المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الأرض خبر في الأرض أوحتهُ السما … لأولي العلم برسل الفكر أنَّ - مجلة المقتبس - جـ ١٣

[محمد كرد علي]

الفصل: ‌ ‌الأرض خبر في الأرض أوحتهُ السما … لأولي العلم برسل الفكر أنَّ

‌

‌الأرض

خبر في الأرض أوحتهُ السما

…

لأولي العلم برسل الفكر

أنَّ هذي الأرض كانت أولا

…

ما ترى بحراً بها أو جبلا

أو سهولاً أو ربىً أو سبلا

…

أو رياضاً زهرها الغض نما

من سحاب جادها بالمطر

إنما كانت كتلك الأخوات

…

من نجوم سائرات دائرات

حول شمس هي إحدى النيرات

…

كنَّ من قبل عليها سُدُما

كتلةً واحدة في النظر

ثم بعد انفصلت من ذا السديم

…

قطع منها صغير وجسيم

ضمن أفلاكٍ بها الدور تديم

…

فاستقر الكل فيها أنجما

حول غير الشمس لم تستدر

أولاً نبتون منه انفصلا

…

ثم أورانس يهدي زحلا

ثم للمشتري مريخ تلا

…

ثم هذي الأرض فالزهرة ما

بعدها غير أخيها الأشهر

وأخو الزهرة بالشمس اقتدى

…

ولها أقرب سيارٍ غدا

وهي سارات خلفه طول المدى

…

فأمام الأرض ذات انتظما

خلفها المريخ ثم المشتري

أرضنا كانت لظىً مشتعله

…

مذ من الشمس غدت منفصله

لم تزل في دورها منتقله

…

كتلةً فيها اللهيب احتدما

وهي ترمي في الفضا بالشرر

كان فيح النار منها مصعدا

…

وهجاً في الجو عنها مبعدا

حيث لا يمكن أن ينعقدا

…

فوقها منه بخارٌ ديما

هاطلات بالحيا المنهمر

بقيت حيناً وهذا أمرها

…

وهي بالإشعاع يخبو حرّها

وانثنى يبرد من ذا ظهرها

…

فاكتست قشراً يحاكي الأدما

واستمرت بطنها في سعر

ص: 23

ثم قد صار على مر الزمان

…

قشره يغلظ آناً بعد آن

بيد أن النار عند الهيجان

…

قد أعادت قشرها منخرما

بصدوع مدهشات البصر

شخصت أطراف هاتيك الصدوع

…

بجبال شمخت منها الفروع

ولها في العين أشكال تروع

…

تقذف الأفواه منها حُمما

صار منهن ركام الحجر

حصلت من قذف هاتيك المواد

…

حيث يجمدن جبال ووهاد

وركاز وصخور وجماد

…

بعضها دقّ وبعض عظما

وهو صلب الجسم صعب المكسر

وهناك انعقدت فيها الغيوم

…

من بخارٍ كان في الجو يعوم

ردّه البرد مياهاً في التخوم

…

فجرى السيل عليها مفعما

كل غور فوقها منحدر

عمها السيل فغطى حين سال

…

سطحها مجترفاً منها الرمال

فطما الماء ولكن الجبال

…

شخصت في الماء لما أن طما

وعلت كالسفن فوق الأبحر

غمر الماء به ما غمرا

…

ثم خلّى بعضها منحسرا

محدثاً في السطح منها جُزُرا

…

أنزل الماء بها ما حطما

من طفال وحتات المدر

بسيول الماء كم فيها أرتكم

…

من رمال رسبت فيها أكم

ولكم خدَّت أخاديد وكم

…

قد بنت من طبقات علما

نضدت فيه صفيح المرمر

ثم صارت وهي من قبل موات

…

تصلح الأقطار منها للحياة

فانبرت تنبت في البدء النبات

…

ثم أبدت من قواها النسما

وارتقت فيها لنوع البشر

فغدت إذ ذاك تزهو بالرياض

…

وبها الأدواح تنمو في الغياض

ص: 24

ثم ترميها أكف الانقراض

…

بانحطام حيث تمسي فحما

حجرياً بمرور الأعصر

من حطام الخلق في الأرض هضاب

…

كونتهن أكف الانقلاب

ما تراب الأرض والله تراب

…

إنما ذاك حطامٌ قدما

من جسوم باليات الكسر

كم على الأرض رفات باليات

…

من جسوم طحنتها الدائرات

فاحتفر في الأرض تلك الطبقات

…

تجد الأنقاض فيها رمما

هي للأحياء أو للشجر

كل وجه الأرض للخلق قبور

…

خفف الوطء على تلك الصدور

والعيون النجل منهم والثغور

…

إنما أنت ستفنى مثلما

قد فنوا والموت دامي الظُّفُر

ظلت الأرض على كر الدهور

…

تبحر الأجبُل فيها والبحور

فوقها تُجبل والماء يغور

…

وعلى ذاك استدل الحكما

بجبال السمك المستحجر

علماء الأرض لم تبرح ترى

…

حيوان البر لما دثرا

منه في الأبحر أبقى أثرا

…

وكذا في البر ألفى العلما

أثراً من حيوان الأبحر

كل ما في الأرض من قفرٍ وبيد

…

وجبال شهقت فوق الصعيد

عن زهاء الربع منها لا يريد

…

وسوى ذلك منها انكتما

تحت ماء البحر لم ينحسر

في صعيد الأبحر المنغمس

…

مثلُ ما يوجد فوق اليَبَس

من جبال ناتئات الأرؤس

…

ووهاد تستزل القدما

ورُبىً مختلفات القَدَر

ما نرى اليوم من الماء الحميم

…

والبراكين التي تحكي الجحيم

ومن الزلازل ذي الهول العظيم

…

دل أن الأرض فيما قُدما

ص: 25

ذات جرم ذائب مستعر

كل ما كان بحال السيلان

…

فهو يغدو كرة بالدوران

وكذاك الأرض في ماضي الزمان

…

كروياً قد غدا ملتئما

جرمها من سيلان العنصر

ثم أن الأرض من قبل الجمود

…

ولدت منها وليست بالولود

قمراً دار عليها بسعود

…

وجلا في الليل عنها الظلما

فهي بنت الشمس أم القمر

بغداد

معروف الرصافي

ص: 26