المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌بعد البين لقد طوحتني في البلاد مضاعا … طوائح جاءت بالخطوب - مجلة المقتبس - جـ ٤٠

[محمد كرد علي]

الفصل: ‌ ‌بعد البين لقد طوحتني في البلاد مضاعا … طوائح جاءت بالخطوب

‌

‌بعد البين

لقد طوحتني في البلاد مضاعا

…

طوائح جاءت بالخطوب تباعا

فبارحت أرضاً ما ملأت حقائبي

…

سوى حبها عند البراح متاعا

عتبت عليّ بغداد عتب مودع

…

أمضته فيها الحادثات قراعا

أضاعتني الأيام فيها ولو درت

…

لعز عليها أن أكون مضاعا

لقد أرضعتني كل خسف وإنني

…

لأشكرها إن لم تتمّ رضاعا

وما أنا بالجاني عليها وإنما

…

نهضت خصاماً دونها ودفاعا

وأعملت أقلامي بها عربيةً

…

فلم تبد إصغاءً لها وسماعا

ولو كنت أدري أنها أعجمية

…

تخذت بها السيف الجزاز يراعا

ولو شئت كايلت الذين انطووا بها

…

على الحقد صاعاً بالعداء فصاعا

ولكن هي النفس التي قد أبت لها

…

طباع المعالي أن تسوء طباعا

أبيت عليهم أن أكون بذلةٍ

…

وتأبى الضواري أن تكون ضباعا

على أنني داريت ما شاء حقدهم

…

فلم يجد نفعاً ما أتيت وضاعا

وأشقى الورى نفساً وأضيعهم نهىً

…

لبيب يداري في نهان رعاعا

تركت من الشعر المديح لأهله

…

ونزهت شعري أن يكون فذاعا

وأنشدته يجلو الحقيقة بالنهى

…

ويكشف عن وجه الصواب قناعا

وأرسلته عفواً فجاء كما ترى

…

قوافي تجتاب البلاد سراعا

وقفت غداة البين في الكرخ وقفةً

…

لها كربت نفسي تطير شعاعا

أودع أصحابي وهم محدقون بي

…

وقد ضقت بالبين المشت ذراعا

أودعهم في الكرخ والطرف مرسل

…

إلى الجانب الشرقي منه شعاعا

وأدعم رأسي بالأصابع مطرقاً

…

كأن برأسي يا أميم صداعا

وكنت أظن البين سهلاً فمذاتي

…

شرى البين مني ما أراد وباعا

وإني جبان في فراق أحبتي

…

وإن كنت فيغير الفراق شجاعا

كأني وقد جدّ الفراق سفينة

…

أشالت على الريح الهجوم شراعا

فمالت بها الأرواح والبحر مائج

…

وقد أوشكت ألواحها تتداعى

فتحسبني من هزة فيّ أفدعاً

…

ترقى هضاباً زلزلت وتلاعا

ص: 8

فما أنا إلا قومةٌ وانحناءةٌ

…

وسرُ أذاعته الدموع فذاعا

أبيت وما أقوى الهموم بمضجع

…

تصارعني فيه الهموم صراعا

وألهو بذكراهم على السير كلما

…

هبطت وهاداً أو علوت يفاعا

هم القوم أما الصبر عنهم فقد عصى

…

وأما اشتياقي نحوهم فأطاعا

لقد حكموني في الأمور فلم أكن

…

لانطق كلاباً أم قحمت سباعا

فلست أبالي بعد أن جدّ بينهم

…

زجرت كلاباً أم تحمت سباعا

سلامٌ على وادي السلام وإنني

…

لأجعل تسليمي عليه وداعا

له الله من وادٍ تكاسل أهله

…

فباتوا عطاشاً حوله وجياعاً

رآهم عبيداً فاستبد بمائه

…

ولم يجر بين المجديات مشاعا

جرى شاكراً صنع الطبيعة إنها

…

أبانت يداً في جانبيه صناعا

وما أنس لا أنس المياه بدجلة

…

وإن هي تجري في العراق ضياعا

ولو أنها تسقي العراق لما رمت

…

به الشمس إلا في الجنان شعاعا

وما وجدت ريح وإن قد تناوحت

…

مهباً به إلا قرى وضياعا

سأجري عليها الدمع غير مضيع

…

وأندب قاعاً من هناك فقاعاً

وأذكر هاتيك الرباع بحسنها

…

فنعمت على شحط المزار رباعا

الأستانة ـ

معروف الرصافي

ص: 9