المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم   ‌ ‌مقدمة التحقيق الحمد لله سامع الدعوات، غافر الزلات، - الحرز الثمين للحصن الحصين - جـ ١

[الملا على القاري]

فهرس الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

‌مقدمة التحقيق

الحمد لله سامع الدعوات، غافر الزلات، مقيل العثرات رب الأرض والسماوات، الحمد لله الذي جعل من الدعاء عبادة وقربى، وأمر عباده المؤمنين بالتوجه إليه لينالوا عنده منزلة رفيعة وزلفى، الحمد لله الذي جعل ذكره جُنَّة واقية للمؤمنين من شر الشياطين ومن شر طوائف الخلق أجمعين، فقال سبحانه:{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، وقال:{قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} [الفرقان: 77]، وقال أيضًا:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180]، أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين فإنه تعالى لا يتعاظمه شيء أعطاه ولا ينقص ما عنده، والصلاة والسلام على خير البشر، الذي أنزل عليه {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت: 45]. فبيّن للعباد من فضائل الأذكار، وما فيها من المنافع الكبار، وهو أخلص من دعا، وأصدق من خاف الله ورجًا صلى الله عليه وسلم. وعلى آله وأصحابه أفقه الأمة بشأن الدعاء الذين كانوا يدعون ربهم خوفًا وطمعًا.

أما بعد: فإن الله سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان لعبادته وطاعته، قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ومن رحمته سبحانه بخلقه نوّع لهم سبل العبادة وطُرق الطاعة، فالإقرار له سبحانه بالتوحيد والشهادة لنبيه بالرسالة والإيمان بالملائكة والكتاب والنبيين

ص: 5

واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره، كل ذلك عبادة، بل هو أساس العبادة ومنطلقها، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته ورفع راية الدين عبادة، وبر الوالدين والإحسان إلى الجار ورعاية اليتيم وإغاثة الملهوف ومعونة المحتاج وإكرام الضيف والصدق في التعامل، والرفق في المعاملة عبادة، وذكر الله وتسبيحه وتعظيمه وتمجيده، ونهليله وتكبيره، ودعاؤه وسؤاله عبادة، بل من أسس العبادات، وأرقى الطاعات.

قال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152].

وقوله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205].

وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [الأحزاب: 41].

وقوله تعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35]. وقال سبحانه: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت: 45].

إن ذكر الله غذاء القلوب، وبه الطمأنينة والسكينة والراحة، وهو حياة الأرواح وروح الحياة فلا سعة للناس وراحة بال إلا بذكر الله تعالى، قال تعالى:{أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].

والدعاء ذو منزلة عظيمة في الدين، ودرجة سامية في العبودية، إذ الدعاء عبادة، وقد افتتح الله القرآن بالدعاء واختتمه به، فسورة الفاتحة

ص: 6

مشتملة على دعاء الثناء، كما هي مشتملة على دعاء المسألة، إذ فيها الدعاء بأجل المطلوب، وأفضل الرغائب، وهو طلب الإعانة على مرضاة الله تعالى وسؤال الهداية، وقد فرض الله علينا أن نناجيه وندعوه بذلك في كل صلاة، وقد سمى الله الدعاء عبادة {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60] قال صلى الله عليه وسلم: "الدعاء هو العبادة"

(1)

.

وقال تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]. وقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186]. وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له

(1)

أخرجه الترمذي برقم (2969) وبرقم (3247) تفسير، وبرقم (3372) دعوات، وأبو داود برقم (1479) صلاة، وابن ماجه برقم (3828) فضل الدعاء، والإمام أحمد (4/ 267، 271، 276)، وجامع الأصول (2/ 24 و 9/ 511)، وابن أبي شيبة في المصنف برقم (9216)، والبخاري في الأدب المفرد (2/ 178 برقم: 714)، والحديث عند الترمذي حسن صحيح، وأخرجه الحاكم في المستدرك (1/ 491)، وقال: حديث صحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان برقم (2396) موارد، وقد ذكره النووي في رياض الصالحين (ص 554). قال ابن حجر في الفتح (11/ 94)، في أول كتاب الدعوات: أخرجه الأربعة وصححه الترمذي والحاكم.

ص: 7

حتى ينفجر الصبح"

(1)

فلا يعجز المسلم عن الدعاء لأنه مقرب إلى الله وتركه مغضب له سبحانه، والعجز مذموم في جميع الأمور فكيف بالدعاء الخالي من المشقة الجالب للمنافع بإذن الله، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"أعجز الناس من عجز عن الدعاء"

(2)

.

فهل يعجز لسان العبد عن الدعاء ويعجز عن رفع يديه؟.

وهذه العبادة -ذِكرًا كانت أو دعاء- ينبغي أن يأتي بها على وفق ما شرعه الله سبحانه في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وإلا كانت بدعة مذمومة يهوي بها صاحبها في النار من حيث لا يعلم.

وجاء في السنة الشريفة كثير من الأذكار والأدعية أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم وحث عليها، وبين فضلها وثمارها دنيا وأخرى.

وقد شبه الرسول صلى الله عليه وسلم الذكر بالروح فكأن المنصرف عنه ميت، قال صلى الله عليه وسلم:"مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ"

(3)

.

وهذه الأدعية والأذكار جمعها بعض أهل العلم الأفاضل في مؤلفات وحريّ بالمسلم حفظها والمداومة عليها في مواضعها.

(1)

أخرجه مسلم: برقم (758).

(2)

أخرجه أبو يعلى في مسنده: (6649)، والطبراني في الدعاء (60) وابن حبان في صحيحه (4498)، وعبد الغني المقدسي في الترغيب في الدعاء (20)، وصححه الألباني في الصحيحة:(601).

(3)

أخرجه البخاري: (6047).

ص: 8

وقد جاءت هذه المؤلفات متنوعة، فمنهم من رواها مفرقة في كتبهم التي ألفوها على الأبواب والمسانيد، كلّ في بابه، ومنهم من أفردها بالتأليف وبأسماء مختلفة كالأذكار، والذكر، والدعاء، وعمل اليوم والليلة، والدعوات.

فمن ألف في الدعاء:

1.

الدعاء لأبي عبد الرحمن محمد بن فضيل بن غزوان الضبي- ت 195 هـ. ط.

2.

كتاب الدعاء لعبد الله بن أحمد بن محمد بن غلاب بن خالد الماهلي المعروف بغلام خليل.

3.

كتاب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأبي الحسن المدائني: علي بن محمد بن عبد الله.

4.

كتاب الدعاء لابن أبي عاصم (ت: 287 هـ): أحمد بن عمرو بن الضحاك.

5.

كتاب الدعاء لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني

(ت: 275 هـ) صاحب السنن.

6.

كتاب الدعاء لابن أبي الدنيا عبد الله بن محمد بن عبيد القرشي (ت: 281 هـ).

7.

كتاب مجابي الدعوة لابن أبي الدنيا (ت: 281 هـ) مطبوع.

8.

كتاب الدعاء والمحاميد لمحمد بن سهل بن المرزبان الكرخي.

9.

الدعاء للإمام الحافظ أبي عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي (ت: 330 هـ). وقد طبع بتحقيق الدكتور سعيد القزقي.

10.

كتاب الدعاء لمحمد بن فطيس الأندلسي (ت: 319 هـ).

ص: 9

11.

كتاب الدعاء لسليمان بن أحمد الطبراني (ت: 360 هـ) وقد طبع عام 1407 هـ بتحقيق الدكتور محمد سعيد البخاري دار البشائر، بيروت.

12.

كتاب الدعاء للحسين بن سعيد بن حماد الأهوازي الكوفي.

13.

كتاب الدعاء لأبي سليمان داود بن علي بن داود بن خلف الأصفهاني.

14.

كتاب الدعوات لأبي النضر محمد بن مسعود العياشي.

15.

كتاب الدعوات الكبير للبيهقي (ت: 458 هـ) وقد طبع بتحقيق بدر البدر في الكويت.

16.

جزء في الدعاء المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي علي إسماعيل بن محمد الصفار النحوي (ت: 341 هـ).

17.

كتاب دعاء أنواع الاستعاذات من سائر الآفات والعاهات لأحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله بن المنادي البغدادي (ت: 336 هـ).

18.

كتاب عمل اليوم والليلة للحسن بن علي بن شبيب المعمري (ت: 295 هـ).

19.

كتاب عمل اليوم والليلة للنسائي (ت: 303 هـ) وقد طبع بتحقيق الدكتور فاروق حمادة.

20.

كتاب عمل اليوم والليلة لابن السني وقد طبع بتحقيق.

21.

كتاب الذكر لجعفر بن محمد الفريابي (ت: 301 هـ).

22.

الترغيب في الدعاء والحث عليه لعبد الغني بن عبد الواحد المقدسي (ت: 600 هـ) وقد طبع بتحقيق الدكتور فالح الصغير.

ص: 10

23.

جزء في فضيلة ذكر الله عز وجل لابن عساكر (ت: 571 هـ) وقد طبع عن دار المأمون للتراث بدمشق.

24.

الأزهية في أحكام الأدعية تصنيف محمد بن بهادر الزركشي (ت: 794 هـ). مطبوع.

25.

الكتاب: آداب الدعاء المسمى أدب المُرتَعى في علم الدعا.

تأليف: يوسف بن عبد الهادي (ت: 909 هـ) المحقق: محمد خلوف العبد الله. الناشر: دار النوادر. الطبعة: الأولى 1428 هـ/ 2007 م.

26.

الدعاء آدابه وأسبابه للعلامة أبي محمد عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني ت: سنة: 768 هـ طبع بتحقيق: مسعد عبد الحميد السعدني، دار الكتب العلمية. ط. أولى عام 1415 هـ.

27.

سلاح المؤمن في الدعاء والذكر لتقي الدين محمد بن محمد المعروف بابن دقيق العيد (ت: 745 هـ) تحقيق: محيي الدين مستو، دار ابن كثير، دمشق.

28.

شأن الدعاء لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي (ت: 388 هـ)، تحقيق: أحمد يوسف الدّقاق، الناشر: دار الثقافة العربية، دمشق. الطبعة الأولى عام 1415 هـ.

ص: 11

ثم جاء دور الذين جمعوا مؤلفات هؤلاء وغيرهم من أحاديث الأذكار، ومنهم:

1 -

الإمام المنذري، زكي الدين، أبو محمد عبد العظيم، له كتاب: عمل اليوم والليلة.

2 -

أبو القاسم عبد الغفور بن عبد الله النضري، له كتاب: التبتل في العبادات وما لا غنى عنه من الدعوات.

3 -

الإمام محيي الدين بن يحيى بن شرف النووي، له كتاب "حلية الأبرار وشعار الأخيار في تلخيص الدعوات والأذكار" والمعروف بأذكار النووي. وقد طبع مرات كثيرة وقد خرّج أحاديثه الحافظ ابن حجر في: نتائج الأفكار وقد طبع منه 3 مجلدات بتحقيق حمدي عبد المجيد السلفي.

4 -

شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، له كتاب: الكلم الطيب، طبع مرارًا وأحسن طبعاته بتحقيق شيخنا محمد بن ناصر الدين الألباني.

5 -

أبو عبد الله شمس الدين محمد بن قيم الجوزية، له كتاب: الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب، طبع مرارًا، وأحسن طبعاته بتحقيق الشيخ إسماعيل الأنصاري.

6 -

أبو جعفر أحمد بن يوسف اللبلي، له كتاب في: الأذكار.

7 -

محمد بن أحمد بن حرب، له كتاب: الدعوات والأذكار المستخرجة من صحيح الأخبار.

ص: 12

8 -

محمد بن محمد بن علي الجزري، له كتاب: الحصن الحصين وهو كتابنا هذا وعدة الحصن الحصين وجنة الحصن الحصين. وطبع شرح الشوكاني المسمى: "تحفة الذاكرين شرح عدة الحصن الحصين".

9 -

وللحافظ ابن حجر مؤلف: نتائح الأفكار "جزء في عمل اليوم والليلة". (ولدي نسخة مخطوطة منه).

10 -

أبو بكر صديق بن إدريس بن محمد المذحجي اليمني، له كتاب: اليوم والليلة.

11 -

السيد محمد صديق حسن خانملك بهوبال، له كتاب: نزل الأبرار بالعلم المأثور من الأدعية والأذكار. طبع مرتين، آخرهما دار المعرفة.

وهناك كتب ورسائل أخرى كثيرة لم أذكرها.

كتاب: "الحصن الحصين":

فإن كتاب: "الحصن الحصين" من الكتب الجامعة للأدعية والأوراد والأذكار الواردة في الأحاديث والآثار، وذكر فيه المؤلف مقدّمة تشتمل على أحاديث في فضل الدّعاء والذكر وآدابه وأوقات الإجابة وأمكنتها، ثمّ الاسم الأعظم والأسماء الحسنى، ثمّ ما يقال في الصباح والمساء، وفي الحياة والممات، ثمّ الذكر العامّ، ثمّ الاستغفار، ثم فضل القرآن، ثمّ الدعاء، ثم ختمه بفضل الصلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم.

ولقد أحسن من قال:

إن نابك الأمر المهول

فاذكر إله العالمينا

وإذا بغى باغ عليك

فدونك الحصن الحصينا

ص: 13

قال طاشكبري زاده (ت: 968 هـ) في الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية (ص: 27): "هو فِي الدَّعْوَات الماثورة عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَهُوَ كتاب نَفِيس جدًّا".

خصائصه ومميزاته:

1.

أنه كتابٌ جامعٌ لكثيرٍ من مروَّيات النبي صلى الله عليه وسلم في الأذكار والأدعية.

2.

أنه اشترط على نفسه إيراد ما رآه لم ينزل عن مرتبة الحَسَنِ من الأحاديث والآثار.

3.

اعتمد فيه على أكثر من (25) كتابًا من أمهات كتب السنة المطهرة.

4.

رَمَزَ فيه لكلِّ كتابٍ منها، بعد إيراد حديثه أو أثره.

5.

وعن سبب تسميته له بـ: "الحصن الحصين" فيظهر أنه أخذه من حديثٍ أورده فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو: "

وآمركم أن تذكروا الله، فإن مثل ذلك كمثل رجلٍ خَرَجَ العدو في أثره سراعًا، حتى أتى على حصنٍ حصين، فأحرز نفسه منهم

"

(1)

.

سبب تأليفه لهذا الكتاب:

قال: ولمَّا أكملت ترتيبه وتهذيبه، طلبني عدو، ولا يمكن أن يدفعه إلا الله تعالى، فهربت مختفيًا، وتحصَّنت بهذا الحصن، فرأيت سيد المرسلين وأنا جالسٌ عن يساره -يعني في المنام-، وكأنه يقول: ما تريد؟ فقلت: يا رسول الله ادعُ الله لي وللمسلمين، فرفع يديه الكريمتين، وأنا

(1)

الحصن الحصين (ص: 17).

ص: 14

أنظر إليهما، فدعا، ثم مَسَحَ بهما وجهه الكريم، وكان ذلك ليلة الخميس، فهَرَبَ العدو ليلة الأحد، وفرَّجَ الله عني وعن المسلمين ببركة ما في هذا الكتاب عنه. (الحصن الحصين (ص: 9).

أما عن وقت تأليفه:

فقال: (فرغت من ترصيف هذا "الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين" يوم الأحد بعد الظهر، الثاني والعشرين من ذي الحجة الحرام سنة (791 هـ). بالمدرسة التي أنشأتها برأس عَقَبَة الكتَّان داخل دمشق المحروسة حماها الله تعالى من الآفات، وسائر بلاد المسلمين). الحصن الحصين (ص: 142).

منهجه الذي سار عليه:

* قسَّم كتابه على فصول، وهي على النحو التالي:

1.

مقدمةً تشتمل على أحاديث في فضل الدعاء والذكر.

2.

ثم آداب الدعاء والذكر.

3.

ثم أوقات الإجابة، وأحوالها، وأماكنها.

4.

ثم اسم الله سبحانه وتعالى الأعظم، وأسمائه الحسنى.

5.

ثم ما يُقال في الصباح والمساء.

6.

ثم ما يُقال في طول الحياة والممات، من جميع ما يُحتاجُ إليه.

7.

ثم الذكر الذي وَرَدَ فضله، ولم يختص بوقتٍ من الأوقات.

8.

ثم الاستغفار الذي يمحو الخطيئات.

9.

ثم فضل القرآن العظيم، وسورٍ منه وآيات.

ص: 15

10.

ثم الدعاء الذي صَحَّ عن النبي.

11.

ثم خَتَمَهُ بفضل الصلاة على سيد الخلق ورسول الحق.

عند تصديره الفصل بالعناوين المُشار إليه آنفًا، يُورِدُ ما يراه صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث والآثار.

ثم بعد إيراد الحديث والأثر، يقدِّمُ رَمْزَ من له ذلك الحديث والأثر، على ما اصطلحه من الرموز في ذلك.

وقد استخدم في عزو الحديث رموزًا وهي كالآتي:

خ: صحيح البخاري. مص: مصنف ابن أبي شيبة.

م: صحيح مسلم. أ: مسند الإمام أحمد.

د: سنن أبي داود. ر: مسند البزَّار.

ت: جامع الترمذي. ص: مسند أبي يعلى الموصلي.

س: سنن النسائي. مي: سنن الدارمي.

ق: سنن ابن ماجه. ط: المعجم الكبير للطبراني.

عه: السنن الأربعة. طس: المعجم الأوسط للطبراني.

ع: الكتب الستة. طص: المعجم الصغير للطبراني.

حب: صحيح ابن حبَّان. طب: الدعاء للطبراني.

مس: مستدرك الحاكم. مر: الدعاء لابن مردويه.

عو: مستخرج أبي عوانة. في: سنن البيهقي.

مه: صحيح ابن خزيمة. سني: السنن الكبرى للبيهقي.

طا: موطأ الإمام مالك. ي: عمل اليوم والليلة لابن السُّنِّي.

قطا: سنن الدارقطني.

ص: 16

قال عنه الحافظ الشوكاني: "من أَكثر الْكتب نفعًا، وأحسنها صنعًا، وأتقنها جمعًا، وأحكمها وضعًا

". تحفة الذاكرين: المقدمة.

وقد لهج به أهل اليمن واستكثروا منه، وسمعوه من الحافظ ابن حجر وغيره قبل أن يدخل الإمام ابن الجزري إليهم، وعندما دخل إليهم أسمعهم. "الضوء اللامع (9/ 255)، وإنباء الغمر 2/ 582) ".

إلا أن الكتاب كما قال الشوكاني أيضا: "بقي فِيهِ مَا بقي الرين من الْعين وَإِن لم يكن فِيهِ شين، وَهُوَ عدم التَّنْبِيه على مَا فِي بعض أَحَادِيثه من الْمقَال وَعدم الانتباه لعزوه إِلَى مخرجيه على الْكَمَال وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن لَا تكون بصائر المطلعين عَلَيْهِ بَصِيرَة وَلَا أبصار المتطلعين إِلَيْهِ بهِ قريرة فَإِن بَيَان التحسين أَو التَّصْحِيح أَو التَّضْعِيف بِمَا يَقْتَضِيهِ النَّظر من التَّرْجِيح بعد الموازنة بَين التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيح هُوَ الْمَقْصد الْأَعْلَى من علم الرِّوَايَة والغاية الَّتِي لَيْسَ وَرَاءَهَا غَايَة

". تحفة الذاكرين المقدمة.

إضافة إلى ما فيه من بعض المخالفات التي لا دليل عليها من القرآن أو صحيح السنة.

فالكتاب يحتاج إلى عمل فشمّر ملا علي القاري عن ساعد الجد وشرحه وذكر أحاديث كثيرة بدل الضعيفة ونبَّه عليها، واعتنى ببيان المعاني والمراد وشرح الأحاديث.

وسمى كتابه بـ"الحرز الثمين للحصن الحصين" وكأن الكتاب لم يكن معروفًا عند أهل العلم فقال الشوكاني: "وَلم نقف إِلَى الْآن وَلَا سمعنَا عَن أَحْد من أهل الْعرْفَان أَنه شرح هَذَا الْكتاب بشرح يشْرَح صُدُور أولي

ص: 17

الْأَلْبَاب ويتبين بِهِ القشر من اللّبَاب وَلَا أَنه حام أحد حول هَذَا الْمَقْصد النفيس وَالْغَرَض الَّذِي هُوَ لطَالب هَذَا الْكَلَام على فَوَائِد الحَدِيث كالرئيس

".

نسبة الكتاب إلى المؤلف:

- جميع مخطوطات الكتاب التي سيأتي ذكرها مثبت على صفحة العنوان اسم المؤلف.

- وذكره صاحب كشف الظنون (1/ 669) ونسبه للمؤلف وذكر أوله.

- كما ذكره صاحب هدي العارفين (1/ 752).

- وقد أحال المؤلف فيه إلى بعض مؤلفاته، خاصة كتاب: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح فقد أحال إليه كثيرًا.

- وقد ذكر سركيس في المطبوعات العربية (2/ 1792) بأنه طبع في مكة عام 1304 هـ إلا أنني لم أجده.

- وقد استفاد منه الشيخ عبيد الله الرحماني في مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (7/ 418) والكلام المنقول موجود في الكتاب (1/ 129) تحت حديث: "ما عَمِلَ آدمي عملًا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله

".

وكذلك نقل عنه صاحب دليل الفالحين (2/ 272) تحت رقم 763: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار.

ص: 18

قال القارئ في "شرح الحصن الحصين": إنه موقوف خلاف ما أورده الشيخ، يعني ابن الجزري. قلت: وكأنه لما رأى أن الحديث في حكم المرفوع سكت عليه اعتمادًا على أنه مرفوع في بعض طرقه اهـ

فنسبة الكتاب ثابتة إلى المؤلف.

أما منهجه في الشرح فهو نفس منهجه في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، لأنه شرح مثله ممزوج كما قال صاحب كشف الظنون:"شرح الحصن شرحًا، ممزوجًا، بسيطًا".

موارده: من أهم موارد القاري في هذا الشرح، مفتاح الحصن الحصين لابن الجزري وهو الذي وثّقنا جميع النقولات منه، وهو مخطوط، وقد نقل منه كثيرًا. وكتاب شرح المصابيح لميرك ولم أعرف عنه شيئا حتى الآن، إلا أن النقولات تدل على أن ميرك اهتم فيه بالصناعة الحديثية.

كما أن القاري ينقل كثيرًا من شرح ابن الجزري للمصابيح. واستفاد كثيرًا ونقل من كتاب: سلاح المؤمن في الدعاء لابن دقيق العيد وهو مطبوع. واعتمد كثيرًا على كتاب: المفاتيح في شرح المصابيح لمظهر الدين الزيداني وأكثر النقل منه.

وقد تكرّم عليّ الأخ الدكتور/ فهد بن صالح اللحيدان أستاذ مساعد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فقدم لي نسخته الخطية التي بذل جهدًا في مقابلتها على عدد من النسخ الخطية التي سيأتي وصفها.

ص: 19

فأشكر له كرمه وجوده والعلم رحِم بين أهله. وجزاه الله خيرًا.

هذا وقد بذلت جهدي المستطاع في خدمة هذا الكتاب وإخراجه بالحُلة اللائقة به. راجيًا من الله الأجر والثواب.

وأسأل الله تعالى أن يتقبل مني عملي ويغفر لي خطأي وزللي. ويجزل النفع بما قدمت لطلاب العلم والمستفيدين، فأنال بذلك صالح دعواتهم وكريم ترحمّاتهم، فأسعد بها وأكون من الفائزين.

كما أرجو منه سبحانه أن يختم بالصالحات أعمالنا ويحفظ علينا ديننا وإيماننا، في أنفسنا وأهلينا وأولادنا وذوينا، ويتولانا وإياهم في الدنيا والآخرة، ويرحم والدينا ومشايخنا وسائر المسلمين، وهو أرحم الراحمين. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وكتبه

محمد إسحاق محمد آل إبراهيم

الرياض، حي الريان.

ص: 20

‌ترجمة الإمام ابن الجزري

(1)

‌اسمه ونسبه:

هو الحافظ الحجة الثبت، إمام الأئمة، أستاذ المقرئين والمفسِّرين والمحدِّثين، شمس الحق: محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف الجزري

(2)

، الدمشقي، الشيرازي، الشافعي، السَّلَفي

(3)

، كنيته "أبو الخير".

(1)

مصادر ترجمته: الأنس الجليل (2/ 109)، والبدر الطالع (2/ 257)، وذيل التذكرة (376)، وطبقات القرَّاء (2/ 247)، غاية النهاية (2/ 247). والضوء اللامع (9/ 255)، هدية العارفين (2/ 188، 187)، وشذرات الذهب (3/ 67).

(2)

الجَزَري: نسبةً إلى جزيرة ابن عُمَر ببلاد ديار بكر بالقرب من الموصل، كذا ذكره ابنه في شرحه على الطيِّبة وتبعه من بعده في إجماله. انظر: شرح طيبة النشر للنويري (1/ 32) والمنح الفكرية للملَّا علي قاري (ص 4).

قال ابن بطوطة: ونزلنا جزيرة ابن عمر وهي مدينة كبيرة حسنة محيط جها الوادي ولذلك سميت جزيرة وأكثرها خراب ولها سوق حسنة ومسجد عتيق مبني بالحجارة محكم العمل وسورها مبني بالحجارة أيضًا وأهلها فضلاء لهم محبة في الغرباء ويوم نزلنا جها رأينا جبل الجودي المذكور في كتاب الله عز وجل الذي استوت عليه سفينة نوح عليه السلام وهو جبل عال مستطيل).

يقول ياقوت في معجم البلدان (1/ 138): "جزيرة ابن عُمر فوق الموصل، يحيط بها نهر دجلة".

(3)

أطلق على نفسه لقب "السَّلفي" كما في منظومته في علم الحديث والمسماة بـ "الهداية في علم الرواية": يقول راجي عفوَ ربٍ رؤفِ

محمدُ بن الجزريِّ السَّلفي. وقام بشرحها الإمام السَّخاوي وأسماه "الغاية في شرح الهداية" =

ص: 21

وقد تنقل بين الأوطان والبلدان، وغَلبَ عليه الارتحال بين الأمصار، حتى كاد يُنسب لكل قُطْرٍ ومِصْر.

‌مولده، ونشأته:

ولد يوم الجمعة ليلة السبت الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة إحدى وخمسين وسبعمائة هـ، داخل خط القصَّاعين بين السوريين بدمشق الشام.

(1)

وقد نشأ في دمشق الشام، وفيها حفظ القرآن وأكمله وهو ابن ثلاثة عشر سنة، وصلَّى بالناس إمامًا وهو ابن أربعة عشر

(2)

.

ثم اتجه إلى علوم القراءات فتلقَّاها عن جهابذة عصره، وأساطين

= مطبوع في مجلدين، بتحقيق: محمد سيدي الأمين. السَّلفي -بفتح السين واللام وفي آخرها الفاء-: (نسبةً إلى السلف، وانتحال مذهبهم) الأنساب للسمعاني: (3/ 273)، وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة:"ولا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق، فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقا". مجموع الفتاوى (4/ 149)، وقال الإمام الذهبي:"السَّلفي: هو من كان على مذهب السلف". سير أعلام النبلاء: (13/ 183 و 380).

(1)

ويُحكى في أمر الحَمْلِ به قصة عجيبة: إذ كان أبوه تاجرًا، ومكث أربعين سنة لم يرزق ولدًا، فحج وشرب من ماء زمزم، وسأل الله تعالى أن يرزقه ولدًا عالمًا، فولد له ابنه محمد هذا بعد صلاة التراويح.

(2)

الضوء اللامع (9/ 255)، البدر الطالع (2/ 257)، الغاية شرح الهداية (1/ 66 و 67).

ص: 22

وقته، من علماء الشام ومصر والحجاز إفرادًا وجمعًا بمضمن كتبٍ كثيرة: كالشاطبية، والتيسير، والكافي، والعنوان، والإعلان، والمستنير، والتذكرة، والتجريد، وغيرها من أمهات الكتب وأصول المراجع

(1)

.

ولم يكن ابن الجزري عالمًا في التجويد والقراءات فحسب بل كان عالمًا في شتى العلوم من تفسيرٍ، وحديثٍ، وفقهٍ، وأصولٍ، وتوحيدٍ، وتصوّفٍ، وبلاغةٍ، ونحوٍ، وصرفٍ، وغيرها، وسأحاول هنا إبرازِ اهتمامه في الحديث خاصَّة.

‌شيوخه:

ليس من السهل استقصاء الشيوخ الذين أخذ عنهم الإمام ابن الجزري، لكونهم يفوقون الحصر، ولكن نذكر بعضًا منهم:

فممن تلقى عنهم القراءات والتجويد:

أولًا: من علماء دمشق:

1.

العلامة أبو محمد عبد الوهاب بن السُّلَار

(2)

.

(1)

طبقات القرَّاء (2/ 247).

(2)

إمام مقرئ محقق صالح، ولد سنة 698 هـ، تلا بالسبع مفردًا وجامعًا، وقصده الخلق من جميع الأقطار، توفي ثامن عشر شعبان سنة 782 هـ، ودفن بمقابر الصوفية جوار شيخ الإسلام ابن تيمية، ووَليَ بعده ابن الجزري المشيخة الكبرى. غاية النهاية برقم:(1948).

ص: 23

2.

الشيخ أحمد بن إبراهيم الطحَّان

(1)

.

3.

الشيخ أبو المعالي محمد بن أحمد اللَّبَّان

(2)

.

4.

الشيخ أحمد بن رجب

(3)

.

5.

القاضي أبو يوسف أحمد بن الحسين الكفري الحنفي

(4)

(1)

ولد سنة 702 هـ، ووَلِيَ مشيخة دار الحديث الأشرفية بعد ابن اللَّبان، قرأ عليه ابن الجزري نحو ربع القرآن لابن عامر والكسائي ثم جمع عليه الفاتحة وأوائل البقرة بالعشر واستأذنه في الإجازة فتفضل وأجاز ولم يكن له بذلك عادة، توفي سنة 782 هـ. غاية النهاية برقم:(128).

(2)

ولد سنة 715 هـ، أقبل على الإقراء فلم يكن في زمانه أحسن استحضارًا منه للقراءات، ووَليَ مشيخة الإقراء بالدار الأشرفية وبجامع التوبة والجامع الأموي ومشيخة مشايخ الإقراء بتربة أم الصالح بدمشق لأن من شرطها أن يكون شيخها أعلم أهل البلد في القراءات، توفي رحمه الله سنة 776 هـ.

غاية النهاية برقم: (2689).

(3)

أبو العباس البغدادي، نزيل دمشق الشيخ الصالح الكبير القدر، توفي ثاني ربيع الآخر سنة خمس وسبعين وسبعمائة بدمشق ودفن بمقابر الصوفية. غاية النهاية برقم:(222).

(4)

قاضي القضاة بدمشق إمام كبير ثقة صالح، ولد سنة 691 هـ، وكان كثير الفضل على ابن الجزري وبشره بأشياء وقع غالبها، وكان أجلَّ من قرأ عليه تصدر للإقراء بالمقدمية والزنجيلية، توفي تاسع عشر صفر سنة 779 هـ بدمشق ودفن بالسفح. غاية النهاية برقم:(198).

ص: 24

ثانيًا: من علماء مصر:

الشيخ أبو بكر عبد الله بن الجندي

(1)

.

العلامة أبو عبد الله محمد بن الصائغ

(2)

..

(1)

شيخ مشايخ القراء بمصر، مؤلف ثقة، ولد سنة 699 هـ بدمشق، أثنى عليه الإمام الذهبي، كان كثير الاستحضار، ألف كتاب البستان في القراءات الثلاثة عشر، وألف شرحًا على الشاطبية يتضمن إيضاح شرح الجعبري رآه ابن الجزري يبيِّض فيه، وكان ثقةً عالمًا، مات بالقاهرة ودفن خارج باب النصر.

غاية النهاية برقم: (798).

(2)

الشيخ الإمام العلامة شمس الدين، ولد بالقاهرة سنة 704 هـ، وقرأ القراءات إفرادًا وجمعًا للسبعة والعشرة، مهر في العلوم ودقق وتقدم في الأدب، وبالجملة لم يكن في زمنه حنفي أجمع للعلوم منه ولا أحسن ذهنًا وتدقيقًا وفهمًا وتقريرًا وأدبًا، وتصدر للعربية والإقراء بالجامع الأموي، يقول ابن الجزري:(فقرأت عليه، فلما أن ختمت عليه الختمة الثانية وكتب لي الإجازة بخطه سألته أن يذهب إلى شيخنا جمال الدين عبد الرحيم الأسنوي شيخ الشافعية فذهب إليه وهو بالمدرسة الناصرية من القاهرة فأشهده وما كان شيخنا الأسنوي يعلم أني أقرأ القراءات فقال له والقراءات أيضًا فقال وغيرها من العلوم ثم قال بحضوري: يا سيدي ادع الله أن يطيل عمره فقال ما رأينا شخصًا ذكيًا مثل هذا الشاب يكون عمره طويلًا فرفعا أيديهما وأنا أنظر ودعيا لي بطول العمر وقد استجاب الله تعالى منهما ولله الحمد فلا أعلم أحدًا اليوم هو على وجه الأرض يروي عنهما غيري فرحمهما الله تعالى)، توفي سنة 776 هـ. غاية النهاية برقم:(3037).

ص: 25

الشيخ أبو محمد عبد الرحمن بن البغدادي

(1)

.

الشيخ عبد الوهاب القروي

(2)

.

ثالثًا: من علماء المدينة المنورة:

لما رحل إلى مكة لأداء فريضة الحج، وزيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم سنة 768 هـ، قرأ على الشيخ أبي عبد الله محمد بن صالح

(3)

، إمام وخطيب الحرم النبوي الشريف.

(1)

هو الشيخ الإمام العلامة، ولد سنة 702 هـ، وقرأ بالروايات الكثيرة، وبرع في الفن وأخذ العربية والفقه عن ابن عدلان، وشرح الشاطبية بشرحين واختصر البحر المحيط في التفسير لأبي حيان، ونظم غاية الإحسان في النحو له وقرأه عليه وكتب له بخطه عليه، وانتهت إليه مشيخة الإقراء بالديار المصري مع الصيانة والخير والانقطاع عن الناس، توفي سنة 781 هـ. غاية النهاية برقم:(1494).

(2)

مقرئ، مسند، ثقة، ولد سنة 702 هـ، انفرد بالإقراء في الإسكندرية، غير أنه ترك الفن وأعرض عن الإقراء آخرًا، وكان صالحًا خيِّرًا من أعيان من أدركه ابن الجزري بالإسكندرية قرأ عليه كتاب الموطأ، وجزءًا مخرجًا في حديثه خرجه الذهبي له، مات في شوال سنة ثمان وثمانين وسبعمائة بالإسكندرية. غاية النهاية برقم:(1945).

(3)

محمد بن صالح بن إسماعيل أبو عبد الله المقرئ شيخ المدينة النبوية ومن انتهت إليه القراءة علوًا بالحجاز ثقة صالح خير، باشر الخطابة والإمام بالمدينة الشريفة زمنًا. غاية النهاية برقم:(2997).

ص: 26

وممن تلقى عنهم الحديث والفقه والأصول والمعاني والبيان:

تلقى هذه العلوم من خَلْقٍ كثير، خاصَّةً من شيوخ مصر، فأبرز اثنين منهم:

1.

الإمام المفسر المحدث الحافظ المؤرخ أبي الفداء إسماعيل بن كثير

(1)

، وهو أول من أجاز له بالإفتاء والتدريس سنة 774 هـ.

2.

شيخ الإسلام البلقيني، وأَذِنَ له بالتحديث والإفتاء سنة 785 هـ

(2)

.

‌تدريسه، وتلاميذه:

وَلِيَ مناصبَ كثيرة

(3)

، وجلس للإقراء والتحديث في كل بلد أقام فيه،

(1)

الإمام الحافظ المؤرخ الفقيه أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير بن درع القرشي البصروي ثم الدمشقي الشافعي، ولد سنة 701 هـ في قرية من أعمال بصرى الشام، وانتقل مع أخٍ له إلى دمشق سنة 706 هـ، ورحل في طلب العلم. وتوفي بدمشق سنة 774 هـ، تناقل الناس تصانيفه في حياتهـ. البدر الطالع (1/ 153)، التذكرة (57 و 361)، وطبقات الشافعية (90)، وطبقات المفسرين (1/ 110)، وشذرات الذهب (6/ 231).

(2)

عمر بن رسلان بن نصير الكناني سراج الدين أبو حفص العسقلاني، ولد ببلقينة إحدى قرى مدينة المحلة الكبرى سنة (724 هـ)، درس في القاهرة على يد كبار علماء عصره، ذاع صيته وصار شيخًا للشافعية في وقته لا يدانيه أحد في حفظ المذهب، وصنف كتبًا كثيرة، توفي في شهر ذو القعدة سنة (805 هـ). شذرات الذهب (7/ 51)، وحسن المحاضرة (206 و 369)، وطبقات الشافعية (111).

(3)

الضوء اللامع (9/ 255)، الغاية شرح الهداية (1/ 66 و 67).

ص: 27

فمن ذلك:

أقرأ وحدَّثَ سنينَ عديدة تحت قبة النسر بالجامع الأموي.

ثم تولَّى مشيخة الإقراء الكبرى بتربة أم الصَّالح، بعد وفاة شيخه.

ووَلِيَ قضاء دمشق عام 793 هـ.

وكذا وَلِيَ القضاء بشيراز.

وبنى بكل منهما للقراء مدرسة ونشر علمًا جمًا، سماهما بـ"دار القرآن".

ثم وَلِيَ مشيخة الإقراء بالعادليَّة.

ثم وَلِيَ مشيخة دار الحديث الأشرفيَّة.

وكذا وَلِيَ مشيخة الصلاحية ببيت المقدس وقتا.

ويُذكر في ذلك أنه جرت له كائنةً مع (قُطْلُبَك استادار أيْتَمُش)، ففرَّ منه إلى بلاد الروم، فاتصل بالملك أبي يزيد بن عثمان، فأكرمه وعظمه، وأقام عنده بضع سنين، إلى أن وقعت الكائنة العظمى التي قتل فيها ابن عثمان، فاتصل الإمام بالأمير تيمور، ودخل معه بلاد العجم، وبعد موت الأمير تيمور سنة 807 هـ، خرج من بلاد ما وراء النهر، فوصل إلى خراسان ودخل مدينة هراة، ثم وصل إلى يزد، ثم إلى أصبهان فقرأ عليه للعشرة في هذه المدن جماعة، منهم من أكمل ومنهم من لم يكملوا، ثم توجَّه إلى شيراز سنة 808 هـ، فأمسكه سلطانها، فقرأ عليه جماعة بها وانتفعوا به، وأُلزم بالضاء كُرْهًا، فقام به مدَّةً طويلة، ثم تمكن من الخروج منها إلى البصرة فقرأ عليه أبو الحسن الأصبهاني، ثم توجَّه للحج

ص: 28

سنة 822 هـ، هو مع المولى معين الدين بن عبد الله قاضي كازرون فوصلا إلى قرية عنيزة بنجد، ثم توجها منها لأداء الفريضة فلم يتمكَّنا من الحج في هذه السنة لاعتراض الأعراب

(1)

لهما، ثم حجَّا في التي تليها، وجاور بمكة والمدينة، ثم رجع إلى شيراز، وفي سنة 827 هـ قدم دمشق، ثم القاهرة وأقرأ وحدَّث، ثم رحل إلى مكة فاليمن تاجرًا، وحدَّث بها، ووصله ملكُها، فعاد ببضائعَ كثيرة، وحجَّ سنة 828 هـ، ثم دخل القاهرة

(1)

أي: قطَّاع الطريق، وهناك ختم تأليف نظمه المشهور (الدرة المضية في القراءات الثلاث المروية) والتي أورد في آخرها هذه الحادثة في الأبيات التالية:

وتم نظام الدرة احسب بعدها

وعام أضا حجي فأحسن تقولا

غريبةُ أوطانٍ بنجدٍ نظمتها

وعُظمُ اشتغالِ البالِ وافٍ وكيف لا

صُدِدت عن البيت الحرامِ وزَوْري

المَقامَ الشريفَ المصطفى أشرفَ الملا

وطوَّقني الأعرابُ بالليلِ غفلةً

فما تركوا شيئًا وكدتُ لأَقتَلا

فأدركني اللّطفُ الخفي وردَّني

عنيزةَ حتى جاءني من تكفّلا

بحملي وإيصالي لطيبةَ آمنًا

فيا ربِّ بلَغني مرادي وسهِّلا

ومن بجمع الشمل واغفر ذنوبنا

وصل على خير الأنام ومن تلا

عنيزة: بضم العين وفتح النون وسكون الياء وفتح الزاي مع تاء مربوطة؛ هكذا نطقها الصحيح، وهي كبرى مدن منطقة القصيم بل هي مدينة نجدية عريقة تعتبر عروس منطقة القصيم وعاصمتها من بلاد المملكة العربية السعودية.

ص: 29

في أول سنة 829 هـ فمكث بها مدة ثم توجه إلى الشام، ثم إلى شيراز عن طريق البصرة، واستقرَّ بها يُقرئ ويُحدِّث إلى أن توفَّاه الله

(1)

.

تلامذته: أخذ عنه القراءات خلق لا يُحْصَون كثرةً وعددًا، منهم من قرأ بمضمنِ كتابٍ واحد، ومنهم من قرأ بمضمنِ أكثرِ من كتاب، وهناك من قرأ عليه كتب السنة، والمشيخات، والمسلسلات.

فممن أكمل عليه القراءات العشر بتمامها:

(2)

1.

ابنه أبو بكر أحمد الذي شرح طيبة النشر.

2.

الشيخ محمود بن الحسين بن سليمان الشيرازي.

3.

الشيخ أبو بكر بن مصبح الحموي.

4.

الشيخ عبد الله بن قطب بن الحسن البيهقي.

5.

الشيخ أحمد بن محمود بن أحمد الحجازي الضرير.

6.

المحب محمد بن أحمد بن الهايم.

7.

الشيخ الخطيب مؤمن بن علي بن محمد الرومي.

8.

الشيخ يوسف بن أحمد بن يوسف الحبشي.

9.

الشيخ علي بن إبراهيم بن أحمد الصالحي.

(1)

انظر: إنباء الغمر بأبناء العمر (1/ 198)، والضوء اللامع (9/ 255)، وذيل التذكرة (376)، وشذرات الذهب (3/ 67).

(2)

ذكرهم الإمام ابن الجزري جميعهم عند ترجمته لنفسه في غاية النهاية (برقم: 3350).

ص: 30

10.

الشيخ علي بن حسين بن علي اليزدي.

11.

الشيخ موسى الكردي. الشيخ علي بن محمد بن علي بن نفيس.

12.

الشيخ أحمد بن إبراهيم الرماني.

13.

الشيخ عثمان بن عمر بن أبي بكر بن علي الناشريّ الزبيديّ العدناني من علماء زبيد اليمن، عام 828 هـ، شارح "الدرة المضية في القراءات الثلاث المروية".

‌وفاته:

توفي ضحوة يوم الجمعة لخمسٍ خلوْنَ من أوَّل الربيعين سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة (833 هـ) بمنزله بسوق الإسكافيين بمدينة شيراز، ودفن بدار القرآن التي أنشأها بها عن اثنين وثمانين سنة، وكانت جنازته مشهودة، تبادر الأشراف والخواص والعوام إلى حملها، وقد اندرس بموته كثير من مهام الإسلام وعَظُمَتْ برحيله الرزيَّة

(1)

، فرحمه الله رحمةً واسعةً ورَضِيَ عنه، وجعل بحبوحة الفردوس الأعلى منزله ومثواه، وجزاه عن العلم وأهله خير ما يجزي به العلماء المخلصين.

‌وثناء العلم عليه:

شهد القاصي والداني في زمانه وإلى يومنا هذا بمكانته، وعِظَمِ شأنه، وما أوضح ذلك فيمن ترجم له في قرنه وما بعده، حيثما يندر من يُتَرْجَمُ له في هذه الكتب وليس مُجَازًا بالرواية عن الإمام ابن الجزري في

(1)

غاية النهاية برقم: (3350).

ص: 31

القراءات، أو في الحديث، أو في مصنفاته.

ومما يُبْرِزُ هذا المعنى: أن والدته الشيخة الصالحة "عائشة بنت الحسن بن علي الدمشقية"، سمعت بإفادة ولدها الإمام شمس الدين ابن الجزري وروت عنه.

(1)

وأغلب من يُترجِم له، يَعدُّه في طبقة أصحاب "الفخر بن البخاري"

(2)

. لقد كان الإمام ابن الجزري من أفذاذ العلماء في عصره، أثنى عليه معاصروه ومن بعدهم الثناء الجم، ومن ذلك:

قول الحافظ ابن حجر: (الحافظ الإمام المقرئ، ولد بدمشق، وتَفَقَّه بها، ولَهَجَ بطلب الحديث والقراءات، وبرز في القراءات، وعَمَّر مدرسةً للقرَّاء سماها "دار القرآن" وأقرأ الناس، وعُيِّنَ لقضاء الشام مرة، وكتب توقيعه عماد الدين بن كثير).

(3)

وقال: (في موضعٍ آخر: (وقد انتهت إليه رئاسة علم القراءات في

(1)

انظر: إنباء الغمر بأبناء العمر (1/ 106)، وماتت رحمها الله في ربيع الآخر من سنة (785 هـ).

(2)

هو أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي فخر الدين، ويُعرف بـ"ابن البخاري" عالم فقيهٌ محدِّثٌ، ولد سنة (596 هـ)، وتوفي سنة (690 هـ)، من مصنفاته:"أسنى المقاصد وأعذب الموارد" في ترجمة شيوخه، يروي عنه بواسطة:"صلاح الدين المقدسي، وابن أميلة المراغي، والمحب، وغيرهم"، فيعدُّونه من أصحابه لتبجيل أصحابه له.

(3)

انظر: إنباء الغمر بأبناء العمر (1/ 106).

ص: 32

الممالك

وكان يلقب في بلاده الإمام الأعظم).

(1)

وقال عنه أيضًا: (وعَجِبَ الناسُ من شدة حرصه، مع كثرة ماله وعلوِّ سنه، وكان كثير الإحسان لأهل الحجاز).

(2)

وقال تلميذه الإمام السَّخاوي: "وأَذِنَ له غيرُ واحدٍ بالإفتاء والتدريس والإقراء بالعادلية، ثم مشيخة دار الحديث الأشرفية، ثم مشيخة تربة أم الصالح بعد شيخه ابن السلار، وعمل فيه إجلاسًا بحضور الأعلام كالشهاب بن حِجِّي، وكان درسًا جليلًا".

(3)

وقال (في موضعٍ آخر: "وانتفع به أهل الآفاق خصوصًا شيراز والروم في القراءات والحديث، وسارت تصانيفه، وتقدَّم عند الملوك، وجاور بكلٍ من الحرمين، وأخذ عن أهلهما

ووَصَفَه شيخي بالحفظ".

(4)

قال تلميذه الإمام النويري: (واعتنى بعلوم القراءات والحديث فأتقنها وبهر فيها، حتى برع ومهر، وفاق غالب أهل عصره، وتفقَّه على الشيخ عماد الدين بن كثير، وهو أوَّل من أَذِنَ له في الفنون والتدريس).

(5)

قال الإمام السيوطي: (لا نظير له في عصره، حافظًا للحديث

ألَّف

(1)

انظر كذلك المصدر السابق (2/ 581 و 582).

(2)

وكذلك المصدر السابق (2/ 529).

(3)

انظر: الضوء اللامع (9/ 255).

(4)

انظر: الغاية شرح الهداية (1/ 67)، ويقصد بشيخه:"الحافظ ابن حجر".

(5)

شرح طيِّبة النشر (1/ 33).

ص: 33

"النشر في القراءات العشر" لم يُصَنَّفْ مثله، وله أشياء أُخَر، وتخاريج في الحديث، وعملٌ جيِّد، وصفه ابن حجر بالحفظ في مواضع عديدة من الدرر الكامنة).

(1)

قال الشوكاني: (وقد تفرَّد بعلم القراءات في جميع الدنيا، ونشره في كثير من البلاد، وكان من أعظم فنونه وأجلِّ ما عنده).

(2)

وحكى صاحب الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية أن الإمام ابن الجزري لمَّا وصل هو وتيمور إلى سمرقند، عمل تيمور هناك وليمةً عظيمة، فجعل على يساره أكابر الأمراء وعلى يمينه العلماء، فقدَّم الإمام ابن الجزري على الإمام السيد شريف الجرجاني، فعوتب في ذلك، فقال:(كيف لا أقدِّم رجلًا عارفًا بالكتاب والسنة)

(3)

وغير ذلك من الأقوال.

‌عناية الإمام ابن الجزري بالحديث الشريف وعلومه:

اهتمامه بالأسانيد والإجازات، ومعرفته بأحوال الرواة.

ذَكَرَ الطاووسي الإمام ابن الجزري في مشيخته وقال: (إنه تفرد بعلو الرواية، وحفظ الأحاديث، والجرح والتعديل، ومعرفة الرواة المتقدمين والمتأخرين، وأورد أسانيده بالصحيحين، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه، وبمسانيد الدارمي، والشافعي، وأحمد، وبموطأ مالك، عن طريق يحيى بن يحيى، وأبي مصعب، والقعنبي، وابن بكير، وبمصنفات

(1)

ذيل تذكرة الحفاظ (377).

(2)

البدر الطالع (2/ 257).

(3)

الشقائق النعمانية (4/ 398).

ص: 34

البغوي، والنووي، كما سقتها في التاريخ الكبير)

(1)

. وقال الحافظ ابن حجر في معجمه: (أنه حدَّث بسنن أبي داود والترمذي عن ابن أميلة سماعًا وبمسند أحمد عن الصلاح بن أبي عمر سماعًا وأن من أحسن ما عنده الكامل في القراءات لابن جبارة، وساق سنده وأنه سمع على ابن أميلة أمالي ابن سمعون)

(2)

.

وقال أيضًا عنه: (وخرَّج لنفسه أربعين عشارية لفظها من أربعينية الحافظ العراقي، وخرج جزءًا فيه مسلسلات بالمصافحة وغيرها، جمع أوهامه فيه في جزء الحافظ ابن ناصر الدين، قال السخاوي: وهو مفيد).

(3)

وقال أيضًا: وقد أجاز لي ولولدي سائر مروياته.

(4)

ثم قال: وكنتُ لقيته في سنة 797 هـ وحرضني على الرحلة إلى دمشق وقد حدَّثتُ عنه في حياته بكتابه "الحصن الحصين"(يعني بالوجادة) فقال: قال صاحبنا فلان، لكونه لم تكن سبقت له منه إجازة، وحصل له في البلاد اليمنية بسبب ذلك رواجٌ عظيمٌ، وتنافسوا في تحصيله وروايته، ثم دخل بعد نيف وعشرين وثمانمائة وقد مات كثير ممن سمعه فسمعه الباقون وأولادهم عليه.

(5)

(1)

نقله في الضوء اللامع (9/ 255).

(2)

إنباء الغمر (2/ 582).

(3)

المصدر السابق (2/ 582 و 583).

(4)

إنباء الغمر (2/ 582).

(5)

المصدر السابق (2/ 582 و 583).

ص: 35

وقال أيضًا: (ولما أقام بمكة نسخ بخطه من أول المقدمة التي جمعتها أول شرح البخاري واستعان بجماعة حتى أكملها تحصيلًا، وكان أرسل إلى صاحبنا التقي الفاسي في مكة من شيراز يسأله عن تعليق التعليق الذي خرجته في وصل تعاليق البخاري، فاتفق وصول كتابه وأنا بمكة ومعي نسخة من الكتاب فجهزتها إليه فجاء كتابه يذكر ابتهاجه وفرحه بها، وأنه شهر الكتاب بتلك البلاد وأهدى إلى بعد ذلك كتابه النشر المذكور، قلت وهو في مجلدين وكتب على كل مجلد منهما بالإجازة لشيخنا، قال: والتمس أن ينشر في الديار المصرية وقدر مجيئه، فنشرته وعلمًا كثيرًا، ثم أرسل إليَّ من شيراز بالمقدمة والتعليق، فألحقت بهما ما كان تجدَّدّ لي بعد حصولهما له، وكتب عني شيئًا من أول ما علقته متعقبًا على جميع رجال مسند أحمد، وبالغ في استحسان ما وقع لي من ذلك).

(1)

وكان لابن الجزري اهتمامًا بالغا بمسند الإمام أحمد، دراسةً لأسانيده، ومعرفةً برجاله، وعرضًا وسماعًا، وختمًا وإجازةً، حتى أنَّ له فيه ثلاثة كتب مخصوصة، وهي:

1.

القصد الأحمد في رجال مسند أحمد.

2.

المسند الأحمد فيما يتعلق بمسند أحمد.

3.

المصعد الأحمد في ختم مسند أحمد.

ومما اهتم به كذلك الأحاديث العوالي، وتخريج المشيخات، والمستخرجات على أربعينيات من سبقه، وتذييله على كتب الرجال،

(1)

المصدر السابق (2/ 582 و 583). باختصار.

ص: 36

وتقييده لما ائتلف واختلف من الأسماء والكنى، ناهيك عن تصنيفه في المصطلح نظمًا ونثرًا.

وكذلك اهتم بشرح السنة، ومن أجلِّ شروحاته لكتب السنة:(التوضيح شرح مشكاة المصابيح) في 3 مجلدات، أثنى عليه عدد من العلماء.

وقد اشتغل بالتحديث والإملاء سنينَ طويلة، في الأقطار والأمصار في رحلته إليها والاستقرار فيها، والخروج منها، والرجوع إليها، باختلافٍ في المُدَّة بين طويلةٍ وقصيرة، فلقد كان هذا ديدن الإمام حتى استقرَّ في شيراز سنيَّ عمره الأخيرة، وانتفع به الخلق الكثير.

‌مؤلفاته:

كان الإمام ابن الجزري غزير الإنتاج في ميدان. التأليف في أكثر العلوم والفنون، ويدل تنوع موضوعات مؤلفاته تنوع عناصر ثقافته، فإلى جانب تأليفه في القراءات وعلوم القرآن، ألَّفَ في الحديث ومصطلحه، والفقه وأصوله، والتأريخ والمناقب، والسير والتراجم، وعلوم العربية، وغير ذلك، فقد تجاوز عدد مصنفاته السبعين كتابًا

(1)

:

(1)

انظر هذه المؤلفات في المصادر التالية: هدية العارفين (1/ 187 و 188)، الضوء اللامع (9/ 255)، شرح طيبة النشر (1/ 34 و 35)، الأعلام (7/ 43)، مقدمة تحقيق "منجد المقرئين"(22)، قائمة مصنفات الإمام ابن الجزري "منشورات مركز الماجد 1414 هـ"، فهارس المخطوطات والمطبوعات.

ص: 37

أولًا: في القرآن وعلومه:

1.

أصول القراءات.

2.

فضائل القرآن.

3.

النشر في القراءات العشر.

4.

تقريب النشر في القراءات العشر.

5.

طيبة النشر في القراءات العشر. (نظم).

6.

المقدمة فيما على قارئ القرآن أن يعلمه، المشهورة بـ:"المقدِّمة الجزرية".

7.

التمهيد في علم التجويد.

8.

منجد المقرئين ومرشد الطالبين.

9.

تحبير التيسير في القراءات العشر.

10.

الإعلام في أحكام الإدغام، (شرح أرجوزة أحمد المقري).

11.

الألغاز الجزرية، (أرجوزة ضمَّنها 40 مسألة من المسائل المشكلة في القرآن).

12.

العقد الثمين في ألغاز القرآن المبين، (شرحٌ للأرجوزة السابقة).

13.

تحفة الإخوان في الخُلْفِ بين الشاطبية والعنوان.

14.

التقييد في الخُلْفِ بين الشاطبية والتجريد.

15.

التذكار في رواية أبان بن يزيد العطار.

16.

التوجيهات في أصول القراءات.

17.

جامع الأسانيد في القراءات.

ص: 38

18.

الدرة المضية في قراءات الأئمة الثلاثة المرضية.

19.

رسالة في الوقف على الهمز لحمزة وهشام.

20.

الاهتداء إلى معرفة الوقف والابتداء.

21.

هداية المهرة في ذكر الأئمة العشرة المشتهرة.

22.

هداية البررة في تتمة العشرة، (نظم).

23.

إعانة المهرة في الزيادة على العشرة.

24.

نهاية البررة فيما زاد على العشرة، (نظم).

25.

كفاية الألمعي في قوله تعالى: (يا أرض ابلعي).

ثانيًا: في الحديث وعلومه:

26.

الأربعون حديثًا الجزرية.

27.

الأولية في الأحاديث الأولية.

28.

البداية في علوم الرواية.

29.

تذكرة العلماء في أصول الحديث، (مختصر بداية نظم الهداية).

30.

التوضيح في شرح المصابيح (في 3 مجلدات)، وهو شرح مصابيح البغوي.

31.

الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين في الأذكار والدعوات.

32.

جُنَّةُ الحصن الحصين، (مختصر للحصن الحصين).

33.

عدة الحصن الحصين، (مختصر آخر للحصن الحصين).

34.

مفتاح الحصن الحصين، (وهو شرح الحصن الحصين).

ص: 39

35.

عقد اللآلي في الأحاديث المسلسلة العوالي.

36.

القصد الأحمد في رجال مسند أحمد.

37.

المسند الأحمد فيما يتعلق بمسند أحمد.

38.

المصعد الأحمد في ختم مسند أحمد.

39.

الفوائد المجمعة في زوائد الكتب الأربعة.

40.

مقدمة علوم الحديث، (نظم).

41.

الهداية في علم الرواية (نظم)، شرحه السخاوي وأسماه:(الغاية).

42.

عوالي القاضي أبي نصر.

43.

تخريج مشيخة الجنيد بن أحمد البلياني.

44.

تكملة ذيل التقييد لمعرفة رواة السنن والأسانيد.

ثالثًا: في الفقه وعلومه

45.

غاية المنى في زيارة منى.

46.

التكريم في العمرة من التنعيم.

47.

الإبانة في العمرة من الجعرانة.

48.

شرح منهاج الأصول للبيضاوي.

رابعًا: في اللغة وعلومه:

49.

الجوهرة في النحو، (نظم).

50.

الإصابة في لوازم الكتابة.

ص: 40

51.

الاعتراض المبدي لوهم التاج الكندي.

52.

حاشية على الإيضاح في المعاني والبيان لجلال الدين القزويني.

خامسًا: في التاريخ والسير والتراجم:

53.

تاريخ ابن الجزري.

54.

مختصر تاريخ الإسلام للذهبي.

55.

ذات الشفا في سيرة المصطفى ومن بعد من الخلفا، (نظم).

56.

ذيل طبقات القراء للذهبي.

57.

الذيل على مرآة الزمان للنووي.

58.

المولد الكبير في السيرة.

59.

التعريف بالمولد الشريف.

60.

عرف التعريف بالمولد الشريف، (مختصر التعريف).

61.

أحاسن المنن وأسنى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب.

62.

غاية النهاية في أسماء رجال القراءات، (مختصر طبقات القراء له).

63.

نهاية الدرايات في أسماء رجال القراءات (مختصر طبقات القراء الكبير).

سادسًا: في تصانيفَ مختلفة:

64.

فضل حراء.

65.

وظيفةٌ مسنونة.

66.

منظومةٌ في لغز.

ص: 41

67.

منظومةٌ في الفلك.

68.

الإجلاء والتعظيم في مقام إبراهيم.

69.

مختار النصيحة بالأدلة الصحيحة.

70.

الرسالة البيانية في حق أبوي النبي.

71.

الزهر الفائح في ذكر من تنزه عن الذنوب والقبائح.

لا يختلف اثنان على علوِّ مكانةِ ورفعةِ منزلةِ الإمام ابن الجزري وكان إمامًا مبرِّزًا في القرآن وعلومه وفي الحديث وعلومه، وتراث هذا الإمام يحتاج إلى عناية، في جميع الفنون والعلوم. خاصة من حيث الصناعة الحديثية وطريقة تأليفه في المصطلح، وحكمه على الرجال، وأقواله في الجرح والتعديل، والموازنة بينها، وحكمه على الأحاديث والآثار، ومنهجه في ذلك كله، وكذا الوقوف على ما يذكره من فروق بين صناعة القرَّاء وصناعة المحدِّثين في الأسانيد وما ينبني عليها من قبولٍ ورد، فهو المبرِّزُ في الحديث، وهو المبرِّز في القراءات.

* * *

ص: 42

‌التعريف بالمُؤلِّف

(1)

اسمه: هو العلاّمةٌ الحافظُ المُقرئ مُلا

(2)

علي بن سُلطان بن مُحَمَّد القَاري

(3)

الهَرويُّ

(4)

، ثُمَّ المكيُّ

(5)

، الحنفيّ

(6)

يُكنى بأبي الحَسن.

‌مَولده ونشأته:

وُلد العلَامةُ عليِّ القاري بمدينة هَرَاة، وهي مدينة بخُراسان، بجُمهورية أفغانستان الإسلامية الآن.

ولم يُعرف تاريخ ولادته.

(1)

انظر بعض مصادر ترجمته في: سمط النجوم العوالي (4/ 394)، وخلاصة الأثر (3/ 185)، والبدر الطالع (1/ 445)، والتاج المكلل (398)، وهدية العارفين (1/ 753)، والفوائد البهية (8)، والأعلام للزركلي (5/ 12)، المُلا علي القاري، فهرس مُؤلفاته وما كُتب عنه، لمحمد عبد الرحمن الشماع (مجلة آفاق الثقافة والتراث العدد: 1). للعام (1414). وقد طبعه مركز جمعة الماجد مستلا من مجلة أفاق. ومُلا علي القاري وآراؤه الاعتقادية في الإلهيات عرض ونقد، لمساعد المطرفي (رسالة ماجستير، جامعة أم القرى، كلية أصول الدين). وقد ذكر الشماع كل ما كتب عن المؤلف.

(2)

"مُلا" وهي كلمة فارسية، ومعناها عندهم، العالم المُتبحِّر الكبير الشأن.

(3)

نسبة إلى قراءة القُرآن، وكان إماما في القراءات.

(4)

نسبة إلى "هَرَاة" التي انتقل منها.

(5)

نسبة إلى "مكة المُكرمة" التي سكنها، وبها مات.

(6)

نسبة إلى مذهبه الفقهي، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة، رحمه الله.

ص: 43

ثمَّ انتقل من هَراة إلى مَكة المُكرَّمة، حين تغلَّب على هَراة إسماعيل الصفويِّ الرَّافِضِيِّ، وحصل منه فتنة عظيمة، وحمل النَّاس على إلزامهم بشعائر دينهم المُخالفة للسُّنَّة، وقد ذكر هذا بنفسه، حيثُ قال:"الحمدُ لله على ما أعطاني من التَّوفيق والقُدرة على الهجرة من دار البدعة إلى خير دار السُّنَّة، التي هي مهبط الوحي، وظهور النُّبُوة، وأثبتني على الإقامة من غير حول مني ولا قوة"

(1)

.

‌شُيُوخُهُ:

طلب العلم ببلدة هَراة، وحفظ القُرآن الكريم في صغره على الشَّيخ، معين الدِّين بن زين الدِّين الهرويِّ، ثم رحل إلى مكة المُكرَّمة، وتتلمذ على أشهر شيوخها، والواردين إليها، منهم الشيخ مُحمَّد بن عليِّ ابن أحمد الجُناحيِّ، وشهاب الدين أبو العبَّاس أحمد بن مُحمَّد بن عليِّ السَّعديِّ، المشهُور بابن حجر الهيتميِّ، صاحب كتاب الزواجر، والعلامة المُحدِّث عليِّ بن حُسام الدين القاضي المُتَّقي الهنَّدي، صاحب كتاب "كنز العُمال في سنن الأقوال والأفعال". ومُفسر مكة المُكرمة الشَّيخ عطية بن عليِّ السُّلميِّ المكِّيِّ، أخذ عنه علم الحديث والتفسير. والشَّيخ المُحدِّث عبد الله بن سعد الدين العُمَريِّ السِّنديِّ، والشَّيخ شمس الدين مُحمَّد بن عليِّ الجُناحيِّ الأزهريِّ، وغيرهم.

(1)

انظر: شم العوارض (94).

ص: 44

‌مكانته العلمية وثناء العُلماء عليه:

العلّامةُ مُلا علي القاري يُعد من كبار عُلماء عصره المُبرِّزين في عُلوم شتى كثيرة، وخاصة في عُلوم القُرآن والسُّنة.

وكان عالمًا زاهدًا ورعًا مُتعففًا، يأكل من عمل يده، قالوا عنه:"كان يكتُبُ كل عام مُصحفًا، بخط جميل، وعليه طُرَرٌ من القرآءات والتفسير، فيبيعه فيكفيه قوته من العام"

(1)

.

قال عنه المحبيِّ: "أحد صدور العلم، في عصره، الباهر في التَّحقيق وتنقيح العبارات، وشهرته كافية عن الإطراء بوصفه".

وقال أيضًا: "واشتهر ذكرهُ وطار صِيتهُ، وألَّف التآليف الكثيرة اللَّطيفة التأدية المحتوية على الفوائد الجليلة"

(2)

.

ووصفه العصامي بقوله: "الجامع للعلوم العقلية والنقلية، والمتضلع من السُّنَّة النَّبوية، أحد جماهير الأعلام، ومشاهير أولي الحِفظ والأفهام

"

(3)

.

(1)

انظر: الأعلام للزركلي (5/ 12).

(2)

انظر: خلاصة الأثر (3/ 185).

(3)

انظر: البدر الطالع (1/ 445)، وسمط النجوم (4/ 394)، وبقية كلامه: "لكنه امتحِن بالاعتراض على الأئمة، لا سيما الشافعي وأصحابه

ولهذا تجد مُؤلفاته ليس عليها نُور العلم، ومن ثمَّ نهى عن مُطالعتها كثير من العُلماء والأولياء".

قال العلامة الشوكاني مُعترضًا على ما قاله العصامي، فقال:"أقول هذا دليل على عُلُو منزلته، فإن المُجتهد شأنه أن يُبيِّن ما يخالف الأدلة الصحيحة ويعترضه، سواء كان قائله عظيمًا أو حقيرًا". انظر: البدر الطالع (1/ 446).

ص: 45

وقال اللَّكنويُّ: "وقد طالعتُ تصانيفه

وكلّها مُفيدة، بلَّغته إلى مرتبة المُجدِّدية على رأس الألف".

(1)

وقال عنه سُليمان المقرئ: "هو: علامة زمانه وواحد عصره وأوانه، والمفرد الجامع لأنواع العلوم العقلية والنقلية، والمتضلع في علوم القرآن والسُّنَّة، وعالم البلد الحرام، والمشاعر العظام، وأحد جماهير الأعلام، ومقدَّم مشاهير أولي التَّحقيق والأفهام، شُهرته كافية في إطراء وصفه، قرأ ببلده ثُمَّ رحل إلى مكة"

(2)

.

وكان رحمه الله تعالى يذب عن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم كما في مرقاة المفاتيح 8/ 251.

ونقل كلام ابن القيم التالي:

كما قال مالك رحمه الله -وقد سئل عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]"كيف استوى؟ فأطرق مالك. حتى علاه الرُّحضاء. ثم قال: الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".

ففرق بين المعنى المعلوم من هذه اللفظة. وبين الكيف الذي لا يعقله البشر. وهذا الجواب من مالك شاف، عام في جميع مسائل الصفات. انتهى.

(1)

انظر: الفوائد البهية (25).

(2)

انظر: مجلة آفاق الثقافة (4).

ص: 46

ثم علق الملا علي القاري قائلًا: "انتهى كلامه وتبين مرامه وظهر أن معتقده موافق لأهل الحق من السلف وجمهور الخلف فالطعن الشنيع والتقبيح الفظيع غير موجه عليه ولا متوجه إليه فإن كلامه بعينه مطابق لما قاله الإمام الأعظم والمجتهد الأقدم في فقهه الأكبر ما نصه وله تعالى يد ووجه ونفس فما ذكر الله في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف ولا يقال إنَّ يده قدرته أو نعمته لأنَّ فيه إبطال الصفة وهو قول أهل القدر والاعتزال ولكن يده صفته بلا كيف وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف"(مرقاة المفاتيح 8 - 217).

وقال أيضًا في موضع الذب عن ابن تيمية: "وهذا الكلام من شيخ الإسلام يبين مرتبته من السنَّة، ومقداره في العلم، وأنه بريء مما رماه أعداؤه الجهمية من التشبيه والتمثيل، على عادتهم في رمي أهل الحديث والسنَّة بذلك مرقاة المفاتيح لملا علي القاري"(8/ 147).

وصاحب كتاب (الأشاعرة في ميزان أهل السنة) يحتج ببعض أقوال الملا علي القاري في (شرح الفقه الأكبر) في تقرير مذهب السلف، .. !!

ويقول الشمس السلفي "كان كثيرًا ما يقرر عقيدة السلف ويثني على شيخ الإسلام".

وقد نقل عن شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم في هذا الكتاب كثيرًا.

قلت: ويبدو من خلال هذه النقول إن الشارح رحمه الله كان سلفي العقيدة، وهذا ما شهد له به جل من ترجم له ويؤكده دفاعه عن عقيدة السلف ومنه كثير في شرح الشمائل وكذلك دفاعه عن شيخ الإسلام ابن

ص: 47

تيمية وتلميذه ابن القيم ضد افتراءات شيخه ابن حجر الهيتمي عليهما.

انظر: جمع الوسائل في شرح الشمائل (1/ 215 - 2/ 191 - 192).

ومن أراد التوسع في الوقوف على عقيدته فليرجع إلى رسالة: مُلا علي القاري وآراؤه الاعتقادية في الإلهيات عرض ونقد، لمساعد المطرفي (رسالة ماجستير، جامعة أم القرى، كلية أصول الدين).

‌مُؤلفاته:

للعلامة مُلا علي القاري مُؤلفات كثيرة، تزيد على المئتين، ما بين كبير في مجلدات، ومتوسط وصغير

(1)

فيما يلي اذكر بعض مؤلفاته في الحديث وعلومه فقط:

1.

إتحاف الناس بفضل ابن عباس، تراجم هدية العارفين (5/ 752).

2.

الأجوبة المحررة في البيضة الخبيثة المنكرة.

3.

الأحاديث القدسية الأربعينية، ط: الآستانة: 1316 هـ، إسطنبول: مطبعة عارف أفندي 1324 هـ، حلب 1345 هـ.

4.

الأحاديث القدسية والكلمات الأئسية.

5.

الأدب في رجب المرجب، ط تحقيق عمرو عبد المنعم، بيروت، المكتب الإسلامي 1992 م.

6.

أربعون حديثًا في النكاح. (ط) القاهرة: مكتبة القرآن: 1991 م.

(1)

ذكر له الأستاذ مُحمَّد عبد الرحمن الشماع في فهرس مُؤلفاته (263) مُؤلفًا. من بين مطبوع ومخطوط، فليرجع إليه من يريد. ونشره مركز جمعة الماجد ككتاب بعنوان: الملا علي القاري.

ص: 48

7.

الأربعون حديثًا في جوامع الكلم، حديث، المحمودية: 2668، مكتبة الجامعة الإسلامة: 6/ 1589.

8.

الأربعون حديثًا في فضائل القرآن، انظر "الفهرس الشامل للتراث الإسلامي العربي المخطوط": 1/ 84، 1085 لأزهرية: 1/ 502.

9.

أربعون حديثًا قُدسيًا.

10.

الأزهار المنثورة في الأحا ديث المشهورة، الحميدية: 201، نسبه إليه صاحب "البضاعة المزجاة" ص 87.

11.

الاستئناس بفضائل ابن عباس.

12.

استيناس الناس بفضائل ابن عباس (ط): طنطا: دار الصحابة للتراث.

13.

الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة. ومؤسسة الرسالة، 1391 هـ، بتحقيق الأستاذ محمد الصباغ.

14.

الاصطناع في الاضطباع "في بيان سنية الاضطباح في الطواف وحكمه في السعي". مكتبة الجامعة الإسلامية: 42/ 1591.

15.

الأصول المهمة في حصول المتمة.

16.

إعراب القاري على أول باب البخاري.

17.

الأعلام لفضائل بيت الله الحرام.

18.

الأنباء بأن العصا من سنن الأنبياء.

19.

أنوار الحجج في أسرار الحج. "رسالة في الحج وآدابه وأسراره"(ط): بيروت: دار البشائر، تحقيق الدكتور أحمد الحجي الكردي 1988 م، عمان: دار عمار، تحقيق: مشهور حسن سلمان 1992 م.

ص: 49

20.

أنوار القرآن وأسرار الفرقان في التفسير.

21.

بداية السالك في نهاية المسالك في شرح المناسك "فقه مناسك الحج" محمودية: 1045.

22.

البرة في حب الهرة: جواب على سؤال ورد إلى الشيخ عن حديث "حب الهرة من الإيمان". دبي: مركز جمعة الماجد 3871.

23.

البرهان الجلي العلي على من سمي بغير مسمى بالولي "رسالة رد فيها على فتوى في حكم الصلاة أثناء خطبة الإمام يوم العيد" مكتبة الجامعة الإسلامية: 37/ 1590، (1/ 2، 6 ق).

24.

بهجة الإنسان ومهجة الحيوان.

25.

بيان فعل الخير إذا دخل مكة من حج عن الغير.

26.

البينات في تباين بعض الآيات.

27.

التائبية في شرح التائية لابن المقري.

28.

التبيان في بيان ما في ليلة النضف من شعبان.

29.

التجريد في إعراب كلمة التوحيد.

30.

تحسين الإشارة.

31.

تحفة الحبيب في موعظة الخطيب.

32.

تحقيق الاحتساب في تدقيق الانتساب.

33.

تزيين العبارة في ذيل تحسين الإشارة.

34.

تزيين العبارة لتحسين الإشارة "رسالة في بيان حكم الإشارة بالمسبحة في التشهد في الصلاة"(ط): في ضمن رسائل ابن

ص: 50

عابدين، طنطا: دار الصحابة للتراث (1990).

35.

تسلية الأعمى عن بلية العمى.

36.

تشييع فقهاء الحنفية في تشنيع سفهاء الشافعية.

37.

التصريح في شرح التسريح (أو التصريح أو التشريع)"رسالة في سنية تسريح اللحية وتمشيطها وخضابها". (ط) عمان: دار عمار للنشر 1992 م بتحقيق مشهور حسن سلمان.

38.

تطهير الطوية في تحسين النية، رسالة في بيان الحديث "نية المؤمن خير من عمله" (ط) طنطا: دار الصحابة للتراث، بيروت المكتب الإسلامي (1989).

39.

تعليقات القاري على ثلاثيات البخاري عارف حكمت: 25 حديث، شهيد على:(2/ 1841).

40.

تمييز المرفوع عن الموضوع. دار الكتب المصرية: (1/ 184).

41.

التهدين ذيل التزيين على وجه التبيين.

42.

جمع الأربعين في فضل القرآن المبين هدية العارفين: (5/ 751).

43.

جمع الوسائل في شرح الشمائل، مصطفى البابي الحلبي، 1317 هـ.

44.

حاشية على المواهب اللدنية، هدية العارفين:(5/ 752).

45.

حاشية على تفسير الجلالين سمَّاه الجمالين.

46.

حاشية على فتح القدير.

47.

حدود الأحكام.

48.

الحرز الثمين للحصن الحصين لابن الجزري وهو كتابنا هذا،

ص: 51

(ط): مكة المكرمة: مطبعة الميري، 1304 هـ. دبي: مركز جمعة الماجد. 237.

49 -

الحزب الأعظم والورد الأفخم لانتسابه واستناده إلى الرسول الأكرم. مكة المكرمة: 1307 هـ.

50 -

الحظ الأوفر في الحج الأكبر.

51 -

الدر الثمين في شرح حديث الأربعين، أسعد أفندي:311.

52 -

الدرة المضية في الزيارة المصطفوية الرضية "رسالة في بيان فضل زيارة المدينة المنورة وآدابها" طنطا: دار الصحابة للتراث.

53 -

الدرة المضية في الزيارة المصطفوية.

54 -

دفع الجناح وخفض الجناح في فضائل النِّكَاح.

55 -

الذخيرة الكثيرة في رجاء المغفرة للكبيرة.

56 -

ذيل الرسالة الوجودية في نيل مسألة الشهودية.

57 -

الرائية في الرسم.

58 -

رد الفصوص.

59 -

رسالة الاقتداء في الصلاة للمخالف.

60 -

رسالة البرة في الهرة.

61 -

رسالة المصنوع في معرفة الحديث الموضوع.

62 -

رسالة في بيان إفراد الصلاة عن السلام هل يكره أم لا "رسالة في حكم الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام"، مكتبة الجامعة الإسلامية:(21/ 1590).

ص: 52

63.

رسالة في بيان أولاد النبي صلى الله عليه وسلم، مكتبة الجامعة الإسلامية (1/ 2).

64.

رسالة في تأويل حديث التجديد، راملاور:(1/ 484).

65.

رسالة في تفسير بعض الأحاديث، الجامعة الأمريكية في بيروت: 995 سابقًا.

66.

رسالة في شرح حديث: "إن الله خلق آدم على صورته"، دمشق: مكتبة الشيخ أبي اليسر عابدين.

67.

رسالة في مناقشة البيضاوي في الحديث الذي ذكره في رفع العذاب عن أهل القبور، دار الكتب المصرية: 157 مجاميع.

68.

رفع الجناح وخفض الجناح بأربعين حديثًا في النِّكَاح، (ط): بيروت: المكتب الإسلامي.

69.

الزبدة في شرح قصيدة البردة.

70.

سلالة الرسالة في ذم الروافض من أهل الضلالة.

71.

شرح أبيات ابن المقري.

72.

شرح الأربعين النووية.

73.

شرح الجامع الصغير "كشف الظنون": 561، "هدية العارفين"752.

74.

شرح الجامع الصغير للسيوطي.

75.

شرح الرسالة القشيرية.

76.

شرح الشفا للقاضي عياض.

77.

شرح الهداية للمرغيناني.

ص: 53

78.

شرح الوقاية في مسائل الهداية.

79.

شرح حديث "لا عدوى ولا طيرة

" مقالة مقتطفة من "شرح نخبة الفكر

"، مكتبة الجامعة الإسلامية:(1591/ 44).

80.

شرح حزب البحر.

81.

شرح رسالة بدر الرشيد في ألفاظ الكفر.

82.

شرح صحيح مسلم "كشف الظنون": 558.

83.

شرح مختصر المنار لابن حبيب الحلبي في الأصول.

84.

شرح مسند الإمام أبي حنيفة، بيروت: دار الكتب العلمية، 1405 هـ بتحقيق الشيخ خليل محيي الدين الميس.

85.

شرح مشكلات الموطأ.

86.

شرح نخبة الفكر، بيروت: دار الكتب العلمية، 1398 هـ.

87.

شروح الموطأ برواية الإمام محمد، انظر:"الفهرس الشامل للتراث الإسلامي العربي المخطوط"(2/ 1176).

88.

شفاء السالك في إرسال مالك.

89.

شفاء السالك في إرسال مالك (ط): بيروت المكتب الإسلامي، 1990 بتحقيق مشهور حسن سلمان.

90.

شم العوارض في ذم الروافض.

91.

صلات الجوائز في صلاة الجنائز.

92.

صنعة الله في صيغة صبغة الله. دار الكتب المصرية: 10 مجاميع.

ص: 54

93.

الصنيعة الشريفة في تحقيق البقعة النيفة.

94.

ضوء المعالي في شرح بدء الأمالي.

95.

الطواف بالبيت ولو بعدم الهدم.

96.

العفاف عن وضع اليد في الطواف.

97.

العلامات البينات في فضائل بعض الآياتِ.

98.

عمدة الشمائل.

99.

فتح الأسماع في شرح السماع.

100.

فتح الرَّحمن بفضائل شعبان.

101.

فتح الرَّحمن بفضائل شعبان (ط) بولاق، 1357 هـ.

102.

فتح باب الإسعاد في شرح قصيدة بانت سعاد.

103.

فتح باب العناية لشرح كتاب النقاية.

104.

فر العون ممن يدعي إيمان فرعون.

105.

فرائد القلائد على أحاديث العقائد رسالة في تخريج أحاديث العقائد النسفية (ط): بيروت: المكتب الإسلامي 1990.

106.

فرائد القلائد علي أحاديث شرح العقائد.

107.

الفصل المعول في الصف الأول

108.

فصول المهمة في حصول المتم.

109.

فعل الحيوان.

110.

فيض الفائض في شرح الروض الرائض.

ص: 55

111.

قوام الصوام للقيام بالصيام.

112.

القول الحقيق في موقف الصديق.

113.

القول السديد في خلف الوعيد.

114.

القول السديد في خلف الوعيد رسالة في بيان الدعاء المأثور "اللهم لا يهزم جندك ولا يخلف وعدك". (ط) طنطا: دار الصحابة للتراث 1992.

115.

كشف الخدر عن حال الخضر.

116.

لب لباب المناسك في نهاية المسالك.

117.

لسان الاهتداء في بيان الاقتداء.

118.

مبين المعين في شرح الأربعين.

119.

المبين المعين لفهم الأربعين (ط) مصر: المطبعة الجمالية 1327 هـ.

120.

مجموعة أحاديث نبوية. القدس: إسحاق الحسيني 78 مجاميع.

121.

المختصر الأوفي في شرح الأسماء الحسنى.

122.

المختصر المصنوع في معرفة الموضوع رضا راملاور: 1/ 582.

123.

المرتبة الشهودية في منزلة الوجحودية.

124.

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (ط) القاهرة: المطبعة الميمنية، 1309 هـ، بيروت: دار إحياء التراث العربي 1991 م.

125.

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح.

126.

المرقاة على المشكاة في شرح مشكاة المصابيح.

ص: 56

127.

المسألة في شرح البسملة.

128.

المسلك الأول فيما تضمنه الكشف للسيوطي.

129.

المسلك المتقسط في المنسك المتوسط.

130.

المشرب الوردي في مذهب المهدي.

131.

مطلحات أهل الأثر على نخبة الفكر لابن حجر.

132.

المصنوع في معرفة الحديث الموضوع، (ط) حلب: 1389 هـ بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة.

133.

المعدن العدني في فضل أُويس القرني.

134.

معرفة النساك في معرفة السواك.

135.

المقاصد المحسنة فيما يدور من الأحاديث على الألسنة. دار صدام 273 [8607].

136.

مقالة الأربعين حديثًا، بغداد مكتبة الأوقاف العامة (1/ 308).

137.

المقالة العذبة في العمامة والعذبة.

138.

مقامة الأربعين حديثًا، بغداد: مكتبة الأوقاف العامة 2/ 3914 مجاميع.

139.

المقدمة السالمة في خوف الخاتمة.

140.

منح الروض الأزهر في شرح الفقه الأكبر.

141.

المنح الفكرية على المقدمة الجزرية.

142.

المورد الروي في المولد النبوي.

ص: 57

143.

الناسخ والمنسوخ من الحديث، بغداد: مكتبة الأوقاف العامة 2/ 13741 و 4/ 2948.

144.

الناموس في تلخيص القاموس للفيروزابادي.

145.

نزهة الخاطر الفاتر في ترجمة الشيخ عبد القادر الحيلي.

146.

النسبة المرتبة في المعرفة والمحبة.

147.

النعت المرصع في المجنس المسجع.

148.

هيئة السنيات في تبيين أحاديث الموضوعات.

149.

الهية السنية العلية على أبيات الشاطبية.

‌وفاته:

كانت وفاته رحمه الله بمكة المُكرَّمة في شهر شوال سنة أربع عشرة وألف (1014)، ودُفن بمقبرة المعلاة، رحمه الله رحمةً واسعةً. ولما بلغ خبر وفاته علماء مصر صلوا عليه بالجامع الأزهر صلاة الغائب في جمع هائل تقديرًا منهم لإمامته في العلم والدين رَحِمَهُ اللهُ تعالى.

* * *

ص: 58

‌وصف النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق

أولًا: النسخة (أ):

- تاريخ النسخ: 1114.

- اسم الناسخ: رجب بن محمود، الشهير بقيم جامع سلطان سليمان.

- عدد اللوحات: 379 لوحة.

- مصدرها: دار الكتب المصرية، ومحفوظة هناك تحت رقم:[23520 ب].

- نوع الخط: نسخ معتاد.

- الملاحظات عليها:

1 -

نسخة قليلة الضبط، وكثيرًا ما تتشابه مع النسخة (ب)؛ والسبب أن النسختين منقولتان عن أصل واحد، وهذا يتضح من خاتمة كلتا النسختين.

2 -

وجود كثير من الزيادات فيها وبخاصة في آخر الكتاب، والواضح أن الناسخ نقل الحواشي من النسخة التي نقل عنها، وظن أنَّها لَحْق، فوضعها في صلب الكتاب، وهذه الزيادات قد تفردت بها هذه النسخة، وسياق هذه الزيادات يدلُّ على أنَّها من حواشي الكتاب وليست من صلب الكتاب.

3 -

وجود جزء من الكتاب قد تكرر، وهو من اللوحة (293/ ب) حتى اللوحة (295/ ب)، وقد وافقت النسخة (ب) هذه النسخة في هذا التكرار.

ص: 59

ثانيًا: النسخة (ب):

- تاريخ نسخها: 1189.

- اسم الناسخ: لا يوجد.

- عدد اللوحات: 469 لوحة.

- مصدرهما: المكتبة الأزهرية بمصر، ومحفوظة هناك تحت رقم:[2399 حديث، خصوص]، أو:[28496 عموم].

- نوع الخط: نسخ معتاد.

- الملاحظات عليها:

1 -

نسخة متوسطة الضبط.

2 -

وجود تكرار وزيادة تفردت بهما عن بقية النسخ، فأما التكرار فيقع من اللوحة (377/ أ) حتى اللوحة (389/ ب)، وأما الزيادة فتقع من اللوحة (400/ أ) حتى اللوحة (407/ ب).

3 -

في ثلث الكتاب الأخير لم يضع الناسخ رموز تخريج الأحاديث التي كتبها المصنف في الحصن الحصين، وذلك حتى نهاية الكتاب.

4 -

وجود جزء من الكتاب قد تكرر، وهو من اللوحة (363/ أ) حتى اللوحة (365/ أ)، وقد وافقت النسخة (أ) هذه النسخة في هذا التكرار.

5 -

سقطت منها اللوحة رقم (248).

ثالثًا: النسخة (ج):

- تاريخ نسخها: مكتوب بالفارسية، فلم أستطع أن أقرأه.

- اسم الناسخ: عبد الرسول بن محمد القرشي.

ص: 60

- عدد اللوحات: 370 لوحة.

- مصدرها: جامعة الملك سعود، ومحفوظة هناك تحت رقم:[1025].

- نوع الخط: نسخ جيد، وكتب بعض الأحرف بخط الرقعة.

- الملاحظات عليها: هي أتقن النسخ المعتمدة في التحقيق.

رابعًا: النسخة (د):

- تاريخ نسخها: لا يوجد.

- اسم الناسخ: لا يوجد.

- عدد اللوحات: 353 لوحة.

- مصدرهما: مكتبة مكة المكرمة، ومحفوظة هناك تحت رقم:[24 أدعية]، وتم الحصول عليها عن طريق الشيخ الكريم/ عبد الودود، صاحب موقع "ودود"، فجزاه الله خيرًا.

- نوع الخط: نسخ عادي.

- الملاحظات عليها:

1 -

نسخة متوسطة الضبط.

2 -

من اللوحة (1/ أ) حتى اللوحة (11/ أ) مكتوبة بخط مغاير.

3 -

سقطت منها آخر لوحة.

4 -

كثيرًا ما تتشابه مع النسخة (ج)، وإن كانت أقلّ منها في الضبط.

خامسًا: النسخة (هـ):

- تاريخ نسخها: لا يوجد.

- اسم الناسخ: لا يوجد.

ص: 61

- عدد اللوحات: 79 لوحة.

- مصدرها: جامعة الملك سعود، ومحفوظة هناك تحت رقم:[2394].

- نوع الخط: نسخ جيد.

- الملاحظات عليها:

1 -

نسخة جيدة الضبط.

2 -

سقطت منها اللوحة رقم (19).

وصف النسخة المعتمدة في التحقيق:

- النسخة (م):

وهي نسخة مطبوعة لكتاب "الحصن الحصين" لابن الجَزَري، وهذه هي بياناتها:

الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين، للإمام أبي الخير محمد بن محمد بن محمد بن الجَزَري، تحقيق: خير الله الشريف، دار البشائر الإسلامية.

وصف النسخة الخطية لكتاب "مفتاح الحصن الحصين" لابن الجزري المعتمدة في التخريج:

- تاريخ نسخها: لا يوجد.

- اسم الناسخ: إبراهيم الفيشاوي بن مصطفى عبد الدائم.

- عدد اللوحات: 27 لوحة.

- مصدرها: المكتبة الأزهرية بمصر، ومحفوظة هناك تحت رقم:

ص: 62

[3855 حديث، خصوص]، أو:[53123 عموم].

- نوع الخط: نسخ عادي.

- الملاحظات عليها: متوسطة الضبط، وفيها تقديم وتأخير في بعف المواضع.

‌عملي في الكتاب:

• قمتُ بنسْخِ المخطوط، ومعارضته بالنُّسخِ الأخري، وإثباتِ أهمِّ الفروق بين النُّسخ، وجعلتها بين معقوفين مع الإشارة.

• قدمت للكتاب بدراسة عن الكتاب، ومصنفه، ووصف نسخ الكتاب الخطية وتوثيقها، وأثبت صحة نسبتها إلى المؤلف.

• ترجمت للمؤلف وبينت منهجه وكذلك ترجمت للماتن وبينت منهجه في كتابه.

• اعتنيت بإخراج نص الكتاب إخراجًا صحيحًا سليمًا قدر المستطاع.

• عزوت الآياتِ القرآنية إلى مواضعها من القرآن الكريم، بذكر اسم السورة، ورقم الآية.

• عزوتُ الأحاديث النبوية والآثار وحدّدت مكانها بحسب ذكر المؤلف لمخرِّجيها، هذا بالنسبة للمتن وأما ما ذكره المؤلف في الشرح مهملًا بدون عزو فعزوته ثم خرّجته وحكمت عليه غالبًا بحسب الصناعة الحديثية، هذا إذا لم أجد أحدًا قد حكم

ص: 63

عليه ممن سبقني أما إذا وجدت حكمًا على الحديث بمن سبقني فإنِّي غالبًا أنقل حكمه مقتصرًا عليه.

• وثّقت الأقوال والمنقول بذكر مصدرها إن اهتديت إليها.

• سلك المؤلف في مواضع من الكتاب مسلك المتأخرين في التأويل، فعلقت عليه ملتزمًا منهج السلف في ذلك وأرجو أن لا يكون قد فاتني منها شيء.

• شَرَحْتُ الألفاظ والمصطلحات الغريبة.

• اعتمدت على مخطوط كتاب ابن الجزري: مفتاح الحصن الحصين، في حل كثير من العبارات.

وَضَعْتُ فهارس عامة للكتاب، وهي:

• فهرس الأحاديث النبوية والآثار.

• فهرس المصادر.

• فهرس الموضوعات.

ص: 64

نماذج من النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق

الصفحة الأولى من النسخة (أ)

ص: 65

الصفحة الأخيرة من النسخة (أ)

ص: 66

الصفحة الأولى من النسخة (ب)

ص: 67

الصفحة الأخيرة من النسخة (ب)

ص: 68

الصفحة الأولى من النسخة (ج)

ص: 69

الصفحة الأخيرة من النسخة (ج)

ص: 70

الصفحة الأولى من النسخة (د)

ص: 71

الصفحة الأخيرة من النسخة (د)

ص: 72

الصفحة الأولى من النسخة (هـ)

ص: 73

الصفحة الأخيرة من النسخة (هـ)

ص: 74

بسم الله الرحمن الرحيم

[وبه ثقتي]

(1)

الحمد لله الذي جعل ذِكْره حصنًا حصينًا من كلّ بابٍ، ودعاءه حِرزًا أمينًا للثواب، والصلاة والسلام على من ذِكْره مسَتطابٌ، ودعاؤه مستجابٌ، وأوتي الكتابَ وفصلَ الخطابِ، وعلى الآل والأصحاب، وأتباعهم إلى يوم المآب.

أما بعد، فيقول أفقرُ عبادِ اللهِ الغنيّ، وأحوجهم إلى كرمه الوفيّ، ولطفه الخفيّ عليُّ بن سلطان محمد الهروي، خادم الكتاب القديم والحديث النبوي: إن هذا شرحٌ متوسطٌ غيرُ مخلّ ولا مملّ للطّالبينَ، على كتاب "الحصن الحصيِن" لشيخ القراءِ والمحدثين، وخاتمة الحفّاظ والمجتهدين، [وعلم]

(2)

العلماء المعتبرين وأفضل الفضلاء المتبحرين، مولانا وسيدِنا وشيخِ مشايخنا وسندِنا، الشيخ محمد بن محمد بن محمد الجزريِّ الشافعيّ، نوَّر الله مرقدَه، وبرّد الله مضجعَه، وأفاض علينا من مدَدِه، وأسبغَ علينا من عددِه، وسمّيته بـ"الحرز الثمين للحصن الحصين"، حيث يبين ضبطَ مبانيه، ويعيّن ربط معانيه، ويحل عقد

(1)

من (ب) و (هـ) فقط، وبعدها في (ب) زيادة:"وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم"، وفي (أ):"رب يسِّر يا كريم".

(2)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ) و (هـ):"وأعلم".

ص: 75

رموزِه، ويفتَح طرق كنوزه.

فأقول وبالله التوفيق، ومنه الاستعانة في التحقيقِ: قال الشيخ رحمة الله عليه من فضله العميم: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} أي: أستعينُ باسمه، وأتبرك برسمه، وهو المعبود الواجب الوجود، صاحب الكرم والجود، والمفيض [بجلائل]

(1)

النعم ودقائقها، المتفضل بفضائل الشيم، وحقائقها في الدنيا والعُقْبَيّ، والآخرةُ خيرٌ وأبقيّ، ثم الاكتفاء بصيغتَيِ المبالغة المأخوذتين من الرحمة من بين الأسماء الحسنيّ، والصفات العلى، الشاملة لنعوت الجمال والجلال لذات الكمال، إشعارٌ بأن رحمته سبقت غضبه في جميعِ الأحوال.

[ومبحث]

(2)

البسملة مع الحمدلة وما يتعلق بهما ذكرناه في خطبة "شرح المشكاة"

(3)

مستوفًى، ثم إنّ الشيخ رحمه الله اختار طريق المغاربة، وهو إتيان الصلاة بين البسملة والحمدلة تبعًا للإمام الشاطبيّ، فقال:(اللهم) وهي كلمة يكثر استعمالها في الثناء، وحالة التضرع في الدعاء، وقد أمر الله سبحانه نبيّه عليه الصلاة والسلام بقوله:{قُل اللَّهُمَّ} في قديم الكلامِ، [وكذا]

(4)

وردت الدعواتُ مصدرةً بها في أكثر

(1)

كذا في (ج)، وفي (أ) و (ب) و (د) و (هـ):"لجلائل".

(2)

كذا في (ب) و (ج)، وفي (أ) و (د) و (هـ):"وبحث".

(3)

"مرقاة المفاتيح"(1/ 43).

(4)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د) و (هـ):"ولذا".

ص: 76

الأوقاتِ، وهو بمعنى: يا ألله الجامعُ لجميعِ الأسماءِ، الشّامل لسائر الثناء، والميم معوض عن حرف النداء، ولذا لا يجتمعان إلَّا في النادر، كما ندر إليه قول الشاعر:

إنّي إذا ما حادثٌ أَلَمَّا

أقول يا [ألله]

(1)

يا اللهمّا

(2)

وهمز الجلالة في حالة النداء مقطوعٌ إلَّا في النّادر، وأما همز "اللهم"، فهو موصول

(3)

إلَّا في الضرورة، كما وقع في "الشاطبية":

وناديت أللهم يا خيرَ سامعٍ

أعذني من التسميعِ قولًا ومفعلًا

(4)

وكذا وقع شاذًّا في قول بعض الصحابة شعر:

لَاهُمَّ إني ناشدٌ محمدًا

(5)

وقيل: أصله: يا ألله، أمنا بخير، أي: اقصدنا بدفع كلّ ضيرٍ، فحذف ما حذف إيماءً إلى إخفاءِ الدعاءِ عن الغير، وروي عن "الحسن البصري أنه قال: اللهم مجتمع الدعاء، وعن النضر بن شميل: من قال: اللهم، سأل الله بجميع الأسماء"

(6)

، وعن أبي رجاء العطاردي: "أن الميم في قوله:

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج)، وفي (د) و (هـ):"اللهم".

(2)

البيت في "المقتضب" للمبرد (3/ 41).

(3)

بعدها في (ج) زيادة: "فاختصر هذا الاسم كالجلالة بقطع الهمزة".

(4)

"حرز الأماني"(صـ 6).

(5)

هذا الشطر من قول عمرو بن سالم بن حصيرة، قاله للنبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، انظر "الاشتقاق" لابن دريد (1/ 475).

(6)

"فتح الباري"(11/ 155).

ص: 77

"اللهم" فيها تسعة وتسعون اسمًا، يعرفها أرباب النقول، وأصحاب العقول"

(1)

.

ومجمل الكلام في تحصيل المرام أن معناه: يا من اجتمعت له الأسماء الحسنى، وتحققت له الصفاتُ العلى

(2)

.

(صلِّ على سيِّدِ الخلق) أي: على أفضل المخلوقات، وأكمل الموجوداتِ، ولما أمر الله سبحانه عباده بالصلاة عليه، ولم يبلغ أحدٌ قدر الواجب من ذلك، أحالوها عليه، لأنه أعلمُ بما يليق به، كذا قاله المصنف تبعًا لصاحب "النهاية"

(3)

؛ ففيه إشعارٌ بأنّ الخلق عاجزون عن أداءِ [صلاته]

(4)

، وقاصرون عن بيان نعوته وصفاته، لعلوّ كمال ذاته، فعدَلوا عما أُمروا بقوله تعالى:{صَلُّوا عَلَيهِ} إلى العجز لديه، وردّ الصلاة إليه بقولهم:"اللهم صلّ عليه".

فـ "صَلِّ" أمرٌ فيه معنى الاستدعاء لإنزال الرحمة عليه من السماء؛ ولذا [تعدي]

(5)

بـ"على" على ألسنة الفصحاء

(6)

، فلا يَرِد أنَّ "على" للضرر في

(1)

أورده ابن قيم الجوزية في "جلاء الأفهام"(صـ 156).

(2)

ينظر في ذلك قول السخاوي في "القول البديع"(ص 76).

(3)

"النهاية" لابن الأثير (3/ 50) مادة (ص 76).

(4)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د) ونسخة كما في حاشية (هـ)، وفي (هـ):"الصلاة عليه".

(5)

كذا في (ب) و (د)، وفي (أ):"يتعدى"، وفي (ج) و (هـ):"يعدى".

(6)

بعدها في (هـ) زيادة: "والبلغاء".

ص: 78

استعمال الكلام؛ فإن محلّه إذا وقع مقابلًا للام، كقوله سبحانه:{لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَت} ، وشهد له، وشهد عليه، ودعا له وعليه، وحكم له وعليه، لا كلّ ما يكون تعديته بـ "على"، [وإلا]

(1)

يرد عليه نحو قوله تعالى: {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا} وقيل: "الصلاة بمعنى الثناء بخير، وهو لا يتعدى إلا بـ"على"، فإنها لو كانت حينئذٍ لغير النفع، لوقع التدافع من غير الدفع".

هذا، وقد قال بعضهم

(2)

: "معناه: اللهم عظّم محمدًا في الدنيا بإعلاء ذِكْره، وإظهار دينِه، وإبقاءِ شريعتِه، وفي الآخرة بتشفيعه في أُمَّته، وإجزال أجره ومثوبته، وإبداء فضيلته ومرتبته على الأولين والآخرين من الخلق أجمعين، بالسيادة العظمى والسعادة الكبرى، من المقام المحمود، والحوض المورود، لأرباب الشهود"، وسيأتي بعض ما يتعلَّق بالمرام في محلّه الأليق ببسط الكلام.

(محمَّدٍ) بالجر على أنه بدل، أو عطف بيانٍ، ويجوز رفعه، وكذا نصبه لو ساعده رسمه، كما قرئ بالوجوه الثلاثة في قوله تعالى:{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ (2)} ، وهو في الأصل اسم مفعول من "حمَّد" مبالغة "حَمِدَ" نقل من الوصفية إلى المرتبة العلمية، أي: مَن كثرت صفاته الحميدة، وكمالاته السعيدة، وقد حمده رب العالمين وخالق الأولين

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"ولا".

(2)

النهاية (3/ 95).

ص: 79

والآخرين، لاسيما في المقام المحمود، وحال نشر اللواء الممدود.

(وعلى آله) أي: أهل بيته، وأقاربه وعترته ردًّا على الخارجية، ولفظ "على" موجود على الصحيح، وفي بعض النسخ مفقودٌ، وأمّا ما ذكره بعض الشيعة من أن "من فصل بيني وبين آلى بـ"على" فعليه كذا"، فهو حديثٌ موضوعٌ مصنوعٌ [مرقوعٌ]

(1)

.

(وصحبه) أي: وعلى أصحابه الكرام، وأرباب مكارم الفخام، حطًّا على [الرافضة]

(2)

، ثم تحقيقُ الآلِ والصَّحْب لغةً واصطلاحًا، وإن كان يوجب إيضاحًا، لكن قد يفضي إلى ملالٍ لا يقبل [اصطلاحًا]

(3)

.

(وسلِّم) بكسر اللام عطفًا على "صلّ" كما هو واضح، وجمع بينهما لما

(4)

في التنزيل إليه لائح، والمعنى: أَدِمْ سلامته بكماله عن النقصان، وزِدْ في انقياد الخلق له بالإيمان، فالتسليم كالتتميم.

(1)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (ب) و (هـ):"مرفوع".

في كتاب "الطّرة على الغرّة": (ص 12 - 14) للآلوسي: أنه شاع عن الرافضة كراهة الفصل بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين آله بحرف (على)، لحديث موضوع يروونه في ذلك "من فصل بيني وبين آلى بعلى لم يَنَلْ شفاعتي" وقد نصّ غيرُ واحدٍ من الشيعة على أنه موضوع .. إذا فينبغي لأهل السنة منابذة الرافضة، فليقولوا:"وعلى آله"، وانظر - غير مأمور - "معجم المناهي اللفظية":(61).

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (هـ)، وفي (ج) و (د):"الرافضية".

(3)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د) و (هـ):"إصلاحًا".

(4)

بعدها في (د) زيادة: "وقع".

ص: 80

ثم اعلم أنّ في بعض النسخ المصححة وقع هنا

(1)

قوله: "لا إله إلَّا الله عدة للقائه، ويدل كلام بعض المحشين عك وجوده وبقائه، ففي كلمة التوحيد، وقضية التفريد إيماءٌ إلى ما روي من الحديث القدسي، [المستفيضِ]

(2)

من الكلام النفسي

(3)

، بالطريق المسلسل عن الإمام علي الرضيّ، إلى آبائه الكرام، إلى جده، إلى جبريل عليه السلام:"لا إله إلَّا الله حصني، فمن دخل حصني أَمِن من عذابي"

(4)

، وقد شرحه الشيخ أحمد الغزالي،

(1)

كتب بجوارها في حاشية (أ): "أي عقيب البسملة، عك ما رأيته موشًّى".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د) ونسخة كما في حاشية (هـ)، وفي (هـ):"المستفيض".

(3)

كأنه يشير إلى أنَّ كلام الله معنى قائما بالنفس لا يتعلق بالمشيئة فهو قولٌ باطل، وهو اعتقاد الأشاعرة وغيرهم، والاعتقاد الصحيح اعتقاد أهل السنة والجماعة وهو: أنَّ كلام الله صفة من صفاته الذاتية والفعلية، فهو متصف بصفة الكلام أزليًا، وهو سبحانه يتكلم متى شاء، إذا شاء، كيف شاء، وكلامه حقيقة، بحرف وصوت، لا يشابه كلام المخلوقين، والقرآن كلام الله منزَّل غير مخلوق. ومن شدة اللبس في هذه المسألة كثر نهي السلف عن الخوض فيها. ينظر للتفصيل: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 241)، ومجموع الفتاوى (12/ 37)، (6/ 294 - 297) ومختصر الصواعق المرسلة (2/ 277). ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله رسالة تسمى (التسعينية) يرد فيه على بدعة الكلام النفسى من تسعين وجها لذلك سميت بالتسعينية وهي مطبوعة.

(4)

أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (7/ 115)، والرافعي في التدوين (2/ 214)، والديلمي في الفردوس (8082)، وضعفه العراقي في تخريج =

ص: 81

أخو حجة الإسلام

(1)

، في غايةٍ من النظامِ على طريق السادة الكرام.

ثم من جملة الكلام في هذا المقام مبنًى ومعنًى هو أن الاسم الكريمَ مرفوعٌ على البدليّة من موضع "لا إله" المرفوعِ المحلّ بالابتدائية، ولا يجوز نصبُه حملًا على إبداله من اسم "لا" المنصوب؛ لأن "لا" لا تعمل إلَّا في نكرة منفيّةٍ، كذا في "شرح دعاء الشيخ أبي حربة"

(2)

أحد المشايخ اليمنية

(3)

.

= الإحياء (1/ 167)، وأورده ابن عراق في تنزيه الشريعة (1/ 147). وضعفه الألباني في الضعيفة (4037).

(1)

أحمد بن محمد بن محمد، أبو الفتح، الغزالي الطوسي، أخو الغزالي حجة الإسلام أبي حامد، من كبار الوعاظ، جاءت عنه حكايات تدل على إخلاله وكان يضع، تُوفِّيَ سنة:(520). راجع ترجمته في: "طبقات الشافعي الكبرى" للتاج السبكي (6/ 60)، "لسان الميزان" لابن حجر (ت 805).

(2)

دعاء ختم القرآن مشهور شرحه الحسين بن عبد الرَّحمن الأهدل في كتاب ضخم بعنوان كشف الكربة في شرح دعاء أبي حربة مخطوط بمكتبة الجامع 88 مجاميع وشرحه ابن ص 276 واختصر شرح الأهدل السابق حفيده الطاهر بن حسين الأهدل المتوفي 998 بعنوان: مطالب أهل القربة النور السافر ص 449.

(3)

محمد بن يعقوب بن الكميت بن سود بن الكميت، أبو عبد الله، المعروف بأبي حربة، من بني قهب بن راشد، من قبائل علي بن عدنان، من فقهاء الشافعية باليمن، له "رسالة في كيفية رياضة النفس"، و"دعاء" جعله لختم القرآن، شرحه الفقيه حسين الأهدل في نحو مجلدين، ولعله الشرح المشار إليه، توفي سنة:724. راجع ترجمته في: "الأعلام" للزركلي (7/ 146)، و"معجم المؤلفين" لكحالة (3/ رقم: 16425)، ومصادر الفكر الإسلامي في اليمن (ص: 22).

ص: 82

وقد حقق ابن كمال باشا

(1)

في حاشيته على التلويح، ما يفيد [للمبحث]

(2)

بعض التوضيح، حيث قال في مقام التنقيح:"اعلم أن الاستثناء في كلمة التوحيد لا يجوز أن يكون مفرغًا بأن يكون الخبرُ المحذوفُ عامًّا كموجودٍ أو في الوجود، ويكون "إلَّا الله" واقعًا موقعَه، كما وقع "إلَّا زيد" موقع الفاعل في نحو: "ما جاءني إلَّا زيد"؛ لأن المعنى على نفي الوجود عن إلهٍ سوى اللهِ تعالي، وهو إنما يحصل إذا جعل الاستثناء بدلًا من اسم "لا" على المحل؛ إذ حينئذٍ يقع الاستثناء موقعَ اسم "لا"، فيكون خبرُ "لا" خبرًا له، فينتفي الوجود عن إله سوى اللهِ سبحانه كما هو المطلوب، لا على نفي مغايرة الله سبحانه عن كل إلهٍ، وهو الذي يفيده الاستثناء المفرّغ؛ لأنه لما قام مقام الخبر كان القصد إلى نفيه كالخبر، فيفيد نفيَ مغايرته تعالى عن كلِّ إلهٍ، ولا يحصل به التوحيد كما لا يخفى"، انتهى.

وزدنا في "شرح شرح النخبة" فوائد يتحصل منها الزبدة التي عليها العمدة.

(1)

أحمد بن سليمان بن كمال باشا، المشهور بابن كمال باشا، شمس الدين، تركي الأصل، مستعرب، قاض من العلماء بالحديث ورجاله. قال التاجي: قلما يوجد فن من الفنون وليس لابن كمال باشا مصنف فيه، من مصنفاته:"تغيير التنقيح" في أصول الفقه، تُوفِّيَ سنة:940. راجع ترجمته في: "الأعلام" للزركلي (1/ 133)، و"معجم المؤلفين" لكحالة (1110).

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (د) و (هـ)، وفي (ج):"للبحث".

ص: 83

ثم قوله: "عدة" ضُبِط بالنصب على أنه مفعول [له]

(1)

بتقدير: "أقولها"، وفي بعض النسخ بالرفع على أنه مبتدأ خبره مقدّم عليه، والأظهر أن يكون خبر المبتدأ، أي:"كلمة لا إله إلَّا اللهُ عدة للقائه"، والعُدّة - بالضم - على ما قاله المؤلف وغيره هو: ما أعدّه الإنسان لحوادث الدهر من السلاح والمال وغيرهما"

(2)

.

ثم المراد بكلمة "لا إله إلَّا الله" كلمتا الشهادة، فلا يرد إشكال ترك ذكر الرسالة؛ ولذا قال بعض المحققين

(3)

: "قول: "لا إله إلَّا اللهُ" لقب جرى على النطق بالشهادتين في الشريعةِ"، وبه يتم ما ورد في الحديث:"من قال: لا إله إلَّا الله، دخل الجَنَّة"، وقيل:"المراد بـ"لا إله إلَّا الله" مجموع كلمتي الشهادةِ، فصار الجزء الأول عَلَمًا عليه، أو [اكتفاءً]

(4)

بالإشارة إليه، كما يقال: قرأت {قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} أي: السورة".

(قال الفقير) اختلف صنيع المصنّفين، فبعضهم لم يذكر اسمه ولا نعته ورسمه خوفًا من السمعة والرياءِ، واكتفاءً بمن يعلمُ الجهر والخفاءَ، وبعضهم يبين ذِكْره، ويعين وصفه، لاسيما في العلوم النقلية؛ ليصلح

(1)

من (أ) و (ج) و (هـ) فقط.

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 2/ أ).

(3)

قال ابن المنير فيما نقله عنه ابن حجر في "الفتح"(3/ 110): "قول: لا إله إلَّا الله لقبٌ جرى على النطق بالشهادتين شرعًا".

(4)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"اكتفى".

ص: 84

الاعتماد على أقواله الجليّة، وليكون وسيلةً إلى دعاء الأحباءِ في الأحوال الرضيّة، فسلك الشيخ رحمه الله هذا المسلك الشريف، وقال:"قال الفقير".

(الضعيف) والفقير هو المحتاج، وهو شأنُ كلّ عبدٍ جليلٍ أو حقيرٍ، كما قال تعالى:{وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} [محمد: 38]، والضعيف ضد القوي، والله هو القوي القادر، والعبد هو الضعيف العاجز، لاسيما وقد قال سبحانه:{وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)} .

وفيه إشعار إلى كلام بعض الأكابر: "من عَرَف نفسَهُ فقد عَرَف ربّه"، أي: من عرف نفسه بالفقر، فقد عرف ربه بالغنيّ، ومن عرف نفسه بالعجز، فقد عرف ربّه بالقوة، ومن عرف نفسه بالفَناء، فقد عرف ربّه بالبقاء، وأمثال ذلك مما يطول عليه الكلام، ويخرجنا عن المقصود والمرام.

(المسكين) وهو عندنا

(1)

أسوء حالًا من الفقير، كما يدلُّ عليه قوله تعالى:{أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16)} ، خلافًا للشافعي

(2)

استدلالًا بقوله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} ، وأجيب بأنها كانت لهم عَمَلًا وكسبًا، لا ملكًا وتصرفًا، ويؤيد مذهبَنَا قولُه عليه السلام: "اللهم أحيني مسكينًا،

(1)

راجع: "بدائع الصنائع" للكاساني (2/ 43 - 44)، و"فتح القدير" لابن الهمام (2/ 265 - 266).

(2)

راجع: "روضة الطالبين" للنووي (2/ 170، 173).

ص: 85

وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين"

(1)

، مبالغةً في تعظيمهم، [وتحسين مقامهم]

(2)

وتكريمهم.

وفي "الْمُغْرِب": "قالوا: أراد التواضع والإخبات، وأن لا يكون من الجبارين"

(3)

، انتهى.

وأما حديث: "الفقر فَخْرِي"، فباطل لا أصل له، على ما صرّح به العسقلاني

(4)

وغيره من الحفاظ.

(1)

إسناده ضعيف جدًّا.

أخرجه ابن ماجة رقم (4126) من طريق يزيد بن سنان عن أبي المبارك عن عطاء عن أبي سعيد به مرفوعًا، وفي هذا السند يزيد بن سنان ضعيف، وأبو المبارك: مجهول.

تنبيه: ذكر الشيخ ناصر الدين الألباني - رحمه الله تعالى - هذا الحديث في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" مصححا له ووهم عفا الله عنه فقد ركب متن هذا الحديث على إسناد الحديث المتقدم الذي هو همام عن قتادة عن أبي عيسى الأسواري عن أبي سعيد به مرفوعًا ثم إن الشيخ استدرك هذا فذكره في "الإرواء" بالسند الحقيقي الذي هو سند الحديث الذي بين أيدينا وضعفه هناك.

وانظر "السلسلة الصحيحة" رقم "308"، و"إرواء الغليل" رقم "861".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (في)، وفي (هـ):"وتحسينًا لمقامهم".

(3)

"المغرب" للمطرزي (1/ 406) مادة (س ك ن).

(4)

"التلخيص الحبير"(4/ 2130)، وقال هناك:"وهذا الحديث سئل عنه الحافظ ابن تيمية، فقال: هو كذب لا يعرف في شيء من كتب المسلمين المروية"، ثم =

ص: 86

(المنقطع) عن الخلق، المتوجه (إلى الله تعالى) عَمَلًا بقوله سبحانه:{وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل: 8]، وبقوله:{فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} [الذاريات: 50]

(1)

، وبالحديث القدسي: "أنا [بدك]

(2)

اللازم"

(3)

، أي: فكن لبدك الملازم، وبقولهم:"الاستئناس بالناس من علامة الإفلاس".

(الراجي) أي: المتوقع (من كرمه) لاستواء وجود الغير وعدمه (أن ينجيه) من الإنجاء، وفي نسخة: من التنجية، أي: يخلصه الله (من القوم الظالمين) أي: من ظلمهم وتعديهم إليه وإلى غيره من المسلمين، وفيه إيماءٌ إلى ما سيذكره المؤلف في قضيته مع بعضِ أعداءِ الدين، أو من صحبتهم ومجالستهم في هذه الدار؛ لقوله تعالى:{وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود: 113] والركون أدنى الميل إلى مطلوبه، والظلمُ وضع الشيء في غير موضعه، واختصَّ عرفًا بالذنب المتعدي إلى الغير.

(محمد بن محمد بن محمد بن الجزري) اشترك اسمه واسم أبيه وجده في

= قال ابن حجر: "وجزم الصغاني بأنه موضوع". وانظر: "موضوعات الصغاني"(77)، و"مجموع الفتاوى"(11/ 117، و 18/ 123) لابن تيمية.

(1)

بعدها في (هـ) زيادة: {إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} .

(2)

كذا في (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"يدك"، وفي (ب):"بدلك".

(3)

أخرجه الخطيب في تاريخه (2/ 247) وقال هذا الحديث موضوع المتن، وأخرجه ابن الجوزي من طريقه في الموضوعات (برقم 1613)، وقال ابن عراق في تنزيه الشريعة (2/ 286): فالحديث موضوع.

ص: 87

هذا العلم الممجد كالغزالي، ثم الأول مرفوعٌ على البدل مما قبله، أو على أنه عطف بيانٍ له، و "ابن الجزري" في المرتبة الثالثة مجرور بالإضافة في أكثر النسخ المصححة، وفي "أصل السيد جمال الدين" هكذا "محمدٍ" بالتنوين.

وقوله: "ابنُ الجزري" بالرفع وثبوت الألف في "ابن" على أنه صفة لـ"محمد" الأول، فتأمل.

ثم الجزريّ مجرور بلا خلاف، وهو نسبة إلى جزيرة ابن عمر رضي الله عنهما

(1)

، وهو على ما في "القاموس":"بلدٌ شمالَي الموصل محيطٌ به دجلةُ مثلَ الهلالِ"

(2)

، انتهى.

والمعروف الآن بجزيرة الأكراد، حذف [منه]

(3)

الزوائد ثم نسب إليها، كالحنفية إلى أبي حنيفة، وفي "جامع الأصول":"الجزيرةُ هي البلاد التي بين العراق ودجلة، وبها ديار بكر وديار ربيعة"

(4)

.

(1)

كتب في حاشية (ج): "قال الشارح في شرحه على "المقدمة الجزرية" ما نصه: "والمراد بابن عمر الذي نسب إليه هو عبد العزيز بن عمر، وهو رجل من أهل برقعيد من عمل الموصل، بناها فنسبت إليه" إلى أن قال الشارح:"فليس بصحابي كما توهمه بعضهم"، انتهى ما قال نفس الشارح، فحينئذٍ قوله: رضي الله عنهما، من الناسخ".

(2)

"القاموس" للفيروزآبادي (1/ 386) مادة (ج ز ر).

(3)

كذا في (ب) و (ج)، وفي (أ) و (د) و (هـ):"منها".

(4)

"جامع الأصول" لابن الأثير (12/ 278)، وفيه:"بين الفرات ودجلة".

ص: 88

(لطف الله تعالى به في شدته) أي: في حال محنته، وفي نسخة:"من شدته"، أي: من أجل بليّته، والجملة خبريةٌ مبنًى دعائيةٌ معنًى، وفي "النهاية":"يقال: لطف به وله بالفتح يلطف لطفًا، إذا رفق به، وأما لطُف يلطُف بالضم فيهما، فمعناه صغر ودق"

(1)

.

قلت: ومن الأول قوله: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ} [الشورى: 19]، ويمكن أن يكون من الثاني، بمعنى أنه خفيّ اللطف ودقيقه، بحيث إنه لا يظهر لكل أحد تحقيقه.

(أما بعد حمد الله) بالإضافة مثل قولهم: بعد السلام، والمعنى: بعد كمال الثناء لصاحب البقاء (الذي جعل الدعاء لرد القضاءِ) أي: المعلق من البلاء، أو لتهوين المحتم في لازم الابتلاء، كما سيأتي في الحديث الآتي في الأثناء.

(والصلاة) أي: وبعد إرسال الصلاة، (والسلام على محمد سيّد الأنبياء) بالجر، وجوِّز رفعه ونصبه، والأنبياء بالياء بعد الباء على النسخ المصححة، وعليه جمهور القراء، وفي نسخة: بالهمزة بعد الموحدة؛ على ما اختاره الإمام نافعٌ في هذه المادة، ثم المهموز مبنيٌّ على أنه فعيلٌ من النبأ بمعنى الفاعل أو المفعول، فإن النبيّ هو المخبر والمخبر له، وأما غير المهموز، فمختار المحققين أنه أبدل الهمزة ياء فأدغم، وقيل:

(1)

النهاية (4/ 251).

ص: 89

"مأخوذ من النبوة بمعنى الرفعة، فإنه رفيعُ القدرِ، فأبدل الواو ياءً لسبقها وسكونها".

والنبي أعم من الرسول، فإنه - على الصحيح -: رجلٌ أوحي إليه سواءٌ أمر بتبليغه أم لا، والرسول من أمر بالتبليغ، فلإفادة التعميم خص إضافة السيادة إلى الأنبياء

(1)

.

ولما كان من المعلوم على قواعد أهل السنة أنّ خواصّ البشر أفضلُ من خواص [الملائكة]

(2)

، علم حال غيرِ الأنبياء بالأولى.

(وعلى آله) أي: أقاربه وأهل بيته، (وصحبه) اسم جمع لـ "صاحب"، وهو في اصطلاح المحدثين:"من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا، ومات على الإسلام"

(3)

. وفي نسخة: "وأصحابه".

(1)

قال ابن حجر: كانت ردا على اعتراض على قول ابن الصلاح (على نبينا) بأن النبي أعم من الرسول البشري فلم عدل عن الوصف بالرسالة؟ أجاب الحافظ ابن حجر وقال: إن المقام مقام تعريف يحصل الاكتفاء فيه بأي صفة كانت (النكت على كتاب ابن الملاح 1/ 57).

(2)

كذا في (هـ)، وفي (أ) و (ب) و (ج) و (د):"الملك".

(3)

ما عليه عامة أهل الحديث وهو: من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به، ومات على الإسلام.

قال ابن الصلاح: "اختلف أهل العلم في أنّ الصحابي منْ؟ فالمعروف من طريقة أهل الحديث أن كلّ مسلمٍ رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو من الصحابة".

وبهذا القول قال شعبة وعلي بن المديني وأحمد وأصحابه والبخاري والخطيب البغدادي وغيرهم من أهل الحديث =

ص: 90

(الأتقياء) جمع تقيّ، والمراد به: المتقي عن المعاصي (الأصفياء) جمع صفيّ، وهو من صَفَا له الحال، وحصل له مراتب الكمال في الأقوال والأفعال، والوصفان لكل منهما، أو على طريق اللف والنشر المناسب لقوله صلى الله عليه وسلم:"آل محمدٍ كلُّ تقي"، فالمراد به: المتقي عن الشرك، ويمكن أن يراد بآله اتباعُه، فالعطف من باب التخصيص بعد التعميم، لزيادة التشريف والتعظيم.

(فإنّ هذا الحصنَ الحصينَ) أي: القلعة

(1)

المحكمة على طريق الاستعارة، فالحصن بمعنى الحصار، والحصين فعيل بمعنى المفعول، أي: محصون ومضبوط، صفة احترازية، إذ ليس كلّ حصن حصينًا، فاندفع به ما توهم مولانا الحنفيّ حيث جعله من قبيل "ظل ظليل" لإفادة المبالغة.

ثم الإشارة إلى المحسوس البصري أو إلى المدرك الذهني، بناءً على تأخير الخطبة وتقديمها الرسميّ، وقال بعضهم:"أشير إلى تسمية الكتاب تيمّنًا وتحصنًا، ووجه التسمية أنه كان محتاجًا إلى حصنٍ كما قال: "فتحصنت بهذا الحصنِ"، فسماه حصنًا فنجاه الله تعالى.

(من كلام سيّد المرسلين) فيه تفننُ العبارةِ كما سبق إليه الإشارة، فقيل:

= انظر: الكفاية في علم الرواية للخطيب ص (50 - 51)، وعلوم الحديث لابن الصلاح ص 293، والإصابة في تمييز الصحابة (1/ 5)، وفتح المغيث (3/ 93)، وتدريب الرواي (1/ 667).

(1)

بعدها في (هـ) زيادة: "الحصينة".

ص: 91

"هذا الحصن اسم إن، والجار والمجرور خبرُها، وكذا ما بعدهما من المتعاطفين إلى قوله: "بذلت"، فإنه جملة مستأنفةٌ، أو خبرٌ آخرُ"، وهو الأظهر.

وقال ميرك شاه

(1)

: "والأولى أن يجعل "بذلت" خبر "إنّ"، وجملة ما قبله من المعطوف والمعطوف عليه اسمها، ولا محذور، فإن الممتنع هو العطف على محل اسم "إنّ" قبل مضيّ الخبر"، انتهى.

ولا يخفى أن هذا الإعراب بشرطهِ المذكورِ جائزٌ

عند أرباب العربيّة، بل هو مرجح عند القراءِ؛ حيث قرأ جمهورُهم في قوله تعالى:{وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا} [الجاثية: 32] برفع الساعة عطفًا على محلّ "إنّ" واسمها، بناءً على تقدُّم الخبر، وهو "حق"، أو [على]

(2)

جعلها مبتدأ وخبره {لا رَيْبَ فِيهَا} ، كما اختاره الجعبري

(3)

.

(1)

هو: نسيم الدين محمد بن ميرك شاه الحنفي من علماء القرن العاشر، له اهتمام بعلم الحديث. توفي والده - فيما ذكره سزكين - سنة 935 هـ له شرح على شمائل الترمذي وآخر على مشكاة المصابيح. وكتابه من أهم موارد القاري.

(2)

من (ج) و (د) و (هـ) فقط.

(3)

إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل، أبو إسحاق، الجعبري، يقال له:"شيخ الخليل"، وقد يعرف بـ "ابن السراج"، وكنيته في بغداد "تقي الدين"، وفي غيرها "برهان الدين"، له نحو مئة كتاب، أكثرها مختصر، عالم بالقراءات، من فقهاء الشافعية، له "شرح الشاطبية" المسمى "كنز المعاني شرح حرز الأماني - خ"، ولد سنة:(640)، وتُوفِّيَ سنة:(732). راجع ترجمته في: "الأعلام" للزركلي (1/ 55)، و"معجم المؤلفين" لكحالة (1/ رقم: 366).

ص: 92

لكن إذا جعل فيما نحن فيه ما قبل "بذلت"، من المعطوف والمعطوف عليه اسمها بالعطف المحلّي يقع المحذور المذكور من العطف قبل مضي الخبر، إلَّا أن يجعل قوله:"من كلام سيد المرسلين" هو الخبر، وكذا المجرورات فيما بعدَه، وإذا جعل خبرًا، فيكون قوله:"بذلت" خبرًا بعد خبرٍ.

نَعَم، لو [جعل]

(1)

المجروراتِ أوصافًا لما قبلها، بأن يقال: التقدير: فإن هذا الحصن الحصين الصادرَ من كلام سيد المرسلين

إلى آخره، بذلت فيه النصيحةَ؛ لكان الكلام على الجادة الفصيحةِ.

(وسلاح المؤمنين) بكسر السين، وهو ما يدفع به المؤمن عن نفسه ودينه الأعداء من شياطين الإنس والجن، وهو معطوف على "الحصن الحصين".

(من خِزانة النبي) بكسر الخاء، وهي ما يخزن فيه الأمتعة النفيسة، ومن اللطائف في باب اللغة: "لا تفتح الخِزانة والجِراب، ولا تكسر القنديل

(2)

"

(3)

.

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (د) و (هـ)، وفي (ج):"جعلت".

(2)

جاء في حاشية (ب): "صوابه القَصعَة، وإلا فالقِنْدِيل بالكسر لا غير كما في كتب اللغة". وفي "تصحيح التصحيف" للصفدي (ص 424): "يقولون: قِصْعة لواحدة القِصاع، والصواب: قَصعة، بالفتح، ولو كانت مكسورة الأول، لجمعت على قِصَع، وذلك غير معروف".

(3)

قاله الطيبي (تحفة الأحوذي 8/ 151).

ص: 93

وقوله: (الأمين) أي: صاحبِ الأمانةِ من كمال الديانةِ، وهو صلى الله عليه وسلم كان مشهورًا بمحمدٍ الأمينِ قبل البعثة والرسالة.

(والهيكل العظيم) ففي "الصحاح": "الهيكل: الفرس الضخم، والبناء المشرف"

(1)

، أي: العالي، وفي "المفتاح" للمصنف:"الهيكل: ذو الضخامة والشرف، ثم استعمل فيما يكتب من الأسماء الإلهية، والأدعية الربانية، ونحو ذلك"

(2)

، انتهى. وفي "القاموس":"هو الضخم من كلّ شيء"

(3)

، فوصفه بالعظيم للمبالغة في التعظيم.

(من قولِ الرسول الكريم) أي: المكرم، صفة للرسول أو للقول، وهو أبلغ وأنسبُ، والأول أشهرُ وأقربُ، وقرئ قوله تعالى:{رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون: 116] بالرفع شاذًّا.

(والحِرزِ المكنونِ) أي: المصون عن الغبار، وعن تصرف الأغيار، والحِرز بكسر الحاء: الموضع الحصين، والتعويذ والتوقي، على ما في "الصحاح"

(4)

، والمراد هنا التعويذ، على ما اقتصر عليه في "المهذب"، وهو ما يتعوذ به من أنواع البلاءِ؛ لقوله:(من لفظ المعصوم) أي: المحفوظ عن المعصية حفظًا بالغًا؛ ولهذا اختصّ العصمة في عرفِ

(1)

"الصحاح"(5/ 1851) مادة (هـ ك ل).

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 2/ أ).

(3)

"القاموس"(4/ 69).

(4)

"الصحاح"(3/ 873).

ص: 94

العلماء بالأنبياء، والحفظَ بالأولياءِ.

(المأمونِ) أي: عن وقوع المعصية، [وتقريرها]

(1)

على فرض تقديرها، وفي نسخة:"من لفظه"، فالمعصوم المأمون نعت "لفظه"، إشارة إلى قوله تعالمن:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: 3 - 4].

(بذلت) أي: أعطيتُ (فيه) أي: في تصنيف "الحصن"(النصيحة) أي: التي هي الواجبة على مقتضى الروايات الصحيحة: "إلا إن الدين النصيحةُ"

(2)

، كررها ثلاثًا صلى الله عليه وسلم، وهي كلمةٌ جامعةٌ يعبر بها عن جملةٍ هي إرادة الخير للمنصوح له، ويقال لها بالفارسية: " [نيك]

(3)

خواهي"، ومجمله ما ورد في حديث صحيح: "لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يُحب لنفسه"

(4)

، ويمكن أن يقال: المراد بها هنا النفع المتعدي، كما أن الظلم هو الضرر المتعدّي، فإن الشيخَ - نفعنا الله بعلومه - أراد نفع المسلمين بتأليفه.

(وأخرجته) أي: رويت ما في "الحصن" ونقلته (من الأحاديث

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"في تقريرها"، وفي (هـ):"وتقديرها".

(2)

أخرجه مسلم في "الصحيح"(95)، وابن حبان في "الصحيح"(4575) واللفظ له، من حديث تميم الداري به مرفوعًا.

(3)

كذا في (ج)، وفي (أ) و (ب) و (د):"نبك"، وفي (هـ):"ينك".

(4)

أخرجه البخاري في "الصحيح"(13) من حديث أنس بن مالك به مرفوعًا.

ص: 95

الصحيحة) أي: غالبًا، أو ادّعاءً أن المراد بها الثابتة احترازًا عن الموضوعة، فإنّ العمل بالحديث الضعيف جائزٌ

في فضائل الأعمال اتفاقًا

(1)

.

(أبرزته) استئنافُ بيانٍ، أي: أظهرته (عُدَّةً) مفعول له أو حالٌ، وهي بالضم: ما أعده الإنسان للحاجة، أي: قوةً (عند كل شدة) أي: بلية، (وجرّدته) بتشديد الراء، أي: أفردته من الأسانيد، أو أخلصته من جملة الأحاديث مما ليس بدعاءٍ، أو مما ليس بصحيح [و]

(2)

ثابت، كذا قيل، ففيه تأكيدٌ [لقوله]

(3)

: "أخرجته"، (جُنّةً) بضم الجيم، أي: حال كونه كالْجُنة، وقايةً عن الآفة والمحنة، قال المؤلف:"الجُنة بالضم: السترة، واستعمل فيما استتر به من سلاحٍ، ومنه: المِجَن بالكسر، وهو: الترس"

(4)

.

(تَقِي) صفة لـ "جُنّة"، أي: تحفظني ومن يتستر بها (من شرّ النّاس) أي: شرارهم، (والجِنة) بكسر الجيم بمعنى الجنّ الشامل للشياطين؛ لتَسَتُّرهم عن أعينِ النّاس، إذ مادة الجيم والنونين هي الستر، ومنها: الجنون، وجنّ عليه الليل، والجنة [مثله]

(5)

، وقدّم "الناس" هنا مراعاةً للسّجع، كما أخّر "الناس" في سورة النالس محافظة على الفواصل.

(1)

دعوى الاتفاق غير صحيح وسيأتي بيان ذلك.

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (هـ)، وفي (د):"أو".

(3)

كذا في (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ) و (ب):"بقوله".

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 2/ أ).

(5)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د) و (هـ):"مثلثة".

ص: 96

(تحصنت به) يقال: تحصن بكذا، أي: جعله حصنًا له، أي: امتنعت بهذا الحصن [عن]

(1)

شرّ الإنس والجن (فيما دهِمَ) "بكسر الهاء، وحكى أبو عبيدة

(2)

فيه الفتحَ أيضًا

(3)

، وهو ما أتى بغتةً من مكروهٍ"

(4)

، ذكره المؤلف، (من المصيبة) بيان لـ"ما"، "وهي واحدةُ المصائبِ، وهي الأمر المكروه ينزل بالإنسان، والمصيبة أيضًا السهام تصيب الغرض، وهو الهدف، وبذلك وردت التورية تامّة في البيت الآتي على أحسن الوجوه، ولعلي لم أسبق إليه"

(5)

، ذكره المؤلف.

(واعتصمت) أي: طلبت العصمة والحفظ (من كلّ ظالم بما حوى)

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"من".

(2)

هو: معمر بن المثنى، أبو عبيدة، التَّيْمي، البصري، النحوي، العلامة، صاحب التصانيف، كان متوسعًا في علم اللسان وأيام الناس، وكان يرى رأي الخوارج، قال المُبَرِّد:"كان أبو عبيدة عالمًا بالشعر والغريب والأخبار والنسب، وكان الأَصْمَعِي يشركه في الغريب والشعر والمعاني، وكان الأَصْمَعِي أعلم بالنحو منه"، ولد في سنة: 110، قيل: مات سنة 209، وقيل: مات 210. راجع ترجمته في: "تهذيب الكمال" للمزي (28/ رقم: 6107)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (9/ 445).

(3)

حكى عنه الفتحَ في هذا الفعل الجوهري في "الصحاح"(5/ 1924) ولفظه: "قال أبو عبيدة: ودَهَمْتُهم بالفتح لغة".

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 2/ أ).

(5)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 2/ أ).

ص: 97

أي: بسبب ما جمعه هذا "الحصن"(من السهام المصيبة) أي: من الدعوات التي هي كالسهام التي تصيب الغرض غير [مخطئة]

(1)

.

(وقلت شعرًا: ألاا قولوا لشخصٍ قد تقوى) ألا بالتخفيف للتنبيه، وأخطأ من قال هنا: إن الهمز للاستفهام، و"لا" للنفي، إذْ لا يصلح أن يكون "قولوا" مدخولًا لها، وقوله:"تقوى"، أي: أظهر قوته الحسّية وشوكته [الجاهية]

(2)

(على ضعفي ولم يخشى رقيبه) أي: على ضعف بنيتي، أو وهن [رتبتي]

(3)

، أو استولى عليَّ لأجل ضعفي، والحال أنه لم يخف رقيبه، أي: حافظه، وناظر أعماله، وحاضر أحواله، ومطلع أقواله، والضمير في "رقيبه" راجعٌ إلى الشخص، ومن أسمائه سبحانه الرقيب، وهو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيْءٌ، ومنه قوله تعالى:{وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} [الأحزاب: 27"، وقد قال الله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم: 42].

ثم اعلم أنه جاء في نسخة: "لا يخشى" على صيغة النفي، وهو ظاهر لا يخفيّ، لكن النسخ المصححة والأصول المعتمدة على إثبات الألف في:"لم يخشى"، قال المصنف: "إثبات الألف فيه ورد على لغة: أَلَمْ يَأْتِيكَ

(1)

كذا في (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ) و (ب):"مخطئته".

(2)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب) و (هـ):"الجاهلية".

(3)

كذا في (أ) و (ج) و (هـ)، وفي (ب):"رقبتي"، وفي (د):"مرتبتي".

ص: 98

وَالْأَنْبَاءُ تَنْمِي

(1)

، وعلى ذلك وردت رواية قنبل عن ابن كثير في قوله تعالى: (أرسله معنا غدًا [نرتعي]

(2)

ونلعب، وقوله تعالى:{إِنَّه مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ} [يوسف: 95]. وكان يمكن أن يقال: ولن [يخشى]

(3)

، أو: وما يخشى، ولكن لا يقوم مقام "ولم يخشى"؛ ولهذا يقال: هذه لغة الشعراء؛ لأن لهم مقاصدَ ومبانيَ على معانٍ لا يدركها أكثر علماء النحو"

(4)

، ذكره المؤلف، وبه ظهر بطلان النسخة المتقدمة.

(خَبَأْتُ له سهامًا في الليالي) أي: أخفيت لذلك الشخص الظالم المتقوي على الضعيف دعواتٍ مشابهة بالسهام الواقعة في أجواف الليالي التي هي أقرب إلى الإجابة؛ ولذا قال: (وأرجو أن تكون له مصيبه) أي: أن تصير سهام الدعوات مصيبةً لذلك الشخص، ومدركة لحاله ومآله، فـ "له" صفة "مصيبة" قُدِّمت عليها فصارت حالًا، فلا ضرورة إلى ما قاله الحنفي من أن تقديم الظرف لرعاية الوزن.

ثم قوله: "مصيبه" منصوبة على أنَّها خبر "تكون"، والاسم هو الضمير الراجع إلى السهام، وفي نسخة بالرفع على أن "تكون" تامّةٌ، فالمعنى:

(1)

صدر بيت من الوافر، وهو لقيس بن زهير العبسي، وعجزه: بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادِ، وهو من شواهد "الكتاب" لسيبويه (3/ 316).

(2)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ) و (هـ):"نرتع".

(3)

كذا في (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ) و (ب):"أخشى".

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 2/ أ).

ص: 99

أرجو أن تقع له مصيبة عظيمةٌ، وبليةٌ جسيمةٌ، على أن البيت ما يتزن إلَّا بالوقف، لا على النصب ولا على الرفع، وَإنما الإعرابُ المذكورُ على فرض الوصل، أو بيانِ الفصل.

(أسأل اللهُ العظيم أن ينفع) أي: اللهُ المسلمين في عموم أحوالهم (به) أي: بسبب هذا "الحصن"، وما فيه من الدعوات المأثورة، ومواظبتهم إياها، (وأن يُفَرِّج) بضم الياء وفتح الفاء وتشديد الراء المكسورة، وفي نسخة بفتح فسكون فضم، ففي "القاموس":"فَرَجَ اللهُ الغَمَّ يَفْرِجُهُ: كَشَفَه، كفرَّجَه"

(1)

، فالمعنى: يدفع المكروه من الظلم وغيره (عن كلّ مسلم بسببه) أي: بموجب تصنيفه وكتابته، أو بمقتضى العمل بما فيه وقراءته (على أنه) قيل:"متعلق بقوله: "فإن هذا الحصن"، أو: بقوله: "بذلت"، فـ "على" بمعنى "مع"، والأظهر الأقرب كما قال ميرك: "إنه متعلقٌ بقوله: "أسأل اللهُ""، وحينئذٍ على أنه للتعليل، أي: بناءً على أنه، أي: الحصن (مع اقتصاره) وهو ما إذا كان اللفظ والمعنى قليلًا (واختصاره) وهو ما إذا كان اللفظ قليلًا والمعنى كثيرًا، ذكره ميرك، وقيل: "هما بمعنًى واحدٍ، جمع بينهما تأكيدًا".

(لم يدع) بفتح الدال أي: لم يترك (حديثًا صحيحًا في بابه) في باب الدعاء، وطريق التحصن من البلاء (إلَّا استحضره) أي: جمعه (وأتى به) أي: أحاط

(1)

"القاموس"(1/ 201).

ص: 100

به؛ [إذ]

(1)

الباء للتعدية، أي: أُورِدُه هنا، والإسناد مجازي، أو التقدير: استحضره مؤلفه، وهو استثناء مفرّغ من أعم الأحوال والأوصاف، وتحقيقه عند قوله تعالى:{لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} [الكهف: 49]، أي: إلا حال تحقّقِ إحصائها، أو إلا بهذا الوصف.

(ولما أكملت ترتيبَه) أي: [بتبويبه]

(2)

، (وتهذيبه) أي: تنقيحه وتصحيحه وتصويبه، (طلبني عدو) أي: عظيمٌ (لا يمكن أن يدفعه) أي: يصرفه أحدٌ (إلا الله تعالى، فهربت) بفتح الراء، أي: فررت (منه مختفيًا) أي: حال كوني طالبًا للخفاءِ، (وتحصنت بهذا الحصن) أي: بقراءته أو بدوام ملازمته، (فرأيته)، وفي نسخة:"فرأيت سيد المرسلين"(صلى الله عليه وسلم وأنا جالس على يساره) أي: لأنه محلّ القلب، أو إشعارًا باليسار إلى اليسر خلاف العسر، والجملة حالية، والرؤية مناميّة لا كشفية، لقوله:(وكأنه صلى الله عليه وسلم يقول: ما تريد) أي: ما تتمنى أيها المريد من المزيد؟ (فقلت) أي: "له"، كما في نسخة صحيحة، قال ميرك:"كذا وقع في أصل سماعنا بعلامة خ، وهي أمارة النسخة، ووقع في بعض النسخ الحاضرة ملحقًا بـ "صح"، وليس هو في أكثر النسخ".

(يا رسول الله، ادع الله لي) أي: خصوصًا (وللمسلمين) أي: عمومًا، وفيه إشعارٌ بأنّ العدوّ إنما كان عدوًّا للدين، أو ظالِمًا لجميع المسلمين،

(1)

كذا في (ج)، وفي (أ) و (ب) و (د):"أو"، وفي (هـ):"و".

(2)

كذا في (ج)، وفي (أ) و (د):"تبويبه"، وفي (هـ):"بتسويده".

ص: 101

(فرفع صلى الله عليه وسلم يديه الكريمتين) أي: كما هو من آداب الدعاء على ما سيجيء بيانه (وأنا أنظر إليهما) أي: كأنهما محسوستان في نظره (فدعا، ثم مسح بهما وجهه الكريم)

(1)

وذلك أيضًا من آداب فراغ الدعاء، فالرفع إشارةٌ إلى الأدب وحسن الطلب، والمسح إيماءٌ إلى الحصول على وجه القبول، (وكان ذلك) أي: ما ذكر من الرؤيا (ليلة الخميس، فهرب العدو ليلة الأحد) أي: لم يتعد الإجابة عن ثلاث ليالٍ، وسيأتي مكان هذه القضية وبيان زمانها بخط المصنف في آخر الكتاب، (وفرّج الله) أي: أزال الغم والهم (عني وعن المسلمين ببركة ما في هذا الكتاب عنه) أي: مرويًّا عنه (صلى الله عليه وسلم) وفيه إيماءٌ لطيفٌ وإشعار شريف بأن من واظب على أدعية هذا الكتاب وأذكاره في كل باب، هرب عدوه من الجن والإنس عنه بلا ارتياب.

(وقد رمزت للكتب) أي: أشرت لها، وفي نسخة صحيحة:"الكتب"، بالنصب على نزع الخافض، أو المعنى: جعلت [رمز الكتب]

(2)

(التي خرّجت) بتشديد الراء، أي: أخرجت ونقلت (منها) أي: من تلك الكتب المنسوبةِ إلى المحدثين (هذه الأحاديث) أي: بحذف أسانيدِها (بحروف) أي: مفردة أو مركبة، والجار متعلق بـ "رمزت"، أو حال من

(1)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه في الدعاء: فقد جاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة، وأما مسحه وجهه بيديه فليس عنه فيه إلا حديث أو حديثان، لا تقوم بهما حُجة. مجموع الفتاوى (22/ 519).

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"رمزًا للكتب".

ص: 102

"الأحاديث"، أي:[متلبسة]

(1)

بحروف (تدل) أي: تلك الحروف بطريق الإشارة (على ذلك) أي: على ما ذكر من الكتب المخرجة، أو على ذلك التخريج؛ [بعود]

(2)

الضمير إلى مصدر "خرّجت"، نحو قوله تعالى:{اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8].

(سلكت فيها) أي: في الرموز، أو نفس الأحاديث (أخصر المسالك)، والأول أظهر هنالك؛ لقوله:(فجعلت علامة "صحيح البخاري": خ) أي: خاء معجمة، لاختصاصها [بنسبه]

(3)

من بين المحدثين، واعلم أنَّا لو ذكرنا ترجمة البخاري وغيره من المذكورين، لطال على الطالبين، ومال عنه ميل الراغبين، وقد ذكرنا في "المرقاة شرح المشكاة" بعض صفاتهم، وأنموذجًا من حالاتهم ومقاماتهم.

(ومسلم) عطف على البخاري، أي: وعلامة "صحيح مسلم"(م) أي: ميم لإحاطتها بطرفيه، (وسنن أبي داود) عطف على "صحيح البخاري" أي: وعلامة "سنن أبي داود"(د) أي: دال مهملة، لوقوع تكرارها في اسمه، (والترمذي) بكسر التاء والميم، وقيل: هو بتثليث أوله، وضم الميم أو كسرها، وبالذال المعجمة، أي: وعلامة "سنن الترمذي"(ت) أي: تاء فوقية لوجودها في أوله.

(والنسائي) بفتح أوليه ممدودًا ويقصر، أي: وعلامة "سنن النسائي"

(1)

كذا في (أ) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (ب):"مبينة".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"فيعود".

(3)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (هـ)، وفي (د):"بنسبته".

ص: 103

(س) أي: سين مهملة لوجودها في وسطه، (وابن ماجه) أي: وعلامة "سنن ابن ماجه"(القزويني) بفتح القاف (ق) أي: قاف؛ لكونها في أول نسبته، (وهذه الأربعة) أي: وعلامة هذه السنن الأربعة الأخيرة، يعني: أبا داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، (عه) أي: مركب "عه" بالعين المهملة والهاء، حالة الوقف المأخوذين من الأربعة.

(وهذه الستة) أي: وعلامة هذه الستة، وهي: الأربعة مع صحيحي البخاري ومسلم المعبر عنها بالصحاح الست تغليبًا، وبالكتب الستة أيضًا، (ع) أي: عين مهملة مرموزة للجماعة المذكورة، والجماعة في عرف المحدثين عبارة عن أصحاب هذه الكتب الستة.

(وصحيح ابن حبان) بكسر الحاء وتشديد الموحدة مصروفًا، وقد لا يصرف، (حب) بكسر وتخفيف، (وصحيح المستدرك) أي: للحاكم، كما في نسخة (مس) بضم وسكون.

واعلم أنه أعاد لفظ الصحيح، ولم يعطف "المستدرك" على ابن حبان؛ لأن إضافة الصحيح إلى "المستدرك" بيانية، ليست على طريقة إضافته إلى ابن حبان، فإنها لامية مع زيادة إفادة دفع توهم عطفه على "صحيح ابن حبان".

(وأبي عوانة) بالعطف على ابن حبان؛ إذ لا يحسن عطفه على "المستدرك"؛ لأن إضافة الصحيح إلى أبي عوانة ليست بيانية، (عو) بفتح فسكون، ولو اكتفى بالواو لكان أخصرَ، لكنه قد يلتبس بالقاف، فهو أظهر، (وابن خزيمة) بضم معجمة وفتح زاي فميم فتاء وصلًا، وهاء

ص: 104

وقفًا (مه) بفتح ميم وسكون هاء.

(والموطإ) بضم الميم وفتح الواو وتشديد الطاء المفتوحة فألف كالمصفى، فكان القياس أن تكتب ألفه بالياء، ولعل إثبات الألف محافظة على التلفظ جمها، ومراعاة للرواية الأخرى، وفي نسخة بهمزة بدل الألف، (طا) أي: رَمْزهُ طاء مهملة مع ألف، ليغاير الطاء المفرد الذي هو رمز الطبراني.

وهو كتاب الإمام مالك الذي قال الإمام الشافعي

(1)

في حقه: "إنه أصح الكتب بعد كتاب الله"

(2)

، لكنه قبل تصنيف الصحيحين للبخاري ومسلم، وأما بعدهما، فالجمهور على أن البخاري أصحّ كتب الحديث

(3)

، كما أشار إليه الشيخ بتقديم ذِكْره. وقال بعض المغاربة: "إن

(1)

روى ابن عبد البر في "التمهيد"(1/ 77) بإسناده عن الشافعي، قال:"ما في الأرض بعد كتاب الله أكثر صوابًا من موطأ مالك بن أنس".

(2)

أخرجه أبو نُعيم في "الحلية"(6/ 360) وابن عساكر في "كشْف المغطى"(رقم: 20) وإسناده صحيح.

(3)

أصح الكتب المصنفة في الحديث الصحيح: صحيح البخاري، ثم صحيح مسلم، لم يسبقهما في الصحة كتاب له مثل درجتهما، ولا خلفهما كذلك، وهما أول الكتب المجردة في الحديث الصحيح، والبخاري قبل مسلم.

قلت: وهذا حكم قبل أن يوجد "الصحيحان"، فإن الناس صنفت الكتب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البخاري ومسلم، فكان "الموطأ" أصح تلك الكتب حديثا، فهو مقارن بما زامنه إلى عهد الشافعي، فلما ألف "الصحيحان" لم تبق تلك الدعوى صحيحة، خصوصًا وأن مالكًا رحمه الله ضمن كتابه =

ص: 105

"صحيح مسلم" هو الأصح"، والأول هو الأصح، لكن اللائق تقديم مالك على الكل؛ لسبقه زمانًا ورتبةً وشأنًا، وكذا الإمام أحمد، فإنه يروي عن الشافعي تلميذِ مالك، والبخاري عن أحمد.

وهذا الترتيب الذي ذكرناه اختاره شيخ مشايخنا جلال الدين السيوطي في ذكر أئمة الحديث.

(وسنن الدارقطني) بفتح الدال المهملة والراء، ويسكن وضم القاف وسكون الطاء بعده نون؛ محلة ببغداد نسب إليها أبو الحسن عمر بن علي أستاذ الحاكم، فالأولى تقديمه عليه كما أشرنا إليه، (قط) بضم فسكون، (ومصنف ابن أبي شيبة: مص) بضم فسكون.

(ومسند الإمام أحمد: أ) أي: همز مفتوح، فينطق به: أهُ، بضم هاء السكت، ويمكن أن يعبر عنه بالألف لكونه على صورته، (والبزار) بفتح

= الأحاديث والآثار ورأي نفسه، كما وقع في أسانيد أحاديثه المتصل والمرسل والمنقطع والبلاغات، فلم يجرد للحديث الصحيح المتصل.

نعم، (الموطأ) من كتب الحديث الصحيح، وليس فيه حديث مسند إلا وهو صحيح.

وقد استحق "الصحيحان" التقديم لشدة ما اشترط صاحباهما الإمامان: البخاري ومسلم، ولاجتهادهما في تحقيق شرطهما؛ فإنهما التزما بشروط الحديث الصحيح إلى أقصى حد ممكن، لكن صنيعهما صنيع بشر؛ لذا لم يسلم من مؤاخذات، هي على أحرف يسيرة في "البخاري"، وعلى أحاديث قليلة في "مسلم"، قد ميزت وعرفت.

ص: 106

موحدة وتشديد زاي في آخره راء، صاحب "المسند"، (ر) أي: راء، وهي لا تحتاج أن يقال: مهملة، كما لا يحتاج الزاي بوصف معجمة؛ للفرق بينهما بهمزة في الراء وبياء في الزاي، إلا أن صورة المسمى مشتركة ممتازة بالنقطة وعدمها.

(وأبي يعلى) بفتح فسكون ففتح، صاحب "المسند"(الموصلي) بفتح الميم وكسر الصاد المهملة، اسم بلدة كذا في "منتخب ربيع الأبرار" و"تقويم البلدان"

(1)

، وفي "القاموس":"الموصل كمجلس: دار وأرض بين العراق والجزيرة"

(2)

، (ص) أي: صاد مهملة.

(والدارمي) بكسر الراء، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام بن دارم السمرقندي، وهو من مشايخ مسلم والترمذي، وله خمسة عشر حديثًا ثلاثية، وله مسند عظيم، (مِي) بكسر فسكون، (و"معجم الطبراني الكبير": ط) أي: طاء مهملة مفردة إشارة إلى الطبراني، وفيه إشعار بأنه إذا أطلق الطبراني يراد به روايته في "الكبير" (والأوسط) عطف على "الكبير" أي: و"معجم الطبراني الأوسط"(طس) بفتح فسكون

(1)

"تقويم البلدان" لأبي الفداء صاحب حماة (1/ 284).

(2)

"القاموس"(4/ 64) ولكن فيه: "د أو أرض"، وهو الصواب؛ حيث الدال رمز للبلد، كما نصّ عليه صاحب القاموس في مقدمته (1/ 4) بقوله:"غيرَ مُقْتَنِعٍ بتوشيج القِلام، مُكْتَفِيًا بكتابةِ ع د ة ج م عن قولي: موضع، وبلد، وقرية، والجمع، ومعروف"، فظنّ الشارح أن الدال رمز للدار لا للبلد.

ص: 107

السين إيماء إلى الوسط، وكان الظاهر أن يرمز بـ "سط"، وكأنه أشار بالطاء إلى الطبراني، وبالسين إلى "الأوسط".

(والصغير) عطف على الكبير أو الأوسط (صط) بفتح الصاد وسكون الطاء إشارة إلى "الصغير" والطبراني، لكن مقتضى ما قبله أن يقال:"طص" بتقديم الطاء على الصاد، أو بتقديم السين على الطاء فيما سبق؛ ليتحقق الرمز ويتوافق، إلا أن يقال بالتفنن، (و"الدعاء") عطف على المعجم، (له) أي: للطبراني، (طب) بفتح الطاء مع زيادة الباء الساكنة للتمييز في الجملة، ولو جعل رمزه:"طع" بالطاء إشارة إلى الطبراني، وبالعين إيماء إلى "الدعاء"، لكان أظهر في المدعى، أو "طد" إشارة إلى الطبراني و"الدعاء" كما لايخفئ، وجعل السيوطي رمز الطبراني في "الكبير":"طب"، وهو مناسب جدًّا، لكن لا مشاحة في الاصطلاح؛ إذ لا يترتب عليه [إلا الإصلاح]

(1)

.

(ولابن مردويه) بفتح ميم فسكون راء وضم دال فواو ساكنة وفتح تحتية وتاء، ويكون في الوقف هاء، وفي هامش "أصل السيد":"مردويه جائز، وضبط بفتح الدال والواو وسكون الياء وبهاء مكسورة في آخرها".

وقد رأيت في "حاشية رسالة القشيري" رحمه الله أن هذا الاسم وأمثالَه من الأسماء فيه ضبطان للكوفيين والبصريين، يقول: "مردُويه: بضم الدال وفتح الياء وإسكان الواو بينهما، وهو اصطلاح الكوفيين واختيار

(1)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (هـ):"الإصلاح"، وفي (ب):"إلا الاصطلاح".

ص: 108

المحدثين، ويقول مردَوَيْه: بفتح الدال والواو وإسكان الياء بعدهما، والهاء مكسورة في جميع أحوالها، وهو اصطلاح البصريين واختيار الفقهاء، ومثله: بالويه وباكويه وراهويه وعمرويه وزنجويه وحمويه [وخضرويه]

(1)

، وأكثر ما يدور في كلام أصحابنا الصوفية من ذلك اختيار المحدثين، ثم تقدير الكلام: وللدعاء لابن مردويه: (مر) بفتح فسكون.

قال المصنف في "البداية": "هو أبو بكر أحمد بن مردويه الحافظ، صاحب التفسير وغيره". وقال صاحب "التاريخ المنتظم"

(2)

: "أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك، أبو بكر الحافظ الأصبهاني، ممن توفي سنة أربع مئة وخمس [عشْر]

(3)

"

(4)

.

(وللبيهقي) منسوبٌ إلى بيهق من توابع نيسابور، أي: وللدعاء له (في) بكسر القاف وسكون الياء (والسنن) عطفًا على "الدعاء"، أي: وللسنن (الكبير له) أي: للبيهقي: (سني) بضم سين وتشديد نون بعده ياء ساكنة، وفي نسخة: بفتح فنون مكسورة مخففة فياء، وكان الأظهر أن يقال: بضم سين فتخفيف نون فسكون ياء.

(1)

كذا في (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ) و (ب):"وحضرويه".

(2)

يريد به كتاب "المنتظم" لابن الجوزي.

(3)

كذا في (ب) و (ج)، وفي (أ) و (د) و (هـ):"عشرة".

(4)

"المنتظم في تاريخ الملوك والأمم"(15/ 135)، وفيه أنه تُوفِّيَ سنة:410.

ص: 109

وجعل السيوطي علامة السنن له "هق"، وهو أخصر، ولعله أراد الجمع بين الإشارة إلى المصنف والمصنف له.

(و"عمل اليوم والليلة") اسم كتاب في الدعاء (لابن السني) بضم فتشديد نون وتحتية، وهو أحمد بن إسحاق، وكنيته أبو بكر:(ي) أي: ياء آخر الحروف.

(وَأُقدِّم رمز من له اللفظ) أي: لفظ الحديث في هذا الكتاب عند اختلاف الرواة في لفظه، وأما عند اتفاقهم فيه، فذكرهم على الترتيب المذكور، وعلى النهج المسطور.

قال المؤلف: "مثاله: أن يكون الحديث في البخاري ومسلم، والأصل تقديم البخاري، فرمز للبخاري بالخاء، ولمسلم بعده بالميم، فإن كان لفظ الحديث لمسلم قدم رمز مسلم على البخاري، وكذلك أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم على هذا الترتيب في رموزهم، فإن كان لفظ الحديث لواحد منهم [قدّم]

(1)

"

(2)

، انتهى.

والحاصل: أنه إذا كان لفظ الحديث لواحد منهم، ورواية معنى الحديث لغيره، قدم رمزه وإن كان متأخرًا في الرتبة؛ ليحصل له بهذا نوع من المزية.

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"قدمه".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 2/ ب).

ص: 110

(وإن كان الحديث موقوفًا) أي: على الصحابي أو غيره، والمراد أنه لا يكون مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال الطيبي:"الموقوف مطلقًا ما روي عن الصحابي من قول أو فعل متصلًا كان أو منقطعًا، وهو ليس بحجة على الأصحّ، وقد يستعمل في غير الصحابي مقيّدًا، نحو: "وقفه معمر على همام"، و"وقفه مالك على نافع""

(1)

.

(جعلت قبل رمزه: مَوْ) بفتح فسكون (ليُعلم) بصيغة المجهول، من الإعلام، أو العلم أي: ليعلم الطالب (أنه) أي: الحديث الواقع قبل: "مَوْ"، (موقوفٌ لما بعده) أي: كائن لما بعد رمز "مَوْ"(من الكتب) أي: من رموزها.

والمعنى: حتى يعلم أن ذلك الحديث موقوفٌ عند أصحاب تلك الكتب، وهو لا ينافي أن يكون مرفوعًا عند غيرهم؛ ولذا [قد]

(2)

يقع "مَوْ" متوسطًا بين الرموز إشارةً إلى ذلك، وهذا كله إن كان هناك رمزٌ، فلا يُشكل بما وقع له في بعض المواضع من كتابة "مَوْ" بغير رمز بعده ولا قبله، وسيجيء في مثل هذا بحثٌ، نذكره في محل أليق به.

(وذلك) أي: إيراد الموقوف (قليل) أي: نادر (حيث) خبر بعد خبر، أي: كائن حيث (عدم المتصل) أي: فقد المتصل، والمعنى: لم أورد

(1)

"الكاشف عن حقائق السنن" للطيبي (2/ 383).

(2)

من (ج) و (د) و (هـ) فقط.

ص: 111

الموقوف إلا حيث لم يوجد في ذلك الباب، أو المدعى من الكتاب حديث متصل، والمراد بالمتصل هنا المرفوع، وإلا فالمتصل قد يجتمع مع الموقوف، وقد يكون المرفوع غير متصلٍ، كالحديث المرسل.

والحاصل: أن المتصل هو ما اتصل إسناد رجاله، سواءٌ يكون موقوفًا أو مرفوعًا، والمرفوع: ما أسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم، سواءٌ اتصل إسناد رجاله، أو انقطع وحذف بعضه.

وتحقيق هذه الأمور في علم أصول الحديث، وقد بيناها في "شرح شرح النخبة" بيانًا شافيًا، فهو للطالب يكون كافيًا.

وأما ما ذكره الحنفي من أن المراد بالمتصل هنا المتصل المرفوع فلا يوافق علم الأصول، ولا يطابق مراد المصنف المفهوم من المقابلة في الحصول، بل المقصود منه الاتصال اللغوي بالمعنى الأعم، وهو المتصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

(أو اختلف فيه) بصيغة المفعول؛ عطفٌ على المتصل أي: حيث عدم المتصل المتفق عليه، أو المختلف فيه، كذا قيل، وإنما يصح هذا العطف إذا [قدر موصول]

(1)

، كما لا يخفى، [وكذا]

(2)

يحتاج [إلى أن يراد]

(3)

بالمختلف فيه بالنسبة إلى مخرجٍ واحدٍ، والأظهر أن يكون

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"قدم الموصوف".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"فلا".

(3)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"إيراد".

ص: 112

معطوفًا على "عدم"، أي: حيثُ فقد المتصل أو وجد، [و]

(1)

اختلف في اتصاله، لكن بالنسبة إلى مخرجين أو أكثر فأذكر رمز "مَوْ"؛ ليدل على أن فيه اختلافًا، أو ليستفاد أن الأصح كونه موقوفًا أو مرفوعًا.

هذا، وقد قال ميرك شاه رحمه الله: "الظاهر من هذه العبارة أن الحديث إذا اختلف في رفعه ووقفه رجح الشيخ جانب الوقف، وأورده في كتابه هذا، وترك المرفوع، وهذا خلاف ما عليه المحققون من أهل الحديث، من أن الحديث إذا روي مرفوعًا وموقوفًا، أو مرسلًا وموصولًا، فالحكم للرفع والاتصال؛ لأن ذلك زيادةُ ثقةٍ، وهي مقبولة عند الجمهور.

اللهم إلا أن يراد: اختلف فيه، وترجح الوقف بوجه من وجوه الترجيح، بأن تكون رواته أكثر أو أضبط أو أوثق أو غير ذلك، ويحتمل أن يكون قوله:"أو اختلف" عطفًا على لفظ "المتصل"؛ فيكون في حيز [العدم]

(2)

.

وحاصل المعنى أن يراد: الموقوف حيث فقد المتصل [أو عدم]

(3)

المختلف فيه، وهذا لا يخلو [عن بعد]

(4)

تأمل"، انتهى.

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"أو".

(2)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د) و (هـ):"عدم".

(3)

كذا في (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ) و (ب):"وعدم".

(4)

كذا في (أ) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (ب):"من بعض".

ص: 113

ولا يخفى من صنيع المصنف بحسب تتبعه أنه أراد بالمختلف فيه أن يكودن في بعض الكتب متصلًا، وفي بعضها موقوفًا، فحينئذٍ يشير إلى أن الحديث في رواية فلان موقوف، وفي رواية غيره متصل، ومثل هذا كثير في كتابه، وهو أن يأتي برموز أو رمز، ثم يأتي بـ "مَوْ"، ثم يأتي برموز أو رمز، وفعله هذا لا ينافي ما عليه المحققون كما سبق، فاندفع من أصله الإشكالُ، والله أعلم بالأحوال.

(على أني) متعلقٌ بقوله: "فجعلت"، أو "أُقدِّم"، أو "اختلف"، أو بقوله:"رمزت"، ذكره ميرك، والأخير أنسب معنًى؛ أي: رمزت مع أني، أو بناءً على أني (لم أجعل هذه الرموز إلا لعالمٍ يربأ بنفسه عن التقليد) أي: يرفعها عن مرتبة حضيض التقليد، إلى منزلة رفعة التحقيق والتأييد، و"يربأ" بفتح الياء والموحدة فهمز على وزن يقرأ، من قولهم: إني لأربأ بك عن هذا الأمر، أي: أرفعك عنه، على ما في "التاج".

ثم المراد بالتقليد هنا قبول الحديث ممن ليس له إسنادٌ متصلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم في روايته، وإنما ينقل الحديث من كتب المخرجين من أهل الحديث كالبخاري وغيره، وهذا من غاية تواضع الشيخ، ونهاية إنصافه، هالا فهو من أهل التصحيح، ومن طبقة ذوي الترجيح، كما يعلم مرتبته من "تصحيح المصابيح".

فإذا حكم بحديث أنه صحيح أو حسن أو ضعيف أو موضوع، فكلامه معتبر عند أرباب الحديث؛ فإنه إمام في فن علم الحديث، وكذا

ص: 114

في قراءات الكلام القديم.

(أو لمتعلم يتعرف صحيح الكتب) أي: يطلب معرفة صحيح الكتب، وهي التي التزم صاحبها [أنه لا]

(1)

يأتي فيها إلا بحديث صحيح عنده، (والمسانيدَ) بالنصب عطفًا على "صحيح"، وهو الصحيح، وفي نسخة بالجر عطفًا على "الكتب"، وفيه أن المسانيد ما التزم صحتها، وبمجرد إطلاق رموزها لا يستفاد صحتها، وفي نسخة:"يتعرف الصحيح من الكتب والمسانيد"، وفيه ما سبق من أنه لا يفيد التحقيق.

ثم اعلم أن المسانيدَ هي الكتب التي مرتبة على أسانيدِ الصحابة من غير ترتيب الأبواب، خلاف ما اختاره المحققون من رعايتها في الكتاب كالبخاري، وسائر أصحاب السنن، ومن تبعهم كالبغوي، وصاحب "المشكاة".

(وإلا) أي: وإن لم يكن عالمًا محققًا، أو متعلمًا متحققًا، وهو دليلُ الحصر، والمعنى: أني ما جعلت الرموز إلا لعالمٍ أو متعلمٍ؛ حتى يسهل الرجوع لهما إلى مآخذها حين الإرادة، وإلا (ففي الحقيقة) أي: في تحقيق أمر الحديث والعمل به (لا احتياج إليها) أي: إلى رموز الكتاب ومعرفتها (لعموم الناس) لجواز تقليدهم أحدًا من العلماء، قال تعالى:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وقال بعض

(1)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ) و (هـ):"أن لا".

ص: 115

مشايخنا: "مَنْ تبع عالمًا لقي الله سالمًا".

(فليُعلم) بصيغة المجهول أي: فليعلم كل أحد إجمالًا (أني أرجو أن يكون جميع ما فيه) أي: في هذا الكتاب (صحيحًا) أي: ثابتًا؛ لأن الصحيح في اصطلاح المحدثين هو: "ما اتصل سنده، بنقل العدل الضابط عن مثله، وسلم [عن]

(1)

شذوذ وعلة"

(2)

، ولا شبهة أن جميع أحاديث هذا الكتاب ليس بهذه المثابة، فالمراد به المعنى اللغوي الشامل للصحيح والحسن والضعيف أيضًا؛ لجواز العمل به في الفضائل بالاتفاق

(3)

.

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"من".

(2)

راجع: "مقدمة ابن الصلاح"(صـ 151).

(3)

أما قوله بجواز العمل بالحديث الضعيف في الفضائل مطلقا ففيه نظر.

قال شيخ الإسلام في الفتاوى (1/ 250): ولا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليس صحيحة ولا حسنة لكن أحمد بن حنبل وغيره من العلماء جوّزوا أن يُروى في فضائل الأعمال ما لم يعلم أنه ثابت إذا لم يعلم أنه كذب وذلك أن العمل إذا علم أنه مشروع بدليل شرعي ورُوي حديث لا يعلم أنه كذب جاز أن يكون الثواب حقًّا ولم يقل أحد من الأئمة إنه يجوز أن يجعل الشيء واجبًا أو مستحبًا بحديث ضعيف ومن قال هذا فقد خالف الإجماع وهذا كما أنه لا يجوز أن يحرم شيء إلا بدليل شرعي ولكن إذا عُلم تحريمه ورُوي حديث في وعيد الفاعل له ولم يعلم أنه كذب جاز أن يرويه، فيجوز أن يروي في الترغيب والترهيب ما لم يعلم أن كذب ولكن فيما علم أن=

ص: 116

(فزال الالتباس) أي: لعموم الناس في حصول الاشتباه، بأن لا يكون فيه حديث موضوع، فإن مثل الشيخ إذا حكم بصحة ما في كتابه ملتزمًا يطمئن قلب المقلد إليه، ويعتمد عليه.

قال ميرك: "قد ينافي هذا قوله فيما تقدم، وليس كذلك؛ فإن المتقدم متحقق الوجود والوقوع، والمتأخر مرجوّ، وفَرْقٌ بين المتحقق والمرجوّ؛ ولذلك تجد أحاديث كثيرة لم تبلغ درجة الصحة، بل منها [ما هو]

(1)

حسن، ومنها ما هو صالح، ومنها ما هو مختلف فيه، والعبرة بما

= الله رغب فيه أو رهب منه بدليل آخر غير هذا الحديث المجهول حاله.

وهذا كالإسرائيليات يجوز أن يُروى منها ما لم يعلم أنه كذب للترغيب والترهيب فيما علم أن الله تعالى أمر به في شرعنا ونهى عنه في شرعنا فأما أن يثبت شرعًا لنا بمجرد الإسرائيليات التي لم تثبت فهذا لا يقوله عالم ولا كان أحمد بن حنبل ولا أمثاله من الإئمة يعتمدون على مثل هذه الأحاديث في الشريعة. ومن نقل عن أحمد أنه كان يحتج بالحديث الضعيف الذي ليس بصحيح ولا حسن فقد غلط عليه ....

والمنقول عن أهل العلم من الخلاف في هذه المسألة أكثر من ذلك.

ودعوى النووي رحمه الله من الاتفاق على العمل بالأحاديث الضعيفة في الفضائل غير صحيحة والخلاف محفوظ.

والمنقول عن الصحابة والتابعين عدم التفريق فالكل شرع من الله فلا تصح المغايرة بدون دليل ولا أعلم عن أحد من الصحابة أنه تساهل في المرويات بالفضائل أو الترهيب دون ما عداها.

(1)

من (هـ) فقط.

ص: 117

اخترناه، وهو أنا لم نذكر حديثًا لم يكن عمدة فيما يرجع إليه من فضائل الأعمال، كما أنا لم ندع حديثًا صحيحًا في باب من الأبواب إلا ذكرناه". وكذا قال الشيخ الجامع قدس سره في "الْمِفْتاح"

(1)

.

وأقول: لم يكن بين هذا الكلام وبين ما تقدم منافاة أصلًا، فإن المستفاد من العبارة الأولى أن جميع ما يصح من الأحاديث في باب الأدعية مذكورة فيه، ولا يلزم أن يكون جميع الأحاديث المذكورة فيه صحيحة، انتهى، ولا يخفى أن المنافاة ظاهرة بين العبارتين في كلام الشيخ على ما اعترف به بنفسه من منافيه، وصاحب البيت أدرى بما فيه، فإن ما ذكره السيد نوع تأويل يدفع به المنافاة الموهومة أو المتحققة.

ثم اعلم أن قوله: "أرجو أن يكون صحيحًا" يحتمل وجهين:

أحدهما: أن يكون المراد صحيحًا في نفس الأمر، ولا يظهر صحته عند الشيخ قدس سره في هذا الزمان؛ إذ الحكم بصحة الحديث وضعفه يكون بالظن الغالب لا بالجزم، كما تقرر في الأصول.

الثاني: أن المراد: أرجو أن يصح عندي، أو عند غيري بتتبع تامٍّ واستقراء عام لطرق الأحاديث حتى يظهر صحته، والله أعلم. كذا حققه ميرك، ولا يخفى أن الوجهين المذكورين إنما يتصور وجودهما في غير أحاديث الصمحيحين، وما في معناهما مما صرّح به الترمذي أو غيره من المخرجين بأنه صحيح.

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 2/ ب).

ص: 118

(وقد جع بحمد الله تعالى هذا المختصر اللطيف) أي: قليل الحجم، وإسناد الجمع إليه مجاز كما في قوله:(ما لم تجمعه) بالتأنيث، وجوز تذكيره لكون فاعله مؤنثًا غير حقيقي مؤخرًا، وهو قوله:(مجلدات) جمع مجلد، وهو كتاب ضخم غالبًا (من التآليف) بهمزة ممدودة، أي: من المؤلفات، وهو بيان لـ"ما"، وأصل التأليف إيقاع الألفة والصحبة بين الشخصين، فاستعير للجمع المناسب بين الكلمتين [أو]

(1)

أكثر، وفي نسخة:"من التواليف" بواو بدل الهمزة، وهو قريب منه معنًى، وإن خالفه مبنًى، ففي "القاموس":"أن الوليف البرق المتتابع، والولاف والموالفة: الإلاف والاتصال"

(2)

.

(وإذا انتهى) أي: الجمع (نرجو من الله أن نجعل في آخره فصلًا) ظاهره يفيد الرجاء وقت الانتهاء، والحال أنه كان قبله كما في أثنائه، كما صرّح به المصنف في أول "مفتاحه"، حيث قال:"فإني كنت وعدت عند تأليفي كتاب "الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين" أنه إذا انتهى أجعل في آخره فصلًا يفتح ما أقفل من لفظ ما فيه قد أشكل، ولما انتهى بحمد الله، وسارت به الركبان في كل البلدان، وكتب به من النسخ ما لا يحصى ولا يحصر، [وأتى بمختصراته]

(3)

العدة والجنة فأعظم وأكثر،

(1)

كذا في (د) و (هـ)، وفي (أ) و (ب) و (ج):"و".

(2)

"القاموس"(4/ 200).

(3)

كذا في (ج) و (د) وفي (أ) و (ب): "وأما لمختصراته" وفي (هـ): "أوما بمختصره أنه".

ص: 119

ولقد أحسن من قال فيه شعر:

إن نابك الأمر المهول

اذكر إله العالمينا

وإن بغى باغ عليك

فدونك الحصنَ الحصينا

ولما تمادى عليَّ ذلك الزمان الكثير وأنا أسأل الله تعالى الوفاء بالعهد، ولله فيما يختار الأمر من قبل ومن بعد، حتى يسَّرَ الله تعالى بعد مضي نحو من أربعين سنة مضت من العمر كأنها سِنَةٌ، فرأيت الوفاء واجبًا، واستخرت الله تعالى، وسألته أن يجعل التوفيق والرشد لي [مصاحبًا]

(1)

ليكون مِفْتاحًا "للحصن الحصين"، ومفلاحًا لما أغلق من لفظه الرصين، والله المستعان، وعليه التكلان"

(2)

، انتهى.

فقال ميرك: "لا يخفى أنه قد سبق قوله: "ولما أكملت ترتيبه

" إلى آخره، فيحمل "إذا انتهى" على الماضي، كما جوّزه صاحب "المغني"، لكن يخدش فيه أنه لا يناسب "نرجو" بصيغة المستقبل، إلا أن يحمل معناه على المضي أيضًا، فتأمل"، انتهى.

فالمعنى: وحين تحقق الانتهاء وقع الرجاء، وفيه أنه كان الرجاء في أثناء الانتهاء على ما سبق في كلام المصنف من الإيماء، وإلا فكان يمكن أن يحمل "نرجو" على حكاية الحال الماضية، ثم قال ميرك: "والقول بأن المراد بالترتيب المذكور سابقًا الترتيب الذهني، فهو مما لا يلتفت إليه،

(1)

كذا في (أ) و (د)(ب) و"مفتاح الحصن الحصين"، وفي (ج) و (هـ):"مِصْباحًا".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 2/ أ).

ص: 120

ولا يعرج عليه"، يعني لقوله: "وتهذيبه بعد ترتيبه"، والتهذيب لا يتصور ذهنًا كما لا يخفى على الأديب، اللهم إلا أن يتكلف ويقال: التقدير: وأردت تهذيبه، فيكون التركيب من قبيل: "[علفته]

(1)

تبنًا وماءً باردا"

(2)

، أي:[وسقيته]

(3)

.

قال: "ثم ظهر لي أنه يحتمل أن المراد بالترتيب السابق ما يكون في المسبوق، وبالثاني المبين، وكان هذا هو الوجه"، انتهى.

ولعل مَعْنَى كلامه هذا أن: المراد بالترتيب ما يكون سابقًا في التبويب، وبالثاني وهو المعني [بالانتهاء]

(4)

المبين بالتهذيب، أو المبين برموز مخرجي أحاديثه، ولعل هذا هو المعين، والله الموفق والمعين في كل وقت وحين.

(يفتح) أي: فصلًا من الكلام، ونوعًا من تحقيق المرام، يفتح ذلك الفصل مجازًا؛ ولذا سماه "المفتاح"، أي:"مفتاح الحصن"، وفي نسخة بالنون، أي: نفتح نحن به، نحل به.

(ما أقفل) بصيغة المجهول، وفي نسخة صحيحة منسوبة إلى مولانا

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ) و"الخصائص":"علفتها".

(2)

من شواهد "الخصائص" لابن جني (2/ 431) ولم ينسبه.

(3)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"وسقيتها".

(4)

كذا في (هـ)، وفي (أ) و (ب) و (ج):"بانتهاء"، وفي (د):"بانتهائه".

ص: 121

جلال [القاني]

(1)

من تلاميذ السيد السند أصيل الدين بصيغة المعلوم، وهو [أقعد]

(2)

وأمثل في مراعاة السجع؛ لقوله الآتي: "أشكل"، والإقفال: الإغلاق فعلى النسخة الأولى وتقديره: ما أقفل فيه وأشكل في مبانيه أو معانيه، أو: ما ينافيه. وعلى النسخة الثانية ضميره راجع إلى "ما" الموصولة مجازًا.

(من لفظ ما فيه قد أشكل) بيان لـ"ما" فيما تقدم، وأشكل عليه الأمر: التبس، كذا في كتاب "العُباب"، فالمقصود من الفتح حل مشكلات الكتاب، وفي نسخة:"من لفظه"، فالجار متعلق بـ "أقفل"، وفي نسخة صحيحة:"من لفظ ما فيه مشكل"، وهو يناسب النسخة المشهورة في "أقفل".

(وهذه) أي: [هذا]

(3)

المختصر، وأُنِّثَ لتأنيث الخبر، وهو قوله:(مقدمة)، وهي بكسر الدال أصح من فتحها، مع أن الفتح أظهر معنًى، ووجه الكسر أنه مشتق من قدم بمعنى تقدم، كما قيل في قوله تعالى: {لَا

(4)

تُقَدِّمُوا بَين يَدَىِ اللهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: 1] أي: لا تتقدموا، وقيل: "المفعول مقدر، أي: لا تقدموا أمرًا من عندكم عند وجود أمرهما،

(1)

كذا في (ب) و (هـ)، وفي (أ):"القاضي"، وفي (ج) و (د):"القائني".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"أوفق".

(3)

كذا في (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ) و (ب):"هذه".

(4)

قبلها في (أ) و (ج) و (د) و (هـ) زيادة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} .

ص: 122

وتحقُّق حكمهما".

ويمكن أن يتكلف هنا بأن يقال: هذه مقدِّمة [نفسَها]

(1)

على غيرها، وهي كمقدمة العَسْكَر مأخوذة من مقدمة الرحل.

والحاصل: أن هذه الرسالة مقدمة (تشتمل على أحاديث في فضل الدعاء والذِّكر) أي: في فضيلتهما وبيان مثوبتهما، مع أن كل دعاء ذِكْر، وكل ذِكْر متضمن للدعاء لما فيه من عرض الثناء وتعريض العطاء، وقد روي في الحديث القدسي:"من شغله ذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين"

(2)

.

بل هذا هو المقام الأكمل لأرباب الكمال في بعض الأحوال، على ما ورد من: "أن إبراهيم

(3)

عليه السلام لما ألقي في النار جاءه جبريل عليه السلام فقال: ألَكَ حاجة؟ قال: أما إليك فلا. قال: فسل ربك المتعالي. قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي"

(4)

.

(1)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"لنفسها".

(2)

أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير"(2/ 115)، والبزار (137)، والطبراني في "الدعاء"(1850)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(567)، كلهم عن عمر به مرفوعًا. قال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (4989):"ضعيف"، وفي الباب عن أبي سعيد، وجابر، ومالك بن الحارث.

(3)

بعدها في (هـ) زيادة: "الخليل".

(4)

قال ابن تيمية: كلام باطل "مجموع الفتاوى"(8/ 539) قال الألباني في "السلسلة الضعيفة"(21): "لا أصل له".

ص: 123

ومنه ما ورد من أنه حين ألقي الخليل قال: "حسبي الله ونعم الوكيل

(1)

، فقال تعالى:{يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69] "، وقد وقع نظيره في هذه الأمة من أكابر الأئمة، كما أخبر الله سبحانه عنهم بقوله مدحًا لهم:{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)} [آل عمران: 173 - 174].

(ثم آداب الدعاء والذّكر) بالرفع في "آداب" عطفًا على "مقدمة"، وفي نسخة بالجر عطفًا على "فضل الدعاء"، قال ميرك: "أي: هذه الرسالة مقدمة تشتمل

إلى آخره. وقو له: "ثم آداب الدعاء

(2)

"بالرفع، أي: هذه الأمور المذكورة في الرسالة مقدمة، ثم آداب الدعاء، وعلى التقديرين يكون بعض أجزاء الرسالة مسمًّى بالمقدمة، وبعضها بآداب الدعاء إلى آخره، ولا يخفى تعسفه.

وأما على تقدير جرّ "آداب الدعاء" كما وقع في بعض النسخ، فتكون "المقدمة" اسمًا لما يشتمل على الجميع، ولا خفاء في بُعده أيضًا، والعبارة الصالحة في هذا المقام أن يقال: وهذا الكتاب يشتمل على

(1)

أخرجه البخاري (4563، 4564).

(2)

بعدها في (أ) زيادة: "والذكر"، وجعل "ثم آداب الدعاء والذكر" من المتن.

ص: 124

مقدمة ومقاصده.

أما المقدمة فهي مشتملة على أحاديث في فضل الدعاء والذكر، وأما المقاصد فمحتوية على آداب الدعاء والذكر إلى آخر الكلام، والله أعلم.

قلت: هذا تغيير للتصنيف، والمعتبر تصحيح التأليف مع أن هذا الذي ذكره مفصلًا هو المستفاد من كلامه على تقدير الرفع مجملًا؛ حيث يفيد أن بعض أجزاء الرسالة مقدمة، وبعضها آداب الدعاء وغيره من المقاصد [المتممة]

(1)

، فالحكم بعدم خفاء تعسفه لا يكون خاليًا عن تكلفه.

وأما الوجه الثاني وهو الجر المنجر لأن تكون المقدمة اسمًا لما يشتمل على الجيم فيستبعد بعده؛ لأن فيه إشارة إلى أن هذه الرسالة لاختصارها مع جميع ما فيها بالنسبة إلى الكتب المبسوطة كمقدمة العسكر بالإضافة إلى الجيش [الكبير]

(2)

، إيماء إلى أن من قدر أن يخرج من عهدة هذا القليل اليسير صلح أن يتوجه إلى تحصيل الكثير العسير، ويؤيد ما ذكرناه أن المصنف جعل رسالة في علم القراءة مشتملة على معرفة مخارج الحروف والصفات وغيرها، وسماها بكمالها "مقدمة"، حيث قال في مقدمتها:

وبعدُ إنَّ هذه مقدِّمهْ فيما على قارئه أن يعلمَهْ

(3)

والله أعلم.

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"المهمة".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"الكثير".

(3)

"متن الجزرية" لابن الجزري (صـ 5).

ص: 125

(وأوقات الإجابة وأحوالها وأماكنها) برفع الثلاثة وجرها، (ثم اسم الله تعالى) بالرفع والجر أيضًا، و"ثم" لمجرد التعاقب كما قدمت، أو للتراخي في الذكر لا للرتبة؛ لعدم صحتها في "ثم" السابقة واللاحقة كما لا يخفى.

وقوله: (الأعظم) بالوجهين على أنه صفة للاسم تابع له في إعرابه (وأسماؤه الحسنى) كُتِبَت بالواو إشارةً إلى رفعه المختار، وفي نسخة:"وأسمائِهِ" بالياء، إيماءً إلى جرِّه، "والحسنى" تأنيث الأحسن، نعت الأسماء.

(ثم ما يقال) أي: يقرأ أو يذكر أو يدعى (في الصباح) أي: في أول النهار (إلى المساء) أي: إلى آخره، أو أول الليل، [والمراد]

(1)

بهما الملوان جميعهما.

(وفي طول الحياة إلى الممات) أي: منتهية إليه، والمعنى: من أول عمره إلى آخره (من جميع ما يحتاج إليه) بصيغة المفعول، أي: ما يقع إليه حاجة السالك من الأدعية هنالك (وصح النص) أي: والحال أنه ثبت النقل الصريح (عنه) أي: عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، كذا في أكثر الأصول المصححة، أي: وقع نصه على ما يقال في تلك الأحوال.

(ثم الذكر) أي: جنس الذكر من نوعه الخاص (الذي ورد فضله، ولم يختص) بفتح أوله ويضم، والجملة حال، أي: حال كون ذلك الذكر غيرَ

(1)

كذا في (ب) و (هـ)، وفي (أ) و (ج) و (د):"أو المراد".

ص: 126

مختص (بوقت من الأوقات) أي: بخلاف ما قبله، فإنه كان مختصًّا بالأزمنة والحالات.

(ثم الاستغفار الذي يمحو) وفي نسخة: "يمحق"، أي: يزيل (الخطيئات)[بالهمز]

(1)

، وجوز إبدالها وإدغامها، أي: السيئات، والموصول صفة كاشفة، وهو أيضًا غير مختص بوقت.

(ثم فضل القرآن العظيم وسور منه وآيات)، وهو وإن كان بعضها مطلقًا وبعضها مقيدًا، لكنه غالبًا غير مقيد، بل من حيث هو مطلق.

(ثم الدعاء الذي صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم كذلك)، أي: غير مختص بوقت من الأوقات. قال ميرك شاه رحمه الله: "الظاهر أن المراد الدعاء الذي صح عنه صلى الله عليه وسلم، ولم يختص بوقت من الأوقات، يرشد إلى ذلك التوجيهِ ما سيقول بعد ذلك حين شروعه في بيان المقاصد: "الأدعية التي وردت غير مخصوصة بوقت"، لكن يخدش فيه أن الأنسب في ذكره بعد الذكر الذي ورد فضله بلا واسطة حتى تحسن الإشارة إليه".

أقول -والله أعلم-: أراد المصنف بقوله: "كذلك" إشارة إلى أنه قيد لما قبله من الحكمين، فيفيد أن كلًّا من الاستغفار والقراءة والدعاء المذكورات ليس له وقت مخصوص من الأوقات، بل ينبغي أن يواظب عليها السالك في جميع الحالات، وسائر المقامات؛ فإن الذكر المطلق

(1)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ) و (هـ):"بالهمزة".

ص: 127

ودوامه المتحقق مستفاد من قوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [الأحزاب: 41]، وعدم تقييد القراءة مقتبس من قوله تعالى:{اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ} [العنكبوت: 45]، وعدم تقييد الاستغفار مأخوذ من قوله عليه السلام:"طوبى لمن وَجَدَ في صحيفته استغفارًا كثيرًا"

(1)

.

وأما الدعاء فبعضه مطلق لأرباب الكمال، وبعضه مقيد بحسب اختلاف أصحاب الأحوال، ولعل عدم تقييد الأذكار والتلاوة والاستغفار؛ لأن ذكره سبحانه لا ينبغي أن ينقطع من عبده ما دامت الرُّوح في جسده.

وأما الاستغفار فلأن كل واحد من العبيد سواء يكون من أفراد المراد أو المريد لا يخلو عن نوع من التقصير المحتاج إلى الاستغفار الكثير، فلا يحسن أن يقيد بوقت من الأوقات، أو حال من الحالات.

(1)

روي من حديث حديث عبد الله بن بسر: أخرجه ابن ماجه (3818) والبيهقي في شعب الإيمان (647)، والضياء (9/ 95، رقم 79). وأخرجه أيضًا: النسائي في الكبرى (10289)، والبزار (3508).

قال البوصيري (4/ 135): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.

حديث عائشة: أخرجه أبو نعيم في الحلية (10/ 395)، والبيهقي في شعب الإيمان (646) موقوفًا وقال: هذا هو الصحيح موقوفًا وروى عن النعمان بن عبد السلام عن سفيان مرفوعًا. والخطيب (9/ 110) وصححه الألباني في صحيح الجامع (3930).

قال المنذري: رواه ابن ماجه بإسناد صحيح الترغيب والترهيب (2/ 309).

ص: 128

هذا، ولو فعل المصنف كما ذكره ميرك لخالف العنوان ترتيب المقاصد.

(ثم ختمته) ليكون ختامه مسكًا (بفضل الصلاة على سيِّد الخلق)، أي: أفضل المخلوق الشامل للرسل والملائكة على مذهب أهل السنة والجماعة (ورسول الحق)، أي: اللهُ، فإن الحق من أسمائه، فالإضافة لاميَّة، أو يراد به ضد الباطل، فالإضافة بيانيَّة، أي: الرسول الحق الصادق في نبوَّته، الثابت في رسالته، أو الإضافة لأدنى الملابسة، قال الله تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ} [النساء: 170].

(الذي هدى الله تعالى) أي: المؤمنين، وهو أولى من تقدير الحنفي بقوله:"أي الخلق"، كما لا يخفى، (به) أي: بسببه، وبواسطة دلالته (من الضلالة) أي: من ضلالة الكفر وجهالة المعصية، وفيه إشعار بأنه سبب الهداية، وأما خالقها وموفقها ومقدرها فهو الله سبحانه، كما أشار إليه سبحانه بقوله:{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56]، وقد قال:{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52]، فيكون نظيرَ قوله:{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} [الأنفال: 17].

(وبصّر) بتشديد الصاد، أي: فتح بصيرة مَن أراده مِن أفراد خلقه (به) على ما في نسخة، أي: بسببه (من العمى) بفتح العين مقصورًا، أي: من أجل عمى عين قلبه، قال تعالى:{فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46](فأوضح) أي: فأظهر الله أو رسوله

ص: 129

(المحجة) بفتحتين وتشديد الجيم، أي: الطريقة [الموصلة]

(1)

إلى المقصد ظاهرًا بالشريعة، وباطنًا بالحقيقة، وفي "النهاية":"المحجة: جادة الطريق، مفعلة من الحج، وهو القصد، والميم زائدة، وجمعه: المحاجّ بتشديد الجيم"

(2)

.

(ولم يدع) بفتح الدال، أي: لم يترك الله (لأحد) أي: من الناس (حجة) أي: حجة داحضة أو مجادلة خافضة، حيث أرسل رسلًا مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وقد قال تعالى:{قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149)} [الأنعام: 149]، أو: لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم لأحد من أمته حجة مانعة من امتثال أمر، أو اجتناب نهي، حيث بينهما غاية البيان بحيث لا يحتاج السالك إلى غير ما ثبت عنه في كل شأن.

وهذا الوجه اختاره ميرك، حيث قال:"أي: لم يترك لأحد دليلًا على مقصد من المقاصد الشرعية، بمعنى أن كل دليل من الأدلة إما أن ذكره بالتصريح، أو ذكر ما يستنبط منه، ويمكن أن يراد بالحجة حجة النبوة، يعني سدّ باب النبوة، حيث قال: "لا نبي بعدي"

(3)

، انتهى. ولا يخفى

(1)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د) و (هـ):. "الواصلة".

(2)

النهاية (4/ 301).

(3)

أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة"(1061)، والطبراني في "المعجم الكبير"(8/ 115) رقم (7535 - 7617 - 7622)، وفي "مسند الشاميين"(834)، وابن عساكر (24/ 51) قال الهيثمي في المجمع (8/ 263): رواه الطبراني، =

ص: 130

بُعد الأخير.

صلى الله عليه وسلم وفي "نسخة الأصيل": "وآله وسلم" تسليمًا (كلما ذَكَرَهُ) أي: الله أو الرسول أو كل واحد منهما، وهو أبلغ في حصول المبلغ (الذاكرون) أي: أنواع الذكر، (وغفل) وفي نسخة:"وكلما غفل"(عن ذكره الغافلون) والمراد: حصول الصلاة والسلام على وجه الدوام، فإنه لا يخلو عن الحالين المذكورين أحد من الأنام.

وفي "شرح الحاوي" للمولى بهاء الدين: "أفضل الصلاة: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كلما ذكره الذاكرون، وكلما سها عنه الغافلون، وفي بعض رواية الحديث: "كلما غفل عنه الغافلون".

قال الإمام النووي: "هذا ما ذكره إبراهيم المروزي وحده"، انتهى.

وقد نقل الإمام الرافعي والإسنوي هذه العبارة عن المروزي، قال النووي:"وقد يستأنس لذلك بأن الشافعي كان يستعمل هذه العبارة، ولعله أول من استعملها"

(1)

. قال شارح البخاري: "وهي في خطبة "الرسالة"، لكن بلفظ "غفل" بدل "سها"".

ثم اعلم أن في بعض النسخ هنا (فضل الدعاء) وهو في الأصل بالضاد المعجمة، أي: أحاديث في فضيلة الدعاء، وفي نسخة: بالصاد المهملة،

= ورجال أحد الطريقين ثقات وفي بعضهم ضعف. وصححه الألباني في الصحيحة (7/ 708).

(1)

روضة الطالبين (11/ 66).

ص: 131

أي: هذا فصل في فضل الدعاء، قال ميرك:"اعلم أن الدعاء طلب الأدنى من الأعلى شيئًا ما على جهة الخضوع والاستكانة، وفيه فضل كثير، وثواب جزيل، وقد حثّ الله عليه في مواضعَ من كتابه العزيز، وورد أحاديث كثيرة في فضله".

وقال النووي: "دلت الأحاديث الصحيحة على استحباب الدعاء والاستعاذة، وعليه أجمع العلماء وأهل الفتاوى في الأمصار في كل الأعصار، وذهب طائفة من الزهاد وأهل المعارف من العباد إلى أن ترك الدعاء أفضل استسلامًا للقضاء، وقال آخرون منهم: إن دعا للمسلمين فحسن، وإن خصّ نفسه فلا. ومنهم من قال: إن وجد في نفسه باعثًا للدعاء استحب، وإلا فلا". ودليل الفقهاء ظواهر القرآن والسنة في الأمر بالدعاء والإخبار عن الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين

(1)

.

(1)

شرح مسلم (17/ 30).

ص: 132

‌فضل الدعاء

(قال) أي: رسول الله كما في نسخة صلى الله عليه وسلم جملة خبرية أو دعائية، والأظهر أنه خبر لفظًا، وإنشاء معنىً (الدعاء) أي: دعاء الحق (هو العبادة) أي: عبادة الخلق، وأتى بضمير الفصل والخبر المعرف باللام؛ ليدل على الحصر في أن العبادة ليست غير الدعاء مبالغة، ومعناه: أن الدعاء معظم العبادة، كما قال صلى الله عليه وسلم:"الحج عرفة"، أي: معظم أركان الحج الوقوف بعرفة، كذا ذكره ميرك.

والأظهر أن الحصر حقيقي لا ادعائي؛ فإن إظهار العبد العجز والاحتياج عن نفسه والاعتراف بأن الله قادر على إجابته سواء استجاب له أو لم يستجب كريم غني لا بخل له ولا احتياج له إلى شيء حتى يدخر لنفسه ويمنعه عن عباده هو عين العبادة ومخها، كما روي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الدعاء مخ العبادة"

(1)

. رواه الترمذي، وقال:"حديث غريب من هذا الوجه لا يعرف إلا من حديث ابن لهيعة، كذا في "الترغيب" للحافظ المنذري. وأشار بقوله: "روي" إلى تضعيف هذا الحديث، كما ذكر في خطبة كتابه

(2)

.

(1)

أخرجه الترمذي (3371) وإسناده ضعيف. فيه ابن لهيعة. قال الحافظ: صدوق خلط بعد احتراق كتبه. التقريب (ت 3587). لكن معناه صحيح بدليل حديث النعمان بن بشير: "الدعاء هو العبادة".

(2)

يعني بذلك المنذري في كتابه "الترغيب والترهيب".

ص: 133

ومخ الشيء خالصه وما يقوم به، كمخ الدماغ الذي هو نقيُّه، ومخ العين شحمها، والمعنى: أن العبادة لا تقوم إلا بالدعاء، كما أن الإنسان لا يقوم إلا بالمخ. وقال القاضي:"أي: هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة؛ لدلالته على الإقبال على الله تعالى والإعراض عما سواه"

(1)

.

(ثم تلا) أي: ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم استشهادًا واعتضادًا ({وَقَالَ رَبُّكُمُ ادعُونيَ} [غافر: 60] الآية) بالنصب، وهو الأرجح، أي: قرأها تمامها، وبالجر أي: إلى آخرها، وبالرفع أي: معروفة مشهورة، ولفظ الآية من تصرفات أهل الرواية اقتصارًا واكتفاء بالدراية، وإلا فلا شكَّ أنه صلى الله عليه وسلم قرأ الآية بكمالها، ثم فيها إيماء إلى أن تتمة الآية لها دخل في الاستشهاد.

وفي نسخة: {أَسْتَجِبْ لَكُمْ} الآية"، ثم تمامها:{إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} ، أي: أذلاء صاغرين، فالمراد بعبادتي: دعائي ليطابق قوله: {ادْعُونِي} أو المعني بقوله: {ادْعُونِي} : اعبدوني؛ ليوافق قوله: {عِبَادَتِي} ، فوضع الدعاء موضع العبادة، ووضع العبادة موضع الدعاء، ليفيد أن الدعاء هو العبادة، وأن العبادة هي الدعاء، وهذا ما ظهر لي في هذا المقام من حل الكلام على وفق المرام.

وقال المؤلف: "إنما تلا الآية استشهادًا لذلك؛ لأن الله يقول: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} أي: عن دعائي"

(2)

. وقال في "شرح

(1)

يعني بالقاضي: البيضاوي انظر كلامه هذا في تحفة الأبرار تحت حديث (442).

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 2/ ب).

ص: 134

المصابيح": "أتى بصيغة الحصر مبالغة، لأن حقيقة العبادة الافتقار إليه تعالى، وذلك في الدعاء والالتجاء فمن لازم الدعاء لازم العباد؛ ولذلك قرأ صلى الله عليه وسلم الآية؛ لأنه تعالى أراد: اعبدوني بالدعاء لي، لأن ذلك يحقق تعبدكم إلى ما ترون من إجابتي لكم، ولذا قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} أي: عن دعائي".

وقال القاضي: "استشهد بالآية لدلالتها على أن المقصود يترتب عليه ترتب الجزاء على الشرط، والمسبب على السبب، ويكون أهم العبادات، ويقرب من هذا قوله: ""مخ العبادة" أي: خالصها"

(1)

. وقال الراغب: "العبودية إظهار التذلل، ولا عبادة أفضل منها؛ لأن غاية التذلل لا يستحقها إلا من له غاية التفضل"

(2)

.

(مص، عه، حب، مس، أ) أي: رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه"، وقدمه لأن اللفظ له، والأربعة وابن حبان، والحاكم في "مستدركه"، والإمام أحمد في "مسنده"؛ كلهم من حديث النعمان بن بشير. وقال الترمذي:"حديث حسن صحيح"، وفي بعض نسخه:"حسن" فقط. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". وأخرجه الطبراتي في كتاب "الدعاء" له أيضا، ولم يرقم له الشيخ رحمه الله، وكذا رواه البخاري في "تاريخه" عن النعمان

(3)

،

(1)

قوت المغتذي على جامع الترمذي (2/ 828).

(2)

"مفردات ألفاظ القرآن"(ص: 542).

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة (29777)، وأحمد (4/ 267 و 271 و 276 و 277)، =

ص: 135

وأبو يعلى في "مسنده" عن البراء.

(1)

(من فتح) بصيغة المفعول، وقوله:(له) نائب الفاعل، وضميره راجع إلى "مَنْ" الموصولة، أو الشرطية، ويمكن أن يقال: التقدير: مَنْ فُتِحَ لَه باب (في الدعاء منكم، فتحت له أبواب الإجابة)، وفي نسخة بالتشديد، لكثرة الفعل أو الفاعل، وقد يتلازمان كما هنا، وقد قرئ بالوجهين متواترًا في قوله تعالى:{وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19)} [النبأ: 19] والمعنى: من وفق على مواظبة الدعاء وملازمة الثناء، فتحت له أبواب القبول؛ لأن من علامة إجابته توفيقه لدعوته، ولا يخفى حسن العدول من الباب إلى الأبواب. وقيل معناه:"من استجيب له دعاء واحد، فتحت له أبواب الاستجابة". (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة [في "مصنفه"]

(2)

= والبخاري في "الأدب المفرد"(714)، وأبو داود (1479) وابن ماجة (3828)، والترمذي (2969 و 3247) و (3372)، والنسائي في "الكبرى"(11400)، والبزار (3242 - 3243)، وابن حبان (890)، والحاكم (1/ 490)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(1070)، والطبراني في "الأوسط"(3901) وفي "الصغير"(1041) وفي "الدعاء"(1) و (4)، وابن المبارك في "الزهد"(1299) والبغوي في "شرح السنة"(1384)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء"(8/ 120)، ومن طريقه المزي في "التهذيب"(32/ 307) والقضاعي في مسند الشهاب (29 و 30) كلهم من طرق.

(1)

أخرجه أبو يعلى في المعجم (328).

(2)

من (د) فقط.

ص: 136

عن علي وابن عمر

(1)

أيضًا.

(فتحت له أبواب الجنة) بدل مما سبق من الجزاء بدلالة عدم العطف، وفيه إيماء لطيف إلا أن الدعاء لا يخلو من الفائدة، فإنه إما أن يكون سببًا لفتح أبواب الإجابة، فيعجل مسألته له، أو أبواب الجنة، فيدخر طَلِبَته له، ولا شك أن الثاني أولى، فإن الآخرة خير وأبقى، ولذا ورد أن أهل تأخير بعض إجابة دعائهم لما رأوا ما ادخر لهم من عطائهم قالوا:[يا]

(2)

ليتنا لم تقبل دعوة منا في الدنيا، ليكون ذخيرة كاملة لنا في العقبى. (مس) أي: رواه الحاكم في "مستدركه" عن ابن عمر، وقال:"صحيح الإسناد".

(فتحت له أبواب الرحمة) وهي شاملة لفتح أبواب الإجابة وأبواب الجنة، والجملة بدل أيضًا مما قبله مع زيادة قوله:(ومما سئل الله شيئًا أحبَّ إليه) وفي نسخة: "له"(من أن يسأل العافية) بصيغة المفعول في الفعلين، فقيل:"شيئًا" مفعول مطلق، أي: شيئًا من السؤال، و"أحب" صفته، "وأنْ" في قوله:"أنْ يسأل العافية" مصدرية، فالمعنى: ما سئل الله سؤالًا أحبَّ إليه من سؤال العافية. وجوز أن يكون "شيئًا" مفعولًا به، أي: ما سئل الله مسئولًا أحبَّ إليه من العافية، فزيد "أن يسأل" اهتمامًا بشأن المسئول، أو أريد من قوله:"من أن يسأل من العافية المسئولة".

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (29778).

(2)

من (ج) فقط.

ص: 137

ثم العافية في اللغة: دفع العفاء، وهو الهلاك، والمراد بها هنا أن يكون للرجل كفاف من القوت وصحة البدن، بحيث لا يمنعه عن الاشتغال بأمر الدين وترك ما لا ضرورة فيه، ولا خير في وجوده، ولذا كان الشبلي -قدس سره- إذا رأى أحدًا من أرباب الدنيا الفانية، قال:"اللهم إني أسألك العافية".

(ت) أي: رواه الترمذي من حديث ابن عمر بلفظ: "من فتح له منكم باب الدعاء

" إلى آخره، وسيأتي حديث: "يا عم، أَكْثِرِ الدُّعاءَ بالعافية".

(لا يرد القضاء) أي المعلق (إلا الدعاء) أي: المقبول المحقق، أو لا يدفع صعوبة القضاء المبرم إلا الدعاء المحتم، قال التوربشتي وغيره: "إن القضاء في الأصل إنما هو الأمر المقدر، وأريد به هنا ما يخافه العبد من نزول المكروه، فإذا وفق للدعاء رفعه الله، فتسميته قضاءً مجازٌ، أو أراد بِرَدِّ القضاء تهوينه وتيسيره، حتى يكون القضاء النازل كأنه لم ينزل.

(ولا يزيد في العمر) بضمتين وقد يسكن، فالأول أفصح، والثاني أشهر، وزيادته باعتبار بقاء الاسم والأثر، وقيل:"بالنظر إلى الأجل المؤقت المعلق، لا المبرم المقدر"(إلا البر) بالكسر: الإحسان على ما في "النهاية"، والأظهر أن يراد به الطاعة الشاملة لكل عبادة، كما قال تعالى:{وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 177] الآية، ثم قيل: "في تأويل الحديث وجهان:

أحدهما: أن معناه إذا برَّ فلا يضيع عمره، فكأنه زاد.

ص: 138

وثانيهما: أنه يزاد في العمر حقيقة، قال الله تعالى:{وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ} [فاطر: 11]، وقال:{يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد: 39]

(1)

.

وذكر في "الكشاف" أنه لا يطول عمر إنسان ولا ينقص إلا في كتاب، وصورته: أن يكتب في اللوح إن حج فلان أو غزا فعمره أربعون سنة، وإن حج وغزا فعمره ستون، فإذا جمع بينهما فبلغ الستين فقد [عُمِّر]

(2)

، وإذا أفرد أحدهما فلم يتجاوز به الأربعين، فقد نقص من عمره الذي هو الغاية، وهو الستون"، انتهى

(3)

.

ولا يخفى أن الصورة المذكورة تفيد التعليق في كل من الأمرين، يعني: الحج، والغزو، فالأظهر في تصويره أن يقال: إن حجَّ فعمره ستون، وإلا فأربعون.

واعلم أن بعض الآيات والأحاديث يدل على أن العمر قابل للزيادة والنقصان، منها الآيتان المذكورتان، وكذا هذا الحديث، وأن بعضًا منهما يدل على أنه لا يزيد ولا ينقص، كقوله تعالى:{فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34]، وكقوله سبحانه:

(1)

بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار (ص 177).

(2)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ) و"الكشاف"، وفي (أ):"زاد عمره".

(3)

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (3/ 604).

ص: 139

{وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} [المنافقون: 11]، وكقوله صلى الله عليه وسلم:"يكتب للولد في بطن أمه: رزقه، وعمله، وأجله"

(1)

. فقال البغوي عند قوله تعالى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ} [فاطر: 11] الآية: "إن هذا يعني عدم التأخر إذا حضر الأجل، فأما ما قبل ذلك، فيجوز أن يزاد وينقص، وقرأ {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج: 70] ".

وقال النووي: "إذا علم الله تعالى أَنَّ زَيْدًا مثلًا يموت سنة خمس مئة، استحال أن يموت قبلها أو بعدها، فاستحال أن يكون الآجال التي عليها علم الله أن يزيد وينقص؛ فيتعين تأويل الزيادة بأنها بالنسبة إلى مَلَك الموت أو غيره ممن وكل بقبض الأرواح، وأُمِرَ بالقبض بعد آجال محدودة، فإنه تعالى بعد أن يأمره بذلك أو يثبت في اللوح المحفوظ ينقص أو يزيد على ما سبق به علمه في كل شيء، وهو معنى قوله تعالى: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39]، وعلى ما ذكر يحمل قوله تعالى: {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} [الأنعام: 2]، فالإشارة بالأجل الأول إلى اللوح المحفوظ وما عند ملك الموت وأعوانه، وبالأجل الثاني إلى قوله: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}، وقوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} " انتهى. وهو تحقيق في نهاية تدقيق.

(1)

أخرجه البخاري (3208) ومسلم (2643) من حديث ابن مسعود.

ص: 140

وقال الحنفي: "اعلم أنه إذا ازداد العمر بالبر كصلة الرحم مثلًا، فيكون رد القضاء بغير الدعاء أيضًا، فلا يصح أنه لا يرد القضاء إلا الدعاء، فلا بد أن يكون [هذا]

(1)

الحصر على سبيل المبالغة والادعاء".

أقول: الظاهر أن المراد بالقضاء في قوله: "لا يرد القضاء إلا الدعاء" قضاء البلاء لا مطلق القضاء، ويؤيذه رواية أبي الشيخ في "الثواب" عن أبي هريرة:"الدعاء يرد البلاء"، مع أن البر بمعنى الطاعة يشمل الدعاء؛ فصح قوله:"لا يرد القضاء إلا الدعاء" من غير دعوى الادعاء، ولا ينافيه حينئذٍ ما ورد من قوله:"الصدقة ترد البلاء، وتزيد العمر".

(ت، ق، حب، مس) أي رواه: الترمذي وابن ماجه عن سلمان، وابن حبان والحاكم في "مستدركه" عن ثوبان، لكن في روايتهما:"لا يرد القدر"، كما نقله صاحب "السلاح" عنهما، وفي "الترغيب" للمنذري عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل لَيُحرمُ الرزق بالذنب يذنبه". رواه ابن حبان، والحاكم، واللفظ له، وقال:"صحيح الإسناد"، وذكره السيوطي في "الجامع الصغير"، وقال: "رواه: الترمذي [وقال: حسن غريب]

(2)

والحاكم عن سلمان

(3)

، ورواه الحاكم عن ثوبان، ولفظه: "الدعاء يرد

(1)

من (هـ) فقط.

(2)

من (هـ) فقط.

(3)

أخرجه أحمد (5/ 277 و 280 و 282)، وابن ماجه (90) و (4022)، =

ص: 141

القضاء، وإن البر يزيد في الرزق، وإن العبد لَيُحرمُ الرزق بالذنب يصيبه"

(1)

.

(لا يغني) أي: لا ينفع ولا يدفع (حذر) أي: احتراز واحتراس (من قدر) بفتح الدال ويسكن، أي: مما قدره الله وقضاه من أنواع بلاياه (والدعاء ينفع مما نزل) أي: من بلاء نزل، ونفعه إما بالصبر، وإما بالرفع (ومما لم ينزل) أي: ويريد النزول [إما]

(2)

بالتهوين، أو بالدفع.

(وإن البلاء لينزل) أي: ليريد النزول (فيتلقاه) وفي نسخة صحيحة: "يتلقاه"، وفي نسخة:"ثم يتلقاه"(الدعاء) وفي إسناد الفعل إلى الدعاء دون البلاء نكتة لطيفة دالة على أن الدعاء له غلبة منيفة، فإن الدعاء يستقبله في الهواء ما بين الأرض والسماء ([فيعتلجان])

(3)

أي: يتصارعان ويتدافعان، ذكره في "شرح السنة"، وقال المؤلف:"أي: فيتعارضان"

(4)

(إلى يوم القيامة) قال الغزالي في "الإحياء": "اعلم أن من القضاء ردَّ البلاء بالدعاء، والدعاء سبب رد البلاء واستجلاب الرحمة، كما أن الترس سبب لرد السهم، والماء سبب لخروج النبات من الأرض، وكما أن الترس يدفع

= والطبراني في "الكبير"(1442)، وفي "الدعاء"(31)، وابن حبان (872) انظر "الأحاديث الصحيحة"(154)، و"صحيح الترغيب"(1638).

(1)

أخرجه الحاكم (3/ 548)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (3006).

(2)

من (هـ) فقط.

(3)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"فيتعالجان".

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 2/ ب)، والذي فيه:"أي: فيتصارعان".

ص: 142

السهم فيتدافعان، فكذلك الدعاء والبلاء يتعالجان.

وليس من شرط الاعتراف بقضاء الله عز وجل أن لا يحمل السلاح، وقد قال عز وجل:{خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 71]، وأن لا يسقي الأرض بعد بث البذر، فيقال: إن سبق القضاء بالنبات نبت، بل ربط الأسباب بالمسببات هو القضاء الأول الذي هو كلمح البصر، وترتيب تفصيل المسببات على تفاصيل الأسباب على التدريج والتقدير هو القدر، والذي قدر الخير قدره بسبب، وكذلك الشر قدر لرفعه سببًا، فلا تناقض بين هذه الأمور عند من افتتحت [عين]

(1)

بصيرته، ثم في الدعاء من الفائدة أنه يستدعي حضور القلب مع الله عز وجل، وذلك منتهى العبادات، والدعاء يرد القلب إلى الله عز وجل بالتضرع والاستكانة؛ ولذلك كان البلاء موكلًا بالأنبياء، ثم الأولياء" لأنه يرد القلب بالافتقار إلى الله عز وجل، ويمنع نسيانه

(2)

.

(مس، ر، طس) أي رواه: الحاكم، والبزار، والطبراني في "الأوسط"؛ كلهم من حديث عائشة، وقال الحاكم:"صحيح الإسناد"

(3)

. وفي

(1)

من (أ) فقط.

(2)

إحياء علوم الدين (1/ 328).

(3)

أخرجه البزار (2165)، والقضاعي في "مسند الشهاب"(859) و (861)، والطبراني في "الأوسط"(2519)، والحاكم (1/ 492)، وفيه زكريا بن منظور وهو ضعيف. انظر "الأحاديث الضعيفة"(492). والحديث ضعيف جدًّا كما في "ضعيف الترغيب"(1014).

ص: 143

"الجامع الصغير": ""لا يغني حذر من قدر"، رواه الحاكم عن عائشة، و"الدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء"، رواه الحاكم عن ابن عمر"

(1)

.

(ليس شيء أكرم) بالنصب، أي: شيء أكثر كرامة (على الله) أي عنده (من الدعاء) أي: لاشتماله على التضرع والثناء، والمعنى: ليس شيء من أنواع العبادات القولية، فإن الصلاة أفضل العبادات البدنية، فاندفع ما قال الحنفي:"وهذا الحديث بظاهره ينافي قوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] ".

(ت، ق، حب، مس) أي رواه: الترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم؛ كلهم من حديث أبي هريرة، وقال الحاكم:"صحيح الإسناد". ورواه: أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد" عن أبي هريرة أيضًا

(2)

.

(1)

أخرجه الحاكم في المستدرك (1/ 493) الترمذي (3548) وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي، وهو المليكي، وهو ضعيف في الحديث ضعفه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وقد روى إسرائيل هذا الحديث، عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عن موسى بن عقبة قال الحافظ ابن حجر: في سنده لين وقد صححه مع ذلك الحاكم ("الفتح" 11/ 95).

(2)

أخرجه الطيالسي (3585) والترمذي (33709)، وابن ماجه (3829) وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد"(712) وابن حبان (870).

والحاكم (1/ 490)، والبيهقي في "الدعوات الكبير"(3).=

ص: 144

(من لم يسأل الله) أي: بلسان القال أو الحال استغناء عن الله المتعال (يغضَبْ) أي: الله، وهو بفتح الضاد مجزومًا، وفي نسخة بصيغة المفعوك، فنائب الفاعل قوله:(عليه). قال ميرك: "أي: من لم يطلبه؛ لأن السؤال بمعنى الطلب"، انتهى.

والأولى أنه بمعنى الدعاء للرواية الآتية، وذلك أنَّ الله تعالى يحب أن يُسْأل من فضله؛ ولذا قال في التنزيل:{وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 32]، {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي} [غافر: 65] الآية. فمن لم يسأل يبغض، ويعد من المستكبرين عن عبادته، والمبغوض مغضوب، ونعم ما قيل شعر:

الله يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ

وَابْنَاءُ آدَمَ [حَيْثُ تُسْأل]

(1)

تَغْضَبُ

وقد ورد في حديث ابن مسعود: "سلوا الله من فضله؛ فإن الله يحب أن يسأل، فمن لم يسأل الله يبغضه". وفي "النهاية": "قد تكرر ذكر

= وقال الترمذي: غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من رواية عمران القطان انتهى.

قال العقيلي في الضعفاء (3/ 301) لايتابع عليه ولا يعرف بهذا اللفظ إلا عن عمران وفي فضل الدعاء أحاديث بألفاظ مختلفة، من غير هذا الوجه.

وقال ابن القطان (الوهم والإبهام رقم (1423): رواته ثقات ولا موضع في الإسناد للنظر إلا عمران بن داور القطان، وهو رجل ما بحديثه بأس أهـ.

قال الحافظ ابن حجر: صححه ابن حبان والحاكم (الفتح" (11/ 94)، وفي بلوغ المرام (1/ 599).

(1)

كذا في (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"حين تسأل تغضب".

ص: 145

الغضب من الله تعالى ومن الناس، فأما غضب الله فهو إنكاره على من عصاه، وسخطه عليه، وإعراضه عنه، ومعاقبته له، وأما من المخلوقين فمنه محمودٌ، وهو ما كان في جانب الحق، ومنه مذموم، وهو ما كان في خلافه".

(ت، مس) أي رواه: الترمذي، والحاكم؛ كلاهما عن أبي هريرة، وفي "فتح الباري":"أخرجه: أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد"، وابن ماجه، والحاكم؛ كلهم من رواية أبي صالح عن أبي هريرة"، انتهى.

وقيل: "في سنده أبو المليح الهذلي، وهو مجهول على ما في "الميزان""، فيكون الحديث ضعيفًا، لكن يعمل به في الفضائل، ويحمل الغضب على المبالغة في العتب.

(من لم يدع الله غضب عليه) بكسر الضاد، وفي نسخة بصيغة المجهول.

(مص) أى: رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" من حديث أبي هريرة.

(لا تعجزوا في الدعاء) بكسر الجيم ويفتح، من العجز، وهو الضعف، والفعل كضَرَبَ وَسَمِعَ على ما في "القاموس".

وأما ما ذكره المؤلف من قوله: "لا تعجزوا: بكسر الجيم في المستقبل، وفتحها في الماضي"

(1)

، فمبني على الرواية، وهي لا تنافي جواز فتحها من حيث اللغة والقواعد العربية، أو على كونه أفصح؛

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 2/ ب).

ص: 146

لوروده في قوله: (أَعَجَزْتُ)، وأما تفسير المؤلف العجز بترك ما يجب، ففيه نظر ظاهر.

نَعَم، العجز بهذا المعنى يناسب ما ورد:"أعوذ بك من العجز"، فالمعنى: لا تقصروا ولا تَكسَلُوا في تحصيل الدعاء، (فإنه) أي: الشأن (لن يَهْلِكَ) بكسر اللام، أي: لا يضيع (مع الدعاء أحد. حب، مس) أي رواه: ابن حبان، والحاكم؛ كلاهما عن أنس، وقال الحاكم:"صحيح الإسناد".

(من سرَّه) بتشديد الراء، أي: أعجبه وأوقعه في الفرح والسرور (أن يستجيب الله له) أي: دعاءه (عند الشدائد) أي: وقت حصول الأمور الشديدة من المكروهات (والكُرَب) بضم ففتح جمع كُرْبة، وهي الغم الذي يأخذ بالنفس، وكذا الكَرْب بفتح فسكون على ما في نسخة.

والحاصل: أن من أرد استجابة الدعاء عند الفقر ونزول البلاء (فليكثر الدعاء) أمر من الإكثار، أي: فليلازم الدعاء في الصباح والمساء (في الرخاء) بفتح الراء والخاء المعجمة ممدودًا، أي: في حال سعة العيش، وحسن البال، وكثرة المال؛ لأن من شيمة المؤمن الصابر الشاكر الحازم أن يريّش السهم قبل الرمي، ويلتجئ إلى الله قبل مس الاضطرار، بخلاف الكفار والفجار، كما قال تعالى:{وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} [فصلت: 51].

ص: 147

(ت) أي: رواه الترمذي عن أبي هريرة، وكذا الحاكم عنه على ما في "الجامع"، وفي "سلاح المؤمن":"عن سلمان مرفوعًا: "من سرَّه أن يستجاب له عند الكرب والشدائد، فليكثر الدعاء في الرخاء"، رواه الحاكم، وقال: "صحيح الإسناد"، وروى البيهقي والخطيب عن جابر مرفوعًا: "لقد بارك الله لرجل في حاجة أكثر الدعاء فيها، أعطيها أو منعها".

(الدعاء سلاح المؤمن) بكسر السين، أي: يدفع به البلاء عن نفسه وغيره (وعماد الدين) بكسر العين، أي: مداره؛ فإنه إظهار العبودية عند ظهور الربوبية، ولا ينافيه حديث:"الصلاة عماد الدين"؛ لجواز تعدد العمد، أو لأن الدعاء عماد الصلاة أيضًا؛ إذ المقصود منها هو دعاء العبد للرب الموجب للقرب والحب؛ ولذا فرض أو وجب قراءة الفاتحة المشتملة على دعاء {اهْدِنَا} في كل ركعة، وقد سبق أن الدعاء مخ العبادة، مع أن كل ذكر وتسبيح فيها دعاء، بل كل حركة وسكون فيها ثناء يقصد به عطاء.

(ونور السماوات والأرض) أي: منوِّر أهلهما من ظلمة الغفلة وضيق الحالة إلى فضاء الحضرة، وقيل: "إضافة النور إليهما باعتبار أن الدعاء نور لصاحبه في السماوات، حيث يحصل له بسببه بين الأرواح والملائكة التي فيها شرف وعزة وظهور، وفي الأرض؛ لأنه يكون له بسببه فيها بين أهل الأرض اعتبار وفضل.

ص: 148

(مس) أي: رواه الحاكم عن أبي هريرة، وقال:"صحيح الإسناد"، ورواه الطبراني في "الدعاء" له أيضًا، وفي "الجامع":"رواه أبو يعلى والحاكم عن علي"، انتهى

(1)

.

وروي عن جابر بن عبد الله مرفوعًا: "ألا أدلكم على ما ينجيكم من عدوكم، وَيدِرُّ لكم أرزاقكم، تدعون الله في ليلكم ونهاركم، فإن الدعاء سلاح المؤمن"، رواه أبو يعلى، وإسناده ضعيف

(2)

.

(مَرَّ صلى الله عليه وسلم بقوم مبتلَين) بفتح اللام والنون، اسم مفعول من الابتلاء، وهو يحتمل أن يكون ابتلاؤهم بنوع أو أنواع من

(1)

أخرجه أبو يعلى (439)، والقضاعي في مسند الشهاب (143)، وابن عدي في "الكامل"(6/ 172)، والمقدسي في "الترغيب في الدعاء" (10) عن محمد بن الحسن عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده به. وجاء في الترغيب في الدعاء (1/ 40): محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني.

وقال البوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة"(6/ 147): هذا إسناد ضعيف لضعف محمد بن الحسن، لكن له شاهد من حديث أبي هريرة رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد.

قال المنذري في "الترغيب والترهيب"(2/ 315): رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد ورواه أبو يعلى من حديث علي.

(2)

أخرجه أبو يعلى (1812).

قال البوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة"(6/ 147): هذا إسناد ضعيف، لضعف محمد بن أبي حميد المديني.

وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(10/ 147) رواه أبو يعلى وفيه محمد بن أبي حميد وهو ضعيف.

ص: 149

البلاء (فقال: أمَا كان هؤلاء) باستفهام توبيخ، و"ما" نافية، أي: ألم يكونوا قبل الابتلاء حال الرخاء والنعماء (يسألون الله العافيه) أي: دوامها، ففيه إيماء إلى أن من التزم الدعاء عند الرخاء حفظ من البلاء، ومن ترك الدعاء وغفل عن التضرع إلى رب السماء، يكون البلاء له الجزاء. (ر) أي: رواه البزار عن أنس

(1)

.

(ما من مسلم)"مِن" زائدة لتأكيد النفي (ينصب وجهه) بكسر الصاد، أي: يرفعه ويجعل توجهه (لله تعالى) أي: خالصًا له (في مسألة) أي: مسئولة ودعوة مطلوبة (إلا أعطاهما) أي: الله (إياه) أي: ذلك المسلم، وفي حكمه المسلمة.

(إما أن يعجلها) بتشديد الجيم، أي: الله تلك المسألةَ، بعينها، أو بعوض أحسن، أو بدفع بلاء أعظم منها، فورًا أو متراخيًا في الدنيا، (له) أي: لذلك المسلم، (وإما أن يدخرهما) بتشديد الدال المبدلة عن المعجمة، أي: يجعلها ذخيرة (له) أي: لذلك المسلم في العقبى بأن يعطيه جزيل ثوابها، أو يغفر بعض ذنوبه بسببها.

والحاصل: أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، فلا ينبغي للسالك أن يترك عمله حيث لم يتعجل أمله، فإنه كما قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ

(1)

أخرجه البزار في المسند (6643) وقال الهيثمي: رواه البزار، ورجاله ثقات "مجمع الزوائد"(10/ 147) وصحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة (2197).

ص: 150

وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]، فعلى العبد أن يقوم بحق العبودية، ويفوض إلى الله أمر الربوبية.

وقد ألهم بعض العارفين: "سلني، فقال: سبحان الله عالم بجميع الوجوه، يسأل عن جاهل بجميع الوجوه بيان مراده، وهو لا يعلم خيره من شره"، وفي هذا المقام قيل لأبي يزيد:"ما تريد؟ قال: أريد أن لا أريد".

قال بعض المحققين: "هذه أيضًا إرادة؛ لتضمنها معنى الزيادة على التسليم الذي هو الحالة المرادة"

(1)

.

(أ) أي: رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة

(2)

.

قال المؤلف: "فيه دليل على أن سؤال المسلم ربَّه مستجاب، بَيَّنَهُ الحديث الذي رواه الحاكم في "مستدركه الصحيح" عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يدعو الله المؤمنَ يوم القيامة حتى يوقفه بين يديه، فيقول: عبدي، إني أمرتك أن تدعوني، ووعدت أن أستجيب لك،

(1)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أي المراد المحبوب المرضي؛ وهو المراد بالإرادة الدينية وكمال العبد أن لا يريد ولا يحب ولا يرضى إلا ما أراده الله ورضيه وأحبه، وهو ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب؛ ولا يحب إلا ما يحبه الله كالملائكة والأنبياء والصالحين "مجموع الفتاوى"(10/ 218).

(2)

أخرجه أحمد (2/ 448)، والبخاري في الأدب المفرد (711)، والترمذي (3603).

قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(10/ 148): رواه أحمد ورجاله ثقات وفي بعضهم خلاف.

ص: 151

فهل كنت تدعوني؟ فيقول: نعم يا رب، فيقول: أما إنك لم تدعني بدعوة إلا استجبت لك، أليس قد دعوتني يوم كذا وكذا لِغَمٍّ نزل بك أن أفرج عنك، ففرجت عنك؟ فيقول: نعم يا رب، فيقول: إني عجلتها لك في الدنيا، ودعوتني [في]

(1)

يوم كذا وكذا لغم نزل أن أفرج عنك، فلم تَرَ فَرَجًا؟ قال: نعم يا رب، فيقول: إني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا، ودعوتني في حاجة أقضيها لك في يوم كذا وكذا، فقضيتها؟ فيقول: نعم يا رب، فيقول: فإني عجلتها لك في الدنيا، ودعوتني في يوم كذا وكذا في حاجة أقضيها لك، فلم تَرَ قضاءها؟ فيقول: نعم يا رب، فيقول: إني ادخرت لك في الجنة كذا وكذا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فلا يدع الله دعوة دعا بها عبده المؤمن إلا بيّن له، إما أن يكون عجل له في الدنيا، وإما أن يكون ادخر له في الآخرة، قال: فيقول المؤمن في ذلك المقام: ليته لم يكن عجل [له]

(2)

بشيء من دعائه"

(3)

.

(1)

من (أ) و"مفتاح الحصن الحصين" فقط.

(2)

في "مفتاح الحصن الحصين": "لي".

(3)

أخرجه الحاكم في المستدرك (1/ 494) وقال: هذا حديث تفرد بالفضل بن عيسى الرقاشي، عن محمد بن المنكدر، ومحل الفضل بن عيسى محل من لا يتوهم بالوضع، وصححه المنذري في "الترغيب والترهيب" (2/ 314) حيث صدره بقوله: وعن جابر. وقال الألباني: قلت: ولم يصنعا شيئًا، فإنه إن لم يكن متهما فقد اتفقوا على تضعيفه، والذهبي نفسه أورده في "الميزان" وقال فيه:"ضعفوه". ثم ساق أقول الأئمة في ترجيحه وقال في كتابه "المغني" =

ص: 152

وروى أيضًا الحاكم في "المستدرك" من رواية عبادة بن الصامت

(1)

، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إيّاها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم، فقال رجل من القوم: إذن نكثر، من الإكثار، قال: الله أكثر""، [أي: الله أكثر إجابة من دعائكم]

(2)

. "ورواه الترمذي بهذا اللفظ، وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه"

(3)

. وروى الترمذي أيضًا من حديث أبي هريرة

(4)

: "فإما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا""

(5)

.

= مجمع على ضعفه. وقال فيه الحافظ في "التقريب": منكر الحديث "السلسلة الضعيفة"(886).

(1)

أخرجه الحاكم من رواية أبي سعيد (1/ 493).

(2)

هذه الجملة التفسيرية ليست من كلام ابن الجزري، بل هي من كلام مُلا علي القاري.

(3)

أخرجه الترمذي (3573) وعبد الله بن أحمد (5/ 329)، والطبراني في مسند الشاميين (182) و (3524) من رواية عبادة بن الصامت.

(4)

أخرجه الترمذي (3604) قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه.

(5)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 2/ ب، 3/ أ).

ص: 153

(الذِّكْرُ)

قال ميرك شاه: "وقع هنا في أصل السماع بخط [المخدومي]

(1)

: الحضرة [الأصلية]

(2)

: "كذا معلمًا بعلامة خ صح"، وفي بعض النسخ:"فصل الذكر"، أي: بالصاد المهملة، وفي بعضها:"فضل الذكر"، وفي أكثر النسخ لم يذكر، يعني: الذكر مطلقًا، والمطابق لمقابلة هذه النسخ أن يكون فيما تقدم الدعاء وحده [في]

(3)

نسخة أيضًا، لكن لم يوجد، والله أعلم".

(يقول الله) هذا حديث قدسي، والفرق بينه وبين القرآن أن الثاني منزل بلفظه مع جبريل، والأول قد يكون بإلهام وهو مفوض إليه صلى الله عليه وسلم في التعبير عنه، وهنا أتى بلفظ المقول، حيث قال:(أنا عند ظن عبدي بي) أي: عند يقينه بي، وعلمه بأن مصيره إليَّ، وحسابه علي، وأن ما قضيت له من خير أو شر، فلا مردَّ له لدي.

وقال المؤلف: "أي: في الرجاء، وأمل العفو"

(4)

.

قلت: ويؤيده ما أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" عن أبي هريرة،

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"المخذومي".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (هـ)، وفي (ج) و (د):"الأصيلية".

(3)

من (ج) فقط.

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 3/ أ).

ص: 154

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمر الله تعالى بعبد إلى النار، فلما وقف على شفيرها التفت، فقال: أما والله يا رب إن كان ظني بك لحسن، فقال الله تعالى: ردوه، أنا عند ظن عبدي بي"

(1)

، ذكره السيوطي في "بدور السافرة في أحوال الآخرة".

(وأنا معه إذا ذكرني)"أي: بالرحمة والتوفيق والإعانة والنصرة"

(2)

، ذكره المؤلف (فإن ذكرني في نفسه) أي: في سره، وهو يحتمل أن يكون ذكرًا قلبيًّا أو لسانيًّا إخفائيًّا (ذكرته في نفسي) أي: في ذاتي من غير إطلاع حاله على غيري من مخلوقاتي، وقيل: "المعنى: أُخْفِي ثوابه على منوال عمله، وأتولى بنفسي إثابته لا أكله إلى أحد من خلقي، ويؤيده قوله تعالى:{تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)} [السجدة: 16]، أي: جزاءً وفاقًا، حيثما كانوا يُخفون أعمالهم، فأخفى الله ما [خبِّئ]

(3)

لهم، وقد قرأ، حمزة بسكون الياء في

(1)

أخرجه البيهقي في الشعب (8799) قال المنذري (4/ 136): رواه البيهقي عن رجل من ولد عبادة بن الصامت لم يسمه عن أبي هريرة.

وقال الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة (6150) منكر.

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 3/ أ).

(3)

كذا في (ج)، وفي (أ) و (ب):"عد"، وفي (د):"عين"، وفي (هـ):"أعد".

ص: 155

{أُخْفِيَ} ، وهو [أدل على المقصود]

(1)

.

ويؤيده الحديث القدسي: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر"، وفيه دليل على أن الذكر القلبي أفضل، [ثم]

(2)

اللساني الإخفائي؛ لما ورد من: "أن الذكر الخفي الذي لا يسمعه الحَفَظَةُ سبعون ضعفًا"، وورد:"خير الذكر الخفيُّ"

(3)

.

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"أولى بالمقصود".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"من".

(3)

أخرجه وكيع في الزهد (333)، وعنه ابن أبي شيبة (34377)، وأحمد في "المسند"(1/ 172)، وعبد بن حميد في المسند (137)، وأبو عوانة في "الصحيح" كما في "إتحاف المهرة"(5/ 122) وغيرهم.

وهذا إسناد ضعيف غريب منقطع! وابن أبي لبيبة: ضعفه الدارقطني، وقال ابن معين:"ليس حديثه بشيء"، وقال الحافظ في "التقريب":"ضعيف كثير الإرسال".

قال ابن أبي حاتم: "محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة ويقال ابن أبي لبيبة.

سمعت أبي يقول محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة لم يدرك سعدًا المراسيل (336).

قال الذهبي: فيه انقطاع بين محمد وسعد "معجم الشيوخ الكبير"(269).

قال النووي في: "مسألة: في الحديث" خير الذكر الخفي، وخير المال ما يكفي هل هو ثابت وما معناه؟

الجواب: ليس بثابت، ومعناه؛ أن الذكر الخفي أبعد من الرياء والإعجاب =

ص: 156

ثم فيه جواز إطلاق النفس على الله باعتبار ذاته، خلافًا لمن منع وحمله على المشاكلة، كما في قوله تعالى:{تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة: 116]، لكن يرد عليه قوله:"سبحانك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك". ولعل وجه المنع أنه مأخوذ من النَّفَسِ، وهو تعالى منزه عن [التنفس]

(1)

، والأظهر أنه مأخوذ من النَّفِيس، فيجوز إطلاقه عليه بهذا المعنى، والله أعلم

(2)

.

قال المؤلف: "قالوا: النفس تطلق على الذات، وهو المراد في

= ونحوهما، وهذا محمول على من كان في موضع يخاف فيه الرياء والإعجاب أو نحوهما، فإن كان خاليًا في برية أو غيرها، وأمن ذلك فالجهر أفضل. المسائل المنثورة "فتاوى النووي" مسألة 340 - جمع تلميذه علاء الدين بن العطار.

(1)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب) و (هـ):"النَّفَس".

(2)

عدَّ كثير من أهل السنة "النفس" من صفات الله تعالى. انظر الفقه الأكبر بشرح القاري (ص 58)، وكتاب التوحيد لابن خزيمة (1/ 11، 12)، وأقاويل الثقات (ص 186)، وقطف الثمر (ص 66)، وذهب شيخ الإسلام أن المراد من النفس هو ذات الله وعينه لا صفة له. انظر مجموع الفتاوى (9/ 192، 193، 4/ 197، 196)، وكذا البخاري فإنه ذكر نصوص النفس بدون التصريح أنها صفة، ومراده أنه يجوز إطلاق النفس على الله لورود النص هكذا فسر مراده الهاشمي في شرحه لكتاب التوحيد (ص 70)، وللشيخ عبد الله الغنيمان كلام حسن وفق بين قولي أهل السنة في "النفس". انظر شرحه لكتاب التوحيد (1/ 249، 255).

ص: 157

الحديث والقرآن في حق الله تعالى"

(1)

.

(وإن ذكرني في ملإ) بفتحتين، أي: في جماعة، وفي "النهاية":"الملأ: أشراف الناس ورؤَساؤُهم ومقدموهم الذين يرجع إلى قولهم". وهو يحتمل أن يكون ذكره خفية أيضًا، كما يشير إليه حديث:"ذاكر الله في الغافلين بمنزلة الصابر في الفارِّين"، ويحتمل أن يكون المعنى: مع ملإ، وهو لا يفيد الجهر الخارج عن الحد، فإنه صلى الله عليه وسلم قال لبعض الصحابة حين رفعوا أصواتهم بالذكر على وجه المبالغة:"أربعوا أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا".

(ذكرته في ملإ خير منه) أي: من ملئه، ولعله على حذف المضاف، أو على إرادة لفظ الملإ؛ فإنه مفرد اللفظ جمع المعنى ليس له مفرد من لفظه، لكن قال ميرك:"كذا وقع في أصل السماع وجميع النسخ الحاضرة "منه" بضمير الواحد، والذي في الأصول من البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه "منهم" بضمير الجمع"، انتهى. ولعله لم يذكر ميرك النسائي نسيانًا، أو وجد فيه بلفظ المفرد، لكن كان عليه [أن يقدم]

(2)

النسائي على البخاري.

قال المؤلف: "فيه دليل على جواز [ذكر الجهر]

(3)

، خلافًا لمن منعه،

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 3/ أ).

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"تقديم".

(3)

في "مفتاح الحصن الحصين": "الذكر جهرًا".

ص: 158

واستدل به المعتزلة على تفضيل الملائكة على الأنبياء، ولا دليل فيه؛ لأن الأنبياء لا يكونون غالبًا في الذاكرين، وقيل:"لأن تفضيلهم بالنسبة إلى من هو معهم سبحانه وتعالى""

(1)

، انتهى.

وقيل: "المراد بالملإ الملائكة المقربون وأرواح الأنبياء والمرسلين، فلا دلالة على كون الملك أفضل من البشر".

(الحديث) بالنصب، ويجوز رفعه وجره كما سبق في الآية، وفيه إيماء إلى أن الحديث له تتمة، وهو قوله:"وإن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة"

(2)

.

والباع والبوع بالضم والفتح بمعنى طول ذراعي الإنسان وعضديه وعرض صدره.

والهرولة: ضرب من المشي بينه وبين العَدْو.

(خ، م، ت، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم عن أبي هريرة

(3)

، وسقط رمز الترمذي من "نسخة الجلال".

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 3/ أ).

(2)

أخرجه مسلم (2687)، وابن ماجه (3821).

(3)

أخرجه البخاري (7405) وفي "خلق أفعال العباد"(55) ومسلم (6902) وفي (6903 و 6930)(7052) وابن ماجة (3822) والترمذي (3603). والنسائي في "الكبرى"(7683).

ص: 159

(ألا أخبركم) يحتمل أن تكون "ألا" للتنبيه، و"أخبركم" استئناف بيان، والأظهر أنه مركب من "لا" النافية واستفهام التقرير، كما يدل عليه قولهم الآتي:"بلى"(بخير أعمالكم) أي: بأفضلها (وأزكاها) أي: أطهرها وأنماها (عند مليككم) مبالغة مالك، ومنه قوله تعالى:{عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 55]، وهو ظرف لهما أو للأخير، والمعنى: عند ربكم وفي حكمه؛ لأن العبرة بما عنده سبحانه، (وأرفعها) أي: أكثرها رفعة بمقتضى السببية (في درجاتكم) أي

(1)

: في الجنة العالية، (وخير لكم من إنفاق الذهب والوَرِق) بكسر الراء ويسكن، أي: الفضة، أي: من صرفهما في سبيله مع ابتغاء مرضاته، وهو تخصيص بعد تعميم الأعمال، أو يخص الأعمال بما عدا إنفاقَ المال والقتال؛ لقوله:(وخير لكم من أن تلقَوا عدوكم) أي: بأن تستقبلوا الكفار بالجهاد (فتضربوا أعناقهم) أي: فتقتلوا بعضهم (ويضربوا) أي: بقيتهم (أعناقكم) أي: كلكم أو بعضكم.

(قالوا) أي: بعض الصحابة (بلى) أي: أخبرنا، وزاد في نسخة:"يا رسول الله"(قال: ذكر الله) أي: هو ذكركم له سبحانه؛ لما يترتب عليه من ذكره إياكم، قال تعالى:{وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت: 45]، وقال {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152].

(1)

بعدها في (هـ): "في منازلكم".

ص: 160

وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في كتاب "القواعد": "هذا الحديث مما يدل على أن الثواب لا يترتب على قدر التعب في جميع العبادات، بل قد يأجر الله تعالى على قليل من الأعمال أكثر مما يأجر على كثيرها، فإن الثواب يترتب على تفاوت الرتب في الشرف".

قال الحنفي: "ولا يناسبه ما وقع من حديث ابن عباس: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ فقال: "أحمزها"

(1)

-أي: أشدها وأقواها- وهذا الحديث مذكور في الكتب الكلامية في بحث تفضيل الأنبياء على الملائكة".

قلت: هو منسوب في "النهاية" إلى ابن عباس موقوفًا، وضبطه بالمهملة والزاي، وذكره الجلال السيوطي في "الدرر المنتثرة" بلفظ:"أفضل العبادات أشدها"، وقال:"لا يعرف"، وكذا ذكره الزركشي أنه لا يعرف، أي: عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن ابن عباس موقوفًا بسند معروف، وعلى تقدير صحته يحمل على ما لم يكن فيه نصٌّ من الشارع.

ثم اعلم أن خيرية الذكر وأرفعيته لأجل أن سائر العبادات المالية والبدنية الشاقة؛ من إنفاق الذهب والفضة، وملاقاة العدو والمقاتلة،

(1)

قال الزركشي في "الأحاديث المشتهرة": "لا يُعرف له أصل".

وقال المزي: "هو من غرائب الأحاديث، ولم يرو في شيء من الكتب الستة".

وقال ابن القيم في "مدارج السالكين": "لا أصل له".

انظر: مدارج السالكين (1/ 106)، و"المصنوع في معرفة الحديث الموضوع"(ص 70)، "المقاصد الحسنة"(ص 130).

ص: 161

إنما هي وسائل ووسائط يتقرب العباد بها إلى الله تعالى، والذكر إنما هو المقصود الأسنى والمطلوب الأعلى، كما قال تعالى:{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14]، و"أنا جليس من ذكرني".

فالذكر لب العبادات والطاعات، وأفضل أنواعها القرآن؛ لما ورد من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الرب تبارك وتعالى: من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله تعالى على سائر الكلام، كفضل الله تعالى على خلقه

(1)

".

ففيه إيماء إلى أن ذكره بكلامه القديم أفضل من ذكره بكلام [الحادث]

(2)

، وأيضًا القرآن مشتمل على الذكر مع زيادة ما يقتضيه من الفكر والتأمل في لطف مبانيه، وحسن معانيه، والعمل بما فيه، فلا شك أنه يكون حينئذٍ أفضل من مجرد الذكر، ولو ورد:"أفضل الذكر لا إله إلا الله"

(3)

، مع أنه من جملة القرآن؛ ولذا جاء في كثير من الأحاديث ما يدل

(1)

أخرجه الترمذي (2913)، والحاكم في المستدرك (1/ 554) وقال صحيح الإسناد ورده الذهبي في التلخيص قال: قابوس لين. وقابوس بن أبي ظبيان قال عنه الحافظ في "التقريب": وفيه لين "التقريب"(5480).

(2)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"حادث".

(3)

أخرجه ابن ماجة (3800) والترمذي (3383)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (831) وقال قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم، وقد روى علي بن المديني، وغير =

ص: 162

على أن تعلم العلم وتعليمه أفضل من الذكر المجرد، بل من سائر الطاعات والعبادات:

منها: حديث ابن عبالس: "تدارس العلم ساعة من الليل [خير]

(1)

من إحيائها"

(2)

، وحديث عائشة:"فضل في علم خير من فضل في عبادة"

(3)

،

= واحد، عن موسى بن إبراهيم هذا الحديث.

قال ابن عبد البر في "التمهيد"(6/ 43) ربما وقفه على جابر وقد روى من غير هذا الوجه عن جابر مرفوعًا.

والحديث احتج به: ابن رجب في "كلمة الإخلاص"(ص 62).

قال المنذري: رواه ابن ماجه والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم كلهم من طريق طلحة بن خراش عنه وقال الحاكم صحيح الإسناد "الترغيب والترهيب"(2/ 267).

والحافظ في "الفتح"(11/ 207): صححه ابن حبان والحاكم. وفي "نتائج الأفكار"(1/ 58) قال: حسن.

وقال الحافظ في "النتائج"(1/ 59): ولم أقف في موسى على تجريح ولا تعديل إلا أن ابن حبان ذكره في الثقات. قال يخطئ وهذا عجيب منه لأن موسى مقل فإذا كان يخطئ من قلة روايته فكيف يوثق ويصحح حديثه فلعل من صححه أو حسنه تسمح لكون الحديث من فضائل الأعمال.

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د) ونسخة كما في حاشية (هـ)، وفي (هـ):"أفضل".

(2)

أخرجه الدارمي (271) وضعفه الألباني في المشكاة (256).

(3)

أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (5367). وأخرجه أيضًا: ابن حبان في الضعفاء (2/ 269، ترجمة 955) محمد بن عبد الملك أبو عبد الله الأنصاري، وقال: كان ممن يروى الموضوعات عن الأثبات. وابن عدي =

ص: 163

وحديث عبد الله بن عمرو: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمجلسين في مسجده، فقال: كلاهما على خير، وأحدهما أفضل من صاحبه، أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه والعلم ويعلمون الجاهل فهم أفضل، وإنما بعثت معلمًا ثم جلس فيهم"

(1)

.

ومنها: ما رواه الحسن البصري مرسلًا، قال:"سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجلين كانا في بني إسرائيل، أحدهما كان عالمًا يصلي المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير، والآخر يصوم النهار ويقوم الليل، أيهما أفضل؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فضل هذا العالم الذي يصلي المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير على الذي يصوم النهار ويقوم الليل؛ كفضلي على أدناكم"

(2)

،

= (6/ 160 ترجمة 1649) محمد بن عبد الملك الأنصاري، وقال بعد أن ذكر الحديث وغيره: هذه الأحاديث عن الزهري عن عروة عن عائشة بهذا الإسناد مناكير.

(1)

أخرجه الطيالسي (2251)، والبزار (2458)، والحارث كما في البغية (40) وابن ماجه (229)، قال البوصيري (1/ 32): هذا إسناد فيه بكر وداود، وعبد الرحمن، وهم ضعفاء. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فإذا هو بحلقتين إحداهما يقرءون القرآن ويدعون الله، والأخرى يتعلمون ويعلمون

فذكره.

(2)

أخرجه الدارمي (352) قال: أخبرنا أبو المغيرة، حدثنا الأوزاعي، عن =

ص: 164

وفيه غاية من المبالغة؛ لأنه لو قال: على أعلاكم، لكان كفى به فضلًا، والخطاب إلى الصحابة، ولو جُعِلَ للأمة فهو أبلغ في مزية الرتبة.

(ت، ق، مس، أ) أي أخرجه: الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وأحمد عن أبي الدرداء

(1)

.

(مما صدقة أفضل من ذكر الله)"ما" نافية، بمعنى "ليس"، و"أفضل" منصوب على أنه خبرها، و"مِن ذِكْر الله" صلة ["أفضل"]

(2)

، ثم الصدقة: العطية التي يراد بها المثوبة من عند الله، سميت بها لأنه يظهر بها صدق رغبة صاحب الصدقة في تلك المثوبة، ولعله صلى الله عليه وسلم جعل الذكر صدقة غير متعارفة، ثم رجحه على الصدقة المتعارفة، فكأن الذاكر بذكره يحسن إلى نفسه، ويريد المثوبة من ربه.

وقيل: "المراد بالصدقة هنا مطلق الأعمال الصالحة، ففي الجملة فيه

= الحسن وهذا إسناد رجاله ثقات غير أنه منقطع: ما عرفنا للأوزاعي رواية عن الحسن وهو مرسل أيضًا.

(1)

أخرجه أحمد (5/ 195)، وابن ماجة (3790)، والترمذي (3377) والحاكم (1/ 496) قال أبو عيسى الترمذي: وقد روى بعضهم هذا الحديث عن عبد الله بن سعيد مثل هذا بهذا الإسناد، وروى بعضهم عنه فأرسله.

قال الحاكم: صحيح الإسناد.

وقال ابن عبد البر: وهو مسند جيد، عن أبي الدرداء، وعن النبي صلى الله عليه وسلم.

وحسنه البغوي في شرح السنة، والمنذري في الترغيب والترهيب.

(2)

كذا في (أ) و (هـ)، وفي (ب) و (ج) و (د):"أفعل".

ص: 165

تسلية للذاكرين من الفقراء الصابرين". (طس) أي: رواه الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس

(1)

.

(إن لله ملائكة) أي: جماعة من المقربين، قال المؤلف:"هؤلاء الملائكة غير الحَفَظة المراقبين مع الخلائق، بل هم سيّارة لا وظيفة لهم، ومقصودهم حِلَقُ الذِّكْر"

(2)

.

(يطوفون) أي: يدورون (في الطرق) أي: طرق تحصيل الذكر، (يلتمسون أهل الذكر) أي: يطلبونهم؛ ليزوروهم ويدعوا لهم، (فإذا وجدوا) أي: بعضهم (قومًا يذكرون الله عز وجل تنادوا) أي: نادى بعضهم بعضًا (هلمّوا) أي: تعالوا (إلى حاجتكم) وفي رواية الترمذي: "بغيتكم"، أي: مبتغاكم ومطلوبكم، قال العسقلاني:"هلموا -في هذا الحديث- ورد على لغة أهل نجد"، انتهى

(3)

.

يعني: والقرآن جاء بلغة أهل الحجاز، حيث قال تعالى:{قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ} [الأنعام: 150]، فأهل نجد يصرفونها على ما في "الصحاح"، وفي "النهاية":"أهل الحجاز يطلقونه على الواحد، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنث، بلفظٍ واحدٍ، وبنو تميم تثني، وتجمع، وتؤنث، وتذكر"

(4)

.

(1)

أخرجه الطبراني في الأوسط (1873) وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله وثقوا. (مجمع الزوائد 10/ 74).

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 3/ أ).

(3)

فتح الباري (11/ 212).

(4)

النهاية (5/ 272).

ص: 166

وأصل "هلمّ" هَا لُمَّ، أي: من لمّ الله شعثك، أي: جمع تفرقك، كأنه أراد: لُمَّ نفسك إلينا، أي: اقرب لدينا، و"ها" للتنبيه، وإنما حذف ألفها للتخفيف وكثرة الاستعمال، فجعلا اسمًا واحدًا.

(قال) أي: النبي صلى الله عليه وسلم (فيحفونهم) بضم الحاء [المهملة]

(1)

وتشديد الفاء، أي: يحيطونهم (بأجنحتهم) فالباء للاستعانة، أو للتعدية، فالمعنى: يديرون أجنحتهم حول الذاكرين. وقال المؤلف: "أي: يطوفون بهم، ويستديرون حولهم"

(2)

.

(إلى السماء الدنيا) أي: إلى نهاية غايتها، فيكونون متشبهين بالملائكة الحافّين من حول العرش؛ يسبحون بحمد ربهم.

(الحديث)[بالتثليث]

(3)

، وتمامه على ما رواه البخاري: "فيسألهم ربهم -وهو أعلم منهم-: ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبحونك، ويكبرونك، ويحمدونك، ويمجدونك، فيقول عز وجل: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا، والله ما رأوك، قال: فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: فيقولون: لو رأوك كانوا أشدَّ لك عبادة، وأشدَّ لك تمجيدًا، وأكثر لك تسبيحًا، قال: فيقول: فما يسألوني؟ قال: يقولون: يسألونك الجنة، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: فيقولون: لا، والله يا رب ما رأوها، قال: يقول:

(1)

من (أ) فقط.

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 3/ أ).

(3)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (هـ)، وفي (د):"بالمثلثة".

ص: 167

فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: [لو رأوها]

(1)

كانوا أشدَّ عليها حرصًا، وأشدَّ لها طَلَبًا، وأعظم فيها رغبة، قال: يقول: فمم يتعوذون؟ [قالوا]

(2)

: يتعوذون من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال يقولون: لا، والله [يا رب]

(3)

ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: [لو رأوها]

(4)

كانوا أشدَّ منها فرارًا، وأشدَّ لها مخافة، قال: فيقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: فيقول مَلَك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، وإنما جاء لحاجة! قال:[يقول]

(5)

: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم".

(خ، م، ت) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي عن أبي هريرة

(6)

، ولفظه للبخاري. ولفظ مسلم:"إن لله ملائكة سيارة فُضْلًا يبتغون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكرٌ، قعدوا معهم، وحفّ بعضهم بعضًا بأجنحتهم، حتى يملئوا ما بينهم وبين السماء الدنيا". ولفظ الترمذي: "إن لله ملائكة سياحين في الأرض فُضْلًا عن الناس".

(1)

من (هـ) فقط.

(2)

كذا في (ب) و (ج)، وفي (أ) و (د):"قال"، وفي (هـ):"قال: فيقولون".

(3)

من (هـ) فقط.

(4)

من (هـ) فقط.

(5)

من (ج) فقط.

(6)

أخرجه البخاري (6408)، ومسلم (2689) والترمذي (3600)

ص: 168

(مثل الذي يذكر ربه) أي: دائمًا أو أحيانًا (والذي لا يذكر ربه) أي: مطلقًا أو أحيانًا، في حال ذكرهما وغفلتهما (مثل الحي والميت).

والحاصل: أن الذكر حياة [قلب]

(1)

السالك، والغفلة [موته]

(2)

، ويمكن أن يراد بهما المؤمن والكافر، وكان [النبي]

(3)

صلى الله عليه وسلم إذا رأى عكرمة بن أبي جهل قرأ: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} [يونس: 31]

(4)

، فيفيد الحديث أن الذكر شكر وإيمان، والغفلة كفر وكفران.

(خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم عن أبي موسى الأشعري، ولفظه للبخاري

(5)

. ولمسلم: " [مثل]

(6)

البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت"، أي: مثل قلبهما، أو مثل مكانهما؛ ولذا ورد: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا"

(7)

، أي: خالية عن الذكر.

وقيل: "الحي ظاهره مزين بنور الحياة، والتصرف التام فيما يريد،

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (هـ)، وفي (د):"لقلب".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"موت".

(3)

من (د) فقط.

(4)

لم أقف عليه وأورده الشارح في المرقاة (7/ 2966)

(5)

أخرجه البخاري (6407)، ومسلم (779).

(6)

من (هـ) و"صحيح مسلم" فقط.

(7)

أخرجه أحمد (2/ 367)، وأبو داود (2042)، والبيهقي في شعب الإيمان (4162). صححه النووي في "الأذكار"(ص 93)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع"(7226).

ص: 169

وباطنه منور بنور العلم والإدراك. وكذا الذاكر [مزين ظاهره]

(1)

بنور الطاعة، وباطنه بنور المعرفة [والعلم]

(2)

، وغير الذاكر ظاهره عاطل، وباطنه باطل، كالميت". وقيل:"موقع التشيبه النفع لمن يواليه، والضر لمن يعاديه، وليس ذلك في الميت".

وروى البيهقي في "شعب الإيمان" مرفوعًا: "مثل المؤمن كالبيت الخرب في الظاهر، فإذا دخلته وجدته مونقًا -أي: معجبًا- ومثل الفاجر كمثل القبر المشرف المجصص، يعجب من [رآه]

(3)

وجوفه ممتلئ نَتْنًا"

(4)

.

(لا يقعد قوم يذكرون الله) وفي نسخة: "تعالى"(إلا حفّتهم) بتشديد الفاء، أي: طافت بهم (الملائكة) اللام للعهد، والمراد بهم الملتمسون، (وغشيتهم) بكسر الشين، أي: غطتهم (الرحمة، ونزلت عليهم السكينة) أي: السكون، والوقار، والطمأنينة. وقال المؤلف:"أي: الرحمة، وقيل: "الوقار والسكون والخشية"، وقيل غير ذلك"

(5)

.

ثم يجوز أن يُقْرَأَ: "عليهم السكينة" بكسر الهاء والميم، وبضمهما،

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"ظاهره مزين".

(2)

من (هـ) فقط.

(3)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"يراه".

(4)

أخرجه البيهقي في الشعب (6540) وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (2230) قلت: وهذا إسناد ضعيف جدا، إبراهيم هذا هو ابن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، وهو متروك.

(5)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 3/ أ).

ص: 170

وبكسر فضم، وهو الأشهر.

(وذكرهم الله) أي: للمباهاة (فيمن عنده) أي: [من]

(1)

الملائكة المقربين الذين قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30]. [وجه]

(2)

المفاخرة بهم أنهم مع موانعهم من النفس والشيطان وسائر العلائق والعوائق= لا يغفلون عن ذكره، ويقومون بوظيفة شكره. (م، ت، ق) أي رواه: مسلم، والترمذي، وابن ماجه عن أبي سعيد وأبي هريرة معًا

(3)

.

(يا رسول الله) وفي رواية الترمذي: "أن رجلًا قال: يا رسول الله"(إن شرائع الإسلام) بهمز قبل العين، أي: شعائره وعلاماته من النوافل الدالة على صدق إسلام المسلم (قد كثرت عليّ) بفتح المثلثة، أي: غلبت عليّ لكثرتها، وفي نسخة بضمها، أي: تعددت وبلغت حَدَّ الكثرة التي عجزت عن عهدة جميعها، وتحيرت في اختيار بعض أفرادها، حيث لم أعرف [منها]

(4)

ما أفضلها.

(فأنبئني) و [معناه]

(5)

لفظ الترمذي: "فأخبرني"(بشيء) أي: معتبر

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"في".

(2)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د) و (هـ):"ووجه".

(3)

أخرجه مسلم (2700)، والترمذي (3378)، وابن ماجه (37919).

(4)

من (أ) فقط.

(5)

من (ج) و (د) فقط.

ص: 171

من الشرائع، وقيل:"معناه: بعمل قليل له ثواب جزيل"، وفيه: أنه لا يطابق الجواب الجميل (أتشبّث) بتشديد الباء الموحدة ورفع المثلثة، أي: أتعلق [وأتمسك]

(1)

(به) فهو صفة لـ"شيء"، وفي نسخة بالجزم على أنه جواب الأمر (قال: لا يزال لسانك) أي: [القلبي]

(2)

الملائم لقوله: "لا يزال"، أو [اللساني]

(3)

مبالغة، أو بحسب الوسع والطاقة، أو الجمع بينهما؛ فهو نور على نور، وسرور على سرور (رطبًا) أي: لينًا ملازمًا قريبًا للعهد (من ذكر الله)، وهذا المعنى هو المعنيُّ بقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41)} [الأحزاب: 41].

(ت، ق، حب، مس، مص) أي رواه: الترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة من حديث عبد الله بن بُسْر، بضم موحدة وسكون مهملة

(4)

.

(آخر كلام فارقت عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي: حين أرسلني إلى اليمن

(1)

من (هـ) فقط.

(2)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"القلب".

(3)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"اللسان".

(4)

أخرجه ابن ماجه (3793)، والترمذي (2329) و (3375)، (1357)، وابن حبان (814)، والحاكم (1/ 495).

قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه.

قال النووي في "الرياض"(1/ 413) وفي "الأذكار"(1/ 14): قال الترمذي: حديث حسن. قال الحافظ في "نتائج الأفكار"(1: 90) حسن.

ص: 172

(أن قلت)"أن" مصدرية، أي: قولي هذا: (أيّ الأعمال) أي: أي نوع من أنواعها (أحب إلى الله؟ قال: أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله تعالى) الواو للحال، والمعنى: هو موتك بعد دوام حياتك حال ملازمتك [ذكر]

(1)

الله تعالى.

قال المؤلف: "قوله: رطب، أي: لين ملازم، يريد: قرب العهد"، انتهى.

وفيه إيماء إلى أن زبدة الأعمال هو ذكر الله تعالى، وأن مداره على حسن الخاتمة، كما يدل عليه ما ورد:"ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة"، = وإشعارٌ بأن ملازمة الذكر في حال الحياة سبب لحصوله وقت الممات؛ لما روي:"كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تحشرون".

(حب، ر، ط) أي رواه: ابن حبان، والبزار، والطبراني في "الكبير" عن معاذ بن جبل

(2)

.

(قلت) أي: وقت توجهي إلى اليمن، والظاهر أن هذا قاله أولًا ليقع ما سبق آخرًا:(يا رسول الله، أوصني، قال: عليك بتقوى الله)"عليك" اسم

(1)

كذا في (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ) و (ب):"لذكر".

(2)

أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (20/ 106) رقم (208) وابن حبان (818). قال الهيثمي: رواه الطبراني بأسانيد، وفي هذه الطريق خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، وضعفه جماعة، ووثقه أبو زرعة الدمشقي وغيره، وبقية رجاله ثقات. "مجمع الزوائد"(10/ 74).

ص: 173

فعل بمعنى خذ، أي: الزمها ودم عليها (ما استطعت) إيماء إلى قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، وأما قوله سبحانه:{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] فقيل: "منسوخ، والمحققون على أن حق [تقاته]

(1)

تقواه هو ما يجب منها من استفراغ الوسع في القيام بالواجب، والاجتناب عن المحارم، فيرجع إلى قوله:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ".

وأما ما روي عن ابن مسعود في تفسيره: "هو أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى"، فقد رواه الحاكم مرفوعًا، وكذا ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وصححه المحدثون

(2)

، فيكون محمولًا على

(1)

من (هـ) فقط.

(2)

أخرجه ابن أبي حاتم في "التفسير"(3/ 722) رقم (3908).

رواه الطبري في "التفسير"(4/ 28)، والطبراني في "المعجم الكبير"(9/ 92/ 8501)، وعنه: رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(7/ 238)، وابن المنذر في "التفسير"(768)، والحاكم في "المستدرك"(2/ 294).

وقد روي هذا الحديث عن زبيد بن الحارث واختلف عنه.

فقيل: زبيد بن الحارث، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود موقوفًا ومرفوعًا.

قال ابن رجب: "والموقوف أصح"، وقال:"المشهور وقفه"، والدارقطني في "العلل"(5/ 274 س 876) وسئل عن حديث مرة الطيب، عن عبد الله في قوله تعالى:{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} ، أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى. فقال: يرويه زبيد، عن مرة، عن عبد الله. =

ص: 174

حال الكمال، وقال بعض العارفين:"هو أن ينزه الطاعة عن الالتفات إليها، وعن توقع المجازاة عليها".

(واذكر الله عند كل حَجَر وشَجَر) إيماء إلى ما قيل في مقام المشاهدة: وفي كلِّ شيءٍ له شاهدٌ دليلٌ على أنَّهُ واحدُ.

(وما عملتَ من سوء) أي: معصية أو غفلة، فـ"ما" موصولة متضمنة للشرط، و"من" بيانية، أو شرطية، و"من" زائدة أو تبعيضية (فأحدث) أي: جدِّد (لله) أي: خالصًا (فيه) أي: في حق ذلك السوء أو لأجله (توبة) أي: رجوعًا بالندامة.

(السر بالسر) أي: الرجوع المخفي في السوء المخفي، فـ"السر" منصوب على أنه بَدَلُ كُلِّ مِنَ "التوبة" وتفصيل لها، وفي نسخة بالرفع، فالتقدير: السوء المخفي يقابل [بالرجوع]

(1)

المخفي.

وكذا قوله: (والعلانية بالعلانية) بتخفيف الياء خلاف السر، ويستفاد

= وخالفه عمرو بن مرة، فرواه عن مرة، عن الربيع بن خثيم قوله، قيل للشيخ مرة الهمداني، قال: نعم هو مرة بن شرحبيل الطيب الهمداني نبيل جليل.

وقال ابن كثير: "وهذا إسناد صحيح موقوف"، والله أعلم "التفسير"(2/ 71).

وقال الزيلعي روي موقوفا ومرفوعا كما قاله المصنف والأكثر على وقفه "تخريج الكشاف"(1/ 210).

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"الرجوع".

ص: 175

منه أنه ينبغي أن تقع التوبة على منوال المعصية؛ إن سرًّا فسرًّا، وإن جهرًا فجهرًا، والظاهر أنه أمر استحباب، والسر فيه ظاهر. (ط) أي: رواه الطبراني في "الكبير" عن معاذ

(1)

.

(ما عَمِلَ آدمي عملًا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله)"ما" نافية، و"عملًا" مفعول مطلق، أو مفعول به، على أن "عَمِلَ" بمعنى كسب، أي: فعل عملًا من أعمال البر.

و"أنجى" أفعل تفضيل من الإنجاء، لا من النجاة؛ لأن النجاة بمعنى الخلاص، والمعنى هنا على التخليص، وهو معنى الإنجاء، وبناء أفعل التفضيل -على هذا الوزن- من باب الإفعال قياسي عند سيبويه، ويؤيده كثرة السماع، كقولهم: هو أعطاهم للدينار، وأنت أكرم لي من فلان، وهو عند غيره سماعي مع كثرته. ونقل عن المبرّد والأخفش جواز بناء أفعل التفضيل من جميع المزيد فيه، كـ"أفعل" و"استفعل" وغيرهما، [كذا]

(2)

أفاده الشيخ الرضيّ.

(1)

أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (20/ 159) رقم (331)"معجمه الصغير"(949)، وفي "الدعاء"(1858).

وقال الطبراني: لا يروى عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد تفرد به يعقوب القمي.

قال الهيثمي (10/ 301): فيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس وقد وثق هو وبقية رجاله.

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"كما".

ص: 176

ثم "من" الأولى للتعدية، والثانية تفضيلية، و"آدمي" منسوب إلى آدم، والمعنى: ما عَمِلَ ولا يعمل فرد من أفراد بني آدم من الأنبياء، والأصفياء، وغيرهم من الأولياء والصلحاء= عملًا يكون أكثر إنجاءً من عذاب الله له يوم القيامة من ذكر الله.

قال الحنفي: "ولا شك أن آدم عليه السلام أبا البشر داخل في هذا الحكم".

قلت: فالمراد بالآدمي النوع الإنساني، أو يحمل على التغليب، أو على دخوله بالأولى.

(ط، أ، مص) أي: رواه الطبراني في "الكبير"، وأحمد، وابن أبي شيبة، [عن معاذ]

(1)

، فأما أحمد فقد انتهى حديثه، وأما حديثهما فله تتمة

(2)

،

(1)

من (أ) فقط.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة (35733) وأحمد (5/ 195) والطبراني في "الدعاء"(1856)، وابن عبد البر في "التمهيد"(57/ 6) من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أبي الزبير، عن طاووس، عن معاذ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله" قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال:"ولا الجهاد في سبيل الله، إلا أن تضرب. بسيفك حتى ينقطع ثم تضرب بسيفك حتى ينقطع، ثم تضرب بسيفك حتى ينقطع" واقتصر الطبراني على أوله. وطاووس لم يسمع من معاذ.

وروي مرة أخرى عن يحيى بن سعيد فقال: عن أبي الزبير أنه بلغه عن معاذ، فذكره موقوفًا، وهو عند جعفر الفريابي في "الذكر" كما في "نتائج الأفكار" لابن حجر (1/ 97).

ص: 177

وهي (قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله) بنصب الجهاد في الأصول المصححة عطفًا على "عملًا"، أي: ولا عَمِلَ الآدمي الجهادَ حال كونه أنجى له

إلى آخره، وفي نسخة بالرفع، فالتقدير: وليس الجهاد في [سبيله]

(1)

أنجى له.

(قال: ولا الجهاد في سبيل الله) بالوجهين (إلا أن يضرب) أي: إلا أن يجاهد الكفار (بسيفه) أي: ونحوه من سلاحه (حتى ينقطع) من باب الانفعال، وفي نسخة صحيحة:"حتى يقتطع" من باب الافتعال، أي:[ينكسر]

(2)

السيف، وهو أقرب، وبالرواية الآتية أنسب، أو ينقطع الجهاد أو الكافر أو الضارب، وهو كناية عن الشهادة، وهو أظهر في مقام المبالغة في حصول السعادة.

وقال الحنفي: "حتى ينقطع المجاهد أو الكافر، أو الضرب أو السيف". كذا قاله في "أصل الأصيل"، وسائر الأصول المعتمدة خلافًا "لنسخة الجلال"، أي: قال صلى الله عليه وسلم هذا القول، وهو "ولا الجهاد

" إلى آخره، أو "إلا أن يضرب"، أو "حتى ينقطع" (ثلاث مرات)، وأما على "نسخة الجلال" "فثلاث مرات" ظرف لـ"قال: ولا الجهاد

" إلى آخره، والمراد بالإعادة زيادة المبالغة.

قال المؤلف رحمه الله: "قوله "ولا الجهاد"، يعني -والله أعلم-:

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"سبيل الله".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"يتكسر".

ص: 178

الجهاد المجرد عن الذكر، [يبينه]

(1)

قوله صلى الله عليه وسلم

(2)

: "إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاقٍ قِرْنَهُ"، أي: حال القتال، والقِرْن: بكسر القاف وإسكان الراء، هو الكفء في الشجاعة، فهذا المجاهد الذاكر أفضل من الذاكر بلا جهاد ومن المجاهد الغافل، [والذاكر بلا جهاد أفضل من المجاهد الغافل]

(3)

، فأفضل الذاكرين المجاهدون، وأفضل المجاهدين الذاكرون"

(4)

، انتهى.

وكذا الحال في سائر الأعمال، قال الحنفي:"الاستثناء يدل على أن الجهاد الخاص -وهو أن يضرب بسيفه- أنجى من الذكر، وهذا لا يلائم ما سبق من قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بخير أعمالكم

" الحديث، وكذا لا يناسب ما ذكره المصنف آنفًا من أن المراد: الجهاد المجرد من الذكر؛ إذ لا شك في أنه لا جهاد مجردًا أصلًا أنجى من الذكر".

قلت: ليس مراد المصنف أن الجهادَ المجرّد أنجى من الذكر؛ إذ صرَّح بضده حيث قال: "والذاكر بلا جهادٍ أفضل من المجاهدِ الغافلِ"، وإنما أراد أنّ قوله:"ولا الجهاد" محمول على الجهاد المجرد، والمراد بالمستثنى: الجهاد المنضمّ إلى الذكر، كما بينه بأنه الأفضل.

(1)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د):"ببينة"، وفي (هـ):"بينه".

(2)

يعني: في الحديث القدسي.

(3)

من (أ) و (ج) و (هـ) و"مفتاح الحصن الحصين" فقط.

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 3/ أ).

ص: 179

والأظهر أن يراد بقوله: "الجهاد" أعم من المجرد والمنضمّ، والمراد بالمستثنى: الأخير، بقرينة ما سبق من الحديث، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث، ويرتفع الإشكال الوارد من حديثٍ يعارض الحديث المذكور بحسب الظاهر، حتى قال الحنفي:"بينه وبين ما ذكره المصنف تدافعٌ، ولا بد فيه من القول بترجيح أحدهما على الآخر، أو من القول بوهم راوٍ من رواة أحدهما، وهو أنه روى ابن أبي الدنيا، والبيهقي من حديث ابن عمر مرفوعًا: "إنّ لكل شيءٍ صقالةً، وصقالة القلوب ذكر الله، وما من شيءٍ أنجى من عذاب الله من ذكر الله، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولو أن يضرب بسيفه حتى ينقطع"، واللفظ للبيهقي، وفي رواية: "ولا أن يضرب

" إلى آخره

(1)

.

وروى الترمذي عن أبي سعيد: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أيّ العباد أفضلُ

(1)

أخرجه البيهقي في الدعوات (19).

وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (4987) موضوع وقال: سكت عنه البيهقي، وليس له ذلك، فقد ذكر في "المقدمة" أنه اقتصر على ما لا يغلب كونه كذبًا؛ وليس هذا من هذا القبيل؛ فإن سعيد بن سنان -وهو أبو مهدي الحمصي- ضعيف جدًّا، كما يشعر بذلك قول البخاري:"منكر الحديث". والنسائي: "متروك الحديث". وقال الحافظ: متروك. ورماه الدارقطني وغيره بالوضع.

ومن طريقه: رواه ابن أبي الدنيا أيضًا، كما في "الترغيب"(2/ 228)، وصدره بلفظة:"عن"؛ فما أصاب ولا أحسن!

ص: 180

درجةً عند الله يوم القيامة؟ قال: الذاكرون الله كثيرًا، قلت: يا رسول الله، ومِنَ الغازي في سبيل الله؟! قال: لو ضربَ بسيفه في الكفار وفي المشركين، حتى ينكسِر ويختَضِبَ دمًا، لكان الذاكر الله أفضلَ درجةً"

(1)

.

والحاصل: أنّ الذكر المجرّد أفضل من جميع العبادات المجرّدة عن الذكر، وأما إذا انضمّ الذكر مع عملٍ فلا شك أنه أفضلُ حينئذٍ من الذكر المجرد، ثم ينظر في نسبة الأعمال المنضمة باعتبار تفاوُتِ مراتبها، والعلم عند الله تعالى.

(ط، مص، طس، صط)[أي]

(2)

رواه: الطبراني في "الكبير"، وابن أبي شيبة؛ كلاهما من حديث معاذٍ، والطبراني في "الأوسط"، وكذا في "الصغير" من حديث جابرٍ

(3)

، قيل: "ورجال الطبراني في الكتابين رجال

(1)

أخرجه أحمد (3/ 75)، والترمذي (3376) وقال: هذا حديث غريب، إنما نعرفه من حديث درَّاج. قلت: ودراج عن أبي الهيثم ضعيف.

(2)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"يعني".

(3)

ورواية جابر أخرجه الطبراني في "معجمه الأوسط"(2317)، وفي "معجمه الصغير" (259) ثنا إبراهيم قال ثنا محمد بن يوسف الفريابي قال ثنا سليمان بن حيان أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن أبي الزبير عن جابر رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما عمل آدمي عملًا أنجى له من العذاب من ذكر الله" قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد إلا أن تضرب بسيفك حتى ينقطع". =

ص: 181

الصحيح"، لكن لا يخفى أنه يتحصل من مجموع الرمز السابق واللاحق أنّ الحديث الأول بانفراده لأحمد عن معاذ، وبانضمامه إلى ما بعده للطبراني في "الكبير"، وابن أبي شيبة عن معاذٍ أيضًا.

وأن الحديث الآخر للطبراني في "الأوسط" و"الصغير" من حديث جابر، [وهو لا]

(1)

يُتصور أن يكون كلامًا مستقلًّا، فيحمل على أنّه مع انضمامه للسابق روايةُ جابرٍ، فكان [حقّ الشيخ]

(2)

أن يذكر رمز "طس" و"صط" في الرموز السابقة أيضًا، أو يكتفي بأحمد في الأول، وبالبواقي في الآخر مرةً واحدةً، فتأمّل فإنه موضع زلل.

(لو أن رجلًا في جره) بفتح الحاء، وفي نسخة بكسرها، قال المؤلف:"هو بفتح الحاء، ويجوز الكسر، وهو: طرف الثوب"

(3)

، فالمعنى لو ثبت أن شخصًا في ثوبه (دراهم) أي: مثلًا، وكذا دنانير

= وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن يحيى إلا أبو خالد تفرد به الفريابي. وقال الهيثمي: وقد عزاه للطبراني فيهما: رجالهما رجال الصحيح. "مجمع الزوائد"(10/ 74). قال ابن حجر: وهي رواية شاذة. "نتائج الأفكار"(1/ 97).

قلت: وهو غير محفوظ: فقد رواه ابن أبي شيبة ثنا أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن أبي الزبير عن طاوس عن معاذ به.

(1)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"ولا".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (هـ)، وفي (ج):"للشيخ".

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 3/ أ).

ص: 182

وغيرها (يقسمها) بفتح الياء وكسر السين، وفي نسخة بضم الياء وفتح القاف وتشديد السين، أي: ينفقها ويفرقها على مستحقّيهما من غير [ذكره]

(1)

سبحانه، (وآخر) بالنصب ويرفع، أي: وأنّ رجلًا آخرَ، أو هناك رجل آخر، [أو وثبت]

(2)

رجل آخر (يذكر الله) أي: من غير إنفاق دراهم تكون له أولًا، (كان الذاكر لله) أي: له خالصًا (أفضلَ) وفي نسخة صحيحة، وهي "أصل الأصيل":"كان الذاكر الله" بنصب الجلالة على المفعولية، أو على نزع الخافض.

قال المؤلف: "وإنّما كان الذاكر الله أفضلَ؛ لأن ذاكر اللهِ يذكره اللهُ، وذكر الله تعالى للعبدِ أفضلُ من كل شيءٍ، قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14]، وقال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت: 45]، قيل: "أي ذكر الله تعالى لعبده أعظمُ، والله أعلم"

(3)

.

(ط) أي: رواه الطبراني في "الكبير" عن أبي موسى، وفي "الجامع":"رواه في "الأوسط""، ويمكن الجمع إن لم يكن هناك وهم

(4)

.

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"ذكر الله".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"أو ثبت".

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 3/ أ).

(4)

أخرجه الطبراني في الأوسط (5969) وقال: لا يروى هذا الحديث عن أبي موسى إلا بهذا الإسناد، تفرد به: عمر بن موسى. =

ص: 183

(إذا مررتم برياض الجنة) أي: بساتينِها الموضوعةِ في الدنيا، الْمُورِثَة للجنانِ العاليةِ في العقبى (فارتعوا) أي: فافعلوا فيها ما يكون سببًا لحصولها من: التسبيح، والتحميد، والتهليل، ونحوها؛ لما جاء أن الجنة قيعان، وغراسها أذكاره تعالى، فالرتع كناية عن أخذ الحظّ الأوفر.

(قالوا: يا رسول الله، وما رياض الجنة؟) أي: سببُها أو مكانُ حصولها (قال: حِلَقُ الذّكر)"بكسر حاء وفتح لام، جمع حَلقة بفتح، كقَصعة وقِصَع، وهو: جماعة من الناس يستديرون كحَلْقة الباب، كذا في "النهاية"، وقال الجوهري: "جمع الحَلقة على الحَلَق بفتح الحاء على غير قياسٍ، وحكي عن أبي عمرٍ وأنّ الواحدَ حَلَقَةٌ بالتحريك، والجمع حَلَق بالفتح""

(1)

، ذكره المؤلف.

وفي الحواشي عن "الكشاف": "الحلق بفتح الحاء في الدرع، وبكسرها في النالس". قال صاحب "الكشف": "ذكر الجوهري وابن الحاجب أن كلًّا في كل، وهما لغتان".

أقول: يمكن أن يكون كل في معنًى أشهر أو أكثر دون الآخرِ، فتدبر،

= وقال الهيثمي: رجاله وثقوا "مجمع الزوائد"(10/ 74).

وقال ابن رجب: قلت الصحيح عن أبي الوازع عن أبي برزة الأسلمي من قوله خرجه جعفر الفريابي "جامع العلوم والحكم". في الإسناد عمر بن موسى ضعيف، قال عنه ابن عدي في "الكامل" (6/ 109): ضعيف يسرق الحديث ويخالف في الأسانيد انظر "الأحاديث الضعيفة"(4348).

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 3/ أ، ب).

ص: 184

والمعنى: إذا مررتم بجماعةٍ يذكرون الله تعالى في مكانٍ، فاذكروا الله أيضًا أنتم موافقةً لهم، [أو اسمعوا]

(1)

أذكارهم متابعةً لهم؟ فإنّهم في رياض الجنة حالًا [ومآلًا]

(2)

، قال تعالى:{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46] قيل: "جنّةٌ في الدنيا، وجنّةٌ في العقبى".

(ت) أي: رواه الترمذي عن أنس، وكذا أحمد، والبيهقي عنه

(3)

، قال ميرك [شاه]

(4)

: "وأخرج [الترمذيّ]

(5)

من حديثِ أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قلت: وما رياض الجنة؟ قال: المساجد، قلت: وما الرتع يا رسول الله؟ قال: سبحان الله، والحمدُ للهِ، ولا إله إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ"

(6)

. قال بعض شراح الحديث: "حديث البابِ مطلقٌ في المكان والذكر، فيحمل المطلق على المقيد في الحديث".

(1)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ):"واسمعوا"، وفي (هـ):"أو استمعوا".

(2)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"أو مآلًا".

(3)

أخرجه أحمد (3/ 150) والترمذي (3510) والبيهقي في الشعب (529) وقال الترمذي: حسنٌ غريبٌ.

وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (699) وفي السلسلة الضعيفة (1150).

(4)

من (أ) فقط.

(5)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (هـ)، وفي (د):"أيضًا".

(6)

أخرجه الترمذي (3509)، وإسناده ضعيف. حميد المكي قال الحافظ في "التقريب" مجهول، (1559) وذكر ابن عدي في الكامل (2/ 689) أنه لا يتابع على حديثه هذا.

ص: 185

أقول: الأظهر أن المطلق محمول على عمومه، والمقيدَ محمولٌ على الفردِ الأكملِ، أو أريد به المثال فتأمل، وقد روى الطبراني عن ابن عباسٍ مرفوعًا:"إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنةِ؟ قال: مجالسُ العلمِ"

(1)

.

قال المؤلف: "أراد برياضِ الجنة ذكرَ الله، وشبه الخوض فيه بالرتع في الخصب، والرتع: الاتساع في الخصب"

(2)

، وقال الحنفي:"وضع الرتع موضع القول لأن هذا القولَ سببٌ لنيل الثواب الجزيل، وجعل المساجد رياضَ الجية بناءً على أن العبادة فيها سبب للحصول في رياض الجنة"، ثم الرياض: جمع روضة كالروضات، وأغرب الحنفي في جعله "الروضات" جمع الجمع، والله أعلم.

وعن أنسٍ قال: "كان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجلَ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تعالَ نؤمن بربّنا ساعةً، فقال ذات يومٍ لرجلٍ فغضب الرجل، فجاء إلى النّبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ألا ترى إلى ابن رواحة يرغبُ عن إيمانك إلى إيمانِ ساعةٍ؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يرحم اللهُ ابنَ رواحةَ؛ إنه يحبّ المجالسَ التي تَتَباهى بها الملائكةُ"

(3)

.

(1)

أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (11/ 95) رقم (11158) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (701).

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 3/ أ).

(3)

أحمد 3/ 265، وإسناده حسن كما في "المجمع (10/ 76). =

ص: 186

ولعلّ قولَه هذا إيماءٌ إلى قولِهِ سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [النساء: 136]، وإشارةٌ إلى ما روى أحمدُ، والحاكمُ، عن أبي هريرة مرفوعًا:"جدّدوا إيمانَكم؛ أكثروا من قولِ: لا إله إلا الله"

(1)

.

(يقول الله عز وجل: سيعلم أهل الجمع) أي: الجمع الأكبر، وهو يوم القيامة (اليومَ) أي: في ذلك اليوم، وهو يوم الجمعِ يوم التغابنِ، ولعل العدول عن "يومئذٍ" لاستحضار الحال الآتية (مَنْ أَهْلُ الكَرَمِ؟) أي: من أهلٌ أن يكرم، أو من أَصْحَابُ الْكَرَمِ المشتغلون بذكر ربهم الكريم، قال المصنف:"أراد بأهل الجح أهل يوم القيامة الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين، وأهلُ الكرمِ: الذين يَحْبُوهُم الله تعالى بكرامته"

(2)

.

(قيل) وفي نسخة: "فقيل": (مَن أهل الكرم يا رسول الله؟ قال: أهل مجالس الذكر من المساجد) بيان المجالس، وفي نسخة:"في المساجد"، أي: أهل المجالس الواقعة في المساجد؛ حيث إنّهم تركوا الدنيا

= قلت: في إسناده عمارة بن زاذان وزياد بن عبد الله النميري متكلم فيهما، وقد تفرَدا بهذا الحديث بهذه السياقة، ولم يتابعهما عليه أحد.

والحديث في "ضعيف الترغيب"(915).

(1)

أخرجه أحمد (2/ 359)، والحاكم (4/ 256) وقال: صحيح الإسناد، وقال الهيثمي في المجمع (1/ 52، 10/ 82)، قال الهيثمي (1/ 52): إسناده جيد وفيه سمير بن نهار وثقه ابن حبان. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (2626)، والضعيفة (896).

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 3/ ب).

ص: 187

وأسواقها، واشتغلوا بالذكر المكرم في المساجد المكرمة والأماكن المعظمة، كما قال تعالى:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور: 36 - 38].

وفي الحديث إيماءٌ -كما في الآيات- إلى أن الذكر في المساجد أفضلُ من الذكر في غيرِها، وقد ورد في الحديث، على ما رواه الطبراني، والحاكم، عن ابن عمر مرفوعًا:"خير البقاع المساجد، وشر البقاع الأسواق"

(1)

.

(حب، ط، ص) أي رواه: ابن حبان، والطبراني في "الكبير"، وأبو يعلى الموصلي، عن أبي سعيد الخدري، وصحّحه ابن حبان، ورواه أحمد، والبيهقي أيضًا

(2)

.

(1)

أخرجه الطبراني في الأوسط (7145)، والحاكم في المستدرك (1/ 167، 2/ 9)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (3271).

(2)

أخرجه أحمد (3/ 68 و 76)، والطبراني في "الدعاء"(1888)، والبيهقي في "الشعب"(535)، وأبو يعلى (1046) وابن حبان (816)، في إسناده دراج أبو السمح عن أبي الهيثم، وهي رواية ضعيفة. والحديث في "ضعيف الترغيب"(914).

ص: 188

(ما من آدميٍّ) زيادة "مِنْ" لإفادة تعميم النفي (إلا لقلبه) وفي نسخة: "إلا ولقلبه"(بيتان) أي: مكانان (في أحدهما المَلَكُ) أي: يُلهم الخير والذكر، (وفي الآخر الشيطان) أي: يوسوس الشرّ والغفلة، (فإذا ذكر الله) أي: الآدميُّ بقبول لُمَّةِ المَلَك (خنَس) بفتح النون، قال المصنف:"أي: انقبض وتأخّر"

(1)

، يعني: الشيطان، ولكثرة هذا الوصف فيه سمّي الخناسّ في سورة الناس.

(وإذا لم يذكر) أي: "الله"، كما في نسخة صحيحة، وفي نسخة زيادة "تعالى"، والمعنى: إذا لم يذكر الآدميّ ربّه بالإعراض عن الإلهام الملكيّ الإلهيّ (وضع الشيطان منقاره في قلبه) قال المؤلف: "هو بِكسر الميم يريد فمَه، شبهه بمنقارِ الطّائر في لقط الحبّةِ بسرعةٍ من ها هنا وها هنا"

(2)

.

(ووسوس له) أي: للآدميّ بما يؤدي للغفلة إلى أن يذكر ربّه، وهكذا حال الآدمي معه على الدوامِ، والحديث بظاهره يدل على شمول الأنبياءِ عليهم السلام، ولكن عصمهم الله تعالى بدوامِ ذكره، وحفظهم عن وسوسة الشيطانِ وشرّه، ويؤيّده حديثُ ابن مسعود مرفوعًا: "ما منكم أحدا إلا وقد وكل به قرينه من الجنّ، وقرينه من الملائكة، قالوا: وإيّاك يا رسول الله؟ قال: وإيّاي، ولكن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 3/ ب).

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 3/ ب).

ص: 189

بخير"

(1)

، والرواية بفتح الميم وضمها في "أسلم" على أنه فعل ماض، أو مضارع متكلم.

هذا، وقد قال الحنفي:"الوسوسة تعدى بـ"إلى"، وقوله تعالى:{فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ} [الأعراف: 20]، أي: يريد إليهما، ذكره البيهقي.

والوسوسة حديث النفس"، انتهى.

والصواب ما في "القاموس": "الوسوسة: حديثُ النّفس والشيطان بما لا نفع فيه ولا خير، كالوِسواس بالكسر، والاسم بالفتح، وقد وسوس له وإليه".

(مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن عبد الله بن شقيق، قال ميرك:"ظاهر إيراد الشيخ -قدس سره- يقتضي أن يكون الحديث في "مصنف ابن أبي شيبة" مرفوعًا، لكن أورده صاحبُ "السلاح" من قول عبد الله بن شقيق موقوفًا عليه، وقال في آخره: "رواه ابن أبي شيبة في كتاب "فضائل القرآن"، ورواه في "مصنفه"، ورجاله رجال الصحيح"

(2)

، انتهى.

فيحتمل على بُعد أن الحديث يكون في "مصنفه" مرفوعًا، وفي "فضائل القرآن" له موقوفًا، وله شاهد من حديث أنسٍ مرفوعًا بلفظ: "إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله تعالى خنس، وإن

(1)

أخرجه مسلم (2814).

(2)

قال ابن دقيق الإمام في سلاح الدعاء (58): رواه الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة في كتاب فضائل القرآن وثوابه تصنيفه ورجاله رجال الصحيح.

ص: 190

نسي التقم قلبه"، أخرجه ابن أبي الدنيا، وأبو يعلى، والبيهقي بأسانيدَ ضعيفةٍ

(1)

.

قال المنذري: "الخَطْم: بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة، هو الفَمُ"

(2)

، وقال في "الحقائق":"الخطم: مقدّم الأنفِ والمنقارُ".

(من صلى الفجر) أي: صلاة الصبح (في جماعةٍ، ثم قعد) أي: استمرّ على حال ذكره، سواءٌ يكونُ قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا، والجلوس أفضلُ إلا إذا عارضه أمر كالقيام لطواف، أو لصلاة جنازة، أو لحضور درسٍ ونحوها (يذكر الله) حالٌ، (حتى تطلُع الشمس) بضم اللام، أي: حتى ترتفع قدر رمح، حتى يخرجَ وقتُ الكراهَةِ، (ثمّ صلّى ركعتين) وتسمى هذه [الصلاة]

(3)

صلاةَ الإشراقِ، وهيَ أولُ صلاةِ الضّحى (كانت) أي: مثوبة فعله ذلك (له كأجر حجة) لقيامه بالفرض جماعة، (وعمرة) لأداءِ تلك السّنّة.

وفيه لمذهبنا تقويةٌ، ولم أَرَ من تعرض لهذه النكتة، مع أنّ العلماء

(1)

أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب التوبة رقم (92)، وأبو يعلى (4301)، والبيهقي في الشعب (540)، وابن عدي في الكامل (3/ 186)، وقال ابن كثير في التفسير (8/ 539): غريب.

وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (1480)، والضعيف (1367).

(2)

الترغيب والترهيب (2/ 257).

(3)

من (أ) فقط.

ص: 191

اتّفقوا على أن الصلاة أفضلُ من سائر العباداتِ، لكن الحج أشقّ وأصعب على النّفس، ثمّ العمرة سنّة مؤكدة، وقيل:"فريضة"، وتلك الصلاة إنما هي سنة مستحبّة، لكن يكفي في التشبيه قدرُ هذه المناسبة.

وقال الطيبي: "التشبيه في هذا الحديث وأمثاله ليس للتّسوية، بل من باب إلحاق الناقص بالكامل؛ ترغيبًا للعامل"

(1)

.

وفيه أنه لا يلائمه قوله: (تامة تامة تامة) أي: كاملةً، وذكرها ثلاثًا للمبالغةِ في تأكيد وصفِ كلٍّ من الحجة والعمرة، بأنها في مرتبتها غير ناقصة، ولا يبعد أن تكون الثلاثةُ وصفًا لـ"عمرة"؛ حيث وقعت في مقابلةِ ثلاث سننٍ من الجماعة والاستمرار وصلاة الإشراق، والله أعلمُ.

قال المؤلف: "تأكيد لتحقق ذلك وهذا وأشباهه ورد كثيرًا في الحديث، مثل قوله: "من صام ثلاثةَ أيامٍ من كل شهرٍ، فكأنّما صام الدهر"، وفيمن قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} تعدل ثلث القرآن، وهذا الأجر بغير مضاعفةٍ، بخلاف من فعل حسنةً، فإن له الأجر بالمضاعفةِ: الحسنةُ بعشرِ أمثالها إلى سبعين ضعفًا، إلى سبع مئة ضعفٍ، إلى أضعافٍ كثيرةٍ"

(2)

.

(ت) أي: رواه الترمذي عن أنس

(3)

.

(1)

ذكره في المرقاة (2/ 770).

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 3/ ب).

(3)

أخرجه الترمذي (856) وقال: حسن غريب، وسألت محمد بن إسماعيل =

ص: 192

(انقلب) بدلٌ من الجملة الجزائية الأولى، وهي "كانت له

" إلى آخره؛ بدليل عدم العطفِ، والمعنى: رجع ذلك الشخصُ (بأجر حجة وعمرة. ط) أي: رواه الطبراني في "الكبير" عن أبي أمامة

(1)

.

وروى: أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن جابر بن سمرة:"أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الغدوة جلس في مصلاه، حتى تطلع الشمس"

(2)

.

وفي "التنبيه " للفقيه: "عن عمر أنه عليه الصلاة والسلام بعثَ سريةً، فتعجلت الكرة وأعظمت الغنيمةَ، فقالوا: يا رسول الله، ما رأينا سريةً قطّ أعجلَ كَرّة، ولا أعظم غنيمةً، من سريتك! قال: أفلا أخبركم بأعجل كرةً

= عن أبي ظلال فقال: هو مقارب الحديث.

لكن الحديث قد ذكره المنذري في الترغيب (1/ 164 - 165) وذكر له شواهد يرتقي بها الحديث إلى درجة الحسن -إن شاء الله-. وأبو ظلال: قال الحافظ: بكسر الظاء وتخفيف اللام اسمه هلال، ضعفوه، ولم أر فيه أحسن مما نقل الترمذي عن البخاري أنه سأل عنه؟ فقال: مقارب الحديث. نتائج الأفكار (2/ 302)، وقال في التقريب: ضعيف (7399).

(1)

أخرجه الطبراني في "الكبير"(7578)، وفي "الشاميين" (1548) و (3412) قال الهيثمي في المجمع (10/ 104): رواه الطبراني وإسناده جيد.

وأورده الألباني الصحيحة (1196). وانظر ما بعده.

(2)

أخرجه مسلم (2593) وأبو داود (1294) والترمذي (585)، والنسائي (3/ 80).

ص: 193

منهم، وأعظمَ غنيمةً؟ قالوا: نعم، قال: أقوامٌ يصلون الصبح، ثم يجلسون في مجالسهم، فيذكرون الله تعالى حتى تطلع الشمس، ثم يصلون ركعتين، ثم يرجعون إلى أهاليهم، فهؤلاء أعجلُ كرةً وأعظمُ غنيمةً"

(1)

.

قلت: ذلك الفضل من الله، وكفى بالله عليمًا، وفيه إشارة إلى أنه لا يلزمه أن يقعد في مكانه الذي صلى فيه، بل له أن يتحوّل عن الصفّ إلى الموضع الذي أراد أن يجلس فيه لذكرٍ أو تلاوةٍ، أو تعلمٍ أو تعليمٍ، فإنّ المقصود الأصليّ إنما هو إشغال الوقت بالذكر الإلهي، ولو في بيته أو دكانه. نعم، في محلّه أكمل، وفي مسجده أفضلُ، وفيه إيماءٌ إلى أنّ المسجد كلّه مكانٌ واحدٌ، وموضعٌ [واحد]

(2)

متحدٌ حكمًا.

(ذاكر الله في الغافلين) أي: فيما بينهم من المشتغلين عن الله بالبيع ونحوه في الأسواق وغيرها (بمنزلة الصابر) أي: الغازي المجاهد (في الفارين) أي: في الجمع الذين فرُّوا من الكفّار، ولو كان فرارُهم جائزًا لهم في بعض الصور، فإن الصبر أعلى مرتبةً؛ لأنَّ الله مع الصابرين، والنصر مع الصبر.

فالذاكر قاهر لجندِ الشيطان، وغالبٌ على المطلوب، والفارّ مقهورٌ ومغلوبٌ، قال المؤلف: "هو بتشديد الراء، أي: الفارين من الزحف إذا

(1)

أخرجه أبو الليث السمرقندي في "تنبيه الغافلين"(859).

(2)

من (هـ) فقط.

ص: 194

التحم الحرب في قتال الكفار"

(1)

.

(ر، طس) أي رواه: البزار، والطبراني في "الأوسط"، عن ابن مسعود

(2)

، وروي عن مالك قال:"بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ذاكر الله في الغافلين كالمقاتل خلف الفارين"، أورده رزين في كتابه، ذكره ميرك، ورواه الطبراني في "الكبير" عن ابن مسعود أيضًا بلفظ الأصل.

ورواه أبو نعيم في "الحلية" عن ابن عمر مرفوعًا: "ذاكر الله في الغافلين مثل الذي يقاتل عن الفارين، وذاكر الله في الغافلين كالمصباح في البيت المظلم، وذاكر الله في الغافلين كمثل الشجرة الخضراء في وسط

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 3/ ب).

(2)

أخرجه الطبراني في الكبير (10/ 16) رقم (9797)، وفي الأوسط (271)، وانظر قول الهيثمي في المجمع (10/ 80)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (3036)، وقال في الضعيفة (672): ضعيف جدًّا.

في الإسناد محصن بن علي الفهري: روى عنه ابن طحلاء وعمرو بن أبي عمرو، وذكره ابن حبان في الثقات، واستغرب له أبو نعيم في الحلية حديث:"ذاكر الله في الغافلين"، ولا يصح عنه، وقد روى عن محصن جماعة غير هذين لكن لا يصح الإسناد إليهم، وهو قليل الرواية جدًّا، وقال ابن القطان:"ولا يُعرف محصن إلا به، وهو مجهول"، ولم يحكِ فيه الذهبي في الميزان غير قول ابن القطان "التاريخ الكبير"(46/ 8). "الجرح والتعديل"(8/ 432). "الثقات"(5/ 458). "الحلية"(4/ 268). "بيان الوهم"(4/ 143/ 1585)"الميزان"(3/ 444). "التهذيب"(4/ 33).

ص: 195

الشجر الذي قد تحاتَّ من الصريد -يعني: البرد الشديد- وذاكر الله في الغافلين يعرفه الله مقعده من الجنة، وذاكر الله في الغافلين يغفر الله له بعدد كل فصيحٍ وأعجم"، كذا في "الجامع"

(1)

.

وأقول: وذاكر الله في الغافلين بمنزلة العالم في الجاهلين، وبمنزلة الشبعان بين الجائعين، وبمنزلة الحيّ بين الأموات -أي: في المقابر- وبمنزلة السلطان بين العساكر، وبمنزلة الجوهر بين الحجر والمدر.

(ما من قومٍ جلسوا مجلسًا) ظرف أو مفعول مطلق، أي: جلوسًا، ويؤيد الأول قوله:(وتفرقوا منه) أي: من ذلك المجلس (ولم يذكروا الله فيه) وهو بالواو في "أصل الجلال" وفي نسخة "للأصيل"، فيحتمل العطفَ والحالَ، وأمّا على نسخة ترك الواو، فيتعين وقوعه للحال، (إلا كأنّما تفرقوا عن جيفة حمارٍ) استثناء مفرغ من أعمّ الأحوال، أي: لم يجتمع ما ذكر في حالٍ من الأحوال إلا في حالِ تشبههم في غفلتهم بحال تفرقهم عن جيفة حمارٍ منتنة، فإنهم حيث اشتغلوا بغير ذكر الله، لا سيما إذا كان الكلام في جيفة الدنيا، فكأنهم استعملوا من أكل الحمار الميت.

وفيه تنفير عن الغفلة وترهيبٌ منه، وترغيبٌ في الذكر، فإن الذاكرين يشبهون حينئذٍ بمن أكل الطيبات، واستعمل [الملذات]

(2)

، ثم تخصيص

(1)

أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (6/ 181) وقال الألباني في الضعيفة (671): ضعيف جدًّا.

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج)، وفي (د) و (هـ):"المستلذات".

ص: 196

الحمار لأنه أبلد الحيوانات، قال المصنّف:"أي: عن نتنها وقبحها، والجيفة جثة الميت"

(1)

، زاد في "النهاية":"إذا أنتن"، ومجمله أنه شبه مجلس الغفلة بالجيفة، والتفرقَ عنه بالتفرق عنها في الجملة، قيل:"وضمن "تفرقوا" معنى "تجاوزوا" أي: بعدوا، فَعُدِّيَ بـ"عن".

(وكان) أي: ما ذكر من الجلوس والتفرق وعدم الذكر، أو ذلك المجلس، كما في رواية، قيل: وكان الأمر (عليهم حسرةً يوم القيامة) وفي نسخة برفع "حسرة" على أن "كان" تامة، أي: وقع عليهم حسرة وندامة حين لا تنفع الندامة.

(مس، د، ت، حب، أ، س) أي رواه: الحاكم، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، وأحمد، والنسائي، عن أبي هريرة

(2)

، وقال الحاكم:"صحيح على شرط مسلم"، وقال الترمذي:"حسن صحيح"، وفي تقديم الحاكم إشارةٌ إلى أنّ لفظ الحديث له، لكن تأخير النسائيّ عن الكلّ لا يظهر له وجهٌ؛ إذ مقتضى الترتيبِ السابقِ أن يُذْكَرَ بعد الترمذي.

قال ميرك: "ولفظ الترمذي: "ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم"، وقال: "حسن صحيح"".

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 3/ ب).

(2)

أخرجه أحمد (2/ 389 و 2/ 515 و 2/ 527)، وأبو داود (4855) ومن طريقه البيهقي في "الآداب"(258)، والنسائي في "الكبرى"(10169)، وابن حبان (590) والحاكم في المستدرك (1/ 492).

ص: 197

أقول: وكذا رواه ابن ماجه

(1)

عن أبي هريرة وأبي سعيد، والمعنى: إن شاء عذبهم على ذنوبهم الماضية، لا على ترك الذكر، فإنه ليس بالمعصية، ولفظ أبي داود، والحاكم -على ما في "الجامع"-:"ما من قوم يقومون من مجلسٍ لا يذكرون الله تعالى فيه، إلا قاموا عن مثل جيفة حمارٍ، وكان ذلك المجلس عليهم حسرة يوم القيامة".

وروى الطبراني والبيهقي والضياء عن [سهيل]

(2)

بن حنظلةَ مرفوعًا: "ما جلس قوم يذكرون الله تعالى، فيقومون حتى بقال لهم: قوموا، قد غفر الله لكم ذنوبكم، وبدّلت سيئاتكم حسناتٍ"

(3)

.

(1)

قوله ابن ماجه فيه نظر وإنما هو الترمذي (3380 - نسخة بشار) وذكره المزي في التحفة (12198).

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"سهل".

وسهل بن الحنظلية وهو سهل بن عمرو بن عدي بن زيد بن جشم بن حارثة، وأمه من بني تميم، ثم من بني حنظلة، فنسب إلى أمه، فقيل ابن الحنظلية، شهد أحدًا والخندق والمشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تحول إلى الشام، فنزل دمشق حتى مات بها.

انظر: الطبقات الكبرى (7/ 401) معجم الصحابة للبغوي (3/ 96)، أسد الغابة (2/ 387)، تهذيب الكمال (12/ 181)، الإصابة (2/ 86)، التقريب (2655).

(3)

أخرجه الطبراني (6/ 212) رقم (6039)، والبيهقي في شعب الإيمان (695) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 76): فيه المتوكل بن عبد الرحمن والد محمد بن أبي السري ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات.

ص: 198

ورواه الحاكم والضياء عن أنس، ولفظه:"ما جلس قوم يذكرون الله تعالى إلا ناداهم منادٍ من السماء: قوموا مغفورًا لكم"

(1)

.

(وما مشى أحدٌ) عطفٌ على قوله: "ما من قوم"، فهو من جملة الحديث السابق باعتبار بعض الرموز الآتية، فكأنه قال: زاد النسائي، وأحمد، وابن حبان:"وما مشى أحد"، (مَمْشًى) بفتح الميم الأولى وسكون الثانية، أي: مشيًا أو مكانه أو زمانه (لم يذكر) أي: ذلك الأحد (الله فيه) أي: في ممشاه (إلا كان عليه تِرَة) بكسر الفوقية وتخفيف الراء منصوبة، وفي نسخة بالرفع، وفي نسخة:"تَبْعة" بفتح فسكون، وهي: معنى ترة، أو معناها: حسرة أو نقص، ومنه قوله تعالى:{وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 35]، أي: لن ينقصَكم من أعمالكم.

وقال المصنف: "الترة: النقص، وقيل: التبعة، والهاء عوض عن الواو المحذوفة، مثل: وعدته عدة، ويجوز رفع "ترة" ونصبها على اسم كان وخبرها"

(2)

.

(وما أوى أحدٌ) بفتح الهمزة، وفي نسخة بمدّها، ففي "النهاية": "يقال:

(1)

وعزوه للحاكم والضياء فقط قصور منه رحمه الله فقد أخرجه.

أحمد في المسند (3/ 142). وأبو يعلى (4141) والبزار (6467).

وقال الحافظ العراقي: أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني بسند ضعيف من حديث أنس. "المغني عن حمل الأسفار"(931).

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 3/ ب).

ص: 199

أوَى وآوَى بمعنًى واحدٍ، والمقصور منه لازم ومتعدّ"، يعني: والممدود لا يكون إلا متعديًا، فيحتاج إلى تقدير مفعولٍ في الحديث؛ بأن [يقال]

(1)

: ما آوى أحد نفسه؛ ولهذا اقتصر العسقلاني على القصر في: "إذا أوى"، (إلى فِراشه) بكسر الفاء، أي: إذا جاءه (لم يذكر الله فيه) صفة لـ"أحد"، وقيل:"حال"، أي: حال كونه لم يكن ذاكرًا لله في حال مأواه، وفي منقلبه إلى مثواه (إلا كان عليه تِرَة) وكان يقول الصديق الأكبر:"ليتني كنت أخرسَ إلا عن ذكر الله".

(س، أ، حب) أي رواه: النسائي، وأحمد، وابن حبان، عن أبي هريرة

(2)

أيضًا هذه الزيادة المتقدمة المتأخرة عن الحديث الأول، فتأمل. وقدّم

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (هـ)، وفي (د):"يقدر".

(2)

أخرجه أحمد (2/ 432)، والحاكم (1/ 550) النسائي في "عمل اليوم والليلة"(406)، والطبراني في "الدعاء"(1927).

وأخرجه ابن حبان (853) من طريق الوليد بن مسلم، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. فأسقط منه أبا إسحاق، والمحفوظ من حديث ابن أبي ذئب وجوده في الإسناد، ولعل الوليد دلسه، فقد كان يدلس تدليس التسوية.

وليس عند النسائي: "وما من رجل أوى إلى فراشه".

قال الحافظ ابن حجر: هذا حديث حسن، أخرجه النسائي في الكبرى وجعفر الفريابي في الذكر جميعًا عن عمرو بن علي الفلاس. وأخرجه الطبراني في الدعاء من طريق محمد بن أبي بكر المقدمي نتائج الأفكار (3/ 95).

ص: 200

رمز النسائي هنا إشارةً إلى أن هذا اللفظ له.

(إن الجبل) أي: جبلًا من الجبال (ينادي الجبل باسمه) أي:

المعروف في محلّه، كجبل أحد وأبي قبيس ونحوهما (أي فلانُ) كنايةً عن عَلَمِهِ؛ ولذا لم يُصْرَفْ؛ فإن"أي" هنا للنداء؛ لما في روايةٍ:"يا فلانُ"، (هل مر بك أحدٌ ذكر اللهُ؟ فإذا قال) أي: الجبل الثاني: (نعم، استبشر) أي: فرح الجبل الأول؛ لما حصل لصاحبه وقريبه من الخير النازل عليه مع رجاءِ أن يصل منه بعض المنافع إليه، وتحسر من عدم وقوع مثل هذا الأمر لديه، (الحديث) سيأتي تتمته.

(ط) أي: رواه الطبراني في "الكبير" عن ابن مسعود

(1)

، قال ميرك:"ويفهم من كلام صاحب "الأربعين" المسماة بـ "اللؤلؤة" أن هذا الحديث موقوفٌ على ابن مسعود، قلت: وكذا من الأحاديث التي نذكرها بعد، قال: لكن له حكم الرفع؛ لأن مثل هذا لا يقال بالرأي"، انتهى.

قلت: لكن لا يدفع الاعتراض بأن الواجبَ على المصنف أن يأتي برمز "مَوْ" قبله، ليدلَّ على كونه موقوفًا من قبله.

هذا، ورأيت شيخَ مشايخنا جلال الدين السيوطي رحمه الله ذكر الحديث بكماله في "الدر المنثور في تفسير المأثور"

(2)

، وقال: "أخرج

(1)

أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (9/ 107) رقم (8542).

وقال الهيثمي في المجمع (10/ 79): "رجاله رجال الصحيح".

(2)

الدر المنثور (5/ 543).

ص: 201

ابن المبارك، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأحمد في "الزهد"، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في "العظمة"، والطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "شعب الإيمان"، عن ابن مسعود، قال: "إن الجبل لينادي الجبل باسمه: يا فلانُ، هل مرّ بك اليومَ أحد ذكر الله؟ فإذا قال: نعم، استبشر. قال عون: أفيسمعن الزور إذا قيل، ولا يسمعن الخير؟! [هن]

(1)

للخير أسمع، وقرأ:{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88)} [مريم: 88] الآياتِ"

(2)

.

وذكره الشيخ المذكور في كتاب "نتيجة الفكر في الجهر بالذكر"

(3)

: "وقال أخرج البيهقي عن ابن مسعود، قال: "إن الجبل ينادي الجبل باسمه: يا فلان، هل مر بك اليومَ لله تعالى ذاكر؟ فإن قال: نعم، استبشر ثم، قرأ عبدُ الله:{لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} [مريم: 89، 90]

(4)

الآية، وقال:[أيسمعون]

(5)

الزور، ولا يسمعون الخير؟

(1)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د) و (هـ):"وهن".

(2)

أخرجه ابن المبارك في الزهد (333)، وابن أبي شيبة في المصنف (35721)، والطبراني في المعجم الكبير (9/ 103) رقم (8542) والبيهقي في الشعب (533) وأبو الشيخ في العظمة برقم (1176). قال الهيثمي: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. "مجمع الزوائد"(10/ 79).

(3)

كما في الحاوي للفتاوي (1/ 468).

(4)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ): "ينفطرن" بالنون، وهي قراءة متواترة، وفي (أ):"يتفطرن".

(5)

كذا (أ) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (ب):"أو يسمعون".

ص: 202

وقال في "الدرّ" أيضًا: "أخرج أبو الشيخ في "العظمة" عن محمد بن المنكدر، قال: بلغني أن الجبلين إذا أصبحا نادى أحدهما صاحبه، يناديه باسمه فيقول: أي فلانُ، هل مر بك اليومَ ذاكرٌ الله؟ فيقول: نعم، فيقول: لقد أقر الله عينك، لكن ما مَرَّ بي ذاكر الله عز وجل اليوم".

وفي "عوارف المعارف" لشيخ الشيوخ شهاب الدين السهروردي - قدس سره

(1)

-: "روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: "ما من صباحٍ ولا رواحٍ إلَّا وبقاع الأرض ينادي بعضها بعضًا: هل مر بك اليومَ أحد صلى عليك، أو ذكر الله عليك؟ فمن قائلة: نعم، ومن قائلة: لا، فإذا قالت: نعم، عَلِمَتْ أنّ لها بذلك فضلًا عليها، وما من عبد ذكر الله تعالى على بقعةٍ من الأرض، أو صلى لله عليها إلَّا شَهِدت له بذلك عند ربه، وبكت عليه يوم يموت"

(2)

.

(1)

عوارف المعارف في التصوف للشيخ شهاب الدين أبي حفص عمر بن محمد بن عبد الله السهروردي (632 هـ). "البداية والنهاية"(17/ 209) والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (6/ 283).

(2)

وقد أخرجه أبو يعلى في "مسنده"(4110)، وأبو الشيخ في "العظمة"(5/ 1712)، والرافعي في "تاريخ قزوين" (4/ 16) من طريق موسى بن عبيدة: حدثني يزيد الرقاشي، عن أنس مرفوعًا.

وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى وفيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف "مجمع الزوائد"(10/ 79).

وضعفه المناوي في "فيض القدير"(5/ 475). =

ص: 203

ثم اعلم أنّ البغويَّ قال في تفسيره "معالم التنزيل" في قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: 74]: "فإنْ قيل: الحجر جمادٌ لا يفهم، فكيف يخشى؟ قيل: الله يفهمها ويلهمها فتخشى بإلهامه، ومذهبُ أهل السنة أن لله عِلمًا في الجمادات وسائر الحيوانات، سوى العقلاء لا يقف عليه غيرُه، فلها صلاةٌ وتسبيحٌ وخشيةٌ كما قال جل ذكره:{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} وقال: {وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [النور: 41]، فيجب على المرء الإيمانُ به، ويكل علمه إلى الله سبحانه.

روي: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على ثبير والكفار يطلبونه، فقال الجبل: أنزل عني؛ فإني أخاف أن تؤخذ عليّ، فيعاقبَني الله بذلك، فقال له جبل حراء: إليّ إليّ يا رسول الله"، انتهى

(1)

. وكان الخوف غالبًا على ثبيرٍ، والرجاء على حراءٍ، وورد: "أُحُد هذا جبلُ يحبنا ونحبه على باب من أبواب الجَنَّة، وهذا [عير]

(2)

يبغضنا ونبغضه وإنه على باب من أبواب النار"، فسبحان

= أخرجه ابن المبارك في "الزهد"(340)، وأبو نعيم في "الحلية" (5/ 197) عن عطاء الخراساني. وقال الألباني: وهذا مقطوع، والخراساني، فيه ضعف. "السلسلة الضعيفة"(4481).

(1)

ذكره البغوي في التفسير (1/ 111).

ولم أره مسندا، وهو غريب جدا، وأمارة الوضع لائحة عليه.

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"ثبير".

ص: 204

من خلق لكل من الجَنَّة والنار أهلًا، وجعل طريقهما لأهلهما سهلًا.

(إن خيار عباد الله الذين يراعون) أي: يحافظون (الشمس، والقمر، والنجوم) أي: سيرها في محلها وطلوعها وغروبها (والأظلة) أي: وظلال الجدار والأشجار ونحوهما، وفي نسخة:"الأهلة" بدلٌ من "الأظلة"، (لذكر الله) أي: لمعرفة أوقات الصلوات، ووظائف العبادات، قال المصنف: "يريد وظائف الأذكار في هذه الأوقات، [حسبما ورد في الحديث]

(1)

"

(2)

.

(مس) أي: رواه الحاكم عن عبد الله بن أبي أوفى، وقال:"صحيح الإسناد"

(3)

.

(1)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (هـ):"حيثما ورد في الأحاديث"، وفي (د) و"مفتاح الحصن الحصين":"حسبما ورد في الأحاديث".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 3/ ب).

(3)

هذا إسناد فيه إبراهيم السكسكي، قال ابن حجر صدوق ضعيف الحفظ وقد خولف فرواه مرفوعًا، يروى موقوفًا، ورجح الموقوف، وهو ضعيف، وقد يحسن بمجموع طرقه.

وقوله: وقد احتج مسلم والبخاري بإبراهيم السكسكي وإذا صح هذه الاستقامة لم يضره توهين من أفسد إسناده

لا يصح إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن إسماعيل السكسكي، أبو إسماعيل الكوفي، مولى صخير روى له: البخاري - وأبو داود - والنسائي وتركه مسلم لتضعيف يحيي كما سيأتي. =

ص: 205

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= قال ابن حجر: صدوق ضعيف الحفظ.

وقال الذهبي: ضعفه أحمد قلت: وغيره، وذلك من قبل حفظه. وقال في الميزان لينه شعبة والنسائي ولم يترك، وقال النسائي ليس بذاك القوى يكتب حديثه، وقال ابن عدي: لم أجد له حديثا منكر المتن وقال في الرواة المتكلم فيهم ص 55: لينه شعبه وضعفه أحمد وحديثه حسن.

قال الحاكم قلت لعلي بن عمر الدارقطني لم ترك مسلم حديث السكسكي فقال تكلم فيه يحيى بن سعيد قلت بحجة قال هو ضعيف وذكره العقيلي في الضعفاء وقال الساجي تفرد بحديثه عن بن أبي أوفى مرفوعًا خير عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر وذكره ابن حبان في الثقات. تهذيب التهذيب

(1/ 125)

وقال الباجي في التعديل والتجريح (1/ 353): أخرج البخاري في الجهاد والشهادات والبيوع وتفسير سورة آل عمران عن العوام بن حوشب عنه عن عبد الله بن أبي أوفى وأبي بردة بن أبي موسى.

وعنه البيهقي في السنن (1/ 379).

وأخرجه ابن شاهين في الأفراد 5/ أوقال تفرد به سفيان عن مسعر ما حدث به عنه غيره وهو حديث غريب صحيح حسن، والبزار 3351، والطبراني في "الدعاء" 1876، وأبو نعيم في الحلية (7/ 227)، وابن صاعد - في زوائد الزهد لابن المبارك (1354) كلهم عن عبد الجبار بن العلاء، ثنا سفيان، عن مسعر، عن إبراهيم السكسكي، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والأظلة لذكر الله عز وجل".

قال البيهقي: تفرد به عبد الجبار بن العلاء بإسناده هكذا، وهو ثقة.

وذكر الدارقطني كما في أطراف الغرائب والأفراد لابن طاهر (4/ 178): تفرد به سفيان بن عيينة عن مسعر عنه وهو غريب عنه، ورواه يحيى بن أبي =

ص: 206

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= بكير الكرماني عن ابن عيينة مثله، وتفرد به محمد بن حميد الرازي عنه، وروى عن محمد بن محمد بن إدريس الشافعي عن ابن عيينة نحوه.

قلت: لم يتفرد به محمد بن حميد الرازي:

وروايته أخرجها ابن صاعد في زوائد زهد ابن المبارك (1305) عن محمد بن حميد الرازي، عن يحيى به.

وتابعه عند البزار 3350 محمد بن الوليد بن أبان.

كلاهما عن يحيى بن أبي بكير قال أخبرنا سفيان بن عيينة عن مسعر عن إبراهيم السكسكي عن ابن أبي أوفى فبهذا ينفي تفرده به.

قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 327): رجاله موثقون لكنه معلول.

ورواه البزار 3351 عن عبد الجبار بن العلاء يخبران سفيان بن عيينة حدثه عن مسعر عن إبراهيم السكسكي عن ابن أبي أوفى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحب عباد الله إلى الله تبارك وتعالى الذين يراعون الشمس والقمر".

وقال: وهذا الحديث لا نعلم أحدًا رواه عن مسعر بهذا الإسناد إلَّا سفيان بن عيينة ومحمد بن الوليد الذي حدثنا بهذا الحديث لا نعلم أحدا تابعه على روايته عن يحيى بن أبي بكير والصحيح أنه موقوف على أبي الدرداء وخولف عبد الجبار في رفعه: قال ابن أبي الدنيا في الأولياء (28): حدثنا هارون بن معروف، نا سفيان، عن مسعر، عن إبراهيم السكسكي، عن ابن أبي أوفى، فذكره موقوفًا.

قال أبو نعيم: تفرد سفيان عن مسعر يرفعه. ورواه خلاد وغيره عن مسعر موقوفًا.

وقد خالف سفيان بن عيينة جماعة ثقات:

فرواه ابن المبارك في الزهد (1303)، ومن طريقه وكيع في الزهد (349) =

ص: 207

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وابن أبي شيبة (35746)، أبو نعيم في الحلية 7: 227 والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 397): من طريق جعفر بن عون: أربعتهم (ابن المبارك، وخلاد بن يحيى، ووكيع، وجعفر بن عون) عن مسعر، عن إبراهيم السكسكي قال: حدثني بعض أصحابنا عن أبي الدرداء أنه قال: "إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى الناس والذين يراعون الشمس والقمر". وعند ابن أبي شيبة في أوله زياده: إن شئتم لأقسمن لكم.

قلت: فظهر أن وقف الحديث على أبي الدرداء أرجح. وقرائن ترجيحه:

1 -

رواة الوجه الثاني (الموقوف) أكثر عددًا فرواه أربعة بهذا الوجه، المخالف في الوجه الأول (المرفوع) راو واحد.

2 -

الموقوف روي من وجه آخر عن أبي الدرداء.

وهو بهذا الإسناد موقوف ضعيف في إسناده إبراهيم السكسكي في حديث ضعيف، وجهالة حالة أصحابه الذين روى عنهم.

أما حال إبراهيم السكسكي، فقد ضعفه شعبة وأحمد والعقيلي والدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عدي: لم أجد له حديثا منكر المتن وهو إلى الصدق أقرب منه إلى غيره ويكتب حديثه كما قال النسائي اهـ ولم يخرج له مسلم خلافا لما ذكر أبو عبد الله الحاكم رحمه الله، وقال الساجي - كما في تهذيب التهذيب: تفرد بحديث عن ابن أبي أوفى مرفوعًا

وذكره.

ومما يعضد الوقف على أبي الدرداء:

ما رواه وكيع في الزهد (345) قال: حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: قال أبو الدرداء

فذكره.

وهذا فيه انقطاع بين الحسن وأبي الدرداء، ومبارك بن فضالة ذكروه بالتدليس، ومع هذا هو شاهد لا بأس به للرواية الموقوفة السابقة. =

ص: 208

(ليس يتحسر) أي: يتندم (أهل الجَنَّة) أي: يوم القيامة قبل دخولها؛ لعدم الحسرة بعد وصولها (إلَّا على ساعةٍ مرت بهم، ولم يذكروا الله تعالى فيها) ولو سكتوا فيها لفوات ما كان يمكنهم من إحيائها، فكيف إذا اشتغلوا فيها بما لا يعنيهم، أو بما يأثمون فيه.

والذكر يتناول جميع خصال الخير قولًا أو فعلًا، والمقصود: أن الدنيا ساعة، فاجعلها طاعةً، كيلا تحصل الندامة يوم القيامة.

(ط، ي) أي رواه: الطبراني في "الكبير"، وابن السني؛ كلاهما عن معاذٍ، وفي "الجامع" بلفظ:"ليس يتحسر أهل الجَنَّة على شيء إلَّا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله فيها"، بدون الواو، وقال: رواه الطبراني،

= وأخرج ابن حبان في "الثقات"(7/ 519) في ترجمة: مجشر بن نافع الجزري يروى عن أبي إدريس الخولاني وميمون بن مهران روى عنه كوثر بن حكم حدثنا أبو يعلى بالموصل قال ثنا أبو نصر التمار قال ثنا كوثر بن حكيم عن المجشر بن نافع عن أبئ إدريس الخولاني عن أبي الدرداء قال إن شئتم لأقسمن ثم قال بالله الذي لا إله إلَّا هو إن أكرم عباد الله على الله الذين يراعون الشمس والقمر بالليل والنهار قالوا يا أبا الدرداء المؤذنون. وكوثر بن حكيم قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم والنسائي والدارقطني متروك الحديث فهو موقوف ضعيف.

والحديث ضعفه عبد الحق في كتاب الإحكام، ووافقه ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام"(3/ 305 - 306) والحديث حسن لغيره كما في "صحيح الترغيب"(244). وأورده الألباني في الصحيحة (3440).

ص: 209

والبيهقي عن معاذٍ

(1)

.

(أكثروا ذكر الله حتى يقولوا) أي: لكل واحد من الذاكرين: هو أو أنت (مجنونٌ) والمعنى: حتى يقول بعض الجاهلين والغافلين في حقكم: إنكم مجانين؛ ولذا قال الغزالي: "لو كان الصحابة في زماننا لكان الناس قالوا: هم مجانين، وهم قالوا للناس: ما هؤلاء [مؤمنون]

(2)

بيوم الدين".

قال المصنف: "أي: ينبغي أن يُكثر العبد من ذكر الله تعالي، ولا يبالي بمن يقول: هو مجنون، وإنما الأعمال بالنيات"

(3)

.

قلت: وكفى به شرفًا، حيث ينسب إلى ما نسب به أفضل العقلاء عليه أكمل الثناء، حيث قال الجهلاء في حقه: إنه مجنون، كما في سورة {ن} و، وقالوا أيضًا في حق نوح عليه السلام: مجنون.

(حِبْ، أ، ص، ي) أي رواه: ابن حبان، وأحمد، وأبو يعلى، وابن السني؛ كلهم من حديث أبي سعيدٍ الخدري، وكذا الحاكم، والبيهقي عنه

(4)

، وروى الطبراني عن ابن عباس مرفوعًا: "اذكروا الله ذكرًا يقول

(1)

الطبراني في "الكبير" 20/ 93 - 94 (182)، والبيهقي في "الشعب"(125)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"(3)، والحديث في "ضعيف الترغيب"(910)، انظر "الأحاديث الضعيفة"(4986).

(2)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د) و (هـ):"يؤمنون".

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 3/ ب).

(4)

أخرجه أحمد (3/ 68)، وعبد بن حميد (925)، وأبو يعلى (1376)، قال الهيثمي (10/ 75): رواه أحمد، وأبو يعلى، وفيه دراج وقد ضعفه جماعة، =

ص: 210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وضعفه غير واحد، وبقية رجال أحد إسنادي أحمد ثقات. وأخرجه ابن السني (ص 4، رقم 4)، وابن شاهين في الترغيب (2/ 399)، وابن حبان (817)، والحاكم (1/ 677) والبيهقي في شعب الإيمان (1/ 397 رقم 526) وأخرجه أيضًا: الديلمي (212).

قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(10/ 76): "رواه أحمد، وأبو يعلى وفيه دراج وقد وثقه جماعة وضعه غير واحد، وبقية رجال أحد إسنادي أحمد ثقات".

وقال ابن عدي في "الكامل"(3/ 113): سمعت يحيى يقول: وسئل عن حديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد فقال: ما كان هكذا الإسناد فليس به بأس فقلت له: إن دراجًا يحدث عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أصدق الرؤيا بالأسحار" ويروى أيضًا: "اذكروا الله حتى يقولوا مجنون" فقال: هما ثقتان دراج وأبو الهيثم قال يحيى: وقد روى هذه الأحاديث عمرو بن الحارث.

وقال المنذري في "الترغيب والترهيب"(2/ 256) رواه أحمد وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد.

وقال البوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة"(6/ 126) ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح الإسناد وله شاهد من حديث معاذ بن جبل.

وقال الشوكاني في "تحفة الذاكرين"(ص 25): حسنه الحافظ ابن حجر في أماليه.

وله شاهد عن ابن عباس أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (12/ 169): ثنا عبد الله بن أحمد، ثنا عقبة بن مكرم العمي، ثنا سعيد بن سفيان الجحدري، ثنا الحسن بن أبي جعفر، عن عقبة بن أبي ثبيت الراسبي، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اذكروا الله ذكرًا كثيرًا متى يقول المنافقون: تراءون". =

ص: 211

المنافقون: إنكم تراءون"، كذا في "الجامع"

(1)

.

(كان) أي: النبي صلى الله عليه وسلم غالبًا أو أحيانًا (يأمر) أي: أصحابه أو الصحابيات، كما سيأتي (أن يراعى) بصيغة المجهول، أي: يحافظ (التكبير) أي: قول "الله أكبر"، وأما قول الحنفي:"أي: التعظيم"، فغير ظاهر كما لا يخفى على الفهيم (والتقديس) أي: قول: "سبحان الملك القدوس"، أو:"سبوح قدوسٌ"، أو:"سبحان الله"، أو:"سبحان الله وبحمده"، أو:"لا حول ولا قوة إلا بالله"(والتهليل) أي: قول: "لا إله إلَّا الله".

(وأن يعقد) أي: عند الحاجة إلى العدد، ونائب الفاعل هو الضمير [العائد]

(2)

إلى كُلٍّ من التكبير والتقديس والتهليل (بالأنامل) أي: بالأصابع أو برءوسها أو بمفاصلها، ففي "صحاح الجوهري": "الأنامل:

= وقال الهيثمي في المجمع (10/ 76): فيه الحسن بن أبي جعفر الجعفري، وهو ضعيف.

قلت: وهو معل بالإرسال فقد أخرجه ابن المبارك في الزهد (1022)، وأحمد في الزهد (1/ 108)، والبيهقي في شعب الإيمان (524) من طريق سعيد بن زيد عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء مرسلًا أكثروا ذكر الله حتى يقول المنافقون: إنكم مراؤون وهو ضعيف.

(1)

أخرجه الطبراني (12/ 169)، رقم (12786) وقال الهيثمي (10/ 76): فيه الحسن بن أبي جعفر، وهو ضعيف. وأخرجه أيضًا: أبو نعيم في الحلية (3/ 81) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (738) وفي السلسلة الضعيفة (515).

(2)

زيادة يقتضيها السياق.

ص: 212

رءوس الأصابع"، وفي "القاموس": "الأنملة بتثليث الميم والهمز، تسع لغاتٍ فيها: الظفر، وجمعها: أنامل وأنملات".

لكن قد يعبر عن الكل بالجزء، كعكسه في قوله تعالى:{يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} [البقرة: 19]، لإرادة المبالغة، ثم العقد بالمفاصل مشهورٌ: بأن يضع إبهامَه في كلّ ذكر على مفصل، وكذا العقد بالأصابع معروفٌ: بأن يعقدها ثم يفتحها، وأما العقد برءوس الأصابع: فإما باتكائها على ما يحاذيها من البدن، كما قرره الفقهاء في صلاة التسبيح ونحوها، وإما بوضعها في الكف فمآله إلى العقد بالأصابع، وإما بوضع الإبهام على الرءوس، والمقصود تحقق العدد بالعقد بأي طريقٍ كان، والله أعلم.

(قال) أي: النبي صلى الله عليه وسلم جوابًا عن سؤالٍ مقدَّرٍ: ما فائدة عقدها بخصوصها؟ (لأنهن مسئولات) أي: عن أعمال صاحبها (مستنطقات) بصيغة المفعول، أي: شاهدات على أقوال [متصرفها]

(1)

، ففيه إشارة إلى قوله تعالى:{يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور: 24]. {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [فصلت: 21].

قال المصنف: "يريد المراعاة بالعدد، كما ورد منصوصًا في الأحاديث، نحو "مئة مرّة"، و"ثلاثًا وثلاثين مرّة"، و"أربعًا وثلاثين"، و"خمسًا وعشرين مرّة"، و"إحدى عشرة"، و"عشرًا"، و"سبعًا"، وغير

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"متصرفيها".

ص: 213

ذلك، وأن يعقد العدد بالأنامل، وهي الأصابع على ما هو معروف عند العرب قديمًا وحديثًا؛ لأن الأنامل مسئولات مستنطقات عما كان يستعملهن صاحبهن يوم تشهد عليهم ألسنتهم، [يبينه]

(1)

الحديث الآتي، وهو: "أن [ابن عمرو]

(2)

رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح بيمينه"، ولهذا اتخذ أهل العبادة وغيرهم السبح، وقال العلماء: ينبغي أن يكون عدّ التسبيح [باليمين]

(3)

"

(4)

، انتهى.

وفيه أن أخذ السبح بظاهره مُنافٍ لهذا الحديث؛ ولذا قيل: السبعة بدعة، لكنها مستحبة؛ لما سيأتي من حديث جويرية

(5)

: "أنها كانت تسبّح بنواةٍ أو حصاةٍ"، وقد [قررها]

(6)

[النبي](1) صلى الله عليه وسلم على فعلها، والسبحة في

(1)

كذا في (ب) و (ج) و"مفتاح الحصن الحصين"، وفي (أ) و (هـ):"بَيّنَه"، وفي (د):"ببينة".

(2)

كذا في "السنن الكبرى" للبيهقي، وفي (أ) و (ب) و (ج) و (هـ):"عمر"، وفي (د) و"مفتاح الحصن الحصين":"ابن عمر".

(3)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"باليمنى".

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 3/ ب).

(5)

كتب في حاشية (د): "هذا وهم من الشارح، وإنما هي صفية، نبه عليه صاحب حاشية "الأذكار"، وقرر أيضًا أن السبحة مشروعة لتقريره صلى الله عليه وسلم فعل صفية أو جويرية، ولم يحصل منه صلى الله عليه وسلم نهي لها، ولا إنكار لفعلها، وقد قرره جماعة من الحفاظ، والله أعلم".

(6)

كذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: أقرّها.

ص: 214

معناها، إذ لا يختلف الغرض من كونها منظومةً أو منثورةً، لكن هذا الحديث يفيد العدد بالأصايع على وجه تفضيله، كما أشير إليه بتعليله.

(د، ت) أي رواه: أبو داود، والترمذي

(2)

؛ كلاهما عن يسيرة بنت ياسر، وليس لها في الكتب الستة إلَّا هذا الحديث، قال العسقلاني في "التقريب": "يسيرة - بالتصغير، ويقال: أسيرة بالألف - أمّ ياسرٍ صحابيةٌ

= (1) من (هـ) فقط.

(2)

أخرجه الترمذي (3583)، وأبو داود (1501)، والحاكم في المستدرك (1/ 732)، قال الترمذي: هذا حديث غريب إنما نعرفه من حديث عثمان بن هانئ.

قلت: وفي إسناده حميضة بنت ياسر، إحدى المجهولات اللاتي تفرد ابن حبان بتوثيقهن، وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب" (1/ 746/ 8570): حميضة بنت ياسر. مقبولة "أسد الغابة"(1/ 1425) يسيرة أم ياسر الأنصارية. وقيل: بل هي يسيرة بنت ياسر. تكنئ أم حميضة كانت من المهاجرات المبايعات. قاله أبو عمر. وقال ابن منده وأبو نعيم: يسيرة من المهاجرات غير منسوبة حديثها عند حميضة بنت ياسر.

الحافظ في "الإصابة"(8/ 163) سيرة أم ياسر ويقال بنت ياسر الأنصارية وتكنى أم حميضة قال بن سعد أسلمت وبايعت وروت حديثا وقال أبو عمر كانت من المهاجرات.

قال النووي في "الخلاصة"(1/ 472): رواه أبو داود، والترمذي بإسناد حسن، والبخاري في "تاريخه". حميضة بنت ياسر مجهولة لم يرو عنها غير ابنها هانئ بن عثمان، ولم يوثقها غير ابن حبان.

وصححه الألباني في صحيح الجامع (4087).

ص: 215

من الصحابياتِ، ويقال: إنها من المهاجرات".

(عليكنّ بالتّسبيح) أي [بقول]

(1)

: سبحان الله ونحوه (والتقديسِ) أي: سبّوح قدّوس ونحوه (والتهليلِ) خطابٌ للنِّساءِ، وهو اسم فعلً، وكلمةُ تحريضٍ وإغراءٍ، أي: الزمن التسبيح

إلى آخره، وليس المراد تحريضهن على هذه الألفاظِ الثلاثةِ فقط، بل المراد منه جنس الذكر بأي لفظٍ كان، وإشعارٌ بأن هؤلاء الكلمات من جملة الباقيات الصالحات، والمقصود انتفاء الغفلة في جميع الساعات والأوقات، كما يدلُّ عليه قوله:(ولا تغفُلن) بضم الفاء، أي: لا تتركن الذكر.

(فتُنْسَيْن الرحمةَ) على صيغة المجهول، ونصب"الرحمة" على المفعول الثاني، والمعنى: إن تَرَكْتُنَّ الذكر لتُرِكْتُنَّ من الرحمة، وحرمتن ثوابَ الذِّكر، فإن الله قال:{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152]، وقال:{كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه: 126]، أي: تترك من الرحمة جزاءً لترك ذكرك وقت الغفلة.

قال ميرك: "قوله: "لا تغفلن" نهي، وقوله: "فتنسين" جواب له، أي: لا يكن منكن غفلة، فيكون من الله ترك الرحمة، كما في قوله تعالى:{وَكَذَالِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} ، ثم قال ما حاصله:[أن الإنسان]

(2)

[مستعد]

(3)

(1)

من (هـ) فقط.

(2)

كذا في (ب) و (ج) و (هـ)، وفي (أ) و (د):"الإنساء".

(3)

كذا في (هـ)، وفي (أ) و (ب) و (ج) و (د):"متعد".

ص: 216

للنسيان، فالأولى أن يقرأ "فتنسين" بضم التاء وفتح السين، على صيغة المجهول من المجرد؛ [وكذا]

(1)

صحح في "أصل الترمذي" وأصل سماعنا من "المشكاة"، لكن وقع في أصل سماعنا من هذا الكتاب، وصحح بفتح التاء على صيغة المعروف، فعك هذا يكون المراد: المعنى الثاني الذي ذكره البيهقي في "المجرد"، يعني:"ترك الشيء"، إذ إرادة المعنى الأول - يعني: النسيان بالمعنى المتعارف - لا يخلو عن تكلّف، انتهى.

والتكلف أن يقال: فتنسين سبب الرحمة، وهو الذكر الدافع للغفلة على تقدير مضافٍ، وهو كثيرٌ في كلامهم على أن معنى "تتركن الرحمة" ليس على ظاهره، فلا بد من تأويلٍ، وهو أن يقال: فتنسين لترك الرحمة، ولا يخفى أن تكلّف الأخير أكثرُ من الأولِ مع ما في الأول من المشاكلة، والإحسان في مقابلة النسيان بالغفلة الناشئة عن نسيان الإنسان، ثم الأظهر أن يكون المجهول من [الإنساء]

(2)

بقرينة ذكر الرحمة.

(مص) أي رواه ابن أبي شيبة أيضًا عن يسيرة، قال ميرك:"واعلم أن لفظ الترمذي: "عن يسيرة، قالت: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس، واعقدن بالأنامل، فإنهن مسئولات مستنطقات، ولا تغفلن فتنسين الرحمة"، وفي "الأذكار":"سنده حسن"، فالعجب من الشيخ أنه نقل لفظ الترمذي ولم ينسبه إليه، ونسبه إلى

(1)

كذا في (أ) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (ب):"ولذا".

(2)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ) و (هـ):"الإنسان".

ص: 217

"مص" فقط".

قلت: ولعل الترمذي له ألفاظٌ منها ما نقله المصنف عنه مطابقًا لرواية أبي داود، ومنها ما نقله صاحب"الأذكار" موافقًا للحديثين، وأما ابن أبي شيبة فليس له إلَّا ما نسبه المصنف إليه، ومدار الحديث عند الكل على يسيرة، فعِلَّةُ الإشكال صارت يسيرة.

ثم اعلم أن في "الجامع الصغير" أوْرَدَ لفظ الحديث كما في "الأذكار"، ثم قال:"رواه الترمذي، والحاكم في "مستدركه"، ففيه استدارك على المصنف، حيث لم يذكره، ولم ينقله عنه.

(رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح بيمينه) ليس المراد بالتسبيح ما يسبح به من الآلة كما يُتوهم من كلام المصنف سابقًا، بل المراد به قول: سبحان الله، ونحوه من ألفاظ التنزيه؛ فالمعنى: يعقد عدد ما قاله من التسبيح بأصابع يمينه، وهو لا ينافي العقد بانضمام أصابع يساره، لا سيّما عند الاحتياج في تَكراره؛ إذ المفهوم غير معتبرٍ عندنا.

نعم، عند حصول الاكتفاء بيدٍ واحدةٍ [فاليمنى]

(1)

أولى كما لا يخفيّ، وبه يندفع ما [ذهب]

(2)

إليه الشيعة من حصر غسل الوجه باليمنى، على أن الظاهرَ أن لفظ "بيمينه" مدرج من الراوي؛ إذ ليس في الأصول

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (د) و (هـ)، وفي (ج):"فاليمين".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"ذهبت".

ص: 218

مذكورًا، وكان ذلك في الكتاب مسطورًا.

(س) أي رواه: النسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، لكن ليس في أصل النسائي لفظ "بيمينه"، ورأيت الحديث في الترمذي، وليس في روايته أيضًا "بيمينه"، [كذا]

(1)

ذكره ميرك، وكذا في "الجامع" بلفظ:"كان يعقد التسبيح"، رواه الترمذي، والنسائي، والحاكم، عن ابن عمرو

(2)

.

(1)

من (هـ) فقط.

(2)

أخرجه أبو داود (1502)، والترمذي (3411)، وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه، والنسائي (3/ 74). وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود"(1330).

قال أبو داود: "قال ابن قدامة: "بيمينه".

ومعنى هذا أن شيخ أبي داود: عبيد الله بن عمر بن ميسرة، وغيره ممن أشار إليهم بالآخرين، روا هذا الحديث بلفظ عقد التسبيح فقط، وأن شيخه ابن قدامة وحده روى له الحديث بلفظ عقد التسبيح بيمينه.

وقد انفرد محمد بن قدامة بلفظ: يعقد التسبيح بيمينه

أخرجها أبو داود (1502) كما سبق وقال أبو داود: قال ابن قدامة: "بيمينه".

ومن طريق أبي داود البيهقي في "الكبرى"(2/ 253)، وفي "الدعوات الكبير"(281).

ورواه البيهقي في "الكبرى"(2/ 187) من وجه آخر قال: حدثنا أبو الحسن علي بن عبد الله الخسروجردي أنبأ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي ثنا أبو حفص عمر بن الحسن الحلبي ثنا محمد بين قدامة بن أعين ثنا عثام عن =

ص: 219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الأعمش عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمر وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح بيمينه.

وأخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار"(4090 و 4092) حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن قدامة قال حدثنا عثام بن علي، عن الأعمش، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح.

فهذا اللفظ موافق لرواية الجماعة، وهو المحفوظ.

واللفظ الأول شاذ فقد خالف ابن قدامة - على تسليم محفوظيته - كلّ الرواة عن عثام: كما سنبينه في المبحث القادم.

وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث الأعمش عن عطاء بن السائب وروى شعبة والثوري هذا الحديث عن عطاء بن السائب بطوله قال البزار: ولا نعلم أسند الأعمش، عن عطاء بن السائب إلَّا هذا الحديث، ولا رواه عن الأعمش إلَّا عثام بن علي.

يتضح مما سبق أن الرواة اختلفوا عن عثام وعن عطاء، فأما الخلاف على عثام فقد رواه الجماعة وهم:

1 -

عبيد الله بن عمر بن ميسرة. أخرجه أبو داود (1502)، والطبراني في "المعجم الأوسط"(8568).

2 -

محمد بن عبد الأعلى الصنعاني. أخرجه الترمذي (3486)، والنسائي (3/ 79)، وفي "الكبرى"(1278).

3 -

الحسين بن محمد الذارع. أخرجه الترمذي (3411)(3486)، والنسائي (3/ 79)، وفي "الكبرى"(1278). =

ص: 220

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= 4 - محمد بن عبد الله بن بزيع. أخرجه البزار (2406).

5 -

علي بن عثام العامري. أخرجه الحاكم (2006)، وعنه البيهقي في "الدعوات الكبير"(280).

6 -

يوسف بن عدي. أخرجه الطبراني في "الدعاء"(1773).

7 -

مسدد بن مسرهد. أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط"(8568).

8 -

محمد بن أبي بكر المقدمي. أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط"(8568).

9 -

أحمد بن المقدام أبو الأشعت. أخرجه ابن حبان (843)، والسراج (385)، وفي حديثه - جمع زاهر الشحامي (366).

10 -

محمد بن عبد الوهاب الفراء. أخرجه الحاكم (2006)، وعنه البيهقي في "الدعوات الكبير"(280).

رواه كلهم عن عثام بن علي بلفظ يعقد التسبيح بدون الإشارة للكيفية. وكل هؤلاء ما بين ثقة وصدوق.

بينما رواه ابن قدامة فخالفهم فقال: يعقد التسبيح بيمينه.

وابن قدامة ثقة لكن الثقة قد يهم وقد يخطيء.

ولو سلمنا بكونه حفظ، فأصل الرواية عن عطاء ليس فيها هذه الزيادة، حيث إن بقية الرواة عن عطاء رووه بدونها في اللفظ المختصر، وأيضا في الرواية المطولة:

فقد رواه باللفظ المختصر جماعة عن عطاء بدونها:

1 -

شعبة: أخرجه السراج في "مسنده"(باب: ذكر عقد التسبيح)(382)، وفي حديثه - جمع زاهر الشحامي (366). =

ص: 221

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= والحاكم (2505) عن شعبة عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح.

2 -

آدم بن أبي إياس: أخرجه البيهقي في "الكبرى"(2/ 253).

3 -

سفيان: أخرجه السراج في "مسنده"(381)، وفي حديثه - جمع زاهر الشحامي (366).

4 -

المسعودي: أخرجه السراج في "مسنده"(383)، وفي حديثه - جمع زاهر الشحامي (2/ ح 367) وقد سبقت هاتان الروايتان.

5 -

عبد العزيز بن أبي رواد: أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط"(7/ 121/ 7035) عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح.

ذكره الطبراني مع أحاديث أخرى ثم قال: لم يرو هذه الأحاديث عن عبد العزيز بن أبي رواد إلَّا ابنه تفرد به حريز بن المسلم.

كلهم رووه عن عطاء فلم يذكروا لفظ اليمين وقد روي ضمن الرواية الطويلة فلم يذكرها أحد وقد مضت.

وهم: (محمد بن فضيل، وسفيان، وشعبة، وجرير بن عبد الحميد، وإسماعيل بن علية، وحماد بن زيد، وموسى بن أعين، ومعمر بن راشد، ومسعر بن كدام).

رووه عن عطاء مطولًا وفيه يعقد التسبيح بيده أو نحوها أو يعدهن بيده مما يؤكد غلط رواية ابن قدامة. =

ص: 222

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وهذا الحديث مداره على عطاء بن السائب، تفرد به عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما وعن عبد الله تفرد به: السائب بن زيد أو ابن مالك، وعن السائب، تفرد به عنه ابنه: عطاء بن السائب. وعن عطاء اشتهر، رواه عنه جماعة منهم: شعبة، وسفيان الثوري، وحماد بن زيد، وأبو خثيمة زهير بن حرب، وإسماعيل بن علية، والأعمش.

وعطاء بن السائب ثقة لكنه اختلط، لكن هذا لا يضر؛ لأن من الرواة عنه شعبة وسفيان وهما ممن سمع منه قبل الاختلاط.

انظر: تهذيب الكمال (20/ 86) تهذيب التهذيب (7/ 183) وتقريب التهذيب (1/ 391) والكواكب النيرات (1/ 61).

ذكر أقوال العلماء في الحديث:

قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث الأعمش عن عطاء بن السائب وروى شعبة والثوري هذا الحديث عن عطاء بن السائب بطوله.

وكذا صححه الحاكم وابن حبان، وافقهما عدد من الحفاظ.

وصححه عبد الحق في "الإحكام الكبرى"(2/ 291) قال: "هذا حديث حسن صحيح وقد روى شعبة والثوري عن عطاء بن السائب هذا الحديث".

والنووي في "خلاصة الإحكام"(1/ 473): رواه الثلاثة بإسناد صحيح إلَّا أن فيه عطاء بن السائب وفيه اختلاف بسبب الاختلاط وقد أشار أيوب السختياني إلى صحة حديثه هذا.

وقال الحافظ في "النتائج"(1/ 87): قال الترمذي: حسن غريب من حديث الأعمش عن عطاء بن السائب اهـ. قلت: رجال هذا الإسناد غالبهم كوفيون =

ص: 223

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وكلهم ثقات إلَّا أن عطاء بن السائب اختلط، ورواية الأعمش عنه قديمة فإنه من أقرانه والسائب والد عطاء هو ابن مالك وثقه ابن معين والعجلي.

والألباني من المعاصرين وسيأتي نقل كلامه.

وقد اختلف أهل العلم في هذه الزيادة، فمنهم من مشاها، وجعلها غير منافية لأصل الحديث، لذا جعلها زيادة ثقة مقبولة. ومنهم من اعتبرها شاذة.

فأما الفريق الأول:

فاستند لكون ابن قدامة ثقة، وقوله بيمينه له دليل خارجي وهو التكريم الأصلي لليمين واستأنس بحديث عائشة قالت:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وظهوره، وفي شأنه كله" أخرجه البخاري (416 و 5065 و 5516)، مسلم (268) وغيرهما.

وممن مشاها:

1 -

الشيخ الألباني في "الضعيفة" - تحت حديث 1002 - قال: وهذا الحديث يخالف ما ثبت عن عبد الله بن عمرو، قال:"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح بيمينه". أخرجه أبو داود (1/ 235) بسند صحيح، وحسنه النووي في "الأذكار"(ص 23)، وكذلك أخرجه في عمل اليوم والليلة (819)، وثبت عند أبي داود أيضًا وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر النساء أن يعقدن بالأنامل وقال:"فإنهن مسؤولات مستنطقات"، وصححه الحاكم والذهبي. فهذا هو السنة في عند الذكر المشروع عده، إنما هو باليد، وباليمنى فقط، فالعد باليسرى أو باليدين معا، وبالحصى كلّ ذلك خلاف السنة.

وقد سبق نقل كلامه من حاشية الأدب المفرد نحو هذا.

3 -

صاحب رسالة "فتح المعين بتصحيح حديث عقد التسبيح باليمين" وهو فريح بن صالح البهلال". حيث أكد في ختام تخريجه (ص 12) أن الحديث =

ص: 224

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= صحيح لا غبار عليه.

ولم يتعرض لزيادة لفظة بيمينه مما يدلُّ على عدم تأثيرها عنده في صحة الحديث.

وتوصل إلى ترجيح كون التسبيح بأصابع اليد اليمنى فقط مع جواز استخدام الحصى والنوى والسبحة.

ومنهم من اعتبرها شاذة: وهو الفريق الثاني.

منهم الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله في كتاب "لا جديد في أحكام الصلاة" حيث قال ص 57، فهذه اللفظة "بيمينه" من شيخ أبي داود محمد بن قدامة مخالفًا لجميع أقرانه وفيهم من هو مخالف لأمره صلى الله عليه وسلم حيث قال لبعض النسوة:"عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس، لا تفعلن فتنسين التوحيد"(وفي رواية الرحمة)"واعقدن بالأنامل فإنهنّ مسؤولات ومستنطقات" وهو حديث حسن أخرجه أبو داود وغيره. انتهى مختصرًا.

وأخرجه السراج (3801)، وفي حديثه - جمع زاهر الشحامي (366) حدثنا عبيد الله بن سعيد أبو قدامة ثنا عبد الرَّحمن - هو ابن مهدي - ثنا سفيان وسمعته، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال:"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقدهن يعني التسبيح".

أخرجه السراج (381)، وفي حديثه - جمع زاهر الشحامي (367) حدثني أبو يحيى أنا أبو المنذر ثنا المسعودي، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقدهن يعني التسبيح.

وروي مطولا أخرجه:

1 -

عبد الرزاق (2/ 233 - 234/ 3189) عن الثوري عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خصلتان لا يحصيهما =

ص: 225

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= رجل مسلم إلَّا دخل الجَنَّة وهما يسير ومن يعمل بهما قليل". قالوا: وما هما يا رسول الله قال: "يسبح أحدكم عشرًا ويحمد عشرًا ويكبر عشرًا في دبر كل صلاة فتلك خمسون ومائة باللسان وألف وخمس مائة في الميزان، وإذا أوى أحدكم إلى فراشه كبر الله وحمده وسبحه مائة فتلك مائة باللسان وألف في الميزان فأيكم يعمل في يومه وليلته ألفين وخمس مائة سيئة" قال: ولقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يعد هكذا وعد بأصابعه قالوا: يا رسول الله كيف لا نحصيها قال: "يأتي أحدكم الشيطان في حلاته فيقول له أذكر حاجة كذا وحاجة كذا حتى ينصرف ولم يذكر ويأتيه عند منامه فينومه ولم يذكر".

نفسها عن جَرِير وَابْن عُلَيَّةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ

الحديث مطولًا وفيه: قَالَ فَأَنَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَعْقِدُهَا بِيَدِهِ.

وأخرجه الحميدي (583) وأخرجه أبو نعيم في "مسند أبي حنيفة"(1/ 143) أحمد بن حنبل (2/ 160) ابن أبي شيبة (7663) ابن أبي شيبة في (29264) السراج (384)، وفي حديثه - جمع زاهر الشحامي (2/ ح 370) البخاري في "الأدب المفرد"(1216) عبد بن حميد (356) عن عبد الرزاق - وهو في مصنفه (3190) الطحاوي في "شرح مشكل آثار"(4091) ابن حبان (384)(2012)(2018) أبو داود (5065) النسائي النسائي الكبرى (10655)، وفي "عمل اليوم والليلة"(819) الطبري في "التفسير"(29/ 140) ابن ماجة (926) ابن السني في "عمل اليوم والليلة"(1/ 670/ 741).

عن (حماد بن سلمة إسماعيل بن عُلَيَّةَ وَمُحَمَّدُ بن فُضَيْلٍ وأبو يحيى التَّيْمِيُّ وأبو الْأَجْلَحِ - كذا، ولعل الصواب ابن الْأَجْلَحِ وهو عبد الله. فمن شيوخه عطاء بن السائب. - شُعْبَةُ جَرِيرٌ موسى بن أعين سفيان - هو الثوري - معمر =

ص: 226

(لَأن أقعد) جوابُ قسمٍ مقدَّر، أي: والله، لقعودي، وقيل:"اللام للابتداء دخلت على "أن" المصدرية لتأكيد الحكم والنسبة، أي: أن قعودي وثبوتي وصبري"(مع قوم) أي: جمعِ (يذكرون الله من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحبّ إليّ من أن أعتق أربعةً) أي: من إعتاق أربعة أشخاص (من ولد إسماعيل) بفتحتين، وفي نسخة بضم فسكون، والمراد [أولاد]

(1)

إسماعيل جده عليه السلام.

قال المصنف: "نصّ عليهم لأنهم أفضل العرب"

(2)

، قلت: أو لأنهم مشتركون معه في النسب والحسب، لكنّ وجهَ تخصيصِ الأربعة لا يعلم إلَّا منه صلى الله عليه وسلم، وقيل:"يحتمل أن يكون ذلك لانقسام العمل الموعود عليه على أربعةٍ: ذكر الله، والقعود له، والاجتماع عليه، وحبس النفس، من حين يصلي إلى أن تطلع الشمس أو تغرب"، والله أعلم.

(ولَأن أقعد مع قوم يذكرون اللَّه تعالى من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحبّ إلي من أن أَعتِق أربعةً) أي: من ولد إسماعيل، وتركه للظهور من باب الاكتفاء على أنه مصرّحٌ به في بعض الأنباءِ، ولعلّ الحديث مقتبسٌ من قوله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ

= ومسعر) كلهم قال، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه.

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (د) و (هـ)، وفي (ج):"بأولاد".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 3/ ب).

ص: 227

بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف: 28].

(د) أي رواه أبو داود عن أنسٍ، وسكت عليه، ورواه أبو يعلى أيضًا

(1)

، وقال في الموضعين:"أربعة من ولد إسماعيل، دية كلّ رجلٍ منهم اثنا عشر ألفًا"، ورواه البيهقي عن أنس أيضًا مرفوعًا:"لَأن أذكر الله تعالى مع قوم بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس أحبّ إلي من الدنيا وما فيها، ولَأن أذكر الله تعالى مع قوم بعد صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس أحبّ إلي من الدنيا وما فيها"

(2)

.

(سبق المفردون) بتشديد الراء المكسورة، وفي نسخة بتخفيفها؛ ففي "تاج" البيهقي:"يقال: فرد برأيه، وأفرد، وفرد، واستفرد، بمعنى: انفرد به"، وفي "الأذكار":"روي "المفردون" بتشديد الراء وبتخفيفها، والمشهور التشديد"، وقال التوربشتي في "شرح المصابيح":"يروى "المفردون" بتشديد الراء وكسرها، وبالفتح والتخفيف".

وقال المصنف: "هو بضم الميم، وفتح الفاء، وكسر الراء مشددة، كذا رويناه وضبطناه عن شيوخنا، يقال: فرد الرجل إذا تفقه واعتزل النالس، وخلا بمراعاة الأمر والنهي، وقيل: "هم الهرمى الذين هلك أقرانهم من

(1)

أبو داود (3667)، والبيهقي (8/ 79)، وفي "الشعب"(561). والطبراني في الدعاء (1878)، وقال الحافظ: هذا أصح من حديث أبي ظلال: نتائج الأفكار (2/ 302). والحديث حسن كما في "صحيح الترغيب"(465).

(2)

أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (559).

ص: 228

الناس، وبقوا يذكرون الله"، وحكي فيه التخفيف من أفرد"

(1)

، انتهى.

وفي "النهاية": "ورد في رواية: "طوبى للمفردين"

(2)

.

(قالوا) أي: بعض الصحابة: (وما المفردون) أي: من هم (يا رسول الله) فـ "ما" بمعنى "من" كما في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} [الشمس: 5]، والواو رابطة بين السؤال والجواب.

(م، ت) أي رواه: مسلم، والترمذي؛ كلاهما عن أبي هريرة

(3)

، لكن الجواب ورد على وجهين في الكتابين، فذكرهما على طريق اللف والنشر المرتب بقوله:(قال) أي: النبي صلى الله عليه وسلم: (الذاكرون) أي: المفردون هم الذاكرون (الله كثيرًا والذاكرات. م) أي رواه مسلم عن أبي هريرة، قيل: السؤال عن الصفة - أعني التفريد - ولذلك لم يقولوا: "ومن المفردون" فأجاب صلى الله عليه وسلم بأن التفريد الحقيقي المعتد به هو تفريدُ النّفس بذكر الله تعالي، ثم في الحديثِ إشعارٌ إلى قوله تعالى:{وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35]، حيث عطفهم عطف خاص أو عام على ما سبق من قوله سبحانه: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 3/ ب، 4/ أ).

(2)

النهاية (3/ 425)

(3)

أخرجه مسلم (2676)، والترمذي (3596)، والحاكم (1/ 673) عن أبي هريرة.

ص: 229

وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ} [الأحزاب: 35].

قال المصنف: "وقد فسّرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، والتقدير: "والذاكراته" فحذفت الهاء كما هي محذوفة في القرآن لمناسبة الكلمات قبلها، ولأنه مفعولٌ يجوز حذفه"، انتهى

(1)

.

والظاهر من الكثرة المواظبة والمداومة من غير الفتور والغفلة إلَّا على سبيل الندرة، فيتدارك بالرجعة، وقد فسّر المصنف كثرة الذكر في "آداب الدعاء" حيث قال: "قالوا: وإذا واظب العبد

" إلى آخره كما سيأتي بيانه، وقال ابن عباسٍ: "كثرة الذكر يحصل بالذكر في أدبار الصلوات، والغداة والعشاء، وفي المضاجع، وعند الاستيقاظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منزله"، ولعله أشار إلى مواظبة ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله من مقاله.

وقال مجاهد: "يحصل بذكره قيامًا وقعودًا واضطجاعًا، وكأنه أشار إلى قوله تعالى في تفسير "أولي الألباب": {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191] "، وقال عطاءٌ: "بإقامة [الصلوات]

(2)

الخمس مع حقوقها؛ فكأنه نبّه بالقدر الواجب"، وهذه الأقوال مذكورة في "الأذكار".

(1)

انظر المنهاج شرح مسلم (4/ 17).

(2)

كذا في (هـ)، وفي (أ) و (ب) و (ج) و (د):"الصلاة".

ص: 230

وفي "المشكاة": "روى أبو داود، وابن ماجة، عن أبي سعيد وأبي هريرة، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أيقظ الرجل أهلَه من الليل فصلّيَا، أو صلى ركعتين جميعًا، كُتِبَا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرتِ"

(1)

.

(قال) أي: النبي صلى الله عليه وسلم في الجواب برواية أخرى: (الْمُسْتَهْتَرون) أي: المفردون هم المستهترون بفتح الفوقانيتين، أي: المولعون (في ذكر الله) أي: بذكره، وعدل في تعديته من الباء إلى "في" للمبالغة، كأنهم واقعون فيه، حريصون في تحصيله على مداومة؛ ففي "النهاية"

(2)

: "مُسْتَهتَر، أي: مولعٌ به لا يتحدث بغيره، ولا [يفعل]

(3)

غيرَه"، وقيل: "هم الذين هلك لداتهم، وبقوا فهم يذكرون الله"، وقيل: "هم [المتخلون عن]

(4)

الناس بذكر الله؛ لأن الاستئناس بالناس من علامة الإفلاس.

وفي نسخة: "الْمُهْترون" بضم فسكون ففتح فضم، من أهتر الرجل إذا خرف، أي: الذين هرموا وخرفوا في ذكر الله وطاعته، وفي نسخة: "الذين

(1)

أخرجه أبو داود (1451) والنسائي في السنن الكبرى (1310)، وابن ماجة (1335) وابن حبان (2568) والحاكم (2/ 416) وقال النووي في الخلاصة (1994): إسناده صحيح.

وصححه الألباني في صحيح الجامع (333).

(2)

النهاية (5/ 243).

(3)

كذا في (أ) و (ج)، وفي (ب) و (د) و (هـ):"يعقل".

(4)

كذا في (ب)، وفي (أ):"المختلفون من"، وفي (ج) و (د) و (هـ):"المتخلون من".

ص: 231

اهتروا في ذكر الله"؛ ففي "القاموس"

(1)

: "الهتر بالضم: ذَهاب العقل من كبر أو مرض أو حزن، وقد اهتر فهو مهتر بفتح التاء شاذ، وقد قيل: اهتُر بالضم"، ولم يذكر الجوهري غيره حيث قال: "واهتر بالضم فهو مهتر: أولع بالقول في الشيء، والمستهتَر بالشيء بالفتح: المولع به لا يبالي بما [فعل فيه وتم له]

(2)

".

وقال المصنف: "هو بضم الميم، وفتح التاءين المثناتين، وسكون الهاء، وضم الراء، أي: أولعوا بذكر الله، يقال: اهتر فلان بكذا واستهتر به، فهو مهتر به ومستهتر به، أي: مولع لا يتحدث بغيره، ولا يفعل غيره"

(3)

.

(يضع الذكر) أي: يحط (عنهم) والإسناد مجازيّ سببيّ (أثقالهم) أي: أوزار ذنوبهم من الصغائر، وفي تحت المشيئة الكبائرُ فيأتون يوم القيامة خِفافًا) بكسر أوله: جمع خفيف، أي: حال كونهم خفيفين من حمل الأثقال وتحمل الوبال الموجب للنكال.

(ت) أي: رواه الترمذي عن أبي هريرة

(4)

، ولفظ "الجامع": "سبق

(1)

القاموس (ص 495)

(2)

كذا في (ب)، وفي (أ):"أفعل فيه، وشتم له"، وفي (ج) و (د) و (هـ):"فعل فيه وشتم له".

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 4/ أ).

(4)

أخرجه الترمذي (3596)، والحاكم (1/ 673) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب.

وكان عمر بن راشد يضطرب في سنده ومتنه فقال مرّة أخرى: =

ص: 232

المفردون المستهترون في ذكر الله، يضع الذكر عنهم أثقالهم، فيأتون يوم القيامة خفافًا"، رواه الترمذي، والحاكم، عن أبي هريرة، والطبراني عن أبي الدرداء"، فهو حديثٌ مستقلّ كما لا يخفى على المشتغل.

(إن الله أَمَرَ يحيى بنَ زكريّا) بهمز وحذفه، على ما قرئ بهما في المتواتر (بخمس كلماتٍ) أي: مأثوراتٍ، وهي: التوحيد، والصلاة، والصوم، والصدقة، والذكر، ونحوه قوله تعالى:{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124]، أي: الكلمات.

(أن يعمل بها، ويأمرَ بني إسرائيل أن يعملوا بها) بدل اشتمال، والمعنى: أنه أمره بالعمل بتلك الكلمات بنفسه، ليكون كاملًا وواعظًا مؤثرًا مجملًا، ثم يأمر قومَه أن يعملوا بها ليكون مكملًا (وذكر) أي:

= عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سيروا سبق المفردون قالوا يا رسول الله وما المفردون قال الذين يهترون أخرجه ابن عدي في "الكامل"(5/ 15).

وكلاهما من سوء حفظه، والمحفوظ الأول يعني، وعن أبي هريرة رضي الله عنه.

والحديث غريب عن يحيى بن أبي كثير، انفرد بهذا اللفظ عنه عمر بن راشد، أورده أيضًا الإمام الذهبي في "ميزان الاعتدال" (3/ 193 - 6101) وقال: عمر بن راشد اليمامي عن يحيى بن أبي كثير: ضعفوه. لكن يبقى النظر في الاتصال بين يحيى بن أبي كثير، وبين عبد الرَّحمن بن يعقوب.

وقال ابن حجر: هذا حديث صحيح. "نتائج الأفكار"(1/ 36)، وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي (726).

ص: 233

النبي صلى الله عليه وسلم، أو الراوي منقولًا عنه (الحديث) أي: بطوله كما سيجيء في محلّه المقتصر هنا على بيان شاهده، وهو المعني بقوله:(إلى أن قال) أي: يحيى عليه السلام: (وآمركم) بهمزة ممدودة وضم ميم على أنه مضارع متكلمٌ على ما في أكثر النسخ المعتمدة، وفي نسخة بفتحات على صيغة الماضي الغائب، أي: وأمركم الله، وهو المناسب لما سيأتي من بيان الحديث بكماله.

(أن تذكروا الله) أي: على الدوام [أو]

(1)

ذكرًا كثيرًا (فإنّ مثلَ ذلك) أي: مثل الذاكر أو مثل الذِكر من الذاكر (كمثل رجل خرج العدو) يطلق على المفرد تارة، وعك الجمع أخرى كما هنا (في أَثَرِه) بفتحتين، وفي نسخة بكسر فسكون، أي: في عقب الرجل (سراعًا) بكسر أوله جمع سريع، أي: حال كونهم مسرعين، (حتى إذا أتئ) أي: مرّ الرجل (على حصن) أي: حصار: (حصينٍ) أي: محكمٍ أمينٍ.

قال المصنف: "الحصن بكسر الحاء وإسكان الصاد، هو المكان المنيع، والحصين: الممتنع الوصول إليه"

(2)

، انتهى.

ولعل الحنفيّ وقع من ها هنا في قوله: "قصد به المبالغة، كظل ظليل"، "إلا فالأظهر أن "الحصين" صفة احترازية؛ لأنه لا يلزم من كلّ حصن أن يكون حصينًا.

(1)

من (أ) فقط.

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 4/ أ).

ص: 234

(فأحرز) أي: حفظ ومنع (نفسه منهم) أي: من العدوّ (كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان) أي: العدوّ بنص القرآن: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6](إلَّا بذكر الله) أي: المشبه بالحصن الحصين، والحرز الأمين، كما سبق في الحديث القدسي:"لا إله إلَّا الله حصني".

(ت، حب، مس) أي رواه: الترمذي، وابن حبان، والحاكم، عن الحارث الأشعري، وقال الترمذي:"حسن صحيح غريب"، وقال محمد بن إسماعيل:"الحارث الأشعريّ له صحبة".

(1)

قال ميرك شاه رحمه الله في تكميل الحديث بعد قوله: "أن يعملوا بها": وإنه كان يبطئ بها، فقال له عيسى: إن الله أمرك بخمس كلماتٍ لتعمل بها، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإما أن تأمرَهم، وإما أن آمرَهم، فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي، أو أن أعذّبَ، فجمع الناس في بيت المقدس فامتلأ وقعدوا على الشرف، فقال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن: أَوَّلُهُنَّ: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، فإنّ مثلَ من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بذهبٍ أو وَرِقٍ، فقال: هذه داري، وهذا عملي، فاعمل وأدّ إليّ، فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده، فأيكم يرضي أن يكون عبده كذلك؟!

وإن الله أمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإن الله ينصب وجهه

(1)

أخرجه الترمذي (2863) وإسناده صحيح. وصححه ابن خزيمة (483)، وابن حبان (6233)، وأحمد (4/ 130، 202)، وانظر هداية الرواة (3/ 464).

ص: 235

لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت.

وآمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابةٍ معه صرةٌ فيها مسك، فكلهم يعجب أو يعجبه ريحها، فإن ريح الصيام أطيب عند الله من ريح المسك.

وآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدوّ، فأوثقوا يديه إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه، فقال:[إني]

(1)

[أُفدي]

(2)

منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه.

وآمركم أن تذكروا الله

" إلى آخره، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وأنا آمركم بخمسٍ اللهُ أمرني بهن: السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإن من فارق الجماعة [قِيدَ]

(3)

شبرٍ، فقد خلع رِبْقَة الإسلام من عنقه إلَّا أن يرجع، ومن ادعى دعوة الجاهلية، فإنه من جثي جهنم، فقال رجل: يا رسول الله، وإن صلى وصام؟ قال: وإن صلى وصام، فَادْعُوا بدعوى الله الذي سمّاكم المسلمين المؤمنين عباد الله". هذا لفظ الترمذي، وروى النسائي طرفًا منه".

(ليذكرن الله قومٌ) جوابُ قسمٍ محذوفٍ (في الدنيا) كذا في "أصل الجلال"، و"نسخة الأصيل"(على الفُرُش) بضمتين جمع فِراش

(1)

كذا في (ج)، وفي (أ) و (ب) و (د) و (هـ):"أنا".

(2)

كذا في (أ) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (ب):"أفديه".

(3)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"قدر".

ص: 236

(الممهدة) بتشديد الهاء المفتوحة، أي: المبسوطة الموطأة، قاله المصنف، (يدخلهم) أي: الله سبحانه (الجنّات العُلى) بضم العين جمع العليا، أي: البساتين العالية في الأمكنة الغالية الجامعة للنعم الباقية.

قال المصنف: "وفيه دليل على أن الملوك والأمراء ومن يجري مجراهم من أهل الدنيا المرفهين = لا [يمنعهم]

(1)

حشمتهم ورفاهيتهم عن ذكر الله تعالي، وهم في ذلك مأجورون مثابون يدخلهم برحمته الجنات العلى"

(2)

، انتهى. وفيه إيماءٌ إلى طريقة بعض السادة الصوفية كالنقشبندية والشاذلية والبكرية.

(ص) أي: رواه أبو يعلى عن أبي سعيد الخدري، وأخرجه الطبراني في كتاب "الدعاء" له من حديثه أيضًا، إلَّا أن عنده "رجال" بدل "قوم"، والباقي سواءٌ، وَرَواهُ ابْنُ حِبّان في "صحيحه" بلفظ:"ليَذكرنّ الله أقوامٌ في الدنيا على الفُرُش الممهَدة، يدخلهم الدرجات العلى"، ذكره ميرك شاه رحمه الله، وفي "الجامع" بلفظ الكتاب، إلَّا أن لفظة "الدرجات" بدل "الجنات"، وقال:"رواه أبو يعلى وابن حبان عن أبي سعيد".

(إنّ الذين لا تزال) بالتأنيث، وفي نسخة بالتذكير، أي: تدوم (ألسنتُهم رطبةً) أي: لينةً (من ذكر الله يدخلون الجَنّة) بصيغة الفاعل، وفي نسخة على بناء المفعول (وهم يضحكون) أي: يفرحون ويستبشرون، أو

(1)

في "مفتاح الحصن الحصين": "تمنعهم".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 4/ أ).

ص: 237

يضحكون على أعدائهم، فإنهم الغافلون، والجملة حاليّةٌ، وفيه إيماءٌ إلى قولهِ تعالى:{فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ} [المطففين: 34، 35] قال المصنف: "فيه بشارةٌ لمن يُكثِر من ذكر الله ويُلازمُه ويواظبُ عليه"

(1)

.

(مَوْ مص) أي رواه ابن أبي شيبة من قول أبي الدرداءِ موقوفًا.

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 4/ أ).

ص: 238

(آداب الدعاء)

قال العسقلاني: "الأدب: استعمال ما يحمد قولًا وفعلًا، وعبر عنه بعضهم بأنه الأخذ بمكارم الأخلاق"، انتهى

(1)

. والأول أولى بما هنا كما لا يخفى، ثم "آداب الدعاء" خبر مبتدإ محذوف هو "هذا"، أو مبتدأ خبره قوله:(منها) أي: من آداب الدعاء (ما يبلغ أن يكون ركنًا) كالتوحيد والإخلاص، (وأن يكون) حق العبارة أن يقال: ومنها ما يبلغ أن يكون (شرطًا) كاجتناب الحرام، (وأن يكون غير ذلك) أي: غير ما ذكر من النوعين (من مأموراتٍ) أي: مستحباتٍ (ومنهياتٍ) أي: مكروهاتٍ (وغيرها) أي: مما هو فعله أولى من تركه.

قال المصنف: "الركن: ما يكون داخل الشيء، والشرط: ما يكون خارجَهُ، [فالنية]

(2)

وتكبيرة الإحرام والقيام وقراءة الفاتحة ونحوها في الصلاة أركان، وستر العورة واستقبال القبلة والطهارة ونحو ذلك من الشروط"

(3)

، انتهى كلامه

(4)

.

(1)

فتح الباري (10/ 400)

(2)

كذا في "مفتاح الحصن الحصين"، وفي جميع النسخ:"كالنية".

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 4/ أ).

(4)

ذهب جمهور الفقهاء - المالكية والشافعية والحنابلة - إلى أن أركان الصلاة هي: النية، واعتبرها الحنابلة شرطا، وتكبيرة الإحرام، والقيام، وقراءة الفاتحة في كلّ ركعة، والركوع، والاعتدال بعده، والسجود، والجلوس بين =

ص: 239

وهو مبنيٌّ على مذهب إمامه، وأما عندنا فالنية وتكبيرة الافتتاح من الشرائط، والقيام والقراءة والركوع والسجود ركنٌ، وأما قراءة الفاتحة فواجبة، وأما قول الحنفي:"إنّ الركن لا يثبت إلَّا بكلام الله تعالى"، فأظن أنه غير صحيحٍ لعد علمائنا القَعْدَة الأخيرة ركنًا، وهو ليس في القرآن أصلًا، وكذا سائر العلماء قالوا بركنية الفاتحة، وهو غير مستفاد من نصّ الكتاب بل من السنّة؛ ولذا كانت واجبةً عندنا؛ لأن دلالة

= السجدتين، والجلوس للتشهد الأخير، والتشهد الأخير. (وقال المالكية: التشهد الأخير ليس بركن وأما الجلوس فإنه ركن لكنه للسلام) والسلام، والترتيب، والطمأنينة. وزاد المالكية الرفع من الركوع، والرفع من السجود، قال الدردير: الصلاة مركبة من أقوال وأفعال فجميع أقوالها ليست بفرائض إلَّا ثلاثة: تكبيرة الإحرام، والفاتحة، والسلام، وجميع أفعالها فرائض إلَّا ثلاثة رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، والجلوس للتشهد، والتيامن بالسلام.

وزاد الشافعية والحنابلة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير، كما قال الحنابلة بركنية التسليمتين.

ذهب الحنفية إلى أن أركان الصلاة هي: القيام، والركوع، والسجود، والقراءة، والقعدة الأخيرة مقدار التشهد، وترتيب الأركان، وإتمام الصلاة، والانتقال من ركن إلى ركن. والنية عندهم شرط وليست بركن وكذا التحريمة.

انظر: حاشية ابن عابدين (1/ 277، 297)، بدائع الصنائع (1/ 105)، حاشية الدسوقي (1/ 231)، مغني المحتاج (1/ 148)، كشاف القناع (1/ 313، 385).

ص: 240

الحديث ظنيةٌ، والله أعلم

(1)

.

(وهي) أي: آداب الدعاء من حيث هي (تجنب الحرام في المأكَل والمشرَب والملبَس) بفتح العين فيها (والمكسب) بفتح السين وفي نسخة بكسرها، ففي "القاموس":"كسبه يكسبه كسبًا، وفلان طيب الكسب والمكسب، والمكسبة كالمغفرة" انتهى

(2)

. والكل مصادر ميمية

(3)

كما لا يخفى، ولكون الكسب مستلزمًا لنحو الأكل غالبًا كعكسه جمع بينهما، وإلا فهو غير مذكورٍ في الحديث المسطور.

(م، ت) أي رواه: مسلم، والترمذي؛ كلاهما عن أبي هريرة، [لكن]

(4)

(1)

الفاتحة ركن من أركان الصلاة لا تصح إلَّا بها، وهو قول الجمهور خلافًا للحنفية حيث قالوا: الفاتحة واجبة والواجب عندهم ليس فرضًا، وإنما هو بين الفرض والنفل، وليست ركنًا، لأن الركن لا يثبت إلَّا بدليل قطعي من آية محكمة، أو سنة متواترة، ولا شيء من ذلك. "منار القاري"(2/ 166).

(2)

القاموس المحيط (ص 130).

(3)

المصدر الميمي.

المصدر، إما أن يكون غير ميمي: وهو ما لم يكن في أوله ميم زائدة: كقراءة واجتهاد ومد ومرور. وإما أن يكون ميميا. وهو ما كان في أوله ميم زائدة: كمنصر ومعلم ومنطلق ومنقلب. وهي بمعنى النصر والعلم والإنطلاق والانقلاب.

والمحققون من العلماء قالوا: إن المصدر الميمي اسم جاء بمعنى المصدر، لا مصدر. والمصدر الميمي من المصادر القياسية.

(4)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د) و (هـ):"لكنه".

ص: 241

من المعلوم الواضح أن ما ذكره ليس لفظ الحديث ومبناه، بل هو مؤدّاه، وحاصل معناه، على ما هو مذكورٌ بكماله في "الأربعين" للنووي كما سيأتي.

قال المصنف: "هو من الشروط للحديث الذي رواه: مسلم، والترمذي، عن أبي هريرة يرفعه: "أنه ذكر الرجل يُطِيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرامٌ، ومشربه حرامٌ، وملبسه حرامٌ، فأنّى يستجاب لذلك"، وإنما ذكر المسافر دون المقيم لأن دعوة المسافر مستجابةٌ كما سيأتي"

(1)

، يعني: فالمقيم [من باب الأولى]

(2)

أن لا يستجاب دعاؤه لذلك.

(والإخلاص لله تعالى) قال ميرك [شاه]

(3)

: "هو من الأركان، قال تعالى: {فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [غافر: 65] "، وقال المصنف:"هو من الأركان، قال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [العنكبوت: 65] "

(4)

، انتهى.

ولا يخفى أن استدلال ميرك أظهرُ لما فيه من ظهور الأمر أكثر، ومع هذا ففيه أن المراد بالإخلاص في الآيتين هو التوحيد الخالص عن

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 4/ أ).

(2)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د):"بالأولى".

(3)

من (أ) فقط.

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 4/ أ).

ص: 242

الشرك، فإن المشركين كانوا يدعون الله ويشركون معه الأصنام في حال الرخاء والسعة، ويَدْعُون الله [ويَدَعُون]

(1)

غيره حال البلاء والشدة، كما في مستدل المصنف من الآية إليه الإشارة.

نعم، يؤخذ منه أن وجود الإخلاص في الجملة معتبرٌ في قبول الدعاء، لكن إخلاصَ المؤمنين باعتقادهم أنه لا ينفع ولا يضر إلَّا الله، ولا يقدر على إجابة الدعوة سواه، ولعل اعتبار الركن والشرط لسرعة إجابة الدعاء، وإلا فقد تقبل دعوة الفاجر والكافر، ولا يبعد أن يقال: إنهما نزلا منزلة الركن والشرط، كما يشير إليه قول المصنف:"ما يبلغ أن يكون ركنًا وشرطًا"، والله أعلم.

ثم مقتضى الترتيب الرتبي أن يقدم الركن، كما قدمه في العنوان، [فتقديمه الشروط]

(2)

في معرض البيان لتقدمها في الوجود، كما لا يخفى [عيانه]

(3)

على الأعيان.

هذا، وقد قال سهل بن عبد الله التُّستَرِي قدس الله سره السري:"نظرَ الأكياسُ في تفسيرِ الإخلاصِ، فلم يجدوا غيرَ هذا أن يكونَ حركتُه وسكونه في سره وعلانيته لله تعالي، لا يمازجه نفسٌ ولا هوًى ولا دنيا"، نقله عنه النووي في "الأذكار"، وقال الفضيل بن عياض: "العمل لغير الله

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"ولا يَدْعُون".

(2)

كذا في (ج) و (د) و (هـ)، وفي (ب):"تقديم الشروط"، وفي (أ):"فتقديمه الشرط".

(3)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"بيانه".

ص: 243

شرك، وترك العمل للخلق رياءٌ، والإخلاص أن يخلصك الله منهما"، جعلنا الله من المخلصين، وأوصلنا إلى مرتبة المخلصين [آمين]

(1)

.

(مس) أي: رواه الحاكم، لكن لا أعرف [عمن]

(2)

رواه، وكيف وصل إليه مبناه، حتى [يبني]

(3)

عليه معناه، و"لا أدري" نصفُ العِلْمِ، والعِلْمُ بكماله عند الله.

(وتقديم عملٍ صالحٍ) أي: قبل الدعاء ليكون سببًا لقبوله، كما في حديث أبي بكر لجنه في صلاة التوبة، على ما سيأتي في أصل الكتاب، ورواه الأربعة وابن حبان، فكان ينبغي للمصنف أن يفرده عما بعده، ويأتيه برمز يوافقه.

(وذِكْرُه) بالرفع، أي: وذكر عملٍ صالحٍ، وظاهر الضمير أن يقال: وذكر ذلك العمل الصالح، أو التقدير: ذكر الداعي عملًا صالحًا (عند الشدة) ويدل عليه حديث البخاري، ومسلمٍ، عن ابن عمرَ مرفوعًا، قال "بينما ثلاثةُ نفرٍ يتماشون، أخذهم المطر فمالوا إلى غار في الجبل، فانحطت على فم غارهم صخرةٌ من الجبل فأطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالًا عملتموها لله صالحةً، فادعوا الله بها لعله

(1)

من (أ) فقط.

(2)

هذا هو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ:"ممن".

(3)

كذا في (ج): "يبني"، وفي (أ) و (هـ):"نبني"، وفي (ب):"ينبئ"، وفي (د):"ينبني".

ص: 244

يفرجها، فقال أحدهم

" الحديث الطويل.

(م، ت، د) أي رواه: مسلم، والترمذي، وأبو داود، كلهم من حديث ابن عمر في قصة أصحاب الغار، وهو في البخاري أيضًا، فالأولى رقمه مع سائر رموز الحديث.

(والتنظف) أي: من الدنس (والتطهر) أي: من النجس، قال الحنفي:"هما متقاربان في المعنى"، انتهى. والفرق لا يخفى، مع أن التأسيس أولى من التأكيد. (عه، حب، مس) أي رواه: الأربعة، وابن حبان من حديث أبي بكر رضي الله عنه، والحاكم من حديث عثمان بن حُنيف، وقال:"صحيح على شرطهما".

(والوضوء) وهو أخص مما قبله شرعًا، وموافقٌ له لغةً. (ح) أي رواه الجماعة، وهم أصحاب الكتب الستة عن أبي موسى الأشعري.

(واستقبال القبلة) أي: [توجهه]

(1)

[جهة الكعبة] أي،

(2)

: عينها. (ع) أي: رواه الجماعة عن عبد الله بن زيد بن عاصم المزني في قصة الاستسقاء.

(والصلاة) أي: ذات الركوع والسجود، والمراد أن يقع الدعاء المطلوب بعدها، فهي من باب تقديم العمل الصالح والتوسل به. (عه،

(1)

كذا في (د) و (هـ): "توجهه"، وفي (أ) و (ب) و (ج):"توجه".

(2)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج):"القبلة أو"، وفي (د):"الكعبة، أو"، وفي (هـ):"جهة الكعبة، أو".

ص: 245

حب، مس) أي رواه: الأربعة، وابن حبان، والحاكم؛ كلهم من حديث الصديق.

(والجُثُوّ) بضم الجيم والمثلثة وتشديد الواو، وهو: الجلوس على الركبتين، فقوله:(على الرُّكَب) من باب التجريد، أو نوعٌ من التأكيدِ، وهو بضم ففتح جمع ركبة، على أن أقلَّ الجمع اثنان. (عو) أي: رواه أبو عوانة من حديث عامر بن خارج بن سعد، عن جده سعد بن أبي وقاص.

(والثناء على الله تعالى أولًا وآخرًا) أي: قبل الدعاء وبعده، ليقبل ما بينهما بهما. (ع) أي: رواه الجماعة عن أنسٍ كما في حاشيه، وقال ميرك: "من حديث فضالة بن عبيد، قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا يدعو في صلاته، لم يمجّد الله، ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عَجِل هذا، ثم دعاه فقال له أو لغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ [بتحميد]

(1)

ربّه والثناء، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو بما شاء".

(والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كذلك) أي: أولًا وآخرًا. (د، ت، س، حب، مس) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، عن فضالة أيضًا، ورواه أحمد أيضًا، ذكره ميرك.

لكن لا يخفى أن حديث فضالة في الموضعين لا يفيد إلَّا تقديم الثناء والصلاة على الدعاء، لا تأخيرهما أيضًا، مع أنهما المدعى، ولعل مأخذ الجمع بينهما في الصلاة ما سيأتي في آخر الكتاب عن أبي سليمان

(1)

كذا في (أ)، وفي (ب) و (ج) و (د) و (هـ):"بتمجيد".

ص: 246

الداراني، والله أعلم.

(وبسط اليدين) أي: فتحهما بأن لا يقبض الكفين. (ت، مس) أي رواه: الترمذي، والحاكم عن أبي الدرداء، وفي بعض الحواشي:"من حديث أم عطية"، وفي بعض النسخ رمز البزار مكان الترمذي، قيل:"وهو كذا في "نسخة [الكوسوي]

(1)

" من تلامذة الشيخ وعليها خطه"، وكذا في "نسخة السيد أصيل الدين".

(ورفعهما) أي: ورفع اليدين عن الركبتين إلى جهة السماء؛ لأنَّها قبلة الدعاء. (ع) أي رواه الجماعة عن أبي حميدٍ الساعدي وأنسٍ وغيرهما.

(وأن يكون رفعهما حَذْو المنكبين) بفتح الحاء المهملة، وسكون الذال المعجمة، أي: في محاذاتهما ومقابلتهما. (د، أ، مس) أي رواه: أبو داود، وأحمد، والحاكم؛ كلهم عن ابن عباس.

والظاهر: أن من الآداب أيضًا ضمَّ اليدين، وتوجيه أصابعهما، مع انضمامها نحو القبلة، ثم اعلم أن الرفع ليس على إطلاقه؛ إذ لا يستحب إلَّا فيما ورد به السنة، فلا يرفع في نحو حال الطواف، كما يفعله [بعض]

(2)

العامة حين يدعو لبعض الأئمة.

(وكشفهما) أي: عن الثوب المشير إلى الحجاب الدال على نوعٍ من الإعجاب. (مو) أي: موقوفٌ، وفيه أنه من قول الخطابي - أحد شراح

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (هـ)، وفي (ج) و (د):"الكوسوئي".

(2)

من (هـ) فقط.

ص: 247

الحديث - على ما ذكره ميرك، فإيراد "مَوْ" ليس على ما ينبغي من وجهين:

أحدهما: أن الموقوف في اصطلاح المحدثين حديث الصحابي عند الإطلاق، وقد يطلق على موقوف التابعي، لكنه يكون مقيدًا، والخطابي من المتأخرين، بل وليس من الرواة ولا المخرجين.

وثانيهما: أنه سبق عنه أنه يأتي برمز "مَوْ" قبل رموز الكتب؛ ليعلم أنه موقوف في ذلك، وليس هنا رمز بعده، لكن قد يحمل هذا على أنه إذا كان رمز هنالك.

ووقع لبعض فضلاء زماننا ممن كان يدّعي زيادة الفضيلة على أقراننا بحث في هذا معنًى قال: إنه موقوف [برمز]

(1)

الميم الآتي مما يليه من [الرموز]

(2)

بعد قوله: (والتأدب).

قلت: هذا مع بُعده باطل؛ لأن الرموز المتأخرة هي: (م، د، ت، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي عن علي كرم الله وجهه مرفوعًا، وكشف اليدين إنما هو منقول عن الخطابي، وهو لا يتصور أن يكون مذكورًا في متن "صحيح مسلم"؛ لأنه من شراحه، ثم المراد بالتأدب طلب الأدب ظاهرًا وباطنًا، وقولًا وفعلًا.

(والخشوع) قيل: "معناه الخوف والتذلل"، والظاهر أن المراد به سكون الباطن المستلزم منه سكون الظاهر، ويؤيده أنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (هـ)، وفي (ج) و (د):"لرمز".

(2)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"رموز".

ص: 248

يعبثُ بلحيته، فقال:"لو خشع قلبُه لخشعت جوارحه"

(1)

، ومنه قوله تعالى:{الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)} [المؤمنون: 2]، وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي رافعًا بصرَه إلى السماء، فلمّا نزلت رمى ببصره نحو مسجده

(2)

، على ما ذكره البيضاوي

(3)

.

(1)

أخرجه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"(3/ 210) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال العراقي في "المغني"(1/ 105): سنده ضعيف، والمعروف أنه من قول سعيد بن المسيب. وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (910): فالحديث موضوع مرفوعًا، ضعيف موقوفًا بل مقطوعا، ثم وجدت للموقوف طريقا آخر، فقال أحمد في "مسائل ابنه صالح" (ص: 83): حدثنا سعيد بن خثيم قال حدثنا محمد بن خالد عن سعيد بن جبير قال: نظر سعيد إلى رجل وهو قائم يصلي

إلخ. قلت: وهذا إسناد جيد، يشهد لما تقدم عن العراقي أن الحديث معروف عن ابن المسيب. اهـ.

(2)

كتب في حاشية (أ): "أي: محل سجوده".

(3)

أخرجه الحاكم في المستدرك (2/ 393) من حديث أبي هرية وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين لولا خلاف فيه على محمد - بن سيرين - فقد قيل عنه مرسلًا

وقد تعقبه تعليق الذهبي في "التلخيص" بقوله: الصحيح مرسل.

وقد أخرجه أخرجه البيهقي في "الكبرى"(2/ 283)، والحازمي في "الاعتبار"(ص 65).

أخرجه الطبري في "التفسير"(19/ 8).

وقال البيهقي: "الصحيح هو المرسل". =

ص: 249

(مو مص) أي: هو موقوفٌ على مسلم بن يسارٍ التابعيّ، رواه ابن أبي شيبة عنه أنه قال:"لو كنتَ بين يدي مَلِك تطلب منه حاجة لسرّك أن تكون خاشعًا"، فإيراد "مَوْ" ها هنا أيضًا لا يخلو عن تسامحٍ، كما ذكره ميرك.

(والتمسكن) أي: إظهار المسكنة والمذلة، أو طلب السكون وترك الحركة (مع الخضوع) أي: مع خضوع سائرِ الأعضاء، وخشوع جميع الأجزاء. (ت) أي رواه الترمذي عن الفضل بن العباس.

(وأن لا يرفع) أي: الداعي (بصره إلى السماء. م، س) أي رواه: مسلم، والنسائي، كلاهما عن أبي هريرة، قال المؤلف:"أي إذا دعا في الصلاة، لحديث أبي هريرة: "لينتهينّ أقوام عن رفع أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء، أو لتخطفن أبصارهم"، رواه مسلم والنسائي، قال القاضي عياض: "واختلفوا في كراهة رفع البصر إلى

= وقال البيهقي في "الكبرى"(2/ 283): "ورواه حماد بن زيد عن أيوب مرسلًا وهذا هو المحفوظ".

وقال البيهقي في "السنن الصغير"(1/ 302) هذا هو المحفوظ مرسل.

وقال الزيلعي: وهذا المرسل الذي أشار إليه رواه أبو داود في مراسيله عن ابن سيرين عن النبي صلى الله عليه وسلم إلَّا أنه قال عوض رفع بصره إلى السماء نظر هكذا وهكذا وأخرجه الطبري مرسلًا كذلك.

ورواه الواحدي في أسباب النزول من حديث إسماعيل بن علية عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

فذكره (تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف 2/ 399).

ص: 250

السماء في الدعاء في غير الصلاة، فكرهه شريحٌ وآخرون""

(1)

.

قلت: وهو الظاهر لأن العلة التي ذكروها في حالة الصلاة، وهي توهمُ الجهةِ في حق رب السماء = موجودةٌ في مطلق الدعاء، فتقييده صلى الله عليه وسلم بالصلاة لزيادة الإهتمام بها دائمًا، وإيماءٌ إلى أنه لو كان من الآداب المستحسنة لكانت هي أولى بها من غيرها.

(وأن يسأل) أي: يدعو (الله تعالى بأسمائه الحسنى) وهي تأنيثُ الأحسن، والصفة كاشفة، [كما]

(2)

قال تعال: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180]، (وصفاتِه العلى) جمع العليا، وهي تأنيث الأعلى، أي: العلية الشأن، جلية البرهان، المنزهة عن الحدوث في الزمان، والعطف تفسيري، أو الأول مقيّد بالاسم [العَلَميّ]

(3)

، والثاني بالاسم الوصفي، وقيل: "اسمه ما يطلق عليه، وذلك إما باعتبار ذاته، أو باعتبار صفة سلبيّة كالقدوس، أو حقيقية [كالعلم]

(4)

، أو إضافية كالحميد والمليك، أو باعتبار فعل من أفعاله كالرزاق، فعلى هذا عطف صفاته على أسمائه من قبيل عطف الخاص على العام".

(حب، مس) أي رواه: ابن حبان، والحاكم، عن ابن مسعود.

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 4/ أ).

(2)

من (هـ) فقط.

(3)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"الذاتي".

(4)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"كالعليم".

ص: 251

(وأن يجتنب) وفي نسخة: "وأن يتجنب"(السجعَ) أي: يتبعّده ويحترز عن الإتيان به فكرًا، فإنه يستحسن وقوعه طبعًا؛ ولذا قال:(وتكلفَهُ) وهو عطف تفسير.

والحاصل: أن النهي إنما هو عن التكلف في تحصيل السجع، وإلا فلا منع من إتيانه بمقتضى الطبع؛ إذ ورد في كثيرٍ من الأدعية المأثورةِ التي وجد فيها أنواع من السجع مسطورة، كقوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع، وقلبٍ لا يخشع، ودعاءٍ لا يسمع

(1)

، ونفس لا تشبع"، وفي رواية: "ومن هؤلاء الأربع"، وقيل لنديم الباري الشيخ عبد الله الأنصاري: "تب من السجع، لورود المنع في الشرع، فقال: رجعت عما سجعت"، وفي الفواصل القرآنية أيضًا إشعارٌ باستحسان مراعاة السجع من غير التكلفات الكهانية.

(خ) أي: رواه البخاري عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال في أثناء حديثٍ:"وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلون ذلك"، فكان حقّ المصنف أن يذكر رمز "مَوْ" قبل رمز البخاري؛ ليدلَّ على أن حديثَه موقوفٌ.

(وأن لا يتكلف التغنيَ بالأنغام) جمع نَغَم بفتحتين، وهو الصوت الحسن، فالمنهي هو الإتيان على طرائق الموسيقيين. (مو) أي: هو موقوف

(1)

كتب في حاشية (أ): "أي: لا يقبل".

ص: 252

ولم يعرف أنه على [مَنْ]

(1)

مِنَ الصحابة ولا في أي كتابٍ من الكتب.

(وأن يتوسل) أي: يتوصل ويتقرب (إلى الله تعالى بأنبيائه) وهم الأعمّ من رسله وأخص من أصفيائه. (خ، ر، مس) أي رواه: البخاري عن أنس، والبزار والحاكم عن عمر رضي الله عنه، كذا ذكره ميرك.

قال المؤلف: "وهو من المندوبات؛ ففي "صحيح البخاري" في الاستسقاء حديث عمر: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقِينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون"، ولحديث عثمان بن حنيف في شأن الأعمى، رواه الحاكم في "مستدركه [على]

(2)

الصحيح"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين"، والترمذي، وقال: "حديث حسن صحيح غريب"، وقد ذكرناه في "الحصن"، ولحديث أبي أمامة الذي ذكرناه في "ذكر الصباح"، رواه الطبراني في "المعجم الكبير"، وفي كتاب "الدعاء""

(3)

، انتهى.

ولا يخفى أن ما ذكره غير مطابق لرموز أصله، مع أن حديث البخاري صريحٌ في كون حديثه موقوفًا، فكان من حقّه التنبيه عليه بإتيان "مَوْ" قبلَه.

(والصالحين من عباده) أي: عمومًا أو خصوصًا، وهم ما عدا الأنبياءَ من الصديقين والعلماء والشهداء والأولياء؛ إذ الصالح من يقوم بحق

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"أي".

(2)

من (هـ) فقط.

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 4/ أ، ب).

ص: 253

الله بكماله، ثم بحق عباده، وقد سبق التوسل بالأعمال الصالحة، كما في حديث أصحاب الغار. (خ) أي: رواه البخاري عن أنسٍ.

(وخفض الصوت) أي: إخفاؤه، فإنه تعالى يعلم السرّ وأخفى، وهو

(1)

كمال الأدب عند المولى، كما يدل عليه قوله سبحانه:{إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} [مريم: 3]، وقوله تعالى:{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55]. (ع) أي: رواه الجماعة عن أبي موسى.

(والإعتراف بالذنب. ع) أي: رواه الجماعة عن عائشة في قصة الإفك.

(واختيار الأدعية) بتخفيف الياء (الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه) أي: النبي عليه السلام (لم يترك حاجة) أي: في باب الدعاء ونحوه (إلى غيره) فالأولى أن يؤتى بالأدعية الواردة على السُّنَّة في جميع حالاته، وقد جمعت الأدعية المطلقة التي بغير وقتٍ وحالٍ مقيدة، مما هو عنه صلى الله عليه وسلم ثابتة في كراريس، وسميته بـ "الحزب الأعظم والورد الأفخم"، ولا شك أنه أولى بالإعتبار مما جمعه بعض المشايخ الكبار من نحو:"حزب البحر"، و"الأسماء الأربعينية"، و"الأوراد [الكبروية والزينية]

(2)

"، فضلًا عن "دعاء [السيفي]

(3)

والقدح"، وأمثالها مما لا يعرف له أصل، والله ولي دينه، وناصر نبيه.

(د، س) أي رواه: أبو داود، والنسائي، عن أبي بكرة الثقفيّ، واسمه

(1)

بعدها في (أ) و (ج) و (د) و (هـ) زيادة: "من".

(2)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"الكبيرة والزينبية".

(3)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"السيف".

ص: 254

نفيعٌ -بالتصغير- ابن الحارث.

(وتخير الجوامع من الدعاء) أي: واختيار الأدعية الجامعة التي تجمع الأغراض الصالحة، أو تجمع الثناء على الله تعالى وآداب المسألة، وقيل: "هي ما لفظه [يسير]

(1)

، ومعناه كثير، شاملٌ للأمور الدينية والدنيوية، والأحوال الأخروية، كما سيأتي في الأدعية النبوية، على صاحبها الصلاة والتحية. (د) أي رواه أبو داود عن عائشة.

(وأن يبدأ بنفسه، وأن يدعوَ لوالديه وإخوانه المؤمنين) قيد لهما جميعًا، وهو مستفادٌ من قوله تعالى حكايةً عن إبراهيم عليه السلام:{رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم: 41]، وعن نوح:{رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [نوح: 28]، وقد أفتى العراقي بأنه لا يجوز الدعاء بالمغفرة لجميع المسلمين؛ لأنه وردت الأحاديث الصحيحة بأنه لا بد من دخول بعض المسلمين النار.

وأجيب بأنه لا يلزم من المغفرة وجود الذنب؛ فقد يراد [إذن]

(2)

بالمغفرة غير ستر الذنب، كما في قوله تعالى:{لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 2]، ولا يخفى أن هذا الجواب غير صحيح بالنسبة إلى العلة المذكورة مع أن المغفرة أخصّ من الستر، وإنما يصلح جوابًا عن كون المؤمنين يشمل الأنبياء والمرسلين على أن المراد بذنوبهم

(1)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"قليل".

(2)

من (أ) فقط.

ص: 255

ما هو خلاف الأولى بالنسبة إلى مقامهم الأعلى، لكن يدفع هذا بأن العُرف خص المؤمنين عمّن عداهم، وأجيب أيضًا بأن المغفرة لمن تحتم عليه العذاب تخفيف ذلك عليه، [ويرد]

(1)

بأنه جمع بين الحقيقة والمجاز، وأجيب بأنه لم يرد التصريح بأن مَن لا بُدَّ من دخوله النار يكون من مؤمني هذه الأُمة، بل يحتمل أن يكون من مسلمي الأمم السابقة"، انتهى.

وهو مردودٌ بأنه وردت الأحاديث المصرّحة بذلك كادت أن تكون متواترة، كما ذكره السيوطي في "البدور السافرة في أحوال الآخرة". نَعَم، لا يبعد أن يجعل اللام للعهد، والمراد بهم المستحقون للعذاب، الداخلون في المشيئة المبهمة أنه يغفر لهم بالدعاء.

(م) أي: رواه مسلم عن أبي الدرداء وأم سلمة، لكن ليس فيهما التصريح بدعاء الوالدين، ولا بعموم المؤمنين الحاضرين والغائبين، والأحياء والأموات، فإن لفظ حديث أبي الدرداء: "دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيبِ مستجابة، وعند رأسه مَلَك موكل، كلما دعا لأخيه، قال المَلَك الموكل به: آمين، ولك [بمثله]

(2)

"، انفرد به مسلم

(3)

، وحديث أم سلمة:"أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن أبا سلمة قد مات، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولي: "اللهم، اغفر لي وله"، رواه الجماعة إلا

(1)

كذا في (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"ويرد عليه"، وفي (ب):"ويراد".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (هـ)، وفي (د):"مثله".

(3)

أخرجه مسلم (2733)، وابن ماجه (2895).

ص: 256

البخاري

(1)

، ذكره ميرك.

(وأن لا يخص نفسه بالدعاء إن كان إمامًا) وفي معناه: إن كان شيخًا مقدمًا، وهو بظاهره أعمّ من أن يكون في صلاة أو بعدها؛ لما ورد من الأدعية المأثورة بعد الصلوات بصيغة الجمع في كثير من الواردات.

(د، ت، ق) أي رواه: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرفوعًا: "ثلاثٌ لا يحلّ لأحدٍ أن [يفعلهن]

(2)

: [لا يؤم]

(3)

رجلٌ قومًا فيخص نفسه بالدعاء [دونهم]

(4)

؛ فإن فعل فقد خانهم، ولا ينظرُ في قعر بيت قبل أن يستأذن، فإن فعل فقد خان، ولا يصلي وهو حقن حتى يتخفف"، وقال الترمذي: "حديث حسن"

(5)

.

(1)

أخرجه مسلم (919)، وأبو داود (3115)، والترمذي (977)، والنسائي (4/ 4)، وابن ماجه (1447).

(2)

كذا في (هـ)، وفي (أ) و (ب) و (ج) و (د):"يفعلها".

(3)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"لا يؤمن".

(4)

من (هـ) فقط.

(5)

أخرجه أبو داود" 90 و"ابن ماجه" (619 و 923).

والترمذي" 357) وقال أبو عيسى الترمذي: حديث ثوبان، حديث حسن، وقد روي هذا الحديث عن معاوية بن صالح، عن السفر بن نسير، عن يزيد بن شريح، عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروي هذا الحديث، عن يزيد بن شريح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكأن حديث يزيد بن شريح، عن أبي حي المؤذن، عن ثوبان، في هذا، أجود إسنادا وأشهر.

ص: 257

قال المصنف: "وهو من المنهيات لحديث ثوبان يرفعه: "ثلاث لا يحل لأحد أن يفعلها: لا يؤم رجل قومًا فيخص نفسه بالدعاء دونهم؛ فإن فعل فقد خانهم

" إلى آخر الحديث، والمعنى: أن إمامهم في الدعاء كالقنوت وغيره، فإنه إذا دعا [هم]

(1)

يؤمنون، ويخص نفسه بالدعاء وهم لا يعلمون، فهو خيانة لهم، وأما إذا دعا في السجود لنفسه مَثَلًا وبين السجدتين، [أو]

(2)

التشهد، وهو الإمام، فليس بخيانة؛ لأن كل واحد من المأمومين ينبغي أن يدعو لنفسه، وقد وردت الأحاديث وصحت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بها في الصلاة كلها وهو إمام بالإفراد، مثل قوله: "اللهم باعِدْ بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب

" الحديث، متفق عليه"

(3)

، وقوله صلى الله عليه وسلم إذا انتصب من الركوع: "اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد

" الحديث، رواه مسلم وغيره

(4)

، وقوله في السجود:"اللهم اغفر لي ذنبي كله، دِقَّهُ وجلَّه، أوله وآخره"، الحديث في "صحيح مسلم"

(5)

، وقوله صلى الله عليه وسلم إذا جلس بين السجدتين:

(1)

في "مفتاح الحصن الحصين": "وهم".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (د) و (هـ) و"مفتاح الحصن الحصين"، وفي (ج):"و".

(3)

أخرجه البخاري (744)، ومسلم (598).

(4)

أخرجه مسلم (476) وأخرجه الطيالسي (824) والبخاري في "الأدب المفرد"(684)، ومسلم (476)(204)، والنسائي 1/ 198، وابن حبان (956).

(5)

أخرجه مسلم (483).

ص: 258

"اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني

" الحديث

(1)

، وقوله صلى الله عليه وسلم في دعاء التشهد وكل دعاء كان [يقوله]

(2)

في صلاة الفريضة وهو إمام، ولم يرو عنه أنه دعا بلفظ الجمع"

(3)

، انتهى كلامه.

وحاصله: أن هذا الأمر مختص بالإمام حالة القنوت في الصبح، وهو بعيد جدًّا؛ إذ لو أراد هذا المعنى لقال:"وأن لا يقنت الإمام" بصيغة الإفراد "في قنوته"، ومع هذا يرد عليه أن قنوته صلى الله عليه وسلم إنما كان بلفظ المفرد: "اللهم، اهدني فيمن هديت

"

(4)

إلى آخره، كما بيناه في "المرقاة شرح المشكاة".

(1)

أخرجه أبو داود (850)، وابن ماجه (898)، والترمذي (284 و (285).

(2)

كذا في (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ) و (ب) و"مفتاح الحصن الحصين":"يقول".

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 4/ ب).

(4)

أخرجه أبو داود (1425)، والترمذي (464)، والنسائي (3/ 248)، وابن ماجه (1178). قال ابن خزيمة في الصحيح (2/ 152): وهذا الخبر رواه شعبة بن الحجاج عن بريد بن أبي مريم في قصة الدعاء ولم يذكر القنوت ولا الوتر.

وقال أيضًا (2/ 152 - 153): كان يعلمنا هذا الدعاء "اللهم اهدني فيمن هديت"، بمثل حديث وكيع في الدعاء، ولم يذكر القنوت ولا الوتر. وشعبة أحفظ من عدد مثل يونس بن أبي إسحاق. وأبو إسحاق لا يُعلم أَسمع هذا الخبر من بُرَيد أو دلَّسه عنه، اللهم إلا أن يكون كما يدعي بعض علمائنا أن كل ما رواه يونس عن من روى عنه أبوه أبو إسحاق هو مما سمعه يونس مع أبيه ممن روى عنه. ولو ثبت الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالقنوت في الوتر، أو قنت في الوتر لم يجز عندي مخالفة خبر النبي ولست أعلمه ثابتا.

وقال الحافظ ابن حجر: ونبّه ابن خزيمة وابن حبان على أن قوله في قنوت الوتر =

ص: 259

وقد صرح الإمام ابن الهمام بأن قول الشافعية: "اللهم، اهدنا، وعافنا" بالجمع خلاف المنقول، لكنهم [لفَّقوه]

(1)

من حديث في حق الإمام عام أنه لا يخص القنوت، ولا يخفى أنه عليه السلام كان يقول ذلك وهو إمام؛ لأنه لم يكن يصلي الصبح منفردًا ليحفظ الراوي منه في تلك الحالة مع أن اللفظ المذكور في الحديث يفيد المواظبة على ذلك"، انتهى كلام المحقق.

فينبغي أن يحمل حديث ثوبان: "لا يخص الإمام نفسه بالدعاء" على أن المراد بالتخصيص قصد حصول أثر الدعاء لنفسه دون غيره ولو كان بصيغة الإفراد، فيرجع إلى معنى ما سيأتي من قوله:"وأن لا يتحجر"، فتدبر، وأما قنوت الوتر فهو وإن ورد بصيغة الجمع لكن الإمام يقرؤه سرًّا، وكذا المأموم في مذهبنا، وقيل:"بل يُؤَمِّن".

(وأن يسأل بعزم) يقال: عزمت على كذا، إذا أردتَ فعله، وقطعت عليه،

= تفرد بها أبو إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، وتبعه ابناه يونس وإسرائيل كذا قال، قال: ورواه شعبة وهو أحفظ من مائتين مثل أبي إسحاق وابنيه، فلم يذكر فيه القنوت ولا الوتر، وإنما قال: كان يعلمنا هذا الدعاء. "التلخيص"(1/ 447).

وقال في نتائج الأفكار (2/ 146): هذا حديث أصله حسن، روي من طرق متعددة عن الحسن ولكن هذه الزيادة في هذا السند غريبة لا تثبت.

والراجح والله أعلم: أن هذا الدعاء مطلق غير مقيد بالقنوت في الوتر، وتقيده في الوتر شاذ لا يصح.

وقال الحافظ: قال الخلال عن أحمد: لا يصح فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء ولكن عمر كان يقنت. انظر: البدر المنير (3/ 634 - 635)، والتلخيص الحبير (2/ 18).

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (د) و (هـ)، وفي (ج):"تفقهوه".

ص: 260

قال المصنف: "أي: لا يقول: اغفر لي إن شئت، [أو أعطني]

(1)

إن شئت؛ فإن الله تعالى لا مستكره له"، وفي رواية: "فإن الله تعالى صانع ما شاء، مانع ما شاء، لا مكره له""

(2)

. (ع) أي: رواه الجماعة عن أبي هريرة

(3)

.

(وأن يدعو برغبة)[أي: بغلبة ميل]

(4)

. (حب، عو) أي رواه: ابن حبان وأبو عوانة عنه أيضًا

(5)

.

(وأن يخرجه) أي: الدعاء (من قلبه بجد) أي: ببذل وسع وطاقة، [فتفسيره]

(6)

قوله: (واجتهاد، وأن يُحضر) من الإحضار (قلبه، ويُحسن) من الإحسان، وقيل:"من التحسين"(رجاءه)، وهو بالمد ضد الخوف. (مس) أي: رواه الحاكم عنه أيضًا، ولفظ الحديث: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة؛ فإن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه

(7)

.

(1)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ) و"مفتاح الحصن الحصين":"وأعطني".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 4/ ب).

(3)

أخرجه البخاري (6339)، (7477)، ومسلم (2679)، وأبو داود (1483)، والترمذي (3497)، وابن ماجه (3854).

(4)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"أي: بميل قلب"، وكتب في الحاشية:"أي: بغلبة ميل، نسخة أصل".

(5)

أخرجه ابن حبان (896) وأبو عوانة كما في "إتحاف المهرة"(19363).

(6)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (هـ)، وفي (د):"بثقة".

(7)

أخرجه الترمذي (3479) وقال: حديث غريب، والحاكم (1/ 493) وإسناده حسن. وعبد الله بن معاوية الجمحي قال الحافظ عنه: ثقة، التقريب (3655).

وحسنه الألباني في صحيح الجامع (245) وفي السلسلة الصحيحة 564).

ص: 261

(وأن يكرر الدعاء) أي: في مجلس أو [في]

(1)

مجالس. (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم عن جرير بن عبد الله البجلي

(2)

، (و [أقله]

(3)

التثليث) أي: تثليث الدعاء بأن يكرره ثلاثًا، وفي نسخة للجلال، وهو المطابق لأكثر النسخ [المحاضرة]

(4)

: "وأقله التثليث" أي: وأقل تَكرار الدعاء جعله ثلاثًا. (د، ي) أي رواه: أبو داود، وابن السني، عن أبي أمية المخزومي.

(وأن يُلِحّ فيه) من الإلحاح، وهو المبالغة، أي: وأن يبالغ في الدعاء بالمداومة والمواظبة في الحالات، ولا يكتفي بمرة ولا بمرات، فيغاير [التكرير]

(5)

والإلحاح في وقت من الأوقات. (س، مس، عو) أي رواه: النسائي، والحاكم، وأبو عوانة؛ عن عبد الله بن جعفر الطيار.

(وأن لا يدعو بإثم) أي: بسبب حصول معصية، أو بما يوقعه في سيئة (ولا قطيعة رحمٍ) خصيص بعد تعميم لزيادة الإهتمام ببيانها لعظمة شأنها، ففي "النهاية":"القطيعة الهجران، ويريد به ترك البر والإحسان إلى الأقارب وهي ضد صلة الرحم". (م، ت) أي رواه: مسلم، والترمذي، عن أبي هريرة بلفظ:"لا يزال يستجابُ للعبد ما لم يدعُ بإثم، أو قطيعة رحم"

(6)

.

(1)

من (أ) فقط.

(2)

أخرجه البخاري (240) ومسلم (1794).

(3)

من (ج) فقط.

(4)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د) و (هـ):"الحاضرة".

(5)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (هـ)، وفي (د):"التكرار".

(6)

أخرجه مسلم (2735)، ولفظ البخاري (6340)، وأبو داود (1484) =

ص: 262

(وأن لا يدعو بأمرٍ قد فرغ منه) بصيغة المجهول كطول قدٍّ، وبياض خدٍّ، ونحوهما من أمور مفروغ عنها، وكذا ما قدر للعبد من عمله وأجله ورزقه وشقاوته، وأن بعض الخلق في الجنة، وبعضهم في النار، كما ورد:"فرغ ربكم من العباد، فريق في الجنة، وفريق في السعير"

(1)

.

وقال الحنفي: "الفراغ على ضربين: أحدهما: الفراغ من الشغل، والآخر: القصد للشيء، ومنه: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ} [الرحمن: 31]، والمعنى هنا على الأول"، انتهى. وهو غير صحيح في حق الله سبحانه؛ لأن معنى قوله:"فرغ ربكم من العباد" قدَّر [ربكم]

(2)

أمرهم، وجعلهم فريقين، وحكم عليهم بالطريقين، كما قال تعالى:{فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ} [الأعراف: 30]، وهذا باعتبار الحكم الكلي المعين فلا ينافي

= والترمذي (3387)، وابن ماجه (3853) ولم أقف عليه عند النسائي في السنن وقد أخرجه في عمل اليوم والليلة (582)(583).

وليس هو في البخاري بهذا اللفظ، إنما خرَّج هو والجماعة:"يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: قد دعوت ربي فلم يستجب لي".

(1)

أخرجه الترمذي (2141). والنسائي في الكبرى (11473). إسناده ضعيف.

في الإسناد أبا قبيل المعافري -وهو حيي بن هانئ مختلف فيه وثقه أحمد وابن معين في رواية، وأبو زرعة والفسوي والعجلي وأحمد بن صالح المصري وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال: كان يخطئ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث وذكره الساجي في "الضعفاء" له انظر ترجمة أبي قبيل المعافري تهذيب الكمال (7/ ت 1586 و 34/ 194).

(2)

من (هـ) فقط.

ص: 263

سؤال الإيمان للفرد الجزئي المبهم.

(س) أي: رواه النسائي عن ابن مسعود، قال: "قالت أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم، متعني بزوجي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد سألت الله لآجال مضروبة، وأرزاق مقسومة، وأيام معدودة، لن يجعل الله شيئًا قبل حلِّه، أو يؤخر شيئًا عن حلِّه، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار، أو [من]

(1)

عذاب في القبر، كان خيرًا، أو أفضل"

(2)

.

(وأن لا يعتدي في الدعاء) أي: لا يتجاوز فيه عن حده (بأن يدعو بمستحيل) أي: شرعًا أو عادةً، مثل: طلب النبوة بعد خاتم النبيين، أو عدم وجود الآدميين، (أو ما في معناه) من نزول سماءٍ، وطلوع أرضٍ، وغيرهما مما قدمناه، فإن من المحال تغيير كل أمر قدره الله سبحانه وقضاه.

(خ) أي: رواه البخاري تعليقًا عن ابن عباس موقوفًا، فكان من حقه أن يذكر "مَوْ" قبل رمزه، قال المصنف: "لما رواه البخاري تعليقًا عن ابن عباس، في قوله تعالى:{إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55]، قال: في الدعاء وغيره

(3)

، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يدعو الإنسان بأن يطلع إلى السماء، أو يحول الجبل الفلاني ذهبًا، أو يحيا له الموتى، أو

(1)

من (هـ) فقط.

(2)

أخرجه مسلم (6864 و 6865 و 6866 و 6867) والنسائي في "عمل اليوم والليلة"(264).

(3)

أخرجه البخاري معلقا عن ابن عباس (6/ 58) وانظر تغليق التعليق (4/ 213).

ص: 264

بأمرٍ لا يعلم حقيقته، وعن عبد الله بن مغفل أنه سمع ابنه يقول:"اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: يا بني، سل الله الجنة، وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور، والدعاء"، رواه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم، وابن حبان في "صحيحهما"

(1)

، والاعتداء في الطهور

(2)

: المبالغة والتجاوز عن الحد المشروع، كالذي يزيد في الوضوء على التثليث، وفي الغسل الإسراف، ونحو ذلك، وفي الدعاء أن يدعو بمستحيل، وبما لا يجوز أن يدعو به"

(3)

، انتهى.

وقد فسّر الاعتداءُ في الدعاءِ بتكلّف السجع، كذا في "الأذكار"

(4)

، وقال بعضهم:"الاعتداء هو طلب ما لا يليق به، كرتبة الأنبياء، والصعود إلى السماء"، وقيل:"هو الصياح في الدعاء"، وهو المناسب لما قبله من قوله:{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55].

(1)

أخرجه أبو داود (96)، وابن ماجه (3864) والحاكم (1/ 162 و 540)، وابن حبان (6764) وقد صححه النووي في المجموع (2/ 220) وقال: رواه أبو داود بإسناد صحيح. والحافظ في "التلخيص الحبير"(1/ 387).

(2)

قال في المرقاة: والاعتداء في الدعاء يكون من وجوه كثيرة، والأصل فيه أن يتجاوز عن موقف الافتقار إلى بساط الانبساط، ويميل إلى أحد طرفي الإفراط والتفريط في خاصة نفسه، وفي غيره إذا دعا له أو عليه، والاعتداء في الطهور استعماله فوق الحاجة والمبالغة في تحري طهوريته حتى يفضي إلى الوساوس (المرقاة 2/ 417).

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 4/ ب، 5/ أ).

(4)

"الأذكار" للنووي (صـ 342).

ص: 265

قيل: "ومنه الإطناب في الدعاء"، فقد نقل الإمام أحمد في "مسنده":"أن أحدًا من الصحابة سَمِعَ أحدًا يقول: اللهم إني أسألك الجنة، ونعيمها، وَإِسْتَبْرَقَهَا، ونحوًا من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها، وأغلالها، فقال له: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه سيكون أقوام يعتدون في الدعاء، وقرأ هذه الآية، وقال: بحسبك أن تقول: اللهم، إني أسألك الجنة، وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار، وما قرب إليها من قول أو عمل"، ورواه أبو داود أيضًا

(1)

.

(وأن لا يتحجّر) بتشديد الجيم تفعُّل من الحَجْر بفتح فسكون، بمعنى المنع بأن يقول:"اللهم، اغفر لي، ولا تغفر لغيري" أو "اللهم، لا تغفر [لفلان]

(2)

"، يقال: تحجر على فلان ما وسعه الله، أي: ضيق.

(خ، د، س، ق) أي رواه: البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي هريرة: "أن أعرابيًّا دخل المسجد فصلى فيه، ثم دعا فقال: اللهم، ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد [تحجرت]

(3)

واسعًا"

(4)

، قال صاحب "النهاية": "أي: ضيقت ما وسعه الله تعالى،

(1)

أخرجه أحمد في "مسنده"(1/ 172) وأبو داود (1475)؛ كلاهما عن ابن لسعد، أنه قال: سمعني أبي

إك آخره.

(2)

كذا في (ب) و (هـ)، وفي (أ) و (ج) و (د):"فلانًا".

(3)

كذا في (أ) و (ج) و (د) و (هـ) و"سنن أبي داود" و"النسائي"، وفي (ب) و"صحيح البخاري":"حجرت".

(4)

أخرجه البخاري (6007) ومسلم (589) وأبو داود (880)، والترمذي =

ص: 266

فخصصت به نفسك دون غيرك"

(1)

، يعني: ورحمة الله وسعت كل شيء.

(وأن يسأل حاجاته كلها) أي: من الله وحده حتى مِلْح عجينه، ومن دعاء الإمام أحمد:"اللهم كما صنت وجهي عن سجود غيرك، فصن وجهي عن مسألة غيرك"

(2)

. (ت، حب) أي رواه: الترمذي، وابن حبان، عن أنس، ولفظ الترمذي: "قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ليسأل]

(3)

أحدكم ربه حاجاته كلها حتى [يسأله]

(4)

شسع

(5)

نعله إذا انقطع"

(6)

.

(وتأمين الداعي والمستمع) أي: قولهما: آمين، بعد فراغ الدعاء. (خ، م، د، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، عن أبي هريرة بلفظ: "إذا قال الإمام: {وَلَا الضَّالِّينَ} ، فقولوا: آمين، يجبكم

= (3495) وقال: حسن صحيح. والنسائي (5466)، وابن ماجه (3838). كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

(1)

"النهاية" لابن الأثير (1/ 342) مادة (ح ج ر).

(2)

أخرجه أبو نعيم في "الحلية"(9/ 233) من طريق عبد الله بن أحمد عن أبيه.

(3)

كذا في (ج) و (د) و (هـ) و"جامع الترمذي"، وفي (أ) و (ب) و"صحيح ابن حبان":"يسأل".

(4)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ) و"جامع الترمذي":"يسأل".

(5)

كتب بجوارها في حاشية (ب): "الشسع بوزن حمل، ويجمع على شسوع كحمول، كما في "المصباح" اهـ".

(6)

أخرجه الترمذي (3604)، وابن حبان (866)، كلاهما عن أنس به مرفوعًا، وقال الترمذي:"هذا حديث غريب"، وأعله بالإرسال، وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (1362):"ضعيف".

ص: 267

الله"

(1)

، وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا وقال في آخر دعائه: "آمين"، وروي:"آمين خاتم رب العالمين"

(2)

.

(ومسح وجهه بيديه) أي: لا بيد واحدة كما يفعله المتكبرة، (بعد فراغه) أي: من الدعاء، أو بعد فراغ الدعاء. (د، ت، حب، ق، مس) أي رواه: أبو داود، والترمذي، وابن حبان، وابن ماجه، والحاكم، عن ابن عباس

(3)

قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها؛ فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم"

(4)

،

(1)

أخرجه البخاري (782) و (4475)، ومسلم (415)، وأبو داود (935)، والنسائي في "الصغرى"(929)، وفي "الكبرى"(1003)، كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا، ولفظه:"فقولوا: آمين، فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه"، وأما اللفظ الذي ذكره الشارح رحمه الله فهو من حديث أبي موسى الأشعري الذي أخرجه مسلم (404)، وأبو داود (964)، وغيرهما.

(2)

أخرجه الطبراني في "الدعاء"(220)، وابن عدي في "الكامل"(6/ 440)، والديلمي في "الفردوس"(1670)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة"(1487): "ضعيف".

(3)

كتب بجوارها في حاشية (ب): "قوله: "عن ابن عباس" قال المناوي: وهو حديث حسن".

(4)

صنيع المؤلف يوحي أن هذا الحديث عند المصنفين المذكورين عن ابن عباس، وليس الأمر كذلك؛ فالحديث قد أخرجه أبو داود (1480)، وابن ماجه (3866)، والحاكم (1/ 536)، وابن حبان في "المجروحين"(1/ 368)؛ كلهم عن ابن عباس به مرفوعًا من قول النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه الترمذي =

ص: 268

ولعل وجهه أنه إيماء إلى قبول الدعاء، وتفاؤل بدفع البلاء، وحصول العطاء، فإن الله سبحانه يستحيي أن يرد يد عبده صفرًا خاليًا من الخير في الخلاء والملاء.

قال المصنف في "شرح المصابيح": "عن ابن عمر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه"، رواه الترمذي، وقال:"صحيح غريب"، والحاكم في "مستدركه"، ورواه أبو داود عن السائب بن يزيد، عن أبيه:"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا فرفع يديه مسح وجهه بيديه"

(1)

، والعمل على هذا عند أهل العلم خلفًا عن سلفٍ، ومن [أنكر]

(2)

ذلك لا شك أنه لم يقف على ما صح من هذه الأحاديث.

(وأن لا يستعجل بأن يستبطئ الإجابة) أي: يعد إجابة دعائه بطيئة، (أو يقول) عطف على "يستعجل"، أي: وأن لا يقول: (دعوت فلم يستجب لي)، والفرق بينهما أن الثاني في مقام اليأس، والأول في مقام الرجاء، لكنه من عجلته في حال الإستبطاء، فـ "أَوْ" للتنويع، وقال

= (3386)، والحاكم (1/ 536) عن عمر به مرفوعًا من فعله صلى الله عليه وسلم. وقال أبو داود:"روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب، كلها واهية، وهذا الطريق أمثلها وهو ضعيف"، وقال الترمذي:"حديث غريب"، وقال أبو حاتم كما في "العلل" لابنه (2572):"حديث منكر"، وقال الألباني في "ضعيف الجامع" (6226):"ضعيف".

(1)

"سنن أبي داود"(1487).

(2)

كذا في (أ) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (ب):"كره".

ص: 269

الحنفي: "كلمة "أو" للتخيير، وكلاهما تفسير للإستعجال"، فاختار عطفه على "يستبطئ"، لكن التأسيس أولى، والفرق في مقام الجمع أدعى.

(خ، م، د، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت ربي فلم يستجب لي، [فيستحسر]

(1)

عند ذلك، ويدع الدعاء"

(2)

، وقد تقدم أن الدعاء لا يتخلف عن الإجابة؛ لقوله تعالى:{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، لكن الاستجابة على أنواع سبق بيانها، وتحقق شأنها وبرهانها.

(1)

كذا في "صحيح مسلم"، وفي (أ) و (ب) و (ج) و (د):"فيخسر"، وفي (هـ):"فيتحسر".

(2)

أخرجه البخاري (6340)، ومسلم (2735) -واللفظ له-، وأبو داود (1479)، والترمذي (3387)، وابن ماجه (3853)؛ كلهم من حديث أبي هريرة، وأما ذِكْرُ صاحب "الحصن" رمزَ النسائي وتركه رمز الترمذي فلعله سبق قلم، تبعه عليه المصنف، والله أعلم.

ص: 270

(آدابُ الذِّكْرِ)

اعلم أن كل ما يذكر في "آداب الذكر" فهو معتبر في "آداب الدعاء" دون العكس كما لا يخفى، خلافًا لما توهم الحنفي، حيث قال:"لا خفاء في أنه كما أن الأمور المذكورة في الدعاء جارية في الذكر، كذلك ما ذكروه أيضًا جاء في الدعاء".

(قال العلماء: ينبغي أن يكون الموضع الذي يذكر) أي: الذاكر، وفي نسخة بصيغة المجهول، (الله فيه نظيفًا) أي: طاهرًا من الأدناس فضلًا عن الأنجاس (خاليًا) أي: عن الأشياء التي يوجب وجودها الوسواس، وفيه تنبيه على أن القلب الذي هو بيت الربّ ينبغي أن يكون طاهرًا من نجاسة حبّ الدنيا، وخاليًا عن سكون الأغيار التي تسمى السوى، كما يفيده قوله سبحانه:{إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 89].

(وأن يكون الذاكر على أكمل الصفات المتقدمة) قال الحنفي: "الأولى أن يقول: على أكثر"، انتهى. وفيه رجوع له إلى ما قدمناه عنه، لكن قد يقال: مراده من الصفات المتقدمة في الدعاء الأمور المعتبرة في الذكر والثناء، لا جميعها، فإنه أمر ظاهر، على خلاف وهم المتبادر، ولعله أشار إلى هذا بقوله:"أكمل"، فإنه مما يحتاج إليه في الحالين، فتأمل.

فمعناه: أن يكون في الصفات المتقدمة المطلوبة هنا على وجه الأكمل، فإن مرتبة الذكر أفضل، قال تعالى:{وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت: 45].

ص: 271

(وأن يكون فمُه نظيفًا) أي: طاهرًا من النجاسة الحقيقية، وكذا من الحكمية كالكذب والغِيبة، وسائر الأقوال الدنية، (وإن كان فيه تغيرٌ) أي: حسي بسكوت كثيرٍ، أو بأكل، [أو نوم]

(1)

(أزاله بالسواك)، وإن كان فيه تغيرٌ معنوي أزاله بالتوبة، وإن كان فيه نجاسةٌ حقيقية، أزالها بغسلها، قال في "الأذكار":"ولو لم يغسلها فهو مكروه، ولا يحرم"

(2)

.

(وإن كان جالسًا في موضع)[وتقييد]

(3)

الجلوس؛ لأنه أفضل أحواله، إما على ركبتيه، أو بصفة التربيع، بحسب اختلاف اختيار المشايخ، وأما قوله:"في موضع"، فلمجرد التأكيد.

(استقبل القبلة) أقول: وكذا إذا كان قائمًا، أو مضطجعًا، أو مستلقيًا؛ لما ورد:"خير المجالس ما استقبل به القبلة"

(4)

، ولا شبهة أن المراد بالمجالس الأمكنة، (متخشعًا) أي: حال كونه ذا خشوع في الباطن (متذللًا) أي: ذا خضوعٍ في الظاهر، ولو بالتكلف فيهما، كما يدل عليه صيغتهما، (بسكينة) أي: مع سكون (ووقار) أي: طمأنينة، قال تعالى:

(1)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"بصل أو ثوم".

(2)

"الأذكار" للنووي (صـ 9).

(3)

كذا في (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"وتقييده"، وفي (ب):"وتقيد".

(4)

أخرجه الطبراني (10/ 320)، رقم (10781). قال الهيثمي (8/ 59): فيه هشام بن زياد أبو المقدام، وهو متروك. وأخرجه أيضًا: الحاكم (4/ 269 - 270). قال المناوي (1/ 523): سنده ضعيف. وضعَّفه الألباني في ضعيف الجامع (876).

ص: 272

{أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، (وحضور قلب) فإن المدار عليه في نظر الرب (يتدبر ما يذكر) بصيغة الفاعل، أي: يتأمل ألفاظ ذكره، ومبناه، (ويتعقل معناه).

(فإنْ) وفي نسخة: "وإن"، (جَهِل شيئًا) أي: مما يتعلق بلغته أو إعرابه (تبيّن معناه) أي: طلب بيان ما يعينه على استفادة معناه، وفي نسخة:"يبين" مضارع من التبيّن، أي: يبين باجتهاده مؤداه من مبناه ومعناه، فإن من لم يعرف معنى ما ذكره أو دعاه يقل فائدته وجدواه، وفيه إشعار بأن الذكر القليل مع الحضور خير من الكثير مع الجهل والفتور؛ ولذا قال:(ولا يحرص على تحصيل الكثرة بالعجلة) أي: [بالسرعة]

(1)

، فإنه يؤدي إلى أداء الذكر مع الغفلة، وهو خلاف المطلوب؛ لأن المرغوب هو الحضور مع المحبوب.

ثم اعلم أنه ضبط قوله: "ولا يحرص" بكسر الراء مرفوعًا على أنه نفي معناه نهي، وهو أبلغ، وفي نسخة وقع مجزومًا، وفي أخرى منصوبًا على تقدير: وأن لا يحرص، ويجوز فتح رائه كما في نسخة أيضًا؛ ففي "القاموس" أنه من باب "ضَرَبَ وسَمِعَ"

(2)

.

(فلذلك) أي: لما ذكر من التدبر والتعقل وعدم الحرص، وهو الأنسب من جعل الإشارة إلى الأخير، وإن كان أقرب (استحبّوا) أي: المشايخ والعلماء (أن يمد) أي: الذاكر (صوته) وفي نسخة بصيغة

(1)

من (ج) فقط.

(2)

"القاموس"(2/ 295).

ص: 273

المجهول، وضمير "صوته" إلى الذكر أو الذاكر، والمراد: أن يمد في موضع يجوز مده كألفِ "لا"، لكن لا يزيد على قدر خمس ألفات، فإنه أكثر ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم عند [القراء]

(1)

مع تجويز القصر في الأداء، وأما مد "إله"، فلحنٌ لا يجوز زيادة على قدر ألف يسمى مدًّا طبيعيًّا وذاتيًّا.

وكذلك في لفظ الجلالة وَصْلًا، [وجوز]

(2)

مدّه أيضًا للتعظيم، وأما وقفًا فيجوز طوله وتوسطه وقصره، والأول أولى، لكنه قدر ثلاث ألفات على المختار، ولا يجوز الوقف على "إله"؛ لأنه يوهم الكفر.

وقد قال بعض [العارفين]

(3)

: "بعض الكلمة الطيبة كفر، وبعضها إيمان"، وفيه إيماء إلى قوله تعالى:{فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا} [البقرة: 256]، أي: لا انقطاع، والطاغوت هو الأصنام، أو كل ما عبد من دون الله، أو جميع ما سواه، وبحثه طويل، وتحقيقه جليل، ذكرناه في "شرح حزب الفتح" للشيخ أبي حسن البكري، قدس سره السري، عند قوله:"أستغفر الله مما سوى الله"

(4)

.

ثم لا يلزم من مدّ الذكر الرفع، فإنه ممنوع مطلقًا كما قال بعضهم،

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج)، وفي (د) و (هـ):"القراءة".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"وجوزوا".

(3)

من (هـ) فقط.

(4)

"السيرة الحلبية" لعلي بن برهان الحلبي (2/ 10).

ص: 274

ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه حين بالغوا في رفع أصواتهم حال أذكارهم: "ارْبَعُوا

(1)

على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا، وهو معكم"، وهو حديث اتفق الشيخان على تخريجه في "صحيحهما"

(2)

، أو منهي في بعض المواضع، [إذ الذكر في بعض المواضع]

(3)

مما يشوش على [السامع]

(4)

كما في المدارس والجوامع، فقد صرح بعض عُلمائنا بأن رفع الصوت حرام في المسجد، ولو بالذكر، ثم هو عام في الذكر اللساني والذكر الجناني.

(بقوله) وفي نسخة: "بقول": (لا إله إلا الله) أي: ملاحظًا في النفي ما سواه، وفي الإستثناء شهود الإله، والتقدير: لا إله موجود أو معبود أو مطلوب أو مشهود إلا الله بحسب مقامات أهل الذكر، وحالات ذوي الفكر.

(وكل ذكر مشروع) أي: مأمور به في الشرع (واجبًا) أي: فرضًا اعتقاديًّا أو عمليًّا (كان أو مستحبًّا) أي: سنة مؤكدة، أو غيرها (لا يعتد)

(1)

قال القاضي عياض في "مشارق الأنوار"(1/ 279): "بفتح الباء أي: الزم أمرك وشأنك وانتظر ما تريد ولا تعجل، وقيل: كُفَّ وارفُق".

(2)

أخرجه البخاري (2992) و (4205) و (6384، 6409، 6610) و (7386)، ومسلم (2704)؛ كلاهما من حديث أبي موسى الأشعري به مرفوعًا.

(3)

من (ج) فقط.

(4)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (هـ)، وفي (د):"المسامع".

ص: 275

بصيغة المجهول، أي: لا يعتبر (بشيء منه حتى يتلفظ به) أي: [الذاكر]

(1)

(ويسمع نفسه)، وهذا الإسماع أقل الإخفاء عند الجمهور، وفي مذهبنا هو القول المشهور، وقيل:"أقله تصحيح الحروف"

(2)

، وهو مجرد التلفظ من غير أن يكون هناك صوت يسمع، وهذا كله فيما أمر الشارع بأن يذكر باللسان، كما في قراءة الصلاة، وتشهدها، وتسبيحاتها، وتكبيراتها، وسائر أذكارها، وأدعيتها.

وليس معناه أن من يذكر الله بقلبه من غير أن يتلفظ بلسانه لا يكون في الشرع معتدًّا به؛ لأن مداومة الذكر لا يتصور بدون اعتباره، بل هو أفضل أنواعه، فقد أخرج أبو يعلى الموصلي في "مسنده" عن عائشة رضي الله عنها، قالت: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لفضل الذكر الخفي الذي لا يسمعه الحَفَظة سبعون ضعفًا، إذا كان يوم القيامة جمع الله الخلائق لحسابهم، وجاءت الحَفَظة بما حفظوا، وكتبوا، قال لهم: انظروا هل بقي له من شيء؟ فيقولون: ما تركنا شيئًا مما علمناه وحفظناه إلا وقد أحصيناه وكتبناه، فيقول الله: إن لك عندي [خبيئًا]

(3)

لا تعلمه، وأنا أجزيك به، وهو الذكر

(1)

كذا في (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ) و (ب):"الذكر".

(2)

"بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 162)، و"البحر الرائق" لابن نجيم (1/ 365)؛ نقلًا عن الكرخي.

(3)

كذا في "مسند أبي يعلى و"مجمع الزوائد" و"البدور السافرة"، وفي (أ)، (ب)، (ج)، (د)، (هـ): "حسنًا".

ص: 276

الخفي"

(1)

، ذكره السيوطي في "البدور السافرة في أحوال الآخرة"

(2)

، وفي "الجامع":"خير الذكر الخفي، وخير الرزق ما يكفي"

(3)

، كما رواه أحمد، وابن حبان، والبيهقي، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه

(4)

.

(وأفضل الذكر القرآن إلا فيما شرع بغيره) وفي نسخة: "لغيره"، أي: إلا في موضع شرع الذكر لغير القرآن، أو مخصوصًا بغيره، كالركوع والسجود، ونحو ذلك مما شرع لغيره من التسبيح، والتحميد، والتسميع، والتشهد، وأمثالها، فإنه حينئذٍ مكروه.

(وليس فضل الذكر منحصرًا في التهليل والتسبيح والتكبير) أي: ونحوها كما [يتوهمه]

(5)

العامة، (بل كل مطيع لله تعالى في عمل) أي: مشي، وجلوس، وقيام، ونيام، وبيع، وشراء، وجماع، وأكل، وشرب، وأمثال ذلك، (فهو ذاكر) أي: حكمًا، فإنه حيث راعى حكمه تعالى في

(1)

أخرجه أبو يعلى (4719) من حديث عائشة به مرفوعًا. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(10/ 81): "رواه أبو يعلى، وفيه معاوية بن يحيى الصدفي، وهو ضعيف".

(2)

"البدور السافرة في أحوال الآخرة" للسيوطي (935).

(3)

"ضعيف الجامع"(2887).

(4)

أخرجه أحمد (1/ 172) و (1/ 180) و (1/ 187)، وابن حبان (3809)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(548)؛ كلهم من حديث سعد بن أبي وقاص به مرفوعًا.

(5)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"يتوهم".

ص: 277

فعله، فقد ذكره، ولم يغفل أمره، "قال عطاء رحمه الله:"مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام"

(1)

، كيف تشتري وتبيع وتصلي وتصوم وتنكح وتطلق وتحج وأشباه هذا"، ذكره في "الأذكار"

(2)

.

والحاصل: أن المطيع المذكور له فضيلة الذكر، وثوابه، لا أنه ذاكرٌ لغةً أو اصطلاحًا، فاندفع قول الحنفي: "الظاهر أن يقول: وليس الذكر منحصرًا في التهليل

" إلى آخره، وأما قوله: "وهذا الكلام وما بعده لا يناسب ذكرهما هنا، [أعني]

(3)

في آداب الذكر، بل المناسب أن يذكر في بيان فضل الذكر فيما سبق [ذكره]

(4)

"، فغير مناسب جدًّا؛ إذ فضل الذكر منحصر في الأحاديث الواردة في فضل الذكر، ويكفي في المناسبة هنا أنه حيث ذكر آداب الذكر، فقد يتوهم أن فضل الذكر منحصر في الذكر المصطلح دفعه استطرادًا بقوله: "وليس فضل الذكر".

ثم لا شك أن من جملة آداب الذكر أنه إذا كان له ورد إن فات منه أن يتداركه، قال المصنف:"أي: إذا كان مخلصًا لله تعالى، ذاكرًا له بقلبه؛ ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على

(1)

أخرجه الطبراني في "مسند الشاميين"(2299) -ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية"(5/ 195) - عن عطاء.

(2)

"الأذكار" للنووي (صـ 7).

(3)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ) و (هـ):"يعني".

(4)

من (ج) فقط.

ص: 278

كل أحيانه"

(1)

، ولم تستثنِ حالة من حالاته، وهذا يدل على أنه كان لا يغفل عن ذكر الله تعالى؛ لأنه كان صلى الله عليه وسلم مشغولًا بالله، ذاكرًا له في كل أوقاته، وأما في حالة التخلي فلم يكن أحد يشاهده، لكن شرع لأمته قبل التخلي وبعده ما يدل على [الاعتناء]

(2)

بالذكر، [وكذلك]

(3)

عين من الذكر عند الجماع، كما سيأتي كل ذلك، فالذكر عند نفس قضاء الحاجة، ونفس الجماع لا يكره بالقلب بالإجماع، وأما الذكر باللسان حالتئذٍ فليس مما شرع لنا، ولا ندبنا إليه صلى الله عليه وسلم، ولا نقل عن أحدٍ من الصحابة، بل يكفي في هذه الحالة الحياء، والمراقبة، وذكر نعمة الله تعالى في إخراجه هذا [المؤذي]

(4)

الذي لولم يخرج لقتل صاحبه، وهذا من أعظم الذكر، ولو لم يقل باللسان"

(5)

.

(قالوا) أي: العلماء: (وإذا واظب العبد) أي: السالك (على الأذكار المأثورة) أي: المروية (عنه صلى الله عليه وسلم) وفي نسخة: "على أذكار المأثورة" بإضافة الموصوف إلى الصفة (صباحًا ومساءً) أي: أول النهار وآخره

(1)

أخرجه البخاري (1/ 129 باب: هل يتبع المؤذن فاه ها هنا وها هنا، وهل يلتفت في الأذان؟) تعليقًا، ومسلم (393)، كلاهما عن عائشة به.

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (هـ) و"مفتاح الحصن الحصين"، وفي (ج):"اعتنائه".

(3)

كذا في (أ) و (ب) و (هـ)، وفي (ج):"ولذلك".

(4)

في "مفتاح الحصن الحصين": "العدو المؤذي".

(5)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 5/ أ).

ص: 279

(وفي الأحوال، والأوقات المختلفة ليلًا ونهارًا، كان من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات) أي: على ما سبق من المقالات.

(وينبغي لمن كان له ورد في وقت من ليل أو نهار، أو عَقِيبَ صلاة) وفي نسخة: "عقب صلاة"، بدون ياء، وهو مجرور في النسخ المعتمدة، وفي نسخة بالنصب على الظرفية (أو غير ذلك) أي: غير ما ذكر من جمعة، أو شهر، أو سنة، وهو مجرور، أو منصوب بناء على خلاف ما قبله، (ففاته) أي: ورده بعذر أو غيره (أن يتداركه) أي: صاحب الورد، وهو متعلق بقوله:"ينبغي"، وكذا قوله:(ويأتي به) عطف تفسير لما قبله، أي: وينبغي تداركه وإتيانه بما فاته (إذا أمكنه) أي: قدر عليه، ولم يكن مانع لديه، (ولا يهملَه) بالنصب، أي: وينبغي أن لا يتركه بالكليّة، فإن الإهمال سبيل البطال، (ليعتاد) متعلق بـ "يتداركه"، أي: ليتعود (الملازمة عليه) أي: المداومة والمحافظة على الورد، (ولا يتساهل) أي: ولئلا يتسامح (في قضائه) أي: فيؤدي أيضًا إلى ترك أدائه، ولا يبعد أن يكون التقدير:"وأن لا يتساهل في قضائه"، فيصير تأكيدًا لما سبق.

وقد ثبت في "صحيح مسلم" عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "من نام عن حزبه أو عن شيء منه، فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأ من الليل"

(1)

، ذكره في "الأذكار"

(2)

، وفي "الشمائل" للترمذي:

(1)

"صحيح مسلم"(747).

(2)

"الأذكار" للنووي (صـ 9).

ص: 280

"عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا لم يصلّ بالليل منعه من ذلك النوم، أو غلبته عيناه صلى من النهار ثنتي عشْرة ركعة"

(1)

، وقد قال تعالى:{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 62]". وأما ما اشتهر على ألسنة العوام من أن "صاحب الورد ملعون، وتارك الورد ملعون"

(2)

، فلا أصل له، بل ولا فصل له.

(1)

أخرجه الترمذي في "الشمائل"(267) عن عائشة به. وقال (445): "هذا حديث حسن صحيح"، والحديث في "صحيح مسلم"(746) عنها به.

(2)

"الموضوعات" للصغاني (94).

ص: 281

(أوقات الإجابة)

أي: هذه أوقات هي أقرب إلى إجابة الدعوة، أو أوقات ورد بيانها في السنة للاستجابة.

(ليلة القدر) أي: منها، أو أحدها ليلة القدر، أو يلاحظ الربط بعد العطف، فأوقات الإجابة مجموع الأزمنة المذكورة.

(ت، س، ق، مس) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم، عن عائشة

(1)

، ثم تخصيصُ ليلةِ القدرِ لشرفِها، وفضلِها، ورجاءِ الإجابةِ في جميعِها، وإلا فكلُّ ليلَةٍ محلُّ الإجابةِ؛ لحديثِ جابرٍ عند مسلمٍ، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن في الليل لساعةً لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله فيها خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة"

(2)

، والخلاف في تعيين ليلة القدر مشهور، وفى الكتب المبسوطة مسطور.

(1)

أخرجه الترمذي "3513"، والنسائي في "الكبرى"(7665) و (10642، 10643، 10644، 10645)، وابن ماجه (3850)، والحاكم (1/ 530)؛ كلهم عن عائشة، قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن وافقت ليلة القدر ما أقول؟ قال: "تقولين: اللهم إنك عفوٌّ تحبّ العفو فاعف عني". وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وقال الحاكم:"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"، وقال الألباني في "صحيح الجامع" (4423):"صحيح".

(2)

"صحيح مسلم"(757).

ص: 282

(ويوم عرفة) أي: خصوصًا بعد الزوال في عرفات حال كونه مُحْرِمًا. (ت) أي رواه: الترمذي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "خير الدعاء يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له

"

(1)

إلى آخره.

(وشهر رمضان. ر) أي: رواه البزار عن عبادة بن الصامت، ورواه الطبراني أيضًا، ولفظه: عن عبادة [بن الصامت]

(2)

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومًا وحضر رمضان: "أتاكم رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه، فيُنزل الرحمة، ويحط الخطايا، ويستجيب الدعاء، وينظر فيه إلى تنافسكم، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرًا، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله"

(3)

، قال الحافظ المنذري:"رواته ثقات إلا محمد بن قيس لا يحضرني فيه جرح ولا تعديل"

(4)

.

(1)

أخرجه الترمذي (3585)، وقال:"حديث غريب من هذا الوجه"، وقال الألباني في "صحيح الجامع" (3274):"حسن".

(2)

من (أ) و (هـ) فقط.

(3)

أخرجه الطبراني في "مسند الشاميين"(2238) من حديث عبادة بن الصامت به مرفوعًا. قال الألباني في "ضعيف الترغيب والترهيب"(592): "موضوع".

(4)

"الترغيب والترهيب"(1510)، قلت: ومحمد بن قيس هو محمد بن سعيد بن أبي قيس الشامي، من أهل الأردن، صلب في الزندقة، كان كذابًا يضع الحديث، وقد قلب خلق من الرواة اسمه حتى قال عبد الله بن أحمد بن سوادة: قلب أهل الشام اسمه على مائة وكذا وكذا اسمًا. راجع ترجمته في =

ص: 283

قلت: الأصل التعديل، فعليه التعويل.

(وليلةُ الجُمعةِ)[بضمهما]

(1)

[وتسكين الميم، وتفتح]

(2)

أيضًا على ما في "القاموس"

(3)

، ووجه الفتح أنها تجمع الناس فيكثرون فيها، كما يقال: همزة لمزة، لمن يكثر الهمز واللمز فيه.

(ت، مس) أي رواه: الترمذي، والحاكم عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه قال لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه حين اشتكى إليه تفلت القرآن من صدره: إذا كان ليلة الجمعة فإن استطعت أن تقوم في ثلث الليل الآخر، فإنها ساعة [مشهودة]

(4)

، والدعاء فيها مستجاب، وقد قال أخي يعقوب لبنيه:{سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} [يوسف: 98] يقول: حتى يأتي ليلة الجمعة"

(5)

.

(ويوم الجمعة. د، س، ق، حب، مس) أي رواه: أبو داود، والنسائي،

= "الكامل" لابن عدي (6/ 139)، و"المجروحين" لابن حبان (2/ 247).

(1)

كذا في (أ) و (د)، وفي (ب) و (ج) و (هـ):"بضمها".

(2)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (هـ):"ويسكن الميم، ويفتح".

(3)

"القاموس"(3/ 14).

(4)

كذا في "جامع الترمذي" و"مستدرك الحاكم"، وفي (أ) و (ب) و (ج) و (د) و (هـ):"مشهورة".

(5)

أخرجه الترمذي (3570)، والحاكم في "المستدرك"(1/ 316، 317)؛ كلاهما عن ابن عباس به مطولًا. قال الترمذي: "حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم"، وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (3374):"منكر".

ص: 284

وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة

(1)

يوم الجمعة، من حين تصبحُ حتى تطلع الشمس شفقًا من الساعة، إلا الجن والإنس، فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه إياه"

(2)

، ورواه مالك في "الموطإ"

(3)

، وهذا لفظه، وأبو داود، والترمذي، وقال:"صحيح"

(4)

، والنسائي، والحاكم، وقال:"صحيح على شرطهما"، ذكره ميرك.

ولا يخفى أنه ليس في الحديث ما يدل على الإجابة في مطلق يوم المجمعة وساعة الجمعة سيأتي [بيانها]

(5)

، اللهم إلا أن يقال: لما كانت

(1)

في بعض مصادر التخريج: "مسيخة"، وفي "النهاية في غريب الأثر" (2/ 433) مادة (س ي خ) و (3/ 64) مادة (ص ي خ):"مسيخة: أي: مصغية مستمعة، ويروي بالصاد، وهو الأصل".

(2)

أخرجه أبو داود (1039)، والنسائي في "الصغرى"(1430) وفي "الكبرى"(1675، 1766)، وابن ماجه (1137) -مختصرًا-، وابن حبان (2772)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 278)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. قال الحاكم:"حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، إنما اتفقا على أحرف من أوله"، وقال الألباني في "صحيح الجامع" (3333):"صحيح".

(3)

"الموطأ"(1/ رقم: 291).

(4)

"جامع الترمذي"(1/ رقم: 491).

(5)

من (هـ) فقط.

ص: 285

تلك الساعة مبهمة محتملة أن تكون في كل ساعة صح أن اليوم بكماله زمان رجاء الدعوة في الجملة.

(ونصف الليل. ط) أي: رواه الطبراني، ولم يعرف الصحابي

(1)

، (الثاني) صفة للنصف، أي: ونصف الثاني من الليل، والتقدير: نصف الليل الثاني. (أ، ص) أي رواه: أحمد، وأبو يعلى

(2)

.

(وثلث الليل) بضم اللام ويسكن، (الأول) صفة المضاف. (أ، ص) أي رواه: أحمد وأبو يعلى أيضًا، لكن لم يعرف صحابيهما أيضًا

(3)

.

(وثلث الليل الآخر) مرفوعٌ، وهو الجزء الخامس من أسداس الليل

(1)

أخرجه الطبراني في "الكبير"(5/ 49) رقم (4556، 4557، 4558، 4559، 4560) من حديث رفاعة بن عرابة به مرفوعًا، بلفظ: "إذا مضى نصف الليل، أو ثلث الليل، ينزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا

" الحديث، و (8391) من حديث عثمان بن أبي العاص به مرفوعًا، بلفظ: "يفتح أبواب السماء نصف الليل فينادي مناد: هل من داعٍ فيستجاب له

" الحديث. قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" (1073): "إسناده صحيح"، ورواه أيضًا (22/ 370) من حديث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له: أبو الخطاب، أنه سأل النبي عن الوتر، فقال: "أحب أن أوتر نصف الليل فإن الله عز وجل يهبط من السماء العليا إلى السماء الدنيا فيقول:

" الحديث.

(2)

لم أجده.

(3)

أخرجه أحمد (3/ 94)، وأبو يعلى (1180)؛ كلاهما من حديث أبي هريرة وأبي سعيد به مرفوعًا، وقال الألباني في "صحيح الجامع" (1918):"صحيح".

ص: 286

على ما في "النهاية"

(1)

. (أ) أي: رواه أحمد، وصحابيّه غير معروف

(2)

، (وجوفه) أي: وجوف ثلث الليل الآخر، وهو المراد بما رواه الترمذي، والنسائي عن أبي أمامة، قال: "قلنا: يا رسول الله، أي: الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر

"

(3)

الحديث، ولا يبعد أن يكون التقدير "جوف الليل" على مراعاة الاستخدام في الكلام، أو على رد الضمير إلى المضاف إليه في الكلام، كما جوز في قوله تعالى:{أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145]، فالمراد به حينئذٍ جميع ساعاته على سبيل الإبهام؛ لما في حديث مسلم عن جابر كما تقدم

(4)

، والله أعلم.

(د، ت، س، مس، ط، ر) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، والحاكم، والطبراني، والبزار، عن عمرو بن عَبَسَةَ

(5)

.

(1)

"النهاية" لابن الأثير (1/ 316).

(2)

أخرجه أحمد (2/ 264) و (2/ 267) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة، حين يبقى ثلث الليل الآخر، إلى السماء الدنيا فيقول:

" الحديث.

(3)

أخرجه الترمذي (3499)، والنسائي في "الكبرى" (9856)؛ كلاهما من حديث أبي أمامة به مرفوعًا. قال الترمذي:"حديث حسن"، وقال الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1648):"صحيح لغيره".

(4)

"صحيح مسلم"(757).

(5)

أخرجه أبو داود (1277)، والترمذي (3579)، والنسائي "الصغرى"(572) وفي "الكبرى"(1556)، والحاكم في "مستدركه" (1/ 164، =

ص: 287

(ووقت السحر) وهو قبيل الصبح على ما ذكره الجوهري

(1)

، والسدس [الآخر]

(2)

على ما قاله الزمخشري

(3)

، وقد قال تعالى:{وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 18]. (ع) أي: رواه الجماعة عن أبي هريرة مرفوعًا: "ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيبَ له؟ من يسألني فأعطيَه؟ من يستغفرني فأغفرَ له؟ "

(4)

.

قال ميرك: "رواه الجماعة، وزاد النسائي وابن ماجه: "حتى يطلع الفجر"، وفي رواية لمسلم: "إن الله يمهل، حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول"، وفي رواية أخرى: "إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه"، انتهى. ولا

= والطبراني في "الدعاء"(128)؛ كلهم من حديث عمرو بن عبسة به مرفوعًا، ورواه البزار (6167) من حديث ابن عمر به مرفوعًا، وهذا خلاف ما يقتضيه صنيع الشارح رحمه الله، حيث قال:"عن عمرو بن عبسة"، ولم يبين، وألفاظ الحديث عندهم متفاوته. قال الترمذي:"حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه"، وقال الألباني في "صحيح الجامع" (1173):"صحيح".

(1)

"الصحاح"(2/ 678).

(2)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ) و"الكشاف":"الأخير".

(3)

"الكشاف" للزمخشري (5/ 661).

(4)

أخرجه البخاري (1145) و (6321) و (7494)، ومسلم (758)، وأبو داود (1309) و (5/ رقم: 4700)، والترمذي (3498)، والنسائي في "الكبرى"(10241)، وابن ماجه (1366)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

ص: 288

يخفى حمل صعوبته على المدعى.

(وساعة الجمعة أرجى ذلك) أي: أرجى ما ذكر من الأوقات المذكورة في حصول الإجابة، وفيه نظر؛ إذ لا دليلَ يظهر على أنها أرجى من ليلة القدر، وكذا من يوم عرفة بعرفة، (ووقتها) أي: وزمان تلك الساعة لحصول الإجابة (ما بين أن يجلس الإمام في الخطبة) أي: "على المنبر" كما في رواية، وفي نسخة:"للخطبة"، أي: بين الخطبتين، كذا ذكره الطيبي

(1)

وغيره

(2)

. والأظهر أن المراد: جلوسه أول طلوعه، وهو وقت حرمة الكلام لغيره، (إلى أن تقضى الصلاة) بصيغة المفعول، أي: تؤدى، وفي نسخة بصيغة المعلوم المذكر، أي: إلى أن يقضي الإمام الصلاة ويفرغَ منها.

(م، د) أي رواه: مسلم، وأبو داود، عن أبي موسى الأشعري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن يقضيَ الصلاة"

(3)

، فالمراد بالدعاء دعاء الإمام في الخطبة والصلاة، لشمول دعائه الأمة، أو دعاء المأمومين بلسان الحال في مقام الطاعة، أو في غير

(1)

"الكاشف عن حقائق السنن" للطيبي (4/ 1264 رقم: 1358).

(2)

"فتح الباري" لابن حجر (2/ 418)، وفيه:"حكاه الطيبي عن بعض شراح المصابيح".

(3)

أخرجه مسلم (853)، وأبو داود (1042)؛ كلاهما من حديث أبي موسى الأشعري به مرفوعًا.

ص: 289

حال القراءة.

(ومن حين تقام الصلاة) بفتح النون على البناء، وفي نسخة بالتنوين، أي: ومن زمان تشرع [الصلاة فيه]

(1)

(إلى السلام منها)، والظاهر أن الواو بمعنى "أو"، إيماءً إلى تنويع الروايات، وهو أخص مما قبله كما هو أعم مما بعده. (ت، ق) أي رواه: الترمذي، وابن ماجه، عن عمرو بن عوف المزني

(2)

.

(والداعي) وفي نسخة: "الداعي"(قائم يصلي. خ، م، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن في الجمعة لساعةً، لا يوافقها مسلم، وهو قائم يصلي ويسأل الله خيرًا إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يقللها"

(3)

، ذكره ميرك.

وقال الحنفي: "رواه: البخاري ومسلم، فقوله: "قائم يصلي يسأل

(1)

كذا في (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ) و (ب):"فيه الصلاة".

(2)

أخرجه الترمذي (490)، وابن ماجه (1138)؛ كلاهما من حديث عمرو بن عوف المزني به مرفوعًا. قال الترمذي:"حديث حسن غريب"، وقال الألباني في "ضعيف الجامع" (1890):"ضعيف جدًّا".

(3)

أخرجه البخاري (935) و (5294) و (6400)، ومسلم (852)، والنسائي في "الصغرى"(1431، 1432) وفي "الكبرى"(1760، 1762، 1763، 1765) و (10230، 10231)، وابن ماجه (1137)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

ص: 290

الله": أوصاف لـ "مسلم""، انتهى. وهو وهم منه

(1)

، فإن الروايات الصحيحة:"وهو قائم"، فالجملة حال. وقوله "يصلي": حالٌ آخر مترادفان أو متداخلان، وقد حكى ابن حجر العسقلاني عن بعضهم

(2)

الأمر بحذف قوله: "وهو قائم يصلي" في الحديث؛ لأنه يشكل على أصح الأحاديث الواردة في هذا الباب، فقال:"وأجيب بحمل الصلاة على الدعاء، أو على أن انتظار الصلاة صلاة، وحمل القيام على الملازمة"

(3)

، انتهى.

وقال النووي في "الأذكار": "روينا في "صحيح" البخاري ومسلم عن أبي هريرة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة، فقال: فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي ويسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يقللها"، قلت: المراد بـ "قائم يصلي": من ينتظر الصلاة، فإنه في الصلاة"

(4)

.

قال الحنفي: "وهذا لا يناسب؛ لما ذكره في "شرح مسلم"، فبين كلاميه نوع تنافٍ".

قلت: وسيذكر المصنف قوله المذكور في "شرح مسلم" فيما بعد، ويأتي الكلام عليه مستوفًى إن شاء الله تعالى.

(1)

قال في حاشية (هـ): "يمكن إرادة الأوصاف المعنوية لا النحوية، فلا وهم".

(2)

في "فتح الباري": "وحكى أبو محمد بن السيد عن محمد بن وضاح أنه كان يأمر بحذفها من الحديث".

(3)

"فتح الباري" لابن حجر (2/ 416) بتصرف.

(4)

"الأذكار" للنووي (صـ 144).

ص: 291

(وقيل: بعد العصر إلى غروب الشمس. مَوْ ت) أي: هو موقوف في "كتاب الترمذي"، قال ميرك:"لم أره في الترمذي موقوفًا، وإنما فيه من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا، ولفظه: "قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: التمسوا الساعة التي ترجى [في]

(1)

يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس"

(2)

.

وقال العسقلاني في "شرح البخاري": "وروي هذا عن ابن عباس موقوفًا عليه رواه ابن جرير، ورواه أيضًا مرفوعًا من حديث أبي سعيد الخدري، والله أعلم"

(3)

، انتهى. وقيل:"بعد العصر"، وقيل:"بعده إلى وقت الاختيار"، وقيل:"من حين تصفر الشمس إلى أن تغيب"

(4)

.

(وقيل: آخر ساعة من يوم الجمعة) المراد بالساعة يحتمل أن تكون عرفية أو لُغوية. (د، س، مو طا د ت س مس) أي رواه: أبو داود، والنسائي؛ كلاهما عن جابر مرفوعًا

(5)

، ورواه مالك، وأبو داود،

(1)

من (هـ) و"جامع الترمذي".

(2)

أخرجه الترمذي (489) من حديث أنسٍ به مرفوعًا، وقال:"هذا حديث غريب من هذا الوجه"، وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (2/ 420):"إسناده ضعيف"، وقد حسن الحديث الألباني في "السلسلة الصحيحة"(2583).

(3)

"فتح الباري" لابن حجر (2/ 420 رقم: 935) مختصرًا.

(4)

حكى الحافظ ابن حجر رحمه الله هذه الأقوال كلها في "فتح الباري"(2/ 419، 420).

(5)

أخرجه أبو داود (1041)، والنسائي في "الصغرى"(1389) وفي "الكبرى" =

ص: 292

والترمذي، والنسائي، والحاكم، عن عبد الله بن سلام موقوفًا عليه

(1)

.

قال ميرك: "وعن أبي هريرة قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: أي شيء يوم الجمعة؟ قال: إن فيها طبعت طينة آدم أبيك، وفيها الصعقة والبعثة، وفيها البطشة، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له"، رواه أحمد من رواية علي بن أبي طلحة عن أبي هريرة

(2)

، ولم يسمع منه، ورجاله محتج بهم في الصحيح، ذكره المنذري

(3)

".

= (1709)؛ كلاهما من حديث جابر مرفوعًا. وحسن الحافظ ابن حجر إسناده في "الفتح"(2/ 420)، وقال الألباني في "صحيح الجامع" (8190):"صحيح"، وفي "الجامع" زيادة رمز الحاكم، وقد أخرجه (1/ 279) عن جابر به مرفوعًا، وقال:"هذا حديث صحيح على شرط مسلم"، فكان حق صاحب "الحصن" أن يرمز له.

(1)

أخرجه مالك في "موطئه"(291)، وأبو داود (1039)، والترمذي (491)، والنسائي في "الصغرى"(1430) وفي "الكبرى"(1766)، والحاكم (1/ 278)؛ كلهم من قول عبد الله بن سلام. وقال الترمذي:"وهذا حديث صحيح"، وقال الحاكم:"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، إنما اتفقا على أحرف من أوله"، وحكم الألباني بصحته في "صحيح سنن أبي داود"(4/ 961).

(2)

أخرجه أحمد (2/ 311) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا، وقال الألباني في "ضعيف الترغيب والترهيب" (431):"ضعيف".

(3)

"الترغيب والترهيب" للمنذري (1059)، وقد أعله بمثل ذلك أيضًا الحافظ في "الفتح"(2/ 418).

ص: 293

(وقيل: بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس، وقيل: بعد طلوع الشمس) وحكى الغزالي في "الإحياء" أنها عند طلوع الشمس

(1)

، قال ميرك:"وليس المراد من هذه الأقوال أنه يستوعبها جميع الوقت الذي عين لها، بل المعنى أنها تكون في أثنائه؛ لما في البخاري في آخر الحديث: "وأشار بيده يقللها"

(2)

، وفي مسلم:"هي ساعة خفيفة"

(3)

.

(وذهب أبو ذر الغفاري) بكسر الغين وتخفيف الفاء، نسبة إلى قبيلة بني غفار (رضي الله عنه إلى أنها بعد زَيْغِ الشّمس) بفتح الزاي وسكون التحتية، أي: بعد ميلها، يعني: زوالها (بيسير) أي: بقدر قليل، وفي نسخة:"بشبر" بكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة

(4)

، أي: بقدره من الظل (إلى ذراع) أي: قدر ذراع، قال ميرك: "رواه ابن المنذر، وابن عبد البر بإسناد قوي عنه

(5)

".

(1)

"إحياء علوم الدين" للغزالي (1/ 186).

(2)

"صحيح البخاري"(935) و (5294) و (6400).

(3)

"صحيح مسلم"(852).

(4)

وكذا في "فتح الباري"(2/ 418)، وفي "الأوسط" لابن المنذر، و"الدعاء" للطبراني:"يشير".

(5)

أخرجه ابن المنذر في "الأوسط"(4/ 12)، وابن عبد البر في "التمهيد"(19/ 23)؛ كلاهما عن أبي ذر به موقوفًا، والحديث عند الطبراني في "الدعاء" (183) عنه به. قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (8/ 412): "رواه ابن المنذر وابن عبد البر بإسناد قوي إلى الحارث بن يزيد الحضرمي عن =

ص: 294

(قلت: والذي أعتقده) أي: بحسب الظن الغالب؛ لعدم وجود اليقين في هذه المسألة للطالب (أنها وقت قراءة الإمام الفاتحة في صلاة الجمعة إلى أن يقول: آمين)

(1)

بمد الهمزة ويقصر، اسم فعل بمعنى: استجب دعائي، أو افعل مطلوبي، فهو دعاء بعد دعاء [تأكيدًا وتأييدًا]

(2)

.

وفيه أنه لو كان كذلك، لزم انحصار الدعاء من جانب الإمام فيما بين الفاتحة والتأمين، وليس الأمر كذلك، ذكره الحنفي. ويمكن دفعه بأن قوله:"إنها وقت قراءة الإمام" لا يستلزم انحصار الدعاء من جانبه، فإن الدعاء حاصل للمأموم أيضًا بالتبعية اللازم منها الإشتراك في دعاء {اهْدِنَا} بصيغة الجمع، مع أن قراءة الإمام قراءة للمأموم أيضًا، وأيضًا سكوته متضمن للدعاء القلبي والتعظيم المتضمن لطلب العطاء، مع

= عبد الرحمن بن حجيرة عن أبي ذر".

(1)

قال الحافظ ابن حجر في "الفتح"(2/ 421): "ثم ظفرت بعد كتابة هذا بقول زائدٍ على ما تقدم، وهو غير منقول استنبطه صاحبنا العلامة الحافظ شمس الدين الجزري، [وأذن] لي في روايته عنه، في كتابه المسمى "الحصن الحصين في الأدعية" لما ذكر الإختلاف في ساعة الجمعة واقتصر على ثمانية أقوال مما تقدم، ثم قال ما نصه: "والذي أعتقده أنها وقت قراءة الإمام الفاتحة في صلاة الجمعة إلى أن يقول: آمين جمعًا بين الأحاديث التي صحت"، كذا قال، ويخدش فيه أنه يفوت على الداعي حينئذٍ الإنصاتُ لقراءة الإمام فليتأمل".

(2)

كذا في (ب) و (ج) و (هـ)، وفي (أ):"تأكيدًا أو تأبيدًا"، وفي (د):"تأكيد أو تأييد".

ص: 295

مشاركته للإمام في التأمين الذي هو خلاصة الدعاء، كما ستجيء الإشارة إليه في كلام المصنف [مما]

(1)

يدل عليه.

(جمعًا) أي: للجمع، أو حال كونه مجموعًا به، أو حال كوني جامعًا (بين الأحاديث) أي: الصحيحة مع الإعراض عن الأحاديث الضعيفة والأقوال الموقوفة؛ ولذا قال: (التي صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما بينته في غير هذا الموضع) قال في "المفتاح": "وذلك أن الذي صح عندي من الأحاديث المرفوعة ثلاثة:

أحدها: عن أبي موسى الأشعري: "هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن [تقضى]

(2)

الصلاة"، رواه مسلم وأبو داود

(3)

، يعني:"على المنبر"، وقال مسلم:"هذا الحديث أجود حديث وأصحه في بيان ساعة الإجابة"

(4)

.

والثاني: حديث أبي هريرة: "أنه ذكر صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، فقال: فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يقللها"، متفق على صحته

(5)

.

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (هـ)، وفي (ج) و (د):"ما".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و"مفتاح الحصن الحصين"، وفي (ج) و (د) و (هـ):"يقضي".

(3)

أخرجه مسلم (853)، وأبو داود (1042)؛ كلاهما من حديث أبي موسى الأشعري به مرفوعًا.

(4)

أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(3/ 250) عن مسلم به.

(5)

أخرجه البخاري (935) و (5294) و (6400)، ومسلم (852) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

ص: 296

والثالث: حديث عمرو بن عوف المزني، قال صلى الله عليه وسلم:"إن في الجمعة ساعةً لا يسأل الله العبد فيها شيئًا إلا أعطاه إياه، قالوا: يا رسول الله، أيةُ ساعة هي؟ قال: هي من حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها"، رواه الترمذي، وقال:"حسن غريب"، وابن ماجه

(1)

.

فالأولى الجمع بين هذه الأحاديث بأنها في صلاة الجمعة؛ لأنها ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن [تقضى]

(2)

الصلاة، وهي أيضًا [واقعة]

(3)

والداعي قائم يصلي، وهي أيضًا من حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها، وإنما قلنا: عند تأمين الإمام؛ لأنه يجتمع فيه تأمين الإمام والمأمومين والملائكة في أقطار الأرض مشارقها ومغاربها، وأيضًا قولُه: "يقللها [بيده]

(4)

" يدل على أن وقتها وقت لطيف، وقد حكى ابن المنذر أقوالًا في وقتها، "فعن عائشة: "أنه إذا أذن لصلاة الجمعة"، وعن أبي العالية

(5)

: "عند زوال الشمس"،

(1)

أخرجه الترمذي (490)، وابن ماجه (1138)؛ كلاهما من حديث عمرو بن عوف المزني به مرفوعًا. قال الترمذي:"حديث حسن غريب"، وقال الألباني في "ضعيف الجامع" (1890):"ضعيف جدًّا".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (د) و"مفتاح الحصن الحصين"، وفي (ج) و (هـ):"يقضي".

(3)

كذا في "مفتاح الحصن الحصين"، وهو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ:"يوافقه".

(4)

كذا في (ج) و (هـ) و"مفتاح الحصن الحصين"، وفي (أ) و (ب) و (د):"بعده".

(5)

هو: رفيع بن مهران أبو العالية الرياحي البصري، الإمام المقرئ الحافظ =

ص: 297

وعن أبي [بردة

(1)

]

(2)

: "هي الساعة التي اختار الله فيها الصلاة"، وعن أبي السوار العدوي

(3)

: "كانوا يرون الدعاء مستجابًا ما بين أن تزول الشمس إلى أن يدخل في الصلاة"، قال:"وفيه قول، وهو: أنها ما بين أن تزيغ الشمس بشبر إلى ذراع"، قال:

= المفسر، أحد الأعلام، أدرك زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وأسلم في خلافة أبي بكر، وسمع كثيرًا من الصحابة، وحفظ القرآن وقرأه على أُبَيٍّ، قال أبو القاسم اللالكائي: ثقة مجمع على ثقته، تُوفِّيَ سنة: 90 على الصحيح، راجع ترجمته في:"تهذيب الكمال" للمزي (9/ رقم: 1922)، و"سير أعلام النبلاء"(4/ 205) و"تاريخ الإسلام"(6/ 529) للذهبي.

(1)

هو: أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، اسمه الحارث، ويقال: عامر بن عبد الله بن قيس، ويقال: اسمه كنيته، تابعي فقيه ثبت، حدث عن أبيه وجمع من الصحابة، تُوفِّيَ سنة: 103، وقيل سنة: 104، راجع ترجمته في:"تهذيب الكمال" للمزي (7220)، و"سير أعلام النبلاء"(4/ 343) و"تاريخ الإسلام"(7/ 284) للذهبي.

(2)

كذا في "الأوسط" لابن المنذر، وفي (أ) و (ب) و (ج):"بريدة"، وفي (د) و (هـ):"هريرة".

(3)

أبو السوار العدوي البصري، اختلف في اسمه فقيل: حسان بن حريث، وقيل: حريث بن حسان، وقيل: حريف بالفاء، وقيل: منقذ، وقيل: إنه حجير بن الربيع العدوي، قال أبو داود: من ثقات الناس، تُوفِّيَ بعد الثمانين وقبل التسعين على ما ذكره خليفة في تاريخه، راجع ترجمته في:"تاريخ خليفة بن خياط"(صـ 303)، "تهذيب الكمال" للمزي (ت 7419)، و"تاريخ الإسلام" للذهبي (7/ 290).

ص: 298

"وروينا هذا القول عن أبي ذر"، انتهى أي: كلام ابن المنذر

(1)

.

وهذه الأقوال قد تنزل على ما قلنا، والله أعلم، وأنا وغيري ممن وقف على قولي جرَّب الدعاء في هذه الساعة فرأى الإجابة، وأما حديث جابر يرفعه:"قال: يوم الجمعة ثنتا عشرة -يريد: ساعة- لا يوجد عبد مسلم يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر"، رواه أبو داود وهذا لفظه

(2)

، والنسائي، ولفظه: "يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة

"

(3)

وذكر الحديث، وفي إسناده عمرو بن الحارث بن يعقوب بن عبد الله الأنصاري المصري

(4)

، وهو وإن كان أخرج له الجماعة فقال فيه مثل الإمام أحمد بن حنبل:"رأيت له أشياء مناكير"

(5)

، انتهى.

ولعل هذا منها، فإنه خالف فيه الأحاديث الصحيحة المتقدمة، والصحيح المعروف أن النص على كونها بعد العصر من كلام عبد الله بن

(1)

"الأوسط" لابن المنذر (4/ 9 - 13).

(2)

"سنن أبي داود"(1041).

(3)

"السنن الصغرى"(1389) و"الكبرى"(1709) للنسائي.

(4)

هو: عمرو بن الحارث بن يعقوب بن عبد الله، أبو أمية الأنصاري المصري، مدني الأصل، حافظ ثبت، وثقه أبو زرعة والعجلي والنسائي وغيرهم، ولد بعد التسعين في خلافة الوليد بن عبد الملك، وتُوفِّيَ سنة: 148، راجع ترجمته في:"تهذيب الكمال" للمزي (21/ 570)، و"سير أعلام النبلاء"(6/ 349) و"تاريخ الإسلام" للذهبي (9/ 234).

(5)

"تاريخ بغداد" للخطيب (14/ 535).

ص: 299

سلام وكلام كعب الأحبار مع أبي هريرة، وأيضًا فلفظ الحديث كما تراه قد اضطرب"

(1)

، انتهى كلام المصنف.

وفيه أبحاث:

منها: أن مختاره المعنى إلى التأمين معارض لحديث "صحيح مسلم": "إلى أن [تقضى]

(2)

الصلاة"، ومناقض لحديث الترمذي الذي حسنه: "إلى الانصراف منها"، لكنه قد يدفع بأن حديث: "قائم يصلي" يخصصهما، وبه يحصل الجمع.

ومنها: أن قوله: "يجتمع فيه تأمين الإمام والمأمومين والملائكة في أقطار الأرض" إنما يتحقق أن لو تُصُوِّرَ صلاة الناس جميعًا في ساعة واحدة، وليس الأمر كذلك، فهذه الساعة الزمانية تختلف باختلاف الحالات المكانية، فالتحقيق أن الشارع اعتبر الساعة في حق كل قوم بالنسبة إلى زمان صلاتهم، ويحمل تأمين الملائكة في كل قطر على من حضر عندهم.

ومنها: أن قوله: "قد تنزل هذه الأقوال على ما قلنا" مستبعد جدًّا؛ إذ لا يمكن توافق بعضها مع قوله: "أبدًا" إلا بتكلّف وتعسّف.

ومنها: أن الحديث الذي رواه أبو داود وسكت عنه يكون حَسَنًا، لا سيما وقد رواه النسائي أيضًا، وكذا الترمذي عن أنس قال: قال رسول

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 5/ أ، ب).

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج) و (هـ):"يقضي".

ص: 300

الله صلى الله عليه وسلم: "التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس"

(1)

.

والراوي الذي أخرج له الجماعة لا يجوز طعنه بقول أحمد: "رأيت له أشياء مناكير"، وكيف يعد هذا من مناكيره وقد رواه أحمد عن أبي هريرة، قال:"قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لأي شيء سمّي يوم الجمعة؟ قال: لأن فيها طبعت طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة والبعثة، وفيها البطشة، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب"

(2)

.

ومنها: أن أبا هريرة رجع إلى كلام عبد الله بن سلام، [حيث]

(3)

وفق بين هذا الحديث وبين حديث أبي هريرة المتفق عليه، حيث قال أبو هريرة: "قال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة [في]

(4)

يوم الجمعة، قال أبو هريرة: فقلت: وكيف آخر ساعة في يوم الجمعة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي فيها؟! فقال عبد الله بن سلام: ألم

(1)

أخرجه الترمذي (489) من حديث أنسٍ به مرفوعًا، وقال:"هذا حديث غريب من هذا الوجه"، وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (2/ 420):"إسناده ضعيف"، وقد حسن الحديث الألباني في "السلسلة الصحيحة"(2583).

(2)

أخرجه أحمد (8102) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا، وقال الألباني في "ضعيف الترغيب والترهيب" (431):"ضعيف".

(3)

كذا في (أ) و (ب) و (د) و (هـ)، وفي (ج):"حين".

(4)

كذا في (أ) و (ج) و (د) و (هـ) و"مستدرك الحاكم"، وفي (ب) و"الموطأ" و"سنن أبي داود" و"سنن النسائي":"من".

ص: 301

يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من جلس مجلسًا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي؟ قال أبو هريرة: فقلت: بلى، قال: فهو ذاك"

(1)

، فهذا نوع جمع بين الأحاديث، صدر عن ابن سلام، ووافقه أبو هريرة وكذلك كعب.

وكذا ما روي عن فاطمة رضي الله عنها أنها كانت تراعي الشمس رعاية لوقت تلك الساعة

(2)

، فهو أولى بالاعتبار من جمع الأغيار، فإنهم الأصحاب أعرف بكلام صاحب الحديث في جميع الأبواب.

(وقال النووي رحمه الله أي: فـ "شرح مسلم"

(3)

، فقول الحنفي هنا:"في "الأذكار"، وهم منه؛ لأن قوله في "الأذكار" سبق أن المراد بـ "قائم يصلي ينتظر الصلاة" موافق لما اختاره ابن سلام

(4)

، وسبق منه أنه غير

(1)

أخرجه مالك (291)، وأبو داود (1039)، والترمذي (491)، والنسائي في "الصغرى"(1430) وفي "الكبرى"(1766)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 278)؛ كلهم من حديث أبي هريرة. وقال الترمذي:"وهذا حديث صحيح"، وقال الحاكم:"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، إنما اتفقا على أحرف من أوله"، وحكم الألباني بصحته في "صحيح سنن أبي داود"(4/ 961).

(2)

أخرجه الدراقطني في "العلل"(15/ 174)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (2716)؛ كلاهما من حديث فاطمة به. قال ابن حجر في "فتح الباري" (2/ 421):"في إسناده اختلاف على زيد بن علي، وفي بعض رواته من لا يعرف".

(3)

"شرح مسلم" للنووي (6/ 140 - 141).

(4)

"الأذكار" للنووي (صـ 144).

ص: 302

ملائم لما ذكره في "شرح مسلم".

(والصحيح) أي: ضد الضعيف، [ويخالفه]

(1)

قوله في "الأذكار": "أصح ما جاء فيها"

(2)

، (بل الصواب) أي: ضد الخطأ، وهو ترقٍّ بالإضراب، ثم وصفه للمبالغة بصفة [كاشفة]

(3)

، حيث قال:(الذي لا يجوز غيره)، وهذا كله مبالغة، بل مجازفة للزومه تخطئة بعض الصحابة، وبطلان بعض الأحاديث الواردة، (ما ثبت في "صحيح مسلم" من حديث أبي موسى الأشعري) أي: عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنها ما بين جلوس الإمام على المنبر إلى أن يسلّم من الصلاة"

(4)

، وقيل:"ذكر هذا في باب الجمعة من "الروضة"

(5)

، وكذا في كتاب اللعان من "المهمات"، لكن المفهوم من باب اللعان من "الروضة" أنها ساعة العصر

(6)

.

والحاصل: أن كلامه مضطرب في تصانيفه، وفي "شرح البخاري":"قال الطبري: أصح الأحاديث حديث أبي موسى، وأشهر الأقوال قول عبد الله بن سلام بأنها آخر ساعة بعد العصر"

(7)

. ورجح جماعة قول ابن

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (هـ)، وفي (ج):"وبخلافه"، وفي (د):"يخالفه".

(2)

"الأذكار" للنووي (صـ 144).

(3)

كذا في (ب) و (هـ)، وفي (أ) و (ج) و (د):"مكاشفة".

(4)

أخرجه مسلم (853) من حديث أبي موسى الأشعري به مرفوعًا.

(5)

"روضة الطالبين" للنووي (1/ 551 - 552).

(6)

"روضة الطالبين" للنووي (6/ 327).

(7)

"فتح الباري" لابن حجر (2/ 421 رقم: 935).

ص: 303

سلام، وحكى الترمذي عن أحمد أن أكثر الأحاديث على ذلك

(1)

، وقيل:"إنه نص الشافعي"، انتهى.

ومجمل مرام الكلام في هذا المقام أن الجمع المطابق للسمع الموافق للطبع بين الروايات الصحيحة والأقوال الصريحة هو أن يقال: إن الساعة المرجوة مبهمة تدور في الأوقات المختلفة، وإنَّ توقع حصولها في الوقتين المختارين أكثر، وإن ترجيح الأخير -وهو آخر ساعات العصر- أظهرُ، وقد توجد في سائر أوقاتها مما تقدم في ذكر ساعاتها، ونظيرها ليلة القدر، فإنها مبهمة على المختار، دائرة في ليالي السنة كلها، وأرجى أوقاتها رمضان، لا سيما العشر الأخير خصوصًا أوتارها، والغالب وقوعها في السابع والعشرين عندنا وعند جمهور العلماء سلفًا وخلفًا، وفي الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين عند الشافعي، وفي التاسع والعشرين عند مالك، وفيها أقوال أخر ذكرت بعضها في شرحي "المرقاة للمشكاة"

(2)

، والله سبحانه أعلم.

(1)

"جامع الترمذي"(489).

(2)

"مرقاة المفاتيح" للشارح (4/ 507 - 510).

ص: 304

(أحوال الإجابة)

اعلم أن حال السالك والداعي مختلفة غير مستمرة في أزمنة، وإن كانت لا تخلو عنها، ولتحوله - ولو في [الزمن والمحل]

(1)

- سمي حالًا، فهو وصف للداعي، وأما الزمان فهو ظرف له، وكذا المكان.

وبما قررناه حصل الفرق بين أوقات الإجابة وأحوالها وأماكنها، فالأحوال أوصاف توجد في الداعي، ترجي استجابة الدعاء له عند حصولها، وأما قول الحنفي:"فالمراد هنا أوصاف للداعي أو لغيره" ففي غير محله؛ لأن حال غير الداعي لا يُوجد سببًا لقبول دعوة الداعي على ما ذكر من الأحوال في جميع الأقوال.

ثم قوله: "فالإضافة لأدنى الملابسة" محل تدبر؛ لقوله: "تدبر؛ إذ فيه نظر يظهر"، وهو أن الإضافة فيها مع ما قبلها وما بعدها لامية تفيد اختصاصها بها، أي: أوقات وأحوال وأماكن لإجابة الدعاء فيها، والله أعلم.

(عند النداء بالصلاة) أي: حين تلبس مريد الدعاء بحال وقوع النداء الصادر منه أو من غيره، والنداء يشمل الأذان والإقامة، وإن كان إطلاقه على الأول [أدلّ]

(2)

. (د، مس) أي رواه: أبو داود، والحاكم، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنهما أنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثنتان لا

(1)

كذا في (ج)، وفي (أ) و (ب) و (د) و (هـ):"زمن واحد".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج)، وفي (د) و (هـ):"أولى".

ص: 305

تردّان - أو قلما تردان - الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضًا"

(1)

، وفي رواية عن سهل، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ووقت المطر"

(2)

أو "تحت المطر"

(3)

، ذكره ميرك.

(وبين الأذان والإقامة. د، ت، س، حب) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، عن أنس

(4)

، وزاد الترمذي:"قالوا: فما نقول يا رسول الله؟ قال: سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة"

(5)

، ذكره ميرك.

(وبعد الحيعلتين) أي: قول "حيَّ على الصلاة، وحيَّ على الفلاح"

(1)

أخرجه أبو داود (2532)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 198) و (2/ 113)؛ كلاهما من حديث سهل بن سعد الساعدي به مرفوعًا. قال الحاكم:"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وقال الألباني في "صحيح الجامع" (3079):"صحيح".

(2)

أخرجه أبو داود (2533) كما في نسخة، وانظر للفائدة حاشية المحقق.

(3)

أخرجه أبو داود (2533)، والحاكم في "المستدرك"(2/ 114)؛ كلاهما من حديث سهل به مرفوعًا.

(4)

أخرجه أبو داود (522)، والترمذي (212) و (3594، 3595)، والنسائي في "الكبرى"(9812، 9813، 9814)، وابن حبان (1696)؛ كلهم من حديث أنس به. قال الترمذي:"حديث أنس حديث حسن"، وقال الألباني في "الإرواء" (244):"صحيح".

(5)

"جامع الترمذي"(3594، 3595).

ص: 306

(لمن نزل به كرب) أي: هم وغم يأخذ بالنفس (أو شدة) أي: بلية جلية، فـ "أو" للتنويع، ويحتمل الشك، وأما قول الحنفي:""أو" للتخيير"، فوهم له في التعبير. (مس) أي: رواه الحاكم عن أبي أمامة

(1)

.

(وعند الصف في سبيل الله. حب، ط، مَوْ طا) أي رواه: ابن حبان والطبراني عن سهل بن سعد مرفوعًا كما تقدم، ورواه مالك في "الموطأ" من قوله موقوفًا

(2)

.

(وعند التحام الحرب) أي: عند التحام أهل الحرب وجرحهم وطعنهم في لحومهم، فقوله:(بعضهم بعضًا) مرفوع بـ "التحام" على الفاعلية، وفي نسخة بالجر على البدلية من الحرب، بناء على مضافه المقدر، وأما قول الحنفي:"أي: عند تحققه وقيامه في أصل المعنى من غير رعاية المبنى، وأما قوله: "والفعل في قوله: "بعضهم بعضًا"

(1)

أخرجه الحاكم في "المستدرك"(1/ 546 - 547) من حديث أبي أمامة به مرفوعًا. قال المنذري في "الترغيب والترهيب"(416): "رواه الحاكم من رواية عفير بن معدان وهو واهٍ، وقال: صحيح الإسناد"، وقال الألباني في "ضعيف الترغيب والترهيب" (177):"ضعيف جدًّا".

(2)

أخرجه ابن حبان (1720)، والطبراني في "الدعاء" (489) من حديث سهل به مرفوعًا. قال الألباني في "صحيح الجامع" (3587):"صحيح". ورواه مالك في "موطئه"(178) من حديثه موقوفًا. قال ابن عبد البر في "التمهيد"(21/ 138): "هكذا هو موقوف على سهل بن سعد في "الموطإ" عند جماعة الرواة، ومثله لا يقال من جهة الرأي".

ص: 307

محذوف، أي: صادف بعض المحاربين بعضًا منهم وحاربه، وهذه الجملة كالبيان بالنسبة إلى الالتحام"، فلا يخفى أنه مع تكلفه مستغنًى عنه بما حررناه. (د) أي: رواه أبو داود عن سهل أيضًا لما سبق

(1)

.

(ودبر الصلوات المكتوبات) أي: [عقب]

(2)

الصلوات المفروضات، والتقييد بها لكونها أفضل الحالات، فهي أرجى لإجابة الدعوات. (ت، س) أي رواه: الترمذي، والنسائي، عن أبي أمامة، وقال الترمذي:"حسن"، قال:"قلنا: يا رسول الله، أَيُّ الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات"

(3)

، وفي نسخة منسوبة إلى جلال رمز الراء بدل التاء، والظاهر أنه تصحيف وتحريف.

(وفي السجود. م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء"

(4)

.

(وعقيب تلاوة القرآن) أي: من حزبه أو ورده أو ختمه، ويحتمل أن

(1)

أخرجه أبو داود (2532) عن سهل بن سعد به مرفوعًا.

(2)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ) و (هـ):"عقيب".

(3)

أخرجه الترمذي (3499)، والنسائي في "الكبرى" (9856)؛ كلاهما من حديث أبي أمامة به مرفوعًا. قال الترمذي:"حديث حسن"، وقال الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1648):"صحيح لغيره".

(4)

أخرجه مسلم (482)، وأبو داود (871)، والنسائي في "الصغرى"(2/ 1137) وفي "الكبرى"(727)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

ص: 308

يستجاب منه ومن مستمعه. (ت) أي: رواه الترمذي عن عمران بن حصين

(1)

، ذكره ميرك.

(ولا سيما) بكسر السين وتشديد التحتية المفتوحة على أنه مركب من "سي" بمعنى مثل، ضم إليه "ما" تأكيدًا، واستعمل بمعنى التخصيص، وقوله:(الختم) بالجر في النسخ المعتمدة، ووجهه أن "ما" زائدة لا تمنع عمل ما قبلها [فيما]

(2)

بعدها، فالتقدير: لا شيء مثل ختم القرآن في قبول الدعوة وحصول الإجابة، وجوز في بعض النسخ رفعه ونصبه، ففي "القاموس" في مادة "س وي":"سيان: مثلان، و"لا سيما زيد"، مثل: "لا مثل زيد"، و"ما" لغوٌ، ويرفع "زيد" مثل: دع ما زيدٌ، وتخفف الياء"

(3)

، انتهى.

ولعل وجه النصب أن يكون التقدير: لا يساوي ولا يماثل شيء من أحوال الإجابة حالة ختم القرآن المقرون بالدعوة. ووجه الرفع أن يقدر: لا شيء من [الأحوال]

(4)

يماثله الختم؛ لأنه أعظمها.

(1)

أخرجه الترمذي (2917) من حديث عمران بن حصين به مرفوعًا، ولفظه: "من قرأ القرآن فليسأل الله به

" الحديث. وقال عَقِبَه: "هذا حديث حسن ليس إسناده بذاك"، وقال الألباني في "صحيح الجامع" (6467): "حسن"، وانظر لمزيد الفائدة "السلسلة الصحيحة" (257).

(2)

كذا في (هـ)، وفي (أ) و (ب) و (ج) و (د):"لما".

(3)

"القاموس"(4/ 339).

(4)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"أحوال الإجابة".

ص: 309

(ط، مو مص) أي: رواه الطبراني عن عمران مع ما سبق من حديثه مرفوعًا

(1)

، وهو موقوف في "مصنف ابن أبي شيبة" من قول عبدة بن أبي لبابة ومجاهد، وهما تابعيان، فهو لا يخلو [عن]

(2)

نوع مسامحة، والمعنى: أنهما ألحقاه بالحديث السابق إدراجًا.

قال ميرك: "عن الحكم بن عتيبة، قال: "كان مجاهد وعبدة بن أبي لبابة وأناس يعرضون المصاحف، فلما كان اليوم الذي أرادوا أن يختموا أرسلوا إليّ وإلى سلمة بن كهيل، فقالوا: إنا كنا نعرض المصاحف، فأردنا أن نختم اليوم، فأحببنا أن تشهدونا، إنه كان يقال: إذا ختم القرآن نزلت الرحمة عند خاتمته"، رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه"، ورواه أبو بكر بن أبي داود في كتاب "المصاحف" بسند صحيح

(3)

".

(1)

أخرجه الطبراني في "الكبير"(18/ 166) رقم (370) من حديث عمران بن حصين به مرفوعًا، ولكن ليس فيه دليل على تخصيص ختم القرآن، وإنما أراد الماتن حديمث العرباض بن سارية الذي أخرجه الطبراني في "الكبير"(18/ 259) رقم (647)، ولفظه:"ومن ختم القرآن فله دعوة مستجابة". قال الهيثمي: وعزاه للعرباض بن سارية وقال: فيه عبد الحميد بن سليمان وهو ضعيف. قال الألباني في "السلسلة الضعيفة"(3014): "ضعيف".

(2)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب) و (هـ):"من".

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة (30663) عن مجاهد وعبدة بن أبي لبابة به، وأما عزو الحديث إلى "المصاحف" لابن أبي داود فهو خطأ، لأن ابن القيم قال في "جلاء الأفهام" (صـ 478): وروى ابن أبي داود في "فضائل القرآن"، ولم أظفر به في=

ص: 310

(خصوصًا) بدل من قوله: "ولا سيما"، وهو مصدر فعل مقدر، أي: خص خصوصًا (من القارئ. ت، ط) أي رواه: الترمذي، والطبراني، عن عمران بن حصين: "أنه مر على قارئ يقرأ ثم يسأل - أي: الناسَ - فاسترجع، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من قرأ القرآن فليسأل الله به

(1)

، فإنه سيجيء أقوام يسألون الناس [بالقرآن]

(2)

"

(3)

، قال الترمذي:"حسن"، ذكره ميرك.

والحاصل

(4)

: أن قوله: "عقيب تلاوة القرآن" وحده رواه الترمذي

= كتاب "المصاحف"، وروى الحديث أيضًا أبو عبيد القاسم بن سلام في "فضائل القرآن"(صـ 107)، وابن الضريس في "فضائل القرآن"(صـ 44)؛ كلاهما عن مجاهد وعبدة به، وأخرج الدارمي (3525) عن مجاهد بنحوه.

(1)

بعدها في جميع النسخ زيادة: "ربه"، وليست في "جامع الترمذي".

(2)

من (هـ) فقط، وفي مصادر تخريج الخبر:"به".

(3)

أخرجه الترمذي (2917)، والطبراني في "الكبير" (18/ 166) رقم: 370)؛ كلاهما من حديث عمران بن حصين به مرفوعًا. قال الألباني في "صحيح الجامع"(6467): "حسن"، وانظر لمزيد الفائدة "السلسلة الصحيحة"(257).

(4)

كلام الشارح الآتي غير منضبط بالنسبة لرواية الحديث وألفاظه، فأما من ناحية الرواية فقد أوضحته في تخريج الحديث من المصادر المذكورة، وأما من ناحية ألفاظ الحديث فليست هذه الألفاظ التي ذكرها في شيء من المصادر المذكورة، إنما استقاها الماتن من ألفاظ حديث عمران وحديث العرباض بن سارية، وليس كما يوهم صنيعُه الآتي، والله أعلم.

ص: 311

بانفراده، وزاد الطبراني عنه في رواية:"ولا سيما الختم"، وزاد الترمذي، والطبراني؛ كلاهما في رواية أخرى:"خصوصًا من القاري".

(وعند شرب ماء زمزم) بضم الشين وفتحها مصدران، كما قرئ بهما في قوله تعالى:{فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ} [الواقعة: 55]، وجاء الكسر أيضًا، لكنه في معنى النصيب أكثر، قال الله تعالى:{لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الشعراء: 155].

(مس) أي: رواه الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ماء زمزم لما شرب له، فإن شربت [لتستشفي]

(1)

شفاك الله، وإن شربت مستعيذًا أعاذك الله، وإن شربت ليقطع ظمأك قطعه الله، قال: وكان ابن عباس إذا شرب ماء زمزم قال: "أسألك عِلْمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاء من كل داء"

(2)

، رواه الحاكم، ورجاله موثوقون،

(1)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (ب) و (هـ):"لتشفى"، وفي "المستدرك":"تستشفي".

(2)

أخرجه الحاكم في "المستدرك"(1/ 473) من حديث ابن عباس به. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد إن سلم من الجارودي، ولم يخرجاه"، هذا إسناد فيه الجارودي، وهو صدوق، وبقية رجاله ثقات، لكن قال ابن حجر روايته هذه شاذة، وهو حسن بهذا الإسناد واختلف في وصله وإرساله والمحفوظ وقفه على مجاهد.

قول الحاكم: إن سلم من الجارودي، قال ابن القطان: سلم من الجارودي فهو صدوق.=

ص: 312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= لكن الراوي عنه مجهول. وقال ابن حجر في الفتح 3: 493 رجاله موثوقون لكن اختلف في وصله وإرساله. وإرساله أصح. والجارودي صدوق إلا أن روايته شاذة.

وقال في الإتحاف 8816: وهم الجارودي في رفعه، والمحفوظ عن ابن عيينة وقفه على مجاهد كذا رواه الحميدي وابن أبي عمر وعبد الرزاق، وغيرهم ....

ذكره الحافظ في "الإتحاف"(8816).

قلت: محمد بن حبيب بن محمد الجارودي بصري، وقال الخطيب في تاريخه: صدوق. انظر: تاريخ بغداد (2/ 277)، والثقات لابن حبان (9/ 110)

وفي المغني في الضعفاء (5380) غمزه الحاكم.

وقال الذهبي في الميزان: (3/ 508): "أتى بخبر باطل اتهم بسنده".

وقال الحافظ في لسان الميزان (5/ 115): "والحديث المذكور في المستدرك

وذكر كلام الخطيب فيحتمل أن يكون هو هذا، وجزم أبو الحسن القطان بأنه هو وتبعه علي ذلك ابن دقيق العيد، والدمياطي وقد اخرج الدارقطني والحاكم

فهذا خطأ الجارودي وصله وإنما رواه ابن عيينة موقوفا على مجاهد كذلك حدث به عنه حفاظ أصحابه كالحميدي وابن أبي عمر وسعيد بن منصور وغيرهم.

وأخرجه: الدارقطني (2/ 289/ 238).

فالحاصل أن الحديث له ثلاث علل:

1 -

المخالفة:

أن محمد بن حبيب الجارودي أخطأ فيه عن ابن عيينة فجعله موصولًا، =

ص: 313

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وغيره جعله عن ابن عيينة عن مجاهد قوله، قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" (2/ 268): والجارودي صدوق، إلا أن روايته شاذة، فقد رواه حفاظ أصحاب ابن عيينة: الحميدي، وابن أبي عمر، وغيرهما عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله.

2 -

جهالة محمد بن هشام المروزي راويه عن الجارودي، قال ابن القطان: لا يعرف حاله.

3 -

ضعف عمر بن الحسن الأشناني، شيخ الدارقطني في هذا الخبر.

فقال الذهبي في "الرد على ابن القطان في كتابه بيان الوهم"(ص 39) قال: عبد الله بن المؤمل لين، وقال الدارقطني: ثنا عمر بن الحسن بن علي، ثنا محمد بن هشام المروزي - يعني ابن أبي الدميك - ثنا محمد بن حبيب الجارودي ثنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ماء زمزم لما شرب

".

قلت: هؤلاء ثقات سوى عمر الأشناني إنا نتهمه بوضعه.

وذكره في ترجمته في (الميزان)(3/ 185): فقال "صاحب بلايا" ثم ساق هذا الحديث من طريق الدارقطني، ثم قال: "وابن حبيب - يعني الجارودي - صدوق، فآفة هذا هو عمر، فلقد أثم الدارقطني بسكوته عنه، فإنه بهذا الإسناد باطل، ما رواه ابن عيينة قط، بل المعروف حديث عبد الله بن المؤمل، عن أبي الزبير، عن جابر مختصرًا.

وتعقبه الحافظ في "اللسان"(4/ 291) حيث قال: والذي يغلب على الظن أن المؤلف هو الذي أثم بتأثيمه الدارقطني فإن الأشناني لم ينفرد بهذا تابعه عليه في مستدركه الحاكم ولقد عجبت من قول المؤلف ما رواه ابن عيينة قط مع أنه رواه عنه الحميدي وابن أبي عمر وسعيد بن منصور وغيرهم من حفاظ=

ص: 314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= أصحابه إلا أنهم وقفوه على مجاهد لم يذكروا ابن عباس فيه فغايته أن يكون محمد بن حبيب وهم في رفعه

وهذا الحديث يُروى عن جابر رضي الله عنه من طريقين:

الطريق الأول: أخرجه ابن ماجه (3062)، وأحمد (3/ 357، 372)، والطبراني في (الأوسط)(853)، والبيهقي (5/ 148)، والعقيلي في (الضعفاء)(2/ 303)، والخطيب في (تاريخ بغداد)(3/ 179)، وابن عدي في "الكامل"(4/ 136) من طرق، عن: عبد الله بن المُؤَمَّل، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه به.

قال ابن عدي: وهذا الحديث يعرف بابن المؤمل عن أبي الزبير وهذا الإسناد ضعيف؛ لضعف عبد الله بن المُؤَمَّل.

وبه ضعفه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام: (3/ 478) ح 1243.

وضعفه - أيضًا - النووي في (المجموع)(8/ 198).

وقال العقيلي: لا يُتابع عليه. وكذا قال ابن حبان في "المجروحين"(2/ 28).

وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي الزبير إلا عبد الله بن المُؤَمَّل.

وقال البيهقي عقب إخراجه: "تَفَرَّدَ به عبد الله بن المُؤَمَّل".

قلت: أما تضعيفه بابن المُؤَمَّل: فنعم، وأما القول بأنه تَفَرَّدَ به: فلا؛ فقد تابعه إبراهيم بن طهمان، كما نَبَّهَ على ذلك صاحب (الجوهر النقي) (5/ 148). فقال - متعقبًا البيهقي -: قلت: لم ينفرد به، بل تابعه إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، كذا أورده البيهقي نفسه فيما بعد. والحديث في (سنن البيهقي) من طريق: أحمد بن إسحاق البغدادي، عن معاذ بن نجدة، عن خَلَّاد بن يحيى، قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه، وفيه قصة.

وأعلَّ الحافظ ابن حجر رحمه الله هذه المتابعة لابن المُؤَمَّل، فقال في =

ص: 315

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= التلخيص الحبير: (2/ 268): ولا يصحُّ عن إبراهيم

إنما سمعه إبراهيم من ابن المُؤَمَّل.

وفي سندها أحمد بن إسحاق البغدادي مجهول. وانظر: التلخيص الحبير (2/ 268).

وكان عبد الله بن المؤمل يضطرب فيه فرواه البيهقي في "الشعب"(4127) عن سعدويه عن عبد الله بن المؤمل عن ابن جريج عن عطاء عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ماء زمزم لما شرب له".

الطريق الثاني: أخرجه البيهقي في "الشعب"(3833)، والخطيب في (تاريخ بغداد) (10/ 166) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (13/ 79) و (32/ 436) عن سويد بن سعيد قال: رأيت ابن المبارك أتى زمزم فملأ إناء ثم استقبل الكعبة فقال: اللهم إن ابن أبي الموال نا عن ابن المنكدر عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ماء زمزم لما شرب له وهو ذا أشرب هذا لعطش يوم القيامة ثم شربه ثم قال البيهقي غريب من حديث ابن أبي الموال عن ابن المنكدر تفرد به سويد عن ابن المبارك من هذا الوجه عنه.

وأشار إلى علته ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(32/ 436) فقال: كذا قالا ابن أبي الموال والمحفوظ عن عبد الله بن المؤمل عن أبي الزبير ثم رواه على الصواب: عن ابن المقرئ وهذا في "معجمه"(361) - قال: حدثني محمد بن عبد الرحيم الخويي في مجلس ابن قتيبة نا محمد بن عبد الله النيسابوري نا الحسن بن عيسى قال رأيت ابن المبارك دخل زمزم فاستقى دلوا واستقبل البيت ثم قال اللهم أن عبد الله بن المؤمل

الحديث.

وقال الذهبي في "سير أعلام النبلاء"(8/ 281) قال ابن خراش ابن المبارك مروزي ثقة قال القاسم بن محمد بن عباد سمعت سويد بن سعيد يقول =

ص: 316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= رأيت ابن المبارك بمكة أتى زمزم فاستقى شربة ثم استقبل القبلة فقال اللهم ابن أبي الموال حدثنا عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ماء زمزم لما شرب له وهذا أشربه لعطش القيامة ثم شربه.

كذا قال ابن أبي الموال وصوابه ابن المؤمل عبد الله المكي والحديث به يعرف وهو من الضعفاء لكن يرويه عن أبي الزبير عن جابر فعلى كل حال خبر ابن المبارك فرد منكر ما أتى به سوى سويد.

وقال ابن كثير في "البداية والنهاية"(2/ 305): سويد بن سعيد ضعيف والمحفوظ عن ابن المبارك عن عبد الله بن المؤمل كما تقدم وقد رواه الحاكم عن ابن عباس مرفوعا ماء زمزم لما شرب له وفيه نظر والله أعلم.

وانظر أيضًا: فتح الباري (3/ 493) وقال: "غريب، تَفَرَّدَ به سويد" ونقل ذلك عنه ابن حجر في (التلخيص الحبير)(2/ 268) ثم قال عن سويد: "وهو ضعيف جدًّا، وإن كان مسلمٌ قد أخرج له في المتابعات

" إلى أن قال: "وقد خَلَّطَ في هذا الإسناد، وأخطأ فيه عن ابن المبارك، وإنما رواه ابن المبارك، عن ابن المُؤَمَّل، عن أبي الزبير، كذلك رويناه في (فوائد أبي بكر ابن المقري) من طريق صحيحة، فَجَعَلَه سويد: عن ابن أبي الموال، عن ابن المنكدر. واغْتَرَّ الحافظ شرف الدين الدمياطي بظاهر هذا الإسناد، فحكم بأنه على رسم الصحيح؛ لأن ابن أبي الموال انفرد به البخاريّ، وسويدًا انفرد به مسلمٌ، وغفل عن أن مسلمًا إنما أخرج لسويد ما توبع عليه، لا ما انفرد به، فضلًا عما خُولف فيه".

وقد جعله السخاوي شاهدا لحديث جابر المقاصد الحسنة (ح 928). فقال: ولحديث جابر شاهد آخر عن معاوية رضي الله عنه موقوف عليه، أشار إليه السخاوي في (المقاصد الحسنة)(ص 568).=

ص: 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= فقال - بعد أن ساق حديث جابر وابن عباس الماضيين-: "وأحسن من هذا كله عند شيخنا: ما أخرجه الفاكهي، من رواية ابن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: لما حج معاوية فحججنا معه، فلما طاف بالبيت

" فذكره، وفيه أن معاوية أمر بدلو من زمزم، فشربه، ثم قال: "زمزم شفاء، وهي لما شرب له". قال السخاوي: بل قال شيخنا: إنه حسن مع كونه موقوفا. وأفرد فيه جزءا.

قلت: ومما يشهد لمعناه: حديث أبي ذر رضي الله عنه يرفعه: "إنها مباركة وهي طعام طعم، وشفاء سقم". واستشهد به ابن حجر للحديث المتقدم، وهو في (مسند الطيالسي). (459).

وقال الحافظ ابن حجر: ومرتبة هذا الحديث: أنه باجتماع هذه الطرق يصلح للاحتجاج به وانظر المقاصد الحسنة (ص 568).

وقال مرة: غريب، حسن بشواهده. فيض القدير:(5/ 404).

ذكر من صححه:

1 -

صححه الحافظ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي. انظر: التقييد والإيضاح (1/ 24).

2 -

ابن الملقن في "الخلاصة"(2/ 26): حديث ماء زمزم لما شرب له ذكرته تبرعًا وقد رواه أحمد وابن أبي شيبة وابن ماجه والبيهقي من رواية أبي الزبير عن جابر قال البيهقي تفرد به عبد الله بن المؤمل قلت لا بل توبع وعبد الله هذا سيء الحفظ ضعفوه قال العقيلي ولا يتابع عليه قلت بلى وقال أبو محمد المنذري هو حديث حسن وأعله ابن القطان بتدليس أبي الزبير عن جابر قلت قد صرح بالتحديث في رواية ابن ماجه وذكره الحافظ شرف الدين الدمياطي من حديث جابر وليس فيه عبد الله هذا وقال إنه على رسم=

ص: 318

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الصحيح ورواه الحاكم والدارقطني من رواية ابن عباس وقال صحيح الإسناد إن سلم من رواية الجارودي قلت سلم منه فإنه صدوق لكن الراوي عنه مجهول وروى ابن الجوزي في كتابه الأذكياء أن سفيان بن عيينة سئل عن حديث ماء زمزم لما شرب له فقال حديث صحيح.

3 -

ابن عيينة: حكاه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(45/ 308) أنبأنا أبو محمد بن الأكفاني عن أبي بكر الحداد أنا تمام بن محمد نا أبو الميمون بن راشد نا عمر بن علي الحلواني بدمشق قال سمعت ابن المقرئ يقول كنا عند ابن عيينة فجاءه رجل فقال يا أبا محمد ألستم تزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ماء زمزم لما شرب له قال نعم قال فإني قد شربته لتحدثني بمائتي حديث قال اقعد فحدثه بها قال وسمعت ابن عيينة يقول قال عمر بن الخطاب اللهم إني أشربه لظمأ يوم القيامة.

قلت: عمر بن علي الحلواني حدث بدمشق عن محمد بن عبد الله بن يزيد بن المقرئ روى عنه أبو الميمون البجلي.

كذا ترجمه ابن عساكر فهو مجهول.

4 -

وابن خزيمة: ذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء"(14/ 256) قال الحاكم أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر سمعت ابن خزيمة وسئل من أين أوتيت العلم فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ماء زمزم لما شرب له" وإني لما شربت سألت الله علمًا نافعًا.

5 -

والعراقي في ذيل ميزان الاعتدال (1/ 188) في ترجمة محمد بن هشام بن علي المروذي روى عن محمد بن حبيب الجارودي عن ابن عيينة حديث ماء زمزم لما شرب له. قال ابن القطان: "لا يعرف". قلت: كلام الحاكم يقتضي أنه عرفه بالثقة؛ فإنه قال عقب هذا الحديث: هذا حديث صحيح الإسناد إن=

ص: 319

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= سلم من الجارودي، فدل أن بقية رواته ثقات عنده.

6 -

والمنذري في "الترغيب والترهيب"(2/ 136) قال: "وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ماء .... رواه الدارقطني والحاكم وقال صحيح الإسناد إن سلم من الجارود يعني محمد بن حبيب.

قال الحافظ سلم منه فإنه صدوق قاله الخطيب البغدادي وغيره لكن الراوي عنه محمد بن هشام المروزي لا أعرفه.

7 -

قال الحافظ في "الفتح"(3/ 493): رجاله موثقون إلا أنه اختلف في إرساله ووصله، وإرساله أصح، وله شاهد من حديث جابر، وهو أشهر منه أخرجه الشافعي وابن ماجه ورجاله ثقات إلا عبد الله بن المؤمل المكي، فذكر العقيلي أنه تفرد به، لكن ورد من رواية غيره عند البيهقي من طريق إبراهيم بن طهمان، ومن طريق حمزة الزيات كلاهما عن أبي الزبير عن جابر، ووقع في "فوائد ابن المقرئ" من طريق سويد بن سعيد عن ابن المبارك عن ابن أبي الموالي عن ابن المنكدر عن جابر، وزعم الدمياطي أنه على رسم الصحيح وهو كما قال في حديث الرجال إلا أن سويدا وإن أخرج له مسلم فإنه خلط وطعنوا فيه، وقد شذ بإسناده والمحفوظ عن ابن المبارك عن ابن المؤمل.

وروي عن ابن عمر:

ذكره الحافظ في "اللسان"(1/ 186) في ترجمة: أحمد بن صالح الشمومي عن أبي صالح كاتب الليث قال ابن حبان يأتي عن الأثبات بالمعضلات انتهى وقال أيضا ابن حبان يكنى أبا جعفر يجب مجانبة ما روى لتنكبه الطريق المستقيم في الرواية ولم يكن أصحاب الحديث يكتبون عنه ....

وقال: ومن مناكير الشمومي ما روى الحاكم في تاريخه حدثنا محمد بن صالح ثنا محمد بن إبراهيم يعني ابن مقاتل ثنا أحمد بن صالح الشمومي بمكة =

ص: 320

وسيجيء في هذا الكتاب في أذكار الحج، ذكره ميرك.

واعلم أن زمزم بئر مباركة معروفة بمكة، [وقصّتها]

(1)

مشهورة، وفي كتب السير [مسطورة]

(2)

، سميت بها لِزَمِّ هاجر أم إسماعيل - أي: ضمها - لمائها حين انفجرت، وقيل:"لِزَمِّ جبريل وكلامه عند فجره إياها"

(3)

، فيكون من الزمزمة، وقيل: "لأنها مشتقة من [الهزمة]

(4)

، وهي: الغمز بالعقب في الأرض"

(5)

؛ لأن ماء زمزم خرج بغمز رِجْل إسماعيل عليه السلام، ونقل عن البلقيني

(6)

أن ماء زمزم أفضل من ماء الكوثر؛ لأن به غسل صدر النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يغسل إلا بأفضل المياه.

= ثنا عبد الله عن نافع عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما رفعه قال: "ماء زمزم لما شرب له".

(1)

كذا في (ج)، وفي (أ) و (ب) و (د) و (هـ):"وقضيتها".

(2)

كذا في (أ) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (ب):"مبسوطة".

(3)

حكى القولين السابقين السيوطي في "شرح سنن ابن ماجه"(2/ 1158 رقم: 3074).

(4)

كذا في "أخبار مكة" و"فتح الباري"، وهو الصواب، وفي جميع النسخ:"الزمة".

(5)

أخرجه الفاكهي في "أخبار مكة"(2/ رقم: 1056) عن مجاهد قوله. قال الحافظ في "فتح الباري"(3/ 493): "أخرجه الفاكهي بإسناد صحيح عنه".

وقال ابن قتيبة في "غريب الحديث"(2/ 502): "وليست زمزم على طريق اللغة من الهزمة في شيء".

(6)

"مغني المحتاج" للشربيني (1/ 48).

ص: 321

آقول: ويمكن أن يقال: يكفي في مزيته أنه أفضل مياه الأرض خصوصًا، وقد حصل على سبيل خرق العادة ببركة قدم جده صلى الله عليه وسلم، ويدل على قولنا ما رواه ابن حبان بإسناد جيد عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم؛ فيه طعام طعم، وشفاء سقم"

(1)

، وهو: بضم الطاء وسكون العين، أي: يشبع شاربها كما يشبعه الطعام.

هذا، وأخرج مسلم عن أبي ذر مرفوعًا:"إنها مباركة؛ إنها طعام طعم"

(2)

، زاد البزار، والطيالسي:"وشفاء سقم"

(3)

، وروي عن ابن عباس أنه قال:"كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يُتْحِفَ الرجل بتحفة، سقاه من ماء زمزم"

(4)

، أخرجه الدمياطي، وقال:"إسناده صحيح"، ذكره ميرك.

(1)

قال المنذري في "الترغيب والترهيب"(1838): "رواه الطبراني في "الكبير" ورواته ثقات، وابن حبان في "صحيحه""، وتبعه المصنف في عزو الحديث لابن حبان، ولم أقف عليه فيه، إنما رواه الطبراني في "الكبير" (11/ رقم: 11167) من حديث ابن عباس به. قال الألباني في "صحيح الترغيب"(3322): "صحيح".

(2)

أخرجه مسلم (2473) من حديث أبي ذر به مرفوعًا.

(3)

أخرجه البزار (3929، 3946)، وأبو داود الطيالسي (459) من حديث أبي ذر به مرفوعًا. قال الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1162):"صحيح".

(4)

أخرجه ابن عدي في "الكامل"(3/ 281)، وأبو الشيخ في "طبقات المحدثين"(2/ 48)، وأبو نعيم في "الحلية"(3/ 304)؛ كلهم من حديث ابن عباس به.=

ص: 322

هذا، والماء الذي نبع من بين أصابعه عليه السلام كان أفضل المياه بلا شبهة.

(والحضور) بالرفع، أي: من جملة أحوال الإجابة حالة الحضور، وفي نسخة بالجر، أي: عند حضور الداعي وحال وصوله (عند الميت) بالتشديد ويخفف، والمراد به: المحتضر، ويحتمل: الميت الحقيقي، والحديث الآتي في تغميض الميت يدل على أنه أظهر.

(م، عه) أي رواه: مسلم، والأربعة، عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرًا؛ فإن الملائكة يُؤَمِّنون على ما تقولون"

(1)

، قال ميرك:"رواه الجماعة إلا البخاري".

(وصياح الديكة) بكسر الدال وفتح التحتية، جمع الديك كالفِيَلَةِ والفيل، والقِرَدة والقرد، والصياح مرفوع، وفي نسخة مجرور، أي: وعند صيحة الديك وصوته، فإن المراد بها جنس الديك كما يفهم من التعليل في الدليل، ولعل إتيانه بصيغة الجمع ليفيد الأنواع.

(خ، م، ت، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سمعتم صياح الديكة فسلوا

= قال أبو نعيم: "هذا حديث غريب من حديث ليث عن مجاهد"، وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (4165):"ضعيف".

(1)

أخرجه مسلم (919)، وأبو داود (3106)، والترمذي (977)، والنسائي في "الصغرى"(1825) وفي "الكبرى"(1964)، وابن ماجه (1447)؛ كلهم من حديث أم سلمة به مرفوعًا، واللفظ لمسلم والترمذي وابن ماجه.

ص: 323

الله من فضله؛ فإنها رأت مَلَكًا"

(1)

، رواه الجماعة إلا ابن ماجه، ذكره ميرك.

وفي "الجامع": "إذا سمعتم أصوات الديكة فسلوا الله من فضله؛ فإنها رأت مَلَكا، وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان؛ فإنها رأت شيطانًا"، رواه أحمد، وابن ماجه، وأبو داود، والترمذي

(2)

"

(3)

، فاتفق الجماعة على تخريج الحديث، مع زيادة الإمام أحمد، فرموز المصنف لا تخلو عن قصور

(4)

، وفي نسخة بالدال بدل التاء، لكنها ضعيفة.

قال القاضي عياض: "في صياح الديكة رجاء تأمين الملائكة"

(5)

.

قلت: الأظهر أن يقال: لأن عند ذكر الصالحين وحضورهم ونزولهم

(1)

أخرجه البخاري (3303)، ومسلم (2729)، والترمذي (3459)، والنسائي في "الكبرى"(10714)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

(2)

أخرجه أحمد (2/ 307) و (2/ 321)، وأبو داود (5061)، والترمذي (3459)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

(3)

"صحيح الجامع"(611)، وقال الألباني:"صحيح".

(4)

قلت: رموز المصنف فيها قصور من ناحية تركه رمز أبي داود، فالحديث عنده من حديث أبي هريرة، ولكن قول الشارح:"فاتفق الجماعة على تخريجه" - متابعًا فيه الإمام السيوطي في عزوه الحديث لابن ماجه - هو خطأ، لأن ابن ماجه لم يخرج الحديث؛ ولهذا لم يرمز له الحافظ المزي في "تحفة الأشراف" (10/ رقم: 13629)، والله أعلم.

(5)

"إكمال المعلم" للقاضي عياض (8/ 224 رقم: 2729).

ص: 324

تنزل الرحمة، بخلاف الظالمين والفَسَقة والفَجَرة، ويؤيده ما ورد في الحديث المذكور من مقابلته بقوله:"وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان؛ فإنها رأت شيطانًا".

(واجتماع المسلمين) بالوجهين، ثم كل ما يكون الاجتماع فيه أكثر، كالجمعة، والعيدين، وعرفة يتوقع فيه رجاء الإجابة أظهر. (ع) أي: رواه الجماعة عن أم عطية الأنصارية

(1)

.

(وفي مجالس الذكر) وفي معناها مجالس العلم والتلاوة. (خ، م، ت) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، من حديث أبي هريرة المتقدم في فضل الذكر

(2)

.

(وعند قول الإمام: {وَلَا الضَّالِّينَ}. م، د، س، ق) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي موسى الأشعري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قال الإمام {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} ، فقولوا:

(1)

أخرجه البخاري (324) و (972، 974، 980، 981، 1652)، ومسلم (890)، وأبو داود (1129)، والترمذي (539، 540)، والنسائي في "الصغرى"(390) و (1558، 1559) وفي "الكبرى"(1769، 1770، 1771)، وابن ماجه (1308)؛ كلهم من حديث أم عطية الأنصارية، وفيه:"ولتشهد الخير ودعوة المسلمين".

(2)

أخرجه البخاري (6408)، ومسلم (2689)، والترمذي (3600)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

ص: 325

آمين؛ يجبكم الله"

(1)

.

(وعند تغميض الميت) أي: إغماض عينيه بعد خروج رُوحه. (م، د، س، ق) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن أم سلمة، قالت:"دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة بعدما مات وقد شق بصره، فأغمضه ثم قال: إن الروح إذا خرج تبعه البصر، فضج ناس من أهله، فقال: "لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة يُؤَمِّنون على ما تقولون"، ثم قال: "اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في العليين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وأفسح له في قبره، ونور له فيه"

(2)

.

(وعند إقامة الصلاة. ط، مر) أي رواه: الطبراني، وابن مردويه، ولم يعرف صحابيّهما، وفي نسخة صحيحة: "عن سهل بن سعد

(1)

أخرجه البخاري (782) و (4475)، ومسلم (415)، وأبو داود (935)، والنسائي في "الصغرى"(929)، وفي "الكبرى"(1003)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا، ولفظه:"فقولوا: آمين، فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه"، وأما اللفظ الذي ذكره الشارح رحمه الله فهو من حديث أبي موسى الأشعري الذي أخرجه مسلم (404)، وأبو داود (964)،

وغيرهما.

(2)

أخرجه مسلم (920)، وأبو داود (3109)، والترمذي (977)، والنسائي في "الصغرى"(1825) وفي "الكبرى"(1964)، وابن ماجه (1447)؛ كلهم من حديث أم سلمة به مرفوعًا، واللفظ لمسلم وأبي داود.

ص: 326

[الساعدي]

(1)

"، وهو الظاهر مما سيأتي

(2)

.

(وعند نزول الغيث) أي: المطر. (د، ط، مر) أي رواه: أبو داود، والطبراني، وابن مردويه، من حديث سهل بن سعد الساعدي

(3)

.

(رواه) أي: روى قبول الدعاء عند نزول الغيث، والظاهر أن يقال: ورواه (الشافعي في "الأم") وهو اسم كتاب له، كأنه أصل مذهبه (مرسلًا)، وهو يحتمل أن يكون مطلقًا غير منسوب إلى أحد، أو مقيدًا عن سهل بن سعد السابق رمزه، أو أرسله الشافعي بنفسه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه نوع من الإرسال أيضًا

(4)

.

(1)

من (ج) فقط.

(2)

قلت: حديث سعد الآتي لفظه: "عند النداء"، قال ابن الأثير في "النهاية" (5/ 37) مادة (ن د ي):"أي: عند الأذان بالصلاة"، وقد استدل به المصنف من ذي قبل على هذا، وليست فيه دلالة على استجابة الدعاء عند الإقامة؛ إنما أراد المصنف برمز الطبراني الحديث الذي رواه في "الكبير"(8/ 7713، 7719)، والبيهقي أيضًا في "السنن الكبرى"(3/ 360) عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"تفتح أبواب السماء ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن: عند التقاء الصفوف في سبيل الله، وعند نزول الغيث، وعند إقامة الصلاة، وعند رؤية الكعبة". قال الألباني في "ضعيف الجامع"(2465): "ضعيف جدًّا".

(3)

أخرجه أبو داود (2532)، والطبراني في "الدعاء" (489)؛ كلاهما من حديث سهل بن سعد الساعدي به مرفوعًا. قال الحاكم:"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وقال الألباني في "صحيح الجامع" (3079):"صحيح".

(4)

أخرجه الشافعي "الأم"(591) قال: أخبرني من لا أتهم، قال: حدثني=

ص: 327

(وقال) أي: الشافعي

(1)

زيادة على الإرسال، (قد) وفي نسخة:"وقد"(حفظت من) وفي نسخة صحيحة: "عن"(غير واحد) أي: عن كثير من السلف (طلب الإجابة عنده) أي: عند نزول الغيث.

(قلت: وعند رؤية الكعبة. ط) أي: رواه الطبراني عن أبي هريرة، بلفظ:"يستجاب دعاء المسلم عند رؤية الكعبة"

(2)

. قال ميرك: "وإسناده ضعيف".

قلت: يعمل بالضعيف في فضائل الأعمال اتفاقًا، ويؤيده أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا نظر إلى البيت قال:"اللهم زد بيتك هذا تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًّا ومهابة"، رواه الطبراني عن حذيفة بن أسيد

(3)

.

هذا، وفي قوله:"قلت" إشعار بأن أحدًا من العلماء قبله لم يعدها من أحوال الإجابة، وإن كان مأخذها موجودًا في السنة.

= عبد العزيز بن عمر، عن مكحول، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"اطلبوا إجابة الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث". وقد حسنه الألباني بشواهده كما في "السلسلة الصحيحة"(1469).

(1)

"الأم" للشافعي (2/ رقم: 592).

(2)

أخرجه الطبراني في "الكبير"(8/) رقم (7713، 7719) من حديث أبي أمامة مرفوعًا، ولفظه: "تفتح أبواب السماء ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن

" وذكر الحديث. قال الألباني في "ضعيف الجامع" (2465): "ضعيف جدًّا".

(3)

أخرجه الطبراني في "الكبير"(3) رقم (7713، 7719) من حديث حذيفة بن أسيد به مرفوعًا. قال الألباني في "السلسلة الضعيفة"(4215): "موضوع".

ص: 328

(وبين الجلالتين) أي: في قوله تعالى: {رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ} [الأنعام: 124](في الأنعام) أي: في سورته.

(حفظنا ذلك مجربًا) حال من المفعول، (عن) وفي نسخة:"من"(غير واحد من أهل العلم).

(ونص عليه الحافظ عبد الرزاق) أي: ابن رزق الله، محدث الجزيرة، توفي سنة إحدى وستين وست مئة

(1)

، كذا في "التصحيح"، (الرَّسْعَنِيّ) بفتح الراء وسكون السين وفتح العين ونون مكسورة وياء مشددة، نسبة إلى بلدة من بلاد ديار بكر، يقال لها: رأس العين، وماء دجلة يخرج منها، كذا في "الأنساب"

(2)

.

(في "تفسيره"

(3)

عن الشيخ العماد) بكسر العين (المقدسي) بفتح

(1)

هو: عبد الرزاق بن رزق الله بن أبي بكر بن خلف، أبو محمد، الجزري الرَّسْعَني الحنبلي، عز الدين، الإمام المحدث الرحال الحافظ المفسر عالم الجزيرة، كان إمامًا متقنًا ذا فنون وأدب، وعُنِيَ بعلم التفسير، وجمع وصنف تفسيرًا حسنًا سماه "رموز الكنوز"، وكتاب "فضل الحسين"، ولد سنة: 589، وتُوُفِّيَ سنة: 661، راجع ترجمته في:"ذيل طبقات الحنابلة" لابن رجب (4/ رقم: 419)"تاريخ الإسلام" للذهبي (49/ 72)، و"طبقات المفسرين" للسيوطي (56).

(2)

"الأنساب" للسمعاني (6/ 119).

(3)

طُبع هذا التفسير، ولكن أشار محققه أنه ناقص من أواخر سورة النساء وحتى الآية 127 من سورة الأنعام؛ ولذا لم أقف على قوله هذا في المطبوع منه.

ص: 329

الميم وكسر الدال

(1)

، قال ميرك: "وكذا نص عليه الشيخ الخطيب شرف الدين التبريزي

(2)

في "تفسيره"".

(1)

هو: إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور، أبو إسحاق، العماد المقدسي الحنبلي، الزاهد القدوة، أخو الحافظ عبد الغني، رحل في طلب العلم، وكان عالمًا بالقراءات والنحو والفرائض، وكان من كثرة اشتغاله بالتعليم لا يتفرغ للتصنيف، ولد سنة: 543، وتُوُفِّيَ سنة: 614، راجع ترجمته في:"ذيل طبقات الحنابلة" لابن رجب (3/ رقم: 283)، و"سير أعلام النبلاء"(22/ 47) و"تاريخ الإسلام" للذهبي (44/ 182).

(2)

هو: يحيى بن علي بن محمد بن الحسن بن بسطام، أبو زكريا، الشيباني التبريزي الخطيب اللغوي، أحد الأعلام في اللسان، قرأ اللغة والأدب على أبي العلاء بن سليمان بالمعرة، تخرج عليه خلق، وله مصنفات كثيرة، منها:"شرح الحماسة"، و"شرح ديوان المتنبي"، و"شرح سقط الزند"، ولد سنة: 421، وتوفي سنة: 502، راجع ترجمته في:"معجم الأدباء" لياقوت الحموي (6/ رقم: 1233)، و"سير أعلام النبلاء"(19/ 269) و"تاريخ الإسلام" للذهبي (35/ 73).

ص: 330

‌أماكن الإجابة

(أماكن الإجابة فكالمواضع

(1)

الشريفة) أي: الثابتة الواردة أن الدعاء يستجاب فيها، وكان الأظهر أن يقول المصنف: هي المواضع الشريفة.

(قال الحسن البصري)

(2)

بفتح الباء [وتكسر]

(3)

رحمه الله وهو من أجلّاء التابعين، بل قيل:"إنه أفضلهم"، لكن الصحيح أن خير التابعين أويس القرني على ما ورد به الخبر

(4)

، والمراد به أنه أكثر ثوابًا، وإلا فلا شك أن الحسن أكثر فضيلة منه، وكذا سعيد بن المسيب وأمثاله من التابعين، (في رسالته) أي: في كتابته المرسلة (إلى أهل مكة) أي: إلى بعضهم حين يريد أن يتحول منها إلى غيرها من البلدان، وهي مشتملة على أحاديث وردت في فضل المجاورة بمكة، وقال فيها أيضًا:(إن الدعاء يستجاب هناك) أي: في ذلك البلد، يعني: مكة وما حولها.

(1)

بتقدير "أما"، وكأن التقدير: وأما الأماكن

إلخ، والله أعلم.

(2)

انظر: فضائل مكة والسكن فيها (ص: 24 - 25) وفي نسبة هذه الرسالة للحسن البصري مقال، لأن الإسناد إليه منقطع، وفيه ضعفاء ومجاهيل.

وانظر أخبار مكة للفاكهي (2/ 271).

(3)

كذا في (أ) و (ب) و (د) و (هـ)، وفي (ج):"وكسرها".

(4)

أخرجه مسلم (2542) عن أسير بن جابر عن عمر مرفوعًا: "إن خير التابعين رجل يقال له: أويس

" الحديث.

ص: 331

(في خمسة عشر موضعًا) وهو لا يفيد الحصر ليرد عليه أنه ثمة مواضع أخر يستجاب الدعاء فيها، كالمستجار، والركن اليماني، وما بين الركنين، ودار الأرقم المشهور الآن بـ "دار الخيزران"

(1)

التي كان صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيها مستخفين من الكفار حتى أسلم عمر رضي الله عنه فيه، وأعز الله الإسلام به، وكذا مولده صلى الله عليه وسلم، وبيت خديجة رضي الله عنها، وغار ثور وحراء

(2)

وأمثال ذلك.

(1)

انظر: العقد الثمين للفاسي (1/ 98) والزهور المقتطفة في تاريخ مكة المشرفة للفاسي (ص: 158).

(2)

قال العلامة السفاريني في غذاء الألباب شرح منظومة الآداب (2/ 514)، قال معلقا على قول الناظم في ذكر أماكن إجابة الدعاء: وَأَمَّا أَمَاكِنُ الْإِجَابَةِ فَهِيَ الْمَوَاضِعُ الْمُبَارَكَةُ، وَلَا أَعْلَمُ بِوُرُودِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَنْ الْمَعْصُومِ صلى الله عليه وسلم إلَّا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ "أَنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابٌ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْكَعْبَةِ". قُلْت: إلَّا أَنْ يُقَالَ وَفِي مَسْجِدِ الْأَحْزَابِ كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ لَمَّا اسْتَجَابَ لَهُ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ.

فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ سَعْدٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم "أَتَى مَسْجِدَ الْأَحْزَابِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَيَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ وَقَامَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو عَلَيْهِمْ - أَيْ الْأَحْزَابِ - قَالَ جَابِرٌ فَعَرَفْنَا الْبِشْرَ فِي وَجْهِهِ صلى الله عليه وسلم".

وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ مَوَاضِعَ اُسْتُجيبَ الدُّعَاءُ فِيهَا عَنْ تَجْرِبَةٍ. كَالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، وَبَيْنَ الْجَلَالَتَيْنِ مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَفِي الطَّوَافِ. وَعِنْدَ الْمُلْتَزَم وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ وَرُوِيَ مُسَلْسَلًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَقُومُ عَبْدٌ ثُمَّ يَعْنِي فِي الْمُلْتَزَمِ فَيَدْعُو=

ص: 332

(في الطواف) بدل تفصيل بإعادة العامل، أي: في موضعه المعبر عنه بالمطاف، وإلا فنفس الطواف ومباشرته من جملة أحوال الإجابة، والظاهر: أن المراد به المحل المعهود في زمنه صلى الله عليه وسلم، وإلا فالمسجد الشريف كله يجوز فيه الطواف، لكن كل ما يكون أقرب إلى البيت فهو أفضل، بشرط أن يجتنب عن المرور على الشَّاذَرْوَانِ

(1)

، ثم الظاهر: أن الدعاء مستجاب [في]

(2)

حال مباشرة الطواف، ودعواته المأثورة مشهورة، ولا يبعد أن يكون مطلقًا.

= الله عز وجل بِشَيْءٍ إلَّا اسْتَجَابَ لَهُ، وَفِي دَاخِلِ الْبَيْتِ، وَعِنْدَ زَمْزَمَ، وَعَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَفِي الْمَسْعَى، وَخَلْفَ الْمَقَامِ، وَفِي عَرَفَاتٍ، وَالْمُزْدَلِفَةِ، وَمِنًى وَعِنْدَ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ. وَفِي أَمَاكِنَ أُخْرَى جَرَّبَهَا النَّاسُ وَالله أَعْلَمُ.

لا أعرف دليلا صحيحا على أن هذه المواضع كلها من مواضع الإجابة.

انظر للتفصيل: "الإيجاز في المناسك" للنووي (ص 76)، وللشيخ محمد سعيد بن عثمان بن محمد شطا المكي رحمه الله، إمام المقام الشافعي والخطيب بالمسجد الحرم، أحد علماء القرن الرابع عشر الهجري، رسالة في "مواطن إجابة الدعاء بمكة المكرمة" تسمى:"مجموع الذخائر المكية في أشرف البقاع الحرمية المدخرة في الكعبة المشرفة لإجابة الأدعية المسنونة المختصة فيها كما وردت الأحاديث في فضلها" حققها الدكتور عبد الله نذير أحمد، ونشرتها دار البشائر الإسلامية ببيروت سنة 1419 هـ.

(1)

الشَّاذَرْوَانِ: هو أساس البيت الخارج عن جداره مرتفعًا عن سطح الأرض قرابة ثلاثين سنتيمترًا، تركته قريش لضيق النفقة، وهو جزء من البيت. انظر: أخبار مكة للأزرقي (1/ 207)، المجموع شرح المهذب (8/ 24).

(2)

كذا في (ج)، وفي (أ) و (ب) و (د) و (هـ):"فيه".

ص: 333

(وعند الملتزم) وهو ما بين الركن والباب، فهو تخصيص بعد تعميم، ومحله بعد الطواف قبل ركعتي الطواف، وقيل: بعدهما، وهو أن يتشبث بأستار الكعبة، ويضع خده ووجهه عليه، ويلصق سائر بدنه إليه، ويدعو نحو:"اللهم إني وقفت ببابك، والتزمت بأعتابك، أرجو رحمتك، وأخشى من عذابك. اللهم حرم شعري وجسدي على النار"، ومن دعائه: "يا [واحد]

(1)

يا ماجد، لا تزل عني نعمة أنعمت بها عليَّ"

(2)

.

(وتحت الميزاب) الظاهر أنه من داخل الحجر، ويحتمل أن يراد به محاذيه من المطاف. (وفي البيت) أي: وفي داخله، ويقول حينئذٍ:"اللهم يا رب البيت العتيق، أعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا من النار، اللهم كما أدخلتني بيتك فأدخلني جنتك، اللهم يا خفي الألطاف، آمنا مما نخاف"، وكذا الحطيم حكمه حكم البيت على ما ورد به الحديث، وقال ابن العربي خلصنا الله به: من صنيع سَدَنَة الكعبة.

(وعند زمزم) أي: عند الوقوف على قرب بئرها، أو مع شرب مائها، فإن ماء زمزم لما شرب له، ويقول:"اللهم إني أسألك عِلْمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاءً من كل داءٍ"

(3)

.

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (د) و (هـ) و"تاريخ دمشق"، وفي (ج):"واجد".

(2)

أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(51/ 164) من حديث علي به مرفوعًا.

قال الألباني في "ضعيف الجامع"(5079): "ضعيف".

(3)

أخرجه الحاكم (1/ 473) من حديث ابن عباس وسبق الكلام عليه.

ص: 334

(وعلى الصفا والمروة) أي: بدعواتهما المأثورة وغيرها كما سيأتي في محالها، وهل يختص بحال مباشرة سعي أحد النسكين، أو المراد مطلق الوقوف عليهما؟ فالأول مجزوم، والثاني محل توقف، وفضل الله واسع.

وكذا الكلام في قوله: (وفي المسعى) وهو ما بين الصفا والمروة.

(وخلف المقام) أي: مقام إبراهيم بعد أداء ركعتي الطواف، ويدعو بدعاء آدم عليه السلام، على ما ورد به الحديث الشريف: "اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي، فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي، فأعطني سؤلي، وتعلم ما في نفسي، فاغفر لي [ذنوبي]

(1)

. اللهم إني أسألك إيمانًا يباشر قلبي، ويقينًا صادقًا حتى أعلم أنه لا يصيبني إلا ما كتبت لي، ورضاء بما قسمت لي"

(2)

.

(وفي عرفات) أي: في يوم عرفة حال تلبسه بإحرام الحج بعد الزوال إلى الصبح. (وفي المزدلفة) أي: في ليلة العيد إلى قبيل طلوع الشمس.

(وفي منًى) بالقصر، وفي نسخة بالتنوين فيكتب بالألف، وظاهره أن

(1)

كذا في (أ) و (ج) و (د) و"أخبار مكة" و"الدعوات الكبير"، وفي (ب) و (هـ) و"المعجم الأوسط":"ذنبي".

(2)

أخرجه الأزرقي في "أخبار مكة"(27، 529) من حديث عبد الله بن أبي سليمان المخزومي به موقوفًا، والطبراني في "الأوسط"(5974)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(7/ 431)؛ كلاهما من حديث عائشة به موقوفًا، ورواه الأزرقي أيضًا (530)، والبيهقي في "الدعو ات الكبير"(231)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (7/ 428)؛ كلهم من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه به مرفوعًا. قال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (6411):"منكر".

ص: 335

جملة منًى محلّ إجابة الدعوة؛ لأن منازل منًى حينئذٍ أماكن الحجاج، ودعوتهم مستجابة، لا سيما في أثناء العبادة، خصوصًا في مسجد الخيف.

(وعند الجمرات الثلاث) في "الْمُغْرِب": "الجمرات هي الصغار من الأحجار، وبها سميت المواضع التي تُرْمَى جمارًا لما بينهما من الملابسة"

(1)

، انتهى. والظاهر تقييدها بأوقاتها المعروفة.

(قلت: وإن لم يُجَبْ) بصيغة المجهول، أي: إن لم يستجب (الدعاء عند النبي صلى الله عليه وسلم) أي: عند قبره (ففي، أي: موضع) أي: يستجاب، وفيه أن الحسن البصري ما التزم في رسالته حصر المواضع الشريفة، وإنما ذكر بعض المواضع من مكة المنيفة ترغيبًا للمجاورين، وحثًّا للمقيمين على اغتنام الدعوات فيها رجاء الإجابة بها.

قال المؤلف: "وبيانه: أنه إذا كان الدعاء مجابًا في هذه الأماكن المتبركة، فلا أبرك من موضع ضم سيد المرسلين [وخاتم النبيين]

(2)

، وقد أجمع من نعرفه من العلماء المعتبرين على أن البقعة التي دفن فيها أفضل بقاع الأرض، ولا شك عندنا أنه صلى الله عليه وسلم يسمع دعاء من يدعو، كما يسمع سلام من يسلم عليه ويصلي عليه، اللهم صل وسلم عليه"

(3)

.

(1)

انظر: "المغرب" للمطرزي (1/ 156) مادة (ج م ر).

(2)

من (هـ) فقط.

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 5/ ب). قال القاضي عياض: أجمعوا على أن موضع قبره صلى الله عليه وسلم أفضل بقاع الأرض وإن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض واختلفوا في أفضلهما ما عدا موقع قبره صلى الله عليه وسلم. شرح مسلم (9/ 163).

ص: 336

قلت: بل قيل: "موضع ضم أَعْظُمَهُ أَعْظَمُ من العرش"، والله سبحانه أعلم

(1)

.

(1)

وقال القاضي عياض اليحصبي في كتابه الشفا "ولا خلاف أن موضع قبره صلى الله عليه وسلم أفضل بقاع الأرض" فعلَّق عليه الشيخ الخفَّاجي: "بل أفضل من السموات والعرش والكعبة كما نقله السبكي رحمه الله" أ. هـ من نسيم الرياض (3/ 531) ونقل عن ابن عبد السلام مثل ذلك.

قلت: إدعاء إجماع باطل من القاضي عياض ومن تبعه، وليس عندهم دليل من الكتاب ولا من السنة على ما قالوا. وفي مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: وَسُئِلَ عن التربة التي دفن فيها النبي صلى الله عليه وسلم: هل هي أفضل من المسجد الحرام؟ فأجاب: وأما [التربة] التي دفن فيها النبي صلى الله عليه وسلم فلا أعلم أحدًا من الناس قال: إنها أفضل من المسجد الحرام، أو المسجد النبوي أو المسجد الأقصى، إلا القاضي عياض، فذكر ذلك إجماعًا، وهو قول لم يسبقه إليه أحد فيما علمناه. ولا حجة عليه، بل بدن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من المساجد. وأما ما فيه خلق أو ما فيه دفن، فلا يلزم إذا كان هو أفضل أن يكون ما منه خلق أفضل؛ فإن أحدًا لا يقول: إن بدن عبد الله أبيه أفضل من أبدان الأنبياء، فإن الله يخرج الحي من الميت، والميت من الحي. ونوح نبي كريم، وابنه المغرق كافر، وإبراهيم خليل الرحمن، وأبوه آزر كافر.

والنصوص الدالة على تفضيل المساجد مطلقة، لم يستثن منها قبور الأنبياء، ولا قبور الصالحين. ولو كان ما ذكره حقا لكان مدفن كل نبي، بل وكل صالح، أفضل من المساجد التي هي بيوت الله، فيكون بيوت المخلوقين أفضل من بيوت الخالق التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وهذا قول مبتدع في الدين، مخالف لأصول الإسلام. =

ص: 337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= علق عليه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في كتابه الشرح الممتع على زاد المستقنع "كتاب المناسك باب صيد الحرم":

(قال صاحب الروض: "قال في الفنون" الفنون كتاب لابن عقيل رحمه الله، وسمي فنونًا لأنه جمع فيه الفنون كلها، وهو كتاب رأينا شيئًا منه، ولا بأس به لكن ليس بذاك الكتاب الذي فيه التحقيق الكامل في مناقشة المسائل، إنما ينفع طالب العلم بأن يفتح له الأبواب في المناقشة.

يقول: "الكعبة أفضل من مجرد الحجرة"، أي: حجرة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا شك فيه، والحجرة ليس فيها فضل إطلاقًا؛ لأنها بناء، ثم هذا البناء الآن بناء محدث على قبر النبي صلى الله عليه وسلم، لكن مراده بقوله: الحجرة أي حجرة عائشة، وهو البيت الأول الذي دفن فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، فالكعبة أفضل من البيت الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم ساكنه، ودفن فيه.

قال في الفنون: "فأما والنبي صلى الله عليه وسلم فيها - أي في الحجرة - فلا والله، ولا العرش وحملته ولا الجنة".

أي: أن الحجرة التي فيها قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الكعبة، وأفضل من العرش، وأفضل من حملة العرش، وأفضل من الجنة.

قال: "لأن بالحجرة جسدًا لو وزن به لرجح"، وهذا التعليل عليل، فلو قال: إن الجسد أفضل لكان فيه نوع من الحق.

أما أن يقول الحجرة أفضل؛ لأن فيها هذا الجسد، فهذا خطأ منه رحمه الله.

والصواب أن هذا القول مردود عليه، وأنه لا يوافق عليه، وأن الحجرة هي الحجرة، ولكنها شَرُفت بمقام النبي صلى الله عليه وسلم فيها في حياته وبعد موته.

وأما أن تكون إلى هذا الحد، ويقسم رحمه الله أنه لا تعادلها الكعبة، ولا العرش، ولا حملة العرش ولا الجنة فهذا وهم وخطأ، لا شك فيه.

ص: 338

وكذا يستجاب في سائر مواضع مسجده الشريف، كالمنبر المكرم، والأسطوانات المعظمة، وباقي مشاهد المدينة، والآبار المنسوبة إليه، ومقابر أصحابه من البقيع وأُحُد، وكذا مسجد قباء، وسائر المساجد المأثورة

(1)

.

(على أنّا) متعلق بالسابق، أي: مع أَنَّا (قد روينا) بصيغة المجهول مخففًا، وقد يشدد، وفي نسخة علي بناء الفاعل، قال الحنفي:"هو على تأويل قرأنا وسمعنا في كتاب فلان، والصحيح المختار الذي عليه أهل الحديث هو الأول، على معنى: ألقي إلينا سماعًا أو إجازة أو رواية أو نحوها، أي: نقل إلينا"، انتهى.

ولا يخفى أنه غير ملائم لقوله: "حديثًا"، فالأنسب أن يقال: إنه من باب الحذف والإيصال، والتقدير: أن مشايخنا رووا لنا.

(في استجابة الدعاء في الملتزم حديثًا مسلسلًا من طريق أهل مكة)

(2)

،

(1)

غالب هذه الأماكن المذكورة المحددة لإجابة الدعاء لم أجد عليها أدلة وإنما هي من أقوال الفقهاء. وقد سبق الكلام عنها قريبًا.

(2)

قصد الماتن رحمه الله الحديث الذي أخرجه القاضي عياض في "الشفا"(2/ 687)، والديلمي في "الفردوس"(6292)؛ كلاهما من حديث ابن عباس، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما دعا أحد بشيء في هذا الملتزم إلا استجيب له"، قال ابن عباس:"وأنا فما دعوت الله بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا استجيب لي"، ثم تسلسل الحديث بقول كل واحد من الرواة مثل ما قال ابن عباس. قال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (4441):"موضوع".

ص: 339

والمسلسل: نوع من أنواع الأسانيد، ومحله كتب أصول الحديث، ومجمله ما ذكره الطيبي:"أنه ما تتابع فيه رجال الإسناد عند روايته على حالة واحدة"

(1)

.

(1)

"الكاشف عن حقائق السنن" للطيبي (2/ 381) وتدريب الراوي (3/ 406).

ص: 340

(الذين يستجاب دعاؤهم) أي غالبًا

(المضطر) قال ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل: 62]: "هو المكروب"، وروي عنه المجهود

(1)

، وهو في أصل اللغة: المحوج الملجئ إلى الشيء. (خ، م، د) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، من حديث ابن عمر في قصة الثلاثة الذين دخلوا الغار

(2)

، ذكره ميرك، وفيه إيماء إلى أنه لا ينافي كون الاضطرار [سببًا للإجابة]

(3)

أن ينضمّ إلى سبب آخر من التوسل بالأعمال الصالحة السابقة المخلصة.

(والمظلوم. ع) أي: رواه أصحاب الكتب الستة من حديث ابن عباس

(4)

، ولم أَرَ لفظ حديثهم، نَعَم، في "الجامع": "اتقوا دعوة المظلوم؛

(1)

"الكشف والبيان" للثعلبي (7/ 219).

(2)

أخرجه البخاري (2215، 2272، 2333) و (3465) و (5974)، ومسلم (2743)، وأبو داود (3380)؛ كلهم من حديث ابن عمر به مرفوعًا.

(3)

كذا في (ب) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"سببًا لإجابة"، وفي (ج):"سبب الإجابة".

(4)

أخرجه البخاري (1395، 1458، 1496) و (2448) و (4347) و (7371، 7172)، ومسلم (19)، وأبو داود (1579)، والترمذي (625) و (2014)، والنسائي في "الصغرى"(2435، 2522) وفي "الكبرى"(2226، 2313)، وابن ماجه (1783)؛ كلهم من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا إلى أرض اليمن

الحديث، وفيه:"واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب".

ص: 341

فإنها تحمل على الغمام، يقول الله: وعزتي وجلالي، لأنصرنّك ولو بعد حين"، رواه الطبراني في "الكبير"، والضياء، عن خزيمة بن ثابت

(1)

، ورواه الحاكم عن ابن عمر، ولفظه:"اتقوا دعوة المظلوم؛ فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة"

(2)

"

(3)

.

(وإن كان) أي: المظلوم (فاجرًا) فـ "إن" وصلية متعلقة بما قبله، فيفيد أن " [دعوة]

(4)

المظلوم" في رواية الجماعة مطلقة، وعند غيرهم مقيدة بالجملة المؤكدة. (أ، ر، مص) أي رواه: أحمد، والبزار، وابن أبي شيبة، من حديث أبي هريرة، ولفظ أحمد: "قال [النبي]

(5)

صلى الله عليه وسلم: دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه"

(6)

، وإسناده حسن، ذكره ميرك.

(1)

أخرجه الطبراني في "الكبير"(4/ 84) رقم (3718) من حديث خزيمة بن ثابت به مرفوعًا - واللفظ له -، والضياء في "المختارة" (2748) من حديث أنسٍ به مرفوعًا. قال الألباني في "صحيح الجامع" (1/ رقم: 117): "صحيح".

(2)

أخرجه الحاكم (1/ 29) من حديث ابن عمر به مرفوعًا. قال الألباني في "صحيح الجامع"(118): "صحيح".

(3)

"صحيح الجامع"(117، 118).

(4)

من (أ) و (ج) فقط.

(5)

من (أ) فقط.

(6)

أخرجه أحمد (2/ 367) و (3/ 153)، والبزار (8750)، وابن أبي شيبة (29987)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. قال الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (2229):"حسن لغيره".

ص: 342

وفي "الجامع": "دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه"، رواه الطيالسي عن أبي هريرة

(1)

"

(2)

، والظاهر: أن المراد بالفاجر: الفاسق، ويحتمل أن يكون المراد به: الكافر؛ لقوله: (ولو كان) أي: المظلوم (كافرًا) و"لو" وصلية، وهو من التفنن في العبارة.

(حب، أ) أي رواه: ابن حبان وأحمد من حديث أبي ذر الغفاري: "قلت: يا رسول الله، ما كانت صحف إبراهيم؟ قال: كانت أمثالًا كلها: أيها الملك المسلّط المبتلى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها وإن كانت من كافر"

(3)

، ورواه أحمد من حديث أنس مرفوعًا:"دعوة المظلوم - وإن كان كافرًا - ليس دونها حجاب"

(4)

، كذا ذكره ميرك. فكان حق المصنف أن يقدم الإمام أحمد.

وفي "الجامع": "اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرًا؛ فإنه ليس دونها

(1)

أخرجه الطيالسي (2450) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. قال الألباني في "صحيح الجامع"(3382): "حسن".

(2)

"صحيح الجامع"(3382).

(3)

أخرجه ابن حبان (361) من حديث أبي ذر به مرفوعًا. قال الألباني في "ضعيف الترغيب والترهيب"(1352): "ضعيف جدًّا".

(4)

أخرجه أحمد (2/ 367) و (3/ 153) من حديث أنسٍ به مرفوعًا. قال الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب"(2229): "حسن لغيره".

ص: 343

حجاب، رواه: أحمد، وأبو يعلى، والضياء، عن أنس

(1)

"

(2)

.

وقد اختلف أصحابنا الحنفية في أن دعوة الكافر هل تستجاب أم لا؟ والفتوى على أنه يجوز أن تستجاب على ما ذكره البرجندي

(3)

، والتحقيق: أن دعاء الكفار في الدنيا حال الاضطرار يستجاب، كما أخبر الله سبحانه بقوله:{فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65]، وما ذاك إلا ببركة التوحيد الحاصل بالاضطرار، فيطابق عموم قوله تعالى:{أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 62].

وأما قوله تعالى: {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [غافر: 50] أي: في ضياع وبطلان، فهو مقيد بحالهم في الآخرة، كما يدل عليه [سابق]

(4)

(1)

أخرج أحمد (2/ 367) و (3/ 153)، والضياء في "المختارة"(2748)؛ كلهم من حديث أنس به مرفوعًا، ولم أقف عليه في "مسند أبي يعلى"، ولا في "إتحاف الخيرة المهرة" للبوصيري، والذي وقفت عليه في "مسند أبي يعلى" (1332) عن أبي سعيد الخدري: "اتقوا دعوات المظلوم

" الحديث.

(2)

"صحيح الجامع"(119).

(3)

هو: عبد العلي بن محمد بن حسين البرجندي، فقيه من فقهاء الحنفية، أصولي، فلكي حاسب، صنف "شرح النقاية مختصر الوقاية"، و"شرح مختصر المنار في أصول الفقه"، تُوفِّيَ بعد سنة: 935، راجع ترجمته في:"الأعلام" للزركلي (4/ 30)، و"معجم المؤلفين" لكحالة (2/ رقم: 7414).

(4)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب) و (هـ):"سياق".

ص: 344

الآية، ومنه قولهم:{رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 107 - 108]، [و]

(1)

المعنى: وما دعاؤهم إلا في أمر ضائع غير مهم في دينهم، وفيما ينفع في آخرتهم، وقد استجاب الله دعوة إبليس لما قال:{قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} [الحجر: 36 - 38]

(2)

.

(والوالد) أي: "دعاؤه لولده" كما في رواية. (د، ت، ق) أي رواه: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه؛ كلهم عن أبي هريرة مرفوعًا:"ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم"

(3)

، وفي رواية: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم [حين]

(4)

يفطر،

(1)

كذا في (ج) و (هـ)، وفي (أ) و (ب) و (د):"أو".

(2)

كتب في حاشية (ب): "والحاصل: أن الكافر قد يعطى سؤاله استدراجًا، ومنه ما وقع لإبليس، والخلاف في الاستجابة بمعنى إيتاء السؤال، أما بمعنى الإثابة عليه فهي منتفية جزمًا، وهذا مجمل قوله تعالى: {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [الرعد: 14]، وإطلاق الروياني أنه يجوز التأمين على دعائه بعيد، ويظهر جوازه بل ندبه إن دعا لنفسه بالهداية ونحوها، ومنعه إن جهل ما يطلبه؛ لأنه قد يدعو بإثم، ويجوز الدعاء له بصحة البدن والعافية والهداية".

(3)

أخرجه أبو داود (1531)، والترمذي (1905) و (3448)، وابن ماجه (3862)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. قال الترمذي:"حديث حسن"، وقال الألباني في "صحيح الجامع" (3031):"حسن".

(4)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ) و"سنن ابن ماجه"، وفي (أ) و"جامع الترمذي" و"صحيح ابن خزيمة" و"صحيح ابن حبان":"حتى".

ص: 345

والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي، لأنصُرَنَّك ولو بعد حين"

(1)

، ذكره ميرك.

وفي "الجامع": "ثلاثة يستجاب دعوتهم: الوالد، والمسافر، والمظلوم، رواه أحمد، والطبراني في "الكبير"، عن عقبة بن عامر

(2)

"

(3)

، وفيه أيضًا: "دعاء الوالد يفضي إلى الحجاب، رواه ابن ماجه عن أم حكيم

(4)

، وروى الديلمي في "مسند الفردوس":"دعاء الوالد لولده كدعاء النبي لأمته"

(5)

"

(6)

.

والظاهر: أن دعوة الوالدة مستجابة بالأولى؛ فإن بر الأم سبب

(1)

أخرجه الترمذي (3598)، وابن ماجه (1752)، وابن خزيمة (1901)، وابن حبان (3428)؛ كلهم عن أبي هريرة به مرفوعًا. قال الترمذي:"حديث حسن".

(2)

أخرجه أحمد (4/ 154)، والطبراني في "الكبير" (17/ 340) رقم (939)؛ كلاهما من حديث عقبة بن عامر به مرفوعًا. قال الألباني في "صحيح الجامع" (3049):"حسن".

(3)

"صحيح الجامع"(3049).

(4)

أخرجه ابن ماجه (3863) من حديث أم حكيم به. قال الألباني في "ضعيف الجامع"(2977): "ضعيف".

(5)

أخرجه الديلمي في "الفردوس"(3037) من حديث أنس به.

قال المناوي: قال الزين العراقي في شرح الترمذي: هذا حديث منكر وحكم ابن الجوزي بوضعه وقال: قال أحمد هذا حديث باطل منكر وأقره عليه المؤلف في مختصر الموضوعات (فيض القدير 3/ 525).

قال الألباني في "السلسلة الضعيفة"(2/ رقم: 786): "موضوع".

(6)

"ضعيف الجامع"(2976، 2977).

ص: 346

لاستجابة دعاء الولد، كما ورد في حق أويس القرني

(1)

، ولا يبعد أن يراد بالوالد الشخص الذي يلد، وهو يعمّ الوالدين، بل الأم بحقيقة الولادة أتم، والله أعلم.

(والإمام العادل. ت، ق، حب) أي رواه: الترمذي، وابن ماجه، وابن حبان؛ كلهم عن أبي هريرة

(2)

، ذكره ميرك. وفي "الجامع": "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حين يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب تبارك وتعالى: وعزتي، لأنصُرَنَّك ولو بعد حين، رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، عن أبي هريرة

(3)

"

(4)

، وروى البيهقي عن أبي هريرة:"ثلاثة لا يرد الله دعوتهم: الذاكر الله كثيرًا، والمظلوم، والإمام المقسط"

(5)

.

(والرجل الصالح. خ، م، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم وابن ماجه

(6)

،

(1)

أخرجه مسلم (2542) عن عمر به مرفوعًا.

(2)

أخرجه الترمذي (3598)، وابن ماجه (1752)، وابن حبان (3428)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. قال الترمذي:"حديث حسن".

(3)

أخرجه أحمد في مسنده (2/ 305)، والترمذي (3598)، وابن ماجه (1752)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

(4)

"ضعيف الجامع"(2592).

(5)

أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان"(6973) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. قال الألباني في "صحيح الجامع"(3064): "حسن".

(6)

أخرجه البخاري (440) و (1121، 1156) و (3738، 3740) و (7015، =

ص: 347

قال ميرك: "كلهم عن ابن عمر [قال]

(1)

: "رأيت في المنام كأن في يدي سَرَقَةً، أي: قطعة من حرير، لا [أهوي بها]

(2)

إلى مكان في الجنة إلا طارت بي إليه، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن أخاك رجل صالح"، متفق عليه

(3)

"، انتهى. ولا يخفى أنه لا يفهم منه رواية ابن ماجه، مع أنه لا دلالة للحديث على المدعى

(4)

، وهو: قبول دعوة الصالح.

(والولد البارّ بوالديه) بر الوالدين هو الإحسان إليهما، والقيام بحقهما، وطلب رضاهما، وضده العقوق. (م) أي: رواه مسلم من حديث عمر رضي الله عنه، أنه قال لأويسٍ القرني: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد، ثم من قَرَن،

= 7028، 7030)، ومسلم (2479)، وابن ماجه (3919)؛ كلهم من حديث ابن عمر، أنه قال: "رأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان كقرني البئر، وإذا فيها ناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، قال: فلقيهما ملك فقال لي: لم ترع

" الحديث، واللفظ لمسلم، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في آخره: "أرى عبد الله رجلًا صالحًا".

(1)

من (ج) و (هـ) فقط.

(2)

كذا في (ب) و (هـ) ومصادر التخريج، وفي (أ) و (ج) و (د):"أهويها".

(3)

أخرجه البخاري (7015)، ومسلم (2478)؛ كلاهما من حديث ابن عمر به.

(4)

كتب بجوارها في حاشية (هـ): "أقول: الدلالة في قول الصادق صلى الله عليه وسلم: "إن أخاك رجل صالح"، المترتب على أنه لا يهوي إلى مكان أي يقصده ويتوجه إليه إلا طارت به إليه وأجيب إلى مطلوبه وما رغب إليه".

ص: 348

كان فيه برص فبَرَأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو [بها]

(1)

برّ، لو أقسم على الله لأبرّه، فلو استطعت أن يستغفر لك فافعل، فَاسْتَغْفِرْ لِي، فاسْتَغْفَرَ لَهُ"

(2)

، انفرد به مسلم، ذكره ميرك.

ثم الشيخ ما قصد حصر من يستجاب دعوته ليرد عليه أنه ما ذكر المريض، مع أنه روى ابن ماجه عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخلت على مريض، فمره يدعو لك؛ فإن دعاءه كدعاء الملائكة"

(3)

، والحديث في "المشكاة"

(4)

.

(والمسافر) أي: في سبيل الله، كالحج والغزو وطلب العلم، ويحتمل إطلاقه. (د، ر، ق) أي رواه: أبو داود، والبزار، وابن ماجه

(5)

، وفي نسخة صحيحة بدل القاف رمز الترمذي، وهو ليس في "نسخة الجلال"، لكن قال ميرك: "كلهم من حديث أبي هريرة، وقال الترمذي: حسن

(6)

".

أقول: وقد سبق الرواية عن أبي داود، والترمذي، وابن ماجه،

(1)

كذا في "صحيح مسلم"، وفي جميع النسخ:"لها".

(2)

أخرجه مسلم (2542) عن عمر به مرفوعًا.

(3)

أخرجه ابن ماجه (1441) من حديث عمر به مرفوعًا. قال الألباني في "السلسلة الضعيفة"(1004): "ضعيف جدًّا".

(4)

"مشكاة المصابيح" للتبريزي (1588).

(5)

أخرجه أبو داود (1531)، والبزار (8148)، وابن ماجه (3862)؛ كلاهما من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. قال الألباني في "صحيح الجامع" (3031):"حسن".

(6)

"جامع الترمذي"(1905).

ص: 349

وسيجيء [عن]

(1)

البزار في قوله:

(والصائم حين يفطر) بضم الياء وكسر الطاء، وفي نسخة صحيحة:"حتى يفطر"، فإنه قال ميرك:"روى البزار: ثلاث حق على الله أن لا يرد لهم دعوة: الصائم حتى يفطر، والمظلوم حتى ينتصر، والمسافر حتى يرجع"

(2)

. (ت، ق، حب) أي رواه: الترمذي، وابن ماجه، وابن حبان

(3)

، قال ميرك:"كلهم عن أبي هريرة"، انتهى. ولم يظهر رواية ابن حبان لا هنا ولا فيما تقدم، والله أعلم.

(والمسلم لأخيه) أي: المؤمن (بظهر الغيب) أي: في حال غيبته عنه؛ لأنه أبعد عن الرياء والسمعة، وأقرب إلى الإخلاص، والظهر مقحم. (م، د، مص) أي رواه: مسلم، وأبو داود، وابن أبي شيبة، من حديث أبي سعيد وأبي هريرة، وفي نسخة صحيحة:"من حديث أبي الدرداء"، قال ميرك:"ولفظه: دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، وعند رأسه مَلَك موكل به، يقول: آمين، ولك بمثله"

(4)

.

وفي "الجامع": "من دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك الموكل به: آمين،

(1)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"عند".

(2)

أخرجه البزار (8148) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. قال الألباني في "ضعيف الترغيب والترهيب"(583): "ضعيف جدًّا".

(3)

أخرجه الترمذي (3598)، وابن ماجه (1752)، وابن حبان (3428)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. قال الترمذي:"حديث حسن".

(4)

خرجه مسلم (2732)، وأبو داود (1529)، وابن أبي شيبة (29768)؛ كلهم من حديث أبي الدرداء به مرفوعًا.

ص: 350

ولك بمثله، رواه مسلم، وأبو داود، عن أبي الدرداء"

(1)

، وفيه أيضًا: "دعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب لا يرد، رواه البزار

(2)

عن عمران بن حصين"

(3)

.

(والمسلم) أي: مطلقًا (ما لم يدعُ بظلم) أي: بإرادة ظلم على غيره (أو قطيعة رَحِم) أي: بما يؤدي إلى قطع رَحِم (أو يقول: دعوت فلم أُجَبْ) بصيغة المجهول، قال الحنفي:"الظاهر أن يقال: "أولم يقل"؛ ليكون معطوفًا على "لم يدعُ"، فتأمل يظهر لك وجهه".

أقول: وجهه أنه معطوف على "لم يدعُ"، بتقدير "لا"؛ فيكون نقلًا بالمعنى، ويقال له:[العطف]

(4)

على التوهم، وتحقيقه في قوله تعالى:{فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون: 10]، والأظهر أنه معطوفٌ على "يدع"، لكن جزم في الأول دون الثاني جمعًا بين اللّغتين؛ إذ جاء "لم" غيرَ جازمةٍ في لغةٍ، أو حملًا لـ "لَمْ" على "ما"، كما وقع عكسه.

(مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن أبي هريرة

(5)

، قيل:"ومضمون الحديث في مسلمٍ أيضًا".

قلت: وفي الستة إلا الترمذي عن أبي هريرة، كما مرّ في "أحوال الإجابة" أن لا يستعجل بأن يستبطئ الإجابة، أو يقول: دعوت فلم

(1)

"صحيح الجامع"(2/ رقم: 6235).

(2)

أخرجه البزار (3577) من حديث عمران بن حصين به مرفوعًا.

(3)

"صحيح الجامع"(1/ رقم: 3379).

(4)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"عطف".

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة (30439) من حديث أبي هريرة به.

ص: 351

يُستجب لي، ولفظ الحديث: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي، [فيستحسر]

(1)

عند ذلك ويدع الدعاء"

(2)

.

وفي مسلم والترمذي عن أبي هريرة أيضًا، بلفظ:"لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعةِ رحمٍ"

(3)

، فينبغي أن يفسّر الظلم بالإثم الشّامل للظلم المتعدي والقاصر؛ فتكون الرواية بالمعنى، ويمكن أن يكون في روايةٍ بلفظ:"ظلم"

(4)

، والله أعلم.

(إن لله عز وجل عتقاءَ) قد جاء في اللّغة أنه بمعنى: القديم، أو العبد المعتق، أو الكريم، أو الخيار، أو السّابق، أو الناجي، أو المجفيل، أو [الرائع]

(5)

، أي: الحسن كما في " النهاية"

(6)

، وأغرب الحنفي في قوله:"وكل من هذه المعاني يصحّ أن يراد في هذا الحديث لكن بعضها يحتاج إلى نوع تصرف"، انتهى. والصواب أن المراد هنا أنه جمع عتيق، بمعنى: المعتق من

(1)

كذا في (هـ) و"صحيح مسلم"، وفي (أ) و (ب) و (ج) و (د):"فيخسر".

(2)

أخرجه البخاري (6345)، ومسلم (2735) -واللفظ له-، وأبو داود (1479)، والترمذي (3387)، وابن ماجه (3853)، كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا، وكان حق الشارح أن يقول: وفي الستة إلا النسائي.

(3)

أخرجه مسلم (2735) -واللفظ له-، والترمذي (3604)؛ كلاهما من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

(4)

قلت: هذا اللفظ هو لفظ حديث أبي هريرة الذي أخرجه ابن أبي شيبة، ولذا رمز إليه الماتن برمز ابن أبي شيبة تاركًا رموز الكتب الباقية.

(5)

كذا في (ج) و (هـ) و"النهاية"، وفي (أ) و (ب) و (د):"الرابع".

(6)

"النهاية"(3/ 178 - 179).

ص: 352

النار، (في كل يوم وليلة، لكل عبدٍ) أي: لله (منهم) أي: من العتقاء (دعوةٌ مستجابة. أ) أي رواه: أحمد عن أبي هريرة أو أبي سعيدٍ، وسمّويه

(1)

عن جابر

(2)

، كذا في "الجامع"

(3)

، قيل:"والشك من الأعمش، ورجاله رجال الصحيح، فالشك لا يضره"، وفي نسخة زيد هنا قوله: (وفي "جامع أبي منصور

(4)

" الدعاء الصحيح: دعوة

(5)

الحاج لا ترد حتى يصدِر، أي: يرجع)، ومنه قوله تعالى:{يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا} [الزلزلة: 6].

(1)

هو: إسماعيل بن عبد الله بن مسعود بن جبير، أبو بشر، العبدي الأصبهاني، المعروف بسمو،، الإمام الحافظ الثبت الرحال، صاحب الأجزاء الفوائد، قال أبو الشيخ الأصبهاني: كان حافظًا متقنًا، ولد في حدود سنة: 190، تُوفِّيَ سنة: 267، راجع ترجمته في:"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (2/ 182)، و"سير أعلام النبلاء"(13/ 10) و"تاريخ الإسلام" للذهبي (20/ 65).

(2)

أخرجه أحمد (2/ 254) من حديث الأعمش عن أبي هريرة، أو عن أبي سعيد به مرفوعًا، ورواه سَمُّويَه في "فوائده" (78) (المطبوع ضمن كتاب: مجموع فيه عشرة أجزاء حديثية) من حديث جابر به مرفوعًا.

(3)

"صحيح الجامع"(2169).

(4)

هو: عبد الله بن أبي الفضل محمد بن الوليد أبو منصور الحَرِيمِيّ البغدادي المحدث مفيد بغداد قال الذهبي: هو من أئمة السنة، له تواليف وتاريخ مفيد، تُوفِّيَ سنة: 643، راجع ترجمته في:"ذيل طبقات الحنابلة" لابن رجب (3/ رقم: 370)، و"سير أعلام النبلاء"(23/ 213) و"تاريخ الإسلام" للذهبي (47/ 172).

(5)

قبلها في (هـ) زيادة: "إِنَّ".

ص: 353

‌في بيان اسم الله الأعظم

(واسم الكلُ تعالى) كذا في "أصل الجلال"، وليس في "أصل الأصيل"(الأعظم) بالرفع على أنه صفة الاسم، "فقيل:"الأعظم هنا بمعنى العظيم، وليس أفعل التفضيل على بابه؛ لأن جميع أسمائه عظيم، وليس بعضها أعظمَ من بعض"، وقيل: "أفعل [للتفضيل]

(1)

؛ لأن بعض أسمائه أعظم من بعضٍ، فكل اسمٍ أكثر تعظيمًا فهو أعظم من اسمٍ أقل منه تعظيمًا" فالرحمن مثلًا أعظمُ من الرحيم، والله أعظم من الربّ، فإنّه لا شريك له في تسميته به، لا بالإضافة ولا بدونها، وأما الربّ فيضاف إلى المخلوقات، كما يقال: ربّ الدار"، كذا حققه الطيبيّ

(2)

.

والأظهر: أنه صفة كاشفةٌ؛ إذ أسماؤه سبحانه كلّها بوصف المبالغة، حتى قيل في قوله تعالى:{وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46]: "إنه إنما أتى بصيغة المبالغة [منبئًا]

(3)

أنه لو كان [تصور]

(4)

فيه الظلم لكان على [وجه]

(5)

الأبلغ".

(1)

كذا في (ج) و"الكاشف"، وفي (أ) و (ب) و (د) و (هـ):"تفضيل".

(2)

"الكاشف عن حقائق السنن" للطيبي (6/ 1816).

(3)

هذا هو الأليق بالسياق، وفي (أ) و (ب) و (د):"مبنيًّا على"، وفي (ج):"منبئًا على" وكتب بجوارها في الحاشية: من الإنباء أي مخبرًا، وفي (هـ):"مبينًا على".

(4)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"يتصور".

(5)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"الوجه".

ص: 354

ويمكن أن يقال: "المراد بالأعظم هنا الأفضل"، والأولى في باب الدعاء واستجابته، كما يدل عليه وصفه أيضًا بقوله:(الذي إذا دعي) بصيغة المجهول، أي: دُعِي الله (به) أي: بذلك الاسم (أجاب) أي: غالبًا، أو إذا تحقق شروط إجابة الدعاء.

(وإذا سئل به أعطى) والظاهر المتبادر أنه تأكيدٌ لما قبله، والتحقيق: أن الدعاء أعمّ من السؤال، أو مختصٌ بما لم يكن هناك سؤال، فمعنى الإجابة هو القبول، وقيل:"الفرق بينهما أن الأول أبلغُ؛ فإن إجابة الدعاء تدل على شرف الداعي، ووجاهته عند المجيب، فيتضمن قضاء حاجته أيضًا بخلاف السؤال، فإنه قد يكون مذمومًا"

(1)

، كأن يكون في إثمٍ وقطيعة رحمٍ.

وأغرب الحنفي حيث قال هنا: "ولذلك ذُمّ السائل في كثيرٍ من الأحاديث، ومدح [المتعفف]

(2)

عنه، على أن في الحديث دلالة على فضل الدعاء على السؤال، تدبّر"

(3)

، وغرابته لا تخفى، فإن ذم السؤال

(1)

هذه عبارة الطيبي في "الكاشف عن حقائق السنن"(6/ 1817) بفصها ونصها.

(2)

كذا في (هـ) و"الكاشف": "المتعفف"، وهو الأنسب للسياق، وفي (أ) و (ب) و (ج) و (د):"التعفف".

(3)

هذه العبارة في "الكاشف عن حقائق السنن"(6/ 1817) من قول الطيبي، وعزاها إليه أيضًا المناوي في "فيض القدير"(1/ 511)، والله أعلم.

ص: 355

[و]

(1)

مدح التعفف عنه، إنما هو في السؤال [من]

(2)

المخلوقين، وأما الله تعالى فيستحب [الدعاء و]

(3)

السؤال [منه]

(4)

سبحانه، ولو مِلْحَ العجين، وشَسْعَ النعلين، ثم نكتة تقديم الدعاء على السؤال أنه ينبغي للسائل أن يقدم الدعاء بنحو الثناء ليجاب، ثم يسأل مَدْعَاهُ ليستجاب.

(لا إله إلا أنت) اعتراف بالألوهية، والوحدة الذاتية، والصفاتية له سبحانه، (سبحانك) أي: أنزهك عما لا يليق بك، فهو نصبٌ على [المصدر]

(5)

، كأنه قال: أبرئ الله من الظلم براءةً، (إني كنت من الظالمين) أي: من الواضعين [الأشياء]

(6)

في غير موضعِها، وأما أنت فعليمٌ حكيمٌ، غفورٌ رحيمٌ، وفيه إيماءٌ إلى الاعتراف بذنبه، فإنه [أدخلُ]

(7)

في مقام التضرع حال دعائه.

(مس) أي: رواه الحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص، وهو المراد بما في نسخة:"سعد بن مالك" ولفظه: "سمعت رسول الله عز وجل يقول: هل أدلكم على اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"أو".

(2)

كذا في (هـ)، وفي (أ) و (ب) و (ج) و (د):"عن".

(3)

من (ج) فقط.

(4)

كذا في (هـ)، وفي (أ) و (ب) و (ج) و (د):"عنه".

(5)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"المصدرية".

(6)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"للأشياء".

(7)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"أبلغ".

ص: 356

أعطى، الدعوة التي دعا بها يونسُ عليه السلام، حيث ناداه في الظلمات الثلاثِ: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فقال رجل: يا رسول الله، هل كانت ليونس خاصةً أم للمؤمنين عامةً؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تسمع قول الله عز وجل: {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 88]؟ "، قال الحاكم: "وهو صحيح الإسناد"

(1)

.

وروى الترمذي والنسائي من حديثه بلفظ: "دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدعُ جها رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ قط إلا استجاب الله له"

(2)

، واللفظ للترمذي، كذا ذكره ميرك.

وفي "الجامع"

(3)

أسنده إلى أحمد، والترمذي، والنسائي والحاكم، والبيهقي، والضياء، عن سعد

(4)

.

(1)

أخرجه الحاكم (1/ 505 - 506) من حديث سعد بن أبي وقاص به مرفوعًا.

قال الألباني في "السلسلة الضعيفة"(2775): "ضعيف".

(2)

أخرجه الترمذي (3505)، والنسائي في "الكبرى" (15417)؛ كلاهما من حديث سعد بن أبي وقاص به مرفوعًا. قال الألباني في "صحيح الجامع" (3383):"صحيح".

(3)

"صحيح الجامع"(1/ رقم: 3383).

(4)

أخرجه أحمد (1/ 170)، والترمذي (3505)، والنسائي في "الكبرى"(10417)، والبيهقي في "الدعوات الكبير"(166، 167)، والضياء في "المختارة"(1041، 1042)؛ كلهم من حديث سعد به مرفوعًا.

ص: 357

قيل: "في هذا الحديث وأمثاله دلالة على أن لله تعالى اسمًا أعظم، إذا دعي به أجاب، وأن ذلك هو المذكور فيها، وهو حجة على من قال: ليس الاسم الأعظم اسمًا معينًا، بل كل اسم ذكر بإخلاص تامّ مع الإعراض عما سوى الكلُ هو الاسم الأعظم؛ لأن شرف الاسم بشرف المسمى، لا بواسطة الحروف المخصوصة"

(1)

.

قيل: "ولناصر هذا الوجه أن يقول سترد بعدُ أحاديث مختلفة فيها أسامٍ لم تذكر في هذا الحديث، وقيل في كل منها: "إنه الاسم الأعظم"، فصح قول من قال: إن "أفعل" ليس للتفضيل بل هو لمطلق الزيادة، نَعَم، قد ذكر في كل منها لفظة "الله"، فإذا استدل بذلك على أنه الاسم الأعظم، استقام وصح هذا"

(2)

.

قال الحنفي: "وفيه بحثٌ لأنه إنما يظهر إذا لم يكن بين "إله" و"الله" فرق، وإلا ففي هذا الحديث ليس "الله" بل "إله"، تأمل".

قلت: تأملنا فوجدنا أن المراد بـ "إله" هنا هو "الله"، فإن المعنى:"ليس الله إلا أنت"، فيوافق قول الجمهور:"إن الاسم الأعظم هو الله"، لكن كما قال القطب الرباني السيد عبد القادر الجيلاني:"بشرط أن تقول: "الله"، وليس في قلبك سواه".

والذي يظهر ظهورًا ساطعًا أن الاسم الأعظم مبهمٌ بين الأسماء،

(1)

عزاه الطيبي في "الكاشف عن حقائق السنن"(6/ 1816) إلى "لباب شرح السنة".

(2)

هذه عبارة الطيبي في "الكاشف عن حقائق السنن"(6/ 1816).

ص: 358

كإبهام ليلة القدر وساعة الجمعة، ولا يبعد أن يختلف باختلاف الدعاة في الأوقات.

وقال ميرك: "اعلم أنه أنكر قومٌ من العلماء ترجيح بعضِ الأسماء الإلهية على بعضٍ، وقالوا: لا يجوز ذلك؛ لأنه يؤذن باعتقاد [نقصان]

(1)

المفضول عن الأفضل، وأوَّلوا ما ورد من ذلك على أن المراد بالأعظم: العظيم؛ إذ أسماؤه كلها عظيمةٌ".

قال أبو جعفر الطبري: " [اختلفت]

(2)

الآثار في تعيين الاسم الأعظم، وعندي أن الأقوال كلها صحيحة؛ إذ لم يرد في خبر منها أنه الاسم الأعظم، ولا شيء أعظم منه"

(3)

.

قال ميرك: "فكأنه يقول: كل اسم من أسمائه تعالى يجوز وصفه بكونه أعظم، فيرجع بمعنى عظيم"

(4)

.

قلت: الظاهر أنه أراد أن الاسم الأعظم متعددٌ، ويقال لكل واحد: إنه أعظم، وليس المراد به [فردًا]

(5)

هو أعظم من الكل، حتى يكون الباقي

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"نقص".

(2)

كذا في "فتح الباري"، وهو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ:"اختلف".

(3)

"فتح الباري" لابن حجر (11/ 224) نقلًا عَن أبي جعفر الطبري.

(4)

هذه عبارة الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"(11/ 224) تعقيبًا على كلام أبي جعفر الطبري.

(5)

هذا هو الصواب، وفي جميع النسخ:"فردٌ".

ص: 359

من باب الأعظم الإضافي، فكل اسم حصل به إجابة الدعاء، وإعطاء المسئول [السؤال]

(1)

والمدعَى، صح أن يقال: إنه الاسم الأعظم.

"وقال ابن حبان: "الأعظمية الواردة في الأخبار أن يراد بها مزيد الداعي في ثوابه إذا دعا بها، كما أطلق ذلك في القرآن، والمراد به مزيد الثواب للقارئ"، وقيل: "المراد بالاسم الأعظم كل اسم من أسمائه تعالى دعا به العبد مستغرقًا، بحيث لا يكون في خاطره وفكره حالتئذٍ غير الله، فإنه يحصل له ذلك"، ونقل معنى ذلك عن الإمام جعفر الصادق. وقال آخرون: "استأثر الكد تعالى بعلم الاسم الأعظم، ولم يطَّلع عليه أحد، وأثبته آخرون، [واضطربت]

(2)

أقوالهم في ذلك، وجملة ما وقفت عليه من ذلك أربعة عشر قولًا"

(3)

، ذكر الشيخ منها سبعة أقوالٍ على حسب ما ورد في الأحاديث التي ذكرها.

والقول الثامن: "أنه "هو"، نقله الإمام فخر الدين الرازي عن بعض أهل الكشف، واحتج له بأنه من أراد أن يعبر عن كلامٍ معظّم بحضرته لم

(1)

من (هـ) فقط.

(2)

كذا في (هـ)، وفي (أ) و (ب) و (ج) و (د):"واضطرب".

(3)

هذه عبارة الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"(11/ 224)، وهو القائل: "وجملة ما وقفت عليه

"، والأقوال الآتية كلها من قول الحافظ ابن حجر؛ فلعل ميرك نقلها عن الحافظ ابن حجر، ونقلها الشارح عن ميرك فتوهمه أنه من قوله، والله أعلم.

ص: 360

يقل: "أنت"، بل يقول:"هو""

(1)

.

قلت: فيه أنه قد يقال: "أنت" في مقام الخطاب، كما في أكثر أحاديث الباب، وإن كان هو أظهر في مقام أدب الحضور، وظهور النور والسُّرور، وله وجه وجيهٌ أيضًا، وهو أن كثيرًا من المتكلمين والصوفية يعبرون [عنه]

(2)

بهوية الذات التي لا تكتنه بها المحدثات.

وقد يوجه: [بأنه]

(3)

زبدة الجلالة، وخلاصة الجمالة، فإن لفظ "الله" إذا حذف منه لام التعريف، وقصد فيه التخفيف، يصير "له" الدال على الاختصاص، كما في قوله تعالى:{لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [الحج: 64]، وإذا حذفت اللام بقيت كلمة "هو" بإشباع [أو]

(4)

بدونه، وهو مقرون بأنفاس الموجودات، وإن اختلف حال الذاكرات والغافلات، وفي قوله تعالى:{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4] إيماءٌ إليه، وفي قوله سبحانه:{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] دلالةٌ عليه.

والقول التاسع: أنه "الله"؛ لأنه اسمٌ لم يطلق على غيره تعالى، ولأنه الأصل في أسماء الله تعالى الحسنى، ومن ثَمّ أضيفت إليه.

(1)

"فتح الباري" لابن حجر (11/ 224).

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"عن "هو"".

(3)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د) و (هـ):"أنه".

(4)

كذا في (أ) و (ب) و (هـ)، وفي (ج):"و".

ص: 361

العاشر: "الله الرحمن الرحيم"، ويؤيده اختيارها في البسملة المفتتح بها أول كلام الله، قيل: ولعل مستنده ما أخرجه ابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها: "أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلمها الاسم الأعظم، فلم يفعل، فصلت ودعت: اللهم إني أدعوك الند، وأدعوك الرحمن، وأدعوك الرحيم، وأدعوك بأسمائك الحسنى، ما علمت منها وما لم أعلم

" إلى آخره، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال لها: "إنها هي الأسماء التي دعوتِ بها"

(1)

، قال ميرك:"سنده ضعيف، وفي الاستدلال به نظر لا يخفى"

(2)

.

الحادي عشر: أنه "رَبّ"، أخرجه الحاكم من حديث ابن عباس وأبي الدرداء:"أنهما قا لا: اسم الله الأكبر: رب، رب"

(3)

، وفيه حديثٌ مرفوعٌ ضعيفٌ، ذكره ميرك

(4)

.

(1)

أخرجه ابن ماجه (3859) من حديث عائشة به. قال الألباني في "ضعيف الجامع"(1193): "ضعيف".

(2)

هذا حكم الحافظ ابن حجر وتعقيبه على الحديث في "فتح الباري".

(3)

أخرجه الحاكم (1/ 505) من حديث أبي الدرداء وابن عباس به موقوفًا.

قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات معروفون؛ غير هشام بن أبي رقية: فذكره البخاري وابن أبي حاتم في كتابيهما، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا؛ لكن روى عنه جمع من الثقات، ووثقه الفسوي وابن حبان؛

وذكره الحافظ ابن حجر رحمه الفة في "الفتح"(11/ 225) دليلًا على الاسم الأعظم. قال الألباني في "ضعيف الترغيب والترهيب": "ضعيف موقوف".

(4)

قلت بل ذكره الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"، حيث قال: "وأخرج ابن=

ص: 362

وفي "الجامع": "إذا قال العبد: يا رب يا رب، قال الله: لبيك عبدي، سل تعطَ، رواه ابن أبي الدنيا في "الدعاء" بسند ضعيفِ عن عائشة"

(1)

.

"الثاني عشر: "الله، الله، الله الذي لا إله إلا هو ربّ العرش العظيم"، نُقِلَ هذا عن الإمام زين العابدين أنه [رآه]

(2)

في النوم.

الثالث عشر: أنه [مخفًى في الأسماء]

(3)

الحسنى، ويؤيده حديث عائشة المتقدم.

الرابع عشر: أنه كلمة التوحيد، نقله القاضي عياض عن بعض العلماء"

(4)

.

(واسم الله تعالى الأعظم. مص) كذا وقع في "أصل الجلال"، وهو موجود في أكثر النسخ المعتمدة، لكن ينبغي أن يكتب فوق لفظ الأعظم إشعارًا بأنه من خَصوصيات رواية ابن أبي شيبة

(5)

، وأن ما قبله مشترك له، ولما سيأتي من الرموز، مع خلاف فيما بعده، وهو قوله:

= أبي الدنيا عن عائشة: "إذا قال العبد: يارب، يارب، قال الله تعالى: لبيك عبدي، سل تعط" رواه مرفوعًا وموقوفًا".

(1)

"ضعيف الجامع"(611).

(2)

كذا في (هـ)، وفي (أ) و (ب) و (ج) و (د):"رأى".

(3)

كذا في (د) و (هـ) و"فتح الباري"، وفي (أ) و (ب):"الخفي من الأسماء"، وفي (ج):"مخفًى في أسماء".

(4)

"فتح الباري" لابن حجر (11/ 224 - 225).

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة (29973) من حديث بريدة بن الحصيب به مرفوعًا.

ص: 363

(الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب) والواو لمطلق الجمعية، فلا ينافي ما سبق من النكتة [البديعية]

(1)

.

(اللهم، إني أسألك) أي: مسئولي ومطلوبي، وحذف المفعول للتعظيم أو للتعميم، أو: أطلبك ولا أطلب غيرك، وأبعد الحنفي في قوله:"ويجوز أن يكون كقوله: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ} [المعارج: 1] "، ووجه بُعْدِهِ بل عدم صحته أن معنى الَاية: دعا داعٍ بعذاب، أي: استدعاه؛ ولذلك عدي الفعل بالباء، فالمعنى: طَلَبَ عذابًا، وليس ما نحن فيه من ذلك القبيل، بل الباء هنا للاستعانة أو للسببية، فقوله:(بأني) أي: مستعينًا أو بسبب أني، أو بوسيلة أني (أشهد) أي: أتيقن (أنك أنت الله) أي: الواجب الوجود، المفيض [للكرم]

(2)

والجود، (لا إله إلا أنت الأحد) أي: في الذات والصفات (الصمد) أي: الغنيُّ عن كل أحدٍ، المحتاجُ إليه جميع الموجودات، وقيل:"الصمد لغة في المصمت، وهو الذي لا جوف له، والصمد: السيد؛ لأنه يصمد إليه في الحوائج"، أي: يقصد، (الذي لم يلد) أي: ولدًا، ردًّا على اليهود في قولهم: إن عزيرًا ابن الله، وعك النصارى في قولهم: إن المسيح ابن الله، وعلى المشركين في قولهم: إن الملائكة بنات الله، (ولم يولد) أي: ليس له والدٌ، بل هو الثابت في الأزل والأبد، غير حادث ولا محل حوادث، على ما هو المعتقد، (ولم يكن لي

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (د) و (هـ)، وفي (ج):"البديعة".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"الكرم".

ص: 364

كفؤًا) بضمتين فهمز أو واو، أو بضم فسكون فهمز، قراءات متواترة وروايات [مشتهرة]

(1)

، أي: ندًّا فضلًا عن ضدٍّ، (أحدٌ) وهو اسم "كان"، و"كفؤًا" خبره مقدم عليه رعايةً للفواصل، أو للاهتمام بنفي المماثل، وفيه رد على من يثبت له سبحانه صاحبة.

(عه، حب، مس، أ) أي رواه: الأربعة، وابن حبان، والحاكم، وأحمد، عن بريدة بن الحصيب الأسلمي

(2)

، وفي بعض النسخ هنا زيادة:"مص"، والظاهر أنه ليس في محله، بل موضعه ما سيأتي بعد قوله:

(اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد

إلى آخره. مص) أي: رواه ابن أبي شيبة

(3)

، إشعارًا بأن صدر الحديث مشترك بين

(1)

كذا في (د)، وفي (أ) و (ب):"مشهورة"، وفي (ج):"مشتهرة مشهورة".

(2)

أخرجه أبو داود (1488)، والترمذي (3475)، والنسائي في "الكبرى"(7619)، وابن ماجه (3857)، وابن حبان (891، 892)، والحاكم (1/ 504)، وأحمد (5/ 349) و (5/ 350) و (5/ 360)؛ كلهم عن بريدة بن الحصيب به. قال الترمذي:"حسن غريب"، وقال الحاكم:"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وقال الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (2/ رقم: 1640): "صحيح".

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة (29973) من حديث بريدة بن الحصيب به مرفوعًا. ولفظ: "الأعظم" ليست من مختصات رواية ابن أبي شيبة، بل وردت في جميع المصادر المرموز لها قَبلُ، ومدار الحديث عندهم واحد، فلا وجه لفصل رمز ابن أبي شيبة عن بقية الرموز.

ص: 365

أصحاب الرموز جميعًا، إلا لفظ "الأعظم"، فإنه مختص بـ "مص" وما بعده المذكور، سابقًا للرموز المتقدمة، والدعاء الثاني لابن أبي شيبة وحده.

(واسم الله تعالى العظيم الأعظم. عه، حب، مس، أ، مص) أي رواه: الأربعة، وابن حبان، والحاكم، وأحمد، وابن أبي شيبة، عن أنس على ما سيأتي

(1)

.

وقعت هذه الرموز في "نسخة السيد أصيل الدين" بعد "العظيم"، والصحيح ما في بعض النسخ من أنه وضع رمز الأربعة، وابن حبان، والحاكم، فوق لفظ "العظيم"، ورمز أحمد وابن أبي شيبة فوق لفظ "الأعظم" على ما يدل عليه قول المصنف في "تصحيح المصابيح":"رواه الأربعة، وأحمد، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة ولفظه ولفظ أحمد: "باسمه الأعظم"، ولفظ الباقين: "باسمه العظيم"، وزاد ابن ماجه بعد "لا إله إلا أنت": "وحدك لا شريك لك"

(2)

، وزاد ابن حبان:

(1)

أخرجه أبو داود (1490)، والترمذي (3544)، والنسائي في "الصغرى"(1300) وفي "الكبرى"(1224) و (7654)، وابن ماجه (3858)، وابن حبان (893)، والحاكم (1/ 504)، وأحمد (3/ 120) و (3/ 158) و (3/ 245)، وابن أبي شيبة (29974)؛ كلهم عن أنس به مرفوعًا. وقال الحاكم:"صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وقال الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (2/ رقم: 1640): "حسن صحيح".

(2)

هذه الزيادة موجودة أيضًا عند أحمد (3/ 120)، وابن أبي شيبة (29974).

ص: 366

"الحنَّان" قبل "المنان"، وأ يذكر ابن أبي شيبة:"يا حي يا قيوم".

(الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى. اللهم إني أسألك بأن لك) أي: لا لغيرك (الحمد) أي: جميع أفراده، فإنه وإن حُمِدَ غيرُه صورةً، لكن يرجع إليه حقيقةً، [فإن اللام]

(1)

للاستغراق على ما هو مقتضى مذهب أهل السنة، خلافًا للمعتزلة على ما ذكره صاحب "المدارك"

(2)

، وهو مبنيّ على مسألة خلق الأفعال، وعلى تقدير أن يكون التعريف للجنس، فهو في هذا المقام يرجع إلى الاستغراق بمعونة لام التخصيص.

ولا يبعد أن [يراد]

(3)

بالتعريف العهد، فالمراد: الحمد اللائق له، وهو حمده الذي حمده بذاته لذاته وصفاته، كما أشار إليه صلى الله عليه وسلم بقوله:"أنت كما أثنيت على نفسك"

(4)

، أو ما حمده الأنبياء والأولياء، فإن العبرة بحمدهم دون حمدِ غيرهم، أو لك استحقاق الحمد على الإطلاق، سواء حمدت أو لم تحمد، أو لك الحامدية والمحمودية.

(لا إله إلا أنت) استئنافُ بيانٍ، أو متضمن للتعليل (وحدك) أي: منفردًا بالذات (لا شريك لك) أي: في الصفات، وقوله "وحدك"

(1)

كذا في (ج)، وفي (أ) و (ب) و (د) و (هـ):"فاللام".

(2)

"مدارك التنزيل وحقائق التأويل" للنسفي (1/ 16)، المعروف بـ "تفسير النسفي".

(3)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"يكون المراد".

(4)

أخرجه مسلم (486) من حديث عائشة به مرفوعًا.

ص: 367

منصوب على الحال عند [الكوفية]

(1)

، وعلى المصدر عند [البصرية]

(2)

بتأويل "منفردًا"، فقوله:"لا إله إلا أنت" توحيدٌ إجماليٌّ، وما بعده تأكيدٌ تفصيليّ، وأغرب الحنفي حيث قال:"وَحْدَكَ: منصوب على الحال عند البصريين، وعلى الظرف عند الكوفيين"، انتهى.

والتحقيق: أن "وحدك" حالٌ عند الكل، لكن بتأويلٍ عند البصريين، وبلا تأويلٍ عند الكوفيين، ثم قال:"وكأن كلًّا من هاتين الجملتين -أعني: "وحدك لا شريك لك"- مؤكدةٌ لما قبلها"، انتهى، والتأسيس كما قدمناه أولى [من التأكيد]

(3)

.

ثم اعلم أنه يُكتب رمز ابن ماجه فوق قوله: "وحدك لا شريك لك"، ورمز ابن حبان فوق قوله:(الحنان المنان) وهو بتشديد النون الأولى، أي: الرجم بعباده، فعال للمبالغة من الحنان بالتخفيف بمعنى الرحمة، والمنان بتشديد النون أيضًا، أي: المنعم المعطي من المنّ، وهو:[العطاء]

(4)

لا من المنة، وإن كان له المنة في عطائه، بل وفي بلائه، وكثيرًا ما يرد "المن" في كلامهم بمعنى: الإحسان، فالمعنى أنه كثير العطاء.

قال صاحب "الصحاح": "منَّ عليه مَنًّا: أنعم عليه، والمنان من

(1)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ) و (هـ):"الكوفيين".

(2)

كذا في (ب) و (ج) و (في)، وفي (أ) و (هـ):"البصريين".

(3)

من (هـ) فقط.

(4)

كذا في (أ) و (ب) و (د) و (هـ)، وفي (ج):"الإعطاء".

ص: 368

أسمائه تعالى"

(1)

، قال ميرك:"ويجوز أن يكون من المنة، أي: الله سبحانه كثير الامتنان على عباده، بإيجادهم، وإمدادهم، وهدايتهم إلى الإيمان، وإعانتهم بأنواع البر والإحسان"، انتهى.

وعن علي كرم الله وجهه: "الحنّان من يُقْبِل على من أعرض عنه، والمنّان من يبدأ بالنّوال قبل السؤال"

(2)

.

(بديع السماوات والأرض) أي: مبدعهما ومخترعهما على غير مثالٍ سبق، وقيل:"بديع سماواته وأرضه"، وهو مرفوع في أكثر النسخ المصححة والأصول المعتمدة على أنه صفة المنان أو خبر [لمبتدإ]

(3)

محذوف هو "هو"، وفي نسخة بالنصب على المدح، أو بتقدير: أعني.

وقال المصنف في "تصحيح المصابيح": "يجوز فيه الرفع على أنه صفة المنان، والنصب على النداء، ويقويه رواية الواحدي

(4)

في كتاب

(1)

"الصحاح" للجوهري (6/ 2207) مادة (م ن ن).

(2)

"أحكام القرآن" لابن العربي (4/ 109 - 110).

(3)

كذا في (أ) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (ب):"مبتدأ".

(4)

هو: علي بن أحمد بن محمد بن علي، أبو الحسن، الواحدي النيسابوري الشافعي، صاحب التفسير، وإمام علماء التأويل، تصدر للتدريس، وقال السمعاني:"كان حقيقًا بكل احترام وتعظيم"، وله من المصنفات:"أسباب النزول"، و"التحبير في الأسماء الحسنى"، و"شرح ديوان المتنبي"، وغيرها، تُوفِّيَ سنة: 468، راجع ترجمته في:"سير أعلام النبلاء"(18/ 339) و"تاريخ الإسلام" للذهبي (30/ 257)، و"طبقات المفسرين" للسيوطي (70).

ص: 369

"الدعاء": "يا بديع السماوات والأرض"".

قلت: ويؤيده أيضًا قوله: (يا ذا الجلال والإكرام) أي: يا صاحب الصفات الجلالية، والنعوت الجمالية.

(عه، حب، مس، أ، مص) أي رواه: الأربعة، وابن حبان، والحاكم، وأحمد، وابن أبي شيبة؛ كلّهم من حديث أنسٍ.

(يا حيّ يا قيوم) وفي "نسخة الأصيل": "ويا قيوم"، أي: يا دائم الحياة والبقاء، ويا من [يقوم]

(1)

به الأرض والسماء. (عه، حب، مس، أ) أي رواه: الأربعة، وابن حبان، والحاكم، وأحمد، عن أنسٍ

(2)

.

(واسم الله تعالى الأعظم في هاتين الآيتين) أي: في جميعهما أو في مجموعهما، ويجوز أن يراد أنه في هاتين الآيتين كلتيهما على سبيل الاجتماع لا الانفراد، وكذا في الحديث الذي بعده.

({وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163]، وفاتحة آل عمران) بالجر على أنهما بدل أو عطف بيان لهاتين الآيتين، وفي نسخة بالرفع على أنه خبر مبتدإ محذوف، أي:[وثانيتهما]

(3)

أو الأخرى، أو بالعكس، أي: ومنهما، وفي أخرى بالنصب بتقدير: أعني.

وقوله: {الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران: 1 - 2])

(1)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ) و (هـ):"تقوم".

(2)

سبق تخريجه، وأراد الماتن أن هذا الزيادة ليست عند ابن أبي شيبة.

(3)

كذا في (ب) و (د)، وفي (أ) و (ج) و (هـ):"وثانيهما".

ص: 370

بيانٌ للفاتحة. (د، ت، ق، مص) أي رواه: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة؛ كلهم عن أسماء بنت يزيد بن السكن

(1)

.

(واسم الله تعالى الأعظم في ثلاث سور: البقرة وآل عمران) بالوجوه الثلاثة السابقة فيهما، والموجود في البقرة إما قوله:{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163]، وإما أول آية الكرسي، (وطه) بفتحهما وإمالتهما. (مس) أي رواه الحاكم عن أبي أمامة

(2)

.

(1)

أخرجه أبو داود (1491)، والترمذي (3478)، وابن ماجه (3588)، وابن أبي شيبة (29976)؛ كلهم من حديث أسماء بنت يزيد به مرفوعًا. قال الترمذي:"حسن صحيح"، وقال الألباني في "صحيح الجامع" (980):"حسن".

(2)

أخرجه الحاكم (1/ 505، 506) من حديث أبي أمامة به مرفوعًا. أخرجه الطبراني في "معجمه الكبير"(8/ 237) رقم (7925)، وفي مسند الشاميين (778) عن هشام بن عمار ثنا الوليد بن مسلم ثنا عبد الله بن العلاء بن زبر أنه سمع القاسم أبا عبد الرحمن يحدثنيث عن أبي أمامة به.

وأخرجه ابن ماجه (3856) قال: ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، ثنا عمرو بن أبي سلمة، عن عبد الله بن العلاء، عن القاسم، فذكره.

ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، ثنا عمرو بن أبي سلمة. قال: ذكرت ذلك لعيسى بن موسى، فحدثني أنه سمع غيلان بن أنس يحدثني، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، نحوه.

وهذان إسنادان:

الأول: موقوف صحيح حتى القاسم، أما الثاني، فمرفوع لكنه ضعيف، غيلان=

ص: 371

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= ابن أنس مجهول الحال وقد خالفه ثقة حافظ فوقفه على القاسم وهو عبد الله بن العلاء بن زبر والوقف هو الصواب في هذا الحديث

وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(4/ 144): الإسناد الأول رجاله ثقات وهو موقوف قاله المزي والاسناد الثاني فيه مقال غيلان لم أر من جرحه ولا من وثقه وباقي رجال الاسناد ثقات لكن لم ينفرد به غيلان عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعًا.

ورواه الطبراني في "معجمه الكبير"(8/ 183) رقم (7758) ثنا إبراهيم بن دحيم الدمشقي حدثني أبي ثنا عمرو بن أبي سلمة عن أبي محمد عيسى بن موسى أنه سمع غيلان بن أنس يحدثني عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اسم الله الأعظم في ثلاث سور من القرآن البقرة وآل عمران وطه وقد اختلف فيه على عبد الله بن العلاء بن زبر: فقال الوليد بن مسلم عن عبد الله بن العلاء بن زبر أنه سمع القاسم أبا عبد الرحمن يحدثني عن أبي أمامة يرفعه.

أخرجه الطحاوي في "المشكل"(128)، والطبراني في "معجمه الكبير"(8/ 237) رقم (7925)، وفي مسند الشاميين (778) وفي "معجمه الأوسط"(8371) وابن الضريس في "فضائل القرآن"(44)، وأبو يعلى وابن مردويه- كما في تفسير ابن كثير (1/ 357). بينما رواه عمرو بن أبي سلمة كما سبق، فصل المرفوع عن الموقوف وهذا يدل على مزيد ضبط وحفظ وعمرو بن أبي سلمة صدوق له بعض الأوهام. ومخالفه الوليد مدلس وذو غلط كذلك.

واختلف على عمرو بن أبي سلمة فروى الدوري في "تاريخ ابن معين"(5072) ثنا يحيى بن معين قال حدثني خزيمة بن زرعة الخراساني عن أبي=

ص: 372

(قال القاسم)

(1)

ستأتي ترجمته (فالتمستها) أي: طلبت أسماء الله تعالى، أو السور المذكورة وتتبعتها، وفي نسخة:"فالتمست فيها"، وأصل الالتماس: طلب اللمس، ففيه تجريد، (أنه الحي القيوم) بفتح "أنه"، وفي نسخة بزيادة "فوجدت"، وفي نسخة بدل "فوجدت":"فعرفت"، [وهما]

(2)

ظاهران، وكأن الحنفي لم يطلع عليهما حيث قال:"الظاهر أن يقال: فالتمستها فوجدت"، وفي نسخة صحيحة:"فوجدتها".

= حفص التنيسي عن عبد الله بن العلاء أبي زبر عن القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة به.

قال وعنده عيسى بن موسى فقال حدثني غيلان بن أنس عن القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "قال اسم الله الأعظم في ثلاث سور سورة البقر وآل عمران وطه".

ورواه عنه الدولابي في "الكنى والأسماء"(741 و 742) ثنا العباس بن محمد قال: ثنا يحيى قال: ثنا خزيمة بن زرعة الخراساني عن أبي حفص التنيسي، عن عبد الله بن العلاء بن زبر عن القاسم أبي عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ....

هكذا مرسلا بدون الصحابي وهو من نفس الطريق الموصل.

قلت: خزيمة بن زرعة، لم أجده، ومخالفه دحيم الحافظ روايته أصح بلا ريب. قال الألباني في "صحيح الجامع" (979):"صحيح".

(1)

"المستدرك" للحا كم (1/ 505).

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"وكلاهما".

ص: 373

وقد جعل السيد أصيل الدين "صح" ظاهرًا، [وهو غير]

(1)

ظاهر باعتبار ضميرها، ولعل وجهه أن يكون من باب الحذف والإيصال

(2)

، والتقدير: فوجدت فيها، أي: في الأسماء أو السور أنه -أي: الاسم الأعظم- هو الحي القيوم، أي: المجموع من الوصفين، وهو الأظهر، أو كل واحد، والله أعلم.

ويؤيد الأول ما قرره الفخر الرازي واحتج بأنهما يدلان على صفات الربوبية ما لا يدل على ذلك غيرهما كدلالتهما.

قلت: في الاستدلال نظرٌ ظاهرٌ لأن اسم "الرب" أشمل منهما وأظهر، مع أن اسم "الله" الموضوع للذات، المستجمع لجميع الصفات أجمعُ من سائر الأسماء؛ ولهذا ذهب أكثر العلماء [إلى]

(3)

أنه هو الاسم الأعظم، وهو المناسب؛ لأنه العَلَمُ والباقي صفات له فاعلم، وبه يجمع بين جميع الأحاديث؛ لأن الأسماء كلها في المعنى جزئيات بالنسبة إليه، وهو القطب في مدار الأمر عليه.

ومن السنة الإلهية أن يجعل [أعز]

(4)

الأشياء أظهرها وأرخصها، أما

(1)

كذا في (أ) و (ج) و (هـ)، وفي (ب) و (د):"وغير".

(2)

بعدها في (د) زيادة: "وهو الأظهر".

(3)

كذا في (أ) و (ب) و (د) و (هـ)، وفي (ج):"على".

(4)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"خير".

ص: 374

ترى أن الحجر الأسود الذي [هو]

(1)

يمين الله، وقد قبَّله رسول الله، وسائر أنبيائه وأصفيائه ظاهر حاصل لكل أحد، ومقام إبراهيم عليه السلام الذي هو موضع قدمه في غاية من الخفاء، وكذا الماء والمِلْح والحب الذي [هو]

(2)

أحبّ الأشياء أكثرُ وجودًا من سائر المشروبات والمأكولات، والمصحف الشريف لولم يوجد إلا في خزانة الملوك، لتعبنا تعبًا شديدًا، ثم أعز الجواهر وأشرفها في بني آدم: سمعه، وعينه، ولسانه، ولم يعرف قدرها، وهو يطلب الجواهر الثمينة، [ويضيع]

(3)

في تحصيلها الأنفاس النفيسة، نَعَم، لتأثير الاسم الأعظم شروط يعرفها أهله، والله أعلم.

(قلت: وعندي أنه: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران: 1]، جمعًا بين الحديثين) قال المصنف: "بيانه أن حديث أسماء بنت يزيد نصٌّ في أنه "لا إله إلا هو"، وأنه "لا إله إلا هو الحي القيوم"

(4)

، وحديث أبي أمامة في أنه في ثلاث سور: البقرة، وآل عمران، وطه، و {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} في هذه السور، أما البقرة وآل عمران فظاهرٌ، وأما طه ففيها أوّلًا:{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [طه: 8]، وآخرًا:

(1)

من (هـ) فقط.

(2)

من (هـ) فقط.

(3)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"وتضيع"، وفي (هـ):"فيضيع".

(4)

بعدها في (هـ) زيادة: "في هذه السورة".

ص: 375

{وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ} [طه: 111] "

(1)

.

قال الحنفي: "فيه نظر، لجواز كون الاسم الأعظم المأخوذ [من]

(2)

هذا المجموع".

قلت: الأظهر في الجمع أن يقال: الله لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الحي القيوم؛ ليكون مشتملًا على جميع ما ذكر في السور

(3)

، وكأن المصنف نظر إلى أن الموجود في جميعها هو الله لا إله إلا هو الحي القيوم.

(ولما روينا) بصيغة المجهول، وفي نسخة بالمعلوم، وفي نسخة:"لما رويناه"، وهو عطف على"جمعًا"، فإنه منصوب [على العلة]

(4)

، فكأنه قال:"للجمع، ولما رويناه"(في كتاب "الدعاء" للواحدي عن يونس بن عبدا لأعلى) أي: نقلًا عنه، (والله تعالى أعلم).

(والقاسم هذا) أي: المذكور سابقًا (هو ابن عبد الرحمن الشامي التابعي

(5)

،

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 5/ ب).

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج)، وفي (د) و (هـ):"في".

(3)

بعدها في (د) زيادة: "في جميعها".

(4)

كذا في (ج)، وفي (أ) و (ب) و (د) و (هـ):"للعلة".

(5)

هو: القاسم بن عبد الرحمن، أبو عبد الرحمن، الشامي الدمشقي، مولى آل أبي سفيان بن حرب الأموي، صاحب أبي أمامة، حدث عن جمع من الصحابة، وقال ابن معين: ثقة، وكذا قال الترمذي، تُوفِّيَ سنة: 112، وقيل: 118، راجع ترجمته في:"تهذيب الكمال" للمزي (23/ رقم: 4800)، و"سير أعلام النبلاء"(5/ 194)، و"تاريخ الإسلام " للذهبي (7/ 449).

ص: 376

صاحب أبي أمامة) أي: الباهلي، صحابي جليل

(1)

، وزاد في "نسخة الأصيل":(صدوق) أي: كثير الصدق، وهو نعت للقاسم، فإنه تابعيّ يحتاج إلى التعديل، وإلا فالصحابة كلهم عدول، قال في "الميزان":"هو مولى آل معاويةَ، قال الإمام أحمد: "روى عنه علي بن يزيد أعاجيب، وما أراها إلا من القاسم"

(2)

، وقال ابن حبان:"كان يروي عن أصحابه المعضلات، ويأتي عن الثقات بالمقلوبات"

(3)

، قلت: وثقه ابن معين

(4)

، وقال الترمذي:"ثقة"

(5)

"

(6)

، انتهى.

وقال [في]

(7)

"الكاشف": "أرسل عن علي وسلمان والكبار، وروى عن معاوية، وعمرو بن عبسة، وعدة، وقيل: "لم يسمع من صحابي سوى أبي أمامة"، وروي عنه أنه قال: "لقيت مئةً من الصحابة"

(8)

"

(9)

.

(1)

بعدها في (هـ) زيادة: "القدر".

(2)

"تاريخ دمشق" لابن عساكر (49/ 112).

(3)

"المجروحين" لابن حبان (ت 873).

(4)

"سؤالات ابن الجنيد"(514).

(5)

"جامع الترمذي"(3195).

(6)

"ميزان الاعتدال" للذهبي (6823).

(7)

زيادة يقتضيها السياق.

(8)

"تاريخ أبي رزعة الدمشقي"(609).

(9)

"الكاشف" للذهبي (4517).

ص: 377

‌في أسماء الله الحسنى

(وأسماء الله تعالى الحسنى)، وفي نسخة:"وأسماء الله الحسنى"(التي أمرنا) على بناء الفاعل، وفي نسخة بصيغة المجهول، أي: أمرنا الله (بالدعاء بها) قال المصنف: "يعني في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180] "

(1)

، (تسعة وتسعون اسمًا) تمييز تأكيد، كقو له تعالى:{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا} [التوبة: 36]، وفي قوله:{ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا} [الحاقة: 32]، وهو أعمّ من اسم الذاتِ، والصفةِ، والفعلِ.

"وقد اختلف هل المراد حصر الأسماء الحسنى في العدد المذكور، أو أنها أكثر، لكن اختصت هذه بقوله:(من أحصاها دخل الجنة؟)، فذهب الجمهور إلى الثاني، ونقل النووي الاتفاق عليه

(2)

"، كذا في شرح البخاري

(3)

، وقال المؤلف: "لا خلاف في أن هذا الحديث ليس فيه حصر أسماء الله تعالى [الحسنى]

(4)

في التسعة والتسعين، لكن المقصود أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فأخبر عن دخول الجنة

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 5/ ب، 6/ أ).

(2)

"شرح مسلم" للنووي (17/ 5).

(3)

"فتح الباري" لابن حجر (11/ 220).

(4)

من (هـ) فقط.

ص: 378

بإحصائها؛ ولهذا ورد في الحديث الذي يجيء الكلام عليه: "أو استأثرت به في علم الغيب عندك"

(1)

" انتهى ["مفتاح الحصن الحصين" (ل 6/ أ)].

(1)

أخرجه حمد (1/ 391 و 452)، وأبو يعلى (5297)، وابن حبان (972)، والحارث "زوائد الهيثمي"(1057) وابن أبي شيبة في "المصنف"(29930)، والطبراني في "معجمه الكبير"(10/ 169) رقم (10352)، وفي "الدعاء"(1035)، والبيهقي في "الدعوات الكبير"(155)، وفي "القضاء والقدر"(307)، وأبو يعلى (5297) وفي المسند (329) المسند للشاشي (268) ابن أبي الدنيا في "الفرج"(52)، والمقدسي في "الترغيب في الدعاء"(136) عن فضيل بن مرزوق قال ثنا أبو سلمة الجهني عن القاسم بن عبد الرحمن به.

قال الهيثمي (10/ 136): رجاله رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني، وقد وثقه ابن حبان.

قال البيهقي تابعه عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم بن عبد الرحمن وهذه المتابعة أخرجها البزار (1994).

وأبو سلمة الجهني: له ترجمة في كتب التراجم بما حاصله أنه مجهول ولا يعرف اسمه ففي كنى البخاري (ص 39) والثقات لابن حبان (7/ 659) أبو سلمة الجهني يروى عن القاسم بن عبد الرحمن روى عنه الفضيل بن مرزوق وذكر الدوري في "تاريخه"(2171) وعنه الدولابي في "الكنى والأسماء"(4/ 42) قال: سمعت يحيى يقول أبو سلمة الجهني أراه موسى الجهني.

وذكره الذهبي المغني في الضعفاء (7509) أبو سلمة الجهني شيخ لفضيل بن مرزوق لا يدرى من هو، وكذا في "الميزان"(4/ 533) وذكره الحافظ في "تعجيل المنفعة"(ص 490) أبو سلمة الجهني عن القاسم بن عبد الرحمن =

ص: 379

وهذا منه إشارةٌ إلى دفع ما قيل في "شرح المقاصد" وغيره من الكتب الكلامية، من أن: "اعتبار السلوب والإضافات [يقتضي تكثر]

(1)

أسماء الله تعالى جدًّا، حتى ذكر بعضهم أنها لا تتناهى بحسب

(2)

لا تتناهى الإضافات والمغايرات، فما وجه التخصيص بالتسعة والتسعين على أنه قد دل الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم على أن لله تعالى أسماء لم يعلمها أحدٌ

= روى عنه فضيل بن مرزوق مجهول قاله الحسيني وقال مرة لا يدرى من هو وهو كلام الذهبي في الميزان وقد ذكره بن حبان في الثقات وأخرج حديثه في صحيحه وقرأت بخط الحافظ بن عبد الهادي يحتمل أن يكون خالد بن سلمة قلت وهو بعيد لأن خالدا مخزومي وهذا جهني.

وذكر الحافظ في لسان الميزان (7/ 56) نحو هذا وزاد: والحق أنه مجهول الحال وابن حبان يذكر أمثاله في الثقات ويحتج به في الصحيح إذا كان ما رواه ليس بمنكر.

البوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة"(6/ 160) وأما أبو سلمة الجهني فقال الذهبي: لا يدرى من هو. قلت: ذكره ابن حبان في الثقات وأخرج حديثه في صحيحه، وأخرج أحمد بن حنبل حديثه في المسند، ومع هذا فلم ينفرد به كما تقدم.

قال الألباني في "ضعيف الترغيب والترهيب"(1822): "صحيح"، وانظر لمزيد الفائدة "السلسلة الصحيحة"(199).

(1)

كذا في (ج) و (د) و"شرح المقاصد"، وفي (ب):"تقتضي تكثر"، وفي (أ) و (هـ):"يقتضي تكثير".

(2)

بعدها في (هـ) زيادة: "أن".

ص: 380

من خلقه، واستأثر بها في علم الغيب عنده.

وورد في الكتاب والسنة أسامٍ خارجة عن التسعة والتسعين: كالكافي، والدائم، والمبين، والصادق، والمحيط، والقديم، والقريب، والوتر، والغافر، والعلام، والمليك، والأكرم، والمدبر، والرفيع، وذي الطول، وذي المعارج، وذي الفضل، والخلاق، والمولى، والنصير، والغالب، والرب، والناصر، وشديد العقاب، وقابل التوب، وغافر الذنب، ومولج الليل في النهار، ومولج النهار في الليل، ومخرج الحي من الميت، ومخرج الميت من الحي، والسيد، والحنان، والمنان، ورمضان، وقد شاع في عبارات العلماء: المريد، والمتكلم، والشيء، والموجود، والذات، والأزلي، والصانع، والواجب، وأمثال ذلك.

وتقرير ما ذكره في دفعه: أن التنصيص على اسم العدد ربما لا يكون لنفي الزيادة، بل لغرضٍ آخرَ كزيادة الفضيلة، وأجيب عنه بوجهين آخرين أيضًا:

أحدهما: أن قوله "من أحصاها دخل الجنة" في موقع الوصف، كقولك: للأمير عشرة غلمان يكفون مهماته، بمعنى: أن لهم زيادة قرب واشتغال بالمهمات، أو أن هذا القدر من غلمانه الجمة [كافٍ]

(1)

لمهماته من غير افتقار إلى الآخرين.

فإن قيل: إن كان اسمه الأعظم خارجًا عن هذه الجملة، فكيف

(1)

كذا في (د) و"شرح المقاصد"، وفي (أ) و (ب) و (هـ):"كان"، وفي (ج):"كافون".

ص: 381

يختص ما سواه بهذا الشرف؟ وإن كان داخلًا، فكيف يصح أنه مما يختص بمعرفته نبي أو ولي؟ وأنه سبب لكرامات عظيمة لمن عرفه؟ حتى قيل: إن آصف بن برخيا إنما جاء بعرش بلقيس للاسم الأعظم، قلنا: يحتمل أن يكون خارجًا، ويكون زيادة [شرف التسعة]

(1)

والتسعين وجلالتها بالنسبة إلى ما عداه، وأن يكون داخلًا [مبهمًا]

(2)

، لا يعرفه بعينه إلا نبي أو ولي"

(3)

، مشروطًا بشرائط يتوقف على حصولها [حصول]

(4)

الإجابة.

"وثانيهما: أن الأسماء منحصرةٌ في التسعة والتسعين، والرواية المشتملة على تفصيلها غير مذكورةٍ في الصحيح، ولا خالية عن الاضطراب والتغيير، وقد ذكر كثيرٌ من المحدثين أن في إسنادها ضعفًا"

(5)

.

هذا، واستبان منه أن بعضهم حمل هذا الحديث على الحصر، وكأن المصنف رحمه الله لم يعتبر هذا القول، أو أنه لم يبلغه، كذا ذكره الحنفي.

ولا يخفى أن الجواب الثاني غيرُ صحيحٍ، لصحة ما تقدم من الأسماء

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (د) و (هـ) و"شرح المقاصد"، وفي (ج):"الشرف للتسعة".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"بهما"، وفي "شرح المقاصد":"فيها".

(3)

"شرح المقاصد في علم الكلام" للتفتازاني (2/ 172 - 173).

(4)

كذا في (هـ)، وفي (أ):"وحصول"، وفي (ب) و (ج) و (د):"وصول".

(5)

"شرح المقاصد في علم الكلام" للتفتازاني (2/ 173).

ص: 382

التي هي غير مذكورةٍ في هذا الحديث، اللهم إلا أن يقال: الكل موجود في هذا المعدود بحسب [المعنى]

(1)

، أو على اشتمال المعنى، ولا كلام في [المستأثر]

(2)

، فإنا قد أمرنا بالدعاء بالأسماء المشهورة على الكيفية المذكورة على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم.

وما أبعد من طعن في إسناد هذا الحديث الذي كاد أن يكون متواترًا، مع قول بعض العلماء:"إن الحديث المتفق عليه قطعي الدلالة"

(3)

، كيف وقد انضم إلى إمامي المحدثين جماعة من أكابر المخرجين؟! والاختلاف في بعض الألفاظ، لا يورث الضعف عند الحفاظ.

هذا، وقوله:"من أحصاها" أي: عدّها، أو قرأها مرتلًا، أو آمن بها، أو حفظها، أو علم مبانيَها وعمل بمعانيها، أو تخلّق بها، "دخل الجنة" أي: دخولًا أوّليًّا، أو دخل أعلى غرف الجنة، ووصل أعلى مراتب نعيمها.

قال المصنف: "اختلفوا في المراد بإحصائها، فقال البخاري وغيره: "معناه: من حفظها"، وهو الصحيح؛ لأنه جاء مفسرًا في الحديث الآخر من الصحيح: "من حفظها"، وقيل: ""أحصاها" أي: عمل بها"، وقيل: "عدّها في الدعاء بها"، وقيل: "المراد حفظ القرآن، لأنه مشتمل عليها"،

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (د) و (هـ)، وفي (ج):"المبنى".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (د) و (هـ)، وفي (ج):"المستأثرة".

(3)

"مقدمة ابن الصلاح"(صـ 170).

ص: 383

والصحيح ما تقدم

(1)

، فقد وردت مذكورة في الحديث الذي رواه الترمذي، والحاكم وابن حبان في صحيحهما

(2)

"

(3)

.

(خ، م، ت، س، ق، مس، حب) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم في "مستدركه"، وابن حبان في "صحيحه"؛ كلهم من حديث أبي هريرة

(4)

.

قال ميرك

(5)

: "وظاهر إيراد الشيخ أن قوله: "وأسماء الله تعالى"، إلى قوله: "الجنة" مذكور في الكتب المذكورة، وليس كذلك، بل فيها من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إن لله تعالى تسعةً وتسعين اسمًا، مئةً إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة"، وفي رواية للبخاري بعد "إلا واحدًا": "وهو وتر يحب الوتر"، وفي رواية لمسلم، وابن ماجه: "من حفظها دخل

(1)

نقل النووي هذه الأقوال في "شرح صحيح مسلم"(17/ 5 - 6)، وصحح القول الأول.

(2)

أخرجه الترمذي (3507)، والحاكم (1/ 16 - 17)، وابن حبان في "صحيحه"(808)، كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 6/ أ).

(4)

أخرجه البخاري (7392)، ومسلم (2677)، والنسائي في الكبرى (7659)، والترمذي (3507)، والنسائي في "الكبرى"(7612)، وابن ماجه (3860، 3861)، والحاكم (1/ 16، 17)، وابن حبان (807)، كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

(5)

بعدها في (أ) زيادة: "شاه".

ص: 384

الجنة"، انتهى.

فالشيخ رحمه الله نقل بالمعنى، لكن لا شك أن قوله:"وأسماء الله تعالى الحسنى، التي أمرنا بالدعاء بها" ليس معنى الحديث، بل معنى القرآن، كما أشار إليه الشيخ على ما قدمنا، وإنما الكلام في قوله:"تسعة وتسعون اسمًا"، فإنه بحسب الظاهر خبر عن قوله:"وأسماء الله"، لكن لا يبعد أن يجعل ما قبله عنوانًا، وقوله:"تسعة وتسعون اسمًا": بتقدير "لله"، أي: كائنة له، مبتدأ خبره قوله:"من أحصاها دخل الجنة"، و"لله" المقدر خبره، و"من أحصاها" خبر آخر، فيؤدى لفظ الحديث في الجملة مع قطع النظر عن الأمور المؤكدة.

ثم قوله: (لا يحفظها أحدٌ إلا دخل الجنة) بدل من قوله: "من أحصاها دخل الجنة" في رواية مختصة للبخاري، كما أشار إليه مرموزًا بقوله:(خ) أي رواه: البخاري

(1)

، لكن أسنده صاحب "الجامع الصغير" إلى الشيخين، عن أبي هريرة بلفظ:"إن لله تعالى تسعة وتسعين اسمًا، مئة إلا واحدًا، لا يحفظها أحدٌ إلا دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر"

(2)

.

ورواه أبو نعيم في "الحلية" عن علي رضي الله عنه مرفوعًا: "إن لله عز وجل تسعةً وتسعين اسمًا، مئة غير واحد، إنه وتر يحب الوتر، وما من عبد

(1)

أخرجه البخاري في "صحيحه"(6410) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

(2)

"صحيح الجامع"(2167).

ص: 385

يدعو بها إلا وجبت له الجنة"

(1)

.

ورواه ابن مردويه عن أبي هريرة، ولفظه:"إن لله تعالى مئة اسم غير اسم، من دعا بها استجاب الله له"

(2)

.

(1)

أخرجه أبو نعيم في "الحلية"(10/ 380) من حديث علي بن أبي طالب به مرفوعًا. قال الألباني في "ضعيف الجامع"(1944): "ضعيف".

(2)

عزاه له السيوطي في الدر المثور (3/ 614).

الأسماء الحسنى: هي الأسماء التي أثبتها الله تَعَالَى لِنَفْسِهِ وَأَثْبَتَهَا لَهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم وَآمَنَ بِهَا جَمِيعُ المؤمنين.

أما عددها فلا يعلمه إلّا الله، ودليل ذلك حديث ابْن مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما أصاب أحدًا هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، ماضٍ فيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ في قَضَاؤكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أنزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوِ اسْتَأْثَرَتْ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجَلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي إِلَّا أذهب الله حزنه وهمه وأبدله مكانه فرجًا". رواه أحمد في "المسند" رقم (3712) و (4318)، وصححه ابن حبان رقم (2372) واختلف في صحته كثيرًا. وقد وردت أحاديث ضعيفة في تحديدها. انظر ضعيف الجامع الصغير (1943، 1944).

لا مدخل للعقل في باب الأسماء والصفات؛ لأن الأسماء والصفات من الأمور التوقيفية الغيبية، أي: التي نعتمد فيها على السمع دون سواه، ومعنى السمع: النقل، والنقل هو: الوحي الذي هو الكتاب والسنة، فصفات الله عز وجل وأسماؤه لا دخل للعقل فيها، وإنما المدار على السمع، خلافًا =

ص: 386

(هو الله الذي لا إله إلا هو) الاسم المعدود في هذه الجملة من أسماء الله تعالى هو "الله"، لا غيره من "هو" و"إله"، كما يدل عليه روايات أخر منها: "يا ألله، يا رحمن، يا رحيم

" إلى آخره، و"الله" اسم للذات الجامع للصفات الكاملات، (الرحمن الرحيم) صيغتا مبالغة مشتقة من الرحمة، بمعنى: الإنعام، والأول أبلغ؛ لأن زيادة المبنى تدل على مزية المعنى؛ ولذا ورد: "رحمن الدنيا ورحيم الآخرة"، حيث رحمة "الرحمن" شاملةٌ [للمؤمن والكافر]

(1)

في الدنيا، ورحمة "الرحيم" خاصة للمؤمنين في العقبى، كما أشار إليه سبحانه بقوله:{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 156]، وقدّم "الرحمن" لأنه لا يطلق على غيره تعالى.

(الملك) أي: صاحب الملك والملكوت، وفي اختياره على المالك إشعار بأنه أبلغ، وتحقيقه في قوله تعالى:{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4]

= للأشعرية والمعتزلة وكذلك الجهمية وغيرهم من أهل التعطيل الذين جعلوا المدار في إثبات الصفات أو نفيها على العقل.

وأننا نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه في كتابه، من الأسماء والصفات وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم. قال شيخ الإسلام رحمه الله: وفي كتاب الله من ذكر أسماءه وصفاته أكثر من ذكر آيات الجنة والنار

وإنَّ الآيات المتضمنة لأسمائه وصفاته أعظم قدرًا من آيات المعاد.

(1)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"للمؤمنين والكافرين".

ص: 387

على القراءتين.

(القدوس) فُعُّولٌ للمبالغة من القدس، وهو: النزاهة عما يوجب نقصانًا، وقرئ بالفتح، وهو لغة فيه.

(السلام) أي: ذو السلامة من كل آفة، مصدر وصف به مبالغةً كـ "رجل عدل"، فكأنه عَيْنُ السلامة، وقيل:"معناه: به ومنه السلامة"، وقيل:"معناه: المعطي السلامة للعباد في المبدأ والمعاد"، وقيل: "يسلم على خواصه، [كما في قوله]

(1)

تعالى: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس: 58]، فالسلام بمعنى التسليم.

(المؤمن) أي: واهب الأمن، وقرئ بالفتح، أي: المؤمَن به، وفي "شرح المصابيح" للمصنف:"أي: الذي يصدق عباده وعده، فهو من الإيمان، أو يؤمّنهم من عذابه، فهو من الأمن".

(المهيمن) أي: الرقيب الحافظ لكل شيء، من [هيمن]

(2)

الطائر، إذا نشر جناحه على فرخه صيانة له، على ما ذكره الشيخ المصنف في "شرحه للمصابيح"، وأما ما تكلف بعضهم على ما ذكره الخنفي، من أن: "أصله مؤيمن، فأبدلت الهاء من الهمزة، وهو مفيعل من الأمانة، أو من أمن غيره من الخوف، فأصله مؤأمن قُلبت الهمزة الثانية [ياء]

(3)

(1)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د) و (هـ):"قال".

(2)

هذا هو الصواب، وفي جميع النسخ:"همن".

(3)

من (هـ) فقط.

ص: 388

[كراهةً]

(1)

لاجتماعهما، فصار مؤيمن، ثم صُيِّرَتِ الأولى هاء، كما قالوا: هَرَاقَ الماء وأراقه"، فمع تكلفه وتعسفه خطأٌ من حيث إن التصغير لا يجوز في أسماء الله الحسنى

(2)

.

(العزيز) أي: الغالب الذي لا يُغلَب

(3)

، أو البديع المنيع الذي ليس كمثله شيء.

(الجبار) فعّال من أبنية المبالغة، إما من الجبر بمعنى الإصلاح، أي: المصلح لأمور الخلائق، فإنه جابر كل كسير، أو بمعنى الإكراه، يقال: جبره السلطان على كذا، وأجبره، إذا أكرهه، أي: يجبر خلقه ويحملهم على ما يريده، فسبحان من أقام العباد فيما أراد.

(المتكبر) أي: ذو الكبرياء والعظمة، وقيل:"المتعالي عن صفات الخلق، وقيل: المتكبر على عتاة خلقه"

(4)

، وقيل: "هي عبارة عن كمال الذات، وكمال [الوجود]

(5)

، وكمال البقاء، ولا يوصف به على وجه الاستحقاق إلا الله سبحانه"

(6)

.

(1)

كذا في. (ب) و (ج)، وفي (أ) و (د) و (هـ):"كراهية".

(2)

إما أن التصغير ممنوع فيه فهو إنما يمتنع منا وأما من الله فله أن يطلق على نفسه وخلقه ما أراد.

(3)

بعدها في (هـ) زيادة: "الذي لا يقهره شيء".

(4)

"الاعتقاد" للبيهقي (ص: 50).

(5)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د) و" النهاية"، وفي (هـ):"الصفات".

(6)

"النهاية"(4/ 140).

ص: 389

(الخالق) أي: الذي أوجد الأشياء بعد أن لم تكن موجودةً.

(البارئ) بهمز في آخره، ويجوز إبداله ياء في الوقف، وهو الذي خلق الخلق لا عن مثال سبق، أو خالق الخلق بريئًا من التفاوت.

(المصوّر) أي: الذي صور جميع الموجودات ورتبها، فأعطى كل شيء منها صورة خاصة تتميز بها عن غيرها، على اختلاف أنواعها وكثرة أفرادها.

(الغفار) أي: الذي يغفر الذنوب وإن كانت كبيرةً، ويستر العيوب وإن كانت كثيرةً.

(القهار) أي: الغالب على جميع الخلائق، كما قال تعالى:{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} ، ومنه قولهم:"سبحان من قهر العباد بالموت".

(الوهاب) أي: كثير [العطاء]

(1)

بلا عوضٍ.

(الرزّاق) أي: الذي خلق الأرزاق، وتكفل بأرزاق الخلائق؛ [لقوله]

(2)

: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6]، والأرزاق: أنواع المنافع، فمنها أقوات ظاهرة للأبدان، ومنها أقوات باطنة للقلوب والنفوس كالمعارف والعلوم.

(الفتاح) أي: الذي يفتح أبواب: الرزق، والرحمة، والعلم، والمعرفة لعباده.

(1)

كذا في (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ) و (ب):"العطايا".

(2)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ) و (هـ):"كقوله تعالى".

ص: 390

(العليم) فعيل للمبالغة، أي: العالم بكل شيء من الكُلِّي والجزئي، والموجود والمعدوم، والممكن والمحال، وبما لا يكون لو كان كيف يكون.

(القابض) أي: الذي يمسك الرزق وغيره [من الأشياء عن]

(1)

العباد بلطفه وحكمته.

(الباسط) الذي يوسع الرزق الحسي والمعنوي لمن يشاء من عباده.

(الخافض) أي: الذي يهين الكافرين، ويذل الفاجرين، ويضع المتكبرين، بالإبعاد عنه في الدنيا، وبالعقوبة في العقبى.

(الرافع) أي: الذي يرفع المؤمنين بالإسعاد، وأولياءه بالتقريب والإمداد، قال تعالى:{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11].

(المعز، المذل) أي: يعز من يشاء بالعلم والقناعة، ويذل من يشاء بالجهل والقساوة.

(السميع) أي: الذي لا يعزب عن سمعه مسموعٌ وإن خفي من غير جارحةٍ، قال تعالى:{يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: 7].

(البصير) أي: الذي يشاهد الأشياء كلها بغير آلة.

(الحَكَم) بفتحتين مبالغة الحاكم، أو هو المحكم علمه وقوله وفعله.

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"عن من يشاء من".

ص: 391

(العدل) أي: الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم، وهو في الأصل مصدر سمّي به مبالغةً، أو بمعنى الفاعل، والأول أبلغ؛ لأنه سمى نفسه عين العدل.

(اللطيف) أي: العالم بدقائق الأشياء، [أو]

(1)

هو الرفيق بعباده، ويلائمه قوله تعالى:{اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ} [الشورى: 19].

(الخبير) أي: العالم بحقائق الأشياء، أو [المخبر]

(2)

بما كان وبما يكون.

(الحليم) أي: الذي لا يسمتخفه شيء من عصيان العباد، ولا يحمله على إسراع الغضب عليهم.

(العظيم) أي: الذي جاوز قدره عن حدود العقل، حتى لا يتصور الإحاطة بكنهه وحقيقته.

(الغفور) أي: الذي يغفر ذنوب عباده الكثيرة من الصغيرة والكبيرة، والحاصل: أن "الغفور" فيه المبالغة من جهة الكثرة، و"الغفار" من جهة الكيفية التي هي عبارة عن العظمة، فهو أولى من قول الحنفي:"إن الغفور بمعنى الغفار"، فإن التأسيس عند المحققين هو الطريق الأحرى.

(الشّكور) أي: المجازي على الشكر، أو المثني على من أطاعه من عباده.

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (هـ)، وفي (ج) و (د):"و".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"الخبير".

ص: 392

(العلي) أي: الذي ليس فوقه شيء في الرتبة والحكم.

(الكبير) أي: الذي لا يتصور أكبر منه في الكبرياء والعظمة.

(الحفيظ) أي: الذي يحفظ الموجودات عن الزوال والاختلال ما شاء، والأشياء جميعها محفوظة في علمه سبحانه.

(المقيت) بالقاف وآخره تاء مثناة من فوق، كذا حفظناه ورويناه، أي: المقتدر، وقيل:"هو الذي يعطي أقوات الخلق"، ورُوِيَ "المغيث"

(1)

بالغين المعجمة وبالمثلثة آخره، أي: الذي يغيث عباده إذا استغاثوا به، كذا في "شرح المصابيح" للمصنف.

(الحسيب) أي: الكافي، فعيل بمعنى مُفْعِل، كـ "أليم" بمعنى "مؤلم"، وقيل:"المحاسب، فهو فعيل بمعنى فاعل"، كذا في "شرحه" أيضًا، والمراد: المحاسب بأفعال العباد، والمجازي بها في يوم المعاد.

(الجليل) أي: المنعوت بوصف الجلال.

(الكريم) أي: الموصوف بنعت الجمال، أو: ذو الكرم والجود والمدد، والعطاء الذي لا ينفد

(2)

.

(الرقيب) أي: الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء، ورُوِيَ "القريب" بدل "الرقيب" على ما في "الأذكار"

(3)

.

(1)

"الأذكار" للنووي (صـ 85).

(2)

بعدها في (هـ) زيادة: "عطاؤه".

(3)

"الأذكار" للنووي (صـ 85).

ص: 393

(المجيب) أي: الذي يقابل الدعاء والسؤال، بالقبول وإعطاء النوال.

(الواسع) أي: الذي وسعت رحمته كل شيء، [أو]

(1)

وسعغناه كل محتاج وفقير.

(الحكيم) أي: الحاكم، أو ذو الحكمة البالغة، أو الذي يضع الأشياء في مواضعها، أو الذي يتقن ويحكم الأشياء.

(الودود) أي: المحبوب في قلوب أوليائه، أو المحب لصفوة أنبيائه وخلاصة أوليائه، والجمع أولى؛ لقوله تعالى:{يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54].

(المجيد) أي: صاحب المجد والشرف.

(الباعث) أي: الذي يبعث الأنبياء هداة للأولياء [وحججًا]

(2)

على الأعداء، أو الذي يبعث الخلق ويحييهم بعد الموت يوم القيامة.

(الشهيد) أي: الشاهد الذي لا يغيب عن علمه شيء، وهو المشهود في نظر العارفين، حتى قال بعضهم:"ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله قبله، أو بعده، أو فيه"

(3)

.

(الحق) أي: الموجود الثابت [الألوهية]

(4)

حقًّا، بحيث يُعَدُّ غيره

(1)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (ب) و (هـ):"و".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"وخصماء".

(3)

"التفسير الكبير" للرازي (32/ 158).

(4)

كذ افي (ب)، وفي (أ) و (د) و (هـ):"ألوهيته"، وفي (ج):"ألوهية".

ص: 394

باطلًا بالنسبة إليه؛ ولذا استحسن صلى الله عليه وسلم قول لبيد

(1)

:

ألا كلّ شيء ما خلا الله باطلٌ

(2)

(الوكيل) أي: الكفيل بأرزاق العباد، أو الموكول إليه أمورهم في المبدإ والمعاد.

(القوي) أي: القادر على كل شيء، الغالب على أمره.

(المتين) أي: الشديد الذي لا يلحقه في أفعاله مشقة ولا تعب ولا كلفة، ففي "النهاية":"هو من حيث إنه بالِغُ القُدرة تامُّها: قوِيٌّ، ومن حيث إنه شديدُ القوّة: مَتينٌ"

(3)

، وفي "شرح المصابيح" للمصنف:"هكذا هو في الرواية الصحيحة بالتاء المثناة من فوق، وروي بدله "المبين"

(4)

بالموحدة"، قلت: لكن الأول بفتح الميم، والثاني بضمها.

(1)

أخرجه البخاري في "صحيحه"(3841) و (6147، 6489)، ومسلم في "صحيحه"(2256)؛ كلاهما من حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أصدق بيت قاله الشاعر

" الحديث.

(2)

"ديوان لبيد بن ربيعة"(صـ 132)، والبيت من الطويل، قال الزركلي في "الأعلام" (5/ 240):"لبيد بن ربيعة بن مالك، أبو عقيل العامري: أحد الشعراء الفرسان الأشراف في الجاهلية من أهل عالية نجد، أدرك الإسلام، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، ويعد من الصحابة، ومن المؤلفة قلوبهم".

(3)

"النهاية"(4/ 293).

(4)

"الأذكار" للنووي (صـ 85).

ص: 395

(الولي) أي: الناصر، أو المتولي بمعنى المتصرف لأمور عباده.

(الحميد) أي: المحمود في كل فعاله، أو الحامد على ذاته وصفاته وأفعاله، وفي الحقيقة هو الحامد وهو المحمود.

(المحصي) أي: الذي أحصى كل شيء عددًا، وأحاط بكل شيء علمًا.

(المبدئ) بالهمزة وقد يبدل وقفًا، أي: الذي أنشأ الأشياء وقدر، وخلق وحقق، واخترعها ابتداءً من غير مثال سبق.

(المعيد) أي: الذي يعيد الخلق بعد الحياة إلى الممات في الدنيا، وبعد الممات إلى الحياة في العقبى.

(المحيي) أي: خالق الحياة.

(المميت) أي: خالق الموت.

(الحي) أي: الدائم الأزلي الأبدي.

(القيوم) فيعول للمبالغة، أي: القائم بنفسه، المقيم لغيره.

(الواجد) أي: الغني الذي يجد كل شيء ولا يفتقر أبدًا، وهو من الجدة بمعنى الغنى.

(الماجد) أي: المعظم المكرم، أو الواسع الكرم.

(الواحد) أي: الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر، وهو في نظر

ص: 396

أرباب الشهود الآن على ما كان عليه في الوجود، وفي "جامع الأصول"

(1)

لفظ "الأحد" بعد "الواحد"، ولم يوجد في "جامع الترمذي"، و"الدعوات الكبير" للبيهقي، و"شرح السنة"، وعلى تقدير [وجوده]

(2)

فـ "الأحد" باعتبار الذات، و"الواحد" في مقام الصفات.

(الصمد)"هو السيد الذي انتهى إليه السؤدد، وقيل: "هو الدائم الباقي"، وقيل: "الذي يصمد في الحوائج إليه، أي: يقصد""

(3)

، وحاصله: الغني المغني الذي لا يحتاج إلى شيء، ويحتاج إليه كل [أحد]

(4)

.

(القادر) أي: على كل شيء تعلقت به إرادته ومشيئته.

(المقتدر) أي: المظهر للقدرة.

(المقدم) أي: الذي يقدم الأشياء، ويضعها في مواضعها اللائقة بها.

(المؤخر) أي: الذي يؤخر الأشياء إلى مواقيتها المناسبة لها، فلا مقدم لما أخر، ولا مؤخر لما قدم.

(الأول) أي: أنه قبل كل شيء، وليس قبله شيء.

(1)

"جامع الأصول" لابن الأثير (2145).

(2)

كذا في (هـ)، وهو الأليق بالسياق، وفي (أ) و (ب) و (ج) و (في):"وجودهما".

(3)

"النهاية"(3/ 52)

(4)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"شيء".

ص: 397

(الآخر) أي: بعد كل شيء، وليس بعده شيء، وقيل:"الآخر هو الباقي بعد فناء خلقه"

(1)

. والأولى أن يقال: إنه أولٌ قديم بلا ابتداء، وآخرٌ كريمٌ بلا انتهاء، ومجملهما: أنه لم يزل موجودًا، ولا يزال مشهودًا، فاجعله فيما بينهما معبودًا.

(الظاهر) أي: باعتبار آثاره ومصنوعاته، الدالة على كمال صفاته وجمال ذاته.

(الباطن) أي: باعتبار كُنْه ذاته، والإحاطة بمعرفة صفاته، وقيل:"معناهما: العالم بما ظهر وبطن"

(2)

، وقيل:""الظاهر" بمعنى الغالب على أمره، و"الباطن" بمعنى المحتجب عن خلقه"

(3)

.

(الوالي) أي: مالك الأشياء، المتصرف فيها بجميع الأجزاء.

(المتعالي) أي: "الذي جل وعلا عن كل وصف وثناء، فهو متفاعل من العلوّ"

(4)

، ويمكن أن يكون بمعنى المنيع، وهو الذي يمتنع الوصول إليه، ويستحيل الحصول لديه، ويجوز حذف يائه على ما قرئ في المتواتر وقفًا ووصلًا

(5)

.

(1)

"التفسير الكبير" للرازي (32/ 182) من قول قتادة.

(2)

"تفسير العز بن عبد السلام"(1/ 1183).

(3)

"تفسير السمعاني"(5/ 365)، وحكى معنى "الظاهر" عن ابن عباس.

(4)

"النهاية"(3/ 293).

(5)

"الحجة في القراءات السبع" لابن خالويه (صـ 115).

ص: 398

(البَرّ) بفتح الموحدة، مشتق من البر بالكسر، وهو مبالغة "البارّ" بمعنى المحسن المنعم، وأغرب الحنفي في قوله:"البر والبار بمعنًى".

(التواب) أي: الذي يقبل توبة عباده، ويوفقهم على التوبة ودوامها، ولرجع عليهم بالرحمة وتمامها.

(المنتقم) أي: البالغ في العقوبة على أعدائه، المنتصر منهم لأحبابه وأوليائه.

(العفوّ) فعول من العَفْو، أي: كثير المجاوزة عن الذنوب، والمسامحة عن العيوب.

(الرءوف) فعول من الرأفة، وهي أبلغ أنواع الرحمة، وقرئ بحذف الواو تخفيفًا.

(مالك الملك) أي: صاحب الملك بالمِلْكِ المجرد عن الشرك، يتصرف فيه كما يشاء، كما قال:{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ} [آل عمران: 26]، وهو يشمل المِلْكَ الصوريَّ والمعنويَّ المعبرَ عنه بالنبوة والولاية، والعلم والقناعة، والزهد والعزلة، والصحة والعافية، ونحو ذلك.

(ذو الجلال والإكرام) أي: صاحب النعوت الجلالية، والصفات الجمالية، والمجموع اسم واحد خلافًا لما يُتوهم من قول الحنفي:"ذو الجلال: قريب من "الجليل"، والجلال: العظمة، والإكرام: التكريم والتعظيم".

ص: 399

(المقسط) أي: العادل، يقال: قسط يقسط فهو قاسط، إذا جار، ومنه قوله تعالى:{وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} [الجن: 15]، وأقسط يُقسط فهو مقسط، إذا عدل، فالهمزة للسلب، ومنه قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة: 42].

(الجامع) أي: الذي يجمع الخلائق ليوم الجمع، ذلك يوم التغابن، ومنه قوله تعالى:{رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ} [آل عمران: 9]، وقيل:"هو المؤلف بين المتماثلات والمتضادات في الوجود"

(1)

.

(الغني) أي: الذي لا يحتاج إلى أحد في شيء، مع احتياج كل أحد إليه في كل شيء، وهذا هو الغنى المطلق، قال تعالى:{وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} [محمد: 38].

(المغني) أي: الذي يغني من يشاء من عباده، بما شاء من أنواع الغنى، وأفضلها غنى القلب، وكثرة المعرفة للرب.

(المانع) أي: الذي يمنع عن المريد ما يريد، ويعطيه من المزيد، وقد ورد:"لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت"

(2)

، وقال تعالى:{كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا}

(1)

"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى" للغزالي (صـ 143).

(2)

أخرجه البخاري في "صحيحه"(844) -راجع أطرافه في هذا الموضع-، ومسلم في "صحيحه"(593)؛ كلاهما عن المغيرة بن شعبة به مرفوعًا.

ص: 400

[الإسراء: 20]، أي: ممنوعًا، وما أحسن قولَ ابن عطاء:"ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك".

(الضار، النافع) أي: الذي يخلق الضر والنفع، وبيده العطاء والمنع، وهذا المعنى يوصل العبد من حال التفرقة إلى مقام الجمع، وقد قال تعالى:{وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} [الفرقان: 3].

(النور) أي: الظاهر بنفسه المظهر لغيره، فهو الظاهر الذي به كل ظهور، قال تعالى:{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النور: 35]، فقيل:"منورهما، أو مظهر قدرته فيهما"، وقيل: "النور هو الذي يبصر بنوره ذو العماية، ويرشد [بهداه]

(1)

ذو الغواية، فيصل إلى تمام الهداية"، كذا في "النهاية"

(2)

.

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د) و"النهاية"، وفي (هـ):"بهدايته".

(2)

"النهاية" لابن الأثير (5/ 124) مادة (ن ور).

قال ابن القيم: والله سبحانه وتعالى سمى نفسه نورا، وجعل كتابه نورا، ورسوله صلى الله عليه وسلم نورًا، ودينه نورًا، واحتجب عن خلقه بالنور، وجعل دار أوليائه نورا يتلألأ قال الله تعالى:{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 35]. وقد فسر قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ=

ص: 401

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وَالْأَرْضِ} بكونه منور السماوات والأرض، وهادي أهل السماوات والأرض، فبنوره اهتدى أهل السماوات والأرض، وهذا إنما هو فعله، وإلا فالنور الذي هو من أوصافه قائم به، ومنه اشتق له اسم النور، الذي هو أحد الأسماء الحسني، والنور يضاف إليه سبحانه علي أحد وجهين: إضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة مفعول إلى فاعله

ثم قال: وفي معجم الطبراني، والسنة له، وكتاب عثمان الدارمي وغيرها عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:(ليس عند ربكم ليل ولا نهار، ونور السماوات والأرض من نور وجهه).

وهذا الذي قاله ابن مسعود أقرب إلى تفسير الَاية من قول من فسرها بأنه هادي أهل السماوات والأرض، وأما من فسرها بأنه منور السماوات والأرض فلا تنافي بينه وبين قول ابن مسعود. والحق أنه نور السماوات والأرض بهذه الاعتبارات كلها. وقال أيضا: إن النور جاء في أسمائه تعالى، وهذا الاسم مما تلقته الأمة بالقبول، وأثبتوه في أسمائه الحسني، ولم ينكره أحد من السلف، ولا أحد من أئمة أهل السنة. ومحالٌ أن يسمِّي نفسه نورًا، وليس له نور، ولا صفة النور ثابتة له؛ كما أن من المستحيل أن يكون عليمًا قديرًا سميعًا بصيرًا، ولا علم له ولا قدرة

وقال كذلك: فكونُ النور اسمًا من أسمائه تعالى، أو وَصْفًا من أوْصَافه، لا يمنع أن يكون منوِّرًا لغيره، ومُدَبِّرًا لأمره، وهاديًا له؛ لأن من معاني كونه -سبحانه- نورًا أن يكون مُنَوِّرَ السمواتِ والأرضِ، ومُدَبِّرَ الأمر فيهما، وهاديَ أهلهما بنوره، الذي منه قِوامُهُمَا، ومنه نِظامُهُمَا. وقال أيضا: وقد عُلِمَ أن كل ما هو نورٌ فهو مُنَوِّرٌ لغيره، فهما متلازمان. انظر: اجتماع الجيوش الإسلامية علي غزو المعطلة والجهمية لابن القيم (2/ 46) طبع في عام 1401 هـ والتفسير القيم (ص 375، 376). وانظر كذلك مجموع الفتاوى (6/ 392).

ص: 402

(الهادي) أي: الذي يدل بعض عباده علي حسن معاده، ويوصل من يشاء منهم إلى كمال إرشاده، قال تعالى:{وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ} [الزمر: 37]

(1)

، {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36].

(البديع) أي: المبدع، المخترع بخلق الأشياء علي غير منوالٍ سبق، وقيل:"بديع في ذاته، لا مثل له في صفاته"، وقيل: "بديع سماواته وأرضه، قال تعالى:{بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 117].

(الباقي) أي: الموجود بعد فناء خلقه أبدًا.

(الوارث) أي: الذي يرث الأرض ومن عليها وإليه [ترجعون]

(2)

.

(الرشيد) أي: الذي أرشد الخلق إلى أرشد مصالحهم في الدنيا والعقبى.

(الصبور) أي: الذي لا يعاجل العصاة بالعقوبة، والفرق بين "الحليم" وبينه: أن المذنب لا يأمن العقوبة من صفة "الصبور"، كما يأمنها من صفة "الحليم"، وفيه إشعار بأن العبد ينبغي أن يتخلق بأخلاق الله تعالى، كما [روي]

(3)

: "تخلقوا بأخلاق الله تعالى"

(4)

، وقال بعض العارفين: "إن

(1)

في (أ) و (ب) و (ج) و (د) و (هـ): "من يهدي الله فلا مضل له"، وهو لا شيء.

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (د) و (هـ)، وفي (ج):"يرجعون".

(3)

كذا (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"ورد ".

(4)

قال الألباني في "السلسلة الضعيفة"(2822): "لا أصل له".

ص: 403

كل اسم من أسمائه فهو للتخلق، إلا اسم الله، فإنه لمجرد التعلق".

ومن أراد استقصاء معاني الأسماء الحسني، فعليه بنحو "المقصد الأسنى"

(1)

، وقد ذكرنا طرفًا منه في "المرقاة شرح المشكاة"

(2)

.

(ت، ق، مس، حب) أي رواه: الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وابن حبان؛ كلهم من حديث أبي هريرة

(3)

، وصدر الحديث في روايتهم علي ما

في "الجامع": ""إن الله عز وجل تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة، هو الله الذي لا إله إلا هو

" إلى آخره، رواه: الترمذي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي"

(4)

.

وأما رواية ابن ماجه علي ما في "الجامع"

(5)

، فهو غير ما ذكر في الكتاب، بل بلفظ آخر من الزيادة، والتقديم والتأخير، وكذا للحاكم،

(1)

"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسني " لأبي حامد الغزالي (صـ 62 - 149).

(2)

"مرقاة المفاتيح " للشارح (5/ 168 - 201).

(3)

أخرجه الترمذي (3507)، وابن ماجه (3861)، والحاكم في "المستدرك"(1/ 16، 17)، وابن حبان في "صحيحه" (808)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. قال الترمذي:"غريب"، وقال الألباني في "ضعيف الجامع" (1945):"ضعيف".

(4)

"ضعيف الجامع"(1945).

(5)

"ضعيف الجامع"(1943).

ص: 404

وأبي الشيخ وابن مردويه معًا في "التفسير"، وأبو نعيم في "الأسماء الحسنى" بلفظ آخر

(1)

، مع اتفاق الكل في العدد علي ما تقدم، والله أعلم.

(وسمع) أي: النبي صلى الله عليه وسلم (رجلًا وهُو) بضم الهاء ويسكن، أي: والحال أن الرجل (يقول: يا ذا الجلال والإكرام، فقال: قدِ اسْتجيب) بكسر الدال [وضمها]

(2)

وصلًا الك) أي: وقع لك استحقاق الإجابة، أو قصد به التفاؤل والمبالغة علي أن الاستجابة بمعنى الإجابة، (فاسأل) بسكون السين وفتح الهمزة، وفي نسخة صحيحة بالنقل، وهو أمر من المهموز،

أو من [سال الواوي]

(3)

أو اليائي، كما قرئ بهما في {سَأَلَ سَائِلٌ} . (ت)

أي رواه: الترمذي عن معاذ، وقال:"حسن"

(4)

.

(إن الله ملكًا موكلًا بمن يقول: يا أرحم الراحمين، فمن قالها) أي: هذه الجملة، (ثلاثًا) أي: ثلاث مراتٍ متوالياتٍ، (قال له الملك: إن أرحم الراحمين قد أقبل عليك) أي: بعناية القبول، وقصد الوصول والحصول، ([أفسل])

(5)

أي: ما أردت من المطلوب والمسئول. (مس) أي: رواه

(1)

"ضعيف الجامع"(1946).

(2)

كذا في (ب) و (ج) و (هـ)، وفي (أ) و (د):"أو ضمها".

(3)

كذا في (أ) و (د) و (هـ)، وفي (ب) و (ج):"سال الوادي".

(4)

أخرجه الترمذي (3527) من حديث معاذ به مرفوعًا. قال الألباني في "السلسلة الضعيفة"(3416): "ضعيف".

(5)

كذا في (أ) و (ج) و" المستدرك"، وفي (ب) و (د) و (هـ):"فاسأل".

ص: 405

الحاكم من حديث أبي أمامة، وصحّحه

(1)

.

(ومرّ) أي: النبي صلى الله عليه وسلم، (برجلٍ وهو يقول: يا أرحم الراحمين، فقال له: سل، فقد نظر الله إليك) أي: بنظر الرحمة وعين العناية، حيث عرفت أنه أرحم الراحمين، حتى من الوالدة على ولدها، بل رحمة الوالدة ونحوها بخلق الله [فيها]

(2)

، [وإرادتها]

(3)

العوض من رحمة الله لها في رحمتها، ففي الحقيقة لا راحم إلا الله، وفي "النهاية":"يعني بالنظر حسن الاختيار، والعطف، والرحمة؛ لأن النظر في المشاهد دليل المحبة، وتركُ النظرِ دليلُ الكراهةِ"

(4)

، كذا ذكره ميرك. (مس) أي رواه: الحاكم عن أنسٍ

(5)

.

(من سأل الجنة، ثلاث مرات، قالت الجنة) أي: بلسان القال، أو ببيان الحال:(اللهم أدخله الجنة، ومن استجار) أي: طلب الخلاص، واستعاذ بالله (من النار، ثلاث مرات، قالت النار: اللهم أجره) من أجاره: أنقذه، أي: خَلِّصْهُ وأَعِذْهُ (من النار) أي: من الدخول فيها.

(1)

أخرجه الحاكم في "المستدرك"(1/ 544) من حديث أبي أمامة به مرفوعًا.

قال الألباني في "السلسلة الضعيفة"(3200): "ضعيف".

(2)

كذا في (هـ)، وفي (أ) و (ب) و (ج) و (د):"فيهما".

(3)

كذا في (ج) و (هـ)، وفي (أ) و (ب) و (د):"وإرادتهما".

(4)

"النهاية" لابن الأثير (5/ 77) مادة (ن ظ ر).

(5)

أخرجه الحاكم في "المستدرك"(1/ 544) من حديث أبي أمامة به مرفوعًا.

قال الألباني في "السلسلة الضعيفة"(3200): "ضعيف".

ص: 406

قال الطيبي: "قول الجنة والنار يجوزأن يكون حقيقةً ولا بُعد فيه، كما في قوله تعالى:{هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} [ق: 35]، ويجوز أن يكون استعارةً، شَبَّهَ استحقاقَ العبدِ بوعدِ الله ووعيده [بالجنة]

(1)

والنار في تحققهما وثبوتهما بنطقِ الناطق، كأنَّ الجنة مشتاقة إليه، سائلة داعية دخوله فيها، والنار نافرة أمنه،

(2)

، داعية له بالبعد عنها، فأطلق القول، وأراد التحقق والثبوت، ويجوز أن يقدر مضاف، أي: قال خزنتهما، فالقول إذن حقيقي"

(3)

، يعني والإسناد مجازي، والله أعلم.

(ت، س، ق، حب، مس) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، عن أنس

(4)

.

(من دعا) أي: من ذكر الله تعالى (بهؤلاء الكلمات) أي: الجمل (الخمس، لم يسأل الله شيئا) أي: من السؤال أو المسئول (إلا أعطاه) أي: الله إياه.

(1)

في "الكاشف": "الجنة".

(2)

كذا في (د) و (هـ)، وفي (أ) و (ب) و (ج) و"الكاشف":"عنه".

(3)

"الكاشف عن حقائق السنن" للطيبي (6/ 1921).

(4)

أخرجه الترمذي (2572)، والنسائي في "الصغرى"(5521) وفي "الكبرى"(7907) و (9858)، وابن ماجه (4340)، وابن حبان (1034)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 534 - 535)؛ كلهم من حديث أنس به مرفوعًا. قال الألباني في "صحيح الجامع" (6275):"صحيح".

ص: 407

(لا إله إلا الله) نفي للشريك في الألوهية (وحده) أي: لا ضد له، ولا ند له، وقيل:"إشارة إلى أنه أحد في ذاته لا تركيب فيه، أو إلى أنه فرد لا شفع له من صاحبة أو ولد"، والأظهر أن يكون معناه منفردًا بالذات، كما أن معني قوله:(لا شريك له) أي: في كمال الصفات، وأما ما اختاره الحنفي من أن كل واحد منهما تأكيد، فخلاف الأولى، مع إمكان التأسيس على ما لا يخفى، (له الملك) أي: السلطنة العظمي، (وله الحمد) أي: في الآخرة والأولى، (وهو على كل شيء) أي: شيء شاءه، أو على كل شيء (قدير) تام القدرة، كامل القوة.

(لا إله إلا الله) لعل تكريرها لزيادة الاهتمام بها، أو ليعطف عليها (ولا حول ولا قوة إلا بالله)؛ لأنه به يتم التوحيد في نظر أهل التفريد، بناء على أن معناه: لا حول للعبد، ولا تحول، ولا انصراف عن معصية الله إلا بعصمته، ولا قوة ولا حركة ولا إقبال علي طاعة الله إلا بمعونته.

قال المصنف: "يريد بالكلمة: الجملة، وكذا ترد في لسان العرب، مثل قوله: "كلمتان خفيفتان على اللسان

" الحديث"

(1)

.

قلت: يوهم أن قوله: "كلمتان" من لسان العرب، مع أنه من الحديث المشهور الذي وقع ختم كتاب البخاري به

(2)

، فكان حقه أن يقول: وكذا

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 6/ أ).

(2)

أخرجه البخاري في "صحيحه"(6406) و (7563) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

ص: 408

ترد في [لسان]

(1)

العرب، كقولهم للقصيدة: كلمة.

والحاصل: أن المراد بالكلمة ليس معناها المصطلح عليها عند أرباب النحو، بل المراد بها المعنى اللغوي الشامل للكلمة والكلام، وقصد بها ها هنا معنى الجملة على وجه التمام.

ثم قال: "فالكلمة الأولى: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له"، والثانية: "له الملك، وله الحمد"، والثالثة: "وهو على كل شيء قدير"، والرابعة: "لا إله إلا الله"، والخامسة: "ولا حول ولا قوة إلا بالله""، انتهى.

والأَوْلَى: أن الثالثة: "وله الحمد"، والرابعة:"وهو على كل شيء قدير"، والخامسة: ما بعدها إلى آخرها، لئلا يلزم تكريرها، ولا إطلاق الكلمة على الجملتين لما سبق من تقريرها.

(ط، طس) أي: رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، عن معاوية

(2)

.

(1)

كذا في (ب) و (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ):"كلام".

(2)

أخرجه الطبراني في "الكبير"(19/ 361) رقم (849) وفي "الأوسط"(8634) من حديث معاوية به مرفوعًا. قال الألباني في "السلسلة الضعيفة"(5311): "ضعيف".

ص: 409

‌ما يقول من استجيب دعاؤه

(الحمد لله على إجابة الدعاء) وفي "أصل الجلال" ليس لفظ الجلالة

(1)

، قال الحنفي:"هذا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الظاهر المتبادر من إيراد المصنف".

قلت: هذا خطأ ظاهر، فإنه وقع عنوانًا علي طبق السابق ووفق اللاحق، كما يدل عليه كتابته بالحمرة في النسخ المصححة والأصول المعتمدة، مع ظهور عدم الرابطة بينه وبين الحديث، وهو قوله:

(ما يمنع أحدكم)"ما" للاستفهام الإنكاري، والمقصود منه النفي بل النهي، وهو أبلغ من صريح النهي، والمعنى: أَيُّ شيءٍ يمنعه، وحاصله: أنه لا ينبغي لأحدكم أن يمنعه، (إذا عرف الإجابة) ظرف لـ "يمنع" (من نفسه) أي: من عند نفسه أو لأجل نفسه، ولو كان بدعوة غيره، وهو صلة "الإجابة"(فشفي) بصيغة المجهول، أي: فعوفي (من مرض، أو قدم من سفر) أي: وكان دعا أن يشفي، أو يقدم، أو طلبهما من أحدٍ، (أن يقول) متعلق بـ "يمنع"، أي: من أن يقول: (الحمد لله الذي بعزته) أي: بغلبته القاهرة، وقدرته الباهرة (وجلاله) أي: وعظمته الظاهرة (تتم الصالحات) أي: الأمور الصالحة المقصودة من الحاجات.

(1)

يعني: سقط لفظ الجلالة "الله" من أصل الجلال.

ص: 410

(مس، ي) أي رواه: الحاكم في "مستدركه"، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"، "عن عائشة:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى ما يحب قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا رأى ما يكره قال: الحمد لله على كل حال"، رواه ابن ماجه -واللفظ له-[والحاكم]

(1)

، وقال:"صحيح الإسناد"

(2)

، وفي رواية: "كان رسول صلى الله عليه وسلم يقول: ما يمنع أحدكم

"

(3)

إلى آخره"، هكذا أورده صاحب "السلاح"

(4)

ذكره ميرك، وهذا أيضًا صريح في الرد علي من توهم أن العنوان من جملة الحديث.

هذا، وذكر في "الجامع" حديث ابن ماجه، وزاد في آخره:"رب أعوذ بك من حال أهل النار"

(5)

.

(1)

هذا هو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ:"وللحاكم".

(2)

أخرجه ابن ماجه (3803)، والحاكم في "المستدرك"(1/ 499)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (378)؛ كلاهما من حديث عائشة مرفوعًا باللفظ الذي أورده الشارح. قال الألباني في "صحيح الجامع" (4727):"صحيح"، وانظر لمزيد الفائدة:"السلسلة الصحيحة"(265).

(3)

أخرجه الحاكم في "المستدرك"(1/ 545) من حديث عائشة مرفوعًا باللفظ الذي أورده الماتن. قال الألباني في "السلسلة الضعيفة"(5599): "ضعيف جدًّا".

(4)

"سلاح المؤمن" لابن الإمام (922).

(5)

"ضعيف الجامع"(4410).

ص: 411

(الذي يقال في صباح كل يوم ومسائه)

وفي نسخة: "ما يقال

" إلى آخره، والصباح علي ما في "القاموس": "الفجر، أو أول النهار، والمساء ضده"

(1)

، والمراد هنا المعني الثاني في الصباح، وأما المساء فالظاهر المتبادر من بعض الأحاديث الواردة في الباب أن المساء أول الليل، ويمكن حمل كلام صاحب "القاموس" عليه أيضًا كما لا يخفى، وسيأتي زيادة تحقيق في هذا المعني.

(باسم الله) أي: أصبحنا باسم الله، إذا قرئ في الصباح، وأمسينا باسم الله، إذا قرئ في المساء (الذي) صفة للمضاف إليه (لا يضر مع اسمه) أي: مع ذكر اسمه، وذكر رسمه، (شيء) أي: من الطعام والعدو، ومن الحيوانات، وغير ذلك مما هو كائن، (في الأرض) أي: في الجهة السفلية (ولا في السماء) أي: [وفي الجهة]

(2)

العلوية، وزيدت "لا" لتأكيد النفي، ثم التقييد بهما لأن المخلوق لا يخلو عنهما، وفيه إيماءٌ إلى تنزيه الله عن المكان، وأن غيره لا ينفع ولا يضر في كل زمان، (وهو السميع) أي: لما يقال (العليم) أي: بجميع الأحوال (ثلاث مرات. عه، حب، مس، مص)

(1)

"القاموس المحيط"(1/ 231)، و (4/ 382).

(2)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ):"في الجملة"، وفي (هـ):"أي ولا في الجهة".

ص: 412

أي رواه: الأربعة، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه بلفظ: "من [قاله]

(1)

لم يصبه فجأة بلاء"

(2)

.

(أعوذ بكلمات الله التامّات) أي: أسمائه الحسني وكُتُبِهِ المنزلة، ووصفها بالتمام لخلوها عن النقصان، ذكره ميرك عن الطيبي

(3)

، وقال المؤلف:"وصف كلامه تعالى بالتمام؛ لأنه لا يجوز أن يكون في شيء من كلامه نقصٌ أو عيبٌ، كما في كلام الناس، وقيل: "معني التمام هنا: أن ينتفع المتعوذ بها، ويحفظ من الآفات، ويكفيه ببركتها""

(4)

، (من شرّ ما خلق. طس) أي: رواه الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة، في باب ما يقال في الصباح والمساء جميعًا

(5)

قال ميرك: "ولفظه: "من قال حين يصبح ويمسي"، وفي رواية "حين يمسي" فقط، وكذا "م، عه، مي، ي" في المساء فقط، أي: بدون ذكر الصباح فقط"، انتهى.

(1)

بهذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ) و (هـ):"قال".

(2)

أخرجه أبو داود (5047)، والترمذي (3388)، والنسائي في "الكبرى"(9759، 10106، 10107)، وابن ماجه (3869)، وابن حبان (852، 862)، والحاكم في "المستدرك"(1/ 514)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (29885)؛ كلهم عن عثمان به مرفوعًا. قال الترمذي:"حسن صحيح غريب"، وقال الألباني في "صحيح الجامع"(5745، 6426): "صحيح".

(3)

"الكاشف عن حقائق السنن" للطيبي (6/ 1894).

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 6/ أ).

(5)

أخرجه الطبراني في "الأوسط"(523) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

ص: 413

وبهذا [تبين]

(1)

معني قوله: (وفي المساء فقط. م، عه، طس، مي، ي) أي رواه: مسلم، والأربعة، والطبراني في "الأوسط" أيضًا، والدارمي، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"، كلهم عن أبي هريرة

(2)

.

(ثلاث مرات. ت، مي، ي) أي رواه: الترمذي، والدارمي، وابن السني، عن معقل بن يسارٍ، ولفظه:"من قاله وكل به سبعون ألف ملك يصلون عليه، وإن مات مات شهيدًا"

(3)

، وقال ميرك:"رواه الثلاثة عن أبي هريرة أيضًا".

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج)، وفي (د) و (هـ):"يتبين".

(2)

أخرجه مسلم (2709)، وأبو داود (3894)، والترمذي (3604)، والنسائي في "الكبرى"(10348)، وابن ماجه (3518)، والطبراني في "الأوسط"(2644) و (6538)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"(712)، كلهم عن أبي هريرة به مرفوعًا، وأما الدارمي (2722) من حديث خولة بنت حكيم، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لو أن أحدكم إذا نزل منزلًا قال: أعوذ بكلمات الله التامات

" الحديث، إذن فلا وجه لذكر رمزه بين الرموز المذكورة.

(3)

هذا الحديث الذي ذكره الشارح عن معقل بن يسار ليس في محلّه، وإنما محلّه حيث ذكره هو بعد الحديث الآتي، وأما تخصيص الماتن لفظ "ثلاث مرات" بالترمذي والدارمي وابن السني ففيه ما فيه، وذلك أن اللفظ غير موجود إلا عند الترمذي وحده -أعني من بين الرموز الثلاثة، وإلا فهو موجود عند غيره-، الله أعلم.

ص: 414

وفي "الأذكار": "روينا في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة قال: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ما لقيتُ من عقرب حتى لدغتني البارحة؟ قال: أما لَوْ قُلْتَ حِينَ أمْسَيْتَ: أعُوذُ بِكَلِماتِ الله التَّامَّاتِ مِنْ شرّ ما خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّكَ"، وروينا في كتاب ابن السني، وقال فيه: "من قال: أعُوذُ بِكَلِماتِ الله التَّامَّاتِ مِنْ شرّ ما خَلَقَ ثلاثًا، لم يضره""

(1)

.

وقال ميرك: "الحديث الأول رواه الجماعة إلا البخاري، وفي رواية للترمذي: "من قال حين يمسي ثلاث مرات لم يضره حمة تلك الليلة"، انتهى.

وقوله: "ثلاث مرات" ظرف لـ"قال" المقدر الموجود في نفس الحديث، ولا يبعد أن يكون لـ"يقال" المذكور في العنوان، وأغرب الحنفي حيث قال:"إنه صفة لمصدر محذوف، وهو مفعول مطلق، أي: أقوالًا ثلاث مرات".

(أعوذ بالله السميع العليم) وفي نسخة رمز الترمذي فوق "السميع العليم" إيماء بأنه من مختصاته (من الشيطان الرجيم) أي: المطرود عن الباب، أو المرجوم بالشهاب. (ثلاث مرات).

({هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} [الحشر: 22]) أي: ما غاب عن العباد، وحضر لهم من الأمور الظاهرة والباطنة، وإلا

(1)

أخرجه مسلم (2709)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (585) وانظر:"الأذكار" للنووي (صـ 64).

ص: 415

فلا غيب بالنسبة إليه، إذ الأشياء كلها حاضرة لديه، وقيل:"المراد بهما السر والعلانية، أو الدنيا والآخرة، أو المعدوم والموجود، والجمع أتمّ، والله أعلم".

({هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163]) ولكون رحمته سبقت غضبه كررت الصفتان، وامتازتا عن سائر الصفات، واختصتا بالبسملة والحمد لة.

({هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ} [الحشر: 23]) أي: نزهوه ({عَمَّا يُشْرِكُونَ}) أي: عما يصفه الجاهلون [به]

(1)

، من إثبات الإلهية للأصنام وغيرها؛ لأن الإله لا يكون إلا من اتصف بصفات الكمال، من نعوت الجلال والجمال، كما سبق بعضها ويأتي بعض آخر منها، فالجملة كالمعترضة.

({هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّر} [الحشر: 24]) سبق الفرق بينهما، ({لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الحشر: 24]) أي: من غير هذه المذكورات أيضًا، ({يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الحشر: 24]) أي: بلسان القال، أو ببيان الحال، و"ما" لتغليب غير ذوي العقول؛ لكونها أكثر، ويؤيده قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ

(1)

من (ج) و (هـ) فقط.

ص: 416

تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44]، وما أحسن من قال من أرباب الحال:

ففي كلّ شيءٍ له شاهدٌ

دليلٌ على أنه واحدُ

(1)

ولعل وجه الاكتفاء بالتسبيح هنا لتضمنه معني الحمد المترتب عليه.

({وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [العنكبوت: 42]) أي: الغالب علي أمره، ({الْحَكِيمُ} [العنكبوت: 42]) أي: في قضائه وقدره. (ت، مي، ي) أي رواه: الترمذي، والدارمي، وابن السني، عن معقل بن يسار بلفظ:"من قال ذلك حين يصبح وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات في ذلك اليوم مات شهيدًا، ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة"

(2)

.

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} أي: هذه السورة، فيفيد قراءة البسملة [وضم]

(3)

الباقي (ثلاث مرات)، فإنه بمنزلة ختم القرآن، علي ما ورد أنها: "تعدل

(1)

"ديوان أبي العتاهية"(صـ 122)، والبيت من المتقارب، قال الزركلي في "الأعلام" (1/ 321):"إسماعيل بن القاسم بن سويد العيني، العنزي بالولاء، أبو إسحاق الشهير بأبي العتاهية، شاعر مكثر، سريع الخاطر، في شعره إبداع، كان ينظم المنة والمئة والخمسين بيتًا في اليوم، حتى لم يكن للإحاطة بجميع شعره من سبيل، وهو يعد من متقدمي المولدين، من طبقة بشار وأبي نواس وأمثالهما. تُوفِّيَ سنة: 211"، بتصرف.

(2)

أخرجه الترمذي (2922)، والدارمي (3468)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"(80، 681)؛ كلهم من حديث معقل بن يسار به مرفوعًا. قال الترمذي: "غريب"، وقال الألباني في "ضعيف الجامع" (5732):"ضعيف".

(3)

كذا في (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ) و (ب):"وختم".

ص: 417

ثلث القرآن"، {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}. ثلاث مرات)، فإن من آداب الدعاء الإلحاح، وأقله التثليث، ({قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}. ثلاث مرات)، وكأن قراءة الإخلاص بمنزلة الثناء قبل الدعاء؛ ليفيد سرعة الخلاص. (د، ت، س، ي) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن السني، عن عبد الله بن خبيب، بمعجمة وموحدتين مصغرًا، ولفظه: "من قرأها يكفيه كل شيء في يومه وليلته

(1)

"

(2)

.

({فَسُبْحَانَ اللَّهِ}) المراد به تنزيه الله تعالى من السوء، أو أريد به الصلاة على ما روي عن ابن عباس، فالمعنى: نزهوه عما لا يليق به، أو: صلوا له، ({حِينَ تُمْسُونَ}) أي: تدخلون في المساء، وهو وقت المغرب والعشاء، بناء علي ما قدمناه من أن المساء أول الليل، وبه يتم استدلال ابن عباس رضي الله عنهما أن أوقات الصلوات الخمس

(1)

كتب بجوارها في حاشية (ب): وفي رواية قال خبيب: "خرجنا في ليلة مطيرة، وظلمة شديدة، نطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأدركناه فقال: قل، قلت: ما أقول؟ قال قل {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات، تكفيك من كل شيء. ذكره في "داعي الفلاح".

(2)

أخرجه أبو داود (5041)، والترمذي (3575)، والنسائي في "الكبرى"(7797)، ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (81)؛ كلهم من حديث عبد الله بن خبيب به مرفوعًا. قال الترمذي:"حسن صحيح غريب من هذا الوجه"، وقال الألباني في "صحيح الجامع" (4406):"صحيح".

ص: 418

مستفادة من هذه الآية

(1)

، ({وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17]) أي: تدخلون في الصباح، وهو وقت الفجر.

({وَلَهُ الْحَمْدُ}) أي: لا لغيره، ({فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}) أي: ثابت في أجزائهما، أو كائن في أهلهما، والجملة معترضة.

({وَعَشِيًّا}) أي: وحين العشي، وهو:"ما بين زوال الشمس إلى غروبها، والمشهور آخر النهار" علي ما في "المغرب"

(2)

، فالمراد به وقت العصر لقوله:({وَحِينَ تُظْهِرُونَ} [الروم: 18]) أي: تدخلون في الظهيرة، وهي وقت الظهر، ولعل العدول عن الترتيب لمراعاة الفواصل، وحسن التقابل.

هذا، وفي "المهذب":"أن العشي من المغرب إلى العشاء"، فالمراد بالمساء آخر النهار، وهو وقت العصر، وفي "النهاية":"أن العشي مما بعد الزوال إلى المغرب، وقيل: "إنه من زوال الشمس إلى الصباح"

(3)

،

(1)

أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(1772) - ومن طريقه ابن المنذر في "الأوسط"(2/ 321) -، وابن جرير الطبري في "تفسيره"(18/ 474)، والطبراني في "الكبير"(10/ 247) رقم (10596)، وأبو الشيخ في "طبقات المحدثين"(3/ 395)، والحاكم في "المستدرك"(2/ 410 - 411) - ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 359) -؛ كلهم من حديث ابن عباس به موقوفًا.

(2)

"المغرب" للمطرزي (2/ 63).

(3)

"النهاية"(3/ 242).

ص: 419

وفي "القاموس": "العشاء أول الظلام، أو من المغرب إلى العتمة، أو من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، والعشي والعشية آخر النهار"

(1)

، انتهى.

فحصل أن التحقيق هو الفرق بين العشاء والعشي، ولعل هذا هو الحكمة في العدول عن "تعشون" إلى قوله:{وَعَشِيًّا} .

({يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} [لأنعام: 95]) بالتشديد والتخفيف، أي: الطائر من البيضة، والحيوان من النطفة، والنبات من الحبة، والمؤمن من الكافر، والذاكر من الغافل، والعالم من الجاهل، والصالح من الطالح، ({وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ}) علي عكس ما [ذكر]

(2)

، ({وَيُحْيِ الْأَرْضَ}) أي: بإنبات النبات، ({بَعْدَ مَوْتِهَا}) أي: يبسها، أو أرض الروح بالإيمان ونحوه بعد فسادها [بأضداده]

(3)

، ({وَكَذَلِكَ}) أي: مثل ذلك الإخراج، أو الخروج اللازم منه، ({تُخْرَجُونَ}) أي: من قبوركم، علي صيغة المجهول من الإخراج، وفي قراءة علي صيغة المعلوم من الخروج، والمعنى: أن الإبداء والإعادة متساويتان في قدرة من هو قادر علي إخراج الميت

(4)

وعكسه، فاعتبروا يا أولي الأبصار، واعترفوا بأنه صاحب الاقتدار.

(1)

"القاموس"(4/ 355).

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (د) و (هـ)، وفي (ج):"ذكره".

(3)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب) و (هـ):"بأضدادها".

(4)

بعدها في (هـ) زيادة: "من الحي".

ص: 420

(د، ي) أي رواه: أبو داود، وابن السني، عن ابن عباس: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من قال حين يصبح: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ} إلى قوله: {وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ}، أدرك ما فاته في يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته"

(1)

، كذا في "تفسير المدارك"

(2)

.

({اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255] آية الكرسي) بالنصب، ويجوز رفعه وخفضه علي منوال "الآية" و"الحديث"، والأظهر أنه منصوب بـ "أعني". (ط) أي: رواه الطبراني عن أبي بن كعب

(3)

.

(وآية الكرسي) هذا وما عطف عليه بالرفع، أي: ويقرأ في الصباح والمساء آية الكرسي، (والآية من أول غافر)، وفي نسخة صحيحة:"من أول سورة غافر"، وهي سورة المؤمن، أول الحواميم، (إلي قولى:{إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} وتمامه: {حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} ، والطول: الفضل والسعة، والمصير هو المرجع والمآب.

(1)

أخرجه أبو داود (5037)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"(56، 79)؛ كلاهما من حديث ابن عباس به مرفوعًا. قال الألباني في "ضعيف الجامع "(5733): "ضعيف جدًّا".

(2)

"مدارك التنزيل وحقائق التأويل" للنسفي (3/ 461).

(3)

أخرجه الطبراني في "الكبير"(1/ 251) رقم (541) من حديث أبي بن كعب به. قال الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب"(662): "صحيح".

ص: 421

(حب، أ، ت، ي) أي رواه: ابن حبان، وأحمد، والترمذي، وابن السني، عن أبي هريرة

(1)

، وفي "أصل الجلال " بتقديم رمز الترمذي علي ابن حبان، ولفظ الحديث:"من قرأ بهما حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأبهما حين يمسي حفظ حتى يصبح".

(أصبحنا وأصبح الملك لله) ويكتب بالحمرة فوقهما "أمسينا وأمسى" إشعارًا بنوعي القراءة في الوقتين، وكذا الحال فيما بعد، (والحمد لله) قال الحنفي:"المعني: دخلنا في الصبح، ودخل فيه الملك كائنًا لله ومختصًّا به، أي: عرفنا فيه أن الملك لله، وأن الحمده لله لا لغيره، وكذا الحال في "أمسينا""، انتهى. ولا يستفاد منه إعراب قوله:"والحمد لله" مع ما فيه كما لا يخفى، والظاهر أنه عطف علي مجموع قوله:"أصبحنا وأصبح الملك لله"، وأن المعطوف عليه إخبار،

(1)

أخرجه الترمذي (2879) وقال هذا حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل العلم في عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي مليكة المليكي من قبل حفظه وابن السني (75).

قال ابن القيم: ضعيف وعبد الرحمن المليكي وإن كان قد تكلم فيه من قبل حفظه فالحديث له شواهد في قراءة آية الكرسي وهو محتمل علي غرابته (بدائع الفوائد 2/ 269) ..

عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي مليكة قال عنه الحافظ في "التقريب" ضعيف، التقريب (3837).

ص: 422

والمعطوف

(1)

إخبار مبنًى، وإنشاء معنًى، ويجوز تعاطفهما على الصحيح.

ثم قوله: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) استئنافُ بيانٍ، أو تعليل، ولا يبعد أن يكون معطوفًا بحذف العاطف، ويحتمل أن يكون جملة "والحمد لله" حالية، وقال ميرك:"قوله: "الحمد لله" عطف علي "أصبحنا وأصبح الملك لله"، و"أصبحنا": أي دخلنا في الصباح، وهو أول اليوم، يعني: دخلنا في الصباح، وصرنا نحن وجميع الملك وجميع الحمد لله".

قلت: هذا المعنى مخالف لإعراب المبنى؛ إذ يفيد عطف "الحمد" على "الملك" كما لا يخفى، ثم قال:"والظاهر أنه عطف علي قوله: "والملك لله" ويدل عليه قوله: (له الملك، وله الحمد) ".

قلت: لا يظهر له دلالة قالية، ولا إشارة حالية، بل فيهما إفادة تأكيدية، وتوطئة لفذلكة القضية، وهي قوله:(وهو على كل شيء قدير) للإشعار بأن اختصاص الملك والحمد إنما يليق لمن تكون له القدرة الكاملة على الموجودات، والإرادة الشاملة للممكنات.

نَعَم، الحديث الآتي، وهو قوله:"وأصبح الملك والحمد لله"، صريح في أن قوله: "والحمد

(2)

": عطف على "الملك"، فيكون التقدير: وأصبح

(1)

بعدها في (د) زيادة: "ح ما فيه"

(2)

بعدها في (أ) و (ب) و (هـ) زيادة: "لله".

ص: 423

الحمد لله، فالمراد بالحمد ما يحمد عليه من النعم، كقوله تعالى:{وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53].

ثم قال: "وقوله: "وأصبح الملك لله" حالٌ من "أصبحنا" إذا قلنا: إنه فعل تام، ومعطوف على "أصبحنا" إذا قلنا: إنه ناقص، والخبر محذوف [لدلالة]

(1)

الثاني عليه، أو خبر والواو فيه كما في قول "الحماسة":

فليس وهو عريان

(2)

"، انتهى.

ولا يخفى أن معنى التام هنا أتم مبنًى ومعنًى، أما الأول فلعدم الاحتياج إلى تقدير، وأما الثاني فلأن معنى الناقص ناقص، حيث يتوهم منه الحدوث والتحول، ومع هذا عطف قوله:"وأصبح الملك" على "أصبحنا" من باب عطف العام على الخاص، للاهتمام على التمام، على أنه إذا عطف على تقدير معنى الناقص، يكون فيه نوع من التنازع، حيث يطلب كل منهما أن يكون "لله" خبرَه.

قال أبو البقاء: "أصبح هنا ناقصة، والجملة بعدها خبر لها، فإن قلت: خبر "كان" مثل المبتدإ لا يدخل عليه الواو، قلنا: الواو إنما دخلت في خبر "كان" لأن اسم "كان" يشبه الفاعل، وخبرها يشبه الحال"، ذكره ميرك، ولا يخفى أن كلام أبي البقاء لا وجه له هنا؛ لأن ما بعد "أصبح"

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (هـ)، وفي (ج):"بدلالة".

(2)

هذا من شعر الفند الزماني، والبيت بكماله هو:

فلَمّا صَرَّحَ الشَّرُّ فَأَمْسَى وَهْوَ عُرْيانُ

ص: 424

في الحديث اسم لها، والخبر "لله"، فليس هناك واو، وقوله:"والحمد لله": لا [يصلح]

(1)

أن يكون خبرًا لـ"أصبح الملك"، كما هو ظاهر واضح".

ثم قال ميرك: "وقوله: "لا إله إلا الله" بيان حال القائل، أي: عرفنا أن الملك والحمد لله لا لغيره، فالتجأنا إليه، واستعنا به، وخصصناه بالعبادة والثناء عليه"، انتهى.

وهو بالمعنى العطفي أنسبُ من المعنى الحالي، والحال: أنه لو جعل بيان حال المقول فيه، يكون له وجه وجيه وتنبيه نبيه، وعلى كل تقدير طلب استمرار ما ذكر بدخوله في الصباح أو المساء، واستعاذ مما يمنعه من الدعاء والثناء قائلًا:(ربّ) أي: يا [رب]

(2)

، (أسألك خير ما في هذا اليوم) ويكتب بالحمرة فوقه:"هذه الليلة"، (وخير مما بعده) وبالحمرة "ما بعدها"، وكذا في قوله:(وأعوذ بك من شرِّ ما في هذا اليومِ، وشرِّ ما بَعدَه) قال المصنف: "المراد باليوم في ذكر الصباح: هو من طلوع الفجر إلى غُروبِ الشّمس، والمراد بالليلة في ذكر المساء: هو من الغروب إلى الفجر، وقد أبعد من قال: إن ذكر المساء يدخل بالزوال، فإن أراد دخول وقت العشاء فقريبٌ، وإن أراد المساء فبعيد جدًّا" فإن الله تعالى يقول: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (د) و (هـ)، وفي (ج):"يصح".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (هـ)، وفي (ج) و (د):"ربي".

ص: 425

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ}، فقابل المساء بالصباح، والعشي بالظهيرة، وأيضًا فكيف يُعْمَلُ في قوله:"أسألك خير هذه الليلة وخير ما بعدها"، وهل تدخل الليلة إلا بالغروب؟ "

(1)

، انتهى.

وقد سبق ما يستفاد منه أن الصحيح في هذا المقام أن يراد بالصباح أول النهار، وبالمساء أول الليل، كما يدل لفظ اليوم والليلة صريحًا عليهما، وأما إرادة النهار والليل جميعًا من الصباح والمساء كما يوهمه كلام المصنف، وإن كان صحيحًا بطريق الحقيقة أو المجاز، كما قالوا في قوله تعالى:{وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم: 62]، ولكن المراد هنا أطرافهما، كما يشير إليه العنوان، ويشعر إليه حديث:"من قرأ حين يصبح حفظ حتى يمسي" وعكسه، والله سبحانه أعلم.

ثم إنه لا ينافي قول بعض أرباب اللغة: "إن للمساء معنًى آخر، يستعمل في محل لائق به"؛ ولذا قال في "المغرب": "المساء: ما بعد الظهر إلى المغرب عن الأزهري، وعك هذا قول محمد: المساء مساءان، إذا زالت الشمس، وإذا غربت".

(رب أعوذ بك من الكسل) بفتحتين، أي: التثاقل في الطاعة، (وسوء الكبر) بضم السين ويجوز فتحها، وبهما قرئ:{عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} [الفتح: 6]، وهما لغتان كالكَره والكُره، والضَعف والضُعف، وأما الكِبَر

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 6/ أ).

ص: 426

فبكسر الكاف وفتح الباء، ويروى بسكون الباء، فبالسّكون بمعنى: البطر، وبالفتح بمعنى: الخرف والهرم، على ما في "النهاية"، والبطر: الطغيان عند النعمة

(1)

.

ولعل المراد بـ "سوء الكبر" ما يورثه كبر السن من ذهاب العقل، والتخبط في الرأي، والقصور عن القيام بالطاعة، وغير ذلك مما يسوء به الحال، وإلا فورد:"طوبى لمن طال عمره وحسن عمله"

(2)

، وروي من غير هذا الطريق عنه أيضًا:"وسوء الكفر"، أي: سوء عاقبة الكفر، أو المراد بالكفر كفران النعمة، فيطابق رواية "الكبر" بسكون الموحدة.

(رب أعوذ بك من عذاب في النار، وعذاب في القبر) وتنوينهما للتنكير الشامل للقليل والكثير، والأقرب أنه للتقليل، وأبعد الحنفي في قوله:"إن التنكير للتهويل والتفخيم". (م، د، ت، س، مص) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن أبي شيبة، عن ابن مسعود

(3)

.

(اللهم إني) بسكون الياء، ويجوز فتحها، وبهما قرئ نحوه في المتواتر (أعوذ بك من الكَسَل والهرَم) بفتحتين، أي: تساقط بعض القوى

(1)

النهاية (1/ 135).

(2)

أخرجه الترمذي (3375)(2329)، والبغوي في شرح السنة (1245). وإسناده صحيح.

(3)

أخرجه مسلم (2723)، أبو داود (5071)، والترمذي (3390)، والنسائي في اليوم والليلة (573) وابن أبي شيبة في المسند (314).

ص: 427

وضعفها، وإنما استعاذ منه لكونه من الأدواء التي لا دواء لها، مع اشتماله على كثير من الأدواء وأنواع البلاء، (وسوء الكبر) تقدم، (وفتنة الدنيا) أي: الافتتان بها والتعلق بمحبتها، أو بالفتنة الكائنة في الدنيا المانعة عن [الوصول إلى]

(1)

العقبى وحصول المولى، (وعذاب القبر) أي: بجميع أنواعه وأصنافه. (م) أي رواه: مسلم عن ابن مسعودٍ أيضًا

(2)

.

(أصبحنا وأصبح الملك لله ربّ العالمين) بالجر على البدلية، ويجوز رفعه ونصبه، (اللهم إني أسألك خير هذا اليوم: فتحه، ونصره، ونوره، وبركته، وهداه) بنصبها على أنه بيانٌ لقوله:"خير هذا اليوم"، و"هذه الليلة" وتؤنث حينئذٍ ضمائرها، وكذا في قوله:(وأعوذ بك من شر ما فيه، وشر ما بعده).

والفتح فيهما هو ما فتح الله لعبده على وَفق قصده فيهما، والنصر هو الإعانة على العدو الظاهري والباطني، والنور هو التنبيه الإلهي للعبد حتى يبصر به طريق الحق، والبركة دوام الطاعة، والهدى الهداية إلى طريق الاستقامة على المداومة إلى حسن الخاتمة.

وشر ما فيهما وما بعدهما هو حصول الأمر المضر في الدين، أو في الدنيا بحيث يشغل صاحبه عن خدمة المولى، ويبعده عن حضرة المولى، ومن دعاء بعض العارفين: "اللهم يسر أمورنا مع الراحة لقلوبنا

(1)

كذا في (هـ)، وهو الأليق بالسياق، وفي (أ) و (ب) و (ج) و (د):"وصول".

(2)

أخرجه مسلم (2723).

ص: 428

وأبداننا". (د) أي: رواه أبو داود عن أبي مالك

(1)

، قال النووي:"رواه أبو داود بإسناد لم يضعفه"، نقله ميرك.

(اللهم بك أصبحنا، وبك أمسينا)، وفي المساء تعكس الجملتان، والباء للسببية، والمعنى: بإيجادك أصبحنا، وبإمدادك أمسينا، (وبك نحيا، وبك نموت) حكاية الحال الآتية، يعني: يستمر حالنا على هذا في جميع الأوقات وسائر الأحوال، ومثله حديث حذيفة:"اللهم باسمك أموت وأحيا"، أي: لا أنفك عنه، ولا أهجره، وقال النووي:"معناه: أنت تميتني، فالاسم هنا بمعنى المسمى"، وهو مقتبس من قوله تعالى:{إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ} [الأنعام: 162]، والمقصود الإخلاص، والخلاص من ربقة الرياء والسمعة، ودعوى الحول والقوة".

(وإليك النشور) أي: البعث بعد الموت، والتفرق بعد الجمع، وهو المناسب لأول النهار، ويكتب بالحمرة فوقه:"المصير"، بمعنى: المرجع والمآب المناسب لأول الليل. (عه، حب، أ، عو) أي رواه: الأربعة، وابن حبان، وأحمد، وأبو عوانة، عن أبي هريرة

(2)

: "كان

(1)

أخرجه أبو داود (5084) وقال الحافظ: هذا حديث غريب. "نتائج الأفكار"(2/ 388) وضعفه الألباني في "ضعيف سنن أبي داود"(1087).

(2)

أخرجه ابن ماجه (3868) وابن السني (34) عن أبي هريرة ورواية أبي داود (5068) والترمذي (3391) وفيها: "وإذا أمسى

"، وصححه الألباني في صحيح الجامع (354) والسلسلة الصحيحة (263).

ص: 429

[يقوله]

(1)

".

قال المصنف: "نشر [الميت]

(2)

ينشر نشورًا، إذا عاش بعد الموت؛ ولهذا ناسب أن يقال في الصباح:"وإليه النشور"؛ فإنه يقع في القيام من النوم، وهو كالموت، وناسب أن يقال في المساء:"إليه المصير"؛ لأنه يصير إلى النوم، وهذا هو الصحيح في الحديث، رواه أبو عوانة في "صحيحه" وغيره، وما ورد غير ذلك فإنه وهم من الراوي"

(3)

، انتهى.

ويشير فيه إلى ما ذكره في "تصحيح المصابيح": "أنه جاء في أبي داود فيهما: "النشور"، وفي الترمذي فيهما: "المصير"" انتهى. ولا يخفي أنه لمجرد تحسين المناسبة المعنوية، لا يجوز الطعن بالوهم وغيره فيما ثبت من الرواة، لا سيما ورواية الترمذي وأبي داود أكثر اعتبارًا من رواية أبي عوانة، مع أن مؤدى "النشور" و"المصير" واحد، وهو الرجوع إلى الله بعد الموت؛ ولذا أورده بعد قوله:"وإليك النشور".

نَعَم، المغايرة بينهما أتمّ، على أن قوله:"بك نحيا" يناسبه "النشور"، و"بك نموت" يناسبه "المصير"، ففيه نوع لف ونشر، فكأنه من باب الاكتفاء، والله سبحانه أعلم.

(أصبحنا وأصبح الملك) وفي نسخة زيادة: "لله" هنا، (والحمد لله لا

(1)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب) و (هـ):"يقول".

(2)

من "مفتاح الحصن الحصين" فقط.

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 6/ أ).

ص: 430

شريك له) أي: في ملكه وحمده، (لا إله إلا هو، وإليه النشور) وفي نسخة: "إليه النشور" بدون الواو. (ر، ي) أي رواه: البزار، وابن السني، عن أبي هريرة

(1)

مرفوعًا أنه كان [يقوله]

(2)

.

(اللهم فاطر السماوات والأرض) أي: خالقهما ومبدعهما، ومبدئهما ومخترعهما، ونصبه على أنه صفة المنادى، أو على النداء، فإن قوله:"اللهم" بمعنى: يا ألله، وكذا ما بعده من الأوصاف، وهو قوله:(عالمَ الغيبِ والشهادة) أي: السر والعلانية، (ربَّ كل شيءٍ) أي: مصلح كل شيء ومربيه (ومليكَه) بالنصب أيضًا، أي: وملك كل شيء أو [مالكه]

(3)

، فعيل بمعنى الفاعل، كالقدير بمعنى القادر.

(أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي) أي: من هواها المخالف للهدى، قال تعالى:{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص: 55]، وأما إذا وافق الهوى الهدى فهو كالزبدة والعسل، (وشرّ الشيطان) أي: جنس الشياطين، أو: الرئيس، وهو إبليس، وخصّ لأنه كثير التلبيس، أي: ومن شر وساوسه وتزييناته، ومتابعة خطواته، (وشركه) تخصيص بعد تعميم، وهو بكسر الشين

(1)

أخرجه البزار كما في الكشف (3105) وقال الهيثمي: رواه البزار، وإسناده جيد (مجمع الزوائد 10/ 114).

(2)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (ب) و (هـ):"يقول".

(3)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"مالك كل شيء، ومليك".

ص: 431

وسكون الراء، أي: إشراكه بإيقاعه في الشرك والكفر، وإلا فلا يعرف في الأمم الضالة أن أحدًا يشركه مع الله.

وأما قوله تعالى: {أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} [يس: 60]، فمعناه: لا تطيعوه في عبادة غير الله؛ ولذا قال: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [يس: 65 - 61]، وفي نسخة صحيحة بفتحتين، قال ميرك:"هو بكسر الشين وسكون الراء، وهو الأشهر في الرواية، وأظهر في المعنى".

قال المصنف: "أي: ما يدعو إليه ويوسوس به من الإشراك بالله، ويروى بفتح الشين والراء، أي: حبائله ومصائده، واحده شرَكَةٌ"

(1)

، انتهى.

وَالشَّرَكَةُ -بفتح الشين والراء وفي آخرها هاء- على ما في "الأذكار": حبائل الشيطان، أي: مصائده جمع مصْيَدَة، وهي ما يصاد بها من أي شيء كان، قال ميرك:"فالإضافة على الأول إضافة المصدر إلى الفاعل، وعك الثاني محضة".

(د، ت، س، حب، مس، مص) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة، عن أبي بكر الصديق

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 6/ أ).

ص: 432

رضي الله عنه

(1)

قال: "أخبرني بشيء أقوله، قال: قل اللهم

" إلى آخره، وفي بعض النسخ: "كلهم عن أبي هريرة"، ولا منع من الجمع إن ثبت في السمع، وفي نسخة: "رواه الأربعة، الأول: عن الصديق، والباقي: عن أبي هريرة".

(وأن نقترف) عطف على قوله: "من شر نفسي"، لكن فيه إشكالٌ، من حيث مجيء "أعوذ" بصيغة الإفراد، ولعل في رواية الترمذي: "نعوذ بك من شر [أنفسنا]

(2)

" إلى آخره، "وأن نقترف"، أي: ومن أن نكتسب، (على أنفسنا سوءًا) أي: إثمًا أو ظلمًا مما يسوء أنفسنَا، ويكون وباله علينا (أو نجرّه) أي: أن ننسب سوءًا (إلي مسلم) بريء من ذلك السوء، ومنه قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [النور: 19]، أو نضيف ذلك السوء الذي فعلناه إلى مسلمٍ، ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة (26514) و (29265)، وأحمد (1/ 9 و 10)، وفي 2/ 297)، والدارمي (2689)، والبخاري في "الأدب المفرد"(1202 و 1203)، وفي "خلق أفعال العباد" 19 و 73)، والترمذي (3392) والنسائي في "الكبرى"(7668 و 9755 و 10563)، وابن حبان (962) وقال: حسن صحيح. وأبو داود (5067) وإسناده صحيح.

(2)

كذا في (هـ)، وفي (أ) و (ب) و (ج) و (د):"نفسي".

ص: 433

وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 112].

(ت) أي: رواه الترمذي من حديثه أيضًا، ويفهم من كلام الإمام النووي أن هذه الزيادة أخرجها أبو داود أيضًا، لكن من حديث أبي مالك الأشعري، كذا ذكره ميرك.

(اللهم إني أصبحت أشهدك) بضم همزة وكسر هاء، من الإشهاد، أي: أجعلك شاهدًا على إقراري بوحدانيتك في الألوهية والربوبية، وهو إقرار [بالشهادة]

(1)

، وتجديد اعتراف بها في كل صباحٍ ومساءٍ، وغرضه: عرضه من نفسه أنه ليس من الغافلين عنها.

(وأشهد حملة عرشك) أي: المقربين في حضرتك وخدمتك، (وملائكتك) بالنصب، وهو تعميم بعد تخصيم، أي: وأشهد جميع ملائكتك، أو سائرهم وباقيهم الداخل فيهم: الكرام الكاتبون

(2)

، والحفظة الحاضرون.

(وجميعَ خلقك) تعميمٌ آخر للتكميل [والتتميم]

(3)

(بأنك) أي: على شهادتي وإقراري واعترافي بأنك (لا إله إلا أنت، وأن محمدًا عبدك ورسولك. طس، ت) أي رواه: الطبراني في "الأوسط"، والترمذي عن أنس، وفي "نسخة الجلال" رمز الترمذي مقدم قبل لفظهما: "من قالها

(1)

كذا في (هـ)، وهو الأليق بالسياق، وفي (أ) و (ب) و (ج) و (د):"للشهادة".

(2)

بعدها في (أ) زيادة: "الحافظون".

(3)

كذا في (أ) و (ب) و (د) و (هـ)، وفي (ج):"والتعميم".

ص: 434

غفر الله له ما أصاب في يومه وليلته".

(اللهم إني أصبحت أشهدك، وأشهد حَمَلَةَ عَرْشِكَ، وَمَلائِكَتَكَ، وَجَمِيعَ خَلْقِكَ أنَّكَ) بفتح الهمزة كما في نسخة، أي: بأنك (أنت الله لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك)، وفي بعض النسخ رمز الترمذي فوق "وحدك"، ورمز النسائي فوق:"لا شريك لك"، (وأن محمدًا عبدك ورسولك، أربع مرات. د، ت، س) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، عن أنس

(1)

، ولفظه: "من قالهن مرة أعتق الله ربعه من النار،

(1)

أخرجه أبو داود (5069)، والترمذي (3495)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة"(9) و (10)، والبخاري في "الأدب المفرد"(1201)، وابن السني (69)، الطبراني في "معجمه الأوسط"(7205)، وفي "الدعاء"(297 - 300)، وقال الحافظ (1077): هذا حديث حسن غريب "نتائج الأفكار"(2/ 375).

وقال أبو عيسي الترمذي: هذا حديث غريب.

وذكره الألباني في "الضعيفة"(1041): واستنكر تصريح بقية بالتحديث، فقال: وما أراه محفوظا، ولعله خطأ من بعض النساخ، فإن الطريق مدارها كما ترى على إسحاق بن إبراهيم، وهو ابن راهويه، فالبخاري قال في روايته:(عن)، وهو الصواب،

فلهذه الطريق علتان أيضا:

إحداهما: عنعنة بقية، فإنه كان معروفا بالتدليس.

والأخرى: جهالة مسلم بن زياد هذا

قلت: جاء تصريحه بالسماع من طريق آخر، أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (58/ 97) عن لوين محمد بن سليمان بن حبيب نا بقية بن الوليد =

ص: 435

ومن قالها مرتين أعتق الله نصفه من النار، ومن قالها ثلاثًا أعتق الله ثلاثة أرباعه من النار، ومن قالها أربعًا أعتقه الله من النار"، كذا ذكره ميرك.

(اللهم إني أسألك العافية) وهي عدم الابتلاء (في الدنيا والآخرة) أي: في أمورهما، [أو]

(1)

المراد بالعافية: عدم العقوبة (اللهم إني أسألك العفو) أي: المحو عن الذنوب (والعافية) أي: الخلاص عن العيوب (في ديني، ودنياي، وأهلي) أي: قرابتي وأتباعي، (ومالي) من النقود وغيره، ولا يبعد أن تكون "ما" موصولةً، أي: وكل شيء هو لي ومختصّ بي، على أنه تعميم بعد تخصيصٍ، فيشمل ما له من المال، والعلم والجمال، وسائر أسباب الكمال.

قال المصنف في "شرح المصابيح ": "العفو: محو الذنوب، والعافية: السلامة، وهي الصحة، ففي الدين من الزيغ، وفي الدنيا من الأسقام"، وفي "النهاية":"العفو: محو الذنوب، والعافية: أن يسلم من الأسقام والبلايا"، انتهى.

لكن لا يخفى أن الأنبياءَ والأولياءَ دعوا الله بالعافية، ولا شك أن

= أخبرني مسلم بن زياد قال سمعت أنس بن مالك به.

ومسلم بن زياد حمصي من أصحاب عمر بن عبد العزيز وكان في خيله. انظر تاريخ دمشق (58/ 98) ومثله حديثه مقبول إن خلا من النكارة سيما وقد روى عنه جماعة وهو شرط المتأخرين في قبول هذا النوع من الرواة.

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج) و (هـ):"و".

ص: 436

دعوتهم مستجابة، ومع هذا: "أشد الناس بلاء الأنبياء، [ثم الأمثل]

(1)

، فالأمثل"، فيتعين أن [تقيد]

(2)

الأسقام بسيئها، كالبرص، والجنون، والجذام، مما [ينفر]

(3)

عنه طبع العوام، ولذا ورد التعوذ من سيئ الأسقام، وكذا [يقيد]

(4)

البلاء في الأمور الدينية والدنيوية بالشّاغلة عن الأحوال الأخروية.

(اللهم استر عورتي) أي: ما يستحى منه، ويسوء صاحبه أن يرى ذلك عنه، من العيوب والخلل والتقصير، وغير ذلك، (وآمن روعتي) أي: فزعتي مما أخاف، وآمن: أمر من الإيمان، بمعنى: إزالة الخوف وإعطاء الأمن، ومنه قوله تعالى:{وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش: 4]، وحاصل معناه: اجعل خوفي أمنًا، وأبدله به، قال المصنف:"العورة: كل ما يستحي منه إذا ظهر، والروع: الفزع"

(5)

، انتهى.

وفي نسخة بصيغة الجمع فيهما، وجعل المؤلف في "شرح المصابيح" أصل الرواية:"عوراتي" و"روعاتي" بالجمع، ثم قال:"وفي رواية بالإفراد فيهما"، انتهى.

(1)

من (هـ) فقط.

(2)

كذا في (ج)، وفي (أ) و (ب) و (د) و (هـ):"يقيد".

(3)

كذا في (هـ)، وفي (أ) و (ب) و (ج) و (د):"يتنفر".

(4)

كذا في (د) و (هـ)، وفي (أ) و (ب) و (ج):"تقييد".

(5)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 6/ أ).

ص: 437

واعلم أن كلًّا من العورات والروعات بسكون الواو، كما قال الله تعالى:{ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} [النور: 58]، وأما فتح الواو في العورات، فمن لحن العامة.

(اللهم احفظني من بين يدي) بفتح الدال وتشديد الياء على التثنية، وفي نسخة بالكسر والتخفيف، على أن المراد بها: الجنس، والمعني: من قدامي، (ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي) قال الزمخشري

(1)

في قوله تعالى -حكاية عن إبليس-: {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ} [الأعراف: 17]: "استعمال اليمين والشمال بـ "عن" لغة يؤخذ ولا يقاس، وكذا: القدام والخلف"، وقال البيضاوي

(2)

: "إنما عدي الفعل إلى الأَوَّلَيْنِ بحرف الابتداء؛ لأن البلاء منهما يتوجه إليهم، وإلى الآخَرَيْنِ بحرف المجاوزة، فإن الآتي منهما كالمنحرف عنهم المار على عرضهم، ونظيره قولهم: جلست عن يمينه"، انتهى.

وقال ابن عباس في الآية: " {مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ}: من قبل الآخرة، {وَمِنْ خَلْفِهِمْ}: من قبل الدنيا، {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ}: من جهة حسناتهم وسيئاتهم".

(1)

الكشاف (2/ 92).

(2)

تفسير البيضاوي (3/ 8).

ص: 438

(ومن فوقي) قال الطيبي: "استوعب الجهات الست كلها؛ لأن ما يلحق الإنسان من نكبة وفتنة، فإنما يحيق به ويصل إليه من إحدى هذه الجهات، وبالغ في جهة السفل، حيث قال: (وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي) لرداءة آفتها"، انتهى. ولا يخفى حسن موقع قوله:"بعظمتك" على ما في النسخ المصححة في هذا المقام، وفي نسخة:"بك".

ثم "أغتال": بصيغة المجهول من الاغتيال، وهو أن يؤتي المرء من حيث لا يشعر، وأن يدهي بمكروه [لم]

(1)

يرتقبه، وأصله: أن يخدع ويقتل خفية، وحاصله: الأخذ بغتة، أو الموت فجأة، والأظهر أن يراد به الخسف، كما ورد في رواية أبي داود، حيث قال وكيع -أحد رواة هذا الحديث-:"يعني: الخسف".

(د، ق، س، حب، مس، مص) أي رواه: أبو داود، وابن ماجه، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة؛ كلهم عن ابن عمر، ولفظه:"لم يكن يدعها"

(2)

.

(1)

كذا في (أ) و (ج) و (هـ) و (د)، وفي (ب):"ما لم".

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(29889 - 38759)، وأحمد (2/ 25)، وعبد بن حميد (837)، والبخاري في "الأدب المفرد"(1200) وفي "التاريخ الكبير"(2/ 225)، وابن ماجة (3871)، وأبو داود (5074). والنسائي (8/ 282) وفي "الكبرى" 7915 و 7916، وفي "عمل اليوم والليلة"(566)، والطبراني في "معجمه الكبير"(12/ 343/ 13296)، وفي "الدعاء" (305) والحاكم (1/ 517). والحديث صححه: ابن القيم في زاد المعاد =

ص: 439

(لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد) أي: على وجه الاختصاص حقيقةً، وإن وُجِدا في الجملة لغيره صورة، (يحي ويميت) أي: يبدئ ويعيد، (وهو حي) أي: من الأزل، (لا يموت) أي: إلى الأبد، فليس له ابتداءٌ، ولا يعتريه انتهاءٌ، فهو الأول والآخر، (وهو على كل شيء قدير. د، س، ق، مص، ي) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، وابن السني

(1)

؛ كلهم عن ابن عياش بالتحتية

= (2/ 332) صححه الحاكم.

والسخاوي في "المقاصد الحسنة"(1/ 155) وصححه الحاكم.

قال المنذري في "الترغيب والترهيب"(1/ 258) رواه أبو داود واللفظ له والنسائي وابن ماجه والحاكم وقال صحيح الإسناد.

قال النووي في "الأذكار"(1/ 66): قال الحاكم أبو عبد الله هذا حديث صحيح الإسناد.

وقال الحافظ في "البلوغ"(1/ 312): صححه الحاكم.

وقال في "النتائج"(2/ 362): لا نعرفه إلا من حديث عبادة بهذا الإسناد.

ووجدت له شاهدًا من حديث ابن عباس أخرجه البخاري في الأدب المفرد وفي سنده راو ضعيف.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة (27077)، وأحمد (4/ 60)، وأبو داود (5077)، والنسائي في اليوم والليلة (27)، وابن ماجه (3867). وقد اختلف في صحابيه هل هو الزرقي أم غيره.

وجرى على أنه الزرقي: البخاري في (التاريخ الكبير 3/ 381 - 382). وأبو أحمد الحاكم والدولابي في الكنى (1/ 46 - 47) والإمام أحمد في المسند.=

ص: 440

والشين المعجمة، وقيل:"ابن عائش"، لكن قوله:"يحيي ويميت، وهو حي لا يموت" مختصٌّ برواية ابن السني، فيكتب رمزه بالحمرة فوقه.

قال ميرك: "ولفظ الحديث: "من قال إذا أصبح

(1)

، كان له عدل رقبة من ولد إسماعيل، وكتب له عشر حسناتٍ، وحط عنه عشر سيئاتٍ، ورفع له عشر درجاتٍ، وكان في حرزٍ من الشيطان حتى يمسيَ، وإن قالها إذا أمسي، كان له مثل ذلك حتى يصبحَ"، قال حماد بن سلمة -أحد رواة هذا الحديث-: فرأى رجل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فيما يرى النائم، فقال: يا رسول الله، إن ابن عياش يحدث عنك كذا، وكذا؟ قال: صدق ابن عياش".

(رضينا) أي: نحن معاشرَ المؤمنين (بالله ربًّا) تمييز من النسبة، أي: رضينا بربوبيته، وكذا الحال في قوله:(وبالإسلام دينًا) أي: وبدين الإسلام، (وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم رسولًا) أي: وبرسالة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، والمراد بالرضا هنا التصديق على وجه التحقيق.

(عه، مس، أ، ط) أي رواه: الأربعة، والحاكم، وأحمد، والطبراني

(2)

،

= وفرق بينهما الحافظ في الإصابة والمزي في تهذيب الكمال والخلاف في الصحابي لا يضر.

(1)

اختصر المؤلف هنا لفظ الحديث، وذلك لأنه أورده من قبل.

(2)

أخرجه أحمد (4/ 337) وفي 5/ 367)، وأبو داود (3653 و 5072) والنسائي في "الكبرى"(9747) وفي "عمل اليوم والليلة"(565) البيهقي في=

ص: 441

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= "الدعوات الكبير"(28) الطبراني في "الدعاء"(302) الآحاد والمثاني (5/ 13) الجامع لأخلاق الراوي (456).

والنسائي في "الكبرى"(10324) وفي "عمل اليوم والليلة"(4) والحاكم (1/ 518) وقال: صحيح الإسناد.

قال ابن عبد البر في "الاستيعاب

" (1/ 206): اختلف فيه على شعبة ومسعر. والصحيح فيه عنهما ما رواه هشيم وغيره عن أبي عقيل عن سابق بن ناجية عن أبي سلام خادم النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكرنا ذلك في موضعه والحمد لله ولا يصح ما بعد في الصحابة. والله أعلم.

وقال ابن الأثير في "أسد الغابة"(1/ 408) روى عنه حديث واحد مخرجه من أهل الكوفة اختلف فيه على شعبة فرواه عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن أبي عقيل عن أبي سلام قال: كنا في مسجد حمص فمر رجل فقالوا: هذا خدم النبي صلى الله عليه وسلم. فأتيته فقلت: حدثنا ما سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم فقال: سمعته يقول: من قال حين يمسي وحين يصبح: "رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا كان حقا على الله أن يرضيه يوم القيامة".

واختلف أيضا على مسعر فرواه عبد العزيز بن أبان عن مسعر عن أبي عقيل عن أبي سلام عن سابق خادم النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء. قالوا: وهو وهم والصواب رواية أصحاب مسعر عن أبي عقيل سالم بن بلال قاضي واسط عن سابق بن ناجية عن أبي سلام.

وقال أبو عمر: لا يصح سابق في الصحابة.

ثم قال ابن الأثير في "أسد الغابة" (1/ 1190] في ترجمة: أبي سلام الهاشمي: مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكره خليفة في الصحابة من موالي بني هاشم بن عبد مناف =

ص: 442

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= روى شعبة عن أبي عقيل هشام بن بلال عن سابق بن ناجية عن أبي سلام قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما من مسلم أو عبد يقول حين يمسي وحين يصبح: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ثلاث مرات إلا كان حقا على الله أن يرضيه يوم القيامة.

قلت: قوله: "سمعت" في السند وهم وقد بينه الحافظ في ترجمة أبي سلام هذا وأنه ممطور التابعي المعروف ورجح رواية شعبة ومن تابعه بزيادة ذكر الخادم في السند.

انظر الحافظ في "الإصابة". .. (7/ 185) وتهذيب التهذيب. .. (12/ 137) هاشم بن بلال أبو عقيل قاضي واسط شامي، قال يحيى بن معين: أبو عقيل هاشم بن بلال ثقة. الجرح والتعديل

(9/ 103).

والعلائي في "جامع التحصيل"(صفحة 311) أخرجه أبو داود والنسائي من طريق شعبة وهشيم عن أبي عقيل واسمه هاشم بن بلال عن سابق بن ناجية عن أبي سلام إنه كان في مسجد حمص فمر به رجل فقالوا هذا خدم النبي-صلى الله عليه وسلم فقام إليه فقال حدثني النبي صلى الله عليه وسلم فذكره.

وأخرج أبو داود أيضا بهذا السند عن أبي سلام عن رجل خدم النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حدث حديثا أعاده ثلاث مرات فتبين بذلك أن أبا سلام ليس صحابيا بل هو ممطور المتقدم وأن طريق ابن ماجه مرسلة.

ووقع فيها الوهم من مسعر بقول عن أبي سلام خادم النبي صلى الله عليه وسلم عنه وكذلك هو أيضا في مصنف بن أبي شيبة من طريق مسعر.

والعجب أن ابن عبد البر قال بعد سياقه لهذا من طريق بن أبي شيبة كذلك رواه هشيم وشعبة عن أبي عقيل عن سابق ولم يروياه إلا كما تقدم عند أبي داود والنسائي والله أعلم. =

ص: 443

من حديث أبي سلام خادم النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن عبد البر:"هذا هو الصحيح، وقيل: إنه ثوبان" ذكره ميرك، وفي بعض النسخ تحت رمز الأربعة:"أبو سلام"

(1)

، وتحت رمز الحاكم:"سابق"، وتحت الباقي:["المنيذر"]

(2)

.

ثم لفظ الحديث: "من قاله إذا أصبح وأمسى كان حقًّا على الله أن يرضيَه"، وفي رواية:"حتى يدخلَه الجنة".

ثم اعلم أن في بعض النسخ المعتمدة فوق "رسولًا" كتب: "نبيًّا" مرموزًا بالألف والطاء إشعارًا بأن رواية أحمد، والطبراني، بلفظ:"نبيًّا"،

= ومما يؤكد الواسطة ما أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير"(4/ 201).

قال لنا عمرو بن مرزوق أخبرنا شعبة عن أبي عقيل هاشم بن بلال عن سابق بن ناجية عن أبي سلام عن رجل خدم النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حدث حديثا أعاد ثلاثا.

ذكره الذهبي في "الميزان ": (2/ 109) في ترجمة قال سابق بن ناجية.

عن أبي سلام، ما روى عنه سوى هاشم بن بلال في قوله: رضيت بالله ربًّا.

(1)

أبو سلام هو الأسود ممطور جاء ذلك في ترجمة (هاشم بن بلال أبو عقيل الشامي) في الجرح والتعديل (9/ 103) وتاريخ الإسلام للإمام الذهبي (8/ 555).

وقال الذهبي في الكاشف (6672) أبو سلام خادم النبي صلى الله عليه وسلم ومولاه عنه سابق بن ناجية الصحيح أبو سلام عن صحابي.

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (د) و (هـ)، وفي (ج):"المنذر"، وهما وجهان في اسمه.

ص: 444

والباقي بلفظ: "رسولًا"، وزاد في نسخة رمز الترمذي معهما.

ويؤيده ما قال النووي في "الأذكار": "وقع في رواية أبي داود وغيره: "وبمحمد رسولًا"، وفي رواية الترمذي: "نبيًّا"، فيستحب الجمع بينهما، فيقول: نبيًّا رسولًا، ولو اقتصر على أحدهما كان عاملًا بالحديث"، انتهى.

وإنما قدم "نبيًّا"؛ لتقدم وجود النبوة على تحقق الرسالة، والأظهر أن يقول مرة:"رسولًا"، وأخرى:"نبيًّا"، ولو جمع بينهما بواو الجمع أيضًا جاز؛ إذ المراد إثبات الوصفين له.

(رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ نبيًّا، ثلاث مرات. مص، ي) أي رواه: ابن أبي شيبة، وابن السني، عن أبي سلام

(1)

.

(اللهم ما أصبح بي من نعمة) أي: كل ما حصل لي من منحة دينية وأخروية، أو وصل إلي من نعمة دنيوية، (أو بأحد من خلقك) هذا ليس في رواية أبي داود؛ ولذا كتب فوق "أو بأحد من خلقك":"س، حب، ي"، (فمنك وحدك) حال من الضمير المتصل في قوله:"فمنك" أي: فهو "حاصل منك منفردًا، (لا شريك لك) أي: في إيجاده وإيصاله، (فلك الحمد) أي: الثناء الجميل عليه، (ولك الشكر) أي: استحقاق وجوب الشكر علينا باللسان، والجنان، والأركان في مقابلة تلك النعمة وذلك الإحسان.

قال بعض المحققين: "الفاء في "فمنك" جواب الشرط، كما في قوله

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة (29892)، وابن السني (68).

ص: 445

تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53]، ومن شرط الجزاء أن يكون مسببًا للشرط، ولا يستقيم هذا في الآية إلا [بتقديم]

(1)

الإخبار، والتنبيه على الخطأ، وهو أنهم كانوا لا يقومون بشكر نعم الله تعالى، بل كانوا يكفرونها بالمعاصي، فقيل لهم: إني أخبركم بأنها من الله تعالى حتى تقوموا بشكرها، والحديث بعكسها، أي: إني أُقرّ وأعترف بأن كل النعم الحاصلة الواصلة، من ابتداء الحياة إلى انتهاء دخول الجنة منك وحدك، فأوزعني أن أقوم بشكرها، ولا أشكر غيرك"، انتهى.

والمراد بقوله: "إلى انتهاء دخول الجنة" هو التأبيد لا التقييد، ثم قوله: "فلك الحمد

" إلى آخره تقرير للمطلوب؛ ولذا قدم الخبر على المبتدإ المفيد للحصر، يعني: إذا كانت النعمة مختصّة بك، فها أنا أنقاد إليك، وأخصّ الحمد والشكر لك، قائلًا: لك الحمد لا لغيرك، ولك الشكر لا لأحد سواك.

(د، س، حب، ي) أي رواه: أبو داود، والنسائي، عن عبد الله بن غنام البياضي بفتح الغين المعجمة وتشديد النون، وابن حبان، وابن السني، عن ابن عباس، بلفظ: "من [قاله]

(2)

حين يصبح

(3)

، فقد أدى شكر يومه،

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"بتقدير".

(2)

كذا في (ج) و (هـ)، وفي (أ) و (ب):"قال".

(3)

اختصر المؤلف هنا لفظ الحديث، وذلك لأنه أورده من قبل.

ص: 446

ومن قاله حين يمسي، فقد أدى شكر ليله"

(1)

.

(1)

أخرجه أبو داود (5073)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (7) وابن حبان (861) وفي إسناده عبد الله بن عنبسة لم يوثقه غير ابن حبان قال الحافظ في التقريب مقبول التقريب (3541). ومع ذلك فقد حسنه الحافظ في نتائج الأفكار (2/ 359 - 361)، إتحاف المهرة (7/ 349 - 350).

فهذا الحديث؛ قد رواه جماعة، عن سليمان بن بلال هكذا، جعلوه كلهم من مسند "عبد الله بن غنام".

وخالفهم: عبد الله بن وهب؛ فرواه عن سليمان بن بلال، فجعله من مسند "عبد الله بن عباس".

أخرج حديثه: ابن حبان (861)، وتابعه: سعيد بن أبي مريم، عن سليمان بن بلال.

أخرج حديثه: الطبراني في "الدعاء"(306).

ولم يثبت ابن وهب على ذلك؛ فقد رواه مرة أخرى على الصواب عن ابن غنام لا عن ابن عباس.

أخرج حديثه: ابن السني في "اليوم والليلة"(41) والطبراني (307)، والصواب: قول من قال: "ابن غنام"، ومن قال:"ابن عباس " فقد صحف.

قاله غير واحد من أهل العلم؛ منهم: أبو نعيم، وابن عساكر وغيرهما.

قال أبو نعيم في "المعرفة": من قال فيه ابن عباس، فقد صحف وقال ابن عساكر في "الأطراف": هو خطأ، وقد وافق ابن وهب في رواية له الأكثر، فقال: ابن غنام، أخرجه الطبراني من رواية أحمد بن صالح، عن ابن وهب بهذا وفي "الإصابة"(2/ 349) في ترجمة عبد الله بن غنام. وله حديث في سنن أبي داود والنسائي في القول عند الصباح، وقد صحفه بعضهم فقال: ابن عباس =

ص: 447

(اللهم عافني في بدني) أي: من الآفات المانعة عن الكمالات، أو المراد بالعافية فيه أن لا يقع من جميع أعضائه شيء من المعاصي، أو معناه: اعف عني ما صدر مني في بدني. (اللهم عافني في سمعي) أي: من

(1)

الخلل الحسي أو المعنوي، بأن لا يدرك الحق، أو لا يقبله، أو يسمع ما لا يجوز سماعه.

(اللهم عافني في بصري) أي: من العمي، أو من عدم مشاهدة آيات المولى، أو من النظر إلى نحو محرم، ويؤيده ما ورد في روايةٍ:"اللهم إني أعوذ بك من شرّ سمعي وبصري، ومن شر منيي"، وعلي كل تقدير خص السمع والبصر بعد ذكر البدن؛ لشرفهما، فإن السمع هي التي تدرك آيات الله المنزلة على الرسل، والعين هي التي تدرك آيات الله المنبثة في الآفاق، [فهما]

(2)

جامعان لدرك الآيات النقلية والعقلية، وإليه نظر قوله صلى الله عليه وسلم:"اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا".

وفي تقديم السمع -كما في الآيات وسائر الأحاديث- إيماءٌ إلى أنه

= وأخرج النسائي الاختلاف فيه، وجزم أبو نعيم بأن من قال في ابن عباس فقد صحف، وانظر "تحفة الأشراف" و"النكت الظراف"(6/ 403 - 404)، وابن غنام: هو عبد الله بن غنام بن أوس بن مالك بن عامر بن بياضة الأنصاري البياضي، له صحبة، يعد في أهل الحجاز.

(1)

بعدها في (ج) زيادة: "كل".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"فإنهما".

ص: 448

أفضل من البصر، خلافًا لمن خالف، وبيانه أنه مع فقدان البصر يتصور أن يصير الشخص مؤمنًا عالمًا كاملًا، بخلاف من فقد منه السمع، فإنه لا يتصور منه شيءٌ من ذلك كسبًا، إلا أن يعطي من عنده تعالى وهبًا، مع أن فقد السمع الخلقي يستلزم فقد النطق اللساني أيضًا، كما هو معلوم.

وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "أبو بكر وعمر بمنزلة السمع والبصر"

(1)

: تصريح بما ذكرنا، والله أعلم.

وهو لا ينافي تفضيل البصر عليه، من حيث إن بعض مرئياته ذاته تعالى، إذ قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل، كقوله صلى الله عليه وسلم للصحابة:"أقرؤكم أُبَيٌّ"، مع أن الصديقَ أفضلُهم.

(لا إله إلا أنت) أي: فلا يطلب المعافاة

(2)

ولا غيرها إلا منك. (ثلاث مرات) قيد لما سبق كله، ولا يخفى أن قوله:"عافني" بمعنى: أعطني العافية، فهو من باب المفاعلة على قصد المبالغة؛ لعدم صحّة إرادة [المغالبة]

(3)

.

(1)

أخرجه أبو نعيم في المعرفة (2294). ابن عبد البر في الاستيعاب (1/ 401)، وضعفه. وعزاه الحافظ في الإصابة (1/ 358) للباوردي، وقال: اختلف في إسناده اختلافًا كثيرًا. وعزاه المناوي (1/ 89) لأبي يعلى والحاكم في تاريخه عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أبيه عن جده، وقال ابن عبد البر: وما له غيره.

(2)

بعدها في (هـ) زيادة: "والعافية".

(3)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (ب):"المبالغة"، وفي (هـ):"المشاركة".

ص: 449

وفي "القاموس"

(1)

: "العافية: دفاع الله عن العبد، عافاه الله عن المكروه معافاةً وعافية: وهب له العافية من العلل والبلاء، كأعفاه الله من المكروه معافاة وعافية"، فما ذكره الحنفي نقلًا عن "النهاية"

(2)

هنا أن المعافاة هي أن يعافيك الله من الناس، ويعافيهم منك، أي: يغنيك عنهم، ويصرف أذاهم عنك وأذاك عنهم، وقيل:"هي مفاعلة من العفو، وهو أن يعفو عن الناس ويعفوا عنه"، فكلام مقبول، لكنه ليس في هذا المحل بمعقول.

(اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر) أي: فقر القلب؛ ولذا اقترنه بالكفر؛ لحديث: "كاد الفقر أن يكون كفرًا"، وهو حيث لا يَرْضَى بالقضاء، أو يعرض له الاعتراض على رب السماء، وهذا تعليم للأمة، أو المراد من الكفر الكفران، ومن الفقر الاحتياج إلى الخلق، على وجه الكسر والمذلة، أو قلة المال مع عدم القناعة، وقلة الصبر، وكثرة الحرص.

(اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر) أي: من أنواع عقاب فيه، أو مما يجر إلى عذابه من أنواع المعاصي (لا إله إلا أنت) أي: فلا يستعاذ إلا بك. (ثلاث مرات) على طبق ما تقدم. (د، س، ي) أي رواه: أبو داود،

(1)

القاموس (ص 1313).

(2)

النهاية (3/ 266).

ص: 450

والنسائي، وابن السني، كلهم من حديث أبي بكرة الثقفي

(1)

، وفي نسخة:"من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر".

(سبحان الله) علم للتسبيح منصوب على المصدرية، كذا في "المغرب"، (وبحمده) معناه سبحتك بجميع آلائك، وبحمدك سبحتك، ذكره في "المغرب" أيضًا، والأظهر في المعنى أن يقال: أسبحه وأنزهه عما لا يليق به من الصفات السلبية، وأقوم بحمده وثنائه الجميل من النعوت الثبوتية، ويمكن أن تكون الواو زائدة، [فالمعنى]

(2)

: أسبحه مقرونًا بحمده.

(لا قوة) أي: للعبد على كل حركة وسكون (إلا بالله) أي: [بإقداره]

(3)

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة (12155) وأحمد (5/ 36 و 39 و 44)، وابن خزيمة (747) وابن حبان وابن أبي عاصم في السنة 870 والترمذي (3503) بنحوه وقال صحيح، والنسائي (3/ 37) وفي "الكبرى" 1271 وفي (7841 و 7849) والحاكم (1/ 252). وقال ابن حجر في نتائج الأفكار 2: 294: حسن عثمان مختلف فيه، قواه أحمد، وابن عدي، ولينه القطان، والنسائي.

والحديث طرف من حديث عند البخاري في الأدب المفرد 701، وأحمد في المسند (5/ 42) وأبي داود 5090 والنسائي في عمل اليوم والليلة 22، 572، من طريق جعفر بن ميمون عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، وهذا سند لا بأس به في الشواهد. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (1210).

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"بمعنى".

(3)

كذا في (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ) و (ب):"باقتداره".

ص: 451

(ما شاء الله كان، ومما لم يشأ لم يكن) أي: سواء شاء العبد أو لم يشأ، وعلى هذا اتفق السلف، ولا عبرة بِخُلْفِ بعضِ الخَلَفِ، وهذا معنى قوله تعالى:{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 30]، وفي الحديث القدسي:"تريد وأريد، ولا يكون إلا ما أريد، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط، ويفعل الله ما يشاء، ويحكم ما يريد"

(1)

.

(أعلم) أي: أنا (أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا)، اعلم أنه قيل:"ما من عامٍّ إلا خُصَّ"، فقيل: هذا أيضًا مما خص، وبيانه أن قوله:"أن الله على كل شيء قدير" خُصّ منه المحالات، حيث لم يتعلق به المشيئة، فلا [يتحقق]

(2)

به القدرة، وأن قوله:{أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 231]

(3)

عام لا يخص منه شيء، لأن علمه [متعلق]

(4)

بالموجود والمعدوم، والممكن والمستحيل، والجزئيات والكليات، بل بما لا يكون لو كان كيف يكون.

قال ميرك: "وهذان الوصفان -أعني: العلم الشامل، والقدرة الكاملة- هما عمدة أصول الدين، وبهما يتم إثبات الحشر والنشر، ورد

(1)

هذا اللفظ لا نعلم له أصلا عن النبي صلى الله عليه وسلم (فتاوى اللجنة الدائمة 3/ 240).

(2)

كذا في (ب) و (ج) و (هـ)، وفي (أ):"يتعلق"، وفي (د):"تتحقق".

(3)

كذا في جميع النسخ، ولعل الصواب:"وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا"، تكملة للفظ الحديث، والله أعلم.

(4)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج) و (هـ):"يتعلق".

ص: 452

[الملاحدة]

(1)

في إنكارهم البعث؛ [لأن]

(2)

الله تعالى إذا علم الجزئيات والكليات على الإحاطة، علم الأجزاء المتفرقة المتلاشية في أقطار الأرض، فإذا قدر على جمعها إحياءً [قدر على جمعها أمواتًا]

(3)

؛ فلذلك خصهما بالذكر في هذا المقام، والله أعلم".

(د، س، ي) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن السني؛ كلهم من حديث عبد الحميد مولى بني هاشم، عن أمه، عن بعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ المنذري:"أم عبد الحميد لا أعرفها"، وقال العسقلاني:"لم أقف على اسمها، وكأنها صحابية"، ذكره ميرك

(4)

.

ولفظ الحديث: "من قالهن حين يصبح حفظ حتى يمسي، ومن قالهن حين يمسي حفظ حتى يصبح".

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"على الدهرية".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"فإن".

(3)

من (هـ) فقط.

(4)

أخرجه أبو داود (5075) والنسائي في الكبرى (9840) وعبد الحميد مولى بني هاشم قال الحافظ في التقريب "مقبول" ت (3801) وأمه مجهولة.

وتكلم الحافظ في السند إلى أن قال: عبد الحميد مولى بني هاشم مجهول، وأما أمه فلم أعرف أيهما.

ولا حالها

وانظر بقية كلامه في "نتائج الأفكار"(2/ 375). والحديث في "ضعيف الترغيب"(388) وضعفه الألباني في "ضعيف سنن أبي داود"(1080).

ص: 453

(أصبحنا على فطرة الإسلام) الفطرة: الخلقة من الفطر، كالخلقة من الخلق في أنها اسم للحالة، ثم إنها جعلت اسمًا للخلقة القابلة [لدين]

(1)

الحق على الخصوص، والمعنى: أصبحنا على نوع من الجبلة المتهيئة لقبول الإسلام، (وكلمة الإخلاص) أي:"لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، وإنما سميت كلمة التوحيد "كلمة الإخلاص"؛ لأنها لا تكون سببًا للخلاص إلا إذا كانت مقرونة بالإخلاص.

(وعلى دين نبينا محمد) بالجر، ويجوز رفعه صلى الله عليه وسلم قال بعض المحققين:"كذا في الحديث، وهو غير ممتنع، ولعله صلى الله عليه وسلم قال ذلك جهرًا، ليسمعه غيره فيتعلم"، انتهى.

والأظهر أنه صلى الله عليه وسلم أيضًا مأمور بالإيمان بنفسه، كما سيجيء في جوابه للمؤذن عند الشهادتين قوله:"وأنا، وأنا"، وتحقيقه أنه مبعوث لجميع الخلق، وهو من أعيانهم، كما في حديث مسلم:"بعثت للخلق كافةً"، [ويدل]

(2)

عليه قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} الفرقان: 1]، وهو عين العالم، والله أعلم.

ويقويه أنه حيث مأمور بجميع التكليفات الشرعية من الفعلية والقولية، فكذا الأمور الاعتقادية، وبهذا يظهر كمال العبودية، وإعطاء حق الربوبية.

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"للدين".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (هـ)، وفي (د):"كما يدل".

ص: 454

(وعلى ملة أبينا إبراهيم)، وهو بالنسبة إلى العرب واضح؛ [لأن]

(1)

جدهم من ولده إسماعيل، وأما بالنسبة [للعجم]

(2)

فإن كل نبي أبو أمته، كما قال تعالى:{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6]، وفي قراءة شاذة:(وهو أب لهم)، يعني: حيث يربيهم التربية الكاملة.

فأبو النبي يكون أبا أمته، أو باعتبار تعليم التوحيد ولو بالوسائط، فإن كل معلم بمنزلة الأب، بل أولى منه؛ لأن الأب سبب الإيجاد، والمعلم موجب الإمداد، ولا يبعد أن يعتبر التغليب.

(حنيفًا) حال من إبراهيم عليه السلام، وهو المائل إلى دين الحق، ضد الملحد المائل إلى دين الباطل، وإن كان الحنف والإلحاد في أصل اللغة بمعنى مطلق الميل، لكن خصّا في الشرع بما ذكرنا.

(مسلمًا) أي: منقادًا لله، مطيعًا في أوامره ونواهيه، مسلّمًا له في قضائه وقدره، مخلصًا في محبته وخلته، لا يلتجئ إلى غيره، حتى قال له جبريل، عندما رمي في النار:"ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا. قال: فسل ربك؟ قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي"

(3)

.

(1)

كذا في (ب) و (هـ)، وفي (أ):"بأنه"، وفي (ج) و (د):"لأنه".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"إلى العجم".

(3)

قال ابن تيمية: حسبي من سؤالي علمه بحالي. كلام باطل (مجموع الفتاوى (8/ 539).

ص: 455

وهذا زبدة التوحيد، وخلاصة التفريد، أن ينحل عن قلب المريد عقدة [التقييد]

(1)

، وينكشف له أن لا نفع ولا ضر للعبيد، إلا بما شاء الله ويريد، فحينئذٍ يستحق الكرامة على وجه المزيد.

(وما كان) أي: أبدًا في جميع عمره (من المشركين) أي: لا شركًا جليًّا ولا [شركًا]

(2)

خفيًّا، وفيه رد على اليهود والنصارى وغيرهما ممن يدعي النسبة إليه، وأن طريقه موافق لما هو عليه، ثم الأحوال إما متداخلة أو مترادفة.

وقال ميرك: "الحنيف: المسلم المستقيم، وقد غلب هذا الوصف على إبراهيم، وقوله: "وما كان من المشركين" من الأحوال المتداخلة تقريرًا، وصيانة للمراد تحقيقًا، [فما]

(3)

يتوهم من أنه يجوز أن يكون حالًا منتقلة، فردَّ ذلك التوهم بأنه لم يزل موحدًا ومثبته، لأنها حال مؤكدة. (أ، ط) أي رواه: أحمد، والطبراني

(4)

.

(في الصباح والمساء) من حديث عبد الرحمن بن أبزى - على وزن

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (د) و (هـ)، وفي (هـ):"التقليد".

(2)

من (هـ) فقط.

(3)

كذا في (ج)، وهو الأنسب للسياق، وفي (أ) و (ب) و (د) و (هـ):"مما".

(4)

أخرجه أحمد في "المسند"(3/ 406)، و"النسائي" في "عمل اليوم والليلة"(2)، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/ 116) وقال: رواه أحمد والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح.

قلت: وحديث عبد الرحمن بن أبزى ساقط من مطبوع الطبراني.

ص: 456

أضحى -بلفظ: "كان [يقوله]

(1)

في الصباح والمساء"، وقوله: (س) أي: رواه النسائي عنه أيضًا، لكن (في الصباح فقط) قال ميرك: "يعني: هو عند أحمد، والطبراني: في الصباح والمساء جميعًا، وعند النسائي: في الصباح فحسب"، كذا نقل عن المصنف، والمراد قوله: "أصبحنا على فطرة الإسلام

" إلى آخره، قال صاحب "السلاح": "أخرجه النسائي من طرق، ورجال إسناده رجال الصحيح"، انتهى.

ثم استأنف المصنف، وقال:(يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث) أي: أطلب [الغيوث]

(2)

والمدد، وأستعين في كل خير، وأستعيذ من كل شر، (أصلح لي شأني) بسكون الهمزة ويبدل ألفًا، أي: حالي (كله) تأكيد له، (ولا تكلني) بفتح تاء وكسر كاف وسكون لام، من الوكول، أي: لا تتركني.

(إلى نفسي طرفة عين) أي: غمضة جَفن لها، والمعنى: لا تدعني عن نعمة الإمداد؛ لما سيأتي من قوله: "فإنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضعف وعورة، وذنب وخطيئة"، وسببه أن النفس من حيث جبلتها موضوعة للأمور المذكورة، فلو خليت بدون الأمداد الإلهية والعنايات الربانية، صدر منها ما طبع فيها، وأما لو ترك الله الإنسان إلى نفسه بأن تركه عن نعمة الإيجاد، لصار معدومًا بالكلية، وهذا كله اعتراف بربوبية

(1)

كذا في (ج) و (د) و (هـ)، وفي (أ) و (ب):"يقول".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"الغوث".

ص: 457

الحق، وإقرار بعبودية الخلق.

(س، مس، ر) أي رواه: النسائي، والحاكم، والبزار؛ كلهم

(1)

عن أنس: أنه [صلى الله عليه وسلم]

(2)

قال لابنته فاطمة أن تقوله في الصباح والمساء"، وفي رواية للنسائي، عن علي رضي الله عنه، قال: "قاتلت يوم بدر قتالًا

(3)

، ثم جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هو ساجد يقول: يا حي يا قيوم، ثم ذهب فقاتلت، ثم جئت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم ساجد يقول: يا حي يا قيوم، ففتح الله عليه"

(4)

.

(اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك) الجملة حال مقدرة أو معطوفة، وكذا قوله:(وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت) أي: قدر استطاعتي، ومقدار طاقتي، فـ"ما" مصدرية ظرفية، قال ميرك

(5)

: "أي على ما عاهدتك ووعدتك من الإيمان، وإخلاص طاعتك

(1)

أخرجه النسائي في "الكبرى"(10405)، وفي "عمل اليوم والليلة"(570) والبزار (6368)، والحاكم (1/ 730).

(2)

من (هـ) فقط.

(3)

بعدها في (هـ) زيادة: "شديدًا".

(4)

أخرجه البزار (662)، والنسائي في السنن الكبرى (10372) وأبو يعلى (530) قال الذهبي: غريب (سير أعلام النبلاء السيرة ص 329) قال الهيثمي: رواه البزار، وإسناده حسن، ورواه أبو يعلي بنحوه كذلك (مجمع الزوائد 10/ 147). ذكره الحافظ في الفتح ونسبه للنسائي والحاكم وسكت عليه (فتح الباري 7/ 289).

(5)

أورد قول ميرك المباركفوري في تحفة الأحوذي (9/ 238).

ص: 458

لك، [أو أنا]

(1)

مقيم على ما عاهدت إليَّ من أمرك، ومتمسك به، ومستنجز وعدك في المثوبة والأجر عليه، واشتراط الاستطاعة اعتراف بالعجز والقصور، عن كنه الواجب في حقه تعالى".

قال صاحب "النهاية": "واستثنى بقوله: "ما استطعت" موضع القدر السابق لأمره، أي: إن كان قد جرى القضاء أن أنقض العهد يومًا، فإني أتعلق عند ذلك إلى الاعتذار بعدم الاستطاعة في دفع ما قضيت"

(2)

، انتهى.

ويجوز أن يراد بالعهد ما في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ} [الأعراف: 172] الآية، أي: أنا مقيم على الوفاء بما عاهدتني في الأزل من الإقرار بربوبيتك، أو فيما عاهدتني، أي: أمرتني في كتابك [وبلسان]

(3)

نبيك، [أو]

(4)

أنا موقن بما وعدتني من البعث والنشور، وأحوال القيامة، والثواب والعقاب، ولا يبعد أن يراد الجميع من الكلمة الجامعة لما ذكر، وغير ذلك مما لم يخطر بالبال، والله أعلم بالحال.

(أبوء) بضم الموحدة، أي: أُقرّ لك (بنعمتك على، وأبوء) أي: أعترف (بذنبي) قال المصنف

(5)

: "أي: ألتزم وأرجع، وأقر وأعترف

(1)

كذا في (ب) و (د)، وفي (أ) و (ج) و (هـ):"وأنا".

(2)

"النهاية" لابن الأثير (3/ 324)

(3)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"على لسان".

(4)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"و".

(5)

أورده الشارح بتصرف في مرقاة المفاتيح (4/ 1619).

ص: 459

بالنعمة التي أنعمت بها على، و"أبوء بذنبي" معناه: الإقرار بالذنب، والاعتراف به أيضًا، لكن فيه معنًى ليس في الأول؛ لأن العرب تقول: باءَ فلان بذنبه، إذا احتمله كرهًا لا يستطيع دفعه عن نفسه، وكذا ورد في بعض الروايات الصحيحة:"أبوء لك بنعمتك" بلفظ "لك"، وبِعَدَمِها في "ذنبي"

(1)

، كما في الأصل، وهو أدب حسن"

(2)

.

(فاغفر لي) أي: إذا كان الأمر كذلك من دوام إنعامك عليَّ، ونقصان ارتكاب الذنب عندي، فاغفر لي، أي: ذنبي، (فإنه) أي: الشأن (لا يغفر الذنوب) أي: جنسها، لاستثناء الكفر إجماعًا، أو جميع أفرادها بالتوبة (إلا أنت، أعوذ بك من شر ما صنعت)

(3)

أي: بأن أرجع إليه، و"ما" مصدرية أو موصولة، والمراد به غفران الأوزار وعدم الإصرار؛ ولذا ورد أنه:"سيد الاستغفار".

(خ، س) أي رواه: البخاري، والنسائي عن شداد بن أوس بن ثابت الأنصاري، أخي حسان بن ثابت، بلفظ: "من قالها موقنًا بها حين يمسي، فمات من ليلته دخل الجنة، ومن قالها موقنًا بها حين يصبح، فمات من

(1)

أخرجها البخاري (8/ رقم: 6306) من حديث شداد بن أوس به مرفوعًا.

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 6/ ب).

(3)

كتب بجوارها في حاشية (ب): "المعنى: أعوذ بك من شر الآثام التي ارتكبتها، أي: أتحصن بك من المؤاخذة بها وسوء عاقبتها".

ص: 460

يومه دخل الجنة"

(1)

، ذكره ميرك.

(اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت) فهذه الجملة مؤخرة في الحديث السابق، متوسطة في اللاحق (أبوء) بدون "لك" هاهنا (بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي؛ إنه) أي: بدون الفاء (لا يغفر الذنوب إلا أنت. د، ي) أي رواه: أبو داود، وابن السني، عن بريدة بن الحصيب الأسلمي

(2)

، وفي

(1)

أخرجه البخاري (6306)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (19).

(2)

أخرجه أحمد 5/ 356) وأبو داود (5070) وابن ماجة (3872)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة"(20 و 466 و 579)، والبغوي في "شرح السنة"(1309)، والمنتقى من كتاب مكارم الأخلاق ومعاليها (465)، والمقدسي في "الترغيب في الدعاء"(ص 158) ابن حبان (1035)، والطبراني في "الدعاء"(309)، ومن طريقه المزي في "التهذيب"(28/ 500) عن الوليد بن ثعلبة الطائي، عن عبد الله بن بريدة، فذكره.

رواه عنه (زهير بن معاوية، وإبراهيم، وعيسى بن يونس) وفي رواية زهير: ابن بريدة.

وتوبع الوليد بن ثعلبة، فرواه الطبراني في "الدعاء"(309)، ومن طريقه المزي في "التهذيب"(28/ 500) ثنا حفص بن عمر بن الصباح الرقي ثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل ثنا جعفر الأحمر عن المنذر بن ثعلبة عن ابن بريدة عن أبيه.

المنذر بن ثعلبة ثقة وابن بريدة هو عبد الله مذكور في شيوخه.

واختلف فيه عن عبد الله بن بريدة في سنده ولفظه: =

ص: 461

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= فرواه حسين بن ذكان قال ثنا عبد الله بن بريدة عن بشير بن كعب عن شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال سيد الاستغفار اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أبوء لك بنعمتك وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت أعوذ بك من شر ما صنعت إذا قال حين يمسي فمات دخل الجنة أو كان من أهل الجنة وإذا قال حين يصبح فمات من يومه مثله.

أخرجه أحمد (4/ 122 و 4/ 125)، والنسائي في "الكبرى"(7963)، ابن أبي شيبة (29439) عبد بن حميد (1063)) والبخاري (5964 و 5947)، وفي الأدب المفرد (617) النسائي (8/ 280) وفي "الكبرى"(9847 (10298 (10416) الطبراني في "معجمه الكبير"(7/ 292/ 7172)، وفي "معجمه الأوسط"(1014) ابن حبان (932 و 933) كلهم عن حسين بن ذكوان.

قال أبو عبد الرحمن: "حسين أثبت عندنا من الوليد بن ثعلبة وأعلم بعبد الله بن بريدة وحديثه أولى بالصواب".

وقال أبو حاتم: سمع هذا الخبر عبد الله بن بريدة عن أبيه وسمعه من بشير بن كعب عن شداد بن أوس فالطريقان جميعا محفوظان.

قلت: ومما يؤكد ذلك أنه عن شداد بن أوس، ما أخرجه الطبراني في "معجمه الكبير"(7/ 296) رقم (7185)، وفي "معجمه الأوسط"(4560) ثنا عبدان بن أحمد قال ثنا محمد بن مرداس قال ثنا جارية بن هرم عن اسحاق بن سويد العدوى عن العلاء بن زياد عن شداد بن اوس مرفوعا نحوه.

وما أخرجه ابن أبي شيبة (29440)، والطبراني في "معجمه الكبير"(7/ 297/ 7189) عن زيد بن حباب حدثني كثير بن زيد المدني حدثني المغيرة بن سعيد بن نوفل عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. =

ص: 462

"الأذكار"

(1)

: "إذا قال ذلك حين يصبح ويمسي، فإن مات من يومه أو ليلته مات شهيدًا".

(اللهم أنت) أي: وحدك (أحق من ذُكرَ) بصيغة المجهول، أي:[أولاهم]

(2)

وأثبتهم، والمعنى: ذِكْرك أليق وأحرى من ذِكْر كل مذكور؛ ولذا قال الصديق الأكبر: "ليتني كنت أخرس إلا عن ذكر الله"

(3)

.

أو: أنت وأنبياؤك وأوليا ؤك حق ذكرُهم، ومن سواهم باطلٌ [ذكرهم]

(4)

، فـ "أفعل" للمبالغة في نفس الفعل لا [لزيادته]

(5)

، وهو المناسب لقوله:(وأحق من عُبِدَ)، لأن من عبد من دون الله فهو باطل لا محالة

(6)

.

= قلت: ومغيرة بن سعيد بن نوفل هو الحجازي مجهول، يروى عن شداد بن أوس روى عنه كثير بن زيد. الثقات لابن حبان (5/ 407)

وخولف زيد في سنده خالفه عبد العزيز بن أبي حازم وسليمان بن بلال فقالا عن كثير عن ابن ربيعة وقولهما أصح:

فرواه الترمذي (3393) ثنا الحسين بن حريث ثنا عبد العزيز بن أبي حازم كثير بن زيد عن عثمان بن ربيعة عن شداد بن أوس.

(1)

"الأذكار" للنووي (1/ 76).

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"أولهم".

(3)

ذكر قولَ الصديقِ المصنفُ في مرقاة المفاتيح (1/ 106).

(4)

كذا في (ب) و (هـ)، وفي (أ):"فذكرهم"، وفي (ج) و (د):"فكرهم".

(5)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (هـ)، وفي (د):"الزيادة".

(6)

كتب بجوارها في حاشية (ب): "اسم التفضيل في هذا أو أمثاله جاء على أحد =

ص: 463

(وأنصرُ من ابتغي) بكسر النون ويضم، والفعل بصيغة المجهول، أي: طلب منه النصرة، فـ "أَنْصَرُ" بمعنى أكثر نصرة وإعانة، (وأرأف من ملك) أي: أرحم المالكين، (وأجود من سئل) أي: أكرم المسئولين، (وأوسع من أعطى) أي: أكثر [إعطاءً]

(1)

من جميع المحسنين.

(أنت الملك) أي: السلطان الحقيقي، (لا شريك لك) أي: في ملكك، وإنما تعطي بعض الملك [من]

(2)

تشاء، (والفرد) أي: أنت الواحد بالذات، المنفرد بالصفات (لا نِدَّ لك) بكسر النون وتشديد الدال، أي: لا مثل ولا نظير، على ما في "الصحاح"

(3)

.

وقال في "النهاية": "الند هو مثل الشيء يضاده في الأمور"

(4)

، نقله ميرك، واقتصر عليه الحنفي، والأصح الإطلاق على ما في "الصحاح"، ومنه قوله تعالى:{فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} [البقرة: 22]، ولما يقال: لا ند له، ولا ضد له.

(كل شيء هالك) أي: قابل للفناء (إلا وجهك) أي: ذاتك، ومنه قوله

= استعماله من اعتبار الزيادة المطلقة من غير مشاركة في الوصف؛ إذ لا يستحق العبادة إلا الله، ومن هذا الاستعمال:{هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} و {خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} ، وقوله: العسل أحلى من الخل".

(1)

كذا في (هـ)، وفي (أ) و (ب) و (ج) و (د):"عطاءً".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (هـ)، وفي (د):"لمن".

(3)

"الصحاح"(2/ 543).

(4)

"النهاية"(5/ 35).

ص: 464

تعالى -تغليبًا لذوي العقول-: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن: 26]، ومنه قول لبيد:

أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا الله بَاطِلٌ

(1)

وقيل: "كل شيء من المخلوقات يهلك ويعدم، فيوجد ويبقى أنا، فـ "أنا" قياسا للذوات الفانية على الأعراض التي هي بالاتفاق غير باقية".

(لن تطاع) بضم أوله، أي: لن [ينقاد للطاعة لك]

(2)

(إلا بإذنك) أي: بتوفيقك ورضاك

(3)

، (ولن تعصى إلا بعلمك) أي: بأن العاصي غير قابل للتوفيق إلى سواء الطريق، فعصيانه مقرون بالخِذلان، ومتعلق بعلمك في جميع الأحيان، فتعامله بمقتضى علمك، وفيه إشعار بأن المعصية ليست بإذنه وأمره مع أن الكل بإرادته وعلمه.

(تطاع فتشكر) بصيغة الفاعل، أي: فتثني وتجازي، (وتعصى فتغفر) أي: أو فتعاقب، فهو من باب الاكتفاء، ولم يعكس إيماءً إلى غلبة الرحمة وكثرة المغفرة، مع أن مقام المدح يقتضي ذلك.

(أقرب

(4)

شهيد) أي: أنت أقرب كل حاضر إيماء إلى قوله تعالى:

(1)

"ديوان لبيد بن ربيعة"(صى 132)، والبيت من الطويل.

(2)

كذا في (هـ)، وفي (أ) و (ب) و (ج):"تنقاد بالطاعة"، وفي (د):"تتقى بالطاعة".

(3)

كتب بجوارها في حاشية (ب): "أي: بتيسيرك وتسهيلك".

(4)

كتب بجوارها في حاشية (ب): "خبر لمبتدأ محذوف، أي: أنت أقرب، ويصح نصبه على النداء، أي: يا أقرب".

ص: 465

{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، أو الشهيد بمعنى العالم، ومنه قوله تعالى:{أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53].

ثم اعلم أنه إذا اعتبر علم الله تعالى مطلقًا فهو "العليم"، وإذا أضيف إلى الأمور الباطنة فهو "الخبير"، وإذا أضيف إلى الأمور الظاهرة فهو "الشهيد"

(1)

.

(وأدنى حفيظ) أي: أقرب كل حافظ، (حُلْتَ) بضم الحاء من الحيلولة، بمعنى المنع (دون النفوس) أي: عندها عن مراداتها، أو فوقها بمعنى: غلبتها في مقصوداتها، مأخوذ من قوله تعالى:{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24]، أي: يحجبه ويمنعه عن مراده؛ ولذا قيل: "عرفت الله بفسخ العزائم"

(2)

.

وحاصله: أنه يملك على قلبه يصرفه كيف يشاء، وفي "تفسير الجلالين":"أي: فلا يستطيع أن يؤمن أو يكفر إلا بإرادته"

(3)

، وقال الحنفي: "هو مِنْ: حالَ بين الشيئين، إذا منع أحدهما عن الآخر، أو مِن: حال الشخص، إذا تحرك، فالمعنى على الأول: أنه تعالى حال بين

(1)

ذكره بمعناه أبو حامد الغزالي في "المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى"(1/ 126).

(2)

أورده ابن تيمية في "الاستقامة"(2/ 87) عن بعض الصوفية.

(3)

"تفسير الجلالين"(صـ 230).

ص: 466

الأشخاص ونفوسها، وعك الثاني: أنه تحرك حول [النفس]

(1)

، وأحاط بها"

(2)

، انتهى.

ولا يخفى أن إطلاق التحرك حول [النفس]

(3)

على الله غير صحيح، فالصواب أن يراد المعنى الأول، فتأمل؛ فإنه موضع الزلل. وتحرير المعنى: أنه يمنع بين النفوس ومراداتها، أو بين الأشخاص ومشتهيات نفوسهم ومقصوداتها.

(وأخذت) يجوز قراءته بالإظهار والإدغام (بالنواصي) الباء للتعدية، والناصية: الشعر الكائن في مقدم الرأس على ما في "الصحاح"

(4)

، وأخذها كناية عن الاستيلاء التام، والتمكن من التصرف الكامل، ومنه قوله تعالى:{مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} [هود: 56].

والظاهر: أن معنى الحديث أعم، حيث يراد بالنواصي نواصي جميع الأشياء، ولعل ذكر الدابة في الآية تغليب.

(وكتبت الآثار) أي: أثبتت الأعمال في اللوح، أو عند نفخ الرُّوح، (ونسخت الآجال) أي: بينت الأعمار كذلك.

(1)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (هـ):"النفوس".

(2)

"النهاية"(1/ 1088).

(3)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"النفوس".

(4)

لم أجده في "الصحاح" لكنه في "تهذيب اللغة" للأزهري (12/ 244) بلفظ: "الناصية: هي قُصاصُ الشّعَر في مقدَّم الرأس".

ص: 467

(القلوب لك مفضية) اسم فاعل من الإفضاء، بمعنى الاتساع

(1)

، قال المصنف:"أي: متسعة منشرحة"

(2)

، وفي نسخة:"مضيئة" من الإضاءة، والظاهر أنها مصحفة، (والسر عندك علانية) بتخفيف الياء، أي: كالعلانية في تعلق العلم، (الحلال مما أحللت) أي: ما حكمت بإحلاله، (والحرام مما حرمت) أي: ما قضيت بحرمته، وفيه رد [التحسين]

(3)

العقلي وتقبيحه، (والدين) وهو ما يتدين به من الأحكام الأصولية والفروعية (ما شرعت) أي: ما جعلته مشروعًا، (والأمر) أي: جميع الأمور الواقعة في الكون (ما قضيت) أي: ما قدرته وحكمت به، (والخلق خلقك)

(4)

مأخوذ من قوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16]، (والعبد عبدك) اللام للاستغراق أو للعهد، (وأنت الله الرءوف الرحيم).

(أسألك بنور وجهك) أي: متوسلًا بنور ذاتك (الذي) صفة للنور، أو الوجه (أشرقت له) أي: أضاءت واستنارت لأجله (السماوات) أي: بجميع طبقاتها المستعلية بعضها فوق بعض، بين كل سماء وسماء

(1)

كتب بجوارها في حاشية (ب): "وقال الزبيدي: أفضى إلى فلان: وصل إليه، فمعنى مفضية: واصلة، والوصول إلى الله وصول إلى علمه".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 6/ ب).

(3)

كذا في (أ) و (ب) و (ج) و (د)، وفي (هـ):"للتحسين".

(4)

كتب بجوارها في حاشية (ب): "أي: كل مخلوق خلقك، أي: أنت خلقته، والعبد، أي: كل عبد عبدك، أو هذا العبد، أي: المتكلم".

ص: 468

مسافة خمس مئة عام، وكذا غلظ كل سماء (والأرض) أي: وكذا طبقات الأرض السبع وما بينها، وإنما أفردت لاتفاق طبقاتها الترابية، أو لصغرها، فإنها بجنب السماء كحلقة في فلاة، فجمع السماء لكبرها أو لاختلاف طبقاتها، وتقديمها لشرفها، فإنها مقر الملائكة المقربين، وأرواح الأنبياء والمرسلين، وفيها الجنة ومراتب العليين.

(وبكل حق هو لك) أي: على السائلين وغيرهم، (وبحق السائلين عليك) بناء على ما وعدتهم من الإجابة، وكأنه سأل الله تعالى متوسلًا بحقوق الله تعالى على مخلوقاته، وبحقوق السائلين عليه تعالى.

والظاهر: أن حق الله هو إطاعته وثناؤه، والعمل بأوامره، والنهي عن زواجره، وحق العباد على الله ثوابهم الذي وعدهم به، فإنه واجب الإنجاز ثابت الوقوع، [بوعده]

(1)

الحق وإخباره الصدق.

(أن تقيلني) مفعول ثانٍ لـ "أسألك"، قال المصنف:"هو بضم التاء، من: أقاله عثرته، إذا تجاوز عنها، أي: تتجاوز عن ذنوبي"

(2)

(في هذه الغداة) بفتحتين بعدهما ألف، ويكتب بالواو كالصلاة، وفي نسخة بضم فسكون ففتح واو، وهما لغتان بمعنى البكرة، وهي أول النهار، فيقوله إذا أصبح.

(1)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د):"لوعده".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 6/ ب).

ص: 469

(أو: في هذه العشية) أي: إذا أمسى، فـ "أو" للتنويع، لا للترديد، ولا للتخيير، حيث لا يجوز الجمع بينهما، ولا انعكاسهما، (وأن تجيرني) من الإجارة، أي: وأن تخلصني (من النار بقدرتك) أي: على كل شيء، [حيث]

(1)

لا تعجز ولا تتوقف على حصول سبب، فيئول إلى أنه كأنه قال: بفضلك وكرمك.

(ط، طب) أي رواه: الطبراني في "الكبير"، وفي "الدعاء" له أيضًا، عن أبي أمامة الباهلي، وصححه الحافظ عبد الغني، ولفظه

(2)

: "من قاله، كتب له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، وأثابه عتق عشر [رقبات]

(3)

، وأجاره من الشيطان"

(4)

.

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"بحيث".

(2)

لم أقف على هذه الزيادة.

(3)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د):"رقاب".

(4)

أخرجه الطبراني في "الكبير"(8/ 264) رقم (8027) وفي "الدعاء"(318) من حديث أبي أمامة الباهلي به مرفوعًا، ولكن بدون قوله: "من قاله، كتب له عشر حسنات

" إلى آخره. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/ 117): "فيه فضال بن جبير، وهو ضعيف مجمع على ضعفه"، وقال الذهبي في المغني (2/ 510): فضال بن جبير أبو المهند صاحب أبي أمامة، قال ابن عدي أحاديثه غير محفوظة، وقال الكتاني عن أبي حاتم ضعيف الحديث.

وقال الألباني في الضعيفة (6253): ضعيف جدًّا.

ص: 470

(حسبي الله) أي: كافيَّ في جميع أموري هو الله، وقال بعض العارفين:"حسبي ربي من كل مُرٍّ بي"(لا إله إلا هو) استئناف بيان لما سبق، أو توطئة لقوله:(عليه توكلت) أي: عليه اعتمدت لا على غيره، فلا أرجو [و]

(1)

لا أخاف إلا منه؛ لقوله سبحانه: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [الفرقان: 58]، ولقوله:{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [المجادلة: 10]، وفي آية:{الْمُؤْمِنُونَ} .

(وهو رب العرش العظيمِ) بالجر على أنه صفة للعرش، وفي رواية بالرفع على أنه صفة الرب، والأول أبلغ، والمراد بالعرش الملك العظيم، أو الجسم [الأعظم]

(2)

المحيط الذي [تنزل]

(3)

منه الأحكام والمقادير (سبع مرات) لعل الحكمة في اعتبار هذا العدد لمحافظة الأعضاء السبعة، وإيماء إلى سبع سماوات طباقًا ومن الأرض مثلهن، المحيط بجميعها العرش العظيم، ولعله بهذا الاعتبار سبع: الطواف، والسعي، ورمي الجمرات.

(ي) أي: رواه ابن السني عن أبي الدرداء، ولفظه: "من قال ذلك

(4)

(1)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (ب):"أو".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"العظيم".

(3)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د):"يتنزل".

(4)

كتب بجوارها في حاشية (ب): أي: صادقًا كان أو كاذبًا، أي: في توكله. وروي =

ص: 471

كل يوم حين يصبح وحين يمسي كفاه الله ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة"

(1)

.

(لا إلى إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات)

(2)

، وهو أقل العدد الذي تجاوز عن حد الآحاد.

(س، حب، أ، ط، ي) أي رواه: النسائي، وابن حبان، وأحمد، عن أبي أيوب الأنصاري

(3)

، والطبراني، وابن السني؛ كلاهما عن أبي هريرة

(4)

.

= أن: "من قالها عشرًا، كفاه الله شر ما خلق". وورد في حديث ضعيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لزم قراءة {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ

} إلى آخر السورة، لم يمت هدمًا ولا غرقًا ولا ضربًا بالحديد".

(1)

أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة"(71) من حديث أبي الدرداء به مرفوعًا. قال الألباني في "السلسلة الضعيفة"(5286): "منكر".

(2)

أورده أبو الحسن الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 107)، وقال: رواه أحمد، والطبراني باختصار، وفي إسناد أحمد محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وفي إسناد الطبراني محمد بن أبي ليلى، وهو ثقة سيئ الحفظ، وبقية رجالهما ثقات.

(3)

أخرجه النسائي في "الكبرى"(9768)، وابن حبان (2023)، وأحمد (5/ 415)، والطبراني في "الكبير"(4/ 164) رقم (3884، 4015، 4093)؛ كلهم من حديث أبي أيوب الأنصاري به مرفوعًا. وقد صحح الألباني الحديث بمجموع طرقه كما في "السلسلة الصحيحة"(2563).

(4)

أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة"(72) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا، وكلام الشارح يوهم أن الحديث في "الكبير" من حديث أبي هريرة، وليس الأمر كذلك؛ حيث لا يوجد مسند لأبي هريرة في "الكبير"؛ قال الذهبي =

ص: 472

(سبحان الله العظيم) يكتب فوق "العظيم": حرف الدال، وفي نسخة:"حب" ولفظ "عو"؛ ليدل على أنه من زيادتهما. (وبحمده، مئة مرة) قال المؤلف: "قوله: "حسبي الله

" إلى آخره سبع مرات، وكذا: "لا إله إلا الله وحده

" إلى آخره عشر مرات، و"سبحان الله وبحمده مئة مرة"، ونحوه مما نص على العدد فيه، لو زاد العدد، حصل له الثواب [المترتب]

(1)

عليه، والأجر بما زاد، وليس هذا من الحدود التي نهى الله تعالى عن اعتدائها، ومجاوزة أعدادها، [أو أن]

(2)

زيادتها لا فضل فيها أو [تبطلها]

(3)

، كالزيادة في عدد الطهارة وعدد ركعات الصلاة، وبالغ بعض الناس فقال:"إن الثواب الموعود به على العدد المعين، فلو زاد لم يحصل له ما وعد عليه؛ لأن هذا العدد المعين له سر وخاصية رتب عليه ما ذكر، فلو زاد تبطل الخاصية"، وهذا غلط ظاهر، وقول لا يلتفت إليه، بل الصواب كما قال الشاعر: ومن زاد زاد الله في حسناته

(4)

"

(5)

، انتهى.

= في "سير أعلام النبلاء"(16/ 122): ""الكبير" هو معجم أسماء الصحابة وتراجمهم وما رَوَوْه، لكن ليس فيه مسند أبي هريرة، ولا استوعبَ حديثَ الصحابة المُكثرين".

(1)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (ب) و"مفتاح الحصن الحصين":"المرتب".

(2)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب) و"مفتاح الحصن الحصين":"وأن".

(3)

كذا في "مفتاح الحصن الحصين"، وفي جميع النسخ:"يبطلها".

(4)

أورده أبو الفرج الأصفهاني في "الأغاني"(10/ 49).

(5)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 6/ ب).

ص: 473

ولا يخفى أن زيادة الطهارة غير مبطلة أصلًا، وكذلك زيادة الركعات في بعض الصور.

(م، د، ت، س، مس، حب، عو) أي رواه: مسلم، وأبو داود

(1)

، والترمذي، والنسائي، والحاكم، وابن حبان، وأبو عوانة

(2)

؛ كلهم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده، مئة مرة، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال، أو زاد عليه"

(3)

، ذكره ميرك.

والظاهر من [لفظة]

(4)

"أو" أن من قال مثل قول القائل يكون أفضل مما جاء به، ومن زاد عليه يكون أيضًا أفضل، ولا إشكال في الزيادة، فإن الثواب بقدر العمل، فمن زاد عليه مرة يكون ثوابه أكثر.

وأما [أفضلية]

(5)

من قال مثله، فمشكل؛ لأنه يقتضي المساواة لا الأفضلية، وأجيب عن هذا الإشكال بأجوبة غير مرضية، منها: أنه قال

(1)

بهذا اللفظ: "لم يواف أحد من الخلائق بمثل ما وافى".

(2)

لم أقف عليه في مستخرج أبي عوانة في المطبوع وعزاه له ابن حجر في إتحاف المهرة (18220).

(3)

أخرجه مسلم (2691، 2692)، وأبو داود (5055)، والترمذي (3468، 3469)، والنسائي في "الكبرى"(10327، 10593)، والحاكم (1/ 518)، وابن حبان (829، 859، 860)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

(4)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د):"لفظ".

(5)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ):"فضيلة".

ص: 474

مثله في العدد، لكنه أخلص في القبول، والجواب الصحيح أن يقال

(1)

: الاستثناء وإن كان في الظاهر من النفي لكن في الحقيقة من الإثبات، والمعنى: أن من قال ذلك أتى بأفضل مما جاء به كل أحد إلا أحدًا قال مثل ذلك، فإنه مساوٍ له، أو زاد عليه، فإنه أفضل منه.

والأظهر أن يقال: الاستثناء منقطع، فالمعنى: لم يأت أحد بأفضل مما جاء به، لكن أحدًا قال مثل ما قال يساويه، أو زاد، فإنه يزيد ويفضل.

قال ميرك: "والمراد بالأفضل منه جنس أذكاره؛ لأنه أفضل الأدعية، لا أنه أفضل من جميع الأعمال، فإن الإيمان وكثيرًا من الطاعات أفضل منه"، انتهى.

وفيه أن الإيمان غير داخل في الطاعات العملية القابلة للكمية والكثرة العددية، ولا [للزيادة]

(2)

-عند المحققين من العلماء- الكلامية، على أن "زاد" يحتمل

(3)

الكمية والكيفية، فإنه ربما يعمل عملًا وَاحدًا من الأعمال الفاضلة بحيث يزيد ثوابه على الذكر المذكور مئة، أو أكثر، والله أعلم.

(سبحان الله، مئة مرة، الحمد لله، مئة مرة، لا إله إلا الله مئة مرة، الله أكبر مئة مرة. ت) أي: رواه الترمذي عن ابن عمرو، بالواو خلافًا لما في

(1)

بعدها في (د) زيادة: "إن".

(2)

كذا في (أ)، وفي (ب) و (ج) و (د):"لزيادة".

(3)

بعدها في (ج) و (د) زيادة: "في".

ص: 475

بعض النسخ، والدليل عليه ما ذكره ميرك أنه: من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وقال:"حسن غريب"، ولفظ الحديث

(1)

: "من سبح الله مئة بالغداة ومئة بالعشي، كان كمن حج مئة حجة، ومن حمد الله مئة بالغداة ومئة بالعشي، كان كمن حمل على مئة فرس في سبيل الله، أو قال: غزا مئة غزوة، ومن هلل الله مئة بالغداة ومئة بالعشي، كان كمن أعتق مائة رقبة من ولد إسماعيل، ومن كبر الله مئة بالغداة ومئة بالعشي، لم يأت أحد في ذلك اليوم بأكثر عملًا أتى به إلا من قال مثل ما قال، أو زاد على ما قال"

(2)

.

(ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم عشر مرات)

(3)

أي: صباحًا ومساءً. (ط) أي: رواه الطبراني من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: "من صلى على حين يصبح

(1)

أورده المباركفوري في مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح رقم (2336) وقال: في سنده الضحاك بن حُمْرة الأملوكي. قال ابن معين في تاريخه (4/ 379): الضحَّاك بن حمرَة واسطي وَكَانَ أَصله شاميا وَلَيْسَ بِشَيْء، وقال ابن القيسراني في ذخيرة الحفاظ (3/ 1424): الضَّحَّاك مَتْرُوك الحَدِيث.

(2)

أخرجه الترمذي (3471). قال الألباني في "السلسلة الضعيفة"(1315): "ضعيف".

(3)

أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 120) وقال: رواه الطبراني بإسنادين، وإسناد أحدهما جيد، ورجاله وثقوا. والمنتقى الهندي في كنز العمال (1/ 492) وعزاه للطبراني عن أبي الدرداء. والسيوطي في الجامع الصغير (11303) وعزاه كذلك للطبراني في الكبير، لكن لم أقف عليه في المطبوع من المعجم الطبراني.

ص: 476

عشرًا وحين يمسي عشرًا، أدركته شفاعتي يوم القيامة"

(1)

.

(وإن ابتلي بهَم ودَين، فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن) قال المصنف: "بضم الحاء وإسكان الزاي وبفتحهما، ضد السرور"

(2)

، قال ميرك:"الهم: الكرب الذي ينشأ عند ذكر ما يتوقع حصوله مما يتأذى به، والغم: ما يحدث للقلب بسبب ما حصل، والحزن: ما يحصل لفقد ما يشق على المرء فقده، وقيل: الهم هو الذي يذيب الإنسان"

(3)

.

قال الحنفي: "هو عامّ في أمور الدنيا والآخرة"، قلت: لا يتعوذ من هم الآخرة، فإنه محمود، وقد ورد: "من جعل [الهم]

(4)

همًّا واحدًا، همَّ الدين، كفاه الله هم الدنيا والآخرة"

(5)

.

(وأعوذ بك من العجز)

(6)

أي: في تحصيل الكمال، وقال المصنف:

(1)

لم أجده في المطبوع من معجم الطبراني، وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (5788):"ضعيف".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 6/ ب).

(3)

أورده المباركفوري في مرعاة المفاتيح بشرح مشكاة المصابيح (8/ 201).

(4)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د):"الهموم".

(5)

أخرجه ابن ماجه (257)، وابن أبي شيبة في مصنفه (34313) كلاهما عن عبد الله بن مسعود.

(6)

كتب بجوارها في حاشية (ب): "أي: القصور عن فعل الشيء ضد القدرة، فهو ما لا يستطيعه الإنسان، والكسل ترك الشيء والتواني عنه مع كونه يستطيعه".

ص: 477

"العجز: ترك ما يجب فعله بالتسويف"

(1)

، انتهى. وينبغي أن يزيد على ما يجب فعله، أو ينبغي ليشمل العجز عن الفرض وغيره من الطاعة (والكسل) أي: التثاقل في الأعمال، وقال ميرك:"هو التثاقل عن الأمر المحمود مع وجود القدرة عليه"

(2)

.

قلت: ولذا ذم المنافقون بقوله تعالى: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى} [النساء: 142]، فمن كان له كسل من جهة تعب، أو مرض، أو ضعف، أو كبر، فلا يدخل في الذم.

(وأعوذ بك من الجبن) بضم فسكون، وقال المصنف: "هو بضم الجيم وإسكان الباء [وبضمها]

(3)

: صفة الجبان

(4)

"

(5)

، انتهى. وهو الخوف من العدو، بحيث يمنعه عن المحاربة، أو يحمله على الموافقة معه، وهو يشمل العدو [الكافر]

(6)

الصوري [أو]

(7)

المعنوي المعبر عنه بالنفس والشيطان.

(والبخل) بضم فسكون، وفي نسخة بفتحهما، وقرئ بهما في السبعة،

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 6/ ب).

(2)

أورده الشارح في مرقاة المفاتيح (4/ 1698).

(3)

كذا في (ب) و"مفتاح الحصن الحصين"، وفي (أ) و (ج) و (د):"وبضمهما".

(4)

الصحاح (5/ 2090).

(5)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 6/ ب).

(6)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"والكافر".

(7)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"و".

ص: 478

وقال المصنف: "فيه أربع لغات وقرئ بها؛ وهن: ضم الباء والخاء، وفتحهما، وضم الباء، وفتحها؛ مع إسكان الخاء"

(1)

.

(وأعوذ بك من غلبة الدين)

(2)

وفي معناه: "ضَلَع الدين" بفتح الضاد واللام على ما في رواية

(3)

، يعني: ثقله حتى يميل صاحبه عن الاستواء والاستقامة

(4)

، وفي حديث:"الدَّين شين الدِّين"

(5)

، وفي حديث آخر:"لا هَمَّ إلا هَمُّ الدَّين، ولا وجعَ إلا وجعُ الْعَيْن"

(6)

.

(وقهر الرجال) وفي رواية: "غلبة الرجال"

(7)

، وكأنه يريد به هيجان النفس من شدة الشبق، وإضافته إلى المفعول، أي: يغلبهم ذلك، وإلى هذا [سبق]

(8)

فهمي، [ولم]

(9)

أجده في "تفسيره"، كذا قاله

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 6/ ب).

(2)

كتب بجوارها في حاشية (ب): "استيلائه وكثرته".

(3)

الحديث بهذه الرواية أخرجه البخاري (2893، 6363، 5425، 6369) من حديث أنس به مرفوعا، دون تقييد له بالذكر عند الصباح أو المساء.

(4)

انظر غريب الحديث لابن الجوزي (2/ 16).

(5)

أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (31) من حديث معاذ بن جبل.

(6)

أخرجه الطبراني في الأوسط (6064)، وفي الصغير (854).

(7)

الحديث بهذه الرواية أخرجه البخاري (2893، 6363، 5425، 6369) من حديث أنس به مرفوعا، دون تقييد له بالذكر عند الصباح أو المساء.

(8)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (ب):"يسبق".

(9)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (ب):"فلم".

ص: 479

التوربشتي

(1)

.

والأظهر أنه من باب الإضافة إلى الفاعل، والمراد قهر السلاطين، وغلبة الظالمين، وجور المبتدعين، وقال ميرك: "ويحتمل أن يراد بالرجال الدائنون، [و]

(2)

استعاذ من الدين وغلبة الدائنين، مع العجز عن الأداء"

(3)

.

قلت: هما متلازمان غالبًا، والمعنى التأسيسي أولى من المعنى التأكيدي.

(د) أي رواه: أبو داود عن أبي سعيد

(4)

، وفي "الجامع": "رواه أحمد، والشيخان، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، عن أنس

(5)

"

(6)

، ولفظه:"ضَلَع الدَّين"، وروى صاحب "الفردوس" عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(1)

أورده السيوطي في قوت المغتذي (2/ 859)، الشارح في مرقاة المفاتيح (4/ 1698).

(2)

زيادة من (ج) فقط.

(3)

أورده الشارح في مرقاة المفاتيح (4/ 1698).

(4)

أخرجه أبو داود (1555) من حديث أبي سعيد الخدري به مرفوعًا. قال الألباني في "ضعيف سنن أبي داود"(102): "إسناده ضعيف".

(5)

أخرجه أحمد (3/ 159) و (3/ 220) و (3/ 226) و (3/ 240)، والبخاري (2893) و (5425) و (6363، 6369)، ومسلم (2706)، وأبو داود (1536)، والترمذي (3484)، والنسائي في "الصغرى"(5453، 5476)؛ كلهم من حديث أنس مرفوعًا.

(6)

"صحيح الجامع"(: 1289).

ص: 480

"من قال يوم الجمعة: اللهم أغنني بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، سبعين مرة، لم تمرَّ به جمعتان حتى يُغنيه الله تعالى"

(1)

، وأصل الحديث أخرجه أحمد والترمذي

(2)

.

(إلى هنا) أي: من أول العنوان إلى هذا المكان (يقال في الصباح والمساء جميعًا) تأكيد لدفع توهم أن يكون الواو بمعنى "أو".

(ولكن يقال في المساء مكان أصبح) أي: في مكانه، أو بدله (أمسى)،

وكذا مكان "أصبحت""أمسيت"، ومكان "أصبحنا""أمسينا"، (ومكان "هذا اليوم" "هذه الليلة")

(3)

بالرفع على نيابة الفاعل، وفي نسخة: بالجر على الحكاية.

(ومكان التذكير) أي: تذكير الضمير (التأنيث) بالرفع، أي: تأنيث الضمير، (ومكان "النشور" "المصير" كما كتبنا) أي "كتبناه" كما في نسخة (بالحمرة)، كذا في:"أصل الأصيل"، وهو الأصح الواضح، وفي

(1)

أخرجه الديلمي في "الفردوس"(: 1907)، ولكن من حديث ابن عباس.

(2)

أخرجه أحمد (1/ 153)، والترمذي (3563)؛ كلاهما من حديث على بن أبي طالب به مرفوعًا. قال الترمذي:"حسن غريب"، وقال الألباني:"حسن الإسناد".

(3)

كتب بجوارها في حاشية (ب): "يقال: المعنى المراد باليوم في ذكر الصباح، وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والمراد بالليلة في ذكر المساء من الغروب إلى الفجر".

ص: 481

"أصل الجلال": "في الحمرة"، فهي بمعنى الباء كما عدها صاحب "القاموس" من معانيها

(1)

، (فوق كل كلمة).

(ويزاد في المساء فقط):

(أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله)، وهذه الجملة سبقت في أذكار الصباح أيضًا، ولكن خصت هنا بالمساء باعتبار ما بعدها، وهو (أعوذ بالله الذي يمسك السماء) أي: يحفظها ويمنعها (أن تقع) أي: من أن تقع، أو كراهة أن تقع، أو لئلا تقع، أي: تسقط (على الأرض إلا بإذنه) أي: إلا مقرونًا بإرادته وأمره وقدرته، وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال (من شر ما خلق) أي: أوجده على وفق التقدير، وهو شامل لجميع الموجودات (وذرأ) تخصيص بعد تعميم، وكأن الذرء مختص بخلق الذرية، وهي نسل الثقلين على ما في "الصحاح"

(2)

.

(وبرأ)[البرء]

(3)

مخصوص بخلق النسمة، وهي ذات الرُّوح؛ إذ قلما تستعمل في غير الحيوان، فيقال: برء الله النسمة.

هذا، ولعل وجه تخصيص هذا الدعاء بوقت المساء، [بحيث]

(4)

إن

(1)

"القاموس"(4/ 368).

(2)

"الصحاح"(1/ 51)

(3)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د):"والبرء".

(4)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د):"حيث".

ص: 482

الليل أدهى بالويل، وهو وقت تحرك الحشرات، وانتشار الجن في الظلمات، وتردد الفسقة والسرقة في تلك الأوقات.

(ط) أي: رواه الطبراني عن ابن مسعود

(1)

.

(ويزاد في الصباح فقط: أصبحنا وأصبح الملك الله والكبرياء) أي: الذاتية (والعظمة) أي: الصفاتية، ويشير إلى المعنيين حديث:"الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني فيهما قصمته"

(2)

أي: أهلكته.

(والخلق) أي: الموجود التدريجي، (والأمر) أي: المخلوق الآن الموجود بـ "كن"، (والليل والنهار وما يضحى) قال المصنف:"هو بفتح الياء وإسكان الضاد المعجمة وفتح الحاء، أي: يبرز ويظهر"

(3)

، انتهى. وفي نسخة بضم الياء وكسر الحاء، أي: وما يدخل في وقت الضحوة، لكنه غير مناسب لقوله:(فيهما) أي: في الليل والنهار، اللهم إلا أن يتكلف أنه فيهما في الجملة، كما قالوا في قوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ

(1)

لم أجده في "الكبير"، ولكنه في "الأوسط" (4291) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص به مرفوعًا. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/ رقم: 17018): "رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات وفي بعضهم خلاف".

(2)

أخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات"(279) بهذا اللفظ، وهو عند مسلم (2620) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة مرفوعًا، ولكن بلفظ:"الغز إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته".

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 6/ ب).

ص: 483

وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 22]، أي: من البحرين، مع أن اللؤلؤ لا يخرج إلا من المالح، فالمعنى من مجموعهما لا من جميعهما، ثم قوله:(لله) خبر عن المبتدإ السابق، وهو "الكبرياء" وما عطف عليه، فالكل لله (وحده) أي: منفردًا (لا شريك له).

(اللهم اجعل أول هذا النهار صلاحًا) أي: بصرفه في الطاعات، (وأوسطه فلاحًا) أي: ظَفَرًا على حصول الحاجات، (وآخره نجاحًا) أي: نجاة من الآفات، وقال الطيبي

(1)

"أي صلاحًا في ديننا، بأن يصدر منا ما ننخرط به في زمرة الصالحين من عبادك، ثم اشغلنا بقضاء ما ينافي دنيانا لما هو صلاح في ديننا، فأنجحها واجعل خاتمة أمرنا بالفوز بما هو سبب لدخول الجنة، فندرج في سلك من قيل في حقهم: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 5] "

(2)

.

(أسألك خير الدنيا والآخرة يا أرحم الراحمين. مص) أي: رواه ابن أبي شيبة

(3)

عن عبد الرحمن بن أبي أوفى

(4)

بلفظ: "كان

(1)

أورد قول الطيبي الملا على القاري في مرقاة المفاتيح (4/ 1675).

(2)

"الكاشف عن حقائق السنن" للطيبي (6/ 1890 رقم: 2414).

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة (29278) عن عبد الرحمن بن أبزى وليس من طريق أبي الورقاء عن عبد الله بن أبي أوفى؛ والطبراني في الدعاء من طريق أبي الورقاء عن عبد الله بن أبي أوفى (296).

(4)

الحديث عن عبد الله بن أبي أوفى وليس عن عبد الرحمن بن أبي أوفى.

ص: 484

يقول:

"

(1)

، ونقله الإمام النووي في "الأذكار" عن ابن السني

(2)

، وزاد بعد قوله:"أصبح الملك لله" كلمة "والحمد [لله]

(3)

"، وفيه "وما سكن فيهما"، وفيه أيضًا "وأوسطه نجاحًا، وآخره فلاحًا"، ذكره ميرك، وهو المناسب لما شرحه الطيبي، فتدبر.

(لبيك اللهم لبيك) هذه الكلمة وردت بلفظ التثنية المضافة، والمراد بها تكثير الإجابة مرة بعد أخرى، وهي مأخوذة من: لب بالمكان، إذا أقام به، فمعناها أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة، ومجيب لدعوتك

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة (29888) من طريق أبي الورقاء عن عبد الله بن أبي أوفى به مرفوعًا. قال الألباني في "السلسلة الضعيفة"(2048): "ضعيف جدًّا؛ أبو الورقاء: اسمه فائد بن عبد الرحمن الكوفي، قال الحافظ: متروك، اتهموه".

(2)

"الأذكار النووية"(صـ 68)، والحديث أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة"(38) من طريق أبي الورقاء به مرفوعًا.

وأخرجه ابن أبي شيبة (29888)، والطبراني في الدعاء (296).

ونسبه في المطالب (3399)، والإتحاف (6816/ 6085) عبد بن حميد (531).

وقال في المجمع (10/ 115): رواه الطبراني وفيه فائد أبو الورقاء وهو متروك.

قال العراقي أخرجه عبد بن حميد في المنتخب والطبراني من حديث ابن أوفى بالشطر الأول فقط إلى قوله "نجاحا" وإسناده ضعيف (المغني عن حمل الأسفار 1/ 320). وقال الألباني في الضعيفة (2048): ضعيف جدًّا.

(3)

من (أ) و"الأذكار" فقط.

ص: 485

إجابة بعد إجابة

(1)

.

(لبيك وسعديك) قال المصنف

(2)

: "لبيك من التلبية، وهي: إجابة المنادي، أي: إجابتي لك يا رب، ولم يُستعمل إلا بلفظ التثنية في معنى التكرير، أي: إجابة بعد إجابة، وهو منصوب على المصدر بعامل لا يظهر، قالوا معناه: أنا مقيم على طاعتك، وقوله: "وسعديك"، أي: ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة، وإسعادًا بعد إسعاد، ومتابعة بعد متابعة؛ ولهذا ثني، وهو أيضًا من المصادر المنصوبة بفعل لا يظهر في الاستعمال"

(3)

، انتهى.

(والخير) أي: "كله" كما في رواية، والمراد به ضد الشر، والاقتصار من باب الاكتفاء، أو من حسن الأدب في الثناء (في يديك) أي: في تصرفك، وتحت قدرتك، ولعل التثنية للإيماء إلى صفتي الجلال والجمال من القبض والبسط في المآل والحال، على ما هو ظاهر عند أرباب الكمال.

وفي "النهاية"

(4)

: "اليد وقعت في كلام الله تعالى وحديث رسوله صلى الله عليه وسلم مضافة إلى الله على صيغة الواحد والتثنية والجمع، قال الله تعالى: {يَدُ اللَّهِ

(1)

أوردها بتصرف الشارح في مرقاة المفاتيح (2/ 514).

(2)

أورد قول المصنف بتصرف الشارح في مرقاة المفاتيح (2/ 673).

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 6/ ب).

(4)

النهاية (5/ 293)

ص: 486

فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10]، {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75]، {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا} [يس: 71].

ووقع في الحديث: "قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده"

(1)

، فالأكثر من العلماء

(2)

على أن اليد هنا مجاز عن القدرة

(3)

، والعلاقة أن

(1)

أخرجه مسلم (2652) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

(2)

بعدها في (أ) زيادة: "المتأخرين".

(3)

مشى المؤلف على طريقة أهل التأويل والتفويض، وهما مذهبان باطلان، ومذهب السلف إثبات صفات الله كما دلّ عليها الكتاب والسنة وأنها على ظاهرها ويفسرون معناها على ما يليق بجلال الله، ولا يفوّضونها، فلا يجعلون نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يفهم معناه ويجب تفويضه، بل كانوا يعلمون معاني هذه النصوص ويفسّرونها، وإنما يفوّضون علم كيفيتها إلى الله، فمذهب السلف في أسماء الله وصفاته هو إثباتها كما جاءت في الكتاب والسنة من غير تشبيه لها بصفات المخلوقين، ومن غير تعطيل ونفي لها، بل إثبات بلا تشبيه وتنزيه لله بلا تعطيل. كما قال مالك:(الإستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب)، فالسلف متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله.

لقد وصف الله تعالى نفسه بأكمل وأجمل الأوصاف، كما يليق بجلاله وعظمته في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وعقيدة السلف الذين كانوا أعلم الأمة وأعرفها بالله رب العالمين: الإيمان بجميع ذلك على وجه الإجمال فيما جاء مجملًا، وعلى وجه التفصيل فيما جاء مفصلًا، من غير زيادة ولا نقصان، من غير =

ص: 487

القدرة أكثر ما يظهر سلطانها في اليد، وتثنيته عبارة عن القدرة الكاملة، فالغرض من التثنية التنبيه على الكمال، فإن في إعمال اليدين في الأثر زيادةً ليست في واحدة.

وتخصيص خلق آدم بذلك مع أن الكل مخلوق بقدرته تعالى تشريف وتكريم له، كما أضاف الكعبة إلى نفسه في قوله:{أَنْ طَهِرَا بَيْتِيَ} [البقرة: 125] للتشريف، مع أنه تعالى مالك للمخلوقات كلها، والحديث من هذا القبيل،

= صرف له إلى معنى آخر غير الظاهر من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف ولا تكييف، وأن السلف كانوا يعلمون معاني الصفات، ويفرّقون بينها، بحسب ما دلّت عليه مما تعرفه العرب في لسانها، فالعلم غير الحياة، والاتيان غير الإستواء على العرش، واليد غير الوجه، وهكذا سائر الصفات، فكيفية الصفات مجهولة للعباد، ومعاني الصفات معلومة من لسان العرب ولغتها، والإيمان بالصفة كما أخبر الله بها واجب، وفي هذا الحديث إثبات اليد والأصابم لله حقيقة، وإن تأويلها بالنعمة أو القدرة ونحوها باطل.

ومن تأمل جواب الإمام مالك بن أنس رحمه الله لمن سأله عن كيفية الاستواء على العرش، فقال:"الكيف غير معلوم، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، تبينت له حقيقة ما ذكرت.

إن الله خاطبنا بلسان عربي مبين وبما نفهمه ونعقل معناه. والأصل في الكلام أن يجرى على ظاهره، فنحن نعلم معاني صفات الرب سبحانه، ولا نعلم كيفيتها ونقطع بأنها لا تماثل صفات المخلوقين، ولم يزل الأئمة يذكرون كلمة الإمام مالك هذه قاعدة، لأهل السنة في سائر صفات الباري تعالى. والله أعلم.

ص: 488

ومنه تخصيص المؤمنين [بالعبودية]

(1)

في قوله سبحانه: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42] "

(2)

، انتهى.

وذهب بعض السلف إلى أنها من المتشابهات التي يجب الاعتقاد بها مع إثبات التنزيه، وعدم ارتكاب التأويل.

(ومنك) أي: الخير واصل إلينا [منك]

(3)

، (وإليك) أي: راجع حالنا ومآلنا، وقال ميرك:"أي: منك التوفيق على الطاعات، وإليك الالتجاء عن السيئات، أو منك البدء والخلق، وإليك المرجع والمآب".

(اللهم ما قلتُ) أي: أنا (من قول) أي: مقول أَيَّ مقول، و"من" بيانية لـ"ما" الموصولة (أو حلفت) بفتح اللام، أي: أقسمت (من حَلِفٍ) بكسر اللام، وفي نسخة بسكونها، ويجوز حينئذٍ فتح الحاء وكسرها، ففي "القاموس":"حَلَفَ يَحْلِفُ حَلْفًا ويكسر، وحلف ككَتِفٍ ومَحْلوفًا"

(4)

.

(أو نذرت من نَذْرٍ) بسكون الذال، أي: منذور، "يقال: نذرت نذرًا، إذا أوجبتَ على نفسك شيئًا تبرعًا من عبادة، أو صدقة، أو غير ذلك، وقد تكرر في الحديث ذكر النهي عن النذر، وهو تأكيد لأمره، وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه؛ ولذا قال تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ

(1)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د):"بالعبودة".

(2)

بتصرف من كتاب "المواقف" لعضد الدين الأيجي (3/ 153).

(3)

زيادة من (أ) فقط.

(4)

"القاموس المحيط"(3/ 125).

ص: 489

نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} [البقرة: 270].

ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يُفْعَل لكان في ذلك إبطال حكمه وإسقاط لزوم الوفاء به؛ إذ كان بالنهي يصير معصية فلا يلزم، وقد مدح الكلُ الأبرار بقوله:{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} [الإنسان: 7]، وإنما وجه الحديث في النهي أنه قد أعلمهم أن ذلك أَمْر لا يجر لهم في العاجل نفعًا، ولا يصرف عنهم ضرًّا، ولا يرد قضاء، فقال

(1)

: "لا تَنْذِروا على أنكم تدركون بالنذر شيئًا لم يقدره الله لكم أو تصرفون به عنكم ما جرى به القضاء عليكم، فإذا نذرتم ولم تعتقدوا هذا، فاخرجوا عنه بالوفاء، فإن الذي نذرتموه لازم [عليكم]

(2)

"

(3)

، هذا خلاصة ما في "النهاية"، و"أو" للتنويع.

(فمشيئتك) بالهمز، ويجوز التشديد، أي: فإرادتك (بين يدي ذلك) أي: قدام ما ذكر، (كله) تأكيد له، والمعنى: أن كله [متعلق]

(4)

بمشيئتك ومقرون بإرادتك وقدرتك مسبوق بقضائك وقدرك.

(ما شئت) أي: مما ذكر وغيره (كان) أي: وقع، (وما لم تشأ لا يكون) أي: أبدًا، (ولا حول ولا قوة إلا بك) كالتأكيد لما قبله، (إنك على كل

(1)

بتصرف من كتاب "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح"(6/ 2246).

(2)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د) و"النهاية في غريب الحديث":"لكم".

(3)

"النهاية"(5/ 39).

(4)

زيادة من (أ) و (د) فقط، وفي (ج):"معلق".

ص: 490

شيء) [أَيُّ شيءٍ]

(1)

(قدير).

(اللهم ما صليتُ

(2)

من صلاة) أي: ما دعوت من دعوة خير لأحد ممن يستحق، أو لا يستحق (فعلى من صليتَ) أي: فاجعله على من جعلته مستحقًا لها.

(وما لعنت من لعن) أي: وما دعوت من دعوة شر بالبعد عن الرحمة وغيره (فعلى من لعنت) أي: فاجعله على من لعنته أنت، وفي "النهاية":"اللعن الطرد والإبعاد من الله تعالى، ومن الخلق السب والدعاء بالسوء"

(3)

، انتهى.

ويحتمل أن يكون معناه: إنما صليت على من صليت، ولعنت على من لعنت موافقًا لأمرك، ومطابقًا لحكمك، لكن المعنى الأول هو المعول؛ لما رواه الشيخان عن أبي هريرة مرفوعًا:"اللهم إني أتخذ عندك عهدًا أن لا تخلفنيه، فإنما أنا بشر، فأيما مؤمن آذيته، أو شتمته، أو جلدته، أو لعنته، فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة"

(4)

.

(1)

زيادة من (أ) و (ج) و (د) فقط.

(2)

كتب بجوارها في حاشية (ب): "التاء الأولى مضمومة، وفي الثانية مفتوحة في هذا وما بعده، والظاهر أن هذا كلام يراد به

لا الإخبار، أي: أنا تابع لما يرضيك، أحب بحبك، وأبغض ببغضك، وأولي بولايتك، وأعادي بعداوتك".

(3)

"النهاية"(4/ 255)

(4)

أخرجه البخاري (6361)، ومسلم (2601) من حديث أبي هريرة. ورواية =

ص: 491

وفيه دلالة على أن صاحب الحق إذا كان غير معلوم يكتفى بالدعاء والاستغفار له، قال الحنفي:"هذه الجملة دعائية طلبية، كأنه يطلب أن يقع دعاؤه تعالى على من وقع عليه صلاته، وكذا ما بعده"، انتهى. والظاهر أن الأمر بالعكس، على ما هو المتبادر من العبارة، وقدمنا إليه الإشارة.

({أَنْتَ وَلِيِّي}) أي: ربي ومالكي ومنعمي وناصري ({فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا} [يوسف: 101]) يقال

(1)

: توفي فلان وتوفى، إذا مات، فمن قال: توفي، فمعناه قبض وأخذ، ومن قال: توفى فمعناه توفى أجله واستوفى أكله وعمره، وعلى هذا يتوجه قراءة من قرأ:(يتوفون) بفتح الياء، كذا في "تاج البيهقي"، والمعنى: أمتني مسلمًا كاملًا.

({وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101]) أي: بالأنبياء والمرسلين، وقد ذكر ابن النجار أن آخر ما تكلم به أبو بكر رضي الله عنه:"رب توفني مسلمًا، وألحقني بالصالحين"

(2)

، قال المصنف: "هذا حديث جليل جمع أمورًا مهمة، وقد أفرده بعض أصحابنا [الأئمة الحفاظ]

(3)

، وتكلم عليه كلامًا

= عائشة أخرجها مسلم (2600). ورواية جابر بن عبد الله أخرجهما مسلم (2602). ورواية أنس بن مالك أخرجها مسلم (2603).

(1)

أورده الرازي في تفسيره (6/ 465).

(2)

"الدرة الثمينة في أخبار المدينة" لابن النجار (صـ 207).

(3)

كذا في "مفتاح الحصن الحصين" وهو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ، وفي:"بهذه الألفاظ".

ص: 492

حسنًا، وقال: "إنه استثناء لما [يبدو من]

(1)

قائله لما يقع منه في ذلك اليوم من حلف، أو نذر، أو غيره إلا الطلاق"، انتهى، وقد يقال: إنه إذا صح الاستثناء في حلف ونذر فبأيّ دليل يخرج الحلف بالطلاق"

(2)

، انتهى كلام المصنف.

قلت: لعله أراد بقوله: "إلا الطلاق" التعليق به، فإنه لا يرفعه مثل هذا الاستثناء، فمتى وجد الشرط بعد الحلف به يقع الطلاق اتفاقًا، وكذا العتاق ونحوه، وكذا النذر وسائر الأيمانات ملزمة، ولعل الاستثناء الوارد في الدعاء فيما [يقع]

(3)

له الحنث من غير اختيار؛ فيرتفع عنه الإثم دون الحكم المتعلق به، لأن شرط اعتبار الاستثناء الشرعي أن يكون متصلًا بالكلام، كما هو مقرر في أصول الفقه وفروعه

(4)

.

فلو قال: أنت طالق إن شاء الله، بطل، ولا يقع شيء، وهذا لأنه علقه بمشيئة الله تعالى، وهي مما [يتوقف]

(5)

عليه، وأما [لو]

(6)

قال: أنت

(1)

كذا في "مفتاح الحصن الحصين"، وفي (أ) و (ب) و (ج):"يبدأ"، وفي (د):"يبدد".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 6/ ب، 7/ أ).

(3)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج):"وقع".

(4)

أورده بتصرف الشارح في مرقاة المفاتيح (5/ 1735).

(5)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج):"لا توقف"، وفي (د):"لا يوقف".

(6)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د):"إن".

ص: 493

طالق إن شئتِ، فشرط وقوع الطلاق مشيئة منجزة موجودة في الحال، نحو إن قالت:"شئتُ" في جواب "أنت طالق إن شئتِ"، أو معلقة بما قد علم وجوده، نحو: إن قالت: "شت إن [كان]

(1)

السماء فوق الأرض"؛ لأن التعليق بشرط واقع منجز لا بما يعلم بعد، كما لو قالت: "شئتُ إن شئتَ"، فقال: "شئتُ"، لأنه علّق طلاقها بمشيئتها الموجودة المتحققة، وهي علّقت وجود مشيئتها بوجود مشيئته، ولا علم لها بذلك، فمشيئتها لم توجد، فلم يتحقق الشرط.

هذا، وورد في حديثٍ رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن أبي هريرة:"ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ: النكاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ"

(2)

وفي رواية: "والعتاق"

(3)

.

(ي) أي: رواه ابن السني، وفي نسخة بدله رمز الحاكم، وأحمد، والطبراني، عن زيد بن ثابت

(4)

.

(1)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ):"كانت".

(2)

أخرج أبو داود (2188)، والترمذي (1184)، وابن ماجه (2039)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. قال الترمذي:"حسن غريب"، وقال الألباني في "الإرواء" (1826):"حسن".

(3)

أخرجها ابن عدي في "الكامل"(6/ 5) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. قال ابن حجر في "بلوغ المرام"(997): "ضعيف".

(4)

أخرجه أحمد (5/ 191) وابن خزيمة في "التوحيد"(17) والطبراني في =

ص: 494

(اللهم إني أسألك الرضا) بالألف كتابة ولفظًا، ويجوز مده، ففي "الصحاح":"أنه مقصور مصدر محض، والاسم الرضاء الممدود"

(1)

(بعد القضاء) أي: بعد وقوعه، قال المؤلف

(2)

: "وهذا هو الرضا، وما يكون قبل القضاء فذاك عزم على الرضا، والتوكل يكون قبل القضاء، ولكن الرضا يكون بعد القضاء، وليس المراد [الرضا]

(3)

بالذنوب التي قضاها الله تعالى على العبد، بل الرضا بما قضاه الله تعالى به من المصائب وما يبتلى العبد به"

(4)

، انتهى.

وفي عبارته قصور كما لا يخفى، فإن حقه أن يقول: وليس المراد بالرضا الرضا بالذنوب

إلى آخره، لكن الصحيح أن المراد [بالرضا]

(5)

الرضا بالقضاء لا بالمقضي، أو الرضا بالذنوب المقضية من حيث قضاها، لا من حيثما كسبها، وتوضيحه أن المنهي هو الرضا بالذنوب

= "معجمه الكبير"(5/ 120) رقم (4803) ابن السني في "عمل اليوم والليلة"(47) واللفظ له، والحاكم (1/ 516) في إسناده أبو بكر بن أبي مريم الغساني ضعيف قال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (6733):"ضعيف".

(1)

"الصحاح"(6/ 2357).

(2)

أورده الرازي في تفسيره (6/ 465).

(3)

زيادة من (ج) فقط.

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 7/ أ).

(5)

زيادة من (ج) فقط.

ص: 495

أنفسها، وأما الرضا بقضائها أو بها من حيث إنها مقضية فلا، بل يجب الرضا [به و]

(1)

بها من حيث إنها مقضية، والرضا فيه أيضًا حقيقة بالقضاء، فيرجع إلى الأول، فتدبر وتأمل.

وبه يزول الإشكال المشهور، وهو أن الرضا بالقضاء فرض وإيمان، وأن الرضا بالكفر مع أنه من القضاء كفر وعصيان، ثم لا شك أن الرضا قبل القضاء لازم أيضًا، ويطلب منه تعالى التوفيق له، والثبات عليه.

لكن الفرد الأكمل لما كان هو الرضا بعد تحقق القضاء، اقتصر في السؤال عليه كما ورد في الحديث:"إن الصبر عند الصدمة الأولى"

(2)

، وإلا فالصبر لازم في كل حال من أحوال [بلاء]

(3)

المولى.

(وبرد العيش بعد الموت) البرد ضد الحر، ولكثرة الحرارة في بلاد العرب جعلوا كل محبوب عندهم باردًا، والعيش هو الحياة، فالمراد بـ "برد العيش بعد الموت" حسن الحياة وطيبها بعده، وإنما قيده بما بعده لأن ما قبله حياة فانية لا عبرة بطيبها وغيره؛ لقوله تعالى:{وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} [العنكبوت: 64]، {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ

(1)

زيادة من (ج) و (د) فقط.

(2)

أخرجه البخاري (1283، 1302)، ومسلم (926)؛ كلاهما من حديث أنس به مرفوعًا.

(3)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"الإبلاء".

ص: 496

الْغُرُورِ} [الحديد: 20]، ونِعْم ما قال بعض أرباب الحال:

أضغاثُ نَومٍ أو كظل زائلٍ

إنَّ اللَّبيب بمثلها لا يخدعُ

(1)

وقد قال صلى الله عليه وسلم مرة في حال كمال الضيق والهم والقلق -وهو يوم الخندق-، ومرة في حال كمال الكثرة والفرح والاتساع -وهو يوم عرفة في حجة الوداع-:"اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة"

(2)

، إيماء إلى عدم

(1)

أورده ابن حبان في "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء"(صـ 301) من قول عمران بن حطان.

(2)

اللفظ الذي ذكره الشارح هو لحديث يوم الخندق، وقد أخرجه البخاري (2961) و (3796) و (6413)، ومسلم (1805)؛ كلاهما من حديث أنس به مرفوعًا. وأخرجه أيضا البخاري (3797، 4098) و (6414)، ومسلم (1804)؛ كلاهما من حديث سهل بن سعد به مرفوعًا.

وأما حديث يوم عرفة فأخرجه ابن الجارود في "المنتقى"(470)، وابن خزيمة (2831)، والطبراني في "الأوسط"(5419)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 465)؛ كلهم من حديث ابن عباس مرفوعًا بلفظ:"إِنَّمَا الْخَيْر خير الْآخِرَة". قال الحاكم: "صحيح، لم يخرجاه"، وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة"(2146).

وأخرجه الشافعي (587) والبيهقي في "السنن الكبرى"(5/ 45) و (7/ 48) من حديث مجاهد، وأخرجه أحمد في "الزهد" (صـ 37) وابن أبي شيبة في "مصنفه" (16054) و (35504) من حديث عبد الله بن الحارث؛ كلاهما مرسلًا بلفظ:"لبيْك إِن الْعَيْش عَيْش الْآخِرَة".

ص: 497

اعتبار محنة الدنيا ونعمتها، فإن الدنيا كما ورد:"سجن المؤمن"

(1)

.

(ولذة النظر إلى وجهك) أي: إلى ذاتك يوم لقائك، وقيد النظر باللذة؛ لأن النظر إلى الله تعالى، إما نظر هيبة وجلال في عَرَصات القيامة، وإما نظر لطف وجمال في الجنة ليؤذن بأن المطلوب هذا

(2)

، قيل: "ويمكن أن يقال: النظر إلى الله تعالى إما مقارن للندامة والاستحياء عن المعاصي الواقعة عن [النظر]

(3)

في الدنيا، وإما غير مقارن لها، بل هو مقارن للانشراح والابتهاج، واللذة إنما هي في الثاني، [فالتقييد]

(4)

بها لإفادة ذلك".

(وشوقًا إلى لقائك) أي: إلى وصولك، أو إلى رؤيتك (في غير ضراء مضرة) بصيغة الفاعل، والضراء: الحالة التي تضر، وهي نقيض السراء، والجار والمجرور متعلق بقوله:"وشوقًا"، أي: أسألك شوقًا لا يؤثر في سيري وسلوكي؛ بحيث يمنعني عن ذلك، وإن ضرني مضرةً ما، كذا قيل، فالنفي متوجه إلى القيد، والأظهر أن المعنى: وشوقًا إلى لقائك في حالة غير ضراء مضرة لي أو لأتباعي، فالنفي متوجه إلى القيد والمقيدِ جميعًا، (ولا فتنة مضلة) أي: ولا محنة وبلية تصير سبب إضلالي، أو

(1)

أخرجه مسلم (2956) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

(2)

أورده الشارح في مرقاة المفاتيح (5/ 1735)، وعزى هذا القول للطيبي.

(3)

كذا في (ب) و (د)، وفي (أ) و (ج):"الناظر".

(4)

كذا في (ب) و (د)، وفي (أ):"فالتقيد"، وفي (ج):"فالتقدير".

ص: 498

إضلال غيري.

(وأعوذ بك أن أَظْلِمَ) بصيغة المعلوم (أو أُظْلَمَ) على بناء المفعول، كقوله تعالى:{لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 279]، وقدم المعلوم على المجهول، فإن من المعلوم أن التعوذ به أهم؛ ولذا قال صلى الله عليه وسلم:"كن عبد الله المظلوم، ولا تكن عبد الله الظالم"

(1)

، و"أو" للتنويع كما فيما بعده.

(أو أعتدي) أي: أتجاوز عن الحد في حق نفسي، أو حق غيري، (أو يعتدى على)، فهو تأكيد لما قبله؛ لأن الظلم أيضًا يكون قاصرًا [و]

(2)

متعديًا، ويمكن حمل أحدهما على النفس، والآخر على العَرَض.

(أو [أكسب]

(3)

خطيئة) بالهمز، ويجوز تشديدها، والمراد بها هنا ضد العمد؛ لقوله:(أو [ذنبًا])

(4)

، ويمكن أن تكون الخطيئة كل معصية لتقييد الذنب بقوله:(لا تغفره)، وهو الشرك؛ لقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]، أو المراد به غير الكفر من الذنب الذي تعلق به المشيئة أن لا يغفره، وفي نسخة: "أو

(1)

أورده السخاوي في "المقاصد الحسنة"(846)، وقال أحمد بن عبد الكريم الغزي في "الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث" (365):"لم يرد".

(2)

كذا في (ج)، وفي (أ) و (ب) و (د):"أو".

(3)

كذا في (أ) و (ج) و (د) و (م)، وفي (ب):"أَكُبَّ عَلَى".

(4)

كذا في (أ) و (ج) و (د) و (م)، وفي (ب):"ذنبٍ".

ص: 499

أكسب خطيئة محبطة"

(1)

وهي إما الكفر، فإنه يحبط الأعمال ولو حصل الرجوع بالإيمان عندنا، حتى يجب عليه إعادة فرض العمر كالحج، وإما المعصية المحبطة لثواب الأعمال السابقة، كالندامة على فعل الطاعة والعبادة، وكالمن والأذى بعد الصدقة والعطية.

والحاصل: أن كلمة "أو" تفيد أن العوذ من كل واحدٍ من هذه الأمور [يعني]

(2)

أن المطلوب هو أن لا يقع شيء منها، كقوله تعالى:{وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} [الإنسان: 24] أي: لا تطع أحدًا منهما، وهذا المقصود لا يحصل من كلمة الواو في الآية [خلاف]

(3)

الحديث، فإنه لو أُتي بالواو الدالة على إفادة الجمعية، لحصل المراد، لكن الإتيان بـ "أو" أدق، حيث يدل على أن كل واحد من هذه الأمور يستحق أن يعاذ بالله منه، وينبغي أن يلاذ به منه جمعًا أو انفرادًا.

(اللهم فاطر السماوات والأرض) أي: مبدعهما، (عالم الغيب والشهادة) أي: السر والعلانية، [و]

(4)

نصبه كما قبله على أنه صفة المنادى، أو منادى حذف حرف ندائه، وكذا قوله:(ذا الجلال والإكرام) أي: صاحب العظمة والكرامة.

(1)

وهي موافقة لرواية أحمد، والطبراني.

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج)، وفي (د):"بمعنى".

(3)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د):"بخلاف".

(4)

زيادة من (أ) و (ب).

ص: 500

(فإني أعهد

(1)

إليك في هذه الحياة الدنيا، وأُشْهِدُك) بضم الهمزة وكسر الهاء، (وكفى بك شهيدًا) الباء زائدة في الفاعل، وأصله: كفيت شهيدًا، كقوله تعالى:{وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [النساء: 79]، ويمكن أن يقال: الباء لتضمن "كفى" معنى "كَفَلَ"، ولعله وجه حسن، وتوجيه مستحسن.

(أني) أي: بأني (أَشهَد) بفتح الهمزة والهاء (أن لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، لك الملك، ولك الحمد، وأنت على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدًا عبدك ورسولك، وأشهد أن وعدك حق) أي: ثابت، وكذا وعيده حق، فهو إما من باب الاكتفاء، أو من إطلاق الوعد على المعنى الأعم الشامل للوعد والوعيد، فإنه قد يطلق على الوعيد أيضًا، قال تعالى:{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ} ، وليس كما زعم بعضهم أنه يجوز الخلف في وعيده سبحانه، وقد حققناه في رسالة سميناها بـ "القول السديد في خلف الوعيد".

(ولقاءك) أي: الحضور لديك، أو النظر إليك (حق، والساعةَ) بالنصب، ويجوز رفعها، أي: القيامة، وسميت ساعة لوقوعها بغتة، أو لكونها -مع طولها قدر خمسين ألف سنة- ساعة من أيام الآخرة،

(1)

كتب بجوارها في حاشية (ب): "قوله أعهد، أي: أقدم، أي: أقدم إليك في هذه الحياة الدنيا أني أشهد، أي: شهادة ويكون قوله: "في هذه" متعلق بـ "أعهد". وقيل: "حال من ضمير المتكلم في

".

ص: 501

[أو]

(1)

تصير ساعة على أهل الطاعة، أو سميت لطولها ساعة تسمية بالأضداد؛ كإطلاق الزنجي على الكافور

(2)

(آتية لا ريب فيها) عند أرباب الإيمان، وأصحاب الإيقان، أو المعنى: لا ترتابوا فيها، فهو نفي معناه نهي.

(وأنك تبعث) أي: تحيي (من في القبور) أي: من هو في حال البرزخ، وهو الحالة بين الدنيا والآخرة، ولذا قيل: إنه آخر منازل الدنيا، وأول منازل العقبى.

(وأنك) أي: وأشهد أنك (إِنْ تَكِلْني إلى نفسي) أي: [إن]

(3)

تتركني إليها، وتخلني معها (تكلني إلى ضَعف) بفتح الضاد، ويضم كما في نسخة، وفي نسخة:"إلى ضَيْعة"

(4)

، أي: ضياع وخسار وبطلان، (وعَوْرة) وهي كل عيب يستحى منه، (وذنب) أي: عمد (وخطيئة) بهمز، وقد تشدد، أي: خطإ، والمراد بالوكول إلى النفس هنا أن ينقطع عن العبد نظر عناية الرب، لا أن يترك أمره إلى نفسه بالكلية، وينقطع رابطة العقد بينهما بالمرة؛ لأنه لو كان كذلك لكان الممكن معدومًا، مطلقًا لا مقيدًا بكونه مع ضعف وعورة وذنب وخطيئة.

(وأني) بالفتح، أي: وأشهد أني، وفي نسخة بالكسر، أي: والحال أني

(1)

زيا دة من (أ) و (ب) و (د).

(2)

أورده بتصرف بدر الدين العيني في عمدة القاري (1/ 282).

(3)

زيادة من (د) فقط.

(4)

وهي موافقة لرواية أحمد، والطبراني.

ص: 502

(لا أَثِقُ) أي: لا أتعلق في جميع حالي (إلا برحمتك) أي: بإنعامك وإحسانك، (فاغفر لي ذنوبي كلَّها، إنه) بالكسر استئناف فيه معنى التعليل، وفي نسخة بالفتح، أي: لأنه (لا يغفر الذنوب) أي القابلة للغفران (إلا أنت).

(وتُبْ عليَّ) أي: وفقني للتوبة، وثبتني عليها، وارجع عليّ بالرحمة، وتفضل عليّ بالعناية، (إِنَّك)[بالكسر ويفتح]

(1)

(أنت التواب) أي: لمن تاب (الرحيم) أي: لمن آبَ، فالتوبة هي الرجوع [عن]

(2)

المعصية، والأوبة من الغفلة، ومنه قوله تعالى في حق بعض الأنبياء:{إنه أوَّاب} ، ومنه صلاة الأوابين، وهي إحياء ما بين العشاءين.

(مس، أ، ط) أي رواه

(3)

: الحاكم، وأحمد، والطبراني، عن زيد بن ثابت:"أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه وعلمه وأمره أن يتعاهده"

(4)

.

(فإذا طَلَعَت الشمس قال: الحمد للَّه الذي أقالنا يومنا هذا) أي: رده

(1)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ):"بكسر همزة وتفتح".

(2)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د):"من".

(3)

أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 113) وقال: رواه أحمد، والطبراني، وأحد إسنادي الطبراني رجاله وثقوا، وفي بقية الأسانيد أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف.

(4)

أخرجه الحاكم (1/ 516)، وأحمد (5/ 191)، والطبراني في "الكبير" (5/ 120) رقم (4803)؛ كلهم من حديث زيد بن ثابت به مرفوعًا. قال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (6733):"ضعيف".

ص: 503

إلينا، ووهبه لنا، ذكره ميرك، [والأظهر]

(1)

أن معناه: أقال عثراتنا في يومنا هذا، ويؤيده قول المصنف:"أقالنا يومنا وأقالنا فيه عثراتنا، أي: تجاوز عنها من الإقالة"

(2)

.

(ولم يُهْلِكْنا بذنوبنا) فيه إيماء إلى قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى} [الأنعام: 60] الآية. (مَوْ مُ) أي: رواه مسلم موقوفًا من قول عبد الله بن مسعود

(3)

.

(الحمد لله الذي وهبنا) أي: أعطانا تفضلًا (هذا اليوم، وأقالنا) أي: سامحنا وعفا عنا (فيه) أي: في هذا اليوم (عَثَراتِنا) بفتح العين والمثلثة، أي: زلاتنا وسيئاتنا.

والإقالة تتعدى إلى مفعولٍ تارة، وإلى مفعولين أخرى، ففي "القاموس":"أقال الله عثرتك، وأقالكها، وأصل استعماله في البيع، يقال: قِلته البيع بالكسر وأقلته، أي: فسخته"

(4)

، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"من أقال نادمًا أقال الله عثرته يوم القيامة"

(5)

.

(1)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"والظاهر".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 7/ أ).

(3)

أخرجه مسلم (822) من حديث عبد الله بن مسعود موقوفًا.

(4)

"القاموس"(4/ 42).

(5)

أخرجه أبو داود (3460)، إلا أنه لم يقل يوم القيامة، وابن ماجه (2199) =

ص: 504

(ولم يعذبنا بالنار) أي: لتلك العثرات في الدنيا، فنرجو أن لا يعذبنا بالنار أيضًا في العقبى. (مو ط ي) أي رواه

(1)

: الطبراني، وابن السني، من قوله موقوفًا أيضًا

(2)

.

(ثم يصلي ركعتين. ت، ط) أي: رواه الترمذي من حديث أنس

(3)

، وتقدم لفظه في فضل الذكر، ورواه الطبراني من حديث أبي أمامة،

= وإسناده صحيح. كما قال البوصيري في الزوائد (3/ 18)، وانظر الإرواء (1334).

(1)

أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 118) وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.

(2)

أخرجه الطبراني في "الكبير"(9/ 182) رقم (8901)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"(148)؛ كلاهما من حديث عبد الله بن مسعود موقوفًا.

(3)

من حديث أبي ظلال عن أنس ولفظه: "من صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت. له كأجر حجة وعمرة"، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تامة تامة تامة"؛ وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، وقال: سألت محمد بن إسماعيل: عن أبي ظلال؟ فقال: هو مقارب الحديث، قال محمد: واسمه هلال.

قد ذكره المنذري في الترغيب (1/ 164 - 165) وذكر له شواهد يرتقي بها الحديث إلى درجة الحسن -إن شاء الله-. وأبو ظلال: قال الحافظ: بكسر الظاء وتخفيف اللام اسمه هلال، ضعفوه، ولم أر فيه أحسن مما نقل الترمذي عن البخاري أنه سأل عنه؟ فقال: مقارب الحديث. نتائج الأفكار (2/ 302)، وقال في التقريب: ضعيف (7399).

ص: 505

ولفظه: "من صلى صلاة الغداة في جماعة، ثم جلس يذكر الله حتى تطلُعَ الشمس، ثم قام فصلى ركعتين، انقلب بأجر حجة وعمرة

(1)

"

(2)

.

(عن الله تعالى: ابنَ آدمَ) أي: يا ابن آدم، (اركع لي) أي: صلِّ لأجلي (أربع ركعات، أول النهار) قال المؤلف: "ذهب بعض العلماء إلى أنها سنة الصبح وفرضها، والظاهر أنها غيرهما، فإنها بعد طلوع الشمس وارتفاعها"

(3)

، انتهى.

وقال صاحب "تخريج المصابيح": "حمل بعض العلماء هذه الركعات على صلاة الضحى؛ ولذا أخرج أبو داود والترمذي هذا الحديث في باب الضحى، وقال بعضهم: يقع النهار عند أكثرهم على ما بين طلوع الشمس وغروبها"

(4)

.

قلت: التحقيق أن النهار الشرعي هو ما بين الصبح والمغرب، وأن إطلاق النهار بالمعنى الثاني هو المعنى العرفي المصطلح عليه عن أرباب

(1)

أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 104) وقال: رواه الطبراني، وإسناده جيد.

(2)

أخرجه الترمذي (586) -واللفظ له- من حديث أنس به مرفوعًا، وأخرجه الطبراني في الكبير" (8/ 209) رقم (7741، 7663) من حديث أبي أمامة مرفوعًا قال الترمذي: "حسن غريب"، وقال الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (464): "حسن لغيره".

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 7/ أ).

(4)

أورده الشارح في مرقاة المفاتيح (3/ 980).

ص: 506

الهيئة

(1)

، فالأولى حمل النهار على المعنى الشرعي، حيث ورد على لسان صاحب الشرع، ولا سبب للعدول عنه، ثم يحتمل أن يكون المراد سنة الفجر وفرضه، أو صلاة الإشراق التي هي أول صلاة الضحى، والجمع هو الأكمل، والأقل هو العمل بالأول، فتأمل.

(أَكفِكَ) بفتح الهمزة وكسر الكاف

(2)

، أي: أرفع شغلك وحوائجك، وأدفع عنك ما تكرهه بعد صلاتك (آخرَه) أي: إلى آخر النهار، والمعنى: أفرغ بالك في آخره بقضاء حوائجك، حيث قمت بخدمتنا في أوله، فمن كان لله كان الله له، وفيه إيماء إلى [أن]

(3)

من صرف شبابه في طاعة الله، قضى الله حاجاته في مشيخته وآخر عمره، وكذا من قام بعبادته سبحانه في الدنيا، كفاه الله مهماته في العقبى.

(ت، د، س) أي: رواه الترمذي

(4)

من حديث أبي

(1)

علم الهيئة هو علم الفلك والكواكب، والنظرِ في حال الأجرام السماوية وأبعادها، وعلى رأس أربابِهِ وأصحابِهِ بطليموس، وكلُّ مَن جاء بعده إنما حاول شرح كتابه.

(2)

هكذا ورد في المخطوط، والصواب والله أعلم: بفتح الهمزة وسكون الكاف وكسر الفاء (أَكْفِكَ آخِرَهُ).

(3)

زيادة من (ج) فقط.

(4)

رواه الترمذي من حديث أبي الدرداء وأبي ذر (475) وقال: هذا حديث حسنٌ غريب.

ص: 507

الدرداء

(1)

، وأبو داود، والنسائي، من حديث نعيم بن همار الغطفاني

(2)

، وفي نسخة نسب النسائي إلى أبي ذر

(3)

.

(1)

أخرجه الترمذي (475) -واللفظ له- من حديث أبي الدرداء وأبي ذر به مرفوعًا. قال الألباني في "الإرواء"(465): "صحيح".

(2)

أخرجه أبو داود (1283)، والنسائي في "الكبرى"(466، 467، 468)؛ كلاهما من حديث نُعيم بن هَمَّار مرفوعًا.

(3)

لم أقف على هذه النسخة، ولكن الذي وقفت عليه رواية الترمذي عن أبي الدرداء وأبي ذر.

ص: 508

(ما يقال في النهار)

كان الأولى أن يقول المؤلف: "في اليوم"، بدل "في النهار" ليوافق ألفاظ الأحاديث الواردة فيه.

(لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، مئة مرة. خ، م، ت، س، ق، مص) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة؛ كلهم عن أبي هريرة مرفوعًا:"من قالها في يوم مئة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكُتبت له مئة حسنة، ومُحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأتِ أحد بأفضل مما جاء به إلا أحدٌ عَمِل أكثر من ذلك"

(1)

.

(مئتي مرة. أ) أي: رواه أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بإسناد جيد، ورواه الطبراني أيضًا، ولم يذكره المؤلف، ولفظ الحديث عندهما

(2)

: "من

(1)

أخرجه البخاري (3293) واللفظ له و (6403)، ومسلم (2691)، والترمذي (3468)، والنسائي في "الكبرى"(9769)، وابن ماجه (3798)، وابن أبي شيبة في "مصنفه"(30090)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

(2)

أورده الهيثمي في مجمع الفوائد (10/ 86) وقال: رواه أحمد، والطبراني، إلا أنه قال:"كل يوم". ورجال أحمد ثقات، وفي رجال الطبراني من لم أعرفه.

ص: 509

قال: لا إله إلا الله

" إلى آخره "مئتي مرة في يوم، لم يسبقه أحد كان قبله، ولم يُدركه أحد بعده إلا بأفضل من عمله"

(1)

.

(سبحان الله) في "النهاية": "سبحته أسبحه تسبيحًا وسبحانًا"

(2)

، وقال المصنف:"أي تنزيه الله، وهو نصب على المصدر، كأنه قال: أنزه الله وأبرئه من السوء والنقائص، وقيل: "معناه: التسارع إليه، والخفة في طاعته"، وقيل: "معناه: السرعة إلى هذه اللفظة"، والظاهر أنها لفظة أنزلها الله تعالى تقتضي غاية التعظيم له، أمرنا بقوله، وهو أعلم بحقيقة معناه، [وهذا]

(3)

يطلق على غيره من أنواع الذكر، كالتمجيد والتحميد وغيرهما، وعلى صلاة النافلة"

(4)

، انتهى.

والظاهر أن "سبحان" للتنزيه على ما عليه جمهور أرباب اللغة وأصحاب التفسير والحديث، وقد يطلق على معنى [صلاةِ]

(5)

فريضةٍ، كما سبق في {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ} [الروم: 17]، أو نافلة، وهو

(1)

أخرجه أحمد (2/ 185) و (2/ 214) واللفظ له، والطبراني في "الدعاء" (334)؛ كلاهما من حديث عبد الله بن عمرو به مرفوعًا. قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" (6/ رقم: 2762): "حسن".

(2)

"النهاية"(2/ 331).

(3)

في "مفتاح الحصن الحصين": "ولهذا".

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 7/ أ).

(5)

كذا في (ج)، وفي (أ) و (ب):"الصلاة"، وليست في (د).

ص: 510

كثير الوقوع، ولعله من باب إطلاق الجزء على الكل، فإن من جملة أذكار الصلاة التسبيح، أو لأن الصلاة لله تعالى تشتمل على معنى التنزيه، وأما إطلاقه على سائر الأذكار كالتحميد وغيره، فغير ظاهر، والله أعلم.

(وبحمده) قال المؤلف: "أي: وبحمده سبحت وقيل: أبتدي"

(1)

انتهى. ومعنى الأول وسبحت مقرونًا بحمده أو بحمده، أي: بنعمته

(2)

الموجبة لحمده سبحته، ومعنى الثاني: بحمده أبتدئ في التسبيح؛ لأن بيان الصفات الثبوتية الدالة على الكمال [أعم]

(3)

من النعوت السلبية للنقصان والزوال؛ إذ الكمال مستلزم لنفي النقصان، بخلاف العكس، فإنه قد ينفي صفات النقص عن شيء ولم يوجد فيه نعوت الكمال، والحاصل: أن الجمع بينهما أتم، والله أعلم.

وقال الحنفي: "ويمكن أن يقال: معناه: وهو -أي التسبيح- ملابس بحمده، أو أنا ملابس بحمده، والجملة حالية من فاعل "أسبح"، يعني: أنزهه عن النقائص حال كوني أو حال كون تسبيحي إياه مقرونًا وملابسًا بحمده تعالى".

أقول: والظاهر أن يقال: حال كون تسبيحه سبحانه مقارنًا بحمده تعالى.

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 7/ أ).

(2)

بعدها في (ج) زيادة: "الموجودة".

(3)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د):"أهم".

ص: 511

(مئة مرة. م، ت، س، مص) أي رواه: مسلم

(1)

، والترمذي

(2)

، والنسائي، وابن أبي شيبة؛ كلهم عن أبي هريرة

(3)

.

(من استعاذ بالله) الظاهر أنه بأي لفظ كان، فإن الاستعاذة طلب العوذ وسؤال اللوذ، فيجوز له أن يقول: أعوذ بالله، أو أستعيذ بالله، بل وأن يقول: ألتجئ إلى الله وألوذ إليه، ونحو ذلك مما يؤدي هذا المعنى، وإن كان بلفظ التعوذ أولى، وإنما الخلاف في لفظ التعوذ عند القراءة، والأصح عند الجمهور هو اللفظ المشهور، واختار بعض علمائنا الحنفية لفظ أستعيذ.

وقال المؤلف: "أي قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا يصح "أستعيذ"؛ [لما]

(4)

بيَّنا في النشر"

(5)

، انتهى.

(1)

أخرجه مسلم (2691) بلفظ: "

مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر"؛ و (2692) بلفظ: " مائة مرة، لم يأت أحد يوم القيامة، بأفضل مما جاء به، إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه".

(2)

أخرجه الترمذي (3466) بلفظ: "

مائة مرة غفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر".

(3)

أخرجه مسلم (2691، 2692)، والترمذي (3466، 3468، 3469)، والنسائي في "الكبرى"(10327)، وابن أبي شيبة في "مصنفه"(30030)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. والحديث في "صحيح البخاري"(6405) من حديث أبي هريرة أيضًا ولم يرمز إليه الماتن [ابن الجزري].

(4)

كذا في (أ) و (ب) و (ج)، وفي (د) و"مفتاح الحصن الحصين":"كما".

(5)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 7/ أ).

ص: 512

وفيه أنه لا دلالة في الحديث على الإتيان بكمال التعوذ، بل يجوز الاقتصار على [قوله]

(1)

: أعوذ بالله من الشيطان؛ لقوله: (في اليوم عشر مرات من الشيطان [الرجيم])

(2)

والمراد به: رئيس الشياطين المسمى بـ "إبليس"؛ لكون شره أكثر، وإضلاله أكبر، ولا يبعد أن يراد به الجنس.

(وكل الله) أي: "به" على ما في نسخة صحيحة، أي: قدر الله له (مَلَكًا يَرُدُّ عنه الشياطين) أي: يصرف عنه وساوسهم، فإنهم أتباع لكبيرهم، فإذا صرف صرفوا، وقد يقال: إن هذا يقوي القول بأن اللام في الشيطان للجنس. (ص) أي: رواه أبو يعلى عن أنس

(3)

.

(من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كل يوم سبعًا وعشرين مرة، أو خمسًا وعشرين مرة، أَحَدَ العددين) الظاهر أن هذا من كلام الراوي إشعارًا بالشك في الرواية، لا أنه مخير بين العددين، (كان من الذين يُستجاب لهم) أي: دعاؤهم، (ويُرزق بهم) أي: ومن الذين يُرزق ببركتهم (أهلُ الأرض) من الأصفياء والأولياء. (ط) أي: رواه الطبراني من حديث أبي الدرداء

(4)

.

(1)

زيا دة من (أ) و (ب) فقط.

(2)

زيادة من (أ) و (م) فقط.

(3)

أخرجه أبو يعلى (4100) من حديث أنس به مرفوعًا. قال البوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة"(6302): "إسناد ضعيف".

(4)

لم أجده في المطبوع من معجم الطبراني، ولكن الهيثمي قد عزا الحديث له كما =

ص: 513

وفي "الجامع": "رواه الطبراني والضياء عن أبي الدرداء مرفوعًا بلفظ: "من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كل يوم سبعًا وعشرين مرة، كان من الذين يُستجاب لهم، ويُرزق بهم أهلُ الأرض""

(1)

، ورواه الطبراني عن عبادة مرفوعًا:"من استغفر للمؤمنين والمؤمنات، كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة"

(2)

.

(أيعْجِزُ) بكسر الجيم، ويجوز فتحه، أي: ألم يستطع ولم يقدر (أحدكم أن يكسِبَ) أي: يعمل (كل يوم ألف حسنة يسبح) وفي رواية "المشكاة" زيادة: "فسأل سائل من جلسائه: كيف يكسب أحدنا كل يوم ألف حسنة؟ قال: يسبح"

(3)

(مئة تسبيحة، فيكتب له ألف حسنة)، أي: على تقدير أقل المضاعفة الموعودة بقوله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ

= في مجمع الزوائد (10/ 210)، وقال: وفيه عثمان بن أبي العاتكة وقال فيه: حدثت عن أم الدرداء، وعثمان هذا وثقه غير واحد، وضعفه الجمهور، وبقية رجاله المسمين ثقات. وقال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (5974):"منكر".

(1)

"ضعيف الجامع"(5404)، وليس فيه الضياء.

(2)

أخرجه الطبراني في "مسند الشاميين"(2155) من حديث عبادة بن الصامت به مرفوعًا. وعزاه الهيثمي للطبراني في مجمع الزوائد (10/ 210) وقال: وإسناده: جيد؛ وقال الألباني في "صحيح الجامع"(6026): "حسن".

(3)

"مشكاة المصابيح" للتبريزي (2299).

ص: 514

أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160]

(1)

، وإلا فالله تعالى يضاعف لمن يشاء بسبب الأزمنة الشريفة، والأمكنة اللطيفة، والأحوال المنيفة، والله واسع عليم، وذو الفضل العظيم، قال تعالى:{وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40].

(أو يحط) بصيغة المجهول. (م) أي: رواه مسلم

(2)

.

و"أو" يتوهم أنه للشك، وليس كذلك، بل إنها للتنويع في الرواية، أو في اختلاف الحالة، فالكتابة للمتقي، والحط للمخطئ، أو بمعنى الواو الموضوعة للجمع، كما يدل عليه قوله: (ويحط

(3)

. ت، س، حب) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن حبان

(4)

. وقال النووي في "الأذكار": "كذا في عامة نسخ مسلم: "أو يحط"، وفي بعضها: "ويحط" بالواو"

(5)

، انتهى. فكان اللائق للمصنف أن يذكر رمز مسلم أيضًا هنا.

وقوله: (عنه) متعلق بـ "يحط" على الروايتين، والمعنى: يُوضَع عنه

(1)

أورده الملا علي القاري في مرقاة المفاتيح (1594).

(2)

أخرجه مسلم (2698) من حديث سعد بن أبي وقاص به مرفوعًا.

(3)

أورده بتعميم واستفاضة الملا علي القاري في مرقاة المفاتيح (7/ 456).

(4)

أخرجه الترمذي (3463)، والنسائي في "الكبرى"(9905، 9906)، وابن حبان (825) ولفظه:"وَيحُطُّ"؛ كلهم من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا، ولفظ الترمذي والنسائي:"وَتُحَطُّ". قال الترمذي: "حسن صحيح".

(5)

"الأذكار النووية"(صـ 13).

ص: 515

(ألفُ خطيئة)؛ لقوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114]، وفيه إشعار بأن الحسنات المتضاعفة أيضًا تمحو السيئات.

(م، ت، س، حب) أي: روى الحديث بكماله مسلم على ما سبق فيه من الخلاف، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، بلفظ:"ويحط"، مع الاتفاق على باقي الألفاظ؛ كلهم من حديث سعد بن أبي وقاص.

(وليقل عند أذان المغرب) ضبط "ليُقَل" مجهولًا، وهو الأظهر، ومعلومًا، فالفاعل السالك، أو المريد، أو الداعي، ويجوز كسر لام الأمر وسكونه.

(اللهم هذا) أي: هذا الوقت، أو هذا النداء (إقبالُ ليلِك) بكسر الهمزة، أي: وقت إقبال ليلك وإتيانه، (وإدبار نهارك)، قال المؤلف:"بكسر الهمزة، أي: ذهابه"

(1)

، انتهى.

والمعنى: أن هذا وقت أول الليل وآخر النهار، فيكون كالبرزخ

(2)

، حيث إنه أول منزل من منازل الآخرة، وآخر منزل من منازل الدنيا، لكن لا يخفى أن إطلاق الآخر عليهما في الموضعين لا يخلو عن مسامحة من مجاز مشارفة.

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 7/ أ).

(2)

البرزخ: ما بين كل شيئين من حاجز، وهو أيضا ما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث، فمن مات فقد دخل البرزخ. انظر النهاية (1/ 118)، ومختار الصحاح (1/ 32).

ص: 516

(وأصوات دعاتِك) جمع داعٍ، كقضاة جمع قاضٍ، وهم المؤذنون، وأصواتهم: أصوات أذانهم، [أي]

(1)

: هذا الوقت وقت أصواتهم، أو هذا النداء أصواتهم.

(فاغفر لي) أي: ببركة هذا الوقت الشريف، والنداء المنيف، وقال الطيبي:"أي: هذا وقت إقبال ليلك، ووقت إدبار نهارك، والمشار إليه ما في الذهن، وهو مبهم مفسر بالخبر، وقوله: "وإدبار نهارك وأصوات دعاتك" عطف على الخبر، وقوله: "فاغفر لي" مرتب [عليها]

(2)

بالفاء، نَبَّه على صدور فرطات من القائل في نهاره السابق، والثاني كالوسيلة لاشتماله على ذكر الله والدعوة إلى طاعته لطلب الغفران"

(3)

.

(د، ت، مس) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والحاكم؛ كلهم من حديث أم سلمة، قالت: "علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقول في أذان المغرب: اللهم هذا إقبال ليلك

" إلى آخره

(4)

.

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"إذ".

(2)

كذا في (ج) و"الكاشف عن حقائق السنن"، وفي (أ) و (ب) و (د):"عليهما".

(3)

"الكاشف عن حقائق السنن" للطيبي (3/ 918).

(4)

أخرجه أبو داود (531)، والترمذي (3589)، والحاكم (1/ 199) واللفظ له؛ كلهم من حديث أم سلمة مرفوعًا. قال الترمذي:"حديث غريب"، والحديث ضعفه النووي في المجموع (3/ 123) قال: وفي إسناده مجهول. وقال الحافظ: هذا حديث غريب. "نتائج الأفكار"(3/ 11) وضعفه الألباني في "ضعيف سنن الترمذي"(724).

ص: 517

والحكمة في الدعاء بهذا في هذا الوقت أن النهار لما كان للمعاش والاختلاط لا يؤمن أن يقع فيه تقصير، كذا ذكره ميرك عن "التصحيح"، ثم قال:"وصححه الحاكم، وأقره الذهبي، لكن ذكره النووي في الأحاديث الضعيفة، بناءً على كلام الترمذي من أنه غريب لا نعرفه إلا من حديث حفصة بنت أبي كثير عن أبيها، ولا نعرفها ولا أباها"، انتهى.

وقد يقال: لا يدل هذا على [ضعفها]

(1)

؛ فإن الغرابة تشمل الضعيف والصحيح والحسن، والأصل في الراوي التعديل؛ ولذا يقبل الجرح المجرد، مع أن الظاهر من تصحيح الحاكم وتقرير الذهبي أنهما عرفاها وأباها، أو طريق الحاكم غير طريق الترمذي، فالأوسط العدل فيه أن يقال: حسن، لا ضعيف، ولا صحيح، مع أنه قد يقال: حسن لغيره، أو صحيح لغيره، على أن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال اتفاقًا.

(1)

كذا في (ج)، وفي (أ) و (ب) و (د):"ضعفه".

ص: 518

(ما يقال في الليل)

أي: في مطلقه الشامل لأوله وأوسطه وآخره.

{آمَنَ الرَّسُولُ} [البقرة: 285] الآيتين) منصوب بتقدير أعني، وقوله:(أَواخِرَ البقرة) عطف بيان، أو نعت لا ظرف كما يتوهم، ولا "أو" للشك كما ضبط في بعض النسخ

(1)

.

(ع) أي: رواه الجماعة عن أبي مسعود الأنصاري

(2)

، وفي "الجامع":""من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كَفَتاه"، رواه الأربعة عن أبي مسعود"

(3)

، فقيل:"المعنى كَفَتاه من قيام الليل، بمعنى أنهما أقل ما يُجْزِئ من القراءة في قيام الليل"، وقيل:"كَفَتاه من كل مكروه".

({قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}. خ، م، س) أي رواه: البخاري عن أبي سعيد

(1)

يقصد المؤلف أنه في بعض النسخ: "أو آخر البقرة".

(2)

أخرجه البخاري (4008) و (5008، 5009، 5040، 5051)، ومسلم في (807، 808)، وأبو داود (1392)، والترمذي (2881)، والنسائي في "الكبرى"(7949، 7950، 7951، 7964، 7965، 7966) و (10486، 10487، 10488، 10489)، وابن ماجه (1368، 1369)؛ كلهم من حديث أبي مسعود الأنصاري به مرفوعًا.

(3)

"صحيح الجامع"(6465).

ص: 519

الخدري

(1)

، ومسلم والنسائي عن أبي الدرداء

(2)

، وفي "الجامع":""من قرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فكأنما قرأ ثلث القرآن"، رواه أحمد، والنسائي، والضياء، عن أُبَيِّ بن كعب

(3)

"

(4)

.

(وقراءة مئة آية. مس) أي: رواه الحاكم عن ابن عمر

(5)

، وفي "الجامع":"من قرأ بمئة آية في ليلة، كتب له قنوت ليلة"، رواه أحمد، والنسائي، عن تميم

(6)

"

(7)

، ورواه الحاكم عن أبي هريرة مرفوعًا: "من

(1)

أخرجه البخاري (5013، 5014، 5015) و (6643) و (7374) من حديث أبي سعيد الخدري به مرفوعًا.

(2)

أخرجه مسلم (811)، والنسائي في "الكبرى"(10469)؛ كلاهما من حديث أبي الدرداء به مرفوعًا.

(3)

أخرجه أحمد (5/ 141)، والنسائي في "الكبرى"(10453، 10454)، والضياء في "المختارة"(1239)؛ كلهم من حديث أُبيِّ بن كعب به مرفوعًا.

(4)

"صحيح الجامع"(6473).

(5)

أخرجه الحاكم (1/ 555) من حديث ابن عمر به مرفوعًا. قال الذهبي: "إسناده واه"، وقال الألباني في "السلسلة الصحيحة" (2/ رقم: 643) معقبًا على كلام الذهبي: "ولكن قد جاء معناه في أحاديث أخرى، فشطره الأول ثبت من حديث ابن عمرو، وشطره الآخر ثبت نحوه من حديث تميم الداري".

(6)

أخرجه أحمد (4/ 103)، والنسائي في "الكبرى"(10485)؛ كلاهما من حديث تميم الداري به مرفوعًا.

(7)

"صحيح الجامع"(: 6468).

ص: 520

قرأ في ليلة مئة آية لم يكتب من الغافلين"

(1)

.

(وقراءة عشر آيات. مس) أي: رواه الحاكم، وصححه عن أبي هريرة مرفوعًا:"من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين"

(2)

.

(وقراءة عشر آياتٍ: أربعٍ) بالجر بدل من عشر (من أول البقرة) قال المصنف: "يعني إلى {الْمُفْلِحُونَ} على عدد غير الكوفي"

(3)

، انتهى. وبيانه أن قوله تعالى:{الم} آية عند الكوفي دون البصري، (وآيةِ الكرسي) بالجر أيضًا، (وآيتين بعدهما)، قال المؤلف:"أي: بعد آية الكرسي، يعني: إلى قوله: {خَالِدُونَ}، (وخواتيمها) أي: وخواتيم البقرة، يعني من: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} إلى آخر الآيات الثلاث"

(4)

.

(مو ط) أي: رواه الطبراني موقوفًا من قول ابن مسعود، وقيل:"ولفظه: من قرأه لم يدخل ذلك البيت شيطان حتى يصبح"

(5)

.

(1)

أخرجه الحاكم (1/ 308) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، قال الألباني رحمه الله تعالى: هذا وهم، فإن ابن أبي الزناد لم يحتج به مسلم، وإنما روى له شيئا في المقدمة، ثم هو إلى ذلك فيه ضعف. والحديث منكر كما في "ضعيف الترغيب"(375).

(2)

أخرجه الحاكم (1/ 555) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 7/ أ).

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 7/ أ).

(5)

أخرجه الطبراني في "الكبير"(9/) رقم 8673) من حديث عبد الله بن مسعود به مرفوعًا.

ص: 521

(وقراءة {يس}. حب) أي رواه: ابن حبان من حديث جندب بن عبد الله البجلي، بلفظ:"من قرأ {يس} في ليلة ابتغاء وجه الله، غفر الله له"

(1)

، وقال ميرك:"وأخرج الدارقطني من حديثه بلفظ: "من قرأ {يس} في ليلة أصبح مغفورًا له"

(2)

.

قلت: وفي "الجامع": ""من قرأ {يس} كل ليلة غفر له"، رواه البيهقي عن أبي هريرة

(3)

، "ومن قرأ {يس} في ليلة أصبح مغفورًا له"، رواه أبو نعيم في "الحلية" عن ابن مسعود

(4)

"

(5)

.

(ما يقال في الليل والنهار جميعًا)

(سيد الاستغفار)"استعير لفظ السيد من الرئيس المقدَّم الذي يعمد إليه في الحوائج لهذا الدعاء الجامع الذي هو جامع لمعاني التوبة"، ذكره

(1)

أخرجه ابن حبان (2574) من حديث جندب بن عبد الله البجلي به مرفوعًا.

(2)

أخرجه أبو يعلى (6196)، وابن الجوزي في الموضوعات (1/ 247)؛ كلاهما من حديث أبي هريرة به مرفوعا. قال ابن الجوزي:"هذا الحديث من جميع طرقه باطل لا أصل له"، وقال الألباني في "ضعيف الترغيب والترهيب" (978):"ضعيف".

(3)

أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان"(2234) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

(4)

أخرجه أبو نعيم في "الحلية"(4/ 130) من حديث عبد الله بن مسعود به مرفوعًا.

(5)

"ضعيف الجامع"(5787، 5788).

ص: 522

ميرك، والأظهر أن معناه أفضل ألفاظ الاستغفار، وخير أنواعه.

(اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت) أي: قدر ما قدرت بحسب ما قدرت، (أعوذ بك من شر ما صنعت) فيه اعتراف باقتراف المعصية، كما أن فيما سبق اعترافًا بالتقصير في الطاعة، (أبوء) أي: أُقرُّ (لك بنعمتك علي) أي: في توفيق الطاعة، (وأبوء بذنبي) أي: في تحقيق المعصية، (فأغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).

(من قالها) أي: هذه الكلمات (من النهار) أي: في بعض أجزائه (مُوقِنًا بها) أي: عارفًا متيقنًا بمضمونها، (فمات، فهو) بضم الهاء وتسكن (من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات، فهو من أهل الجنة) وفي قيد الإيقان بها إشعار بأن معرفة معاني الدعوات هي التي مدار الأمر عليها، وإن كانت الألفاظ المجردة لا تخلو عن فائدة ما.

(خ، س) أي رواه: البخاري، والنسائي؛ كلاهما من حديث شداد بن أوس

(1)

.

(من قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، لا إله إلا الله لا شريك له)، وفي نسخة ضعيفه:"وحده لا شريك له"

(2)

، (لا إله إلا الله له الملك وله

(1)

أخرجه البخاري (6323)، والنسائي في "الكبرى"(10341)؛ كلاهما من حديث شداد بن أوس به مرفوعًا.

(2)

وهي موافقة لرواية النسائي في "الكبرى".

ص: 523

الحمد، لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، في يوم أو في ليلة، أو في شهر، ثم مات في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، أو في ذلك الشهر، غفر له ذنبه) بصيغة المجهول، وفي نسخة علي بناء الفاعل، و"أو" للتنويع [لا للتخيير]

(1)

، ولا منع من الجمع؛ ولذا أورده المصنف فيما يقال في الليل والنهار جميعًا. (س) أي رواه: النسائي عن أبي هريرة، وإسناده حسن

(2)

.

(دعا صلى الله عليه وسلم سلمان) أي: طلبه، (فقال: إن نبي الله) وفي نسخة: "رسول الله"(يريد أن يَمْنَحَك) من المنحة، وهي ضد المحنة، فالمراد بها العطية، أي: يعطيك بأن يعلمك (كلماتٍ من الرحمن) أي: نازلة ومُلهَمة من عنده.

(ترغب إليه) أي: تميل إلى رحمة الرحمن (فيهن) أي: في مواظبتهن، أو لأجل مداومتهن (وتدعو بهن في الليل والنهار: اللهم إني أسألك صحة) أي: تصحيحًا وتخليصًا وتحقيقًا (في إيمان)

(3)

أي: في [تصديقي وإيقاني]

(4)

، ولا يبعد أن يكون المعنى: صحة في الأبدان مع تحقق

(1)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د):"والتخيير".

(2)

أخرجه النسائي في "الكبرى"(9773) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. قال الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب"(3481): "صحيح لغيره".

(3)

كتب بجوارها في حاشية (ب): "أي: والمعنى: سلامة في إيمان بأن لا أفعل ما لا يليق بأهل الإيمان، فلا حاجة لجعل "في" بمعنى "مع"، وأما قوله: "وإيمانًا في حسن خلق"، فهي فيه بمعنى "مع"".

(4)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د):"تصديق وإيقان".

ص: 524

الإيمان والأديان، ويؤيده قوله:(وإيمانًا في حُسْنِ خُلُق) بضمتين ويسكن الثاني، أي: إيمانًا كاملًا مقرونًا بحسن الخلق الشامل، لمراعاة حق الحق والخلق.

(ونجاةً) أي: خلاصًا في الدنيا (يتبعها فلاح) أي: يعقبها فوز وظفر على المقصود في العقبى، (ورحمةً) أي: عظيمة شاملة واصلة (منك) أي: في الكونين، (وعافيةً) أي: سلامة من الآفات الدنيوية والأخروية.

(ومغفرةً منك) أي: لسيئاتنا (ورِضوانًا) بكسر الراء وتضم، أي: رضا بطاعاتنا وعباداتنا. (طس) أي: رواه الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة

(1)

.

(وإذا دخل بيته) أي: الموضع الذي يسكن فيه، (فليقل: اللهم إني أسألك خير الْمَوْلج) بكسر اللام فقط في "أصل الجلال"، وبفتحها أيضًا في "أصل الأصيل"، والأول هو المعول؛ فإنه نظير الموعد، وشبيه المولد، ولعلّ وجه الفتح هو المشاكلة لقوله:(وخير المخرَج) مع أنه من لزوم ما لا يلزم، والله أعلم.

قال ميرك: "هو بفتح الميم وإسكان الواو وكسر اللام؛ لأن ما كان فاؤه ياءً أو واوًا ساقطة في المستقبل، فالمفعل منه مكسور العين في

(1)

أخرجه الطبراني في "الأوسط"(9333) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. قال الألباني في "ضعيف الجامع"(1195): "ضعيف".

ص: 525

الاسم والمصدر، ومن فتح هنا، فإما أنه سها، أو قصد مزاوجته

(1)

للمخرَج، وإرادة المصدر بهما أتم من إرادة الزمان والمكان؛ لأن المراد الخير الذي يأتي من قِبَل الولوج والخروج"، انتهى.

والولوج: الدخول، ومنه قوله تعالى:{يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} [الحديد: 6].

(باسم الله وَلَجْنا، وباسم الله خرجنا، [على]

(2)

الله) وفي نسخة صحيحة: "وعلى الله"

(3)

(ربّنا) بالجر على البدلية (توكلنا) أي: اعتمدنا في ولوجنا وخروجنا وسائر أمورنا، من نزولنا وعروجنا، (ثُمَّ لِيُسَلّم) بكسر لام الأمر وسكونها (على أهله) أخذًا من قوله تعالى:{فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور: 61].

وقال بعض العلماء: "إذا لم يكن في البيت أحدٌ، فليقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"

(4)

.

(1)

المزواجة بين الشيئين في اللغة: الربط بينهما طَلَبًا لتحسين اللفظ، ويُعَبَّرُ عنه بالوصل أيضًا.

(2)

كذا في (ب) و (د)، وفي (أ) (ج) و (م):"وعلى".

(3)

وهي موافقة لرواية أبي داود في "سننه".

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (26353) والبخاري في "الأدب المفرد"(1055)؛ كلاهما من حديث ابن عمر موقوفًا، وحسَّن إسناده الحافظ ابن حجر في "الفتح"(11/ 20).

ص: 526

(د) أي: رواه أبو داود عن أبي مالك الأشعري

(1)

، وفي "الجامع":""إذا دخلتم بيتًا فسلّموا على أهله، وإذا خرجتم [فأودعوا]

(2)

أهله بسلامٍ"، رواه البيهقي عن قتادة مرسلًا

(3)

"

(4)

.

([و]

(5)

إذا دخل الرجل بيته) أي: مسكنه، (فذكر الله عند دخوله) أي:[للبيت]

(6)

، (وعند طعامه) أي: عند أكله، (قال الشيطان: لا مبيت) أي: لا مكان بيتوتة، أو مصدر من بات يبيت، (لكم) يعني: أيها الأعوان، (ولا عشاء) بفتح العين، أي: ولا طعام وقت العشاء؛ لأنه ذكر الله في الحالين، فالقضية مبنية على اللفين بالنشرين المرتبين.

والحاصل: أنه قال الشيطان لأولاده وأعوانه: لا يحصل لكم مسكن ولا طعام في هذا البيت؛ لأن صاحبه سمى الله تعالى، وإنما يكون لكم دَخَل في الغافلين، وقال التوربشتي: "يحتمل أن يكون الخطاب لأهل البيت على سبيل الدعاء عليهم، أي: جعلكم الله محرومين كما جعلتموني محرومًا من [المبيت]

(7)

والطعام بأن ذكرتم اسم الله، لكن

(1)

أخرجه أبو داود (5055) من حديث أبي مالك الأشعري به مرفوعًا.

(2)

كذا في (أ) و (ب) و"صحيح الجامع"، وفي (ج) و (د):"فادعوا".

(3)

أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان"(8459) من حديث قتادة مرسلًا.

(4)

"صحيح الجامع"(526).

(5)

كتب تحتها في (ج): "وفي نسخة: الأصح بدون الواو"، وليست الواو في (م).

(6)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"البيت".

(7)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د):"البيت".

ص: 527

وما دعاء الكافرين إلا في ضلال".

قال الطيبي: "وهذا بعيدٌ؛ لقوله بعده: "قال الشيطان: أدركتم المبيت والعشاء"، والمخاطبون أعوانه"

(1)

، قال ميرك:"ويحتمل أن يكون الخطاب هناك أيضًا لأهل البيت والجملة دعاء لهم".

قلت: هذا بعيدٌ جدًّا، [إذ هذا]

(2)

الدعاء من قبيل تحصيل الحاصل، والأول أيضًا بعيدٌ؛ لأن صدر الحديث:"إذا دخل الرجل بيته"، وهو مفرد، ولا يلزم أن يكون له أهل، فتأمل.

(وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله، قال الشيطان) أي: لأعوانه: (أدركتم المبيت) أي: فانتظروا هل تدركون العشاء أم لا.

(وإذا) وفي "نسخة الأصيل": "فإذا"(لم يذكر الله عند طعامه) أي: أيضًا، (قال الشيطان) أي: من كمال الفرح: (أدركتم المبيت والعشاء) أي: جميعًا، فلا تفارقوا هذا المسكن وأهله، وكونوا على رجاء المشاركة في مسكنهم ومأكلهم. (م، د، س، ق، ي) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن السني؛ كلهم عن جابر بن عبد الله الأنصاري

(3)

.

(1)

"الكاشف عن حقائق السنن" للطيبي (9/ 2839).

(2)

كذا في (أ)، وفي (ب):"إن هذا"، وفي (ج) و (د):"وهذا".

(3)

أخرجه مسلم (2018)، وأبو داود (3759)، والنسائي في "الكبرى"(6724) و (9935)، وابن ماجه (3887)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"(157)؛ كلهم من حديث جابر به مرفوعًا.

ص: 528

(إذا كان جنح الليل) بكسر الجيم، وفي نسخة بضم الجيم، وهو أول ما يظلم، وقال الجوهري:"طائفة من الليل"

(1)

، كذا في "شرح المصابيح"، وقال الطيبي:"بالفتح والكسر"

(2)

.

والظاهر أن الفتح وهم؛ لمخالفته سائر كتب اللغة، ففي "الديوان" و"المهذب" بالضم، وفي "القاموس":"الجنح بالكسر: الطائفة من الليل، ويضم"

(3)

، وفي "سلاح المؤمن": "بكسر الجيم على المشهور، وقيل:[بضمها]

(4)

وجنح الليل بفتح النون: [أقبل]

(5)

حين تغيب الشمس"

(6)

، واقتصر المصنف على الكسر، وقال:"بكسر الجيم أوله، وهو مغيب الشمس، وإقبال ظلمة الليل"

(7)

، انتهى. وهو مرفوع على أن "كان" تامة، وفي نسخة بالنصب، أي: إذا كان الوقت أول الليل.

(فكُفُّوا صبيانَكم) أي: امنعوهم من الخروج، واحفظوهم بالولوج؛ (فإن الشياطين تنتشر) أي: تتفرق (حينئذٍ) لأنه وقت الظلمة [المناسبة

(1)

"الصحاح"(1/ 360).

(2)

"الكاشف عن حقائق السنن" للطيبي (9/ 2886).

(3)

"القاموس"(1/ 217).

(4)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ):"وبضمها"، وفي "سلاح المؤمن":"بفتحها".

(5)

كذا في جميع النسخ المخطوطة، وفي "سلاح المؤمن":"قيل".

(6)

"سلاح المؤمن" لابن الإمام (845).

(7)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 7/ أ).

ص: 529

لظلمهم]

(1)

، وفيه إيماءٌ إلى أنهم خُلِقُوا من ظلمةٍ، كما أن الملائكة خُلِقوا من نورٍ، وبنو آدم مركبٌ منهما، كما في الحديث القدسي:"إن الله خلق الخلق في ظلمة، فرش عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه فقد ضل وغوى"

(2)

، وتحقيق هذا المعنى [يحتاج]

(3)

إلى بسط في المبنى.

(1)

كذا في (ب) و (ج)، وفي (أ) و (د):"المناسب لظلمهم".

(2)

أخرجه الترمذي (2642) وابن حبان (6170) والحاكم (1/ 30)؛ كلهم من حديث عبد الله بن عمرو به مرفوعًا. قال الترمذي: "حسن"، وقال الحاكم:"صحيح"، وعقب عليهما الألباني في "السلسلة الصحيحة" (1076) قائلًا:"إسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات".

قال المناوي: فائدة مهمة: ذكر المزي والذهبي الحسن بن عرفة ووثقاه، وقالا: أخرج له الترمذي وابن ماجه، وذكرا: ابن عياش هذا وقالا: روى له أصحاب السنن، وذكرا: يحيى بن أبي عمرو السَّيْباني ووثقاه، وقالا: أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجه واقتصرا على ذلك ولم يذكرا له علامة الترمذي بل أسقطاها وكان من حقهما أن ينّبها على أن الترمذي أخرج له، وكذلك فعلا في عبد الله بن فيروز الديلمي رضي الله عنه ووثقاه، وقالا: أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجه ولم يذكرا الترمذي وهو في الترمذي كما ذكرت لك. ولم أر المزي ذكر هذا الحديث في "الأطراف" في مسند عبد الله بن عمرو من رواية عبد الله بن الديلمي، وقد راجعت نسخًا أصولًا من الترمذي فرأيت الحديث ثابتًا في جميعها من غير اختلاف (كشف المناهج 79).

(3)

كذا في (ب) و (ج)، وفي (أ) و (د):"محتاج".

ص: 530

(فإذا ذهب ساعةٌ) بصيغة التذكير؛ لأن الفاعل مؤخر، والتأنيث غير حقيقي، وقال ميرك:"وقع عند أكثر رواة البخاري: "ذهبت ساعة"، وعند الكُشْمِيهَنِيُّ

(1)

: "ذهب"، وكأنه ذكَّره باعتبار الوقت"

(2)

، انتهى. والمعنى: إذا ذهب زمانٌ قليلٌ، (من العِشاء) أي: الأخير، ولا يبعد أن يراد به الأول، (فخلُّوهم)، ولعل الحكمة: أن في أول الانتشار يقوى فسادهم، كما هو المشاهد في أوائل الفتن، ويمكن أن يكون المراد بالكف هو الضم، وبالتخلية تركه، لكن في البيت؛ لقوله:(وأغلق بابك، واذكر اسم الله) أي: حين الإغلاق، وأفرد الخطاب، والمراد كل أحد، فهو عام بحسب المعنى، ولا شك أن مقابلة المفرد بالمفرد يفيد الجمع [والتوزيع]

(3)

، لكن يرد على المصنف أنه مخالف للأصول، حيث ورد عندهم بصيغة الجمع في الكل على ما سيأتي.

(وأطفئ مصباحك) أمر من الإطفاء، وهو مهموز كما في نسخة، لكن في أكثر الأصول المعتمدة بدون الهمز، فيحمل على التخفيف، كما

(1)

هو: محمد بن مكي بن محمد بن مكي بن زراع بن هارون، أبو الهيثم، المروزي الكشميهني، المحدث الثقة، حدث بـ "صحيح البخاري" مرات عن أبي عبد الله الفربري، توفي سنة 389، راجع ترجمته في "سير أعلام النبلاء" للذهبي (16/ 491).

(2)

هذه عبارة الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"(6/ 356 رقم: 3319).

(3)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (ب):"بالتوزيع".

ص: 531

ذكروا في أومى يومي، ولعل وجهه أنه أبدل الهمزة ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها، ثم عومل معاملة المعتل [كالبادي]

(1)

والقاري.

وقال ميرك: "كذا وقع في أصل السماع بغير همز، وهو لا يخلو عن تأمل؛ لأن الإطفاء مهموز عند أهل اللغة، [فيحمل رواية الأصل]

(2)

على أن الحذف للتخفيف"، انتهى.

والمعنى: أزل نور سراجك؛ فإنه أدعى للنوم، وأبعد من الإسراف، ولأنه يخاف من أن الفأرة تجر الفتيلة فتحرق البيت كما ورد في الحديث.

(واذكر اسمَ الله) أي: حين الإطفاء.

(وأَوْكِ) أمر من الإيكاء، أي: اربط (سقاءك) بكسر السين، أي: قِرْبتَك ونحوها من ظروف الماء، والمعنى: شدد رأس السقاء بالوكاء؛ [كيلا]

(3)

يدخله حيوان، أو يسقط فيه شيء، والوكاء هو الخيط الذي يشد به السقاء والكيس وغيرهما، [(واذكر اسم الله)]

(4)

.

(وخمّر إناءك) أمر من التخمير بمعنى التغطية، والإناء بالكسر معروف

(1)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د):"كالباري".

(2)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"فتحمل روايتها لأصل".

(3)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"لئلا".

(4)

زيادة من (ج) و (م) فقط.

ص: 532

على ما في "القاموس"

(1)

، والظاهر المتبادر منه أنه ظرف للطعام وغيره الشامل للماء، لكن المراد به هنا ظرف غير الماء لمقابلته بالسقاء، فما نقله الحنفي عن "المهذب" من أن الإناء ظرف الماء ليس في محله، (واذكر اسمَ الله) أي: حين التخمير.

(ولو أن تعرض عليه شيئًا) قال النووي: "المشهور في ضبطه فتح التاء وضم الراء، وهكذا قال الجمهور، ورواه أبو عبيد بكسر الراء، والصحيح هو الأول، ومعناه: تمد عليه عرضًا، وهذا عند عدم وجود ما يغطيه"

(2)

، كذا في "شرح المصابيح" للمصنف، وقال المصنف هنا -في "المفتاح"-:"بضم الراء، أي: تضعه عرضًا، وحكي فيه الكسر"

(3)

، انتهى.

وقال الطيبي: "بضم الراء وكسرها، والأول أصح، وجواب "لو" محذوف، أي: لو خمرتموها عرضًا بشيء نحو العود وغيره، وذكرتم اسم الله عليه، لكان كافيًا"

(4)

، انتهى. والمقصود أن ما لا يدرك كله لا يترك كله.

(1)

"القاموس"(4/ 295).

(2)

"شرح مسلم" للنووي (13/ 182).

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 7/ أ).

(4)

"الكاشف عن حقائق السنن" للطيبي (9/ 2887).

ص: 533

(ع) أي: رواه الجماعة عن جابر

(1)

، وفي "الجامع":"رواه أحمد، والشيخان، وأبو داود، والنسائي، عنه بلفظ: "إذا كان جنح الليل فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر حينئذٍ، فإذا ذهب ساعة من الليل فخلوهم، وأغلقوا الأبواب، واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا، وأوكئوا قِرَبكم، واذكروا اسم الله، وخمروا آنيتكم، واذكروا اسم الله، ولو أن تعرضوا عليه شيئًا، وأطفئوا مصابيحكم""

(2)

.

(1)

أخرجه البخاري (3280، 3304، 3316) و (5623) واللفظ له، ومسلم (2012)، وأبو داود (3724، 3725، 3726)، والترمذي (1812) و (: 2857)، والنسائي في "الكبرى"(10513، 10514)، وابن ماجه (360) و (3410، 3771)؛ كلهم من حديث جابر مرفوعًا.

(2)

"صحيح الجامع"(764).

ص: 534