج القرآن الكريم في الترغيب والترهيب

قال الإمام أبو إسحاق الشاطبي:"إذا ورد في القرآن الترغيب قارنه الترهيب، في لواحقه أو سوابقه أو قرائنه وبالعكس، وكذلك الترجية مع التخويف، وما يرجع إلى هذا المعنى مثله، ومنه ذكر أهل الجنة يقارنه ذكر أهل النار، وبالعكس؛ لأن في ذكر أهل الجنة بأعمالهم ترجية، وفي ذكر أهل النار بأعمالهم تخويفا، فهو راجع إلى الترجية والتخويف.

ويدل على هذه الجملة عرض الآيات على النظر فأنت ترى أن الله جعل الحمد فاتحة كتابه، وقد وقع فيه:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} (1) إلى آخرها. فجيء بذكر الفريقين.

ثم بدئت سورة البقرة بذكرهما أيضا، فقيل:{هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} (2) ثم قال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} (3) ، ثم ذُكِرَ بإثرهم المنافقون وهم صنف من الكفار، فلما تم ذلك أعقب الأمر بالتقوى، ثم بالتخويف بالنار، وبعده بالترجية فقال:{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ}

إلى قوله: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا} (4) الآية".

(1) سورة الفاتحة، الآية:7.

(2)

سورة البقرة، الآية:2.

(3)

سورة البقرة، الآية:6.

(4)

سورة البقرة، الآية: 24، 25.

ص: 338

وقد أطال أبو إسحاق الشاطبي في تتبع آيات سورة البقرة، وتنزيلها على القاعدة المذكورة، ثم أورد بعض آيات سورة الأنعام، وبيّن كيف تنطبق على القاعدة.

ثم قال: "وقد يغلب أحد الطرفين بحسب المواطن ومقتضيات الأحوال، فيرد التخويف ويتسع مجاله، لكنه لا يخلو من الترجية كما في سورة الأنعام، فإنها جاءت مقررة للحق، ومنكرة على من كفر بالله، واخترع من تلقاء نفسه ما لا سلطان له عليه، وصد عن سبيله، وأنكر ما لا ينكر، ولدَّ فيه وخاصم، وهذا المعنى يقتضي تأكيد التخويف، وإطالة التأنيب والتعنيف، فكثرت مقدماته ولواحقه، ولم يخل مع ذلك من طرف الترجية؛ لأنهم بذلك مدعوون إلى الحق، وقد تقدم الدعاء وإنما هو مزيد تكرار، إعذارًا وإنذارًا، ومواطن الاغترار يطلب فيها التخويف أكثر من طلب الترجية؛ لأن درء المفاسد آكد.

وترد الترجية أيضا ويتسع مجالها، وذلك في مواطن القنوط ومظنته، كما في قوله تعالى:{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً} (1) الآية فإن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا فأتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا ألنا لما عملنا كفارة، فنزلت.

فهذا موطن خوف يخاف منه القنوط، فجيء فيه بالترجية غالبة، ومثل ذلك الآية الأخرى:{وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} (2) وانظر في سببها في الترمذي، والنسائي، وغيرهما.

ولما كان جانب الإخلال من العباد أغلب كان جانب التخويف أغلب، وذلك في مظانه الخاصة، لا على الإطلاق؛ فإنه إذا لم يكن هنالك مظنَّة هذا، ولا هذا أتى الأمر معتدلاً".

(1) سورة الزمر، الآية:53.

(2)

سورة هود، الآية:114.

ص: 339

ثم أورد أبو إسحاق اعتراضا على ما قرره سابقا فقال: "فإن قيل: هذا لا يطرد فقد ينفرد أحد الأمرين فلا يؤتى معه بالآخر، فيأتي التخويف من غير ترجية، وبالعكس، ألا ترى قوله تعالى:{وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} (1) إلى آخرها فإنها كلها تخويف، وقوله:{كَلا إِنَّ الأِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} (2) إلى آخر السورة، وقوله:{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} (3) إلى آخر السورة

وفي الطرف الآخر قوله تعالى: {وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} (4) إلى آخرها،

وقوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} (5) إلى آخرها".

وأورد الإمام الشاطبي من الآيات أيضا ما يؤيّد هذا الاعتراض.

ثم قال: "فالجواب إن ما اعترض به غير صاد عن سبيل ما تقدم، وعنه جوابان: إجمالي وتفصيلي:

فالإجمالي أن يقال: إن الأمر العام والقانون الشائع هو ما تقدّم، فلا تنقضه الأفراد الجزئية الأقلية؛ لأن الكلية إذا كانت أكثرية في الوضعيات انعقدت كلية، واعتمدت في الحكم بها وعليها، شأن الأمور العادية الجارية في الوجود، ولا شك أن ما اعترض به من ذلك قليل، يدل عليه الاستقراء، فليس بقادح فيما تأصل.

(1) سورة الهمزة، الآية:1.

(2)

سورة العلق، الآية:7.

(3)

سورة الفيل، الآية:1.

(4)

سورة الضحى، الآية:2.

(5)

سورة الشرح، الآية:1.

ص: 340

وأما التفصيلي: فإن قوله: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} (1) قضية عين في رجل معين من الكفار، بسبب أمر معين، من همزه النبي عليه الصلاة والسلام وعيبه إيَّاه، فهو إخبار عن جزائه على ذلك العمل القبيح، لا أنه أُجري مجرى التخويف، فليس مما نحن فيه. وهذا الوجه جار في قوله:{كَلا إِنَّ الأِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} (2)

وكذلك سورة والضحى، وقوله:{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} (3) غير ما نحن فيه، بل هو أمر من الله للنبي عليه الصلاة والسلام بالشكر لأجل ما أعطاه من المنح".

المبحث الرابع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في أقسام العلوم المضافة إلى القرآن الكريم

قسم أبو إسحاق العلوم المضافة إلى القرآن إلى أربعة أقسام، فقال:

"قسم: هو كالأداة لفهمه واستخراج ما فيه من الفوائد، والمعين على معرفة مراد الله تعالى منه، كعلوم اللغة العربية - التي لا بد منها - وعلم القراءات، والناسخ والمنسوخ، وقواعد أصول الفقه، وما أشبه ذلك".

ثم ذكر أبو إسحاق أن هذا الجانب قد يُدخل فيه ما ليس منه، كقول من قال: إن علم الهيئة وسيلة إلى فهم قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ} (4)، وقول من قال: إن علوم الفلسفة مطلوبة إذ لا يُفهم المقصود من الشريعة إلا بها.

ثم رد أبو إسحاق على قائل ذلك بقوله: "ولو قال قائل إن الأمر بالضد مما قال لما بَعُد في المعارضة. وشاهد ما بين الخصمين شأن السلف الصالح في تلك العلوم، هل كانوا آخذين فيها، أم كانوا تاركين لها، أو غافلين عنها؟ مع

القطع بتحققهم بفهم القرآن، يشهد لهم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم والجم

الغفير، فلينظر امرؤ أين يضع قدمه".

(1) سورة الهمزة، الآية:1.

(2)

سورة العلق، الآية:7.

(3)

سورة الشرح، الآية:1.

(4)

سورة ق، الآية:6.

ص: 341

ثم ذكر أبو إسحاق القسم الثاني بقوله: "وقسم هو مأخوذٌ من جملته من حيث هو كلام لا من حيث هو خطاب بأمر أو نهي أو غيرهما، بل من جهة ما هو هو، وذلك ما فيه من دلالة النبوة، وهو كونه معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن هذا المعنى ليس مأخوذًا من تفاصيل القرآن كما تؤخذ منه الأحكام الشرعية، إذ لم تنص آياته وسوره على ذلك مثل نصها على الأحكام بالأمر والنهي وغيرهما، وإنما فيه التنبيه على التعجيز أن يأتوا بسورة مثله، وذلك لا يختص به شيء من القرآن دون شيء، ولا سورة دون سورة، ولا نمط منه دون آخر

".

ثم ذكر القسم الثالث بقوله: "وقسم هو مأخوذ من عادة الله تعالى في إنزاله، وخطاب الخلق به

ويشتمل على أنواع من القواعد الأصلية والفوائد الفرعية، والمحاسن الأدبية".

ثم ذكر على هذا القسم تسعة أمثلة، جدير بأهل القرآن أن يراجعوها ففيها من الفوائد الشيء الكثير.

ثم ذكر القسم الرابع بقوله: "وقسم هو المقصود الأول

وذلك أنه محتوٍ من العلوم على ثلاثة أجناس

أحدها: معرفة المتوجَّه إليه، وهو الله المعبود سبحانه. والثاني: معرفة كيفية التوجه إليه. والثالث: معرفة مآل العبد ليخاف الله به ويرجوه".

ثم شرح هذه الأجناس الثلاثة بكلام نفيس، نحيل القارئ على مراجعته.

المبحث الخامس: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في التفسير الإشاري للقرآن الكريم

قال - رحمه الله تعالى -: "من الناس من زعم أن للقرآن ظاهرًا وباطنا

". ثم ذكر أبو إسحاق الأدلة على ذلك، وأطنب، وسيأتي بعضها - إن شاء الله تعالى - في التعليق على هذا المبحث.

ثم ذكر أبو إسحاق أمثلةً على التفسير الإشاري الباطل.

ثم خلص أبو إسحاق إلى ذكر شروط التفسير الإشاري المقبول فقال: "فصل: وكون الباطن هو المراد من الخطاب قد ظهر أيضا مما تقدم في المسألة قبلها، ولكن يشترط فيه شرطان:

ص: 342

أحدهما: أن يصح على مقتضى الظاهر المقرر في لسان العرب، ويجري على المقاصد العربية. والثاني: أن يكون له شاهد نصا أو ظاهرًا في محل آخر يشهد لصحته من غير معارض.

فأما الأوّل: فظاهر من قاعدة كون القرآن عربيا، فإنه لو كان له فهم لا يقتضيه كلام العرب، لم يوصف بكونه عربيا بإطلاق؛ ولأنه مفهوم يُلصق بالقرآن ليس في ألفاظه، ولا في معانيه ما يدل عليه، وما كان كذلك فلا يصح أن ينسب إليه أصلاً

وأما الثاني: فلأنه إن لم يكن له شاهد في محل آخر، أو كان له معارض صار من جملة الدعاوى التي تدّعى على القرآن، والدعوى المجردة غير مقبولة باتفاق العلماء.

وبهذين الشرطين يتبيّن صحة ما تقدّم أنه الباطن؛ لأنّهما مُوَفّران فيه، بخلاف ما فسّر به الباطنية، فإنه ليس من علم الباطن كما أنه ليس من علم الظاهر".

ثم ذكر أمثلةً من تفاسير الباطنية تخالف هذين الشرطين.

ثم قال: "وقد وقعت في القرآن تفاسير مشكلة يمكن أن تكون من هذا القبيل، أو من قبيل الباطن الصحيح، وهي منسوبة لأناس من أهل العلم، وربما نسب منها إلى السلف الصالح" ثم ذكر أمثلة على هذه التفاسير المشكلة.

التعليق على مبحث: التفسير الإشاري للقرآن الكريم

التعليق على هذا المبحث من ثلاثة أوجه:

ص: 343

الأوّل: أن المعتمد لمن ذهب إلى هذا التفسير - التفسير الإشاري - هو ما أخرجه الإمام البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأنَّ بعضهم وجد في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟. فقال عمر: إنه من حيث علمتم. فدعا ذات يوم فأدخله معهم فما رُئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم. قال ما تقولون في قول الله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} (1) فقال بعضهم: أُمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا. فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له، قال: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} (2) وذلك علامة أجلك {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} (3) فقال عمر: ما أعلم منها إلَاّ ما تقول". وقد ذكر أبو إسحاق هذا الدليل.

والثاني أن أبا إسحاق لم يرد التفسير الإشاري جملة، ولم يقبله جملة، بل فصّل في ذلك وهذا هو الحق.

والثالث: قد أتى أبو إسحاق الشاطبي على أهم الشروط التي تشترط لصحة هذا التفسير، وقد أضاف بعض العلماء ما يلي:

1 -

ألَاّ يُدَّعى أنه المراد وحده دون الظاهر.

2 -

أن يُبيَّن المعنى الموضوع له اللفظ الكريم أولاً.

3 -

ألَاّ يكون من وراء هذا التفسير الإشاري تشويش على المفسَّر له.

المبحث السادس:

مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في قوله: إن المدني من السور ينبغي أن يكون منزلاً على المكي في الفهم، وكذلك المكي بعضه مع بعض، والمدني بعضه مع بعض

(1) سورة النصر، الآية:1.

(2)

سورة النصر، الآية:1.

(3)

سورة النصر، الآية:3.

ص: 344

قال أبو إسحاق الشاطبي: "المدني من السور ينبغي أن يكون منزلاً في الفهم على المكي، وكذلك المكي بعضه مع بعض، والمدني بعضه مع بعض على حسب ترتيبه في التنزيل، وإلَاّ لم يصح، والدليل على ذلك أن معنى الخطاب المدني - في الغالب - مبني على المكي، كما أن المتأخر من كل واحد منهما مبني على متقدمه، دل على ذلك الاستقراء، وذلك إنما يكون ببيان مجمل، أو تخصيص عموم، أو تقييد مطلق، أو تفصيل ما لم يفصل، أو تكميل ما لم يظهر تكميله.

وأوّل شاهد على هذا أصل الشريعة؛ فإنها جاءت متممة لمكارم الأخلاق، ومصلحة لما أُفسد قبل من ملة إبراهيم عليه السلام.

ويليه تنزيل سورة الأنعام فإنها نزلت مبينة لقواعد العقائد، وأُصول الدين، وقد خرَّج العلماء منها قواعد التوحيد التي صنف فيها المتكلّمون، من أول إثبات واجب الوجود إلى إثبات الإمامة

ثم لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان من أول ما نزل عليه سورة البقرة، وهي التي قررت قواعد التقوى المبنية على قواعد سورة الأنعام؛ فإنها بيّنت من أقسام أفعال المكلفين جملتها، وإن تبيّن في غيرها تفاصيل لها كالعبادات التي هي قواعد الإسلام، والعادات من أصل المأكول والمشروب وغيرهما، والمعاملات من البيوع والأنكحة وما دار بها، والجنايات من أحكام الدماء وما يليها.

وأيضا فإن حفظ الدين فيها، وحفظ النفس والعقل والنسل والمال مضمن فيها، وما خرج عن المقرر فيها فبحكم التكميل، فغيرها من السور المدنية المتأخرة عنها مبني عليها، كما كان غير الأنعام من المكي المتأخر عنها مبنيا عليها، وإذا تنزلت إلى سائر السور بعضها مع بعض في الترتيب وجدتها كذلك، حذو القذة بالقذة، فلا يغيبن عن الناظر في الكتاب هذا المعنى؛ فإنه من أسرار علوم التفسير، وعلى حسب المعرفة به تحصل له المعرفة بكلام ربه سبحانه".

التعليق على مبحث: المدني من السور ينبغي أن يكون منزلاً على المكي في الفهم

ص: 345

التعليق على هذا المبحث من وجهين:

الأوّل: أن الإمام أبا إسحاق الشاطبي قد سبق من كتب في علوم القرآن - وتعرض للمكي والمدني - إلى دراسة هذه المسألة.

ومن كتب في هذا المبحث فهو تبع للإمام أبي إسحاق الشاطبي، على أن أهمّ كتابين متداولين في علوم القرآن لم يتعرض مؤلّفاهما لهذا المبحث بهذه الطريقة التي سلكها أبو إسحاق.

الثاني: أن هذا المبحث بهذا النحو الذي طرقه الإمام أبو إسحاق الشاطبي فيه أحسن رد على أولئك الملاحدة الذين زعموا أن لا صلة بين المكي والمدني في القرآن الكريم.

وفي ظني أن الذي رد على هذه الشبهة وفندها لو تنبه لكلام الإمام أبي إسحاق الشاطبي لنقله؛ لأن فيه البرهان الدامغ المزهق لشبهة أولئك الملاحدة.

المبحث السابع:

مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في أن تفسير القرآن الكريم يتبع فيه المفسر التوسط والاعتدال، ويجتنب فيه الإفراط والتفريط

قال أبو إسحاق عند هذه المسألة: "ربما أخذ تفسير القرآن على التوسط والاعتدال، وعليه أكثر السلف المتقدمين، بل ذلك شأنهم، وبه كانوا أفقه الناس فيه، وأعلم العلماء بمقاصده وبواطنه.

وربما أخذ على أحد الطرفين الخارجين عن الاعتدال: إما على الإفراط وإما على التفريط، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم".

ثم بيّن رحمه الله تعالى أن الذين فسروه على التفريط هم الذين قصروا في فهم اللسان الذي جاء به، وهو العربية، ومن هؤلاء الباطنية وغيرهم.

ثم قال: "ولا إشكال في اطِّراح التعويل على هؤلاء".

ثم وضَّح رحمه الله تعالى أن الذين اتبعوا الإفراط في تفسير القرآن هم الذين دققوا في الألفاظ المفردة والمعاني البلاغية، ولم ينظروا إلى المعنى الذي سيق الكلام من أجله؛ لأنّ هذه الأشياء إنما تبحث بقدر ما تؤدي به المعاني الأصلية، المقصودة من سياق الكلام.

ص: 346

ثم شرح أبو إسحاق الوسطية التي ينبغي أن يسير عليها المفسر فقال: "والقول في ذلك - والله المستعان - أن المساقات تختلف باختلاف الأحوال والأوقات والنوازل، وهذا معلوم في علم المعاني والبيان، فالذي يكون على بال من المستمع والمتفهم

الالتفات إلى أول الكلام وآخره بحسب القضيّة، وما اقتضاه الحال فيها، لا ينظر في أولها دون آخرها، ولا في آخرها دون أولها؛ فإن القضية وإن اشتملت على جمل فبعضها متعلق بالبعض؛ لأنّها قضية واحدة نازلة في شيء واحد، فلا محيص للمتفهم عن ردّ آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلَّف، فإن فرق النظر في أجزائه، فلا يتوصل به إلى مراده؛ فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض، إلَاّ في موطن واحد وهو النظر في فهم الظاهر بحسب اللسان العربي وما يقتضيه، لا بحسب مقصود المتكلم، فإذا صح له الظاهر على العربية، رجع إلى نفس الكلام، فعمّا قريب يبدو له منه المعنى المراد، فعليه بالتعبد به وقد يعينه على هذا المقصد النظر في أسباب التنزيل؛ فإنها تبين كثيرًا من المواضع التي يختلف مغزاها على الناظر

".

ثم ساقه الكلام على القاعدة المتقدمة إلى التعرض إلى مقاصد بعض سور القرآن الكريم، فجاء فيه بالفوائد الممتعة.

ص: 347

فمما قال في ذلك قوله رحمه الله تعالى:"وقوله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} (1) نازلة في قضية واحدة. وسورة " اقرأ" نازلة في قضيتين الأولى إلى قوله: {عَلَّمَ الأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (2) ، والأخرى ما بقي إلى آخر السورة. وسورة المؤمنين نازلة في قضية واحدة، وإن اشتملت على معان كثيرة فإنها من المكيات، وغالب المكي أنه مقرر لثلاثة معان - أصلها معنى واحد وهو الدعاء إلى عبادة الله تعالى - أحدها: تقرير الوحدانية لله الواحد الحق

والثاني: تقرير النبوة للنبي محمد، وأنه رسول الله إليهم جميعا، صادق فيما جاء به من عند الله

والثالث: إثبات أمر البعث والدار الآخرة، وأنه حق لا ريب فيه بالأدلة الواضحة، والرد على من أنكر ذلك، بكل وجه يمكن الكافر إنكاره به....

فهذه المعاني الثلاثة هي التي اشتمل عليها المنزل من القرآن بمكة في عامّة الأمر، وما ظهر ببادئ الرأي خروجه عنها فراجع إليها في محصول الأمر، ويتبع ذلك الترغيب والترهيب، والأمثال والقصص، وذكر الجنة والنار، ووصف يوم القيامة، وأشباه ذلك".

ثم رجع أبو إسحاق إلى تطبيق المعاني الثلاثة على سورة المؤمنين، يقف على ذلك من أحب في موطنه من كتاب الموافقات.

التعليق على مبحث: تفسير القرآن الكريم يتبع فيه المفسر التوسط والاعتدال

قضية التوسط والاعتدال التي ألمح إليها أبو إسحاق الشاطبي قضيّة مهمّة جدًّا سواء في فهم القرآن الكريم وتفسيره، أو في غير ذلك من حياة المسلم.

ولو اتُّبع كل من فسر القرآن الكريم التوسط والاعتدال في تفسيره لما وجدنا الأبحاث المطولة التي لا علاقة لها بتفسير الآية.

ولو اتُّبع التوسط والاعتدال لما جُعل تفسير القرآن كتاب نحو تذكر فيه القواعد النحوية ودقائق علوم النحو، والاعتراضات والردود، ورد الردود.

(1) سورة الكوثر، الآية:1.

(2)

سورة العلق، الآية:5.

ص: 348

ولو اتُّبع التوسط والاعتدال لما وجدنا بين كتب التفسير ما يشبه كتاب علوم مدرسي فيه صور الحيوانات والنباتات، ثم يدعي صاحبه أن هذا هو مقصود الله من إنزال كتابه، وأن جميع علماء التفسير المتقدمين أخطأوا عندما لم يظهروا هذه العلوم النباتية الحيوانية؟.

ولو اتُّبع التوسط والاعتدال لما وجدنا بين المفسرين لهذا الكتاب الكريم من يقع في بدعة الاعتزال، والإرجاء، والتشبيه، والتكفير، وغيرها من البدع، ثم يفسر القرآن على ما يوافق بدعته، ويزعم أن هذا هو مقصود الله من كلامه.

ولو اتُّبع التوسط والاعتدال في تفسير القرآن الكريم لسلم تراثنا التفسيري من خزعبلات بني إسرائيل التي قُصد بها إفساد فهمنا لكتاب الله تعالى.

ولو اتُّبع التوسط والاعتدال في تفسير القرآن الكريم وتطبيقه لما وصلنا إلى هذه الحال - التي نحن عليها اليوم - من الانحطاط والتبعية لأمم الكفر من يهود ونصارى وغيرهم.

المبحث الثامن:

مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في بيان المقصود بالرأي المذموم والرأي الممدوح في تفسير القرآن الكريم

قال أبو إسحاق رحمه الله تعالى: "إعمال الرأي في القرآن جاء ذمه، وجاء أيض-اما يقتضي إعماله، وحسبك من ذلك ما نقل عن الصدِّيق، فإنه نقل عنه أنه قال - وقد سُئل في شيء من القرآن -: "أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم

". ثم سُئل عن الكلالة المذكورة في القرآن فقال: "أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، الكلالة كذا وكذا".

فهذان قولان اقتضيا إعمال الرأي وتركه في القرآن، وهما لايجتمعان".

ثم أجاب أبو إسحاق عما رُوي عن أبي بكر رضي الله عنه مما يقتضي إعمال الرأي وتركه فقال: "والقول فيه أن الرأي ضربان: أحدهما: جار على موافقة كلام العرب، وموافقة الكتاب والسنة، فهذا لا يمكن إهمال مثله لعالم بهما لأمور:

ص: 349

أحدها: إن الكتاب لا بد من القول فيه ببيان معنى، واستنباط حكم وتفسير لفظ، وفهم مراد، ولم يأت جميع ذلك عمن تقدم، فإما أن يتوقف دون ذلك فتتعطل الأحكام كلها أو أكثرها، وذلك غير ممكن، فلا بد من القول فيه بما يليق.

والثاني: أنه لو كان كذلك؛ للزم أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم مبينا ذلك كله بالتوقيف؛ فلا يكون لأحد فيه نظر ولا قول، والمعلوم أنه عليه الصلاة والسلام لم يفعل ذلك، فدل على أنه لم يكلف به على ذلك الوجه، بل بيَّن منه ما لا يوصل إلى علمه إلَاّ به، وترك كثيرًا مما يدركه أرباب الاجتهاد باجتهادهم، فلم يلزم في جميع تفسير القرآن التوقيف.

والثالث: أن الصحابة كانوا أولى بهذا الاحتياط من غيرهم، وقد علم أنهم فسروا القرآن على ما فهموا، ومن جهتهم بلغنا تفسير معناه، والتوقيف ينافي هذا؛ فإطلاق القول بالتوقيف والمنع من الرأي لا يصحّ.

والرابع: أن هذا الفرض لا يمكن؛ لأنّ النظر في القرآن من جهتين:

من جهة الأمور الشرعية، فقد يسلم القول بالتوقيف فيه وترك الرأي والنظر جدلاً.

ومن جهة المآخذ العربية؛ وهذا لا يمكن فيه التوقيف، وإلا لزم ذلك في السلف الأوّلين، وهو باطل، فاللازم عنه مثله، وبالجملة فهو أوضح من إطناب فيه".

ثم وضَّح أبو إسحاق المقصود بالرأي المذموم فقال: "وأما الرأي غير الجاري على موافقة العربية، أو الجاري على الأدلة الشرعية فهذا هو الرأي المذموم من غير إشكال كما كان مذموما في القياس أيضا حسبما هو مذكورٌ في كتاب القياس؛ لأنه تقول على الله بغير برهان، فيرجع إلى الكذب على الله تعالى، وفي هذا القسم جاء من التشديد في القول بالرأي في القرآن ما جاء".

ثم أورد أبو إسحاق الشاطبي عن جملة من الصحابة والتابعين ذمّ هذا النوع من الرأي.

ثم ختم هذه المسألة بقوله: "فالذي يستفاد من هذا الموضع أشياء:

ص: 350

منها: التحفظ من القول في كتاب الله تعالى إلَاّ على بينة، فإن الناس في العلم بالأدوات المحتاج إليها في التفسير على ثلاث طبقات: إحداها: من بلغ في ذلك مبلغ الراسخين كالصحابة والتابعين، ومن يليهم، وهؤلاء قالوا مع التوقي والتحفظ والهيبة والخوف من الهجوم، فنحن أولى بذلك منهم، إن ظننا بأنفسنا أنا في العلم والفهم مثلهم، وهيهات.

والثانية: من علم من نفسه أنه لم يبلغ مبالغهم ولا داناهم، فهذا طرف لا إشكال في تحريم ذلك عليه.

والثالثة: من شك في بلوغه مبلغ أهل الاجتهاد، أو ظن ذلك في بعض علومه دون بعض فهذا أيضا داخل تحت حكم المنع من القول فيه؛ لأن الأصل عدم العلم، فعندما يبقى له شك أو تردد في الدخول مدخل العلماء الراسخين فانسحاب الحكم الأول عليه باق بلا إشكال، وكل أحد فقيه نفسه في هذا المجال، وربما تعدى بعض أصحاب هذه الطبقة طوره، فحسن ظنه بنفسه، ودخل في الكلام فيه مع الراسخين، ومن هنا افترقت الفرق، وتباينت النحل، وظهر في تفسير القرآن الخلل.

ومنها: أن من ترك النظر في القرآن، واعتمد في ذلك على من تقدّمه، ووكل إليه النظر فيه غير ملوم، وله في ذلك سعة، إلَاّ فيما لا بد له منه، وعلى حكم الضرورة، فإن النظر فيه يشبه النظر في القياس، كما هو مذكور في بابه، وما زال السلف الصالح يتحرجون من القياس فيما لا نص فيه، وكذلك وجدناهم في القول في القرآن، فإن المحظور فيهما واحد، وهو خوف التقول على الله، بل القول في القرآن أشد، فإن القياس يرجع إلى نظر الناظر، والقول في القرآن يرجع إلى أن الله أراد كذا أو عنى كذا بكلامه المنزل، وهذا عظيم الخطر.

ص: 351

ومنها: أن يكون على بالٍ من الناظر والمفسر، والمتكلِّم عليه أن ما يقوله تقصيد منه للمتكلم، والقرآن كلام الله، فهو يقول بلسان بيانه: هذا مراد الله من هذا الكلام، فليتثبت أن يسأله الله تعالى: من أين قلت عني هذا؟ فلا يصح له ذلك إلا ببيان الشواهد، وإلا فمجرّد الاحتمال يكفي بأن يقول: يحتمل أن يكون المعنى كذا وكذا، بناء أيضا على صحة تلك الاحتمالات في صلب العلم، وإلَاّ فالاحتمالات التي لا ترجع إلى أصل غير معتبرة، فعلى كل تقدير لا بد في كل قول يجزم به أو يحمّل من شاهد يشهد لأصله، وإلَاّ كان باطلاً ودخل صاحبه تحت أهل الرأي المذموم، والله أعلم".

قلت: ليت شعري أين يضع نفسه من يستقل بتفسير القرآن في زماننا هذا؟!. إنه لا يمكن أن يضع نفسه مع الطبقة الأولى في العلم بأدوات التفسير، فلم يبق إلا الطبقة الثانية، والثالثة، وكلاهما ممنوعة من القول في القرآن وتفسيره، كما وضَّح ذلك أبو إسحاق، رحمه الله تعالى.

المبحث التاسع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في حكم ترجمة القرآن الكريم

قدم أبو إسحاق الشاطبي لهذه المسألة بمقدمة بنى عليها حكم ترجمة القرآن، فقال في هذه المقدمة: "للغة العربية من حيث هي ألفاظ دالة على معان نظران: أحدهما: من جهة كونها ألفاظا وعبارات مطلقة

وهي الدلالة الأصليّة. والثاني: من جهة كونها ألفاظا وعبارات مقيّدة دالة على معان خادمة، وهي الدلالة التابعة.

فالجهة الأولى: هي التي يشترك فيها جميع الألسنة، وإليها تنتهي مقاصد المتكلمين، ولا تختص بأمة دون أخرى؛ فإنه إذا حصل في الوجود فعل لزيد مثلاً كالقيام، ثم أراد كل صاحب لسان الإخبار عن زيد بالقيام، تأتىله ما أراد من غير كلفة، ومن هذه الجهة يمكن في لسان العرب الإخبار عن أقوال الأوّلين - ممن ليسوا من أهل اللغة العربية - وحكاية كلامهم، ويتأتى في لسان العجم حكاية أقوال العرب والإخبار عنها، وهذا لا إشكال فيه.

ص: 352

وأما الجهة الثانية: فهي التي يختص بها لسان العرب في تلك الحكاية وذلك الإخبار، فإن كل خبر يقتضي في هذه الجهة أمورًا خادمة لذلك الإخبار بحسب الخَبر والمُخبِر والمخبَر عنه والمُخبَر به، ونفس الإخبار في الحال والمساق، ونوع الأسلوب، من الإيضاح، والإخفاء، والإيجاز، والإطناب، وغير ذلك".

ثم ضرب أبو إسحاق أمثلة لبيان الجهة الثانية وتوضيحها.

ثم قال: "وإذا ثبت هذا، فلا يمكن من اعتبر هذا الوجه الأخير أن يترجم كلاما من الكلام العربي بكلام العجم على حال، فضلاً عن أن يترجم القرآن، ويُنقل إلى لسان غير عربي إلَاّ مع فرض استواء اللسانين في اعتباره عينا، كما إذا استوى اللسانان في استعمال ما تقدّم تمثيله ونحوه، فإذا ثبت ذلك في اللسان المنقول إليه مع لسان العرب، أمكن أن يترجم أحدهما إلى الآخر وإثبات مثل هذا بوجه بين عسير جدًّا

وقد نفى ابن قتيبة إمكان الترجمة في القرآن - يعني على هذا الوجه الثاني - فأما على الوجه الأوَّل فهو ممكن، ومن جهته صح تفسير القرآن وبيان معناه للعامّة، ومن ليس له فهم يقوى على تحصيل معانيه، وكان ذلك جائزًا باتفاق أهل الإسلام، فصار هذا الاتفاق حجّة في صحة الترجمة على المعنى الأصلي".

التعليق على مبحث: حكم ترجمة القرآن الكريم

الكلام على مسألة ترجمة القرآن يطول جدًّا، وقد بحثها العلماء بحثا مستفيضا؛ ولذلك سوف أقتصر في هذا المبحث على التعليق على كلام أبي إسحاق الشاطبي بذكر كلام بعض العلماء، ثم أذكر أنواع الترجمة، وبيان الجائز منها والممنوع.

ص: 353

1 -

قال الشيخ مناع القطان رحمه الله تعالى - بعد أن نقل بعض كلام الإمام أبي إسحاق الشاطبي -: "ومع هذا فإن ترجمة المعاني الأصلية لا تخلو من فساد، فإن اللفظ الواحد في القرآن قد يكون له معنيان، أو معانٍ تحتملها الآية، فيضع المترجم لفظا يدل على معنى واحد، حيث لا يجد لفظا يشاكل اللفظ العربي في احتمال تلك المعاني المتعددة. وقد يستعمل القرآن اللفظ في معنى مجازي فيأتي المترجم بلفظ يرادف اللفظ العربي في معناه الحقيقي؛ ولهذا ونحوه وقعت أخطاء كثيرة فيما ترجم لمعاني القرآن. وما ذهب إليه الشاطبي واعتبره حجّة في صحة الترجمة على المعنى الأصلي ليس على إطلاقِه؛ فإن بعض العلماء يخص هذا بمقدار الضرورة في إبلاغ الدعوة بالتوحيد وأركان العبادات، ولا يتعرض لما سوى ذلك، ويؤمر من أراد الزيادة بتعلم اللسان العربي".

قلت: فتبين لك بهذا أن ترجمة المعاني الأصلية غير ممكن إلا مع وجود الفساد والأخطاء الكثيرة، ولو كان هذا الفساد والأخطاء الكثيرة في غير القرآن لمُنع من يفعل ذلك، فكيف بالقرآن الكريم؟!.

2 -

أنواع الترجمة، وبيان الجائر منها والممنوع. هي ثلاثة أنواع، بيانُها فيما يلي:

أ - الترجمة اللفظية المثلية: وهي إبدال لفظ بلفظ آخر يرادفه في المعنى، مع الاحتفاظ بما للمبدل منه من التراكيب والنسق والأسلوب، والدلائل الأصلية والتبعية، وبما له من خفة على الأسماع وتأثير على القلوب، وبما له من إحكام وتشابه وإعجاز.

وحكم هذا النوع أنه محال عقلاً وشرعا. أما عقلاً؛ فلأن التجارب العلمية برهنت على أن نقل كلام من لغة إلى أخرى بكل ما في الأصل مما ذكر في التعريف مستحيل في كلام البشر، فكيف به في كلام الله المعجز.

ص: 354

وأما شرعا فإنه مستحيل أيضا؛ لأن معناه الإتيان بقرآن مثل هذا القرآن بلغة أُخرى، وقد قال الله تعالى:{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} (1) .

ب - الترجمة المعنوية: وهي إبدال لفظ بلفظ آخر يرادفه في المعنى الإجمالي، أو في المعنى القريب بصرف النظر عن المعاني التبعية والبعيدة، وبصرف النظر عن الخصائص والمزايا، وهذه ممكنة على وجه الإجمال بالقدر المستطاع في بعض الألفاظ دون بعض، وفي بعض اللغات دون بعض، ولا تسلم من الخطأ والبعد عن المراد.

(1) سورة الإسراء، الآية (88) وانظر مناهل العرفان (2/40) ترى مسألة الاستحالة الشرعية.

ص: 355

وهذا النوع من الترجمة، وإن جاز في كلام الناس، فإنه يَحرُم في كلام الله القرآن الكريم؛ لأمورٍ كثيرة يطول شرحُها، منها: أنها لن تسلم من الخطأ والبعد عن المراد. ومنها: أن هذه الترجمة تؤدي إلى ضياع الأصل، كما ضاعت أصول الكتب المتقدمة. ومنها: أن ذلك يؤدي إلى انصراف الناس عن كتاب ربهم مكتفين بما يزعمونه ترجمة للقرآن. ومنها: ضعف لغة القرآن والقضاء عليها في النهاية. ومنها: وجود الاختلاف بين المسلمين، فكلُّ دولة تضع ترجمة للقرآن وتزعمها أفضل الموجود، وهكذا الدولة الأخرى، فيحصل الاختلاف بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ونكونُ بهذا قد خالفنا ما أمرنا الله به ونهانا، حيث قال:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} (1)، وقال:{وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (2) . ومنها: أن نصوص علماء المذاهب تدلُّ على تحريم هذا النوع من الترجمة. قال الإمام الألوسي: "وفي معراج الدراية: مَن تعمّد قراءة القرآن

أو كتابته بالفارسية فهو مجنون، أو زنديق. والمجنونُ يُداوى، والزنديق يُقتل".

وقال الإمام النووي: "مذهبنا أنه لا يجوز قراءة القرآن بغير لسان العرب، سواء أمكنه العربية أو عجز عنها، وسواء كان في الصلاة أوغيرها".

وقال الإمام ابن قدامة: "ولا تجزئه القراءة بغير العربية، ولا إبدال لفظها بلفظ عربي، سواء أحسنَ قراءتها بالعربية أو لم يحسن". ونحو هذا قال المالكية، وأهل الظاهر.

(1) سورة آل عمران، الآية:103.

(2)

سورة آل عمران، الآية:105. وانظر القول السديد، ص (14-37) ، ومناهل العرفان (2/43-48) ترى ما ذُكر من هذه الأمور وأكثر.

ص: 356

وقال العلامة محمد رشيد رضا: "المعوّل عليه عند الأئمة وسائر العلماء أنه لا يجوز كتابة القرآن وقراءته ولا ترجمته بغير العربية مطلقا، إلا فيما نقل عن أبي حنيفة وصاحبيه من جواز قراءة القرآن بالفارسية في خصوص الصلاة".

ومن الأمور التي تمنع جواز ترجمة القرآن: أن الملحدين الذين يريدون هدم الإسلام يضللون الناس بهذه الترجمة، ويزعمون أنها قرآن، وقد وقع ذلك في بعض البلاد الإسلامية التي كانت يوما تقودُ العالم الإسلامي أجمع.

ومَن أجاز هذا النوع من الترجمة فإنما اعتمد على شُبه سرعان ما انهارت أمام نقد العلماء، فلا نطيلُ بذكرها والردِّ عليها.

ج - الترجمة التفسيرية: وهي ترجمة تفسير من التفاسير التي ألّفها العلماء باللغة العربية إلى لغة أُخرى.

وهذه الترجمة عارضها بعض العلماء، وأجازها آخرون، وكأنّ الذين عارضوها لم يروا فرقا واضحا بين هذا النوع والذي قبلَه - أي: بين الترجمة المعنوية والترجمة التفسيرية -، أو رأوا أنها غطاء يريد بعض من يقول بها الوصول إلى الترجمة المعنوية.

وعلى رأس المجيزين لهذا النوع من الترجمة مشيخة الأزهر، ثم فتوى صدرت عن دار الإفتاء بالرياض مضمونُها جواز هذا النوع من الترجمة بشرط أن يُفهم المعنى فهما صحيحا، وأن يعبّر عنه من عالمٍ بما يُحيل المعاني باللغات الأخرى تعبيرًا دقيقا، يفيد المعنى المقصود من نصوص القرآن، ونقلوا عن شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ما يُفيد جواز هذا النوع.

وقد وضعت اللجنة المنبثقة عن فتوى علماء الأزهر قواعد خاصة بالطريقة التي تتبعها في تفسيرها معاني القرآن الكريم - الذي سيترجم - نوردُها فيما يلي:

1 -

تبحث أسباب النزول والتفسير بالمأثور، فتفحص مروياتها وتنقد ويدوّن الصحيحُ منها بالتفسير، مع بيان وجه قوة القوي، وضعف الضعيف من ذلك.

2 -

تبحث مفردات القرآن الكريم بحثا لغويا، وخصائص التراكيب القرآنية بحثا بلاغيا وتدوّن.

ص: 357

3 -

تبحث آراء المفسرين بالرأي والتفسير بالمأثور، ويختار ما تفسر الآية به، مع بيان وجه ردّ المردود وقبول المقبول.

4 -

وبعد ذلك كله يصاغ التفسير - مستوفيا ما نُص على استيفائه في الفقرة الثانية من القواعد السابقة - وتكون هذه الصياغة بأسلوب مناسب لإفهام جمهرة المتعلمين خال من الإغراب والصنعة.

قلت: ولعلّ هذا القول أقرب من قول المانعين - إن شاء الله تعالى - لأن ذلك وسيلة من وسائل أداء واجب البلاغ، لمن لا يعرف اللغة العربية، بشرط الالتزام التام بما جاء في القواعد السابقة، وبغيرها من القواعد التي لا يتسعُ المقام لذكرها.

المبحث العاشر: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في التفسير العلمي للقرآن الكريم

ذكر الإمام الشاطبي رحمه الله أن الشريعة الإسلاميّة أُمية وأنها جارية على مذاهب أهلها، ثم بنى على هذه المسألة أشياء:

"منها: أن كثيرًا من الناس تجاوزوا في الدعوى على القرآن الحدَّ فأضافوا إليه كل علم يُذكر للمتقدمين أو المتأخرين من علوم الطبيعيات، والتعاليم، والمنطق، وعلم الحروف، وجميع ما نظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها؛ وهذا إذا عرضناه على ما تقدم لم يصح.

وإلى هذا فإن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا أعرف بالقرآن وبعلومه وما أودع فيه، ولم يبلغنا أنه تكلم أحد منهم في شيء من هذا المدعى

ولو كان لهم في ذلك خوض ونظر لبلغنا منه ما يدلنا على أصل المسألة، إلَاّ أن ذلك لم يكن؛ فدل على أنه غير موجود عندهم، وذلك دليل على أن القرآن لم يقصد فيه تقرير لشيء مما زعموا، نعم تضمن علوما هي من جنس علوم العرب، أو ما ينبني على معهودها مما يتعجب منه أولو الألباب، ولا تبلغه إدراكات العقول الراجحة دون الاهتداء بأعلامه والاستنارة بنوره، أما أن فيه ما ليس من ذلك فلا.

ص: 358

وربما استدلوا على دعواهم بقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ} (1)، وقوله:{مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} (2) ، ونحو ذلك، وبفواتح السور وهي مما لم يعهد عند العرب، وبما نقل عن الناس فيها، وربما حُكي من ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره أشياء.

فأما الآيات فالمراد بها عند المفسرين ما يتعلق بحال التكليف والتعبد، أو المراد بالكتاب في قوله:{مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} (3) اللوح المحفوظ، ولم يذكروا فيها ما يقتضي تضمنه لجميع العلوم النقلية والعقلية.

وأما فواتح السور، فقد تكلم الناس فيها بما يقتضي أن للعرب بها عهدًا كعدد الجمل الذي تعرَّفوه من أهل الكتاب، حسبما ذكره أصحاب السير، أو هي من المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلَاّ الله تعالى، وغير ذلك، وأما تفسيرها بما لا عهد به فلا يكون، ولم يدعه أحد ممن تقدّم، فلا دليل فيها على ما ادعوا، وما ينقل عن عليّ أو غيره في هذا لا يثبت.

فليس بجائز أن يضاف إلى القرآن ما لا يقتضيه، كما أنه لا يصح أن يُنكر منه ما يقتضيه، ويجب الاقتصار في الاستعانة على فهمه على كل ما يضاف علمه إلى العرب خاصّة فبه يوصل إلى علم ما أودع من الأحكام الشرعية، فمن طلبه بغير ما هو أداة له ضل عن فهمه، وتقول على الله ورسوله فيه

".

التعليق على مبحث: التفسير العلمي للقرآن الكريم

اختلف العلماء في التفسير العلمي للقرآن الكريم، فنقل السيوطي عن ابن أبي الفضل المرسي أنه قال:"جمع القرآن علوم الأولين والآخرين"، ثم عدد أنواعا من العلوم حتى ذكر الخياطة، والحدادة، والنجارة، والغزل، والنسج، والفلاحة، والملاحة، والخبز، والطبخ، والغسل.

(1) سورة النحل، الآية:89.

(2)

سورة الأنعام، الآية:38.

(3)

سورة الأنعام، الآية:38.

ص: 359

وتابعه على هذا الاتجاه بعض المعاصرين، وعلى رأسهم الشيخ طنطاوي جوهري في كتابه "الجواهر الحسان"الذي هو أشبه بكتاب علوم مدرسي، فيه صور الحيوانات والنباتات وغير ذلك مما زعم أن القرآن دل عليه وطالبنا بالبحث فيه.

وذهب أبو إسحاق الشاطبي إلى خلاف هذه الفكرة، كما رأيت في كلامه، وذهب إلى فكرته طائفة من العلماء المعاصرين.

ولكل من الفريقين أدلّة، أشار أبو إسحاق الشاطبي إلى بعضها، وأتى على أكثرها الأستاذ الدكتور فهد بن عبد الرحمن الرومي.

وهناك رأي يقول: بقبول التفسير العلمي للقرآن الكريم بالشروط التالية:

1 -

ألَاّ تطغى تلك المباحث عن المقصود الأول من القرآن الكريم، وهو الهداية والإعجاز.

2 -

أن تذكر تلك الأبحاث على وجه يدفع المسلمين إلى النهضة، ويلفتهم إلى جلال القرآن الكريم، ويحركهم إلى الانتفاع بقوى هذا الكون العظيم - الذي سخره الله لنا - انتفاعا يعيد لأمة الإسلام مجدَها.

3 -

أن تذكر تلك العلوم لأجل تعميق الشعور الديني لدى المسلم، والدفاع عن العقيدة ضد أعدائها.

4 -

أن لا تذكر هذه الأبحاث على أنها هي التفسير الذي لا يدل النص القرآني على سواه، بل تذكر لتوسيع المدلول، وللاستشهاد بها على وجه لا يؤثر بطلانها فيما بعد على قداسة النص القرآني، ذلك أن تفسير النص القرآني بنظرية قابلة للتغيير والإبطال يثير الشكوك حول الحقائق القرآنية في أذهان الناس، كلما تعرضت نظرية للرد أو البطلان.

وهذا الرأي الأخير هو وسط بين القولين، ويؤيده أن في القرآن الكريم إشارات علمية سيقت مساق الهداية، فالتلقيح في النبات ذاتي وخلطي، والذاتي ما اشتملت زهرته على عضوي التذكير والتأنيث. والخلطي: هو ما كان عضو التذكير فيه منفصلاً عن عضو التأنيث كالنخيل، فيكون التلقيح بالنقل، ومن وسائل ذلك الرياح، وجاء في هذا قول الله تعالى:{وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} (1) ".

(1) سورة الحجر، الآية:22.

ص: 360

و"الأوكسجين"ضروري لتنفس الإنسان، ويقل في طبقات الجو العليا، فكلما ارتفع الإنسان في أجواء السماء أحس بضيق الصدر وصعوبة التنفس، والله تعالى يقول:{فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} ".

المبحث الحادي عشر:

مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في أسباب الاختلاف غير المؤثرة في تفسير القرآن الكريم

ذكر الإمام أبو إسحاق الشاطبي أن من الخلاف خلافا لا يعتد به، وهو الخلاف الذي وقع مخالفا لمقطوع به في الشريعة.

ثم قال: "والثاني ما كان ظاهره الخلاف وليس في الحقيقة كذلك، وأكثر ما يقع ذلك في تفسير الكتاب والسنة، فتجد المفسرين ينقلون عن السلف في معاني ألفاظ الكتاب أقوالاً مختلفة في الظاهر، فإذا اعتبرتها وجدتها تتلاقى على العبارة كالمعنى الواحد، والأقوال إذا أمكن اجتماعها والقول بجميعها من غير إخلال بمقصد القائل فلا يصح نقل الخلاف فيها عنه

وهذا الموضع مما يجب تحقيقه فإن نقل الخلاف في مسألة لا خلاف فيها في الحقيقة خطأ، كما أن نقل الوفاق في موضع الخلاف لا يصح".

بعد هذه المقدمة الممتعة عدد لنا أبو إسحاق أسباب الاختلاف غير المؤثرة - نورد منها في هذا المبحث ما نرى أنه يخصّ التفسير - فقال:

ص: 361

"أحدها: أن يُذكر في التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء، أو عن أحد من أصحابه أو غيرهم، ويكون ذلك المنقول بعض ما يشمله اللفظ، ثم يذكر غير ذلك القائل أشياء أخر مما يشمله اللفظ أيضا، فينصهما المفسرون على نصهما، فيظن أنه خلاف، كما نقلوا في " المن" أنه خبز رقاق، وقيل: زنجبيل، وقيل: الترنجبين، وقيل: شراب مزجوه بالماء، فهذا كله يشمله اللفظ؛ لأن الله مَنَّ به عليهم؛ ولذلك جاء في الحديث: "الكمأة من المنِّ الذي أنزل الله على بني إسرائيل". فيكون المن جملة نعم، ذكر الناس منها آحادًا.

والثاني: أن يذكر في النقل أشياء تتفق في المعنى بحيث ترجع إلى معنى واحد، فيكون التفسير فيها على قول واحد، ويوهم نقلها على اختلاف اللفظ أنه خلاف محقق، كما قالوا في " السلوى" إنه طير يشبه السماني، وقيل: طير أحمر صفته كذا، وقيل: طير بالهند أكبر من العصفور، وكذلك قالوا في " المن": شيء يسقط على الشجر فيؤكل، وقيل: صمغة حلوة، وقيل: الترنجبين، وقيل: مثل رب غليظ، وقيل: عسل جامد، فمثل هذا يصحّ حمله على الموافقة وهو الظاهر فيها.

والثالث: أن يذكر أحد الأقوال على تفسير اللغة، ويذكر الآخر على التفسير المعنوي، وفرق بين تقرير الإعراب، وتفسير المعنى، وهما معا يرجعان إلى حكم واحد؛ لأن النظر اللغوي راجع إلى تقرير أصل الوضع، والآخر راجع إلى تقرير المعنى في الاستعمال، كما قالوا في قوله تعالى:{وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ} (1) أي للمسافرين، وقيل: النازلين بالأرض القَوَاءَ وهي القفر.

وكذلك قوله: {تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَة} (2) أي داهية تفجؤهم، وقيل: سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشباه ذلك.

(1) سورة الواقعة، الآية:73.

(2)

سورة الرعد، الآية:31.

ص: 362

والرابع: يختص بالآحاد في خاصة أنفسهم، كاختلاف الأقوال بالنسبة إلى الإمام الواحد، بناء على تغيير الاجتهاد والرجوع عما أفتى به إلى خلافه، فمثل هذا لا يصح أن يعتد به خلافا في المسألة؛ لأن رجوع الإمام عن القول الأوّل إلى القول الثاني اطّراح منه للأول ونسخ له بالثاني، وفي هذا من بعض المتأخرين تنازع، والحق فيه ما ذكر أولاً....

والخامس: أن يقع تفسير الآية أو الحديث من المفسر الواحد على أوجه من الاحتمالات، ويبني على كل احتمال ما يليق به من غير أن يذكر خلافا في الترجيح، بل على توسيع المعاني خاصة، فهذا ليس بمستقر خلافا؛ إذ الخلاف مبني على التزام كل قائل احتمالاً يعضده بدليل يرجحه على غيره من الاحتمالات حتى يبنى عليه دون غيره، وليس الكلام في مثل هذا.

والسادس: أن يقع الخلاف في تنزيل المعنى الواحد فيحمله قوم على المجاز مثلاً، وقوم على الحقيقة، والمطلوب أمر واحد، كما يقع لأرباب التفسير كثيرًا في نحو قوله:{يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيّ} (1) ، فمنهم من يحمل الحياة والموت على حقائقهما، ومنهم من يحملهما على المجاز، ولا فرق في تحصيل المعنى بينهما

ومثل ذلك قوله: {فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ} (2) فقيل: كالنهار بيضاء لا شيء فيها، وقيل: كالليل سوداء لا شيء فيها، فالمقصود شيء واحد، وإن شبه بالمتضادين اللذين لا يتلاقيان.

التعليق على مبحث: أسباب الاختلاف غير

المؤثرة في التفسير

هذا المبحث مهم جدًّا؛ لأن كتب التفسير قد ملئت بتعديد الأقوال التي تُذكر على سبيل الاختلاف، أو تذكر على أنها مما جاء عن العلماء، وعند النظر فيها والتحقيق على ضوء ما ذكره الإمام أبو إسحاق الشاطبي وغيره نجد كثيرًا منها مؤتلف، غير مختلف.

وممن نبه على هذه المسألة شيخ الإسلام أحمد بن عبد السلام بن تيمية رحمه الله تعالى.

(1) سورة الروم، الآية:19.

(2)

سورة القلم، الآية:20.

ص: 363

وكم هو جدير بالمتأخرين المعاصرين من علماء التفسير أن يولوا هذه المسألة اهتماما بالكتابة في ذلك وتوجيه الباحثين إليها، فهم بذلك يقربون تراث المتقدمين إلى المتأخرين، ويحببونهم فيه، وينقونه مما شابه من الشوائب الكثيرة.

وأما أسباب الاختلاف الحقيقية فلم يذكرها أبو إسحاق الشاطبي هنا؛ لأنها معروفة، طرقها الباحثون ضمن مؤلفاتهم، وأفردها بعضهم بالتأليف.

المبحث الثاني عشر: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي

في وجود المعرَّب في القرآن الكريم

أشار أبو إسحاق إلى هذه المسألة إشارة تبعية تحت عنوان وضعه بقوله: "النوع الثاني في بيان قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام ويتضمن مسائل".

فقال: "وأما كونه جاءت فيه ألفاظ من ألفاظ العجم، أو لم يجيء فيه شيء من ذلك فلا يحتاج إليه إذا كانت العرب قد تكلمت به، وجرى في خطابها، وفهمت معناه، فإن العرب إذا تكلمت به صار من كلامها، ألا ترى أنها لا تدعه على لفظه الذي كان عليه عند العجم، إلا إذا كانت حروفه في المخارج والصفات كحروف العرب، وهذا يقل وجوده، وعند ذلك يكون منسوبا إلى العرب، فأما إذا لم تكن حروفه كحروف العرب، أو كان بعضها كذلك دون بعض، فلا بد لها من أن تردها إلى حروفها، ولا تقبلها على مطابقة حروف العجم أصلاً، ومن أوزان الكلم ما تتركه على حاله في كلام العجم، ومنها ما تتصرف فيه بالتغيير كما تتصرف في كلامها، وإذا فعلت ذلك صارت تلك الكلم مضمومة إلى كلامها كالألفاظ المرتجلة والأوزان المبتدأة لها، هذا معلوم عند أهل العربية لا نزاع فيه ولا إشكال.

ومع ذلك فالخلاف الذي يذكره المتأخرون في خصوص المسألة لا ينبني عليه حكم شرعي، ولا يستفاد منه مسألة فقهية، وإنما يمكن فيها أن توضع مسألة كلامية يبنى عليها اعتقاد، وقد كفى الله مؤنة البحث فيها بما استقر عليه كلام أهل العربية في الأسماء الأعجميّة".

التعليق على مبحث: وجود المعرَّب في القرآن الكريم

ص: 364

يُفهم من كلام أبي إسحاق في هذه المسألة أنه لا يستبعد وجود بعض الكلمات في القرآن أصلها ليس عربيا، إلَاّ أنه يرى أن العرب بعد أن تكلمت بها، وغيَّرت فيها حتى تتناسب مع العربية أصبحت في هذه الحالة عربية وبها نزل القرآن الكريم.

وهذا الذي ذهب إليه أبو إسحاق هو مذهب من أراد الجمع بين قولين، أحدهما: ينفي وجود المعرَّب في القرآن الكريم، والآخر: يثبت وجود المعرَّب.

وإن أردت الإحاطة بهذه المسألة من جميع جوانبها فانظر فيها آراء الأئمة: الشافعي، وابن جرير الطبري، وأبي عبيدة، وابن فارس، وابن عطية، والجواليقي، والسيوطي، وغيرهم.

ص: 365

تابع مع الإمام أبي اسحاق الشاطبي في مباحث من علوم القرآن الكريم وتفسيره

الفصل الثالث

مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في مباحث من تفسير القرآن الكريم (وفيه عشرة مباحث)

في الفصل الثاني صحبنا الإمام أبا إسحاق الشاطبي في مباحث من علوم القرآن الكريم، وفي هذا الفصل سنصحبه - بإذن الله تعالى - في أهم المباحث التفسيريّة، التي يعتمد عليها في تفسير القرآن الكريم، ضاربين على هذا أمثلة مما قاله في ثنايا مؤلّفاته، فإلى هذه المباحث نتركك، غير شاكين في إفادتك منها بإذن الله تعالى.

المبحث الأول: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في تفسير القرآن بالقرآن

قرر أبو إسحاق الشاطبي أن القرآن يتوقف فهمُ بعضه على بعض، فقال:" يتوقف - يعني القرآن الكريم - فهم بعضه على بعض بوجه ما، وذلك أنه يبين بعضه بعضا، حتى إن كثيرًا منه لا يُفهم معناه حقّ الفهم إِلَاّ بتفسير موضع آخر، أو سورة أُخرى".

وإليك بعض الأمثلة مما قال أبو إسحاق في تفسير القرآن بالقرآن:

(1)

يرى أبو إسحاق أنّ قوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَه} (1) بيان لقوله: {قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} (2) خلافا لمن قال: إنها نسختها.

(2)

يرى أبو إسحاق أن قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} (3) بيّنه قوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا} (4) خلافا لمن قال: بالنسخ بين الآيتين.

(1) سورة الأنفال، الآية:41.

(2)

سورة الأنفال، الآية:1.

(3)

سورة البقرة، الآية:284.

(4)

سورة البقرة، الآية:286.

ص: 366

(3)

يرى أبو إسحاق أن قوله تعالى: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} (1) بيان لقوله تعالى: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ} (2) ، ويوجه قول من قال بالنسخ بين الآيتين إلى أن مقصوده البيان، إذ أن آية الشورى خبر محض، والأخبار لا نسخ فيها.

(4)

يرى أبو إسحاق أن قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (3) تقييد - والتقييد نوع من البيان - لقوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} (4) ، وهو مراد من قال بالنسخ بين الآيتين.

وفي معرض الرد على الفرق المخالفة لأهل السنة ذكر أبو إسحاق الشاطبي طائفةً من الآيات التي يُفسر بعضها بعضا فقال: "

عُدّت المعتزلة من أهل الزيغ؛ حيث اتبعوا نحو قوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} (5)، وقوله:{فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (6) وتركوا مبينه وهو قوله: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} (7) .

واتبع الخوارج نحو قوله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ} (8)، وتركوا مبينه وهو قوله:{يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} (9)، وقوله:{فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا} (10) .

واتبع الجبرية نحو قوله: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} (11) وتركوا بيانه وهو قوله: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (12) وما أشبهه".

المبحث الثاني: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في تفسير القرآن بالسنة

(1) سورة غافر، الآية:7.

(2)

سورة الشورى، الآية:5.

(3)

سورة التغابن، الآية:16.

(4)

سورة آل عمران، الآية:102.

(5)

سورة فصلت، الآية:40.

(6)

سورة الكهف، الآية:29.

(7)

سورة التكوير، الآية:29.

(8)

سورة يوسف، الآية:40.

(9)

سورة المائدة، الآية:95.

(10)

سورة النساء، الآية:35.

(11)

سورة الصافات، الآية:96.

(12)

سورة التوبة، الآية: 82، 95.

ص: 367

يعرف أبو إسحاق ما لهذا النوع من تفسير القرآن الكريم من أهمية، ولهذا حرص أن يشرح به الآيات التي احتاج إلى تفسيرها في مؤلفاته، وقد احتوت مؤلفاته على الشيء الكثير من هذا، خصوصا في كتابه الموافقات، ولكن بما أن الفصل الثاني كان الاعتماد فيه على كتاب الموافقات، فسوف نحرص في هذا الفصل أن يكون أكثر الاعتماد فيه على غيره من كتب أبي إسحاق الشاطبي؛ ليتبين للقارئ أن كتب هذا الإمام مشحونة بالتفسير وعلوم القرآن.

(1)

قال رحمه الله عند قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ

} (1) الآية -: "وصح عنها (يعني عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ

} إلى آخر الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم (2) ".

ثم أطال رحمه الله بذكر الروايات التي جاءت عن الرسول صلى الله عليه وسلم في بيان معنى الآية.

(1) سورة آل عمران، الآية:7.

(2)

أخرجه الإمام البخاري في صحيحه - مع الفتح - (8/209) ، كتاب تفسير القرآن، باب (منه آيات محكمات) ح (4547) وفيه:" تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية"بدل " سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية".

ص: 368

(2)

وقال - رحمه الله تعالى، عند قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} (1) -: "وفي الترمذي عن ابن عباس قال: "إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي فحرمت عليَّ اللحم فأنزل الله الآية" (2) .

وقد أطال رحمه الله تعالى بذكر الروايات الأُخر التي قيل: إنها سبب نزول الآية.

(3)

وقال رحمه الله تعالى - عند قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} (3) -: "فخرَّج الترمذي عن عَدي بن حاتم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عُنُقي صليب من ذهب فقال: "يا عَدي اطرح عنك هذا الوثن"، وسمعته يقرأ في سورة براءة: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} (4) قال: "أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكن إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرَّموه" (5) حديث غريب".

المبحث الثالث: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في تفسير القرآن بأقوال الصحابة رضي الله عنهم

(1) سورة المائدة، الآية:87.

(2)

الاعتصام (1/418) .

(3)

سورة التوبة، الآية:31.

(4)

سورة التوبة، الآية:31.

(5)

أخرجه الترمدي في سننه (5/278) ، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة التوبة، ح (3095) وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث.

وأخرجه الطبري في تفسيره (14/209) ، والبيهقي في السنن الكبرى (10/116)، وقال سليم الهلالي: هو حسن لغيره. انظر الاعتصام (2/871) حاشيته.

ص: 369

اهتم أبو إسحاق الشاطبي بنقل تفسير الصحابة في الآيات التي احتاج إلى تفسيرها في مؤلفاته، وما ذلك إلَاّ دراية منه بأهمية ذلك، فالصحابة هم الذين حضروا التن-زيل، وتلقوا علومهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم العرب الذين يحتج بكلامهم في فهم معاني القرآن الكريم.

وإليك بعض الأمثلة مما نقله أبو إسحاق رحمه الله تعالى:

(1)

قال رحمه الله عند قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} (1) -: "وفي رواية يا أبا عبد الرحمن ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جوادٌّ، وعن يساره جوادٌّ، وعليها رجال يدعون من مر بهم: هلم لك، هلم لك، فمن أخذ منهم في تلك الطرق انتهت به إلى النار، ومن استقام إلى الطريق الأعظم انتهى به إلى الجنة، ثم تلا ابن مسعود: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ

} (2) الآية كلها".

(2)

وقال أبو إسحاق - رحمه الله تعالى -: "وخرَّج هو وغيره عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه في قول الله: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} (3) قال: "ما قدمت من عمل خير أو شر، وما أخرت من سنة يَعمل بها من بعده"".

(3)

وقال أبو إسحاق - نقلاً عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال -: "كنت لا أدري ما {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض} (4) حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي ابتدأتها".

(4)

"وفيما يروى عن عمر رضي الله عنه أنه سأل وهو على المنبر عن معنى قوله تعالى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} (5) فأخبره رجل من هذيل أن التخوف عندهم هو التنقص".

(1) سورة الأنعام، الآية:153.

(2)

سورة الأنعام، الآية:153.

(3)

سورة الانفطار، الآية:5.

(4)

سورة يوسف، الآية:101.

(5)

سورة النحل، الآية:47.

ص: 370

المبحث الرابع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في تفسير القرآن بأقوال التابعين وأتباعهم

اعتنى أبو إسحاق الشاطبي - رحمه الله تعالى - بنقل أقوال التابعين وأتباعهم في الآيات التي فسرها في كتبه، وما ذلك إلَاّ معرفة منه بأهميّة أقوالهم؛ لأنهم - التابعين رحمهم الله أخذوا غالب علمهم عن الصحابة، فحري بهم إصابة الحق في تفسير كلام الله تعالى.

وهاك بعض الأمثلة نسوقها تقريرًا لهذا المبحث:

(1)

قال أبو إسحاق: "وعن مجاهد: {قَصْدُ السَّبِيلِ} (1) أي: المقتصد منها بين الغلو والتقصير"، وذلك يفيد أن الجائر هو الغالي أو المقصر، وكلاهما من أوصاف البدع".

(2)

وقال أيضا: "وعن عكرمة: {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} (2) يعني في الأهواء {إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّك} (3) هم أهل السنة".

3 -

وقال أيضا: "وعنه أيضا في قول الله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} (4) قال: "كتب الله صيام رمضان على أهل الإسلام كما كتبه على من كان قبلهم، فأما اليهود فرفضوه، وأما النصارى فشق عليهم الصوم فزادوا فيه عشرًا، وأخروه إلى أخف ما يكون عليهم فيه الصوم من الأزمنة"".

(4)

وقال رحمه الله تعالى: "وخرج ابن وهب عن زيد بن أسلم في قوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} (5) فهذا يوم أخذ ميثاقهم، لم يكونوا أمة واحدة غير ذلك اليوم".

(5)

وقال أيضا: "وخرج ابن وهب عن عمر بن عبد العزيز أنه قال

في قوله: {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} (6) خلق أهل الرحمة ألَاّ يختلفوا".

(1) سورة النحل، الآية:9.

(2)

سورة هود، الآية:118.

(3)

سورة هود، الآية:119.

(4)

سورة البقرة، الآية:183.

(5)

سورة البقرة، الآية:213.

(6)

سورة هود، الآية:119.

ص: 371

6 -

وذكر الإمام أبو إسحاق عن الإمام مالك أنه قال في قوله تعالى: " {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} (1) إلى آخر الآيات

قال: فهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين هاجروا معه، وأنصاره {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ} (2) فمن عدا هؤلاء فلا حق لهم فيه".

المبحث الخامس: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في شيء من تعقيباته وآرائه في التفسير

(1)

قال الإمام أبو إسحاق الشاطبي - في قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} (3) -: "فالمغضوب عليهم هم اليهود؛ لأنهم كفروا بعد معرفتهم نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، ألا ترى إلى قول الله فيهم:{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} (4) يعني اليهود. والضالون هم النصارى؛ لأنهم ضلوا في الحجة في عيسى عليه السلام، وعلى هذا التفسير أكثر المفسرين، وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم.

(1) سورة الحشر، الآية:8.

(2)

سورة الحشر، الآية:10.

(3)

سورة الفاتحة، الآية:7.

(4)

سورة البقرة، الآية:146.

ص: 372

ويلحق بهم في الضلال المشركون الذين أشركوا مع الله إلها غيره؛ لأنّه قد جاء في أثناء القرآن ما يدل على ذلك؛ ولأنّ لفظ القرآن في قوله: {وَلا الضَّالِّينَ} يعمهم وغيرهم، فكل من ضل عن سواء السبيل داخل فيه. ولا يبعد أن يقال: إن {الضَّالِّينَ} يدخل فيه كل من ضل عن الصراط المستقيم، كان من هذه الأمة أو لا، إذ قد تقدم في الآيات المذكورة قبل هذا مثله، فقوله تعالى:{وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} (1) عام في كل ضال كان ضلاله كضلال الشرك أو النفاق، أو كضلال الفرق المعدودة في الملة الإسلامية، وهو أبلغ وأعلى في قصد حصر أهل الضلال، وهو اللائق بكليّة فاتحة الكتاب والسبع المثاني والقرآن العظيم، الذي أُوتيه محمد صلى الله عليه وسلم".

(2)

وقال - رحمه الله تعالى، في قوله تعالى:{لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (2) الآية -: "فوصفهم الله تعالى بأوصاف، منها: أنهم أحصروا في سبيل الله، أي: منعوا وحبسوا حين قصدوا الجهاد مع نبيه صلى الله عليه وسلم، كأن العذر أحصرهم، فلا يستطيعون ضربا في الأرض؛ لاتخاذ المسكن، ولا للمعاش؛ لأن العدو قد كان أحاط بالمدينة، فلا هم يقدرون على الجهاد حتى يكسبوا من غنائمه، ولا هم يتفرغون للتجارة أو غيرها لخوفهم من الكفار؛ ولضعفهم في أوّل الأمر، فلم يجدوا سبيلاً للكسب أصلاً.

وقد قيل: إن قوله تعالى: {لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ} (3) أنهم قوم أصابتهم جراحات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصاروا زمنى.

(1) سورة الأنعام، الآية:153.

(2)

سورة البقرة، الآية:273.

(3)

سورة البقرة، الآية:273.

ص: 373

وفيهم أيضا نزل قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ [الْمُهَاجِرِينَ] (1) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} (2) ألا ترى كيف قال: " أُخرجوا" ولم يقل: (خرجوا من ديارهم وأموالهم) ؟! فإنه قد كان يُحتمل أن يخرجوا اختيارًا، فبان أنهم إنما خرجوا اضطرارًا، ولو وجدوا سبيلاً أن لا يخرجوا لفعلوا، ففيه ما يدل على أن الخروج من المال اختيارًا ليس بمقصود للشارع، وهو الذي تدل عليه أدلة الشريعة".

(3)

وقال أبو إسحاق أيضا - بعد أن أورد قوله تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} (3)، وبعض الآثار في معناها -: "ويحتمل أن يكون الاستثناء في قوله تعالى: {إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} (4) متصلاً، ومنفصلاً. فإذا بنينا على الاتصال، فكأنه يقول: ما كتبناها عليهم إلَاّ على هذا الوجه الذي هو العمل بها ابتغاء رضوان الله، فالمعنى أنها مما كتبت عليهم - أي مما شرعت لهم - لكن بشرط قصد الرضوان.

{فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} (5) يريد أنهم تركوا رعايتها حين لم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قول طائفة من المفسرين؛ لأن قصد الرضوان إذا كان شرطا في العمل بما شُرع لهم، فمن حقهم أن يتبعوا ذلك القصد، فإلى أين سار بهم ساروا، وإنما شرع لهم على شرط أنه إذا نسخ بغيره، رجعوا إلى ما أُحكم، وتركوا ما نُسخ، وهو معنى ابتغاء الرضوان على الحقيقة، فإذا لم يفعلوا وأصروا على الأول، كان ذلك اتباعا للهوى، لا اتباعا للمشروع، واتباع المشروع هو الذي يحصل به الرضوان، وقصد الرضوان بذلك.

(1) ما بين المعكوفين سقط من النسخة المطبوعة التي بين يدي. وسقوطه سهو.

(2)

سورة الحشر، الآية:8. ولم أقف على من يقول: إن هذه الآية نزلت فيهم، إلَاّ عند أبي إسحاق.

(3)

سورة الحديد، الآية:27.

(4)

سورة الحديد، الآية:27.

(5)

سورة الحديد، الآية:27.

ص: 374

قال تعالى: {فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} (1) فالذين آمنوا هم الذين اتبعوا الرهبانية ابتغاء رضوان الله، والفاسقون هم الخارجون عن الدخول فيها بشرطها، إذ لم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم.

إلا أن هذا التقرير يقتضي أن المشروع لهم يُسمى ابتداعا، وهو خلاف ما دل عليه حدّ البدعة.

والجواب أنه يُسمى بدعة من حيث أخلُّوا بشرط المشروع، إذ شرط عليهم فلم يقوموا به، وإذا كانت العبادة مشروطة بشرط، فيعمل بها دون شرطها، لم تكن عبادة على وجهها، وصارت بدعة، كالمخل قصدًا بشرط من شروط الصلاة، مثل استقبال القبلة، أو الطهارة، أو غيرها، فحيث عرف بذلك وعلمه، فلم يلتزمه، ودأب على الصلاة دون شرطها، فذلك العمل من قبيل البدع، فيكون ترهب النصارى صحيحا قبل بعث محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بُعِث وجب الرجوع عن ذلك كله إلى ملته، فالبقاء عليه مع نسخه بقاءٌ على ما هو باطل بالشرع، وهو عين البدعة.

وإذا بنينا على أن الاستثناء منقطع، وهو قول فريق من المفسرين، فالمعنى: ما كتبناها عليهم أصلاً، ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله، فلم يعملوا بها بشرطها، وهو الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم إذ بعث إلى الناس كافة.

وإنما سميت بدعة على هذا الوجه لأمرين:

أحدهما: يرجع إلى أنها بدعة حقيقية - كما تقدم - لأنها داخلة تحت حد البدعة.

والثاني: يرجع إلى أنها بدعة إضافية؛ لأنّ ظاهر القرآن دل على أنها لم تكن مذمومة في حقهم بإطلاق، بل لأنهم أخلوا بشرطها، فمن لم يخل منهم بشرطها، وعمل بها قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم حصل له فيها أجر، حسبما دل عليه قوله:{فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ} (2) أي أن من عمل بها في وقتها، ثم آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد بعثه وفيناه أجره.

(1) سورة الحديد، الآية:27.

(2)

سورة الحديد، الآية:27.

ص: 375

وإنما قلنا: إنها في هذا الوجه إضافية؛ لأنّها لو كانت حقيقيّة لخالفوا بها شرعهم الذي كانوا عليه؛ لأن هذا حقيقة البدعة، فلم يكن لهم بها أجر، بل كانوا يستحقون العقاب؛ لمخالفتهم لأوامر الله ونواهيه، فدل على أنهم ربما فعلوا ما كان جائزًا لهم فعله، وعند ذلك تكون بدعتهم جائزًا لهم فعلها، فلا تكون بدعتهم حقيقية، لكنه ينظر على أي معنى أطلق عليها لفظ البدعة، وسيأتي بعد بحول الله.

وعلى كل تقدير: فهذا القول لا يتعلق بهذه الأمة منه حكم؛ لأنه نُسخ في شريعتنا، فلا رهبانية في الإسلام، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"من رغب عن سنتي فليس مني"(1) .

على أن ابن العربي نقل في الآية أربعة أقوال:

الأول: ما تقدم. والثاني: أن الرهبانية رفض النساء، وهو المنسوخ في شرعنا. والثالث: أنها اتخاذ الصوامع للعزلة. والرابع: السياحة.

قال: وهو مندوب إليه في ديننا عند فساد الزمان.

وظاهره يقتضي أنها بدعة؛ لأن الذين ترهبوا قبل الإسلام إنما فعلوا ذلك فرارًا منهم بدينهم، ثم سميت بدعة، والندب إليها يقتضي أن لا ابتداع فيها، فكيف يجتمعان؟!.

ولكن للمسألة فقه يذكر بحول الله.

(1) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه - مع الفتح - (9/104) ، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، ح (5063) ، ومسلم في صحيحه (2/1020) ، كتاب النكاح، ح (5) .

ص: 376

وقيل: إن معنى قوله تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا} (1) أنهم تركوا الحق، وأكلوا لحوم الخنازير، وشربوا الخمر، ولم يغتسلوا من جنابة، وتركوا الختان {فَمَا رَعَوْهَا} (2) يعني: الطاعة والملة، {حَقَّ رِعَايَتِهَا} (3) فالهاء راجعة إلى غير مذكور وهو الملة، المفهوم معناها من قوله:{وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً} (4) ؛ لأنه يفهم منه أن ثَم ملة متبعة كما دل قوله: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ} (5) على الشمس حتى عاد عليها الضمير في قوله تعالى: {تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} (6) وكان المعنى على هذا القول: ما كتبناها عليهم على هذا الوجه الذي فعلوه، وإنما أمرناهم بالحق، فالبدعة فيه إذًا حقيقية لا إضافية.

وعلى كل تقدير فهذا الوجه هو الذي قال به أكثر العلماء، فلا نظر فيه بالنسبة إلى هذه الأمة".

تبين لنا من هذا المبحث أن الإمام أبا إسحاق له آراء في التفسير، ومناقشات، وأنه ليس مجرد ناقل، يأخذ كل ما قيل مسلما، بل يناقش، ويشرح، ويأتي بالجديد، وما ذكرته أمثلة من كتاب واحد له، هو "الاعتصام"وما ذكره من الآراء والمناقشات في كتابه "الموافقات"أضعاف أضعاف ما جاء به في "الاعتصام".

المبحث السادس: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في نحو القرآن وبلاغته

الإمام أبو إسحاق الشاطبي من أئمة النحو، وقد ألَّف شرحا على ألفية ابن مالك قال عنه أحمد بابا التنبكتي:"شرحه الجليل على الخلاصة في النحو في أسفار أربعة كبار لم يؤلَّف عليها مثله بحثا وتحقيقا فيما أعلم".

(1) سورة الحديد، الآية:27.

(2)

سورة الحديد، الآية:27.

(3)

سورة الحديد، الآية:27.

(4)

سورة الحديد، الآية:27.

(5)

سورة ص، الآية:31.

(6)

سورة ص، الآية:32.

ص: 377

وإمامته في النحو ظاهرة في أثناء مؤلفاته، ولكنني سأقتصر على ذكر بعض الأمثلة - من بعض مؤلفاته - التي تتعلق بنحو القرآن وبلاغته مما نقله عن الأئمة والشيوخ، أو قاله هو:

(1)

قال رحمه الله تعالى: "ذكر لي الفقيه الأستاذ الفاضل أبو عبد الله محمد بن البكا عن بعضهم، وحكاه ابن مالك في شرح التسهيل أنه أعرب " نفسه " من قوله تعالى: {إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} (1) :" نفسه " توكيدًا لـ" من " و" مَنْ " منصوبة على الاستثناء واستحسنه؛ لأن الناس اختلفوا فيه اختلافا كثيرًا.

فقلت له: إن المعنى على الرفع والتفريغ. فقال لي: أتسلم أن في " يرغب " ضميرًا هو فاعله؟. فقلت: نعم، لولا أن المعنى: ما يرغب عن ملة الإسلام إلا من سفه نفسه. فوقف الكلام ها هنا، ثم دلني الأستاذ الكبير أبو سعيد بن لب على ما يؤيد ما ذكرته، وهو قوله تعالى:{وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ} (2) وجهه الزمخشري على التفريغ من جهة المعنى، أي: ما يغفر الذنوب إلا الله

".

(2)

وقال رحمه الله تعالى: "حكى لنا الأستاذ الشهير أبو سعيد بن لب - أبقاه الله - أن الفارسي قال: وجدت في القرآن من وضع الجملة الاسمية موضع الفعلية قوله تعالى: {أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى} (3)، فقوله:{فَهُوَ يَرَى} جملة اسميّة في موضع فعلية.

وقال ابن جني: وجدت أنا موضعا آخر، قوله تعالى:{أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ} (4) . وقال أبو الحسن الأبهري: وجدت أنا موضعا آخر: قوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ} (5) .

(1) سورة البقرة، الآية:130.

(2)

سورة آل عمران، الآية:135.

(3)

سورة النجم، الآية:35.

(4)

سورة الطور، الآية: 41، وسورة القلم، الآية 47.

(5)

سورة الأعراف، الآية:193.

ص: 378

وقال الأستاذ أبو سعيد: وجدت أنا موضعا آخر، قوله تعالى:{أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ} (1) .

قلت: ووجدت أنا موضعا آخر، قوله تعالى:{أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ} (2) على أني وجدت بعد هذا لأبي علي الفارسي في "التذكرة"موضعا آخر، قوله تعالى:{هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ} (3) ".

(3)

وقال الإمام أبو إسحاق الشاطبي - في قوله تعالى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} (4) -: "فحُذف المجرور الثاني لدلالة الأول عليه

".

(4)

وقال أيضا - في باب المفعول المطلق -: "وفي التنزيل: {وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتاً} (5) وهو مصدر عند سيبويه جار على غير الفعل، فكانه نائب عن قوله: (إنباتا) ، ومنه قوله تعالى: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} (6) فـ" تبتيلاً " ليس بمصدر لِتبتَّلَ، وإنما هو مصدر (بَتَّلَ)، وفي قراءة ابن مسعود:{وأُنْزِلَ الملائكةُ تنزيلاً} (7) ومصدر (أُنزل، إنزالاً، وتنزيلاً مصدر نَزَّلَ كقراءة الجماعة

".

(1) سورة الروم، الآية:35.

(2)

سورة الطور، الآية:40.

(3)

سورة الروم، الآية:28.

(4)

سورة مريم، الآية:38.

(5)

سورة نوح، الآية:17.

(6)

سورة المزمل، الآية:8.

(7)

سورة الفرقان، الآية:25. وهي قراءة شاذّة؛ لأن ابن الجزري لم يذكرها عن أحد من العشرة. انظر النشر (2/334)، ونسبها ابن عطية إلى ابن مسعود والأعمش. انظر: المحرر الوجيز (12/20) .

ص: 379

(5)

وقال - في قوله تعالى: {إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} (1) -: "تقديره: فإما تمنون منا وإما تفادون فداءً، إلَاّ أنهم حذفوا الفعل وعوضوا المصدر منه؛ فلا يجتمعان معا

".

(6)

وقال الإمام أبو إسحاق الشاطبي - في قوله تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} (2) -: "التقدير: ولأن هذه أمتكم، وقال تعالى:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} (3) على قراءة الفتح، أي: بأني لكم نذير مبين، ومثله قوله:{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} (4) حمله سيبويه على تقدير اللام. وقال تعالى: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} (5)

".

والحقيقة أن الإمام أبا إسحاق الشاطبي قد أكثر من المباحث النحوية المتعلقة بالقرآن الكريم، ولا أُبالغ إن قلت: إن هذه المباحث لو جُرّدت لبلغت مجلدَين.

المبحث السابع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في ذكر القراءات وتوجيهها

اشتهر أهل المغرب والأندلس بملازمة علمين عظيمين، والتبحر فيهما، هما علم العربية والقراءات.

والإمام أبو إسحاق الشاطبي قد أثَّر فيه هذا الاتجاه، فهو أحد علماء العربية الذين يشار إليهم بالبنان، وكتابه "المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية"شاهد بإمامته في فن العربية.

(1) سورة محمد صلى الله عليه وسلم، الآية:4.

(2)

سورة المؤمنون، الآية:52. وفتح الهمزة من قوله: " وأن هذه " قراءة متواترة. انظر النشر (2/328) .

(3)

سورة هود، الآية:25.

(4)

سورة الجن، الآية:18.

(5)

سورة القمر، الآية:10. ويريد الشاطبي أن يقول: التقدير: لأني مغلوب.

ص: 380

أما القراءات فهو عالم بها متمكن فيها، خصوصا القراءات السبع، فقد ذكر تلميذه المجاري أن الإمام الشاطبي قرأ القراءات السبع على شيخه محمد بن الفخار البيري - الذي كان من أحسن قراء الأندلس تلاوة وأداء - في سبع ختمات.

وقد تعرض أبو إسحاق الشاطبي - في أثناء مؤلفاته - لذكر القراءات السبع وتوجيهها، وهاك بعض الأمثلة في ذلك:

(1)

قال أبو إسحاق الشاطبي - في أثناء الكلام على أن النكرة قد يتخصص بالإضافة -: "وفي القرآن الكريم

{وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً} (1) على قراءة غير نافع وابن عامر، هو جمع قبيل، أي: قبيلاً قبيلاً، وصِنْفا صِنْفا، وإنما ساغ هنا الحال من النكرة المُخصَّصة كما ساغ الابتداء بالنكرة إذا خُصِّصت؛ لأنها بذلك تقرب من المعرفة، فعوملت معاملة المعرفة في صحة نصب الحال عنها".

(2)

وقال - أيضا -: "

إلا أنه قد حكى في التسهيل أن الواو قد تدخل على المضارع المنفي بـ (لا)،واستشهد عليه بقوله تعالى:{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} (2) في قراءة غير نافع، فقوله:" ولا تُسْأل ُ "جملة حالية دخلت عليها الواو.

وهذا الشاهد لا شاهد فيه؛ لعطفه على " بشيرًا " و" نذيرًا " فالواو عاطفة، وإنما الشاهد في قراءة ابن ذكوان:" ولا تتبعَانِ "(3) بتخفيف النون، فالنون فيه نون الرفع، وهو خبر لا نهي، والجملة في موضع الحال، أي: فاستقيما غير متبعين

".

(3)

وقال - في قوله تعالى: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (4) -: "على قراءة من قرأ بذلك أي: اقتدِ اقتداء

فتضمر المصدر ثم تبنيه لما لم يُسمَّ فاعله،

(1) سورة الأنعام، الآية:111.

(2)

سورة البقرة، الآية:119. ولم أر الآية - في النسخة التي اطلعت عليها من التسهيل - في الموضع المشار إليه.

(3)

سورة يونس، الآية:89.

(4)

سورة الأنعام، الآية:90.

ص: 381

مضمرًا فيه اسم المفعول كما أضمرته في بناء الفاعل ".

(4)

وقال في قوله تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا} (1) -: "فنصب " السماء " باعتبار " يسجدان " ولو اعتبر أوَّل الجملة لجاء: (والسماءُ رفعها)

وفي القرآن أيضا: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} (2) قرأ الحرميان وأبو عمرو بالرفع في " القمر " وباقي السبعة بالنصب، فالرفع على اعتبار " والشمسُ تجري " والنصب على اعبتار " تجري ".

المبحث الثامن: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في تفسير آيات العقيدة

العقيدة السليمة المستقيمة على منهاج الكتاب والسنة وسلف الأمة هي أهم شرط ينبغي أن يوجد فيمن أراد تفسير كتاب الله تعالى.

والمفسرون المحققون لهذا الشرط هم كثير في السلف، قليل في الخلف.

والمصنفات التفسيرية التي نهج أصحابها المنهج القويم تختلف في الاهتمام بالناحية العقدية، فمنها المكثر، ومنها المقل، مع عدم خلوها - جمعا وإفرادًا - من هذا المقصد الأعظم عند تفسير كتاب الله تعالى.

والإمام أبو إسحاق الشاطبي قد اهتم بالناحية العقدية من خلال الآيات التي رأيته فسرها، فهو يبين - رحمه الله تعالى - مقصود الآية على المنهج الصحيح، ويرد على من خالف ذلك من الفرق الضالة، ويستدل بالأحاديث والآثار وأقوال السلف كثيرًا في هذه الناحية.

وتلمح اهتمامه بهذا الموضوع من خلال أكثر مؤلفاته؛ إلا أن كتابه العظيم "الاعتصام"قد تميز في هذه الناحية.

وإليك بعض الأمثلة على هذا المبحث:

(1) سورة الرحمن، الآية:7.

(2)

سورة يس، الآية: 38، 39.

ص: 382

قال أبو إسحاق الشاطبي - رحمه الله تعالى -: "ومثله ما خرجه مسلم عن سفيان، قال: "سمعت رجلاً يسأل جابر بن يزيد الجعفي عن قوله: {فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} (1) فقال جابر: لم يجيء تأويل هذه الآية. قال سفيان: وكذب. قال الحميدي: فقلنا لسفيان: ما أراد بهذا؟. فقال: إن الرافضة تقول: إن عليا في السحاب، فلا يخرج - يعني مع من خرج من ولده - حتى ينادي منادٍ من السماء - يريد عليا أنه ينادي -: اخرجوا مع فلان. يقول جابر: فذا تأويل هذه الآية، وكذب كانت في إخوة يوسف".

فهذه الآية أمرها واضح، ومعناها ظاهر يدل عليه ما قبل الآية وما بعدها، كما دل الخاص على معنى العام، ودل المقيد على معنى المطلق، فلما قطع جابر الآية عما قبلها وما بعدها

صار الموضع بالنسبة إليه من المتشابه، فكان من حقه التوقف، لكنه اتبع فيه هواه، فزاغ عن معنى الآية".

(2)

وقال - في قوله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ} (2) -: "وتأملوا هذه الآية، فإنها صريحة في أن من لم يتبع هدى الله في هوى نفسه لا أحد أضل منه، وهذا شأن المبتدع؛ فإنه اتبع هواه بغير هدى من الله، وهدى الله هو القرآن

".

(3)

وقال - رحمه الله تعالى -: "وعن ابن عباس في قوله: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ} (3) قال: تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل البدعة".

(1) سورة يوسف، الآية:80.

(2)

سورة القصص، الآية:50.

(3)

سورة آل عمران، الآية:106. ولو أكمل نص الآية لكان أوضح وأحسن.

ص: 383

(4)

وقال رحمه الله تعالى - في معرض الرد على المبتدعة -: "ألا ترى إلى قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} (1) فأثبت لهم الزيغ أولاً - وهو الميل عن الصواب - ثم اتباع المتشابه، وهو خلاف المحكم الواضح المعنى، الذي هو أمّ الكتاب ومعظمه، ومتشابهه على هذا قليل، فتركوا اتباع المعظم إلى اتباع الأقل المتشابه الذي لا يعطي مفهوما واضحا؛ ابتغاء تأويله، وطلبا لمعناه الذي لا يعلمه إلا الله، أو يعلمه الله والراسخون في العلم، وليس إلَاّ برده إلى المحكم، ولم يفعل المبتدعة ذلك

".

(5)

وقدم أبو إسحاق الشاطبي بعض الأوجه الإعرابية لكونها موافقة لقول أهل السنة في القدر، فقال - نقلاً عن ابن مالك مستدركا به عليه حيث لم يذكره في الألفية -:"ومن مرجحات النصب أن يكون مخلِّصا من إيهام غير الصواب، والرفع بخلاف ذلك، كقوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (2) فَنَصْبُ " كل شيء " رفعٌ لتوهم كون " خلقناه" صفة؛ إذ لو كان صفة لم يفسِّر ناصبا لما قبله.

وإذا لم يكن صفةً كان خبرًا فيلزم عموم خلق الأشياء بقدر خيرًا كانت أو شرًّا. وهذا قول أهل السنة. قال: ولو قُرئ (كلُّ شيء) بالرفع لاحتمل أن يكون " خلقناه " صفة محضة، وأن يكون خبرًا، فكان النصب لرفعه احتمال غير الصواب أولى. فهذه ثلاثة مواضع كان من حقه التنبيه عليها هنا".

والأمثلة على هذا الاتجاه في تفسيره كثيرة جدًّا، أكتفي بما ذكرت، ومن أراد الوقوف عليها فليراجع مؤلفات أبي إسحاق الشاطبي، رحمه الله تعالى، خصوصا الاعتصام، والموافقات.

المبحث التاسع: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في أحكام القرآن الكريم

(1) سورة آل عمران، الآية:7.

(2)

سورة القمر، الآية:49.

ص: 384

لم يُغفل الإمام أبو إسحاق الشاطبي أحكام القرآن في آيات الأحكام التي تعرض إلى تفسيرها، وكيف يغفلها وهو الفقيه الأصولي الذي سارت بفتاواه الركبان؟.

والإمام أبو إسحاق الشاطبي - على عادته - قد جاء بالفوائد، والاستنباطات البديعة، التي قد لا توجد عند كبار المفسرين المعتنين بأحكام القرآن، ولا عند من خصه بمؤلف.

وإلى جانب ما تقدم فقد نقل عن أئمة من المالكية وغيرهم، كتبهم في عداد المفقود، وما وُجد منها لم يطبع حتى الآن، مثل أحكام القرآن للقاضي إسماعيل المالكي البغدادي.

إلاّ أن الإمام أبا إسحاق الشاطبي لم يكن مكثرًا في تفسير أحكام القرآن إذا قورن هذا المبحث بالمباحث الأُخر التي ذكرتها في هذا الفصل.

وقد استفاد في هذا الجانب من الإمام أبي بكر محمد بن عبد الله ابن العربي، فإنه قد رجع إلى كتابه أحكام القرآن.

وإليك بعض الأمثلة على هذا المبحث:

(1)

قال - رحمه الله تعالى -: "

وكاستدلالهم على تقدير أقل مدة الحمل ستة أشهر أخذًا من قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً} (1) مع قوله: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} (2) فالمقصد في الآية الأولى بيان مدة الأمرين جميعا من غير تفصيل، ثم بيَّن في الثانية مدة الفصال قصدًا، وسكت عن بيان مدة الحمل وحدها قصدًا، فلم يذكر له مدّة؛ فلزم من ذلك أن أقلها ستة أشهر".

(1) سورة الأحقاف، الآية:15.

(2)

سورة لقمان، الآية:14.

ص: 385

(2)

وقال - رحمه الله تعالى -: "

قال تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً

} إلى قوله: {وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً} (1)

فُسّرت بأن الله حرم على الرجل أن يرتجع المرأة يقصد بذلك مضارتها، بأن يطلقها، ثم يمهلها حتى تشارف انقضاء العدة ثم يرتجعها، ثم يطلقها حتى تشارف انقضاء العدة، وهكذا لا يرتجعها لغرض له فيها سوى الإضرار بها".

(3)

وقال - أيضا -: "فصل، قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} (2) رُوي في سبب نزول هذه الآية أخبارٌ جملتها تدور على معنى واحد، وهو تحريم ما أحل الله من الطيبات تدينا أو شبه التدين، والله نهى عن ذلك، وجعله اعتداء، والله لا يحب المعتدين، ثم قرر الإباحة تقريرًا زائدًا على ما تقرر بقوله:{وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً} (3) ثم أمرهم بالتقوى؛ وذلك مشعر بأن تحريم ما أحل الله خارج عن درجة التقوى.

(1) سورة البقرة، الآية:231.

(2)

سورة المائدة، الآية: 87، 88.

(3)

سورة المائدة، الآية:88.

ص: 386

فخرَّج إسماعيل القاضي من حديث أبي قلابة، قال: أراد ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفضوا الدنيا، وتركوا النساء، وترهبوا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فغلظ عليهم المقالة، فقال:"إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وحجوا واعتمروا، واستقيموا يستقم بكم" قال: ونزلت فيهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} (1)

".

المبحث العاشر: مع الإمام أبي إسحاق الشاطبي في الإفادة من أصول الفقه في تفسير القرآن الكريم

علم أصول الفقه من العلوم المهمة، ولو لم يكن كذلك لما شُغل به علماء المسلمين تعلما وتعليما وتأليفا، ومجاله في علم الفقه واضح لا غبار عليه.

وأمَّا أهميته في تفسير القرآن الكريم فهي لا تقل عن أهميته في الفقه؛ إذ به يُعرف وجه الاستدلال على الأحكام والاستنباط.

ولأهمية هذا العلم للمفسر عدّه الإمام السيوطي مما يجب على المفسر أن يتقنه قبل أن يبدأ في تفسير كلام الله تعالى.

والإمام أبو إسحاق الشاطبي في هذا الفن - أصول الفقه - نسيج وحده، وإمام عصره، وكتابه "الموافقات"لا نظيرله في هذا الفن. فهو المرجع لتصوير ما يقتضيه الدين من استجلاب المصالح، وتفصيل طرق الملاءمة بين حقيقة الدين الخالدة، وصور الحياة المختلفة المتعاقبة.

وعندما تعرض الإمام أبو إسحاق الشاطبي لتفسير القرآن الكريم أفاد من علم أصول الفقه لإظهار معاني القرآن الكريم، فهو تارة يطبق قواعده فتظهر المعاني وتزول الإشكالات.

وتارة يجعل ما يفهمه من القرآن الكريم مستندًا له في بناء بعض القواعد الأصوليّة وتوضيحها. وإليك بعض الأمثلة في هذا المبحث:

(1) سورةن المائدة، الآية:87.

ص: 387

(1)

قال رحمه الله تعالى - في قوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} (1) -:"وقوله:" في شيء " نكرة في سياق الشرط، فهي صيغة من صيغ العموم، فتنتظم كل تنازع على العموم، فالرد فيها لا يكون إلا أمر واحد، فلا يسع أن يكون أهل الحق فرقا".

(2)

وقال - رحمه الله تعالى - في قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً} (2) : "ومفهوم الشرط أن من لا يتقي الله لا يجعل له مخرجا".

(3)

وقال رحمه الله تعالى: "وقال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} (3) ومفهومه من لم يطع الرسول لم يطع الله".

(4)

وقال رحمه الله تعالى: "

فقول الله تعالى: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (4) لما نزلت أولاً كانت مقررة لحكم أصلي منزل على مناط أصلي من القدرة وإمكان الامتثال - وهو السابق - فلم يتنزل حكم أولي الضرر، ولما اشتبه ذو الضرر ظن أن عموم نفي الاستواء يستوي فيه ذو الضرر وغيره فخاف من ذلك وسأل الرخصة، فنزل {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} (5)

".

(1) سورة النساء، الآية:59.

(2)

سورة الطلاق، الآية:2.

(3)

سورة النساء، الآية:80.

(4)

سورة النساء، الآية:95.

(5)

سورة النساء، الآية:95.

ص: 388

تابع مع الإمام أبي اسحاق الشاطبي في مباحث من علوم القرآن الكريم وتفسيره

الخاتمة

أهم النتائج - التي ظهرت لي من خلال هذا البحث - والتوصيات

1 -

أن الإمام أبا إسحاق الشاطبي عالم بعلوم القرآن وتفسيره، وهو لا يقل في هذا العلم عن معرفته بالفقه وأصوله.

2 -

أن مؤلفات الإمام أبي إسحاق الشاطبي قد حوت دررًا نفيسة، لا غنى لأهل القرآن من الرجوع إليها.

3 -

أن الإمام أبا إسحاق الشاطبي قد دوّن في علوم القرآن مباحث قيمة، بعضها لا يوجد عند الزركشي، ولا عند السيوطي، ولا عند غيرهما ممن اطلعت على مؤلفاته.

4 -

أن كتب الإمام أبي إسحاق الشاطبي لم تُدرس وينتفع بما فيها في مجال علوم القرآن الكريم، فهي لا زالت بكرًا في هذه الناحية، وكذلك في ناحية اللغة العربية.

5 -

ظهر لي أن الإمام أبا إسحاق الشاطبي يستشهد أحيانا بالروايات الضعيفة من الأحاديث والآثار.

6 -

أُوصي بأن ينبري ثلاثة باحثين - من أهل القرآن الكريم وعلومه - إلى العكوف على مؤلفات الإمام أبي إسحاق الشاطبي، ويكون مهمة أحدهم جمع ما سطّره الإمام أبو إسحاق الشاطبي في تفسير القرآن الكريم ومقارنته بأقوال المفسرين والتعليق عليه.

ومهمة الثاني: جمع ما سطّره في أصول التفسير وقواعده والتعليق عليه.

ومهمة الثالث: جمع ما سطّره في إعراب القرآن الكريم وقراءاته والتعليق عليه.

7 -

أُوصي جميع الباحثين في علوم القرآن الكريم وأصول التفسير وقواعده بالرجوع إلى مؤلفات الإمام أبي إسحاق الشاطبي والاستفادة منها وخصوصا كتابه العظيم ((الموافقات)) .

8 -

أشكر الباحثين - من أهل القرآن الكريم وعلومه - الذين رجعوا في أبحاثهم المتعلقة بالقرآن الكريم إلى مؤلفات الإمام أبي إسحاق الشاطبي، وأعتب عليهم أنهم لم يشيدوا بالإمام أبي إسحاق الشاطبي في هذا المجال، حتى ولو في مقالة علمية.

ص: 389

9 -

أحث إخواني الباحثين في كليات اللغة العربية إلى دراسة كتب الإمام أبي إسحاق الشاطبي، وإظهار آرائه النحوية وتعقيباته على الإمام ابن مالك، خصوصا في كتابه الممتاز ((المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية)) .

فهرس المصادر والمراجع

- القرآن الكريم.

- اتجاهات التفسير في العصر الراهن، لعبد المجيد عبد السلام. منشورات مكتبة النهضة الإسلامية، عمان، الأردن، الطبعة الثانية، 1400هـ.

- إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر، للبنا، تعليق: الضبَّاع. دار الندوة الجديدة.

- الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي، تحقيق: محمد شريف سكر، ومصطفى القصاص. دار إحياء العلوم، بيروت، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الأولى، 1407هـ.

- الإحاطة في أخبار غرناطة، للسان الدين بن الخطيب، تحقيق: محمد عبد الله عنان. الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الثانية، 1393هـ.

- أحكام القرآن، لابن العربي، تحقيق: علي محمد البجاوي. دار الفكر.

- اختلاف المفسرين أسبابه وآثاره، لسعود بن عبد الله الفنيسان. مركز الدراسات والإعلام، دار إشبيليا، الطبعة الأولى، 1418هـ.

- إرشاد المبتدي وتذكرة المنتهي في القراءات العشر، للقلانسي، تحقيق: عمر حمدان الكبيسي. المكتبة الفيصليّة، الطبعة الأولى، 1404هـ.

- أزهار الرياض في أخبار عياض، لأحمد بن محمد المقري التلمساني، تحقيق: أحمد أعراب، ومحمد بن تاويت. صندوق إحياء التراث الإسلامي المشترك بين المملكة المغربية والإمارات العربية المتحدة.

- أسباب النزول، للواحدي، تحقيق: عصام بن عبد المحسن. دار الإصلاح، الطبعة الأولى، 1411هـ.

- استدراكات القاضي ابن عطية على الإمام ابن جرير الطبري في تفسير القرآن الكريم، لشايع بن عبده الأسمري. مطبوع على الكمبيوتر، 1417هـ، ومنه نسخة في المكتبة المركزية بالجامعة الإسلامية.

ص: 390

- الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: طه محمد الزيني. الناشر: مكتبة ابن تيمية، القاهرة، 1411هـ.

- الاعتصام، لأبي إسحاق الشاطبي، تحقيق: سليم بن عيد الهلالي. نشر دار ابن عفان، الطبعة الأولى، 1412هـ.

- أعلام الفكر الإسلامي في تاريخ المغرب العربي، لابن عاصم محمد الأندلسي. مكتبة النجاح تونس.

- الأعلام، لخير الدين الزركلي. دار العلم للملايين بيروت، الطبعة السابعة، 1986م.

- أعلام المغرب العربي، لعبد الوهاب بن منصور. المطبعة الملكية بالرباط، 1398هـ.

- الإفادات والإنشادات، لأبي إسحاق الشاطبي، تحقيق أبي الأجفان. مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1403هـ.

- إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، لإسماعيل باشا. طبع بعناية وكالة المعارف الجليلة في مطبعتها البهيّة، 1366هـ.

- بحر العلوم، لأبي الليث السمرقندي، تحقيق: علي محمد وعادل أحمد وزكريا عبد المجيد. دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1413هـ.

- البحر المحيط، لأبي حيان. تصوير دار الفكر بيروت، الطبعة الثانية، 1403هـ.

- بحوث في التفسير ومناهجه، لفهد بن عبد الرحمن الرومي. نشر مكتبة التوبة، 1416هـ.

- بدعُ التفاسير في الماضي والحاضر. مؤسسة الأنوار للنشر والتوزيع، الرياض، 1390هـ.

- البدعة ضوابطها وأثرها السيءُ في الأمّة، لعلي ناصر فقيهي. مطابع الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة.

- برنامج المجاري، لمحمد المجاري الأندلسي، تحقيق: أبي الأجفان. دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1982م.

- البرهان في علوم القرآن، للزركشي، تحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم. دار الفكر، الطبعة الثانية، 1400هـ.

- بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، للسيوطي، تحقيق: محمد أبي الفضل. المكتبة العصرية للطباعة والنشر، بيروت.

- تاريخ التراث العربي، لفؤاد سزكين، ترجمة فهي أبي الفضل. طبع جامعة الإمام محمد ابن سعود الإسلامية.

ص: 391

- التحرير والتنوير، لابن عاشور. لم يذكر معلومات عن الطبع.

- ترجمات معاني القرآن الكريم وتطور فهمه عند الغرب، لعبد الله عباس الندوي. دار الفتح، الطبعة الأولى، 1392هـ.

- ترجمة القرآن وكيف ندعو غير العرب إلى الإسلام، لعبد الوكيل الدروبي. مكتبة دار الإرشاد، حمص.

- ترجمة القرآن وما فيها من المفاسد ومنافاة الإسلام، لمحمد رشي رضا. مطبعة المنار بمصر، الطبعة الأولى 1344هـ.

- تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، لابن مالك، تحقيق: محمد كامل بركات. دار الكاتب العربي بمصر، 1387هـ.

- التسهيل لعلوم التن-زيل، لابن جزي الكلبي، تحقيق: محمد عبد المنعم وإبراهيم عطوة. الناشر: أم القرى للطباعة والنشر، القاهرة.

- تفسير سورة العصر، لعبد العزيز عبد الفتاح قارئ. مكتبة الدار، الطبعة الأولى، 414هـ.

- تفسير القرآن العظيم، لابن كثير. دار الفكر، الطبعة الأولى، 1400هـ.

- تفسير القرآن العظيم مسندًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين، لعبد الرحمن بن أبي حاتم، تحقيق: أسعد محمد الطيب. نشر مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، 1417هـ.

- تفسير القرآن، لعبد الرزاق الصنعاني، تحقيق: مصطفى مسلم. مكتبة الرشد الرياض، الطبعة الأولى، 1410هـ.

- التفسير الكبير، للرازي. دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1411هـ.

- التفسير والمفسرون، لمحمد حسين الذهبي. دار الكتب الحديثة، الطبعة الثانية،139هـ.

- تقريب التهذيب، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: محمد عوَّامة. دار البشائر الإسلامية، ودار الرشد، الطبعة الأولى، 1406هـ.

- تهذيب التهذيب، لابن حجر العسقلاني. تصوير دار الكتاب الإسلامي، لإحياء ونشر التراث الإسلامي

- الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، تحقيق: إبراهيم اطفيش. دار الكتب المصرية.

- جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لابن جرير الطبري، تحقيق: أحمد

ومحمود شاكر. دار المعارف بمصر، الطبعة الثانية.

ص: 392

- حدث الأحداث في الإسلام الإقدام على ترجمة القرآن، لمحمد بن سليمان، مطبعة جريدة مصر الحرة، الطبعة الثانية 1355هـ.

- درة الحجال في أسماء الرجال، للمقري، تحقيق: أبي النور محمد الأحمدي. نشر دار التراث القاهرة، والمكتبة العتيقة بتونس.

- الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، للسمين الحلبي، تحقيق: أحمد محمد الخراط. دار القلم دمشق، الطبعة الأولى، 1414هـ.

- الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للسيوطي. تصوير دار المعرفة.

- الرسالة، للإمام الشافعي، تحقيق: أحمدبن محمد شاكر. دارالكتب العلمية، بيروت.

- روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني، للألوسي. دار الفكر، 1408هـ.

- زاد المسير في علم التفسير، لابن الجوزي، المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة،1404هـ.

- الزهد والرقائق، لعبد الله بن المبارك، تحقيق: أحمد فريد. دار المعراج الدولية للنشر، الطبعة الأولى1415هـ.

- سنن ابن ماجة، لابن ماجه، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي. دار الفكر.

- سنن أبي داود، لأبي داود، تحقيق: محمد محي الدين. دار الفكر.

- سنن الترمذي، للترمذي، تحقيق: إبراهيم عطوة عوض. دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان.

- السنن الكبرى، للبيهقي. دار المعرفة، بيروت.

- سير أعلام النبلاء، للذهبي، تحقيق: جماعة بإشراف شعيب الأرنؤوط. مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1403هـ.

- شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، لمحمد مخلوف. الناشر دار الكتاب العربي بيروت.

- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، لللالكائي، تحقيق: أحمد سعد حمدان، الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الثانية، 1411هـ.

- شرح التسهيل، لابن مالك، تحقيق: عبد الرحمن السيد، ومحمد بدوي المختون. هجر للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1410هـ.

- الصاحبي، لابن فارس، تحقيق: أحمد صقر. مكتبة ومطبعة دار إحياء الكتب العربية، الطبعة الأولى، 1974م.

ص: 393

- صحيح ابن حبان - مع الإحسان - لابن حبان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط. مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة الأولى، 1412هـ.

- صحيح البخاري – مع فتح الباري - للإمام البخاري. الناشر دار المعرفة.

- صحيح سنن ابن ماجة، لناصر الدين الألباني. المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة، 1408هـ.

- صحيح مسلم، للإمام مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي. دار إحياء التراث العربي.

- الصحيح المسند من أسباب النزول، لمقبل بن هادي الوادعي. نشر مكتبة المعارف الرياض، 1400هـ.

- الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، للسخاوي. منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت لبنان.

- طبقات المفسرين للداوودي. دار الكتب العلمية، بيروت.

- العبر في خبر من غبر، للذهبي، تحقيق: محمد السعيد بسيوني. دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1405هـ.

- علل القراءات، لأبي منصور الأزهري، تحقيق: نوال بنت إبراهيم الحلوة، الطبعة الأولى، 1412هـ

- فتاوى الإمام الشاطبي، حققها وقدم لها محمد أبو الأجفان. مطبعة الكواكب، تونس، الطبعة الثانية، 1406هـ.

- فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر. دار المعرفة للطباعة والنشر.

- الفرق بين الفرق، لعبد القاهر البغدادي، تحقيق: محمد محيي الدين. الناشر دار المعرفة بيروت.

- فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات، للكتاني، باعتناء إحسان عباس. دار الغرب الإسلامي، بيروت.

- القرآن العظيم، هدايته وإعجازه في أقوال المفسرين، لمحمد الصادق عرجون.

الناشر مكتبة الكليات الأزهرية، 1386هـ.

- قصد السبيل فيما في اللغة العربية من الدخيل، لمحمد الأمين المحبي، تحقيق: عثمان محمود الصيني، مكتبة التوبة الرياض، الطبعة الأولى، 1415هـ.

- قواعد التفسير جمع-اودراسة، لخالد بن عثمان السبت. دار ابن عفان للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1417هـ.

- القول السديد في حكم ترجمة القرآن المجيد، لمحمد مصطفى الشاطر. مطبعة حجازي بالقاهرة،1355هـ.

ص: 394

- الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، للذهبي، تحقيق: لجنة من العلماء. دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى، 1403هـ.

- الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشّاف - ملحق بآخر الكشّاف - لابن حجر. دار المعرفة.

- كتاب سيبويه، لسيبويه، تحقيق: عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي بالقاهرة.

- الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، للزمخشري.

دار الفكر للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1397هـ.

- كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، لحاجي خليفة. منشورات مكتبة المتنبي ببغداد.

- الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها، لمكي بن أبي طالب، تحقيق: محي الدين رمضان. مؤسسة الرسالة، الطبعة الرابعة، 1407هـ.

- لسان العرب، لابن منظور، تعليق: علي شيري. دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، 1408هـ.

- لغة القرآن الكريم، لعبد الجليل عبد الرحيم. مكتبة الرسالة، الطبعة الأولى، 1401هـ.

- مباحث في علوم القرآن، لمناع القطان. مؤسسة الرسالة، الطبعة الثامنة،1401هـ-.

- المبسوط في القراءات العشر، لأحمد بن الحسين الأصبهاني، تحقيق: سبيع حمزة. مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق.

- مجاز القرآن، لأبي عبيدة، تحقيق: محمد فؤاد سزكين. الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة.

- المجددون في الإسلام من القرن الأول إلى الرابع عشر، لعبد المتعال الصعيدي، نشر: مكتبة الآداب ومطبعتها بالجماميز.

- مجلة البحوث الإسلامية، الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية، العدد (6) 1402هـ.

- المجموع شرح المهذب، للنووي. دار الفكر.

- محاسن التأويل، للقاسمي، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي. مؤسسة التاريخ العربي، الطبعة الأولى، 1415هـ.

- المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية، تحقيق: المجلس العلمي بفاس، 1413هـ.

- مدارك التن-زيل وحقائق التأويل، للنسفي. الناشر: دار الكتاب العربي.

ص: 395

- مدرسة التفسير في الأندلس، لمصطفى إبراهيم المشني. مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1406هـ.

- المحلى لابن حزم، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي. دار الآفاق الجديدة، بيروت.

- مسألة ترجمة القرآن، لمصطفى صبري. المطبعة السلفية ومكتبتها، القاهرة،1351هـ.

- المسند، للإمام أحمد. المكتب الإسلامي، الطبعة الخامسة، 1405هـ.

- المصنف، لعبد الرزاق الصنعاني، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الأولى 1392هـ.

- معالم التن-زيل، للبغوي، تحقيق: خالد عبد الرحمن العك ومروان سوار. دار المعرفة، الطبعة الأولى، 1406هـ.

- معاني القرآن الكريم، لأبي جعفر النحاس، تحقيق: محمد علي الصابوني. نشر معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى.

- معجم البلدان، لياقوت الحموي، تحقيق: ريد عبد العزيز الجندي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1410هـ.

- المعجم الكبير، للطبراني، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي. مطبعة الزهراء الحديثة، الطبعة الثانية.

- معجم المؤلفين، لعمر رضا كحالة. الناشر مكتبة المثنى بيروت، ودار إحياء التراث العربي بيروت.

- المُعرَّب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم، للجواليقي، تحقيق:

أحمد بن محمد شاكر. مطبعة دار الكتب، الطبعة الثانية، 1389هـ.

- المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب، لأحمد ابن يحيى النوشريسي، خرجه جماعة من الفقهاء، بإشراف محمد حجي.

- المغني، لابن قدامة. مكتبة الرياض الحديثة.

- المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية، لأبي إسحاق الشاطبي، تحقيق: عياد الثبيتي، نشر: مكتبة دار التراث، الطبعة الأولى، 1417هـ.

- مقدمة في أصول التفسير، لابن تيمية. دار الصحابة للتراث، الطبعة الأولى،1409هـ.

- مناظرات في أُصول الشريعة الإسلامية بين ابن حزم والباجي، لعبد المجيد تركي، ترجمة عبد الصبور شاهين. دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1406هـ.

ص: 396

- مناهل العرفان في علوم القرآن، لمحمد عبد العظيم الزرقاني. دار إحياء الكتب العربية.

- منهج ابن عطية في تفسير القرآن الكريم. لعبد الوهاب فايد. الهيئة العامّة لشئون المطابع الأميرية، 1393هـ.

- المهذب فيما وقع في القرآن من المعَرَّب، للسيوطي، تحقيق: التهامي الراجي الهاشمي.

مطبعة المحمدية المغرب.

- الموافقات، للشاطبي، تحقيق: مشهور بن حسن. نشر دار ابن عفان، الطبعة الأولى، 1417هـ.

- الموافقات في أصول الشريعة، للشاطبي، تحقيق: عبد الله دراز. دار المعرفة بيروت.

- ميزان الاعتدال في نقد الرجال، للذهبي، تحقيق: علي البجاوي. دار المرفعة، بيروت.

- الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز وما فيه من الفرائض والسنن، للقاسم بن سلَاّم، تحقيق: محمد بن صالح المديفر. مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى، 1411هـ.

- الناسخ والمنسوخ في كتاب الله عز وجل واختلاف العلماء في ذلك، لأبي جعفر النحاس، تحقيق: سليمان بن إبراهيم اللاحم. مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى،1412هـ.

- النشر في القراءات العشر، لابن الجزري، تحقيق: الضباع. دار الكتب العلمية.

- نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، للمقّري التلمساني، تحقيق: إحسان عباس. دار صادر بيروت.

- نكت القرآن الدالّة على البيان في أنواع العلوم والأحكام، لمحمد بن علي القصاب، تحقيق: شايع بن عبده الأسمري. يوجد من الكتاب نسخ في المكتبة المركزية، قسم المخطوطات.

- النكت والعيون، للماوردي، تحقيق: السيد بن عبد المقصود. دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1412هـ.

- النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، تحقيق: طاهر الزاوي، ومحمود الطناحي. المكتبة العلمية بيروت.

- نواسخ القرآن، لابن الجوزي، تحقيق: محمد أشرف. نشر المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية، الطبعة الأولى، 1404هـ.

ص: 397

- نيل الابتهاج بتطريز الديباج، لأحمد بابا التنبكتي. ملتزم طبعه عباس بن عبد السلام ابن شقرون، بالفحامين بمصر، الطبعة الأولى 1351هـ.

ص: 398

حقيقة السحر وحكمه

في

الكتاب والسنة

إعداد

الدكتور عواد بن عبد الله المعتق

المقدمة

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

أما بعد؛ فنظراً لكثرة المشعوذين في كل زمان وخصوصا في هذا الزمان الذي كثرت فيه المشكلات النفسية حتى أصبحت سمة هذا العصر. وأخذ كثير ممن ابتلوا بمثل هذه المشكلات - وخصوصا من يغلب عليهم الجهل أو قلة الإيمان - أخذوا يلجأون إلى المشعوذين الذين يدعون الطب عن طريق الكهانة أو السحر يبحثون عندهم عن حل لمشكلاتهم النفسية ظناً أن لديهم حلاً لها أو علاجاً لأثرها. ومعلوم ما في هذا من الخطر على الإسلام والمسلمين لما فيه من التعلق بغير الله ومخالفة أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. لما ذكرت رأيت أن أكتب لمحة موجزة عن السحر مبيناً فيها حقيقته وحكم تعلمه وتعليمه والعمل به - وعقوبة الساحر وتوبته - ثم علاجه. وقد جعلتها في مقدمة وأربعة مباحث وخاتمة.

المقدمة: في أهمية الموضوع وبعض الدوافع التي دفعتني لإعداده.

المبحث الأول: في تعريف السحر وأنواعه.

المبحث الثاني: السحر له حقيقة أم لا؟

المبحث الثالث: حكم السحر والسحرة.

المبحث الرابع: في علاج السحر.

الخاتمة: في ذكر أهم النتائج التي توصلت إليها.

وأخيراً أسأل الله أن يتقبل صوابه ويتجاوز عن خطئه إنه سميع مجيب وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

المبحث الأول: في تعريف السحر وأنواعه

أولا: تعريف السحر:

السحر لغة: هو الأخذة، وكل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر، والجمع أسحار، وسحور. وسحره يسحره سَحراً وسِحراً وسَحّره، ورجل ساحر من قوم سحرة وسُحّار، وسَحّار من قوم سحّارين، ولا يكسر."

والسحر أيضا: البيان في فطنة كما جاء في الحديث أنه صلىالله عليه وسلم قال: "إن من البيان لسحرا"(1)

(1) رواه البخاري في كتاب النكاح باب الخطبة، ومسلم في كتاب الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة.

ص: 399

قال ابن الأثير: يعني إن من البيان لسحرا: أي منه ما يصرف قلوب السامعين وإن كان غيرحق. وقيل معناه إن من البيان ما يكسب من الإثم ما يكتسبه الساحر بسحره فيكون في معرض الذم. ويجوز أن يكون في معرض المدح، لأنه تستمال به القلوب ويرضى به الساخط ويستنزل به الصعب.

قال الأزهري: وأصل السَّحر: صرف الشي عن حقيقته إلى غيره فكأن الساحر لما أرى الباطل في صورة الحق وخيّل الشيء على غير حقيقته قد سحر الشيء عن وجهه أي صرفه.

قال الفراء: في قوله تعالى: {فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} (1) معناه فأنى تصرفون.

كما يأتي السحر ويراد به الخديعة. يقال سحره بالطعام والشراب: أي خدعه، والسحور المفسد من الطعام أو المكان.

يقال: سحر المطر الطين والتراب: أفسد فلم يصلح للعمل.

السحر في الإصطلاح:

عرف السحر اصطلاحا بتعاريف كثيرة مختلفة متباينة، ذلك لكثرة الأنواع الداخلة تحته ولا يتحقق قدر مشترك بينها يكون جامعاً لها مانعًا لغيرها.

ولاختلاف المذاهب فيه بين الحقيقة والتخييل. فمثلا البعض يعرفه بتعاريف لا تصدق إلا على ما لا حقيقة له من أنواع السحر، أو ما هو سحر في اللغة.

ومن هؤلاء أبو بكر الرازي حيث قال: "هو كل أمر خفي سببه وتخيل على غير حقيقته ويجري مجرى التمويه والخدع".

وعرفه البعض بماله حقيقة وأثر كابن قدامة حيث قال: "السحرعزائم ورقى وعقد يؤثر في القلوب والأبدان فيمرض ويقتل ويفرق بين امرء وزوجه ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه".

وعرفه أحد العلماء المعاصرين - تعريفاً جمع فيه القسمين. فقال: "هو عبارة عن أمور دقيقة موغلة في الخفاء يمكن اكتسابها بالتعلم تشبه الخارق للعادة وليس فيها تحد، أو تجري مجرى التمويه والخداع تصدر من نفس شريرة تؤثر في عالم العناصر بغير مباشرة أو بمباشرة".

ونستخلص من هذه التعاريف وغيرها تعريفاً لعله يكون جامعاً بلفظ موجز إن شاء الله.

(1) آية 89 المؤمنين.

ص: 400

فنقول: السحر: هو كل ما فيه مخادعة أوتأثير في عالم العناصر نتيجة الاستعانة بغير الله من شيطان أو نحوه، يشبه الخارق للعادة وليس فيه تحد يمكن اكتسابه بالتعلم.

ثانياً: أنواع السحر:

السحرأنواع كثيرة منها: ماله حقيقة، ومنها ما ليس له حقيقة، ومنها ما هو سحر في اللغة "هو السحر المجازي"، ولذا اختلفت تقسيمات العلماء للسحر فبعضهم جمع الجميع كالرازي وبعضهم اقتصر على ما هو سحر في عرف الشرع وبعضهم اقتصر على ماله حقيقة فقط. وإليك شيئاً من هذه الأنواع بشيء من الإيجاز.

القسم الأول:- ما هو سحر في الشرع - ومنه ماله حقيقة، ومنه ما ليس له حقيقة - ومن أنواعه ما يلي:

النوع الأول: سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية. ذلك أن الوهم والنفس لهما تأثير على الإنسان، وبناءً على ذلك يقوم الساحر بأقوال وأفعال مخصوصة تقوي النفس حتى تؤثر في الآخرين بقدرة الله تعالى.

وقد ذكر الرازي وجوها كثيرة تؤكد أن للوهم والنفس تأثيراً، منها:

الأول: أن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجذع الموضوع على وجه الأرض ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدوداً على نهر أو نحوه ذلك أن توهم السقوط متى قوي أوجبه.

الثاني: قد أجمع الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر خشية أن يؤثر هذا على نفسه فيستمر رعافه وعلى نهي المصروع عن النظر إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران لأن هذا يؤثر في نفسه فيتمادى به صرعه.

كل ذلك دليل على أن التصورات النفسية التي تعرض للنفس تؤثر في صاحبها.

الثالث: التجربة والعيان شاهدان بأن هذه التصورات مبادئ قريبة لحدوث الكيفيات في الأبدان فإن الغضبان تشتد سخونة مزاجه حتى إنه يفيده سخونة قوية. وذلك دليل على أن النفوس لها تأثير في بدن صاحبها وإذا جاز كون التصورات مبادئ لحدوث الحوادث في البدن فأي استبعاد من كونها مبادئ لحدوث الحوادث خارج البدن.

الرابع: ومما يؤكد أن النفس قد تؤثر بالآخرين الإصابة بالعين

ص: 401

وقد اتفق النقل والعقل على ذلك. قال صلى الله عليه وسلم: "العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين"(1)

ثم قال: "النفس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جداً تستغني في هذه الأفاعيل عن الاستعانة بالآلات

وقد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه الآلات.

وتحقيقه أن النفس إذا كانت متعلية على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السماوات صارت كأنها روح من الأرواح السماوية فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم، وإذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه اللذات البدنية فحينئذ لا يكون لها تأثير البتة إلا في هذا البدن

ثم أرشد إلى أنه لا بد لمزاولة هذه الأعمال من انقطاع المألوفات والمشتهيات وتقليل الغذاء والانقطاع عن مخالطة الخلق، وكلما كانت هذه الأمور أكثر كان ذلك التأثير أقوى".

والحق أن هذا الساحر لم يؤثر على الآخرين بنفسه فقط بل هناك معين، وهذا المعين إنما هو شيطان، ذلك أن الساحر عندما خرج عن حد الاعتدال المشروع في تلبية رغبات الروح والجسد وأشقى نفسه في معصية الله، تعلت روحه على بدنه وقويت حتى أصبح من السهل على الأرواح التعامل معها، ومن ثم تولتها الأرواح الشيطانية لكونها خبيثة ورغبتها في هذا السلوك، وذلك بتحقيق أمور لا تستطيعها في حال اعتدالها، لتستمر في هذا الطريق الباطل مع عدم شعورها بعون تلك الأرواح. ولذا يمكن أن يطلق على ما تحققه من أمور أحوال شيطانية أعاذنا الله منها.

النوع الثاني: السحر الذي يستعان فيه بالكواكب ومنه:

(1) رواه مسلم والترمذي جامع الأصول حديث 5737.

ص: 402

1-

سحر الكلدانيين وأهل بابل وغيرهم، وهؤلاء كانوا قوما صابئين يعبدون الكواكب السبعة ويعتقدون أنها المدبرة للعالم وأن حوادث العالم كلها من أفعالها، ومنها يصدر كل مظهر خير وشر، وقد بعث الله إليهم إبراهيم عليه السلام مبطلاً لمقالتهم ونظراً لاعتقادهم أنها مدبرة من دون الله فهم يزعمون أن لها ادراكات روحانية فإذا قوبلت ببخور خاص ولباس خاص على الذي يباشر البخور مع إقدامه على أفعال خاصة، وألفاظ يخاطب بها الكواكب كانت روحانية الفلك مطيعة له متى ما أراد شيئاً فعلته له على حد زعمهم. والحق أن الروحانيات التي قضت حوائجهم إنما هي الشياطين أعاذنا الله منها ليستمروا في باطلهم فيضلوا ويضلوا

2-

ومنه نوع يسمى بالطلاسم: وهو عبارة عن نقش أسماء خاصة لها تعلق بالأفلاك والكواكب - على زعم أهلها - في جسم من المعادن أو غيرها تحدث به خاصية ربطت في مجاري العادات، ولا بد مع ذلك من نفس صالحة لهذه الأعمال فإن بعض النفوس لا تجري الخاصية المذكورة على يده

وهذا النوع من السحر يحصل في الغالب إما من محتال ذكي مع مغفل فنتيجة تصديقه يحصل الشعور النفسي بتأثيره. وأما من صاحب علاقة بالشياطين، وإنما يستعمل هذا الطلسم لإخفاء ضلاله وكفره وكلاهما محرم. فالأول كذب وغش، والثاني شرك ظاهر من فاعله. وعليه فليس للكواكب فيه أي أثر.

3-

ومنه: النظر في حركات الأفلاك ودورانها وطلوعها وغروبها واقترابها وافتراقها معتقدين أن لكل نجم منها تأثير حال انفراده كما أن له تأثيراً حال اجتماعه بغيره، على الحوادث الأرضية من غلاء الأسعار ورخصها ووقوع الحوادث وهبوب الرياح ونحو ذلك وقد ينسبون إليه ذلك مطلقاً

4-

ومنه النظر في منازل القمر الثمانية والعشرين معتقدين التأثير، في اقتران القمر بكل منها ومفارقته وان في تلك المقارنة أو المفارقة سعوداً أو نحساً أوتأليفا أو تفريقاً وغير ذلك.

ص: 403

5-

ومنه ما يفعله من يستخدم الأرقام لحروف أبجد هوز.... المسمى بعلم الحرف. وهو أن يكتب حروف أبجد هوز

الخ. ويجعل لكل حرف منها قدراً من العدد معلوماً ويجري على ذلك أسماء الآدميين والأزمنة والأمكنة وغيرها ويجمع جمعاً معروفاً عنده ويطرح طرحاً خاصاً ويثبت إثباتاً خاصاً، وينسبه إلى الأبراج الاثني عشر المعروفة عند أهل الحساب، ثم يحكم على تلك القواعد بالسعود والنحوس وغيرها مما يوحيه إليه الشيطان وكثير منهم يفرق بين المرء وزوجته بذلك بدعوى أنهم إن جمعهم بيت لا يعيش أحدهم، وقد يتحكم بذلك في الغيب فيدعي أن هذا يولد له وهذا لا. وهذا يكون غنياً وهذا يكون فقيرا ونحو ذلك. كأنه هو الكاتب ذلك للجنين في بطن أمه لا والله لا يدريه الملك الذي يكتب حتى يسأل ربه فكيف بهذا الكاذب المفترى ولا شك في تحريم هذا العمل وكذب مدعيه وأن أحكامه رجم بالغيب.

النوع الثالث: الاستعانة بالأرواح الأرضية، وهم الجن. وهم على قسمين مؤمنين - وكفار، وهم الشياطين. أما المؤمنون فمن المعلوم أنهم لا يعملون فعل محرم أو يعينون عليه. إذا فالاستعانة إنما هي بالشياطين.

واتصال النفوس الناطقة بها سهل، لما بينهما من المشابهة والقرب. وهذا الاتصال يحصل بشي من الرقى والدخن والتجريد.

قال الرازي: "إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى والدخن والتجريد، وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل تسخير الجن".

وعندما يتحقق الاتصال تحصل الاستعانة ثم الإعانة لكن ذلك لا يكون دون الشرك بالله تعالى.

وأصحاب هذا النوع قد يخفون استعانتهم بالشياطين بما يزعمونه من أن لكل نوع من الملائكة أسماء أمروا بتعظيمها ومتى أقسم عليهم بها أطاعواوفعلوا ما طلب منهم ولا يخفى بطلان هذا الزعم، وأن ما يحصل من تعظيم وقسم إنما هو متوجه إلى الشياطين.

ص: 404

النوع الرابع: العقد والنفث فيه قال تعالى: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} (1)

والنفاثات في العقد: هن السواحر اللاتي يعقدن الخيوط وينفثن في كل عقدة حتى ينعقد ما يردن من السحر وذلك إذا كان المسحور غير مباشر، أما إذا كان مباشراً فينفثن عليه مباشرة. وذلك كله بعد أن تكيف نفس الساحر بالخبث والشر الذي يريده بالمسحور ويستعين عليه بالأرواح الخبيثة فيقع فيه السحر بإذن الله الكوني القدري. ويطلق البعض على هذا النوع الرقى لشبهها بها في الصورة ومن هذا النوع سحر لبيد بن ألاعصم اليهودي للرسول صلى الله عليه وسلم والشرك في هذا النوع ظاهر ذلك أنه استعانة بالأرواح الخبيثة وهم الشياطين.

النوع الخامس: الهيمياء بكسر الهاء على وزن كبرياء، وهو ما تركب من خواص سماوية تضاف لأحوال الأفلاك يحصل لمن عمل له شيء من ذلك أمور معلومة عند السحرة، وقد يبقى له إدراك وقد يسلبه بالكلية فتصير أحواله كحالات النائم من غير فرق حتى يتخيل مرور السنين الكثيرة في الزمن اليسير وحدوث الأولاد وإنقضاء الأعمار وغير ذلك في ساعة ونحوها من الزمن اليسير، ومن لم يعلم له ذلك لا يجد شيئا مما ذكر وكل ما يتصوره المسحور في هذه الحالة من الأوهام التي لا حقيقة لها.

النوع السادس: السيمياء: بكسر السين وهو عبارة عما تركب من خواص أرضية كدهن خاص أو كلمات خاصة توجب إدارك الحواس الخمسة أو بعضها بما له وجود حقيقي، أو بما هو تخييل صرف.

وهذا النوع تخييلي. يأتي بأحد أمرين إما بتأثير عقاقير بخواصها. وهذا ليس سحراً في الشرع. وإما بكلمات خاصة، وهذا لا يحصل بمجرد الكلام وإنما هو بمعين من الشياطين يكون منه التخييل على الحواس بعد ذلك الكلام الذي يستدعي به الساحر ذلك المعين وهذا الكلام تذلل للشياطين يعاوضون عنه الساحر بما يريد من الخداع. ولا شك في حرمته لكونه شركاً.

(1) آية 4 سورة الفلق.

ص: 405

القسم الثاني: ماسحر في اللغة. وهو"السحر المجازي"ومداره على قوة البيان وخفة اليد، والحيل والاكتشافات التي سبق بها الساحر عصره وإنما أدخل هذا القسم في فن السحر للطافة مأخذه، ذلك أن السحر في اللغة عبارة عما خفي ولطف سببه. وهو أنواع منها:

الأول: الأخذ بالأبصار والشعبذة، وهذا النوع مبني على مقدمات. أحدها: أن أغلاط البصر كثيرة ومن أمثلة ذلك أن راكب السفينة إذا نظر إلى الشط رأى السفينة واقفة والشط متحركاً ومثلها السيارة ونحوها. وذلك دليل على أن الساكن يرى متحركاً والمتحرك يرى ساكناً.

ثانيها: أن القوة الباصرة إنما تقف على المحسوسات وقوفاً تاماً إذا أدركت المحسوسات في زمان له مقدار ما، أما إذا أدركت المحسوس في زمان قصير جداً ثم أدركت بعده محسوساً آخر وهكذا فانه يختلط البعض بالبعض.

وثالثها: أن النفس إذاكانت مشغولة بشيء فربما حضر عند الحس شيء آخر ولا يشعر الحس به ألبتة. مثاله: أن الإنسان عند دخوله على السلطان قديلقاه إنسان آخر ويتكلم معه فلا يعرفه ولا يفهم كلامه، إذ إن قلبه مشغول بشيء آخر. ثم بعد أن فصّل الرازي في تلك المقدمات قال: إذا عرفت هذه المقدمات سهل عند ذلك تصور كيفية هذا النوع من السحر، وذلك أن المشعبذ الحاذق يظهر عمل شيء يشغل أذهان الناظرين به ويأخذ عيونهم إليه حتى إذا استغرقهم الشغل بذلك الشيء والتحديق نحوه عمل شيئا آخر بسرعة شديدة فيبقى ذلك العمل خفياً لتفاوت الشيئين.

أحدهما: اشتغالهم بالأمر الأول والثاني: سرعة الإتيان بهذا العمل الثاني وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غيرما انتظروه فيتعجبون منه جداً ولو أنه سكت ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه لفطن الناظرون لكل ما يفعله.

ص: 406

وهذا النوع - كما نرى - تخييل لا حقيقة له وهو محرم، لما يتضمنه من الكذب والخداع وقد قال البعض بأن سحر سحرة فرعون من هذا النوع والأظهر والله أعلم أنه ليس من هذا النوع ذلك أن سحرة فرعون لم يكن منهم حركات سوى إلقاء الحبال والعصي ثم تراءى للناس أنها متحركة فكان سحرهم بفعل آخر أثر على الأعين، وهو من نوع الاستخدامات.

الثاني: الاستعانة بخواص الأدوية والأطعمة والملابس ونحوها. وهو ضرب من الاحتيال يقوم به بعض من يدعي السحر.

فمن ذلك أن يدعي القدرة على فعل أمور خارقة، فيستخدم خواص بعض المواد التي خلقها الله مما عرف خاصيته ولم يعلمه بقية الناس.

ومن أمثلة ذلك دخول بعض هؤلاء النار بعد أن يدهنوا جلودهم بمواد لها خاصية مقاومة النار، أو يلبس ثياب لا تحرقها النار، فيظن الرائي الجاهل أنه فعل أمراً خارقاً، ولو علم بما فعل لزال العجب، كذلك من هذا النوع أن يجعل في طعام من يريد إيذاءه بعض الأدوية أو الأطعمة المبلدة المزيلة للعقل أو الدخن المسكرة، فإذا تناولها الضحية تبلد عقله وقلت فطنته فيتصرف تصرفاً غيرسليم فيقول الناس إنه مسحور، وقد يستعين بهذه الأدوية ونحوها في مسك الحيات، ثم يزعم أمام جهلة الناس أنها أحوال له.

الثالث: السعي بالنميمة وإغراء بعض الناس ببعض من وجوه لطيفة خفية وهذا شائع بين الناس وخصوصاً ضعاف الإيمان منهم.

قال أبو الخطاب في عيون المسائل: "ومن السحر السعي بالنميمة والإفساد بين الناس"

وإنما أطلق على النميمة للإفساد سحراً، لأنها تحول ما بين الصديقين من محبة إلى عداوة بوسيلة خفية كاذبة.

وقال ابن كثير: "النميمة على قسمين تارة تكون على وجه التحريش بين الناس وتفريق قلوب المؤمنين فهذا حرام متفق عليه، فأما إذا كانت على وجه الإصلاح بين الناس

أو على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة فهذا أمر مطلوب كما فعل نعيم بن مسعود".

الرابع: تعليق القلب:

ص: 407

وهو أن يدعي الساحر أنه قد عرف اسم الله الأعظم وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور فإذا اتفق أن كان السامع لذلك ضعيف العقل قليل التمييز اعتقد أنه حق وتعلق قلبه بذلك، وحصل في نفسه نوع من الرعب والمخافة، وإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة فحينئذ يتمكن الساحر من أن يفعل ما يشاء.

قال الرازي: "وإن من جرب الأمور وعرف أحوال أهل العلم علم أن لتعلق القلب أثراً عظيماً في تنفيذ الأعمال وإخفاء الأسرار".

المبحث الثاني: السحر له حقيقة أم لا؟

اخُتلف في السحر هل له حقيقة أم لا حقيقة له بل مجرد تخييل؟ على قولين وإليك رأي كل من الفريقين مع بيان الرأي الصائب إن شاء الله.

القول الأول: قول أهل السنة والجماعة:

وهو أن للسحر حقيقة وأثراً ثابتاً بالكتاب والسنة. قال النووي: "والصحيح أن السحر له حقيقة وبه قطع الجمهور وعليه عامة العلماء

" وقال القرطبي رحمه الله "ذهب أهل السنة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة

" وقال أيضاً: "وعندنا أنه حق وله حقيقة يخلق الله عندها ما يشاء" وقال الإمام المازري: "مذهب أهل السنة وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة خلافاً لمن أنكر ذلك

(1)" وقال الإمام ابن القيم: "وقد دل قوله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} (2)

وحديث عائشة رضى الله عنها على تأثير السحر وأن له حقيقة.

أدلة أهل السنة:

لقد استدل أهل السنة على أن للسحر حقيقة وأثراً بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، ومن الواقع وإليك شيئا منها:

أولا: الأدلة من الكتاب منها ما يلي:

(1) شرح صحيح مسلم للنووي ج14 ص174.

(2)

آية 4 سورة الفلق.

ص: 408

1-

قوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (1)

وجه الاستدلال: الآية تدل على أن للسحر حقيقة من وجوه الأول: أن الله سبحانه وتعالى قد أخبر فيها عن السحر وأنه مما يعلم ويتعلم وأن متعلمه يكفر بذلك وهذه الصفات لا تكون إلا لماله حقيقة، مما يدل على أن له حقيقة.

الثاني: أن الله تعالى قد أخبر في هذه الآية بأن للسحر آثاراً محسوسة كالتفريق بين المرء وزوجه والأثر دليل على وجود المؤثر وأن له حقيقة.

الثالث: كما أخبر الله تعالى في هذه الآية بأن للسحرضرراً لا يتحقق إلا بإذنه، والاستثناء دليل على حصول الآثار بسببه والضرر أو الأثر لا يكون إلا مماله حقيقة.

2-

قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} (2)

(1) آية 102 سورة البقرة.

(2)

سورة الفلق.

ص: 409

وجه الاستدلال: أن الله تعالى أمرنبيه صلى الله عليه وسلم في هذه السورة بالاستعاذة من شر النفاثات في العقد وهن السواحر كما فسرها جمهور المفسرين مما يدل على أن للسحر حقيقة وأثرا إضافة إلى ذلك أن هذه السورة وسورة الناس باتفاق جمهور المفسرين سبب نزولهما سحر لبيد بن الأعصم اليهودي لرسول الله صلى الله عليه وسلم

ولو لم يكن له حقيقة وأثر لما أنزلت هاتان السورتان لإبطال أثره.

ثانياً: الأدلة من السنة وهي كثيرة منها ما يلي:

1-

أخرج البخاري بسنده إلى عيسى بن يونس عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله حتى إذا كان ذات يوم، أو ذات ليلة - وهو عندي لكنه دعا ودعا، ثم قال "يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه. أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال أحدهما لصاحبه ما وجع الرجل؟ قالا: مطبوب (1)

قال: ومن طبه؟ قال لبيد بن الأعصم. قال في أي شيئ؟ قال في مشط ومشاطة (2) وجف طلع (3) نخلة ذكر. قال: وأين هو؟ قال في بئر ذروان (4) .فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس من أصحابه، فجاء فقال: يا عائشة كأن مائها نقاعة الحنا (5) وكأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين (6) قلت يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال قد عافاني الله فكرهت أن أثير على الناس فيه شراً فأمر بها فدفنت

(1) المطبوب: المسحور.

(2)

المشط: ما يسرح به الشعر، المشاطة هي الشعر الذي يسقط من الرأس واللحية عند تسريحه.

(3)

وعاء طلع النخل: هو الغشاء الذي يكون عليه ويطلق على الذكر والأنثى، ولذا قيده في الحديث بالذكر.

(4)

وهي بئر في المدينة في بستان بني رزيق.

(5)

الماء الذي ينقع فيه الحنا أي أحمر

(6)

أي كأن نخلها الذي يشرب من مائها - وقد التوى سعفه - رؤس الشياطين أي في قبحه

ص: 410

وفي رواية لمسلم "فقلت يا رسول الله أفلا أحرقته"

ويقول الإمام النووي عن الروايتين: "كلاهماصحيح: فطلبت أن يخرجه ثم يحرقه والمراد إخراج السحر".

وفي رواية عمرة عن عائشة "فنزل رجل فاستخرجه" وفيه من الزيادة أنه "وجد في الطلعة تمثالاً من شمع تمثال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا فيه إبر مغروزة، وإذابه وتر فيه إحدى عشرة عقدة فنزل جبريل بالمعوذتين فكلما قرأ آية انحلت عقدة وكلما نزع إبرة وجد لها ألما ثم يجد بعدها راحة"(1)

وجه الاستدلال: الحديث كما نرى يروي واقعة سحره عليه الصلاة والسلام ابتداءً من تغيرعادته صلى الله عليه وسلم حتى إنه يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله وانتهاءً بقراءة المعوذتين وحل العقد ونزع الإبر وما بين ذلك من دعائه صلىالله عليه وسلم ثم نزول الملكين ونقاشهما فيما حصل له صلى الله عليه وسلم ثم ذهابه إلى البئر في جماعة من أصحابه وإخبار عائشة فيما حصل. وطلبها رضي الله عنها استخراجه، قوله صلى الله عليه وسلم "إن الله شفاني" كل هذا لا يكون إلا فيما له حقيقة وأثر بيّن.

2-

ما رواه البخاري بسنده إلى أبي الغيث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات"(2)

(1) فتح الباري ج10 ص 230

(2)

واه البخاري في كتاب الوصايا. باب قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} برقم 2615 ورواه مختصرا بلفظ"اجتنبوا الموبقات الشرك بالله والسحر"في كتاب الطب باب الشرك والسحر من الموبقات برقم 5431

ص: 411

وجه الاستدلال: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرنا باجتناب السبع الموبقات وعد منها السحر بل جعله في المرتبة الثانية بعد الشرك بالله. مما يدل على أن له حقيقة.

3-

قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من تصّبح بسبع تمرات عجوة (1) لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر"(2)

وجه الاستدلال: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرشدنا إلى ما فيه وقاية من السحر ولايتوقى إلاشيء له حقيقة وأثر بين، كما أنه قارنه بالسم والسم متفق بأن له حقيقة وأثراً فكذلك إذاً السحر.

ثالثاً: الدليل من الواقع: كذلك من أدلة أهل السنة على أن للسحر حقيقة: الواقع المشاهد وما اشتهر بين الناس من عقد الرجل عن امرأته حين يتزوجها فلا يقدرعلى إتيانها. وحل عقده فيقدر عليها بعد عجز عنها حتى صار متواتراً لا يمكن جحده.

وروى من أخبار السحرة ما لا يكاد يمكن التواطؤ على الكذب فيه.

كل هذا دليل ظاهر على أن للسحر حقيقة والله أعلم.

القول الثاني: وهو قول عامة المعتزلة.

وجماعة من العلماء كأبي منصور الماتريدي وابن حزم وأبي جعفر الأستراباذي من الشافعية وأبي بكر الجصاص، وغيرهم.

ويتلخص رأيهم في أن السحر لا حقيقة له وإنما هو تمويه وتخييل فلا تأثير له لا في مرض ولا حل ولا عقد ولاغير ذلك، وعلى ذلك فهم ينكرون من أنواع السحر ما كان له حقيقة ويجعلونه ضرباً واحداً وهو سحر التخييل.

يقول القاضي عبد الجبار:"إن السحر في الحقيقة لا يوجب المضرة لأنه ضرب من التمويه والحيلة

"

ويقول أبو منصور الماتريدي: "والأصل أن الكهانة محمول أكثرها على الكذب والمخادعة والسحر على التشبيه والتخييل"

(1) ضرب من أجود تمر المدينة والينه. انظر فتح الباري ج10 ص 238.

(2)

رواه البخاري في كتاب الطب باب الدواء بالعجوة للسحر برقم 5769، ومسلم في كتب الأشربة باب فضل تمر المدينة. انظر: صحيح مسلم المطبوع مع شرح النووي ج14ص2.

ص: 412

ويقول ابن حزم: "

وقد نص الله عز وجل على ما قلنا فقال تعالى: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} (1) فأخبر الله تعالى أن عمل أولئك السحرة إنما كان تخيلاً لا حقيقة

"

وقال ابن حجر: "واختلف في السحر: فقيل هو تخييل فقط ولا حقيقة له وهذا اختيار أبي جعفر الاستراباذي من الشافعية وأبي بكر الرازي من الحنفية وابن حزم الظاهري وطائفة"

وقد أيدوا قولهم هذا بشبهات نقلية وعقلية.

وإليك شيئاً منها مع المناقشة:

أولا: الشبهات النقلية منها، ما يلي

الشبهة الأولى: قوله تعالى: {فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} (2)

وجه الاستدلال: قالوا الآية تدل على أن السحرة حاولوا إرهاب الناس وتخويفهم بأن خيلوا لأعين الناظرين أمراً لا حقيقة له مما يدل على أن السحر لا حقيقة له.

الشبهة الثانية قوله تعالى: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} (3)

الشبهة الثالثة: قوله تعالى: {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} (4)

وجه الاستدلال: يقول ابن حزم:"وقد نص الله عز وجل على ما قلنا فقال تعالى {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} (5)

فأخبر تعالى أن عمل أولئك السحرة إنما كان تخييلا لا حقيقة له.

وقال تعالى {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} (6)

فأخبر تعالى أنه كيد لا حقيقة له"

الجواب يقال لهم:

(1) آية 66 سورة طه.

(2)

آية 116 سورة الأعراف

(3)

آية 66 سورة طه.

(4)

آية 69 سورة طه.

(5)

آية 66 سورة طه.

(6)

آية 69 سورة طه.

ص: 413

أولاًً: الآيات دليل على أن للسحر حقيقة إذ إنها دلت على أن للسحر أثراً في نظر المسحور حتى تخيل الشيء علىخلاف ما هو عليه وهو تأثير في إحساسهم، وإذا جاز، فما الذي يحيل تأثيره في تغيير بعض أعراضهم وقواهم وطباعهم؟ وما الفرق بين التغيير الواقع في الرؤية والتغيير الواقع في صفة أخرى من صفات النفس والبدن؟ وعليه فالآيات حجة عليكم لا لكم.

ثانياً: على التسليم بدلالة الآيات على التخييل فقط فإن هذا لا يمنع أن يكون غير التخييل من جملة السحر؛ لأنها لم تحصر السحر في التخييل، وإنما دلت على أن سحر سحرة فرعون ونحوهم كان من هذا النوع ونحن لاننكر أن يكون التخييل من أنواع السحر وعلى ذلك فلا حجة في الآيات على نفي حقيقة السحر وتأثيره والله أعلم.

ثانياُ: الشبهات العقلية: منها ما يلي:

الشبهة الأولى: قالوا إن في القول بأن للسحر أثراً خارقاً للعادة يلزم منه أن يكون هناك موجوداً مثلاً لله تعالى. كما أنه لا يمكن العلم معه بالفرق بين ما يختص الله بالقدرة عليه وبين مقدور العباد.

الجواب: يقال لهم هذه الشبهة باطلة ولا يلزم من القول بأن للسحر أثراً ما زعمتم، ذلك أن أهل السنة لما قالوا بأن للسحر أثراً لم يطلقوا القول بحصول كل أثر أو بحصول أثر يصل إلى مرتبة الخلق والإيجاد، ذلك أن الموجد الحق هو الله وحده لا شريك له.

قال تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ.... الآية} (1) وقال تعالى {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} (2) وقال تعالى {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ 000 الآية} (3) والقول بأن أثر السحر يصل إلى درجة الخلق شرك في الربوبية. أعاذنا الله منه.

وإنما قالوا له أثر على النفس والبدن يؤدي إلى المرض.

(1) آية 62 سورة الزمر.

(2)

آية 2 سورة الفرقان.

(3)

آية 17 سورة النحل.

ص: 414

فهو سبب قد ربط الله به بعض المسببات في حدود قدرة الخلق من الجن والإنس وبما أن قدرة الشياطين تختلف عن قدرة الإنس لذا قد يظن الجاهل أن حصول الأثر المناقض للعادة فوق قدرة الخلق والواقع أنه في حدود قدرة الخلق من الجن والإنس ولذا يمكن معارضته بمثله وأقوى منه.

وإذا كان كذلك فلن يلزم من القول بان للسحر أثراً ما زعمتم. والله أعلم.

الشبهة الثانية: يروي الرازي عن القاضي أنه قال: "أنا لو جوزنا ذلك " لتعذر الاستدلال بالمعجزات على النبوات لأنا لو جوزنا استحداث الخوارق بواسطة تمزيج القوى السماوية بالقوى الأرضية لم يمكنا القطع بأن هذه الخوارق التي ظهرت على أيدي الأنبياء عليهم السلام صدرت عن الله تعالى بل يجوز فيها أنهم أتوا بها عن طريق السحر وحينئذ يبطل القول بالنبوات من كل الوجوه.

الجواب: يقال لهم العادة تنخرق على يد النبي والولي والساحر.

ولكن النبي يتحدى بها الخلق ويستعجزهم عن مثلها ويخبر عن الله تعالى بخرق العادة بها لتصديقه فلو كان كاذباً لم تنخرق العادة على يديه. ولذا لا يمكن معارضته بمثله أو أقوى منه؛ إذ إنّه ليس في مقدور الجن والإنس.

قال تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} (1)

أما الولي والساحر: فلا يتحديان الخلق ولا يستدلان على نبوة ولو ادعيا شيئاً من ذلك لم تنخرق العادة لهما.

وأما الفرق بين الولي والساحر فمن وجوه منها:

الأول: وهو المشهور، إجماع المسلمين على أن السحر لا يظهر إلا على فاسق أو كافر، والكرامة لا تظهر إلا على ولي.

الثاني: أن السحر يكون بمعاناة أقوال وأفعال حتى يتم لساحر ما يريد.

والكرامة لا تفتقر إلى شيئ من ذلك. وفي كثير من الأوقات تقع الكرامة اتفاقا من غير أن يستدعيها أو يشعر بها.

(1) آية 88 سورة الإسراء.

ص: 415

الثالث: أن ما يأتي به السحرة، يمكن معارضته بمثله وأقوى منه كما هو الواقع بخلاف الكرامات فهي كالمعجزات لا يمكن لأحد أن يعارضها بمثلها أو أقوى منها.

الرابع: إن مايأتي به السحرة لا يخرج عن كونه مقدوراً للإنس والجن بخلاف الكرامات فهي كالمعجزات لا يقدر عليها إلا الله.

الشبهة الثالثة: يروي الرازي عن القاضي أنه قال:"

لو جوزنا أن يكون في الناس من يقدر علىخلق الجسم والحياة والألوان لقدر ذلك الإنسان على تحصيل الأموال العظيمة من غير تعب. لكنا نرى من يدعي السحر متوصلا ً إلى اكتساب الحقير من المال بجهد جهيد فعلمنا كذبه."

الجواب: يقال لهم هذه الشبهة باطلة ولا تلزمنا لأنا لم نطلق الحكم بحصول كل تأثير مهما كان بل قلنا في نطاق معين لا يتجاوز التصرف في الأعراض من باب التأثير على القلوب بالحب والبغض وعلى الأبدان بالألم والسقم. أما أن يقلب الجماد حيواناً أو عكسه أو الحديد ذهباً أو نحوه فليس في مقدور الساحر.

وبذلك يزول اللبس وتبطل هذه الشبهة. والله أعلم.

والأظهر في هذه المسألة - والله أعلم - أن السحر المذموم صاحبه ليس كله حقيقة وليس كله تخييلاً. بل منه ما هو حقيقة كما دلت عليه أدلة أهل السنة، ومنه ما هو تخييل كما دلت عليه الآيات التي استدل بها المخالفون. وبذلك يتضح عدم التعارض بين الأدلة النقلية. وعلى هذا جماهير العلماء من المسلمين. والله أعلم.

ص: 416

تابع لحقيقة السحر وحكمه في الكتاب والسنة

المبحث الثالث: حكم السحر والسحرة.

سنتناول في هذا المبحث إن شاء الله ما يلي:

أولاً: حكم تعلم السحر وتعليمه.

ثانيا: حكم العمل به.

ثالثا: عقوبة الساحر.

رابعا: توبة الساحر.

أولا: حكم تعلم السحر وتعليمه:

اختلف العلماء في حكم تعلم السحر وتعليمه على أقوال.

الأول: قول الجمهور من علماء أهل السنة، قالوا إن تعلم السحر وتعليمه حرام. قال ابن قدامة رحمه الله "

فإن تعلم السحر وتعليمه حرام لا نعلم فيه خلافاً بين أهل العلم"

لكن ما هي درجة هذا التحريم؟

إن قصد من تعلمه العمل به وكان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر، أو تعلمه معتقداً إباحته فهو كفر، وإلا فهو فسق.

قال الإمام الشافعي: "إذا تعلم السحر قيل له صف لنا سحرك؟ فإن وصف ما يستوجب الكفر مثل سحر أهل بابل من التقرب للكواكب وأنها تفعل ما يطلب منها فهو كافر وإن كان لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته فهو كافر وإلا فلا (1)

وقال النووي رحمه الله وهو يتكلم عن السحر: "

وأما تعلمه وتعليمه فحرام فإن تضمن ما يقضي الكفر كفر وإلا فلا" (2) .

وقال أبو حيان: "وأما حكم السحر فما كان منه يعظم به غير الله من الكواكب والشياطين وإضافة ما يحدثه الله إليها فهوكفر إجماعاً لا يحل تعليمه ولا العمل به وكذا ما قصد بتعلمه سفك الدماء والتفريق بين الزوجين والأصدقاء، وأما إذا كان لا يعلم منه شيئا من ذلك بل يحتمل فالظاهر أنه لا يحل تعلمه والعمل به

(3) "

وقال الشيخ سليمان بن عبد الوهاب: "وقد نص أحمد على أنه يكفر بتعلمه وتعليمه (4) .

الأدلة: وقد أيدوا قولهم بأدلة كثيرة منها ما يلي:

(1) أضواء البيان ج4ص455.

(2)

شرح صحيح مسلم للنووي ج14 ص176.

(3)

روائع البيان ج1ص84.

(4)

تيسير العزيز الحميد ص 335.

ص: 417

الأول: قوله تعالى {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ

الآية} (1)

قال ابن حجر:"فإن ظاهرها أنهم كفروا بذلك، ولا يكفر بتعليم الشيء إلا وذلك الشيء كفر"(2)

الثاني: قوله تعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ

الآية} (3)

قال ابن حجر: "الآية فيها إشارة إلى أن تعلم السحركفر"(4)

الثالث: قوله تعالى {

وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ

الآية} (5)

قال الشوكاني: "الآية فيها تصريح بأن السحر لا يعود على صاحبه بفائدة ولا يجلب إليه منفعة بل هو ضرر محض وخسران بحت"(6)

وإذا كان كذلك فتعلمه لا يجوز. لأنه وسيلة إلى هذا الضرر والخسران الرابع: قوله تعالى {

وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (7)

قال أبو جعفر:".... قد دللنا فيما مضى على أن معنى "شروا"باعوا فمعنى الكلام إذا ولبئس ماباعه نفسه من تعّلم السحر لو كان يعلم سوء عاقبته"(8)

الخامس: ما روى عبد الرّزّاق عن صفوان بن سليم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تعلم شيئاً من السحرقليلاً كان أو كثيراً كان آخر عهده من الله"(9)

القول الثاني: جواز تعلم السحر عند الضرورة:

(1) آية 102 سورة البقرة.

(2)

فتح الباري ج10ص225.

(3)

آية 102 سورة البقرة.

(4)

فتح الباري ج10ص225.

(5)

آية 102 سورة البقرة.

(6)

تفسير الشوكاني ج1ص121.

(7)

آية 102 سورة البقرة.

(8)

تفسير الطبري ج 1ص 371.

(9)

مصنف عبد الرزاق ج10 ص 184 حديث 18753 وانظر كنز العمال ج6ح17653.

ص: 418

قال ابن حجر: "وقد أجاز بعض العلماء تعلم السحر لأمرين، إما لتمييز ما فيه كفر من غيره، وإما لإزالته عمن وقع فيه"(1)

ثم قال ابن حجر: فأما الأول: فلا محذور فيه إلا من جهة الاعتقاد فإذا سلم الاعتقاد فمعرفة الشيء بمجرده لا يستلزم منعاً كمن يعرف كيفية عبادة أهل الأوثان للأوثان، لأن كيفية ما يعمله الساحر إنما هي حكاية قول أو فعل بخلاف تعاطيه والعمل به.

وأما الثاني: فإن كان لا يتم كما زعم بعضهم إلا بنوع من أنواع الكفر أو الفسق فلا يحل أصلا وإلا جاز للمعنى المذكور" (2)

القول الثالث جواز تعلم السحر مطلقاً: والى هذا ذهب الرازي في تفسيره حيث قال: "العلم بالسحر غيرقبيح ولا محظور اتفق المحققون على ذلك لأن العلم لذاته شريف وأيضا لعموم قوله تعالى {

هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ

الآية} (3)

ولأن السحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة، والعلم بكون المعجز معجزاً واجب وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب. فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجباً وما يكون واجباً كيف يكون حراماً وقبيحاً (4) وهذا قول باطل ولذا رد عليه بعض الأئمة كابن كثير في تفسيره حيث قال – بعد أن عرض رأيه-"وفي كلام الرازي نظر من وجوه أحدها: قوله: العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور اتفق المحققون على ذلك.

(1) فتح الباري ج10ص224.

(2)

فتح الباري ج10ص 224 - 225.

(3)

آية 9 سورة الزمر.

(4)

تفسير الرازي ج3 ص214.

ص: 419

أ- أما قوله"ليس بقبيح: إن عنىبه ليس بقبيح عقلاً فمخالفوه من المعتزلة يمنعون هذا وإن عني أنه ليس بقبيح شرعاً ففي الكتاب والسنة ما يبطل زعمه، فمن الكتاب قوله تعالى {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ

الآية} (1)

ففي هذه الآية تبشيع لتعلم السحر. ومن السنة ما في الصحيح (2)"من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد"(3)

وفي السنن:"من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر

الحديث" (4) تبشيع لتعلم السحر أيضا.

ب_ وأما قوله "لا محظور"فيقال: كيف لا يكون محظوراً مع ما ذكرناه من الآية والحديث وما ورد فيهما من التبشيع له.

ج_ وأما قوله "اتفق المحققون على ذلك"فيقال: اتفاق المحققين يقتضي أن يكون قد نص على هذه المسألة أئمة العلماء أو أكثرهم وأين نصوصهم على ذلك؟

ثانياً: أ- أن إدخال السحر في عموم قوله تعالى {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ

الآية} (5)

فيه نظر، لأن هذه الآية إنما دلت على مدح العالمين العلم الشرعي والعلم بالسحر ليس من العلم الشرعي فلم قلت أنه منه؟

(1) آية 102 سورة البقرة.

(2)

إن كان يعني أنه صحيح فلا مانع وإن كان يعني أنه ورد في الصحيحين أو أحدهما فليس كذلك.

(3)

رواه أحمد في المسندج2 ص429 والحاكم في المستدرك ج1ص8 عن أبي هريرة انظر: كنز العمال، حديث 17678.

(4)

رواه النسائي في التحريم باب الحكم في السحرة ج7ص112 وفي سنده عباد بن ميسره وهو لين الحديث، انظر جامع الإصول حديث 3071.

(5)

آية 9 سورة الزمر.

ص: 420

ب_ ثم ترقيته إلى وجوب تعلمه بأنه لا يحصل العلم بالمعجز إلا به: ضعيف بل فاسد لما يلي:

1-

إن أعظم معجزات رسولنا عليه الصلاة والسلام هي القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، والعلم بأنه معجز لا يتوقف على علم السحر أصلاً.

2-

أن من المعلوم بالضرورة أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتهم كانوا يعلمون المعجز ويفرقون بينه وبين غيره ولم يكونوا يعلمون السحر ولا تعلموه ولا علموه (1) وبذلك يتبين بطلان قوله. والله أعلم.

كما تعقبه الألوسي في تفسيره. (2)

وبذلك يتضح أن القول الأول هو الصحيح للأدلة الدالة من الكتاب والسنة.

وأما القول الثاني: فيمكن إرجاعه إلى القول الأول، كما تعقبه ابن حجر بأنه يشترط سلامة الاعتقاد في الأول وأن لا يكون بنوع فيه كفر في الثاني.

وأما القول الثالث: فلا صحة له كما رد عليه ابن كثير والألوسي.

ثانياً: حكم العمل بالسحر:

محرم بالكتاب والسنة بلاخلاف بين أهل العلم ولكن ما هي درجة هذا التحريم؟

إن كان فيه اعتقاد أوقول أوفعل يقتضي الكفر مثل: اعتقاد أن الكواكب السبعة أو غيرها مدبرة مع الله.

أو أن الساحر قادر على خلق الأجسام أو اعتقد أن فعله مباح أو تضمن تقرباً إلى الشياطين بشيء من الأوراد الكفرية، أو الذبح لها ونحو ذلك فهو كفر.

أما إذا لم يكن فيه شيء من ذلك وهو ما يسمى بالسحر المجازي مثل: السحر بالأدوية والتدخين، وسقيا شيء يضر، أو بالحركات الخفية ونحو ذلك فليس

بكفر وإنما هو فسق (3) .

(1) تفسير ابن كثير ج1 ص144- 145 0 بتصرف.

(2)

روح المعاني ج1 ص339 – 340.

(3)

انظر: تفسير ابن كثير ج1 ص 147، وتفسير الرازي ج3ص 214-215 وشرح النووي على صحيح مسلم ج14ص176، والمقنع لابن قدامة ج3ص 523 – 524 والتنقيح المشبع ص 383.

ص: 421

يقول النووي: "علم السحر حرام وهو من الكبائر بالإجماع، وقد عده النبي صلى الله عليه وسلم من السبع الموبقات، ومنه ما يكون كفراً ومنه ما لا يكون كفراً، بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كافر، وإلا فلا"(1)

ويقول ابن قدامة: "والساحر الذي يركب المكنسة وتسيربه في الهواء ونحوه يكفر ويقتل، فأما السحر بالأدوية والتدخين وسقيا شيء يضر فلا يكفر"(2)

الأدلة: وهي كثيرة منها ما يلي:

1-

"ما سبق ذكره آنفا في أدلة الجمهور الدالة على تحريم تعلم السحر تعليمه، ذلك أن كل دليل يدل على تحريم تعلم السحر فدلالته على تحريم العمل به أولى.

2-

"ومن الأدلة أيضا قوله تعالى {وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} (3)

وجهة الدلالة: أن الله سبحانه وتعالى نفى الفلاح عن الساحر نفياً عاماً حيث توجه وسلك وذلك دليل كفره، لأن الفلاح لا ينفى بالكلية نفياً عاماً إلا عمن لا خير فيه وهو الكافر، ذلك أنه قد عرف باستقراء القرآن أن الغالب فيه أن لفظه "لا يفلح" يراد بها الكافر. كقوله تعالى {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} (4) وقوله تعالى {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ} (5) إلى غير ذلك من الآيات (6) .

3-

قوله تعالى {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (7)

(1) شرح النووي لصحيح مسلم ج14 ص176.

(2)

المقنع ج3ص523-524.

(3)

آية 69 طه.

(4)

آية 69- 70 يونس.

(5)

آية 17 يونس.

(6)

انظر أضواء البيان ج4 ص442-443.

(7)

آية 103 سورة البقرة.

ص: 422

وجه الدلالة: أن الآية تدل على نفي الإيمان عن السحرة، إذ إن لو حرف امتناع، فيثبت نقيضه وهو الكفر (1)

قال ابن عباس: "كل شيء في القرآن لو فإنه لا يكون أبداً"(2)

وقال الشوكاني: "ولو أنهم آمنوا واتقوا ما وقعوا فيه من السحر والكفر"(3)

وقال ابن كثير:"وقد استدل بقوله {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا} من ذهب إلى تكفير الساحر كما هو رواية الإمام أحمد وطائفة من السلف"(4)

4-

قوله صلى الله عليه وسلم: "من أتى عرافاً أوساحراً أو كاهناً فسأله فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد"(5) في الحديث - كما نرى - تحذير من إتيان العرافين أو السحرة أو الكهنة وتصديقهم - مشيراً إلى أن تصديقهم كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وإذا كان هذا حال الآتي فكيف حال المأتي.

والكفر هنا ظاهره الكفر الحقيقي وهو الكفر الأكبر، وقيل الكفر المجازي وهو الكفر الأصغر، وقيل من اعتقد أن العراف أو الساحر أو الكاهن يعرفان الغيب ويطلعان على الأسرار الإلهية كان كافراً كفراً أكبر كمن اعتقد تأثير الكواكب، وإلا فلا. (6)

5-

قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له.... الحديث"(7)

في الحديث إشارة إلى براءة المصطفى صلى الله عليه وسلم ممن يفعل شيئا من هذه الأفاعيل التي منها السحر ولا يتبرأ صلى الله عليه وسلم من فاعل فعل مباح.

(1) انظر تفسير القرطبي ج2ص47-49 وأحكام القرآن ج1ص63-64.

(2)

الدر المنثور ج1ص103.

(3)

فتح القدير ج1ص121.

(4)

تفسير ابن كثير ج1ص144.

(5)

ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد. وقال: رواه البزار ورجاله ورجال الصحيح خلا هبيرة بن مريم، وهو ثقة. انظر: مجمع الزوائد ج5 ص121.

(6)

نيل الأوطار ج7 ص368.

(7)

ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد. قال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح خلا إسحاق بن الربيع. وهو ثقة انظر: مجمع الزوائد ج5 ص120 وكشف الأستار ج3 ص400 المتن والحاشية.

ص: 423

6-

قوله صلى الله عليه وسلم: "اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا يا رسول الله ما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات"(1) في هذا الحديث - قد عد المصطفى صلى الله عليه وسلم السحر من السبع الموبقات وأمر باجتنابها لما يترتب على فعلها من ضرر في الدنيا وعذاب في الآخرة.

قوله صلى الله عليه وسلم: "من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك ومن تعلق بشيء وكل إليه"(2)

وجه الدلالة: أن في الحديث تصريحاً بأن فاعل السحر قد أشرك.

هذا شيئ من الأدلة من الكتاب والسنة. كلها صريحة بتحريم السحر وعده إما كفراً أو معصية كبيرة - مما يدل على أن السحر قد يكون كفراً، وذلك إذا كان فيه ما يقتضي الكفر، ويكون فسقاً إذا لم يكن فيه شيء من ذلك. وهو السحر المجازي والله أعلم.

ثالثاً: عقوبة الساحر:

نظراً لتعدد أنواع السحر لذا اختلف العلماء في عقوبة الساحر على قولين:

القول الأول: وهو ما ذهب إليه جمهور أهل السنة من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار ورواية عن الإمام الشافعي أنه متى ما ثبتت جريمة السحر بحق إنسان بإقرار أو بيّنه وجب قتله مطلقاً من غير استتابة إلا أن يأتي تائباً قبل أن يقدر عليه.

(1) رواه البخاري الوصايا باب قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً} ومسلم في الايمان باب بيان الكبائر وأكبرها وأبو داؤد، والنسائي، انظر: جامع الأصول حديث 8229.

(2)

أخرجه النسائي في التحريم باب الحكم في السحرة وفي سنده عباد بن ميسرة المنقري وهو لين الحديث، جامع الأصول حديث 3071.

ص: 424

يقول الإمام أبو حنيفة: "يقتل الساحر إذا علم أنه ساحر ولا يستتاب ولا يقبل قوله إني أترك السحر وأتوب منه."فإذا أقرّ أنه ساحر فقد حل دمه، وإن شهد عليه شاهدان أنه ساحر فوصفوا ذلك بصفة يعلم أنه ساحر قتل ولا يستتاب، وإن أقرّ فقال: كنت أسحر وتركت هذا منذ زمان قبل منه ولم يقتل. وكذا لو شهد عليه أنه كان مرة ساحر وأنه ترك منذ زمان لم يقتل إلا أن يشهدوا أنه الساعة ساحر وأقرّ بذلك فيقتل. (1)

وحكى محمد بن شجاع عن علي الرازي. قال: سألت أبا يوسف عن قول أبي حنيفة في الساحر: يقتل ولا يستتاب. لمَ لم يكن ذلك بمنزلة المرتد؟ فقال الساحر جمع مع كفره السعي في الأرض بالفساد والساعي بالفساد إذا قتل قتل. (2)

وقال الإمام مالك: "الساحر كافر يقتل بالسحر ولا يستتاب ولا تقبل توبته بل يتحتم قتله كالزنديق"(3)

وقال أيضاً: "فإذا جاء الساحر أو الزنديق تائباً قبل أن يشهدوا عليهما قبلت توبتهما"(4)

وقال ابن قدامة:"

وحد الساحر القتل روي ذلك عن عمر وعثمان ابن عفان وابن عمر وحفصة وجندب بن عبد الله وجندب بن كعب وقيس ابن سعد وعمر بن عبد العزيز وهو قول أبي حنيفة ومالك

إلى أن قال: وهل يستتاب الساحر؟ فيه روايتان: أحدهما: لا يستتاب، وهو ظاهر ما نقل عن الصحابة فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه استتاب ساحراً. (5)

وقال عياض: "وبقول مالك قال أحمد وجماعة من التابعين"(6)

وقال القرطبي: "اختلف الفقهاء في حكم الساحر المسلم

فذهب مالك إلى أن المسلم إذا سحر بنفسه بكلام يكون كفراً يقتل ولا يستتاب ولا تقبل توبته؛ لأنه أمر يستسر به كالزنديق والزاني

وهو قول أحمد بن حنبل وأبي ثور وإسحاق والشافعي وأبي حنيفة. (7)

(1) أحكام القرآن ج1ص60 وانظر: تفسير الرازي ج3ص215.

(2)

أحكام القرآن ج1ص61.

(3)

فتح الباري ج10ص224، ونيل الوطار ج7ص363.

(4)

تفسير القرطبي ج2 ص49.

(5)

المغني لابن قدامة ج8ص153.

(6)

فتح الباري ج10ص224.

(7)

تفسير القرطبي ج2ص47-48.

ص: 425

وقد أيدوا قولهم بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة وأفعال الصحابة والتابعين منها ما يلي:

الأول: قال تعالى {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ

الآية} (1)

وجه الدلالة: أن الآية تدل على أن السحر كفر من وجوه - أحدها: نفي الكفر عن سليمان عليه السلام في معرض اتهامه بالسحر وإثباته للشياطين لتعليمهم الناس السحر دليل على أن السحر كفر.

ثانيها: تحذير الملكين من تعلم السحر بأنه كفر (2) . وعليه فإن الساحر يقتل لأنه كافر.

الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي عن الحسن عن جندب أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حد الساحر ضربة السيف"(3)

(1) آية 102 سورة البقرة.

(2)

المغني ج8ص152 وتفسير القرطبي ج2 ص 47، 49 وأحكام القرآن للجصاص ج1ص63.

(3)

واه الترمذي في كتاب الحدودباب ماجاء في حد الساحر ج4 ص60 وضعف إسناده حيث قال: لا نعرفه مرفوعاً: إلا من هذا الوجه وإسماعيل بن مسلم يضّعف في الحديث من قبل حفظه

والصحيح عن جندب موقوف انظر نيل الأوطار ج7ص362-363 وعلى هذا فهو عند الترمذي المرفوع ضعيف والصحيح أنه موقوف. ورواه أيضاً الحاكم في المستدرك في كتاب الحدود باب حد الساحر ضربة بالسيف ج4ص360 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ويرحج ما قاله الحاكم العمل بمدلوله عند كثير من الصحابة والتابعين - كعمر وعثمان وابن عمر وحفصة وأبي موسى وقيس بن سعد وعمر بن عبد العزيز وغيرهم - انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج2 ص48 وأحكام القرآن ج1ص60.

ص: 426

ولجندب راوي الحديث قصة توضح معنى الحديث وتؤكده وهي: أن ساحراً كان عند الوليد بن عقبة يلعب فذبح إنساناً وأبان رأسه فعجبنا فأعاد رأسه فجاء جندب الأزدي فقتله (1) .فثبت بهذا أن عقوبة الساحر هي القتل.

الثالث: ما روي عن بجالة بن عبدة قال: كنت كاتباً لجزي بن معاوية عم الأحنف بن قيس فأتى كتاب عمر قبل موته بسنة "أن اقتلوا كل ساحر وساحرة

" (2) فقتلنا ثلاث سواحر في يوم.

الرابع: ماروي عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة أنه بلغه أن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قتلت جارية لها سحرتها وكانت قد دبّرتها فأمرت بها فقتلت رواه مالك في الموطأ (3) .

الخامس: ما ذكره ابن حزم عن يحي بن أبي كثير قال: إن غلاماً لعمر بن عبد العزيز أخذ ساحرة فألقاها في الماء فطفت فكتب إليه عمر بن عبد العزيز إن الله لم يأمرك أن تلقيها في الماء فإن اعترفت فاقتلها (4) .

كما روي قتل السحرة عن غير هؤلاء من الصحابة والتابعين من الصحابة: عثمان وابن عمر وأبي موسى وقيس بن سعد، ومن التابعين سبعة منهم عمر بن عبد العزيز. (5)

وكما نرى قتل الساحر مذهب عدد من كبار الصحابة ولم يعلم لهم مخالف من الصحابة (6) .

(1) رواه البخاري في تاريخه عن أبي عثمان النهدي، انظر تيسير العزيز الحميد ص343.

(2)

رواه أبو داؤد في كتاب الإمارة باب في أخذ الجزية من المجوس ج3ص168 وأحمد في مسنده ج1 ص190- 191 وانظر: نيل الأوطار ج7 ص 362 والمغني ج8 ص 153.

(3)

الموطأ: كتاب العقول باب ما جاء في الغيلة والسحرة ج2ص628.

(4)

المحلى لابن حزم ج11 ص 395.

(5)

انظر تفسير القرطبي ج2ص48، وأضواء البيان ج4 ص461.

(6)

انظر: أضواء البيان ج4ص460.

ص: 427

وعند علماء الأصول أن الصحابي إذا قال قولاً أو فعله واشتهر ولم يعلم له مخالف فإنه يعد إجماعاً سكوتياً (1) ويؤكد هذا أنه مذهب جماعة من التابعين قال ابن قدامة - بعد أن ذكر من قال بوجوب قتل الساحرمن الصحابة وهذا اشتهر فلم ينكر فكان إجماعا (2) .

وبذلك ثبت في الكتاب والسنة والإجماع من الصحابة والتابعين قتل الساحر مطلقاً عند الجمهور.

قال الإمام الشنقيطي: "فهذه الآثار التي لم يعلم أن أحداً من الصحابة أنكرها على من عمل بها مع اعتضادها بالحديث المرفوع المذكور هي حجة من قال بقتله مطلقاً، والآثار المذكورة والحديث فيهما الدلالة على أنه يقتل ولو لم يبلغ به سحره الكفر لأن الساحر الذي قتله جندب كان سحره من نوع الشعوذة

وقول عمر: "اقتلوا كل ساحر"يدل على ذلك بصيغة العموم (3) .

القول الثاني: وهو مذهب الإمام الشافعي وابن المنذر وراية عن الإمام أحمد (4) أن الساحر إذا عمل بسحره ما يبلغ الكفر وجب قتله كفراً بعد الاستتابة أما إذا لم يبلغ الكفر وقتل نفساً قتل قصاصاً. وما سوى ذلك يعزر. يقول السبكي "وأما مذهب الشافعي فحاصله أن الساحر له ثلاثة أحوال حال يقتل كفراً، وحال يقتل قصاصاً، وحال لا يقتل أصلاً بل يعزر. أما الحالة التي يقتل فيها كفراً فقال الشافعي رحمه الله أن يعمل بسحره ما يبلغ الكفر. وشرح أصحابه ذلك بثلاثة أمثلة - أحدها: أن يتكلم بكلام هو كفر، ولاشك أن ذلك موجب للقتل ومتى تاب منه قبلت توبته وسقط عنه القتل وهو يثبت بالإقرار وبالبينة.

المثال الثاني: أن يعتقد ما يوجب الكفر مثل التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل بأنفسها، فيجب عليه أيضاً القتل

وتقبل توبته. ولا يثبت هذا القسم إلا بالإقرار.

(1) أصول الفقه الإسلامي ص 239.

(2)

المغني لابن قدامة ج8 ص 153.

(3)

أضواء البيان ج4 ص 461.

(4)

انظر: المغني لابن قدامة ج8 ص153.

ص: 428

المثال الثالث: أن يعتقد أنه حق يقدر به على قلب الأعيان فيجب عليه القتل

ولا يثبت ذلك أيضاً إلا بالإقرار، وإذا تاب قبلت توبته وسقط عنه القتل. وأما الحالة التي يقتل فيها قصاصاً فإذا اعترف أنه قتل بسحره إنسانا

وأنه مات به وأن سحره يقتل غالباً فها هنا يقتل قصاصاً ولا يثبت هذه الحالة إلا الإقرار ولا يسقط القصاص بالتوبة. وأما الحالة التي لا يقتل فيها أصلاً ولكن يعزر فهي ما عدا ذلك (1) .

وقال القرطبي: "نقل عن ابن المنذر أنه قال: "إذا أقر الرجل أنه سحر بكلام يكون كفراً وجب قتله إن لم يتبت وكذلك لو ثبتت عليه بينة، ووصفت البينة كلاماً يكون كفراً وإن كان الكلام الذي ذكر أنه سحر به ليس بكفر لم يجز قتله، فإن كان أحدث في المسحور جناية توجب القصاص اقتص منه إن عمد ذلك" (2) .

أدلتهم: وقد استدل الشافعي ومن وافقه على هذا القول بأدلة منها ما يلي:

1-

ما رواه الشافعي في مسنده من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير نفس"(3) .

يقول السبكي: بعد إيراد الحديث - "القتل"في الحالة الأولى بقوله "كفر بعد إيمان، وفي الحالة الثالثة بقوله "أو قتل نفس بغير نفس"وامتنع في الثانية لأنها ليست بإحدى الثلاث، فلا يحل دمه عملاً بصدر الحديث (4) .

2-

ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها باعت مدبرة لها سحرتها (5) .

(1) فتاوى السبكي ج2 ص324.

(2)

تفسير القرطبي ج2ص 48.

(3)

مسند الشافعي ص 164ورواه الترمذي في الفتن باب ماجاء لايحل دم امرىء إلا بإحدى ثلاث، والنسائي في تحريم الدم باب ما يحل به دم المسلم بنحوه"انظر: جامع الأصول حديث 7731 عن أبي أمامه عن عثمان أنه صلى الله عليه وسلم "قال.

(4)

فتاوى السبكي ج2 ص324.

(5)

المغني ج8 ص 153، وأضواء البيان ج4ص461.

ص: 429

وجه الدلالة: أنه لو وجب قتلها تأجل بيعها قاله ابن المنذر وغيره (1) .

3-

ما ورد في الصحيحين وغيرهما: أن لبيد بن الأعصم اليهودي سحر النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقتله (2) فوجب أن يكون المؤمن كذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: "لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين"(3) .

4-

ما وراه ابن حزم عن ربيعة بن عطاء أن "رجلاً عبداً سحر جارية عربية فكانت تتبعه فرفع إلى عروة بن محمد وكان عامل عمر بن عبد العزيز فكتب إليه عمر بن عبد العزيز أن يبيعه بغير أرضها وأرضه ثم أمره أن يدفع ثمنه إليه"(4) فعمر كما نرى أمر بتعزير فقط دليل على أنه لا يقتل. وقد استدل به الشافعية على الحالة الثالثة. مما ذكرنا يظهر - والله أعلم - أنه لا خلاف في قتل الساحر الذي بلغ بسحره الكفر أو قتل بسحره نفساً اللهم - إلا أن الجمهور قالوا يقتل حداً والشافعي ومن معه قالوا: يقتل كفراً أو قصاصاً.

وإنما الخلاف في الساحر الذي لم يبلغ بسحره الكفر ولم يقتل نفساً. فالجمهور - كما نرى- قالوا بقلته مطلقاً. والشافعي ومن معه قالوا لا يقتل، إنما يعزر. وقد رجح البعض (5) ورأي الجمهور – لاتفاق الكتاب والسنة وفعل الصحابة له من غير نكير. ولذا أجابوا عن أدلة الشافعي ومن معه بما يلي:

أما الدليل الأول: فأجيب عنه: بأن الساحر عند الجمهور كافر، ذلك أن السحر في الشرع لا يتحقق إلا بالتقرب إلى الشياطين وعبادة الكواكب ونحوه، وذلك عين الكفر، وعليه فهو حلال الدم وعلى فرض أنه ليس بكافر فإن هذا الدليل عام.

(1) اتظر: أضواء البيان ج4 ص461.

(2)

سبق تخريجه، وانظر فتح الباري ج10ص231.

(3)

رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي وابن حبان والدارقطني عن أنس كنز العمال حديث 374 ورواه النسائي في كتاب الإيمان وشرائعه باب على من يقاتل الناس ج8 ص 109 وانظر: جامع الأصول حديث 38.

(4)

المحلى لابن حزم ج1 ص 395.

(5)

انظر: تيسير العزيز الحميد 342 وأضواء البيان ج4 ص462.

ص: 430

وأدلة قتل الساحر خاصة. والخاص يقضي على العام (1) .

أما الدليل الثاني: فقيل لعل الأمة التي سحرت عائشة كان سحرها ليس فيه كفر كالأدوية ونحوها. أو أن السحر لم تعلمه وإنما عمل لها أو أنها تابت فسقط عنها القتل والكفر بتوبتها (2) .

أما الدليل الثالث: فأجيب عنه بما يلي:

1-

الرسول صلى الله عليه وسلم لم يترك قتل لبيد لأنه ليس بواجب وإنما ترك قتله خشية أن تثار فتنة بين الناس، وهي أعظم من قتل واحد. وهو ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:"قد عافاني الله فكرهت أن أثير على الناس شراً"(3) .

أو يكون في قتله تنفير عن الدخول في الإسلام.

قال القرطبي: "لا حجة على مالك من هذه القصة؛ لأن ترك قتل لبيد بن الأعصم كان لخشية أن يثير بسبب قتله فتنة، أو لئلا ينفر الناس عن الدخول في الإسلام وهو من جنس ما راعاه صلى الله عليه وسلم من منع قتل المنافقين حيث قال: " لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه" (4) .

2-

على فرض أنه صلى الله عليه وسلم ترك قتله لأنه ليس بواجب فوجب أن يكون المؤمن كذلك، لقوله صلى الله عليه وسلم:"لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم" يقال استدلال غير مسلم؛ لأن المراد بالحديث: المنقادون للدين الإسلامي فأصبحوا مسلمين لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين ويدل على ذلك أول الحديث قال صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله

حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ماعلى المسلمين" (5) وعلى هذا فليس المراد أهل الكتاب (6) .

وأما الدليل الرابع: فأجيب عنه بما يلي:

(1) انظر تيسير العزيز الحميد ص 335 وأضواء البيان ج4 ص462.

(2)

انظر المغني ج8 ص 153.

(3)

جزء من حديث سبق تخريجه.

(4)

فتح الباري ج10 ص 231.

(5)

سبق تخريجه.

(6)

انظر السحر بين الحقيقة والخيال ص 169.

ص: 431

1-

أن هذا الخبر غير صحيح؛ لأنه يتنافى مع رأي عمر إذ إنه من أصحاب القول الأول.

2-

على فرض صحة هذا الخبر فإنه مؤول بالسحر المجازي الذي يقوم على حسن البيان ونعومة الألفاظ التي تستمال بها القلوب. وهو ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "إن من البيان لسحرا"(1) . ويؤكد ذلك استدلال الشافعية به على الحالة الثالثة، وهي التعزير. ورجح البعض رأي الشافعي ومن معه، بأن دماء المسلمين حرام إلا بيقين ولا يقين مع الإختلاف (2) وأقول: الذي يظهر- والله أعلم- أن الخلاف بين الجمهور والشافعي ومن معه فيما يتأتى به السحر الحقيقي. فالجمهور: يرون أن السحر الحقيقي لايتأتى إلا بالتقرب إلى الشياطين وعبادة الكواكب ونحو ذلك، وذلك عين الكفر. ولذا كان حقه القتل مطلقاً والشافعي ومن معه يظنون أنه يتأتى بدون الشرك ولذا فصّلوا فيه. والحق أن السحر أنواع، الأول: ماله حقيقة والثاني سحر التخييل وهذان يطلق عليهما السحر الحقيقي، ولا يتأتيان إلا بقول أو فعل أواعتقاد مكفر كالتقرب إلى الشياطين وعبادة الكواكب ونحو ذلك ولذا فهو كفر يقتل صاحبه.

الثالث: السحر المجازي: وهذا يتأتى بالأدوية وبالكلام وخفة الحركة ونحو ذلك ولذا فهو ليس بكفر بل معصية حق صاحبها التعزير إذا لم يقتل نفساً (3) والله أعلم.

حكم المرأة الساحرة: اختلف في حكمها. فذهب الأئمة الثلاثة أحمد والشافعي ومالك إلى أن حكم المرأة الساحرة حكم الرجل.

وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن حكمها الحبس حتى ترجع إلى الإسلام بالتوبة، لأنها مرتدة أو تموت (4) .

(1) رواه الترمذي في الأدب باب ماجاء إن من الشعر لحكمة، وأبو داود في الآداب باب ماجاء في الشعر وانظر: جامع الأصول حديث 3219.

(2)

تفسير القرطبي ج2 ص 48، وأضواء البيان ج4 ص 462.

(3)

انظر: تيسير العزيز الحميد ص335 وعالم السحر والشعوذة ص 240-24 وأحكام القرآن ج1ص63.

(4)

انظر: تفسير ابن كثير ج1ص147 والروضة الندية ج2ص419.

ص: 432

والأظهر - والله أعلم - الأول: بدليل قول عمر: "اقتلوا كل ساحر وساحرة"حيث لم يفرق بينهما، ولأن لفظ من في قوله: صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه"(1) تشمل الأنثى على أظهر القولين وأصحهما إن شاء الله تعالى (2) .

حكم ساحر أهل الكتاب:

ذهب الإمام أبوحنيفة إلىأنه يقتل لعموم ما تقدم من الأخبار التي دلت على قتل الساحر المسلم ولأنه جناية أوجبت قتل المسلم فأوجبت قتل الذمي كالقتل (3) .

وذهب الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد، وابن شهاب الزهري إلىأنه لا يُقتل إلا أن يقتل بسحره، وهو مما يقتل غالباً لما يلي:

1-

أن لبيد بن الأعصم اليهودي سحر النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقتله

2-

أن الكتابي مشرك، والشرك أعظم من السحر ولا يقتل به (4) وقد رجح البعض (5) رأي الجمهور، ولذا أجابوا عن أدله أبي حنيفة بما يلي:

1-

أما الأخبار التي وردت في قتل الساحر المسلم، فلأن المسلم يكفر بسحره. والكتابي كافر أصلى.

2-

أما قوله "بأن السحر جناية أوجبت قتل المسلم فأوجبت قتل الذمي، كالقتل. فيقال: هذا القياس ينتقض باعتقاد الكفر والتكلم به. وينتقض بالزنى من المحصن فإنه لا يقتل به الذمي ويقتل به المسلم (6) .

(1) أخرجه البخاري في استتابة المرتد باب حكم المرتد، والترمذي في الحدود ما جاء في المرتد وانظر: جامع الأصول حديث 1801.

(2)

انظر اضواء البيان ج4ص459.

(3)

المغني لابن قدامةج8ص155،وتفسير ابن كثير ج1ص147، وفتح الباري ج10ص236.

(4)

المغني لابن قدامةج8ص155، وتفسير ابن كثير ج1ص147، وفتح الباري ج10 ص236.

(5)

مثل ابن قدامة: المغني ج8 ص155.

(6)

المغني ج8 ص155.

ص: 433

3-

ورجح البعض (1) رأي أبي حنيفة وأجابوا عن استدلال الجمهور بقصة لبيد أنه صلى الله عليه وسلم لم يقتله، لأنه لا ينتقم لنفسه، ولأنه خشي أن تثور بسبب قتله فتنه، ولئلا يكون في قتله تنفير عن الإسلام (2) .ولعل قول الجمهور أولى، لأنه غير مسلم فلا يؤاخذ بمخالفة تعاليم الإسلام. ما لم يكن في ذلك نقض للعهد.

رابعاً: توبة الساحر:

ذكرنا آنفا عند الكلام على عقوبة الساحر أن مذهب الإمام أبي حنيفة، ومالك وأبي ثور ورواية عن أحمد، وعدد من كبار الصحابة، وجماعة من التابعين أن الساحر يقتل بدون استتابة وذكرنا جملة من أقوالهم التي تؤكد ذلك وقد استدلوا على ذلك بأدلة منها:

الأول: قوله تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا

الآية} (3)

وجه الدلالة: أن الآية دلت على أن الكفار لاينفعهم الإيمان بعد رؤية العذاب. فكذلك الساحر بعد الشهادة عليه قد رأى البأس فلا ينفعه الإيمان ولا تقبل توبته (4)، الثاني: قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً

إلى قوله تعالى- إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (5)

وجه الدلالة: أن الله أطلق في هذه الآية الحكم على المحاربين والذين يسعون في الأرض فساداً إلا من تاب قبل أن يقدر عليه. ومثل ذلك الساحر، إذ هو من الذين يسعون في الأرض بالفساد - إذا تاب قبل أن يقدر عليه قبلت توبته وإلا فلا (6) .

(1) مثل الإمام الشنقيطي. أضواء البيان ج4 ص471.

(2)

انظر فتح الباري ج10ص236 وأضواء البيان ج4ص471.

(3)

آية 85 سورة غافر.

(4)

انظر تفسير القرطبي ج2 ص49 ج15 ص 336.

(5)

آية 33-34 المائدة.

(6)

انظر: فتح القدير ج2ص36 تفسير الرازي ج3ص215 الإنسان بين السحر والعين والجان ص 107.

ص: 434

الثالث: فعل الصحابة في السحرة حيث قتلوهم من غير استتابة (1) .

الرابع: أن السحر أمر باطن لا يظهره صاحبه فلا تعرف توبته كالزنديق (2) .

الخامس: أن السحر معنى في القلب، وعلم لا يزول بالتوبة، فيشبه من لم يتب (3) .

وذهب الإمام الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد (4) إلى أن الساحر يستتاب ويمهل ثلاثة أيام فإن تاب قبلت منه.

وقد استدلوا بأدلة منها:

الأول: قوله تعالى {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ} (5) .

وجه الدلالة: أن الله تعالى علق الغفران على الانتهاء عن الكفر والانتهاء لا يكون إلا بالتوبة. وعليه فالسحر كغيره من أنواع الكفر الانتهاء عنه بالتوبة سبب للمغفرة (6) .

الثاني: قوله تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (7)

(1) تفسير القرطبي ج2ص49 المغني ج8 ص153 تيسير العزيز الحميد 342.

(2)

تفسير القرطبي ج2ص49 المغني ج8 ص153 تيسير العزيز الحميد 342.

(3)

تفسير القرطبي ج2ص49 المغني ج8 ص153 تيسير العزيز الحميد 342.

(4)

تفسير بن كثير ج1 ص 147 وأضواء البيان ج4ص 456.

(5)

آية 38 الأنفال.

(6)

انظر: تفسير القرطبي ج7ص401-403 وجواهر الإكليل ج2ص 281.

(7)

آية 86- 89 آل عمران.

ص: 435

وجه الدلالة: الآيات تدل على الوعيد باللعنة والخلود بالنار للمرتد، إلا من تاب وذلك دليل على قبول توبة المرتد. وإذا كان كذلك فالساحر كغيره من المرتدين يستتاب وتقبل توبته.

يقول القرطبي:" ويدخل في الآية بالمعنى كل من راجع الإسلام وأخلص"(1) . .

الثالث: أن الله تعالى قد أخبر أن سحرة فرعون قد آمنوا وقبل توبتهم، قال تعالى عنهم: {إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ

} الآية (2) وعليه فإن المعرفة بالسحر لا تمنع قبول التوبة.

الرابع: أن ذنب الساحر ليس بأعظم من الشرك، والمشرك يستتاب.

الخامس: أن الساحر لو كان كافراً فأسلم صح إسلامه وتوبته.

السادس: أن الكفر والقتل إنما هو بعمله السحر لا بعلمه بدليل الساحر إذا أسلم. والعمل به يمكن التوبة منه، وكذلك اعتقاد ما يكفر باعتقاده يمكن التوبة منه كالشرك (3) .

ولعل القول الأول هو الأولى لظاهر عمل الصحابة، وأما قياسه على المشرك فلا يصح لأنه أكثر فساداً وكذلك لا يصح قياسه على ساحر أهل الكتاب أو الكافر لأن الإسلام يجب ما قبله (4) .

وهذا الخلاف - إنما هو في ثبوت حكم التوبة في الدنيا من سقوط القتل ونحوه. أما فيما بينه وبين الله تعالى وسقوط عقوبة الدار الآخرة عنه فلا خلاف في صحة توبته إن كان صادقاً فإن الله تعالى لم يسد باب التوبة عن أحد من خلقه، ومن تاب إلى الله قبل توبته لا خلاف في ذلك (5) .

المبحث الرابع: علاج السحر "النشرة ":

(1) تفسير القرطبي ج4 ص129 –130.

(2)

آية 78 طه.

(3)

انظر المغني ج8 ص153- 154 وتيسير العزيز الحميد ص343.

(4)

انظر: تيسير العزيز الحميد ص343.

(5)

المغني ج8 ص154.

ص: 436

تقديم: السحر - كما هو معلوم - داء يؤثر يقتل ويمرض ويفرق بين المرء وزوجه. ولما كان كذلك اقتضى أن يسعى في علاجه من باب الأخذ بالأسباب المؤدية إلى الشفاء لأن الله تعالى ما أنزل داءً إلا أنزل له دواء قال: صلى الله عليه وسلم: "ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء"(1) وقال: صلى الله عليه وسلم – فيما روي عن أسامة بن شريك قال: قالت الأعراب يا رسول الله ألا نتداوى؟ قال: نعم، يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء، أو قال: دواء

الحديث" (2) .

وعلى هذا فالسحر داء كغيره يبحث له عن دواء. ويطلق على ذلك الدواء إذا وجد "النشرة".

ما هي النشرة؟ لغة: مصدر نشر ينشر نشراً، وهو في لغة العرب يرد لمعان منها: الريح الطيبة.

قال مرقش:

النشر مسك والوجوه

دنانير وأطراف الأكف عَنم

ومنها: الإحياء. يقال: نشر الله الميت ينشره نشراً ونشوراً: أحياه كما قال تعالى {وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (3) ومنها البسط. تقول نشرت الثوب: أي بسطته ومنها: الإذاعة. يقال نشرت الخبر أنشره نشراً أي أذعته.

ومنها: النحت أو القطع، نقول: نشرت الخشبة بالمنشار أي نحتها أو قطعتها (4) . والمراد هنا بالنشرة: هي حل السحرعن المسحور برقية أو علاج وسميت بذلك؛ لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء، أي يكشف ويزال (5) .

حكمها: حل السحر عن المسحور إما أن يكون بسحر مثله، وهذا لا يجوز لما فيه من التقرب إلى الشياطين.

(1) رواه البخاري عن أبي هريرة في كتاب الطب باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء برقم 5678 وأحمد ج1ص377.

(2)

رواه الترمذي في كتاب الطب باب ما جاء في الدواء والبحث عنه ج4 ص 383 وقال حديث حسن صحيح، وأبي داود برقم 3855 في الطب باب ما جاء في الرجل يتداوى - وانظر: جامع الأصول حديث 5628.

(3)

آية 15 سورة الملك.

(4)

انظر لسان العرب، مادة نشر.

(5)

انظر تيسير العزيز الحميد ص 367 والنهاية في غريب الحديث والأثر ج5 ص54.

ص: 437

وإما أن يكون بالرقية الشرعية والأدوية المباحة، وهذا جائز.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "النشرة حل السحرعن المسحور وهي: نوعان، حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن (1) فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب فيبطل عمله عن المسحور.

والثاني: النشرة بالرقية والتعويذات والأدوية والدعوات المباحة، فهذا جائز (2) .

وقال الشيخ حافظ حكمي: "يحرم حل السحر عن المسحور بسحر مثله، فإنه معاونة للساحر وإقرار له على عمله وتقرب إلى الشياطين بأنواع القرب ليبطل عمله عن المسحور

" (3) .

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله: "وقال بعض الحنابلة يجوز الحل بسحر ضرورة. والقول الآخر: أنه لا يحل، وهذا الثاني هو الصحيح"(4) .

صفتها: للنشرة الجائزة صفات كثيرة منها ما يلي:

الأولى: الرقى والأوراد المشروعة.

يقول الشيخ ابن باز: "ومن الأدعية الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم في علاج الأمراض من السحر وغيره وكان صلىالله عليه وسلم يرقى بها أصحابه "اللهم رب الناس اذهب البأس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاءً لا يغادر سقما" (5) ومن ذلك الرقية التي رقى بها جبريل عليه السلام – النبي صلى الله عليه وسلم وهي قوله "بسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، بسم الله أرقيك" (6) وليكرر ذلك ثلاثاً"(7) .

(1) هو الحسن البصري روي عنه أنه قاللا يحل السحر إلا ساحر انظر: فتح الباري ج10 ص233 وتيسير العزيز الحميد ص367.

(2)

تيسير العزيز الحميد ص 367.

(3)

معارج القبول ج1 ص530.

(4)

فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم ج1ص165.

(5)

رواه البخاري في الطب باب رقية النبي صلى الله عليه وسلم برقم 5410.

(6)

رواه مسلم في السلام باب الطب والمرض والترمذي في الجنائز باب ماجاء في التعوذ للمريض.

(7)

انظر رسالة في حكم السحر والكهانة للشيخ عبد العزيز بن باز ص14-15 وانظر جامع الأصول حديث 5715.

ص: 438

وروى ابن أبى حاتم وأبو الشيخ عن ليث بن أبي سليم قال:"بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله تقرأ في إناء فيه ماء ثم يصب على رأس المسحور.

1-

قوله تعالى: {فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} (1) .

2-

وقوله تعالى {فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقلِبُونَ} (2) .

3-

وقوله تعالى {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} (3)(4) .

وقال ابن القيم: "ومن أنفع الأدوية وأقوى ما يوجد من النشرة مقاومة السحر الذي هومن تأثيرات الأرواح الخبيثة بالأدوية الإلهية من الذكر والدعاء والقراءة، فالقلب إذاكان ممتلئا من الله معموراً بذكره وله وردمن الذكر والدعاء والتوجه لا يخل به كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السحر له. ومنه أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه"(5) .

الثانية: استخراج السحر وإبطاله:

(1) آية 81 – 82 يونس.

(2)

آية 118-125 الأعراف.

(3)

آية 69 طه.

(4)

انظر تيسير العزيز الحميد ص 368.

(5)

فتح الباري ج10 ص235 وانظر: الطب النبوي ص 126-127.

ص: 439

والمقصود بذلك البحث عن موضع السحر ثم استخراجه وإتلافه، وبذلك يبطل السحر - إن شاء الله.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في علاج السحر نوعان:

أحدها: وهو أبلغها استخراجه وإبطاله كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سأل ربه سبحانه وتعالى في ذلك فدل عليه فاستخرجه من بئر، فكان في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر. فلما استخرجه ذهب ما به حتى كأنما نشط من عقال. فهذا من أبلغ ما يعالج به المطبوب، وهذا بمنزلة إزالة المادة الخبيثة وقلعها من الجسد بالاستفراغ (1) .

وروى البيهقي في الدلائل عن عمرة عن عائشة قصة سحر لبيد للنبي صلى الله عليه وسلم وفيه: فأتاه جبريل بالمعوذتين فقال: يا محمد {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} (2) وحل عقدة {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} (3) وحل عقدة حتى فرغ منها ثم قال {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} (4) وحل عقدة حتى فرغ منها وحل العقد كلها (5) .

الثالثة: العلاج باستعمال أدوية مباحة نص عليها رسول الهدى صلى الله عليه وسلم منها: التصبح كل يوم بسبع تمرات من عجوة المدينة.

عن عامر بن سعد عن أبيه قال: قال صلى الله عليه وسلم: "من اصطبح كل يوم بتمرات عجوة لم يضره سم ولا سحر ذلك اليوم إلى الليل، وفي رواية بسبع تمرات"(6) .

والعجوة: ضرب من أجود تمر المدينة وألينه.

والاصطباح: تناول الشيء صباحاً (7) .

وقال ابن حجر: ثم هل هو خاص بزمان نطقه صلى الله عليه وسلم أو في كل زمان؟ هذا محتمل ويرفع هذا الاحتمال التجربة المتكررة فمن جرب ذلك فصح معه عرف أنه مستمر وإلا فهو مخصوص بذلك الزمان (8) .

(1) الطب النبوي ص 124-125 فتح الباري ج10 ص200.

(2)

آية 1سورة الفلق.

(3)

آية 2 سورة الفلق.

(4)

آية 1 سورة الناس.

(5)

دلائل النبوة ج7ص94.

(6)

رواه البخاري في كتاب الطب باب الدواء بالعجوة للسحر برقم 5435-5436.

(7)

انظر: فتح الباري ج10ص238.

(8)

انظر: فتح الباري ج10 ص240.

ص: 440

الرابعة: العلاج بالاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر وهي الحجامة. قال ابن القيم: ".... النوع الثاني: الاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر فإن للسحر تأثيراً في الطبيعة وهيجان أخلاطها وتشويش مزاجها، فإذا ظهر أثره في عضو وأمكن استفراغ المادة الرديئة من ذلك العضو نفع جداً. وقد ذكر أبو عبيد (1) : في كتاب غريب الحديث له بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى:"أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم على رأسه بقرن حين طب" (2) قال أبو عبيد: معنى طب سحر"(3) .

الخامس: استعمال ورق السدر مع الرقية.

وبيانه: أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ عليه آيه الكرسي والمعوذتين وآيات السحر الواردة في الأعراف، ويونس، وطه ثم يحسو منه ثلاث حسوات ويغتسل بالباقي. وهوعلاج لأشر أنوع السحر وهو السحر الذي يربط الرجل عن زوجته.

يقول القرطبي: " وروي عن ابن بطال قال: "وفي كتاب وهب بن منبه أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ عليه آية الكرسي ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ويغتسل به فإنه يذهب عنه كل ما به - إن شاء الله تعالى - وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله" (4) .

(1) هو القاسم بن سلام.

(2)

انظر غريب الحديث له ج2 ص43 وتهذيب الآثار للطبري ج2 ص124.

(3)

زاد المعاد ج3ص104.

(4)

الجامع لأحكام القرآن ج2 ص49-50 وانظر: تفسير ابن كثير ج1 ص148.

ص: 441

وقال الشيخ ابن باز: "ومن علاج السحر - بعد وقوعه - أيضاً وهو علاج نافع للرجل إذا حبس عن جماع أهله، أن يأخذ سبع ورقات من السدر الأخضر فيدقها بحجر ونحوه ويجعلها في إناء ويصب عليها من الماء ما يكفيه للغسل ويقرأ فيها آية الكرسي، وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله احد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، وآيات السحر التي في سورة الأعراف وهي قوله تعالى {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} (1) .

والآيات التي في سورة يونس: وهي قوله تعالى {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} (2) والآيات التي في سورة طه: وهي قوله تعالى {قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} (3) .

(1) آية 117-122 سورة الأعراف.

(2)

آية 79-82 يونس.

(3)

آية 65-69 سورة طه.

ص: 442

وبعد قراءة ما ذكر في الماء يشرب بعض الشيء ويغتسل بالباقي وبذلك يزول الداء إن شاء الله (1) . .

الخاتمة

بسم الله بدأنا وبحمده والشكر له ختمنا ونصلي ونسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد: فإنه من خلال كتابتي لهذا البحث المتواضع - توصلت إلى نتائج هامة منها ما يلي:

· الأولى: أن السحر في اللغة - يرد لمعان منها: الأخذة، وكل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر. ومنها البيان في فطنة، ومنها الخديعة.

· الثانية: أن السحر في الاصطلاح عرف بتعاريف كثيرة مختلفة ومتباينة بسبب كثرة الأنواع الداخلة تحته ولاختلاف المذاهب فيه بين الحقيقة والتخيل منها ما يصدق على ما لا حقيقة له أو ما هو سحر في اللغة، ومنها - ما يصدق على ما له حقيقة وأثر ومنها- ما يصدق على الأمرين وهو الأولى.

· الثالثة: أن السحر أنواعه كثيرة منها ما له حقيقة. ومنها ما ليس له حقيقة ومنها ما هو سحر في اللغة وهو السحر المجازي.

· الرابعة: أن القول الصحيح في السحر أن له حقيقة وأثراً ثابتة في الكتاب والسنة وهو قول أهل السنة والجماعة.

· الخامسة: أن تعلم السحر وتعليمه حرام وهو قول الجمهور من علماء أهل السنة.

· السادسة: أن العلم بالسحر محرم بالكتاب والسنة بلا خلاف بين أهل العلم لكنه يكون كفراً إذا تضمن قولاً أو فعلاً أو اعتقاداً يقتضي الكفر – وهو السحر الحقيقي - ويكون فسقاً إذا لم يكن فيه شيء من ذلك وهو السحر المجازي.

· السابعة: أن مذهب جمهور أهل السنة من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار ورواية عن الإمام الشافعي أنه متى ثبتت جريمة السحر بحق إنسان وجب قتله مطلقاً.

· الثامنة: أن الأظهر في حكم المرأة المسلمة الساحرة هو حكم الرجل.

· التاسعة: أن ساحر أهل الكتاب لا يقتل إلا أن يقتل بسحره وهو مما يقتل غالباً وهو قول الجمهور.

· العاشرة: أن الساحر يقتل بدون استتابة وهو قول الجمهور.

(1) رسالة في حكم السحر والكهانة للشيخ عبد العزيز بن باز ص 15-17.

ص: 443

· الحادية عشرة: أن السحر كغيره يبحث له عن علاج ويطلق على دوائه إذا وجد النشرة والمراد بالنشرة: هو حل السحر عن المسحور.

· الثانية عشرة: أن حل السحر عن المسحور إما أن يكون بسحر مثله وهذا لا يجور لما فيه من التقرب إلى الشياطين. وإما أن يكون بالرقية الشرعية والأدوية المباحة وهذا جائز.

· الثالثة عشرة: أن للنشرة الجائزة صفات كثيرة منها:

1-

الرقى بالأوراد المشروعة.

2-

استخدام السحر وإبطاله.

العلاج باستعمال أدوية مباحة نص عليها المصطفى صلى الله عليه سلم مثل التصبح بسبع تمرات.

3-

العلاج بالاستفراغ في المحل الذي يصل أذى السحر وهي الحجامة.

4-

استعمال ورق السدر مع الرقية.

هذه أهم النتائج التي توصلت إليها.

وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم

فهرس المصادر والمراجع

1-

أحكام القرآن، لأبي بكر أحمدبن علي الرازي الجصاص. ط الأولي 1415هـ دار الكتب العلمية بيروت - لبنان.

2-

أسباب النزول للسيوطي - "بهامش قرآن تفسير وبيان"دار الرشيد دمشق بيروت.

3-

أسباب النزول للنيسابوري، لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري علم الكتب بيروت لبنان.

4-

أصول الفقه الإسلامي بدران أبو العينين بدران. الناشر مؤسسة شباب الجامعة الإسكندرية.

5-

أضواء البيان، الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي ط.1403هـ المطابع الأهلية للأوفست الرياض.

6-

الإنسان بين السحر والعين والجان، زهيرالحموي -ط الأولي 1410هـ مكتبة دار التراث الكويت.

7-

بدائع الفوائد، للإمام ابن قيم الجوزية - دار الفكر.

8-

تفسير الطبري "جامع البيان في تفسير القرآن"أبو جعفر محمد بن جرير الطبري. ط 1406هـ دار المعرفة. بيروت لبنان.

9-

التفسير القيم، للإمام ابن القيم - ط - 1398هـ دار الكتب العلمية بيروت لبنان.

10-

التفسير الكبير، فخرالدين الرازي – ط - الثالثة دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان.

ص: 444

11-

تفسير ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل ابن كثير القرشي الدمشقي، ط 1388هـ دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت لبنان.

12-

التنقيح المشبع، علاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المرداوي، الناشر المؤسسة السعيدية بالرياض.

13-

التوحيد، لأبي منصور الماتريدي تحقيق د. فتح الله خليف. الناشر دار الجامعات المصرية الإسكندرية.

14-

تهذيب الآثار، محمد بن جرير الطبري. مطابع دار الصفاء 1402هـ.

15-

تيسير العزيز الحميد، سليمان بن عبد الله بن محمدبن عبد الوهاب مكتبة الرياض الحديثة بالرياض.

16-

الجامع لأحكام القرآن، محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ط الأولي مكتبة السلام العالمية القاهره - دار الثقافة القاهرة.

17-

جامع الأصول، مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد "ابن الأثير الجزري" ط.1390هـ مكتبة الحلواني مطبعة الملاح مكتبة دار البيان.

18-

جواهر الإكليل، صالح عبد السميع الآتي الأزهري دار المعرفة بيروت لبنان.

19-

حاشية رد المحتار على الدر المختار، محمد أمين بن عابدين. ط الثانية 1386هـ مصطفى البابي.

20-

الدر المنثور، جلال الدين السيوطي - دار المعرفة للطباعة والنشر. بيروت لبنان.

21-

دلائل النبوة، لأبي بكر بن الحسين البيهقي - ط الأولى 1405هـ دار الكتب العلمية بيروت لبنان.

22-

رسالة في حكم السحر والكهانة، للشيخ عبد العزيز بن باز. ط 1415هـ. مطابع القصيم.

23-

روائع البيان تفسير آيات الأحكام من القرآن، محمد علي الصابوني. الناشر دار التراث العربي مطبعة نهضة مصر.

24-

روح المعاني، لأبي الفضل شهاب الدين محمود الألوسي البغدادي دار الطباعة المنيرية،دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان.

25-

الروضة الندية شرح الدرر البهية، لأبي الطيب صديق بن حسن بن علي بن حسن القنوجي البخاري. المكتبة العصرية بيروت لبنان.

26-

زاد المعاد في هدي خير العباد، للإمام ابن قيم الجوزية ط. الثانية 1392هـ دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.

ص: 445

27-

السحر بين الحقيقة والخيال، أحمد بن ناصر الحمد. ط. الأولى 1408هـ مكتبة التراث بمكة.

28-

السحر بن الحقيقة والوهم، عبد السلام عبد الرحيم السكري. ط1407هـ مطبعة دار الكتب الجامعية الحديثة - طنطا.

29-

سنن الترمذي، محمد بن عيسى بن سورة الترمذي ط.1382هـ شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.

30-

سنن أبي داود، سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي تحقيق - محمد محي الدين عبد الحميد المكتبة العصرية صيدا، بيروت.

31-

سنن النسائي، أبوعبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر النسائي. الناشر دار الكتب العلمية بيروت لبنان.

32-

شرح صحيح مسلم، للإمام النووي، نشر وتوزيع رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية.

33-

شرح المهذب،لأبي زكريا محي الدين بن شرف النووي، دار الفكر.

34-

صحيح البخاري، محمدبن إسماعيل البخاري. ط الأولى 1401هـ دار القلم دمشق بيروت.

35-

صحيح مسلم، لأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري،دار المعرفة للطباعة والنشر. بيروت لبنان.

36-

الطب النبوي، لابن قيم الجوزية. ط التاسعة 1406هـ مؤسسة الرسالة عالم الكتب الرياض.

37-

عالم السحر والشعوذة، د. عمر سليمان الأشقر. ط الأولى 1410هـ مكتبة الفلاح للنشروالتوزيع، الكويت،دار النفائس الكويت.

38-

غريب الحديث، لأبي عبيد القاسم بن سلام "الهروي"ط. الأولى 1384هـ مطبعة مجلس دائرة المعارف - بحيدر آباد الدكن.

39-

الفتاوى لشيخ الإسلام، أحمدبن تيمية تصوير الطبعة الأولى 1398هـ.

40-

فتاوى السبكي، لأبي الحسن تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي. ط الأولى 1412هـ دار الجيل بيروت لبنان.

41-

فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم، جمع وترتيب ابن قاسم، مطبعة الحكومة بمكة المكرمة. ط الأولى 1399هـ.

42-

فتح الباري، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني. نشر وتوزيع رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية.

ص: 446

43-

فتح المجيد، لعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ. ط 1403هـ نشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية بالمملكة العربية السعودية.

44-

الفصل، لأبي محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري – ط الأولى مطبعة التمدن 1321هـ دار الفكر.

45-

القاموس المحيط، لمجد الدين محمدبن يعقوب الفيروز آبادي الشيرازي. دار الفكر بيروت 1398هـ.

46-

الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل، لعبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة، الطبعة الرابعة 1405هـ المكتب الإسلامي.

47-

كشف الأستار عن زوائد البزار، لعلي بن أبي بكر الهيثمي ط. الأولى 1404هـ مؤسسة الرسالة.

48-

كنز العمال، لعلاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الهندي البرهان فوري ط. الخامسة 1405هـ، مؤسسة الرسالة بيروت لبنان.

49-

لسان العرب،لابن منظور، دار لسان العرب بيروت - لبنان.

50-

متشابه القرآن، لعبد الجباربن أحمد الهمذاني - دار الثقافة بالقاهرة، دار النصر للطباعة بالقاهرة.

51-

مجمع الزائد،علي بن أبي بكر الهيثمي - مؤسسة الرسالة بيروت لبنان 1406هـ.

52-

المحلى، لعلي بن أحمد بن سعيد بن حزم منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت لبنان.

53-

مختصر تفسير الطبري، لابن صمادح الأندلسي دار الشروق القاهرة.

54-

المستدرك على الصحيحين، لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري،دار الكتب العلمية بيروت لبنان.

55-

المسند،لأحمد بن حنبل. ط الخامسة 1405هـ المكتب الإسلامي. بيروت لبنان.

56-

مسند الشافعي، محمد بن إدريس الشافعي،دار الكتب العلمية بيروت لبنان الطبعة الأولى 1400هـ.

57-

المصنف، لعبد الرزاق بن همام الصنعاني. ط الأولى 1392هـ المكتب الإسلامي بيروت لبنان.

58-

معارج القبول، حافظ بن أحمد الحكمي ط. الأولى 1410هـ دار ابن القيم المملكة العربية السعودية، الدمام.

59-

المغني، عبد الله بن احمد بن قدامة المقدسي،ط. مكتبة الرياض الحديثة بالرياض.

ص: 447

60-

المقنع، عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي ط. 1402هـ، مكتبة الرياض الحديثة بالرياض.

61-

الموطأ، للإمام مالك رواية يحي الليثي. إعداد أحمد راتب عمر موسى ط. السابعة 1404هـ دار النفائس بيروت لبنان.

62-

الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، لأبي القاسم هبة الله بن سلامة ط. الأولى 1414هـ دار الحكمة للطباعة والنشر. دمشق سورية.

63-

النبوات، للإمام شيخ الإسلام أحمد بن تيمية. مكتبة الرياض الحديثة.

64-

النهاية في غريب الحديث والأثر، مجد الدين أبي السعادات المبارك ابن محمد الجزري "ابن الأثير "المكتبة العلمية بيروت لبنان.

65-

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، محمد بن علي الشوكاني، نشر وتوزيع رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية.

ص: 448

تابع لحقيقة السحر وحكمه في الكتاب والسنة

فهرس المصادر والمراجع

- القرآن الكريم.

- الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان:

بترتيب الأمير علاء الدين علي بن بلبان.

- أحكام القرآن:

تأليف محمد بن عبد الله؛ المعروف بابن العربي، المتوفى سنة 543هـ، تحقيق علي بن محمد البجاوي، الناشر دار المعرفة.

- أحكام القرآن:

تأليف عماد الدين بن محمد الطبري؛ المعروف بألكيا الهراسي، المتوفى 504هـ، الناشر دار الكتب العلمية، بيروت.

- أحكام القرآن:

تأليف أبي بكر بن أحمد بن علي الرازي الجصاص، المتوفى 370هـ، الناشر دار الكتاب العربي، بيروت.

- الاختيار لتعليل المختار:

تأليف عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي، المتوفى 683هـ، الناشر مكتبة محمد علي صبيح وأولاده، القاهرة.

- إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل:

تأليف محمد بن ناصر الدين الألباني، إشراف زهير الشاويش، الناشر المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى عام 1399هـ.

- الاستذكار:

لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر، المتوفى463هـ، تحقيق علي ناصف، الناشر لجنة إحياء التراث الإسلامي، الطبعة الأولى.

- الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية:

لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي، المتوفى 911هـ، الناشر دار الكتب العلمية، بيروت 1399هـ.

- الإشراف على مسائل الخلاف:

للقاضي عبد الوهاب بن علي البغدادي، المتوفى 422هـ، الناشر مطبعة الإدارة، الطبعة الأولى.

- الأصل:

لمحمد بن الحسن الشيباني، المتوفى 189هـ، تعليق أبي الوفاء الأفغاني، طبع حيدر آباد الدكن، الهند 1391هـ.

- الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار:

لمحمد بن موسى بن عثمان الحازمي، الطبعة الأولى.

- إعلاء السنن:

تأليف ظفر أحمد العثماني، الناشر إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، كراتشي باكستان، الطبعة الأولى.

- الإفصاح عن معاني الصحاح:

تأليف يحيى بن محمد بن هبيرة، المتوفى 560هـ، الناشر المؤسسة السعيدية، الرياض.

ص: 449

- الأم:

للإمام محمد بن إدريس الشافعي، المتوفى 204هـ، مطبعة الشعب، القاهرة.

- الانتصار في المسائل الكبار على مذهب الإمام أحمد بن حنبل:

لأبي الخطاب محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني، المتوفى 510هـ، تحقيق د. سليمان العمير، د. عوض رجاء العوفي، د. عبد العزيز البعيمي الطبعة الأولى 1413هـ، الناشر مكتبة العبيكان، الرياض.

- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد:

لعلاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المرداوي، المتوفى سنة 855هـ، تحقيق محمد حامد الفقي، الطبعة الأولى سنة 1376هـ.

- الأوسط:

لأبي بكر محمد بن المنذر، المتوفى سنة 318هـ، تحقيق الدكتور أبو حماد صغير، الناشر دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى.

- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع:

تأليف علاء الدين مسعود الكاساني الحنفي، الناشر زكريا علي يوسف، طبع بمطبعة الإمام بمصر.

- بداية المجتهد ونهاية المقتصد:

لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، المتوفى سنة 595هـ، الناشر دار المعرفة، بيروت.

- بلغة السالك لأقرب المسالك إلى مذهب مالك:

لأحمد بن محمد الصاوي، المتوفى سنة 1241هـ الناشر دار المعرفة، بيروت.

- البيان والتحصيل:

لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، المتوفى سنة 520هـ، الناشر دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان 1404هـ.

- تاج العروس من جواهر القاموس:

تأليف محمد بن مرتضى الزبيدي، الناشر دار مكتب الحياة، بيروت.

- تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:

لأبي يعلي محمد بن عبد الرحمن المباركفوري، المتوفى سنة 1353هـ، تصحيح عبد الرحمن محمد عثمان، طبع الاتحاد العربي 1384هـ، الناشر المكتبة السلفية.

- تحفة الفقهاء:

لعلاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي، المتوفى سنة 540هـ تحقيق محمد المنتصر، ووهبة الزحيلي، الناشر دار الفكر، بيروت.

- التعريفات:

للشريف علي بن محمد الجرجاني، الناشر دار الكتب العلمية، بيروت 1403هـ.

- التفريع:

ص: 450

لأبي القاسم عبيد الله بن الحسين بن الجلاب، المتوفى سنة 378هـ، دراسة وتحقيق د. حسين بن سالم الدهماني، الناشر دار الغرب الإسلامي الطبعة الأولى 1408هـ.

- تفسير القرآن العظيم:

لإسماعيل بن عمر بن كثير، المتوفى سنة 774هـ، تحقيق عبد العزيز غنيم، ومحمد أحمد عاشور، ومحمد إبراهيم البنا، كتاب الشعب.

- تقريب التهذيب:

للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، المتوفى سنة 852هـ، الناشر دار الرشد، سوريا، حلب.

- التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير:

للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، المتوفى سنة 852هـ، تصحيح السيد هاشم عبد الله اليماني، الناشر، دار المعرفة، بيروت.

- تلخيص المستدرك:

لشمس الدين أبي عبد الله بن أحمد الذهبي، المتوفى سنة 848هـ، مطبوع بذيل المستدرك، الناشر دار الباز للنشر والتوزيع، مكة.

- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد:

لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر، المتوفى سنة 463هـ، الناشر مطبعة فضالة، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، المغرب.

- جامع البيان في تفسير القرآن:

لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، المتوفى سنة 310هـ تحقيق محمود محمد شاكر، الناشر دار المعارف بمصر، الطبعة الثانية.

- الجامع لأحكام القرآن:

تأليف محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، المتوفى سنة 671هـ، الناشر دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1362هـ.

- الجرح والتعديل:

لأبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، المتوفى سنة 327هـ، الناشر دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى 1362هـ.

- جواهر الإكليل شرح مختصر خليل:

لصالح عبد السميع الآبي الأزهري، الناشر دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي، مصر.

- الجوهر النقي:

لعلاء الدين بن علي بن عثمان الشهير بابن التركماني، المتوفى 745هـ، مطبوع بذيل السنن الكبرى للبيهقي.

- حاشية علي سنن الترمذي:

ص: 451

لأحمد شاكر، مطبوعة بذيل سنن الترمذي، الناشر مصطفى البابي الحلبي وشركاه.

- حاشية رد المحتار على الدر المختار المعروف بحاشية ابن عابدين:

لمحمد أمين الشهير بابن عابدين، المتوفى سنة 1252هـ، مع التكملة لنجل المؤلف، الناشر مصطفى البابي الحلبي، مصر، الطبعة الثانية 1386هـ.

- الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي:

لأبي الحسن علي بن محمد الماوردي، المتوفى سنة 405هـ تحقيق علي محمد معوض، عادل عبد الموجود، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 1414هـ.

- حلية العلماء:

لمحمد بن أحمد الشاشي القفال، المتوفى سنة 507هـ، تحقيق د. ياسين أحمد دراكه، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى 1400هـ.

- الذخيرة:

لشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، المتوفى سنة 684هـ، تحقيق د. محمد حجي، مطبعة دار الغرب الإسلامي، بيروت.

- روضة الطالبين:

لأبي زكريا محي الدين بن شرف النووي، المتوفى سنة 676هـ، الناشر المكتب الإسلامي.

- سنن الترمذي (الجامع الصحيح) :

للحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي، المتوفى سنة 279هـ، تحقيق أحمد شاكر ورفقاه، الناشر مصطفى البابي الحلبي، القاهرة.

- سنن الدارقطني:

للحافظ علي بن عمر الدارقطني، المتوفى سنة 385هـ، تحقيق عبد الله هاشم المدني، الناشر دار المحاسن للطباعة، القاهرة.

- سنن أبي داود:

للحافظ أبي داود سليمان الأشعث السجستاني، المتوفى سنة275هـ، تحقيق عزت عبيد الدعاس، طبع محمد علي السيد، حمص.

- السنن الكبرى:

لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، المتوفى سنة 458هـ، الناشر دار الفكر.

- سنن ابن ماجه:

لأبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، المتوفى سنة 275هـ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر عيسى البابي.

- سنن النسائي:

لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، المتوفى سنة 303هـ، الناشر دار إحياء التراث، بيروت.

- شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك:

ص: 452

لمحمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني، المتوفى سنة 1122هـ، الناشر دار المعرفة، بيروت.

- شرح الزركشي على مختصر الخرقي:

لشمس الدين الزركشي، المتوفى سنة 772هـ، تحقيق وتخريج د. عبد الله الجبرين، طبع بمطابع العبيكان، الرياض.

- شرح السنة:

لأبي محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي، المتوفى سنة 516هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط، وزهير الشاويش، الطبعة الأولى 1390هـ، الناشر المكتب الإسلامي.

- الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك:

لأحمد بن محمّد بن أحمد، المعروف بالدّردير المتوفّى سنة: 1206هـ الناشر دار المعارف بمصر.

- شرح فتح القدير على الهداية:

لكمال الدين محمد بن عبد الواحد، المعروف بابن الهمام الحنفي، المتوفى سنة 681هـ، الطبعة الثانية عام 1397هـ، الناشر دار الفكر.

- شرح ابن القيم على سنن أبي داود:

للإمام محمد بن أبي بكر؛ المعروف بابن القيم، المتوفى سنة 571هـ، مطبوع مع مختصر المنذري.

- شرح معاني الآثار:

لأبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي الحنفي، المتوفى سنة 321هـ، الناشر دار الكتب العلمية، بيروت.

-الشرح الممتع على زاد المستقنع:

للشيخ محمد بن صالح العثيمين، الطبعة الأولى 1415هـ مؤسسة آسام للنشر، الرياض.

- شرح منظومة المرشد المعين:

للشيخ محمد بن أحمد الفاس.

- شرح النووي على صحيح الإمام مسلم:

لأبي زكريا محي الدين بن شرف النووي، المتوفى سنة 676هـ، الناشر دار الفكر، بيروت.

- صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري:

لمحمد بن ناصر الدين الألباني، الناشر مكتبة ابن تيميه، القاهرة.

- صحيح البخاري:

للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، المتوفى سنة 256هـ، بتصحيح محمد ذهني.

- صحيح ابن خزيمة:

لأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي، المتوفى سنة 311هـ، تحقيق د. محمد مصطفى الأعظمي، الناشر شركة الطباعة العربية السعودية، الرياض 1401هـ.

ص: 453

- صحيح سنن أبي داود، صحيح سنن ابن ماجه، صحيح سنن الترمذي، صحيح سنن النسائي:

لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، المكتب الإسلامي، بيروت، الناشر مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض.

- صحيح مسلم:

للإمام مسلم بن حجاج القشيري، المتوفى سنة 261هـ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر عيسى البابي الحلبي، 1374هـ.

- عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة:

لجلال الدين ابن شاس، المتوفى616هـ، تحقيق د. محمد أبو الأجفان، عبد الله منصور، الطبعة الأولى 1415هـ، دار الغرب الإسلامي، بيروت.

- عمدة القاري شرح صحيح البخاري:

لبدر الدين أبي محمد محمود بن أحمد العيني، المتوفى سنة 855هـ، الناشر مطبعة البابي الحلبي، مصر، الطبعة الأولى 1392هـ.

- الغاية القصوى في دراية الفتوى:

لقاضي القضاة عبد الله بن عمر البيضاوي، المتوفى سنة 685هـ، تحقيق علي محي الدين القرة داغي، الناشر دار الإصلاح، الدمام، السعودية.

- غاية المرام شرح مغني ذوي الأفهام:

لعبد المحسن بن ناصر آل عبيكان، الناشر مكتبة العبيكان، الرياض.

- فتاوى وتنبيهات ونصائح:

لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الطبعة الأولى 1419هـ، دار الأندلس، حائل.

- فتح العزيز شرح الوجيز وهو الشرح الكبير:

لأبي القاسم عبد الكريم محمد الرافعي، المتوفى سنة 623هـ، مطبوع مع المجموع، ومع التلخيص الحبير لابن حجر، الناشر دار الفكر، بيروت.

- الفروع:

لشمس الدين أبي عبد الله بن مفلح المقدسي، المتوفى سنة 763هـ، الطبعة الثانية، 1388هـ، الناشر عالم الكتب.

- القوانين الفقهية:

لأبي القاسم محمد بن جزي، المتوفى سنة 741هـ، الناشر دار العلم، بيروت.

- الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل:

لموفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامه، المتوفى سنة 620هـ، تحقيق زهير الشاويش، الطبعة الثالثة عام 1402هـ، الناشر المكتب الإسلامي، بيروت.

- الكافي في فقه أهل المدينة:

ص: 454

لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر، تحقيق محمد بن محمد ولد ماديك الموريتاني، الناشر المحقق عام 1399هـ.

- الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية:

لأبي البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي، منشورات وزارة الثقافة الإرشاد القومي، دمشق.

- اللباب في الجمع بين السنة والكتاب:

لأبي محمد علي بن زكريا المنبجي، المتوفى سنة 686هـ، تحقيق محمد فضل مراد، الطبعة الأولى عام1403هـ، الناشر دارالشروق، جدة.

- لسان العرب:

لأبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، الناشر دار صادر بيروت.

- المباشرة وأثرها في نقض العبادة:

تأليف د. عبد العزيز مبروك الأحمدي، الناشر دار البخاري للنشر والتوزيع، 1416هـ.

- المبدع في شرح المقنع:

لأبي إسحاق برهان الدين إبراهيم بن محمد عبد الله بن مفلح، المتوفى سنة 884هـ، الطبعة الثالثة بالأوفست 1318هـ، الناشر دار المعرفة بيروت.

- المبسوط:

لأبي بكر محمد بن أحمد السرخسي، المتوفى سنة 483هـ، الطبعة الثالثة بالأوفست عام 1398هـ، الناشر دار المعرفة، بيروت.

- مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر:

تأليف عبد الله بن الشيخ محمد بن سليمان؛ المعروف بـ (داما أفندي) المتوفى سنة 1078هـ الناشر دار إحياء التراث العربي.

- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد:

لنورالدين علي بن أبي بكر الهيثمي، المتوفى سنة 807هـ الناشر مكتبة القدس، القاهرة، 1352هـ.

- المجموع شرح المهذب:

لأبي زكريا محي الدين بن شرف النووي، المتوفى سنة 676هـ مع تكملته لابن السبكي والمطيعي، الناشر دار الفكر.

- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: المتوفى سنة 728هـ

جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم وابنه محمد، الطبعة الأولى1381هـ، الناشر دار الكتاب العربي، بيروت.

- المحرر في الفقه:

لمجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله الحراني، المتوفى سنة 652هـ، الناشر دار الكتاب العربي، بيروت.

- المحلى:

ص: 455

لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، المتوفى سنة 456هـ، قوبلت هذه النسخة على النسخة التي حققها أحمد شاكر، الناشر دار الفكر.

- مختصر الطحاوي:

لأبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي، المتوفى سنة 321هـ، تحقيق أبي الوفاء الأفغاني، الناشر مطبعة دار الكتاب العربي، القاهرة، عام 1370هـ.

- مختصر القدوري في الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة:

لأبي الحسن أحمد بن محمد القدوري، المتوفى سنة 428هـ، الناشر مصطفى البابي الحلبي، مصر، الطبعة الثانية 1377هـ.

- المدونة الكبرى:

رواية سحنون بن سعيد عن أبي القاسم عن الإمام مالك بن أنس، الناشر دار الفكر، بيروت، 1398هـ.

- مراتب الإجماع:

لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، المتوفى سنة 456هـ، الناشر دار الكتب العلمية، بيروت.

- مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود:

لأبي داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق السجستاني، المتوفى سنة 275هـ، الناشر دار المعرفة، بيروت.

- مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله:

لعبد الله بن أحمد بن حنبل، تحقيق د. علي بن سليمان المهنا، الطبعة الأولى، الناشر مكتبة الدار بالمدينة المنورة.

- المستدرك على الصحيحين:

لأبي عبد الله بن عبد الله المعروف بالحاكم، المتوفى سنة 848هـ، الناشر دار الباز للنشر والتوزيع، مكة.

- المستوعب:

لنصير الدين السامري، المتوفى سنة 616هـ، تحقيق د. مساعد الفالح، الطبعة الأولى 1413هـ، مكتبة المعارف، الرياض.

- مسند الإمام أحمد بن حنبل:

وضعه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، المتوفى سنة 241هـ، الطبعة الرابعة سنة 1403هـ، الناشر المكتب الإسلامي، بيروت.

- مسند الإمام الشافعي:

وضعه الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، المتوفى سنة 204هـ، الناشر دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 1400هـ.

- المصباح المنير:

لأحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي، المتوفى سنة 770هـ، الناشر المطبعة الأميرية ببولاق، مصر، الطبعة الأولى 1321هـ.

ص: 456

- المصنف:

للحافظ عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، المتوفى 235هـ، تحقيق عامر العمري الأعظمي، الطبعة الثانية 1399هـ، الناشر الدار السلفية الهند.

- المصنف:

للحافظ أبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني، المتوفى سنة 213هـ، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الأولى 1392هـ، الناشر المكتب الإسلامي، بيروت.

- معالم التنزيل:

لأبي محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي، المتوفى سنة 516هـ، تحقيق خالد العك، مروان سوار، الطبعة الأولى 1406هـ، الناشر دار المعرفة، بيروت.

- معجم الطبراني الكبير:

للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، المتوفى سنة 388هـ، تحقيق حمدي السلفي، الناشر مطبعة الأمة، بغداد.

- معجم لغة الفقهاء:

تأليف د. محمد رواس، د. حامد صادق، الناشر دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى 1405هـ.

- معجم مقاييس اللغة:

لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، المتوفى سنة 395هـ، تحقيق عبد السلام هارون، الطبعة الثانية1392هـ، الناشر مصطفى الحلبي، مصر

- المعجم الوسيط:

تأليف د. إبراهيم أنيس، د. عبد الحليم منتصر، د. عطية الصوالحي، أشرف على الطبع حسن عطية، محمد شوقي أمين، مطابع دار المعارف.

- معرفة السنن والآثار:

لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، المتوفى سنة 458هـ، تحقيق د. عبد المعطي أمين، الناشر دار الوعي، القاهرة.

- المعونة على مذهب عالم المدينة الإمام مالك بن أنس:

للقاضي أبي محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي، المتوفى سنة 422هـ، تحقيق د. حميش عبد الحق، الناشر المكتبة التجارية، مكة المكرمة.

- المغني:

لأبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامه المقدسي، المتوفى سنة 620هـ، تحقيق د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، ود. عبد الفتاح الحلو، الناشر هجر للطباعة والنشر، القاهرة.

- مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المناهج:

للشيخ محمد الشربيني الخطيب، المتوفى سنة 977هـ، الناشر مطبعة مصطفى البابي الحلبي، عام 1377هـ.

ص: 457

- مفردات ألفاظ القرآن:

للعلامة الراغب الأصفهاني، المتوفى سنة 425، الطبعة الأخيرة عام 1412هـ، الناشر دار القلم، دمشق.

- المقدمات الممهدات:

لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد، المتوفى سنة 520هـ، تحقيق د. حمد صبحي، الناشر دار الغرب الإسلامي.

- المهذب في فقه الإمام الشافعي:

لأبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي، المتوفى سنة 476هـ، الناشر شركة ومطبعة الحلبي وأولاده، عام 1396هـ.

- المنتقى شرح موطأ الإمام مالك:

لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، المتوفى سنة 494هـ، الطبعة الثالثة الأوفست 1403هـ، الناشر دار الكتاب العربي، بيروت.

- منهاج الطالبين:

لأبي زكريا محي الدين بن شرف النووي، المتوفى سنة 676هـ، المتن المطبوع مع مغني المحتاج، الناشر مصطفى البابي الحلبي، مصر1367هـ.

- مواهب الجليل لشرح مختصر خليل:

لأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن؛ المعروف بالحطاب، المتوفى سنة 954هـ، الطبعة الثانية 1398هـ.

- موطأ الإمام مالك:

وضعه إمام دار الهجرة مالك بن أنس، المتوفى سنة 179هـ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر عيسى البابي الحلبي، 1370هـ.

- نصب الراية لأحاديث الهداية:

لجمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي، المتوفى سنة 762هـ، الطبعة الثانية الأوفست من الطبعة الأولى عام 1357هـ، دار المأمون، القاهرة.

- النهاية في غريب الحديث والأثر:

لمجد الدين أبي السعادات المبارك بن الأثير الجزري، المتوفى سنة 606هـ تحقيق محمود محمد الطناحي، الناشر المكتبة الإسلامية.

- نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج:

لشمس الدين محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة الرملي، المتوفى سنة 400هـ، الناشر شركة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، الطبعة الأخيرة 1386هـ.

- نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار:

لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني، المتوفى سنة 1255هـ، الناشر مكتبة الدعوة الإسلامية، شباب الأزهر.

- الوسيط في المذهب:

ص: 458

لحجة الإسلام محمد بن محمد بن محمد الغزالي، المتوفى سنة 505هـ تحقيق علي محي الدين علي القرة داغي، الناشر دار النصر للطباعة الإسلامية بمصر، الطبعة الأولى 1404هـ.

ص: 459

أحكام

اللّمس في الطّهارة

المقدمة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (1) .

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} (2)

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} (3) .

أما بعد:

(1) آية: (102) من سورة آل عمران.

(2)

آية: (1) من سورة النساء.

(3)

آية: (70) و (71) من سورة الأحزاب.

ص: 460

فإن التفقه في الدين أمر يجلُّ قدره، ويعظم شأنه، نوه الله تعالى بفضله في محكم تنزيله، فقال عز وجل:{فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّين} (1) وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيرية في التفقه في الدين حيث قال: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين"(2) فتبين بذلك ما للفقه في الدين من مكانة ومنزلة مرموقة، فأشرف العلوم علوم أحكام أفعال العباد، إذ الله لم يخلق الخلق عبثاً بل خلقهم لتحقيق أسمى الغايات وهي العبادة ولا يتحقق ذلك إلا بالتفقه في الدين ألا وإن من الأمور التي ينبغي للمرء معرفتها وفقهها أحكام اللمس ما تنتقض به الطهارة فلا تصح معه العبادة وما لا تنتقض به، فأحببت أن أفرد هذا الموضوع ببحث مستقل أبين فيه مباحثه ومسائله وما يتعلق به سائلاً الله عز وجل الإعانة والتوفيق.

خطة البحث

قسمت هذا البحث إلى مقدمة، وتمهيد، وثلاثة فصول:

المقدمة:

وتشتمل على الافتتاحية، وخطة البحث ومنهجه.

التمهيد:

ويشتمل على تعريف اللمس والفرق بينه وبين المس ومفهومهما في الكتاب والسنة.

الفصل الأول:

في لمس العورة، وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: في لمس الفرج، وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: في لمس الرجل فرجه.

المطلب الثاني: في لمس فرج الغير.

المطلب الثالث: في لمس المرأة فرجها.

المبحث الثاني: في لمس غير الفرج من العورة، وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: في لمس الدبر.

المطلب الثاني: في لمس الأنثيين والألية والعانة.

المطلب الثالث: في لمس فرج البهيمة.

المبحث الثالث: في كيفية اللمس، وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: في اللمس ببطن الكف وبظهره.

المطلب الثاني: في اللمس بقصد وبغير قصد.

المطلب الثالث: في اللمس من وراء حائل.

الفصل الثاني:

(1) آية: (122) من سورة التوبة.

(2)

أخرجه البخاري 1/25، 26 في كتاب العلم باب من يرد الله به خيراً يفقهه من حديث معاوية رضي الله عنه.

ص: 461

في لمس غير العورة من البدن، وفيه مبحثان:

المبحث الأول: في لمس المرأة والرجل، وفيه أربعة مطالب:

المطلب الأول: في لمس الرجل للمرأة والمراة للرجل.

المطلب الثاني: في لمس الأمرد.

المطلب الثالث: في لمس الرجل للرجل.

المطلب الرابع: في لمس المرأة للمرأة.

المبحث الثاني: في لمس المحارم والصغير وما اتصل بالجسم ووضوء الملموس، وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: في لمس المحارم والصغيرة.

المطلب الثاني: في لمس ما اتصل بالجسم كالشعر والظفر والسن.

المطلب الثالث: في وضوء الملموس.

الفصل الثالث:

في لمس الميت والمصحف، وفيه مبحثان:

المبحث الأول: في لمس الميت، وفيه مطلبان:

المطلب الأول: في لمس الميت أثناء تغسيله.

المطلب الثاني: في لمس الميت أثناء حمله أو غيره.

المبحث الثاني: في لمس المصحف، وفيه مطلبان:

المطلب الأول: في لمس المصحف باليد مباشرة.

المطلب الثاني: في حمل المصحف بدون ملامسته باليد مباشرة.

الخاتمة

منهج البحث

سلكت في إعداد هذا البحث المنهج الآتي:

1-

جمعت المادة العلمية المتعلقة بأحكام اللمس في الطهارة.

2-

درست المسائل الواردة في هذا البحث دراسة موازنة، وحرصت على بيان المذاهب الأربعة في كل مسألة، وقد أذكر في المسألة أقوال بعض الصحابة والتابعين وغيرهم من الفقهاء كما أنني ذكرت قول الظاهرية في بعض المسائل مراعياً في ذلك الترتيب الزمني بين الفقهاء.

3-

حرصاً مني على إخراج المسائل بأسلوب مبسط، يسهل معه معرفة الحكم في المسألة، صدرتها بالإجماع إن كانت من المسائل المجمع عليها، كما أنني إن رأيت الخلاف ليس قوياً في المسألة صدرت المسألة بقول أكثر أهل العلم وبعد ذلك أشير إلى القول المخالف ثم أذكر أدلة كل قول وما قد يرد عليه من نقاش إن وجد، ثم أختم المسألة بالقول الراجح وقد أؤخر المناقشة مع الترجيح.

4-

حرصت على نقل أقوال الفقهاء من مصادرها الأصلية.

ص: 462

5-

ذكرت أرقام الآيات القرآنية الواردة في البحث مع بيان أسماء سورها.

6-

خرجت الأحاديث الواردة في البحث مبيناً الكتاب والباب والجزء والصفحة، فإن كان الحديث في الصحيحين أو في أحدهما اكتفيت بتخريجه منهما أو من أحدهما، وإن لم يكن فيهما أو في أحدهما اجتهدت في تخريجه من كتب السنة الأخرى مع ذكر درجة الحديث صحة أو ضعفاً معتمداً على الكتب التي تعنى بذلك.

7-

بينت معاني الكلمات التي تحتاج إلى بيان معتمداً على الكتب التي تعنى بذلك.

8-

لم أترجم للأعلام الواردة في البحث خشية الإطالة.

9-

بينت في نهاية البحث في الخاتمة أهم النتائج التي توصلت إليها.

10-

وضعت فهرساً للمصادر التي اعتمدت عليها مرتباً حسب الحروف الهجائية، وآخر للموضوعات.

التمهيد

في التعريف باللمس والفرق بينه وبين المس واللمس في الكتاب والسنة.

تعريف اللمس في اللغة:

لمس: بفتح فسكون مصدر لمس الشيء، أمسه بيده فهو لا مس، ولمس المرأة باشرها.

واللام والميم والسين أصل واحد يدل على تطلب شيء ومسيسه أيضاً. تقول: تلمست الشيءإذا تطلبته، ويأتي بمعنى الحس.

وقال ابن الأعرابي: اللمس قد يكون مس الشيء بالشيء ويكون معرفة الشيء وإن لم يكن ثم جوهر.

وقال الراغب الأصفهاني: "اللمس مطلقاً؛ لأنه يقال المس إدراك بظاهر البشرة، واللمس والملامسة المجامعة مجازاً".

تعريف اللمس في اصطلاح الفقهاء:

هو: قوة منبثقة في جميع البدن تدرك بها الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، ونحو ذلك عند التماس الاتصال به.

وقيل هو: إلصاق الجارحة بالشيء وهو عرف باليد؛ لأنها آلته الغالبة، ويستعمل كناية عن الجماع.

وقيل هو: أن يلمس الرجل بشرة المرأة والمرأة بشرة الرجل بلا حائل بينهما.

وقيل: حقيقة اللمس ملاقاة البشرتين.

وكما هو واضح من هذه التعاريف كلها تدل على أن المراد من اللمس ملاقاة البشرتين.

الفرق بين اللمس والمس:

ذُكرت بعض الفروق بين اللمس والمس ومن ذلك:

ص: 463

أن مطلق التقاء الجسمين يسمى مساً، فإن كان بالجسد سمي مباشرة، وإن كان باليد سمي مساً، وإن كان بالفم على وجه مخصوص سمي قبلة.

أن المس كاللمس لكن اللمس قد يقال لطلب شيء وإن لم يوجد والمس يقال فيما يكون معه إدراك بحاسة اللمس.

أن اللمس لصوق بإحساس، والمس أقل تمكناً من الإصابة وهو أقل درجاتها.

أنه يكنى بالمس عن النكاح والجنون، ويقال في كل ما ينال الإنسان من أذى مس، ولا اختصاص له باليد لأنه لصوق فقط، وهذا بخلاف اللمس فإنه يكون باليد.

أن اللمس أخص من المس إذ لا يطلق إلا على مس لطلب معنى من حرارة مثلاً.

أن المس لا يكون إلا بباطن الكف، واللمس يكون بأي جزء من البدن.

أن المس يكون من شخص واحد بخلاف اللمس فإنه لا يكون إلا بين اثنين.

أن المس يختص بالفرج بخلاف اللمس فلا يختص به.

مفهوم اللمس في القرآن الكريم:

ورد ذكر اللمس والمس في عدة آيات من القرآن الكريم:

1-

قول الله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ

} (1) .

2-

قول الله تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} (2) .

3-

قول الله تعالى: {قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً

} (3) .

4-

قول الله تعالى: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً} (4) .

واللمس في القرآن الكريم ليس مقصوراً على معنى واحد أو مفهوم واحد فإنه يكنى به عن النكاح حيث يقال مسَّها وماسها ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} (5) والمسيس كناية عن النكاح.

(1) آية: (43) من سورة النساء، وآية:(6) من سورة المائدة.

(2)

آية: (7) من سورة الأنعام.

(3)

آية: (13) من سورة الحديد.

(4)

آية: (8) من سورة الجن.

(5)

آية: (237) من سورة البقرة.

ص: 464

ويكنى به عن المس بالجنون قال تعالى: {الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} (1) .

والمس يقال في كل ما ينال من أذى كقوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّاماً مَعْدُودَةً} (2) .وكقوله تعالى: {مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ} (3) .

وكقوله تعالى: {ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} (4) .

ويكنى باللمس عن الجس باليد كقوله تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} (5) .

ويكنى باللمس عن الطلب كقوله تعالى: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً} (6) .

ويطلق اللمس والمس على المباشرة في الفرج ومنه قوله تعالى: {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} (7) .

أما قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} (8) . وقريء: {أو لمستم النساء} (9) . فاختلف المفسرون والأئمة في معنى ذلك على قولين:

أحدهما: أن ذلك كناية عن الجماع.

الثاني: أن المراد بذلك: كل لمس بيد كان أو بغيرها من أعضاء الإنسان.

قال ابن جرير: "وأولى القولين بالصواب قول من قال عنى الله بقوله: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} الجماع دون غيره من معاني اللمس لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنه قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ".

(1) آية: (275) من سورة البقرة.

(2)

آية: (80) من سورة البقرة.

(3)

آية: (214) من سورة البقرة.

(4)

آية: (48) من سورة القمر.

(5)

آية: (7) من سورة الأنعام.

(6)

آية: (4) من سورة الجن.

(7)

آية: (287) من سورة البقرة.

(8)

من آية: (43) من سورة النساء، ومن آية:(6) من سورة المائدة.

(9)

انظر: معالم التنزيل 1/433، تفسير القرآن العظيم 2/275.

ص: 465

وفسره بذلك حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما الذي علمه الله تأويل كتابه واستجاب فيه دعوة رسوله صلى الله عليه وسلم وتفسيره أولى من تفسير غيره لتلك المزية.

وبناء على هذا الاختلاف في مفهوم اللمس اختلف الفقهاء في أثر هذا اللمس هل ينتقض به الوضوء أو لا؟ وسيأتي الكلام عليه مفصلاً إن شاء الله في الفصل الثاني من هذا البحث.

مفهوم اللمس في السنة:

ورد ذكر اللمس في عدة أحاديث من ذلك:

1-

حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم نهى عن المنابذة: وهي طرح الرجل ثوبه إلى رجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه؛ ونهى عن الملامسة والملامسة لمس الثوب لا ينظر إليه.

قال ابن الأثير: "هو أن يقول: إذا لمست ثوبي أو لمست ثوبك فقد وجب البيع".

2-

حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أتى ماعز بن مالك النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت؟ "(1)

3-

ما جاء عن عائشة رضي الله عنها في حديث البيعة أنها قالت: "ولا والله ما مست يده امرأة قط في المبايعة ما يبايعهن إلا بقوله قد بايعتك على ذلك".

ويظهر من هذه الأحاديث أن اللمس الوارد فيها هو اللمس باليد وهو ليس مقصوراً على ذلك.

بل ورد اللمس بمعنى البحث والتحري ومنه:

1-

حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان".

2-

حديث ابن عباس رضي الله عنهما في شأن ليلة القدر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "التمسوها في العشر الأواخر من رمضان"(2) .

الفصل الأول

في لمس العورة

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: في لمس الفرج.

(1) أخرجه البخاري 7/24 في كتاب الحدود باب: هل يقول الإمام لعلك لمست أو غمزت.

(2)

أخرجه البخاري 2/254 في كتاب فضل ليلة القدر، باب: تحري ليلة القدر ومسلم 1/823 في كتاب الصيام باب فضل ليلة القدر.

ص: 466

المبحث الثاني: في لمس غير الفرج من العورة.

المبحث الثالث: في كيفية اللمس.

المبحث الأول

في لمس الفرج

وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: في لمس الرجل فرجه.

المطلب الثاني: في لمس فرج الغير.

المطلب الثالث: في لمس المرأة فرجها.

المطلب الأول

في لمس الرجل فرجه

اتفق الفقهاء على أن من لمس فرجه بغير يده من أعضائه أنه لا ينتقض وضوءه.

واختلفوا فيمن مس فرجه بيده على قولين:

القول الأول: أن من لمس ذكره انتقض وضوءه، وهو مروي عن عمر ابن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي أيوب الأنصاري، وزيد بن ثابت، وجابر بن عبد الله، وعائشة، وأم حبيبة، وبسرة بنت صفوان، وبه قال مكحول، وسعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، وعروة، وسليمان بن يسار، والزهري، ويحيى بن أبي كثير، والشعبي، وأبو العالية، والأوزاعي، والليث.

وهو المشهور من مذهب الإمام مالك والشافعي إذا كان اللمس بباطن الكف، وأحمد في المذهب، وداود وابن حزم.

القول الثاني: أن من لمس ذكره لا ينتقض وضوءه، وهو مروي عن علي، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وابن عباس، وحذيفة، وعمران بن حصين، وأبي الدرداء، وهو قول سعيد بن جبير، وطاووس والنخعي، والحسن بن حيي، وشريك، وابن المبارك، ويحيى بن معين، والحسن البصري، وقتادة، والثوري.

وإليه ذهب أبو حنيفة، ومالك في قول، وأحمد في رواية، واختاره ابن المنذر، وابن تيمية.

الأدلة:

استدل أصحاب القول الأول بالأدلة التالية:

ص: 467

1-

حديث بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من مس ذكره فليتوضأ"(1) .

(1) أخرجه مالك في الموطأ 1/42 في الطهارة باب: الوضوء من مس الفرج، والشافعي في مسنده 1/21، وأحمد في المسند 6/406، وأبو داود 1/126 في الطهارة باب: الوضوء من مس الذكر، والترمذي 1/126 في الطهارة باب: الوضوء من مس الذكر وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي 1/100، في الطهارة باب: الوضوء من مس الذكر وابن ماجه 1/161 في الطهارة باب: الوضوء من مس الذكر، وابن حبان في الإحسان1/220، والبيهقي1/128، والدارقطني1/146وصححه، وابن خزيمة1/22، والحديث صححه الإمام أحمد كما في مسائل الإمام أحمد لأبي داود ص 309 وصححه ابن حبان، وابن خزيمة، والدارقطني، ونقل الترمذي عن البخاري أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة، وحسنه النووي في المجموع 2/35. وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير 1/122: صححه يحيى ابن معين والبيهقي والحازمي. وقال البيهقي: هو على شرط البخاري بكل حال، ونقل عن الإسماعيلي أنه يلزم البخاري إخراجه فقد أخرج نظيره، وصححه الألباني في إرواء الغليل 1/150.

ص: 468

2-

حديث أم حبيبة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من مس فرجه فليتوضأ"(1) .

3-

حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس بينهما شيء فليتوضأ وضوءه للصلاة"(2) .

4-

ولأنه لمس يفضي إلى خروج المذي فأشبه مس الفرج بالفرج.

5-

أن الذكر يختلف عن سائر الجسد لأنه تتعلق به أحكام ينفرد بها من وجوب الغسل بإيلاجه والحد والمهر وغير ذلك.

وقد اعترض على هذه الأدلة بما يأتي:

حديث بسرة اعترض عليه بعدة اعتراضات أهمها:

(1) أخرجه ابن ماجة1/162في الطهارة باب: الوضوء من مس الذكر، والبيهقي1/130 والطحاوي 1/75، وقال الحافظ في التلخيص1/124: أما حديث أم حبيبة فصححه أبو زرعة والحاكم، وأعله البخاري بأن مكحولاً لم يسمع من عنبسة بن أبي سفيان، وكذا قال يحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي أنه لم يسمع منه، وخالفهم دحيم وهو أعرف بحديث الشاميين، فأثبت مكحول من عنبسة، وقال الخلال في العلل: صحح أحمد حديث أم حبيبة. أخرجه ابن ماجة من حديث العلاء بن الحارث عن مكحول. وقال ابن السكن: لا أعلم به علة. وقال الألباني في إرواء الغليل 1/151: والحديث صحيح على كل حال؛ لأنه إن لم يصح بهذا السند فهو شاهد جيد لما ورد في الباب من أحاديث.

(2)

أخرجه أحمد في المسند 2/333، والدارقطني 1/147، والبيهقي 1/133، والطحاوي في شرح معاني الآثار 1/74، والحاكم في المستدرك 1/138 وصححه، وابن حبان في الإحسان 2/222. وقال ابن عبد البر في التمهيد 17/195، والاستذكار 1/312 كان هذا الحديث لا يعرف إلا ليزيد بن عبد الملك النوفلي وهذا مجمع على ضعفه حتى رواه عبد الرحمن بن القاسم عن نافع بن أبي نعيم القاري وهذا إسناد صالح إن شاء الله. وقال النووي في المجموع 2/35، وفي إسناده ضعف لكنه يقوى بكثرة طرقه. قال الحافظ في التلخيص 1/12: قال ابن السكن: هو أجود ما روي في هذا الباب.

ص: 469

1-

رواه عنها مروان بن الحكم وهو كان يحدث في زمانه مناكير ولذلك لم يقبل عروة منه.

2-

أن ربيعه شيخ مالك قال: "ويحكم مثل هذا يأخذ به أحد ويعمل بحديث بسرة؟ والله لو أن بسرة شهدت على هذا النعل لما أجزت شهادتها، وإنما قوام الدين الصلاة، وإنما قوام الصلاة الطهور، فلم يكن في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من يقيم هذا الدين إلا بسرة".

3-

قال ابن معين: لم يصح في مس الذكر حديث.

4-

رواية ابن وهب عن مالك أن الوضوء من مس الذكر سنة فكيف يصح عنده هذا الحديث ثم يستجيز هذا القول؟

5-

أن الرجل أولى بنقله من بسرة.

6-

أنه مما تعم به البلوى فينبغي أن ينقل مستفيضاً ولما لم يكن كذلك دل على ضعفه.

7-

إنكار كبار الصحابة لحكمه كعلي وابن مسعود وغيرهما كما تقدم في القول الثاني.

8-

أنه مخالف لإجماع الصحابة.

9-

لو سلم بصحته يحمل على غسل اليد لأنهم كانوا يستجمرون ثم يعرقون ثم يؤمر من مس موضع الحدث بالوضوء الذي هو النظافة.

10-

أنه معارض بحديث طلق، والقياس على سائر الأعضاء.

وقد أجيب على هذه الاعتراضات بما يأتي:

1-

أن مروان كان عدلاً ولذلك كانت الصحابة تأتم به وتغشى طعامه وما فعل شيئاً إلا عن اجتهاد، وإنكار عروة لعدم اطلاعه.

2-

أن عدم استقلال المرأة في الشهادة لا يدل على عدم قبول روايتها وإلا لما قبلت رواية كثير من الصحابيات.

قال الشافعي: "والذي يعيب علينا الرواية عن بسرة يروي عن عائشة بنت عجرد وأم خداش وعدة من النساء لسن بمعروفات ويحتج بروايتهن ويضعف بسرة مع سابقتها وقديم هجرتها وصحبتها النبي صلى الله عليه وسلم وقد حدثت بهذا في دار المهاجرين والأنصار وهم متوافرون ولم يدفعه

منهم أحد بل علمنا بعضهم صار إليه منهم عروة بن الزبير".

ص: 470

3-

إذا لم يصح الحديث عند ابن معين فقد صح عند غيره فقد صححه الجماهير من الأئمة الحفاظ واحتج به الأوزاعي والشافعي وأحمد وهم أعلام الحديث والفقه فلو كان باطلاً لم يحتجوا به، لكنه مع هذا لم يثبت عند ابن معين كما قال الحافظ ابن حجر وابن الجوزي.

4-

أن مالكاً لم يطعن في الصحة وإنما تردد في دلالة اللفظ هل هي للوجوب أم للندب؟

5-

أن بسرة لم تنفرد بروايته بل رواه نحو خمسة عشر من الرجال والنساء فإن في الباب عن أم حبيبة وأبي هريرة وأروى بنت أنس وعائشة وجابر وزيد بن خالد وعبد الله بن عمرو وسعد بن أبي وقاص وأم سلمة وابن عباس وابن عمر والنعمان بن بشير وأنس وأُبي بن كعب ومعاوية بن حيدة وقبيصة رضي الله عنه.

6-

أن الخبر نقل مستفيضاً.

7-

أن الحديث لم يثبت عندهم أو لم يبلغهم، وقد بلغهم حديث طلق ولم يبلغهم ما ينسخه ولو بلغهم لقالوا به ولا يجب على الصحابي أن يطلع على سائر الأحاديث.

8-

أنه لم ينعقد في هذه المسألة إجماع وإلَاّ لما ساغ الخلاف فيها ومن أراد الاطلاع على معرفة قدر اختلاف الصحابة فيها فليراجع المصادر التي ذكرتها عند عرض الأقوال في أول المسألة.

9-

أن حديث طلق الذي استدل به أصحاب القول الثاني لا يصح والقياس الذي ذكروه في قبالة النص فيكون فاسداً.

10-

أن الألفاظ الشرعية الأصل فيها أن تحمل على الحقيقة إلا إذا ورد دليل يصرفها عنها ولم يرد بل ورد هنا ما يخالفه كما تقدم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره - ليس بينهما شيء - فليتوضأ وضوءه للصلاة"(1) .

(1) انظر: سبق تخريجه ص: (222) .

ص: 471

قال البيهقي وغيره: "ويكفي في ترجيح حديث بسرة على حديث طلق أن حديث طلق لم يحتج الشيخان بأحد من رواته، وحديث بسرة قد احتجا بسائر رواة حديثها، وهذا وجه رجحان حديثها على حديث طلق من طريق الإسناد؛ لأن الرجحان إنما يقع بوجود شرائط الصحة والعدالة في حق هؤلاء الرواة دون من خالفهم".

واستدل أصحاب القول الثاني بالأدلة الآتية:

1-

حديث قيس بن طلق، عن أبيه قال:"قدمنا على نبي الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا نبي الله، ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ؟ فقال:"هل هو إلا مضغة (1) منه؟ أو قال: بضعة (2) منه"

2-

ما روى جعفر بن الزبير عن القاسم، عن أبي أمامه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني مسست ذكري وأنا أصلي، فقال:"لا بأس إنما هو حذية (3) منك"(4)

3-

إجماع أهل العلم على أن لا وضوء على من مس بولاً أو غائطاً أو دماً فمس الذكر أولى أن لا يوجب وضوءاً.

وقد اعترض على هذه الأدلة بما يأتي:

1-

أن حديث طلق ضعيف باتفاق المحدثين وقد بين البيهقي وجوهاً من ضعفه.

2-

أنه منسوخ بحديث بسرة لأن أبا هريرة قد رواه وهو متأخر الإسلام ووفادة طلق على النبي صلى الله عليه وسلم كانت في السنة الأولى من الهجرة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبني مسجده وقدوم أبي هريرة وإسلامه كان في السنة السابعة من الهجرة.

(1) المضغة: القطعة من اللحم قدر ما يمضغ. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر 4/339 المصباح المنير 2/699.

(2)

بضعة: بالفتح القطعة من اللحم. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر 1/123، المصباح المنير 1/65.

(3)

حذية: أي قطعة قيل هي بالكسر: ما قطع من اللحم طولاً. انظر النهاية في غريب الحديث والأثر 1/357.

(4)

أخرجه ابن ماجه 1/163 في الطهارة باب: الرخصة في ذلك، وفي سنده جعفر بن الزبير متروك، والقاسم ضعيف كما في التقريب 140، ونصب الراية 1/69.

ص: 472

3-

أنه محمول على المس من فوق حائل لأنه قال: سألته عن مس الذكر في الصلاة، والظاهر أن الإنسان لا يمس ذكره في الصلاة بدون حائل.

4-

أن حديث بسرة أكثر رواة من حديث طلق كما تقدم.

5-

أن حديث بسرة فيه احتياط للعبادة.

6-

أن حديث جعفر بن الزبير حديث ضعيف كما تقدم في تخريجه.

7-

أن القياس الذي ذكروه قياس في مقابل النص فيكون فاسداً.

وقد أجيب عن هذه الاعتراضات بما يلي:

1-

القول بأن حديث طلق حديث ضعيف باتفاق المحدثين غير مسلم فقد صححه كما سبق في تخريجه الطحاوي، وابن حبان، وابن حزم وغيرهم.

2-

دعوى النسخ لا تقبل إذ ليس في حديث بسرة ما يدل على النسخ

3-

أن كثرة الرواة لا أثر لها في باب الترجيحات لأن طريق كل واحد منهما غلبه الظن فصار كشهادة شاهدين مع شهادة أربعة.

الراجح:

أطال أهل العلم النقاش حول هذه المسألة وأكثروا الاحتجاج لها وذهب كل فريق يرجح حديثه الذي احتج به بمرجحات ومبررات وقد اختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الجمع بين الأدلة فحمل الأمر بالوضوء من مس الذكر على الاستحباب وأخذ به الشيخ محمد ابن عثيمين رحمه الله للقرينة الصارفة في حديث طلق السابق ذكره وهي: "وهل هو إلا بضعة منك" وليس فيه نسخ، وحمل الأمر على الاستحباب أولى من النسخ.

وأما دعوى أن حديث طلق منسوخ لأنه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبني المسجد أول الهجرة، ولم يعد إليه بعد، فهذا غير مسلم لما يأتي:

1-

أنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع، والجمع هنا ممكن ومن أوجه الجمع:

أ-حمل حديث بسرة وما شابهه على ما كان لشهوة، وحديث طلق على ما إذا كان لغير شهوة.

ب-أن يكون الأمر في حديث بسرة للاستحباب، وحديث طلق السؤال فيه للوجوب، فهو سأل عن الواجب "أعليه"وكلمة "على"ظاهرة في الوجوب.

ص: 473

2-

أن في حديث طلق علة لا يمكن أن تزول، وإذا ربط الحكم بعلة لا يمكن أن تزول، فإن الحكم لا يمكن أن يزول لأن الحكم يدور مع علته، والعلة قوله:"إنماهو بضعة منك" ولا يمكن في يوم من الأيام أن يكون ذكر الإنسان ليس بضعة منه، فلا يمكن النسخ.

3-

أن أهل العلم قالوا: إن التاريخ لا يعلم بتقدم إسلام الراوي أو تقدم أخذه، لجواز أن يكون الراوي حدث به عن غيره.

وخلاصة القول في المسألة كما ذكر الشيخ محمد العثيمين: "أن الإنسان إذا مس ذكره استحب له الوضوء مطلقاً سواء مس بشهوة أو بغير شهوة وإذا مسه لشهوة فالقول بالوجوب قوي جداً وهو الأحوط" والله تعالى أعلم.

المطلب الثاني

في مس ذكر الغير

بينت في المطلب السابق حكم انتقاض وضوء الإنسان بمس ذكره وفي هذا المطلب أذكر حكم مس الإنسان لذكر غيره.

والكلام في هذه المسألة مبني على الكلام في مسألة من مس ذكره.

فذهب الفقهاء القائلون بنقض الوضوء من مس الإنسان ذكره إلى أنه لا فرق بين مس الإنسان ذكره وذكر غيره

وذهب داود وابن حزم إلى أن من مس ذكر غيره لا ينتقض وضوءه

استدل أصحاب القول الأول بالأدلة الآتية:

1-

حديث بسرة فقد ورد في بعض ألفاظه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مس الذكر فليتوضأ"(1) .

وجه الدلالة: أن الحديث على عمومه يدخل تحت عمومه ذكره وذكر غيره.

2-

أن مس ذكر غيره معصية، وأدعى إلى الشهوة، وخروج الخارج، وحاجة الإنسان تدعو إلى مس ذكر نفسه، فإذا انتقض بمس ذكر نفسه فمس ذكر غيره أولى وهذا تنبيه يقدم على الدليل.

3-

ولأن من مس فرج غيره أغلظ من مس فرجه لما يتعلق به من هتك حرمة الغير فكان بالنقض أحق.

واستدل أصحاب القول الثاني بالآتي:

أنه لا نص فيه، والأخبار إنما وردت في ذكر نفسه، فيقتصر عليه.

واعترض على هذا الاستدلال:

(1) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 24/197، حديث رقم:(499) وصححه.

ص: 474

أن ادعاء أنه لا نص فيه غير صحيح فقد ورد في بعض ألفاظ حديث بسرة كما سبق قوله صلى الله عليه وسلم: "من مس الذكر فليتوضأ".

والراجح في المسألة:

هو كما تقدم في المسألة السابقة أن الإنسان إذا مس ذكره استحب له الوضوء مطلقاً سواء مس بشهوة أو بغير شهوة، وإذا مس بشهوة فالقول بالوجوب قوي جداً وهو الأحوط فإذا كان هذا في مس ذكره ففي مس ذكر غيره من باب أولى، والله تعالى أعلم.

المطلب الثالث

لمس المرأة فرجها

تقدم الكلام في المطلب الأول على حكم لمس الرجل ذكره وفي هذا المطلب أبين حكم لمس المرأة لفرجها أهو كحكم لمس الرجل لفرجه أم أن بينهما اختلافاً؟

اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: أن لمس المرأة فرجها ينتقض به الوضوء، وهو قول مالك في المشهور عنه، والشافعي إذا كان المس بباطن الكف، وأحمد في الصحيح من المذاهب.

القول الثاني: أن لمس المرأة فرجها لا ينقض الوضوء، وهو قول أبي حنيفة ومالك في رواية، وأحمد في رواية.

الأدلة:

1-

حديث أم حبيبة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من مس فرجه فليتوضأ"(1) .

وجه الدلالة: أن الفرج هنا اسم جنس فيدخل فيه قبل المرأة لأن الفرج في اللغة الفرج بين الشيئين ويطلق على القبل والدبر من الرجل والمرأة وكثر استعماله في العرف في القبل، فعلى هذا ينتقض وضوء المرأة بلمسها فرجها.

(1) سبق تخريجه في ص: (222) .

ص: 475

2-

حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ"(1) .

3-

حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ويل للذين يمسون ذكورهم ويصلون ولا يتوضئون" قالت عائشة: "فهذا للرجال فما بال النساء قال عليه الصلاة والسلام: "إذا مست إحداكن فرجها توضأت (2) .

1.

ولأن المرأة آدمي مس فرجه فانتقض وضوءه كالرجل.

واستدل أصحاب القول الثاني بما يأتي:

1-

أن الأصل عدم ورود دليل يدل على النقض.

2-

أن الحديث المشهور في مس الذكر وليس مس المرأة فرجها في معناه.

3-

أن مس الفرج لا يدعو إلى خروج خارج فلا ينقض الوضوء.

4-

أنه عضو منها فأشبه لمسه لمس سائر بدنها.

وقد أجابوا عن حديث أم حبيبة بأن فيه انقطاعاً، وحديث عمرو بن شعيب قالوا: إن الإمام أحمد سئل عنه فقال: ليس بذاك.

وقد أجاب أصحاب القول الأول عن ذلك بأن حديث أم حبيبة حديث صحيح كما سبق تخريجه، وأن حديث عمرو بن شعيب حسن الإسناد صحيح المتن بما قبله كما سبق تخريجه.

والراجح في المسألة: أن المرأة إذا مست فرجها استحب لها الوضوء مطلقاً سواء مست بشهوة أم بغير شهوة، وإذا مست بشهوة فالقول بالوجوب قوي جداً وهو الأحوط.

المبحث الثاني

(1) أخرجه أحمد في المسند 2/223، والدارقطني 1/147 في الطهارة باب: ما روى في لمس القبل والدبر والذكر، والبيهقي 1/132، في الطهارة باب: الوضوء من مس المرأة فرجها وقال الحافظ في التلخيص الحبير 1/124: قال الترمذي في العلل عن البخاري هو عندي صحيح، وصححه الحازمي في الاعتبار في الناسخ والمنسوخ ص:(44) وقال: رواته ثقات معروفون، وقال الألباني في ارواء الغليل 1/152: الحديث حسن الإسناد صحيح المتن بما قبله.

(2)

أخرجه الدارقطني 1/147و148، في الطهارة باب: ما روي في لمس القبل والدبر والذكر وضعفه، وقال الحافظ في التلخيص الحبير 1/126: وضعفه ابن حبان وله شاهد من حديث عمرو بن شعيب.

ص: 476

في لمس غير الفرج من العورة

وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: في لمس الدبر.

المطلب الثاني: في لمس الأنثيين والألية والعانة.

المطلب الثالث: في لمس فرج البهيمة.

المطلب الأول

في لمس الدبر

تقدم في المبحث الأول الكلام على حكم لمس الفرج ولما كان الدبر يدخل في مسمى الفرج فقد يتبادر إلى الذهن أنه يأخذ حكم القبل وحيث إن الدبر يختلف في بعض الصفات عن القبل كالشهوة وخروج المذي والمني فهل يأخذ حكم القبل أو لا؟

اختلف العلماء في لمس الدبر على قولين:

القول الأول: أن الوضوء لا ينتقض بلمس الدبر وهو مروي عن قتادة وسفيان الثوري وهو قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي في القديم وأحمد في رواية، وداود.

القول الثاني: أن الوضوء ينتقض بلمس الدبر وهو مروي عن عطاء والزهري، والأوزاعي، والشافعي في الجديد وهو الصحيح، وأحمد في الصحيح من المذهب، وإسحاق.

الأدلة:

استدل أصحاب القول الأول بالأدلة الآتية:

1-

حديث بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من مس ذكره فليتوضأ"(1) .

وجه الدلالة: أنه خص الذكر بالحكم وهذا ليس في معناه لأنه لا يقصد مسه.

2-

أن مس القبل إذا كان على سبيل الشهوة يفضي إلى خروج المذي وغيره فأقيم مسه مقام خروج الخارج بخلاف الدبر.

3-

أنه لا يلتذ بمسه كالقبل فأشبه سائر الأعضاء.

واستدل أصحاب القول الثاني بالأدلة الآتية:

1-

حديث أم حبيبة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من مس فرجه فليتوضأ"(2) .

وجه الدلالة: أن اسم الفرج يطلق على القبل والدبر جميعاً.

2-

أنه أحد سبيلي الحدث فوجب أن يكون مسه حدثاً كالقبل.

واعترض على هذين الدليلين بما يأتي:

(1) سبق تخريجه في ص: (221) .

(2)

سبق تخريجه في ص: (222) .

ص: 477

1-

حديث أم حبيبة اعترض عليه بأن بعض الأحاديث أطلق فيها الفرج وبعضها صرح فيها بالذكر فتحمل الأحاديث التي جاءت بلفظ الفرج أنه يراد به الذكر الذي صرح به في بعض الأحاديث ويحمل الفرج الذي أمرت المرأة بالوضوء إذا هي مسته على ما يقابل ذكر الرجل وهو القبل منها.

2-

دليلهم الثاني اعترض عليه بوجود الفارق بين القبل والدبر حيث إن الدبر ليس محلاً للشهوة بخلاف القبل فإن الشهوة تثور بلمسه غالباً ومن أجل هذا أمر بالوضوء من مسه، أما الدبر فهو كأي جزء آخر من البدن لا تثور الشهوة بمسه فلا يلزم من مسه الوضوء.

الراجح:

هو القول بعدم انتقاض الوضوء بمس الدبر لأن الأحاديث التي جاء فيها ذكر الفرج مطلقاً تحمل على الفرج المصرح به في حديث بسرة ولأن القبل يختلف عن الدبر في كثير من الأحكام وهو المراد في كثير من النصوص كقول تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُم} (1) خطاب للرجال بحفظ فروجهم من الزنا والمراد الذكر وقوله تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُن} (2) خطاب للنساء بحفظ فروجهن من الزنا والمراد القبل، وقوله تعالى:{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} بيان لحال المؤمنين الذين حصنوا فروجهم من الزنا، والمراد الرجال بدلالة قوله تعالى بعد ذلك:{إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} (3) فعلى هذا فإن المراد بالفرج في النصوص هو القبل الذي هو محل الشهوة دون الدبر، والله أعلم.

المطلب الثاني

في لمس الأنثيين والألية والعانة

عامة أهل العلم يرون أن الوضوء لا ينتقض بلمس الأنثيين والألية والعانة.

(1) آية: (30) من سورة النور.

(2)

آية: (31) من سورة النور.

(3)

آية: (6) من سورة المؤمنون.

ص: 478

وروى عن عروة أن الوضوء ينتقض بلمسها، وقال الزهري:"أحب إليَّ أن يتوضأ"، وقال عكرمة:"من مس ما بين الفرجين فليتوضأ".

استدل عامة أهل العلم بما يأتي:

1-

أنه لا نص في هذا ولا هو في معنى المنصوص عليه فلا يثبت الحكم فيه.

2-

ولأنها مواضع من البدن لا لذة في مسها فأشبهت سائر الأعضاء.

واستدل من رأى انتقاض الوضوء بلمسها:

بما روي عن بسرة بنت صفوان قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من مس ذكره أو أنثييه أو رفغيه (1) فليتوضأ"(2)

وقد اعترض على هذا بأنه من قول عروة غير مرفوع، كذلك رواه الثقات، عن هشام منهم: أيوب السختياني، وحماد بن زيد وغيرهما وكلا الطريقين صحيح.

وقال البيهقي: "القياس أن لا وضوء في المس، وإنما اتبعنا السنة في إيجابه بمس الفرج فلا يجب بغيره".

وقال النووي: "وهذا حديث باطل موضوع إنما هو من كلام عروة كذا قاله أهل الحديث والأصل أن لا نقض إلا بدليل".

بل نقل ابن هبيرة الإجماع على عدم النقض فقال: "وأجمعوا على أنه لا وضوء على من مس أنثييه سواء كان من وراء حائل أو من غير وراء حائل".

وعلى هذا فيكون الراجح هو قول عامة العلماء أن الوضوء لا ينتقض بلمس الأنثيين والألية والعانة، والله أعلم.

المطلب الثالث

في لمس فرج البهيمة

جمهور العلماء على أن لمس فرج البهيمة لا ينقض الوضوء

وذهب الليث إلى أن لمس فرج البهيمة ينقض الوضوء، وفرق عطاء بين لمس البهيمة مأكولة اللحم وغير مأكولة اللحم فقال بالوضوء من مس مأكولة اللحم ولم يقل بالوضوء من لمس غير مأكولة اللحم.

الأدلة:

استدل أصحاب القول الأول بما يأتي:

(1) الرفغ أصل الفخذ وسائر المغابن وكل موضع اجتمع فيه الوسخ.

انظر: المصباح المنير 1/277.

(2)

أخرجه البيهقي1/137في الطهارة باب: مس الأنثيين، والدارقطني1/148،في الطهارة باب: ما روي في لمس القبل والدبر، وعبد الرزاق في مصنفه 1/121.

ص: 479

1-

أن لمس فرج البهيمة ليس بمنصوص على النقض به، ولا هو في معنى المنصوص عليه.

2-

أنه لا حرمة لها ولا تعبد عليها أي لا حرمة لها في وجوب ستر فرجها وتحريم النظر إليه ولا تعبد عليها أي أن الخارج من فرجها لا ينقض طهراً ولا يوجب وضوءاً.

3-

أنه لمس لا لذة فيه فأشبه لمس الجماد.

واستدل للقول الثاني بما يأتي:

قياس لمس فرج البهيمة على لمس فرج الآدمي.

واعترض على هذا الدليل:

أن نقض الوضوء بلمس فرج الآدمي قد ورد فيه نص بخلاف لمس فرج البهيمة.

والراجح قول جمهور العلماء، لأن لمس فرج البهيمة مما لم يرد النص على النقض به وقياسه على فرج الآدمي قياس مردود.

المبحث الثالث

وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: في اللمس ببطن الكف وظهره.

المطلب الثاني: في اللمس بقصد وبغير قصد.

المطلب الثالث: في اللمس من وراء حائل.

المطلب الأول

في اللمس ببطن الكف أم بظهره

تقدم الكلام على حكم لمس العورة وفي هذا المبحث أبين هل اللمس المقصود ببطن الكف أم بظهره؟

اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأول: أن اللمس لا ينتقض به الوضوء إلا إذا كان ببطن الكف وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، والليث ، وإسحاق.

القول الثاني: أن اللمس ينتقض به الوضوء سواء كان ببطن الكف أم بظهره وهو قول أحمد فيما عليه المذهب وعطاء والأوزاعي.

الأدلة:

استدل أصحاب القول الأول بالأدلة الآتية:

1-

حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه ليس بينهما سترة فليتوضأ" وفي لفظ "إذا أفضى أحدكم إلى ذكره فقد وجب عليه الوضوء"(1) .

وجه الدلالة: أن الإفضاء لا يكون إلا ببطن الكف.

2-

أن ظاهر الكف ليس بآلة للمس، فأشبه ما لو مسه بفخذه.

(1) سبق تخريجه في ص: (222) .

ص: 480

3-

أن المعنى الذي اختصت به اليد في مسه ينقض الوضوء دون سائر الجسد إما أن يكون لحصول اللذة المقتضي إلى نقض الطهر وإما لأن اليد آلة الطعام فخيف تنجيسها بآثار الاستنجاء، وكلا المعنيين مختص بباطن الكف دون ظاهرها كما كان مختصاً باليد دون غيرها.

واعترض على هذا:

أن الإفضاء يكون بظاهر الكف كما يكون بباطنها وحتى لو كان الإفضاء بباطن الكف لما كان في ذلك ما يسقط النقض عن غير الإفضاء.

واستدل أصحاب القول الثاني بالأدلة الآتية:

1-

حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما سترة فليتوضأ" وفي لفظ "إذا أفضى أحدكم إلى ذكره فقد وجب عليه الوضوء"(1) .

وجه الدلالة: أن ظاهر كفه من يده والإفضاء اللمس من غير حائل.

2-

أن ظهر الكف جزء من يده تتعلق به الأحكام المعلقة على مطلق اليد فأشبه باطن الكف.

والراجح:

أن اللمس حاصل سواء كان بظهر الكف أم بباطنه ولكن لا ينتقض وضوءه ما لم ينزل منه شيء كما سبق ترجيح ذلك.

المطلب الثاني

اللمس بقصد وبغير قصد

اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأول: أن لمس الفرج لا ينقض الوضوء إلا إذا كان بقصد وهو قول مكحول، وطاووس، وسعيد بن جبير، ومالك، وأحمد في رواية.

القول الثاني: أن لمس الفرج ينقض مطلقاً بقصد وبغير قصد وهو قول الشافعي، وأحمد في الصحيح من المذهب، والأوزاعي وإسحاق.

الأدلة:

استدل أصحاب القول الأول بالآتي:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما سترة فليتوضأ" وفي لفظ "إذا أفضى أحدكم إلى ذكره فقد وجب عليه الوضوء"(2) .

وجه الدلالة: أن الحديث ورد فيمن مس فرجه أو ذكره ولا يكون ماساً إلا من قصد إلى المس، لأن الفاعل حقيقة هو من قصد إلى الفعل وأراده.

واعترض على هذا:

(1) سبق تخريجه في ص: (222) .

(2)

سبق تخريجه في ص: (222) .

ص: 481

أن لفظ الحديث يفيد العموم على كل حال ولا يوجد ما يقيده بالعمد.

واستدل أصحاب القول الثاني بالآتي:

1-

عموم أحاديث مس الفرج فإنها لم تقيد المس بعمد أو غير عمد بل رتبت الوضوء على حصول اللمس.

2-

ولأنه لمس يؤثر في نقض الطهر فاستوى عمده وسهوه أصله مس النساء.

الراجح:

أنه لا فرق في اللمس بين القصد وغير القصد لأن كل معنى نقض الطهر مع القصد نقضه مع غير القصد أصله الحدث.

المطلب الثالث

في اللمس من وراء حائل

تقدم في المطلبين السابقين الكلام على اللمس ببطن الكف وظهره واللمس بقصد وبغير قصد وفي هذا المطلب أبين حكم اللمس من وراء حائل.

اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

القول الأول: أن اللمس من وراء حائل لا ينقض الوضوء وهو قول الحنفية، وابن عبد البر، والشافعية، والحنابلة في المذهب.

القول الثاني: أن اللمس من وراء حائل ينقض الوضوء إذا كان الحائل رقيقاً لا يمنع اللذة وهو قول ربيعة، والليث، والمالكية، والحنابلة في رواية.

الأدلة:

استدل أصحاب القول الأول بالأدلة الآتية:

1-

قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} (1) .

وجه الدلالة من الآية أن حقيقة الملامسة هي ملاقاة البشرة بدون

حائل.

2-

أنه لم يلمس الجسم وإنما لمس الثياب والشهوة بمجردها لا تكفي كما لو مس رجلاً أو وجدت الشهوة من دون لمس.

3-

أنه لمس دون حائل فوجب أن لا ينقض الوضوء كلمس الخف.

استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي:

1-

عموم قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} (2) .

وجه الدلالة: أنه ملتذ بلمس يوجب الوضوء وهما متلامسان والمعنى فيهما وجود اللذة.

2-

أن الشهوة موجودة ولا يمنعها الحائل الرقيق.

(1) من آية: (43) من سورة النساء، وآية:(6) من سورة المائدة.

(2)

من آية: (43) من سورة النساء، وآية (6) من سورة المائدة.

ص: 482

واعترض على هذا: بأن حقيقة الملامسة ملاقاة البشرة وإلا كان لامساً ثوباً ولم يكن لامساً جسماً وعلى هذا لو حلف لا يلمس امرأة فلمس ثوبها لم يحنث، فإذا انتفى اللمس عنه لم يتعلق به الحكم

والراجح:

أن اللمس من وراء حائل لا ينقض الوضوء، ما لم ينزل منه شيء.

فقد سبق أن اللمس من دون حائل لا ينقض الوضوء ما لم ينزل منه شيء فهذا من باب أولى.

ص: 483

تابع لأحكام اللمس

الفصل الثاني

في لمس غير العورة من البدن

وفيه مبحثان:

المبحث الأول: في لمس المرأة والرجل.

المبحث الثاني: في لمس المحارم والصغيرة وما اتصل بالجسم ووضوء الملموس.

المبحث الأول

في لمس المرأة والرجل

وفيه أربعة مطالب:

المطلب الأول: في لمس الرجل للمرأة والمرأة للرجل.

المطلب الثاني: في لمس الأمرد.

المطلب الثالث: في لمس الرجل للرجل.

المطلب الرابع: في لمس المرأة للمرأة.

المطلب الأول

في لمس الرجل للمرأة والمرأة للرجل

اختلف العلماء في هذه المسألة إلى أقوال أوصلها بعضهم إلى سبعة أقوال وأشهرها ثلاثة أقوال:

القول الأول: أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقاً سواء كان بشهوة أو بغير شهوة وهو مروي عن علي، وابن عباس، وعطاء، ومسروق، والحسن البصري، وسفيان الثوري، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف ولكن إذا باشرها وليس بينهما ثوب وتماس الفرجان وانتشر استحب له الوضوء استحساناً والقياس أن لا يكون حدثاً وهو قول محمد بن الحسن، وهو رواية عن أحمد اختارها ابن تيمية.

القول الثاني: أن لمس المرأة ينقض الوضوء إذا كان بشهوة ولا ينقض إذا كان بغير شهوة، وهو مروي عن الحكم، وعلقمة، والنخعي والليث، وإسحاق وهو قول مالك، وأحمد في المذهب.

القول الثالث: أن لمس المرأة ينقض مطلقاً بمجرد التقاء البشرتين ولو بغير شهوة أو قصد وهو مروي عن عمر وابنه، وابن مسعود ومكحول، والشعبي، والنخعي، ويحيى الأنصاري، وسعيد بن عبد العزيز، وهو قول الشافعي وأحمد في رواية، وابن حزم إلا أنه قيده بالعمد دون الخطأ.

الأدلة:

استدل أصحاب القول الأول بالأدلة الآتية:

1-

حديث حبيب بن أبي ثابت عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها:"أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل امرأة من نسائه وخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ"قال عروة: قلت لها: "من هي إلا أنت".

وجه الدلالة من الحديث: أن القبلة إذا كانت لا تنقض الوضوء فمن باب أولى أن لا ينقض اللمس الوضوء.

ص: 484

2-

حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كنت أنام بين يدي رسول الله ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي فإذا قام بسطتها".

وفي رواية: "فإذا أراد أن يوتر مسني برجله".

3-

حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان".

وجه الدلالة من الحديثين: أنهما دلا على أن اللمس لا يؤثر في الوضوء، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد السجود - كما ورد في الحديث - غمز عائشة، والغمز لمس بلا شك، ولم يرد أنه صلى الله عليه وسلم قطع صلاته لذلك وهذا عام لم يفرق فيه بينما إذا كان بشهوة أو بغير شهوة.

4-

حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامه بنت زينب بنت رسول صلى الله عليه وسلم فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها".

وجه الدلالة من الحديث: أن الظاهر أنه لا يسلم من مسها.

4-

أن اللمس ليس بحدث بنفسه ولا سبب لوجود الحدث غالباً فأشبه مس الرجل الرجل والمرأة المرأة ومس المحارم والشعر، وأن لمس الزوجين مما يكثر وجوده فلو جعل حدثاً لوقع الناس في الحرج.

وقد اعترض على هذه الأدلة بما يأتي:

1-

حديث حبيب بن أبي ثابت اعترض عليه من أربعة أوجه:

أ-أنه ضعيف وعروة المذكور في سنده هو عروة المزني ولم يدرك عائشة، وممن ضعفه الثوري ويحيى بن سعيد القطان وأحمد والترمذي وأبو داود والبيهقي والبخاري وأبو حاتم وغيرهم.

ب-ما ذكره الإمام أحمد وغيره أن حبيب بن أبي ثابت غلط فيه من الصيام إلى الوضوء.

ج-أنه لو صح الحديث فهو محمول على أن القبلة كانت لغير شهوة براً بها وإكراماً لها ورحمة، أو كانت من وراء حائل جمعاً بين الأدلة

د-إذا صح الحديث يكون ذلك من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم لأنه يملك إربه كما ذكرت عائشة في تقبيله صائماً.

وأجيب عن هذه الاعتراضات:

ص: 485

أن تضعيف بعض الحفاظ لهذا الحديث قابله تصحيح البعض له كابن عبد البر، والزيلعي، والتركماني وغيرهم، وله طرق وشواهد متعددة يقوي بعضها بعضاً وتجعل له أصلاً فيصلح للاستدلال.

أما ما ذكره الإمام أحمد وغيره ففيه نظر، وحمل القبلة على أنها كانت لغير شهوة أو كانت من وراء حائل غير مسلم ولا دليل عليه.

أما القول بأنه من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم فغير مسلم لأن التخصيص يحتاج إلى دليل ولا دليل.

2-

و 3- حديث عائشة رضي الله عنها أن يدها وقعت على بطن قدمي النبي صلى الله عليه وسلم اعترض عليه من ثلاثة أوجه:

أ-أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ملموساً ولا وضوء عليه.

ب-أنه كان داعياً ولم يكن في صلاة وذلك يجوز للمحدث، وليس من شرط الدعاء ألا يكون إلا في الصلاة.

ج-أنه يحتمل أن لمسه لها فوق حائل وهذا هو الظاهر فيمن هو نائم في فراشه.

وأجيب عن هذه الاعتراضات:

بأنها احتمالات فيها نظر ولا دليل عليها، ولو قيل إن اللمس كان بغير شهوة لكان أقرب.

4-

حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامه

اعترض عليه من ثلاثة أوجه:

أ-أظهرها أنه لا يلزم من ذلك التقاء البشرتين فحملها لا يقتضي مباشرة بدنها.

ب-أنها صغيرة لمسها لا ينقض الوضوء.

ج-أنها من ذوات المحارم.

وأجيب عما ذكروه بأنه ادعاء يحتاج إلى دليل، ودعوى أنها صغيرة لم يرد دليل يدل على أن لمس الصغيرة لا ينقض الوضوء.

أدلة أصحاب القول الثاني:

1-

قول الله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} (1) .

وجه الدلالة من الآية: أن اللمس هو الجس باليد لكنه مقيد في الآية بقصد الشهوة دون غيره للجمع بين الآية والأحاديث، ولما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمس زوجته في الصلاة، وتمسه، ولو كان ذلك ناقضاً لما فعله صلى الله عليه وسلم.

(1) من آية: (43) من سورة النساء، ومن آية:(6) من سورة المائدة.

ص: 486

2-

حديثي عائشة وحديث أبي قتادة السابقة في أدلة أصحاب القول الأول.

وجه الدلالة من الأحاديث المذكورة:

أن اللمس لا ينقض الوضوء ولو كان ناقضاً لانتقض وضوء النبي صلى الله عليه وسلم واستأنف الصلاة؛ لأن الظاهر من غمزه رجليها كان من غير حائل.

وكذلك الظاهر أنه لا يسلم من لمس أمامه عند حملها في الصلاة، ولكن لم يكن ذلك ناقضاً للوضوء، لأنه كان من غير شهوة.

3-

أن اللمس ضربان أعلى وأدنى، والطهر نوعان أعلى وأدنى، فلما وجب بالأعلى - وهو التقاء الختانين - أعلى الطهرين، وجب أن يجب بالأدنى - وهو ما دونه - أدناهما وهو الوضوء.

4-

أن المس ليس بحدث في نفسه، وإنما هو داع إلى الحدث، فاعتبرت الحالة التي يدعو فيها إلى الحدث وهي حالة الشهوة.

5-

أن إيجاب الوضوء بمجرد اللمس فيه مشقة عظيمة، وما كان فيه حرج ومشقة فإنه منفي شرعاً.

واعترض على هذه الأدلة بما يأتي:

1-

استدلالهم بالآية: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} اعترض عليه بأن تقييد اللمس في الآية بالشهوة غير مسلم إذ لا دليل عليه.

وأجيب عن هذا: بأن الشهوة مظنة فوجب حمل الآية على ذلك.

2-

حديثي عائشة وحديث أبي قتادة سبق الاعتراض عليها والإجابة عليها في أدلة أصحاب القول الأول.

3-

ما استدلوا به من المعقول اعترض عليه بأنه في مقابل نصوص من الكتاب والسنة والاستدلال بالنصوص مقدم على الاستدلال بالمعقول.

أدلة أصحاب القول الثالث:

1-

قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} وقرأ حمزة الكسائي {أو لمستم} بمعنى أو لمستم أنتم أيها الرجال نساءكم وهما قراءتان متقاربتا المعنى، لأنه لا يكون الرجل لامساً امرأته إلا وهي لامسته.

قال ابن المنذر: "فجائز أن يقال لمن قبل امرأته أو لمسها بيده قد لمس فلان زوجته".

ص: 487

ويدل على أن اللمس قد يكون باليد قوله تعالى: {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} (1) وقوله صلى الله عليه وسلم لماعز: "لعلك قبلت أو غمزت"(2) فظاهر الكتاب والسنة واللغة تدل على أن اللمس يكون باليد وغيره.

والله تعالى أمر اللامس بأن يتيمم عند عدم الماء حيث قال: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا

} (3) .

ففي ذلك دلالة على انتقاض وضوء الرجل بملامسة المرأة.

2-

حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ رضي الله عنه قال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل فقال: يا رسول الله ما تقول في رجل لقي امرأة لا يعرفها وليس يأتي الرجل من امرأته شيئاً إلا أتاه منها غير أنه لم يجامعها قال: فأنزل الله عز وجل هذه الآية: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْل

} (4) الآية، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "توضأ وصل" قال معاذ فقلت: يا رسول الله أَلَهُ خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فقال: "بل للمؤمنين عامة"(5) .

وجه الدلالة من الحديث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر السائل بالوضوء لأنه لمس المرأة ولم يجامعها.

(1) من آية: (7) من سورة الأنعام.

(2)

سبق تخريجه في ص: (216) .

(3)

من آية: (43) من سورة النساء، وآية:(6) من سورة المائدة.

(4)

آية: (114) من سورة هود.

(5)

أخرجه أحمد في المسند 5/244، والترمذي 5/291 باب: ومن سورة هود، وقال: هذا حديث ليس بمتصل، عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، ومعاذ بن جبل مات في خلافة عمر

، وأخرجه الحاكم في المستدرك 1/135 في الطهارة باب: الدليل على أن اللمس ما دون الجماع وسكت عليه وتابعه الذهبي، والدارقطني 1/134 وصححه، والبيهقي 1/125 في الطهارة باب: الوضوء من الملامسة، وضعفه الزيلعي في نصب الراية 1/70.

ص: 488

3-

ما روي عن عمر رضي الله عنه قال: القبلة من اللمس فتوضّؤوا منها.

4-

ما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة فمن قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء.

1-

أنه لمس يوجب الفدية على المحرم فنقض كالجماع.

واعترض على هذه الأدلة بما يأتي:

1-

استدلالهم بالآية: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ

}

اعترض عليه: أنه جائز في اللغة أن يقال لمن لمس امرأته بيده قد لمسها ولكن الملامسة التي ذكرها الله في قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} الجماع الموجب للجنابة دون غيره، بدليل قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} يعني: وقد أحدثتم قبل ذلك {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} فأوجب الله عز وجل غسل الأعضاء التي ذكرها بالماء ثم قال: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} يريد الاغتسال بالماء، فأوجب الوضوء من الأحداث، والاغتسال بالماء من الجنابة، ثم قال:{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} يريد الجماع الذي يوجب الجنابة {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} تتوضؤن به من الغائط أو تغتسلون به من الجنابة كما أمرتم به في أول الآية {فَتَيَمَّمُوا} (1) فإنما أوجب في آخر الآية التيمم على ما كان أوجب عليه الوضوء والاغتسال بالماء في أولها وقد تأكد هذا التفسير بفعله صلى الله عليه وسلم كما ذكرت في الأحاديث السابقة في أدلة أصحاب القول الأول أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبل ويلمس زوجته ولا يتوضأ.

ويؤيد هذا أن ابن عباس رضي الله عنهما حبر الأمة وترجمان القرآن والذي استجاب الله فيه دعوة نبيّه صلى الله عليه وسلم قد فسر اللمس في الآية بالجماع وهو قول جمهور المفسرين وصوبه واختاره الإمام الطبري

(1) من آية: (43) من سورة النساء، ومن آية:(6) من سورة المائدة.

ص: 489

وورد عن أهل اللغة أن اللمس إذا قرن بالنساء يراد به الوطء تقول العرب: لمست المرأة أي جامعتها.

2-

استدلالهم بحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ اعترض عليه من وجهين:

أ-أن الحديث منقطع كما تقدم في تخريجه.

ب-أنه لم يثبت أن السائل كان متوضأ قبل أن يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالوضوء ولا يثبت أنه كان متوضأ عند اللمس فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد انتقض وضوءه

2-

ما روي عن عمر وابن عمر رضي الله عنهما، اعترض عليه:

أنه لا حجة في قول الصحابي لا سيما إذا وقع معارضاً لما ورد عن الشارع وعلى فرض حجيته يحمل على القبلة التي تكون بشهوة

واعترض على قياس اللمس على الفدية.

أنه قياس مع الفارق لأن لمس المحرم بدون شهوة لا يؤثر في الحج ولا يوجب شيئاً.

الراجح:

هو أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء سواء كان لشهوة أو لغير شهوة إلا إذا أمنى أو أمذى وذلك لما يلي:

1) أنه لم يرد دليل على أن مجرد اللمس حدث ينقض الوضوء والملامسة الواردة في الآية المراد بها الجماع فسرها بذلك حبر الأمة وترجمان القرآن الذي علمه الله تأويل كتابه واستجاب فيه دعوة نبيّه صلى الله عليه وسلم وقد ثبت هذا التفسير بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير كما ذكره ابن حجر.

2) أكد هذا التفسير فعل النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان يلمس زوجته وهو في الصلاة ولو كان ذلك ناقضاً للطهارة لما فعله وثبت أنه قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ.

ص: 490

3) أن الأدلة التي استدل بها على أن اللمس ينقض الوضوء تدل على أن مجرد اللمس لا ينقض الوضوء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فأما تعليق النقض بمجرد اللمس فهذا خلاف الأصول وخلاف إجماع الصحابة وخلاف الآثار وليس مع قائله نص ولا قياس فإن كان اللمس في قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} إذا أريد به اللمس باليد والقبلة ونحو ذلك كما قال ابن عمر وغيره - فقد علم أنه حيث ذكر مثل ذلك في الكتاب والسنة فإنما يراد به ما كان لشهوة مثل قوله تعالى في آية الاعتكاف {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِد} (1) ومباشرة المعتكف لغير شهوة لا تحرم عليه بخلاف المباشرة لشهوة وكذلك المحرم الذي هو أشد - لو باشر المرأة لغير شهوة لم يحرم عليه ولم يجب عليه به دم فمن زعم أن قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} يتناول اللمس وإن لم يكن لشهوة فقد خرج عن اللغة التي جاء بها القرآن بل وعن لغة الناس في عرفهم فإنه إذا ذكر المس الذي يقرن فيه بين الرجل والمرأة علم أنه مس الشهوة كما أنه إذا ذكر الوطء المقرون بين الرجل والمرأة علم أنه الوطء بالفرج لا بالقدم ومن المعلوم أن مس الناس نساءهم مما تعم به البلوى ولا يزال الرجل يمس امرأته فلو كان هذا مما ينقض الوضوء لكان النبي صلى الله عليه وسلم بينه لأمته وكان مشهوراً بين الصحابة

فعلم أنه قول باطل.

(1) آية: (187) من سورة البقرة.

ص: 491

وقد رجح هذا القول فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله ومما قال: "إن الأصل عدم النقض حتى يقوم دليل صحيح صريح على ذلك ولم يرد حديث صحيح صريح ولا صحيح غير صريح يوجب على من لمس امرأته الوضوء أما الاستدلال بالآية على وجوب الوضوء من لمس المرأة فهو في غير موضعه، وأن الطهارة ثبتت بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي فإنه لا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي ولا دليل على ذلك، وهذا الأمر مما تعم به البلوى، فلو أوجبنا الوضوء به لكان في ذلك حرج ومشقة، وما كان كذلك فإنه منفي شرعاً، ولأن تقييد النقض بالشهوة لا أعلم له دليلاً أصلاً.

والمرأة كالرجل لا ينتقض وضوءها إذا لمست الرجل سواء كان اللمس بشهوة أو بغير شهوة ما لم ينزل منها شيء

المطلب الثاني

في لمس الأمرد

اختلف العلماء في حكم لمس الأمرد على قولين:

القول الأول: أن لمس الأمرد لا ينقض الوضوء سواء كان بشهوة أو بغير شهوة وبه قال الشافعية في الأصح، والحنابلة في المذهب.

القول الثاني: أن لمس الأمرد ينقض الوضوء وبه قال المالكية والشافعية في وجه، والحنابلة في رواية.

الأدلة:

استدل أصحاب القول الأول بالأدلة الآتية:

1-

قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} (1) .

وجه الدلالة: أن الآية لا تتناوله ولا هو داخل في معناها.

2-

أنه من جنس لا ينتقض الوضوء بلمسه فكان ما شذ منه ملحقاً بعموم الجنس.

3-

أنه ليس محلاً للشهوة، والمرأة محل لشهوة الرجل شرعاً وطبعاً.

واستدل أصحاب القول الثاني بالأدلة الآتية:

1-

أنه مما يلتذ بلمسه.

2-

أنه محل للشهوة كالمرأة ولأن من الناس - والعياذ بالله - من قلب الله حسه وفطرته فأصبح يشتهي الذكور دون النساء.

(1) من آية: (43) من سورة النساء، وآية:(6) من سورة المائدة.

ص: 492

وهذا خلاف الفطرة التي فطر الناس عليها، وقد قال بعض أهل العلم إن النظر إلى الأمرد حرام كالنظر إلى المرأة مطلقاً، ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية: لا تجوز الخلوة بالأمرد ولو بقصد التعليم.

الراجح:

أن لمس الأمرد لا ينقض الوضوء إلا إذا خرج من اللامس شيء كما سبق ترجيح ذلك في مسألة لمس المرأة وهذا من باب أولى.

المطلب الثالث

في لمس الرجل للرجل

لمس الرجل للرجل لا ينقض الوضوء فيجوز للرجل أن يمس بدن رجل آخر عدا عورته وهي ما بين السرة والركبة.

لحديث البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر الله لهما قبل أن يتفرقا"(1)

وعن ثابت البناني أن أنساً كان إذا أصبح دهن يده بدهن طيب لمصافحة إخوانه.

وجه الدلالة: أن في ذلك دلالة على جواز مصافحة الرجل لصاحبه ويلزم من ذلك المس إذ لا مصافحة بدون مس.

ولفقد اللذة غالباً في لمسه.

أما عدم جواز مس العورة فلحديث أبي سعيد الخدري عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد"(2) .

وجه الدلالة: أن فيه دليلاً على تحريم لمس عورة الغير بأي موضع من بدنه كان وهذا متفق عليه.

المطلب الرابع

في لمس المرأة للمرأة

(1) أخرجه أبو داود 5/388، في كتاب الأدب باب: في المصافحة واللفظ له، والترمذي 5/74 في كتاب الاستئذان باب: ما جاء في المصالحة وقال حديث حسن غريب، وابن ماجة 2/1220 في كتاب الأدب باب: المصافحة، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 3/979.

(2)

أخرجه مسلم 1/266 في كتاب الحيض باب: تحريم النظر إلى العورات.

ص: 493

حكم المرأة مع المرأة كحكم الرجل مع الرجل على حد سواء فكل ما يجوز للرجل أن يمسه من الرجل يجوز للمرأة أن تمسه من المرأة ولا ينتقض به الوضوء فالرجل لا يجوز له أن يرى عورة الرجل ولا أن يمسها وكذلك المرأة لا يجوز لها أن ترى عورة المرأة ولا أن تمسها.

لحديث أبي سعيد الخدري عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد".

قال النووي: "فيه دليل على تحريم لمس عورة غيره بأي موضع من بدنه كان، وهذا متفق عليه".

في لمس المحارم وما اتصل بالجسم ووضوء الملموس

وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: في لمس المحارم والصغيرة.

المطلب الثاني: في لمس ما اتصل بالجسم كالشعر والظفر والسن.

المطلب الثالث: في وضوء الملموس.

المطلب الأول

في لمس المحارم كالأم والبنت والأخت والخالة

وغيرهن من المحارم والصغيرة

تقدم في المبحث الأول قبل هذا المبحث الكلام على لمس المرأة عموماً ولما كان لمس المحارم والصغيرة قد يتوهم أنه لا خلاف فيه افردته بمطلب مستقل بينت فيه خلاف العلماء وهو كما يأتي:

اختلف العلماء في لمس المحارم والصغيرة هل ينقض الوضوء أم لا؟ على قولين:

القول الأول: أن لمس المحارم والصغيرة لا ينقض الوضوء، وبه قال الحنفية والشافعية في المذهب، والحنابلة في رواية.

القول الثاني: أن لمس المحارم والصغيرة كلمس الأجنبية ينتقض به الوضوء إذا كان بشهوة، وبه قال المالكية والشافعية في قول، والحنابلة في المذهب.

الأدلة:

استدل أصحاب القول الأول بالأدلة الآتية:

ص: 494

1-

حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "ما رأيت أحداً من الناس كان أشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم كلاماً ولا حديثاً ولا جلسة من فاطمة، قالت: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآها قد أقبلت رحب بها ثم قام إليها ثم أخذ بيدها فجاء بها حتى يجلسها في مكانه، وكانت إذا أتاها النبي صلى الله عليه وسلم رحبت به ثم قامت إليه ثم أخذت بيده".

2-

حديث أبي قتادة الأنصاري صلى الله عليه وسلم "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامه بنت زينب - بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها".

وجه الدلالة من الحديثين: أنهما قد دلا على جواز لمس المحارم وأن ذلك لا يؤثر في نقض الوضوء لا سيما حمل النبي صلى الله عليه وسلم لأمامه وهو يصلي

3-

أن لمس المحارم والصغيرة لا يفضي إلى خروج شيء فأشبه لمس الرجل الرجل

4-

أن الاعتبار في اللمس في الغالب أنه للشهوة وهذا مفقود في المحارم 5) وقد سبق في مسألة لمس الرجل للمرأة ما على هذه الأدلة من اعتراضات والجواب عليها.

واستدل أصحاب القول الثاني بالأدلة الآتية:

1-

عموم قول الله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} (1) .

وجه الدلالة: أن الشهوة مظنة الحدث فوجب حمل الآية عليه، وهي لم تفرق بين الأجنبية وغيرها من النساء.

قال ابن قدامة: "واللمس الناقض تعتبر فيه الشهوة، ومتى وجدت الشهوة فلا فرق بين الجميع".

2-

أن اللمس يؤثر في نقض الوضوء فلا فرق فيه بين المحارم والأجنبيات والصغائر والعجائز كالإيلاج.

3-

ولأن ما نقض الطهر من الأجانب نقضه من ذوات المحارم كلمس الفرج والتقاء الختانين.

وقد سبق في مسألة لمس المرأة ما على هذه الأدلة من اعتراضات والجواب عليها.

الراجح:

(1) من آية: (43) من سورة النساء، ومن آية:(6) من سورة المائدة.

ص: 495

هو عدم نقض الوضوء بمس المحارم والصغيرة إلا إذا خرج منه شيء لما ذكرت في عدم النقض بلمس المرأة ما لم ينزل شيء وهنا عدم النقض من باب أولى.

المطلب الثاني

في لمس ما اتصل بالجسم

كالشعر والظفر والسن

تقدم الكلام على لمس العورة وغيرها من البدن، وهنا أبين حكم ما اتصل بالبدن هل له حكم البدن في نقض الطهارة وعدم النقض أم لا؟

اختلف العلماء في نقض الوضوء بلمس ما اتصل بالبدن كالشعر والظفر والسن على قولين:

القول الأول: أن لمس ما اتصل بالبدن كالشعر والظفر والسن لا ينقض الوضوء وهو قول الحنفية والشافعية في المذهب والحنابلة.

القول الثاني: أن لمس ما اتصل بالبدن ينقض الوضوء وهو قول المالكية وبعض الشافعية.

الأدلة:

استدل أصحاب القول الأول بالأدلة الآتية:

1-

أنه لا يلتذ بلمس هذه الأشياء وإنما يلتذ بالنظر إليها.

2-

أن هذه الأشياء لا يقصد لمسها للشهوة غالباً وإنما تحصل اللذة وتثور الشهوة عند التقاء البشرتين للإحساس.

3-

أن هذه الأشياء في حكم المنفصل ولا حياة فيها ولا شعور وهي إنما تحدث بعد كمال الخلقة فهي باللباس أشبه.

4-

أن ذلك مما لا يقع الطلاق على المرأة بتطليقه ولا الظهار، ولا ينجس الشعر بموت الحيوان، ولا بقطعه منه في حياته.

واستدل أصحاب القول الثاني بالأدلة الآتية:

1-

عموم قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} (1) .

وجه الدلالة: أن له حكم البدن لاتصاله بالبدن.

2-

ولأن الشعر له حكم البدن في الحل بالنكاح ووقوع الطلاق بإيقاعه عليه ووجوب غسل الجنابة وغير ذلك من الأحكام فأُلحق به.

3-

أنه جزء من البدن متصل به اتصال خلقه فأشبه اللحم.

وقد سبق الاعتراض على بعض هذه الأدلة والإجابة عليها في مسألة لمس المرأة.

والراجح في المسألة:

(1) من آية: (43) من سورة النساء، وآية:(6) من سورة المائدة.

ص: 496

هو عدم انتقاض الوضوء بلمس هذه الأشياء فقد سبق في مسألة لمس المرأة عدم انتقاض الوضوء ما لم ينزل منه شيء فعدم النقض بلمس هذه الأشياء من باب أولى.

المطلب الثالث

حكم وضوء الملموس

تبين فيما سبق حكم وضوء اللامس وفي هذا المطلب أبين حكم وضوء الملموس ولا شك أن أثر اللمس على الملموس بالنسبة لنقض الطهارة أقل منه على اللامس.

وقد اختلف العلماء في انتقاض وضوء الملموس باللمس على قولين:

القول الأول: أن وضوء الملموس لا ينتقض سواء كان رجلاً أو امرأة، وهو قول الحنفية والشافعية في وجه، والحنابلة في المذهب.

القول الثاني: أن وضوء الملموس ينتقض وهو قول المالكية والشافعية في الأصح، والحنابلة في رواية.

الأدلة:

استدل أصحاب القول الأول بالأدلة الآتية:

1-

قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} (1) .

وجه الدلالة: أن النص إنما ورد بالنقض بملامسة النساء فيتناول اللامس من الرجال فيختص به النقض كلمس الفرج.

2-

أن عائشة رضي الله عنها لمست قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فما أنكر ذلك.

3-

ولأن اللمس الموجب للوضوء يختص باللامس دون الملموس.

4-

ولأن الشهوة من اللامس أشد منها في الملموس وأدعى إلى الخروج، فلا يصح القياس عليه، وإذا امتنع النص والقياس لم يثبت الدليل.

5-

ولأن الملموس لا نص فيه ولا هو في معنى المنصوص

واستدل أصحاب القول الثاني بالأدلة الآتية:

1-

قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} (2) .

وجه الدلالة: من الآية: أن الله أوجب الوضوء على اللامس والملموس لاشتقاقه من المفاعلة.

2-

أنه لمس بين رجل وامرأة ينقض طهر اللامس فنقض طهر الملموس كالجماع.

3-

ولأنهما قد اشتركا في الالتذاذ به فوجب أن يشتركا في انتقاض الوضوء به كالتقاء الختانين.

(1) من آية: (43) من سورة النساء، وآية:(6) من سورة المائدة.

(2)

من آية (43) من سورة النساء، وآية (6) من سورة المائدة.

ص: 497

4-

ولأن الملموس مظنة لنزول الحدث وهو المذي كاللامس.

الراجح:

هو عدم انتقاض وضوء الملموس ما لم ينزل منه شيء كما سبق في مسألة لمس المرأة وعدم انتقاض الوضوء في الملموس من باب أولى.

الفصل الثالث

في لمس الميت والمصحف

وفيه مبحثان:

المبحث الأول: في لمس الميت.

المبحث الثاني: في لمس المصحف.

المبحث الأول

في لمس الميت

وفيه مطلبان:

المطلب الأول: في لمس الميت أثناء تغسيله.

المطلب الثاني: في لمس الميت أثناء حمله أو غيره.

المطلب الأول

في لمس الميت أثناء تغسيله

من المسائل المتعلقة باللمس لمس الميت أثناء الغسل يجب به الغسل أو لا؟.

اختلف العلماء في لمس الميت أثناء تغسيله على قولين:

القول الأول: أن الغسل لمن غسل الميت سنة وليس بواجب، وبه قال أكثر أهل العلم روي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، والحسن، والنخعي، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر وهو قول أبي حنيفة، ومالك والشافعي، وأحمد

القول الثاني: أن الغسل لمن غسل الميت واجب وهو مروي عن علي، وأبي هريرة، وبه قال سعيد بن المسيب، وابن سيرين، والزهري وهو قول الشافعي في القديم، وأحمد في رواية، وابن حزم.

الأدلة:

استدل أصحاب القول الأول بالأدلة الآتية:

1-

حديث صفوان بن عسال قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم".

وجه الدلالة من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بنزع الخفاف من الجنابة لوجوب الغسل الذي لا يتحقق إلا بالنزع ولم يأمر بنزع الخفاف من غسل الميت فدل على عدم وجوب الغسل من غسله.

2-

حديث عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما أن أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر رضي الله عنهما غسلت أبا بكر حين توفي ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين فقالت: "إن هذا يوم شديد البرد وأنا صائمة فهل عليَّ من غسل؟ قالوا: لا".

ص: 498

قال الإمام الشوكاني في كلامه على هذا الحديث: "وهو من الأدلة الدالة على استحباب الغسل دون وجوبه، وهو أيضاً من القرائن الصارفة من الوجوب، فإنه يبعد غاية البعد أن يجهل ذلك الجمع الذين هم أعيان المهاجرين والأنصار واجباً من الواجبات الشرعية.

3-

عن ابن عباس رضي الله عنهما "ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه، فإن ميتكم ليس بنجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم".

4-

عن ابن عمر رضي الله عنهما "كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل".

5-

أن الميت آدمي فلم يجب الغسل من غسله كغسل الحي.

واستدل أصحاب القول الثاني بما يأتي:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ"(1) .

وجه الدلالة من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالاغتسال من غسل الميت والأصل في الأمر الوجوب.

وقد اعترض على الاستدلال بحديث أبي هريرة بما يأتي:

أ-أنه موقوف على أبي هريرة.

ب-على فرض صحته ورفعه يحمل الأمر فيه على الندب.

الراجح:

(1) أخرجه أبو داود واللفظ له 3/511و512 في كتاب الجنائز باب: في الغسل من غسل الميت وقال: وهذا منسوخ وسمعت أحمد بن حنبل وسئل عن غسل الميت فقال: يجزيه الوضوء، والترمذي 3/318 في كتاب الجنائز باب: في غسل الميت وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن، وقد روي عن أبي هريرة موقوفاً، وقد أنكر النووي في المجموع5/185على الترمذي تحسينه لهذا الحديث فقال: قد ينكر عليه قوله أنه حسن بل هو ضعيف، ونقل ابن قدامه في المغني1/279عن ابن المنذرأنه قال: ليس في هذا الباب حديث يثبت. وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير 1/137 حسنه الترمذي وصححه ابن حبان، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 2/609.

ص: 499

عدم وجوب الغسل على من غسل ميتاً ويؤيد حمل الأمر في الحديث على الندب ما سبق من الأدلة على عدم الوجوب، ولأنه يستبعد أن يجهل أهل ذلك الجمع الذين هم أعيان المهاجرين والأنصار واجباً من الواجبات الشرعية، ولأن الحديث فيه شيء من الضعف فلا يكون دليلاً على الوجوب وهذا مبني على قاعدة وهي أن النهي إذا كان في حديث ضعيف لا يكون للتحريم، والأمر لا يكون للوجوب، لأن الإلزام بالمنع أو الفعل يحتاج إلى دليل تبرأ به الذمة لإلزام العباد.

المطلب الثاني

في لمس الميت أثناء الحمل أو غيره

تقدم في المطلب السابق حكم الغسل بالنسبة لمن غسل ميتاً وفي هذا المطلب أبين حكم الوضوء لمن لمس الميت:

اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأول: أن لمس الميت لا ينتقض به الوضوء وهو قول أبي حنيفة ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية (1) .

القول الثاني: أن لمس الميت ينقض الوضوء وهو قول إسحاق، والنخعي، وأحمد في المذهب

الأدلة:

استدل أصحاب القول الأول بالأدلة الآتية:

1-

أن الوضوء ثبت بدليل شرعي والنقض يحتاج إلى دليل شرعي يرتفع به الوضوء ولا دليل على ذلك من كتاب الله ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا من الإجماع فيبقى على الأصل.

2-

أن الميت المسلم طاهر، ومس الطاهر ليس بحدث ولو كان نجساً فمس النجس ليس بحدث أيضاً.

3-

أنه غسل آدمي فأشبه غسل الحي.

واستدل أصحاب القول الثاني بالأدلة الآتية:

1-

حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ"(2) .

وجه الدلالة من الحديث: أنه قد دل على أن لمس الميت ناقض للوضوء.

(1) انظر: الأصل1/62و63، عمدة القاري 8/48،اللباب1/140الاستذكار1/220، المنتقى1/65،قوانين الأحكام الشرعية 27،المجموع2/203، 5/138، 185،مغني المحتاج1/35، المغني 1/256، الكافي 1/58، الإنصاف 1/215و216.

(2)

سبق تخريجه في ص: (289) .

ص: 500