المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الحرز الثمين للحصن الحصين   تأليف الإمام المحدث علي القاري الهروي المكي (توفي: 1014 - الحرز الثمين للحصن الحصين - جـ ٢

[الملا على القاري]

فهرس الكتاب

الحرز الثمين للحصن الحصين

تأليف

الإمام المحدث علي القاري الهروي المكي

(توفي: 1014 هـ) بمكة المكرمة

تحقيق

أ. د/ محمد إسحاق محمد آل إبراهيم

أستاذ السنة وعلومها بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

[المجلد الثاني]

ص: -1

بسم الله الرحمن الرحيم

ص: 538

(عند النوم) أي: ما يقال ويفعل عند إرادة النوم

(إذا أتى) أي: إذا أراد أن يأتي (فراشه) بكسر الفاء، أي: مرقده، (وهو [طاهر])

(1)

جملة حالية من الفاعل. (د) أي: رواه أبو داود عن البراء بن عازب

(2)

، ذكره ميرك، لكن للحديث بقية كما لا يخفى.

(أو فليتطهر. طس) أي: رواه الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس، وكان لفظه:"إذا أتى فراشه فليتطهر"، وكذا قوله:(أو فليتوضأ وضوءه) أي: وضوءًا كاملًا مثل وضوئه (للصلاة) وهو بيان لما قبله، أو إيماء إلى أنه أقل أنواع طهارته، فيكفي للجنب أن يتوضأ وينام، وربما يجوز له التيمم أيضًا عند ضرورة من العجز، أو المرض، أو غلبة الكسل.

(ع) أي: رواه الجماعة عن البراء، بلفظ:"إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة"

(3)

.

(1)

كذا في جميع النسخ، وفي (ب):"متطهر".

(2)

أخرجه أبو داود (5008) عن البراء بن عازب به مرفوعًا. قال الألباني في "صحيح سنن أبي داود"(3/ رقم: 5047): "صحيح".

(3)

أخرجه البخاري (247) و (6311)، ومسلم (2710)، وأبو داود (5007)، والترمذي (3574)، والنسائي في "الكبرى"(10549، 10550)؛ كلهم من حديث البراء بن عازب به مرفوعًا، ولم أجد هذا الحديث عند ابن ماجه، كما أن المزي لم يرمز له في "تحفة الأشراف" (رقم: 1763).

ص: 541

والحاصل: أن "أو" من كلام المؤلف للتنويع في الرواية، فلا معنى لما في بعض النسخ، أي:"فليتوضأ" مكان "أو فليتوضأ"، وقد ورد:"من طهر هذه الأجساد بات معه مَلَك يقول كلما انقلب: اللهم اغفر له"

(1)

، وفي "الجامع":""من بات على طهارة، ثم مات من ليلته مات شهيدًا"، رواه ابن السني عن أنس"

(2)

.

(ثم يأتي) أي: بعد طهارته (إلى فراشه فَيَنْفُضُه) بضم الفاء، أي: فيحركه وينظفه (بصَنِفَة ثوبه) قال المؤلف: "هو بفتح الصاد وكسر النون، أي: طرفه مما يلي طُرَّتَهُ"

(3)

، انتهى.

وفي "الفائق": "الصَّنِفَةُ: حاشية الإزار التي تلي الجسد"

(4)

، ويؤيده ما رواه مسلم:"فليأخذ داخلة إزاره، فلينفض بها فراشه"

(5)

، وقال القاضي

(1)

أخرجه الطبراني في "الكبير"(12/ 446) رقم (13620) من حديث ابن عمر به مرفوعًا، وفي "الأوسط"(5087) من حديث ابن عباس به مرفوعًا، وأخرجه ابن المبارك في "الزهد"(1244)، من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "لا يستيقظ ساعة من الليل إلا قال الملك:

". قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" (: 2539): "إسناد حسن".

(2)

"ضعيف الجامع"(5497). قال الألباني في "السلسلة الضعيفة"(2/ رقم: 629): "موضوع".

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 7/ أ).

(4)

"الفائق في غريب الحديث"(1/ 420).

(5)

أخرجه مسلم (2714) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

ص: 542

عياض: "هي الحاشية التي تلي الجسد وتماسه"، وإنما أمر بالنفض بها لأن المتحول إلى الفرش يحل بيمينه خارجة الإزار، وتبقى الداخلة معلقة فينفض بها.

وفي "المفاتيح شرح المصابيح": "الصَّنِفة هي الوجه الذي يلي الباطن من إزاره المشدود في وسطه، أو ذيل قميصه، وإنما قيد نفض الفراش بداخلة الإزار؛ لأن هذا [أيسر]

(1)

، وكشف العورة به أقل، وقيد نفض الفراش بإزاره؛ لأن الغالب في العرب أنه لم يكن عليهم ثوب غير رداء وإزار"، انتهى.

والمعنى: أنهم كانوا [يفسخون]

(2)

رداءهم عند النوم، ويرقدون بإزارهم؛ ولذا خص الإزار، وأيضًا كان من عادتهم أنهم يتركون فراش الليل في النهار على حاله، فيخشى أن يكون عليه شيء من المؤذيات، فالمقصود الاحتراز والاحتراس بأي وجه كان، وهذا من كمال رحمته على أمته؛ ولذا أكّده بقوله:(ثلاث مرات).

(ثم ليقل) أي: بعد وضع جنبه: (باسمك ربي وضعت جنبي) أو قبل الوضع، فالمعنى: أردت وضع جنبي، (وبك) أي: باسمك، أو بعونك (أرفعه) أي: جنبي من الفراش.

(إن أمسكت نفسي) أي: بقبضها، والمعنى كما في رواية:"إن أَمَتَّها"

(1)

كذا في (أ) و (د)، وفي (ب):"السير"، وفي (ج):"يسر".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج)، وفي (د):"يفتحون".

ص: 543

(فاغفر لها) وفي نسخة: "فارحمها"، بالفاء موضوعًا عليها رمزُ البخاري وابن أبي شيبة.

(وإن أرسلتها) أي: أحييتها، أو أطلقتها (فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) وكأنه مقتبس من قوله تعالى:{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42)} [الزمر: 42]، فالله تعالى جمع النفسين في حكم التوفي، ثم فرق بين جهتي التوفي، حيث حكم بالإمساك، وهو قبض الرُّوح، وبالإرسال، وهو ردّ الحياة.

فالمعنى: الله يتوفى الأنفس التي تقبض والتي لا تقبض، فيمسك الأولى، ويرسل الأخرى، ثم الباء في "بما تحفظ" مثلها في "كتبت بالقلم"، و"ما" موصوله مبهمة، وبيانها ما دل عليه صلتها، لأن الله تعالى إنما يحفظ عباده الصالحين من المعاصي، ومن أن لا يتهاونوا في طاعته وعبادته بتوفيقه ولطفه.

(ع، مص) أي رواه: الجماعة وابن أبي شيبة؛ كلهم عن أبي هريرة

(1)

.

(وليضطجع على شقه) أي: جنبه (الأيمن)، لأن النوم أخو الموت.

(1)

أخرجه البخاري (6320) و (7393)، ومسلم (2714)، وأبو داود (5011)، والترمذي (3401)، والنسائي في "الكبرى"(10559، 10560، 10561، 10660)، وابن ماجه (3874)، وابن أبي شيبة في "مصنفه"(27056) و (29915)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

ص: 544

(م، ع) أي رواه: مسلم من حديث أبي هريرة

(1)

، والجماعة الداخل فيهم مسلمٌ من طريق أخرى عن البراء

(2)

؛ ولذا جمع بين الرمزين مع دخول الأول في الثاني، والظاهر أن اللفظ لمسلم؛ ولذا قدّمه عليهم، وفي نسخة صحيحة رمز البخاري بدل رمز الجماعة، قال ميرك:"هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: "فاضطجع"؛ ولذا قدم الشيخ قدس سره رقْم "م"، تأمل".

(ويتوسَّد) بالرفع، وفي نسخة بالجزم (يمينه)

(3)

أي: يجعلها وسادة ومخدة

(4)

لوجهه. (د) أي: رواه أبو داود عن البراء

(5)

.

(أي يضعها) بالرفع، وفي نسخة بالجزم، والمعني:"يضع يمينه"(تحت خده)، وكان الظاهر أن يقول المؤلف: أو يضعها، أو ويضعها؛ لأن المفسر هو لفظ أبي داود، فلا يمكن أن يكون التفسير منسوبًا لغيره،

(1)

أخرجه مسلم (2714) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

(2)

أخرجه البخاري (247) و (6311)، ومسلم (2710)، وأبو داود (5007)، والترمذي (3574)، والنسائي في "الكبرى"(10550)؛ كلهم من حديث أبي البراء بن عازب مرفوعًا. ولم أجد هذا الحديث عند ابن ماجه، كما أن المزي لم يرمز له في "تحفة الأشراف" (2/ رقم: 1763).

(3)

كتب في حاشية (ب) "أي: كف يمينه، وهي الراحة مع الأصابع، أي: يضعها تحت شق وجهه الأيمن

وشرحه".

(4)

كتب فوقها في (ج): "موضع وضع الخد".

(5)

أخرجه أبو داود (5008). قال الألباني في "صحيح سنن أبي داود"(5047): "صحيح".

ص: 545

وقد رمز له بقوله: (د، ت، س) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، لكن الترمذي عن البراء

(1)

، وهما عن حفصة

(2)

، وفي رواية للترمذي عن حذيفة:"تحت رأسه"

(3)

، وفي بعض النسخ نسب الرموز الثلاثة كلها إلى حفصة، والله أعلم.

(ثم يقول) أي: بعد الوضع (باسم الله وضعت جنبي. اللهم اغفر لي ذنبي، وأخسئ شيطاني)، أي: اطرده عني، وأبعده مني، "وهو بهمزة مفتوحة أوله، وهمزة ساكنة آخره [وسين مكسورة بينهما]

(4)

، أي: أبعده من خسأ الكلب بنفسه، ومنه قوله تعالى:{قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108)} [المؤمنون: 108]، ويجوز وصل الهمزة وفتح السين، من خَسَأتُ الكلبَ: طردته، فهو يتعدى ولا يتعدى"

(5)

، ذكره المصنف في "مفتاحه".

(1)

أخرجه الترمذي (3398) ولكن من حديث حذيفة به مرفوعًا. قال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وقال الألباني في "السلسلة الصحيحة" (2754):"وهو على شرط الشيخين".

أما حديث البراء فقد أخرجه الترمذي (3399) ولكن بلفظ: "يتوسد يمينه".

(2)

أخرجه أبو داود (5006)، والنسائي في "الكبرى"(10529، 10530، 10532، 10532)؛ كلاهما من حديث حفصة مرفوعًا. قال الألباني في "صحيح سنن أبي داود"(5045): "صحيح".

(3)

أخرجها الترمذي (3398) من حديث حذيفة به مرفوعًا.

(4)

زيادة من (ج) فقط.

(5)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ أ).

ص: 546

وقال في شرحه لـ "المصابيح": "يروى بوصل الهمزة وفتح السين وهمزة ساكنة بعدها وبقطع الهمزة وكسر السين من غير همزة، أي: اطرده، يقال:[من]

(1)

خسأ الكلب، قاصرًا ومتعديًا"، انتهى.

وفيه أنه لابد من وجود الهمزة على كل تقدير، نَعَم، قد تبدل الهمزة الساكنة من جنس حركة ما قبلها، فيخفف بالحذف، وهو غير مخصوص باللغة الثانية، والله سبحانه أعلم.

وقال التوربشتي: "معناه اجعله مطرودًا مردودًا عني، كالكلب المهين، وأضافه إلى نفسه لأنه أراد قرينه من الجن، [أو]

(2)

الذي يبتغي غوايته".

(وفُكَّ رِهاني) بضم الفاء وتشديد الكاف المفتوحة، ويجوز ضمها وكسرها، والرهان: جمع رهن ومصدر راهنه أيضًا، "أراد به النفس، لأنها مرهونة بعمله"، ذكره الطيبي

(3)

.

وقال المؤلف: "الرهان بكسر الراء جمع رهن، [كحبل وحبال]

(4)

، [يريد]

(5)

قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38)} [المدثر: 38]، أي:

(1)

كذا في (ب) و (د)، وفي (أ) و (ج):"منه".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"و".

(3)

"الكاشف عن حقائق السنن" للطيبي (6/ 1887).

(4)

كذا في (ب) و (ج) و"مفتاح الحصن الحصين"، وفي (أ):"كجبل وجبال"، وفي (د):"كجعل وجعال".

(5)

في "مفتاح الحصن الحصين": "يؤيده".

ص: 547

رهن بعملها، قال الزمخشري:"ليست رهينة بتأنيث رهين في قوله: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور: 21]، بل لتأنيث النفس، لأنه لو قُصِدَتِ الصفة لقيل: رهين؛ لأن "فعيلًا" بمعنى "مفعول" يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما هي اسم بمعنى الرهن، كالشتيمة بمعنى الشتم، كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن"

(1)

، انتهى، وفيه نظر، فقد قال الجوهري: "الشيء مرهون، [ورهن]

(2)

، والأنثى رهينة"

(3)

، وقال [ابن حبان]

(4)

: "رهينة هنا بمعنى مرهونة، كالنطيحة بمعنى المنطوحة، أنَّثَ مراعاة لقوله: "كل نفس" كما ذكر في قوله: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} مراعاة لامرئ"

(5)

، انتهى، وهو ظاهر، والله أعلم"

(6)

.

فقوله: "فُكَّ" أمر مخاطب من الفك، وهو التخليص، والرهان جمع رهن بمعنى المرهون، وهو المال المحبوس عند المرتهن في حقه، فالمعنى خلص رقبتي عن حقوق الآدميين، وعن حقوقك يا رب، وعن

(1)

"الكشاف" للزمخشري (6/ 261).

(2)

كذا في جميع النسخ، وفي "مفتاح الحصن الحصين" و"الصحاح":"ورهين".

(3)

"الصحاح"(5/ 2129) مادة (ر هـ ن).

(4)

كذا في جميع النسخ، وفي (د) و"مفتاح الحصن الحصين":"أبو حيان".

(5)

"تفسير البحر المحيط" لأبي حيان الأندلسي (8/ 371).

(6)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ أ).

ص: 548

الذنوب، وفي "شرح المصابيح" للمصنف: " [أي]

(1)

خلصني من عقوبة الذنوب، قال تعالى:{كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} ، أو خلصني من عهدة التكاليف بالتوفيق للإتيان بها".

(وثَقِّلْ ميزاني) أمر من التثقيل، وفيه إيماء إلى قوله تعالى:{فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} [القارعة: 6، 7]، وفي بعض النسخ كتب فوق هذه الجملة رمز الحاكم إشعارًا بانفراده واختصاص روايته به.

(واجعلني في النَّدِيِّ الأعلى)"بفتح النون وكسر الدال وتشديد التحتية"، كذا في "الأذكار"

(2)

، وأصله المجلس، ويقال للقوم أيضًا، والمراد الملأ الأعلى، وهم الملائكة، أو أهل الندي إذا أريد به المجلس.

وقال المؤلف: "بفتح النون وكسر الدال وتشديد الياء، وهو مجلس القوم ومتحدثهم، قال الخطابي: "يريد بالندي الأعلى الملأ الأعلى من الملائكة"

(3)

"

(4)

، "انتهى.

ويؤيده أنه روى الحاكم في "مستدركه": "في الملأ الأعلى"

(5)

بدل

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"أن".

(2)

"الأذكار النووية"(صـ 77).

(3)

"معالم السنن" للخطابي (4/ 144).

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ أ، ب).

(5)

أخرجه الحاكم (1/ 548) من حديث أبي الأزهر الأنماري به مرفوعًا.

ص: 549

"الندي الأعلى"، قال التوربشتي:"ويروى: "في النداء الأعلى"

(1)

، وهو الأكثر، والنداء مصدر نادَيْتُه، ومعناه أن ينادى به للتنويه والرفع، ويحتمل أن يراد به نداء أهل الجنة، وهم الأعلون رتبة ومكانًا على أهل النار، كما جاء في القرآن:{وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا} [الأعراف: 44].

ومجمل المرام في المقام أن هذا دعاء بمنزلة الحكم الذي رُتِّب على الوصف، فإنه لما جعل النوم والاستراحة لله؛ يستعين بها على طاعته، ويجتنب عن معاصيه، طلب أن يعينه تعالى على طِلْبته من فك الرهان، وخِذلان من يحجزه من الشيطان والنفس الأمارة، ثم طلب ما هو المُنَى الأسنى، والمقام الزلفى، والندي الأعلى، والزيادة الحسنى.

(د، مس) أي رواه: أبو داود، والحاكم؛ كلاهما عن أبي الأزهر الأنماري

(2)

.

(1)

أخرجه أبو نعيم في "الحلية"(6/ 98) من حديث أبي الأزهر الأنماري به مرفوعًا.

(2)

أخرجه أبو داود (5054)، ومن طريقه: ابن الأثير في "أسد الغابة"(1/ 1136) والطبراني في "معجمه الكبير"(22/ 298) رقم (759)، وفي "مسند الشاميين"(435) ومن طريقه المزي في "التهذيب"(33/ 23) والحاكم (1/ 540) عن يحيى بن حمزة حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أبي الأزهر الأنماري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أخذ مضجعه من =

ص: 550

(اللهم) وفي نسخة: "رب" موضوعًا فوقه رمز "مص"

(1)

، وكذا في "الشمائل" للترمذي

(2)

(قني) أي: احفظني (عذابك يوم تبعث عبادك) أي: تحييهم بعد إماتتهم. (ر، مص) أي رواه: البزار وابن أبي شيبة؛ كلاهما عن حفصة

(3)

، وفي نسخة رمز أبي داود بدل رمز البزار.

= الليل قال: بسم الله وضعت جنبي اللهم اغفر لي ذنبي وأخسئ شيطاني وفك رهاني وثقل ميزاني.

قال أبو داود رواه أبو همام الأهوازي عن ثور قال أبو زهير الأنماري، وقال ابن الأثير في "أسد الغابة" (1/ 1136): "أبو الأزهر الأنماري. شامي. وقيل: أبو زهير.

رواه كذا أبو مسهر عن يحيى بن حمزة عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أبي الأزهر. ورواه أبو همام الأهوازي عن ثور عن خالد عن أبي الأزهر الأنماري.

وأبو الأزهر الأنماري. مترجم في الاستيعاب 2867 وأسد الغابة 5678 والإصابه 9519.

وقال الحافظ في "الفتح"(11/ 127): صححه الحاكم والترمذي.

وقال الألباني في "صحيح الجامع"(2/ رقم: 4649): "صحيح".

(1)

النسخة التي أشار إليها الشارح موافقة لما أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" من حديث أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها مرفوعًا، وسيأتي تخريجه.

(2)

أخرجه الترمذي في "الشمائل"(254) من حديث البراء بن عازب به مرفوعًا، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة"(2703).

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(27062) و (29921) من حديث أم =

ص: 551

(ثلاث مرار) بكسر الميم جمع مرة، وفي نسخة صحيحة:"مرات"، والأول هو "أصل الأصيل" وعفيف الدين.

(د، س، ت) أي رواه: أبو داود، والنسائي، كلاهما عن حفصة

(1)

، والترمذي عن البراء

(2)

، وكان حق المصنف أن يذكر هذه الرموز منضمَّة إلى الرمزين السابقين أيضًا، ليدل على أن زيادة "ثلاث مرار" مختصة بالثلاثة.

(باسمك ربي) أي: وضعت جنبي (فاغفر لي ذنبي. أ) أي: رواه أحمد

(3)

عن ابن عمر

(4)

.

(باسمك وضعت جنبي فاغفر لي. مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عنه أيضًا

(5)

.

= المؤمنين حفصة رضي الله عنها مرفوعًا بلفظ: "رب قني. . .".

وأخرجه البزار (2825) ولكن من حديث حذيفة به مرفوعًا، و (7275) من حديث أنس به مرفوعًا، وليس من حديث حفصة كما ذكر الشارح.

(1)

أخرجه أبو داود (5006)، والنسائي في "الكبرى"(10529، 10530)؛ كلاهما من حديث أم المؤمنين حفصة به مرفوعًا.

(2)

أخرجه الترمذي (3399) من حديث البراء بن عازب به مرفوعًا.

(3)

أخرجه أحمد في مسنده (2/ 173) من حديث عبد الله بن عمرو وليس ابن عمر.

(4)

أورد الهيثمي في مجمع الفوائد (10/ 123) وقال: رواه أحمد، وإسناده حسن.

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة (29305) من حديث عبد الله بن عمرو وليس بن عمر؛ وأورده المتقي الهندي في كنز العمال (15/ 495، رقم: 41961) وعزاه لابن أبي شيبة وقال: وفيه الإفريقي وهو ضعيف.

ص: 552

(اللهم باسمك

(1)

أموت وأحيا) أي: أنام وأستيقظ، أو أعدم وأوجد، ثم قيل:"يحتمل أن يكون لفظ الاسم زائدًا"، كما في قول الشاعر:

إلى الحول ثم اسم السلام عليكما

(2)

وقيل: "معناه باسمك المميت أموت، وباسمك المحيي أحيا، أو بذكر اسمك أحيا ما [أحييت]

(3)

، وعليه أموت"، قال القرطبي: "قوله: "باسمك أموت" يدل على أن الاسم هو المسمى، أي: أنت تميتني وتحييني، وهو كقوله تعالى:{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ} ؛ أي: سبح ربك، وهكذا قال جُلُّ الشارحين"، نقله ميرك عن الشيخ

(4)

.

(خ، م، د، ت، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، لكن كلهم عن حذيفة

(5)

إلا مسلمًا فعن البراء

(6)

،

(1)

كتب بجوارها في حاشية (ب): "أي: على ذكري لاسمك مع اعتقادي لعظمتك، مدلوله: أموت وأحيا، أو الاسم بمعنى المسمى، وهو ذاته تعاك، أي: تميتني وتحييني بذاتك، أو المعنى: أموت متبركًا باسمك، ومتمسكًا به".

(2)

هذا البيت من قول لبيد لابنتيه، وذكره الخطابي في معالم السنن (1/ 303)، والعيني في شرح أبي داود (6/ 55).

(3)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ):"حييت".

(4)

أورد الملا علي القاري في مرقاة المفاتيح (4/ 1652، رقم: 2382).

(5)

أخرجه البخاري رقم (6312 و 6314)، وأبو داود (5049)، والترمذي (5/ 481، رقم: 3417)، والنسائي في السنن الكبرى (10515).

(6)

أخرجه مسلم (2711).

ص: 553

ورواه البخاري من حديث أبي ذر

(1)

أيضًا، كما يفهم من "الأذكار"

(2)

.

(سبحان الله ثلاثًا وثلاثين. الحمد لله) وفي "أصل الأصيل": "والحمد لله"(ثلَاثًا وثلاثين. اللةُ أكبر) وفي "أصل الأصيل": "واللهُ أكبر"(أربعًا وثلاثين).

قال المصنف في شرحه لـ"المصابيح"

(3)

: "وجاء التكبير في بعض الروايات الصحيحة أولًا، وكان شيخنا الحافظ ابن كثير يرجحه، ويقول: "تقديم التسبيح يكون عقيب الصلاة، وتقديم التكبير عند النوم""، انتهى.

وهو يحتاج إلى بيان رجحان مؤيد ببرهان، وإلا فالروايات المُقَدِّمَة للتكبير -ولو كانت صحيحة- لا تُقَاوِمُ هذا الحديث المرموز بقوله:(خ، م، د، ت، س، حب) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان؛ كلهم عن علي

(4)

، فالأوجه أن يقال: يؤتى بالتسبيح أولًا عند النوم تارة، وبالتكبير مقدمًا عنده أخرى؛ عملًا بالروايتين، وأما بعد الصلاة فيقدم التسبيح لا غير، مع أنه ورد: "بأيِّهن

(1)

أخرجه البخاري (6325).

(2)

"الأذكار النووية"(صـ 74).

(3)

أورد قول الجزري هذا الشارح الملا علي القاري في شرحه للمصابيح مرقاة المفاتيح (4/ 1657) رقم (2387).

(4)

أخرجه البخاري (3113، 3705، 5361، 5362)، ومسلم (2727)، وأبو داود (2988)، والترمذي (3408)، والنسائي (8/ 266)، وابن حبان (5524).

ص: 554

بدأت جاز"

(1)

.

(ويجمع كفيه) أي: يوصل كفه اليمنى بكفه اليسرى (ثم ينفث فيهما) بضم الفاء، وفي نسخة بكسرها، ففي "القاموس":"نفث ينفث وينفث، وهو كالنفخ، أقل من التفل"

(2)

، وفي "شرح المصابيح" للمصنف:"النفث: النفخ اللطيف"، (فيقرأ:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ).

قال المؤلف

(3)

: "هو بضم الفاء وكسرها من النفث، وهو شبيه بالنفخ، وهو أقل من التفل؛ لأن التفل لا يكون إلا ومعه شيء [كثير]

(4)

من الريق، وهذا النفث يكون بعد جمع كفيه وقبل القراءة، وفائدته: التبرك بالهواء والنفس للمباشر للرقية والذكر الحسن، كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر والأسماء الحسنى"

(5)

، انتهى.

وفي "صحيح البخاري" بالواو، وهو الوجه؛ لأن تقديم النفث على القراءة مما لم يقل به أحد، وذلك لا يلزم من الواو، ولعل الفاء سهو من

(1)

ورد بلفظ: ". . . لا يضرك بأيهن بدأت" من حديث سمرة بن جندب، وأخرجه مسلم (2137).

(2)

"القاموس"(1/ 175).

(3)

أورده الشارح الملا علي القاري في مرقاة المفاتيح بتصرف (4/ 1468).

(4)

زيادة من (ج) فقط.

(5)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 7/ أ، ب).

ص: 555

الكاتب أو الراوي، [كذا]

(1)

[قاله]

(2)

شارح "للمصابيح" من علمائنا

(3)

.

وقال الطيبي

(4)

: "لعل السر في تقديم النفث على القراءة مخالفة [السحرة]

(5)

البَطَلَة، أو المعنى: جمع كفيه ثم عزم على النفث فيهما، فقرأ فنفث فيهما، فالفاء فيه مثل ما في قوله تعالى:{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [النحل: 98] وقوله تعالى: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54]، على أن التوبة عين القتل"، انتهى.

والأظهر أن المعنى: ثم يشرع في النفث فيقرؤها حال النفث، على أن الفاء لا تفيد الترتيب عند القراء، ثم المراد بقوله:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} تمام سورة الإخلاص، وكذا قوله:(و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}، و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}) أي: تمام المعوذتين، وقد يقال للثلاثة: المعوذات- بكسر الواو ويفتح- تغليبًا.

(ثم يمسح بهما) أي: بكفيه (ما استطاع من جسده) أي: من جميع بدنه، وبيانه على وجه الأفضل قوله:(يبدأ بهما) أي: يبدأ المسح بكفيه (على

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"وكذا".

(2)

كذا في (أ) و (ج)، وفي (ب) و (د):"قال".

(3)

أورده الملا علي القاري في مشكاة المصابيح (4/ 1468)

(4)

أورده بدر الدين العيني في عمدة القاري (20/ 35).

(5)

كذا في (ب) و (ج)، وفي (أ):"للسحرة".

ص: 556

رأسه، ووجهه، وما أقبل من جسده) أي: ثم ينتهي إلى ما أدبر من جسده، فهو كهيئة الغسل المسنون على الوجه الأصح.

(يفعل ذلك) أي: ما ذكر من الجمع والنفث والقراءة والمسح (ثلاث مرات. خ، عه) أي رواه: البخاري

(1)

، والأربعة

(2)

؛ كلهم عن عائشة.

(ويقول) وفي نسخة صحيحة: "ويقرأ"(آية الكرسي. خ، س، مص) أي رواه: البخاري، والنسائي، عن أبي هريرة

(3)

، وابن أبي شيبة عن علي

(4)

.

(الحمد لله الذي أطعمنا، وسقانا، وكفانا) أي: كفى سائر مهماتنا، ودفع عنا مؤذياتنا، فهو تعميم بعد تخصيص (وآوانا) بالمد، ويجوز قصره، أي: جعل لنا مأوًى نأوي إليه، ونسكن فيه، قال المصنف

(5)

: "أي ردنا إلى مأوًى

(1)

أخرجه البخاري (5017).

(2)

أخرجه أبو داود (5056)، والترمذي (5056)، والنسائي (9/ 290)، وابن ماجه (3875).

(3)

أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة الطويل (2311) قال فيه: (وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة في رمضان)، والنسائي (7/ 258) من حديث أبي هريرة قال: إنه كان على تمر الصدقة.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة عن علي (29315) بلفظ: "ما أرى أحدا يعقل دخل في الإسلام ينام حتى يقرأ آية الكرسي".

(5)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 7/ ب).

ص: 557

لنا، وهو المنزل، ولم يجعلنا من المنتشرين كالبهائم"

(1)

، انتهى.

وفي "النهاية": "يقال أوى وآوى بمعنًى واحد، والمقصور منهما متعدٍّ ولازم"

(2)

، وقال غيره:"الممدود في المتعدي أظهر، والمقصور في القاصر أشهر"، قال النووي

(3)

: "إذا أويت وأوى إلى فراشه، فمقصور، وأما "آوانا" فممدود، هذا هو الصحيح الفصيح المشهور، وحكي القصر فيهما، وحكي المد فيهما".

(فكم ممن لا كافي له، ولا مُؤْوِيَ) بضم ميم وسكون همز ويبدل، وبكسر واو: اسم فاعل من الإيواء، أي: لا راحم له، ولا عاطف عليه، ولا [مسكن]

(4)

له يأوي إليه

(5)

، قاله النووي.

وقال المظهري

(6)

: "الكافي والمؤوي هو الله تعالى، يكفي شر بعض الخلق من بعضهم، ويهيئ لهم المسكن والمأوى، فالمعنى: الحمد لله الذي جعلنا منهم، فكم من خلق لا يكفيهم الله شر الأشرار، بل تركهم

(1)

كذلك أورده ابن الأثير في النهاية (1/ 82).

(2)

"النهاية"(1/ 82).

(3)

أورده النووي في شرحه على صحيح مسلم (17/ 34).

(4)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (ب):"سكن".

(5)

أورده المباركفوري في مرعاة المفاتيح شرح المشكاة (8/ 121، رقم: 2410).

(6)

أورد قول المظهري السيوطي في قوت المغتذي (2/ 481)، والشارح في جمع الوسائل (2/ 63).

ص: 558

وشرهم حتى يغلب عليهم أعداؤهم، وكم من خلق لم يجعل الله لهم مأوًى ولا مسكنًا، بل تركهم يتأذون ببرد الصحاري وحرها".

(م، د، ت، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي؛ كلهم عن أنس

(1)

.

(الحمد للَّه الذي كفاني، وآواني) بالمد والقصر، ولعله أولى هنا لمشاكلة المبنى، مع اتحاد المعنى (وأطعمني، وسقاني، والذي) أي: والحمد لله الذي (منّ علي) أي: أنعم علي بما أحتاج إليه، (وأفضل) أي: وزاد لي على قدر الحاجة، وفي نسخة:"فأفضل" بالفاء، وهو المناسب [لقرينته]

(2)

الكائنة في قوله: (والذي أعطاني فأجزل)"أي: فأكثر، والجزيل: العظيم"

(3)

، قاله المصنف، وفي "مشكاة المصابيح"

(4)

برواية أبي داود "فأفضل" بالفاء، قال الطيبي:"أي أنعم فزاد، وقدم المن لأنه غير مسبوق بعمل العبد، بخلاف الإعطاء، فإنه قد يكون مسبوقًا به"

(5)

.

(الحمد لله على كل حال) وزيد في بعض الروايات: "ونعوذ بالله من

(1)

أخرجه مسلم (2715)، وأبو داود (5053)، والترمذي (3396)، والنسائي (9/ 249).

(2)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"للقرينة".

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 7/ ب).

(4)

مشكاة المصابيح (2/ 745، رقم: 2410) وعزاه لأبي داود.

(5)

أورده المباركفوري في مرعاة المفاتيح (8/ 153، رقم: 2433).

ص: 559

حال أهل النار"

(1)

.

(اللهم ربَّ كُلِّ شيء) أي: خالق كل شيء ومربيه ومصلحه، (ومليكَه) أي: ملكه ومالكه، (وإله كل شيء) أي: معبوده سواء علم أو لم يعلم، (أعوذ بك من النار. د، ت، س، حب، مس، عو) أي رواه: أبو داود، والترمذي

(2)

، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وأبو عوانة

(3)

؛ كلهم من حديث ابن عمر

(4)

إلا الحاكم فعن أنس

(5)

.

(اللهم ربَّ السماوات والأرض) أي: خالق العلويات والسفليات (عالم الغيب والشهادة) أي: عالم الأمور الخفيات والجليات، (أنت ربُّ

(1)

أخرج هذه الزيادة البيهقي في (الدعوات الكبير)(398).

(2)

لم أقف على رواية الترمذي عن ابن عمر.

(3)

لم أقف على رواية أبي عوانة عن ابن عمر.

(4)

أخرجه أبو داود (5058)، والنسائي (7/ 138)، وابن حبان (5538).

(5)

أخرجه الحاكم في المستدرك (1/ 546) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

ومن طريقه الضياء في "المختارة"(2/ 250) رقم (1574)، والبيهقي في "الشعب"(4382)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (720) عن موسى بن إسماعيل عن خلف بن المنذر به.

وسنده ضعيف لجهالة خلف بن المنذر، مترجم في مصادر عدة، ولم يوثق، ولم يذكروا له أكثر من راويين عدا ابن حبان فقد قال: الثقات لابن حبان. . . (6/ 271).

ص: 560

كُلِّ شيء) أي: من الموجودات والممكنات.

(أشهد أن لا إله إلا أنت) أي: في المشهودات (وحدك لا شريك لك) أي: لا في الذات، ولا في الصفات، (وأشهد أن محمدًا عبدك ورسولك) سيد المخلوقات، وسند الموجودات، (والملائكة يشهدون) أي: بهذه الشهادات، أو يشهدون بأني أشهد أن لا إله إلا أنت. . .، إلى آخره.

(أعوذ بك من الشيطان) أي: من وساوسه، وتزيين الخطوات، (وشركه) أي: ومن إيقاع شركه لنا من المصنوعات، وفي نسخة بفتح الشين والراء، أي: ومن مصائده ومكائده من مكامن السيئات، قال المؤلف:"تقدم في دعاء الصباح"

(1)

.

(وأعوذ بك أن أقترف) أي: من أن أكتسب (على نفسي سوءًا) أي: معصية مما يسوءني، ويحزنني في الدنيا والعقبى، (أو أجره) بفتح همزة وضم جيم وتشديد راء، أي: أو من [أن]

(2)

أنسب سوءًا عملته، أو لم أعمله، (إلى مسلم) أي: بريء من ذلك العمل.

(أ، ط) أي رواه: أحمد والطبراني؛ كلاهما عن ابن عمرو

(3)

، بالواو كما في "أصل الجلال"، وفي نسخة صحيحة بلا واو، وفي نسخة نسب رمز

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 7/ ب).

(2)

زيادة من (أ) فقط.

(3)

أخرجه أحمد (2/ 171)، والطبراني في المعجم الكبير (13/ 40، رقم (94)، وفي الدعاء (263).

ص: 561

الألف إلى الأول والثاني إلى الآخر.

(اللهم فاطرَ السماوات والأرض) أي: مبدعهما، ومخترعهما، وموجدهما، ومُبْدِئَهُمَا (عالمَ الغيب والشهادة) أي: السر والعلانية، (ربَّ كُلِّ شيء ومليكه) أي: مربي كل شيء ومتصرفه، (أعوذ بك من شر نفسي) أي: فإني عاجزٌ عن مقاومتها إشارةً إلى قوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف: 53].

(وشر الشيطان وشركه) بالوجهين إيماء إلى قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42]، وإشارة إلى قوله عز وجل حكاية عن إبليس:{قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 82، 83].

(د، ت، س، حب، مس، مص) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه

(1)

.

(اللهم خلقت نفسي) وفي نسخة: "اللهم أنت خلقت نفسي"

(2)

، أي: أوجدتها من العدم، (وأنت تَوَفَّاها) أي: تميتها، قال المصنف: "أصله

(1)

أخرجه أبو داود (5067)، والترمذي (3392)، والنسائي (7/ 137)، وابن حبان (962)، والحاكم (1/ 694)، وابن أبي شيبة (26523).

(2)

أخرجه هذه الرواية بهذا اللفظ: "اللهم أنت خلقت نفسي" البزار في مسنده (6168)، وأبو يعلى في مسنده (5676)، وابن حبان (5541).

ص: 562

تتوفاها بتاءين

(1)

، وحسن الحذف هنا لئلا يجتمع ثلاث تاءات"

(2)

، انتهى.

والمعنى: أنه زاد حسن الحذف هنا لما ذكر، وإلا فحذف إحدى التاءين مستحسنة كثر وقوعها في أفصح الكلام، (لك مماتها ومحياها) أي: موتها وحياتها، إيماء إلى قوله تعالى:{وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162]، أو المعنى: لك لا لغيرك إماتتها وإحياؤها، كما يشير إليه قوله:(إن أحييتها) أي: بإيقاظها (فاحفظها) أي: من البليات، وارتكاب السيئات، (وإن أمتها) بتشديد التاء، أي: بقبضها (فاغفر لها).

(اللهم)"إني" نسخة (أسألك العافية) أي: في النوم واليقظة، والدنيا والآخرة.

(م، س) أي رواه: مسلم، والنسائي، عن ابن عمر

(3)

.

(اللهم إني أعوذ بوجهك) أي: بذاتك

(4)

(الكريم) أي: النافع، أو

(1)

بعدها في "مفتاح الحصن الحصين" زيادة: "فحذفت إحداهما".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 7/ ب).

(3)

أخرجه مسلم (2712) واللفظ له؛ والنسائي في السنن الكبرى (10564) بلفظ: "اللهم أنت خلقت نفسي. . .".

(4)

قد دلت العديد من الآيات والأحاديث على إثبات صفة الوجه لرب العالمين قال تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} وقد احتج أهل السنة بهذه الآية على إبطال تأويل الوجه بالذات لأنه لو كان الوجه والذات شيئا واحدًا لقال (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) ولما كان الوجه غير الذات عوملت صفة الوجه غير معاملة الذات فرفعت صفتها بينما كلمة الرب =

ص: 563

الكامل الجامع، (وكلماتك) أي: وكتبك، أو أسمائك (التامة) أي: النافعة الكاملة، (من شر ما أنت آخذ بناصيته) أي: هو في ملكك، وتحت سلطانك، وفي قبضتك، وأنت متصرف فيه على ما تشاء، والناصية: شعر مقدم الرأس على ما في "الصحاح"

(1)

، والأخذ بالناصية كنايةٌ عن الاستيلاء التام والتمكن من التصرف العام، وإنما لم يقل:"من شر كل شيء" إشعارًا بأنه المسبب لكل ما يضر وينفع والمرسل له، لا أحد يقدر على منعه، ولا شيء ينفع [في]

(2)

دفعه

(3)

.

قال ميرك: "كنى بالأخذ بالناصية عن فظاعة شأن ما تعوذ من

= مجرور. وذهب أهل السنة أيضا إلى إبطال تأويل الوجه بالثواب.

ومن الأحاديث التي تدل على إثبات هذه الصفة ما رواه مسلم من حديث أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" وهذا الحديث يدل على بطلان تأويل الوجه بالثواب. وقد تأول بعض المبتدعة الوجه بالجاه وهذا باطل أيضًا لأن الجاه يأتي منه الوجاهة وليس الوجه والأحاديمث السابقة تدل على بطلان هذا التأويل فأثبت السلف صفة الوجه لرب العالمين.

(1)

لم أجده في "الصحاح" لكنه في "تهذيب اللغة" للأزهري (12/ 244) مادة (ن ص و) بلفظ: "الناصية: هي قُصاصُ الشّعَر في مقدَّم الرأس".

(2)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (د):"من".

(3)

أورده بتصرف الشارح في مرقاة المفاتيح (4/ 1666).

ص: 564

شره، وقال القاضي: "الاستعاذة بذاته تعالى وبالكلمات التامة إشارة إلى أنه لا يوجد قابضة حركة، ولا [قابضة]

(1)

من خير وشر إلا بأمره التابع لمشيئة، {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40] "

(2)

، انتهى.

وفي الحديث تلويحٌ إلى قوله تعالى في سورة هود: {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} [هود: 56].

(اللهم أنت تكشف المغرم)"هو مصدر وضع موضع الاسم، ويريد به: مغرم الذنوب، وقيل: المغرم كالغرم هو الدَّيْن، والمراد به: ما استدين فيما يكرهه الله تعالى، أو فيما يجوز ثم يعجز عن أدائه، وأما دَيْنٌ احتاج وهو قادر على أدائه، فلا يستعاذ منه"، ذكره صاحب "النهاية"

(3)

(والمأثم) أي: الأمر الذي يأثم به الإنسان، أو هو الإثم نفسه، فوضع المصدر موضع الاسم

(4)

.

(اللهم لا يُهزَمُ جندُك) بصيغة المجهول، أي: لا يغلب عسكرك؛ فإن حزب الله هم الغالبون، (ولا يخلف وعدك) على بناء المفعول من الإخلاف، وفي نسخة -وهي رواية- بصيغة الفاعل المخاطب ونصب "وعدك".

(1)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج):"فائضة"، وفي (د):"فائضة سكون".

(2)

أورده بتصرف المناوي في فيض القدير (2/ 119)

(3)

"النهاية"(3/ 363) مادة (غ ر م).

(4)

أورده ابن الأثير في النهاية (1/ 24).

ص: 565

ثم المراد بالوعد: هو الأعم من الوعيد، إذ يطلق على كل منهما، قال تعالى:{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ} [الحج: 47]، أو هو من قبيل الاكتفاء بأحد الضدين عن الآخر، كقوله تعالى:{سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81]، أي: والبرد، وقد حققنا عدم تجويز خلف الوعيد في رسالتنا المسماة بـ "القول السديد".

(ولا ينفع ذا الجد) بفتح الجيم، أي: لا ينفع ذا الغنى والحظ والعظمة (منك) أي: بدل لطفك ورحمتك وفضلك (الجد) أي: جده؛ ففي "الفائق": "قوله: "منك"، بمعنى بدلك، أي: لا ينفعه حظه بدل طاعتك، أو "من" للابتداء متعلق بـ "ينفع"، أو بـ "الجد"، أي: المجدود لا ينفعه منك الجد الذي منحته، وإنما بينفعه أن تمنحه اللطف والتوفيق على الطاعة، أو لا ينفع من جده منك جده، وإنما ينفعه التوفيق منك"

(1)

، وقال صاحب "الصحاح":"أي: لا ينفع ذا الغنى عندك غناه، إنما ينفعه العمل الصالح"

(2)

، وقال النووي:"معناه: لا ينجيه حظه منك، إنما ينجيه فضلك ورحمتك"، انتهى.

وفي نسخة بكسر الجيم، أي: لا ينفع، أو لا يغني صاحب الجد والاجتهاد منك جده واجتهاده، وإنما ينفعه إخلاصه الموجب لخلاصه، وقال المؤلف: "الجد بالفتح، وهو: الغنى، أي: لا ينفع ذا الغنى منك

(1)

"الفائق في غريب الحديث" للزمخشري (1/ 193).

(2)

"الصحاح"(2/ 452).

ص: 566

غناه، وإنما ينفعه الإيمان والطاعة"

(1)

، انتهى.

ورواه بعضهم بكسر الجيم، وهو الاجتهاد على ما في "الصحاح"

(2)

، قال التوربشتي:"وأريد به الجد في أمور الدنيا وحظوظها، أي: النافع هو الجد في أمور الآخرة"، انتهى. وقيل:"المراد من الجد -بالفتح-: الحظ، وهو الذي تسميه العامة: "البخت"، وقد ورد في الحديث: "أن جمعًا من المسلمين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم تذاكروا فيما بينهم الجدود، فقال بعضهم: جدي في النخل، وقال آخر: جدي في الإبل، وقال آخر: جدي في كذا، فسمع به النبي صلى الله عليه وسلم فدعا يومئذٍ بدعائه هذا".

قيل: "فإن صح [فهو]

(3)

الوجه لا معدل عنه، إلا أن فيه مقالًا".

قلت: ولو صح، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ثم الجد يطلق أيضًا على أب الأب، وأب الأم، فلا يبعد أن يراد بالجد هنا هذا المعنى، أي: لا ينفع ذا النسب منك نسبه، بل لا ينفعه إلا [عمله]

(4)

؛ ويؤيده حديث: "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه".

(سبحانك وبحمدك. د، س، مص) أي رواه

(5)

: أبو داود، والنسائي،

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 7/ ب).

(2)

"الصحاح"(2/ 452) مادة (ج د د).

(3)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"فهذا".

(4)

هذا الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ:"حسبه".

(5)

أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (17052) وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه حماد بن عبد الرحمن الكوفي، وهو ضعيف.

ص: 567

وابن أبي شيبة، كلهم عن علي رضي الله عنه

(1)

.

(أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم) بنصبهما على المدح، أو على أنهما صفتان لله بعد صفة، أو بدل من الموصول، وفي نسخة برفعهما على البدل من "هو"، أو على المدح، أو على أنهما خبر مبتدإ محذوف، والمعنى: أطلب مغفرته باللسان، (وأتوب إليه) أي: وأرجع إلى رحمته بالجنان، (ثلاث مرات) ظرف لفعل مقدر، أي: يقوله. (ت) أي رواه: الترمذي عن أبي سعيد، بلفظ:"من قالها غفرت ذنوبه، وإن كانت كزبد البحر، أو عدد ورق الشجر، أو عدد رمل عالج، أو عدد أيام السنة"

(2)

.

(لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، [و]

(3)

لا حول ولا قوة إلا بالله. سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. حب، موس) أي: رواه ابن حبان عن أبي هريرة مرفوعًا، والنسائي من قوله موقوفًا، ولفظه: "من قالها حين يأوي

(1)

أخرجه أبو داود (5052)، والنسائي في السنن الكبرى (7685)، وابن أبي شيبة موقوفا عن أبي ميسرة الكوفي (6/ 40، رقم: 29317).

(2)

أخرجه الترمذي 33971) وفي إسناده عطية العوفي، قال عنه الحافظ: صدوق يخطيء كثيرا وكان شيعيا مدلسا التقريب (4649) وكذلك عبيد الله بن الوليد الوصافي قال الحافظ عنه: ضعيف التقريب (4381). "نتائج الأفكار"(3/ 68) وضعفه الألباني في "ضعيف سنن الترمذي"(674).

(3)

ليست في (أ) و (ج).

ص: 568

إلى فراشه غفر له ذنوبه وخطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر"

(1)

.

(ويقول) أي: إذا آوى إلى فراشه، (وهو مضطجع: اللهم رب السماوات)، وفي نسخة:"السبع"، قال ميرك:"كذا وقع في بعض روايات مسلم"، (ورب الأرض، ورب العرش العظيم) بالجر على أنه صفة "العرش"، وفي نسخة بالنصب على أنه نعت "الرب".

(ربَّنا وربَّ كل شيء) بالنصب فيهما، كما قبلهما وما بعدهما على النداء أو على الوصف، (فالق الحب والنوى) قال المصنف:"أي: الذي يشق حب الطعام ونوى التمر للإنبات"

(2)

، (ومنزل التوراة) من الإنزال، ويحتمل التنزيل، (والإنجيل والفرقان) أي: القرآن الذي يفرق بين الحق والباطل، ولعله لم يذكر الزبور لأنه ليس فيه الأحكام، وإنما فيه مواعظ للأنام.

(أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته) وفي رواية لمسلم: "من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها".

(اللهم أنت الأول) أي: السابق بلا ابتداء (فليس قبلك شيء) تقرير للمعنى السابق، وذلك أن قوله:"أنت الأول" مفيد للحصر بقرينة الخبر باللام، فكأنه قيل:"أنت مختص بالأولية فليس قبلك شيء"، وعلى هذا

(1)

أخرجه النسائي (3/ 78 - 79)، وابن حبان (5528) وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي"(1282).

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 7/ ب).

ص: 569

ما بعده، (وأنت الآخر) أي: بلا انتهاء، وقال المؤلف:"أي: الباقي بعد فناء خلقه كله، ناطقه وصامته"

(1)

، (فليس بعدك شيء).

(وأنت الظاهر)

(2)

أي: بالصفات، وقال المصنف:"أي: ظهر فوق كل شيء وعلا عليه"

(3)

، (فليس فوقك) أي: فوق ظهورك (شيء) أي: من الأشياء الظاهرة، (وأنت الباطن) أي: بالذات، وقال المؤلف:"أي: المحتجب عن أبصار الخلائق وأوهامهم، فلا يدركه بصر ولا يحيط به وهم"

(4)

، (فليس دونك) أي: دون باطنك (شيء) أي: من الأمور الباطنة، وقال المصنف:"أي: ومع أنه يحتجب عن أبصار الخلائق وأوهامهم، فليس دونه ما يحجبه عن إدراكه شيئًا من خلقه"

(5)

.

(اقضِ عنّا) وفي رواية أبي داود، وابن أبي شيبة:"اقض عني"(الدين) يحتمل أن يراد به: حقوق الله، وحقوق العباد، (وأغننا) وفي روايتهما:"أغنني"(من الفقر) أي: من الاحتياج إلى الخلق، أو من فقر القلب بالاستغناء عنهم.

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 7/ ب).

(2)

كتب في حاشية (ب): "أي: الظاهر وجوده لكثرة دلائله، والباطن حقيقة ذاته، أو الغالب على كل شيء، والباطن العالم بباطن الشيء".

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 7/ ب).

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 7/ ب).

(5)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 7/ ب).

ص: 570

(م، عه، مص، ص) أي رواه: مسلم، والأربعة، وابن أبي شيبة، عن أبي هريرة

(1)

، وأبو يعلى عن عائشة، وفي "ذخائر العقبى"، عن أبي هريرة قال:"جاءت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله خادمًا، فقال: قولي: اللهم رب السماوات السبع. . ." الحديث.

(باسم الله. س) أي: رواه النسائي عن البراء، وحقه أن يُكتب فوق البسملة؛ فإنها مقدمة الدعاء الآتي في الرواية المختض به، دون سائر الجماعة الآتية، فإن أول روايتهم قوله:(اللهم أسلمت وجهي) بسكون الياء وتفتح، وكذا في نظائره، (إليك) والمراد من الوجه: الذات، ومنه قوله تعالى:{بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} [البقرة: 112]، و {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ} [الأنعام: 79]، ففيه إشارة إلى أن ذاته وحقيقته منقادة لله تعالى في الأمور التكليفية والحوادث الكونية، والمعنى: استسلمت وجعلت نفسي منقادة لك، طائعة لحكمك، راضية بقضائك، قانعة بقدرك.

(وفوضت أمري) أي: جميع أموري الدنيوية والأخروية (إليك، وألجأت ظهري إليك) إتيان هذا بعد قوله: "فوضت أمري إليك"؛ للإشعار بأنه بعد تفويض أموره التي هو مفتقر إليها وبها معاشه، وعليها مدار معاده، يلتجئ إليه مما يضره ويؤذيه من الأشياء الداخلة والخارجة، يقال:"ألجأته إلى الشيء، أي: اضطررته إليه"، وقد يستعمل بمعنى

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة (29313)، ومسلم (2713)، وأبو داود (5051)، والترمذي (3400)، وابن ماجه (3873).

ص: 571

الإسناد، فالمعنى: أسندت ظهري إليك، واعتمدت في أمري عليك.

وفيه تنبيه نبيه على أنه كالمضطر في ذلك، حيث لم يعلم له سندًا يتقوى به غير الله، ولا ظهرًا يشتد به أزره سواه.

(رغبة) أي: ميلًا (ورهبة) أي: خوفًا (إليك) قال الكرماني: "أي: طمعًا في ثوابك، وخوفًا من عقابك، و"إليك" متعلق بـ "رغبة"، كقولهم: علفته تبنًا وماء باردًا"، انتهى.

وفي كونه مثالًا له نظر لا يخفى، والأظهر أن يكونا متنازعين فيه، أي: رغبة إليك وهو ظاهر، ورهبة إليك بمعنى أني حالة الخوف لا أرجع إلا إليك، فيكون ما بعده وهو قوله:(لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك) كالتعليل له بطريق الاستئناف البياني، ثم نصب "رغبة" و"رهبة" على العلة، أو على الحال، بمعنى: راغبًا وراهبًا، وقيل: قوله: "رغبة، ورهبة" منصوبان على المفعول له على طريق اللف والنشر، أي: فوضت أمري إليك رغبة، وألجأت ظهري في المكاره والشدائد إليك رهبةً منك؛ لأنه لا ملجأ ولا منجا إلا إليك.

ومال المصنف إلى قول الكرماني، حيث قال:"عطف الرهبة على الرغبة ثم أعمل لفظ "الرغبة" وحدها، ولو أعمل كلًّا منهما لقال: "رغبة إليك ورهبة منك"، والعرب تفعل ذلك كثيرًا كقول الشاعر:

ورأيت بعلك في الوغى

متقلدًا سيفًا ورمحا

(1)

(1)

اللسان والتاج "قلد". وينسب لعبد الله بن الزبعري.

ص: 572

ثم قال: "قوله: "ولا ملجأ": بهمزة مفتوحة، أي: لا مستند ولا مَن يُلْتَجَأُ إليه إلا الله، وقوله: "ولا منجا"، غير مهموز"

(1)

، انتهى.

وقال العسقلاني

(2)

: "الأصل في "ملجأ" بالهمزة، وفي "منجا" بغير همزة، لكن لما جمعا جاز أن يهمزا للازدواج، وأن يترك الهمزة فيهما، وأن يهمز المهموز ويترك الآخر، ويجوز التنوين مع القصر فيصير خمسة أوجه.

وقال الكرماني في "لا منجا": "مقصور، وإعرابه كإعراب عصا، فإن قلت: فهو يقرأ بالتنوين وعدمه؟ قلت: في هذا التركيب خمسة أوجه؛ لأنه مثل: لا حول ولا قوة إلا بالله، والفرق بين نصبه وفتحه بالتنوين وعدمه، وعند التنوين تسقط الألف، قال: "ولا ملجأ ولا منجا" إن كانا مصدرين فيتنازعان في "منك"، وإن كانا مكانين فلا؛ إذ اسم المكان لا يعمل، وتقديره: لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك، ولا منجا إلا إليك"، انتهى.

والملجأ بمعنى: الملاذ والمفر، والمنجا بمعنى: المخلص والمفر، ففيه إيماء إلى قوله تعالى:{فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} [الذاريات: 50]، وقوله سبحانه:{كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} [القيامة: 11].

(آمنت بكتابك الذي أنزلت) قال ميرك: "أي: القرآن، فإن قلت: المفرد المضاف يفيد العموم، فلم خصصته بالقرآن؟ قلت: بقرينة المقام، مع أن عمومه مختلف فيه، ثم الإيمان بالقرآن مستلزم للإيمان

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 7/ ب).

(2)

فتح الباري (11/ 111)

ص: 573

بجميع الكتب المنزلة، فلو حملناه على العموم لجاز أيضًا.

وها هنا فائدة، وهو أن المعرف بالإضافة كالمعرف باللام، يحتمل: الجنس، والاستغراق، والعهد، فلفظ "كتابك" محتمل لجميع الكتب، ولجنس الكتب، ولبعضها كالقرآن، بل جميع المعارف كذلك، يعلم من "الكشاف" في قوله تعالى:{وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا} [طه: 56]، وفي قوله:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 6] في أول البقرة.

(ونبيك) بدون الباء الجارة في الأصول، وبزيادتها في "المصابيح" كذا ذكره المصنف في "التصحيح"، وفي "أصل الأصيل":"وبنبيّك"(الذي أرسلت) أي: أرسلته إلى كافة الخلق بشيرًا ونذيرًا، وسراجًا منيرًا.

(وليجعلهن آخر ما يتكلم به) أي: من الدعوات، فلا ينافيه ما بعده، وظاهره أنه من جملة الحديث، ويحتمل أن يكون مدرجًا من كلام المصنف، أو من كلام أحد الرواة المتقدمة.

(ع) أي: رواه الجماعة عن البراء بن عازب

(1)

، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت. . ." إلى آخره، وقال في آخره:"فإن مت في ليلتك فأنت على الفطرة، وإن أصبحت أصبت خيرًا".

(1)

أخرجه البخاري (7488) و (247)، ومسلم (2710)، وأبو داود (5046)، والترمذي (3574)، وقال: وهذا حديث حسن صحيح. والنسائي في عمل اليوم والليلة (782)، والبغوي في شرح السنة (1317).

ص: 574

(وليقرأ) أي: عند إرادة النوم ({قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] ط) أي: رواه الطبراني من حديث جبلة بن حارثة أخي زيد بن حارثة، وله صحبة

(1)

.

(ثم لينم) بفتح النون، أي: وليقرأ الكافرون، ثم لينم (على خاتمتها. د، ت، س، حب، مس، مص) أي رواه: أبو د اود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة، عن فروة بن نوفل الأشجعي، عن أبيه

(2)

أنه قال: "يا رسول الله، علمني شيئًا أقوله إذا أويت إلى فراشي، فقال: اقرأ: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، ثم نم على خاتمتها، فإنها براءة من الشرك".

(وكان) أي: "النبي" كما في نسخة (صلى الله عليه وسلم يقرأ المسبحات) بكسر الباء، وهي التي افتتحت بالتسبيح من "سبحان"، أو "يُسَبّح"، أو "سَبَّح"، أو "سبِّح"، (قبل أن يرقد) أي: ينام (ويقول: إن فيهن) أي: في السور المسبحات (آيةً) أي: عظيمةً (خيرٌ من ألف آيةٍ) وهي مخفية مبهمة، كإخفاء ليلة القدر، وساعة الجمعة، ولعل الحكمة في إخفائها أن يؤتى

(1)

أخرجه النسائي في الكبرى (10636)، وابن قانع (1/ 162)، والطبراني في الأوسط (888). قال الحافظ في الإصابة (1/ 456 ترجمة 1078): حديث متصل، صحيح الإسناد.

(2)

أخرجه أحمد (5/ 456)، وابن أبي شيبة (26528)، وأبو داود (5055)، والترمذي (3403)، والحاكم (2/ 587)، وقال: صحيح الإسناد. . . وابن السني (694). والنسائي في الكبرى (10637) وابن حبان (790)، والدارمي (3427)، والبيهقي في شعب الإيمان (2521).

ص: 575

بجميعها، ولا يقتصر عليها، والظاهر أنهما في كل منها، وإلا لاقتصر على ما هي فيها. (د، ت، س) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي؛ كلهم عن العرباض بن سارية

(1)

، ولفظه: "كان صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى [يقرأ]

(2)

".

(وهن) أي: المسبحات (الحديد، والحشر، والصف، والجمعة، والتغابن، والأعلى. موس) أي: رواه النسائي موقوفًا

(3)

من قول معاوية بن صَالِحٍ، أَحَدِ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ، ففيه مسامحة لا تخفى، وفي نسخة [هو]

(4)

موجود.

(وحتى يقرأ) أي: وكان صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ ({الم} السجدة) بالنصب على النعت أو البدل، ويجوز [ضمها]

(5)

على تقدير: هي السجدة، وجرها على الإضافة، ({تَبَارَكَ} الملك) بالنصب، ويجوز الجر على الإضافة، والرفع على الحكاية، أو على أنه خبر مبتدإ محذوف، (س، ت، مص، مس) أي رواه: النسائي، والترمذي، وابن أبي شيبة،

(1)

أخرجه أبو داود (5057)، والترمذي (2921)(3406)، والنسائي في الكبرى (10594)(10550)، وفي اليوم والليلة (713)(714) وفي إسناده بقية بن الوليد وهو يدلس. ومثله يحتاج إلى التصريح بالتحديث. والحديث في "ضعيف الترغيب"(344).

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"يقرأهن".

(3)

عمل اليوم والليلة (715).

(4)

زيادة من (د) فقط.

(5)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"رفعها".

ص: 576

والحاكم؛ كلهم عن جابر

(1)

.

(وحتى يقرأ بني إسرائيل والزمر. ت، س، مس) أي رواه: الترمذي، والنسائي، والحاكم؛ كلهم عن عائشة

(2)

.

(ما كنت أرى) بضم الهمزة وفتح الراء على صيغة المجهول من

(1)

أخرجه الترمذي (2892)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (707) والحاكم في المستدرك 2/ 412) وفيه اضطراب، لكونه من حديث أبي الزبير عن جابر لكنه قد صرح في رواية الترمذي والنسائي بروايته عن صفوان عن جابر، وقد أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (ص 251 - 252)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (709) من طريق زهير بن معاوية قال: سألت أبا الزبير أسمعت جابرًا يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث. . . قال: ليس جابر حدثنيه ولكن حدثنيه صفوان أو ابن صفوان قلت: وصفوان الذي يروى عنه أبو الزبير هو صفوان بن عبد الله بن صفوان القرشي المكي وهو ثقة وبه يصح الحديث. انظر: الصحيحة (585).

(2)

أخرجه إسحاق بن راهويه (1372)، وأحمد (6/ 68 و 122 و 189)، والترمذي (2920 و 3405)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة"(712). وابن خزيمة (1163)، وأبو يعلى (4643) و (4764)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"(678) والحاكم (2/ 434) قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(2/ 272) رواه أحمد ورجاله ثقات.

والحديث، صححه عبد الحق في "الأحكام الكبرى" حيث عزاه للنسائي والترمذي المصنف للبزار، وأورده ساكتا عليه (3/ 537) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.

ص: 577

الإراءة، أي: أظن على صيغة الفاعل، وفي نسخة بفتح الهمزة، أي: أعلم، (أحدًا يعقل) أي: يصير ذا عقل وإدراك وتمييز، وهو صفة "أحدًا"، والمفعول الثاني قوله:(ينام قبل أن يقرأ الآيات الثلاث) بالنصب، وكذا قوله:(الأواخر من البقرة) وفي نسخة: "من سورة البقرة"، وفي أخرى:"من سورة فيها البقرة"، فالابتداء من قوله:{لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 284].

(مو صحيح) أي: حديث موقوف صحيح إسناده، لكن سبق المصنف في أول كتابه الوعد بأنه إن كان الحديث موقوفًا جعل قبل رمزه "مو" ليعلم أنه موقوف لما بعده من الكتب، ولم يفِ هنا بما وعده، حيث لم يذكر رمزًا بعد "مو"، لكن قال النووي في "الأذكار":"روى الإمام الحافظ أبو بكر بن أبي داود بإسناده عن علي رضي الله عنه، قال: "ما كنت أرى أحدًا. . . " إلى آخره، وإسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم"

(1)

، انتهى.

ولعل عذر المؤلف أن مخرج هذا الحديث لم يكن مذكورًا في الكتب المرموزة، ولذا أطلقه وقال:"موقوف صحيح".

(إذا وضعت جنبك على الفراش، وقرأت فاتحة الكتاب، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، فقد أمنت) على وزن علمت من الأمن والأمان، والمعنى: حفظت (من كل شيء) أي: من البلايا (إلا الموت) أي: فإنه لا بد منه،

(1)

"الأذكار النووية"(صـ 79).

ص: 578

بل هو تحفة المؤمن. (ر) أي رواه البزار عن أنس

(1)

.

(ما من رجل يأوي) أي: يأتي زنةً ومعنًى (إلى فراشه، فيقرأ سورة) كذا بلفظ الفعل في الترمذي، و"جامع الأصول"، و"الأذكار"

(2)

، لكن في كثير من نسخ "المشكاة" وقع لفظة "بقراءة سورة"، فقال الطيبي:"قوله: "بقراءة" حال، أي: مفتتحًا بقراءة سورة، وقال بعضهم، أي: ملتبسًا بقراءة سورة (من كتاب الله إلا بعث الله) أي: أرسل (إليه ملكًا يحفظه من كل شيء يؤذيه، حتى يهُب) بضم الهاء وتشديد الموحدة، أي: ينتبه ويقوم، على ما في "الأذكار"، وقال المصنف: "بفتح الياء وضم الهاء، أي: يستيقظ"

(3)

(من نومه متى هبَّ. أ) أي: رواه أحمد عن شداد بن أوس

(4)

.

(إذا أوى) بالفتح ويمد، أي: أتى (الرجل إلى فراشه، ابتدره) أي: تسارع إليه (مَلَك وشيطان، فيقول المَلَك: اختم) أي: عملَك (بخير، ويقول الشيطان: اختم بشر، فإن ذكر الله ثم نام، بات الملك يكلَؤُه) بفتح اللام

(1)

أخرجه البزار (3109) وفيه غسان بن عبيد وهو ضعيف، كما في "المجمع"(10/ 121) والحديث في "ضعيف الترغيب"(347).

(2)

"الأذكار النووية"(صـ 78).

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 7/ ب).

(4)

أحمد 4/ 125، والترمذي (3404)، والبيهقي في "الشعب"(2011)، والنسائي في "الكبرى"(10648)، وفي "عمل اليوم والليلة"(812)، والطبراني في "الدعاء"(275)، والحديث في "ضعيف الترغيب"(345).

ص: 579

وضم الهمزة، وقال المؤلف:"بهمزة مضمومة، أي: يحفظه ويحرسه"

(1)

.

قلت: ومنه قوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ} [الأنبياء: 42]، ومفهوم الحديث أنه إن لم يذكر الله لم يبت الملك يكلؤه، بل بات الشيطان ينتظر إغواءه، ويوسولس له عند انتباهه، (الحديث) بالنصب، وجُوِّزَ غيرُهُ، والأظهر أن يكون بالرفع على الابتداء، وخبره قوله:(يأتي تتمته) أي: بقيته، وهو قوله:"وإذا انتبه من النوم، فقال: الحمد لله الذي رد إليَّ نفسي، ولم يمتها في منامها. . ." إلى آخره.

(س، حب، مس، ص) أي رواه: النسائي، وابن حبان، والحاكم، وأبو يعلى، عن جابر

(2)

.

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 7/ ب).

(2)

أخرجه النسائي في الكبرى (10689)، وأبو يعلى (1791)، قال الهيثمي (10/ 120): رجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن الحجاج الشامي، وهو ثقة. وابن السني في عمل يوم وليلة (12). وأخرجه أيضا: الحاكم (1/ 733)، وقال: صحيح على شرط مسلم.

ص: 580

‌في آداب الرؤيا

(وإذا) وفي نسخة: "فإذا"(رأى في منامه) أي: في نومه، أو زمان تحققه، (ما يحب) أي: ما [يعجبه]

(1)

، (فليحمد الله عليها) أي: على رؤياه، أو على رؤيته لما يحبّ، (وليحدث بها) أي: لمن يحب. (خ، م، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، والنسائي، عن أبي سعيد.

(ولا يحدث بها) بالرفع، والجزم وهو الأظهر (إلا من يحب) أي: من يحبه النائم، قال المؤلف: "يعني: أن الرؤيا لا تستقر ما لم تعبر، فإذا عبرت سقطت، فإذا كان العابر غير محب [قد]

(2)

يعبرها بما يكره فيحصل بذلك هم وغم، وليس المراد أن يزيلها عما [جعله]

(3)

الله عليه، وقد يقع الرؤيا بقول أول عابر إذا كان خبيرًا بالرؤيا، وربما احتملت الرؤيا تأويلين أو أكثر، فعبرها من يعرف عبارتها -أي: تعبيرها- على وجه يحتملها، فيقع على ما أنزلها، فقد ورد: "أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت: رأيت كأن صائر بيتي- أي: عتبته- قد انكسر، فقال: يرد الله عليك غائبك، فرجع زوجها ثم غاب، فرأت مثل هذا فأتت النبي صلى الله عليه وسلم

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج)، وفي (د):"يحبه".

(2)

في "مفتاح الحصن الحصين": "فقد".

(3)

في "مفتاح الحصن الحصين": "جعلها".

ص: 581

فلم تجده، ووجدت أبا بكر فأخبرته، فقال: يموت زوجك فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هل قصصتها على أحد؟ قالت: نعم، قال: هو كما قال"

(1)

.

(خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم، عن أبي قتادة

(2)

، وفيه تنبيه على أن للشيخين روايتين: إحداهما: عن أبي سعيدٍ كما سبق، والنسائي [يوافقهما]

(3)

، والأخرى: عن أبي قتادة كما هنا، ولم يشاركهما أحد.

(وإذا رأى ما يكره) أي: ما يكرهه كما في "أصل الأصيل"، (فليتفل) بكسر الفاء ويضم، قال المؤلف:"بفتح الياء وكسر الفاء وضمها، والتفل: شبيه بالبزق، وهو أقل منه، أوله البزق، ثم التفْل، ثم النفْث، ثم النفْخ"

(4)

. (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم، عنه أيضًا.

(أو ليبصق) بضم الصاد، أي: ليبزق ويبسق، والكل من باب نصر على ما في "التاج"، وقال المصنف: "هو بالصاد المهملة، كذا وردت الرواية في الحديث، والأصل فيه الزاي، ويجوز فيه السين، وإنما أبدلت صادًا

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 7/ ب).

(2)

أخرجه البخاري (6986)، ومسلم (2261)، والترمذي (2277)، وابن ماجه (3909)، والنسائي في الكبرى (7627)، وأبو داود (5021).

(3)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د):"يوافقها".

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ أ).

ص: 582

لمجاورة القاف"

(1)

. (م) أي: رواه مسلم عنه أيضًا، وفي نسخة عن جابر.

(أو لينفث) بكسر الفاء ويضم، على ما تقدم. (ع) أي: رواه الجماعة عن أبي قتادة فكلمة "أو" للتنويع في الموضعين بدليل اختلاف المخرجين، فقول الحنفي:"أو للتخيير" غير ظاهرٍ، وقوله:"أو للشك" خطأٌ.

ثم يؤيد قولنا قوله: (ثلاثًا ثلاثًا) بالتكرير (عن يساره. ع) أي: رواه الجماعة عنه أيضًا، والظاهر أن للجماعة روايتين: رواية "لينفث" مطلقًا، ورواية "ثلاثًا عن يساره"، وأن هذا تصرف من المصنف في التعبير، وهو مخل في التفسير، لأن الجماعة بكمالهم لم يرووا إلا قوله:"لينفث"، فلا معنى لتكرار "ثلاثًا".

(وليتعوذ بالله من الشيطان، ومن شرّها) أي: شر الرؤيا التي يكرهها النائم. (ع) أي: رواه الجماعة عنه أيضًا، (ثلَاثًا) أي: يتعوذ ثلاثًا، وفي "أصل الأصيل":"ثلاثًا ثلاثًا" ولا وجه له أصلًا، ثم كان حق المصنف أن يقدم قوله:"ثلاثًا" على رمز الجماعة، ثم يقول:

(ولا يذكرها لأحدٍ) بصيغة النهي، أو بالنفي على إرادة النهي وهو أبلغ، والمعنى: لا يذكر النائم الرؤيا المكروهة لأحدٍ؛ فإنها حينئذٍ لا تضره. (خ، م، د، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود،

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ أ).

ص: 583

والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم عن أبي سعيد

(1)

.

(فإنها لا تضره. ع) أي: رواه الجماعة عن أبي سعيد وأبي قتادة، ولكن فيه إشكال؛ وهو أن ما قبله رواه الجماعة إلا الترمذي، فكيف يصح نسبة الثاني -وهو العلة لما سبق- إلى الجماعة جميعًا؟.

(وليتحول عن جنبه الذي كان عليه. م) أي رواه: مسلم عن جابر، وقال صاحب "سلاح المؤمن":"رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه"

(2)

.

(أو ليقم فليصل. خ) أي: رواه البخاري عن أبي هريرة

(3)

، فـ "أو" للتنويع، لكن الأمر بالصلاة ليس بمرفوع في البخاري، بل هو موقوف على محمد بن سيرين، نَعَم

(4)

، هو مرفوع في الترمذي عن أبي هريرة، كما

(1)

أحمد (3/ 8) والبخاري (7045) والترمذي (3453)، وقال: حسن صحيح غريب. والنسائي في الكبرى (10729)، وأبو يعلى (1363)، والحاكم (4/ 434) وقال: صحيح على شرط الشيخين.

(2)

أخرجه مسلم (2262)، والنسائي في الكبرى (7653)، وابن ماجه (3908)، وأبو داود (5022).

(3)

أخرجه البخاري (7017)، ومسلم (2263).

(4)

قال البخاري: رواه قتادة ويونس وهشام وأبو هلال عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأدرجه بعضهم كله في الحديث، وحديث عوف أبين، وقال يونس: لا أحسبه إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم في القيد. انظر كلام الإمام البخاري في صحيحه (8/ 37) تحت رقم (7017).

ص: 584

قاله النووي في "الأذكار"

(1)

.

(وإذا فزِع) بكسر الزاي، أي: خاف (أو وجد وحشة) وهي ضد الأنس، (أو أرِقَ) بكسر الراء؛ أي: سهر، و"أو" للتنويع في الموضعين، (فليقل: أعوذ بكلمات الله التامة) بصيغة الإفراد المراد به الجماعة، (من غضبه) أي: إرادة انتقامه، فهو صفة ذاتية، (وعقابه) أي: المترتب على غضبه، المعني به معاقبته، فهو صفة فعلية، (وشر عباده) وهو أخص من شر خلقه، (ومن همزات الشياطين) أي: وساوسهم، وأصل الهمز:[النخس]

(2)

والطعن، قال المؤلف:"أي: خطراتها التي يخطرها بقلب الإنسان"

(3)

، (وأن يحضرونِ) بحذف ياء المتكلم، اكتفاءً بكسرة نون الوقاية، وضمير الجمع المذكور فيه للشياطين، وهو مقتبس من قوله تعالى:({وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 97]. (أ) أي: رواه أحمد عن الوليد بن الوليد أخي خالد بن الوليد.

(وكان عبد الله بن عمرو) أي: ابن العاص (يلقنها) من التلقين، أي: يعلم الكلمات السابقة (من عَقَل) أي: من تميز بالتكلم، (من ولده) بفتحتين، ويجوز ضم الواو وسكون اللام، أي: من أولاده، (ومن لم

(1)

"الأذكار النووية"(صـ 83).

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"النخز".

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ أ).

ص: 585

يعقل كتبها) أي: له (في صكّ)، أي: ورق، (ثم علقها في عنقه) أي: عنق ولده، قال المؤلف:"الصك: الكتاب، وفيه دليل على جواز تعليق العوذ على الصغار"

(1)

.

(د، ت، س، مس) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، والحاكم

(2)

، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص: "أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: إذا فزع أحدكم في النوم فليقل: أعوذ

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ أ).

(2)

أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة (24013)، وأحمد (2/ 181)، والبخاري في "خلق أفعال العباد"(57)، وأبو داود (3893) والترمذي (3528)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة"(765)، وابن أبي الدنيا في "العيال"(656) و (766)، والدارمي في "الرد على الجهمية"(314)، وابن عدي في "الكامل"(2/ 364) والطبراني في الدعاء (1086) والحاكم (1/ 548) وابن عبد البر في "التمهيد"(24/ 110)، والبيهقي في "الآداب"(686)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(14/ 327) من طرق عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه به، فذكره. قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

قال المنذري في "الترغيب والترهيب"(2/ 302): "عن عمرو بن شعيب. . . رواه أبو داود والترمذي واللفظ له وقال حديث حسن غريب والنسائي والحاكم وقال صحيح الإسناد وليس عنده تخصيصها بالنوم". وقال الحافظ: هذا حديث حسن. "نتائج الأفكار"(3/ 118) وحسنه الألباني في "صحيح سنن الترمذي"(2793) دون قوله "كان عبد الله. . . ".

ص: 586

بكلمات الله [التامات]

(1)

من غضبه، وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، فإنها لن تضره، قال: وكان عبد الله بن عمرو. . . " إلى آخره، رواه أبو داود، والترمذي -واللفظ له- والنسائي، والحاكم.

ورواه أحمد عن محمد بن يحيى بن حبان، عن الوليد أنه قال:"يا رسول الله، إني أجد وحشة، قال: إذا أخذت مضجعك فقل. . ." فذكر مثله، وفي كتاب ابن السني:"أن خالد بن الوليد أصابه أرقٌ، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يتعوذ عند منامه بكلمات الله التامات. . ." إلى آخره ذكره ميرك.

لكن لا يخفى أن المفهوم من كلام المصنف أن حديث ابن عمرو مرفوع في الكتب المرموزة، والحال أن نفس التعوذ مرفوعٌ، والباقي موقوفٌ، كما هو ظاهر من نسبته إلى ابن عمرو، وبهذا ظهر أن الإمام أحمد -كما هو ظاهر- منفرد بالتعوذ، فبطل كلام من قال:"الظاهر إثبات هذه الأرقام هنا بعد الألف".

(أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن) أي: لا يتعداهن ولا يخالفهن، وقال المؤلف:"أي: لا يحيد عنهن ولا يميل"

(2)

، (بر) أي: بار، (ولا فاجر) أي: فاسق ولا كافر (من شر ما ينزل من السماء وما يعرج) أي: ما يصعد (فيها) أي: إلى السماء، (ومن شر ما ذرأ) قال

(1)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ):"التامة".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ أ).

ص: 587

المؤلف: "أي: خلق"

(1)

(في الأرض وما يخرج منها، ومن شر فتن الليل وفتن النهار) أي: الفتن الكائنة فيهما.

(ومن شر طوارق الليل والنهار) أي: حوادثهما وآفاتهما الآتية بغتة، وقال المؤلف:"أي: ما يحدث، والطوارق: جمع طارقة، وهو من الطرْق، قيل: "أصله الدق"، ويسمى الآتي بالليل طارقًا لاحتياجه إلى الدق، ومنه: الطيرة، والعيافة، والكهانة، والطارقة المتكهنة، وقيل للمتكهنات: طوارق"

(2)

، انتهى.

وفي "النهاية": "عاف الطير عيافة: زجرها فتشاءم بها أو تسعد، أخذًا من أسمائها وأصواتها وممرها، وهو من عادة العرب كثيرًا"

(3)

.

و"الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن، وهي التشاؤم بالشيء"

(4)

.

و"الكاهن: هو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار"

(5)

.

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ أ).

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ أ).

(3)

"النهاية"(3/ 330) دون قوله: "عاف الطير عيافة: زجرها فتشاءم بها أو تسعد" فهو في "الفائق"(2/ 372).

(4)

"النهاية"(3/ 152).

(5)

"النهاية"(4/ 214).

ص: 588

(إلا طارقًا) قال المصنف: "أي: حادثًا"

(1)

(يطرُق) بضم الراء، أي: يحدث ويجيء (بخير يا رحمن. ط) أي. رواه الطبراني عن خالد بن الوليد: "أنه شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فزعًا، فعلمه ما علمه جبريل عليه السلام"

(2)

.

وقال ميرك: "عن أبي التياح، قلت لعبد الرحمن بن خنبش -وكان كبيرًا-: أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، قلت: كيف صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة محاربة الجن؟ قال: إن الشياطين تحدرت تلك الليلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأودية والشعاب، وفيهم شيطان بيده شعلة من نار، يريد أن يُحْرِق بها وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل إليه جبريل فقال: قل يا محمد، قال: ما أقول؟ قال: قل: أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن، قال: فطفئت نارهم، وهزمهم الله تبارك وتعالى"، رواه أحمد، وأبو يعلى

(3)

، ولكل منهما

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ أ).

(2)

أخرجه الطبراني (4/ 114)، رقم (3838) قال الهيثمي: الطبراني، وفيه المسيب بن واضح وقد وثقه غير واحد، وضعفه جماعة، وكذلك الحسن بن علي المعمري، وبقية رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد 10/ 127).

(3)

أخرجه أحمد (3/ 419)، قال المنذري (2/ 303): رواه أحمد وأبو يعلى، ولكل منهما إسناد جيد محتج به.

وقال الهيثمي (مجمع الزوائد 10/ 127): رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني بنحوه، ورجال أحد إسنادي أحمد وأبي يعلى وبعض أسانيد الطبراني رجال =

ص: 589

إسنادٌ جيدٌ محتج به، وقد رواه مالك في "الموطإ" عن يحيى بن سعيد مرسلًا

(1)

، ورواه النسائي من حديث ابن مسعود نحوه

(2)

.

(وفي الأرق) بفتحتين: السهر (اللهم رب السماوات السبع وما أظلت) بتشديد اللام، أي: وما أوقعت ظلها عليه، والمعنى: ما دنت السماوات منه، من قبيل: أظلك فلان إذا دنا منك، كأنه ألقى عليك ظله، والأظهر أن يقال: ما وقعت عليه موقع المظلة.

(ورب الأرضين) بفتح الراء ويسكن، ويعني به الأرضين السبع الطباق دون الأقاليم، طباقًا للسماوات على سبع طبقات، كما قال تعالى:

= الصحيح، وكذلك رجال الطبراني. وأخرجه ابن السني (641). وأخرجه ابن أبي شيبة (23601)، والبخاري في التاريخ الكبير (5/ 248)، وأبو يعلى (6844) وابن قانع (2/ 173). وقال الحافظ في تعجيل المنفعة (1/ 248): قال البخاري: في إسناده نظر.

(1)

أخرجه مالك (1837) عن يحيى بن سعيد.

قال الإمام الزرقاني: مرسلًا، ووصله النسائي من طريق محمد بن جعفر عن يحيى بن سعيد عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن ابن عباس السلمي عن ابن مسعود، قال حمزة الكناني -بالفوقية- الحافظ هذا ليس بمحفوظ، والصواب مرسل. وقال السيوطي: أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات من طريق داود بن عبد الرحمن العطار عن يحيى بن سعيد قال: سمعت رجلا من أهل الشام يحدث عن ابن مسعود. شرح الموطأ (4/ 433).

(2)

أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (956).

ص: 590

{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} [الطلاق: 12] الآية، (وما أقلّت) بتشديد اللام، أي: أقلته ورفعته من المخلوقات، قال المؤلف:"أي: ارتفعت عليه واستقلت وعلته"

(1)

، انتهى.

وهو غير ظاهرٍ؛ لأن الإقلال إذا كان بمعنى الارتفاع، فيكون "ما أقلت" عبارة عما يكون في جوف الأرض، فلا يحسن التعميم ولا يظهر المقابلة، مع أنه مخالف للّغة، ففي "القاموس":"استقله: حمله، ورفعه، كقله وأقله"

(2)

.

(وربّ الشياطين وما أضلّت) من الإضلال بمعنى الإغواء، قال المؤلف:"هو من الضلال، أي: أضلته"

(3)

، انتهى. و"ما" هنا بمعنى "من"، واختير على المشاكلة، ليطابق ما قبله من تغليب غير ذوي العقول لكثرته على العقلاء.

(كن لي جارًا) أي: مجيرًا، قال تعالى:{وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ} [المؤمنون: 88]، أي: محافظًا (من شر خلقك) أي: مخلوقاتك (أجمعين) تأكيد روعي فيه تغليب ذوي العقول، (أن يفرط) بضم الراء، وهو بدل اشتمال، أي: من أن يغلب (عليّ) أو يقصر في حقي (أحد منهم) أي: من خلقك، قال المصنف: "هو بفتح الياء وضم الراء، من الفرط، وهو:

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ أ).

(2)

" القاموس"(4/ 40).

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ أ).

ص: 591

العدوان وتجاوز الحد ظلمًا"

(1)

.

(أو أن يطغى) من الطغيان، وهو قريبٌ من الفرط معنًى، ذكره الحنفي بناءً على تفسير المؤلف، وإلا فهو مغاير لما قدمناه، فالمعنى: أن يتعدى علي بضربٍ، أو قتلٍ، أو نحوهما، و"أو" للتنويع خلافًا لما توهم الحنفي من تجويز كونها للشك، وهو على منوال قوله تعالى حكاية عن موسى وهارون:{إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا} ، أي: يعجل علينا بالعقوبة {أَوْ أَنْ يَطْغَى} [طه: 45] أي: يزداد طغيانًا، فيقول ما لا ينبغي، ويفعل ما لا يليق.

(عَزّ) أي: قوي وغلب، أو: صار عزيزًا بديعًا منيعًا (جارُك) أي: مستجيرك، (وتبارك اسمك) أي: تعالى وتعظم، أو: تكاثر خيره وبره. (طس، مص) أي رواه: الطبراني في "الأوسط"، وابن أبي شيبة، عن خالد بن الوليد:"أنه شكا أَرَقًا، فقال: قل، فقال، فأذهب الله عنه ذلك"، ورواه في " الكبير" أيضًا، وفيه:"عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك".

قال ميرك: "عن أبي أمامة، قال: حدث خالد بن الوليد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهاويل يراها بالليل، حالت بينه وبين صلاة الليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا خالد بن الوليد، ألا أعلمك كلمات تقولهن، لا تقولهن ثلاث مراتٍ حتى يُذهب الله ذلك عنك؟ " قال: بلى يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فإنما شكوت هذا إليك رجاء هذا منك، قال: "قل: أعوذ بكلمات

الله التامات من غضبه. . ." إلى آخره.

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ أ).

ص: 592

قالت عائشة: "فلم ألبث إلا ليالي حتى جاء خالد، فقال: بأبي أنت وأمي، والذي بعثك بالحق ما أتممت الكلمات التي علمتني ثلاث مرات، حتى أذهب الله عني ما كنت أجد، [ما بي]

(1)

لو دخلت على أسدٍ في [خيسة]

(2)

بليل، وهي موضع الأسد الذي يأوي إليه"، رواه الطبراني في "الأوسط"، فالجمع بأنه علمه الدعاءين معًا، والظاهر أن الدعاء الأول هو الآخر، والله أعلم.

(اللهم غارت النجوم) أي: ذهبت، ومنه قوله:{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا} [الملك: 30]، وقال المؤلف:"أي: غابت"

(3)

، (وهدأت العيون) أي: نامت، وقال المؤلف:"بالهمز سكنت من الهدوء، وهو السكون، ومنه: "أهدئ ليلي"، بفتح الهمزة الأولى وإسكان الأخيرة، أي: سكنه لأنام فيه"

(4)

، (وأنت حي قيوم، لا تأخذك سنة ولا نوم) الوسن: أول النوم، وقد وسن يوسن سنة فهو وَسِنٌ ووسنان، والهاء في سنة عوض عن الواو المحذوفة، كعدة ومقة.

قال البيضاوي: "السنة: فتور يتقدم النوم، والنوم: حال يعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة، بحيث تقف

(1)

كذا في (ب) و (ج)، وفي (أ):"أني"، وفي (د):"بي"، وفي "المعجم الأوسط":"ما أبالي".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"خيسته".

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ أ).

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ أ).

ص: 593

الحواس الظاهرة عن الإحساس رأسًا، وتقديم السنة عليه، وقياس المبالغة عكسه، مراعاةً لترتيب الوجود، والجملة نفي للتشبيه وإفادة للتنزيه، وتأكيدٌ لكونه حيًّا قيومًا، فإن من أخذه نعاس أو نوم كان مؤوف الحياة، قاصرًا في الحفظ والتدبير".

(يا حي يا قيوم، أهدئ ليلي) أي: أسكني بالنوم في ليلي، احترازًا من السهر والأرق، وهو السهر [من]

(1)

علة، ومن الفزع والاضطراب والقلق، (وأنِمْ عيني) من الإنامة، تخصيص بعد تعميمٍ؛ لأنه المقصود الأهم.

(ي) أي رواه ابن السني عن زيد بن ثابت: "قال شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرقًا أصابني، فقال: قل: اللهم غارت النجوم. . ." إلى آخره، وقال في آخره:"فقلتها فأذهب الله عني ما كنت أجده".

(وإذا انتبه من النوم) الانتباه هو الاستيقاظ من النوم، ففيه تجريد أو تأكيد، (فقال: الحمد لله الذي ردّ إلي)، و [في]

(2)

رواية أبي يعلى: "عليّ"، (نفسي) أي: روحي، وسيأتي تحقيق هذا المرام عند قوله:"الحمد لله الذي أحيانا"، (ولم يمتها) أي: لم يقبضها، وفي نسخة:"فلم يمتها"(في منامها) أي: في زمان نومها، أو حال منامها.

(الحمد لله الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا) أي: يمنعهما من زوالهما وفنائهما، أو يحفظهما كراهة أن تزولا، أو لئلا تزولا، فإن الممكن

(1)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (د):"عن".

(2)

زيادة من (ج) فقط.

ص: 594

حال بقائه لا بد له من حافظٍ عن فنائه، فلا يخلو مخلوقٌ عن الاحتياج إلى إيجاد أو إمداد؛ ولذا قال تعالى:{وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} [محمد: 38].

(ولئن زالتا) أي: على تقدير عدم إمساكه سبحانه، (إن أمسكهما) أي: ما منعهما، ولم يحفظهما، ولم يدفعهما (من أحدٍ) زيد "من" للمبالغة في النفي، (من بعده) أي: من بعد الله، أو من بعد الزوال، و"من" ابتدائية، والجملة تسد مسد الجوابين من القسم المقدر، والشرط المقرر، كما هو في محله محرر.

(إنه كان حليمًا غفورًا) أي: حيث أمسكهما، وكانتا جديرتين بأن تهدَّا هدًّا، كما قال تعالى: (تكاد السماوات [ينفطرن]

(1)

منه وتنشق الأرض).

(الحمد لله الذي يمسك السماء) أي: يحفظها أو يمنعها (أن تقع) أي: من أن تسقط (على الأرض إلا بإذنه) أي: بأمره وقضائه وقدره، (إن الله بالناس لرءوف رحيم) حيث رحم عليهم، ولم يهلكهم بذنوبهم.

(س، حب، مس، ص) أي رواه: النسائي، وابن حبان، والحاكم، وأبو يعلى، عن جابر، وقال الحاكم:"صحيح على شرط مسلم"، وإسناد أبي يعلى صحيح أيضًا، ولفظه:"إذا أوى إلى فراشه، فإن قال، ووقع عن سريره فمات، دخل الجنة".

(الحمد لله الذي يحيي الموتى) أي: الأموات حقيقةً أو مجازًا، فإن النوم أخو في الموت (وهو على كل شيء قدير) ومنه: الإحياء والإماتة. (مس)

(1)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د):"يتفطرن".

ص: 595

أي رواه الحاكم عن جابر أيضًا، وفي نسخة صحيحة:"عن البراء".

(الحمد للَّه الذي أحيانا) أي: أيقظنا (بعد ما أماتنا) أي: أنامنا، (وإليه النشور) أي: تفرقنا وجمعنا في اليقظة والمنام، فهو من باب الاكتفاء، أو المراد بالنشور هو البعث عن القبور المشبه به التيقظ بعد النوم، يقال:"نشر الله الموتى، أي: أحياهم"، وفي "النهاية":"نشر نشورًا، أي: عاش بعد الموت"

(1)

، وقال النووي:"المراد بـ "أماتنا" النوم، وأما النشور فهو الإحياء للبعث، فنبه صلى الله عليه وسلم بإعادة اليقظة بعد النوم الذي هو كالموت على إثبات البعث بعد الموت".

وقال أبو إسحاق الزجاج: "النفس التي تفارق الإنسان هي التي للتمييز، والتي تفارقه عند الموت هي التي للحياة، وهي التي يزول معها التنفس، وسمي النوم موتًا لأنه يزول معه العقل والحركة تمثيلًا وتشبيهًا، وقد يستعار الموت للأحوال الشاقة كالفقر، والذل، والسؤال، والهرم، والمعصية، والجهل".

وقال القرطبي: "النوم والموت يجمعهما انقطاع تعلق الروح بالبدن، وذلك قد يكون ظاهرًا وهو النوم، ولذا قيل: "النوم أخو الموت"، وباطنًا وهو الموت، فإطلاق الموت على النوم يكون مجازًا، لاشتراكهما في انقطاع تعلق الروح بالبدن".

وقال الطيبي: "الحكمة في إطلاق الموت على النوم أن انتفاع الإنسان

(1)

"النهاية"(5/ 54).

ص: 596

بالحياة إنما هو بتحري رضا الله عنه، وقصد طاعته، واجتناب سخطه وعقابه، فمن نام زال عنه هذا الانتفاع بالكلية فكان كالميت، فحمد الله على هذه النعمة وزوال ذلك المنع"، وعلى هذا التأويل ينتظم قوله: "وإليه النشور"، أي: وإليه المرجع والمآب، ونيل الثواب بما يكسب في الحياة.

(خ، د، ت، س، مص) أي رواه: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن أبي شيبة، كلهم من حديث حذيفة بن اليمان، ورواه مسلم أيضًا من حديث البراء، كما في "سلاح المؤمن".

(لا إله إلا أنت، لا شريك لك) اكتفى به هنا عن زيادة التأكيد بقوله: "وحدك"، (سبحانك اللهم أستغفرك) وفي نسخة:"إني أستغفرك"، أي: أطلب غفرانك (لذنبي، وأسألك رحمتك) أي: زيادتها بالتفضل عليّ.

(اللهم زدني) أي: في جميع أوقاتي (علمًا) أي: نافعًا، وفيه عمل بقوله تعالى:{وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]، وإيماء إلى ما ورد في الحديث، على ما رواه أبو نعيم في "الحلية"، وغيره، عن عائشة مرفوعًا:"كل يوم لا أزداد فيه علمًا يقربني إلى الله، فلا بورك لي في شمس ذلك اليوم". (ولا تزغ قلبي) بإظهار الغين عند القاف باتفاق القراء، أي: لا تمله عن الحق (بعد إذ هديتني) أي: إلى الصواب (وهب لي من لدنك) أي: من عندك (رحمة) أي: نعمة عظيمة، ومنحة كثيرة بلا حساب، (إنك أنت الوهاب) وهو مقتبس من قوله تعالى، مدحًا للراسخين في العلم، حيث يقولون: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ

ص: 597

الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8].

(د، ت، س، حب، مس) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم؛ كلهم عن عائشة.

(لا إله إلا الله الواحد) أي: الذي لا يقبل الشركة والكثرة في ذاته، (القهار) أي: لكل شيء، مقتبس من قوله تعالى:{قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَارُ} [ص: 65]، (ربّ السماوات والأرض وما بينهما) أي: منه خلقها وإليه أمرها، (العزيز) أي: الذي لا يغلب إذا عاقب، (الغفار) أي: الذي يغفر ما يشاء من الذنوب لمن يشاء من عباده، وفي هذه الأوصاف تقريرٌ للتوحيد، ووعد ووعيد للمريد والمزيد. (س، حب، مس) أي رواه: النسائي، وابن حبان، والحاكم، عن عائشة أيضًا.

(من تعارّ) أي: استيقظ، وأصل التعار: السهر والتقلب على الفراش، كذا في "شرح السنة"، وقال المؤلف:"هو بفتح التاء وتشديد الراء، أي: استيقظ"

(1)

(من الليل، فقال: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له) تأكيدٌ بعد تأكيدٍ للتوحيد، وقوله:(له الملك، وله الحمد) دالان على التفريد، (وهو على كل شيء قدير) أي: بالغ في القدرة، وكاملٌ في القوة.

(الحمد لله) أي: المنعوت بصفات الجمال (وسبحان الله) أي: الموصوف بنعت الكمال، (ولا إله إلا الله) أي:[من]

(2)

الأزل بلا زوالٍ،

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ ب).

(2)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"في".

ص: 598

وهو من مختصات "أصل الجلال"، (والله أكبر) أي: أعظم من أن يخطر بالبال، (ولا حول ولا قوة إلا بالله) أي: في جميع الأحوال.

(اللهم اغفر لي) أي: ذنوبي في الماضي، والحال، والاستقبال، (أو يدعو) أي: أيَّ دعاءٍ شاءَ، وفي "الأذكار":"هو شك من الوليد بن مسلم -أحد الرواة- وهو شيخ شيوخ البخاري، وأبي داود، والترمذي، وغيرهم في هذا الحديث"

(1)

، انتهى. فيكون "أو يدعو" بدلَ:"اللهم اغفر لي"، بناءً على أن الراوي شك في أن لفظه صلى الله عليه وسلم هو:"اللهم اغفر لي، أو يدعو".

(استجيب له) بصيغة الماضي المجهول من الاستجابة، وفي نسخة بصيغة المضارع المجهول منها، (فإن توضأ وصلى) أي: حينئذٍ، (قبلت صلاته) أي: فإنه وقت الإجابة. (خ، عه) أي رواه: البخاري، والأربعة؛ كلهم عن عبادة بن الصامت.

(من قال حين يتحرك من الليل: باسم الله عشر مرات، وسبحان الله عشرًا، آمنت) وفي نسخة: "وآمنت"(بالله، وكفرت بالطاغوت) أي: الشيطان، أو ما يزين لهم مما سوى الله، (عشرًا، وُقِيَ) بصيغة المجهول، أي: حفظ، (كل شيء) بالنصب على أنه مفعول ثانٍ للوقاية، أو بنزع الخافض، ويؤيده ما في نسخة:"من كل شيء"(يتخوفه) أي: يخافه القائل.

(ولم ينبغِ) أي: لم يتسهل (لذنب أن يدركه) أي: يلحقه أو يهلكه، (إلى مثلها) أي: مثل تلك الساعة التي تحرك فيها، وقال تلك الكلمات، وفي

(1)

"الأذكار النووية"(صـ 80).

ص: 599

نسخة: "لا ينبغي".

والظاهر أنه وهم، حيث رأى أن "لم ينبغ" ماض، ولم يدرك أنه في جزاء الشرط ينقلب إلى معنى الاستقبال، ولم يتنبه أيضًا أن الجزاء يكون مجزومًا، فأتى بصيغة النفي المثبت، فوقع فيما لا ينبغي مبنًى ومعنًى.

(طس) أي: رواه الطبراني في "الأوسط" من حديث ابن عمر، وفي نسخة بالواو، وهو المفهوم من "الترغيب"، ولا يبعد أن يكون مرويًّا عنهما.

(وإذا قام من الليل عن فراشه ثم عاد إليه، فلينفضه بصَنِفَةِ إزاره) مر تحقيقه، (ثلاث مرات) ظرف للنفض؛ (فإنه) أي: الشأن، أو النائم القائم (لا يدري ما خَلَفه) بفتح الخاء واللام (عليه) أي: أيّ شيء جاء عقبه، وخلفه على فراشه. في "النهاية":"ولعل هامة وثبت، فصارت فيه بعده، وخلاف الشيء ما يأتي بعده"

(1)

.

(فإذا اضطجع) أي: ثانيًا كما سبق أولًا، (فليقل: باسمك اللهم وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها) وفي رواية ابن السني:"فاغفر لها"، (وإن رددتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) وفي رواية ابن السني:"بما تحفظ به أحدًا من عبادك الصالحين". (ت، ي) أي رواه: الترمذي، وابن السني؛ كلاهما عن أبي هريرة.

(1)

"النهاية"(2/ 66).

ص: 600

‌فيما يتعلق بالطهور والمسجد والأذان والإقامة والصلاة الراتبة وصلوات مخصوصة

(وإذا قام ليتهجد) بفتح الدال على أن اللام للعلة، وفي نسخة بالجزم على أن اللام للأمر، (فإن دخل) أي: أراد أن يدخل (الخلاء) أي: مكان قضاء الحاجة، قال الجوهري:"الخلاء ممدود: المُتَوضَّأُ، والمكان الذي لا شيء فيه"

(1)

، (فليقل: باسم الله. مص، ي) أي رواه: ابن أبي شيبة، وابن السني، كلاهما عن علي رضي الله عنه.

(اللهم إني أعوذ بك) وفي رواية النسائي وابن أبي شيبة: "أعوذ بالله"(من الخبث) بضم الخاء المعجمة والموحدة ويسكن، جمع خبيث، كالسبل بالوجهين جمع سبيل، (والخبائث) جمع خبيثة، ضد اللطائف جمع اللطيفة. (ع، مص) أي رواه: الجماعة، وابن أبي شيبة، عن أنس، وابن أبي شيبة أيضًا وحده عن زيد بن أرقم.

قال المؤلف: "الخبث: بضم الخاء والباء جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثةٍ، يعني: ذكران الشياطين وإناثها، وقيل: "بل هو الخبث بإسكان الباء، وهو خلاف طَيِّبِ الفِعْل، مِنْ فجور وغيره، والخبائث: الأفعال المذمومة، والخصال الرديئة"

(2)

.

(1)

"الصحاح"(6/ 2330).

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ ب).

ص: 601

قال ميرك: "الحق هو الأول؛ لما ورد من حديث زيد بن أرقم مرفوعًا: "إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" رواه أبو داود وغيره".

وقوله: "محتضرة" أي: تحضره الشياطين، ويحتمل أن يكون بالسكون، مخفف "خُبْثٌ" بالضم، فيرجع إلى المعنى الأول، وروي من حديث ابن عمر، قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء، قال: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس، الخبيث المخبث، الشيطان الرجيم" رواه الطبراني وابن السني.

(وإذا خرج) أي: من الخلاء، (غفرانك) أي: يقوله، والمعنى: أسألك غفرانك، أو اغفر غفرانك، قال المؤلف:"منصوب بإضمار فعل، أي: أسأل، وفي الحكمة في هذا قولان: الأول: الاستغفار من ترك ذكر الله مدة لبثه علي الخلاء؛ فإنه كان لا يترك ذكر الله تعالى بلسانه إلا عند قضاء الحاجة، وكأنه رأى تقصيرًا فاستدركه بالاستغفار، والثاني: التوبة من تقصيره في شكر النعمة التي أنعم بها عليه، من إطعامه وهضمه وتسهيل مخرجه، فلجأ إلى الله بالاستغفار من التقصير"

(1)

.

(حب، عه، مص) أي رواه: ابن حبان، والأربعة، وابن أبي شيبة؛ كلهم عن عائشة.

(الحمد لله الذي أذهب) أي: أزال (عني الأذى)، أي:"ما يؤذيني"

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ ب، 9/ أ).

ص: 602

كما في رواية، (وعافاني) أي: منه، ومن غيره من أنواع البلاء. (سى، ي، مو مص) أي رواه: النسائي، وابن السني؛ كلاهما عن أبي ذر مرفوعًا، وابن أبي شيبة من قوله موقوفًا.

(وإذا توضأ) أي: أراد أن يتوضأ (فليسمِّ الله) أي: في ابتداء وضوئه؛ فإنه من السنن المؤكدة عند الجمهور، ومن الفرائض عند الحنابلة؛ لحديث:"لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه"، وهو محمول علي نفي الكمال عند الأكثرين. (د، ت، ق) أي رواه: أبو داود عن أبي هريرة

(1)

، والترمذي عن سعيد بن زيد

(2)

، وابن ماجه عن: أبي هريرة، وسعيد،

(1)

أبو داود (101)، وابن ماجة (399) قال المنذري في "مختصره" 1/ 88: وفي هذا الباب أحاديث ليست أسانيدها مستقيمة. وحكى الأثرم عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنه قال: ليس في هذا حديث يثبت، وحسنه الألباني، وانظر الإرواء (81).

(2)

أخرجه أحمد (4/ 70، 5/ 381 و 6/ 382، 6/ 382)، وابن ماجة (398).

والترمذي (25، 26)، وعبد الله بن أحمد (4/ 70) عن أبي ثفال المري أنه سمع رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب، عن جدته فذكرته.

قلت: وهو سند ضعيف أبو ثفال مجهول ورباح مجهول.

وقال ابن القطان في "بيان الوهم"(2/ 313): في إسناد هذا الكلام ثلاثة مجاهيل الأحوال: أولهم: جدة رباح، فإنها لا تعرف بغير هذا، ولا يعرف لها اسم ولا حال وغاية ما تعرفنا بهذا أنها ابنة لسعيد بن زيد رضي الله عنه. والثاني: رباح المذكور، فإنه مجهول الحال كذلك، ولم يعرف ابن أبي حاتم من حاله بأكثر مما أخذ من هذا الإسناد: من روايته عن جدته، ورواية أبي ثفال عنه. والثالث: أبو ثفال المذكور، فإنه أيضا مجهول الحال كذلك وهو أشهرهم =

ص: 603

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= لرواية جماعة عنه؛ منهم: عبد الرحمن بن حرملة، وسليمان بن بلال، وصدقة مولى الزبير والدراوردي، والحسين بن أبي جعفر، وعبد الله.

قال الحافظ في "النتائج"(1/ 230) أبو ثفال: اسمه ثمامة بن وائل بن حصين، ونسبه الترمذي إلي جده وهو موثق وشيخه رباح لا نعرف عنه راويا سوى أبي ثفال. وأما جدته فقد وقع في بعض طرقه أنها أسماء وأن لها صحبة فلم يبق في رجال الإسناد من يتوقف فيه سوى رباح وقد تقدم النقل عن البخاري أن حديثه هذا أحسن أحاديث الباب.

قال الترمذي: وقال محمد بن إسماعيل -البخاري-: أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن.

قال الترمذي: رباح بن عبد الرحمن، عن جدته، عن أبيها، وأبوها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وأبو ثقال المري اسمه: ثمامة بن حصين، ورباح بن عبد الرحمن هو أبو بكر بن حويطب منهم من روى هذا الحديث، فقال: عن أبي بكر بن حويطب، فنسبه إلى جده.

وقال ابن أبي حاتم في العلل (1/ 42 س 129) سمعت أبي وأبا زرعة وذكرت لهما حديثا رواه عبد الرحمن بن حرملة عن أبي ثفال قال سمعت رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب قال أخبرتني جدتي عن أبيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله فقالا ليس عندنا بذاك الصحيح أبو ثفال مجهول ورباح مجهول.

وقد ضعف هذا الحديث أحمد من جميع طرقه وإن كان يحب العمل بمقتضاه حسب طريقته في الاحتياط بالأخذ بالضعيف.

وقال أبو زوعة االدمشقي: تاريخه (1828). قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: فما وجه قوله: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه؟ فيه أحاديث ليس =

ص: 604

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= بذاك، وقال الله تبارك وتعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6]، فلا أوجب عليه، وهذا التنزيل، ولم تثبت سنة.

وفي علل الترمذي الكبير (13) سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: ليس في هذا الباب حديث أحسن عندي من هذا، ورباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان، عن جدته، عن أبيها، أبوها سعيد بن زيد. قلت له: أبو ثفال المري ما اسمه؟ فلم يعرف اسمه، وسألت الحسن بن علي الخلال، فقال: اسمه ثمامة بن حصين، قال أبو عيسى رباح بن عبد الرحمن: هو أبو بكر بن حويطب فنسب إلي جده، وروى هذا الحديث وكيع، عن حماد بن سلمة، عن صدقة مولي ابن الزبير، عن أبي ثفال، عن أبي بكر بن حويطب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا حديث مرسل.

قال الحافظ في "البلوغ"(1/ 12): إسناده ضعيف، وللترمذي عن سعيد بن زيد، وأبي سعيد نحوه، قال أحمد: لا يثبت فيه شيء.

قال النووي في "الأذكار"(1/ 22): جاء في التسمية أحاديث ضعيفة، ثبت عن أحمد بن حنبل رحمه الله أنه قال: لا أعلم في التسمية في الوضوء حديثا ثابتا، فمن الأحاديث حديث أبي هريرة.

وفي إتحاف الخيرة المهرة (1/ 86) ذكر البوصيري له طرقًا أخر من حديث أبي هريرة وسهل بن سعد وعائشة.

قال أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، والبخاري وغيرهم تضعيف أحاديث الباب لكنه خالفهم فقال: قال الحافظ المنذري: وقد ذهب الحسن وإسحاق بن راهويه وأهل الظاهر إلي وجوب التسمية في الوضوء حتى أنه إذا تعمد تركها أعاد الوضوء، وهو رواية عن الإمام أحمد، ولا شك أن الأحاديث التي وردت فيها وإن كان لا يسلم شيء منها من مقال فإنها تتعاضد بكثرة طرقها وتكتسب قوة، والله أعلم.

ص: 605

وسهل بن سعد، وأبي سعيد الخدري

(1)

.

(1)

أخرجه أحمد (3/ 41)، وابن أبي شيبة (14)، وعبد بن حميد (910، والدارمي (691)، وابن ماجة (397)، والترمذي في العلل (1/ 33، رقم 18)، وأبو يعلي (1060)، والدارقطني (1/ 71) من طرق عن كثير بن زيد، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، فذكره.

ونقل الترمذي في العلل قال محمد: ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد منكر الحديث. والحديث مما ضعفه المتقدمون جميعا إلا ما جاء عن ابن أبي شيبة جاء في مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله (ص 11) سألت أبي عن حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه قال أبي: لم يثبت عندي هذا ولكن يعجبني أن يقوله، قلت لأبي: الرجل يتوضأ فينسئ التسمية قال: يتعاهد ذلك فإن نسي رجوت أن يجزيه وقال ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق"(1/ 66) وسئل إسحاق بن راهويه أي حديث أصح في التسمية فذكر حديث أبي سعيد.

وقال أحمد: ربيح ليس بمعروف.

وقال أبو حاتم الرازي: روى عنه الدراوردي وكثير بن زيد والزبير بن عبد الله وفليح بن سليمان.

وسئل أبو زرعة عنه فقال: شيخ.

وقال الترمذي في كتاب العلل: قال محمد -يعني البخاري-: منكر الحديث.

وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به.

وذكره ابن حبان في كتاب الثقات.

وقال أحمد بن حفص السعدي سئل أحمد بن حنبل -يعني وهو حاضر- عن التسمية في الوضوء فقال: لا أعلم فيه حديثا يثبت أقوى شيء فيه حديث كثير =

ص: 606

(ثم يقول) أي: في أثناء وضوئه، ويدل عليه قوله بعده: "وإذا فرغ

"

= بن زيد عن ربيح.

وقال العقيلي ثنا إبراهيم بن عبد الوهاب الأبزاري ثنا أحمد بن محمد بن هانئ قال قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل التسمية في الوضوء فقال أحسن شيء فيه حديث ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي سعيد الخدري.

قلت فحديث عبد الرحمن بن حرملة قال لا يثبت.

قال العقيلي والأسانيد في هذا الباب فيها لين.

وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثبت لنا أن النبي قال لا وضوء لمن لم يسم.

وقال الترمذي قال محمد بن إسماعيل أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن- يعني حديث سعيد بن زيد.

قال الترمذي قال أحمد بن حنبل لا أعلم في هذا الباب حديثا له إسناد جيد وقال البخاري في حديثه نظر يعني أبا ثفال.

وقال ابن عبد البر أبو بكر بن حويطب يقال اسمه رباح ويقال اسمه كنيته روى عن جدته يقال حديثه مرسل.

وروى حديث يعقوب بن سلمة عن أبي هريرة أبو داود وابن ماجة أيضا والحاكم وقال وهو حديث صحيح الإسناد.

وقال البخاري ولا يعرف لسلمة سماع من أبي هريرة ولا ليعقوب من أبيه.

ومحمود بن محمد الظفري قال الدارقطني ليس بالقوي فيه نظر وشيخه أيوب بن النجار ثقة من رجال الصحيحين

وقال البيهقي في حديثه لا يعرف من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة إلا من هذا الوجه وكان أيوب بن النجار يقول لم أسمع من يحيى بن أبي كثير إلا حديثا واحدا حديث التقى آدم وموسى ذكره يحيى بن معين فيما رواه عنه ابن أبي مريم فكان حديثه هذا منقطعًا.

ص: 607

إلى آخره، (اللهم اغفر لي ذنبي) أي: ظاهرًا وباطنًا (ووسع لي في داري) أي: في الدنيا والبرزخ والعقبى، (وبارك لي في رزقي) أي: الحسي والمعنوي، والدنيوي والأخروي. (س، ي) أي رواه: النسائي، وابن السني، عن أبي موسى الأشعري

(1)

، قال: "أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوَضوء فتوضأ، فسمعته يدعو يقول: اللهم اغفر لي ذنبي

" [إلى آخره]

(2)

، فقلت: يا نبي الله، سمعتك تدعو بكذا وكذا، قال: وهل تركت من شيء؟ ".

"ترجم ابن السني له: "باب ما يقول بين ظهراني وضوئه"، [وأما]

(3)

النسائي فأدخله في "باب ما يقول بعد فراغه" وكلاهما محتمل، قاله النووي في "الأذكار"

(4)

. قال ميرك: "ورجح الشيخ عمل ابن السني".

قلت: ويؤيد النسائي ظاهر قوله: "فتوضأ فسمعته قول

".

(وإذا فرغ من الوضوء رفع نظره) وفي نسخة: "طرفه" بسكون الراء، أي: بصره (إلى السماء. د، س) أي رواه: أبو داود، والنسائي، عن عمر، والظاهر أن يكتب هذان الرمزان فوق قوله:"رفع نظره إلى السماء" إشعارًا باختصاصه

(1)

أخرجه النسائي في "الكبرى"(9908) - وهو في "عمل اليوم والليلة"(80) - ومن طريقه ابن السني في "عمل اليوم والليلة"(28)

قال ابن الملقن: قال النووي في "الأذكار": وإسناده صحيح. وهو كما قال فإن رجاله رجال الصحيح خلا عباد بن عباد بن علقمة، وهو ثقة كما قاله أبو داود ويحيى بن معين، وذكره أبو حاتم بن حبان في "ثقاته"(البدر المنير 2/ 279).

(2)

زيادة من (أ) و (ج) و (د) فقط.

(3)

هذا هو الأليق بالسياق كما في "الأذكار النووية"، وفي جميع النسخ:"وأبى".

(4)

"الأذكار النووية"(صـ 24).

ص: 608

لهما إذ الشرطية التي قبله لا بد من وجودها للرموز الآتية جميعها بعده.

(وليقل: أشهد أن لا إله إلا الله وحده) يكتب فوق قوله: "وحده"، رمز مسلم والنسائي، (لا شريك له) رمز فوقه حرف "مص" ورمز ابن السني، (وأشهد) برمز مسلم والنسائي فوق "أشهد"، (أن محمدًا عبده ورسوله) قيل:"ويرفع صوته عند شهادة التوحيد، ويخفضه مائلًا إلى الأرض عند شهادة النبوة". (م، د، س، ق، مص، ي) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، وابن السني؛ كلهم عن عمر أيضًا

(1)

، ولفظه:"من قال ذلك، فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيّها شاء"، وفي "أصل الجلال" زاد رمز الترمذي بعد مسلم.

(ثلاث مرات. ق، مص، ي) أي رواه: ابن ماجه، وابن أبي شيبة، وابن السني، من حديثه أيضًا، ورواه أحمد أيضًا، وفي نسخة رواه الثلاثة [عن أنس]

(2)

من حديث عمر.

(اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين. ت) أي رواه الترمذي عن عمر أيضًا

(3)

.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة (21)، ومسلم (234)، وأبو داود (169)، والنسائي (1/ 92) ابن ماجة (470).

(2)

ليست في (أ).

(3)

أخرجه الترمذي (55)، وقال الحافظ في نتائج الأفكار 1/ 243: رواه الترمذي وزاد فيه "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين". لم تثبت هذه الزيادة في هذا الحديث فإن جعفر بن محمد شيخ الترمذي تفرد بها ولم يضبط =

ص: 609

(سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك) أي: من الزلة، (وأتوب إليك) أي: من الغفلة. (مس، س) أي رواه: الحاكم، والنسائي؛ كلاهما عن أبي سعيد، لكن قال النسائي:"رفعه خطأ، والصواب أنه موقوفٌ على أبي سعيد"، انتهى. فكان حق المصنف أن يكتب رمز "مو" قبل السين.

(من توضأ فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك) أي: ليكون طاهرًا، باطنًا وظاهرًا، (كتب له) أي: هذا بعينه، [وقبول]

(1)

ثنائه، واستجابة دعائه، (في رق) بفتح راء وتشديد قاف، أي: صحيفة، كما في "المهذب"، وفي "الصحاح":"هو ما يكتب فيه، وهو جلد رقيق"

(2)

، (ثم جعل في طابع) بفتح الباء ويكسر:"مِيسَم الفرائض"، علي ما في "القاموس"

(3)

، قال المصنف:"هو بفتح الباء، وهو الخاتم، يريد به الختم على الصحيفة"

(4)

، انتهى.

= الإسناد فإنه أسقط بين أبي إدريس وبين عمر جبير بن نفير، وعقبة فصار منقطعا بل معضلا وخالفه كل من رواه عن معاوية بن صالح ثم عون زيد بن الحباب وقد رواه عن زيد سوى من تقدم ذكره موسى وحديثه عند أبي نعيم في المستخرج فاتفاق الجميع أولى من انفراد الواحد. وصحح الألباني هذه الزيادة في صحيح الجامع (6167).

(1)

كذا في (ب) و (د)، وفي (أ):"أو قول"، وفي (ج):"أو قبول".

(2)

"الصحاح"(4/ 1483).

(3)

"القاموس"(3/ 56).

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ ب).

ص: 610

والظاهر أن يراد بالطابع نفس الخاتم وجوفه، لقوله:"جعل في طابع"، أو التقدير: جعل الرق في شيء ذي طابع، مما وقع عليه الطبع والختم.

(فلم يكسر) بصيغة المجهول، أي: لم يقطع ولم ينقض، بمعنى لم يبطله شيء (إلى يوم القيامة. طس) أي: رواه الطبراني في "الأوسط" عن أبي سعيد أيضًا، ورواه النسائي أيضًا، وقال في آخره:"ختم عليها بخاتم، فوضعت تحت العرش، فلم يكسر إلى يوم القيامة"

(1)

.

(1)

أخرجه الطبراني في "الأوسط"(1478)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة"(952)، وفي "الكبرى"(9911)، وصححه الحاكم 1/ 564). وقال الهيثمي 1/ 239: ورجاله رجال الصحيح.

وقال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير (121): اختلف في وقفه ورفعه وصحح النسائي الموقوف وضعف الحازمي الرواية المرفوعة لأن الطبراني قال في الأوسط لم يرفعه عن شعبة إلا يحيى بن كثير قلت ورواه أبو إسحاق المزكي في الجزء الثاني تخريج الدارقطني له من طريق روح بن القاسم عن شعبة وقال تفرد به عيسى بن شعيب عن روح بن القاسم قلت ورجح الدارقطني في العلل الرواية الموقوفة أيضا. وصححه الألباني في "الصحيحة"(2333).

وقاله ابن القيم في "زاد المعاد"(1/ 366): "وذكره سعيد بن منصور من قول أبي سعيد الخدري وهو أشبه". يعني رجح الموقوف. قلت وله حكم الرفع لأن مثله لا يقال بالرأي قاله ابن حجر في النكت الظراف (3: 447).

ص: 611

(التهجد)

قال الكرماني: "التهجد التيقظ من النوم بالليل، والهجد النوم، فمعناه التجنب عن النوم، كما يقال: "حُرِجَ إذا أَثِم وتَحَرَّجَ إذا تورَّع عن الإثم"، وزاد في "السلاح": "التجنب بالتكلف، وقيل:"الهجد من الأضداد، فالتاء للطلب حينئذٍ، والمراد به اليقظة ضد النوم".

(أفضل الصلاة) مبتدأ واللام للجنس، أي: أفضل أنواع الصلوات (بعد المكتوبة) أي: إلا المفروضة، (الصلاةُ في جوف الليل) قال المؤلف:"أي: وسطه وجوف الليل الآخر، أي: ثلثه الآخر، وهو الجزء الخامس من أسداس الليل"

(1)

، انتهى.

وليس المراد بقوله "وسطه" وسطه الحقيقي كما يتوهم، بل المراد: جميع أجزاء الليل، لكن بقيد [النوم]

(2)

قبله [بعد]

(3)

أداء العشاء، ثم قوله:"وجوف الليل الآخر أي: ثلثه الآخر" خلاف الظاهر، فإن المتبادر من آخر الليل نصفه الأخير، ثم تفسيره بقوله:"وهو الجزء الخامس من أسداس الليل" غير مستقيم، بل الجزآن الأخيران من الأسداس هما الثلث الآخر.

هذا، وقيل: "فيه حجة لأبي إسحاق المروزي من الشافعية علي أن

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ ب).

(2)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د):"نوم".

(3)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"وبعد".

ص: 612

صلاة الليل أفضل من السنن الرواتب"، وقال أكثر العلماء: "إن الرواتب أفضل والأول أقوى، لنص هذا الحديث".

وأجيب بأن معناه من أفضل الصلاة، لكنه خلاف سياق الحديث، والأولى أن يقال: إن الرواتب آكد بالنسبة إلى آحاد الأمة، وإن صلاة الليل أفضل من حيثية زيادة المشقة، ويؤيده ما ورد موقوفًا عن ابن عباس -على ما ذكره صاحب "النهاية"-:""أفضل العبادات أحمزها" أي: أقواها وأشدها"

(1)

.

(م) أي: رواه مسلم عن أبي هريرة

(2)

.

(أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته) أي: في مكان مخفي، لبعده عن الرياء والسمعة، وقربه إلى الإخلاص ودفع الشهرة، (إلا المكتوبة) لأن إظهار الفرائض من شعائر الدين والملة، وألحق بها السنن الرواتب في هذا الزمان لدفع التهمة، من أن يكون من أهل البدعة المخالفين لأهل السنة والجماعة. (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم، عن زيد بن ثابت

(3)

.

(1)

"النهاية"(1/ 440)

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 42)، ومسلم (1163)، وأبو داود (2429) والترمذي (438) والنسائي (3/ 206 - 207) وابن ماجه (1742) وأحمد (2/ 303).

(3)

أخرجه البخاري (731) ومسلم (781)(214) وأبو داود (1447) والترمذي (450) والنسائي (3/ 197 - 198)، وأحمد (5/ 184) وابن خزيمة (1204)، والبيهقي (3/ 109).

ص: 613

(صلاة الليل) أي: من النوافل. (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم، عن ابن عمر، (والنهار. أ) أي: رواه أحمد عنه، لكن بزيادة قوله:"والنهار"، والخبر للحديثين قوله:(مثنى مثنى. خ، م، أ) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأحمد عنه أيضًا

(1)

.

(1)

حديث: "صلاة الليل مثنى مثنى" أخرجه البخاري (990)، ومسلم (145 - 749)، وأبو داود (1326)، والنسائي (3/ 228) رقم: 1670 - 1674)، من حديث ابن عمر.

أما حديث: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى فأخرجه: أبو داود (1295)، والترمذي (597)، والنسائي (3/ 227) وابن ماجه (1322)، وأحمد (2/ 26، 51)، والطيالسي (1932)، وابن خزيمة (2/ 214 رقم: 1210)، وابن حبان (2482)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(1/ 334)، وابن الجاورد في "المنتقى"(278)، والدارقطني (1/ 417) والبيهقي (2/ 487): كلهم من طريق شعبة عن يعلى عن عطاء عن علي البارقي عن ابن عمر به.

وقال الأثرم عن أحمد: الذي أختاره في صلاة الليل مثنى مثنى، فإن صلي بالنهار أربعا فلا بأس وقال محمد بن نصر نحوه في صلاة الليل، قال: وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرها إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة علي الوصل، إلا أنا نختار أنه يسلم من كل ركعتين، لكونه أجاب به السائل، ولكون أحاديث الفصل أثبت وأكثر طرقا.

وسكت عنه الترمذي إلا أنه قال: اختلف أصحاب شعبة فيه، فرفعه بعضهم ووقفه بعضهم، ورواه الثقات عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكروا فيه صلاة النهار. =

ص: 614

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وقال النسائي: هذا الحديث عندي خطأ، وقال في "سننه الكبرى": إسناده جيد إلا أن جماعة من أصحاب عمر خالفوا الأزدي فيه، فلم يذكروا فيه النهار، منهم سالم ونافع وطاووس، ثم ساق رواية الثلاثة.

قال الزيلعي في "نصب الراية"(2/ 144): والحديث في "الصحيحين" من حديث جماعة عن ابن عمر ليس فيه ذكر النهار.

وقال صاحب "التمهيد"(13/ 185): وكان يحيى بن معين يخالف أحمد في حديث علي الأزدي ويضعفه، ولا يحتج به، ويذهب مذهب الكوفيين في هذه المسألة ويقول: إن نافعا وعبد الله بن دينار وجماعة رووا هذا الحديث عن ابن عمر لم يذكروا فيه "والنهار".

وقال الدارقطني في "العلل": ذكر النهار فيه وهم. وقد بسط القول في تضعيف هذه الزيادة ابن تيمية في "الفتاوى"

، قال الحافظُ في "الفتح" (2/ 479): أكثرُ أئمة الحديث أعلوا هذه الزيادة وهي قوله: "والنهار" بأن الحفاظ من أصحاب ابن عمر لم يذكروها عنه، وحكم النسائي علي راويها بأنه أخطأ فيها، وقال يحيى بنُ معين: من علي الأزدي حتى أقبلّ منه؟ وادعى يحيى بنُ سعيد الأنصاري، عن نافع أدق ابن عمر كان يتطوع بالنهار أربعا لا يفصلُ بينهن، ولو كان حديث الأزدي صحيحا لما خالفه ابنُ عمر، يعني

مع شدة إتباعه رواه عنه محمد بن نصر في "سؤالاته"، لكن روى ابنُ، وهب بإسناد قوي عن ابن عمر قال:"صلاة الليل النهار مثنى" موقوف أخرجه ابنُ عبد البر من طريقه، فلعل الأزدي اختلط عليه الموقوف بالمرفوع فلا تكون هذه الزيادة صحيحة علي طريقة من يشترط في الصحيح ألا يكون شاذًا، وقد روى ابنُ أبي شيبة من وجه آخر عن ابن عمر أنه كان يُصلي بالنهار أربعا أربعًا، وهذا موافق لما نفله يحيى بن سعيد. =

ص: 615

ثم قوله: "مثنى" يدل على أنها [اثنتين اثنتين]

(1)

، ففائدة التكرار التأكيد على ما هو الظاهر، وسيأتي تحقيقه، وفي "الكشاف":"إنما لم ينصرف لتكرار العدل فيه"، وقال غيره: للعدل والوصف، وهو الأظهر، وعليه الأكثر، وبيانه أنه عدل عن اثنين اثنين إلى مثنى، وهو صفة لأنك تقول: مررت بالقوم مثنى، وقيل: إنما لم ينصرف لتكرر العدل فيه؛ فإنه عدل عن لفظ "الاثنين" إلى "مثنى"، وعن معنى "اثنين" إلى:"اثنين اثنين"، فإذا قلت: جاءت الخيل مثنى، فالمعنى: جاءوا مزدوجين".

قال المؤلف: "يعني ركعتين [ركعتين]

(2)

هذه رواية نافع وطاوس، وعن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر

(3)

: "الليل والنهار"، وهو ثقة وزيادة الثقة مقبولة، والحديث ورد في النوافل، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وقت الضحى ثماني ركعات، يسلم بين كل

= انظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (5/ 256، 257 رقم: 6690 - 6696) وعلل الدارقطني (13/ 35 رقم السؤال: 2927) و"علوم الحديث" للحاكم ص (58) و"السنن الكبرى" للبيهقي (1/ 179، رقم: 472)، و"معالم السنن" للخطابي (1/ 287). والبدر المنير لابن الملقن (3/ 458).

(1)

كذا في (د)، وفي (أ) و (ب):"اثنين اثنين"، وفي (ج):"اثنتين".

(2)

زيادة من "مفتاح الحصن الحصين".

(3)

بعدها في "مفتاح الحصن الحصين" زيادة: ""اقتصروا علي ذكر الليل"، ورواه علي بن عبد الله البارقي عن ابن عمر".

ص: 616

ركعتين، وصلاة العيد ركعتان، وكذا الاستسقاء [وهما]

(1)

من صلاة النهار"

(2)

.

قلت: ما ذكره معارَض بما أخرجه أبو داود في "سننه"، والترمذي في "الشمائل"، عن أبي أيوب الأنصاري، عنه عليه السلام، قال: "أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم، [تفتح]

(3)

لهن أبواب السماء"، وفي لفظٍ للترمذي في "الشمائل": "قلت: يا رسول الله، أفيهن تسليم فاصل؟ قال: لا" وله طريق آخر

(4)

.

قال محمد بن الحسن في "موطئه": "حدثنا بكر بن عامر البجلي، عن

(1)

في "مفتاح الحصن الحصين": "وكلها".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ ب).

(3)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د):"يفتح".

(4)

أخرجه أبو داود (1270)، وابن ماجه (1157) وهو حديث حسن لغيره كما في "صحيح الترغيب" (585). عدا قوله:"ليس فيهن تسليم" فهي ضعيفة كما في "ضعيف الترغيب"(320).

وفي سنده عُبيدة بن مُعَتّب الكوفي، قال أبو داود: عُبيدة، ضعيف، وقال المنذري: لا يحتج بحديثه وهو بضم العين المهملة وفتح الباء الموحدة وقد ضَعّف الحديثَ يحيى بن سعيد القطان وغيره من الحفاظ.

وقال الحافظ: عُبيدة بن معتَّب الضبّي، أبو عبد الرحيم الكوفي الضرير، ضعيف واختلط بآخره، وماله في البخاري سوى موضع واحد في "الأضاحي" التقريب (4448)، وراجع المجروحين (2/ 173). انظر: مختصر سنن أبي داود (2/ 79).

ص: 617

إبراهيم -أي: النخعي- والشعبي، عن أبي أيوب الأنصاري:"أنه عليه السلام كان يصلي أربعًا إذا زالت الشمس، فسأله أبو أيوب عن ذلك، فقال: إن أبواب السماء تفتح في هذه الساعة، فأحب أن يصعد لي في تلك الساعة خير، قلت: أفي كلهن قراءة؟ قال: نعم، قلت: أيفصل بينهن بسلام؟ قال: لا"

(1)

.

وروى أبو يعلى الموصلي في "مسنده" عن عائشة

(2)

: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى أربع ركعات لا يفصل بينهن".

وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحها"، والترمذي، عن ابن عمر

(3)

، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعًا"، والمتبادر منه أن يكون بسلام واحد.

وفي "الصحيحين" عن عائشة في صلاة الليل

(4)

: "كان يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن

" الحديث، فهذا الفصل يفيد المراد، وإلا لقالت: ثمانيًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن.

ثم اعلم أن أبا حنيفة علي أن الأربع في النفل أفضل: ليلًا كان أو نهارًا،

(1)

الموطأ رواية محمد بن الحسن الشيباني (296) وانظر الدراية لابن حجر (148).

(2)

أخرجه أبو يعلى (4366).

(3)

أخرجه الترمذي (430)، وأبو داود (1271) وإسناده حسن، كما قال النووي في خلاصة الأحكام (1/ 539 رقم 1822). وانظر كلام المنذري في أبي المثنّى في مختصر سنن أبي داود (2/ 79 - 85)، ووثقه الحافظ كذلك، التقريب (6686).

(4)

أخرجه البخاري (3569) ومسلم (738).

ص: 618

وقال أبو يوسف، ومحمد:"الأربع في النهار أفضل"، وصلاة الليل مثنى اعتبارًا بالتراويح، فإن الإجماع علي الفصل فيها، وللحديث المذكور في الصحيحين:"صلاة الليل مثنى مثنى".

قال المحقق ابن الهمام عند قول صاحب "الهداية" للشافعي: "قوله عليه السلام: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" أخرجه أصحاب السنن الأربعة من حديث ابن عمر، وفيه شعبة، قال الترمذي: "اختلف أصحاب شعبة فيه، فرفعه بعضهم ووقفه بعضهم، ورواه الثقات عن عبد الله بن عمر، عنه عليه السلام، ولم يذكروا فيه:"صلاة النهار""، وكذا هو في "الصحيحين".

وقال النسائي: "هذا الحديث عندي خطأ"، ورواه الحاكم في كتابه في "علوم الحديث" بسنده ثم قال:"رجاله ثقات، إلا أن فيه علة يطول بذكرها الكلام"، انتهى

(1)

.

ثم قال-[أي]

(2)

ابن الهمام-: "فالأولى في التقرير -إن شاء الله تعالى- وجهان:

أحدهما: أن مقتضى لفظ الحديث حصرُ المبتدإ في الخبر، لأنه حكم على العام، أعني صلاة الليل والنهار، وليس بمراد وإلا لكانت كل صلاة تطوع لا تكون إلا ثنتين شرعًا، والاتفاق على جواز الأربع أيضًا، وعلى كراهة الواحدة والثلاث في غير الوتر، وإذا انتفى كون المراد أن الصلاة

(1)

وقد سبق الكلام علي هذه العلل في تخريج الحديث سابقا.

(2)

زيادة من (ج) فقط.

ص: 619

لا تباح إلا ثنتين، أو لا تصح إلا ثنتين، لزم كون الحكم بالخبر المذكور، أعني "مثنى" إما في حق الفضيلة بالنسبة إلى الأربع، أو في حق الإباحة بالنسبة إلى الفرد، وترجيح أحدهما بمرجح، وفعله عليه السلام ورد على كلا النحوين، لكنا علقنا زيادة فضيلة الأربع [لأنها]

(1)

أكثر مشقة على النفس؛ بسبب طول تقيدها في مقام الخدمة، ورأيناه عليه السلام قال:"إنما أجرك على قدر نصبك"، فحكمنا بأن المراد الثاني، أي: مثنى، لا واحدة أو ثلاثًا.

وثانيهما: أن المراد به أن كل مثنى من التطوع صلاة على حدتها، ومثنى معدول عن العدد المكرر وهو اثنان اثنان، فمؤداه حينئذٍ: اثنان اثنان صلاة على حدة، ثم اثنان اثنان صلاة على حدة، وهلم جرًّا.

وهذا معنى أربع صلاة على حدة، أربع صلاة أخرى على حدة وهلم جرًّا، بخلاف ما لو لم يكرر لفظ "مثنى"، وقال:"الصلاة مثنى" مقتصرًا عليه، فإن المعنى حينئذٍ: الصلاة [اثنين اثنين]

(2)

وهلم جرّا، فيفيد أن كل اثنتين صلاة على حدة.

وسبب العدول عن أربع أربع، وهو أكثر استعمالًا، وأشهر معنًى، إلى إفادته بذلك قصد إفادة كون الأربع مفصولة بغير سلام، وذلك حينئذٍ ليس إلا [التشهد]

(3)

لا مخلوطة.

(1)

كذا في (ج)، وفي (أ) و (ب) و (د):"بأنها".

(2)

كذا في (د)، وفي (أ) و (ب) و (ج):"اثنتين اثنتين".

(3)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"للتشهد".

ص: 620

وقد وقع في بعض الألفاظ موصولًا بما يحسن في الاستعمال موقعه، تفسيرًا على ما قلناه، وهو ما أخرجه الترمذي، والنسائي، عن الفضل بن العباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصلاة مثنى مثنى تشهد في كل ركعتين"".

(وكان إذا قام من الليل [يتهجد])

(1)

أي: يريد أن يتهجد، يعني: يصلي صلاة التهجد، (قال) أي: قبل الشروع، وجملة "يتهجد" حال من الضمير في "قام"، و"قال" في موضع النصب على أنه خبر "كان"، ويحتمل أن يكون "قال" جواب "إذا"، والجملة الشرطية خبر "كان".

وقال المؤلف: "يتهجد، أي: يسهر، يقال: هجد وتهجد إذا سهر، وهجد وتهجد إذا نام، فهو من الأضداد"

(2)

، انتهى. والتحقيق ما قدمناه.

وفي حديث يحيى بن زكريا عليهما السلام: "فنظر إلى متهجدي عباد بيت المقدس" أي: المصلين بالليل، والأظهر أن يقال:"يتهجد" استئناف تعليل، أي: وكان إذا قام من الليل [ليتهجد]

(3)

، قال:

(اللهم لك الحمد) أي: على النوم واليقظة، [و]

(4)

على سائر الأحوال المختلفة، (أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن) قال المؤلف:"أي: مدبر أمور خلقه"

(5)

، انتهى.

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج)، وفي (د):"متهجدًا".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 9/ أ).

(3)

كذا في (أ) و (د)، وفي (ب) و (ج):"يتهجد".

(4)

زيادة من (أ) و (د) فقط.

(5)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ ب).

ص: 621

"وفي رواية: "قيام" وفي أخرى: "قيوم"، وهي من أبنية المبالغة، وأصلها من الواو: قَيْوَام، وقَيْوم، وقَيْوُوم، بوزن فَيْعَال، وفَيْعِل، وفَيْعُول، ومعناها: القائم بأمور الخلق، ومدبر العالم في جميع أحواله، ومنه: قيم الطفل، والقيوم: هو القائم بنفسه مطلقًا لا بغيره، ويقوم به كل موجود، حتى لا يتصور وجود شيء، ولا دوام وجوده إلا به"

(1)

، كذا في "النهاية"، وروعي في قوله:"ومن فيهن" تغليب العقلاء، والضمير إلى مجموع السماوات والأرض كقوله تعالى:{هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا} [الحج: 19].

(ولك الحمد أنت [ملك]

(2)

السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن) أي: بك يهتدي من فيهما، وقيل:"معناه أنت منزه عن كل عيبٍ"، وقيل: "هو اسم مدح يقال: فلان نور البلد، أي:[مزينه]

(3)

"، وقالَ المؤلف: "أي: منورهما، أي: خالق نورهما"

(4)

، انتهى.

وقال الغزالي: " [إن]

(5)

النور [من]

(6)

هو ظاهر بنفسه، ومنور لغيره"، فالإضافة بمعنى "في" باعتبار ظهور نوره فيهن.

(1)

"النهاية"(4/ 134).

(2)

كذا في (أ) و (ج) و (د) و (م)، وفي (ب):"مالك".

(3)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"زينته".

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ ب). وقد سبق الكلام عن النور.

(5)

زيادة من (ج) فقط.

(6)

زيادة من (أ) و (ب) فقط.

ص: 622

(ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق) الحق: ضد الباطل، ويطلق على واحد الحقوق، قال المؤلف:"أي: المتحقق وجوده، وكل شيء صح وجوده وتحقق فهو حق"، وعرف "الحق" في الموضعين بمعنى الحصر، ونكر الباقي لأن كلا منهما حق في نفسه"

(1)

.

(ولقاؤك حق) أي: البعث، أو رؤية الله تعالى، قال المؤلف:"يعني: البعث، وأخطأ من فسره بالموت"

(2)

، انتهى. ولا يخفى أن خطأه غير ظاهر؛ إذ اللقاء بمعنى الملاقاة، وهو لا يكون إلا بالموت، ويؤيده: "من أحبّ لقاء الله، أحبّ الله لقاءه

" الحديث، وقد فسر بالموت، ويقويه ظاهر قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ} [الكهف: 110]، الآية، مع أن إرادة البعث تتكرر مع قوله: "والساعة حق"، والتأسيسُ أولى من التأكيد، عند أرباب التأييد.

فإن قلتَ: ذلك داخل تحت الوعد، قلتُ: الوعد مصدر، والمذكور بعده هو الموعودُ، [وهو]

(3)

تخصيص بعد تعميم، كما أن قوله:(وقولك حقٌّ) بعد الوعد تعميمٌ بعد تخصيصٍ.

فإن قلتَ: القول يوصف بالصّدق، فيقال: هو صدق وكذب؛ ولذا قيل: "الصدق هو بالنظر إلى القول المطابق للواقع، والحق بالنظر إلى الواقع

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ ب).

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ ب).

(3)

كذا في (أ) و (د)، وفي (ب):"أو هو"، وفي (ج):"أو".

ص: 623

المطابق للقول"، قلت: قد يقال أيضًا [قول]

(1)

ثابت، ثم إنهما متلازمان.

فإن قلتَ: لِمَ عرف "الحق" في الأولين، ونكر في البواقي؟ قلت: المعرف بلام الجنس والنكرة تقرب بينهما المسافة، بل صرحوا: أن مؤداهما واحد لا فرق بينهما، إلا بأن في المعرفة إشارة إلى أن الماهية التي دخل عليها معلومة للسامع، وفي النكرة لا إشارة إليه، وإن لم تكن إلا معلومة.

والحاصل: أنه تفنن في العبارة، لكن المعلومة قدمت على المجهولة في الجملة؛ لأنها أوقع في المتخيلة.

هذا، وفي "صحيح مسلم":"وقولك الحق" بالتعريف أيضًا، وقال الخطابي:"عرفهما للحصر لأن الله تعالى هو الحق الثابت الباقي، وما عداه في مدحض الزوال والفناء، وكذا وعده مختص بالإنجاز دون غيره، والتنكير في البواقي للتعظيم".

(والجنة حق، والنار حق) فيه إيماءٌ إلى أنهما مخلوقتان موجودتان، (والنبيون حق، ومحمد حق) خَصَّ محمدًا من بين النبيين، وعطف عليهم، إيذانًا بالتغاير، وأنه فائقٌ عليهم بأوصافٍ مختصة به، فإنّ تغايرَ الوصف بمنزلة تغاير الذات، ثم جرد [عن]

(2)

ذاته كأنه غيرُه، ووجب عليه الإيمانُ به، وتصديقُه على أن التحقيق: أنه يجب عليه [التصديق

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"قوله".

(2)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"من".

ص: 624

الإيماني]

(1)

بأنه حق، كما ذكره بعض المحققين.

(والساعة حقٌّ) في "النهاية": "إن الساعة لغة تطلق على جزء قليلٍ من النهار أو الليل، ثم استعيرت للوقت الذي تقوم فيه القيامة، يريد أنها ساعةٌ خفيفةٌ يحدث فيها أمر عظيمٌ، فلقلة الوقت الذي تقوم فيه تسمى ساعة"

(2)

، انتهى.

وحاصله: أنها ساعة بغتة، كما قال تعالى:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً} [الزخرف: 66]، فاللام للعهد، وقيل:"لطول زمن القيامة سميت ساعة تسمية بالضد، كإطلاق الكافور على الزنجي".

(اللهم لك أسلمت)"أي: استسلمت وانقدت"

(3)

، ذكره المصنف، (وبك آمنت) "أي: صدقت بك، وبكل ما أخبرت وأمرت ونهيت"

(4)

، قاله المؤلف، (وعليك توكلت) أي: اعتمدت عليك، وفوضت أمري إليك، قاطعًا للنظر من الأسباب العادية، والأحوال الكسبية، (وإليك أنبْتُ) من الإنابة، بمعنى: الرجوع، وهو مقتبس من قوله تعالى:{عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88]، قال المؤلف: "أي: أطعت فرجعت إلى

(1)

كذا في (ج) و (د)، وفي (ب):"التصديق الإيمان"، وفي (أ):"بالتصديق الإيماني".

(2)

"النهاية"(2/ 422)

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ ب).

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ ب).

ص: 625

عبادتك، وأقبلت عليها، وقيل: "رجعت إليك في تدبيري، أي: فوضت إليك [أمري]

(1)

"

(2)

.

(وبك خاصمت) أي: جادلت وقاومت خصمي وخصمَك، وقال المصنف:"أي: بما أعطيتني من البراهين والقوة خاصمت من عاند فيك، وكفر بك، وقمعته بالحجة والسيف"

(3)

.

(وإليك حاكمت) أي: رافعت قضية الخصومة إلى حكمك، ورضيت بأمرك ونهيك، وقال المؤلف:"أي: كل من جحد الحق حاكمته إليك، لا إلى غيرك مما كانت يتحاكم إليه الجاهلية من: صنم، وكاهن، وغير ذلك"

(4)

، انتهى.

وقدم مجموع صلات هذه الأفعال عليها إشعارًا بالتخصيص، وإفادة الحصر.

وزاد أبو عوانة: (أنت ربنا وإليك المصير) فيكتب رمزه فوقه، (فاغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت) أي: أخفيت، (وما أعلنت) قال المصنف:"قاله تواضعًا وليقتدى به"

(5)

، انتهى. أو نظرًا إلى ما قيل من:

(1)

زيادة من (أ) فقط.

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ ب).

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ ب).

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ ب).

(5)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 8/ ب).

ص: 626

"أن حسنات الأبرار سيئات المقربين"، أو المراد به: ما وقع على خلافِ الأولى، أو عدَّ المباحات من الغفلات، أو اعتبر التقصير في الطاعات من جملة السيئات، قال تعالى:{كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ} [عبس: 23]، وقد ورد:"ما عبدناك حق عبادتك".

وزاد البخاري في رواية: (وما أنت أعلم به مني) فيشار إليه بكتابة رمزه عليه.

(أنت المقدم) أي: مَن تشاء، بما تشاء، على ما تشاء، (وأنت المؤخر) أي كذلك، قال ابن بطّال

(1)

: "معناه أنه صلى الله عليه وسلم أخّر عن غيره في البعث، وقدّم عليهم يوم القيامة بالشفاعة وغيرها، كقوله: "نحن الآخرون السابقون"، وفي رواية مسلم زيادة:(أنت إلهي) فينبّه عليه بالرمز إليه، (لا إله إلا أنت. ع، عو) أي رواه: الجماعة، وأبو عوانة؛ كلهم عن ابن عباس

(2)

.

(ولا حول ولا قوة إلا بالله. خ) أي: رواه البخاري عنه، فهو من زياداته على رواية الجماعة، ووقع في نسخة هنا رمز العين بدل الخاء، فيكون إشارة إلى أن هذه الزيادة لم يروها أبو عوانة، والله أعلم.

(1)

انظر: شرح ابن بطال (3/ 110).

(2)

أخرجه البخاري (1120)، ومسلم (769)، وأبو داود (771)، والترمذي (3418)، والنسائي 3/ 209 - 210، وفي "عمل اليوم والليلة"(868)، وابن السني (760)، وابن ماجه (1355)، وأحمد 1/ 298 و 302 و 358، والطبراني في "الدعاء"(753 - 757)، وأبو يعلى (2404) وأبي عوانة (2227).

ص: 627

(سمِع الله) أي: استجاب (لمن حمده)[وقُبِل ثناؤه]

(1)

، وأجاب دعاءه، وقيل:"اللام زائدة"، أي: سمع الله حمد من حمدَه، [و]

(2)

أجابه وقبله، ويشير إليه قول المصنف:"أي: أجاب حمده وتقبَله"

(3)

، انتهى.

والسمع والسماع يتعدى إلى مفعولين تارةً، وإلى مفعولٍ أخرى، وباللام أيضًا ومنه:{لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ} [فصلت: 26]، وبـ "إلي" ومنه:{لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى} [الصافات: 8]، ثم الضمير راجع إلى الله، وفي نسخة بالسكون للوقف، وقيل:"على أنه هاء السكت فالمفعول محذوفٌ"، وهو تكلّف مستغنًى عنه على ما هو معروف.

(الحمد لله رب العالمين. ت) أي: رواه الترمذي عن ربيعة بن كعب الأسلمي، قال:"كنت أبيت عند، رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطيه وَضوءه، فأسمعه الهَويّ من الليل، يقول: سمع الله لمن حمده، وأسمعه الهوي من الليل، يقول: الحمد لله رب العالمين"، رواه الترمذي، وفي رواية النسائي، وابن ماجه:"يقول: سبحان الله رب العالمين، ثم يقول: سبحان الله وبحمده"، هكذا أورده صاحب "السلاح".

وأورد صاحب "المشكاة" رواية النسائي، ثم قال:"وروى الترمذي نحوه"، ويفهم من كلامهما: أن أبا داود لم يخرج هذا الحديث، وهو

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج)، وفي (د):"وقَبِلَ ثَناءَه".

(2)

كذا في (ج)، وفي (أ) و (ب) و (د):"أو".

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 9/ أ).

ص: 628

خلاف ما يقتضيه إيراد الشيخ بقوله:

(سبحان الله رب العالمين، سبحان الله وبحمده. د، س) أي رواه: أبو داود، والنسائي، عنه أيضًا، كذا ذكره ميرك

(1)

.

وأقول: المنطوق معتبر دون المفهوم، مع أن المثبت مقدّم على النافي، وزيادة الثقة مقبولة.

(وقعد) أي: النبي صلى الله عليه وسلم (الثلث الأخير) أي: في الثلث الأخير (من الليل) كذا في "أصل الأصيل"، فـ "من" بيانٌ للثلث وهو ظاهر، وفي "أصل الجلال":"من النوم"، فـ "من" متعلقة بـ "قعد"، أي: جلس قائمًا من النوم، (فنظر إلى السماء، فقال) أي: فقرأ {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 190] أي: في إيجادهما وإبداعهما، أو في المخلوقات الكائنة فيهما، ({وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}) أي: في تعاقبهما أو تخالفهما، ظلمةً ونورًا، وبردًا وحرًّا، [أو]

(2)

في تفاوتهما طولًا وقِصرًا ({لَآيَاتٍ}) أي: دلالات واضحات، وبينات لائحات، ({لِأُولِي الْأَلْبَابِ}) أي: لأصحاب العقول السليمة، وأرباب البصائر القويمة.

وفي رواية للبخاري زيادة: (العشر الأواخر من آل عمران حتى ختمها) وهذا هو المفهوم من كلام صاحب "السلاح".

(1)

أخرجه الترمذي رقم (3412) وأبو داود (1320)، والنسائي (3/ 209) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

(2)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"و".

ص: 629

(ثم قام فتوضأ، واستنّ) بتشديد النون، أي: استاك بعد قيامه من النوم، أو في أثناء وضوئه عند إرادة المضمضمة، أو عند قيامه للصلاة، ولا منع من الجمع كما هو مفادٌ من الواو، (فصلئ إحدى عشرة ركعة) بسكون الشين، ويكسر عند بني تميم، فيكون التهجد ثماني ركعات، والوتر ثلاث، والحمل على هذا لكونه المتفق على جوازه، الأفضل عند الكل أولى من الحمل على جعل الوتر ركعة واحدة مع الخلاف في صحته، ولما ورد النهي عن [البتيراء]

(1)

.

وفي "شرح الهداية" لابن الهمام: "قال الشعبي: سألت عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا: ثلاث عشرة ركعة، منها ثمان ويوتر بثلاث، وركعتين بعد الفجر"، ثم الأولى أن يصلي أربعًا بتسليمة، ثم ركعتين بتسليمة، ثم أربعًا وهكذا، جمعًا بين الأحاديث الواردة، والروايات المختلفة عن الأئمة.

(ثم أذن بلال) أي: أذان الصبح، (فصلى) وفي "أصل الأصيل":"ثم صلى"(ركعتين) أي: سنة الصبح، (ثم خرج) أي: إلى المسجد (فصلى الصبح) أي: فرضه بجماعة. (خ، م، د، س، ق) أي رواه: البخاري،

(1)

كذا في (ج)، وفي (أ) و (ب):"التبيراء"، وفي (د):"البيترا"، وكتب بجوارها في حاشية (ج):"البتيراء: تصغير الأبتر، والمراد: الصلاة المقطوعة عن القعدة والتسليم، كقطع الشفعة بركعة واحدة، أو ببعضها، أو بتمامها، وببعض الثانية".

ص: 630

ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم عن ابن عباس.

(1)

(وكان يصلي من الليل) أي: أحيانًا (ثلاث عشرة ركعة، يوتر) أي: يصلي الوتر على ما في "المغرب"، (من ذلك) أي: من مجموع ما ذكر (بخمسٍ) أي: بخمس ركعاتٍ (لا يجلس في شيء) أي: بقصد السلام وقطع المرام (إلا في آخرهن) وحاصله: أنه يوقع الوتر -وهو الثلاث- بعد الشفع الذي قبله، فكأنه أوتر بخمسٍ. (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم، عن عائشة

(2)

.

وقال ابن الهمام

(3)

: "لا خلاف بينهم في إباحة الثمان بتسليمةٍ ليلًا،

(1)

أخرجه البخاري (183)(992)(4571)(4572)، (6316)، ومسلم (763)، وأبو داود (1367)، وفي الأدب (5043)، والنسائي (3/ 210)، وابن ماجه (1363)، وابن حبان في صحيحه -الإحسان- (2636).

(2)

أخرجه مسلم (737). وأبو عوانة (2296 - 2298) وأبو داود (1338). والترمذي (459)، والنسائي في المجتبى (3/ 240). وفي الكبرى (420 و 434) و (1411 و 1424). وابن ماجه (1359). والدارمي (1581). وابن خزيمة (1076 و 1077). وابن حبان (2437 - 2440). ولم أجد عند البخاري هذا اللفظ والذي عنده: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة منها الوتر وركعتا الفجر.

أخرجه البخاري (1140)، ومسلم (738)، وأبو داود (1340)، والنسائي (392).

(3)

فتح القدير (1/ 447).

ص: 631

وكراهة الزيادة عليها في رواية"، وقال السرخسي: "الأصح أنها لا تكره الزيادة على الثمان أيضًا".

وبما في "صحيح مسلم" عن عائشة، في حديثٍ طويلٍ قالت "كنا نعد له سواكه وطهوره، ويبعثه الله ما شاء أن يبعثه، فيتسوك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات، لا يجلس فيهن إلا في الثامنة، فيذكر الله تعالى ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله تعالى ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يسمعناه"

(1)

يترجح ما صححه السرخسي، لكنه يقتضي عدم القعود فيها أصلًا إلا بعد الثامنة، [وكلمتهم]

(2)

على وجوب القعدة على رأس الركعتين من النفل مطلقًا، حتى لو قام إلى الثالثة ساهيًا عن القعدة يعود ولو بعد تمام القيام، ما لم يسجد لدليل آخر يأتي في محله".

(وكان) أي: أحيانًا (يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، يوتر بواحدة) أي: ملحقة بالشفع الذي قبلها. (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم، عنها أيضًا

(3)

.

قال ابن الهمام: "ظاهر كلام "المبسوط" أن منتهى تهجده عليه السلام ثمان ركعات، وأقله ركعتان، فإنه قال: رُوِيَ: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل

(1)

أخرجه مسلم (750)، وأبو داود (1438)، والترمذي (467).

(2)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"وكلهم".

(3)

أخرجه البخاري (6310) ومسلم (736).

ص: 632

خمس ركعات، سبع ركعات، تسع ركعات، إحدى عشرة ركعة، ثلاث عشرة ركعة"، فالذي قال: خمس ركعات؛ ركعتان صلاة الليل، وثلاث وتر، وهكذا البقية، لكن في رواية أبي داود قالت عائشة: "لم يكن يوتر بأقل من سبع"

(1)

.

وروى الترمذي، والنسائي، من حديث أم سلمة، قالت:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث عشرة ركعة، فلما كبر وضعف أوتر بسبعٍ"

(2)

.

بقي أن صفة صلاة الليل في حقّنَا السُّنِّيَّة أو الاستحباب، [تتوقف على]

(3)

صحتها في حقه عليه السلام، فإن كانت فرضًا في حقه عليه السلام، فهي مندوبةٌ في حَقِّنا" لأن الأدلة القولية فيها إنما تفيد الندب، والمواظبة الفعلية ليست على تطوع لتكون سنة في حقنا، وإن كانت تطوعًا فسنة لنا.

وقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب طائفة إلى أنها فرض عليه، وعليه كلام الأصوليين من مشايخنا، وتمسكوا بقوله تعالى:{قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل: 2]، وقالت طائفة: تطوع، لقوله تعالى:{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} ، والأولون قالوا: لا منافاة، لأن المراد بالنافلة الزائدة،

(1)

أخرجه أبو داود (1362) والطحاوي في "شرح معاني الآثار"(1/ 285)، والبيهقي (3/ 35) وصححه الألباني في "المشكاة" برقم (1264).

(2)

أخرجه الترمذي (457)، وقال: حديث حسن، والنسائي 3/ 243 بلفظ "أوتر بتسع"، وقال الألباني في "صحيح الترمذي": صحيح الإسناد.

(3)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"يتوقف في".

ص: 633

أي: زائدة على ما فرض على غيرك، أي: تهجد فرضًا زائدًا لك على ما فرض على غيرك، وربما يعطي التقييد بالمجرور ذلك، فإنه إذا كان النفل المتعارف يكون كذلك له ولغيره.

وأسند عن مجاهد، والحسن، وأبي أمامة: أن تسميتها نافلة، باعتبار كونها في حقه عليه السلام عاملة في رفع الدرجات، بخلاف غيره فإنها عاملة في تكفير السيئات، لكن في مسلم، وأبي داود، والنسائي

(1)

، عن سعيد بن هشام، قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين، أخبريني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلي، قالت: فإن خُلُق نبي الله كان القرآن، قال: فهممت أن أقوم ولا أسأل أحدًا عن شيء حتى أموت، ثم بدا لي فقلت: أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ألست تقرأ: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل: 1 - 2]؟ قلت: بلى، قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم حولًا، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، وصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضته

" الحديث، فهذا يقتضي أنه نسخ وجوبه عنه عليه السلام.

(وإذا قام لصلاة الليل كبر) أي قال: الله أكبر (عشرًا، وحمد) بفتح فكسر، وفي نسخة بتشديد ميم مفتوحة، أي قال: الحمد لله (عشرًا،

(1)

أخرجه مسلم (746)، وأبو داود (1342) و (1343) و (1344) و (1345)، وابن خزيمة (1170)، وأبو عوانة (2/ 321 - 322 و 323 - 325).

ص: 634

وسبح) أي قال: سبحان الله (عشرًا، واستغفر) أي: الله (عشرًا. د، س، ق، مص، حب) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، وابن حبان، عن عائشة أيضًا

(1)

.

(وقال: اللهم اغفر لي) أي: ذنبي، (واهدني) أي: إلى شرائع ديني، (وارزقني) أي: حلالًا طيّبًا، (وعافني) من البلايا الدنيوية المانعة من العطايا الأخروية. (د، سى، ق، مص) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، عن عائشة أيضًا.

(عشرًا. حب) أي: رواه ابن حبان زيادة "عشرًا" عنها أيضا، وكان الأظهر أن يذكر المصنف رمزه أولًا مع ما قبله أيضًا، وفي "نسخة الجلال" وقع "حب" قبل "مص" أيضًا.

(ويتعوذ بالله من ضيق المقام) بكسر الضاد، وقد يفتح، (يوم القيامة)

(1)

أخرجه أبو داود (5085)، والنسائي (8/ 284).

وفي إسناده شريق الهوزني: لا يعرف، كما قال الذهبي في (الميزان 2/ ت 3691) وكذلك فيه علة أخرى: بقية بن الوليد وهو مدلس ولكن أخرجه أبو داود (766) من طريق آخر عنها دون قوله: (وقال: سبحان الملك القدوس عشرا)، دون الاستعاذة من ضيق الدنيا وإسناده صحيح.

وله طريق عند ابن ماجه (1356) من طريق عاصم بن حميد عن عائشة وإسناده حسن، من أجل معاوية بن صالح، فإن حديثه لا يرتقي إلى الصحة.

وقال الحافظ ابن حجر: هذا حديث حسن "نتائج الأفكار"(1/ 120) قال الألباني في "صحيح أبي داود"(4242): حسن صحيح.

ص: 635

قال المؤلف: "أي: مقام يوم القيامة الذي يضيق بأهله، حتى يتمنَّوُا الذهاب إلى النار من هوله وشدته"

(1)

. (د، س، ق، مص) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، عنها أيضًا، (عشرًا. حب) أي: رواه ابن حبان مع ما قبله عنها أيضًا.

وفي "الأذكار": "روينا في "سنن أبي داود" عن عائشة، قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هَبَّ من الليل- أي: استيقظ من نوم الليل، والإضافة بمعنى في- كبر عشرًا، وحمد عشرًا، وقال: سبحان الله وبحمده عشرًا، وقال: سبحان الملك القدوس عشرًا

، ثم قال: اللهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا، ومن ضيق يوم القيامة عشرًا، ثم يفتتح الصلاة"

(2)

، وقال المصنف في "تصحيح المصابيح":"رواه النسائي، وابن ماجه، وابن حبان، وألفاظهم قريبة".

(وإذا افتتح صلاة الليل) أي: أراد افتتاحها (قال: اللهم رب جبريل) بكسر الجيم، [ويفتح]

(3)

، وبفتح الجيم والراء فهمز مكسور مع ياء، وبدونها؛ أربع قراءات متواترات (وميكائيل) بهمز فياء، وبحذفه، وبإسقاطهما؛ ثلاث قراءات، (وإسرافيل) قال المظهري:"وجه إضافة الرب إلى هؤلاء الملائكة مع أنه تعالى رب كل شيء، لبيان تشريف هؤلاء، وتفضيلهم على غيرهم"،

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 9/ أ).

(2)

انظر: "الأذكار النووية"(صـ 16).

(3)

زيادة من (ب) فقط.

ص: 636

انتهى. والظاهر أن مراتب فضلهم على ترتيب ذكرهم.

وقال المؤلف: "خصهم بالذكر، وكذلك قوله: "رب العرش العظيم"، ونحو ذلك من دلائل العظمة" لعظمة شأنه تعالى؛ فإنه ربّ كل شيء"

(1)

، انتهى.

وقد يقال: "إن حياة القلب بالهداية، وهؤلاء الثلاثة موكلون بالحياة؛ فجبريل: موكل بالوحي الذي هو سبب حياة القلوب، وميكائيل: بالقطر الذي هو سبب حياة الأبدان، وإسرافيل: بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم، وعود الأرواح إلى [أجسادها]

(2)

، فالتوسل إلى الله سبحانه بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة، له تأثيرٌ عظيمٌ في حصول الحاجاتِ ووصول المهماتِ.

(فاطر السماوات والأرض) أي: مبدعهما ومخترعهما، (عالم الغيب) أي: ما غاب عن العباد، (والشهادة) أي: ما ظهر في البلاد، (أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون) أي: من الحق، فتثيب موافقه وتعاقب مخالفه، (اهدني لما اختلف فيه من الحق) بيان لـ "ما"، قال المصنف: "أي: ثبتني عليه، كقوله تعالى:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}

(3)

، (بإذنك) أي: بتوفيقك وتيسيرك، والهداية يتعدى بنفسه، كـ {اهْدِنَا الصِّرَاطَ

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 9/ أ).

(2)

كذا في (أ) و (ج)، وفي (ب):"أجسادهم"، وفي (د):"الأجساد".

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 9/ أ).

ص: 637

الْمُسْتَقِيمَ}، وباللام كقوله سبحانه:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9]، وبـ {إِلَى} كما في قوله:{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] و"إنك" بالكسر، على أنه استئناف مبين، وفي نسخة بالفتح على التعليل.

وقال الطيبي: "اللام بمعنى إلى، يقال: هداه لكذا، وهداه إلى كذا، و"ما" موصولة، أي: الذي اختلف فيه عند مجيء الأنبياء، وهو الطريق المستقيم الذي دعوا إليه، فاختلفوا فيه".

(م، عه، حب) أي رواه: مسلم، والأربعة، وابن حبان، عن عائشة أيضًا

(1)

.

(وإذا صلى الوتر ثلاثًا) قَيْد واقعي؛ إذ لم يثبت صريحًا أنه عليه السلام صلى الوتر ركعة، أو أكثر من ثلاث، مع ثبوت أنه صلى الله عليه وسلم صلى الوتر ثلاثًا، وأجمعوا على جوازه بل على كونه أفضل، (فيقرأ) أي: مصلى الوتر استحبابًا (في الأولى) أي: بعد الفاتحة، {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}) أي:" {الْأَعْلَى} " كما في نسخة، (وفي الثانية:{قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون} ، وفي الثالثة:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} . د، ت، س، أ، ق، حب، ي) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وأحمد، وابن ماجه، وابن

(1)

أخرجه مسلم (770)، وأبو داود (767)، والترمذي (3420)، والنسائي (3/ 212 - 213)، وأحمد (6/ 156).

ص: 638

حبان، وابن السني، لكن أبو داود عن أبي بن كعب

(1)

، والترمذي عن ابن عباس

(2)

، وابن ماجه عنهما، والنسائي وأحمد عن عبد الرحمن بن أبزى

(1)

أخرجه عبد بن حميد (176)، وأبو داود (1423 و 1430)، وابن ماجة (1171) و (1182) وعبد الله ابن أحمد (5/ 123) والنسائي (3/ 235 وفي 3/ 244، وفي "الكبرى" (446، 1433، 1436) وفي "عمل اليوم والليلة" 729 و 734 و 740) عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، فذكره.

قال النسائي، عقب رواية سفيان، عن زبيد: وقد روى هذا الحديث غير واحد، عن زبيد، فلم يذكر أحد منهم فيه، أنه يقنت قبل الركوع.

وأخرجه أحمد (3/ 406 و 407) وعبد بن حميد (312)، والنسائي (3/ 244 و 3/ 245، و 3/ 250، 3/ 251،)، وفي "الكبرى"(447 و 1439، 1434 وفي 1450 و 1452، وفي "عمل اليوم والليلة" (730 و 731 و 736 و 737 و 738) 741 و 742 و 743)، والطبراني في "معجمه الأوسط"(1665) عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، ليس فيه: أبي بن كعب.

وأخرجه النسائي (3/ 245، و 246، و 249 و 255)، وفي "الكبرى" 1435 - 1438، 1437 وفي "عمل اليوم والليلة"(733 - 735، 739) عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، ليس فيه: ذر، ولا أبي بن كعب.

وقال ابن الملقن في "البدر المنير"(4/ 338) وأما حديث عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، فرواه أحمد فيه والنسائي بإسناد جيد

وصححه عبد الحق في "الأحكام الكبرى" حيث أورده ساكتا عليه (2/ 361).

(2)

أخرجه أحمد (1/ 299 و 300 و 305 و 316 و 372)، وعنه ابن الجوزي في "التحقيق"(1/ 458/ 672)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (6950 =

ص: 639

أيضًا، وابن حبان عنه فقط، كذا ذكره ميرك.

وفي نسخة: "رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد عن أبي، والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد عن ابن عباس، والنسائي وأحمد عن ابن أبزى".

(والمعوذتين) بكسر الواو، وفي نسخة بفتحها. (د، أ، ق، ت، حب) أي رواه: أبو داود، وأحمد، وابن ماجه، والترمذي، وابن حبان؛ كلهم عن عائشة

(1)

، وفي عطفه بالواو إشعار بأنهما منضمتان في هذه الرواية إلى

= (6951 و 6952)، والدارمي (1586 و 1589) وابن ماجة (1145)، والترمذي (462)، والنسائي (3/ 236، وفي "الكبرى" 435 و 14311430 و (1342) عن سعيد بن جبير، فذكره.

وأخرجه النسائي (3/ 236)، وفي "الكبرى"(436 و 1432) عن ابن عباس، أنه كان يوتر بثلاث. فذكره موقوفا.

قال الترمذي: "وفي الباب عن علي وعائشة وعبد الرحمن بن أبزى عن أبي بن كعب، ويروى عن عبد الرحمن بن أبزى عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وذكر ابن الملقن في "البدر المنير"(4/ 338): "حديث ابن عباس وقال رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح عنه".

قال الزيلعي في "نصب الراية"(2/ 119) قال النووي في "الخلاصة": بإسناد صحيح .... وسكت الترمذي عنه.

وصححه عبد الحق في "الأحكام الكبرى"(2/ 359).

(1)

أبو داود (1424). والترمذي (463)، وابن ماجه (1173. وأحمد 6: 227 والحاكم (2/ 566/ 3921) وعنه البيهقي في "الكبرى"(3/ 38). ورواه ابن =

ص: 640

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= راهويه (1678) عن خصيف عن عبد العزيز بن جريج قال سألنا عائشة بأي شيء كان يقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوتر فقالت كان يقرأ في الركعة الأولى بسبح اسم ربك الأعلى وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون وفي الثالثة بقل هو الله أحد والمعوذتين

وقال الترمذي: حسن غريب.

وفيه نظر خصيف ضعيف.

قال الحافظ في "التلخيص الحبير"(2/ 47): وفيه خصيف وفيه لين وعبد العزيز بن جريج مختلف في سماعه من عائشة.

قال العلائي في "جامع التحصيل"(ص 228): عبد العزيز بن جريج قال حرب بن إسماعيل ذهب أحمد بن حنبل إلى أنه لم يلق عائشة رضي الله عنها وروى محمد بن سلمة عن خصيف عن عبد العزيز بن جريج أنه قال: سألت عائشة بأي شيء كان يوتر النبي صلى الله عليه وسلم

الحديث وهو في مسند أحمد وكتب أبي داود والترمذي وابن ماجة ولكن خصيف متكلم فيه.

ذكره "العقيلي" قال: (3/ 12) عبد العزيز بن جريج عن عائشة في الوتر حدثني آدم بن موسى قال سمعت البخاري قال عبد العزيز بن جريج عن عائشة في الوتر روى عنه ابنه عبد الملك ولا يتابع عليه وهذا الحديث.

حدثناه الحسن بن على بن زياد قال حدثنا إبراهيم بن موسى الفراء قال حدثنا هشام بن يوسف عن ابن جريج عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الوتر.

وحدثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرت عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان فذكر نحوه.

حدثنا أحمد بن محمد بن موسى قال حدثنا محمد بن الصباح قال حدثنا محمد بن سلمة الحراني عن خصيف عن عبد العزيز بن جريج عن عائشة عن =

ص: 641

الإخلاص في الثالثة، ويمكن أن تكون الواو بمعنى "أو"، [فتفيد]

(1)

أنهما تقرآن بدل [الإخلاص]

(2)

.

(ويفصل بين الشفع) أي: الواقع قبل الوتر (والوتر) أي: وبين الوتر، إيماء إلى أنه صلاة مستقلة آكد مما قبلها، سواء قلنا بوجوبها على مذهب

= النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.

حدثنا يحيى بن عثمان قال حدثنا أبو صالح الحراني قال حدثنا محمد بن سلمة قال حدثنا خصيف عن عبد العزيز بن جريج قال قدمت علينا عائشة بمكة فسألتها عن وتر النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال العقيلي: "الرواية عن أبي بن كعب وابن عباس في الوتر أصح من هذه الرواية وأولى".

قال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام"(3/ 384) وقال فيه: حسن غريب، وقد روى يحيى بن سعيد الأنصاري هذا الحديث، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى كلام الترمذي. فأقول: إنما لا يقال: هذا الحديث صحيح، لمكان خصيف بن عبد الرحمن ابن أبي عون الجزري، فإن حفظه رديء سيئ. وفيه مع ذلك قول عبد العزيز بن جريج: سألنا عائشة، فقد زعم قوم أنه لم يسمع منها. وممن قال ذلك أحمد بن عبد الله بن صالح الكوفي ذكره عنه المنتجالي في كتابه صحيحا عنه، ولو جاء قوله: سألنا عائشة عن غير خصيف ممن يوثق به، صح سماعه منها. وإلي ذلك فإنه -أعني عبد العزيز بن جريج والد عبد الملك- لا يتابع على حديثه. قاله البخاري.

(1)

كذا في (ج)، وفي (أ) و (ب) و (د):"فيفيد".

(2)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د):"الإخلاصين".

ص: 642

أبي حنيفة، أو بسنيتها على مذهب صاحبيه وسائر العلماء.

(بتسليمة يسمعها) أي: من خلفه، وهو من السماع، وفي نسخة من الإسماع، وفيه تنبيه نبيه على أن ما قبل الشفع الذي يليه الوتر الذي هو ثلاث عندنا، يجوز له أن يفصل بين كل شفع وشفع، ويجوز أن يصل بينهما، أو بين الكل مما قبل الوتر، على ما سبق تحقيقه. (أ) أي: رواه أحمد عن ابن عمر

(1)

.

(أو لا يسلم) فـ "أو" للتنويع، وفي نسخة:"ولا يسلم"، وهو المطابق للرواية والدراية، (إلا في آخرهن) أي: في آخر [الركعات]

(2)

الثلاث [من]

(3)

الوتر. (س، ي) أي رواه: النسائي، وابن السني؛ كلاهما عن عبد الله بن أبزى، والنسائي من حديث أُبَيٍّ أيضًا

(4)

.

(أو يوتر بواحدة) أي: منضمة إلى شفع قبلها. (خ، م) أي رواه:

(1)

أخرجه أحمد (2/ 76).

وقد ثبت مثل هذا عن ابن عمر موقوفا، فقد أخرج مالك في "الموطأ"(1/ 125) ومن طريق مالك أخرجه البخاري (991)، والطحاوي (1/ 279).

وأخرجه الطحاوي 1/ 279 من طريق سعيد بن منصور، عن هشيم، عن بكر بن عبد الله المزني، قال: صلي ابن عمر ركعتين ثم قال: يا غلام أرحل لنا، ثم قام فأوتر بركعة. قال الحافظ: إسناده صحيح.

(2)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د):"ركعات".

(3)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"في".

(4)

أخرجه النسائي (1701)

ص: 643

البخاري، ومسلم؛ كلاهما عن عائشة وابن عمر جميعًا.

(أو بخمس) أي: منها ثلاث وتر، (أو بسبع) كذلك، ولعل بعض الرواة أطلق الوتر على جميع صلاة التهجد، الواقعة قبل الوتر للمشارفة. (قط، سني) أي رواه: الدارقطني، والبيهقي في "السنن الكبير" له، عن أبي هريرة.

(أو بتسع، أو بإحدى عشرة ركعة، أو أكثر من ذلك) أي: ثلاث عشرة ركعة، ولا يثبت ما عدا ذلك، مع أن في ذلك خلافًا؛ إذ قال بعضهم:"من جملتها ثلاث الوتر، وسنة الفجر". (سني) أي: رواه البيهقي في "السنن الكبير" عنه أيضًا

(1)

.

(وَيَقْنُتُ) بضم النون، أي: يدعو، قال ميرك: "لفظ القنوت يرد لمعانٍ متعددةٍ، والمراد هنا: الدعاء مطلقًا، وإما مقيدًا بالأذكار المشهورة، وهي: اللهم اهدنا

" إلى آخره، (في الأخيرة)، وفي نسخة وهي "أصل الأصيل ": ["الآخرة"، أي: في الركعة الأخيرة]

(2)

من الفجر وهو مختار الشافعية، أو من الوتر وهو مختار الحنفية، وقال النووي في "الأذكار": "ولنا وجهٌ، [وهو]

(3)

: أنه يقنت في الوتر في جميع السَّنة، وهو مذهب أبي

(1)

أخرجه الدارقطني (2/ 24)، وابن حبان (4/ 185 رقم 2429)، والبيهقي (3/ 31)، انظر: البدر المنير (4/ 302).

(2)

كذا في (أ)، وفي (ب):"الأخيرة" فقط، وفي (ج) و (د):"الأخيرة، أي: في الركعة الأخيرة".

(3)

زيادة من (ب) فقط.

ص: 644

حنيفة"

(1)

، انتهى. والمشهور من مذهب الشافعي تخصيص القنوت في الوتر بالنصف الأخير من رمضان.

(إذا رفع رأسه من الركوع) هذا موافق لمذهب الشافعي، وعندنا قبل الركوع، لحديث أخرجه ابن ماجه، والنسائي، وغيرهما:"أنه صلى الله عليه وسلم قنت قبل الركوع في الوتر"، وأما قنوت الفجر فمنسوخٌ عندنا، كما حققناه في "المرقاة شرح المشكاة". (مس) أي: رواه الحاكم عن الحسن بن علي.

(فيقول: اللهم اهدني فيمن هديت) أي: اجعلني من جملة الذين هديتهم، وأهديتهم إلى الصراط المستقيم (وعافني فيمن عافيت) أي: أعطني العافية فيمن عافيتهم من الآفات الدينية، والمحن الدنيوية (وتولني) أمر مخاطب من "تولى"، إذا أحب عبدًا، وقام بحفظه وحفظ أموره، قاله المظهري، (فيمن توليت) أي: فيمن اخترتهم بالولاء.

(وبارك) أي: أوقع البركة والزيادة (لي فيما أعطيت) أي: فيما أعطيتني من خير الدارين، وفي "النهاية":"أي: أثبت لي وأدم ما أعطيتني من التشريف، والكرامة، وغيرهما، وهو من بَرَك البعير، إذا ناخ في موضعه فلزمه، ويطلق من البركة أيضًا على الزيادة، والأصل الأول"

(2)

.

(وقني شر ما قضيت) أي: احفظني سوء ما قدرت على في حكمك، كما قيل:"أفر من قضاء الله تعالى إلى قدره"، (إنك) وفي رواية الترمذي

(1)

"الأذكار النووية"(صـ 48).

(2)

"النهاية"(1/ 120) مادة (ب ر ك).

ص: 645

والحاكم: "فإنك"(تقضي) أي: تحكم بما تشاء، (ولا يقضى عليك) بصيغة المجهول، أي: لا يقع حكم أحد عليك، فلا يجب شيء عليك إلا ما أوجبته عليك، بمقتضى وعدك، (وإنه لا يذل من واليت) الذل ضد العز، والموالاة ضد المعاداة، وفي رواية النسائي زيادة:(ولا يعز من عاديت)، وهو تصريح بما علم ضمنًا، (تباركت ربنا وتعاليت) أي: تعظمت وترفعت عن فهم المخلوقين، وفي رواية ابن حبان زيادة:(نستغفرك ونتوب إليك) وهو موجود في "أصل الأصيل".

(عه، حب، مس، مص) أي رواه: الأربعة، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة؛ كلهم من حديث الحسن بن علي

(1)

، إلا أن قوله: "إذا رفع

(1)

أخرجه أبو داود (1425)، والترمذي (464)، والنسائي (3/ 248)، وابن ماجه (1178). وأخرجه الدولابي في الكنى والأسماء (1/ 161) مختصرًا، وابن خزيمة (2/ 151، 152)، والبيهقي في السنن (2/ 209، 498). وقال ابن خزيمة (2/ 152): وهذا الخبر رواه شعبة بن الحجاج عن بريد بن أبي مريم في قصة الدعاء ولم يذكر القنوت ولا الوتر.

قال الترمذي (464): "هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي الحوراء السعدي واسمه ربيعة بن شيبان، ولا نعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت في الوتر شيئا أحسن من هذا.

الترمذي (2518): "وفي الحديث قصة. وأبو الحوراء السعدي اسمه: ربيعة بن شيبان. وهذا حديث صحيح حدثنا بندار قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن بريد، فذكر نحوه =

ص: 646

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وقال ابن خزيمة (1095): وهذا الخبر رواه شعبة بن الحجاج، عن بريد بن أبي مريم في قصة الدعاء، ولم يذكر القنوت ولا الوتر.

ابن خزيمة (1096) وشعبة أحفظ من عدد مثل يونس بن أبي إسحاق، وأبو إسحاق لا يعلم أسمع هذا الخبر من بريد، أو دلسه عنه، اللهم إلا أن يكون كما يدعي بعض علمائنا أن كل ما رواه يونس عمن روى عنه أبوه أبو إسحاق هو مما سمعه يونس مع أبيه ممن روى عنه، ولو ثبت الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالقنوت في الوتر، أو قنت في الوتر لم يجز عندي مخالفة خبر النبي، ولست أعلمه ثابتا.

قال ابن المنذر في "الأوسط"(5/ 216) قال هذا القائل: شعبة أحفظ من عدد مثل يونس بن أبي إسحاق، وأبو إسحاق لا نعلم أسمع هذا الخبر من بريد، أو دلسه عنه؟

وقال البيهقي في "معرفة السنن والآثار"(3/ 130/ 3996) ورواه العلاء بن صالح، عن بريد بن أبي مريم، بإسناده ومعناه، وزاد فيه قال: فذكرت ذلك لمحمد ابن الحنفية، فقال: إنه الدعاء الذي كان أبي يدعو به في صلاة الفجر في قنوته.

ورواية ابن الأعرابي في "معجمه"(2283) نا محمود بن محمد الحلبي، نا أبو صالح الفراء محبوب بن موسى، نا أبو إسحاق الفزاري، عن الحسن بن عبيد الله، زاد فيه: فإن الخير عادة، والشر لجاجة، ولم أرها لغيره.

وجعل الدعاء عند انقضاء الصلوات.

قال النووي: رواه الثلاثة بإسناد صحيح. خلاصة الأحكام 1449).

قال ابن عبد الهادي: وهو مما ألزم الشيخان تخريجه. "المحرر"(259).

قال ابن الملقن: هذا الحديث صحيح. "البدر المنير"(3/ 630). =

ص: 647

رأسه من الركوع" من مختصات الحاكم، ورواه: أحمد، والبيهقي أيضًا، لكن البيهقي ذكر: "أن محمد بن الحنفية قال: إن هذا الدعاء الذي كان أبي يدعو به في صلاة الفجر في قنوته".

وفي "الأذكار": "عن الحسن بن علي، قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر -وفي رواية: في قنوت الوتر-: اللهم اهدني

"

(1)

إلى آخره، واللفظ لأبي داود، إلا قوله:"ولا يعز من عاديت"، فإنه في رواية

= وقال ابن الملقن: رواه الأربعة بإسناد على شرط الصحيح وحسنه الترمذي وصححه الحاكم على شرط الشيخين "تحفة المحتاج"(454).

قال العراقي: إسناده صحيح. "تخريج الإحياء"(1/ 421).

قال الحافظ ابن حجر في "النتائج"(2/ 148): قال الترمذي هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه عن أبي الحوراء السعدي واسمه ربيعة بن شيبان

وهو بصري ثقة. والراوي عنه بريد بن أبي مريم

وبريد بصري ثقة وهو تابعي أيضا ورواية أبي إسحاق عنه من رواية الأقران بل أبو إسحاق أكبر فيه. وقد رواه عن بريد أيضًا ابنه يونس بن أبي إسحاق، وصاحبه شعبة، وقال ابن حبان في مشاهير علماء الأمصار (700) أبو الحوراء السعدي بن شيبان من صالحي أهل البصرة لا يوجد له راوٍ ثقة إلا بريد بن أبي مريم.

وانظر نتائج الأفكار لابن حجر 2: 134 - 167 باب القنوت في الصبح، ومحمد بن عمر بازمول في رسالته:(الأحاديث، والآثار الوارد في قنوت الوتر رواية ودراية).

(1)

"الأذكار النووية"(صـ 48).

ص: 648

النسائي، وفي رواية له:"وصلي الله على النبي""، انتهى.

وهذا معنى قول المصنف: (وصلى الله على النبي. س) أي: رواه النسائي عن الحسن بن علي أيضًا.

ثم اعلم أنه يستحب الجمع في قنوت الوتر بين هذا الدعاء والدعاء الآتي، وهو قوله: "اللهم إنا نستعينك

" إلى آخره، على ما صرح به بعض علمائنا، وينبغي تقديم هذا، لأنه الأصح.

وقال ابن الهمام: "الأولى أن يؤخره، لأن الصحابة اتفقوا على: "اللهم إنا نستعينك

"، لكن لو قرأ غيره جاز"، انتهى.

ولو قرأ مرة هذا ومرة ذاك جاز، وحاز فضيلة الجمع كما لا يخفى.

(اللهم اغفر لنا) أي: معشر الجماعة أو أهل البيت، (وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين) وفي "أصل الأصيل": "وللمسلمين"(والمسلمات) أي: الجامعين بين صفتي التصديق الباطني والانقياد الظاهري، فالتغاير باعتبار الوصفين، وإن كان كل منهما يطلق على الآخر شرعًا، لأنهما متلازمان اعتبارًا، ولو لم يلزم من الإسلام الإيمانُ لغًة، كما في قوله تعالى:{قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]، والحاصل: أن عطفه [كالعطف]

(1)

في قوله: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ} [الحجر: 1].

(1)

كذا في (أ) و (ج)، وفي (ب) و (د):"كما يعطف".

ص: 649

(وألّف) أمر من التأليف، أي: أوقع الألفة الناشئة عن المحبة (بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم) أي: الحالات الواقعة بينهم؛ ليسلموا من الخطأ والفساد، فيما بين العباد والبلاد، وقيل: لفظ "ذات" مقحم فالمفعول محذوف، أي: وأصلح الأمور الدينية، والأحوال الدنيوية الكائنة فيما بينهم، وأغرب الحنفي حيث قال:"أي: أِّلفْ الصلاح والصلح بينهم"، انتهى.

وفي "المغرب" قال: "يعني الأحوال التي كانت بينهم، وإصلاحها بالتعهد والتفقد، ولما كانت ملابسة للبين وصفت به، فقيل لها: ذات البين، كما قيل للأسرار: "ذات الصدور" لذلك ".

(وانصرهم على عدوك وعدوهم) أي: الشيطان، لقوله تعالى:{إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6]، وعلي أعدائك وأعدائهم من الكفار، فإن العدو يطلق على المفرد والجمع، مع قطع النظر عن إفادة الإضافة معنى الجنسية.

(اللهم العن الكفرة الذين يصدون) أي: يُعرضون ويميلون (عن سبيلك) أو يمنعون الناس عن طريقك، فإن "صد" جاء لازمًا ومتعديًّا، فمن الأول: قوله تعالى: {يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 61]، ومن الثاني: قوله سبحانه {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 217]، والفرق بينهما بالمصدر، فتأمل، (ويكذبون) بالتشديد ويجوز تخفيفه، أي: ينسبون إلى الكذب (رسلك، ويقاتلون أولياءك) أي: المؤمنين.

ص: 650

(اللهم خالف) أي: أوقع الخلاف (بين كلمتهم) ليقع التخالف بين جملتهم، فلا يتم أمرهم، ويتفرق جمعهم، (وزلزل أقدامهم) أي: حركها ولا تثبتها، (وأنزل بهم) من الإنزال، أي: أرسل عليهم (بأسك) أي: عذابك أو قهرك، وشدة آثار غضبك (الذي لا ترده عن القوم المجرمين) أي: الكاملين في الجرم، وهم الكافرون.

(بسم الله الرَّحمن الرحيم) كذا في رواية ابن السني هنا، وفيما بعد قبل قوله:"اللهم" الثاني أيضًا، وقد ورد في بعض الروايات أنهما سورتان من القرآن نسختا تلاوة.

(اللهم) أي: يا ألله (إنا) أي: معشر [المؤمنين]

(1)

(نستعينك) أي: نطلب منك المعونة على الطاعة، وترك المعصية، والغلبة على النفس والشيطان، وسائر الكفرة والفجرة، (ونستغفرك) أي: نطلب منك المغفرة للذنوب، والسترة للعيوب.

(ونثني عليك) من باب الإفعال من الثناء، وهو المدح، أي: نوقع عليك الثناء، وفي رواية بزيادة "الخير"، وانتصابه على المصدر، كما في "المغرب"، أي: ثناء الخير، فيفيد نوعًا من التأكيد، (ولا نكفرك) من الكفران، وهو نقيض الشكر والعرفان، من قولهم:"كفرت فلانًا" على حذف المضاف، والأصل كفرت نعمته.

(نخلع) من خلع الفردس رسنه، أي: ألقاه، أي: نطرح، (ونترك من

(1)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"المسلمين".

ص: 651

يفجرك) أي: يعصيك ويخالفك، وفي "الأذكار":"أي يلحد في صفاتك"

(1)

، انتهى. والفعلان موجهان إلى "من"، والعمل منهما لـ "نترك".

(اللهم إياك نعبد) أي: نخصك بالعبادة، (ولك نصلي) أي: لا لغيرك، (ونسجد) تخصيص بعد تعميم، (ولك) وفي نسخة:"وإليك"(نسعى) أي: نسرع، (ونحفد) أي: نقصد، قال المؤلف:"بفتح النون وكسر الفاء، أي: نسرع في العمل والخدمة"

(2)

، انتهى. وفي "المغرب"

(3)

: "أي: نَعْمَل لك بطاعتك من الحفد، وهو الإسراع في الخدمة".

(ونخشى عذابك الجِدّ) بكسر الجيم، أي: الحق، كما في "الأذكار"، وهو الأمر الثابت خلاف الهزل والمزح، (ونرجو رحمتك، إن عذابك الجد بالكفار مُلْحق) بصيغة الفاعل، وفي نسخة بالمفعول، قال النووي

(4)

: "كسر الحاء هو المشهور، ويقال بفتحها أيضًا، ذكره ابن قتيبة".

وقال المؤلف: "بضم الميم وكسر الحاء كذا رويناه، أي: من نزل به عذابك ألحقه بالكفار، وقيل: "بمعنى لاحق لغةً

(5)

، يقال: لحقته وألحقته، بمعنًى، مثل: تبعته واتبعته، ويروى بفتح الحاء على المفعول،

(1)

"الأذكار النووية"(ص 49).

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 9/ أ).

(3)

المغرب (ص 395).

(4)

الأذكار (ص 135).

(5)

بعدها في "مفتاح الحصن الحصين" زيادة: "في الحق".

ص: 652

أي: إن عذابك ملحق بالكفار يصابون به"

(1)

.

(مو مص سني) أي رواه: ابن أبي شيبة موقوفًا من قول ابن مسعود

(2)

، والبيهقي في "السنن الكبير" له من قول عمر بن الخطاب موقوفًا

(3)

.

(وإذا سلّم منه) أي: من الوتر، (قال: سبحان الملك القدوس) "بضم القاف والدال المشددة، فعول من أبنية المبالغة، أي: الطاهر المنزه عن العيوب والنقائص، وقد تفتح قافه"

(4)

، ذكره المصنف، (ثلاث مرات، يمد صوته في الثالثة) ورواية ابن أبي شيبة: "في الآخرة"، (ويرفع) أي: صوته، والظاهر أنه عطف تفسيرٍ. (س، د، مص، قط) أي رواه: النسائي، وأبو داود، وابن أبي شيبة، والدارقطني؛ كلهم عن أبي بن كعب

(5)

.

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 9/ أ).

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة (6965)

(3)

أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (2/ 210).

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 9/ أ).

(5)

أخرجه أبو داود (1423 و 1430)، وابن ماجة (1171) و (1182) وعبد الله بن أحمد (5/ 123) والنسائي (3/ 235 وفي 3/ 244، وفي "الكبرى" 1433، 416، 1436، وفي "عمل اليوم والليلة" 729 و 734 و 740) عن سعيد بن عبد الرَّحمن بن أبزى، عن أبيه، فذكره.

قال النسائي، عقب رواية سفيان، عن زبيد: وقد روى هذا الحديث غير واحد، عن زبيد، فلم يذكر أحد منهم فيه، أنه يقنت قبل الركوع.

وأخرجه أحمد (3/ 406 و 407) وعبد بن حميد (312)، والنسائي (3/ 244 و 3/ 245، و 3/ 250، 3/ 251، وفي "الكبرى" 447 و 1439، 1434 =

ص: 653

(رب الملائكة) بالرفع على أنه خبر مبتدإ محذوف، وفي نسخة بالجر على أنه بدل من "الملك"، (والروح)"بضم الراء، قيل: "هو ملك عظيمٌ"، وقيل: "خلق لا يراهم الملائكة كما لا نرى نحن الملائكة"، ويحتمل أن يكون جبريل، فيكون من باب عطف الخاص على العام، وقد يراد بالروح الذي يقوم به الجسد ويكون به الحياة، فقد ورد كذلك في القرآن والحديث"

(1)

، كذا ذكره المصنف.

وقيل: "الروح ملك موكل على الأرواح، أو خلق أعظم من الملائكة"، وهو الملائم لقوله تعالى:{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا} [النبأ: 38]. (قط) أي رواه: الدارقطني عن أبي منضمًّا إلى ما سبق.

(اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك) أي: غضبك، وهذا راجع إلى صفة الذات (وبمعافاتك من عقوبتك) وهذا راجع إلى صفة الفعل،

= وفي 1450 و 1452، وفي "عمل اليوم والليلة" 730 و 731 و 736 و 737 و 738) 741 و 742 و 743، والطبراني في "معجمه الأوسط"(1665) عن سعيد بن عبد الرَّحمن بن أبزى، عن أبيه، ليس فيه: أبي بن كعب.

وأخرجه النسائي (3/ 245، و 246، و 249 و 250، وفي "الكبرى" 1435 - 1438، 1437 وفي "عمل اليوم والليلة" 733 - 735) 739) عن سعيد بن عبد الرَّحمن بن أبزى، عن أبيه؛ ليس فيه: ذر، ولا أبي بن كعب.

وقال ابن الملقن في "البدر المنير"(4/ 338) وأما حديث عبد الرَّحمن بن أبزى، عن أبيه؛ فرواه أحمد فيه والنسائي بإسناد جيد، وصححه عبد الحق في "الأحكام الكبرى" حيث أورده ساكتا عليه (2/ 361).

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 9/ أ).

ص: 654

فيكون الأول للصفة، والثاني لأثرها [المترتب]

(1)

عليها، ثم ربط ذلك كله بذاته سبحانه، وأن ذلك كله راجع إليه وحده لا إلى غيره، وهذا معنى قول بعض العارفين:"التوحيد إسقاط الإضافات"

(2)

.

وجاء في رواية تقديم الجملة الثانية على الأولى

(3)

، وجعلها الغزالي

(4)

هو الأولى لمراعاة الترتيب في الترقي، الملائم لقوله:(وأعوذ بك منك) الدال على ملاحظة الذات من غير شعور الأفعال والصفات، وهذا غاية التوحيد، ونهاية التفريد الحاصل للمريد، المنعم عليه في مقام المزيد، وهو إجمال ما سبق من قوله:"لا ملجأ ولا منجا منك إلَّا إليك".

ونقل المصنف نكتةً لطيفةً، وحكمةً شريفةً، حيث قال: "قال [الخطابي]

(5)

: إن في هذا معنًى لطيفًا، وهو أنه استعاذ بالله وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضا والسخط

(1)

كذا في (أ) و (ج)، وفي (ب) و (د):"المُرَتَّب".

(2)

قاله الجنيد كما في مرقاة المفاتيح (4/ 1584) ومعناه: فَهُوَ بَيَان تَوْحِيد الْأَفْعَال حَيْثُ يتَعَيَّن فِيهِ أَنْ يسْقط عَن نظره مُلَاحظَة الْأَسْبَاب والآلات ليتضح لَهُ أَنَّ الْخلق جَمِيعًا لَا يَمْلكُونَ لِأَنْفُسِهمْ ضَرًّا وَلَا نفعا وَلَا يملكُونَ موتًا وَلَا حَيَاة ولا نشورًا. انظر: الرد على القائلين بوحدة الوجود (ص: 16).

(3)

أخرجه عبد الرزاق (2883)، والنسائي في "الكبرى"(10661)، وأبو يعلى في "المسند"(4547)، والطبراني في "الأوسط"(1992)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"(766)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 127).

(4)

"إحياء علوم الدين" للغزالي (4/ 85).

(5)

معالم السنن (1/ 185).

ص: 655

ضدان، وكذلك المعافاة والمعاقبة، فلما صار إلى ما لا ضد له، وهو الله تعالى، استعاذ به منه لا غير، ومعناه الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادته، والثناء عليه، أعلمنا ذلك"

(1)

، انتهى. أي: أعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكر من المعني، وقيل:"أعلمنا الخطابي"، ولا يخفى أنه أمر مستدرك مستغنًى عنه.

(لا أحصي ثناء عليك)"أي: لا أطيق إحصاءه، وقيل: "لا أحيط به"، وقال الإمام مالك: "لا أحصي نعمتك وإحسانك، والثناء بهما عليك، كان اجتهدت في الثناء عليك"

(2)

"

(3)

، ذكره المصنف، (أنت كما أثنيت على نفسك) قال الطيبي:""ما" موصولة، أو موصوفة، والكاف بمعنى المثل، أي: أنت الذات الذي له العلم الشامل والقدرة الكاملة، تعلم صفات كمالك، وتقدر أن تحصي ثناءً على نفسك، بالقول أو بالفعل، بإظهار فعله عن بث آلائه"

(4)

، انتهى.

قيل فيكون التركيب نظير قول علي رضي الله عنه:

أَنَا الّذِي سمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَره

(5)

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 9/ أ).

(2)

أورد هذا القول عن الإمامِ مالكٍ رحمه الله الإمامُ النوويُّ في "شرحه على صحيح مسلم"(4/ 204).

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 9/ أ).

(4)

"الكاشف عن حقائق السنن" للطيبي (3/ 1025).

(5)

"ديوان علي" رضي الله عنه (ص 77).

ص: 656

ويمكن أن يقال: "أنت" مبتدأ خبره محذوف، أو الكاف بمعنى "على"، و"ما" موصولة، أي: أنت على الوجه الذي أثنيت به على نفسك، وقيل:"الكاف زائدة"، والمعنى: أنت الذي أثنيت على نفسك.

وقال المؤلف: "هذا اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء، وأنه لا يقدر على حقيقته، بل هو تعالى كما أثنى على نفسه؛ إذ كل ثناءٍ أثني به عليه - وإن بولغ فيه - فقدر الله أعظم، وسلطانه أعز، وصفاته أكبر، وفضله في حسانه أوسع، وبلغني أن بعضهم يقول: "أنت": تأكيد للكاف في "عليك"، والمعنى: لا أحصي ثناء عليك كما أثنيت على نفسك، ولا يخفى ما فيه؛ فقد روى النسائي في "اليوم والليلة" من حديث على رضي الله عنه، ولفظه: "لا أستطيع أن أبلغ ثناء عليك، ولكن أنت كما أثنيت على نفسك"

(1)

، فبطل ذلك التمحل"

(2)

، انتهى.

ويعلم من هذا الحديث: أنه يطلق لفظ النفس على ذات الواجب تعالى، فلا وجه لما قاله بعض أرباب علم البديع

(3)

من أن إطلاق لفظ

(1)

"السنن الكبرى"(9/ رقم: 10661)، ولفظه: "لا أستطيع ثناء عليك ولو حَرَصْتُ

".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 9/ ب).

(3)

أورده السيوطيُّ في كتابه "الإتقان في علوم القرآن"(4/ 1361، النوع الثالث والأربعون).

ص: 657

النفس عليه في قوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِك} [المائدة: 116] على سبيل المشاكلة، لعدم الإذن الشرعي بإطلاق النفس على ذات الواجب تعالى، بناءً على أن أسماء اللَّه توقيفية.

(عه، طس، مص) أي رواه: الأربعة، والطبراني في "الأوسط"، وابن أبي شيبة، عن علي مرفوعًا، ولفظ الأربعة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره: اللهم

" إلى آخره، وفي إحدى روايات النسائي: "كان يقول إذا فرغ من صلاته وتبوأ مضجعه"، وفيها: "لا أحصي ثناءً عليك ولو حَرَصْتُ، ولكن أنت كما أثنيت على نفسك"

(1)

.

(وإذا صلى ركعتي الفجر) أي: سنة الصبح (يقرأ) أي: بعد الفاتحة، (في الأولى:{قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ، وفي الثانية:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ).

قيل: الحكمة في اختيار هاتين السورتين لما اشتملتا عليه من: عبادة اللَّد، وتوحيده، وتنزيهه، والرد على الكافرين فيما يعتقدونه ويدعون إليه، فكان الافتتاح به [أولى الصبح]

(2)

لتشهد الملائكة، كما ورد به: أنه كان

(1)

أخرجه أبو داود (1422)، والترمذي (3566)، والنسائي (3/ 248)، وابن ماجة (1179)، والطبراني في "المعجم الأوسط"(1992)، وابن أبي شيبة (7516)؛ كلهم من حديث على به مرفوعًا. قال الترمذي:"وهذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه من حديث حماد بن سلمة"، وقال الألباني في "الإرواء" (435):"صحيح".

(2)

كذا في (د)، وفي (أ):"أولى للصبح"، وفي (ب) و (ج):"أول الصبح".

ص: 658

يقرأ في سنة المغرب

(1)

، وكذا في الركعتين الأخيرتين من الوتر

(2)

، وكذا في ركعتي الطواف

(3)

، وسنة الإحرام، وغيرها. (م، حب) أي رواه: مسلم، وابن حبان، عن أبي هريرة

(4)

.

(أو في الأولى: "وقولوا آمنا باللَّه} الآية) يعني: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى

(1)

أخرجه الترمذي (431)، وابن ماجة (1166) واللفظ له، كلاهما من حديث عبد الله بن مسعود:"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين بعد صلاة المغرب {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ". قال الترمذي: "حديث غريب من حديث ابن مسعود". حسنه الألباني "صحيح ابن ماجة"(1166).

(2)

أخرجه الدارمي في "المسند"(1627، 1630، 1892)، وأحمد (1/ 299)، والترمذي (462)، وابن ماجة (1172)، والنسائي (3/ 236)؛ كلهم من حديث ابن عباس رضي الله عنه:"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر بثلاث: يقرأ في الأولى بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، وفي الثانية بـ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و، وفي الثالثة بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ". وصححه الألباني في "صفة الصلاة"(2/ 539).

(3)

أخرجه مسلم (1218)، وأبو داود (1900)، والترمذي (869) واللفظ له، وابن ماجة (3074)؛ كلهم من حديث جابر بن عبد الله:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ".

(4)

أخرجه مسلم (726) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا، ولم أجده في المطبوع من "صحيح ابن حبان".

ص: 659

{وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136].

وفي الثانية: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا} الآية) يعني: {كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]، [واختيارهما]

(1)

أيضًا لاشتمالهما على التوحيد. (م) أي: رواه مسلم عن ابن عباس

(2)

.

(ويقول) أي: بعد سنة الصبح (وهو جالسٌ) جملة حالية، وهي موجودة في رواية ابن السني دون الحاكم، كما يفهم من كلام صاحب "السلاح"

(3)

.

(اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ومحمد) زاد ابن السني نعت (النبي صلى الله عليه وسلم. أعوذ بك من النّار، ثلاث مرات. مس، ي) أي رواه: الحاكم، وابن السني، عن أسامة بن عمير

(4)

.

(1)

كذا في (ب) و (ج)، وفي (أ) و (د):"واختارهما".

(2)

أخرجه مسلم (727) من حديث ابن عباس به مرفوعًا.

(3)

"سلاح المؤمن" لابن الإمام (647).

(4)

أخرجه الحاكم (3/ 622)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"(103)؛ كلاهما عن أسامة بن عمير به مرفوعًا. وحسنه الألباني بشواهده في "السلسلة الصحيحة"(1544).

ص: 660

(ثم ليضطجع) أي: في بيته من غير نومٍ (على شِقِّه الأيمن) أي: للاستراحة من تعب قيام الليل، ليكون على نشاطٍ في فرض الصبح. (د، ت) أي رواه: أبو داود، والترمذي، عن أبي هريرة

(1)

.

(1)

أخرجه أبو داود (1329)، والترمذي (440)؛ كلاهما من حديث عائشة به مرفوعًا. قال الترمذي:"حديث حسن صحيح". قلت: وأما ما ذكره الشارح من أن الحديث عندهما "عن أبي هريرة" فغير صحيح، والصواب أنهما أخرجاه من حديث عائشة، وعليه فرمز المصنف للحديث بِرَمْزَيْ أبي داود والترمذي فيه قصور، إذ الحديث في "الصحيحين" من حديث عائشة رضي الله عنها. قال الألباني: إسناده صحيح على شرط الشيخين. "صحيح أبي داود"(1206).

ص: 661

‌ما يقول إذا خرج من البيت

(وإذا) وفي "أصل الجلال": "فإذا"(خرج من بيته، قال: باسم الله توكلت على الله) الجملة الثانية من رواية أبي داود، والنسائي، وابن ماجة، والحاكم، على ما في "أصل الجلال" وكثيرٍ من النسخ

(1)

.

(اللهم إنا نعوذ بك من أن نَزِلَّ) بكسر الزاي من الزلة، وهي:"ذنب من غير قصد تشبيهًا بزلة الرجل"، كذا في "الراغب"

(2)

، [أو [نذل) من الإذلال]

(3)

، بصيغة المعلوم في "أصل الجلال" وهو الأصح، وفي "أصل الأصيل" بصيغة المجهول، وأما ما في نسخة [بالذال]

(4)

المعجمة معلومًا ومجهولًا، فالظاهر أنه تصحيف وتحريف.

(أو نُضِلَّ) بضم أوله معلومًا، وفي نسخة بصيغة المجهول، (أو نظلم) أي أنفسنا، أو على أحد، وزاد في "أصل الجلال":(أو يظلم علينا) بصيغة المفعول، وليس في "أصل الأصيل" ولا في أكثر النسخ المعتمدة.

(أو نجهل) أي: في المعاشرة والمخالطة والمخاطبة مع الأهل

(1)

الصواب أن الجملة الثانية إنما هي من رواية الترمذي وابن السني فقط، أما الحاكم فاقتصر على قوله:"بسم الله" فقط، وأما أبو داود والنسائي وابن ماجة فلم يرووا أيًّا من الجملتين.

(2)

"المفردات" للراغب الأصفهاني (ص 214) مادة (ز ل ل).

(3)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د):" (نزل) من الإزلال".

(4)

كذا في (أ) و (ب) و (ج)، وفي (د):"بالزال".

ص: 662

والأصحاب، وقال المظهري: "يعني: نجهل أمور [الدين]

(1)

، أو حقوق الله، أو حقوق الناس، أو معرفة الله، أو نفعل بالناس ما يفعل الجهال من الإيذاء لهم، وإيصال الضرر إليهم"، (أو يجهل علينا) بصيغة المجهول، أي: يفعل الناس بنا فعل الجهال. (عه، مس، ي) أي رواه: الأربعة، والحاكم، وابن السني، عن أم سلمة

(2)

.

(باسم الله، لا حول ولا قوة إلَّا بالله، التكلان على الله) التوكل: إظهار العجز والاعتماد على الغير، والاسم: التكلان بالضم بقلب الواو تاء كالتُّرَاث والتُّجَاه، (مس، ق، ي) أي رواه: الحاكم، وابن ماجة، وابن السني، عن أبي هريرة

(3)

.

(باسم الله، توكلت على اللَّه لا حول ولا قوة إلَّا باللَّه. د، ت، س، حب، ي) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، وابن السني، عن أنس مرفوعًا: "إذا خرج الرجل من بيته فقال: باسم الله، توكلت على الله، لا

(1)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ):"الدنيا".

(2)

أخرجه أبو داود (5053)، والترمذي (3427)، والنسائي (8/ 268)، وابن ماجة (3884)، والحاكم (1/ 519)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (176)؛ كلهم من حديث أم سلمة به مرفوعًا. قال الترمذي:"حسن صحيح"، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (7/ رقم: 3163).

(3)

أخرجه ابن ماجة (3885)، والحاكم (1/ 519)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (177)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. قال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (9/ رقم: 4243): "ضعيف".

ص: 663

حول ولا قوة إلَّا بالله، يقال له: هديت، وكفيت، ووقيت، فيتنحى الشيطان، فيقول شيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي، وكفي، ووقي"

(1)

.

يعني: كيف يتيسر لك إغواؤه، يقوله مُعَزِّيًا مسليًّا للشيطان الذي تنحى لأجل القائل عن طريق إضلاله متحسرًا آيسًا، فقوله:""لك" متعلق بـ "يتيسر"، و"برجل" حال"، كذا حققه الطيبي

(2)

، وروى الترمذي من حديث أبي هريرة بمعناه.

وإذا استعان العبد بالله وباسمه المبارك، هداه وأرشده، وأعانه [في الأمور]

(3)

الدينية والدنيوية، وإذا توكل على الله وفوض أمره إليه، كفاه اللَّه تعالى فيكون حسبه، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، ومن قال: لا حول ولا قوة إلَّا بالله، وقاه الله تعالى من شر الشيطان، ولا يسلط عليه.

(ما خرج [النبي]

(4)

صلى الله عليه وسلم من بيتي) وفي نسخة صحيحة: "من بيته"

(5)

ولا منافاة، لأن بيت أم سلمة - الراوية لهذا الحديث - هو بيته صلى الله عليه وسلم، لكونها

(1)

أخرجه أبو داود (5054)، والترمذي (3426)، والنسائي في "السنن الكبرى"(9837)، وابن حبان (822)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"(178)، كلهم من حديث أنس به مرفوعًا. قال الترمذي:"حديث حسن غريب، لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه". صححه الألباني صحيح المشكاة (2443/ التحقيق الثاني).

(2)

"الكاشف عن حقائق السنن" للطيبي (6/ 1905).

(3)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"بالأمور".

(4)

من (ج) فقط، وفي (م):"رسول الله".

(5)

وهي رواية الترمذي (3427)، وقال:"حديث حسن صحيح".

ص: 664

من أمهات المؤمنين، (قط) يدلُّ على المواظبة والمداومة، والمعنى: أبدًا، (إلَّا رفع طَرْفه) بسكون الراء، أي: بصره (إلى السماء، فقال: اللهم إني أعوذ بك أن أضل) أي: عن الحق، وهو بفتح فكسر، من الضلالة، وهو ضد الرشاد، كذا في "المفاتيح"، ولا يخفى أنه يلزم من نفي الضلال عدم صدور الإضلال منه؛ لأنه نوع من الضلال، كما لا يخفى على أرباب الهداية وأصحاب الكمال.

(أو أضَلّ) على بناء المجهول، أي: يضلني أحد، كذا في "المفاتيح"، وفي نسخة على صيغة المعلوم، فالمعنى: أو أضل أحدًا، والحاصل: أن الثاني روي معلومًا ومجهولًا، والمعنى على الأول: أنه استعاذ من أن يضل هو بنفسه، ومن أن يضله غيره، وعلى الثاني: استعاذ من أن يضل هو، ومن أن يضل غيره.

وكذا الحال في قوله: (أو أَزِلّ، أو أُزَلّ) ويؤيد رواية المجهول قوله: (أو أَظْلِم أو أُظْلَم، أو أًجْهَل أو يُجْهَل على. د، ق) أي رواه: أبو داود، وابن ماجة، عن أم سلمة

(1)

.

قال النووي في "الأذكار": "هكذا في رواية أبي داود: "أن أَضِلّ أو أُضَلّ، أو أَزِلّ أو أُزَلّ"، وكذا الباقي بلفظ التوحيد، وفي رواية الترمذي بلفظ الجمع"

(2)

.

(1)

أخرجه أبو داود (5053)، وابن ماجة (3884)، وقال الألباني في "صحيح الجامع" (4709):"صحيح".

(2)

"الأذكار النووية"(ص 18).

ص: 665

‌أذكار الخروج إلى المسجد

(فإذا) وفي نسخة: "وإذا"(خرج للصلاة) أي: لصلاة الصبح (اللهم) وفي نسخة: "قال: اللهم"(اجعل في قلبي نورًا) قال الكرماني: "التنوين [فيها]

(1)

للتعظيم"

(2)

، أي: نورًا عظيمًا.

(وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا) وخص الثلاثة بالذكر، ولم يذكر بواقي الحواس لأن القلب مقر الفكر في الماء الله ونعمائه، ومكانها ومَعْدِنها، والحواس وسائر الأعضاء تابعة له، لقوله عليه السلام:"إن في الجسد لمضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب"

(3)

؛ ولذا قدّمه.

والبصر: مسرح آيات الله المنصوبة في الآفاق، وله مدخل تامّ في قراءة الكتب المنزلة وغيرها.

والسمع: مدرك أنوار الوحي والآيات المنزلة والعلوم المنقولة.

والمراد من طلب نور الأعضاء أن تتحلى بنور المعرفة والطاعة، وتتخلى عن ظلمة الجهالة والمعصية والغفلة.

(1)

كذا في (أ) و (ج)، وفي (ب) و (د):"فيهما"، وليست في شرح الكرماني.

(2)

"الكواكب الدراري" للكرماني (1/ 131).

(3)

أخرجه البخاري (1/ 52)، ومسلم (1599)؛ كلاهما من حديث النعمان بن بشير به مرفوعًا.

ص: 666

(وعن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، وعن خلفي نورًا) اختصار لما وقع في الحديث المتفق عليه: "اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن [يساري]

(1)

نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا"، والمقصود من ذلك كله الإحاطةُ، كما يدلُّ عليه قوله:(واجعل لي نورًا) أي: نورًا عظيمًا محيطًا بجميع الأعضاء، فكأنه إجمال بعد تفصيل، وفذلكة وتذييل.

قال القرطبي

(2)

: "هذه الأنوار يمكن حملها على ظاهرها، فيكون سأل الله تعالى أن يجعل له في كلّ عضو من أعضائه نورًا يستضيء به من ظلمات يوم القيامة، هو ومن يتبعه ممن شاء الله منهم"، قال:"والأولى أن يقال: هي مستعارة للعلم والهداية، كما قال تعالى: {فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} [الزمر: 22]، {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} [الأنعام: 122]:، ثم قال: "والتحقيق في معناه: أن النور يظهر ما ينسب إليه، وهو يختلف

(1)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"شمالي".

(2)

هو: أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري، أبو العباس الأندلسي ثم القرطبي نزيل الإسكندرية، من أعيان فقهاء المالكية في زمانه، وهو شيخ أبي عبد الله القرطبي صاحب "التفسير"، كان رحمه الله جامعًا لعلوم الحديث والفقه والعربية، واختصر صحيحي البخاري ومسلم، وشرح مختصره على "صحيح مسلم" وسماه:"المفهم" فأحسن فيه وأجاد، ولد سنة 578، وتُوفِّي سنة 656. راجع ترجمته في:"تاريخ الإسلام" للذهبي (48/ 225)، و"الوافي بالوفيات" للصفدي (7/ 265 - 264)، و"الديباج المذهب" لابن فرحون (ص 241).

ص: 667

بحسبه، فنور السمع مظهر للمسموعات، ونور البصر كاشف للمبصرات، ونور القلب كاشف عن المعلومات، ونور الجوارح ما يبدو عليها من أعمال الطاعات"

(1)

.

وقال الطيبي: "معنى طلب النور للأعضاء عضوًا عضوًا: أن يتحلى كلّ عضو بأنوار المعرفة والطاعة، ويتعرى عما سواها، فإن الشيطان محيط بالجهات الست بالوساوس المشبهة بالظلمات، فدفع كلمة "ظلمة" بـ "نور"، فكأنه طلب التخلص منها بالأنوار السادة لتلك الجهات"، قال:"وكل ذلك راجع إلى الهداية والبيان وضياء الحق، وإليه يرشد قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} إلى قوله: {نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} [النور: 35] "، قال:"وخص السمع والبصر والقلب بلفظ "في"؛ لأن القلب مقر الفكر في الماء الله، والسمع والبصر مسارح آيات الله المتلوة والمنصوبة، وخص اليمين والشمال بعده إيذانًا بتجاوز الأنوار عن قلبه وسمعه وبصره، إلى مَن عن يمينه وشماله من أتباعه، وعبّر عن بقية الجهات بـ "من" يشمل استنارته وإنارته من الله ومن الخلق، وقوله في آخره: "واجعل لي نورًا" هي فذلكة وتأكيد له"

(2)

، كذا نقله ميرك عن الشيخ.

(1)

"المفهم" للقرطبي (2/ 395 رقم: 642).

(2)

"الكاشف عن حقائق السنن" للطيبي (4/ 1183 - 1184) بتصرف.

وراجع كذلك: النهاية لابن الأثير (5/ 125). وشرح النووي على صحيح مسلم، (6/ 291)، وفتح الباري، لابن حجر (11/ 118).

ص: 668

(خ، م، د، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، عن ابن عباس

(1)

.

(وفي عصبي نورًا، وفي لحمي نورًا، وفي دمي نورًا، وفي شَعَرِي) بفتح العين ويسكن (نورًا، وفي بشري) أي: جلدي (نورًا. خ، م، د، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، عن ابن عباس أيضًا

(2)

، ولعل وجه الفصل أنهما روايتان عنه، أو الثاني زيادة على الأول، فتأمل.

وكذا الكلام في قوله: (وفي لساني نورًا، واجعل في نفسي نورًا، وأعظم لي نورًا) بقطع الهمزة وكسر الظاء، أي: اجعل نوري عظيمًا. (م) أي: رواه مسلم عنه أيضًا

(3)

.

(واجعلني نورًا) وهو أبلغ من الجميع. (س، مس) أي رواه: النسائي والحاكم عنه أيضًا

(4)

، لكن فيه أن الحاكم لا يتصور أن يروي: "واجعلني

(1)

أخرجه البخاري (6316)، ومسلم (763)، وأبو داود (1348)، والنسائي (1121)؛ كلهم من حديث ابن عباس به مرفوعًا. وليس عند أبي داود والنسائي لفظ:"واجعل لي نورًا"، كما أن رمز المصنف لابن ماجة يوهم أن هذا الذكر موجود عنده وليس كذلك؛ فابن ماجة أخرج الحديث مختصرًا بدون الذكر.

(2)

أخرجه البخاري (8316)، ومسلم (763)، ولم يروه أبو داود ولا النسائيُّ ولا ابنُ ماجة جهذا اللفظِ، كما يوهم صنيع الماتن.

(3)

أخرجه مسلم (763).

(4)

الحديث بهذا اللفظ لم يروه النسائي ولا الحاكم، وإنما أخرجه مسلم (763)، وأبو داود الطيالسي في "المسند"(2829) وأحمد (1/ 284).

ص: 669

نورًا" وحده، فكان اللائق أن يذكر رمزه فيما سبق أيضًا.

(اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل من خلفي نورًا) وفي نسخة: "واجعل في خلفي"، وهو مخالف لما حققه الطيبي على ما تقدم، وغير مناسب لقوله:(ومن أمامي) بفتح الهمز، أي: قدّامي (نورًا، واجعل من فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، اللهم أعطني نورًا. م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، عن ابن عباس أيضًا

(1)

، لكن هذا - على ما هو الظاهر - رواية أخرى مستقلة، بدليل تصدره بقوله:"اللهم"، وباختلاف بعض كلماته.

(وعند دخول المسجد) أي: إرادة دخوله (أعوذ) أي: يقول: أعوذ (بالله العظيم، وبوجهه) أي: ذاته (المكريم) أي: النافع، أو المكرم (وسلطانه القديم) أي: الأزلي المقرون بالنعت الأبدي، (من الشيطان الرجيم) أي: المطرود من رحمة الرحيم. (د) أي: رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه كان إذا دخل المسجد قال: أعوذ بالله العظيم

" إلى آخره، "فإذا قال ذلك، قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم"

(2)

. قال ميرك: "رواه أبو داود بإسناد جيد"، انتهى. وفي بعض النسخ زيد هنا رمز النسائي وابن ماجة، والظاهر أنه سهو.

(1)

أخرجه مسلم (763)، وليس عند أبي داود ولا النسائي بهذا اللفظ.

(2)

أخرجه أبو داود (467).

ص: 670

ثم اعلم أن من آداب الدخول أن يقدم اليمنى ويؤخر اليسرى

(1)

، بخلاف الخروج عكس قضية الخلاء، رعاية لتشريف اليمين في الجميع، فتأمل، فإنه موضع زلل.

وقد حكي: "أن [حاتمًا]

(2)

الأصم قدّم رِجْله اليسرى عند دخول المسجد، فتغيّر لونه، وخرج مذعورًا، وقدم رِجْله اليمنى، فقيل له في ذلك، فقال: لو تركت أدبًا من الآداب، خفت أن يسلبني الله جميع ما أعطاني"، كذا في "خلاصة الحقائق".

(وإذا دخله) أي: أراد أن يدخل المسجد، أو إذا تحقق دخوله (فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم. د، س، ق، حب، مس، ي) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وابن حبان، والحاكم، وابن السني؛ على ما في نسخة صحيحة:"كلهم عن أبي هريرة، إلَّا أبا داود فعن أبي حميد، أو أبي أسيد على الشك"

(3)

.

(1)

أصح ما ورد في هذا الباب: الأثرُ المروي عن أنسٍ موقوفًا عليه من قوله، ولفظه:"من السنة إذا دخلتَ المسجدَ: أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجتَ أن تبدأ برجلك اليسرى"، أخرجه الحاكم (1/ 218)، وعنه البيهقيُّ في "السنن الكبرى" (2/ 442). قال البيهقي:"تفرد به شداد بن سعيد أبو طلحة الراسبي، وليس بالقوي".

(2)

هذا هو الصواب، وفي جميع النسخ:"حاتم".

(3)

أخرجه النسائي في "الكبرى"(9838)، وابن ماجة (773)، وابن حبان (2047)، والحاكم (1/ 207)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"(86)؛ =

ص: 671

(وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك. م، د، س، ق، حب، مس، ي) أي رواه: مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي حميد أو أبي أسيد

(1)

، وابن ماجة عن أبي حميد

(2)

، وابن حبان والحاكم وابن السني عن أبي هريرة

(3)

.

(اللهم افتح لنا أبواب رحمتك) أي: من الأحوال الوَهْبِيَّة (وسهل لنا أبواب رزقك) أي: من الأعمال الكسبية. (ق، عو) أي رواه: ابن ماجة، وأبو عوانة، عن أبي حميد وحده

(4)

.

(أو يقول: باسم الله، والسلام على رسول الله) ولفظ ابن أبي شيبة: "وعلى سنة رسول الله". (ق، ت، مص، مه) أي رواه: ابن ماجة، والترمذي، وابن أبي شيبة، وابن خزيمة، كلهم عن فاطمة الزهراء رضي

= كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. وأخرجه أبو داود (466) من حديث أبي حميد أو أبي أسيد به مرفوعًا. صححه الألباني "صحيح أبي داود"(484).

(1)

أخرجه مسلم (713)، وأبو داود (66)؛ كلاهما من حديث أبي حميد أو أبي أسيد به مرفوعًا، وأخرجه النسائي (2/ 53) عنهما جميعًا.

(2)

أخرجه ابن ماجة (772) من حديث أبي حميد الساعدي به مرفوعًا.

(3)

أخرجه ابن حبان (2047)، والحاكم في (1/ 207)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"(86)، كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

(4)

أخرجه أبو عوانة في "المسند"(1236)، وابن ماجة (772)؛ كلاهما من حديث أبي حميد الساعدي به مرفوعًا. وقال الألباني في "صحيح أبي داود" (2/ 363):"شاذ سندًا ومتنًا".

ص: 672

الله عنها

(1)

.

(اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد. مه) أي: رواه ابن خزيمة عنها أيضًا، بدلًا عن الأول أو منضمًّا إليه.

(اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك) أي: طاعتك الموجبة لرحمتك. (ق، ت، مص، مه) أي رواه: ابن ماجة، والترمذي، وابن أبي شيبة، وابن خزيمة

(2)

؛ عنها أيضًا زيادة على ما تقدم، والله أعلم.

(وبعد دخوله: السلام علينا) أي: الحاضرين من الملائكة والمؤمنين (وعلى عباد الله الصالحين) أي: سائرهم أجمعين. (مو مس) أي: رواه الحاكم موقوفًا من قول ابن عباس

(3)

.

(فإذا خرج) أي: أراد أن يخرج، أو إذا تحقق خروجه (منه) أي: من المسجد (فليسلِّم على النبي صلى الله عليه وسلم، وليقل: اللهم اعصمني) بهمز وصل وكسر

(1)

أخرجه ابن ماجة (771)، والترمذي (314)، وابن أبي شيبة (3431 و 30383)؛ كلهم من حديث فاطمة به مرفوعًا. قال الألباني في "صحيح سنن الترمذي" (314):"صحيح". وكلام الشارح يوهم أن ابن خزيمة أخرج الحديث عن فاطمة، وليس الأمر كذلك، فالحديث قد أخرجه ابن خزيمة (452، 2706) عن أبي هريرة به مرفوعًا، ولم أقف على أحد من المخرجين عزا له روية فاطمة.

(2)

سبق تخريجه قريبًا.

(3)

أخرجه الحاكم في "المستدرك"(2/ 401) من قول ابن عباس به موقوفًا، وقال:"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".

ص: 673

صاد، أي: احفظني (من الشيطان. س، ق، حب، مس، ي) أي رواه: النسائي، وابن ماجة، وابن حبان، والحاكم، وابن السني، كلهم عن أبي هريرة

(1)

.

(الرجيم) أي: المطرود الملعون، المبعود الذميم. (ق) أي: رواه ابن ماجة عنه أيضًا

(2)

، منضمًّا إلى ما تقدم، ولعله وقع له روايتان، والله أعلم.

(اللهم إني أسألك من فضلك) أي: عملًا بقوله تعالى: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 32]، أي: من زيادة كرمه ورحمته، بتوفيق طاعته، وحسن عبادته، وقبول خدمته، ومزيد مثوبته. (م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، كلهم عن أبي حميد، أو أبي أسيد

(3)

.

(أو: باسم الله، والسلام على رسول الله. مص، ت، ق، مه) أي رواه: ابن أبي شيبة، والترمذي، وابن ماجة، وابن خزيمة، كلهم عن فاطمة الزهراء

(4)

.

(1)

أخرجه النسائي في "الكبرى"(9838)، وابن ماجة (773) واللفظ له، وابن حبان (2047)، والحاكم (1/ 207)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"(86)؛ كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. صححه الألباني "صحيح الجامع"(514).

(2)

أخرجه ابن ماجة (773) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

(3)

أخرجه مسلم (713)، وأبو داود (466)؛ كلاهما من حديث أبي حميد أو أبي أسيد به مرفوعًا، بينما أخرجه النسائي في "السنن" (2/ رقم: 729) عنهما جميعًا.

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة (3431) و (30383)، والترمذي (314)، وابن ماجة (771)؛ كلهم من حديث فاطمة. وقال الألباني في "فضل الصلاة على النبي" لإسماعيل بن إسحاق القاضي (82):"صحيح لشواهده".

ص: 674

(اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد. مه) أي: رواه ابن خزيمة عنها أيضًا.

(اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك) قيل: لعلّ السر في تخصيص ذكر الرحمة بالدخول، والفضل بالخروج أن من دخل اشتغل بما يزلفه إلى ثوابه وجنته، فناسب ذكر الرحمة بالدخول، وإذا خرج انتشر في الأرض ابتغاء فضل الله من الرزق الحلال، فناسب الفضل، كما قال تعالى:{فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10]، ولما لم يزل الإنسان في التقصير، لزم في الحالتين طلب الغفران.

(مص، ت، ق، مه) أي رواه: ابن أبي شيبة، والترمذي، وابن ماجة، وابن خزيمة عنها أيضًا

(1)

.

(ولا يجلس) أي: الداخل في المسجد، وهو بصيغة النفي المقصودِ منه النهيُ على وجه الأبلغ، وفي بعض النسخ بالجزم، على صريح النهي عن الجلوس في المسجد في غير وقت المكروه.

(حتى يصلي ركعتين) إما فرضًا - أداء أو قضاء - أو سنة أو نَفْلًا، وليس للمسجد صلاة على حِدَةٍ تسمى:"تحية المسجد" على ما يتوهمه العامة، بل المقصود أنه لا يقع دخوله عبثًا في المسجد؛ ولهذا لو توضأ

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة (3431) و (30383)، والترمذي (314)، وابن ماجة (771)؛ كلهم من حديث فاطمة. وصححه الألباني في "تخريج فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم"(82 - 84).

ص: 675

في بيته ودخل المسجد، فصلى ركعتين سنة الفجر مثلًا، فقد أتى بشكر الوضوء، وتحية المسجد، وأداء سنة الصبح.

فلو كان وقت المكروه التنزيهي، فليصل قضاء إن كان عليه، وإلا فليقل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَّا الله، والله أكبر، عملًا بقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا مررتم برياض الجَنَّة فارتعوا"

(1)

.

وينبغي أن ينوي الاعتكاف عند دخوله المسجد على قول الإمام محمد

(2)

، وغيره من الأئمة كالشافعي ومن تبعه، ويقول:"نويت الاعتكاف ما دمت في المسجد"، ثم الطواف في المسجد الحرام يقوم مقام التحية، فلا يصلي الداخل فيه قبله إلَّا إذا دخل ولم يرد أن يطوف، وليس كما يتوهم بعض الجهال أن ليس تحية [المسجد]

(3)

الحرام إلَّا الطواف.

(خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم، كلاهما من حديث أبي قتادة، ولفظ مسلم:"إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس"

(4)

، ذكره ميرك، وقال:"أي: فليصل، من إطلاق الجزء وإرادة الكل".

(1)

أخرجه أحمد (3/ 150)، والترمذي (3510)، وأبو يعلى في "المسند"(3419)؛ كلهم من حديث أنس بن مالك به مرفوعًا. وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة"(2562).

(2)

راجع "بدائع الصنائع" للكاسائي (1/ 190 - 191).

(3)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ):"للمسجد".

(4)

أخرجه البخاري (444)، ومسلم (714) من حديث أبي قتادة السلمي به مرفوعًا.

ص: 676

وفي "الجامع": "إذا دخل أحدُكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين"، رواه: أحمد والشيخان والأربعة عن أبي قتادة، وابن ماجة عن أبي هريرة، ورواه: العقيلي، وابن عدي، والبيهقي، عن أبي هريرة". ولفظه:"إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين، وإذا دخل أحدكم بيته فلا يجلس حتى يركع ركعتين، فإن الله جاعل له من ركعتيه في بيته خيرًا"

(1)

.

وقال ميرك: "وهذا العدد لا مفهوم لأكثره [باتفاق]

(2)

، واختلف في أقله، والصحيح اعتباره، فلا تتأدى هذه السنة بأقلَّ من ركعتين".

قلت: وفي مذهبنا لا تصح الصلاة بأقلَّ من ركعتين، ثم [اتفق]

(3)

أهل الفتوى على أن الأمر هنا للندب، ونقل ابن بطال عن أهل الظاهر الوجوب.

هذا، وقيل:"المناسب تقديمه على قوله: "فإذا خرج منه"، لكنه مندفع بأنه لما ذكر آداب الدخول والخروج للمناسبة الظاهرة، جمع في الروايات الحديثية بينهما أيضًا طردًا للباب = شرع في المسائل المتعلقة بمن يريد القعود والاستمرار فيه؛ ولذا قال:(وإن سمع) أي: أحد (من يَنْشُدُ) بضم الشين، أي: صوت مَن يطلب (ضالة) أي: لقطة ضائعة في

(1)

"ضعيف الجامع"(481).

(2)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (ب):"بالاتفاق".

(3)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ):"اتفقوا".

ص: 677

المسجد)، وقال المؤلف:"ينشد بفتح الياء وضم الشين من النشد، وهو: رفع الصوت، أي: يرفع صوته بطلبها"

(1)

، انتهى. وفي "القاموس":"نشد الضالة: طلبها وعرّفها"

(2)

.

(فليقل: لا ردَّها الله عليك) أوما في معناه من الدعاء عليه المناسب له، لما رواه مسلم:"أن رجلًا نشد في المسجد، فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له".

وظاهر الحديث أن يضم إلى الدعاء عليه التعليل المذكور أو نحوه، كقوله:(فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا) ويمكن الاكتفاء بنفس الدعاء، فإن العلة إنما صدرت من صاحب الشريعة لتعلم الأمة جهة المنع من طريق السنة.

ثم قيل: ويدخل في هذا كلّ أمر لم يُبْنَ المسجد له، من البيع، والشراء، ونحو ذلك ككلام الدنيا، وأشغالها من: الخياطة، والكتابة بالأجرة، وتعليم الأولاد وأمثالها، وكذا ما يشغل المصلي ويشوش عليه، حتى قال [بعض]

(3)

علماؤنا: "رفع الصوت ولو بالذكر حرام في المسجد"

(4)

، وكان بعض السلف لا يرى أن يتصدق على السائل المتعرض في

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 9/ ب).

(2)

"القاموس المحيط"(1/ 328) مادة (ن ش د).

(3)

من (أ) و (ج) و (د) فقط.

(4)

راجع "فتح القدير" لابن الهمام (2/ 69 - 70).

ص: 678

المسجد

(1)

، بل قال بعضهم:"إنه يحرم إعطاء السائل المتعرض برفع صوتٍ، أو إلحاحٍ ومبالغةٍ، أو بمجاوزة صف وخطوة على رقبة، أو في حال الخطبة، وأمثال ذلك"

(2)

.

(م، د، ق) أي رواه: مسلم، وأبو داود، وابن ماجة؛ كلهم عن أبي هريرة

(3)

، ولفظ الحديث عندهم: "من سَمِعَ رجلًا يَنْشُد

" إلى آخره.

(وإنْ رأى من يبيع، أو يبتاع) أي: يشتري في المسجد) أي: وهو غير معتكف، أو مع إحضار [المبيع]

(4)

، (فليقل) أي: له (لا أربح الله تجارتك) أي: لا جعل الله تجارتك رابحة، أو لا جعلك الله رابحًا في تجارتك.

(ت، س، مس، حب) أي رواه: الترمذي، والنسائي، والحاكم، وابن حبان؛ كلهم من حديث أبي هريرة أيضًا، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا

(1)

نقل الزركشي في كتابه "إعلام الساجد بأحكام المساجد"(ص 353) عن محمد بن الحسن قال: "قال أبو مطيع البلخي صاحب أبي حنيفة: لا يحل للرجل أن يعطي سُؤَّال المسجد".

(2)

قال به محمد بن الحسن الشيباني، كما في "الاختيار لتعليل المختار" للموصلي (4/ 176).

(3)

أخرجه مسلم (568)، وأبو داود (474)، وابن ماجة (767) من حديث أبي هريرة به مرفوعًا.

(4)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ):"للبيع"، وفي (ب):"البيع".

ص: 679

رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك"

(1)

، "ورواه ابن حبان بمعناه" كذا في "سلاح المؤمن"

(2)

.

وفي "الجامع": "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من يَنْشُد فيه ضالةً، فقولوا: لا ردَّ الله عليك"، رواه الترمذي، والحاكم، عن أبي هريرة"

(3)

.

(1)

أخرجه الترمذي (1321)، والنسائي في "الكبرى"(9933)، والحاكم (2/ 56)، وابن حبان (1650) بمعناه، كلهم من حديث أبي هريرة به مرفوعًا. قال الترمذي:"حسن غريب"، وقال الألباني في "الإرواء" (1295):"صحيح".

(2)

"سلاح المؤمن" لابن دقيق العيد (563).

(3)

"صحيح الجامع"(1/ 573).

ص: 680

‌ما يتعلق بالأذان

(والأذان: تسع عشرة كلمة) أي: جملة (معروف) أي: مشهور خبر بعد خبر، أو هو الخبر وما قبله حال، أي: حال كونه مرويًّا بهذا العدد، وهو مبني على قاعدة الترجيع، وتحقيقه: وهو أنه إذا قال بعالي صوته: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، قال سرًّا بحيث يسمع نفسه ومن يقربه: أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم يعود إلى الجهر وإعلاء الصوت فيقول: أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، كذا في "الأذكار"

(1)

، وفي بعض الروايات:"خمس عشرة كلمة"

(2)

، فيكون مبنيًّا على عدم الترجيع موافقًا لمذهبنا كما سيأتي تحقيقه.

ثم اعلم أن: "الإذان: الإيذان، وهو الإعلام، وأما الأذان المتعارف فهو من التأذين، كالسلام من التسليم"، كذا في "الْمُغْرِب"

(3)

.

والتحقيق أن الأذان لغة: الإعلام، قال الله تعالى:{وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 3]، واشتقاقه من الأَذَنِ بفتحتين، وهو الاستماع،

(1)

"الأذكار النووية"(ص 28).

(2)

كما عند أحمد (4/ 43)، وأبو داود (505)، وابن ماجة (706)؛ كلهم من حديث عبد الله بن زيد به مرفوعًا. قال الألباني في "الإرواء" (1/ 246):"حسن".

(3)

"المغرب" للمطرزي (1/ 33 - 34) مادة (أذن).

ص: 681

وشرعًا: الإعلام لوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة عيّنها الشارع مثناة.

قال العلماء: "ويحصل من الأذان: الإعلام بدخول وقت الصلاة ومكانها، والدعاء إلى الجماعة، وإظهار شعائر الإسلام، والحكمة في اختيار القول دون الفعل بإيقاد نار، وضرب طبل، ونحوهما، [سهولة]

(1)

القول [وتيسره]

(2)

لكل أحد في كلّ زمان ومكان، [مع]

(3)

ما تضمنه من النطق بالذكر، واستماعه، والبعد [عن]

(4)

التشبه بأهل الكتاب.

قال ابن الهمام: "والأذان سنة، وهو قول عامة الفقهاء، وكذا الإقامة.

وقال بعض مشايخنا: واجب؛ لقول محمد: لو اجتمع أهل البلد على تركه لقاتلناهم عليه"

(5)

.

(عه، أ، مه) أي رواه: الأربعة، وأحمد، وابن خزيمة؛ كلهم عن أبي محذورة مرفوعًا:"علمني الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة"

(6)

.

واعلم أن ظاهر إيراد الشيخ - قدس سره - يقتضي أن قوله:

(1)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"لسهولة".

(2)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د):"وتيسيره".

(3)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"مع".

(4)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"من".

(5)

"فتح القدير" لابن الهمام (1/ 243).

(6)

أخرجه أبو داود (503)، والترمذي (192)، والنسائي (2/ 4)، وابن ماجة (709)، وأحمد (3/ 409)، وابن خزيمة (377) بمعناه؛ كلهم من حديث أبي محذورة به مرفوعًا. قال الترمذي:"حسن صحيح"، وقال الألباني في "صحيح سنن أبي داود" (1/ 416):"إسناده حسن".

ص: 682

"والأذان

" إلى قوله: "معروف" مرفوع في الكتب المذكورة التي رقم عنها، وليس كذلك لما عرفت من لفظ الحديث، إلَّا أن يحمل على النقل بالمعنى، وهو بعيد، ذكره ميرك.

وأقول: بل هو متعين كما في أكثر إيراداته، حيث يأتي بخلاصة معنى الحديث وبالمقصود منه، كما علم في آداب الدعاء، وأحوال الإجابة وأوقاتها. هذا، وقال ابن الهمام: "عن أبي محذورة، أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الأذان: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلَّا الله، مرتين، أشهد أن محمدًا رسول الله مرتين، حيَّ على الصلاة

الحديث رواه مسلم هكذا

(1)

، والتكبير في أوله [مرتان]

(2)

، وبه يستدل مالك، ورواه أبو داود والنسائي، والتكبير في أوله أربع، وإسناده صحيح

(3)

"

(4)

.

وقال صاحب"الهداية": "ولا ترجيع في المشاهير"، قال ابن الهمام: " [منها حديث عبد الله بن زيد بجميع طرقه]

(5)

، وقد أخرجه الدارقطني

(1)

"صحيح مسلم"(379).

(2)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (ب):"مرتين".

(3)

أخرجه أبو داود (501)، والنسائي (631)، وحسنه الألباني بشواهده في "صحيح أبي داود"(2/ 420).

(4)

"فتح القدير" لابن الهمام (1/ 245).

(5)

ما بين المعقوفين جملة مقحمة في كلام ابن الهمام، ونص كلامه كما في "فتح القدير": "روى الدارقطني بسند فيه عبد الرَّحمن بن أبي ليلى

".

ص: 683

بسند فيه عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، قال: "قام رجل من الأنصار عبد الله بن زيد يعني: إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني رأيت في النوم كأنَّ رجُلًا نزل من السماء، عليه بُردان أخضران، نزل على حائط من المدينة فأذَّن مثنى مثنى، ثم جلس - قال أبو بكر بن عياش: على نحوٍ من أذاننا اليوم - قال: علمها بلالًا، فقال عمر: رأيت مثل الذي رأي، ولكنه سبقني

(1)

"

(2)

.

"ولأبي داود وابن خزيمة

(3)

، عن عبد الله بن زيد، قال: "لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالناقوس ليعمل، ليضرب به الناسُ لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا في يده، فقلت: يا عبد الله، أتبيع الناقوس؟ قال: ما تريد به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قلت له: بلى، قال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، فساقه بلا ترجيع

(4)

"

(5)

، قال: "ثم

(1)

أخرجه الدارقطني في "السنن"(1/ رقم: 937).

(2)

"فتح القدير" لابن الهمام (1/ 243 - 244).

(3)

بعدها في "فتح القدير": "بسند فيه محمد بن إسحاق".

(4)

أخرجه أبو داود (500)، وابن خزيمة (370) عن أبي محذورة به مرفوعًا.

قال الألباني في "الإرواء"(1/ رقم: 246): "حسن".

(5)

"فتح القدير" لابن الهمام (1/ 244).

ص: 684

استأخر عنى غيرَ بعيد، ثم قال: ثم تقول إذا [أقمت]

(1)

الصلاة: الله أكبر، الله أكبر، فساق الإقامة"

(2)

قال ابن الهمام: "فيترجح عدم الترجيع؛ لأن حديث عبد الله بن زيد هو الأصل في الأذان، وليس فيه ترجيع"

(3)

.

(ويزاد في أذان الصبح: "الصلاة خير من النوم" مرتين. د، قط، مه) أي رواه: أبو داود عن أبي محذورة

(4)

، والدارقطني وابن خزيمة عن أنس، بلفظ: "من السنة إذا قال المؤذن.

في أذان الفجر: حيَّ على الفلاح، قال: الصلاة خير من النوم، مرتين"

(5)

. وقول الصحابي: "من السنة كذا" حكمه حكم المرفوع على الأصح، ذكره ميرك. وقال ابن الهمام:"على الصحيح"

(6)

. لكنه لا يخرج عن كونه موقوفًا، فكان الأظهر أن يأتي برمز "مو" ليعرف أنه موقوف.

وقال ابن الهمام: "روى ابن ماجة عن سعيد بن المسيب، عن بلال: "أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم يُؤْذِنُه بصلاة الفجر، فقيل: هو نائم، فقال: الصلاة خير

(1)

كذا في "فتح القدير" وهو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ:"افتتحت".

(2)

"فتح القدير" لابن الهمام (1/ 244).

(3)

"فتح القدير" لابن الهمام: (1/ 246).

(4)

أخرجه أبو داود (501، 502، 503) من حديث أبي محذورة به مرفوعًا.

(5)

أخرجه الدارقطني في "السنن"(944، 945)، وابن خزيمة (386) واللفظ له، عدا قوله "مرتين"، فرواية بالمعنى. "الثمر المستطاب"(1/ 132).

(6)

"فتح القدير" لابن الهمام: (1/ 247).

ص: 685

من النوم، مرتين، فأقرت في تأذين الفجر"

(1)

، وابن المسيب لم يدرك بلالًا، فهو منقطع، وهو حجة عندنا بعد عدالة الرواة وثقتهم. على أنه روي في حديث أبي محذورة: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "فإذا كان - أي: الأذان - في صلاة الصبح، قلتَ: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله"، رواه: أبو داود، والنسائي

(2)

"

(3)

.

"وفي "معجم الطبراني الكبير"، عن بلال: "أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم يُؤْذِنُه بالصبح، فوجده راقدًا، فقال: الصلاة خير من النوم، مرتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أحسن هذا يا بلال! اجعله في أذانك

(4)

"

(5)

.

(وإذا سَمِعَ) أي: أحدٌ (المؤذن) أي: أذانه (فليقل) أي: السامع (كما يقول) أي: المؤذن، قال القاضي عياض:"اختلفوا: هل هو يقول عند سماع كلّ مؤذن، أم الأول فقط؟ "

(6)

. ويستحب إجابة المؤذن لكل من سمعه من متطهر، ومحدث، وجنب، وحائض، وغيرها ممن لا مانع له.

(1)

أخرجه ابن ماجة (716) من حديث بلال به مرفوعًا. قال الألباني صحيح "تخريج فقه السيرة"(203).

(2)

أخرجه أبو داود (501)، والنسائي (633). قال الألباني صحيح "صحيح أبي داود"(517).

(3)

"فتح القدير" لابن الهمام (1/ 246 - 247).

(4)

أخرجه الطبراني في "الكبير"(1081).

(5)

"فتح القدير" لابن الهمام (1/ 247).

(6)

"إكمال المعلم" للقاضي عياض (1/ 250 رقم: 383).

ص: 686

(ع، ي) أي رواه: الجماعة، وابن السني؛ كلهم عن أبي سعيد الخدري

(1)

.

(وبعد الحيعلة) أي: بعد كلٍّ من قوله: "حيَّ على الصلاة"، و"حيَّ على الفلاح" (لا حول ولا قوة إلَّا باللَّه) أي: يقولها، قال التوربشتي:"العرب إذا كثر استعمالهم في الكلمتين ضمُّوا بعض حروف إحداهما إلى بعضٍ، مثل: الحوقلة، والهيللة، والحيعلة، وهي مركبة من: "حيَّ على" كذا، والمراد هنا [قوله]

(2)

: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح".

وفي "الْمُغْرِب": "حيَّ: من أسماء الأفعال، ومنه: "حيَّ على الفلاح"، أي: هلم وعجّل إلى الفوز"

(3)

، وقال الطيبي:"لما قيل: "حيَّ"، أي: أقبل، قيل له: على أي شيء؟ أجيب: "على الصلاة"، ذكر نحوه في "الكشاف" في قوله تعالى: {هَيْتَ لَكَ} [يوسف: 23]، و"أقبل" يعدى بـ "على"، يقال: أقبل عليه بوجهه، قال تعالى: {قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ} [يوسف: 71] "

(4)

، فالرجل إذا دعا بالحيعلتين.

(1)

أخرجه البخاري (611)، ومسلم (383)، وأبو داود (523)، والترمذي (208)، والنسائي (2/ 7)، وابن ماجة (720)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"(90)، كلهم من حديمث أبي سعيد الخدري به مرفوعًا، ولفظه عند الجميع:"إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن"؛ إلَّا ابن السني فقال: "الأذان" بدل "النداء".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"قول".

(3)

"المغرب" للمطرزي (1/ 240) مادة (ح ي ي).

(4)

"الكاشف عن حقائق السنن" للطيبي (3/ رقم: 905).

ص: 687

كأنه قيل له: أقبل بوجهك وجملتك على الصلاة عاجلًا، وعلى الفلاح آجلًا، فأجاب: بأن هذا أمر عظيم، وخطب جسيم، فكيف أُطيق هذا مع ضعفي، وتشتت أحوالي، ولكني إذا وفقني الله تعالى بحوله وقوته، لعلي أقوم بها. وقال المظهري:"لا حول، أي: لا حيلة في الخلاص عن المكروه، ولا قوة على الطاعة إلَّا بتوفيق الله تعالى".

وفي "فتح الباري شرح البخاري": "أن هذا هو المشهور عند الجمهور، لكن في بعض الأحاديث - كما سيأتي - ما يقتضي أن يقال هنا أيضًا ما قال المؤذن: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح"، فيحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح، فيقول تارة كذا وتارة كذا، والجمع بين الحيعلة والحوقلة وجه للحنابلة"

(1)

. قلت: وهو وجه وجيه، وجمع نبيه.

(خ، م، د، س) أي رواه: البخاري عن معاوية، ومسلم وأبو داود والنسائي عن عمر

(2)

.

(إذا قال ذلك) أي: مثل مقال المؤذن (من قلبه، دخل الجَنَّة. م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، عن عمر أيضًا

(3)

، لكن ليس

(1)

انظر: "فتح الباري"(2/ 91) بتصرف.

(2)

أخرجه البخاري (613) من حديث معاوية به مرفوعًا، وأخرجه مسلم (385)، وأبو داود (528)، والنسائي (2/ 25)؛ كلهم من حديث عمر بن الخطاب به مرفوعًا.

(3)

أخرجه مسلم (385) وأبو داود (528) والنسائي (2/ 25) كلهم من حديث عمر بن الخطاب به مرفوعًا، وَتَعَقُّبُ الشارح الآتي على الماتن في لفظ الحديث صحيح.

ص: 688

لفظ "ذلك" في الحديث، بل فيه: "وإذا قال: لا إله إلَّا الله [قال: لا إله إلَّا الله]

(1)

من قلبه، دخل الجَنَّة"، والظاهر: أن "من قلبه" متعلق بقوله: "لا إله إلَّا الله" لا بالمجموع.

لكن روى النسائي وابن حبان من حديث أبي هريرة، قال:"كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام بلال ينادي، فلما سكت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال مثل ما قال هذا يقينًا، دخل الجَنَّة"

(2)

، ورواه الحاكم، وقال:"صحيح الإسناد"

(3)

، ذكره ميرك.

(من قال حين يسمع المؤذن) أي: صوته أو قوله: (أشهد أن لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رَضِيت بالله ربًّا، وبمحمد رسولًا، وبالإسلام دينًا، غفر له ذنبه) وفي نسخة بصيغة الفاعل، وهو معلوم. (م، عه، ي) أي رواه: مسلم، والأربعة، وابن السني، عن سعد بن أبي وقاص

(4)

.

(من قال مثل مقاله) أي: مثل قوله (يعني: المؤذن) هذا من كلام الراوي،

(1)

من (ج) و (د) فقط، وهي موافقة لرواية مسلم وأبي داود.

(2)

أخرجه النسائي في "السنن"(2/ 24)، وابن حبان (1667)، وصححه الألباني "صحيح الترغيب والترهيب"(246).

(3)

"المستدرك" للحا كم (1/ 204).

(4)

أخرجه مسلم (386)، وأبو داود (526)، والترمذي (210)، والنسائي (2/ 26)، وابن ماجة (721)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"(97)، كلهم من حديث سعد بن أبي وقاص به مرفوعًا.

ص: 689

أي: يريد النبي صلى الله عليه وسلم بالضمير في "مقاله" المؤذنَ، (وشهد مثل شهادته) تخصيص بعد تعميم، (فله الجَنَّة. ص) أي: رواه أبو يعلى عن أنس

(1)

.

(وكان) أي: النبي صلى الله عليه وسلم (إِذَا سَمِعَ المؤذن يتشهدُ) أي يقول: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، (قال) أي: النبي صلى الله عليه وسلم (وأنا، وأنا) أي: وأنا أشهد أيضًا.

قال ميرك: "هو عطف على قول المؤذن: "أشهد" على تقدير العامل إلا الاستجابة،

(2)

، أي: وأنا أشهد كما تشهد، والتكرير في "وأنا" راجع إلى الشهادتين"، وفيه: أنه صلى الله عليه وسلم كان مكلفًا [أن يشهد]

(3)

على رسالته كسائر الأمة"، انتهى. ويمكن أن يكون التكرار للتأكيد في كلٍّ من الشهادتين.

(د، حب، مس) أي رواه: أبو داود، وابن حبان، والحاكم، عن عائشة

(4)

.

(ثم ليصلِّ) بسكون لام الأمر، ويكسر (على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يسأل الله) بالرفع، أي: ثم هو يسأله، وفي نسخة بالكسر للالتقاء على أنه مجزوم

(1)

أخرجه أبو يعلى في "المسند"(4124). قال الألباني في "ضعيف الترغيب"(170): "ضعيف جدًّا".

(2)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"لا إله استجابة".

(3)

هذا هو الصواب، وفي جميع النسخ:"بأن يشهد".

(4)

أخرجه أبو داود (527)، وابن حبان (1683)، والحاكم في (1/ 204)؛ كلهم من حديث عائشة به مرفوعًا. وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود"(3/ 22 - 24).

ص: 690

عطفًا على مدخول لام الأمر كما هو الظاهر، أي: ثم ليطلب من الله، (له) أي للنبي عليه السلام (الوسيلة) أي: الدرجة الجلية، والمنزلة [العلية]

(1)

، ويدل عليه حديث الإمام أحمد، عن أبي سعيد مرفوعًا:"الوسيلة دَرَجة عند الله ليس فوقها درجة، فاسألوا الله أن يؤتيني الوسيلة"

(2)

.

وهي في الأصل ما يتوسل به مما يتقرب إليه، قال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة: 35]، وقال المؤلف:"يعني: للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: القرب من الله عز وجل، قيل: "هي الشفاعة يوم القيامة"، وقيل: "هي منزل من منازل الجَنَّة، كما جاء في الحديث"، وأصل الوسيلة القرب والوصلة"

(3)

.

(م، د، ت، س، ي) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن السني؛ كلهم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه سمِعَ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقوله ثم صلوا عليَّ؛ فإنه من صلى عليَّ صلَّى الله عليه عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجَنَّة، لا تنبغي إلَّا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو،

(1)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ):"العالية".

(2)

أخرجه أحمد (3/ 83)، وحسن إسناده الألباني في "السلسلة الصحيحة"(7/ 3571).

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 9/ ب).

ص: 691

فمن سأل لي الوسيلة حلَّت له الشفاعة"

(1)

، ذكره ميرك، في في بعض هوامش "الحصن" من إسناد الحديث إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب تصحيف وتحريف.

(يقول) أي: مجيب المؤذن بعد إجابته: (اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة) أي: المستحق أن يوصف بها، كما قال تعالى:{لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} ، وهي: بفتح الدال، ومعناها الدعاء، والتامة: التي لا يغيرها ملة، ولا تنسخها شريعة.

وقال المؤلف: "وصفها بالتمام؛ لأنَّها ذكر الله تعالي، ويدعى بها إلى عبادة الله تعالي، وهو الذي يستحق صفة الكمال والتمام"

(2)

.

(والصلاة القائمة) أي: الثابتة الدائمة، قال التيمي:"فيه الحض على الدعاء في أوقات الصلاة، حين تفتح أبواب السماء للرحمة"، وفي رواية البيهقي: "اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة

"

(3)

إلى آخره، فقيل:"يحتمل أن يراد بها ألفاظ الأذان، إذ يدعى بها الشخص إلى عبادة الله".

(1)

أخرجه مسلم (384)، وأبو داود (524)، والترمذي (3614)، والنسائي (2/ 31)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"(93)، كلهم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص به مرفوعًا.

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 9/ ب).

(3)

أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 410) من حديث جابر بن عبد الله به مرفوعًا.

ص: 692

ووصفت بالتمام؛ لأنَّها كلمات جامعة للعقائد الإيمانية، من العقليات والنقليات علمية وعملية، أو لأن هذه الأشياء وما والاها هي التي تستحق صفة الكمال والتمام، وما سواها من الأمور الدنيوية في معرض الزوال والنقص والفساد، أو لأنَّها محميّة عن التغيير والتبديل، باقية إلى النشور، وقيل:"المراد بها دعوة التوحيد، كقوله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} [الرعد: 14]، وقيل لدعوة التوحيد: تامة؛ لأن الشركة نقص".

وقال ابن التين: "وصفت بالتمام؛ لأن فيها أتمَّ القول، وهو لا إله إلَّا الله"، وقال الطيبي:"من أوله إلى قوله: "محمد رسول الله" هي الدعوة التامة، والحيعلة هي الصلاة القائمة، في قوله: {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} [البقرة: 3] "

(1)

، انتهى. والأظهر أن المراد بالصلاة: المعهودة المدعو إليها حينئذ، كما ذكره ميرك.

(آتِ محمدًا) أي: أعطِه (الوسيلة والفضيلة) أي: المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، أو منزلة أخرى، أو تفسير للوسيلة، (وابعثه مقامًا محمودًا) أي: في مقام محمود يحمد القائم فيه، وهو مطلق في كلّ ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات، وفي رواية النسائي وابن حبان:"المقام المحمود"

(2)

.

فإن قلت: ما وجه نصبه لامتناع أن يكون مفعولًا فيه؛ لأنه مكان غير

(1)

"الكاشف عن حقائق السنن" الطيبي (1/ 913 رقم: 659).

(2)

أخرجه النسائي (2/ 26)، وابن حبان (1689)؛ كلاهما من حديث جابر بن عبد الله به مرفوعًا.

ص: 693

مبهم، فلا يجوز أن يقدر "في" فيه؟ قلت: هو مشابه للمبهم، فله حكمه، ويجوز أن يلاحظ في البعث معنى الإعطاء، فيكون مفعولًا ثانيًا، ويحتمل أن يكون منصوبًا على المصدرية، أي: ابعثه يوم القيامة فأقمه مقامًا محمودًا، أو ضمَّن "ابعثه" معنى "أقمه"، أو على أنه مفعوله.

ومعنى "ابعثه": أعطه، ويجوز أن يكون حالا، أي: ابعثه ذا مقام محمود، هكذا قرره صاحب "الكشاف" في قوله تعالى:{عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79]

(1)

.

(الذي وعدته) صفة للمقام إن قلنا: المقام المحمود صار عَلَمًا لذلك المقام، أو بدل، أو نصب على المدح بتقدير "أعني"، أو رفع بتقدير "هو"، وعلى الرواية التي وقع فيها "المقام المحمود" باللام لا إشكال، ويكون صفة، إذ لا يجوز أن يكون الموصول صفة للنكرة.

قيل: "وإنما نكَّره للتعظيم والتفخيم، كأنه قيل: مقامًا، أي مقام؟ مقامًا يغبطه الأولون والآخرون، محمودًا يكلّ عن وصفه السنة الحامدين"

(2)

.

والمعنى: الذي وعدته في قولك: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79]، فقيل:"المقام المحمود هو إجلاسه على العرش"، وقيل:"على الكرسي"، وعلى صحة هذين القولين لا ينافي

(1)

"الكشاف" للزمخشري (3/ 542).

(2)

"الكاشف عن حقائق السنن" للطيبي (3/ 913 رقم: 659).

ص: 694

القول الأشهر الذي عليه الأكثر، وهو مقام الشفاعة، لاحتمال أن يكون الإجلاس علامة الإذن في الشفاعة، ويحتمل أن يكون المراد بالمقام المحمود الشفاعة، كما هو المشهور، وعليه الجمهور

(1)

.

وإن الإجلاس هو المنزلة المعبر عنها بالوسيلة والفضيلة، وروي عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية:"مقامًا يحمدك فيه الأولون والآخرون، تسأل فتعطى، وتشفع فتشفع، ليس أحد إلَّا تحت لوائك".

وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي"، أي: خاصة، ولأهل القيامة عامة، لتعجيل الحساب، والإراحة من العذاب، لطول الوقوف، وضيق المقام، وإلجام العرق، والخجالة، والتشوير، والملام، المعبر عنها بالشفاعة الكبرى.

(خ، عه، حب، سني) أي رواه: البخاري، والأربعة، وابن حبان، والبيهقي في "السنن الكبير" له؛ كلهم عن جابر بن عبد الله الأنصاري

(2)

.

(إنك لا تخلف الميعاد) أي: الوعد، وكذا الوعيد، فهو من باب الاكتفاء، واقتصر على الأول، لاقتضاء المقام، فتأمل، فإنه موضع زلل

(1)

راجع "تفسير الطبري"(15/ 43 - 54)، و"تفسير القرطبي"(13/ 147 - 148)، و"تفسير القرآن العظيم" لابن كثير (5/ 103 - 110).

(2)

أخرجه البخاري (614) و (4719)، وأبو داود (530)، والترمذي (211)، والنسائي (2/ 26)، وابن ماجة (722)، وابن حبان (1689)، والبيهقي في "الكبرى"(1/ 410) بمعناه؛ كلهم من حديث جابر بن عبد الله به مرفوعًا.

ص: 695

ومقام خطل. (سني) أي: رواه البيهقي في "السنن الكبير" له عنه أيضًا

(1)

.

(ما من مسلم يسمع النداء) أي: الأذان، أو نداء المؤذن (فيكبر) أي يقول: الله أكبر (ويكبر) أي: حين كبر المؤذن (ويقول: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد) وفي نسخة صحيحة: ["ويشهد"]

(2)

(أن محمدًا رسول الله) أي: حين يأتي المؤذن بالشهادتين، (ثم يقول) أي: بعد تكميل إجابة المؤذن: (اللهم أعط محمدًا الوسيلة والفضيلة، واجعله في الأَعْلَيْنَ) بفتح اللام والنون، جمع الأعك، على أن أصله الأعلَيِينَ بعد قلب واوه ياء، ثم قلبت الياء ألفًا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت لالتقاء الساكنين.

وقوله: (درجته) بالنصب على أن يكون بدلًا من الضمير المتصل في "اجعله"، أي: اجعل درجته في درجة الأَعْلَيْنَ، أي: فيما بينهم، وفي بعض النسخ بالرفع، فجملة "في الأَعْلَيْنَ درجته" مفعول ثانٍ لـ "اجعله"، أي: اجعله بصفة أن درجته في درجة الأَعْلَيْنَ، وفيه تكلّف، بل تعسّف.

وكذا الحال في قوله: (وفي المصطَفَيْنَ محبته، وفي المقربين ذِكْره، إلَّا وجبت) أي: ثبتت (له الشفاعة) أي: [الخاصة]

(3)

(يوم القيامة. ط) أي رواه: الطبراني عن ابن مسعود

(4)

.

(1)

أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(1/ 410) من حديث جابر به مرفوعًا، وحكم الألباني على هذه الزيادة بالشذوذ كما في "صحيح أبي داود"(1/ 27).

(2)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ):"ونشهد".

(3)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"الخالصة".

(4)

أخرجه الطبراني في "الكبير"(10/ 14) رقم (9790) من حديث عبد الله بن =

ص: 696

(من قال حين ينادي المنادي) أي: يؤذن المؤذن: (اللهم رب هذه الدعوة القائمة) أي: الثابتة الدائمة (والصلاة النافعة) أي: في الدنيا، الرافعة في العقبى، (صلِّ على محمد، وارضَ عني) وفي نسخة: "عنه"، وفي أخرى:"وأرضه عني"، (رضًا) وهو مقصور يكتب بالألف؛ لأنه واوي ثلاثي، وفي نسخة بالمد، يقال: رضيت عنه رضًا - بالقصر - مصدر محض، والاسم: الرضاء بالمد، والظاهر هنا المعنى المصدري، (لا تسخط) بالخطاب، وفي نسخة بالغَيبة، وهي ملائمة لنسخة:"أرضه عني"، أي: لا يغضب (بعده) أي: بعد ذلك الرضا (استجاب الله دعوته) جواب للشرط. (أ، طس، ي) أي رواه: أحمد، والطبراني في "الأوسط"، وابن السني؛ كلهم عن جابر

(1)

.

(من نزل به كرب) أي: حزن يأخذ بالنفس، على ما في "القاموس" (أو شدة) أي: بلية شديدة، ومحنة عظيمة، فهي أعم من الكرب، فـ "أو" للتنويع، فقول الحنفي:"شك من الراوي، أو تخيير منه صلى الله عليه وسلم " ليس في محله، (فليتحين المنادي) قال المؤلف:"أي: يطلب حين نداء المنادي (بالصلاة) وهو الأذان، والحين: الوقت"

(2)

، (فإذا كبر) أي: المؤذن

= مسعود به مرفوعًا، وصححه الألباني في "الثمر المستطاب"(1/ 192).

(1)

أخرجه أحمد (3/ 337)، والطبراني في "الأوسط"(194)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"(96)، كلهم من حديث جابر به مرفوعًا.

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 9/ ب، 10/ أ).

ص: 697

(كبر) أي: السامع، (وإذا تشهد) أي: المؤذن (تشهد) أي: السامع، (وإذا قال) أي: المؤذن: (حيَّ على الصلاة، قال) أي: السامع: (حيَّ على الصلاة، وإذا قال: حيَّ على الفلاح، قال: حيَّ على الفلاح، ثم يقول: اللهم رب هذه الدعوة الصادقة المستجاب لها) أي: للدعوة، والجار سد مسد [فاعل]

(1)

"المستجاب".

(دعوة الحق) بالجر على أنَّها بدل من هذه الدعوة وهو الأظهر، وبالنصب على تقدير: أعني، وبالرفع على أنَّها خبر مبتدإ محذوف هو:"هي"، (وكلمة التقوى) عطف عليها، وهي كلمة الشهادة، كما فسر بها صلى الله عليه وسلم قوله تعالى:{وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} [الفتح: 26]، على ما رواه الترمذي وغيره

(2)

، وإضافة الكلمة إلى التقوى كأنها سببها، يعني: سبب الوقاية من النار، أو كلمة أهلها، (أحينا عليها) أي: على قولها، واعتقادها، والعمل بمقتضاها من التقوى، (وأمتنا عليها) أي: قولًا واعتقادًا، (وابعثنا)

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج)، ولعل الصواب:"نائب فاعل".

(2)

أخرجه الترمذي (3265)، وعبد الله بن أحمد في "المسند"(5/ 138)، والطبراني في "الكبير"(1/ 199) رقم 536)، وفي "الدعاء"(1606)، وأبو يعلى في "معجمه"(142)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (200)؛ كلهم من حديث أبي بن كعب مرفوعًا. قال الترمذي:"هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلَّا من حديث الحسن بن قزعة، قال: وسالت أبا زرعة عن هذا الحديث فلم يعرفه مرفوعًا إلَّا من هذا الوجه". صححه الألباني "صحيح الترمذي"(3265).

ص: 698

أي: احشرنا (عليها) وهذا تأكيدٌ، وإلا فكما نموت نبعث.

(واجعلنا من خيار أهلها) أي: الكاملين في مراعاتها (أحياء وأمواتًا) حالان، وفي رواية ابن السني:"محيًا ومماتًا"، أي: حياة وموتًا، أو في زمنهما، (ثم يسأل الله حاجته. مس، ي) أي رواه: الحاكم، وابن السني، عن أبي أمامة

(1)

.

(والدعاء بين الأذان والإقامة لا يُرَدّ) أي: مستجاب، كما في رواية ابن حبان. (د، ت، سر، حب، ص) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، وأبو يعلى؛ كلهم عن أنس

(2)

.

(فادعوا) أي: "الله"، كما في نسخة. (ص) أي: رواه أبو يعلى عنه أيضًا زيادة على ما سبق، (فسلوا الله العافية في الدنيا والآخرة. ت) أي: رواه الترمذي عنه أيضًا هذه الزيادة

(3)

، قال المنذري: "زاد الترمذي في رواية:

(1)

أخرجه الحاكم (1/ 546)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (98)؛ كلاهما من حديث أبي أمامة به مرفوعًا. قال الألباني في "ضعيف الترغيب" (1/ 177):"ضعيف جدًّا".

(2)

أخرجه أبو داود (522)، والترمذي (212) و (3594، 3595)، والنسائي في "الكبرى"(9812، 9813، 9814)، وابن حبان (1696)، وأبو يعلى في "المسند" (3667) بالزيادة الآتية؛ كلهم من حديث أنس به مرفوعًا. قال الترمذي:"حسن"، وقال الألباني في "الإرواء" (244):"صحيح".

(3)

أخرجه الترمذي (3594) من حديث أنس به مرفوعًا. قال الألباني في "الإرواء"(1/ 262): "ضعيف منكر بهذه الزيادة".

ص: 699

"قالوا: فما تقول يا رسول الله؟ قال: سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة"

(1)

.

(والإقامة) أي: الإعلام بالشروع في الصلاة، وهي بألفاظ مخصوصة عينها الشارع، وامتازت عن الأذان بالشروع.

(الله أكبر، الله أكبر) أي: مرتين، وفي الوصل بِضَمِّ الراء على أنه مرفوع وهو ظاهر، أو بفتحٍ بناءً على معاملة سكونه الوقفي معاملة المجزوم، (أشهد أن لا إله إلَّا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حي على الفلاح) أي: مرّة مرّة، (قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة) أي: مرتين، قال الخطابي:"مذهب عامة العلماء أنه يكرر "قد قامت الصلاة" إلَّا مالكًا، فإن المشهور عنه لا يكرر"

(2)

.

(الله أكبر الله أكبر، لا إله إلَّا الله) وهذا الإفراد في الإقامة عند الشافعي ومن تبعه، وأما عند علمائنا الحنفية، فإفراد الإقامة منسوخ بحديث أبي محذورة المكي الذي رواه أصحاب السنن الأربعة كما سيأتي، وفيه تثنية ألفاظ الإقامة وتربيع التكبير في أولها، وهو متأخر عن حديث أنس المقتضي لإفرادها المخرج في الصحيح.

(أ، د، ق، مه، ت) أي رواه: أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، وابن خزيمة، والترمذي" كلهم عن عبد الله بن زيد المدني الأنصاري الخزرجي، الذي

(1)

"الترغيب والترهيب" للمنذري (414).

(2)

"معالم السنن" للخطابي (1/ 154).

ص: 700

أُرِيَ الأذان

(1)

، ولا يظهر وجه تأخير رمز الترمذي، فتأمل.

(أو هي) أي: الإقامة (كالأذان) أي: كألفاظه في جميع الأوقات والأحوال (إلا في الترجيع) أي: الوارد في بعض طرق حديث أبي محذورة

(2)

، قال المؤلف:"وهو الترديد، يريد قَوْل المؤذن في الشهادتين أولًا يخفض صوته، ثم يرفع بهما صوته"

(3)

.

(وزيادة: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة. أ، عه، مه) أي رواه: أحمد، والأربعة، وابن خزيمة عن أبي محذورة، قال: "علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان خمس عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة

"

(4)

الحديث ذكره ميرك.

(1)

أخرجه أحمد (4/ 42 - 43)، وأبو داود (500)، وابن خزيمة (370)، والترمذي (189) مختصرًا؛ كلهم من حديث عبد الله بن زيد به مرفوعًا، وليس عند ابن ماجه ألفاظ الإقامة. وحسنه الألباني في "صحيح أبي داود"(1/ صـ 406 - 408).

(2)

كما أخرجه أبو داود (503)، وابن ماجه (709)، وأحمد (3/ 409) وغيرهم من حديث أبي محذورة به مرفوعًا.

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 10/ أ).

(4)

أخرجه أحمد (3/ 409)، أبو داود (503)، والترمذي (192)، والنسائي (2/ 4)، وابن ماجه (709)، وابن خزيمة (385)؛ كلهم من حديث أبي محذورة به مرفوعًا، بلفظ: "علمني رسول الله الأذان تسع عشرة كلمة،

"، ولم أقف عليه بلفظ: "خمس عشرة". وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" (2/ 413).

ص: 701

‌ما يقال في الصلاة

(وإذا قام إلى الصلاة المكتوبة) قال المؤلف: "أي: المفروضة التي كتبها اللَّه تعالى، أي: فرضها على عباده"

(1)

. (حب، ت) أي رواه: ابن حبان، والترمذي، عن أبي رافع

(2)

.

(قال. م، عه، حب) أي رواه: مسلم، والأربعة، وابن حبان، عن علي

(3)

.

(بعد التكبير. م، ت) أي رواه: مسلم، والترمذي، عن علي، فتأمل وجه التطبيق بين الروايات والرواة

(4)

.

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 10/ أ).

(2)

أخرجه ابن حبان (1772)، والترمذي (3423)؛ كلاهما من حديث علي بن أبي طالب به مرفوعًا. وما ذكره الشارح من كونهما رويا الحديث عن أبي رافع فسبق قَلَمٍ منه؛ وإنما الذي رواه عن أبي رافع به مرفوعًا: الطبراني في "الكبير"(1/ 314) رقم (928). قال الألباني حسن صحيح، صحيح أبي داود (729).

(3)

أخرجه مسلم (771)، وأبو داود (760)، والترمذي (3423)، والنسائي (2/ 129)، وابن ماجه (1054)، ابن حبان (1772)؛ كلهم من حديث علي به مرفوعًا. وليس عند الترمذي ولا ابن ماجه قوله:"قال".

(4)

أخرجه مسلم (771)، والترمذي (3423) واللفظ له؛ كلاهما من حديث علي رضي الله عنه به مرفوعًا.

ص: 702

(وجهت وجهي) بسكون الياء وفتحها، أي: جعلت ذاتي متوجهة (للذي) أي: إلى الذي (فطر السماوات والأرض) أي: خلقهما على غير مثال سبق، وقال ميرك:"أي: توجهت بالعبادة، بمعنى: أخلصت عبادتي له، وقصدت بعبادتي نحوه"، (حنيفًا) حال من فاعل "وجهت"، قال المؤلف:"الحنيف: المائل إلى الإسلام الثابت عليه، وهو عند العرب: من كان على دين إبراهيم عليه السلام"

(1)

، انتهى.

وفي "المهذب": "الحنيف المسلم"، فقوله:(مسلمًا) على ما في رواية ابن حبان تأكيد له، ويمكن أن يكون معناه: منقادًا أو مخلصًا، كما في قوله تعالى:{بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ {لِلَّهِ} [البقرة: 112]، ومنه قوله تعالى لإبراهيم عليه السلام:{أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [البقرة: 131]، (وما أنا من المشركين) حال مقررة لمضمون الجملة السابقة.

(إن صلاتي) وهي العبادة المعروفة، (ونسكي) أي: جميع طاعاتي، وقيل:"ديني"، وقيل:"قرباني وذبيحتي"، وقيل:"حجتي وعمرتي"، (ومحياي) بفتح الياء، ويسكن، (ومماتي) بالسكون ويفتح، أي: حياتي وموتي (لله)[يتعلق]

(2)

به الكل، أي: صلاتي ونسكي خالص لوجه الله، ومحياي ومماتي لله، بمعنى أنه خالقهما ومدبرهما، لا تصرف لغيره فيهما، (رب العالمين) أي: مربيهم، ومصلحهم، ومدبر أمورهم، (لا

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 10/ أ).

(2)

كذا في (ب) و (ج)، وفي (أ) و (د):"متعلق".

ص: 703

شريك له) أي: في جميع ما ذكر، (وبذلك) أي: وبالإخلاص (أمرت، وأنا من المسلمين) وفي رواية أبي داود: "وأنا أول المسلمين"

(1)

.

قال ابن الهمام: "يقول: وأنا من المسلمين، ولو قال: أول المسلمين،

قيل: تفسد صلاته للكذب، وقيل: لا وهو الأَوْلَى؛ لأنه [قائل]

(2)

لا مخبر، أقول: أو راوٍ عن المخبر، وهو النبي صلى الله عليه وسلم"

(3)

.

(اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت) إثبات الإلهية المطلقة لله تعالى على سبيل الحصر، بعد إثبات الملك له كذلك في:"أنت الملك"، لما دل عليه تعريف الخبر باللام، ترقيًا من الأدنى إلى الأعلى، وعلى طبق قوله:{مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ} [الناس: 2].

وإنما أخر الربوبية في قوله: (أنت ربي) لتخصيص الصفة، وتقييدها بالإضافة إلى نفسه، وإخراجها عن الإطلاق (وأنا عبدك) تأكيدٌ لما قبله (ظلمت نفسي) أي: بالمخالفة، (واعترفت بذنبي) أي: طلبًا للمغفرة، (فاغفر لي ذنوبي جيعا) أي: صغيرها وكبيرها، (إنه لا يغفر الذنوب) أي: جميعها (إلا أنت) إيماء إلى قوله سبحانه: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53].

(واهدني) أي: أرشدني (لأحسن الأخلاق) أي: للأخلاق الحسنة،

(1)

"سنن أبو داود"(756).

(2)

هذا هو الصواب، وفي جميع النسخ:"قال".

(3)

"فتح القدير" لابن الهمام (2/ 295).

ص: 704

الظاهرة والباطنة، (لا يهدي لأحسنها إلا أنت) إشعار بأن لا استقلال للعقل في معرفة حقائق الأشياء، وتحسين الأفعال والأحوال، (واصرف) أي: ادفع (عني سيئها) أي: الأخلاقَ السيئة (لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك) سبق الكلام [عليهما]

(1)

، (والخير) أي: أفراد الخير (كله) أي: جميعه (في يديك) أي: في قدرتك، وذكر اليد والتثنية عبارة عن غاية التصرف، ونهاية كمال القدرة، وفي نسخة:"بيديك" والأول أبلغ، أي: الكل عندك كالشيء الموثوق به المقبوض عليه، يجري مجرى قضائك وقدرك، لا يدرك من غيرك ما لم يسبق به كلمتك.

(والشر ليس إليك) أي: ليس إليك قضاؤه، فإنك لا تقضي الشر من حيث هو شر، بل لما يصحبه من الفائدة الراجحة، فالمقضي بالذات هو الخير والشر، داخل في القضاء بالعرض، وقيل: معناه أن الشر ليس شرًّا بالنسبة إليه، وإنما هو شر بالنسبة إلى الخلق.

وقال المصنف: "معناه عند أهل الحق من السلف والخلف أن جميع ما يكون من خير وشر، ونفع وضر من الله تعالى، وبإرادته وتقديره، فالتقدير: والشر لا يتقرب به إليك؛ إذ لا يصعد إليك، بل يصعد الكلم الطيب، أو لا يضاف إليك أدبًا، فلا يقال: يا خالق الشر، وإن كان خالقه، كما لا يقال: يا خالق الكلاب والخنازير، وإن كان خالقهما"

(2)

.

(1)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (ب):"عليها".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 10/ أ).

ص: 705

(أنا بِكَ) أي: باقٍ أو أعتمد، أو أعوذ بك (وإليك) أي: راجع، أو أتوجه، أو أتوب إليك، أو بك وجدت وإليك أنتهي، فأنت [المبتدأ]

(1)

، وأنت المنتهى، وقيل:"أستعين بك، وألتجئ إليك"، وقيل:"أنا موقن بك، وبتوفيقك علمت، والتجائي وانتمائي إليك".

(تباركت) أي: تعظمت وتمجدت، أو جئت بالبركة، وأصل الكلمة للدوام والثبات، (وتعاليت) أي: عما يتوهمه الأوهام، ويتصوره العقول والأفهام، ولا تستعمل هذه الكلمة إلا لله تعالى، (أستغفرك وأتوب إليك. م، عه، حب، ط) أي رواه: مسلم والأربعة وابن حبان والطبراني؛ كلهم عن علي

(2)

، وابن حبان والطبراني عن أبي رافع أيضًا

(3)

.

قال صاحب "الهداية": "إن أبا يوسف قال: يضم إلى قوله: سبحانك اللهم وجهت وجهي"، وهو مخير في البداية بأيهما شاء، لرواية علي أنه عليه السلام كان يقول ذلك".

قال ابن الهمام: "إن كان المراد: كان يجمع بينهما، تمَّ الاستدلال،

(1)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج):"المبدأ"، وفي (د):"البدء".

(2)

أخرجه مسلم (771)، وأبو داود (760)، والترمذي (3423)، والنسائي (2/ 129)، وابن ماجه (1054)، ابن حبان (1772)؛ كلهم من حديث علي به مرفوعًا. ولم يروه الطبراني في "الكبير" عن علي، وإنما رواه في "الأوسط"(4552) عنه مرفوعًا.

(3)

أخرجه الطبراني في "الكبير"(1/ 314) رقم (928) من حديث أبي رافع به مرفوعًا، ولم أقف عليه في المطبوع من ابن حبان.

ص: 706

وإن كان المراد أنه كان يقول التوجيه، لم يتم؛ لأنه أعم من إفرداه وضمه، فيجوز كونه كان يفتتح أحيانًا [بهذا، وأحيانًا بذاك]

(1)

، فلا يفيد سنية الجمع، والثابت في حديث مسلم ما ظاهره الإفراد، فكان الأولى أن يقول لرواية جابر عنه رضي الله عنه: "أنه كان إذا [استفتح]

(2)

الصلاة، قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وجهت وجهي إلى رب العالمين" أخرجه البيهقي

(3)

كذلك"، انتهى.

ويستفاد منه تقديم التسبيح على التوجيه، وأما ما اختاره بعض المشايخ من قراءة "وجهت وجهي" قبل الشروع في النية، فهو مخالف للرواية والدراية، ولما يلزم منه تأخير التكبير عن الإقامة عند قيام الجماعة.

(اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب) أتي بصيغة المفاعلة للمبالغة، لعدم صحة المغالبة، والخطايا إما أن يراد بها السابقة، فمعناه: المحو والغفران لما حصل منها، أو اللاحقة، فمعناه: إذا قدر لي ذنبٌ، فبعّد بيني وبينه.

وهو مجازٌ؛ لأن حقيقةَ المباعدة إنما هو في الزمان، وموقع التشيبه أن

(1)

كذا في (أ)، وفي (ب):"بذاك، وأحيانًا بهذا"، وفي (ج):"هذا، وأحيانًا بذاك"، وفي (د):"بهذا، وأحيانًا بهذا".

(2)

كذا في (ب) و (د) و"فتح القدير"، وفي (أ) و (ج):"افتتح".

(3)

السنن الكبرى (2/ 35).

ص: 707

التقاء المشرق والمغرب مستحيل، فكأنه أراد أن لا يبقى لها من اقتراب بالكلية، وكرر لفظ "بين" هنا، ولم يكرر "بين المشرق والمغرب"؛ لأن العطف على الضمير المجرور يعاد فيه الجار.

(اللهم اغسل خطاياي) أي: امحُها، وفي رواية مسلم:"اغسلني من خطاياي"، أي: طهرني من ذنوبي (بالماء، والثلج، والبَرَد) بفتحتين، وهو ما نزل من السماء مدورًا منجمدًا.

قال ابن دقيق العيد

(1)

: "عبر بذلك عن غاية المحو؛ فإن الثوبَ الذي يتكررُ عليه ثلاثةُ أشياء مُنَقِّيَة يكونُ في غَايَةِ النَّقَاءِ، ويحتمل أن يكون المراد أن كل واحد من هذه الأشياء مجاز عن صفة يقع بها المحو، كقوله تعالى: {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا} [البقرة: 286] "، انتهى.

وقيل: "الغسل البالغ إنما يكون بالماء الحارّ، فلِمَ ذكر كذلك؟ فأجاب محيي السنة بأن معناه طهرني من الذنوب، وذكرهما مبالغة في التطهير، لا أنه يحتاج إليهما، وقال الخطابي: "هذه أمثال، ولم يرد بها أعيان هذه المسميات، وإنما أراد بها التأكيد في التطهير من الخطايا، والمبالغة في محوها عنه".

وقال التوربشتي: "ذكر أنواع المطهرات المنزلة من السماء التي لا يمكن حصول الطهارة إلا بأحدها؛ [تبيانًا]

(2)

لأنواع المغفرة التي لا

(1)

إحكام الإحكام (1/ 231).

(2)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ):"بيانًا".

ص: 708

مخلص من الذنوب إلا بها، أي: طهرني من الخطايا بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأرجاس، ورفع الأحداث والأنجاس".

وقال الطيبي: "يمكن أن يقال: المطلوب من ذكر الثلج والبَرَد بعد ذكر الماء طلب شمول الراحة، وأنواع المغفرة بعد العفو لإطفاء حرارة عذاب النار التي هي في غاية الحرارة، من قولهم: برد الله مضجعه، أي: رحمه، ووقاه عذاب النار".

وقال ميرك: "الأقرب أن يقال: جعل الخطايا بمنزلة نار جَهنم، فعبّر عن إطفاء حرارتها بالغسل تأكيدًا، ويحتمل أن يكون في الدعوات الثلاث إشارة إلى الأزمنة الثلاثة، فالمباعدة للمستقبل، والغسل للماضي، والتنقية للحال، وكان تقديم المستقبل للاهتمام بدفع ما سيأتي، قبل رفع ما حصل"، انتهى،

(1)

والتنقية ستأتي في الرواية الآتية.

(خ، م، د، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم عن أبي هريرة

(2)

.

(1)

قال الشيخ ابن العثيمين رحمه الله: فإذا قال قائل: المعروف أن الماء الساخن أسرع في الإنقاء واشد فلماذا قال الثلج والبرد؟ قال العلماء لان الذنوب عقوباتها حارة مؤلمة فيناسب ذكر البرودة التي تقابل الحرارة والإيلام الشرح المختصر على بلوغ المرام (3/ 114).

(2)

أخرجه البخاري (744)، ومسلم (598)، وأبو داود (781)، والنسائي (2/ 129)، وابن ماجه (805).

ص: 709

(سبحانك اللهم) نصب [سبحان]

(1)

على المصدر، كما ذكره المظهري، وقد تقدم، (وبحمدك) أي: أنزهك تنزيهًا وأنا مشتغل بحمدك، أو أشتغل بحمدك، قال الزجّاج:"أي: وبحمدك سبحتك".

قال الطيبي: "كلامه [يحتمل]

(2)

معنيين:

الأول: أن تكون الواو للحال.

والثاني: أن يكون عطف جملة فعلية على مثلها؛ إذ التقدير: أسبحك تسبيحًا مقيدًا بشكرك، وعلى التقديرين:"اللهم" معترضةٌ، والباء في "بحمدك" إما سببية، والجار [متعلق]

(3)

بفعل مقدر، [أو إلصاقية]

(4)

، والجار والمجرور حال من فاعله.

(تبارك اسمُك) أي: عظمت وكثرت بركة اسمك في السماوات والأرض؛ إذ وجد كل خير من ذكر اسمك، وجعلت البركة في كل موضع ذكر أو كتب اسمك فيه، وفي رواية:"وتبارك اسمك"، (وتعالى) أي: تعظم [عن إدراك الوهم]

(5)

، وارتفع عن مقام الفهم (جدك) أي:

(1)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"سبحانك".

(2)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د):"محتمل".

(3)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د):"متصل".

(4)

كذا في (أ) و (ب) و (ج)، وفي (د):"أو الطباقية".

(5)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ):"عن إدراكه التوهم"، وفي (ب):"من إدراك الوهم".

ص: 710

عظمتك، وقيل:"تعالى: تفاعل من العلو"، أي: علا، وَرَفْعُ عظمتك على عظمة غيرك غاية [العلو]

(1)

والرفعة.

(ولا إله غيرك. د، ت، س، ق، مس، ط، مو م) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ما جه، والحاكم، والطبراني؛ كلهم عن عائشة

(2)

، والطبراني عن أنس مرفوعًا، ورواه مسلم موقوفًا عن عمر

(3)

.

(1)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (ب):"الطول".

(2)

أخرجه أبو داود (776)، والترمذي (243)، وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وابن ماجه (806).

قال العراقي في "المستخرج على المستدرك"(72): هذا حديث رجاله ثقات أخرجه أبو داود هكذا وقال أبو داود: "وهذا الحديث ليس بالمشهور عن عبد السلام بن حرب لم يروه إلا طلق ابن غنام وقد روى قصة الصلاة عن بديل جماعة لم يذكروا فيه شيئا من هذا". وقال النووي في "المجموع"(3/ 319) رواه أبو داود (776) والترمذي (242) والدارقطني، وضعفه أبو داود، والترمذي وقال ابن حجر في "نتائج الأفكار" (1: 406) حسن. رجاله من رجالهما في الجملة وليس على شرط واحد منهما.

ثم قال في (1/ 408): فظاهر رواية عبد السلام يقتضي الزيادة على ما رواه أولئك وهم احفظ منه وأتقن لكن طريقة المصنف الحكم بقبول الزيادة من الثقة مطلقًا بما صرح به في غير موضع وهذا من هذا القبيل فاقل درجاته أن يكون حسنا لا سيما إذا انضم إليه الشواهد.

(3)

أثر عمر أخرجه مسلم برقم (399/ 3).

قال المنذري: وعبدة لا نعرف له سماع من عمر، وإنما سمع من عبد الله بن =

ص: 711

قال ميرك: "والمحققون على أنه روي من أوجهٍ كلها ضعيفة".

قلت: لكن يقوى بعضها ببعض فيصل إلى حد الحسن، فيحتج به.

قال ابن الهمام: "روى البيهقي عن أنس، وعن عائشة، وأبي سعيد الخدري، وجابر، وعمر، وابن مسعود: "الاستفتاح سبحانك اللهم وبحمدك

" إلى آخره مرفوعًا، إلا عمر وابن مسعود، فإنه - أي: البيهقي - وقفه على عمر، ورفعه الدارقطني عن عمر، ثم قال -أي: الدارقطني-:

= عمر ويقال: رأى عمر رؤية، وقد روي هذا الكلام عن عمر بن الخطاب مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الدارقطني: المحفوظ عن عمر من قوله، وذكر من رواه موقوفا وقال: وهو الصواب انتهى كلام المنذري. وقال الذهبي: في ترجمة عبدة بن أبي لبابه أنه لقي ابن عمر، وله في مسلم عن عمر، قال: وذا مرسل انتهى. فتلخص أن الحديث روي مرفوعا عن عائشة، وأبي سعيد، وعمر، والكل ضعيف، ورواه مسلم موقوفا على عمر، وهو مرسل "كشف المناهج والتناقيح"(573).

وهو عند مسلم من رواية عبدة بن أبي لبابة، عن عمر، ولم يسمع منه. وعزاه ابن العربي في العارضة للصحيحين وليس عند البخاري، ورواه الحاكم من رواية الأعمش، عن إبراهيم قال: وقد أسند هذا الحديث عن عمر ولا يصح. قلت رواه الدارقطني في سننه

من رواية عبد الرحمن بن عمر بن شيبة، عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر مرفوعا وقال: رفعه هذا الشيخ، عن أبيه والمحفوظ عن عمر من قوله. قال ابن الجوزي في "التحقيق" (1/ 185) عبد الرحمن ثقه قد أخرج عنه البخاري في صحيحه قلت: كلا لم يرو عنه البخاري في صحيحه بل هو مجهول والله أعلم.

ص: 712

المحفوظ عن عمر من قوله".

وفي "صحيح مسلم" عن عبدة وهو ابن أبي لبابة: "أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات"، ورواه أبو داود والترمذي عن عائشة وضعفاه، ورواه الدارقطني عن عثمان من قوله، ورواه سعيد بن منصور عن أبي بكر الصديق من قوله.

وفي أبي داود عن أبي سعيد: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل كبر ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، ثلاثًا، تبارك اسمك، وتعالى جدك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك، ثم يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثلاثًا، ثم يقول: الله أكبر كبيرًا، ثلاثًا، أعوذ باللَّه السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه، ثم يقرأ".

وأخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، قال الترمذي:"وحديث أبي سعيد أشهر حديث في هذا الباب"، وقال أيضًا:"قد تُكُلِّمَ في إسناد حديث أبي سعيد، كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي، وقال أحمد: "لا يصح هذا الحديث"، انتهى. وعلي بن علي بن نجاد بن رفاعة وثقه: وكيع، وابن معين، وأبو زرعة، وكفى بهم

(1)

.

(1)

وفي الباب:

1 -

عن واثلة: أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (22/ 64/ 155) عن مكحول عن واثلة:

2 -

عن الحكم بن عمير: أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (3/ 219) رقم (3190).=

ص: 713

ولما ثبت من فعل الصحابة كعمر وغيره الافتتاح بعده عليه السلام بـ "سبحانك اللهم" مع الجهر به، لقصد تعليم الناس ليقتدوا أو يأتسوا، كان دليلًا على أن الذي كان عليه السلام آخر الأمر، أو أنه كان الأكثر من فعله،

= 3 - عن عبد الله بن مسعود أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (10/ 150) رقم (10280) وفي معجمه الأوسط" (1026)(428).

أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (10/ 108) رقم (10117) عن أبي الأحوص عن عبد الله قال.

5 -

عن جابر أخرجه البيهقي في "الكبرى"(2/ 35).

6 -

عن علي بن أبي طالب: أخرجه ابن حنبل في فضائل الصحابة 1190.

قال النووي في الأذكار ص 35: قال البيهقي وأصح ما ورد فيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

قلت: أخرجه مسلم من طريق عبدة بن أبي لبابة عن عمر ولم يسمع منه. وقال النووي في شرح مسلم: قال أبو علي النسائي هكذا وقع عن عبدة أن عمر وهو مرسل يعني أن عبدة وهو ابن أبي لبابة لم يسمع من عمر، ثم ذكر النووي أن مسلما إنما أورد هذا الأثر عرضا لا قصدا ولذلك تسامح بإيراده.

وقد أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه

والطحاوي

والدارقطني والبيهقي (2/ 34) من طرق عن الأسود بن يزيد قال: سمعت عمر بن الخطاب افتتح الصلاة وكبر فقال: سبحانك

واللفظ لابن أبي شيبة وزاد ثم يتعوذ وإسناده صحيح.

وزاد الدارقطني في رواية له كان عمر إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك يسمعنا ذلك يليه وفي لفظ الطحاوي: فرفع صوته ليتعلموها.

ص: 714

وإن كان رفعه أقوى على طريق المحدثين.

ألا يرى أنه روي في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يسكت هنيهة قبل القراءة بعد التكبير، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة، ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبَرَد"، وهو أصح من الكل؛ لأنه متفق عليه، ومع ذلك لم يقل بسنيته عينًا أحد من الأربعة، [والحاصل]

(1)

أن غير المرفوع أو المرفوع المرجوح في الثبوت عن مرفوع آخر قد يقدم على عديله، إذا اقترن بقرائن تفيد أنه صحيح عنه عليه السلام مستمر عليه.

(الله أكبر كبيرًا) قيل: "حال مؤكدة، نحو: زيد أبوك عطوفًا"، وقيل:"منصوب بإضمار فعل، كأنه قيل: الله أكبر أُكَبِّرُ كبيرًا"، وقيل:"هو منصوب على القطع من اسم الله تعالى"، ذكره في "النهاية". (والحمد لله كثيرًا) صفة مصدر محذوف، كما جاء في رواية:"حمدًا كثيرًا".

(وسبحان الله بكرة وأصيلًا) منصوبان على الظرفية، أي: أول النهار وآخره، أو أول الملوين، والمراد بهما الدوام، كما قيل في قوله تعالى:{وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم: 62]، قيل: "خصا بالذكر لاجتماع

(1)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (ب):"والأصل".

ص: 715

ملائكة الليل والنهار فيهما، وكأن المقصود تنزيهه تعالى في جميع الأوقات، لكن خصا بالذكر من بينهما لزيادة الاهتمام بشأنهما، أو لأنهما محل الحدوث والأقوال المناسب لهما تنزيه الرب عنهما".

(م، ت، س) أي رواه: مسلم، والترمذي، والنسائي؛ كلهم عن ابن عمر

(1)

.

(الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا) أي: طاهرًا لا رياء فيه، ولا سمعة، ولا غيرهما من الأمور المخلة الخبيثة، (مباركًا. م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، عن أنس. (فيه. د، س) أي رواه: أبو داود، والنسائي، هذه الزيادة عنه أيضًا

(2)

.

(اللهم باعد بيني وبين ذنبي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، ونقني) أي: طهرني ونظفني (من خطيئتي) أي: من أثرها بالمحو (كما نقيت الثوب من الدَّنَس) بفتحتين، أي: الوسخ. (ط) أي: رواه الطبراني عن سمرة بن جندب

(3)

.

(وفي صلاة التطوع. د) أي: رواه أبو داود عن جبير بن مطعم (الله أكبر

(1)

أخرجه مسلم (601)، والترمذي (3592)، والنسائي (2/ 125)، والطبراني في "الدعاء"(516).

(2)

أخرجه مسلم (600) وأبو داود (1495)، والنسائي (3/ 52).

(3)

أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (7/ 227) رقم (6950). وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن (مجمع الزوائد (2/ 106).

ص: 716

كبيرًا، ثلاثًا، الحمد لله كثيرًا، ثلاثًا، سبحان الله بكرة وأصيلًا، ثلاثًا، أعوذ بالله من الشيطان) وزاد ابن ماجه، والبيهقي في "السنن الكبير" لفظ:"الرجيم".

ثم قوله: (من نفخه، ونفثه، وهمزه) بدل من الشيطان، فقيل "نفخه": كبره، لأن المتكبر كأن الشيطان ينفخ فيه بالوسوسة، فيعظمه في عينه ويحقر الناس عنده، و"النفث": عبارة عن الشعر؛ لأنه ينفثه الإنسان من فيه كالرقية، و"همزه": المؤتة وهي نوع من الجنون والصرع يعتري الإنسان، فإذا أفاق رجع إليه كمال عقله كالنائم والسكران، هكذا جاء في الحديث [تفسيرها]

(1)

كما ذكره بعضهم.

وقال الطيبي: "إن كان هذا التفسير من متن الحديث فلا معدل عنه، وإن كان من بعض الرواة، فالأنسب أن يراد بالنفث السحر، لقوله تعالى:{وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} [الفلق: 4]، وأن يراد بالهمز الوسوسة، لقوله تعالى:{وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ} [المؤمنون: 97]، وهي خطراتهم، فإنهم يغرون الناس على المعاصي.

(د، ق، حب، مس، مص، سني) أي رواه: أبو داود، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة، والبيهقي في "السنن الكبير" له؛ كلهم من حديث جبير بن مطعم

(2)

.

(1)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (ب):"تفسيرهما".

(2)

أخرجه أحمد (4/ 80، 81، 83، 85)، وابن أبي شيبة (2411) والبخاري في =

ص: 717

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= "التاريخ الكبير"(6/ 488 - 489)، وأبو داود (764، 765)، وابن ماجه (807)، والبزار (3445، 3446)، وابن الجارود (180)، وابن خزيمة (468، 469)، وابن حبان (2601).

قال ابن خزيمة (1/ 238 - 239): "وهذا الخبر لم يسمع في الدعاء لا في قديم الدهر ولا في حديثه استعمل هذا الخبر على وجهه ولا حكي لنا عن من لم نشاهده من العلماء انه كان يكبر لافتتاح الصلاة ثلاث تكبيرات ثم يقول سبحانك اللهم وبحمدك إلى قوله ولا إله غيرك ثم يهلل ثلاث مرات ثم يكبر ثلاثا - ثم ذكر حديث جبير - وقال: إلا أنهم قد اختلفوا في إسناد خبر جبير بن مطعم ورواه شعبة عن عمرو بن مرة عن عاصم العنزي عن ابن جبير بن مطعم عن أبيه أخبرنا أبو طاهر نا أبو بكر حدثناه بندار حدثناه محمد بن جعفر نا شعبة ح وحدثنا محمد بن يحيى نا وهب بن جرير حدثنا شعبة.

ورواه حصين بن عبد الرحمن عن عمرو بن مرة فقال عن عباد بن عاصم عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه ح حدثناه عبد الله بن سعيد الأشج نا بن إدريس ح وحدثنا هارون بن إسحاق وابن فضيل جميعا عن حصين بن عبد الرحمن.

قال أبو بكر: وعاصم العنزي وعباد بن عاصم مجهولان لا يدري من هما ولا يعلم الصحيح ما روى حصين أو شعبة.

وقال البزار (8/ 367): "وهذا الحديث، لا نعلم أحدا يرويه عن النبي إلا جبير بن مطعم، ولا نعلم له طريقا إلا هذا الطريق، وقد اختلفوا في اسم العنزي الذي رواه عن نافع بن جبير فقال شعبة عن عمرو عن عاصم العنزي قال ابن فضيل عن حصين عن عمرو عن عباد بن عاصم وقال زائدة عن حصين عن عمرو عن عمار بن عاصم والرجل ليس بمعروف وإنما ذكرناه لأنه لا يروى هذا الكلام غيره عن نافع بن جبير عن أبيه ولا عن غيره يروى =

ص: 718

(سبحان ذي الملكوت) هو الملك، وزيدت التاء للمبالغة والكثرة، كما يقال: رحموت ورهبوت، وإذا جمع بين الملك والملكوت يفسر الأول بظاهر الملك، والثاني بباطنه، أو الأول بالعالَم السفلي، والثاني بالعلوي، والمراد بالملكوت هنا أعم منهما، كما في قوله تعالى:{وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأنعام: 75]، (والجبروت) فعلوت أيضًا.

للمبالغة من الجبر، وهو القهر من الصفات الأفعالية، (والكبرياء) أي: الذاتية (والعظمة) أي: الصفاتية. (طس) أي: رواه الطبراني في "الأوسط" عن حذيفة

(1)

.

(وإذا قال الإمام: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}، فليقل المأموم: آمين)، قال ابن الهمام:"وهو أعم من كونه في السرية إذا سمعه أو في الجهرية، وفي السرية منهم من قال يقوله، ومنهم من قال: لا؛ لأن ذلك الجهر لا عبرة به، وعن الهندواني: "يُؤَمِّن لظاهر الحديث "إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من

= أيضا عن النبي".

قلت: وعاصم بن عمير العنزي، وهو عاصم بن أبي عمرة، ذكره بن حبان في كتاب الثقات، وقال ابن حجر: مقبول.

(1)

أخرجه الطبراني في "الأوسط"(5685) وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقون (مجمع الزوائد 2/ 107).

ص: 719

ذنبه"، متفق عليه"

(1)

.

ثم هو بالمد والتخفيف في جميع الروايات وعن جميع القراء، لكن جوز وَرْشٌ طوله وتوسطه أيضًا، وحكى الواحدي عن حمزة والكسائي الإمالة، ويجوز قصره، ومنه قول الشاطبي:

أَمِينَ وَأَمْنًا لِلْأَمِينِ بِسِرِّهَا

قال صاحب "الهداية": "والتشديد خطأ، وفي التجنيس تفسد به؛ لأنه ليس بشيء"، وقيل:"عندهما لا تفسد، وعليه الفتوى"، قال الحلواني:"له وجه؛ لأن معناه: ندعوك قاصدين إجابتك، لأن معنى "آمّين": قاصدين، يعني في قوله تعالى: {وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة: 2] ".

ثم اعلم أن "آمين" اسم فعل ويفتح في الوصل؛ لأنها مبنية بالاتفاق، ويجوز الوقف عليه مدًّا وقصرًا وتوسطًا، ومعناه: اللهم استجب، عند الجمهور، وقيل:"اللهم آمنا"، وقيل:"افعله"، وقيل:"كذلك يكون".

(يجبه الله) من الإجابة، وهو مجزوم على جواب الأمر، والضمير راجع إلى الدعاء أو الداعي. (م، د، س، ق) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم عن أبي موسى الأشعري

(2)

.

(وإذا أمّن الإمام، فليؤمن المأموم) أي: فليقل: "آمين"، وهو جواب

(1)

أخرجه البخاري (780)، ومسلم (410).

(2)

أخرجه مسلم (404)، وأبو داود (972)، والنسائي (2/ 96)، وابن ماجه (847).

ص: 720

لـ "إذا"(فمن وافق) تعليل للأمر بالتأمين، ومتضمن [للخبر عن]

(1)

تأمين الملائكة، كما يدل عليه رواية البخاري:"إذا أمن القارئ فأمنوا، فإن الملائكة تؤمن"، فمن وافق (تأمينه) أي: من الإمام والمأموم (تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه. خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة

(2)

، وفي بعض طرق الحديث زيادة:"وما تأخر"، وهي زيادة شاذة، لها طرق أخرى ضعيفة

(3)

.

(ولما قال صلى الله عليه وسلم: "آمين" مدَّ بها) أي: بكلمة "آمين" في أولها وفي آخرها (صوته. أ، د، ت، مص) أي رواه: أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن أبي شيبة؛ كلهم عن وائل بن حجر

(4)

.

(1)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (ب):"للخير من".

(2)

أخرجه البخاري (780)، ومسلم (410).

(3)

وأخرجه بنحوه أبو يعلى (6411) من طريق ليث بن أبي سليم، عن كعب المدني، عن أبي هريرة. وفيه زيادة، وإسناده ضعيف.

وأخرجه البخاري في "القراءة خلف الإمام"(237) من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة. وفيه زيادة منكرة.

(4)

أخرجه الترمذي (248)، وأبو داود (932) عن وائل بن حجر وإسناده صحيح.

ونبه الترمذي على ماورد في رواية شعبة من أخطأ في مواضع من هذا الحديث (1/ 289) تحت رقم (248) انظر: التلخيص الحبير (1/ 427 - 429).

وقال الألباني: صحيح. انظر "المشكاة"(845).

ص: 721

(رفع بها صوته. د) أي: رواه أبو داود عنه أيضًا، وكأن له روايتين، ولعل رفعه صلى الله عليه وسلم كان تعليمًا، ولما علموا طريقته أخفاه، وبهذا يحصل الجمع بين الأحاديث النبوية والروايات الفقهية، فإن علماء الحنفية على أنه يسن الإخفاء في التأمين.

قال ابن الهمام: "روى أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، والدارقطني، والحاكم في "المستدرك" من حديث شعبة، عن علقمة بن وائل، عن أبيه: "أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بلغ:{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} ، قال: آمين، وأخفى بها صوته"

(1)

.

ورواه أبو داود، والترمذي، وغيرهما من حديث سفيان، عن وائل بن حجر، وذكر الحديث، وفيه:"ورفع بها صوته"، فقد خالف سفيان شعبة في الرفع، وفيه علة أخرى ذكرها الترمذي في "علله الكبير"، وقد رجح الدارقطني وغيره رواية سفيان بأنه أحفظ

(2)

.

(1)

حديث صحيح دون قوله: وأخفى بها صوته، فقد أخطأ فيها شعبة.

أخرجه أحمد (4/ 316 و 317)، والبخاري في "القراءة خلف الإمام"(144)، ومسلم في " التمييز"(37)، والدارمي (1247)، وأبو داود (932 و 933)، والترمذي (248 و 249)، والبيهقي في "الكبرى"(2/ 57).

قال الألباني: إسناده صحيح

إلى أن قال: ولكن قوله: خفض بها صوته

شاذة. انظر: "صحيح أبي داود"(863).

(2)

قال البخاري - فيما نقله عنه الترمذي في "جامعه" عقب الرواية (248) - وفي "العلل الكبير"(1/ 217 - 218) تعقيبًا على هذا الحديث: أخطأ شعبة في =

ص: 722

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= مواضع من هذا الحديث، فقال: عن حجر أبي العنبس، وإنما هو حجر بن عنبس، ويكنى أبا السكن، وزاد فيه: عن علقمة بن وائل، وليس فيه عن علقمة، وإنما هو: عن حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر، وقال: وخفض بها صوته، وإنما هو: ومد بها صوته. وكذا قال أبو زرعة فيما نقله عنه الترمذي كذلك.

ولئن سلم الحفاظ في التعارض الواقع بين الرفع والخفض في آمين، ورجحوا رواية سفيان، وجزموا بأن روايته أصح، إلا أنهم لم يسلموا في التعارض بين الروايتين فيما دون ذلك، فقد قال الحافظ في "التلخيص الحبير" (1/ 237) في قول شعبة: حجر أبي العنبس، وقول الثوري: حجر بن عنبس، ونقل تصويب البخاري وأبي زرعة لقول سفيان: وما أدري لم لم يصوبا القولين حتى يكون حجر بن عنبس هو أبو العنبس، وبهذا جزم ابن حبان في "الثقات" أن كنيته كاسم أبيه، ولكن قال البخاري: إن كنيته أبو السكن، ولا مانع أن يكون له كنيتان.

قال الحافظ: واختلفا أيضا في شيء آخر، فالثوري يقول: حجر عن وائل، وشعبة يقول: حجر عن علقمة بن وائل عن أبيه. فذكر أن الطيالسي رواه هكذا في مسنده عن شعبة بزيادة: علقمة بن وائل، وقال: وسمعته -أي حجر- من وائل - وسيرد هذا الطريق في تخريج هذه الرواية - قال الحافظ: فبهذا تنتفي وجوه الاضطراب عن هذا الحديث، وما بقي إلا التعارض الواقع بين شعبة وسفيان فيه في الرفع والخفض، وقد رجحت رواية سفيان بمتابعة اثنين له بخلاف شعبة، فلذلك جزم النقاد بأن روايته أصح، والله أعلم.

وأخرجه الطيالسي (1024) ومن طريقه البيهقي في "السنن"(2/ 57 و 178) والدارقطني في "السنن"(1/ 334) من طريق يزيد بن زريع، كلاهما (الطيالسي ويزيد) عن شعبة، بهذا الإسناد، إلا أن الطيالسي قال: سمعت علقمة بن وائل يحدث عن وائل، وقد سمعت من وائل. قال الدارقطني: كذا=

ص: 723

وقد روى البيهقي عن شعبة في الحديث: "رافعًا صوته"، ولما اختلف

= قال شعبة: "وأخفى بها صوته". ويقال: إنه وهم فيه، لأن سفيان الثوري ومحمد بن سلمة بن كهيل وغيرهما رووه عن سلمة، فقالوا:"ورفع صوته بآمين". وهو الصواب.

وأخرجه مختصرا وبتمامه ابن حبان (1805) والطبراني في "الكبير" 22/ (2) و (3) و (109) و (112)، والحاكم 2/ 232 من طرق عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حجر، عن علقمة، عن وائل، به. إلا أن ابن حبان لم يذكر الإخفاء بها أو الجهر.

قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجا

اختلف سفيان وشعبة في هذا الحديث، فرواه سفيان عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ (ولا الضالين) فقال: "آمين" يمد بها صوته.

ورواه شعبة - كما في هذا الإسناد - عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر، به، إلا أنه قال:"وخفض بها صوته".

وإذا اختلف شعبة وسفيان، فالقول قول سفيان، وهو ما رجحه الأئمة، وقد نبه على خطأ شعبة هذا البخاري في "تاريخه"(3/ 73)، وفيما نقله عنه الترمذي في "جامعه"(2/ 28)، وفي "العلل الكبير"(1/ 217 - 218)، وقد تابع سفيان العلاء بن صالح كما سلف في تخريج الرواية (18842).

وقد رواه شعبة بمثل رواية سفيان فيما أخرجه البيهقي في "السنن"(2/ 58) من طريق أبي الوليد الطيالسي، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، به.

قلنا: فإن صحت هذه الرواية فيكون شعبة قد رجع عن خطئه، أو أن أحد الرواة وهم في هذه الرواية، والله أعلم.

ص: 724

في الحديث عدل صاحب "الهداية" إلى ما عن ابن مسعود: "أنه كان يخفي [صوته]

(1)

"، فإنه يؤيد أن المعلوم منه عليه السلام الإخفاء.

قال ابن الهمام: "ولو كان إليَّ في هذا شيء لوَفَّقْت بأن رواية الخفض يراد بها عدم القرع العنيف، ورواية الجهر بمعنى قولها في زبر الصوت وذيله"، ويدل على هذا قوله:(وكان) أي: النبي عليه السلام (إذا قال: آمين، يُسْمِعُ) من السمع أو الإسماع (من يليه) أي: يَقْرُبُهُ (من الصف الأول. د، ق) أي رواه: أبو داود، وابن ماجه، عن أبي هريرة

(2)

.

(فيرتج) بتشديد الجيم افتعال من الرج، وهو الحركة الشديدة على ما في "النهاية"، أي: يضطرب ويتحرك (بها المسجد) أي: من رفع صوته. (ق) أي: رواه ابن ماجه عنه أيضًا

(3)

، قال ابن الهمام: "وارتجاجه إذا قيل

(1)

من (أ) فقط.

(2)

أخرجه أبو داود (934) قال: حدثنا نصر بن علي. وابن ماجه (853).

(3)

أخرجه ابن ماجه (853).

قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف أبو عبد الله لا يعرف حاله وبشر ضعفه أحمد وقال ابن حبان يروي الموضوعات رواه أبو داود عن نضر بن علي عن محمد بن بشار به إلا قوله ترك الناس التأمين وقوله فيرتج بها المسجد والباقي مثله ورواه ابن حبان في صحيحه عن يحيى بن محمد بن عمرو عن إبراهيم بن العلاء الزبيدي عن عمرو بن الحرث عن عبد الله بن سالم عن الزبيدي عن محمد بن مسلم عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا فذكره (مصباح الزجاجة 1/ 106).

ص: 725

في اليم، فإنه الذي يحصل عنده دوي كما يشاهَد في المسجد، بخلاف ما إذا كان بقرع، وعلى هذا فينبغي أن يقال على هذا الوجه: لا يقرع، كما يفعله بعضهم"، انتهى.

وفيه: أنه لا قائل به، ولا نظير له في الشرع، فطريق صاحب "الهداية" أعدل؛ لأنه عدل عن [اختلاف فعلي]

(1)

النبي عليه السلام إلى فعل الصحابي المعبر الملازم على الدوام لترجيح الإخفاء، مع أنه الأصل عند التعارض والتساقط، على أنه مؤيد أيضًا بقوله تعالى:{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55]، ولا شك أن "آمين" دعاء حقيقة أو حكمًا، والقياس أيضًا يساعده، فإن سائر الأذكار والأدعية يسن [إخفاؤها]

(2)

اتفاقًا، فكذا هذا، والله أعلم.

(وقال) أي: مرة أو أحيانًا (آمين، ثلاث مرات. ط) أي: رواه الطبراني عن وائل بن حجر

(3)

.

(وحين قال: {وَلَا الضَّالِّينَ}، قال) أي: أحيانًا (رب اغفر لي، آمين. ط) أي: رواه الطبراني عنه أيضًا

(4)

.

(1)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ):"الخلاف فعلي"، وفي (ب):"إطلاق فعل".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج)، وفي (د):"فيها الإخفاء".

(3)

أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (22/ 22) رقم (38).

قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات (مجمع الزوائد 2/ 113).

(4)

وأخرجه الطبراني 22/ 137 رقم (107).=

ص: 726

(وإذا ركع: سبحان ربي العظيم) بفتح الياء ويسكن. (م، عه، حب، مس، ر) أي رواه: مسلم والأربعة عن حذيفة

(1)

، وابن حبان والحاكم عن عقبة بن عامر الجهني

(2)

، والبزار وكذا أبو داود عن ابن مسعود، وأخرجه الترمذي والنسائي عن ابن مسعود أيضًا

(3)

(ثلاثًا. ر) أي: رواه البزار عن ابن مسعود أيضًا

(4)

.

= قال الهيثمي: رواه ابن ماجه خلا قوله: "رب اغفر لي".

رواه الطبراني وفيه أحمد بن عبد الجبار العطاردي وثقه الدارقطني وأثنى عليه أبو كريب وضعفه جماعة وقال ابن عدي: لم أر له حديثا منكرا (2/ 113).

(1)

مسلم (772)، وأبو داود (874)، والترمذي (262)، والنسائي (2/ 190)، والدارمي (1306)، وأبو عوانة (1706)، وابن حبان (1897)، والبزار (2921)، وذكره الحاكم (1/ 225) عقب حديث عقبة بن عامر معلقًا.

(2)

ابن حبان (1898)، والحاكم (1/ 225)، وأخرجه أيضا أبو داود (869) قال الألباني: إسناده ضعيف؛ عم موسى بن أيوب: اسمه إياس بن عامر الغافقي؛ وليس بالمعروف كما قال الذهبي. "ضعيف أبي داود"(125).

(3)

أبو داود (886)، والترمذي (261)، وابن ما جه (890) وقال أبو داود: هذا مرسل عون لم يدرك عبد الله. وضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود"(155).

(4)

أخرجه البزار (1947) وقال البزار عقبه: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن مسروق، عن عبد الله إلا من هذا الوجه، والسري بن إسماعيل هذا فليس بالقوي. قال الهيثمي، وابن حجر: وفيه السري بن إسماعيل وهو ضعيف عند أهل الحديث. "مجمع الزوائد"(2/ 315)، و"التلخيص الحبير"(1/ 243).

وانظر: "صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم " للألباني (2/ 652).

ص: 727

(وذلك أدناه) أي: أدنى الكمال، والكمال أن يزيد إلى سبع مرات، ذكره المظهري. (د) أي: رواه أبو داود عن ابن مسعود أيضًا.

(سبحانك اللهم ربنا) أي: يا ربنا (وبحمدك) قيل: "فيه إضافة الحمد إلى الفاعل، والمراد من الحمد لازمه مجازًا، وهو ما يوجب الحمد، أو إلى المفعول ويكون معناه: سبحت ملتبسًا بحمدي لك"، (اللهم اغفر لي. خ، م، د، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن عائشة

(1)

.

(سبحان الله) وفي نسخة: "وسبحان الله"(وبحمده)(ثلاث مرات. أ، ط) أي رواه: أحمد، والطبراني، عن أبي مالك الأشعري

(2)

.

(اللهم لك ركعت، وبك آمنت) أي: في الباطن، (ولك أسلمت) أي: في الظاهر (خشع) أي: خضع وتواضع وانقاد (لك سمعي وبصري، ومخي وعظمي، وعصبي) بفتحتين، وإسناد الخشوع إلى الأمور التي ليس

(1)

"البخاري"(794)، ومسلم (484)، وأبو داود (877)، والنسائي (2/ 219) وابن ماجه (889).

(2)

أحمد (5/ 343)، والطبراني في "الكبير"(3/ 284) رقم (3422).

قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وفيه شهر بن حوشب وفيه بعض كلام وقد وثقه غير واحد. "مجمع الزوائد"(2/ 315).

وقال الألباني عقبه: وشهر حسن الحديث في المتابعات. "حاشية صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم"(2/ 653).

ص: 728

من شأنها الإدراك [والتأثر]

(1)

كناية عن كمال الخشوع والخضوع، حتى كأن تمام أعضائه خاشعة خاضعة لربها. (م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي؛ كلهم عن علي

(2)

.

(سبوح، قدوس) قال المؤلف: "هو بضم الفاء وتشديد العين، وحكي فيهما الفتح، وقال ثعلب: "كل اسم على فعول فهو مفتوح الأول، إلا السبوح والقدوس فالضم فيهما الأكثر"، وقال غيره: "سبوح قدوس هو الله تعالى، والمراد بهما المسبح والمقدس""

(3)

، انتهى. وفي "الْمُغْرِب":"سبح الله: نزهه، والسبوح: المنزه عن كل سوء".

ثم هما خبران لمبتدإ محذوف، تقديره: ركوعي وسجودي لمن هو سبوح قدوس، أي: منزه عن أوصاف المخلوقات، وعن مشابهة الموجودات.

(رب الملائكة والروح) سبق ذكره. (م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي؛ كلهم عن عائشة

(4)

.

(ركع لك سوادي) أي: شخصي؛ لأنه يُرَى أسود من بعيد (وخيالي)

(1)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (ب):"والتأثير".

(2)

مسلم (771)، وأبو داود (760)، والترمذي (3421)، والنسائي (2/ 192).

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 10/ أ).

(4)

أخرجه مسلم (487)، وأحمد (6/ 34)، وأبو داود (872)، والنسائي (2/ 224).

ص: 729

بفتح أوله، وهو الشخص، والطَّيْف أيضًا على ما في "الصحاح"، وفي "القاموس":"الخيال: ما تشبه لك في اليقظة والحلم، من صورة وشخص الرجل وطلعته"، انتهى. فالمراد بالسواد الظاهر، وبالخيال الباطن، أي: ركع لك ظاهري وباطني.

(وآمن بك فؤادي) بالهمز، أي: قلبي، وأما فواد بالواو فوجع القلب (أبوء بنعمتك عليَّ) أي: أعترف بها وأقر بعجزي عن إحصائها والقيام بشكرها.

(هذه يداي وما جنيت) أي: كسبت (على نفسي) و"ما" موصولة، أو موصوفة، أو مصدرية، وهذه إشارة إما إلى مجموع اليدين وما جناه، وإما إلى كل منهما، والمقصود: إظهار العجز والاعتراف بالتقصير. (ر) أي: رواه البزار عن ابن مسعود

(1)

.

(1)

أخرجه البزار (2034) وقال الهيثمي رواه البزار ورجاله ثقات (مجمع الزوائد 2/ 128).

قال الألباني: فتعقبه الحافظ بقوله في "مختصر الزوائد"(1/ 265/ 386): قلت: بل حميد - هو ابن قيس الأعرج - منكر الحديث جدًّا.

كذا قالا، وكلاهما مخطئ - وجل من لا يخطئ - فإن حميدا هذا؛ ليس هو ابن قيس الأعرج، ولا هو بالذي يصح أن يقال فيه:"منكر الحديث جدًّا"، فإنه ثقة محتج به في "الصحيحين"! وإنما هو (حميد الأعرج الكوفي) - وذاك مكي وهو القاص الملائي، قال فيه البخاري في "التاريخ" (1/ 2/ 354): منكر الحديث (السلسلة الضعيفة 2145).

ص: 730

(سبحان ذي الجبروت والملكوت) تقدم لكن مقدمًا ومؤخرًا، (والكبرياء والعظمة. د، س) أي رواه: أبو داود، والنسائي، عن عوف بن مالك الأشجعي

(1)

.

(وإذا قام من الركوع قال: سَمِعَ الله لمن حَمِدَه. م، عه، ط) أي رواه: مسلم والأربعة عن حذيفة بن اليمان

(2)

، والطبراني عن ابن مسعود

(3)

، قال النووي:"معنى سَمِعَ: أجاب، أي: من حمد الله متعرضًا لثوابه استجاب الله له، وأعطاه ما تعرض له".

فقوله: (اللهم ربنا لك الحمد) لتحصيل ذلك بتكرير النداء على سبيل التعداد، لزيادة التضرع. (خ، م، ت، سر، د) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأبو داود؛ كلهم عن أبي هريرة

(4)

.

(1)

أبو داود (873)، والنسائي (2/ 191) قال الألباني: إسناده صحيح. انظر: "صحيح سنن أبي داود"(817).

(2)

أخرجه مسلم (772)، وابن ماجه (897)، والنسائي في "المجتبى" 2/ 177 و 3/ 226، وأبو عوانة (1801) و (1818) و (1890).

(3)

أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (10/ 226) رقم (10551).

قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير من طرق ومنها طريق رجالها رجال الصحيح إلا أن فيها أشعث بن سوار واختلف في الاحتجاج به، وفي بقية الطرق محمد بن أبي ليلى وفيه كلام. (مجمع الزوائد 2/ 123).

(4)

أخرجه البخاري (789)، ومسلم (392) وأبو داود (1440)، والنسائي (2/ 202) والترمذي (267) وابن ماجه (1239).

ص: 731

(ربنا ولك الحمد) أي: أدعوك، والحال أن الحمد لك لا لغيرك، وقيل:"الواو للعطف على مقدر"، قال النووي:"ولفظ "ربنا" على تقدير إثبات الواو متعلق بما قبله، وتقديره: سمع الله حمدنا، يا ربنا ولك الحمد، فاستجب حمدنا". (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة أيضًا

(1)

.

(ربنا لك الحمد. خ) أي: رواه البخاري عنه أيضًا، قال ميرك:"في بعض الروايات بدون الواو، وفي بعضها بإثباتها، والأمران جائزان، ولا ترجيح لأحدهما في مختار الشافعية"، انتهى.

وقال ابن القيم في "هديه": "صح عنه صلى الله عليه وسلم ذلك [كله]

(2)

، وأما الجمع بين "اللهم" والواو، فلم يصح"، انتهى. قال أبو المكارم في "شرح النقاية مختصر الوقاية": "في التحميد أربع روايات: "ربنا لك الحمد"، في "القنية":"هو الصحيح"، وقال الطحاوي:"هو الأصح".

و"ربنا ولك الحمد" في "الغنية": "هو الأظهر"، [و"اللهم ربنا لك الحمد" في "المحيط":"هو الأفضل"]

(3)

، و"اللهم ربنا ولك الحمد" وهو الأحسن، والكل منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم "، كذا في "الكافي".

(ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. خ، د، س) أي رواه:

(1)

أخرجه البخاري (4560) ومسلم (675).

(2)

من (ج) و (د) فقط.

(3)

من (ج) و (د) فقط.

ص: 732

البخاري، وأبو داود، والنسائي، عن رفاعة بن رافع الزرقي

(1)

، وزيد في بعض الروايات:"مباركًا عليه كما يحبّ ربنا ويرضى"، قال العسقلاني:"أما قوله: مباركًا عليه، فيحتمل أن يكون تأكيدًا، وهو الظاهر، وقيل: "الأول بمعنى الزيادة، والثاني بمعنى البقاء، ولما كان الحمد يناسب المعنيين جمعهما، كذا قرره بعض الشراح.

ولا يخفى ما فيه، وأما قوله:"كما يحب ربنا ويرضى"، ففيه من حسن التفويض إلى الله تعالى ما هو الغاية في القصد، ذكره ميرك.

(اللهم لك الحمد ملء السماوات) برفع الهمزة، ونصبها، وهو أشهر، كذا في "شرح مسلم" للنووي، وكذا قوله:(وملء الأرض) وهذا تمثيل وتقريب؛ إذ الكلام لا يقدر بالمكاييل، ولا يسعه الأوعية، وإنما المراد منه تكثير العدد، حتى لو قدر أن تكون تلك الكلمات أجسامًا لملأت الأماكن كلها.

ولا يبعد أن يقال: "المراد [بملئها]

(2)

مثلها ومقابلها، فإن السماوات والأرض أنفسهما وما فيهما من المخلوقات كلها نِعَمٌ يجب حمد الباري عليها، وزيد في بعض الروايات:"وملء ما بينهما"، أي: من الهواء

(1)

أخرجه البخاري (799)، وأبو داود (770)، والنسائي في "المجتبى" 2/ 196، والترمذي (404).

(2)

كذا في (أ) و (ج)، وفي (ب):"عليها"، وفي (د):"تمكنها".

ص: 733

والسحاب ونحوهما.

(وملء ما شئت من شيء) أي: كالعرش وما فوقه، وما تحت الثرى، أو إشارة إلى النشأة الأخرى من عالم الآخرة (بعدُ) بالضم على البناء، أي: بعد ذلك من المذكورات، فهو تعميم بعد تخصيص، وفيه إشارة إلى الاعتراف بالعجز عن أداء حق الحمد بعد استفراغ الجهد، فإنه حمده ملء السموات وملء الأرض وما بينهما، ثم ارتفع فأحال الأمر فيه على المشيئة، إظهارًا لضعف الطاقة، كما أخبر الله سبحانه عنه بقوله:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34]، وليس وراء ذلك الحمد منتهًى، فلهذه الرتبة التي لم يبلغها أحدٌ من خلق الله استحق أن يسمى أحمد.

(اللهم طهرني بالثلج، والبَرَد، والماء البارد) أي: بأنواع المغفرة، والرحمة، والفضل، (اللهم طهرني من الذنوب) أي: التي وقعت عمدًا، (والخطايا) أي: التي صدرت خطأً أو سهوًا، وجمع بينهما للتأكيد المفيد للإحاطة (كما ينقى) بصيغة المجهول، أي: ينظف (الثوب الأبيض) وفي نسخة: "تنقي"، بصيغة المعلوم المخاطب نظرًا إلى الحقيقة (من الوَسَخ) بفتحتين، أي: الدَّنَس والدَّرَن، كما في روايتين لمسلم. (م، د، ت، ق) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن عبد الله بن أبي أوفى

(1)

.

(1)

أخرجه مسلم (476)، والترمذي (3547) والنسائي (1/ 198).

ص: 734

(اللهم) وفي "أصل الأصيل" زيادة: (ربنا)(لك الحمد ملء السماوات، وملء الأرض)، وفي رواية لمسلم:(وملء ما بينهما)، ولعل رواية تركه لإرادة العلويات والسفليات منهما، وهي شاملة لما بينهما؛ لأنه لا يخلو عنهما (وملء ما شئت من شيء بعدُ)، لقوله تعالى:{وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 8].

(أهل الثناء) بالنصب على النداء، أو المدح، أو على أنه وصف المنادى، وجُوِّزَ رفعه على أنه خبر مبتدإ محذوف، أو عكسه، أي:[أنت أهل الثناء، أو]

(1)

أهل للثناء عليك، (والمجد) أي: العظمة والشرف يعني: أهل أن تعظم وتكرّم، وروي:"الحمد" حكاها عياض، وليست بمعروفة، كذا في "التصحيح".

(أحق ما قال العبد)"ما" مصدرية، والمعنى: أولى أقوال العبد، وهو مبتدأ، خبره: "لا مانع

" إلى آخره، أو موصوفة، أو موصولة، أي: أحق الأشياء التي يتكلمها العبد ثناءُ الله من العبد المطيع، الخاضع الخاشع، والتعريف في العبد للجنس أو للعهد، والمراد: رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وجوز الحنفي في "أحق" النصب والرفع، كما في "أهل الثناء"، وقال:"أي: أحق ما قال العبد هذا، أو هذا أحق ما قال العبد"، انتهى. وهو وجه بعيد، مستغنًى عنه بما هو ظاهر قريب، غير محتاج إلى تقدير.

(1)

من (ج) و (د).

ص: 735

وأما تجويزه النصب فمخالف للرواية والدراية، ويحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: أنت أحق بما قال لك العبد من المدح من غيرك، فيكون جملة "اللهم لا مانع

" إلى آخره دعاء آخَر.

ووجد في نسخة من النسائي بلفظ: "خير ما قال العبد"، ووقع في بعض الكتب:"حق ما قال العبد، كلنا" بحذف الألف والواو، وهو غير معروف في الروايات، وإن كان كلامًا صحيحًا، ذكره ميرك.

لكن في "شرح المنهاج" للدميري: "أن النسائي روى حذف الألف في "أحق"، والواو في "وَكُلُّنَا"، واللَّه أعلم".

(وكلنا لك عبد) جملة معترضة بين المبتدأ وخبره، على ما هو الأظهر الأشهر.

(لا مانع) وفي "حاشية": "لا نازع" برمز مسلم، وليس في "نسخة الأصيل"، وفي النسائي أيضًا بلفظ:"لا نازع"، (لما أعطيت) وهو المناسب لقوله تعالى:{تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} [آل عمران: 26]، ولكن قوله:"لا مانع" أحسن؛ لحسن المقابلة اللغوية، المسماة بالطباق عند علماء البديعية، لا سيما مع [قرينته]

(1)

المقلوبة المتفق عليها، وهي قوله:(ولا معطي لما منعت) وما أحسن قول ابن عطاء: "ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك".

(1)

كذا في (د)، وفي (أ) و (ب) و (ج):"قرينة".

ص: 736

(ولا ينفع ذا الجد منك الجد) سبق بعض تحقيقه، وفي "التصحيح":"الجَد: بفتح الجيم، كذا ضبطه المتقدمون والمتأخرون، قال ابن عبد البر: "ومنهم من رواه بالكسر، وضعفه الطبري ومن بعده"، قالوا: "ومعناه: على ضعفه الاجتهاد، أي: لا ينفع ذا الاجتهاد منك اجتهادُه، إنما ينفعه وينجيه رحمته"، والصحيح المشهور: الفتح، وهو الحظ والغنى، والعظمة في الدنيا بالمال والولد، والعظمة والسلطنة، أي: لا ينجيه حظه منك، وإنما ينفعه وينجيه العمل الصالح، فيكون معنى "منك": "عندك"، قيل: ""ولا ينفع" معطوف على ما قبله، أي: ولا ينفع عطاؤه".

و"ذا الجد" منادى، أي: ذا الغنى والعظمة والحظ، منك الجد لا من غيرك، ويحتمل أن يكون المعنى: ولا يسلم من عذابك غناه.

(م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، عن أبي سعيد

(1)

.

(اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات والأرض) وفي نسخة: "وملء الأرض"، (وملء ما بينهما، وملء ما شئت بعد) أي: من غير [ذكر]

(2)

شيء، (أهل الثناء وأهل الكبرياء والمجد، لا مانع لما أعطيت) وترك هنا "ولا معطي لما منعت" للاكتفاء وظهور المقابلة.

(ولا ينفع ذا الجد منك الجد) قيل: المراد بالجد أب الأب، وأب

(1)

أخرجه مسلم (477)، وأبو داود (847)، والنسائي في "المجتبى"(2/ 198 - 199)، وفي "الكبرى"(655).

(2)

كذا في (ج)، وفي (أ) و (ب):"ذلك من"، وفي (د):"ذكر من".

ص: 737

الأم، أي: لا ينفع أحدًا نسبه، بل إنما ينفعه حسبه، وقال صاحب "الفائق"

(1)

: "أي: لا ينفع المحظوظ حظه بذلك، أي: بدل طاعتك"، ويمكن أن يكون "من" على أصل معناها أعني الابتداء، ويتعلق إما بـ "ينفع"، أو بـ "الجد"، والمعنى: إن المجدود لا ينفعه منك الجد الذي منحته، وإنما ينفعه [أن تمنحه]

(2)

اللطف والتوفيق للطاعة.

وقال الراغب: "لا يتوصل إلى ثواب الله تعالى في الآخرة بالجد، وإنما ذلك بالجِدِّ في الطاعة". (ط) أي: رواه الطبراني عن ابن مسعود

(3)

.

(وإذا سجد: سبحان ربي الأعلى) بفتح الياء، ويسكن. (م، عه، ر، حب، مس) أي رواه: مسلم والأربعة عن حذيفة

(4)

، والبزار وابن حبان والحاكم عن عقبة بن عامر الجهني

(5)

.

(1)

الفائق (1/ 193).

(2)

من (أ) و (ج) و (د).

(3)

أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (9/ 201) رقم (8985).

قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير من طرق ومنها طريق رجالها رجال الصحيح إلا أن فيها أشعث بن سوار واختلف في الاحتجاج به، وفي بقية الطرق محمد بن أبي ليلى وفيه كلام. (مجمع الزوائد 2/ 123).

(4)

مسلم (772)، وابن ماجه (1351)، والنسائي (2/ 190).

(5)

أخرجه الدارمي (1305)، ابن حبان (1898)، والحاكم وقال الحاكم: صحيح الإسناد.

ص: 738

(ثلاثًا. ر) أي: رواه البزار عن ابن مسعود

(1)

.

(وذلك أدناه. د) أي: رواه أبو داود عنه أيضًا.

(اللهم أعوذ) أي: بدون "إني"، أي: ألتجئ (برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك) المراد بالمعافاة هنا: النجاة والخلاص، وأما ما نقله ميرك هنا عن "النهاية":"المعافاة هي أن يعافيك الله تعالى من الناس ويعافيهم منك، أي: يغنيك عنهم، ويغنيهم عنك، ويصرف أذاهم عنك، وأذاك عنهم"، فهو في غير محله.

(وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك) أصل الإحصاء: العد بالحصى، فإنهم كانوا يعتمدون على الحصاء، كاعتمادنا على الأصابع، أي: لا أُطيق أن أثنيَ عليك كما تستحقه، بل أنا قاصر عن أن يبلغ ثنائي قدر استحقاقك، (أنت كما أثنيت على نفسك) أي: بقولك: {فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الجاثية: 36] الآية. (م، عه) أي رواه: مسلم، والأربعة؛ كلهم عن عائشة

(2)

.

(اللهم لك سجدت، وبك آمنت) أي: باطنًا (ولك أسلمت) أي: ظاهرًا، (سجد وجهي) بسكون الياء وفتحها، أي: ذاتي، أو عضوي

(1)

أخرجه الترمذي (261)، وأبو داود (886) وقال أبو داود: هذا مرسل: عون لم يدرك عبد الله، وابن ماجه (890)، والبزار (1947).

(2)

أخرجه مسلم (486)، وأبو داود (879)، والترمذي (3493) وقال: حسن. والنسائي (1130)، وابن ماجه (3841).

ص: 739

الأشرف الوجيه الألطف (للذي خلقه) أي: أوجده (وصوَّره) أي: جعله ذا صورة في أحسن تقويم.

وزاد أبو داود، والنسائي:(فأحسن صوره، وشق) أي: فتح (سمعه وبصره) أي: جعله سميعًا بصيرًا، وفيه دليل لمن يقول:"الأذنان من الوجه"، وقيل:"أعلاهما من الرألس، وأسفلهما من الوجه"، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنهما من الرألس، والشافعي وأتباعه إلى أنهما عضوان مستقلان.

وأجابوا عن هذا الحديث بأن الوجه يطلق ويراد به الذات

(1)

؛ قال تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]، ولا يبعد أن يقال: الإضافة لأدنى الملابسة، وهي المشارفة والمقاربة.

(تبارك الله) أي: تكاثر خيره، وتزايد بره (أحسنُ الخالقين) أي: المصورين والمقدرين، وإلا فالخالق بمعنى الموجد، لا يوجِدُ غير الله قال تعالى:{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62]. (م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، عن علي

(2)

.

(خشع سمعي، وبصري، ودمي، ولحمي)، وفي نسخة:"مخي" بدل "لحمي"(وعظمي، وعصبي) وزاد ابن حبان: (وما استقلت به قدمي)

(1)

سبق الكلام عن الوجه بأنه لا يحتاج إلى تأويل لأن أهل السنة يثبتونه كما جاء.

(2)

مسلم (771)، وأبو داود (760)، والترمذي (3442)، والنسائي (2/ 129).

ص: 740

أي: حملته قدمي، وهو تعميم بعد تخصيص، وإجمال بعد تفصيل.

و"قدمي" بصيغة الإفراد، وهو مؤنث، وأما قول الحنفي:"يجوز أن يكون بتشديد الياء على لفظ التثنية، وأن يكون بتخفيفها على لفظ الواحد"، فخطأ رواية ودراية، نشأ من عدم القراءة على المشايخ المعتبرة، وعدم التتبع للأصول المعتمدة، والنسخ المصححة، ومن قلة التأمل في القواعد العربية، فإنه لو أريد به التثنية، لقيل:"قدماي" لكونه مرفوعًا على الفاعلية، لـ "ما استقلت"، ففي "القاموس":"استقله: حمله ورفعه، كقله وأقله".

(لله رب العالمين) متعلق بـ "خشع". (س، حب) أي رواه: النسائي، وابن حبان؛ كلاهما عن جابر

(1)

.

(سبوح، قدوس، رب الملائكة والروح. م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي؛ كلهم عن عائشة

(2)

.

(سبحانك اللهم ربنا وبحمدك. خ، م، د، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن عائشة أيضًا

(3)

.

(1)

أخرجه النسائي (2/ 192)، وفي "الكبرى"(642)، وابن حبان (1901).

(2)

أخرجه مسلم (487)، وأحمد (6/ 34)، وأبو داود (872)، والنسائي (2/ 224).

(3)

أخرجه البخاري (817)، مسلم (484)، وأبو داود (877)، والنسائي (2/ 219)، وابن ماجه (889)، وأحمد (6/ 43)، وأخرجه الطبراني في الدعاء =

ص: 741

(اللهم اغفر لي ذنبي كله، دِقَّهُ) بكسر الدال المهملة وتشديد القاف، (وجِلَّهُ) بكسر الجيم وتشديد اللام، أي: قليله وكثيره، وقيل:"الدق بكسر الدال: الدقيق، والجل بكسر الجيم وضمها: الجليل"، وقال في "النهاية":"المراد بالدق: الصغير، وبالجل: الكبير".

قال الطيبي: "وإنما قدم الدِّقَّ على الجِلِّ؛ لأن السائل يتصاعد في مسألته، ولأن الكبائر تنشأ غالبًا من الإصرار على الصغائر، وعدم المبالاة بها، فكأنها وسائل إلى الكبائر، ومن حق الوسيلة أن تقدم إثباتًا ونفيًا".

(وأوَّلَه وآخرَهُ، وَعَلانِيتُهُ وسرَّهُ) فإن قلت: قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما فائدته؟ قلت: فائدته بيان الافتقار إلى الله تعالى، والإذعان له، وإظهار العبودية والشكر للنعمة، وطلب الدوام، أو الاستغفار عن ترك الأولى، أو [عن]

(1)

التقصير في بلوغ حق عبادة المولى، مع أن نفس الدعاء هو العبادة، وهذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم عمل بما أمر به في قوله تعالى:{فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ} [النصر: 3] على أحسن الوجوه.

وكان يأتي به في الركوع والسجود كثيرًا؛ لأن [الاستغفار]

(2)

في حالة الصلاة أفضل من غيرها، ثم في تينك الحالتين زيادة خضوع وخشوع،

= (600)، والبيهقي في السنن (2/ 109)، وفي الدعوات الكبير (76)، والبغوي في شرح السنة (1618).

(1)

من (ج) فقط.

(2)

من (ج) فقط.

ص: 742

ليست في سائرهما، فكان يختارهما لأداء هذا الواجب الذي أمر به ليكون أكمل، وعلى الوجه الأفضل.

(م، د) أي رواه: مسلم، وأبو داود؛ كلاهما عن أبي هريرة

(1)

.

(اللهم سجد لك سوادي) أي: شخصي الظاهر، (وخيالي) أي: الباطن، (وبك آمن فؤادي) أي: قلبي، (أبوء بنعمتك عليَّ، وهذا ما جنيت على نفسي) أي: حاضر، وأنا به مقر.

(يا عظيم) أي: عظيم المغفرة، (يا عظيم) أي: عظيم الرحمة، (اغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب العظيمة) أي: كمية وكيفية (إلا الرب العظيم) أي: ذاتًا وصفة. (مس) أي: رواه الحاكم عن ابن مسعود

(2)

.

(سبحان ذي المُلْك) أي: مُلْكِ عَالَمِ الغيبِ والشهادة (والملكوت) أي: ملك عالم الغيب (سبحان ذي العزة) أي: الغلبة والمنعة (والجبروت) أي: القهر والقوة والقدرة، (سبحان الحي الذي لا يموت) أي: لا يزول ولا يفوت، (أعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك، جل وجهك) أي: عظمت ذاتك، وعلت صفاتك. (مس) أي: رواه الحاكم عن عمر

(3)

.

(1)

أخرجه مسلم (483) وأبو داود (878).

(2)

أخرجه الحاكم في المستدرك (1/ 534) وقال: حديث صحيح الإسناد إلا أن الشيخين، قلت: وفيه نظر حميد الأعرج ضعيف.

(3)

أخرجه الحاكم في المستدرك (3/ 88) وقال حديث صحيح على شرط =

ص: 743

(رب أعط نفسي تقواها) أي: ألهمها ووفقها على أنواع تقَواها من الشرك الجلي والخفي، (زكّها) أي: أنمها بالعلم النافع، والعمل الصالح (أنت خير من زكّاها) أي: طهرها (أنت وليّها) أي: متصرف أمرها (ومولاها) أي: مالكها وناصرها، وفيه تلويح إلى قوله:{فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 8 - 10]، أي: خسر من نقصها، وبالجهالة والمعصية أخفاها. (أ) أي: رواه أحمد عن عائشة

(1)

.

(اللهم اغفر لي ما أسررت) أي: أخفيت (وما أعلنت) أي: أظهرت.

(مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن عائشة أيضًا

(2)

.

(اللهم اجعل في قلبي نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل أمامي) بفتح الهمزة، أي: قدامي (نورًا، واجعل خلفي نورًا، واجعل من تحتي نورًا، وأعْظِم لي نورًا) بقطع الهمزة، أي: اجعل لي نورًا عظيمًا. (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس

(3)

.

= البخاري ولم يخرجاه.

(1)

أخرجه أحمد (6/ 209).

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة (29847).

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة (29841).

ص: 744

‌ما يقال في سجدة التلاوة

(وفي سجود القرآن) أي: يزيد على التسبيح إن شاء (سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره، وشق سمعه وبصره بحوله) أي: بتصرفه وقدرته (وقوته. س، د، ت، مس) أي رواه: النسائي، وأبو داود، والترمذي، والحاكم، عن عائشة

(1)

. (مرارًا. د) أي: رواه أبو داود عنها أيضًا.

(فتبارك الله أحسن الخالقين. مس) أي: رواه الحاكم عنها أيضًا.

(اللهم اكتب لي عندك) أي: في مستقر عرشك (بها) أي: بسبب هذه السجدة، أو في مقابلتها وبدلها (أجرًا) أي: ثوابًا كاملًا (وضَعْ) أمر من الوضع، أي: حُطَّ (عني بها وزرًا) بكسر أوله، أي: إثمًا (واجعلها لي عندك ذخرًا) بضم الذال المعجمة، أي: ذخيرة، (وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود. ت، ق، حب، مس) أي رواه: الترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، عن ابن عباس

(2)

.

(1)

أخرجه أبو داود (1414)، والترمذي (580، 3425)، والنسائي (2/ 222)، والحاكم في المستدرك (1/ 220)، وأحمد (6/ 30)، والبغوي (770). وقال الترمذي: حسن صحيح، ورواه الحاكم وقال: على شرطهما.

وصححه الألباني في صحيح الترمذي (2723).

(2)

أخرجه الترمذي (585)(3424)، وابن ماجه (1053) وقال: هذا غريب من حديث ابن عباس لا نعرفه إلا من هذا الوجه. والحاكم (1/ 219 - 220).=

ص: 745

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وقد استغرب الترمذي حديث الحسن بن محمد، فقال:(هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه).

وقال العقيلي: (لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به، وليس بمشهور بالنقل) وساق حديثه هذا، ثم قال:(لهذا الحديث طرق فيها لين).

وقال الذهبي في المغني: (غير معروف) وقال في الكاشف: (غير حجة)، وقال الحافظ في التقريب:(مقبول).

وممن قوى هذا الحديث النووي، حيث قال:(إسناده حسن) المجموع (4/ 73).

وقال الحافظ في النتائج (2/ 113): (هذا حديث حسن)، وفي (2/ 115) أورد كلام العقيلي في حسن بن محمد، ولم يتعقبه.

والظاهر أن هذا الحديث لايصح، فإن حسن بن محمد فيه جهالة، وقد تفرد به عن ابن جريج، وتفرد مثله عن ابن جريج غير مقبول.

ومحمد بن يزيد بن خنيس القرشي المخزومي مولاهم، قال ابن حجر: مقبول، وذكره في طبقات المدلسين (25) وقال بن حبان يعتبر حديثه إذا بين السماع في روايته.

وقال الذهبي: قال أبو حاتم: شيخ صالح، كتبنا عنه والحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد المكي قال ابن حجر التقريب (1282): مقبول.

وقال الذهبي الكاشف (1063): غير حجة.

قال العقيلي لا يتابع على حديثه وليس بمشهور النقل أخرجا له حديثا واحدا في سجود الشجرة واستغرب الترمذي حديثه.

وقال الحافظ في التهذيب (2/ 276): وحكى الذهبي عمن لم يسمه أن فيه جهالة، ولم يرو عنه غير ابن خنيس قلت وقد أخرج بن خزيمة وابن حبان=

ص: 746

(ما وضع رجل) أي: مؤمن (جبهته لله) أي: خالصًا (ساجدًا) ط ل (فقال: يا رب اغفر لي، ثلاثًا، إلا رفع رأسه وقد غفر له. مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة موقوفًا من قول أبي سعيد الخدري، وله حكم الرفع

(1)

.

= حديثه في صحيحهما وذكره بن حبان في الثقات وقال الخليلي لما ذكر حديثه هذا حديث غريب صحيح من حديث بن جريج قصد أحمد بن حنبل محمد بن يزيد بن خنيس وسأل عنه وتفرد به الحسن بن محمد المكي وهو ثقة.

وقال العقيلي (1/ 242) ولهذا الحديث طرق كلها فيها لين.

قال المنذري في "الترغيب والترهيب"(2/ 233): والحسن قال بعضهم لم يرو عنه غير محمد بن يزيد وقال العقيلي لا يتابع على حديثه.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة (29843).

ص: 747

‌ما يقال بين السجدتين

(وإذا جلس بين السجدتين) قال المصنف في "التصحيح": "وإنما خصّ بين السجدتين بالدعاء؛ لأنه حال بين الحالتين مأمور بالدعاء فيهما فأعطي [حكمهما]

(1)

، فكأنه لم يعد فاصلًا بين [السجدتين]

(2)

".

قلت: ولعله وقع هذا نادرًا منه صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا ما عده علماؤنا من السنن ولا من المستحبات، لكن ينبغي أن يؤتى بها في بعض النوافل من الصلوات.

(اللهم) وفي رواية البيهقي: "رب"(اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني. د، ت، ق، مس، سني) أي رواه: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقي في "السنن الكبير" له؛ كلهم عن ابن عباس

(3)

.

(1)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (ب):"حكمهما".

(2)

كذا في (د)، وفي (أ) و (ب) و (ج):"السجودين".

(3)

أخرجه أبو داود (850)، والترمذي (284)، وابن ماجه (898) والحاكم (1/ 262).

قال الترمذي: حديث غريب، وقال: وروى بعضهم هذا الحديث عن كامل أبي العلاء مرسلا، وكامل وثقه ابن معين وتكلم فيه غيره. وإسناده صحيح. وكامل بن العلاء التميمي أبو العلاء الكوفي صدوق يخطئ، من السابعة. التقريب (5639).

ص: 748

(واجبرني) أي: أغثني، من: جَبَرَ الله مصيبَتَه، أي: رد عليه ما فات منه وذهب أو عوضه، وأصله من: جبر الكسر، أي: أصلحه، كذا في "النهاية". (ت، سني) أي رواه: الترمذي، والبيهقي، عنه أيضًا

(1)

.

(وارفعني) أي: في القدر والرتبة. (مس، ق، سني) أي رواه: الحاكم، وابن ماجه، والبيهقي، عنه أيضًا

(2)

.

(ويقنُت) بضم النون، أي: يدعو (في الفجر) تقدم حكمه بأنه منسوخٌ، أو مقيد بنازلة. (ر، مس، مو مص) أي رواه: البزار والحاكم عن أنس

(3)

، وابن أبي شيبة موقوفًا من قول عمر.

(وفي سائر الصلوات) أي: باقيها أو جميعها (إن نزل نازلة) أي: شديدة من شدائد الأمر (إذا قال: سَمِعَ الله لمن حَمِدَه) وهذا عند الشافعي ومن

(1)

أخرجه البيهقي في "الكبرى"(2/ 122).

(2)

الحاكم في المستدرك (1/ 271).

(3)

أخرجه أحمد (3/ 162)، والدارقطني (2/ 39) والبيهقي (2/ 201) والبزار كما في "كشف الأستار"(556).

ثم قال البيهقي: "قال أبو عبد الله - يعني الحاكم -: هذا إسناد صحيح سنده، ثقة رواته، والربيع بن أنس، تابعي معروف من أهل البصرة.

قال ابن أبي حاتم: سألت أبي، وأبا زرعة عنه فقالا صدوق ثقة.

وقال البيهقي: "وقد رواه إسماعيل بن مسلم المكي، وعمرو بن عبيد، عن الحسن، عن أنس، إلا أننا لا نحتج بإسماعيل المكي، ولا بعمرو بن عبيد".

وقال الهيثمي (2/ 139): رواه أحمد والبزار ورجاله موثقون.

ص: 749

تبعه، وأما عند غيره فقبل الركوع، لما ورد من الأحاديث، (في الركعة الأخيرة، ويُؤَمِّن) بتشديد الميم عطف على "يقنت"، أي: يقول: "آمين" سرًّا (مَن خلفه) أي: من كان خلفه. (أ، د) أي رواه: أحمد، وأبو داود، عن ابن عباس.

ص: 750

‌ما يقال في التشهد

(وإذا جلس) أي: في القعدة (للتشهد) أي: لقراءته، فالقعدة الأولى واجبة، والأخيرة فريضة، والتشهد فيهما [واجبان]

(1)

عندنا، وسمي الذكر المخصوص تشهدًا لاشتماله على كلمتي الشهادة.

(التحيات لله) جمع تحية وهي السلام، وقيل:"البقاء"، وقيل:"العظمة"، وجمعها ليشمل المعاني كلها، وقيل:"السلامة من الآفات والنقص"، وقيل:"الملك"، قال أبو سعيد الضرير:"ليس التحية الملك نفسه، لكنها الكلام الذي يُحَيَّا به الملك".

وقال ابن قتيبة: "لم يكن يحيا إلا الملك خاصة، وكان لكل ملك تحية تخصه؛ فلذا جمعت، فكأن المعنى: التحيات التي يسلمون بها على الملوك كلها مستحقة لله".

وقال الخطابي [و]

(2)

البغوي: "ولم يكن في تحياتهم شيء يصلح للثناء على الله تعالى؛ فلذا [أهملت]

(3)

ألفاظُها، واستعمل منها معنى التعظيم، فقال: قولوا: التحيات لله، أي: أنواع التعظيم، وقال المحب الطبري: "يحتمل أن يكون لفظ: التحية مشتركًا بين المعاني المتقدمة، وكونها

(1)

كذا في جميع النسخ، والأليق بالسياق:"واجب".

(2)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د):"ثم".

(3)

كذا في (أ) و (ب) و (ج)، وفي (د):"أبهمت".

ص: 751

بمعنى السلام هنا أنسب".

(والصلوات) أي: الصلوات الخمس، [و]

(1)

ما هو أعم من ذلك من الفرائض في كل شريعة، أو العبادات كلها، وقيل:"الدعوات"، وقيل:"أنواع الرحمة"، ذكره العسقلاني.

وقال المؤلف: "أصل الصلاة: التعظيم، أي: الأدعية التي يراد بها تعظيم الله تعالى، هو مستحق [لها]

(2)

لا [تليق]

(3)

لأحد سواه"

(4)

، انتهى. وفي "النهاية":"أصل الصلاة الدعاء، فسميت العبادة المخصوصة ببعض أجزائها، وقيل: "أصلها التعظيم، وسميت العبادة المخصوصة بها لما فيها من تعظيم الرب"".

(والطيبات) أي: ما طاب من الكلام، وحسن أن يثنى به على الله تعالى، دون ما لا يليق بصفاته مما كان الملوك يحيون به، وقيل:"الطيبات الأذكار"، ذكره العسقلاني

(5)

.

قال ابن دقيق العيد: "إذا حملت الصلوات على العهد أو الجنس، كان التقدير: أنها واجبة لله، لا يجوز أن يقصد بها غيره، وإذا حملت على الرحمة،

(1)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د):"أو".

(2)

كذا في "مفتاح الحصن الحصين" وهو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ:"بها".

(3)

كذا في "مفتاح الحصن الحصين" وهو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ:"يليق".

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 9/ ب).

(5)

قاله الحافظ في فتح الباري (2/ 249).

ص: 752

فيكون معنى قوله "لله" أنه متفضل بها؛ لأن الرحمة التامة لله يؤتيها من يشاء، وإذا حملت على الدعاء، فظاهر، وإذا حملت التحية على السلام، فيكون التقدير: التحيات التي تعظم بها الملوك مستمرة لله، وإذا حملت على البقاء، فلا شك في اختصاص الله تعالى به، وكذلك العظمة التامة".

وأما "الطيبات": فقد فسرت بالأقوال، ولعل تفسيرها بما هو أعم، فتشمل الأقوال والأفعال والأوصاف، وطيبها كونها كاملة خالصة عن الشوائب".

وقال القرطبي: "قوله: "لله" فيه تنبيه على الإخلاص في العبادات، أي: تلك لا تُفْعَلُ إلا لله، ويحتمل أن يكون المراد: الاعتراف بأن ملك الملوك وغير ذلك مما ذكر كله في الحقيقة لله، وأظهر الأقوال وأجمعها ما قيل من: "أن التحيات: العبادات القولية، والصلوات: العبادات البدنية، والطيبات: العبادات المالية".

هذا، وقد قال البيضاوي

(1)

: "يحتمل أن يكون "والصلوات والطيبات" عطفًا على "التحيات"، ويحتمل أن يكون "والصلوات" مبتدأ، وخبره محذوف، و"الطيبات" معطوفة عليها، فالواو الأُولى لعطف الجملة على الجملة، والثانية لعطف المفرد على المفرد".

(السلام عليك أيها النبي ورحمة الله) أي: رأفته، وعطفه، ومغفرته (وبركاته) قيل: "هذه الإضافة باعتبار أن البركة، سواء كانت بمعنى

(1)

انظر: تحفة الأبرار شرح المصابيح للبيضاوي بتحقيقنا (1/ 344).

ص: 753

الزيادة، أو بمعنى الكثرة، أو بمعنى الخصب ناشئة من لله تعالى، وكائنة بإعطائه".

(السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) وسيأتي تحقيق السلام مبنًى ومعنًى، ووجد بخط السيد أصيل الدين في "الحاشية" هنا:"سلام" بالتنكير في الموضعين، وكتب عليه فيهما رمز النسائي، وهو سهو مبناه وهم، حيث قال النووي:"يجوز في السلام عليك وفيما بعده حذف الألف واللام، والإثبات أفضل، وهو الموجود في روايات "الصحيحين"".

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني

(1)

: "لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام، وإنما اختلف ذلك في حديث ابن عباس، وهو من أفراد مسلم".

(أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) وفي رواية النسائي: "أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله".

(ع، سني) أي: رواه الجماعة كلهم عن ابن مسعود

(2)

، والبيهقي في

(1)

قاله الحافظ في فتح الباري (2/ 249).

(2)

أخرجه البخاري (835)، (6230)، ومسلم (402)، والنسائي في "الكبرى"(1202)، وابن ماجه (899)، والدارمي (1/ 308)، وابن الجارود (205)، وأبو يعلى (5082)، وأبو عوانة (2/ 229 و 230).

ص: 754

"السنن الكبير" له عن عائشة، ولفظ ابن مسعود:"كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تقولوا: السلام على الله، ولكن قولوا: التحيات لله

" إلى آخره.

ثم اعلم أن حديث ابن مسعود أصح حديث روي في التشهد، وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، على ما ذكره الحافظ العسقلاني.

(التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله) قال الخطابي: "حذفت الواو من حديث ابن عباس اختصارًا، تقديره: "والمباركات، والصلوات، والطيبات" وهو جائز معروف في اللغة، وقيل في بيان هذا النظم: "إنه جملتان واردتان على سبيل الاستئناف، فإن التحيات مبتدأ، والمباركات صفته، والخبر مقدر، أي: التحيات المباركات لله.

فإن العبد لما وجه التحيات المباركات إلى الله، اتّجه لسائل أن يقول: فما للعبد حينئذٍ؟ فأجيب: بأن الصلوات الطيبات لله، فالله تعالى يوجهها إليه جزاء لما فعل فضلًا منه ورحمة، فإن الصلاة: هي الرحمة، والبركة: أنواع الخير، وهي المسئولة في قوله:"اللهم إني أسألك الطيبات""، انتهى.

وفيه بحثٌ، لأنه خلاف الظاهر، ولا يلائمه سائر الروايات، والظاهر أن كلًّا من هذه الأربع مبتدأ، إما بحذف العاطف كما جوزوا، أو على سبيل التعداد، و"لله" خبرها.

ص: 755

(السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) قيل: "أورد هنا البركات بصيغة الجمع دون السلام والرحمة، بخلاف التحيات والصلوات والطيبات، ولعله للتفنن أو [للاستغراق]

(1)

، أو موكول علمه إليه صلى الله عليه وسلم.

(السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) وفي رواية الترمذي، والنسائي هنا في الموضعين:"سلام" بالتنكير، قال الطيبي:"أصل "سلام عليك" سلّمت سلامًا، ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء دلالة على ثبوت المعنى واستقراره.

ثم التعريف إما للعهد، والتقدير: أي ذلك السلام الذي وجه إلى الأمم السالفة عليك وعلينا وعلى إخواننا، وإما للجنس، والمعنى: أن حقيقة السلام الذي يعرفه كل أحد أنه: ما هو، وعمن يصدر، وعلى من ينزل عليك وعلينا، ويجوز أن يكون للعهد الخارجي إشارة إلى قوله تعالى:{وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} [النمل: 59]، قال:"ولا شك أن هذه التقادير أولى من تقدير النكرة"، انتهى.

وحكى صاحب "الإقليد" أن التنكير فيه للتعظيم، وهو وجه من وجوه الترجيح، لا يقصر عن الوجوه المتقدمة، قال البيضاوي: "علمهم أن يفردوه صلى الله عليه وسلم بالذكر، لشرفه ومزيد حقه عليهم، ثم علمهم أن يصوا أنفسهم أولًا؛ لأن الاهتمام بها أهم ثم أمرهم بتعميم السلام على

(1)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د):"للاستغراب".

ص: 756

الصالحين، إعلامًا منه بأن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملًا لهم".

وقال التوربشتي: "السلام بمعنى السلامة، كالمقام بمعنى المقامة، والسلام: اسم من أسماء الله تعالى، وضع المصدر موضع الاسم مبالغة، والمعنى: أنه سالم من كل عيب ونقص، وآفة وفساد، ومعنى قولنا: "السلام عليك

" الدعاء، أي: سلمت من المكاره، وقيل: "معناه: "اسم السلام عليك" كأنه تبرك عليه باسم الله تعالى".

وقال الكرماني: "قيل: "معناه: التعوذ بالله"، فإن السلام اسم من أسمائه، تقديره: الله عليك، أي: حفيظ، كما يقال: الله معك، أي: بالحفظ، وقيل: "السلام بمعنى السلامة كاللذاذ واللذاذات، أي: السلامة والنجاة لك"، انتهى. والمراد بـ "الصالحين" القائمون بحقوق الله، وحقوق عباده المؤمنين.

(أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. م، عه، حب) أي رواه: مسلم، والأربعة، وابن حبان؛ كلهم عن ابن عباس

(1)

، واختاره الشافعي لزيادة "المباركات" فيه، وهي موافقة لقوله تعالى:{تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور: 61]، واختار أبو حنيفة وجمهور العلماء تَشَهُّدَ ابنِ مسعود، لكونه أصحَّ.

(1)

أخرجه مسلم (403)، وأبو داود (974)، والترمذي (290)، والنسائي (2/ 242)، وابن ماجه (900)، وأخرجه الشافعي (1/ 89 - 90)، وأحمد (1/ 292).

ص: 757

(التحيات الطيبات، الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) قيل: "الصلاح هو استقامة الشيء على حالة كماله، والفساد ضده، ولا يصلح الصلاح الحقيقي إلا في الآخرة؛ لأن الأحوال العاجلة وإن وصفت بالصلاح في بعض الأوقات، لكن لا تخلو عن محائبة خلل وفساد؛ إذ لا يصفو ذلك إلا في الآخرة خصوصًا لزمرة الأنبياء، لأن الاستقامة التامة لا تكون إلا من فاز بالقرب [الأعلى]

(1)

، ونال المقام الأسنى.

ومن ثمّ كانت هذه المرتبة مطلوبة الأنبياء والمرسلين، قال تعالى في حق خليله عليه السلام:{وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [العنكبوت: 27]، وحكى عن يوسف عليه السلام -أنه دعا بقوله:{تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101].

(أشهد أن لا إله إلا الله) زاد النسائي: "وحده لا شريك له"، (وأن محمدًا) زاد مسلم:"وأشهد أن محمدًا"(عبده ورسوله. م، د، س، ق) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي موسى الأشعري

(2)

.

(1)

كذا في (د)، وفي (أ):"العلي"، وفي (ب):"المعنى"، وفي (ج):"المعلى".

(2)

مسلم (404)(62)، وأبو داود (972) والنسائي في "المجتبى"(2/ 241 - 242 و 3/ 41 - 42)، وفي "الكبرى"(760) و (1203) وابن ماجه (901).

ص: 758

(التحيات الطيبات، والصلوات، والملك لله. د) أي: رواه أبو داود عن سمُرَة.

(باسم الله وبالله، التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) اختار الجملة الفعلية لإفادة التجدد، والمضارعَ لإفادة الاستمرار، واختار صيغةَ المتكلم إظهارًا لتوحيده، واهتمامًا بشأنه صلى الله عليه وسلم، وعطف للاتصال بين الجملتين، وكرر "أشهد" لقصد المبالغة والتعظيم له صلى الله عليه وسلم، وذكر النبي والرسول إشارة إلى أنه جامع بين منقبتي النبوة والرسالة. (س، ق، مس) أي رواه؛ النسائي، وابن ماجه، والحاكم، عن جابر

(1)

.

(التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات) أي: لله، وحذف اكتفاء بما قبله، أو ما بعده، وهو قوله:(الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة لله وبركاته) قد يقال: "في وجه اختيار الخطاب في السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، نحن نتبع لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينه، حين عَلَّمَ الحاضرين من الصحابة كيفية التسليم، ومن ذهب إلى الغيبة توخى معنى ما يؤديه اللفظ، بحسب مقام الغيبة، وقريب منه قوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا

(1)

أخرجه ابن ماجة (902)، والنسائي (2/ 243 وفي 3/ 43)، وفي "الكبرى"(765، وفي 1205)، والترمذي في "العلل" ص 72، رقم (105) والحاكم (1/ 267).

ص: 759

سَتُغْلَبُونَ} [آل عمران: 12] بالتاء والياء، فالتحتانية هو اللفظ المتوعد به، والفوقانية معنى ذلك بحسب مقام الخطاب.

وينصر هذا التأويلَ ما رواه البخاري في "صحيحه" عن ابن مسعود: "أنه علمني النبي صلى الله عليه وسلم وكفِّي بين كفيه التشهد، كما يعلمني السورة من القرآن: التحيات لله،

إلى آخره، فلما قبض قلنا: السلام على النبي"

(1)

.

قيل: ويمكن أن [نأخذه في مشرع]

(2)

أهل العرفان، ونقول: الصلوات محمول على ما تعورف من الأركان المخصوصة، والطيبات على كونها خالصة لوجه الله تعالى، محصلة للزلفى، كما قال تعالى:{إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ} [الأنعام: 162].

وحينئذٍ تقرير وجه الخطاب في السلام أنهم حين استفتحوا باب الملكوت، واستأذنوا بالتحيات على الولوج، كأنهم أُذِنَ لهم بالدخول في حريم الملك الحي الذي لا يموت، فقرت أعينهم بالمناجاة، كما ورد: "قرة عيني في الصلاة

(3)

"، و"أرحنا يا بلال

(4)

"، فأخذوا في الحمد والثناء

(1)

أخرجه البخاري (6265).

(2)

كذا في (د)، وفي (أ):"نأخذ في شرع"، وفي (ب) و (ج):"تأخذ في مشرع".

(3)

أخرجه أحمد (3/ 128، 199، 258)، والنسائي (5/ 280)، والحاكم (2/ 174)، والبيهقي في السنن (7/ 78)، وانظر التلخيص الحبير (3/ 116)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3124).

(4)

أخرجه أبو داود (4985).

ص: 760

والتمجيد، وطلب المزيد، [وشفعوا بحاجاتهم]

(1)

، فعند ذلك تنبهوا على أن هذه المنح والألطاف بواسطة نبي الرحمة، وبركة متابعته، فالتفتوا فإذا الحبيب في محرم المحبوب حاضرًا، فأقبلوا عليه مُسَلِّمين بقولهم:"السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته".

وقال الولي بالاتفاق، أبو بكر الوراق، ذات يوم لأهل مجلس الوفاق: "يا أيها الناس، أبشروا بالبشارة العظمى، والكرامة الكبرى، وهو أنه صلى الله عليه وسلم لا ينساكم قط في حال من الأحوال، ولا في مقام من مقامات الإكرام والإجلال، فلو كان ينساكم ساعة أو لحظة، لنسيكم في مقام الهيبة، حين قام بين يدي رب العزة، وحصل له قرب الحضرة، فقال: التحيات لله، والصلوات والطيبات، فقال الرب تعالى ذاته، وتبارك صفاته: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، الثلاث بالثلاث طباقًا، جزاء وفاقًا، فقال النبي عليه السلام اعتناء بكُمْ أجمعين:

(السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، فقالت الملائكة المقربون:(أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. مو مس طا) أي رواه: الحاكم في "المستدرك"، ومالك في "الموطإ"؛ كلاهما من قول ابن عمر موقوفًا

(2)

.

(1)

كذا في (د)، وفي (أ) و (ج):"وشغفوا بحاجاتهم"، وفي (ب):"وشفعوا بحاجاته".

(2)

أخرجه مالك في الموطأ (1/ 91) رقم (54).

ص: 761

واختار مالك هذا التشهد؛ لأن عمر قرأ على الناس فوق المنبر، فكان بمنزلة الإجماع، حيث لم ينكر عليه أحد، وفيه أنه لا خلاف في جواز ألفاظ التشهد جميعها، وإنما الخلاف في الأفضل، ولا شك أن كل ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من طريق أصحّ، فهو أولى بالعمل.

(باسم الله، وبالله خير الأسماء) بالجر، ويجوز رفعه ونصبه (التحيات الطيبات الصلوات لله، أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالحق) الباء للملابسة، والحق: الشريعة، أو للسببية، فهو القرآن وسائر المعجزات (بشيرًا) أي: مبشرًا للمؤمنين بالجنة، (ونذيرًا) أي: منذرًا بالنار للكافرين، (وأن الساعة) أي: يوم القيامة (آتية) أي: بغتة (لا ريب فيها) أي: عند أرباب اليقين، أو نفي معناه نهي، أي: لا ترتابوا في وجودها، ولا تشكوا في قرب وقوعها.

(السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. اللهم اغفر لي، واهدني. ط، طس) أي رواه: الطبراني في "الكبير"، و"الأوسط" عن ابن الزبير

(1)

.

(1)

"المعجم الكبير"(13/ 128) رقم (323)، و"المعجم الأوسط" (3116) وقال في "الأوسط": لا يروى عن بن الزبير إلا بهذا الإسناد تفرد به بن لهيعة.

قال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط

ومداره على ابن لهيعة وفيه كلام. "مجمع الزوائد"(2/ 336).

ص: 762

‌صفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (وكيفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد)

قيل: "الآل: من حَرُمَتْ عليه الزكاة؛ كبني هاشم، وبني عبد المطلب"، وقيل:"كل تقي آلُه"، وقيل:"جميعُ أمة الإجابة"، وإلى هذا مال مالكٌ على ما ذكره ابن العربي، واختاره الأزهري والنووي في "شرح مسلم".

(كما صليت)"ما" مصدرية، أي: صلاة مثل صلاتك (على إبراهيم، وعلى آل إبراهم) التشبيه ليس من باب إلحاق الناقص بالكامل، بل من باب بيان حال ما لا يعرف بما يعرف، وقيل:"التشبيه متعلق بآل محمد"، وقيل:"لا يشترط أن يكون المشبه به أقوى، بل مجرد المشاركة كفى، والشرط أغلبي".

والمقصود منه: تشبيه الصلاة بالصلاة؛ إما في الكمية، [أو]

(1)

في الكيفية، أو غيرهما كالدوام والثبات، فهو من قبيل التشبيه لبيان الحال، أو لبيان الإمكان.

وقال المؤلف: "إن قيل: لا شك أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق، فكيف طُلِبَ له من الله الصلاة ما لإبراهيم؟، والأصل أن يكون المشبه به فوق المشبه؟ فهذا سؤال مشهور، أجيب عنه بأجوبة كثيرةٍ ضعيفةٍ، أحسنها

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"و".

ص: 763

أنه صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم، فإذا دخل غيره من الأنبياء الذين من ذرية إبراهيم، فدخول محمد صلى الله عليه وسلم أولى، فيكون قولنا:"كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم" متناولًا للصلاة عليه، وعلى سائر النبيين من ذرية إبراهيم، ثم قد أمرنا آل له أن نصلي عليه وعلى آله خصوصًا، بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عمومًا وهو فيهم، فيحصل لآله من ذلك ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله له صلى الله عليه وسلم، فيكون قد صلي عليه خصوصًا، وطلب له من الصلاة لآل إبراهيم عمومًا، وهو داخل معهم، ولا شك أن الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم [وهو]

(1)

عليه السلام أكمل من الصلاة الحاصلة له دونهم، فيظهر من هذا شرفه وفضله على إبراهيم، وعلى كل آل إبراهيم"

(2)

، انتهى.

ولا يخفى أنه مع بعده غير مستقيم بالروايات التي لم يذكر فيها آل إبراهيم، واقتصر على آل إبراهيم وأريد به إبراهيم، إلا أن يقال: المراد به آل إبراهيم معه، كما قيل في قوله تعالى:{وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} [البقرة: 49].

وعندي أن المشبه به هو صلاة إبراهيم وآل إبراهيم جميعًا، أو صلاة آل إبراهيم من الأنبياء الذين من ذريته، فإنهم لكثرتهم يقوى جانبهم المشبه به في الجملة، وإن كان هو أفضلَ من كل واحد منهم على حدةٍ، والله سبحانه أعلم.

(1)

كذا في "مفتاح الحصن الحصين" وهو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ:"وله".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 9/ ب).

ص: 764

(إنك حميدٌ مجيدٌ) تذييل [للكلام]

(1)

السابق، وتقرير له على سبيل العموم، أي: إنك حميد فاعل [ما]

(2)

يستوجب الحمد، من النعم المتوالية المتكاثرة، والآلاء المتعاقبة المتواترة، مجيد كريم الإحسان، إلى جميع أفراد الإنسان، ومن محامدك وإحسانِك أن توجه صلاتك على حبيبك نبي الرحمة، وآله أصحاب الهمّة، وسادات الأمّة.

(اللهم بارك على محمد) أي: أثبت له [دوام]

(3)

ما أعطيته من التشريف والكرامة، قاله في "النهاية"، (وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. ع) أي: رواه الجماعة عن كعب بن عجرة، وهو أصح ألفاظ الصلاة، وأفضلها وأكملها، فينبغي المحافظة عليها في الصلاة وغيرها.

(اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم) وفي "أصل الجلال": "على آل إبراهيم"(إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم) وفي "نسخة الجلال": "على آل إبراهيم".

واعلم أن على هذه الرواية يدخل إبراهيم في الصلاة دخولًا أوليًّا أصليًّا كما أشرنا إليه، لأنه الأصل المستتبع لسائر آله، فإن الآل إذا ذكر مضافًا

(1)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ):"للإكلام"، وفي (ب):"الكلام".

(2)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ):"لما".

(3)

كذا في (أ) و (د)، وفي (ب):"ودوام"، وفي (ج):"وأدم".

ص: 765

إلى من هو له، ولم يذكر من هو له معه مفرد أيضًا، يتناوله الأول كما يشير إليه قوله تعالى:{وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ} [الأعراف: 130]، {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46]، وكما يدل عليه ما في "الصحيحين" عن عبد الله بن أبي أوفى:"أن أباه أتى النبي صلى الله عليه وسلم عليه بصدقة، فقال: اللهم صلِّ على آل أبي أوفى"

(1)

، ومن المعلوم أن أبا أوفى هو المقصود بالذات بهذا الدعاء".

(إنك حميد) فعيل من الحمد، بمعنى: المحمود، وأبلغ منه، وهو من حصل له صفات الحمد كلها، وقيل:"هو بمعنى الحامد، أي: يحمد أفعال عباده".

(مجيد) فعيل من المجد، وهو صفة من كَمُلَ في الشرف، وهو مستلزم للعظمة والجلال، كما أن الحمد يدل على صفة الإكرام والجمال، [و]

(2)

مناسبة ختم هذا الدعاء بهذين الاسمين العظيمين أن المطلوب تكريم الله لنبيه، وثناؤه عليه، والتنويه به، وزيادة تقريبه، وذلك مما يستلزم طلب الحمد والمجد، ففي ذلك إشارة إلى أنه كالتعليل للمطلوب، أو هو كالتذييل له.

(1)

أخرجه البخاري (1497)، ومسلم (1078)، وأبو داود (1590)، والنسائي (5/ 31)، وابن ماجه (1795).

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"أو".

ص: 766

(خ، م، س) أي رواه: البخاري ومسلم والنسائي، عن كعب أيضًا

(1)

.

(اللهم صلِّ على محمد، وآل محمد، كما صليت على آل إبراهيم) قيل: "الآل مقحم"، وقيل:"المراد: هو وآله" كما قدمناه، (إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد. خ، س) أي رواه: البخاري، والنسائي؛ كلاهما عن كعب أيضًا.

(اللهم صلِّ على محمد وأزواجه) وفي رواية مسلم: "وعلى أزواجه" أي: أمهات المؤمنين، وهو جمع زوج، ويقال للمرأة: زوج الرجل كعكسه، قال تعالى:{اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35]، وأما جمع الزوجة فزوجات.

(وذريته) في "الصراح": "هي بالضم والتشديدين، نسل الثقلين"، وفي "الصحاح":"ذرأ الله الخلق يذرؤهم: خلقهم، ومنه الذرية. إلا أن العرب تركت همزها، والجمع ذراري"، وفي "الْمُغْرِب":"ذرية الرجل: أولاده، يكون واحدًا وجمعًا".

(كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه) وفي رواية مسلم: "وعلى أزواجه"(وذريته كما باركت على آل إبراهيم. خ، م، د، س، ق، حب) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن

(1)

أخرجه البخاري (3370)، ومسلم (406)، وأبو داود (976)، (977)، والترمذي (483)، والنسائي (3/ 47)، وابن ماجه (904).

ص: 767

ماجه، وابن حبان، عن أبي حميد الساعدي

(1)

.

(إنك حميد مجيد. م) أي: رواه مسلم عنه أيضًا.

(اللهم صلِّ على محمد عبدك ورسولك، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم. خ، س، ق) أي رواه: البخاري، والنسائي، وابن ماجه، كلهم عن أبي سعيد الخدري

(2)

.

(اللهم صلِّ على محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم. خ) أي: رواه البخاري عنه أيضًا.

(اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، في العالمين) الأصح أن المراد به أصناف الخلق، فإن العالم ما سوى الله، وإنما جمع ليعم الأنواع ويشمل الأصناف، وغلب فيه العقلاء لشرفهم، وقيل:"ما حواه بطن الفلك"، وقيل:"كل محدث فيه"، وقيل:"مختص بالعقلاء"، وقيل:"المراد به الجن والإنس"، (إنك حميد مجيد. م، د، ت،

(1)

أخرجه البخاري (4797)، (6357)، ومسلم (407)، وأبو داود (979)، وأشار الترمذي إلى حديث أبي حميد تحت الحديث السابق وقال: وفي الباب عن أبي حميد

والنسائي (3/ 49)، وابن ماجه (905).

(2)

أخرجه البخاري (6358)، والنسائي (3/ 49).

ص: 768

س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، كلهم عن أبي مسعود الأنصاري

(1)

.

(على محمد) وفي نسخة: "اللهم صلِّ على محمد"(النبي الأمي) منسوب إلى أمة العرب، وهي لم تكن تكتب ولا تقرأ، فاستعير من لا يعرف الكتابة والقراءة، كذا في "الْمُغْرِب"، والمراد نفي الكتابة والقراءة غالبًا، وقيل:"منسوب إلى مكة، لأنها أم القرى"، أي: أصلها وعمدتها وبركتها، وقيل:"منسوب إلى الأم"، أي: مثل ما خرج من بطن الأم، لم يتعلم القراءة والكتابة، (وعلى آل محمد. د، س) أي رواه: أبو داود، والنسائي عنه أيضًا، لكن بزيادة:"النبي الأمي".

(كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد. س) أي: رواه النسائي أيضًا عنه، فللنسائي روايتان، فهو مختص ببعض الزيادة في هذه الرواية.

(اللهم صلِّ على محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد. ر) أي: رواه البزار عن أبي هريرة

(2)

.

(1)

أخرجه مسلم (405)، وأبو داود (979)، والترمذي (3220)، والنسائي (3/ 47).

(2)

أخرجه البزار (8154) وقال: وهذا اللفظ لا نحفظه إلا من حديث داود عن نعيم، عن أبي هريرة.

ص: 769

(أقبل رجل حتى جلس بين يدي رسول الله عليه السلام، ونحن) أي: [معشر]

(1)

الصحابة (عنده) أي: عند النبي عليه السلام، والجملة [حالية]

(2)

معترضة (فقال: يا رسول الله، أما السلام عليك، فقد عرفناه) أي: بواسطة تعليمك إيانا كيف السلام عليك، أي: لفظه، أو طريقه، قال البيهقي:"إشارة إلى السلام الذي في التشهد"، انتهى

(3)

.

وحكى ابن عبد البر احتمالًا آخر، وهو أن المراد به السلام الذي يتحلل به من الصلاة، وقال:"الأول أظهر".

أقول: ويحتمل أن المعنى: عرفناه بالسلام المتعارف، وهو قوله:"السلام عليك"؛ لأنه أقل السلام المعتبر، وأما زيادة "أيها النبي ورحمة الله وبركاته" فمن خَصوصيات التشهد، وكأنه استفسر عن معنى قوله سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]، فإن معرفة صيغة السلام ظاهرة، بخلاف صيغة الصلاة فإنها مبهمة غير معينة؛ ولذا قال:(فكيف نصلي عليك؟) فإنه يحتمل احتمالات من الصلاة عليك على طبق السلام عليك، أو صلى الله عليك على إرادة

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"معاشر".

(2)

كذا في (أ) و (ج)، وفي (ب) و (د):"حال".

(3)

السنن الكبرى (2/ 174) وعنده: وقوله في الحديث: قد علمنا كيف نسلم إشارة إلى السلام على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد، فقوله: فكيف نصلي عليك أيضا؟ يكون المراد به في القعود للتشهد.

ص: 770

الإنشاء، أو قصد الدعاء، أو غير ذلك.

(إذا نحن صلينا) أي: إذا أردنا أن نصلي (عليك في صلاتنا) أي: خصوصًا، فإنه وسيلة إلى قبول القربة، [تمام]

(1)

الطاعة، وكمال العبادة، ثم رأيت ميرك نقل عن العسقلاني أنه قال:"واختلف في المراد بقوله: "كيف"، فقيل: "المراد بالسؤال عن الصلاة المأمور بها، وبأي لفظ تؤدى"، وقيل: "عن صفتها"".

وقال القاضي عياض: "لما كان لفظ الصلاة المأمور بها في قوله تعالى: {صَلُّوا عَلَيهِ} يحتمل الرحمة والدعاء والتعظيم، فسألوا بأي لفظ تؤدى؟ هكذا قال بعض المشايخ، ورجح الباجي أن السؤال إنما وقع عن صفتها لا عن جنسها، وهو أظهر؛ لأن "كيف" ظاهرٌ في الصفة، وأما الجنس فيسأل بلفظ "ما"، وبه جزم القرطبي"

(2)

.

(قال) أي: الراوي، وهو أبو مسعود الأنصاري:(فصَمَتَ) أي: سكت النبي عليه السلام (حتى أحببنا) أي: تمنينا (أن الرجل لم يسأله)، وإنما أحبوا ذلك خشية أن يكون لم يعجبه ذلك السؤال، لما تقرر عندهم من النهي عن ذلك، قال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101] ذكره ميرك عن العسقلاني.

(1)

كذا في (ج)، وفي (أ):"والتمام"، وفي (ب):"وطعام"، وفي (د):"إتمام".

(2)

هذا كلام الحافظ ابن حجر في الفتح (11/ 155) وراجع: القول البديع في الصلاة على الحبيب للسخاوي (ص: 76).

ص: 771

والأظهر أن تمنيهم لخوف [تعنيه]

(1)

صلى الله عليه وسلم في الاحتياج إلى التأمل، إن كان يعمل بالاجتهاد، أو بالتوجه والانتظار للوحي، أو لفوت ما كانوا يستفيدون منه صلى الله عليه وسلم فوائد غزيرة وفرائد كثيرة، فاتتهم بسبب هذا السؤال، والله أعلم بالحال.

(قال) وفي رواية الحاكم: "ثم قال": (إذا صليتم علي، فقولوا) وهو أمر استحباب في الصلاة عند الجمهور خلافًا للشافعي، وفي رواية عند الطبري:"فسكت حتى جاء الوحي، فقال: تقولون": (اللهم صلِّ على محمد)، وفيه إيماء إلى عجز الخلق عن حقيقة التصلية لديه، ولذا طلبوا من الله الصلاة عليه، وأحالوا الأمر العظيم إليه، (النبي الأمي وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. حب، مس، أ) أي رواه: ابن حبان، والحاكم، وأحمد، عن أبي مسعود الأنصاري البدري

(2)

.

(من سرَّهُ) أي: أحبه وأعجبه (أن يكتال) على صيغة المجهول من

(1)

كذا في (أ) و (د)، وفي (ب):"يقينه"، وفي (ج):"تعنينه".

(2)

أخرجه أحمد (4/ 119)، وابن حبان (1959)، والدارقطني (1/ 354)، والبيهقي (2/ 378)، وقال الدارقطني والبيهقي: هذا إسناد حسن متصل. وابن أبي شيبة (8635)، وعبد بن حميد (234)، وابن خزيمة (711)، والحاكم (1/ 401) وقال: صحيح على شرط مسلم.

ص: 772

الاكتيال، وروي بصيغة المعلوم (بالمكيال الأوفى) هو عبارة عن نيل الثواب الوافر، وعن حصول الأجر المتكاثر، (إذا صلى علينا أهل البيت) منصوب بفعل تقديره: أعني أهلَ البيت، ويجوز الجر على أنه بدل من الضمير المجرور في "علينا"، أو عطف بيان، ثم قوله:"إذا" شرط، جزاؤه:(فليقل)، والشرط والجزاء جواب الشرط الأول.

(اللهم صلِّ على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين) صفة كاشفة أو احترازية، لتخرج من اختارت الدنيا، فكانت تلتقط البعرة في طرق المدينة، (وذريته) أي: أولاده وأولاد بناته، (وأهل بيته) تعميم بعد تخصيص، ودخل فيه مواليه، ومن المحكي الغريب ما حكى الخطيب أنه دخل يحيى بن معاذ على علوي ببلخ أو بالريِّ زائرًا له ومسلّمًا عليه، فقال العلوي ليحيى: ما تقول فينا أهل البيت؟ فقال: ما أقول في طين عجن بماء الوحي، وغرست فيه شجرة النبوة، وسقي بماء الرسالة، فهل يفوح منه إلا مسك الهدى، وعنبر التقوى؟ فقال العلوي ليحيى: إن زرتنا فبفضلك، وإن زرناك فلفضلك، فلك الفضل زائرًا ومزورًا".

ومن اللطائف لبعض الظرفاء أنه قال له بعض الشرفاء، ممن كان متلطخًا بالمعاصي وأنواع الجفاء:"يجب عليك أن تصلي علينا أهل البيت، فقال: أنا أقول: على أهل بيته الطيبين الطاهرين".

(كما صليت على آل إبراهيم) وفي نسخة: "على إبراهيم" ويؤيده ما في "سلاح المؤمنين"، فالمعنى: صلِّ على كل منهم، كما صليت على

ص: 773

إبراهيم، (إنك حميد مجيد. د) أي: رواه أبو داود عن أبي هريرة

(1)

.

(من صلى على محمد، وقال: اللهم أنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة، وجبت له شفاعتي) أي: ثبتت وحلّت، ثم وصف المقعد بالمقرب باعتبار أن كل من كان فيه فهو مقرب عند الله، فهو من قبيل وصف المكان بوصف المتمكن فيه.

فعلى هذا "المقرب" اسم مفعول، ولا يبعد أن يوصف المكان بالقرب مبالغةً، كما قيل في قوله تعالى:{وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 79] بمعنى مؤلَم بفتح اللام، ويجوز أن يكون اسم مكان، أي: مُقْعَدٌ هُوَ مَكَان التَّقْرِيبِ والقرب عنده، ولعله مقتبس من قوله تعالى:{فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 55].

ثم قيل: "هو المقام المحمود"، وقيل:"جلوسه على العرش، أو الكرسي"، وقيل: "لرسول الله صلى الله عليه وسلم مقامان:

أحدهما: مقام حلول الشفاعة، والوقوف على يمين الرحمن، حيث يغبطه الأولون والآخرون.

وثانيهما: مقعده في الجنة، ومنزله الذي لا منزل بعده". وهذا المعنى هو الأنسب في هذا المقام، لوجود نظيره من سؤال الوسيلة كما تقدم، والله أعلم.

(1)

أخرجه أبو داود (982)، والبيهقي في الكبرى (2/ 151). وفي شعب الإيمان (1504) وهذا إسناد ضعيف، فيه: حبان بن يسار الكلابي أبو رويحة ويقال أبو روح البصري قال الحافظ: "صدوق اختلط". "التقريب"(1079).

ص: 774

(ر، ط، طس) أي رواه: البزار، والطبراني في " الكبير"، و" الأوسط" معًا، عن رويفع بن ثابت

(1)

.

(ثم ليتخير) أي: ليختر (من الدعاء) أي: جنسه، ويستثنى منه ما يسأل من الناس، فإنه لو قال في صلاته: أعطني مالًا ونحوه، بطلت صلاته عند علمائنا الحنفية، أو من الدعاء المأثور (أعجبه) أي: أحسنه (إليه) أو أيسره عليه (فيدعو. خ) أي: رواه البخاري عن ابن مسعود

(2)

.

قال ميرك: "وفي رواية مسلم: "ثم ليتخير من المسألة ما شاء"، وفيه جواز الدعاء ما شاء دينيًّا ودنيويًّا في الصلاة، سواء شابه ألفاظ القرآن والأدعية، أم لا".

قال الشافعي: "يجوز الدعاء في الصلاة بما شاء من أمر الدنيا والآخرة، ما لم يكن إثمًا، قال ابن عمر: "إني لأدعو في صلاتي حتى بشعير حماري، ومِلح بيتي".

وقال [الحنفي]

(3)

: "يدعو بما شابه ألفاظ القرآن والأدعية المأثورة"، انتهى.

(1)

أخرجه أحمد (4/ 108) والبزار (2315)، وابن قانع (1/ 217)، والطبراني في الكبير (5/ 25)، رقم (4480)، والطبراني في الأوسط (3285). قال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في الأوسط والكبير وأسانيدهم حسنة (مجمع الزوائد (10/ 163) والحديث في "ضعيف الترغيب"(1038).

(2)

أخرجه البخاري (831)، ومسلم (402).

(3)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د):"الحنفية".

ص: 775

ولا دلالة لأثر ابن عمر على المُدَّعَى، فإن الظاهر منه أنه كان يطلب تيسير الشعير والملح منه تعالى، لا نفسهما على طريق خرق العادة، فهذا لا ينافي ما قاله علماؤنا، من أنه لو قال:"اللهم أعطني شعيرًا أو ملحًا بطلت صلاته"؛ لأنه من جنس كلام الناس.

ومثله مبطل وإن كان بلفظ الذكر، كما إذا قيل له:"جاء فلان" فقال: "الحمد لله"، [أو]

(1)

"مات فلان"، فقال:"إنا لله"، وأمثال ذلك حيث ينقلب الذكر من موضوعه المعنوي إلن الجواب الإنساني، والخطاب النوعي الحدثاني لقصده الجواب، ونظيره جواز تكلم الجنب والحائض بالآية القرآنية، لا على قصد القراءة.

(وليستعذ) أي: إذا فرغ أحدكم من التشهد، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم) أي: وما يؤدي إليه، (ومن عذاب القبر) أي: من أنواعه وأسبابه، (ومن فتنة المحيا) أي: الحياة أو زمانها، من الابتلاء مع زوال الصبر والرضا، والوقوع في الآفات، والإصرار على الفساد، (والممات) أي: الموت أو وقته، من حالة النزع ووقت سكرات الموت ومنكراته، أو زمان تحققه من سؤال منكر ونكير، مع الحيرة والخوف، والدهشة والغربة، وضيق القبر والشدة.

(ومن شر فتنة المسيح الدجال) هذا عطف خاص على عام، يدل على عظمة فتنته وقوة بليته، ويمكن أن يكون كناية عن الكفر في حال الحياة

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"و".

ص: 776

أو الممات؛ لأنها نتيجة فتنته، وزبدة بليته، ولا شك أنها أعظم الفتن وأقوى المحن، [فحقيق]

(1)

بأن يختم الدعاء به [ليحصل]

(2)

حسن الخاتمة بسببه.

ثم المسيح مخففًا يطلق على الدجال، وعلى عيسى ابن مريم عليهما السلام، لكن إذا أريد به الدجال قيد به، وقال أبو داود:"المسيح مشددًا الدجال، ومخففًا عيسى"، والأول هو المشهور، وقيل:"بالتشديد والتخفيف واحد، يقال لكليهما".

واختلف في تلقيب الدجال به، فقيل:"لأنه ممسوح العين؛ لأن عينه الواحدة ممسوحة"، وقيل:"لأن أحد شقي وجهه خلق ممسوحًا، لا عين ولا حاجب فيه"، أو:"لأنه ممسوح من كل خيرٍ"، أي: مبعود ومطرود، فعلى هذا هو فعيل بمعنى المفعول.

وقال أبو الهيثم: "إنه المسيح بوزن السكيت، وإنه الذي مسح خلقه"، أي: شوه وليس بشيء، قاله في "النهاية"، وقيل:"هو فعيل بمعنى الفاعل؛ لأنه الذي يمسح الأرض إذا خرج"، أي: يقطعها في أيام معدودة، وقيل:"هو المسيخ بالخاء المعجمة، بمعنى: الممسوخ"

(3)

.

وأما عيسى عليه السلام فسمي بذلك؛ لأنه خرج من بطن أمه وهو ممسوح

(1)

هذا هو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ:"فحقيقة".

(2)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج):"ليحس"، وفي (د):"فيحصل".

(3)

النهاية (2/ 102).

ص: 777

بالدهن، وقيل:"لأن زكريا عليه السلام مسحه"، أو: "لأنه كان لا يمسح مريضًا إلا [يبرأ]

(1)

"، أو: كان يمسح الأرض، أي: يقطعها، أو: للبسه المسوح جمع المِسْحِ، وهو البلاس، أو: "لأنه بالعبرانية: شيخًا على ما في "النهاية" - فعرب بالمسيح، أو:"لأن المسيح الصديق".

وقال العسقلاني: "قد تكرر ذكر الدجال في الحديث، وهو الذي يظهر في آخر الزمان يَدَّعي الإِلهيَّة، وفَعَّال من أبنية المبالغة، أي: يكثر منه الكذب والتدليس، والخلط والتلبيس".

(م، عه، حب) أي رواه: مسلم، والأربعة، وابن حبان، عن أبي هريرة

(2)

.

ثم اعلم أن هذا الحديث وسائر الأحاديث الَاتية، يدل على استحباب التعوذ بين التشهد الأخير والتسليم، وقال بعض رواة هذا الحديث بوجوب هذا الدعاء، لما ورد في حديثه بلفظ "قل"، أو:"فليقل"، والأصل في الأمر الوجوب، وكان أمر ولده أن يعيد صلاته التي صلاها بغير هذا التعوذ.

(اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال) الواو لمطلق الجمع، فلا يراد أنه قبل الموت، أو يراد من عذاب القبر ما يوجبه ويحصل بسببه، (وأعوذ بك من فتنة المحيا

(1)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ):"برأ".

(2)

أخرجه أحمد (2/ 237)، ومسلم (588)، وأبو داود (983)، والنسائي (3/ 58)، وابن حبان (1967).

ص: 778

والممات) تعميم بعد تخصيص، على سبيل اللف والنشر الغير المرتب؛ لأن عذاب القبر دخل تحت فتنة الممات، وفتنة الدجال دخلت تحت فتنة الحياة.

قال ابن دقيق العيد

(1)

: "فتنة المحيا: ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا، والشهوات والجهالات، والمحن والبليات، وأعظمها - والعياذ بالله - أمر الخاتمة عند الموت.

ثم فتنة الموت يجوز أن يراد بها شدة السكرات عند الموت، أضيفت إليه لقربها منه، ويجوز أن يراد بفتنة الممات فتنة القبر، وقد صح في حديث أسماء:"إنكم تفتنون في قبوركم مثل - أو قريبًا - من فتنة الدجال"، فلا يكون مع ذلك مكررًا مع قوله:"عذاب القبر"، لأن عذاب القبر مرتب على الفتنة، والسبب غير المسبب.

وقد أخرج الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"، عن سفيان الثوري:"أن الميت إذا سئل في القبر من ربك؟ بدا له الشيطان فيشير إلى نفسه، أي: أنا ربك"، ولهذا ورد السؤال بالتثبيت له حين يسأل، ثم أخرج بسنده إلى عمرو بن مرة، قال:"كانوا يستحبون إذا وضع الميت في القبر أن يقولوا: اللهم أعذه من الشيطان"، قال ميرك:"وإسناده جيد"، انتهى

(2)

.

لكن فيه بحث من حيث إنه بعد الموت على الإسلام، هل يتصور

(1)

إحكام الأحكام (1/ 311).

(2)

أخرجه الحكيم في نوادر الأصول (1320).

ص: 779

إغواء الشيطان، ويعتبر حينئذٍ إضلاله؟.

هذا، وقال القاضي عياض:"استعاذته صلى الله عليه وسلم من الأمور المذكورة التي قد عصم منها، إنما هو ليلتزم خوف الله، والافتقار إليه، وليقتدي به الأمة، وليبين لهم صفة الدعاء في الجملة"

(1)

.

(اللهم إني أعوذ بك من المأثم) مصدر أثم الرجل يأثم، والمراد الأمر الذي يأثم به الإنسان، أو الإثم نفسه، أوما فيه الإثم، (والمغرم) وهو والغرم والغرامة واحد، والمراد: الدين الذي استدين به فيما يكرهه الله، أو فيما يجوز ثم يعجز عن أدائه، وأما الدين المحتاج إليه وهو قادر على أدائه فلا استعاذة، وقيل: "المراد [بالمغرم]

(2)

: ما يلزم الإنسان أداؤه بسبب جناية، أو معاملة، ونحوهما". وبالجملة، الأول: إشارة إلى حق الله، والثاني: إلى حق العباد.

(خ، م، د، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، عن عائشة

(3)

.

(اللهم اغفر لي ما قدمت) أي: قدمته من الأعمال السيئة، (وما أخرت) أي: من الأعمال السيئة التي تبقى آثارها، أوما أخرت بأن

(1)

شرح مسلم (5/ 89).

(2)

كذا في (أ) و (ج)، وفي (ب) و (د):"بالغرم".

(3)

أخرجه البخاري (832)، ومسلم (589) وأبو داود (880)، والنسائي (3/ 56 - 57).

ص: 780

تركت أفعالها من الأعمال الواجبة، (وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت) أي: على نفسي بارتكاب المعاصي القاصرة أو المظالم المتعدية، وهو تعميم بعد تخصيص] (وما أنت أعلم به مني) تذييل وتتميم، أو إيماء إلى أنه ربما يظن العامل أنه يعمل حسنًا، ويكون في الحقيقة [سوءًا]

(1)

.

(أنت المقدم) أي: من تشاء بالتوفيق والمعونة، (وأنت المؤخر) أي: من تشاء بالخذلان وترك النصرة، (لا إله إلا أنت. م، د، ت، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، عن علي

(2)

رضي الله عنه.

(اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا) وفي رواية مسلم بالموحدة، قال النووي في "الأذكار":"ضبطناه "ظلمًا كثيرًا" بالثاء المثلثة في معظم الروايات، وفي بعض روايات مسلم: "كبيرًا" بالباء الموحدة، وكلاهما حسن، فينبغي أن يجمع بينهما فيقول: ظلمًا كثيرًا كبيرًا".

وأقول: الأظهر أن يقول مرة: "كبيرًا" بالموحدة، و"كثيرًا" بالمثلثة؛ لأنه الملائم للروايتين على قياس القراءتين؛ ولأن الظلم الكبير هو الشرك، وهو صلى الله عليه وسلم[مصونٌ]

(3)

عنه إجماعًا، وكذا راوي الحديث المتعلم

(1)

كذا في (ج) وهو الأليق بالسياق، وفي (أ) و (ب) و (د):"سواء".

(2)

أخرجه مسلم (771) وأبو داود (760)، والترمذي (3442)، والنسائي (129 - 130).

(3)

هذا هو الصواب، وفي جميع النسخ:"مصان".

ص: 781

منه، وهو الصديق الأكبر رضي الله عنه، اللهم إلا أن يراد بالكبير واحد الكبائر، ومع هذا يناسب الكثير الداخل فيه الكبير.

قوله: (ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك) أي: مغفرة كاملة ناشئة من عندك، بلا مدخلية غيرك فيها، وهذا كناية عن نهاية العناية، (وارحمني) أي: بعده المغفرة، بتوفيق الطاعة، والعصمة عن المعصية، (إنك أنت الغفور الرحيم) قال ميرك:"دل تنكير المغفرة على أنه غفران لا يكتنه كنهه، ثم وصف بكونه "من عندك" على مزيد ذلك التعظيم، لأن ما يكون من عنده لا يحيط به وصف الواصفين، كقوله تعالى:{لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 67].

وهذا الدعاء من الجوامع؛ لأن فيه الاعتراف بغاية التقصير، وطلب غاية الإنعام، فالمغفرة ستر الذنوب ومحوها، والرحمة إيصال الخيرات، ففي الأول طلب الزحزحة عن النار، وفي الثاني طلب إدخال الجنة، وهذا هو الفوز العظيم.

(خ، م، ت، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم عن أبي بكر الصديق

(1)

رضي الله عنه.

(اللهم إني أسألك، يا ألله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤًا أحد) سبق مبنًى ومعنًى، (أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور

(1)

أخرجه البخاري (834)، ومسلم (2075)، والترمذي (3531)، والنسائي (3/ 53)، وابن ماجه (3835).

ص: 782

الرحيم. د، س، مس) أي رواه: أبو داود، والنسائي، والحاكم، عن محجن بن الأدرع الأسلمي: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فإذا هو برجل قد قضى صلاته، وهو يتشهد فقال: اللهم إني أسألك يا ألله الأحد،

إلى آخره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد غفر له، ثلاثًا"

(1)

.

(اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا) أي: سهلًا، إيماء إلى قوله تعالى: {فَأَمَّا

(1)

أخرجه أبو داود (985)، والنسائي (3/ 52) وأحمد في "المسند"(4/ 338)، والحاكم (1/ 267) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.

وذكره ابن أبي حاتم في العلل (2/ 195/ 2082): سألت أبي عن حديث رواه مالك بن مغول عن ابن بريدة عن أبيه ان النبي دخل المسجد فاذا رجل يقول يا الله الواحد الصمد فذكر الحديث قال أبي رواه عبد الوارث عن حسين المعلم عن ابن بريدة عن حنظلة بن علي عن محجن بن الأدرع عن النبي وحديث عبد الوارث أشبه قال أبي روى أبو إسحاق الهمداني عن مالك بن مغول هذا الحديث قال أبو محمد وروى الثوري عن مالك بن مغول هذا الحديث.

ورواية مالك بن مغول عن ابن بريدة عن أبيه:

قال زيد بن الحباب: فحدثت زهير بن معاوية بعد ذلك بسنين، فقال: حدثني أبو إسحاق، عن مالك بن مغول بهذا الحديث بعينه. قال زيد بن الحباب: وأخبرنا سفيان الثوري به، عن مالك بن مغول.

وقال ابن منده: ورواه إسماعيل بن مسلم البصري، وعبد الوارث بن سعيد، عن محمد بن جحادة، عن ابن بريدة، عن أبيه، وقال عبد الوارث، عن حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن حنظلة بن علي بن محجن بن الأدرع.

ص: 783

مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الإنشقاق: 7، 8].

(مس) أي: رواه الحاكم عن عائشة

(1)

.

(اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات. م) أي: رواه مسلم عن ابن عباس

(2)

: "كان يعلمهم هذا الدعاء، كما كان يعلمهم السورة"، وقد تقدم أن بعض العلماء قال بوجوب هذا الدعاء.

(وليقل: اللهم إني) على ما في النسخ المصححة، (أسألك من الخير كله) بالجر تأكيدًا، أي: جميعه، وفي نسخة بنصبه؛ على تقدير: أعني، أو تأكيد بناء على محل "من الخير" فإنه مفعول، ومبين لقوله:(ما علمت منه، وما لم أعلم).

وأما ما قال الحنفي من: "أنه منصوب على أنه مفعول "أسألك"، فعلى هذا "ما علمت منه وما لم أعلم" بدل منه " فمحل بحثٍ؛ إذ يبقى حل

(1)

أخرجه أحمد (6/ 48)، والحاكم (1/ 255 و 4/ 249 - 250) من طريق محمد بن إسحاق قال: ثني عبد الواحد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير عن عباد بن عبد الله بن الزبير عنها. وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم" ووافقه الذهبي.

قال الشيخ الألباني (في أصل صفة صلاة النبي 3/ 1007): وهذا إسناد جيد.

وقول الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". ووافقه الذهبي. ليس بصحيح.

(2)

أخرجه البخاري (6537)، (4939)، ومسلم (2876) والحاكم (1/ 57).

ص: 784

الكلام "أسألك من الخير [كلّ]

(1)

الخير ما علمت، فالخير ما اخترناه.

(اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبادك الصالحون) أي: من الأنبياء والأولياء، (وأعوذ بك من شر ما عاذ منه عبادك الصالحون، ربنا آتنا في الدنيا حسنةً) أي: طاعةً، أو قناعةً، أو عافيةً، وقد يراد بالنكرة العموم، ولو في الكلام المثبت نحو قوله تعالى:{عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} [التكوير: 14]، (وفي الآخرة حسنةً) أي: مغفرةً ورحمةً، وشفاعةً وفوزًا، ونجاةً وجنةً عاليةً، ومنزلةً غاليةً.

(وقنا عذاب النار) أي: احفظنا منها ومما يقرب إليها، وسمعت سيدنا [وسندنا]

(2)

، زبدة العلماء، وعمدة الصلحاء مولانا زكريا، أنه نقل عن شيخه القطب الرباني، الشيخ أبي الحسن البكري، قدس الله سره السري:"إن في هذه الآية ثلاث مئة من الأقوال للمفسرين والعلماء المعتبرين، وأحسنها: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً}، أي: اتباع الأَوْلى، {وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} أي: الرفيق الأعلى، {وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201] أي: حجاب المولى".

(ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا) أي: الماضية والآتية، (وقنا عذاب النار، ربنا آتنا) وفي نسخة: "وآتنا"، وهي الموافقة لما في التنزيل، (ما

(1)

كذا في (أ) و (ج)، وفي (ب) و (د):"كل".

(2)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"ومولانا".

ص: 785

وعدتنا على رسلك) أي: ألسنتهم، أو ما وعدتنا على تصديق رسلك من الثواب] (ولا تخزنا) أي: بأن تعصمنا عما يقتضي الإخزاء، أو بأن تدخلنا في النار للخلود، (يوم القيامة) أي: يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه، وقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي: "أن العار والخزية [تبلغ]

(1)

من ابن آدم في القيامة بين يدي الله تعالى، ما يتمنى العبد أن يؤمر به إلى النار"

(2)

، وقال بعض العارفين:"لا تخزنا بأعمالنا، وعد بفضلك ورحمتك علينا".

(إنك لا تخلف الميعاد) أي: بقولك: "سبقت رحمتي غضبي"، وقال البيضاوي:"أي: بإثابة المؤمن، وإجابة الداعي"، وعن ابن عباس:"الميعاد: البعث بعد الموت".

وتكرار "ربنا" للمبالغة في الابتهال، والدلالة على استقلال المطالب وعلو شأنها، وفي الآثار: "من حَزَبَهُ أمرٌ فقال خمس مرات: ربنا، أنجاه الله

(1)

كذا في (ب) و (د)، وفي (أ) و (ج):"يبلغ".

(2)

انظر: مسند أبي يعلى (رقم: 1776) وفيه: التخزية، وأخرجه ابن عدي في الكامل (6/ 13) وقال ابن طاهر: رواه الفضل بن عيسى الرقاشي: عن ابن المنكدر، عن جابر بن عبد الله. والفضل ضعيف (ذخيرة الحفاظ 905)، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة (7726/ 1): رواه أبو يعلى بسند ضعيف؟ لضعف الفضل بن عيسى بن أبان الواعظ، وقال الألباني: ضعيف جدًّا. السلسلة الضعيفة (5011).

ص: 786

مما يخاف"

(1)

، أقول: ولعله مقتبس من تكرار "ربنا" في آخر آل عمران خمس مرات متواليات، ثم تعقيبه بقوله سبحانه:{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} [آل عمران: 195].

(مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة من قول ابن مسعود موقوفًا

(2)

.

(1)

عزاه الرازي إلى جعفر الصادق انظر: "تفسير الرازي"(9/ 12).

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة (29868).

ص: 787

‌سيد الاستغفار

(سيد الاستغفار: أن يقول الرجل إذا جلس في صلاته) أي: للتشهد في القعدة الأخيرة: (اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت) سبق مستوفًى، (أبوء) أي: أقر (بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي؛ إنه) بكسر الهمزة، وفي نسخة بفتحها، وفي أخرى:"فإنه"(لا يغفر الذنوب إلا أنت. ر) أي: رواه البزار عن بريدة

(1)

، ورواه صاحب "المشكاة" عن البخاري.

(1)

أخرجه أحمد 5/ 356) وأبو داود (5070) وابن ماجه (3872)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة"(20 و 466 و 579)، والبغوي في "شرح السنة"(1309)، والمنتقى من كتاب مكارم الأخلاق ومعاليها (465)، والمقدسي في "الترغيب في الدعاء"(ص 158) ابن حبان (1035)، والطبراني في "الدعاء" (309). والذي في مشكاة رواية: شداد بن أوس انظر: (2335).

ص: 788

‌إذا سلّم للانصراف عن الصلاة

(وإذا سلّم) أي: للانصراف عن الصلاة (قال) كما في نسخة (لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد) وزاد البزار والطبراني: (يحيي ويميت) ووافقهما ابن السني بزيادة قوله: (بيده الخير، وهو على كل شيء) أي: من الممكنات المتعلقة بها المشيئة، (قدير) أي: بالغ القدرة، كامل القوة.

(اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) قال في الفائق

(1)

: "أي بذلك، ومنه قوله تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً} [الزخرف: 60]، أي: لا ينفعه حظّه بدل طاعتك".

وفي "الصحاح": "منك بمعنى عندك، أي: لا ينفع ذا الغنى عندك غناه، وإنما ينفعه العمل الصالح، وقيل: "فيه حذف، تقديره: من قضائك أو سطوتك أو عذابك".

قال ابن دقيق العيد: "قوله: "منك" يجب أن يتعلق بـ "ينفع"، وينبغي أن يكون "ينفع" يتضمن معنى "يمنع"، وما قاربه، أي: كـ"يدفع"".

ويجوز أن يتعلق "منك" بـ "الجد"، كما يقال: حظي منك كثير، لأن ذلك نافع، ذكره العسقلاني، ثم قال: "والجد مضبوط في جميع الروايات:

(1)

انظر: الفائق (1/ 193).

ص: 789

بفتح الجيم، ومعناه الغنى كما نقله البخاري، عن الحسن"

(1)

.

وحكى الراغب:

(2)

"أن المراد ها هنا أبو الأب، أي: لا ينفع أحدًا نسبه لقوله تعالى: {فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون: 101] "، وقال القرطبي:"حكي عن أبي عمرو الشيباني أنه رواه بكسر الجيم، قال: "ومعناه: لا ينفع ذا الاجتهاد اجتهاده"، وأنكره الطبري".

وقال الفراء في توجيه إنكاره: "الاجتهاد في العمل نافع؛ لأن الله تعالى قد دعا الخلق إليه، فكيف لا ينفع عنده"، ثم قال:"ويحتمل أن يكون المراد الاجتهاد في طلب الدنيا، وتضييع أمر الآخرة"، وقال غيره:"لعل المراد أنه لا ينفع بمجرده ما لم يقارنه القبول، وذلك لا يكون إلا بفضل الله ورحمته".

قلت: ويؤيده الحديث المشهور: "لن [ينجو]

(3)

أحد منكم بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته"

(4)

.

(خ، م، في، س، ر، ط، ي) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والبزار، والطبراني، وابن السني؛ كلهم عن المغيرة بن

(1)

انظر: فتح الباري (2/ 332).

(2)

انظر: مفردات ألفاظ القرآن (ص: 188).

(3)

هذا هو الصواب، خلافًا لما جاء في النسخ:"ينجي".

(4)

أخرجه مسلم (2816)(72). ولفظه: "لَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُنَجِّيهِ عَمَلهُ" قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "وَلَا أَنَا إِلَا أَنْ يَتَغَمَّدَني رَبِّي مِنْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ".

ص: 790

شعبة

(1)

، إلا البزار فعن جابر وابن عباسٍ

(2)

، ورواه الطبراني عن ابن عباسٍ أيضًا

(3)

.

(أو: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ، ثلاث مرات. خ، س) أي رواه: البخاري، والنسائي، عن المغيرة أيضًا

(4)

.

(أو: مرة، وبعده: لا حول ولا قوة إلا بالله) سيأتي معناه بتفسيره صلى الله عليه وسلم، (لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه) الظاهر أنه عطف على قوله: "لا إله إلا الله"، وقيل:"حال من فاعل فعل محذوف، يعني: نقول: لا إله إلا الله، حال كوننا غير عابدين إلا إياه".

(له النعمة) أي: الإنعام والإحسان، (وله الفضل) أي: زيادة الامتنان، (وله الثناء الحسن) أي: النعت المستحسن.

(لا إله إلا الله، مخلصين) أي: نقولها حال كوننا مخلصين (له الدين) أي: الطاعة، فالدين مفعول به لـ"مخلصين"، و"له " ظرف للدين قدم

(1)

أخرجه البخاري (844)، ومسلم (593).

(2)

أخرجه البزار (4765) من حديت ابن عباس وأخرجه البزار كما في كشف الأستار (3098) من حديث جابر.

(3)

أخرجه في الدعاء (رقم: 679).

(4)

أخرجه البخاري (6473)، والنسائي في المجتبى (3/ 71)، وفي الكبرى (1266) مختصرًا - وهو في عمل اليوم والليلة (129).

ص: 791

على المفعول للاهتمام به، كذا [قال]

(1)

بعضهم، والأظهر أنه ظرف لـ"مخلصين" كما هو المتبادر من العبارة] (ولو كره الكافرون) مفعوله محذوف، أي: ولو كره الكافرون قولنا، وقال المظهري:"أي: كوننا مخلصين دين الله، وكوننا عابدين له، غير مشركين به شيئًا". (م، د، س، مص) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن أبي شيبة؛ كلهم عن عبد الله بن الزبير

(2)

.

(أستغفر الله، ثلاث مرات، اللهم أنت السلام) أي: أنت السالم من [التغيرات]

(3)

والآفات، أو معطي السلامة من تشاء، (ومنك السلام) أي: يرجى ويستوهب ويتوقع.

قال المؤلف في "التصحيح": "وأما ما يزاد بعد قوله: "ومنك السلام" من نحو: "وإليك يرجع السلام، فحينا ربنا بالسلام، وأدخلنا دارك دار السلام" فلا أصل له، بل هو مختلق بعض القصاص"

(4)

.

(تباركت) أي: تكاثر خيرك، وتزايد بِرّك، وقال الأزهري: "معناه:

(1)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (ب):"قاله".

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة (10/ 232) ومن طريقه مسلم (594)(140)، وأبو داود (1507) والنسائي في المجتبى (3/ 70)، وفي الكبرى (9956) وهو في عمل اليوم والليلة (128).

(3)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (ب):"التغيرات".

(4)

ذكره المؤلف في كتابه: الأسرار المرفوعة (ص: 416) وفي المرقاة (2/ 761).

ص: 792

تعاليت، أي: تعالى صفتك عن صفات المخلوقين "، (ذا الجلال) وفي رواية مسلم، والطبراني، وابن السني: "يا ذا الجلال"، أي: مستحق الجلال وهو العظمة، وقيل: "الجلال: التنزه عما لا يليق"، والجلال لا يستعمل إلا لله، (والإكرام) أي: الإحسان، وقيل: "المكرم لأوليائه بالإنعام عليهم، والإحسان إليهم".

(م، عه، ط، ي) أي رواه: مسلم عن ثوبان وعائشة، والأربعة عن ثوبان فقط، والطبراني عن ابن عمر، وابن السني عن ثوبان وعائشة،

(1)

وفي بعض النسخ عن عائشة فقط، وليس في حديث عائشة الاستغفار.

(سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ليكون) كذا في "أصل الجلال" وأكثر النسخ المصححة والأصول المعتمدة، وفي نسخة صحيحة، [وهو]

(2)

الظاهر: "ليكن"، (منهن) أي: من الكلمات المذكورة، والجمل المسطورة (كلهن) بالرفع لأكثر الرواة، كما صرح به العسقلاني على أنه اسم "يكون"، وخبره قوله:(ثلاثًا وثلاثين مرة) وهو ظاهر، وفي نسخة صحيحة بالكسر تأكيدًا للضمير المجرور، فيكون اسم "يكون"

(1)

أخرجه مسلم (591) عن ثوبان وعن عائشة (592)، وأبو داود (1513) والترمذي (300)، والنسائي في السنن (3/ 68 - 69)، وفي عمل اليوم والليلة (139)، وابن ماجه (928). وابن السني عن عائشة في عمل اليوم والليلة (107)، والطبراني في الدعاء (650) عن ابن عمر.

(2)

كذا في (أ)، وفي (ب) و (ج) و (د):"وهي".

ص: 793

محذوفًا، أي: ليكون عدد المذكورات منهن جميعهن ثلاثًا وثلاثين مرة.

وقال ميرك نقلًا عن العسقلاني: "إنه وقع لبعض الرواة بالنصب، ووُجِّه بأن اسم "يكون" محذوفٌ، والتقدير: حتى يكون العدد منهن كلهن ثلاثًا وثلاثين"، انتهى. وهو غير مستقيم كما لا يخفى، إلا أن يبدل عنه "ثلاثًا وثلاثين، والوجه الوجيه هو أن يكون منصوبًا بتقدير: أعني أو يعني، وهو الأظهر، فيكون حينئذٍ مدرجًا من كلام الراوي، والله أعلم.

ثم اعلم أنه يحتمل أن يكون مجموع العدد للجميع، فإذا وزع كان لكل واحدٍ إحدى عشرة، وهو الذي [فهمه]

(1)

سهيل بن أبي صالح أحد رواة الحديث، كما رواه مسلم من طريق روح بن القاسم، عنه

(2)

، لكن لم يتابع سهيل على هذا، بل لم أرَ في شيء من طرق الحديث التصريح بإحدى عشرة، إلا في حديث ابن عمر عند البزار، وهو إسناد ضعيف، فالأظهر أن المراد: أن المجموع لكل فردٍ، والروايات الثابتة عن غير سهيل صريحةٌ فيه، قال عياض:"هو الأولى".

ثم إن القائل بأن العدد للجميع، اختار أن يقول ذلك مجموعًا، حتى يصير من المجموع "ثلاثًا وثلاثين"، ورجحه بعضهم للإتيان فيه بواو العطف، والذي يظهر أن كلّا من الأمرين حسن، إلا أن الإفراد يتميز بأمر آخر، وهو أن الذاكر محتاجٌ إلى العدّ، وله على كل حركة لذلك سواء

(1)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د):"فهم".

(2)

أخرجه مسلم (143، 595).

ص: 794

بأصابعه أو بغيرها ثوابٌ، لا يحصل لصاحب الجمع منه إلا الثلث، والله أعلم"، كذا حققه العسقلاني، على ما ذكره ميرك.

(خ، م، سى) أي رواه: البخاري، ومسلم، والنسائي، عن أبي هريرة.

(إحدى عشرة) بسكون الشين ويكسر، أي: يقولها، (وإحدى عشرة) أي: مرة (وإحدى عشرة) أي: لكل من الأذكار المذكورة، (فذلك) أي: مقدار ما ذكر (كله) أي: جميعه (ثلاث وثلاثون. م) أي: رواه مسلم عنه أيضًا.

(أو عشرًا) بسكون الشين لا غير (عشرًا عشرًا) بالنصب عطفًا على "ثلاثًا وثلاثين"، أو على محل "إحدى عشرة"، وهو أقرب وأنسب. (خ) أي: رواه البخاري عنه أيضًا

(1)

.

(1)

التسبيح والتحميد والتكبير، قد ثبتت عنه صلى الله عليه وسلم على أوجهٍ متنوعة وبأعداد مختلفة فمن هذه الوجوه:

أن يقول سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثًا وثلاثين أي يقولهما مجتمعةٍ من غير فصل حتى يكملها، ولا يجعل فيها التهليل، وقد ثبتت هذه الصفة فيما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة صلى الله عليه وسلم أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ فَقَالَ: "وَمَا ذَاكَ"؛ قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصدَّقُ ويُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"أَفلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكمْ وَلَا يَكُونُ أَحَد أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ"؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ =

ص: 795

(من سبح الله دبُر كل صلاة) أي: مكتوبة لما سيأتي في روايةٍ، وهو بضم الدال والموحدة في الأصول المعتمدة، منصوبًا على الظرفية بمعنى العقب والخلف، ففي "القاموس":"الدبر: بالضم وبضمتين، نقيض القبل، ومن كل شيء عقبه ومؤخره"، قال ميرك:"بضم الدال المهملة على المشهور في اللغة، وهو المعروف في الروايات أيضًا".

وقال أبو عمرو المطرزي: "دبر كل شيء بفتح الدال، آخر أوقاته من الصلاة وغيرها"، قال:"وهذا هو المعروف في اللغة، وأما الجارحة فبالضم"، وقال الداودي - نقلًا عن ابن الأعرابي -:"دبر الشيء بالضم، والفتح: آخر أوقاته، والصحيح الضم"، ولم يذكر الجوهري وآخرون غيره.

(ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله ثلاثًا وثلاثين، ثم قال

= وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلاثًا وَثَلَاِثِينَ مَرَّةً". وهذا الحديث ظاهره أنه يقول التسبيح والتحميد والتكبير مجتمعًا ثلاثًا وثلاثين مرة، وهو ما فهمه راويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عند الشيخين وهو أبو صالح.

وهذا أصح ما ورد في الصحيحين من العدد في التسبيح والتحميد والتكبير، أما التسبيح والتحميد والتكبير عشرًا فهذا تفرد به بعض الرواة في حديث أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه كما بينه ابن حجر في شرحه، وأما التسبيح والتحميد والتكبير أحد عشر مرة عند مسلم فهذا من فهم سهيل بن أبي صالح وفيه نظر، ومن خالفه معه زيادة علم كما بينه النووي في شرحه على مسلم وابن القيم في زاد المعاد، ولذا نص ابن رجب رحمه الله في فتحه أن أحاديث التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثًا وثلاثين أصح ما في الباب.

ص: 796

تمام المئة) بالنصب على أنه ظرف لـ "قال"، وروي بالرفع على أنه مبتدأ، خبره قوله:(لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه) جزاء، أو خبر لـ"من سبح".

ثم الصغائر مكفرة بتلك الأذكار، والكبائر التي بينه وبين الله تعالى تغفر بالتوبة، والتي بينه وبين العباد فلابد من أدائها، وإرضاء صاحبها، ومن لم يتب فهو إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، ذكره ميرك.

لكن لا يخفى أن بعض الكبائر التي بينه وبين الله أيضا لا بد من أدائها، كترك الصلاة، والصوم، والزكاة، ثم في حقوق العباد لا بد من التوبة أيضًا خلافًا لما يتبادر من العبارة.

(وإن كانت) أي: ولو كانت خطاياه (مثل زبد البحر) أي: في الكثرة، قال العسقلاني:

(1)

"هو كناية عن المبالغة في الكثرة". (م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، عن أبي هريرة أيضًا

(2)

.

(معقبات) بكسر القاف المشددة، أي: كلمات يأتي بعضها عقب بعض، مأخوذ من العقب، ويقال لملائكة الليل والنهار: معقبات؛ لأن بعضهم يَعْقُبُ بعضًا، كما في قوله تعالى:{لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: 11].

(1)

انظر: فتح الباري (11/ 206).

(2)

أخرجه مسلم (597).

ص: 797

وقال في "النهاية"

(1)

: "سميت معقبات؛ لأنها عادت مرة بعد أخرى، أو لأنها تقال عقب الصلاة"، أو معقبات للثواب، ثم حل التركيب أن قوله:"معقبات" إما صفة مبتدإ، أقيمت مقام الموصوف، أي: كلمات معقبات، وخبره قوله:

(لا يخيب)، أي: لا يصير محرومًا عما يريده"، (قائلهن، أو فاعلهن) شك من الراوي لا تخيير، كما توهمه الحنفي، وقوله: (دبر كل صلاة مكتوبة): ظرف، ويجوز أن يكون خبرًا بعد خبرٍ، وأن يكون متعلقًا بـ "قائلهن"، وقوله: (ثلاث وثلاثون تسبيحةً) بدل، أو بيان للمعقبات، ويحتمل أن يكون خبرًا آخر، أو خبرًا لمبتد" محذوف هو "هي"، وإما مبتدأ و"لا يخيب" صفته، و"دبر" صفة أخرى، والخبر قوله:"ثلاث وثلاثون تسبيحة".

(وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة) قال المصنف في "تصحيح المصابيح": "معقبات: بكسر القاف، ومعناه: تسبيحات [تقال]

(2)

أعقاب الصلوات، و" معقبات" مبتدأ خبره:"ثلاث وثلاثون"، و"أو" للشك من الراوي، إذ ربما يقال للقائل: فاعل، إذ القول فعل من الأفعال".

(م، ت، س) أي رواه: مسلم، والترمذي، والنسائي، عن كعب بن عجرة.

(3)

(1)

انظر: النهاية (3/ 267)، وشرح السنة للبغوي (3/ 232).

(2)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د):"يفعل".

(3)

أخرجه مسلم (596)، والترمذي (3412)، والنسائي (3/ 75).

ص: 798

قال المحقق ابن الهمام في "شرح الهداية": "هل [الأولى]

(1)

وصل السنة التالية للفرض له، أو لا؟ ففي "شرح الشهيد":"القيام إلى السنة متصلة بالفرض مسنون، وفي "الشافي": "كان عليه السلام إذا سلم يمكث قدر ما يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت [وتعاليت]

(2)

يا ذا الجلال والإكرام"، وكذا عن البقالي، وقال الحلواني: "لا بأس بأن يقرأ بين الفريضة والسنة الأوراد".

ويشكل على الأول ما في "سنن أبي داود" عن أبي رمثة قال: "صليت هذه الصلوات مع رسول الله عليه السلام، وكان أبو بكر وعمر يقومان في الصف المقدم عن يمينه، وكان رجل قد شهد التكبيرة الأولى من الصلاة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاةً، ثم سلم عن يمينه وعن يساره، حتى رأينا بياض خديه، ثم انفتل كما انفتل أبو رمثة - يعني: نفسه - فقام الرجل الذي أدرك معه التكبيرة الأولى يشفع، فوثب عمر فأخذ بمنكبه فهزه، ثم قال؛ اجلس، فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنهم لم يكن لهم بين صلاتهم فصل، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم بصره، فقال: أصاب الله بك يا ابن الخطاب"

(3)

، ولا يرد هذا على الثاني؛ إذ قد يجاب بأن قوله: "اللهم أنت

(1)

كذا في "فتح القدير"، وفي (ب):"الأول"، وليست في (أ) و (ج) و (د).

(2)

من (أ) و (ج) و (د).

(3)

أخرجه أبو داود (1007) والحاكم في (1/ 270) وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. =

ص: 799

السلام

" إلى آخره فصلٌ، فمن ادعى فصلًا أكثر منه فلينقله.

وقولهم: الأفضل في السنن التي بعد المغرب المَنْزِلُ، لا يستلزم مسنونية الفصل بأكثر؛ إذ الكلام فيما إذا صلى السنة في محل الفرض، ماذا يكون الأولى؟.

قلت: الأولى أن يقتصر على ما ورد من قوله "اللهم أنت السلام

" إلى آخره، ومثل هذا الانفصال لا ينافي الاتصال المسنون في "شرح الشهيد"، وأما زيادة الأوراد المستلزمة للفصل الكثير فلا شك أنه خلاف الأفضل، كما سيأتي في كلام ابن الهمام.

ثم الذي [سنح لي]

(1)

في حديث أبي رمثة من فعل الرجل وزجر عمر وتعليله، تصويبه صلى الله عليه وسلم أنه أراد أن يشرَع في الشفع من غير أن يفصل بالسلام، على قصد الانصراف من الصلاة؛ لأن اتصال السنة بالفرض بعد تحقق السلام جائز إجماعًا، ولم يقل أحد بكراهته، وإنما الخلاف في الأولى، والله أعلم.

ثم قال: "وما ورد من أنه عليه السلام كان [يقوله]

(2)

دبر كل صلاة، لا يقتضي وصل هذه الأذكار، بل كونها عقيب السنة من غير اشتغال بما

= وقال الذهبي في التلخيص: المنهال ضعفه ابن معين وأشعث فيه لين والحديث منكر. ضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود"(182).

(1)

كذا في (ب)، وفي (أ):"ينسنح له"، وفي (ج) و (د):"يسنح لي".

(2)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د):"يقول".

ص: 800

ليس هو من توابع الصلاة، يصحح [كونه]

(1)

دبرها".

والحاصل: أنه لم يثبت عنه عليه السلام الفصل بالأذكار التي يُواظَبُ عليها في المساجد في عصرنا، من قراءة آية الكرسي، والتسبيحات وأخواتها ثلاثًا وثلاثين، وغيرها، بل ندب هو إليها.

والقدر المتحقق أن كلًّا من السنن والأوراد له نسبة إلى الفرائض بالتبعية، والذي ثبت عنه أنه صلى الله عليه وسلم كان يؤخر السنة عن الأذكار، هو ما روى مسلم، والترمذي، عن عائشة، قالت:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام"

(2)

، فهذا نص صريح في المراد، وما يتخايل أنه يخالفه لم يقو قوته، أو لم تلزم دلالته على ما يخالفه، فوجب اتباع هذا النص.

واعلم أن المذكور في حديث عائشة هذا هو [قولها]

(3)

: "لا يقعد إلى مقدار ما يقول"، وذلك لا يستلزم سنية أن يقول ذلك بعينه في دبر كل صلاة؛ إذ لم تقل "إلا حتى يقول"، أو "إلى أن يقول"، فيجوز كونه عليه السلام كان مرة يقوله، ومرة يقول غيره مما ورد: "أنه عليه السلام كان يقول دبر كل صلاة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له

" إلى آخره، و: "اللهم لا مانع

(1)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (ب):"كونه".

(2)

أخرجه مسلم (592).

(3)

كذا في (ج)، وفي (أ) و (ب):"قولهما".

ص: 801

لما أعطيت

" إلى آخره.

فمقتضى العبارة حينئذٍ أن السنة أن يفصل بذكر قدر ذلك، وذلك يكون تقريبًا، فقد يزيد قليلًا وينقص قليلًا، وقد يدرج وقد يرتل، فأما ما يكون زيادة غير مقاربة، مثل العدد السابق من التسبيحات والتحميدات والتكبيرات، فينبغي [استنان]

(1)

تأخيره عن السنة البتة.

وكذا آية الكرسي، على أن ثبوت ذلك عنه عليه السلام مواظبة لا أعلمه، بل الثابت ندبه إلى ذلك، وليس يلزم من ندبه إلى شيء مواظبته عليه، وإلا لم يفرق حينئذٍ بين السنة والمندوب، وكان يستدل بدليل الندب على السنية، وليس هذا على أصولنا.

وقول الحلواني عندي أنه حكم آخر لا يعارض القولين؛ لأنه إنما قال: "لا بأس

" إلى آخره، والمشهور في هذه العبارة كونه لما خلافه أولى، فكان معناها: أن الأولى أن لا يقرأ الأوراد قبل السنة، ولو فعل لا بأس به، فأفاد عدم سقوط السنة بذلك، حتى إذا صلى بعد الأوراد يقع سنة مؤداة لا على وجه السنة، ولذا قالوا: "لو تكلم بعد الفرض لا تسقط السنة، لكن ثوابها أقل"، فلا أقل من كون قراءة الأوراد لا تسقطها"، انتهى ملخصًا.

وإنما ذكرته لما فيه من فوائد لا توجد في كتب القوم، لا من علماء

(1)

كذا في (ج)، وفي (أ) و (ب) و (د):"إسنان".

ص: 802

الحديث، ولا من علماء الفروع.

(من سبح دبر كل صلاة مكتوبة مئةً، وكبر مئةً، وهلل مئةً، وحمد مئةً، غفر له ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر. س) أي: رواه النسائي عن أبي هريرة

(1)

.

(أو من كُلٍّ) أي: يقول من كل واحد من الأذكار الأربعة (خمسًا وعشرين) أي: فيكون المجموع مئةً، و"أو" للتنويع من كلام المصنف، كنظائره سابقًا ولاحقًا. (س، حب، مس) أي رواه: النسائي، وابن حبان، والحاكم، عن زيد بن ثابت الأنصاري، قال:"أُمِروا أن يسبحوا دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، ويحمدوا ثلاثًا وثلاثين، ويكبروا ثلاثًا وثلاثين، فأتي رجل من الأنصار في منامه، فقيل: أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا؟ قال: نعم. قال: اجعلوها خمسًا وعشرين، واجعلوا فيها التهليل، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال: اجعلوه كذلك"، رواه النسائي - واللفظ له-، والحاكم في "المستدرك"، وابن حبان في "صحيحه"

(2)

، كذا في "سلاح المؤمن".

لكن لا يخفى أنه صلى الله عليه وسلم ما عمل به للمنام الذي ذكره، وإنما هو بتقرير

(1)

أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة"(رقم 141) وقال الألباني حديث منكر "السلسلة الضعيفة"(1243)

(2)

أخرج النسائي (1/ 198) والحاكم (1/ 253) وقال الحاكم: "صحيح الإسناد "السلسلة الصحيحة" (101).

ص: 803

منه، إما لوحي أو اجتهاد -على القول به-، وإلا فالأحكام المنامية والأحوال الكشفية لا اعتبار لها في الأمور الشرعية.

(أو من كل من التسبيح والتحميد ثلاثًا وثلاثين، والتكبير) أي: ومن التكبير (أربعًا وثلاثين، ولا إله إلا الله) أي: ومن التهليل (عشر مرات) بالنصب، كقوله:"ثلاثًا". (ت، س) أي رواه: الترمذي، والنسائي؛ كلاهما عن ابن عباس

(1)

.

(أو كذلك) هذا نقل بالمعنى، أي: كما ذكر في قوله: "من كُلٍّ من التسبيح والتحميد ثلاثًا وثلاثين"، (والتكبير ثلاثًا وثلاثين) وهو بالجر على ما هو الظاهر، وفي "أصل الأصيل" بالرفع، ولعل التقدير: والتَّكْبِيرُ يَقُولُهُ ثَلاثًا وَثَلاثِين. (س) أي: رواه النسائي عن ابن عباسٍ أيضًا.

(أو من كُلٍّ من التسبيح والتحميد والتكبير مئة، مئة) الظاهر أن قوله: "مئة" كناية في هذا المقام، لقوله:"من كل"، فالتكرار للتأكيد، (مع: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ولا حول ولا قوة إلا بالله) وهو يحتمل أن يعتبر فيه المعية المجردة، أو المعية المقيدة بالمئة وهو الأصح، كما يستفاد من الحديث الذي سنذكره، (لو كانت خطاياه مثل زبد البحر لمحتها) أي: لَمَحَتْ هذه الكلماتُ تلكَ الخطايا، والإسناد مجازي، فإن الله سبحانه يمحو ما يشاء ويثبت. (أ) أي: رواه أحمد من حديث أبي ذر الغفاري.

(1)

أخرجه الترمذي (410) وقال: حسن غريب. والنسائي (3/ 78).

ص: 804

وظاهر إيراد الشيخ المصنف أن الحديث في "مسند الإمام أحمد" مرفوع، لكن قال الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب":"عن أبي كثير مولى بني هاشم، أنه سمع أبا ذر الغفاري صاحب رسول عليه السلام يقول: "كلمات من ذكرهن مئة مرةٍ دبر كل صلاة: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم لو كانت خطاياه مثل زبد البحر لمحتهن"، رواه أحمد، وهو موقوفٌ"

(1)

، انتهى كلام المنذري، لكنه في حكم المرفوع فهذا غاية عذر المصنف، والله أعلم.

(وآية الكرسي) أي: قراءتها (دبر كل صلاة مكتوبة) أي: مفروضة، (لم يمنعه) أي: قارئها (من دخول الجنة إلا أن يموت) أي: إلا الموت، قال الفاضل الطيبي:"أي: الموت حاجز بينه وبين دخوله، فإذا تحقق وانقضى حصل دخوله، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "والموت قبل لقاء الله"".

وقال المحقق الصمداني المولى، سعد الملة والدين التفتازاني:"معنى الحديث: أنه لم يبق من شرائط دخول الجنة إلا الموت، فكأن الموت يمنع ويقول: لا بد من حضوري أولًا ليدخل الجنة".

(1)

أخرجه أحمد (5/ 173)، وقال الهيثمي (مجمع الزوائد 10/ 101): رواه أحمد موقوفًا، وأبو كثير لم أعرفه، وبقية رجاله حديثهم حسن. انظر: الترغيب والترهيب (2/ 300)، وقال الألباني: منكر موقوف. ضعيف الترغيب (986).

ص: 805

وقال ميرك شاه رحمه الله: "ويمكن أن يقال: المقصود أنه لا يمنع من دخول الجنة شيء من الأشياء البتة، فإن الموت ليس بمانع من دخول الجنة، بل قد يكون موجبًا لدخولها، فهو من قبيل:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم .. البيت.

وهذا ليس بعيبٍ، فالمعنى: لا عيب فيهم أصلًا، ويمكن أن يكون المعنى: لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت كافرًا والعياذ بالله، إشارةً إلى أن سائر المعاصي لم تمنعه بأن لا [يفعلها]

(1)

أو يغفرها الله له".

(س، حب، ي) أي رواه: النسائي، وابن حبان، وابن السني، عن أبي أمامة الباهلي، وقال الحافظ المنذري:"رواه النسائي والطبراني بأسانيد كلها صحيحة، وزاد الطبراني في بعض طرقه: "و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} "، وإسناده بهذه الزيادة جيدٌ أيضًا"

(2)

.

(كان) أي: قارئ آية الكرسي في دبر كل صلاة (في ذمة الله) أي: أمانه وحفظه، (إلى الصلاة الأخرى. ط) أي: رواه الطبراني عن الحسن بن علي

(1)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"يعفها".

(2)

أخرجه النسائي في الكبرى (9928)، والروياني (1268)، والطبراني (8/ 114، رقم 7532). وأخرجه أيضا: الطبراني في الأوسط (8068)، والطبراني في الشاميين (824). قال الهيثمي (10/ 152): رواه الطبراني في الكبير والأوسط بأسانيد وأحدها جيد "السلسلة الصحيحة 972). وانظر: الترغيب والترهيب (2/ 299).

ص: 806

رضي الله عنهما، وإسناده حسن.

(وليقرأ المعوذتين) بكسر الواو المشددة، وفي نسخة بفتحها، وفي "الحاشية":"المعوذات" مرموزًا فوقها رمزُ أبي داود، والنسائي، وابن السني، (دبر كل صلاة. ت، د، س، حب، مس، ي) أي رواه: الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وابن السني، عن عقبة بن عامر، قال:"أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ المعوذات دبر كل صلاة"، رواه أبو داود -واللفظ له-، وابن حبان، والحاكم وصححاه، ورواه الترمذي

(1)

، ولفظه:"أن أقرأ بالمعوذتين" ذكره ميرك.

وقال بعض الشراح: "في سنن أبي داود، والنسائي، والبيهقي: "المعوذات"، وفي "سنن الترمذي": "المعوذتين"، فعلى الأول: إما إن يكون أقل الجمع اثنين، وإما أن يدخل سورة الإخلاص أو الكافرون في المعوذتين؛ لأن في كلتيهما براءة من الشرك، والتجاء إلى الله تعالى".

(اللهم إني أعوذ بك من الجبن) بضم جيم وسكون موحدة، وبضمتين على ما في "القاموس" أيضًا: "يقال: جبان كسَحابٍ وشدَّادٍ وأميرٍ: هَيوبٌ

(1)

أخرجه أبو داود (1523)، والطبراني (17/ 294)، رقم (811)، وابن حبان (رقم 2004). وأخرجه أيضًا: النسائي (3/ 68)، وابن خزيمة (755)، والحاكم (1/ 383) وقال: صحيح على شرط مسلم. والبيهقي في شعب الإيمان (2565). وصححه الألباني في صحيح الجامع (1159) وفي السلسلة الصحيحة (1514).

ص: 807

للأَشياءِ لا يُقْدِمُ عليها".

قال ميرك: "وقد وقع في هذا الحديث عند البخاري زيادة، وهي: "وأعوذ بك من البخل"، فقيل: الجود إما بالنفس وهو الشجاعة، ويقابله الجبن، وإما بالمال وهو السخاوة ويقابله البخل، ولا تجتمع الشجاعة والسخاوة إلا في نفسٍ كاملةٍ، ولا تنعدمان إلا في [مُتَنَاهٍ]

(1)

في النقص".

(وأعوذ بك أن أرد) بصيغة المجهول، أي: من أن أرجع (إلى أرذل العُمُر) بضمتين [ويسكن]

(2)

الميم، أي: إلى آخره، وهو حال الكِبَر والعجز، والفتور والخرف، والأرذل من كل شيء: الرديء منه على ما في "النهاية"، وإنما استعاذ منه لأن المقصود من العمر هو: التفكر في آلاء الله ونعمائه، والقيام بموجب أمره، ويفوت ذلك في أرذل العمر، (وأعوذ بك من فتنة الدنيا) أي: محنها المانعة من المنح الدينية، والنعم الأخروية، (وأعوذ بك من عذاب القبر) أي: مما [يؤدي]

(3)

إليه.

(خ، ت، س) أي رواه: البخاري، والترمذي، والنسائي، عن سعد

(4)

.

(رب قني عذابك يوم تبعث) أي: تحيي (عبادك)، وفي "الحاشية": أو تجمع مرموزًا عليه بـ"الميم" و"عه" فقوله: (عو، م، عه) أي رواه: أبو

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"نفس منتهية".

(2)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ):"وسكون".

(3)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"يئول".

(4)

أخرجه البخاري (2822) والترمذي (3567)، والنسائي (8/ 256، 266).

ص: 808

عوانة، ومسلم، والأربعة؛ كلهم عن البراء بن عازب

(1)

.

واختياره لفظ أبي عوانة وَتَرْكِ لفظ الخمسة مما لا يظهر له وجهٌ وجيهٌ أصلًا، مع أن البدث والجمع متغايران معنًى، ولو كانا متحدين اعتبارًا ومآلًا.

(اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني. عو) أي: رواه أبو عوانة عن سعد.

(اللهم رب جبريل وميكائيل) تقدم ضبطهما، (وإسرافيل، أعذني من حرّ النار) أي: وبردها، فهو من باب الاكتفاء، كقوله تعالى:{سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرّ} [النحل: 81]، أي: والبرد، [أو المراد]

(2)

بحرها: شدة عذابها الشامل لنارها وزمهريرها، كما قيل في حديث:"من صبر على حر مكة ساعةً، تباعد من نار جهنم مئتي سنةٍ" كما في "المدارك"

(3)

، ولعل

(1)

أخرجه مسلم (709) وأبو داود (615)، والنسائي في "المجتبى" 2/ 94، وفي "الكبرى"(896)، وابن خزيمة (1563) و (1564) و (1565)، وأبو عوانة (2/ 250 - 251).

(2)

كذا في (أ) و (ج)، وفي (ب) و (د):"والمراد".

(3)

أخرجه الفاكهي في تاريخه [2/ 310 - 311] رقم 1565، وأبو الشيخ -كما في الجامع الكبير [1/ 792]، بإسناد فيه عبد الرحيم بن زيد العمي -وهو متروك-، عن أبيه -وليس بالقوي- عن ابن المسيب، عن أبي هريرة به مرفوعًا، وأخرجه الفاكهي من طريق آخر عن عبد الرحيم، فأسقط منه ابن المسيب وأبا هريرة بصورة المعضل، رقم 1566. وفي الباب عن ابن عباس =

ص: 809

تخصيص الحر لكونه أكثر، (وعذاب القبر. طس) أي: رواه الطبراني في "الأوسط" عن عائشة

(1)

.

(اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت) سبق معناه. (د، م، ت، حب) أي رواه: أبو داود، ومسلم، والترمذي، وابن حبان، عن علي

(2)

.

= عند العقيلي في الضعفاء الكبير [1/ 226]، من طريق الحسن بن رشيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعا، وفيه: تباعدت عنه النار سبعين خريفا، ضعف العقيلي الحسن بن رشيد وقال: هذا باطل، لا أصل له، وابن رشيد يحدث بالمناكير. قال السخاوي: ذكره أبو الوليد الأزرقي في تاريخ مكة بغير إسناد، ثم الزمخشري في آل عمران من تفسيره، وقال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (1/ 201 رقم 211): قال: غريب. انظر: المقاصد الحسنة للسخاوي (رقم: 1138). وقال الشارح في كتابه: الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة (برقم: 497): قُلْتُ قَدْ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ النَّسَفِيُّ فِي تَفْسِيرِ الْمَدَارِكِ (واسمه: مدارك التنزيل والمشهور بتفسير النسفي (1/ 172) وَهُوَ إِمَامٌ جَلِيلٌ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِلْحَدِيثِ أَصْلٌ أَصِيلٌ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا. هذا منه في غاية الغرابة، لأنه لا يكفي ورود حديث في كتاب مؤلف من المؤلفين ليكون له أصل، خاصة مثل النسفي فهو ليس من أهل العلم بالحديث.

(1)

أخرجه الطبراني في "الأوسط"(3870).

(2)

أخرجه مسلم (771) وأبو داود (1509)، والترمذي (266) و (3422) والنسائي (2/ 129 - 130 و 192 و 220) وابن حبان (1771) و (1772) و (1774).

ص: 810

(اللهم أعني على ذكرك) أي: الشامل للقرآن وغيره من الأذكار (وشكرك) أي: شكر نعمك الظاهرية والباطنية، والدنيوية والأخروية، التي لا يمكن إحصاؤها، (وحسن عبادتك) أي: من القيام بشرائطها وأركانها، وسننها وآدابها، وخضوعها وخشوعها، وحصول الإخلاص فيها، والاستغراق والتوجه التام الحاصل بها. (د، س، حب، مس، ي) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وابن السني، عن معاذ بن جبل

(1)

.

(اللهم ربنا ورب كل شيء) بالنصب فيهما على أنه وصفٌ، أو منادًى ثانٍ، (أنا شهيد أنك) أي:[أشهد]

(2)

بأنك (الرب) أي: رب كل شيء، أو الرب المطلق، (وحدك لا شريك لك) أي: ليس في الربوبية أحدٌ غيرك.

(اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أن محمدًا صلى الله عليه وسلم عبدك ورسولك، اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن العباد كلهم) بالنصب على أنه تأكيد، ويجوز رفعه على أنه مبتدأ، خبره:(إخوة) والكل خبر "أن"، كقوله تعالى:{قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ} [آل عمران: 154] قرأ الجمهور بالنصب،

(1)

أخرجه أبو داود (1522)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة"(109)، والبزار في "مسنده"(2661)، وابن خزيمة (751)، وابن حبان (2020)(صحيح أبي داود 1362).

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"شهيد".

ص: 811

وأبو عمرو بالرفع.

ثم قوله: "إخوة" إيماء إلى قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، وإشعار بأن الاعتبار للأحساب دون الأنساب، خلاف ما في الجاهلية من التفاخر بالأنساب، والتنابز بالألقاب.

(اللهم ربنا ورب كل شيء اجعلني مخلصًا) بكسر اللام في أكثر النسخ، وفي نسخة بفتحها، وهو الأكمل، (لك، وأهلي) عطف على الضمير المنصوب في "اجعلني"، أي: واجعل أهلي مخلصًا أيضًا، مصروفًا إلى طاعة لك (في كل ساعة) أي: نَفَسٍ، (في الدنيا والآخرة) أي: في أمورهما، بحيث لا توجد ساعة بلا صرف طاعة، سواء كانت تلك الساعة مشغولة بأمر الدنيا أو العقبى، تكون مقرونة بالإخلاص الموجب للخلاص، فاندفع ما توهم الحنفي حيث قال:"يستفاد منه تحقق عدم الإخلاص في الآخرة".

(ذا الجلال والإكرام) أي: صاحب صفتي الجلال والجمال، على وجه الكمال، (اسمع) أي: ثنائي (واستجب) أي: دعائي.

(الله أكبر الأكبر) بالرفع، وكرر للتأكيد، وإيماء إلى أنه الأكبر سواء عُرِّفَ أو نُكِّرَ، وفي نسخة صحيحة بالجر على أن المراد به: أنه أكبر من كل أكبر، فاللام فيه للجنس، (حسبي الله ونعم الوكيل، الله أكبر الأكبر. س، د، ي) أي رواه: النسائي، وأبو داود، وابن السني، عن زيد بن أرقم،

ص: 812

لكن في "سلاح المؤمن" نقلًا عن أبي داود، والنسائي، وقال:"اللفظ للنسائي": "الله الأكبر الأكبر، الله نور السماوات والأرض، الله [الأكبر]

(1)

الأكبر، حسبي الله ونعم الوكيل، الله الأكبر الأكبر"

(2)

.

(اللهم إني أعوذ بك من الكفر) أي: الشرك أو الكفران، (والفقر) أي: القلبي، أو الافتقار إلى أفراد الإنسان، (وعذاب القبر. س، مس، مص، ي) أي رواه: النسائي، والحاكم، وابن أبي شيبة، وابن السني؛ كلهم عن أبي بكرة الثقفي

(3)

.

(اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري) أي: عاصمه، فهو من قبيل وضع المصدر موضع الاسم مبالغةً، كرجل عدل، وفيه إيماء إلى الحديث المشهور: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا

(1)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ):"أكبر"، وفي (ب):"الأكبر الله".

(2)

أخرجه أبو داود (1508)، والنسائي في "الكبرى"(9929) -وهو في "عمل اليوم والليلة"(101) - وأبو يعلى (7216)، والطبراني في "الكبير"(5122)، وابن السني (114)، والبيهقي في "الشعب"(622)، وفي "الأسماء والصفات"(272)، وفي "الدعوات الكبير" (94) إسناده ضعيف لضعف داود الطفاوي - وهو ابن راشد- قال ابن معين: ليس بشيء. وذكر له العقيلي في "الضعفاء" حديثا باطلا لا أصل له، ولجهالة أبي مسلم البجلي. قال الذهبي في "الميزان": لا يعرف.

(3)

أخرجه أبو داود (5090). والحاكم (1/ 252)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة"(22) و (572) و (651)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"(69). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (1210).

ص: 813

الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله" وهو المسمى بـ"حكم الإسلام"، والعصمة هي المنع والحفظ على ما في "الصحاح".

(وأصلح لي دنياي) بفتح الياء من غير همز، أي: أمورها الضرورية (التي جعلت فيها معاشي)

(1)

أي: سبب عيشي وحياتي إلى وقت مماتي، وسيجيء في بعض الروايات زيادة:"وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي"، أي: مرجعي ومآبي.

(اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من نقمتك)

(2)

بفتح النون وكسر القاف، وبكسر أوله وسكون ثانيه وهو الأشهر، أي: عقوبتك.

ففي "الصحاح"

(3)

: "انتقم الله منه، أي: عاقبه، والاسم: النَّقِمَةُ، والجمعُ: نَقِمَاتٌ وَنَقِمٌ، مثل: كَلِمَةٌ وَكَلِمَاتٌ وَكَلِمٌ، وإن شئتَ سَكَّنْتَ القَافَ وَنَقَلْتَ حَرَكَتَهَا إلى النُّونِ، فَقُلْتَ: نِقْمَة، والجمع نِقَمٌ، مثل: نِعْمَةٌ وَنِعَمٌ".

(1)

أخرجه مسلم (2720).

(2)

أخرجه مسلم (486)، وأبو داود (879)، والترمذي (3493) وقال: حسن. والنسائي (1130)، وابن ماجه (3841).

(3)

انظر: الصحاح (5/ 2045).

ص: 814

وفي "القاموس"

(1)

: "النقمة بالفتح وبالكسر، وكفرحة: المكافأة بالعقوبة"، انتهى. والرواية بالوجهين السابقين.

(وأعوذ بك منك، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت)

(2)

وفي "الحاشية": "ولا راد لما قضيت"، مرموزًا عليها برمز ابن حبان، وفي بعض النسخ رمز "طب" للطبراني في "الدعاء"، وهو غير ظاهر؛ إذ لم يذكر بعد في الرموز الآتية.

(ولا ينفع ذا الجد منك الجد. س، حب) أي رواه: النسائي، وابن حبان، عن صهيب بن سنان الرومي، وقال ميرك:"عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه: أن كعبًا حلف بالذي فلق البحر لموسى: "أنا نجد في التوراة، أن داود نبي الله عليه السلام كان إذا انصرف من صلاته، قال: اللهم أصلح لي ديني

" إلى آخره.

قال: وحدثني كعب، أن صهيبًا حدثه:"أن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان يقولهن عند انصرافه من الصلاة"، رواه النسائي -واللفظ له-، وابن حبان في "صحيحه" بمعناه كذا في "سلاح المؤمن"، وأظن أن قوله:"في التوراة"، وَهم من بعض الرواة، والصواب في الزبور، فتأمل".

قلت: تأملنا فوجدنا أن قوله: "في التوراة" هو الصواب، وغيره وهم، فإن كعبًا كان يهوديًّا وكتابهم التوراة، وأيضًا يتصور أن يوجد فيها أن داود

(1)

انظر: القاموس المحيط (ص: 1164).

(2)

أخرجه البخاري (844)، ومسلم (593). من حديث المغيرة.

ص: 815

كان يقول كذا، ولا يتصور أن يوجد في الزبور الذي نزل على داود أنه كان يفعل كذا.

فإن قيل: "التوراة نزلت قبل الزبور"، قلنا: فيكون إخبارًا عن الغيب الذي سيقع في مستقبل الزمان، والله المستعان.

(اللهم اغفر) أي: "لي" كما في نسخة (خطئي) بفتحتين وكسر همزة، وفي نسخة بألف فهمز، وهما لغتان مناسبتان لقوله:(وعمدي)

(1)

، وفي نسخة:"وخطاياي"، أي: بصيغة الجمع للخطيئة، ففي "القاموس"

(2)

: "الخطء والخطأ والخطاء: ضد الصواب، والخطيئة الذنب أو ما يتعمد منه، كَالخِطْءِ بالكسرة، والخطأ: ما لم يتعمد والجمع خطايا".

(اللهم اهدني لصالح الأعمال) أي: الأفعال الظاهرة، (والأخلاق) أي: الأحوال الباطنة، والإضافة من إضافة الصفة إلى الموصوف، فقول الحنفي:"أي: أحسنها وأكملها" ليس في محله، وإن ورد بلفظ:"أحسن الأعمال والأخلاق" في رواية أخرى، (لا يهدي) وفي نسخة:"إنه لا يهدي"(لصالحها، ولا يصرف سيئها إلا أنت) وفي رواية: "واصرف عني سيئها؛ لا يصرف عني سيئها إلا أنت". (ر) أي: رواه البزار عن ابن عمر

(3)

.

(1)

أخرجه البخاري (6399)، ومسلم (2719). من حديث أبي موسى.

(2)

انظر: القاموس المحيط (ص: 39).

(3)

أخرجه البزار في حديث طويل (536).

ص: 816

(اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار، وعذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال) تقدم مستوفًى. (عو، مس) أي رواه: أبو عوانة، والحاكم؛ كلاهما عن أبي هريرة

(1)

.

(اللهم اغفر لي خطاياي) أي: الصغائر (وذنوبي) أي: الكبائر (كلها) أي: جميع أنواع المعاصي (اللهم انعَشني) بفتح العين، أي: ارفعني

(2)

، (وأحيني) أي: حياة طيبة، مقرونة بالقناعة والكفاية، والطاعة والعافية، وفي رواية الطبراني، وابن السني بدل "وأحيني":"واجبرني" بضم الموحدة، بمعنى: أصلح شأني، (وارزقني) أي: حلالًا طيبًا، أو علمًا نافعًا، (واهدني لصالح الأعمال والأخلاق؛ إنه) بالكسر، ويجوز فتحه (لا يهدي لصالحها، ولا يصرف سيئها إلا أنت. مس، ط، ي) أي: رواه الحاكم عن أبي أيوب الأنصاري

(3)

، والطبراني وابن السني؛ كلاهما عن أبي أمامة الباهلي

(4)

.

(1)

سبق تخريجه قريبا.

(2)

في "الصحاح" للجوهري (4/ 158): "نعشه الله ينعشه نعشًا، أي رفعه. ولا يقال: أنعشه الله".

(3)

أخرجه الحاكم (3/ 462).

(4)

أخرجه الطبراني (8/ 200)، رقم (7811). قال الهيثمي (10/ 112): رجاله رجال الصحيح غير الزبير بن خريق، وهو ثقة. وحسنه الألباني في صحيح الجامع (1266).

ص: 817

(اللهم أصلح لي ديني) أي: فإنه مدار أمري، (ووسع لي) أي: معيشتي (في داري) أي: في مسكني ومأواي، (وبارك لي في رزقي) ليكون كفاية، ويوجب قناعة، ويقتضي طاعة وعبادة. (أ، ط، ص) أي رواه: أحمد، والطبراني، وأبو يعلى، عن أبي موسى

(1)

.

(سبحان ربك) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أو المراد به الخطاب العام، (رب العزة) بدل، أو صفة لـ"ربك"، وأضيف إلى العزة لاختصاصه بها، كأنه قيل:"ذي العزة"، بل ولا من عزة لأحد إلا وهومالكها وخالقها، والمعنى: أنه سبحانه لعزته وغلبته منزه (عما يصفون) أي: يذكرون له من الولد والصاحبة والشريك، وينعتونه بما لا يليق بذاته وصفاته، من الملاحدة والزنادقة، وكلمة "ما" مصدرية، أو موصولة، أو موصوفة، والرابطة في الصلة أو الصفة محذوفة، (وسلام) أي: عظيم (على المرسلين) أي: بالأصالة، وعلى أتباعهم بالتبعية، (والحمد لله رب العالمين) أي: على جميع النعماء.

(ص، ي) أي رواه: أبو يعلى، وابن السني، عن أبي سعيد الخدري

(1)

أخرجه أحمد (4/ 399)، وأبو يعلى (7273)، والنسائي في "الكبرى" (9908) - وهو في "عمل اليوم والليلة" (80) - ومن طريقه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (28) قال الهيثمي (10/ 109): رواه أحمد وأبو يعلى، ورجالهما رجال الصحيح غير عباد بن عباد المازني وهو ثقة وكذلك رواه الطبراني. وقال المناوي (2/ 110): قال في الأذكار -يعني النووي-: إسناده صحيح.

ص: 818

مرفوعًا

(1)

، ولفظ أبي يعلى: "من قال دبر كل صلاة: سبحان ربك

إلى آخره؛ فقد اكتال بالجريب الأوفى من الأجر"، وإسناده ضعيف، ولفظ ابن السني: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من صلاته، لا أدري قبل أن يسلم أو بعد أن يسلم، يقول: سبحان ربك

" إلى آخره.

(وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى وفرغ من صلاته، مسح بيمينه على رأسه) أي: مقدّم رأسه، (وقال: باسم الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) برفعهما على البدلية من "هو"، وفي نسخة بجرهما على الوصفية لله، أو للموصول.

(اللهم أذهب) أمر من الإذهاب، أي: أزل (عني الهم) أي: الغم الذي يذيب البدن، (والحزن) بضم فسكون، وفي نسخة بفتحتين، وقرئ بهما في القرآن، وهو تعميم بعد تخصيص.

أو الهم: ما يلحقه من لحوق الخوف، والحزن لما يصيبه من خوف الفوت، فكأنه قال: اللهم اجعلني من الذين لا خوف عليهم، أي: من لحوق العقاب، ولا هم يحزنون، أي: من فوات الثواب.

(1)

أخرجه عبد بن حميد في مسنده (954) وأبو يعلى في المسند (1118) عن إسحاق عن حماد، والحارث في المسند -زوائد الهيثمي- (190) عن أبي النضر عن سفيان أو الأشجعي عن سفيان، والطيالسي في المسند (2198) وهذا الإسناد ضعيف جدا فيه أبو هارون العبدي عمارة بن جوين -بجيم مصغر- مشهور بكنيته، متروك ومنهم من كذبه شيعي من الرابعة. (التقريب 4840).

ص: 819

وقد أخبر الله سبحانه عن لسان أهل الجنة فيها: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} [فاطر: 34]، وإلا فما دمت في هذه الدار لا تستغرب وقوع الأكدار، اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة.

(ر، طس، ي) أي رواه: البزار، والطبراني في "الأوسط"، وابن السني، عن أنس، قال ميرك:"وإسناده ضعيف"، ولفظ ابن السني: "إذا قضى صلاته مسح جبهته بيده، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله الرحمن الرحيم، أذهب عني

" إلى آخره

(1)

.

(ودبر صلاة الصبح، وهو) أي: المصلي (ثانٍ رِجْليه) أي: عاطفٍ رجليه في التشهد قبل أن ينهض، وسيأتي في حديث آخر:"قبل أن يَثني رجليه، قال"، وهذا ضد الأول في اللفظ، ومثله في المعنى، لأنه أراد قبل أن يصرف رجله عن حالته التي هي عليها في التشهد، كذا في "النهاية"،

(1)

رواه الطبراني في الأوسط (2499) قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، والبزار بنحوه بأسانيد، وفيه زيد العمي، وقد وثقه غير واحد، وضعفه الجمهور، وبقية رجال أحد إسنادي الطبراني ثقات، وفي بعضهم خلاف. المجمع (10/ 110). قال الحافظ في "النتائج" (2/ 285): قال أبو نعيم: هذا حديث غريب من حديث معاوية بن قرة تفرد به عنه زيد العمى وهو زيد بن الجوزي أبو الحواري وفيه لين انتهى. اتفقوا على ضعفه من قبل حفظه وسكت أبو نعيم عن الراوي عنه وهو أضعف منه بكثير والحديث ضعيف جدا بسببه، وقال الألباني في الضعيفة (1058): ضعيف جدًّا. وانظر ما بعده.

ص: 820

وقال الطيبي: "الواو للحال، أي: لم يعطفهما، ولم يغيرهما عن هيئة التشهد". (ت، س، طس، ي) أي رواه: الترمذي والنسائي عن أبي ذر

(1)

، والطبراني في "الأوسط" وابن السني عن أبي أمامة

(2)

.

(قبل أن يتكلم. ت، س) أي رواه: الترمذي، والنسائي، عن أبي ذر أيضًا.

(لا إلى إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت) وزاد النسائي والطبراني في "الأوسط": (بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات. ت، س) أي رواه: الترمذي، والنسائي، عن أبي ذر أيضًا.

(مئة مرة. طس، ي) أي رواه: الطبراني في "الأوسط"، وابن السني، عن أبي أمامة، وقال النو وي في "الأذكار":"روينا في "كتاب الترمذي" وغيره عن أبي ذر الغفاري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قال في دبر صلاة الصبح، وهو ثَانٍ رِجْليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير عشر مرات، كتب له

(1)

الترمذي (3470) والنسائي في "عمل اليوم والليلة"(127).

(2)

أخرجه الطبراني في "الأوسط"(7196)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"(124)، فالحديث حسن لغيره كما في "صحيح الترغيب"(472)، انظر "الأحاديث الصحيحة"(2664).

ص: 821

عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئاتٍ، ورفع له عشر درجاتٍ، وكان يومه ذلك في حرز من كل مكروه، ووسواس من الشيطان، ولم ينبغِ لذنب أن يدركه"، أي: يلحقه ويهلكه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله تعالى، قال الترمذي: "حسن"، وفي بعض النسخ: "حسن صحيح"".

قال ميرك: "ورواه النسائي، وزاد فيه: "بيده الخير" بعد قوله: "يحيي ويميت"، وزاد فيه أيضًا: "وكان له بكل واحدة قالها عتق رقبة"، ورواه أيضًا من حديث معاذ، وزاد فيه: "ومن قالهن حين ينصرف من صلاة العصر أعطي مثل ذلك في ليلته".

ورواه أحمد من حديث عبد الرحمن بن غنم، وفي رواية تقديم قوله:"بيده الخير" على قوله: "يحي ويميت"، وفيه:"ولا يحل لذنب أن يدركه إلا الشرك، وكان من أفضل الناس عملًا إلا رجلًا يقول أفضل مما قال"".

(اللهم إني أسألك رزقًا طيبًا) أي: حلالًا، ملائمًا للقوة، معينًا على الطاعة، [مقيمًا]

(1)

للعبادة، وقدم على ما بعده؛ لأنه أساس لهما، ولا يعتد بهما دونه، كما قال تعالى:{كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [المؤمنون: 51]، (وعلمًا نافعًا) أي: شرعيًّا أعمل به (وعملًا متقبلًا) بفتح الموحدة، أي: مقبولًا، بأن يكون مقرونًا بالإخلاص. (صط، ي) أي

(1)

كذا في (ب) و (ج)، وفي (أ):"ومقيمًا"، وفي (د):"و".

ص: 822

رواه: الطبراني في "الصغير"، وابن السني؛ كلاهما عن أم سلمة

(1)

.

وفي "الأذكار": "رواه أحمد، وابن ماجه، وابن السني، عن أم سلمة، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح قال: اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، وعملًا متقبلًا، ورزقًا طيبًا".

(ودبر المغرب والصبح جميعًا: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد) زاد الترمذي: "يحيي ويميت"، وزاد أحمد، والطبراني:"بيده الخير"، (وهو على كل شيء قدير، عشر مرات. س، حب، أ، ط) أي رواه: النسائي، وابن حبان، وأحمد، والطبراني؛ كلهم عن أبي أيوب الأنصاري

(2)

، وأحمد عن عبد الرحمن بن غنم أيضًا، والطبراني عن معاذ أيضًا

(3)

.

(قبل أن ينصرف وَيَثْنِي) بفتح فسكون فكسر (رِجْليه) وهو عطف تفسير وسبق معناه، وقيل:"حال بتقدير المبتدإ"، وقوله:(منهما) على ما في بعض النسخ المصححة: متعلق بـ"ينصرف"، أي: قبل أن ينصرف

(1)

أخرجه الطبراني في المعجم الصغير (735) وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الصغير، ورجاله ثقات (مجمع الزوائد 10/ 111).

قال الألباني في مشكاة المصابيح (3/ 770) أسناده صحيح.

(2)

أخرجه البخاري (6404)، ومسلم (2693)، والترمذي (3553).

(3)

أخرجه الطبراني في الدعاء (706).

ص: 823

من المغرب والصبح، وفي نسخة:"منها"، أي: من الصلاة. (أ) أي رواه: أحمد عن عبد الرحمن بن غنم.

(وبعد صلاتي الصبح والمغرب) وفي نسخة: " [بعد]

(1)

صلاة الصبح والمغرب"، أي: بعد كل منهما (أيضًا) أي: زيادة على ما سبق، (قبل أن يتكلم: اللهم أَجِرْنِي) من الإِجَارَةِ، أي: احفظني (من النار، سبع مرات. د، س، حب) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن حبان، عن مسلم بن الحارث، ويقال: الحارث بن مسلم التميمي، والأول أصح

(2)

.

(1)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ):"وبعد".

(2)

أخرجه أبو داود (5079)(5080). في إسناده الحارث بن مسلم وهو الراوي عن أبيه وهو مجهول، وصرح الذهبي في "الميزان" أنه مجهول، وقال أبو حاتم: لا يعرف حاله.

ومع ذلك فقد حسنه الحافظ في نتائج الأفكار (2/ 310)، وانظر: الضعيفة (1624)، والصحيحة (2506).

والخلاف في اسم التابعي هل هو مسلم أو الحارث وعلى كل هو مجهول كما قال الدارقطني: مسلم بن الحارث بن مسلم عن أبيه فقال مجهول لا يروي عن أبيه غيره:

لكن حديثه ليس شديد الضعف والنكارة.

وذكره البخاري في "التاريخ الكبير"(7/ 253) باسم مسلم والد الحارث له صحبة والحافظ في "الإصابة"

[جزء 6 - صفحة 106].

مسلم بن الحارث بن بدل ويقال الحارث بن مسلم التميمي قال البغوي =

ص: 824

(وبعد صلاة الضحى: اللهم بك) أي: بحولك وقوتك، وعونك

= سكن الشام وقال البخاري وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان إن له صحبة زاد البخاري والد الحارث وصحح البخاري والترمذي وغير واحد أن اسم الصحابي مسلم واسم التابعي ولده الحارث.

والاختلاف فيه على الوليد بن مسلم فقال جماعة عنه عن عبد الرحمن بن حسان عن الحارث بن مسلم عن أبيه وقال هشام بن عمار وغيره عنه عن عبد الرحمن عن مسلم بن الحارث والراجح الأول لأن محمد بن شعيب بن سابور رواه عن عبد الرحمن كذلك وكذا قال صدقة بن خالد عن عبد الرحمن في حديث آخر أخرجه البخاري في التاريخ عن الحكم بن موسى عن صدقة ولفظه عن الحارث بن مسلم التميمي عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب له كتابا بالوصاة إلى من يعرفه من ولاة الأمر.

وقال الحافظ: ومحصل ذلك الاختلاف في الصحابي هل هو الحارث بن مسلم أو مسلم بن الحارث وفي التابعي كذلك ولم أجد في التابعين توقيفًا إلا ما اقتضاه صنيع بن حبان حيث أخرج الحديث في صحيحه وقد جزم الدارقطني بأنه مجهول والحديث الذي رواه أصله تفرد به ما رأيته إلا من روايته وتصحيح مثل هذا في غاية البعد لكن بن حبان على عادته في توثيق من لم يرو عنه إلا واحد إذا لم سكن فيما رواه ما ينكر.

وقال العلائي: مسلم بن الحارث وقيل الحارث بن مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء بعد المغرب أخرجه أبو داود بالوجهين وقيل فيه عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيكون الأول مرسلا والله أعلم. انظر: تهذيب الكمال

(27/ 498) لسان الميزان

(/ 2/ 160) جامع التحصيل (ص 279) تهذيب التهذيب (10/ 113)"الإصابة"

(6/ 106).

ص: 825

ونصرتك (أحاول) أي: أعالج أموري، وقال البيهقي:"أي: أطالب"، (وبك أصاول) أي: أدافع، وقال المؤلف:"أي: أسطو وأقهر"

(1)

، (وبك أقاتل) أي: أخاصم وأجاهد. (ي) أي: رواه ابن السني عن صهيب.

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 10/ أ).

ص: 826

‌ما يتعلق بالأكل والشرب

(وإذا دُعِي إلى طعامٍ فليجب) أمر من الإجابة، [وجوبًا أو ندبًا]

(1)

. (م، د، ت، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، عن أبي هريرة

(2)

.

(ولا سيما وليمة العرس) وهي الطعام الذي يصنع عند العرس، وهو ضيافة الزوجة عند عقدها أو زفافها، مأخوذ من الوَلْمِ وَهُوَ الجَمْعُ وزنًا ومعنًى، وسمي وليمة لاجتماع الزوجين.

ثم "سيّ" بمعنى: مثل، يقال هما: سيان، أي: مثلان، و"ما" زائدة، أو موصولة، أو موصوفة، هذا أصله، ثم استعمل بمعنى التخصيص، وقد يحذف لفظ "لا"، لكنه مراد، وما بعده مرفوع على أنه خبر مبتدإ محذوف، والجملة صلة "ما" أو صفته، وفي نسخة بالجر على أنه مضاف إليه لـ"سيّ"، بناء على زيادة "ما".

وفي "أصل الأصيل" بالنصب، ولعل وجهه أن يقال:"لا أُمَثل وليمة العرس بشيء من أنواع الدعوة".

(1)

كذا في (أ)، وفي (ب) و (ج) و (د):"ندبًا أو وجوبًا".

(2)

أخرجه أحمد (2/ 507) ومسلم (1150)، وأبو داود (2460) والترمذي (780) وابن ماجه (1750).

ص: 827

(د، ق، عو) أي رواه: أبو داود، وابن ماجه، وأبو عوانة، عن ابن عمر.

(فإن كان) أي: المدعو المجيب (صائمًا صلى) أي: في بيتهم، ليحصل لهم البركة والخير من قدومه [وعيادته]

(1)

إذا كان من أهل العلم والصلاح، أو دعا لهم بالخير، وقال المؤلف:"أي: فليدع لأهل الطعام بالمغفرة والبركة"

(2)

. (م، د، ق، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي، عن ابن عمر

(3)

، وفي بعض النسخ المصححة رمز الترمذي بدل ابن ماجه.

(ودعا، وبرّك) بتشديد الراء، أي: دعا بالبركة، فهو تخصيص بعد تعميم، وَظَاهِرُ عَطْفِ "دَعَا" على "صَلَّى" يَفِيدُ المعنى الذي ذكرناه سابقًا. (د، ق، عو) أي رواه: أبو داود، وابن ماجه، وأبو عوانة، قال ميرك:"وإنما ذهب المصنف -قدس سره- إلى المعنى الذي ذكره، لما في رواية مسلم، وأبي داود، والترمذي، قال هشام بن حسان -يعني: أحد رواة الحديث-: "الصلاة بمعنى الدعاء"، وعند النسائي من حديث ابن مسعود: "وإن كان صائمًا دعا بالبركة"

(4)

.

(1)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د):"وعبادته".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 10/ أ).

(3)

أخرجه البخاري 5173)، ومسلم (1429)، وأبو داود (3736) وأخرجه أحمد (2/ 37)، والترمذي (1098)، وأبو داود (3737).

(4)

أخرجه أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة"(300).

ص: 828

فقوله: "ودعا، وبرك" الظاهر: ترك الواو في الجملة الأولى؛ لأن الحديث في الكتب الثلاثة بلفظ: "إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرسٍ فليجب، فإن كان صائمًا دعا وبرك، وإن كان مفطرًا أكل"، فكأن قوله:"دعا" في هذه الرواية بدل قوله صلى الله عليه وسلم في الرواية السابقة: "صلى"، لا أن يكون معطوفًا عليه، خلاف ما يقتضيه إيراد الشيخ المصنف قدس سره. وعن أنس بن مالك:"أنه صلى الله عليه وسلم دخل على أم سليم، فأتته بتمر وسمن، فقال: ردوا سمنكم إلى سقائه، وتمركم في وعائه، فإني صائمٌ"، وفيه:"فصلى غير المكتوبة، فدعا لأم سليم وأهل البيت".

(وإذا أفطر قال: ذهب الظمأ) بفتحتين فهمز، أي: العطش أو شدته، وقيل:[يمد ويقصر]

(1)

، وقرئ بهما في قوله تعالى:{لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ} [التوبة: 120]، (وابتلت) أي: صارت رطبة (العروق) أي: عروق الجوف، (وثبت الأجر) أي: على قدر التعب والنصب، في الصبر عن الأكل والشرب، وتحمل الجوع والعطش لله سبحانه، (إن شاء الله) أي: إن تعلق بقبوله مشيئة الله وإرادته. (م، د، س، مس) أي رواه: مسلم -على ما في بعض النسخ- وأبو داود، والنسائي، والحاكم، عن ابن عمر

(2)

.

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج)، وفي (د):"بمد وبقصر".

(2)

أخرجه أبو داود (2357)، والنسائي في السنن الكبرى (3329)، والبيهقي في السنن (4/ 240)، والبغوي في شرح السنة (6/ 377)، وقال: صحيح، وانظر: الإرواء (920).

ص: 829

(اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي ذنوبي. مو مس ق ي) أي رواه: الحاكم، وابن ماجه، وابن السني؛ كلهم عن ابن عمر موقوفًا

(1)

.

(فإن أفطر عند قوم قال: أفطر عندكم الصائمون) الجملة خبريةٌ مبنًى ودعائيةٌ معنًى، وكذا قوله:(وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة) أي: دعت لكم بالبركة والخير. (ق، حب، د) أي رواه: ابن ماجه، وابن حبان؛ كلاهما عن عبد الله بن الزبير

(2)

، وأبو داود عن أنس، وأخرجه ابن السني عنه أيضًا

(3)

، لكن ما ذكره المؤلف.

(1)

ابن ماجة (1753) والحاكم (1/ 422) قال البوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة"(3/ 29): إسناده صحيح. وله شاهد من حديث أبي هريرة رواه أحمد بن حنبل والبزار والترمذي وحسنه، وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما.

وقال أيضًا في الزوائد (2/ 38): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وحسنه الحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار".

وقال المنذري (2/ 53): رواه البيهقي عن إسحاق بن عبيد الله عنه، وإسحاق هذا مدني لا يعرف والله أعلم.

(2)

أخرجه ابن ماجه (1747). قال البوصيري (2/ 79): هذا إسناد ضعيف لضعف مصعب بن ثابت بن عبد الله بن عبد العزيز بن الزبير. وأخرجه ابن حبان (5296).

(3)

أخرجه أبو داود (3854) أيضًا أحمد في "المسند"(3/ 138) والبيهقي في سننه (7/ 287)، والنسائي في:"عمل اليوم والليلة"(1296 و 1297)، وإسناده =

ص: 830

قال ميرك: "عن أنس بن مالك: "أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى سعد بن عبادة، فجاء بخبز وزبيب فأكل، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة"، هكذا رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ.

ورواه ابن السني عن أنس، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفطر عند قوم دعا لهم، فقال: أفطر عندكم

" إلى آخره، وروى ابن ماجه عن عبد الله بن الزبير، قال: "أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند اسعد بن معاذٍ، فقال: أفطر عندكم

" إلى آخره، ورواه ابن حبان في "صحيحه" وعنده سعد بن عبادة بدل سعد بن معاذ، والله أعلم بالصواب"

(1)

. قلت: ويمكن الجمع بتعدد القضية.

(وإذا حضر الطعامُ فليسم الله) لا خلاف في أن التسمية [في بدأ]

(2)

حال الأكل سنة مؤكدة، (وليأكل مما يليه) أي: يقربه، (بيمينه) الجمهور على أن الأكل باليمين سنة مؤكدة، والأمر الوارد فيه للندب، وقيل: للوجوب، ويؤيده مواظبته صلى الله عليه وسلم، وأما الأكل مما يليه فمحله إذا كان

= حسن، وهو حديث صحيح، وانظر كلام الحافظ ابن حجر على هذا الحديث، وتعقبه للإمام النووي في "الفتوحات الربانية" لابن علان (4/ 343، 344).

(1)

أخرجه ابن ماجه (رقم: 1747) وابن حبان (رقم: 5296). وانظر: البدر المنير (8/ 30).

(2)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"مبدء".

ص: 831

الطعام نوعًا واحدًا، وأما إذا كان أنواعًا مختلفةً كالفواكه وغيرها، فيجوز من أي موضع شاء الأكل، يدل على ذلك الأحاديث القولية والفعلية.

(خ، م، ت، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، كلهم عن عمر بن أبي سلمة

(1)

، ربيب النبي صلى الله عليه وسلم، وأمه أم سلمة، ولفظه في "الشمائل":"سمِّ الله، وكل بيمينك مما يليك".

(إن الشيطان يستحل الطعام الذي لا يذكر اسم الله عليه) بصيغة المجهول، قال المصنف:"أي: يجعله حلالًا، فيشارك صاحبه فيه"

(2)

، وقال ميرك:"معناه: أنه يتمكن من أكل الطعام، وهو محمول على ظاهره بأن أكل الشيطان حقيقةٌ؛ إذ العقل لا يحيله، والشرع لا ينكره، بل أُثبت؛ فوجب قبوله".

وقال النووي: "يصرف قوته فيما لا يرضاه الله تعالى، أي: لا يكون ممنوعًا من التصرف فيه إلا أن يذكر اسم الله عليه"، قال البيضاوي:"وكأن ترك التسمية إذنٌ من الله للشيطان من تناوله، كما أن التسمية منع له عنه" نقله الطيبي.

(م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، عن حذيفة بن اليمان.

(1)

أخرجه البخاري (5376)، ومسلم (2022)، والترمذي رقم (1858) والنسائي في الكبرى (6759).

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 10/ أ).

ص: 832

(قالوا: يا رسول الله، إنا نأكل) أي: كثيرًا، (ولا نشبع؟ قال: فلعلكم تأكلون متفرقين) حال (قالوا: نَعَم) بفتح العين، ويجوز كسرها، وبه قرأ الكسائي حيث جاء في القرآن، (قال: فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله) أي: عليه، وهذا تنبيهٌ للأمر الأهم (يبارك لكم فيه) بصيغة المجهول، فأحد الجارّين نائب الفاعل، وفي نسخة بصيغة المعلوم، فالفاعل هو الله حقيقة، أو اسمه مجازًا، وهو أبلغ. (د، ق، س) أي رواه: أبو داود، وابن ماجه، والنسائي، عن وحشي بن حرب

(1)

.

(وأمر الصحابة في الشاة المسمومة التي أهدتها إليه اليهودية: أن اذكروا اسم الله) بكسر نون "أن" المصدرية أو المفسرة، أو ضمها وصلًا، (وكلوا، فأكلوا) أي: بعد ما سَمَّوا (فلم يُصِبْ أحدًا منهم شيءٌ) أي: من ضرر السم الذي كان في الشاة.

(مس) أي: رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث أبي سعيد الخدري، وقال:"صحيح الإسناد"

(2)

على ما نقله صاحب "السلاح"،

(1)

أخرجه أحمد (3/ 105)، وأبو داود (3764)، وابن ماجه (3286)، وابن حبَّان (5224)، والحاكم (2/ 103)، وانظر ترجمة وحشي في المغني في الضعفاء (6830)، والميزان (7/ 21)، وقال العجلوني في كشف الخفاء (1/ 48): سنده حسن. وحسنه الألباني في صحيح الجامع (143)، والسلسة الصحيحة (884).

(2)

أخرجه الحاكم (4/ 109).

ص: 833

قال ميرك: "ولي فيه تأمل؛ إذ المشهور بين أصحاب الحديث وأرباب السير والتواريخ أنه لم يأكل من تلك الشاة المسمومة أحد من الصحابة إلا بِشْرُ بنُ البراءِ بنِ مَعْرُورٍ، أكل منها لقمة ومات، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإحراق تلك الشاة، أو دفنها تحت التراب

(1)

.

واختلفوا في أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل اليهودية أو عفا عنها، والأصح أنه قتلها لأجل قصاص بشر بن البراء، وعفا عنها لأجله صلى الله عليه وسلم، يعني: قبل القصاص، فإنها استدلت بها أنه نبي، فأسلمت"، قال: "وأظن أن في هذه الرواية وهمًا شديدًا، ونكارة ظاهرة".

قلت: من وجوه كثيرةٍ:

منها: أنه أمرهم بالأكل منها مع العلم بها.

ومنها: أن القوم أكلوا منها جميعًا.

ومنها: عدم الضرر، وقد تضرر به صلى الله عليه وسلم، حتى مات شهيدًا بألمها المعاود له كل سنة، حتى لقي الله تعالى.

ومنها: مخالفته لما رواه سائر الحفاظ، فقد رواه أبو داود، والدارمي، عن جابر: "أن يهوديةً من أهل خيبر سمّت شاة مصليّة، أي: مشويّة، ثم أهدتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذراع، فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارفعوا أيديكم، وأرسل إلى اليهودية فدعاها، فقال: سممت هذه الشاة؟ فقالت: من أخبرك؟ فقال:

(1)

أخرجه أحمد (6/ 18 (24430). وأبو داود (4514).

ص: 834

أخبرتني هذه في يدي -للذراع- قالت: نعم، قلت: إن كان نبيًّا فلن تضره، وإن لم يكن نبيًّا فاسترحنا منه، فعفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبها، وتوفي أصحابه الذين أكلوا من الشاة، واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة، حجمه أبو هند بالقَرن والشفرة".

وهو مولًى لبني بياضة من الأنصار، فقوله:"فعفى عنها" أي: أولًا، ثم لما مات من أكل معه من الصحابة أمر بقتلها، فقتلت.

(وفي حديث مَسِيرِهِ صلى الله عليه وسلم) أي: ذَهابه (وأبي بكر وعمر إلى بيت أبي الهيثم) بفتح فسكون ففتح، وهومالك بن التيهان الأنصاري، والقضية مذكورة في "الشمائل" مبسوطةٌ، (وأكلهم الرطب واللحم)[يقرأ]

(1)

بالوجوه الثلاثة المشهورة، وكذا في قوله:(وشربهم الماء) مع التثليث في الشين، والضم أشهر، ثم الفتح، (قوله صلى الله عليه وسلم) مبتدأ مؤخر، خبره "في مسيره"، والمقول:(إن هذا) أي: ما ذكر من أكل الرطب واللحم، وشرب الماء العذب (هو النعيم، الذي تسألون عنه يوم القيامة) إيماء إلى قوله تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر: 8].

(فلما كبُر) بضم الموحدة، أي: صعب وشق وعظم (على أصحابه) أي: من أبي بكر وعمر وأبي هريرة الراوي، (قال: إذا أصبتم) أي: صادفتم ووجدتم (مثل هذا) أي: مما ذكر من النعم، والنعيم بمعنى:

(1)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ):"تقرأ".

ص: 835

النعمة على ما في "المهذب"، ويمكن أن [يقال]

(1)

: التقدير: إذا أردتم إصابة مثل هذا، (وضربتم بأيديكم) أي: شرعتم في تناوله وأخذه، (فقولوا: باسم الله، وعلى بركة الله، فإذا شبعتم، فقولوا: الحمد لله الذي هو) أي: لا غيره، (أشبعنا) أي: من الطعام، (وأروانا) أي: من الشراب، والمعنى: أزال عنا الجوع والعطش.

وفي قوله: "هو" إشارة إلى أن كلًّا من الأكل والشرب إنما هو سبب للشبع ودفع العطش، وإلا فالمشبع والمُرْوِي هو الله، وتفسير الحنفي "أروانا" بـ"سقانا" في غير محله، بل كان حقه أن يقول: أطعمنا حتى أشبعنا، وسقانا حتى أروانا.

(وأنعم علينا) أي: بسائر النعم الظاهرة والباطنة (وأفضل) أي: أكمل النعمة وأتمها (فإن هذا) أي: القول (كفاف هذا) أي: النعيم، قال المؤلف:"بفتح الكاف، أي: يوازيه سواء بسواء، ومنه قول عمر رضي الله عنه: وددت أني سلمت من الخلافة كفافًا فلا علي ولا لي"

(2)

، انتهى.

وفي "النهاية": "الكفاف: هو الذي لا يفضل عن الشيء، ويكون بقدر الحاجة إليه، وهو -يعني: في قول عمر- نُصِبَ على الحال"، أي: من

(1)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ):"يكون".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 10/ أ).

ص: 836

الفاعل والمفعول، وقيل:"أراد به مكفوفًا عن شرها"، وقيل:"معناه: أن لا تنال مني، ولا أنال منها، أي: تكف عني وأكف عنها". (مس) أي: رواه الحاكم عن أبي هريرة

(1)

.

(وإن نسي التسمية أول الطعام) أي: في أول أكله (فليقل) أي: بعد التذكر في أثنائه، وقيل:"ولو بعده؛ ليعود بركة الطعام ونفعه إليه"، (باسم الله أوَّله وآخره) بنصبهما على الظرفية، أي: في أوله وآخره، والمراد: استيفاء جميع أجزائه.

وقال الطيبي: "أي: آكل أوله وآخره مستعينًا بالله، فيكون المجرور حالًا [من]

(2)

فاعل الفعل المقدر، وفيه أن أكله أوله ليس في زمان الاستعانة باسم الله؛ لأنه في وقت أكل أوله لم يكن مستعينًا به.

اللهم إلا أن يقال: إنه في وقت أكله أولًا مستعين به أيضًا حكمًا؛ لأن حال المؤمن وشأنه هو الاستعانة به سبحانه في جميع أحواله، وإن لم يَجْرِ

(1)

أخرجه الحاكم (1/ 546)، وعنه البيهقي في "الدعوات الكبير"(433) أخرجه النسائي في "الكبرى"(10060) وابن حبان (5219)، وابن أبي الدنيا في الشكر (15) ومن طريقه البيهقي في "الشعب"(4377) وأبو بكر الشافعي في الفوائد الشهير بالغيلانيات (582 - 985)، والطبراني في "الدعاء"(896)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء"(6/ 242)، وعبد الغني المقدسي في "الترغيب في الدعاء"(110).

(2)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د):"عن".

ص: 837

اسم الله على لسانه لنسيانه، إذ هو معفو عنه، والله أعلم".

ثم الفرق بين الطعام والوضوء، حيث إن المتوضئ إذا نسي التسمية في أوله لا يتداركه = هو أن الوضوء فِعْلٌ وَاحِدٌ [بِغَسْلِ]

(1)

أَعْضَائِهِ جَمِيعًا، بخلاف الطعام فَإِنَّ أَكْلَ كُلِّ لُقْمَةٍ فِعْلٌ على حِدَةٍ، ولذا أكابر العلماء يسمون في كل لقمة، ولعل الشارع اكتفى بأوله دفعًا للحرج عن آكله، ومع هذا فضلاء الصوفية يسمون أيضًا في غسل كل عضو من أعضاء الوضوء. (د، ت، س، حب، مس) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، عن عائشة

(2)

.

(وإن أكل مع مجذوم) أي: الذي به جذام، وهو تشقق الجلد، وتقطع اللحم، وتساقط الشعر، والفعل منه جُذِمَ، كذا في "الْمُغْرِب"، (أو ذي عاهة) أي: علة من سائر العلل المعدية (قال: باسم الله، ثقةً) أي: أثق ثقةً، أي: اعتمادًا (بالله) فنصبه على المفعول المطلق، وكذا قوله:(وتوكلًا عليه. ت، د، ق، حب، مس، ي) أي رواه: الترمذي، وأبو داود،

(1)

كذا في (ب) و (د)، وفي (أ) و (ج):"يغسل".

(2)

أخرجه أبو داود (3767)، والترمذي (1858)، والنسائي في الكبرى (10112)، وفي عمل اليوم والليلة (281). وأخرجه الطحاوي في المشكل (1084)، والبيهقي (7/ 276)، وابن حبان (5214)، والحاكم (4/ 121) وصححه.

ص: 838

وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وابن السني، عن جابر.

لكن لفظ الحديث على ما في "الأذكار": "هكذا روينا في "سنن أبي داود"، والترمذي، وابن ماجه

(1)

، عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد مجذوم، فوضعها معه في القصعة، وقال:[كُلْه]

(2)

ثِقَةً بِالله"، انتهى.

وهو كذلك في "المشكاة"، فعن بعضهم:"هو منصوب على الحال، وصاحبها محذوف، أي: كل معي واثقًا بالله تعالى"، ويحتمل أن يكون من كلام الراوي حال من فاعل "قال"، وأن يكون مفعولًا مطلقًا، أي: كل، ثم استأنف، أي: أثق ثقةً بالله" ذكره الطيبي.

وقال ميرك: "الاحتمال الأول ضعيف جدًّا"، أقول: الاحتمال الأول هو القوي، نَعَم، لو قدر: آكل معك ثقةً بالله، لكان أقوى ظهورًا.

والحاصل: أن الآكل مع المجذوم يحتاج إلى حال الاعتماد والتوكل على الله دون المجذوم، على ما يتوهم من التقدير الأول.

ثم التقدير إنما يحتاج في عبارة "الحصن" دون ما ورد في "المشكاة"، و"الأذكار"، فإن لفظ "كُلْ" موجود، اللهم إلا أن يقال:"معي" مقدر، و"ثقة" حال من المفعول.

(1)

أخرجه أبو داود (3925) و"ابن ماجة"(3542) والترمذي (1817)، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يونس بن محمد عن المفضل بن فضالة.

(2)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ):"كلمة"، وفي (ب):"كل".

ص: 839

وأما الاحتمال الثاني فبعيد جدًّا؛ لأنه يلزم منه أن لا يكون قوله: "ثقة بالله، وتوكلًا عليه" من كلامه صلى الله عليه وسلم، وليس كذلك.

وأما الاحتمال الثالث [فَمُتَكَلَّفٌ]

(1)

مستغنًى عنه بما ذكرناه سابقًا، ولأن [الظاهر]

(2)

أنه حال، أي:[آكله]

(3)

بِاسم الله، أي: حال كوني واثقًا بالله ومتوكلًا عليه، على أن كُلًّا من المصدرين بمعنى اسم الفاعل، كما قيل في قوله تعالى:{وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء: 90]، أي: راغبين وراهبين.

بقي الجمع بينه وبين ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم: "فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد"، وهو أن يقال: الأكل معه من باب التوكل، كما يشير إليه الحديث، والفرار منه جواز ورخصة.

(فإذا فرغ من الأكل والشرب) وكذا إذا فرغ من أحدهما (قال: الحمد لله حمدًا) منصوب بالحمد المذكور إما باعتبار ذاته، أو باعتبار تضمنه معنى الفعل، أو بفعل مقدر يدل عليه الحمد المذكور.

وفي رواية النسائي بدل قوله: "الحمد لله حمدًا""اللهم لك الحمد حمدًا"، وهو كذا في "نسخة الشيخ"، وفي "أصل الأصيل".

ثم قوله: (كثيرًا) صفة "حمدًا" أي: حمدًا كثيرًا من حامد واحد، أو من حامدين كثيرين، وكذا قوله:(طيبًا) أي: خالصًا من الرياء والسمعة، أو

(1)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"فَتَكَلَّفٌ".

(2)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"الأظهر".

(3)

كذا في (د)، وفي (ج):"كله"، وفي (أ) و (ب):"كُلْ".

ص: 840

عاريًا عن [الأعراض]

(1)

الفاسدة، أو خاليًا في بيان أسمائه ونعوته من أوصاف الملاحدة.

(مباركًا فيه) أي: في الحمد، وهو مفعول أقيم مقام فاعل "مباركًا"، أي: ما وقع فيه البركة، والزيادة والثبات، والنمو والدوام، والمعنى: حمدًا ذا بركةٍ دائمًا لا ينقطع؛ لأن نعمة الله لا تنقطع عنا، فينبغي أن يكون حمدنا غير منقطع أيضًا، ولو نيةً واعتقادًا.

(غير مَكْفِي) بالنصب، وفي نسخة صحيحة بالرفع وسيأتي وجهها، قال المؤلف:"بفتح الميم وإسكان الكاف وتشديد الياء، قال الخطابي: "معناه: أنه سبحانه وتعالى هو المطعم الكافي، وهو غير مطعم ولا مكفي"

(2)

، أقول: فهو من الكفاية على ما اختاره صاحب "الأذكار"، ويكون الضمير لله.

ففي "الأذكار": "مكفي: بفتح الميم وتشديد الياء، هذه الرواية الصحيحة الفصيحة، ورواه أكثر الرواة بالهمز، وهو فاسد من حيث العربية، سواء كان من الكفاية أو من كفأت الإناء، كما لا يقال في المقروء: مقرئ، ولا في المرمي: مرمئ بالهمز"، انتهى.

فما نقله الحنفي عن الطيبي من: "أن معناه: غير مردود ومقلوب من كفأت الإناء، والضمير للطعام الذي يدل عليه سياق الكلام" مردودٌ عليه، لما سبق الإشارة إليه.

(1)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج):"الأغراض".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 10/ أ).

ص: 841

(ولا مُودَّع) بفتح الدال المشددة، وقال المؤلف:"بضم الميم وفتح الواو وتشديد الدال، أي: غير متروك الطلب إليه، والرغبة فيما عنده، ومنه قوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ} [الضحى: 3]، أي: ما تركك"

(1)

، انتهى.

وقال العسقلاني [في]

(2)

: "غير مودع: بفتح الدال، أي: غير متروك، ويحتمل كسرها على أنه حال من القائل، أي: غير تارك"، انتهى. وفيه أنه يلزم منه تفكيك الضمير مع عدم ملائمته لما قبله وما بعده، حيث وقع كل منهما بصيغة المفعول.

(ولا مستغنًى عنه) قال المصنف: "أي: غير مطروح ولا معرض عنه، بل يحتاج إليه ولا [يستغنى]

(3)

عنه"

(4)

، (ربنا) روي بالرفع والنصب والجر، فالرفع على تقدير: هو ربنا، أو: أنت ربنا اسمع حمدنا ودعاءنا، أو على أنه مبتدأ، وخبره "غير" بالرفع تقدم عليه، والنصب على أنه منادًى حذف [منه]

(5)

حرف النداء، والجر على البدل من ضمير "الله"، هذا مجمل الكلام في مقام المرام.

وتفصيله ما ذكره ميرك شاه رحمه الله بقوله: "واعلم أن ضمير اسم

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 10/ أ).

(2)

من (د) فقط.

(3)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د):"مستغنى".

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 10/ أ).

(5)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د):"عنه".

ص: 842

المفعول في الجمل الثلاثة لا يخلو: إما أن يكون راجعًا إلى الله تعالى، أو إلى الحمد، أو إلى الطعام الذي يدل عليه السياق.

فعلى الأول: يجوز أن يقرأ "غير" منصوبًا بإضمار "أعني"، أو على أنه حال، أي: الله سبحانه غير مكفي رِزق عباده؛ لأنه لا يكفيه أحد غيره، وقيل:"أي غير محتاج إلى أحد، لكنه هو الذي يطعم عباده ويكفيهم"، "ولا مودع"، أي: غير متروكٍ الطلبُ منه، والرغبةُ فيما عنده، ولا مستغنًى عنه؛ لأنه في جميع الأمور وهو المرجع والمستعان والمدعو، ويجوز أن يقرأ مرفوعًا، أي: هو غير مكفي

إلى آخره.

وعلى الثاني: معناه أن هذا الحمد غير مأتي به كما هو حقّه، لقصور القدرة، ومع هذا فـ"غير مودع" أي: غير متروك، بل الاشتغال به دائم من غير انقطاع، كما أن نعمه سبحانه لا تنقطع عنا طرفة عين، "ولا مستغنًى عنه" لأن الإتيان به ضروري دائمًا، ورفع "غير" ونصبه بحالهما.

وعلى الثالث: معناه أنه "غير مكفي" من عندنا، بل هو الكافي والرازق، أو غير مردود إليه؛ لأن الاحتياج إليه قد بلغ الغاية، "ولا مودع" أي: غير متروك؛ لأن الحاجة إليه دائمةٌ، "ولا مستغنًى عنه" جملة مؤكدة للجملة السابقة، والنصب والرفع في "غير" بحالهما أيضًا.

(خ، عه) أي رواه: البخاري، والأربعة؛ كلهم عن أبي أمامة

(1)

.

(1)

أخرجه أحمد (5/ 252 و 256 و 5/ 261 و 5/ 267) والدارمي (2023 =

ص: 843

(الحمد لله الذي كفانا) أي: جميع مهماتنا، ومنها الإطعام، (وأروانا) خص تنبيهًا على عظمة تلك النعمة، أو لكونه مسلتزمًا للأكل غالبًا، وفي نسخة:"وآوانا" أي: أعطى مأوًى لنا، والظاهر أنه تصحيف، (غير مكفي) بالنصب ويجوز رفعه، ولا يبعد جعله مجرورًا بدلًا من الجلالة، أو الموصول (ولا مكفورٍ) قال المؤلف: "يريد [كفر]

(1)

النعمة التي أنعم الله تعالى، يعني: الاعتراف بها"

(2)

. (خ) أي رواه: البخاري عن أبي أمامة أيضًا

(3)

.

(الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وجعلنا من المسلمين) وهذا من أتم النعم؛ لأن سائرها يشمل الأنعام وكفار الأمم. (عه، ي) أي رواه: الأربعة، وابن السني، عن أبي سعيد الخدري

(4)

.

= والبخاري (5458)(5459) وأبو داود (3849) وابن ماجه (3284) والترمذي (3456)، وفي (الشمائل) 192 والنسائي في "الكبرى"(6868، 6869، 6870) وفي "عمل اليوم والليلة"(283 و 284) الطبراني في "معجمه الكبير"(8/ 93/ 7469).

(1)

كذا في "مفتاح الحصن الحصين"، وفي جميع النسخ:"كثرة".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 10/ أ).

(3)

أخرجه البخاري (5458)، وأبو داود (3849)، والترمذي (3456)، وابن ماجه (3284)، والنسائي في الكبرى (6897).

(4)

أخرجه أبو داود (3850)، والترمذي (163) في الشمائل، والنسائي في الكبرى (10120) وإسناده ضعيف، فيه: الحجاج بن أرطأة وقد عنعن، =

ص: 844

(الحمد لله الذي أطعم وسقى، وسوغه) بتشديد الواو، أي: سهل كلًّا من دخول اللقمة، ونزول الشربة في الحلق، (وجعل له) أي: لما ذكر (مخرجًا) أي: خروجًا، أو مكان خروجٍ، أو زمانه. (د، س، حب) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن حبان، عن أبي أيوب الأنصاري

(1)

.

(الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه، من غير حولٍ مني ولا قوة. د، ت، ق، مس، ي) أي رواه: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وابن السني، عن معاذ بن أنس، ولفظه:"من قال ذلك غفر له ما تقدم من ذنبه"

(2)

.

(وإذا أكل الطعام) أي: جنسه (فليقل: اللهم بارك) أي: أوقع البركة (لنا فيه، وأطعمنا خيرًا منه. د، ت، ق) أي رواه: أبو داود، والترمذي،

= وترجم له الحافظ في "التقريب" وقال: صدوق كثير الخطأ والتدليس (1127)، وكذلك اضطربوا في إسناده، وإسماعيل بن رياح بن عبيدة فيه جهالة. كما قال الحافظ في التقريب (448)، وأعله البغوي في شرح السنة (11/ 279) بالانقطاع. انظر كلام البخاري في تاريخه (1/ 353 - 354).

(1)

أخرجه أبو داود (3851)، والنسائي في الكبرى (6894) وصححه النووي في الأذكار. وانظر: الصحيحة (705) و (2061).

(2)

أخرجه أبو داود (4023)، والترمذي (3458)، وابن ماجه (3285) وابن حبان (5219) وإسناده حسن كما قال الترمذي، وهو شاهد جيد لحديث أبي سعيد السابق انظر: الإرواء (1989).

ص: 845

وابن ماجه؛ كلهم عن ابن عباس

(1)

.

(فإن كان) أي: الطعام (لَبَنًا)، وفيه دليل على أنه يطلق على المائعات أيضًا، (فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه) قال المؤلف:"يدل على أن اللبن خير الأطعمة وأفضلها"

(2)

.

قلت: وسببه ما رواه الترمذي في "الشمائل" عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس شيء يجزئ مكان الطعام والشراب غيرُ اللبن". وقوله: "يجزئ" من الإجزاء بمعنى الكفاية، ومعنى الحديث: ليس شيء يقوم مقام الطعام والشراب غير اللبن.

ثم الظاهر أن المراد لبن البقر والغنم والإبل؛ لقوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} [النحل: 66]، فلا يدخل فيه لبن الرمكة، وهي الأنثى من

(1)

أخرجه أبو داود (3730)، والترمذي (3455) وفي إسناده: علي بن زيد وهو ابن جدعان وهو ضعيف وعمر بن أبي حرملة مجهول.

وقال الحافظ في "أمالي الأذكار" بعد تخريجه فيما نقله عنه ابن علان (5/ 238): هذا حديث حسن يعني بطرقه، فإن مدار الحديث عند جميع من خرجه على علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف وهو عنده ضعيف لا يحسن حديثه إلا بالمتابعة والشواهد.

وقد رواه ابن ماجه (3322) من طريق أخرى ضعيفة وبه يحسن الحديث.

انظر: الصحيحة (2320).

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 10/ أ).

ص: 846

الخيل؛ فإن كثيره مما يُسكر على ما صرّح به بعض فقهائنا، فيكون قليلُه أيضًا حرامًا عند الشافعية؛ لظاهر حديث:"ما أسكر كثيره فقليله حرام"، والله أعلم.

(د، ت، ق) أي رواه: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن ابن عباس أيضًا، قال ميرك:"هو وما قبله حديثٌ واحدٌ، فالأولى الاكتفاء بأحد الأرقام"، قلت:[المتعين]

(1)

هو آخر الرموز؛ ليشمل السابق واللاحق.

(إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة) بفتح الهمزة، أي: المرة من الأكل حتى يشبع، ويروى بضم الهمزة وهي اللقمة، فهي أبلغ في بيان اهتمام أداء الحمد، لكن الأول أوفقُ مع قوله:"الشربة"، ثم نصبها على [أنها]

(2)

مفعول مطلق، (فيحمده) بالنصب عطفًا على "يأكل"، وفي نسخة بالرفع، أي: فهو يحمد الله (عليها) أي: على تلك الأكلة، (أو يشرب الشربة) بالفتح لا غير، أي: مرة من الشرب (فيحمده عليها. م، ت، س، ي) أي رواه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن السني؛ كلهم عن أنس

(3)

.

(وإذا غسل يده) وفي نسخة: "يديه"، ذكره ميرك (الحمد لله الذي

(1)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ):"المتيقن".

(2)

كذا في (أ) و (ج)، وفي (ب) و (د):"أنها".

(3)

أخرجه مسلم (2734)، والترمذي (1816)، والنسائي في الكبرى (6899) وابن السني في عمل اليوم والليلة (486).

ص: 847

يُطْعِمُ) بصيغة المعلوم، (ولا يُطْعَمُ) علي بناء المجهول من الإطعام، أي: يَرزق ولا يُرزق، وفي نسخة:"ولا يَطْعَمُ" بفتح الياء والعين، أي: لا يأكل.

وتخصيص الطعام بالنفي لشدة الحاجة إليه؛ إذ لا أحد إلا يحتاج إليه، وهو غير محتاج إليه، وليس المعنى على خصوص الطعم، بل لمطلق النفع، فعبّر عن كل شيء بمعظمه.

(مَنَّ) بتشديد النون، أي: أنعم (علينا فهدانا) أي: إلى أمور ديننا ودنيانا، (وأطعمنا وسقانا، وكل بلاء) أي: إنعام (حسن أبلانا) أي: أنعمنا، فقوله "كلَّ بلاء" منصوب على أنه مفعول مطلق مقدم على الفعل، وأقيم "بلاء" مقام "إبلاء"، كما في قوله تعالى:{وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا} [الأنفال: 17].

قال المصنف: "الإبلاء: الإحسان والإنعام، قال القتيبي: "يقال من الخير: أبليته [أبليه إبلاء]

(1)

، ومن الشر بلوته أبلوه بلاء""

(2)

، انتهى.

وفي "النهاية" بعد ذكر كلام القتيبي: "والمعروف أن الابتلاء يكون في الخير والشر معًا، من غير فرق بين فعليهما، ومنه قوله تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35] "، انتهى.

(3)

(1)

كذا في (ج)، وفي (أ) و (د):"إبلاء"، وفي (ب) و"مفتاح الحصن الحصين":"أبليه بلاء".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 10/ أ).

(3)

النهاية (1/ 155).

ص: 848

والتحقيق مع القتيبي؛ لأن كلامه في الفرق بينهما، لا أنه لا يستعمل كل في غيره تغليبًا أو مقيدًا، أو نظيره الفرق المشهور بين وعد وأوعد، حيث يستعمل الأول في الخير، والثاني في الشر عند الإطلاق، وقد يستعمل كل بخلاف الآخر بقرينة صارفة، كقوله تعالى:{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} [البقرة: 268]، وقوله سبحانه:{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ} [الحج: 47] وفي الحديث: "وأما لمة الملك فإيعاد بالخير"

(1)

.

(الحمد لله غير مودع) بتشديد الدال وبنصب "غير"، وجوز الرفع والجر، (ولا مكافًى) بفتح الفاء منونًا، وفي نسخة صحيحة بهمز بعد الفاء، وقال ميرك نقلًا عن الشيخ:"إنه بالهمز، هكذا ثبتت الرواية في هذا الحديث، ومعناه: أن نعم الله لا تكافأ"، انتهى.

وقال الجوهري

(2)

في المهموز: "كل شيء ساوى شيئًا حتى يكون مثله، فهو مكافئ له"، وفي الناقص:"كافيته: من المكافأة، فهو اسم مفعول هنا، إما مهموز، أو ناقص"، وفي "التاج":"من المهموز، وأصل المكافأة المقاومة والموازنة".

(1)

أخرجه الترمذي (2988)، والنسائي السنن الكبرى (11051)، وابن حبان (997) رقم (997)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (1963).

(2)

الصحاح (1/ 68).

ص: 849

(ولا مكفور، ولا مستغنًى عنه، الحمد لله الذي أطعم) أي: أعطى كثيرًا (من الطعام)، أي: من أجناسه وأنواعه، (وسقى) أي: كثيرًا (من الشراب)، أي: من أنواعه من الماء واللبن وغيرهما، وقيل:"كلمة "من" زائدة في الموضعين لإفادة التعميم"، (وكسى من العري) بضم فسكون، أي: من أجله كقوله تعالى: {أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ} [قريش: 4]، وكذا قوله:(وهدى من الضلالة، وبصّر) بتشديد الصاد، أي: أعطى البصر والبصيرة (من العمى) أي: من جهة العمى، والعمه.

والحاصل: أن "من" في المواضع الثلاثة للابتداء، والمعنى: أن كلًّا من الكسوة، والهدى، والتبصير مبتدأ عن ضده، وهو العري، والضلالة، والعمى.

وخلاصته: أن كل أحد من البشر لو لم يكن عناية الله متعلقة به وخلي وطبعه على حاله، لم يكن إلا في عري وضلالة وعمًى، كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم

(1)

: "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، وكلكم جائع إلا من أطعمته، وكلكم عارٍ إلا من كسوته".

(وفضّل) أي: [فضلنا]

(2)

(على كثير ممن خلقنا تفضيلًا)، وفيه إشعار بأن التقدير فيما سبق أيضًا: أطعمنا، وسقانا، وكسانا، وهدانا، وبصرنا، (الحمد لله رب العالمين. س، حب، مس) أي رواه: النسائي، وابن

(1)

أي: نقلًا عن رب العزة.

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج)، وفي (د):"وفضلنا".

ص: 850

حبان، والحاكم، عن أبي هريرة.

(1)

(اللهم أشبعت) أي: من الطعام، (وأرويت) أي: من الشرب، (فهنئنا) بتشديد النون المكسورة، أي: فاجعلنا مهنئين، أو فاجعل كلًّا منهما هنيئًا لنا، على الحذف والإيصال، (ورزقتنا)

(2)

أي: من سائر النعم.

(فأكثرت) أي: عطاءنا، (وأطبت) أي: أرزاقنا وأحوالنا، (فزدنا) أي: من نعمك بلطفك وكرمك.

(مو مص) أي رواه ابن أبي شيبة موقوفًا من قول سعيد بن جبير

(3)

، أحد كبار التابعين.

(ويدعو لأهل الطعام: اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، فاغفر) وفي نسخة: "واغفر"(لهم، وارحمهم. م، ت، س، مص) أي: رواه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن أبي شيبة، عن عبد الله بن بُسْر

(4)

بضم الموحدة وإسكان

(1)

أخرجه النسائي في الكبرى (10133). والحاكم (1/ 731) وقال: صحيح على شرط مسلم.

(2)

أخرجه أحمد (4/ 236) وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (4209).

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة (24513) من حديث سعيد بن جبير موقوفا أنه كان إذا فرغ من طعامه قال: "اللهم أشبعت، وأرويت فهنئنا، ورزقتنا فأكثرت وأطيبت فزدنا".

(4)

أخرجه مسلم (2042)، والترمذي (3576)، والنسائي في "الكبرى"(10050)، وابن أبي شيبة (29877) جميعهم من حديث عبد الله بن بسر بلفظ "اللهم، بارك لهم في ما رزقتهم، واغفر لهم وارحمهم".

ص: 851

السين المهملة، وهو صحابي معروف.

(اللهم أطعم) أي: ارزق (من أطعمني) أي: من تسبب لإطعامي، (واسق) بهمز وصل، ويجوز قطعه، لكن الأول أنسب بقوله:(من سقاني. م) أي: رواه مسلم عن المقداد بن الأسود الكندي

(1)

.

(1)

أخرجه مسلم (2055) من حديث المقداد بن الأسود.

ص: 852

‌ما يقال في اللباس

(وإذا لَبِسَ شيئًا) أي: من الثياب، وهو بكسر الموحدة في الماضي وبفتحها في المضارع، ومصدره اللُّبس بضم فسكون.

وأما لَبَسَ يَلْبِسُ بعكس ما ذكر فهو من اللَّبْس، بفتح فسكون، بمعنى الخلط، ومنه قوله تعالى:{وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 42]، وإنما بينته لأن كثيرًا من الطَّلَبة تشتبه عليهم القضية.

(قال: اللهم إني أسألك من خيره) أي: خير هذا الشيء الملبوس نفسه بأن يكون مباحًا ولا يكون في تحصيله شبهة، (وخير ما هو له) أي: مصنوع ومخلوق له من قصد ستر العورة، ودفع الحر والبرد من غير الخيلاء والفخرة.

(وأعوذ بك من شره وشر ما هو له. ي) أي: رواه ابن السني عن عمر رضي الله عنه، وفي بعض النسخ:"عن أبي سعيد الخدري"

(1)

.

(وإن كان) أي: الملبوس، (جديدًا) ولفظ الترمذي في "الشمائل"

(2)

: "إذا استجد ثوبًا"، أي: لبس ثوبًا جديدًا، (سماه باسمه) أي: المعين

(1)

أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة"(رقم 14) ولم أقف عليه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

(2)

أخرجه الترمذي في "الشمائل المحمدية" رقم (59).

ص: 853

الموضوع له، سواء كان:(عمامة، أو قميصًا، أو غيره) أي: غير ما ذكر من أنواع الثياب، كالإزار والرداء ونحوهما، والمقصود التعميم، و"أو" للتنويع، فيقول: رزقني الله هذه العمامة، أو هذا القميص، أو يقول: كساني الله هذه العمامة، أو هذا القميص، وما أشبه ذلك كما قاله المظهري، وهو الأظهر من قول الطيبي؛ حيث قال:"سماه باسمه بأن يقول عمامة، أي: هذه عمامة"

(1)

.

(ثم يقول: اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه) أي: المسمى، أو الملبوس المعين من العمامة، أو القميص، والجملة تعليل للجملة السابقة، ويحتمل أن يسميه عند قوله:"اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه"، لكن الأول أتم بدلالة العطف بـ "ثم" والله أعلم، والمعنى: أنت كسوتنيه من غير حول مني ولا قوة.

(أسألك خيره) أي: أن توصلني خيره، (وخير ما صنع له) أي: وأن توفقني خير ما صنع له من الشكر بالجوارح والجنان، والحمد لمولاه باللسان.

(وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له) أي: من الطغيان والكفران. (د، ت، س، حب، مس) أي: رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن

(1)

لم أقف عليه.

ص: 854

حبان، والحاكم، عن أبي سعيد الخدري

(1)

.

(الحمد لله الذي كساني ما أُواري) أي: أستر (به عورتي) والمفاعلة للمبالغة، (وأتجمل به) أي: أتزين بما كساني (في حياتي. ت، ق، مص، مس) أي: رواه الترمذي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، والحاكم عن عمر رضي الله عنه، قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من لبس ثوبًا جديدًا، فقال: الحمد لله الذي كساني ما أُواري به عورتي

إلى آخره، ثم عَمَدَ إلى الثوب الذي أخلق فتصدق به، كان في كنف الله وفي حفظه وفي ستره حيًّا وميتًا"

(2)

.

وفي "الرياض النضرة"

(3)

: "عن أبي مطر البصري، قال: رأيت عليًّا رضي الله عنه

(1)

أخرجه أبو داود (4020)، والترمذي (1767)، والنسائي في "الكبرى"(10068)، وابن حبان (5420)، جميعهم من حديث أبي سعيد الخدري، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح" رقم (4342)، وصحيح الجامع رقم (4665).

(2)

أخرجه الترمذي (3560)، وابن ماجه (3557)، وابن أبي شيبة (29753)، والحاكم (4/ 193) جميعهم من حديث عمر بن الخطاب، وقال الترمذي عقبه: هذا حديث غريب، وضعفه الألباني في "ضعيف الجامع" رقم (12599). وفي "مشكاة المصابيح" رقم (4374)، والسلسلة الضعيفة رقم (4542) في إسناده أبو العلاء الشامي مجهول كما قال الحافظ في "التقريب" رقم (8288).

(3)

انظره في (3/ 203).

ص: 855

اشترى ثوبًا بثلاثة دراهم، فلما لَبِسَهُ قال: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس، وأُواري به عورتي. ثم قال: هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرجه أحمد في "المناقب""

(1)

.

(ومن لبس ثوبًا) أي: جديدًا أو مطلقًا، (فقال: الحمد لله الذي كساني هذا) أي: اللباس، (ورزقنيه) أي: أعطانيه، ومنه قوله تعالى:{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الأنفال: 3]، وهو أظهر مما قاله الحنفي:"أي: جعله مما أنتفع به"؛ فإن الجوهري قال: "الرزق ما ينتفع به"

(2)

.

(من غير حول) أي: تصرف تام، (مني ولا قوة) أي: كاملة، (غفر له ما تقدم من ذنبه. د، ت، ق، مس) أي: رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، عن معاذ بن أنس

(3)

.

(1)

أخرجه أحمد 1/ 157 - 158، في "فضائل الصحابة" (1214) وأبو يعلى (295) وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (5/ 119): وفيه مختار بن نافع وهو ضعيف، وضعفه الألباني في "السلسة الضعيفة" رقم (6263).

(2)

انظر: الصحاح (4/ 1481).

(3)

أخرجه أبو داود (4023)، والترمذي (3458)، وابن ماجه (3285)، والحاكم و (1/ 507) جميعهم من حديث معاذ بن أنس، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب وأبو مرحوم اسمه عبد الرحمن بن ميمون وهذا إسناد ضعيف؛ للين أبي مرحوم، وضعف سهل بن معاذ؛ قال عنه يحيى بن معين: ضعيف.

وقال ابن حبان في المجروحين: منكر الحديث جدا فلست أدري أوقع التخليط في حديثه منه أو من زبان بن فايد فإن كان من أحدهما فالأخبار التي=

ص: 856

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= رواها أحدهما ساقطة وإنما اشتبه هذا لأن راويها عن سهل بن معاذ زبان بن فائد إلا الشيء بعد الشيء. انتهى. وقال الذهبي في الكاشف: ضعف.

قلت: هذه العبارة يقولها الذهبي فيمن لم يجد له توثيقًا معتبرًا.

وقول ابن حبان إلا الشيء بعد الشيء يدل على وجود النكارة في حديثه حتى من غير طريق زبان، وقد حاولت أن أتتبع رواية سهل من غير طريق زبان فما وجدت من أحاديثه إلا الشيء اليسير مع التفرد به، والله أعلم.

وقال المزي في التهذيب: لين الحديث.

وضعفه المنذري. والزيلعي في نصب الراية. وقد روى هذا الحديث السري بن خزيمة كما عند الحاكم عن ابن يزيد المقرئ عن يحيى بن أيوب عن أبي مرحوم به!!

إلا أن هذا وهم؛ فقد رواه الإمام أحمد والبخاري وغيرهما عن المقرئ عن سعيد بن أبي أيوب، فقد يكون تصحف الإسم على السري، والله أعلم.

وقد توبع أبو مرحوم عليه عن سهل؛ أخرجه الطبراني في مسند الشاميين من طريق الوليد بن الوليد العنسي عن ابن ثوبان به عن سهل.

وابن ثوبان هذا أظنه الحسن بن ثوبان المصري، وهو صدوق.

وهذه متابعة غريبة؛ في صحتها نظر!!

ومع ذلك يبقى الحديث ضعيفا لتفرد سهل به، وحاله كما علمت.

وقال عنه الترمذي: حسن غريب.

قال النووي: قال الترمذي: حديث حسن "الرياض"(1/ 253).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في (معرفة الخصال المكفرة)(ص 74 - 75): هذا إسناد حسن، سهل بن معاذ بن أنس الجهني المصري تابعي مشهور صدوق، وأبو مرحوم، اسمه عبد الرحيم بن ميمون المصري، قال أبو=

ص: 857

(وما تأخر. د) أي: رواه أبو داود عنه هذه الزيادة، قال المؤلف:"كذا وقع في "سنن أبي داود" وسكت عليه، وهو من أفراده"

(1)

، انتهى.

ومعنى قوله: "وسكت عليه" أنه لم يتعرض بأنه صحيح، أو حسن، أو ضعيف، والقاعدة:"أنه إذا سكت فهو حسن".

(وإذا رأى على صاحبه ثوبًا جديدًا، قال له: تبلي) على صيغة المضارع المخاطب من الإبلاء المأخوذ من البلاء، ومنه قوله تعالى:{وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} [طه: 125]، وهذا خبر بمعنى الدعاء، وكذا قوله:(ويُخلف الله) وهو من الإخلاف بالفاء، والمعنى: أنك تجعل الثوب باليًا، ويعطيك

= حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال النسائي: أرجو أنه لا بأس به.

قلت: وقال عنه ابن حبان رحمه الله في (مشاهير علماء الأمصار)(1/ 189): عبد الرحيم بن ميمون أبو مرحوم من جلة أهل مصر وكان يهم في الأحايين. وسهل بن معاذ بن أنس الجهني:

قال عنه ابن حبان رحمه الله في (مشاهير علماء الأمصار)(1/ 120): سهل بن معاذ بن أنس الجهني من خيار أهل مصر وكان ثبتا وإنما وقعت المناكير في أخباره من جهة زبان بن فائد.

وقال العجلي في (الثقات)(1/ 440): مصري تابعي ثقة، وقال الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب"(2/ 222)، وفي "صحيح الجامع" (6082): حسن.

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 10 / أ).

ص: 858

الله تعالى خَلَفًا منه، وهو كناية عن طول العمر وسعة الرزق.

(د، مص) أي: رواه أبو داود، وابن أبي شيبة، عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم

(1)

.

(أَبْلِ وأخلق) قال المؤلف: "هو بفتح الهمزة فيهما من بلي الثوب

(2)

يبلى بِلًى، بكسر الباء، ومن خلق الثوب يخلق بضم اللام خَلُوقَةً، إذا بلي وانقطع، فهذا أمر بمعنى الدعاء كناية عن طول العمر، قال في "النهاية": "يروى يالقاف والفاء، فالقاف من إخلاق الثوب

(3)

: تقطيعه، وأما الفاء فبمعنى العوض والبدل، وهو الأشبه"، انتهى، والمحفوظ هو القاف، وأما الفاء ففي حديث: "تبلي ويخلف الله""

(4)

، تم كلامه.

ثم الجمع بينهما لإفادة التأكيد، وكذا التكرير بقوله:(ثم أبلِ وأخلق، ثم أبلِ وأخلق) وهو في عبارة "المشكاة" وقع مرتين. (خ، د) أي: رواه البخاري، وأبو داود عن أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص

(5)

.

(1)

أخرجه أبو داود (4020)، وابن أبي شيبة (25092) من حديث أبي نضرة قال كان أصحاب رسول الله "إذا لبس أحدهم ثوبا جديدا قيل له: تبلى ويخلف الله تعالى"، وصحح إسناده ابن حجر في "فتح الباري" (10/ 280).

(2)

بعدها في "مفتاح الحصن الحصين" زيادة: "بكسر اللام".

(3)

النهاية (2/ 71).

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 10/ أ، ب).

(5)

أخرجه البخاري (3071) بلفظ "أبلي وأخلفي، ثم أبلي وأخلفي، ثم أبلي وأخلفي"، وفي (5823) بلفظ "أبلي وأخلقي"، وفي (5845) بلفظ "أبلي وأخلقي" مرتين" وفي (5993) بلفظ "أبلي وأخلقي، ثم أبلي وأخلقي، ثم أبلي =

ص: 859

واعلم أنه في المتن "أبلِ وأخلق" على صيغة الواحد المخاطب المذكر، وفي بعض نسخ الحاشية:"أبلي وأخلقي"، بصيغة الواحدة المخاطبة، ولفظ الحديث هذه الواحدة المخاطبة؛ لأن الخطاب لأم خالد الراوية، فالمذكور في المتن نقل بالمعنى لبيان العمل بالحديث بالنسبة إلى المذكر نظرًا إلى الأغلب المفهوم منه أن يؤنث ضمير المؤنث.

هذا، "وعن ابن عمر قال:"رأى النبي صلى الله عليه وسلم على عُمَرَ ثوبًا أبيض، فقال: أجديد قميصك أم غسيل؟ فقال: بل جديد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: البس جديدًا، وعِشْ حميدًا، ومت شهيدًا". قال عبد الرزاق: "وزاد فيه الثوري عن إسماعيل بن أبي خالد: "ويعطيك الله قرة العين في الدنيا والآخرة". أخرجه أبو حاتم"، كذا في "الرياض النضرة"

(1)

.

= وأخلقي"، وأبو داود (4024) بلفظ "أبلي وأخلقي" مرتين".

(1)

الرياض النضرة (2/ 321). والحديث أخرجه معمر بن راشد في "جامعه"(20382)،، والطبراني في "الدعاء" رقم (399) وفي المعجم الكبير (12/ 283) رقم (13127).

قال أبو داود: سمعت أحمد ذكر حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على عمر ثوبا جديدًا قال: "لبست جديدًا"؟ فقال: كان يحدث به عبد الرزاق من حفظه، فلا أدري هو في كتابه أم لا؟ وجعل أبو عبد الله ينكره، قال أبو عبد الله: وكان حديث أبي الأشهب عنده =

ص: 860

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= يعني: عبد الرزاق- عن سفيان؛ وكان يغلط فيه يقول: عن عاصم بن عبيد الله، عن أبي الأشهب. "مسائل الإمام أحمد" رواية أبي داود (ص: 435).

وقال أحمد -في رواية الأثرم-: سماع عبد الرزاق بمكة من سفيان مضطرب جدًّا "شرح علل الترمذي"(2/ 770).

قال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث قال قال سليمان الشاذكوني قدمت على عبد الرزاق فحدثنا بهذا الحديث عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه ثم رأيت عبد الرزاق يحدث بهذا الحديث عن سفيان الثوري عن عاصم بن عبيد الله عن سالم عن ابن عمر قال محمد وقد حدثونا بهذا عن عبد الرزاق عن سفيان أيضا قال محمد وكلا الحديثين لا شيء.

وأما حديث سفيان فالصحيح ما حدثنا به أبو نعيم عن سفيان عن ابن أبي خالد عن أبي الأشهب أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على عمر ثوبا جديدا مرسل.

قال محمد واسم أبي الأشهب هذا زاذان قال ابن إدريس أنا ذهبت بابن أبي خالد إليه. "ترتيب علل الترمذي الكبير"(ص: 373).

قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه إلا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه ولم يتابعه عليه أحد "المسند"(10/ 465).

قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه رأى على عمر بن الخطاب ثوبا جديدًا فقال: البس جديدًا، وعش حميدًا، وتوف شهيدا، ويرزقك الله قرة عين في الدنيا والآخرة.

قال أبي: ورواه عبد الرزاق أيضا عن الثوري، عن عاصم بن عبيد الله، عن سالم، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. =

ص: 861

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= فأنكر الناس ذلك، وهو حديث باطل، فالتمس الحديث: هل رواه أحد؟ فوجدوه قد رواه ابن إدريس، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي الأشهب النخعي، عن رجل من مزينة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله. "علل الحديث"(4/ 345)، وقال أيضا: سمعت أبي يقول: روى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه رأى على عمر ثوبًا غسيلًا، أو جديدًا، فقال: عشت حميدًا.

قال أبي: هذا حديث ليس له أصل من حديث الزهري.

قال أبي: ولم يرض عبد الرزاق حتى أتبع هذا شيئا أنكر من هذا، فقال: حدثنا الثوري، عن عاصم بن عبيد الله، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله، وليس لشيء من هذين أصل. قال أبي: وإنما هو: معمر، عن الزهري مرسلا: أن النبي صلى الله عليه وسلم. "علل الحديث"(4/ 331).

قال النسائي: هذا حديث منكر أنكره يحيى بن سعيد القطان على عبد الرزاق لم يروه عن معمر غير عبد الرزاق وقد روي هذا الحديث عن معقل بن عبد الله واختلف عليه فيه فروي عن معقل عن إبراهيم بن سعد عن الزهري مرسلا وهذا الحديث ليس من حديث الزهري والله أعلم "السنن الكبرى"(6/ 86).

قال ابن حبان: قال عبد الرزاق: وزاد فيه الثوري عن إسماعيل بن أبي خالد: (ويعطيك الله قرة العين في الدنيا والآخرة)"صحيحه"(15/ 320).

قال البيهقي: هذا المتن بهذا الإسناد أشبه، وهو أيضا غير محفوظ، والصواب عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي الأشهب، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، وهم فيه عبد الرزاق، عن الثوري، والله أعلم، وأبو الأشهب هذا هو زياد بن زاذان موك بني هلال، قاله البخاري رحمه الله. انظر:"الدعوات الكبير"(2/ 79).

ص: 862

(فإذا خلع ثيابه) أي: إذا أراد خلعها لغسل، أو نوم، أو نحوهما، (فستر ما بين أعين الجن وعورته) بالجر، (أن يقول: باسم الله) والسِّتر بالكسر الحجاب، وفي نسخة: بالفتح، وهو مصدر سترت الشيء، إذا غطيته.

(مص، ي) أي: رواه ابن أبي شيبة، وابن السني، عن أنس

(1)

.

(1)

لم نقف عليه عند أبي شيبة، وأخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" رقم (273، 273)، والطبراني في المعجم الأوسط (2504) عن أنس بلفظ "ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا نزع أحدهم ثوبه أن يقول: بسم الله"، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (1/ 205): رواه الطبراني في الأوسط بإسنادين أحدهما فيه سعيد بن مسلمة الأموي، ضعفه البخاري وغيره، ووثقه ابن حبان وابن عدي، وبقية رجاله موثقون، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" رقم (5923).

ص: 863

‌دعاء الاستخارة

(وإذا همَّ بأمر) أي: قصد السالك أمرًا مهمًّا ويكون مترددًا في أنه هل هو خير في نفسه، أو في متعلقاته أم لا. وقال ابن أبي جمرة:"ترتيب الوارد على القلب على مراتب: الهمة، ثم اللمة، ثم الخطرة، ثم النية، ثم الإرادة، ثم العزيمة، فالثلاثة الأول لا يؤاخذ بها بخلاف الثلاث الأخر، فقوله: "إذا هم" يشير إلى أن أول ما يرد على القلب يستخير، فيطلب الخير ليظهر له ببركة الصلاة والدعاء ما هو الخير، بخلاف ما إذا تمكن الأمر عنده، وقويت عزيمته فيه، فإنه يصير إليه ميل وحب فيخشى أن يخفى عليه وجه الأرشدية لغلبة ميله إليه".

قال: "ويحتمل أن يكون المراد بالهم العزيمة؛ لأن الخواطر لا تثبت، فلا يستخير إلا على ما يقصد التصميم على فعله، وإلا لو استخار في كل خاطر لاستخار فيما لا يعبأ به؟ فيضيع عليه أوقاته"

(1)

، انتهى.

وفيه أنه كيف يضيع أوقاتَهُ، وهو في كل وقت يطلب خيره من الله تعالى على كل خطرة، اللهم إلا أن يقال: إنه يكون سببًا لضياع المهمات في الأوقات، ثم لا يخفى أن الأولى هو اختيار الأوسط بين الخطرة والعزيمة، وهو الإرادة كما اخترناه.

(1)

انظر فتح الباري (11/ 185).

ص: 864

ويؤيده ما رواه الطبراني، والحاكم وصححه، عن ابن مسعود بلفظ:"إذا أراد أحدكم أمرًا"

(1)

(فليركع) أي: فليصل (ركعتين) يقرأ فيهما الكافرون والإخلاص، أو آية {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص: 68]، وآية {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ [يَكُونَ]

(2)

لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].

(من غير الفريضة) وفي نسخة: "من غير فريضة"، إشارة إلى أنه لا تجزئ الفريضة مقامهما، ولا يكتفى بها عنهما، بخلاف تحية المسجد وشكر الوضوء، فإنهما يؤديان بكل صلاة، ففيه إشعار باهتمام هذه اورة، والأظهر أن المراد به الوجه الأكمل، وهو أن يكون صلاته على حدة من غير فريضة، أو سنة مؤكدة، ثم إنه صلى الله عليه وسلم ما عيّن وقتًا؛ فذهب جمع إلى [جوازها]

(3)

في جميع الأوقات، والأكثرون على أنها في غير الأوقات المكروهة.

(ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك) من الاستخارة، وهي استفعال من الخير ضد الشر، ومعناه: طلب الخير في الشيء، ومنه دعاء الاستخارة:

(1)

أخرجه الطبراني في "الدعاء"(1302)، وفي "المعجم الكبير"(10/ 78) رقم (10012) وفي "الصغير"(524) وفي "الأوسط"(3723)،

(2)

كذا في (ب)، وفي (أ):"تكون".

(3)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (ب):"جوازهما".

ص: 865

"اللهم خر لي، أي: اختر لي أصلح الأمرين، واجعل الخيرة فيه"، كذا في "النهاية"

(1)

.

والخيرة: بسكون الياء الاسم من خار الله لك، أي: أعطاك ما هو خير لك.

والحاصل: أن معناه أطلب خيرك، أو أطلب منك الخير، والعلم به في هذا الأمر المهم المبهم.

(بعلمك) أي: بسبب علمك المحيط بالخير والشر، كما قال تعالى:{وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216].

(وأستقدرك) قال المؤلف: "أي: أطلب منك أن تجعل لي عليه قدرة"

(2)

، انتهى. وفي "القاموس":"استقدر الله خيرًا: سأله أن يقدر له خيرًا"

(3)

.

(بقدرتك) أي: بحولك وقوتك، وفيه كمال التفويض علمًا وعملًا، وقال الطيبي على ما نقله ميرك عنه: "الباء في الموضعين:

إما للاستعانة كما في قوله تعالى: {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} [هود: 41]،

(1)

النهاية (2/ 91).

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 10/ ب).

(3)

"القاموس المحيط"(ص 460).

ص: 866

أي: أطلب خيرك مستعينًا بعلمك، فإني لا أعلم فِيمَ خيري؟! وأطلب منك القدرة، فإنه لا حول ولا قوة إلا بك.

وإما للاستعطاف، أي: بحق علمك الشامل، وقدرتك الكاملة"

(1)

، انتهى. وفي رواية النسائي:"وأستهديك بقدرتك"

(2)

.

(وأسألك من فضلك العظيم) أي: من غير تعلق بعمل مترتب على أمل ناشئ من توهم علم، أو قدرة لي، (فإنك تقدر) بكسر الدال رواية، (ولا أقدر) وفي "القاموس":"القدرة القوة والاقتدار، والفعل كضرب ونَصَرَ وفَرِح"

(3)

.

(وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب) بضم الغين ويكسر، وهو كل ما غاب عن العيون، سواء كان محصلًا في القلوب، أو لا، كذا في "النهاية"

(4)

.

(اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر) اللام للعهد الذهني، فإن المراد به الأمر المتردد فيه من جهة كونه خيرًا، أو شرًّا، كالسفر والنكاح وغيرهما،

(1)

انظر "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح"(3/ 985).

(2)

لم نقف عليه عند النسائي، وذكره صاحب كتاب "شرح مسند أبي حنيفة"(ص 19) وعزاه للنسائي.

(3)

"القاموس"(ص 460).

(4)

"النهاية"(3/ 399).

ص: 867

(خير لي في ديني ودنياي) قيل: "معناه: اللهم إنك تعلم"، فأوقع الكلام موقع الشك على معنى التفويض إليه والرضا بعلمه فيه، وهذا النوع يسميه أهل البلاغة "تجاهل العارف ومزج الشك باليقين".

أقول: ولا خفاء في أنه غير مناسب للترديد الذي بني أمره على معرفة الله تعالى وجهل العبد [به]

(1)

، فالظاهر أن الشك بالنظر إلى المستخير؛ لأنه ليس بمتيقن عنده، بل هو متردد في أن علمه سبحانه هل تعلق بكون هذا الأمر خيرًا أو شرًّا، لا في أصل العلم لأنه من المعلوم بالضرورة من الدين، وقدم الدين لأنه أهم المهمات، وأتم المرادات، وأقصى الغايات.

(ومعاشي) ففي "الصحاح": "العيش الحياة، وقد عاش الرجل معاشًا ومعيشًا، وكل واحد منهما يصلح أن يكون مصدرًا، وأن يكون اسمًا، مثل: معيب ومعاب"

(2)

.

وقال ميرك

(3)

: "ويحتمل أن يكون المراد بالمعاش الحياة، وأن يكون المراد ما يعاش فيه، ووقع في حديث ابن مسعود عند الطبراني في "الأوسط": "في ديني ودنياي"

(4)

. وفي حديث أبي أيوب عنده أيضًا في

(1)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"له".

(2)

"الصحاح"(3/ 1012).

(3)

انظر "مرقاة المفاتيح"(3/ 986).

(4)

أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط"(3723) من حديث ابن مسعود.

ص: 868

"الكبير": "في دنياي وآخرتي"

(1)

.

(وعاقبة أمري، أو عاجل أمري)، وفي نسخة:"أو في عاجل أمري"، أي: أمري العاجل، وهو أمر الدنيا، (وآجله) أي: آجل أمري، وهو الأمر الآجل المتأخر من أمر الآخرة.

قال المؤلف: ""أو" في الموضعين للتخيير، أي: أنت مخير، إن شئت قلت: عاجل أمري وآجله، أو قلت: معاشي وعاقبة أمري"

(2)

، انتهى.

وقال العسقلاني: "الظاهر أنه شك في أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عاقبة أمري"، أو قال: "عاجل أمري وآجله" وإليه ذهب القوم، حيث قالوا: هي على أربعة أقسام: خير في دينه دون دنياه وهو مقصود الأبدال، وخير في دنياه فقط وهو حظ حقير، وخير في العاجل دون الآجل، وبالعكس وهو أولى، والجمع هو الأفضل.

ويحتمل أن يكون الشك في أنه صلى الله عليه وسلم قال: "في ديني ومعاشي وعاقبة أمري"، أو قال بدل الألفاظ الثلاثة:"في عاجل أمري وآجله"، ولفظة "في" المعادة في قوله:"في عاجل أمري" ربما يؤكد هذا، وعاجل الأمر يشمل الديني والدنيوي، و"الآجل" يشملهما والعاقبة"

(3)

، انتهى.

(1)

أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"(4/ 133) رقم (3901) من حديث أبي أيوب.

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 10/ ب).

(3)

انظر "مرقاة المفاتيح"(3/ 986).

ص: 869

ولا شك أن "أو" في الحديث ليس من كلام النبوة المفيد للتخيير، وإنما استفيد التخيير من وقوع شك الراوي في التعبير، فاندفع كلام الحنفي بعد نقل كلام المصنف، ويجوز أن تكون للشك، ويؤيده ما في بعض الكتب كـ "المشكاة" و"الأذكار" وغيرهما ناقلين عن البخاري، "أو قال: عاجل أمري وآجله".

(فاقدره لي) قال المصنف: "بوصل الهمزة وضم الدال، أي: اقض لي به وهيئه"

(1)

، انتهى. وكذا قاله في "النهاية"

(2)

.

وقيل: "بكسر الدال، أو ضمها، وهو المفهوم من "القاموس"، حيث قال: "القدر محركة: القضاء والحكم، وقدر اللهُ ذلك عليه يقدره ويقدره قدرًا وقدرًا وقدرة عليه وله"

(3)

، انتهى. وقيل: "معناه اجعله مقدورًا لي، أو قدره لي، [أو]

(4)

نجزه لي".

(ويسره لي) أي: سهله لي [ووفقني له]

(5)

، وقال ميرك:"روي بضم الدال وكسرها، ومعناه: أدخله تحت قدرتي؛ فيكون قوله: "يسره لي" طلب التيسير بعد طلب التقدير، وقيل: المراد من التقدير التيسير؛ فيكون

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 10/ ب).

(2)

"النهاية"(4/ 22)

(3)

"القاموس"(ص 460).

(4)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"و".

(5)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"ووفقه لي".

ص: 870

"ويسره" عطفًا تفسيريًّا"

(1)

.

(ثم بارك) أي: أوقع البركة، إلى فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو عاجل أمري وآجله فاصرفه) أي: ذلك الأمر، (عني واصرفني عنه) وفيه مبالغة لا تخفى نحو قولهم: إياك والأسد.

(واقدر لي الخير) بضم الدال، ويجوز كسرها، (حيث كان) أي: وجد الخير، (ثم أرضني به) من الإرضاء، وفي نسخة صحيحة:"ثم رضني" من الترضية، وهما بمعنًى، أي: اجعلني راضيًا به، وفي نسخة كتب فوقه رمز البخاري، ورواه النسائي:"حيث كنت، ثم أرضني بقضائك"

(2)

.

قال ابن المعلى في "منسكه": "قال شهاب الدين القرافي

(3)

في كتابه "القواعد": من الدعاء المحرم المرتب على استئناف المشيئة، كمن يقول: اقدر لي الخير؛ لأن الدعاء بوضعه اللغوي إنما يتناول المستقبل

(1)

انظر "مرقاة المفاتيح"(3/ 986).

(2)

أخرجه النسائي في "الكبرى"(10259).

(3)

هو أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن (626 - 684 هـ). أبو العباس شهاب الدين القرافي: أصله من ضهاجة وهو فقيه مالكي مصري المولد والمنشأ والوفاة انتهت إليه دراسة الفقه على مذهب مالك من تصانيفه "الفروق" و"الذخيرة" وشرح "تنقيح الفصول في الأصول" ينظر: الديباج المذهب (ص 62 - 67) وشجرة النور (ص 188).

ص: 871

دون الماضي؛ لأنه طلب والطلب في الماضي محال، فيكون مقتضى هذا الدعاء أن يقع تقدير الله تعالى في المستقبل من الزمان، والكل تعالى يستحيل عليه استئناف التقدير، بل وقع جميعه في الأزل، فيكون هذا الدعاء يقتضي مذهب من يرى أنه لا قضاء، وأن الأمر أنف، كما خرجه مسلم عن الخوارج وهو فسق بإجماع.

فإن قلت: قد ورد الدعاء بلفظ "اقدر" في حديث الاستخارة، فقال فيه:"واقدر لي الخير حيث كان"؟

قلت: يتعين أن يعتقد أن التقدير أريد به التيسير على سبيل المجاز، فالداعي إذا أراد هذا المجاز جاز، وإنما يحرم الإطلاق عند عدم النية"، انتهى.

والأظهر أن يقال: إنما يحرم إذا أراد تغيير التقدير، أو استئناف التقدير لا عند عدم النية، لا سيما وقد ورد هذا الدعاء في السنة، ولا كل أحد مطلع على هذه الدقيقة، فبمجرد عدم النية لا يتحقق الحرمة.

هذا، وقد يقال: معنى "واقدر لي الخير" أظهر تقديرك الخير لي في هذا الأمر، وبيِّنْ وجهه لينكشف لي الخير والشر، ولا يبعد أن يكون مثل هذا الأمر معلقًا بدعاء العبد، فيقع على مقتضاه؛ فإن القدر جزئيات لكليات القضاء، أو بالعكس على خلاف فيه كما حقق في زيادة العمر، ورد القضاء بالدعاء، وفي قوله تعالى: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ

ص: 872

الْكِتَابِ} [الرعد: 39]، والله أعلم بالصواب.

(خ، عه) أي رواه: البخاري، والأربعة، عن جابر بن عبد الله الأنصاري

(1)

.

(إن كان) أي: وفي رواية بعد صدر الحديث: "إن كان"، أي: الأمر المقصود، (خيرًا) أي:"لي" كما في نسخة صحيحة، (في ديني) أي: في أمر ديني في الدنيا، (ومعادي) أي: في أمر مرجعي في العقبى، (ومعاشي) أي: في أمر معيشتي حال حياتي جميعها، (وعاقبة أمري) أي: عند مماتي وحسن خاتمتي.

(فقدره) بتشديد الدال المكسورة، أي: اجعله مقدورًا، (لي، ويسره لي) أي: سهله لي، ووفقني عليه، (وبارك لي فيه، وإن كان) أي: "الأمر" كما في نسخة، (شرًّا لي في ديني ومعادي، ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عني، واصرفني عنه، وقدر) وفي نسخة: "واقدر" إلى الخير، ورضِّني به) بتشديد الضاد المكسورة.

(حب، مص) أي رواه: ابن حبان، وابن أبي شيبة، عن جابر

(2)

أيضا، وفي "أصل الأصيل" رمز الحاكم بدله، والأول أصح، وعليه أكثر النسخ.

(1)

أخرجه البخاري (1170) وفي (6382) وفي (7390)، وأبو داود (1538)، والترمذي في (480)، والنسائي في "المجتبى"(3253) وفي "الكبرى"(5555)، وابن ماجه (1383) جميعهم من حديث جابر بن عبد الله.

(2)

أخرجه ابن حبان (887)، وابن أبي شيبة (29403) من حديث جابر بن عبد الله.

ص: 873

(خيرًا) أي: وفي رواية أخرى لابن حبان كما سيأتي: "إن كان خيرًا"(لي في ديني، وخيرًا لي في معيشتي، وخيرًا لي في عاقبة أمري، فاقدره لي، وبارك لي فيه، وإن كان غير ذلك) أي: غير هذا الأمر المراد، (خيرًا لي، فاقدر لي الخير حيث كان، ورضني بقدرك) بفتحتين، أي: بتقديرك وقضائك.

(حب) أي: رواه ابن حبان عن أبي هريرة

(1)

.

(خيرًا) أي: وفي رواية أخرى له: "إن كان خيرًا"(لي في ديني ومعيشتي وعاقبة أمري، فاقدره لي، ويسره وإن كان كذا وكذا للأمر الذي يريد) بيان لـ "كذا، وكذا"، وفي نسخة:"الأمر الذي يريد"(شرًّا لي في ديني ومعيشتي وعاقبة أمري، فاصرفه عني، ثم اقدر لي الخير أينما كان) أي: الخير.

(لا حول ولا قوة إلا بالكد) أي: في تعيين الخير وتبيين الشر وغيرهما من الأمور. (حب) أي: رواه ابن حبان عن أبي سعيد الخدري

(2)

.

(وأسألك) أي: وفي رواية: "اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك"(من فضلك ورحمتك، فإنهما بيدك) أي: بتصرفك، (لا يملكهما أحد سواك) أي: غيرك، (فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا

(1)

أخرجه ابن حبان (886) من حديث أبي هريرة، وقال محققه: إسناده حسن، والحديث أصله عند البخاري وغيره بلفظ "إذا هم أحدكم بالأمر" أو "إذا أراد أحدكم أمرا".

(2)

أخرجه ابن حبان (885) من حديث أبي سعيد الخدري،

ص: 874

أقدر، وأنت علام الغيوب) أي: وأنت على كل شيء قدير، فهو من باب الاكتفاء أو الظهور.

(اللهم إن كان هذا الأمر الذي [يريده]

(1)

الموصول بيان لهذا الأمر، (خيرًا لي في ديني وفي دنياي) وفي نسخة:"ودنياي"(وعاقبة أمري، فوفقه) أي: اجعله على وَفق مقصودي، (وسهله) أي: يسره، (وإن كان غير ذلك) أي: الأمر، (فوقني للخير حيث كان) أي: الأمر الخير. (ر) أي: رواه البزار عن ابن مسعود

(2)

.

(1)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"أريده".

(2)

أخرجه البزار (1528)، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/ 187): رواه البزار بأسانيد، والطبراني في الثلاثة، وأكثر أسانيد البزار حسنة.

ص: 875

‌ما يتعلق بأمور الزواج

(فإن كان) أي: الأمر المستخار فيه، (زِواجًا) بكسر الزاي، أي: تزوجًا ونكاحًا، (فليكتم الخِطبة) بكسر الخاء المعجمة، وهو أن يخطب الرجل المرأة [تقول]

(1)

منه: خطب يخطب خِطبة بالكسر، وأما الخُطبة بالضم فهو من القول بالثناء والكلام بالوعظ على المنبر وغيره.

(ثم ليتوضأ فيحسن) بالرفع أو الجزم، وهو من الإحسان، ويجوز من التحسين، أي: فيسبغ (وضوءه) بأن يكمله، فيأتي بفرائضه وسننه وآدابه، (ثم ليصلِّ ما كتب الله له) أي: ما قدر له وقضاه، وأقله ركعتان يقرأ فيهما الكافرون والإخلاص، وقيل: "في الأولى قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ [يَكُونَ]

(2)

لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} الآيةَ، وفي الثانية:{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ}

(3)

الآيةَ.

(ثم ليحمد الله) أي: يثني عليه ويشكره على نعمه، (ويمجده) أي: يعظمه بذكر أوصاف الجلال ونعوت الجمال على وجه الكمال.

(ثم ليقل: اللهم إنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، فإن رأيت) أي: علصت بمعنى إن تعلق علمك، (أن في فلانةَ)

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"بقوله".

(2)

كذا في (ب)، وفي (أ):"تكون".

(3)

بعدها في (أ) زيادة: " {وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [القصص: 68] "، وفي (ج) و (د):" {وَيَخْتَارُ} ".

ص: 876

بفتح التاء غير منونة، وفي نسخة: بالجر منونة، (ويسميها) أي: يذكرها باسمها، (خيرًا لي) نصب على اسم "أن"(في ديني ودنياي وآخرتي، فاقدرها لي، وإن كان غيرها خيرًا منها لي) وفي نسخة: "خيرًا لي منها"(في ديني وآخرتي) ترك هنا "ودنياي" إشارة إلى ترجيح ذات الدين على ذات الدنيا، كما في الحديث المشهور المتفق عليه:"تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فا ظفر بذات الدين"(فاقدرها لي. حب، مس) أي رواه: ابن حبان، والحاكم؛ كلاهما عن أبي أيوب

(1)

.

(من سعادة ابن آدم استخارته الله، ومن شقوته) بالكسر وفتحه لغة على ما ذكره الجوهري، وفي نسخة:"شقاوته"، وهي بالفتح ضد السعادة، وقرأ قتادة "شقاوتنا" بالكسر، وهي لغة، كذا في "الصحاح"

(2)

(تركه) أي: ترك ابن آدم، (استخارة الله) بالإضافة إلى المفعول.

(مس، ت) أي رواه: الحاكم، والترمذي، عن سعد بن أبي وقاص

(3)

.

(1)

أخرجه ابن حبان (4040)، والحاكم (1/ 314) من حديث أبي أيوب، وقال الحاكم عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه،، وضعفه الألباني في "ضعيف الجامع" رقم (1092)، وفي "السلسلة الضعيفة" رقم (2875)، في إسناده أيوب بن صفوان ويعرف بأيوب بن خالد بن أبي أيوب فيه لين كما قال الحافظ في "التقريب" رقم (610)، وأبوه خالد بن أبي أيوب أورده ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"(3/ 322) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.

(2)

"الصحاح"(6/ 2394).

(3)

أخرجه الحاكم (1/ 699)، والترمذي (2151) وقال الترمذي عقبه: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن أبي حميد، ويقال له أيضا: =

ص: 877

وفي "الجامع الصغير" لفظه بروايتهما عنه: "من سعادة ابن آدم استخارته الله، ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله له، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله، ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضى الله له"

(1)

.

وفي "الجامع"

(2)

أيضًا: ""ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، ولا عال من اقتصد". رواه الطبراني في "الأوسط" عن أنس"

(3)

.

وقال بعض الحكماء: "من أعطي أربعًا لم يمنع أربعًا؛ من أعطي الشكر لم يمنع المزيد، ومن أعطى التوبة لم يمنع القبول، ومن أعطي

= حماد بن أبي حميد وهو أبو إبراهيم المديني وليس هو بالقوي عند أهل الحديث، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي، وقال ابن حجر في "فتح الباري" (11/ 184): أخرجه أحمد وسنده حسن. وضعفه الألباني في "ضعيف الجامع" رقم (5300)، وفي "السلسلة الضعيفة"(1906). في إسناده محمد بن أبي حميد ضعيف كما قال الحافظ في "التقريب"(5836).

(1)

هذا لفظ الترمذي.

(2)

"الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير"(ص 282) دار القلم للتراث.

(3)

أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط"(6627) وفي "المعجم الصغير"(980) من حديث أنس، وقال ابن حجر في "فتح الباري" (11/ 184): أخرجه الطبراني في الصغير بسند واه جدا، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (8/ 96): رواه الطبراني في الأوسط والصغير من طريق عبد السلام بن عبد القدوس وكلاهما ضعيف جدا. قلت عبد السلام بن عبد القدوس اتهمه ابن حبان بالوضع في "المجروحين"(2/ 150).

ص: 878

الاستخارة لم يمنع الخير، ومن أعطي المشورة لم يمنع الصواب"

(1)

.

ثم الاستخارة المختصرة ما ورد في حديث: "اللهم خر لي، واختر لي، ولا تكلني إلى اختياري". ونقل عن شيخ الإسلام خواجه عبد الله الأنصاري، ويقال له:"نديم الباري" قدس الله روحه، وفتح لنا فتوحه هذه الاستخارة المنظومة:

يا خائرًا لعبيده * لا تتركن أحدًا سدى

خر لي إليك طريقة * بيديك أسبابُ الهدى

(2)

(وإن تولى عقدًا) أي: عقد نكاح وأراد مباشرته، (فخطبته) أي: السابقة على أصل العقد، (أنِ الحمدُ لله) بكسر النون للالتقاء، ورفع "الحمدُ"، فهي "أن" المخففة من الثقيلة، كقوله تعالى:{وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 10] على ما نقله ميرك عن الطيبي، وقال البيضاوي:"و"أن" هي المخففة من الثقيلة، وقد قرئ بها وبنصب "الحمدَ""، وفي نسخة صحيحة: بتشديد النون ونصب "الحمد".

وقال المصنف: "يروى بتشديد النون وتخفيفها، والمعنى فيهما واحد"

(3)

، انتهى. وقال الحنفي: "نصب الحمد مع تشديد النون واجب،

(1)

"المجالسة وجواهر العلم"(2/ 413)، و"شرح مسند أبي حنيفة"(ص 20)، و"مرقاة المفاتيح"(8/ 3326)، و"إحياء علوم الدين"(1/ 206).

(2)

"مرقاة المفاتيح"(3/ 987).

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 10/ ب).

ص: 879

ورفعه مع التخفيف".

قلت: ومفهومه أنه لا يجوز غيرهما، وليس كذلك، بل يصح فيه أربعة أوجه: أما النصب مع التشديد فظاهر، وأما الرفع مع التشديد فجائز على سبيل الحكاية، وكذا مع التخفيف وجهان؛ إذ التقدير: فخطبته أن يقول، أو أن يقول: الحمد لله، ويؤيده ما ذكره المؤلف في "تصحيح المصابيح":"يجوز تخفيف "أن" وتشديدها، ومع التخفيف يجوز رفع "الحمد" ونصبه، ورويناه بذلك".

(نحمده) جمع بينهما إشعارًا بأن الأول جملة اسمية دالة على الثبوت والدوام، وأن "الحمد لله" متحقق، وأنه مستحق له سواء حُمِدَ، أو لم يُحْمَدْ. [والثاني]

(1)

جملة فعلية تدل على التجدد والاستمرار التام والإيماء إلى أن الأول إخبار والثاني إنشاء، أو بالعكس، أو المراد بـ "نحمده" نشكره على نعمه التي من جملتها حمده.

(ونستعينه) أي: على حمده وغيره من الأمور الدينية والدنيوية، (ونستغفره) أي: من التقصير في حمده واستعانته وسائر ما يجما علينا فعله، (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا) أي: من الأخلاق الدنية، (ومن سيئات أعمالنا) أي: من الأفعال الردية.

(من يهده الله) أي: من يرد الله هدايته، ويتعلق به عنايته، (فلا مضل له، ومن يضلل) أي: من يضلله ويخذله لعدم تعلق إرادة الهداية وسبق

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"والثانية".

ص: 880

العناية به، (فلا هادي له) كما قال تعالى:{مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف: 17]، وقال عز وجل:{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56]، وفي إتيان ضمير المفعول في جانب الهداية وتركه في جانب الضلالة نكتة مشيرة إلى العناية.

(وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) قال المصنف: "قوله: "نحمده، ونستعينه، [ونستغفره]

(1)

، ونعوذ بالله" هو بالنون في الثلاثة، أي: نحن، و"أشهد" فيهما بالهمزة المفتوحة على الإفراد؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يشهد ولا يُخْبِر عن غيره، وإنما يشهد ويخبر عن نفسه"

(2)

، انتهى.

قال الحنفي: "المناسب للأصل كما نقله أن يقول: الأربعة بدل الثلاثة". نعم، الواقع في "المشكاة" وفي "الأذكار" أفعال ثلاثة إذ لم يوجد فيهما لفظ "نحمده" فما وقع في شرح "المشكاة" من لفظ الثلاثة هو المناسب.

قال: "وفيه بحث آخر؛ لأنه لا تفاوت بين كل من الأفعال الأربعة، وبين الشهادة، فما ذكره في وجه إفراد "أشهد" ليس على ما ينبغي والأولى أن يقال [كما]

(3)

قيل: الضمير المستكن في الأفعال الثلاثة للمتكلم ومن معه من أصحابه الحاضرين والغائبين.

(1)

ليست في "مفتاح الحصن الحصين".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 10/ ب).

(3)

زيادة من (أ) و (ب)(د).

ص: 881

ويجوز أن يكون قولًا من لسان [البشر]

(1)

، وخصص الشهادة بالإفراد إشارةً إلى أن وجوب الشهادة لكل فرد على حدة، ففيه إشارة إلى التفرقة أولًا، والى الجمع ثانيًا". قلت: هذا المعنى هو مراد المصنف، فتدبر يظهر.

({يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء: 1]) وهي آدم، ({وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}) أي: حواء، ({وَبَثَّ مِنْهُمَا}) أي: نشر منهما، أي: بالواسطة وعدمها، ({رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً}) أي: كثيرًا.

({وَاتَّقُوا اللَّهَ}) تأكيد لما سبق، [أو]

(2)

يقدر في أحدهما مخالفته، وفي الآخر عقابه، ({اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ}) بتخفيف السين على حذف إحدى التاءين للكوفيين، وبتشديدها على إدغام التاء بعد قلبها في السين، أي: يسأل بعضكم بعضًا، ({بِهِ}) أي: بالله، ({وَالْأَرْحَامَ}) جمع رحم بالنصب وتقديره: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وفي قراءة حمزة بالجر على أنه عطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، وهو جائز على الصحيح خلافًا لمن خالف كما حققناه في حاشية "تفسير الجلالين"

(3)

، ويراد به قولهم:"أسألك بالله والرحم". وقيل: الواو للقسم.

ثم هذا هو "أصل الأصيل"، وعليه أكثر النسخ، وفي نسخة صحيحة:"يا أيها الذين آمنوا اتَّقوا الله الذي تَسَاءَلُون به والأرحام"، وهو الموافق لـ "المشكاة" و"الأذكار" و"تيسير الأصول"، قال الطيبي: "ولعله هكذا في

(1)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د):"البشري".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"و".

(3)

"تفسير الجلالين"(ع 97).

ص: 882

مصحف ابن مسعود"

(1)

({إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}) أي: حافظًا مطلعًا.

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102]) أي: حق تقواه وما يجب منهما، وهو استفراغ الوسع في القيام بالمواجب والاجتناب عن المحارم؛ لقوله تعالى:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16].

وأما ما رواه الحاكم عن ابن مسعود مرفوعًا وصححه المحدثون من أنه هو: أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى

(2)

، فمبني

(1)

"مرقاة المفاتيح"(5/ 2070)، "عون المعبود"(6/ 108).

(2)

أخرجه الحاكم (2/ 294.) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. هذا الحديث يرويه زبيد بن الحارث واختلف عنه:

فقيل: زبيد بن الحارث، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود قوله: رواه عنه ابن المبارك في "الزهد"(22).

ورواه الطبري في "التفسير"(4/ 28، وابن أبي حاتم في "التفسير" 3908) عن شعبة بن الحجاج.

رواه الطبري في "التفسير"(4/ 28)، والطبراني في "المعجم الكبير"(9/ 92) رقم (8501)، وعنه: رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(7/ 238).

ورواه ابن المنذر في "التفسير"(1/ 317)، والحاكم في المستدرك (2/ 294) عن مسعر بن كدام.

رواه سفيان في "التفسير"(ص 79)، وعنه: عبد الرزاق في "التفسير"(1/ 406) عن سفيان الثوري.

وعبد الله بن وهب في الجامع (280).

ورواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ"(475)، وابن أبي حاتم في "التفسير"(3/ 722/ 3908)، والطبري في "التفسير"(4/ 27)، والطبراني في المعجم=

ص: 883

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الكبير 9/ 92/ 8502) عن ليث بن أبي سليم.

رواه أبو بكر بن أبي شيبة في "المصنف"(34553)، والطبري في "التفسير"(4/ 28) عن جرير بن عبد الحميد.

رواه عبد الله بن وهب في كتاب الجامع (161)، وأبو داود في "الزهد"(155)، والطبري في "التفسير"(4/ 28) عن عبد الرحمن المسعودي.

رواه الطبري في "التفسير"(4/ 28)، وأبو جعفر النحاس في "الناسخ والمنسوخ"(ص 75) عن منصور بن المعتمر.

وقيل عن زبيد بن الحارث وخالفهم محمد بن طلحة بن مصرف، فرواه من هذا الوجه عن زبيد بن الحارث، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود، مرفوعًا.

أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (7/ 238 - 239)، وقد ذكر ابن كثير في "التفسير"(2/ 72)، والزيلعي في "تخريج الكشاف"(1/ 210) أن ابن مردويه رواه من طريق يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن الثوري، عن زبيد اليامي، عن مرة بن شراحبيل، عن ابن مسعود مرفوعًا.

قلت: وتوبع الثوري على رفعه، تابعه محمد بن طلحة، فرواه عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود مرفوعا، أخرجه أبو نعيم في "الحلية"(7/ 238، 239). والصواب في هذا الحديث الوقف، ولا يصح مرفوعا، ورواية ابن مردويه التي رواها عن ابن وهب عن الثوري، فلا أعلم سند ابن مردويه إلى يونس بن عبد الأعلى، ولعل فيها علة إن سلمنا أن السند إلى يونس صحيح، فقد خولف ابن وهب في سنده، خالفه عبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن يوسف الفريابي وعبد الرزاق، فرووه عن الثوري، عن زبيد، عن ابن مسعود، قوله كما تقدم، وتوبع الثوري على وقفه، تابعه شعبة ومسعر بن كدام وجرير بن حازم وليث بن أبي سليم والمسعودي كلهم يرويه عن زبيد اليامي، عن مرة، عن ابن مسعود، قوله. قال ابن رجب:"والموقوف أصح"، وقال:"المشهور وقفه".=

ص: 884

على كماله، وقيل:"هو أن ينزه الطاعة عن الالتفات إليها، وعن توقع المجازاة عليها"

(1)

.

({وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]) أي: ولا تكونُنَّ على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت، فهو في الحقيقة أمر بدوام الإسلام، فإن النهي عن المقيد بحال أو غيرها قد يتوجه بالذات نحو

= الدارقطني في "العلل"(5/ 274) وسئل عن حديث مرة الطيب، عن عبد الله في قوله تعالى:{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} ، أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى.

فقال: يرويه زبيد، عن مرة، عن عبد الله.

وخالفه عمرو بن مرة، فرواه عن مرة، عن الربيع بن خثيم قوله، قيل للشيخ مرة الهمداني، قال: نعم هو مرة بن شرحبيل الطيب الهمداني نبيل جليل.

وقال ابن كثير في "التفسير"(2/ 71): (وهذا إسناد صحيح موقوف)، والله أعلم.

الزيلعي في "تخريج الكشاف"(1/ 210) روي موقوفًا ومرفوعًا والأكثر على وقفه.

وروي مرفوعا بسند آخر رواه البيهقي في "الزهد الكبير"(2/ 393/ 887)، وفي "القضاء والقدر"(237) عن بكر بن سهل، ثنا عبد الغني بن سعيد، عن موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما، ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته قالوا: يا رسول الله وما حق تقاته؟ قال: "أن يذكر فلا ينسى، ويطاع فلا يعصى"، قالوا: يا رسول الله ومن يقوى على هذا؟ فأنزل الله عز وجل: فاتقوا الله ما استطعتم.

وبكر بن سهل، ضعيف. والضحاك، عن ابن عباس: منقطع.

(1)

"مرقاة المفاتيح"(9/ 3620).

ص: 885

الفعل تارة، والقيد أخرى، وقد يتوجه نحو المجموع دونهما، وكذا النفي ذكره البيضاوي، قيل:"معناه وأنتم متزوجون؛ لأن التزوج بالحلال من كمال الإسلام وتمام الأحوال".

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [الأحزاب: 70]) أي: صدقًا [وصوابًا]

(1)

، ({يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} الآية) يعني:{وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 71]، وهو بتمامه كذا في "المشكاة".

(عه، مس، عو) أي: رواه الأربعة، والحاكم، وأبو عوانة؛ كلهم عن ابن مسعود

(2)

، وقال الترمذي:"حسن"، ورواه أحمد والدارمي أيضًا.

(ورسوله) أي: وفي رواية بعد قوله: "ورسوله"

(3)

(أرسله بالحق) أي: بالقرآن، أو ملتبسًا بالحق، أي: بالصدق، (بشيرًا) أي: مبشرًا للمطيعين بالجنة، (ونذيرًا) أي: منذرًا ومخوفًا للعاصين بالنار، (بين يدي الساعة)

(1)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ):"وثوابًا".

(2)

أخرجه أبو داود (2118)، والترمذي (1105)، والنسائي في "المجتبى"(1404)، وفي "الكبرى"(1721)، وابن ماجه (1892)، والحاكم (2/ 199)، وأبو عوانة في "مستخرجه"(4143)، وأحمد (1/ 392)، والدارمي (2248) جميعهم من حديث ابن مسعود، وقال الترمذي عقبه: حسن، وصحح إسناده النووي في "شرح مسلم"(6/ 160)، وقال ابن الملقن في "البدر المنير" (7/ 531): هذا الحديث صحيح، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح"(3149).

(3)

يعني السابق في قوله: "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله".

ص: 886

أي: قدامها، وقبل وقوعها.

(من يطع الله ورسوله فقد رشد) بفتح الشين على ما في النسخ المصححة، ويجوز كسرها، أي: اهتدى، ففي "القاموس":"رشد كنصر وفَرِحَ رُشْدًا، ورَشَدًا، ورشادًا: اهتدى"

(1)

. وقال المؤلف: "رشد بفتح الشين ويجوز كسرها، يقال: رَشِدَ بالكسر يرشَدُ بالفتح، ورَشَدَ بالفتح يرشُدُ بالضم من الرشد، وهو: الهداية وضد الغيّ"

(2)

.

(ومن يعصهما) أي: الله ورسوله، فقد ضل فغوى وظلم نفسه، (فإنه لا يضر) أي: بالعصيان، (إلا نفسه) لأن وباله عليها، (ولا يضر الله شيئًا)؛ لأنه منزه عن ذلك، فقوله:"فإنه لا يضر" تعليل للجواب المقدّر فتدبر. (د) أي: رواه أبو داود عن ابن مسعود

(3)

أيضًا.

قال المؤلف: "قوله: "ومن يعصهيا" كذا ورد بجمع الضمير على التثنية، وهو مما انفرد به أبو داود وسكت عليه، وقد يقال: إنه مخالف لما

(1)

"مرقاة المفاتيح"(9/ 3620).

(2)

"القاموس"(صـ 282).

(3)

أخرجه أبو داود (1097)، وضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود" رقم (202). في إسناده ضعفاء.

1 -

أبو عياض المدني مجهول كما قال الحافظ في التقريب رقم (8292).

2 -

عبد ربه بن أبي يزيد مستور كمال قال الحافظ في التقريب رقم (3791) وبه وبعمران أعله ابن الملقن في "البدر المنير"(7/ 533).

3 -

عمران بن داور أبو العوام القطان صدوق يهم ورمي برأي الخوارج كما قال الحافظ في التقريب رقم (5154).

ص: 887

رواه مسلم في "صحيحه" من حديث عدي بن حاتم: "أن رجلًا خطب عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى"

(1)

.

قال القاضي عياض وجماعة من العلماء: "إنما أنكر عليه لتشريكه في الضمير المقتضي للتسوية، وأمره بالعطف تعظيمًا لأمر الله تعالى بتقديم اسمه، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: "لا يقل أحدكم شاء الله وشاء فلان، ولكن ما شاء الله، ثم شاء فلان"

(2)

، انتهى.

قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله: "والصواب أن سبب النهي أن الخطب شأنها البسط والإيضاح واجتناب الإشارات والرموز، وهذا ثبت في الصحيح: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا لتفهم"

(3)

، وأما قول الأولين فيضعف بأشياء، منها: أن مثل هذا الضمير قد تكرر في الأحاديث الصحيحة في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، كقوله:"أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما"

(4)

، وغيره من الأحاديث،

(1)

أخرجه مسلم (870) من حديث عدي بن حاتم.

(2)

"شرح النووي على مسلم"(6/ 159)، والحديث أخرجه أبو داود (4980)، والنسائي في "الكبرى"(10755) من حديث حذيفة بلفظ "لا تقولوا ما شاء الله، وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان"، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" رقم (137) وفي "صحيح الجامع" رقم (7451).

(3)

أخرجه البخاري (94، 95) من حديث أنس.

(4)

أخرجه البخاري (21، 16)، ومسلم (43) من حديث أنس.

ص: 888

وإنما ثنى الضمير هنا لأنه ليس خطبة وعظ، وإنما هو تعليم حكم، وكلما قل لفظه كان أقرب إلى حفظه بخلاف خطبة الوعظ، فإنه ليس المراد حفظها، وإنما يراد [الاتعاظ]

(1)

بها"

(2)

.

قال: "ومما يؤيد هذا ما ثبت في "سنن أبي داود" بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الحاجة: الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من [يهد]

(3)

الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئًا"

(4)

.

قلت: والذي وقع في "سنن أبي داود" من حديث ابن مسعود: أن الرجل قال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما، وقطع الكلام فقال: قم -أو: اذهب-؛ فبئس الخطيب أنت"

(5)

، فعلى هذا إنما رد عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأنكر من حيث إنه سوَّى بين من أطاع الله ورسوله وبين من عصاه، وعلى ذلك حمل الحديث الحافظ أبو عمرو الداني رحمه

(1)

كذا في (ب) و (ج)، وفي (أ) و (د):"الإيقاظ".

(2)

"شرح النووي على مسلم"(6/ 159).

(3)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د) و"مفتاح الحصن الحصين":"يهده".

(4)

"شرح النووي على مسلم"(6/ 160). والحديث أخرجه أبو داود (2118).

(5)

أخرجه أبو داود (4981) من حديث عدي بن حاتم.

ص: 889

الله وغيره من العلماء

(1)

"

(2)

.

(ونسأل الله أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله ويتبع) بسكون الفوقية وفتح الموحدة، وفي نسخة بتشديد الفوقية وكسر الموحدة، (ورضوانه) بكسر الراء ويضم، أي: ما به يحصل رضاه، (ويجتنب سخطه) أي: ما يقتضي غضبه، (فإنما نحن به) أي: موجود ون، (وله) أي: مطيعون ومنقادون.

(مود) أي: رواه أبو داود موقوفًا من قول الزهري

(3)

، وهو من صغار التابعين، ويفهم من كلام صاحب "السلاح" أن هذا من مراسيله، حيث قال بعد حديث ابن مسعود:"زاد أبو داود عن الزهري مرسلًا: "ونسأل الله

" إلى آخره"

(4)

.

وفي "الرياض النضرة": "أن خطبته صلى الله عليه وسلم في تزويج فاطمة عليًّا رضي الله عنها: الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع بسلطانه، المرهوب من عذابه وسطوته، النافذ أمره في سمائه وأرضه، الذي خلق الخلق بقدرته، وأمرهم بأحكامه، وأعزهم بدينه، وأكرمهم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم. وأن الله تبارك اسمه وعظمته جعل المصاهرة سببًا لاحقًا وأمرًا

(1)

بعدها في "مفتاح الحصن الحصين" زيادة: "وفيه نظر، والله أعلم".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 10/ ب، 11/ أ).

(3)

أخرجه أبو داود (1098) من قول الزهري موقوفا، وضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود" رقم (203) لإرساله.

(4)

"سلاح المؤمن في الدعاء والذكر" لمحمد بن محمد بن علي بن همام أبو الفتح، تقيّ الدين، المعروف بابن الإِمَام (صـ 406).

ص: 890

مفترضًا، أوشج به الأرحام، وألزم الأنام، فقال عز من قائل:{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} [الفرقان: 54].

فأمر الله تعالى يجري إلى قضائه، وقضاؤه يجري إلى قدره، ولكل قضاء قدر، ولكل قدر أجل، ولكل أجل كتاب، {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39] إلى آخر الحديث"، وفيه: "

ثم دعا بطبق من بُسر فوضعه بين أيدينا، فقال: انهبوا فنهبنا"

(1)

.

(ويقول لمن تزوج: بارك الله لك) بالخطاب المذكر، أو المؤنث. (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم، كلاهما عن أنس

(2)

.

(وبارك الله عليك) وفي "المشكاة": "عليكما"، وهو المناسب لقوله:(وجمع بينكما في خير. عه، حب، مس) أي رواه: الأربعة، وابن حبان، والحاكم؛ كلهم عن أبي هريرة

(3)

.

(1)

"الرياض النضرة في مناقب العشرة"(3/ 145)، وقال الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص 391): موضوع، ووضعه محمد بن دينار العوفي.

(2)

أخرجه البخاري (2049) وفي (3937، 3781) وفي (5167، 5155، 5072)، ومسلم (2/ رقم 1427) من حديث أنس، في قصة زواج عبد الرحمن بن عوف ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم له.

(3)

أخرجه أبو داود (2130)، والترمذي في "الجامع"(1091)، وابن ماجه (1905)، والنسائي في "الكبرى"(10017)، وابن حبان في "الثقات"(9/ 227)، والحاكم (2/ 183) جميعهم من حديث أبي هريرة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" رقم (4730).

ص: 891

(أو فبارك الله عليك. خ، م، ت، س) أي رواه: البخاري، ومسلم والترمذي، والنسائي؛ كلهم من حديث جابر

(1)

.

(ولما زوج صلى الله عليه وسلم عليًّا فاطمة رضي الله عنهما دخل) أي: النبي عليه السلام، (البيت) أي: بيتهما ليلة الزفاف، وهو بيت في كما سيأتي، (فقال لفاطمة: ائتني بماء، فقامت إلى قعب) أي: متوجهة إليه، وهو بفتح القاف وسكون العين المهملة وبالباء الموحدة: قدح على ما في "المهذب"، وصغير على ما في "الخلاصة"، وفي "الصحاح":"قدح من خشب"

(2)

.

(في البيت، فأتت فيه بماء، فأخذه ومجَّ فيه) بفتح الميم وتشديد الجيم، أي: صبَّ فيه من فيه.

قال المؤلف: "أي: صبه في القعب، وهو قدح من خشب"

(3)

، (ثم قال لها: تقدمي) أي: أقبلي، (فتقدمت فنضح) أي: رلش الماء، (بين ثدييها) أي: عند صدرها، (وعلى رأسها) يقال: نضحه به ونضح عليه الماء، أي: رشه عليه، كذا في "النهاية".

(وقال: اللهم إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم. ثم قال لها: أدبري، فأدبرت فصبَّ بين كتفيها، وقال: اللهم إني أعيذها بك وذريتها

(1)

أخرجه البخاري (6387)، ومسلم (715) بلفظ "فبارك الله لك"، والترمذي في "جامعه"(1155) بلفظ "فدعا لي"، والنسائي في "المجتبى"(3219) بدون لفظ "فبارك الله عليك" جميعهم من حديث جابر بن عبد الله.

(2)

"الصحاح"(1/ 204).

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ أ).

ص: 892

من الشيطان الرجيم، وقال) كذا في "أصل الأصيل"، وفي "أصل الجلال":"ثم قال"(ائتوني بماء) بصيغة الجمع للتعظيم، أو الخطاب العام لمطلق أهل البيت، والمراد علي رضي الله عنه.

(قال علي: فعلمت) أي: فعرفت، (الذي يريد، فقمت فملأت القعب [ماءً وأتيته به]

(1)

، فأخذه ومجَّ فيه، ثم قال: تقدم، فصب علئ رأسي وبين يدي) بصيغة التثنية، وفي نسخة:"بين ثديي".

(ثم قال: اللهم إني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم، ثم قال: أدبر، فأدبرت فصب بين كتفي) بتشديد الياء، (وقال: اللهم إني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم، ثم قال: ادخل بأهلك باسم الله والبركة).

(حب) أي: رواه ابن حبان عن أنس

(2)

، والظاهر أنه لم يحضر القصة، وأخذها من علي كما يفهم من قوله:"قال علي".

وفي "الرياض": "عن أنس قال: جاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقعد بين يديه، فقال: يا رسول الله، لقد علمت مناصحتي وَقِدَمِي في الإسلام، وأني وأني

، قال: فما ذاك؟! قال: تزوجني فاطمة، فسكت عنه، قال: فرجع أبو بكر إلى عمر، فقال: هلكت وأهلكت، قال: وما ذاك؟! قال: خطبت فاطمة

(1)

كذا في (د)، وفي (أ) و (ج):"ماءً وأتيت به"، وفي (ب):"وأتيته بمائه".

(2)

أخرجه ابن حبان (6944)، والطبراني في "المعجم الكبير" (22/ 458) رقم (1021) وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (9/ 206): رواه الطبراني، وفيه يحيى بن يعلى الأسلمي، وهو ضعيف. وقد أقر بضعف يحيى الأسلمي الحافظ في التقريب (7677).

ص: 893

فأعرض عني، قال: مكانك حتى آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأطلب مثل الذي طلبت.

فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم فقعد بين يديه، فقال: يا رسول الله، قد علمت مناصحتي وقدمي في الإسلام وأني وأني

، قال: وما ذاك؟! قال: تزوجني فاطمة، فسكت عنه، فرجع إلى أبي بكر، فقال: ينتظر أمر الله لها، قم بنا إلى علي حتى نأمره يطلب مثل الذي طلبنا، قال علي: فأتياني وأنا عالج فسلاني فقالا: إنا جئناك من عند ابن عمك [بخطبة]

(1)

، قال علي: فنبهاني لأمر، فقمت أجر ردائي حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقعدت بين يديه فقلت: يارسول الله، قد علمت قدمي في الإسلام ومناصحتي وأني وأني

، قال: وما ذاك؟! قال: تزوجني فاطمة، قال: فما عندك؟ قلت: فرسي وَبُدْنِي، قال: أما فرسك، فلا بد لك منها، وأما بدنك فبعها، قال: فبعتها بأربع مئة درهم ومئتين، قال: فجئت بها حتى وضعتها في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبض منها قبضة فقال: أي بلال، ابتع لنا بها طيبًا، وأمرهم أن يجهزوها، فجعلوا لها سريرًا شرط بالشريط، ووسادة من أدم حشوها ليف.

وقال لعلي: إذا أتتك لا تحدث شيئًا حتى آتيك، فجاءت مع أم أيمن حتى قعدت في جانب البيت وأنا في جانب، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ها هنا أخي؟ قالت أم أيمن: أخوك وقد زوجته ابنتك؟ فقال: نَعَم، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت فقال لفاطمة: ائتيني بماء

"

(2)

الحديث. أخرجه أبو حاتم.

(1)

كذا في (د)، وفي (ج):"وبخطبة"، وفي (أ) و (ب):"بخطبته".

(2)

"الرياض النضرة"(3/ 142)، والحديث أخرجه ابن حبان (5/ رقم 6944) والكلام عليه كسابقه.

ص: 894

وأخرجه أحمد في "المناقب" من حديث أبي يزيد المديني، وقال: "فأرسل النبي إلى علي لا تقرب حتى آتيك، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بماء، فقال ما شاء الله أن يقول، ثم نضح منه على وجهه، ثم دعا فاطمة فقامت إليه تعثر في ثوبها -وربما قال: في مرطها- من الحياء، فنضح عليها أيضًا، وقال لها: إني لم آل أن أنكحتكِ أحب أهلي إلي، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم سوادًا وراء الباب، فقال: من هذا؟ قالت: أسماء. قال: أسماء بنت عميس؟ قالت: نَعَم.

قال: أمع بنت رسول الله [صلى الله عليه وسلم]

(1)

جئت كرامة لرسول الله؟ قالت: نعم. فدعا لي دعاء إنه لأوثق عمل عندي، ثم قال لعلي: دون أهلك، ثم ولى إلى حجرة، فما زال يدعو لهما حتى دخل في حجرة"

(2)

. وأخرجه عبد الرزاق في "جامعه" عن عكرمة.

(وإذا دخل بأهله) هو كناية عن اجتماع الرجل بامرأته أول مرة، (أو اشترى رقيقًا) أي: مملوكًا، عبدًا أو جارية، (فليأخذ بناصيتها) ففي "الصحاح":"الناصية: الشعر الكائن في مقدَّم الرأس"

(3)

، انتهى.

والظاهر: أن المراد مقدَّم رأسها، سواء يكون فيه شعر أم لا، والضمير

(1)

كتب بجوارها في حاشية (ب): التصلية زائدة، وهي مثبتة في (ج)، وليست في (أ) و (د).

(2)

أخرجه أحمد في "فضائل الصحابة"(2/ رقم 958)، والطبراني في "المعجم الكبير" (24/ رقم 365) وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (9/ 210): ورجال رجال الصحيح.

(3)

لم أقف عليه في "الصحاح"، وانظر "تهذيب اللغة"(12/ 171).

ص: 895

راجع إلى المرأة، والجارية، والعبد تغليبًا للأكثر، أو إلى النفس الشاملة للثلاثة.

(د، س، ص) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وأبو يعلى، عن ابن عمرو بن العاص، وفي نسخة:"عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده"

(1)

، ومآلهما واحد.

(ثم ليقل: اللهم إني أسألك خيرها) وفي رواية أبي يعلى: "من خيرها"، وهو الملائم لما سيأتي من مقابله في قوله:"من شرها"، لكن يفيد التبعيض، والمطلوب كل خيرها.

(وخير ما جبلتها عليه)"أي: خلقتها وطبعتها"

(2)

، قاله المؤلف، (وأعوذ بك من شرها، وشر ما جبلتها عليه).

(1)

أخرجه أبو داود (2/ رقم 2160)، والنسائي في "الكبرى"(9/ رقم 9998، 10021) من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ "إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى خادما، فليقل اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما جبلتها عليه، هاذا اشترى بعيرا فليأخذ بذروة سنامه وليقل مثل ذلك". قال أبو داود: زاد أبو سعيد، ثم ليأخذ بناصيتها وليدع بالبركة في المرأة والخادم، وحسنه الألباني في "مشكاة المصابيح" رقم (2446) وفي "صحيح الجامع" رقم (356). وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (11/ رقم 6610) من حديث أبي هريرة بلفظ "إذا اشترى أحدكم خادما فليأخذ بناصيتها وليقل: اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما جبلتها عليه، وإذا اشترى بعيرا فليأخذ بذروة سنامه وليقل مثل ذلك".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ أ).

ص: 896

(د، س، ق، ص، مس) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأبو يعلى، والحاكم، عنه

(1)

أيضًا، وقال الحاكم:"صحيح الإسناد"، وهو من تتمة الحديث السابق بالنسبة إلى بعض المخرجين، فتأمل.

(وكذلك) وفي نسخة: "وكذا"، أي: ومثل ما ذكر من الأخذ والدعاء يعمل (في الدابة) أي: إذا اشترى شيئًا من الحيوانات: كالخيل، [والبغال]

(2)

، والحمير.

(ويأخذ بذروة سنام البعير) بفتح السين، وفي "القاموس":"ذروة الشيء بالضم والكسر: أعلاه"

(3)

، قال المؤلف:"أي: بأعلاه، وهو بكسر الذال، وقيل: مثلث"

(4)

.

(د، س، ص) أي رواه: أبو داود، والنسائي وأبو يعلى، عنه

(5)

أيضًا.

(1)

أخرجه أبو داود (2/ رقم 2160)، والنسائي في "الكبرى"(9/ رقم 9998، 10021)، وابن ماجه (2/ رقم 2252)، والحاكم (2/ رقم 2757) من حديث عبد الله بن عمرو، وقال الحاكم عقبه: هذا حديث صحيح على ما ذكرناه من رواية الأئمة الثقات، عن عمرو بن شعيب، ولم يخرجاه عن عمرو في الكتابين، ووافقه الذهبي، وأخرجه أبو يعلى في "مسنده"(11/ رقم 6610) من حديث أبي هريرة.

(2)

كذا في (ب) و (د)، وفي (أ):"والبغالات"، وفي (ج):"والبغل".

(3)

"القاموس المحيط"(صـ 1284).

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ أ).

(5)

أخرجه أبو داود (2/ رقم 2160)، والنسائي في "الكبرى"(9/ رقم 10021) من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ "وإذا اشترى بعيرًا فليأخذ بذروة سنامه"=

ص: 897

(وكان) وفي "نسخة الجلال" بغير واو، (إذا اشترى) أي: ابن مسعود، (مملوكًا) أي: من [الحيوانات]

(1)

، (قال اللهم بارك) أي:"لي" كما في نسخة، (فيه) أي: في خدمته، (واجعله طويل العمر، كثير الرزق. مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة موقوفًا من قول ابن مسعود.

(وإذا أراد الجماع قال: باسم الله، اللهم جنبنا) بتشديد النون المكسورة، أي: بعِّدْنا (الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا) أي: من الولد على الفرض والتقدير، ثم الجمع بينهما للمبالغة في حصول التبعيد.

(ع) أي: رواه الجماعة عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: باسم الله

، إلن آخره، فقضي بينهما ولد، لم يضره". وفي رواية للبخاري:"لم يضره شيطان أبدًا".

قال الشيخ الجامع قدس سره في "تصحيح المصابيح": "أي: لم يسلط عليه في دينه، ولم يظهر مضرته في حقه بنسبة غيره"، وقيل:"لم يصرعه"، وقيل:"لم يطعن فيه"، يعني: طعنًا شديدًا عند الولادة، بخلاف غيره.

وقال بعضهم: "لم يحمل أحد هذا الحديث على العموم في جميع الضرر والإغواء والوسوسة"، انتهى.

وكيف يحمل على الوسوسة أو غيرها مما لا يمتنع منه إلا معصوم؟ لكن الصادق قد أخبر بهذا، فلا بد أن يكون له تأثير ظاهر، وإلا فما

= والكلام عليه كسابقه، وأخرجه أبو يعلى في "مسنده"(11/ رقم 6610) من حديث أبي هريرة.

(1)

كذا في (ب) و (ج)، وفي (أ) و (د):"الحيوان".

ص: 898

الفائدة فيه، ومن وفقه الله بالعمل بهذا، فرأى من البركة في ولده ما تحقق أنه صلى الله عليه وسلم ما ينطق عن الهوى.

قلت: وأقل فائدته بعد ذكر الله ودعائه، سؤال اجتناب الشيطان لنفسه تضمن طلب الولد الصالح من الله تعالى بذلك العمل المباح، فيصير عبادة بتحسين النية، فنية المؤمن خير من عمله.

(فإذا أنزل قال: اللهم لا تجعل للشيطان فيما رزقتني) أي: من الولد، (نصيبًا) أي: حظًّا، أو شركة، (مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة موقوفًا من قول ابن مسعود.

ص: 899

‌ما يتعلق بأمور الأولاد

(وإن أتي) أي: جيء، وفي نسخة:"وإذا أتى"(بمولود أذَّن) أي: نادى [بكلمات]

(1)

الأذان، (في أذنه) أي: اليمنى، (وأقام في اليسرى) كما في رواية، (حين ولادته) بكسر الواو، أي: قرب تولده؛ ليكون الذكر أول ما قرع سمعه وشرع في قلبه.

(د، ت) أي رواه: أبو داود، والترمذي، من حديث أبي رافع القبطي مولى النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة". وقال الترمذي: "حسن صحيح".

(ووضعه) أي: المولود، (في حجره) بفتح الحاء وكسره في "أصل الأصيل"، وأما في "أصل الجلال" فبالفتح فقط، (وحنكه) بتشديد النون، (بتمرة) قال المؤلف:"يعني: مضغ التمرة ودلك بها حنكه"

(2)

(ودعا له، وبرك عليه) بتشديد الراء، أي: ودعا له بالبركة، فهو تخصيص بعد تعميم.

(خ، م) أي: رواه البخاري، ومسلم:

فالأول: من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: "أنها أتت بابنها عبد الله بن الزبير إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فوضعه في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغه، ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حنكه بتمرة، ثم دعا له وبرّك عليه، وكان أول مولود ولد في الإسلام

(1)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (ب):"بكلمة".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ أ).

ص: 900

من المهاجرين إلى المدينة".

والثاني: من حديث أبي موسى الأشعري أيضًا، قال:"ولد لي غلام، فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فسماه إبراهيم، فحنكه بتمرة ودعا له بالبركة ودفعه إلي". قال الراوي: وكان أكبر ولد أبي موسى.

(وأمر صلى الله عليه وسلم، بتسمية المولود يوم سابعه) في "المواهب اللدنية" للقسطلاني: "يحمل على أنها لا تؤخر عن السابع، لا أنها لا تكون إلا فيه، بل هي مشروعة من حين الولادة إلى السابع".

(ووضع الأذى) أي: وبطرحه وإزالته، (عنه) أي: عن المولود بغسل بدنه، وحلاقة رأسه، وتصدق وزن شعره فضة على ما ورد فيه حديث.

وقال المؤلف: "قوله: "ووضع الأذى"، أي: الشعر والنجاسة وما يخرج على رأس الصبي حين يولد، فيحلق يوم سابعه"

(1)

.

(والعق) أي: [وبذبح]

(2)

العقيقة، قال المؤلف:"يعني: العقيقة، أي: يذبح عن المولود يوم سابعه، وأصل العق الشق والقطع، وقيل للذبيحة: عقيقة؛ لأنها يشق حلقها"

(3)

، انتهى. وهو كذا في "النهاية"

(4)

.

ويستحب للغلام كبشان وللجارية كبش، وينبغي أن لا تكسر عظامه تفاؤلًا، وهو مخير بين أن يقسم لحمه، أو يطبخه فيطعم أهله. (ت) أي:

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ أ).

(2)

كذا في (ج)، وفي (أ) و (ب) و (د):"ويذبح".

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ أ).

(4)

النهاية (3/ 276).

ص: 901

رواه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص

(1)

.

(وتعويذ الطفل: أعوذ) وفي رواية البزار: "أعيذك"، (بكلمات الله) أي: أسمائه وكتبه، (التامة) أي: الكاملة التي لا يدخلها نقص، وقيل:"النافعة"، (من شر كل شيطان وهامَّة) بتشديد الميم، أي: كل ذات سم [تقتل]

(2)

، والجمع الهوام، فأما ما له سم ولا يقتل فهو السامة، كالعقرب والزنبور، وقد تقع الهوام على ما يدب من الحيوان وإن لم يقتل كالحشرات، كذا في "النهاية"

(3)

. وزاد في "السلاح": "ومنه حديث: "أيؤذيك هوام رأسك"".

(ومن كل عين) وفي "نسخة الجلال": "ومن شر كل عين"، موضوعًا عليه رمز البخاري، والأربعة.

(لامة) أي: التي تصيب بسوء على ما ذكره الجوهري

(4)

، وفي "النهاية"

(5)

: "اللمم: طرف من الجنون تلم الإنسان، أي: تقرب منه وتعتريه، ومنه حديث الدعاء: "أعوذ بكلمات الله التامة من شر كل

(1)

أخرجه أبو داود (2842)، والنسائي 7/ 162. وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (2467) إرواء الغليل (4/ 392).

(2)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د):"يقتل".

(3)

النهاية (5/ 275).

(4)

الصحاح (5/ 2026).

(5)

النهاية (4/ 272).

ص: 902

سامة، ومن كل عين لامة"، أي: ذات لمم"، كذا نقله الحنفي.

وعن بعض المحققين: "قال صاحب "النهاية": العين اللامة: التي تصيب بسوء بمعنى الملمة من الإلمام، وهو المقاربة والنزول، وإنما أتى بها لتشاكل قوله: "هامة"".

وقال بعض الشراح: "ويجوز أن يكون على ظاهرها بمعنى جامعة للشر على المعيون، من لمه يلمه، إذا جمعه".

وقال بعضهم: "العين اللامة: المجننة، فلما كان العين سببًا لذلك وصفها به، واللمم هو الجنون، فما وقع في "النهاية" لا يصار إليه بلا ضرورة".

قلت: وفيه أن ما وقع في "النهاية" أتم وأعم مع أنه لا يعرف أن يكون العين سببًا للجنون، والله أعلم.

(خ، عه، ر) أي: رواه البخاري والأربعة، كلهم عن ابن عباس

(1)

، والبزار عن ابن مسعود

(2)

.

(وإذا أفصح الولد) قال المصنف: "أي: انطلق لسانه، يعني: تكلم"

(3)

، (فليعلمه) بتشديد اللام، أي: فليلقنه أهله، (لا إله إلا الله. ي)

(1)

أخرجه البخاري (3371)، وأبو داود (4737)، والترمذي (2060)، وابن ماجه (3525)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (1006)، (1007).

(2)

أخرجه الطبراني (10/ 72) رقم (9984) والبزار (1483)، قال الهيثمي: فيه محمد بن ذكوان وثقه شعبة وابن حبان وضعفه جماعة وبقية رجاله ثقات.

(مجمع الزوائده/ 113).

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ أ).

ص: 903

أي: رواه ابن السني عن ابن عمرو بن العاص.

(وكان) أي: النبي عليه السلام، (إذا أفصح الولد من بني عبد المطلب) وهو جد النبي عليه السلام، (علمه:{وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} [الإسراء: 111]) أي: فضلًا أن يكون له ولد، وفيه إيماء إلى أنه ينبغي الاتقاء عن موضع الإبهام، والإيهام، والاتهام، (الآية) وتمامها:{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ} [الإسراء: 111]، أي: من جهة ذِلَّةٍ سبحانه؛ فإنه في كمال العزة بذاته وصفاته، بل الولي يتعزز به، {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} عطف على قوله:{وَقُلِ} ، أي: اجمع بين الحمد والتكبير [الدالين]

(1)

على صفات الجمال ونعوت الجلال على وجه الكمال.

(ي) أي: رواه ابن السني عن أنس، وفي "الجامع": "آية العز {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا

} الآية. رواه: أحمد، والطبراني، عن معاذ بن أنس"

(2)

.

(اضربوه) أي: المولود، ضرب تأديب وتعويد (على الصلاة) أي: على تركها، أو لأجل فعلها إن أبى، (لسبع) أي: في وقت سبع سنين من عمره، (واعزلوا) بكسر الزاي، أي: أفردوا، (فراشه) أي: عن أمه وأخته

(1)

هذا هوالصواب وفي جميع النسخ: "الدالان ".

(2)

أخرجه أحمد (3/ 439) والطبراني (20/ 192) رقم (429، 430) قال الهيثمي (7/ 52): رواه الطبراني، وأحمد من طريقين في الأولى رشدين بن سعد، وهو ضعيف، وفي الأخرى ابن لهيعة، وهو أصلح منه. وقال المناوي: قال الحافظ العراقي: سنده ضعيف (فيض القدير 1/ 62).

ص: 904

ونحوهما، (لتسع، وزوجوه لسبع عشرة) فإنه أدنى حد المراهق عند أبي حنيفة، فإن حد البلوغ عنده أن يحتلم، أو يستكمل [ثماني عشرة]

(1)

سنة، وعند الجمهور [خمس عشرة]

(2)

.

(فإذا فعل) أي: الوالد، (ذلك) أي: ما ذكر جميعه، (فليجلسه) من الإجلاس، أي: فليحضره (بين يديه) أي: قدامه، (ثم ليقل: لا جعلك الله عليَّ فتنة) أي: محنة تمنعني عن منحة.

فيه إيماء إلى قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن: 15] أي: اختبار لكم، {وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التغابن: 15] أي: لمن آثر محبة الله وطاعته على محبة الأولاد، والأموال، والسعي لهم. (ي) أي: رواه ابن السني عن أنس أيضًا

(3)

.

(1)

هذا هو الصواب، وفي (أ) و (ب) و (ج):"ثمانية عشر"، وفي (د):"ثمانية عشرة".

(2)

هذا هو الصواب، وفي جميع النسخ:"خمسة عشر".

(3)

أخرجه ابن السني رواه في كتاب عمل اليوم والليلة (426) وهو حديث منكر.

في إسناده سليمان بن عبد الرحمن، هو: ابن عيسى التميمي الدمشقي: ابن بنت شرحبيل: وهو صدوق يخطئ، لكنه كثير الرواية عن الضعفاء والمجاهيل؛ فمن هنا وقعت في أحاديثه المناكير، مثل هذا الحديث، قال أبو حاتم:"صدوق مستقيم الحديث؛ ولكنه أروى الناس عن الضعفاء والمجهولين، وكان عندي في حد لو أن رجلا وضع له حديثًا لم يفهم، وكان لا يميز"، وقال ابن حبان:"يعتبر حديثه إذا روى عن الثقات المشاهير، فأما روايته عن الضعفاء والمجاهيل: ففيها مناكير كثيرة لا اعتبار بها"، وقال الحاكم للدارقطني: "فسليمان بن بنت شرحبيل؟ قال: ثقة، قلت: أليس عنده مناكير؟ قال: يحدث بها عن قوم ضعفاء، =

ص: 905

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= فأما هو فهو: ثقة"، وقال الذهبي: "هو في نفسه صدوق، لكنه لهج برواية الغرائب عن المجاهيل والضعفاء"، [الجرح والتعديل (4/ 129). الثقات (8/ 278).

سؤألات الحاكم (339). السير (11/ 136). التهذيب (2/ 102). إكمال مغلطاي (6/ 75). الميزان (2/ 212)].

وأحمد بن إبراهيم القرشي: فلم أهتد إليه.

وشيخ ابن السني: هو أبو الحسن النهاوندي [انظر ترجمته: التدوين (3/ 414). تاريخ دمشق (43/ 180) وفيه: "كان من جملة الثقات". تاريخ الإسلام (25/ 166) وقال: "وثقه الخليلي"].

ص: 906

‌أدعية السفر

(وإن كان) أي: الأمر المهم، (سفرًا) أي: وإن كان الشخص ذا سفر، أي: مسافرًا، (صَافح) أي: من يودعه من المسافر أو المقيم، والثاني هو الظاهر لقوله:(وقال) أي: المقيم، كذا في حاشية الكتاب برقم ابن حبان.

(أستودع الله دينك وأمانتك) قال المؤلف: "أي: أستحفظه، يعني: أسأل الله حفظ دينك وأمانتك"

(1)

، انتهى.

ولعل في ذلك إشارةً إلى قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

} الآيةَ [الأحزاب: 72]، وقال الخطابي:"المراد بالأمانة هنا أهله ومن يخلفه وماله الذي عند أَمِينِهِ، وذكر الدين هنا لأن السفر مظنة المشقة، فربما كان سببًا لإهمال بعض أمور الدين".

(وخواتيم عملك) قال المصنف: "جمع خاتم، يريد ما يختم به عملك، أي:[أخيره]

(2)

"

(3)

. (س، د، ت، مس، حب) أي رواه: النسائي، وأبو داود، والترمذي، والحاكم، وابن حبان، عن ابن عمر.

(وأقرأ عليك السلام) على صيغة المضارع المتكلم من القراءة. (س) أي: رواه النسائي عنه أيضًا.

(ويقول:) أي: المسافر لمن يودعه: (أستودعك) إن كان المقيم

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ أ).

(2)

في "مفتاح الحصن الحصين": "آخره".

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ أ).

ص: 907

واحدًا، (أو أستودعكم) إن كان المقيم جماعةً أو واحدًا وأراد تعظيمه، فـ "أو" للتنويع أو لاختلاف الرواية، لا للشك كما توهم الحنفي.

(الله الذي لا يخيب) بفتح فكسر، أي: لا يخسر، وفي نسخة بضم ففتح فتشديد، من خاب الرجل خيبة، إذا لم ينل ما طلب، وخيبته أنا تخييبًا.

(أو لا يضيع) بفتح فكسر من الضياع، يقال: ضاع الشيء ضيعة وضياعًا هلك، وفي نسخة بتأنيث الفعلين المجردين، وفي نسخة من الإضاعة، وفي أخرى من التضييع، وهما بمعنًى.

ثم قوله: (ودائعُه) بالرفع على ما في الأصل من المجرد، وبالنصب على ما في [بعض]

(1)

النسخ من المزيد، و"أو" لاختلاف الرواة، كما كتب في نسخة -وهي "أصل الأصيل"-: رمز ابن السني فوق الفعل الأول، و"طب" فوق الثاني، وعكسه في "أصل الجلال".

فبطل ما قاله الحنفي من أن كلًّا من الفعلين المذكورين على سبيل الشك من الراوي، إما مجرد أو مزيد، على أن الشك لا ينافي التوزيع الذي يحصل به الجمع كما في اختلاف الرواية. (ي، طب) أي: رواه ابن السني، والطبراني في "الدعاء" له؛ كلاهما عن أبي هريرة.

(ومن قال له) أي: للمقيم، (أريد السفر فأوصني، قال له: عليك بتقوى الله)"عليك" اسم فعل بمعنى: خذ، يقال: عليك زيد، أو عليك بزيد، أي: خذه، فالمعنى: الزمها وأدم عليها بجميع أنواعها، فإنها الوصية التي وصى بها عباده، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا

(1)

زيادة من (ب) فقط.

ص: 908

الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131].

(والتكبير) أي: وعليك بقول "الله أكبر"، (على كل شَرَفٍ)"بفتح الشين والراء، أي: مكانٍ عالٍ"

(1)

، قاله المصنف.

(فإذا ولى) أي: أدبر المسافر، (قال) أي: المقيم دعا بظهر الغيب، (اللهم اطْوِ) بهمز وصل وكسر واو، أي: قرب (له البعد) أي: بطيِّ الأرض، قال المصنف:"أي: قربه وسهل السير حتى لا يطول"

(2)

، (وهون) أي: سهل (عليه السفر) أي: مشقته.

(ت، س، ق) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي هريرة أيضًا

(3)

.

(زوّدَك الله التقوى) أي: جعل الله التقوى زادك، فإن خير الزاد التقوى" لأنها زاد المعاد، (وغفر ذنبك) أي: الواقع في السفر غالبًا من أنواع التقصير، (وشر) أي: سهل، (لك الخير) أي: الديني والدنيوي من الحج، والغزو، والعلم، وطلب الحلال، وصلة الرحم، وأمثال ذلك، (حيث كنت) أي: متوجهًا إليه، ومشرفا عليه.

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ أ).

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ أ).

(3)

أخرجه أحمد (2/ 325 و 331 و 443 و 476). وابن ماجه (2771) مختصرًا، والترمذي (3445) وقال حسن والنسائي في "الكبرى"(10266) وابن خزيمة (2561) وابن حبان (2692) و (2702) وصححه الألباني في الصحيحة (1730).

ص: 909

(ت، مس) أي: رواه الترمذي، والحاكم

(1)

، عن أنس قال:"جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أريد سفرًا فزودني، قال: زودك الله التقوى. قال: زدني، قال: وغفر ذنبك، قال: زدني، قال: ويسر لك الخير حيث كنت"، أي: أينما توجهت.

قال الطيبي: "يحتمل أن الرجل طلب الزاد المتعارف فأجابه صلى الله عليه وسلم بما أجاب على طريقة أسلوب الحكيم أن زادك أن تتقي محارمه، وتجتنب معاصيه، ومن ثم لما طلب الزيادة قال: "وغفر ذنبك"، فإن الزيادة من جنس المزيد عليه.

وربما زعم الرجل أنه يتقي الله، وفي الحقيقة لا تكون تقوى ترتب عليه المغفرة، فأشار بقوله:"وغفر ذنبك"، أن يكون ذلك الاتقاء بحيث يترتب عليه المغفرة، ثم ترقئ منه إلى قوله:"ويسر لك الخير"، فإن التعريف في "الخير" للجنس فيتناول خير الدنيا والآخرة.

(جعل الله التقوى زادك) قيل: "الزاد المدخر الزائد على ما يحتاج إليه

(1)

أخرجه الترمذي (3444) وأخرجه الحاكم (2/ 97) وسكت عنه.

قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

ووافقه النووي في "الرياض"(1/ 249)، وفي "الأذكار"(1/ 187).

قال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام"(3/ 616) والحق في الحديث بحسب الاصطلاح، أنه حسن كما قال الترمذي.

وصححه عبد الحق في "الأحكام الكبرى" حيث أورده ساكتا عليه (3/ 524) وقال الألباني: حسن صحيح (2739).

ص: 910

في الوقت، والتزود: أخذ الزاد قال تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197](وغفر ذنبك، ووجه لك الخير حيث [كنت])

(1)

أي: قصدت بوجهك.

(ر، ط) أي: رواه البزار، والطبراني، عن قتادة بن عياش

(2)

.

(وإذا أمّر) بتشديد الميم، أي: نصب صلى الله عليه وسلم (أميرًا على جيش) الجيش هو العسكر مطلقًا، لكن أريد به هنا عسكر؛ كبير بقرينة المقابلة بقوله:(أو سرية) أي: طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربع مئة تبعث إلى العدو، وسموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم، من الشيء السري، أي: النفيس كذا في "النهاية"

(3)

، و"أو" للتنويع، وأبعد الحنفي حيث قال:"كلمة "أو" للشك، أو للتخيير".

(أوصاه) أي: ذلك الأمير، (في خاصته) أي: في أمر نفس [الأمير]

(4)

، (بتقوى الله) أي: بأن يقول له: اتق الله، (ومن معه) أي: وفيمن معه، (من المسلمين خيرًا) أي: بخير، بأن يأمره بحفظ مصالحهم، ورعاية أحوالهم.

(ثم قال: اغزوا) أي: اقصدوا الغزو، وتوجهوا إليه، (باسم الله) أي:

(1)

كذا في (د)، وفي (أ) و (ب) و (ج) و (م):"توجهت".

(2)

أخرجه الطبراني في الكبير (19/ 15) رقم (22)، والبزار (كشف 3201) قال الهيثمي: رجالهما ثقات مجمع الزوائد (10/ 131) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (2631)، والضعيفة (3462).

(3)

النهاية (2/ 363).

(4)

كذا في (أ) و (ج)، وفي (ب) و (د):"الأمر".

ص: 911

مبتدئين بذكره، مستعينين بحوله وقوته وزيد في نسخة:"في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا"، (ولا تغُلّوا)"بضم الغين المعجمة وتشديد اللام من الغلول، وهو الخيانة من المغنم، والسرقة من الغنيمة قبل القسمة"

(1)

، ذكره المصنف، (ولا تغدروا) بكسر الدال، أي: ولا تنقضوا العهد ولا تخدعوا ولا تمكروا.

(ولا تَمْثُلُوا)"بفتح التاء وإسكان الميم وضم الثاء المثلثة، وهو قطع الأطراف، مثل: جدع الأنف، والأذن، والمذاكير، وسائر الأطراف"

(2)

، قاله المصنف، (ولا تقتلوا وليدًا) أي: طفلًا أو عبدًا، على ما قاله الجوهري. (م، عه) أي: رواه مسلم، والأربعة، عن بريدة بن الحصيب الأسلمي

(3)

.

(انطلقوا) أي: اذهبوا (باسم الله) أي: ملتصقين، (وبالله) أي: مستعينين، (وعلى ملة رسول الله) أي: ثابتين، والملة والدين متحدتان بالذات، متغايرتان بالاعتبار.

(لا تقتلوا شيخًا) أي: كبيرًا، (فانيًا) أي: هرمًا لا يقدر على القتال، ولا عنده تدبير أمر الجدال، (ولا طفلًا) بالكسر، أي: مولودًا على ما في

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ أ).

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ أ، ب).

(3)

أخرجه أحمد (5/ 358)، ومسلم (1731)، وأبو داود (2612)، والترمذي (1408) وقال: حسن صحيح. والنسائي في الكبرى (8586)، وابن ماجه (2858). والدارمي (2439)، وابن حبان (4739) وابن الجارود (1042) وأبو عوانة (6495).

ص: 912

"القاموس"

(1)

. والظاهر أن يراد به: ما دام رضيعًا، فيكون قوله:(ولا صغيرًا) من عطف العام على الخاص.

(ولا امرأة) أي: لأنها والطفل والصغير من جملة الأموال التي تُسبى وتنفع المسلمين، ففي قتلهم تضييع، إلا إذا كانت المرأة من المقاتلة، أي ممن يدعي السنة الموجبة [لإثارة]

(2)

الفتنة، وكذلك الصغير إذا كان من أولاد السلاطين.

(ولا تغلوا) سبق مبناه ومعناه، (وضُمّوا) بضم أوله وتشديد ميمه، أي: اجمعوا، (غنائمكم) أي: ولا تتصرفوا فيها إلا إذا كان من جنس المأكول أو المشروب، والحاجة تلجئ إليه، (وأصلحوا) [أي: ذات بينكم]

(3)

كما في آية، أو بين أخويكم، كما في أخرى، أو اقبلوا الصلح إذا كان فيه مصلحة للمسلمين.

(وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) أي: إلى المؤمنين، أو: ولو إلى الكافرين، ففي الحديث:"فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة". (د) أي: رواه أبو داود عن أنس

(4)

.

(1)

القاموس (ص 1025).

(2)

كذا في (أ) و (د)، وفي (خ):"لآثار".

(3)

من (أ) فقط.

(4)

أخرجه أبو داود (2614). وإسناده ضعيف لأن فيه خالد بن الفزر. وقال عنه الحافظ في التقريب (1675): مقبول، وقال الذهبي: قال ابن معين: ليس بذاك. ديوان الضعفاء (ص 82)، وأضاف في المغني في الضعفاء (1/ 205): =

ص: 913

(فإذا مشى) أي: النبي صلى الله عليه وسلم أو الأمير (معهم) أي: مع الجيش أو السرية، أو مع المبعوثين إلى الغزو، ومع المسافرين مطلقًا، (قال: انطلقوا على اسم الله أي: معتمدين على بركته، ومتوكلين على نصرته، (اللهم أعنهم) من الإعانة، أي: انصر المسلمين على من عاداهم من أعدائهم.

(مس) أي: رواه الحاكم عن ابن عباس، قال:"مشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد حين وجههم، ثم قال: انطلقوا"، قال:"غريب صحيح"

(1)

.

= عن أنس، صدوق، وانظر: الجرح والتعديل (3/ ت 1563)، والميزان (1/ ت 2450). وضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود"(561).

(1)

أخرجه أحمد (1/ 266) والحاكم (2/ 98) وإسحاق بن راهويه كما في "إتحاف الخيرة المهرة"(5/ 80)، والمطالب العالية (4259)، وأبو يعلى الموصلي كما في "إتحاف الخيرة المهرة"(5/ 44) عن ابن إسحاق، حدثني ثور بن يزيد، عن عكرمة، فذكره.

قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(6/ 196): "وفيه ابن إسحق وهو مدلس، وبقية رجاله رجال الصحيح ".

قال البوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة"(5/ 44): (هذا صحيح، ومحمد بن إسحاق وإن روى هذا الطريق بصيغة العنعنة فقد رواه أحمد بن حنبل في مسنده من طريقه مصرحا بالتحديث من ثور).

قال الحافظ (فتح الباري 338/ 7): "إسناده حسن".

وفي "المطالب"(4/ 216): هذا إسناد حسن متصل أخرج الإمام أحمد منه إلى قوله: "الله أعنهم" فقط وهو المرفوع منه الموصول، والثاني مدرج، وله شاهد في الصحيح من حديث عمرو عن جابر.

ونقله عنه البوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة"(5/ 80).

ص: 914

(فإذا أراد) أي: أحدٌ، (سفرًا) أي: قصده، وشرع في سيره، (قال: اللهم بك أصول) قال المصنف: "أي: أسطو [وأقهر]

(1)

وورد: "بك أصاول" من الصولة وهي الحملة، والوثبة"

(2)

.

(وبك أحول)"بالحاء المهملة، أي: أتحرك، وقيل: أحتال، وقيل: أدفع وأمنع، وروي "أحاول""

(3)

، ذكره المصنف، فقوله:"أحتال"، أي: أدفع مكر الأعداء، من حال يحول حيلة، وقوله "أتحرك": من حال إذا تحرك، وقوله:"أدفع وأمنع" من حال بين الشيئين إذا منع أحدهما الآخر، (وبك أسير) أي: أسافر وأمشي. (ر، أ) أي: رواه البزار، وأحمد، عن علي رضي الله تعالى عنه

(4)

.

(وإن خاف من عدوّ) أي: من نوع الإنسان بدليل قوله: (أو غيره فقراءة: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} أي: إلى آخر السورة، (أمان من كل سوءٍ) أي:

(1)

كذا في (أ) و (د) و"مفتاح الحصن الحصين"، وفي (ج):"وأفني".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ ب).

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ ب).

(4)

أحمد (1/ 90)، والبزار (804) في إسناده عمران بن ظبيان الحنفي الكوفي قال البخاري: فيه نظر، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه -يعني للمتابعات-، وتناقض ابن حبان فذكره في "الثقات" وقال في "الضعفاء": فحش خطؤه حتى بطل الاحتجاجُ به، وذكره العقيلي وابن عدي في "الضعفاء" وقال يعقوب بن سفيان: ثقة من كبراء أهل الكوفة يميل إلى التشيع.

وقال الهيثمي: (مجمع الزوائد 10/ 133): رواه أحمد والبزار، ورجالهما ثقات. وضعفه الألباني في "ضعيف الجامع"(4334).

ص: 915

لقوله تعالى: {وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} ، ويؤخذ منه أنه إذا قرئ حال القحط، ووقت الاضطرار بالأكل، يكون قراءته أمانًا من الموت أو القلق لقوله تعالى:{أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ} .

(مو) أي: موقوف، وهو على ما في "الأذكار" من قول أبي الحسن القزويني الإمام السيد الجليل الشافعي، صاحب الكرامات الظاهرة، والأحوال الباهرة، والمعارف المتظاهرة"، انتهى. فقوله:(مجرب) من كلام المصنف.

(فإذا وضع رجله) أي: إذا أراد وضعها، (في الركاب) أو ما يقوم مقامه، (قال: باسم الله، فإذا استوى) أي: ثبت واستقر، (على ظهرها) أي: فوق الدابة من الإبل والخيل ونحوهما، (قال: الحمد لله) أي: على هذه النعمة وغيرها، {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا} أي: ذلل هذا [المركوب]

(1)

، وهذا مقتبس من قوله تعالى:{وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا} .

{وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الزخرف: 12]) قال المصنف: "أي: مطيقين"

(2)

، انتهى. وهو اعتراف بحجزه وأن تمكنه من الركوب عليه بإقدار الله وتسخيره.

({وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} أي: راجعون، قال الطيبي: "الانقلاب إليه:

(1)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ):"المركب".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ ب).

ص: 916

هو السفر الأعظم فينبغي أن يتزود له".

(الحمد لله، ثلاث مرات) لعل التثليث إيماء إلى الأحوال الثلاثة من الماضي والحال والاستقبال، [أو]

(1)

الدنيا والبرزخ والعقبى، (الله أكبر، ثلاث مرات) وزاد أحمد: (لا إله إلا الله، مرة) فالمناسب أن يكتب فوقها رمز الألف لا بعدها كما في نسخة، ولا بأس في الحاشية أن يكتب كذلك، كما في نسخة.

(سبحانك) أي: أنزهك عن الظلم وغيره من أوصاف النقص، (إني ظلمت نفسي) أي: فيما فعلت من المعصية سواءٌ تكون قاصرةً، أو متعديةً، (فاغفر لي) أي: جميع ذنوبي، (إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).

(د، ت، س، حب، أ، مس) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، وأحمد، والحاكم؛ كلهم عن علي

(2)

رضي الله عنه.

وفي "الرياض": "عن أبي إسحاق السبيعي، عن علي وخرج من باب القصر، قال: "فوضع رجله في الغرز، فقال: باسم الله، فلما استوى على الدابة قال: الحمد لله الذي كرمنا، وحملنا في البر والبحر، ورزقنا من الطيبات وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلًا، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، رب اغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر

(1)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د):"و".

(2)

أخرجه أحمد (1/ 97) مسلم (1342)، وأبو داود (2599)، والترمذي (3447)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (548) وابن حبان (2698).

ص: 917

الذنوب إلا أنت"، أخرجه الترمذي، وأبو داود، والنسائي"

(1)

.

(1)

روأه أبو داود (2602)، والترمذي (3446)، النسائي في "الكبرى"(8799).

قال الدارقطني في العلل (4/ 59 - 63 س 430): "وأحسنها إسنادا حديث المنهال بن عمرو عن علي بن ربيعة والله أعلم".

وذكره الدارقطني في العلل (4/ 59 - 63 س 430): "وسئل عن حديث علي ابن ربيعة الوالبي الأسدي عن علي في ركوب الدابة وما يقال عند ذلك فقال حدث به أبو إسحاق السبيعي عن علي بن ربيعة.

رواه عن أبي إسحاق كذلك منصور وعمرو بن قيس الملائي وسفيان الثوري وأبو الأحوص وشريك وأبو نوفل علي بن سليمان والأجلح بن عبد الله واختلف عنه فقال مصعب بن سلام عن الأجلح وأبو يوسف القاضي عن ليث جميعا عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ووهما.

والصواب ما رواه شيبان عن الأجلح عن أبي إسحاق عن علي بن ربيعة وكذلك قال أصحاب أبي إسحاق عنه.

وأبو إسحاق لم يسمع هذا الحديث من علي بن ربيعة يبين ذلك ما رواه عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة قال قلت لأبي إسحاق سمعته من علي بن ربيعة فقال حدثني يونس بن خباب عن رجل عنه.

وروى هذا الحديث شعيب بن صفوان عن يونس بن خباب عن شقيق بن عقبة الأزدي عن علي بن ربيعة.

ورواه المنهال بن عمرو وإسماعيل بن عبد الملك بن أبي المحير عن علي بن ربيعة فهو من رواية أبي إسحاق مرسلًا.

وأحسنها إسنادا حديث المنهال بن عمرو عن علي بن ربيعة والله أعلم.

ورواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة عن علي بن ربيعة.

ص: 918

(فإذا) على ما في "أصل الأصيل"، وبالواو في "أصل الجلال"، وفي نسخة:"أو فإذا"(استوى كبر ثلاثًا، وقرأ: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا} الآية) أي: إلى قوله: {لَمُنْقَلِبُونَ} [الزخرف: 13، 14].

(وقال) وبدون الواو في "أصل الجلال"، (اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا) أي: بخصوصه، (البر) أي: الطاعة والإحسان، (والتقوى) أي: عن العصيان، (ومن العمل ما ترضى) أي: تحبه وتقبله.

(اللهم هوّن علينا سفرنا) أي: مشقة سفرنا، أو المشقة في سفرنا، (هذا) وهذا في "أصل الجلال" الموافق لما في "الأذكار"، وليس موجودًا في "أصل الأصيل"، (واطوِ) أي: أزل وادفع، (عنا بعده) أي: حقيقة أو حكمًا.

(اللهم أنت الصاحب) قال صاحب "الفائق": "أي: الملازم، وأراد بذلك مصاحبة الله إياه بالعناية والحفظ، والدفاع من الحوادث والنوازل (في السفر، والخليفة) أي: المعتمد عليه، المفوض إليه حضورًا وغيبةً، (في الأهل) قال التوربشتي: "الخليفة: هو الذي ينوب عن المستخلف فيه"، والمعنى: أنت الذي [أرجوه]

(1)

وأعتمد عليه في غيبتي عن أهلي أن تلم شعثهم، وتداوي سقمهم، وتحفظ عليهم دينهم وأمانتهم.

(اللهم إني أعوذ بك من وَعْثَاء السفر)"بفتح الواو وإسكان العين المهملة والثاء المثلثة ممدودة، أي: شدته ومشقته"

(2)

، (وكآبة المنظر) بفتح الكاف فهمزة ممدودة فموحدة فهاء، والمنظر بفتح الظاء، فقيل:

(1)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (ب):"أرجو".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ ب).

ص: 919

"المراد به الاستعاذة من كل منظر يعقب النظر إليه الكآبة"، فهو من قبيل إضافة المسبب إلى السبب.

وقال المؤلف: "الكآبة: تغير النفس بالانكسار من شدة الهم والحزن"

(1)

، (وسوء المنقلب) بصيغة المجهول، قال المصنّف:"أي: الانقلاب من السفر والعود إلى الوطن، يعني: أنه يعود إلى وطنه فيرى ما يسوءه"

(2)

(في المال والأهل والولد) المراد بالأهل: أهل البيت من الزوجة والخدم والقرابة والحشم، وقال ميرك:"معناه أن ينقلب إلى وطنه فيلقى ما يكأب به من سوءٍ أصابه في سفره، أو ما يقدم عليه مثل: أن يرجع غير مقضي الحاجة، أو أصاب ماله آفة، أو يقدم أهله فيجدهم مرضى أو يفقد بعضهم". قلت: أو يرى بعضهم على المعصية.

(وإذا رجع) أي: أراد الرجوع (من السفر قالهن) أي: الكلمات السابقة، (وزاد فيهن) أي: عليهن في آخرهن أو أولهن، (آئبون)"بكسر الهمزة بعد الألف، وكثير من الناس يلفظون بياء بعد الألف، وهو لحن، ومعناه: راجعون"

(3)

، انتهى.

وقوله بعد الألف: أي: الممدودة، فإنه اسم الفاعل، وكون الياء لحنًا إنما هو في الوصل. وأما في الوقف عليه: فهو صحيح بلا خلاف، كما هو مقتضى قاعدة الإمام حمزة من القراء السبعة حيث جوز في مثله التسهيل والإبدال.

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ ب).

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ ب).

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ ب).

ص: 920

والتقدير: نحن الرفقاء آئبون، (تائبون) أي: من المعصية. فالملائم أن يفسر "آئبون" بـ: راجعون عن الغفلة؛ فإن الأواب صفة الأنبياء، ومنه قوله تعالى:{إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 17]، وكذا نعت الأولياء، ومنه قوله تعالى:{فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء: 25]. ويقال للصلاة بين العشاءين: "صلاة الأوابين".

(عابدون لربنا) متعلق بما قبله، أو بقوله (حامدون)، أو هو من أنواع التنازع. (م، د، س، ت) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، عن ابن عمر

(1)

.

(أو) وفي نسخة: "و"(إذا ركب مدَّ) أي: رفع (إصبعه) بكسر همزة وفتح موحدة، وفي "القاموس" أنه بتثليث الهمزة والباء، ففيه تسع لغات، والمراد: إصبعه المسبحة، إشارة إلى التوحيد الذاتي والتفريد الصفاتي.

(اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم اصحَبنا) بفتح الحاء، أمر: من الصحبة (بنصحك) أي: مقرونين به، وهو بضم النون بمعنى النصيحة، وهي إرادة الخير للمنصوح له، (واقلبنا) بكسر اللام من القلب، بمعنى الرجع أي: ردنا إلى أوطاننا مصحوبين (بذمه) أي: بسلامة وعافية. قال المؤلف في مبني الجملتين: "أي: احفظنا بحفظك وإرادة الخير [لنا]

(2)

، وأرجعنا بأمانتك

(1)

أخرجه مسلم (1342)، وأبو داود (2599)، والترمذي (3447)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (548).

(2)

من "مفتاح الحصن الحصين" فقط.

ص: 921

وعهدك إلى بلدنا"

(1)

.

(اللهم ازو) بهمز وصل وكسر واو من [الزي]

(2)

، بمعنى: القبض والجمع. ففي "الصحاح": "زويت الشيء، أي: جمعته وقبضته"(لنا الأرض) قال المصنّف: "أي: اجمعها [واطوها]

(3)

لئلا تطول (وَهَوِّنْ) أمر من التهوين، أي: سهل (علينا السفر) أي: صعوبته، ومنه دعاء السيد أبي الحسن الشَّاذُلي قدس سره في "حزب البحر":"اللهم يسر أمورنا مع الراحة لقلوبنا وأبداننا".

(اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب. ت، س) أي رواه: الترمذي، والنسائي؛ كلاهما عن أبي هريرة

(4)

.

(ما من بعير) بفتح الباء الموحدة، وفي "القاموس"

(5)

: "وقد تكسر الباء: الجمل والحمار، وكل ما يحمل، وهاتان عن ابن خالويه".

(إلا في ذروته) بكسر الذال وتثلث أي: أعلاه من موضع سنامه (شيطان، فاذكروا اسم اللَّه عز وجل إذا ركبتموه كما أمركم الله) أي: من تذكر نعمة الرب والحمد عليه، أو التسبيح الوارد في قوله عز وجل:

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ ب).

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"الزوي".

(3)

هذا هو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ:"واطو".

(4)

أخرجه الترمذي (3438)، والنسائي في "المجتبى" 8/ 273 - 274) قال أبو عيسى:"هذا حديث حسن غريب".

قال ابن عبد البر في "التمهيد"(24/ 352): هذا يستند من وجوه صحاح من حديث عبد الله ابن سرجس ومن حديث أبي هريرة وحديث ابن عمر وغيرهم.

(5)

القاموس (ص 352).

ص: 922

{وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} [الزخرف: 12 - 13].

(ثم امتهنونها) قال المصنّف: "أي: استخدموها، من المهنة وهي الخدمة"

(1)

(لأنفسكم) قلت: وتأنيث الضمير باعتبار الدابة التي تشمل البعير وغيره، على أنه قد يكون للأنثى على ما في "القاموس".

(فإنما يحمل الله عز وجل أي: كما أشار إليه سبحانه بقوله: {وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الإسراء: 70] وذلك باعتبار أن القوة والاستطاعة والتأثير ليست إلا من الله.

(أ، ط) أي رواه: أحمد، والطبراني، من حديث أبي لاس الخزاعي قال:"حملنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على إبل من إبل الصدقة صغار، فقلنا: يا رسول الله ما نرى تحملنا هذه. قال: إن على ذروة كل بعير شيطانًا، فاركبوها فسموا الله عز وجل ثم امتهنوها لأنفسكم، فإنها تحمل"

(2)

. كذا ذكره ابن مندة.

(ويتعوذ في السفر من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب وَالحَوْرِ) أي: وعن الحور بفتح الحاء المهملة فسكون الواو، أي: النقصان (بعد الكور)

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ ب).

(2)

أخرجه أحمد 4/ 221 (17938) و (17939)، وابن خزيمة (2377 و 2543)، والطبراني في "معجمه الكبير"(22/ 334) رقم (837) قال المنذري في "الترغيب والترهيب"(4/ 38) رواه أحمد والطبراني وابن خزيمة في صحيحه وحسنه الألباني في الصحيحة (227).

ص: 923

بوزن السابق أي: الزيادة، ومنه: كور العمامة، وقوله تعالى:{يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ} [الزمر: 5] الآية.

أو عن التفرق بعد الجمع، وفي نسخة صحيحة:"بعد الكون" بالنون بدل الراء، فالمعنى: عن [التنقص]

(1)

بعد ثبوت الكمال.

قال النووي في "الأذكار": "رواية النون أكثر، وهي التي في أكثر أصول حديث مسلم، بل هي المشهورة فيها"

(2)

.

وقال المصنّف: "بفتح الحاء والكاف، أي: من النقصان بعد الزيادة، وقيل: "من فساد أمورنا بعد صلاحها"، وغير ذلك، وأصله من نقض العمامة بعد لفها، ويروى: "بعد الكون" مصدر كان التامة، يقال: "كان يكون كونًا، أي: وجد واستقر"، يعني: أعوذ بك من [النقض]

(3)

بعد الوجود والثبات"

(4)

، انتهى.

وقيل: "معنى الحور بعد الكور، بالراء: الرجوع عن الجماعة بعد أن كان منهم". قال التوربشتي: "وفيه نظر؛ لأن استعمال الكور في جماعة الإبل خاصة، وربما استعمل في البقر"، انتهى.

والجواب: أن باب الاستعارة غير مسدود، فإن العطن مختص بالإبل، ويكنى عن ضيق الخلق.

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"النقص".

(2)

الأذكار (375).

(3)

كذا في (أ) و (ج)، وفي (ب) و (د) و"مفتاح الحصن الحصين":"النقص".

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ ب).

ص: 924

وقال صاحب "الفائق" في معنى "الحور بعد الكون" بالنون: "الحور: الرجوع، والكون: الحصول على حالة جميلة، يريد التراجع بعد الإقبال"

(1)

.

قال ميرك: "واعلم أن في معظم نسخ مسلم بالنون، وكذا ضبطه الحفاظ، وروي بالراء ومعناه: النقصان بعد الزيادة".

وقيل: من الشذوذ بعد الجماعة. أو: من الفسَاد بَعْدَ الصَّلاح. أو: من القلة بعد الكثرة. أو: من الإيمان إلى الكفر. أو: من الطاعة إلى المعصية. أو: من الحضور إلى الغفلة. وكأنه من كار عمَامته إذا لفّها على رأسه فاجتمعت، وإِذا نقضها فَانفرقت.

وأما بالنون فقال [أبُو عُبَيْد]

(2)

: "من قولهم: حَار بعد مَا كان، أي: أنه كان على حَالة جميلة فرجع عنها. ووهم بعضهم رواية النون، والله أعلم".

(ودعوة المظلوم) فإن قلتَ: دعوة المظلوم يحترز عنها سواء كانت في الحضَر أو السفر. قلتُ: كذلك الحَوْر بعد الكَوْر، لكن السَّفر مظنة البلايا والمصائب، والمشقة فيه أكثر فخصت به، أو لأن دعوة المظلوم المسافر الذي لا يلقى الإعانة والإغاثة أقرب إلى الإجابة.

(وسُوءِ المنظر) في الأهلِ والمال. (م، ت، س، ق) أي رواه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن عبد الله بن سرجس

(3)

.

(1)

الفائق (4/ 71).

(2)

كذا في (أ)، وهو الصواب، وفي (ب) و (د):"أبو عبيدة"، وفي (ج):"عبيد".

(3)

أخرجه مسلم (1343)، والترمذي (3439)، والنسائي (8/ 272 - 273)، وابن ماجه (3934).

ص: 925

(اللهم بلاغًا) بفتح الموحدة، قال المصنّف:"البلاغ: ما يتبلغ ويتوصل به إلى الشيء المطلوب، وَنَصْبه ومَا بعده بفعل مقدَّر، أي: أسْألُكَ بلاغا"

(1)

(يبلغ) على صيغة المضارع المعلوم من التبليغ، ويجوز أن يكون من الإبلاغ، أي: يوصل (خيرًا) أي: إلى خير من أمور الدنيا والآخرة.

(ومغفرة منك) أي: حاصلة من فضلك، عطف على بلاغًا، وكذا قوله:(ورضوانًا) بكسر الراء ويضم، وَذكرهما بعد الخير من باب التفصيل بعد الإبهام، أو من قبيل عطف الخاصّ [على]

(2)

العام.

(بيدك الخير) أي: بتصرفك لا غير أو بقدرتك وإرادتك الخير، وكذا الشر، فهو من باب الاكتفاء كقوله تعالى:{سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81]. أي: والبرد. أو من قبيل حسن الأدب، كما قيل في قوله تعالى:{وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80] حيث لم يقل: وإذا مرضني.

وقيل: "ذكر الخير وحده لأنه المرغّب فيه، أو لأنه المقضي بالذات، والشر مقضي بالعرض إذا لم يوجد شيء جزئي ما لم يقض خيرًا كليًّا".

وتحقيقه: أنا إذا تأمَّلنا، فكل ما يطلق عليه شر فليس بشر بالذات بل بالعرض من حيث هو سبب للشر، وأمثلة ذلك: هي كالبرد والمفسد للثمار، وكالسحاب الذي يمنع القصار عن فعله، وكالأخلاق الرذيلة كالجبن والبخل، وكالأفعال المذمومة كالزنا والآلام والغموم، وغيرها فالبرد من حيث كيفيته، وبالقياس إلى ما أوجب ليس بشرّ، بل هو كمال

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ ب).

(2)

كذا في (أ) و (ب)، وفي (ج) و (د):"بعد".

ص: 926

من الكمالات، وإنما الشر هو فساد أمزجة الثمار، [وفقدانها]

(1)

مَا يليق، وعلى هذا قيالس الباقي.

فإن الأخلاق الرديّة والأفعال الدنية ليست بشرور من حيث صدورها من القوة الغضبيّة والقوة الشهوية مثلًا، بل هي من تلك الحيثية كمالات لتينك القوتين، وإنما تكون شرورًا بالقياس إلى ضعف النفس الناطقة عن ضبط قواها، أو بالقياس إلى المظلوم، أو إلى السعادة الدينية، وكذا الآلام فإنها ليست شرورًا من حيث إدراكات الأمور، ولا من حيث وجود تلك الأمور في أنفسها وصدورها عن عللها، وإنما هي شرور بالقياس إلى المتألم.

(إنك على كل شيء) أي: من إيصال الخير ودفع الشر. (قدير) أي: بليغ القدرة.

(اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم هون علينا السفر) أي: سفر الدنيا وسفر الأخرى، أو سفر الظاهر وسير الباطن، (واطو لنا الأرض) أي: مسافة مقصدنا.

(اللهم إني) كذا في "الأصيل" وليس في "الجلال"، (أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب. ص، ي) أي رواه: أبو يعلى، وابن السني؛ كلاهما عن البراء بن عازب

(2)

.

(1)

كذا في (ج) و (د)، وفي (أ) و (ب):"وفقدان".

(2)

أخرجه أحمد (4/ 281 و 4/ 289 و 4/ 298 و 4/ 300)، والترمذي" (3440)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (550).

قال أبو عبد الرحمن النسائي، عقب رواية يحيى بن آدم: أبو إسحاق لم يسمعه=

ص: 927

(اللهم أنت الصاحب في السفر) أي: كما في الحضر بل لكل أحد، لقوله تعالى:{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، (والخليفة في الأهل) أي: في أهل كل واحد بالحفظ في كل حال، فلا اعتماد فيهم إلا عليك، ولا تفويض أمرهم إلا إليك.

(اللهم اصحبنا في سفرنا) أي: صحبًا جميلًا، (واخلفنا في أهلنا) بوصل همزة وضم لام، قال المصنّف:"أي: كن خلفًا منا على أهلنا"

(1)

. (ت، س) أي رواه: الترمذي، والنسائي، عن عبد الله بن سرجس

(2)

.

(وإذا علا) قال الحنفي: "أي: ارتفع"، وهو غير ملائم، فالظاهر أن يقال: أي صعد. (ثنيَّةً) وهي بفتح مثلثة، وكسر نون، وتشديد تحتية، فهاء، أي: عقبة على ما في "النهاية"، (كبَّر) أي: قال: "الله أكبر"، إظهارًا لكبريائه تعالى، وعلو مكانته، وارتفاع شأنه.

(وإذا هبط) بفتح الموحدة، أي: نزل من العلو إلى الهبوط. (سبَّح) أي

= من البراء.

والصواب ما قاله النسائي، إذ رواه أبو إسحاق، عن الربيع، عن البراء.

ولذا، قال الترمذي، عقب رواية شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت الربيع بن البراء بن عازب، فذكره.

قال الترمذي: وروى الثوري هذا الحديث، عن أبي إسحاق، عن البراء، ولم يذكر فيه: عن الربيع بن البراء)، ورواية شعبة أصح.

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ ب).

(2)

أخرجه عبد بن حميد (511)، والترمذي (3439)، والنسائي في "الكبرى"(8801)، وفي "عمل اليوم والليلة"(499).

ص: 928

قال: "سبحان الله"؛ تنزيهًا له عن الزوال والنزول.

وأما حديث: "ينزل ربنا" فمعناه: أمره، أو حكمه، أو ملائكته، أو النزول محمول على معنى التجلي مطلقًا، أو التجلي الصوري كما قاله بعض الصوفية من الجامعين بين علمي الظاهر والباطن

(1)

. (خ، س، د)

(1)

المؤلف مشى على طريقة أهل التأويل والتفويض، وهما مذهبان باطلان، ومذهب السلف إثبات صفات الله كما دل عليها الكتاب والسنة وأنها على ظاهرها ويفسرون معناها على ما يليق بجلال الله، ولا يفوضونها، فلا يجعلون نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يفهم معناه ويجب تفويضه، بل كانوا يعلمون معاني هذه النصوص ويفسرونها، وإنما يفوضون علم كيفيتها إلى الله، فمذهب السلف في أسماء الله وصفاته هو إثباتها كما جاءت في الكتاب والسنة من غير تشبيه لها بصفات المخلوقين، ومن غير تعطيل ونفي لها، بل إثبات بلا تشبيه وتنزيه لله بلا تعطيل. كما قال مالك:(الإستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب)، فالسلف متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله.

لقد وصف الله تعالى نفسه بأكمل وأجمل الأوصاف، كما يليق بجلاله وعظمته في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وعقيدة السلف الذين كانوا أعلم الأمة وأعرفها باللع رب العالمين: الإيمان بجميع ذلك على وجه الإجمال فيما جاء مجملا، وعلى وجه التفصيل فيما جاء مفصلا، من غير زيادة ولا نقصان، من غير صرف له إلى معنى آخر غير الظاهر من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف ولا تكييف، وأن السلف كانوا يعلمون معاني الصفات، ويفرقون بينها، بحسب ما دلت عليه مما تعرفه العرب في لسانها، فالعلم غير الحياة، والإتيان غير الإستواء على العرش، واليد غير الوجه، وهكذا سائر الصفات، فكيفية=

ص: 929

أي: رواه البخاري والنسائي عن جابر

(1)

، وأبو داود عن ابن عُمَر

(2)

.

(وإذا أشرف) أي: صَار مشرفًا (عَلى وَادٍ هَلل وكبَّر) أي: قال: لا إله إلا الله، والله أكبر. (ع) أي: رواه الجماعة عن أبي موسى

(3)

.

= الصفات مجهولة للعباد، ومعاني الصفات معلومة من لسان العرب ولغتها، والإيمان بالصفة كما أخبر الله بها واجب، وفي هذا الحديث إثبات اليد والأصابع لله حقيقة، وإن تأويلها بالنعمة أو القدرة ونحوها باطل.

ومن تأمل جواب الإمام مالك بن أنس رحمه الله لمن سأله عن كيفية الاستواء على العرش، فقال:"الكيف غير معلوم، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، تبينت له حقيقة ما ذكرت.

إن الله خاطبنا بلسان عربي مبين وبما نفهمه ونعقل معناه. والأصل في الكلام أن يجرى على ظاهره، فنحن نعلم معاني صفات الرب سبحانه، ولا نعلم كيفيتها ونقطع بأنها لا تماثل صفات المخلوقين، ولم يزل الأئمة يذكرون كلمة الإمام مالك هذه قاعدة، لأهل السنة في سائر صفات الباري تعالى. والله أعلم.

(1)

البخاري (2993) و (2994)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة"(542)، وابن خزيمة (2562)، والبيهقي 5/ 259 من طريق حصين بن عبد الرحمن، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر. ووهم البيهقي في السنن (5/ 259) فنسب تخريج هذا الحديث إلى مسلم في "الصحيح " عن بندار، والصواب أنه البخاري.

(2)

أخرجه مسلم (1342)، وأبو داود (2599)، والترمذي (3447)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (548).

(3)

أخرجه البخاري (6384)، (4205)، (7386)، ومسلم (2704)، والترمذي (3374)، والنسائي (11427)، وفي عمل اليوم والليلة (538)، وابن ماجه (3824)، وأبو داود (1527).

ص: 930

(وإن) وفي نسخة: "وإذا". (عثرت) بفتح المثلثة، أي: زلّت. (به دابته) والباء للتعدية أو الملابسة، وفي "القاموس"

(1)

: "عثر كضرب ونصر وعلم وكرم، عثرًا: كَبَا، فهو مثلث الماضي والمضارع".

فجزم الحنفي المشعر للحصر بأن [العاثر]

(2)

: يفعُل من باب "طلب"، دال على أنه كان من الطلبة، ولم يصل إلى مرتبة الغلبة.

(فليقل: باسم الله. س، مس، أ، ط) أي رواه: النسائي، والحاكم، وأحمد، والطبراني، لكن أحمد عن أبي تميمة، عمن كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم، والباقون عن أبي المليح

(3)

.

(وإذا ركب) أي: المسافر (البحر) أي: سفينة، (أمان من الغرق) بفتح الراء، مصدر على ما في "النهاية". (أن يقول) أي: عند ركوبه أو بعده، {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا} بفتح الميم وضمها، مع الإمالة ودونها، (الآية) يعني:{وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [هود: 41]، وهو مقتبس من قوله تعالى:

(1)

القاموس (ص 436).

(2)

هذا هو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ:"الغابر".

(3)

أخرجه أحمد (5/ 59 و 71)، وأبو داود (4982)، وصححه الحاكم (4/ 294)، وقال الهيثمي في "المجمع" (10/ 132): رواه أحمد بأسانيد ورجالها كلها رجال الصحيح. والحديث في صحيح الترغيب (3129).

قال الإمام النووي في "الأذكار"(1/ 264): ورويناه في كتاب ابن السني عن أبي المليح عن أبيه وأبوه صحابي اسمه أسامة على الصحيح المشهور وقيل فيه أقوال أخرى وكلا الروايتين صحيحة متصلة فإن الرجل المجهول في رواية أبي داود صحابي والصحابة رضي الله عنهم كلهم عدول لا تضر جهالتهم.

ص: 931

{وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} [هود: 41]. أي: اركبوا قائلين "باسم الله"، أو مسمين الله وقت إجرائها وإرسائها، أي: إثباتها.

أو: "باسم الله" خبر لمجراها، أي: باسم الله إجراؤها، فيكون إخبارًا عن سفينة نوح بأن إجراءها وإرساءها باسم الله، وقد نقِل: أنه إذا أراد إجراءها قال: "باسم الله" فَجَرَتْ، وإذا أراد إثباتها قال:"باسم الله" فرست.

{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي: ما عظموه حق عظمته، وقال سهل التستري:"أي: ما عرفوه حق معرفته". (الآية) بالوجوه الثلاثة (في الزمر) كذا في "نسخة الجلال"، وفي "نسخة الأصيل": "التي في [سورة]

(1)

الزمر".

وقال المؤلف: "يعني التي في سورة الزمر: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} الآية؛ وذلك مجرب"

(2)

، انتهى. وهو احتراز [مما]

(3)

وقع في سورة الأنعام أيضًا: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 91].

ثم قوله: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] تنبيه على كمال عظمته وعظيم قدرته، ودلالة على حقارة الأفعال العظام التي تتحيّر فيها الأوهام بالإضافة إلى قدرته، وإيماء إلى أن تخريب العالم أهون شيء عليه، على طريق التمثيل

(1)

من (أ) و (ج) فقط.

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ ب).

(3)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"عما".

ص: 932

والتخييل، من غير اعتبار القبضة واليمين حقيقة ولا مجازا.

والقبضة: المَرَّةُ من القبض، أطلقت بمعنى القبضة وهي: المقدار المقبوض بالكف تسمية بالمصدر أو بتقدير ذات قبضة.

وتأكيد {وَالْأَرْضُ} بالجمع؛ لأن المراد بها الأرضون السبع، أو جميع أجزائه البادية والغائرة، وقرئ:(مطوياتٍ) بالنصب على أنها حال، {وَالسَّمَاوَاتُ} معطوفة على {وَالْأَرْضُ} منظومة في حكمها، {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67] أي: ما أبعد مَنْ هذه قدرته وعظمته من إشراكهم، أو ما يضاف إليه من الشركاء؛ كذا حققه البيضاوي.

(ط، ص، ي) أي رواه: الطبراني، وأبو يعلى، وابن السني، كلهم عن الحسين بن علي

(1)

.

(وإذا انفلتت دابته) يقال: "أفلت الشيء، وانفلت وتفلت، بمعنى فرَّ". وفي "النهاية": "الانفلات: التخلص من الشيء فجأة من غير مكث".

(فليناد: أعينوا) أي: أعينوني على أخذها، وأغيثوني في ردّها، (يا عباد الله) المراد بهم الملائكة، أو المسلمون من الجن، أو رجال [الغيب]

(2)

المسمّون بالأبدال.

(1)

أخرجه الطبراني في الكبير (11/ 196) رقم (11479) والحاكم في المستدرك (4/ 75) رقم (11479)، وقال الذهبي في التلخيص: في إسناده ضعيفان. وقال الألباني في ضعيف الجامع (1249)، والسلسلة الضعيفة (683): ضعيف جدًّا.

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"الغيث".

ص: 933

(ر) أي: رواه البزار عن ابن عباس

(1)

، وروى ابن السني عن ابن مسعود مرفوعًا

(2)

: "إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة؛ فليناد: يا عباد الله احبسوا؛ فإن لله تعالى عبادًا في الأرض تحبسه".

قلت: حكى لي بعض شيوخنا الكبار في العِلْمِ انفلتت له دابّة -أظنها بغلة- وكان يعرف هذا الحديث، فقاله حبسها الله عليهم في الحال.

وكنت أنا مرة مع جماعة، فانفلتت منا بهيمة وعجزوا عنها، فقلته فوقفت في الحال بغير سبب سوى هذا الكلام. ذكره النووي في "الأذكار".

(رحمكم الله. مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة، هذه الزيادة، موقوفًا من قول ابن عباس

(3)

.

(وإن أراد) وفي نسخة: "وإذا أراد"(عونًا) أي: نصرًا وإعانة، أو معينًا ومغيثًا، (فليقل: يا عباد الله، أعينوني. يا عباد الله، أعينوني. يا عباد الله، أعينوني) أي: يكررها ثلاثًا.

(ط) أي: رواه الطبراني عن زيد بن علي، عن [عُتْبَةَ]

(4)

بن غَزْوَان، عن النبي

(1)

أخرجه البزار (4922) قال الهيثمي في المجمع (10/ 132): رواه البزار ورجاله ثقات.

(2)

أخرجه أبو يعلى (5269) وابن السني (559) والطبراني في المعجم الكبير (10/ 217) رقم (10518) قال الهيثمي (10/ 132): فيه معروف بن حسان وهو ضعيف، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (404) والسلسلة الضعيفة (655).

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (29721) ط الرشد.

(4)

هذا هو الصواب، وفي جميع النسخ:"عقبة".

ص: 934

صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا ضل أحدكم شيئًا أو أراد عونًا وهو بأرض ليس بها أنيس، فليقل: يا عباد الله، أعينوني. يا عباد الله، أعينوني؛ فإن لله عبادًا لا نراهم".

(وقد جُرّب ذلك) أي: وذلك مجرب محقق. (ط) أي: رواه الطبراني من حديث عتبة بن غزوان أيضًا

(1)

.

(1)

قال الهيثمي (10/ 135): رواه الطبراني ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم إلا أن يزيد بن علي لم يدرك عتبة. قال الشيخ الألباني: ومع أن هذا الحديث ضعيف كالذي قبله، فليس فيه دليل على جواز الاستغاثة بالموتى من الأولياء والصالحين، لأنهما صريحان بأن المقصود بـ "عباد الله" فيهما خلق من غير البشر، بدليل قوله في الحديث الأول:"فإن لله في الأرض حاضرا سيحبسه عليهم". وقوله في هذا الحديث: "فإن لله عبادًا لا نراهم".

وهذا الوصف إنما ينطبق على الملائكة أو الجن، لأنهم الذين لا نراهم عادة، وقد جاء في حديث آخر تعيين أنهم طائفة من الملائكة. أخرجه البزار عن ابن عباس بلفظ:"إن لله تعالى ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر، فإذا أصا بت أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله أعينوني". قال الحافظ كما في "شرح ابن علان"(5/ 151): "هذا حديث حسن الإسناد غريب جدًّا، أخرجه البزار وقال: لا نعلم يروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد".

وحسنه السخاوي أيضا في "الابتهاج" وقال الهيثمي: "رجاله ثقات". قلت: ورواه البيهقي في "الشعب" موقوفا كما يأتي.

فهذا الحديث -إذا صح- يعين أن المراد بقوله في الحديث الأول "يا عباد الله" إنما هم الملائكة، فلا يجوز أن يلحق بهم المسلمون من الجن أو الإنس ممن يسمونهم برجال الغيب من الأولياء والصالحين، سواء كانوا أحياء أو أمواتًا، فإن=

ص: 935

قال بعض العلماء الثقات: "حديث حسن يحتاج إليه المسافرون، وروي عن المشايخ أنه مجرب قرن به النُّجْح". ذكره ميرك.

(وإذا أشرف) أي: اطلع (على مكان مرتفع) أي: عالٍ، (قال: اللهم لك الشرف) أي: العلو، (على كل شرف) أي: عال، (ولك الحمد على كل حال. أ، ص، ي) أي رواه: أحمد، وأبو يعلى، وابن السني، عن أنس

(1)

.

(وإذا رأى) كذا في "أصل الأصيل" وأكثر الأصول، وفي "أصل الجلال":"وإذا أراد". (بلدًا) ويلائم الأول قوله: (يريد دخولها) ولعله يريد التأكيد؛ إذ يلائم الثاني قوله: (قال حين يراها) وعلى الأول معناه: قال أول وقت يراها لا حين دخولها.

(اللهم رب السماوات السبع وما أظللن) أي: أشرفن عليه ودنون منه، فكأنهن ألقين ظلة عليه، وفي رواية الطبراني:"وما أظلت" بصيغة الواحدة؛ لقصد الجماعة. (ورب الأرضين) بفتح الراء، ويسكن (السبع

= الاستغاثة بهم وطلب العون منهم شرك بين لأنهم لا يسمعون الدعاء، ولو سمعوا لما استطاعوا الاستجابة وتحقيق الرغبة، وهذا صريح في آيات كثيرة، منها قوله تبارك وتعالى:{وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 13 - 14]"الضعيفة"(2/ 109 - 110).

(1)

أخرجه أحمد (3/ 239)، وأبو يعلى (4297). وابن السني في عمل اليوم والليلة (522)، قال الهيثمي: فيه زياد النميري، وقد وثق على ضعفه، وبقية رجاله ثقات مجمع الزوائد (10/ 133). وأخرجه أيضًا: ابن عدي (5/ 85) وابن عبد البر في التمهيد (24/ 358).

ص: 936

وما أقللن)، وفي رواية الطبراني:"وما أقلت" أي: حملته ورفعته.

(ورب الشياطين وما أضللن) ولعل وجه التأنيث اعتبار نفوسهم، أو تغليب إناثهم مع رعاية المشاكلة. ونسبة الإضلال إليهم مَجازية، وفي رواية الطبراني:"وما أضلت".

(ورب الرياح وما ذرين) وفي رواية الطبراني: "ذرت"، وفي رواية أخرى له:"أذرت"، وفي "النهاية":"يقال: ذرته الريح وأذرته تذروه وتذريه: إذا أطارته". قلت: ومن الأول قوله تعالى: {فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} [الكهف: 45].

(فإنا نسألك خير هذه القرية) أي: نفسها، بأن تجعلها مباركة علينا نقوم فيها بالطاعة والعبادة، ونسكن فيها بالسلامة والعافية، أو خير ما فيها من أرزاق الحلال. (وخير أهلها) أي: من العُلَمَاءِ والصُّلَحَاءِ.

(ونعوذ بك من شرها، وشر أهلها، وشر ما فيها) أي: من المؤذيات. (س، حب، مس) أي رواه: النسائي، وابن حبان، والحاكم، عن صُهَيْب بن سنان الرومي، ورواه ابن السني أيضًا

(1)

.

(1)

أخرجه النسائي في سننه الكبرى (8827)، و (10378) وابن السني في "عمل اليوم والليلة"(525)، وابن خزيمة (2565)، وابن حبان (2709)، والطحاوي في مشكل الآثار (5/ 32)(1778) و (2528)، والطبراني في "الكبير"(7146) و (7299) والحاكم 1/ 446 و 2/ 100 - 101)، وأبو نعيم في "الحلية"(6/ 46) قال ابن حجر في "تخريج الأزكار"(5/ 174) إسناده حسن. انظر الفتوحات الربانية لابن علان.

ص: 937

(أسألك خيرها وخير ما فيها) أي: من الأهل وغيره؛ ففيه تغليب (وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها. ط) أي: رواه الطبراني عن لبابة بن أبي رفاعة بن عبد المنذر الأنصاري، ويقال له: لبابة بن المنذر

(1)

.

(وعندما يريد أن يدخلها) أي: يقول: (اللهم بارك لنا فيها -ثلاث مرات- اللهم ارزقنا جَنَاهَا) قال المصنّف: "بفتح الجيم، وهو ما يجتنى من الثمر"

(2)

، انتهى. ووقع في بعض النسخ:"بفتح الحاء المهملة، فتحْتِيَّةٌ"؛ ففي "القاموس"

(3)

: "الحيا: الخصب، ويمد" انتهى. ولكن الظاهر أنه تصحيف.

(وَحَبِّبْنَا) أَمْرٌ من التحبيب، أي: اجعلنا محبوبين (إلى أهلها، وحبب صالحي أهلها إلينا) أي: واجعل صالحي أهلها محبوبين إلينا، ولا يخفى النكتة اللطيفة في تعميم "أهلها" في الجملة الأولى، وتخصيصها في الثانية

(4)

.

(1)

أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط"(7516) وقال الهيثمي (10/ 134): وإسناده حسن.

قلت: في إسناده يعقوب بن محمد الزهري، فهو كثير الوهم كما في "التقريب"، والكناني لم يوثقه غير ابن حبان، أورده في "ثقات أتباع التابعين" ولم يذكرله راويا غير إسحاق بن جعفر هذا، وكذلك لم يذكر له غيره البخاري في "التاريخ الكبير" (1/ 127) وابن أبي حاتم (7/ 359) وقال عن أبيه: لا أعرفه. ضعفاء العقيلي (4/ 87).

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ ب).

(3)

القاموس (ص 1278).

(4)

أخرجه الطبراني في "الأوسط"(4755)، وقال الهيثمي (10/ 137)، رواه الطبراني في "الأوسط" وإسناده جيد.

ص: 938

(طس) أي: رواه الطبراني في "الأوسط"

(1)

عن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أشرف على أرض يريد دخولها قال: اللهم إني أسألك من خير هذه، وخير ما جَمَعَتْ فيها. اللهم ارزقنا جناها، وأعذنا من وباها، وحببنا إلى أهلها، وحبب صالحي أهلها إلينا". كذا ذكره بعض المحققين، ولعل الطبراني له روايتان، والله أعلم.

(وإذا نزل منزلًا: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فإنه لم يضرَّه) بفتح الراء المشددة، ويجوز ضمه، ويجوز كسر الضاد وسكون الراء من ضاره يضيره، وقد قرئ بهما في قوله تعالى {لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران: 120]. والمعنى: لم يصبه ضرر (شيء) أي: من المخلوقات، (حتى يرتحل) أي: ينتقل من ذلك المنزل.

(م، ت، س، ق، أ، ط، مص) أي رواه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، والطبراني، وابن أبي شيبة؛ كلهم عن خولة بنت حكيم، وليس لها في الكتب سوى هذا الحديث إلا الطبراني فعن عبد الرحمن بن عائش

(2)

.

(1)

أخرجه الطبراني في الأوسط (4755) من رواية ابن عمر.

أما رواية عائشة فقد أخرجها ابن السني في "عمل اليوم والليلة"(521).

وذكره الألباني في السلسلة الضعيفة (6040) وقال قلت: وهذا موضوع بهذا التمام؛ آفته عيسى بن ميمون -وهو مولى القاسم ابن محمد-، وهو واهٍ جدًّا.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة (30022)، ومسلم (2709)، والترمذي (3433)، وأحمد (6/ 377 و 378 و 409)، والدارمي (2683)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة"(560 - 561)، وابن السني (528)، وابن ماجه (4735)، والبيهقي (5/ 253)، والطبراني في "الدعاء"(830 - 833).

ص: 939

(وإذا أمسى) أي: دخل المسافر في المساء، والإمساء نقيض الإصباح على ما في "التاج". (وأقبل الليل) تأكيد لما قبله؛ فإن الإقبال ضد الإدبار، أو دفعًا لاستعمال المساء فيما بعد الزوال أيضًا.

(يا أرض، ربي وربك الله) الخطاب فيه وفيما بعده للأرض، وفيه إشعار بأن لها شعورًا بكلام الداعي. (أعوذ بالله من شرك) أي: بأن يقع فيك معصية أو محنة وبلية، وزيد في "الأذكار" و"المشكاة" و"السلاح":"وشر ما فيك" بهذه الرواية.

(وشر ما خلق فيك) أي: في جوفك من المؤذيات. (وشر ما يدب) بكسر الدال وتشديد الموحدة، أي: يتحرك (عليك) أي: من الحشرات. قال المصنّف: "بكسر الدال، أي: يمشي، وكل ما على الأرض دابة ودبيب"

(1)

.

(وأعوذ بالله) وفي "نسخة الجلال": "وأعوذ بك" وفوقه رمز الدال، ويوافقه ما في "شرح المصابيح" للمصنف:""وأعوذ بك من أسد"، كذا في رواية أبي داود"، ويؤيده أنه وقع في نسخة من "الأذكار"

(2)

: "وأعوذ بك"، وكذا في "سلاح المؤمن"، وقال: وفي رواية النسائي: "وأعوذ بالله"(من أسد) أي: من شره، (وأسْودٍ) بالتنوين، وفي نسخة بالفتح، وسيجيء تحقيقه. قال المصنّف:"الأسود، قيل: "هو الشخص"، وقيل: "العظيم من الحيات"، وخصت بالذكر لخبثها"

(3)

، انتهى. وقال التوربشتي:

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ ب).

(2)

الأذكار (ص 381).

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ ب).

ص: 940

"الأسود: الحية العظيمة التي فيها سواد وهي أخبث الحيات". وذكر من شأنها أنها تعارض الركب وتتبع الصوت، فلذا خصها بالذكر وجعلهما جنسًا آخر برأسها، ثم عطف عليها بقوله (ومن الحية والعقرب)

(1)

.

و"أسود" هنا منصرف؛ لأنه اسم جنس وليس بصفة؛ إذ ليس فيه شيء من الوصفية كما هو معتبر في الصفات الغالبة عليها الاسمية في منع الصرف، ولهذا يجمع على أساود.

وقال بعضهم: "والمسموع من أفواه المشايخ، والمضبوط في أكثر النسخ "أسودَ" بالفتح غير منصرف". وعن بعضهم: "الوجه أن لا ينصرف؛ لأن وصفيته أصلية، وإن غلب عليها الإسمية".

وفي "الغريبين"

(2)

: "قال ابن الأعرابي في "تفسيره": يعني جماعات، وهي جمع سوادي جماعة ثم أسودة، ثم أساود". وقيل: "المراد بالأسود: اللص؛ لأنهم يقولون له: أسود؛ لملابسته الليل، أو لملابسته السواد من اللباس". قلت: أو لأن أكثرهم السودان على ما في مكة المشرفة.

(ومن شر ساكن البلد) لفظ "شر" ليس في "الأذكار"، وفي "أصل الجلال":"ساكني البلد"، بصيغة الجمع، وأريد بلفظ الأول الجنس.

قال المؤلف: "قيل: "هم الجن الذين هم سكان الأرض"، والبلد من الأرض ما كان مأوى الحيوان، وإن لم يكن فيه بناء ومنازل"

(3)

، انتهى.

(1)

مرقاة المفاتيح (4/ 1692).

(2)

غريب الحديث لابن سلام (4/ 134).

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ ب).

ص: 941

وكذا هو في "النهاية"

(1)

.

وقال القاضي: "قيل: هم الجن والإنس؛ لأنهم يسكنون البلاد غالبًا، أو لأنهم بنوا البلدان واستوطنوها". والمراد بالبلد: الأرض، قال الله تعالى:{وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} [الأعراف: 58]

(2)

.

(ومن والدٍ وما ولد) قيل: "آدم وذريته"، ويحتمل أن يكون جميع ما يوجد بالتوالد من الحيوانات أصولها وفروعها. وقال المصنّف:"يحتمل أن يكون "والد": إبليس، و"ما ولد": الشياطين"

(3)

.

(د، س، مس) أي رواه: أبو داود، والنسائي، والحاكم، عن ابن عمر

(4)

.

(ووقت السحر) وهو السدس الأخير من الليل، وفي رواية:"وإذا أسحر"، أي: دخل وقت السحر، (يقول: سمّع) بالتشديد، أي: بلّغ. وهو خبر معناه

(1)

انظر معالم السنن (2/ 259).

قال ابن علان في "الفتوحات الربانية"(3/ 167) تعليقًا على قول الخطابي: "ساكن البلد: الجن"، أي: بناء على أن المراد بالبلد الأرض، ومنه قوله تعالى:{وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} ، وهو الظاهر؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قاله في البراري لا في الأبنية، أما إذا أريد بالبلد ما هو المتبادر منه من الأبنية، فسر البلد بمأوى الحيوان من الأرض الشامل للأبنية وغيرها، وفسر الساكن بالجن.

(2)

انظر مرقاة المفاتيح (2/ 1692).

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ ب).

(4)

أخرجه أبو داود (2603)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (562) وإسناده ضعيف. في إسناده بقية بن الوليد قال الحافظ: صدوق كثير التدليس عن الضعفاء التقريب: (741).

ص: 942

الأمر، أي: ليبلغ (سامع بحمد الله)، قال المصنّف: "بتشديد الميم المفتوحة، كذا ضبطه القاضي عياض

(1)

، وقال:"معناه: بلّغ سامع قولي هذا تنبيهًا على الذكر والدعاء، وضبطه الخطابي بالكسر مخففة، ومعناه: شهد شاهد، قال -أي: الخطابي-: "وهو أمر بلفظ الخبر، وحقيقته: ليسمع وليشهد على حمدنا لله على نعمته"

(2)

، وكذا قال في "النهاية"

(3)

"

(4)

، وفي نسخة زيادة:"ونعمه" بصيغة الجمع، وفي رواية أبي داود:"ونعمته"، بلفظ الإفراد. (وحسن بلائه علينا) بالجر عَطْفًا على "حمد الله"، وفي نسخة بالرفع على أنه جملة من مبتدأ وخبر، أي: حسن نعمته، أو حسن اختياره واقع علينا وثابت لدينا.

قال المصنّف: "قوله "على نعمه وحسن بلائه علينا" أي: ما أحسن إلينا، وأولانا من نعمه، وحسن البلاء بالنعمة: الاختبار بالخير ليتبين الشكر، وبالشر ليظهر الصبر"

(5)

. انتهى.

وفيه: أن قوله "على نعمه" مشعر بأن لفظ "على" من متن الحديث، وليس موجودًا في النسخ المصحَّحَة، والأصول المعتمدة.

(ربنا) أي: يا ربنا (صَاحِبْنَا) بسكون الموحدة، أمر من المصاحبة، أي: كن صاحبنا بالإعانة والإغاثة، (وأفضِل) أمر من الإفضال، أي: زد

(1)

مشارق الأنوار (2/ 221).

(2)

"شرح مسلم"(17/ 39).

(3)

النهاية (2/ 401).

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 11/ ب، 12/ أ).

(5)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ أ).

ص: 943

من نعمك بفضلك (علينا، عائذًا بالله من النار) هو منصوب على المصدر، أي: أعوذ عياذًا، أُقِيمَ اسمُ الفاعل مقام المصدر كما في قولهم: قم قائمًا، أو على الحال من ضمير المرفوع في: يقول، أو استجِر، فيكون من كلام الراوي. قاله القاضي.

ويريد أن "عائذًا" إذا كان مصدرًا فهو من كلام رسول الله عليه السلام، وإذا كان حالًا فمن كلام الراوي.

وَجَوَّزَ النووي أن يكون حالًا، وأن يكون من كلامه صلى الله عليه وسلم، أي: إني أقول حالة استعاذتي من النار، انتهى. والأرجح هذا؛ لئلا ينخرم النظم، ذكره الطيبي. وقال المصنّف:"أي: معتصمًا، ونصبه على الحال"

(1)

. انتهى. ويحتمل أن يكون حالًا من فاعل "سمع"، وفي رواية أبي عوانة:"من جهنم".

(م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، عن أبي هريرة، أي: من غير قيد

(2)

.

(يقول ذلك ثلاث مرات، ويرفع بها صوته. عو، مس) أي رواه: أبو عوانة، والحاكم، عنه أيضًا

(3)

.

(وقال صلى الله عليه وسلم: أتُحِبُّ يا جُبَيْر) بالتصغير، وهو ابن مطعم (إذا خرجتَ في سفر) وفي نسخة:"إلى سفر"، وفي أخرى:"إلى سفرك" بالخطاب (أن

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ أ).

(2)

أخرجه مسلم (2718)، وأبو داود (5086)، والنسائي في الكبرى (7728).

(3)

أخطأ الحاكم فاستدركه على مسلم، وخرجه (1/ 446) من الطريق التي أخرجها مسلم.

ص: 944

تكون أمثل أصحابك) أي: أفضلهم وأحسنهم (هيئة) أي: صورة وحالًا، (وأكثرهم زادًا؟) أي: توسعة ومالًا، وكمالًا وجمالًا: حالًا ومآلًا، (فقلت: نعم، بأبي أنت وأمي) أي: أفديك بهما.

(قال: فاقرأ هذه السور الخمس: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، و {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ}، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، و {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}، وافتتح) أي: ابتدئ (كل سورة: ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فيه إشعار بجواز ترك البسملة في أوائل السور، لا سيما ما بين السورتين على ما قر أبه جمع من السبعة.

(واختم قراءتك بها) أي: ليكون ختامها مسكًا، وحاصله: أن تكون القراءة مبدوءًا بها ومختتمًا فيها، وقد أبعد من توهم أن كل سورة يبتدأ بها، ويختتم بها؛ فإنه يلزم تكرار البسملة في أثناء القراءة؛ ولا وجه له في الدراية، مع أنه غير مُصرَّح في الرواية. وأما ختم القراءة بالبسملة [فيوجّه]

(1)

بما ورد من الحالّ المرتحل، وبقول القائل:

أَعِدْ ذِكرَ نُعْمَانٍ لنَا إِنَّ ذِكرَهُ

هُوَ المِسْكُ مَا كرَّرْتَهُ يَتَضَوَّعُ

(قال جبير: وكنت) أي: قبل ذلك (غنيًّا كثير المال) عطف بيان، أو دفع لإرادة الغنى القَلْبي. (فكنت أخرج في سفر) أي: من الأسفار مع بعض الرفقاء الفقراء والأغنياء (فأكون) أي: في تلك الحال [أبذهم]

(2)

هيئة) بتشديد الذال المعجمة، أي: أكثرهم بذاذة من جهة الهيئة، وهي

(1)

كذا في (أ) و (د)، وفي (ب) و (ج):"فتوجه".

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (ج)، وفي (د):"أبذ"، وفي (م):"أرثهم".

ص: 945

الحالة الظاهرة؛ ففي "القاموس": "بذ وبذذت كعلمت بذاذة: ساءت حالك، وباذ الهيئة وبذها: رثها، والبذيذة: التقشف".

(وأقلَّهم زادًا) أي: في الصورة، أو في البركة، (فما زلت) أي: فبقيت دائمًا (منذ عُلِّمْتُهُنَّ) بضم العين فتشديد اللام مكسورة، وفي "نسخة الجلال" بفتح فتخفيف، أي: من ابتداء زمان تعلمت السور الخمس (من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرأت بهن) أي: وواظبت عليهن.

(أكون من أحسنهم هيئة، وأكثرهم زادًا حتى أرجع) بالنصب، وفي "أصل الجلال" بالرفع، ولعله لبيان الحال (من سفري. ص) أي: رواه أبو يعلى عن جبير بن مطعم

(1)

.

(ما راكبٌ) أي: ليس راكب ونحوه، (يخلو في مسيره) أي: في سيره، أو زمانه، أو مكانه. (بالله) أي: مشتغلًا به. (وذِكْره) بالجر، وفي "أصل الجلال" بصيغة الماضي، عطفًا على "يخلو"، والجملة في محل نصب على الحال.

(إلا ردفه الله بِمَلَكٍ) أي: يُلْهِمُهُ الخير، ويمنعه عن الشر. وردف: بكسر الدال، والباء للتعدية، أي: أتبعه الله به، أو جعله ردفا له؛ ففي "القاموس":"الردف بالكسر: الراكب خلف الراكب كالرديف، وكل ما تبع شيئًا، وردفه، كسمعه ونصره،: تبعه، كأردفه وأردفته معه: أركبته".

وقال المصنّف: "بكسر الدال، أي: جعل الملك ردفه، والردف:

(1)

أخرجه أبو يعلي (7382) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 136 - 137)، رواه أبو يعلى وفيه: من لم أعرفهم.

ص: 946

الذي يركب خلف الراكب"

(1)

.

(ولا يخلو) أي: راكب (بشعر) أي: مذموم (ونحوه) أي: بكلام الدنيا، أو ما يحذو حذوه مما لا يعينه، (إلا رَدِفه) أي: الله (بشيطان) أي: يعده الفقر، ويأمره بالفحشاء، ويعوقه عن الخير في مسيره. (ط) أي: رواه الطبراني عن عقبة بن عامر.

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ أ).

ص: 947

‌أدعية الحج

(وإن كان) أي: سفره (في حج) أي: وإن كان السالك في سفر حج. (فإذا استوت به راحلته) أي: رفعته مستويًا على ظهرها، والباء للتعدية". قاله التوربشتي.

واعترض عليه الطيبي بأنَّ "استوى" إنما يتعدي بـ "على" لا بالباء، فقوله:"به" حال، وكذا قوله:(على البيداء) نحو قوله تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ} [البقرة: 50]. قال في "الكشاف": {بِكُم} في موضع الحال، بمعنى: فرقنا مُلْتَبِسًا بكم".

أقول: الظاهر أن الباء في الآية للسببية، وفي الحديث للمصاحبة، وقوله:"على البيداء" متعلق بـ "استوت"، وأغرب ميرك حيث قال:"الظاهر أن مراد التوربشتي التعديةَ المقابِلَةَ للُّزوم، فلا مجال لاعتراض الطيبي عليه بأن "استوى" إنما يتعدى بـ "على" لا بالباء، فتأمل فيه" انتهى. وغرابته ظاهرة، لا تخفى على المتأمل.

ثم المراد بالبيداء: هو الشَّرَفُ الذي أمام ذي الحليفة، وقال الطيبي:"البيداء: هي المفازة التي لا شيء بها، وهي ها هنا اسم موضع مخصوص بين مكة والمدينة، وأكثر ما يراد بها هذا". وقال المؤلف: "بالمد، وهي: المفازة التي لا شيء بها"

(1)

.

(حمد الله، وسبح، وكبر) وهذه الثلاثة من دعوات الركوب. (خ) أي:

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ أ).

ص: 948

رواه البخاري عن أنس، (فإذا أحرم) أي: بالنية (لَبَّى) أي: إذا أراد الإحرام لبى ناويًا.

والحاصل: أن الإحرام عند علمائنا الحنفية ما يتم إلا بالنية والتلبية، وهما فرضان فيه، وهو شرط في كل من النسكين، وعند علماء الشافعية التلبية سنة، وهو من الأركان.

(لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك) اعلم أن التلبية مصدر لبى، أي قال: لبيك، ومعنى لبيك:"سرعة الإجابة وإظهار الطاعة"، قال الخطابي وقال النحويون:"مأخوذ من ألبَّ الرجلُ المكانَ، وألب به: إذا لزمه"، قالوا:"ومعنى التلبية فيه للتوكيد والتكثير والمبالغة، كأنه قال: إلبابًا بإجابتك بعد إلباب، ولزومًا بطاعتك بعد لزوم، وإجابتك بعد إجابة".

وقال الأزهري: "أي: أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة، وأصلها إلبابين فحذفت النون للإضافة، وهذا أظهر الأقوال في معناها، لكن تمام مبناها أنه حذف الزوائد وأدغم الباء في الباء، وحركت الأولى بالفتح؛ لتعذر الابتداء بالساكن"

(1)

.

وقال بعض المحققين: "أصله إلبابين، نقلت حركة الباء إلى اللام، وحذفت الهمزة ثم حذفت الألف؛ لسكونها وسكون الباء الأولى وأدغمت في الثانية، ثم أضيفت إلى كاف الخطاب فحذفت النون للإضافة فصار لبيك، وتقديره: ألبيت يا رب بخدمتك إلبابًا بعد إلباب، أي: قمت بخدمتك قيامًا بعد قيام" انتهى، وتكلفه لا يخفى.

(1)

تهذيب اللغة (15/ 242).

ص: 949

ثم الظاهر المتبادر: أنه جواب إجابة للمنادي الإلهي من الجذبة أو الإلهام، أو إبراهيم الخليل عليه السلام حيث بنى الكعبة، وقيل له: ادع عبادي إلى بيتي. فقال: أين عبادك، وأين صوتي منهم؟! فقيل له: عليك النداء، وعلينا التبليغ.

فقام على المقام، وقال: أيها الناس حجوا بيت ربكم. فقال الموفقون، الذين كتب الله لهم الحج وهم في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم، باللسان الروحي والبيان الروحي: لبيك اللهم لبيك. فقيل: كل من كرر التلبية في ذلك العالم، تكرر له الحج أو العمرة، والله أعلم.

(إنّ الحمد) بكسر الهمزة، وفي نسخة بفتحها، قال غير واحد من علمائنا:"يجوز الكسر والفتح، والمختار الكسر".

وفي قاضي خان: "إن شاء بالنَصْب، وإن شاء بالكسر"، وعن محمد:"الكسر أفضل" وهو اختيار الكسائي، وفي " المشكاة":"الكسر أصح".

قال الخطابي: "لهج العامة بالفتح"، وحكاه الزمخشري عن الشافعي، وقال:"إن الشافعي اختار الفتح، وإن أبا حنيفة اختار الكسر"، وقال النووي:"الكسر على الاستئناف، والفتح للتعليل، والكسر أجود عند الجمهور".

وقال المصنّف: "يُروى بفتح الهمزة وكسرها، وجهان مشهوران عند أهل الحديث والعربية، فإن الفتح رواية العامة، وقال ثعلب: "الاختيار بالكسر"، وهو أجود في المعنى من الفتح؛ لأن من كسر جعل معناه: إن الحمد والنعمة لك على كل حال، وَمَنْ فتح قال معناه: لبيك لهذا

ص: 950

السبب"

(1)

.

(والنعمة) بكسر النون، أي: الإنعام والإحسان (لك)، وهي بالنصب على الأصح، وفي نسخة بالرفع.

قال المصنّف: "المحفوظ نصبها عطفا عك الحمد، قال القاضي عياض: "ويجوز رفعها على الابتداء، أو يكون الخبر محذوفًا"، وقال ابن الأنباري: "وإن شئت جعلت خبر إن محذوفًا، تقديره: إن الحمد لك والنعمة مستقرة لك"

(2)

، انتهى.

ولعل القاضي أراد أن خبر النعمة محذوف يدل عليه خبر "إن الحمد"، وهو "لك" المذكور بعدها؛ فالجملة حالية معترضة، وأراد ابن الأنباري أن خبر "إن الحمد" محذوف وهو "لك"؛ بقرينة خبر الموجود للنعمة، وهو "لك" بعدها. والحاصل: أنه يجوز فيها الرفع، والنصب أحسن.

وأما قوله: (والملك) فالأصح أنه منصوب، ويستحب أن يقف عنده ثم يبتدئ:(لا شريك لك) وجُوِّز فيه الرفع، فيناسب الوقف على ما قبله أو وصل الكل، والأحسن أن يكون خبره محذوفًا، كما قال العسقلاني من أن:"الملك بالنصب في المشهور، ويجوز الرفع، أي: الملك كذلك"، انتهى.

وقوله: "لا شريك لك" يكون راجعًا إلى كل من: "الحمد"،

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ أ).

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ أ).

ص: 951

و"النعمة"، و"الملك". (ع) أي: رواه الجماعة عن ابن عمر

(1)

.

(لبيك، لبيك) كذا في "أصل الجلال" مكررًا، وليس الثاني في "أصل الأصيل" (وسعديك) معناه: إسعادًا بعد إسعاد، والمراد: ساعدت على طاعتك مساعدةً بعد مساعدة، فهما منصوبان على المصدر.

(والخير بيديك) سبق تحقيقه، وفي رواية:"والخير في يديك"، وزيد في بعض النسخ:"لبيك".

(والرغباء إليك)"بالفتح والمد، وبالضم والقصر: الرّغبة"، كذا في "المغرب" وقيل:"هي على وزن النعماء، أو النعمى، أو الشكوى".

قال النووي: "معناه ها هنا الطلب والمسألة إلى من بيده الخير، وهو المقصودُ بالعملِ المُسْتَحِقُّ للعبادة".

قال ميرك: "يريد أن قوله: (والعمل) عطف على الرغباء، وخبره محذوف يدل عليه المذكور، ومعناه: العمل منتهٍ إليك، وأنت المقصود في العمل، وفيه معنى قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}، كما أن في "الرغباء إليك" معنى {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ".

قلت: فالأَوْلَى أنْ يُقَدَّر: ولك العمل كما لا يخفى بحسب المبنى والمعنى. هذا، وفي "النهاية": جاء في الحديث أن ابن عمر كان يزيد في تلبيته: "والرغبى إليك والعمل" وفي رواية: "الرغباء" بالمد، وهما من الرغبة كالنعمى النعماء من النعمة.

(1)

أخرجه البخاري (1549)، ومسلم (1184) وأبو داو (1812) وأخرجه أحمد (2/ 28 و 41 و 48 و 77) والترمذي (825) والنسائي 5/ 160) وابن ماجة 2918).

ص: 952

(لبيك) قال ميرك: "كذا وقع في أصل سماعنا والنسخ الحاضرة، وليس في نسخ مسلم ولا في الترمذي ولا في ابن ماجه، ولم ينقله صاحب "المشكاة"، ولا صاحب "السلاح"، مع أنه نقل الحديث عن مسلم والأربعة؛ فأظنه وقع سهوًا من قلم نساخ "الحصن"، والله أعلم.

(موم عه) أي: رواه مسلم، والأربعة، موقوفًا من قول ابن عمر

(1)

.

(لبيك إله الحق) بالنصب على النداء، والإضافة بيانية (لبيك. س، ق، حب، مس) أي رواه النسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة

(2)

.

(1)

أخرجه مسلم (1184)(20)، وأبو داود (1812) والترمذي (826)، وابن ماجة (2918) و (النسائي)(5/ 160) والطبراني في "الصغير"(237)، والدارقطني في "السنن" (2/ 225 - 226) قال الترمذي: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وهو قول سفيان والشافعي وأحمد وإسحاق.

(2)

النسائي 5/ 161، وابن ماجه (2920)، و"ابن حبان"(3800) والحاكم (1/ 449).

والحديث ذكره ابن أبي حاتم في العلل (1/ 263) سألت أبي عن حديث رواه يزيد بن هارون عن عبد العزيز بن الماجشون عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال كان من تلبية النبي لبيك اله الحق.

قال أبي كذا حدثنا محمد بن إسماعيل بن البحتري عن يزيد وحدثنا أبو سلمة وغيره عن عبد العزيز بن الماجشون عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن أبي هريرة لا يذكرون أبا سلمة قلت أيهما أصح قال لا أدري غير أن الناس على حديث الأعرج أكثر ويزيد بن هرون ثقة

قال النسائي بعد تخريجه: لا أعلم أحدًا أسند هذا الحديث عن عبد الله بن=

ص: 953

(وإذا فرغ من تلبيته، سأل الله مغفرته ورضوانه، واستعتقه من النار) أي: بأن يقول: اللهم إني أسألك مغفرتك ورضاك عني في دار القرار، وأن تعتقني من النار. وقال بعضهم:"يقول: اللهم إني أسألك رضاك والجنة، وأعوذ بك من غضبك والنار". (ط) أي رواه: الطبراني عن خزيمة بن ثابت الأنصاري

(1)

.

(فإذا طاف) أي: شرع في الطواف مُبْتَدِئًا بالحجر الأسود، مُستلمًا مُقَبِّلًا، واضعًا وجهه عليه، مبسملًا مكبرًا مهللًا داعيًا: اللهم إيمانًا بك، وتصديقا بكتابك، ووفاءا بعهدك، واتباعا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم.

(كلما أتى الركن) أي: الذي فيه الحجر الأسود (كبر) أي: قال: الله أكبر، مستلمًا مقبلًا أو مشيرًا إليه إذا كان ازدحامًا، وهل يرفع يديه كل مرة أو يكتفي بالمرة الأولى؟ احتمالان. (خ) أي: رواه البخاري عن ابن عباس

(2)

.

وعن ابن عمر قال: "قبل عمر الحجر، ثم قال: أما والله قد علمتُ أنك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك، ما قبلتك "أخرجه

= الفضل إلا عبد العزيز، رواه إسماعيل بن أمية عنه مرسلًا اهـ. هكذا عبارة النسائي في المجتبى، وهكذا نقلها المزي في تحفة الأشراف 10/ 211، وابن حجر في إتحاف المهرة 12/ 220، وعقبها بقوله: قلت: فهذه علته.

(1)

أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (4/ 85) رقم (3721)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (3/ 224): وفيه صالح بن محمد بن زائدة، وثقه أحمد، وضعفه خلق.

(2)

أخرجه البخاري (1632)، والترمذي (865)، والنسائي (5/ 233).

ص: 954

البخاري ومسلم. وقال النسائي: "قبَّله ثلاثًا"

(1)

.

وفي رواية البخاري: "حجر لا يضر ولا ينفع، ولولا أني رأيت رسول صلى الله عليه وسلم استلمك، ما استلمتك، فاستلمه ثم قال: ما لنا وللرَّمَل، [إنما]

(2)

كنا رَاءَيْنَا به المشركين، وقد أهلكهم اللَّه تعالى، ثم قال: شيء صنعه رسول الله فلا نحب أن نتركه".

وعن يعلى بن أمية: "أنه طاف مع عمر فاستلم الأركان كلها، فقال عمر: أما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد طاف بالبيت؟ قال: بك. قال: ما رأيته يستلم إلا الحجر الأسود؟ قال: لا. قال: فما لك به أسوة؟ قال: بك. أخرجه الحسين بن قطان

(3)

.

ولعله أراد الحجر الأسود وما يليه من الركن اليماني، فإنهما يُستلمان اتفاقًا، أو أراد بالاستلام التقبيل؛ فإنه مخصوص بالحجر على المعتمد [في]

(4)

مذهبنا، والله أعلم.

(ويقول بين الركنين) أي: الركن الذي فيه الحجر الأسود والركن اليماني،

(1)

أخرجه البخاري (1610) ومسلم (1270)، والنسائي في "الكبرى (3919).

(2)

كذا في (أ) و (ج)، وفي (ب) و (د):"إنا".

(3)

أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط" (5053). وفي الإسناد المفضل بن صدقة وفيه ضعف، قال أبو حاتم: ليس بقوي يكتب حديثه. (الجرح 4/ 1/ 315). وفيه ابن أبي ليلى: قال عنه الحافظ ابن حجر: صدوق سيء الحفظ جدًّا. (التقريب 6081).

(4)

كذا في (أ) و (د) و (د)، وفي (ب):"من".

ص: 955

ويقال لهما: اليمانيان للتغليب، والركنان الآخران يقال لهما: الشاميان تغليبًا أيضًا؛ فإن أحدهما هو الركن العراقي والآخر الشامي، وإنما خص الركنان اليمانيان بالاستلام وزيادة الإكرام؛ لزيادة فضيلتين فيهما:

إحداهما: كونهما على بناء إبراهيم عليه السلام.

والثانية: كون الحجر الأسود في أحدهما.

هذا، وقال النووي:"اللغة الفصيحة المشهورة في اليماني التخفيف في الياء، وفيه لغة أخرى بتشديد الياء، فمن خففها قال: هذه نسبة إلى اليمن، والألف عوض من إحدى يائي النسبة، فبقي الياء الأخرى مخففة، ولو شددت لجُمِع بين العوض والمعوض. ومن شدَّدها قال: الألف زائدة"

(1)

.

(ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار) مر معناه. (د، س، حب، مس) وفي "نسخة الجلال": "مص"، والظاهر أنه زيادة على "مس" لا أنه بدل منه، [كما]

(2)

سيأتي رمزهما منفردًا، أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة، عن عبد الله بن السائب

(3)

.

(1)

شرح مسلم (9/ 14).

(2)

كذا في (د)، وفي (أ) و (ب) و (ج):"ما".

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة (16063) وأبو داود (1892)، والنسائي في الكبرى (3934).

والحاكم (1/ 455) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

قلت: فيه نظر، فقد قال الذهبي في عبيد مولى السائب: ما روى عنه سوى ابنه يحيى. يشير بذلك إلى جهالته. وقال ابن حجر في التقريب: مقبول. قلت: وروى له هذا الحديث ابن خزيمة في صحيحه وابن حبان فيَ صحيحه.=

ص: 956

(وكذلك) أي: يقول ذلك بين الركن والحِجْر، بكسر فسكون، وهو الحائط المستدير إلى جانب الكعبة الغربي من جملة البيت الشريف، أُخْرِجَ لقضية مشهورة، وقضيته في الكتب المبسوطة مسطورة. قال المصنّف:"يعني الركن الذي فيه الحجر الأسود، والحِجْر: بكسر الحاء وإسكان الجيم، وهو: المحوطة التي هي شمال البيت"

(1)

. (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عنه أيضًا.

(وفي الطواف) أي: وكذلك يقول في سائر أحوال الطواف، أو في بقية أماكن المطاف. (مس) أي رواه: الحاكم عنه أيضًا.

(أو بين الركن والمقام) بفتح الميم، قال المصنّف:"يعني: مقام إبراهيم عليه السلام، وهو الذي تجاه الكعبة من الشرق"

(2)

، انتهى. والتُّجَاه من المواجهة، وأصله "وُجَاه" قلبت الواو تاءً كما في "تُقَاة". (مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة موقوفًا من قول ابن عمر

(3)

.

(اللهم) وفي رواية ابن أبي شيبة: "رب"(قَنِّعْني) بتشديد النون

= ثم مسلم لم يرو له أصلا. إنما روى له أبو داود والنسائي هذا الحديث الواحد وقال ابن القيم: حفظ عنه بين الركنين فذكره (الزاد 2: 208) وللحديث شواهد منها ما هو في الصحيح فلعله يحسن لغيره.

قال الشافعي في "الأم"(2/ 172 - 173) بعد أن أخرج حديث السائب: وهذا من أحب ما يقال في الطواف إلي، وأحب أن يقال في كله.

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ أ).

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ أ).

(3)

انظر المصنف (29633) ط. الرشد.

ص: 957

المكسورة، قال المصنّف:"من القناعة، وهو: الرضا باليسير من العطاء"

(1)

، انتهى، والمعنى: اللهم أعطني القناعة. (بما رزقتني) أي: من الكفاية. (وبارك لي فيه) أي: بعين العناية.

(واخلف) بهمز وصل وضم لام، أي: كن خلفا (على كل غائبة) أي: نفس غائبة، (لي بخير) أي: ملابسًا به، أو اجعل خلفًا على كل غائبة لي خيرًا، فالباء للتعدية، ففي "القاموس"

(2)

: "خلفه خلافة: كان خليفته وبقي بعده، وخلف الله عليك، أي: كان خليفة من فقدته عليك"، وأما ما لهج بعض العامة من قوله:"عليَّ" بتشديد الياء؛ فهو تصحيف من المبنى، وتحريف في المعنى كما لا يخفى.

(مس، مو مص) أي رواه: الحاكم مرفوعًا عن ابن عباس، وابن أبي شيبة موقوفًا من قوله

(3)

.

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ أ).

(2)

القاموس (ص 808).

(3)

أخرجه الحاكم في المستدرك (1/ 455) وأخرجه موقوفا ابن أبي شيبة (16064). وقال الحاكم: وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

وقد اختلف في رفعه كما أشار إلى ذلك ابن أبي حاتم في "العلل"(2052): سألت أبي عن حديث رواه عمرو بن أبي قيس والحارث بن نبهان الجرمي عن عطاء بن السائب عن يحيى بن عمارة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يدعو اللهم قنعني بما رزقتني، ورواه وهيب بن خالد عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قلت لأبي: أيهما أصح؟ قال: ما يدرينا مرة، قال كذا، ومرة قال كذا. =

ص: 958

(لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر.

(فإذا فرغ من الطواف تقدم) أي: ذهب (إلى مقام إبراهيم، فقرأ: {وَاتَّخَذُوا}) وقرئ بالكسر على الأمر، وبالفتح على الخبر، لكن قال المصنّف:"الرواية: بكسر الخاء المعجمة على الأمر" انتهى.

والمعنى: خذوا استحبابًا ({وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ}) أي: بعض حواليه العرفية ({مُصَلًّى}) أي: موضع صلاة لركعتي الطواف " فإنه أفضل من سائر أمكنة المسجد وسائر الحرم، مع الجواز في خارجه أيضًا.

ثم عندنا معشر الحنفية: ركعتا الطواف واجبة عقيب كل طواف فرضًا كان أو نفلا، لكن يكره أداؤها في الأوقات المكروهة، وعند الشافعي سنة ولا وقت كراهة لها عنده.

(وجعل) أي: النبي صلى الله عليه وسلم (المقام بينه وبين البيت) أي: لأنه أفضل مَحَالِّه، (وصلى ركعتين في الأولى) أي: بعد الأولى ({قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ})، وفي الثانية:({قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}) أي: لدلالة كل واحدة منهما على التوحيد، ونفي الشرك على وجه التأكيد.

(ثم يرجع إلى الركن) أي: الركن الأعظم، (فيستلمه) أي: ثانيًا بمنزلة سلام التوديع بالانتقال إلى السعي، قال المصنّف: "قيل: هو يفتعل من

= وانظر كلام ابن علان وقول الحافظ ابن حجر في "الفتوحات الربانية"(4/ 382 - 383).

ص: 959

السلام بفتح السين، وهو التحية، وقيل: من السِّلام بالكسر، وهو الحجارة، أي: يلمسه بيده ويتناوله"

(1)

انتهى كلامه.

والمعنى الثاني هو المشهور في هذا المقام، والمعنى: أنه يضع يديه عليه ويقبله، وقيل أيضًا:"يضع جبهته عليه".

(ثم يخرج من الباب) أي: من باب الصفا؛ فإنه أفضل، (إلى الصفا) أي: متوجها إليه، (فإذا دنا) أي: قرب (منه قرأ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] أي: شعائر الحج؛ آثاره وعلاماته، جمع شعيرة وهي العلامة، وقيل:"هو كل ما كان من أعماله كالوقوف، والطواف، والسعي، والرمي، والذبح، وغير ذلك" كذا نقله الحنفي عن "النهاية"

(2)

.

ولا يظهر فرق بين القولين، والأظهر أن يقال: المعنى من شعائر دينه مطلقًا أو من أعمال حجّ بيته. وقال المصنّف: "أي: من أعلام متعبداته"

(3)

.

(أبدأ بما بدأ الله عز وجل به) قال المصنّف: "بفتح الهمزة الأولى، وضم الأخيرة على [الإخبار]

(4)

، وروي بهمزة الوصل مبدوءة بالكسر وواو بعد الهمزة المضمومة؛ على الأمر للجماعة المخاطَبين، وقيل: هذه الرواية دليل على الوجوب بابتداء ما بدئ به كترتيب الوضوء وغيره")

(5)

،

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ أ).

(2)

النهاية (2/ 479).

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ أ).

(4)

كذا في (ب) و"مفتاح الحصن الحصين"، وفي (أ) و (ج) و (د):"الاختيار".

(5)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ أ).

ص: 960

انتهى. وهو لما كان دليلًا ظنيًّا قلنا بوجوبه دون فرضيته.

(فيرقى) بفتح القاف أي: فيصعد (الصفا حتى يرى البيتَ، فيستقبل القبلة، فيوحد الله ويكبره) بأن يرفع يديه كما يرفعهما للدعاء، لا كما يفعله العامة من المعلمين وغيرهم، ويقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الحمد لله على ما هدانا، الحمد لله على ما أولانا، (ويقول: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد) زاد أبو عوانة:"يحيي ويميت"(وهو على كل شيء قدير).

قال ميرك: "قوله: "ويقول" يحتمل أن يكون قولًا آخر غير ما سبق من التوحيد والتكبير، وأن يكون كالتفسير والبيان، والتكبير وإن لم يكن ملفوظًا به لكن معناه مستفاد من هذا".

قلت: الظاهر هو الاحتمال الأول؛ لما سيجيء في الحديث الثاني من أنه يكبر ثلاثا ويقول: "لا إله إلا الله

" إلى آخره.

(لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده) أي: صدق وعده في إظهار الدين، وكون العاقبة للمتقين، وغير ذلك من وعده، قال الله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9].

(ونصر عبده) أي: الفرد الأكمل، وهو الرسول الأفضل، (وهزم الأحزاب) أي: غلبهم وكسرهم (وحده) إيماءً إلى قوله تعالى: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آل عمران: 126].

ثم الأحزاب: جمع حزب، والمراد بهم القبائل الذين اجتمعوا على محاربة النبي صلى الله عليه وسلم، وتوجهوا إلى المدينة واجتمعوا حولها، وتحزبوا يوم

ص: 961

الخندق نحوًا من اثني عشر ألفًا سوى ما انضم إليهم من يهود قريظة والنضير، فأرسل الله [عليهم]

(1)

كما قال: {رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: 9].

وبهذا يرتبط قوله صلى الله عليه وسلم تكذيبًا لقول المنافقين والذين في قلوبهم مرض: {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب: 12]، وهذا هو المشهور أن المراد أحزاب يوم الخندق. قال بعضهم:"ويحتمل أن يكون المراد أحزاب الكفر في جميع الأزمنة والأمكنة"، والله أعلم.

(ثم يدعو بين ذلك، ويقول مثل هذا ثلاث مرات) قال ميرك: ""ثم": تقتضي التراخي، وأن يكون الدعاء بعد الذكر، و"بين": تقتضي التعدد والتوسط بين الذكر، بأنْ يدعو بعد قوله: "والله على كل شيء قدير"، فحمل المظهر بأن قال لما فرغ من قوله "وهزم الأحزاب وحده" دعا بما شاء، ثم قال مرة أخرى هذا الذكر، ثم دعا حتى فعل ثلاث مرات".

أقول: وهذا إنما يستقيم على التقديم والتأخير، بأن يذكر ثم يدعو بين ذلك بعد قوله:"ويقول مثل هذا ثلاث مرات"، و"ثم" تكون للتراخي في الإخبار، لا لتأخر زمان الدعاء، ويلزم أن يكون الدعاء مرتين.

قال النووي: "ويستحب أن يذكر الله بهذا الذكر ويدعو بهذا الدعاء ثلاث مرات، هذا هو المشهور" انتهى.

ولا يخفى أن كلام النووي قابل للتأويل؛ بأن يقال: "ثلاث مرات" قيد للذكر، فالتقدير: ويدعو بهذا الدعاء فيما بين ذلك، ليوافق صريح

(1)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د):"إليهم".

ص: 962

الحديث الصحيح، بل وفيه إيماءٌ إلى أن "ثُمَّ" في الحديث ليس للتراخي كما في قوله تعالى:{ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} [الأنعام: 153، 154] على ما ذهب إليه ابن مالك، ولا للترتيب كما ذهب إليه قوم في قوله تعالى:{خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}

(1)

. ويؤيده أنه في آية أخرى: {اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: 1].

وحاصله: أن "ثُمَّ" بمعنى الواو لمطلق الجمع كما سيأتي في رواية أخرى بلفظ: "ويدعو"، ولا يبعد أن يجعل "بين" بمعنى الوصل على ما "القاموس"، فيفيد أنه يدعو متصلًا بما ذكر، فيؤخذ منه تثليث الدعاء أيضًا.

(ثم ينزل المروة) بالنصب على نزع الخافض، أي:"إلى المروة" كما في نسخة، والمعنى: ينزل عن الصفا متوجها إلى المروة ويمشي أو يسير.

(حتى إذا انصبت) أي: انحدرت في المشي، وهذا مجاز من قولهم: صب الماء فانصب. قال المصنّف: "بتشديد الباء، أي: انحدرت"

(2)

(قدماه في بطن الوادي) وهذا باعتبار ما كان في الزمن الأول من انخفاض الوادي، وارتفاع طرفيه من جانب الصفا والمروة، والمعنى: حتى يصل إليه وينزل فيه.

(1)

تصحفت الآية في (أ) و (ج) و (د)، فجاءت هكذا:"هو الذي خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها"، وتصحفت في (ب):"هو الذي خلقكم من نفس واحدة ثم خلق منها زوجها"، وما أثبتناه هو الموافق لسياق كلام المؤلف.

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ أ).

ص: 963

(سعى) أي: أسرع فيما بين الميلين، فإنه كان أولًا أيضًا مسطحًا قابلًا للسعي، ولعل هذا هو الوجه في العدول عن السعي من ابتداء الصفا إلى انتهاء المروة، كما يتوهمه بعض العوام؛ فإن فيه حرجًا عظيمًا، مع مخالفته لفعل هاجر أم إسماعيل عليهما السلام، في القضية المشهورة عند العلماء الأعلام.

(حتى إذا صَعِدَ) بكسر العين، أي: طلع عن بطن الوادي، وهو كذا في النسخ المعتمدة والأصول المعتبرة "صعد" بصيغة المجرَّد، وفي نسخة:"أصعد".

قال ميرك: "الإصعاد: الذهاب في الأرض والإبعاد، سواء في ذلك صعود وحدور، قال الله تعالى: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ} [آل عمران: 153] والمراد هنا: ارتفاع القدمين من بطن المسيل إلى المكان العالي؛ لأنه ذكر في مقابله الانصباب، كذا في "الفائق".

قلت: ويؤيده ما في "القاموس"

(1)

: "صعد في السلم كسمع صعودًا، وصعد في الجبل وعليه تصعيدًا: رَقِيَ، ولم يُسْمَعْ: صَعِدَ فيه. وأصْعَدَ: أتى مكَّةَ، وفي الأرضِ: مَضَى، وفي الوادِي: انْحَدَرَ".

والمعنى: إذا أتى آخر الوادي (مشى) أي: على هينته. (حتى إذا أتى المروة) أي: جاءها ووصلها، (فعل على المروة كما فعل على الصفا) أي: من الصعود عليها بحيث يعاين الكعبة إن لم يكن مانعًا، ويستقبلها بأن يميل إلى جهة يساره ويرفع يديه، ويأتي بالأذكار المذكورة والدعوات المسطورة.

(1)

القاموس (ص 239).

ص: 964

(م، د، س، ق، عو) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأبو عوانة، عن جابر

(1)

.

(أو) وفي نسخة: "و"(إذا رَقِيَ) بكسر القاف، أي: طَلَعَ (الصفا كبر ثلاثًا، ويقول: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. يصنع ذلك سبع مرات، فيصير من التكبير إحدى وعشرون) أي: تكبيرة، (ومن التهليل سبع، ويدعو فيما بين ذلك) أي: ما ذكر من المرات السبع، أو فيما بين [صنعه]

(2)

ذلك، (ويسأل الله) عطف تفسير، أو الدعاء بالقلب والسؤال باللسان، أو على القلب، أو بالجمع بين لسان القال وبيان الحال.

(ثم يهبط) قال المصنف: "بكسر الباء، أي: ينزل"

(3)

، يعني: عن الصفا، ويمشي، ثم يسعى، ثم يمشي، (فإذا رقي على المروة صنع كما صنع على الصفا حتى يفرغ) أي:"من سعيه" كما في نسخة، والمراد به السعي سبعًا.

(مو طا مص) أي رواه: مالك في "الموطأ"، وابن أبي شيبة في "مُصَنَّفه"؛ كلاهما من قول ابن عمر موقوفًا

(4)

.

(1)

أخرجه مسلم (1218)، وأبو داود (1905، 1907، 1909)، والنسائي (1/ 122)(2/ 15)، وابن ماجه (3074).

(2)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"صنيعه".

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ أ).

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (14717) ومالك في الموطأ (1315) رواية أبي مصعب الزهري.

ص: 965

(ويدعو على الصفا) أي: أيضًا، أو: يخصه بهذا الدعاء (اللهم إنك قلت: {ادْعُونِي} أي: اسألوني ({أَسْتَجِبْ لَكُمْ}) أي: أجيب دعوتكم، (وإنك لا تخلف الميعاد) أي: مطلقًا.

(وإني أسألك كما هديتني للإسلام) أي: أولًا (أن لا تنزعه) أي: لا [تخلعه]

(1)

آخرًا (مني) قال المصنّف: "بكسر الزاي، أي: تخرجه وتقلعه"

(2)

، انتهى. والمقصود منه الثبات والدوام.

(حتى تتوفاني) أي: تقبض روحي (وأنا مسلم) أي: والحال أني على دين الإسلام مستمر مستقر. (موطا) أي: رواه مالك أيضًا عنه موقوفًا

(3)

.

(وبين الصفا والمروة) وهو بعمومه يشمل ما بين الميلين (رب اغفر وارحم؛ أنت الأعز الأكرم. مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة من قول ابن مسعود موقوفًا

(4)

.

(وإذا سار إلى عرفات) هي علم للموقف، وهي منونة لا غير، كذا في "المغرب". وقال القاضي في قوله تعالى:{فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} [البقرة: 198]: "هي جمع، سمي به كأذرعات، وإنما نون وكسر، وفيها العَلَمية والتأنيث؛ لأن تنوين الجمع تنوين المقابلة" يعني لنون جمع المذكر لا تنوين التمكن.

(1)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د):"يخلفه".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 2/ أ).

(3)

أخرجه مالك في الموطأ (831).

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة (15807).

ص: 966

وإنما سمي الموقف عرفة؛ لأنه نُعِتَ لإبراهيم عليه السلام، فلما أبصره عَرَفَهُ. وقيل غير ذلك.

و"عرفات": للمبالغة في ذلك، وعندي أنه إنما جمع لأن كل جزء من أجزائها موقف إلا بطن عُرَنَةٍ، كما ورد في الحديث، فيكون نظير سراويل، ومنه قوله تعالى:{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ} [التوبة: 18] المراد به: المسجد الحرام، وجمع لأن كل جهة منه مسجدٌ، أو: لأنه قبلة المساجد؛ فكأنه مساجد.

(لبى) أي: في طريقه مرة، (وكبر) أي: مرة أخرى، ولا يبعد أن يكون المراد به تكبير التشريق؛ لكون ابتدائه من صبح عرفة، ويستحب أن يسير بعد فجرها من منى إلى عرفة، والتلبية لا تنقطع إلا عند الرمي. (م، د) أي رواه: مسلم، وأبو داود، عن ابن عمر

(1)

.

(وخير الدعاء: دعاء يوم عرفة) الإضافة فيه إما بمعنى اللام، أي: دعاء خُصَّ بذلك اليوم، وإما بمعنى "في"، أي: دعاء وقع نيه أيَّ دعاء كان. ويؤيده ما وقع في نسخة: "وخير الدعاء يومَ عرفة" بالنصب، ويجوز أن يكون بالرفع، والتقدير: خير أوقات الدعاء يومُ عرفة.

(وخير ما قلت أنا والنبيون [من]

(2)

قبلي) يمكن المغايرة بينهما: بأن يكون الدعاء بالقلب والقول باللسان، وأن يكون عطف تفسير للأول، أو مغايرًا له بالكلية على ما فهم من بعض التقريرات السابقة، ولا يبعد أن

(1)

أخرجه مسلم (1284) وأبو داود (1816).

(2)

من (ب) و (د) فقط.

ص: 967

يراد بالدعاء معنى العبادة، أي: خيرها ما وقع في عرفة، فيزول الإشكال المشهور الآتي على الوجه المسطور.

فالقول لا الدعاء: (لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) قال المؤلف: "الحديث ليس فيه إلا الثناء على الله تعالى، وليس فيه من لفظ الدعاء شيء، وقد سُئل الإمام الكبير سفيان بن عيينة

(1)

عن ذلك، فأجاب بقول الشاعر:

أأذكر حاجتي أم قد كفاني

ثنائي إن شيمتك الحياء

إذا أثنى عليك المرء يومًا

كفاه من تعرضه الثناء

(2)

وقال ميرك نقلًا عن الطيبي: "قوله: "وخير ما قلت" بمعنى: خير ما دعوت بيانًا لقوله "خير الدعاء"، فالدعاء قوله: "لا إله إلا الله".

فإن قلت: هذا ذكر وليس بدعاء، قلت: أجيب عنه بوجهين:

أحدهما: أنه على سبيل التعريض تجنبًا عن التصريح؛ مراعاةً للأدب.

وثانيهما: الاشتغال بخدمة المولى، والإعراض عن الطلب اعتمادًا على كرمه؛ فإنه لا يضيع أجر المحسنين".

قلت: ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم

(3)

: "من شغله ذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين".

ثم الفرق بين الوجهين: أن الذاكر في الأول، وإن لم يصرح بالطلب،

(1)

أخرجه الدينوري في المجالسة (49).

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ أ، ب).

(3)

أي نقلا عن رب العزة سبحانه وتعالى.

ص: 968

فهو طالب بما هو أبلغ من التصريح، بخلاف الثاني، أو أن الذاكر باللسان قد يكون سائلًا بالجنان بخلاف الثاني؛ فإنه في مقام التفويض لا في مرتبة التعريض، ولا شك أنه حال أكمل، وفي قيام حق الربوبية أجمل، كما قال قائل:

وكلت إلى المحبوب أمريَ كله

فإن شاء أحياني وإن شاء أتلفا

ثم قال ميرك: "ويجوز أن تكون الإضافة في قوله: "دعاء يوم عرفة" بمعنى "في"، فعلى هذا يعم الدعوات الواقعة فيه، فيكون قوله: "وخير ما قلت" عطفًا على قوله: "خير الدعاء" لا على البيان، بل يجري على المغايرة والعموم في القول، فيتناول الذكر والدعاء".

(ت) أي: رواه الترمذي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وهو المراد بقوله في بعض النسخ:"عن ابن عَمْرو"

(1)

.

(وأكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي) بالجر، وفي نسخة بالرفع (بعرفة: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) في "الفائق"

(2)

: "إنما سمّي التهليل والتحميد دعاء؛ لأنه بمنزلته في استجلاب صنع الله تعالى إنعامه"، ومنه الحديث: "يقول الله

(1)

أخرجه الترمذي (3585). وفي إسناده محمد بن أبي حميد لقبه حماد قال الحافظ في التقريب: ضعيف (ت 5836)، وقول الذهبي في الكاشف (2/ 166)، وذكره في المغني (5453). وقال عنه البخاري منكر الحديث، وقال النسائي ليس بثقة الميزان (2/ 112).

(2)

الفائق (1/ 247).

ص: 969

تعالى: إذا شغل عبدي ثناؤه عَلَيَّ عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين"

(1)

.

وقوله: "ودعاء الأنبياء" يجوز فيه الرفع على تقدير حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه.

قلت: ويصح بلا تقدير مضاف أيضًا، لكن لا يفيد قيد الأكثرية، وهو غير لازم.

نعم، أكثر ما ورد في عدده أن يقال فيه مائة مرة، ثم الظاهر أن الدعاء في هذا الحديث لا يحتاج إلى تأويل؛ لقوله (اللهم اجعل في قلبي نورًا)، وإنما قدم التهليل والتحميد للتنبيه على أنه لا بد في الدعاء من تقديم الثناء.

(وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا) ترتيب الذكر يشعر بالأفضل، فالأفضل.

(اللهم اشرح) أي: وسمع (لي صدري) فيه إجمال وتبيين، وكذا في قوله:(ويسر لي أمري) أي: سهل لي جميع أموري، وعلامة شرح الصدر على ما ورد [به]

(2)

الخبر: "أن يزهد في الدنيا ويستعد للعقبى".

(وأعوذ بك من وساوس الصدر) أي: من الوساوس الكائنة من

(1)

أخرجه الترمذي (2926)، والدارمي (3359) وإسناده ضعيف قال ابن أبي حاتم في العلل (2/ 82) سألت أبي عن حديث رواه محمد بن الحسن -يعني هذا الحديث- فقال حديث منكر ومحمد بن الحسن ليس بالقوي أهـ.

(2)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"في".

ص: 970

النفس والشيطان الحاصلة في الصدر.

(وشتات الأمر) بفتح الشين، أي: تفرقة الخواطر في أمر الدين بالاشتغال في أمور الدنيا، فإن جمعه بتحصيل المهم الأهم بأن يجعل [أكبر]

(1)

همه هم الدين، فورد:"من جعل الهموم همًّا واحدًا، هم الدين، كفاه الكد هموم الدنيا والآخرة". (وفتنة القبر) أي: ومن الابتلاء فيه بالسؤال، أو من عذابه بالنكال.

(اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج) أي: يدخل (في الليل) أي: من المؤذيات (وشر ما يلج في النهار، وشر ما تَهُبُّ) بضم الهاء وتشديد الباء، أي: تجري (به الرياح) والباء للتعدية أو للملابسة. (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن علي رضي الله عنه

(2)

.

(والتلبية بعرفات سنة) أي: قبل الوقوف وبعده إلى الرمي، والمعنى: أنها سنة مؤكدة؛ وإلا فهي في جميع أحوال الإحرام مستحبة إلا في ابتداء الإحرام، فإنها واجبة عندنا وسنة عند الشافعي.

(س، مس) أي رواه: النسائي، والحاكم، عن ابن عباس، وقال الحاكم:"صحيح على شرطهما"

(3)

، واعلم أن النسائي والحاكم أخرجاه

(1)

كذا في (أ) و (ب) و (ج)، وفي (د):"أكثر".

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة (15135) وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (5/ 117) وقال: تفرد به موسى بن عبيدة وهو ضعيف ولم يدرك أخوه عليا.

(3)

أخرجه النسائي 5/ 253، وفي "الكبرى"(3979) و"ابن خزيمة"(2830) والحاكم (1/ 465).

ص: 971

من سعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِعَرَفَاتٍ، فَقَالَ: مَا لِي لَا أَسْمَعُ النَّاسَ يُلَبُّونَ؟ فَقُلْتُ: يَخَافُونَ مِنْ مُعَاوِيَةَ، فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ فُسْطَاطِهِ، فَقَالَ:"لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ فَإِنَّهُمْ قَدْ تَرَكُوا السُّنّةَ مِنْ بُغضِ عَلِيٍّ" واللفظ للنسائي

(1)

، كذا ذكره ميرك.

(ولما وقف) أي: النبي صلى الله عليه وسلم (بعرفات وقال: لبيك اللهم لبيك، إنما الخير خير الآخرة) وفي رواية: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة"؛ فكأنه صلى الله عليه وسلم تذكر بعد كمال أمره، وكثرة أتباعه، وسعة جاهه، فناء الدنيا مع قلة غنائها، وكثرة عنائها، وخسة شركائها، وبقاء العقبى وأنواع نعيمها؛ فقال هذا القول.

كما أنه قاله أيضًا في حال كمال ضيقه وشدة جوعه، وكثرة محنته يوم الأحزاب، وقت حفر الخندق؛ تنبيهًا أن السالك ينبغي أن يذكر في الحالين الأخرى، فإنه لا يبقى شر الدنيا. "الأوسط" عن ابن عباس.

(فإذا صلى العصر) أي: في وقت الظهر في مسجد نمرة بقرب عرفة؛ فإنه جمع تقديم للنسك عندنا بشروط معروفة في كتب الفقه، وعند الشافعي للسفر.

(ووقف بعرفة) والأفضل: أن لا يكون فوق الجبل، بل [عن]

(2)

يسار

(1)

أخرجه ابن خزيمة (2830) وصححَّه، والنسائي (5/ 253)، والحاكم (1/ 465) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

وقال شارح سنن النسائي: هذا الذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما يحتمل أن يكونَ لما رأى معاوية رضي الله عنه ترك التلبية بعرفة ظن أنَّه تركه لبغض علي، والظن قد يخطئ، والذي يظهر أنَّ معاوية إنما تركه لعدم علمه بسنية التلبية فيها. والله أعلم.

(2)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"على".

ص: 972

الجبل في موضع الصخرات السود؛ فإنه موقفه صلى الله عليه وسلم.

(يرفع يديه ويقول: الكلُ أكبر وللَّه الحمد، الكلُ اكبر ولله الحمد، الله أكبر وللَّه الحمد) أي: ثلاث مرات. إلا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد) والأظهر: أن يكمله لما ورد سابقًا، ولما فيه من زيادة الخير.

(اللهم اهدني بالهدى) بضم الهاء، أي: هديًا ملابسًا بهديك، كما قال تعالى:{قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} [آل عمران: 73].

(ونقني) أمر من التنقية، قال المصنف:"أي: طهرني ونظفني من دنس الذنوب"

(1)

، انتهى. والأظهر أن معناه: اجعلني نقيا طاهرا من العيوب (بالتقوى) أي: بسبب التزامها بترك الذنوب.

(واغفر لي) أي: ذنوبي (في الآخرة والأولى) أي: فيما وقع لي تقصير في أمر الدنيا والعقبى، وتأخير "الأولى" رعاية للسجع المعبر عنه بالفواصل، أو إشارة إلى أن الاهتمام بأمر الآخرة هو الأولى.

(ثم يرد يديه) أي: عن رفعهما (فيسكت قدر ما يقرأ إنسان فاتحة الكتاب) أي: متفكرًا في معانيه، أو مستغرقًا في الحضور الناشئ عن مبانيه، أو للاستراحة؛ فإنه كما ورد:"ساعة فساعة".

(ثم يعود فيرفع) وفي نسخة: "ويرفع"(يديه، ويقول مثل ذلك) أي: مثل ما تقدم من الثناء والدعاء، وقالوا:"يستحب تجديد التلبية أيضًا في الأثناء".

(مو مص) أي: رواه: ابن أبي شيبة موقوفًا من قول ابن عمر وفعله

(2)

.

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ ب).

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (14924).

ص: 973

(وإذا رجع) أي: من عرفة (وأتى المشعر الحرام) أي: عملًا بقوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ} ، أي: دفعتم ورجعتم. {مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198]، وهو جبل بمزدلفة اسمه قزح، يقف عليه الإمام، كذا في "المغرب" وهو أفضل أماكن المزدلفة، وإلا فكلها موقف إلا وادي محسّر؛ على ما في حديث

(1)

.

(1)

قال الشيخ المعلمي رحمه الله في رسالته (سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من عرفات إلى مزدلفة): إذا ثبت أن محسرا يكره الكون به فوق ما لابد منه من المرور السريع وجب أن لا يكون من البقعة التي شرعت فيها البيتوتة ليالي التشريق والكون بها بقية نهارا لثامن وليلة التاسع ويوم النحر وأيام التشريق وهي منى فلا يكون محسرا من منى في الحكم وجاء ما يدل على أنه من منى في الاسم.

فأما في الاسم فقد جاء ما يدل على أنه من مزدلفة في الاسم مع خروجه منها في الحكم وجاء على ما يدل أنه ليس من منى ولا مزدلفة.

فأما الأول: فأخرج ابن جرير في تفسيره: عن زيد بن أسلم عن النبي قال: عرفة كلها موقف إلا عرنة، وجمع كلها موقف إلا محسر.

وأخرج عن ابن الزبير: "كل مزدلفة موقف إلا وادي محسر".

وعن عروة بن الزبير مثله وخبر عبد الله بن الزبير في الموطأ عن هشام بن عروة عنه.

والأصل في الاستثناء الاتصال فيكون محسرا داخلا في مزدلفة في الاسم خارجا عنها في الحكم فعلى هذا لا يكون من منى في الاسم أيضا.

فإن قيل: قضية هذا أن تكون عرنة داخلة في اسم عرفة وإن خرجت عنها في الحكم.

فقلت: لا مانع من هذا بل يشهد له ما ذكره صاحب القرى وغيره بعد ذكر ابن=

ص: 974

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= عباس لمعرفة أنه يدخل فيها عرنه.

ويوافقه حديث ابن عمر في المسند وسنن ابن داوود:

غدا رسول الله

حتى أتى عرفة فنزل بنمرة وهي منزل الإمام الذي به بعرفة

ونمرة من عرفة.

وأما الثاني: فيدل عليه ما في المسند وصحيح مسلم وسنن النسائي من حديث الليث بن سعد عن أبي الزبير عن أبي معبد مولى ابن عباس عن ابن عباس عن أخيه الفضل:

وكان رديف رسول الله أنة قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا: عليكم بالسكينة. وهو كاف ناقته حتى دخل محسرا وهو من منى قال: عليكم بحصى الحذف الذي يرمى به الجمرة. وقال: لم يزل رسول الله يلبي حتى رمى الجمرة.

وفي المسند وسنن النسائي: "حتى إذا دخل "ثم ساقه مسلم من طريق ابن جريح عن أبي الزبير ولم يسق المتن وقد ساقه الإمام أحمد في المسند وفية: إذ دخل منى حين هبط محسرا قال: عليك بحصى الحذف

ولم يكون مقصود الفضل إلا الإخبار بما كان من النبي في مسيرة من المزدلفة إلى جمرة العقبة بدون نظر إلى البيتوتة فغاية ما يؤخذ من خبره أن محسرا من منى في الاسم.

ومسلم أخرج هذا الحديث في صحيحة في أحاديث استدامة التلبية إلى رمي جمرة العقبة ولم يخرجه في الموضع الذي يتعلق بالبيتوتة.

وبين الموضعين أربعة عشر بابا في تبويب النووي. ولم أجد هذا الخبر عن أبي معبد إلا من رواية أبي الزبير. وقد رواه جماعة غير أبي معبد عن ابن عباس ورواه جماعة غير ابن عباس عن الفضل.

ولم أر في شيء من رواياتهم هذه الكلمة أو معناها أن محسرا من منى، وأبو الزبير وثقه جماعة ولينة آخرون. =

ص: 975

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= قال الشافعي: أبو الزبير يحتاج إلى دعامة.

وقد لا يبعد أن تكون كلمة "وهو من منى" وهي في الرواية التي اتفق على إخراج لفظها أحمد ومسلم والنسائي مدرجة من قول أبي الزبير. وأن راوي الرواية الأخرى خفي عليه الإدراج وروى بالمعنى والله أعلم.

وأما الثالث: وهو أن محسرا ليست داخلا في اسم منى ولا اسم مزدلفة فهو المشهور وفي تاريخ الأزرقي: حدثني جدي حدثنا مسلم بن خالد عن ابن جريح

قلت لعطاء: وأين مزدلفة؟ قال: المزدلفة إذا وقفت من مأزمي عرفة فذلك إلى عرفة ....

وفية ص 139: بهذا السند عن ابن جريح: "قال قلت لعطاء: أين منى؟ قال: من العقبة إلى محسر قال عطاء: فلا أحب أن ينزل أحد إلا فيما بين العقبة إلى محسر".

وهو خبر واحد قطعه. وقد روى ابن جرير في تفسيره ..

القطعة الأولى: حدثنا هناد قال ثنا ابن أبي زائدة قال: أنا ابن جريح قال: قلت لعطاء ....

وسنده صحيح. فأما سند الأزرقي ففيه مسلم بن خالد فيه لين. لكنه فقيه مكة في عصره وهذا الحكم مما يعنى به فقهاء مكة وشيخه ابن جريج إمام وهو فقيه مكة في عصره أيضا. وهو ممن روى حديث ابن الزبير السابق وكأنه لم يعول على ما فيه مما يدل أن محسرا من منى وعطاء إمام وهو فقيه مكة في عصره وروى عن ابن عباس حديث الفضل وغيره ثم جاء فقيه عصره الإمام الشافعي وهو مكي أخذ عن مسلم بن خالد وغيره.

قال في الأم (2/ 179) والمزدلفة حين يفضي من مأزمي عرفة -وليس المأزمان من مزدلفة- إلى أنه يأتي قرن محسر.

وقال ص 182: " ومنى ما بين العقبة وليست العقبة من منى إلى بطن محسر وليس بطن محسر من منى وهذا القول أعني أن محسرا ليس من المزدلفة =

ص: 976

وقال الأزهري: "الشعائر: المعالم التي ندب الله إليها أو أمر القيام بها،

= ولا من منى هو المعروف في كتب الفقه والمناسك في المذاهب الأربعة.

وقال ابن حزم في المحك (ج 7 ص 88 المسئلة 853):

وعرفة كلها موقف إلا بطن عرنة ومزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر؛ لأن عرفة من الحل وبطن عرنة من الحرم فهو غير عرفة وأما مزدلفة فهي المشعر الحرام وهي من الحرم وبطن محسر من الحل فهو غير مزدلفة.

ولا ريب أن منى عنده من الحرم فهي غير محسر الذي هو عنده من الحل.

وقد أغرب في زعمه أن بطن عرنة من الحرم وأغرب من ذلك زعمه أن محسرا من الحل.

احتج ابن حزم باختلاف المكانين في أن هذا من الحل وهذا من الحرم على تغايرهما واختلاف حكمهما وأنها لحجة لو صح ذاك الاختلاف.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مناسكه: "ومزدلفة كلها يقال لها المشعر الحرام وهي ما بين مأزمي عرفة إلى بطن عرنة فإن بين كل مشعرين حدا ليس منهما فإن بين عرفة ومزدلفة بطن عرنة وبين مزدلفة ومنى بطن محسر. كأنه نظر إلى عبارة ابن حزم وأعرض عما فيها من الخطأ.

وقد أوضح ابن القيم ذلك فقال في الهدي: "ومحسر برزخ بين منى وبين مزدلفة لا من هذه ولا من هذه. وعرنة برزخ بين عرفة والمشعر الحرام فبين كل مشعرين برزخ ليس منهما. فمنى: من الحرم وهي مشعر. ومحسر: من الحرم وليس بمشعر. ومزدلفة: حرم ومشعر. وعرنة: ليست مشعرا وهي من الحل. وعرفة: حل ومشعر".

ولا ريب أن الشيخين كانا عارفين بحديث ابن الزبير عن أبي معبد ومع ذلك قطعا بأن محسرًا ليس من منى وفي هذا سند قوي لما تقدم من الكلام فيه. والله أعلم .. ) انتهى.

ص: 977

ومنه سمي المشعر الحرام؛ لأنه معلم للعبادة وموضع لها" انتهى

(1)

.

والبيتوتة بها سنة، والجمع بين العشاءين جمع تأخير واجب، وكذا الوقوف بعد الصبح ولو ساعه واجب عندنا، وعند الشافعي: الوقوف سنة. والبيتوتة بها أكثر الليل واجبة، وأما ما نسب صاحب "الهداية" إلى الشافعي أنها ركن عنده، فغير صحيح.

(استقبل القبلة، فدعاه) أي: فدعا الله تعالى (وكبره) أي قال: الله أكبر (وهلله) أي قال: لا إله إلا اللَّه (ووحده) أي قال: "لا إله إلا الله وحده

" إلى آخره. وقال الحنفي: "أي قال: إنه واحد".

(فلم يزل واقفًا) أي: بعد صلاة الفجر (حتى أسفر) أي: أضاء واستنار (الصبح) مأخوذ من السفر، وهو بياض النهار، على ما ذكره الجوهري، (جدًّا) أي: مبالغًا، فهو حال أو صفة مصدر محذوف، أي: إسفارًا بليغًا بحيث يقرب طلوع الشمس، ثم يتوجه إلى منًى.

وقد أخطأ الحنفي في قوله: "الضمير في "أسفر" إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، أي: صلى الصبح عند ضيائه" ومنشأ خطئه غفلته عن مسألة الإسفار؛ فإنه أفضل عندنا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر".

وعند الشافعي أداء الصلوات في أوائل الأوقات أفضل بم لما ورد من: "أول الوقت رضوان الله، وآخر الوقت غفران الله"، لكن هذه الصلاة في هذا المكان مستثنًى بالإجماع، على أنه صلى الله عليه وسلم صلاها بغلس، ولا خلاف للفقهاء فيه.

(م، د، س، ق، عو) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن

(1)

النهاية (2/ 479).

ص: 978

ماجه، وأبو عوانة؛ كلهم عن جابر

(1)

.

(ولم يزل) أي: من يوم أحرم (يلبي حتى يرمي الجمرة) أي: فيقطعها في أول جمرة يرميها (أي: جمرة العقبة) أي: التي لا ترمى في أول أيام النحر إلا جمرتها، والتفسير من بعض الرواة. (ع) أي: رواه الجماعة عن ابن عباس.

(وإذا أراد رمي الجمار) أي: الجمرات الثلاث في ثاني النحر وما بعده، (فإذا أتى) أي: بعد الزوال، (الجمرة الدنيا) أي: القربى، التي تلي مسجد الخيف (رماها بسبع حصيات) أي: أحجار صغار نحو الباقلاء.

(يكبر على إثر كل حصاة) أي: عَقِيبها، وهو بكسر الهمزة وسكون المثلثة، وفي نسخة بفتحهما، وهما لغتان؛ ففي التنزيل:{قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي} بفتحتين عند الجمهور، وقرأ رويسٌ بالكسر والسكون. (خ، س) أي رواه: البخاري، والنسائي، عن ابن عمر

(2)

.

(أو مع كل حصاة) بأن يجمع بين القول والفعل، وهو الأظهر كما في الجمع بين غسل اليدين والبسملة في أول الوضوء.

(م، د، س، ق، مص) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، عن جابر

(3)

.

(1)

أخرجه مسلم (1218)، وأبو داود د (1905، 1907، 1909)، والنسائي

(1/ 122)(2/ 15)، وابن ماجه (3074).

(2)

أخرجه البخاري (1752)، والنسائي (5/ 276).

(3)

أخرجه مسلم (1218)، وأبو داود (1905، 1907، 1909)، والنسائي (1/ 122)(2/ 15)، وابن ماجه (3074).

ص: 979

(ثم يتقدم) أي: عن موضع الجمرة إلى مَكَانٍ قُدَّامَهَا، (فَيُسهِل) بضم أوله، أي: فيدخل في السهل من الأرض، قال المصنف: "يقال أسهل يسهل، إذا صار إلى السهل من الأرض، وهو ضد الحزن، أو،

(1)

صار إلى بطن الوادي، وهو معنى قوله:"ويستبطن الوادي""

(2)

، يعني الآتي في جمرة العقبة.

لكنه وهم من المؤلف؛ إذ معناه أنه يدخل في بطن الوادي، ويرمي من بطنه لا من فوقه، فإنه هناك علو يمكن أن يرمي به، وأما الجمرتان الأوليان فهما في بطن الوادي بأصلهما، فالمطلوب هنا الدخول في أرض السهل، فالمغايرة بينهما ظاهرة للعارف بهما.

(فيقوم مستقبل القبلة قيامًا طويلًا) قيل: "قدر قراءة سورة البقرة"(فيدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الجمرة الوسطى كذلك) أي: مثل ما تقدم من اعتبار السبع ومراعاة التكبير.

(فيأخذ ذات الشمال) أي: يمشي إلى جهة الشمال عند تقدمه عن الجمرة، وإرادته الوقوف للدعاء، (فيُسْهِلُ، فيقوم مستقبل القبلة قيامًا طويلًا، فيدعو ويرفع يديه حتى يرمي الجمرة ذات العقبة) أي: الواقعة عندها (من بطن الوادي) أي: لا يرميها من فوق؛ فإنه مكروه عندنا، غير جائز عند الشافعي.

(ولا يقف عندها) أي: عند جمرة العقبة ولا حولها للدعاء، وهو لا

(1)

في "مفتاح الحصن الحصين": "أراد".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ ب).

ص: 980

ينافي الدعاء، أو قيامًا طويلا فلا ينافي ما ورد من الدعاء كما سيأتي. (خ، س) أي رواه: البخاري، والنسائي، عن ابن عمر

(1)

.

(ويستبطن الوادي) أي: يدخل في بطن الوادي، وهو المعنيُّ بقوله:"ويرمي من بطن الوادي"(حتى إذا فرغ) أي: من الرمي، (قال) أي: من غير وقوف، أو من غير إطالة، (اللهم اجعله) أي: حجنا (حَجًّا مبرورًا) أي: مقبولًا؛ ففي "النهاية": "جاء في الحديث: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"، وهو الذي لا يخالطه شيء من الإثم، وقيل: "هو المقبول المقابل بالبر وهو الثواب" يقال: برَّ حجُّه، وبرَّ الله حجَّه، وأبره بِرًّا بالكسر، وإبرارًا" انتهى. ويمكن أن يراد به: المقبول المقابل للمردود، فإنه أكثر الموجود.

(وذنبًا مغفورًا) كأنَّ المراد: واجعل ذنبنا ذنبًا مغفورًا، ذكره الحنفي وغيره. والأظهر أن يكون التقدير: اجعل [الجعل]

(2)

حجًّا مبرورًا وذنبًا مغفورًا، أي: سبب بر الحج وغفران الذنب. وفي بعض الروايات وقع ما بينهما: "وسعيا مشكورا".

(مص، مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود مرفوعًا، ورواه أيضًا موقوفًا من فِعْلِ ابن عمر

(3)

وقَولِه، ويؤيده ما سمع ممن يثق

(1)

أخرجه البخاري (1753)، والنسائي (5/ 276).

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"حجنا".

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة (14214) موقوفًا.

قوله: "اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا"، وهذا إسناد ضعيف لضعف =

ص: 981

به من "الجلال" أنه نقل عن المصنّف أنه قال: "يعني رواه ابن مسعود مرفوعًا، وابن عمر موقوفًا" لكن في بعض النسخ: "مس" بالسين موضع "مص" بالصاد، فيفيد أن الحاكم رواه عن ابن مسعود مرفوعًا، والعلم عند الله.

(ويدعو عند الجمرات) أي: عند رميها، (كلها) أو بعد فراغها، لكن من غير وقوف عند العقبة، ولعلها لدفع المضايقة، (ولا يُوَقِّت شيئًا) بتشديد القاف، يقال: وقت الشيء ووقته إذا بين حده، ومنه قوله تعالى:{كِتَابًا مَوْقُوتًا} ، كذا في "الفائق"، وأراد به قوله تعالى:{إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] أي: فرضًا مؤقتًا معينًا، لا يجوز أداؤها قبله بخلاف قضائها، فالمعنى: لا يعين شيئا من الجمرات بالدعاء بل يعمها، أو لا يعين شيئًا من الأشياء بالدعاء عند الجمرات، بل يدعو بما بدا له من الحاجات، وهو اختيار الإمام محمد من أئمتنا؛ فإن تعيين الدعاء

(1)

يذهب حالة الخضوع والخشوع، لكن ينبغي أن يحمل على غير الدعوات المأثورة.

(مو مص) أي رواه: ابن أبي شيبة موقوفًا عن الحسن البصري

(2)

.

(وإذا ذبح) أي: أراد أن يذبح (سمى) أي: وجوبًا عندنا، وسنة عند الشافعي، (وكبر) بأن يقول: باسم الله، الله أكبر.

= ليث، وهو ابن أبي سليم.

(1)

بعدها في (أ) زيادة: "به".

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف" (14216. 30270).

ص: 982

(ووضع) أي: والحال أنه قد وضع (رجله على صِفَاحِهِ) بكسر الصاد المهملة، وتخفيف الفاء، وآخرها حاء مهملة، جمع صَفْح بالفتح ثم السكون، وهو: الجنب. وقيل: "جمع صفحة الوجه، وهي: عرضه" والمراد: الجانب الواحد من الأضحية، وهذا المعنيُّ بقول الراوي:(أي: عرض خده).

وقيل: المراد بصفاحه نواحي عنقه، وصَفْح الشيء ناحيته، وإنما فعل هذا ليكون أثبت له وأمكن، وأحسن للمذبوح وأهون، ولئلا تضطرب الذبيحة برأسها فتمنعه من إكمال الذبح أو تؤذيه.

(ع) أي رواه: الجماعة عن أنس

(1)

، قال: "ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين، وسمَّى وكبر ووضع رجله على [صفاحهما]

(2)

"، و"الأملح" على ما في "القاموس": "ما فيه بياض يخالطه سواد"

(3)

.

(ويقول في الأضحية) وهي بضم الهمزة وتكسر؛ ففي "النهاية": "أن فيها أربع لغات: أُضْحِيَةٌ وأضحيّة والجمع أضاحيّ بتشديد الياء وتخفيفها، وضحية، وأضحاة بفتح الهمزة".

وفي "القاموس": "الأضحية شاة يضحى بها، أي: يذبح في الضحوة،

(1)

أخرجه البخاري (5564)(5565)، ومسلم (1966)، والنسائي (7/ 230)، وابن ماجه (3120).

(2)

كذا في (د)، وفي (أ) و (ج) و (د):"صفاحها"، وفي (ب):"صفاحه".

(3)

الصحاح (1/ 407).

ص: 983

وهي ارتفاع النهار والجمع أضاحيّ، كالضحية [وجمعها]

(1)

ضحايا، كالأضحاة والجمع أضحى، وبها سمي يوم النحر".

والمعنى يقول في وقت ذبحها: (باسم الله، اللهم تقبل مني) أي: أضحيتي، (ومن أمة محمد صلى الله عليه وسلم) أي: ضحاياهم. (م، د) أي رواه: مسلم، وأبو داود، عن عائشة

(2)

.

(إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، على ملة إبراهيم) أي: حال كوني على وفق دينه من التوحيد والإخلاص والتفريد، وهو غير موجود في بعض النسخ، (حنيفًا) أي: مائلا إلى الحق، وهو حال من فاعل "وجهت"، (وما أنا من المشركين) أي: لا شركًا جليًّا ولا خفيًّا.

(إن صلاتي ونسكي) أي: عبادتي وتقربي أو ذبحي، وجمع بين الصلاة والذبح كما في قوله تعالى:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2]، إلا أن صلاة العيد ساقطة عن الحجاج بمنى، (ومحياي) أي: ما أتيته في حياتي، (ومماتي) أي: ما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح، (لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك) أي: الإخلاص، (أمرت، وأنا من المسلمين) وفي نسخة: "وأنا أول المسلمين".

(اللهم منك ولك) أي: هذه الأضحية، واصلة منك إليَّ، ومخلوقة ومملوكة لك، أو أنا [ناشئ]

(3)

منك وعبد لك، (باسم الله، والله أكبر ثم

(1)

من (أ) و (ج) فقط.

(2)

أخرجه مسلم (1967)، وأبو داود (2792).

(3)

هذا هو الصواب، وفي جميع النسخ:"ناشٍ".

ص: 984

يذبح) أي: فيذبح.

(د، ق، مس) أي رواه: أبو داود، وابن ماجه، والحاكم، عن جابر

(1)

.

(وقال صلى الله عليه وسلم لفاطمة: قومي إلى أضحيتك) وهي: ما يذبح يوم النحر على وجه التقرب، (فاشْهَدِيهَا) بفتح الهاء، أي: فاحضريها، (فإنه) أي: الشأن، (يغفر لك عند أول قطرة من دمها) فيه إيماءٌ إلى المبالغة في سرعة القبول، وحصول المغفرة.

(كل ذنب عملته) أي: في جميع عمرك، وفي نسخة:"عملتيه" بإشباع الكسرة المتولد منها الياء، (وقولي: إن صلاتي ونسكي) إلى آخره.

(قال عمران) أي: راوي الحديث (قلت: يا رسول اللَّه، هذا) أي: هذا الأجر والثواب (لك) أي: مختص لك، (ولأهل بيتك خاصة؟ قال: بل للمسلمين عامة. مس) أي: رواه الحاكم عن عمران بن حصين

(2)

.

(فإن كانت) أي: الأضحية أو الذبيحة، وهي: ما أريد ذبحه، (بدنة) أي: ناقة أو بقرة - على ما في "المهذب" وهو المذهب، خلافًا للشافعي؛ فإنها عنده الإبل لا غير، ويؤيده ما في "المغرب": "البدنة في اللغة من

(1)

أخرجه أبو داود (2795)، وابن ماجه (3121) والحاكم (1/ 467) وإسناده صحيح بشواهده وقد ذكر الألباني طرقه في الإرواء (1138) فراجعه.

(2)

أخرجه الحاكم في المستدرك (4/ 222) وقال: "صحيح الإسناد" فرده الذهبي بقوله: "قلت: بل أبو حمزة ضعيف جدا، وابن إسماعيل ليس بذاك". قال ابن أبي حاتم في العلل (2/ 38، رقم 1596) وقال: سمعت أبي يقول: هو حديث منكر.

ص: 985

الإبل خاصة، وتقع على الذكر والأنثى".

لكن المراد هنا الإبل اتفاقًا؛ لقوله: (فليقمها) من الإقامة، أي: فليوقفها بقصد نحرها، والنحر يُخَص بالإبل، والذبح بالبقر والغنم.

(ثم ليقل: الله أكبر الله أكبر الله أكبر) أي: ثلاثًا. (اللهم منك ولك، ثم ليُسَمّ الله، ثم لينحرْ، وإن كانت) أي: الذبيحة، (عقيقة) وهي الشاة التي تذبح عن المولود يوم سابعه، (فعل كالأضحية. مو مس) أي: رواه الحاكم موقوفًا من قول ابن عباس وفعله

(1)

.

(ويسمي) بكسر الميم، ويجوز فتحها، (على العقيقة كما يسمي على الأضحية: باسم الله عقيقة فلان) أي: هذه عقيقة فلان، (ينويها) أو يذكرها بعد البسملة، (مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة موقوفًا من قول قتادة التابعي

(2)

.

(وإذا دخل البيت) أي: البيت الحرام وهو الكعبة (كبَّر في نواحيه) أي: الأربعة. (خ، د) أي رواه: البخاري، وأبو داود، عن ابن عباس، (وفي زواياه. د) أي: رواه أبو داود عنه أيضًا

(3)

.

(1)

أخرجه الحاكم (2/ 389) وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

علقه البخاري في "الصحيح": (2/ 185 - كتاب الحج/ باب نحر البدن قائمة). وأخرجه سفيان الثوري في "تفسيره"(1/ 213)، والطبري في "التفسير"(18/ 632)، والقاسم بن سلام في "فضائل القرآن" (2/ 87) وإسناده صحيح. وقال الحافظ في "الدراية" (2/ 205):"ورجاله ثقات".

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف" (24753).

(3)

أخرجه البخاري (398) وأبو داود (2027).

ص: 986

والحاصل: أنهما رويا عن ابن عباس: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت وفيه آلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في أيديهما الأزلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قاتلهم الله؛ لقد علموا أنهما ما استقسما قط، ثم دخل البيت فكبر في نواحي البيت، وخرج ولم يصل فيه" رواه البخاري وأبو داود، ولفظ أبي داود:"فكبر في نواحيه وفي زواياه".

قال ميرك: "الصحيح أن دخول النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة كان في فتح مكة" وقال بعضهم: "في حجة الوداع" قلت: الأصح أنه دخل عام الفتح، ويحتمل أنه دخل عام الوداع أيضًا. نعم، سيأتي في رواية أسامة:"أنه صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت صلى"، والمُثْبِتُ مُقَدَّم عَلَى النَّافِي، مع أن حديث أسامة متفق عليه، وأسامة أضبط وأعلم بالقضية من ابن عباس؛ لكونه صغيرًا، وأيضًا: لم يكن معه صلى الله عليه وسلم حال الدخول

(1)

.

(ويدعو في نواحيه كلها، فإذا خرج ركع) أي: صلى (في قُبُل البيت) بضم القاف والموحدة وقد تسكن، أي: مقابل البيت، أو ما استقبلك منه وهو وجهه.

قال التوربشتي: "المراد الجهة التي فيها الباب" قلت: المشهور عند أهل مكة أنه صلى الله عليه وسلم صلى في الموضع الذي يقال له: المعجنة. وأيضًا يقال له: مقام جبريل عليه السلام. حيث أمَّ بالنبي صلى الله عليه وسلم فيه خمس صلوات في يومين لتعليم أوائل الأوقات وأواخرها، (ركعتين) أي: وقال: "هذه القبلة" كما في

(1)

وللجمع بين القولين انظر "فتح الباري"(3/ 468 - 469).

ص: 987

رواية. (م، س) أي رواه: مسلم، والنسائي، عن أسامة بن زيد

(1)

.

وهو في هذا الحديث ساكت عن صلاته داخل الكعبة بخلافه في الحديث الآتي، وهو قول المؤلف:(ودخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة، هو وأسامة) أي: "ابن زيد" كما في نسخة، (وعثمان بن طلحة) أي: الشيبي (الحَجَبِيُّ) بفتح الحاء والجيم وكسر الموحدة وتشديد التحتية للنسبة إلى الحجابة، والحاجب: البواب، (وبلال بن رباح) بفتح فتخفيف موحدة.

(فأغلقها) أي: رد بابها عثمان لكونه وظيفته، أو بلال بأمره عليه السلام لما سيأتي، (عليه) أي: على النبي عليه السلام خوفًا للازدحام محليه، (ومكث) بفتح الكاف وضمها، أي: توقف، (فيها) أي: في الكعبة.

(ثم خرج، فسألت بلالًا) السائل: ابن عمر الراوي للحديث، (حين خرج) أي: بلال أو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معه، (ماذا صنع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟) يحتمل أن يكون "ما" استفهامية، و"ذا" بمعنى الذي، وما بعده صلته، والمجموع خبر "ما"، وأن يكون "ما" مع "ذا" اسمًا واحدًا بمعنى "أي شيء" منصوب المحل على المفعولية مثل ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(فقال) أي: أسامة، (جعل) أي: النبي صلى الله عليه وسلم، (عمودًا عن يساره،

(1)

أخرجه مسلم (1330)، والنسائي في السنن الكبرى (3892)، وابن عباس ثبت في السنن الكبرى ولم يثبت في المجتبى (5/ 218)، ورجح الحافظ في الفتح (1/ 501) أن الحديث عن أسامة.

انظر: أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (1/ 380 - 381)، وشرح السنة للبغوي (2/ 334)، وفتح الباري (3/ 468 - 469) وفيه تفصيل جيد.

ص: 988

وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه) وفي بعض الروايات:"جعل عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه"، فالجمع على ثبوت تعدد الدخول ظاهر، وعلى عدمه يحمل أحدهما على موقف الصلاة والآخر على موقف الدعاء، واللَّه أعلم.

(وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة) أي: بخلاف اليوم، فإنه حينئذٍ على ثلاثة أعمدة، (ثم صلى) أي: وهو متوجه إلى الجهة التي فيها المستجار محاذيًا للباب قريبًا من الجدار تخمينا: ثلاثة أذرع. (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم، عن ابن عمر

(1)

.

(ولما دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت أمر بلالًا فأجاف) أي: أغلق أو رد بلال (الباب) أي: باب الكعبة، مخافة الزحمة المانعة من الحضور الموجب لزيادة الرحمة، (والبيت إذ ذاك) أي: وقتئذٍ، (على ستة أعمدة، فمضى) أي: ذهب من جهة الباب، أي: محاذيه من الجدار، (حتى إذا كان بين الاصطوانتين) وفي نسخة:"الاسطوانتين" كما هو الأصل، لكن أبدل السين صادًا [لقرب]

(2)

الطاء الملائم للصاد في موافقة صفة الإطباق، كما حُقِّقَ في صِرَاطٍ، (اللتين تليان) أي: تقربان، (باب الكعبة) [أي: المسدود]

(3)

.

(جلس) أي: بعد الصلاة، أو قبلها، وهو المتبادر من العبارة الظاهرة

(1)

أخرجه البخاري (505)، ومسلم (1329) وأبو داود (2023) و (2024)، والنسائي في "المجتبى"(2/ 63).

(2)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"للقرب من".

(3)

كذا في (أ) و (ج)، وفي (ب):"أي: المردود"، وهي ساقطة من (د).

ص: 989

من كلام الراوي، (فحمد اللَّه) أي: شكره على ما منح عليه، وفتح لديه، وأحسن إليه جزيلًا، (وأثنى عليه) أي: ثناءً جميلًا، (وسأله) أي: المزيد من فضله، (واستغفره) أي:[من]

(1)

التقصير في فعله، (ثم قام، حتى إذا أتى ما استقبل) أي: ما واجه قبالته، (من دبر الكعبة) أي: بالنسبة إلى باب المواجهة، (فوضع وجهه) أي: كله أو جبينه، (وخدّه عليه) أي: تبركًا منه وتواضعًا لديه، (وحمد الله وأثنى عليه وسأله واستغفره، ثم انصرف إلى كل ركن من أركان الكعبة فاستقبله بالتكبير) أي: مصحوبًا به، (والتهليل والتسبيح، والثناء على الله، والمسألة) أي: السؤال للمنال، (والاستغفار) أي: طلب المغفرة للأفعال.

(ثم خرج فصلى ركعتين مستقبل وجه الكعبة) أي: كما تقدم، (ثم انصرف) أي: إلى محله. (س) أي: رواه النسائي من حديث ابن عباس عن أسامة

(2)

.

(وإذا شرب ماء زمزم) قيل: سمي به لأنه لما رأت هاجر نبع الماء من تحت قدم إسماعيل عليه السلام وأراد أن يجري، قالت بلسان القبط:"زم زم"، أي: قف قف. والمعنى: إذا أراد أن يشرب من ماء زمزم، (فليستقبل [الكعبة]

(3)

، وليذكر اسم الله، وليتنفس ثلاثًا) أي: ليشرب منه بثلاثة أنفاس خارج الإناء، (وليتضلع) قال المصنّف: "أي: يكثر من الشرب

(1)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د):"عن".

(2)

أخرجه النسائي (5/ 254).

(3)

كذا في (أ) و (ج) و (د) و (م)، وفي (ب):"القبلة".

ص: 990

حتى يمتلئ جنبه وأضلاعه"

(1)

(منها) أي: من ماء [بئر]

(2)

زمزم.

(فإذا فرغ) أي: من الشرب، (فليحمد اللَّه إن آية ما بيننا) أي: العلامة الواقعة الفارقة بيننا، (وبين المنافقين لا يتضلعون) أي: هي أن لا يتضلعوا، (من زمزم) وحاصله: إن آية الإيمان التضلع منه، وآية المنافق عدم التضلع منه. (ق، مس) أي رواه: ابن ماجه، والحاكم، عن ابن عباس

(3)

.

روي عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، قال: "كنت عند ابن عباس جالسًا، فجاءه رجل، فقال: من أين جئت؟ قال: من زمزم، قال: فشربت منها كما ينبغي؟ قال: وكيف ينبغي؟ قال: إذا شربت منها فاستقبل الكعبة، واذكر اسم الله، وتنفس ثلاثًا من زمزم، وتضلع منها، فإذا فرغت فاحمد الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن آية ما بيننا وبين المنافقين لا

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ ب).

(2)

من (أ) و (ج) فقط.

(3)

أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (1/ 157) وابن ماجه (3061)، قال البوصيري (3/ 208): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وقال المناوي (1/ 61): قال الحافظ: حديث حسن والحاصل أن بعض أسانيده رجالها ثقات لكن فيه انقطاع وهذا الانقطاع بين عثمان بن الأسود وابن عباس عند الحاكم فقط أما عند الباقين فالحديث متصل. والحاكم في المستدرك (1/ 472)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (22) والإرواء (1125).

ص: 991

يتضلعون من ماء زمزم"، رواه ابن ماجه واللفظ له، والحاكم في "المستدرك"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين".

وبهذا يتبين أن صدر الحديث موقوف وآخره مرفوع، وأن المصنّف رواه بالمعنى، ولفظ "الجامع":"آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم"، رواه البخاري في "تاريخه"، وابن ماجه، والحاكم، عن ابن عباس.

(وماء زمزم لما شرب له) بصيغة المجهول، أي: معتبر لأي قصد شرب له، (فإن شربته) أي: أيها الشارب، (تستشفي به) أي:"لتستشفي به" كما في نسخة، أو مستشفيًا به، (شفاك الله، وإن شربته مستعيذًا) أي: مستجيرًا من أحد أو من بلاء، (أعاذك الله) أي: أجارك منه.

(وإن شربته لتقطع ظمأك) بصيغة [المخاطب]

(1)

المعلوم، وهو المناسب لما قبله، ويجوز أن يكون على صيغة الغائب للفاعل، ويؤيده قوله:(قطعه) والفاعل هو اللَّه أو زمزم مجازًا.

وفي "أصل الجلال" بصيغة المذكر المجهول وَرَفْعِ "ظمأك"، وفي "أصل الأصيل"

(2)

غير مقيد بالفاعل والمفعول، ثم الظمأ: بفتحتين مهموز الآخر مقصورًا، وهو العطش، قال تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ} [التوبة: 120].

(1)

كذا في (أ)، وفي (ب) و (ج) و (د):"الخطاب".

(2)

بعدها في (أ) زيادة: "بالياء التحتية".

ص: 992

قال ميرك -نقلًا عن الشيخ-: "وإنما ذكرت هذا وإن كان ظاهرًا؛ لأنّي رأيت من اشتبه عليه فتوهمه ممدودًا".

قلت: قد ذكر مولانا سنان الرومي في "حاشية البيضاوي": "في الآية أن الظمأ يمد ويقصر وقرئ بهما، وهو شدة العطش"، ثم إني رأيت في كتاب "الشواذ": "أن الظمأ بالمد قراءة [ابن أبي عمير]

(1)

".

(وكان ابن عباس إذا شرب ماء زمزم) أي: إذا أراد شربه، (قال) أي: بعد البسملة أو قبلها، وهو الأظهر، (اللهم إني أسألك علمًا نافعًا) أي: لي ولغيري، وهو [عِلْم]

(2)

الكتاب والسنة، (ورزقًا واسعًا) أي: حلالًا يسعني أن أتناوله شرعًا، أو قدرًا كافيًا، (وشفاءً من كل داء) أي: ظاهرًا وباطنًا.

(مس) أي: رواه الحاكم عن ابن عباس، أخرجه من طريق مجاهد، عنه، قال العسقلاني:"رجاله موثوقون إلا أنه اختلف في وصله إرساله"

(3)

.

(1)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ):"ابن عمر".

(2)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"عِلمَي".

(3)

أخرجه الحاكم في المستدرك (1/ 473) وقال هذا حديث صحيح الإسناد إن سلم من الجارودي ولم يخرجاه.

قول الحاكم: إن سلم من الجارودي، قال ابن القطان: سلم من الجارودي فهو صدوق.

لكن الراوي عنه مجهول. وقال ابن حجر في الفتح 3: 493 رجاله موثوقون =

ص: 993

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= لكن اختلف في وصله وإرساله. وإرساله أصح. والجارودي صدوق إلا أن روايته شاذة.

وقال في الإتحاف (8816): وهم الجارودي في رفعه، والمحفوظ عن ابن عيينة وقفه على مجاهد كذا رواه الحميدي وابن أبي عمر وعبد الرزاق، وغيرهم

محمد بن حبيب بن محمد الجارودي بصري، وقال الخطيب في تاريخه: صدوق. انظر: تاريخ بغداد (2/ 277)، والثقات لابن حبان (9/ 110).

وفي المغني في الضعفاء (5380) غمزه الحاكم.

وقال الذهبي في الميزان: (3/ 508): "أتى بخبر باطل اتهم بسنده".

وقال الحافظ في لسان الميزان (5/ 115): "والحديث المذكور في المستدرك

وذكر كلام الخطيب فيحتمل ان يكون هو هذا، وجزم أبو الحسن القطان بأنه هو وتبعه علي ذلك ابن دقيق العيد، والدمياطي وقد أخرج الدارقطني والحاكم

فهذا خطأ الجارودي وصله وإنما رواه ابن عيينة موقوفا على مجاهد كذلك حدث به عنه حفاظ أصحابه كالحميدي وابن أبي عمر وسعيد بن منصور وغيرهم.

وقال الحافظ ابن حجر: "ومرتبة هذا الحديث: أنه باجتماع هذه الطرق يصلح للاحتجاج به" وانظر المقاصد الحسنة (ص 568).

وقال مرة: "غريب، حسن بشواهده" فيض القدير: (5/ 404).

قال الحافظ في "الفتح"(3/ 493): رجاله موثقون إلا أنه اختلف في إرساله ووصله، وأرساله أصح، وله شاهد من حديث جابر، وهو أشهر منه أخرجه الشافعي وابن ماجه ورجاله ثقات إلا عبد الكل بن المؤمل المكي، فذى العقيلي أنه تفرد به، لكن ورد من رواية غيره عند البيهقي من طريق إبراهيم بن طهمان، ومن طريق حمزة الزيات كلاهما عن أبي الزبير عن جابر، ووقع في =

ص: 994

قلت: ويؤيد وصله ما سيجيء في "الجامع الصغير" من الطرق الموصولة، على أن الإرسال حجة عندنا وعند جمهور العلماء، مع أن الضعيف يجوز به العمل في فضائل الأعمال إجماعًا.

ثم فيه أن ذيل الحديث موقوف، وصدره مرفوع، ولفظ "الجامع":""ماء زمزم لما شرب له، فإن شربته تستشفي به شفاك الله، وإن شربته مستعيذًا أعاذك الله، وإن شربته لتقطع ظمأك قطعه الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله، وهي هزمة جبريل، وسقيا إسماعيل" رواه الدارقطني، والحاكم، عن ابن عباس مرفوعًا"

(1)

[وهزمها]

(2)

: أي: ضربها برجله فنبع الماء، وهو لا ينافي ما روي عن إسماعيل بمثله.

وروى المستغفري في "الطب" عن جابر مرفوعًا، ولفظه:"ماء زمزم لما شرب له، من شرب لمرض شفاه الله، أو لجوع أشبعه الله، أو لحاجة قضاها الله) وروى الديلمي في "الفردوس" عن صفية مرفوعًا: "ماء زمزم شفاء من كل داء"

(3)

.

= "فوائد ابن المقري" من طريق سويد بن سعيد عن ابن المبارك عن ابن أبي الموالي عن ابن المنكدر عن جابر، وزعم الدمياطي أنه على رسم الصحيح وهو كما قال في حديث الرجال إلا أن سويدا وإن أخرج له مسلم فإنه خلط وطعنوا فيه، وقد شذ بإسناده والمحفوظ عن ابن المبارك عن ابن المؤمل.

(1)

أخرجه الدارقطني (2/ 289).

(2)

هذا هو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ:"وهزمتها".

(3)

أخرجه الديلمي (4/ 152) رقم (6471).

ص: 995

(ولما أتى الإمام) أي: مقتدى الأنام، (الحجة) أي: حجة الإسلام، (عبد الله بن المبارك) وهو من أجلَّاء التابعين وزهادهم وعبَّادهم، الجامع بين الحديث والفقه، وهو من أصحاب إمامنا الأعظم، والمعنى: لما جاء (زمزم واستقى) أي: أراد أن يشرب (منه) أي: من ماء زمزم (شربة، ثم استقبل القبلة قال: اللهم إن ابن أبي الموالي) بفتح الميم (حدثنا عن محمد بن المنكدر، عن جابر، أن رسول الله قال: "ماء زمزم لما شرب له" وهذا) أي: هذا الماء (أشربه) أو: هذا أنا أشرب ماء زمزم العطش يوم القيامة) أي: لدفع العطش فيه (ثم شرب).

(قلت: هذا سندٌ صحيحٌ، والراوي عن ابن المبارك ذلك سويد) بالتصغير (بن سعيد، ثقة، روى له مسلم في "صحيحه"، وابن أبي الموالي) أي: الراوي عنه ابن المبارك (ثقة روى له البخاري في "صحيحه") أي: وابن المنكدر جلالته أظهر من أن يقال في حقه: ثقة (فصح الحديث) أي: لصحة سنده (والحمد لله).

قال الحنفي: "فيه تأمل؛ لأنه لا يثبت صحته بمجرد توثيق شيخ ابن المبارك، وتوثيق الراوي عنه، بل لا بد من توثيق من بعده أيضًا حتى يثبت".

قلت: وتوجيهه يظهر بما ذكره ابن القيم الجوزي في "زاد المعاد"، حيث قال: "قد ضعف هذا الحديث طائفة بعبد الله بن المؤمل [راويه]

(1)

(1)

هذا هو الصواب، وفي جميع النسخ:"رواية".

ص: 996

عن محمد بن المنكدر، وقد روينا عن عبد الله بن المبارك أنه لما حج أتى زمزم، فقال: اللهم إن ابن أبي الموالي حدثنا عن محمد بن المنكدر، [عن جابر]

(1)

، عن نبيك أنه قال:"ماء زمزم لما شرب له"، وإني أشربه لظمأ يوم القيامة.

وابن أبي الموالي ثقة؛ فالحديث إذن حسن، وقد صححه بعضهم، وجعله بعضهم موضوعًا، وكلا القولين فيه مجازفة

(2)

.

(1)

خلت جميع النسخ من هذه الزيادة، واستدركناها من "زاد المعاد".

(2)

أخرجه البيهقي في "الشعب"(3833)، والخطيب في (تاريخ بغداد) (10/ 166) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (13/ 79) و (32/ 436) عن سويد بن سعيد قال: رأيت ابن المبارك أتى زمزم فملأ إناء ثم استقبل الكعبة فقال: اللهم إن ابن أبي الموال نا عن ابن المنكدر عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ماء زمزم لما شرب له وهو ذا أشرب هذا لعطش يوم القيامة ثم شربه ثم قال البيهقي غريب من حديث ابن أبي الموال عن ابن المنكدر تفرد به سويد عن ابن المبارك من هذا الوجه عنه.

وأشار إلى علته ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(32/ 436) فقال: كذا قالا ابن أبي الموال والمحفوظ عن عبد الله بن المؤمل عن أبي الزبير

ثم رواه على الصواب: عن ابن المقرئ وهذا في "معجمه" 361) - قال: حدثني محمد بن عبد الرحيم الخوي في مجلس ابن قتيبة نا محمد بن عبد الله النيسابوري نا الحسن بن عيسى قال رأيت ابن المبارك دخل زمزم فاستقى دلوا واستقبل البيت ثم قال اللهم أن عبد الله بن المؤمل

الحديث وقال الذهبي في "سير أعلام النبلاء"(8/ 281) قال ابن خراش ابن المبارك =

ص: 997

وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أمورًا عجيبة، واستشفيت به من عدة أمراض، فبرأت بإذن الله تعالى، وشاهدت من

= مروزي ثقة قال القاسم بن محمد بن عباد سمعت سويد بن سعيد يقول رأيت ابن المبارك بمكة أتى زمزم فاستقى شربة ثم استقبل القبلة فقال اللهم ابن أبي الموال حدثنا عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ماء زمزم لما شرب له وهذا أشربه لعطش القيامة ثم شربه.

كذا قال ابن أبي الموال وصوابه ابن المؤمل عبد الله المكي والحديث به يعرف وهو من الضعفاء لكن يرويه عن أبي الزبير عن جابر فعلى كل حال خبر ابن المبارك فرد منكر ما أتى به سوى سويد.

وقال ابن كثير في "البداية والنهاية"(2/ 305): سويد بن سعيد ضعيف والمحفوظ عن ابن المبارك عن عبد الله بن المؤمل كما تقدم وقد رواه الحاكم عن ابن عباس مرفوعا ماء زمزم لما شرب له وفيه نظر والله أعلم.

وانظر أيضًا: فتح الباري (3/ 493) وقال: "غريب، تفرد به سويد" ونقل ذلك عنه ابن حجر في (التلخيص الحبير)(2/ 268) ثم قال عن سويد: "وهو ضعيف جدًّا، وإن كان مسلم قد أخرج له في المتابعات

إلى أن قال: وقد خلط في هذا الإسناد، وأخطأ فيه عن ابن المبارك، وإنما رواه ابن المبارك، عن ابن المؤمل، عن أبي الزبير، كذلك رويناه في (فوائد أبي بكر ابن المقري) من طريق صحيحة، فجعله سويد: عن ابن أبي الموال، عن ابن المنكدر. واغتر الحافظ شرف الدين الدمياطي بظاهر هذا الإسناد، فحكم بأنه على رسم الصحيح؛ لأن ابن أبي الموال انفرد به البخاري، وسويدا انفرد به مسلم، وغفل عن أن مسلمًا إنما أخرج لسويد ما توبع عليه، لا ما انفرد به، فضلًا عما خولف =

ص: 998

يتغذى به الأيام ذوات العدد قريبًا من نصف الشهر أو أكثر ولا يجد جوعًا، ويطوف مع الناس كأحدهم، وأخبرني أنه ربما بقي عليه أربعين يوما، وكان له قوة يجامع بها أهله ويصوم ويطوف مرارًا".

ثم قال ابن القيم: "وماء زمزم سيد المياه وأشرفها، وأجلها قدرًا، وأحبها إلى النفوس، وأغلاها ثمنًا، وأنفسها عند الناس، وهو هزمة جبريل، وسقيا إسماعيل عليهما السلام.

وثبت في الصحيح عن النبي عليه السلام: "قال لأبي ذر، وقد أقام بين الكعبة وأستارها أربعين ما بين يوم وليلة، ليس له طعام غيره، فقال صلى الله عليه وسلم: "إنها طعام طعم"، وزاد غير مسلم بإسناده: "وشفاء سقم" انتهى

(1)

.

وفي "منتخب المقاصد" لابن الديبع: "إن حديث "ماء زمزم لما شرب له": رواه ابن ماجه من حديث جابر أبه،

(2)

مرفوعًا، وسنده ضعيف، وقد رواه الحاكم، وقال:"إنه صحيح الإسناد"، وقد صحح هذا الحديث ابن عيينة من المتقدمين، والدمياطي من المتأخرين، والمنذري، وضعفه النووي" انتهى. وقال الزركشي:"رواه ابن ماجه مرفوعًا بسند جيد، والخطيب في "التاريخ " بسند صححه الدمياطي".

قال السيوطي: "وصححه أيضًا المنذري، وضعفه النووي، وحسنه

(1)

زاد المعاد (4/ 359).

(2)

من (أ) و (ج) فقط.

ص: 999

ابن حجر -يعني العسقلاني-؛ لوروده من طرق عن جابر.

(1)

ووروده

(1)

حديث جابر رضي الله عنه. أخرجه ابن ماجه (3062)، وأحمد (3/ 357، 372)، والطبراني في (الأوسط)(853)، والبيهقي (5/ 148)، والعقيلي في (الضعفاء)(2/ 303)، والخطيب في (تاريخ بغداد)(3/ 179)، وابن عدي في "الكامل"(4/ 136) من طرق، عن: عبد الله بن المؤمل، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه به.

قال ابن عدي: وهذا الحديث يعرف بابن المؤمل عن أبي الزبير.

وهذا الإسناد ضعيف، لضعف عبد الله بن المؤمل، وبه ضعَّفه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام:(3/ 478)(1243).

وضعفه -أيضًا- النووي في (المجموع)(8/ 198).

وقال العقيلي: "لا يتابع عليه". وكذا قال ابن حبان في (المجروحين)(2/ 28).

وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن أبي الزبير إلا عبد الله بن المؤمل".

وقال البيهقي عقب إخراجه: "تفرد به عبد الله بن المؤمل".

قلت: أما تضعيفه بابن المؤمل: فنعم، وأما القول بأنه تفرد به: فلا، فقد تابعه إبراهيم بن طهمان، كما نبه على ذلك صاحب (الجوهر النقي)(5/ 148).

فقال -متعقبًا البيهقي-: "قلت: لم ينفرد به، بل تابعه إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، كذا أورده البيهقي نفسه فيما بعد، والحديث في (سنن البيهقي) من طريق: أحمد بن إسحاق البغدادي، عن معاذ بن نجدة، عن خلاد بن يحيى، قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه، وفيه قصة.

وأعل الحافظ ابن حجر رحمه الله هذه المتابعة لابن المؤمل، فقال في التلخيص الحبير:(2/ 268): "ولا يصح عن إبراهيم

إنما سمعه إبراهيم من ابن المؤمل".

وفي سندها أحمد بن إسحاق البغدادي مجهول.

وانظر: التلخيص الحبير (2/ 268). =

ص: 1000

أيضًا من حديث ابن عباس مرفوعًا

(1)

، أخرجه الحاكم، والدارقطني.

= وكان عبد الله بن المؤمل يضطرب فيه فرواه البيهقي في "الشعب"(4127) عن سعدويه عن عبد الله بن المؤمل عن ابن جريج عن عطاء عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ماء زمزم لما شرب له".

(1)

أخرجه: الدارقطني (2/ 289) والحاكم في المستدرك (1/ 473).

والحديث فيه ثلاث علل:

1 -

المخالفة: أن محمد بن حبيب الجارودي أخطأ فيه عن ابن عيينة فجعله موصولًا، وغيره جعله عن ابن عيينة عن مجاهد قوله، قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" (2/ 268):"والجارودي صدوق، إلا أن روايته شاذة، فقد رواه حفاظ أصحاب ابن عيينة: الحميدي، وابن أبي عمر، وغيرهما عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله".

2 -

جهالة محمد بن هشام المروزي راويه عن الجارودي، قال ابن القطان:"لا يعرف حاله".

3 -

ضعف عمر بن الحسن الأشناني، شيخ الدارقطني في هذا الخبر.

فقال الذهبي في "الرد على ابن القطان في كتابه بيان الوهم"(ص 39) قال: عبد الله بن المؤمل لين، وقال الدارقطني: ثنا عمر بن الحسن بن علي، ثنا محمد بن هشام المروزي -يعني ابن أبي الدميك- ثنا محمد بن حبيب الجارودي ثنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: "ماء زمزم لما شرب".

قلت: هؤلاء ثقات سوى عمر الأشناني إنا نتهمه بوضعه.

وذكره في ترجمته في (الميزان)(3/ 185): فقال "صاحب بلايا" ثم ساق هذا الحديث من طريق الدارقطني، ثم قال: "وابن حبيب -يعني الجارودي- صدوق، =

ص: 1001

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= فآفة هذا هو عمر، فلقد أثم الدارقطني بسكوته عنه، فإنه بهذا الإسناد باطل، ما رواه ابن عيينة قط، بل المعروف حديث عبد الله بن المؤمل، عن أبي الزبير، عن جابر مختصرًا".

وتعقبه الحافظ في "اللسان"(4/ 291) حيث قال: والذي يغلب على الظن أن المؤلف هو الذي أث بتأثيمه الدارقطني فإن الأشناني لم ينفرد بهذا تابعه عليه في مستدركه الحاكم ولقد عجبت من قول المؤلف ما رواه ابن عيينة قط مع أنه رواه عنه الحميدي وابن أبي عمر وسعيد بن منصور وغيرهم من حفاظ أصحابه إلا أنهم وقفوه على مجاهد لم يذكروا ابن عباس فيه فغايته أن يكون محمد بن حبيب وهم في رفعه.

وهذا الحديث يُروى عن جابر رضي الله عنه من طريقين:

الطريق الأول: أخرجه ابن ماجه (3062)، وأحمد (3/ 357، 372)، والطبراني في (الأوسط)(853)، والبيهقي (5/ 148)، والعقيلي في (الضعفاء)(2/ 303)، والخطيب في (تاريخ بغداد)(3/ 179)، وابن عدي في "الكامل"(4/ 136) من طرق عن عبد الله بن المُؤَمَّل، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه به.

قال ابن عدي: وهذا الحديث يعرف بابن المؤمل عن أبي الزبير وهذا الإسناد ضعيف؛ لضعف عبد الله بن المُؤَمَّل، وبه ضعفه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام:(3/ 478) ح (1243) وضعفه -أيضًا- النووي في "المجموع) (8/ 198).

وقال العقيلي: "لا يُتابع عليه". وكذا قال ابن حبان في (المجروحين)(2/ 28).

وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن أبي الزبير إلا عبد الله بن المُؤَمَّل". وقال البيهقي عقب إخراجه: "تَفَرَّدَ به عبد الله بن المُؤَمَّل".

قلت: أما تضعيفه بابن المُؤَمَّل: فنعم، وأما القول بأنه تَفَرَّدَ به: فلا؛ فقد تابعه إبراهيم بن طهمان، كما نَبَّهَ على ذلك صاحب (الجوهر النقي)(5/ 148). فقال =

ص: 1002

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= -متعقبًا البيهقي-: قلت: لم ينفرد به، بل تابعه إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، كذا أورده البيهقي نفسه فيما بعد، والحديث في (سنن البيهقي) من طريق: أحمد بن إسحاق البغدادي، عن معاذ بن نجدة، عن خَلَّاد بن يحيى، قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه، وفيه قصة. وأعلَّ الحافظ ابن حجر رحمه الله هذه المتابعة لابن المُؤَمَّل، فقال في التلخيص الحبير:(2/ 268): "ولا يصحُّ عن إبراهيم

إنما سمعه إبراهيم من ابن المُؤَمَّل".

وفي سندها أحمد بن إسحاق البغدادي مجهول.

وانظر: التلخيص الحبير (2/ 268).

وكان عبد الله بن المؤمل يضطرب فيه فرواه البيهقي في "الشعب"(4127) عن سعدويه عن عبد الله بن المؤمل عن ابن جريج عن عطاء عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ماء زمزم لما شرب له.

الطريق الثاني: أخرجه البيهقي في "الشعب"(3833)، والخطيب في (تاريخ بغداد) (10/ 166) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (13/ 79) و (32/ 436) عن سويد بن سعيد قال: رأيت ابن المبارك أتى زمزم فملأ إناء ثم استقبل الكعبة فقال: اللهم إن ابن أبي الموال نا عن ابن المنكدر عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ماء زمزم لما شرب له وهو ذا أشرب هذا لعطش يوم القيامة" ثم شربه ثم قال البيهقي: غريب من حديث ابن أبي الموال عن ابن المنكدر تفرد به سويد عن ابن المبارك من هذا الوجه عنه وأشار إلى علته ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(32/ 436) فقال: كذا قالا ابن أبي الموال والمحفوظ عن عبد الله بن المؤمل عن أبي الزبير ثم رواه على الصواب: عن ابن المقرئ وهذا في "معجمه"(361) - قال: حدثني محمد بن عبد الرحيم الخويي في مجلس ابن قتيبة نا محمد بن عبد الله النيسابوري نا الحسن بن عيسى قال رأيت ابن المبارك دخل زمزم فاستقى دلوًا واستقبل البيت ثم قال اللهم أن عبد الله بن المؤمل

الحديث =

ص: 1003

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وقال الذهبي في "سير أعلام النبلاء"(8/ 281) قال ابن خراش ابن المبارك مروزي ثقة قال القاسم بن محمد بن عباد سمعت سويد بن سعيد يقول رأيت ابن المبارك بمكة أتى زمزم فاستقى شربة ثم استقبل القبلة فقال اللهم ابن أبي الموال حدثنا عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ماء زمزم لما شرب له وهذا أشربه لعطش القيامة" ثم شربه.

كذا قال ابن أبي الموال وصوابه ابن المؤمل عبد الله المكي والحديث به يعرف وهو من الضعفاء لكن يرويه عن أبي الزبير عن جابر فعلى كل حال خبر ابن المبارك فرد منكر ما أتى به سوى سويد.

وقال ابن كثير في "البداية والنهاية"(2/ 305): "سويد بن سعيد ضعيف والمحفوظ عن ابن المبارك عن عبد الله بن المؤمل كما تقدم وقد رواه الحاكم عن ابن عباس مرفوعًا ماء زمزم لما شرب له وفيه نظر والله أعلم".

وانظر أيضًا: فتح الباري (3/ 493) وقال: "غريب، تَفَرَّدَ به سويد" ونقل ذلك عنه ابن حجر في (التلخيص الحبير)(2/ 268) ثم قال عن سويد: "وهو ضعيف جدًّا، وإن كان مسلمٌ قد أخرج له في المتابعات

" إلى أن قال: "وقد خَلَّطَ في هذا الإسناد، وأخطأ فيه عن ابن المبارك، وإنما رواه ابن المبارك، عن ابن المُؤَمَّل، عن أبي الزبير، كذلك رويناه في (فوائد أبي بكر ابن المقري) من طريق صحيحة، فَجَعَلَه سويد: عن ابن أبي الموال، عن ابن المنكدر. واغْتَرَّ الحافظ شرف الدين الدمياطي بظاهر هذا الإسناد، فحكم بأنه على رسم الصحيح؛ لأن ابن أبي الموال انفرد به البخاريّ، وسويدًا انفرد به مسلمٌ، وغفل عن أن مسلمًا إنما أخرج لسويد ما توبع عليه، لا ما انفرد به، فضلًا عما خُولف فيه".

وقد جعله السخاوي شاهد الحديث جابر المقاصد الحسنة (ح 928). فقال: ولحديث جابر شاهد آخر عن معاوية صلى الله عليه وسلم موقوف عليه، أشار إليه السخاوي في (المقاصد الحسنة)(ص 568). =

ص: 1004

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= فقال -بعد أن ساق حديثٌ جابر وابن عباس الماضيين-: "وأحسن من هذا كله عند شيخنا: ما أخرجه الفاكهي، من رواية ابن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: لما حج معاوية فحججنا معه، فلما طاف بالبيت

" فذكره، وفيه أن معاوية أمر بدلو من زمزم، فشربه، ثم قال: ازمزم شفاء، وهي لما شرب له". قال السخاوي: "بل قال شيخنا: إنه حسن مع كونه موقوفًا. وأفرد فيه جزءًا".

قلت: ومما يشهد لمعناه: حديثٌ أبي ذر رضي الله عنه يرفعه: "إنها مباركة وهي طعام طعم، وشفاء سقم". واستشهد به ابن حجر للحديث المتقدم، وهو في (مسند الطيالسي)(459).

وقال الحافظ ابن حجر: "ومرتبة هذا الحديث: أنه باجتماع هذه الطرق يصلح للاحتجاج به" وانظر المقاصد الحسنة (ص 568).

وقال مرة: "غريب، حسن بشواهده". فيض القدير: (5/ 404).

ذكر من صححه:

1 -

صححه الحافظ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي. انظر: التّقييد والإيضاح (1/ 24).

2 -

ابن الملقن في "الخلاصة"(2/ 26): "حديث ماء زمزم لما شرب له ذكرته تبرعا وقد رواه أحمد وابن أبي شيبة وابن ماجه والبيهقي من رواية أبي الزبير عن جابر قال البيهقي تفرد به عبد الله بن المؤمل قلت لا بل توبع وعبد الله هذا سيء الحفظ ضعفوه قال العقيلي ولا يتابع عليه قلت بلى وقال أبو محمد المنذري هو حديثٌ حسنٌ وأعله ابن القطان بتدليس أبي الزبير عن جابر. قلت: قد صرح بالتحديث في رواية ابن ماجه وذكره الحافظ شرف الدين الدمياطي من حديثٌ جابر وليس فيه عبد الله هذا وقال إنه على رسم الصحيح ورواه الحاكم والدارقطني من رواية ابن عباس وقال صحيح الإسناد إن سلم من رواية =

ص: 1005

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الجارودي قلت سلم منه فإنه صدوق لكن الراوي عنه مجهول وروى ابن الجوزي في كتابه الأذكياء أن سفيان بن عيينة سئل عن حديث ماء زمزم لما شرب له فقال حديث صحيح".

3 -

ابن عيينة: حكاه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(45/ 308) أنبأنا أبو محمد بن الأكفاني عن أبي بكر الحداد أنا تمام بن محمد نا أبو الميمون بن راشد نا عمر بن علي الحلواني بدمشق قال سمعت ابن المقرئ يقول كنا عند ابن عيينة فجاءه رجل فقال يا أبا محمد ألستم تزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ماء زمزم لما شرب له قال نعم قال فإنِّي قد شربته لتحدثني بمائتي حديث قال اقعد فحدثه بها قال وسمعت ابن عيينة يقول قال عمر بن الخطاب اللهم إني أشربه لظمأ يوم القيامة.

قلت: عمر بن علي الحلواني حدث بدمشق عن محمد بن عبد الله بن يزيد بن المقرئ روى عنه أبو الميمون البجلي كذا ترجمه ابن عساكر فهو مجهول.

4 -

وابن خزيمة: ذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء"(14/ 256) قال الحاكم أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر سمعت ابن خزيمة وسئل من أين أوتيت العلم فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماء زمزم لما شرب له وإني لما شربت سألت الله علمًا نافعًا.

5 -

والعراقي في ذيل ميزان الاعتدال (1/ 188) في ترجمة محمد بن هشام بن علي المروذي روى عن محمد بن حبيب الجارودي عن ابن عيينة حديث ماء زمزم لما شرب له. قال ابن القطان: "لا يعرف". قلت: "كلام الحاكم يقتضي أنه عرفه بالثقة؛ فإنه قال عقب هذا الحديث: "هذا حديث صحيح الإسناد إن سلم من الجارودي، فدل أن بقية رواته ثقات عنده".

6 -

والمنذري في "الترغيب والترهيب"(2/ 136) قال: "وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماء

رواه الدارقطني والحاكم وقال صحيح الإسناد إن سلم من الجارود يعني محمد بن حبيب. =

ص: 1006

ومن حديثٌ عبد الله بن عمرو مرفوعًا، أخرجه البيهقي. وعن معاوية موقوفًا، أخرجه الفاكهي في "أخبار مكة"، وأخرجه الديلمي من حديثٌ

= قال الحافظ سلم منه فإنه صدوق قاله الخطيب البغدادي وغيره لكن الراوي عنه محمد بن هشام المروزي لا أعرفه".

7 -

قال الحافظ في "الفتح"(3/ 493): رجاله موثقون إلا أنه اختلف في إرساله ووصله، وأرساله أصح، وله شاهد من حديث جابر، وهو أشهر منه أخرجه الشافعي وابن ماجه ورجاله ثقات إلا عبد الله بن المؤمل المكي، فذكر العقيلي أنه تفرد به، لكن ورد من رواية غيره عند البيهقي من طريق إبراهيم بن طهمان، ومن طريق حمزة الزيات كلاهما عن أبي الزبير عن جابر، ووقع في "فوائد ابن المقري" من طريق سويد بن سعيد عن ابن المبارك عن ابن أبي الموالي عن ابن المنكدر عن جابر، وزعم الدمياطي أنه على رسم الصحيح وهو كما قال في حديث الرجال إلا أن سويدا وإن أخرج له مسلم فإنه خلط وطعنوا فيه، وقد شذ بإسناده والمحفوظ عن ابن المبارك عن ابن المؤمل.

وروي عن ابن عمر:

ذكره الحافظ في "اللسان"(1/ 186) في ترجمة: أحمد بن صالح الشمومي عن أبي صالح كاتب الليث قال ابن حبان يأتي عن الإثبات بالمعضلات انتهى وقال أيضًا ابن حبان يكنى أبا جعفر يجب مجانبة ما روى لتنكبه الطريق المستقيم في الرواية ولم يكن أصحاب الحديث يكتبون عنه ....

وقال: ومن مناكير الشمومي ما روى الحاكم في تاريخه حدثنا محمد بن صالح ثنا محمد بن إبراهيم يعني ابن مقاتل ثنا أحمد بن صالح الشمومي بمكة ثنا عبد الله عن نافع عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما رفعه قال ماء زمزم لما شرب له".

ص: 1007

صفية: "ماء زمزم شفاء من كل داء"، وسنده ضعيف جدًّا"

(1)

.

وقال السيوطي في "الفتاوى الحديثية": "حديث "ماء زمزم لما شرب له": أخرجه ابن ماجه من حديث جابر بإسنادٍ جيّدٍ، ورواه الخطيب في "تاريخ بغداد" بإسناد صحيح، وقد ألف الحافظ ابن حجر "جزءًا في حديث ماء زمزم"، وحاصل ما ذكره: أنه مختلف فيه؛ فضعفه جماعة وصححه آخرون، قال: والصَّواب أنه حسن بشواهده"

(2)

.

وذكر تلميذ الحافظ السيوطي شمس الدين العلقمي في شرحه على "الجامع الصغير": "قال شيخنا: هذا الحديث مشهور على الألسنة كثيرًا، واختلف الحفاظ فيه؛ فمنهم من صححه، ومنهم من حسنه، ومنهم من ضعفه، والمعتمد الأول، وجازف من قال: حديث "الباذنجان لما أكل له" أصح؛ فإن حديث "الباذنجان" موضوع كذب" انتهى.

وقد نقل بعض الفضلاء من تلامذة المصنّف -وهو مولانا جلال الدين القائني- في هذا المقام أنه قال المؤلف بعد قوله: "فصح الحديث والحمد لله": "وأما حديث "الباذنجان" فإنه من وضع الزنادقة؛ ليوقعوا

(1)

قال الحافظ ابن حجر: الديلمي في مسند الفردوس من طريق الحسن بن أبي جعفر، عَن محمد بن عبد الرحمن، عَن صفية عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال ماء زمزم شفاء من كل داء الحسن فيه ضعف وشيخه ما عرفته ولا أدري اسمع من صفية أم لا؟.

(الإصابة 13/ 548). وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (4407).

(2)

انظر: الحاوي للفتاوي (1/ 421). وجزء ابن حجر المشار إليه مطبوع بتحقيق كل من: الشيخ مسعد السعدني، والشيخ كيلاني محمد خليفة.

ص: 1008

الطعن في نبوة من لا ينطق عن الهوى، حيث كان الباذنجان أضر شيء، وقد نبّه على هذا ابن الجوزي في "موضوعاته"".

قلت: وقد أخرج ابن عساكر عن أبي رواد قال: "إلياس والخضر يصومان شهر رمضان في بيت المقدس، ويحجان في كل سنة، ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى مثلها من قابل"

(1)

.

(1)

أخرجه ابن عسكر في تاريخ دمشق (16/ 428) وانظر الإصابة (3/ 267).

ص: 1009

‌أدعية الجهاد

(وإن كان) أي: السفر (سفر غزاة، أو لقي العَدُوّ) ليست "أو" للشك بل للتنويع؛ لاختلاف الرواية، ولهذا كتب "مص" فوق الجملة الثانية.

(اللهم أنت عضدي) بفتح فضم، أي: قوتي أو ناصري ومعيني، وفي "القاموس": "العَضُدُ بالفتحِ وبالضَمِّ وبالكَسْرِ، وككَتِفٍ ونَدُسٍ وعُنُقٍ: ما بين المِرْفَقِ إلى الكَتِفِ، والناصِرُ، والمُعِينُ، وهم عَضُدِي وأعْضادِي.

(ونصيري) أي: "ناصري" كما في رواية، وهو عطف تفسيري على الثاني، وقيل:"العضد: كناية عما يشق به"، أي: أنت الذي أعتمد عليه، وأفوض أمري إليه.

وقال المؤلف: "أي: معيني واعتضادي بك، والعضد في الأصل: الساعد، وهو من المرفق إلى الكتف"

(1)

، قلت: الساعد هو الذراع، على ما في "القاموس".

(بك) أي: [بعونك]

(2)

وحولك (أحول) أي: أنصرف أو أتحرك وأجول، وفي رواية ابن أبي شيبة:"أحاول"، أي: أعالج الأعداء وأدافعهم، وهو للمبالغة أو المغالبة.

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ ب).

(2)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"بعزتك".

ص: 1010

(وبك أصول) من الصولة وهي الحملة، ومنه: الجمل الصائل، (وبك أقاتل. د، ت، س، حب، مص، عو) أي رواه: أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان وابن أبي شيبة عن أنس

(1)

، وأبو عوانة عن أبي مجلز

(2)

.

(رب بك أقاتل، وبك أصاول، ولا حول ولا قوة إلا بك. س) أي: رواه النسائي عن صهيب بن سنان الرومي

(3)

.

(اللهم أنت عضدي، وأنت ناصري، وبك أقاتل. عو) أي: رواه أبو عوانة عن أنس

(4)

.

(وإذا أرادوا) أي: الإمام والعسكر (لقاء العدو) أي: ملاقاة الكفار (انتظر الإمام حتى مالت الشَّمس) أي: زالت، إشارة إلى الفتح والنصرة؛ لأنه وقت هبوب رياح النصر ونشاط النفوس، وقالوا: سببه فضيلة أوقات الصلاة والدعاء عندها.

والوجه: الجمع بينهما؛ لما نص عليه في الحديث الآخر المخرج في

(1)

أخرجه أبو داود (2623)، والترمذي (3584)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (604). وإسناده صحيح.

(2)

أخرجه سعيد بن منصور في السنن (2522) وانظر إتحاف المهرة (1556) والمطالب العالية (2015) وقال: حديث أنس رضي الله عنه وهو عند الترمذي والنسائي أيضًا كلهم من رواية أبي سعيد عن قتادة عنه ورأيت في نسخة عن أبي مجلز عن أنس رضي الله عنه فعلى هذا لا يستدرك.

وقال البوصيري: هذا إسناد مرسل "إتحاف الخيرة المهرة"(4383).

(3)

أخرجه النسائي في السنن الكبرى (8579) وفي عمل اليوم والليلة (614).

(4)

أخرجه أبو عوانَّة (6564).

ص: 1011

البخاري من طريق النُّعمان بن مقرن قال: "شهدت القتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا لم يقاتل أول النهار [انتظر]

(1)

حتى تهب الأرواح وتحضر الصلاة

(2)

.

وفي رواية أبي داود: "حتى تزول الشَّمس، وتهب الرياح، وينزل النصر" - كذا ذكره ميرك

(3)

.

والظاهر أن التقدير: وحتى صلى الظهر؛ كما أشار إليه بقوله: (ثم قام، فقال) وفي نسخة: "ثم قال"(يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية) إنما نُهِيَ عن تمني لقاء العدو لما فيه من صورة العجب، والاتكال على النفس، والوثوق بالقوة.

وأيضًا هو يخالف الحزم والاحتياط، وأوَّله بعضُهُم النهي في صورة خاصة، وهي: إذا شك في المصلحة في القتال، فيمكن أن يحصل ضرر، وإلا فالقتال كله فضيلة وطاعة. والصحيح هو الأول، كما صرح به التوربشتي.

(فإذا لقيتموهم) أي: أعداءكم، والعدو يطلق على المفرد والجمع،

(1)

من "صحيح البخاري" فقط، وليست في جميع النسخ.

(2)

أخرجه البخاري (3159).

(3)

أخرجه أبو داود (2655)، والترمذي (1613) وإسناده صحيح وانظر نحوه في البخاري معلقا وموصولًا (3160) وقال الحافظ في "بلوغ المرام" (385): صححه الحاكم وأصله في البخاري.

ص: 1012

(فاصبروا) أي: على لقيهم، ولا تَجْبُنُوا عن حربهم، (واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) أي: حاصلة بها غازيًا أو شهيدًا، وقيل: هي كناية عن الدنو من الضرب والجهاد حتى يعلُوَهُ السيف، ويصير ظله عليه.

والظل: الفيء الحاصل من الحاجب بينك وبين الشَّمس أي شيء كان، وقيل:"هو مخصوص بما كان منه إلى زوال الشَّمس، وما كان بعده فهو الفيء"، كذا في "النهاية" للجزري.

قال التوربشتي: "معناه: ثواب الله، والسبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيف، ومشي المجاهدين في سبيل الله، فأحضروا بصدق النية وأثبتوا".

(ثم قال: اللهم منزل الكتاب) بالتخفيف ويجوز تشديده، والمراد بالكتاب: جنسه أو القرآن (ومجري السحاب) الواو هذه ليست في "نسخة الأصيل"، وموجودة في "نسخة جلال"، وفي البخاري بالواو، وهو الظاهر من قوله:(وهازم الأحزاب) بالعطف بلا خلاف، ثم هي الطوائف من الكفار، مفرده: حِزْب، بالكَسْرِ.

(اهزمهم) بكسر الزاي، أي: اغلبهم، والضمير راجع إلى الأعداء الموجودين حينئذ، (وانصرنا عليهم. خ، م، د) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، عن عبد الله بن أبي أوفى: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو- انتظر حتى مالت الشَّمس

"

ص: 1013

الحديث، كذا في "المشكاة"

(1)

.

(اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم) أي: زلزل أقدامهم، وثبت أقدامنا، وقيل: أزعجهم وحركهم بالشدائد. وفي "النهاية": "الزلزلة في الأصل الحركة العظيمة والإزعاج الشديد، ومنه: زلزلة الأرض، وهي كناية عن التخويف والتحذير، أي: اجعل أمرهم [مضطربًا]

(2)

متقلقلًا غير ثابت. (خ، م) أي رواه: البخاري، ومسلم، عنه أيضًا

(3)

.

(وإذا أشرف على بلدهم: الله أكبر)، وفي نسخة:"كبر"، ولفظ الحديث:"الله أكبر، الله أكبر"، (خَرِبَتْ) بكسر الراء، جملة خبرية مبنًى دعائية معنًى، (أي: البلدة التي قصدها) وفي "أصل الأصيل": "يسمي البلد"، انتهى. وفي بعض النسخ:"يسمي، أي: البلد"، ولفظ الحديث:"خربت خيبر".

(إنا إذا نزلنا بساحة قوم) أي: بفناء دارهم، (فساء صباح المنذرين) بصيغة المفعول من الإنذار، والمعنى: فبئس صباح المنذرين صباحهم،

(1)

أخرجه البخاري (1797)، ومسلم (1344)، وأبو داود (2770)، والنسائي في الكبرى (8773).

(2)

هذا هو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ:"مضطرًّا".

(3)

أخرجه البخاري (17979)، ومسلم (1344)، والترمذي (1678)، وابن ماجه (2796).

ص: 1014

واللام للجنس أو للعهد.

والصباح: مستعار من صباح الجيش المبيت لوقت نزول العذاب، ولما كثر فيهم الهجوم والغارة في الصباح سموا الغارة: صباحًا، وإن وقعت في وقت آخر.

(خ، م، ت، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم عن أنس

(1)

.

(ثلاث مرات. م) أي: رواه مسلم وحده عنه أيضًا.

(وإذا خاف قومًا: اللهم إنا نجعلك في نحورهم) بضمتين جمع نحر، وهو موضع القلادة من الصدر، وهو المنحر، يقال:"جعلت فلانًا في نحر العدو" أي: قبالته وحذاه ليقاتل عنك، ويحول بينك وبينه.

قيل: "وتخصيص النحر بالذكر؛ لأن العدو يستقبل بنحره عند المناهضة للقتال، أو للتفاؤل بنحرهم إلى قتلهم" والمعنى: نسألك أن تصدهم، وتدفع شرورهم، وتكفينا أمورهم، وتحول بيننا وبينهم.

وقيل المعنى: "نسألك أن تتولانا في الجهة التي يريدون أن يأتونا"، وقيل:"نجعلك في إزاء أعدائنا حتى تدفعهم عنا؛ فإنه لا حول ولا قوة لنا"

(2)

.

(ونعوذ بك من شرورهم) كالعطف التفسيري. (د، س، حب، مس)

(1)

أخرجه البخاري (2991)، ومسلم (1365). وأبو داود (2990) وابن ماجه (1908 و 1957 و 272) و "النسائي"(1/ 56 و 7/ 203).

(2)

ذكره العيني في شرح سنن أبي داود (5/ 448).

ص: 1015

أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، عن أبي موسى الأشعري

(1)

.

([فإن]

(2)

حصرهم عدو: اللهم استر عوراتنا) جمع عورة، وهي ما يستحيي منه إذا ظهر، (وآمن روعاتنا) جمع روعة، وهي مرة من الروع، بمعنى: الفزع والخوف. (ر، أ) أي رواه: البزار، وأحمد؛ كلاهما عن أبي سعيد الخدري

(3)

.

(فإن) وفي نسخة: "فإذا"، وفي "أصل الأصيل":"وإن"(أصابته جراحة) بكسر الجيم على "أصل الأصيل" وسائر الأصول، وصححه الجلال بالفتح، والظاهر أنه غير صحيح؛ ففي "الصحاح":"الجراح: جمع جراحة بالكسر" وفي "القاموس": "الجراح: بالكسر جمع جراحة".

(قال: باسم الله. س) أي رواه: النسائي عن جابر: "أن طلحة لما قطعت أصابعه يوم أحد قال: "حس". فقال صلى الله عليه وسلم: لو قلتَ: باسم الله، لرفعتك

(1)

أخرجه أبو داود (1537)، والنسائي في الكبرى (8631)(10437) وإسناده حسن، فيه قتادة وهو ابن دعامة مدلس وقد عنعن فنزل الحديث عن رتبة الصحيح، قال ابن علان في الفتوحات (4/ 15 - 17) قال الحافظ: ورجاله رجال الصحيح لكن قتادة مدلس ولم أره عنه إلا بالعنعنة أهـ.

وكذلك صححه النووي في الأذكار. وانظر: الأمالي المطلقة (ص 127).

(2)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ) و (م):"فإذا".

(3)

أخرجه أحمد (3/ 3) والبزار في "مسنده"(3119 - كشف الأستار) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2018).

ص: 1016

الملائكة والناس ينظرون". رواه النسائي، ورجال إسناده رجال الصحيح

(1)

.

(فإذا انهزم العدو سَوَّى الإمامُ الجيشَ صفوفًا) أي: ثلاثة أو أكثر، (خلفه) أي: وراءه؛ لِيُؤَمِّنُوا على دعائه.

(ثم قال: اللهم لك الحمد كله) أي: بجميع أفراده، (لا قابض لما بسطت) أي: لا مضيق لما وسعت، (ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت) أي: أردت إضلاله، (ولا مضل لمن هديت) أي: أوصلته إلى كماله، (ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أنطيت) أي: "أعطيت" كما في رواية النسائي، و "الإنطاء" -بلغة أهل اليمن-: هو الإعطاء على ما في "الصحاح" و "النهاية"

(2)

.

(ولا مقرب لما باعدت) أي: بعدت، والمفاعلة للمبالغة، (ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط) بضم السين، أي: وسع أو عمم، (علينا من بركاتك، ورحمتك، وفضلك، ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم) أي: الدائم، (الذي لا يحول) أي: لا يتحول ولا يتغير (ولا يزول) أي: لا يفنى ولا ينفد.

(اللهم إني أسألك الأمن يوم الخوف) المراد به: جنسه، أو يوم القيامة، يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها.

(اللهم عائذ) خبر مبتدإٍ محذوف، أي: أنا عائذ، وفي نسخة: "إني

(1)

أخرجه النسائي (6/ 29) والطبراني في الأوسط (8704) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2171).

(2)

الصحاح (6/ 2512) والنهاية (5/ 76).

ص: 1017

عائذ" (من شر ما أعطيتنا) أي: من الجاه والمال، وسائر النعم الدنيوية، التي تورث البطر والطغيان، والغفلة والعصيان، وسائر ما يضر في الأمور الدينية، (ومن شر ما منعتنا) أي: مما يورث فقده الحزن والهم، المانع من الأمر المهم.

(اللهم حبب إلينا الإيمان) أي: ليورث الثبات والإيقان، (وزينه في قلوبنا) أي: ليحسن به أحوالنا الباطنة، ويسري إلى أفعالنا الظاهرة، (وكره إلينا الكفر) أي: الشرك والكفران، (والفسوق) أي: الخروج عن الطاعة بترك العبادة، (والعصيان) أي: بارتكاب المعاصي في كل زمان ومكان.

(واجعلنا من الراشدين) أي: المهتدين، وهو مقتبس من قوله تعالى:{وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ} [الحجرات: 7 - 8] أي: بأحوال عباده، {حَكِيمٌ} أي: يضع الأشياء في مواضعها على وفق مراده.

(اللهم توفنا مسلمين) أي: منقادين مخلصين، (وألحقنا بالصالحين) أي: من الأنبياء والمرسلين والعلماء العاملين، (غير خزايا) جمع: خزيان، وهو المستحي أو الذليل المهين، (ولا مفتونين) أي: واقعين في الفتنة الدينية، والبلية الأخروية، أو ولا معذبين و "لا" زائدة لتأكيد النفي

ص: 1018

كما في {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} ، والرواية هنا بنصب "غير" على أنه حال من ضمير المتكلم مع الغير.

قال ميرك: "فإن قلتَ: "غير" بالإضافة يصير معرفة

(1)

، فكيف يكون حالًا؟ قلتُ: شرط تعريفه أن يكون المضاف إليه معرفة، وهنا ليس كذلك. ويجوز أن يكون مجرورًا؛ على أنه صفة للصالحين. فإن قلتَ: هو نكرة فكيف وقعت صفة للمعرفة؟ قلتُ: المعرف بلام الجنس قرب المسافة بينه وبين النكرة فحكمه حكم النكرة؛ إذ لا تعيين ولا توقيت فيه.

(اللهم قاتلِ الكفرة) أمر من المقاتلة، (الذين يكذبون رسلك، ويصدون) أي: يمنعون الناس، أو يعرضون بأنفسهم (عن سبيلك) ففي "الصحاح": "صد عن الأمر

(2)

صدّا، وصد عنه صدودًا إذا أعرض"، وفي "النهاية": "الصد: الصرف والمنع، يقال: صده وأصده وصد عنه".

(واجعل عليهم رجزك) أي: عذابك، وهو بكسر الراء ويجوز ضمها، وبهما قُرِئَ:{وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5]، وفي "المغرب":"الرجز: العذاب المقلق، وبه سمي الطاعون رجزًا"؛ فقوله: (وعذابك) تفسير أو تعميم.

(إله الحق) أي: يا إله الحق، والإضافة بيانية، (آمين) سبق بيان مبناه، وعيان معناه. (س، حب، مس) أي رواه: النسائي، وابن حبان،

(1)

بعدها في (ب) زيادة: "وهنا ليس كذلك".

(2)

بعدها في (أ) و (ج) زيادة: "صرفه"، وفي (د):"وصرفه"، والصَّواب كما في "الصحاح":"صده عن الأمر صدًّا: منعه وصرفه عنه".

ص: 1019

والحاكم، عن رفاعة بن رافع الزرقي

(1)

.

(وَيُعَلِّم) أي: يلقن الإمام أو كل واحد من أهل الإسلام، أو التقدير: وكان عليه السلام يعلم، (من أسلم) أي: دخل في الإسلام: (اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني. عو) أي: رواه أبو عوانة عن طارق بن الأشيم، وزاد في "المشكاة" بعد قوله "واهدني":"وعافني"، وقال: رواه مسلم

(2)

.

(فإذا رجع من سفره يكبِّر على كل شرف) بفتحتين، أي: موضعٍ عَالٍ مشرفٍ، (من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون) من الأوبة وهي الرجوع من الغفلة، ومنه: الأواب، وهو خبر مبتدإٍ محذوف، أي: نحن آيبون، (تائبون) من التوبة، وهي: الرجوع من المعصية، (عابدون) أي: قائمون بالعبادة، (ساجدون) كذا في غير رواية الترمذي، وفي رواية بدله:(سائحون) جمع سائح، وهو صائم على ما في "المهذب"،

(1)

أخرجه أحمد (3/ 424) والبزار (3724). والنسائي في الكبرى (10445)، والطبراني في المعجم الكبير (4549)، والحاكم (3/ 23 - 24) وقال: صحيح على شرط الشيخين.

وتعقبه الذهبي في التلخيص: الشيخان لم يخرجا لعبيد، وهو ثقة، والحديث مع نظافة إسناده منكر، أخاف أن يكون موضوعًا.

(2)

أخرجه مسلم (2697)(36)، وابن ماجه (3845).

ص: 1020

أو سائرون في سبيل الله على ما في "الصحاح": "ساح الماء يسيح سيحًا إذا جرى على وجه الأرض".

وقال البيضاوي في قوله تعالى: {الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ} [التوبة: 112]: "أي: الصائمون؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "سياحة أمتي الصوم"

(1)

، شبه بها من حيث أنها تعوق عن.

ولا خيرها، والآخرة خير وأبقى، والعقبة للتقوى. (طس) أي رواه: الطبراني

(2)

في الشهوات، أو لأنه رياضة نفسانية يتوصل بها إلى الاطلاع على خفايا الملك والملكوت، والسائحون للجهاد أو لطلب العلم".

وفي تفسير "الحقائق" للسلمي: "السائح الذي يسيح في طلب الأولياء".

(لربنا) يحتمل تعلقه بما قبله، وما بعده وهو قوله:(حامدون) أي: لنعمائه أو لما أصابهم من السراء والضراء (صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. خ، م، د، ت، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي؛ كلهم عن ابن عمر

(3)

.

(فإذا أشرف على بلده: آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون. ولا يزال

(1)

قال المناوي لم أقف عليه (الفتح السماوي 593).

(2)

أخرجه الطبراني في الأوسط (1551).

(3)

أخرجه البخاري (1797)، ومسلم (1344)، وأبو داود (2770)، والنسائي في الكبرى (8773).

ص: 1021

يقولها) أي: الكلمات من حين أشرف، (حتى يدخل بلده. خ، م، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، والنسائي، عن أنس

(1)

.

(وإذا دخل على أهله قال) أي: تنبيهًا لنفسه، وترغيبًا لأهله، (توبًا توبًا). قال النووي:"هو سؤال للتوبة، وهو منصوب إما على تقدير: تب علينا توبًا، وإما على تقدير: نسألك توبًا"، (لربنا أوبًا) أي: رجوعًا وإيابًا كما كان لربنا ذهابًا.

قال المصنّف: "التوب هو التوبة، وقال الأخفش: "هو جمع توبة، مثل: عومة وعوم، وهو: الرجوع من الذنب"، والمراد هنا: الرجوع من السفر تائبا، وكذا قوله: "أوبًا أوبًا" أي: راجعًا من سفري مكررًا، وهو صفة مصدر محذوف، أي: أتوب توبًا وأءوب أوبًا، وهو بمعنى الدعاء كأنه يقول: اللهم أتوب [آئبًا]

(2)

"، انتهى.

وهو غريب منه؛ فإنه مع جلالته في العلوم النقلية غفل هنا عن القواعد العربية، حتى تعقبه الحنفي بالكلام الوفي، وقال:"وفيه بحث؛ لأن كلا مِنْ "توبًا" و "أوبًا" مفعول مطلق لفعل محذوف، لا صفة لمصدر محذوف، كما يدل عليه قوله: "أي أتوب توبًا، وأءوب أوبًا"، فالحق أن يقول: وهو مفعول مطلق لفعل محذوف كما لا يخفى على المنصف، وأيضًا قوله: "كأنه يقول: اللهم أتوب آئبا" ليس على ما ينبغي، والأَوْلَى

(1)

أخرجه البخاري (1797)، ومسلم (1344)، وأبو داود (2770)، والنسائي في الكبرى (8773).

(2)

في "مفتاح الحصن الحصين": "إليك".

ص: 1022

أن يقول: اللهم تب علينا توبًا"، انتهى.

ويمكن أن يقال: إن مراده أن التقدير أي: [أرجع]

(1)

رجوعًا مقرونًا بالتوب، كما يدل عليه قوله:"والمراد هنا الرجوع من السفر تائبا"، ثم الظاهر أن مراده بكونه من الدعاء أنه ليس مخاطبًا به أهله، بل ينادي ربه. ولهذا قال:"اللهم أتوب آئبًا"، والله أعلم.

(لا يغادر علينا حوبًا) بفتح الحاء في أكثر النسخ، وهو المناسب لما قبله لفظًا، فهو المختار للمشاكلة، وفي نسخة بضمها، ومنه قوله تعالى:{إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2] أي: ذنبًا عظيمًا، وقرئ {حُوبًا} بالفتح، وهو مصدر حاب حوبًا [وحابا]

(2)

كقال قولًا وقالًا، كذا ذكره البيضاوي.

وفي "القاموس"

(3)

: "الحاب والحوب ويضم: الإثم، وحاب بكذا: أثم حوبًا ويضم، والحوب: الحزن والوحشة -ويضم فيهما- والجهد والمسكنة والوجع.

وقال المؤلف: "أي: لا يترك علينا ذنبًا ولا إثمًا، والحوب: بفتح الحاء وضمها، وقيل: الفتح لغة الحجاز، والضم لغة تميم"

(4)

.

(1)

كذا في (ب) و (د)، وفي (أ):"رجع" وفي (ج): "أراجع".

(2)

من (أ) و (د) فقط.

(3)

القاموس المحيط (ص 77).

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ ب).

ص: 1023

(أ، ط، ي) أي رواه: أحمد، والطبراني، وابن السني، عن ابن عباس

(1)

.

(أوبًا أوبًا لربنا توبًا، لا يغادر علينا حوبًا. ر، ص) أي رواه: البزار، وأبو يعلى، عنه بهذا اللفظ

(2)

(1)

أخرجه أحمد (1/ 256) وأبو يعلى (2353)، وابن حبان (2716)، والطبراني في "الكبير"(11735)، وفي "الدعاء"(809)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"(531). قال الحافظ ابن حجر في "تخريح الأذكار" حديث حسن فيما نقله عنه ابن علان في "الفتوحات الربانية"(5/ 172).

(2)

أخرجه أحمد (1/ 299)، وابن أبي شيبة (30228 - 34314)، والطبراني في "معجمه الكبير"(11/ 280) رقم (11735)، وفي "الدعاء"(844 و 852)، وابن حبان (2716)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات"(583)، وأبو يعلى (2349)، والبيهقي في السنن الكبرى (5/ 250)، ورواه البزار كما في كشف الأستار (3127)، والطبراني في الأوسط (1551). من طرق عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس به. وتختلف ألفاظه عنده وعند بعضهم زيادة، وعند بعضهم طرف منه.

قلت: وراية سماك، وعن عكرمة مضطربة، ومع ذلك فقد حسنه ابن حجر كما في شرح الأذكار 5:172. وقال الذهبي في السير (5: 248) فسماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس: نسخة عدة أحاديث، فلا هي على شرط مسلم؛ لإعراضه عن عكرمة، ولا هي على شرط البخاري؛ لإعراضه عن سماك، ولا ينبغي أن تعد صحيحة؛ لأن سماكا إنما تكلم فيه من أجلها.

ص: 1024

‌فيما يهم من عوارض وآفات في الحياة إلى الممات

(ومن نزل به غم أو كرب) الكرب: الغم الذي يأخذ بالنفس، كذا في "الصحاح"، وقيل:"الكرب أشد الغم"

(1)

، ذكره الواحدي. وقال العسقلاني:"الكَرْبُ -بِفَتْحِ الكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، بَعْدَهَا مُوَحّدة-: هو ما يدهم الأمر مما يأخذ بنفسه فيغمه ويحزنه" ذكره ميرك.

(أو أمر مهم) في "الصحاح": "الهم: الحزن والجمع الهموم، وأهمني الأمر: إذا أقلقك وأحزنك. يقال: هَمُّكَ مَا أَهَمَّكَ. وَالمُهم: الأَمْرُ الشَّدِيدِ"، انتهى. و "أو" للتنويع لا للشك والترديد.

(فليقل) أي: في جميع ما ذكر، (لا إله إلا الله العظيم) أي: ذاتًا وصفةً، (الحليم) أي: من لا يعجل عقوبة، (لا إله إلا الله رب العرش العظيم) بالجر، وفي نسخة صحيحة بالرفع وسيأتي بيانهما، (لا إله إلا الله رب السماوات والأرض) وفي نسخة:"ورب الأرض"، (رب العرش) وفي نسخة:"ورب العرش"، (الكريم) بالجر أو الرفع.

قال العسقلاني: "نقل ابن التين عن الداودي أنه رواه برفع "العظيم"، وكذا برفع "الكريم"، على أنَّهما نعتان للرب، والذي ثبت في رواية الجمهور على أنَّهما نعتان للعرش، وكذلك قرأة الجمهور في قوله تعالى:{رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 129]، و {رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون: 116] بالجر،

(1)

الصحاح (1/ 221).

ص: 1025

وقرأ ابن محيصن بالرفع فيهما، وجاء ذلك أيضًا عن ابن كثير، وأبي جعفر المدني، وأعرب بوجهين:

أحدهما: ما تقدم. والثاني: أن يكون مع الرفع نعتًا للعرش على أنه خبر مبتدإٍ محذوف قطع عما قبله للمدح، ورجح لحصول توافق الروايتين.

ورجح أبو بكر الأصم الأول؛ لأن وصف الرب بالعظيم أولى من وصف العرش، وفيه نظر؛ لأن وصف ما يضاف للعظيم بالعظيم أقوى في تعظيم العظيم، وقد نعت الهدهد عرش بلقيس بأنه عرش عظيم، ولم ينكر عليه سليمان.

(خ، م، ت، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن ابن عباس أيضًا

(1)

.

(لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض، رب العرش) وفي نسخة: "ورب العرش"، (الكريم. خ) أي: رواه البخاري عنه أيضًا، وفي نسخة [زيادة]

(2)

رمز الترمذي.

(لا إله إلا الله الحليم العظيم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، ثم يدعو بعد ذلك. عو) أي: رواه أبو عوانة عنه أيضًا

(3)

.

(1)

أخرجه البخاري (6345)، ومسلم (2730)، والترمذي (3435)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (352)، وابن ماجه (3883).

(2)

كذا في (ب) و (ج) و (د)، وفي (أ):"بزيادة".

(3)

أخرجه البخاري (6345)، ومسلم (2730)، والترمذي (3435)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (352)، وابن ماجه (3883).

ص: 1026

(لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله وتبارك الله رب العرش العظيم. مص، س، حب، مس) أي رواه: ابن أبي شيبة عن ابن عباس

(1)

، والنسائي وابن حبان والحاكم عن علي رضي الله عنه.

(والحمد لله رب العالمين. س، حب، مس) أي رواه: النسائي، وابن حبان، والحاكم، عن عليِّ هذه الزيادة

(2)

.

(لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب السموات السبع، ورب العرش العظيم) وفي نسخة: "ربُّ" بالرفع في الموضعين؛ على أنه خبر لمبتدإٍ محذوف هو: "هو"، (الحمد لله رب العالمين) بالجر، ويجوز نصبه ورفعه.

(اللهم إني أعوذ بك من شر عبادك. صحيح السند لابن أبي عاصم في كتابه "الدعاء") وفي نسخة: "في "كتاب الدعاء""، من حديث علي أيضًا

(3)

.

وفي "رياض النضرة" عن علي رضي الله عنه، قال:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن غفر الله لك مع أنك مغفور لك؟ لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين"، أخرجه: أحمد،

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(29765).

(2)

أخرجه الترمذي (3504)، والنسائي في الكبرى (5/ 114)، وفي عمل اليوم والليلة (640)، وانظر فضائل الصحابة (2/ 616 رقم 1053)، والخطيب في تاريخه (9/ 356)، والطبراني في الكبير (5/ 192) رقم (5060)، وانظر قول الهيثمي في المجمع (10/ 180)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2621).

(3)

أخرجه الطبراني في الدعاء (1018).

ص: 1027

والنسائي، وأبو حاتم

(1)

.

(1)

أخرجه أحمد في "المسند"(1/ 158)، وفي "الفضائل"(1216)، والنسائي في "اليوم والليلة"(637"، وفي "الخصائص" (28 و 29)، وابن أبي عاصم (1314)، والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"(942)، والشجري في "الأمالي الخميسية" (1/ 302):(1051) من طريق إسرائيل. والدارقطني في "العلل"(4/ 9 - 10) من طريق سفيان الثوري. كلاهما عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي، ولم يقل الثوري في حديثه:"مع أنه مغفور لك".

وأخرجه النسائي في "اليوم والليلة"(636)، وفي "الخصائص"(27) من طريق أحمد بن خالد، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي قال: كلمات الفرج: لا إله إلا الله

فذكره موقوفًا عليه.

وأخرجه الترمذي (3504)، والنسائي في "اليوم والليلة"(640)، وفي "الخصائص"(30)، والقطيعي في "زوائده على الفضائل"(1053)، والطبراني في "الصغير"(763) من طريق الحسين بن واقد، عن أبي إسحاق، عن الحارث بن الأعور، عن علي. وفيه:"وإن كنت مغفورًا لك".

وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي.

وقال النسائي في "الخصائص": أبو إسحاق لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث ليس هذا منها وإنما أخرجناه لمخالفة الحسين بن واقد لإسرائيل ولعلي بن صالح والحارث بن الأعور ليس بذاك في الحديث.

وقال الدارقطني في "العلل"(4/ 9) رقم (407): وحديث هارون بن عنترة، وحديث الحسين بن واقد جميعًا وهم. وله طرق عدة عن علي:

1 -

عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي، قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن غفر لك، مع أنه مغفور لك: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب السماوات =

ص: 1028

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= السبع، ورب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين".

أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(29967)، وعنه: عبد بن حميد (74)، وكذا ابن أبي عاصم (1316)، وأحمد (2/ 119)، والنسائي في "الكبرى"(7631)، و "عمل اليوم والليلة"(638)، و "خصائص علي"(25) من طريق أبي أحمد محمد بن عبد الله الزبيري.

وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده" -كما في "إتحاف الخيرة المهرة"- (6/ 431) -، وابن أبي عاصم (1315)، والبزار (705)، والنسائي في "الكبرى"(8356، 8357)، وفي "الخصائص"(26)، وابن حبان (6928) والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"(941)، وابن المقرئ في "معجمه"(662) والطبراني في "الصغير"(350)، والدارقطني في "العلل"(4/ 10) رقم (407)، والضياء في "الأحاديث المختارة"(2/ 219/ 602) من طرق عن علي بن صالح به.

وأخرجه ابن أبي عاصم (1317)، والآجري في "الشريعة"(1560) من طريق نصير بن أبي الأشعث.

والنسائي في "اليوم والليلة"(639) من طريق يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق. والخطيب في "تاريخ بغداد"(9/ 356) من طريق عبد الله بن علي الإفريقي. والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"(943) حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي قال: حدثنا شريح بن مسلمة التنوخي عن أبيه.

كلهم عن أبي إسحاق، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة.

ورواه حبيب بن حبيب، أخو حمزة الزيات، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عمرو بن ذي مر وزيد بن أرقم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يا علي، ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل عدد الذر ذنوبا لغفرت لك مع أنه مغفور لك؟ قل الله لا إله إلا أنت الحكيم الكريم تباركت سبحانك رب العرش العظيم".

أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"(5/ 192) رقم (5060)، وقال الهيثمي (10/ 180): وفيه حبيب بن حبيب أخو حمزة الزيات، وهو ضعيف. =

ص: 1029

وأخرجه ابن الضحاك وزاد بعد "الحمد لله رب العالمين": "اللهم اغفر

= ورواه عن علي جماعة:

1 -

عن أبي معاوية البجلي، عن أبي الصهباء، عن علي بن أبي طالب عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ألا أعلمك كلمات تقولها، لو كانت عليك من الذنوب كذر النمل لغفرها الله لك، مع أنه مغفور لك تقول: اللهم عملت سوءًا، وظلمت نفسي فأغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت".

أخرجه الحسن الخلال في "المجالس العشرة الأمالي"(76) ثنا أبو القاسم عبيد الله بن أحمد المقرئ، ثنا عبد الله بن محمد بن زياد، ثنا يونس بن عبد الأعلى، ثنا عبد الله بن وهب، أنبأ سعيد بن أبي أيوب، عن أبي صخرة، عن أبي معاوية البجلي، عن أبي الصهباء، عن علي بن أبي طالب.

3 -

عن عبد الله بن جعفر، عن علي بن أبي طالب، قال: لقنني رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الكلمات، وأمرني إن نزل بي كرب، أو شدة، أن أقولهن: لا إله إلا الله الكريم الحليم، سبحانه وتبارك الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين.

رواه الحاكم في (1/ 689) عن طريق سعيد بن منصور، ثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن محمد بن عجلان، عن محمد بن كعب، عن عبد الله بن شداد، عن عبد الله بن جعفر، عن علي رضي الله عنهم، قال: لقنني رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الكلمات إذا نزل بي شدة، أو كرب أن أقولهن:"لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحانه وتعالى، تبارك الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين" قال: "فكان عبد الله بن جعفر يلقنها الميت، وينفث بها على الموعوك"

وقال: قد أخرج البخاري ومسلم هذا الحديث مختصرًا من حديث قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس رضي الله عنهما.

وأخرجه أحمد بن منيع، والحارث في "مسنده"- كما في "إتحاف الخيرة المهرة"- (6/ 431)، وأحمد (1/ 91)، (1/ 94).

ص: 1030

لي، اللهم ارحمني، اللهم اعف عني؛ إنك غفور رحيم، أو: عفو غفور"".

(حسبنا الله) أي: كافينا، (ونعم الوكيل) أي: الموكول إليه أمرنا. (خ، ت، س) أي رواه: البخاري، والترمذي، والنسائي، عن ابن عباس

(1)

.

(حسبي الله ونعم الوكيل) أي: هو. (خ) أي: روه البخاري عنه أيضًا بهذا اللفظ

(2)

، قال ميرك:"عن ابن عباس، قال: "حسبنا لله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ

} [آل عمران: 173] الآية" رواه البخاري والنسائي، وفي رواية البخاري أيضًا، قال: "آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل"، هكذا أورده صاحب "السلاح"، والظاهر: أنه موقوف خلاف ما أورده الشيخ قدس سره".

قلت: وكأنه لما رأى أن الحديث في حكم المرفوع سكت عليه، أو اعتمادًا على أنه مرفوع في بعض طرقه؛ ففي "الجامع":"حسبي الله ونعم الوكيل أمان لكل خائف"، رواه الديلمي في "الفردوس" عن شداد بن أوس مرفوعًا

(3)

.

(الله، الله) صحح بالسكون في [النسخة]

(4)

الأصلية على الوقف، أو على سبيل التعداد، كذا ذكره الحنفي، ولا يخفى أن التعداد [يتطلب]

(5)

المغايرة

(1)

البخاري (4563) والنسائي في الكبرى (11081) وفي "عمل اليوم والليلة"(603).

(2)

أخرجه البخاري (4563).

(3)

أخرجه الديلمي في الفردوس (2688) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (2713).

(4)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"النسخ".

(5)

هذا هو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ:"يطلب".

ص: 1031

حقيقةً كـ "زْيد عَمْرو" وَ"أَلِفْ بَاءْ"، أوْ مُقَدَّرَة كقولهم:"باب باب".

وفي أصل "الجلال" وكثيرٍ من الأصول المعتمدة: "الله الله" بالرفع فيهما؛ على أن الأول مبتدأ، والثاني تأكيد، وخبره قوله:(ربي) أو هو عطف بيان، والخبر:(لا أشرك به شيئًا) وتبين بهذا التقرير أن قول الحنفي: الرواية بالسكون، وقع من غير تحرير.

(د، س، ق، مص، طس) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، والطبراني في "الأوسط"

(1)

، عن أسماء بنت عميس، قالت: "قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أعلمك كلمات تقوليهن عند الكريب، أو في الكريب: الله

"، إلى آخره.

(الله) هنا بالرفع بلا خلاف، (ربي لا أشرك به شيئًا، ثلاث مراتٍ. طب) أي رواه: الطبراني في كتاب "الدعاء"

(2)

له عن أسماء أيضًا، وزاد فيه:"وكان ذلك آخر كلام عمر بن عبد العزيز عند الموت".

(الله، الله) بالوجهين، (ربي لا أشرك به شيئًا، الله، الله ربي لا أشرك به شيئًا. حب) أي: رواه ابن حبان

(3)

عن عائشة بلفظ: "إذا أصاب أحدكم غم أو كرب فليقل: الله

" إلى آخره.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة (29766)، وأحمد (6/ 369)، وأبو داود (1525)، وابن ماجه (3882) والطبراني في "الكبير" 24/ (363)، وفي "الأوسط"(6115)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (2623).

(2)

"الدعاء"(1027).

(3)

أخرجه ابن حبان (864).

ص: 1032

(توكلت على الحي الذي لا يموت) فيه عمل بقوله تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [الفرقان: 58]، وإيماء إلى أن الذي يموت لا ينبغي أن يتوكل عليه.

(و {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا}) أي: كما قالت اليهود: "عزير ابن الله"، وقالت النصارى:"المسيح ابن الله"، وقالت كفار مكة:"الملائكة بنات الله"، ({وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ}) أي: في الألوهية، كما قالت النصارى والمشركون، فإنهم أثبتوا الربوبية للمسيح والأصنام.

({وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ}) أي: ناصر ({مِنَ الذُّلِّ}) أي: ولي يواليه من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته، فإنه لا يحوم الذل حول عزته فيحتاج إلى ولي يتعزز به، وعن القرطبي:"إن الصابئين والمجوس يقولون: لولا أولياء الله لذل، سبحانه عز وجل"، ذكره ميرك.

({وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111]) أي: وعظمه تعظيمًا، فهو تعظيم وتكميل وتتميم، فهو سبحانه أثبت لنفسه الأقدس وذاته الأنفس الأسماء الحسنى والصفات العلى بقوله في الآية الأولى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ

} [الإسراء: 110] الآية، ونزه نفسه عن النقائص في هذه الآية؛ فالجملة كمضمون سورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} الدّالة على الإخلاص المفيد للتوحيد، المقتضي للاختصاص الموجب للنجاة والخلاص.

(مس) أي: رواه الحاكم عن أبي هريرة مرفوعًا

(1)

، ولفظه: "ما كَرَبَنِي

(1)

أخرجه الحاكم (1/ 509) وقال: صحيح الإسناد. =

ص: 1033

أمر إلا مَثُل لي جبريل، فقال: قل: توكلت

" إلى آخره.

(اللهم رحمتك) أي: الخاصة، (أرجو) أي: أرجوها، ولا أرجو غيرها، (فلا تكلني) أي: لا تدعني ولا تتركني، (إلى نفسي) أي: اختيارها فضلًا عن غيرها (طرفة عين) أي: "ولا أقل من ذلك" كما في رواية: "فإنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضعف، وعورة وذنب، وخطيئة"، (وأصلح لي شأني) بسكون الهمزة، ويجوز إبداله، أي: أمري (كله)، أي: جميع أفراده؛ فإني عاجز عن إصلاحه. قال المصنّف: "الشأن: الأمر والحال والخطب"

(1)

.

(د، حب، ط، مص) أي رواه: أبو داود، وابن حبان، والطبراني، وابن أبي شيبة، عن أبي بكرة الثقفي

(2)

، ولفظه:"دعوات المكروب هذا".

(لا إله إلا أنت. د، حب، مص، ي) أي رواه: أبو داود، وابن حبان، وابن أبي شيبة، وابن السني، عنه أيضًا هذه الزيادة، وفيه: أن رمز [ابن]

(3)

السني ما

= قال المنذري في "الترغيب والترهيب"(2/ 385): رواه الطبراني والحاكم وقال صحيح الإسناد.

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ ب).

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة (29154)، وأحمد (5/ 42)، والبخاري في الأدب (701)، وأبو داود (5090)، وابن حبان (970)، والطبراني في الدعاء (1032) وانظر فتح الباري (11/ 148)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (3388).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"(10/ 137) وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن. وحسنه الحافظ في "أمالي الأذكار" فيما نقله عنه ابن علان (4/ 8).

(3)

زيادة يقتضيها السياق.

ص: 1034

سبق، ولعله روى هذا القدر، كما أن الطبراني لم يرو إلا الأول، فتأمل.

(يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث) أي: "ومن عذابك أستجير" كما في رواية. (مس، ي) أي رواه: الحاكم، وابن السني؛ كلاهما عن ابن مسعود

(1)

، وفي بعض النسخ المصحَّحَة:"عن أنس"

(2)

، ولفظه:"إذا حزبه أمر كان يقوله".

(ويكرر وهو ساجد: يا حي يا قيوم. س، مس) أي رواه: النسائي، والحاكم، كلاهما عن علي، وقد سبق عنه أنه كان في قضية بدر

(3)

.

({لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ}) أي: أنزهك عن أن يعجزك شيء، ({إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87]) أي: لنفسي في المبادرة إلى

(1)

أخرجه ابن أبي الدنيا في "الفرج بعد الشدة"(50)، والحاكم (1/ 509) والبيهقي في "الأسماء والصفات"(215)، وفي "الشعب" (10231) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.

(2)

أخرجه النسائي في "الكبرى"(10405)، وفي "عمل اليوم والليلة"(570) والحاكم (1/ 730).

(3)

أخرجه النسائي في "الكبرى"(10447)، وأبو يعلى (530) والبزار (611 - 612) والحاكم (1/ 222).

قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد.

وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وليس في إسناده مذكور بجرح.

وقال الهيثمي في المجمع (4/ 409) رواه البزار وإسناده حسن ورواه أبو يعلى.

ص: 1035

التقصير. (ي) أي: رواه ابن السني عن سعد بن أبي وقاص

(1)

(لم يدعُ بها رجل مسلم) أي: ربه (في شيء) من الحاجات أو دفع البَلِيّات (قط إلا استجاب الله له)، وفي رواية:"ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له"، وهو مستنبط من قوله تعالى ليونس عليه السلام:{فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 88].

(ت، س، مس، أ، ر، ص) أي رواه: الترمذي والنسائي والحاكم عن سعد بن أبي وقاص

(2)

، وأحمد والبزار وأبو يعلى عن عثمان بن عفان

(3)

.

(1)

أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (343).

(2)

أخرجه الترمذي (3505)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة"(656) وأخرجه الحاكم (1/ 505)، وقال: صحيح الإسناد.

(3)

قوله يوهم أنه من رواية عثمان ولي فهو عند أحمد بلفظ: عن سعد، قال: مررت بعثمان بن عفان في المسجد فسلمت عليه، فملأ عينيه مني ثم لم يرد علي السلام، فأتيت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فقلت: يا أمير المؤمنين، هل حدث في الإسلام شيء؟ مرتين قال: لا. وما ذاك؟ قال: قلت: لا. إلا أني مررت بعثمان آنفًا في المسجد، فسلمت عليه فملأ عينيه مني، ثم لم يرد علي السلام. قال: فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه، فقال: ما منعك أن لا تكون رددت على أخيك السلام؟ قال عثمان: ما فعلت قال سعد: قلت: بلى. قال: حتى حلف وحلفت، قال: ثم إن عثمان ذكر، فقال: بلى، وأستغفر الله وأتوب إليه إنك مررت بي آنفًا، وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشى بصري وقلبي غشاوة، قال: قال سعد: فأنا أنبئك بها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لنا أول دعوة، ثم جاء أعرابي فشغله حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فاتبعته فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله، ضربت بقدمي =

ص: 1036

(وما قال عبد أصابه هم أو حُزْن) بضم فسكون، ويجوز فتحهما (اللهم إني عبدك، وابن عبدك، ابن أمتك) وفي نسخة: بالعطف، أي: وابن جاريتك ومملوكتك.

(ناصيتي بيدك) كناية عن كمال قدرته، وإشارة إلى إحاطته على وفق إرادته (ماض) أي: نافذ (فيّ) بتشديد الياء، أي: في حق حكمك؛ إيماءً إلى أنه لا مانع لفعله ولا راد لحكمه، أو المعنى: سابق في شأني حكمك الأزلي، ولا تبديل ولا تحويل لأمرك، (عدل) أي: لا جور ولا ظلم، (فيّ) أي: في أمري، (قضاؤك) أي: تقديرك.

(أسألك بكلِّ اسم هو لك) أي: ثابت (سميت به نفسك) وهو أعم من قوله: (أو أنزلته في كتابك) أي: القرآن وغيره، (أو علمته أحدًا من خلقك) من الأنبياء والملائكة والأولياء وغيرهم.

(أو استأثرت) أي: اخترت واصطفيت (به في علم الغيب) أي: الذي لا يعلمه إلا أنت، (عندك) أي: خاصة؛ ففي "القاموس": "رجل يستأثر على أصحابه؛ أي: يختار لنفسه أشياء حسنة، والاسم الأَثَرَةُ مُحَرَّكَة،

= الأرض، فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال: "من هذا أبو إسحاق"؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: "فمه". قال: قلت: لا والله، إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة ثم جاء هذا الأعرابي فشغلك، قال:"نعم دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له".

ص: 1037

واستأثر بالشيء: استبد به، وخص به نفسه" وقال المصنّف:"الاستئثار: الانفراد بالشيء، أي: انفردت بعلمه عندك لا يعلمه إلا أنت".

(أن تجعل القرآن) مفعول ثان لأسألك، وقوله:(العظيم) على ما في "أصل الجلال"، وأكثر الأصول نعت له، ثم قوله:(ربيع قلبي) مفعول ثان لـ "جعل"، أي: متنزهه ومكان رعيه، وانتفاعه بأنواره وأزهاره وأشجاره وأثماره المشبه بها أنواع العلوم والمعارف، وأصناف الأحكام والعوارف، وقال المصنّف:"أي: راحته"

(1)

.

(ونور بصري) أي: إذا قرأته عينًا، كما أنه ربيع قلبي إذا تلوته غيبًا، (وجِلاء حزني) بكسر الجيم، أي: إزالته وكشفه، من جلوت السيف جِلاءً بالكسر، أي: صَقلت. ويقال: جلوت همي عني، أي: أذهبته. وفي نسخة بفتح الجيم، فهو من قولهم: جلا القوم عن الموضع، ومنه جلاء، تفرقوا، ومنه قوله تعالى:{وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ} [الحشر: 3]، فالمعنى: اجعله سبب تفرقة حزني وجمعية خاطري.

(وذهاب همي) أي: همي الذي لا ينفعني ويفرقني ولا يجمعني، وفي رواية البزار:"غمي" بدله. وفي نسخة: "همي وغمي"، ولعلّه من تصرفات النساخ (إلا أذهب الله همه، وأبدل مكان حزنه فرحًا) بفتحتين وهو بالحاء المهملة، وهو: الملائم لمقابلة الحزن. وفي نسخة بالجيم، والظاهر أنه تصحيف.

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ ب).

ص: 1038

(حب، مس، أ، ص، ر، مص، ط) أي رواه: ابن حبان، والحاكم، وأحمد، وأبو يعلى، والبزار، وابن أبي شيبة، والطبراني؛ كلهم عن ابن مسعود

(1)

.

(من قال: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ كانت) أي: هذه الكلمة أو الكلمات، (له) كما في نسخة، أي: لقائلها (دواء) أي: علاجًا، (من تسعة وتسعين داء) أي: بلاء، والظاهر أن المراد بالعدد المذكور: التكثير لا التحديد، أو إيماء إلى أن الالتجاء إلى الله المنعوت بالأسماء -التي هي تسعة وتسعون- نتيجته عظيمة وثمرته وسيمة، (أيسرها) أي: أسهلها (الهم) أي: الغم الشديد.

(مس، ط) أي رواه: الحاكم عن أبي هريرة، والطبراني عن ابن عمر

(2)

.

(من لزم الاستغفار) أي: لازمه وداومه. (د، ق، حب) أي رواه: أبو

(1)

أخرجه حمد (1/ 391 و 452)، وأبو يعلى (5297)، وابن أبي شيبة (29930)، والطبراني في "معجمه الكبير"(10/ 169) رقم (10352)، وفي "الدعاء"(1035)، والبيهقي في "الدعوات الكبير"(155)، وفي "القضاء والقدر"(307)، وأبو يعلى (5297) والحاكم (1/ 509).

وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه فإنه مختلف في سماعه عن أبيه.

وقال الذهبي في التلخيص: أبو سلمة لا يدرى من هو، ولا رواية له في الكتب الستة. أما قول الحاكم: على شرط مسلم، فإن القاسم بن عبد الرحمن لم يخرج له مسلم بل هو من رجال البخاري وحده.

(2)

أخرجه الطبراني في "الدعاء"(1674)، وفي "الأوسط"(5028)، وقال الحاكم (1/ 542): هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، وقال الذهبي: بشر واهٍ، والحديث في "ضعيف الترغيب"(970). انظر "الأحاديث الصحيحة"(1528).

ص: 1039

داود، وابن ماجه، وابن حبان، عن ابن عباس

(1)

.

(من أكثر من الاستغفار. س) أي: رواه النسائي عنه بهذا اللفظ

(2)

في الشرط، والكل متفقون على الجزاء، وهو قوله:(جعل الله له من كل ضيق) بكسر الضاد ويفتح، أي: أمر ضيق شديد يضيق به القلب، (مخرجًا) أي: خروجًا، أو مكان خروج، أو زمانه بسبب الاستغفار؛ إذ الغالب أن الذنب هو السبب للمصيبة، كما قال تعالى:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30] أي: بالاستغفار وغيره.

(ومن كل هم فرجًا) بفتحتين، وهو بالجيم من فرج الله الغم كشفه كفرجه، والفرجة مثلثة: التفصي من الهم، والاسم: الفرج محركة، على ما في "القاموس".

(ورزقه) أي: مطلوبه، (من حيث لا يحتسب) أي: لا يُظَنُّ وَلا يُتَوَهَّمُ. قال المصنّف: "أي: من حيث لا يعلم ولا كان في حسابه"

(3)

، انتهى. والحديث مقتبس من قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ

(1)

أخرجه أبو داود (1518) والنسائي في "عمل اليوم والليلة"(456)، وابن ماجه (3819)، وأحمد (1/ 248)، وابن السني (364)، والبيهقي في "السنن"(3/ 351)، وفي "الشعب"(645)، والطبراني في "الدعاء"(1774) و (10665) وفي "الأوسط"(6287)، والحاكم (4/ 262) وقال: صحيح الإسناد لم يخرجاه، وقال الذهبي: الحكم بن مصعب المخزومي الدمشقي فيه جهالة. والحديث في "ضعيف الترغيب"(1002).

(2)

أخرجه أيضًا: النسائي في الكبرى (10290).

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ ب).

ص: 1040

مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2 - 3]؛ إلا أنه لما كان لا يخلو المتقي وغيره من التقصير كما ورد: "كل بني آدم خطاءون، وخير الخطائين التوابون"، أشار صلى الله عليه وسلم إليه في تعبيره بملازمة الاستغفار، أو إيماء إلى أن العاصي إذا استغفر صار متقيًا، وهذا جزاء المتقي لا محالة.

(د، س، ق، حب) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان؛ كلهم عن ابن عباس

(1)

.

(وتقدم) أي: في أحاديث الأذان، (ما يقول من نزل به كرب أو شدة عند سماع المؤذِّن وإجابته له. مس) أي: رواه الحاكم عن أبي أمامة، وكذا ابن السني على ما تقدم فلا وجه لإفراده، بل ولا لذكر الرمز هنا؛ لأن هذا كلام المصنّف للتنبيه على وجه الإحالة، وليس لفظ الحديث حتى يحتاج إلى ذكر المخرج.

(وإن توقّع بلاء) أي: نزوله أو حصوله ووصوله (أو أمرًا مهولًا) أي: مخوفًا؛ ففي "النهاية": "الهول: الخوف والأمر الشديد، وقد هاله يهوله، فهو هائل ومهول" وهو تخصيص بعد تعميم، فـ "أَوْ" للتنويع كما في قوله:(أو وقع في أمر عظيم) ولا يخفى الفرق بين التوقّع والوقوع.

(قال: حسبنا الله) أي: كافينا (ونعم الوكيل) أي: هو: (على الله توكلنا) أي: اعتمدنا عليه، ووكلنا أمرنا إليه، وتقديم المتعلق للاختصاص (ت،

(1)

أخرجه أبو داود (1518)، وابن ماجه (3819)، والنسائي (10290) وإسناده ضعيف فيه الحكم بن مصعب قال عنه الحافظ في "التقريب" مجهول (ت 1469). وضعفه الألباني في "ضعيف سنن أبي داود"(327).

ص: 1041

مص) أي رواه: الترمذي عن أبي سعيد الخدري

(1)

، وابن أبي شيبة عن ابن عباس

(2)

، وفي بعض النسخ:"كلاهما عن ابن عباس".

(وإن أصابته مصيبة) أي: موت أحد من أهله، (فليقل: إنا) أي: كلنا (لله) أي: لحكمه ثابتون وقائمون، (وإنا إليه راجعون) أي: بالموت والبعث.

(اللهم عندك) أي: من عندك، (أحتسب) أي: أطلب الثواب، (مصيبتي) أي: في مصيبتي، فهو منصوب المحل بنزع الخافض، وقال المصنّف:"أي: أطلب منك ثوابها وأجرها"

(3)

.

(فأجرني فيها) بهمز ساكن وضم جيم، وفي بعض النسخ المصحَّحَة: بألف فكسر جيم، وسيأتي بيانهما في كلام المصنّف، والمفهوم من "القاموس": جواز كسر الجيم في المجرد أيضًا؛ حيث قال: "الأجر: الجزاء على العمل كالإجارة، [أجاره]

(4)

يأجره ويأجره: جزاه كآجره".

(وأبدلني) أي: من الإبدال، أي: وعوضني، (منها خيرًا) أي: من مصيبتي، وقدم للاهتمام.

(ت، س، ق) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، قال الترمذي: "حسن

(1)

أخرجه الترمذي (3243) وإسناده صحيح بشواهده انظر: السلسلة الصحيحة (1078).

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة (30203).

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ ب).

(4)

كذا في (ب) و (ج)، وفي (أ) و (د):"أجره".

ص: 1042

غريب"

(1)

، ورواه أبو داود من حديث أم سلمة

(2)

وهو الأظهر، تأمل، ذكره ميرك.

قلت: الظاهر: "أم سلمة"؛ لأن الحديث ورد بعد موت أبي سلمة كما هو مشهور، لكن لا يبعد أنه أيضًا سمعه ورواه، ثم سمعته أم سلمة بعد موته، ووجدتُ في حاشية نسخة صحيحة بعد قوله "أبو سلمة":"صوابه أبي سعيد"؛ كذا في الترمذي، والله أعلم. وفي نسخة:"رواه الترمذي عن أبي سعيد، وما بعده عن أبي سلمة"، والله أعلم

(3)

.

(1)

وأخرجه الترمذي (3511) وابن ماجه (1598)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (386) وفي السلسلة الضعيفة (2382). وهو بلفظ مقارب عند مسلم (918).

(2)

أخرجه أبو داود (3119) والحاكم (4/ 18) وأحمد (6/ 17) عن أم سلمة وفي إسناده ابن عمر بن أبي سلمة وهو مجهول كما قال الذهبي في الميزان (7/ 454).

(3)

قال الحاكم في المستدرك (3/ 729): "وذكر الحديث بطوله هذا حديث مخرج في الصحيحين وإنما خرجته لأني لم أجد لأبي سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا مسندًا غير هذا".

قال الحاكم (4/ 19): "هذا حديث صحيح الإسناد قال بن عمر بن أبي سلمة الذي لم يسمه حماد بن سلمة في هذا الحديث سماه غيره سعيد بن عمر بن أبي سلمة ولم يخرجاه". وقال المزي في تهذيب 34: 464: روى يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري عن عبد الرحمن بن محمد بن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن جده أحاديث فيحتمل أن يكون هذا والله أعلم. وقال ابن حجر في تهذيبه (12: 305): قيل اسمه محمد روى عن أبيه عمر بن أبي سلمة روى عنه ثابت البناني مجهول قاله ابن حزم وقال الطحاوي والذهبي: لا يعرف. وقال ابن حجر =

ص: 1043

(إنا لله، وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي) قال المصنّف: "قوله: "فأجرني فيها"، و "أجرني في مصيبتي": يجوز فيه القصر والمد، فالمد من: آجره يؤجره إذا أثابه وأعطاه الأجر والجزاء، وكذلك: أجره يأجره، والأمر منهما: آجِرْني بكسر الجيم في المد، وأجُرْني بضمها في القصر والابتداء بهمزة مضمومة بعدها واو"

(1)

، انتهى. قال الحنفي:"وفيه بحث". ولم يبين موضعه ليبحث فيه، وينظر فيما ينافيه.

(وأخلف) من الإخلاف، أي: وعوض (لي خيرًا منها) قال المصنّف: "هو بقطع الهمزة وكسر اللام، يقال لمن ذهب له مال وولد ومن يتوقع

= (5525): مقبول. روي له أبو داود والنسائي ومحمد: قال ابن حجر في التقريب 6168: مقبول. وأما سعيد لم أجده عند غير الحاكم.

وعبد الله بن عبد الأسد أبو سلمة:

قال البيهقي: وأبو سلمة اسمه عبدان بن عبد الاسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.

مترجم في الإصابة رقم 4801 وأسد الغابة 3038 والاستيعاب (1607).

عن جعفر بن سليمان عن ثابت البناني قال أخبرني عمر بن أبي سلمة عن أمه عن أم سلمة.

وتابعه: جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني، عن عمر بن أبي سلمة -به-

الحديث.

أخرجه عبد الرزاق (6701)، والطحاوي في "المشكل"(14/ 455).

وأحمد (6/ 314)، والطبراني في كتاب الدعاء (1230).

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ ب).

ص: 1044

حصول مثله، أي: رد الله عليك مثله، فإن ذهب ما لا يتوقع مثله بأن ذهب له أب أو أم قيل له:"خلف الله عليك" بغير همزة، أي: أن الله خليفة منه عليك، والأمر منه: اخلف، بهمزة الوصل وبضم اللام"

(1)

.

قلتُ: وفي نسخة صحيحة بقطع الألف وكسر اللام، والمفهوم من "النهاية" جواز الوجهين وترجيح الثاني؛ حيث قال: "خلف الله لك خلفًا بخير، وأخْلف عليك خيرًا: أي: أبْدَلك بما ذَهَب منك وعَوَّضَك عنه، وإذا ذَهب للرَّجل ما يخلفه مثل: المال والولد، قيل: أخْلف الله لك وعَلَيْك، وإذا ذَهَبَ ما لا يخلفه غالبًا كالأب والأمّ، يقال: خَلف الله عليك.

وقيل يقال: خَلَفَ الله عليك إذا مات لك ميِّت، أي: كان الله خَلِيفَته عليك، وأخْلَف الله عَلَيْك: أي: أبْدَله"، والمفهوم من "التاج" أن يقال في هلاك الولد والعم والأخ: خلف الله عليك، ويُعَدَّى بـ "على"، أي: كان الله خليفة والدك ومن فقدته عليك".

وفي "القاموس"

(2)

: "خلف الله عليك: أي: كان الله خليفة من فقدته عليك، وخلف ربه في أهله: كان خليفة عليهم كما خلفه فيهما. ويقال لمن هلك له ما لا يعتاض منه كالأب والأم: خلف الله عليك، أي: كان خليفة، وخلف الله عليك خيرًا أو بخير، وأخلف عليك ولك خيرًا، ولمن هلك له ما يعتاض منه: أخلف الله لك وعليك وخلف الله لك، أو يجوز: خلف الله عليك في المال، ويجوز في مضارعه كيمنع نادر"، انتهى.

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ ب).

(2)

القاموس (ص 808).

ص: 1045

وتحصل منه جواز الوجهين إما على الحقيقة وهو ظاهر كلام أهل اللغة، أو على المجاز باستعمال كل منهما موضع الآخر، والله أعلم.

(م) أي رواه: مسلم عن أم سلمة

(1)

.

(وإذا خاف) أي: أحد (أحدًا) أي: من الظلمة (اللهم اكفناه) أي: من شره، (بما شئت) أي: من أمره، وكلمة "ما" مصدرية أو موصولة أو موصوفة، والرابطة محذوفة.

(صحيح) أي: هذا حديث صحيح، (رواه أبو نعيم) بالتصغير، (في المستخرج) بفتح الراء، (على مسلم) وهو اسم كتاب له استدركه على "صحيح مسلم"

(2)

.

قال ميرك: "رواه أبو نعيم من حديث البراء بن عازب في حديث هجرة النبي صلى الله عليه وسلم: "أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على سراقة بن مالك بن جعشم حين اتبعه وأبا بكر، فقال: اللهم اكفناه بما شئت، فساخت به فرسه في الأرض إلى بطنها".

(اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم، وندرأ) بفتح [الراء]

(3)

فهمز، أي: ندفع الشر (بك) أي: بعونك (في نحورهم) أي: في صدورهم. والمعنى كما قال صاحب "المفاتيح": "اللهم إنا نجعلك في إزاء أعدائنا؛ حتى تدفعهم عنا"، انتهى. ويمكن أن يقال: الباء زائدة، والمعنى: نجعلك في نحورهم كما يدل

(1)

أخرجه مسلم (918).

(2)

أخرجه البخاري (3615) ومسلم (2009) وأخرجه أبو نعيم في "دلائل النبوة"(1/ 329).

(3)

كذا في (ب) و (ج)، وفي (أ) و (د):"راء".

ص: 1046

عليه الرواية الآتية، (عو) أي: رواه أبو عوانة عن أبي موسى

(1)

.

(اللهم إني أجعلك في نحورهم) أي: حائلًا بيننا، ودافعًا عنا، (وأعوذ بك من شرورهم. عو) أي: رواه أبو عوانة عنه أيضًا بهذا اللفظ.

(وإن خاف) أي: أحد (سلطانًا) أي: حاكمًا، (أو ظالمًا، فليقل: الله أكبر، الله أعز) أي: أغلب وأمنع (من خلقه جميعًا، الله أعز) أي: أقوى (مما أخاف وأحذر، أعوذ بالله الذي لا إله إلا هو الممسك السماء) بالنصب، أي: المانع لها (أن تقع) أي: من أن تقع، أو حافظها كراهة أن تقع، أو لئلا تقع، أي: تسقط (على الأرض إلا بإذنه) أي: بقضائه وقدره، وحين إرادته وأمره، (من شر عبدك فلان) بالجر على البدل، (وجنوده) أي: عساكره، (وأتباعه) أي: خدمه، (وأشياعه) أي: حشمه، (من الجن والإنس).

(اللهم كن لي جارًا) أي: مجيرًا، وحافظًا، ومانعًا (من شرهم، جل ثناؤك) أي: عظم (وَعَزَّ جَارُكَ) أيْ: قوي وغلب مستجيرك، أو شرف الذي أجرته من أن يظلمه ظالم.

(ولا إله غيرك، ثلاث مرات. ط، مو مص مر ط) أي رواه: الطبراني مرفوعًا عن ابن عباس، وابن أبي شيبة وابن مردويه والطبراني أيضًا من

(1)

أخرجه أبي عوانة (6566) وصححه النووي في "المجموع شرح المهذب"(4/ 396)، وفي (رياض الصالحين 1/ 312) والعراقي في تخريج الأحياء (1/ 236). وصححه عبد الحق في "الأحكام الكبرى" حيث أورده ساكتًا عليه (3/ 530).

ص: 1047

قول ابن عباس موقوفًا

(1)

، ورواه أبو يعلى من قول ابن مسعود أيضًا، ولم يذكره المؤلف.

وفي بعض النسخ المصحَّحَة: "رواه الطبراني مرفوعًا، وابن أبي شيبة موقوفًا عن ابن مسعود

(2)

، وابن أبي شيبة وابن مردويه والطبراني موقوفًا عن ابن عباس"

(3)

.

(اللهم إنا نعوذ بك أن يفرط) بضم الراء، أي: يسبق بِشَرٍّ (علينا أحد منهم) أي: من الخلق أو من الظلمة (أو أن يطغى) أي: يظلم أو يتعدى (مو مي) أي: رواه الدارمي موقوفًا من قول ابن عباس أيضًا

(4)

.

(اللهم إله جبريل وميكائيل) وسبق ضبطهما، (وإسرافيل) وتخصيصهم بالذكر لشرفهم، ولعلهم أقوى من سائر الملائكة، (وإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق) وتخصيصهم لكونهم أجداده، مع أن إبراهيم أفضل الأنبياء بعد نبينا عليهم السلام، وكل نبي بعده فهو من ذريته.

(1)

الطبراني في "الكبير"(10/ 258) رقم (10599)، وقال الهيثمي (10/ 140): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2238): صحيح موقوف.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة (29786) والطبراني في المعجم الكبير (10/ 15) رقم (9795).

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة (29787).

(4)

لم أقف عليه عند الدارمي وهو عند الخرائطي في مكارم الأخلاق (1078).

ص: 1048

(عافني) أي: مما يضرني، (ولا تسلطن أحدًا من خلقك علي بشيءٍ) فإن عافيتك أوسع، خصوصًا بشيء (لا طاقة لي به) أي: لا قدرة لي على مقاومته بالصبر أو مقابلته بالشكر؛ ففيه اعتراف بالعجز، والتجاء بحول الله وقوته.

(مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة موقوفًا من قول الشعبي التَّابعي

(1)

، وهو من أوساطِهمْ، واسمه عامر بن شراحيل، روى ابن أبي شيبة في "مُصَنَّفه" عن علقمة بن مرثد، قال:"كان الرجل إذا كان من خاصة الشعبي أخبره بهذا الدعاء".

(رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا، وبالقرآن حَكَمًا) بفتحتين، أي: حاكمًا، (وإمامًا) أي: مقتدًى، (مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة موقوفًا عن أبي مجلز التَّابعي

(2)

أنه قال: "من خاف من أمير ظلمًا فقال: رضيت

إلى آخره؛ نجاه الله منه".

(وإن خاف شيطانًا) أي: من شياطين الجن، (أو غيره) أي: من شياطين الإنس، أو "شيطانًا" من شياطين الإنس والجن، "أو غيره" من الحيوانات المؤذيات، (فليقل: أعوذ) أي: أتحصن، (بوجه الله) أي: بذاته (الكريم) أي: الشريف (النافع) أي: "الذي يدوم نفعه"، وهو في نسخة.

(وبكلمات الله التامَّات) أي: وبكتبه، وأسمائه، وصفاته الكاملات

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (29790).

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (29791).

ص: 1049

الشاملات، (التي لا يجاوزهن) أي: لا يتعدى عنهن، وعن تأثيرهن (بَر) بفتح موحدة وتشديد راءٍ، أي: بار غاية البر من الطاعة أو الإحسان، (ولا فاجر) أي: صاحب فجور من الفسق أو الظلم.

وقال المصنف: "البَّر بفتح الباء، يطلق على الصالح من الأولياء والعبَّاد والزهَّاد، وجمعه أبرار، والفاجر هو المنبعث [من]

(1)

المعاصي والمحارم"

(2)

، انتهى.

ولا يخفى أن المقام يقتضي عموم "البَّر": للأنبياء، والرسل، والملائكة، والأولياء، والعلماء، وسائر الصلحاء. وكذا شمول "الفاجر": للكافر، والفاسق، والظالم، من عصاة الجن والإنس.

(من شر ما خلق) أي: قدَّره وأوجده من العدم، (وذرأ) بفتح الراء والهمز، أي: بث الذراري من بني آدم، أو بث الدواب وفرقها في أطراف العالم، (وبرأ) بفتح الراء والهمز، أي: أنشأه مبرأ من التفاوت، فخلق كل شيء علي ما يليق به، على وفق [الحكمة]

(3)

.

(ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج) بضم الراء أي: يصعد (فيها، ومن شر ما ذرأ) قال المصنف: "بالذال المعجمة، أي: خلق"

(4)

(في الأرض، ومن شر ما يخرج منها) فيه إشعار بأن كل شيء من المخلوقات لا

(1)

في "مفتاح الحصن الحصين": "في".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ ب).

(3)

كذا في (ب)، وفي (أ) و (ج) و (د):"الحكم".

(4)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ ب).

ص: 1050

يخلو من شر يُتَّقَى، كما أنه لا يخلو من خير ذاتيّ فيطلب نفع خيره، ودفع شره من ربه، كما أشار إليه {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} .

(ومن شر فتن الليل والنهار) بكسر الفاء وفتح التاء جمع فتنة، بمعنى: بلية ومحنة تحتها حكمة، قال المصنف:"يعني ما يحصل فيهما من الفتن، والاستعاذة من شرها"

(1)

(ومن شر كلّ طارق) تخصيص بعد تعميم، والطارق: هو الآتي بالليل، وأصله من الطرق وهو الدق، سمي به لحاجته إلى دق الباب، وهو شامل للفاسق والسارق وغيرهما، ولذا قال:(إلَّا طارقًا يطرُق) بضم الراء أي: يجيء (بخير) وهو كالتأكيد لما قبله.

(يا رحمن) أي: كثير الرحمة، ارحمنا برحمتك التي وسعت كلّ شيء. (أ، طب، س، ط، مص، ص) أي رواه: أحمد والطبراني في "كتاب الدعاء" له عن ابن مسعود، والنسائي والطبراني في "الكبير" وابن أبي شيبة وأبو يعلى عن عبد الرَّحمن بن حبيش

(2)

، وفي بعض النسخ المصححة: "رواه النسائي،

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ ب).

(2)

أخرجه أحمد (3/ 419) وابن أبي شيبة (24068) وأبو يعلى (6844)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"(637).

قال الهيثمي: رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني بنحوه قال: فلما رآهم وجل، وجاءهم جبريل صلى الله عليه وسلم. ورجال أحد إسنادي أحمد وأبي يعلى وبعض أسانيد الطبراني رجال الصحيح، وكذلك رجال الطبراني. (مجمع الزوائد 10/ 127).

وقال الحافظ في تعجيل المنفعة (1/ 248): قال البخاري: في إسناده نظر.

ص: 1051

والطبراني في "الدعاء"، عن ابن مسعود

(1)

، والباقي عن ابن حبيش".

(وإذا تغولت الغِيلان) بكسر الغين المعجمة جمع الغول بالضم، جنس من الجن والشياطين، كانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة [يتراءي]

(2)

للناس، فيتغول تغولًا، أي: يتلون تلونًا، في صور شتى، كذا في "النهاية"

(3)

، وكل ما اغتال الإنسان فأهلكه فهو غول، وجمعه: أغول وغيلان، ذكره في "الصحاح".

وفي "القاموس"

(4)

: "غاله: أهلكه كاغتاله، وأخذه من حيث لم يدر، والغول بالضم: الهلكة والداهية والسعلاة، ج: أغوال وغيلان، والحية ج: أغوال، وساحرة الجن وشيطان يأكل الناس، ومن يتلون ألوانًا من السحرة والجن".

والحاصل: أنه إذا رأت أشياء منكرة، أو تخيلت له خيالات مستنكرة، أو تلونت له أجسام مكروهة وأراد دفعها (نادى) أي: رفع صوته (بالأذان) أي: بكلماته المعروفة، فإنّ الجنّ والشياطين يفرون من الأذان.

(م، ر، مص) أي رواه: مسلم عن أبي هريرة

(5)

، والبزار عن سعد بن

(1)

أخرجه الطبراني في "الأوسط"(43).

(2)

كذا في (ب) و (ج)، وفي (أ):"تتراءى"، وفي (د):"تراءى".

(3)

النهاية (3/ 396).

(4)

القاموس المحيط (ص 1040).

(5)

لم أقف عليه في مسلم من رواية أبي هريرة وهو عند الطبراني في الأوسط (7436). وفي الدعاء (2009).

ص: 1052

أبي وقاص

(1)

، وابن أبي شيبة عن جابر

(2)

.

(وقراءة آية الكرسي) بالجر أي: وبقراءتها، ويجوز الرفع، أي: وقراءة آية الكرسي نافعة أيضًا؛ لما [فيها]

(3)

من الأسماء الحسنى والصفات العلى، ولقوله {يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} المشير إلى حفظ غيرهما بالأولَى.

وقال الحنفي: "ويجوز النصب على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف، أي: وقرأ قراءةً آيةَ الكرسي، والجر أي: اشتغل بقراءة آية الكرسي"، انتهى.

ولا يخفى بُعْدُهُمَا وكون النصب أبعدَهما؛ فالصحيح هو الرفع؛ ليلائم قوله.

(ت، مص) أي رواه: الترمذي، وابن أبي شيبة، عن أبي أيوب

(4)

؛ حيث يدلُّ على أنه حديث مستقل منقطع عمّا قبله [كتابًا]

(5)

وراويًا.

(ومن فَزِعَ) بكسر الزاي أي: خاف، ويجوز فتحها؛ ففي "القاموس":"الفزع بالتحريك الذعر والفَرَقُ، والفعل كفرح ومنع"(فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه) أي: وعقابه (وشر عباده، ومن همزات

(1)

أخرجه البزار (3129 - كشف الأستار) وقال: لا نعلمه يروى عن سعد إلَّا من هذا الوجه، ولا نعلم سمع الحسن من سعد شيئًا.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة (30360) ورجاله ثقات رجال الشيخين إلَّا أن الحسن - وهو البصري - لم يسمع من جابر بن عبد الله.

(3)

هذا هو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ:"فيه".

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة (30362) والترمذي (2883).

(5)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"حديثًا".

ص: 1053

الشياطين) بالفتحات، أي: خطراتها التي [تخطر]

(1)

بقلب الإنسان، وخطواتها التي يظهر آثارها في العصيان.

قال المصنف: "بفتح الميم جمع همزة لمكانها من الهمز، وهو النخس والغمز، وكل شيء همزته فقد دفعته"

(2)

.

(وأن يحضرون) بضم الضاد وكسر النون المخففة، أي: وأن يحضر الشياطين مكاني، وأن يؤذوني في زماني. قال المصنف:"بكسر النون، أصله يحضرونني، حذفت النون الأولى علامة للنصب، والياء تخفيفًا، وبقيت نون الوقاية مكسورة"

(3)

.

(د، ت، س) أي رواه: أبو داود، والترمذي، والنسائي، عن ابن عمرو بالواو، وهو المراد بما في نسخة؛ كلهم عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو

(4)

.

(ومن غلبه أمر) أي: وَقَعَ أمر على خلاف ما قصده، أو من غَلَبَهُ أمر؛ بأن لا يعرف علاجه ودفعه، (فليقل: حسبي الله ونعم الوكيل. د، س، ي) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن السني؛ كلهم عن عوف بن مالك

(1)

كذا في (ب)، وفي (أ):"تخطرها"، وفي (ج) و (د):"يخطرها".

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ ب).

(3)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 12/ ب، 13/ أ).

(4)

أخرجه أبو داود (3893)، والترمذي (3528)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (765)، وفي إسناده محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن، ومالك في الموطأ (2/ 950).

ص: 1054

الأشجعي، صحابي مشهور

(1)

.

(ومن وقع له ما لا يختاره) أي: لا يرتضيه ولا يعجبه (فلا يقل: لو أني فعلت كذا وكذا) أي: لكان كذا وكذا، و"لو" للتمني؛ قال الشيخ الولي الشاطبي رحمه الله:

وكم لو وليت تورث القلب أنصلا

قال شارحه الجعبري: نون ليت على تأويل تمن، وأصله شعر:

ليت وما ينفع قولي ليت

ليت شبابًا بوع فاشتريت

وقال الطائي:

ليت شعري وأين مني ليت

إن ليتًا وإن لَوًّا عناء

وأدخل اللام من قالَ:

المرء مرتهن بسوف وليتني

وهلاكه في السوف والليت

انتهى.

وفي الحديث: "إياك واللَّو، فإن اللَّو من الشيطان" يريد قول المتندِّم على الفائت، ولو كان كذا لقلت ولفعلت، وكذلك قول المتمني؛ لإن ذلك من الاعتراض على الأقدار، والأصل فيه "لو" ساكنة الواو، وهي

(1)

أخرجه أبو داود (3627)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (626)، وأحمد (6/ 24)، والبيهقي (10/ 181). وإسناده ضعيف لضعف بقية بن الوليد وجهالة سيف فقد تفرد بالرواية عنه خالد بن معدان، وقال النسائي: سيف لا أعرفه، وكذا قال الذهبي في "الميزان": لا يعرف، وتساهل العجلي وابن حبان فوثقاه. انظر: ميزان الاعتدال (2/ 259).

ص: 1055

حرف من حروف المعاني يمتنع بها الشيء لامتناع غيره؛ فإذا سمي بها زِيد فيها "واو" أخرى، ثم أدغمت وشددت حملا على نظائرها من حروف المعاني، كذا في "النهاية".

وقال المصنف في "المفتاح": "قال بعض العلماء: هذا النهي إنما هو لمن قال معتقدًا ذلك حتمًا، وأنه لو فعل لم يصبه قطعًا، فأما من رد ذلك إلى مشيئة الله تعالى، وأنه [لم يصبه]

(1)

إلَّا ما شاء

(2)

، فليس من هذا؛ فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في الغار:"لو أن أحدهم رفع رأسه لرآنا"، وكحديث:"لولا حدثان قومك بالكفر لأتممت البيت على قواعد إبراهيم"، و"لو كنت راجمًا لرجمت هذه"، و"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك"، كما استدل به البخاري باب "ما يجوز من اللَّو""، انتهى.

وهذا استدلال عجيب؛ لأنه إنما أخبر عن مستقبل وليس له دفعه بعد وقوعه، فلا اعتراض فيه على قدر، ولا كراهية فيه؛ لأنه إنما أخبر عن اعتقاده فيما كان يفعل لولا المانع، وعما هو في قدرته

(3)

؛ فالنهي

(4)

على عمومه وظاهره، وهو نهي تنزيه، وقيل: نهي تحريم.

وقال النووي: "الظاهر: أن النهي إنما هو على إطلاق ذلك فيما لا

(1)

كذا في (أ) و (ج) و"مفتاح الحصن الحصين"، وفي (ب) و (د):"لن يصيبه".

(2)

بعدها في "مفتاح الحصن الحصين": "الله".

(3)

هذا كلام القاضي عياض في "الإكمال"(8/ 77 - 78).

(4)

قبلها في "مفتاح الحصن الحصين": "وأما ما ذهب ومضى فليس في قدرته".

ص: 1056

فائدة فيه، فيكون نهي تنزيه لا تحريم"

(1)

، انتهى.

وقال الحنفي: "قوله "لولا أن أشق" أي: لولا خوف أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك، وإنما قلنا هكذا لأن "لولا" لامتناع الثاني لوجود الأول".

قلت: فالظاهر أن لا يحتاج إلى تقدير خوف، والتقدير: لولا وجود المشقة وثبوتها وتحققها وحصولها لهم، على فرض أن أفرض عليهم، لأمرتهم بالسواك وجوبًا، وإلا فقد ثبت أمرهم استحبابًا.

(ولكن ليقل: بقَدَرِ الله) وفي رواية النسائي وابن السني: "قدر الله"، وضبط بالإضافة، وعك أنه جملة فعلية على الأصح الملائم لقوله:(وما شاء فعل) وفي روايتهما: "صنع".

قال المصنف: "أي: جرى هذا بقدر الله، وفي رواية: "قدر الله"، أي: هذا قدر الله. والقدر بفتح الدال، وهو عبارة عما قضاه الله تعالى وحكم به من الأمور"

(2)

.

(م، س، ق، ي) أي رواه: مسلم، والنسائي، وابن ماجة، وابن السني؛ كلهم عن أبي هريرة

(3)

.

(وإن استصعب) أي: صعب ذكره الجوهري، أو اشتد (عليه أمرٌ)

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 13/ أ).

(2)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 13/ أ).

(3)

أخرجه مسلم (2664) وابن ماجة (4168) والنسائي في عمل اليوم والليلة (625).

ص: 1057

وأراد تسهيله وتيسيره (قال: اللهم لا سهل إلَّا ما جعلته سهلًا وأنت تجعل الحَزْن سهلًا) قال المصنف: "هو بفتح الحاء وإسكان الزاي، وهو الشيء الصعب، والمكان الوعر الخشن المسلك، وضده السهل من كلّ شيء"

(1)

.

(إذا شئت) أي: إذا أردت تسهيله، وفي نسخة:"إذا شئت سهلًا". (حب، ي) أي رواه: ابن حبان، وابن السني؛ كلاهما عن أنس

(2)

. قال ميرك: "ولفظ ابن السني: إذا شئت سهلًا".

(ومن كانت له حاجة إلى الله، أو إلى أحد من بني آدم) أي: من الحاجات الضرورية المُعِينَة على الأمور [الدنيوية]

(3)

والأخروية، (فليتوضأ وليحسن وضوءه) أي: باستعمال سننه وآدابه، (ثم لِيُصَلّ ركعتين) وتسمى صلاة الحَاجَةِ (ثم يثني) من الإثناء [من مادة]

(4)

الثناء (على الله ويصلي) والظاهر ما في عبارة "المشكاة" من قوله: "ثم ليثن وليصل"(على النبي صلى الله عليه وسلم).

(وليقل: لا إله إلَّا الله الحليم) أي: الذي بحلمه يعفو عن السيئات

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 13/ أ).

(2)

أخرجه ابن حبان (974) وابن السني (353) وصححه الحافظ ابن حجر في "أمالي الأذكار" فيما نقله ابن علان 4/ 25) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2886).

(3)

كذا في (ج)، وفي (أ) و (ب) و (د):"الدينية".

(4)

كذا في (أ) و (ج) و (د)، وفي (ب):"لا من".

ص: 1058

(الكريم) أي: الذي بجوده يتفضل بالعطيات (سبحان الله رب العرش العظيم) أي: المحيط بالموجودات (الحمد لله رب العالمين) أي: في جميع الحالات.

(أسألك موجبات رحمتك) أي: الخصال الحميدة التي توجب رحمتك، وتقتضي عنايتك، وهذه من مختصات رواية الترمذي، (وعزائم مغفرتك) أي: الأمور المعزومة اللازمة لحصول غفرانك ووصول رضوانك.

وأغرب الحنفي حيث قال: "العزائم جمع العزيمة بمعنى الرقية، أي: أسألك الرقى التي تورث المغفرة" وقال: "ذكره الجوهري وغيره".

قلت: إن كان مراده أن العزيمة بمعنى الرقية ذكره الجوهري وغيره فمسلم، وأما إن ادعى أن الجوهري وغيره فسروا الحديث بهذا المعنى فممنوع، وعن حيز المعقول مرفوع.

(والعصمة من كلّ ذنب) أي: بالحفظ عنه أوَّلًا، أو بالتوبة عنه آخِرًا؛ فإن:"التائب من الذَّنْب كمن لا ذنب له"، وهذه من جملة مختصات الحاكم ([والغنيمة])

(1)

أي: الاغتنام (من كلّ بر) بكسر الموحدة أي: طاعة وإحسان، وهي من رواية الترمذي خاصة.

(والسلامة) أي: الخلاص (من كلّ إثم) أي: بكل وجه من خطر، وهم، وقصد، وتمن، ومباشرة، وإصرار، وغير ذلك (مس، ت) أي

(1)

كذا في (أ) و (ج) و (د) و (م)، وفي (ب):"والاغتنام".

ص: 1059

رواه: الحاكم، والترمذي؛ كلاهما عن

(1)

أبي أوفى. قال ميرك: "ورواه ابن ماجة أيضًا"

(2)

.

(لا تَدَعْ) بسكون العين، أي: لا تترك (لي ذنبًا) أي: من الذنوب في حال من الأحوال (إلَّا غفرته) أي: إلَّا مقرونًا بالغفران (ولا همًّا) أي:

(1)

بعدها في (ج) و (د) زيادة: "ابن".

(2)

أخرجه ابن ماجة (1384)، والترمذي (479)، والبزار في مسنده 3374) والحاكم في المستدرك (1/ 320).

قال الحاكم: فائد بن عبد الرَّحمن أبو الورقاء كوفي عداده في التابعين، وقد رأيت جماعة من أعقابه، وهو مستقيم الحديث إلَّا أن الشيخين لم يخرجا عنه.

قال الترمذي: هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال، فائد بن عبد الرَّحمن.

يضعف في الحديث، وفائد هو أبو الورقاء. قلت: بل هو ضعيف جدًّا بل متروك، وقد اتهموه. وأقره النووي في "الأذكار"(1/ 156).

قال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(2/ 9): "رواه الترمذي من طريق فائد به دون قوله ثم يسأل من أمر الدنيا إلى آخره ورواه الحاكم في المستدرك باختصار وزاد بعد قوله وعزائم مغفرتك والعصمة من كلّ ذنب وله شاهد من حديث أنس رواه الأصبهاني".

وذكره ابن الجوزي في "الموضوعات"(2/ 140) قال الترمذي: هذا غريب، وفايد هو أبو الورقاء يضعف في الحديث. قال المصنف قلت: قال أحمد بن حنبل: فايد متروك الحديث. وقال يحيى ليس بثقة. وقال الرازي: ذاهب الحديث. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به.

وتعقبه الذهبي في تلخيص كتاب الموضوعات (450) أخرجه الترمذي من حديث فائد عن ابن أبي أوفى وما هو بموضوع بل يحتمل.

ص: 1060

غمًّا (إلَّا فرجته) بتشديد الراء، أي: كشفته. يقال: فرج تفريجًا، إذا أزال الغم، ويجوز تخفيفه كما قدمناه عن"القاموس"

(1)

.

(ولا حاجة هي لك رضًا) أي: ذات رضا أو مرضية أو هي لك رضًا فيها، (إلَّا قضيتها يا أرحم الراحمين. ت) أي: رواه الترمذي

(2)

عنه أيضًا، والظاهر أن هذا ذيل لما تقدم، ويحتمل أن يكون دعاءً مستقلًّا، والله أعلم.

(ومن كانت له ضرورة) أي: حاجة ملجئة إلى الله أو إلى أحد من خلقه (فليتوضأ، فيحسن وضوءه) بالجزم أو بالرفع، ويلائمه ما بعده من المعطوف عليه. (ت، س، ق، مس) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والحاكم، عن عثمان بن حنيف.

(ويصلي ركعتين. س) أي: رواه النسائي عنه هذه الزيادة في رواية كما سيأتي بيانه.

(ثم يدعو: اللهم إني أسألك) أي: حاجتي، (وأتوجه إليك بنبيك) أي: بوسيلته وشفاعته، والباء للتعدية أو المصاحبة، (محمدٍ) بالجر، بيان أو بدل، وكذا:(نبي الرحمة) ولا يخفى مناسبة هذا الوصف للمقام.

(يا محمد،) التفات إليه وتضرع لديه، ليتوجه روحه إلى الله ويغني السائل عما سواه، وعن التوسل إلى غير مولاه قائلًا:(إني أتوجه بك) أي: بذريعتك، والباء للاستعانة، (إلى ربي في حاجتي هذه) وهي

(1)

القاموس (ص: 201).

(2)

أخرجه الترمذي (479).

ص: 1061

المقصودة المعهودة، (لتُقْضَى) بصيغة المجهول، أي: الحاجة.

فقوله: (لي) للبيان كما صرح به الطيبي، ويمكن أن يكون التقدير: ليقضي الله الحاجة لأجلي، بل هذا هو الظاهر. وليس هذا من قبيل {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي} [طه: 25] كما لا يخفى.

وفي نسخة بصيغة الفاعل، أي: لتقضي الحاجة لي، والمعنى لتكون سببًا لحصول حاجتي، ووصول مرادي فالإسناد مجازي.

ثم اعلم أن النداء باسمه صلى الله عليه وسلم منهي، لكن محلَّه ما لم يرد عنه إذن شرعي، واختلف: هل مراعاة الأدب أولى وتغيير العبادة، أو الامتثال يعني ما ورد؛ فإن المأمور معذور؟ والأظهر الثاني كما هو مقرر في محله.

(اللهم) التفات آخر، (فشفعه) بتشديد الفاء المكسورة، أي: اقبل شفاعته (فيَّ) أي: في حقي؛ ففي "النهاية": "يقال: شفَع يَشْفَع شَفاعةً فهو شَافِع وشَفِيعٌ، والمشفِّع: الذي يقبل الشفاعة، والمشَفَّع: الذي تقبل شفاعته"

(1)

.

قال الطيبي: "الفاء عطف على قوله "أتوجه"، أي: اجعله شفيعًا لي فشفعه، وقوله "اللهم" معترضة"، انتهى.

والأظهر أن "اللهم" إلى آخره ندائية، وما بعده جملة دعائية، والمعطوف عليه بالفاء مقدر، والمعنى: يا أالله، اجعله شفيعًا أوَّلًا، فاقبل شفاعته ثانيا؛ ليتم به المقصود آخرًا.

(1)

النهاية (2/ 485).

ص: 1062

(ت، س، ق، مس) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والحاكم؛ كلهم عن ابن حنيف: "أن أعمى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يعافيني. قال: إن شئت صبرت، فهو خير لك. قال: فادعه. قال: فأمر أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك

" إلى آخره

(1)

.

رواه الترمذي واللفظ له، والنسائي، وابن ماجة، والحاكم، وزاد الحاكم:"فدعا بهذا الدعاء فقام فأبصر"

(2)

، وزاد النسائي في بعض طرقه:"فتوضأ فصلى ركعتين"، ذكره ميرك.

(ومن أراد حفظ القرآن) أي: ابتداءً أو بقاءً، (فإذا كانت ليلة الجمعة) خصت لأنَّها من أقرب أوقات الإجابة، لاسيّما [- وَضْعًا - يُتَفَاءَلُ]

(3)

لِجَمْعِ القُرْآنِ بِلَفْظِ الجُمُعَةِ، (فإن استطاع) أي: مريد الحفظ (أن يقوم في ثلث الليل) وفي نسخة صحيحة: "من ثلث الليل"(الآخر) وفي نسخة: "الأخير"، وزاد في "أصل الأصيل":"فليقم"، والمعنى عليه، ولابد من

(1)

أخرجه أحمد (4/ 138) والترمذي (3578) وقال: حسن صحيح غريب والنسائي في "عمل اليوم والليلة"(659) وابن ماجة (1385) والحاكم (1/ 313) وقال: صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه أيضًا: عبد بن حميد (379).

وصححه الألباني في صحيح الجامع (1279)، وصححه أيضًا الشوكاني في "تحفة الذاكرين"(ص 231).

(2)

هذه الزيادة لم أقف عليها في المستدرك

(3)

كذا في (أ) و (ب) و (ج)، وفي (د):"وَيُتَفَاءَلُ".

ص: 1063

الاحتياج في التقدير إليه.

(فإنها) أي: ليلة الجمعة، بمعنى: فيها، أو ساعاتها، أو القطعة الأخيرة التي هي الثلث من ليلتها بجميع ساعاتها، (ساعة مشهودة) أي: في زمان قليل ووقت جليل تحضره الملائكة، أو يحصل فيه الحضور مع الله، والغفلة عما سواه، ولذا قال:(والدعاء فيها مستجاب).

وقد أغرب الحنفي حيث قال: "أي: محضورة يحضرها ملائكة الليل والنهار هذه صاعدة وهذه نازلة"، ووجه غرابته: أن هذا إنما يستقيم في وقت الصبح أو المغرب على ما ورد في الحديث.

(فإن لم يستطع) أي: إن لم يقدر أن يقوم في الثلث الأخير المراد به آخرها وهو أفضلها، (ففي وَسْطِها) أي: فليقم في وَسْطِهَا بسكون السين ويجوز فتحها كما في نسخة صحيحة، وهو الثلث الأوسط المعبر عنه بجوف الليل في بعض الأحاديث، وهو أفضل من أولها.

(فإن لم يستطع ففي أولها) أي: بعد النوم أو قبله، (فيصلي أربع ركعات) أي: متواليات بتسليمة واحدة على ما هو الظاهر المتبادر الموافق لرأي إمامنا الأعظم، خلافًا لمن خالفه، وتسمى صلاة حفظ القرآن.

(يقرأ في الأولى الفاتحة، وسورة يس) لكونها قلب القرآن، وقد قال بعض العارفين:"إذا اجتمع ثلاثة قلوب حصل المطلوب: قلب الليل من الزمان، وقلب القرآن، وقلب الحاضر بالرحمن".

(وفي الثانية: الفاتحة وحم الدخان) بالجر على الإضافة، وبالرفع على أنَّ التقدير: هو الدخان، ويجوز النصب بتقدير: أعْنِي.

ص: 1064

ثُمَّ ميم "حم" يفتح وصلًا؛ لأنه أخف الحركات وقياسًا على: {الم. الله} ، ويجوز كسرها؛ لأن الساكن إذا حرك حرك بالكسر، مع أن نفس {حم} قرئ بفتح الميم وكسرها في أوائل الحواميم.

وفي الحاء يجوز الفتح والإمالة وبين بين، ولا بد من مد الميم وقفًا، ويجوز الطول والقصر وصْلًا، والتوسط ضعيف، ولعلها خصت لكونها نزل فيها القرآن؛ لقوله تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} [الدخان: 3].

(وفي الثالثة) أي: في الركعة الثالثة، (الفاتحة) أي: يقرؤها، (و){الم. تَنْزِيلُ} والسجدة الْأَوْلَى رفع {تَنْزِيلُ} على الحكاية على ما صرح به العسقلاني وغيره، وأما السجدة فقد رويت بالجر على الإضافة، وبالنصب بتقدير: أعني، أو على أنَّها صفة " [ألم]

(1)

"؛ فإن محله النصب على أنه مفعول "يقرأ" بالعطف على الفاتحة، وهو الأظهر.

هذا ولما كان كلّ شفع صلاة على حدة لم يرد أن سورة السجدة فوق الدخان على أنه لا يكره في النوافل تقديم بعض السور على بعض مخالفًا للترتيب القرآني.

(وفي الرابعة: الفاتحة) بالنصب، (و {وتبارك} الملك) بالرفع على الحكاية، ويؤيده "نسخة الجلال":{تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك: 1]، وبالجر على الإضافة، وبالنصب على تقدير: أعني.

(فإذا فرغ من التشهد) أي: من الصلاة والدعاء والتسليم، (فليحمد

(1)

كذا في (أ)، وفي (ب) و (ج) و (د):{حم} .

ص: 1065

الله) أي: على نعمائه، (وليحسن الثناء على الله) أي: بذكر صفاته وأسمائه، (وليصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم، وليحسن) أي: بذكر نعوته وأوصافه، أو بزيادة آله وأصحابه، (وعلى سائر النبيين) أي: الأعم من المرسلين.

(وليستغفر للمؤمنين والمؤمنات) أي: من هذه الأمة وغيرهم، (ولإخوانه الذين سبقونا بالإيمان) أي: من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان.

(ثم ليقل في آخر ذلك) أي: مما ذكر، (اللهم ارحمني بترك المعاصي) أي: بتوفيق أن أترك المعصية فعْلَا وترْكًا، (أبدًا) أي: دائمًا، (ما أبقيتني) أي: في الدنيا؛ إذ لا معصية في العقبى، (وارحمني أن أتكلف ما لا يعنيني) بفتح أوله، والتكلف: التعرض بما لا يعنيه، على ما في "التاج"، فالمعنى: وارحمني بترك التعرض القصدي فيما لا يهمني في أمر الدنيا، ولا ينفعني في شأن الأخري، وفيه إيماء إلى ما ورد "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه

(1)

"، وإشارة إلى قوله تعالى:{وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 3]، {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72].

(وارزقني حسن النظر) أي: التفكر التأمل والتدبر، فيما يرضيك) من الإرضاء، أي: في قول وعمل يرضيك (عني)، وفيه إشعار بقوله تعالى:

(1)

أخرجه الترمذي (2317)، وابن ماجة (3976)، وأخرجه الترمذي (2318). من مرسل علي بن الحسين وأخرجه مالك في الموطأ (2/ 903)، وأحمد (1/ 201)، وقال الألباني حديث صحيح. انظر: هداية الرواة (4/ 383).

ص: 1066

{وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} [التوبة: 72].

(اللهم بديع السموات والأرض) سبق، (ذا الجلال والإكرام) تقدم، (والعزة) أي: وصاحب القوة والغلبة، (التي لا ترام) أي: لا تقصد ولا تدرك، فعلى هذا من الروم؛ بمعنى: الطلب، وفي "النهاية":"يقال: رام يريم، إذا برح وزال من مكانه، وأكثر ما يستعمل في النفي"، فالمعنى: لا تزال ولا تفني

(1)

.

(أسألك يا ألله يا رحمن بجلالك) أي: بعظمتك وبصفات جلالك، (ونور وجهك) أي: جمال ذاتك، (أن تلزم) من الإلزام، أي: تُدِيم، (قلبي حفظ كتابك) أي: انتهاءً، (كما علمتني) أي: ابتداءً، (وارزقني) أي: فيما بينهما، (أن أتلوه) أي: أقرأه أو أتبعه (على النحو) أي: النهج، (الذي يرضيك عني).

(اللهم بديع السماوات والأرض، ذا الجلال والإكرام، والعزة التي لا ترام، أسألك يا ألله يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن تنوّر بكتابك) أي: بتلاوته نظرًا، (بصري) أو ببركة كتابك قوة بصري وبصيرتي، (وأن تطلق) من الإطلاق أي: تجري، (به لساني) على وجه مراعاة المخارج والصفات والتجويد، (وأن تفرّج) من التفريج، أي: تكشف الغم وتزيل الهم، (به عن قلبي، وأن تشرح) أي: تولممع، (به صدري) لئلا يضيق فيما

(1)

النهاية (2/ 290).

ص: 1067

يفعل بي، ويقال في حقي.

(وأن تستعمل) كذا في "أصل الأصيل" و"الجلال"، وفي بعض النسخ المصححة:"وأن تغسل"(به بدني) أي: تطهر بسبب العمل به ذنوبي، أو أعضاء بدني: كالقلب، والسمع، والبصر، واليد، واللسان، وسائر الأركان من الذنوب والعصيان، فيؤول معناه إلى قوله:"وأن تستعمل به بدني".

ويؤيده قوله: (فإنه لا يعينني) من الإعانة، أي: لا يوفقني ولا يقويني (على الحق) أي: اعتقادًا وقولًا وفعلًا، (غيرك، ولا يؤتيه) من الإيتاء، أي: لا يعطي الحق ولا يظهره (إلَّا أنت، ولا حول ولا قوة إلَّا باللَّهِ العلي العظيم. يفعل ذلك ثلاث جُمَع) بضم وفتح، جمع: جمعة، (أو خمسًا) أي: خمس جمع، (أو سبعًا، يجاب بإذن الله تعالى) أو في إحدى الثلاث.

(والذي بعثني بالحق ما أخطأ) أي: ما تجاوز ولا تعدى هذا الإجابة، (مؤمنًا قط) بفتح القاف وتشديد الطاء، وهي أفصح اللغات وأشهرها، وفيه لغات أخر؛ ففي "القاموس":"ما رأيته قط ويضم ويخففان، وقط مشددة مجرورة بمعنى الدهر، مخصوص بالماضي، أي: فيما مضى من الزمان، أو فيما انقطع من العمر، ويختص بالنفي ماضيًا. والعامة تقول: لا أفعله قط".

وفي مواضع من البخاري، جاء بعد المثبت منها في الكسوف:"أطول صلاة صليتها قط"، وفي "سنن أبي داود":"توضأ ثلاثًا قط"، وأثبتها ابن مالك في "الشواهد" لغة، قال:"وهي ما خفي على كثير من النحاة"، انتهى.

ص: 1068

فالمعنى: أنه ما أخطأ مؤمنًا فيما مضى قط، وكذا يكون حكمه فيما يبقي، وخلاصته أنه ما يخطى أبدًا، وما أحسن من قال من أرباب الحال:

لقد أحسن الله فيما مضى

كذلك يحسن فيما بقي

(1)

(1)

ذكره في الطيوريات بسنده إلى الفضيل بن عياض (140) قال: أخبرنا أحمد، حدثنا محمد بن المظفر بن موسى الحافظ، حدثنا أحمد بن الحسن.

ابن عبد الجبار الصوفي، حدثنا عبد الصمد بن يزيد مردويه قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول:

أخرجه الأصبهاني في "الترغيب"(1/ 94/ رقم 151) عن الطيوري به.

وأخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(48/ 407) من طريق ابن الطيوري به.

وأخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(8/ 113) من طريق عامر بن عامر، عن الحسن بن علي العابد، عن فضيل نحوه وفيه قصة.

وقد روي مرفوعًا من حديث أبي ذر رضي الله عنه، أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط"(7/ 46)، وفي "مسند الشاميين"(1/ 382) عن محمد بن هارون، عن سليمان بن عبد الرَّحمن، عن يحيى بن حمزة، عن الوضين بن عطاء، عن يزيد بن مرثد عن أبي ذر به مثله.

قال المنذري: "رواه الطبراني بإسناد حسن"، وكذا قال الهيثمي.

انظر الترغيب والترهيب (4/ 53)، ومجمع الزوائد (10/ 202).

ونقل العجلوني في "كشف الخفا"(2/ 293) عن النجم أنه قال: "لم أجده في الحديث المرفوع، وإنما أخرجه الأصبهاني في "الترغيب" عن الفضيل بن عياض من قوله، وفي معناه: ما أخرجه الشيخان وابن ماجة عن ابن مسعود: "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر".

ص: 1069

(ت، مس) أي: رواه الترمذي، والحاكم؛ كلاهما عن ابن عباس:"أنه قال صلى الله عليه وسلم حين جاءه علي رضي الله عنه يشتكي تفلت القرآن. قال الترمذي: "حسن غريب"، وقال الحاكم: "صحيح على شرطهما"

(1)

.

(1)

أخرجه الترمذي (3570)، والحاكم (1/ 317).

وقد استنكره أهل العلم مع الحكم بثقة رجاله.

فقد قال الترمذي: "غريب". لا نعرفه إلَّا من حديث الوليد بن مسلم.

وقال العقيلي: "ليس له أصل".

وقال البيهقي في "الأسماء والصفات"(2/ 115): "وهذا حديث تفرد به أبو أيوب سليمان بن عبد الرَّحمن الدمشقي بهذا اللفظ، فإن كان لفظ النور محفوظا فيه فإنهم كانوا يقولون ذلك ويريدون به نفي النقص عنه لا غير". وأورده ابن الجوزي في الموضوعات (2/ 138): وقال (هذا حديث لا يصح).

وقال الذهبي في الميزان (2/ 213)(وهو مع نظافة سنده حديث منكر جدًّا في نفسي منه شيء فالله أعلم فلعل سليمان شبه له وأدخل عليه كما قال فيه أبو حاتم لو أن رجلًا وضع له حديثًا لم يفهم).

وقال الذهبي في التلخيص (1/ 316)(هذا حديث منكر شاذ أخاف لا يكون موضوعا وقد حيرني واللهُ جودة سنده) قال في الميزان

: إذا قال الوليد عن ابن جريجٍ أو عن الأوزاعي، فليس بمعتمد لأنه يدلس عن الكذابين فإذا قال: حدثنا، فهو حجة.

وقال في "الميزان"(2/ 213) في ترجمة سليمان بن عبد الرَّحمن راويه عن الوليد بن مسلم: وهو مع نظافة سنده منكر جدا في نفسي منه شيء.

وقال في "سير أعلام النبلاء"(9/ 217 و 218) في ترجمة الوليد بن مسلم: أنكر =

ص: 1070

(وإذا أخطأ أو أذنب) شك من الرواي، أو "أو" للتنويع؛ بأن أذنب خطأً أو عمدًا، (فأحب أن يتوب إلى الله، فليأت) أي: فليشرع، (فليمد

= ما له فذكر هذا الحديث.

وقال: هذا عندي موضوع والسلام، ولعل الآفة دخلت على سليمان ابن بنت شرحبيل فيه، فإنه منكر الحديث، وإن كان حافظا، فلو كان قال فيه: عن ابن جريجٍ، لراج، ولكن صرح بالتحديث، فقويت الريبة، وإنما هذا الحديث يرويه هشام بن عمار، عن محمد بن إبراهيم القرشي، عن أبي صالح، عن عكرمة، عن ابن عباس، ومحمد هذا ليس بثقة، وشيخه لا يدرى من هو. وقال ابن كثير في فضائل القرآن ص 92: إن الحديث بين الغرابة بل النكارة. وقال السيوطي في "اللآلي": لم تركن النفس إلى مثل هذا من الحاكم فالحديث يقصر عن الحسن فضلا عن الصحة وفي ألفاظه نكارة.

وصححه المنذري في "الترغيب والترهيب"(2/ 235) حسب شرطه في الكتاب بإيراده بصيغة الجزم، لكن استغرب متنه. وقال: طرق أسانيد هذا الحديث جيدة، ومتنه غريب جدًّا. والله أعلم.

وصححه عبد الحق في "الأحكام الكبرى"(3/ 546) حيث أورده ساكتًا.

والحاصل أن الحديث ورد عن عكرمة من طريقين: الطريق الأولى: الوليد بن مسلم، قال حدثنا ابن جريجٍ عن عطاء ابن أبي رباح، وقد تقدم من خرجه، قد ضعف هذا لطريق بسب تدليس الوليد بن مسلم، فهو مدلس تدليس تسوية.

الطريق الثانية: الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا محمد بن إسحاق القرشي، حدثنا أبو صالح، عن عكرمة، عن ابن عباس. رواه الطبراني كما قال ابن الجوزي في الموضوعات 2: 138، وقال: هذا حديث لا يصح، ومحمد بن إبراهيم مجروح، وأبو صالح لا تعلم إلَّا إسحاق بن نجيح متروك.

ص: 1071

يديه) تفصيل للإتيان، أي: فليرفع يديه (إلى الله عز وجل أي: إلى قبلة دعائه من جهة سمائه.

(ثم يقول: اللهم إني أتوب إليك منها) أي: من هذه المعصية وغيرها، (لا أرجع إليها) أي: خصوصًا، ولا إلى غيرها عمومًا، (أبدًا).

(فإنه) أي: الشأن، (يُغفرُ له) بصيغة المفعول، أي: يغفر له ذنبه، أو جميع معاصيه، (ما لم يرجع في عمله ذلك) أي: فإنه إذا رجع إلى عمله ذلك توقف الغفران على التوبة، أو تعلق المشيئة، والمقصود منه العزم على أن لا يعود، والمداومة على التقوى إلى آخر العمر، لا أنه إذا رجع إلى معصية لم تصح توبته، كما قال به بعض أهل البدعة؛ فإنه يَرُدُّه قوله صلى الله عليه وسلم:"ما أصر من استغفر، ولو عاد في اليوم سبعين مرّة".

وبما حررنا اندفع ما ذكره بعضهم أيضًا من أن التوبة من معصية، مع الإصرار على سائر المعاصي غير صحيحة، وهو قول غير صحيح؛ لأن صحة عمل من الأعمال لا تتوقف على أداء جميع العبادات، فكذا في الواجبات المتروكات، وما لا يدرك كله لا يترك كله، وتحقيق هذا المبحث في "إحياء علوم الدين" للإمام الغزالي، و"شرح منازل السائرين" لابن القيم الجوزي.

(مس) أي: رواه الحاكم عن أبي الدرداء

(1)

.

(1)

أخرجه الحاكم في المستدرك (1/ 516) وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. =

ص: 1072

(ما من رجل يذنب ذنبًا ثم يقوم) أي: عن ذلك الذَّنْب بأن يتركه خوفًا لله تعالى وندمًا على ما فعله، فيتطهر) أي: يغتسل وهو أكمل، أو "فيتوضأ" كما في رواية ابن السني

(1)

.

(ثم يصلي) أي: "ركعتين" كما رواه ابن السني، وتسمى صلاة التوبة، (ثم يستغفر الله) أي:"لذلك الذَّنْب"، كما [زاده]

(2)

ابن السني، (إلَّا غفر له) وفي نسخة:"إلَّا غفر الله له".

(عه، حب، ي) أي رواه: الأربعة، وابن حبان، وابن السني، كلهم عن

= كرره الحاكم (4/ 261) من وجه آخر عن عبد الرَّحمن بن المبارك العبسي ثنا فضيل بن سليمان ثنا موسى بن عقبة.

وعنه وعن غيره أخرجه البيهقي في "الشعب"(7080) والطبراني في "الدعاء" 207)، والبيهقي في "الكبرى"(10/ 154) عن فضيل بن سليمان النميري عن موسى بن عقبة.

وقال البيهقي: وروي ذلك عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا.

ثم خرجه في "الشعب"(7081) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ نا أبو العباس هو الأصم نا أحمد بن عبد الجبار نا حفص بن غياث عن أشعث عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أذنب عبد ذنبا ثم توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى براز من الأرض فصلى فيه ركعتين واستغفر الله من ذلك الذَّنْب إلَّا غفر الله له" وانظر السلسلة الضعيفة (4115).

(1)

ابن السني في "عمل اليوم والليلة"(360).

(2)

كذا في (أ) و (ب) و (د)، وفي (ج):"رواه".

ص: 1073

أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قال الترمذي:"حسن غريب"

(1)

.

وفي "الرياض" عن علي رضي الله عنه قال: "كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا نفعني الله بما شاء؛ فإذا حدثني عنه غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدَّقته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليس من عبد يذنب ذنبًا فيقوم فيحسن الوضوء، ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر، إلَّا غفر الله له. رواه النسائي.

(2)

(1)

أخرجه أبو داود (1521)، والترمذي (406)، وقال: حديث علي حديث حسن، لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، من حديث عثمان بن المغيرة، وروى عنه شعبة وغير واحدٍ فرفعوه مثل حديث أبي عوانة، ورواه سفيان الثوري ومِسْعر فأوقفاه، ولم يرفعاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي أبواب التفسير (3006) وزاد: ولا نعرف لأسماء بنت الحكم حديث إلَّا هذا، وابن ماجة (1395)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (414) و (417)، والبزار (6، 7، 8، 9، 10، 11)، وابن حبان (623)، والبيهقي في الدعوات الكبير (141)، والمروزي في مسند أبي بكر (11) وجوّد إسناده الحافظ في "تهذيب التهذيب"(1/ 267 - 268)، وقال عن أسماء بن الحكم الفزاري: صدوق، التقريب (412).

(2)

أخرجه أبو داود (1521)، والترمذي (406)، وقال: حديث علي حديث حسن، لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، من حديث عثمان بن المغيرة، وروى عنه شعبة وغير واحدٍ فرفعوه مثل حديث أبي عوانة، ورواه سفيان الثوري ومِسْعر فأوقفاه، ولم يرفعاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي أبواب التفسير (3006) وزاد: ولانعرف لأسماء بنت الحكم حديث إلَّا هذا، وابن ماجة (1395)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (414) و (417)، والبزار (6، 7، 8، 9، 15، 11)، وابن حبان (623)، والبيهقي في الدعوات الكبير (141)، والمروزي في مسند أبي بكر =

ص: 1074

وفي رواية قال: "فجعل عليّ ينادي بها على المنبر: صدق أبو بكر، صدق أبو بكر، صدق أبو بكر؛ وذلك أن الله يقول:{وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 110].

(وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال: وَا ذُنُوبَاهْ!) بسكون الهاء بعد زيادة الألف في آخر المندوب، لمد الصوت المطلوب، في الندبة حال الوقف لبيان المدة دون الوصل، إلَّا لضرورة الشعر، واختص المندوب وهو المتفجع عليه ثبوتًا بِ "وَا" ممتازًا به عن المنادى، لعدم دخوله عليه، بخلاف "يا"؛ فإنه مشترك بينهما، فيقال:"يا حسرتاه"، و"يا مصيبتاه".

(وَا ذُنُوبَاهْ) التكرير للتأكيد أو للتكثير، ويؤيده قوله:(فقال: قل: اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبي، ورحمتك أرجى عندي من عملي) أي: من عباداتي؛ (فقالها) أي: الكلمات، (ثم قال: عند) بضم فسكون أمر من العود، أي: قل مرّة أخرى، (فعاد) أي: فقالها ثانيًا، (ثم قال: عُدْ فعاد، فقال: قم فقد غفر الله لك. مس) أي: رواه الحاكم عن جابر بن عبد الله الأنصاري

(1)

.

= (11) وجوّد إسناده الحافظ في "تهذيب التهذيب"(1/ 267 - 268)، وقال عن أسماء بن الحكم الفزاري: صدوق، التقريب (412).

(1)

أخرجه الحاكم (1/ 543)، وقال: حديث رواته عن آخرهم مدنيون ممن لا يعرف واحد منهم بجرح ولم يخرجاه، وقال الذهبي: سمعه إبراهيم بن المنذر وهو مدنيون ولم يجرحوا. قال المنذري في "الترغيب والترهيب"(2/ 311): =

ص: 1075

(إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) قال التوربشتي: "بسط اليد: كناية عن سعة الجود

(1)

، وفي الحديث تنبيه على سعة رحمة اللَّه، وكثرة تجاوزه عن الذنوب".

وقال الطيبي: "هو تمثيل يدلُّ على أن التوبة مطلوبة عنده، محبوبة لديه، كأنه يتقاضى من المسيء".

(حتى تطلع الشمس من مغربها) أي: فإنه ينغلق حينئذ باب التوبة، كما قال تعالى:{يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158].

والمراد بالبعض هو الطلوع، وسببه أن الأمر حينئذ يصير عيانًا، وفي معناه حال الغرغرة، فإنه حال اليالس، وقد ورد:"أن اللَّه تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر". (م، مس) أي رواه: مسلم، والحاكم، عن أبي موسى تطلع الشمس من مغربها

(2)

.

= رواه الحاكم وقال رواته مدنيون لا يعرف واحد منهم بجرح والحديث في "ضعيف الترغيب"(1057).

(1)

سبق وأن تحدثنا أن أهل السنة والجماعة يثبتون الصفات كما جاءت بدون تأويل، والذي ذكره الشارح عن التوربشتي فيه تأويل.

(2)

أخرجه مسلم (2759)، والنسائي في الكبرى (11180)، وفي التفسير (200) ولم أجده في المستدرك ولم يعزه إليه الحافظ ابن حجر في إتحاف المهرة (12391).

ص: 1076

(وجاء رجل) وفي "أصل الأصيل": "وجاءه رجل"؛ (فقال: يا رسول اللَّه، أحدنا يذنب) أي: يقع في ذنب، في حاله؟ (فقال: يُكْتَبُ عليه) بصيغة المجهول، أي: يكتبه صاحب الشمال من الكرام الكاتبين.

(قال: ثم يستغفر منه) أي: بلسانه، (ويتوب) أي: منه بجنانه، (قال: يغفر له، ويتاب عليه) أي: يقبل توبته إذا وجدت بجميع شرائطها، أو يعاد عليه بالرحمة. وفي نسخة بالمثلثة، أي: يجازى عليه.

(قال: فيعود) أي: فيرجع إلى المعصية، أو عن التوبة، فيذنب؟! قال: يكتب عليه، قال: ثم يستغفر منه ويتوب؟ قال: يغفر له، ويتاب عليه) أي: وهكذا إلى آخر العمر.

(ولا يمل الله حتى تملوا) قال المصنف: "بفتح حرف المضارعة وحرف الميم [منهما]

(1)

، قيل معناه: "إن الله لا يمل أبدًا مللتم أولم تملوا، فجرى مجرى قولهم: يشيب الغراب، ويبيض الفأر.

وقيل: لا يظهر حكم حتى تتركوا العمل، وتزهدوا في الرغبة إليه، فسمى الفعلين ملَلًا، وكلاهما ليس بملل، كعادة العرب في وضع الفعل موضع الفعل إذا وفق معناه، وقيل معناه: إن اللَّه لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا سؤاله، فسمى فعل الله تعالى: مللًا على سبيل الازدواج، كقوله تعالى:{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40]، وهو باب واسع

(1)

كذا في (ب) و (د)، وفي (أ) و (ج):"فيهما"، وليست في "مفتاح الحصمن الحصين".

ص: 1077

في العربية"

(1)

، انتهى. وفي "النهاية":"ومنه قوله تعالى: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] ".

وقال ميرك: "الملال: استثقال الشيء، ونفور النفس بعد محبته، وهو على الله محال، فقيل: "حتى" ليست من بابها وعلى حقيقتها، بل معناه: لا يمل الله إذا مللتم، وقيل معناه: لا يمل الله وتملون، فـ "حتى" بمعنى الواو، فنفي عنه الملال، وأثبت لهم.

(طس، ط) أي رواه: الطبراني في "الأوسط"، وهو أيضًا في "الكبير" عن عقبة بن عامر

(2)

.

* * *

(1)

"مفتاح الحصن الحصين"(ل 13/ أ).

(2)

أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"(17/ 287) رقم (791)، والأوسط 8689، وفي الدعاء (1781).

وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن عقبة إلَّا بهذا الإسناد تفرد به يزيد بن أبي حبيب.

والحديث حسنه الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 200) قال: إسناده حسن.

والحافظ في "الأمالي المطلقة"(ص 134) قال: هذا حديث حسن صحيح

رجاله رجال الصحيح من الليث فصاعدا لكن عبد الله بن صالح وإن كان البخاري يعتمده فإن حفظه ساء في الآخرة ولم أره إلَّا من طريقه.

ص: 1078