المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌كتب بها إلى ولادة بنت المستكفي بالله في قرطبة - مجلة المقتبس - جـ ٥

[محمد كرد علي]

الفصل: ‌كتب بها إلى ولادة بنت المستكفي بالله في قرطبة

‌

‌تخميس قصيدة الوزير أحمد بن زيدون وهي التي

‌

‌كتب بها إلى ولادة بنت المستكفي بالله في قرطبة

كانت أشعتكم تجلو دياجينا

…

وقربكم عن شؤون الدهر يسلينا

فبعد ما لعبت خمر الهوى فينا

…

أضحى التنائي بديلاً من تدانينا

وناب عن طيب لقيانا تجافينا

أمسى لنا الغم إلفاً لا يبارحنا

…

والأنس صار عدواً لا يصالحنا

يا من خبت في تنائيهم مصابحنا

…

بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا

شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا

لئن تكن حجبت عنكم نواظرنا

…

فما خلت ساعة منكم سرائرنا

وإذ تحن إلى النجوى خواطرنا

…

يكاد حين تناجيكم ضمائرنا

يقضي علينا الأسى لولا تأسينا

حب قديم به أرواحنا اتحدت

…

وجمرة للتلاقي طالما اتقدت

حتى إذا باللقا نار الجوى بردت

…

حالت لبعدكم أيامنا فغدت

سوداً وكانت بكم بيضا ليالينا

لم ندر يوم سعدنا في تعرفنا

…

أن الشقاء وراء السعد قد دفنا

آها على زمن بالحظ مسعفنا

…

إذ جانب العيش طلق من تألفنا

ومورد اللهو صافٍ من تصافينا

هل نرتجي زورة للنفس شافيةً

…

وهل تعود لنا الأيام صافية

قد كان إذ كانت الأقدار راضية

…

وإذ هصرنا غصون الأنس دانية

قطوفها فجنينا منه ماشينا

لله ساعات أنس عندما التأم

…

شمل الهناء بكم والوجد مانأما

سقيتمونا بماء اللطف ريَّ ظما

…

ليسق عهدكم عهد السرور فما

كنتم لأرواحنا إلا رياحينا

الدهر جرَّ علينا في رواحهم

…

ذيول ذل فهل هم بانشراحهم

لم يعلموا ما دهانا من براحهم

…

من مبلغ الملبسينا بانتزاحهم

ص: 22

حزناً مع الدهر لا يبلى ويبلينا

نفرُّ من نكد الدنيا فيدركنا

…

يخني على صفونا حيناً ويتركنا

بالوصل والفصل يحيينا ويهلكنا

…

إن الزمان الذي مازال يضحكنا

أنساً بقربهم قد عاد يبكينا

كم مرة جاءنا حسادنا ونعوا

…

لنا الوفاء وفي قطع الصلات سعوا

وإذ تبين أن العاشقين رعوا

…

غيظ العدى من تساقينا الهوى فدعوا

بأن نغص فقال الدهر آمينا

دعوا لدى الدهر في تنكيس أرؤسنا

…

وحرَّضوه على تفريق مجلسنا

حتى تصدى إلى تكدير أكؤسنا

…

فانحل ما كان معقوداً بأنفسنا

وانبتَّ ما كان موصولاً بأيدينا

ما كان يهجعنا أضحى يؤرقنا

…

والمزدري صار بالإزراء يرمقنا

فالدهر يومان مروينا ومحرقنا

…

وقد نكون وما يخشى تفرقنا

فاليوم نحن وما يرجى تلاقينا

كل الورى لم نجد فيهم شمائلكم

…

وهب وجدنا فما كنا لنبدلكم

إنا وإن أقصت الأيام منزلكم

…

لم نعتقد بعدكم إلا الوفاء لكم

رأياً ولم نتقلد غيره دينا

لو أن أيامنا فيكم تخيرنا

…

لاختار قرَّتهُ بالقرب نيرنا

لكنما حادث الدنيا يسيرنا

…

لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا

إن طال ما غير النأيُ المحبينا

طنَّ الوشاة إذا ما شملنا انفصلا

…

أن يدركوا من تراخي حبنا أملا

خابوا فلو أدركت أجسادنا الأجلا

…

والله ما طلبت أرواحنا بدلا

منكم ولا انصرفت عنكم أمانينا

قصر سهرنا على أنوار كوكبه

…

وفيه ورد الهوى فزنا بأعذبه

دعنا على الوجد نقلى في تلهبه

…

يا ساري البرق غادِ القصرَ فاهق به

من كان صرف الهوى والود يسقينا

ص: 23

إن كان أحبابنا اُّنسوا محبتنا

…

وحتفنا عندهم يجري مودتنا

فيا عذاب النوى عجل منيتنا

…

ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا

من لو على البعد حياً كان يحيينا

يا ظبية لم تذقنا طعم نفرتها

…

حرصاً على عيننا من فقد قرتها

يا كرمة كم تمتعنا بخمرتها

…

ويا حياة تملينا بزهرتها

منىً ضروباً ولذات أفانينا

هل يرجع القمر الزاهي لدارته

…

فتنجلي ظلمات باستنارته

عد يا صفاءً رتعنا في نضارته

…

ويا نعيماً رفلنا من غضارته

في وشي نعمى سحبنا ذيله حينا

كانت بطلعتك الأرواح منعمة

…

ومنك كانت كؤوس الصفو مفعمة

يا من هوانا بها أضحى لنا سمة

…

لسنا نسميك إجلالاً وتكرمة

وقدرك المعتلي عن ذاك يغنينا

أوصافك الغر ما مرَّت على شفةٍ

…

إلا غنيت بها عن كل معرفةٍ

بقامة في تثنيها مهفهفةٍ

…

إذا انفردت وما شوركت في صفةٍ

فحسبنا الوصف إيضاحاً وتبيينا

الشعر يروي منِ الهجرانُ أظمأهُ

…

وأن تلاه عليل القلب أبرأه

قريض شوق نظمناه ليقرأهُ

…

ربيب لطف كأن الله أنشأه

مسكاً وقدر إنشاء الورى طينا

صبابة في النوى ناءت بكلكلها

…

وأين آخرها من طيب أولها

يا رشفة عهدنا نابٍ بمنهلها

…

يا جنة الخلد أبدلنا بسلسلها

والكوثر العذب زقوماً وغسلينا

على الصفا سحبت ذيلا كوارثنا

…

فزال عاقدنا واختال ناكثنا

مرت كقبسة عجلان حوادثنا

…

كأننا لم نبت والوصل ثالثنا

والسعد قد غضّ من أجفان واشينا

في خلوة ما بها إلا تتيمنا

…

نارٌ ولا نأمة إلا تكلمنا

ص: 24

كأننا وعفاف القلب يعصمنا

…

سران في خاطر الظلماء يكتمنا

حتى يكاد لسان الصبح يفشينا

أفكارنا مع خيالات الغرام لهت

…

وبعدكم لسواكم قط ما انتبهت

بالحزن والذكر والأشجان قد ولهت

…

لا غروَ أنا ذكرنا الحزن حين نهت

عنه النهى وتركنا الصبر ناسينا

الطيفُ في النوم يرضينا إذا عبرا

…

إذ عزت العين صرنا نطلب الأثرا

لا تعجبوا إن صبرنا نحمل القدرا

…

إنا قرأنا الأسى يوم النوى سورا

مكتوبة وأخذنا الصبر تلقينا

نرضى الهوان بديل العز أكملهِ

…

والجسم ينحل سقماً من تحملهِ

ونرتضي وشلاً عن فيض جدولهِ

…

أما هواك فلم نعدل بمنهلهِ

شرباً وإن كان يروينا فيظمينا

لذنا من البعد في ما ليس نرغبه

…

حين اللقاء علينا عزَّ مطلبه

فؤادنا أنت دون الخلق مأربه

…

لم نجف أفق جمال أنت كوكبه

سالين عنه ولم نهجره قالينا

أعرضتِ عنا وأعرضنا على وصبِ

…

نكتم الناس ما في القلب من لهبٍ

فما اتخذت تجافينا بلا سببٍ

…

ولا اختياراً تجنبناك عن كثبٍ

لكن عدتنا على كره عوادينا

ضاقت على رحبها الدنيا فلا سعةً

…

تحوي فؤاداً وأحشاء مقطعة

نأسى إذا الشمس جازتنا مودعة

…

نأسى عليك إذا حثت مشعشعة

فينا الشمول وغنانا مغنينا

لا شيء يسكن شيئاً من بلابلنا

…

ولا نرجي عزاءً من وسائلنا

ظعائن الأُنس شالت عن منازلنا

…

لا أكؤس الراح تبدي من شمائلنا

سيما ارتياح ولا الأوتار تسلينا

عين السعود لنا كانت ملاحظةً

…

عند اللقاءِ وعين الضدّ جاحظةً

لئن تدم برحاء البعد باهظة

…

دومي على العهد مادمنا محافظةً

ص: 25

فالحرُّ من دان إنصافاً كما دينا

لا نغمة العود والقانون تطربنا

…

ولا وجوه عذارى الحي تعجبنا

نرضى بوحدتنا والغم يصحبنا

…

فما ابتغينا خليلاً منك يحسبنا

ولا استفدنا حبيباً عنك يغنينا

نصبو إلى موطن في ظل أربعهِ

…

لنا حبيب كواه حرُّ أدمعه

فالقلب عندك أضحى جلُّ مطمعهِ

…

ولو صبا نحونا من علوِ مطلعهِ

بدر الدجى لم يكن حاشاك يصيبنا

دموعنا عندما تجري مسلسلةً

…

تتلو عليكِ أحاديثاً مفصلةً

إن لم تكن ساعة اللقيا مؤملةً

…

أو لي وفاء وإن لم تبذلي صلةً

فالذكر يقنعنا والطيف يكفينا

هذا الكتاب سفير عن مرتبهِ

…

في طيه شرح شيء من تعذبه

فرددي درسه ترديد منتبه

…

وفي الجواب قناع لو شفعت به

بيض الأيادي التي مازلت تولينا

قولي السلام على روح بنا لقيت

…

رياً ومن سلسبيل الغير ما سقيت

تحية منك تحيي مهجة شقيت

…

منا عليك سلام الله ما بقيت

صبابة منك نخفيها وتخفينا

دمشق

فارس الخوري

ص: 26