المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ سورة الفاتحة (3) - التعليق على تفسير الجلالين - عبد الكريم الخضير - جـ ٣

[عبد الكريم الخضير]

الفصل: ‌ سورة الفاتحة (3)

تفسير الجلالين -‌

‌ سورة الفاتحة (3)

إلى قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [(5) سورة الفاتحة]

الشيخ: عبد الكريم الخضير

فالإخبار عن الله بصفات كماله هذا حمد، المدح والثناء بصفات الجلال والعظمة والكبرياء هذا مجد، تكرار المحامد ثناء، يقول: "وقد جمع الله تعالى لعبده الأنواع الثلاثة في أول الفاتحة، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي، هذا في الحديث الصحيح ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى عليّ عبدي)) فغاير بين الحمد والثناء، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي، و (أل) في الحمد لله هذه للاستغراق، فجميع أجناس الحمد، وصنوفه وأفراده لله سبحانه وتعالى، كما جاء في الحديث:((اللهم لك الحمد كله)) واللام في لله للاختصاص، نقول: للاختصاص أو للملك؟ إذا كان ما قبل اللام معنى كان للاختصاص، إذا قلنا: المسجد لله ملك، وإذا قلنا: المسجد لبني حارثة، وش يجي؟ أو المسجد لبني زريق، جاءت النصوص بهذا، في الحديث الصحيح، اللام هذه لإيش؟ هم يقولون: إذا كان ما قبل اللام معنى كان للاختصاص، المسجد لبني زريق، إذا قلنا هذا، أو مسجد بني زريق، الإضافة تفيد، تفيد الملك؟ لا، شبه الملك؟ لا، القفل للباب، الجل للفرس، المقبرة لبني فلان، على القول بأن المصحف لا يملك، المصحف لفلان، مصحف زيد،

طالب:. . . . . . . . .

نعم، لكن التعريف وش فائدته؟ يعني أيهما أعلى مرتبة الملك أو الاختصاص؟

طالب:. . . . . . . . .

نعم؛ لأن المالك يتصرف في المملوك، بينما المختص لا يتصرف فيما اختص به، قالوا: اللام هنا للاختصاص؛ لأن ما قبلها معنى، هذا جاري على قاعدتهم، لكن إذا قلنا: الملك أرفع من الاختصاص، نعم هو أرفع من الاختصاص في الأجسام، فيما يتصرف فيه، والاختصاص هنا معناه القصر، فقصر الحمد المستغرق بـ (أل) لجميع أنواع المحامد وصنوفه مخصوص لله سبحانه وتعالى.

اقرؤوا يالإخوان، خلينا نمشي.

ص: 1

طالب: بالنسبة للتقسيم عند المتأخرين للصفات ما يخالف منهج السلف؟

حصر القسمة في الثلاثة جلال وجمال وكمال، لا يوجد في كلام السلف، تقسيم أو حصر حادث طارئ، لكن وجد في كلامهم صفات الكمال، وجد أن هذا من صفات الكمال لله سبحانه وتعالى، وأيضاً الجلال والعظمة لله سبحانه وتعالى معروف هذا، والجمال وصف الجمال، أما تصنيف الصفات إلى ثلاثة أقسام وحصر القسمة فيها هذا لا يعرف، نعم يوجد الألفاظ الثلاثة في كلامهم متفرق، الألفاظ الثلاثة موجودة في كلامهم متفرق، يعني نظير ما قالوا في تقسيم الحديث إلى ثلاثة أقسام، يوجد في كلامهم الصحيح، يوجد في كلامهم الضعيف، يوجد في كلامهم الحسن، لكن حصر القسمة في الثلاثة أول من قال به من؟ حصر القسمة في الثلاثة؟ الخطابي، الخطابي هو أول من حصر القسمة في الثلاثة، وأورد عليه ابن كثير، وأجيب هذه الإيرادات، والقسمة صحيحة، نعم الحصر لا يوجد في كلام المتقدمين، لكن أفرادها موجودة.

{رَبِّ الْعَالَمِينَ} [(2) سورة الفاتحة] أي مالك جميع الخلق من الإنس والجن والملائكة والدواب وغيرهم، وكل منها يطلق عليه عالم، يقال: عالم الإنس وعالم الجن إلى غير ذلك، وغُلّب في جمعه بالياء والنون أولي العلم على غيرهم، وهو من العلامة؛ لأنه علامة على موجده.

ص: 2

رب العالمين، الرب يطلق في اللغة على السيد، وعلى المتصرف للإصلاح، وكل ذلك صحيح في حق الله تعالى؛ لأن الرب من التربية، فالرب هو الذي ربى جميع العالمين بنعمه، وهو سيدهم، وهو خالقهم ومالكهم، ولا يستعمل الرب بغير إضافة إلا لله سبحانه وتعالى، أما بالإضافة فيجوز أن يطلق على غير الله سبحانه وتعالى، فتقول: رب الدار، رب الدابة، وغير ذلك، يقول ابن جرير:"والعالمون جمع عالم، والعالم لا واحد له من لفظه، كالأنام والرهط والجيش ونحو ذلك" العالم لا واحد له من لفظه، والعالم اسم لأصناف الأمم فكل صنف منها عالم، وأهل كل قرنٍ من كل صنفٍ منها عالم ذلك القرن، وعالم ذلك الزمان، ولذا جاء تفضيل بن إسرائيل على العالمين، والمراد بهم على زمانهم، وإلا فهذه الأمة أفضل من بني إسرائيل، وغُلّب في جمعه بالياء والنون أولو العلم على غيرهم، أي جمع العالمون جمع مذكر سالم، ومن شرطه أن يكون إيش؟ من شرط جمع المذكر السالم أن يكون لعاقل، فإذا قلنا: من شرط الجمع المذكر السالم أن يكون لعاقل فكيف نقول: من كل صنف من المخلوقات عالم الدواب عالم الطير عالم .. ، كيف نجمعهم جمع مذكر سالم؟ يقول الشارح: غلّبوا يعني العقلاء على غيرهم لشرفهم، فلا شك أن من يعقل أشرف ممن لا يعقل، ومنهم من خصّ العالم بالعقلاء، وعلى هذا إذا خصصنا العالم بالعقلاء، لا نحتاج إلى أن نقول: خصوا بذلك لشرفهم، بل جاء الجمع جمع المذكر السالم على أصله، وهو مروي عن ابن عباس قال في تفسير الآية: رب العالمين رب الإنس والجن، واستدل له القرطبي بقوله تعالى:{لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [(1) سورة الفرقان] والعالمون هنا الإنس والجن، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [(56) سورة الذاريات] وقال الفراء وأبو عبيدة:"العالم عبارة عما يعقل، وهم الإنس والجن والملائكة والشياطين" يعني ذكر الشياطين له داعي وإلا ما له داعي؟

طالب: ما له داعي.

لماذا؟ لأنهم من الجن والإنس {شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ} [(112) سورة الأنعام] فالشياطين عقلاء، لكن لهم قلوب لا يفقهون بها، أو لا يعقلون بها، الإنس والجن والملائكة، الملائكة عقلاء وإلا ليسوا عقلاء؟

ص: 3

طالب:. . . . . . . . .

ما في خلاف؟

طالب:. . . . . . . . .

الإنس والجن عقلاء؛ لأنهم مكلفون، والتكليف مناطه العقل، الملائكة؟

طالب:. . . . . . . . .

وش هو؟ إذاً ما عندهم عقل!

طالب:. . . . . . . . .

فهم من أعقل المخلوقات، في رسالة اسمها: تنبيه النبلاء إلى الرد على حامد الفقيه في قوله أن الملائكة غير عقلاء، رسالة مطبوعة، الظاهر أنها للمعصومي الخجندي، المقصود أن بحث مثل هذه المسألة يعني إن كان العقل الذي به تشريف العاقل فهم أولى الناس به، وإن كان المراد به العقل الذي هو مناط التكليف، وأنهم به صاروا مكلفين باتباع الأوامر والنواهي فهم متبعون، لا يعصون، ويفعلون ما يؤمرون، فإذا فعلوا ما أمروا به، ولم يعصوا، ولم يرتكبوا ما نهوا عنه، هذا هو عين العقل.

ص: 4

وقوله: وهو العلامة؛ لأنه علامة على موجده، فالعالم هو ما سوى الله سبحانه وتعالى حادث، وكل حادث لا بد له من محدث وموجود، فهذه الموجودات وهذه المخلوقات علامة ودليل برهان على موجدها، كما أن الأثر يدل .. ، وكما أن البعرة تدل على البعير، فإذا وجدت أثراً لماشٍ على الأرض تجزم بأن هناك مسير، هناك من سار على هذه الأرض، وإذا وجدت بعرة بعيرة تجزم بأنه قد حل هنا بعير، يقول تعالى:{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [(35) سورة الطور] فلا يعقل أنهم خلقوا من غير خالق، ولا يتصور أنهم هم الخالقون لأنفسهم؛ لأن المعدوم لا يخلق ولا يوجد، فلا بد لهم من خالقٍ غيرهم، وهو الله سبحانه وتعالى، وجاء في حديث عن قصة جبير بن مطعم أنه لما سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ في سورة المغرب من سورة الطور وصل إلى هذه الآية كاد قلبه يطير، حجة دامغة، حجة ملزمة {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [(35) سورة الطور] كما جاء في المثل، وأن هناك سفينة كبيرة تجري في البحر على ظهرها ما على ظهرها من أنواع البضائع، وصنوف المأكولات والمركوبات والمشروبات وغيرها هذه لا بد لها من موجد، لا بد لها من صانع، وهذه المخلوقات لا بد لها من صانع؛ لأنها لا يتصور أن تخلق نفسها، ولا يتصور أنها وجدت هكذا من غير سبب، ومن غير موجود، لهذا يقول الشاعر:

وفي كل شيءٍ له آية

تدل على أنه واحد

سبحانه وتعالى.

طالب:. . . . . . . . .

جاء في الحديث الصحيح ((والحمد لله)) نعم ها؟

طالب:. . . . . . . . .

أين هي التي تملا؟ من يذكر الحديث كامل؟

طالب:. . . . . . . . .

((الصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء

))

طالب:. . . . . . . . .

ص: 5

((وسبحان الله، والحمد لله تملآن، أو تملأ)) الآن المفاضلة بين التسبيح والحمد، أيهما أفضل؟ المفاضلة بين التسبيح والحمد، إذا قلنا: تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، ولا إله إلا الله لو وضعت في كفة والسماوات السبع والأراضين السبع لمالت ورجحت بهن لا إله إلا الله، لا شك أن لا إله إلا الله، هي أفضل الأذكار، وجاء في الحديث الصحيح:((خير الدعاء، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله)) فأفضل الأذكار على الإطلاق لا إله إلا الله، والمفاضلة عند أهل العلم بين التسبيح والتحميد، فالتسبيح هو التنزيه، والتحميد هو الإخبار عن الله سبحانه وتعالى بصفات كماله، وعلى كلٍ هن الباقيات الصالحات، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا يضرك بأيهن بدأت، وفي كل واحدةٍ منها شجرة في الجنة، في الحديث الصحيح عن إبراهيم عليه السلام:((أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة قيعان وغراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر))

أو ما علمت بأنها القيعان

فاغرس ما تشاء بذا الزمان الفاني

وغراسها التسبيح والتحميد

والتكبير والتوحيد للرحمنِ

المقصود أن هذه الكلمات الأربع خفيفة على اللسان، ثقيلة في الميزان، ثوابها عظيم، وهن الباقيات الصالحات، {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [(46) سورة الكهف] والحديث الصحيح الذي ختم به الإمام البخاري صحيحه:((كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)) لكن الحرمان لا نهاية له، وفضل الله لا يحد، فمن وفّق، وجعل لسانه رطباً بذكر الله سواءً كان بتسبيح أو تحميد أو تهليل أو تكبير أو غيرها مما جاءت به الأخبار فهو الموفق، ومن حرم فصمت فهو محروم، ومن نطق بمفضول أو ممنوع فأشد في الحرمان، فهو الخسران، نسأل الله العافية.

طالب: الاشتقاق -يا شيخ- العالم من العِلْم وإلا العَلَم؟

ص: 6

العالم مشتق من إيش؟ من العلامة؛ لأنه علامة على خالقه وموجده، أو من العِلْم لأن من شأنه أن يعلم، فالذي يخص العالم بالعقلاء يقول: من العِلْم، والذي يجعل العالم عام لجميع ما سوى الله -جل وعلا- هو قول الأكثر يجعله من العلامة.

{الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} [(3) سورة الفاتحة] أي ذي الرحمة، وهي إرادة الخير لأهله.

نعم، تقدم تفسير الرحمن الرحيم في تفسير البسملة، والمفسر هنا جرى على طريقة الأشعرية في تأويل صفة الرحمة لله سبحانه وتعالى بإرادة الخير، تفسير الصفة بلازمها، بإرادة الخير لأهله أي لمن يستحقه، فراراً من إثبات صفة الرحمة لله سبحانه وتعالى، والذي عليه أهل السنة والجماعة إثبات ما أثبته الله سبحانه وتعالى لنفسه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من صفات الكمال، ونعوت الجلال على ما يليق بجلاله وعظمته من غير تكييف، ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا وتعطيل، وفي صحيح البخاري: الرحمن الرحيم اسمان من الرحمة، الرحيم والراحم بمعنىً واحد، كالعليم والعالم، وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري عن ابن المبارك: الرحمن إذا سئل أعطى، والرحيم إذا لم يسأل يغضب، الرحمن إذا سئل أعطى، والرحيم إذا لم يسأل يغضب، ثم قال: ومن الشاذ ما روي عن المبرد وثعلب أن الرحمن عبراني، والرحيم عربي، وقد ضعفه ابن الأنباري والزجاج وغيرهما، وقد وجد في اللسان العبراني لكنه بالخاء المعجمة، يقول: الرحمن عبراني، نعم هو وجد بالعبرانية لكنه بالخاء المعجمة، ومعروف اللغة العبرية أكثرها خاء، الشين والخاء لا تكاد تخلو منها جملة من جمله.

{مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [(4) سورة الفاتحة] أي الجزاء، وهو يوم القيامة، وخص بالذكر لأنه لا ملك ظاهراً فيه لأحد إلا لله تعالى، بدليل {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ} [(16) سورة غافر] ومن قرأ مالك فمعناه مالك الأمر كله في يوم القيامة، أو هو موصوف بذلك دائماً كغافر الذنب، فصح وقوعه صفةً لمعرفة.

ص: 7

{مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [(4) سورة الفاتحة] أي الجزاء، قرئ مالك وملك وكلاهما صحيح، بل متواتر، ويقال أيضاً: مليك بالياء، وأشبع نافع كسرة الكاف فقرأ ملكي يوم الدين، وحكي عن أبي حنيفة أنه قرأ: ملَك يوم الدين، على أنه فعل وفاعل ومفعول، ملَك يوم الدين، قال ابن كثير: وهذا غريب شاذ جداً، يعني ينقل عن أبي حنيفة قراءات كما هنا: ملَك يوم الدين، والله أعلم بثبوتها عنه، ونقل عنه أيضاً: إنما يخشى اللهُ من عباده العلماء، هذه قراءة منقولة عن أبي حنيفة، ولا تثبت عنه، لا هذه ولا تلك، قال ابن كثير:"وهذا غريب شاذ جداً، أما القراءتان المتواتران مالك وملك فقد رجّح كلاً منهما مرجحون، من حيث المعنى، ملك ومالك، فمن رجح ملك بدون ألف استدل بما أشار إليه المفسر؛ لأنه لا ملك ظاهراً فيه لأحد إلا لله سبحانه وتعالى، بدليل قوله تعالى: {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ}؟ الجواب: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [(16) سورة غافر] لا ملك لأحد يوم القيامة، وقد أضيف الملك إلى يوم الدين الذي هو يوم الجزاء يوم القيامة، ولا ملك لأحدٍ معه سبحانه وتعالى، فمن رجح ملك بدون ألف استدل بما أشار إليه المفسر بدليل قوله: {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ}؟ وجوابه: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [(16) سورة غافر] أي لا ملك لأحدٍ إلا لله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ} [(26) سورة الفرقان] {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ} متى؟ يوم القيامة، {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ} [(26) سورة الفرقان] بدليل: {وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا} [(26) سورة الفرقان] قال ابن كثير: "وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه" يقول ابن كثير: "وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه" لماذا؟ لأنه تقدم الإخبار بأن الله سبحانه وتعالى رب العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئاً، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه سبحانه وتعالى، كما قال تعالى:{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ}

ص: 8

[(38) سورة النبأ] ومن قرأ: مالك بالألف، فمعناه مالك الأمر كله يقول: ومن قرأ مالك يعني بالألف معناه مالك الأمر كله متى؟ في يوم القيامة، كما قال تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا} [(40) سورة مريم] فالوارث مالك، {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا} [(40) سورة مريم] قال القرطبي:"اختلف العلماء أيما أبلغ ملك أو مالك؟ فقيل: ملك أعم وأبلغ من مالك، لماذا؟ إذ كل ملكٍ مالك، وليس كل مالك ملكاً؛ ولأن أمر المُلك، أو أمر المَلك نافذ على المالك في ملكه، حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملك، قاله أبو عبيدة والمبرد" ملك أعم وأبلغ من مالك إذ كل ملكٍ مالك، وليس كل مالكٍ مالكاً؛ ولأن أمر المَلك نافذ على المالك في ملكه، حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملك قاله أبو عبيدة والمبرد" هذا مشاهد، أقول: هذا مشاهد، شخص عنده قطعة أرض يريد أن يعمرها، قال له الملك ولي الأمر، أو من ينيبه ادخل عن الشارع، قدر عرض الشارع، ادخل مترين ثلاثة عن الشارع، كما هو مطبق الآن لما يرون من المصلحة، الآن أمر الملك نفذ على المالك في ملكه، نفذ عليه في ملكه، لكن هل المالك يتصرف دون إذن الملك؟ وقيل: مالك أبلغ، مالك أبلغ؛ لأنه يكون مالكاً للناس وغيرهم، فالمالك أبلغ تصرفاً وأعظم، إذ إليه إجراء قوانين الشرع، ثم عنده زيادة التملك، مالك أبلغ؛ لأنه يكون مالكاً للناس وغيرهم، فالمالك أبلغ تصرفاً وأعظم إذ إليه إجراء قوانين الشرع، نفترض المسألة في الأرض السابقة، أيهما أبلغ تصرف في هذه الأرض المالك أو الملك؟ أيهما أبلغ تصرف؟ الآن في الصورة السابقة قلنا: أن أمر الملك نفذ على المالك؟ لكن هل يستطيع الملك بوصفه ملكاً أن يتصرف في هذه الأرض بجملتها ويأخذها من صاحبها، ويلغي ملكه عليها وتصرفه فيها؟ لا يمكن؛ لأن هذا هو الظلم بعينه، فالمالك أبلغ في التصرف فيما يخصه من الملك، لكن الملك تصرفه من حيث العموم والشمول، بحيث أنه يستطيع أن يتصرف تصرفاً لا يضر بالمالك في ملك هذا المالك وملك غيره، فهو أبلغ من هذه الحيثية، لكن التصرف الخاص إنما هو للمالك لا للملك، ثم قال القرطبي بعد ذلك: "وقد احتج بعضهم على أن مالكاً أبلغ -يعني

ص: 9

من ملك- لأنه فيه زيادة حرف الألف، فلقارئه عشر حسنات زيادةً عمّن قرأ ملك" وهذا نظر إلى الصيغة لا إلى المعنى، كونه يزداد أجراً لا يعني أنه أبلغ من غيره، بدليل أن حذر أبلغ من حاذر، نعم القاعدة عندهم أن الزيادة في المبنى تدل على زيادة المعنى، وبذا رجحوا الرحمن على الرحيم، قالوا: لإن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، لكن الثواب المرتب على القراءة غير البلاغة، والمسألة في أيهما أبلغ؟ وقد يتكلم الإنسان بكلامٍ طويل فيه إطناب أو مساواة، وأبلغ منه الاختصار والإيجاز، فكونه فيه زيادة حرف، ويترتب على القراءة به زيادة الفضل، مسألة خارجة عن كونه أبلغ أو أقل بلاغة، لكن إذا قلنا: إن هذا أبلغ، وهذا أكثر أجر، فماذا نرجح؟ إذا قلنا: ملك كما نقول: حذر أبلغ من مالك كحاذر، ومالك فيه زيادة حرف، وفيه زيادة عشر حسنات، فأيهما أرجح؟

طالب:. . . . . . . . .

لماذا؟

طالب:. . . . . . . . .

أكثر حسنات، أولاً: نعرف أن القراءتين متواترتان، فبأيهما قرأ القارئ فمصيب، لكن ما الذي يختاره الإنسان لنفسه؟ هل يقرأ مالك؛ لأن فيه زيادة حرف، وفيه زيادة عشر حسنات، أو يقرأ ملك لأنها أبلغ؟

طالب:. . . . . . . . .

لكن إذا قرأ ملك فرط بعشر حسنات، أولاً: ما المراد بالحرف الذي يرتب عليه الثواب؟ نعم هل هو حرف المبنى أو حرف المعنى؟ معنى وإلا مبنى؟

طالب:. . . . . . . . .

ص: 10

ما قال: (أ َ) حرف؟ لكن أيهما أكثر ثواباً (ألف لام ميم) أو (ألم)؟ إذا قلنا: إن المقصود حرف المبنى، قلنا: أن (ألم) في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ} [(6) سورة الفجر] مثل: {الم} [(1) سورة البقرة] لا فرق، بل نحتاج إلى أن نقول:{الم} ما هي ثلاثة حروف، تسعة حروف، والفرق ليس بالشيء اليسير، إما أن يكون القرآن ثلاثمائة ألف حرف أو سبعين ألف حرف، الفرق كبير، إما أن تكون الختمة بثلاثة ملايين حسنة، أو سبعمائة ألف حسنة، الفرق ليس باليسير، وعلى كلٍ في لغة العرب يطلق الحرف ويراد به هذا، ويراد به ذاك، وشيخ الإسلام رحمه الله يميل إلى أن المراد بالحرف حرف المعنى، ولذا لو قرأت: مالك وملك أجرك واحد، يعني إذا قلنا: مالك وملك حرف واحد، وإذا قلنا: ملك ثلاثة حروف، ومالك أربعة على أن المراد حرف المبنى اختلف، لكن على أن المراد حرف المعنى الكلمة حرف واحد، كلها كلمة واحدة ملك ومالك، ما في فرق، والذي يراه الأكثر أن المراد حروف المباني، ولا شك أن فضل الله سبحانه وتعالى وما يرجوه المسلم ثواب عظيم جزيل في قراءة القرآن يطمعه في أن يكون المراد حرف المبنى، وإن عظم القائل بالقول الآخر، بل ثقتنا بفضل الله سبحانه وتعالى وكرمه وجوده أعظم من ثقتنا بعلم شيخ الإسلام وقوة حجته ودليله، نعم.

طالب:. . . . . . . . .

الكلمة حرف عندهم، سواءً كانت حرف أو اسم أو فعل، هي حرف، فملك حرف، وكيف حرف، والهمزة بمفردها حرف.

طالب:. . . . . . . . .

هو ما قاله زميلك قبل قليل، لكن تظن أن قولك:{الم} [(1) سورة البقرة] فيها من الأجر مثل (ألم)؟ {الم} [(1) سورة البقرة] مثل (ألم)؟

طالب:. . . . . . . . .

لا، أنت إذا نطقت بالكلمة خرج لك من {الم} [(1) سورة البقرة] تسعة حروف، ما هي ثلاثة ها؟

طالب:. . . . . . . . .

وش الصوت؟

طالب:. . . . . . . . .

طيب الفاء هذه أليس لها اعتبار في ألف؟ ما لها أجر وليس لها ثواب؟ لا، لا، المسألة ترى ما هي بسهلة مثل ما تتصور.

طالب:. . . . . . . . .

ص: 11

أن تكون {الم} [(1) سورة البقرة] حرف واحد، لا، لكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف، نفى أن يكون {الم} [(1) سورة البقرة] الثلاثة الحروف نفى أن تكون حرفاً واحداً.

طالب:. . . . . . . . .

كيف كلمة واحدة؟ لا، إذا فصلتها ثلاث كلمات، ألف كلمة، ولام كلمة، وميم كلمة.

والله إني بعيد العهد جداً، وكأن ابن الجزري نقله عنه أيضاً، بعيد عن موضعه من كلام شيخ الإسلام.

طالب:. . . . . . . . .

الحرف الذي ينطق به، باسمه غير الذي ينطق بلفظه، فرق بين أن تقول:(أ َ) وألف؟ وبين أن تقول: (كَ) وكاف؟

طالب: يعني لو كتبت (كَ) إذا سئل ما هذا الحرف قال: كاف، ولو قيل له انطق: قال: (كَ) إن كان في كلمة، وإن كان مفرد قال: كاف، فكيفية نطق الحرف. . . . . . . . . تركيبه من عدمه .. ؟

لكن الثواب المرتب على النطق وإلا على الصورة؟

طالب: الثواب مرتب على أن يقرأ هذا الحرف أيِّ كان على صفته التي أنزله الله بها.

تأمل، تأمل تجد، على كلٍ كون القرآن ثلاثمائة ألف حرف أحسن للقارئ من أن يكون سبعين ألف حرف، والمراد بالحرف الكلمة.

ص: 12

في صحيح البخاري: الدين الجزاء في الخير والشر، كما تدين تدان، وقال مجاهد: بالدين الحساب، مدينين: محاسبين، قال ابن حجر:"وللدين معانٍ أخرى منها: العادة والعمل والحكم والحال والخلق والطاعة والقهر والملة والشريعة والورع والسياسة وشواهد ذلك يطول ذكرها"{مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} [(76) سورة يوسف] إيش معنى دين الملك؟ من معاني الدين السياسة، من معاني الدين الشريعة، وقوله: ومن قرأ مالك فمعناه مالك الأمر كله في يوم القيامة، أي هو موصوف بذلك دائماً كغافر الذنب، فصح وقوعه صفةً للمعرفة، هو الآن يريد أن يتنصل من إشكال، وإلا ما الداعي لذلك كله، مالك معناه مالك الأمر كله في يوم القيامة، وينتهي الإشكال، لكن قال: أي هو موصوف بذلك دائماً، فصح وقوعه صفةً للمعرفة، وقوله: أي هو موصوف بذلك دائماً، أي بكونه مالكاً بالألف، وهذا جواب عن سؤال، وهو أن إضافة اسم الفاعل إضافة غير حقيقية، فلا تكون معطيةً بمعنى التعريف، فكيف ساغ وقوعه صفةً للمعرفة؟ الآن مالك يوم الدين صفة لإيش؟ لله، والله معرفة، بل هو أعرف المعارف على ما تقدم عند سيبويه، مالك يوم الدين اسم فاعل مالك، وإضافة اسم الفاعل تفيد التعريف وإلا ما تفيد؟ لأنها غير حقيقية، إضافة لفظية، فكيف يوصف المعرفة بما لم يستفد التعريف من المضاف إليه؟ الجواب كما في قول المفسر أنه موصوف بذلك دائماً، فهو موصوف بذلك بكونه مالك على الاستمرار والدوام، وحينئذٍ تكون إضافته حقيقية، إذا كان موصوف بذلك على الدوام كانت إضافته حقيقية، لماذا؟ لأنه إنما تكون إضافة اسم الفاعل غير حقيقية إذا أريد باسم الفاعل الحال أو الاستقبال، وحينئذٍ تكون الإضافة في تقدير الانفصال كقولك: مالك الدار الساعة أو غداً، فأما إذا قصد المضي أو الاستمرار كانت الإضافة حقيقية، كما في قوله تعالى:{غَافِرِ الذَّنبِ} [(3) سورة غافر] أي أنه سبحانه وتعالى يغفر الذنوب دائماً، يغفر الذنوب في الحال وفي الاستقبال، كما أنه يغفرها في الماضي، ظاهر وإلا ما هو بظاهر؟ فمعناه مالك الأمر كله في يوم القيامة، أي هو موصوف بذلك دائماً، الآن عندنا الأصل القواعد، القواعد هي الأصل، وما خالف

ص: 13

القواعد يحتاج إلى تأويل، هذا عند من؟ عند النحاة، وإذا كان المخالف من النصوص حديث هذا لا يشكل عليهم كثيراً؛ لأنهم يقولون: الحديث مروي بالمعنى، والراوي قد يكون ممن لا يحتج به في اللغة، لكن إذا كان المخالف للقاعدة آية من كتاب الله متواترة يحتاجون أن يؤولوا، وأن يقدروا من أجل أن تنضبط قواعدهم {إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ} [(1) سورة الانشقاق]{إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ} [(1) سورة الانفطار] السماء مرفوع إيش؟ فاعل بإيش؟ بفعلٍ محذوف يفسره المذكور، لا بد أن تقول: إذا انشقت السماء انشقت، إذا انفطرت السماء انفطرت، على شان إيش؟ على شان تنضبط قاعدتهم، لماذا لا نضبط القواعد على القرآن؟ المحفوظ من التغيير والتبديل، علماً بأن هذه القواعد مهما حاولوا وجدّوا في ضبطها فهي مخرومة، سواء كانت بالنصوص، أو كانت لغات العرب الأخرى، ولذا تجدون الخلاف الطويل العريض بين الكوفيين والبصريين، وعلل النحاة تكاد تنضبط، فهم يحاولون أن ينزلوا النصوص على قواعدهم، الآن إذا كان معك ساعة تريد أن تضبط الساعة أنت تضبطها على الشمس وطلوعها وغروبها زوالها، أو تحكم على الشمس بزوالها وغروبها وطلوعها تحكم على ذلك بساعتك؟ أيهما الأصل أن تضبط ساعتك على الثوابت التي تعرف بها الأوقات، بخلاف من يضبط هذه الأوقات بالساعة، لو افترضنا أن ساعته قدمت أو أخرت، ضعف الحجر أو نسي؛ لأنه كانت الساعات ما هي على الأحجار تتعبى، يعشيها نعم، هذا نظير ما عندنا، يعني نضبط الثابت بالمتغير، والأصل العكس أن نضبط المتغير بالثابت، الآن القرآن محفوظ من التغيير والتبديل، ولذلك تجدون الإشكال كبير عندهم في قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ} [(69) سورة المائدة]

طالب:. . . . . . . . .

ص: 14

لا المشكلة إيش؟ الصابئون، هذه التي تشكل عليهم، وهذه التي تحتاج إلى جواب؟ ليس البرُّ أن تولوا، أو ليس البرَّ؟ على كلٍ هذه أمرها سهل؛ لأن أنّ وما دخلت عليه في تأويل مصدر اسم ليس، هذا ما فيه إشكال، الإشكال في مثل قوله تعالى:{وَالصَّابِؤُونَ} [(69) سورة المائدة] وهي معطوفة على اسم (إنّ) فتحتاج أن تقدر لـ (إنّ) خبر، لكي تكون الجملة قد تمّت، ثم تستأنف.

وجائز رفعك معطوفاً على

معمول إنّ بعد أن تستكملا

هنا كلامهم كثير في كتب التفسير من أجل أن إضافة اسم الفاعل لفظية، وليست محضة معنوية، وحينئذٍ كيف يوصف المعرفة بما إضافته لفظية؟ لم يكتسب التعريف من الإضافة، فاضطروا أن يقولوا مثل هذا الكلام أن مالك يوم الدين يقصد به الاستمرار، كيف يقصد الاستمرار وهو مضاف إلى يوم الدين؟ هو في المعنى مستمر بلا شك؛ لأنه سبحانه وتعالى مالك ليوم الدين، وما قبل يوم الدين، فهو موصوف بـ (مالك) على الاستمرار، وصفه بالملك مستمر، وحينئذٍ ساغ وصف المعرفة به.

{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [(5) سورة الفاتحة] أي نخصك بالعبادة من توحيد وغيره ونطلب المعونة على العبادة وغيرها.

ص: 15

{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} أي نخصك بالعبادة من توحيدٍ وغيره وبطلب أو ونطلب؟ نخصك بالعبادة ونخصك بطلب المعونة على العبادة وغيرها؛ لأن الاختصاص كما جاء في العبادة جاء في الاستعانة، جاء في طلب الاستعانة، والاختصاص مأخوذ من أين؟ من تقديم المعمول على عامله، والاختصاص بالعبادة، يعني نخصك بالعبادة من توحيدٍ وغيره، وهو أيضاً مخصوص بطلب المعونة على العبادة وغيرها من الأمور، في حاشية الجمل يقول:"لما ذكر الحقيقة بالحمد، ووصفه بصفاتٍ عظامٍ تميّز بها عن سائل الذوات خوطب بإياك نعبد، والمعنى: يا من هذا شأنه نخصك بالعبادة والاستقامة ليكون أدل على الاختصاص والترقي من البرهان إلى العيان، والانتقال من الغيبة إلى الشهود، وكأن المعلوم صار عياناً، والمعقول مشاهداً، والغيبة حضوراً، كيف جاء الترقي؟ ترقي بعد أن كنت تثني على الله سبحانه وتعالى، فتقول: الحمد لله، وأنت تتصوره غائباً عنك، لكن لما زدت في ثنائك عليه قلت: لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، كأنك وصلت إلى الحضرة، فكأنك تراه وتخاطبه، ولهذا التفت من الغيبة إلى الخطاب فقلت: إياك، ما قلت: إياه، الحمد لله إياه، هذا مناسب، لكن فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب فقلت: إياك نعبد وإياك نستعين، هذا يسمونه التفات، ابن جني -أبو الفتح- يسمي الالتفات شجاعة العربية، كأنه عنى أنه دليل على حدة ذهن البليغ، وتمكّنه من تصريف أساليب كلامه كيف شاء، كما يتصرف الشجاع في مجال الوغى بالكر والفر، شجاعة العربية، من أمثلة الالتفات قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم} [(22) سورة يونس] ما قال: وجرين بكم ويقول الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "وتحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب مناسب" لماذا؟ لأنه لما أثنى على الله سبحانه وتعالى فكأن اقترب وحضر بين يديه، فلهذا قال:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [(5) سورة الفاتحة] وفي هذا دليل على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى، وإرشاد لعباده أن يثنوا عليه بذلك، يقول: في هذا دليل على أن أول السورة خبر من

ص: 16

الله تعالى، بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى، خبر، وتقدم لنا في الدرس الماضي في قول المفسر أنه لا بد أن يقدّر، ويقدّر في أولها قولوا ليكون ما قبل إياك نعبد مناسباً له لكونها من مقول العباد، نعم هو من الله سبحانه وتعالى ابتداءً، وهو إرشاد للعباد بأن يقولوا هذا الذكر.

و {إِيَّاكَ} بتشديد الياء في قراءة السبعة، وقرأ عمرو بن فايد بتخفيفها مع الكسر، وين أبو عمر؟ من عمرو بن فايد هذا؟ يقولون: وقرأ عمرو بن فايد بتخفيفها مع الكسر، بن فايد، إيا، إيا، قالوا: وهي قراءة شاذة مردودة، قال ابن كثير: لأن إيا ضوء الشمس.

طالب:. . . . . . . . .

لا، لا، هذا عمرو بن فايد، وقراءته هذه شاذة مردودة، قال: لأن إيا ضوء الشمس، على هذا كأنهم قالوا: ضوء شمسك نعبد، هذا مردود بلا شك، وقرأ بعضهم: أيّاك، بفتح الهمزة وتشديد الياء، وقرأ بعضهم: هياك بالهاء بدل الهمزة، وإياك ضمير خطاب، ضمير نصب، قالوا: والأظهر أن كلمة إيا جعلت ليعتمد عليها الضمير، يعني ليست بجزء من الضمير، إنما جيء بها ليعتمد عليها الضمير، لماذا؟ لأن الضمير الكاف ضمير متصل، وضمير المتصل ضابطه لا يُبتدئ به، ضابطه أن لا يُبتدئ به، ولا يقع بعد إلا في حالة الاختيار، يعني جاء في حالة الاضطرار مثاله؟

طالب:. . . . . . . . .

هاته، صحيح، على كلٍ إيا هنا جيء بها ليعتمد عليها الضمير، ليصح أن يقع في أول الكلام، وإلا فالضمير هو الكاف، ولذلك لزمها الضمائر نحو: إيّاي وإياك وإياهم، ومن النحاة من جعل إيَّ ضميراً منفصلاً ملازماً حالةً واحدة، وجعل الضمائر التي معه أضيفت إليه للتأكيد، وجعل الضمائر التي معه أضيفت إليه للتأكيد، ومنهم من جعل إيا اسماً ظاهراً مضافاً للمضمرات، يعني ومنهم من جعل إياك كلها ضمير نصب، كما جعل إياهم وإياي وإيانا وإياكِ .. الخ.

ص: 17

{نَعْبُدُ} [(5) سورة الفاتحة] قرأ الحسن وأبو المتوكل وأبو مجلز: يُعبد، بضم الياء وفتح الباء، اختلف في المراد بالعبادة على ثلاثة أقوال، أحدها: أنها بمعنى التوحيد، روي عن علي وابن عباس في آخرين، والثاني: أنها بمعنى الطاعة، كما في قوله تعالى:{أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} [(60) سورة يس] والثالثة: أنها بمعنى الدعاء كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} [(60) سورة غافر] والعبادة في اللغة التذلل، يقال: طريق معبد، وبعير معبد، أي مذلل، وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف، قاله ابن كثير، وقال شيخ الإسلام: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، ويقول ابن القيم رحمه الله في نونيته:

وعبادة الرحمن غاية حبه

مع ذل عابده هما قطبانِ

و {نَسْتَعِينُ} [(5) سورة الفاتحة] بفتح النون في قراءة الجميع سوى يحيى بن وثاب والأعمش فإنهما كسراها قالوا: نِستِعين، هي موجودة في قراءة بعض العوام من بعض الجهات، وهي لغة بني أسد وربيعة وبني تميم وقيس، وقدّم الضمير المفعول، وكرر للاهتمام والحصر، إياك نعبد وإياك نستعين، قدم للاهتمام والحصر، أي لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة، قال الحافظ ابن كثير والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين، وهذا كما قال بعض السلف، الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة: إياك نعبد وإياك نستعين، فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة والتفويض إلى الله عز وجل، وهذا المعنى في غير ما آيةٍ من كتاب الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى:{فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [(123) سورة هود] وقال: {قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} [(29) سورة الملك] ولابن القيم -رحمه الله تعالى- كتاب عظيم أسماه: مدارج السالكين من منازل إياك نعبد وإياك نستعين.

والآن مع الدرس الخامس

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

ص: 18

قال -رحمه الله تعالى-: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [(5) سورة الفاتحة] أي نخصك بالعبادة من توحيد وغيره ونطلب المعونة على العبادة وغيرها.

بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

في تفسير هذه الآية: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} أشار الشارح إلى أن تقديم المعمول يفيد الاختصاص، ولذا قال: نخصك بالعبادة، وهذا مأخوذ من تقديم المعمول على عامله، والعبادة تشمل التوحيد، التوحيد العلمي والتوحيد العملي، والعبادات من زكاةٍ وصيام وحجٍ وغيرها وجهاد وغيرها مما يبتغى به وجه الله سبحانه وتعالى، نخصك بالعبادة، ونخصك أيضاً بطلب المعونة على هذه العبادة وغيرها، فالله سبحانه وتعالى هو المستعان على أمور الدنيا، وأمور الآخرة، وفي حاشية الجمل قال: لما ذكر الحقيقة بالحمد ووصفه بصفاتٍ عظام تميز بها عن سائر الذوات خوطب بإياك نعبد، فبداية السورة الحمد لله رب العالمين، ذكر المفسر سابقاً أنه لا بد من تقدير: قولوا: الحمد لله رب العالمين، لماذا؟ قولوا: الحمد لله رب العالمين؟

طالب:. . . . . . . . .

نعم، ليناسب هذه الآية {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [(5) سورة الفاتحة] ليكون ما جاء في السورة كلها من مقول الخلق بأمر الله سبحانه وتعالى، ثم يقول الجمل: "والمعنى يا من هذا شأنه نخصك بالعبادة والاستعانة ليكون أدل على الاختصاص والترقي من البرهان إلى العيان، والانتقال من الغيبة إلى الشهود، الحمد لله، هذا ذكر لغائب، وإن كان حاضراً مع حامده وذاكره بمعيته الخاصة والعامة، لكن الأسلوب أسلوب غيبة، الحمد لله، ولذا ما قيل: الحمد لك يا الله، الترقي من البرهان إلى العيان، والانتقال من الغيبة إلى الشهود، لكن لما قال: إياك نعبد، انتقل من أسلوب الغيبة إلى أسلوب الشهود، يقول: وكأن المعلوم صار عياناً، والمعقول مشاهداً، والغيبة حضوراً.

طالب:. . . . . . . . .

ص: 19

في العربية التفات، وابن جني يسمي الالتفات: شجاعة العربية، إيش معنى شجاعة العربية؟ يقول: كأنه عنى أنه دليل على حدة ذهن البليغ، وتمكنه من تصريف أساليب كلامه كيف يشاء؟ كما يتصرف الشجاع في مجال الوغى بالكر والفر، ومن الأمثلة على الالتفات في القرآن:{حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم} [(22) سورة يونس] وإلا في الأصل أن يقال: وجرين بكم، يقول الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-:"تحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب، وهو مناسب لأنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى فلهذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، وفي هذا دليل على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى، وإرشاد لعباده أن يثنوا عليه بذلك" هل في هذا مخالفة لما قدره المفسر سابقاً؟ بقوله: قولوا الحمد لله رب العالمين، يقول: وفي هذا دليل على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى، وإرشاد لعباده أن يثنوا عليه بذلك، يعني إذا قدرنا قولوا فالحمد لله رب العالمين في أول السورة يكون كلام من؟

طالب:. . . . . . . . .

ص: 20

القرآن كله كلام الله، لكن قد يكون كلام الله على لسان أحدٍ من خلقه، فقوله تعالى على لسان فرعون:{أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [(24) سورة النازعات] هو كلام الله سبحانه وتعالى لكنه على لسان ذلك الطاغية، فقولنا: الحمد لله رب العالمين، يعني قاله الله سبحانه وتعالى من تلقاء نفسه، وأمر بقوله، ولذا قدرنا في أوله: قولوا الحمد لله رب العالمين، فهل نقول: إن الحمد لله رب العالمين من مقول الله حمد من الله لنفسه؟ أو حمد من المخلوق لله سبحانه وتعالى؟ يعني هل الآية الحمد لله رب العالمين حمد من الله لنفسه؟ وهذا مما يقال في تقسيم الحمد أنه حمد قديم لقديم كما قالوا، وهو حمد الله لنفسه، وحمد قديم لحادث، كحمد الله سبحانه وتعالى ومدحه لبعض خلقه، وحمد حادثٍ لقديم وهو حمد المخلوق لربه، وحمد حادثٍ لحادث، وتقدم الفرق بين الحمد والمدح، وهو أنه هل يتأتى بالنسبة للمخلوق أن يحمد أو يمدح؟ والخلاف في ذلك تقدم كله، يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله في هذا دليل على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة، يعني حينما نقول في ابتداء قراءتنا الحمد لله رب العالمين فنحن نثني على الله سبحانه وتعالى بذلك، هل نقول: بعد أن أمرنا الله سبحانه وتعالى بالثناء عليه، وبحمده، أو نقول: اقتداءً بثناء الله سبحانه وتعالى على نفسه، وإرشاد لعباده أن يثنوا عليه بذلك، وعلى كل سواء كانت خبر، أو امتثال أمر، فالخبر يأتي ويقصد به الأمر، وحينئذٍ يكون أبلغ في المراد من الأمر الصريح {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [(228) سورة البقرة] هذا خبر، لكن مفاده الأمر، ولذا ما في أحدٍ من أهل العلم قال بأن العدة مباحة؛ لأن هذا خبر وليس بأمر، وليس فيه من قال: إن العدة مندوبة فقط، بل أوجبوا الاعتداد، اعتداد المطلقة، والآية وإن كان لفظها الخبر إلا أن المراد منها الأمر، والحمد سواء قدرنا قولوا أو لم نقدر، فنحن مطالبون بأن نحمد الله سبحانه وتعالى، نعم، بإيش؟

طالب:. . . . . . . . .

هو ما في تقدير قولوا إلا لتكون السورة كلها متسقة من كلام العباد بس.

ص: 21

{إِيَّاكَ} [(5) سورة الفاتحة] قرأ السبعة بتشديد الياء، وقرأ عمرو بن فايد بتخفيفها مع الكسر إياك، وهي قراءة شاذة مردودة قال ابن كثير: لأن إيا ضوء الشمس، وقرأ بعضهم أياك بفتح الهمزة وتشديد الياء، وقرأ بعضهم هياك بالهاء بدل الهمزة، وإياك ضمير خطاب، ضمير رفع وإلا نصب؟ ضمير نصب، والأظهر أن كلمة إيا .. ، الآن هل الضمير إياك كلها أو الكاف؟ لأن الخلاف قائم، هل هو جميع الكلمة هو الضمير؟ أو الكاف أو إيا، والأظهر أن كلمة إيا جعلت ليعتمد عليها الضمير عند انفصاله، ولذلك لزمها الضمائر نحو إياي وإياك وإياهم .. الخ، ومن النحاة من جعل إيا ضميراً منفصلاً ملازماً حالةً واحدةً، وجعل الضمائر التي معه أضيفت إليه للتأكيد، ومنهم من جعل إيا اعتماداً للضمير كما كانت أي اعتماداً للمنادى الذي فيه (أل)، يعني كما سيأتي في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ} [(21) سورة البقرة] ومنهم من جعل إيا اسماً ظاهراً مضافاً للمضمرات، على كلٍ سواء كانت الكلمة كلها ضمير، أو الضمير الكاف، فالمقصود ظاهر منها، هل يجوز حذف إيا إذا قلنا: إن الضمير كاف، في مثل هذا؟

طالب:. . . . . . . . .

لماذا؟ لا بد له من معتمد، لا بد له من شيء يعتمد عليه؛ لأن المضير المتصل لا يبدأ به في الكلام، ولا يقع بعد إلا، في حال الاختيار، وإن وقع في حال الاضطرار.

ص: 22

{نَعْبُدُ} [(5) سورة الفاتحة] قرأ أبو المتوكل والحسن وأبو مجلز: يُعبد، بضم الياء وفتح الباء، اختلف في المراد على العباد بالعبادة على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها بمعنى التوحيد، وهذا مروي عن علي وابن عباس في آخرين، والثاني: أنها معنى الطاعة كقوله تعالى: {لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} [(60) سورة يس] والثالث: أنها بمعنى الدعاء، كما في قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} [(60) سورة غافر] والمراد دعائي، والعبادة في اللغة من الذلة، يقال: طريق معبد، وبعير معبد، أي مذلل، وفي الشرع: عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تعريفها:"العبادة اسم جامع لما يحبه الله سبحانه وتعالى من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة" ابن القيم رحمه الله يقول:

وعبادة الرحمن غاية حبه

مع ذل عابده هما قطبانِ

ص: 23

و {نَسْتَعِينُ} [(5) سورة الفاتحة] بفتح النون في قراءة الجمع سوى الأعمش ويحيى بن وثاب فإنهما كسراها قالا: نِستِعين، وهي لغة بني أسد وربيعة وبني تميم وقيس، وما زالت قائمة عند بعض الجهات وبعض القبائل، وقدم الضمير إياك في الموضعين، وكرر للاهتمام والحصر، وإلا فالأصل: نعبدك ونستعينك، ولو قيل: إياك نعبد ونستعين صح التعبير، لكن كرر للاهتمام والحصر، قال:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [(5) سورة الفاتحة] أي لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة، يقول الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-:"والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين" يعني العبادة والاستعانة، وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فالأول: تبرؤ من الشرك، والثاني: تبرؤ من الحول والقوة، وهذا المعنى جاء في القرآن في آياتٍ كثيرة من كتاب الله تعالى، كما قال تعالى:{فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [(123) سورة هود] وقال: {قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} [(29) سورة الملك] ابن القيم -رحمه الله تعالى- كتاب عظيم، أقول: له كتاب عظيم في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، في ثلاثة مجلدات اسمه معروف: مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، وعلى كلٍ من السلف من قال: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة، وهذا خلافاً لما يقوله بعض الغلاة، ممن يعتني بالإشارة دون العبارة، فيقول: الفاتحة سر القرآن، وسرها البسملة، وسر البسملة الباء، وسر الباء في نقطتها، هم يهتمون بإشارة، ما يهتمون بعبارة هم، هذا موروث، مذكور عن بعضهم، بعض الصوفية من يهتم بالإشارة يقول: إن أسرار القرآن في الفاتحة، وأسرار الفاتحة في البسملة، وأسرار البسملة في الباء، وأسرار الباء في نقطتها، وعلى كلٍ هذا قول مخترع لا يدل عليه أي دليل عقلي أو نقلي، ولم يؤثر عن أحدٍ ممن يعتبر

ص: 24