المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العالم شعر قرأت وما غير الطبيعة من سفر … صحائف تحوي - مجلة المقتبس - جـ ١٤

[محمد كرد علي]

الفصل: ‌ ‌العالم شعر قرأت وما غير الطبيعة من سفر … صحائف تحوي

‌

‌العالم شعر

قرأت وما غير الطبيعة من سفر

…

صحائف تحوي كل فن من الشعر

أرى غرر الأشعار تبدو نضيدةً

…

على صفحات الكون سطراً على سطر

وما حادثات الدهر إلا قصائد

…

يفوه بها للسامعين فم الدهر

وما المرء إلا بيت شعر عروضه

…

مصائب لكن ضربه حفرة القبر

تنظّمنا الأيام شعراً وإنما

…

ترد المنايا ما نظمن إلى النثر

فمنّا طويل مسهب بحر عمره

…

ومنّا قصير البحر مختصر العمر

وهذا مديح صيغ من أطيب الثنا

…

وذاك هجاء صيغ من منطق هُجر

* * *

ورب نيام في المقابر زرتهم

…

بمنهلّ دمع لا ينهنه بالزجر

وقفت على الأجداث وقفة عاشق

…

بقفراء يدعو دراس الطلل القفر

فما سال فيض الدمع حتى قرنته

…

إلى زفرات قد تصاعدن من صدري

أسكان بطن الأرض هلا ذكرتم

…

عهوداً مضت منكم وأنتم على الظهر

رضيتم بأكفان البلى حللاً لكم

…

وكنتم أولي الديباج والحلل الحمر

وقد كنتم تؤذي الحشايا جنوبكم

…

فكيف رقدتم والجنوب على العفر

ألا يا قبوراً زرتها غير عارف

…

بها ساكن الصحراء من ساكن القصر

لقد حار فكري في ذويك وأنه

…

ليحتار في مثوى ذويك أولو الفكر

فقلت وللأجداث كفي مشيرة

…

ألا إن هذا الشعر من أفجع الشعر

* * *

وليل غُدا في الجناحين بتّه

…

أسامر في ظلمائه واقع النسر

وأقلع من سفن الخيال مراسياً

…

فتجري من الظلماء في لجج خضر

أرى القبة الزرقاء فوقي كأنها

…

رواق من الديباج رصّع بالدر

ولولا خروق في الدجى من نجومه

…

قبضت على الظلماء بالأنمل العشر

خليلي ما أبهى وأبهج في الرؤى

…

نجوماً بأجواز الدجى لم تزل تسري

إذا ما نجوم الغرب ليلاً تغورت

…

بدت أنجم في الشرق أخرى على الإثر

تجولت من حسن الكواكب في الدجى

…

وقبح ظلام الليل في العرف والنكر

ص: 23

إلى أن رأيت الليل ولت جنوده

…

على الدعم يقفو أثرها الصبح بالشقر

فيا لك من ليل قرأت بوجهه

…

نظيم البها في نثر أنجمه الزُّهر

وقلت وطرفي شاخص لنجومه

…

ألا إن هذا الشعر من أحسن الشعر

* * *

ويوم به استيقظت من هجعة الكرى

…

وقد قدَّ درع الليل صمصامة الفجر

فأطربني والديك مشجٍ صياحه

…

ترنم عصفور يزقزق في وكر

ومما ازدهى نفسي وزاد ارتياحها

…

هبوب نسيم سَجْسَج طيّب النشر

فقمت وقام الناس كلٌّ لشأنه

…

كأنّا حجيج البيت في ساعة النفر

وقد طلعت شمس النهار كأنها

…

مليك من الأضواء في عسكر مجر

بدت من وراء الأفق ترفل للعلى

…

رويداً رويداً في غلائلها الحمر

غدت ترسل الأنوار حتى كأنها

…

تسيل على وجه الثرى ذائب التبر

إلى أن جلت في نورها رونق الضحى

…

صقيلاً وفي بحر الفضاء غدت تجري

وأهدت حياة في الشعاع جديدة

…

إلى حيوان الأرض والنبت والزهر

فقلت مشيراً نحوها بحفاوة

…

ألا إن هذا الشعر من أبدع الشعر

* * *

وبيضة خدر أن دعت نازح الهوى

…

أجاب ألا لبيكِ يا بيضة الخدر

من اللاء يملكن القلوب بكلمة

…

ويحيين ميت الوجد بالنظر الشزر

تهادت تريني البدر محدقةً بها

…

أوانس أحداق الكواكب بالبدر

قلله ما قد هجن لي من صبابة

…

ألف بها طيّ الضلوع على الجمر

تصافح إحداهن في المشي ترابها

…

فنحر إلى نحر وخصر إلى خصر

مررت وقد أقصرت خطوي تأدباً

…

وأجمعت أمري في محافظة الصبر

فطأطأنَ للتسليم منهن أرؤسا

…

عليها أكاليل ضفرن من الشعر

فألقيت كفي فوق صدري مسلّما

…

وأطرقت نحو الأرض منحني الظهر

وأرسلت قلبي خلفهن مشيّعا

…

فراح ولم يرجع إلى حيث لا أدري

وقلت وكفي نحوهن مشيرة

…

ألا أن هذا الشعر من أجل الشعر

ص: 24

* * *

ومائدة نسْجُ الدمقس غطاؤها

…

بمجلس شبان هم أنجم العصر

رقى من أعاليها الفنغراف منبراً

…

محاطاً بأصحاب غطارفة غُر

وفي وسط النادي سراج منور

…

فتسحبه بدراً وهم هالة البدر

فراح بإذن العلم يُنطق مقولاً

…

عرفنا به أن البيان من السحر

فطوراً خطيباً يحزن القلب وعظه

…

وطوراً يسرّ السمع بالعزف والزمر

يفوه فصيحاً باللُّغا وهو أبكم

…

ويسمع ألحان الغنا وهو ذو وقر

أمين أبى التدليس في القول حاكياً

…

فتسمعه يروي الحديث كما يجري

تراه إذا لقنته القول حافظاً

…

تمر الليالي وهو منه على ذُكر

فيا لك من صنع به كل عاقل

…

أقر لآديسون بالفضل والفخر

فقلت وقد تمت شقائق هدره

…

ألا إن هذا الشعر من أعجب الشعر

* * *

وأصيد مأثور المكارم في الورى

…

يريك إذا يلقاك وجه فتى حر

يروح ويغدو في طيالسة الغنى

…

ويقضي حقوق المجد من ماله الوفر

تخونه ريب الزمان فأولعت

…

بأخلاقها ديباجتيه يد الفقر

فأصبح في طرق التصعلك حائراً

…

يجول من الإملاق في سَمَلٍ طمر

كأن لم يرح في موكب العز راكباً

…

عتاق المذاكي مالك النهى والأمر

ولم تزدحم صيد الرجال ببابه

…

ولم يغمر العافين بالنائل الغمر

فظلَّ كئيب النفس ينظر للغنى

…

بعين مقلّ كان في عيشة المثري

إلى أن قضى في علة العدم نحبه

…

فجهزه من مالهم طالبو الأجر

فرحتُ ولم يحفل بتشييع نعشه

…

أشيعه في حامليه إلى القبر

وقلت وأيدي الناس تحثو ترابه

…

ألا أن هذا الشعر من أحزن الشعر

* * *

ونائحة تبكي الغداة وحيدها

…

بشجو وقد نالته ظلماً يد القهر

عزاه إلى إحدى الجنايات حاكم

…

عليه قضى بطلاً بها وهو لا يدري

ص: 25

فويل له من حاكم صُبَّ قلبه

…

من الجور مطبوعاً على قالب الغدر

من الروم أما وجهه فمشوّه

…

وقاح وأما قلبه فمن الصخر

أضرَّ بعف الذيل حتى أمضَّه

…

ولم يلتفت منه إلى واضح العذر

تخطفه في مخلب الجور غيلةً

…

فزجًّ به من مظلم السجن في القعر

تنوء به الأقياد إن رام نهضة

…

فيشكو الأذى والدمع من عينه يجري

تناديه والسجان يكثر زجرها

…

عجوز له من خلف عالية الجُدْر

بُنيَّ أظن السجن مسَّك ضره

…

بُنيَّ بنفسي حلَّ ما بك من ضر

بنيَّ استعن بالصبر ما أنت جانياً

…

وهل يخذل الله البريء من الوزر

فجئت أعاطيها العزاء وادمعي

…

كأدمعها تنهلّ مني على النحر

وقلت وقد جاشت غوارب عبرتي

…

ألا إن هذا الشعر من أقتل الشعر

بغداد

معروف الرصافي

ص: 26