الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من المشكلات اللغوية في القرآن الكريم
بقلم: فضيلة الشيخ عبد الجليل شلبي المدرس في كلية الشريعة بالجامعة
في القرآن الكريم آيات كثيرة أشكل إعرابها على النحويين، وذهبوا فيها مذاهب شتى كل حسب وجهة نظره، وحسب المدرسة النحوية التي ينتمي إليها، كما أن به أيضاً تعبيرات بَدَتْ للوهلة الأولى خارجة عن قواعد البلاغيين، وذهب الشراح والمفسرون يلتمسون لها توجيها، وحارت فيها أفكارهم.
وأعرض اثنين من هذه الآيات المشكلة، إحداهما نحوية والأخرى بلاغية.
فمن التعبيرات النحوية التي أتعبت المفسرين والمعربين جميعاً قوله تعالى:
. إذا افتتحت الآية بالاسم الموصول (الذين) وهو لجماعة الذكور العقلاء، و (يتوفون) صلة الموصول، والرابط بها واو الجماعة، أما الخبر عن هذا المبتدأ فهو جملة {يَتَرَبَّصْنَ} والفاعل فيها هو نون النسوة وبهذا لا نجد الخبر مطابقاً للمبتدأ. ومن هنا تفرقت كلمة المعربين واختلفت تخريجاتهم لهذا التركيب. قال شيخ المفسرين الطبري:
"فإن قال قائل: أين الخبر عن الذين يتوفون؟ قيل متروك لأنه لم يقصد قصد الخبر عنهم، وإنما قصد الخبر عن الواجب على المعْتَدّات من العدة، في وفاة أزواجهم، فصرف الخبر عن الذين ابتدأ بذكرهم من الأموات
إلى الخبر عن أزواجهم والواجب عليهن من العدة، إذ كان معروفاً مفهوماً معنى ما أريد بالكلام، وهو نظير قول القائل في الكلام: بعض جبتك متخرقة في ترك الخبر عما ابتدئ الكلام به إلى الخبر عن بعض أسبابه، وكذلك الأزواج اللواتي عليهن التربص، لما كان إنما ألزمهن التربص بأسباب أزواجهن صرف الكلام عن خبر من ابتدأ بذكره إلى الخبر عمن قصدَ قصْدَ الخبر عنه".
وهو يعني أن الأرامل ألزمن التربص ومنعن من الزواج بسبب أزواجهن المتوَفّيْن، فترك الحديث عن هؤلاء المتوفين وصرف إلى الزوجات اللاتي سيقت الآية لبيان ما يجب عليهن".
وهو كلام جيد من ناحية معناه، ولكن بقيت المشكلة النحوية بدون حل.
ويعود الطبري فيعرض حلاً آخر فيقول:
"وقد زعم بعض أهل العربية أن خبر {الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ} متروك، وأن معنى الكلام. . . ينبغي لهن أن يتربصن بعد موتهم".
وليس هذا أيضاً حلاً نحوياً، إنما هو بيان للمعنى المقصود، والمعنى واضح ولكن المشكلة مشكلة تركيب وقواعد نحوية، وليس منها أن يحذف كل هذه الكلمات.
وقدر الزمخشري مضافاً محذوفاً في أول الجملة، واعتبر أصل التركيب: وأزواج الذين يتوفون. . يتربصن، وإذن فالنون في (يتربصن) تعود على المبتدأ المحذوف وهو (أزواج) . وعَرَض توجيهاً آخر، فقدر محذوفاً في آخر الجملة لا في أولها. وقال: التقدير يتربصن بعدهم، وهذا كما يقال: السمن منوان بدرهم، أي منه.
وكلا التقديرين مقبول، فحذف المضاف مألوف، وحذف الظرف مألوف.
ولعل أقرب 1 هذه التحليلات وأدناها إلى منطق النحو ما ذكره الزجاج في كتابه (معاني القرآن وإعرابه) من أن (أزواجاً) تحمل ضميراً يعود على المبتدأ، والتقدير:(ويذرون أزواجاً لهم) وإذن فالضمير في (يتربصن) لا يعود على (أزواجا) منفصلة عن الاسم الموصول. وإنما هي بمعنى (أزواجهم) ويذكر الزجاج نظيرا لهذا من الكلام، إذ يقال مثلاً: الذي يموت وله بنتان ترثان الثلثين، فكلمة (بنتان) تحمل ضميراً ومعنى من المبتدأ، والألف في (ترثان) هي بمعنى (بنتاه) وإن فالخبر ليس خالياً من الرابط.
هذا الذي ذكره الزجاج قريب من اللغة، ولم يقدر فيه محذوفات بعيدة أو كثيرة كما فعل غيره.
والتعبير بعد كل هذا ليس شيئاً خارجاً عن الأساليب العربية، فالبحث إنما هو عن تخريجه ووجهته الإعرابية، وقد ذكر كل من الفراء والزجاج نظيراً لهذا الأسلوب قول ثابت قطنة 2:
لعلي إن مالت بي الريح ميلة.
على ابن أبي ذبان أن يتندما.
فاسم (لعل) هي ياء المتكلم، والخبر هو (يتندم)، وكان الأصل: لعل ابن أبي ذبان أن يتندم، إن مالت بي الريح عليه، ولكن هذا التعبير يجعل المتكلم تابعاً في الكلام لا أصلاً، والتقدير هنا لعلي مع ابن أبي ذبان، وهو على أي حال ليس منقطع الصلة عن اسم (لعل) .
1 المجلة: في إعراب هذه الآية يقول المبرد: إن (يتربصن) خير لمبتدأ محذوف دل عليه المقام والتقدير (أزواجهم يتربصن) وهذه الجملة خبر عن المبتدأ الأول وهو (الذين) = وحذف ما يعلم جائز.
2 ثابت قطنة من الشعراء خراسان الإسلاميين، ذهبت عينه بطعنة فكان يضع عليها قطنة فسمي بها _ كان من أنصار المهلبيين، وهذه القصيدة مما رثى به يزيد بن المهلب، وابن أبي ذبان_ هو الوليد بن عبد الملك، سمي كذلك لأن أباه كان آبخر شديد البخر حتى إن الذباب كان يموت إذا دنا من فمه _ ويروى البيت أيضا (أن يتقدما) _