المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الحسنة في الدنيا، والحسنة في الآخرة، وأن يقيهم عذاب النار. - تفسير الطبري جامع البيان - ط دار التربية والتراث - جـ ٤

[ابن جرير الطبري]

الفصل: الحسنة في الدنيا، والحسنة في الآخرة، وأن يقيهم عذاب النار.

الحسنة في الدنيا، والحسنة في الآخرة، وأن يقيهم عذاب النار. وقد تجمع"الحسنةُ" من الله عز وجل العافيةَ في الجسم والمعاش والرزق وغير ذلك، والعلم والعبادة.

وأما في الآخرة، فلا شك أنها الجَّنة، لأن من لم يَنلها يومئذ فقد حُرم جميع الحسنات، وفارق جميع مَعاني العافية.

وإنما قلنا إن ذلك أولى التأويلات بالآية، لأن الله عز وجل لم يخصص بقوله - مخبرًا عن قائل ذلك- من معاني"الحسنة" شيئًا، ولا نصب على خُصوصه دلالة دالَّةً على أن المراد من ذلك بعض دون بعض، فالواجب من القول فيه ما قلنا: من أنه لا يجوز أن يُخَصّ من معاني ذلك شيء، وأن يحكم له بعمومه على ما عَمَّه الله.

* * *

وأما قوله:" وقنا عذاب النار"، فإنه يعني بذلك: اصرف عنا عَذاب النار.

* * *

ويقال منه:"وقيته كذا أقيه وِقاية وَوَقاية ووِقاء"، ممدودًا، وربما قالوا:" وقاك الله وَقْيًا"، إذا دفعت عنه أذى أو مكروهًا.

* * *

القول في تأويل قوله تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ‌

(202) }

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"أولئك" الذين يقولون بعد قضاء مناسكهم:" ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وَقِنا عذاب النار"، رغبةً منهم إلى الله جل ثناؤه فيما عنده، وعلمًا منهم بأن الخيرَ كله من عنده، وأن الفضل بيده يؤتيه من يَشاء. فأعلم جل ثناؤه أنّ لهم نصيبًا وحظًّا من حجِّهم ومناسكهم، وثوابًا جزيلا على عملهم الذي كسبوه، وبَاشروا معاناته بأموالهم وأنفسهم،

ص: 206

خاصًّا ذلك لهم دون الفريق الآخر، الذين عانوا ما عانوا من نَصَب أعمالهم وتعبها، وتكلَّفوا ما تكلفوا من أسفارهم، بغير رغبةٍ منهم فيما عند رَبهم من الأجر والثواب، ولكن رجاء خسيس من عَرض الدنيا، وابتغاء عَاجل حُطامها. كما:-

3884 -

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله:" فمن الناسَ من يقول رَبنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خَلاق"، قال: فهذا عبد نوى الدنيا، لها عمل ولها نَصِب،" ومنهم من يقول رَبنا آتنا في الدنيا حَسنة وفي الآخرة حَسنة وقنا عذابَ النار. أولئك لَهم نصيب مما كسبوا"، أي حظٌّ من أعمالهم.

3885 -

وحدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في:" فمن الناس مَن يَقول رَبنا آتنا في الدنيا ومَاله في الآخرة من خَلاق"، إنما حَجُّوا للدنيا والمسألة، لا يريدون الآخرة ولا يؤمنون بها،" ومنهم مَن يقول رَبنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حَسنةً وقنا عذاب النار"، قال: فهؤلاء النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون=" أولئك لهم نصيبٌ مما كسبوا والله سريع الحساب"، لهؤلاء الأجرُ بما عملوا في الدنيا.

* * *

وأما قوله:" والله سريع الحساب"، فإنه يعني جل ثناؤه: أنه محيط بعمل الفريقين كليهما اللذين من مسألة أحدهما:" رَبنا آتنا في الدنيا"، ومن مسألة الآخر:" ربنا آتنا في الدنيا حَسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار"، فَمُحْصٍ له بأسرع الحساب، (1) ثم إنه مجازٍ كلا الفريقين على عمله.

وإنما وصف جل ثناؤه نفسه بسرعة الحساب، لأنه جل ذكره يُحصى ما يُحصى من أعمال عباده بغير عَقد أصابع، ولا فكرٍ ولا رَوية، فِعلَ العَجَزة الضَّعَفة من الخلق، ولكنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يَعزب عنه مثقال ذرة فيهما، ثم هو مُجازٍ عبادَه على كل ذلك. فلذلك امتدح

(1) قوله: "فمحص" عطف على قوله: "أنه محيط. . . "

ص: 207

نفسه جل ذكره بسرعة الحساب، (1) وأخبر خلقه أنه ليس لهم بمِثْلِ، فيحتاجَ في حسابه إلى عَقد كف أو وَعْي صَدر.

* * *

(1) في المطبوعة: "فلذلك جل ذكره امتدح بسرعة الحساب"، والذي أثبت أشبه بالصواب إن شاء الله.

ص: 208

القول في تأويل قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ}

قال أبو جعفر: يعني جَلّ ذكره: أذكروا الله بالتوحيد والتعظيم في أيام مُحصَيات، وهي أيام رَمي الجمار. أمر عباده يومئذ بالتكبير أدبارَ الصلوات، وعند الرمي مع كل حصاة من حَصى الجمار يرمي بها جَمرةً من الجمار.

وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل:

* ذكر من قال ذلك:

3886 -

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله:" واذكروا الله في أيام معدودات"، قال: أيام التشريق.

3887 -

حدثني محمد بن نافع البصري، قال: حدثنا غندر: قال: حدثنا شعبة، عن هشيم، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله. (1)

3888 -

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:" واذكروا الله في أيام معدودات"، يعني الأيام المعدودات أيامَ التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد النحر.

(1) الأثر: 3887 -"محمد بن نافع البصري" هو محمد بن أحمد بن نافع العبدي القيسي أبو بكر بن نافع البصري مشهور بكنيته. مترجم في التهذيب"غندر" هو محمد بن جعفر الهذلي مولاهم أبو عبد الله البصري. مترجم في التهذيب.

ص: 208

3889 -

وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:" واذكروا الله في أيام معدودات"، يعني أيام التشريق.

3890 -

حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.

3891 -

وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا مخلد، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس: سمعه يوم الصَّدَر يَقول بعد ما صدر يُكبر في المسجد ويتأول:" واذكروا الله في أيام مَعدودات".

3892 -

حدثنا علي بن داود، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:" واذكروا الله في أيام معدودات"، يعني أيام التشريق.

3893 -

حدثنا عبد الحميد بن بيان السكري، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن عطاء بن أبي رباح في قول الله عز وجل:" واذكروا الله في أيام معدودات"، قال: هي أيام التشريق.

3894 -

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثني أبي، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، مثله.

3895 -

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:" واذكروا الله في أيام معدودات"، قال أيام التشريق بمنى.

3896 -

حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد وعطاء قالا هي أيام التشريق.

3897 -

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

ص: 209

3898 -

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، مثله.

3899 -

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: الأيام المعدودات: أيام التشريق.

3900 -

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، مثله.

3901 -

حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن، قال: الأيام المعدودات: الأيام بعد النحر.

3902 -

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، قال: سألت إسماعيل بن أبي خالد عن"الأيام المعدودات"، قال: أيام التشريق.

3903 -

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، فقال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:" واذكروا الله في أيام معدودات"، كنا نُحدَّث أنها أيام التشريق.

3904 -

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:" واذكروا الله في أيام معدودات"، قال: هي أيام التشريق.

3905 -

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي:" أما الأيام المعدوداتُ": فهي أيام التشريق.

3906 -

حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.

3907 -

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، عن مالك، قال:" الأيام المعدودات"، ثلاثة أيامٍ بعد يوم النحر.

3908 -

حدثت عن حسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن

ص: 210

خالد، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:" في أيام معدودات" قال: أيام التشريق الثلاثة.

3910 -

حدثني ابن البرقي، قال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سألت ابن زيد عن" الأيام المعدودات" و"الأيام المعلومات"، فقال:"الأيام المعدودات" أيام التشريق،"والأيام المعلومات"، يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق.

* * *

وإنما قلنا: إنّ"الأيام المعدودات"، هي أيام منى وأيام رمي الجمار لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول فيها: إنها أيام ذكر الله عز وجل.

* ذكر الأخبار التي رويت بذلك:

3911 -

حدثني يعقوب بن إبراهيم وخلاد بن أسلم، قال: حدثنا هشيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيام التشريق أيام طُعْمٍ وذِكْر". (1)

(1) الحديث: عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: ثقة وثقه أحمد وغيره وتكلم فيه آخرون من قبل حفظه.

والحديث رواه أحمد في المسند: 7134 عن هشيم بهذا الإسناد. ورواه أيضًا: 9008 (2: 387 حلبي) عن عفان عن أبي عوانة عن عمر بن أبي سلمة.

ورواه الطحاوي في معاني الآثار 1: 428 من طريق سعيد بن منصور عن هشيم به.

ولم ينفرد عمر بن أبي سلمة بروايته. فرواه ابن ماجه: 1719 من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة وقال البوصيري في زوائده: "إسناده صحيح على شرط الشيخين".

وسيأتي عقب هذا من رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.

ص: 211

3912 -

حدثنا خلاد، قال: حدثنا روح، قال: حدثنا صالح، قال: حدثني ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بَعثَ عبد الله بن حُذافة يطوف في منى:"لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل". (1)

3912م - وحدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا بشر بن المفضل= وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية= قالا جميعًا، حدثنا خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المليح، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هذ الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله.

3913 -

حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة، قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم أيام التشريق وقال: هي أيام أكل وشرب وذكر الله. (2)

3914 -

حدثني يعقوب، قال: حدثني هشيم، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عمرو بن دينار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بَعث بشر بن سُحَيم، فنادى في أيام التشريق، فقال: إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله. (3)

(1) الحديث: 3912 - روح: هو ابن عبادة. صالح: هو ابن أبي الأخضر اليمامي. وهو ثقةن تكلموا في روايته عن الزهري بما ليس بقادح. وهو كان خادما لزهري فالظاهر أن يكون عرف عن الزهري ما لم يعرف غيره.

والحديث رواه أحمد في المسند: 10674، 10930 (2: 513، 535 حلبي) عن روح ابن عبادة بهذا الإسناد. وكذلك رواه الطحاوي 1: 428 ونسباه للطبري فقط.

وانظر ما مضى: 3471 وما يأتي: 3916.

(2)

الحديث: 3913 - خالد: هو ابن مهران الحذاء. أبو قلابة: هو الجرمي عبد الله ابن زيد. أبو المليح: هو ابن أسامة الهذلي. وهذا إسناد صحيح ليست له علة.

ويشهد له ما روى البخاري 4: 211 (فتح) من طريق الزهري عن عروة عن عائشة - وعن سالم عن ابن عمر قالا: "لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدى" وهو مرفوع حكما -على الراجح- وإن كان لفظه لفظ الموقوف.

وقد مضى معناه مرفوعا لفظا من وجه آخر، عن الزهري عن سالم عن ابن عمر.

وانظر الحديث التالي لهذا.

(3)

الحديث: 3914 - ابن أبي ليلى: هو محمد بن عبد الرحمن. عطاء: هو ابن أبي رباح وهذا إسناد حسن.

والحديث رواه الطحاوي 1: 428 من طريق سعيد بن منصور عن هشيم بهذا الإسناد. وذكره ابن كثير 1: 475 ولم يذكر تخريجه. وذكره السيوطي 1: 235 منسوبا للطبري فقط.

ص: 212

3915 -

حدثني يعقوب. قال: حدثنا هشيم، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة بن قيس فنادى في أيام التشريق فقال:"إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله، إلا من كان عليه صومٌ من هَدْي". (1)

3916 -

حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن محمد بن إسحاق، عن حكيم بن حكيم، عن مسعود بن الحكم الزُّرَقي، عن أمه قالت: لكأني أنظر إلى عليٍّ رضي الله عنه على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء حين وقف على شِعْب الأنصار وهو يقول:"أيها الناس إنها ليست بأيام صيام، إنما هي أيام أكل وشرب وذكر". (2)

* * *

(1) الحديث: 3915 - هذا إسناد مرسل لأن عمرو بن دينار تابعي. ولكن الحديث ورد من طريقه متصلا صحيحًا وكذلك من غير طريقه:

فرواه أحمد في المسند: 15496 (3: 415 حلبي) عن محمد بن جعفر عن شعبة عن عمرو بن دينار"عن نافع بن جبير بن مطعم عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه بعث بشر بن سحيم فأمره أن ينادي: ألا إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمن وإنها أيام أكل وشرب يعني أيام التشريق".

ورواه أحمد أيضًا بنحوه (4: 235 حلبي) عن سريج عن حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن نافع بن جبير عن بشر بن سحيم. وكذلك رواه الطحاوي 1: 429 عن ابن خزيمة عن حجاج بن منهال عن حماد بن زيد به.

ورواه شعبة أيضًا عن حبيب بن أبي ثابت عن نافع بن جبير وروايته في مسند الطيالسي 1299 ومسند أحمد: 15497 (3: 415 حلبي) والطحاوي 1: 429.

وكذلك رواه سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن نافع بن جبير وروايته في المسند: 15495 (3: 415 حلبي) وفيه أيضًا (4: 235 حلبي) وسنن ابن ماجه: 1730 وقال البوصيري في زوائده: "رواه ابن خزيمة في صحيحه". وكذلك رواه البيهقي 4: 298.

(2)

الحديث: 3916 - مضى بهذا الإسناد: 3471.

حكيم بن حكيم بفتح الحاء فيهما بن عباد بن حنيف: ثقة وثقه ابن حبان والعجلي وغيرهما وصحح له الترمذي وابن خزيمة. وترجمه البخاري في الكبير 2/1/17 وابن أبي حاتم 1/2/202 فلم يذكرا فيه جرحا.

مسعود بن الحكم بن الربيع الزرقي الأنصاري المدني: تابعي ثقة يعد في جلة التابعين وكبارهم. وأمه صحابية معروفة.

والحديث رواه ابن سعد في الطبقات 2/1/134 عن إسماعيل بن إبراهيم -وهو ابن علية- بهذا الإسناد.

ورواه الحاكم في المستدرك 1: 434- 435 من طريق أحمد بن حنبل عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق بهذا الإسناد. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.

وهذا الإسناد -من طريق الإمام احمد: ليس من طريق رواية المسند بل من طريق آخر عنه ولم يذكر هذا الإسناد في المسند. ولكنه رواه بإسناد آخر:

فرواه في المسند: 708 عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحاق: "حدثني عبد اله بن أبي سلمة عن مسعود بن الحكم الأنصاري ثم الزرقي عن أمه أنها حدثته. . . " فذكر الحديث. وهذا إسناد صحيح أيضًا. فلابن إسحاق فيه شيخان سمعه منهما: حكيم بن حكيم وعبد الله بن أبي سلمة الماجشون- كلاهما عن مسعود بن الحكم.

وانظر أيضًا في المسند: 567، 821، 824.

ص: 213

قال أبو جعفر: فإن قال قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال في أيام منى: إنها أيام أكل وشرب وذكر الله، لم يخبر أمَّته أنها"الأيام المعدودات" التي ذكرها الله في كتابه، فما تنكر أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم عنى بقوله:"وذكْر الله"،"الأيامَ المعلومات"؟

قيل: غير جائز أن يكون عنى ذلك. لأن الله لم يكن يُوجب في"الأيام المعلومات" من ذكره فيها ما أوجبَ في"الأيام المعدودات". وإنما وصف"المعلومات" جل ذكره بأنها أيام يذكر فيها اسم الله على بهائم الأنعام، فقال:(لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ)[الحج: 28] ، فلم يوجب في"الأيام المعلومات" من ذكره كالذي أوجبه في"الأيام المعدودات" من ذكره، بل أخبر أنها أيام ذكره علىَ بهائم الأنعام. فكان معلومًا= إذ قال صلى الله عليه وسلم لأيام التشريق:" إنها أيام أكل وشرب وذكر الله" فأخرج قوله:" وذكر الله" مطلقًا بغير شرط، ولا إضافة، إلى أنه الذكر على بهائم الأنعام = أنه عنى بذلك الذكر الذي ذكره الله في كتابه، فأوجبه على عباده مطلقًا بغير شرط ولا إضافة إلى معنى في"الأيام المعدودات"، وأنه لو كان أراد بذلك صلى الله عليه وسلم

ص: 214

وصف"الأيام المعلومات" به، لوصل قوله:" وذكر"، إلى أنه ذكر الله على ما رزقهم من بهائم الأنعام، كالذي وصف الله به ذلك، ولكنه أطلق ذلك باسم الذكر من غير وصله بشيء، كالذي أطلقه تبارك وتعالى باسم الذكر، فقال:" واذكروا الله في أيام معدودات" فكان ذلك من أوضح الدليل على أنه عنى بذلك ما ذكره الله في كتابه وأوجبه في"الأيام المعدودات".

* * *

القول في تأويل قوله تعالى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى}

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك:

فقال بعضهم: معناه: فمن تعجل في يَومين من أيام التشريق فنفر في اليوم الثاني فلا إثم عليه في نَفْره وتعجله في النفر، ومن تأخر عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الثالث حتى ينفر في اليوم الثالث فلا إثم عليه في تأخره.

* ذكر من قال ذلك.

3917 -

حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا هشيم، عن عطاء، قال: لا إثم عليه في تعجيله، ولا إثم عليه في تأخيره.

3918 -

حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، قال. حدثنا هشيم، عن عوف، عن الحسن، مثله.

3919 -

حدثنا أحمد، قال. حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا هشيم، عن مغيره، عن عكرمة، مثله.

3920 -

حدثني محمد بن عمرو، قال. حدثنا أبو عاصم، عن عيسى،

ص: 215

عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:" فمن تعجَّل في يومين"، يوم النَّفر،" فلا إثم عليه"، لا حرج عليه،" ومن تأخر فلا إثم عليه".

3921 -

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: أما:"من تعجَّل في يومين فلا إثم عليه"، يقول: من نَفَر في يومين فلا جُناح عليه، ومن تأخر فنفر في الثالث فلا جناح عليه.

3922 -

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:" فمن تعجَّل في يومين"، يقول: فمن تعجَّل في يومين- أي: من أيام التشريق="فلا إثم عليه"، ومن أدركه الليل بمنى من اليوم الثاني من قيل أن ينفر، فلا نَفْر له حتى تزول الشمس من الغد=" ومن تأخر فلا إثم عليه"، يقول: من تأخر إلى اليوم الثالث من أيام التشريق فلا إثم عليه.

3923 -

حدثنا الحسن بن يحيى، قال. أخبرنا عبد الرزاق، قال. أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:" فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه"، قال: رخَّص الله في أن ينفروا في يومين منها إن شاءوا، ومن تأخر في اليوم الثالث فلا إثم عليه.

3924 -

حدثني محمد بن المثنى، قال. حدثنا محمد بن جعفر، قال. حدثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم أنه قال في هذه الآية:" فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه"، قال في تعجيله.

3925 -

حدثني هناد بن السريّ، قال: حدثنا ابن أبى زائدة، قال: حدثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم قال:" لا إثم عليه"، لا إثم على من تعجل، ولا إثم على من تأخر.

3926 -

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، قال: هذا في التعجيل.

3927 -

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا شريك وإسرائيل، عن زيد بن جبير، قال: سمعت ابن عمر يقول: حلَّ النَّفر في يومين لمن اتقى.

ص: 216

3928 -

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس:" فمن تجعل في يومين فلا إثم عليه" في تعجله،" ومن تأخر فلا إثم عليه" في تأخره.

3929 -

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أللمكي أن ينفر في النفْر الأول؟ قال: نعم، قال الله عز وجل:" فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه"، فهي للناس أجمعين.

3930 -

حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم:" فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه"، قال: ليس عليه إثم

3931 -

حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:" فمن تعجل في يومين" بعد يوم النحر،" فلا إثم عليه"، بقول: من نَفَر من منى في يومين بعد النحر فلا إثم عليه،"ومن تأخر فلا إثم عليه" في تأخره، فلا حرج عليه. (1)

3932 -

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم:" فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه" في تعجله،" ومن تأخر فلا إثم عليه" في تأخره.

* * *

وقال آخرون: بل معناه: فمن تعجل في يومين فهو مغفور له لا إثم عليه، ومن تأخر كذلك.

* ذكر من قال ذلك:

3933 -

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل،

(1) الأثر: 3931 - كان في المطبوعة"حدثنا علي قال حدثنا أبو صالح. . . " و"علي" تصحيف"المثنى" وهعو إسناد دائر في الطبري أقربه رقم: 2893.

ص: 217

عن ثوير، عن أبيه، عن عبد الله:" فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه"، قال: ليس عليه إثم.

3934 -

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال حدثنا سفيان، عن حماد. عن إبراهيم، عن عبد الله:" فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه"، أي غفر له" ومن تأخر فلا إثم عليه"، قال: غُفر له.

3935 -

حدثنا أحمد بن حازم، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا مسعر، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله:" فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه"، أي غفر له.

3936 -

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا المحاربي= وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد= جميعًا، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله في قوله:" فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه"، قال: قد غُفر له.

3937 -

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم في قوله:" فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه"، قد غفر له.

3938 -

حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله قال في هذه الآية:" فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخّر فلا إثم عليه" قال: برئ من الإثم.

3939 -

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن ابن عمر:" فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه" قال: رجع مغفورًا له.

ص: 218

3940 -

حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد في قوله:" فمن تعجل في يومين فلا إثم عَليه ومن تأخر فلا إثم عليه"، قال: قد غفر له.

3941 -

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن جابر، عن أبي عبد الله، عن ابن عباس:" فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه"، قال: قد غفر له، إنهم يتأولونها على غير تأويلها، إن العمرة لتكفِّر ما معها من الذنوب فكيف بالحج!.

3942 -

حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن إبراهيم وعامر:" فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه"، قالا غفر له.

3943 -

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: حدثني من أصدقه، عن ابن مسعود قوله:" فلا إثم عليه"، قال: خرج من الإثم كله" ومن تأخر فلا إثم عليه"، قال: برئ من الإثم كله، وذلك في الصَّدَر عن الحج = قال ابن جريج: وسمعت رجلا يحدث عن عطاء بن أبي رباح، عن على بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال:" فلا إثم عليه"، قال. غفر له،" ومن تأخر فلا إثم عليه"، قال: غُفر له.

3944 -

حدثني أحمد بن حازم، قال: حدثنا أبو نعيم، قال. حدثنا أسود بن سوادة القطان، قال: سمعت معاوية بن قُرة قال: يَخرج من ذنوبه. (1)

* * *

(1) الأثر: 3944 - لم أجد"أسود بن سوادة القطان"، ولعله"سوادة بن أبي الأسود القطان" وهو الذي يروي عنه أبو نعيمن واسمه"عبد الله" ويقال مسلم بن مخارق القطان. ترجمه في التهذيب.

ص: 219

وقال آخرون: معنى ذلك:" فمن تعجل في يومين فعلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه"، فيما بينه وبين السنة التي بَعدها.

* ذكر من قال ذلك:

3945 -

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسحاق بن يحيى بن طلحه، قال: سألت مجاهدًا عن قول الله عز وجل:" فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه"، قال: لمن في الحج، ليس عليه إثم حتى الحج من عام قابل.

* * *

وقال آخرون: بل معناه. فلا إثم عليه إن اتقى الله فيما بقي من عمره.

* ذكر من قال ذلك:

3946 -

حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية:" فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه"، قال: ذهب إثمه كله إن اتقى فيما بقي.

3947 -

حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن المغيرة، عن إبراهيم، مثله.

3948 -

حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، مثله.

3949 -

حدثني يونس، قاله: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:" فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه"، قال: لمن اتقى بشرط.

3950 -

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي:" فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه"، لا جُناح عليه ="ومن تأخر" إلى اليوم الثالث فلا جناح عليه لمن اتقى= وكان ابن عباس يقول: وددت أنّي من هؤلاء، ممن يُصيبه اسمُ التقوى.

3951 -

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال:

ص: 220

قال ابن جريج: هي في مصحف عبد الله:" لِمَنِ اتَّقَى اللهَ".

3952 -

حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:" فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه"، فلا حرج عليه، يقول: لمن اتقى معاصيَ الله عز وجل. (1)

* * *

وقال آخرون: بل معنى ذلك:" فمن تعجل في يومين" من أيام التشريق" فلا إثم عليه"، أي فلا حرج عليه في تعجيله النفْر، إن هو اتقى قَتْل الصيد حتى ينقضي اليوم الثالث، ومن تأخر إلى اليوم الثالث فلم ينفر فلا حرج عليه.

* ذكر من قال ذلك:

3953 -

حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا محمد بن أبي صالح:" لمن اتقى" أن يصيب شيئًا من الصيد حتى يمضي اليوم الثالث.

3954 -

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:" فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه"، ولا يحل له أن يقتل صيدًا حتى تخلو أيام التشريق.

* * *

وقال آخرون: بل معناه:"فمن تعجل في يومين" من أيام التشريق فنفر"فلا إثم عليه"، أي مغفورٌ له-"ومن تأخر" فنفر في اليوم الثالث"فلا إثم عليه"، أي مغفور له إن اتقى على حجه أن يصيبَ فيه شيئًا نهاه الله عنه.

* ذكر من قال ذلك:

3955 -

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، فال: حدثنا سعيد، عن قتادة

(1) الأثر: 3952 - في المطبوعة: "حدثنا علي، قال حدثنا عبد الله". وقوله"علي" تصحيف والصواب ما أثبتنا، وانظر الأثر السالف رقم: 3931 والتعليق عليه.

ص: 221

قوله:" لمن اتقى"، قال: يقول لمن اتقى على حجه = قال قتادة: ذكر لنا أن ابن مسعود كان يقول: من اتقى في حجه غفر له ما تقدم من ذنبه - أو: ما سلف من ذنبه.

* * *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصحة قول من قال: تأويل ذلك:"فمن تعجل في يومين" من أيام منى الثلاثة فنفر في اليوم الثاني"فلا إثم عليه"، لحطِّ الله ذنوبَه، إن كان قد اتقى الله في حجه، فاجتنب فيه ما أمره الله باجتنابه، وفعل فيه ما أمره الله بفعله، وأطاعه بأدائه على ما كلفه من حدوده ="ومن تأخر" إلى اليوم الثالث منهن فلم ينفر إلى النفر الثاني حتى نفر من غد النفر الأول،"فلا إثم عليه"، لتكفير الله له ما سلف من آثامه وإجرامه، وإن كان اتقى الله في حجه بأدائه بحدوده.

وإنما قلنا أن ذلك أولى تأويلاته [بالصحة]، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ومن حجّ هذا البيت فلم يرفُثْ ولم يفسُقْ خرَج من ذنوبه كيوم ولدته أمه = وأنه قال صلى الله عليه وسلم:"تابعوا بين الحجّ والعمرة، فإنهما ينفيان الذنوب كما ينفي الكِيرُ خَبَثَ الحديد والذهب والفضة".

3956 -

حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، قال: حدثنا عمرو بن قيس، عن عاصم، عن شقيق، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقرَ والذنوبَ كما ينفي الكِيرُ خَبَثَ الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثوابُ دون الجنة". (1)

(1) الحديث: 3956 - عبد الله بن سعيد الكندي أبو سعيد الأشج: ثقة حافظ من شيوخ أصحاب الكتب الستة. أبو خالد الأحمر: هو سليمان بن حيان -بالياء التحتية- الأزدي وهو ثقة من شيوخ أحمد وإسحاق أخرج له جماعة. عمرو بن قيس: هو الملائي. عاصم: هو ابن أبي النجود. شقيق: هو ابن سلمة أبو وائل الأسدي عبد الله: هو ابن مسعود.

والحديث رواه احمد في المسند: 3669 عن أبي خالد الأحمر بهذا الإسناد ورواه الترمذي 2: 78 والنسائي 2: 4- كلاهما من طريق أبي خالد الأحمر.

وذكره السيوطي 1: 211 وزاد نسبته لابن أبي شيبة وابن خزيمة وابن حبان.

الكير: زق أو جلد غليظ ذو حافات ينفخ فيه الحداد، ليؤرث النار. وخبث الحديد وغيره: هو ما ينفيه الكير والنار من الحديد إذا أذيب وهو ما لا خير فيه منه.

ص: 222

3957 -

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا الحكم بن بشير، عن عمرو بن قيس، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. (1)

3958 -

حدثنا الفضل بن الصباح، قال:. حدثنا ابن عيينة، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، عن عمر يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال:"تابعوا بين الحج والعمرة، فإنّ متابعة ما بينهما تنفي الفقر والذنوبَ كما ينفي الكيرُ الخبَثَ= أو: خبَثَ الحديد". (2)

3959 -

حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: حدثنا سعد بن عبد الحميد، قال: حدثنا ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قضيتَ حجَّك فأنت مثل ما ولدتك أمك. (3)

* * *

(1) الحديث: 3957 - وهذا إسناد آخر صحيح لهذا الحديث لم أجده عند غير الطبري. وهو يدل على أن عاصم بن أبي النجود رواه عن شيخين، هما أبو وائل وزر بن حبيش-: كلاهما عن ابن مسعود.

(2)

الحديث: 3958 - عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب: ضعيف وقد بينا ضعفه في شرح المسند: 128، 5229.

والحديث رواه ابن ماجه: 2887 بإسنادين من طريق ابن عيينة ومن طريق عبيد الله بن عمر- كلاهما عن عاصم بن عبيد الله. وقال البوصيري في زوائده: "مدار الإسنادين على عاصم ابن عبيد الله، وهو ضعيف. والمتن صحيح من حديث ابن مسعود رواه الترمذي والنسائي"، يريد الحديثين السابقين.

وذكره السيوطي 1: 211 وزاد لابن أبي شيبة، والبيهقي.

(3)

الحديث: 3959 - إبراهيم بن سعيد هو الجوهري. مضى في: 3355. سعد بن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله الأنصاري المدني: ضعفه ابن حبان جدا وقال ابن معين: "ليس به بأس". والذي أرجحه أنه ثقة، فإن البخاري ترجمه في الكبير 2/2/62 فلم يذكر فيه حرجا ولم يذكره هو ولا النسائي في الضعفاء وترجمه ابن أبي حاتم 2/1/92 فلم يجرحه أيضًا.

صالح مولى التوأمة: هو صالح بن نبهان، مضى في 1020 تصحيح رواية من سمع منه قديما قبل تغير حفظه. وموسى بن عقبة سمع منه قديما، كما بينا في شرح المسند:2604.

وهذا الحديث. بهذا الإسناد - لم أجده في موضع آخر من المراجع من حديث ابن عباس. ومعناه ثابت في أحاديث أخر صحاح. انظر الترغيب والترهيب 2: 105- 113 ومجمع الزوائد 3: 207- 209، 274- 277، وانظر ما سلف من رقم: 3718- 3728.

ص: 223

= وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول بذكر جميعها الكتاب، مما ينبئ عنه أنّ من حجّ فقضاه بحدوده على ما أمره الله، فهو خارج من ذنوبه، كما قال جل ثناؤه:" فلا إثم عليه لمن اتقى" الله في حجه. فكان في ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يوضح عن أن معنى قوله جل وعزّ:" فلا إثم عليه"، أنه خارجٌ من ذنوبه، محطوطة عنه آثامه، مغفورَةٌ له أجْرامه= وأنه لا معنى لقول من تأول قوله:" فلا إثم عليه"، فلا حرج عليه في نفره في اليوم الثاني، ولا حرج عليه في مقامه إلى اليوم الثالث. لأن الحرَج إنما يوضع عن العامل فيما كان عليه ترْك عمله، فيرخّص له في عمله بوضع الحرَج عنه في عمله؛ أو فيما كان عليه عمله، فيرخَّص له في تركه بوضع الحرج عنه في تركه. فأما ما على العامل عَمله فلا وَجه لوضع الحرَج عنه فيه إن هو عَمله، وفرضُه عَملُه، لأنه محال أن يكون المؤدِّي فرضًا عليه، حرجا بأدائه، (1) فيجوز أن يقال: قد وضعنا عنك فيه الحرَج.

وإذ كان ذلك كذلك= وكان الحاج لا يخلو عند من تأوّل قوله:" فلا إثم عليه" فلا حرج عليه، أو فلا جناح عليه، من أن يكون فرضه النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق، فوضع عنه الحرَج في المقام، أو أن يكون فرضَه المقام،

(1) قوله: "حرجًا" على وزن"فرح" بمعنى آثم وقد مضى في الجزء 2: 423 استعمال هذه الصيغة وعلقت عليه أن أهل اللغة ينكرون ذلك ويقولون بل هو"حارج" ولقد أعاد الطبري استعمالها هنا مرة أخرى، ورأيت أيضًا القاضي الباقلاني قد استعملها في كتابه التمهيد ص: 221، فقال:". . . لم يكن الإمام بذلك مأثومًا ولا حرجًا" وكأني رأيت الشافعي قد استعملها أيضًا في الأم، ولكن ذهب عني مكانها.

ص: 224

إلى اليوم الثالث، فوضع عنه الحرج في النفر في اليوم الثاني، فإن يكن فرضه في اليوم الثاني من أيام التشريق المقام إلى اليوم الثالث منها، فوضع عنه الحرج في نفره في اليوم الثاني منها - وذلك هو التعجُّل الذي قيل:" فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه"- فلا معنى لقوله على تأويل من تأوّل ذلك:" فلا إثم عليه"، فلا جناح عليه،" ومن تأخر فلا إثمَ عليه". لأن المتأخر إلى اليوم الثالث إنما هو متأخّرٌ عن أداء فرض عليه، تاركٌ قبولَ رُخصة النفر، فلا وجه لأن يقال:"لا حرج عليك في مقامك على أداء الواجب عليك"، لما وصفنا قبل- أو يكون فرضُه في اليوم الثاني النفر، فرُخِّص له في المقام إلى اليوم الثالث، فلا معنى أن يقال:" لا حرج عليك في تعجُّلك النفر الذي هو فرضك وعليك فعله"، للذي قدمنا من العلة.

وكذلك لا معنى لقول من قال: معناه:" فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه" ولا حرج عليه في نفره ذلك، إن اتقى قتل الصيد إلى انقضاء اليوم الثالث. لأن ذلك لو كان تأويلا مسلَّمًا لقائله لكان في قوله:" ومن تأخر فلا إثم عليه"، ما يُبطل دعواه، لأنه لا خلاف بين الأمة في أن الصيد للحاجّ بعد نفره من منى في اليوم الثالث حلال، فما الذي من أجله وَضَع عنه الحرج في قوله:" ومن تأخر فلا إثم عليه"، إذا هو تأخر إلى اليوم الثالث ثم نفر؟ هذا، مع إجماعِ الحجة على أن المحرم إذا رمى وذبح وحلق وطافَ بالبيت، فقد حلَّ له كل شيء، وتصريحِ الرواية المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ذلك، (1) التي:-

3960 -

حدثنا بها هناد بن السري الحنظلي، قال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن حجاج، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة قالت: سألت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها متى يحلّ المحرم؟ فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رَميتم وذبحتم وحلقتم، حلّ لكم كل شيء إلا النساء=

(1) في المطبوعة: "الرواية المروية" ورددتها إلى عبارة الطبري التي يكثر استعمالها، انظر ما سلف 4: 33ن س: 19 وفي مواضع كثيرة لم استطع أن أجدها الآن.

ص: 225

قال: وذكر الزهري، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثله. (1)

وأما الذي تأوّل ذلك أنه بمعنى:" لا إثم عليه إلى عام قابل"، فلا وجه لتحديد ذلك بوقت، وإسقاطه الإثمَ عن الحاجّ سنة مستقبَلة، دون آثامه السالفة. لأن الله جل ثناؤه لم يحصُر ذلك على نفي إثم وقت مستقبَل بظاهر التنزيل، ولا على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام، بل دلالةُ ظاهر التنزيل تُبين عن أن المتعجّل في اليومين والمتأخر لا إثم على كل واحد منهما في حاله التي هو بها دون غيرها من الأحوال.

والخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم يصرِّح بأنه بانقضاء حجه على ما أمر به، خارجٌ من ذنوبه كيوم ولدته أمه. ففي ذلك = من دلالة ظاهر التنزيل، وصريح قول الرسول صلى الله عليه وسلم= دلالة واضحة على فساد قول من قال: معنى قوله:" فلا إثم عليه"، فلا إثم عليه من وقت انقضاء حجه إلى عام قابل.

* * *

قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: ما الجالب"اللام" في قوله:" لمن أتقى"؟ وما معناها؟

قيل: الجالبُ لها معنى قوله:" فلا إثم عليه". لأن في قوله:" فلا إثم عليه" معنى: حططنا ذنوبه وكفَّرنا آثامه، فكان في ذلك معنى: جعلنا تكفيرَ الذنوب لمن اتقى الله في حجه، فترك ذكر" جعلنا تكفير الذنوب"، اكتفاء بدلالة قوله:" فلا إثم عليه".

وقد زعم بعض نحوييّ البصرة أنه كأنه إذا ذكر هذه الرخصة فقد أخبر عن أمر، فقال:" لمن اتقى" أي: هذا لمن اتقى. وأنكرَ بعضُهم ذلك من قوله، وزعم أن الصفة لا بد لها من شيء تتعلق به، (2) لأنها لا تقوم بنفسها، ولكنها فيما زعم من صلة" قول" متروك، فكان معنى الكلام عنده" قلنا":(3) " ومن تأخر فلا

(1) الحديث: 3960 - هناد بن السري الدارمي: مضت ترجمته: 2058. وقد نسب هنا حنظليا كما نسبه البخاري في الكبير. وكلاهما صحيح فهو من بني"دارم بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم". انظر جمهرة ابن حزم ص: 211، 217.

حجاج: هو ابن أرطأة وهو ثقة على الراجح عندنا كما ذكرنا في: 2299.

وقد روى الحجاج هذا الحديث بإسنادين: فرواه عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة، وهي بنت عبد الرحمن -وهي خالة أبي بكر بن حزم- عن عائشة وذكر لفظ الحديث. ثم رواه عن الزهري عن عمرة عن عائشة"مثله". فلم يذكر لفظه. وهذا من تحري الحجاج بن أرطأة ودققه كما سيبين مما يجيء.

فالحديث -من رواية أبي بكر بن حزم- رواه أحمد في المسند 6: 143 (حلبي) عن يزيد ابن هارون عن الحجاج بهذا الإسناد نحوه. ولكن ليس فيه كلمة"وذبحتم". وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى 5: 136 من طريق مالك بن يحيى عن يزيد بن هارون، ثم قال:"ورواه محمد بن أبي بكر، عن يزيد بن هارون فزاد فيه: وذبحتم فقد حل لكم كل شيء، الطيب والثياب إلا النساء". ثم ذكر البيهقي إسناده به إلى محمد بن أبي بكر. ثم أعله البيهقي وسنذكر ما قال والجواب عنه، إن شاء الله.

وقد سها السيوطي، حين ذكر هذا الحديث في زوائد الجامع الصغير (1: 117 من الفتح الكبير) فنسبه لصحيح مسلم -مع البيهقي) وهذا خطأ يقينا، فإنه ليس في صحيح مسلم.

وأما من رواية الحجاج عن الزهري: فرواه أبو داود في السنن: 1978 عن مسدد عن عبد الواحد بن زياد عن الحجاج عن الزهري عن عمرة عن عائشة مرفوعا بلفظ: "إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء". ثم أعله أبو داود فقال: "هذا حديث ضعيف. والحجاج لم ير الزهري ولم يسمع منه". وهذا تعليل جيد من أبي داود فقد روى ابن أبي حاتم في كتاب المراسيل ص: 18 بإسناده عن هشيم قال: "قال لي الحجاج بن أرطأة: سمعت من الزهري؟ قلت: نعم قال: لكني لم أسمع منه شيئًا".

وأما البيهقي فإنه أعلى رواية الحجاج عن أبي بكر بن حزم تعليلا لا أراه مستقيما. قال عقب روايته: "وهذا من تخليطات الحجاج بن أرطأة وإنما الحديث عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه سائر الناس عن عائشة". ثم ذكر حديثها قالت: "طيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يفيض -بأطيب ما وجدت من الطيب". وهو حديث صحيح رواه مسلم.

وما نرى إعلال ذاك بهذا هذا حديث فعلي، من حكاية عائشة وذاك حديث قولي من روايتها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكل منهما مؤيد لصحة الآخر، فأتى يستقيم التعليل؟

وقد ورد نحو هذا الحديث أيضًا من حديث ابن عباس مرفوعا: "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء". رواه أحمد في المسند: 2090، 3204، 3491. ولكنه بإسناد منقطع لأنه من رواية الحسن العرني عن ابن عباس. وهو لم يسمع من ابن عباس كما قال البخاري في الصغير ص 136. ولكنه يصلح على كل حال شاهدا لهذا الحديث.

(2)

الصفة: هي حرف الجر وهي حروف الصفات وانظر ما سلف 1: 299 تعليق: 1 ثم 3: 475 تعليق: 1.

(3)

في المطبوعة: "فكان معنى الكلام عنده"ما قلنا" بزيادة"ما" وهو خطأ بين بدل عليه سياق هذا التأويل.

ص: 226

إثم عليه لمن اتقى"، وقام قوله:" ومن تأخر فلا إثم عليه"، مقامَ"القول".

وزعم بعضُ أهل العربية أنّ موضع طرْح الإثم في المتعجِّل، فجُعل في المتأخر= وهو الذي أدَّى ولم يقصر= مثل ما جُعل على المقصِّر، كما يقال في الكلام:"إن تصدقت سرًّا فحسنٌ، وإن أظهرتَ فحسنٌ"، وهما مختلفان، لأن المتصدق علانية إذا لم يقصد الرياء فحسن، وإن كان الإسرار أحسن.

وليس في وصف حالتي المتصدقين بالحُسن وصف إحداهما بالإثم. وقد أخبر الله عز وجل عن النافرين بنفي الإثم عنهما، ومحال أن ينفي عنهما إلا ما كان في تركه الإثم على ما تأوَّله قائلو هذه المقالة. وفي إجماع الجميع على أنهما جميعًا لو تركا النفر وأقاما بمنىً لم يكونا آثمين، ما يدل على فساد التأويل الذي تأوله من حكينا عنه هذا القول.

وقال أيضًا: فيه وجهٌ آخر، وهو معنى نهي الفريقين عن أن يُؤثِّم أحدُ الفريقين الآخر، كأنه أراد بقوله:" فلا إثم عليه"، لا يقل المتعجل للمتأخر:" أنت آثم"، ولا المتأخر للمتعجل:"أنت آثم"، بمعنى: فلا يؤثِّمنَّ أحدهما الآخر.

وهذا أيضًا تأويل لقول جميع أهل التأويل مخالفٌ، وكفى بذلك شاهدًا على خطئه.

* * *

القول في تأويل قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) }

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: واتقوا الله أيها المؤمنون فيما فَرض عليكما من فرائضه، فخافوه في تضييعها والتفريط فيها، وفيما نهاكم عنه في حجكم ومناسككما أن ترتكبوه أو تأتوه وفيما كلفكم في إحرامكم لحجكم أن تقصِّروا في

ص: 228

أدائه والقيام به،"واعلموا أنكم إليه تحشرون"، فمجازيكم هو بأعمالكم- المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته- وموفٍّ كل نفس منكم ما عملت وأنتم لا تظلمون.

* * *

القول في تأويل قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ}

قال أبو جعفر: وهذا نعت من الله تبارك وتعالى للمنافقين، بقوله جل ثناؤه: ومن الناس من يعجبك يا محمد ظاهرُ قوله وعلانيته، ويستشهد الله على ما في قليه، وهو ألدُّ الخصام، جَدِلٌ بالباطل.

* * *

ثم اختلف أهل التأويل فيمن نزلت فيه هذه الآية.

فقال بعضهم. نزلت في الأخنس بن شرِيق، قدِم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزعم أنه يريد الإسلام، وحلف أنه ما قدم إلا لذلك، ثم خرج فأفسد أموالا من أموال المسلمين.

* ذكر من قال ذلك:

3961 -

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي:" ومن الناس من يُعجبك قولُه في الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما في قلبه وهو ألدُّ الخصام"، قال: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي- وهو حليفٌ لبني زُهره- وأقبل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فأظهر له الإسلام، فأعجبَ النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك منه، وقال: إنما جئت أريد الإسلام، والله يعلم أنّي صادق! = وذلك قوله:" ويشهد الله على ما في قلبه"= ثم خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم فمرَّ بزرع لقوم من المسلمين وُحُمر، فأحرق الزرع،

ص: 229

وعقر الحُمُرُ، فأنزل الله عز وجل:" وإذا تولى سعَى في الأرض ليُفسد فيها ويُهلك الحرْثَ والنسل". وأما"ألد الخصام" فأعوجُ الخصام، وفيه نزلت:(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ)[الهمزة: 1] ونزلت فيه: (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ) إلى (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ)[القلم: 10-13](1)

* * *

وقال آخرون: بل نزل ذلك في قوم من أهل النفاق تكلموا في السرية التي أصيبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرَّجيع.

* ذكر من قال ذلك:

3962 -

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن أبى إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما أصيبت هذه السرية أصحاب خُبَيْب بالرجيع بين مكة والمدينة، فقال رجال من المنافقين: يا ويح هؤلاء المقتولين الذين هلكوا هكذا! (2) لا هم قعدوا في بيوتهم، ولا هم أدَّوْا رسالة صاحبهم! فأنزل الله عز وجل في ذلك من قول المنافقين، وما أصاب أولئك النفر في الشهادة والخير من الله:" ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا" = أي: ما يُظهر بلسانه من الإسلام =" ويشهد الله على ما في قلبه" = أي من النفاق- (3)" وهو ألد الخصام" أي: ذو جدال إذا كلمك وراجعك =" وإذا تولى"- أي: خرج من عندك=" سعىَ في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحَرثَ والنسل والله لا يحب الفساد"- أي:

(1) الأثر رقم: 3961 - لم يذكر الطبري في تفسير"سورة الهمزة" و"سورة القلم" هذا الخبر من أن الآيتين نزلتا في الأخنس بن شريق. وهذا دليل آخر على صدق ما أخبروا به عنه أنه قد اختصر هذا التفسير اختصارًا كبيرًا، كما جاء في أخباره.

وسيأتي بعض هذا الاثر برقم: 3978.

(2)

في المطبوعة: "هؤلاء المقتولين". والصواب من سيرة ابن هشام. وبعد هذا في ابن هشام: "لا هم قعدوا في أهليهم".

(3)

مكان هذا التفسير في نص ابن هشام: "وهو مخالف لما يقول بلسانه".

ص: 230

لا يحبّ عمله ولا يرضاه=" وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسْبُه جهنم ولبئس المهاد ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله"= الذين شروا أنفسهم لله بالجهاد في سبيل الله والقيام بحقه، حتى هلكوا على ذلك- يعني هذه السرّية.

3963 -

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة مولى ابن عباس- أو: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس- قال: لما أصيبت السرية التي كان فيها عاصم ومرْثد بالرَّجيع، قال رجال من المنافقين:- ثم ذكر نحو حديث أبي كريب. (1)

* * *

وقال آخرون: بل عنى بذلك جميعَ المنافقين، وعنى بقوله:" ومن الناس من يُعجبك قوله في الحياة

(1) الأثر: 3962، 3963 - سيرة ابن هشام 3: 183- 184 وسيأتي بعضه برقم 3973ن ثم رقم: 3980.

ص: 231

الدنيا ويُشهد الله على ما في قلبه"، اختلافَ سريرته وعلانيته.

* ذكر من قال ذلك:

3964 -

حدثني محمد بن أبي معشر، قال: أخبرني أبى أبو معشر نجيح، قال: سمعت سعيدًا المقبري يذاكر محمد بن كعب، فقال سعيد: إنّ في بعض الكتب أن لله عبادًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرُّ من الصَّبِر، لبسوا للناس مسوكَ الضأن من اللين، (1) يجترُّون الدنيا بالدين، قال الله تبارك وتعالى: أعليّ يجترءون، وبي يغترُّون!! وعزتي لأبعثنّ عليهم فتنة تترك الحليمَ منهم حيران!! فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله جل ثناؤه. فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله عز وجل:" ومنَ الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرثَ والنسل والله لا يحبَ الفساد" فقال سعيد: قد عرفتَ فيمن أنزلت هذه الآية! فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل، ثم تكون عامة بعدُ.

3965 -

حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن القرظي، عن نَوْفٍ- وكان يقرأ الكتب- قال: إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل:" قومٌ يجتالون الدنيا بالدين، (2) ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرُّ من الصَّبر، يلبسون للناس لباسَ مُسوك الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب، فعليّ يجترءون! وبي يغترُّون! حلفت بنفسي لأبعثنّ عليهم فتنةً تترك الحليم فيهم حيران". قال القرظي: تدبرتها في القرآن فإذا هم المنافقون، فوجدتها:" ومن الناس من يُعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام"، (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ) (3) [الحج: 11]

3966 -

وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن قتادة قوله:" ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما في قلبه" قال: هو المنافق.

3967 -

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى،

(1) الصبر (بفتح الصاد وكسر الباء) : عصارة شجر مر. والمسوك جمع مسك (بفتح فسكون) : الجلد جلد الغنم وغيرها.

(2)

في الأصل: "يحتالون" والصواب ما أثبت. اجتال الرجل الشيء: إذا ذهب به وطرده وساقه. واجتال الجيش أموالهم: ذهب بها.

(3)

الأثر: 3965 - خالد بن يزيد الجمحي أبو عبد الرحيم المصري كان فقيها مفتيا. ثقة مات سنة 139. مترجم في التهذيب. و"نوف" هو نوف بن فضالة الحميري البكالي، كان ثقة رواية للقصص وهو ابن امرأة كعب الأحبار، مات ما بين التسعين إلى المئة. مترجم في التهذيب.

ص: 232

عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:" ومن الناس من يُعجبك قوله"، قال: علانيته في الدنيا، ويُشهد الله في الخصومة، إنما يريد الحق.

3968 -

حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:" ومن الناس من يُعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام"، قال: هذا عبد كان حسن القول سيئ العمل، يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحسن له القول،" وإذا تولَّى سَعَى في الأرض ليُفسد فيها".

3969 -

وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء:" ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه"، قال. يقول قولا في قلبه غيره، والله يعلم ذلك.

* * *

وفي قوله:" ويُشهد الله على ما في قلبه"، وجهان من القراءة: فقرأته عامة القرأة:" ويُشهد الله على ما في قلبه"، بمعنى أن المنافق الذي يُعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم قولُه، يستشهدُ الله على ما في قلبه، أن قوله موافقٌ اعتقادَه، وأنه مؤمن بالله ورسوله وهو كاذب. كما:-

3970 -

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد:" ومن الناس من يُعجبك قوله في الحياة الدنيا" إلى" والله لا يحب الفساد"، كان رجلٌ يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: أي رسول الله أشهد أنك جئت بالحق والصدق من عند الله! قال: حتى يُعجب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله. ثم يقول: أما والله يا رسولَ الله، إنّ الله ليعلم ما في قلبي مثلُ ما نطق به لساني! فذلك قوله:" ويُشهد الله على ما في قلبه". قال: هؤلاء المنافقون، وقرأ قول الله تبارك وتعالى:(إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) حتى بلغ: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)[المنافقون: 1] بما يشهدون أنك رسول الله.

* * *

ص: 233

وقال السدي:" ويُشهد الله على ما في قلبه"، يقول: الله يعلم أني صادق، أني أريد الإسلام.

3971 -

حدثني بذلك موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، عن أسباط.

* * *

وقال مجاهد: ويُشهد الله في الخصومة، إنما يريد الحق.

3972 -

حدثني بذلك محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عنه.

* * *

وقرأ ذلك آخرون: (وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ) بمعنى: والله يشهد على الذي في قلبه من النفاق، وأنه مضمرٌ في قلبه غير الذي يُبديه بلسانه وعلى كذبه في قلبه. وهي قراءة ابن مُحَيْصن، وعلى ذلك المعنى تأوله ابن عباس. وقد ذكرنا الرواية عنه بذلك فيما مضى في حديث أبي كريب، عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق الذي ذكرناه آنفًا. (1)

* * *

والذي نختار في ذلك من قول القرأة قراءة من قرأ:" ويشهد الله على ما في قلبه"، بمعنى يستشهد الله على ما في قلبه، لإجماع الحجة من القرأةِ عليه.

* * *

(1) انظر رقم: 3962.

ص: 234

القول في تأويل قوله تعالى: {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) }

قال أبو جعفر:"الألد" من الرجال: الشديد الخصومة، يقال في" فعلت" منه:" قد لَدَدْتَ يا هذا، ولم تكن ألدَّ، فأنت تلُدُّ لَدَدًا ولَدَادةً". (1) فأما إذا غلب من خاصمه، فإنما يقال فيه:" لدَدْت يا فلانُ فلانًا فأنت تَلُدُّه لَدًّا، ومنه قول الشاعر:

ثُمَّ أُرَدِّي بِهِمُ من تُرْدِي

تَلُدُّ أقْرَانَ الخُصُومِ اللُّدِّ (2)

* * *

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: تأويله: أنه ذو جدال.

* ذكر من قال ذلك:

3973 -

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس:" وهو ألد الخصام"، أي: ذو جدال، إذا كلمك وراجعك. (3)

3974 -

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:" وهو ألد الخصام"، يقول: شديد القسوة في معصية الله جَدِلٌ بالباطل،

(1) قوله: "لدادة" مصدر لم أجده في كتب اللغة التي بين يدي.

(2)

لم أعرف قائله. والبيت الثاني في اللسان (لدد) روايته"ألد أقران". والبيتان جميعا في معاني القرآن للفراء 1: 123 بتقديم البيت الثاني على الأول، وروايته:"اللُّدّ أقران الرجال اللُّدِّ"

وكأنه تصحيف وخطأ وصوابه"ألد" كما في اللسان. وكان في الطبري"ثم أردى وبهم. . " بزيادة واو، والصواب ما في معاني القرآن.

(3)

هو بعض الأثر السالف رقم: 3962.

ص: 235

وإذا شئتَ رأيته عالم اللسان جاهلَ العمل، يتكلم بالحكمة، ويعمل بالخطيئة.

3975 -

حدثنا الحسن بن يحيى. قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:" وهو ألد الخصام"، قال: جَدِلٌ بالباطل.

* * *

وقال آخرون: معنى ذلك أنه غير مستقيم الخصومة، ولكنه معوَجُّها.

* ذكر من قال ذلك:

3976 -

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:" وهو ألد الخصام"، قال: ظالم لا يستقيم.

3977 -

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال:"الألدُّ الخصام"، الذي لا يستقيم على خصومة.

3978 -

حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي:"ألد الخصام"، أعوجُ الخصام. (1)

* * *

قال، أبو جعفر: وكلا هذين القولين متقاربُ المعنى، لأن الاعوجاجَ في الخصومة من الجدال واللدد.

* * *

وقال آخرون: معنى ذلك: وهو كاذبٌ في قوله.

* ذكر من قال ذلك:

3979 -

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا وكيع، عن بعض أصحابه، عن الحسن، قال:"الألد الخصام"، الكاذب القول.

* * *

وهذا القول يحتمل أن يكون معناه معنى القولين الأولين إن كان أراد به

(1) هو بعض الأثر السالف رقم: 3961.

ص: 236

قائله أنه يخاصم بالباطل من القول والكذب منه جدلا واعوجاجًا عن الحق.

* * *

وأما"الخصام" فهو مصدر من قول القائل:"خاصمت فلانًا خصامًا ومخاصمة".

* * *

وهذا خبر من الله تبارك وتعالى عن المنافق الذي أخبر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنه يُعجبه إذا تكلم قِيلُه ومنطقه، ويستشهد الله على أنه محقّ في قيله ذلك، لشدة خصومته وجداله بالباطل والزور من القول.

* * *

القول في تأويل قوله تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا}

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:" وإذا تولى"، وإذا أدبر هذا المنافق من عندك يا محمد منصرفًا عنك. (1) كما:-

3980 -

حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال حدثني محمد بن أبي محمد قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس:" وإذا تولى"، قال: يعني: وإذا خرج من عندك"سعى". (2)

* * *

وقال بعضهم: وإذا غضب.

* ذكر من قال ذلك:

3981 -

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج قال:

(1) انظر معنى"التولي" فيما سلف 2: 162- 163، 298، 535/ ثم 3: 115، 131.

(2)

الأثر: 3980 - هو بعض الأثر السالف رقم: 3962.

ص: 237

قال ابن جريج في قوله:" وإذا تولى"، قال: إذا غضب.

* * *

فمعنى الآية: وإذا خرَج هذا المنافق من عندك يا محمد غضْبان، عَمل في الأرض بما حرَّم الله عليه، وحاول فيها معصيةَ الله، وقطعَ الطريق وإفسادَ السبيل على عباد الله، كما قد ذكرنا آنفًا من فعل الأخنس بن شريق الثقفي، الذي ذكر السدي أن فيه نزلت هذه الآية، من إحراقه زرع المسلمين وقتله حُمرهم. (1)

* * *

و"السعي" في كلام العرب العمل، يقال منه:"فلان يسعى على أهله"، يعني به: يعمل فيما يعود عليهم نفعه، ومنه قول الأعشى:

وَسَعَى لِكِنْدَةَ سَعْيَ غَيْرِ مُوَاكِلٍ

قَيْسٌ فَضَرَّ عَدُوَّها وَبَنَى لَهَا (2)

يعني بذلك: عمل لهم في المكارم.

* * *

وكالذي قلنا في ذلك كان مجاهد يقول.

3982 -

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله" وإذا تولى سعى"، قال: عمل.

* * *

واختلف أهل التأويل في معنى"الإفساد" الذي أضافه الله عز وجل إلى هذا المنافق.

فقال بعضهم: تأويله ما قلنا فيه من قطعه الطريق وإخافته السبيل، كما قد ذكرنا قبل من فعل الأخنس بن شريق.

* * *

(1) انظر الأثر رقم: 3961 السالف.

(2)

ديوانه: 25، وكان في المطبوعة"ونبالها" وهو خطأ وقيس هو قيس بن معد يكرب الكندي، كان يكثر مدحه والثناء عليه.

ص: 238

وقال بعضهم: بل معنى ذلك قطع الرحم وسفك دماء المسلمين.

* ذكر من قال ذلك:

3983 -

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج في قوله:" سعَى في الأرض ليفسد فيها"، قطع الرحم، وسفك الدماء، دماء المسلمين، فإذا قيل: لم تَفعل كذا وكذا؟ قال أتقرب به إلى الله عز وجل.

* * *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنّ الله تبارك وتعالى وَصَف هذا المنافقَ بأنه إذا تولى مدبرًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عَمِل في أرض الله بالفساد. وقد يدخل في"الإفساد" جميع المعاصي، (1) وذلك أن العمل بالمعاصي إفسادٌ في الأرض، فلم يخصص الله وصفه ببعض معاني"الإفساد" دون بعض. وجائزٌ أن يكون ذلك الإفساد منه كان بمعنى قطع الطريق، وجائز أن يكون غير ذلك. وأيّ ذلك كان منه فقد كان إفسادًا في الأرض، لأن ذلك منه لله عز وجل معصية. غير أن الأشبه بظاهر التنزيل أن يكون كان يقطع الطريقَ ويُخيف السبيل. لأن الله تعالى ذكره وصَفه في سياق الآية بأنه" سَعى في الأرض ليفسد فيها ويُهلك الحرث والنسل"، وذلك بفعل مخيف السبيل، أشبهُ منه بفعل قَطَّاع الرحم.

* * *

القول في تأويل قوله تعالى: {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ}

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في وجه"إهلاك" هذا المنافق، الذي وصفه الله بما وصفَه به من صفة"إهلاك الحرث والنسل".

(1) انظر معنى"الإفساد في الأرض" فيما سلف 1: 287- 290، 416 ثم معنى"الفساد" فيما سيأتي: 243، 244.

ص: 239

فقال بعضهم: كان ذلك منه إحراقًا لزرع قوم من المسلمين وعقرًا لحمُرهم.

3984 -

حدثني بذلك موسى بن هارون، قال: حدثني عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السدي. (1)

* * *

وقال آخرون بما:-

3985 -

حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثام، قال: حدثنا النضر بن عربي، عن مجاهد:" وإذا تولى سعى في الأرض ليُفسد فيها ويُهلك الحرث والنسل" الآية. قال: إذا تولى سعى في الأرض بالعدوان والظلم، فيحبس الله بذلك القطرَ، فيُهلك الحرثَ والنسلَ والله لا يحب الفساد. قال: ثم قرأ مجاهد: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)[الروم: 41] قال: ثم قال: أما والله ما هو بحركم هذا، ولكن كل قرية على ماءٍ جارٍ فهو"بحر". (2)

* * *

والذي قاله مجاهد، وإن كان مذهبًا من التأويل تحتمله الآية، فإن الذي هو أشبهُ بظاهر التنزيل من التأويل ما ذكرنا عن السدي، فلذلك اخترناه

* * *

وأما"الحرث" فإنه الزرع، والنسل: العقب والولد.

* * *

"وإهلاكه الزرع" إحراقه. وقد يجوز أن يكون كان كما قال مجاهد باحتباس القطر من أجل معصيته ربَّه وَسعيه بالإفساد في الأرض. وقد يحتمل أن يكون كان بقتله القُوَّام به والمتعاهدين له حتى فسد فهلك. وكذلك جائز في معنى:" إهلاكه النسل": أن يكون كانَ بقتله أمهاته أو آباءه التي منها يكون النسل، فيكون في

(1) يعني الأثر السالف رقم: 3961.

(2)

الأثر: 3985 - سيأتي هذا الأثر في تفسير الآية من سورة الروم ج: 21: 32 (بولاق) .

ص: 240

قتله الآباء والأمهات انقطاع نسلهما. وجائزٌ أن يكون كما قال مجاهد، غير أن ذلك وإن كان تحتمله الآية، فالذي هو أولى بظاهرها ما قاله السدي غير أن السدي ذكر أن الذي نزلت فيه هذه الآية إنما نزلت في قتله حُمُرَ القوم من المسلمين وإحراقه زرعًا لهم. وذلك وإن كان جائزًا أن يكون كذلك، فغير فاسد أن تكون الآية نزلت فيه، والمراد بها كلُّ من سلك سبيله في قتل كل ما قَتل من الحيوان الذي لا يحلّ قتله بحال، والذي يحلّ قتله في بعض الأحوال - إذا قتله بغير حق، بل ذلك كذلك عندي، لأن الله تبارك وتعالى لم يخصُص من ذلك شيئًا دون شيء بل عمَّه.

وبالذي قلنا في عموم ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

3986 -

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن التميمي أنه سأل ابن عباس:" ويهلك الحرث والنسل"، قال: نسلَ كل دابة.

3987 -

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن عطية، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، أنه سأل ابن عباس: قال: قلت أرأيت قوله:" الحرث والنسل"؟ قال: الحرث حرثكم، والنسل: نسل كل دابة.

3988 -

حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق، عن التميمي، قال: سألت ابن عباس عن"الحرث والنسل"، فقال: الحرثُ: مما تحرثون، والنسلُ: نسل كلّ دابة.

3989 -

حدثنا ابن حميد، قال. حدثنا حكام، عن عمرو، عن مطرِّف، عن أبي إسحاق، عن رجل من تميم، عن ابن عباس، مثله. (1)

(1) الآثار: 3986- 3989. "التميمي"، قد مضى ما كتبه أخي السيد أحمد في التعليق على الأثر رقم: 2095. ولكن ظهر من الأثر رقم. 3989، أنه رجل من بني تميم - مجهول الاسم فيما يظهر، كان يسأل ابن عباس كما كان يسأله أصحاب المسائل من الأمة وذلك بين في مسند أبي داود الطيالسي رقم: 2739 ص 358.

ص: 241

3990 -

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:" ويهلك الحرثَ والنسل"، فنسلَ كل دابة، والناس أيضًا.

3991 -

حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: ثنى عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:" ويهلك الحرث"، قال: نبات الأرض،" والنسل" من كل دابة تمشي من الحيوان من الناس والدواب.

3992 -

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:" ويهلك الحرث"، قال: نبات الأرض،" والنسل": نسل كل شيء.

3993 -

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، قال: الحرثُ النبات، والنسل: نسل كل دابة.

3994 -

حدثني عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:" ويهلك الحرث"، قال:"الحرث" الذي يحرثه الناس: نباتُ الأرض،" والنسل" نسل كل دابة.

3995 -

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء:" ويهلكَ الحرثَ والنسل"، قال: الحرث: الزرع، والنسل من الناس والأنعام، قال: يقتُل نسْل الناس والأنعام= قال: وقال مجاهد: يبتغي في الأرض هلاك الحرث- نباتَ الأرض- والنسل من كل شيء من الحيوان.

3996 -

حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:" ويهلك الحرثَ والنسل"، قال: الحرث: الأصل، والنسل: كل دابة والناس منهم. (1)

(1) قوله: "الحرث: الأصل" معنى قلما تصيبه في كتب اللغة بينا، ولكنه أتى فيها معترضا كقولهم:"الحرث أصل جردان الحمار" وهذا تخصيص، وهذا الأثر دال على عموم معنى"الحرث" أنه: الأصل وهو جيد في مجاز اللغة.

ص: 242

3997 -

حدثني ابن عبد الرحيم البرقيّ، قال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة، قال، (1) سئل سعيد بن عبد العزيز عن"فساد الحرث والنسل" وما هما: أيُّ حرث، وأيُّ نسل؟ قال سعيد: قال مكحول: الحرث: ما تحرثون، وأما النسل: فنسْل كل شيء.

* * *

قال أبو جعفر: وقد قرأ بعض القرأة:"ويهلكُ الحرث والنسل" برفع "يهلك"، = على معنى: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، ويهلك الحرثَ والنسل، وإذا تولى سعى في الأرض ليُفسد فيها، والله لا يجب الفساد= فيردُّ"ويُهلكُ" على"ويشهدُ الله" عطفًا به عليه.

وذلك قراءةٌ عندي غير جائزة، وإن كان لها مخرج في العربية، لمخالفتها لما عليه الحجة مجمعةٌ من القراءة في ذلك، قراءةَ" ويهلكَ الحرثَ والنسل"، وأن ذلك في قراءة أبيّ بن كعب ومصحفه - فيما ذكر لنا:(2)"ليفسد فيها وليهلك الحرث والنسل"، وذلك من أدل الدليل على تصحيح قراءة من قرأ ذلك" ويهلك" بالنصب، عطفًا به على:" ليفسدَ فيها".

* * *

القول في تأويل قوله تعالى: {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) }

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: والله لا يحب المعاصيَ، وقطعَ السبيل، وإخافة الطريق.

* * *

و"الفساد" مصدر من قول القائل:"فسد الشيء يفسُد"، نظير قولهم:

(1) في المطبوعة"عمر بن أبي سلمة" والصواب ما أثبت.

(2)

في المطبوعة: "فيما ذكرنا" وهو لا يستقيم.

ص: 243