المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الثالث: مناقشة الآراء والترجيح - من قال فيه البخاري «فيه نظر»

[عبد القادر المحمدي]

الفصل: ‌المبحث الثالث: مناقشة الآراء والترجيح

‌المبحث الثالث: مناقشة الآراء والترجيح

نقل الإمام الذهبي عن الإمام البخاري كلاماً يتعلق بتفسيره لقوله: «فيه نظر» - كما مر- وقد نقلها المزي بلفظ آخر ينبغي الوقوف الطويل عنده، إذ قال المزي في تهذيب الكمال- ترجمة عبد الكريم بن أبي المخارق-:«قال الحافظ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن سعيد بن يربوع الأشبيلي: بين مسلم جرحه في صدر كتابه. وأما البخاري فلم ينبه من أمره على شيء، فدل أنه عنده على الاحتمال، لأنه قد قال في التاريخ: كل من لم أبين فيه جرحه فهو على الاحتمال، وإذا قلت: فيه نظر، فلا يحتمل» (1).

قلت: لم أقف على هذه العبارة في تاريخي البخاري الكبير والصغير، ولو كانت في واحد منهما في نسخ الكتابين في عصر المزي، لكان المزي من أولى الناس اطلاعاً عليها فيهما، ولما افتقر في نقله لها إلى هذا الحافظ الأندلسي. ولكن الدقة والأمانة العالية التي عرف بها الذهبي تجعلنا نسلم لنقله، ويؤيد هذا أن الاستقراء لحال الرواة يبين دقة النتيجة التي ذكرها الذهبي رحمه الله تعالى.

وقال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: «وقد انتقد أستاذنا العلامة المحقق النبيل الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي كلام الحافظ الذهبي المذكور في أول هذا الإيقاظ وكلام الحافظ العراقي المذكور في آخره: فلان فيه نظر يقوله البخاري فيمن تركوا حديثه- يقول الشيخ عبد الفتاح- فكتب إليَّ سلَّمه الله من الهند يقول» : ولا ينقضي عجبي حين أقرأ كلام العراقي هذا وكلام الذهبي أن البخاري لا يقول: فيه نظر، أو يدخلونه في الصحيح وإليك أمثلة

- وساق الأعظمي أمثلة، منها:-

1 -

تمام بن نجيح قال فيه البخاري: «فيه نظر» . ووثقه ابن معين وقال البزار في موضع: هو صالح الحديث وروى له البخاري نفسه أثراً موقوفاً معلقاً في رفع عمر بن عبد العزيز يديه حين يركع أعني فلم يتركه البخاري نفسه ولم يتركه أبو داود ولا الترمذي.

2 -

ثعلبة بن نجيح الحماني قال فيه البخاري: «في حديثه نظر، لا يتابع في حديثه» . وقال النسائي: ثقة وقال ابن عدي: لم أر له حديثاً منكراً في مقدار ما يرويه وقال الحافظ ابن حجر: صدوق شيعي.

(1) تهذيب الكمال: 10/ 265.

ص: 5

3 -

عبد الرحمن بن سلمان الرعيني، قال البخاري:«فيه نظر» وقد وثقه ابن يونس وقال أبو حاتم: ما رأيت من حديثه منكراً، وهو صالح الحديث وله عند مسلم في مبيت ابن عباس عند ميمونة، وقال النسائي: ليس به بأس، وأدخله البخاري في الضعفاء فقال أبو حاتم يحول من هناك.

قال الأعظمي:

«والصواب عندي: أن ما قاله العراقي ليس بمطرد ولا صحيح على إطلاقه بل كثيراً ما يقوله البخاري ولا يوافقه عليه الجهابذة وكثيراً ما يقوله ويريد به إسناداً خاصاً كما قال في التاريخ الكبير 3/ 1/ 103 في ترجمة عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد) رائي الأذان (فيه نظر لأنه لم يذكر سماع بعضهم من بعض.

وكما في ترجمته من تهذيب التهذيب 6/ 160 وكثيراً ما يقوله ولا يعني الراوي بل حديث الراوي فعليك بالتثبت والتأني (1).

قلت:- الباحث- أما قول الأعظمي فمردود من عدة جهات: الأول: أن عدداً من الذين أوردهم قد ضعفهم غير البخاري فيكون مما اختلف فيه أهل العلم وهذا حاصل في كلام العلماء فكم من راو ضعفه عالم وقواه عالم آخر كما يعلم من كتب الرجال.

الثاني: أن بعض الأمثلة التي أوردها قال فيها البخاري: «في حديثه نظر» ، وهذا يختلف عن قوله فيه نظر كما ذكره عدد من أهل العلم.

الثالث: إن سلم له مثال أو مثالين فقد يقال إن البخاري يستخدم هذا أحياناً قليلة في الجرح الخفيف وهذا ما يدل على كلام الذهبي رحمه الله حيث قال: قال البخاري: «فيه نظر» : «ولا يقول هذا إلا فيمن يتهمه غالباً» ، فدل على أنه قد يذكرها أحياناً لغير الضعف الشديد.

وخلص الشريف العوني إلى القول: «لم يزل- يريد فيه نظر- غير دال وحده على الضعف الشديد، لأن من رأى أنها تدل على الضعف الشديد إنما اعتمد على ما نقل عن البخاري، غافلاً عن أدلة وإشكالات تنقض وتعترض النتيجة التي توصل إليها، وغير منتبه إلى أن عبارة البخاري وهي دليله الوحيد لا تدل أصلاً على المعنى الذي فهمه منها).

(1) الرفع والتكميل: ص309.

ص: 6

ولم يزل عند حول هذه المسألة من الوقفات التي أسد بها ثغراتها، وأزيل عنها شبهاتها، وأفسر مقصود البخاري بقوله:«فيه نظر» : على اختلاف دلالاتها من خلال واقع استخدامها، وما هي مرتبة هذه اللفظة على التعيين؟ وغير ذلك مما هو من لوازم الدراسة العلمية المنضبطة، التي لا تستجيز العجلة، بل لا تطمئن إلى النتيجة إلا بعد سد الثغرات والإجابة عن كل اعتراض محتمل بجواب صحيح، لأن بقاء ثغرة واحدة أو قيام إشكال واحد قد يكون في حقيقته ناقضاً صحيحاً وارداً وجيهاً عمّا كنت قد تبنيته، فلابد من دراسة ذلك كله بصدق وأمانة» (1).

ومن خلال تراجم الرجال الذين قال فيهم البخاري: «نجدهم ضعفاء جداً في الغالب، متكلم فيهم بجرح صريح، منع من قبول روايته، إذ يجد الباحث أن أغلب من وصفهم البخاري بـ «فيه نظر» أن أئمة الجرح والتعديل قد جرحوهم شديداً، وحتى الأئمة الذين نسب إليهم القول أنهم فسروا تلك العبارة بالجرح الخفيف كابن عدي- مثلاً- جرحوهم بشدة، وعلى سبيل المثال:

جاء في ترجمة: عبد الحكيم بن منصور الخزاعي الواسطي: قال البخاري: «كذبه بعضهم فيه نظر» ، وضعفه ابن معين، وقال مرة: كذبه وتركه، وقال أبو حاتم: لا يكتب حديثه، وضعفه أبو داود وابن سعد، وتركه النسائي والدارقطني وابن حجر، وقال ابن عدي: له أحاديث لا يتابع عليها، وقال ابن حبان: كان شيخاً مغفلاً يحدث بما لا يعلم لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد، وقال الحاكم: ذاهب الحديث، وقال الذهبي: تركوه.

وجاء في ترجمة: حسين بن حسن الفرازي الأشقر: قال البخاري: «فيه نظر» . وقال مرة: عنده مناكير، ومرة: مقارب الحديث، وقال يحيى بن معين: لا بأس به، وأورده ابن حبان في الثقات، وقال أحمد بن حنبل: ليس بأهل أن يحدث عنه، وقال أبو زرعة: هو شيخ منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بقوي في الحديث، ومثله قال النسائي والدارقطني، وقال الجوزجاني: كان غالياً من الشتامين للخيرة، وأورده ابن حبان في الثقات، وقال ابن عدي بعد أن استنكر له أحاديث: والبلاء فيها من الأشقر، ثم قال: في حديثه بعض ما فيه، وقال العقيلي بعد أن ذكر له حديثاً: لا يعرف إلا به ولا يتابع عليه.

(1) المرسل الخفي: 1/ 440.

ص: 7