المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تقديمبقلم الدكتور أحمد بن نعمان - مذكرات مالك بن نبي - العفن - المقدمة

[مالك بن نبي]

الفصل: ‌تقديمبقلم الدكتور أحمد بن نعمان

بسم الله الرحمن الرحيم

‌تقديم

بقلم الدكتور أحمد بن نعمان

إذا لم يكن الأولون قد تركوا للآخرين ما يقولونه من جديد عن الأستاذ مالك بن نبي الذي نظمت لدراسة أفكاره ندوات، وعقدت من أجله مؤتمرات، وأعدت فيه عشرات الرسائل في العديد من الجامعات

فإن ما يمكن إضافته للقارئ الكريم مما قد يعتبر جديدا عنه، تعريفا به، أو تقديما له، هو ما قاله في ندواته الأسبوعية الخاصة التي كان يعقدها في بيته، مما لم يذكر، أو ما كتبه في مذكراته ولم ينشر، وكلتا الصفتين أو الحالتين تنطبقان على هذا العمل.

وما دمت أحد الذين عايشوا الوضعين أو الحالتين معا، فإني أسمح لنفسي بتناول الحديث عنه من هذه الزاوية، لأقف عند نقطتين متكاملتين فرضهما علي فرضا هذا الكتابـ (الوثيقة)

ص: 1

الذي أسعد بتقديمه لقراء العربية، عن نموذج نادر من الوطنية الجزائرية الأصيلة، في بعض أهم جوانبها الفكرية، الخفية، من أجل استبانة طريق الحرية، وتحصين الأجيال الفتية ضد الأمراض المعدية والجراثيم المميتة لأصحاب القابلية المقيتة، المتأصلة في نفوس بعض فاقدي الهمم، وعديمي الذمم، الجاهلين لأحابيل المحتلين، ومخططاتهم الخطيرة التي جعلت الكاتب الكبير يتحرق على وضع الوطن وأهله، بين النظرة الخبيرة، واليد القصيرة

ولم يجد أمامه سوى هذه الموهبة التعبيرية والوسيلة التحليلية والتحريرية التي قلما امتلكها غيره وقلما أجاد أحد استعمالها مثله

فكان هذا العمل الذي يعتبر الأول من حيث الفترة الزمنية التي يتحدث عنها الكاتب، وهي مرحلة الطالب

ولكنه من حيث النشر، يكون آخر كتاب يصدر له باللغتين (العربية والفرنسية) وقد تأخر نشره لأكثر من نصف قرن من تاريخ الوطن والأمة (انظر تفاصيل ذلك في تصدير الأستاذ عبد الرحمن بن عمارة)، وهي خسارة كبيرة، بما يتضمنه من فوائد وحقائق كثيرة لكل من لم يطمس على قلبه وعقله وبصيرته

وهي حالة تسمم متوارثة بين الأفراد المصابين بها، لأن الأفكار المسمومة والقاتلة لا تموت مع الأجساد، بل تظل حية قاتلة ولا تقهرها إلا أفكار مثلها، في حلبة الصراع الفكري الذي له الكلمة الأخيرة في النهاية، وقد عرفنا بدايته، ولكننا لا نعرف نهايته على الساحة الوطنية

ص: 2

والقومية، وهو ما يضيف لهذه الأفكار قيمة جديدة إلى قيمتها الأصلية، كالعملة الذهبية التي لا تزيدها الأيام إلا لمعانا ومصداقية ومضاعفة لقيمتها الشرائية، فى السوق الحضارية!!

إن هذا الكتاب، كما يستشف من عنوانه (العفن)، الذي يبرر المؤلف اختياره بنفسه، بما لا يمكن استبداله بغيره (انظر مقدمة المترجم) هو رصد للأوضاع المتعفنة داخل الوطن، وواقع الأمة، رصد خبير متمرس، وفحص طبيب متخصص لمرض خبيث عبر مختلف الأدوار والأطوار، فدقق النظر في الجراثيم العالقة على جسم الأمة مجهريا، وفند أطروحات الخصوم في تبرير علوقها منطقيا، وكشف لعبة الرهان، بالحجة والبرهان، وبين الحق وطريقه ليعيده ذووه إلى نصابه، ويمزقوا بالثورة الجهادية الكبرى ثوب الخيانة والعمالة على أجسام أصحابه، ويرجعوا سموم العدو وفضلاته (الذهنية) وجراثيمه المعدية إلى أحشائه، ليصبح الوطن بعد حين، وإلى حين، بين أيدي أبنائه

أقول إلى حين (

) لأن مورثات الخيانة تتناسل وتتناقل مع الأفكار عبر الأجيال، كما قلنا، وهي مثل السجايا والطبائع والخصال، مما يستوجب اليقظة الدائمة للحفاظ على المكاسب والمراتب، على اعتبار أن كل احتلال إذا كان يحمل بذور استقلال، فإن كل استقلال قد يحمل بذور احتلال، إذا تقاعس أو تقاعد الرجال عن مواصلة الجهاد بالوسائل المتاحة لكل

ص: 3

جيل من الأجيال المتعاقبة على الساحة عبر الساعة، بدليل أننا كنا مستقلين (قبل 1830) فاحتللنا، وكنا أسيادا فاستعبدنا، ثم وعينا فتحررنا

ولا يوجد ما يمنع أن نحتل ونستعبد من جديد، لأن الزمان إذا كان غير الزمان، فالإنسان بنزواته ونزعاته و (قابلياته) دائما هو الإنسان، وكل جيل مسؤول عن أحداث عصره في مصره!!

ولذلك فمن الجديد الذي يجده القارئ في هذا الكتاب الفريد من نوعه، كما سيلمسه القارئ بنفسه، هو ما أظهره لنا من مخططات العدو وكيفية ترتيب أولوياته في التخطيط والتنفيذ، بإعطائها دوما للفكري على السياسي، وللسياسي على العسكري، وهو عكس الوضع السائد في العديد من البلاد (الوارثة) لطريقة الاستعمار في إدارة الأمصار

فهي تعطي الأولوية للعسكري على السياسي، وللسياسي على الفكري والثقافي، وبتعبير آخر أولوية (البطنولوجي) على (الفكرولوجي)، فينقلب بذلك وضع الهرم، لتصبح القاعدة في الأعلى، والرأس مكان القدم!! فتنعكس القيم، في السيادة والإدارة والسياسة والحضارة

ولهذا كان التنبيه في الكتاب إلى تحديد وتوضيح معالم الطريق وكشف منابع الفتن وجراثيم (العفن) التي شخصها الكاتب في موطن الداء، أثناء سنوات التحصيل في الثلاثينيات، وواصل رصد تحركها ومتابعة انتشارها بعد الرجوع إلى أرض الوطن في الأربعينيات (

).

ص: 4

ولقد كشف بالملموس عن طرق العدو في إدارة حربه الشعواء ضد هداة الطريق إلى التحرر واسترجاع السيادة والكرامة للمواطن قبل الوطن، لأنه لا يوجد وطن حر بمواطنين أذلاء مستعبدين، أو أجساد مخدرين، أو أحياء محنطين

!!

وأقتصر هنا على التنويه بنقطتين كما أشرت آنفا.

الأولى، هي إظهار كيفية إدارة العدو لحرب الأفكار، بأساطين مفكريه وعلمائه وضباط مخابراته، ومنفذي مخططاته

وسيكتشف القارئ الكريم أحد أكبر تلك الوجوه والأعمدة الفاعلة، من وراء كل المشاهد المسرحية الظاهرة، ألا وهو المنظر (لويس ماسينيون) المحضر لعقار (القابلية للاستعمار)، الذي ذاق المؤلف على يديه الأمرين، وكان بطل قصته المؤلمة المؤكدة بالأحداث والوقائع، والموثقة بالشواهد الحية التي سيكتشفها القارئ مثلنا لأول مرة، ولتعريفه بهذا المستعمر المنظر والمقرر والخبير بإدارة معركة المصير، هو أنه كان المرشح المفضل (استعماريا واستراتيجيا) لخلافة الأبـ (دوفوكو) الضابط الكبير المنصر المخبر، أو المخبر المنصر، الذي لقي حتفه على أيدي أبناء الجزائر في جنوبها الثائر سنة 1916، بعد أن قضى عشرات السنين في مسابقة الهلال لتنصير الجزائريين، وأتركه هنا يحدثكم بنفسه، كأستاذ (لماسينيون) مضطهد المفكرين الأحرار في الثلاثينيات، كما هو مثبت في هذه المذكرات (

).

ص: 5

يقول الضابط المنظر المبشر (دوفوكو) في رسالة خاصة بعث بها لصديقه الدوق (فيتس جيمس) سنة 1912 (منشورة في جريدة (لوموند) الفرنسية بتاريخ 17/ 05/ 1956): (وإنني أعتقد بأنه إذا لم نستطع تحويل المسلمين بالتدريج عن دينهم وحملهم على اعتناق المسيحية، فإن النتيجة الحتمية هي تكون روح قومية جديدة تؤدي إلى طردنا من الإمبراطورية الاستعمارية في شمال إفريقيا.

إن الروح الوطنية، العربية والبربرية، سوف تنمو في صفوف الطبقة المثقفة التي ستستعمل الإسلام كسلاح فعال لإثارة الجماهير الجاهلة، في إمبراطوريتنا

!!

إن السبيل الوحيد لضمان عدم طردنا من هذه الإمبراطورية، هو أن نجعل مكان البلاد فرنسيين، والسبيل الوحيد لذلك هو جعلهم مسيحيين).

إذا كان هذا كلام دوفوكو (أستاذ ماسينيون وأبوه الروحي)، فإن تلميذ (ماسينيون) وإبنه السياسي، المنفذ للمخططات، ألا وهو رئيس وزراء فرنسا (منديس فرانس)، الذي قال في خطاب له في قاعة (فاجرام) بباريس (منشور في جريدة (لوموند) الفرنسية بتاريخ 07/ 05/ 1956): (إننا نعتقد أن سياستنا هي الوحيدة التي تستطيع إدامة الوجود الفرنسي في الجزائر، وإذا ما قدر لنا سوء الطالع أن نفقد الجزائر، فإننا سنفقد معها جميع أجزاء الإمبراطورية.

ص: 6

وإننا نعلم النتائج المريعة المترتبة على ذلك من جميع الوجوه الاقتصادية والسياسية والمعنوية (!؟).

إننا نعتقد بضرورة صيانة المصالح الحيوية لفرنسا في الجزائر، ويجب أن يزول أي شك يحوم حول سياستنا في هذا الصدد. وليس هناك أي شخص راديكالي يدافع عن أية سياسة أخرى غير سياسة الإدامة والإنقاذ والتمكين لفرنسا في الجزائر).

فهذا الأستاذ ماسينيون (موجه سياسة منديس فرانس قائل هذا الكلام) هو الذي سيتعرف القارئ على فعله الشنيع وطرق اضطهاده الفظيع لمالك بن نبي الرمز الصامد على حلبة الصراع الفكري والثقافي، وهو الذي جعل كاتبنا الكبير يطلق على مناخ المعركة وظروفها غير المتكافئة صفة (العفن) ويطلق على نتائج هذه الخميرة المتعفنة في مختبر (ماسينيون) محضر وزارع جرثومة (القابلية للاستعمار) في عقول بعض أهل الدار، ومتعهدها بالحراسة والعناية والسقاية في مختلف الأطوار والأدوار!!

وهنا أقف قليلا لأدلي بشهادة تجلي بعض الغموض الذي أحاط بهذه المقولة المنسوبة إلى مالك بن نبي، وقد أصبح يعرف بها عالميا، بدلا من أن تعرف به هي التي قالها محليا وظرفيا!!

إن المقولة هي بالفعل لمؤلفنا، وهي مسطرة بيمينه في كتابه، ولكن التأويلات والشروح والتعليقات التي أعطيت لها كانت ذات قراءات متعددة ومتناقضة، تختلف كل واحدة منها

ص: 7

باختلاف المنظار الذي ينظر به أو من خلاله القارئ للمقروء أو السامع للمسموع!!

وأضرب صفحا هنا عن تلك القراءات التي لم يقصدها المؤلف، ولها ما يبررها في غير هذا المقام

وأكتفي بالوقوف عند ما سمعته بنفسي من القائل ذاته، حول مقولته هاته التي أقرها، كواقع لا ينكره أحد، وقد أكدها بنفسه؛ وذكر أصحابها بالاسم في هذه المذكرات .. غير أن الذي أنكره عليهم هو التأويلات التي أعطيت لها (

) وهي على طرفي نقيض لما كان يقصده كما قال رحمه الله.

إن ما قاله ردا على أولئك الذين طعنوا في وطنيته وفي بصيرته، وأظهروه (بفهمهم الساذج) وكأنه يبرر للاستعمار كقضاء وقدر؛ لا راد لحكمه

! لقد قال فيما أذكر، وكان ذلك سنة 1968:(أنا قلت هذا الكلام في ذلك الوقت (يقصد سنة 1951)، وعلى الذي كان يعارضني في مطابقة ما قلته للواقع الذي وصفته

أن يثبت العكس، فكان إثبات العكس!!). وكان يقصد أنه لم يمض على إطلاق تلك المقولة سوى ثلاث سنوات، حتى كانت الثورة الجهادية العظمى (سنة 1954) التي قلبت الأوضاع رأسا على عقب، وكانت نموذجا عالميا للثورات الأصيلة التي ما تزال بعض الشعوب المتعطشة للحرية تقتات على مائدتها وتقتدي برجالها ونسائها، وتهتدي بنور جهادها حتى الآن في العديد من البلدان (

)!

ص: 8

فقد قال فيما أذكر، أنه كان يقصد رد الفعل الذي يثبت أن ضمير الأمة حي بجوهرها (الإسلام) الذي لا يموت أبدا حتى ولو مات بعض المنتسبين جغرافيا إليه (من جاكرتا إلى طنجة). وإن الحديث عن الأوراق المريضة (الصفراء أو الحمراء) لا يعني بالضرورة مرض أو موت الشجرة الخضراء (!!)

هذا هو فحوى ما قاله في إحدى ندواته الخاصة في بيته، والكثير من الحضور ما زالوا أحياء يرزقون، ويشهدون (

). وسيتأكد القارئ النبيه بنفسه من هذا القصد الذي شرحه الكاتب لمقولته في الكتاب، وهو يعني بها فئة ضالة مضلة من (أهالي المستعمرات)، الذين ينطبق عليهم قول الله تعالى عن فرعون وقومه:{وأضل فوعون قومه وما هدى} (طه / 79) و {فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين} (الزخرف / 54):

هاتان النقطتان هما اللتان أردت أن أضيفهما في هذا التقديم الذي أتشرف بكتابته نزولا عند رغبة المترجم والناشر، وأهنئ كليهما على هذا الإنجاز العظيم للأمة، وعلى الترجمة التي كانت في مستوى قمة المؤلف ومحتوى الكتاب، وعلى صدوره الذي تزامن مع (تظاهرة الجزائر عاصمة الثقافة العربية لسنة 2007)، والثقافة هي الهوية، والهوية هي الوجود الحقيقي للأمم والشعوب بثوابتها الأبدية عبر الحدود!!

ص: 9

كما أهنئ قراء العربية في كل مكان بهذه الجوهرة الفكرية الحية التي يجدها كل واحد في حياته وفي إدارة بلاده وسياسة حكومته، وما على الذي يرفض القابلية للاستعمار إلا أن يتحصن بالفعل (وليس بالقول!) ويحص أبناءه وعشيرته بمصل القابلية للاستقلال، والتضحية في سبيله ضد كل أنواع الاحتلال و (الاستحلال)، ذلك أن كل تجارب الأمم الغابرة والحاضرة تؤكد لنا صارخة في وجوهنا قائلة لنا: إن كل بلد يعتبر محتلا حتى يثبت استقلاله بالدفاع المستمر عنه من أبنائه وسهرهم الدائم بالمرابطة على ثعور حدوده الوطنية الترابية والسيادية والهوياتية، لأن الثابت الوحيد في هذه الحياة هو التغير في كل الأحوال، والشعوب الناجحة هي التي تعرف كيف تضمن أقوى وسائل الدفاع لضمان أقصى إطالة لفترة الأمان وحسن المآل!!

أ. ب

برج الكيفان في 20 شعبان 1428 هـ

الموافق 02/ 09/ 2007 م

ص: 10