الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سُورَة الْأَنْفَال
(8)
سُورَة الْأَنْفَال مَدَنِيَّة وآياتها خمس وَسَبْعُونَ أخرج النّحاس فِي ناسخه وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه من طرق عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: نزلت سُورَة الْأَنْفَال بِالْمَدِينَةِ
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن عبد الله بن الزبير قَالَ: نزلت بِالْمَدِينَةِ سُورَة الْأَنْفَال
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن زيد بن ثَابت قَالَ: نزلت الْأَنْفَال بِالْمَدِينَةِ
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَالْبُخَارِيّ وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن سعيد بن جُبَير قَالَ: قلت لِابْنِ عَبَّاس: سُورَة الْأَنْفَال قَالَ: نزلت فِي بدر
وَفِي لفظ: تِلْكَ سُورَة بدر
بسم الله الرحمن الرحيم
الْآيَة 1
أخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد وَابْن جرير وَابْن مرْدَوَيْه عَن سعد بن أبي وَقاص قَالَ: لما كَانَ يَوْم بدر قتل أخي عُمَيْر وَقتلت سعيد بن العَاصِي وَأخذت سَيْفه وَكَانَ يُسمى ذَا الكتيعة فَأتيت بِهِ النَّبِي فَقَالَ اذْهَبْ فَاطْرَحْهُ فِي الْقَبْض
فَرَجَعت وَبِي مَا لَا يُعلمهُ إِلَّا الله من قتل أخي وَأخذ سَلبِي فَمَا جَاوَزت إِلَّا يَسِيرا حَتَّى نزلت سُورَة
الْأَنْفَال
فَقَالَ لي رَسُول الله: اذْهَبْ فَخذ سَيْفك
وَأخرج أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن سعد قَالَ: قلت:
يَا رَسُول الله قد شفاني الله الْيَوْم من الْمُشْركين فَهَب لي هَذَا السَّيْف قَالَ: إِن هَذَا السَّيْف لَا لَك وَلَا لي ضَعْهُ
فَوَضَعته ثمَّ رجعت قلت: عَسى يعْطى هَذَا السَّيْف الْيَوْم من لَا يبْلى بلائي إِذا رجل يدعوني من ورائي قلت: قد أنزل الله فِي شَيْء قَالَ: كنت سَأَلتنِي هَذَا السَّيْف وَلَيْسَ هُوَ لي وَإِنِّي قد وهب لي فَهُوَ لَك وَأنزل الله هَذِه الْآيَة {يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال قل الْأَنْفَال لله وَالرَّسُول}
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه عَن سعد بن أبي وَقاص قَالَ: نزلت فيَّ أَربع آيَات
بر الْوَالِدين وَالنَّفْل وَالثلث وَتَحْرِيم الْخمر
وَأخرج الطَّيَالِسِيّ وَالْبُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد وَمُسلم والنحاس فِي ناسخه وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب عَن سعد بن أبي وَقاص قَالَ: نزلت فيَّ أَربع آيَات من كتاب الله كَانَت أُمِّي حَلَفت أَن لَا تَأْكُل وَلَا تشرب حَتَّى أُفَارِق مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم: فَأنْزل الله (وَإِن جَاهَدَاك على أَن تشرك بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم فَلَا تطعهما وصاحبهما فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفا)(لُقْمَان الْآيَة 15) وَالثَّانيَِة أَنِّي كنت أخذت سَيْفا أعجبني فَقلت: يَا رَسُول الله هَب لي هَذَا فَنزلت {يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال} وَالثَّالِثَة إِنِّي مَرضت فَأَتَانِي رَسُول الله فَقلت: يَا رَسُول الله إِنِّي أُرِيد أَن أقسم مَالِي أفأوصي بِالنِّصْفِ قَالَ: لَا
فَقلت: الثُّلُث
فَسكت فَكَانَ الثُّلُث بعده جَائِزا وَالرَّابِعَة اني شربت الْخمر مَعَ قوم من الْأَنْصَار فَضرب رجل مِنْهُم أنفي بلحيي جمل فَأتيت النَّبِي فَأنْزل الله تَحْرِيم الْخمر
وَأخرج عبد بن حميد والنحاس وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن سعد قَالَ: أصَاب رَسُول الله غنيمَة عَظِيمَة فَإِذا فِيهَا سيف فَأَخَذته فَأتيت بِهِ رَسُول الله فَقلت: نفلني هَذَا السَّيْف فَأَنا من عملت
فَقَالَ رده من حَيْثُ أَخَذته فَرَجَعت بِهِ حَتَّى إِذا أردْت أَن ألقيه فِي الْقَبْض لأمتني نَفسِي فَرَجَعت إِلَيْهِ فَقلت: اعطنيه
فشدَّ لي صَوته وَقَالَ: رده من حَيْثُ أَخَذته
فَأنْزل الله {يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال}
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن سعد قَالَ: نفلني النَّبِي يَوْم بدر سَيْفا وَنزل فِي النَّفْل
وَأخرج الطَّيَالِسِيّ وَأَبُو نعيم فِي الْمعرفَة من طَرِيق مُصعب بن سعد عَن سعد قَالَ:
أصبت سَيْفا يَوْم بدر فَأتيت بِهِ النَّبِي فَقلت: يَا رَسُول الله نفلنيه فَقَالَ ضَعْهُ من حَيْثُ أَخَذته فَنزلت {يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال} وَهِي قِرَاءَة عبد الله هَكَذَا الْأَنْفَال
وَأخرج أَحْمد وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن أبي أُمَامَة قَالَ: سَأَلت عبَادَة بن الصَّامِت عَن الْأَنْفَال فَقَالَ: فِينَا أَصْحَاب بدر نزلت حِين اخْتَلَفْنَا فِي النَّفْل فَسَاءَتْ فِيهِ أَخْلَاقنَا فانتزعه الله من أَيْدِينَا وَجعله إِلَى رَسُول الله فَقَسمهُ رَسُول الله بَين الْمُسلمين عَن بَرَاءَة يَقُول: عَن سَوَاء
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَأحمد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن حبَان وَأَبُو الشَّيْخ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن عبَادَة بن الصَّامِت قَالَ خرجنَا مَعَ رَسُول الله فَشَهِدت مَعَه بدر فَالتقى النَّاس فَهزمَ الله العدوّ فَانْطَلَقت طَائِفَة فِي آثَارهم منهزمون يقتلُون واكبت طَائِفَة على الْعَسْكَر يحوزونه ويجمعونه وَأَحْدَقَتْ طَائِفَة برَسُول الله لَا يُصِيب العدوّ مِنْهُ غرَّة حَتَّى إِذا كَانَ اللَّيْل وَفَاء النَّاس بَعضهم إِلَى بعض قَالَ الَّذين جمعُوا الْغَنَائِم: نَحن حَوَيْنَاهَا وجمعناها فَلَيْسَ لأحد فِيهَا نصيب
وَقَالَ الَّذين خَرجُوا فِي طلب العدوّ: لَسْتُم بِأَحَق بهَا منا نَحن نَفينَا عَنْهَا الْعَدو وهزمناهم
وَقَالَ الَّذين أَحدقُوا برَسُول الله: لَسْتُم بِأَحَق بهَا منا نَحن أَحدقنَا برَسُول الله وخفنا أَن يُصِيب العدوّ مِنْهُ غرَّة وَاشْتَغَلْنَا بِهِ فَنزلت {يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال قل الْأَنْفَال لله وَالرَّسُول فَاتَّقُوا الله وَأَصْلحُوا ذَات بَيْنكُم} فَقَسمهَا رَسُول الله بَين الْمُسلمين وَكَانَ رَسُول الله إِذا أغار فِي أَرض العدوّ وَنفل الرّبع وَإِذا أقبل رَاجعا وكل النَّاس نفل الثُّلُث وَكَانَ يكره الْأَنْفَال وَيَقُول: ليرد قويُّ الْمُسلمين على ضعيفهم
وَأخرج إِسْحَق بن رَاهَوَيْه فِي مُسْنده وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ قَالَ بعث رَسُول الله سَرِيَّة فنصرها الله وَفتح عَلَيْهَا فَكَانَ من أَتَاهُ بِشَيْء نفله من الْخمس فَرجع رجال كَانُوا يَسْتَقْدِمُونَ وَيقْتلُونَ وَيَأْسِرُونَ وَيقْتلُونَ وَتركُوا الْغَنَائِم خَلفهم فَلم ينالوا من الْغَنَائِم شَيْئا
فَقَالُوا: يَا يَا رَسُول الله مَا بَال رجال منا يَسْتَقْدِمُونَ وَيَأْسِرُونَ وتخلف رجال لم يصلوا بِالْقِتَالِ فنفلتهم من الْغَنِيمَة فَسكت رَسُول الله وَنزل {يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال} الْآيَة
فَدَعَاهُمْ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
فَقَالَ: ردوا مَا أَخَذْتُم واقتسموه بِالْعَدْلِ والسوية فَإِن الله يَأْمُركُمْ بذلك
قَالُوا: قد احتسبنا وأكلنا قَالَ: احتسبوا ذَلِك
وَأخرج ابْن جرير وَابْن مرْدَوَيْه عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّاس سَأَلُوا النَّبِي الْغَنَائِم يَوْم بدر فَنزلت {يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال}
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: لم ينفل النَّبِي صلى الله عليه وسلم بعد إِذْ أنزلت عَلَيْهِ {يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال} إِلَّا من الْخمس فَإِنَّهُ نفل يَوْم خَيْبَر من الْخمس
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن حبيب بن مسلمة الفِهري قَالَ: كَانَ رَسُول الله ينفل الثُّلُث بعد الْخمس
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن حبَان وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: لما كَانَ يَوْم بدر قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم من قتل قَتِيلا فَلهُ كَذَا وَكَذَا وَمن أسر أَسِيرًا فَلهُ كَذَا وَكَذَا
فَأَما المشيخة فثبتوا تَحت الرَّايَات وَأما الشبَّان فتسارعوا إِلَى الْقَتْل والغنائم فَقَالَت المشيخة للشبان: أشركونا مَعكُمْ فَإنَّا كُنَّا لكم ردأً وَلَو كَانَ مِنْكُم شَيْء لَلَجَأْتم إِلَيْنَا فاختصموا إِلَى النَّبِي فَنزلت {يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال قل الْأَنْفَال لله وَالرَّسُول} فقسم الْغَنَائِم بَينهم بِالسَّوِيَّةِ
وَأخرج عبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف وَعبد بن حميد وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: لما كَانَ يَوْم بدر قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من قتل قَتِيلا فَلهُ كَذَا وَمن جَاءَ بأسير فَلهُ كَذَا
فجَاء أَبُو الْيُسْر بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ بأسيرين فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنَّك قد وعدتنا
فَقَامَ سعد بن عبَادَة فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنَّك إِن أَعْطَيْت هَؤُلَاءِ لم يبْق لأصحابك شَيْء وَإنَّهُ لم يمنعنا من هَذَا زهادة فِي الْأجر وَلَا جبن عَن الْعَدو وَإِنَّمَا قمنا هَذَا الْمقَام مُحَافظَة عَلَيْك أَن يأتوك من ورائك فتشاجروا فَنزل الْقُرْآن {يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال} وَكَانَ أَصْحَاب عبد الله يقرأونها {يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال قل الْأَنْفَال لله وَالرَّسُول فَاتَّقُوا الله وَأَصْلحُوا ذَات بَيْنكُم} فِيمَا تشاجرتم بِهِ فَسَلمُوا الْغَنِيمَة لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَنزل الْقُرْآن (وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه)(الْأَنْفَال الْآيَة 41) إِلَى آخر الْآيَة
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بعث سَرِيَّة فَمَكثَ
ضعفاء النَّاس فِي الْعَسْكَر فَأصَاب أهل السّريَّة غَنَائِم فَقَسمهَا رَسُول الله بَينهم كلهم فَقَالَ أهل السّريَّة: يقاسمنا هَؤُلَاءِ الضُّعَفَاء وَكَانُوا فِي الْعَسْكَر لم يشخصوا مَعنا فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَهل تنْصرُونَ إِلَّا بضعفائكم فَأنْزل الله {يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال}
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن عَائِشَة أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم لما انْصَرف من بدر وَقدم الْمَدِينَة أنزل الله عَلَيْهِ سُورَة الْأَنْفَال فَعَاتَبَهُ فِي إحلال غنيمَة بدر وَذَلِكَ أَن رَسُول الله قسمهَا بَين أَصْحَابه لما كَانَ بَينهم من الْحَاجة إِلَيْهَا وَاخْتِلَافهمْ فِي النَّفْل يَقُول الله {يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال قل الْأَنْفَال لله وَالرَّسُول فَاتَّقُوا الله وَأَصْلحُوا ذَات بَيْنكُم وَأَطيعُوا الله وَرَسُوله إِن كُنْتُم مُؤمنين} فَردهَا الله على رَسُوله فَقَسمهَا بَينهم على السوَاء فَكَانَ فِي ذَلِك تقوى الله وطاعته وَطَاعَة رَسُوله وَصَلَاح ذَات الْبَين
وَأخرج ابْن جرير عَن مُجَاهِد إِنَّهُم سَأَلُوا النَّبِي عَن الْخمس بعد الْأَرْبَعَة الْأَخْمَاس فَنزلت {يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال}
وَأخرج عبد بن حميد عَن عِكْرِمَة {يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال} قَالَ: كَانَ هَذَا يَوْم بدر
وَأخرج النّحاس فِي ناسخه عَن سعيد بن جُبَير
أَن سَعْدا ورجلاً من الْأَنْصَار خرجا يتنفلان فوجدا سَيْفا ملقى فخرّا عَلَيْهِ جَمِيعًا فَقَالَ سعد: هُوَ لي
وَقَالَ الْأنْصَارِيّ: هُوَ لي
قَالَ: لَا أسلمه حَتَّى آتِي رَسُول الله فَأتيَاهُ فقصا عَلَيْهِ الْقِصَّة فَقَالَ رَسُول الله لَيْسَ لَك يَا سعد وَلَا للْأَنْصَارِيِّ وَلكنه لي فَنزلت {يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال قل الْأَنْفَال لله وَالرَّسُول فَاتَّقُوا الله وَأَصْلحُوا ذَات بَيْنكُم وَأَطيعُوا الله وَرَسُوله} يَقُول: سلما السَّيْف إِلَى رَسُول الله ثمَّ نسخت هَذِه الْآيَة فَقَالَ (وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَإِن لله خَمْسَة وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل)(الْأَنْفَال الْآيَة 41)
وَأخرج مَالك وَابْن أبي شيبَة وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم والنحاس فِي ناسخه عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بعث سَرِيَّة قبل نجد فغنموا ابلاً كثيرا فَصَارَت سُهْمَانهمْ اثْنَي عشر بَعِيرًا ونفلوا بَعِيرًا بَعِيرًا
وَأخرج ابْن عَسَاكِر من طَرِيق مَكْحُول عَن الْحجَّاج بن سُهَيْل النصري وَقيل إِن لَهُ صُحْبَة قَالَ: لما كَانَ يَوْم بدر قَاتَلت طَائِفَة من الْمُسلمين وَثبتت طَائِفَة عِنْد رَسُول الله فَجَاءَت الطَّائِفَة الَّتِي قَاتَلت بالاسلاب وَأَشْيَاء أصابوها فقسمت الْغَنِيمَة بَينهم وَلم يقسم للطائفة الَّتِي لم تقَاتل
فَقَالَت الطَّائِفَة الَّتِي لم تقَاتل: اقسموا لنا
فَأَبت وَكَانَ بَينهم فِي ذَلِك كَلَام فَأنْزل الله {يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال قل الْأَنْفَال لله وَالرَّسُول فَاتَّقُوا الله وَأَصْلحُوا ذَات بَيْنكُم} فَكَانَ صَلَاح ذان بَينهم إِن ردوا الَّذِي كَانُوا أعْطوا مَا كَانُوا أخذُوا
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال قل الْأَنْفَال لله وَالرَّسُول} قَالَ الْأَنْفَال: الْمَغَانِم كَانَ لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم خَالِصَة لَيْسَ لأحد مِنْهَا شَيْء مَا أصَاب سَرَايَا الْمُسلمين من شَيْء أَتَوْهُ بِهِ فَمن حبس مِنْهُ إبرة أَو سلكاً فَهُوَ غلُول
فسألوا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَن يعطيهم مِنْهَا شَيْئا
فَأنْزل الله {يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال قل الْأَنْفَال} لي جَعلتهَا لرسولي لَيْسَ لكم مِنْهُ شَيْء {فَاتَّقُوا الله وَأَصْلحُوا ذَات بَيْنكُم} إِلَى قَوْله {إِن كُنْتُم مُؤمنين} ثمَّ أنزل الله (وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء)(الْأَنْفَال الْآيَة 41) الْآيَة
ثمَّ قسم ذَلِك الْخمس لرَسُول الله وَلِذِي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين والمهاجرين فِي سَبِيل الله وَجعل أَرْبَعَة أَخْمَاس النَّاس فِيهِ سَوَاء
لفرس سَهْمَان ولصاحبه سهم وللراجل سهم
وَأخرج أَبُو عبيد وَابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال} قَالَ: هِيَ الْغَنَائِم ثمَّ نسخهَا (وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء)(الْأَنْفَال الْآيَة 41) الْآيَة
وَأخرج مَالك وَابْن أبي شيبَة وَأَبُو عبيد وَعبد بن حميد وَابْن جرير والنحاس وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد قَالَ: سَمِعت رجلا يسْأَل ابْن عَبَّاس عَن الْأَنْفَال فَقَالَ: الْفرس من النَّفْل وَالسَّلب من النَّفْل فَأَعَادَ المسئلة فَقَالَ ابْن عَبَّاس: ذَلِك أَيْضا ثمَّ قَالَ الرجل: الْأَنْفَال الَّتِي قَالَ الله فِي كتابهما مَا هِيَ فَلم يزل يسْأَله حَتَّى كَاد يحرجه فَقَالَ ابْن عَبَّاس: هَذَا
مثل صبيغ الَّذِي ضربه عمر
وَفِي لفظ: فَقَالَ: مَا أحوجك إِلَى من يَضْرِبك كَمَا فعل عمر بصبيغ الْعِرَاقِيّ وَكَانَ عمر ضربه حَتَّى سَالَتْ الدِّمَاء على عَقِبَيْهِ
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الْأَنْفَال: الْمَغَانِم أمروا أَن يصلحوا ذَات بَينهم فِيهَا فَيرد الْقوي على الضَّعِيف
وَأخرج عبد بن حميد والنحاس وَابْن الْمُنْذر وَابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ عَن عَطاء فِي قَوْله {يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال} هُوَ مَا شَذَّ من الْمُشْركين إِلَى الْمُسلمين بِغَيْر قتال من عبد أَو دَابَّة أَو مَتَاع فَذَلِك للنَّبِي يصنع بِهِ مَا شَاءَ
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُحَمَّد بن عَمْرو قَالَ: أرسلنَا إِلَى سعيد بن الْمسيب نَسْأَلهُ عَن الْأَنْفَال فَقَالَ: تَسْأَلُونِي عَن الْأَنْفَال وَإنَّهُ لَا نفل بعد رَسُول الله
وَأخرج عبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف عَن ابْن الْمسيب أَن النَّبِي لم يكن ينفل إِلَّا من الْخمس
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد عَن ابْن الْمسيب قَالَ: مَا كَانُوا ينفلون إِلَّا الْخمس
وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن ابْن الْمسيب قَالَ: لَا نفل فِي غَنَائِم الْمُسلمين إِلَّا فِي خمس الْخمس
وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن أنس
أَن أَمِيرا من الْأُمَرَاء أَرَادَ أَن ينفلهُ قبل أَن يخمسه فَأبى أنس أَن يقبله حَتَّى يخمسه
وَأخرج ابْن جرير عَن الضَّحَّاك قَالَ: هِيَ فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود يسئلونك الْأَنْفَال
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق شَقِيق عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَرَأَ / يسئلونك عَن الْأَنْفَال /
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ {يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال} قَالَ: الْفَيْء مَا أُصِيب من أَمْوَال الْمُشْركين مِمَّا لم يوجف عَلَيْهِ بخيل وَلَا ركاب فَهُوَ للنَّبِي صلى الله عليه وسلم خَاصَّة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن أبي حَاتِم عَن الشّعبِيّ فِي قَوْله {يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال} قَالَ: مَا أَصَابَت السَّرَايَا
وَأخرج ابْن أبي شيبَة والنحاس فِي ناسخه وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد وَعِكْرِمَة قَالَا:
كَانَت الْأَنْفَال لله وَالرَّسُول حَتَّى نسخهَا آيَة الْخمس (وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء)(الْأَنْفَال الْآيَة 41) الْآيَة
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن الْأَعْمَش قَالَ: كَانَ أَصْحَاب عبد الله يقرؤنها يسئلونك الْأَنْفَال
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالْبُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {فَاتَّقُوا الله وَأَصْلحُوا ذَات بَيْنكُم} قَالَ: هَذَا تحريج من الله على الْمُؤمنِينَ أَن يتقوا الله وَأَن يصلحوا ذَات بَينهم حَيْثُ اخْتلفُوا فِي الْأَنْفَال
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ فِي قَوْله {وَأَصْلحُوا ذَات بَيْنكُم} قَالَ: لَا تستبوا
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مَكْحُول قَالَ: كَانَ صَلَاح ذَات بَينهم إِن ردَّتْ الْغَنَائِم فقسمت بَين من ثَبت عِنْد رَسُول الله وَبَين من قَاتل وغنم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عَطاء فِي قَوْله {وَأَطيعُوا الله وَرَسُوله} قَالَ: طَاعَة الرَّسُول اتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة
وَأخرج أَبُو يعلى وَأَبُو الشَّيْخ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَتعقبه الذَّهَبِيّ عَن أنس قَالَ بَينا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم جَالس إِذْ رَأَيْنَاهُ ضحك حَتَّى بَدَت ثناياه فَقَالَ عمر: مَا أضْحكك يَا رَسُول الله قَالَ: رجلا جثيا من أمتِي بَين يَدي رب الْعِزَّة فَقَالَ أَحدهمَا: يَا رب خُذ لي مظلمتي من أخي
قَالَ الله: أعْط أَخَاك مظلمته
قَالَ: يَا رب لم يبْق من حسناتي شَيْء
قَالَ: يَا رب يحمل عني من أوزاري
وفاضت عينا رَسُول الله بالبكاء ثمَّ قَالَ: إِن ذَلِك ليَوْم عَظِيم يَوْم تحْتَاج النَّاس إِلَى أَن يتَحَمَّل عَنْهُم من أوزارهم
فَقَالَ الله للطَّالِب: ارْفَعْ بَصرك فَانْظُر فِي الْجنان فَرفع رَأسه فَقَالَ: يَا رب أرى مَدَائِن من فضَّة وقصوراً من ذهب مكللة بِاللُّؤْلُؤِ لأي نَبِي هَذَا لأي صديق هَذَا لأي شَهِيد هَذَا قَالَ: هَذَا لمن أعْطى الثّمن قَالَ: يَا رب من يملك ثمنه قَالَ: أَنْت
قَالَ: بِمَاذَا قَالَ: بعفوك عَن أَخِيك
قَالَ: يَا رب قد عَفَوْت عَنهُ
قَالَ: خُذ بيد أَخِيك فَأدْخلهُ الْجنَّة ثمَّ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: اتَّقوا الله وَأَصْلحُوا ذاتْ بَيْنكُم فَإِن الله يصلح بَين الْمُؤمنِينَ يَوْم الْقِيَامَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن أم هَانِئ أُخْت عَليّ بن أبي طَالب قَالَت: قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم أخْبرك أَن الله تبارك وتعالى وتقدس يجمع الأوّلين والآخرين يَوْم الْقِيَامَة فِي صَعِيد وَاحِد فَمن يدْرِي أَي الطَّرفَيْنِ فَقَالَت: الله وَرَسُوله أعلم
ثمَّ يُنَادي مُنَاد من تَحت الْعَرْش يَا أهل التَّوْحِيد
فَيَشْرَئِبُّونَ ثمَّ يُنَادي: يَا أهل التَّوْحِيد
ثمَّ يُنَادي الثَّالِثَة إِن الله قد عَفا عَنْكُم فَيقوم النَّاس قد تعلق بَعضهم بِبَعْض فِي ظلامات الدُّنْيَا ثمَّ يُنَادي: يَا أهل التَّوْحِيد يعْفُو بَعْضكُم عَن بعض وعَلى الله الثَّوَاب
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة نَادَى مُنَاد: يَا أهل التَّوْحِيد إِن الله قد عَفا عَنْكُم فليعف بَعْضكُم عَن بعض وَعلي الثَّوَاب
الْآيَة 2
أخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم} قَالَ: فرقت قُلُوبهم
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم} قَالَ: المُنَافِقُونَ لَا يدْخل قُلُوبهم شَيْء من ذكر الله عِنْد أَدَاء فَرَائِضه وَلَا يُؤمنُونَ بِشَيْء من آيَات الله وَلَا يَتَوَكَّلُونَ على الله وَلَا يصلونَ إِذا غَابُوا وَلَا يؤدون زَكَاة أَمْوَالهم فاخبر الله أَنهم لَيْسُوا بمؤمنين ثمَّ وصف الْمُؤمنِينَ فَقَالَ {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم} فأدوا فَرَائِضه
وَأخرج الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ وَابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ من طَرِيق شهر بن حَوْشَب عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ: إِنَّمَا الوجل فِي الْقلب كاحتراق السعفة يَا شهر أما تَجِد قشعريرة قلت: بلَى
قَالَ: فَادع عِنْدهَا فَإِن الدُّعَاء يُسْتَجَاب عِنْد ذَلِك
وَأخرج الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ عَن عَائِشَة قَالَ: مَا الوجل فِي قلب الْمُؤمن إِلَّا كضرمة السعفة فَإِذا وجد أحدكُم فَليدع عِنْد ذَلِك
وَأخرج الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ عَن ثَابت الْبنانِيّ قَالَ: قَالَ فلَان: إِنِّي لأعْلم مَتى
يُسْتَجَاب لي
قَالُوا: وَمن أَيْن يعلم ذَاك قَالَ: إِذا اقشعر جلدي ووجل قلبِي وفاضت عَيْنَايَ فَذَاك حِين يُسْتَجَاب لي
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن السّديّ فِي قَوْله {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم} قَالَ: هُوَ الرجل يُرِيد أَن يظلم أَو يهم بِمَعْصِيَة فَيُقَال لَهُ: اتَّقِ الله
فيجل قلبه
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {زادتهم إِيمَانًا} قَالَ: تَصْدِيقًا
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الرّبيع بن أنس فِي قَوْله {زادتهم إِيمَانًا} قَالَ: زادتهم خشيَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد فِي قَوْله {زادتهم إِيمَانًا} قَالَ: الإِيمان يزِيد وَينْقص وَهُوَ قَول وَعمل
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ: نطق الْقُرْآن بِزِيَادَة الإِيمان ونقصانه قَوْله {زادتهم إِيمَانًا} فَهَذِهِ زِيَادَة الْأَيْمَان وَإِذا غفلنا ونيسنا وضيعنا فَذَلِك نقصانه
وَأخرج الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ عَن عمر بن الْخطاب قَالَ: لَو وزن إِيمَان أبي بكر بِإِيمَان أهل الأَرْض لرجح إِيمَان أبي بكر
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ} يَقُول: لَا يرجون غَيره
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد فِي الزّهْد وَعبد بن حميد وَابْن أبي حَاتِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن سعيد بن جُبَير قَالَ: التَّوَكُّل على الله جماع الإِيمان
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: التَّوَكُّل جماع الإِيمان
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم من وَجه آخر عَن سعيد بن جُبَير قَالَ: التَّوَكُّل على الله نصف الْإِيمَان
الْآيَات 3 - 4
أخرج أَبُو الشَّيْخ عَن حسان بن عَطِيَّة قَالَ: إِن الايمان فِي كتاب الله صَار إِلَى الْعَمَل فَقَالَ {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم وَإِذا تليت عَلَيْهِم آيَاته زادتهم إِيمَانًا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ} ثمَّ صيرهم إِلَى الْعَمَل فَقَالَ {الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا}
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا} قَالَ: برئوا من الْكفْر
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس {أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا} قَالَ: خَالِصا
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة فِي قَوْله {أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا} قَالَ: استحقوا الايمان بِحَق فاحقه الله لَهُم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق يحيى بن الضريس عَن أبي سِنَان قَالَ: سُئِلَ عَمْرو بن مرّة عَن قَوْله {أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا} قَالَ: انما نزل الْقُرْآن بِلِسَان الْعَرَب كَقَوْلِك: فلَان سيد حَقًا وَفِي الْقَوْم سادة وَفُلَان شَاعِر حَقًا وَفِي الْقَوْم شعراء
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن أبي روق فِي قَوْله {أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا} قَالَ: كَانَ قوم يسرون الْكفْر ويظهرون الإِيمان وَقوم يسرون الايمان ويظهرونه فَأَرَادَ الله أَن يُمَيّز بَين هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء فَقَالَ {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم} حَتَّى انْتهى إِلَى قَوْله {أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا} الَّذين يسرون الايمان ويظهرونه لَا هَؤُلَاءِ الَّذين يسرون الْكفْر ويظهرون الإِيمان
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن عَمْرو بن مرّة فِي قَوْله {أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا} قَالَ: فضل بَعضهم على بعض وكلٌ مُؤمنُونَ
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن الْحَارِث بن مَالك الْأنْصَارِيّ
انه مر برَسُول الله فَقَالَ لَهُ كَيفَ أَصبَحت يَا حَارِث قَالَ: أَصبَحت مُؤمنا حَقًا
قَالَ: انْظُر مَا تَقول فَإِن لكل شَيْء حَقِيقَة فَمَا حَقِيقَة إيمانك فَقَالَ: عزفت نَفسِي عَن الدُّنْيَا فاسهرت ليلِي واظمأت نهاري وَكَأَنِّي أنظر إِلَى أهل الْجنَّة يتزاورون فِيهَا وَكَأَنِّي أنظر إِلَى أهل النَّار يتضاغون فِيهَا
قَالَ: يَا حَارِث عرفت فَالْزَمْ ثَلَاثًا
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن سعيد بن جُبَير فِي قَوْله {لَهُم دَرَجَات} يَعْنِي فَضَائِل وَرَحْمَة
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد فِي قَوْله {لَهُم دَرَجَات عِنْد رَبهم} قَالَ: أَعمال رفيعة
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن أبي حَاتِم عَن الضَّحَّاك فِي قَوْله {لَهُم دَرَجَات} قَالَ: أهل الْجنَّة بَعضهم فَوق بعض فَيرى الَّذِي هُوَ فَوق فَضله على الَّذِي هُوَ أَسْفَل مِنْهُ وَلَا يرى الَّذِي هُوَ أَسْفَل أَنه فضل عَلَيْهِ أحد
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن زيد فِي قَوْله ومغفرة قَالَ: بترك الذُّنُوب {ورزق كريم} قَالَ الْأَعْمَال الصَّالِحَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ قَالَ: إِذا سَمِعت الله يَقُول {ورزق كريم} فَهِيَ الْجنَّة
الْآيَات 5 - 6
أخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ قَالَ: قَالَ لنا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَنحن بِالْمَدِينَةِ وبلغه أَن عير أبي سُفْيَان قد أَقبلت فَقَالَ مَا ترَوْنَ فِيهَا لَعَلَّ الله يغنمناها ويسلمنا فخرجنا فَلَمَّا سرنا يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ أمرنَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَن نتعادّ فَفَعَلْنَا فَإِذا نَحن ثلثمِائة وَثَلَاثَة عشر رجلا فَأخْبرنَا النَّبِي صلى الله عليه وسلم بعدّتنا فسر بذلك وَحمد الله وَقَالَ: عدَّة أَصْحَاب طالوت
فَقَالَ: مَا ترَوْنَ فِي الْقَوْم فانهم قد أخبروا بمخرجكم فَقُلْنَا: يَا رَسُول الله لَا وَالله مَا لنا طَاقَة بِقِتَال الْقَوْم إِنَّمَا خرجنَا للعير ثمَّ قَالَ: مَا ترَوْنَ فِي قتال الْقَوْم فَقُلْنَا مثل ذَلِك فَقَالَ الْمِقْدَاد: لَا تَقولُوا كَمَا قَالَ أَصْحَاب مُوسَى لمُوسَى (اذْهَبْ أَنْت وَرَبك فَقَاتلا إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ)(الْمَائِدَة الْآيَة 24) فَأنْزل الله {كَمَا أخرجك رَبك من بَيْتك بِالْحَقِّ وَإِن فريقا من الْمُؤمنِينَ لكارهون} إِلَى قَوْله {وَإِذ يَعدكُم الله إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لكم} فَلَمَّا
وعدنا الله إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ - اما الْقَوْم واما العير - طابت أَنْفُسنَا ثمَّ إِنَّا اجْتَمَعنَا مَعَ الْقَوْم فصففنا فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: اللَّهُمَّ إِنِّي أنْشدك وَعدك
فَقَالَ ابْن رَوَاحَة: يَا رَسُول الله إِنِّي أُرِيد أَن أُشير عَلَيْك - وَرَسُول الله أفضل من أَن نشِير عَلَيْهِ - إِن الله أجل وَأعظم من أَن تَنْشُدَهُ وعده
فَقَالَ: يَا ابْن رَوَاحَة لأنْشُدَنَّ اللهَ وعده فَإِن الله لَا يخلف الميعاد فَأخذ قَبْضَة من التُّرَاب فَرمى بهَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي وُجُوه الْقَوْم فَانْهَزَمُوا فَأنْزل الله (وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى)(الْأَنْفَال الْآيَة 17) فَقَتَلْنَا وأسرنا
فَقَالَ عمر: يَا رَسُول الله مَا أرى أَن تكون لَك اسرى فانما نَحن داعون مؤلفون فَقُلْنَا معشر الْأَنْصَار: انما يحمل عمر على مَا قَالَ حسد لنا
فَنَامَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ اسْتَيْقَظَ ثمَّ قَالَ: ادعو لي عمر فدعي لَهُ فَقَالَ لَهُ: إِن الله قد أنزل عليَّ (مَا كَانَ لنَبِيّ أَن تكون لَهُ أسرى)(الْأَنْفَال الْآيَة 56) الْآيَة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة فِي المُصَنّف وَابْن مرْدَوَيْه عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة بن وَقاص اللَّيْثِيّ عَن أَبِيه عَن جده قَالَ خرج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى بدر حَتَّى إِذا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ خطب النَّاس فَقَالَ: كَيفَ ترَوْنَ فَقَالَ أَبُو بكر: يَا رَسُول الله بلغنَا انهم كَذَا وَكَذَا ثمَّ خطب النَّاس فَقَالَ: كَيفَ ترَوْنَ فَقَالَ عمر مثل قَول أبي بكر ثمَّ خطب النَّاس فَقَالَ: كَيفَ ترَوْنَ فَقَالَ سعد بن معَاذ: يَا رَسُول الله ايانا تُرِيدُ
فوالذي أكرمك وَأنزل عَلَيْك الْكتاب مَا سلكتها قطّ وَلَا لي بهَا علم وَلَئِن سرت حَتَّى تَأتي برك الغماد من ذِي يمن لَنَسيرَنَّ مَعَك وَلَا نكونَنَّ كَالَّذِين قَالُوا لمُوسَى (اذْهَبْ أَنْت وَرَبك فَقَاتلا إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ)(الْمَائِدَة الْآيَة 24) وَلَكِن اذْهَبْ أَنْت وَرَبك فَقَاتلا انا مَعكُمْ متبعون ولعلك أَن تكون خرجت لأمر وأحدث الله إِلَيْك غَيره فَانْظُر الَّذِي أحدث الله إِلَيْك فَامْضِ لَهُ فصل حبال من شِئْت واقطع حبال من شِئْت وَعَاد من شِئْت وَسَالم من شِئْت وَخذ من أَمْوَالنَا مَا شِئْت
فَنزل الْقُرْآن على قَول سعد {كَمَا أخرجك رَبك من بَيْتك بِالْحَقِّ} إِلَى قَوْله {وَيقطع دابر الْكَافرين} وَإِنَّمَا رَسُول الله يُرِيد غنيمَة مَعَ أبي سُفْيَان فأحدث الله إِلَيْهِ الْقِتَال
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو
الشَّيْخ عَن مُجَاهِد فِي قَوْله {كَمَا أخرجك رَبك من بَيْتك بِالْحَقِّ} قَالَ: كَذَلِك أخرجك رَبك إِلَى قَوْله {يجادلونك فِي الْحق} قَالَ: الْقِتَال
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ فِي قَوْله {كَمَا أخرجك رَبك من بَيْتك بِالْحَقِّ} قَالَ: خُرُوج النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِلَى بدر {وَإِن فريقاً من الْمُؤمنِينَ لكارهون} قَالَ: لطلب الْمُشْركين {يجادلونك فِي الْحق بعد مَا تبين} انك لَا تصنع إِلَّا مَا أَمرك الله بِهِ {كَأَنَّمَا يساقون إِلَى الْمَوْت} حِين قيل هم الْمُشْركُونَ
وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: لما شاور النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي لِقَاء العدوّ وَقَالَ لَهُ سعد بن عباة مَا قَالَ وَذَلِكَ يَوْم بدر أَمر النَّاس فتعبوا لِلْقِتَالِ وَأمرهمْ بِالشَّوْكَةِ فكره ذَلِك أهل الايمان فَأنْزل الله {كَمَا أخرجك رَبك من بَيْتك بِالْحَقِّ} إِلَى قَوْله {وهم ينظرُونَ} أَي كَرَاهِيَة لِقَاء الْمُشْركين
وَأخرج الْبَزَّار وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَابْن عَسَاكِر عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف قَالَ: نزل الإِسلام بالكره والشدّة فَوَجَدنَا خير الْخَيْر فِي الكره خرجنَا مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم من مَكَّة فأسكننا سبخَة بَين ظهراني حرَّة فَجعل الله لنا فِي ذَلِك الْعلَا وَالظفر وَخَرجْنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى بدر على الْحَال الَّتِي ذكر الله {وَإِن فريقاً من الْمُؤمنِينَ لكارهون} إِلَى قَوْله {وهم ينظرُونَ} فَجعل الله لنا فِي ذَلِك الْعلَا وَالظفر فَوَجَدنَا خير الْخَيْر فِي الكره
وَأخرج ابْن جرير عَن الزبيرِي قَالَ: كَانَ رجل من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يُفَسر {كَأَنَّمَا يساقون إِلَى الْمَوْت وهم ينظرُونَ} خُرُوج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى العير
الْآيَة 7 - 8
أخرج الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن شهَاب ومُوسَى بن عقبَة قَالَا مكث رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بعد قتل ابْن الْحَضْرَمِيّ شَهْرَيْن ثمَّ أقبل أَبُو سُفْيَان بن حَرْب فِي عير لقريش من الشَّام وَمَعَهَا سَبْعُونَ رَاكِبًا من بطُون قُرَيْش كلهَا وَفِيهِمْ مخرمَة بن نَوْفَل وَعَمْرو بن
الْعَاصِ وَكَانُوا تجارًا بِالشَّام وَمَعَهُمْ خَزَائِن أهل مَكَّة وَيُقَال: كَانَت عيرهم ألف بعير وَلم يكن لأحد من قُرَيْش أُوقِيَّة فَمَا فَوْقهَا إِلَّا بعث بهَا مَعَ أبي سُفْيَان إِلَّا حويطب بن عبد الْعُزَّى فَلذَلِك كَانَ تخلف عَن بدر فَلم يشهده فَذكرُوا لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه وَقد كَانَت الْحَرْب بَينهم قبل ذَلِك وَقتل ابْن الْحَضْرَمِيّ وَأسر الرجلَيْن عُثْمَان وَالْحكم فَلَمَّا ذكرت عير أبي سُفْيَان لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم بعث رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عدي بن أبي الزغباء الْأنْصَارِيّ من بني غنم وَأَصله من جُهَيْنَة وبسبس - يَعْنِي ابْن عَمْرو - إِلَى العير عينا لَهُ فسارا حَتَّى أَتَيَا حَيا من جُهَيْنَة قَرِيبا من سَاحل الْبَحْر فَسَأَلُوهُمْ عَن العير وَعَن تجار قُرَيْش فأخبروهما بِخَبَر الْقَوْم فَرَجَعَا إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَاهُ فاستنفر الْمُسلمين للعير وَذَلِكَ فِي رَمَضَان
وَقدم أَبُو سُفْيَان على الجهنيين وَهُوَ متخوّف من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه فَقَالَ: أحسوا من مُحَمَّد فأخبروه خبر الراكبين عدي بن أبي الزغباء وبسبس وأشاروا لَهُ إِلَى مناخهما فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: خُذُوا من بعر بعيرهما فَفتهُ فَوجدَ فِيهِ النَّوَى فَقَالَ: هَذِه علائف أهل يثرب وَهَذِه عُيُون مُحَمَّد وَأَصْحَابه فَسَارُوا سرَاعًا خَائِفين للطلب وَبعث أَبُو سُفْيَان رجلا من بني غفار يُقَال لَهُ ضَمْضَم بن عَمْرو إِلَى قُرَيْش أَن انفروا فاحموا عِيركُمْ من مُحَمَّد وَأَصْحَابه فَإِنَّهُ قد اسْتنْفرَ أَصْحَابه ليعرضوا لنا وَكَانَت عَاتِكَة بنت عبد الْمطلب سَاكِنة بِمَكَّة وَهِي عمَّة رَسُول الله وَكَانَت مَعَ أَخِيهَا الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب فرأت رُؤْيا قبل بدر وَقبل قدوم ضَمْضَم عَلَيْهِم فَفَزِعت مِنْهَا فَأرْسلت إِلَى أَخِيهَا الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب من لَيْلَتهَا فَجَاءَهَا الْعَبَّاس فَقَالَت: رَأَيْت اللَّيْلَة رُؤْيا قد أشفقت مِنْهَا وخشيت على قَوْمك مِنْهَا الهلكة
قَالَ: وماذا رَأَيْت قَالَت: لن أحَدثك حَتَّى تعاهدني أَنَّك لَا تذكرها فَإِنَّهُم إِن سمعوها آذونا وأسمعونا مَا لَا نحب فَلَمَّا عاهدها الْعَبَّاس فَقَالَت: رَأَيْت رَاكِبًا أقبل من أَعلَى مَكَّة على رَاحِلَته يَصِيح بِأَعْلَى صَوته: يَا آل غدر اخْرُجُوا فِي لَيْلَتَيْنِ أَو ثَلَاث فَأقبل يَصِيح حَتَّى دخل الْمَسْجِد على رَاحِلَته فصاح ثَلَاث صيحات وَمَال عَلَيْهِ الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالصبيان وفزع لَهُ النَّاس أَشد الْفَزع قَالَ: ثمَّ أرَاهُ مثل على ظهر الْكَعْبَة على رَاحِلَته فصاح ثَلَاث صيحات فَقَالَ: يَا آل غدر وَيَا آل فجر اخْرُجُوا فِي لَيْلَتَيْنِ أَو ثَلَاث ثمَّ أرَاهُ مثل على ظهر أبي قبيس كَذَلِك يَقُول: يَا آل غدر وَيَا آل فجر حَتَّى أسمع من بَين الأخشبين من أهل مَكَّة ثمَّ عمد إِلَى صَخْرَة فنزعها من
أَصْلهَا ثمَّ أرسلها على أهل مَكَّة فَأَقْبَلت الصَّخْرَة لَهَا حس شَدِيد حَتَّى إِذا كَانَت عِنْد أصل الْجَبَل ارفضت فَلَا أعلم بِمَكَّة دَارا وَلَا بَيْتا إِلَّا وَقد دَخَلتهَا فلقَة من تِلْكَ الصَّخْرَة فقد خشيت على قَوْمك
فَفَزعَ الْعَبَّاس من رؤياها ثمَّ خرج من عِنْدهَا فلقي الْوَلِيد بن عتبَة بن ربيعَة من آخر تِلْكَ اللَّيْلَة - وَكَانَ الْوَلِيد خَلِيلًا للْعَبَّاس - فَقص عَلَيْهِ رُؤْيا عَاتِكَة وَأمره أَن لَا يذكرهَا لأحد فَذكرهَا الْوَلِيد لِأَبِيهِ عتبَة وَذكرهَا عتبَة لِأَخِيهِ شيبَة فارتفع الحَدِيث حَتَّى بلغ أَبَا جهل بن هِشَام واستفاض فِي أهل مَكَّة فَلَمَّا أَصْبحُوا غَدا الْعَبَّاس يطوف بِالْبَيْتِ فَوجدَ فِي الْمَسْجِد أَبَا جهل وَعتبَة وَشَيْبَة بن ربيعَة وَأُميَّة وَأبي بن خلف وَزَمعَة بن الْأسود وَأَبا البخْترِي فِي نفر من قُرَيْش يتحدثون فَلَمَّا نظرُوا إِلَى الْعَبَّاس ناداه أَبُو جهل: يَا أَبَا الْفضل إِذا قضيت طوافك فَهَلُمَّ إِلَيْنَا فَلَمَّا قضى طَوَافه جَاءَ فَجَلَسَ إِلَيْهِم فَقَالَ لَهُ أَبُو جهل: مَا رُؤْيا رأتها عَاتِكَة فَقَالَ: مَا رَأَتْ من شَيْء
فَقَالَ أَبُو جهل: أما رَضِيتُمْ يَا بني هَاشم كذب الرِّجَال حَتَّى جئتمونا بكذب النِّسَاء انا وَإِيَّاكُم كفرسي رهان فاستبقنا الْمجد مُنْذُ حِين فَلَمَّا تحاكت الركب قُلْتُمْ منا نَبِي فَمَا بَقِي إِلَّا أَن تَقولُوا منا نبية فَنًّا أعلم فِي قُرَيْش أهل بَيت أكذب امْرَأَة وَلَا رجل مِنْكُم وأذاه أَشد الْأَذَى وَقَالَ أَبُو جهل: زعمت عَاتِكَة أَن الرَّاكِب قَالَ: اخْرُجُوا فِي لَيْلَتَيْنِ أَو ثَلَاث فَلَو قد مَضَت هَذِه الثَّلَاث تبينت قُرَيْش كذبكم وكتبت سجلاً إِنَّكُم أكذب أهل بَيت فِي الْعَرَب رجلا وَامْرَأَة أما رَضِيتُمْ يَا بني قصي إِن ذهبتم بالحجابة والندوة والسقاية واللواء والوفادة حَتَّى جئتمونا بِنَبِي مِنْكُم فَقَالَ الْعَبَّاس: هَل أَنْت مُنْتَه ٍفإن الْكَذِب مِنْك وَمن أهل بَيْتك فَقَالَ من حضرهما: مَا كنت يَا أَبَا الْفضل جهولاً خرقاً
وَلَقي الْعَبَّاس من عَاتِكَة فِيمَا أفشى عَلَيْهَا من رؤياها أَذَى شَدِيدا
فَلَمَّا كَانَ مسَاء اللَّيْلَة الَّتِي رَأَتْ عَاتِكَة فِيهَا الرُّؤْيَا جَاءَهُم الرَّاكِب الَّذِي بعث أَبُو سُفْيَان وَهُوَ ضَمْضَم بن عَمْرو الْغِفَارِيّ فصاح وَقَالَ: يَا آل غَالب بن فهر انفروا فقد خرج مُحَمَّد وَأهل يثرب يعترضون لأبي سُفْيَان فاحرزوا عِيركُمْ فَفَزِعت قُرَيْش أَشد الْفَزع وَأَشْفَقُوا من رُؤْيا عَاتِكَة وَقَالَ الْعَبَّاس: هَذَا زعمتم كَذَا وَكذب عَاتِكَة فنفروا على كل صَعب وَذَلُول وَقَالَ أَبُو جهل: أيظن مُحَمَّد أَن يُصِيب مثل مَا أصَاب بنخلة سَيعْلَمُ أنمنع عيرنَا أم لَا
فَخَرجُوا بِخَمْسِينَ وَتِسْعمِائَة مقَاتل وَسَاقُوا
مائَة فرس وَلم يتْركُوا كَارِهًا لِلْخُرُوجِ يظنون أَنه فِي قهر مُحَمَّد وَأَصْحَابه وَلَا مُسلما يعلمُونَ اسلامه وَلَا أحدا من بني هَاشم إِلَّا من لَا يتهمون إِلَّا أشخصوه مَعَهم فَكَانَ مِمَّن أشخصوا الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَنَوْفَل بن الْحَارِث وطالب بن أبي طَالب وَعقيل بن أبي طَالب فِي آخَرين فهنالك يَقُول طَالب بن أبي طَالب: إِمَّا يخْرجن طَالب بمقنب من هَذِه المقانب فِي نفر مقَاتل يحارب وَليكن المسلوب غير السالب والراجع المغلوب غير الْغَالِب فَسَارُوا حَتَّى نزلُوا الْجحْفَة نزلوها عشَاء يتزودون من المَاء وَمِنْهُم رجل من بني عبد الْمطلب بن عبد منَاف يُقَال لَهُ جهيم بن الصَّلْت بن مخرمَة فَوضع حهيم رَأسه فأغفى ثمَّ فزع فَقَالَ لأَصْحَابه: هَل رَأَيْتُمْ الْفَارِس الَّذِي وقف عَليّ آنِفا فَقَالُوا: لَا إِنَّك مَجْنُون
فَقَالَ: قد وقف عَليّ فَارس آنِفا فَقَالَ: قتل أَبُو جهل وَعتبَة وَشَيْبَة وَزَمعَة وَأَبُو البخْترِي وَأُميَّة بن خلف فعد أشرافا من كفار قُرَيْش
فَقَالَ لَهُ أَصْحَابه: إِنَّمَا لعب بك الشَّيْطَان وَرفع حَدِيث جهيم إِلَى أبي جهل فَقَالَ: قد جئْتُمْ بكذب بني الْمطلب مَعَ كذب بني هَاشم سيرون غَدا من يقتل
ثمَّ ذكر لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم عير قُرَيْش جَاءَت من الشَّام وفيهَا أَبُو سُفْيَان بن حري ومخرمة بن نَوْفَل وَعَمْرو بن العَاصِي وَجَمَاعَة من قُرَيْش فَخرج إِلَيْهِم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فسلك حِين خرج إِلَى بدر على نقب بني دِينَار وَرجع حِين رَجَعَ من ثنية الْوَدَاع فنفر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حِين نفر وَمَعَهُ ثلثمِائة وَسَبْعَة عشر رجلا وَفِي رِوَايَة ابْن فليح: ثلثمِائة وَثَلَاثَة عشر رجلا وَأَبْطَأ عَنهُ كثير من أَصْحَابه وتربصوا وَكَانَت أول وقْعَة أعز الله فِيهَا الْإِسْلَام فَخرج فِي رَمَضَان على رَأس ثَمَانِيَة عشر شهرا من مقدمه الْمَدِينَة وَمَعَهُ الْمُسلمُونَ لَا يُرِيدُونَ إِلَّا العير فسلك على نقب بني دِينَار والمسلمون غير معدين من الظّهْر إِنَّمَا خَرجُوا على النَّوَاضِح يعتقب الرجل مِنْهُم على الْبَعِير الْوَاحِد وَكَانَ زميل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَليّ بن أبي طَالب ومرثد بن أبي مرْثَد الغنوي حَلِيف حَمْزَة فهم مَعَه لَيْسَ مهعهم إِلَّا بعير وَاحِد فَسَارُوا حَتَّى إِذا كَانُوا بعرق الظبية لَقِيَهُمْ رَاكب من قبل تهَامَة - والمسلمون يَسِيرُونَ - فوافقه نفر من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ عَن أبي سُفْيَان فَقَالَ: لَا علم لي بِهِ
فَلَمَّا يئسوا من خَبره فَقَالُوا لَهُ: سلم على النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: وَفِيكُمْ رَسُول الله
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالُوا: نعم
قَالَ: أَيّكُم هُوَ فأشاروا لَهُ إِلَيْهِ فَقَالَ الْأَعرَابِي: أَنْت رَسُول الله كَمَا تَقول قَالَ: نعم
قَالَ: إِن كنت رَسُول الله كَمَا تزْعم فَحَدثني بِمَا فِي بطن نَاقَتي هَذِه فَغَضب رجل من الأنصارمن بني عبد الْأَشْهَل يُقَال لَهُ سَلمَة بن سَلامَة بن وقش فَقَالَ للأعرابي: وَقعت على نَاقَتك فَحملت مِنْك
فكره رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَا قَالَ سَلمَة حِين سَمعه أفحش فَأَعْرض عَنهُ ثمَّ سَار رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَا يلقاه خبر وَلَا يعلم بنفرة قُرَيْش فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: أَشِيرُوا علينا فِي أمرنَا ومسيرنا فَقَالَ أَبُو بكر: يَا رَسُول اله أَنا أعلم النَّاس بمسافة الأَرْض أخبرنَا عدي بن أبي الزغباء أَن العير كَانَت بوادي كَذَا وَكَذَا فَكَانَا وإياهم فرسخان إِلَى بدر
ثمَّ قَالَ: أَشِيرُوا عَليّ فَقَالَ عمر بن الْخطاب: يَا رَسُول الله إِنَّهَا قُرَيْش وعزها وَالله مَا ذلت مُنْذُ عزت وَلَا آمَنت مُنْذُ كفرت وَالله لتقاتلنك فتأهب لذَلِك أهبته وأعدد لَهُ عدته
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: أَشِيرُوا عَليّ فَقَالَ الْمِقْدَاد بن عَمْرو: إِنَّا لَا نقُول لَك كَمَا قَالَ أَصْحَاب مُوسَى (اذْهَبْ أَنْت وَرَبك فَقَاتلا إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ)(الْمَائِدَة الْآيَة 24) وَلَكِن اذْهَبْ أَنْت وَرَبك فَقَاتلا إِنَّا مَعكُمْ متبعون
فَقَالَ رَسُول الله: أَشِيرُوا عَليّ فَلَمَّا رأى سعد بن معَاذ كَثْرَة استشارة النَّبِي أَصْحَابه فيشيرون فَيرجع إِلَى المشورة ظن سعد أَنه يستنطق الْأَنْصَار شفقا أَن لَا يستحوذوا مَعَه على مَا يُرِيد من أمره فَقَالَ سعد بن معَاذ لَعَلَّك يَا رَسُول الله تخشى أَن لَا تكون الْأَنْصَار يُرِيدُونَ مواساتك وَلَا يرونها حَقًا عَلَيْهِم إِلَّا بِأَن يرَوا عدوا فِي بُيُوتهم وَأَوْلَادهمْ وَنِسَائِهِمْ وَإِنِّي أَقُول عَن الْأَنْصَار وَأجِيب عَنْهُم: يَا رَسُول الله فاظعن حَيْثُ شِئْت وَخذ من أَمْوَالنَا مَا شِئْت ثمَّ أعطنا مَا شِئْت وَمَا أَخَذته منا أحب إِلَيْنَا مِمَّا تركت وَمَا ائتمرت من أَمر فَأمرنَا بِأَمْرك فِيهِ تبع فوَاللَّه لَو سرت حَتَّى تبلغ الْبركَة من ذِي يمن لسرنا مَعَك
فَلَمَّا قَالَ ذَلِك سعد قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: سِيرُوا على اسْم الله فَإِنِّي قد رَأَيْت مصَارِع الْقَوْم فَعمد لبدر
وخفض أَبُو سُفْيَان فلصق بساحل الْبَحْر وَكتب إِلَى قُرَيْش حِين خَالف مسير رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَرَأى أَن قد أحرز مَا مَعَه وَأمرهمْ أَن يرجِعوا فَإِنَّمَا أخرجتم لتحرزوا ركبكم فقد أحرز لكم فَلَقِيَهُمْ هَذَا الْخَبَر بِالْجُحْفَةِ
فَقَالَ أَبُو جهل: وَالله لَا نرْجِع
حَتَّى نقدم بَدْرًا فنقيم فِيهَا ونطعم من حَضَرنَا من الْعَرَب فَإِنَّهُ لن يَرَانَا أحد فيقاتلنا
فكره ذَلِك الْأَخْنَس بن شريق فَأحب أَن يرجِعوا وَأَشَارَ عَلَيْهِم بالرجعة فَأَبَوا وعصوا وأخذتهم حمية الْجَاهِلِيَّة فَلَمَّا يئس الْأَخْنَس من رُجُوع قُرَيْش أكب على بني زهرَة فأطاعوه فَرَجَعُوا فَلم يشْهد أحد مِنْهُم بَدْرًا واغتبطوا بِرَأْي الْأَخْنَس وتبركوا بِهِ فَلم يزل فيهم مُطَاعًا حَتَّى مَاتَ وأرادت بَنو هَاشم الرُّجُوع فِيمَن رَجَعَ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِم أَبُو جهل وَقَالَ: وَالله لَا تفارقنا هَذِه الْعِصَابَة حَتَّى نرْجِع
وَسَار رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى نزل أدنى شَيْء من بدر ثمَّ بعث عَليّ بن أبي طَالب وَالزُّبَيْر بن الْعَوام وبسبسا الْأنْصَارِيّ فِي عِصَابَة من أَصْحَابه فَقَالَ لَهُم: انْدَفَعُوا إِلَى هَذِه الظراب وَهِي فِي نَاحيَة بدر فَإِنِّي أَرْجُو أَن تَجدوا الْخَبَر عِنْد القليب الَّذِي يعلى الظراب فَانْطَلقُوا متوشحي السيوف فوجدوا وَارِد قُرَيْش عِنْد القليب الَّذِي ذكر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَأخذُوا غلامين أَحدهمَا لبني الْحجَّاج بن الْأسود وَالْآخر لأبي العَاصِي يُقَال لَهُ أسلم وأفلت أصحابهما قبل قُرَيْش فَأَقْبَلُوا بهما حَتَّى أَتَوا بهما رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي معرشة دون المَاء فَجعلُوا يسْأَلُون الْعَبْدَيْنِ عَن أبي سُفْيَان وَأَصْحَابه لَا يرَوْنَ إِلَّا أَنهم لَهُم فطفقا يحدثانهم عَن قُرَيْش وَمن خرج مِنْهُم وَعَن رؤوسهم فيكذبونهما وهم أكره شَيْء للَّذي يخبرانه وَكَانُوا يطمعون بِأبي سُفْيَان وَأَصْحَابه ويكرهون قُريْشًا وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَائِما يُصَلِّي يسمع وَيرى الَّذِي يصنعون بالعبدين فَجعل العبدان إِذا أذلقوهما بِالضَّرْبِ يَقُولَانِ نعم هَذَا أَبُو سُفْيَان (والركب) كَمَا قَالَ الله تَعَالَى (أَسْفَل مِنْكُم) قَالَ الله (إِذْ أَنْتُم بالعدوة الدُّنْيَا وهم بالعدوة القصوى والركب أَسْفَل مِنْكُم وَلَو تواعدتم لاختلفتم فِي الميعاد وَلَكِن ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا)(الْأَنْفَال الْآيَة 42) قَالَ فطفقوا إِذا قَالَ العَبْد إِن هَذِه قُرَيْش قد جاءتكم كذبوهما وَإِذا قَالَا هَذَا أَبُو سُفْيَان تركوهما
فَلَمَّا رأى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم صنيعهم بهما سلم من صلَاته وَقَالَ: مَاذَا أخبراكم قَالُوا: أخبرانا أَن قُريْشًا قد جَاءَت
قَالَ: فَإِنَّهُمَا قد صدقا وَالله إِنَّكُم لتضربونهما إِذا صدقا وتتركونهما إِذا كذبا خرجت قُرَيْش لتحرز ركبهَا وخافوكم عَلَيْهِم ثمَّ دَعَا رَسُول الله الْعَبْدَيْنِ فَسَأَلَهُمَا فَأَخْبَرَاهُ بِقُرَيْش وَقَالا: لَا علم لنا بِأبي سُفْيَان
فَسَأَلَهُمَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كم الْقَوْم قَالَا: لَا نَدْرِي وَالله هم كثير
فزعموا إِن رَسُول الله قَالَ: من أطْعمهُم أمس فسميا رجلا من الْقَوْم
قَالَ: كم نحر لَهُم قَالَا: عشر جزائر
قَالَ: فَمن أطْعمهُم أول أمس فسميا رجلا آخر من الْقَوْم
قَالَ: كم نحر لَهُم قَالَا: تسعا
فزعموا أَن رَسُول الله قَالَ: الْقَوْم مَا بَين التسْعمائَة وَالْألف يعْتَبر ذَلِك بتسع جزائر ينحرونها يَوْمًا وَعشر ينحرونها يَوْمًا
فَقَامَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَشِيرُوا عَليّ فِي الْمسير فَقَامَ الْحباب بن الْمُنْذر أحد بني سَلمَة فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنَّا عَالم بهَا وبقلبها إِن رَأَيْت أَن تسير إِلَى قليب مِنْهَا قد عرفتها كَثِيرَة المَاء عذبة فتنزل إِلَيْهَا ونسبق الْقَوْم إِلَيْهَا ونغور مَا سواهَا
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: سِيرُوا فَإِن الله قد وَعدكُم إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لكم فَوَقع فِي قُلُوب نَاس كثير الْخَوْف وَكَانَ فيهم من تخاذل من تخويف الشَّيْطَان فَسَار رَسُول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون مسابقين إِلَى المَاء وَسَار الْمُشْركُونَ سرَاعًا يُرِيدُونَ المَاء فَأنْزل الله عَلَيْهِم فِي تِلْكَ اللَّيْلَة مَطَرا وَاحِدًا فَكَانَ على الْمُشْركين بلَاء شَدِيدا مَنعهم أَن يَسِيرُوا وَكَانَ على الْمُسلمين دِيمَة خَفِيفَة لبد لَهُم الْمسير والمنزل وَكَانَت بطحاء فَسبق الْمُسلمُونَ إِلَى المَاء فنزلوا عَلَيْهِ شطر اللَّيْل فاقتحم الْقَوْم فِي القليب فَمَا حوها حَتَّى كثر مَاؤُهَا وصنعوا حوضا عَظِيما ثمَّ غوروا مَا سواهُ من الْمِيَاه قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: هَذِه مصَارِعهمْ إِن شَاءَ الله بِالْغَدَاةِ
وَأنزل الله (إِذْ يغشيكم النعاس أَمَنَة مِنْهُ وَينزل عَلَيْكُم من السَّمَاء مَاء ليطهركم بِهِ وَيذْهب عَنْكُم رجز الشَّيْطَان وليربط على قُلُوبكُمْ وَيثبت بِهِ الْأَقْدَام)(الْأَنْفَال الْآيَة 11)
ثمَّ صف رَسُول الله على الْحِيَاض فَلَمَّا طلع الْمُشْركُونَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: اللَّهُمَّ هَذِه قُرَيْش قد جَاءَت بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرهَا تُحَادك وَتكذب رَسُولك اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك مَا وَعَدتنِي - وَرَسُول الله صلى الله عليه وسلم مُمْسك بعضد أبي بكر يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك مَا وَعَدتنِي - فَقَالَ أَبُو بكر: أبشر فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لنيجزن الله لَك مَا وَعدك
فاستنصر الْمُسلمُونَ الله واستعانوه فَاسْتَجَاب الله لنَبيه وللمسلمين وَأَقْبل المشكون وَمَعَهُمْ إِبْلِيس فِي صُورَة سراقَة بن جعْشم المدلجي يُحَدِّثهُمْ أَن بني كنَانَة وَرَاءَهُمْ قد أَقبلُوا لنصرهم وَأَنه لَا غَالب لكم الْيَوْم من النَّاس وَإِنِّي جَار لكم لما
أخْبرهُم من مسير بني كنَانَة وَأنزل الله (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين خَرجُوا من دِيَارهمْ بطرا ورئاء النَّاس)(الْأَنْفَال الْآيَة 47) هَذِه الْآيَة وَالَّتِي بعْدهَا
وَقَالَ رجال من الْمُشْركين لما رَأَوْا قلَّة من مَعَ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم: غر هَؤُلَاءِ دينهم
فَأنْزل الله (وَمن يتوكل على الله فَإِن الله عَزِيز حَكِيم)(الطَّلَاق الْآيَة 3)
وَأَقْبل الْمُشْركُونَ حَتَّى نزلُوا وتعبوا لِلْقِتَالِ والشيطان مَعَهم لَا يفارقهم فسعى حَكِيم بن حزَام إِلَى عتبَة بن ربيعَة فَقَالَ لَهُ: هَل لَك أَن تكون سيد قُرَيْش مَا عِشْت قَالَ عتبَة فأفعل مَاذَا قَالَ: تجير بَين النَّاس وَتحمل دم ابْن الْحَضْرَمِيّ وَبِمَا أصَاب مُحَمَّد من تِلْكَ العير فَإِنَّهُم لَا يطْلبُونَ من مُحَمَّد غير هَذِه العير وَدم هَذَا الرجل
قَالَ عتبَة: نعم قد فعلت وَنِعما قلت وَنِعما دَعَوْت إِلَيْهِ فاسع فِي عشيرتك فَأَنا أتحمل بهَا
فسعى حَكِيم فِي أَشْرَاف قُرَيْش بذلك يَدعُوهُم فِيهِ وَركب عتبَة جملا لَهُ فَسَار عَلَيْهِ فِي صُفُوف الْمُشْركين فِي أَصْحَابه فَقَالَ: يَا قوم أَطِيعُونِي فَإِنَّكُم لَا تطلبون عِنْدهم غير دم ابْن الْحَضْرَمِيّ وَمَا أَصَابُوا من عِيركُمْ تِلْكَ وَأَنا أتحمل بوفاء ذَلِك ودعوا هَذَا الرجل فَإِن كَانَ كَاذِبًا ولي قَتله غَيْركُمْ من الْعَرَب فَإِن فيهم رجَالًا لكم فيهم قرَابَة قريبَة وَإِنَّكُمْ إِن تَقْتُلُوهُمْ لَا يزَال الرجل مِنْكُم ينظر إِلَى قَاتل أَبِيه وأخيه أَو ابْن أَخِيه أَو ابْن عَمه فيورث ذَلِك فيهم احنا وضغائن وَإِن كَانَ هَذَا الرجل ملكا كُنْتُم فِي ملك أخيكم وَإِن كَانَ نَبيا لم تقتلون النَّبِي فتيسئوا بِهِ وَلنْ تخلصوا إِلَيْهِم حَتَّى يُصِيبُوا أعدادهم وَلَا آمن أَن يكون لكم الدبرة عَلَيْهِم فحسده أَبُو جهل على مقَالَته وأبى الله إِلَّا أَن ينفذ أمره وَعمد أَبُو جهل إِلَى ابْن الْحَضْرَمِيّ - وَهُوَ أَخُو الْمَقْتُول - فَقَالَ: هَذَا عتبَة يخذل بَين النَّاس وَقد تحمل بدية أَخِيك يزْعم أَنَّك قابلها أَفلا تسحيون من ذَلِك أَن تقبلُوا الدِّيَة فزعموا أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ وَهُوَ ينظر إِلَى عتبَة: إِن يكن عِنْد أحد من الْقَوْم خير فَهُوَ عِنْد صَاحب الْجمل الْأَحْمَر وَإِن يطيعوه يرشدوا
فَلَمَّا حرض أَبُو جهل قُريْشًا على الْقِتَال أَمر النِّسَاء يعولن عمر
فقمن يصحن: واعمراه واعمراه
تحريضا على الْقِتَال فاجتمعت قُرَيْش على الْقِتَال فَقَالَ عتبَة لأبي جهل: سَيعْلَمُ الْيَوْم أَي الْأَمريْنِ أرشد
وَأخذت قُرَيْش مصَاف هَذَا الْقِتَال
وَقَالُوا لعمير بن وهب: اركب فاحذر مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه
فَقعدَ عُمَيْر على فرسه فأطاف برَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمُشْركين فَقَالَ: حذرتهم بثلثمائة مقَاتل زادوا شَيْئا أَو نَقَصُوا شَيْئا وحذرت سبعين بَعِيرًا وَنَحْو ذَلِك وَلَكِن أنظروني حَتَّى أنظر هَل لَهُم مدد أَو كمين فأطاف حَولهمْ وبعثوا خيلهم مَعَه فأطافوا حَولهمْ ثمَّ رجعُوا فَقَالُوا: لَا مدد لَهُم وَلَا كمين وَإِنَّمَا هم أَكلَة جزور وَقَالُوا لعمير حرش بَين الْقَوْم فَحمل عُمَيْر على الصَّفّ بِمِائَة فَارس
واضطجع رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَقَالَ لأَصْحَابه: لَا تقاتلوا حَتَّى أؤذنكم وغشيه نوم فغلبه فَلَمَّا نظر بعض الْقَوْم إِلَى بعض جعل أَبُو بكر يَقُول: يَا رَسُول الله قد دنا الْقَوْم ونالوا منا
فَاسْتَيْقَظَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَقد أرَاهُ الله إيَّاهُم فِي مَنَامه قَلِيلا وقلل الْمُسلمين فِي أعين الْمُشْركين حَتَّى طمع بعض الْقَوْم فِي بعض وَلَو أرَاهُ عددا كثيرا لفشلوا وَتَنَازَعُوا فِي الْأَمر كَمَا قَالَ الله وَقَامَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي النَّاس فوعظهم وَأخْبرهمْ أَن الله قد أوجب الْجنَّة لمن اسْتشْهد الْيَوْم
فَقَامَ عُمَيْر بن الْحمام من عجين كَانَ يعجنه لأَصْحَابه حِين سمع قَول النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِن لي الْجنَّة إِن قتلت قَالَ: نعم
فَشد على أَعدَاء الله مَكَانَهُ فاستشهد وَكَانَ أول قَتِيل قتل ثمَّ أقبل الْأسود بن عبد الْأسد المَخْزُومِي يحلف بآلهته ليشربن من الْحَوْض الَّذِي صنع مُحَمَّد وليهدمنه فَلَمَّا دنا من الْحَوْض لقِيه حَمْزَة بن عبد الْمطلب فَضرب رجله فقطعها فَأقبل يحبو حَتَّى وَقع فِي جَوف الْحَوْض وَأتبعهُ حَمْزَة حَتَّى قَتله ثمَّ نزل عتبَة بن ربيعَة عَن جمله ونادى: هَل من مبارز ولحقه أَخُوهُ شيبَة والوليد ابْنه فناديا يسألان المبارزة فَقَامَ إِلَيْهِم ثَلَاثَة من الْأَنْصَار فاستحيا النَّبِي صلى الله عليه وسلم من ذَلِك فناداهم أَن ارْجعُوا إِلَى مَصَافكُمْ وليقم إِلَيْهِم بَنو عمهم
فَقَامَ حَمْزَة وَعلي بن أبي طَالب وَعبيدَة بن الْحَارِث بن الْمطلب فَقتل حَمْزَة عتبَة وَقتل عُبَيْدَة شيبَة وَقتل عَليّ الْوَلِيد وَضرب شيبَة رجل عُبَيْدَة فقطعها فاستنقذه حَمْزَة وَعلي فَحمل حَتَّى توفّي بالصفراء وَعند ذَلِك نذرت هِنْد بنت عتبَة لتأكلن من كبد حَمْزَة إِن قدرت عَلَيْهَا فَكَانَ قتل هَؤُلَاءِ النَّفر قبل إلتقاء الجمعين
وعج الْمُسلمُونَ إِلَى الله يسألونه النَّصْر حِين رَأَوْا الْقِتَال قد نشب وَرفع رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَدَيْهِ إِلَى الله يسْأَله مَا وعده ويسأله النَّصْر وَيَقُول: اللَّهُمَّ إِن ظهر على هَذِه الْعِصَابَة ظهر الشّرك وَلم يقم لَك دين وَأَبُو بكر يَقُول: يَا رَسُول الله وَالَّذِي نَفسِي
بِيَدِهِ لينصرنك الله وليبيضن وَجهك فَأنْزل الله جندا فِي أكناف الْعَدو فَقَالَ رَسُول الله: قد أنزل الله نَصره: وَنزلت الْمَلَائِكَة عليهم السلام أبشر يَا أَبَا بكر فَإِنِّي قد رَأَيْت جِبْرِيل معتجرا يَقُود فرسا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فَلَمَّا هَبَط إِلَى الأَرْض جلس عَلَيْهَا فتغيب عني سَاعَة ثمَّ رَأَيْت على شفته غبارا
وَقَالَ أَبُو جهل: اللَّهُمَّ انصر خير الدينَيْنِ اللَّهُمَّ ديننَا الْقَدِيم وَدين مُحَمَّد الحَدِيث ونكص الشَّيْطَان على عَقِبَيْهِ حِين رأى الْمَلَائِكَة عليهم السلام وتبرأ من نصْرَة أَصْحَابه وَأخذ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ملْء كَفه من الْحَصْبَاء فَرمى بهَا وُجُوه الْمُشْركين فَجعل الله تِلْكَ الْحَصْبَاء عَظِيما شَأْنهَا لم يتْرك من الْمُشْركين رجلا إِلَّا مَلَأت عَيْنَيْهِ وَالْمَلَائِكَة عليهم السلام يَقْتُلُونَهُمْ وَيَأْسِرُونَهُمْ ويجدون النَّفر كل رجل مِنْهُم مكبا على وَجهه لَا يدْرِي أَن يتَوَجَّه يعالج التُّرَاب يَنْزعهُ من عَيْنَيْهِ
وَرجعت قُرَيْش إِلَى مَكَّة منهزمين مغلوبين وأذل الله بوقعة بدر رِقَاب الْمُشْركين وَالْمُنَافِقِينَ فَلم يبْق بِالْمَدِينَةِ مُنَافِق وَلَا يَهُودِيّ إِلَّا وَهُوَ خاضع عُنُقه لِوَقْعَة بدر وَكَانَ ذَلِك يَوْم الْفرْقَان يَوْم فرق الله بَين الشّرك وَالْإِيمَان وَقَالَت الْيَهُود تَيَقنا: أَنه النَّبِي الَّذِي نجد نَعته فِي التَّوْرَاة وَالله لَا يرفع راية بعد الْيَوْم إِلَّا ظَهرت
وَرجع رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَة فَدخل من ثنية الْوَدَاع وَنزل الْقُرْآن يعرفهُمْ الله نعْمَته فِيمَا كَرهُوا من خُرُوج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى بدر فَقَالَ {كَمَا أخرجك رَبك من بَيْتك بِالْحَقِّ وَإِن فريقا من الْمُؤمنِينَ لكارهون} هَذِه الْآيَة وَثَلَاث آيَات مَعهَا وَقَالَ فِيمَا اسْتَجَابَ للرسول للْمُؤْمِنين (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ ربكُم فَاسْتَجَاب لكم)(الْأَنْفَال الْآيَة 9) الْآيَة
وَأُخْرَى مَعهَا وَأنزل فِيمَا غشيهم من النعاس (إِذْ يغشيكم النعاس)(الْأَنْفَال الْآيَة 11) الْآيَة
ثمَّ أخْبرهُم بِمَا أوحى إِلَى الْمَلَائِكَة من نَصرهم فَقَالَ (إِذْ يوحي رَبك إِلَى الْمَلَائِكَة أَنِّي مَعكُمْ)(الْأَنْفَال الْآيَة 12) الْآيَة وَالَّتِي بعْدهَا
وَأنزل فِي قتل الْمُشْركين والقبضة الَّتِي رمى بهَا رَسُول الله (فَلم تقلتوهم وَلَكِن الله قَتلهمْ)(الْأَنْفَال الْآيَة 17) الْآيَة وَالَّتِي بعْدهَا
وَأنزل فِي استفتاحهم (إِن تستفتحوا فقد جَاءَكُم الْفَتْح)(الْأَنْفَال الْآيَة 19) ثمَّ أنزل يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَرَسُوله فِي سبع آيَات مِنْهَا وَأنزل فِي مَنَازِلهمْ (إِذْ أَنْتُم بالعدوة الدُّنْيَا)(الْأَنْفَال الْآيَة 42) الْآيَة وَالَّتِي بعْدهَا
وَأنزل فِيمَا تكلم بِهِ من رأى قلَّة الْمُسلمين (غر هَؤُلَاءِ دينهم)(الْأَنْفَال الْآيَة 49) الْآيَة وَأنزل فِي قَتْلَى الْمُشْركين وَمن اتبعهم (وَلَو ترى إِذْ يتوفى الَّذين كفرُوا)(الْأَنْفَال الْآيَة 50) الْآيَة وثمان آيَات مَعهَا
وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: لما سمع رَسُول الله بِأبي سُفْيَان مُقبلا من الشَّام ندب الْمُسلمين إِلَيْهِم وَقَالَ هَذِه عير قُرَيْش فِيهَا أَمْوَالهم فأخرجوا إِلَيْهَا لَعَلَّ الله يتفلكموها
فَانْتدبَ النَّاس فخف بَعضهم وَثقل بَعضهم وَذَلِكَ أَنهم لم يَظُنُّوا أَن رَسُول الله يلقِي حَربًا وَكَانَ أَبُو سُفْيَان حِين دنا من الْحجاز يتجسس الْأَخْبَار وَيسْأل من لَقِي من الركْبَان تخوفا عَن أَمر النَّاس حَتَّى أصَاب خَبرا من بعض الركْبَان أَن مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم قد اسْتنْفرَ لَك أَصْحَابه فحذر من ذَلِك فاستأجر ضَمْضَم بن عَمْرو الْغِفَارِيّ فَبَعثه إِلَى مَكَّة وَأمره أَن يَأْتِي قُريْشًا فليستنفرهم إِلَى أَمْوَالهم ويخبرهم أَن مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم قد عرض لَهَا فِي أَصْحَابه فَخرج سَرِيعا إِلَى مَكَّة وَخرج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى بلغ وَاديا يُقَال لَهُ وجران فَأَتَاهُ الْخَبَر عَن قُرَيْش بمسيرهم ليمنعوا عَن عيرهم فَاسْتَشَارَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم النَّاس فَقَامَ أَبُو بكر رضي الله عنه فَقَالَ فَأحْسن ثمَّ قَامَ عمر رضي الله عنه فَقَالَ فَأحْسن ثمَّ الْمِقْدَاد بن عَمْرو رضي الله عنه فَقَالَ: يَا رَسُول الله امْضِ لم أَمرك الله بِهِ فَنحْن مَعَك وَالله لَا نقُول لَك كَمَا قَالَت بَنو إِسْرَائِيل لمُوسَى عليه السلام (اذْهَبْ أَنْت وَرَبك فَقَاتلا إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ)(الْمَائِدَة الْآيَة 24) وَلَكِن اذْهَبْ أَنْت وَرَبك فَقَاتلا إِنَّا مَعكُمْ مُقَاتِلُونَ فو الله الَّذِي بَعثك لَئِن سرت بِنَا إِلَى برك الغماد لجالدنا مَعَك من دونه حَتَّى تبلغه
فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا لَهُ وَقَالَ لَهُ سعد بن معَاذ رضي الله عنه: لَو اسْتعْرضت بِنَا هَذَا الْبَحْر فَخُضْته لخضنا مَعَك مَا تخلف منا رجل وَاحِد وَمَا نكره أَن يلقِي منا عدونا غَد إِنَّا لصبر فِي الْحَرْب صدق فِي اللِّقَاء لَعَلَّ الله تَعَالَى يُرِيك منا مَا تقر بِهِ عَيْنك فسر بِنَا على بركَة الله تَعَالَى
فسر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد رضي الله عنه ونشطه ذَلِك سِيرُوا وَأَبْشِرُوا فَإِن الله تَعَالَى قد وَعَدَني إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَالله لكَأَنِّي أنظر إِلَى مصَارِع الْقَوْم
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله
{وَإِذ يَعدكُم الله إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ} قَالَ أَقبلت عير أهل مَكَّة من الشَّام فَبلغ أهل الْمَدِينَة ذَلِك فَخَرجُوا وَمَعَهُمْ رَسُول الله يُرِيد العير فَبلغ أهل مَكَّة ذَلِك فَخَرجُوا فَأَسْرعُوا السّير إِلَيْهَا لكَي لَا يغلب عَلَيْهَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه فسبقت العير رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَكَانَ الله عز وجل وعدهم إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَكَانُوا أَن يلْقوا العير أحب إِلَيْهِم وأيسر شَوْكَة وأخصر نَفرا فَلَمَّا سبقت العير وفاتت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم سَار رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِالْمُسْلِمين يُرِيد الْقَوْم فكره الْقَوْم مَسِيرهمْ لشوكة الْقَوْم فَنزل النَّبِي صلى الله عليه وسلم والمسلمون بَينهم وَبَين المَاء رَملَة دَعصَة فَأصَاب الْمُسلمين ضعف شَدِيد وَألقى الشَّيْطَان فِي قُلُوبهم الغيظ فوسوس بَينهم يوسوسهم تَزْعُمُونَ أَنكُمْ أَوْلِيَاء الله وَفِيكُمْ رَسُوله وَقد غَلَبَكُمْ الْمُشْركُونَ على المَاء وَأَنْتُم تصلونَ مجنبين وأمطر الله عَلَيْهِم مَطَرا شَدِيدا فَشرب الْمُسلمُونَ وَتطَهرُوا فَأذْهب الله عَنْهُم رجز الشَّيْطَان واشف الرمل من إِصَابَة الْمَطَر وَمَشى النَّاس عَلَيْهِ وَالدَّوَاب فَسَارُوا إِلَى الْقَوْم وأمد الله نبيه صلى الله عليه وسلم وَالْمُؤمنِينَ بِأَلف من الْمَلَائِكَة عليهم السلام فَكَانَ جِبْرِيل عليه السلام فِي خَمْسمِائَة من الْمَلَائِكَة مجنبة وَمِيكَائِيل فِي خَمْسمِائَة من الْمَلَائِكَة مجنبة وَجَاء إِبْلِيس فِي جند مَعَه راية فِي صُورَة رجال من بني مُدْلِج والشيطان فِي صُورَة سراقَة بن مَالك بن جعْشم فَقَالَ الشَّيْطَان للْمُشْرِكين (لَا غَالب لكم الْيَوْم من النَّاس وَإِنِّي جَار لكم)(الْأَنْفَال الْآيَة 48) فَلَمَّا اصطف الْقَوْم قَالَ أَبُو جهل: اللَّهُمَّ أولانا بِالْحَقِّ فانصره
وَرفع رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَدَيْهِ فَقَالَ: يَا رب إِن تهْلك هَذِه الْعِصَابَة فِي الأَرْض فَلَنْ تعبد فِي الأَرْض أبدا
فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل: خُذ قَبْضَة من التُّرَاب فأرم بِهِ وُجُوههم فَمَا من الْمُشْركين من أحد إِلَّا أصَاب عَيْنَيْهِ وَمنْخرَيْهِ وفمه من تِلْكَ القبضة فَوَلوا مُدبرين وَأَقْبل جِبْرِيل عليه السلام فَلَمَّا رَآهُ إِبْلِيس وَكَانَت يَده فِي يَد رجل من الْمُشْركين انتزع إِبْلِيس يَده ثمَّ ولى مُدبرا وشيعته فَقَالَ الرجل: يَا يَا سراقَة أتزعم أَنَّك لنا جَار فَقَالَ: إِنِّي أرى مَا لَا ترَوْنَ إِنِّي أَخَاف الله وَالله شَدِيد الْعقَاب فَذَلِك حِين رأى الْمَلَائِكَة
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {وَإِذ يَعدكُم الله إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لكم} قَالَ: الطائفتان احداهما أَبُو سُفْيَان أقبل بالعير من الشَّام والطائفة الْأُخْرَى أَبُو جهل بن
هِشَام مَعَه نفر من قُرَيْش فكره الْمُسلمُونَ الشَّوْكَة والقتال وأحبوا أَن يلتقوا العير وَأَرَادَ الله مَا أَرَادَ
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه فِي قَوْله {وتودون أَن غير ذَات الشَّوْكَة تكون لكم} قَالَ: هِيَ عير أبي سُفْيَان ودّ أَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم إِن العير كَانَت لَهُم وَإِن الْقِتَال صرف عَنْهُم
وَأخرج عبد بن حميد عَن قَتَادَة رضي الله عنه {وَيقطع دابر الْكَافرين} أَي يَسْتَأْصِلهُمْ
وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَابْن أبي شيبَة وَأحمد وَعبد بن حميد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَأَبُو يعلى وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: قيل لرَسُول الله حِين فرغ من بدر: عَلَيْك العير لَيْسَ دونهَا شَيْء فناداه الْعَبَّاس رضي الله عنه وَهُوَ فِي وثَاقه أَسِير: أَنه لَا يصلح لَك
قَالَ: وَلم قَالَ: لِأَن الله إِنَّمَا وَعدك إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَقد أَعْطَاك مَا وَعدك
قَالَ: صدقت
الْآيَة 10
أخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو عوَانَة وَابْن حبَان وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو نعيم وَالْبَيْهَقِيّ مَعًا فِي الدَّلَائِل عَن عبد الله بن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ حَدثنِي عمر بن الْخطاب رضي الله عنه قَالَ: لما كَانَ يَوْم بدر نظر النَّبِي إِلَى أَصْحَابه وهم ثلثمِائة رجل وَبضْعَة عشر رجلا وَنظر إِلَى الْمُشْركين فَإِذا هم ألف وَزِيَادَة فَاسْتقْبل نَبِي الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ مد يَده وَجعل يَهْتِف بربه: اللَّهُمَّ أنْجز لي مَا وَعَدتنِي اللَّهُمَّ إِن تهْلك هَذِه الْعِصَابَة من أهل الإِسلام لَا تعبد فِي الأَرْض
فَمَا زَالَ يَهْتِف بربه مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبل الْقبْلَة حَتَّى سقط رِدَاؤُهُ فَأَتَاهُ أَبُو بكر رضي الله عنه فَأخذ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ على مَنْكِبَيْه ثمَّ الْتَزمهُ من وَرَائه وَقَالَ: يَا نَبِي الله كَفاك مُنَاشَدَتك رَبك فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَك مَا وَعدك فَأنْزل
الله تَعَالَى {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ ربكُم فَاسْتَجَاب لكم أَنِّي مُمِدكُمْ بِأَلف من الْمَلَائِكَة مُردفِينَ}
فَلَمَّا كَانَ يَوْمئِذٍ والتقوا هزم الله الْمُشْركين فَقتل مِنْهُم سَبْعُونَ رجلا وَاسْتَشَارَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَبَا بكر وَعمر وعليا رضي الله عنهم فَقَالَ أَبُو بكر: يَا رَسُول الله هَؤُلَاءِ بَنو الْعم وَالْعشيرَة وَإِنِّي أرى أَن تَأْخُذ مِنْهُم الْفِدْيَة فَيكون مَا أَخذنَا مِنْهُم قوّة لنا على الْكفَّار وَعَسَى الله أَن يهْدِيهم فَيَكُونُوا لنا عضدا
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: مَا ترى يَا ابْن الْخطاب قلت: مَا رأى أَبُو بكر وَلَكِنِّي أرى أَن تمكنني من فلَان قريب لعمر فَأَضْرب عُنُقه حَتَّى يعلم الله تَعَالَى أَنه لَيْسَ فِي قُلُوبنَا مَوَدَّة للْمُشْرِكين هَؤُلَاءِ صَنَادِيدهمْ وأئمتهم وَقَادَتهمْ
فهوى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَا قَالَ أَبُو بكر رضي الله عنه وَلم يَهو مَا قلت وَأخذ مِنْهُم الْفِدَاء فَلَمَّا كَانَ من الْغَد قَالَ عمر رضي الله عنه: فَغَدَوْت إِلَى النَّبِي وَأَبُو بكر رضي الله عنه وهما يَبْكِيَانِ
فَقلت: يَا يَا رَسُول الله أَخْبرنِي مَاذَا يبكيك أَنْت وَصَاحِبك فَإِن وجدت بكاء بَكَيْت وَإِن لم أجد بكاء تَبَاكَيْت لِبُكَائِكُمَا
قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: الَّذِي عرض على أَصْحَابك من أَخذ الْفِدَاء قد عرض عَليّ عذابكم أدنى من هَذِه الشَّجَرَة الشَّجَرَة قريبَة وَأنزل الله تَعَالَى (مَا كَانَ لنَبِيّ أَن تكون لَهُ أسرى حَتَّى يثخن فِي الأَرْض)(الْأَنْفَال الْآيَة 67) إِلَى قَوْله (لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم) من الْفِدَاء ثمَّ أحل لَهُم الْغَنَائِم فَلَمَّا كَانَ يَوْم أحد من الْعَام الْمقبل عوقبوا بِمَا صَنَعُوا يَوْم بدر من أَخذهم الْفِدَاء فَقتل مِنْهُم سَبْعُونَ وفر أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: وَكسرت رباعيته وهشمت الْبَيْضَة على رَأسه وسال الدَّم على وَجهه
فَأنْزل الله تَعَالَى (أَو لما أَصَابَتْكُم مُصِيبَة قد أصبْتُم مثليها قُلْتُمْ أَنى هَذَا قل هُوَ من عِنْد أَنفسكُم)(آل عمرَان الْآيَة 165) بأخذكم الْفِدَاء
قَالَ ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما: بَيْنَمَا رجل من الْمُسلمين يشْتَد فِي أثر رجل من الْمُشْركين أَمَامه إِذْ سمع ضَرْبَة بالصوت فَوْقه وَصَوت الْفَارِس يَقُول: أقدم حيزوم إِذْ نظر إِلَى الْمُشرك أَمَامه فَخر مُسْتَلْقِيا فَنظر إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ قد خطم وشق وَجهه كَضَرْبَة السَّوْط فَاحْضُرْ ذَلِك أجمع فجَاء الْأنْصَارِيّ فَحدث ذَلِك رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: صدقت ذَاك من مدد السَّمَاء الثَّالِثَة فَقتلُوا يَوْمئِذٍ سبعين وأسروا سبعين
وَأخرج ابْن جرير عَن عَليّ رضي الله عنه قَالَ: نزل جِبْرِيل عليه السلام فِي ألف
من الْمَلَائِكَة عَن ميمنة النَّبِي صلى الله عليه وسلم وفيهَا أَبُو بكر رضي الله عنه وَنزل مِيكَائِيل عليه السلام فِي ألف من الْمَلَائِكَة عَن ميسرَة النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَأَنا فِي الميسرة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن عِكْرِمَة رضي الله عنه أَن رَسُول الله قَالَ يَوْم بدر: هَذَا جِبْرِيل آخذ بِرَأْس فرسه عَلَيْهِ أَدَاة الْحَرْب
وَأخرج سنيد وَابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه قَالَ: مَا أمد النَّبِي صلى الله عليه وسلم بِأَكْثَرَ من هَذِه الْألف الَّتِي ذكر الله تَعَالَى فِي الْأَنْفَال وَمَا ذكر الثَّلَاثَة آلَاف أَو الْخَمْسَة آلَاف إِلَّا بشرى ثمَّ أمدوا بِالْألف مَا أمدوا بِأَكْثَرَ مِنْهُ
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالْبُخَارِيّ عَن رِفَاعَة بن رَافع الزرقي رضي الله عنه وَكَانَ من أهل بدر قَالَ: جَاءَ جِبْرِيل إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَا تَعدونَ أهل بدر فِيكُم قَالَ من أفضل الْمُسلمين أَو كلمة نَحْوهَا
قَالَ: وَكَذَلِكَ من شهد بَدْرًا من الْمَلَائِكَة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن عَطِيَّة بن قيس رضي الله عنه قَالَ: وقف جِبْرِيل عليه السلام على فرس أَخْضَر أُنْثَى قد علاهُ الْغُبَار وبيد جِبْرِيل عليه السلام رمح وَعَلِيهِ درع فَقَالَ: يَا مُحَمَّد إِن الله بَعَثَنِي إِلَيْك فَأمرنِي أَن لَا أُفَارِقك حَتَّى ترْضى فَهَل رضيت فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: نعم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {مُردفِينَ} يُقَال: المدد
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {مُردفِينَ} يُقَال: المدد
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {مُردفِينَ} قَالَ: وَرَاء كل ملك ملك
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الشّعبِيّ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ ألف مُردفِينَ وَثَلَاثَة آلَاف منزلين فَكَانُوا أَرْبَعَة آلَاف وهم مدد الْمُسلمين فِي ثغورهم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {مُردفِينَ} قَالَ: ممدين
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {مُردفِينَ} قَالَ: مُتَتَابعين أمدهم الله تَعَالَى بِأَلف ثمَّ بِثَلَاثَة ثمَّ أكملهم خَمْسَة آلَاف
{وَمَا جعله الله إِلَّا بشرى ولتطمئن بِهِ قُلُوبكُمْ} قَالَ: يَعْنِي نزُول الْمَلَائِكَة عليهم السلام قَالَ: وَذكر لنا أَن عمر رضي الله عنه قَالَ: أما يَوْم بدر فَلَا نشك أَن الْمَلَائِكَة عليهم السلام كَانُوا مَعنا وَأما بعد ذَلِك فَالله أعلم
وَأخرج ابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن زيد رضي الله عنه {مُردفِينَ} قَالَ: بَعضهم على أثر بعض
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {وَمَا جعله الله إِلَّا بشرى} قَالَ: إِنَّمَا جعلهم الله يستبشر بهم
الْآيَة 11
أخرج أَبُو يعلى وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن عَليّ رضي الله عنه قَالَ: مَا كَانَ فِينَا فَارس يَوْم بدر غير الْمِقْدَاد وَلَقَد رَأَيْتنَا وَمَا فِينَا إِلَّا نَائِم إِلَّا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي تَحت الشَّجَرَة حَتَّى أصبح
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن شهَاب رضي الله عنه فِي قَوْله {إِذْ يغشيكم النعاس أَمَنَة مِنْهُ} قَالَ: بلغنَا أَن هَذِه الْآيَة أنزلت فِي الْمُؤمنِينَ يَوْم بدر فِيمَا أغشاهم الله من النعاس أَمَنَة مِنْهُ
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {أَمَنَة} قَالَ: أمنا من الله
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة رضي الله عنه قَالَ: النعاس فِي الرَّأْس وَالنَّوْم فِي الْقلب
وَأخرج عبد بن حميد عَن قَتَادَة رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النعاس أَمَنَة من الله وَكَانَ النعاس نعاسين
نُعَاس يَوْم بدر ونعاس يَوْم أحد
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو
الشَّيْخ عَن سعيد بن الْمسيب رضي الله عنه فِي قَوْله {وَينزل عَلَيْكُم من السَّمَاء مَاء ليطهركم بِهِ} قَالَ: طس كَانَ يَوْم بدر
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {وَينزل عَلَيْكُم من السَّمَاء مَاء ليطهركم بِهِ} قَالَ: الْمَطَر: أنزلهُ عَلَيْهِم قبل النعاس فاطفأ بالمطر الْغُبَار والتبدت بِهِ الأَرْض وَطَابَتْ بِهِ أنفسهم وَثبتت بِهِ أَقْدَامهم
وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن أبي حَاتِم عَن عُرْوَة بن الزبير رضي الله عنه قَالَ: بعث الله السَّمَاء وَكَانَ الْوَادي دهساً وَأصَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه مِنْهَا مَا لبد الأَرْض وَلم يمنعهُم الْمسير وَأصَاب قُريْشًا مَا لم يقدروا على أَن يرتحلوا مَعَه
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ من طَرِيق ابْن جريج عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما
أَن الْمُشْركين غلبوا الْمُسلمين فِي أول أَمرهم على المَاء فظمئ الْمُسلمُونَ وصلوا مجنبين محدثين فَكَانَت بَينهم رمال فَألْقى الشَّيْطَان فِي قُلُوبهم الْحزن وَقَالَ: أتزعمون أَن فِيكُم نَبيا وَإِنَّكُمْ أَوْلِيَاء الله وتصلون مجنبين محدثين فَأنْزل الله من السَّمَاء مَاء فَسَالَ عَلَيْهِم الْوَادي مَاء فَشرب الْمُسلمُونَ وَتطَهرُوا وَثبتت أَقْدَامهم وَذَهَبت وسوسته
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد فِي قَوْله {رجز الشَّيْطَان} قَالَ: وسوسته
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة فِي قَوْله {وليربط على قُلُوبكُمْ} قَالَ: بِالصبرِ {وَيثبت بِهِ الْأَقْدَام} قَالَ: كَانَ بِبَطن الْوَادي دهاس فَلَمَّا مطر اشْتَدَّ الرملة
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ فِي قَوْله {وَيثبت بِهِ الْأَقْدَام} قَالَ: حَتَّى يشْتَد على الرمل وَهُوَ وَجه الأَرْض
وَأخرج ابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن عَليّ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُول الله يُصَلِّي تِلْكَ اللَّيْلَة لَيْلَة بدر وَيَقُول: اللَّهُمَّ إِن تهْلك هَذِه الْعِصَابَة لَا تُعبد وأصابهم تِلْكَ اللَّيْلَة مطر شَدِيد فَذَلِك قَوْله {وَيثبت بِهِ الْأَقْدَام}
الْآيَات 12 - 14
أخرج ابْن أبي حَاتِم أخبرنَا أَبُو بدر عباد بن الْوَلِيد المغبري فِيمَا كتب إِلَيّ قَالَ: سَمِعت أَبَا سعيد أَحْمد بن دَاوُد الْحداد يَقُول: إِنَّه لم يقل الله لشَيْء أَنه مَعَه إِلَّا للْمَلَائكَة يَوْم بدر
قَالَ: إِنِّي مَعكُمْ بالنصر
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن مُجَاهِد رضي الله عنه قَالَ: لم تقَاتل الْمَلَائِكَة إِلَّا يَوْم بدر
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي أُمَامَة بن سهل بن حنيف قَالَ: قَالَ أبي: يَا بني لقد رَأَيْتنَا يَوْم بدر وان أَحَدنَا ليشير بِسَيْفِهِ إِلَى رَأس الْمُشرك فَيَقَع رَأسه عَن جسده قبل أَن يصل إِلَيْهِ السَّيْف
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: إِن الْمُشْركين من قُرَيْش لما خَرجُوا لينصروا العير ويقاتلوا عَلَيْهَا نزلُوا على المَاء يَوْم بدر فغلبوا الْمُؤمنِينَ عَلَيْهِ فَأصَاب الْمُؤمنِينَ الظمأ فَجعلُوا يصلونَ مجنبين ومحدثين فَألْقى الشَّيْطَان فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ الْحزن فَقَالَ لَهُم: أتزعمون أَن فِيكُم النَّبِي وَإِنَّكُمْ أَوْلِيَاء الله وَقد غلبتم على المَاء وَأَنْتُم تصلونَ مجنبين ومحدثين حَتَّى تعاظم ذَلِك فِي صُدُور أَصْحَاب النَّبِي: فَأنْزل الله من السَّمَاء مَاء حَتَّى سَالَ الْوَادي فَشرب الْمُؤْمِنُونَ وملأوا الأسقية وَسقوا الركاب وَاغْتَسلُوا من الْجَنَابَة فَجعل الله فِي ذَلِك طهُورا وَثَبت أَقْدَامهم وَذَلِكَ أَنه كَانَت بَينهم وَبَين الْقَوْم رَملَة فَبعث الله الْمَطَر عَلَيْهَا فلبدها حَتَّى اشتدت وَثَبت عَلَيْهَا الْأَقْدَام وَنَفر النَّبِي صلى الله عليه وسلم بِجَمِيعِ الْمُسلمين وهم يَوْمئِذٍ ثلثمِائة وَثَلَاثَة عشر رجلا مِنْهُم سَبْعُونَ ومائتان من الْأَنْصَار وسائرهم من الْمُهَاجِرين وَسيد الْمُشْركين يَوْمئِذٍ عتبَة بن ربيعَة لكبر سنه
فَقَالَ عتبَة: يَا معشر قُرَيْش إِنِّي لكم نَاصح وَعَلَيْكُم مُشفق لَا أدخر النَّصِيحَة لكم بعد الْيَوْم وَقد بَلغْتُمْ الَّذِي تُرِيدُونَ وَقد نجا أَبُو سُفْيَان فَارْجِعُوا وَأَنْتُم سَالِمُونَ فَإِن يكن مُحَمَّد صَادِقا فَأنْتم أسعد النَّاس بصدقه وَإِن يَك كَاذِبًا فَأنْتم أَحَق من حقن دَمه
فَالْتَفت إِلَيْهِ أَبُو جهل فشتمه وفج وَجهه وَقَالَ لَهُ: قد امْتَلَأت أحشاؤك رعْبًا
فَقَالَ لَهُ عتبَة: سَيعْلَمُ الْيَوْم من الجبان الْمُفْسد لِقَوْمِهِ
فَنزل عتبَة بن ربيعَة وَشَيْبَة بن ربيعَة حَتَّى إِذا كَانُوا أقرب أسنة الْمُسلمين قَالُوا: ابْعَثُوا إِلَيْنَا عدتنا مِنْكُم نقاتلهم
فَقَامَ غلمة من بني الْخَزْرَج فاجلسهم النَّبِي صلى الله عليه وسلم ثمَّ قَالَ: يَا بني هَاشم أتبعثون إِلَى أخويكم - وَالنَّبِيّ مِنْكُم - غلمة بني الْخَزْرَج فَقَامَ حَمْزَة بن عبد الْمطلب وَعلي بن أبي طَالب وَعبيدَة بن الْحَارِث فَمَشَوْا إِلَيْهِم فِي الْحَدِيد فَقَالَ عتبَة: تكلمُوا نعرفكم فَإِن تَكُونُوا أكفاءنا نقاتلكم
فَقَالَ حَمْزَة رضي الله عنه: أَنا أَسد الله وَأسد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم
فَقَالَ لَهُ عتبَة: كُفْء كريم
فَوَثَبَ إِلَيْهِ شيبَة فاختلفا ضربتين فَضَربهُ حَمْزَة فَقتله ثمَّ قَامَ عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه إِلَى الْوَلِيد بن عتبَة فاختلفا ضربتين فَضَربهُ عَليّ رضي الله عنه فَقتله ثمَّ قَامَ عُبَيْدَة فَخرج إِلَيْهِ عتبَة فاختلفا ضربتين فجرح كل وَاحِد مِنْهُمَا صَاحبه وكر حَمْزَة على عتبَة فَقتله فَقَامَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ اللَّهُمَّ رَبنَا أَنْزَلْتَ عليَّ الْكتاب وأمرتني بِالْقِتَالِ ووعدتني النَّصْر وَلَا تخلف الميعاد فَأَتَاهُ جِبْرِيل عليه السلام فَأنْزل عَلَيْهِ (ألن يكفيكم أَن يمدكم ربكُم بِثَلَاثَة آلَاف من الْمَلَائِكَة مُردفِينَ)(آل عمرَان الْآيَة 124) فَأوحى الله إِلَى الْمَلَائِكَة {إِنِّي مَعكُمْ فثبتوا الَّذين آمنُوا سألقي فِي قُلُوب الَّذين كفرُوا الرعب فاضربوا فَوق الْأَعْنَاق واضربوا مِنْهُم كل بنان} فَقتل أَبُو جهل فِي تِسْعَة وَسِتِّينَ رجلا وَأسر عقبَة بن أبي معيط فَقتل صبرا فوفى ذَلِك سبعين وَأسر سَبْعُونَ
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن بعض بني سَاعِدَة قَالَ: سَمِعت أَبَا أسيد مَالك بن ربيعَة رضي الله عنه بَعْدَمَا أُصِيب بَصَره يَقُول: لَو كنت مَعكُمْ ببدر الْآن وَمَعِي بَصرِي لأخبرتكم بِالشعبِ الَّذِي خرجت مِنْهُ الْمَلَائِكَة لَا أَشك وَلَا أتمارى فَلَمَّا نزلت الْمَلَائِكَة وَرَآهَا إِبْلِيس وَأوحى الله: إِلَيْهِم إِنِّي مَعكُمْ فثبتوا الَّذين آمنُوا وتثبيتهم أَن الْمَلَائِكَة عليهم السلام تَأتي الرجل فِي صُورَة الرجل يعرفهُ فَيَقُول: ابشروا فَإِنَّهُم لَيْسُوا بِشَيْء وَالله مَعكُمْ كروا عَلَيْهِم فَلَمَّا رأى إِبْلِيس الْمَلَائِكَة نكص على عَقِبَيْهِ وَقَالَ: إِنِّي بَرِيء مِنْكُم وَهُوَ فِي صُورَة سراقَة وَأَقْبل أَبُو جهل يحضض أَصْحَابه وَيَقُول: لَا يهولنكم خذلان سراقَة إيَّاكُمْ فَإِنَّهُ كَانَ على موعد من مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه ثمَّ قَالَ: وَاللات والعزى لَا نرْجِع حَتَّى نقرن مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه فِي الحبال فَلَا تقتلُوا وخذوهم أخذا
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل من طَرِيق عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ
لما حضر الْقِتَال وَرَسُول الله صلى الله عليه وسلم رَافع يَدَيْهِ يسْأَل الله النَّصْر وَيَقُول: اللَّهُمَّ إِن ظَهَرُوا على هَذِه الْعِصَابَة ظهر الشّرك وَلَا يقوم لَك دين وَأَبُو بكر رضي الله عنه يَقُول: وَالله لينصرنك الله ويبيضن وَجهك فَأنْزل الله عز وجل ألفا من الْمَلَائِكَة مُردفِينَ عِنْد أكتاف الْعَدو وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: أبشر يَا أَبَا بكر هَذَا جِبْرِيل عليه السلام معتجر بعمامة صفراء آخذ بعنان فرسه بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فَلَمَّا نزل إِلَى الأَرْض تغيب عني سَاعَة ثمَّ نزل على ثنايا النَّقْع يَقُول: أَتَاك نصر الله إِذْ دَعوته
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الرّبيع بن أنس رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّاس يَوْم بدر يعْرفُونَ قَتْلَى الْمَلَائِكَة عليهم السلام مِمَّن قتلوهم بِضَرْب على الْأَعْنَاق وعَلى البنان مثل سمة النَّار قد أحرق بِهِ
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن عِكْرِمَة رضي الله عنه فِي قَوْله {فاضربوا فَوق الْأَعْنَاق} يَقُول: الرؤوس
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن عَطِيَّة رضي الله عنه فِي قَوْله {فاضربوا فَوق الْأَعْنَاق} قَالَ: اضربوا الْأَعْنَاق
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه فِي قَوْله {فاضربوا فَوق الْأَعْنَاق} يَقُول: اضربوا الرّقاب
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {واضربوا مِنْهُم كل بنان} قَالَ: كل مفصل
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الْأَوْزَاعِيّ رضي الله عنه فِي قَوْله {واضربوا مِنْهُم كل بنان} قَالَ: أضْرب مِنْهُ الْوَجْه وَالْعين وارمه بشهاب من نَار
وَأخرج الطستي عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما أَن نَافِع بن الْأَزْرَق قَالَ لَهُ: أَخْبرنِي عَن قَوْله تَعَالَى {واضربوا مِنْهُم كل بنان} قَالَ: أَطْرَاف الْأَصَابِع وبلغة هُذَيْل الْجَسَد كُله
قَالَ: فأنشدني فِي كلتيهما قَالَ: نعم أما أَطْرَاف الْأَصَابِع فَقَوْل عنترة الْعَبْسِي: فَنعم فوارس الهيجاء قومِي إِذا علق الأعنة بالبنان وَقَالَ الْهُذلِيّ فِي الْجَسَد: لَهَا أَسد شاكي البنان مقذف لَهُ لبد أَظْفَاره لم تقلم وَأخرج عبد بن حميد وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي دَاوُد الْمَازِني رضي الله عنه قَالَ:
بَينا أَنا أتبع رجلا من الْمُشْركين يَوْم بدر فاهويت إِلَيْهِ بسيفي فَوَقع رَأسه قبل أَن يصل سَيفي إِلَيْهِ فَعرفت أَن قد قَتله غَيْرِي
وَأخرج عبد بن حميد عَن قَتَادَة رضي الله عنه {فاضربوا فَوق الْأَعْنَاق واضربوا مِنْهُم كل بنان} قَالَ: مَا وَقعت يَوْمئِذٍ ضَرْبَة إِلَّا بِرَأْس أَو وَجه أَو مفصل
الْآيَات 15 - 16
أخرج البُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَالنَّسَائِيّ وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن نَافِع رضي الله عنه أَنه سَأَلَ ابْن عمر رضي الله عنهما قَالَ: إِنَّا قوم لَا نثبت عِنْد قتال عدونا وَلَا نَدْرِي من الفئة أمامنا أَو عسكرنا فَقَالَ لي: الفئة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم
فَقلت: إِن الله تَعَالَى يَقُول {إِذا لَقِيتُم الَّذين كفرُوا زحفاً فَلَا تولوهم الأدبار} قَالَ: إِنَّمَا أنزلت هَذِه الْآيَة فِي أهل بدر لَا قبلهَا وَلَا بعْدهَا
وَأخرج عبد بن حميد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم والنحاس فِي ناسخه وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْحَاكِم عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رضي الله عنه فِي قَوْله {وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره} قَالَ: إِنَّهَا كَانَت لأهل بدر خَاصَّة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن جرير عَن أبي نَضرة رضي الله عنه فِي قَوْله {وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره} الْآيَة
قَالَ: نزلت يَوْم بدر وَلم يكن لَهُم أَن ينحازوا وَلَو انحازوا لم ينحازوا إِلَّا للْمُشْرِكين
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن عمر بن الْخطاب رضي الله عنه قَالَ: لَا تغرنكم هَذِه الْآيَة فَإِنَّهَا كَانَت يَوْم بدر وَأَنا فِئَة لكل مُسلم
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي الْآيَة قَالَ: ذاكم يَوْم بدر لأَنهم كَانُوا مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي الْآيَة قَالَ: نزلت فِي أهل بدر خَاصَّة مَا كَانَ لَهُم أَن يهزموا عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ويتركوه
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر والنحاس فِي ناسخه وَأَبُو الشَّيْخ عَن الْحسن رضي الله عنه فِي قَوْله {وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره} قَالَ: إِنَّمَا كَانَت يَوْم بدر خَاصَّة لَيْسَ الْفِرَار من الزَّحْف من الْكَبَائِر
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن عِكْرِمَة رضي الله عنه فِي قَوْله {وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره} قَالَ: ذَاك فِي يَوْم بدر
وَأخرج عبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف وَابْن أبي شيبَة وَابْن جرير عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه قَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَوْم بدر وَلم يكن للْمُسلمين فِئَة ينحازون إِلَيْهَا
وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن قَتَادَة رضي الله عنه {وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره} قَالَ: يرَوْنَ أَن ذَلِك فِي بدر أَلا ترى أَنه يَقُول {وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره}
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن يزِيد بن أبي حبيب رضي الله عنه قَالَ: أوجب الله تَعَالَى لمن فر يَوْم بدر النَّار
قَالَ: وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره إِلَى قَوْله {فقد بَاء بغضب من الله} فَلَمَّا كَانَ يَوْم أحد بعد ذَلِك قَالَ (إِنَّمَا استزلهم الشَّيْطَان بِبَعْض مَا كسبوا وَلَقَد عَفا الله عَنْهُم)(آل عمرَان الْآيَة 155) ثمَّ كَانَ يَوْم حنين بعد ذَلِك بِسبع سِنِين فَقَالَ (ثمَّ وليتم مُدبرين)(التَّوْبَة الْآيَة 25)
(ثمَّ يَتُوب الله من بعد ذَلِك على من يَشَاء)(التَّوْبَة الْآيَة 27)
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن سعيد بن جُبَير رضي الله عنه فِي قَوْله {وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره} قَالَ: يَعْنِي يَوْم بدر خَاصَّة مُنْهَزِمًا {إِلَّا متحرفاً لقِتَال} يَعْنِي مستطرداً يُرِيد الكرة على الْمُشْركين {أَو متحيزاً إِلَى فِئَة} يَعْنِي أَو ينحاز إِلَى أَصْحَابه من غير هزيمَة {فقد بَاء بغضب من الله} يَقُول: اسْتوْجبَ سخطاً من الله {ومأواه جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير} فَهَذَا يَوْم بدر خَاصَّة كَأَن الله شدد على الْمُسلمين يَوْمئِذٍ ليقطع دابر الْكَافرين وَهُوَ أول قتال قَاتل فِيهِ الْمُشْركين من أهل مَكَّة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه قَالَ: المتحرف: الْمُتَقَدّم فِي أَصْحَابه إِنَّه يرى غرَّة من الْعَدو فيصيبها والمتحيز: الفار إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه وَكَذَلِكَ من فر الْيَوْم إِلَى أميره وَأَصْحَابه قَالَ:
وَإِنَّمَا هَذِه وَعِيد من الله تَعَالَى لأَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم إِن لَا يَفروا وَإِنَّمَا كَانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم ثبتهم
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن عَطاء بن أبي رَبَاح رضي الله عنه فِي قَوْله {وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره} قَالَ: هَذِه مَنْسُوخَة بِالْآيَةِ الَّتِي فِي الْأَنْفَال (الْآن خفف الله عَنْكُم)(الْأَنْفَال الْآيَة 66)
وَأخرج ابْن جرير والنحاس فِي ناسخه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: الْفِرَار من الزَّحْف من الْكَبَائِر لِأَن الله تَعَالَى قَالَ {وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره إِلَّا متحرفاً لقِتَال} الْآيَة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن ابْن عمر رضي الله عنهما قَالَ: الْفِرَار من الزَّحْف من الْكَبَائِر
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن سعد وَابْن أبي شيبَة وَأحمد وَعبد بن حميد وَالْبُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد وَاللَّفْظ لَهُ وأو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن ماجة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم والنحاس وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن ابْن عمر رضي الله عنهما قَالَ: كُنَّا فِي غزَاة فَحَاص النَّاس حيصه قُلْنَا: كَيفَ نلقى النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَقد فَرَرْنَا من الزَّحْف وَبُؤْنَا بِالْغَضَبِ فأتينا النَّبِي صلى الله عليه وسلم قبل صَلَاة الْفجْر فَخرج فَقَالَ من الْقَوْم
فَقُلْنَا: نَحن الْفَرَّارُونَ
فَقَالَ: لَا بل أَنْتُم الْعَكَّارُونَ
فَقبلنَا يَده فَقَالَ: أَنا فِئَتكُمْ وَأَنا فِئَة الْمُسلمين ثمَّ قَرَأَ {إِلَّا متحرفاً لقِتَال أَو متحيزاً إِلَى فِئَة}
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أُمَامَة رضي الله عنها مولاة النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَت: كنت أوضئ النَّبِي صلى الله عليه وسلم أفرغ على يَدَيْهِ إِذْ دخل عَلَيْهِ رجل فَقَالَ: يَا رَسُول الله أُرِيد اللحوق بأهلي فأوصني بِوَصِيَّة أحفظها عَنْك
قَالَ لَا تَفِر يَوْم الزَّحْف فَإِنَّهُ من فرَّ يَوْم الزَّحْف فقد بَاء بغضب من الله ومأواه جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير
وَأخرج الشَّافِعِي وَابْن أبي شيبَة عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: من فر من اثْنَيْنِ فقد فر
وَأخرج الْخَطِيب فِي الْمُتَّفق والمفترق عَن ابْن عمر رضي الله عنهما قَالَ: لما نزلت
هَذِه الْآيَة {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا لَقِيتُم الَّذين كفرُوا زحفاً فَلَا تولوهم الأدبار} الْآيَة
قَالَ لنا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَاتلُوا كَمَا قَالَ الله
وَأخرج أَحْمد عَن عَمْرو بن الْعَاصِ رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَنه استعاذ من سبع موتات
موت الْفجأَة وَمن لدغ الْحَيَّة وَمن السَّبع وَمن الْغَرق وَمن الحرق وَمن أَن يخر عَلَيْهِ شَيْء وَمن الْقَتْل عِنْد فرار الزَّحْف
وَأخرج أَحْمد عَن أبي الْيُسْر رضي الله عنه أَن رَسُول الله كَانَ يَدْعُو بهؤلاء الْكَلِمَات السَّبع يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْهَرم وَأَعُوذ بك من الْغم وَالْغَرق والحرق وَأَعُوذ بك أَن يتخبطني الشَّيْطَان عِنْد الْمَوْت وَأَعُوذ بك أَن أَمُوت فِي سَبِيلك مُدبرا وَأَعُوذ بك أَن أَمُوت لديغاً
وَأخرج ابْن سعد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات عَن بِلَال بن يسَار عَن زيد مولى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَن أَبِيه عَن جده أَنه سمع رَسُول الله يَقُول: من قَالَ: أسْتَغْفر الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم وَأَتُوب إِلَيْهِ غفر لَهُ وَإِن كَانَ فر من الزَّحْف
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن ابْن مَسْعُود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله من قَالَ أسْتَغْفر الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم ثَلَاثًا غفرت ذنُوبه وَإِن كَانَ فر من الزَّحْف
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن معَاذ بن جبل رضي الله عنه مثله مَوْقُوفا وَله حكم الرّفْع
وَالله تَعَالَى أعلم
الْآيَات 17 - 18
أخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {فَلم تَقْتُلُوهُمْ} قَالَ: لأَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم حِين قَالَ هَذَا قتلت وَهَذَا قتلت {وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى} قَالَ: مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم حِين حصب الْكفَّار
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {وَمَا رميت إِذْ رميت} قَالَ: رماهم يَوْم بدر بالحصباء
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن عِكْرِمَة رضي الله عنه قَالَ: مَا وَقع شَيْء من الْحَصْبَاء إِلَّا فِي عين رجل
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن زيد رضي الله عنه فِي قَوْله {وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى} قَالَ: هَذَا يَوْم بدر أَخذ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ثَلَاث حَصَيَات فَرمى بحصاة بَين أظهرهم فَقَالَ: شَاهَت الْوُجُوه فَانْهَزَمُوا
وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن محكول رضي الله عنه قَالَ: لما كرَّ عَليّ وَحَمْزَة على شيبَة بن ربيعَة غضب الْمُشْركُونَ وَقَالُوا: اثْنَان بِوَاحِد فاشتعل الْقِتَال فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم اللَّهُمَّ إِنَّك أَمرتنِي بِالْقِتَالِ ووعدتني النَّصْر وَلَا خلف لوعدك وَأخذ قَبْضَة من حَصى فَرمى بهَا فِي وُجُوههم فَانْهَزَمُوا بِإِذن الله تَعَالَى فَذَلِك قَوْله {وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى}
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن حَكِيم بن حزَام رضي الله عنه قَالَ لما كَانَ يَوْم بدر سمعنَا صَوتا وَقع من السَّمَاء إِلَى الأَرْض كَأَنَّهُ صَوت حَصَاة وَقعت فِي طست وَرمى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِتِلْكَ الْحَصْبَاء وَقَالَ: شَاهَت الْوُجُوه
فَانْهَزَمْنَا فَذَلِك قَول الله تَعَالَى {وَمَا رميت إِذْ رميت} الْآيَة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن جَابر رضى الله عَنهُ قَالَ: سَمِعت صَوت حَصَيَات وقعن من السَّمَاء يَوْم بدر كأنهن وقعن فِي طست فَلَمَّا اصطف النَّاس أخذهن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَرمى بِهن فِي وُجُوه الْمُشْركين فَانْهَزَمُوا فَذَلِك قَوْله {وَمَا رميت إِذْ رميت} قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لعَلي رضي الله عنه ناولني قَبْضَة من حَصْبَاء
فَنَاوَلَهُ فَرمى بهَا فِي وُجُوه الْقَوْم فَمَا بَقِي أحد من الْقَوْم إِلَّا امْتَلَأت عَيناهُ من الْحَصْبَاء فَنزلت هَذِه الْآيَة {وَمَا رميت إِذْ رميت} الْآيَة
وَأخرج ابْن جرير عَن مُحَمَّد بن قيس وَمُحَمّد بن كَعْب الْقرظِيّ رضي الله عنهما قَالَا: لما دنا الْقَوْم بَعضهم من بعض أَخذ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَبْضَة من تُرَاب فَرمى بهَا فِي وُجُوه الْقَوْم وَقَالَ: شَاهَت الْوُجُوه
فَدخلت فِي أَعينهم كلهم وَأَقْبل أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقْتُلُونَهُمْ وَكَانَت هزيمتهم فِي رمية رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَأنْزل الله {وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى} إِلَى قَوْله {سميع عليم}
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن سعيد بن الْمسيب رضي الله عنه قَالَ: لما كَانَ يَوْم أحد أَخذ أبي بن خلف يرْكض فرسه حَتَّى دنا من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَاعْترض رجال من الْمُسلمين لأبي بن خلف ليقتلوه فَقَالَ لَهُم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم استأخروا فاستأخروا فَأخذ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حربته فِي يَده فَرمى بهَا أبي بن خلف وَكسر ضلعاً من أضلاعه فَرجع أبي بن خلف إِلَى أَصْحَابه ثقيلاً فاحتملوه حِين ولوا قافلين فطفقوا يَقُولُونَ: لَا بَأْس فَقَالَ أبي حِين قَالُوا لَهُ ذَلِك: وَالله لَو كَانَت بِالنَّاسِ لقتلتهم ألم يقل إِنِّي أَقْتلك إِن شَاءَ الله فَانْطَلق بِهِ أَصْحَابه ينعشونه حَتَّى مَاتَ بِبَعْض الطَّرِيق فدفونه قَالَ ابْن الْمسيب رضي الله عنه: وَفِي ذَلِك أنزل الله تَعَالَى {وَمَا رميت إِذْ رميت} الْآيَة
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن سعيد بن الْمسيب وَالزهْرِيّ رضي الله عنهما قَالَا: أنزلت فِي رمية رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَوْم أحد أبي بن خلف بالحربة وَهُوَ فِي لامته فخدشه فِي ترقوته فَجعل يتدأدأ عَن فرسه مرَارًا حَتَّى كَانَت وَفَاته بهَا بعد أَيَّام قاسى فِيهَا الْعَذَاب الْأَلِيم مَوْصُولا بِعَذَاب البرزخ الْمُتَّصِل بِعَذَاب الْآخِرَة
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن الزُّهْرِيّ رضي الله عنه فِي قَوْله {وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى} قَالَ: حَيْثُ رمى أبي بن خلف يَوْم أحد بحربته فَقيل لَهُ: إِن يَك الأجحش
قَالَ: أَلَيْسَ قَالَ: أَنا أَقْتلك وَالله لَو قَالَهَا لجَمِيع الْخلق لماتوا
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير رضي الله عنه أَن رَسُول الله - يَوْم ابْن أبي الْحقيق - دَعَا بقوس: فَأتى بقوس طَوِيلَة فَقَالَ: جيئوني بقوس غَيرهَا
فجاءوه بقوس كيداء فَرمى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْحصن فَأقبل السهْم يهوي حَتَّى قتل ابْن أبي الْحقيق فِي فرَاشه فَأنْزل الله {وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى}
وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن أبي حَاتِم عَن عُرْوَة بن الزبير رضي الله عنه فِي قَوْله {وَلَكِن الله رمى} أَي لم يكن ذَلِك برميتك لَوْلَا الَّذِي جعل الله تَعَالَى من نصرك وَمَا ألْقى فِي صُدُور عَدوك مِنْهَا حَتَّى هزمتهم {وليبلي الْمُؤمنِينَ مِنْهُ بلَاء حسنا} أَي يعرف الْمُؤمنِينَ من نعْمَته عَلَيْهِم فِي إظهارهم على عدوّهم مَعَ كَثْرَة عدوّهم وَقلة عَددهمْ ليعرفوا بذلك حَقه ويشكروا بذلك نعْمَته
الْآيَات 19 - 20
أخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد وَعبد بن حميد وَالنَّسَائِيّ وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَابْن مَنْدَه وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن شهَاب عَن عبد الله ابْن ثَعْلَبَة بن صَغِير
أَن أَبَا جهل قَالَ حيت التقى الْقَوْم: اللَّهُمَّ اقطعنا للرحم وأتانا بمالا نَعْرِف فاحنه الْغَدَاة
فَكَانَ ذَلِك استفتاحاً مِنْهُ فَنزلت {إِن تستفتحوا فقد جَاءَكُم الْفَتْح} الْآيَة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما {إِن تستفتحوا} يَعْنِي الْمُشْركين إِن تستنصروا فقد جَاءَكُم المدد
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن عَطِيَّة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ أَبُو جهل يَوْم بدر: اللَّهُمَّ انصر إِحْدَى الفئتين وَأفضل الفئتين وَخير الفئتين
فَنزلت {إِن تستفتحوا فقد جَاءَكُم الْفَتْح}
وَأخرج أَبُو عبيد عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما أَنه كَانَ يقْرَأ إِن تستفتحوا فقد جَاءَكُم الْفَتْح وَإِن تنتهوا فَهُوَ خير لكم وَإِن تعودوا نعد وَلنْ تغني عَنْهُم فئتهم من الله شَيْئا
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {إِن تستفتحوا فقد جَاءَكُم الْفَتْح} قَالَ: كفار قُرَيْش فِي قَوْلهم: رَبنَا افْتَحْ بَيْننَا وَبَين مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه
فَفتح بَينهم يَوْم بدر
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن عِكْرِمَة رضي الله عنه فِي قَوْله {إِن تستفتحوا فقد جَاءَكُم الْفَتْح} قَالَ: إِن تستقضوا فقد جَاءَكُم الْقَضَاء فِي يَوْم بدر
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ رضي الله عنه فِي قَوْله
{وَإِن تنتهوا} قَالَ: عَن قتال مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم {وَإِن تعودوا نعد} قَالَ: إِن تستفتحوا الثَّانِيَة افْتَحْ لمُحَمد صلى الله عليه وسلم {وَأَن الله مَعَ الْمُؤمنِينَ} قَالَ: مَعَ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه
وَأخرج عبد بن حميد عَن قَتَادَة رضي الله عنه {وَإِن تعودوا نعد} يَقُول: نعد لكم بالأسر وَالْقَتْل
الْآيَة 21
أخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {وهم لَا يسمعُونَ} قَالَ: عاصون
الْآيَة 22
أخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه فِي قَوْله {إِن شَرّ الدَّوَابّ عِنْد الله} قَالَ: هم الْكفَّار
وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَالْبُخَارِيّ وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {إِن شَرّ الدَّوَابّ عِنْد الله} قَالَ: هم نفر من قُرَيْش من بني عبد الدَّار
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {الصم الْبكم الَّذين لَا يعْقلُونَ} قَالَ: لَا يتبعُون الْحق
وَأخرج عبد بن حميد وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي الْآيَة قَالَ: أنزلت فِي حيّ من أَحيَاء الْعَرَب من بني عبد الدَّار
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن جريج رضي الله عنه قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة فِي المضر بن الْحَارِث وَقَومه
وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن زيد رضي الله عنه فِي قَوْله {إِن شَرّ الدَّوَابّ عِنْد الله} قَالَ: الدَّوَابّ الْخلق وَقَرَأَ {وَلَو يُؤَاخذ الله النَّاس بِمَا كسبوا مَا ترك على ظهرهَا من دَابَّة} فاطر الْآيَة 45
(وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على رزقها)(هود الْآيَة 6) قَالَ: هَذَا يدْخل فِي هَذَا
الْآيَة 23
وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن أبي حَاتِم عَن عُرْوَة بن الزبير رضي الله عنه فِي قَوْله {وَلَو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم} أَي لأعدلهم قَوْلهم الَّذِي قَالُوا بألسنتهم وَلَكِن الْقُلُوب خَالَفت ذَلِك مِنْهُم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن زيد رضي الله عنه فِي قَوْله {وَلَو أسمعهم} قَالَ: بعد أَن يعلم أَن لَا خير فيهم مَا نفعهم بعد أَن ينفذ علمه بِأَنَّهُم لَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن عِكْرِمَة رضي الله عنه فِي الْآيَة قَالَ: قَالُوا: نَحن صم عَمَّا يَدْعُونَا إِلَيْهِ مُحَمَّد لَا نَسْمَعهُ بكم لَا نجيبه فِيهِ بِتَصْدِيق قتلوا جَمِيعًا بِأحد وَكَانُوا أَصْحَاب اللِّوَاء يَوْم أحد
الْآيَة 24
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {إِذا دعَاكُمْ لما يُحْيِيكُمْ} قَالَ: هُوَ هَذَا الْقُرْآن فِيهِ الْحَيَاة والتقة والنجاة والعصمة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن أبي حَاتِم عَن عُرْوَة بن الزبير رضي الله عنه فِي قَوْله {إِذا دعَاكُمْ لما يُحْيِيكُمْ} أَي للحرب الَّتِي أعزكم الله بهَا بعد الذل وقوّاكم بهَا بعد الضعْف ومنعكم بهَا من عَدوكُمْ بعد الْقَهْر مِنْهُم لكم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وحشيش بن أَصْرَم فِي الاسْتقَامَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {وَاعْلَمُوا أَن الله يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه} قَالَ: يحول بَين الْمُؤمن وَبَين الْكفْر ومعاصي الله ويحول بَين الْكَافِر وَبَين الإِيمان وَطَاعَة الله
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: سَأَلت النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَن هَذِه الْآيَة {يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه} قَالَ يحول بَين الْمُؤمن وَالْكفْر ويحول بَين الْكَافِر وَبَين الْهدى
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {وَاعْلَمُوا أَن الله يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه} قَالَ: يحول بَين الْكَافِر وَبَين أَن يعي بَابا من الْخَيْر أَو يعمله أَو يَهْتَدِي لَهُ
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الرّبيع بن أنس رضي الله عنه فِي قَوْله {وَاعْلَمُوا أَن الله يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه} قَالَ: علمه يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن أبي غَالب الخلجي قَالَ: سَأَلت ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما عَن قَول الله {يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه} قَالَ: يحول بَين الْمُؤمن وَبَين مَعْصِيَته الَّتِي يسْتَوْجب بهَا الهلكة فَلَا بُد لِابْنِ آدم أَن يُصِيب دون ذَلِك وَلَا يدْخل على قلبه الموبقات الَّتِي يسْتَوْجب بهَا دَار الْفَاسِقين ويحول بَين الْكَافِر وَبَين طَاعَته مَا يسْتَوْجب مَا يُصِيب أولياءه من الْخَيْر شَيْئا وَكَانَ ذَلِك فِي الْعلم السَّابِق الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ أَمر الله تَعَالَى وتستقر عِنْده أَعمال الْعباد
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن أبي غَالب قَالَ: سَأَلت ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما عَن قَوْله {يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه} قَالَ: قد سبقت بهَا عِنْد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذْ وصف لَهُم عَن الْقَضَاء قَالَ لعمر رضي الله عنه وَغَيره مِمَّن سَأَلَهُ من أَصْحَابه اعْمَلْ فَكل ميسر
قَالَ: وَمَا ذَاك التَّيْسِير قَالَ: صَاحب النَّار ميسر لعمل النَّار وَصَاحب الْجنَّة ميسر لعمل الْجنَّة
وَأخرج أَحْمد فِي الزّهْد وَابْن الْمُنْذر عَن عمر بن الْخطاب رضي الله عنه
أَنه سمع غُلَاما يَدْعُو: اللَّهُمَّ إِنَّك تحول بَين الْمَرْء وَقَلبه فَحل بيني وَبَين الْخَطَايَا فَلَا أعمل بِسوء مِنْهَا
فَقَالَ عمر رضي الله عنه: رَحِمك الله ودعا لَهُ بِخَير
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن الْحسن رضي الله عنه فِي قَوْله {يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه} قَالَ: فِي الْقرب مِنْهُ
الْآيَة 25
وَأخرج أَحْمد الْبَزَّار وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه وَابْن عَسَاكِر عَن مطرف قَالَ: قُلْنَا للزبير: يَا أَبَا عبد الله ضيعتم الْخَلِيفَة حَتَّى قتل ثمَّ جئْتُمْ تطلبون بدمه فَقَالَ: الزبير رضي الله عنه: إِنَّا قَرَأنَا على عهد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان رضي الله عنهم {وَاتَّقوا فتْنَة لَا تصيبن الَّذين ظلمُوا مِنْكُم خَاصَّة} وَلم نَكُنْ نحسب أَنا أَهلهَا حَتَّى وَقعت فِينَا حَيْثُ وَقعت
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد ونعيم بن حَمَّاد فِي الْفِتَن وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن الزبير رضي الله عنه قَالَ: لقد قَرَأنَا زَمَانا وَمَا نرى إِنَّا من أَهلهَا فَإِذا نَحن المعنيون بهَا {وَاتَّقوا فتْنَة لَا تصيبن الَّذين ظلمُوا مِنْكُم خَاصَّة}
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الْحسن رضي الله عنه فِي قَوْله {وَاتَّقوا فتْنَة لَا تصيبن الَّذين ظلمُوا مِنْكُم خَاصَّة} قَالَ: الْبلَاء وَالْأَمر الَّذِي هُوَ كَائِن
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن الْحسن رضي الله عنه فِي قَوْله {وَاتَّقوا فتْنَة لَا تصيبن الَّذين ظلمُوا مِنْكُم خَاصَّة} قَالَ: نزلت فِي عَليّ وَعُثْمَان وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر
وَأخرج عبد بن حميد عَن الْحسن رضي الله عنه فِي الْآيَة قَالَ: أما وَالله لقد علم أَقوام حِين نزلت أَنه سيخص بهَا قوم
وَأخرج عبد بن حميد وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي الْآيَة قَالَ: علم - وَالله - ذُو الْأَلْبَاب من أَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم حِين نزلت هَذِه الْآيَة أَنه سَيكون فتن
وَأخرج عبد بن حميد عَن الضَّحَّاك قَالَ: نزلت فِي أَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم خَاصَّة
وَأخرج ابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ فِي الْآيَة قَالَ: هَذِه نزلت فِي أهل بدر خَاصَّة فَأَصَابَتْهُمْ يَوْم الْجمل فَاقْتَتلُوا فَكَانَ من المقتولين طَلْحَة وَالزُّبَيْر وهما من أهل بدر
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ فِي قَوْله {وَاتَّقوا فتْنَة لَا تصيبن الَّذين ظلمُوا مِنْكُم خَاصَّة} قَالَ: أخْبرت أَنهم أَصْحَاب الْجمل
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه فِي قَوْله {وَاتَّقوا فتْنَة لَا تصيبن الَّذين ظلمُوا مِنْكُم خَاصَّة} قَالَ: تصيب الظَّالِم والصالح عَامَّة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه {وَاتَّقوا فتْنَة لَا تصيبن الَّذين ظلمُوا مِنْكُم خَاصَّة} قَالَ: هِيَ يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه حَتَّى يتْركهُ لَا يعقل
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {وَاتَّقوا فتْنَة} الْآيَة
قَالَ: أَمر الله الْمُؤمنِينَ أَن لَا يقرُّوا الْمُنكر بَين أظهرهم فيعمهم الله بِالْعَذَابِ
الْآيَة 26
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {واذْكُرُوا إِذْ أَنْتُم قَلِيل} الْآيَة
قَالَ: كَانَ هَذَا الْحَيّ أذلّ النَّاس ذلاً وأشقاه عَيْشًا وأجوعه بطوناً وأعراه جُلُودًا وأبينه ضَلَالَة معكوفين على رَأس حجر بَين فَارس وَالروم
لَا وَالله مَا فِي بِلَادهمْ يحسدون عَلَيْهِ من عَاشَ مِنْهُم عَاشَ شقياً وَمن مَاتَ مِنْهُم ردى فِي النَّار يؤكلون وَلَا يَأْكُلُون
لَا وَالله مَا نعلم قبيلا من حَاضر الأَرْض يَوْمئِذٍ كَانَ أشر منزلا مِنْهُم حَتَّى جَاءَ الله بالإِسلام فمكن بِهِ فِي الْبِلَاد ووسع بِهِ فِي الرزق وجعلكم بِهِ ملوكاً على رِقَاب النَّاس وبالإِسلام أعْطى الله مَا رَأَيْتُمْ فاشكروا لله نعمه فَإِن ربكُم منعم يحب الشُّكْر وَأهل الشُّكْر فِي مزِيد من الله عز وجل
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن جريج رضي الله عنه فِي قَوْله {يتخطفكم النَّاس} قَالَ: فِي الْجَاهِلِيَّة بِمَكَّة فآواكم إِلَى الْإِسْلَام
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن وهب رضي الله عنه فِي قَوْله {يتخطفكم النَّاس} قَالَ: النَّاس إِذْ ذَاك: فَارس وَالروم
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ وَأَبُو نعيم والديلمي فِي مُسْند الفردوس عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي قَوْله {واذْكُرُوا إِذْ أَنْتُم قَلِيل مستضعفون فِي الأَرْض تخافون أَن يتخطفكم النَّاس} قيل: يَا رَسُول الله وَمن النَّاس قَالَ أهل فَارس
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ رضي الله عنه فِي قَوْله {فآواكم} قَالَ: إِلَى الْأَنْصَار بِالْمَدِينَةِ {وأيدكم بنصره} قَالَ: يَوْم بدر
الْآيَات 27 - 28
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن جَابر بن عبد الله رضي الله عنه
أَن أَبَا سُفْيَان خرج من مَكَّة فَأتى جِبْرِيل النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِن أَبَا سُفْيَان بمَكَان كَذَا وَكَذَا فاخرجوا إِلَيْهِ واكتموا
فَكتب رجل من الْمُنَافِقين إِلَى أبي سُفْيَان: إِن مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم يُرِيدكُمْ فَخُذُوا حذركُمْ فَأنْزل الله {لَا تخونوا الله وَالرَّسُول} الْآيَة
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن عبد الله بن قَتَادَة رضي الله عنه قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة {لَا تخونوا الله وَالرَّسُول} فِي أبي لبَابَة بن عبد الْمُنْذر سَأَلُوهُ يَوْم قُرَيْظَة مَا هَذَا الْأَمر فَأَشَارَ إِلَى حلقه أَنه الذّبْح فَنزلت قَالَ أَبُو لبَابَة رضي الله عنه: مَا زَالَت قَدَمَايَ حَتَّى علمت أَنِّي خُنْت الله وَرَسُوله
وَأخرج سنيد وَابْن جرير عَن الزُّهْرِيّ رضي الله عنه فِي قَوْله {لَا تخونوا الله وَالرَّسُول} الْآيَة
قَالَ نزلت فِي أبي لبَابَة رضي الله عنه بَعثه رَسُول الله فَأَشَارَ إِلَى حلقه أَنه الذّبْح فَقَالَ أَبُو لبَابَة رضي الله عنه: لَا وَالله لَا أَذُوق طَعَاما وَلَا شرابًا حَتَّى أَمُوت أَو يَتُوب عليّ فَمَكثَ سَبْعَة أَيَّام لَا يَذُوق طَعَاما وَلَا شرابًا حَتَّى خر مغشياً عَلَيْهِ ثمَّ تَابَ الله عَلَيْهِ فَقيل لَهُ: يَا أَبَا لبَابَة قد تيب عَلَيْك
قَالَ: لَا وَالله لَا أحل نَفسِي حَتَّى يكون رَسُول الله صلى الله عليه وسلم هُوَ الَّذِي يُحِلنِي
فَجَاءَهُ فَحله بِيَدِهِ
وَأخرج عبد بن حميد عَن الْكَلْبِيّ رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بعث أَبَا لبَابَة رضي الله عنه إِلَى قُرَيْظَة وَكَانَ حليفاً لَهُم فَأَوْمأ بِيَدِهِ أَي الذّبْح فَأنْزل الله {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تخونوا الله وَالرَّسُول وتخونوا أماناتكم وَأَنْتُم تعلمُونَ} فَقَالَ رَسُول الله لأمرأة أبي لبَابَة
أيصلي ويصوم ويغتسل من الْجَنَابَة فَقَالَت: إِنَّه ليُصَلِّي ويصوم ويغتسل من الْجَنَابَة وَيُحب الله وَرَسُوله
فَبعث إِلَيْهِ فَأَتَاهُ فَقَالَ:
يَا رَسُول الله وَالله إِنِّي لأصلي وَأَصُوم وأغتسل من الْجَنَابَة
وَإِنَّمَا نهست إِلَى النِّسَاء وَالصبيان فَوَقَعت لَهُم مَا زَالَت فِي قلبِي حَتَّى عرفت أَنِّي خُنْت الله وَرَسُوله
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ رضي الله عنه {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تخونوا الله وَالرَّسُول} قَالَ: نزلت فِي أبي لبَابَة بن عبد الْمُنْذر رضي الله عنه نسختها الْآيَة الَّتِي فِي بَرَاءَة (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ)(التَّوْبَة الْآيَة 102)
وَأخرج ابْن مردوية عَن عِكْرِمَة رضي الله عنه قَالَ لما كَانَ شَأْن بني قُرَيْظَة بعث إِلَيْهِم النَّبِي صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه فِيمَن كَانَ عِنْده من النَّاس انْتهى إِلَيْهِم وَقَعُوا فِي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَجَاء جِبْرِيل عليه السلام إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم على فرس أبلق فَقَالَت عَائِشَة رضي الله عنها: فلكأني أنظر إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مسح الْغُبَار عَن وَجه جِبْرِيل عليه السلام فَقلت: هَذَا دحْيَة يَا رَسُول الله قَالَ: هَذَا جِبْرِيل
فَقَالَ: يَا رَسُول الله مَا يمنعك من بني قُرَيْظَة أَن تأتيهم فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: فَكيف لي بحصنهم فَقَالَ جِبْرِيل عليه السلام: إِنِّي أَدخل فرسي هَذَا عَلَيْهِم فَركب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فرسا معروراً فَلَمَّا رَآهُ عَليّ رضي الله عنه قَالَ: يَا رَسُول الله لَا عَلَيْك أَن لَا تأتيهم فَإِنَّهُم يشتمونك
فَقَالَ: كلا إِنَّهَا سَتَكُون تَحِيَّة فَأَتَاهُم النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا إخْوَة القردة والخنازير
فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِم مَا كنت فحاشاً
فَقَالُوا: لَا ننزل على حكم مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم ولكننا ننزل على حكم سعد بن معَاذ فنزلوا فَحكم فيهم: أَن تقتل مُقَاتلَتهمْ وتسبى ذَرَارِيهمْ
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: بذلك طرقني الْملك سحرًا فَنزل فيهم {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تخونوا الله وَالرَّسُول وتخونوا أماناتكم وَأَنْتُم تعلمُونَ} نزلت فِي أبي لبَابَة رضي الله عنه أَشَارَ إِلَى بني قُرَيْظَة حِين قَالُوا: ننزل على حكم سعد بن معَاذ رضي الله عنه لَا تَفعلُوا فَإِنَّهُ الذّبْح وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حلقه
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {لَا تخونوا الله} قَالَ: بترك فَرَائِضه {وَالرَّسُول} بترك سنته وارتكاب مَعْصِيَته {وتخونوا أماناتكم} يَقُول: لَا تنقضوها وَالْأَمَانَة الَّتِي ائْتمن الله عَلَيْهَا الْعباد
وَأخرج ابْن جرير عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة رضي الله عنه قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة فِي قتل عُثْمَان رضي الله عنه
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن يزِيد بن أبي حبيب رضي الله عنه فِي قَوْله {لَا تخونوا الله وَالرَّسُول} هُوَ الإِخلال بِالسِّلَاحِ فِي الْمَغَازِي
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ رضي الله عنه عَن ابْن مَسْعُود رضي الله عنه قَالَ: مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا وَهُوَ يشْتَمل على فتْنَة لِأَن الله يَقُول {إِنَّمَا أَمْوَالكُم وَأَوْلَادكُمْ فتْنَة} فَمن استعاذ مِنْكُم فليستعذ بِاللَّه من مضلات الْفِتَن
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن زيد رضي الله عنه فِي قَوْله {وَاعْلَمُوا إِنَّمَا أَمْوَالكُم وَأَوْلَادكُمْ فتْنَة} قَالَ: فتْنَة الاختبار اختبرهم وَقَرَأَ قَول الله تَعَالَى (ونبلوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فتْنَة)(الْأَنْبِيَاء الْآيَة 35)
الْآيَة 29
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {يَجْعَل لكم فرقاناً} قَالَ: نجاة
وَأخرج ابْن جرير عَن عِكْرِمَة رضي الله عنه مثله
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {يَجْعَل لكم فرقاناً} قَالَ: نصرا
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {يَجْعَل لكم فرقاناً} يَقُول: مخرجا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
الْآيَة 30
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَأحمد وَعبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو نعيم فِي الدَّلَائِل والخطيب عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {وَإِذ يمكر بك الَّذين كفرُوا ليثبتوك}
قَالَ: تَشَاوَرَتْ قُرَيْش لَيْلَة بِمَكَّة فَقَالَ بَعضهم: إِذا أصبح فأثبتوه بِالْوَثَاقِ - يُرِيدُونَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَقَالَ بَعضهم: بل اقْتُلُوهُ وَقَالَ بَعضهم: بل أَخْرجُوهُ
فَأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذَلِك فَبَاتَ عَليّ رضي الله عنه على فرَاش النَّبِي وَخرج النَّبِي صلى الله عليه وسلم حَتَّى لحق بِالْغَارِ وَبَات الْمُشْركُونَ يَحْرُسُونَ عليا رضي الله عنه يَحْسبُونَهُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا أَصْبحُوا ثَارُوا إِلَيْهِ فَلَمَّا رَأَوْهُ عليا رضي الله عنه رد الله مَكْرهمْ فَقَالُوا: أَيْن صَاحبك هَذَا قَالَ: لَا أَدْرِي
فَاقْتَصُّوا أَثَره فَلَمَّا بلغُوا الْجَبَل اخْتَلَط عَلَيْهِم فَصَعِدُوا فِي الْجَبَل فَرَأَوْا على بَابه نسج العنكبوت فَقَالُوا: لَو دخل هُنَا لم يكن نسج العنكبوت على بَابه فَمَكثَ فِيهِ ثَلَاث لَيَال
وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو نعيم وَالْبَيْهَقِيّ مَعًا فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما
أَن نَفرا من قُرَيْش وَمن أَشْرَاف كل قَبيلَة اجْتَمعُوا ليدخلوا دَار الندوة واعترضهم إِبْلِيس فِي صُورَة شيخ جليل فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: من أَنْت قَالَ: شيخ من أهل نجد سَمِعت بِمَا اجْتَمَعْتُمْ لَهُ فَأَرَدْت أَن أحْضركُم وَلنْ يعدمكم مني رَأْي ونصح
قَالُوا: أجل فَادْخُلْ فَدخل مَعَهم فَقَالَ: انْظُرُوا فِي شَأْن هَذَا الرجل - فوَاللَّه - ليوشكن أَن يواتيكم فِي أَمركُم بأَمْره
فَقَالَ قَائِل: احْبِسُوهُ فِي وثاق ثمَّ تَرَبَّصُوا بِهِ الْمنون حَتَّى يهْلك كَمَا هلك من كَانَ قبله من الشُّعَرَاء: زُهَيْر ونابغة فَإِنَّمَا هُوَ كأحدهم فَقَالَ عدوّ الله الشَّيْخ النجدي: لَا وَالله مَا هَذَا لكم بِرَأْي وَالله ليخرجن رائد من محبسه لأَصْحَابه فليوشكن أَن يثبوا عَلَيْهِ حَتَّى يأخذوه من أَيْدِيكُم ثمَّ يمنعوه مِنْكُم فَمَا آمن عَلَيْكُم أَن يخرجوكم من بِلَادكُمْ فانظروا فِي غير هَذَا الرَّأْي
فَقَالَ قَائِل: فأخرجوه من بَين أظْهركُم فاستريحوا مِنْهُ فَإِنَّهُ إِذا خرج لم يضركم مَا صنع وَأَيْنَ وَقع وَإِذا غَابَ عَنْكُم أَذَاهُ استرحتم مِنْهُ فَإِنَّهُ إِذا خرج لم يضركم مَا صنع وَكَانَ أمره فِي غَيْركُمْ
فَقَالَ الشَّيْخ النجدي: لَا وَالله مَا هَذَا لكم بِرَأْي ألم تروا حلاوة قَوْله وطلاقة لِسَانه وَأَخذه الْقُلُوب بِمَا تستمع من حَدِيث وَالله لَئِن فَعلْتُمْ ثمَّ استعرض الْعَرَب لتجتمعن إِلَيْهِ ثمَّ ليسيرن إِلَيْكُم حَتَّى يخرجكم من بِلَادكُمْ وَيقتل أشرافكم
قَالُوا: صدق - وَالله - فانظروا رَأيا غير هَذَا
فَقَالَ أَبُو جهل: وَالله لأشيرن عَلَيْكُم بِرَأْي مَا أرى غَيره
قَالُوا: وَمَا هَذَا قَالَ: تَأْخُذُوا من كل قَبيلَة غُلَاما وسطا شَابًّا مهداً ثمَّ يعْطى كل غُلَام مِنْهُم سَيْفا
صَارِمًا ثمَّ يضربوه بِهِ - يَعْنِي ضَرْبَة رجل وَاحِد - فَإِذا قَتَلْتُمُوهُ تفرق دَمه فِي الْقَبَائِل كلهَا فَلَا أَظن هَذَا الْحَيّ من بني هَاشم يقدرُونَ على حَرْب قُرَيْش كلهم وَإِنَّهُم إِذا أَرَادوا ذَلِك قبلوا الْعقل وَاسْتَرَحْنَا وقطعنا عَنَّا أَذَاهُ
فَقَالَ الشَّيْخ النجدي: هَذَا - وَالله - هُوَ الرَّأْي القَوْل مَا قَالَ الْفَتى لَا أرى غَيره فَتَفَرَّقُوا على ذَلِك وهم مجتمعون لَهُ
فَأتى جِبْرِيل عليه السلام رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَأمره أَن لَا يبيت فِي مضجعه الَّذِي كَانَ يبيت فِيهِ وَأخْبرهُ بمكر الْقَوْم فَلم يبت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي بَيته تِلْكَ اللَّيْلَة وَأذن الله لَهُ عِنْد ذَلِك فِي الْخُرُوج وَأمرهمْ بِالْهِجْرَةِ وافترض عَلَيْهِم الْقِتَال فَأنْزل الله (أُذن للَّذين يُقَاتلُون)(الْحَج الْآيَة 39) فَكَانَت هَاتَانِ الْآيَتَانِ أول مَا نزل فِي الْحَرْب وَأنزل بعد قدومه الْمَدِينَة يذكرهُ نعْمَته عَلَيْهِ {وَإِذ يمكر بك الَّذين كفرُوا} الْآيَة
وَأخرج سنيد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن عبيد بن عُمَيْر رضي الله عنه قَالَ لما ائْتَمرُوا بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ليثبتوه أَو يقتلوه أَو يخرجوه قَالَ لَهُ عَمه أَبُو طَالب: هَل تَدْرِي مَا ائْتَمرُوا بك قَالَ: يُرِيدُونَ أَن يسجنوني أَو يقتلوني أَو يُخْرِجُونِي
قَالَ: من حَدثَك بِهَذَا قَالَ: رَبِّي
قَالَ: نعم الرب رَبك اسْتَوْصِ بِهِ خيرا
قَالَ: أَنا استوصي بِهِ بل هُوَ يستوصي بِي
وَأخرج ابْن جرير من طَرِيق عبيد بن عُمَيْر رضي الله عنه عَن الْمطلب بن أبي ودَاعَة أَنا أَبَا طَالب قَالَ للنَّبِي صلى الله عليه وسلم: مَا يأتمر بك قَوْمك قَالَ: يُرِيدُونَ أَن يجسنوني أَو يقتلوني أَو يُخْرِجُونِي
قَالَ: من حَدثَك بِهَذَا قَالَ: رَبِّي
قَالَ: نعم الرب رَبك فاستوص بِهِ خيرا
قَالَ: أَنا استوصي بِهِ بل هُوَ يستوصي بِي: فَنزلت {وَإِذ يمكر بك الَّذين كفرُوا}
وَأخرج ابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن جريج رضي الله عنه {وَإِذ يمكر بك الَّذين كفرُوا} قَالَ: هِيَ مَكِّيَّة
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أنس بن مَالك رضي الله عنه قَالَ: سُئِلَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَن الْأَيَّام سُئِلَ عَن يَوْم السبت فَقَالَ هُوَ يَوْم مكر وخديعة
قَالُوا: وَكَيف ذَاك يَا رَسُول الله قَالَ: فِيهِ مكرت قُرَيْش فِي دَار الندوة إِذْ قَالَ الله {وَإِذ يمكر بك الَّذين كفرُوا ليثبتوك أَو يَقْتُلُوك أَو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله وَالله خير الماكرين}
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما {ليثبتوك} يَعْنِي ليوثقوك
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد عَن قَتَادَة رضي الله عنه قَالَ: دخلُوا دَار الندوة يأتمرون بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: لَا يدْخل عَلَيْكُم أحد لَيْسَ مِنْكُم فَدخل مَعَهم الشَّيْطَان فِي صُورَة شيخ من أهل نجد فتشاوروا فَقَالَ أحدهم: نخرجهُ: فَقَالَ الشَّيْطَان: بئْسَمَا رأى هَذَا هُوَ قد كَاد أَن يفْسد فِيمَا بَيْنكُم وَهُوَ بَين أظْهركُم فَكيف إِذا أخرجتموه فأفسد النَّاس ثمَّ حملهمْ عَلَيْكُم يقاتلونكم
قَالُوا: نعم مَا رأى هَذَا
فَأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذَلِك فَخرج هُوَ وَأَبُو بكر رضي الله عنه إِلَى غَار فِي جبل يُقَال ثَوْر وَقَامَ عَليّ بن أبي طَالب على فرَاش النَّبِي وَبَاتُوا يحرسونه يحسبون أَنه النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا أَصْبحُوا ثَارُوا إِلَيْهِ فَإِذا هم بعلي رضي الله عنه
فَقَالُوا: أَيْن صَاحبك فَقَالَ: لَا أَدْرِي
فَاقْتَصُّوا أَثَره حَتَّى بلغُوا الْغَار ثمَّ رجعُوا وَمكث فِيهِ هُوَ وَأَبُو بكر رضي الله عنه ثَلَاث لَيَال
وَأخرج عبد بن حميد عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة رضي الله عنه
أَن قُريْشًا اجْتمعت فِي بَيت وَقَالُوا: لَا يدْخل مَعكُمْ الْيَوْم إِلَّا من هُوَ مِنْكُم فجَاء إِبْلِيس فَقَالَ لَهُ: من أَنْت قَالَ: شيخ من أهل نجد وَأَنا ابْن أختكم
فَقَالُوا: ابْن أُخْت الْقَوْم مِنْهُم
فَقَالَ بَعضهم: أوثقوه
فَقَالَ: أيرضى بَنو هَاشم بذلك فَقَالَ بَعضهم: أَخْرجُوهُ
فَقَالَ: يؤويه غَيْركُمْ
فَقَالَ أَبُو جهل: ليجتمع من كل بني أَب رجل فيقتلوه
فَقَالَ إِبْلِيس: هَذَا الْأَمر الَّذِي قَالَ الْفَتى
فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة {وَإِذ يمكر بك الَّذين كفرُوا ليثبتوك} إِلَى آخر الْآيَة
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {ليثبتوك أَو يَقْتُلُوك أَو يخرجوك} قَالَ: كفار قُرَيْش أَرَادوا ذَلِك بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم قبل أَن يخرج من مَكَّة
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: شرى عَليّ رضي الله عنه نَفسه وَلبس ثوب النَّبِي صلى الله عليه وسلم ثمَّ نَام مَكَانَهُ وَكَانَ الْمُشْركُونَ يحسبون أَنه رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَكَانَت قُرَيْش تُرِيدُ أَن تقتل النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَجعلُوا يرمقون عليا ويرونه النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَجعل عَليّ رَضِي الله يتَصَوَّر فَإِذا هُوَ عَليّ رضي الله عنه فَقَالُوا: إِنَّك للئيم إِنَّك لتتصوّر وَكَانَ صَاحبك لَا يتصوّرك وَلَقَد استنكرناه مِنْك
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن عَليّ بن الْحُسَيْن رضي الله عنه وَقَالَ فِي ذَلِك: وقيت بنفسي خير من وطئ الْحَصَى وَمن طَاف بِالْبَيْتِ الْعَتِيق وَالْحجر رَسُول الله خَافَ أَن يَمْكُرُوا بِهِ فَنَجَّاهُ ذُو الطول الإِله من الْمَكْر وَبَات رَسُول الله فِي الْغَار آمنا وَفِي حفظ من الله وَفِي ستر وَبت اراعيه وَمَا يتهمونني وَقد وطنت نَفسِي على الْقَتْل والأسر
الْآيَة 31
وَأخرج ابْن جرير وَابْن مرْدَوَيْه عَن سعيد بن جُبَير رضي الله عنه قَالَ قتل النَّبِي صلى الله عليه وسلم يَوْم بدر صبرا عقبَة بن أبي معيط وَالنضْر بن الْحَارِث وَكَانَ الْمِقْدَاد أسر النَّضر فَلَمَّا أَمر بقتْله قَالَ الْمِقْدَاد: يَا رَسُول الله أسيري
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّه كَانَ يَقُول فِي كتاب الله مَا يَقُول: وَفِيه أنزلت هَذِه الْآيَة {وَإِذا تتلى عَلَيْهِم آيَاتنَا قَالُوا قد سمعنَا لَو نشَاء لقلنا مثل هَذَا إِن هَذَا إِلَّا أساطير الأوّلين}
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن السَّيِّد رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّضر بن الْحَارِث يخْتَلف إِلَى الْحيرَة فَيسمع سجع أَهلهَا وَكَلَامهم فَلَمَّا قدم إِلَى مَكَّة سمع كَلَام النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن فَقَالَ: {قد سمعنَا لَو نشَاء لقلنا مثل هَذَا إِن هَذَا إِلَّا أساطير الْأَوَّلين}
الْآيَات 32 - 34
أخرج البُخَارِيّ وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن أنس بن مَالك رضي الله عنه قَالَ: قَالَ أَبُو جهل بن هِشَام {اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحق من عنْدك فَأمْطر علينا حِجَارَة من السَّمَاء أَو ائتنا بِعَذَاب أَلِيم} فَنزلت {وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم وَمَا كَانَ الله معذبهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ}
وَأخرج عبد بن حميد عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي الْآيَة قَالَ: ذكر لنا أَنَّهَا أنزلت فِي أبي جهل بن هِشَام
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن سعيد بن جُبَير فِي قَوْله {وَإِذ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحق من عنْدك} قَالَ: نزلت فِي النَّضر بن الْحَارِث
وَأخرج ابْن جرير عَن عَطاء قَالَ: نزلت فِي النَّضر {وَإِذ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحق من عنْدك فَأمْطر علينا حِجَارَة من السَّمَاء} {وَقَالُوا رَبنَا عجل لنا قطنا قبل يَوْم الْحساب} ص الْآيَة 16
(وَلَقَد جئتمونا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أول مرّة)(الْأَنْعَام الْآيَة 94) و (سَأَلَ سَائل بِعَذَاب وَاقع)(المعارج الْآيَة 1) قَالَ عَطاء رضي الله عنه: لقد نزل فِيهِ بضع عشرَة آيَة من كتاب الله
وَأخرج ابْن مَرْوُدَيْهِ عَن بُرَيْدَة رضي الله عنه قَالَ: رَأَيْت عَمْرو بن الْعَاصِ وَاقِفًا على فرس يَوْم أحد وَهُوَ يَقُول: اللَّهُمَّ إِن كَانَ مَا يَقُول مُحَمَّد حَقًا فاخسف بِي وبفرسي
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ الْمُشْركُونَ يطوفون بِالْبَيْتِ وَيَقُولُونَ: لبيْك لَا شريك لَك لبيْك
فَيَقُول النَّبِي صلى الله عليه وسلم: قد قد
وَيَقُولُونَ: لَا شريك لَك إِلَّا شريك هُوَ لَك تملكه وَمَا ملك وَيَقُولُونَ: غفرانك غفرانك
فَأنْزل الله تَعَالَى {وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم} الْآيَة
فَقَالَ ابْن عَبَّاس رضي الله عنه: كَانَ فيهم أمانان النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَالِاسْتِغْفَار فَذهب النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَبَقِي الاسْتِغْفَار {وَمَا لَهُم أَلا يعذبهم الله} قَالَ: هُوَ عَذَاب الْآخِرَة وَذَلِكَ عَذَاب الدُّنْيَا
وَأخرج ابْن جرير عَن يزِيد بن رُومَان وَمُحَمّد بن قيس قَالَا: قَالَت قُرَيْش بَعْضهَا
لبَعض: مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم أكْرمه الله من بَيْننَا {اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحق من عنْدك فَأمْطر علينا حِجَارَة من السَّمَاء} الْآيَة
فَلَمَّا أَمْسوا ندموا على مَا قَالُوا فَقَالُوا: غفرانك اللَّهُمَّ
فَأنْزل الله {وَمَا كَانَ الله معذبهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ} إِلَى قَوْله {لَا يعلمُونَ}
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن أَبْزَى رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِمَكَّة فَأنْزل الله {وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم} فَخرج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَة فَأنْزل الله {وَمَا كَانَ الله معذبهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ} فَلَمَّا خَرجُوا أنزل الله {وَمَا لَهُم أَلا يعذبهم الله} الْآيَة فَأذن فِي فتح مَكَّة فَهُوَ الْعَذَاب الَّذِي وعدهم
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن عَطِيَّة رضي الله عنه فِي قَوْله {وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم} يَعْنِي الْمُشْركين حَتَّى يخْرجك مِنْهُم {وَمَا كَانَ الله معذبهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ} قَالَ: يَعْنِي الْمُؤمنِينَ ثمَّ أعَاد الْمُشْركين فَقَالَ {وَمَا لَهُم أَلا يعذبهم الله وهم يصدون عَن الْمَسْجِد الْحَرَام}
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ رضي الله عنه فِي قَوْله {وَمَا كَانَ الله معذبهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ} يَقُول: لَو اسْتَغْفرُوا وأقروا بِالذنُوبِ لكانوا مُؤمنين
وَفِي قَوْله {وَمَا لَهُم أَلا يعذبهم الله وهم يصدون عَن الْمَسْجِد الْحَرَام} يَقُول: وَكَيف لَا أعذبهم وهم لَا يَسْتَغْفِرُونَ
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه {وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم} قَالَ: بَين أظهرهم {وَمَا كَانَ الله معذبهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ} يَقُول: وَمَا كَانَ الله معذبهم وَهُوَ لَا يزَال الرجل مِنْهُم يدْخل فِي الإِسلام
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن عِكْرِمَة رضي الله عنه {وَمَا كَانَ الله معذبهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ} قَالَ: وهم يدْخلُونَ فِي الإِسلام
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عَطاء بن دِينَار رضي الله عنه قَالَ: سُئِلَ سعيد بن جُبَير رضي الله عنه عَن الاسْتِغْفَار فَقَالَ: قَالَ الله {وَمَا كَانَ الله معذبهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ} يَقُول: يعْملُونَ على الغفران وَعلمت أَن نَاسا سيدخلون جَهَنَّم مِمَّن يَسْتَغْفِرُونَ بألسنتهم مِمَّن يَدعِي الإِسلام وَسَائِر الْملَل
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن عِكْرِمَة وَالْحسن رضي الله عنهما فِي قَوْله {وَمَا كَانَ الله معذبهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ} قَالَا: نسختها الْآيَة الَّتِي تَلِيهَا {وَمَا لَهُم أَلا يعذبهم الله} فقوتلوا بِمَكَّة فَأَصَابَهُمْ فِيهَا الْجُوع والحصر
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ رضي الله عنه
مثله
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن أبي مَالك رضي الله عنه {وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم} يَعْنِي أهل مَكَّة {وَمَا كَانَ الله معذبهم} وَفِيهِمْ الْمُؤْمِنُونَ يَسْتَغْفِرُونَ
وأخرحج الْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن قَتَادَة رضي الله عنه قَالَ: إِن الْقُرْآن يدلكم على دائكم ودوائكم أما داءكم فذنوبكم وَأما دواؤكم فالاستغفار
وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ عَن كَعْب رضي الله عنه قَالَ: إِن العَبْد ليذنب الذَّنب الصَّغِير فيحتقره وَلَا ينْدَم عَلَيْهِ وَلَا يسْتَغْفر مِنْهُ فيعظم عِنْد الله حَتَّى يكون مثل الطود ويذنب الذَّنب فيندم عَلَيْهِ ويستغفر مِنْهُ فيصغر عِنْد الله عز وجل حَتَّى يعْفُو لَهُ
وَأخرج التِّرْمِذِيّ عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أنزل الله عَليّ أمانين لأمتي {وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم وَمَا كَانَ الله معذبهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ} فَإِذا مضيت تركت فيهم الاسْتِغْفَار إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: كَانَ فِيكُم أمانان مضى أَحدهمَا وَبَقِي الآخر
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: إِن الله جعل فِي هَذِه الْأمة أمانين لَا يزالون معصومين من قوارع الْعَذَاب مَا داما بَين أظهرهم فأمان قَبضه الله تَعَالَى إِلَيْهِ وأمان بَقِي فِيكُم قَوْله {وَمَا كَانَ الله ليعذبهم} الْآيَة
وَأخرج ابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْحَاكِم وَابْن عَسَاكِر عَن أبي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: إِنَّه قد كَانَ فِيكُم أمانان مضى أَحدهمَا وَبَقِي الآخر {وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم وَمَا كَانَ الله معذبهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ} فَأَما رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فقد مضى بسبيله وَأما الاسْتِغْفَار فَهُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ فِي
هَذِه الْأمة أمانان: رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَالِاسْتِغْفَار فَذهب أَمَان - يَعْنِي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَبَقِي أَمَان يَعْنِي الاسْتِغْفَار
وَأخرج أَحْمد عَن فضَالة بن عبيد رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: العَبْد آمن من عَذَاب الله مَا اسْتغْفر الله
وَأخرج أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات عَن أبي سعيد رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله: إِن الشَّيْطَان قَالَ: وَعزَّتك يَا رب لَا أَبْرَح أغوي عِبَادك مَا دَامَت أَرْوَاحهم فِي أَجْسَادهم
قَالَ الرب: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَزَال أَغفر لَهُم مَا استغفروني
وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما عَن النَّبِي قَالَ: من أَكثر من الاسْتِغْفَار جعل الله لَهُ من كل هم فرجا وَمن كل ضيق مخرجا ورزقه من حَيْثُ لَا يحْتَسب
وَأخرج الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ فِي نَوَادِر الْأُصُول وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة عَن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم طُوبَى لمن وجد فِي صَحِيفَته اسْتِغْفَارًا كثيرا
وَأخرج الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ عَن أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: إِن اسْتَطَعْتُم أَن تكثروا من الاسْتِغْفَار فافعلوا فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْء أنجح عِنْد الله وَلَا أحب إِلَيْهِ مِنْهُ
وَأخرج أَحْمد فِي الزّهْد عَن مغيث بن أَسمَاء رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رجل مِمَّن كَانَ قبلكُمْ يعْمل بِالْمَعَاصِي فَبَيْنَمَا هُوَ ذَات يَوْم يسير إِذْ تفكر فِيمَا سلف مِنْهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ غفرانك
فادركه الْمَوْت على تِلْكَ الْحَال فغفر لَهُ
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد فِي الزّهْد عَن أبي الدَّرْدَاء رضي الله عنه قَالَ: طُوبَى لمن وجد فِي صَحِيفَته بنداً من الإِستغفار
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رضي الله عنه قَالَ: من قَالَ: أسْتَغْفر الله الْعَظِيم الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم وَأَتُوب إِلَيْهِ خمس مَرَّات غفر لَهُ وَإِن كَانَ عَلَيْهِ مثل زبد الْبَحْر
وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل وَالنَّسَائِيّ عَن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قَالَ انكسفت الشَّمْس على عهد رَسُول الله فصلى رَسُول الله فَقَامَ فَلم
يكد يرْكَع ثمَّ ركع فَلم يكد يسْجد ثمَّ سجد فَلم يكد يرفع ثمَّ رفع وَفعل فِي الرَّكْعَة الْأُخْرَى مثل ذَلِك ثمَّ نفخ فِي آخر سُجُوده ثمَّ قَالَ: رب ألم تعدني أَن لَا تُعَذبهُمْ وَأَنا فيهم رب ألم تعدني أَن لَا تُعَذبهُمْ وهم يَسْتَغْفِرُونَ وَنحن نستغفرك
ففرغ رَسُول الله من صلَاته وَقد انمخصت الشَّمْس
وَأخرج الديلمي عَن عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُول الله فِي الأَرْض أَمَانًا: أَنا امان وَالِاسْتِغْفَار أَمَان وَأَنا مذهوب بِي وَيبقى أَمَان الاسْتِغْفَار فَعَلَيْكُم بالاستغفار عِنْد كل حدث وذنب
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم والنحاس فِي ناسخه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم} قَالَ: مَا كَانَ الله ليعذب قوما وأنبياؤهم بَين أظهرهم حَتَّى يخرجهم {وَمَا كَانَ الله معذبهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ} يَقُول: وَفِيهِمْ من قد سبق لَهُ من الله الدُّخُول فِي الإِيمان: وَهُوَ الاسْتِغْفَار
وَقَالَ للْكَافِرِ {مَا كَانَ الله ليذر الْمُؤمنِينَ على مَا أَنْتُم عَلَيْهِ حَتَّى يُمَيّز الْخَبيث من الطّيب} ) (آل عمرَان الْآيَة 179) فيميز الله أهل السَّعَادَة من أهل الشقاوة {وَمَا لَهُم أَلا يعذبهم الله} فعذبهم يَوْم بدر بِالسَّيْفِ
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس {وَمَا كَانَ الله معذبهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ} ثمَّ اسْتثْنى أهل الشّرك فَقَالَ {وَمَا لَهُم أَلا يعذبهم الله}
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير والنحاس وَأَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك {وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم} قَالَ: الْمُشْركين الَّذين بِمَكَّة {وَمَا كَانَ الله معذبهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ} قَالَ: الْمُؤمنِينَ بِمَكَّة {وَمَا لَهُم أَلا يعذبهم الله} قَالَ: كفار مَكَّة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر عَن سعيد بن جُبَير رضي الله عنه فِي قَوْله {وَمَا لَهُم أَلا يعذبهم الله} قَالَ: عَذَابهمْ فتح مَكَّة
وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن أبي حَاتِم عَن عباد بن عبد الله بن الزبير رَضِي اله عَنهُ {وَمَا لَهُم أَلا يعذبهم الله} وهم يجحدون آيَات الله ويكذبون رسله وَإِن كَانَ فيهم مَا يدعونَ
وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن أبي حَاتِم عَن عُرْوَة بن الزبير رضي الله عنه فِي قَوْله
{وهم يصدون عَن الْمَسْجِد الْحَرَام} أَي من آمن بِاللَّه وَعَبده أَنْت وَمن اتبعك
{وَمَا كَانُوا أولياءه إِن أولياؤه إِلَّا المتقون} الَّذين يخرجُون مِنْهُ ويقيمون الصَّلَاة عِنْده أَي أَنْت وَمن آمن بك
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {إِن أولياؤه إِلَّا المتقون} قَالَ: من كَانُوا حَيْثُ كَانُوا
وَأخرج البُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن رِفَاعَة بن رَافع رضي الله عنه
أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ لعمر رضي الله عنه: اجْمَعْ لي قَوْمك فَجَمعهُمْ فَلَمَّا حَضَرُوا بَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم دخل عمر رضي الله عنه عَلَيْهِ فَقَالَ: قد جمعت لَك قومِي
فَسمع ذَلِك الْأَنْصَار فَقَالُوا: قد نزل فِي قُرَيْش وَحي
فجَاء المستمع والناظر مَا يُقَال لَهُم فَخرج النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَامَ بَين أظهرهم فَقَالَ: هَل فِيكُم من غَيْركُمْ قَالُوا: نعم فِينَا حليفنا وَابْن أُخْتنَا وموالينا
قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: حليفنا منا وَابْن أُخْتنَا منا ومولانا منا أَنْتُم تَسْمَعُونَ أَن أوليائي مِنْكُم إِلَّا المتقون فَإِن كُنْتُم أُولَئِكَ فَذَلِك وَإِلَّا فانظروا أَلا يَأْتِي النَّاس بِالْأَعْمَالِ يَوْم الْقِيَامَة وتأتون بالأثقال فَيعرض عَنْكُم
وَأخرج البُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه
أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ إِن أوليائي يَوْم الْقِيَامَة المتقون وَإِن كَانَ نسب أقرب من نسب فَلَا يأتيني النَّاس بِالْأَعْمَالِ وتأتوني بالدنيا تحملونها على رِقَابكُمْ فَأَقُول هَكَذَا وَهَكَذَا إِلَّا وَأعْرض فِي كل عطفيه
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن أنس رضي الله عنه قَالَ: سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من آلك فَقَالَ: كل تَقِيّ وتلا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم {إِن أولياؤه إِلَّا المتقون}
وَأخرج أَحْمد وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم عَن عَمْرو بن الْعَاصِ رضي الله عنه: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: إِن آل فلَان لَيْسُوا لي بأولياء وَإِنَّمَا وليي الله وَصَالح الْمُؤمنِينَ
وَأخرج أَحْمد عَن معَاذ بن جبل رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِن أولى النَّاس بِي المتقون من كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا
الْآيَة 35
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن سعيد بن جُبَير رضي الله عنه قَالَ: كَانَت قُرَيْش يعارضون النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي الطّواف يستهزءون ويصفرون ويصفقون فَنزلت {وَمَا كَانَ صلَاتهم عِنْد الْبَيْت إِلَّا مكاء وتصدية}
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن نبيط - وَكَانَ من الصَّحَابَة رضي الله عنه فِي قَوْله {وَمَا كَانَ صلَاتهم عِنْد الْبَيْت} الْآيَة
قَالَ: كَانُوا يطوفون بِالْبَيْتِ الْحَرَام وهم يصفرون
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه والضياء عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: كَانُوا يطوفون بِالْبَيْتِ عُرَاة تصفر وتصفق فَأنْزل الله {وَمَا كَانَ صلَاتهم عِنْد الْبَيْت إِلَّا مكاء وتصدية} قَالَ: والمكاء الصفير وَإِنَّمَا شبهوا بصفير الطير وتصدية التصفيق وَأنزل فيهم (قل من حرم زِينَة الله)(الْأَعْرَاف الْآيَة 32) الْآيَة
وَأخرج الطستي عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما
أَن نَافِع بن الْأَزْرَق قَالَ لَهُ: أَخْبرنِي عَن قَوْله عز وجل {إِلَّا مكاء وتصدية} قَالَ: المكاء صَوت القنبرة
والتصدية صَوت العصافير وَهُوَ التصفيق
وَذَلِكَ أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة وَهُوَ بِمَكَّة كَانَ يُصَلِّي قَائِما بَين الْحجر والركن الْيَمَانِيّ فَيَجِيء رجلَانِ من بني سهم يقوم أَحدهمَا عَن يَمِينه وَالْآخر عَن شِمَاله ويصيح أَحدهمَا كَمَا يَصِيح المكاء وَالْآخر يصفق بيدَيْهِ تصدية العصافير ليفسد عَلَيْهِ صلَاته
قَالَ: وَهل تعرف الْعَرَب ذَلِك ققال: نعم أما سَمِعت حسان بن ثَابت رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُول: نقوم إِلَى الصَّلَاة إِذا دعينا وهمتك التصدي والمكاء وَقَالَ آخر من الشُّعَرَاء فِي التصدية: حَتَّى تنبهنا سحيراً قبل تصدية العصافير وَأخرج ابْن الْمُنْذر من طَرِيق عَطِيَّة عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنه قَالَ: المكاء الصفير
كَانَ أَحدهمَا يضع يَده على الْأُخْرَى ثمَّ يصفر
وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {إِلَّا مكاء وتصدية} قَالَ: المكاء الصفير والتصدية التصفيق
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عمر رضي الله عنهما قَالَ: المكاء الصفير والتصدية التصفيق
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد رضي الله عنه قَالَ: المكاء إِدْخَال أَصَابِعهم فِي أَفْوَاههم
والتصدية الصفير يخلطون بذلك كُله على مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم صلَاته
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ رضي الله عنه قَالَ: المكاء الصفير على نَحْو طير أَبيض يُقَال لَهُ المكاء يكون بِأَرْض الْحجاز والتصدية التصفيق
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن سعيد بن جُبَير رضي الله عنه فِي قَوْله {إِلَّا مكاء} قَالَ: كَانُوا يشبكون أَصَابِعهم ويصفرون فِيهِنَّ {وتصدية} قَالَ: صدهم النَّاس
وَأخرج عبد بن حميد عَن عِكْرِمَة رضي الله عنه قَالَ: كَانَ الْمُشْركُونَ يطوفون بِالْبَيْتِ على الشمَال وَهُوَ قَوْله {وَمَا كَانَ صلَاتهم عِنْد الْبَيْت إِلَّا مكاء وتصدية} فالمكاء مثل نفخ البوق
والتصدية طوافهم على الشمَال
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه فِي قَوْله {فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون} قَالَ: يَعْنِي أهل بدر عذبهم الله بِالْقَتْلِ والاسر
الْآيَات 36 - 37
وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل كلهم من طَرِيقه قَالَ: حَدثنِي الزُّهْرِيّ وَمُحَمّد بن يحيى بن حَيَّان وَعَاصِم بن عَمْرو بن قَتَادَة وَالْحصين بن عبد الرَّحْمَن بن عمر قَالُوا: لما أُصِيبَت قُرَيْش يَوْم بدر وَرجع فَلهم إِلَى مَكَّة وَرجع أَبُو سُفْيَان بعيره مَشى عبد الله بن ربيعَة وَعِكْرِمَة بن أبي جهل وَصَفوَان بن أُميَّة فِي رجال من قُرَيْش إِلَى من كَانَ مَعَه تِجَارَة
فَقَالُوا: يَا معشر قُرَيْش إِن مُحَمَّدًا قد وتركم وَقتل خياركم فأعينونا بِهَذَا المَال على حربه فَلَعَلَّنَا أَن ندرك مِنْهُ ثأراً
فَفَعَلُوا
ففيهم كَمَا ذكر عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما أنزل الله {إِن الَّذين كفرُوا يُنْفقُونَ أَمْوَالهم ليصدوا عَن سَبِيل الله} إِلَى قَوْله {وَالَّذين كفرُوا إِلَى جَهَنَّم يحشرون}
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {إِن الَّذين كفرُوا يُنْفقُونَ أَمْوَالهم ليصدوا عَن سَبِيل الله} قَالَ: نزلت فِي أبي سُفْيَان بن حَرْب
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {إِن الَّذين كفرُوا يُنْفقُونَ أَمْوَالهم} إِلَى قَوْله {أُولَئِكَ هم الخاسرون} قَالَ: فِي نَفَقَة أبي سُفْيَان على الْكفَّار يَوْم أحد
وَأخرج ابْن سعد وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن عَسَاكِر عَن سعيد بن جُبَير فِي قَوْله {إِن الَّذين كفرُوا يُنْفقُونَ أَمْوَالهم ليصدوا عَن سَبِيل} الْآيَة
قَالَ: نزلت فِي أبي سُفْيَان بن حَرْب اسْتَأْجر يَوْم أحد أَلفَيْنِ من الْأَحَابِيش من بني كنَانَة يُقَاتل بهم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم سوى من استجاش من الْعَرَب فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة وهم الَّذين قَالَ فيهم كَعْب بن مَالك رضي الله عنه: وَجِئْنَا إِلَى موج من الْبَحْر وَسطه أحابيش مِنْهُم حاسر ومقنع ثَلَاثَة آلَاف وَنحن نصية ثَلَاث مئين إِن كثرن فأربع وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الحكم بن عتيبة فِي قَوْله {إِن الَّذين كفرُوا يُنْفقُونَ أَمْوَالهم ليصدوا عَن سَبِيل الله} قَالَ: نزلت فِي أبي سُفْيَان أنْفق على مُشْركي قُرَيْش يَوْم أحد أَرْبَعِينَ أُوقِيَّة من ذهب وَكَانَت الْأُوقِيَّة يَوْمئِذٍ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعين مِثْقَالا من ذهب
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ رضي الله عنه فِي قَوْله
{إِن الَّذين كفرُوا يُنْفقُونَ أَمْوَالهم ليصدوا عَن سَبِيل الله} وَهُوَ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم {فسينفقونها ثمَّ تكون عَلَيْهِم حسرة} يَقُول: ندامة يَوْم الْقِيَامَة
وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن أبي حَاتِم عَن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه فِي قَوْله {وَالَّذين كفرُوا إِلَى جَهَنَّم يحشرون} يَعْنِي النَّفر الَّذين مَشوا إِلَى أبي سُفْيَان وَإِلَى من كَانَ لَهُ مَال من قُرَيْش فِي تِلْكَ التِّجَارَة فَسَأَلُوهُمْ أَن يقووهم بهَا على حَرْب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَفَعَلُوا
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن شهر بن عَطِيَّة رضي الله عنه {ليميز الله الْخَبيث من الطّيب} قَالَ: يُمَيّز يَوْم الْقِيَامَة مَا كَانَ لله من عمل صَالح فِي الدُّنْيَا ثمَّ تُؤْخَذ الدُّنْيَا بأسرها فَتلقى فِي جَهَنَّم
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن زيد رضي الله عنه فِي قَوْله {فيركمه جَمِيعًا} قَالَ: يجمعه جَمِيعًا
الْآيَات 38 - 40
وَأخرج ابْن أَحْمد وَمُسلم عَن عَمْرو بن الْعَاصِ رضي الله عنه قَالَ لما جعل الله الإِسلام فِي قلبِي أتيت النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقلت: ابْسُطْ يدك فلأبايعك
فَبسط يَمِينه فقبضت يَدي
قَالَ: مَالك
قلت: أردْت أَن اشْترط
قَالَ: أتشترط مَاذَا قلت: ان يغْفر لي
قَالَ: أما علمت أَن الإِسلام يهدم مَا كَانَ قبله وَأَن الْهِجْرَة تهدم مَا كَانَ قبلهَا وَأَن الْحَج يهدم مَا كَانَ قبله
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مَالك بن أنس رضي الله عنه قَالَ: لَا يُؤْخَذ الْكَافِر بِشَيْء صنعه فِي كفره إِذا أسلم وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى يَقُول {قل للَّذين كفرُوا إِن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف}
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن
مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {فقد مَضَت سنة الأوّلين} قَالَ: فِي قُرَيْش وَغَيرهَا يَوْم بدر والأمم قبل ذَلِك
الْآيَة 41
أخرج ابْن إِسْحَق وَابْن أبي حَاتِم عَن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قَالَ: ثمَّ وضع مقاسم الْفَيْء واعلمه
قَالَ {وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء} بعد الَّذِي مضى من بدر {فَأن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ} إِلَى آخر الْآيَة
وَأخرج عبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف وَابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء} قَالَ: الْمخيط من شَيْء
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن أبي نجيح رضي الله عنه قَالَ: إِنَّمَا المَال ثَلَاثَة: مغنم أَو فَيْء أَو صَدَقَة
فَلَيْسَ فِيهِ دِرْهَم إِلَّا بيّن الله مَوْضِعه
قَالَ فِي الْمغنم {وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَإِن لله خَمْسَة وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل إِن كُنْتُم آمنتم بِاللَّه} تحرجاً عَلَيْهِم وَقَالَ فِي الْفَيْء (كَيْلا يكون دولة بَين الْأَغْنِيَاء مِنْكُم)(الْحَشْر الْآيَة 7) وَقَالَ فِي الصَّدَقَة (فَرِيضَة من الله وَالله عليم حَكِيم)(التَّوْبَة الْآيَة 60)
وَأخرج عبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف وَابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَالْحَاكِم عَن قيس بن مُسلم الجدلي قَالَ: سَأَلت الْحسن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي طَالب بن الْحَنَفِيَّة عَن قَول الله {وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه} قَالَ: هَذَا مِفْتَاح كَلَام لله الدُّنْيَا وَالْآخِرَة {وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} فَاخْتَلَفُوا بعد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي هذَيْن السهمين
قَالَ قَائِل: سهم ذَوي الْقُرْبَى لقرابة الْخَلِيفَة وَقَالَ قَائِل: سهم النَّبِي للخليفة من بعده
وَاجْتمعَ رَأْي أَصْحَاب رَسُول
الله صلى الله عليه وسلم على أَن يجْعَلُوا هذَيْن السهمين فِي الْخَيل وَالْعدة فِي سَبِيل الله تَعَالَى فَكَانَ كَذَلِك فِي خلَافَة أبي بكر وَعمر رضي الله عنهما
وَأخرج ابْن جرير وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذا بعث سَرِيَّة فغنموا خمس الْغَنِيمَة فَضرب ذَلِك الْخمس فِي خَمْسَة ثمَّ قَرَأَ {وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ} قَالَ: قَوْله {فَأن لله خمسه} مِفْتَاح كَلَام (لله مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض)(الْبَقَرَة الْآيَة 284) فَجعل الله سهم الله وَالرَّسُول وَاحِدًا {وَلِذِي الْقُرْبَى} فَجعل هذَيْن السهمين قُوَّة فِي ال خيل وَالسِّلَاح وَجعل سهم الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل لَا يُعْطِيهِ غَيره وَجعل الْأَرْبَعَة أسْهم الْبَاقِيَة للْفرس سَهْمَيْنِ ولراكبه سهم وللراجل سهم
وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {فَأن لله خمسه} يَقُول: هُوَ لله ثمَّ قسم الْخمس خَمْسَة أَخْمَاس {وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل}
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: كَانَت الْغَنِيمَة تقسم على خَمْسَة أَخْمَاس
فَأَرْبَعَة مِنْهَا بَين من قَاتل عَلَيْهَا وَخمْس وَاحِد يقسم على أَرْبَعَة أَخْمَاس فربع لله وَلِرَسُولِهِ وَلِذِي الْقُرْبَى - يَعْنِي قرَابَة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَمَا كَانَ لله وَلِلرَّسُولِ فَهُوَ لقرابة النَّبِي وَلم يَأْخُذ النَّبِي من الْخمس شَيْئا وَالرّبع الثَّانِي لِلْيَتَامَى وَالرّبع الثَّالِث للْمَسَاكِين وَالرّبع الرَّابِع لِابْنِ السَّبِيل وَهُوَ الضَّيْف الْفَقِير الَّذِي ينزل بِالْمُسْلِمين
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن أبي الْعَالِيَة رضي الله عنه فِي قَوْله {وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء} الْآيَة
قَالَ: كَانَ يجاء بِالْغَنِيمَةِ فتوضع فَيقسمهَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم على خَمْسَة أسْهم فيعزل سَهْما مِنْهُ وَيقسم أَرْبَعَة أسْهم بَين النَّاس - يَعْنِي لمن شهد الْوَقْعَة - ثمَّ يضْرب بِيَدِهِ فِي جَمِيع السهْم الَّذِي عَزله فَمَا قبض عَلَيْهِ من شَيْء جعله للكعبة فَهُوَ الَّذِي سمى لله تَعَالَى: لَا تجْعَلُوا لله نَصِيبا فَإِن لله الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ثمَّ يعمد إِلَى بَقِيَّة السهْم فيقسمه على خَمْسَة أسْهم
سهم للنَّبِي صلى الله عليه وسلم وَسَهْم لذِي الْقُرْبَى وَسَهْم لِلْيَتَامَى وَسَهْم للْمَسَاكِين وَسَهْم لِابْنِ السَّبِيل
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء} قَالَ: كَانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَذُو قرَابَته لَا يَأْكُلُون من الصَّدقَات شَيْئا لَا يحل لَهُم فللنبي خمس الْخمس وَلِذِي قراباته خمس الْخمس ولليتامى مثل ذَلِك وللمساكين مثل ذَلِك وَلابْن السَّبِيل مثل ذَلِك
وَأخرج عبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف وَابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر عَن الشّعبِيّ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ سهم النَّبِي صلى الله عليه وسلم يدعى الصفى إِن شَاءَ عبدا وَإِن شَاءَ فرسا يختاره قبل الْخمس وَيضْرب لَهُ بسهمه ان شهد وَإِن غَابَ وَكَانَت صَفِيَّة بنة حييّ من الصفى
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن عَطاء رضي الله عنه فِي الْآيَة قَالَ: خمس الله وَالرَّسُول وَاحِد إِن كَانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم يحمل فِيهِ ويصنع فِيهِ مَا شَاءَ الله
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن جُبَير بن مطعم رضي الله عنه أَن رَسُول الله تنَاول شَيْئا من الأَرْض أَو وبرة من بعير فَقَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَالِي مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْكُم وَلَا مثل هَذِه إِلَّا الْخمس وَالْخمس مَرْدُود عَلَيْكُم
وَأخرج ابْن الْمُنْذر من طَرِيق أبي مَالك رضي الله عنه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يقسم مَا افْتتح على خَمْسَة أَخْمَاس
فَأَرْبَعَة مِنْهَا لمن شهده وَيَأْخُذ الْخمس خمس الله فيقسمه على سِتَّة أسْهم
فسهم لله وَسَهْم للرسول وَسَهْم لذِي الْقُرْبَى وَسَهْم لِلْيَتَامَى وَسَهْم للْمَسَاكِين وَسَهْم لِابْنِ السَّبِيل وَكَانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم يَجْعَل سهم الله فِي السِّلَاح والكراع وَفِي سَبِيل الله وَفِي كسْوَة الْكَعْبَة وطيبها وَمَا تحْتَاج إِلَيْهِ الْكَعْبَة وَيجْعَل سهم الرَّسُول فِي الكراع وَالسِّلَاح وَنَفَقَة أَهله وَسَهْم لذِي الْقُرْبَى لِقَرَابَتِهِ يضع رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فيهم مَعَ سهمهم مَعَ الْبَأْس ولليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل ثَلَاثَة أسْهم يَضَعهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِيمَن شَاءَ وَحَيْثُ شَاءَ لَيْسَ لبني عبد الْمطلب فِي هَذِه الثَّلَاثَة إِلَّا سهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم سَهْمه مَعَ سِهَام النَّاس
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن حُسَيْن الْمعلم قَالَ: سَأَلت عبد الله بن بُرَيْدَة رضي الله عنه فِي قَوْله {فَأن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ} قَالَ: الَّذِي لله لنَبيه وَالَّذِي للرسول لأزواجه
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن السّديّ رضي الله عنه {وَلِذِي الْقُرْبَى} قَالَ: هم بَنو عبد الْمطلب
وَأخرج الشَّافِعِي وَعبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف وَابْن أبي شيبَة وَمُسلم وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما
إِن نجدة كتب إِلَيْهِ يسْأَله عَن ذَوي الْقُرْبَى الَّذين ذكر الله فَكتب إِلَيْهِ: انا كُنَّا نرى أَنا هم فَأبى ذَلِك علينا قَومنَا وَقَالُوا: قُرَيْش كلهَا ذَوُو قربى
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما
أَن نجدة الحروري أرسل إِلَيْهِ يسْأَله عَن سهم ذِي الْقُرْبَى الَّذِي ذكر الله فَكتب إِلَيْهِ: انا كُنَّا نرى أَنا هم فَأبى ذَلِك علينا قَومنَا وَقَالُوا: وَيَقُول: لمن ترَاهُ
فَقَالَ ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما: هُوَ لقربى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قسمه لَهُم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَقد كَانَ عمر رضي الله عنه عرض علينا من ذَلِك عرضا رَأينَا دون حَقنا
فرددناه عَلَيْهِ وأبينا أَن نقبله وَكَانَ عرض عَلَيْهِم أَن يعين ناكحهم وَأَن يقْضِي عَن غارمهم وَأَن يُعْطي فقيرهم وأبى أَن يزيدهم على ذَلِك
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى قَالَ: سَأَلت عليا رضي الله عنه فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَخْبرنِي كَيفَ كَانَ صنع أبي بكر وَعمر رضي الله عنهما فِي الْخمس نصيبكم فَقَالَ: أما أَبُو بكر رضي الله عنه فَلم تكن فِي ولَايَته أَخْمَاس وَأما عمر رضي الله عنه فَلم يزل يَدْفَعهُ إليّ فِي كل خمس حَتَّى كَانَ خمس السوس وجند نيسابور
فَقَالَ وَأَنا عِنْده: هَذَا نصيبكم أهل الْبَيْت من الْخمس وَقد أحل بِبَعْض الْمُسلمين واشتدت حَاجتهم فَقلت: نعم
فَوَثَبَ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب فَقَالَ: لَا تعرض فِي الَّذِي لنا
فَقلت: أَلسنا أَحَق من الْمُسلمين وشفع أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَبضهُ فوَاللَّه مَا قبضناه وَلَا صدرت عَلَيْهِ فِي ولَايَة عُثْمَان رضي الله عنه ثمَّ أنشأ عَليّ رضي الله عنه يحدث فَقَالَ: إِن الله حرم الصَّدَقَة على رَسُول صلى الله عليه وسلم فَعوضهُ سَهْما من الْخمس عوضا عَمَّا حرم عَلَيْهِ وحرمها على أهل بَيته خَاصَّة دون أمته فَضرب لَهُم مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم سَهْما عوضا مِمَّا حرم عَلَيْهِم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم رغبت لكم عَن غسالة الْأَيْدِي لِأَن لكم فِي خمس الْخمس مَا يغنيكم أَو يكفيكم
وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن أبي حَاتِم عَن الزُّهْرِيّ وَعبد الله بن أبي بكر أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قسم سهم ذِي الْقُرْبَى من خَيْبَر على بني هَاشم وَبني عبد الْمطلب
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن جُبَير بن مطعم رضي الله عنه قَالَ قسم رَسُول الله سهم ذِي الْقُرْبَى على بني هَاشم وَبني عبد الْمطلب قَالَ: فمشيت أَنا وَعُثْمَان بن عَفَّان حَتَّى دَخَلنَا عَلَيْهِ فَقُلْنَا: يَا رَسُول الله هَؤُلَاءِ اخوانك من بني هَاشم لَا ننكر فَضلهمْ لِمَكَانِك الَّذِي وضعك الله بِهِ مِنْهُم أَرَأَيْت اخواننا من بني الْمطلب أَعطيتهم دُوننَا وَإِنَّمَا نَحن وهم بِمَنْزِلَة وَاحِدَة فِي النّسَب فَقَالَ: إِنَّهُم لم يفارقونا فِي الْجَاهِلِيَّة والإِسلام
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن زيد بن أَرقم رضي الله عنه قَالَ: آل مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم الَّذين أعْطوا الْخمس
آل عَليّ وَآل عَبَّاس وَآل جَعْفَر وَآل عقيل
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن مُجَاهِد رضي الله عنه قَالَ: كَانَ آل مُحَمَّد لَا تحل لَهُم الصَّدَقَة فَجعل لَهُم خمس الْخمس
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن سعيد بن جُبَير رضي الله عنه فِي قَوْله {وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء} يَعْنِي من الْمُشْركين {فَإِن لله خَمْسَة وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} يعين قرَابَة النَّبِي صلى الله عليه وسلم {واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل} يَعْنِي الضَّيْف وَكَانَ الْمُسلمُونَ إِذا غنموا فِي عهد النَّبِي أخرجُوا خُمْسَهُ فيجعلون ذَلِك الْخمس الْوَاحِد أَرْبَعَة أَربَاع فربعه لله وَلِلرَّسُولِ ولقرابة النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَمَا كَانَ لله فَهُوَ للرسول الْقَرَابَة وَكَانَ للنَّبِي نصيب رجل من الْقَرَابَة وَالرّبع الثَّانِي للنَّبِي صلى الله عليه وسلم وَالرّبع الثَّالِث للْمَسَاكِين وَالرّبع الرَّابِع لِابْنِ السَّبِيل ويعمدون إِلَى الَّتِي بقيت فيقسمونها على سُهْمَانهمْ فَلَمَّا توفّي النَّبِي صلى الله عليه وسلم رد أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ نصيب الْقَرَابَة فَجعل يحمل بِهِ فِي سَبِيل الله تَعَالَى وَبَقِي نصيب الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالْبَغوِيّ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان عَن رجل من بلقين عَن ابْن عَم لَهُ قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله مَا تَقول فِي هَذَا المَال قَالَ لله خمسه وَأَرْبَعَة أخماسه لهَؤُلَاء - يَعْنِي الْمُسلمين - قلت: فَهَل أحد أَحَق بِهِ من أحد قَالَ: لَا وَلَو انتزعت سَهْما من جَنْبك لم تكن بِأَحَق بِهِ من أَخِيك الْمُسلم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مردوبه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن عَمْرو بن
شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم كَانَ ينفل قبل أَن تنزل فَرِيضَة الْخمس فِي الْمغنم فَلَمَّا نزلت {وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء} الْآيَة
ترك التَّنَفُّل وَجعل ذَلِك فِي خمس الْخمس وَهُوَ سهم الله وَسَهْم النَّبِي صلى الله عليه وسلم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن مَالك بن عبد الله الْحَنَفِيّ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْد عُثْمَان رضي الله عنه قَالَ: من هَهُنَا من أهل الشَّام فَقُمْت فَقَالَ: أبلغ مُعَاوِيَة إِذا غنم غنيمَة أَن يَأْخُذ خَمْسَة أسْهم فَيكْتب على كل سهم مِنْهَا: لله ثمَّ ليقرع فَحَيْثُمَا خرج مِنْهَا فليأخذه
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن الشّعبِيّ رضي الله عنه {وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه} قَالَ: سهم الله وَسَهْم النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَاحِد
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن مُحَمَّد بن سِيرِين رضي الله عنه قَالَ: فِي الْمغنم خسم لله وَسَهْم النَّبِي صلى الله عليه وسلم بالصفى كَانَ يصطفى لَهُ فِي الْمغنم خير رَأس من السَّبي إِن سبي وَإِلَّا غَيره ثمَّ يخرج الْخمس ثمَّ يضْرب لَهُ بسهمه شهد أَو غَابَ مَعَ الْمُسلمين بعد الصفى
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن عَطاء بن السَّائِب رضي الله عنه
أَنه سُئِلَ عَن قَوْله {وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء} وَقَوله (مَا أَفَاء الله على رَسُوله)(الْحَشْر الْآيَة 7) مَا الْفَيْء وَمَا الْغَنِيمَة قَالَ: إِذا ظهر الْمُسلمُونَ على الْمُشْركين وعَلى أَرضهم فَأَخَذُوهُمْ عنْوَة فَمَا أخذُوا من مَال ظَهَرُوا عَلَيْهِ فَهُوَ غنيمَة وَأما الأَرْض: فَهُوَ فَيْء
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن سُفْيَان قَالَ: الْغَنِيمَة مَا أصَاب الْمُسلمُونَ عنْوَة فَهُوَ لمن سمى الله وَأَرْبَعَة أَخْمَاس لمن شَهِدَهَا
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن مرْدَوَيْه عَن جَابر رضي الله عنه أَنه سُئِلَ: كَيفَ كَانَ رَسُول الله يصنع فِي الْخمس قَالَ: كَانَ يحمل الرجل سَهْما فِي سَبِيل الله ثمَّ الرجل ثمَّ الرجل
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ للنَّبِي صلى الله عليه وسلم شَيْء وَاحِد فِي الْمغنم يصطفيه لنَفسِهِ أما خَادِم واما فرس ثمَّ نصِيبه بعد ذَلِك من الْخمس
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن عبَادَة بن الصَّامِت رضي الله عنه قَالَ: سلمنَا الْأَنْفَال لله وَرَسُوله وَلم يُخَمّس رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بَدْرًا وَنزلت بعد {وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه} فَاسْتقْبل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِالْمُسْلِمين الْخمس فِيمَا كَانَ من كل غنيمَة بعد بدر
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن مرْدَوَيْه عَن عَليّ رضي الله عنه قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله أَلا توليني مَا خصنا الله بِهِ من الْخمس فولانيه
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن عَليّ رضي الله عنه قَالَ: ولاني رَسُول الله صلى الله عليه وسلم خمس الْخمس فَوَضَعته موَاضعه حَيَاة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَأبي بكر وَعمر رضي الله عنهما
وَأخرج عبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف عَن مَكْحُول رضي الله عنه رَفعه إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ لَا سهم من الْخَيل إِلَّا لفرسين وَإِن كَانَ مَعَه ألف فرس إِذا دخل بهَا أَرض العدوّ قَالَ: قسم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَوْم بدر للفارس سَهْمَيْنِ وللراجل سهم
وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن ابْن عمر رضي الله عنهما أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم جعل للفارس سَهْمَيْنِ وللراجل سَهْما
وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن قَتَادَة رضي الله عنه
أوصى بالخمس وَقَالَ: أوصِي بِمَا رَضِي الله بِهِ لنَفسِهِ ثمَّ قَالَ {وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فأَن لله خمسه}
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مقَاتل رضي الله عنه فِي قَوْله {إِن كُنْتُم آمنتم بِاللَّه} يَقُول: أقرُّوا بحكمي {وَمَا أنزلنَا على عَبدنَا} يَقُول: وَمَا أنزلت على مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم فِي الْقِسْمَة {يَوْم الْفرْقَان} يَوْم بدر {يَوْم التقى الْجَمْعَانِ} جمع الْمُسلمين وَجمع الْمُشْركين
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {يَوْم الْفرْقَان} قَالَ: هُوَ يَوْم بدر وَبدر: مَاء بَين مَكَّة وَالْمَدينَة
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {يَوْم الْفرْقَان} قَالَ: هُوَ يَوْم بدر فرق الله بَين الْحق وَالْبَاطِل
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَمُحَمّد بن نصر وَالطَّبَرَانِيّ عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ
فِي قَوْله {يَوْم الْفرْقَان يَوْم التقى الْجَمْعَانِ} قَالَ: كَانَت بدر لسبع عشرَة مَضَت من شهر رَمَضَان
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه قَالَ: كَانَت لَيْلَة الْفرْقَان يَوْم التقى الْجَمْعَانِ فِي صبيحتها لَيْلَة الْجُمُعَة لسبع عشرَة مَضَت من رَمَضَان
وَأخرج ابْن جرير عَن الْحسن بن عَليّ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَت لَيْلَة الْفرْقَان يَوْم التقى الْجَمْعَانِ لسبع عشرَة مَضَت من رَمَضَان
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن جرير عَن عُرْوَة بن الزبير رضي الله عنه قَالَ: أَمر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِالْقَتْلِ فِي آي من الْقُرْآن فَكَانَ أول مشْهد شهده رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بَدْرًا وَكَانَ رَئِيس الْمُشْركين يَوْمئِذٍ عتبَة بن ربيعَة بن عبد شمس فَالْتَقوا يَوْم الْجُمُعَة لسبع أَو سِتّ عشرَة لَيْلَة مَضَت من رَمَضَان وَأَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ثلثمِائة وَبضْعَة عشر رجلا وَالْمُشْرِكُونَ بَين الْألف والتسعمائة وَكَانَ ذَلِك يَوْم الْفرْقَان: يَوْم فرق الله بَين الْحق وَالْبَاطِل فَكَانَ أول قَتِيل قتل يَوْمئِذٍ مهجع مولى عمر وَرجل من الْأَنْصَار وَهزمَ الله يَوْمئِذٍ الْمُشْركين فَقتل مِنْهُم زِيَادَة على سبعين رجلا وَأسر مِنْهُم مثل ذَلِك
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن جَعْفَر عَن أَبِيه قَالَ: كَانَت بدر لسبع عشرَة من رَمَضَان فِي يَوْم جُمُعَة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام
أَنه سُئِلَ أَي لَيْلَة كَانَت لَيْلَة بدر فَقَالَ: هِيَ لَيْلَة الْجُمُعَة لسبع عشرَة لَيْلَة بقيت من رَمَضَان
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن عَامر بن ربيعَة البدري قَالَ: كَانَ يَوْم بدر يَوْم الِاثْنَيْنِ لسبع عشرَة من رَمَضَان
الْآيَة 42
أخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {إِذْ أَنْتُم بالعدوة الدُّنْيَا}
قَالَ: شاطئ الْوَادي {والركب أَسْفَل مِنْكُم} قَالَ: أَبُو سُفْيَان
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن عِكْرِمَة رضي الله عنه فِي قَوْله {إِذْ أَنْتُم بالعدوة الدُّنْيَا} الْآيَة
قَالَ: العدوة الدُّنْيَا: شَفير الْوَادي الْأَدْنَى والعدوة القصوى: شَفير الْوَادي الْأَقْصَى
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عُرْوَة بن الزبير رضي الله عنه فِي قَوْله {والركب أَسْفَل مِنْكُم} قَالَ: كَانَ أَبُو سُفْيَان أَسْفَل الْوَادي فِي سبعين رَاكِبًا
ونفرت قُرَيْش وَكَانَت تِسْعمائَة وَخمسين فَبعث أَبُو سُفْيَان إِلَى قُرَيْش وهم بِالْجُحْفَةِ: إِنِّي قد جَاوَزت الْقَوْم فَارْجِعُوا
قَالُوا: وَالله لَا نرْجِع حَتَّى نأتي مَاء بدر
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {والركب أَسْفَل مِنْكُم} قَالَ: أَبُو سُفْيَان وَأَصْحَابه مُقْبِلين من الشَّام تجارًا لم يشعروا بأصحاب بدر وَلم يشْعر أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم بكفار قُرَيْش وَلَا كفار قُرَيْش بهم حَتَّى الْتَقَوْا على مَاء بدر فَاقْتَتلُوا فَغَلَبَهُمْ أَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَأسرُوهُمْ
وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن أبي حَاتِم عَن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه فِي قَوْله {وهم بالعدوة القصوى} من الْوَادي إِلَى مَكَّة {والركب أَسْفَل مِنْكُم} يَعْنِي أَبَا سُفْيَان وَغَيره وَهِي أَسْفَل من ذَلِك نَحْو السَّاحِل {وَلَو تواعدتم لاختلفتم فِي الميعاد} أَي وَلَو كَانَ على ميعاد مِنْكُم وَمِنْهُم ثمَّ بَلغَكُمْ كَثْرَة عَددهمْ وَقلة عددكم مَا التقيتم {وَلَكِن ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا} أَي ليقضي مَا أَرَادَ بقدرته من اعزاز الإِسلام وَأَهله واذلال الْكفْر وَأَهله من غير مَلأ مِنْكُم فَفعل مَا أَرَادَ من ذَلِك بِلُطْفِهِ فَأخْرجهُ الله وَمن مَعَه إِلَى العير لَا يُرِيد غَيرهَا وَأخرج قُريْشًا من مَكَّة لَا يُرِيدُونَ إِلَّا الدّفع عَن عيرهم ثمَّ ألف بَين الْقَوْم على الْحَرْب وَكَانُوا لَا يُرِيدُونَ إِلَّا العير فَقَالَ فِي ذَلِك {ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا} ليفصل بَين الْحق وَالْبَاطِل {ليهلك من هلك عَن بَيِّنَة وَيحيى من حيَّ عَن بَيِّنَة} أَي ليكفر من كفر بعد الْحجَّة لما رأى من الْآيَات والعبر يُؤمن من آمن على مثل ذَلِك
الْآيَة 43
أخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {إِذْ يريكهم الله فِي مَنَامك قَلِيلا} قَالَ: أرَاهُ الله إيَّاهُم فِي مَنَامه قَلِيلا فَأخْبر النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَصْحَابه بذلك وَكَانَ تثبيتاً لَهُم
وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن الْمُنْذر عَن حَيَّان بن وَاسع بن حَيَّان عَن أَشْيَاخ من قومه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عدل صُفُوف أَصْحَابه يَوْم بدر وَرجع إِلَى الْعَريش فدخله ومعنا أَبُو بكر رضي الله عنه وَقد خَفق رَسُول الله صلى الله عليه وسلم خفقة وَهُوَ فِي الْعَريش ثمَّ انتبه فَقَالَ: أبشر يَا أَبَا بكر أَتَاك نصر الله
هَذَا جِبْرِيل آخذ بعنان فرس يَقُودهُ على ثناياه النَّقْع
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {وَلَو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم فِي الْأَمر} قَالَ: لاختلفتم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {وَلَكِن الله سلم} أَي أتم
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {وَلَكِن الله سلم} يَقُول: سلم بهم أَمرهم حَتَّى أظهرهم على عدوّهم
الْآيَة 44
أخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن مَسْعُود رضي الله عنه قَالَ: لقد قللُوا فِي أَعيننَا يَوْم بدر حَتَّى قلت لرجل إِلَى جَنْبي: تراهم سبعين قَالَ: لَا بل مائَة حَتَّى أَخذنَا رجلا مِنْهُم فَسَأَلْنَاهُ قَالَ: كُنَّا ألفا
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن عِكْرِمَة رضي الله عنه فِي قَوْله {وَإِذ يريكموهم إِذْ التقيتم فِي أعينكُم قَلِيلا ويقللكم فِي أَعينهم} قَالَ: حضض بَعضهم على بعض
الْآيَة 45
أخرج عبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف وَابْن أبي شيبَة وَابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاء العدوّ وأسالوا الله الْعَافِيَة فَإِن لقيتموهم فاثبتوا واذْكُرُوا الله كثيرا فَإِذا جلبوا وصيحوا فَعَلَيْكُم بِالصَّمْتِ
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن كَعْب الْأَحْبَار رضي الله عنه قَالَ: مَا من شَيْء أحب إِلَى الله من قِرَاءَة الْقُرْآن وَالذكر وَلَوْلَا ذَلِك مَا أَمر الله النَّاس بِالصَّلَاةِ والقتال: أَلا ترَوْنَ أَنه قد أَمر النَّاس بِالذكر عِنْد الْقِتَال فَقَالَ {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا لَقِيتُم فِئَة فاثبتوا واذْكُرُوا الله كثيرا لَعَلَّكُمْ تفلحون}
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي الْآيَة قَالَ: افْترض الله ذكره عِنْد أشغل مَا تَكُونُونَ عِنْد الضراب بِالسُّيُوفِ
وَأخرج أَبُو نعيم فِي الْحِلْية عَن أبي حعفر رضي الله عنه قَالَ: أَشد الْأَعْمَال ثَلَاثَة
ذكر الله على كل حَال وانصافك من نَفسك ومواساة الْأَخ فِي المَال
وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن يحيى بن أبي كثير رضي الله عنه أَن النَّبِي قَالَ: لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاء الْعَدو فَإِنَّكُم لَا تَدْرُونَ لَعَلَّكُمْ ستبلون بهم وسلوا الله الْعَافِيَة فَإِذا جَاءَكُم يبرقون ويرجفون ويصيحون بِالْأَرْضِ الأَرْض جُلُوسًا ثمَّ قُولُوا: اللَّهُمَّ رَبنَا وربهم نواصينا وَنَوَاصِيهمْ بِيَدِك وَإِنَّمَا تقتلهم أَنْت فَإِذا دنو مِنْكُم فثوروا إِلَيْهِم وَاعْلَمُوا أَن الْجنَّة تَحت البارقة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن عَطاء رضي الله عنه قَالَ: وَجب الانصات وَالذكر عِنْد الرجف ثمَّ تَلا {واذْكُرُوا الله كثيرا}
وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن عَطاء بن أبي مُسلم رضي الله عنه قَالَ: لما ودع رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رَوَاحَة رضي الله عنه قَالَ ابْن رَوَاحَة: يَا رَسُول الله مرني بِشَيْء أحفظه عَنْك قَالَ إِنَّك قادم غَدا بَلَدا السُّجُود بِهِ قَلِيل فَأكْثر السُّجُود
قَالَ: زِدْنِي
قَالَ: اذكر الله فَإِنَّهُ عون لَك على مَا تطلب
قَالَ: زِدْنِي
قَالَ: يَا ابْن رَوَاحَة فَلَا تعجزن إِن أَسَأْت عشرا أَن تحسن وَاحِدَة
فَقَالَ ابْن رَوَاحَة رضي الله عنه: لَا أَسأَلك عَن شَيْء بعْدهَا
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن سهل بن سعد رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ثِنيتان لَا تردان الدُّعَاء عِنْد النداء وَعند الْبَأْس حِين يلحم بَعضهم بَعْضًا
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن أبي مُوسَى رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يكره الصَّوْت عِنْد الْقِتَال
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالْحَاكِم عَن قيس بن عباد رضي الله عنه قَالَ: كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يكْرهُونَ الصَّوْت عِنْد الْقِتَال
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن قيس بن عباد رضي الله عنه قَالَ: كَانَ أَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم يستحبون خفض الصَّوْت عِنْد ثَلَاث
عِنْد الْقِتَال وَعند الْقُرْآن وَعند الْجَنَائِز
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن الْحسن رضي الله عنه أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم كَانَ يكره رفع الصَّوْت عِنْد ثَلَاث
عِنْد الْجِنَازَة وَإِذا التقى الزحفان وَعند قِرَاءَة الْقُرْآن
الْآيَة 46
أخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة فِي قَوْله {وَلَا تنازعوا فتفشلوا وَتذهب ريحكم} قَالَ: يَقُول: لَا تختلفوا فتجبنوا وَيذْهب نصركم
وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {وَتذهب ريحكم} قَالَ: نصركم وَقد ذهب ريح أَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم حِين نازعوه يَوْم أُحد
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن زيد رضي الله عنه فِي قَوْله {وَتذهب ريحكم} قَالَ: الرّيح النَّصْر لم يكن نصر قطّ إِلَّا برِيح يبعثها الله تضرب وُجُوه العدوّ وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يكن لَهُم قوام
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن النُّعْمَان بن مقرن رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذا كَانَ عِنْد الْقِتَال لم يُقَاتل أول النَّهَار وَآخره إِلَى أَن تَزُول الشَّمْس وتهب الرِّيَاح وَينزل النَّصْر
الْآيَة 47
أخرج ابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين خَرجُوا من دِيَارهمْ بطرا ورئاء النَّاس} يَعْنِي الْمُشْركين الَّذين قَاتلُوا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَوْم بدر
وَأخرج ابْن جرير عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ رضي الله عنه قَالَ: لما خرجت قُرَيْش من مَكَّة إِلَى بدر خَرجُوا بالقيان والدفوف فَأنْزل الله تَعَالَى {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين خَرجُوا من دِيَارهمْ بطراً} الْآيَة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين خَرجُوا من دِيَارهمْ بطراً} قَالَ: أَبُو جهل وَأَصْحَابه يَوْم بدر
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي الْآيَة قَالَ كَانَ مشركو قُرَيْش الَّذين قَاتلُوا نَبِي الله صلى الله عليه وسلم يَوْم بدر خَرجُوا وَلَهُم بغي وفخر وَقد قيل لَهُم يَوْمئِذٍ: ارْجعُوا فقد انْطَلَقت عِيركُمْ وَقد ظفرتم فَقَالُوا: لَا وَالله حَتَّى يتحدث أهل الْحجاز بمسيرنا وعددنا وَذكر لنا أَن نَبِي اللهقال يَوْمئِذٍ: اللَّهُمَّ إِن قُريْشًا قد أَقبلت بفخرها وخيلائها لتجادل رَسُولك وَذكر لنا أَنه قَالَ يَوْمئِذٍ:
الْآيَة 48 - 49
أخرج ابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {وَإِذ زين لَهُم الشَّيْطَان أَعْمَالهم} قَالَ: قُرَيْش يَوْم بدر
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: جَاءَ إِبْلِيس فِي جند من الشَّيَاطِين وَمَعَهُ راية فِي صُورَة رجال من بني مُدْلِج فِي صُورَة سراقَة بن مَالك بن جعْشم فَقَالَ الشَّيْطَان
{لَا غَالب لكم الْيَوْم من النَّاس وَإِنِّي جَار لكم} وَأَقْبل جِبْرِيل عليه السلام على إِبْلِيس وَكَانَت يَده فِي يَد رجل من الْمُشْركين فَلَمَّا رأى جِبْرِيل انتزع يَد وَولى مُدبرا هُوَ وشيعته فَقَالَ الرجل: يَا سراقَة انك جَار لنا فَقَالَ {إِنِّي أرى مَا لَا ترَوْنَ} وَذَلِكَ حِين رأى الْمَلَائِكَة {إِنِّي أَخَاف الله وَالله شَدِيد الْعقَاب} قَالَ: وَلما دنا الْقَوْم بَعضهم من بعض قلل الله الْمُسلمين فِي أعين الْمُشْركين فَقَالَ الْمُشْركُونَ: وَمَا هَؤُلَاءِ {غر هَؤُلَاءِ دينهم وَمن يتوكل على الله فَإِن الله عَزِيز حَكِيم}
وَأخرج الْوَاقِدِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: لما تواقف النَّاس أُغمي على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم سَاعَة ثمَّ سري عَنهُ فبشر النَّاس بِجِبْرِيل عليه السلام فِي جند من الْمَلَائِكَة ميمنة النَّاس وَمِيكَائِيل فِي جند آخر ميسرَة وإسرافيل فِي جند آخر ألف وإبليس قد تصور فِي صُورَة سراقَة بن جعْشم المدلجي يجير الْمُشْركين ويخبرهم أَنه لَا غَالب لَهُم الْيَوْم من النَّاس فَلَمَّا أبْصر عدوّ الله الْمَلَائِكَة {نكص على عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيء مِنْكُم إِنِّي أرى مَا لَا ترَوْنَ} فَتثبت بِهِ الْحَارِث وَانْطَلق إِبْلِيس لَا يرى حَتَّى سقط فِي الْبَحْر وَرفع يَدَيْهِ وَقَالَ: يَا رب موعدك الَّذِي وَعَدتنِي
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو نعيم فِي الدَّلَائِل عَن رِفَاعَة بن رَافع الْأَنْصَار رضي الله عنه قَالَ: لما رأى إِبْلِيس مَا يفعل الْمَلَائِكَة بالمشركين يَوْم بدر أشْفق أَن يخلص الْقَتْل إِلَيْهِ فتشبث بِهِ الْحَارِث بن هِشَام وَهُوَ يظنّ أَنه سراقَة بن مَالك فَوَكَزَ فِي صدر الْحَارِث فَأَلْقَاهُ ثمَّ خرج هَارِبا حَتَّى ألْقى نَفسه فِي الْبَحْر فَرفع يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك نظرتك إيَّايَ
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: أنزل الله تَعَالَى على نبيه صلى الله عليه وسلم بِمَكَّة (سَيهْزمُ الْجمع وَيُوَلُّونَ الدبر)(الْقَمَر الْآيَة 45) فَقَالَ عمر بن الْخطاب رضي الله عنه: أَي جمع يهْزم - وَذَلِكَ قبل بدر - فَلَمَّا كَانَ يَوْم بدر وانهزمت قُرَيْش نظرت إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي آثَارهم مُصْلِتًا بِالسَّيْفِ وَيَقُول: (سَيهْزمُ الْجمع وَيُوَلُّونَ الدبر) فَكَانَت بِيَوْم بدر فَأنْزل الله فيهم (حَتَّى إِذا أَخذنَا مترفيهم بِالْعَذَابِ)(الْمُؤْمِنُونَ الْآيَة 24)
الْآيَة
وَأنزل الله (ألم تَرَ إِلَى الَّذين بدلُوا نعْمَة الله كفرا)(إِبْرَاهِيم الْآيَة 28) الْآيَة
وَرَمَاهُمْ رَسُول الله فوسعهم الرَّمية وملأت أَعينهم وأفواههم حَتَّى إِن الرجل ليقْتل وَهُوَ يقذي عَيْنَيْهِ وفاه فَأنْزل الله (وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى)(الْأَنْفَال الْآيَة 17) وَأنزل الله فِي إِبْلِيس {فَلَمَّا تراءت الفئتان نكص على عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيء مِنْكُم إِنِّي أرى مَا لَا ترَوْنَ} وَقَالَ عتبَة بن ربيعَة وناس مَعَه من الْمُشْركين يَوْم بدر {غر هَؤُلَاءِ دينهم} فَأنْزل الله {إِذْ يَقُول المُنَافِقُونَ وَالَّذين فِي قُلُوبهم مرض غر هَؤُلَاءِ دينهم}
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الْحسن رضي الله عنه فِي قَوْله {إِنِّي أرى مَا لَا ترَوْنَ} قَالَ: أرى جِبْرِيل عليه السلام معتجراً بردائه يَقُود الْفرس بَين يَدي أَصْحَابه مَا رَكبه
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {إِنِّي أرى مَا لَا ترَوْنَ} قَالَ: ذكر لنا أَنه رأى جِبْرِيل تنزل مَعَه الْمَلَائِكَة فَعلم عَدو الله أَنه لَا يدان لَهُ بِالْمَلَائِكَةِ وَقَالَ {إِنِّي أَخَاف الله} وَكذب عَدو الله مَا بِهِ مَخَافَة الله وَلَكِن علم أَنه لَا قوّة لَهُ بِهِ وَلَا مَنْعَة لَهُ
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن الْمُنْذر عَن معمر قَالَ: ذكرُوا أَنهم أَقبلُوا على سراقَة بن مَالك بعد ذَلِك فَأنْكر أَن يكون شَيْء من ذَلِك
وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن أبي حَاتِم عَن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ الَّذِي رَآهُ نكص حِين نكص الْحَارِث بن هِشَام أَو عَمْرو بن وهب الجُمَحِي
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {إِذْ يَقُول المُنَافِقُونَ} قَالَ: وهم يَوْمئِذٍ فِي الْمُسلمين
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن الْحسن رضي الله عنه فِي قَوْله {إِذْ يَقُول المُنَافِقُونَ وَالَّذين فِي قُلُوبهم مرض} قَالَ: هم قوم لم يشْهدُوا الْقِتَال يَوْم بدر فسموا منافقين
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن الْمُنْذر عَن الْكَلْبِيّ رضي الله عنه قَالَ: هم قوم كَانُوا أقرُّوا بالإِسلام وهم بِمَكَّة ثمَّ خَرجُوا مَعَ الْمُشْركين يَوْم بدر فَلَمَّا رَأَوْا الْمُسلمين قَالُوا {غر هَؤُلَاءِ دينهم}
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن الشّعبِيّ رضي الله عنه فِي الْآيَة قَالَ: كَانَ أنَاس من أهل مَكَّة تكلمُوا بالإِسلام فَخَرجُوا مَعَ الْمُشْركين يَوْم بدر فَلَمَّا رَأَوْا وَفد الْمُسلمين قَالُوا {غر هَؤُلَاءِ دينهم}
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن إِسْحَق رضي الله عنه فِي قَوْله {إِذْ يَقُول المُنَافِقُونَ وَالَّذين فِي قُلُوبهم مرض} قَالَ: هم الفئة الَّذين خَرجُوا مَعَ قُرَيْش احتبسهم آباؤهم فَخَرجُوا وهم على الارتياب فَلَمَّا رَأَوْا قلَّة أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالُوا {غر هَؤُلَاءِ دينهم} حِين قدمُوا على مَا قدمُوا عَلَيْهِ من قلَّة عَددهمْ وَكَثْرَة عدوّهم وهم فِئَة من قُرَيْش مسمون خَمْسَة قيس بن الْوَلِيد بن الْمُغيرَة وَأَبُو قيس بن الْفَاكِه بن الْمُغيرَة المخزوميان والْحَارث بن زَمعَة وَعلي بن أُميَّة بن خلف وَالْعَاص بن مُنَبّه
الْآيَات 50 - 54
أخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه فِي قَوْله {وَلَو ترى إِذْ يتوفى الَّذين كفرُوا الْمَلَائِكَة} قَالَ: الَّذين قَتلهمْ الله ببدر من الْمُشْركين
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: آيتان يبشر بهما الْكَافِر عِنْد مَوته {وَلَو ترى إِذْ يتوفى الَّذين كفرُوا الْمَلَائِكَة يضْربُونَ وُجُوههم وأدبارهم}
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {وأدبارهم} قَالَ: وأشباههم وَلَكِن الله كريم يكني
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ رضي الله عنه فِي قَوْله {ذَلِك بِأَن الله لم يَك مغيراً نعْمَة أنعمها على قوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم} قَالَ: نعْمَة الله: مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم أنعم الله بهَا على قُرَيْش فَكَفرُوا فنقله إِلَى الْأَنْصَار
الْآيَات 55 - 58
أخرج أَبُو الشَّيْخ عَن سعيد بن جُبَير رضي الله عنه قَالَ: نزلت {إِن شَرّ الدَّوَابّ عِنْد الله الَّذين كفرُوا فهم لَا يُؤمنُونَ} فِي سِتَّة رَهْط من الْيَهُود مِنْهُم ابْن تَابُوت
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {الَّذين عَاهَدت مِنْهُم ثمَّ ينقضون عَهدهم} قَالَ: قُرَيْظَة يَوْم الخَنْدَق مالؤا على مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم أعداءه
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {فشرد بهم من خَلفهم} قَالَ: نكل بهم من بعدهمْ
وَأخرج ابْن جريرعن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {فشرد بهم من خَلفهم} قَالَ: نكل بهم من وَرَاءَهُمْ
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {فشرد بهم من خَلفهم} قَالَ: نكل بهم الَّذين خَلفهم
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي حَاتِم عَن سعيد بن جُبَير رضي الله عنه فِي قَوْله {فشرد بهم من خَلفهم} قَالَ: أَنْذرهُمْ
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {فشرد بهم من خَلفهم} قَالَ: اصْنَع بهم كَمَا تصنع بهؤلاء
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ فِي قَوْله {لَعَلَّهُم يذكرُونَ} يَقُول: لَعَلَّهُم يحذرون أَن ينكثوا فيصنع بهم مثل ذَلِك
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن ابْن شهَاب رضي الله عنه قَالَ: دخل جِبْرِيل عليه السلام على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: قد وضعت السِّلَاح وَمَا زلنا فِي طلب الْقَوْم فَاخْرُج فَإِن الله قد أذن لَك فِي قُرَيْظَة وَأنزل فيهم {وَإِمَّا تخافن من قوم خِيَانَة} الْآيَة
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {وَإِمَّا تخافن من قوم خِيَانَة} قَالَ: قُرَيْظَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن زيد رضي الله عنه فِي قَوْله {وَإِمَّا تخافن من قوم خِيَانَة} الْآيَة
قَالَ: من عَاهَدَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن خفت أَن يختانوك ويغدروا فتأتيهم فانبذ إِلَيْهِم على سَوَاء
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عَليّ بن الْحُسَيْن رضي الله عنه قَالَ: لَا تقَاتل عدوّك حَتَّى تنبذ إِلَيْهِم على سَوَاء {إِن الله لَا يحب الْمُعْتَدِينَ}
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الايمان عَن سليم بن عَامر رضي الله عنه قَالَ: كَانَ بَين مُعَاوِيَة وَبَين الرّوم عهد وَكَانَ يسير حَتَّى يكون قَرِيبا من أَرضهم فَإِذا انْقَضتْ الْمدَّة أغار عَلَيْهِم فَجَاءَهُ عَمْرو بن عبسة فَقَالَ: الله أكبر وَفَاء لَا غدر سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول من كَانَ بَينه وَبَين قوم عهد فَلَا يشد عقدَة وَلَا يحلهَا حَتَّى يَنْقَضِي أمرهَا أَو ينْبذ إِلَيْهِم على سَوَاء قَالَ: فَرجع مُعَاوِيَة بالجيوش
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن مَيْمُون بن مهْرَان رضي الله عنه قَالَ: ثَلَاثَة الْمُسلم وَالْكَافِر فِيهِنَّ سَوَاء
من عاهدته فوفى بعهده مُسلما كَانَ أَو كَافِرًا فَإِنَّمَا الْعَهْد لله وَمن كَانَت بَيْنك وَبَينه رحم فصلها مُسلما كَانَ أَو كَافِرًا وَمن ائتمنك على أَمَانَة فأدها إِلَيْهِ مُسلما كَانَ أَو كَافِرًا
الْآيَة 59
أخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {إِنَّهُم لَا يعجزون} يَقُول: لَا يفوتونا
الْآيَة 60
أخرج أَحْمد وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن ماجة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو يَعْقُوب اسحق بن إِبْرَاهِيم القراب فِي كتاب فضل الرَّمْي
وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن عقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ رضى الله عَنهُ قَالَ: سَمِعت النَّبِي صلى الله عليه وسلم يَقُول وَهُوَ على الْمِنْبَر وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة أَلا أَن الْقُوَّة الرَّمْي أَلا أَن القوّة الرَّمْي قَالَهَا ثَلَاثًا
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن عقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ رضي الله عنه سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول {وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل} أَلا إِن القوّة الرَّمْي ثَلَاثًا إِن الأَرْض ستفتح لكم وتكفون الْمُؤْنَة فَلَا يعجزنَّ أحدكُم أَن يلهو باسهمه
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن عقبَة بن عَامر رضي الله عنه
أَنه تَلا هَذِه الْآيَة {وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة} قَالَ: أَلا أَن القوّة الرَّمْي
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن مَكْحُول رضي الله عنه قَالَ: مَا بَين الهدفين رَوْضَة من رياض الْجنَّة فتعلموا الرَّمْي فَإِنِّي سَمِعت الله تَعَالَى يَقُول {وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قوّة} قَالَ: فالرمي من القوّة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قوّة} قَالَ: الرَّمْي وَالسُّيُوف وَالسِّلَاح
وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن أبي حَاتِم عَن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه فِي قَوْله {وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قوّة} قَالَ: أَمرهم بإعداد الْخَيل
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن عِكْرِمَة رضي الله عنه فِي قَوْله {وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل} قَالَ: القوّة ذُكُور الْخَيل والرباط الإِناث
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قوّة} قَالَ: القوّة ذُكُور الْخَيل ورباط الْخَيل الإِناث
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن أبي حَاتِم عَن سعيد بن الْمسيب رضي الله عنه فِي الْآيَة قَالَ: القوّة الْفرس إِلَى السهْم فَمَا دونه
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن عِكْرِمَة رضي الله عنه فِي قَوْله {ترهبون بِهِ عدوّ الله وعدوّكم} قَالَ: تخزون بِهِ عَدو الله وَعَدُوكُمْ
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما أَن النَّبِي مر بِقوم وهم يرْمونَ فَقَالَ: رميا بني إِسْمَعِيل لقد كَانَ أبوكم رامياً
وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن ماجة وَالْحَاكِم صَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ عَن عقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ رضى الله عَنهُ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول إِن الله يدْخل بِالسَّهْمِ الْوَاحِد ثَلَاثَة نفر الْجنَّة
صانعه الَّذِي يحْتَسب فِي صَنعته الْخَيْر وَالَّذِي يُجهز بِهِ فِي سَبِيل الله وَالَّذِي يَرْمِي بِهِ فِي سَبِيل الله
وَقَالَ: ارموا واركبوا وان ترموا خير من أَن تركبوا وَقَالَ: كل شَيْء يلهو بِهِ ابْن آدم فَهُوَ بَاطِل إِلَّا ثَلَاثَة رمية عَن قوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أَهله فَإِنَّهُنَّ من الْحق وَمن علم الرَّمْي ثمَّ تَركه فَهِيَ نعْمَة كفرها
وَأخرج عبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن حرَام بن مُعَاوِيَة قَالَ: كتب إِلَيْنَا عمر بن الْخطاب رَضِي اله عَنهُ أَن لَا يجاورنكم خِنْزِير وَلَا يرفع فِيكُم صَلِيب وَلَا تَأْكُلُوا على مائدة يشرب عَلَيْهَا الْخمر وأدبوا الْخَيل وامشوا بَين الْفرْقَتَيْنِ
وَأخرج الْبَزَّار وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: خرج النَّبِي وَقوم من أسلم يرْمونَ فَقَالَ ارموا بني اسمعيل فَإِن أَبَاكُم كَانَ راميا ارموا وَأَنا مَعَ ابْن الأدرع
فَأمْسك الْقَوْم فَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُول الله من كنت مَعَه غلب
قَالَ: ارموا وَأَنا مَعكُمْ كلكُمْ
وَأخرج أَحْمد وَالْبُخَارِيّ عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع رضي الله عنه قَالَ: خرج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم على قوم من أسلم يتناضلون فِي السُّوق فَقَالَ ارموا يَا بني اسمعيل فَإِن أَبَاكُم كَانَ رامياً ارموا وَأَنا مَعَ بني فلَان - لَاحَدَّ الْفَرِيقَيْنِ - فأمسكوا بِأَيْدِيهِم فَقَالَ:
ارموا
قَالُوا: يَا رَسُول الله كَيفَ نرمي وَأَنت مَعَ بني فلَان قَالَ: ارموا وَأَنا مَعكُمْ كلكُمْ
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن مُحَمَّد بن إِيَاس بن سَلمَة عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مر على نَاس ينتضلون فَقَالَ: حسن اللَّهُمَّ مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا ارموا وَأَنا مَعَ ابْن الأدرع
فَأمْسك الْقَوْم قَالَ: ارموا وَأَنا مَعكُمْ جَمِيعًا فَلَقَد رموا عَامَّة يومهم ذَلِك ثمَّ تفَرقُوا على السوَاء مَا نضل بَعضهم بَعْضًا
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْحَاكِم والقراب فِي فضل الرَّمْي عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: كل شَيْء من لَهو الدُّنْيَا بَاطِل إِلَّا ثَلَاثَة
انتضالك بقوسك وتأديبك فرسك وملاعبتك أهلك فَإِنَّهَا من الْحق وَقَالَ عليه السلام: انتضلوا واركبوا وان تنتضلوا أحب إليَّ إِن الله ليدْخل بِالسَّهْمِ الْوَاحِد ثَلَاثَة الْجنَّة
صانعه محتسباً والمعين بِهِ والرامي بِهِ فِي سَبِيل الله تَعَالَى
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ والقراب عَن أبي نجيح السّلمِيّ رضي الله عنه قَالَ: حاصرنا قصر الطَّائِف فَسمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: من رمى بِسَهْم فِي سَبِيل الله فَلهُ عدل مُحَرر قَالَ: فبلغت يَوْمئِذٍ سِتَّة عشر سَهْما
وَأخرج ابْن ماجة وَالْحَاكِم والقراب عَن عَمْرو بن عبسة رضي الله عنه سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: من رمى العدوّ بِسَهْم فَبلغ سَهْمه أَو أَخطَأ أَو أصَاب فَعدل رَقَبَة
وَأخرج الْحَاكِم عَن عَبَّاس بن سهل بن سعد عَن أَبِيه قَالَ: لما كَانَ يَوْم بدر قَالَ لنا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذا أكثبوكم فارموا بِالنَّبلِ واستبقوا نبلكم
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن سعد بن أبي وَقاص أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ يَوْم أحد: أنبلوا سعد أرم يَا سعد رمى الله لَك فدَاك أبي وَأمي
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن عَائِشَة بنت سعد رضي الله عنها عَن أَبِيهَا أَنه قَالَ: أَلا هَل أَتَى رَسُول الله أَنِّي حميت صَحَابَتِي بصدور نبلي وَأخرج الثَّقَفِيّ فِي فَوَائده عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ رضي الله عنه أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَا تحضر الْمَلَائِكَة من اللَّهْو شَيْئا إِلَّا ثَلَاثَة
لَهو الرجل مَعَ امْرَأَته وإجراء الْخَيل والنضال
وَأخرج ابْن عدي عَن ابْن عمر رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُول الله الْمَلَائِكَة تشهد ثَلَاثًا
الرَّمْي والرهان وملاعبة الرجل أَهله
وَأخرج أَبُو عُبَيْدَة فِي كتاب الْخَيل عَن أبي الشعْثَاء جَابر بن يزِيد رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: ارموا واركبوا الْخَيل وان ترموا أحب إليَّ كل لَهو لَهَا بة الْمُؤمن بَاطِل إِلَّا ثَلَاث خلال
رميك عَن قوسك وتأديبك فرسك وملاعبتك أهلك فَإِنَّهُنَّ من الْحق
وَأخرج النَّسَائِيّ وَالْبَزَّار وَالْبَغوِيّ والبارودي وَالطَّبَرَانِيّ والقراب وَأَبُو نعيم وَالْبَيْهَقِيّ والضياء عَن عَطاء بن أبي رَبَاح قَالَ: رَأَيْت جَابر بن عبد الله وَجَابِر بن عُمَيْر الْأنْصَارِيّ يرتميان فمل أَحدهمَا فَجَلَسَ فَقَالَ الآخر: كسلت
سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول كل شَيْء لَيْسَ من ذكر الله فَهُوَ لَغْو وسهو إِلَّا أَربع خِصَال
مشي الرجل بَين الغرضين وتأديب فرسه وملاعبته أَهله وَتَعْلِيم السباحة
وَأخرج القراب عَن أنس بن مَالك رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن الله يدْخل بِالسَّهْمِ الْوَاحِد ثَلَاثَة الْجنَّة
الرَّامِي والممد بِهِ والمحتسب لَهُ
وَأخرج القراب عَن حُذَيْفَة رضي الله عنه قَالَ: كتب عمر رضي الله عنه إِلَى الشَّام: أَيهَا النَّاس ارموا واركبوا وَالرَّمْي أحب إِلَيّ من الرّكُوب فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول إِن الله يدْخل بِالسَّهْمِ الْوَاحِد الْجنَّة من عمله فِي سَبيله وَمن قوّي بِهِ فِي سَبِيل الله عز وجل
وَأخرج القراب عَن ابْن عمر رضي الله عنهما عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ نعم لَهو الْمُؤمن الرَّمْي وَمن ترك الرَّمْي بَعْدَمَا علمه فَهُوَ نعْمَة تَركهَا
وَأخرج القراب عَن عقبَة بن عَامر رضي الله عنه قَالَ: لَا أترك الرَّمْي أبدا وَلَو كَانَت يَدي مَقْطُوعَة بعد شَيْء سمعته من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول من تعلم الرَّمْي ثمَّ تَركه فقد عَصَانِي
وَأخرج القراب عَن مَكْحُول يرفعهُ إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ كل لَهو بَاطِل إِلَّا ركُوب الْخَيل وَالرَّمْي وَلَهو الرجل مَعَ امْرَأَته فَعَلَيْكُم بركوب الْخَيل وَالرَّمْي وَالرَّمْي أحبهما إليَّ
وَأخرج القراب من طَرِيق مَكْحُول عَن أبي الدَّرْدَاء رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ اللَّهْو فِي ثَلَاث
تأديبك فرسك ورميك بقوسك وملاعبتك أهلك
وَأخرج القراب من طَرِيق مَكْحُول
أَن عمر بن الْخطاب رضي الله عنه كتب إِلَى أهل الشَّام: أَن علمُوا أَوْلَادكُم السباحة والفروسية
وَأخرج القراب عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ قَالَ كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يُعجبهُ أَن يكون الرجل سابحاً رامياً
وَأخرج القراب عَن أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من رمى بِسَهْم فِي سَبِيل الله فَأصَاب أَو أَخطَأ أَو قصر فَكَأَنَّمَا أعتق رَقَبَة كَانَت فكاكاً لَهُ من النَّار
وَأخرج القراب عَن أبي نجيح السّلمِيّ رضي الله عنه قَالَ: حَضَرنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قصر الطَّائِف فَسَمعته يَقُول من رمى بِسَهْم فِي سَبِيل الله قصر أَو بلغ كَانَت لَهُ دَرَجَة فِي الْجنَّة
وَأخرج القراب عَن عبد الله بن مَسْعُود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَاتلُوا أهل الصقع فَمن بلغ مِنْهُم فَلهُ دَرَجَة فِي الْجنَّة
قَالُوا: يَا رَسُول الله مَا الدرجَة قَالَ: مَا بَين الدرجتين خَمْسمِائَة عَام
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ والقراب عَن أبي عمْرَة الْأنْصَارِيّ رضي الله عنه سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: من رمى بِسَهْم فِي سَبِيل الله فَبلغ أَو قصر كَانَ السهْم نورا يَوْم الْقِيَامَة
وَأخرج ابْن عدي عَن ابْن عمر رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أحب اللَّهْو إِلَى الله إِجْرَاء الْخَيل وَالرَّمْي بِالنَّبلِ ولعبكم مَعَ أزواجكم
وَأخرج الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَن سعد رضي الله عنه قَالَ: عَلَيْكُم بِالرَّمْي فَإِنَّهُ خير أَو من خير لهوكم
وَأخرج أَبُو عوَانَة عَن سعد بن أبي وَقاص رضي الله عنه قَالَ: تعلمُوا الرَّمْي فَإِنَّهُ خير لعبكم
وَأخرج الْبَزَّار عَن جَابر رضي الله عنه أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم مر على قوم وهم يرْمونَ فَقَالَ: ارموا بني اسمعيل فَإِن أَبَاكُم كَانَ رامياً
وَأخرج الْبَزَّار عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: من تعلم الرَّمْي ثمَّ نَسيَه فَهِيَ نعْمَة جَحدهَا
وَأخرج الْبَزَّار عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَا تحضر الْمَلَائِكَة من لهوكم إِلَّا الرِّهَان والنضال
وَأخرج الْبَزَّار بِسَنَد حسن عَن أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
من رمى رمية فِي سَبِيل الله قصر أَو بلغ كَانَ لَهُ مثل أجر أَرْبَعَة أنَاس من ولد اسمعيل الْيَوْم
وَأخرج الْبَزَّار عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من رمى بِسَهْم فِي سَبِيل الله كَانَ لَهُ نور يَوْم الْقِيَامَة
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَن عمر بن الْخطاب رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كل لَهو يكره إِلَّا ملاعبة الرجل امْرَأَته ومشيه بَين الهدفين وتعليمه فرسه
وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الرَّمْي وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن أبي رَافع رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حق الْوَلَد على الْوَالِد أَن يُعلمهُ الْكِتَابَة والسباحة وَالرَّمْي
وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا والديلمي عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم تعلمُوا الرَّمْي فَإِن مَا بَين الهدفين رَوْضَة من رياض الْجنَّة
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن أبي الدَّرْدَاء رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من مَشى بَين العرضين كَانَ لَهُ بِكُل خطْوَة حَسَنَة
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير عَن عَائِشَة رضي الله عنها قَالَت: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَا على أحدكُم إِذا ألح بِهِ همه أَن يتقلد قوسه فينفي بهَا همه
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عمر رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم علمُوا أبناءكم السباحة وَالرَّمْي وَالْمَرْأَة المغزل
وَأخرج ابْن مَنْدَه فِي الْمعرفَة عَن بكر بن عبد الله بن الرّبيع الْأنْصَارِيّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم علمُوا أبناءكم السباحة وَالرَّمْي وَالْمَرْأَة المغزل
وَأخرج عبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف عَن عَمْرو بن عبسة رضي الله عنه سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: من شَاب شيبَة فِي الإِسلام كَانَت لَهُ نورا يَوْم الْقِيَامَة وَمن رمى بِسَهْم فِي سَبِيل الله كَانَ لَهُ عدل رَقَبَة
وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن أبي أُمَامَة رضي الله عنه
أَنه سمع النَّبِي صلى الله عليه وسلم يَقُول: من شَاب شيبَة فِي الإِسلام كَانَ لَهُ نورا يَوْم الْقِيَامَة وَمن رمى بِسَهْم فِي سَبِيل الله أَخطَأ أَو أصَاب كَانَ لَهُ عدل رَقَبَة من ولد إِسْمَعِيل
وَأخرج أَحْمد عَن مرّة بن كَعْب رضي الله عنه عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: من بلغ
الْعَدو بِسَهْم رَفعه الله بِهِ دَرَجَة بَين الدرجتين مائَة عَام وَمن رمى بِسَهْم فِي سَبِيل الله كَانَ كمن أعتق رَقَبَة
وَأخرج الْخَطِيب عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن الله ليدْخل بِالسَّهْمِ الْوَاحِد الْجنَّة ثَلَاثَة صانعه محسباً صَنعته والرامي بِهِ والمقوي بِهِ
وَأخرج الْوَاقِدِيّ عَن مُسلم بن جُنْدُب رضي الله عنه قَالَ: أول من ركب الْخَيل إِسْمَعِيل بن إِبْرَاهِيم عليهما السلام وَإِنَّمَا كَانَت وحشاً لَا تطاق حَتَّى سخرت لَهُ
وَأخرج الزبير بن بكار فِي الْأَنْسَاب عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: كَانَت الْخَيل وحشاً لَا تطاق حَتَّى سخرت لَهُ
وَأخرج الزبير بن بكار فِي الْأَنْسَاب عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: كَانَت الْخَيل وحشاً لَا تركب فَأول من ركبهَا اسمعيل عليه السلام فبذلك سميت العراب
وَأخرج أَحْمد بن سُلَيْمَان والنجاد فِي جزئه الْمَشْهُور عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: كَانَت الْخَيل وحشاً كَسَائِر الوحوش فَلَمَّا أذن الله تَعَالَى لإِبراهيم واسمعيل بِرَفْع الْقَوَاعِد من الْبَيْت قَالَ الله عز وجل: إِنِّي معطيكما كنزاً ادخرته لَكمَا ثمَّ أوحى الله إِلَى اسمعيل عليه السلام: إِن أخرج فَادع بذلك الْكَنْز فَخرج اسمعيل عليه السلام إِلَى أجناد وَكَانَ موطناً مِنْهُ وَمَا يدْرِي مَا الدُّعَاء وَلَا الْكَنْز فألهمه الله الدُّعَاء فَلم يبْق على وَجه الأَرْض فرس إِلَّا أَجَابَتْهُ فأمكنته من نَوَاصِيهَا وذللها لَهُ فاركبوها واعدوها فَإِنَّهَا ميامين وَإِنَّهَا مِيرَاث أبيكم اسمعيل عليه السلام
وَأخرج الثَّعْلَبِيّ عَن عَليّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لما أَرَادَ الله أَن يخلق الْخَيل قَالَ للريح الْجنُوب: إِنِّي خَالق مِنْك خلقا فاجعله عزا لأوليائي ومذلة على أعدائي وجمالاً لأهل طَاعَتي فَقَالَت الرّيح: اخلق فَقبض مِنْهَا قَبْضَة فخلق فرسا فَقَالَ لَهُ: خلقتك عَرَبيا وَجعلت الْخَيْر معقوداً بناصيتك والغنائم مَجْمُوعَة على ظهرك عطفت عَلَيْك صَاحبك وجعلتك تطير بِلَا جنَاح فَأَنت للطلب وَأَنت للهرب وسأجعل على ظهرك رجَالًا يسبحوني ويحمدوني ويهللوني تسبحن إِذا سبحوا وتهللن إِذا هللوا وتكبرن إِذا كبروا
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: مَا من تَسْبِيحَة أَو تَحْمِيدَة أَو تَكْبِيرَة يكبرها صَاحبهَا فتسمعه الا تجيبه بِمِثْلِهَا ثمَّ قَالَ: سَمِعت الْمَلَائِكَة
صَنْعَة الْفرس وعاينوا خلقهَا قَالَت: رب نَحن ملائكتك نسبحك ونحمدك فَمَاذَا لنا فخلق الله لَهَا خيلاً بلقاً أعناقها كأعناق البخت فَلَمَّا أرسل الله الْفرس إِلَى الأَرْض واستوت قدماه على الأَرْض صَهل فَقيل: بوركت من دَابَّة أذلّ بصهيلك الْمُشْركين أذلّ بِهِ أَعْنَاقهم وإملاء بِهِ آذانهم وارعب بِهِ قُلُوبهم فَلَمَّا عرض الله على آدم من كل شَيْء قَالَ لَهُ: اختر من خلقي مَا شِئْت فَاخْتَارَ الْفرس قَالَ لَهُ: اخْتَرْت لعزكَ وَعز ولدك خَالِدا مَا خلدوا وباقياً مَا بقوا بركتي عَلَيْك وَعَلَيْهِم مَا خلقت خلقا أحب إليّ مِنْك وَمِنْهُم
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ فِي العظمة عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما
مثله سَوَاء
وَأخرج مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: الْخَيل لثَلَاثَة لرجل أجر ولرجل ستر وعَلى رجل وزر
فَأَما الَّذِي هِيَ لَهُ أجر فَرجل ربطها فِي سَبِيل الله فَأطَال لَهَا فِي مرج أَو رَوْضَة فَمَا أَصَابَت فِي طيلها ذَلِك من المرج أَو الرَّوْضَة كَانَ لَهُ حَسَنَات وَلَو أَنَّهَا قطعت طيلها فاستنت شرفاً أَو شرفين كَانَت آثارها وأرواثها حَسَنَات لَهُ وَلَو أَنَّهَا مرت بنهر فَشَرِبت مِنْهُ وَلم يرد أَن يسقيها كَانَ ذَلِك حَسَنَات لَهُ فَهِيَ لذَلِك أجر وَرجل ربطها تغَنِّيا ثمَّ لم ينس حق الله فِي رقابها وَلَا ظُهُورهَا فَهِيَ لذَلِك ستر وَرجل ربطها فخراً ورياء ونواء لأهل الإِسلام فَهِيَ على ذَلِك وزر
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَمُسلم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَالْخَيْل ثَلَاثَة خيل أجر وخيل وزر وخيل ستر
فَأَما خيل ستر فَمن اتخذها تعففاً وتكرماً وتجملاً وَلم ينس حق بطونها وظهورها فِي عسره ويسره وَأما خيل الْأجر فَمن ارتبطها فِي سَبِيل الله فَإِنَّهَا لَا تغيب فِي بطونها شَيْئا إِلَّا كَانَ لَهُ أجر حَتَّى ذكر أرواثها وَأَبْوَالهَا وَلَا تعدو فِي وَاد شوطاً أَو شوطين إِلَّا كَانَ فِي مِيزَانه وَأما خيل الْوزر فَمن ارتبطها تبذخاً على النَّاس فَإِنَّهَا لَا تغيب فِي بطونها شَيْئا إِلَّا كَانَ وزر عَلَيْهِ حَتَّى ذكر أرواثها وَأَبْوَالهَا وَلَا تعدو فِي وَاد شوطاً أَو شوطين إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ وزر
وَأخرج مَالك وَأحمد بن حَنْبَل وَالطَّيَالِسِي وَابْن شيبَة وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَابْن حبَان عَن ابْن عمر رضي الله عنهما أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة عَن عُرْوَة الْبَارِقي رضي الله عنه أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
قيل: يَا رَسُول الله وَمَا ذَاك قَالَ: الْأجر وَالْغنيمَة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَمُسلم عَن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قَالَ رَأَيْت النَّبِي صلى الله عليه وسلم يلوي نَاصِيَة فرسه باصبعه وَيَقُول: الْخَيْر مَعْقُود بنواصي الْخَيل إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَأخرج النَّسَائِيّ وَأَبُو مُسلم الْكشِّي فِي سنَنه عَن سَلمَة بن نفَيْل رضي الله عنه أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قيل: يَا رَسُول الله وَمَا ذَاك قَالَ: الْأجر وَالْغنيمَة
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ والآجري فِي كتاب النَّصِيحَة عَن أبي كَبْشَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَأَهْلهَا مُعَانُونَ عَلَيْهَا والمنفق عَلَيْهَا كالباسط يَده بِالصَّدَقَةِ
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن سوَادَة بن الرّبيع الْجرْمِي رضي الله عنه قَالَ: أتيت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَأمرنِي بذود وَقَالَ عَلَيْك بِالْخَيْلِ فَإِن الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن أبي أُمَامَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْخَيل فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر والمغنم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ونواصيها أذناها وأذنابها مذابها
وَأخرج ابْن سعد فِي الطَّبَقَات وَابْن مَنْدَه فِي الصَّحَابَة عَن يزِيد بن عبد الله بن غَرِيب الْمليكِي عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر والنيل إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَأَهْلهَا مُعَانُونَ عَلَيْهَا والمنفق عَلَيْهَا كباسط كفيه فِي الصَّدَقَة لَا يقبضهَا وَأَبْوَالهَا وأرواثها عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة كذكي الْمسك
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد عَن أَسمَاء بنت يزِيد رضي الله عنهما أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر أبدا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَمن ربطها عدَّة فِي سَبِيل الله وَأنْفق عَلَيْهَا احتساباً فِي سَبِيل الله فَإِن شبعها وجوعها وريَّها وظمأها وَأَبْوَالهَا وأرواثها فلاح فِي مَوَازِينه يَوْم الْقِيَامَة وَمن ربطها رِيَاء وَسُمْعَة وفخراً ومرحاً فَإِن شبعها وجوعها وريها وظمأها وأرواثها وَأَبْوَالهَا خسران فِي مَوَازِينه يَوْم الْقِيَامَة
وَأخرج أَبُو بكر بن عَاصِم فِي الْجِهَاد وَالْقَاضِي عمر بن الْحسن الاشناني فِي بعض
تَارِيخه عَن عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَأَهْلهَا مُعَانُونَ عَلَيْهَا فَخُذُوا بنواصيها وَادعوا بِالْبركَةِ وقلدوها وَلَا تقلدوها إِلَّا وتار
وَأخرج أَبُو عُبَيْدَة فِي كتاب الْخَيل عَن زِيَاد بن مُسلم الْغِفَارِيّ رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُول: الْخَيل ثَلَاثَة فَمن ارتبطها فِي سَبِيل الله وَجِهَاد عدوه كَانَ شبعها وجوعها وريها وعطشها وجريها وعرقها وأرواثها وَأَبْوَالهَا أجرا فِي مِيزَانه يَوْم الْقِيَامَة وَمن ارتبطها للجمال فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا ذَاك وَمن ارتبطها فخراً ورياء كَانَ مثل نَص فِي الأول وزراً فِي مِيزَانه يَوْم الْقِيَامَة
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ والآجري فِي الشَّرِيعَة والنصيحة عَن خباب رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْخَيل ثَلَاثَة: ففرس للرحمن وَفرس للإِنسان وَفرس للشَّيْطَان
فَأَما فرس الرَّحْمَن فَمَا أعد فِي سَبِيل الله وقوتل عَلَيْهِ أَعدَاء الله وَأما فرس الإِنسان فَمَا استبطن وَيحمل عَلَيْهِ وَأما فرس الشَّيْطَان فَمَا قومر عَلَيْهِ
وَأخرجه ابْن أبي شيبَة عَن خباب مَوْقُوفا
وَأخرج أَحْمد عَن ابْن مَسْعُود رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ الْخَيل ثَلَاثَة: فرس للرحمن وَفرس للإِنسان وَفرس للشَّيْطَان
فَأَما فرس الرَّحْمَن فَالَّذِي يرتبط فِي سَبِيل الله فعلفه وروثه وبوله وَذكر مَا شَاءَ الله وَأما فرس الشَّيْطَان فَالَّذِي يقامر أَي يراهن عَلَيْهِ وَأما فرس الإِنسان فالفرس يرتبطها الإِنسان يلْتَمس بَطنهَا ستر من فقر
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد من طَرِيق أبي عمر والشيباني رضي الله عنه عَن رجل من الْأَنْصَار عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ الْخَيل ثَلَاثَة: فرس يربطه الرجل فِي سَبِيل الله فثمنه أجر وعاريته أجر وعلفه أجر وَفرس يعالق فِيهِ الرجل ويراهن فثمنه وزر وعلفه وزر وَفرس للبطنة فَعَسَى أَن يكون سدداً من الْفقر إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ عَن أنس بن مَالك رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْبركَة فِي نواصي الْخَيل
وَأخرج النَّسَائِيّ عَن أنس رضي الله عنه قَالَ لم يكن شَيْء أحب إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بعد النِّسَاء من الْخَيل
وَأخرج ابْن سعد وَأحمد فِي الزّهْد عَن معقل بن يسَار رضي الله عنه قَالَ مَا كَانَ شي أحب إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من الْخَيل
ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ غفرا إِلَّا النِّسَاء
وَأخرج الدمياطي فِي كتاب الْخَيل عَن زيد بن ثَابت رضى الله عَنهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول من حبس فرسا فِي سَبِيل الله كَانَ ستْرَة من النَّار
وَأخرج ابْن أبي عَاصِم فِي الْجِهَاد عَن يزِيد بن عبد الله بن غَرِيب الْمليكِي عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي الْخَيل وَأَبْوَالهَا وأرواثها كف من مسك الْجنَّة
وَأخرج ابْن سعد رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْمُنفق على الْخَيل كباسط يَده بِالصَّدَقَةِ لَا يقبضهَا وَأَبْوَالهَا وأرواثها عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة كذكي الْمسك
وَأخرج ابْن ماجة وَابْن أبي عَاصِم عَن تَمِيم الدَّارِيّ رضى الله عَنهُ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: من ارْتبط فرسا فِي سَبِيل الله ثمَّ عالج علفه بِيَدِهِ كَانَ لَهُ بِكُل حَبَّة حَسَنَة
وَأخرج أَحْمد وَابْن أبي عَاصِم عَن تَمِيم رضى الله عَنهُ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: مَا من امرىء مُسلم ينقي لفرسه الشّعير ثمَّ يعلفه عَلَيْهِ الا كتب الله تَعَالَى لَهُ بِكُل حَبَّة حَسَنَة
وَأخرج ابْن ماجة وَابْن أبي عَاصِم عَن أبي بكر الصّديق رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَا يدْخل الْجنَّة سيء الملكة
قَالُوا: يَا رَسُول الله أَلَيْسَ أخبرتنا أَن هَذِه الْأمة أَكثر الْأُمَم مملوكين وأيامى قَالَ: بلَى فاكرموهم بكرامة أَوْلَادكُم واطعموهم مِمَّا تَأْكُلُونَ
قَالُوا: فَمَا ينفعنا فِي الدُّنْيَا قَالَ: فرس تربطه تقَاتل عَلَيْهِ فِي سَبِيل الله ومملوك يَكْفِيك فَإِذا كَفاك فَهُوَ أَخُوك
وَأخرج أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن اسمعيل الْمحَامِلِي عَن سلمَان رضي الله عنه: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: مَا من رجل مُسلم إِلَّا حق عَلَيْهِ أَن يرتبط فرسا إِذا أطَاق ذَلِك
وَأخرج ابْن أبي عَاصِم عَن سوَادَة بن الرّبيع رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ارتبطوا الْخَيل فَإِن الْخَيل فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر
وَأخرج ابْن أبي عَاصِم عَن ابْن الحنظلية رضي الله عنه: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
يَقُول: من ارْتبط فرسا فِي سَبِيل الله كَانَت النَّفَقَة عَلَيْهِ كالمادِّ يَده بِصَدقَة لَا يقطعهَا
وَأخرج أَبُو طَاهِر المخلص عَن ابْن الحنظلية رضي الله عنه: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وصاحبها يعان عَلَيْهَا والمنفق عَلَيْهَا كالباسط يَده بِالصَّدَقَةِ لَا يقبضهَا
وَأخرج أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَابْن أبي عَاصِم وَالْحَاكِم عَن ابْن الحنظلية رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن الْمُنفق على الْخَيل فِي سَبِيل الله كباسط يَده بِالصَّدَقَةِ لَا يقبضهَا
وَأخرج البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ من احْتبسَ فرسا فِي سَبِيل الله إِيمَانًا بِاللَّه وتصديق مَوْعُود الله كَانَ شبعه وريه وبوله حَسَنَات فِي مِيزَانه يَوْم الْقِيَامَة
وَأخرج أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن أبي ذَر رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ مَا من فرس عَرَبِيّ إِلَّا يُؤذن لَهُ عِنْد كل سحر بدعوتين يَقُول: اللَّهُمَّ كَمَا خوّلتني من خوّلتني من بني آدم فَاجْعَلْنِي من أحب مَاله وَأَهله إِلَيْهِ
وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم كَانَ يُسَمِّي الْأُنْثَى من الْخَيل فرسا
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن أبي كَبْشَة الْأَنمَارِي رضى الله عَنهُ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول من أطرق مُسلما فرسا فأعقب لَهُ الْفرس كتب الله لَهُ أجر سبعين فرسا يحمل عَلَيْهَا فِي سَبِيل الله وَإِن لم تعقب لَهُ كَانَ لَهُ كَأَجر سبعين فرسا يحمل عَلَيْهِ فِي سَبِيل الله
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن ابْن عمر رضي الله عنهما قَالَ: مَا تعاطى النَّاس بَينهم شَيْئا قطّ أفضل من الطّرق يطْرق الرجل فرسه فَيجْرِي لَهُ أجره ويطرق الرجل فَحله فَيجْرِي لَهُ أجره ويطرق الرجل كبشه فَيجْرِي لَهُ أجره
وَأخرج أَبُو عُبَيْدَة فِي كتاب الْخَيل عَن مُعَاوِيَة بن خديج رضي الله عنه
أَنه لما افتتحت مصر كَانَ لكل قوم مراغة يمرغون فِيهَا خيولهم فَمر مُعَاوِيَة بِأبي ذَر رضي الله عنه وَهُوَ يمرغ فرسا لَهُ فَسلم عَلَيْهِ ووقف ثمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَر مَا هَذَا الْفرس قَالَ: فرس لي لَا أرَاهُ إِلَّا مستجاباً
قَالَ: وَهل تَدْعُو الْخَيل وتجاب قَالَ: نعم لَيْسَ من لَيْلَة إِلَّا وَالْفرس يَدْعُو فِيهَا ربه فَيَقُول: رب إِنَّك سخرتني لِابْنِ آدم وَجعلت رِزْقِي
فِي يَده: اللَّهُمَّ فَاجْعَلْنِي أحب إِلَيْهِ من أَهله وَولده فَمِنْهَا المستجاب وَمِنْهَا غير المستجاب وَلَا أرى فرسي هَذَا إِلَّا مستجاباً
وَأخرج أَبُو عُبَيْدَة عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ رضي الله عنه قَالَ أصَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَسلم فرسا من جدس حَيّ من الْيمن فَأعْطَاهُ رجلا من الْأَنْصَار وَقَالَ: إِذا نزلت فَأنْزل قَرِيبا مني فَإِنِّي أسار إِلَى صهيله فَفَقدهُ لَيْلَة فَسَأَلَ عَنهُ فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنَّا خصيناه
فَقَالَ: مثلت بِهِ يَقُولهَا ثَلَاثًا الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة أعرافها ادفاؤها وأذنابها مذابها التمسوا نسلها وباهوا بصهيلها الْمُشْركين
وَأخرج أَبُو عُبَيْدَة عَن مَكْحُول رضي الله عنه قَالَ: نهى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَن جز أَذْنَاب الْخَيل وأعرافها ونواصيها وَقَالَ أما أذنابها فمذابها وَأما أعرافها فادفاؤها وَأما نَوَاصِيهَا فَفِيهَا الْخَيْر
وَأخرج أَبُو نعيم عَن أنس بن مَالك رضي الله عنه عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ لَا تهلبوا أَذْنَاب الْخَيل وَلَا تجزوا أعرافها ونواصيها فَإِن الْبركَة فِي نَوَاصِيهَا ودفاؤها فِي أعرافها وأذنابها مذابها
وَأخرج أَبُو دَاوُد عَن عتبَة بن عبد الله السّلمِيّ رضي الله عنه أَنه سمع رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: لَا تقصوا نواصي الْخَيل وَلَا معارفها وَلَا أذنابها فَأَما أذنابها مذابها ومعارفها ادفاؤها ونواصيها مَعْقُود فِيهَا الْخَيْر
وَأخرج ابْن سعد عَن أبي وَاقد أَنه بلغه أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَامَ إِلَى فرسه فَمسح وَجهه بكم قَمِيصه فَقَالُوا: يَا رَسُول الله أبقميصك قَالَ: إِن جِبْرِيل عَاتَبَنِي فِي الْخَيل
وَأخرج أَبُو عُبَيْدَة من طَرِيق يحيى بن سعيد عَن شيخ من الْأَنْصَار أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مسح بِطرف رِدَائه وَجه فرسه وَقَالَ: إِنِّي عتبت اللَّيْلَة فِي اذلة الْخَيل
وَأخرج أَبُو عُبَيْدَة عَن عبد الله بن دِينَار رضي الله عنه قَالَ مسح رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَجه فرسه بِثَوْبِهِ وَقَالَ: إِن جِبْرِيل بَات اللَّيْلَة يعاتبني فِي اذلة الْخَيل
وَأخرج أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيل عَن الْوَضِين بن عَطاء رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَا تقودوا الْخَيل بنواصيها فتذلوها
وَأخرج أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيل عَن مَكْحُول رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أكْرمُوا الْخَيل وجللوها
وَأخرج الْحسن بن عَرَفَة عَن مُجَاهِد رضي الله عنه قَالَ: أبْصر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إنْسَانا ضرب وَجه فرسه ولعنه فَقَالَ هَذِه مَعَ تِلْكَ إِلَّا أَن تقَاتل عَلَيْهِ فِي سَبِيل الله فَجعل الرجل يُقَاتل عَلَيْهِ وَيحمل إِلَى أَن كبر وَضعف وَجعل يَقُول: اشْهَدُوا اشْهَدُوا
وَأخرج أَبُو نصر يُوسُف بن عمر القَاضِي فِي سنَنه عَن زيد بن ثَابت رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قضى فِي عين الْفرس ربع ثمنه
وَأخرج مُحَمَّد بن يَعْقُوب الخلي فِي كتاب الفروسية عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: مَا من لَيْلَة إِلَّا ينزل ملك من السَّمَاء يحبس عَن دَوَاب الْغُزَاة الكلال إِلَّا دَابَّة فِي عُنُقهَا جرس
وَأخرج ابْن سعد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَن أبي وهب الْجُشَمِي رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ارتبطوا الْخَيل وامسحوا بنواصيها وأكنافها وقلدوها وَلَا تقلدوها الأوتار وَعَلَيْكُم بِكُل كميت أغر محجل أَو أشقر أغر محجل أَو أدهم أغر محجل
وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ يمن الْخَيل فِي شقرها
وَأخرج الْوَاقِدِيّ عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم خير الْخَيل الشقر وَإِلَّا فالأدهم أغر محجل ثَلَاث طليق الْيُمْنَى
وَأخرج أَبُو عُبَيْدَة عَن الشّعبِيّ رضي الله عنه فِي حَدِيث رَفعه أَنه قَالَ التمسوا الْحَوَائِج على الْفرس الْكُمَيْت الأرثم المحجل الثَّلَاث الْمُطلق الْيَد الْيُمْنَى
وَأخرج الْحسن بن عَرَفَة عَن مُوسَى بن عَليّ بن رَبَاح اللَّخْمِيّ عَن أَبِيه قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنِّي أُرِيد أَن أبتاع فرسا
فَقَالَ لَهُ رَسُول الله: عَلَيْك بِهِ كميتاً وأدهم أقراح ارثم محجل ثَلَاث طليق الْيُمْنَى
وَأخرج أَبُو عُبَيْدَة وَابْن أبي شيبَة عَن عَطاء رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن خير الْخَيل الحو
وَأخرج ابْن عَرَفَة عَن نَافِع بن جُبَير رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ الْيمن فِي الْخَيل فِي كل احوى احم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يكره الشكال من الْخَيل
وَأخرج أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَابْن ماجة وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن أبي قَتَادَة رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: خير الْخَيل الأدهم الأقرح المحجل الأرثم طلق الْيَد الْيُمْنَى فَإِن لم يكن ادهم فكميت على هَذِه النِّسْبَة
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن عقبَة بن عَامر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذا أردْت أَن تغتزي فاشتري فرسا أدهم أغر محجلاً مُطلق الْيُمْنَى فَإنَّك تغنم وتسلم
وَأخرج سعد والحرث بن أبي أُسَامَة وَأَبُو يعلى وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن قَانِع فِي مُعْجَمه وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مَنْدَه وَالرُّويَانِيّ فِي مُسْنده وَابْن مرْدَوَيْه وَابْن عَسَاكِر عَن يزِيد بن عبد الله بن عريب عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: فِي قَوْله {وَآخَرين من دونهم لَا تَعْلَمُونَهُم الله يعلمهُمْ} قَالَ: هم الْجِنّ وَلَا يخبل الشَّيْطَان إنْسَانا فِي دَاره فرس عَتيق
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن أبي الْهدى عَن أَبِيه عَمَّن حَدثهُ عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي قَوْله {وَآخَرين من دونهم لَا تَعْلَمُونَهُم} قَالَ: هم الْجِنّ فَمن ارْتبط حصاناً من الْخَيل لم يَتَخَلَّل منزله شَيْطَان
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن سُلَيْمَان بن مُوسَى رضي الله عنه فِي قَوْله {وَآخَرين من دونهم لَا تَعْلَمُونَهُم الله يعلمهُمْ} وَلنْ يخبل الشَّيْطَان إنْسَانا فِي دَاره فرس عَتيق
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {وَآخَرين من دونهم} يَعْنِي الشَّيْطَان لَا يَسْتَطِيع نَاصِيَة فرس لِأَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر فَلَا يستطيعه شَيْطَان أبدا
وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {وَآخَرين من دونهم} قَالَ: قُرَيْظَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مقَاتل فِي قَوْله {وَآخَرين من دونهم لَا تَعْلَمُونَهُم} قَالَ: يَعْنِي الْمُنَافِقين {الله يعلمهُمْ} يَقُول: الله يعلم مَا فِي قُلُوب الْمُنَافِقين من النِّفَاق الَّذِي يسرون
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن زيد رضي الله عنه فِي قَوْله {وَآخَرين من دونهم لَا تَعْلَمُونَهُم الله يعلمهُمْ} قَالَ: هَؤُلَاءِ المُنَافِقُونَ لَا تَعْلَمُونَهُم لأَنهم مَعكُمْ يَقُولُونَ: لَا إِلَه إِلَّا الله ويغزون مَعكُمْ
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ رضي الله عنه فِي قَوْله {وَآخَرين من دونهم} قَالَ: أهل فَارس
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن سُفْيَان رضي الله عنه فِي قَوْله {وَآخَرين من دونهم} قَالَ: قَالَ ابْن الْيَمَان رضي الله عنه: هم الشَّيَاطِين الَّتِي فِي الدّور
الْآيَة 61
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {وَإِن جنحوا للسلم} قَالَ: قُرَيْظَة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ رضي الله عنه فِي قَوْله {وَإِن جنحوا للسلم فاجنح لَهَا} قَالَ: نزلت فِي بني قُرَيْظَة نسختها (فَلَا تهنوا وَتَدعُوا إِلَى السّلم
) (مُحَمَّد الْآيَة 35) إِلَى آخر الْآيَة
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزي رضي الله عنه أَن النَّبِي كَانَ يقْرَأ {وَإِن جنحوا للسلم}
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {وَإِن جنحوا للسلم} قَالَ: الطَّاعَة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {وَإِن جنحوا للسلم فاجنح لَهَا} قَالَ: إِن رَضوا فارض
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ رضي الله عنه فِي قَوْله {وَإِن جنحوا للسلم فاجنح لَهَا} يَقُول: إِذا أَرَادوا الصُّلْح فأرده
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما
أَنه قَرَأَ وَإِن جنحوا للسلم يَعْنِي بالخفض وَهُوَ الصُّلْح
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مُبشر بن عبيد رضي الله عنهما أَنه قَرَأَ وَإِن جنحوا للسلم يَعْنِي بِفَتْح السِّين يَعْنِي الصُّلْح
وَأخرج أَبُو عبيد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {وَإِن جنحوا للسلم فاجنح لَهَا} قَالَ: نسختها هَذِه الْآيَة (قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر)(التَّوْبَة الْآيَة 29) إِلَى قَوْله (صاغرون)
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن الْمُنْذر والنحاس فِي ناسخه وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {وَإِن جنحوا للسلم} أَي الصُّلْح {فاجنح لَهَا} قَالَ: كَانَت قبل بَرَاءَة وَكَانَ النَّبِي يوادع النَّاس إِلَى أجل فإمَّا أَن يسلمُوا وَإِمَّا أَن يقاتلهم ثمَّ نسخ ذَلِك فِي بَرَاءَة فَقَالَ (اقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)(التَّوْبَة الْآيَة 5) وَقَالَ: (قَاتلُوا الْمُشْركين كَافَّة)(التَّوْبَة الْآيَة 36) نبذ إِلَى كل ذِي عهد عَهده وَأمره أَن يقاتلهم حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله ويسلموا وَأَن لَا يقبلُوا مِنْهُم إِلَّا ذَلِك وكل عهد كَانَ فِي هَذِه السُّورَة وَغَيرهَا وكل صلح يُصَالح بِهِ الْمُسلمُونَ الْمُشْركين يتواعدون بِهِ فَإِن بَرَاءَة جَاءَت بنسخ ذَلِك فَأمر بقتالهم قبلهَا على كل حَال حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله
الْآيَات 62 - 63
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {وَأَن يُرِيدُوا أَن يخدعوك} قَالَ: قُرَيْظَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ رضي الله عنه فِي قَوْله {هُوَ الَّذِي أيدك بنصره وَبِالْمُؤْمِنِينَ} قَالَ: الْأَنْصَار
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن النُّعْمَان بن بشير رضي الله عنه فِي قَوْله {هُوَ الَّذِي أيدك بنصره وَبِالْمُؤْمِنِينَ} الْآيَة قَالَ: نزلت فِي الْأَنْصَار
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {هُوَ الَّذِي أيدك بنصره وَبِالْمُؤْمِنِينَ} قَالَ: هم الْأَنْصَار
وَأخرج ابْن عساكرعن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: مَكْتُوب على الْعَرْش: لَا إِلَه إِلَّا أَنا وحدي لَا شريك لي مُحَمَّد عَبدِي ورسولي أيدته بعلي وَذَلِكَ قَوْله {هُوَ الَّذِي أيدك بنصره وَبِالْمُؤْمِنِينَ}
وَأخرج ابْن الْمُبَارك وَابْن أبي شيبَة وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الاخوان وَالنَّسَائِيّ وَالْبَزَّار وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان عَن ابْن مَسْعُود رضي الله عنه
أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي المتحابين {لَو أنفقت مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مَا ألفت بَين قُلُوبهم وَلَكِن الله ألف بَينهم}
وَأخرج أَبُو عبيد وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب وَاللَّفْظ لَهُ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ قرَابَة الرَّحِم تقطع ومنة الْمُنعم تكفر وَلم نر مثل تقَارب الْقُلُوب
يَقُول الله {لَو أنفقت مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مَا ألفت بَين قُلُوبهم وَلَكِن الله ألف بَينهم} وَذَلِكَ مَوْجُود فِي الشّعْر قَالَ الشَّاعِر: إِذا مت ذُو الْقُرْبَى إِلَيْك برحمه فغشك وَاسْتغْنى فَلَيْسَ بِذِي رحم وَلَكِن ذَا الْقُرْبَى الَّذِي ان دَعوته أجَاب: وَمن يَرْمِي العدوّ الَّذِي ترمي وَمن ذَلِك قَول الْقَائِل: وَلَقَد صَحِبت النَّاس ثمَّ خبرتهم وبلوت مَا وصلوا من الْأَسْبَاب فَإِذا الْقَرَابَة لَا تقرب قَاطعا وَإِذ المودّة أقرب الْأَسْبَاب قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَكَذَا وجدته مَوْصُولا بقول ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما وَلَا أَدْرِي قَوْله وَذَلِكَ مَوْجُود فِي الشّعْر من قَوْله أَو من قبل من قبله من الروَاة
وَأخرج ابْن الْمُبَارك وَعبد الرَّزَّاق وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: النِّعْمَة تكفر وَالرحم يقطع وَإِن الله تَعَالَى إِذا قَارب بَين الْقُلُوب لم يزحزحها شَيْء ثمَّ تَلا {لَو أنفقت مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مَا ألفت بَين قُلُوبهم} الْآيَة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه قَالَ: إِذا لَقِي الرجل أَخَاهُ فصافحه تحاتت الذُّنُوب بَينهمَا كَمَا ينثر الرّيح الْوَرق
فَقَالَ رجل: إِن هَذَا من الْعَمَل الْيَسِير
فَقَالَ: ألم تسمع الله قَالَ {لَو أنفقت مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مَا ألفت بَين قُلُوبهم وَلَكِن الله ألف بَينهم}
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الْأَوْزَاعِيّ قَالَ: كتب إِلَيّ قَتَادَة: إِن يكن الدَّهْر فرق بَيْننَا فَإِن ألفة الله الَّذِي ألف بَين الْمُسلمين قريب
الْآيَة 64
وَأخرج الْبَزَّار عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: لما أسلم عمر رضي الله عنه قَالَ الْمُشْركُونَ: قد انتصف الْقَوْم منا الْيَوْم وَأنزل الله {يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ}
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: لما أسلم مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم تِسْعَة وَثَلَاثُونَ رجلا وَامْرَأَة ثمَّ إِن عمر رضي الله عنه أسلم فصاروا أَرْبَعِينَ فَنزل {يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ}
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن سعيد بن جُبَير رَضِي اله عَنهُ قَالَ: لما أسلم مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ رجلا وست نسْوَة ثمَّ أسلم مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم عمرنزلت {يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله} الْآيَة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن سعيد بن الْمسيب رضي الله عنه قَالَ: لما أسلم عمر رضي الله عنه أنزل الله فِي إِسْلَامه {يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله}
وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن أبي حَاتِم عَن الزُّهْرِيّ رضي الله عنه فِي قَوْله {يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ} قَالَ: فَقَالَ: نزلت فِي الْأَنْصَار
وَأخرج البُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الشّعبِيّ رضي الله عنه فِي قَوْله {يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ} قَالَ: حَسبك الله وحسبك من اتبعك
وَأخرج أَبُو مُحَمَّد اسمعيل بن عَليّ الحطبي فِي الأول من تحديثه من طَرِيق طَارق عَن عمر بن الْخطاب رضي الله عنه قَالَ: أسلمت رَابِع أَرْبَعِينَ فَنزلت {يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ}
وَأخرج عَن مُجَاهِد رَضِي اله عَنهُ فِي الْآيَة قَالَ: يَقُول: حَسبك الله والمؤمنون
الْآيَات 65 - 66
أخرج البُخَارِيّ وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان من طَرِيق سُفْيَان بن عَمْرو بن دينارعن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: لما نزلت {إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ وَإِن يكن مِنْكُم مائَة يغلبوا ألفا} فَكتب عَلَيْهِم أَن لَا يفر وَاحِد من عشرَة وَأَن لَا يفر عشرُون من مِائَتَيْنِ ثمَّ نزلت {الْآن خفف الله عَنْكُم} الْآيَة
فَكتب أَن لَا يفر مائَة من مِائَتَيْنِ قَالَ سُفْيَان: وَقَالَ ابْن شبْرمَة رضي الله عنه: وَأرى الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر مثل هَذَا إِن كَانَا رجلَيْنِ أَمرهمَا وَإِن كَانَا ثَلَاثَة فَهُوَ فِي سَعَة من تَركهم
وَأخرج البُخَارِيّ والنحاس فِي ناسخه وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: لما نزلت {إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ} شقّ ذَلِك على الْمُسلمين حِين فرض عَلَيْهِم أَن لَا يفر وَاحِد من عشرَة فجَاء التَّخْفِيف {الْآن خفف الله عَنْكُم وَعلم أَن فِيكُم ضعفا فَإِن يكن مِنْكُم مائَة صابرة يغلبوا مِائَتَيْنِ} فَلَمَّا خفف الله عَنْهُم من الْعدة نقص من الصَّبْر بِقدر مَا خفف عَنْهُم
وَأخرج إِسْحَق بن رَاهَوَيْه فِي مُسْنده وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: افْترض أَن يُقَاتل كل رجل عشرَة فثقل ذَلِك عَلَيْهِم وشق عَلَيْهِم فَوضع عَنْهُم ورد عَنْهُم إِلَى أَن يُقَاتل الرجل الرجلَيْن فَأنْزل الله فِي ذَلِك {أَن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ} إِلَى آخر الْآيَات
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: افْترض عَلَيْهِم أَن يُقَاتل كل رجل عشرَة فثقل ذَلِك عَلَيْهِم وشق عَلَيْهِم فَوضع عَنْهُم ورد عَنْهُم إِلَى أَن يُقَاتل الرجل الرجلَيْن فَأنْزل الله فِي ذَلِك {أَن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ} إِلَى آخر الْآيَات
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: لما نزلت هَذِه الْآيَة {يَا أَيهَا النَّبِي حرض الْمُؤمنِينَ على الْقِتَال} ثقلت على الْمُسلمين فاعظموا أَن يُقَاتل عشرُون مِائَتَيْنِ وَمِائَة ألفا فَخفف الله عَنْهُم فنسخها بِالْآيَةِ الْأُخْرَى فَقَالَ {الْآن خفف الله عَنْكُم وَعلم أَن فِيكُم ضعفا} الْآيَة
قَالَ: فَكَانُوا إِذا كَانُوا على الشّطْر من عدوهم لم يَنْبغ لَهُم أَن يَفروا مِنْهُم وَإِن كَانُوا دون ذَلِك لم يجب عَلَيْهِم قِتَالهمْ وَجَاز لَهُم أَن يتحرزوا عَنْهُم ثمَّ عَاتَبَهُمْ فِي الْأُسَارَى وَأخذ الْمَغَانِم وَلم يكن أحد قبله من الْأَنْبِيَاء عليهم السلام يَأْكُل مغنماً من عدوّ هُوَ لله
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ} الْآيَة
قَالَ: فَفرض عَلَيْهِم أَن لَا يفر رجل من عشرَة وَلَا قوم من عشرَة أمثالهم فجهد النَّاس ذَلِك وشق عَلَيْهِم فَنزلت الْآيَة {الْآن خفف الله عَنْكُم} إِلَى قَوْله {أَلفَيْنِ} فَفرض عَلَيْهِم أَن لَا يفر رجل من رجلَيْنِ وَلَا قوم من مثليهم وَنقص من الصَّبْر بِقدر مَا تخفف عَنْهُم من الْعدة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن سعيد بن جُبَير رضي الله عنه فِي قَوْله {إِن يكن مِنْكُم عشرُون} الْآيَة
قَالَ: كَانَ يَوْم بدر جعل الله على الْمُسلمين أَن يُقَاتل الرجل الْوَاحِد مِنْهُم عشرَة من الْمُشْركين لقطع دابرهم فَلَمَّا هزم الله الْمُشْركين وَقطع دابرهم خفف على الْمُسلمين بعد ذَلِك فَنزلت {الْآن خفف الله عَنْكُم} يَعْنِي بعد قتال بدر
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الْحسن رضي الله عنه فِي قَوْله {إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ} قَالَ: نزلت فِي أهل بدر شدد عَلَيْهِم فَجَاءَت الرُّخْصَة بعد
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه قَالَ: هَذَا لأَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم يَوْم بدر جعل الله كل رجل مِنْهُم يُقَاتل عشرَة من الْكفَّار فضجوا من ذَلِك فَجعل على كل رجل مِنْهُم قتال رجلَيْنِ تَخْفيف من الله عز وجل
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عُمَيْر رضي الله عنهما فِي قَوْله {إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ} قَالَ: نزلت فِينَا أَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم
وَأخرج الشِّيرَازِيّ فِي الألقاب وَابْن عدي وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن ابْن عمر رضي الله عنهما أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَرَأَ {الْآن خفف الله عَنْكُم وَعلم أَن فِيكُم ضعفا} رفع
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما عَن النَّبِي
أَنه قَرَأَ {وَعلم أَن فِيكُم ضعفا}
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن عَليّ رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَنه قَرَأَ {وَعلم أَن فِيكُم ضعفا} وَقَرَأَ كل شَيْء فِي الْقُرْآن ضعف
الْآيَات 67 - 69
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن أنس رَضِي اله عَنهُ أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَرَأَ {أَن يكون لَهُ أسرى}
وَأخرج أَحْمد عَن أنس رضي الله عنه قَالَ: اسْتَشَارَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم النَّاس فِي الْأُسَارَى يَوْم بدر فَقَالَ: إِن الله أمكنكم مِنْهُم فَقَامَ عمر بن الْخطاب رضي الله عنه فَقَالَ: يَا رَسُول الله اضْرِب أَعْنَاقهم فَأَعْرض عَنهُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس إِن الله قد أمكنكم مِنْهُم وَإِنَّمَا هم إخْوَانكُمْ بالْأَمْس
فَقَامَ عمر رضي الله عنه فَقَالَ: يَا رَسُول الله اضْرِب أَعْنَاقهم فَأَعْرض عَنهُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم ثمَّ عَاد فَقَالَ مثل ذَلِك فَقَامَ أَبُو بكر الصّديق رضي الله عنه فَقَالَ: يَا رَسُول الله نرى أَن تَعْفُو عَنْهُم وَأَن تقبل مِنْهُم الْفِدَاء
فَعَفَا عَنْهُم وَقبل مِنْهُم الْفِدَاء فَنزل (لَوْلَا كتاب من الله سبق)(الْأَنْفَال الْآيَة 68) الْآيَة
وَأخرج ابْن مردوية عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه فِي الْآيَة قَالَ اسْتَشَارَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَبَا بكر رضي الله عنه فَقَالَ: يَا رَسُول الله قد أَعْطَاك الظفر ونصرك عَلَيْهِم ففادهم فَيكون عوناً لأصحابك وَاسْتَشَارَ عمر رضي الله عنه فَقَالَ: يَا رَسُول اللهأضرب أَعْنَاقهم
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: رحمكما الله
مَا أشبهكما بِاثْنَيْنِ مضيا قبلكما: نوح وَإِبْرَاهِيم أما نوح فَقَالَ (رب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين
ديارًا) (نوح الْآيَة 26) وَأما إِبْرَاهِيم فَإِنَّهُ يَقُول (رب من تَبِعنِي فَإِنَّهُ مني وَمن عَصَانِي فَإنَّك غَفُور رَحِيم)(إِبْرَاهِيم الْآيَة 36)
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن مَسْعُود رضي الله عنه قَالَ: لما كَانَ يَوْم بدر جِيءَ بالأسارى فَقَالَ أَبُو بكر رضي الله عنه: يَا رَسُول الله قَوْمك وَأهْلك اسْتَبْقِهِمْ لَعَلَّ الله أَن يَتُوب عَلَيْهِم
وَقَالَ عمر رضي الله عنه: يَا رَسُول الله كَذبُوك وَأَخْرَجُوك وقاتلوك قدمهم فَأَضْرب أَعْنَاقهم
وَقَالَ عبد الله بن رَوَاحَة رضي الله عنه: أنظروا وَاديا كثير الْحَطب فاضرمه عَلَيْهِم نَارا
فَقَالَ الْعَبَّاس رضي الله عنه وَهُوَ يسمع مَا يَقُول: قطعت رَحِمك
فَدخل النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَلم يرد عَلَيْهِم شَيْئا فَقَالَ أنَاس: يَأْخُذ بقول أبي بكر رضي الله عنه وَقَالَ أنَاس: يَأْخُذ بقول عمر رضي الله عنه فَخرج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِن الله ليلين قُلُوب رجال حَتَّى تكون أَلين من اللَّبن وَإِن الله ليُشَدد قُلُوب رجال فِيهِ حَتَّى تكون أَشد من الْحِجَارَة مثلك يَا أَبَا بكر مثل إِبْرَاهِيم عليه السلام قَالَ (رب من تَبِعنِي فَإِنَّهُ مني وَمن عَصَانِي فَإنَّك غَفُور رَحِيم)(إِبْرَاهِيم الْآيَة 36) وَمثلك يَا أَبَا بكر مثل عِيسَى عليه السلام قَالَ (إِن تُعَذبهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادك وان تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم) وَمثلك يَا عمر كَمثل نوح عليه السلام إِذْ قَالَ (رب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا)(نوح الْآيَة 26) وَمثلك يَا عمر كَمثل مُوسَى عليه السلام إِذْ قَالَ (رَبنَا اطْمِسْ على أَمْوَالهم وَاشْدُدْ على قُلُوبهم فَلَا يُؤمنُوا حَتَّى يرَوا الْعَذَاب الْأَلِيم)(يُونُس الْآيَة 88) أَنْتُم عَالَة فَلَا ينفلتن مِنْهُم أحد إِلَّا بِفِدَاء أَو ضرب عنق
فَقَالَ عبد الله رضي الله عنه: يَا رَسُول الله الا سُهَيْل بن بَيْضَاء فَإِنِّي سمعته يذكر الْإِسْلَام فَسكت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَمَا رَأَيْتنِي فِي يَوْم أخوف من أَن تقع عليّ الْحِجَارَة مني فِي ذَلِك الْيَوْم حَتَّى قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: إِلَّا سُهَيْل بن بَيْضَاء فَأنْزل الله تَعَالَى {مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى حَتَّى يثخن فِي الأَرْض} إِلَى آخر الْآيَتَيْنِ
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن مَسْعُود رضي الله عنه قَالَ: فضل عمر رضي الله عنه عَن النَّاس بِأَرْبَع: بِذكرِهِ الاسارى يَوْم بدر فَأمر بِقَتْلِهِم فَأنْزل الله {لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم}
وبذكره الْحجاب أَمر نسَاء النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَت زَيْنَب رضي الله عنها: وَإنَّك لَتَغَار علينا وَالْوَحي ينزل فِي بُيُوتنَا فَأنْزل الله (وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعا فَاسْأَلُوهُنَّ من وَرَاء حجاب)(الْأَحْزَاب الْآيَة 53) ودعوة نَبِي الله اللَّهُمَّ أيد الإِسلام بعمر ورأيه فِي أبي بكر رَضِي عَنهُ كَانَ أول النَّاس بَايعه
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ اسْتَشَارَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَبَا بكر وَعمر رضي الله عنهما فِي أُسَارَى بدر فَقَالَ أَبُو بكر رضي الله عنه: يَا رَسُول الله استبق قَوْمك وَخذ الْفِدَاء
وَقَالَ عمر رضي الله عنه: يَا رَسُول الله اقتلهم
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: لَو اجتمعتما مَا عصيتكما فَأنْزل الله {مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى} الْآيَة
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن عَليّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم للأسارى يَوْم بدر إِن شِئْتُم فاقتلوهم وَإِن شِئْتُم فاديتم وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِالْفِدَاءِ وَاسْتشْهدَ مِنْكُم بِعدَّتِهِمْ فَكَانَ آخر السّبْعين ثَابت بن قيس رضي الله عنه اسْتشْهد يَوْم الْيَمَامَة
وَأخرج عبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف وَابْن أبي شيبَة عَن أبي عُبَيْدَة رضي الله عنه قَالَ نزل جِبْرِيل عليه السلام على النَّبِي يَوْم بدر فَقَالَ: إِن رَبك يُخْبِرك إِن شِئْت أَن تقتل هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى وان شِئْت أَن تفادي بهم وَيقتل من أَصْحَابك مثلهم فَاسْتَشَارَ أَصْحَابه فَقَالُوا: نفاديهم فنقوى بهم وَيكرم الله بِالشَّهَادَةِ من يَشَاء
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عمر رضي الله عنهما قَالَ: لما اسْتَشَارَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم النَّاس من أُسَارَى بدر: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ملكان من الْمَلَائِكَة أَحدهمَا أحلى من الشهد وَالْآخر أَمر من الصَّبْر ونبيان من الْأَنْبِيَاء أَحدهمَا أحلى على قومه من الشهد وَالْآخر أَمر على قومه من الصَّبْر فإمَّا النبيان فنوح قَالَ (رب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا)(نوح الْآيَة 26) وَأما الآخر فإبراهيم إِذْ قَالَ (فَمن تَبِعنِي فَإِنَّهُ مني وَمن عَصَانِي فَإنَّك غَفُور رَحِيم)(إِبْرَاهِيم الْآيَة 36) وَأما الْملكَانِ فجبريل وَمِيكَائِيل هَذَا صَاحب الشدَّة وَهَذَا صَاحب اللين
وَمثلهمَا فِي أمتِي أَبُو بكر وَعمر
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عمر رضي الله عنهما أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ لأبي بكر وَعمر رضي الله عنهما: أَلا أخبركما بمثيلكما فِي الْمَلَائِكَة ومثليكما فِي الْأَنْبِيَاء مثلك يَا أَبَا بكر فِي الْمَلَائِكَة كَمثل مِيكَائِيل ينزل بِالرَّحْمَةِ وَمثلك فِي الْأَنْبِيَاء مثل إِبْرَاهِيم قَالَ (فَمن تَبِعنِي فَإِنَّهُ مني وَمن عَصَانِي فَإنَّك غَفُور رَحِيم)(إِبْرَاهِيم الْآيَة 36) وَمثلك يَا عمر فِي الْمَلَائِكَة مثل جِبْرِيل ينزل بالشدة والبأس والنقمة على أَعدَاء الله وَمثلك فِي الْأَنْبِيَاء مثل نوح قَالَ (رب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا)(نوح الْآيَة 26)
وَأخرج أَبُو نعيم فِي الْحِلْية من طَرِيق مُجَاهِد رضي الله عنه عَن ابْن عمر رضي الله عنهما أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم لما أَشَارَ أَبُو بكر رضي الله عنه فَقَالَ: قَوْمك وعشيرتك فَخَل سبيلهم فَاسْتَشَارَ عمر رضي الله عنه فَقَالَ: اقتلهم
ففاداهم رَسُول الله فَأنْزل الله {مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى} الْآيَة
فلقي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه فَقَالَ: كَاد أَن يصيبنا فِي خِلافك شرا
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عمر رضي الله عنهما قَالَ لما أسر الْأُسَارَى يَوْم بدر أسر الْعَبَّاس فِيمَن أسر أسره رجل من الْأَنْصَار وَقد وعدته الْأَنْصَار أَن يقتلوه فَبلغ ذَلِك النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: لم أنم اللَّيْلَة من أجل عمي الْعَبَّاس وَقد زعمت الْأَنْصَار أَنهم قَاتلُوهُ فَقَالَ لَهُ عمر: فآتيهم قَالَ: نعم
فَأتى عمر رضي الله عنه الْأَنْصَار فَقَالَ لَهُم: ارسلوا الْعَبَّاس
فَقَالُوا: لَا وَالله لَا نرسله
فَقَالَ لَهُم عمر رضي الله عنه: فَإِن كَانَ لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم رضَا قَالُوا: فَإِن كَانَ لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم رضَا فَخذه
فَأَخذه عمر رضي الله عنه فَلَمَّا صَار فِي يَده قَالَ لَهُ: يَا عَبَّاس أسلم فوَاللَّه لِأَن تسلم أحب إِلَيّ من أَن يسلم الْخطاب وَمَا ذَاك إِلَّا لما رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يُعجبهُ إسلامك
قَالَ: فَاسْتَشَارَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَبَا بكر رضي الله عنه فَقَالَ أَبُو بكر رضي الله عنه: عشيرتك فأرسلهم فَاسْتَشَارَ عمر رضي الله عنه فَقَالَ: اقتلهم
ففاداهم رَسُول الله فَأنْزل الله {مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى} الْآيَة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن سعيد بن جُبَير رضي الله عنه أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم لم يقتل يَوْم بدر صبرا إِلَّا ثَلَاثَة
عقبَة بن أبي معيط وَالنضْر بن الْحَرْث وطعمة بن عدي وَكَانَ النَّضر أسره الْمِقْدَاد
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق نَافِع عَن ابْن عمر رضي الله عنهما قَالَ اخْتلف النَّاس فِي أُسَارَى بدر فَاسْتَشَارَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَبَا بكر وَعمر رضي الله عنهما فَقَالَ أَبُو بكر رضي الله عنه: فادهم
وَقَالَ عمر رضي الله عنه: اقتلهم
قَالَ قَائِل: أَرَادوا قتل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَهدم الإِسلام ويأمره أَبُو بكر بِالْفِدَاءِ
وَقَالَ قَائِل: لَو كَانَ فيهم أَبُو عمر أَو أَخُوهُ مَا أمره بِقَتْلِهِم
فَأخذ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بقول أبي بكر ففاداهم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَأنْزل الله {لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم} فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: إِن كَاد ليمسنا فِي خلاف ابْن الْخطاب عَذَاب عَظِيم وَلَو نزل الْعَذَاب مَا أفلت إِلَّا عمر
وَأخرج ابْن أبي شيبَة فِي المُصَنّف وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من طَرِيق أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: لما كَانَ يَوْم بدر تعجل النَّاس إِلَى الْغَنَائِم فأصابوها قبل أَن تحل لَهُم فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن الْغَنِيمَة لَا تحل لأحد سود الرؤوس قبلكُمْ كَانَ النَّبِي وَأَصْحَابه إِذا غنموا جمعوها وَنزلت نَار من السَّمَاء فأهلكتها فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة {لَوْلَا كتاب من الله سبق} إِلَى آخر الْآيَتَيْنِ
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه فِي قَوْله {لَوْلَا كتاب من الله سبق} قَالَ: يَقُول لَوْلَا أَنه سبق فِي علمي أَنِّي سأحل الْمَغَانِم {لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم} قَالَ: وَكَانَ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب يَقُول: أَعْطَانِي الله هَذِه الْآيَة (يَا أَيهَا النَّبِي قل لمن فِي أَيْدِيكُم من الْأُسَارَى)(الْأَنْفَال الْآيَة 70) وَأَعْطَانِي بِمَا أَخذ مني أَرْبَعِينَ أُوقِيَّة أَرْبَعِينَ عبدا
وَأخرج اسحق بن رَاهَوَيْه وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم} يَعْنِي غَنَائِم بدر قبل أَن يحلهَا لَهُم يَقُول: لَوْلَا أَنِّي أعذب من عَصَانِي حَتَّى أتقدم إِلَيْهِ لمسكم عَذَاب عَظِيم
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم والنحاس فِي ناسخه وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى} قَالَ: ذَلِك يَوْم بدر والمسلمون يَوْمئِذٍ قَلِيل فَلَمَّا كَثُرُوا وَاشْتَدَّ سلطانهم أنزل الله تَعَالَى
بعد هَذَا فِي الْأُسَارَى (فإمَّا منا وَإِمَّا فدَاء)(مُحَمَّد الْآيَة 4) فَجعل الله النَّبِي وَالْمُؤمنِينَ فِي أَمر الْأُسَارَى بِالْخِيَارِ إِن شَاءُوا قتلوهم وَإِن شَاءُوا استعبدوهم وَإِن شَاءُوا فادوهم وَفِي قَوْله {لَوْلَا كتاب من الله سبق} يَعْنِي فِي الْكتاب الأول أَن الْمَغَانِم وَالْأسَارَى حَلَال لكم {لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم} من الْأُسَارَى {عَذَاب عَظِيم فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُم حَلَالا طيبا} قَالَ: وَكَانَ الله تَعَالَى قد كتب فِي أم الْكتاب الْمَغَانِم وَالْأسَارَى حَلَالا لمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَأمته وَلم يكن أحله لأمة قبلهم وَأخذُوا الْمَغَانِم وأسروا الْأُسَارَى قبل أَن ينزل إِلَيْهِم فِي ذَلِك
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {حَتَّى يثخن فِي الأَرْض} يَقُول: حَتَّى يظهروا على الأَرْض
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد رضي الله عنه قَالَ: الإِثخان هُوَ الْقَتْل
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى حَتَّى يثخن فِي الأَرْض} قَالَ: نزلت الرُّخْصَة بعد إنْ شئتَ فمنّ وإنْ شئتَ ففاد
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا} قَالَ: أَرَادَ أَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم يَوْم بدر الْفِدَاء ففادوهم بأَرْبعَة آلَاف أَرْبَعَة آلَاف
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عِكْرِمَة رضي الله عنه فِي قَوْله {تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا} يَعْنِي الْخراج
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن جَابر بن زيد رضي الله عنه قَالَ: لَيْسَ أحد يعْمل عملا يُرِيد بِهِ وَجه الله يَأْخُذ عَلَيْهِ شَيْئا من عرض الدُّنْيَا إِلَّا كَانَ حَظه مِنْهُ
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الْحسن رضي الله عنه قَالَ: لَو لم يكن لنا ذنُوب نَخَاف على أَنْفُسنَا مِنْهَا إِلَّا حبنا للدنيا لخشينا على أَنْفُسنَا إِن الله يَقُول {تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا وَالله يُرِيد الْآخِرَة} أريدوا مَا أَرَادَ الله
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {لَوْلَا كتاب من الله سبق} قَالَ: سبق لَهُم الْمَغْفِرَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن سعيد بن جُبَير رضي الله عنه فِي قَوْله {لَوْلَا كتاب من الله سبق} قَالَ: سبق لأهل بدر من السَّعَادَة {لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم} قَالَ: من الْفِدَاء {عَذَاب عَظِيم}
وَأخرج النَّسَائِيّ وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما {لَوْلَا كتاب من الله سبق} قَالَ: سبقت لَهُم من الله الرَّحْمَة قبل أَن يعملوا بالمعصية
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه وَابْن عَسَاكِر عَن خَيْثَمَة رضي الله عنه قَالَ: كَانَ سعد رضي الله عنه جَالِسا ذَات يَوْم وَعِنْده نفر من أَصْحَابه إِذْ ذكر رجلا فنالوا مِنْهُ فَقَالَ: مهلا عَن أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَإنَّا أَذْنَبْنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ذَنبا فَأنْزل الله {لَوْلَا كتاب من الله سبق} قَالَ: فَكُنَّا نرى أَنَّهَا رَحْمَة من الله سبقت لنا
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {لَوْلَا كتاب من الله سبق} قَالَ: فِي أَنه لَا يعذب أحدا حَتَّى يبين لَهُ ويتقدم إِلَيْهِ
وَأخرج مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن الْمُنْذر وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فضلت على الْأَنْبِيَاء بست: أَعْطَيْت جَوَامِع الْكَلم ونصرت بِالرُّعْبِ وَأحلت لي الْغَنَائِم وَجعلت لي الأَرْض طهُورا ومسجداً وَأرْسلت إِلَى الْخلق كَافَّة وَختم بِي النَّبِيُّونَ
وَأخرج أَحْمد وَابْن الْمُنْذر عَن أبي ذَر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَعْطَيْت خمْسا لم يعطهم أحد قبلي: بعثت إِلَى الْأَحْمَر وَالْأسود وَجعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا وَأحلت لي الْغَنَائِم وَلم تحل لأحد كَانَ قبلي ونصرت بِالرُّعْبِ فيرعب العدوّ وَهُوَ مني مسيرَة شهر وَقَالَ لي: سل تعطه
فاختبأت دَعْوَتِي شَفَاعَة لأمتي وَهِي نائلة مِنْكُم إِن شَاءَ الله من لَقِي الله لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا وَأحلت لأمتي الْغَنَائِم
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: لم تكن الْغَنَائِم تحل لأحد كَانَ قبلنَا فطيبها الله لنا لما علم الله من ضعفنا فَأنْزل الله فِيمَا سبق من كِتَابه إحلال الْغَنَائِم {لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم} فَقَالُوا: وَالله يَا رَسُول الله لَا نَأْخُذ لَهُم قَلِيلا وَلَا كثيرا حَتَّى نعلم أحلال هُوَ أم حرَام فطيبه الله لَهُم فَأنْزل الله تَعَالَى {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُم حَلَالا طيبا وَاتَّقوا الله إِن الله غَفُور رَحِيم}
فَلَمَّا أحل الله لَهُم فداهم وَأَمْوَالهمْ
قَالَ الْأُسَارَى: مَا لنا عِنْد الله من خير قد قتلنَا وأسرنا فَأنْزل الله يبشرهم (يَا أَيهَا النَّبِي قل لمن فِي أَيْدِيكُم من الْأُسَارَى)(الْأَنْفَال الْآيَة 70) إِلَى قَوْله (وَالله عليم حَكِيم)
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنه قَالَ: كَانَت الْغَنَائِم قبل أَن يبْعَث النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي الْأُمَم إِذا أَصَابُوا مِنْهُ جَعَلُوهُ فِي القربان وَحرم الله عَلَيْهِم أَن يَأْكُلُوا مِنْهَا قَلِيلا أَو كثيرا حرم على كل نَبِي وعَلى أمته فَكَانُوا لَا يَأْكُلُون مِنْهُ وَلَا يغلون مِنْهُ وَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ قَلِيلا وَلَا كثيرا إِلَّا عذبهم الله عَلَيْهِ وَكَانَ الله حرمه عَلَيْهِم تَحْرِيمًا شَدِيدا فَلم يحله لنَبِيّ إِلَّا لمُحَمد صلى الله عليه وسلم قد كَانَ سبق من الله فِي قَضَائِهِ أَن الْمغنم لَهُ ولأمته حَلَال فَذَلِك قَوْله يَوْم بدر فِي أَخذه الْفِدَاء من الْأُسَارَى {لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَاب عَظِيم}
وَأخرج الْخَطِيب فِي الْمُتَّفق والمفترق عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما لما رَغِبُوا فِي الْفِدَاء أنزلت {مَا كَانَ لنَبِيّ} إِلَى قَوْله {لَوْلَا كتاب من الله سبق} الْآيَة
قَالَ: سبق من الله رَحمته لمن شهد بَدْرًا فَتَجَاوز الله عَنْهُم وأحلها لَهُم
الْآيَة 70
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن عَائِشَة رضي الله عنها قَالَت لما بعث أهل مَكَّة فِي فدَاء أَسْرَاهُم
بعثت زَيْنَب بنت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قلادة لَهَا فِي فدَاء زَوجهَا فَلَمَّا رَآهَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم رق رقة شَدِيدَة وَقَالَ: إِن رَأَيْتُمْ أَن تطلقوا لَهَا أَسِيرهَا وَقَالَ الْعَبَّاس رضي الله عنه: إِنِّي كنت مُسلما يَا رَسُول الله
قَالَ: الله أعلم بِإِسْلَامِك فَإِن تكن كَمَا تَقول فَالله يجْزِيك فَافْدِ نَفسك وَابْني أخويك نَوْفَل بن الْحَارِث وَعقيل بن أبي طَالب وَحَلِيفك عتبَة بن عمر وَقَالَ: مَا ذَاك عِنْدِي يَا رَسُول الله
قَالَ: فَأَيْنَ الَّذِي دفعت أَنْت وَأم الْفضل فَقلت لَهَا: إِن أصبت فَإِن هَذَا المَال لبني
فَقَالَ: وَالله يَا رَسُول الله إِن هَذَا لشَيْء مَا علمه غَيْرِي وَغَيرهَا فَاحْسبْ لي مَا أصبْتُم مني عشْرين أُوقِيَّة من مَال كَانَ معي فَقَالَ: افْعَل
ففدي نَفسه
وَابْني أَخَوَيْهِ وَحَلِيفه وَنزلت {قل لمن فِي أَيْدِيكُم من الأسرى إِن يعلم الله فِي قُلُوبكُمْ خيرا يُؤْتكُم خيرا مِمَّا أَخذ مِنْكُم} فَأَعْطَانِي مَكَان الْعشْرين أُوقِيَّة فِي الإِسلام عشْرين عبدا كلهم فِي يَده مَال نصرت بِهِ مَعَ مَا أَرْجُو من مغْفرَة الله
وَأخرج ابْن سعد وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن أبي مُوسَى أَن الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ رضي الله عنه بعث إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَالا أَكثر مِنْهُ فنثر على حَصِير جَاءَ النَّاس فَجعل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم وَمَا كَانَ يَوْمئِذٍ عدد وَلَا وزن فجَاء الْعَبَّاس فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنِّي أَعْطَيْت فدائي وَفِدَاء عقيل يَوْم بدر أَعْطِنِي من هَذَا المَال فَقَالَ: خُذ فَحثى فِي قَمِيصه ثمَّ ذهب ينْصَرف فَلم يسْتَطع فَرفع رَأسه وَقَالَ: يَا رَسُول الله أرفع عَليّ
فَتَبَسَّمَ رَسُول الله وَهُوَ يَقُول: أما أَخذ مَا وعد الله فقد نجز وَلَا أَدْرِي الْأُخْرَى {قل لمن فِي أَيْدِيكُم من الأسرى إِن يعلم الله فِي قُلُوبكُمْ خيرا يُؤْتكُم خيرا مِمَّا أَخذ مِنْكُم وَيغْفر لكم} هَذَا خير مِمَّا أَخذ مني وَلَا أَدْرِي مَا يصنع فِي الْمَغْفِرَة
وَأخرج أَبُو نعيم فِي الدَّلَائِل من طَرِيق سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: أسر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَوْم بدر سبعين من قُرَيْش مِنْهُم الْعَبَّاس وَعقيل فَجعل عَلَيْهِم الْفِدَاء أَرْبَعِينَ أُوقِيَّة من ذهب وَجعل على الْعَبَّاس مائَة أُوقِيَّة وعَلى عقيل ثَمَانِينَ أُوقِيَّة فَقَالَ الْعَبَّاس رضي الله عنه: لقد تَرَكتنِي فَقير قُرَيْش مَا بقيت فَأنْزل الله {يَا أَيهَا النَّبِي قل لمن فِي أَيْدِيكُم من الأسرى} حِين ذكرت لرَسُول الله إسلامي وَسَأَلته أَن يقاسمني بالعشرين أُوقِيَّة الَّتِي أخذت مني فعوّضني الله مِنْهَا عشْرين عبدا كلهم تَاجر يضْرب بِمَالي مَعَ مَا أَرْجُو من رَحْمَة الله ومغفرته
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل وَابْن عَسَاكِر عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ الْعَبَّاس رضي الله عنه قد أسر يَوْم بدر فَافْتدى نَفسه بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّة من ذهب فَقَالَ حِين نزلت {يَا أَيهَا النَّبِي قل لمن فِي أَيْدِيكُم من الأسرى} لقد أَعْطَانِي خَصْلَتَيْنِ مَا أحب أَن لي بهما الدُّنْيَا إِنِّي أسرت يَوْم بدر ففديت نَفسِي بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّة فَأَعْطَانِي الله أَرْبَعِينَ عبدا وَإِنِّي أَرْجُو الْمَغْفِرَة الَّتِي وعدنا الله
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما {قل لمن فِي أَيْدِيكُم من الأسرى} قَالَ: عَبَّاس وَأَصْحَابه قَالُوا للنَّبِي صلى الله عليه وسلم: آمنا بِمَا جِئْت بِهِ ونشهد أَنَّك رَسُول الله فَنزل {إِن يعلم الله فِي قُلُوبكُمْ خيرا} أَي إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا يخلف لكم
خيرا مِمَّا أصبت مِنْكُم وَيغْفر لكم الشّرك الَّذِي كُنْتُم عَلَيْهِ فَكَانَ عَبَّاس يَقُول: مَا أحب أَن هَذِه الْآيَة لم تنزل فِينَا وَإِن لي مَا فِي الدُّنْيَا من شَيْء فَلَقَد أَعْطَانِي الله خيرا مِمَّا أَخذ مني مائَة ضعف وَأَرْجُو أَن يكون غفر لي
وَأخرج ابْن سعد وَابْن عساكرعن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {يَا أَيهَا النَّبِي قل لمن فِي أَيْدِيكُم من الأسرى} الْآيَة
قَالَ: نزلت فِي الْأُسَارَى يَوْم بدر مِنْهُم الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَنَوْفَل بن الْحَرْث وَعقيل بن أبي طَالب رضي الله عنهم
الْآيَة 71
أخرج ابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتك} إِن كَانَ قَوْلهم كذبا {فقد خانوا الله من قبل} فقد كفرُوا وقاتلوك فأمنك مِنْهُم
الْآيَة 72
أخرج ابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عمر رضي الله عنه فِي قَوْله {إِن الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله} قَالَ: إِن الْمُؤمنِينَ كَانُوا على عهد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم على ثَلَاث منَازِل
مِنْهُم الْمُؤمن وَالْمُهَاجِر المباين لِقَوْمِهِ فِي الْهِجْرَة خرج إِلَى قوم مُؤمنين فِي دِيَارهمْ وعقارهم وَأَمْوَالهمْ وَفِي قَوْله {وَالَّذين آووا ونصروا} وأعلنوا مَا أعلن أهل الْهِجْرَة وشهروا السيوف على من كذب وَجحد فهذان مُؤْمِنَانِ جعل الله بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَفِي قَوْله {وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا}
قَالَ: كَانُوا يتوارثون بَينهم إِذا توفّي الْمُؤمن المُهَاجر بِالْولَايَةِ فِي الدّين وَكَانَ الَّذِي آمن وَلم يُهَاجر لَا يَرث من أجل أَنه لم يُهَاجر وَلم ينصر فبؤأ الله الْمُؤمنِينَ الْمُهَاجِرين من ميراثهم وَهِي الْولَايَة الَّتِي قَالَ الله {مَا لكم من ولايتهم من شَيْء حَتَّى يهاجروا وَإِن استنصروكم فِي الدّين فَعَلَيْكُم النَّصْر إِلَّا على قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق} وَكَانَ حَقًا على الْمُؤمنِينَ الَّذين آووا ونصروا إِذا استنصروهم فِي الدّين أَن ينصروهم إِن قوتلوا إِلَّا أَن يستنصروا على قوم بَينهم وَبَين النَّبِي صلى الله عليه وسلم مِيثَاق وَلَا نصر لَهُم عَلَيْهِم إِلَّا على الْعَدو الَّذِي لَا مِيثَاق لَهُم ثمَّ أنزل الله تَعَالَى بعد ذَلِك: أَن ألحق كل ذِي رحم برحمه من الْمُؤمنِينَ الَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا فَجعل لكل إِنْسَان من الْمُؤمنِينَ نَصِيبا مَفْرُوضًا لقَوْله {وأولو الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتاب الله إِن الله بِكُل شَيْء عليم} الْأَنْفَال الْآيَة 75
وَأخرج ابْن مردوية عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم آخى بَين الْمُسلمين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فآخى بَين حَمْزَة بن عبد الْمطلب وَبَين زيد بن حَارِثَة وَبَين عمر بن الْخطاب ومعاذ بن عفراء وَبَين الزبير بن العوّام وَعبد الله بن مَسْعُود وَبَين أبي بكر الصّديق وَطَلْحَة بن عبيد الله وَبَين عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسعد بن الرّبيع
وَقَالَ لسَائِر أَصْحَابه: تآخوا وَهَذَا أخي - يَعْنِي عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه قَالَ: فَأَقَامَ الْمُسلمُونَ على ذَلِك حَتَّى نزلت سُورَة الْأَنْفَال وَكَانَ مِمَّا شدد الله بِهِ عقد نبيه صلى الله عليه وسلم قَول الله تَعَالَى {إِن الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله وَالَّذين آووا ونصروا أُولَئِكَ بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا} إِلَى قَوْله {لَهُم مغْفرَة ورزق كريم} فأحكم الله تَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَات العقد الَّذِي عقد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بَين أَصْحَابه من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار يتوارث الَّذين تآخوا دون من كَانَ مُقيما بِمَكَّة من ذَوي الْأَرْحَام والقرابات فَمَكثَ النَّاس على ذَلِك العقد مَا شَاءَ الله ثمَّ أنزل الله الْآيَة الْأُخْرَى فنسخت مَا كَانَ قبلهَا فَقَالَ {وَالَّذين آمنُوا من بعد وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا مَعكُمْ فَأُولَئِك مِنْكُم وأولو الْأَرْحَام} والقرابات وَرجع كل رجل إِلَى نسبه ورحمه وانقطعت تِلْكَ الوراثة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {إِن الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله وَالَّذين آووا ونصروا أُولَئِكَ بَعضهم أَوْلِيَاء بعض} يَعْنِي فِي الْمِيرَاث جعل الله الْمِيرَاث للمهاجرين
وَالْأَنْصَار دون الْأَرْحَام {وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا مَا لكم من ولايتهم من شَيْء} مَا لكم من ميراثهم شَيْء {حَتَّى يهاجروا وَإِن استنصروكم فِي الدّين} يَعْنِي إِن استنصر الْأَعْرَاب الْمُسلمُونَ الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار على عَدو لَهُم فَعَلَيْهِم أَن ينصروهم {إِلَّا على قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق} فَكَانُوا يعْملُونَ على ذَلِك حَتَّى أنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة {وأولو الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتاب الله} فنسخت الَّتِي قبلهَا وَصَارَت الْمَوَارِيث لِذَوي الْأَرْحَام
وَأخرج أَبُو عُبَيْدَة وَأَبُو دَاوُد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {إِن الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله وَالَّذين آووا ونصروا أُولَئِكَ بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا مَا لكم من ولايتهم من شَيْء حَتَّى يهاجروا} قَالَ: كَانَ المُهَاجر لَا يتَوَلَّى الْأَعرَابِي وَلَا يَرِثهُ وَهُوَ مُؤمن وَلَا يَرث الْأَعرَابِي المُهَاجر فنسختها هَذِه الْآيَة {وأولو الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتاب الله}
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عِكْرِمَة رضي الله عنه فِي قَوْله {وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا} قَالَ: كَانَ الْأَعرَابِي لَا يَرث المُهَاجر وَلَا المُهَاجر يَرث الْأَعرَابِي حَتَّى فتحت مَكَّة وَدخل النَّاس فِي الدّين أَفْوَاجًا فَأنْزل الله {وأولو الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتاب الله}
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم والنحاس فِي ناسخه وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا مَا لكم من ولايتهم من شَيْء حَتَّى يهاجروا} قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة فتوارثت الْمُسلمُونَ بِالْهِجْرَةِ فَكَانَ لَا يَرث الْأَعرَابِي الْمُسلم من المُهَاجر الْمُسلم شَيْئا حَتَّى نسخ ذَلِك بعد فِي سُورَة الْأَحْزَاب (وأولو الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتاب الله من الْمُؤمنِينَ والمهاجرين) فخلط الله بَعضهم بِبَعْض وَصَارَت الْمَوَارِيث بالملل
وَأخرج أَحْمد وَمُسلم عَن بُرَيْدَة رضي الله عنه قَالَ كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذا بعث أَمِيرا على سَرِيَّة أَو جَيش أوصاه فِي خَاصَّة نَفسه بتقوى الله وبمن مَعَه من الْمُسلمين خيرا وَقَالَ: اغزوا فِي سَبِيل الله قَاتلُوا من كفر بِاللَّه إِذا لقِيت عدوّك من الْمُشْركين فادعهم إِلَى إِحْدَى ثَلَاث خِصَال فأيتهن مَا أجابوك فاقبل مِنْهُم وكف عَنْهُم
ادعهم
إِلَى الإِسلام فَإِن أجابوك فَأقبل مِنْهُم ثمَّ ادعهم إِلَى التحوّل من دَارهم إِلَى دَار الْمُهَاجِرين واعلمهم إِن فعلوا ذَلِك أَن لَهُم مَا للمهاجرين وَعَلَيْهِم مَا على الْمُهَاجِرين فَإِن أَبَوا واختاروا دَارهم فاعلمهم أَنهم يكونُونَ كأعراب الْمُسلمين يجْرِي عَلَيْهِم حكم الله الَّذِي يجْرِي على الْمُؤمنِينَ وَلَا يكون لَهُم فِي الْفَيْء وَالْغنيمَة نصيب إِلَّا أَن يجاهدوا مَعَ الْمُسلمين فَإِن هم أَبَوا فادعهم إِلَى إِعْطَاء الْجِزْيَة فَإِن آتوا فَأقبل مِنْهُم وكف عَنْهُم فَإِن أَبَوا فَاسْتَعِنْ بِاللَّه ثمَّ قَاتلهم
وَأخرج أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن أنس رضي الله عنه قَالَ أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: جاهدوا الْمُشْركين بأموالكم وَأَنْفُسكُمْ وألسنتكم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {وَإِن استنصروكم فِي الدّين فَعَلَيْكُم النَّصْر إِلَّا على قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق} قَالَ: نهى الْمُسلمُونَ عَن أهل ميثاقهم فوَاللَّه لأخوك الْمُسلم أعظم عَلَيْك حُرْمَة وَحقا وَالله أعلم
الْآيَات 73 - 74
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ من طَرِيق أبي مَالك رضي الله عنه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رجل من الْمُسلمين لنورثن ذَوي الْقُرْبَى منا من الْمُشْركين فَنزلت {وَالَّذين كفرُوا بَعضهم أَوْلِيَاء بعض إِلَّا تفعلوه تكن فتْنَة فِي الأَرْض وَفَسَاد كَبِير}
وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {وَالَّذين كفرُوا بَعضهم أَوْلِيَاء بعض} قَالَ: نزلت فِي مَوَارِيث مُشْركي أهل الْعَرَب
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {وَالَّذين كفرُوا بَعضهم أَوْلِيَاء بعض} يَعْنِي فِي الْمَوَارِيث {إِلَّا تفعلوه} يَقُول: أَن لَا تَأْخُذُوا فِي الْمَوَارِيث بِمَا أَمرتكُم بِهِ
وَأخرج أَحْمد وَابْن أبي حَاتِم وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْمُهَاجِرُونَ بَعضهم أَوْلِيَاء بعض فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
والطلقاء من قُرَيْش والعتقاء من ثَقِيف بَعضهم أَوْلِيَاء بعض فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي أُمَامَة رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَا يتوارث أهل ملتين وَلَا يَرث مُسلم كَافِرًا وَلَا كَافِر مُسلما ثمَّ قَرَأَ {وَالَّذين كفرُوا بَعضهم أَوْلِيَاء بعض إِلَّا تفعلوه تكن فتْنَة فِي الأَرْض وَفَسَاد كَبِير}
وَأخرج عبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف عَن يحيى بن أبي كثير رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذا جَاءَكُم من ترْضونَ أَمَانَته وخلقه فانكحوه كَائِنا مَا كَانَ فَإِن لَا تفعلوه تكن فتْنَة فِي الأَرْض وَفَسَاد كَبِير
الْآيَة 75
أخرج ابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ ترك رَسُول الله صلى الله عليه وسلم النَّاس يَوْم توفّي على أَرْبَعَة منَازِل
مُؤمن مهَاجر وَالْأَنْصَار وأعرابي مُؤمن لم يُهَاجر إِن استنصره النَّبِي نَصره وَإِن تَركه فَهُوَ إِذن لَهُ وَإِن استنصر النَّبِي صلى الله عليه وسلم كَانَ حَقًا عَلَيْهِ أَن ينصره وَذَلِكَ (استنصروكم فِي الدّين فَعَلَيْكُم النَّصْر)(الْأَنْفَال الْآيَة 72) وَالرَّابِعَة التَّابِعين بِإِحْسَان
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه
مثله
وَأخرج ابْن سعد وَابْن أبي حَاتِم وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه عَن الزبير بن الْعَوام قَالَ: أنزل الله فِينَا خَاصَّة معشر قُرَيْش وَالْأَنْصَار {وأولو الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض} وَذَلِكَ أَنا معشر قُرَيْش لما قدمنَا الْمَدِينَة قدمنَا وَلَا أَمْوَال لنا فَوَجَدنَا الْأَنْصَار نعم الإِخوان فواخيناهم وتوارثنا فآخى أَبُو بكر رضي الله عنه خَارِجَة بن زيد وآخى عمر رضي الله عنه فلَانا وآخى عُثْمَان رضي الله عنه رجلا من بني زُرَيْق بن سعد الزرقي
قَالَ الزبير: وواخيت أَنا كَعْب بن مَالك ووارثونا ووارثناهم فَلَمَّا كَانَ يَوْم أحد قيل لي قتل أَخُوك كَعْب بن مَالك فَجِئْته فانتقلته فَوجدت السِّلَاح قد ثقله فِيمَا نرى فوَاللَّه يَا بني لَو مَاتَ يَوْمئِذٍ عَن الدُّنْيَا مَا وَرثهُ غَيْرِي حَتَّى أنزل الله هَذِه الْآيَة فِينَا معشر قُرَيْش وَالْأَنْصَار خَاصَّة فرجعنا إِلَى مواريثنا
وَأخرج أَبُو عبيد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن الزبير أَنه كتب إِلَى شُرَيْح القَاضِي: إِنَّمَا نزلت هَذِه الْآيَة أَن الرجل كَانَ يعاقد الرجل يَقُول: ترثني وأرثك فَنزلت {وأولو الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتاب الله} فَلَمَّا نزلت ترك ذَلِك
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما
أَنه قيل لَهُ: أَن ابْن مَسْعُود رضي الله عنه لَا يُورث الموَالِي دون الْأَرْحَام وَيَقُول: إِن ذَوي الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتاب الله
فَقَالَ ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما: هَيْهَات هَيْهَات
أَيْن ذهب إِنَّمَا كَانَ الْمُهَاجِرُونَ يتوارثون دون الْأَعْرَاب فَنزلت {وأولو الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتاب الله} يَعْنِي أَنه يُورث الْمولى
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن سعيد بن جُبَير رضي الله عنه فِي قَوْله {وأولو الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتاب الله} قَالَ: نسخت هَذِه الْآيَة مَا كَانَ قبلهَا من مَوَارِيث العقد وَالْحلف والمواريث بِالْهِجْرَةِ وَصَارَت لِذَوي الْأَرْحَام قَالَ: وَالِابْن أولى من الْأَخ وَالْأَخ أولى من الْأُخْت وَالْأُخْت أولى من ابْن الْأَخ وَابْن الْأَخ أولى من الْعم وَالْعم أولى من ابْن الْعم وَابْن الْعم أولى من الْخَال وَلَيْسَ للخال وَلَا الْعمة وَلَا الْخَالَة من الْمِيرَاث نصيب فِي قَول زيد وَكَانَ عمر بن الْخطاب رضي الله عنه يُعْطي ثُلثي المَال للعمة وَالثلث للخالة إِذا لم يكن لَهُ وَارِث وَكَانَ عَليّ وَابْن مَسْعُود يردان مَا فضل من الْمِيرَاث على ذَوي الْأَرْحَام على قدر سُهْمَانهمْ غير الزَّوْج وَالْمَرْأَة
وَأخرج ابْن جرير عَن قَتَادَة رضي الله عنه قَالَ: كَانَ لَا يَرث الْأَعرَابِي المُهَاجر حَتَّى أنزل الله {وأولو الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتاب الله}
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: توارثت الْمُسلمُونَ لما قدمُوا الْمَدِينَة بِالْهِجْرَةِ ثمَّ نسخ ذَلِك فَقَالَ {وأولو الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتاب الله}
وَأخرج الطَّيَالِسِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عنما قَالَ: آخى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بَين أَصْحَابه وَورث بَعضهم من بعض حَتَّى نزلت هَذِه الْآيَة {وأولو الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض فِي كتاب الله} فتركوا ذَلِك وتوارثوا بِالنّسَبِ
(9)
سُورَة التَّوْبَة
(مَدَنِيَّة وآياتها تسع وَعِشْرُونَ وَمِائَة) مُقَدّمَة سُورَة التَّوْبَة أخرج أَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: نزلت بَرَاءَة بعد فتح مَكَّة
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: نزلت سُورَة التَّوْبَة بِالْمَدِينَةِ
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قَالَ: أنزل بِالْمَدِينَةِ سُورَة بَرَاءَة
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة رضي الله عنه قَالَ: مِمَّا نزل فِي الْمَدِينَة بَرَاءَة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالنَّسَائِيّ وَابْن أبي دَاوُد فِي الْمَصَاحِف وَابْن الْمُنْذر والنحاس فِي ناسخه وَابْن حبَان وَأَبُو الشَّيْخ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: قلت لعُثْمَان بن عَفَّان رضي الله عنه: مَا حملكم أَن عمدتم إِلَى الْأَنْفَال وَهِي من المثاني وَإِلَى بَرَاءَة وَهِي من المئين فقرنتم بَينهمَا وَلم تكْتبُوا سطر بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبع الطوَال مَا حملكم على ذَلِك فَقَالَ عُثْمَان رضي الله عنه: كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَان وَهُوَ ينزل عَلَيْهِ السُّور ذَوَات الْعدَد فَكَانَ إِذا نزل عَلَيْهِ الشَّيْء دَعَا بعض من كَانَ يكْتب فَيَقُول ضَعُوا هَؤُلَاءِ الْآيَات فِي السُّورَة الَّتِي يذكر فِيهَا كَذَا وَكَذَا وَكَانَت الْأَنْفَال من أَوَائِل مَا نزل بِالْمَدِينَةِ وَكَانَت بَرَاءَة من آخر الْقُرْآن نزولا وَكَانَت قصَّتهَا شَبيهَة بِقِصَّتِهَا فظنت أَنَّهَا مِنْهَا فَقبض رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَلم يبين لنا أَنَّهَا مِنْهَا فَمن أجل ذَلِك قرنت بيهما وَلم أكتب بَينهمَا سطر بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ووضعتهما فِي السَّبع الطوَال
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالْبُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن الضريس وَابْن الْمُنْذر والنحاس فِي ناسخه وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن الْبَراء رضي الله عنه قَالَ: آخر آيَة نزلت (يستفتونك قل الله يفتيكم فِي الْكَلَالَة)(النِّسَاء الْآيَة 176) وَآخر سُورَة نزلت تَامَّة بَرَاءَة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن أبي رَجَاء قَالَ: سَأَلت الْحسن رضي الله عنه عَن الْأَنْفَال وَبَرَاءَة أسورتان أَو سُورَة قَالَ: سورتان
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن أبي روق قَالَ: الْأَنْفَال وَبَرَاءَة سُورَة وَاحِدَة
وَأخرج النّحاس فِي ناسخه عَن عُثْمَان رضي الله عنه قَالَ: كَانَت الْأَنْفَال وَبَرَاءَة يدعيان فِي زمن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم القرينتين فَلذَلِك جعلتهما فِي السَّبع الطوَال
وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْأَفْرَاد عَن عسعس بن سَلامَة رضي الله عنه قَالَ: قلت لعُثْمَان رضي الله عنه: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا بَال الْأَنْفَال وَبَرَاءَة لَيْسَ بَينهمَا بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم قَالَ: كَانَت تنزل السُّورَة فَلَا تزَال تكْتب حَتَّى تنزل بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَإِذا جَاءَت بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم كتبت سُورَة أُخْرَى فَنزلت الْأَنْفَال وَلم تكْتب بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَن عَليّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْمُنَافِق لَا يحفظ سُورَة هود وَبَرَاءَة وَيس وَالدُّخَان وَعم يتسألون
وَأخرج أَبُو عبيد وَسَعِيد بن مَنْصُور وَأَبُو الشَّيْخ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب عَن أبي عَطِيَّة الْهَمدَانِي قَالَ: كتب عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: تعلمُوا سُورَة بَرَاءَة وَعَلمُوا نساءكم سُورَة النُّور
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَأَبُو الشَّيْخ وَالْحَاكِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن حُذَيْفَة رضي الله عنه قَالَ: الَّتِي تسمون سُورَة التَّوْبَة هِيَ سُورَة الْعَذَاب وَالله مَا تركت أحدا إِلَّا نَالَتْ مِنْهُ وَلَا تقرأون مِنْهَا مِمَّا كُنَّا نَقْرَأ إِلَّا ربعهَا
وَأخرج أَبُو عبيد وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن حُذَيْفَة رضي الله عنه فِي بَرَاءَة يسمونها سُورَة التَّوْبَة وَهِي سُورَة الْعَذَاب
وَأخرج أَبُو عبيد وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن حُذَيْفَة رضي الله عنه فِي بَرَاءَة يسمونها سُورَة التَّوْبَة وَهِي سُورَة الْعَذَاب
وَأخرج أَبُو عبيد وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن سعيد بن جُبَير رضي الله عنه قَالَ: قلت لِابْنِ عَبَّاس رضي الله عنهما: سُورَة التَّوْبَة قَالَ: التَّوْبَة بل هِيَ الفاضحة مَا زَالَت تنزل وَمِنْهُم حَتَّى ظننا أَن لن يبْقى منا أحد إِلَّا ذكر فِيهَا
وَأخرج أَبُو عوَانَة وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما
أَن عمر رضي الله عنه قيل لَهُ: سُورَة التَّوْبَة قَالَ: هِيَ إِلَى الْعَذَاب أقرب مَا أقلعت عَن النَّاس حَتَّى مَا كَادَت تدع مِنْهُم أحدا
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن عِكْرِمَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ عمر رضي الله عنه: مَا فرغ من تَنْزِيل بَرَاءَة حَتَّى ظننا أَنه لم يبْق منا أحد إِلَّا سينزل فِيهِ وَكَانَت تسمى الفاضحة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن زيد بن أسلم رضي الله عنه
أَن رجلا قَالَ لعبد الله: سُورَة التَّوْبَة فَقَالَ ابْن عمر رضي الله عنه: وأيتهن سُورَة التَّوْبَة فَقَالَ: بَرَاءَة
فَقَالَ ابْن عمر: وَهل فعل بِالنَّاسِ الأفاعيل إِلَّا هِيَ مَا كُنَّا ندعوها إِلَّا المقشقشة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر رضي الله عنه قَالَ: كَانَت بَرَاءَة تسمى المنقرة نقرت عَمَّا فِي قُلُوب الْمُشْركين
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن حُذَيْفَة رضي الله عنه قَالَ: مَا تقرأون ثلثهَا يَعْنِي سُورَة التَّوْبَة
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن مَسْعُود رضي الله عنه قَالَ: يسمونها سُورَة التَّوْبَة وَإِنَّهَا لسورة عَذَاب يَعْنِي بَرَاءَة
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن مُحَمَّد بن إِسْحَق رضي الله عنه قَالَ: كَانَت بَرَاءَة تسمى فِي زمَان النَّبِي المعبرة لما كشفت من سرائر النَّاس
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن أبي ذَر رضي الله عنه قَالَ دخلت الْمَسْجِد يَوْم الْجُمُعَة وَالنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم يخْطب فَجَلَست قَرِيبا من أبي بن كَعْب رضي الله عنه فَقَرَأَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم سُورَة بَرَاءَة فَقلت لأبي: مَتى نزلت هَذِه السُّورَة فَلم يكلمني قضى النَّبِي صلى الله عليه وسلم صلَاته قلت لأبي رضي الله عنه: سَأَلتك فتجهمتني وَلم تكلمني فَقَالَ أبي: مَالك من صَلَاتك إِلَّا مَا لغوت
فَذَهَبت إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرته فَقَالَ: صدق أبي
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن الشّعبِيّ رضي الله عنه أَن أَبَا ذَر وَالزُّبَيْر بن الْعَوام رضي الله عنهما سمع أَحدهمَا من النَّبِي صلى الله عليه وسلم آيَة يَقْرَأها وَهُوَ على الْمِنْبَر يَوْم الْجُمُعَة فَقَالَ لصَاحبه: مَتى أنزلت هَذِه الْآيَة فَلَمَّا قضى صلَاته قَالَ لَهُ عمر بن الْخطاب:
لَا جُمُعَة لَك
فَأتى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَذكر ذَلِك لَهُ فَقَالَ: صدق عمر
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان وَضَعفه عَن جَابر بن عبد الله رضي الله عنه قَالَ: لما نزلت سُورَة بَرَاءَة قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بعثت بمداراة النَّاس
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: سَأَلت عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه لم لم تكْتب فِي بَرَاءَة بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم قَالَ: لِأَن بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم أَمَان وَبَرَاءَة نزلت بِالسَّيْفِ
الْآيَات 1 - 2
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {بَرَاءَة من الله وَرَسُوله إِلَى الَّذين عاهدتم من الْمُشْركين} إِلَى أهل الْعَهْد خُزَاعَة ومدلج وَمن كَانَ لَهُ عهد وَغَيرهم أقبل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من تَبُوك حِين فرغ مِنْهَا فَأَرَادَ الْحَج ثمَّ قَالَ إِنَّه يحضر الْبَيْت مشركون يطوفون عُرَاة فَلَا أحب أَن أحج حَتَّى لَا يكون ذَلِك فَأرْسل أَبَا بكر رضي الله عنه وعليا رضي الله عنه فَطَافَا فِي النَّاس بِذِي الْمجَاز وبأمكنتهم الَّتِي كَانُوا يبيعون بهَا وبالموسم كُله فآذانوا أَصْحَاب الْعَهْد أَن يأمنوا أَرْبَعَة أشهر وَهِي الْأَشْهر الْحرم المنسلخات المتواليات عشرُون من آخر ذِي الْحجَّة إِلَى عشر تَخْلُو من ربيع الأوّل ثمَّ عهد لَهُم وآذن النَّاس كلهم بِالْقِتَالِ إِلَى أَن يموتوا
وَأخرج عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل فِي زَوَائِد الْمسند وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن عَليّ رضي الله عنه قَالَ لما نزلت عشر آيَات من بَرَاءَة على النَّبِي صلى الله عليه وسلم دَعَا أَبَا بكر رضي الله عنه لِيَقْرَأهَا على أهل مَكَّة ثمَّ دَعَاني فَقَالَ لي: أدْرك أَبَا بكر فَحَيْثُمَا لَقيته فَخذ الْكتاب مِنْهُ وَرجع أَبُو بكر رضي الله عنه فَقَالَ: يَا رَسُول الله نزل فيّ شَيْء قَالَ: لَا وَلَكِن جِبْرِيل جَاءَنِي فَقَالَ: لن يُؤَدِّي عَنْك إِلَّا أَنْت أَو رجل مِنْك
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن أنس
رَضِي الله عَنهُ قَالَ بعث النَّبِي صلى الله عليه وسلم بِبَرَاءَة مَعَ أبي بكر رضي الله عنه ثمَّ دَعَاهُ فَقَالَ: لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يبلغ هَذَا إِلَّا رجل من أَهلِي فَدَعَا عليا فَأعْطَاهُ إِيَّاه
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن سعد بن أبي وَقاص رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بعث أَبَا بكر رضي الله عنه بِبَرَاءَة إِلَى أهل مَكَّة ثمَّ بعث عليا رضي الله عنه على أَثَره فَأَخذهَا مِنْهُ فَكَأَن أَبَا بكر رضي الله عنه وجد فِي نَفسه فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: يَا أَبَا بكر أَنه لَا يُؤَدِّي عني إِلَّا أَنا أَو رجل مني
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن سعد بن أبي وَقاص رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بعث عليا رضي الله عنه بِأَرْبَع لَا يَطُوفَن بِالْبَيْتِ عُرْيَان وَلَا يجْتَمع الْمُسلمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ بعد عَامهمْ وَمن كَانَ بَينه وَبَين رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عهد فَهُوَ إِلَى عَهده وَإِن الله وَرَسُوله بَرِيء من الْمُشْركين
وَأخرج أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ كنت مَعَ عَليّ رضي الله عنه حِين بَعثه رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بعث عليا رضي الله عنه بِأَرْبَع
لَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان وَلَا يجْتَمع الْمُسلمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ بعد عَامهمْ وَمن كَانَ بَينه وَبَين رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عهد فَهُوَ إِلَى عَهده وَإِن الله وَرَسُوله بَرِيء من الْمُشْركين
وَأخرج أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ كنت مَعَ عَليّ رضي الله عنه حِين بَعثه رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى أهل مَكَّة بِبَرَاءَة فَكُنَّا ننادي أَنه لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا مُؤمن وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان وَمن كَانَ بَينه وَبَين رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عهد فَإِن أمره أَو أَجله إِلَى أَرْبَعَة أشهر فَإِذا مَضَت الْأَرْبَعَة أشهر فَإِن الله بَرِيء من الْمُشْركين وَرَسُوله وَلَا يحجّ هَذَا الْبَيْت بعد الْعَام مُشْرك
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم من طَرِيق سعيد بن الْمسيب رضي الله عنه عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أَن أَبَا بكر رضي الله عنه أمره أَن يُؤذن بِبَرَاءَة فِي حجَّة أبي بكر فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: ثمَّ اتَّبعنَا النَّبِي صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه أمره أَن يُؤذن بِبَرَاءَة وَأَبُو بكر رضي الله عنه على الْمَوْسِم كَمَا هُوَ أَو قَالَ: على هَيئته
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عمر رضي الله عنهما أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم اسْتعْمل أَبَا بكر رضي الله عنه على الْحَج ثمَّ أرسل عليا رضي الله عنه بِبَرَاءَة على أَثَره ثمَّ حج النَّبِي صلى الله عليه وسلم الْمقبل ثمَّ خرج فَتوفي فولي أَبُو بكر رضي الله عنه فَاسْتعْمل عمر رضي الله عنه على الْحَج ثمَّ حج أَبُو بكر رضي الله عنه من قَابل ثمَّ مَاتَ ثمَّ ولي عمر
رَضِي الله عَنهُ فَاسْتعْمل عبد الرَّحْمَن بن عَوْف على الْحَج ثمَّ كَانَ يحجّ بعد ذَلِك هُوَ حَتَّى مَاتَ ثمَّ ولي عُثْمَان رضي الله عنه فَاسْتعْمل عبد الرَّحْمَن بن عَوْف على الْحَج ثمَّ كَانَ يحجّ حَتَّى قتل
وَأخرج ابْن حبَان وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رضي الله عنه قَالَ: بعث رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَبَا بكر رضي الله عنه يُؤَدِّي عَنهُ بَرَاءَة فَلَمَّا أرْسلهُ بعث إِلَى عَليّ رضي الله عنه فَقَالَ: يَا عَليّ إِنَّه لَا يُؤَدِّي عني إِلَّا أَنا أَو أَنْت فَحَمله على نَاقَته العضباء فَسَار حَتَّى لحق بِأبي بكر رضي الله عنه فَأخذ مِنْهُ بَرَاءَة فَأتى أَبُو بكر النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَقد دخله من ذَلِك مَخَافَة أَن يكون قد أنزل فِيهِ شَيْء فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ: مَا لي يَا رَسُول الله قَالَ خير أَنْت أخي وصاحبي فِي الْغَار وَأَنت معي على الْحَوْض غير أَنه لَا يبلغ عني غَيْرِي أَو رجل مني
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أبي رَافع رضي الله عنه قَالَ بعث رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَبَا بكر رضي الله عنه بِبَرَاءَة إِلَى الْمَوْسِم فَأتى جِبْرِيل عليه السلام فَقَالَ: إِنَّه لن يُؤَدِّيهَا عَنْك إِلَّا أَنْت أَو رجل مِنْك فَبعث عليا رضي الله عنه على أَثَره حَتَّى لحقه بَين مَكَّة وَالْمَدينَة فَأَخذهَا فقرأها على النَّاس فِي الْمَوْسِم
وَأخرج البُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ بَعَثَنِي أَبُو بكر رضي الله عنه فِي تِلْكَ الْحجَّة فِي مؤذنين بَعثهمْ يَوْم النَّحْر يُؤذنُونَ بمنى: أَن لَا يحجّ بعد هَذَا الْعَام مُشْرك وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان ثمَّ أرْدف النَّبِي صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طَالب رضي الله عنه فَأمره أَن يُؤذن بِبَرَاءَة فَأذن مَعنا عَليّ رضي الله عنه فِي أهل منى يَوْم النَّحْر بِبَرَاءَة: أَن لَا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان
وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن أبي حَاتِم وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بعث أَبَا بكر رضي الله عنه وَأمره أَن يُنَادي بهؤلاء الْكَلِمَات ثمَّ أتبعه عليا رضي الله عنه وَأمره أَن يُنَادي بهَا فَانْطَلقَا فحجا فَقَامَ عَليّ رضي الله عنه فِي أَيَّام التَّشْرِيق فَنَادَى {أَن الله بَرِيء من الْمُشْركين وَرَسُوله فسيحوا فِي الأَرْض أَرْبَعَة أشهر} وَلَا يَحُجَّنَّ بعد الْعَام مُشْرك وَلَا يَطُوفَن بِالْبَيْتِ عُرْيَان وَلَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا مُؤمن
فَكَانَ عَليّ رضي الله عنه يُنَادي بهَا
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن أبي شيبَة وَأحمد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَابْن الْمُنْذر والنحاس وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن زيد بن تبيع رضي الله عنه قَالَ: سَأَلنَا عليا رضي الله عنه بِأَيّ شَيْء بعثت مَعَ أبي بكر رضي الله عنه فِي الْحَج قَالَ: بعثت بِأَرْبَع
لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا نفس مُؤمنَة وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان وَلَا يجْتَمع مُؤمن وَكَافِر بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام بعد عَامه هَذَا وَمن كَانَ بَينه وَبَين رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إِلَى مدَّته وَمن لم يكن لَهُ عهد فَأَجله أَرْبَعَة أشهر
وَأخرج إِسْحَق بن رَاهَوَيْه والدارمي وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن جَابر رضي الله عنه أَن النَّبِي بعث أَبَا بكر على الْحَج ثمَّ أرسل عليا رضي الله عنه بِبَرَاءَة
فقرأها على النَّاس فِي موقف الْحَج حَتَّى خَتمهَا
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن عُرْوَة رضي الله عنه قَالَ بعث رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَبَا بكر أَمِيرا على النَّاس سنة تسع وَكتب لَهُ سنَن الْحَج وَبعث عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه بآيَات من بَرَاءَة فَأمره أَن يُؤذن بِمَكَّة وبمنى وعرفة والمشاعر كلهَا: بِأَنَّهُ بَرِئت ذمَّة رَسُول من كل مُشْرك حج هَذَا الْعَام أَو طَاف بِالْبَيْتِ عُرْيَان وَأجل من كَانَ بَينه وَبَين رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عهد أَرْبَعَة أشهر وَسَار عَليّ رضي الله عنه على رَاحِلَته فِي النَّاس كلهم يقْرَأ عَلَيْهِم الْقُرْآن {بَرَاءَة من الله وَرَسُوله} وَقَرَأَ عَلَيْهِم (يَا بني آدم خُذُوا زينتكم عِنْد كل مَسْجِد)(الْأَعْرَاف الْآيَة 31) الْآيَة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن عَليّ رضي الله عنه قَالَ بَعَثَنِي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى الْيمن بِبَرَاءَة فَقلت: يَا رَسُول الله تبعثني وَأَنا غُلَام حَدِيث السن واسأل عَن الْقَضَاء وَلَا أَدْرِي مَا أُجِيب قَالَ: مَا بُد من أَن تذْهب بهَا أَو أذهب بهَا
قلت: إِن كَانَ لَا بُد فَأَنا أذهب
قَالَ: انْطلق فَأن الله يثبت لسَانك وَيهْدِي قَلْبك ثمَّ قَالَ: انْطلق فاقرأها على النَّاس
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {بَرَاءَة من الله وَرَسُوله} الْآيَة
قَالَ: حدَّ الله للَّذين عَاهَدُوا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَرْبَعَة أشهر يسيحون فِيهَا حَيْثُ شاؤوا وحد أجل من لَيْسَ لَهُ عهد انسلاخ الْأَرْبَعَة الْأَشْهر
الْحرم من يَوْم النَّحْر إِلَى انسلاخ الْحرم خمسين لَيْلَة فَإِذا انْسَلَخَ الْأَشْهر الْحرم أمره أَن يضع السَّيْف فِيمَن عَاهَدَ إِن لم يدخلُوا فِي الإِسلام وَنقض مَا سمى لَهُم من الْعَهْد والميثاق وَإِن ذهب الشَّرْط الأوّل (إِلَّا الَّذين عاهدتم عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام)(التَّوْبَة الْآيَة 4) يَعْنِي أهل مَكَّة
وَأخرج النّحاس فِي ناسخه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ لقوم عهود فَأمر الله النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَن يؤجلهم أَرْبَعَة أشهر يسيحون فِيهَا وَلَا عهد لَهُم بعْدهَا وأبطل مَا بعْدهَا وَكَانَ قوم لَا عهود لَهُم فأجلهم خمسين يَوْمًا عشْرين من ذِي الْحجَّة وَالْمحرم كُله فَذَلِك قَوْله (فَإِذا انْسَلَخَ الْأَشْهر الْحرم فَاقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)(التَّوْبَة الْآيَة 5) قَالَ: وَلم يعاهد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بعد هَذِه الْآيَة أحدا
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما {بَرَاءَة من الله وَرَسُوله} قَالَ: برِئ إِلَيْهِم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من عهودهم كَمَا ذكر الله عز وجل
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم والنحاس عَن الزُّهْرِيّ رضي الله عنه {فسيحوا فِي الأَرْض أَرْبَعَة أشهر} قَالَ: نزلت فِي شوّال فَهِيَ الْأَرْبَعَة أشهر شوّال وَذُو الْقعدَة وَذُو الْحجَّة وَالْمحرم
الْآيَة 3
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن زيد رضي الله عنه فِي قَوْله {وأذان من الله وَرَسُوله} قَالَ: هُوَ إِعْلَام من الله وَرَسُوله
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن حَكِيم بن حميد رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لي عَليّ بن الْحُسَيْن: أَن لعَلي فِي كتاب الله اسْما وَلَكِن لَا يعرفونه
قلت: مَا هُوَ قَالَ: ألم تسمع قَول الله {وأذان من الله وَرَسُوله إِلَى النَّاس يَوْم الْحَج الْأَكْبَر} هُوَ وَالله الْأَذَان
وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن عَليّ رضي الله عنه قَالَ: سَأَلت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَن يَوْم الْحَج الْأَكْبَر فَقَالَ يَوْم النَّحْر
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالتِّرْمِذِيّ وَأَبُو الشَّيْخ عَن عَليّ رضي الله عنه قَالَ: يَوْم الْحَج الْأَكْبَر يَوْم النَّحْر
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه بِسَنَد ضَعِيف عَن عَليّ رضي الله عنه قَالَ أَربع حفظتهن عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم
إِن الصَّلَاة الْوُسْطَى الْعَصْر وَإِن الْحَج الْأَكْبَر يَوْم النَّحْر وَإِن أدبار السُّجُود الركعتان بعد الْمغرب وَإِن أدبار النُّجُوم الركعتان قبل صَلَاة الْفجْر
وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن عَمْرو بن الْأَحْوَص رضي الله عنه
أَنه شهد حجَّة الْوَدَاع مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَذكر وَوعظ قَالَ أَي يَوْم أحرم أَي يَوْم حرم أَي يَوْم حرم فَقَالَ النَّاس: يَوْم الْحَج الْأَكْبَر يَا رَسُول الله
وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن عبد الله بن قرط قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الْأَيَّام عِنْد الله أَيَّام النَّحْر يَوْم القر
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن أبي أوفى رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَن قَالَ يَوْم الْأَضْحَى هَذَا يَوْم الْحَج الْأَكْبَر
وَأخرج البُخَارِيّ تَعْلِيقا وَأَبُو دَاوُد وَابْن ماجة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو نعيم فِي الْحِلْية عَن ابْن عمر رضي الله عنهما أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وقف يَوْم النَّحْر بَين الجمرات فِي الْحجَّة الَّتِي حَجهَا فَقَالَ: أَي يَوْم هَذَا قَالُوا: يَوْم النَّحْر
قَالَ: هَذَا يَوْم الْحَج الْأَكْبَر
وَأخرج البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بكر رضي الله عنه فِيمَن يُؤذن يَوْم النَّحْر بمنى أَن لَا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان وَيَوْم الْحَج الْأَكْبَر يَوْم النَّحْر وَالْحج الْأَكْبَر الْحَج وَإِنَّمَا قيل الْأَكْبَر من أجل قَول النَّاس الْحَج الْأَصْغَر فنبذ أَبُو بكر رضي الله عنه إِلَى النَّاس فِي ذَلِك الْعَام فَلم يحجّ عَام حجَّة الْوَدَاع الَّذِي حج فِيهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مُشْرك وَأنزل الله تَعَالَى (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس)(التَّوْبَة الْآيَة 28) الْآيَة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الْحَج الْأَكْبَر يَوْم النَّحْر
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن أبي شيبَة وَابْن جرير عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة
أَنه خطب يَوْم الْأَضْحَى فَقَالَ: الْيَوْم النَّحْر وَالْيَوْم الْحَج الْأَكْبَر
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن أبي جُحَيْفَة رضي الله عنه قَالَ: الْحَج الْأَكْبَر: يَوْم النَّحْر
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن سعيد بن جُبَير رضي الله عنه قَالَ: الْحجر الْأَكْبَر: يَوْم النَّحْر
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَسَعِيد بن مَنْصُور وَابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ عَن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قَالَ: الْحَج الْأَكْبَر: يَوْم النَّحْر يوضع فِيهِ الشّعْر ويراق فِيهِ الدَّم وَتحل فِيهِ الْحرم
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن سَمُرَة رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ يَوْم الْحَج الْأَكْبَر يَوْم حج أَبُو بكر رضي الله عنه بِالنَّاسِ
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن سَمُرَة رضي الله عنه فِي قَوْله {يَوْم الْحَج الْأَكْبَر} قَالَ: كَانَ عَام حج فِيهِ الْمُسلمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ فِي ثَلَاثَة أَيَّام وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي ثَلَاثَة أَيَّام فاتفق حج الْمُسلمين وَالْمُشْرِكين وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي سِتَّة أَيَّام
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن ابْن عون رضي الله عنه قَالَ: سَأَلت مُحَمَّد عَن يَوْم الْحَج الْأَكْبَر قَالَ: كَانَ يَوْم وَافق فِيهِ حج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَحج أهل الْملَل
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن سَمُرَة بن جُنْدُب رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ زمن الْفَتْح: إِنَّه عَام الْحَج الْأَكْبَر
قَالَ: اجْتمع حج الْمُسلمين وَحج الْمُشْركين فِي ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَات فَاجْتمع حج الْمُسلمين وَالْمُشْرِكين وَالنَّصَارَى وَالْيَهُود فِي ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَات وَلم يجْتَمع مُنْذُ خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض كَذَلِك قبل الْعَام وَلَا يجْتَمع بعد الْعَام حَتَّى تقوم السَّاعَة
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن الْحسن رضي الله عنه
أَنه سُئِلَ عَن الْحَج الْأَكْبَر فَقَالَ: مَا لكم وللحج الْأَكْبَر ذَاك عَام حج فِيهِ أَبُو بكر رضي الله عنه اسْتَخْلَفَهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فحج بِالنَّاسِ فَاجْتمع فِيهِ الْمُسلمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ فَلذَلِك سمي الْحَج الْأَكْبَر وَوَافَقَ عيد الْيَهُود وَالنَّصَارَى
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن سعيد بن الْمسيب رضي الله عنه قَالَ: الْحَج الْأَكْبَر الْيَوْم الثَّانِي من يَوْم النَّحْر ألم تَرَ أَن الإِمام يخْطب فِيهِ
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَابْن مردوية عَن الْمسور بن مخرمَة رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ يَوْم عَرَفَة: هَذَا يَوْم الْحَج الْأَكْبَر
وَأخرج ابْن سعد وَابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن عمر بن الْخطاب رضي الله عنه قَالَ: الْحَج الْأَكْبَر يَوْم عَرَفَة
وَأخرج ابْن جرير عَن أبي الصَّهْبَاء الْبكْرِيّ قَالَ: سَأَلت عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه عَن يَوْم الْحَج الْأَكْبَر فَقَالَ: يَوْم عَرَفَة
وَأخرج أَبُو عبيد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: إِن يَوْم عَرَفَة يَوْم الْحَج الْأَكْبَر يَوْم المباهاة يباهي الله مَلَائكَته فِي السَّمَاء بِأَهْل الأَرْض يَقُول جاؤوني شعثاً غبرا آمنُوا بِي وَلم يروني وَعِزَّتِي لأغفرن لَهُم
وَأخرج ابْن جرير عَن معقل بن دَاوُد قَالَ سَمِعت ابْن الزبير يَقُول يَوْم عَرَفَة هَذَا يَوْم الْحَج الْأَكْبَر
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن الشّعبِيّ
أَنه سُئِلَ هَذَا الْحَج الْأَكْبَر فَمَا الْحَج الْأَصْغَر قَالَ: عمْرَة فِي رَمَضَان
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن أبي إِسْحَق رضي الله عنه قَالَ: سَأَلت عبد الله بن شَدَّاد رضي الله عنه عَن الْحَج الْأَكْبَر فَقَالَ: الْحَج الْأَكْبَر يَوْم النَّحْر وَالْحج الْأَصْغَر الْعمرَة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن مُجَاهِد رضي الله عنه قَالَ: كَانَ يُقَال: الْعمرَة هِيَ الْحجَّة الصُّغْرَى
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن أَبُو خيوة رضي الله عنه فِي قَوْله {إِن الله بَرِيء من الْمُشْركين وَرَسُوله} قَالَ: برىء رَسُوله صلى الله عليه وسلم
وَأخرج أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْقَاسِم الْأَنْبَارِي فِي كتاب الْوَقْف والابتداء وَابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخه عَن ابْن أبي مليكَة رضي الله عنه قَالَ: قدم اعرابي فِي زمَان عمر رضي الله عنه فَقَالَ: من يُقرئني مَا أنزل الله على مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم فاقرأه رجل فَقَالَ {أَن الله بَرِيء من الْمُشْركين وَرَسُوله} بِالْجَرِّ فَقَالَ الْأَعرَابِي: أقد برِئ الله من رَسُوله إِن يكن الله برِئ من رَسُوله فَأَنا أَبْرَأ مِنْهُ
فَبلغ عمر مقَالَة الْأَعرَابِي فَدَعَاهُ فَقَالَ: يَا أَعْرَابِي أَتَبرأ من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي قدمت الْمَدِينَة
وَلَا علم لي بِالْقُرْآنِ فَسَأَلت من يُقْرِئُنِي فأقرأني هَذَا سُورَة بَرَاءَة
فَقَالَ {أَن الله بَرِيء من الْمُشْركين وَرَسُوله} فَقلت: إِن يكن الله برِئ من رَسُوله فَأَنا أَبْرَأ مِنْهُ
فَقَالَ عمر رضي الله عنه: لَيْسَ هَكَذَا يَا أَعْرَابِي
قَالَ: فَكيف هِيَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ {أَن الله بَرِيء من الْمُشْركين ورسولُهُ} فَقَالَ الْأَعرَابِي: وَأَنا وَالله أَبْرَأ مِمَّا مَا برِئ الله وَرَسُوله مِنْهُ
فَأمر عمر بن الْخطاب رضي الله عنه أَن لَا يقرئ النَّاس إِلَّا عَالم باللغة وَأمر أَبَا الْأسود رضي الله عنه فَوضع النَّحْو
وَأخرج ابْن الْأَنْبَارِي عَن عباد المهلبي قَالَ: سمع أَبُو الْأسود الدؤَلِي رجلا يقْرَأ {أَن الله بَرِيء من الْمُشْركين وَرَسُوله} بِالْجَرِّ فَقَالَ: لَا أظنني يسعني إِلَّا أَن أَن أَضَع شَيْئا يصلح بِهِ لحن هَذَا أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ
أما قَوْله تَعَالَى: {وَبشر الَّذين كفرُوا بِعَذَاب أَلِيم}
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مُحَمَّد بن مسْهر قَالَ: سُئِلَ سُفْيَان بن عَيْنِيَّة عَن الْبشَارَة أتكون فِي الْمَكْرُوه قَالَ: ألم تسمع قَوْله تَعَالَى {وَبشر الَّذين كفرُوا بِعَذَاب أَلِيم}
الْآيَة 4
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {إِلَّا الَّذين عاهدتم من الْمُشْركين} قَالَ: هم مشركو قُرَيْش الَّذين عاهدهم نَبِي الله زمن الْحُدَيْبِيَة وَكَانَ بَقِي من مدتهم أَرْبَعَة أشهر بعد يَوْم النَّحْر فَأمر الله نبيه أَن يُوفي لَهُم بعهدهم هَذَا إِلَى مدتهم
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُحَمَّد بن عباد بن جَعْفَر فِي قَوْله {إِلَّا الَّذين عاهدتم من الْمُشْركين} قَالَ: هم بَنو خُزَيْمَة بن عَامر من بني بكر بن كنَانَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {ثمَّ لم ينقصوكم شَيْئا} الْآيَة
قَالَ: فَإِن نقض الْمُشْركُونَ عَهدهم وظاهروا عدوّاً فَلَا عهد لَهُم وَإِن أَوْفوا بعهدهم الَّذِي بَينهم وَبَين رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَلم يظاهروا عَلَيْهِ فقد أَمر أَن يُؤَدِّي إِلَيْهِم عَهدهم ويفي بِهِ
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {فَأتمُّوا إِلَيْهِم عَهدهم إِلَى مدتهم} قَالَ: كَانَ لبني مُدْلِج وخزاعة عهد فَهُوَ الَّذِي قَالَ الله {فَأتمُّوا إِلَيْهِم عَهدهم إِلَى مدتهم}
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن اسدي رضي الله عنه فِي قَوْله {إِلَّا الَّذين عاهدتم من الْمُشْركين} قَالَ: هَؤُلَاءِ بَنو ضَمرَة وَبَنُو مُدْلِج حَيَّان من بني كنَانَة كَانُوا حلفاء النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَة الْعسرَة من بني تبيع {ثمَّ لم ينقصوكم شَيْئا} ثمَّ لم ينقضوا عهدكم بغدر {وَلم يظاهروا} عدوّكم عَلَيْكُم {فَأتمُّوا إِلَيْهِم عَهدهم إِلَى مدتهم} يَقُول: أَجلهم الَّذِي شرطتم لَهُم {إِن الله يحب الْمُتَّقِينَ} يَقُول: الَّذين يَتَّقُونَ الله تَعَالَى فِيمَا حرم عَلَيْهِم فيفون بالعهد: قَالَ: فَلم يعاهد النَّبِي بعد هَؤُلَاءِ الْآيَات أحد
الْآيَة 5
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ رضي الله عنه فِي قَوْله {فَإِذا انْسَلَخَ الْأَشْهر الْحرم} قَالَ: هِيَ الْأَرْبَعَة عشرُون من ذِي الْحجَّة وَالْمحرم وصفر وَشهر ربيع الأول وَعِشْرُونَ من شهر ربيع الآخر
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه فِي قَوْله {فَإِذا انْسَلَخَ الْأَشْهر الْحرم} قَالَ: عشر من ذِي الْقعدَة وَذي الْحجَّة وَالْمحرم سَبْعُونَ لَيْلَة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه {فَإِذا انْسَلَخَ الْأَشْهر الْحرم} قَالَ: هِيَ الْأَرْبَعَة الَّتِي قَالَ (فسيحوا فِي الأَرْض أَرْبَعَة أشهر)(بَرَاءَة الْآيَة 2)
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {فَإِذا انْسَلَخَ الْأَشْهر الْحرم} الْآيَة
قَالَ: كَانَ عهد بَين رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَبَين قُرَيْش أَرْبَعَة أشهر بعد يَوْم النَّحْر كَانَت تِلْكَ بَقِيَّة مدتهم وَمن لَا عهد لَهُ إِلَى انسلاخ الْمحرم فَأمر الله نبيه
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا مضى هَذِه الْأَجَل أَن يقاتلهم فِي الْحل وَالْحرم وَعند الْبَيْت حَتَّى يشْهدُوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه قَالَ: كل آيَة فِي كتاب الله تَعَالَى فِيهَا مِيثَاق بَين النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَبَين أحد من الْمُشْركين وكل عهد وَمُدَّة نسخهَا سُورَة بَرَاءَة {وخذوهم واحصروهم واقعدوا لَهُم كل مرصد}
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن زيد رضي الله عنه فِي قَوْله {واحصروهم} قَالَ: ضيِّقوا عَلَيْهِم {واقعدوا لَهُم كل مرصد} قَالَ: لَا تتركوهم يضْربُونَ فِي الْبِلَاد وَلَا يخرجُون التِّجَارَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن أبي عمرَان الْجونِي رضي الله عنه قَالَ: الرِّبَاط فِي كتاب الله تَعَالَى {واقعدوا لَهُم كل مرصد}
وَأخرج أَبُو دَاوُد فِي ناسخه عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {فَإِذا انْسَلَخَ الْأَشْهر الْحرم فَاقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ثمَّ نسخ وَاسْتثنى فَقَالَ {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة فَخلوا سبيلهم} وَقَالَ (وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله)(التَّوْبَة الْآيَة 6)
أما قَوْله تَعَالَى: {فَإِن تَابُوا} الْآيَة أخرج ابْن ماجة وَمُحَمّد بن نصر الْمروزِي فِي كتاب الصَّلَاة وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان من طَرِيق الرّبيع بن أنس عَن أنس بن مَالك رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من فَارق الدُّنْيَا على الإِخلاص لله وعبادته وَحده لَا شريك لَهُ وَأقَام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة فَارقهَا وَالله عَنهُ رَاض قَالَ أنس رضي الله عنه: وَهُوَ دين الله الَّذِي جَاءَت بِهِ الرُّسُل وبلغوه عَن رَبهم من قبل هوج الْأَحَادِيث وَاخْتِلَاف الْأَهْوَاء
قَالَ أنس: وتصديق ذَلِك فِي كتاب الله تَعَالَى فِي آخر مَا أنزل {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة فَخلوا سبيلهم} قَالَ: تَوْبَتهمْ خلع الْأَوْثَان وَعبادَة رَبهم
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الْحسن رضي الله عنه {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة} قَالَ: حرمت هَذِه دِمَاء أهل الْقبْلَة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة فَخلوا سبيلهم إِن الله غَفُور رَحِيم} قَالَ: فَإِنَّمَا النَّاس ثَلَاثَة نفر
مُسلم عَلَيْهِ الزَّكَاة ومشرك عَلَيْهِ الْجِزْيَة وَصَاحب حَرْب يأتمن بتجارته إِذا أعْطى عشر مَاله
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن مُصعب بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه رضي الله عنه قَالَ: افْتتح رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَكَّة ثمَّ انْصَرف إِلَى الطَّائِف فَحَاصَرَهُمْ ثَمَانِيَة أَو سَبْعَة ثمَّ ارتحل غدْوَة وروحة ثمَّ نزل ثمَّ هجر ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس إِنِّي لكم فرط وَإِنِّي أوصيكم بعترتي خيرا مَوْعدكُمْ الْحَوْض وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لتقيمن الصَّلَاة ولتؤتن الزَّكَاة أَو لَأَبْعَثَن عَلَيْكُم رجلا مني أَو كنفسي فليضربن أَعْنَاق مقاتلهم وليسبين ذَرَارِيهمْ فَرَأى النَّاس أَنه يَعْنِي أَبَا بكر أَو عمر رضي الله عنهما فَأخذ بيد عَليّ رضي الله عنه فَقَالَ: هَذَا
وَأخرج ابْن سعد عَن عبد الرَّحْمَن بن الرّبيع الظفري رضي الله عنه وَكَانَت لَهُ صُحْبَة - قَالَ بعث رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى رجل من أَشْجَع تُؤْخَذ صدقته فَجَاءَهُ الرَّسُول فَرده فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: اذْهَبْ فَإِن لم يُعْط صدقته فَاضْرب عُنُقه
الْآيَات 6 - 7
أخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {ثمَّ أبلغه مأمنه} قَالَ: إِن لم يُوَافقهُ مَا يقْضِي عَلَيْهِ 7 ويجتريه فأبلغه مأمنه وَلَيْسَ هَذَا بمنسوخ
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه فِي قَوْله {وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله} قَالَ: أَمر من أَرَادَ ذَلِك أَن يأمنه فَإِن قبل فَذَاك وَإِلَّا خلى عَنهُ حَتَّى يَأْتِي مأمنه وَأمر أَن ينْفق عَلَيْهِم على حَالهم ذَلِك
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {حَتَّى يسمع كَلَام الله} أَي كتاب الله
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ رضي الله عنه قَالَ: ثمَّ اسْتثْنى فنسخ مِنْهَا فَقَالَ
{وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله} وَهُوَ كلامك بِالْقُرْآنِ فَأَمنهُ {ثمَّ أبلغه مأمنه} يَقُول: حَتَّى يبلغ مأمنه من بِلَاده
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن سعيد بن أبي عرُوبَة رضي الله عنه قَالَ: كَانَ الرجل يَجِيء إِذا سمع كَلَام الله وأقرَّ بِهِ وَأسلم
فَذَاك الَّذِي دعِي إِلَيْهِ وَإِن أنكر وَلم يقر بِهِ فَرد إِلَى مأمنه ثمَّ نسخ ذَلِك فَقَالَ (وقاتلوا الْمُشْركين كَافَّة كَمَا يقاتلونكم كَافَّة)(التَّوْبَة الْآيَة 5)
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {إِلَّا الَّذين عاهدتم عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام} قَالَ: قُرَيْش
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن زيد رضي الله عنهما فِي قَوْله {إِلَّا الَّذين عاهدتم عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام} قَالَ: هَؤُلَاءِ قُرَيْش
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مقَاتل رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قد عاهده النَّاس من الْمُشْركين وَعَاهد أَيْضا أُنَاسًا من بني ضَمرَة بن بكر وكنانة خَاصَّة عاهدهم عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام وَجعل مدتهم أَرْبَعَة أشهر وهم الَّذين ذكر الله {إِلَّا الَّذين عاهدتم عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام فَمَا استقاموا لكم فاستقيموا لَهُم} يَقُول: مَا وفوا لكم بالعهد فوفوا لَهُم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ رضي الله عنه فِي قَوْله {إِلَّا الَّذين عاهدتم عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام} قَالَ: هم بَنو خُزَيْمَة بن فلَان
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {إِلَّا الَّذين عاهدتم عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام} قَالَ: هُوَ يَوْم الْحُدَيْبِيَة {فَمَا استقاموا لكم فاستقيموا لَهُم} قَالَ: فَلم يستقيموا وَنَقَضُوا عهدكم أعانوا بني بكر حلفاء قُرَيْش على خُزَاعَة حلفاء النَّبِي صلى الله عليه وسلم
الْآيَة 8
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه قَالَ الأل الله عز وجل
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن عِكْرِمَة قَالَ: الإِل: الله
وَأخرج الطستي عَن ابْن عَبَّاس أَن نَافِع بن الْأَزْرَق قَالَ لَهُ: أَخْبرنِي عَن قَوْله عز وجل {إلاًّ وَلَا ذمَّة} قَالَ: الإِل الْقَرَابَة والذمة الْعَهْد
قَالَ: وَهل تعرف الْعَرَب ذَلِك قَالَ: نعم أما سَمِعت الشَّاعِر وَهُوَ يَقُول: جزى الله أَلا كَانَ بيني وَبينهمْ جَزَاء ظلوم لَا يُؤَخر عَاجلا وَأخرج ابْن الْأَنْبَارِي فِي كتاب الْوَقْف والابتداء عَن مَيْمُون بن مهْرَان رضي الله عنه
أَن نَافِع بن الْأَزْرَق قَالَ لِابْنِ عَبَّاس رضي الله عنهما: أَخْبرنِي عَن قَول الله تَعَالَى {لَا يرقبون فِي مُؤمن إلاًّ وَلَا ذمَّة} قَالَ: الرَّحِم وَقَالَ فِيهِ حسان بن ثَابت: لعمرك إِن غلك من قُرَيْش كال السقب من رال النعام وَأخرج الن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {وَأَكْثَرهم فَاسِقُونَ} قَالَ: ذمّ الله تَعَالَى أَكثر النَّاس
الْآيَات 9 - 10
أخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {اشْتَروا بآيَات الله ثمنا قَلِيلا} قَالَ: أَبُو سُفْيَان بن حَرْب اطعم حلفاءه وَترك حلفاء مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم
الْآيَة 11
أخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة رضي الله عنه {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة فإخوانكم فِي الدّين} يَقُول: إِن تركُوا اللات والعزى وشهدوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّد رَسُول الله فاخوانكم فِي الدّين
الْآيَة 12
أخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {وَإِن نكثوا أَيْمَانهم} قَالَ: عَهدهم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {وَإِن نكثوا أَيْمَانهم من بعد عَهدهم} يَقُول الله لنَبيه صلى الله عليه وسلم: وَإِن نكثوا الْعَهْد الَّذِي بَيْنك وَبينهمْ فقاتلوهم انهم أَئِمَّة الْكفْر
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {أَئِمَّة الْكفْر} قَالَ: أَبُو سُفْيَان بن حَرْب وَأُميَّة بن خلف وَعتبَة بن ربيعَة وَأَبُو جهل بن هِشَام وَسُهيْل بن عَمْرو وهم الَّذين نكثوا عهد الله تَعَالَى وهمّوا باخراج الرَّسُول من مَكَّة
وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن مَالك بن أنس رضي الله عنه
مثله
وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {فَقَاتلُوا أَئِمَّة الْكفْر} قَالَ: أَبُو سُفْيَان
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما {فَقَاتلُوا أَئِمَّة الْكفْر} قَالَ: رُؤُوس قُرَيْش
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عمر رضي الله عنهما فِي قَوْله {فَقَاتلُوا أَئِمَّة الْكفْر} قَالَ: أَبُو سُفْيَان بن حَرْب مِنْهُم
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الْحسن رضي الله عنه {فَقَاتلُوا أَئِمَّة الْكفْر} قَالَ: الديلم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن حُذَيْفَة رضي الله عنه أَنهم ذكرُوا عِنْده هَذِه الْآيَة فَقَالَ: مَا قوتل أهل هَذِه الْآيَة بعد
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالْبُخَارِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن زيد بن وهب رضي الله عنه فِي قَوْله {فَقَاتلُوا أَئِمَّة الْكفْر} قَالَ: كُنَّا عِنْد حُذَيْفَة رضي الله عنه فَقَالَ: مَا بَقِي من أَصْحَاب هَذِه الْآيَة إِلَّا ثَلَاثَة وَلَا من الْمُنَافِقين إِلَّا أَرْبَعَة
فَقَالَ أَعْرَابِي: إِنَّكُم
أَصْحَاب صلى الله عليه وسلم مُحَمَّد تخبروننا بِأُمُور لَا نَدْرِي مَا هِيَ فَمَا بَال هَؤُلَاءِ الَّذين يبقرون بُيُوتنَا وَيَسْرِقُونَ اعلاقنا قَالَ: أُولَئِكَ الْفُسَّاق أجل لم يبْق مِنْهُم إِلَّا أَرْبَعَة أحدهم شيخ كَبِير لَو شرب المَاء الْبَارِد لما وجد برده
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير رضي الله عنه
أَنه كَانَ فِي عهد أبي بكر رضي الله عنه فِي النَّاس حِين وجههم إِلَى الشَّام فَقَالَ: إِنَّكُم سَتَجِدُونَ قوما محلوقة رؤوسهم فاضربوا مقاعد الشَّيْطَان مِنْهُم بِالسُّيُوفِ فوَاللَّه لَئِن أقتل رجلا مِنْهُم أحب إِلَيّ من أَن أقتل سبعين من غَيرهم وَذَلِكَ بِأَن الله تَعَالَى يَقُول {فَقَاتلُوا أَئِمَّة الْكفْر}
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن حُذَيْفَة رضي الله عنه {لَا أَيْمَان لَهُم} قَالَ: لَا عهود لَهُم
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن عمار رضي الله عنه {لَا أَيْمَان لَهُم} لَا عهود لَهُم
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه قَالَ: وَالله مَا قوتل أهل هَذِه الْآيَة مُنْذُ أنزلت {وَإِن نكثوا أَيْمَانهم من بعد عَهدهم} الْآيَة
وَأخرج ابْن مردوية عَن مُصعب بن سعد قَالَ: مرَّ سعد رضي الله عنه بِرَجُل من الْخَوَارِج فَقَالَ الْخَارِجِي لسعد: هَذَا من أَئِمَّة الْكفْر
فَقَالَ سعد رضي الله عنه: كذبت أَنا قَاتَلت أئمته
الْآيَات 13 - 15
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {أَلا تقاتلون قوما نكثوا أَيْمَانهم} قَالَ: قتال قُرَيْش حلفاء النَّبِي صلى الله عليه وسلم وهمهم باخراج الرَّسُول
زَعَمُوا أَن ذَلِك عَام عمْرَة النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي الْعَام السَّابِع للحديبية وَجعلُوا فِي أنفسهم إِذا دخلُوا مَكَّة أَن يخرجوه مِنْهَا فَذَلِك هَمهمْ باخراجه فَلم تتابعهم خُزَاعَة على ذَلِك فَلَمَّا خرج النَّبِي صلى الله عليه وسلم من مَكَّة قَالَت قُرَيْش لخزاعة: عميتمونا عَن اخراجه فقاتلوهم فَقتلُوا مِنْهُم رجَالًا
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن أبي حَاتِم وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن عِكْرِمَة رضي الله عنه قَالَ: نزلت فِي خُزَاعَة {قاتلوهم يعذبهم الله بِأَيْدِيكُمْ ويخزهم وينصركم عَلَيْهِم ويشف صُدُور قوم مُؤمنين} من خُزَاعَة
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {ويشف صُدُور قوم مُؤمنين} قَالَ: خُزَاعَة حلفاء رَسُول صلى الله عليه وسلم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ رضي الله عنه فِي قَوْله {ويشف صُدُور قوم مُؤمنين} قَالَ: هم خُزَاعَة يشفي صُدُورهمْ من بني بكر {وَيذْهب غيظ قُلُوبهم} قَالَ: هَذَا حِين قَتلهمْ بَنو بكر وَأَعَانَهُمْ قُرَيْش
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه {وَيذْهب غيظ قُلُوبهم} قَالَ: ذكر لنا أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي خُزَاعَة حِين جعلُوا يقتلُون بني بكر بِمَكَّة
وَأخرج ابْن إِسْحَق وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن مَرْوَان بن الحكم والمسور بن خرمة قَالَا كَانَ فِي صلح رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَوْم الْحُدَيْبِيَة بَينه وَبَين قُرَيْش: إِن من شَاءَ أَن يدْخل فِي عقد النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَعَهده دخل فِيهِ وَمن شَاءَ أَن يدْخل فِي عهد قُرَيْش وعقدهم دخل فِيهِ فتواثبت خُزَاعَة فَقَالُوا: ندخل فِي عقد مُحَمَّد وَعَهده وتواثبت بَنو بكر فَقَالُوا: ندخل فِي عقد قُرَيْش وَعَهْدهمْ فَمَكَثُوا فِي تِلْكَ الْهُدْنَة نَحْو السَّبْعَة عشر أَو الثَّمَانِية عشر شهرا ثمَّ إِن بني بكر الَّذِي كَانُوا دخلُوا فِي عقد قُرَيْش وَعَهْدهمْ وَثبُوا على خُزَاعَة الَّذين دخلُوا فِي عقد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَعَهده لَيْلًا بِمَاء لَهُم يُقَال لَهُ الْوَتِير قريب من مَكَّة فَقَالَت قُرَيْش: مَا يعلم بِنَا مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَهَذَا اللَّيْل وَمَا يَرَانَا أحد فاعانوهم عَلَيْهِم بِالْكُرَاعِ وَالسِّلَاح فقاتلوهم مَعَهم لِلضِّغْنِ على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَركب عَمْرو بن سَالم عِنْدَمَا كَانَ من أَمر خُزَاعَة وَبني بكر بالْوَتِير حَتَّى قدم الْمَدِينَة على رَسُول الله بِأَبْيَات أنْشدهُ اياها: اللهمَّ إِنِّي نَاشد مُحَمَّدًا خلف أَبينَا وَأَبِيهِ إِلَّا تلدا كُنَّا والداً وَكنت ولدا ثَمَّتَ أسلمنَا وَلم ننزع يدا
فانصر رَسُول الله نصرا عندا وادعُ عباد الله يَأْتُوا مدَدا فيهم رَسُول الله قد تجردا إِن شِئْتُم حسنا فوجهه بدر بدا فِي فيلق كالبحر يجْرِي مزبدا ان قُريْشًا اخلفوك موعدا وَنَقَضُوا مِيثَاقك الْمُؤَكَّدَا وَزَعَمُوا أَن لَيْسَ تَدْعُو احدا فهم أذلّ وَأَقل عددا قد جعلُوا لي بِكدَاء رصدا هم بُيُوتنَا بالهجير هُجَّدا وَقَتَلُونَا ركَّعا وسجَّدا فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: نصرت يَا عَمْرو بن سَالم فَمَا برح حَتَّى مرت غمامة فِي السَّمَاء فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: أَن هَذِه السحابة لتشهد بنصر بني كَعْب وَأمر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم النَّاس بِالْجِهَادِ وكتمهم مخرجه وَسَأَلَ الله أَن يعمي على قُرَيْش خَبره حَتَّى يبغتهم فِي بِلَادهمْ
الْآيَة 16
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن زيد رضي الله عنه فِي قَوْله {أم حسبتم أَن تتركوا ولمَّا يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم} قَالَ: أَبى أَن يدعهم دون التمحيص
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: الوليجة: البطانة من غير دينهم
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {وليجة} أَي حنانة
الْآيَات 17 - 18
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ {مَا كَانَ للْمُشْرِكين أَن يعمروا مَسَاجِد الله} وَقَالَ {إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله من آمن بِاللَّه} فنفي الْمُشْركين من الْمَسْجِد يَقُول: من وحَّد الله وآمن بِمَا أنزل الله {وَأقَام الصَّلَاة} يَعْنِي الصَّلَوَات الْخمس {وَلم يخْش إِلَّا الله} يَقُول: لم يعبد إِلَّا الله {فَعَسَى أُولَئِكَ} يَقُول: أُولَئِكَ هم المهتدون كَقَوْلِه لنَبيه (عَسى أَن يَبْعَثك رَبك مقَاما مَحْمُودًا)(الْإِسْرَاء الْآيَة 79) يَقُول: إِن رَبك سيبعثك مقَاما مَحْمُودًا وَهِي الشَّفَاعَة وكل عَسى فِي الْقُرْآن فَهِيَ وَاجِبَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عِكْرِمَة رضي الله عنه أَنه قَرَأَ مَا كَانَ للْمُشْرِكين أَن يعمروا مَسْجِد الله قَالَ: إِنَّمَا هُوَ مَسْجِد وَاحِد
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن حَمَّاد قَالَ: سَمِعت عبد الله بن كثيِّر يقْرَأ هَذَا الْحُرُوف مَا كَانَ للْمُشْرِكين أَن يعمروا مَسْجِد الله
إِنَّمَا يعمر مَسْجِد الله
وَأخرج أَحْمد وَعبد بن حميد والدارمي وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن ماجة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَأَبُو الشَّيْخ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذا رَأَيْتُمْ الرجل يعْتَاد الْمَسْجِد فَاشْهَدُوا لَهُ بالإِيمان قَالَ الله {إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر}
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: من سمع النداء بِالصَّلَاةِ ثمَّ لم يجب وَيَأْتِي الْمَسْجِد وَيُصلي فَلَا صَلَاة لَهُ وَقد عصى الله وَرَسُوله
قَالَ الله {إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله} الْآيَة
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن الله سُبْحَانَهُ يَقُول: إِنِّي لأهمُّ بِأَهْل الأَرْض عذَابا فَإِذا نظرت إِلَى عُمّار بيوتي والمتحابين فيّ والمستغفرين بالأسحار صرفت عَنْهُم
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَالْبَيْهَقِيّ عَن معمر عَن رجل من قُرَيْش يرفع الحَدِيث قَالَ: يَقُول الله تبارك وتعالى إِن أحب عبَادي إليّ الَّذين يتحابون فيّ وَالَّذين يعمرون مساجدي وَالَّذين يَسْتَغْفِرُونَ بالأسحار أُولَئِكَ الَّذين إِذا أردْت بخلقي عذَابا ذكرتهم فصرفت عَذَابي عَن خلقي
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن أبي شيبَة وَالْبَزَّار وَحسنه وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ عَن أبي الدَّرْدَاء رضي الله عنه أَنه كتب إِلَى سلمَان: يَا أخي ليكن الْمَسْجِد بَيْتك فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول الْمَسْجِد بَيت كل تَقِيّ وَقد ضمن الله لمن كَانَت الْمَسَاجِد بُيُوتهم بِالروحِ والراحة وَالْجَوَاز إِلَى الصِّرَاط إِلَى رضوَان الرب
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَالْبَيْهَقِيّ عَن قَتَادَة رضي الله عنه قَالَ: كَانَ يُقَال: مَا زِيّ الْمُسلم إِلَّا فِي ثَلَاث: فِي مَسْجِد يعمره أَو بَيت يكنه أَو ابْتِغَاء رزق من فضل ربه
وَأخرج أَبُو بكر عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم بن الْفرج الْهَاشِمِي فِي جزئه الْمَشْهُور بنسخة أبي مسْهر عَن أبي ادريس الْخَولَانِيّ رضي الله عنه قَالَ: الْمَسَاجِد مجَالِس الْكِرَام
وَأخرج أَحْمد عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِن للمساجد أوتاد الْمَلَائِكَة جلساؤهم إِن غَابُوا يفتقدونهم وَإِن مرضوا عادوهم وَإِن كَانُوا فِي حَاجَة أَعَانُوهُم ثمَّ قَالَ: جليس الْمَسْجِد على ثَلَاث خِصَال أَخ مُسْتَفَاد أَو كلمة محكمَة أَو رَحْمَة منتظرة
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن ابْن مَسْعُود رضي الله عنه قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن بيُوت الله فِي الأَرْض الْمَسَاجِد وَإِن حَقًا على الله أَن يكرم الزائر
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن جرير وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن عَمْرو بن مَيْمُون الأودي رضي الله عنه قَالَ: أخبرنَا أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: أَن الْمَسَاجِد بيُوت الله فِي الأَرْض وَأَنه لحق على الله أَن يكرم من زَارَهُ فِيهَا
وَأخرج الْبَزَّار وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْبَيْهَقِيّ عَن أنس بن مَالك رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذا عاهة من السَّمَاء أنزلت صرفت عَن عُمار الْمَسَاجِد
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن عبد الله بن سَلام رضي الله عنه قَالَ: إِن للمساجد أوتاداً هم عُمارها وَإِن لَهُم جلساء من الْمَلَائِكَة تفتقدهم الْمَلَائِكَة إِذا غَابُوا فَإِن كَانُوا مرضى عادوهم وَإِن كَانُوا فِي حَاجَة أَعَانُوهُم
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَابْن عدي عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من ألف الْمَسْجِد أَلفه الله
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن الْحسن بن عَليّ رضى الله عَنهُ قَالَ: سَمِعت جدي رَسُول
الله صلى الله عليه وسلم يَقُول من أدمن الِاخْتِلَاف إِلَى الْمَسْجِد أصَاب أَخا مستفاداً فِي الله وعلماً مستظرفاً وَكلمَة تَدعُوهُ إِلَى الْهدى وَكلمَة تصرفه عَن الردى وَيتْرك الذُّنُوب حَيَاء وخشية أَو نعْمَة أَو رَحْمَة منتظرة
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ بِسَنَد صَحِيح عَن سلمَان رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ من تَوَضَّأ فِي بَيته ثمَّ أَتَى الْمَسْجِد فَهُوَ زائر الله وَحقّ على المزور أَن يكرم الزائر
وَأخرجه ابْن أبي شيبَة وَأحمد فِي الزّهْد عَن سلمَان مَوْقُوفا
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن أنس بن مَالك رضي الله عنه عَن النَّبِي قَالَ بشر الْمَشَّائِينَ فِي ظلم اللَّيَالِي بِالنورِ التَّام يَوْم الْقِيَامَة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ عَن أبي الدَّرْدَاء رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ من مَشى فِي ظلمَة اللَّيْل إِلَى الْمَسَاجِد آتَاهُ الله نورا يَوْم الْقِيَامَة
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن أبي أُمَامَة رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ بشر المدلجين إِلَى الْمَسَاجِد فِي الظُّلم بمنابر من نور يَوْم الْقِيَامَة يفزع النَّاس وَلَا يفزعون
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن أبي أُمَامَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الغدوّ والرواح إِلَى الْمَسْجِد من الْجِهَاد فِي سَبِيل الله
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن عبد الرَّحْمَن بن مُغفل رضى الله عَنهُ قَالَ: كُنَّا نتحدث أَن الْمَسْجِد حصن حُصَيْن من الشَّيْطَان
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: الْمَسَاجِد بيُوت الله فِي الأَرْض تضيء لأهل السَّمَاء كَمَا تضيء نُجُوم السَّمَاء لأهل الأَرْض
وَأخرج أَحْمد عَن عبد الله بن عُمَيْر رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من بنى لله مَسْجِدا بنى الله لَهُ بَيْتا أوسع مِنْهُ فِي الْجنَّة
وَأخرج أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ عَن بشر بن حَيَّان قَالَ: جَاءَ وَاثِلَة بن الْأَسْقَع رضي الله عنه وَنحن نَبْنِي مَسْجِدنَا فَوقف علينا فَسلم ثمَّ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول من بنى مَسْجِدا يُصَلِّي فِيهِ بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة أفضل مِنْهُ
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد وَالْبَزَّار عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ من بنى لله مَسْجِدا وَلَو كمفحص قطاة لبيضها بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَن عَائِشَة رضي الله عنها عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ من بنى مَسْجِدا لَا يُرِيد بِهِ رِيَاء وَلَا سمعة بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من بنى بَيْتا يعبد الله فِيهِ من مَال حَلَال بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة من در وَيَاقُوت
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن أبي ذَر رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ من بنى مَسْجِدا وَلَو كمفحص قطاة بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن عمر بن الْخطاب رضي الله عنه سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: من بنى مَسْجِدا يذكر اسْم الله فِيهِ بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ابْنُوا الْمَسَاجِد واتخذوها حمى
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: أمرنَا أَن نَبْنِي الْمَسَاجِد جماً والمدائن شرفاً
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن ابْن عمر رضي الله عنهما قَالَ: نهينَا أَن نصلي فِي مَسْجِد مشرف
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن عبد الله بن شَقِيق رضي الله عنه قَالَ: إِنَّمَا كَانَت الْمَسَاجِد جماً وَإِنَّمَا شرف النَّاس حَدِيثا من الدَّهْر
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن أنس بن مَالك رضي الله عنه قَالَ: كَانَ يُقَال: ليلأتين على النَّاس زمَان يبنون الْمَسَاجِد يتباهون بهَا وَلَا يعرفونها إِلَّا قَلِيلا
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن يزِيد بن الْأَصَم رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَا أمرت بتشييد الْمَسَاجِد
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: لتزخرفن مَسَاجِدكُمْ كَمَا زخرفت الْيَهُود وَالنَّصَارَى مَسَاجِدهمْ
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن أبي رضي الله عنه قَالَ: إِذا زخرفتم مَسَاجِدكُمْ وحليتم مصاحفكم فالدمار عَلَيْكُم
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي مُسْند الشاميين عَن عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ من علق قِنْدِيلًا فِي مَسْجِد صلى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألف ملك واستغفر لَهُ مَا دَامَ ذَلِك الْقنْدِيل يقد
وَأخرج سليم الرَّازِيّ فِي التَّرْغِيب عَن أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
من أَسْرج فِي مَسْجِد سِرَاجًا لم تزل الْمَلَائِكَة وَحَملَة الْعَرْش يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ مَا دَامَ فِي ذَلِك الْمَسْجِد ضوؤه
وَأخرج أَبُو بكر الشَّافِعِي رضي الله عنه فِي رباعياته وَالطَّبَرَانِيّ عَن أبي قرصاصة رضى الله عَنهُ قَالَ: سَمِعت النَّبِي صلى الله عليه وسلم يَقُول ابْنُوا الْمَسَاجِد وأخرجوا القمامة مِنْهَا
وسمعته يَقُول: اخراج القمامة من الْمَسْجِد مُهُور الْحور الْعين وسمعته يَقُول: من بنى لله مَسْجِدا بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة
فَقَالُوا: يَا رَسُول الله وَهَذِه الْمَسَاجِد الَّتِي تبنى فِي الطّرق فَقَالَ: وَهَذِه الْمَسَاجِد الَّتِي تبى فِي الطّرق
وَأخرج أَحْمد عَن أنس رضي الله عنه قَالَ مَرَرْت مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي طَرِيق من طرق الْمَدِينَة فَرَأى فِيهِ قبَّة من لبن فَقَالَ: لمن هَذِه قلت: لفُلَان
فَقَالَ: إِن كلَّ بِنَاء كلَّ على صَاحبه يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا مَا كَانَ من مَسْجِد ثمَّ مر فَلم يرهَا قَالَ: مَا فعلت الْقبَّة قلت: بلغ صَاحبهَا مَا قلت فَهَدمهَا فَقَالَ: رَحْمَة الله
وَأخرج أَحْمد فِي الزّهْد والحكيم التِّرْمِذِيّ عَن مَالك بن دِينَار رضي الله عنه قَالَ: يَقُول الله إِنِّي لأهمّ بِعَذَاب أهل الأَرْض فَإِذا نظرت إِلَى جلساء الْقُرْآن وعمار الْمَسَاجِد وولدان الْإِسْلَام سكن غَضَبي
الْآيَة 20
وَأخرج مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن حبَان وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن النُّعْمَان بن بشير رضي الله عنه قَالَ: كنت عِنْد مِنْبَر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي نفر من أَصْحَابه فَقَالَ رجل مِنْهُم مَا أُبَالِي ان لَا أعمل لله عملا بعد الإِسلام إِلَّا أَن أَسْقِي الْحَاج
وَقَالَ آخر: بل عمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام
وَقَالَ آخر: بل الْجِهَاد فِي سَبِيل الله خير مِمَّا قُلْتُمْ
فزجرهم عمر رضي الله عنه وَقَالَ: لَا تَرفعُوا أَصْوَاتكُم عِنْد مِنْبَر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة - وَلَكِن إِذا صليتم الْجُمُعَة
دخلت على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فأستفتيه فِيمَا اختلفتم فِيهِ فَانْزِل الله {أجعلتم سِقَايَة الْحَاج} إِلَى قَوْله {وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين}
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {أجعلتم سِقَايَة الْحَاج} الْآيَة
وَذَلِكَ أَن الْمُشْركين قَالُوا: عمَارَة بَيت الله وَقيام على السِّقَايَة خير مِمَّن آمن وجاهد
فَكَانُوا يفخرون بِالْحرم ويستكبرون بِهِ من أجل أَنهم أَهله وعماره فَذكر الله استكبارهم واعراضهم فَقَالَ لأهل الْحرم من الْمُشْركين (قد كَانَت آياتي تتلى عَلَيْكُم فكنتم على أعقابكم تنكصون
مستكبرين بِهِ سامرا تهجرون) (الْمُؤْمِنُونَ الْآيَة 67)
يَعْنِي أَنهم كَانُوا يَسْتَكْبِرُونَ بِالْحرم
وَقَالَ (بِهِ سامراً) كَانُوا بِهِ يسمرون ويهجون بِالْقُرْآنِ وَالنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَخير الإِيمان بِاللَّه وَالْجهَاد مَعَ نَبِي الله صلى الله عليه وسلم على عمرَان الْمُشْركين الْبَيْت وقيامهم على السِّقَايَة وَلم يكن يَنْفَعهُمْ عِنْد الله تَعَالَى مَعَ الشّرك بِهِ وَإِن كَانُوا يعمرون بَيته ويخدمونه قَالَ الله {لَا يستوون عِنْد الله وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين} يَعْنِي الَّذين زَعَمُوا أَنهم أهل الْعِمَارَة فسماهم الله ظالمين بشركهم فَلم تغن عَنْهُم الْعِمَارَة شَيْئا
وأخرح ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ الْعَبَّاس رضي الله عنه حِين أسر يَوْم بدر: إِن كُنْتُم سبقتمونا بالإِسلام وَالْهجْرَة وَالْجهَاد لقد كنت نعمر الْمَسْجِد الْحَرَام ونسقي الْحَاج ونفك العاني فَأنْزل الله {أجعلتم سِقَايَة الْحَاج} الْآيَة
يَعْنِي أَن ذَلِك كَانَ فِي الشّرك فَلَا أقبل مَا كَانَ فِي الشّرك
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما {أجعلتم سِقَايَة الْحَاج وَعمارَة الْمَسْجِد الْحَرَام} الْآيَة
قَالَ: نزلت فِي عَليّ بن أبي طَالب وَالْعَبَّاس رضي الله عنه
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الشّعبِيّ رضي الله عنه قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة {أجعلتم سِقَايَة الْحَاج} فِي الْعَبَّاس وَعلي رضي الله عنهما تكلما فِي ذَلِك
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن الشّعبِيّ رضي الله عنه قَالَ: كَانَت بَين عَليّ وَالْعَبَّاس
رَضِي الله عَنْهُمَا مُنَازعَة فَقَالَ الْعَبَّاس لعَلي رضي الله عنه: أَنا عَم النَّبِي وَأَنت ابْن عَمه وإلي سِقَايَة الْحَاج وَعمارَة الْمَسْجِد الْحَرَام فَأنْزل الله {أجعلتم سِقَايَة الْحَاج} الْآيَة
وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن الْحسن قَالَ: نزلت فِي عَليّ وَالْعَبَّاس وَعُثْمَان وَشَيْبَة تكلمُوا فِي ذَلِك
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن عبد الله بن عُبَيْدَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ عَليّ رضي الله عنه للْعَبَّاس: لَو هَاجَرت إِلَى الْمَدِينَة
قَالَ: أوَلست فِي أفضل من الْهِجْرَة أَلَسْت أَسْقِي الْحَاج وَأَعْمر الْمَسْجِد الْحَرَام فَنزلت هَذِه الْآيَة يَعْنِي قَوْله {أعظم دَرَجَة عِنْد الله} قَالَ: فَجعل الله للمدينة فضل دَرَجَة على مَكَّة
وَأخرج الْفرْيَابِيّ عَن ابْن سِيرِين قَالَ: قدم على بن أبي طالبي رضي الله عنه مَكَّة فَقَالَ للْعَبَّاس رضي الله عنه: أَي عَم الا تهَاجر أَلا تلْحق برَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أعمر الْمَسْجِد الْحَرَام وأحجب الْبَيْت
فَأنْزل الله {أجعلتم سِقَايَة الْحَاج وَعمارَة الْمَسْجِد الْحَرَام} الْآيَة
وَقَالَ لقوم قد سماهم: أَلا تُهَاجِرُونَ أَلا تَلْحَقُونَ برَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: نُقِيم مَعَ اخواننا وَعَشَائِرنَا ومساكننا فَأنْزل الله تَعَالَى (قل إِن كَانَ آباؤكم)(التَّوْبَة الْآيَة 24) الْآيَة كلهَا
وَأخرج ابْن جرير عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ رضي الله عنه قَالَ: افتخر طَلْحَة بن شيبَة وَالْعَبَّاس وَعلي بن أبي طَالب فَقَالَ طَلْحَة: أَنا صَاحب الْبَيْت معي مفتاحه
وَقَالَ الْعَبَّاس رضي الله عنه: أَنا صَاحب السِّقَايَة والقائم عَلَيْهَا: فَقَالَ عَليّ رضي الله عنه: مَا أَدْرِي مَا تَقولُونَ: لقد صليت إِلَى الْقبْلَة قبل النَّاس وَأَنا صَاحب الْجِهَاد فَأنْزل الله {أجعلتم سِقَايَة الْحَاج} الْآيَة كلهَا
وَأخرج ابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه قَالَ: أقبل الْمُسلمُونَ على الْعَبَّاس وَأَصْحَابه الَّذين أَسرُّوا يَوْم بدر يعيرونهم بالشرك فَقَالَ الْعَبَّاس: أما - وَالله - لقد كُنَّا نعمر الْمَسْجِد الْحَرَام ونفك العاني ونحجب الْبَيْت ونسقي الْحَاج فَانْزِل الله {أجعلتم سِقَايَة الْحَاج} الْآيَة
وَأخرج أَبُو نعيم فِي فَضَائِل الصَّحَابَة وَابْن عَسَاكِر عَن أنس رضي الله عنه قَالَ:
قعد الْعَبَّاس وَشَيْبَة صَاحب الْبَيْت يفتخران فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس رضي الله عنه: أَنا أشرف مِنْك أَنا عَم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ووصي أَبِيه وساقي الحجيج
فَقَالَ شيبَة: أَنا أشرف مِنْك أَنا أَمِين الله على بَيته وخازنه أَفلا ائتمنك كَمَا ائتمنني فَاطلع عَلَيْهِمَا عَليّ رضي الله عنه فَأَخْبَرَاهُ بِمَا قَالَا
فَقَالَ عَليّ رضي الله عنه: أَنا أشرف مِنْكُمَا أَنا أوّل من آمن وَهَاجَر: فَانْطَلقُوا ثَلَاثَتهمْ إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فأخبروه
فَمَا أجابهم بِشَيْء فانصرفوا فَنزل عَلَيْهِ الْوَحْي بعد أَيَّام فَأرْسل إِلَيْهِم فَقَرَأَ عَلَيْهِم {أجعلتم سِقَايَة الْحَاج} إِلَى آخر الْعشْر
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن أبي حَمْزَة السَّعْدِيّ أَنه قَرَأَ {أجعلتم سِقَايَة الْحَاج وَعمارَة الْمَسْجِد الْحَرَام}
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الْحسن رضي الله عنه فِي قَوْله {أجعلتم سِقَايَة الْحَاج} قَالَ: أَرَادوا أَن يدعوا السِّقَايَة والحجابة فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَا تدعوها فَإِن لكم فِيهَا خيرا
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأَبُو الشَّيْخ عَن عبد الله بن السَّائِب رضي الله عنه قَالَ: اشرب من سِقَايَة الْعَبَّاس فَإِنَّهَا من السّنة
وَفِي لفظ ابْن أبي شيبَة: فَإِنَّهُ من تَمام الْحَج
وَأخرج البُخَارِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم جَاءَ إِلَى السِّقَايَة فَاسْتَسْقَى فَقَالَ للْعَبَّاس: يَا فضل اذْهَبْ إِلَى أمك فَائت رَسُول الله بشراب من عِنْدهَا فَقَالَ: اسْقِنِي
فَقَالَ: يَا رَسُول الله انهم يجْعَلُونَ أَيْديهم فِيهِ
فَقَالَ: اسْقِنِي
فَشرب مِنْهُ ثمَّ أَتَى زَمْزَم وهم يسقون ويعملون فِيهَا فَقَالَ: اعْمَلُوا فَإِنَّكُم على عمل صَالح لَوْلَا أَن تغلبُوا لنزلت حَتَّى أَضَع الْحَبل على هَذِه وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقه
وَأخرج أَحْمد عَن أبي مَحْذُورَة رضي الله عنه قَالَ: جعل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْأَذَان لنا ولموالينا والسقاية لنَبِيّ هَاشم والحجابة لبني عبد الدَّار
وَأخرج ابْن سعد عَن عَليّ رضي الله عنه قَالَ قلت للْعَبَّاس رضي الله عنه: سل لنا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَلا نَأْتِيك بِمَاء لم تمسه الْأَيْدِي قَالَ: بلَى فاسقوني فسقوه ثمَّ أَتَى زَمْزَم فَقَالَ: استقوا لي مِنْهَا دلواً فأخرجوا مِنْهَا دلواً فَمَضْمض مِنْهُ ثمَّ مجه فِيهِ ثمَّ قَالَ: أعيدوه ثمَّ قَالَ: إِنَّكُم على عمل صَالح ثمَّ قَالَ: لَوْلَا أَن تغلبُوا عَلَيْهِ لنزلت فنزعت مَعكُمْ
وَأخرج ابْن سعد عَن جَعْفَر بن تَمام قَالَ: جَاءَ جلّ إِلَى ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فَقَالَ: أَرَأَيْت مَا تسقون النَّاس من نَبِيذ هَذَا الزَّبِيب أسنة تَبْغُونَهَا أم تَجِدُونَ هَذَا أَهْون عَلَيْكُم من البن وَالْعَسَل قَالَ ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما: أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَتَى الْعَبَّاس وَهُوَ يسْقِي النَّاس فَقَالَ اسْقِنِي
فَدَعَا الْعَبَّاس بعساس من نَبِيذ فَتَنَاول رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عساً مِنْهَا فَشرب ثمَّ قَالَ: أَحْسَنْتُم هَكَذَا فَاصْنَعُوا
قَالَ ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما: فَمَا يسرني أَن سقايتها جرت عليَّ لَبَنًا وَعَسَلًا مَكَان قَول رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: أَحْسَنْتُم هَكَذَا فافعلوا
وَأخرج ابْن سعد عَن مُجَاهِد رضي الله عنه قَالَ: اشرب من سِقَايَة آل الْعَبَّاس فَإِنَّهَا من السّنة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن عَطاء رضي الله عنه فِي قَوْله {أجعلتم سِقَايَة الْحَاج} قَالَ: زَمْزَم
وَأخرج عبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف والأزرقي فِي تَارِيخ مَكَّة وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن الزُّهْرِيّ رضي الله عنه قَالَ: أول مَا ذكر من عبد الْمطلب جد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: أَن قُريْشًا خرجت من الْحرم فارّة من أَصْحَاب الْفِيل وَهُوَ غُلَام شَاب فَقَالَ: وَالله لَا أخرج من حرم الله أَبْتَغِي الْعِزّ فِي غَيره
فَجَلَسَ عِنْد الْبَيْت وأجلت عَنهُ قُرَيْش فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِن الْمَرْء يمْنَع رَحْله فامنع رحالك لَا يغلبن صليبهم وضلالهم عَدو محالك فَلم يزل ثَابتا فِي الْحرم حَتَّى أهلك الله الْفِيل وَأَصْحَابه فَرَجَعت قُرَيْش وَقد عظم فِيهَا لِصَبْرِهِ وتعظيمه محارم الله فَبَيْنَمَا هُوَ فِي ذَلِك وَقد ولد لَهُ أكبر بنيه فَأدْرك - وَهُوَ الْحَارِث بن عبد الْمطلب - فَأتي عبد الْمطلب فِي الْمَنَام فَقيل لَهُ: احْفِرْ زَمْزَم خبيئة الشَّيْخ الْأَعْظَم فَاسْتَيْقَظَ فَقَالَ: اللهمَّ بيِّن لي
فَأتي فِي النام مرّة أُخْرَى فَقيل: احفرتكم بَين الفرث وَالدَّم فِي مَبْحَث الْغُرَاب فِي قَرْيَة النَّمْل مُسْتَقْبل الأنصاب الْحمر
فَقَامَ عبد الْمطلب فَمشى حَتَّى جلس فِي الْمَسْجِد الْحَرَام ينْتَظر مَا سمي لَهُ من الْآيَات فنحرت بقرة بالجزورة فانفلتت من جازرها تَحْمِي نَفسهَا حَتَّى غلب عَلَيْهَا الْمَوْت فِي الْمَسْجِد فِي مَوضِع زَمْزَم فجزرت تِلْكَ الْبَقَرَة من مَكَانهَا حَتَّى احْتمل لَحمهَا فَأقبل غراب يهوي حَتَّى وَقع فِي الفرث فبحث عَن قَرْيَة النَّمْل فَقَامَ عبد الْمطلب فحفر هُنَاكَ فَجَاءَتْهُ قُرَيْش فَقَالَت لعبد الْمطلب: مَا هَذَا الصَّنِيع إِنَّمَا لم
نَكُنْ نرميك بِالْجَهْلِ لم تحفر فِي مَسْجِدنَا فَقَالَ عبد الْمطلب: إِنِّي لحافر هَذَا الْبِئْر وَمُجاهد من صدني عَنْهَا
فَطَفِقَ هُوَ وَولده الْحَارِث وَلَيْسَ لَهُ ولد يَوْمئِذٍ غَيره فسفه عَلَيْهِمَا يَوْمئِذٍ نَاس من قُرَيْش فنازعوهما وقاتلوهما وتناهى عَنهُ نَاس من قُرَيْش لما يعلمُونَ من عتق نسبه وَصدقه واجتهاده فِي دينهم
حَتَّى إِذا أمكن الْحفر وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْأَذَى نذر أَن وَفِي لَهُ عشرَة من الْولدَان ينْحَر أحدهم ثمَّ حفر حَتَّى أدْرك سيوفاً دفنت فِي زَمْزَم حِين دفنت فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْش أَنه قد أدْرك السيوف قَالُوا: يَا عبد الْمطلب أجدنا مِمَّا وجدت
فَقَالَ عبد الْمطلب: هَذِه السيوف لبيت الله
فحفر حَتَّى انبط المَاء فِي التُّرَاب وفجرها حَتَّى لَا تنزف وَبنى عَلَيْهَا حوضاً فَطَفِقَ هُوَ وَابْنه ينزعان فيملآن ذَلِك الْحَوْض فيشربه الْحَاج فيكسره أنَاس حسدة من قُرَيْش فَيُصْلِحهُ عبد الْمطلب حِين يصبح
فَلَمَّا أَكْثرُوا فَسَاده دَعَا عبد الْمطلب ربه فأريَ فِي الْمَنَام فَقيل لَهُ: قل اللهمَّ لَا أحلهَا المغتسل وَلَكِن هِيَ للشاربين حل وبل ثمَّ كفيتهم
فَقَامَ عبد الْمطلب حِين اخْتلفت قُرَيْش فِي الْمَسْجِد فَنَادَى بِالَّذِي أرى ثمَّ انْصَرف فَلم يكن يفْسد حَوْضه ذَلِك عَلَيْهِ أحد من قُرَيْش إِلَّا رمى فِي جسده بداء حَتَّى تركُوا حَوْضه وسقايته ثمَّ تزوّج عبد الْمطلب النِّسَاء فولد لَهُ عشرَة رَهْط
فَقَالَ: اللهمَّ إِنِّي كنت نذرت لَك نحر أحدهم وَإِنِّي أَقرع بَينهم فأصيب بذلك من شِئْت
فأقرع بَينهم فطارت الْقرعَة على عبد الله وَكَانَ أحب وَلَده إِلَيْهِ فَقَالَ عبد الْمطلب: اللَّهُمَّ هُوَ أحب إِلَيْك أم مائَة من الابل ثمَّ أَقرع بَينه وَبَين الْمِائَة من الإِبل فطارت الْقرعَة على الْمِائَة من الإِبل فنحرها عبد الْمطلب
وَأخرج الْأَزْرَقِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه قَالَ: قَالَ عبد الْمطلب: إِنِّي لنائم فِي الْحجر إِذْ أَتَانِي آتٍ فَقَالَ: أحفر طيبَة
قلت: وَمَا طيبَة فَذهب عني فَلَمَّا كَانَ من الْغَد رجعت إِلَى مضجعي فَنمت بِهِ فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرْ زَمْزَم
فَقلت: وَمَا زَمْزَم قَالَ: لَا تنزف وَلَا تذم تَسْقِي الحجيج الْأَعْظَم عِنْد قَرْيَة النَّمْل
قَالَ: فَلَمَّا أبان لَهُ شَأْنهَا وَدلّ على موضعهَا وَعرف أَن قد صدق غَدا بمعول وَمَعَهُ ابْنه الْحَارِث لَيْسَ لَهُ يَوْمئِذٍ غَيره فحفر فَلَمَّا بدا لعبد الْمطلب الطي كبر فَعرفت قُرَيْش أَنه قد أدْرك حَاجته فَقَامُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا: يَا عبد الْمطلب إِنَّهَا بِئْر إِسْمَعِيل وَإِن لنا فِيهَا حَقًا فأشركنا مَعَك فِيهَا فَقَالَ: مَا أَنا بفاعل إِن هَذَا
الْأَمر خصصت بِهِ دونكم وأعطيته من بَيْنكُم
قَالُوا: فأنصفنا فإنَّا غير تاركيك حَتَّى نحاكمك
قَالَ: فاجعلوا بيني وَبَيْنكُم من شِئْتُم أحاكمكم
قَالُوا: كاهنة من سعد هُذَيْل
قَالَ: نعم - وَكَانَت باشراف الشَّام - فَركب عبد الْمطلب وَمَعَهُ نفر من بني عبد منَاف وَركب من كل ركب من قُرَيْش نفر - وَالْأَرْض إِذْ ذَاك مفاوز - فَخَرجُوا حَتَّى إِذا كَانُوا بِبَعْض المفاوز بَين الْحجاز وَالشَّام فنى مَاء عبد الْمطلب وَأَصْحَابه فظمئوا حَتَّى أيقنوا بالهلكة فاستسقوا مِمَّن مَعَهم من قبائل قُرَيْش فَأَبَوا عَلَيْهِم وَقَالُوا: إِنَّا فِي مفازة نخشى فِيهَا على أَنْفُسنَا مثل مَا أَصَابَكُم
فَلَمَّا رأى عبد الْمطلب مَا صنع الْقَوْم وَمَا يتخوف على نَفسه وَأَصْحَابه قَالَ: مَاذَا ترَوْنَ قَالُوا: مَا رَأينَا الا تبع لرأيك فمرنا مَا شِئْت
قَالَ: فَإِنِّي أرى أَن يحْفر كل رجل مِنْكُم لنَفسِهِ لما بكم الْآن من الْقُوَّة كلما مَاتَ رجل دَفنه أَصْحَابه فِي حفرته ثمَّ واروه حَتَّى يكون آخركم رجلا فضيعة رجل وَاحِد أيسر من ضَيْعَة ركب جَمِيعًا
قَالُوا: سمعنَا مَا أردْت
فَقَامَ كل رجل مِنْهُم يحْفر حفرته ثمَّ قعدوا ينتظرون الْمَوْت عطشاً ثمَّ إِن عبد الْمطلب قَالَ لأَصْحَابه: وَالله إِن إلقاءنا بِأَيْدِينَا لعجز مَا نبتغي لأنفسنا حِيلَة عَسى الله أَن يرزقنا مَاء بِبَعْض الْبِلَاد ارحلوا فارتحلوا حَتَّى فرغوا وَمن مَعَهم من قُرَيْش ينظرُونَ إِلَيْهِم وَمَا هم فاعلون فَقَامَ عبد الْمطلب إِلَى رَاحِلَته فركبها فَلَمَّا انبعثت انفجرت من تَحت خفها عين من مَاء عذب فَكبر عبد الْمطلب وَكبر أَصْحَابه ثمَّ نزل فَشرب وَشَرِبُوا واستقوا حَتَّى ملأوا سقيتهم ثمَّ دَعَا الْقَبَائِل الَّتِي مَعَه من قُرَيْش فَقَالَ: هَلُمَّ المَاء قد سقانا الله تَعَالَى فَاشْرَبُوا واستقوا
فَقَالَت الْقَبَائِل الَّتِي نازعته: قد - وَالله - قضى الله لَك يَا عبد الْمطلب علينا وَالله لَا نخاصمك فِي زَمْزَم
فَارْجِع إِلَى سقايتك راشداً
فَرجع وَرَجَعُوا مَعَه وَلم يمضوا إِلَى الكاهنة وخلوا بَينه وَبَين زَمْزَم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد وَابْن ماجة وَعمر بن شبة والفاكهاني فِي تَارِيخ مَكَّة وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَابْن عدي وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من طَرِيق أبي الزبير عَن جَابر بن عبد الله رضى الله عَنهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ
وَأخرج المستغفري فِي الطِّبّ عَن جَابر بن عبد الله رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ من شربه لمَرض شفَاه الله أَو جوع أشبعه الله أَو لحَاجَة قَضَاهَا الله
وَأخرج الدينَوَرِي فِي المجالسة عَن الْحميدِي - وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ رضي الله عنهما قَالَ: كُنَّا عِنْد ابْن عَيْنِيَّة فحدثنا بِحَدِيث مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ فَقَامَ رجل من الْمجْلس ثمَّ عَاد فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّد لَيْسَ الحَدِيث الَّذِي قد حَدَّثتنَا فِي زَمْزَم صَحِيحا
فَقَالَ: بلَى
فَقَالَ الرجل: فَإِنِّي شربت الْآن دلواً من زَمْزَم على أَن تُحَدِّثنِي بِمِائَة حَدِيث
فَقَالَ سُفْيَان رضي الله عنه: اقعد فَقعدَ
فحدثه بِمِائَة حَدِيث
وَأخرج الْفَاكِهَانِيّ فِي تَارِيخ مَكَّة عَن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قَالَ: حج مُعَاوِيَة رضي الله عنه وحججنا مَعَه فَلَمَّا طَاف بِالْبَيْتِ صلى عِنْد الْمقَام رَكْعَتَيْنِ ثمَّ مر بزمزم وَهُوَ خَارج إِلَى الصَّفَا فَقَالَ: يَا غُلَام انْزعْ لي مِنْهَا دلواً
فَنزع لَهُ دلواً يشرب وصب على وَجهه وَخرج وَهُوَ يَقُول: مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ
وَأخرج الْحَافِظ أَبُو الْوَلِيد بن الدّباغ رضي الله عنه فِي فَوَائده وَالْبَيْهَقِيّ والخطيب فِي تَارِيخه عَن سُوَيْد بن سعيد رضي الله عنه قَالَ: رَأَيْت ابْن الْمُبَارك رضي الله عنه أَتَى زَمْزَم فَمَلَأ إِنَاء ثمَّ اسْتقْبل الْكَعْبَة فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِن ابْن أبي الموَالِي حَدثنَا عَن ابْن الْمُنْكَدر عَن جَابر رضي الله عنه: أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ
وَهُوَ ذَا أشْرب هَذَا لعطش يَوْم الْقِيَامَة
ثمَّ شربه
واخرج الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ من طَرِيق أبي الزبير عَن جَابر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ قَالَ الْحَكِيم: وحَدثني أبي قَالَ: دخلت الطّواف فِي لَيْلَة ظلماء فأخذني من الْبَوْل مَا شغلني فَجعلت أعتصر حَتَّى آذَانِي وَخفت إِن خرجت من الْمَسْجِد أم أَطَأ بعض تِلْكَ الأقذار وَذَلِكَ أَيَّام الْحَج فَذكرت هَذَا الحَدِيث فَدخلت زَمْزَم فتضلعت مِنْهُ فَذهب عني إِلَى الصَّباح
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم خير مَاء على وَجه الأَرْض زَمْزَم فِيهِ طَعَام من الطّعْم وشفاء من السقم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة والفاكهاني وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم زَمْزَم خير مَاء يعلم وَطَعَام يطعم وشفاء سقم
وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب عَن عَائِشَة رضي الله عنها أَنه كَانَت تحمل مَاء زَمْزَم فِي الْقَوَارِير وتذكر أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذَلِك وَكَانَ يصب على المرضى ويسقيهم
وَأخرج الديلمي فِي مُسْند الفردوس عَن صَفِيَّة رضي الله عنها عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ مَاء زَمْزَم شِفَاء من كل دَاء
وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ من طَرِيق مُجَاهِد رضي الله عنه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ فَإِن شربته تشتفي بِهِ شفاك الله وان شربته مستعيذاً أَعَاذَك الله وَإِن شربته ليقطع ظمؤك قطعه الله وَإِن شربته لشبعك أشبعك الله وَهِي عَزِيمَة جِبْرِيل وسقيا إِسْمَعِيل عليهما السلام
قَالَ: وَكَانَ ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما إِذا شرب مَاء زَمْزَم قَالَ: اللهمَّ إِنِّي أَسأَلك علما نَافِعًا وَرِزْقًا وَاسِعًا وشفاء من كل دَاء
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن ماجة وَالطَّبَرَانِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن عُثْمَان بن الْأسود رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فَقَالَ: من أَيْن جِئْت قَالَ: شربت من زَمْزَم فَقَالَ: اشرب مِنْهَا كَمَا يَنْبَغِي
قَالَ: وَكَيف ذَاك يَا أَبَا عَبَّاس قَالَ: إِذا شربت مِنْهَا فَاسْتقْبل الْقبْلَة وَاذْكُر اسْم الله واشرب وتنفس ثَلَاثًا وتضلع مِنْهَا فَإِذا فرغت فاحمد الله فَإِن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ آيَة مَا بَيْننَا وَبَين الْمُنَافِقين أَنهم لَا يتضلعون من زَمْزَم
وَأخرج الْأَزْرَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي صفة زمز فَأمر بِدَلْو انتزع لَهُ من الْبِئْر فوضعها على شفة الْبِئْر ثمَّ وضع يَده من تَحت عراقي الدَّلْو ثمَّ قَالَ: بِسم الله
ثمَّ كرع فِيهَا فَأطَال فَرفع رَأسه فَقَالَ: الْحَمد لله
ثمَّ دَعَا فَقَالَ: بِسم الله
ثمَّ كرع فِيهَا فَأطَال وَهُوَ دون الأول ثمَّ رفع رَأسه فَقَالَ: الْحَمد لله
ثمَّ دَعَا فَقَالَ: بِسم الله
ثمَّ كرع فِيهَا وَهُوَ دون الثَّانِي ثمَّ رفع فَقَالَ: الْحَمد لله
ثمَّ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: عَلامَة مَا بَيْننَا وَبَين الْمُنَافِقين لم يشْربُوا مِنْهَا قطّ حَتَّى يتضلعوا
وَأخرج الْأَزْرَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم التضلع من مَاء زَمْزَم بَرَاءَة من النِّفَاق
وَأخرج الْأَزْرَقِيّ عَن رجل من الْأَنْصَار عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
قَالَ: عَلامَة مَا بَيْننَا وَبَين الْمُنَافِقين أَن يدلوا دلواً من مَاء زَمْزَم فيتضلعوا مِنْهَا مَا اسْتَطَاعَ مُنَافِق قطّ أَن يتضلع مِنْهَا
وَأخرج الْأَزْرَقِيّ عَن الضَّحَّاك بن مُزَاحم رضي الله عنه قَالَ: بَلغنِي أَن التضلع من مَاء زَمْزَم بَرَاءَة من النِّفَاق وَأَن ماءها مَذْهَب بالصداع وَأَن الِاطِّلَاع فِيهَا يجلو الْبَصَر وَأَنه سَيَأْتِي عَلَيْهَا زمَان تكون أعذب من النّيل والفرات
وَأخرج ابْن أبي شيبَة والأزرقي والفاكهاني عَن كَعْب رضي الله عنه قَالَ: إِنِّي لأجد فِي كتاب الله الْمنزل أَن زَمْزَم طَعَام طعم وشفاء سقم
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَسَعِيد بن مَنْصُور والأزرقي عَن عبد الله بن عُثْمَان بن خثيم رضي الله عنه قَالَ: قدم علينا وهب بن مُنَبّه مَكَّة فاشتكى فَجِئْنَا نعوده فَإِذا عِنْده من مَاء زَمْزَم فَقُلْنَا: لَو استعذبت فَإِن هَذَا مَاء فِيهِ غلظ
قَالَ: مَا أُرِيد أَن أشْرب حَتَّى أخرج مِنْهَا غَيره وَالَّذِي نفس وهب بِيَدِهِ إِنَّهَا لفي كتاب الله مضنونة وَإِنَّهَا لفي كتاب الله طَعَام طعم وشفاء سقم وَالَّذِي نفس وهب بِيَدِهِ لَا يعمد إِلَيْهَا أحد فيشرب مِنْهَا حَتَّى يتضلع إِلَّا نزعت دَاء وأحدثت لَهُ شِفَاء
وَأخرج الْأَزْرَقِيّ عَن كَعْب رضي الله عنه
أَنه قَالَ: لزمزم إِنَّا نجده مضنونة ضن بهَا لكم وَأول من سقِِي ماءها اسمعيل عليه السلام طَعَام طهم وشفاء سقم
وَأخرج عبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف وَسَعِيد بن مَنْصُور والأزرقي والحكيم التِّرْمِذِيّ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه قَالَ: مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ إِن شربته تُرِيدُ الشِّفَاء شفاك الله وَإِن شربته لظمأ رواك الله وَإِن شربته لجوع أشبعك الله وَهِي هزمة جِبْرِيل عليه السلام بعقبه وسقيا الله لإسمعيل عليه السلام
وَأخرج بَقِيَّة عَن عَليّ بن أبي طالبي رضي الله عنه قَالَ: خير وَاد فِي النَّاس وَادي مَكَّة ووادي الْهِنْد الَّذِي هَبَط بِهِ آدم عليه السلام وَمِنْه يُؤْتى بِهَذَا الطّيب الَّذِي تطيبون بِهِ
وَشر وَاد النَّاس وَاد بالأحقاف ووادي حضر موت يُقَال لَهُ برهوت وَخير بِئْر فِي النَّاس بِئْر زَمْزَم وَشر بِئْر فِي النَّاس بِئْر برهوت وإليها تَجْتَمِع أَرْوَاح الْكفَّار
وَأخرج الْأَزْرَقِيّ من طَرِيق عَطاء عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عنمها قَالَ: صلوا فِي مصلى الأخيار وَاشْرَبُوا من شراب الْأَبْرَار
قيل لِابْنِ عَبَّاس: مَا مصلى الأخيار قَالَ: تَحت الْمِيزَاب
قيل: وَمَا شراب الْأَبْرَار قَالَ: مَاء زَمْزَم
وَأخرج الْأَزْرَقِيّ عَن ابْن جريج رضى الله عَنهُ قَالَ: سَمِعت أَنه يُقَال: خير مَاء فِي الأَرْض مَاء زَمْزَم وَشر مَاء فِي الأَرْض مَاء برهوت شعب من شعب حضر موت
وَأخرج الْأَزْرَقِيّ عَن كَعْب الْأَحْبَار رضي الله عنه قَالَ: إِن إيليا وزمزم ليتعارفان
وَأخرج الْأَزْرَقِيّ عَن عِكْرِمَة بن خَالِد رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا أَنا لَيْلَة فِي جَوف اللَّيْل عِنْد زَمْزَم جَالس إِذا نفر يطوفون عَلَيْهِم ثِيَاب بيض لم أر بَيَاض ثِيَابهمْ بِشَيْء قطّ فَلَمَّا فرغوا صلوا قَرِيبا منا فَالْتَفت بَعضهم فَقَالَ لأَصْحَابه اذْهَبُوا بِنَا نشرب من شراب الْأَبْرَار
فَقَامُوا فَدَخَلُوا زَمْزَم فَقلت: وَالله لَو دخلت على الْقَوْم فسألتهم
فَقُمْت فَدخلت فَإِذا لَيْسَ فِيهَا أحد من الْبشر
وَأخرج الْأَزْرَقِيّ عَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب رضي الله عنه قَالَ: تنافس النَّاس فِي زَمْزَم فِي الْجَاهِلِيَّة حَتَّى إِن كَانَ أهل الْعِيَال يَغْدُونَ بعيالهم فيشربون فَيكون صَبُوحًا لَهُم وَقد كُنَّا نعدها عوناً على الْعِيَال
وَأخرج ابْن أبي شيبَة والأزرقي عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: كَانَت زَمْزَم تسمى فِي الْجَاهِلِيَّة شباعه وتزعم أَنَّهَا نعم العون على الْعِيَال
وَأخرج الطَّيَالِسِيّ وَابْن أبي شيبَة وَأحمد وَمُسلم والأزرقي وَالْبَزَّار وَأَبُو عوَانَة وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن أبي ذَر رضي الله عنه قَالَ: قدمت مَكَّة فَقَالَ لي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَتى كنت هَهُنَا قلت: أَربع عشرَة
وَفِي لفظ: قلت ثَلَاثِينَ من بَين يَوْم وَلَيْلَة
قَالَ: من كَانَ يطعمك قلت: مَا كَانَ لي طَعَام وَلَا شراب إِلَّا مَاء زَمْزَم فَمَا أجد على كيدي سحقة جوع وَلَقَد تَكَسَّرَتْ عُكَن بَطْني
قَالَ: إِنَّهَا مباركة إِنَّهَا طَعَام طعم زَاد الطَّيَالِسِيّ وشفاء سقم
وَأخرج الْأَزْرَقِيّ عَن رَبَاح بن الْأسود رضي الله عنه قَالَ: كنت مَعَ أَهلِي بالبادية فابتعت بِمَكَّة فاعتقت فَمَكثت ثَلَاثَة أَيَّام لَا أجد شَيْئا آكله فَكنت أشْرب من مَاء زَمْزَم فَشَرِبت يَوْمًا فَإِذا أَنا بصريف اللَّبن من بَين ثناياي فَقلت: لعَلي ناعس
فَانْطَلَقت وَأَنا أجد قُوَّة اللَّبن وشبعه
وَأخرج الْأَزْرَقِيّ عَن عبد الْعَزِيز بن أبي رواد رضي الله عنه
أَن رَاعيا كَانَ يرْعَى وَكَانَ من الْعباد فَكَانَ إِذا ظمئ وجد فِيهَا لَبَنًا وَإِذا أَرَادَ أَن يتَوَضَّأ وجد فِيهَا مَاء
وَأخرج الْأَزْرَقِيّ عَن الضَّحَّاك بن مُزَاحم رضي الله عنه قَالَ: إِن الله يرفع الْمِيَاه
قبل يَوْم الْقِيَامَة غير زَمْزَم فتغور الْمِيَاه غير زَمْزَم وتلقي الأَرْض مَا فِي بَطنهَا من ذهب وَفِضة وَيَجِيء الرجل بالجراب فِيهِ الذَّهَب وَالْفِضَّة فَيَقُول: من يقبل هَذَا مني فَيَقُول: لَو أتيتني بِهِ أمس قبلته
وَأخرج الْأَزْرَقِيّ عَن زر بن حُبَيْش قَالَ: رَأَيْت عَبَّاس بن عبد الْمطلب فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَهُوَ يطوف حول زَمْزَم يَقُول: لَا أحلهَا لمغتسل وَهِي لمتوضئ وشارب حلُّ وبلٌّ
وَأخرج الْأَزْرَقِيّ عَن ابْن أبي حُسَيْن أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بعث إِلَى سُهَيْل بن عَمْرو يستهديه من مَاء زَمْزَم فَبعث لَهُ براويتين
وَأخرج عبد الرَّزَّاق والأزرقي عَن ابْن جريج عَن ابْن أبي حُسَيْن واسْمه عبد الله بن أبي عبد الرَّحْمَن قَالَ: كتب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى سُهَيْل بن عَمْرو إِن جَاءَك كتابي لَيْلًا فَلَا تُصبِحَنَّ وَإِن جَاءَك نَهَار فَلَا تُمْسِيَنَّ حَتَّى تبْعَث إليَّ بِمَاء من زَمْزَم فَمَلَأ لَهُ مزادتين وَبعث بهما على بعير
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم استهدى سُهَيْل بن عَمْرو رضي الله عنه من مَاء زَمْزَم
وَأخرج ابْن سعد عَن أم أَيمن رضي الله عنهما قَالَ مَا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم شكا صَغِيرا وَلَا كَبِيرا جوعا وَلَا عطشاً كَانَ يَغْدُو فيشرب من مَاء زَمْزَم فاعرض عَلَيْهِ الْغَدَاء فَيَقُول: لَا أريده أَنا شبعان
وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: خمس من الْعِبَادَة: النّظر إِلَى الْمُصحف وَالنَّظَر إِلَى الْكَعْبَة وَالنَّظَر إِلَى الْوَالِدين وَالنَّظَر فِي زَمْزَم وَهِي تحط الْخَطَايَا وَالنَّظَر فِي وَجه الْعَالم
وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن مُجَاهِد رضي الله عنه
أَنه كَانَ إِذا شرب من زَمْزَم قَالَ: هِيَ لما شربت لَهُ
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: مَا من رجل يشرب من مَاء زَمْزَم حَتَّى يتضلع إِلَّا حطَّ الله بِهِ دَاء من جَوْفه وَمن شربه لعطش رُوِيَ وَمن شربه لجوع شبع
وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن طَاوس رضي الله عنه قَالَ: مَاء زَمْزَم طَعَام طعم وشفاء سقم
وَأخرج الْفَاكِهَانِيّ عَن سعيد بن أبي هِلَال رضي الله عنه قَالَ بعث رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عينا لَهُ إِلَى مَكَّة فاقام بهَا ليَالِي يشرب من مَاء زَمْزَم فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَا كَانَ عيشك فَأخْبرهُ أَنه كَانَ يَأْتِي زَمْزَم فيشرب من مَائِهَا فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِنَّهَا شِفَاء من سقم وَطَعَام من طعم
وَأخرج أَبُو نعيم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم: كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يتحف الرجل بتحفة سقَاهُ من مَاء زَمْزَم
وَأخرج الْفَاكِهَانِيّ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه قَالَ: كَانَ ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما إِذا نزل بِهِ ضيف أتحفه من مَاء زَمْزَم وَلَا أطْعم قوما طَعَاما إِلَّا سقاهم من مَاء زَمْزَم
وَأخرج أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: كَانَت أهل مَكَّة لَا يسابقهم أحد إِلَّا سَبَقُوهُ وَلَا يصارعهم أحد إِلَّا صرعوه حَتَّى رَغِبُوا عَن مَاء زَمْزَم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة فِي المُصَنّف عَن مُجَاهِد رضي الله عنه قَالَ: كَانُوا يستحبون إِذا ودعوا الْبَيْت أَن يَأْتُوا زَمْزَم فيشربوا مِنْهَا
وَأخرج السلَفِي فِي الطيوريات عَن ابْن حبيب رضي الله عنه قَالَ: زَمْزَم شراب الْأَبْرَار وَالْحجر مصلى الأخيار
الْآيَة 21 - 22
أخرج أَبُو الشَّيْخ عَن طَلْحَة بن مصرف رضي الله عنه أَنه قَرَأَ {يبشرهم رَبهم}
الْآيَات 23 - 24
أخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه قَالَ: أمروا بِالْهِجْرَةِ فَقَالَ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب: أَنا أَسْقِي الْحَاج
وَقَالَ طَلْحَة أَخُو بني عبد الدَّار أَنا أحجب الْكَعْبَة فَلَا نهاجر فانزلت {لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُم وَإِخْوَانكُمْ أَوْلِيَاء إِن استحبوا الْكفْر على الإِيمان}
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مقَاتل رضي الله عنه فِي هَذِه الْآيَة قَالَ: هِيَ فِي الْهِجْرَة
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {وأموال اقترفتموها} قَالَ: أصبتموها
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ رضي الله عنه فِي قَوْله {وتجارة تخشون كسادها} يَقُول: تخشون أَن تكسد فتبيعونها {ومساكن ترضونها} قَالَ: هِيَ الْقُصُور والمنازل
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {فتربصوا حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره} قَالَ: بِالْفَتْح فِي أمره بِالْهِجْرَةِ هَذَا كُله قبل فتح مَكَّة
وَأخرج أَحْمد وَالْبُخَارِيّ عَن عبد الله بن هِشَام رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ آخذ بيد عمر بن الْخطاب رضي الله عنه فَقَالَ: وَالله لأَنْت يَا رَسُول الله أحب إليَّ من كل شَيْء إِلَّا من نَفسِي فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من نَفسه وَالله أعلم
الْآيَات 25 - 27
وَأخرج الْفرْيَابِيّ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {لقد نصركم الله فِي مَوَاطِن كَثِيرَة} قَالَ: هِيَ أول مَا أنزل الله تَعَالَى من سُورَة بَرَاءَة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وسنيد وَابْن حَرْب وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد رضي الله عنه قَالَ: أول مَا نزل من بَرَاءَة {لقد نصركم الله فِي مَوَاطِن كَثِيرَة} يعرفهُمْ نَصره ويوطنهم لغزوة تَبُوك
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه فِي قَوْله {لقد نصركم الله فِي مَوَاطِن كَثِيرَة} قَالَ: هَذَا مِمَّا يمن الله بِهِ عَلَيْهِم من نَصره إيَّاهُم فِي مَوَاطِن كَثِيرَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه قَالَ {حنين} مَاء بَين مَكَّة والطائف قَاتل النَّبِي صلى الله عليه وسلم هوَازن وَثَقِيف وعَلى هوَازن مَالك بن عَوْف وعَلى ثَقِيف عبد يَا ليل بن عَمْرو الثَّقَفِيّ
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عُرْوَة رضي الله عنه أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَقَامَ عَام الْفَتْح نصف شهر وَلم يزدْ على ذَلِك حَتَّى جَاءَتْهُ هوَازن وَثَقِيف فنزلوا بحنين وحنين وَاد إِلَى جنب ذِي الْمجَاز
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن الْحسن رضي الله عنه قَالَ لما اجْتمع أهل مَكَّة وَأهل الْمَدِينَة قَالُوا: الْآن وَالله نُقَاتِل حِين اجْتَمَعنَا فكره رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَا قَالُوا وَمَا أعجبهم من كثرتهم فَالْتَقوا فَهَزَمَهُمْ الله حَتَّى مَا يقوم مِنْهُم أحد على أحد حَتَّى جعل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يُنَادي أَحيَاء الْعَرَب إليَّ فوَاللَّه مَا يعرج إِلَيْهِ أحد حَتَّى أعرى مَوْضِعه فَالْتَفت إِلَى الْأَنْصَار وهم نَاحيَة نَاحيَة فناداهم: يَا أنصار الله وأنصار رَسُوله إِلَى عباد الله أَنا رَسُول الله فَعَطَفُوا وَقَالُوا: يَا رَسُول الله وَرب الْكَعْبَة إِلَيْك وَالله فنكسوا رؤوسهم يَبْكُونَ وَقدمُوا أسيافهم يضْربُونَ بَين يَدي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى فتح الله عَلَيْهِم
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن الرّبيع رضي الله عنه أَن رجلا قَالَ يَوْم حنين: لن نغلب من قلَّة
فشق ذَلِك على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَأنْزل الله عز وجل {وَيَوْم حنين إِذْ أَعجبتكُم كثرتكم}
قَالَ الرّبيع: وَكَانُوا اثْنَي عشر ألفا مِنْهُم أَلفَانِ من أهل مَكَّة
وَأخرج ابْن سعد وَابْن أبي شيبَة وَأحمد الْبَغَوِيّ فِي مُعْجَمه وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن أبي عبد الرَّحْمَن الفِهري رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي حنين فسرنا فِي يَوْم قائظ شَدِيد الْحر فنزلنا تَحت ظلال الشّجر فَلَمَّا زَالَت الشَّمْس لبست لامتي وَركبت فرسي فَأتيت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقلت: السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته قد حَان الرواح يَا رَسُول الله
قَالَ أجل ثمَّ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: يَا بِلَال
فثار من تَحت سَمُرَة كَانَ ظله ظلّ طَائِر فَقَالَ: لبيْك وَسَعْديك وَأَنا فداؤك
ثمَّ قَالَ: أَسْرج لي فرسي
فَأَتَاهُ بدفتين من لِيف لَيْسَ فيهمَا أشر وَلَا بطر قَالَ: فَركب فرسه ثمَّ سرنا يَوْمنَا فلقينا العدوّ وتشامت الخيلان فقاتلناهم فولى الْمُسلمُونَ مُدبرين كَمَا قَالَ الله عز وجل فَجعل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: يَا عباد الله أَنا عبد الله وَرَسُوله فاقتحم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَن فرسه وحَدثني من كَانَ أقرب إِلَيْهِ مني: أَنه أَخذ حفْنَة من تُرَاب فحثاها فِي وُجُوه الْقَوْم وَقَالَ: شَاهَت الْوُجُوه
قَالَ يعلى بن عَطاء رضي الله عنه: فَأخْبرنَا أبناؤهم عَن آبَائِهِم أَنهم قَالُوا: مَا بَقِي منا أحد إِلَّا امْتَلَأت عَيناهُ وفمه من التُّرَاب وَسَمعنَا صلصلة من السَّمَاء كمر الْحَدِيد على الطست الْحَدِيد فَهَزَمَهُمْ الله عز وجل
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَأَبُو نعيم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن عبد الله بن مَسْعُود رضي الله عنه قَالَ: كنت مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَوْم حنين فولى النَّاس عَنهُ وَبقيت مَعَه فِي ثَمَانِينَ رجلا من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فَكُنَّا على أقدامنا نَحْو من ثَمَانِينَ قدماً وَلم نولهم الدبر وهم الَّذين أنزل الله عَلَيْهِم السكينَة وَرَسُول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته فَمضى قدماً فَقَالَ ناولني كفا من تُرَاب
فناولته فَضرب وُجُوههم فامتلأت أَعينهم تُرَابا وَولى الْمُشْركُونَ أدبارهم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن أنس رضي الله عنه
أَن هوَازن جَاءَت يَوْم حنين بِالنسَاء وَالصبيان والإِبل وَالْغنم فجعلوهم صُفُوفا ليكثروا على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَالتقى الْمُسلمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ فولى الْمُسلمُونَ مُدبرين كَمَا قَالَ الله عز وجل فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَا عباد الله أَنا عبد الله وَرَسُوله ثمَّ قَالَ: يَا معشر الْأَنْصَار أَنا عبد الله وَرَسُوله فَهزمَ الله الْمُشْركين وَلم يضْرب بِسيف وَلم يطعن بِرُمْح
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن سعد وَأحمد وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه عَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب قَالَ شهِدت مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَوْم حنين فَلَقَد رَأَيْت النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَمَا مَعَه إِلَّا أَنا وَأَبُو سُفْيَان بن الْحَرْث بن عبد الْمطلب فلزمنا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَلم نفارقه وَهُوَ على بلغته الشَّهْبَاء الَّتِي أهداها لَهُ فَرْوَة بن مُعَاوِيَة الجذامي فَلَمَّا التقى الْمُسلمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ ولي الْمُسلمُونَ مُدبرين وطفق النَّبِي صلى الله عليه وسلم يرْكض بغلته قبل الْكفَّار وَأَنا آخذ بِلِجَامِهَا أكفها إِرَادَة أَن لَا تسرع وَهُوَ لَا يألو مَا أسْرع نَحْو الْمُشْركين وَأَبُو سُفْيَان بن الْحَرْث آخذ بغرز رَسُول الله صلى الله عليه وسلم
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: يَا عَبَّاس نَادِي أَصْحَاب السمرَة يَا أَصْحَاب سُورَة الْبَقَرَة فوَاللَّه لكَأَنِّي عطفتهم حِين سمعُوا صوتي عطفة الْبَقر على أَوْلَادهَا ينادون يَا لبيْك يَا لبيْك فَأقبل الْمُسلمُونَ فَاقْتَتلُوا هم وَالْكفَّار وَارْتَفَعت الْأَصْوَات وهم يَقُولُونَ: يَا معشر الْأَنْصَار يَا معشر الْأَنْصَار
ثمَّ قصرت الدعْوَة على بني الْحَرْث بن الْخَزْرَج فتطاول رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ على بغلته فَقَالَ: هَذَا حِين حمي الْوَطِيس ثمَّ أَخذ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حَصَيَات فَرمى بِهن وُجُوه الْكفَّار ثمَّ قَالَ: انْهَزمُوا وَرب الْكَعْبَة
فَذَهَبت أنظر فَإِذا الْقِتَال على هَيئته فِيمَا أرى فَمَا هُوَ إِلَّا أَن رماهم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بحصيات فَمَا زلت أرى حَدهمْ كليلاً وَأمرهمْ مُدبرا حَتَّى هَزَمَهُمْ الله عز وجل
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن جَابر رضي الله عنه قَالَ: ندب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَوْم حنين الْأَنْصَار فَقَالَ: يَا معشر الْأَنْصَار
فَأَجَابُوهُ لبيْك - بأبينا أَنْت وَأمنا - يَا رَسُول الله
قَالَ أَقبلُوا بوجوهكم إِلَى الله وَرَسُوله يدخلكم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار
فَأَقْبَلُوا وَلَهُم حنين حَتَّى أَحدقُوا بِهِ كبكبة تحاك مَنَاكِبهمْ يُقَاتلُون حَتَّى هزم الله الْمُشْركين
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه عَن أنس رضي الله عنه قَالَ: لما اجْتمع يَوْم حنين أهل مَكَّة وَأهل الْمَدِينَة أعجبتهم كثرتهم فَقَالَ الْقَوْم: الْيَوْم وَالله نُقَاتِل فَلَمَّا الْتَقَوْا وَاشْتَدَّ الْقِتَال ولوا مُدبرين فندب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْأَنْصَار فَقَالَ: يَا معشر الْمُسلمين إِلَى عباد الله أَنا رَسُول الله
فَقَالُوا: إِلَيْك - وَالله - جِئْنَا فنكسوا رؤوسهم ثمَّ قَاتلُوا حَتَّى فتح الله عَلَيْهِم
وَأخرج الْحَاكِم عَن عبَادَة بن الصَّامِت رضي الله عنه قَالَ أَخذ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَوْم حنين وبرة من بعير ثمَّ قَالَ: أَيهَا النَّاس إِنَّه لَا يحل لي مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْكُم قدر
هَذِه إِلَّا الْخمس وَالْخمس مَرْدُود عَلَيْكُم فأدوا الْخَيط والمخيط وَإِيَّاكُم والغلول فَإِنَّهُ عَار على أَهله يَوْم الْقِيَامَة وَعَلَيْكُم بِالْجِهَادِ فِي سَبِيل الله فَإِنَّهُ بَاب من أَبْوَاب الْجنَّة يذهب الله بِهِ الْهم وَالْغَم وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يكره الْأَنْفَال وَيَقُول: ليرد قويُّ الْمُؤمنِينَ على ضعيفهم
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عمر رضي الله عنهما قَالَ: رَأَيْتنَا يَوْم حنين وَإِن الفئتين لموليتان وَعَن عِكْرِمَة قَالَ: لما كَانَ يَوْم حنين ولى الْمُسلمُونَ وَولى الْمُشْركُونَ وَثَبت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ أَنا مُحَمَّد رَسُول الله ثَلَاث مَرَّات - وَإِلَى جنبه عَمه الْعَبَّاس - فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم لِعَمِّهِ: يَا عَبَّاس أذن يَا أهل الشَّجَرَة فَأَجَابُوهُ من كل مَكَان لبيْك لبيْك حَتَّى أظلوه برماحهم ثمَّ مضى فوهب الله لَهُ الظفر فَأنْزل الله {وَيَوْم حنين إِذْ أَعجبتكُم كثرتكم} الْآيَة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن مُحَمَّد بن عبيد الله بن عُمَيْر اللَّيْثِيّ رضي الله عنه قَالَ كَانَ مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَرْبَعَة آلَاف من الْأَنْصَار وَألف من جُهَيْنَة وَألف من مزينة وَألف من أسلم وَألف من غفار وَألف من أَشْجَع وَألف من الْمُهَاجِرين وَغَيرهم فَكَانَ مَعَه عشرَة آلَاف
وَخرج بإثني عشر ألفا وفيهَا قَالَ الله تَعَالَى فِي كِتَابه {وَيَوْم حنين إِذْ أَعجبتكُم كثرتكم فَلم تغن عَنْكُم شَيْئا}
وَأخرج ابْن سعد وَابْن أبي شيبَة وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن مرْدَوَيْه عَن الْبَراء بن عَازِب رضي الله عنه
أَنه قيل لَهُ: هَل كُنْتُم وليتم يَوْم حنين قَالَ: وَالله مَا ولى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَلَكِن خرج شُبَّان أَصْحَابه وأخفاؤهم حسراً لَيْسَ عَلَيْهِم سلَاح فَلَقوا جمعا رُمَاة هوَازن وَبني النَّضر مَا يكَاد يسْقط لَهُم سهم فرشقوهم رشقاً مَا كَادُوا يخطئون فَأَقْبَلُوا هُنَالك إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ على بغلته الْبَيْضَاء وَابْن عَمه أَبُو سُفْيَان بن الْحَرْث بن عبد الْمطلب يَقُود بِهِ فَنزل ودعا واستنصر ثمَّ قَالَ: أَنا النَّبِي لَا كذب أَنا ابْن عبد الْمطلب ثمَّ صف أَصْحَابه
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ رضي الله عنه فِي قَوْله {وَأنزل جُنُودا لم تَرَوْهَا وعذب الَّذين كفرُوا} قَالَ: قَتلهمْ بِالسَّيْفِ
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن سعيد بن جُبَير رضي الله عنه قَالَ: فِي يَوْم حنين أمد
الله رَسُوله صلى الله عليه وسلم بِخَمْسَة آلَاف من الْمَلَائِكَة مسوّمين ويومئذ سمى الله تَعَالَى الْأَنْصَار مُؤمنين قَالَ {ثمَّ أنزل الله سكينته على رَسُوله وعَلى الْمُؤمنِينَ}
وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو نعيم وَالْبَيْهَقِيّ عَن جُبَير بن مطعم رضي الله عنه قَالَ: رَأَيْت قبل هزيمَة الْقَوْم - وَالنَّاس يقتتلون - مثل البجاد الْأسود أقبل من السَّمَاء حَتَّى سقط بَين الْقَوْم فَنَظَرت فَإِذا نمل أسود مبثوث قد مَلأ الْوَادي لم أَشك أَنَّهَا الْمَلَائِكَة عليهم السلام وَلم يكن إِلَّا هزيمَة الْقَوْم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن سعيد بن جُبَير رضي الله عنه فِي قَوْله {وعذب الَّذين كفرُوا} قَالَ: بالهزيمة
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن أَبْزَى رضي الله عنه فِي قَوْله {وعذب الَّذين كفرُوا} قَالَ: بالهزيمة وَالْقَتْل
وَفِي قَوْله {ثمَّ يَتُوب الله من بعد ذَلِك على من يَشَاء} قَالَ: على الَّذين انْهَزمُوا عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم يَوْم حنين
وَأخرج ابْن سعد وَالْبُخَارِيّ فِي التَّارِيخ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن عبد الله بن عِيَاض بن الْحَرْث عَن أَبِيه
قَالَ: إِن رَسُول صلى الله عليه وسلم أَتَى هوَازن فِي إثني عشر ألفا فَقتل من الطَّائِف يَوْم حنين مثل قَتْلَى يَوْم بدر وَأخذ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كفا من حَصْبَاء فَرمى بهَا وُجُوهنَا فَانْهَزَمْنَا
وَأخرج أَحْمد وَمُسلم عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع رضي الله عنه قَالَ: غزونا مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حنيناً فَلَمَّا وَاجَهنَا الْعَدو وَتَقَدَّمت فأعلو ثنية فاستقبلني رجل من الْعَدو فأرميته بِسَهْم فتوارى عني فَمَا دَريت مَا صنع فَنَظَرت إِلَى الْقَوْم فَإِذا هم قد طلعوا من ثنية أُخْرَى فَالْتَقوا هم وَأَصْحَاب وَالنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وَأَنا متزر وأرجع مُنْهَزِمًا وعليَّ بردتان متزراً بِأَحَدِهِمَا مرتدياً بِالْأُخْرَى فاستطلق إزَارِي فجمعتهما جَمِيعًا ومررت على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مُنْهَزِمًا وَهُوَ على بغلته الشَّهْبَاء فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لقد رأى ابْن الْأَكْوَع فَزعًا فَلَمَّا غشوا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم نزل عَن البغلة ثمَّ قبض قَبْضَة من تُرَاب من الأَرْض ثمَّ اسْتقْبل بِهِ وُجُوههم فَقَالَ: شَاهَت الْوُجُوه
فَمَا خلق الله مِنْهُم إنْسَانا إِلَّا مَلأ عَيْنَيْهِ تُرَابا بِتِلْكَ القبضة فَوَلوا مُدبرين فَهَزَمَهُمْ الله تَعَالَى وَقسم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بَين الْمُسلمين
وَأخرج البُخَارِيّ فِي التَّارِيخ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن عَمْرو بن سُفْيَان الثَّقَفِيّ رَضِي
الله عَنهُ قَالَ قبض رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَوْم حنين قَبْضَة من الْحَصَى فَرمى بهَا فِي وُجُوهنَا فَانْهَزَمْنَا فَمَا خيل إِلَيْنَا إِلَّا أَن كل حجر أَو شجر فَارس يطلبنا
وَأخرج البُخَارِيّ فِي التَّارِيخ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ عَن يزِيد بن عَامر السوَائِي - وَكَانَ شهد حنيناً مَعَ الْمُشْركين ثمَّ أسلم - قَالَ: أَخذ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَوْم حنين قَبْضَة من الأَرْض فَرمى بهَا فِي وُجُوه الْمُشْركين وَقَالَ: ارْجعُوا شَاهَت الْوُجُوه فَمَا أحد يلقاه أَخُوهُ إِلَّا وَهُوَ يشكو قذى فِي عَيْنَيْهِ وَيمْسَح عَيْنَيْهِ
وَأخرج مُسَدّد فِي مُسْنده وَالْبَيْهَقِيّ وَابْن عَسَاكِر عَن عبد الرَّحْمَن مولى أم برثن قَالَ: حَدثنِي رجل كَانَ من الْمُشْركين يَوْم حنين قَالَ: لما الْتَقَيْنَا نَحن وَأَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لم يقومُوا لنا حلب شَاة إِلَّا كفيناهم فَبينا نَحن نسوقهم فِي أدبارهم إِذْ الْتَقَيْنَا إِلَى صَاحب البغلة الْبَيْضَاء فَإِذا هُوَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فتلقتنا عِنْده رجال بيض حسان الْوُجُوه قَالُوا لنا: شَاهَت الْوُجُوه ارْجعُوا
فرجعنا وركبوا أكتافنا وَكَانَت إِيَّاهَا
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق ابْن إِسْحَق حَدثنَا أُميَّة بن عبد الله بن عَمْرو بن عُثْمَان بن عَفَّان أَنه حدث أَن مَالك بن عَوْف رضي الله عنه بعث عيُونا فَأتوهُ وَقد تقطعت أوصالهم فَقَالَ: وَيْلكُمْ مَا شَأْنكُمْ فَقَالُوا: أَتَانَا رجال بيض على خيل بلق فوَاللَّه مَا تماسكنا أَن أَصَابَنَا مَا ترى
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ وَابْن عَسَاكِر عَن مُصعب بن شيبَة بن عُثْمَان الحَجبي عَن أَبِيه قَالَ خرجت مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم يَوْم حنين وَالله مَا خرجت إسلاماً وَلَكِن خرجت إتقاء أَن تظهر هوَازن على قُرَيْش فوَاللَّه إِنِّي لواقف مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذْ قلت: يَا نَبِي الله إِنِّي لأرى خيلا بلقاً
قَالَ: يَا شيبَة إِنَّه لَا يَرَاهَا إِلَّا كَافِر
فَضرب بِيَدِهِ عِنْد صَدْرِي حَتَّى مَا أجد من خلق الله تَعَالَى أحب إِلَيّ مِنْهُ فَقَالَ: فَالتقى الْمُسلمُونَ فَقتل من قتل ثمَّ أقبل النَّبِي وَعمر رضي الله عنه آخذ باللجام وَالْعَبَّاس آخذ بالغرز فَنَادَى الْعَبَّاس رضي الله عنه: أَيْن الْمُهَاجِرُونَ أَيْن أَصْحَاب سُورَة الْبَقَرَة - بِصَوْت عَال - هَذَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم
فَأقبل النَّاس وَالنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم يَقُول: أَنا النَّبِي غير كذب أَنا ابْن عبد الْمطلب فَأقبل الْمُسلمُونَ فاصطكّوا بِالسُّيُوفِ فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: الْآن حمي الْوَطِيس
الْآيَة 28
وَأخرج أَحْمد وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن جَابر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَا يدْخل الْمَسْجِد الْحَرَام مُشْرك بعد عَامي هَذَا أبدا إِلَّا أهل الْعَهْد وخدمكم
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن جَابر رضي الله عنه فِي قَوْله {إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بعد عَامهمْ هَذَا} إِلَّا أَن يكون عبدا أَو أحدا من أهل الذِّمَّة
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس} أَي أخباث {فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بعد عَامهمْ هَذَا} وَهُوَ الْعَام الَّذِي حج فِيهِ أَبُو بكر رضي الله عنه
نَادَى عَليّ رضي الله عنه بِالْأَذَانِ وَذَلِكَ لتسْع سِنِين من الْهِجْرَة وَحج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي الْعَام الْمقبل حجَّة الْوَدَاع لم يحجّ قبلهَا وَلَا بعْدهَا مُنْذُ هَاجر فَلَمَّا نفى الله تَعَالَى الْمُشْركين عَن الْمَسْجِد الْحَرَام شقّ ذَلِك على الْمُسلمين فَأنْزل الله {وَإِن خِفْتُمْ عيلة فَسَوف يغنيكم الله من فَضله} فأغناهم الله تَعَالَى بِهَذَا الْخراج: الْجِزْيَة الْجَارِيَة عَلَيْهِم يأخذونها شهرا شهرا وعاماً عَاما فَلَيْسَ لأحد من الْمُشْركين أَن يقرب الْمَسْجِد الْحَرَام بعد عَامهمْ ذَلِك إِلَّا صَاحب الْجِزْيَة أَو عبد رجل من الْمُسلمين
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ الْمُشْركُونَ يجيئون إِلَى الْبَيْت ويجيئون مَعَهم بِالطَّعَامِ يَتَّجِرون فِيهِ فَلَمَّا نهوا عَن أَن يَأْتُوا الْبَيْت قَالَ الْمُسلمُونَ: فَمن أَيْن لنا الطَّعَام فَأنْزل الله {وَإِن خِفْتُمْ عيلة فَسَوف يغنيكم الله من فَضله إِن شَاءَ} قَالَ: فَأنْزل الله عَلَيْهِم الْمَطَر وَكثر خَيرهمْ حِين ذهب الْمُشْركُونَ عَنْهُم
وَأخرج ابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ عَن سعيد بن جُبَير رضي الله عنه قَالَ: لما نزلت {إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بعد عَامهمْ هَذَا} شقّ على أَصْحَاب
النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَقَالُوا: من يأتينا بِطَعَامِنَا وبالمتاع فَنزلت {وَإِن خِفْتُمْ عيلة} الْآيَة
وَأخرج ابْن مردوية عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: لما نفى الله تَعَالَى إِلَى الْمُشْركين عَن الْمَسْجِد الْحَرَام ألْقى الشَّيْطَان فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ فَقَالَ: من أَيْن تَأْكُلُونَ وَقد نفى الْمُشْركُونَ وانقطعت عَنْكُم العير قَالَ الله تَعَالَى {وَإِن خِفْتُمْ عيلة فَسَوف يغنيكم الله من فَضله إِن شَاءَ} فَأَمرهمْ بِقِتَال أهل الْكفْر وأغناهم من فَضله
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي الْآيَة قَالَ: قَالَ الْمُؤْمِنُونَ: قد كُنَّا نصيب من متاجر الْمُشْركين
فَوَعَدَهُمْ الله تَعَالَى أَن يغنيهم من فَضله عوضا لَهُم بِأَن لَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام فَهَذِهِ الْآيَة من أول بَرَاءَة فِي الْقِرَاءَة وَفِي آخرهَا التَّأْوِيل
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عَطاء رضي الله عنه قَالَ: لَا يدْخل الْحرم كُله مُشْرك وتلا هَذِه الْآيَة
وَأخرج عبد الرَّزَّاق والنحاس فِي ناسخه عَن عَطاء عَن عَطاء رضي الله عنه فِي قَوْله {فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام} قَالَ: يُرِيد الْحرم كُله
وَفِي لفظ: لَا يدْخل الْحرم كُله مُشْرك
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن عِكْرِمَة رضي الله عنه فِي قَوْله {وَإِن خِفْتُمْ عيلة} قَالَ: الْفَاقَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن سعيد بن جُبَير رضي الله عنه فِي قَوْله {فَسَوف يغنيكم الله من فَضله} قَالَ: أغناهم الله تَعَالَى بالجزية الْجَارِيَة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الْأَوْزَاعِيّ رضي الله عنه قَالَ: كتب عمر بن عبد الْعَزِيز رضي الله عنه أَن يمْنَع أَن يدْخل الْيَهُود وَالنَّصَارَى الْمَسَاجِد وأتبع نَهْيه {إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس}
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الْحسن رضي الله عنه {إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس} فَمن صافحهم فَليَتَوَضَّأ
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من صَافح مُشْركًا فَليَتَوَضَّأ أَو ليغسل كفيه
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن جده قَالَ اسْتقْبل رَسُول
الله صلى الله عليه وسلم جِبْرِيل عليه السلام فَنَاوَلَهُ يَده فَأبى أَن يَتَنَاوَلهَا فَقَالَ: يَا جِبْرِيل مَا مَنعك أَن تَأْخُذ بيَدي فَقَالَ: إِنَّك أخذت بيد يَهُودِيّ فَكرِهت أَن تمس يَدي يدا قد مستها يَد كَافِر فَدَعَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِمَاء فَتَوَضَّأ فَنَاوَلَهُ يَده فَتَنَاولهَا
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه وسمويه فِي فَوَائده عَن أبي سعيد رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا نفس مسلمة وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان وَلَا يقرب الْمَسْجِد الْحَرَام مُشْرك بعد عَامهمْ هَذَا وَمن كَانَ بَينه وَبَين رَسُول صلى الله عليه وسلم الله أجل فَأَجله مدَّته
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ عَام الْفَتْح: لَا يدْخل الْمَسْجِد الْحَرَام مُشْرك وَلَا يُؤَدِّي مُسلم جِزْيَة
وَأخرج عبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف عَن عمر بن الْعَزِيز قَالَ: آخر مَا تكلم بِهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن قَالَ قَاتل الله الْيَهُود وَالنَّصَارَى اتَّخذُوا قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد لَا يبْقى بِأَرْض الْعَرَب دينان
وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج رضي الله عنه قَالَ بَلغنِي أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أوصى عِنْد مَوته بِأَن لَا يتْرك يَهُودِيّ وَلَا نَصْرَانِيّ بِأَرْض الْحجاز وَأَن يمْضِي جَيش أُسَامَة إِلَى الشَّام وَأوصى بالقبط خيرا فَإِن لَهُم قرَابَة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما رَفعه قَالَ: اخْرُجُوا الْمُشْركين من جَزِيرَة الْعَرَب
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح رضي الله عنه قَالَ: إِن آخر كَلَام تكلم بِهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَن قَالَ اخْرُجُوا الْيَهُود من أَرض الْحجاز وَأهل نَجْرَان من جَزِيرَة الْعَرَب
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن جَابر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَئِن بقيت لأخْرجَن الْمُشْركين من جَزِيرَة الْعَرَب فَلَمَّا ولي عمر رضي الله عنه أخرجهم
الْآيَة 29
أخرج ابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: أنزل الله تَعَالَى فِي الْعَام الَّذِي نبذ فِيهِ أَبُو بكر رضي الله عنه إِلَى الْمُشْركين {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس} فَكَانَ الْمُشْركُونَ يوافون بِالتِّجَارَة فينتفع بهَا الْمُسلمُونَ فَلَمَّا حرم الله تَعَالَى على الْمُشْركين أَن يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام وجد الْمُسلمُونَ فِي أنفسهم مِمَّا قطع عَنْهُم من التِّجَارَة الَّتِي كَانَ الْمُشْركُونَ يوافون بهَا فَأنْزل الله تَعَالَى {وَإِن خِفْتُمْ عيلة فَسَوف يغنيكم الله من فَضله إِن شَاءَ} فأجل فِي الْآيَة الْأُخْرَى الَّتِي تتبعها الْجِزْيَة وَلم تكن تُؤْخَذ قبل ذَلِك فَجَعلهَا عوضا مِمَّا مَنعهم من موافاة الْمُشْركين بتجاراتهم فَقَالَ {قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر} إِلَى قَوْله {صاغرون} فَلَمَّا أَحَق ذَلِك للْمُسلمين عرفُوا أَنه قد عوضهم أفضل مَا كَانُوا وجدوا عَلَيْهِ مِمَّا كَانَ الْمُشْركين يوافون بِهِ من التِّجَارَة
وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن أبي أُمَامَة رضي الله عنه عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ الْقِتَال قتالان: قتال الْمُشْركين حَتَّى يُؤمنُوا أَو يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يدٍ وهم صاغرون وقتال الفئة الباغية حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله فَإِذا فاءت أَعْطَيْت الْعدْل
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه} الْآيَة
قَالَ: نزلت هَذِه حِين أَمر مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه بغزوة تَبُوك
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن شهَاب رضي الله عنه قَالَ: أنزلت فِي كفار قُرَيْش وَالْعرب (وقاتلوهم حَتَّى لَا تكون فتْنَة وَيكون الدّين لله)(الْبَقَرَة الْآيَة 193) وأنزلت فِي أهل الْكتاب {قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر} إِلَى قَوْله {حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة} فَكَانَ أول من أعْطى الْجِزْيَة أهل نَجْرَان
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَن الْجِزْيَة عَن يَد قَالَ جِزْيَة الأَرْض والرقبة جِزْيَة الأَرْض والرقبة
وَأخرج النّحاس فِي ناسخه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر} قَالَ: نسخ بِهَذَا الْعَفو عَن الْمُشْركين
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن زيد رَضِي اله عَنهُ فِي الْآيَة قَالَ: لما فرغ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من قتال من يَلِيهِ من الْعَرَب أمره بجهاد أهل الْكتاب
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن سعيد بن جُبَير رضي الله عنه فِي قَوْله {قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه} يَعْنِي الَّذين لَا يصدقون بتوحيد الله {وَلَا يحرمُونَ مَا حرم الله وَرَسُوله} يَعْنِي الْخمر وَالْخِنْزِير {وَلَا يدينون دين الْحق} يَعْنِي دين الإِسلام {من الَّذين أُوتُوا الْكتاب} يَعْنِي من الْيَهُود وَالنَّصَارَى أُوتُوا الْكتاب من قبل الْمُسلمين أمة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم {حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يدٍ وهم صاغرون} يَعْنِي يذلون
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {عَن يَد} قَالَ: عَن قهر
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة رضي الله عنه فِي قَوْله {عَن يَد} قَالَ: من يَده وَلَا يبْعَث بهَا مَعَ غَيره
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن أبي سِنَان رضي الله عنه فِي قَوْله {عَن يَد} قَالَ: عَن قدرَة
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {عَن يَد وهم صاغرون} قَالَ: وَلَا يلكزون
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن سلمَان رضي الله عنه فِي قَوْله {وهم صاغرون} قَالَ: غير محمودين
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الْمُغيرَة رضي الله عنه
أَنه بعث إِلَى رستم فَقَالَ لَهُ رستم: إلام تَدْعُو فَقَالَ لَهُ: أَدْعُوك إِلَى الإِسلام فَأن أسلمت فلك مَا لنا وَعَلَيْك مَا علينا
قَالَ: فَإِن أَبيت قَالَ: فتعطي الْجِزْيَة عَن يَد وَأَنت صاغر
فَقَالَ: لِترْجُمَانِهِ: قل لَهُ أما إِعْطَاء الْجِزْيَة فقد عرفتها فَمَا قَوْلك وَأَنت صاغر قَالَ: تعطيها وَأَنت قَائِم وَأَنا جَالس وَالسَّوْط على رَأسك
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن سلمَان رضي الله عنه أَنه قَالَ لأهل حصن حَاصَرَهُمْ الإِسلام: أَو الْجِزْيَة وَأَنْتُم صاغرون قَالُوا: وَمَا الْجِزْيَة قَالَ: نَأْخُذ مِنْكُم الدَّرَاهِم وَالتُّرَاب على رؤوسكم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد عَن سلمَان رضي الله عنه
أَنه انْتهى إِلَى حصن
فَقَالَ: إِن أسلمتم فلكم مَا لنا وَعَلَيْكُم مَا علينا وَإِن أَنْتُم أَبَيْتُم فأدوا الْجِزْيَة وَأَنْتُم صاغرون فَإِن أَبَيْتُم فأنبذناكم على سَوَاء إِن الله لَا يحب الخائنين
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن سعيد بن الْمسيب رضي الله عنه قَالَ: أحب لأهل الذِّمَّة أَن يتعبوا فِي أَدَاء الْجِزْيَة لقَوْل الله تَعَالَى {حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يدٍ وهم صاغرون}
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن مَسْرُوق رضي الله عنه قَالَ لما بعث رَسُول الله صلى الله عليه وسلم معَاذًا إِلَى الْيمن أمره أَن يَأْخُذ من كل حالم دِينَارا أَو عدله معافر
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن الزُّهْرِيّ رضي الله عنه قَالَ: أَخذ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْجِزْيَة من مجوس أهل هجر وَمن يهود الْيمن ونصاراهم من كل حالم دِينَار
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن بجالة قَالَ: لم يَأْخُذ عمر رضي الله عنه الْجِزْيَة من الْمَجُوس حَتَّى شهد عبد الرَّحْمَن بن عَوْف رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَخذهَا من مجوس هجر
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن الْحسن بن مُحَمَّد بن عَليّ رضي الله عنهم قَالَ كتب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى مجوس هجر يعرض عَلَيْهِم الإِسلام فَمن أسلم قبل مِنْهُ وَمن أَبى ضربت عَلَيْهِم الْجِزْيَة حَتَّى أَن لَا تُؤْكَل لَهُم ذَبِيحَة وَلَا ينْكح مِنْهُم امْرَأَة
وَأخرج مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو عبيد فِي كتاب الْأَمْوَال وَابْن أبي شيبَة عَن جَعْفَر عَن أَبِيه
أَن عمر بن الْخطاب رضي الله عنه اسْتَشَارَ النَّاس فِي الْمَجُوس فِي الْجِزْيَة فَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف رضي الله عنه: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول سنوا بهم سنة أهل الْكتاب
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان رضي الله عنه قَالَ: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْت أَصْحَابِي أخذُوا من الْمَجُوس مَا أخذت مِنْهُم وتلا {قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه} الْآيَة
وَأخرج عبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف عَن عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه
أَنه سُئِلَ عَن أَخذ الْجِزْيَة من الْمَجُوس فَقَالَ: وَالله مَا على الأَرْض أحد أعلم بذلك مني إِن الْمَجُوس كَانُوا أهل كتاب يعرفونه وَعلم يدرسونه فَشرب أَمِيرهمْ الْخمر فَسَكِرَ فَوَقع على أُخْته فَرَآهُ نفر من الْمُسلمين فَلَمَّا أصبح قَالَت أُخْته: إِنَّك قد صنعت بِي كَذَا وَكَذَا وَقد رآك نفر لَا يسترون عَلَيْك
فَدَعَا أهل الطمع فَأَعْطَاهُمْ ثمَّ قَالَ لَهُم: قد
علمْتُم أَن آدم عليه السلام قد أنكح بنيه بَنَاته فجَاء أُولَئِكَ الَّذين رَأَوْهُ فَقَالُوا: ويل للأبعد إِن فِي ظهرك حد الله فَقَتلهُمْ أُولَئِكَ الَّذين كَانُوا عِنْده ثمَّ جاءة امْرَأَة فَقَالَت لَهُ: بلَى قد رَأَيْتُك
فَقَالَ لَهَا: ويحاً لبغي بني فلَان
قَالَت: أجل وَالله لقد كَانَت بغية ثمَّ تابت فَقَتلهَا ثمَّ أسرى على مَا فِي قُلُوبهم وعَلى كتبهمْ فَلم يصبح عِنْدهم شَيْء
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأَبُو الشَّيْخ عَن الْحسن رضي الله عنه قَالَ: قَاتل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أهل هَذِه الجزيرة من الْعَرَب على الإِسلام لم يقبل مِنْهُم غَيره وَكَانَ أفضل الْجِهَاد وَكَانَ بعد جِهَاد آخر على هَذِه الْأمة فِي شَأْن أهل الْكتاب {قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه} الْآيَة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن مُجَاهِد رَضِي الله قَالَ: يُقَاتل أهل الْأَوْثَان على الإِسلام وَيُقَاتل أهل الْكتاب على الْجِزْيَة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: من نسَاء أهل الْكتاب من يحل لنا وَمِنْهُم من لَا يحل لنا وتلا {قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر} فَمن أعْطى الْجِزْيَة حل لنا نساؤه وَمن لم يُعْط الْجِزْيَة لم يحل لنا نساؤوه وَلَفظ ابْن مرْدَوَيْه: لَا يحل نِكَاح أهل الْكتاب إِذا كَانُوا حَربًا ثمَّ تَلا هَذِه الْآيَة
وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما أَن رجلا قَالَ لَهُ: آخذ الأَرْض فأتقبلها أَرضًا خربة فأعمرها وأؤدي خراجها فَنَهَاهُ ثمَّ قَالَ: لَا تعمدوا إِلَى مَا ولاه الله هَذَا الْكَافِر فتخلعه من عُنُقه وتجعله فِي عُنُقك ثمَّ تَلا {قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ} إِلَى {صاغرون}
الْآيَة 30
وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن
عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ أَتَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم سَلام بن مشْكم ونعمان بن أوفى وَأَبُو أنس وشاس بن قيس وَمَالك بن الصَّيف فَقَالُوا: كَيفَ نتبعك وَقد تركت قبلتنا وَأَنت لَا تزْعم أَن عُزَيْرًا ابْن الله وَإِنَّمَا قَالُوا: هُوَ ابْن الله من أجل أَن عُزَيْرًا كَانَ فِي أهل الْكتاب وَكَانَت التَّوْرَاة عِنْدهم يعْملُونَ بهَا مَا شَاءَ الله تَعَالَى أَن يعملوا ثمَّ أضاعوها وَعمِلُوا بِغَيْر الْحق وَكَانَ التابوت فيهم فَلَمَّا رأى الله تَعَالَى أَنهم قد أضاعوا التَّوْرَاة وَعمِلُوا بالأهواء رفع الله عَنْهُم التابوت وأنساهم التَّوْرَاة ونسخها من صُدُورهمْ وَأرْسل عَلَيْهِم مَرضا فاستطلقت بطونهم مِنْهُم حَتَّى جعل الرجل يمشي كبده حَتَّى نسوا التَّوْرَاة وَنسخت من صُدُورهمْ وَفِيهِمْ عُزَيْر كَانَ من عُلَمَائهمْ فَدَعَا عُزَيْر الله عز وجل وابتهل إِلَيْهِ أَن يرد إِلَيْهِ الَّذِي نسخ من صَدره فَبَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي مبتهلاً إِلَى الله تَعَالَى نزل نور من الله فَدخل جَوْفه فَعَاد إِلَيْهِ الَّذِي كَانَ ذهب من جَوْفه من التَّوْرَاة فَأذن فِي قومه فَقَالَ: يَا قوم قد آتَانِي الله التَّوْرَاة ردهَا إليّ فعلق يعلمهُمْ فَمَكَثُوا مَا شَاءَ الله أَن يمكثوا وَهُوَ يعلمهُمْ ثمَّ إِن التابوت نزل عَلَيْهِم بعد ذَلِك وَبعد ذَهَابه مِنْهُم فَلَمَّا رَأَوْا التابوت عرضوا مَا كَانُوا فِيهِ على الَّذِي كَانَ عُزَيْر يعلمهُمْ فَوَجَدَهُ مثله فَقَالُوا: وَالله مَا أُوتِيَ عُزَيْر هَذَا إِلَّا أَنه ابْن الله
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن جريج رَضِي اله عَنهُ فِي قَوْله {وَقَالَت الْيَهُود عُزَيْر ابْن الله} قَالَ: قَالَهَا رجل وَاحِد اسْمه فنحَاص
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: كن نسَاء بني إِسْرَائِيل يجتمعن بِاللَّيْلِ فيصلين ويعتزلن ويذكرن مَا فضل الله تَعَالَى بِهِ على بني إِسْرَائِيل وَمَا أَعْطَاهُم ثمَّ سلط عَلَيْهِم شَرّ خلقه بخْتنصر فَحرق التَّوْرَاة وَخرب بَيت الْمُقَدّس وعزير يَوْمئِذٍ غُلَام فَقَالَ عُزَيْر: أَو كَانَ هَذَا فلحق الْجبَال والوحش فَجعل يتعبد فِيهَا وَجعل لَا يخالط النَّاس فَإِذا هُوَ ذَات يَوْم بِامْرَأَة عِنْد قبر وَهِي تبْكي فَقَالَ: يَا أمة الله اتقِي الله واحتسبي واصبري أما تعلمين أَن سَبِيل النَّاس إِلَى الْمَوْت فَقَالَت: يَا عُزَيْر اتنهاني أَن أبْكِي وَأَنت خلفت بني إِسْرَائِيل وَلَحِقت بالجبال والوحش قَالَت: إِنِّي لست بِامْرَأَة وَلَكِنِّي الدُّنْيَا وَأَنه سينبع فِي مصلاك عين وتنبت شَجَرَة فَاشْرَبْ من الْعين وكل من ثَمَرَة الشَّجَرَة فَإِنَّهُ سيأتيك ملكان فاتركهما يصنعان مَا أَرَادَا
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد نبعت الْعين ونبتت الشَّجَرَة فَشرب من مَاء الْعين وَأكل من ثَمَرَة الشَّجَرَة وَجَاء ملكان ومعهما قَارُورَة فِيهَا نور فأوجراه مَا فِيهَا
فألهمه الله التَّوْرَاة فجَاء فأملاه على النَّاس فَقَالُوا عِنْد ذَلِك: عُزَيْر بن الله تعإلى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن كَعْب رضي الله عنه قَالَ: دَعَا عُزَيْر ربه عز وجل أَن يلقِي التَّوْرَاة كَمَا أنزل على مُوسَى عليه السلام فِي قلبه فأنزلها الله تَعَالَى عَلَيْهِ فَبعد ذَلِك قَالُوا: عُزَيْر بن الله
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن حميد الْخَرَّاط رضي الله عنه
أَن عُزَيْرًا كَانَ يَكْتُبهَا بِعشْرَة أَقْلَام فِي كل أصْبع قلم
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الزُّهْرِيّ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ عُزَيْر يقْرَأ التَّوْرَاة ظَاهرا وَكَانَ قد أعطي من الْقُوَّة مَا ان كَانَ ينظر فِي شرف السَّحَاب فَعِنْدَ ذَلِك قَالَت الْيَهُود: عُزَيْر بن الله
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ رضي الله عنه قَالَ: إِنَّمَا قَالَت الْيَهُود عُزَيْر بن الله لأَنهم ظَهرت عَلَيْهِم العمالقة فَقَتَلُوهُمْ وَأخذُوا التَّوْرَاة وهرب عُلَمَائهمْ الَّذين بقوا فدفنوا كتب التَّوْرَاة فِي الْجبَال وَكَانَ عُزَيْر يتعبد فِي رُؤُوس الْجبَال لَا ينزل إِلَّا فِي يَوْم عيد فَجعل الْغُلَام يبكي يَقُول: رب تركت بني إِسْرَائِيل بِغَيْر عَالم فَلم يزل يبكيهم حَتَّى سقط أشفار عَيْنَيْهِ فَنزل مرّة إِلَى الْعِيد فَلَمَّا رَجَعَ إِذا هُوَ بِامْرَأَة قد مثلت لَهُ عِنْد قبر من تِلْكَ الْقُبُور تبْكي تَقول: يَا مطعماه يَا كاسياه
فَقَالَ لَهَا: وَيحك من كَانَ يطعمك أَو يكسوك أَو يسقيك قبل هَذَا الرجل قَالَت: الله
قَالَ: فَإِن الله حَيّ لم يمت
قَالَت: يَا عُزَيْر فَمن كَانَ يعلم الْعلمَاء قبل بني إِسْرَائِيل قَالَ: الله
قَالَت: فَلم تبْكي عَلَيْهِم فَلَمَّا عرف أَنه قد خصم ولى مُدبرا
فدعته فَقَالَت: يَا عُزَيْر إِذا أَصبَحت غَدا فَائت نهر كَذَا وَكَذَا فاغتسل فِيهِ ثمَّ أخرج فصل رَكْعَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَأْتِيك شيخ فَمَا أَعْطَاك فَخذه
فَلَمَّا أصبح انْطلق عُزَيْر إِلَى ذَلِك النَّهر فاغتسل فِيهِ ثمَّ خرج فصلى رَكْعَتَيْنِ فَأَتَاهُ شيخ فَقَالَ: افْتَحْ فمك
فَفتح فَمه فألقمه فِيهِ شَيْئا كَهَيئَةِ الْجَمْرَة الْعَظِيمَة مُجْتَمع كَهَيئَةِ الْقَوَارِير ثَلَاث مَرَّات فَرجع عُزَيْر وَهُوَ من أعلم النَّاس بِالتَّوْرَاةِ فَقَالَ: يَا بني إِسْرَائِيل إِنِّي قد جِئتُكُمْ بِالتَّوْرَاةِ
فَقَالُوا لَهُ: مَا كنت كذابا فَعمد فَربط على كل أصْبع لَهُ قَلما ثمَّ كتب بأصابعه كلهَا فَكتب التَّوْرَاة فَلَمَّا رَجَعَ الْعلمَاء أخبروا بشأن عُزَيْر واستخرج أُولَئِكَ الْعلمَاء كتبهمْ الَّتِي كَانُوا رفعوها من التَّوْرَاة
فِي الْجبَال وَكَانَت فِي خواب مدفونة فعرضوها بتوراة عَزِيز فوجدوها مثلهَا فَقَالُوا: مَا أَعْطَاك الله إِلَّا وَأَنت ابْنه
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه وَابْن عَسَاكِر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ثَلَاث أَشك فِيهِنَّ
فَلَا أَدْرِي أَعُزَيْر كَانَ نَبيا أم لَا وَلَا أَدْرِي أَلعن تبعا أم لَا قَالَ: ونسيت الثَّالِثَة
وَأخرج البُخَارِيّ فِي تَارِيخه عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رضي الله عنه قَالَ: لما كَانَ يَوْم أحد شج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي وَجهه وَكسرت رباعيته فَقَامَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَوْمئِذٍ رَافعا يَدَيْهِ يَقُول إِن الله عز وجل اشْتَدَّ غَضَبه على الْيَهُود أَن قَالُوا عُزَيْر ابْن الله وَاشْتَدَّ غَضَبه على النَّصَارَى إِن قَالُوا أَن الْمَسِيح ابْن الله وَإِن الله اشْتَدَّ غَضَبه على من أراق دمي وَآذَانِي فِي عِتْرَتِي
وَأخرج ابْن النجار عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ عُزَيْر: يَا رب مَا عَلامَة من صافيته من خلقك فَأوحى الله إِلَيْهِ: أَن أقنعه باليسير وأدَّخر لَهُ فِي الْآخِرَة الْكثير
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما {يضاهئون قَول الَّذين كفرُوا من قبل} قَالَ: قَالُوا مثل مَا قَالَ أهل الْأَدْيَان
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {يضاهئون قَول الَّذين كفرُوا من قبل} يَقُول: ضاهت النَّصَارَى قَول الْيَهُود قبلهم فَقَالَت النَّصَارَى: الْمَسِيح بن الله
كَمَا قَالَت الْيَهُود: عُزَيْر بن الله
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {قَاتلهم الله} قَالَ: لعنهم الله وكل شَيْء فِي الْقُرْآن قتل فَهُوَ لعن
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن جريج رضي الله عنه فِي قَوْله {قَاتلهم الله} قَالَ: كلمة من كَلَام الْعَرَب
الْآيَة 31
أخرج ابْن سعد وَعبد بن حميد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن عدي بن حَاتِم رضي الله عنه قَالَ: أتيت النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يقْرَأ فِي سُورَة بَرَاءَة {اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله} فَقَالَ: أما أَنهم لم يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكنهُمْ كَانُوا إِذا أحلُّوا لَهُم شَيْئا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذا حرمُوا عَلَيْهِم شَيْئا حرمُوهُ
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَالْفِرْيَابِي وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن أبي البخْترِي رضي الله عنه قَالَ: سَأَلَ رجل حُذَيْفَة رضي الله عنه فَقَالَ: أَرَأَيْت قَوْله تَعَالَى {اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله} أكانوا يَعْبُدُونَهُمْ قَالَ: لَا وَلَكنهُمْ كَانُوا إِذا أحلُّوا لَهُم شَيْئا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذا حرمُوا عَلَيْهِم شَيْئا حرمُوهُ
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن حُذَيْفَة رضي الله عنه {اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ} قَالَ: أما أَنهم لم يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكنهُمْ أطاعوهم فِي مَعْصِيّة الله
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه {اتَّخذُوا أَحْبَارهم} الْيَهُود {وَرُهْبَانهمْ} النَّصَارَى {وَمَا أمروا} فِي الْكتاب الَّذِي أَتَاهُم وعهد إِلَيْهِم {إِلَّا ليعبدوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَه إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يشركُونَ} سبح نَفسه أَن يُقَال عَلَيْهِ الْبُهْتَان
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه قَالَ {أَحْبَارهم} قراؤهم {وَرُهْبَانهمْ} علماؤهم
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن جريج رضي الله عنه قَالَ: الْأَحْبَار من الْيَهُود والرهبان من النَّصَارَى
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ
مثله
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الفضيل بن عِيَاض رضي الله عنه قَالَ: الْأَحْبَار الْعلمَاء والرهبان الْعباد
الْآيَة 32
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ رضي الله عنه فِي قَوْله {يُرِيدُونَ أَن يطفئوا نور الله بأفواههم} قَالَ: الإِسلام بكلامهم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه فِي قَوْله {يُرِيدُونَ أَن يطفئوا نور الله} يَقُول: يُرِيدُونَ أَن يهْلك مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه أَن لَا يعبدوا الله بالإِسلام فِي الأَرْض يَعْنِي بهَا كفار الْعَرَب وَأهل الْكتاب من حَارب مِنْهُم النب صلى الله عليه وسلم ي وَكفر بآياته
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {يُرِيدُونَ أَن يطفئوا نور الله بأفواههم} قَالَ: هم الْيَهُود وَالنَّصَارَى
الْآيَة 33
أخرج أَحْمد وَمُسلم وَالْحَاكِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن عَائِشَة رضي الله عنها
أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ لَا يذهب اللَّيْل وَالنَّهَار حَتَّى تعبد اللات والعزى
فَقَالَت عَائِشَة رضي الله عنها: يَا رَسُول الله إِنِّي كنت أَظن حِين أنزل الله {لِيظْهرهُ على الدّين كُله} أَن ذَلِك سَيكون تَاما فَقَالَ: إِنَّه سَيكون من ذَلِك إِن شَاءَ الله ثمَّ يبْعَث الله ريحًا طيبَة فيتوفى من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل من خير فَيبقى من لَا خير فِيهِ يرجعُونَ إِلَى دين آبَائِهِم
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ رضي الله عنه {هُوَ الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى} يَعْنِي بِالتَّوْحِيدِ وَالْقُرْآن والإِسلام
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنه فِي قَوْله {لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ} قَالَ: يظْهر الله نبيه صلى الله عليه وسلم على أَمر الدّين كُله فيعطيه إِيَّاه كُله وَلَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء مِنْهُ وَكَانَ الْمُشْركُونَ وَالْيَهُود يكْرهُونَ ذَلِك
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: بعث الله مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم لِيظْهرهُ على الدّين كُله فديننا فَوق الْملَل ورجالنا فَوق نِسَائِهِم وَلَا يكونُونَ رِجَالهمْ فَوق نسائنا
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن الْمُنْذر وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن جَابر رضي الله عنه فِي قَوْله {لِيظْهرهُ على الدّين كُله} قَالَ: لَا يكون ذَلِك حَتَّى لَا يبْقى يَهُودِيّ وَلَا نَصْرَانِيّ صَاحب مِلَّة إِلَّا الإِسلام حَتَّى تأمن الشَّاة الذِّئْب وَالْبَقَرَة الْأسد والإِنسان الْحَيَّة وَحَتَّى لَا تقْرض فَأْرَة جراباً وَحَتَّى تُوضَع الْجِزْيَة وَيكسر الصَّلِيب وَيقتل الْخِنْزِير وَذَلِكَ إِذا نزل عِيسَى بن مَرْيَم عليه السلام
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة رَضِي الله فِي قَوْله {لِيظْهرهُ على الدّين كُله} قَالَ: الْأَدْيَان سِتَّة
الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَالَّذين أشركوا فالأديان كلهَا تدخل فِي دين الإِسلام والإِسلام لَا يدْخل فِي شَيْء مِنْهَا فَإِن الله قضى فِيمَا حكم وَأنزل أَن يظْهر دينه على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ
وَأخرج عبد بن حميد وَأَبُو الشَّيْخ عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه فِي قَوْله {لِيظْهرهُ على الدّين كُله} قَالَ: خُرُوج عِيسَى بن مَرْيَم عليه الصلاة والسلام
الْآيَة 34
أخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه فِي قَوْله {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن كثيرا من الْأَحْبَار} يَعْنِي عُلَمَاء الْيَهُود {والرهبان} عُلَمَاء النَّصَارَى {ليأكلون أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ} وَالْبَاطِل كتب كتبوها لم ينزلها الله تَعَالَى فَأَكَلُوا بهَا النَّاس وَذَلِكَ قَول الله تَعَالَى (الَّذين يَكْتُبُونَ الْكتاب بِأَيْدِيهِم ثمَّ يَقُولُونَ هُوَ من عِنْد الله وَمَا هُوَ من عِنْد الله)(الْبَقَرَة الْآيَة 79)
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ رضي الله عنه فِي الْآيَة قَالَ: أما الْأَحْبَار فَمن الْيَهُود وَأما الرهبان فَمن النَّصَارَى وَأما سَبِيل الله فمحمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الفضيل بن عَبَّاس رضي الله عنه قَالَ: اتبعُوا عَالم الْآخِرَة واحذروا عَالم الدُّنْيَا لَا يضركم بشكره ثمَّ تَلا هَذِه الْآيَة {إِن كثيرا من الْأَحْبَار والرهبان ليأكلون أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ ويصدون عَن سَبِيل الله}
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة} الْآيَة
قَالَ: هم الَّذين لَا يؤدون زَكَاة أَمْوَالهم وكل مَال لَا تُؤَدّى زَكَاته كَانَ على ظهر الأَرْض أَو فِي بَطنهَا فَهُوَ كنز وكل مَال أُدي زَكَاته فَلَيْسَ بكنز كَانَ على ظهر الأَرْض أَو فِي بَطنهَا
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: مَا أُدي زَكَاته فَلَيْسَ بكنز
وَأخرج مَالك وَابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عمر رضي الله عنهما قَالَ: مَا أُدي زَكَاته فَلَيْسَ بكنز وَإِن كَانَ تَحت سبع أَرضين وَمَا لم تُؤَد زَكَاته فَهُوَ كنز وَإِن كَانَ ظَاهرا
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عمر رضي الله عنهما مَرْفُوعا
مثله
وَأخرج ابْن عدي والخطيب عَن جَابر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَي مَال أدّيت زَكَاته فَلَيْسَ كنز وَأخرجه ابْن أبي شيبَة عَن جَابر رضي الله عنه مَوْقُوفا
وَأخرج أَحْمد فِي الزّهْد وَالْبُخَارِيّ وَابْن ماجة وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن ابْن عمر رضي الله عنهما فِي الْآيَة قَالَ: إِنَّمَا كَانَ هَذَا قبل أَن تنزل الزَّكَاة فَلَمَّا أنزلت جعلهَا الله طهرة للأموال ثمَّ قَالَ: مَا أُبَالِي لَو كَانَ عِنْدِي مثل أحد ذَهَبا اعْلَم عدده أزكيه وأعمل فِيهِ بِطَاعَة الله
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأَبُو الشَّيْخ عَن سعد بن أبي سعيد رضي الله عنه
أَن رجلا بَاعَ دَارا على عهد عمر رضي الله عنه فَقَالَ لَهُ عمر: احرز ثمنهَا احْفِرْ تَحت فرَاش امْرَأَتك
فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَو لَيْسَ كنز قَالَ: لَيْسَ بكنز مَا أُدي زَكَاته
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ عَن ام سَلمَة رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَت: يَا رَسُول الله إِن لي أَوْضَاحًا من ذهب أَو فضَّة أفكنز هُوَ قَالَ: كل شَيْء تُؤَدّى زَكَاته فَلَيْسَ بكنز
وَأخرج أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن ماجة وَابْن أبي حَاتِم وَابْن شاهين فِي التَّرْغِيب فِي الذّكر وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو نعيم فِي الْحِلْية عَن ثَوْبَان رضي الله عنه قَالَ: لما نزلت {وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة} كُنَّا مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي بعض أَسْفَاره فَقَالَ لَهُ أَصْحَابه: لَو علمنَا أَي المَال خير فَنَتَّخِذهُ
فَقَالَ أفضله لِسَان ذَاكر وقلب شَاكر وَزَوْجَة مُؤمنَة تعينه على إيمَانه
وَفِي لفظ: تعينه على أَمر الْآخِرَة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة فِي مُسْنده وَأَبُو دَاوُد وَأَبُو يعلى وَابْن أبي حَاتِم وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: لما نزلت هَذِه الْآيَة {وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة} كبر ذَلِك على الْمُسلمين وَقَالُوا: مَا يَسْتَطِيع أحد منا لوَلَده مَالا يبْقى بعده
فَقَالَ عمر رضي الله عنه: أَنا أفرج عَنْكُم
فَانْطَلق عمر رضي الله عنه وَاتبعهُ ثَوْبَان رضي الله عنه فَأتى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا نَبِي الله إِنَّه قد كبر على أَصْحَابك هَذِه الْآيَة
فَقَالَ إِن الله لم يفْرض الزَّكَاة إِلَّا ليطيب بهَا مَا بَقِي من أَمْوَالكُم وَإِنَّمَا فرض الْمَوَارِيث من أَمْوَال تبقى بعدكم
فَكبر عمر رضي الله عنه ثمَّ قَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: أَلا أخْبرك بِخَير مَا يكنز الْمَرْء الْمَرْأَة الصَّالِحَة الَّتِي إِذا نظر إِلَيْهَا سرته وَإِذا أمرهَا أَطَاعَته وَإِذا غَابَ عَنْهَا حفظته
وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ فِي الافراد وَابْن مرْدَوَيْه عَن بُرَيْدَة رضي الله عنه قَالَ: الصَّالِحَة الَّتِي إِذا نظر إِلَيْهَا سرته وَإِذا أمرهَا أَطَاعَته وَإِذا غَابَ عَنْهَا حفظته
وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ فِي الافراد وَابْن مرْدَوَيْه عَن بُرَيْدَة رضي الله عنه قَالَ: لما نزلت {وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة} الْآيَة
قَالَ أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: نزل الْيَوْم فِي الْكَنْز مَا نزل
فَقَالَ أَبُو بكر رضي الله عنه: يَا رَسُول الله مَاذَا نكنز الْيَوْم قَالَ لِسَانا ذَاكِرًا وَقَلْبًا شاكراً وَزَوْجَة صَالِحَة تعين أحدكُم على إيمَانه
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر عَن جَابر بن عبد الله رضي الله عنه قَالَ: إِذا أخرجت صَدَقَة كَنْزك فقد أذهبت شَره وَلَيْسَ بكنز
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه فِي قَوْله {وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة} قَالَ: هم أهل الْكتاب وَقَالَ: هِيَ خَاصَّة وَعَامة
وَأخرج ابْن الضريس عَن علْبَاء بن أَحْمَر
أَن عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ
قَالَ: لما أَرَادَ أَن يكْتب الْمَصَاحِف أَرَادوا أَن يلغوا الْوَاو الَّتِي فِي بَرَاءَة {وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة} قَالَ لَهُم أبي رضي الله عنه: لتلحقنها أَو لأضعن سَيفي على عَاتِقي
فالحقوها
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه قَالَ: أَرْبَعَة آلَاف فَمَا دونهَا نَفَقَة وَمَا فَوْقهَا كنز
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ رضي الله عنه فِي قَوْله {وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة} قَالَ: هَؤُلَاءِ أهل الْقبْلَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن عرَاك بن مَالك وَعمر بن عبد الْعَزِيز رضي الله عنهما
أَنَّهُمَا قَالَا: فِي قَول الله {وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة} قَالَا: نسختها الْآيَة الْأُخْرَى (خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ وتزكيهم بهَا)(الْآيَة)
الْآيَة 35
أخرج البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَا من صَاحب ذهب وَلَا فضَّة لَا يُؤَدِّي حَقّهَا إِلَّا جعلت لَهُ يَوْم الْقِيَامَة صَفَائِح ثمَّ أحمي عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم ثمَّ يكوى بهَا جَبينه وجبهته وظهره فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة حَتَّى يقْضِي بَين النَّاس فَيرى سَبيله إِمَّا إِلَى الْجنَّة أَو إِلَى النَّار
وَأخرج أَبُو يعلى وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَا يوضع الدِّينَار على الدِّينَار وَلَا الدِّرْهَم على الدِّرْهَم وَلَكِن يُوسع الله جلده {فتكوى بهَا جباههم وجنوبهم وظهورهم هَذَا مَا كنزتم لأنفسكم فَذُوقُوا مَا كُنْتُم تكنزون}
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن مَسْعُود رضي الله عنه فِي قَوْله {يَوْم يحمى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم} قَالَ: لَا يعذب رجل بكنز يكنزه فيمس دِرْهَم
درهما وَلَا دِينَار دِينَارا وَلَكِن يُوسع جلده حَتَّى يوضع كل دِينَار وَدِرْهَم على حِدته وَلَا يمس دِرْهَم درهما وَلَا دِينَار دِينَارا
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {فتكوى بهَا} الْآيَة
قَالَ: يُوسع بهَا جلده
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ رضي الله عنه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {يَوْم يحمى عَلَيْهَا} الْآيَة
قَالَ: حَيَّة تنطوي على جَنْبَيْهِ وجبهته فَتَقول: أَنا مَالك الَّذِي بخلت بِي
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ثَوْبَان رَضِي الله قَالَ: مَا من رجل يَمُوت وَعِنْده أَحْمَر وأبيض إِلَّا جعل الله لَهُ بِكُل قِيرَاط صفحة من نَار تكوى بهَا قدمه إِلَى ذقنه مغفوراً لَهُ بعد أَو معذباً
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن ثَوْبَان رضي الله عنه مَرْفُوعا
نَحوه
وَأخرج عبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف عَن أبي ذَر رضي الله عنه قَالَ: بشر أَصْحَاب الْكُنُوز بكي فِي الجباه وَفِي الْجنُوب وَفِي الظُّهُور
وَأخرج ابْن سعد وَابْن أبي شيبَة وَالْبُخَارِيّ وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن زيد بن وهب رضي الله عنه قَالَ: مَرَرْت على أبي ذَر رضي الله عنه بالربذة فَقلت: مَا أنزلك بِهَذِهِ الأَرْض قَالَ: كتابا لشام فَقَرَأت {وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل الله فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم} فَقَالَ مُعَاوِيَة: مَا هَذَا فِينَا هَذِه فِي أهل الْكتاب
قلت أَنا: إِنَّهَا لفينا وَفِيهِمْ
وَأخرج مُسلم وَابْن مرْدَوَيْه عَن الْأَحْنَف بن قيس رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ أَبُو ذَر رضي الله عنه فَقَالَ: بَشِّر الكانزين بكيٍّ من قبل ظُهُورهمْ يخرج من جنُوبهم وكَي من جباهم يخرج من أقفائهم
فَقلت: مَاذَا
قَالَ: مَا قلت إِلَّا مَا سَمِعت من نَبِيّهم صلى الله عليه وسلم
وَأخرج ابْن سعد وَأحمد عَن أبي ذَر رضي الله عنه قَالَ إِن خليلي عهد إليَّ أَن أَي مَال ذهب أَو فضَّة أوكئ عَلَيْهِ فَهُوَ جمر على صَاحبه حَتَّى يفرغه فِي سَبِيل الله وَكَانَ إِذا أَخذ عطاءه دَعَا خادمه فَسَأَلَهُ عَمَّا يَكْفِيهِ لسنة فَاشْتَرَاهُ ثمَّ اشْترى فُلُوسًا بِمَا بَقِي
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي ذَر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول
الله صلى الله عليه وسلم فِي الإِبل صدقتها وَفِي الْبَقر صدقتها وَفِي الْغنم صدقتها وَفِي الْبَز صدقته فَمن رفع دِينَار أَو درهما أَو تبراً أَو فضَّة لَا يعده لغريمه وَلَا يُنْفِقهُ فِي سَبِيل الله فَهُوَ كنز يكوى بِهِ يَوْم الْقِيَامَة
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه مَرْفُوعا
مثله
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم
إِنَّه قَالَ الدِّينَار كنز وَالدِّرْهَم كنز والقيراط كنز
وَأخرج أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ثَوْبَان رضي الله عنه قَالَ: كَانَ نصل سيف أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه من فضَّة فَقَالَ لَهُ أَبُو ذَر رضي الله عنه: أما سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول مَا من رجل ترك صفراء وَلَا بَيْضَاء إِلَّا كوي بهَا
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي أُمَامَة رضى الله عَنهُ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول مَا من أحد يَمُوت فَيتْرك صفراء أَو بَيْضَاء إِلَّا كوي بهَا يَوْم الْقِيَامَة مغفوراً لَهُ بعد أَو معذباً
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن جَابر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَا من ذِي كنز لَا يُؤَدِّي حَقه إِلَّا جِيءَ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة يكوى بِهِ جَبينه وجبهته وَقيل لَهُ: هَذَا كَنْزك الَّذِي بخلت بِهِ
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَأَبُو بكر الشَّافِعِي فِي الغيلانيات عَن عَليّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن الله فرض على أَغْنِيَاء الْمُسلمين فِي أَمْوَالهم الْقدر الَّذِي يسع فقراءهم وَلنْ يجْهد الْفُقَرَاء إِذا جَاعُوا أَو عروا إِلَّا بِمَا يمْنَع أغنياؤهم أَلا وَإِن الله يحاسبهم حسابا شَدِيدا أَو يعذبهم عذَابا أَلِيمًا
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير عَن أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَانع الزَّكَاة يَوْم الْقِيَامَة فِي النَّار
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن ابْن مَسْعُود رضي الله عنه قَالَ: مَانع الزَّكَاة لَيْسَ بِمُسلم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه قَالَ: لَا صَلَاة إِلَّا بِزَكَاة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن ابْن مَسْعُود رضي الله عنه قَالَ لاوي الصَّدَقَة - يَعْنِي مانعها - مَلْعُون على لِسَان مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم يَوْم الْقِيَامَة
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَضَعفه الذَّهَبِيّ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رضي الله عنه عَن بِلَال قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَا بِلَال الق الله فَقِيرا وَلَا تلقه غَنِيا
قلت: وَكَيف لي بذلك قَالَ: إِذا رزقت فَلَا تخبا وَإِذا سُئِلت فَلَا تمنع
قلت: وَكَيف لي بذلك قَالَ: هُوَ ذَاك وَإِلَّا فَالنَّار
وَأخرج أَحْمد فِي الزّهْد عَن أبي بكر بن الْمُنْكَدر قَالَ: بعث حبيب بن سَلمَة إِلَى أبي ذَر وَهُوَ أَمِير الشَّام بثلاثمة دِينَار وَقَالَ: اسْتَعِنْ بهَا على حَاجَتك
فَقَالَ أَبُو ذَر: ارْجع بهَا إِلَيْهِ أما وجد أحدا أغر بِاللَّه منا مَا لنا إِلَّا الظل نتوارى بِهِ وَثَلَاثَة من غنم تروح علينا ومولاة لنا تصدق علينا بخدمتها ثمَّ إِنِّي لأَنا أَتَخَوَّف الْفضل
وَأخرج أَحْمد فِي الزّهْد عَن أبي ذَر رضي الله عنه قَالَ: ذُو الدرهمين أَشد حبسا من ذِي الدِّرْهَم
وَأخرج البُخَارِيّ وَمُسلم عَن الْأَحْنَف بن قيس قَالَ: جَلَست إِلَى مَلأ من قُرَيْش فجَاء رجل خشن الشّعْر وَالثيَاب والهيئة حَتَّى قَامَ عَلَيْهِم فَسلم ثمَّ قَالَ: بشر الكانزين برضف يحمي عَلَيْهِ فِي نَار جَهَنَّم ثمَّ يوضع على حلمة ثدي أحدهم حَتَّى يخرج من نغض كتفه وَيُوضَع على نغض كتفه حَتَّى يخرج من حلمة ثديه فيتدلدل
ثمَّ ولي وَجلسَ إِلَى سَارِيَة وتبعته وَجَلَست إِلَيْهِ وَأَنا لَا أَدْرِي من هُوَ
فَقلت: لَا أرى الْقَوْم إِلَّا قد كَرهُوا مَا قلت
قَالَ: إِنَّهُم لَا يعْقلُونَ شَيْئا
قَالَ لي خليلي
قلت: من خَلِيلك قَالَ: النَّبِي صلى الله عليه وسلم اتبصر أحدا قلت: نعم
قَالَ: مَا أحب أَن يكون لي مثل أحد ذَهَبا انفقه كُله إِلَّا ثَلَاثَة دَنَانِير وَإِن هَؤُلَاءِ لَا يعْقلُونَ انما يجمعُونَ للدنيا وَالله لَا أسألهم دنيا وَلَا استفتيهم عَن دين حَتَّى ألْقى الله عز وجل
وَأخرج أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ عَن شَدَّاد بن أَوْس قَالَ: كَانَ أَبُو ذَر رضي الله عنه يسمع من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْأَمر فِيهِ الشدَّة ثمَّ يخرج إِلَى باديته ثمَّ يرخص فِيهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذَلِك فيحفظ من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِك الْأَمر الرُّخْصَة فَلَا يسْمعهَا أَبُو ذَر فَيَأْخُذ أَبُو ذَر بِالْأَمر الأول الَّذِي سمع قبل ذَلِك
الْآيَة 36
وَأخرج أَحْمد وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان عَن أبي بكرَة أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم خطب فِي حجَّته فَقَالَ: أَلا إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَته يَوْم خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض السّنة اثْنَا عشر شهرا: مِنْهَا أَرْبَعَة حرم ثَلَاثَة مُتَوَالِيَات ذُو الْعقْدَة وَذُو الْحجَّة وَالْمحرم وَرَجَب مُضر الَّذِي بَين جُمَادَى وَشَعْبَان
وَأخرج الْبَزَّار وَابْن جرير وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَته يَوْم خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض مِنْهَا أَرْبَعَة حرم ثَلَاثَة مُتَوَالِيَات وَرَجَب مُضر بَين جُمَادَى وَشَعْبَان
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عمر رضي الله عنه قَالَ: خطب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي حجَّة الْوَدَاع بمنى فِي أَوسط أَيَّام التَّشْرِيق فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَته يَوْم خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض وَإِن عدَّة الشُّهُور عِنْد الله اثْنَا عشر شهرا مِنْهَا أَرْبَعَة حرم أولهنَّ رَجَب مُضر بَين جُمَادَى وَشَعْبَان وَذُو الْقعدَة وَذُو الْحجَّة وَالْمحرم
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم خطب النَّاس فَقَالَ: أَيهَا النَّاس إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَته يَوْم خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض مِنْهَا أَرْبَعَة حرم ثَلَاث مُتَوَالِيَات رَجَب مُضر حرَام إِلَّا وَإِن النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر يضل بِهِ الَّذين كفرُوا
وَأخرج أَحْمد والبارودي وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي حَمْزَة الرقاشِي عَن عَمه - وَكَانَت لَهُ صُحْبَة - قَالَ: كنت آخِذا بزمام نَاقَة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي أَوسط أَيَّام التَّشْرِيق أذود النَّاس عَنهُ فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس هَل تَدْرُونَ فِي أَي شهر أَنْتُم وَفِي أَي يَوْم أَنْتُم وَفِي أَي بلد أَنْتُم قَالُوا: فِي يَوْم حرَام وَشهر حرَام وبلد حرَام قَالَ: فَإِن دمائكم وَأَمْوَالكُمْ واعراضكم عَلَيْكُم حرَام كَحُرْمَةِ يومكم هَذَا فِي شهركم هَذَا فِي بلدكم هَذَا إِلَى يَوْم تلقونه ثمَّ قَالَ: اسمعوا مني تعيشوا أَلا لَا
تتظالموا أَلا لَا تتظالموا إِنَّه لَا يحل مَال امرىء إِلَّا بِطيب نفس مِنْهُ أَلا أَن كل دم وَمَال ومأثرة كَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة تَحت قدمي هَذِه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَإِن أول دم يوضع دم ربيعَة بن الْحَرْث بن عبد الْمطلب كَانَ مسترضعاً فِي بني لَيْث فَقتله هُذَيْل أَلا وَإِن كل رَبًّا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة مَوْضُوع وَإِن الله قضى أَن أول رَبًّا يوضع رَبًّا الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب لكم رُؤُوس أَمْوَالكُم لَا تظْلمُونَ وَلَا تظْلمُونَ أَلا إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَته يَوْم خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض أَلا وَإِن عدَّة الشُّهُور عِنْد الله اثْنَا عشر شهرا فِي كتاب الله يَوْم خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض مِنْهَا أَرْبَعَة حرم ذَلِك الدّين الْقيم فَلَا تظلموا فِيهِنَّ أَنفسكُم أَلا لَا ترجعوا بعدِي كفَّارًا يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض إِلَّا إِن الشَّيْطَان قد آيس أَن يعبده المصلون فِي جَزِيرَة الْعَرَب وَلكنه فِي التحريش بَينهم وَاتَّقوا الله فِي النِّسَاء فانهن عوان عنْدكُمْ لَا يملكن لأنفسهن شَيْئا وَإِن لَهُنَّ عَلَيْكُم حَقًا وَلكم عَلَيْهِنَّ حَقًا أَن لَا يطئن فرشكم أحدا غَيْركُمْ وَلَا يَأْذَن فِي بُيُوتكُمْ لأحد تكرهونه فَإِن خِفْتُمْ نشوزهن فعظوهن واهجروهن فِي الْمضَاجِع واضربوهن ضربا غير مبرح ولهن رزقهن وكسوتهن بِالْمَعْرُوفِ وَإِنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بأمانة الله واستحللتم فروجهن بِكَلِمَة الله أَلا وَمن كَانَت عِنْده أَمَانَة فليؤدها إِلَى من ائتمنه عَلَيْهَا وَبسط يَدَيْهِ
وَقَالَ: اللهمَّ قد بلغت أَلا هَل بلغت ثمَّ قَالَ: ليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب فَإِنَّهُ رُبَّ مبلغ أسعد من سامع
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما {مِنْهَا أَرْبَعَة حرم} قَالَ: المحرَّم وَرَجَب وَذُو الْقعدَة وَذُو الْحجَّة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه قَالَ: إِنَّمَا سُمِّينَ حُرُماً لِئَلَّا يكون فِيهِنَّ حَرْب
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما {ذَلِك الدّين الْقيم} قَالَ: الْقَضَاء الْقيم
وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن محببة الْبَاهِلِيّ عَن أَبِيه أَو عَمه
أَنه آتِي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَاسْلَمْ ثمَّ انْطلق فَأَتَاهُ بعد سنة وَقد تَغَيَّرت حَاله وهيئته فَقَالَ: يَا رَسُول الله وَمَا تعرفنِي قَالَ: وَمن أَنْت قَالَ: أَنا الْبَاهِلِيّ الَّذِي جئْتُك عَام الأول
قَالَ: فَمَا غيَّرك وَقد كنت حسن الْهَيْئَة قَالَ: مَا أكلت طَعَاما مُنْذُ فارقتك إِلَّا قَلِيل
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: لم عذبت نَفسك ثمَّ قَالَ: صم شهر
الصَّبْر وَيَوْما من كل شهر
قَالَ: زِدْنِي فَإِن لي قُوَّة
قَالَ: صم يَوْمَيْنِ
قَالَ: زِدْنِي
قَالَ: صم ثَلَاثَة أَيَّام
قَالَ: زِدْنِي
قَالَ: صم من الْحرم واترك صم من الْحرم واترك وَقَالَ بأصابعه الثَّلَاثَة فَضمهَا ثمَّ أرسلها
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَن أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من صَامَ من شهر حرَام الْخَمِيس وَالْجُمُعَة والسبت كتب الله لَهُ عبَادَة سنتَيْن
وَأخرج مُسلم وَأَبُو دَاوُد عَن عُثْمَان بن حَكِيم رضي الله عنه قَالَ: سَأَلت سعيد بن جُبَير رضي الله عنه عَن صِيَام رَجَب فَقَالَ: اخبرني ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَصُوم حَتَّى نقُول لَا يفْطر وَيفْطر حَتَّى نقُول لَا يَصُوم
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من صَامَ يَوْمًا من رَجَب كَانَ كصيام سنة وَمن صَامَ سَبْعَة أَيَّام غلقت عَنهُ سَبْعَة أَبْوَاب جَهَنَّم وَمن صَامَ ثَمَانِيَة أَيَّام فتحت لَهُ ثَمَانِيَة أَبْوَاب الْجنَّة وَمن صَامَ عشرَة أَيَّام لم يسْأَل الله عز وجل شَيْئا الا أعطَاهُ وَمن صَامَ خَمْسَة عشر يَوْمًا نَادَى مُنَاد من السَّمَاء قد غفرت لَك مَا سلف فاستأنف الْعَمَل قد بدلت سَيِّئَاتكُمْ حَسَنَات من زَاد زَاده الله
وَفِي رَجَب حمل نوح عليه السلام فِي السَّفِينَة فصَام نوح عليه السلام وَأمر من مَعَه أَن يَصُومُوا وَجَرت بهم السَّفِينَة سِتَّة أشهر إِلَى آخر ذَلِك لعشر خلون من الْمحرم
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ والأصبهاني عَن أبي قلَابَة رضي الله عنه قَالَ: فِي الْجنَّة قصر لصوام رَجَب قَالَ الْبَيْهَقِيّ: مَوْقُوف على أبي قلَابَة وَهُوَ من التَّابِعين فَمثله لَا يَقُول ذَلِك إِلَّا عَن بَلَاغ عَمَّن فَوْقه مِمَّن يَأْتِيهِ الْوَحْي
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ وَضَعفه عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لم يصم بعد رَمَضَان إِلَّا رَجَب وَشَعْبَان
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ وَضَعفه عَن عَائِشَة رضي الله عنها قَالَت: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَن رَجَب شهر الله ويدعى الْأَصَم وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة إِذا دخل رَجَب يعطلون أسلحتهم ويضعونها فَكَانَ النَّاس ينامون ويأمن السَّبِيل وَلَا يخَافُونَ بَعضهم بَعْضًا حَتَّى يَنْقَضِي
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن قيس بن أبي حَازِم رضي الله عنه قَالَ: كن نسمي رَجَب الْأَصَم فِي الْجَاهِلِيَّة من شدَّة حرمته فِي أَنْفُسنَا
وَأخرج البُخَارِيّ وَالْبَيْهَقِيّ عَن أبي رَجَاء العطاردي رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا فِي
الْجَاهِلِيَّة إِذا دخل رَجَب نقُول: جَاءَ منصل الأسِنَّة لَا نَدع حَدِيدَة فِي سهم وَلَا حَدِيدَة فِي رمح إِلَّا انتزعناها فألقيناها
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن قيس بن أبي حَازِم رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا نسمي رَجَب الْأَصَم فِي الْجَاهِلِيَّة من شدَّة حرمته
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ وَضَعفه عَن سلمَان الْفَارِسِي رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي رَجَب يَوْم وَلَيْلَة من صَامَ ذَلِك الْيَوْم وَقَامَ تِلْكَ اليلة كَانَ كمن صَامَ من الدَّهْر مائَة سنة وَقَامَ مائَة سنة وَهُوَ لثلاث بَقينَ من رَجَب وَفِيه بعث الله مُحَمَّدًا
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ وَضَعفه عَن أنس رضي الله عنه مَرْفُوعا فِي رَجَب لَيْلَة يكْتب لِلْعَامِلِ فِيهَا حَسَنَة مائَة سنة وَذَلِكَ لثلاث بَقينَ من رَجَب فَمن صلى فِيهَا اثْنَتَيْ عشرَة رَكْعَة يقْرَأ فِي كل رَكْعَة فَاتِحَة الْكتاب وَسورَة من الْقُرْآن يتَشَهَّد فِي كل رَكْعَتَيْنِ وَيسلم فِي آخِرهنَّ ثمَّ يَقُول: سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر مائَة مرّة ويستغفر الله مائَة مرّة وَيُصلي على النَّبِي صلى الله عليه وسلم مائَة مرّة وَيَدْعُو لنَفسِهِ مَا شَاءَ من أَمر دُنْيَاهُ وآخرته وَيُصْبِح صَائِما فَإِن الله يستجيب دعاءه كُله إِلَّا أَن يَدْعُو فِي الْمعْصِيَة
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا أَضْعَف من الَّذِي قبله
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ: إِنَّه مِنْكُن بِمرَّة عَن أنس رضي الله عنه مَرْفُوعا خيرة الله من الشُّهُور شهر رَجَب وَهُوَ شهر الله من عظم شهر رَجَب فقد عظم أَمر الله وَمن عظم أَمر الله أدخلهُ جنَّات النَّعيم وَأوجب لَهُ رضوانه الْأَكْبَر وَشَعْبَان شَهْري فَمن عظم شهر شعْبَان فقد عظم أَمْرِي وَمن عظم أَمْرِي كنت لَهُ فرطا وذخراً يَوْم الْقِيَامَة وَشهر رَمَضَان شهر أمتِي فَمن عظم شهر رَمَضَان وَعظم حرمته وَلم ينتهكه وَصَامَ نَهَاره وَقَامَ ليله وَحفظ جوارحه خرج من رَمَضَان وَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْب يَطْلُبهُ الله بِهِ
وَأخرج ابْن ماجة وَالْبَيْهَقِيّ وَضَعفه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم نهى عَن صَوْم رَجَب كُله
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {إِن عدَّة الشُّهُور عِنْد الله اثْنَا عشر شهرا فِي كتاب الله} قَالَ: يقرب بهَا شَرّ النسىء مَا نقص من السّنة
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {إِن عدَّة الشُّهُور عِنْد الله اثْنَا عشر شهرا فِي كتاب الله} ثمَّ
اخْتصَّ من ذَلِك أَرْبَعَة أشهر فجعلهن حرم وَعظم حرماتهن وَجعل الذَّنب فِيهِنَّ أعظم وَالْعَمَل الصَّالح وَالْأَجْر أعظم {فَلَا تظلموا فِيهِنَّ أَنفسكُم} قَالَ: فِي كُلهنَّ {وقاتلوا الْمُشْركين كَافَّة} يَقُول: جَمِيعًا
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {فَلَا تظلموا فِيهِنَّ أَنفسكُم} قَالَ: إِن الظُّلم فِي الشَّهْر الْحَرَام أعظم خَطِيئَة ووزراً من الظُّلم فِيمَا سواهُ وَإِن كَانَ الظُّلم على كل حَال عَظِيما وَلَكِن الله يعظم من أمره مَا شَاءَ وَقَالَ: إِن الله اصْطفى صفايا من خلقه اصْطفى من الْمَلَائِكَة رسلًا وَمن النَّاس رسلًا وَاصْطفى من الْكَلَام ذكره وَاصْطفى من الأَرْض الْمَسَاجِد وَاصْطفى من الشُّهُور رَمَضَان وَاصْطفى من الْأَيَّام يَوْم الْجُمُعَة وَاصْطفى من اللَّيَالِي لية الْقدر فَعَظمُوا مَا عظم الله فَإِنَّمَا تعظم الْأُمُور لما عظمها الله تَعَالَى بِهِ عِنْد أهل الْفَهم وَالْعقل
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس {فَلَا تظلموا فِيهِنَّ أَنفسكُم} قَالَ: فِي الشُّهُور كلهَا
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن زيد فِي قَوْله {فَلَا تظلموا فِيهِنَّ أَنفسكُم} قَالَ: الظُّلم الْعَمَل لمعاصي الله وَالتّرْك لطاعته
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مقَاتل فِي قَوْله {وقاتلوا الْمُشْركين كَافَّة} قَالَ: نسخت هَذِه الْآيَة كل آيَة فِيهَا رخصَة
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن كَعْب قَالَ: اخْتَار الله الْبلدَانِ فَأحب الْبلدَانِ إِلَى الله الْبَلَد الْحَرَام وَاخْتَارَ الله الزَّمَان فاحب الزَّمَان إِلَى الله الْأَشْهر الْحرم واحب الْأَشْهر إِلَى الله ذُو الْحجَّة وَأحب ذُو الْحجَّة إِلَى الله الْعشْر الأول مِنْهُ وَاخْتَارَ الله الْأَيَّام فَأحب الْأَيَّام إِلَى الله يَوْم الْجُمُعَة وَأحب اللَّيَالِي إِلَى الله لَيْلَة الْقدر وَاخْتَارَ الله سَاعَات وَاللَّيْل وَالنَّهَار فَأحب السَّاعَات إِلَى الله سَاعَات الصَّلَوَات المكتوبات وَاخْتَارَ الله الْكَلَام فَأحب الْكَلَام إِلَى الله لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر وَسُبْحَان الله وَالْحَمْد لله
الْآيَة 37
أخرج الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: كَانَت الْعَرَب يحلونَ عَاما شهرا وعاماً شَهْرَيْن وَلَا يصيبون الْحَج إِلَّا فِي كل سِتَّة وَعشْرين سنة مرّة وَهُوَ النسىء الَّذِي ذكر الله تَعَالَى فِي كِتَابه فَلَمَّا كَانَ عَام الْحَج الْأَكْبَر ثمَّ حج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من الْعَام الْمقبل فَاسْتقْبل النَّاس الْأَهِلّة فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَته يَوْم خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عمر قَالَ وقف رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِالْعقبَةِ فَقَالَ: إِن النسىء من الشَّيْطَان {زِيَادَة فِي الْكفْر يضل بِهِ الَّذين كفرُوا يحلونه عَاما ويحرمونه عَاما} فَكَانُوا يحرمُونَ الْمحرم عَاما ويحرمون صفراً عَاما ويستحلون الْمحرم وَهُوَ النسىء
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كَانَ جُنَادَة بن عَوْف الْكِنَانِي يُوفي الْمَوْسِم كل عَام وَكَانَ يكنى أَبَا ثمادة فينادي: أَلا أَن أَبَا ثمادة لَا يخَاف وَلَا يعاب أَلا إِن صفر الأول حَلَال وَكَانَ طوائف من الْعَرَب إِذا أَرَادوا أَن يُغيرُوا على بعض عدوهم أَتَوْهُ فَقَالُوا: أحل لنا هَذَا الشَّهْر - يعنون صفر - وَكَانَت الْعَرَب لَا تقَاتل فِي الْأَشْهر الْحرم فيحله لَهُم عَاما ويحرمه عَلَيْهِم فِي الْعَام الآخر وَيحرم الْمحرم فِي قَابل {ليواطئوا عدَّة مَا حرم الله} يَقُول: ليجعلوا الْحرم أَرْبَعَة غير أَنهم جعلُوا صفراً عَاما حَلَالا وعاماً حَرَامًا
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: كَانَت النساة حَيا من بني مَالك من كنَانَة من بني تَمِيم فَكَانَ أخراهم رجلا يُقَال لَهُ القلمس وَهُوَ الَّذِي أنسأ الْمحرم وَكَانَ ملكا كَانَ يحل الْمحرم عَاما ويحرمه عَاما فَإِذا حرمه كَانَت ثَلَاثَة أشهر مُتَوَالِيَة ذُو الْقعدَة وَذُو الْحجَّة وَالْمحرم وَهِي الْعدة الَّتِي حرم الله فِي عهد إِبْرَاهِيم عليه السلام فَإِذا أحله دخل مَكَانَهُ صفر فِي الْمحرم ليواطئ الْعدة يَقُول: قد أكملت الْأَرْبَعَة كَمَا كَانَت لِأَنِّي لم أحل شهرا إِلَّا وَقد حرمت مَكَانَهُ شهرا فَكَانَت على ذَلِك الْعَرَب من يدين للقلمس بِملكه حَتَّى بعث الله مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم فأكمل الْحرم ثَلَاثَة أشهر مُتَوَالِيَة وَرَجَب شهر مُضر الَّذِي بَين جُمَادَى وَشَعْبَان
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن أبي وَائِل رضي الله عنه فِي قَوْله {إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر} قَالَ: نزلت فِي رجل من بني كنَانَة يُقَال لَهُ نسيّ كَانَ يَجْعَل الْمحرم صفراً ليستحل فِيهِ الْمَغَانِم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن أبي وَائِل رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّاسِي رجلا من كنَانَة ذَا رَأْي يَأْخُذُونَ من رَأْيه رَأْسا فيهم فَكَانَ عَاما يَجْعَل الْمحرم صفراً فيغيرون فِيهِ ويستحلونه فيصيبون فيغنمون وَكَانَ عَاما يحرمه
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر} الْآيَة
قَالَ: عمد أنَاس من أهل الضَّلَالَة فزادوا صفر فِي أشهر الْحرم وَكَانَ يقوم قَائِلهمْ فِي الْمَوْسِم فَيَقُول: إِن آلِهَتكُم قد حرمت صفر فيحرمونه ذَلِك الْعَام وَكَانَ يُقَال لَهما الصفران وَكَانَ أول من نسأ النسىء بَنو مَالك من كنَانَة وَكَانُوا ثَلَاثَة أَبُو ثُمَامَة صَفْوَان بن أُميَّة أحد بني تَمِيم بن الْحَرْث ثمَّ أحد بني كنَانَة
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر} قَالَ: فرض الله الْحَج فِي ذِي الْحجَّة وَكَانَ الْمُشْركُونَ يسمون الْأَشْهر ذِي الْحجَّة وَالْمحرم وصفر وربيع وربيع وجمادى وجمادى وَرَجَب وَشَعْبَان ورمضان وشوال وَذُو الْقعدَة وَذُو الْحجَّة ثمَّ يحجون فِيهِ ثمَّ يسكتون عَن الْمحرم فَلَا يذكرُونَهُ ثمَّ يعودون فيسمون صفر صفر ثمَّ يسمون رَجَب جُمَادَى الآخر ثمَّ يسمون شعْبَان رَمَضَان ورمضان شَوَّال ويسمون ذَا الْقعدَة شَوَّال ثمَّ يسمون ذَا الْحجَّة ذَا الْقعدَة ثمَّ يسمون الْمحرم ذَا الْحجَّة ثمَّ يحجون فِيهِ واسْمه عِنْدهم ذُو الْحجَّة ثمَّ عَادوا مثل هَذِه الْقِصَّة فَكَانُوا يحجون فِي كل شهر عَاما حَتَّى وَافق حجَّة أبي بكر رضي الله عنه الْآخِرَة من الْعَام فِي ذِي الْقعدَة ثمَّ حج النَّبِي صلى الله عليه وسلم حجَّته الَّتِي حج فِيهَا فَوَافَقَ ذُو الْحجَّة فَذَلِك حِين يَقُول النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي خطبَته إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَته يَوْم خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ رضي الله عنه فِي الْآيَة قَالَ: كَانَ رجل من بني كنَانَة يُقَال لَهُ جُنَادَة بن عَوْف يكنى أَبَا أُمَامَة ينسئ الشُّهُور وَكَانَت الْعَرَب يشْتَد عَلَيْهِم أَن يمكثوا ثَلَاثَة أشهر لَا يُغيرُوا بَعضهم على بعض فَإِذا أَرَادَ أَن يُغير على أحد قَامَ يَوْمًا بمنى فَخَطب فَقَالَ: إِنِّي قد أحللت الْمحرم وَحرمت صفر مَكَانَهُ فَيُقَاتل النَّاس فِي الْمحرم فَإِذا كَانَ صفر عَمدُوا وَوَضَعُوا الأسنَّة ثمَّ يقوم فِي قَابل فَيَقُول: إِنِّي قد أحللت صفر وَحرمت الْمحرم فيواطئوا أَرْبَعَة أشهر فيحلوا الْمحرم
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {يحلونه عَاما ويحرمونه عَاما} قَالَ: هُوَ صفر كَانَت هوَازن وغَطَفَان يحلونه سنة ويحرمونه سنة
الْآيَة 38
أخرج سنيد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا مَا لكم إِذا قيل لكم انفروا} الْآيَة
قَالَ: هَذَا حِين أمروا بغزوة تَبُوك بعد الْفَتْح وحنين أَمرهم بالنفير فِي الصَّيف حِين خرقت الأَرْض فطابت الثِّمَار واشتهوا الظلال وشق عَلَيْهِم الْمخْرج فَأنْزل الله سبحانه وتعالى (انفروا خفافا وثقالا)(التَّوْبَة الْآيَة 41)
قَوْله تَعَالَى: {أرضيتم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الْآخِرَة فَمَا مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا قَلِيل} وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن المستور رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا عِنْد النَّبِي صلى الله عليه وسلم فتذاكروا الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَقَالَ بَعضهم: إِنَّمَا الدُّنْيَا بَلَاغ للآخرة فِيهَا الْعَمَل وفيهَا الصَّلَاة وفيهَا الزَّكَاة وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم: الْآخِرَة فِيهَا الْجنَّة
وَقَالُوا مَا شَاءَ الله فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا كَمَا يمشي أحدكُم إِلَى اليم فَأدْخل أُصْبُعه فِيهِ فَمَا خرج مِنْهُ فَهِيَ الدُّنْيَا
وَأخرجه أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن ماجة عَن المستور بن شَدَّاد رضي الله عنه قَالَ: كنت فِي ركب مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذْ مر بسخلة ميتَة فَقَالَ أَتَرَوْنَ هَذِه هَانَتْ على أَهلهَا حِين ألقوها قَالُوا: من هوانها ألقوها يَا رَسُول الله قَالَ: فالدنيا أَهْون على الله من هَذِه على أَهلهَا
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن ابْن مَسْعُود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن الله جعل الدُّنْيَا قَلِيلا وَمَا بَقِي مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيل كالثعلب فِي الغدير شرب صَفوه وَبَقِي كدره
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: دخل عمر رضي الله عنه على النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَهُوَ على حَصِير قد أثر فِي جنبه فَقَالَ: يَا رَسُول الله لَو اتَّخذت فرشاً أوثر من هَذَا فَقَالَ مَا لي وللدنيا وَمَا للدنيا وَمَا لي وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا مثلي وَمثل الدُّنْيَا إِلَّا كراكب سَار فِي يَوْم صَائِف فاستظل تَحت شَجَرَة سَاعَة ثمَّ رَاح وَتركهَا
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَابْن ماجة وَالْحَاكِم عَن ابْن مَسْعُود رضي الله عنه أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم نَام على حَصِير فَقَامَ وَقد أثر فِي جنبه فَقُلْنَا يَا رَسُول الله: لَو اتخذنا لَك فَقَالَ: مَا لي وللدنيا مَا أَنا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كراكب استظل تَحت ظلّ شَجَرَة ثمَّ رَاح وَتركهَا
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن سهل رضي الله عنه قَالَ: مر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِذِي الحليفة فَرَأى شَاة شَائِلَة برجلها فَقَالَ أَتَرَوْنَ هَذِه الشَّاة هينة على صَاحبهَا قَالُوا: نعم يَا رَسُول الله
قَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ للدنيا أَهْون على الله من هَذِه على صَاحبهَا وَلَو كَانَت تعدل عِنْد الله جنَاح بعوضة مَا سقِِي الْكَافِر مِنْهَا شربة مَاء
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: من أحب دُنْيَاهُ أضرّ بآخرته وَمن أحب آخرته أضرَّ بدنياه فآثروا مَا يبْقى على مَا يفنى
وَأخرج الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ فِي نَوَادِر الْأُصُول وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب المنامات وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ عَن النُّعْمَان بن بشير رضي الله عنه سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: إِنَّه لم يبْق من الدُّنْيَا إِلَّا مثل الذُّبَاب تمور فِي جوها فَالله الله فِي اخوانكم من أهل الْقُبُور فَإِن أَعمالكُم تعرض عَلَيْهِم
وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ عَن قَتَادَة بن النُّعْمَان رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذا أحب الله عبدا حماه من الدُّنْيَا كَمَا يحمي أحدكُم مريضه المَاء
وَأخرج أَحْمد وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ عَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ رضي الله عنه سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: حلوة الدُّنْيَا مرّة الْآخِرَة وَمرَّة الدُّنْيَا حلوة الْآخِرَة
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ عَن أبي جُحَيْفَة قَالَ: أكلت لَحْمًا كثيرا وثريداً ثمَّ جِئْت فَقَعَدت قبال النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَجعلت أتجشأ فَقَالَ اقصر من جشائك فَإِن أَكثر النَّاس شبعاً فِي الدُّنْيَا أَكْثَرهم جوعا فِي الْآخِرَة
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ عَن عَائِشَة رضي الله عنها قَالَت: قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم يَا عَائِشَة إِن أردْت اللحوق بِي فليكفك من الدُّنْيَا كزاد الرَّاكِب وَلَا تستخلفي ثوبا حَتَّى ترقعيه وَإِيَّاك ومجالسة الْأَغْنِيَاء
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَضَعفه الذَّهَبِيّ عَن سعد بن طَارق رضي الله عنه عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم نعمت الدَّار الدُّنْيَا لمن تزوّد مِنْهَا لآخرته حَتَّى يُرْضِي ربه وبئست الدَّار لمن صدته عَن آخرته وَقصرت بِهِ عَن رضَا ربه وَإِذا قَالَ العَبْد: قبَّح الله الدُّنْيَا
قَالَت الدُّنْيَا: قبح الله أعصانا لرَبه
وَأخرج ابْن ماجة وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ عَن سهل بن سعد رضي الله عنه أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم وعظ فَقَالَ: ازهد الدُّنْيَا يحبك الله وازهد فِيمَا فِي أَيدي النَّاس يحبك النَّاس
وَأخرج أَحْمد وَالْحَاكِم عَن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الدُّنْيَا سجن الْمُؤمن وسننه فَإِذا خرج من الدُّنْيَا فَارق السجْن وَالسّنة
وَأخرج الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ عَن حُذَيْفَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من أصبح وَالدُّنْيَا أكبر همه فَلَيْسَ من الله فِي شَيْء وَمن لم يهتم للْمُسلمين فَلَيْسَ مِنْهُم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان رضي الله عنه عَن أشياخه قَالَ: دخل سعد رضي الله عنه على سلمَان يعودهُ فَبكى فَقَالَ سعد: مَا يبكيك يَا أَبَا عبد الله قَالَ: توفّي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَنْك رَاض وَترد عَلَيْهِ الْحَوْض وتلقى أَصْحَابك
قَالَ: مَا أبْكِي جزعاً من الْمَوْت وَلَا حرصاً على الدُّنْيَا وَلَكِن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عهد إِلَيْنَا عهدا
قَالَ ليكن بلغَة أحدكُم من الدُّنْيَا كزاد الرَّاكِب
وحولي هَذِه الأساودة وَإِنَّمَا حوله اجانة وجفنة ومطهرة
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَأْتِي على النَّاس زمَان يَتَحَلَّقُونَ فِي مَسَاجِدهمْ وَلَيْسَ هَمهمْ إِلَّا الدُّنْيَا لَيْسَ لله فيهم حَاجَة فَلَا تُجَالِسُوهُمْ
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَضَعفه الذَّهَبِيّ عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم اقْتَرَبت السَّاعَة وَلَا يزْدَاد النَّاس على الدُّنْيَا إِلَّا حرصاً وَلَا يزدادون من الله إِلَّا بعدا
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد فِي الزّهْد عَن سُفْيَان قَالَ: كتب عمر إِلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَالَ: لَو كَانَت الدُّنْيَا تزن عِنْد الله جنَاح ذُبَابَة مَا سقى مِنْهَا كَافِرًا شربة مَاء
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن المستور قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا كَمَا يَجْعَل أحدكُم أُصْبُعه فِي اليم ثمَّ يرفعها فَلْينْظر ثمَّ يرجع
وَأخرج عبد الله بن أَحْمد فِي زَوَائِد الزّهْد وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ قَالَ: قلت يَا أَبَا هُرَيْرَة: سَمِعت اخواني بِالْبَصْرَةِ يَزْعمُونَ أَنَّك تَقول: سَمِعت نَبِي الله صلى الله عليه وسلم يَقُول إِن الله يَجْزِي بِالْحَسَنَة ألف ألف حَسَنَة فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: إِن الله يَجْزِي بِالْحَسَنَة ألفي ألف حَسَنَة ثمَّ تَلا هَذِه الْآيَة {فَمَا مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا قَلِيل} فالدنيا مَا مضى مِنْهَا إِلَى مَا بَقِي مِنْهَا عِنْد الله قَلِيل وَقَالَ (من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا فيضاعفه لَهُ أضعافاً كَثِيرَة)(الْبَقَرَة الْآيَة 245) فَكيف الْكثير عِنْد الله تَعَالَى إِذا كَانَت الدُّنْيَا مَا مضى مِنْهَا وَمَا بَقِي عِنْد الله قَلِيل
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الْأَعْمَش فِي قَوْله {فَمَا مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا قَلِيل} كزاد الرَّاعِي
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن أبي حَازِم قَالَ: لما حضرت عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان الْوَفَاة قَالَ: ائْتُونِي بكفني الَّذِي أكفن فِيهِ أنظر إِلَيْهِ فَلَمَّا وضع بَين يَدَيْهِ نظر إِلَيْهِ فَقَالَ: أمالي كثير مَا أخلف من الدُّنْيَا إِلَّا هَذَا ثمَّ ولى ظَهره وَبكى وَقَالَ: أُفٍّ لَك من دَار إِن كَانَ كثيرك الْقَلِيل وَإِن كَانَ قليلك الْكثير وَإِن كُنَّا مِنْك لفي غرور
الْآيَة 39
وَأخرج أَبُو دَاوُد وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {إِلَّا تنفرُوا يعذبكم عذَابا أَلِيمًا} قَالَ: أَن رَسُول الله
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اسْتنْفرَ حَيا من أَحيَاء الْعَرَب فتثاقلوا عَنهُ فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة فَأمْسك عَنْهُم الْمَطَر فَكَانَ ذَلِك عَذَابهمْ
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عِكْرِمَة قَالَ: لما نزلت {إِلَّا تنفرُوا يعذبكم عذَابا أَلِيمًا} وَقد كَانَ تخلف عَنهُ نَاس فِي البدو يفقهُونَ قَومهمْ فَقَالَ المُنَافِقُونَ: قد بَقِي نَاس فِي الْبَوَادِي
وَقَالُوا: هلك أَصْحَاب الْبَوَادِي فَنزلت (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لينفروا كَافَّة)(التَّوْبَة الْآيَة 122)
وَأخرج أَبُو دَاوُد وَابْن أبي حَاتِم والنحاس وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {إِلَّا تنفرُوا يعذبكم عذَابا أَلِيمًا} قَالَ: نسختها (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لينفروا كَافَّة)
الْآيَة 40
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {إِلَّا تنصروه فقد نَصره الله} قَالَ: ذكر مَا كَانَ من أول شَأْنه حَتَّى بعث يَقُول الله: فَأَنا فَاعل ذَلِك بِهِ وناصره كَمَا نصرته إِذْ ذَاك وَهُوَ ثَانِي اثْنَيْنِ
وَأخرج ابْن سعد وَابْن أبي شيبَة وَأحمد وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن أبي حَاتِم عَن الْبَراء بن عَازِب رضي الله عنه قَالَ: اشْترى أَبُو بكر رضي الله عنه من عَازِب رجلا بِثَلَاثَة عشر درهما فَقَالَ لعازب: مر الْبَراء فليحمله إِلَى منزلي
فَقَالَ: لَا حَتَّى تحدثنا كَيفَ صنعت حَيْثُ خرج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَأَنت مَعَه فَقَالَ أَبُو بكر رَضِي الله
عَنهُ: خرجنَا فأدلجنا فأحثثنا يَوْمًا وَلَيْلَة حَتَّى أظهرنَا وَقَامَ قَائِم الظهيرة فَضربت ببصري هَل أرى ظلاً فآوي إِلَيْهِ فَإِذا أَنا بصخرة فَأَهْوَيْت إِلَيْهَا فَإِذا بَقِيَّة ظلها فسويته لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم وفرشت لَهُ فَرْوَة وَقلت اضْطجع يَا رَسُول الله فاضطجع ثمَّ خرجت أنظر هَل أرى أحدا من الطّلب فَإِذا أَنا براعي غنم فَقلت: لمن أَنْت يَا غُلَام فَقَالَ: لرجل من قُرَيْش فَسَماهُ فعرفته فَقلت: هَل فِي غنمك من لبن قَالَ: نعم
فَقلت: وَهل أَنْت حالب لي قَالَ: نعم
قَالَ: فَأَمَرته فاعتقل لي شَاة مِنْهَا ثمَّ أَمرته فنفض ضرْعهَا من الْغُبَار ثمَّ أَمرته فنفض كفيه وَمَعِي اداوة على فمها خرقَة فَحلبَ لي كثبة من اللَّبن فَصَبَبْت على الْقدح من المَاء حَتَّى برد أَسْفَله ثمَّ أتيت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فوافقته قد اسْتَيْقَظَ فَقلت: اشرب يَا رَسُول الله فَشرب حَتَّى رضيت ثمَّ قلت: هَل آن الرحيل قَالَ: فارتحلنا وَالْقَوْم يطلبونا فَلم يدركنا مِنْهُم إِلَّا سراقَة على فرس لَهُ فَقلت: يَا رَسُول الله هَذَا الطّلب قد لحقنا فَقَالَ: لَا تحزن إِن الله مَعنا حَتَّى إِذا دنا فَكَانَ بَيْننَا وَبَينه قدر رمح أَو رُمْحَيْنِ أَو ثَلَاثَة فَقلت: يَا رَسُول الله هَذَا الطّلب قد لحقنا وبكيت
قَالَ: لم تبك
فَقلت: أما وَالله لَا أبْكِي على نَفسِي وَلَكِنِّي أبْكِي عَلَيْك
فَدَعَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَقَالَ اللهمَّ اكفناه بِمَا شِئْت فساخت فرسه إِلَى بَطنهَا فِي أَرض صلد ووثب عَنْهَا وَقَالَ: يَا مُحَمَّد إِن هَذَا عَمَلك فَادع الله أَن ينجيني مِمَّا أَنا فِيهِ فوَاللَّه لأعمين على من ورائي من الطّلب وَهَذِه كِنَانَتِي فَخذ مِنْهَا سَهْما فَإنَّك ستمر بإبلي وغنمي فِي مَوضِع كَذَا وَكَذَا فَخذ مِنْهَا حَاجَتك
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَا حَاجَة لي فِيهَا ودعا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَأطلق وَرجع إِلَى أَصْحَابه وَمضى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَأَنا مَعَه حَتَّى قدمنَا الْمَدِينَة فَتَلقاهُ النَّاس فَخَرجُوا على الطّرق وعَلى الأجاجير وَاشْتَدَّ الخدم وَالصبيان فِي الطّرق الله أكبر جَاءَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مُحَمَّد تنَازع الْقَوْم أَيهمْ ينزل عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أنزل اللَّيْلَة على بني النجار أخوال عبد الْمطلب لأكرمهم بذلك
فَلَمَّا أصبح غَدا حَيْثُ أَمر
وَأخرج البُخَارِيّ عَن سراقَة بن مَالك رضي الله عنه قَالَ: خرجت أطلب النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَأَبا بكر رضي الله عنه حَتَّى إِذا دَنَوْت مِنْهُمَا عثرت بِي فرسي فَقُمْت فركبت حَتَّى إِذا سَمِعت قِرَاءَة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ لَا يلْتَفت وَأَبُو بكر رضي الله عنه يكثر التلفت ساخت يدا فرسي فِي الأَرْض حَتَّى بلغتا الرُّكْبَتَيْنِ فَخَرَرْت عَنْهَا ثمَّ
زجرتها فَنَهَضت فَلم تكد تخرج يَديهَا فَلَمَّا اسْتَوَت قَائِمَة إِذا لأثر يَديهَا عنان سَاطِع فِي السَّمَاء مثل الدُّخان فناديتهما بالأمان: فوقفا لي وَوَقع فِي نَفسِي حِين لقِيت مَا لقِيت من الْحَبْس عَنْهُمَا أَنه سَيظْهر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو نعيم فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: لما خرج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من اللَّيْل لحق بِغَار ثَوْر قَالَ: وَتَبعهُ أَبُو بكر رضي الله عنه فَلَمَّا سمع رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حسَّه خَلفه خَافَ أَن يكون الطّلب فَلَمَّا رأى ذَلِك أَبُو بكر رضي الله عنه تنحنح فَلَمَّا سمع ذَلِك رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عرفه فَقَامَ لَهُ حَتَّى تبعه فَأتيَا الْغَار فَأَصْبَحت قُرَيْش فِي طلبه فبعثوا إِلَى رجل من قافة بني مُدْلِج فتبع الْأَثر حَتَّى انْتهى إِلَى الْغَار وعَلى بَابه شَجَرَة فَبَال فِي أَصْلهَا الْقَائِف ثمَّ قَالَ: مَا جَازَ صَاحبكُم الَّذِي تطلبون هَذَا الْمَكَان
قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِك حزن أَبُو بكر رضي الله عنه فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَا تحزن إِن الله مَعنا قَالَ: فَمَكثَ هُوَ وَأَبُو بكر رضي الله عنه فِي الْغَار ثَلَاثَة أَيَّام يخْتَلف إِلَيْهِم بِالطَّعَامِ عَامر بن فهَيْرَة وَعلي يجهزهم فاشتروا ثَلَاثَة أباعر من إبل الْبَحْرين واستأجر لَهُم دَلِيلا فَلَمَّا كَانَ بعض اللَّيْل من اللَّيْلَة الثَّالِثَة أَتَاهُم عَليّ رضي الله عنه بالإِبل وَالدَّلِيل فَركب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم رَاحِلَته وَركب أَبُو بكر أُخْرَى فتوجهوا نَحْو الْمَدِينَة وَقد بعثت قُرَيْش فِي طلبه
وَأخرج ابْن سعد عَن ابْن عَبَّاس وَعلي وَعَائِشَة بنت أبي بكر رضي الله عنهم وَعَائِشَة بنت قدامَة وسراقة بن جعْشم دخل حَدِيث بَعضهم فِي بعض قَالُوا: خرج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَالْقَوْم جُلُوس على بَابه فَأخذ حفْنَة من الْبَطْحَاء فَجعل يدرها على رؤوسهم وَيَتْلُو (يس
وَالْقُرْآن الْحَكِيم) (يس الْآيَة 1 - 2) الْآيَات وَمضى فَقَالَ لَهُم قَائِل مَا تنتظرون قَالُوا: مُحَمَّدًا
قَالَ: قد - وَالله - مر بكم
قَالُوا: وَالله مَا أبصرناه وَقَامُوا يَنْفضونَ التُّرَاب عَن رؤوسهم وَخرج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بكر رضي الله عنه إِلَى غَار ثَوْر فدخلاه وَضربت العنكبوت على بَابه بعشاش بَعْضهَا على بعض وطلبته قُرَيْش أَشد الطّلب حَتَّى انْتَهَت إِلَى بَاب الْغَار فَقَالَ بَعضهم: إِن عَلَيْهِ لعنكبوتا قبل مِيلَاد مُحَمَّد
وَأخرج أَبُو نعيم فِي الدَّلَائِل عَن عَائِشَة بنت قدامَة أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: لقد خرجت من الخوخة متنكراً فَكَانَ أول من لَقِيَنِي أَبُو جهل فَعمى الله بَصَره عني وَعَن أبي بكر حَتَّى مضينا
وَأخرج أَبُو نعيم عَن أَسمَاء بنت أبي بكر رضي الله عنها أَن أَبَا بكر رضي الله عنه رأى رجلا مواجه الْغَار فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنَّه لرائينا
قَالَ: كلا إِن الْمَلَائِكَة تستره الْآن بأجنحتها فَلم ينشب الرجل أَن قعد يَبُول مستقبلهما
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: يَا أَبَا بكر لَو كَانَ يراك مَا فعل هَذَا
وَأخرج أَبُو نعيم عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ رضي الله عنه أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم حِين دخل الْغَار ضربت العنكبوت على بَابه بعشاش بَعْضهَا على بعض فَلَمَّا انْتَهوا إِلَى فَم الْغَار قَالَ قَائِل مِنْهُم: ادخُلُوا الْغَار فَقَالَ أُميَّة بن خلف: وَمَا أربكم إِلَى الْغَار إِن عَلَيْهِ لعنكبوتا كَانَ قبل مِيلَاد مُحَمَّد فَنهى النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَن قتل العنكبوت قَالَ: إِنَّهَا جند من جنود الله
وَأخرج أَبُو نعيم فِي الْحِلْية عَن عَطاء بن أبي ميسرَة رضي الله عنه قَالَ: نسجت العنكبوت مرَّتَيْنِ
مرّة على دَاوُد عليه السلام حِين كَانَ طالوت يَطْلُبهُ وَمرَّة على النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي الْغَار
وَأخرج ابْن سعد وَأَبُو نعيم وَالْبَيْهَقِيّ كِلَاهُمَا فِي الدَّلَائِل عَن أنس رضي الله عنه قَالَ: لما خرج النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بكر رضي الله عنه الْتفت أَبُو بكر رضي الله عنه فَإِذا هُوَ بِفَارِس قد لحقهم فَقَالَ: يَا نَبِي الله هَذَا فَارس قد لحقنا
فَقَالَ اللهمَّ اصرعه
فصرع عَن فرسه فَقَالَ: يَا نَبِي الله مرني بِمَا شِئْت
قَالَ: تقف مَكَانك لَا تتركن أحدا يلْحق بِنَا
فَكَانَ أول النَّهَار جاهداً على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَفِي آخر النَّهَار مسلحة لَهُ وَفِي ذَلِك يَقُول سراقَة مُخَاطبا لأبي جهل: أَبَا حكم لَو كنت وَالله شَاهدا لأمر جوادي أَن تسيخ قوائمه علمت وَلم تشكك بِأَن مُحَمَّدًا رَسُول ببرهان فَمن ذَا يقاومه وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل وَابْن عَسَاكِر عَن ضبة بن مُحصن العبري قَالَ: قلت لعمر بن الْخطاب رضي الله عنه: أَنْت خير من أبي بكر فَبكى وَقَالَ: وَالله لَليلة من أبي بكر وَيَوْم خير من عمر هَل لَك أَن أحَدثك بليلته ويومه قَالَ: قلت: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ
قَالَ: أما ليلته فَلَمَّا خرج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم هَارِبا من أهل مَكَّة
خرج لَيْلًا فَتَبِعَهُ أَبُو بكر رضي الله عنه فَجعل يمشي مرّة أَمَامه وَمرَّة خَلفه وَمرَّة عَن يَمِينه وَمرَّة عَن يسَاره فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَا هَذَا يَا أَبَا بكر مَا أعرف هَذَا من فعلك قَالَ: يَا رَسُول الله اذكر الرصد فَأَكُون أمامك وَاذْكُر الطّلب فَأَكُون من خَلفك وَمرَّة عَن يَمِينك وَمرَّة عَن يسارك لَا آمن عَلَيْك
فَمشى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ليلته على أَطْرَاف أَصَابِعه حَتَّى حفيت رِجْلَاهُ فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بكر رضي الله عنه أَنَّهَا قد حفيت حمله على كَاهِله وَجعل يشد بِهِ حَتَّى أَتَى فَم الْغَار فأنزله ثمَّ قَالَ: وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لَا تدخله حَتَّى أدخلهُ فَإِن كَانَ فِيهِ شَيْء نزل بِي قبلك فَدخل فَلم ير شَيْئا فَحَمله فَأدْخلهُ وَكَانَ فِي الْغَار خرق فِيهِ حيات وأفاعي فخشي أَبُو بكر رضي الله عنه أَن يخرج مِنْهُنَّ شَيْء يُؤْذِي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فألقمه قدمه فَجعلْنَ يضربنه وتلسعه الأفاعي والحيات وَجعلت دُمُوعه تتحدر وَرَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول لَهُ: يَا أَبَا بكر لَا تحزن إِن الله مَعنا فَأنْزل الله سكينته أَي طمأنينته لأبي بكر رضي الله عنه فَهَذِهِ ليلته
وَأما يَوْمه فَلَمَّا توفّي رَسُول الله وارتدت الْعَرَب فَقَالَ بَعضهم: نصلي وَلَا نزكي
وَقَالَ بَعضهم: لَا نصلي وَلَا نزكي فَأَتَيْته وَلَا آلوه نصحاً فَقلت: يَا خَليفَة رَسُول الله تألف النَّاس وارفق بهم
فَقَالَ: جَبَّار فِي الْجَاهِلِيَّة خوّار فِي الإِسلام بِمَاذَا تألفهم أبشعر مفتعل أَو بِشعر مفتري قبض رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وارتفع الْوَحْي فوَاللَّه لَو مَنَعُونِي عقَالًا مِمَّا كَانُوا يُعْطون لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عَلَيْهِ
قَالَ: فقاتلنا مَعَه فَكَانَ - وَالله - رشيد الْأَمر فَهَذَا يَوْمه
وَأخرج أَبُو نعيم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن شهَاب رضي الله عنه وَعُرْوَة رضي الله عنه
أَنهم ركبُوا فِي كل وَجه يطْلبُونَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم وبعثوا إِلَى أهل الْمِيَاه يأمرونهم ويجعلون لَهُ الْجعل الْعَظِيم وَأتوا على ثَوْر الْجَبَل الَّذِي فِيهِ الْغَار الَّذِي فِيهِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم حَتَّى طلعوا فَوْقه وَسمع أَبُو بكر رضي الله عنه وَالنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَصْوَاتهم وأشفق أَبُو بكر وَأَقْبل عَلَيْهِ الْهم وَالْخَوْف فَعِنْدَ ذَلِك يَقُول لَهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَا تحزن إِن الله مَعنا ودعا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَنزلت عَلَيْهِ سكينَة من الله فَأنْزل الله سكينته على رَسُوله وعَلى الْمُؤمنِينَ {وَجعل كلمة الَّذين كفرُوا السُّفْلى وَكلمَة الله هِيَ الْعليا وَالله عَزِيز حَكِيم}
وَأخرج ابْن شاهين وَابْن مرْدَوَيْه وَابْن عَسَاكِر عَن حبشِي بن جُنَادَة قَالَ: قَالَ
أَبُو بكر رضي الله عنه: يَا رَسُول الله لَو أَن أحدا من الْمُشْركين رفع قدمه لَأَبْصَرنَا
قَالَ يَا أَبَا بكر لَا تحزن إِن الله مَعنا
وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: إِن الَّذين طلبوهم صعدوا الْجَبَل فَلم يبْق أَن يدخلُوا
فَقَالَ أَبُو بكر رضي الله عنه: أَتَيْنَا
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَا تحزن إِن الله مَعنا وَانْقطع الْأَثر فَذَهَبُوا يَمِينا وَشمَالًا
وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه قَالَ: خرج رَسُول الله وَخرج أَبُو بكر رضي الله عنه مَعَه لم يَأْمَن على نَفسه غَيره حَتَّى دخلا الْغَار
وَأخرج ابْن شاهين وَالدَّارَقُطْنِيّ وَابْن مرْدَوَيْه وَابْن عَسَاكِر عَن ابْن عمر رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر أَنْت صَاحِبي فِي الْغَار وَأَنت معي على الْحَوْض
وَأخرج ابْن عَسَاكِر من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن أبي هُرَيْرَة
مثله
وَأخرج ابْن عدي وَابْن عَسَاكِر من طَرِيق الزُّهْرِيّ عَن أنس رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ لحسان رضي الله عنه: هَل قلت فِي أبي بكر شَيْئا قَالَ: نعم
قَالَ: قل وَأَنا أسمع
فَقَالَ: وَثَانِي اثْنَيْنِ فِي الْغَار المنيف وَقد طَاف العدوّ بِهِ إِذْ صاعد الجبلا وَكَانَ حب رَسُول الله قد علمُوا من الْبَريَّة لم يعدل بِهِ رجلا فَضَحِك رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه ثمَّ قَالَ: صدقت يَا حسان هُوَ كَمَا قلت
وَأخرج خَيْثَمَة بن سُلَيْمَان الاطرابلسي فِي فَضَائِل الصَّحَابَة وَابْن عَسَاكِر عَن عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه قَالَ: إِن الله ذمّ النَّاس كلهم ومدح أَبَا بكر رضي الله عنه فَقَالَ {إِلَّا تنصروه فقد نَصره الله إِذْ أخرجه الَّذين كفرُوا ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي الْغَار إِذْ يَقُول لصَاحبه لَا تحزن إِن الله مَعنا}
وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن أبي بكر رضي الله عنه أَن قَالَ: مَا دخلني اشفاق من شَيْء وَلَا دخلني فِي الدّين وَحْشَة إِلَى أحد بعد لَيْلَة الْغَار فَإِن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حِين رأى اشفاقي عَلَيْهِ وعَلى الدّين قَالَ لي هوّن عَلَيْك فَإِن الله قد قضى لهَذَا الْأَمر بالنصر والتمام
وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة رضي الله عنه قَالَ: عَاتب الله
الْمُسلمين جَمِيعًا فِي نبيه صلى الله عليه وسلم غير أبي بكر رضي الله عنه وَحده فَإِنَّهُ خرج من المعاتبة ثمَّ قَرَأَ {إِلَّا تنصروه فقد نَصره الله} الْآيَة
وَأخرج الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ عَن الْحسن رضي الله عنه قَالَ: لقد عَاتب الله جَمِيع أهل الأَرْض فَقَالَ {إِلَّا تنصروه فقد نَصره الله إِذْ أخرجه الَّذين كفرُوا ثَانِي اثْنَيْنِ}
وَأخرج ابْن عَسَاكِر من طَرِيق مُحَمَّد بن يحيى قَالَ: أَخْبرنِي بعض أَصْحَابنَا قَالَ: قَالَ شَاب من أَبنَاء الصَّحَابَة فِي مجْلِس فِيهِ الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق: وَالله مَا كَانَ لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم من موطن إِلَّا وَأبي فِيهِ مَعَه
قَالَ: يَا ابْن أخي لَا تحلف
قَالَ: هلمَّ
قَالَ: بلَى مَا لَا ترده قَالَ الله {ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي الْغَار}
وَأخرج ابْن سعد وَابْن أبي شيبَة وَأحمد وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَأَبُو عوَانَة وَابْن حبَان وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه عَن أنس رضي الله عنه قَالَ: حَدثنِي أَبُو بكر رضي الله عنه قَالَ كنت مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي الْغَار فَرَأَيْت آثَار الْمُشْركين فَقلت: يَا رَسُول الله لَو أَن أحدهم رفع قدمه لَأَبْصَرنَا تَحت قدمه
فَقَالَ: يَا أَبَا بكر مَا ظَنك بِاثْنَيْنِ الله ثالثهما
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ وَأَبُو نعيم فِي الدَّلَائِل عَن أبي بكر رضي الله عنه
انهما لما انتهيا إِلَى الْغَار إِذا جُحر فالقمه أَبُو بكر رضي الله عنه رجلَيْهِ قَالَ: يَا رَسُول الله إِن كَانَت لدغة أَو لسعة كَانَت فيَّ
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أنس بن مَالك رضي الله عنه قَالَ: لما كَانَت لَيْلَة الْغَار قَالَ أَبُو بكر الصّديق رضي الله عنه: يَا رَسُول الله دَعْنِي فلأدخل قبلك فَإِن كانْت حَيَّة أَو شَيْء كَانَت فيَّ قبلك
قَالَ ادخل
فَدخل أَبُو بكر رضي الله عنه فَجعل يلمس بيدَيْهِ فَكلما رأى جحراً قَالَ بِثَوْبِهِ فشقه ثمَّ ألقمه الْجُحر حَتَّى فعل ذَلِك بِثَوْبِهِ أجمع وَبَقِي جُحر فَوضع عَلَيْهِ عقبه وَقَالَ: أَدخل
فَلَمَّا أصبح قَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: فَأَيْنَ ثَوْبك فَأخْبرهُ بِالَّذِي صنع فَرفع النَّبِي صلى الله عليه وسلم يَدَيْهِ وَقَالَ: اللهمَّ اجْعَل أَبَا بكر معي فِي درجتي يَوْم الْقِيَامَة
فَأوحى الله إِلَيْهِ أَن الله قد اسْتَجَابَ لَك
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن جُنْدُب بن سُفْيَان رضي الله عنه قَالَ: لما انْطلق أَبُو بكر رضي الله عنه مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى الْغَار قَالَ لَهُ أَبُو بكر رضي الله عنه: لَا تدخل يَا رَسُول الله حَتَّى استبرئه
فَدخل أَبُو بكر رضي الله عنه الْغَار
فَأصَاب يَده شَيْء فحعل يمسح الدَّم عَن أُصْبُعه وَهُوَ يَقُول:
هَل أَنْت إِلَّا أصْبع دميت وَفِي سَبِيل الله مَا لقِيت وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن جعدة بن هُبَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَت عَائِشَة رضي الله عنها: قَالَ أَبُو بكر رضي الله عنه: لَو رَأَيْتنِي مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذْ صعدنا الْغَار فَأَما قدما رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فتفطرتا دَمًا وَأما قَدَمَايَ فعادتا كَأَنَّهُمَا صَفْوَان
قَالَت عَائِشَة رضي الله عنها: أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لم يتعوّد الحفية
وَأخرج ابْن سعد وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن مُصعب قَالَ: أدْركْت أنس بن مَالك وَزيد بن أَرقم والمغيرة بن شُعْبَة فَسَمِعتهمْ يتحدثون أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم لَيْلَة الْغَار أَمر الله شَجَرَة فَنَبَتَتْ فِي وَجه النَّبِي فَسترته وَأمر الله العنكبوت فَنسجَتْ فِي وَجه النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَسترته وَأمر الله حَمَامَتَيْنِ وَحْشِيَّتَيْنِ فوقفتا بِفَم الْغَار وَأَقْبل فتيَان قُرَيْش من كل بطن رجل بِعِصِيِّهِمْ وأسيافهم وهراويهم حَتَّى إِذا كَانُوا من النَّبِي صلى الله عليه وسلم قدر أَرْبَعِينَ ذِرَاعا فَنزل بَعضهم فَنظر فِي الْغَار فَرجع إِلَى أَصْحَابه فَقَالُوا: مَا لَك لم تنظر فِي الْغَار فَقَالَ: رَأَيْت حَمَامَتَيْنِ بِفَم الْغَار فَعرفت أَن لَيْسَ فِيهِ أحد
فَسمع النَّبِي صلى الله عليه وسلم مَا قَالَ فَعرف أَن الله دَرأ عَنهُ بهما فَسَمت النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِنَّ وَفرض جزاءهن وانحدرن فِي الْحرم فَأخْرج ذَلِك الزَّوْج كل شَيْء فِي الْحرم
وَأخرج ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخه بسندٍ واهٍ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ أَبُو بكر مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي الْغَار فعطش فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم اذْهَبْ إِلَى صدر الْغَار فَاشْرَبْ
فَانْطَلق أَبُو بكر رضي الله عنه إِلَى صدر الْغَار فَشرب مِنْهُ مَاء أحلى من الْعَسَل وأبيض من اللَّبن وأزكى رَائِحَة من الْمسك ثمَّ عَاد فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: إِن الله أَمر الْملك الْمُوكل بأنهار الْجنَّة أَن خرق نَهرا من جنَّة الفردوس إِلَى صدر الْغَار لتشرب
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن الشّعبِيّ رضي الله عنه قَالَ: وَالَّذِي لَا إِلَه غَيره لقد عوتب أَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم فِي نصرته إِلَّا أَبَا بكر رضي الله عنه فَإِن الله تَعَالَى {إِلَّا تنصروه فقد نَصره الله إِذْ أخرجه الَّذين كفرُوا ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي الْغَار} خرج أَبُو بكر رضي الله عنه وَالله من المعتبة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن سَالم بن عبيد الله رضي الله عنه وَكَانَ من أهل الصّفة - قَالَ: أَخذ عمر بيد أبي بكر رضي الله عنهما فَقَالَ: من لَهُ هَذِه الثَّلَاث
(إِذْ يَقُول لصَاحبه) من صَاحبه (إِذْ هما فِي الْغَار) من هما (لَا تحزن إِن الله مَعنا)
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عَمْرو بن الْحَارِث عَن أَبِيه أَن أَبَا بكر الصّديق رضي الله عنه قَالَ: أَيّكُم يقْرَأ سُورَة التَّوْبَة قَالَ: رجل: أَنا
قَالَ: اقْرَأ
فَلَمَّا بلغ {إِذْ يَقُول لصَاحبه لَا تحزن} بَكَى وَقَالَ: وَالله أَنا صَاحبه
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه قَالَ: كَانَ صَاحبه أَبَا بكر رضي الله عنه والغار جبل بِمَكَّة يُقَال لَهُ ثَوْر
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَبُو بكر أخي وصاحبي فِي الْغَار فاعرفوا ذَلِك لَهُ فَلَو كنت متخذا خَلِيلًا لَا تخذت أَبَا بكر خَلِيلًا سدوا كل خوخة فِي هَذَا الْمَسْجِد غير خوخة أبي بكر
وَأخرج ابْن مردوية عَن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَو اتَّخذت خَلِيلًا غير رَبِّي لاتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا وَلَكِن أخي وصاحبي فِي الْغَار
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن الْمُنْذر عَن الزُّهْرِيّ رضي الله عنه فِي قَوْله {إِذْ هما فِي الْغَار} قَالَ: الْغَار الَّذِي فِي الْجَبَل الَّذِي يُسمى ثوراً
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن عَائِشَة رضي الله عنها قَالَت: رَأَيْت قوما يصعدون حراء فَقلت: مَا يلْتَمس هَؤُلَاءِ فِي حراء فَقَالُوا: الْغَار الَّذِي اخْتَبَأَ فِيهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بكر رضي الله عنه
قَالَت عَائِشَة رضي الله عنها: مَا اخْتَبَأَ فِي حراء إِنَّمَا اخْتَبَأَ فِي ثَوْر وَمَا كَانَ أحد يعلم مَكَان ذَلِك الْغَار إِلَّا عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر وَأَسْمَاء بنت أبي بكر فَإِنَّهُمَا كَانَا يَخْتَلِفَانِ إِلَيْهِمَا وعامر بن فهَيْرَة مولى أبي بكر رضي الله عنه فَإِنَّهُ كَانَ إِذا سرح غنمه مر بهما فَحلبَ لَهما
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن مُجَاهِد رضي الله عنه قَالَ: مكث أَبُو بكر رضي الله عنه مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي الْغَار ثَلَاثًا
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَأحمد وَعبد بن حميد وَالْبُخَارِيّ وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم من طَرِيق الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت: لم أَعقل أبويَّ قطّ إِلَّا وهما يدينان الدّين وَلم يمر علينا يَوْم إِلَّا يأتينا فِيهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم طرفِي النَّهَار بكرَة وَعَشِيَّة وَلما ابْتُلِيَ الْمُسلمُونَ خرج أَبُو بكر رضي الله عنه مُهَاجرا قبل أَرض الْحَبَشَة حَتَّى إِذا بلغ برك الغماد لقِيه ابْن الدغنة وَسيد القارة فَقَالَ ابْن الدغنة: أَيْن تُرِيدُ يَا أَبَا بكر فَقَالَ أَبُو بكر رضي الله عنه: أخرجني قومِي فَأُرِيد أَن أسيح فِي الأَرْض فأعبد رَبِّي
قَالَ ابْن الدغنة: فَإِن مثلك يَا أَبَا بكر لَا يخرج وَلَا يخرج إِنَّك تكسب الْمَعْدُوم
وَتصل الرَّحِم وَتحمل الْكل وتقري الضَّيْف وَتعين على نَوَائِب الْحق فَأَنا لَك جَار
فأنفذت قُرَيْش جوَار ابْن الدغنة وأمنوا أَبَا بكر وَقَالُوا لِابْنِ الدغنة: مر أَبَا بكر فليعبد ربه فِي دَاره وَليصل فِيهَا مَا شَاءَ وليقرأ مَا شَاءَ وَلَا يؤذينا وَلَا يشتغلن بِالصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَة فِي غير دَاره
فَفعل ثمَّ بدا لأبي بكر رضي الله عنه فابتنى مَسْجِدا بِفنَاء دَاره فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيقْرَأ فيتقصف عَلَيْهِ نسَاء الْمُشْركين وأبناؤهم يعْجبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَكَانَ أَبُو بكر رَضِي الله رجلا بكاء لَا يملك دمعه حِين يقْرَأ الْقُرْآن فأفزع ذَلِك أَشْرَاف قُرَيْش فأرسلوا إِلَى ابْن الدغنة فَقدم عَلَيْهِم فَقَالُوا: إنَّا أجرنا أَبَا بكر على أَن يعبد ربه فِي دَاره وَإنَّهُ جَاوز ذَلِك فابتنى مَسْجِدا بِفنَاء دَاره وأعلن الصَّلَاة وَالْقِرَاءَة وَإِنَّا خشينا أَن يفتن نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا فَإِن أحب أَن يقْتَصر أَن يعبد ربه فِي دَاره فعل وَإِن أَبى إِلَّا أَن يعلن ذَلِك فسله أَن يرد إِلَيْك ذِمَّتك فإنَّا قد كرهنا أَن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان
فَأتى ابْن الدغنة أَبَا بكر رضي الله عنه فَقَالَ: يَا أَبَا بكر قد علمت الَّذِي عقدت لَك عَلَيْهِ فَأَما أَن تقتصر على ذَلِك وَإِمَّا أَن ترد إِلَيّ ذِمَّتِي فَإِنِّي لَا أحب أَن تسمع الْعَرَب أَنِّي خفرت فِي عقد رجل عقدت لَهُ
فَقَالَ أَبُو بكر رضي الله عنه: فَإِنِّي أرد إِلَيْك جوارك وأرضى بجوار الله وَرَسُوله صلى الله عليه وسلم وَرَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَوْمئِذٍ بِمَكَّة - قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم للْمُسلمين قد أريت دَار هجرتكم رَأَيْت سبخَة ذَات نخل بَين لابتين وهما حرتان فَهَاجَرَ من هَاجر قبل الْمَدِينَة حِين ذكر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَرجع إِلَى الْمَدِينَة بعض من كَانَ هَاجر إِلَى أَرض الْحَبَشَة من الْمُسلمين وتجهز أَبُو بكر رضي الله عنه مُهَاجرا فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: على رسلك فَإِنِّي أَرْجُو أَن يُؤذن لي
فَقَالَ أَبُو بكر رضي الله عنه: وترجو ذَلِك بِأبي أَنْت قَالَ: نعم
فحبس أَبُو بكر رضي الله عنه نَفسه على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لصحبته وعلف راحلتين كَانَتَا عِنْده ورق السمر أَرْبَعَة أشهر
فَبَيْنَمَا نَحن جُلُوس فِي بيتنا فِي نحر الظهيرة قَالَ قَائِل لأبي بكر رضي الله عنه: هَذَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مُقبلا فِي سَاعَة لم يكن يأتينا فِيهَا فَقَالَ أَبُو بكر رضي الله عنه: فدَاه أبي وَأمي إِن جَاءَ بِهِ فِي هَذِه السَّاعَة إِلَّا أَمر فجَاء رَسُول الله فَاسْتَأْذن صلى الله عليه وسلم فَأذن لَهُ فَدخل فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حِين دخل لأبي بكر رضي الله عنه أخرج من عنْدك
فَقَالَ أَبُو بكر: إِنَّمَا هم أهلك بِأبي أَنْت يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم:
فَإِنَّهُ قد أذن لي بِالْخرُوجِ
فَقَالَ أَبُو بكر رضي الله عنه: فالصحابة بِأبي أَنْت يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: نعم
فَقَالَ أَبُو بكر رضي الله عنه: فَخذ بِأبي أَنْت يَا رَسُول الله إِحْدَى رَاحِلَتي هَاتين
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: بِالثّمن
فَقَالَت عَائِشَة رضي الله عنها: فجهزناهما أحسن الجهاز فصنعنا لَهما سفرة من جراب فَقطعت أَسمَاء بنت أبي بكر من نطاقها فأوكت بِهِ الجراب - فَلذَلِك كَانَت تسمى ذَات النطاقين - وَلحق رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بكر بِغَار فِي جبل يُقَال لَهُ ثَوْر فمكثا فِيهِ ثَلَاث لَيَال يبيت عِنْدهمَا عبد الله بن أبي بكر وَهُوَ غُلَام شَاب لقن ثقف فَيخرج من عِنْدهمَا سحرًا فَيُصْبِح مَعَ قُرَيْش بِمَكَّة كبائت فَلَا يسمع أَمر يكَاد أَن بِهِ إِلَّا وعاه حَتَّى يأتيهما بِخَبَر ذَلِك حِين يخْتَلط الظلام ويرعى عَلَيْهِمَا عَامر بن فهَيْرَة مولى لأبي بكر منيحة من غنم فيريحها عَلَيْهِمَا حِين يذهب بِغَلَس سَاعَة من اللَّيْل فيبيتان فِي رسلهما حَتَّى ينعق بهما عَامر بن فهَيْرَة بِغَلَس يفعل ذَلِك كل لَيْلَة من تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاث
واستأجر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من بني الديل ثمَّ من بني عبد بن عدي هاديا خريتا - والخريت الماهر بالهداية - قد غمس يَمِين حلف فِي آل الْعَاصِ بن وَائِل وَهُوَ على دين كفار قُرَيْش فأمناه فدفعا إِلَيْهِ راحلتيهما وواعداه غَار ثَوْر بعد ثَلَاث لَيَال فأتاهما براحلتيهما صَبِيحَة ثَلَاث لَيَال فارتحلا فانطل مَعَهُمَا عَامر بن فهَيْرَة مولى أبي بكر وَالدَّلِيل الديلِي فَأخذ بهم طَرِيقا آخر وَهُوَ طَرِيق السَّاحِل قَالَ الزُّهْرِيّ: أَخْبرنِي عبد الرَّحْمَن بن مَالك المدلجي وَهُوَ ابْن أخي سراقَة بن حعشم: إِن أَبَاهُ أخبرهُ أَنه سمع سراقَة يَقُول: جاءتنا رسل كفار قُرَيْش يجْعَلُونَ فِي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَأبي بكر رضي الله عنه دِيَة كل وَاحِد مِنْهُمَا لمن قَتلهمَا أَو أسرهما
فَبَيْنَمَا أَنا جَالس فِي مجْلِس من مجَالِس قومِي بني مُدْلِج أقبل رجل مِنْهُم حَتَّى قَامَ علينا فَقَالَ: يَا سراقَة إِنِّي رَأَيْت آنِفا أَسْوِدَة بالسَّاحل لَا أَرَاهَا إِلَّا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه قَالَ سراقَة: فَعرفت أَنهم هم
فَقلت: إِنَّهُم لَيْسُوا بهم وَلَكِن رَأَيْت فلَانا وَفُلَانًا انْطَلقُوا ثمَّ لَبِثت فِي الْمجْلس حَتَّى قُمْت فَدخلت بَيْتِي وَأمرت جاريتي أَن تخرج لي فرسي وَهِي من وَرَاء أكمة فتحبسها عَليّ وَأخذت رُمْحِي فَخرجت بِهِ من ظهر الْبَيْت فخططت برمحي الأَرْض وخفضت عالية الرمْح حَتَّى أتيت فرسي فركبتها ودفعتها تقرب بِي حَتَّى رَأَيْت أسودتهما فَلَمَّا دَنَوْت مِنْهُم حَيْثُ يسمعهم الصَّوْت
عثرت بِي فرسي فَخَرَرْت عَنْهَا فَقُمْت فَأَهْوَيْت بيَدي إِلَى كِنَانَتِي فاستخرجت مِنْهَا الأزلام فاستقسمت بهَا أضرهم أم لَا فَخرج الَّذِي أكره أَن لَا أضرهم فركبت فرسي وعصيت الأزلام حَتَّى إِذا سَمِعت قِرَاءَة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ لَا يلْتَفت وَأَبُو بكر رضي الله عنه يكثر الِالْتِفَات ساخت يدا فرسي فِي الأَرْض حَتَّى بلغت الرُّكْبَتَيْنِ فَخَرَرْت عَنْهَا فجررتها فَنَهَضت فَلم تكد تخرج يداها فَلَمَّا اسْتَوَت قَائِمَة إِذا لأثر يَديهَا عثان سَاطِع فِي السَّمَاء من الدُّخان فاستقسمت بالأزلام فَخرج الَّذِي أكره أَن لَا أضرهم فناديتهم بالأمان فَوقف وَركبت فرسي حَتَّى جئتهم وَوَقع فِي نَفسِي حِين لقِيت مَا لقِيت من الْحَبْس عَنْهُم أَنه سَيظْهر أَمر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقلت لَهُ: إِن قَوْمك قد جعلُوا فِيك الدِّيَة وَأَخْبَرتهمْ من أَخْبَار سفرهم وَمَا يُرِيد النَّاس بهم وَعرضت عَلَيْهِم الزَّاد وَالْمَتَاع فَلم يرزآني شَيْئا وَلم يسألاني إِلَّا أَن أخف عَنَّا فَسَأَلته أَن يكْتب لي كتابا موادعة آمن بِهِ فَأمر عَامر بن فهَيْرَة فَكتب لي فِي رقْعَة من أَدِيم ثمَّ مضى
قَالَ الزُّهْرِيّ: وَأَخْبرنِي عُرْوَة بن الزبير أَنه لَقِي الزبير وركبا من الْمُسلمين كَانُوا تجارًا بِالشَّام قابلين إِلَى مَكَّة فعرفوا النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَأَبا بكر فكساهم ثِيَاب بيض وَسمع الْمُسلمُونَ بِالْمَدِينَةِ بِخُرُوج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَكَانُوا يَغْدُونَ كل غَدَاة إِلَى الْحرَّة فينتظرونه حَتَّى يؤذيهم حر الظهيرة فانقلبوا يَوْمًا بَعْدَمَا أطالوا انْتِظَاره فَلَمَّا أووا إِلَى بُيُوتهم أوفى رجل من يهود أطما من آطامهم لأمر ينظر إِلَيْهِ فَبَصر برَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه مبيضين يَزُول بهم السراب فَنَادَى بِأَعْلَى صَوته يَا معشر الْعَرَب هَذَا جدكم الَّذِي تنتظرون
فثار الْمُسلمُونَ إِلَى السِّلَاح فتلقوا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَتَوْهُ بِظهْر الْحرَّة فَعدل بهم ذَات الْيَمين حَتَّى نزل فِي بني عَمْرو بن عَوْف بقباء وَذَلِكَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ من شهر ربيع الأول فَقَامَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بكر رضي الله عنه يذكر النَّاس وَجلسَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم صامتا وطفق من جَاءَ من الْأَنْصَار مِمَّن لم يكن رأى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يحسبه أَبَا بكر حَتَّى أَصَابَت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الشَّمْس فَأقبل أَبُو بكر رضي الله عنه حَتَّى ظلل عَلَيْهِ برادئه فَعرف النَّاس رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عِنْد ذَلِك
فَلبث رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي بني عَمْرو بن عَوْف بضع عشرَة لَيْلَة وابتنى الْمَسْجِد الَّذِي أسس على التَّقْوَى وَصلى فِيهِ ثمَّ ركب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم رَاحِلَته فَسَار وَمَشى النَّاس حَتَّى بَركت بِهِ عِنْد مَسْجِد رَسُول الله بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ يُصَلِّي فِيهِ يَوْمئِذٍ رجال من الْمُسلمين وَكَانَ مربدا للتمر لسهل وَسُهيْل غلامين يتمين أَخَوَيْنِ فِي حجر أبي
أُمَامَة أسعد بن زُرَارَة من بني النجار فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حِين بَركت بِهِ رَاحِلَته هَذَا الْمنزل إِن شَاءَ الله ثمَّ دَعَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمربد يَتَّخِذهُ مَسْجِدا
فَقَالَا: لَا بل نهبه لَك يَا رَسُول الله
فَأبى النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَن يقبله مِنْهُمَا حَتَّى ابتاعه مِنْهُمَا وبناه مَسْجِدا وطفق رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ينْقل مَعَهم اللَّبن فِي بنائِهِ وَهُوَ يَقُول: هَذَا الْجمال لَا جمال خَيْبَر هَذَا أبر رَبنَا وأطهر إِن الْأجر أجر الْآخِرَة فَارْحَمْ الْأَنْصَار والمهاجرة ويتمثل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِشعر رجل من الْمُسلمين لم يسم لي قَالَ ابْن شهَاب: وَلم يبلغنِي فِي الْأَحَادِيث أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم تمثل بِبَيْت من الشّعْر تَاما غير هَؤُلَاءِ الأبيات وَلَكِن يرجزهم لبِنَاء الْمَسْجِد
فَلَمَّا قَاتل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كفار قُرَيْش حَالَتْ الْحَرْب بَين مُهَاجِرِي أَرض الْحَبَشَة وَبَين الْقدوم على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى لقوه بِالْمَدِينَةِ زمن الخَنْدَق فَكَانَت أَسمَاء بنت عُمَيْس تحدث: أَن عمر بن الْخطاب رضي الله عنه كَانَ يعيرهم بالمكث فِي أَرض الْحَبَشَة فَذكرت ذَلِك أَسمَاء لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَسُول الله: لَسْتُم كَذَلِك وَكَانَت أول آيَة أنزلت فِي الْقِتَال (أُذن للَّذين يُقَاتلُون بِأَنَّهُم ظلمُوا)(الْحَج آيَة 39) حَتَّى بلغ (لقوي عَزِيز)
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد وَالْبُخَارِيّ عَن أنس رضي الله عنه قَالَ: أقبل النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَة وَهُوَ يردف أَبَا بكر رضي الله عنه وَهُوَ شيخ يعرف وَالنَّبِيّ لَا يعرف فَكَانُوا يَقُولُونَ: يَا أَبَا بكر من هَذَا الْغُلَام بَين يَديك فَيَقُول: هاد يهديني السَّبِيل
قَالَ: فَلَمَّا دنونا من الْمَدِينَة نزلنَا الْحرَّة وَبعث إِلَى الْأَنْصَار فَجَاءُوا قَالَ: فشهدته يَوْم دخل الْمَدِينَة فَمَا رَأَيْت يَوْمًا كَانَ أحسن مِنْهُ وَمَا رَأَيْت يَوْمًا كَانَ أقبح وَلَا أظلم من يَوْم مَاتَ فِيهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَأخرج ابْن عبد الْبر فِي التَّمْهِيد عَن كثير بن فرقد أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حِين خرج مُهَاجرا إِلَى الْمَدِينَة وَمَعَهُ أَبُو بكر رضي الله عنه أَتَى براحلة أبي بكر فَسَأَلَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَن يركب ويردفه فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بل أَنْت رَاكب وأردفك أَنا فَإِن الرجل أَحَق بصدر دَابَّته فَلَمَّا خرجا لقيا فِي الطَّرِيق سراقَة بن جعْشم - وَكَانَ أَبُو بكر رضي الله عنه لَا يكذب - فَسَأَلَهُ من الرجل قَالَ: بَاغ
قَالَ: فَمَا الَّذِي وَرَاءَك قَالَ: هاد
قَالَ: أحسست مُحَمَّدًا قَالَ: هُوَ ورائي
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل وَابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {فَأنْزل الله سكينته عَلَيْهِ} قَالَ: على أبي بكر رضي الله عنه لِأَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم لم تزل السكينَة مَعَه
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أنس بن مَالك رضي الله عنه قَالَ: دخل النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بكر غَار حراء فَقَالَ أَبُو بكر للنَّبِي صلى الله عليه وسلم: لَو أَن أحدهم يبصر موقع قدمه لأبصرني وَإِيَّاك
فَقَالَ مَا ظَنك بِاثْنَيْنِ الله ثالثهما يَا أَبَا بكر إِن الله أنزل سكينته عَلَيْك وأيدني بِجُنُود لم تَرَوْهَا
وَأخرج الْخَطِيب فِي تَارِيخه عَن حبيب بن أبي ثَابت رضي الله عنه {فَأنْزل الله سكينته عَلَيْهِ} قَالَ: على أبي بكر رضي الله عنه فَأَما النَّبِي صلى الله عليه وسلم فقد كَانَت عَلَيْهِ السكينَة
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {وَجعل كلمة الَّذين كفرُوا السُّفْلى} قَالَ: هِيَ الشّرك {وَكلمَة الله هِيَ الْعليا} قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك
مثله
وَأخرج البخاريي وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: الرجل يُقَاتل شجاعة وَيُقَاتل حمية وَيُقَاتل رِيَاء فَأَي ذَلِك فِي سَبِيل الله قَالَ من قَاتل لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا فَهُوَ فِي سَبِيل الله تَعَالَى
الْآيَة 41
وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَأَبُو الشَّيْخ عَن أبي الضُّحَى رضي الله عنه قَالَ: أول مَا نزل من بَرَاءَة {انفروا خفافاً وثقالاً} ثمَّ نزل أَولهَا وَآخِرهَا
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر عَن أبي مَالك رضي الله عنه قَالَ: أول شَيْء نزل من بَرَاءَة {انفروا خفافاً وثقالاً} ثمَّ نزل أَولهَا وَآخِرهَا
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر عَن أبي مَالك رضي الله عنه قَالَ: أول شَيْء نزل من بَرَاءَة {انفروا خفافاً وثقالاً}
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {انفروا خفافاً وثقالاً} قَالَ: نشاطاً وَغير نشاط
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن الحكم فِي قَوْله {انفروا خفافاً وثقالاً} قَالَ: مشاغيل وَغير مشاغيل
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الْحسن رضي الله عنه فِي قَوْله {انفروا خفافاً وثقالاً} قَالَ: فِي الْعسر واليسر
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن زيد بن أسلم رضي الله عنه فِي قَوْله {خفافاً وثقالاً} قَالَ: فتياناً وكهولاً
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر عَن عِكْرِمَة فِي قَوْله {خفافاً وثقالاً} قَالَ: شبَابًا وشيوخاً
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه قَالَ: قَالُوا: إِن فِينَا الثقيل وَذَا الْحَاجة والصنعة والشغل والمنتشر بِهِ أمره فِي ذَلِك فَأنْزل الله {انفروا خفافاً وثقالاً} وأبى أَن يعذرهم دون أَن ينفروا خفافاً وثقالاً وعَلى مَا كَانَ مِنْهُم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رجل زَعَمُوا أَنه الْمِقْدَاد وَكَانَ عَظِيما سميناً فَشَكا إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ أَن يَأْذَن لَهُ فَأبى فَنزلت يَوْمئِذٍ فِيهِ {انفروا خفافاً وثقالاً} فَلَمَّا نزلت هَذِه الْآيَة اشْتَدَّ على النَّاس شَأْنهَا فنسخها الله فَقَالَ (لَيْسَ على الضُّعَفَاء وَلَا على المرضى)(التَّوْبَة آيَة 91) الْآيَة
وَأخرج ابْن جرير عَن حضرمي قَالَ: ذكر لنا أَن أُنَاسًا كَانُوا عَسى أَن يكون أحدهم عليلا أَو كَبِير فَيَقُول: إِنِّي لَا آثم فَأنْزل الله {انفروا خفافاً وثقالاً} الْآيَة
وَأخرج ابْن سعد وَابْن أبي عمر الْعَدنِي فِي مُسْنده وَعبد الله بن أَحْمد فِي زَوَائِد الزّهْد وَأَبُو يعلى وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن حبَان وَأَبُو الشَّيْخ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه عَن أنس بن مَالك
أَنا أَبَا طَلْحَة قَرَأَ سُورَة بَرَاءَة فَأتى على هَذِه الْآيَة {انفروا خفافاً وثقالاً} قَالَ: أرى رَبنَا يستنفرنا شُيُوخًا وشباباً
وَفِي لفظ فَقَالَ: مَا أسمع الله عذر أحد أجهزوني
قَالَ بنوه: يَرْحَمك الله تَعَالَى قد غزوت مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى مَاتَ وغزوت مَعَ أبي بكر حَتَّى مَاتَ وغزوت مَعَ عمر رضي الله عنه حَتَّى مَاتَ فَنحْن نغزو عَنْك
فَأبى فَركب الْبَحْر فَمَاتَ فَلم يَجدوا لَهُ جَزِيرَة يدفنونه فِيهَا إِلَّا بعد تِسْعَة أَيَّام فَلم يتَغَيَّر فدفنوه فِيهَا
وَأخرج ابْن سعد وَالْحَاكِم عَن ابْن سِيرِين رضي الله عنه قَالَ: شهد أَبُو أَيُّوب رضي الله عنه بَدْرًا ثمَّ لم يتَخَلَّف عَن غَزْوَة للْمُسلمين إِلَّا عَاما وَاحِدًا وَكَانَ يَقُول: قَالَ الله {انفروا خفافاً وثقالاً} فَلَا أجدني إِلَّا خَفِيفا وثقيلاً
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن أبي رَاشد الحبراني قَالَ: رَأَيْت الْمِقْدَاد فَارس رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بحمص يُرِيد الْغَزْو فَقلت: لقد أعذر الله تَعَالَى إِلَيْك
قَالَ: ابت علينا سُورَة التحوب {انفروا خفافاً وثقالاً} يَعْنِي سُورَة التَّوْبَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي يزِيد الْمَدِينِيّ قَالَ: كَانَ أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ والمقداد بن الْأسود يَقُولَانِ: أمرنَا أَن تنفر على كل حَال ويتأوّلان قَوْله تَعَالَى {انفروا خفافاً وثقالاً}
الْآيَة 42
وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قيل لَهُ: الا تغزو بني الْأَصْفَر لَعَلَّك أَن تصيب ابْنة عَظِيم الرّوم فَقَالَ رجلَانِ: قد علمت يَا رَسُول الله أَن النِّسَاء فتْنَة فَلَا تفتنا بِهن فأْذَن لنا
فَأذن لَهما فَلَمَّا انْطَلقَا قَالَ أَحدهمَا: إِن هُوَ الأشحمة لأوّل آكل فَسَار رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَلم ينزل عَلَيْهِ فِي ذَلِك شَيْء فَلَمَّا كَانَ بِبَعْض الطَّرِيق نزل عَلَيْهِ وَهُوَ على بعض الْمِيَاه {لَو كَانَ عرضا قَرِيبا وسفراً قَاصِدا لاتبعوك} وَنزل عَلَيْهِ (عَفا الله عَنْك لم أَذِنت لَهُم)(التَّوْبَة 43) وَنزل عَلَيْهِ (لَا يستأذنك الَّذين يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر)(التَّوْبَة 43) وَنزل عَلَيْهِم (إِنَّهُم رِجْس ومأواهم جَهَنَّم جَزَاء بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(التَّوْبَة 95)
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما {لَو كَانَ عرضا قَرِيبا} قَالَ: غنيمَة قريبَة {وَلَكِن بَعدت عَلَيْهِم الشقة} قَالَ: الْمسير
وَأخرجه ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ رضي الله عنه فِي قَوْله {لَو كَانَ عرضا قَرِيبا} يَقُول: دنيا يطلبونها {وسفراً قَاصِدا} يَقُول: قَرِيبا
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {وَالله يعلم إِنَّهُم لَكَاذِبُونَ} قَالَ: لقد كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوج وَلَكِن كَانَ تبطئة من عِنْد أنفسهم وزهادة فِي الْجِهَاد
الْآيَة 43
أخرج عبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف وَابْن جرير عَن عَمْرو بن مَيْمُون الأودي رضي الله عنه قَالَ: اثْنَتَانِ فعلهمَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لم يُؤمر فيهمَا بِشَيْء إِذْنه لِلْمُنَافِقين وَأَخذه من الْأُسَارَى فَأنْزل الله {عَفا الله عَنْك لم أَذِنت لَهُم} الْآيَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُورق الْعجلِيّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُمْ بمعاتبة أحسن من هَذَا بَدَأَ بِالْعَفو قبل المعاتبة فَقَالَ {عَفا الله عَنْك لم أَذِنت لَهُم}
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد فِي قَوْله {عَفا الله عَنْك لم أَذِنت لَهُم}
قَالَ: نَاس قَالُوا: اسْتَأْذنُوا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَإِن أذن لكم فاقعدوا وَإِن لم يَأْذَن لكم فاقعدوا
وَأخرج النّحاس فِي ناسخه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {عَفا الله عَنْك لم أَذِنت لَهُم} الْآيَات الثَّلَاث
قَالَ: نسختها (فَإِذا استأذنوك لبَعض شَأْنهمْ فَأذن لمن شِئْت مِنْهُم)(سُورَة النُّور 62)
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم والنحاس وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {عَفا الله عَنْك لم أَذِنت لَهُم} الْآيَة
قَالَ: ثمَّ أنزل الله بعد ذَلِك فِي سُورَة النُّور (فَإِذا استأذنوك لبَعض شَأْنهمْ فَأذن لمن شِئْت مِنْهُم)
الْآيَات 44 - 45
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم والنحاس فِي ناسخه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {لَا يستأذنك الَّذين يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر} الْآيَتَيْنِ
قَالَ: هَذَا تَفْسِير لِلْمُنَافِقين حِين اسْتَأْذنُوا فِي الْقعُود عَن الْجِهَاد بِغَيْر عذر وَعذر الله الْمُؤمنِينَ فَقَالَ (فَإِذا استأذنوك لبَعض شَأْنهمْ فَأذن لمن شِئْت مِنْهُم)
وَأخرج أَبُو عبيد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {لَا يستأذنك الَّذين يُؤمنُونَ بِاللَّه} الْآيَتَيْنِ
قَالَ: نسختها الْآيَة الَّتِي فِي سُورَة النُّور (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِي آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله)(سُورَة النُّور 62) إِلَى (إِن الله غَفُور رَحِيم) فَجعل الله النَّبِي صلى الله عليه وسلم بِأَعْلَى النظرين فِي ذَلِك من غزا غزا فِي فَضِيلَة وَمن قعد قعد فِي غير حرج إِن شَاءَ الله
الْآيَات 46 - 48
أخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه فِي قَوْله {وَلَكِن كره الله انبعاثهم} قَالَ: خُرُوجهمْ
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {فَثَبَّطَهُمْ} قَالَ: حَبسهم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن زيد فِي قَوْله {لَو خَرجُوا فِيكُم مَا زادوكم إِلَّا خبالاً} قَالَ: هَؤُلَاءِ المُنَافِقُونَ فِي غَزْوَة تَبُوك سَأَلَ الله عَنْهَا نبيه وَالْمُؤمنِينَ فَقَالَ: مَا يحزنكم {لَو خَرجُوا فِيكُم مَا زادوكم إِلَّا خبالاً} يَقُول: جمع لكم وَفعل وَفعل يخذلونكم
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {ولأوضعوا خلالكم} قَالَ: لأسرعوا بَيْنكُم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد فِي قَوْله {ولأوضعوا خلالكم} قَالَ: لارفضوا {يبغونكم الْفِتْنَة} قَالَ: يبطئنكم عبد الله بن نَبْتَل وَعبد الله بن أُبي بن سلول وَرِفَاعَة بن تَابُوت وَأَوْس بن قيظي {وَفِيكُمْ سماعون لَهُم} قَالَ: محدثون بأحاديثهم غير منافقين هم عُيُون لِلْمُنَافِقين
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن زيد بن أسلم فِي قَوْله {وَفِيكُمْ سماعون لَهُم} قَالَ: مبلغون
وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن الْمُنْذر عَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: كَانَ عبد الله بن أبي وَعبد الله بن نَبْتَل وَرِفَاعَة بن زيد بن تَابُوت من عُظَمَاء الْمُنَافِقين وَكَانُوا مِمَّن يكيد
الإِسلام وَأَهله وَفِيهِمْ أنزل الله تَعَالَى {لقد ابْتَغوا الْفِتْنَة من قبل وقلبوا لَك الْأُمُور} إِلَى آخر الْآيَة
الْآيَة 49
أخرج ابْن الْمُنْذر وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو نعيم فِي الْمعرفَة عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ لما أَرَادَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَن يخرج إِلَى غَزْوَة تَبُوك قَالَ لجد بن قيس: مَا تَقول فِي مجاهدة بني الْأَصْفَر فَقَالَ: إِنِّي أخْشَى إِن رَأَيْت نسَاء بني الْأَصْفَر أَن أفتن فائذن لي وَلَا تفتني فَأنْزل الله {وَمِنْهُم من يَقُول ائْذَنْ لي وَلَا تفتني} الْآيَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن جَابر بن عبد الله رضي الله عنهما قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول لجد بن قيس: يَا جد هَل لَك فِي جلاد بني الْأَصْفَر قَالَ جد: أتأذن لي يَا رَسُول الله فَإِنِّي رجل أحب النِّسَاء وَإِنِّي أخْشَى إِن أَنا رَأَيْت نسَاء بني الْأَصْفَر أَن افْتتن
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ معرض عَنهُ: قد أَذِنت لَك
فَأنْزل الله {وَمِنْهُم من يَقُول ائْذَنْ لي} الْآيَة
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: اغزوا تغنموا بَنَات بني الْأَصْفَر
فَقَالَ نَاس من الْمُنَافِقين: إِنَّه ليفتنكم بِالنسَاء
فَأنْزل الله {وَمِنْهُم من يَقُول ائْذَنْ لي وَلَا تفتني}
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن عَائِشَة {وَمِنْهُم من يَقُول ائْذَنْ لي وَلَا تفتني} قَالَ: نزلت فِي الْجد بن قيس قَالَ: يَا مُحَمَّد ائْذَنْ لي وَلَا تفتني بنساء بني الْأَصْفَر
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وأبوالشيخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {وَمِنْهُم من يَقُول ائْذَنْ لي وَلَا تفتني} قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم اغزوا تَبُوك تغنموا بَنَات الْأَصْفَر نسَاء الرّوم
فَقَالُوا: ائْذَنْ لنا وَلَا تفتنا بِالنسَاء
وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن الْمُنْذر وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل من طَرِيقه عَن عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة وَعبد الله بن أبي بكر بن حزم أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَلما كَانَ يخرج فِي وَجه من مغازيه إِلَّا أظهر أَنه يُرِيد غَيره غير أَنه فِي غَزْوَة تَبُوك قَالَ: أَيهَا النَّاس إِنِّي أُرِيد الرّوم فاعلمهم وَذَلِكَ فِي زمَان الْبَأْس وَشدَّة من الْحر وجدب الْبِلَاد وَحين
طابت الثِّمَار وَالنَّاس يحبونَ الْمقَام فِي ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص عَنْهَا فَبَيْنَمَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ذَات يَوْم فِي جهازه إِذْ قَالَ للْجدّ بن قيس: يَا جد هَل لَك فِي بَنَات بني الْأَصْفَر قَالَ: يَا رَسُول الله لقد علم قومِي أَنه لَيْسَ أحد أَشد عجبا بِالنسَاء مني وَإِنِّي أَخَاف إِن رَأَيْت نسَاء بني الْأَصْفَر أَن يفتنني فَأْذن لي يَا رَسُول الله
فَأَعْرض عَنهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: قد أَذِنت
فَأنْزل الله {وَمِنْهُم من يَقُول ائْذَنْ لي وَلَا تفتني أَلا فِي الْفِتْنَة سقطوا} يَقُول: مَا وَقع فِيهِ من الْفِتْنَة بتخلفه عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ورغبته بِنَفسِهِ عَن نَفسه أعظم مِمَّا يخَاف من فتْنَة نسَاء بني الْأَصْفَر {وَإِن جَهَنَّم لمحيطة بالكافرين} يَقُول: من وَرَائه
وَقَالَ رجل من الْمُنَافِقين (لَا تنفرُوا فِي الْحر) فَأنْزل الله (قل نَار جَهَنَّم أَشد حرا لَو كَانُوا يفقهُونَ)(التَّوْبَة الْآيَة 81) قَالَ: ثمَّ إِن رَسُول الله جدَّ فِي سَفَره وَأمر النَّاس بالجهاز وحض أهل الْغنى على النَّفَقَة والحملان فِي سَبِيل الله فَحمل رجال من أهل الْغنى واحتسبوا وَأنْفق عُثْمَان رَضِي عَنهُ فِي ذَلِك نَفَقَة عَظِيمَة لم ينْفق أحد أعظم مِنْهَا وَحمل على مِائَتي بعير
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن عُرْوَة ومُوسَى بن عقبَة قَالَا ثمَّ إِن رَسُول الله تجهز غازياً يُرِيد الشَّام فَأذن فِي النَّاس بِالْخرُوجِ وَأمرهمْ بِهِ وَكَانَ ذَلِك فِي حر شَدِيد ليَالِي الخريف وَالنَّاس فِي نخيلهم خارفون فَأَبْطَأَ عَنهُ نَاس كثير وَقَالُوا: الرّوم لَا طَاقَة بهم
فَخرج أهل الْحسب وتخلف المُنَافِقُونَ وَحَدثُوا أنفسهم أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَا يرجع إِلَيْهِم أبدا فَاعْتَلُّوا وثبطوا من أطاعهم وتخلف عَنهُ رجال من الْمُسلمين بِأَمْر كَانَ لَهُم فِيهِ عذر مِنْهُم السقيم والمعسر وَجَاء سِتَّة نفر كلهم مُعسر يستحملونه لَا يحبونَ التَّخَلُّف عَنهُ فَقَالَ لَهُم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: لَا أجد مَا أحملكم عَلَيْهِ
فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أَن لَا يَجدوا مَا يُنْفقُونَ مِنْهُم من بني سَلمَة عمر بن غنمة وَمن بني مَازِن ابْن النجار أَبُو ليلى عبد الرَّحْمَن بن كَعْب وَمن بني حَارِث علية بن زيد وَمن بني عَمْرو بن عَوْف بن سَالم بن عُمَيْر وهرم بن عبد الله وهم يدعونَ بني الْبكاء وَعبد الله بن عمر وَرجل من بني مزينة فَهَؤُلَاءِ الَّذين بكوا واطلع الله عز وجل أَنهم يحبونَ الْجِهَاد وَأَنه الْجد من أنفسهم فعذرهم فِي الْقُرْآن فَقَالَ (لَيْسَ على الضُّعَفَاء وَلَا على المرضى وَلَا على الَّذين لَا يَجدونَ مَا يُنْفقُونَ حرج إِذا نصحوا لله وَرَسُوله)(التَّوْبَة الْآيَة 91) الْآيَة والآيتين بعْدهَا
وَأَتَاهُ الْجد بن قيس السّلمِيّ وَهُوَ فِي الْمَسْجِد مَعَه نفر فَقَالَ: يَا رَسُول الله ائْذَنْ لي فِي الْقعُود فَإِنِّي ذُو ضَيْعَة وَعلة فِيهَا عذر لي
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: تجهز فَإنَّك مُوسر لَعَلَّك ان تحقب بعض بَنَات بني الْأَصْفَر
فَقَالَ: يَا رَسُول الله ائْذَنْ لي وَلَا تفتني
فَنزلت {وَمِنْهُم من يَقُول ائْذَنْ لي وَلَا تفتني} وَخمْس آيَات مَعهَا يتبع بَعْضهَا بَعْضًا فَخرج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون مَعَه كَانَ فِيمَن تخلف عَنهُ غنمة بن وَدِيعَة من بني عَمْرو بن عَوْف فَقيل: مَا خَلفك عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَأَنت مُسلم فَقَالَ: الْخَوْض واللعب
فَأنْزل الله عز وجل فِيهِ وفيمن تخلف من الْمُنَافِقين (وَلَئِن سَأَلتهمْ ليَقُولن إِنَّمَا كُنَّا نَخُوض وَنَلْعَب)(التَّوْبَة الْآيَة 65) ثَلَاث آيَات مُتَتَابِعَات
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك قَالَ: لما أَرَادَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن يَغْزُو تَبُوك قَالَ نغزو الرّوم إِن شَاءَ الله وَنصِيب بَنَات بني الْأَصْفَر - كَانَ يذكر من حسنهنَّ ليرغب الْمُسلمُونَ فِي الْجِهَاد - فَقَامَ رجل من الْمُنَافِقين فَقَالَ: يَا رَسُول الله قد علمت حبي للنِّسَاء فائذن لي وَلَا تخرجني فَنزلت الْآيَة
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {وَلَا تفتني} قَالَ: لَا تخرجني {أَلا فِي الْفِتْنَة سقطوا} يَعْنِي فِي الْحَرج
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة فِي قَوْله {وَلَا تفتني} قَالَ: لَا تؤثمني {أَلا فِي الْفِتْنَة} قَالَ: أَلا فِي الْإِثْم سقطوا
الْآيَة 50
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: جعل المُنَافِقُونَ الَّذين تخلفوا بِالْمَدِينَةِ يخبرون عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَخْبَار السوء يَقُولُونَ: إِن مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه قد جهدوا فِي سفرهم وهلكوا فَبَلغهُمْ تَكْذِيب حَدِيثهمْ وعافية النَّبِي وَأَصْحَابه فساءهم ذَلِك فَأنْزل الله تَعَالَى {إِن تصبك حَسَنَة تسؤهم} الْآيَة
وَأخرج سنيد وَابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس {إِن تصبك حَسَنَة تسؤهم} يَقُول: إِن تصبك فِي سفرك هَذَا لغزوة تَبُوك {حَسَنَة تسؤهم} قَالَ: الْجد وَأَصْحَابه
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد فِي قَوْله {إِن تصبك حَسَنَة تسؤهم} قَالَ: الْعَافِيَة والرخاء وَالْغنيمَة {وَإِن تصبك مُصِيبَة} قَالَ: الْبلَاء والشدة {يَقُولُوا قد أَخذنَا أمرنَا من قبل} قد حذرنا
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ رضي الله عنه فِي قَوْله {إِن تصبك حَسَنَة تسؤهم} قَالَ: ان أظفرك الله وردك سالما ساءهم ذَلِك {وَإِن تصبك مُصِيبَة يَقُولُوا قد أَخذنَا أمرنَا} فِي الْقعُود من قبل أَن تصيبهم
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {إِن تصبك حَسَنَة تسؤهم} قَالَ: إِن كَانَ فتح للْمُسلمين كبر ذَلِك عَلَيْهِم وساءهم
الْآيَة 51
أخرج أَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ {قل لن يصيبنا إِلَّا مَا كتب الله لنا} قَالَ: إِلَّا مَا قضى الله لنا
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مُسلم بن يسَار رضي الله عنه قَالَ: الْكَلَام فِي الْقدر واديان عريضان يهْلك النَّاس فيهمَا لَا يدْرك عرضهما فاعمل عمل رجل يعلم أَنه لَا ينجيه إِلَّا عمله وتوكل توكل رجل يعلم أَنه لَا يُصِيبهُ إِلَّا مَا كتب الله لَهُ
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن مطرف رضي الله عنه قَالَ: لَيْسَ لأحد أَن يصعد فَوق بَيت فيلقي نَفسه ثمَّ يَقُول: قدر لي
وَلَكِن نتقي ونحذر فَإِن أَصَابَنَا شَيْء علمنَا أَنه لن يصيبنا إِلَّا مَا كتب الله لنا
وَأخرج أَحْمد عَن أبي الدَّرْدَاء رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ لكل شَيْء حَقِيقَة وَمَا بلغ عبد حَقِيقَة الإِيمان حَتَّى يعلم أَن مَا أَصَابَهُ لم يكن ليخطئه وَمَا أخطأه لم يكن ليصيبه
الْآيَة 52
أخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {قل هَل تربصون بِنَا إِلَّا إِحْدَى الحسنيين} قَالَ: فتح أَو شَهَادَة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {إِلَّا إِحْدَى الحسنيين} قَالَ: إِلَّا فتحا أَو قتلا فِي سَبِيل الله
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَضَعفه الذَّهَبِيّ من طَرِيق سعد بن اسحق بن كَعْب بن عجْرَة عَن أَبِيه عَن جده بَيْنَمَا النَّبِي صلى الله عليه وسلم بِالرَّوْحَاءِ إِذْ هَبَط عَلَيْهِ أَعْرَابِي من سرب فَقَالَ: من الْقَوْم وَأَيْنَ تُرِيدُونَ قَالَ: قوم بدوا مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم
قَالَ: مَا لي أَرَاكُم بذة هيئتكم قَلِيلا سلاحكم قَالَ: نَنْتَظِر إِحْدَى الحسنيين إِمَّا أَن نقْتل فالجنة وَإِمَّا أَن نغلب فيجمعهما الله تَعَالَى لنا الظفر وَالْجنَّة
قَالَ: أَيْن نَبِيكُم قَالُوا: هَا هُوَ ذَا
فَقَالَ لَهُ: يَا نَبِي الله لَيست لي مصلحَة آخذ مصلحي ثمَّ الْحق قَالَ اذْهَبْ إِلَى أهلك فَخذ مصلحتك فَخرج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَوْم بدر وَخرج الرجل إِلَى أَهله حَتَّى فرغ من حَاجته ثمَّ لحق بهم ببدر فَدخل فِي الصَّفّ مَعَهم فاقتتل النَّاس فَكَانَ فِيمَن اسْتشْهد فَقَامَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بعد أَن انتصر فَمر بَين ظهراني الشُّهَدَاء وَمَعَهُ عمر رضي الله عنه فَقَالَ: هَا يَا عمر إِنَّك تحب الحَدِيث وَإِن للشهداء سادة وأشرافاً وملوكاً وَإِن هَذَا يَا عمر مِنْهُم
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن جريج رضي الله عنه فِي قَوْله {وَنحن نتربص بكم أَن يُصِيبكُم الله بِعَذَاب من عِنْده أَو بِأَيْدِينَا} قَالَ: الْقَتْل بِالسُّيُوفِ
الْآيَات 53 - 54
أخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ الْجد بن قيس: إِنِّي إِذا رَأَيْت النِّسَاء لم أَصْبِر حَتَّى افْتتن وَلَكِن أعينك بِمَالي
قَالَ: فَفِيهِ نزلت {قل أَنْفقُوا طَوْعًا أَو كرها لن يتَقَبَّل مِنْكُم} قَالَ: لقَوْله أعينك بِمَالي
الْآيَة 55
أخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {فَلَا تعجبك أَمْوَالهم وَلَا أَوْلَادهم إِنَّمَا يُرِيد الله ليعذبهم بهَا} فِي الْآخِرَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن زيد رضي الله عنه فِي قَوْله {إِنَّمَا يُرِيد الله ليعذبهم بهَا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا} قَالَ: بالمصائب فيهم هِيَ لَهُم عَذَاب وَلِلْمُؤْمنِينَ أجر
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {فَلَا تعجبك أَمْوَالهم وَلَا أَوْلَادهم} قَالَ: هَذِه من مقاديم الْكَلَام يَقُول: لَا تعجبك أَمْوَالهم وَلَا أَوْلَادهم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا إِنَّمَا يُرِيد الله ليعذبهم بهَا فِي الْآخِرَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ رضي الله عنه فِي قَوْله {وتزهق أنفسهم وهم كافرون} قَالَ: تزهق أنفسهم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا {وهم كافرون} قَالَ: هَذِه آيَة فِيهَا تَقْدِيم وَتَأْخِير
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه فِي قَوْله {فَلَا تعجبك} يَقُول: لَا يغررك {وتزهق} قَالَ: تخرج أنفسهم من الدُّنْيَا {وهم كافرون}
الْآيَات 56 - 57
أخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه فِي قَوْله {ويحلفون بِاللَّه إِنَّهُم لمنكم} الْآيَة
قَالَ: إِنَّمَا يحلفُونَ بِاللَّه تقية
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {لَو يَجدونَ ملْجأ} الْآيَة
قَالَ: الملجأ الْحِرْز فِي الْجبَال والغارات الغيران فِي الْجبَال والمدخل السرب
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {لَو يَجدونَ ملْجأ أَو مغارات أَو مدخلًا} يَقُول: محرزا لَهُم يفرون إِلَيْهِ مِنْكُم {لولوا إِلَيْهِ} قَالَ: لفروا إِلَيْهِ مِنْكُم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ رضي الله عنه فِي قَوْله {وهم يجمحون} قَالَ: يسرعون
الْآيَات 58 - 59
وَأخرج البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رضي الله عنه قَالَ بَيْنَمَا النَّبِي صلى الله عليه وسلم يقسم قسما إِذْ جَاءَهُ ذُو الْخوَيْصِرَة التَّمِيمِي فَقَالَ: اعْدِلْ يَا رَسُول الله
فَقَالَ: وَيلك وَمن الْعدْل إِذا لم أعدل فَقَالَ عمر بن الْخطاب رضي الله عنه: يَا رَسُول الله ائْذَنْ لي فِيهِ فَاضْرب عُنُقه
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: دَعه فَإِن لَهُ أصحاباً يحقر أحدكُم صلَاته مَعَ صلَاتهم وصيامه مَعَ صِيَامهمْ يَمْرُقُونَ من الدّين كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية فَينْظر فِي قذذه فَلَا يُوجد فِيهِ شَيْء ثمَّ ينظر فِي نضيه فَلَا يرى فِيهِ شَيْء ثمَّ ينظر فِي رصافه فَلَا يرى فِيهِ شَيْء ثمَّ ينظر فِي نصله فَلَا يُوجد فِيهِ شَيْء قد سبق الفرث وَالدَّم آيَتهم رجل أسود إِحْدَى يَدَيْهِ - أَو قَالَ ثدييه - مثل ثدي الْمَرْأَة أَو مثل الْبضْعَة تدَرْدر يخرجُون على حِين فرقة من النَّاس قَالَ: فَنزلت فيهم {وَمِنْهُم من يَلْمِزك فِي الصَّدقَات} الْآيَة قَالَ أَبُو سعيد: أشهد أَنِّي سَمِعت هَذَا من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَأشْهد أَن عليا حِين قَتلهمْ وَأَنا مَعَه جِيءَ بِالرجلِ على النَّعْت الَّذِي نعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد فِي قَوْله {وَمِنْهُم من يَلْمِزك فِي الصَّدقَات} قَالَ: يطعن عَلَيْك
وَأخرج سنيد وَابْن جرير عَن دَاوُد بن أبي عَاصِم قَالَ: أَتَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم بِصَدقَة فَقَسمهَا هَهُنَا وَهَهُنَا حَتَّى ذهبت وَرَآهُ رجل من الْأَنْصَار فَقَالَ: مَا هَذَا بِالْعَدْلِ فَنزلت هَذِه الْآيَة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن إياد بن لَقِيط
أَنه قَرَأَ / وَإِن لم يُعْطوا مِنْهَا إِذا هم ساخطون /
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: لما قسم النَّبِي صلى الله عليه وسلم غَنَائِم حنين سَمِعت رجلا يَقُول: إِن هَذِه قسْمَة مَا أُرِيد بهَا وَجه الله
فَأتيت النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَذكرت لَهُ ذَلِك فَقَالَ رَحْمَة الله على مُوسَى قد أؤذي بِأَكْثَرَ من هَذَا فَصَبر وَنزل {وَمِنْهُم من يَلْمِزك فِي الصَّدقَات}
الْآيَة 60
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن جَابر قَالَ جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ وَهُوَ يقسم قسما فَأَعْرض عَنهُ وَجعل يقسم قَالَ: أتعطي رعاء الشَّاء وَالله مَا عدلت
فَقَالَ: وَيحك
من يعدل إِذا أَنا لم أعدل فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة {إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء} الْآيَة
وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالْبَغوِيّ فِي مُعْجَمه وَالطَّبَرَانِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَضَعفه عَن زِيَاد بن الْحَارِث الصدائي قَالَ: قَالَ رجل يَا رَسُول الله أَعْطِنِي من الصَّدَقَة
فَقَالَ: إِن الله لم يرض بِحكم نَبِي وَلَا غَيره فِي الصَّدقَات حَتَّى حكم هُوَ فِيهَا فجزأها ثَمَانِيَة أَجزَاء فَإِن كنت من تِلْكَ الْأَجْزَاء أَعطيتك حَقك
وَأخرج ابْن سعد عَن زِيَاد بن الْحَرْث الصدائي قَالَ: بَينا أَنا مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَ قوم يَشكونَ عاملهم ثمَّ قَالُوا: يَا رَسُول الله آخذنا بِشَيْء كَانَ بَيْننَا وَبَينه فِي الْجَاهِلِيَّة فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَا خير لِلْمُؤمنِ فِي الإِمارة ثمَّ قَامَ رجل فَقَالَ: يَا رَسُول الله أَعْطِنِي من الصَّدَقَة
فَقَالَ: إِن الله لم يكِل قسمهَا إِلَى ملك مقرب وَلَا
نَبِي مُرْسل حَتَّى أجزأها ثَمَانِيَة أَجزَاء فَإِن كنت جزأ مِنْهَا أَعطيتك وَإِن كنت غَنِيا عَنْهَا فَإِنَّمَا هِيَ صداع فِي الرَّأْس وداء فِي الْبَطن
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن مُوسَى بن يزِيد الْكِنْدِيّ قَالَ: كَانَ ابْن مَسْعُود يقرئ رجلا فَقَرَأَ {إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين} مُرْسلَة فَقَالَ ابْن مَسْعُود: مَا هَكَذَا أَقْرَأَنيهَا النَّبِي صلى الله عليه وسلم
فَقَالَ: وَكَيف أقرأكها قَالَ: أَقْرَأَنيهَا {إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين} فَمدَّهَا
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: نسخت هَذِه الْآيَة كل صَدَقَة فِي الْقُرْآن قَوْله (وَآت ذَا الْقُرْبَى حَقه والمسكين وَابْن السَّبِيل)(الْإِسْرَاء الْآيَة 26) وَقَوله (إِن تبدوا الصَّدقَات)(الْبَقَرَة الْآيَة 271) وَقَوله (وَفِي أَمْوَالهم حق للسَّائِل والمحروم)(الذاريات الْآيَة 19)
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين} الْآيَة
قَالَ: إِنَّمَا هَذَا شَيْء أعلمهُ الله إِيَّاه لَهُم فأيما أَعْطَيْت صنفا مِنْهَا أجزاك
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ عَن حُذَيْفَة فِي قَوْله {إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء} الْآيَة
قَالَ: إِن شِئْت جَعلتهَا فِي صنف وَاحِد من الْأَصْنَاف الثَّمَانِية الَّذين سمى الله أَو صنفين أَو ثَلَاثَة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن أبي الْعَالِيَة قَالَ: لَا بَأْس أَن تجعلها فِي صنف وَاحِد مِمَّا قَالَ الله
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأَبُو الشَّيْخ عَن الْحسن وَعَطَاء وَإِبْرَاهِيم وَسَعِيد بن جُبَير
مثله
وَأخرج ابْن الْمُنْذر والنحاس عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الْفُقَرَاء فُقَرَاء الْمُسلمين وَالْمَسَاكِين الطوّافون
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم والنحاس وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة قَالَ: الْفَقِير الَّذِي بِهِ زمانة والمسكين الْمُحْتَاج الَّذِي لَيْسَ بِهِ زمانة
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن أبي حَاتِم عَن عمر بن الْخطاب
أَنه مرَّ بِرَجُل من أهل الْكتاب مطروح على بَاب فَقَالَ: استكدوني وَأخذُوا مني الْجِزْيَة حَتَّى كف
بَصرِي فَلَيْسَ أحد يعود عليَّ بِشَيْء
فَقَالَ عمر: مَا أنصفنا إِذا ثمَّ قَالَ: هَذَا من الَّذين قَالَ الله {إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين} ثمَّ أَمر لَهُ أَن يرْزق وَيجْرِي عَلَيْهِ
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن عمر فِي قَوْله {إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين} قَالَ: هم زَمْنى أهل الْكتاب
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن الْحسن قَالَ: لَا يُعْطي الْمُشْركُونَ من الزَّكَاة وَلَا من شَيْء من الْكَفَّارَات
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عمر قَالَ: لَيْسَ بفقير من جمع الدِّرْهَم إِلَى الدِّرْهَم وَلَا التمرة إِلَى التمرة إِنَّمَا الْفَقِير من انقى ثَوْبه وَنَفسه لَا يقدر على غنى (يَحْسبهُم الْجَاهِل أَغْنِيَاء من التعفف)(الْبَقَرَة الْآيَة 273)
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن جَابر بن زيد قَالَ: الْفُقَرَاء المتعففون وَالْمَسَاكِين الَّذين يسْأَلُون
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن الزُّهْرِيّ
أَنه سُئِلَ عَن هَذِه الْآيَة فَقَالَ: الْفُقَرَاء الَّذين فِي بُيُوتهم وَلَا يسْأَلُون وَالْمَسَاكِين الَّذِي يخرجُون فَيسْأَلُونَ
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد قَالَ: الْفَقِير الرجل يكون فَقِيرا وَهُوَ بَين ظَهْري قومه وعشيرته وَذَوي قرَابَته وَلَيْسَ لَهُ مَال والمسكين الَّذِي لَا عشيرة لَهُ وَلَا قرَابَة وَلَا رحم وَلَيْسَ لَهُ مَال
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن الضَّحَّاك فِي الْآيَة قَالَ: الْفُقَرَاء الَّذين هَاجرُوا وَالْمَسَاكِين الَّذين لم يهاجروا
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن سعيد بن جُبَير قَالَ: يُعْطي من الزَّكَاة من لَهُ الدَّار وَالْخَادِم وَالْفرس
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن إِبْرَاهِيم رضي الله عنه قَالَ: كَانُوا لَا يمْنَعُونَ الزَّكَاة من لَهُ الْبَيْت وَالْخَادِم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {والعاملين عَلَيْهَا} قَالَ: السعاة أَصْحَاب الصَّدَقَة
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن الْمُنْذر عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه قَالَ: يُعْطي كل عَامل بِقدر عمله
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن رَافع بن خديج رضي الله عنه سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: الْعَامِل على الصَّدَقَة بِالْحَقِّ كالغازي حَتَّى يرجع إِلَى بَيته
وَأخرج ابْن جرير وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {والمؤلفة قُلُوبهم} قَالَ: هم قوم كَانُوا يأْتونَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قد أَسْلمُوا وَكَانَ يرْضخ لَهُم من الصَّدقَات فَإِذا أَعْطَاهُم من الصَّدَقَة فَأَصَابُوا مِنْهَا خيرا قَالُوا: هَذَا دين صَالح وَإِن كَانَ غير ذَلِك عابوه وتركوه
وَأخرج البُخَارِيّ وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رضي الله عنه قَالَ بعث عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه من الْيمن إِلَى النَّبِي بذهيبة فِيهَا تربَتهَا فَقَسمهَا بَين أَرْبَعَة من الْمُؤَلّفَة: الْأَقْرَع بن حايس الْحَنْظَلِي وعلقمة بن علاثة العامري وعينية بن بدر الْفَزارِيّ وَزيد الْخَيل الطَّائِي
فَقَالَت قُرَيْش وَالْأَنْصَار: أيقسم بَين صَنَادِيد أهل نجد ويدعنا فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: إِنَّمَا أتالفهم
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن يحيى بن أبي كثير رضي الله عنه قَالَ الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم: من بني هَاشم أَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَمن بني أُميَّة أَبُو سُفْيَان بن حَرْب وَمن بني مَخْزُوم الْحَارِث بن هِشَام وَعبد الرَّحْمَن بن يَرْبُوع وَمن بني أَسد حَكِيم بن حزَام وَمن بني عَامر سُهَيْل بن عَمْرو وَحُوَيْطِب بن عبد الْعزي وَمن بني جمح صَفْوَان بن أُميَّة وَمن بني سهم عدي بن قيس وَمن ثَقِيف الْعَلَاء بن حَارِثَة أَو حَارِثَة وَمن بني فَزَارَة عَيْنِيَّة بن حصن وَمن بني تَمِيم الْأَقْرَع بن حَابِس وَمن بني نصر مَالك بن عَوْف وَمن بني سليم الْعَبَّاس بن مرداس
أعْطى النَّبِي صلى الله عليه وسلم كل رجل مِنْهُم مائَة نَاقَة مائَة نَاقَة إِلَّا عبد الرَّحْمَن بن يَرْبُوع وَحُوَيْطِب بن عبد الْعُزَّى فَإِنَّهُ أعْطى كل وَاحِد مِنْهُمَا خمسين
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الْحسن رضي الله عنه قَالَ: الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم الَّذين يدْخلُونَ فِي الإِسلام إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك قَالَ: الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم قوم من وُجُوه الْعَرَب يقدمُونَ عَلَيْهِ فينفق عَلَيْهِم مِنْهَا مَا داموا حَتَّى يسلمُوا أَو يرجِعوا
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن جُبَير قَالَ: لَيْسَ الْيَوْم مؤلفة قُلُوبهم
وَأخرج البُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الشّعبِيّ رضي الله عنه قَالَ: لَيست الْيَوْم مؤلفة قُلُوبهم إِنَّمَا كَانَ رجال يتألفهم النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا أَن كَانَ أَبُو بكر رضي الله عنه قطع الرشا فِي الإِسلام
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عُبَيْدَة السَّلمَانِي قَالَ: جَاءَ عَيْنِيَّة بن حصن والأقرع بن حَابِس إِلَى أبي بكر فَقَالَا: يَا خَليفَة رَسُول الله ان عندنَا أَرضًا سبخَة لَيْسَ فِيهَا كلأ وَلَا مَنْفَعَة فَإِن رَأَيْت أَن تعطيناها لَعَلَّنَا نحرثها ونزرعها وَلَعَلَّ الله أَن ينفع بهَا
فاقطعهما إِيَّاهَا وَكتب لَهما بذلك كتابا واشهد لَهما فَانْطَلقَا إِلَى عمر ليشهداه على مَا فِيهِ فَلَمَّا قرآ على عمر مَا فِي الْكتاب تنَاوله من أَيْدِيهِمَا فتفل فِيهِ فمجاه فتذمرا وَقَالا لَهُ مقَالَة سَيِّئَة فَقَالَ عمر: أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يتألفهما والإِسلام يَوْمئِذٍ قَلِيل وَإِن الله قد أعز الإِسلام فاذهبا فاجهد جهدكما لَا أرعى الله عَلَيْكُمَا إِن أرعيتما
وَأخرج ابْن سعد عَن أبي وَائِل
أَنه قيل لَهُ: مَا أصنع بِنَصِيب الْمُؤَلّفَة قَالَ: زده على الآخرين
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مقَاتل فِي قَوْله {وَفِي الرّقاب} قَالَ: هم المكاتبون
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ قَالَ: لَا يعْتق من الزَّكَاة رَقَبَة تَامَّة وَيُعْطى فِي رَقَبَة وَلَا بَأْس بِأَن يعين بِهِ مكَاتبا
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن عمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ: سهم الرّقاب نِصْفَانِ نصف لكل مكَاتب مِمَّن يدَّعي الإِسلام وَالنّصف الْبَاقِي يَشْتَرِي بِهِ رِقَاب مِمَّن صلى وَصَامَ وَقدم إِسْلَامه من ذكر أَو أُنْثَى يعتقون لله
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس
أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا أَن يُعْطي الرجل من زَكَاته فِي الْحَج وَأَن يعْتق مِنْهَا رَقَبَة
وَأخرج أَبُو عبيد وَابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: أعتق من زَكَاة مَالك
وَأخرج أَبُو عبيد وَابْن الْمُنْذر عَن الْحسن: أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا أَن يَشْتَرِي الرجل من زَكَاة مَاله نسمَة فيعتقها
وَأخرج أَبُو عبيد وَسَعِيد بن مَنْصُور وَابْن الْمُنْذر عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ قَالَ: يعان فِيهَا الرَّقَبَة وَلَا يعْتق مِنْهَا
وَأخرج أَبُو عبيد وابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر عَن سعيد بن جُبَير رَضِي الله عَنهُ
قَالَ: لَا تعْتق من زَكَاة مَالك فَإِنَّهُ يجر الْوَلَاء
قَالَ أَبُو عبيد: قَول ابْن عَبَّاس أَعلَى مَا جَاءَنَا فِي هَذَا الْبَاب وَهُوَ أولى بالاتباع وَأعلم بالتأويل وَقد وَافقه عَلَيْهِ كثير من أهل الْعلم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن الزُّهْرِيّ
أَنه سُئِلَ عَن الغارمين
قَالَ: أَصْحَاب الدّين وَابْن السَّبِيل وَإِن كَانَ غَنِيا
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد فِي قَوْله {والغارمين} قَالَ: من احْتَرَقَ بَيته وَذهب السَّيْل بِمَالِه وادّان على عِيَاله
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن أبي جَعْفَر فِي قَوْله {والغارمين} قَالَ: المستدينين فِي غير فَسَاد {وَابْن السَّبِيل} قَالَ: المجتاز من أَرض إِلَى أَرض
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مقَاتل فِي قَوْله {والغارمين} قَالَ: هُوَ الَّذِي يسْأَل فِي دم أَو جَائِحَة تصيبه {وَفِي سَبِيل الله} قَالَ: هم المجاهدون {وَابْن السَّبِيل} قَالَ: الْمُنْقَطع بِهِ يُعْطي قدر مَا يبلغهُ
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن زيد فِي قَوْله {وَفِي سَبِيل الله} قَالَ: الْغَازِي فِي سَبِيل الله {وَابْن السَّبِيل} قَالَ: الْمُسَافِر
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: ابْن السَّبِيل هُوَ قَالَ: الْغَازِي فِي سَبِيل الله {وَابْن السَّبِيل} قَالَ: الْمُسَافِر
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: ابْن السَّبِيل هُوَ الضَّيْف الْفَقِير الَّذِي ينزل بِالْمُسْلِمين
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن الضَّحَّاك فِي رجل سَافر وَهُوَ غَنِي فنفد مَا مَعَه فِي سَفَره فَاحْتَاجَ قَالَ: يعْطى من الصَّدَقَة فِي سَفَره لِأَنَّهُ ابْن سَبِيل
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة فِي قَوْله {وَفِي سَبِيل الله} قَالَ: حمل الرجل فِي سَبِيل الله من الصَّدَقَة {وَابْن السَّبِيل} قَالَ: هُوَ الضَّيْف وَالْمُسَافر إِذا قطع بِهِ وَلَيْسَ لَهُ شَيْء {فَرِيضَة من الله وَالله عليم حَكِيم} قَالَ: ثَمَانِيَة أسْهم فرضهن الله وأعلمهن
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأَبُو دَاوُد وَابْن ماجة وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي سعيد قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ إِلَّا لخمسة: لعامل عَلَيْهَا أَو
رجل اشْتَرَاهَا بِمَالِه أَو غَارِم أَو غاز فِي سَبِيل الله أَو مِسْكين تصدق عَلَيْهِ فأهدى مِنْهَا الْغَنِيّ
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن ماجة والنحاس فِي ناسخه عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من سَأَلَ وَله مَا يُغْنِيه جَاءَت مَسْأَلته يَوْم الْقِيَامَة خموشاً أَو كدوحاً
قَالُوا: يَا رَسُول الله وماذا يُغْنِيه قَالَ: خَمْسُونَ دِرْهَم أَو قيمتهَا من الذَّهَب
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن عبد الله بن عمر
أَنه سُئِلَ عَن مَال الصَّدَقَة فَقَالَ: شَرّ مَال إِنَّمَا هُوَ مَال الكسحان والعرجان والعميان وكل مُنْقَطع بِهِ
قيل: فَإِن للعاملين عَلَيْهَا حَقًا وللمجاهدين فِي سَبِيل الله
قَالَ: أما الْعَامِلُونَ فَلهم بِقدر عمالتهم وَأما المجاهدون فِي سَبِيل الله فقوم أحل لَهُم أَن الصَّدَقَة لَا تحل لَغَنِيّ وَلَا لذِي مرّة سوى
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ فرض رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الصَّدَقَة فِي ثَمَانِيَة أسْهم
فَفرض فِي الذَّهَب وَالْوَرق والإِبل وَالْبَقر وَالْغنم وَالزَّرْع وَالْكَرم وَالنَّخْل ثمَّ تُوضَع فِي ثَمَانِيَة أسْهم
فِي أهل هَذِه الْآيَة {إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء} الْآيَة كلهَا
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: خففوا على الْمُسلمين فِي خرصكم فَإِن فِيهِ الْعَرَايَا وَفِيه الْوَصَايَا فَأَما الْعَرَايَا فالنخلة وَالثَّلَاث والأربع وَأَقل من ذَلِك وَأكْثر يمنحها الرجل أَخَاهُ ثَمَرَتهَا فيأكلها هُوَ وَعِيَاله وَأما الْوَصَايَا فثمانية أسْهم {إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين} إِلَى قَوْله {وَالله عليم حَكِيم}
وَأخرج أَحْمد عَن رجل من بني هِلَال قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ وَلَا ذِي مرّة سوى
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَن عبد الله بن عمر عَن النَّبِي قَالَ لَا تحل الصَّدَقَة لَغَنِيّ وَلَا لذِي مرّة سوى
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَن عبيد الله بن عدي بن الْخِيَار قَالَ: أَخْبرنِي رجلَانِ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي حجَّة الْوَدَاع وَهُوَ يقسم الصَّدَقَة فَسَأَلَاهُ مِنْهَا
فَرفع فِينَا الْبَصَر وخفضه فرآنا جلدين فَقَالَ: إِن شئتما أعطيتكما وَلَا حظَّ فِيهَا لَغَنِيّ وَلَا لقوي مكتسب
الْآيَة 61
وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ نَبْتَل بن الْحَرْث يَأْتِي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فيجلس إِلَيْهِ فَيسمع مِنْهُ ثمَّ ينْقل حَدِيثه إِلَى الْمُنَافِقين وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُم: إِنَّمَا مُحَمَّد أذن من حَدثهُ شَيْئا صدقه فَأنْزل الله فِيهِ {وَمِنْهُم الَّذين يُؤْذونَ النَّبِي وَيَقُولُونَ هُوَ أذن} الْآيَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ قَالَ: اجْتمع نَاس من الْمُنَافِقين فيهم جلاس بن سُوَيْد بن صَامت وجحش بن حمير ووديعة بن ثَابت فأرادوا أَن يقعوا فِي النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَنهى بَعضهم بَعْضًا وَقَالُوا: أَنا نَخَاف أَن يبلغ مُحَمَّد فَيَقَع بكم وَقَالَ بَعضهم: إِنَّمَا مُحَمَّد أذن نحلف لَهُ فيصدقنا
فَنزل {وَمِنْهُم الَّذين يُؤْذونَ النَّبِي} الْآيَة
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {وَيَقُولُونَ هُوَ أذن} يَعْنِي أَنه يسمع من كل أحد
قَالَ الله عز وجل {قل أذن خير لكم يُؤمن بِاللَّه ويؤمن للْمُؤْمِنين} يَعْنِي يصدق بِاللَّه وَيصدق الْمُؤمنِينَ
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {وَيَقُولُونَ هُوَ أذن} أَي يسمع مَا يُقَال لَهُ
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه {وَيَقُولُونَ هُوَ أذن} يَقُولُونَ: سنقول لَهُ مَا شِئْنَا ثمَّ نحلف لَهُ فيصدقنا
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن عَطاء رضي الله عنه قَالَ: الْأذن الَّذِي يسمع من كل أحد ويصدقه
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه فِي قَوْله {يُؤمن بِاللَّه} قَالَ: يصدق الله بِمَا أنزل إِلَيْهِ {ويؤمن للْمُؤْمِنين} يصدق الْمُؤمنِينَ فِيمَا بَينهم فِي شهاداتهم وَإِيمَانهمْ على حُقُوقهم وفروجهم وَأَمْوَالهمْ
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَابْن عَسَاكِر وَابْن مرْدَوَيْه عَن عُمَيْر بن سعد قَالَ: فيَّ أنزلت هَذِه الْآيَة {وَيَقُولُونَ هُوَ أذن} وَذَلِكَ أَن عُمَيْر بن سعد كَانَ يسمع أَحَادِيث أهل الْمَدِينَة فَيَأْتِي النَّبِي صلى الله عليه وسلم فيساره حَتَّى كَانُوا يتأذون بعمير بن سعد وكرهوا مُجَالَسَته وَقَالُوا {هُوَ أذن} وَالله أعلم
الْآيَة 62
أخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة رضي الله عنه قَالَ: ذكر لنا أَن رجلا من الْمُنَافِقين قَالَ: وَالله إِن هَؤُلَاءِ لخيارنا وَأَشْرَافنَا وَإِن كَانَ مَا يَقُول مُحَمَّد حَقًا لَهُم أشر من حمير
فَسَمعَهَا رجل من الْمُسلمين فَقَالَ: وَالله مَا يَقُول مُحَمَّد لحق ولأنت أشر من الْحمار
فسعى بهَا الرجل إِلَى نَبِي الله صلى الله عليه وسلم فَأخْبرهُ فَأرْسل إِلَى الرجل فَدَعَاهُ فَقَالَ: مَا حملك على الَّذِي قلت فَجعل يلتعن وَيحلف بِاللَّه مَا قَالَ ذَلِك وَجعل الرجل الْمُسلم يَقُول: اللَّهُمَّ صدق الصَّادِق وَكذب الْكَاذِب فَأنْزل الله تَعَالَى فِي ذَلِك {يحلفُونَ بِاللَّه لكم ليرضوكم} الْآيَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ رضي الله عنه
مثله وسمى الرجل الْمُسلم عَامر بن قيس من الْأَنْصَار
الْآيَة 63
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه {ألم يعلمُوا أَنه من يحادد الله وَرَسُوله} قَالَ: يعادي الله وَرَسُوله
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن يزِيد بن هرون قَالَ: خطب أَبُو بكر الصّديق رضي الله عنه فَقَالَ فِي خطبَته: يُؤْتى بِعَبْد قد أنعم الله عَلَيْهِ وَبسط لَهُ فِي الرزق قد أصح بدنه وَقد كفر نعْمَة ربه فَيُوقف بَين يَدي الله تَعَالَى فَيُقَال لَهُ: مَاذَا عملت ليومك هَذَا وَمَا قدمت لنَفسك فَلَا يجده قدَّم خيرا فيبكي حَتَّى تنفد الدُّمُوع ثمَّ يعيَّر ويخزى
بِمَا ضيع من طَاعَة الله فيبكي الدَّم ثمَّ يعير ويخزى حَتَّى يَأْكُل يَدَيْهِ إِلَى مرفقيه ثمَّ يعير ويخزى بِمَا ضيع من طَاعَة الله فينتحب حَتَّى تسْقط حدقتاه على وجنتيه وكل وَاحِد مِنْهُمَا فَرسَخ فِي فَرسَخ ثمَّ يعير ويخزى حَتَّى يَقُول: يَا رب ابعثني إِلَى النَّار وارحمني من مقَامي هَذَا
وَذَلِكَ قَوْله {أَنه من يحادد الله وَرَسُوله فَأن لَهُ نَار جَهَنَّم} إِلَى قَوْله {الْعَظِيم}
الْآيَة 64
أخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {يحذر المُنَافِقُونَ أَن تنزل عَلَيْهِم سُورَة تنبئهم بِمَا فِي قُلُوبهم} قَالَ: يَقُولُونَ القَوْل فِيمَا بَينهم ثمَّ يَقُولُونَ عَسى الله أَن لَا يفشي علينا هَذَا
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه قَالَ: كَانَت هَذِه السُّورَة تسمى الفاضحة فاضحة الْمُنَافِقين وَكَانَ يُقَال لَهَا المثيرة أنبأت بمثالبهم وعوراتهم
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن الْمسيب بن رَافع رضي الله عنه قَالَ: مَا عمل رجل من حَسَنَة فِي سَبْعَة أَبْيَات إِلَّا أظهرها الله وَلَا عمل رجل من سَيِّئَة فِي سَبْعَة أَبْيَات إِلَّا أظهرها الله وتصديق ذَلِك كَلَام الله تَعَالَى {إِن الله مخرج مَا تحذرون}
الْآيَات 65 - 66
وَأخرج أَبُو نعيم فِي الْحِلْية عَن شُرَيْح بن عبيد رضي الله عنه
أَن رجلا قَالَ لأبي
الدَّرْدَاء رضي الله عنه: يَا معشر الْقُرَّاء مَا بالكم أجبن منا وأبخل إِذا سئلتم وَأعظم لقماً إِذا أكلْتُم فَأَعْرض عَنهُ أَبُو الدَّرْدَاء وَلم يرد عَلَيْهِ شَيْئا فَأخْبر بذلك عمر بن الْخطاب رضي الله عنه فَانْطَلق عمر إِلَى الرجل الَّذِي قَالَ ذَلِك فقاله بِثَوْبِهِ وخنقه وقاده إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ الرجل: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوض وَنَلْعَب
فَأوحى الله تَعَالَى إِلَى نبيه صلى الله عليه وسلم {وَلَئِن سَأَلتهمْ ليَقُولن إِنَّمَا كُنَّا نَخُوض وَنَلْعَب}
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن عبد الله بن عمر قَالَ قَالَ رجل فِي غَزْوَة تَبُوك فِي مجْلِس يَوْمًا: مَا رَأينَا مثل قرائنا هَؤُلَاءِ لَا أَرغب بطونا وَلَا أكذب أَلْسِنَة وَلَا أجبن عِنْد اللِّقَاء
فَقَالَ رجل فِي الْمجْلس: كذبت وَلَكِنَّك مُنَافِق
لأخبرن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم
فَبلغ ذَلِك رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَنزل الْقُرْآن
قَالَ عبد الله: فَأَنا رَأَيْته مُتَعَلقا يحقب نَاقَة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَالْحِجَارَة تنكيه وَهُوَ يَقُول: يَا رَسُول الله إِنَّمَا كُنَّا نَخُوض وَنَلْعَب
وَالنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم يَقُول: أبالله وآياته وَرَسُوله كُنْتُم تستهزئون
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم والعقيلي فِي الضُّعَفَاء وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه والخطيب فِي رُوَاة مَالك عَن ابْن عمر قَالَ رَأَيْت عبد الله بن أبي وَهُوَ يشْتَد قُدَّام النَّبِي صلى الله عليه وسلم والأحجار تنكيه وَهُوَ يَقُول: يَا مُحَمَّد إِنَّمَا كُنَّا نَخُوض وَنَلْعَب وَالنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم يَقُول: أبالله وآياته وَرَسُوله كُنْتُم تستهزئون
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد فِي قَوْله {وَلَئِن سَأَلتهمْ ليَقُولن إِنَّمَا كُنَّا نَخُوض وَنَلْعَب} قَالَ: قَالَ رجل من الْمُنَافِقين يحدثنا مُحَمَّد: أَن نَاقَة فلَان بوادي كَذَا وَكَذَا فِي يَوْم كَذَا وَكَذَا وَمَا يدريه بِالْغَيْبِ
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة فِي الْآيَة قَالَ: بَيْنَمَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي غزوته إِلَى تَبُوك وَبَين يَدَيْهِ أنَاس من الْمُنَافِقين فَقَالُوا: يَرْجُو هَذَا الرجل أَن تفتح لَهُ قُصُور الشَّام وحصونها هَيْهَات هَيْهَات
فَأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذَلِك فَقَالَ نَبِي صلى الله عليه وسلم الله احْبِسُوا عليَّ هَؤُلَاءِ الركب
فَأَتَاهُم فَقَالَ: قُلْتُمْ كَذَا قُلْتُمْ كَذَا
قَالُوا: يَا نَبِي الله إِنَّمَا كُنَّا نَخُوض وَنَلْعَب فَأنْزل الله فيهمَا مَا تَسْمَعُونَ
وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن سعيد بن جُبَير قَالَ بَيْنَمَا النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي مسيره وأناس من الْمُنَافِقين يَسِيرُونَ أَمَامه فَقَالُوا: إِن كَانَ مَا
يَقُول مُحَمَّد حَقًا فلنحن أشر من الْحمير
فَأنْزل الله تَعَالَى مَا قَالُوا فَأرْسل إِلَيْهِم
مَا كُنْتُم تَقولُونَ فَقَالُوا: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوض وَنَلْعَب
وَأخرج إِسْحَق وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن كَعْب بن مَالك قَالَ قَالَ محشي بن حمير: لَوَدِدْت أَنِّي أقاضي على أَن يضْرب كل رجل مِنْكُم مائَة على أَن ينجو من أَن ينزل فِينَا قُرْآن
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لعمَّار بن يَاسر أدْرك الْقَوْم فَإِنَّهُم قد احترقوا فسلهم عَمَّا قَالُوا فَإِن هم أَنْكَرُوا وكتموا فَقل بلَى قد قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا فأدركهم فَقَالَ لَهُم
فَجَاءُوا يَعْتَذِرُونَ فَأنْزل الله {لَا تعتذروا قد كَفرْتُمْ بعد إيمَانكُمْ إِن نعف عَن طَائِفَة مِنْكُم} الْآيَة
فَكَانَ الَّذِي عَفا الله عَنهُ محشي بن حمير فتسمى عبد الرَّحْمَن وَسَأَلَ الله أَن يقتل شَهِيدا لَا يعلم بمقتله
فَقتل بِالْيَمَامَةِ لَا يعلم مَقْتَله وَلَا من قَتله وَلَا يرى لَهُ أثر وَلَا عين
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة فِي رَهْط من الْمُنَافِقين من بني عَمْرو بن عَوْف فيهم وَدِيعَة بن ثَابت وَرجل من أَشْجَع حَلِيف لَهُم يُقَال لَهُ محشي بن حمير كَانَ يَسِيرُونَ مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ منطلق إِلَى تَبُوك فَقَالَ بَعضهم لبَعض: أتحسبون قتال بني الْأَصْفَر كقتال غَيرهم وَالله لكأنا بكم غَدا تقادون فِي الحبال
قَالَ محشي بن حمير: لَوَدِدْت أَنِّي أقاضي
فَذكر الحَدِيث مثل الَّذِي قبله
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن مَسْعُود
نَحوه
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن الْكَلْبِيّ أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لما أقبل من غَزْوَة تَبُوك وَبَين يَدَيْهِ ثَلَاثَة رَهْط استهزأوا بِاللَّه وبرسوله وَبِالْقُرْآنِ قَالَ: كَانَ رجل مِنْهُم لم يمالئهم فِي الحَدِيث يسير مجانباً لَهُم يُقَال لَهُ يزِيد بن وَدِيعَة فَنزلت {إِن نعف عَن طَائِفَة مِنْكُم نعذب طَائِفَة} فَسُمي طَائِفَة وَهُوَ وَاحِد
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {إِن نعف عَن طَائِفَة مِنْكُم نعذب طَائِفَة} قَالَ: الطَّائِفَة الرجل والنفر
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد قَالَ: الطَّائِفَة الْوَاحِد إِلَى الْألف
وَأخرج عبد بن حميد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الطَّائِفَة رجل فَصَاعِدا
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك {إِن نعف عَن طَائِفَة مِنْكُم نعذب طَائِفَة}
يَعْنِي إِن عفى بَعضهم فَلَيْسَ بتارك الآخرين أَن يعذبهم {بِأَنَّهُم كَانُوا مجرمين}
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: كَانَ فِيمَن تخلف بِالْمَدِينَةِ من الْمُنَافِقين ودَاعَة بن ثَابت أحد بني عَمْرو بن عَوْف فَقيل لَهُ: مَا خَلفك عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: الْخَوْض واللعب
فَأنْزل الله فِيهِ وَفِي أَصْحَابه {وَلَئِن سَأَلتهمْ ليَقُولن إِنَّمَا كُنَّا نَخُوض وَنَلْعَب} إِلَى قَوْله {مجرمين}
الْآيَات 67 - 70
أخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن أبي حَاتِم عَن حُذَيْفَة
أَنه سُئِلَ عَن الْمُنَافِق
فَقَالَ: الَّذِي يصف الإِسلام وَلَا يعْمل بِهِ
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الْحسن قَالَ: النِّفَاق نفاقان
نفاق تَكْذِيب بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم فَذَاك كفر ونفاق خَطَايَا وذنوب فَذَاك يُرْجَى لصَاحبه
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {يأمرون بالمنكر} قَالَ: هُوَ التَّكْذِيب
قَالَ: وَهُوَ أنكر الْمُنكر {وَينْهَوْنَ عَن الْمَعْرُوف} قَالَ: شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله والإِقرار بِمَا أنزل الله وَهُوَ أعظم الْمَعْرُوف
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن أبي الْعَالِيَة قَالَ: كل آيَة ذكرهَا الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن فَذكر الْمُنكر عبَادَة الْأَوْثَان والشيطان
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد فِي قَوْله {ويقبضون أَيْديهم} قَالَ: لَا يبسطونها بِنَفَقَة فِي حق الله
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة فِي قَوْله {ويقبضون أَيْديهم} قَالَ: لَا يبسطونها بِخَير {نسوا الله فنسيهم} قَالَ: نسوا من كل خير وَلم ينسوا من الشَّرّ
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {نسوا الله فنسيهم} قَالَ: تركُوا الله فتركهم من كرامته وثوابه
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك {نسوا الله} قَالَ: تركُوا أَمر الله {فنسيهم} تَركهم من رَحمته أَن يعطيهم إِيمَانًا وَعَملا صَالحا
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن سعيد بن جُبَير فِي الْآيَة قَالَ: إِن الله لَا ينسى من خلقه وَلَكِن نسيهم من الْخَيْر يَوْم الْقِيَامَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد قَالَ: نسوا فِي الْعَذَاب
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة فِي قَوْله {كَالَّذِين من قبلكُمْ} قَالَ: صَنِيع الْكفَّار كالكفار
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: مَا أشبه اللَّيْلَة بالبارحة {كَالَّذِين من قبلكُمْ كَانُوا أَشد مِنْكُم قُوَّة} إِلَى قَوْله {وخضتم كَالَّذي خَاضُوا} هَؤُلَاءِ بَنو إِسْرَائِيل أشبهناهم وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لنتبعنهم حَتَّى لَو دخل رجل جُحْر ضبٍّ لدخلتموه
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {بخلاقهم} قَالَ: بدينهم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: الخلاق الدّين
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ فِي قَوْله {فاستمتعوا بخلاقهم} قَالَ: بنصيبهم من الدُّنْيَا
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة فِي قَوْله {وخضتم كَالَّذي خَاضُوا} قَالَ: لعبتم كَالَّذي لعبوا
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الرّبيع أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حذركُمْ أَن تحدثُوا حَدثا فِي الإِسلام وَعلم أَنه سيفعل ذَلِك أَقوام من هَذِه الْأمة فَقَالَ الله {فاستمتعوا بخلاقهم} الْآيَة
الْآيَات 71 - 72
أخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة فِي قَوْله {والمؤتفكات} قَالَ: قوم لوط ائتفكت بهم أَرضهم فَجعل عَلَيْهَا سافلها
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك فِي قَوْله {والمؤمنون وَالْمُؤْمِنَات بَعضهم أَوْلِيَاء بعض يأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر} يدعونَ إِلَى الإِيمان بِاللَّه وَرَسُوله والنفقات فِي سَبِيل الله وَمَا كَانَ من طَاعَة الله {وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر} ينهون عَن الشّرك وَالْكفْر وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر فَرِيضَة من فَرَائض الله كتبهَا الله على الْمُؤمنِينَ
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس {والمؤمنون وَالْمُؤْمِنَات بَعضهم أَوْلِيَاء بعض} قَالَ: اخاؤهم فِي الله يتحابون بِجلَال الله وَالْولَايَة لله
وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب قَضَاء الْحَوَائِج وَالطَّبَرَانِيّ عَن سلمَان قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أهل الْمَعْرُوف فِي الدُّنْيَا أهل الْمَعْرُوف فِي الْآخِرَة وَأهل الْمُنكر فِي الدُّنْيَا أهل الْمُنكر فِي الْآخِرَة وَأخرجه ابْن أبي شيبَة عَن أبي عُثْمَان مُرْسلا
وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا عَن أبي مُوسَى أَن نَبِي الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِن الْمَعْرُوف وَالْمُنكر خليقتان ينصبان يَوْم الْقِيَامَة فَأَما الْمَعْرُوف فيبشر أَهله ويعدهم الْخَيْر وَأما الْمُنكر فَيَقُول لأَصْحَابه: إِلَيْكُم وَمَا تَسْتَطِيعُونَ لَهُ إِلَّا لُزُوما
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن أبي الدُّنْيَا عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم رَأس الْعقل بعد الإِيمان بِاللَّه مداراة النَّاس وَلنْ يهْلك رجل بعد مشورة وَأهل الْمَعْرُوف فِي الدُّنْيَا أهل الْمَعْرُوف فِي الْآخِرَة وَأهل الْمُنكر فِي الدُّنْيَا أهل الْمُنكر فِي الْآخِرَة
وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن أهل الْمَعْرُوف فِي الدُّنْيَا هم أهل الْمَعْرُوف فِي الْآخِرَة وَأهل الْمُنكر فِي الدُّنْيَا أهل الْمُنكر فِي الْآخِرَة أَن الله ليَبْعَث الْمَعْرُوف يَوْم القيانة فِي صُورَة الرجل الْمُسَافِر فَيَأْتِي صَاحبه إِذا انْشَقَّ قَبره فيمسح عَن وَجهه التُّرَاب وَيَقُول: اُبْشُرْ يَا ولي الله بِأَمَان الله وكرامته لَا يهولنَّك مَا ترى من أهوال يَوْم الْقِيَامَة
فَلَا يزَال يَقُول لَهُ: احذر هَذَا وَاتَّقِ هَذَا يسكن بذلك روعه حَتَّى يُجَاوز بِهِ الصِّرَاط فَإِذا جَاوز بِهِ الصِّرَاط عدل ولي الله إِلَى مَنَازِله فِي الْجنَّة ثمَّ يثنى عَنهُ الْمَعْرُوف فَيتَعَلَّق بِهِ فَيَقُول: يَا عبد الله من أَنْت خذلني الْخَلَائق فِي أهوال الْقِيَامَة غَيْرك فَمن أَنْت فَيَقُول لَهُ: أما تعرفنِي فَيَقُول: لَا
فَيَقُول: أَنا الْمَعْرُوف الَّذِي عملته فِي الدُّنْيَا بَعَثَنِي الله خلقا لأجازيك بِهِ يَوْم الْقِيَامَة
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَضَعفه الذَّهَبِيّ عَن عَليّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم اطْلُبُوا الْمَعْرُوف من رحماء أمتِي تعيشوا فِي أَكْنَافهم وَلَا تطلبوه من القاسية قُلُوبهم فَإِن اللَّعْنَة تنزل عَلَيْهِم يَا عَليّ إِن الله خلق الْمَعْرُوف وَخلق لَهُ أَهلا فحببه إِلَيْهِم وحبب إِلَيْهِم فعاله وَوجه إِلَيْهِم طلابه كَمَا وَجه المَاء فِي الأَرْض الجدبة لتحيا بِهِ وَيحيى بِهِ أَهلهَا إِن أهل الْمَعْرُوف فِي الدُّنْيَا هم أهل الْمَعْرُوف فِي الْآخِرَة
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَضَعفه الذَّهَبِيّ عَن عليّ قَالَ: قَالَ لي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم اطْلُبُوا الْمَعْرُوف من رحماء أمتِي تعيشوا فِي أَكْنَافهم
وَأخرج الْحَاكِم عَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم صانع الْمَعْرُوف تَقِيّ مصَارِع السوء والآفات والهلكات وَأهل الْمَعْرُوف فِي الدُّنْيَا هم أهل الْمَعْرُوف فِي الْآخِرَة
وَأخرج ابْن مردوية عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة جمع الله الأوّلين والآخرين ثمَّ أَمر منادياً يُنَادي: أَلا ليقمْ أهل الْمَعْرُوف فِي الدُّنْيَا
فَيقومُونَ
حَتَّى يقفوا بَين يَدي الله فَيَقُول الله: أَنْتُم أهل الْمَعْرُوف فِي الدُّنْيَا فَيَقُولُونَ: نعم
فَيَقُول: وَأَنْتُم أهل الْمَعْرُوف فِي الْآخِرَة فَقومُوا مَعَ الْأَنْبِيَاء وَالرسل فاشفعوا لمن أَحْبَبْتُم فادخلوه الْجنَّة حَتَّى تدْخلُوا عَلَيْهِم الْمَعْرُوف فِي الْآخِرَة كَمَا أدخلتم عَلَيْهِم الْمَعْرُوف فِي الدُّنْيَا
وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب قَضَاء الْحَوَائِج عَن بِلَال قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كل مَعْرُوف صَدَقَة وَالْمَعْرُوف يقي سبعين نوعا من الْبلَاء ويقي ميتَة السوء وَالْمَعْرُوف وَالْمُنكر خلقان منصوبان للنَّاس يَوْم الْقِيَامَة فالمعروف لَازم لأَهله وَالْمُنكر لَازم لأَهله يقودهم ويسوقهم إِلَى النَّار
وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن أحب عباد الله إِلَى الله عز وجل من حبَّب إِلَيْهِ الْمَعْرُوف وحبَّب إِلَيْهِ فعاله
وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن الله جعل للمعروف وُجُوهًا من خلقه وحبب إِلَيْهِم فعاله وَوجه طلاب الْمَعْرُوف إِلَيْهِم وَيسر عَلَيْهِم إعطاءه كَمَا يسر الْغَيْث إِلَى الأَرْض الجدبة ليحييها ويحيي بِهِ أَهلهَا وَإِن الله جعل للمعروف أَعدَاء من خلقه بغض إِلَيْهِم الْمَعْرُوف وبغض إِلَيْهِم فعاله وحظر عَلَيْهِم اعطاءه كَمَا يحظر الْغَيْث عَن الأَرْض الجدبة ليهلكها وَيهْلك بهَا أَهلهَا وَمَا يعْفُو الله أَكثر
وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ عَلَيْكُم باصطناع الْمَعْرُوف فَإِنَّهُ يمْنَع مصَارِع السوء وَعَلَيْكُم بِصَدقَة السِّرّ فَإِنَّهَا تُطْفِئ غضب الله عز وجل
وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا عَن حُذَيْفَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كل مَعْرُوف صَدَقَة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة والقضاعي والعسكري وَابْن أبي الدُّنْيَا من طَرِيق مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كل مَعْرُوف صَدَقَة وكل مَا أنْفق الرجل على نَفسه وَأَهله كتب لَهُ بِهِ صَدَقَة وَمَا وقِي بِهِ عرضه كتب لَهُ بِهِ صَدَقَة وَقد قيل لمُحَمد بن الْمُنْكَدر مَا يَعْنِي مَا وقى بِهِ عرضه قَالَ: الشَّيْء يعْطى الشَّاعِر وَذَا اللِّسَان المتقي
وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كل مَعْرُوف صَنعته إِلَى غَنِي أَو فَقير فَهُوَ صَدَقَة
وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا عَن ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: كل مَعْرُوف يصنعه أحدكُم إِلَى غَنِي فَقير فَهُوَ صَدَقَة
وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كل مَعْرُوف صَدَقَة
وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا عَن جَابر الْجعْفِيّ رَفعه قَالَ: الْمَعْرُوف خلق من خلق الله تَعَالَى كريم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن الْحسن قَالَ: سَأَلت عمرَان بن حُصَيْن وَأَبا هُرَيْرَة عَن تَفْسِير {ومساكن طيبَة فِي جنَّات عدن} قَالَا: على الْخَبِير سَقَطت
سَأَلنَا عَنْهَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ قصر من لؤلؤة فِي الْجنَّة فِي ذَلِك الْقصر سَبْعُونَ دَارا من ياقوتة حَمْرَاء فِي كل دَار سَبْعُونَ بَيْتا من زمردة خضراء فِي كل بَيت سَبْعُونَ سريراً على كل سَرِير سَبْعُونَ فراشا من كل لون على كل فرَاش امْرَأَة من الْحور الْعين فِي كل بَيت سَبْعُونَ مائدة فِي كل مائدة سَبْعُونَ لوناً من كل طَعَام فِي كل بَيت سَبْعُونَ وصيفاً ووصيفة فَيعْطى الْمُؤمن من الْقُوَّة فِي كل غَدَاة مَا يَأْتِي على ذَلِك كُله
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن سليم بن عَامر عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ الْجنَّة مائَة دَرَجَة: فأولها من فضَّة أرْضهَا فضَّة ومساكنها فضَّة وآنيتها فضَّة وترابها مسك
وَالثَّانيَِة من ذهب أرْضهَا ذهب ومساكنها ذهب وآنيتها ذهب وترابها مسك
وَالثَّالِثَة لُؤْلُؤ أرْضهَا لُؤْلُؤ وآنيتها لُؤْلُؤ وترابها مسك
وَسبع وَتسْعُونَ بعد ذَلِك مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن أبي حَازِم قَالَ: إِن الله ليعد للْعَبد من عبيده فِي الْجنَّة لؤلؤة مسيرَة أَرْبَعَة برد أَبْوَابهَا وغرفها ومغاليقها لَيْسَ فِيهَا قضم وَلَا قَصم وَالْجنَّة مائَة دَرَجَة: فَثَلَاث مِنْهَا ورق وَذهب ولؤلؤ وَزَبَرْجَد وَيَاقُوت وَسبع وَتسْعُونَ لَا يعلمهما إِلَّا الَّذِي خلقهَا
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن ابْن عمر قَالَ: إِن أدنى أهل الْجنَّة منزلَة رجل لَهُ ألف قصر مَا بَين كل قَصْرَيْنِ مسيرَة سنة يرى أقصاها كَمَا يرى أدناها فِي كل قصر من الْحور الْعين والرياحين والولدان مَا يَدْعُو شَيْئا إِلَّا أَتَى بِهِ
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن مغيث بن سمي قَالَ: إِن فِي الْجنَّة قصوراً من ذهب وقصوراً من فضَّة وقصوراً من ياقوت وقصوراً من زبرجد جبالها الْمسك وترابها الورس والزعفران
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن كَعْب قَالَ: إِن فِي الْجنَّة ياقوتة لَيْسَ فِيهَا صدع وَلَا وصل وفيهَا سَبْعُونَ ألف دَار فِي كل دَار سَبْعُونَ ألفا من الْحور الْعين لَا يدخلهَا إِلَّا نَبِي أَو صديق أَو شَهِيد أَو إِمَام عَادل أَو مُحكم فِي نَفسه
قيل لكعب: وَمَا الْمُحكم فِي نَفسه قَالَ: الرجل يَأْخُذهُ العدوّ فيحكمونه بَين أَن يكفر أَو يلْزم الإِسلام فَيقْتل فيختار أَن يلْزم الإِسلام
وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {جنَّات عدن} قَالَ: مَعْدن الرجل الَّذِي يكون فِيهِ
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {جنَّات عدن} قَالَ: معدنهم فِيهَا
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن خَالِد بن معدان قَالَ: إِن الله خلق فِي الْجنَّة جنَّة عدن دملج لؤلؤة وغرس فِيهَا قَضِيبًا ثمَّ قَالَ لَهَا: امتدي حَتَّى أرْضى
ثمَّ قَالَ لَهَا: أَخْرِجِي مَا فِيك من الْأَنْهَار وَالثِّمَار فَفعلت
فَقَالَت (قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ)(الْمُؤْمِنُونَ الْآيَة 1)
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن سعيد بن جُبَير فِي قَوْله {ورضوان من الله أكبر} يَعْنِي إِذا أخبروا أَن الله عَنْهُم رَاض فَهُوَ أكبر عِنْدهم من التحف وَالتَّسْلِيم
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن جَابر قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذا دخل أهل الْجنَّة الْجنَّة قَالَ الله: هَل تشتهون شَيْئا فأزيدكم قَالُوا: يَا رَبنَا وَهل بَقِي شَيْء إِلَّا قد أنلتناه فَيَقُول: نعم
رضائي فَلَا أَسخط عَلَيْكُم أبدا
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن أبي عبد الْملك الْجُهَنِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله لنعيم أهل الْجنَّة برضوان الله عَنْهُم أفضل من نعيمهم بِمَا فِي الْجنان
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن شمر بن عَطِيَّة قَالَ: يَجِيء الْقُرْآن يَوْم الْقِيَامَة فِي صُورَة الرجل الشاحب حِين ينشق عَنهُ قَبره فَيَقُول: أبشر بكرامة الله تَعَالَى
قَالَ: فَلهُ حلَّة الْكَرَامَة
فَيَقُول: يَا رب زِدْنِي
فَيَقُول: رِضْوَانِي ورضوان من الله أكبر
وَأخرج أَحْمد وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات عَن أبي سعيد قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن الله يَقُول لأهل الْجنَّة: يَا أهل الْجنَّة
فَيَقُولُونَ: لبيْك يَا رَبنَا وَسَعْديك وَالْخَيْر فِي يَديك
فَيَقُول: هَل رَضِيتُمْ فَيَقُولُونَ: رَبنَا وَمَا لنا لَا نرضى وَقد أَعطيتنَا مَا لم تعطه أحدا من خلقك فَيَقُول: أَلا أُعْطِيكُم أفضل من ذَلِك قَالُوا: يَا رب وَأي شَيْء أفضل من ذَلِك قَالَ: أحل عَلَيْكُم رِضْوَانِي فَلَا أَسخط عَلَيْكُم بعده أبدا
وَأخرج أَحْمد فِي الزّهْد عَن الْحسن قَالَ: بَلغنِي أَنا أَبَا بكر الصّديق كَانَ يَقُول فِي دُعَائِهِ: اللهمَّ أَسأَلك الَّذِي هُوَ خير فِي عَاقِبَة الْخَيْر اللهمَّ اجْعَل آخر مَا تُعْطِينِي الْخَيْر رضوانك والدرجات العلى فِي جنَّات النَّعيم
الْآيَة 73
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {يَا أَيهَا النَّبِي جَاهد الْكفَّار} قَالَ: بِالسَّيْفِ
{وَالْمُنَافِقِينَ} قَالَ: بِاللِّسَانِ {وَاغْلُظْ عَلَيْهِم} قَالَ: اذْهَبْ الرِّفْق عَنْهُم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن مَسْعُود فِي قَوْله {جَاهد الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ} قَالَ: بِيَدِهِ فَإِن لم يسْتَطع فبلسانه فَإِن لم يسْتَطع فبقلبه وليلقه بِوَجْه مكفهر
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: لما نزلت {يَا أَيهَا النَّبِي جَاهد الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ} أَمر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَن يُجَاهد بِيَدِهِ فَإِن لم يسْتَطع فقلبه فَإِن لم يسْتَطع فبلسانه فَإِن لم يسْتَطع فليلقه بِوَجْه مكفهر
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ فِي قَوْله {جَاهد الْكفَّار} قَالَ: بِالسَّيْفِ {وَالْمُنَافِقِينَ} بالْقَوْل بِاللِّسَانِ {وَاغْلُظْ عَلَيْهِم} قَالَ: على الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا ثمَّ نسخهَا فَأنْزل بعْدهَا (قَاتلُوا الَّذين يلونكم من الْكفَّار وليجدوا فِيكُم غلظة)(التَّوْبَة الْآيَة 123)
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة فِي الْآيَة قَالَ: أَمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم إِن يُجَاهد الْكفَّار بِالسَّيْفِ ويغلظ على الْمُنَافِقين فِي الْحُدُود
الْآيَة 74
أخرج ابْن إِسْحَق وَابْن أبي حَاتِم عَن كَعْب بن مَالك قَالَ لما نزل الْقُرْآن فِيهِ ذكر الْمُنَافِقين قَالَ الْجلاس: وَالله لَئِن كَانَ هَذَا الرجل صَادِقا لنَحْنُ شَرّ من الْحمير
فَسَمعهُ عُمَيْر بن سعد فَقَالَ: وَالله يَا جلاس إِنَّك لأحب النَّاس إليَّ وَأَحْسَنهمْ عِنْدِي أشراً وأعزهم عَليّ أَن يدْخل عَلَيْهِ شَيْء يكرههُ وَلَقَد قلت مقَالَة لَئِن ذكرتها لتفضحنك وَلَئِن سكت عَنْهَا لتهلكني ولأحدهما أَشد عليَّ من الْأُخْرَى
فَمشى إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَذكر لَهُ مَا قَالَ فَأتى الْجلاس فَجعل يحلف بِاللَّه مَا قَالَ وَلَقَد كذب على عُمَيْر فَأنْزل الله {يحلفُونَ بِاللَّه مَا قَالُوا وَلَقَد قَالُوا كلمة الْكفْر} الْآيَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانَ الْجلاس بن سُوَيْد بن الصَّامِت مِمَّن تخلف عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَة تَبُوك وَقَالَ: لَئِن كَانَ هَذَا الرجل صَادِقا لنَحْنُ شَرّ من الْحمير
فَرفع عُمَيْر بن سعد مقَالَته إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَحلف الْجلاس بِاللَّه لقد كذب عليَّ وَمَا قلت
فَأنْزل الله {يحلفُونَ بِاللَّه مَا قَالُوا} الْآيَة
فزعموا أَنه تَابَ وَحسنت تَوْبَته
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن أنس بن مَالك رضي الله عنه قَالَ سمع زيد بن أَرقم رضي الله عنه رجلا من الْمُنَافِقين يَقُول - وَالنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم يخْطب -: إِن كَانَ هَذَا صَادِقا لنَحْنُ شَرّ من الْحمير
فَقَالَ
زيد رضي الله عنه: هُوَ - وَالله - صَادِق ولأنت أشر من الْحمار فَرفع ذَلِك إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَجحد الْقَائِل فَأنْزل الله {يحلفُونَ بِاللَّه مَا قَالُوا} الْآيَة
فَكَانَت الْآيَة فِي تَصْدِيق زيد
وَأخرج ابْن جرير وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنه قَالَ كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم جَالِسا فِي ظلّ شَجَرَة فَقَالَ: إِنَّه سَيَأْتِيكُمْ إِنْسَان ينظر إِلَيْكُم بعيني شَيْطَان فَإِذا جَاءَ فَلَا تُكَلِّمُوهُ فَلم يَلْبَثُوا إِلَّا أَن طلع رجل أَزْرَق فَدَعَاهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: علام تَشْتمنِي أَنْت وَأَصْحَابك فَانْطَلق الرجل فجَاء بِأَصْحَابِهِ فَحَلَفُوا بِاللَّه مَا قَالُوا حَتَّى تجَاوز عَنْهُم وَأنزل الله {يحلفُونَ بِاللَّه مَا قَالُوا} الْآيَة
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة رضي الله عنه قَالَ ذكر لنا أَن رجلَيْنِ اقتتلا أَحدهمَا من جُهَيْنَة وَالْآخر من غفار وَكَانَت جُهَيْنَة حلفاء الْأَنْصَار فَظهر الْغِفَارِيّ على الْجُهَنِيّ فَقَالَ عبد الله بن أبي لِلْأَوْسِ: انصروا أَخَاكُم وَالله مَا مثلنَا وَمثل مُحَمَّد إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِل: سمن كلبك يَأْكُلك
وَالله لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل
فسعى بهَا رجل من الْمُسلمين إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَأرْسل إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ فَجعل يحلف بِاللَّه مَا قَالَه فَأنْزل الله {يحلفُونَ بِاللَّه مَا قَالُوا وَلَقَد قَالُوا كلمة الْكفْر} الْآيَة
وَأخرج ابْن جرير عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {يحلفُونَ بِاللَّه مَا قَالُوا وَلَقَد قَالُوا كلمة الْكفْر} قَالَ: نزلت فِي عبد الله بن أبي بن سلول
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن عُرْوَة أَن رجلا من الْأَنْصَار يُقَال الْجلاس بن سُوَيْد قَالَ لَيْلَة فِي غَزْوَة تَبُوك وَالله لَئِن كَانَ مَا يَقُول مُحَمَّد حَقًا لنَحْنُ شَرّ من الْحمير
فَسَمعهُ غُلَام يُقَال لَهُ عُمَيْر بن سعد وَكَانَ ربيبه فَقَالَ لَهُ: أَي عَم تب إِلَى الله
وَجَاء الْغُلَام إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَأخْبرهُ فَأرْسل النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِ فَجعل يحلف وَيَقُول: وَالله مَا قلت يَا رَسُول الله
فَقَالَ الْغُلَام: بلَى وَالله لقد قلته فتب إِلَى الله وَلَوْلَا أَن ينزل الْقُرْآن فيجعلني مَعَك مَا قلته فجَاء الْوَحْي إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَسَكَتُوا فَلَا يتحركون إِذا نزل الْوَحْي فَرفع عَن النَّبِي فَقَالَ {يحلفُونَ بِاللَّه مَا قَالُوا وَلَقَد قَالُوا كلمة الْكفْر} إِلَى قَوْله {فَإِن يتوبوا يَك خيرا لَهُم} فَقَالَ: قد قلته وَقد عرض الله عليّ التَّوْبَة فَأَنا أَتُوب فَقبل ذَلِك مِنْهُ وَقتل لَهُ قَتِيل
فِي الإِسلام فوداه رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَأعْطَاهُ دِيَته فاستغنى بذلك وَكَانَ همَّ أَن يلْحق بالمشركين وَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم للغلام: وعت أُذُنك
وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن ابْن سِيرِين رضي الله عنه قَالَ: لما نزل الْقُرْآن أَخذ النَّبِي صلى الله عليه وسلم بأذن عُمَيْر فَقَالَ وعت أُذُنك يَا غُلَام وصدقك رَبك
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن سِيرِين رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رجل من الْمُنَافِقين: لَئِن كَانَ مُحَمَّد صَادِقا فِيمَا يَقُول لنَحْنُ شَرّ من الْحمير
فَقَالَ لَهُ زيد بن أَرقم رضي الله عنهما: إِن مُحَمَّدًا لصَادِق ولأنت شَرّ من الْحمار
فَكَانَ فِيمَا بَينهمَا ذَلِك كَلَام فَلَمَّا قدمُوا على النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَأخْبرهُ فَأَتَاهُ الآخر فَحلف بِاللَّه مَا قَالَ فَنزلت {يحلفُونَ بِاللَّه مَا قَالُوا وَلَقَد قَالُوا كلمة الْكفْر} فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن أَرقم وعت أُذُنك
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي الْآيَة قَالَ: قَالَ أحدهم: إِن كَانَ مَا يَقُول مُحَمَّد حَقًا لنَحْنُ شَرّ من الْحمير
فَقَالَ رجل من الْمُؤمنِينَ: فوَاللَّه إِن مَا يَقُول مُحَمَّد لحق ولأنت شَرّ من الْحمار
فهمَّ بقتْله الْمُنَافِق فَذَلِك هَمهمْ بِمَا لم ينالوا
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه فِي قَوْله {يحلفُونَ بِاللَّه مَا قَالُوا} قَالَ هم الَّذين أَرَادوا أَن يدفعوا النَّبِي صلى الله عليه وسلم لَيْلَة الْعقبَة وَكَانُوا قد أَجمعُوا أَن يقتلُوا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وهم مَعَه فِي بعض أَسْفَاره فَجعلُوا يَلْتَمِسُونَ غرته حَتَّى أَخذ فِي عقبَة فَتقدم بَعضهم وَتَأَخر بَعضهم وَذَلِكَ لَيْلًا قَالُوا: إِذا أَخذ فِي الْعقبَة دفعناه عَن رَاحِلَته فِي الْوَادي فَسمع حُذَيْفَة رضي الله عنه وَهُوَ يَسُوق النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَكَانَ قائده تِلْكَ اللَّيْلَة عمار وسائقه حُذَيْفَة بن الْيَمَان رضي الله عنه فَسمع حُذَيْفَة اخفاف الابل فَالْتَفت فَإِذا هُوَ بِقوم مُتَلَثِّمِينَ: فَقَالَ: إِلَيْكُم إِلَيْكُم يَا أَعدَاء الله فأمسكوا
وَمضى النَّبِي صلى الله عليه وسلم حَتَّى نزل منزله الَّذِي أَرَادَ فَلَمَّا أصبح أرسل إِلَيْهِم كلهم فَقَالَ: أردتم كَذَا وَكَذَا فَحَلَفُوا بِاللَّه مَا قَالُوا وَلَا أَرَادوا الَّذِي سَأَلَهُمْ عَنهُ فَذَلِك قَوْله {يحلفُونَ بِاللَّه مَا قَالُوا وَلَقَد قَالُوا كلمة الْكفْر} الْآيَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {وهموا بِمَا لم ينالوا} قَالَ: همَّ رجل يُقَال لَهُ الْأسود بقتل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن عُرْوَة رضي الله عنه قَالَ رَجَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَافِلًا من تَبُوك إِلَى الْمَدِينَة حَتَّى إِذا كَانَ بِبَعْض الطَّرِيق مكر برَسُول الله صلى الله عليه وسلم من أَصْحَابه فتآمروا أَن يطرحوه من عقبَة فِي الطَّرِيق فَلَمَّا بلغُوا الْعقبَة أَرَادوا أَن يسلكوها مَعَه فَلَمَّا غشيهم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أخبر خبرهم فَقَالَ: من شَاءَ مِنْكُم أَن يَأْخُذ بطن الْوَادي فَإِنَّهُ أوسع لكم وَأخذ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْعقبَة وَأخذ النَّاس بِبَطن الْوَادي إِلَّا النَّفر الَّذين مكروا برَسُول الله صلى الله عليه وسلم لما سمعُوا ذَلِك اسْتَعدوا وتلثموا وَقد هموا بِأَمْر عَظِيم وَأمر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حُذَيْفَة بن الْيَمَان رضي الله عنه وعمار بن يَاسر رضي الله عنه فمشيا مَعَه شَيْئا فَأمر عمار أَن يَأْخُذ بزمام النَّاقة وَأمر حُذَيْفَة بسوقها
فَبَيْنَمَا هم يَسِيرُونَ إِذْ سمعُوا وكرة الْقَوْم من ورائهم قد غشوه فَغَضب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَأمر حُذَيْفَة أَن يردهم وَأبْصر حُذَيْفَة رضي الله عنه غضب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَرجع وَمَعَهُ محجن فَاسْتقْبل وُجُوه رواحلهم فضربها ضربا بالمحجن وَأبْصر الْقَوْم وهم مُتَلَثِّمُونَ لَا يَشْعُرُونَ إِنَّمَا ذَلِك فعل الْمُسَافِر فرعبهم الله حِين أبصروا حُذَيْفَة رضي الله عنه وظنوا أَن مَكْرهمْ قد ظهر عَلَيْهِ فَأَسْرعُوا حَتَّى خالطوا النَّاس وَأَقْبل حُذَيْفَة رضي الله عنه حَتَّى أدْرك رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا أدْركهُ قَالَ: اضْرِب الرَّاحِلَة يَا حُذَيْفَة وامشِ أَنْت يَا عمار فَأَسْرعُوا حَتَّى اسْتَووا بِأَعْلَاهَا فَخَرجُوا من الْعقبَة يتنظرون النَّاس فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم لِحُذَيْفَة: هَل عرفت يَا حُذَيْفَة من هَؤُلَاءِ الرَّهْط أحدا قَالَ حُذَيْفَة: عرفت رَاحِلَة فلَان وَفُلَان وَقَالَ: كَانَت ظلمَة اللَّيْل وَغَشِيَتْهُمْ وهم مُتَلَثِّمُونَ
فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: هَل علمْتُم مَا كَانَ شَأْنهمْ وَمَا أَرَادوا قَالُوا: لَا وَالله يَا رَسُول الله
قَالَ: فَإِنَّهُم مكروا ليسيروا معي حَتَّى إِذا طلعت فِي الْعقبَة طرحوني مِنْهَا
قَالُوا: أَفلا تَأمر بهم يَا رَسُول الله فَنَضْرِب أَعْنَاقهم قَالَ: أكره أَن يتحدث النَّاس ويقولوا: إِن مُحَمَّد وضع يَده فِي أَصْحَابه فسماهم لَهما وَقَالَ: اكتماهم
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن إِسْحَق نَحوه وَزَاد بعد قَوْله لِحُذَيْفَة هَل عرفت من الْقَوْم أحدا فَقَالَ: لَا
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن الله قد أَخْبرنِي بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاء آبَائِهِم وسأخبرك بهم إِن شَاءَ الله عِنْد وَجه الصُّبْح فَلَمَّا أصبح سماهم بِهِ: عبد الله بن أبي سعد وَسعد بن أبي سرح وَأَبا حاصر الْأَعرَابِي وعامراً وَأَبا عَامر والجلاس بن سُوَيْد بن صَامت وَمجمع بن حَارِثَة ومليحاً التَّيْمِيّ وحصين بن نمير وطعمة بن أُبَيْرِق وَعبد الله بن عُيَيْنَة وَمرَّة بن ربيع
فهم اثْنَا
عشر رجلا حَاربُوا الله وَرَسُوله وَأَرَادُوا قَتله فَأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذَلِك وَذَلِكَ قَوْله عز وجل {وهموا بِمَا لم ينالوا} وَكَانَ أَبُو عَامر رَأْسهمْ وَله بنوا مَسْجِد الضرار وَهُوَ أَبُو حَنْظَلَة غسيل الْمَلَائِكَة
وَأخرج ابْن سعد عَن نَافِع بن جُبَير بن مطعم قَالَ: لم يخبر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بأسماء الْمُنَافِقين الَّذين تحسوه لَيْلَة الْعقبَة بتبوك غير حُذَيْفَة رضي الله عنه وهم اثْنَا عشر رجلا لَيْسَ فيهم قرشي وَكلهمْ من الْأَنْصَار وَمن حلفائهم
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان رضي الله عنه قَالَ: كنت آخِذا بِخِطَام نَاقَة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَقُود بِهِ وعمار يَسُوقهُ أَو أَنا أسوقه وعمار يَقُودهُ حَتَّى إِذا كُنَّا بِالْعقبَةِ فَإِذا أَنا بِاثْنَيْ عشر رَاكِبًا قد اعْترضُوا فِيهَا قَالَ: فَأَنْبَهْت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَصَرَخَ بهم فَوَلوا مُدبرين فَقَالَ لنا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم هَل عَرَفْتُمْ الْقَوْم قُلْنَا لَا يَا رَسُول الله كَانُوا مُتَلَثِّمِينَ وَلَكنَّا قد عرفنَا الركاب
قَالَ: هَؤُلَاءِ المُنَافِقُونَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
هَل تَدْرُونَ مَا أَرَادوا قُلْنَا: لَا
قَالَ: أَرَادوا أَن يزحموا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي الْعقبَة فَيُلْقُوهُ مِنْهَا
قُلْنَا يَا رَسُول الله أَلا تبْعَث إِلَى عَشَائِرهمْ حَتَّى يبْعَث إِلَيْك كل قوم بِرَأْس صَاحبهمْ قَالَ: لَا إِنِّي أكره أَن تحدث الْعَرَب بَينهَا: أَن مُحَمَّد قَاتل بِقوم حَتَّى إِذا أظهره الله بهم أقبل عَلَيْهِم يقتلهُمْ ثمَّ قَالَ: اللهمَّ اِرْمِهِمْ بِالدُّبَيْلَةِ
قُلْنَا يَا رَسُول الله وَمَا الدُّبَيْلَة قَالَ: شهَاب من نَار يوضع على نِيَاط قلب أحدهم فَيهْلك
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ رضي الله عنه فِي قَوْله {وهموا بِمَا لم ينالوا} قَالَ: أَرَادوا أَن يتوّجوا عبد الله بن أبي وَإِن لم يرض مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن أبي صَالح {وهموا بِمَا لم ينالوا} قَالَ: هموا أَن يتوجوا عبد الله بن أبي بتاج
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَسَعِيد بن مَنْصُور وَابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن عِكْرِمَة رضي الله عنه
أَن مولى لبني عدي بن كَعْب قتل رجلا من الْأَنْصَار فَقضى النَّبِي صلى الله عليه وسلم بِالدِّيَةِ اثْنَي عشر ألفا وَفِيه نزلت {وَمَا نقموا إِلَّا أَن أغناهم الله وَرَسُوله من فَضله}
وَأخرج ابْن ماجة وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: قتل رجل على عهد النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَجعل
دِيَته اثْنَي عشر ألفا وَذَلِكَ قَوْله {وَمَا نقموا إِلَّا أَن أغناهم الله وَرَسُوله من فَضله} قَالَ: بأخذهم الدِّيَة
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة فِي قَوْله {وَمَا نقموا إِلَّا أَن أغناهم الله وَرَسُوله من فَضله} قَالَ: كَانَت لَهُ دِيَة قد غلب عَلَيْهَا فأخرجها لَهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عُرْوَة قَالَ: كَانَ جلاس يحمل حمالَة أَو كَانَ عايه دين فَأدى عَنهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَذَلِك قَوْله {وَمَا نقموا إِلَّا أَن أغناهم الله وَرَسُوله من فَضله}
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك قَالَ: ثمَّ دعاهم إِلَى التَّوْبَة فَقَالَ {فَإِن يتوبوا يَك خيرا لَهُم وَإِن يتولوا يعذبهم الله عذَابا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة} فاما عَذَاب الدُّنْيَا فالقتل وَأما عَذَاب الْآخِرَة فَالنَّار
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الْحسن أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: ان قوما قد هموا بهم سوءا وَأَرَادُوا أمرا فليقوموا فليستغفروا فَلم يقم أحد ثَلَاث مرار فَقَالَ: قُم يَا فلَان قُم يَا فلَان
فَقَالُوا: نَسْتَغْفِر الله تَعَالَى
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: وَالله لانا دعوتكم إِلَى التَّوْبَة وَالله أسْرع إِلَيْكُم بهَا وَأَنا أطيب لكم نفسا بالاستغفار أخرجُوا
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك قَالَ: قَالَ لي ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما: احفظ عني كل شَيْء فِي الْقُرْآن {وَمَا لَهُم فِي الأَرْض من ولي وَلَا نصير} فَهِيَ للْمُشْرِكين فَأَما الْمُؤْمِنُونَ فَمَا أَكثر شفعاءهم وأنصارهم
الْآيَات 75 - 78
أخرج الْحسن بن سُفْيَان وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ والعسكري فِي الْأَمْثَال وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مَنْدَه والباوردي وَأَبُو نعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل وَابْن عَسَاكِر عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ رضي الله عنه قَالَ جَاءَ ثَعْلَبَة بن حَاطِب إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُول الله ادْع الله أَن يَرْزُقنِي مَالا
قَالَ: وَيحك يَا ثَعْلَبَة
أما ترْضى أَن تكون مثلي فَلَو شِئْت أَن يسير رَبِّي هَذِه الْجبَال معي لَسَارَتْ
قَالَ: يَا رَسُول الله ادْع الله أَن يَرْزُقنِي مَالا فوالذي بَعثك بِالْحَقِّ إِن آتَانِي الله مَالا لَأُعْطيَن كل ذِي حق حَقه
قَالَ: وَيحك يَا ثَعْلَبَة
قَلِيل تطِيق شكره خير من كثير لَا تطِيق شكره
فَقَالَ: يَا رَسُول الله ادْع الله تَعَالَى
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: اللهمَّ ارزقه مَالا
فاتَّجَرَ وَاشْترى غنما فبورك لَهُ فِيهَا ونمت كَمَا يَنْمُو الدُّود حَتَّى ضَاقَتْ بِهِ الْمَدِينَة فَتنحّى بهَا - فَكَانَ يشْهد الصَّلَاة بِالنَّهَارِ مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَلَا يشهدها بِاللَّيْلِ ثمَّ نمت كَمَا يَنْمُو الدُّود فَتنحّى بهَا فَكَانَ لَا يشْهد الصَّلَاة بِالنَّهَارِ وَلَا بِاللَّيْلِ إِلَّا من جُمُعَة إِلَى جُمُعَة مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ نمت كَمَا يَنْمُو الدُّود فَضَاقَ بِهِ مَكَانَهُ فَتنحّى بِهِ فَكَانَ لَا يشْهد جُمُعَة وَلَا جَنَازَة مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَجعل يتلَقَّى الركْبَان ويسألهم عَن الْأَخْبَار
وفقده رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَ عَنهُ فأخبروه أَن اشْترى غنما وَأَن الْمَدِينَة ضَاقَتْ بِهِ وَأَخْبرُوهُ بِخَبَرِهِ
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَيْح ثَعْلَبَة بن حَاطِب
ثمَّ إِن الله تَعَالَى أَمر رَسُوله أَن يَأْخُذ الصَّدقَات وَأنزل الله تَعَالَى (خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة)(التَّوْبَة الْآيَة 103)
فَبعث رَسُول الله صلى الله عليه وسلم رجلَيْنِ رجلا من جُهَيْنَة ورجلاً من بني سَلمَة يأخذان الصَّدقَات فَكتب لَهما اسنان الابل وَالْغنم كَيفَ يأخذانها على وَجههَا وَأَمرهمَا أَن يمرا على ثَعْلَبَة بن حَاطِب وبرجل من بني سليم فَخَرَجَا فمرا بِثَعْلَبَة فَسَأَلَاهُ الصَّدَقَة
فَقَالَ: ارياني كتابكما فَنظر فِيهِ فَقَالَ: مَا هَذَا إِلَّا جِزْيَة انْطَلقَا حَتَّى تفرغا ثمَّ مرا بِي
قَالَ: فَانْطَلقَا وَسمع بهما السليمي فَاسْتَقْبَلَهُمَا بِخِيَار إبِله فَقَالَا: إِنَّمَا عَلَيْك دون هَذَا
فَقَالَ: مَا كنت أَتَقَرَّب إِلَى الله إِلَّا بِخَير مَالِي فقبلاه فَلَمَّا فرغا مرا بِثَعْلَبَة فَقَالَ: أرياني كتابكما
فَنظر فِيهِ فَقَالَ: مَا هَذَا إِلَّا جِزْيَة
انْطَلقَا حَتَّى أرى رَأْيِي
فَانْطَلقَا حَتَّى قدما الْمَدِينَة فَلَمَّا رآهما رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ قبل أَن يكلمهما: وَيْح ثَعْلَبَة بن حَاطِب
ودعا للسليمي بِالْبركَةِ وَأنزل الله
{وَمِنْهُم من عَاهَدَ الله لَئِن آتَانَا من فَضله لنصدقن} الثَّلَاث آيَات
قَالَ: فَسمع بعض من أقَارِب ثَعْلَبَة فَأتى ثَعْلَبَة فَقَالَ: وَيحك يَا ثَعْلَبَة
أنزل الله فِيك كَذَا وَكَذَا
قَالَ: فَقدم ثَعْلَبَة على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُول الله هَذِه صَدَقَة مَالِي
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: أَن الله تَعَالَى قد مَنَعَنِي أَن أقبل مِنْك
قَالَ: فَجعل يبكي ويحثي التُّرَاب على رَأسه فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: هَذَا عَمَلك بِنَفْسِك أَمرتك فَلم تُطِعْنِي
فَلم يقبل مِنْهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى مضى
ثمَّ أَتَى أَبَا بكر فَقَالَ: يَا أَبَا بكر اقبل مني صدقتي فقد عرفت منزلتي من الْأَنْصَار
فَقَالَ أَبُو بكر: لم يقبلهَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وأقبلها فَلم يقبلهَا أَبُو بكر ثمَّ ولي عمر بن الْخطاب رضي الله عنه فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا أَبَا حَفْص يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اقبل مني صدقتي
وتوسل إِلَيْهِ بالمهاجرين وَالْأَنْصَار وَأَزْوَاج النَّبِي صلى الله عليه وسلم
فَقَالَ عمر: لم يقبلهَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَلَا أَبُو بكر أقبلها أَنا فَأبى أَن يقبلهَا ثمَّ ولي عُثْمَان فَهَلَك فِي خلَافَة عُثْمَان وَفِيه نزلت (الَّذين يَلْمِزُونَ الْمُطوِّعين من الْمُؤمنِينَ فِي الصَّدقَات)(التَّوْبَة الْآيَة 79) قَالَ: وَذَلِكَ فِي الصَّدَقَة
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {وَمِنْهُم من عَاهَدَ الله لَئِن آتَانَا من فَضله لنصدقن ولنكونن من الصَّالِحين} وَذَلِكَ أَن رجلا كَانَ يُقَال لَهُ ثَعْلَبَة من الْأَنْصَار أَتَى مَجْلِسا فاشهدهم فَقَالَ: لَئِن آتَانِي الله من فَضله آتيت كل ذِي حق حَقه وتصدقت مِنْهُ وَجعلت مِنْهُ لِلْقَرَابَةِ
فابتلاه الله فَأَتَاهُ من فَضله
فأخلف مَا وعده فأغضب الله بِمَا أخلفه مَا وعده نقص الله شَأْنه فِي الْقُرْآن
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ: اعتبروا الْمُنَافِق بِثَلَاث: إِذا حدث كذب وَإِذا وعد أخلف وَإِذا عَاهَدَ غدر وَذَلِكَ بِأَن الله تَعَالَى يَقُول {وَمِنْهُم من عَاهَدَ الله لَئِن آتَانَا من فَضله لنصدقن} إِلَى آخر الْآيَة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن عبد الله بن عمر قَالَ: ثَلَاث من كن فِيهِ فَهُوَ مُنَافِق
إِذا حدث كذب وَإِذا وعد أخلف وَإِذا ائْتمن خَان
وتلا هَذِه الْآيَة {وَمِنْهُم من عَاهَدَ الله لَئِن آتَانَا من فَضله} إِلَى آخر الْآيَة
وَأخرج البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ آيَة الْمُنَافِق ثَلَاث
إِذا حدث كذب وَإِذا وعد أخلف وَإِذا ائْتمن خَان
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ والخرائطي فِي مَكَارِم الْأَخْلَاق عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ قَالَ: سَمِعت بِالثلَاثِ الَّتِي تذكر فِي الْمُنَافِق
إِذا ائْتمن خَان وَإِذا وعد أخلف وَإِذا حدث كذب فالتمستها فِي الْكتاب زَمَانا طَويلا حَتَّى سَقَطت عَلَيْهَا بعد حِين وجدنَا الله تَعَالَى يذكر فِيهِ {وَمِنْهُم من عَاهَدَ الله لَئِن آتَانَا من فَضله} إِلَى قَوْله {وَبِمَا كَانُوا يكذبُون} و (إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة على السَّمَوَات وَالْأَرْض)(الْأَحْزَاب الْآيَة 72) إِلَى آخر الْآيَة (وَإِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ)(المُنَافِقُونَ الْآيَة 1) إِلَى قَوْله (وَالله يشْهد إِن الْمُنَافِقين لَكَاذِبُونَ)
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الْحسن أَن رجلا من الْأَنْصَار هُوَ الَّذِي قَالَ هَذَا فَمَاتَ ابْن عَم لَهُ فورث مِنْهُ مَالا فبخل بِهِ وَلم يَفِ الله بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ فأعقبه بذلك نفَاقًا إِلَى أَن يلقاه قَالَ: ذَلِك {بِمَا أخْلفُوا الله مَا وعدوه وَبِمَا كَانُوا يكذبُون}
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن أبي قلَابَة قَالَ: مثل أَصْحَاب الْأَهْوَاء مثل الْمُنَافِقين كَلَامهم شَتَّى وجماع أَمرهم النِّفَاق ثمَّ تَلا {وَمِنْهُم من عَاهَدَ الله} {وَمِنْهُم من يَلْمِزك} التَّوْبَة الْآيَة 58 {وَمِنْهُم الَّذين يُؤْذونَ النَّبِي} التَّوْبَة الْآيَة 61
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة فِي قَوْله {بِمَا أخْلفُوا الله مَا وعدوه وَبِمَا كَانُوا يكذبُون} قَالَ: اجتنبوا الْكَذِب فَإِنَّهُ بَاب من النِّفَاق وَعَلَيْكُم بِالصّدقِ فَإِنَّهُ بَاب من الإِيمان وَذكر لنا أَن نَبِي الله صلى الله عليه وسلم حدث أَن مُوسَى عليه الصلاة والسلام لما جَاءَ بِالتَّوْرَاةِ لبني إِسْرَائِيل قَالَت بَنو إِسْرَائِيل: إِن التَّوْرَاة كَثِيرَة وانا لَا نفرغ لَهَا فسل لنا جماعاً من الْأَمر نحافظ عَلَيْهِ ونتفرغ لمعايشنا
قَالَ: مهلا مهلا أَي قوم هَذَا كتاب الله وَبَيَان الله وَنور الله وعصمة الله
فَردُّوا عَلَيْهِ مثل مقالتهم فعل ذَلِك ثَلَاث مَرَّات فَقَالَ الرب تبارك وتعالى: فَإِنِّي آمُرهُم إِن هم حَافظُوا عَلَيْهِنَّ دخلُوا الْجنَّة بِهن: أَن يتناهوا إِلَى قسْمَة مواريثهم وَلَا يتظالموا فِيهَا وَأَن لَا يدخلُوا أَبْصَارهم الْبيُوت حَتَّى يُؤذن لَهُم وَأَن لَا يطعموا طَعَاما حَتَّى يتوضأوا كوضوء الصَّلَاة
فَرجع مُوسَى عليه السلام إِلَى قومه بِهن فَفَرِحُوا وَرَأَوا أَن سيقومون بِهن فوَاللَّه إِن لبث الْقَوْم إِلَّا قَلِيلا حَتَّى جنحوا فَانْقَطع بهم فَلَمَّا حدث نَبِي الله صلى الله عليه وسلم هَذَا
عَن بني إِسْرَائِيل قَالَ: تكفلوا لي بست أتكفل لكم بِالْجنَّةِ
إِذا حدثتم فَلَا تكذبوا وَإِذا وعدتم فَلَا تخلفوا وَإِذا ائتمنتم فَلَا تخونوا وغضوا أبصاركم وَكفوا أَيْدِيكُم وفروجكم
قَالَ قَتَادَة: شَدَّاد وَالله إِلَّا من عصم الله
الْآيَة 79
أخرج البُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو نعيم فِي الْمعرفَة عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: لما نزلت آيَة الصَّدَقَة كُنَّا نتحامل على ظُهُورنَا فجَاء رجل فَتصدق بِشَيْء كثير فَقَالُوا مراء وَجَاء أَبُو عقيل بِنصْف صَاع فَقَالَ المُنَافِقُونَ: إِن الله لَغَنِيّ عَن صَدَقَة هَذَا
فَنزلت {الَّذين يَلْمِزُونَ الْمُطوِّعين من الْمُؤمنِينَ فِي الصَّدقَات وَالَّذين لَا يَجدونَ إِلَّا جهدهمْ} الْآيَة
وَأخرج الْبَزَّار وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم تصدقوا فَإِنِّي أُرِيد أَن أبْعث بعثاً فجَاء عبد الرَّحْمَن فَقَالَ: يَا رَسُول الله عِنْدِي أَرْبَعَة آلَاف أَلفَيْنِ أقْرضهُمَا رَبِّي وألفين لِعِيَالِي
فَقَالَ: بَارك الله لَك فِيمَا أَعْطَيْت وَبَارك لَك فِيمَا أَمْسَكت وَجَاء رجل من الْأَنْصَار فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنِّي بت أجر الْحَرِير فَأَصَبْت صَاعَيْنِ من تمر فصاعاً أقْرضهُ رَبِّي وصاعاً لِعِيَالِي فَلَمَزَهُ المُنَافِقُونَ قَالُوا: وَالله مَا أعْطى ابْن عَوْف الَّذِي أعْطى إِلَّا رِيَاء
وَقَالُوا: أَو لم يكن الله وَرَسُوله غَنِيَّيْنِ عَن صَاع هَذَا فَأنْزل الله {الَّذين يَلْمِزُونَ الْمُطوِّعين} الْآيَة
وَأخرج ابْن مردوية عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ أَمر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِالصَّدَقَةِ فجَاء عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بِصَدَقَتِهِ وَجَاء المطوعون من الْمُؤمنِينَ وَجَاء أَبُو عقيل بِصَاع فَقَالَ: يَا رَسُول الله بت أجر الْحَرِير فَأَصَبْت صَاعَيْنِ من تمر فجئتك باحدهما وَتركت الآخر لأهلي قوتهم فَقَالَ المُنَافِقُونَ: مَا جَاءَ عبد الرَّحْمَن وَأُولَئِكَ إِلَّا رِيَاء وَإِن الله لَغَنِيّ عَن صَدَقَة أبي عقيل فَأنْزل الله {الَّذين يَلْمِزُونَ الْمُطوِّعين} الْآيَة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَالْبَغوِيّ فِي مُعْجَمه وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو نعيم فِي الْمعرفَة عَن أبي عقيل قَالَ بت أجر الْحَرِير على ظَهْري على صَاعَيْنِ من تمر فَانْقَلَبت بِأَحَدِهِمَا إِلَى أَهلِي يتبلغون بِهِ وَجئْت بِالْآخرِ إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَتَقَرَّب بِهِ إِلَى رَبِّي فاخبرته بِالَّذِي كَانَ فَقَالَ: اُنْثُرْهُ فِي الْمَسْجِد
فَسخرَ الْقَوْم وَقَالُوا: لقد كَانَ الله غَنِيا عَن صَاع هَذَا الْمِسْكِين فَأنْزل الله {الَّذين يَلْمِزُونَ الْمُطوِّعين من الْمُؤمنِينَ} الْآيَتَيْنِ
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {الَّذين يَلْمِزُونَ المطوّعين} الْآيَة
قَالَ: جَاءَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّة إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَجَاء رجل من الْأَنْصَار بِصَاع من طَعَام فَقَالَ بعض الْمُنَافِقين: وَالله مَا جَاءَ عبد الرَّحْمَن بِمَا جَاءَ بِهِ إلاّ رِيَاء وَقَالُوا: إِن كَانَ الله وَرَسُوله لغَنِيَّيْنِ عَن هَذَا الصَّاع
وَأخرج ابْن جرير عَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن كَعْب بن مَالك قَالَ: الَّذِي تصدق بِصَاع التَّمْر فَلَمَزَهُ المُنَافِقُونَ: أَبُو خَيْثَمَة الْأنْصَارِيّ
وَأخرج الْبَغَوِيّ فِي مُعْجَمه وَابْن قَانِع وَابْن مرْدَوَيْه عَن سعيد بن عُثْمَان البلوي عَن جدته ليلى بن عدي
أَن أمهَا عميرَة بنت سهل بن رَافع صَاحب الصاعين الَّذِي لمزه المُنَافِقُونَ أخْبرتهَا أَنه خرج بِصَاع من تمر وَابْنَته عميرَة حَتَّى أَتَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم بِصَاع من تمر فَصَبَّهُ
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن عَسَاكِر عَن قَتَادَة فِي قَوْله {الَّذين يَلْمِزُونَ الْمُطوِّعين من الْمُؤمنِينَ فِي الصَّدقَات} قَالَ: تصدق عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بِشَطْر مَاله ثَمَانِيَة آلَاف دِينَار فَقَالَ نَاس من الْمُنَافِقين: إِن عبد الرَّحْمَن لعَظيم الرِّيَاء
فَقَالَ الله عز وجل {الَّذين يَلْمِزُونَ الْمُطوِّعين من الْمُؤمنِينَ فِي الصَّدقَات} وَكَانَ لرجل من الْأَنْصَار صَاعَانِ من تمر فجَاء بِأَحَدِهِمَا فَقَالَ نَاس من الْمُنَافِقين: إِن كَانَ الله عَن صَاع هَذَا لَغَنِيّ وَكَانَ المُنَافِقُونَ يطعنون عَلَيْهِم ويسخرون مِنْهُم فَقَالَ الله عز وجل {وَالَّذين لَا يَجدونَ إِلَّا جهدهمْ فيسخرون مِنْهُم} الْآيَة
وَأخرج أَبُو نعيم فِي الْمعرفَة عَن قَتَادَة قَالَ أقبل رجل من فُقَرَاء الْمُسلمين يُقَال لَهُ الْحجاب أَبُو عقيل قَالَ: يَا نَبِي الله بت أجر الْحَرِير اللَّيْلَة على صَاعَيْنِ من تمر فاما صَاع فأمسكته لأهلي وَأما صَاع فَهُوَ ذَا
فَقَالَ المُنَافِقُونَ: إِن كَانَ الله وَرَسُوله لغَنِيَّيْنِ عَن
صَاع هَذَا فَأنْزل الله {الَّذين يَلْمِزُونَ المطوّعين من الْمُؤمنِينَ} الْآيَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن أنس أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم دَعَا النَّاس للصدقة فجَاء عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بأَرْبعَة آلَاف فَقَالَ: يَا رَسُول الله هَذِه صَدَقَة
فَلَمَزَهُ بعض الْقَوْم فَقَالَ: مَا جَاءَ بِهَذِهِ عبد الرَّحْمَن إِلَّا رِيَاء وَجَاء أَبُو عقيل بِصَاع من تمر فَقَالَ بعض الْقَوْم: مَا كَانَ الله أغْنى عَن صَاع أبي عقيل فَنزلت {الَّذين يَلْمِزُونَ الْمُطوِّعين من الْمُؤمنِينَ فِي الصَّدقَات} إِلَى قَوْله {فَلَنْ يغْفر الله لَهُم}
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد قَالَ: أَمر النَّبِي صلى الله عليه وسلم الْمُسلمين أَن يجمعوا صَدَقَاتهمْ وَكَانَ لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف ثَمَانِيَة آلَاف دِينَار فجَاء بأَرْبعَة آلَاف دِينَار صَدَقَة فَقَالَ: هَذَا مَا أفرضه الله وَقد بَقِي مثله
فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم بورك لَك فِيمَا أَعْطَيْت وَفِيمَا أَمْسَكت وَجَاء أَبُو نهيك رجل من الْأَنْصَار بِصَاع تمر نزع عَلَيْهِ ليله كُله لما أصبح جَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رجل من الْمُنَافِقين: إِن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف لعَظيم الرِّيَاء وَقَالَ للْآخر: إِن الله لَغَنِيّ عَن صَاع هَذَا
فَأنْزل الله {الَّذين يَلْمِزُونَ الْمُطوِّعين من الْمُؤمنِينَ فِي الصَّدقَات} عبد الرَّحْمَن بن عَوْف {وَالَّذين لَا يَجدونَ إِلَّا جهدهمْ} صَاحب الصَّاع
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الرّبيع بن أنس فِي الْآيَة قَالَ: أصَاب النَّاس جهد عَظِيم فَأَمرهمْ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَن يتصدقوا فَقَالَ أَيهَا النَّاس تصدقوا
فَجعل أنَاس يتصدقون فجَاء عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بأربعمائة أُوقِيَّة من ذهب فَقَالَ: يَا رَسُول الله كَانَ لي ثَمَانمِائَة أُوقِيَّة من ذهب فَجئْت بأربعمائة أُوقِيَّة
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: اللهمَّ بَارك لَهُ فِيمَا أعْطى وَبَارك فِيمَا أمسك
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عِكْرِمَة قَالَ: لما كَانَ يَوْم فطر أخرج عبد الرَّحْمَن بن عَوْف مَالا عَظِيما وَأخرج عَاصِم بن عدي كَذَلِك وَأخرج رجل صَاعَيْنِ وَآخر صَاعا
فَقَالَ قَائِل من النَّاس: إِن عبد الرَّحْمَن إِنَّمَا جَاءَ بِمَا جَاءَ بِهِ فخراً ورياء واما صَاحب الصَّاع أَو الصاعين فَإِن الله وَرَسُوله غنيان عَن صَاع وَصَاع فسخروا بهم فَأنْزل الله فيهم هَذِه الْآيَة {الَّذين يَلْمِزُونَ الْمُطوِّعين من الْمُؤمنِينَ فِي الصَّدقَات}
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن زيد قَالَ: أَمر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْمُسلمين أَن يتصدقوا فَقَالَ عمر بن الْخطاب رضي الله عنه: انما ذَلِك مَال وافر فَأخذ نصفه
قَالَ: فَجئْت أحمل مَالا كثيرا
فَقَالَ لَهُ رجل من الْمُنَافِقين: أترائي يَا عمر قَالَ: نعم
أرائي الله وَرَسُوله فاما غَيرهمَا فَلَا
قَالَ: وَجَاء رجل من الْأَنْصَار لم يكن عِنْده شَيْء فأجر نَفسه بجر الْحَرِير على رقبته بصاعين ليلته فَترك صَاعا لِعِيَالِهِ وَجَاء بِصَاع يحملهُ فَقَالَ لَهُ بعض الْمُنَافِقين: إِن الله وَرَسُوله عَن صاعك لَغَنِيَّانِ
فَذَلِك قَوْله {الَّذين يَلْمِزُونَ المطوّعين من الْمُؤمنِينَ فِي الصَّدقَات}
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة {الَّذين يَلْمِزُونَ المطوّعين} أَي يطعنون على الْمُطوِّعين
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عِكْرِمَة فِي قَوْله {وَالَّذين لَا يَجدونَ إِلَّا جهدهمْ} قَالَ: هُوَ رِفَاعَة بن سعد
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الشّعبِيّ فِي قَوْله {وَالَّذين لَا يَجدونَ إِلَّا جهدهمْ} قَالَ: الْجهد فِي الْقُوت والجهد فِي الْعَمَل
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن سُفْيَان فِي الْآيَة قَالَ: الْجهد جهد الإِنسان والجهد فِي ذَات الْيَد
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن إِسْحَق قَالَ: كَانَ الَّذِي تصدق بِجهْدِهِ أَبُو عقيل واسْمه سهل بن رَافع أَتَى بِصَاع من تمر فافرغها فِي الصَّدَقَة فَتَضَاحَكُوا بِهِ وَقَالُوا: إِن الله لَغَنِيّ عَن صَدَقَة أبي عقيل
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الْحسن قَالَ: قَامَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مقَاما للنَّاس فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس تصدقوا أشهد لكم بهَا يَوْم الْقِيَامَة أَلا لَعَلَّ أحدكُم أَن يبيت فصاله راو وَابْن عَمه طاو أَلا لَعَلَّ أحدكُم أَن يُثمر مَاله وجاره مِسْكين لَا يقدر على شَيْء الا رجل منح نَاقَة من ابله يَغْدُو برفد وَيروح برفد يَغْدُو بصبوح أهل بَيت وَيروح بغبوقهم أَلا إِن أجرهَا لعَظيم
فَقَامَ رجل فَقَالَ: يَا رَسُول الله عِنْدِي أَرْبَعَة ذود
فَقَامَ آخر قصير الْقَامَة قَبِيح السّنة يَقُود نَاقَة لَهُ حسناء جميلَة فَقَالَ رجل من الْمُنَافِقين كلمة خُفْيَة لَا يرى أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم سَمعهَا: نَاقَته خير مِنْهُ
فَسَمعَهَا النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: كذبت هُوَ خير مِنْك وَمِنْهَا ثمَّ قَامَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فَقَالَ: يَا رَسُول الله عِنْدِي ثَمَانِيَة آلَاف تركت أَرْبَعَة مِنْهَا لِعِيَالِي وَجئْت بأَرْبعَة أقدمها لله فتكاثر المُنَافِقُونَ مَا جَاءَ بِهِ ثمَّ قَامَ عَاصِم بن عدي الْأنْصَارِيّ فَقَالَ: يَا رَسُول الله عِنْدِي سَبْعُونَ وسْقا جذاذ الْعَام فتكاثر المُنَافِقُونَ مَا جَاءَ بِهِ وَقَالُوا: جَاءَ هَذَا بأَرْبعَة آلَاف
وَجَاء هَذَا بسبعين وسْقا للرياء والسمعة فَهَلا أخفياها فَهَلا فرقاها
ثمَّ قَامَ رجل من الْأَنْصَار اسْمه الْحجاب يكنى أَبَا عقيل فَقَالَ: يَا رَسُول الله مَا لي من مَال غير اني أجرت نَفسِي من بني فلَان أجر الْحَرِير فِي عنقِي على صَاعَيْنِ من تمر فَتركت صَاعا لِعِيَالِي وحئت بِصَاع أقربه إِلَى الله تَعَالَى فَلَمَزَهُ المُنَافِقُونَ وَقَالُوا: جَاءَ أهل الابل بالابل وَجَاء أهل الْفضة بِالْفِضَّةِ وَجَاء هَذَا بتمرات يحملهَا فَأنْزل الله {الَّذين يَلْمِزُونَ الْمُطوِّعين} الْآيَة
وَأخرج عبد الله بن أَحْمد فِي زَوَائِد الزّهْد عَن أبي السَّلِيل قَالَ: وقف علينا شيخ فِي مَجْلِسنَا فَقَالَ: حَدثنِي أبي أَو عمي أَنه شهد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِالبَقِيعِ قَالَ من يتَصَدَّق الْيَوْم بِصَدقَة أشهد لَهُ بهَا عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة
فجَاء رجل - لَا وَالله مَا البقيع رجل أَشد سَواد وَجه مِنْهُ وَلَا أقصر قامة وَلَا أَذمّ فِي عين مِنْهُ - بِنَاقَة - لَا وَالله مَا بِالبَقِيعِ شَيْء أحسن مِنْهَا - فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: هَذِه صَدَقَة قَالَ: نعم يَا رَسُول الله
فَلَمَزَهُ رجل فَقَالَ: يتَصَدَّق بهَا وَالله لهي خير مِنْهُ
فَسمع رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كَلمته فَقَالَ: كذبت بل هُوَ خير مِنْك وَمِنْهَا كذبت بل هُوَ خير مِنْك وَمِنْهَا ثَلَاث مَرَّات ثمَّ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: الا من قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَقَلِيل مَا هم ثمَّ قَالَ: قد أَفْلح المزهد المجهد قد أَفْلح المزهد المجهد
وَأخرج أَبُو دَاوُد وَابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن أبي هُرَيْرَة
أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله أَي الصَّدَقَة أفضل قَالَ جهد الْمقل وابدأ بِمن تعول
الْآيَة 80
أخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن عُرْوَة أَن عبد الله بن أبي قَالَ لأَصْحَابه: لَوْلَا أَنكُمْ تنفقون على مُحَمَّد وَأَصْحَابه لانفضوا من حوله وَهُوَ الْقَائِل (ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل)(المُنَافِقُونَ الْآيَة 8) فَأنْزل الله عز وجل {اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم إِن تستغفر لَهُم سبعين مرّة فَلَنْ يغْفر الله لَهُم}
قَالَ النَّبِي لأزيدن على السّبْعين
فَأنْزل الله (سَوَاء عَلَيْهِم أَسْتَغْفَرْت لَهُم أم لم تستغفر لَهُم لن يغْفر الله لَهُم)(المُنَافِقُونَ الْآيَة 6)
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد قَالَ: لما نزلت {إِن تستغفر لَهُم سبعين مرّة فَلَنْ يغْفر الله لَهُم} قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم سأزيد على سبعين فَأنْزل الله فِي السُّورَة الَّتِي يذكر فِيهَا المُنَافِقُونَ (لن يغْفر الله لَهُم)(المُنَافِقُونَ الْآيَة 6)
وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: لما نزلت هَذِه الْآيَة اسْمَع رَبِّي قد رخص لي فيهم فوَاللَّه لأَسْتَغْفِرَن أَكثر من سبعين مرّة لَعَلَّ الله أَن يغْفر لَهُم
فَقَالَ الله من شدَّة غَضَبه عَلَيْهِم (سَوَاء عَلَيْهِم أَسْتَغْفَرْت لَهُم أم لم تستغفر لَهُم لن يغْفر الله لَهُم إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الْفَاسِقين)(المُنَافِقُونَ الْآيَة 6)
وَأخرج أَحْمد وَالْبُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن أبي حَاتِم والنحاس وَابْن حبَان وَابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو نعيم فِي الْحِلْية عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: سَمِعت عمر يَقُول: لما توفّي عبد الله بن أبي دعِي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم للصَّلَاة عَلَيْهِ فَقَامَ عَلَيْهِ فَلَمَّا وقف قلت أَعلَى عدوّ الله عبد الله بن أبي الْقَائِل كَذَا وَكَذَا وَالْقَائِل كَذَا وَكَذَا أعدد أَيَّامه وَرَسُول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم حَتَّى إِذا أكثرت قَالَ يَا عمر أخر عني اني قد خيرت قد قيل لي {اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم إِن تستغفر لَهُم سبعين مرّة} فَلَو أعلم أَنِّي إِن زِدْت على السّبْعين غفر لَهُ لزدت عَلَيْهَا ثمَّ صلى عَلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَمَشى مَعَه حَتَّى قَامَ على قَبره حَتَّى فرغ مِنْهُ فعجبت لي ولجراءتي على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَالله رَسُوله أعلم - فوَاللَّه مَا كَانَ إِلَّا يَسِيرا حَتَّى نزلت هَاتَانِ الْآيَتَانِ (وَلَا تصلِّ على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا وَلَا تقم على قَبره)(التَّوْبَة الْآيَة 84) فَمَا صلى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم على مُنَافِق بعده حَتَّى قَبضه الله عز وجل
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الشّعبِيّ أَن عمر بن الْخطاب رضي الله عنه قَالَ: لقد أصبت فِي الإِسلام هفوة مَا أصبت مثلهَا قطّ أَرَادَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَن يُصَلِّي على عبد الله بن أبي فَأخذت بِثَوْبِهِ فَقلت: وَالله مَا أَمرك الله بِهَذَا لقد قَالَ الله {اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم إِن تستغفر لَهُم سبعين مرّة فَلَنْ يغْفر الله لَهُم} فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: قد خيرني رَبِّي فَقَالَ {اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم} فَقعدَ رَسُول
الله صلى الله عليه وسلم على شَفير الْقَبْر فَجعل النَّاس يَقُولُونَ لِابْنِهِ: يَا حباب افْعَل كَذَا يَا حباب افْعَل كَذَا: فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْحباب اسْم شَيْطَان أَنْت عبد الله
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ فِي قَوْله {اسْتغْفر لَهُم} الْآيَة
قَالَ: نزلت فِي الصَّلَاة على الْمُنَافِقين قَالَ: لما مَاتَ عبد الله بن أُبي بن سلول الْمُنَافِق قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم لَو أعلم إِن استغفرت لَهُ إِحْدَى وَسبعين مرّة غفر لَهُ لفَعَلت فصلى عَلَيْهِ الله الصَّلَاة على الْمُنَافِقين وَالْقِيَام على قُبُورهم فَأنْزل الله (وَلَا تصلِّ على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا وَلَا تقم على قَبره)(التَّوْبَة الْآيَة 84) وَنزلت العزمة فِي سُورَة الْمُنَافِقين (سَوَاء عَلَيْهِم أَسْتَغْفَرْت لَهُم أم لم تستغفر لَهُم)(المُنَافِقُونَ الْآيَة 6) الْآيَة
الْآيَة 81
أخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة فِي قَوْله {بِمَقْعَدِهِمْ خلاف رَسُول الله} قَالَ: عَن غَزْوَة تَبُوك
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك فِي الْآيَة قَالَ: يَعْنِي المتخلفون بِأَن قعدوا خلاف رَسُول الله
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه قَالَ: كَانَت تَبُوك آخر غَزْوَة غَزَاهَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَهِي غَزْوَة الْحر
قَالُوا: لَا تنفرُوا فِي الْحر وَهِي غَزْوَة الْعسرَة
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَمر النَّاس أَن ينبعثوا مَعَه وَذَلِكَ فِي الصَّيف
فَقَالَ رجال: يَا رَسُول الله الْحر شَدِيد وَلَا نستطيع الْخُرُوج فَلَا تنفرُوا فِي الْحر
فَقَالَ الله {قل نَار جَهَنَّم أَشد حرا لَو كَانُوا يفقهُونَ} فَأمره بِالْخرُوجِ
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {لَا تنفرُوا فِي الْحر} قَالَ: قَول الْمُنَافِقين يَوْم غزا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم تَبُوك
وَأخرج ابْن جرير عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ وَغَيره قَالُوا: خرج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي حر شَدِيد إِلَى تَبُوك فَقَالَ رجل من بني سَلمَة: لَا تنفرُوا فِي الْحر
فَأنْزل الله {قل نَار جَهَنَّم أَشد حرا} الْآيَة
وَأخرج ابْن مردوية عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: اسْتَدَارَ برَسُول الله صلى الله عليه وسلم رجال من الْمُنَافِقين حِين أذن للْجدّ بن قيس ليستأذنوه ويقولوا: يَا رَسُول الله ائْذَنْ لنا فَإنَّا لَا نستطيع أَن ننفر فِي الْحر فَأذن لَهُم واعرض عَنْهُم
فَأنْزل الله {قل نَار جَهَنَّم أَشد حرا} الْآيَة
الْآيَة 82
أخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {فليضحكوا قَلِيلا وليبكوا كثيرا} قَالَ: هم المُنَافِقُونَ وَالْكفَّار الَّذين اتَّخذُوا من دينهم هزوا وَلَعِبًا يَقُول الله تَعَالَى {فليضحكوا قَلِيلا} فِي الدُّنْيَا {وليبكوا كثيرا} فِي الْآخِرَة
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {فليضحكوا قَلِيلا} قَالَ: الدُّنْيَا قَلِيل فليضحكوا فِيهَا مَا شاؤوا فَإِذا انْقَطَعت الدُّنْيَا وصاروا إِلَى الله تَعَالَى استأنفوا بكاء لَا يَنْقَطِع أبدا
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن أبي رزين
مثله
وَأخرج البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَو تعلمُونَ مَا أعلم لضحكتم قَلِيلا ولبكيتم كثيرا
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِنِّي أرى مَا لَا ترَوْنَ وأسمع مَا لَا تَسْمَعُونَ أطت السَّمَاء وَحقّ لَهَا أَن تئط مَا فِيهَا مَوضِع أَربع أَصَابِع إِلَّا وَملك وَاضع جَبهته لله سَاجِدا وَالله لَو تعلمُونَ مَا أعلم لضحكتم قَلِيلا ولبكيتم كثيرا وَمَا تلذذتم بِالنسَاء على الْفرش ولخرجتم إِلَى الصعدات تجارون إِلَى الله لَوَدِدْت أَنِّي كنت شَجَرَة تعضد
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن ماجة وَأَبُو يعلى عَن أنس سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: يَا أَيهَا النَّاس ابكوا فَإِن لم تبكوا فتباكوا فَإِن أهل النَّار يَبْكُونَ حَتَّى تسيل
دموعهم فِي وُجُوههم كَأَنَّهَا جداول حَتَّى تَنْقَطِع الدُّمُوع فتسيل فتقرح الْعُيُون فَلَو أَن سفناً أرخيت فِيهَا لجرت
وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا فِي صفة النَّار عَن زيد بن رفيع رَفعه قَالَ: إِن أهل النَّار إِذا دخلُوا النَّار بكوا الدُّمُوع زَمَانا ثمَّ بكوا الْقَيْح زَمَانا فَتَقول لَهُم الخزنة: يَا معشر الأشقياء تركْتُم الْبكاء فِي الدَّار المرحوم فِيهَا أَهلهَا فِي الدُّنْيَا هَل تَجِدُونَ الْيَوْم من تَسْتَغِيثُونَ بِهِ فيرفعون أَصْوَاتهم: يَا أهل الْجنَّة يَا معشر الْآبَاء والأمهات وَالْأَوْلَاد خرجنَا من الْقُبُور عطاشاً وَكُنَّا طول الْموقف عطاشا وَنحن الْيَوْم عطاشاً فافيضوا علينا من المَاء أَو مِمَّا رزقكم الله
فَيدعونَ أَرْبَعِينَ سنة لَا يُجِيبهُمْ ثمَّ يُجِيبهُمْ إِنَّكُم مَاكِثُونَ
فييأسون من كل خير
وَأخرج ابْن سعد وَابْن أبي شيبَة وَأحمد فِي الزّهْد عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ
أَنه خطب النَّاس بِالْبَصْرَةِ فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس ابكوا فَإِن لم تبكوا فتباكوا فَإِن أهل النَّار يَبْكُونَ الدُّمُوع حَتَّى تَنْقَطِع ثمَّ يَبْكُونَ الدِّمَاء حَتَّى لَو أجري فِيهَا السفن لجرت
وَأخرج أَحْمد فِي الزّهْد عَن عبد الله بن عمر قَالَ: لَو تعلمُونَ مَا أعلم لضحكتم قَلِيلا ولبكيتم كثيرا وَلَو تعلمُونَ حق الْعلم لصرخ أحدكُم حَتَّى يَنْقَطِع صَوته ولسجد حَتَّى يَنْقَطِع صلبه
وَأخرج أَحْمد فِي الزّهْد عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ: لَو تعلمُونَ مَا أعلم لضحكتم قَلِيلا ولبكيتم كثيرا ولخرجتم تَبْكُونَ لَا تَدْرُونَ تنجون أَو لَا تنجون
الْآيَة 83
أخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة فِي قَوْله {فَإِن رجعك الله إِلَى طَائِفَة مِنْهُم} قَالَ: ذكر لنا أَنهم كَانُوا اثْنَي عشر رجلا من الْمُنَافِقين وَفِيهِمْ قيل مَا قيل
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك فِي الْآيَة يَقُول: أَرَأَيْت إِن نفرت فاستأذنوك أَن ينفروا مَعَك فَقل: لن تخْرجُوا معي أبدا
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {فاقعدوا مَعَ الخالفين} قَالَ: هم الرِّجَال الَّذين تخلفوا عَن النفور
الْآيَات 84 - 85
أخرج البُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن أبي حَاتِم وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عمر قَالَ: لما توفّي عبد الله بن أُبي بن سلول أَتَى ابْنه عبد الله رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ أَن يُعْطِيهِ قَمِيصه ليكفنه فِيهِ
فَأعْطَاهُ ثمَّ سَأَلَهُ أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ
فَقَامَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَامَ عمر بن الْخطاب فَأخذ ثَوْبه فَقَالَ: يَا رَسُول الله أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقد نهاك الله أَن تصلي على الْمُنَافِقين فَقَالَ إِن رَبِّي خيَّرني وَقَالَ (اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم إِن تستغفر لَهُم سبعين مرّة فَلَنْ يغْفر الله لَهُم)(التَّوْبَة الْآيَة 80) وسأزيد على السّبْعين فَقَالَ: إِنَّه مُنَافِق فصلى عَلَيْهِ
فَأنْزل الله تَعَالَى {وَلَا تصلِّ على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا وَلَا تقم على قَبره} فَترك الصَّلَاة عَلَيْهِم
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عَبَّاس أَن عبد الله بن عبد الله بن أبي قَالَ لَهُ أَبوهُ: أَي بني اطلب لي ثوبا من ثِيَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَكَفِّنِّي فِيهِ ومره أَن يُصَلِّي عليَّ
قَالَ فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُول الله قد عرفت شرف عبد الله وَهُوَ يطْلب إِلَيْك ثوبا من ثِيَابك نكفنه فِيهِ وَتصلي عَلَيْهِ فَقَالَ عمر: يَا رَسُول الله قد عرفت عبد الله ونفاقه
أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقد نهاك الله أَن تصلي عَلَيْهِ فَقَالَ: وَابْن فَقَالَ (اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم إِن تستغفر لَهُم سبعين مرّة فَلَنْ يغْفر الله لَهُم)(التَّوْبَة الْآيَة 80) قَالَ: فَإِنِّي سأزيد على سبعين
فَأنْزل الله عز وجل {وَلَا تصلِّ على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا وَلَا تقم على قَبره} الْآيَة
قَالَ: فَأرْسل إِلَى عمر فَأخْبرهُ بذلك وَأنزل الله (سَوَاء عَلَيْهِم أَسْتَغْفَرْت لَهُم أم لم تستغفر لَهُم)(المُنَافِقُونَ الْآيَة 6)
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن عمر بن الْخطاب قَالَ: لما مرض عبد الله بن أُبي بن سلول مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ عَاده رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا مَاتَ صلى عَلَيْهِ وَقَامَ على قَبره
قَالَ: فوَاللَّه إِن مكثنا إِلَّا ليَالِي حَتَّى نزلت {وَلَا تصلِّ على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا} الْآيَة
وَأخرج ابْن ماجة وَالْبَزَّار وَابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن جَابر قَالَ مَاتَ رَأس الْمُنَافِقين بِالْمَدِينَةِ فأوصى أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَأَن يُكَفِّنهُ فِي قَمِيصه فجَاء ابْنه إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أبي أوصى أَن يُكفن فِي قَمِيصك فصلى عَلَيْهِ وَألبسهُ قَمِيصه وَقَامَ على قَبره فَأنْزل الله {وَلَا تصلِّ على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا وَلَا تقم على قَبره}
وَأخرج أَبُو يعلى وَابْن جرير وَابْن مرْدَوَيْه عَن أنس أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَرَادَ أَن يُصَلِّي على عبد الله بن أبي فَأخذ جِبْرِيل عليه السلام بِثَوْبِهِ وَقَالَ {وَلَا تصلِّ على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا وَلَا تقم على قَبره}
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة قَالَ: وقف نَبِي الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي فَدَعَاهُ فَأَغْلَظ لَهُ وَتَنَاول لحية النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ أَبُو أَيُّوب: كف يدك عَن لحية رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فوَاللَّه لَئِن أذن لأضعن فِيك السِّلَاح وَأَنه مرض فَأرْسل إِلَى نَبِي الله صلى الله عليه وسلم يَدعُوهُ فَدَعَا بِقَمِيصِهِ فَقَالَ عمر: وَالله مَا هُوَ بِأَهْل أَن تَأتيه
قَالَ: بلَى
فَأَتَاهُ فَقَالَ: أهلكتك موادّتك الْيَهُود قَالَ: إِنَّمَا دعوتك لِتَسْتَغْفِر لي وَلم أدعك لِتؤَنِّبنِي
قَالَ: أَعْطِنِي قَمِيصك لأكفن فِيهِ
فَأعْطَاهُ وَنَفث فِي جلده وَنزل فِي قَبره فَأنْزل الله {وَلَا تصلِّ على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا} الْآيَة قَالَ: فَذكرُوا الْقَمِيص
قَالَ: وَمَا يُغني عَنهُ قَمِيصِي وَالله إِنِّي لأرجو أَن يسلم بِهِ أَكثر من ألف من بني الْخَزْرَج فَأنْزل الله {وَلَا تعجبك أَمْوَالهم وَأَوْلَادهمْ} الْآيَة
الْآيَة 86
أخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {أولُوا الطول} قَالَ: أهل الْغنى
الْآيَات 87 - 89
أخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {رَضوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِف} قَالَ: مَعَ النِّسَاء
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن سعد بن أبي وَقاص أَن عَليّ بن أبي طَالب خرج مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم حَتَّى جَاءَ ثنية الْوَدَاع يُرِيد تَبُوك وَعلي يبكي وَيَقُول: تخلفني مَعَ الْخَوَالِف فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: أَلا ترْضى أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هرون من مُوسَى إِلَّا النبوّة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ فِي قَوْله {رَضوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِف} قَالَ: رَضوا بِأَن يقعدوا كَمَا قعدت النِّسَاء
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة {رَضوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِف} أَي النِّسَاء {وطبع على قُلُوبهم} أَي بأعمالهم
الْآيَة 90
أخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {وَجَاء المعذرون من الْأَعْرَاب} يَعْنِي أهل الْعذر مِنْهُم ليؤذن لَهُم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {وَجَاء المعذرون من الْأَعْرَاب} قَالَ: هم أهل الْأَعْذَار وَكَانَ يقْرؤهَا {وَجَاء المعذرون} خَفِيفَة
وَأخرج ابْن الْأَنْبَارِي فِي كتاب الأضداد عَن ابْن عَبَّاس
أَنه كَانَ يقْرَأ {وَجَاء المعذرون من الْأَعْرَاب} وَيَقُول: لعن الله المعذرين
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ قَالَ: من قَرَأَهَا {وَجَاء المعذرون من الْأَعْرَاب} خَفِيفَة قَالَ: بَنو مقرن وَمن قَرَأَهَا {وَجَاء المعذرون} قَالَ: اعتذروا بِشَيْء لَيْسَ لَهُم عذر بِحَق
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الْحسن
أَنه كَانَ يقْرَأ {وَجَاء المعذرون} قَالَ: اعتذروا بِشَيْء لَيْسَ لَهُم عذر بِحَق
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن إِسْحَق فِي قَوْله {وَجَاء المعذرون من الْأَعْرَاب} قَالَ: ذكر لي أَنهم نفر من بني غفار جاؤوا فاعتذروا مِنْهُم خفاف بن إِيمَاء من خرصة
الْآيَة 91
أخرج ابْن أبي حَاتِم وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي الافراد وَابْن مرْدَوَيْه عَن زيد بن ثَابت قَالَ: كنت أكتب لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم بَرَاءَة فَكنت أكتب مَا أنزل الله عَلَيْهِ فَإِنِّي لواضع الْقَلَم على أُذُنِي إِذْ أمرنَا بِالْقِتَالِ فَجعل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ينظر مَا ينزل عَلَيْهِ إِذْ جَاءَ أعمى فَقَالَ: كَيفَ بِي يَا رَسُول الله وَأَنا أعمى فَنزلت {لَيْسَ على الضُّعَفَاء} الْآيَة
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة فِي قَوْله {لَيْسَ على الضُّعَفَاء} الْآيَة
قَالَ نزلت فِي عَائِذ بن عَمْرو وَفِي غَيره
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد قَالَ: نزل من عِنْد قَوْله (عَفا الله عَنْك)(التَّوْبَة الْآيَة 43) إِلَى قَوْله {مَا على الْمُحْسِنِينَ من سَبِيل وَالله غَفُور رَحِيم} فِي الْمُنَافِقين
أما قَوْله تَعَالَى: {إِذا نصحوا لله وَرَسُوله}
أخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد فِي الزّهْد والحكيم التِّرْمِذِيّ فِي نَوَادِر الْأُصُول وَابْن أبي حَاتِم عَن أبي ثُمَامَة الصائدي قَالَ: قَالَ الحواريون: يَا روح الله أخبرنَا من
الناصح لله قَالَ: الَّذِي يُؤثر حق الله على حق النَّاس وَإِذا حدث لَهُ أَمْرَانِ أَو بدا لَهُ أَمر الدُّنْيَا وَأمر الْآخِرَة بَدَأَ الَّذِي للآخرة ثمَّ تفرغ للَّذي الدُّنْيَا
وَأخرج مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَن تَمِيم الدَّارِيّ أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: الدّين النَّصِيحَة
قَالُوا: لمن يَا رَسُول الله قَالَ: لله ولكتابه وَلِرَسُولِهِ ولأئمة الْمُسلمين وعامتهم
وَأخرج ابْن عدي عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِن الدّين النَّصِيحَة
قيل: لمن يَا رَسُول الله قَالَ: لله وَلِرَسُولِهِ ولأئمة الْمُسلمين وعامتهم
وَأخرج البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ عَن جرير قَالَ بَايَعت النَّبِي صلى الله عليه وسلم على إِقَامَة الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة والنصح لكل مُسلم
وَأخرج أَحْمد والحكيم التِّرْمِذِيّ عَن أبي أُمَامَة عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ قَالَ الله عز وجل: أحب مَا تعبدني بِهِ عَبدِي إِلَى النصح لي
وَأخرج أَحْمد فِي الزّهْد عَن وهب بن مُنَبّه
أَن رَاهِبًا قَالَ لرجل: أوصيك بالنصح لله نصح الْكَلْب لأَهله فَإِنَّهُم يجيعونه ويطردونه ويأبى إِلَّا أَن يحوطهم وينصحهم
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك فِي قَوْله {مَا على الْمُحْسِنِينَ من سَبِيل} قَالَ: مَا على هَؤُلَاءِ من سَبِيل بِأَنَّهُم نصحوا لله وَرَسُوله وَلم يطيقوا الْجِهَاد فعذرهم الله وَجعل لَهُم من الْأجر مَا جعل للمجاهدين ألم تسمع أَن الله يَقُول (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ غير أولي الضَّرَر)(النِّسَاء الْآيَة 95) فَجعل الله للَّذين عذر من الضُّعَفَاء وأولي الضَّرَر وَالَّذين لَا يَجدونَ مَا يُنْفقُونَ من الْأجر مثل مَا جعل للمجاهدين
وَأخرج عبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف وَابْن أبي شيبَة وَأحمد وَالْبُخَارِيّ وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن أنس أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لما قفل من غَزْو تَبُوك فَأَشْرَف على الْمَدِينَة قَالَ: لقد تركْتُم بِالْمَدِينَةِ رجَالًا مَا سِرْتُمْ فِي مسير وَلَا أنفقتم من نَفَقَة وَلَا قطعْتُمْ وَاديا إِلَّا كَانُوا مَعكُمْ فِيهِ
قَالُوا: يَا رَسُول الله وَكَيف يكونُونَ مَعنا وهم بِالْمَدِينَةِ قَالَ: حَبسهم الْعذر
وَأخرج أَحْمد وَمُسلم وَابْن مرْدَوَيْه عَن جَابر قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
لقد خَلفْتُمْ بِالْمَدِينَةِ رجَالًا مَا قطعْتُمْ وَاديا وَلَا سلكتم طَرِيقا إِلَّا شَركُوكُمْ فِي الْأجر حَبسهم الْمَرَض
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {مَا على الْمُحْسِنِينَ من سَبِيل} وَالله لأهل الْإِسَاءَة {غَفُور رَحِيم}
الْآيَة 92
أخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الْحسن قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لقد خَلفْتُمْ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا أنفقتم من نَفَقَة وَلَا قطعْتُمْ وَاديا وَلَا نلتم من عدوّ نيلاً إِلَّا وَقد شَركُوكُمْ فِي الْأجر ثمَّ قَرَأَ {وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك} الْآيَة
وَأخرج ابْن جرير وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: أَمر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَن ينبعثوا غازين فَجَاءَت عِصَابَة من أَصْحَابه فيهم عبد الله بن معقل الْمُزنِيّ فَقَالُوا: يَا رَسُول الله احْمِلْنَا فَقَالَ وَالله مَا أجد مَا أحملكم عَلَيْهِ
فتولوا وَلَهُم بكاء وَعز عَلَيْهِم أَن يحبسوا عَن الْجِهَاد وَلَا يَجدونَ نَفَقَة وَلَا محملًا
فَأنْزل الله عذرهمْ {وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك} الْآيَة
وَأخرج ابْن سعد وَيَعْقُوب بن سُفْيَان فِي تَارِيخه وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن عبد الله بن معقل قَالَ: إِنِّي لمن الرَّهْط الَّذين ذكر الله {وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك لتحملهم} الْآيَة
وَأخرج ابْن جرير عَن مُحَمَّد بن كَعْب قَالَ: جَاءَ نَاس من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يستحملونه فَقَالَ لَا أجد مَا أحملكم عَلَيْهِ فَأنْزل الله {وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك لتحملهم} الْآيَة
قَالَ: وهم سَبْعَة نفر من بني عمر بن عَوْف سَالم بن عُمَيْر وَمن بني واقن حرميّ بن عَمْرو وَمن بني مَازِن ابْن النجار عبد الرَّحْمَن بن كَعْب يكنى أَبَا ليلى وَمن بني المعلي سلمَان بن صَخْر وَمن بني حَارِثَة عبد الرَّحْمَن بن زيد أَبُو عبلة وَمن بني سَلمَة عَمْرو بن غنمة وَعبد الله بن عَمْرو الْمُزنِيّ
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن مجمع بن حَارِثَة قَالَ: الَّذين استحملوا النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: لَا أجد مَا أحملكم عَلَيْهِ سَبْعَة نفر
علية بن زيد الْحَارِثِيّ وَعمر بن غنم السَّاعِدِيّ وَعَمْرو بن هرمي الرَّافِعِيّ وَأَبُو ليلى الْمُزنِيّ وَسَالم بن عَمْرو الْعمريّ وَسَلَمَة بن صَخْر الزرقي وَعبد الله بن عَمْرو الْمُزنِيّ
وَأخرج عبد الْغَنِيّ بن سعيد فِي تَفْسِيره وَأَبُو نعيم فِي الْحِلْية عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك} الْآيَة
قَالَ: مِنْهُم سَالم بن عُمَيْر أحد بني عَمْرو بن عَوْف
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو السّلمِيّ وَحجر بن حجر الكلَاعِي قَالَ: أَتَيْنَا الْعِرْبَاض بن سَارِيَة وَكَانَ من الَّذين أنزل الله فيهم {وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك لتحملهم} الْآيَة
وَأخرج ابْن سعد وَابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد فِي قَوْله {وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك لتحملهم} قَالَ: هم بَنو مقرن من مزينة وهم سَبْعَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن كثير بن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف الْمُزنِيّ عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: وَالله إِنِّي أحد النَّفر الَّذين أنزل الله فيهم {وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك لتحملهم} الْآيَة
وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن الزُّهْرِيّ وَيزِيد بن يسَار وَعبد الله بن أبي بكر وَعَاصِم بن عَمْرو بن قَتَادَة وَغَيرهم أَن رجَالًا من الْمُسلمين أَتَوا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وهم البكاؤون وهم سَبْعَة نفر من الْأَنْصَار وَغَيرهم
من بني عَمْرو بن عَوْف سَالم بن عُمَيْر وَمن بني حَارِثَة عتبَة بن زيد وَمن بني مَازِن بن النجار أَبُو ليلى عبد الرَّحْمَن بن كَعْب وَمن بني سَلمَة عَمْرو بن عَمْرو بن جهام بن الجموح وَمن بني وَاقِف هرمي بن عَمْرو وَمن بني مزينة عبد الله بن معقل وَمن بني فَزَارَة عرباض بن سَارِيَة فاستحملوا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَكَانُوا أهل حَاجَة قَالَ: لَا أجد مَا أحملكم عَلَيْهِ
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن الْحسن رضي الله عنه قَالَ: كَانَ معقل بن يسَار من البكائين الَّذِي قَالَ الله {إِذا مَا أتوك لتحملهم} الْآيَة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الْحسن وَبكر بن عبد الله الْمُزنِيّ فِي هَذِه الْآيَة {وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك لتحملهم}
الْآيَة
قَالَا: نزلت فِي عبد الله بن معقل من مزينة أَتَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم ليحمله
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن لَهِيعَة
أَن أَبَا شُرَيْح الكعبي كَانَ من الَّذين قَالَ الله {وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك لتحملهم}
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن أنس بن مَالك فِي قَوْله {لَا أجد مَا أحملكم عَلَيْهِ} قَالَ: المَاء والزاد
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن عَليّ بن صَالح قَالَ: حَدثنِي مشيخة من جُهَيْنَة قَالُوا: أدركنا الَّذين سَأَلُوا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الحملان
فَقَالُوا: مَا سألناه إِلَّا الحملان على النِّعَال {وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك لتحملهم}
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن إِبْرَاهِيم بن أدهم فِي قَوْله {وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك لتحملهم} قَالَ: مَا سَأَلُوهُ الدَّوَابّ مَا سَأَلُوهُ إِلَّا النِّعَال
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الْحسن فِي الْآيَة قَالَ: استحملوه النِّعَال
الْآيَات 93 - 96
أخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد فِي قَوْله {إِنَّمَا السَّبِيل على الَّذين يَسْتَأْذِنُونَك}
قَالَ: هِيَ وَمَا بعْدهَا إِلَى قَوْله {فَإِن الله لَا يرضى عَن الْقَوْم الْفَاسِقين} فِي الْمُنَافِقين
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ فِي قَوْله {قد نبأنا الله من أخباركم} قَالَ: أخبرنَا أَنكُمْ لَو خَرجْتُمْ مَا زدتمونا إِلَّا خبالاً وَفِي قَوْله {فأعرضوا عَنْهُم إِنَّهُم رِجْس} قَالَ: لما رَجَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ لَا تكلموهم وَلَا تُجَالِسُوهُمْ فأعرضوا عَنْهُم كَمَا أَمر الله
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك فِي قَوْله {لتعرضوا عَنْهُم} لتتجاوزوا
الْآيَة 97
أخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {الْأَعْرَاب أَشد كفرا ونفاقاً} ثمَّ اسْتثْنى مِنْهُم فَقَالَ (من الْأَعْرَاب من يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر)(التَّوْبَة الْآيَة 99) الْآيَة
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة فِي قَوْله {وأجدر أَلَاّ يعلمُوا حُدُود مَا أنزل الله على رَسُوله} قَالَ: هم أقل علما بالسنن
وَأخرج ابْن سعد وَابْن أبي حَاتِم عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ قَالَ: كَانَ زيد بن صوحان يحدث فَقَالَ اعرابي: إِن حَدِيثك ليعجبني وَأَن يدك لتريبني
فَقَالَ: أما ترَاهَا الشمَال فَقَالَ الْأَعرَابِي: وَالله مَا أَدْرِي الْيَمين يقطعون أم الشمَال قَالَ زيد: صدق الله {الْأَعْرَاب أَشد كفرا ونفاقاً وأجدر ألَاّ يعلمُوا حُدُود مَا أنزل الله على رَسُوله}
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك فِي قَوْله {الْأَعْرَاب أَشد كفرا ونفاقاً} قَالَ: من منافقي الْمَدِينَة {وأجدر أَلا يعلمُوا حُدُود مَا أنزل الله على رَسُوله} يَعْنِي الْفَرَائِض وَمَا أَمر بِهِ من الْجِهَاد
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الْكَلْبِيّ فِي الْآيَة: أَنَّهَا أنزلت فِي أَسد وغَطَفَان
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن ابْن سِيرِين قَالَ: إِذا تَلا أحدكُم هَذِه الْآيَة
{الْأَعْرَاب أَشد كفرا ونفاقاً} فليتل الْآيَة الْأُخْرَى وَلَا يسكت (وَمن الْأَعْرَاب من يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر)(التَّوْبَة الْآيَة 99)
وَأخرج أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالنَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: من سكن الْبَادِيَة جَفا وَمن اتبع الصَّيْد غفل وَمن أَتَى السُّلْطَان افْتتن
وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من بدا جَفا وَمن اتبع الصَّيْد غفل وَمن أَتَى أَبْوَاب السُّلْطَان افْتتن وَمَا ازْدَادَ من السُّلْطَان قربا إِلَّا ازْدَادَ من الله بعدا
الْآيَة 98
أخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك {وَمن الْأَعْرَاب من يتَّخذ مَا ينْفق مغرماً} يَعْنِي أَنه لَا يَرْجُو لَهُ ثَوابًا عِنْد الله وَلَا مجازاة وَإِنَّمَا يُعْطي مَا يُعْطي من صدقَات مَاله كرها {ويتربص بكم الدَّوَائِر} الهلكات
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن زيد فِي قَوْله {وَمن الْأَعْرَاب من يتَّخذ مَا ينْفق مغرماً} قَالَ: هَؤُلَاءِ المُنَافِقُونَ من الْأَعْرَاب الَّذين إِنَّمَا يُنْفقُونَ رِيَاء اتقاء على أَن يغزوا ويحاربوا ويقاتلوا ويرون نفقاتهم مغرماً
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ فِي قَوْله {وَمن الْأَعْرَاب من يتَّخذ مَا ينْفق مغرماً} يعد مَا ينْفق فِي سَبِيل الله غَرَامَة يغرمها {ويتربص} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم الْهَلَاك
الْآيَة 99
أخرج سنيد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد {وَمن الْأَعْرَاب من يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر} قَالَ: هم بَنو مقرن من مزينة وهم الَّذين قَالَ الله (وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك لتحملهم)(التَّوْبَة الْآيَة 92) الْآيَة
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {وصلوات الرَّسُول} يَعْنِي اسْتِغْفَار النَّبِي صلى الله عليه وسلم
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة فِي قَوْله {وَمن الْأَعْرَاب من يُؤمن بِاللَّه} قَالَ: هَذِه ثنية الله من الْأَعْرَاب وَفِي قَوْله {وصلوات الرَّسُول} قَالَ: دُعَاء الرَّسُول
الْآيَة 100
أخرج أَبُو عبيد وسنيد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه عَن حبيب الشَّهِيد عَن عَمْرو بن عَامر الْأنْصَارِيّ
أَن عمر بن الْخطاب قَرَأَ وَالسَّابِقُونَ الأوّلون من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار الَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان فَرفع الْأَنْصَار وَلم يلْحق الْوَاو فِي الَّذين فَقَالَ لَهُ زيد بن ثَابت: وَالَّذين
فَقَالَ عمر: الَّذين
فَقَالَ زيد: أَمِير الْمُؤمنِينَ أعلم
فَقَالَ عمر رضي الله عنه: ائْتُونِي بأُبي بن كَعْب فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ عَن ذَلِك فَقَالَ أبي: وَالَّذين
فَقَالَ عمر رضي الله عنه: فَنعم إِذن فتابع أُبيا
وَأخرج ابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ قَالَ: مر عمر رضي الله عنه بِرَجُل يقْرَأ {وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار} فَأخذ عمر بِيَدِهِ فَقَالَ: من أَقْرَأَك هَذَا قَالَ: أبي بن كَعْب
قَالَ: لَا تُفَارِقنِي حَتَّى أذهب بك إِلَيْهِ فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ عمر: أَنْت أَقرَأت هَذَا هَذِه الْآيَة هَكَذَا قَالَ: نعم
قَالَ: وَسمعتهَا من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: نعم
قَالَ: لقد كنت أرى أَنا رفعنَا رفْعَة لَا يبلغهَا أحد بَعدنَا فَقَالَ أبي: تَصْدِيق ذَلِك فِي أول سُورَة الْجُمُعَة (وَآخَرين مِنْهُم لما
يلْحقُوا بهم) (الْجُمُعَة آيَة 3) وَفِي سُورَة الْحَشْر (وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا ولإِخواننا الَّذين سبقُونَا فِي الْإِيمَان)(الْحَشْر آيَة 10) وَفِي الْأَنْفَال (وَالَّذين آمنُوا من بعد وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا مَعكُمْ فَأُولَئِك مِنْكُم)(الْأَنْفَال آيَة 75)
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن أبي أُسَامَة وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم التَّمِيمِي قَالَا: مر عمر بن الْخطاب بِرَجُل وَهُوَ يقْرَأ {وَالسَّابِقُونَ الأوّلون من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان} فَوقف عمر فَلَمَّا انْصَرف الرجل قَالَ: من أَقْرَأَك هَذِه قَالَ: أَقْرَأَنيهَا أبي بن كَعْب
قَالَ: فَانْطَلق إِلَيْهِ فَانْطَلقَا إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَبَا الْمُنْذر أَخْبرنِي هَذَا أَنَّك أَقرَأته هَذِه الْآيَة
قَالَ: صدق تلقيتها من فِي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم
قَالَ عمر: أَنْت تلقيتها من فِي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: فَقَالَ فِي الثَّالِثَة وَهُوَ غَضْبَان: نعم
وَالله لقد أنزلهَا الله على جِبْرِيل عليه السلام وأنزلها جِبْرِيل عليه السلام على قلب مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَلم يستأمر فِيهَا الْخطاب وَلَا ابْنه
فَخرج عمر رَافعا يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُول: الله أكبر الله أكبر
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَأَبُو نعيم فِي الْمعرفَة عَن أبي مُوسَى
أَنه سُئِلَ عَن قَوْله {وَالسَّابِقُونَ الأوّلون} قَالُوا: هم الَّذين صلوا الْقبْلَتَيْنِ جَمِيعًا
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن أبي حَاتِم وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو نعيم فِي الْمعرفَة عَن سعيد بن الْمسيب فِي قَوْله {وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ} قَالَ: هم الَّذين صلوا الْقبْلَتَيْنِ جَمِيعًا
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَأَبُو نعيم عَن الْحسن وَمُحَمّد بن سِيرِين فِي قَوْله {وَالسَّابِقُونَ الأوّلون} قَالُوا: هم الَّذين صلوا الْقبْلَتَيْنِ جَمِيعًا وهم أهل بدر
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس {وَالسَّابِقُونَ الأوّلون من الْمُهَاجِرين} قَالَ: أَبُو بكر وَعمر وَعلي وسلمان وعمار بن يَاسر
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو الشَّيْخ وَأَبُو نعيم فِي الْمعرفَة عَن الشّعبِيّ فِي قَوْله {وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ} قَالَ: من أدْرك بيعَة الرضْوَان وَأول من بَايع بيعَة الرضْوَان سِنَان بن وهب الْأَسدي
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن غيلَان بن جرير قَالَ: قلت لأنس بن مَالك هَذَا الِاسْم الْأَنْصَار أَنْتُم سيتموه أَنفسكُم أَو الله تَعَالَى سَمَّاكُم من السَّمَاء قَالَ: الله تَعَالَى سمانا من السَّمَاء
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد وَالنَّسَائِيّ عَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: من أحب الْأَنْصَار أحبه الله وَمن أبْغض الْأَنْصَار أبغضه الله
وَأخرج أَحْمد وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم عَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم آيَة الإِيمان حب الْأَنْصَار وَآيَة النِّفَاق بغض الْأَنْصَار
وَأخرج أَحْمد عَن أنس عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَنه قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر للْأَنْصَار ولأبناء الْأَنْصَار ولأزواج الْأَنْصَار ولذراري الْأَنْصَار الْأَنْصَار كرشي وعيبتي وَلَو أَن النَّاس أخذُوا شعبًا وَأخذت الْأَنْصَار شعبًا لأخذت شعب الْأَنْصَار وَلَوْلَا الْهِجْرَة كنت امْرأ من الْأَنْصَار
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد عَن الْحَارِث بن زِيَاد قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من أحب الْأَنْصَار أحبه الله حِين يلقاه وَمن أبْغض الْأَنْصَار أبغضه الله حِين يلقاه
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن قيس بن سعد بن عبَادَة عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم
أَنه قَالَ اللهمَّ صل على الْأَنْصَار وعَلى ذُرِّيَّة الْأَنْصَار وعَلى ذُرِّيَّة ذُرِّيَّة الْأَنْصَار
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَو سلك النَّاس وَاديا وشعباً وسلكتم وَاديا وشعباً لَسَلَكْت واديكم وشعبكم أَنْتُم شعار وَالنَّاس دثار وَلَوْلَا الْهِجْرَة لَكُنْت امْرأ من الْأَنْصَار ثمَّ رفع يَدَيْهِ حَتَّى اني لأرى بَيَاض ابطيه فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِر للْأَنْصَار ولأبناء الْأَنْصَار ولأبناء أَبنَاء الْأَنْصَار
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة عَن الْبَراء بن عَازِب رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْأَنْصَار لَا يُحِبهُمْ إِلَّا مُؤمن وَلَا يبغضهم إِلَّا مُنَافِق وَمن أحبهم أحبه الله وَمن أبْغضهُم أبغضه الله
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَّا إِن عيبتي الَّتِي آوي إِلَيْهَا أهل بَيْتِي وَإِن كرشي الْأَنْصَار فاعفوا عَن مسيئهم واقبلوا من محسنهم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن سعد بن عبَادَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن هَذَا الْحَيّ من الْأَنْصَار حبهم إِيمَان وبغضهم نفاق
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن أنس رضي الله عنه سَمِعت النَّبِي صلى الله عليه وسلم يَقُول: اللهمَّ اغْفِر للْأَنْصَار ولأبناء الْأَنْصَار ولنساء الْأَنْصَار ولنساء أَبنَاء الْأَنْصَار ولنساء أَبنَاء أَبنَاء الْأَنْصَار
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالنَّسَائِيّ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: لَا يبغض الْأَنْصَار رجل يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن معَاذ بن رِفَاعَة عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم اللهمَّ اغْفِر للْأَنْصَار ولذراري الْأَنْصَار ولذراري ذَرَارِيهمْ ولمواليهم ولجيرانهم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ قُرَيْش وَالْأَنْصَار وجهينة وَمُزَيْنَة وَأسلم وغفار موَالِي الله وَرَسُوله لَا مولى لَهُم غَيره
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَمُسلم عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَا يبغض الْأَنْصَار رجل يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن السَّائِب بن يزِيد رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قسم الْفَيْء الَّذِي أَفَاء الله بحنين فِي أهل مَكَّة من قُرَيْش وَغَيرهم فَغضِبت الْأَنْصَار فَأَتَاهُم فَقَالَ: يَا معشر الْأَنْصَار قد بَلغنِي من حديثكم فِي هَذِه الْمَغَانِم الَّتِي آثرت بهَا أُنَاسًا أتالفهم على الإِسلام لَعَلَّهُم أَن يشْهدُوا بعد الْيَوْم وَقد أَدخل الله قُلُوبهم الإِسلام يَا معشر الْأَنْصَار ألم يمن الله عَلَيْكُم بالإِيمان وخصكم بالكرامة وسماكم بِأَحْسَن الْأَسْمَاء أنصار الله وأنصار رَسُوله وَلَوْلَا الْهِجْرَة لَكُنْت امْرأ من الْأَنْصَار وَلَو سلك النَّاس وَاديا وسلكتم وَاديا لَسَلَكْت واديكم
أَفلا ترْضونَ أَن يذهب النَّاس بِهَذِهِ الْغَنَائِم وَالشَّاء وَالنعَم وَالْبَعِير وَتَذْهَبُونَ برَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: رَضِينَا
فَقَالَ: أجيبوني فِيمَا قلت
قَالُوا: يَا رَسُول الله وجدتنا فِي ظلمَة فأخرجنا الله بك إِلَى النُّور ووجدتنا على شفا حُفْرَة من النَّار فأنقذنا الله بك ووجدتنا ضلالا فهدانا الله بك
فرضينا بِاللَّه رَبًّا وبالإِسلام دينا وَبِمُحَمَّدٍ نَبيا
فَقَالَ: أما وَالله لَو أجبتموني بِغَيْر هَذَا القَوْل لَقلت صَدقْتُمْ لَو قلت ألم تأتنا طريداً فَآوَيْنَاك ومكذباً فَصَدَّقْنَاك ومخذولاً
فَنَصَرْنَاك وَقَبلنَا مَا رد النَّاس عَلَيْك لَو قُلْتُمْ هَذَا لصدقتم
قَالُوا: بل لله وَرَسُوله الْمَنّ وَالْفضل علينا وعَلى غَيرنَا
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّاس على ثَلَاث منَازِل
الْمُهَاجِرُونَ الْأَولونَ وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ يَقُولُونَ: رَبنَا اغْفِر لنا ولإِخواننا الَّذين سبقُونَا بالإِيمان
فَأحْسن مَا يكون أَن يكون بِهَذِهِ الْمنزلَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما
أَنه أَتَاهُ رجل فَذكر بعض الصَّحَابَة فتنقصه فَقَالَ ابْن عَبَّاس {وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان}
وَأخرج عَن ابْن زيد فِي قَوْله {وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان} قَالَ: من بَقِي من أهل الإِسلام إِلَى أَن تقوم السَّاعَة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن عصمَة رضي الله عنه قَالَ: سَأَلت سُفْيَان عَن التَّابِعين قَالَ: هم الَّذين أدركوا أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَلم يدركوا النَّبِي صلى الله عليه وسلم سَأَلته عَن الَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان قَالَ: من يَجِيء بعدهمْ
قلت: إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قَالَ: أَرْجُو
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ وَابْن عَسَاكِر عَن أبي صَخْر حميد بن زِيَاد قَالَ: قلت لمُحَمد بن كَعْب الْقرظِيّ رضي الله عنه: أَخْبرنِي عَن أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَإِنَّمَا أُرِيد الْفِتَن فَقَالَ: إِن الله قد غفر لحميع أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَأوجب لَهُم الْجنَّة فِي كِتَابه محسنهم ومسيئهم قلت لَهُ: وَفِي أَي مَوضِع أوجب الله لَهُم الْجنَّة فِي كِتَابهمْ قَالَ: أَلا تقْرَأ {وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ} الْآيَة
أوجب لجَمِيع أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم الْجنَّة والرضوان وَشرط على التَّابِعين شرطا لم يَشْتَرِطه فيهم قلت: وَمَا اشْترط عَلَيْهِم قَالَ: اشْترط عَلَيْهِم أَن يتبعوهم بِإِحْسَان
يَقُول: يقتدون بهم فِي أَعْمَالهم الْحَسَنَة وَلَا يقتدون بهم فِي غير ذَلِك
قَالَ أَبُو صَخْر: لكَأَنِّي لم أقرأها قبل ذَلِك وَمَا عرفت تَفْسِيرهَا حَتَّى قَرَأَهَا على مُحَمَّد بن كَعْب
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ حَدثنِي يحيى بن أبي كثيِّر وَالقَاسِم وَمَكْحُول وَعَبدَة بن أبي لبَابَة وَحسان بن عَطِيَّة
أَنهم سمعُوا جمَاعَة من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم يَقُولُونَ لما أنزلت هَذِه الْآيَة {وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ} إِلَى قَوْله {وَرَضوا عَنهُ} قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم هَذَا لأمتي كلهم وَلَيْسَ بعد الرِّضَا سخط
الْآيَة 101
أخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ من الْأَعْرَاب مُنَافِقُونَ} الْآيَة
قَالَ: قَامَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَوْم جُمُعَة خَطِيبًا فَقَالَ: قُم يَا فلَان فَاخْرُج فَإنَّك مُنَافِق
فَأخْرجهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ففضحهم وَلم يكن عمر بن الْخطاب رضي الله عنه شهد تِلْكَ الْجُمُعَة لحَاجَة كَانَت لَهُ فَلَقِيَهُمْ عمر رضي الله عنه وهم يخرجُون من الْمَسْجِد فَاخْتَبَأَ مِنْهُم استحياء أَنه لم يشْهد الْجُمُعَة وَظن النَّاس قد انصرفوا واختبأوا هم من عمر وظنوا أَنه قد علم بأمرهم فَدخل عمر رضي الله عنه الْمَسْجِد فَإِذا النَّاس لم ينصرفوا
فَقَالَ لَهُ رجل: أبشر يَا عمر فقد فَضَح الله الْمُنَافِقين الْيَوْم فَهَذَا الْعَذَاب الأول وَالْعَذَاب الثَّانِي عَذَاب الْقَبْر
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن عِكْرِمَة رضي الله عنه فِي قَوْله {وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ من الْأَعْرَاب} قَالَ: جُهَيْنَة وَمُزَيْنَة وَأَشْجَع وَأسلم وغفار
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن زيد فِي قَوْله {مَرَدُوا على النِّفَاق} قَالَ: أَقَامُوا عَلَيْهِ لم يتوبوا كَمَا تَابَ آخَرُونَ
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن جريج فِي قَوْله {مَرَدُوا على النِّفَاق} قَالَ: مَاتُوا عَلَيْهِ عبد الله بن أبي وَأَبُو عَامر الراهب وَالْجد بن قيس
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {نَحن نعلمهُمْ} يَقُول: نَحن نعرفهم
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {لَا تعلمهمْ نَحن نعلمهُمْ} قَالَ: فَمَا بَال أَقوام يَتَكَلَّمُونَ على النَّاس يَقُولُونَ: فلَان فِي الْجنَّة وَفُلَان فِي النَّار فَإِذا سَأَلت أحدهم عَن نَفسه قَالَ: لَا أَدْرِي
لعمري لأَنْت بِنَفْسِك أعلم مِنْك بأعمال النَّاس وَلَقَد تكلفت شَيْئا مَا تكلفه نَبِي قَالَ نوح عليه السلام (وَمَا علمي بِمَا كَانُوا يعْملُونَ)(الشُّعَرَاء الْآيَة 112) وَقَالَ شُعَيْب عَلَيْهِ السَّلَام
(وَمَا أَنا عَلَيْكُم بحفيظ)(الْأَنْعَام الْآيَة 104) وَقَالَ الله تَعَالَى لمُحَمد {لَا تعلمهمْ نَحن نعلمهُمْ}
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَيْنِ} قَالَ: بِالْجُوعِ وَالْقَتْل
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن أبي مَالك رضي الله عنه فِي قَوْله {سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَيْنِ} قَالَ: بِالْجُوعِ وَعَذَاب الْقَبْر
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد رضي الله عنه فِي قَوْله {سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَيْنِ} قَالَ: عَذَاب فِي الْقَبْر وَعَذَاب فِي النَّار
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَالْبَيْهَقِيّ فِي (عَذَاب الْقَبْر) عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَيْنِ} قَالَ: عَذَاب فِي الْقَبْر وَعَذَاب فِي النَّار
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الرّبيع رضي الله عنه فِي قَوْله {سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَيْنِ} قَالَ: يبتلون فِي الدُّنْيَا وَعَذَاب الْقَبْر {ثمَّ يردون إِلَى عَذَاب عَظِيم} قَالَ: عَذَاب جَهَنَّم
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن ابْن زيد رضي الله عنه فِي قَوْله {سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَيْنِ} قَالَ: عَذَاب فِي الدُّنْيَا بالأموال وَالْأَوْلَاد وَقَرَأَ (فَلَا تعجبك أَمْوَالهم وَلَا أَوْلَادهم إِنَّمَا يُرِيد الله ليعذبهم بهَا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا)(التَّوْبَة الْآيَة 55) بالمصائب فَهِيَ لَهُم عَذَاب وَهِي للْمُؤْمِنين أجر
قَالَ: وَعَذَاب الْآخِرَة فِي النَّار {ثمَّ يردون إِلَى عَذَاب عَظِيم} النَّار
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه قَالَ: بَلغنِي أَن نَاسا يَقُولُونَ {سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَيْنِ} يَعْنِي الْقَتْل وَبعد الْقَتْل البرزخ والبرزخ مَا بَين الْمَوْت إِلَى الْبَعْث {ثمَّ يردون إِلَى عَذَاب عَظِيم} يَعْنِي عَذَاب جَهَنَّم
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن أبي مَالك رضي الله عنه فِي قَوْله {سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَيْنِ} قَالَ: كَانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم يعذب الْمُنَافِقين يَوْم الْجُمُعَة بِلِسَانِهِ على الْمِنْبَر وَعَذَاب الْقَبْر
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أبي مَسْعُود الْأنْصَارِيّ رضي الله عنه قَالَ: لقد خَطَبنَا النَّبِي صلى الله عليه وسلم خطْبَة مَا شهِدت مثلهَا قطّ فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِن مِنْكُم منافقين فَمن سميته فَليقمْ قُم يَا فلَان قُم يَا فلَان حَتَّى قَامَ سِتَّة وَثَلَاثُونَ رجلا
ثمَّ قَالَ: إِن مِنْكُم
وَإِن مِنْكُم وَإِن مِنْكُم فَسَلُوا الله الْعَافِيَة
فلقي عمر رضي الله عنه رجلا كَانَ بَينه وَبَينه إخاء فَقَالَ: مَا شَأْنك فَقَالَ: أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم خَطَبنَا فَقَالَ كَذَا وَكَذَا
فَقَالَ عمر رضي الله عنه: أبعدك الله سَائِر الْيَوْم
الْآيَة 102
أخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا} قَالَ كَانُوا عشرَة رَهْط تخلفوا عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَة تَبُوك فَلَمَّا حضر رُجُوع رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أوثق سَبْعَة مِنْهُم أنفسهم بِسوَارِي الْمَسْجِد وَكَانَ ممر النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِذا رَجَعَ فِي الْمَسْجِد عَلَيْهِم فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ: من هَؤُلَاءِ الْمُوثقُونَ أنفسهم قَالُوا: هَذَا أَبُو لبَابَة وَأَصْحَاب لَهُ تخلفوا عَنْك يَا رَسُول الله أوثقُوا أنفسهم وحلفوا أَنهم لَا يُطْلِقهُمْ أحد حَتَّى يُطْلِقهُمْ النَّبِي صلى الله عليه وسلم ويعذرهم
قَالَ: وَأَنا أقسم بِاللَّه لَا أطلقهُم وَلَا أَعْذرهُم حَتَّى يكون الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُطْلِقهُمْ رَغِبُوا عني وتخلفوا عَن الْغَزْو مَعَ الْمُسلمين فَلَمَّا بَلغهُمْ ذَلِك قَالُوا: وَنحن لَا نطلق أَنْفُسنَا حَتَّى يكون الله هُوَ الَّذِي يطلقنا
فَأنْزل الله عز وجل {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا عَسى الله أَن يَتُوب عَلَيْهِم} وَعَسَى من الله وَإنَّهُ هُوَ التوّاب الرَّحِيم فَلَمَّا نزلت أرسل إِلَيْهِم النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَأَطْلَقَهُمْ وَعذرهمْ فجاؤوا بِأَمْوَالِهِمْ فَقَالُوا: يَا رَسُول الله هَذِه أَمْوَالنَا فَتصدق بهَا عَنَّا واستغفر لنا
قَالَ: مَا أمرت أَن آخذ أَمْوَالكُم
فَأنْزل الله عز وجل {خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ وتزكيهم بهَا وصل عَلَيْهِم} يَقُول: اسْتغْفر لَهُم إِن {صَلَاتك سكن لَهُم} يَقُول: رَحْمَة لَهُم فَأخذ مِنْهُم الصَّدَقَة واستغفر لَهُم وَكَانَ ثَلَاثَة نفر مِنْهُم لم يُوثقُوا أنفسهم بِالسَّوَارِي فأرجئوا سنة لَا يَدْرُونَ أيعذبون أَو يُتَاب عَلَيْهِم فَأنْزل الله عز وجل (لقد تَابَ الله على النَّبِي والمهاجرين وَالْأَنْصَار الَّذين اتَّبعُوهُ فِي سَاعَة الْعسرَة)(التَّوْبَة الْآيَة 117) إِلَى آخر الْآيَة (وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين
خلفوا) (التَّوْبَة الْآيَة 118) إِلَى (ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم ليتوبوا إِن الله هُوَ التواب الرَّحِيم) يَعْنِي إِن استقاموا
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك رضي الله عنه
مثله سَوَاء
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن مُجَاهِد فِي قَوْله {فَاعْتَرفُوا بذنبهم} قَالَ: هُوَ أَبُو لبَابَة إِذْ قَالَ لقريظة مَا قَالَ وَأَشَارَ إِلَى حلقه بِأَن مُحَمَّد يذبحكم إِن نزلتم على حكمه
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن سعيد بن الْمسيب
أَن بني قُرَيْظَة كَانُوا حلفاء لأبي لبَابَة فَاطَّلَعُوا إِلَيْهِ وَهُوَ يَدعُوهُم إِلَى حكم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: يَا أَبَا لبَابَة أَتَأْمُرُنَا أَن ننزل فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حلقه أَنه الذّبْح فَأخْبر عَنهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أحسبت أَن الله غفل عَن يدك حِين تُشِير إِلَيْهِم بهَا إِلَى حلقك فَلبث حينا حَتَّى غزا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم تَبُوك - وَهِي غَزْوَة الْعسرَة - فَتخلف عَنهُ أَبُو لبَابَة فِيمَن تخلف فَلَمَّا قفل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مِنْهَا جَاءَهُ أَبُو لبَابَة يسلم عَلَيْهِ فَأَعْرض عَنهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَفَزعَ أَبُو لبَابَة فَارْتَبَطَ بِسَارِيَة التَّوْبَة الَّتِي عِنْد بَاب أم سَلمَة سبعا بَين يَوْم وَلَيْلَة فِي حر شَدِيد لَا يَأْكُل فِيهِنَّ وَلَا يشرب قَطْرَة قَالَ: لَا يزَال هَذَا مَكَاني حَتَّى أُفَارِق الدُّنْيَا أَو يَتُوب الله عليَّ
فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى مَا يسمع الصَّوْت من الْجهد وَرَسُول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إِلَيْهِ بكرَة وَعَشِيَّة ثمَّ تَابَ الله عَلَيْهِ فَنُوديَ أَن الله قد تَابَ عَلَيْك فَأرْسل إِلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ليطلق عَنهُ رباطه فَأبى أَن يُطلقهُ أحد إِلَّا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَجَاءَهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَأَطْلقهُ عَنهُ بِيَدِهِ فَقَالَ أَبُو لبَابَة حِين أَفَاق: يَا رَسُول الله إِنِّي أَهجر دَار قومِي الَّتِي أصبت فِيهَا الذَّنب وانتقل إِلَيْك فأساكنك وَإِنِّي أختلع من مَالِي صَدَقَة إِلَى الله وَرَسُوله صلى الله عليه وسلم
فَقَالَ: يَجْزِي عَنْك الثُّلُث
فَهجر أَبُو لبَابَة دَار قومه وَسَاكن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَتصدق بِثلث مَاله ثمَّ تَابَ فَلم ير مِنْهُ فِي الإِسلام بعد ذَلِك إِلَّا خيرا حَتَّى فَارق الدُّنْيَا
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ إِن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم غزا غَزْوَة تَبُوك فَتخلف أَبُو لبَابَة ورجلان مَعَه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم ثمَّ إِن أَبَا لبَابَة وَرجلَيْنِ مَعَه تَفَكَّرُوا وندموا وأيقنوا بالهلكة وَقَالُوا: نَحن فِي الظل والطمأنينة مَعَ النِّسَاء وَرَسُول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون مَعَه فِي الْجِهَاد وَالله لنوثقن أَنْفُسنَا بِالسَّوَارِي فَلَا نطلقها حَتَّى يكون رَسُول الله صلى الله عليه وسلم هُوَ الَّذِي يطلقنا ويعذرنا فَانْطَلق أَبُو لبَابَة فأوثق
نَفسه ورجلان مَعَه بِسوَارِي الْمَسْجِد وَبَقِي ثَلَاثَة لم يُوثقُوا أنفسهم فَرجع رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته وَكَانَ طَرِيقه فِي الْمَسْجِد فَمر عَلَيْهِم فَقَالَ: من هَؤُلَاءِ الْمُوثقُونَ أنفسهم بِالسَّوَارِي فَقَالَ رجل: هَذَا أَبُو لبَابَة وصاحبان لَهُ تخلفوا عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فعاهدوا الله لَا يطلقون أنفسهم حَتَّى تكون الَّذِي أَنْت تُطْلِقهُمْ وترضى عَنْهُم وَقد اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: وَالله لَا أطلقهُم حَتَّى أُؤْمَر بإطلاقهم وَلَا أَعْذرهُم حَتَّى يكون الله يعذرهم وَقد تخلفوا وَرَغبُوا عَن الْمُسلمين بِأَنْفسِهِم وجهادهم فَأنْزل الله تَعَالَى {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} الْآيَة
وَعَسَى من الله وَاجِب فَلَمَّا نزلت الْآيَة أطلقهُم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَعذرهمْ فَانْطَلق أَبُو لبَابَة وصاحباه بِأَمْوَالِهِمْ فَأتوا بهَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: خُذ من أَمْوَالنَا فَتصدق بهَا عَنَّا وصل علينا
يَقُولُونَ: اسْتغْفر لنا وَطَهِّرْنَا
فَقَالَ: لَا آخذ مِنْهَا شَيْئا حَتَّى أُؤمر بِهِ
فَأنْزل الله خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة
الْآيَة
قَالَ: وَبَقِي الثَّلَاثَة الَّذين خالفوا أَبَا لبَابَة وَلم يتوبوا وَلم يذكرُوا بِشَيْء وَلم ينزل عذرهمْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ وهم الَّذين قَالَ الله {وَآخَرُونَ مرجون لأمر الله} (التَّوْبَة الْآيَة 106) الْآيَة
فَجعل النَّاس يَقُولُونَ: هَلَكُوا إِذا لم ينزل لَهُم عذر وَجعل آخَرُونَ يَقُولُونَ: عَسى الله أَن يَتُوب عَلَيْهِم
فصاروا مرجئين لأمر الله حَتَّى نزلت (لقد تَابَ الله على النَّبِي)(التَّوْبَة الْآيَة 117) إِلَى قَوْله (وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا)(التَّوْبَة الْآيَة 118) يَعْنِي المرجئين لأمر الله نزلت عَلَيْهِم التَّوْبَة فعملوا بهَا
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن زيد فِي قَوْله {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} قَالَ: هم الثَّمَانِية الَّذين ربطوا أنفسهم بِالسَّوَارِي مِنْهُم كردم ومرداس وَأَبُو لبَابَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة فِي قَوْله {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا} قَالَ: ذكر لنا أَنهم كَانُوا سَبْعَة رَهْط تخلفوا عَن غَزْوَة تَبُوك مِنْهُم أَرْبَعَة خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا: جد بن قيس وَأَبُو لبَابَة وَحرَام وَأَوْس كلهم من الْأَنْصَار تيب عَلَيْهِم وهم الَّذين قيل {خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة}
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ فِي قَوْله {خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا} قَالَ: غزوهم مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم {وَآخر سَيِّئًا} قَالَ تخلفهم عَنهُ
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي التَّوْبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ قَالَ: مَا فِي الْقُرْآن آيَة أَرْجَى عِنْدِي لهَذِهِ الْأمة من قَوْله {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا} الْآيَة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ وَالْبَيْهَقِيّ عَن مطرف قَالَ: إِنِّي لاستلقي من اللَّيْل على فِرَاشِي وأتدبر الْقُرْآن فَأَعْرض أعمالي على أَعمال أهل الْجنَّة فَإِذا أَعْمَالهم شَدِيدَة (كَانُوا قَلِيلا من اللَّيْل مَا يهجعون)(الذاريات الْآيَة 17)
(يبيتُونَ لرَبهم سجدا وقياماً)(الْفرْقَان الْآيَة 64)
(أَمن هُوَ قَانِت آنَاء اللَّيْل سَاجِدا وَقَائِمًا)(الزمر الْآيَة 9) فَلَا أَرَانِي مِنْهُم
فَأَعْرض نَفسِي على هَذِه الْآيَة (مَا سلككم فِي سقر)(قَالُوا لم نك من الْمُصَلِّين)(المدثر الْآيَة 42 - 46) إِلَى قَوْله (نكذب بِيَوْم الدّين) فَأرى الْقَوْم مكذبين فَلَا أَرَانِي مِنْهُم فَأمر بِهَذِهِ الْآيَة {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا} فأرجو أَن أكون أَنا وَأَنْتُم يَا اخوتاه مِنْهُم
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ وَابْن مَنْدَه وَأَبُو نعيم فِي الْمعرفَة وَابْن عَسَاكِر بِسَنَد قوي عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: كَانَ مِمَّن تخلف عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَة تَبُوك سِتَّة: أَبُو لبَابَة وَأَوْس بن جذام وثعلبة بن وَدِيعَة وَكَعب بن مَالك ومرارة بن الرّبيع وهلال بن أُميَّة
فجَاء أَبُو لبَابَة وَأَوْس بن جذام وثعلبة فربطوا أنفسهم بِالسَّوَارِي وجاؤوا بِأَمْوَالِهِمْ فَقَالُوا: يَا رَسُول الله خُذ هَذَا الَّذِي حبسنا عَنْك
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَا أحلّهُم حَتَّى يكون قتال
فَنزل الْقرَان {خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا} الْآيَة
وَكَانَ مِمَّن أرجئ عَن التَّوْبَة وَخلف كَعْب بن مَالك ومرارة بن الرّبيع وهلال بن أُميَّة
فأرجئوا أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَخَرجُوا وضربوا فساطيطهم واعتزلوهم نِسَاؤُهُم وَلم يَتَوَلَّهُمْ الْمُسلمُونَ وَلم يقربُوا مِنْهُم فَنزل فيهم (وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا)(التَّوْبَة الْآيَة 118) إِلَى قَوْله (التواب الرَّحِيم) فَبعثت أم سَلمَة إِلَى كَعْب فبشرته
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن شَوْذَب قَالَ: قَالَ الْأَحْنَف بن قيس: عرضت نَفسِي على الْقُرْآن فَلم أجدني بِآيَة أشبه مني بِهَذِهِ الْآيَة {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا} الْآيَة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن مَالك بن دِينَار قَالَ: سَأَلت الْحسن عَن قَول الله {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا} فَقَالَ: يَا مَالك تَابُوا عَسى الله أَن يَتُوب عَلَيْهِم وَعَسَى من الله وَاجِبَة
وَأخرج البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن سَمُرَة بن جُنْدُب قَالَ كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مِمَّن يكثر أَن يَقُول لأَصْحَابه: هَل رأى أحد مِنْكُم رُؤْيا وَإنَّهُ قَالَ لنا ذَات غَدَاة: إِنَّه أَتَانِي اللَّيْلَة آتيان فَقَالَا لي: انْطلق
فَانْطَلَقت مَعَهُمَا فاخرجاني إِلَى الأَرْض المقدسة فأتينا على رجل مُضْطَجع وَإِذا آخر قَائِم عَلَيْهِ بصخرة وَإِذا هُوَ يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رَأسه فيتدهده الْحجر هَهُنَا فَيتبع الْحجر فَيَأْخذهُ فَلَا يرجع إِلَيْهِ حَتَّى يَصح رَأسه كَمَا كَانَ ثمَّ يعود إِلَيْهِ فيفعل بِهِ مثل مَا فعل فِي الْمرة الأولى
قلت لَهما: سُبْحَانَ الله مَا هَذَانِ
قَالَا لي: انْطلق
فَانْطَلَقْنَا فأتينا على رجل مستلق لقفاه وَآخر قَائِم عَلَيْهِ بكلوب من حَدِيد وَإِذا هُوَ يَأْتِي أحد شقي وَجهه فيشرشر شدقه إِلَى قَفاهُ ومنخره إِلَى قَفاهُ وعينه إِلَى قَفاهُ ثمَّ يتحوّل إِلَى الْجَانِب الآخر فيفعل بِهِ مثل مَا فعل بالجانب الأول فَمَا يفرغ من ذَلِك الْجَانِب حَتَّى يصبح ذَلِك الْجَانِب كَمَا كَانَ ثمَّ يعود عَلَيْهِ فيفعل مثل مَا فعل فِي الْمرة الأولى
قلت: سُبْحَانَ الله مَا هَذَانِ
قَالَا لي: انْطلق
فَانْطَلَقْنَا فأتينا على مثل التَّنور فَإِذا فِيهِ لغط وأصوات فاطلعنا فِيهِ فَإِذا فِيهِ رجال وَنسَاء عُرَاة فَإِذا هم يَأْتِيهم لَهب من أَسْفَل مِنْهُم فَإِذا أَتَاهُم ذَلِك اللهب ضوضوا قلت: مَا هَؤُلَاءِ
فَقَالَا لي: انْطلق
فَانْطَلَقْنَا فأتينا على نهر أَحْمَر مثل الدَّم وَإِذا فِي النَّهر رجل سابح يسبح وَإِذا على شاطئ النَّهر رجل عِنْده حِجَارَة كَثِيرَة وَإِذا ذَلِك السابح يسبح مَا يسبح ثمَّ يَأْتِي الَّذِي قد جمع عِنْده الْحِجَارَة فيفغر لَهُ فَاه فيلقمه حجر فَينْطَلق فيسبح ثمَّ يرجع إِلَيْهِ كلما رَجَعَ فغر لَهُ فَاه فألقمه حجرا
قلت لَهما: مَا هَذَانِ
قَالَا لي: انْطلق
فَانْطَلَقْنَا فأتينا على رجل كريه الْمرْآة كأكره مَا أَنْت رَاء وَإِذا هُوَ عِنْده نَار يحشها وَيسْعَى حولهَا
قلت لَهما: مَا هَذَا
قَالَا لي: انْطلق
فَانْطَلَقْنَا فأتينا على رَوْضَة معتمة فِيهَا من كل نور الرّبيع وَإِذا بَين ظَهْري الرَّوْضَة رجل طَوِيل لَا أكاد أرى رَأسه طولا فِي السَّمَاء وَإِذا حول الرجل من أَكثر ولدان رَأَيْتهمْ قطّ
قَالَا لي: انْطلق
فَانْطَلَقْنَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَة عَظِيمَة لم أر قطّ رَوْضَة
أعظم مِنْهَا وَلَا أحسن
قَالَا لي: ارق فِيهَا
فارتقينا فِيهَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَة مَبْنِيَّة بِلَبن ذهب وَلبن فضَّة فأتينا بَاب الْمَدِينَة فاستفتحنا فَفتح لنا فدخلناها فتلقانا فِيهَا رجال شطر من خلقهمْ كأحسن مَا أَنْت رَاء وَشطر كأقبح مَا أَنْت رَاء
قَالَا لَهُم: اذْهَبُوا فقعوا فِي ذَلِك النَّهر
فَإِذا نهر معترض يجْرِي كَأَن مَاءَهُ المخض فِي الْبيَاض فَذَهَبُوا فوقعوا فِيهِ ثمَّ رجعُوا إِلَيْنَا فَذهب السوء عَنْهُم فصاروا فِي أحسن صُورَة
قَالَا لي: هَذِه جنَّة عدن وهذاك مَنْزِلك فسما بَصرِي صعداً فَإِذا قصر مثل الربابة الْبَيْضَاء قَالَا لي: هَذَا مَنْزِلك
قلت لَهما: بَارك الله فيكما ذراني فَأدْخلهُ
قَالَا: أما الْآن فَلَا وَأَنت دَاخله
قلت لَهما: فَإِنِّي رَأَيْت مُنْذُ اللَّيْلَة عجبا فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْت قَالَا لي: أما الرجل الأول الَّذِي أتيت عَلَيْهِ يثلغ رَأسه بِالْحجرِ فَإِنَّهُ الرجل يَأْخُذ الْقُرْآن فيرفضه وينام عَن الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة يفعل بِهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَأما الرجل الَّذِي أتيت عَلَيْهِ يشرشر شدقه إِلَى قَفاهُ ومنخراه إِلَى قَفاهُ وعينه إِلَى قَفاهُ فَإِنَّهُ الرجل يَغْدُو من بَيته فيكذب الكذبة تبلغ الْآفَاق فيصنع بِهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَأما الرِّجَال وَالنِّسَاء العراة الَّذين فِي مثل التَّنور فَإِنَّهُم الزناة والزواني
وَأما الرجل الَّذِي أتيت عَلَيْهِ يسبح فِي النَّهر ويلقم الْحِجَارَة فَإِنَّهُ آكل الرِّبَا
وَأما الرجل الكريه الْمرْآة الَّذِي عِنْده النَّار يحشها فَإِنَّهُ مَالك خَازِن النَّار
وَأما الرجل الطَّوِيل الَّذِي فِي الرَّوْضَة فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيم عليه السلام
وَأما الْولدَان الَّذين حوله فَكل مَوْلُود مَاتَ على الْفطْرَة
وَأما الْقَوْم الَّذين كَانُوا شطر مِنْهُم حسن وَشطر مِنْهُم قَبِيح فَإِنَّهُم قوم خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا تجَاوز الله عَنْهُم وَأَنا جِبْرِيل وَهَذَا مِيكَائِيل
وَأخرج الْخَطِيب فِي تَارِيخه عَن أبي مُوسَى أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: رَأَيْت رجَالًا تقْرض جُلُودهمْ بمقاريض من نَار
قلت: مَا هَؤُلَاءِ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذين يتزينون إِلَى مَا لَا يحل لَهُم
وَرَأَيْت خباء خَبِيث الرّيح وَفِيه صباح
قلت: مَا هَذَا قَالَ: هن نسَاء يتزين إِلَى مَا لَا يحل لَهُنَّ
وَرَأَيْت قوما اغتسلوا من مَاء الجناة
قلت: مَا هَؤُلَاءِ قَالَ: هم قوم خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا
وَأخرج ابْن سعد عَن الْأسود بن قيس الْعَبْدي قَالَ: لَقِي الْحسن بن عَليّ يَوْمًا حبيب بن مسلمة فَقَالَ: يَا حبيب رب ميسر لَك فِي غير طَاعَة الله
فَقَالَ: أما ميسري إِلَى أَبِيك فَلَيْسَ من ذَلِك قَالَ: بلَى وَلَكِنَّك أَطَعْت مُعَاوِيَة على دنيا قَليلَة
زائلة فلئن قَامَ بك فِي دنياك لقد قعد بك فِي دينك وَلَو كنت إِذْ فعلت شرا قلت خيرا كَانَ ذَلِك كَمَا قَالَ الله {خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا} وَلَكِنَّك كَمَا قَالَ الله (كلا بل ران على قُلُوبهم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(المطففين الْآيَة 14)
الْآيَة 103
أخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الضَّحَّاك فِي قَوْله {خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ وتزكيهم بهَا} قَالَ: من ذنوبهم الَّتِي أَصَابُوا
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {وصل عَلَيْهِم} قَالَ: اسْتغْفر لَهُم من ذنوبهم الَّتِي أصابوها {إِن صَلَاتك سكن لَهُم} قَالَ: رَحْمَة لَهُم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ فِي قَوْله {وصل عَلَيْهِم} يَقُول: ادْع لَهُم {إِن صَلَاتك سكن لَهُم} قَالَ: استغفارك يسكن قُلُوبهم ويطمن لَهُم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه عَن عبد الله بن أبي أوفى قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذا أَتَى بِصَدقَة قَالَ: اللهمَّ صل على آل فلَان
فَأَتَاهُ أبي بِصَدقَة فَقَالَ: اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفي
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {سكن لَهُم} قَالَ: أَمن لَهُم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: أَتَانَا النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَت لَهُ امْرَأَتي: يَا رَسُول الله صل عَليّ وعَلى زَوجي
فَقَالَ صلى الله عَلَيْك وعَلى زَوجك
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن خَارِجَة بن زيد عَن عَمه يزِيد بن ثَابت - وَكَانَ أكبر من زيد - قَالَ: خرجنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا وردنا البقيع إِذا هُوَ بِقَبْر جَدِيد فَسَأَلَ عَنهُ فَقَالُوا: فُلَانَة
فعرفها فَقَالَ أَفلا آذنتموني بهَا قَالُوا: كنت قَائِلا
فكرهنا أَن نؤذيك
فَقَالَ: لَا تَفعلُوا
مَا مَاتَ مِنْكُم ميت مَا دمت بَين أظْهركُم إِلَّا آذنتموني بِهِ فَإِن صَلَاتي عَلَيْهِ رَحْمَة
وَأخرج الباوردي فِي معرفَة الصَّحَابَة وَابْن مرْدَوَيْه عَن دلسم السدُوسِي قَالَ: قُلْنَا لبشير بن الخصاصية: إِن أَصْحَاب الصَّدَقَة يعتدون علينا أفنكنتم من أَمْوَالنَا بِقدر مَا يعتدون علينا فَقَالَ: إِذا جاؤوكم فاجمعوها ثمَّ مُرُوهُمْ فليصلوا عَلَيْكُم ثمَّ تَلا هَذِه الْآيَة {خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ وتزكيهم بهَا وصل عَلَيْهِم}
الْآيَة 104
أخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن زيد قَالَ: قَالَ الْآخرُونَ: هَؤُلَاءِ كَانُوا مَعنا بالْأَمْس لَا يكلمون وَلَا يجالسون فَمَا لَهُم فَأنْزل الله {ألم يعلمُوا أَن الله هُوَ يقبل التَّوْبَة عَن عباده} الْآيَة
وَأخرج عبد الرَّزَّاق والحكيم التِّرْمِذِيّ فِي نَوَادِر الْأُصُول وَابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: مَا تصدق رجل بِصَدقَة إِلَّا وَقعت فِي يَد الله قبل أَن تقع فِي يَد السَّائِل
قَالَ: وَهُوَ يَضَعهَا فِي يَد السَّائِل ثمَّ قَرَأَ {ألم يعلمُوا أَن الله هُوَ يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَأْخُذ الصَّدقَات}
وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن أبي هُرَيْرَة فِي قَوْله {وَيَأْخُذ الصَّدقَات} قَالَ: إِن الله هُوَ يقبل الصَّدَقَة إِذا كَانَت من طيب ويأخذها بِيَمِينِهِ وَإِن الرجل ليصدق بِمثل اللُّقْمَة فيربيها بِهِ كَمَا يُربي أحدكُم فَصِيله أَو مهره فتربوا فِي كف الله حَتَّى تكون مثل أحد
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا من عبد يتَصَدَّق بِصَدقَة طيبَة من كسب طيب - وَلَا يقبل الله إِلَّا طيبا وَلَا يصعد إِلَى السَّمَاء إِلَّا طيب - فَيَضَعهَا فِي حق إِلَّا كَانَت كَأَنَّمَا يَضَعهَا فِي يَد الرَّحْمَن فيربيها لَهُ كَمَا يُربي أحدكُم فلوه أَو فَصِيله حَتَّى أَن اللُّقْمَة أَو التمرة لتأتي يَوْم الْقِيَامَة مثل الْجَبَل الْعَظِيم وتصديق ذَلِك فِي كتاب الله الْعَظِيم {ألم يعلمُوا أَن الله هُوَ يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَأْخُذ الصَّدقَات}
وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْأَفْرَاد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم تصدقوا فَإِن أحدكُم يُعْطي اللُّقْمَة أَو الشَّيْء فَتَقَع فِي يَد الله عز وجل قبل أَن تقع فِي يَد السَّائِل ثمَّ تَلا هَذِه الْآيَة {ألم يعلمُوا أَن الله هُوَ يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَأْخُذ الصَّدقَات} فيربيها كَمَا يُربي أحدكُم مهره أَو فَصِيله فيوفيها إِيَّاه يَوْم الْقِيَامَة
الْآيَة 105
أخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد فِي قَوْله {وَقل اعْمَلُوا فسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله} قَالَ: هَذَا وَعِيد من الله عز وجل
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَرَأَ {فسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله والمؤمنون}
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع قَالَ: مرَّ بِجنَازَة فَأثْنى عَلَيْهَا فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَجَبت
ثمَّ مر بِجنَازَة أُخْرَى فَأثْنى عَلَيْهَا فَقَالَ: وَجَبت
فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ: إِن الْمَلَائِكَة شُهَدَاء الله فِي السَّمَاء وَأَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض فَمَا شهدتم عَلَيْهِ من شَيْء وَجب وَذَلِكَ قَول الله {وَقل اعْمَلُوا فسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله والمؤمنون}
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عَائِشَة قَالَت: مَا احتقرت أَعمال أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى نجم الْقُرَّاء الَّذين طعنوا على عُثْمَان فَقَالُوا قولا لَا نحسن مثله وقرأوا قِرَاءَة لَا نَقْرَأ مثلهَا وصلوا صَلَاة لَا نصلي مثلهَا فَلَمَّا تذكرت إِذن وَالله مَا يقاربون عمل أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَإِذا أعْجبك حسن قَول إمرئ مِنْهُم {وَقل اعْمَلُوا فسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله والمؤمنون} وَلَا يستخفنك أحد
وَأخرج أَحْمد وَأَبُو يعلى وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي الإِخلاص والضياء فِي المختارة عَن أبيّ سعيد عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ لَو أَن أحدكُم يعْمل فِي صَخْرَة صماء لَيْسَ لَهَا بَاب وَلَا كوَّة لأخرج الله عمله للنَّاس كَائِنا مَا كَانَ وَالله أعلم
الْآيَة 106
أخرج ابْن الْمُنْذر عَن عِكْرِمَة فِي قَوْله {وَآخَرُونَ مرجون لأمر الله} قَالَ: هم الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد فِي قَوْله {وَآخَرُونَ مرجون} قَالَ: هِلَال بن أُميَّة ومرارة بن الرّبيع وَكَعب بن مَالك من الْأَوْس والخزرج
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن مُحَمَّد بن كَعْب
أَن أَبَا لبَابَة أَشَارَ إِلَى بني قُرَيْظَة باصبعه أَنه الذّبْح فَقَالَ: خُنْت الله وَرَسُوله
فَنزلت (لَا تخونوا الله وَالرَّسُول)(الْأَنْفَال الْآيَة 27) وَنزلت {وَآخَرُونَ مرجون لأمر الله} فَكَانَ مِمَّن تَابَ الله عَلَيْهِ
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ فِي قَوْله {إِمَّا يعذبهم} يَقُول: يميتهم على مَعْصِيّة {وَإِمَّا يَتُوب عَلَيْهِم} فأرجأ أَمرهم ثمَّ نسخهَا فَقَالَ (وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا)(التَّوْبَة الْآيَة 118)
الْآيَة 107
أخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {وَالَّذين اتَّخذُوا مَسْجِدا ضِرَارًا} قَالَ: هم أنَاس من الْأَنْصَار ابْتَنَوْا مَسْجِدا فَقَالَ لَهُم أَبُو عَامر: ابْنُوا مَسْجِدكُمْ وَاسْتَمَدُّوا بِمَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَسلَاح فَإِنِّي ذَاهِب إِلَى قَيْصر ملك الرّوم فَآتي بجنده من الرّوم فَأخْرج مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه
فَلَمَّا فرغوا من مَسْجِدهمْ أَتَوا النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: قد فَرغْنَا من بِنَاء مَسْجِدنَا فَنحب أَن تصلي فِيهِ وَتَدْعُو بِالْبركَةِ
فَأنْزل الله {لَا تقم فِيهِ أبدا}
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: لما بنى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَسْجِد قبَاء خرج رجال من الْأَنْصَار مِنْهُم يخدج جد عبد الله بن حنيف ووديعة بن حزَام وَمجمع بن جَارِيَة الْأنْصَارِيّ فبنوا مَسْجِد النِّفَاق فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ليخدج وَيلك يَا يخدج
مَا أردْت إِلَى مَا أرى قَالَ: يَا رَسُول الله وَالله مَا أردْت إِلَّا الْحسنى - وَهُوَ كَاذِب - فَصدقهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَأَرَادَ أَن يعذرهُ فَأنْزل الله {وَالَّذين اتَّخذُوا مَسْجِدا ضِرَارًا وَكفرا وَتَفْرِيقًا بَين الْمُؤمنِينَ وَإِرْصَادًا لمن حَارب الله وَرَسُوله} يَعْنِي رجلا يُقَال لَهُ أَبُو عَامر كَانَ مُحَاربًا لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَكَانَ قد انْطلق إِلَى هِرقل وَكَانُوا يرصدون إِذا قدم أَبُو عَامر أَن يُصَلِّي فِيهِ وَكَانَ قد خرج من الْمَدِينَة مُحَاربًا لله وَلِرَسُولِهِ
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن سعيد بن جُبَير قَالَ ذكر أَن بني عَمْرو بن عَوْف ابْتَنَوْا مَسْجِدا فبعثوا إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَن يَأْتِيهم فَيصَلي فِي مَسْجِدهمْ فَأَتَاهُم فصلى فِيهِ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك اخوتهم بَنو غنم بن عَوْف حسدوهم فَقَالُوا: نَبْنِي نَحن أَيْضا مَسْجِدا كَمَا بنى اخواننا فنرسل إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَيصَلي فِيهِ وَلَعَلَّ أَبَا عَامر أَن يمر بِنَا فَيصَلي فِيهِ فبنوا مَسْجِدا فأرسلوا إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَن يَأْتِيهم فَيصَلي فِي مَسْجِدهمْ كَمَا صلى فِي مَسْجِد اخوتهم فَلَمَّا جَاءَ الرَّسُول قَامَ ليأتيهم أَو همَّ ليأتيهم فَأنْزل الله {وَالَّذين اتَّخذُوا مَسْجِدا ضِرَارًا} إِلَى قَوْله {لَا يزَال بنيانهم الَّذِي بنوا رِيبَة فِي قُلُوبهم} إِلَى آخر الْآيَة
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد فِي قَوْله {وَالَّذين اتَّخذُوا مَسْجِدا} قَالَ: المُنَافِقُونَ
وَفِي قَوْله {وَإِرْصَادًا لمن حَارب الله وَرَسُوله} قَالَ: لأبي عَامر الراهب
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة فِي قَوْله {وَالَّذين اتَّخذُوا مَسْجِدا ضِرَارًا} قَالَ: إِن نَبِي الله صلى الله عليه وسلم بنى مَسْجِدا بقباء فعارضه المُنَافِقُونَ بآخر ثمَّ بعثوا إِلَيْهِ ليُصَلِّي فِيهِ فَأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذَلِك
وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: دَعَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَالك بن الدخشم فَقَالَ: مَالك لعاصم انظرني حَتَّى أخرج إِلَيْك بِنَار من أَهلِي فَدخل على أَهله فَأخذ سعفات من نَار ثمَّ خَرجُوا يَشْتَدُّونَ حَتَّى دخلُوا الْمَسْجِد وَفِيه أَهله فحرقوه وهدموه وَخرج أَهله فَتَفَرَّقُوا عَنهُ فَأنْزل الله فِي شَأْن الْمَسْجِد {وَالَّذين اتَّخذُوا مَسْجِدا ضِرَارًا وَكفرا} إِلَى قَوْله {عليم حَكِيم}
وَأخرج ابْن إِسْحَق وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي رهم كُلْثُوم بن الْحصين الْغِفَارِيّ - وَكَانَ من الصَّحَابَة الَّذين بَايعُوا تَحت الشَّجَرَة - قَالَ أقبل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى نزل بِذِي أَوَان بَينه وَبَين الْمَدِينَة سَاعَة من نَهَار وَكَانَ بنى مَسْجِد الضرار فَأتوهُ وَهُوَ يتجهز إِلَى تَبُوك فَقَالُوا: يَا رَسُول الله إِنَّا بنينَا مَسْجِدا لذِي الْعلَّة وَالْحَاجة وَاللَّيْلَة الشَّاتِيَة وَاللَّيْلَة الْمَطِيرَة وَإِنَّا نحب أَن تَأْتِينَا فَتُصَلِّي لنا فِيهِ
قَالَ: إِنِّي على جنَاح سفر وَلَو قدمنَا إِن شَاءَ الله أَتَيْنَاكُم فصلينا لكم فِيهِ فَلَمَّا نزل بِذِي أَوَان أَتَاهُ خبر الْمَسْجِد فَدَعَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَالك بن الدخشم أَخا بني سَالم بن عَوْف ومعن بن عدي وأخاه عَاصِم بن عدي أحد بلعجلان فَقَالَ: انْطَلقَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِد الظَّالِم أَهله فَاهْدِمَاهُ واحرقاه فَخَرَجَا سريعين حَتَّى أَتَيَا بني سَالم بن عَوْف وهم هط مَالك بن الدخشم فَقَالَ مَالك لِمَعْنٍ: أَنْظرنِي حَتَّى أخرج إِلَيْك
فَدخل إِلَى أَهله فَأخذ سَعَفًا من النّخل فاشعل فِيهِ نَارا ثمَّ خرج يَشْتَدَّانِ وَفِيه أَهله فَحَرقَاهُ وَهَدَمَاهُ وَتَفَرَّقُوا عَنهُ وَفِيهِمْ نزل من الْقُرْآن مَا نزل {وَالَّذين اتَّخذُوا مَسْجِدا ضِرَارًا وَكفرا} إِلَى أخر الْقِصَّة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الضَّحَّاك فِي قَوْله {وَالَّذين اتَّخذُوا مَسْجِدا} قَالَ: هم نَاس من الْأَنْصَار ابْتَنَوْا مَسْجِدا قَرِيبا من مَسْجِد قبَاء بلغنَا أَنه أول مَسْجِد بُنيَ فِي الإِسلام
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن اسحق قَالَ: كَانَ الَّذين بنوا مَسْجِد الضرار اثْنَي عشر رجلا
جذام بن خَالِد بن عبيد بن زيد وثعلبة بن حَاطِب وهزال بن أُميَّة ومعتب بن قُشَيْر وَأَبُو حَبِيبَة بن الأزعر وَعباد بن حنيف وَجَارِيَة بن عَامر وَأَبْنَاء محمع وَزيد ونبتل بن الْحَارِث ويخدج بن عُثْمَان ووديعة بن ثَابت
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ فِي قَوْله {وَالَّذين اتَّخذُوا مَسْجِدا ضِرَارًا} قَالَ: ضاروا أهل قبَاء {وَتَفْرِيقًا بَين الْمُؤمنِينَ} قَالَ: فَإِن أهل قبَاء كَانُوا يصلونَ فِي مَسْجِد قبَاء كلهم فَلَمَّا بني ذَلِك أقصر من مَسْجِد قبَاء من كَانَ يحضرهُ وصلوا فِيهِ {وَلَيَحْلِفُنَّ إِن أردنَا إِلَّا الْحسنى} فَحَلَفُوا مَا أرداوا بِهِ إِلَّا الْخَيْر
أما قَوْله تَعَالَى: {لمَسْجِد أسس على التَّقْوَى من أول يَوْم أَحَق أَن تقوم فِيهِ}
أخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو يعلى وَابْن جرير وَابْن
الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَأَبُو الشَّيْخ وَالْحَاكِم وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: اخْتلف رجلَانِ رجل من بني خدرة وَفِي لفظ: تماريت أَنا وَرجل من بني عَمْرو بن عَوْف فِي الْمَسْجِد الَّذِي أسس على التَّقْوَى
فَقَالَ الْخُدْرِيّ: هُوَ مَسْجِد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم
وَقَالَ الْعمريّ: هُوَ مَسْجِد قبَاء
فَأتيَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَاهُ عَن ذَلِك فَقَالَ هُوَ هَذَا الْمَسْجِد لمَسْجِد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: فِي ذَلِك خير كثير يَعْنِي مَسْجِد قبَاء
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد وَعبد بن حميد وَالزُّبَيْر بن بكار فِي أَخْبَار الْمَدِينَة وَأَبُو يعلى وَابْن حبَان وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم فِي الكنى وَابْن مرْدَوَيْه عَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ قَالَ: اخْتلف رجلَانِ على عهد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي الْمَسْجِد الَّذِي أسس على التَّقْوَى
فَقَالَ أَحدهمَا: هُوَ مَسْجِد الرَّسُول صلى الله عليه وسلم
وَقَالَ الآخر: هُوَ مَسْجِد قبَاء
فَأتيَا النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَاهُ فَقَالَ هُوَ مَسْجِدي هَذَا
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه والخطيب والضياء فِي المختارة عَن أبيّ بن كَعْب قَالَ: سَأَلت النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَن الْمَسْجِد الَّذِي أسس على التَّقْوَى فَقَالَ هُوَ مَسْجِدي هَذَا
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ والضياء الْمَقْدِسِي فِي المختارة عَن زيد بن ثَابت أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَن الْمَسْجِد الَّذِي أسس على التَّقْوَى فَقَالَ هُوَ مَسْجِدي هَذَا
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن مرْدَوَيْه وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق عُرْوَة عَن زيد بن ثَابت قَالَ: الْمَسْجِد الَّذِي أسس على التَّقْوَى من أول يَوْم مَسْجِد النَّبِي صلى الله عليه وسلم
قَالَ عُرْوَة: مَسْجِد النَّبِي صلى الله عليه وسلم خير مِنْهُ إِنَّمَا أنزلت فِي مَسْجِد قبَاء
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عمر قَالَ: الْمَسْجِد الَّذِي أسس على التَّقْوَى مَسْجِد النَّبِي صلى الله عليه وسلم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: الْمَسْجِد الَّذِي أسس على التَّقْوَى مَسْجِد النَّبِي صلى الله عليه وسلم
وَأخرج الزبير بن بكار وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر من طَرِيق عُثْمَان بن عبيد الله عَن ابْن عمر وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَزيد بن ثَابت قَالُوا: الْمَسْجِد الَّذِي أسس على التَّقْوَى مَسْجِد الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأَبُو الشَّيْخ عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ الْمَسْجِد الَّذِي أسس على التَّقْوَى مَسْجِد الْمَدِينَة الْأَعْظَم
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {لمَسْجِد أسس على التَّقْوَى} يَعْنِي مَسْجِد قبَاء
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك فِي قَوْله {لمَسْجِد أسس على التَّقْوَى} قَالَ: هُوَ مَسْجِد قبَاء
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالتِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن ماجة عَن أسيد بن ظهيرة عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ صَلَاة فِي مسجدة قبَاء كعمرة قَالَ التِّرْمِذِيّ: لَا نَعْرِف لأسيد بن ظهيرة شَيْء يَصح غير هَذَا الحَدِيث
وَأخرج ابْن سعد عَن ظهير بن رَافع الْحَارِثِيّ عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ من صلى فِي قبَاء يَوْم الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيس انْقَلب بِأُجْرَة عمْرَة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن ابْن عمر قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الِاخْتِلَاف إِلَى قبَاء رَاكِبًا وماشياً
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة عَن سهل بن حنيف قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من خرج حَتَّى يَأْتِي هَذَا الْمَسْجِد - مَسْجِد قبَاء - فَيصَلي فِيهِ كَانَ كَعدْل عمره
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مُحَمَّد بن سِيرِين
أَنه كَانَ يرى كل مَسْجِد بني بِالْمَدِينَةِ أسس على التَّقْوَى
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عمار الذَّهَبِيّ قَالَ: دخلت مَسْجِد قبَاء أُصَلِّي فِيهِ فأبصرني أَبُو سَلمَة فَقَالَ: أَحْبَبْت أَن تصلي فِي مَسْجِد أسس على التَّقْوَى من أول يَوْم
فَأَخْبرنِي أَن مَا بَين الصومعة إِلَى الْقبْلَة زِيَادَة زَادهَا عُثْمَان
الْآيَة 108
أخرج أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن ماجة وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي هُرَيْرَة عَن
رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ نزلت هَذِه الْآيَة فِي أهل قبَاء {فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا} قَالَ: كَانُوا يستنجون بِالْمَاءِ فَنزلت فيهم هَذِه الْآيَة
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: لما أنزلت هَذِه الْآيَة {فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا} بعث رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى عويم بن سَاعِدَة قَالَ مَا هَذَا الطّهُور الَّذِي اثنى الله عَلَيْكُم فَقَالُوا: يَا رَسُول الله مَا خرج منا رجل وَلَا امْرَأَة من الْغَائِط إِلَّا غسل فرجه أَو قَالَ: مقعدته
فَقَالَ النَّبِي: هُوَ هَذَا
وَأخرج أَحْمد وَابْن خُزَيْمَة وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن عويم بن سَاعِدَة الْأنْصَارِيّ أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَتَاهُم فِي مَسْجِد قبَاء فَقَالَ: إِن الله قد أحسن عَلَيْكُم الثَّنَاء فِي الطّهُور فِي قصَّة مَسْجِدكُمْ فَمَا هَذَا الطّهُور الَّذِي تطهرون بِهِ قَالُوا: وَالله يَا رَسُول الله مَا نعلم شَيْئا إِلَّا أَنه كَانَ لنا جيران من الْيَهُود فَكَانُوا يغسلون أدبارهم من الْغَائِط فغسلنا كَمَا غسلوا
وَأخرج ابْن ماجة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن الْجَارُود فِي الْمُنْتَقى وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وَابْن مرْدَوَيْه وَابْن عَسَاكِر عَن طَلْحَة بن نَافِع قَالَ: حَدثنِي أَبُو أَيُّوب وَجَابِر بن عبد الله وَأنس بن مَالك رضي الله عنهم إِن هَذِه الْآيَة لما نزلت {فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا} قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَا معشر الْأَنْصَار إِن الله قد أثنى عَلَيْكُم خيرا فِي الطّهُور فَمَا طهوركم هَذَا قَالُوا: نَتَوَضَّأ للصَّلَاة ونغتسل من الْجَنَابَة قَالَ: فَهَل مَعَ ذَلِك غَيره قَالُوا: لَا غير أَن أَحَدنَا إِذا خرج إِلَى الْغَائِط أحب أَن يستنجي بِالْمَاءِ
قَالَ: هُوَ ذَاك فعليكموه
وَأخرج ابْن أبي شيبَة فِي المُصَنّف عَن مجمع بن يَعْقُوب بن مجمع أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ لعويم بن سَاعِدَة: مَا هَذَا الطّهُور الَّذِي اثنى الله عَلَيْكُم فَقَالُوا: نغسل الأدبار
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد وَالْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَابْن جرير وَالْبَغوِيّ فِي مُعْجَمه وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو نعيم فِي الْمعرفَة عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن سَلام عَن أَبِيه قَالَ: لما أَتَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْمَسْجِد الَّذِي أسس على التَّقْوَى فَقَالَ إِن الله قد أثنى عَلَيْكُم فِي الطّهُور خيرا أَفلا تخبروني يَعْنِي قَوْله {فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين}
فَقَالُوا: يَا رَسُول الله إِنَّا لنجد مَكْتُوبًا فِي التَّوْرَاة الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ وَنحن نفعله الْيَوْم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن الشّعبِيّ قَالَ: لما نزلت هَذِه الْآيَة {فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا} قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قبَاء مَا هَذَا الثَّنَاء الَّذِي أثنى الله عَلَيْكُم قَالُوا: مَا منا أحد إِلَّا وَهُوَ يستنجي بِالْمَاءِ من الْخَلَاء
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن جَعْفَر عَن أَبِيه أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي أهل قبَاء {فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين}
وَأخرج عبد الرَّزَّاق فِي مُصَنفه وَالطَّبَرَانِيّ عَن أبي أُمَامَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قبَاء مَا هَذَا الطّهُور الَّذِي خصصتم بِهِ فِي هَذِه الْآيَة {فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا} قَالُوا: يَا رَسُول الله مَا منا أحد يخرج من الْغَائِط إِلَّا غسل مقعدته
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن مرْدَوَيْه عَن عبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل قَالَ سَأَلَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم أهل قبَاء فَقَالَ: إِن الله قد أثنى عَلَيْكُم فَقَالُوا: إِنَّا نستنجي بِالْمَاءِ
فَقَالَ: إِنَّكُم قد أثنى عَلَيْكُم فدوموا
وَأخرج ابْن جرير عَن عَطاء قَالَ: أحدث قوم الْوضُوء بِالْمَاءِ من أهل قبَاء فأنزلت فيهم {فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين}
وَأخرج ابْن جرير وَابْن مرْدَوَيْه عَن خُزَيْمَة بن ثَابت قَالَ: كَانَ رجال منا إِذا خَرجُوا من الْغَائِط يغسلون أثر الْغَائِط فَنزلت فيهم هَذِه الْآيَة {فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا}
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُول الله من هَؤُلَاءِ الَّذِي قَالَ الله فيهم {فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين} قَالَ: كَانُوا يستنجون بِالْمَاءِ وَكَانُوا لَا ينامون اللَّيْل كُله وهم على الْجَنَابَة
وَأخرج ابْن سعد وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق عُرْوَة بن الزبير أَن عويم بن سَاعِدَة قَالَ: يَا رَسُول الله من الَّذين قَالَ الله فيهم {رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين} فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم نعم الْقَوْم مِنْهُم عويم بن سَاعِدَة وَلم يبلغنَا أَنه سمى رجلا غير عويم
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لنفر من الْأَنْصَار إِن الله قد أثنى عَلَيْكُم فِي الطّهُور فَمَا طهوركم قَالُوا: نستنجي بِالْمَاءِ من الْبَوْل وَالْغَائِط:
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عمر فِي هَذِه الْآيَة {فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا} الْآيَة
قَالَ سَأَلَهُمْ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَن طهورهم الَّذِي أثنى الله بِهِ عَلَيْهِم
قَالُوا: كُنَّا نستنجي بِالْمَاءِ فِي الْجَاهِلِيَّة فَلَمَّا جَاءَ الله بالإِسلام لم ندعه
قَالَ: فَلَا تَدعُوهُ
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق يَعْقُوب بن مجمع عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد عَن مجمع بن جَارِيَة عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي أهل قبَاء {فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا} وَكَانُوا يغسلون أدبارهم بِالْمَاءِ
وَأخرج ابْن سعد من طَرِيق مُوسَى بن يَعْقُوب عَن السّري بن عبد الرَّحْمَن عَن عباد بن حَمْزَة
أَنه سمع جَابر بن عبد الله يخبر: أَنه سمع رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول نعم العَبْد من عباد الله وَالرجل من أهل الْجنَّة عويم بن سَاعِدَة
قَالَ مُوسَى: وَبَلغنِي أَنه لما نزلت {فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين} قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: مِنْهُم عويم أول من غسل مقعدته بِالْمَاءِ فِيمَا بَلغنِي
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: بَلغنِي أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لم يدْخل الْخَلَاء إِلَّا تَوَضَّأ أَو مس مَاء
وَأخرج عمر بن شبة فِي أَخْبَار الْمَدِينَة من طَرِيق الْوَلِيد بن سندر الْأَسْلَمِيّ عَن يحيى بن سهل الْأنْصَارِيّ عَن أَبِيه
أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي أهل قبَاء كَانُوا يغسلون أدبارهم من الْغَائِط {فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا} الْآيَة
وَأخرج عبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف عَن قَتَادَة أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ لبَعض الْأَنْصَار: مَا هَذَا الطّهُور الَّذِي أثنى الله عَلَيْكُم {فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا} قَالُوا: نستطيب بِالْمَاءِ إِذا جِئْنَا من الْغَائِط
الْآيَة 109
أخرج ابْن أبي حَاتِم عَن زيد بن أسلم فِي قَوْله {أَفَمَن أسس بُنْيَانه على تقوى من الله ورضوان خير} قَالَ: هَذَا مَسْجِد قبَاء {أم من أسس بُنْيَانه على شفا جرف هار} قَالَ: هَذَا مَسْجِد الضرار
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك قَالَ: مَسْجِد الرضْوَان أول مَسْجِد بني فِي الْمَدِينَة فِي الإِسلام
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الْحسن رضي الله عنه قَالَ: لما أسس رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْمَسْجِد الَّذِي أسسه على التَّقْوَى كَانَ كلما رفع لبنة قَالَ اللهمَّ إِن الْخَيْر خير الْآخِرَة
ثمَّ يناولها أَخَاهُ فَيَقُول مَا قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى تَنْتَهِي اللبنة منتهاه ثمَّ يرفع الْأُخْرَى فَيَقُول: اللهمَّ اغْفِر للْأَنْصَار والمهاجرة ثمَّ يناولها أَخَاهُ فَيَقُول مَا قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى تَنْتَهِي اللبنة مُنْتَهَاهَا
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {أم من أسس بُنْيَانه على شفا جرف هار فانهار بِهِ فِي نَار جَهَنَّم}
قَالَ: بنى قَوَاعِده فِي نَار جَهَنَّم
وَأخرج مُسَدّد فِي مُسْنده وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: لقد رَأَيْت الدُّخان يخرج من مَسْجِد الضرار حَيْثُ انهار على عهد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة فِي قَوْله {فانهار بِهِ فِي نَار جَهَنَّم} قَالَ: وَالله مَا تناهى أَن وَقع فِي النَّار ذكر لنا أَنه حفرت فِيهِ بقْعَة فرؤي مِنْهَا الدُّخان
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن جريج فِي قَوْله {فانهار بِهِ فِي نَار جَهَنَّم} قَالَ: مَسْجِد الْمُنَافِقين انهار فَلم يتناه دون أَن وَقع فِي النَّار
وَلَقَد ذكر لنا: إِن رجَالًا حفروا فِيهِ فَرَأَوْا الدُّخان يخرج مِنْهُ
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ فِي قَوْله {فانهار بِهِ فِي نَار جَهَنَّم} قَالَ: فَمضى حِين خسف بِهِ
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة
أَنه لَا يزَال مِنْهُ دُخان يفور لقَوْله {فانهار بِهِ فِي نَار جَهَنَّم} وَيُقَال: إِنَّه بقْعَة فِي نَار جَهَنَّم
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك قَالَ: فِي قِرَاءَة عبد الله بن مَسْعُود فانهار بِهِ قَوَاعِده فِي نارجهنم يَقُول: خر من قَوَاعِده فِي نَار جَهَنَّم
الْآيَة 110
أخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {لَا يزَال بنيانهم الَّذِي بنوا رِيبَة فِي قُلُوبهم} قَالَ: يَعْنِي الشَّك {إِلَّا أَن تقطع قُلُوبهم} يَعْنِي الْمَوْت
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ قَالَ: قلت لإِبراهيم: أَرَأَيْت قَول الله {لَا يزَال بنيانهم الَّذِي بنوا رِيبَة فِي قُلُوبهم} قَالَ: الشَّك
قلت: لَا
قَالَ: فَمَا تَقول أَنْت قلت: الْقَوْم بنوا مَسْجِدا ضِرَارًا وهم كفَّارًا حِين بنوا فَلَمَّا دخلُوا فِي الإِسلام جعلُوا لَا يزالون يذكرُونَ فَيَقَع فِي قُلُوبهم مشقة من ذَلِك فتراجعوا لَهُ فَقَالُوا: يَا ليتنا لم نَكُنْ فعلنَا وَكلما ذَكرُوهُ وَقع من ذَلِك فِي قُلُوبهم مشقة وندموا
فَقَالَ إِبْرَاهِيم: اسْتغْفر الله
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن حبيب بن أبي ثَابت فِي قَوْله {رِيبَة فِي قُلُوبهم} قَالَ: غيظاً فِي قُلُوبهم {إِلَّا أَن تقطع قُلُوبهم} قَالَ: إِلَى أَن يموتوا
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد فِي قَوْله {إِلَّا أَن تقطع} قَالَ: الْمَوْت أَن يموتوا
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن أَيُّوب قَالَ: كَانَ عِكْرِمَة يَقْرَأها لَا أَن تقطع قُلُوبهم فِي الْقَبْر
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن سُفْيَان فِي قَوْله {إِلَّا أَن تقطع قُلُوبهم} قَالَ: إِلَّا أَن يتوبوا وَكَانَ أَصْحَاب عبد الله يقرؤونها رِيبَة فِي قُلُوبهم وَلَو تقطعت قُلُوبهم
الْآيَة 111
أخرج ابْن جرير عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ وَغَيره قَالُوا: قَالَ عبد الله بن رَوَاحَة لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم: اشْترط لِرَبِّك وَلِنَفْسِك مَا شِئْت
قَالَ: أشْتَرط لرَبي أَن تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وَأَشْتَرِط لنَفْسي أَن تَمْنَعُونِي مِمَّا تمْنَعُونَ مِنْهُ أَنفسكُم وَأَمْوَالكُمْ
قَالُوا فَإِذا فعلنَا ذَلِك فَمَا لنا قَالَ: الْجنَّة
قَالَ: ربح البيع لَا نقِيل وَلَا نَسْتَقِيل
فَنزلت {إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم} الْآيَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن جَابر بن عبد الله قَالَ نزلت هَذِه الْآيَة على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي الْمَسْجِد {إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم} الْآيَة
فَكبر النَّاس فِي الْمَسْجِد
فَأقبل رجل من الْأَنْصَار ثَانِيًا طرفِي رِدَائه على عَاتِقه فَقَالَ: يَا رَسُول الله أنزلت هَذِه الْآيَة قَالَ: نعم
فَقَالَ الْأنْصَارِيّ: بيع ربيح لَا نقبل وَلَا نَسْتَقِيل
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أَبُو هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من سل سَيْفه فِي سَبِيل الله فقد بَايع الله
وَأخرج ابْن سعد عَن عباد بن الْوَلِيد بن عبَادَة بن الصَّامِت أَن أسعد بن زُرَارَة أَخذ بيد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَيْلَة الْعقبَة فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس هَل تَدْرُونَ علام تُبَايِعُونَ مُحَمَّدًا إِنَّكُم تبايعونه على أَن تَحَارَبُوا الْعَرَب والعجم وَالْجِنّ والإِنس كَافَّة
فَقَالُوا: نَحن حَرْب لمن حَارب وَسلم لمن سَالم
فَقَالَ أسعد بن زُرَارَة: يَا رَسُول الله اشْترط عليَّ فَقَالَ: تُبَايِعُونِي على أَن تشهدوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وتقيموا الصَّلَاة وتؤتوا الزَّكَاة والسمع وَالطَّاعَة وَلَا تنازعوا الْأَمر أَهله وتمنعوني مِمَّا تمْنَعُونَ مِنْهُ أَنفسكُم وأهليكم
قَالُوا: نعم
قَالَ قَائِل الْأَنْصَار: نعم هَذَا لَك يَا رَسُول الله فَمَا لنا قَالَ: الْجنَّة والنصر
وَأخرج ابْن سعد عَن الشّعبِيّ قَالَ: انْطلق النَّبِي صلى الله عليه وسلم بِالْعَبَّاسِ بن عبد الْمطلب - وَكَانَ ذَا رَأْي - إِلَى السّبْعين من الْأَنْصَار عِنْد الْعقبَة فَقَالَ الْعَبَّاس: ليَتَكَلَّم متكلمكم وَلَا يطلّ الْخطْبَة فَإِن عَلَيْكُم للْمُشْرِكين عينا وَإِن يعلمُوا بكم يفضحوكم
فَقَالَ قَائِلهمْ وَهُوَ أَبُو أُمَامَة أسعد: يَا مُحَمَّد سل لِرَبِّك مَا شِئْت ثمَّ سل لنَفسك وَأَصْحَابك مَا شِئْت ثمَّ أخبرنَا مَا لنا من الثَّوَاب على الله وَعَلَيْكُم إِذا فعلنَا ذَلِك
فَقَالَ أَسأَلكُم لرَبي أَن تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وأسألكم لنَفْسي وأصحابي أَن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مِمَّا تمْنَعُونَ مِنْهُ أَنفسكُم
قَالَ: فَمَا لنا إِذا فعلنَا
ذَلِك قَالَ: الْجنَّة
فَكَانَ الشّعبِيّ إِذا حدث هَذَا الحَدِيث قَالَ: مَا سمع الشيب والشبان بِخطْبَة أقصر وَلَا أبلغ مِنْهَا
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن الْحسن أَنه كَانَ إِذا قَرَأَ هَذِه الْآيَة {إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ} قَالَ: أنفس هُوَ خلقهَا وأموال هُوَ رزقها
وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة} قَالَ: ثامنهم - وَالله - وَأَعْلَى لَهُم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الْحسن قَالَ: مَا على ظهر الأَرْض مُؤمن إِلَّا قد دخل هَذِه الْبيعَة
وَفِي لفظ: اسْعوا إِلَى بيعَة بَايع الله بهَا كل مُؤمن {إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ}
وَأخرج ابْن الْمُنْذر من طَرِيق عَيَّاش بن عتبَة الْحَضْرَمِيّ عَن إِسْحَق بن عبد الله الْمدنِي قَالَ: لما نزلت هَذِه الْآيَة {إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ} دخل على رَسُول الله رجل من الْأَنْصَار فَقَالَ: يَا رَسُول الله نزلت هَذِه الْآيَة فَقَالَ: نعم
فَقَالَ الْأنْصَارِيّ: بيع رابح لَا نقِيل وَلَا نَسْتَقِيل قَالَ عَيَّاش: وحَدثني اسحق أَن الْمُسلمين كلهم قد دخلُوا فِي هَذِه الْآيَة من كَانَ مِنْهُم إِذا احْتِيجَ إِلَيْهِ نفع وأغار وَمن كَانَ مِنْهُم لَا يُغير إِذا احْتِيجَ إِلَيْهِ فقد خرج من هَذِه الْبيعَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن سعيد بن جُبَير فِي قَوْله {إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة يُقَاتلُون} يَعْنِي يُقَاتلُون الْمُشْركين {فِي سَبِيل الله} يَعْنِي فِي طَاعَة الله {فيقتلون} الْعَدو {وَيقْتلُونَ} يَعْنِي الْمُؤمنِينَ {وَعدا عَلَيْهِ حَقًا} يَعْنِي ينجز مَا وعدهم من الْجنَّة {فِي التَّوْرَاة والإِنجيل وَالْقُرْآن وَمن أوفى بعهده من الله} فَلَيْسَ أحد أوفى بعهده من الله {فاستبشروا ببيعكم الَّذِي بايعتم بِهِ} الرب تبَارك بإقراركم بالعهد الَّذِي ذكره فِي هَذِه الْآيَة {وَذَلِكَ} الَّذِي ذكر من الثَّوَاب فِي الْجنَّة للْقَاتِل والمقتول {هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم}
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة فِي قَوْله {إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة} قَالَ: ثامنهم - وَالله - فأعلى لَهُم الثّمن {وَعدا عَلَيْهِ حَقًا فِي التَّوْرَاة والإِنجيل وَالْقُرْآن} قَالَ: وعدهم فِي التَّوْرَاة والإِنجيل أَنه من قتل فِي سَبِيل الله أدخلهُ الْجنَّة
وَأخرج ابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ عَن شمر بن عَطِيَّة قَالَ: مَا من مُسلم إِلَّا وَللَّه تَعَالَى فِي عُنُقه بيعَة وفّى بهَا أَو مَاتَ عَلَيْهَا {إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ} الْآيَة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الرّبيع قَالَ: فِي قِرَاءَة عبد الله رَضِي الله إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِالْجنَّةِ
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ رضي الله عنه فِي قَوْله {إِن الله اشْترى} الْآيَة
قَالَ: نسخهَا (لَيْسَ على الضُّعَفَاء)(التَّوْبَة الْآيَة 91) الْآيَة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن سُلَيْمَان بن مُوسَى رضي الله عنه: وَجَبت نصْرَة الْمُسلمين على كل مُسلم لدُخُوله فِي الْبيعَة الَّتِي اشْترى الله بهَا من الْمُؤمنِينَ أنفسهم
الْآيَة 112
أخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: من مَاتَ على هَذِه التسع فَهُوَ فِي سَبِيل الله {التائبون العابدون} إِلَى آخر الْآيَة
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الشَّهِيد من كَانَ فِيهِ التسع خِصَال {التائبون العابدون} إِلَى قَوْله {وَبشر الْمُؤمنِينَ}
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الْحسن فِي قَوْله {التائبون} قَالَ: تَابُوا من الشّرك وبرئوا من النِّفَاق
وَفِي قَوْله {العابدون} قَالَ: عبدُوا الله فِي أحايينهم كلهَا أما وَالله مَا هُوَ بِشَهْر وَلَا شَهْرَيْن وَلَا سنة وَلَا سنتَيْن وَلَكِن كَمَا قَالَ العَبْد الصَّالح (وأوصاني بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة مَا دمت حَيا)(مَرْيَم الْآيَة 31) وَفِي قَوْله {الحامدون} قَالَ: يحْمَدُونَ الله على كل حَال فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء
وَفِي قَوْله {الراكعون الساجدون} قَالَ: فِي الصَّلَوَات المفروضات
وَفِي قَوْله {الآمرون بِالْمَعْرُوفِ والناهون عَن الْمُنكر} قَالَ: لم يأمروا بِالْمَعْرُوفِ حَتَّى ائْتَمرُوا
بِهِ وَلم ينهوا النَّاس عَن الْمُنكر حَتَّى انْتَهوا عَنهُ
وَفِي قَوْله {والحافظون لحدود الله} قَالَ: القائمون بِأَمْر الله عز وجل {وَبشر الْمُؤمنِينَ} قَالَ: الَّذين لم يغزوا
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك فِي قَوْله {التائبون} قَالَ: من الشّرك والذنُوب {العابدون} قَالَ: العابدون لله عز وجل
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة فِي قَوْله {التائبون} قَالَ: الَّذين تَابُوا من الشّرك وَلم ينافقوا فِي الإِسلام {العابدون} قَالَ: قوم أخذُوا من أبدانهم فِي ليلهم ونهارهم {الحامدون} قَالَ: قوم يحْمَدُونَ الله على كل حَال {السائحون} قَالَ: قوم أخذُوا من أبدانهم صوما لله عز وجل {والحافظون لحدود الله} قَالَ: لفرائضه من حَلَاله وَحَرَامه
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس {العابدون} قَالَ: الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أول من يدعى إِلَى الْجنَّة الْحَمَّادُونَ الَّذين يحْمَدُونَ الله على السَّرَّاء وَالضَّرَّاء
وَأخرج ابْن الْمُبَارك عَن سعيد بن جُبَير قَالَ: إِن أول من يدعى إِلَى الْجنَّة الَّذين يحْمَدُونَ الله على كل حَال أَو قَالَ: فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب عَن عَائِشَة قَالَت كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذا أَتَاهُ الْأَمر يسره قَالَ: الْحَمد لله الَّذِي بنعمته تتمّ الصَّالِحَات وَإِذا أَتَاهُ الْأَمر يكرههُ قَالَ: الْحَمد لله على كل حَال
وَأخرج ابْن جرير عَن عبيد بن عُمَيْر رضي الله عنه قَالَ: سُئِلَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَن السائحين قَالَ هم الصائمون
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كلما ذكر الله فِي الْقُرْآن السياحة هم الصائمون
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن مَسْعُود قَالَ {السائحون} الصائمون
وَأخرج ابْن جرير عَن عَائِشَة قَالَت: سياحة هَذِه الْأمة الصّيام
وَأخرج الْفرْيَابِيّ ومسدد فِي مُسْنده وَابْن جرير وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان من طَرِيق عبيد بن عُمَيْر عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَن السائحين فَقَالَ هم الصائمون
وأ رج ابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَابْن النجار من طَرِيق أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم السائحون: هم الصائمون
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَن السائحين
فَقَالَ: الصائمون
وَأخرج ابْن جرير عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ {السائحون} الصائمون
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد فِي قَوْله {السائحون} قَالَ: هم الصائمون
وَأخرج أَبُو نعيم فِي الْحِلْية عَن الْحسن مثله
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن أبي عمر والعبدي قَالَ {السائحون} الصائمون الَّذين يديمون الصّيام
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ: إِنَّمَا سمي الصَّائِم السائح لِأَنَّهُ تَارِك للذات الدُّنْيَا كلهَا من الْمطعم وَالْمشْرَب والمنكح فَهُوَ تَارِك للدنيا بِمَنْزِلَة السائح
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن أبي فَاخِتَة مولى جعدة بن هُبَيْرَة
أَن عُثْمَان بن مَظْعُون أَرَادَ أَن ينظر أيستطيع السياحة قَالَ: كَانُوا يعدون السياحة قيام اللَّيْل وَصِيَام النَّهَار
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن أبي أُمَامَة
أَن رجلا اسْتَأْذن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي السياحة
قَالَ إِن سياحة أمتِي الْجِهَاد فِي سَبِيل الله
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن زيد فِي قَوْله {السائحون} قَالَ: هم الْمُهَاجِرُونَ لَيْسَ فِي أمة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم سياحة إِلَّا الْهِجْرَة وَكَانَت سياحتهم الْهِجْرَة حِين هَاجرُوا إِلَى الْمَدِينَة لَيْسَ فِي أمة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم ترهب
وَأخرج ابْن جرير عَن وهب بن مُنَبّه قَالَ: كَانَت السياحة فِي بني إِسْرَائِيل
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن عِكْرِمَة فِي قَوْله {السائحون} قَالَ: طلبة الْعلم
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس الآمرون بِالْمَعْرُوفِ قَالَ: بِلَا إِلَه إِلَّا الله {والناهون عَن الْمُنكر} قَالَ: الشّرك بِاللَّه {وَبشر الْمُؤمنِينَ} قَالَ: الَّذين لم يغزوا
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ فِي قَوْله {والحافظون لحدود الله} قَالَ: لفرائض الله الَّتِي افْترض نزلت هَذِه الْآيَة فِي الْمُؤمنِينَ الَّذين لم يغزوا وَالْآيَة الَّتِي قبلهَا فِيمَن غزا {وَبشر الْمُؤمنِينَ} قَالَ: الغازين
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الرّبيع فِي هَذِه الْآيَة قَالَ: هَذِه قَالَ فِيهَا أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم: إِن الله قضى على نَفسه فِي التَّوْرَاة والإِنجيل وَالْقُرْآن لهَذِهِ الْأمة أَنه من قتل مِنْهُم على هَذِه الْأَعْمَال كَانَ عِنْد الله شَهِيدا وَمن مَاتَ مِنْهُم عَلَيْهَا فقد وَجب أجره على الله
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: الشَّهِيد من لَو مَاتَ على فرَاشه دخل الْجنَّة
قَالَ: وَقَالَ ابْن عَبَّاس: من مَاتَ وَفِيه تسع فَهُوَ شَهِيد {التائبون العابدون} إِلَى آخر الْآيَة
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة} يَعْنِي بِالْجنَّةِ ثمَّ قَالَ: {التائبون} إِلَى قَوْله {والحافظون لحدود الله} يَعْنِي القائمون على طَاعَة الله وَهُوَ شَرط اشْتَرَطَهُ الله على أهل الْجِهَاد إِذا وفوا الله بِشَرْطِهِ وفى لَهُم بشرطهم
الْآيَات 113 - 114
أخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن سعيد بن الْمسيب عَن أَبِيه قَالَ: لما حضرت أَبَا طَالب الْوَفَاة دخل عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَعِنْده أَبُو جهل وَعبد الله بن أبي أُميَّة فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَي عَم قل لَا إِلَه إِلَّا الله أُحَاج لَك بهَا عِنْد الله
فَقَالَ أَبُو جهل وَعبد الله بن أبي أُميَّة: يَا أَبَا طَالب أترغب عَن مِلَّة عبد الْمطلب وَجعل النَّبِي يعرضهَا عَلَيْهِ وَأَبُو جهل وَعبد الله يعاونانه بِتِلْكَ الْمقَالة
فَقَالَ أَبُو طَالب آخر مَا كَلمهمْ: هُوَ على مِلَّة عبد الْمطلب وأبى أَن يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: لأَسْتَغْفِرَن لَك مَا لم أَنه عَنْك
فَنزلت {مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين} الْآيَة
وَأنزل الله فِي أبي طَالب فَقَالَ لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم (إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء)(الْقَصَص الْآيَة 56)
وَأخرج الطَّيَالِسِيّ وَابْن أبي شيبَة وَأحمد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو يعلى وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان والضياء فِي المختارة عَن عَليّ قَالَ: سَمِعت رجلا يسْتَغْفر لِأَبَوَيْهِ وهما مُشْرِكَانِ فَقلت: تستغفر لِأَبَوَيْك وهما مُشْرِكَانِ فَقَالَ: أَو لم يسْتَغْفر إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ فَذكرت ذَلِك للنَّبِي صلى الله عليه وسلم فَنزلت {مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين} الْآيَة
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كَانُوا يَسْتَغْفِرُونَ لَهُم حَتَّى نزلت هَذِه الْآيَة فَلَمَّا نزلت امسكوا عَن الاسْتِغْفَار لأمواتهم وَلم ينهوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للأحياء حَتَّى يموتوا ثمَّ أنزل الله تَعَالَى {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ} الْآيَة
يَعْنِي اسْتغْفر لَهُ مَا كَانَ حَيا فَلَمَّا مَاتَ أمسك عَن الاسْتِغْفَار
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُحَمَّد بن كَعْب قَالَ: لما مرض أَبُو طَالب أَتَاهُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ الْمُسلمُونَ: هَذَا مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم يسْتَغْفر لِعَمِّهِ وَقد اسْتغْفر إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ فاستغفروا لقراباتهم من الْمُشْركين
فَأنْزل الله {مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين} ثمَّ أنزل الله تَعَالَى {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ إِلَّا عَن موعدة وعدها إِيَّاه} قَالَ: كَانَ يرجوه فِي حَيَاته {فَلَمَّا تبين لَهُ أَنه عدوّ لله تَبرأ مِنْهُ}
وَأخرج ابْن جرير من طَرِيق شبْل عَن عَمْرو بن دِينَار أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: اسْتغْفر إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ وَهُوَ مُشْرك فَلَا أَزَال اسْتغْفر لأبي طَالب حَتَّى ينهاني عَنهُ رَبِّي
وَقَالَ أَصْحَابه: لنستغفرن لآبائنا كَمَا اسْتغْفر النَّبِي صلى الله عليه وسلم لِعَمِّهِ فَأنْزل الله {مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين} إِلَى قَوْله {تَبرأ مِنْهُ}
وَأخرج ابْن جرير عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: لما حضرت أَبَا طَالب الْوَفَاة أَتَاهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ: أَي عَم إِنَّك أعظم عليَّ حَقًا من وَالِدي فَقل كلمة يجب لَك بهَا الشَّفَاعَة يَوْم الْقِيَامَة قل لَا إِلَه إِلَّا الله
فَذكر نَحْو مَا تقدم
وَأخرج ابْن جرير عَن قَتَادَة قَالَ: ذكر لنا أَن رجَالًا من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالُوا: يَا نَبِي الله إِن من آبَائِنَا من كَانَ يحسن الْجوَار ويصل الرَّحِم ويفك العاني ويوفي بالذمم أَفلا نَسْتَغْفِر لَهُم فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَالله لأَسْتَغْفِرَن لأبي كَمَا اسْتغْفر إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ
فَأنْزل الله {مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين} الْآيَة ثمَّ عذر إِبْرَاهِيم عليه الصلاة والسلام فَقَالَ: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ إِلَّا عَن موعدة وعدها إِيَّاه} إِلَى قَوْله {تَبرأ مِنْهُ} وَذكر لنا أَن نَبِي الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: أوحى إليّ كَلِمَات قد دخلن فِي أُذُنِي ووقرن فِي قلبِي أمرت أَن لَا أسْتَغْفر لمن مَاتَ مُشْركًا وَمن أعْطى فضل مَاله فَهُوَ خير لَهُ وَمن أمسك فَهُوَ شَرّ لَهُ وَلَا يلوم الله على كفاف
وَأخرج ابْن سعد وَابْن عَسَاكِر عَن عَليّ قَالَ أخْبرت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِمَوْت أبي طَالب فَبكى فَقَالَ: اذْهَبْ فَغسله وكفنه وواره غفر الله لَهُ ورحمه
فَفعلت وَجعل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يسْتَغْفر لَهُ أَيَّامًا وَلَا يخرج من بَيته حَتَّى نزل جِبْرِيل عليه السلام عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْآيَة {مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين}
وَأخرج ابْن سعد وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن عَسَاكِر من طَرِيق سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عمر قَالَ: لما مَاتَ أَبُو طَالب قَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم رَحِمك الله وَغفر لَك لَا أَزَال أسْتَغْفر لَك حَتَّى ينهاني الله فَأخذ الْمُسلمُونَ يَسْتَغْفِرُونَ لموتاهم الَّذين مَاتُوا وهم مشركون فَأنْزل الله {مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين} الْآيَة
فَقَالُوا: قد اسْتغْفر إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ فَنزلت {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ إِلَّا عَن موعدة وعدها إِيَّاه} الْآيَة
قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ على كفره تبين لَهُ أَنه عَدو الله
وَأخرج اسحق بن بشر وَابْن عَسَاكِر عَن الْحسن قَالَ: لما مَاتَ أَبُو طَالب قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَن إِبْرَاهِيم اسْتغْفر لِأَبِيهِ وَهُوَ مُشْرك وَأَنا أسْتَغْفر لِعَمِّي حَتَّى أبلغ فَأنْزل الله {مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين وَلَو كَانُوا أولي قربى} يَعْنِي بِهِ أَبَا طَالب فَاشْتَدَّ على النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ الله لنَبيه {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ إِلَّا عَن موعدة وعدها إِيَّاه}
يَعْنِي حِين قَالَ (سأستغفر لَك رَبِّي إِنَّه كَانَ بِي حفياً)(مَرْيَم الْآيَة 47){فَلَمَّا تبين لَهُ أَنه عدوّ لله} يَعْنِي مَاتَ على الشّرك {تَبرأ مِنْهُ}
وَأخرج ابْن جرير من طَرِيق عَطِيَّة الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا} الْآيَة
قَالَ أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَرَادَ أَن يسْتَغْفر لِأَبِيهِ فَنَهَاهُ الله عَن ذَلِك قَالَ فَإِن إِبْرَاهِيم قد اسْتغْفر لِأَبِيهِ
فَنزلت {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ} الْآيَة
قلت إِن هَذَا الْأَثر ضَعِيف مَعْلُول فَإِن عَطِيَّة ضَعِيف وَهُوَ مُخَالف لرِوَايَة عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس السَّابِقَة وَتلك أصح وعَلى ثِقَة جليل
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم لما أقبل من غَزْوَة تَبُوك اعْتَمر فَلَمَّا هَبَط من ثنية عسفان أَمر أَصْحَابه أَن يستندوا إِلَى الْعقبَة حَتَّى أرجع إِلَيْكُم فَذهب فَنزل على قبر أمه آمِنَة فناجى ربه طَويلا ثمَّ انه بَكَى فَاشْتَدَّ بكاؤه فَبكى هَؤُلَاءِ لبكائه فَقَالُوا: يَا نَبِي الله بكينا لبكائك
قُلْنَا لَعَلَّه أحدث فِي أمتك شَيْء لم يطقه فَقَالَ: لَا وَقد كَانَ بعضه وَلَكِنِّي نزلت على قبر أُمِّي فدعوت الله تَعَالَى ليأذن لي فِي شَفَاعَتهَا يَوْم الْقِيَامَة فَأبى أَن يَأْذَن لي فرحمتها وَهِي أُمِّي فَبَكَيْت ثمَّ جَاءَنِي جِبْرِيل عليه السلام فَقَالَ {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ إِلَّا عَن موعدة وعدها إِيَّاه} الْآيَة
فتبرأ أَنْت من أمك كَمَا تَبرأ إِبْرَاهِيم من أَبِيه فرحمتها وَهِي أُمِّي فدعوت رَبِّي أَن يرفع عَن أمتِي أَربع فَرفع عَنْهُم اثْنَتَيْنِ وأبى أَن يرفع عَنْهُم اثْنَتَيْنِ
دَعَوْت أَن يرفع عَنْهُم الرَّجْم من السَّمَاء وَالْغَرق من الأَرْض وَأَن لَا يلْبِسهُمْ شيعًا وَأَن لَا يُذِيق بَعضهم بَأْس بعض فَرفع الله عَنْهُم الرَّجْم من السَّمَاء وَالْغَرق من الأَرْض وأبى أَن يرفع عَنْهُم الْقَتْل والهرج
قَالَ: وَإِنَّمَا عدل إِلَى قبر أمه لِأَنَّهَا كَانَت مدفونة تَحت كدي وَكَانَت عسفان لَهُم وَبهَا ولد النَّبِي صلى الله عليه وسلم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَالْحَاكِم وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن مَسْعُود قَالَ خرج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَوْمًا إِلَى الْمَقَابِر فاتبعناه فجَاء حَتَّى جلس إِلَى قبر مِنْهَا فناجاه طَويلا ثمَّ بَكَى فبكينا لبكائه ثمَّ قَامَ فَقَامَ إِلَيْهِ عمر فَدَعَاهُ ثمَّ دَعَانَا فَقَالَ: مَا أبكاكم قُلْنَا: بكينا لبكائك
قَالَ: إِن الْقَبْر الَّذِي جَلَست عِنْده قبر آمِنَة وَإِنِّي اسْتَأْذَنت رَبِّي فِي زيارتها فَأذن لي وَإِنِّي اسْتَأْذَنت رَبِّي فِي الاسْتِغْفَار لَهَا فَلم
يَأْذَن لي وَأنزل عَليّ {مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين وَلَو كَانُوا أولي قربى} فأخذني مَا يَأْخُذ الْوَلَد للوالدة من الرقة فَذَلِك الَّذِي أبكاني
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن بُرَيْدَة قَالَ كنت مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِذْ وقف على عسفان فَنظر يَمِينا وَشمَالًا فأبصر قبر أمه آمِنَة ورد المَاء فَتَوَضَّأ ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ ودعا فَلم يفجأنا إِلَّا وَقد علا بكاؤه فعلا بكاؤنا لبكائه ثمَّ انْصَرف إِلَيْنَا فَقَالَ: مَا الَّذِي أبكاكم قَالُوا: بَكَيْت فبكينا يَا رَسُول الله
قَالَ: وَمَا ظننتم قَالُوا: ظننا أَن الْعَذَاب نَازل علينا بِمَا نعمل
قَالَ: لم يكن من ذَلِك شَيْء
قَالُوا: فظننا أَن أمتك كلفت من الْأَعْمَال مَا لَا يُطِيقُونَ فرحمتها
قَالَ: لم يكن من ذَلِك شَيْء وَلَكِن مَرَرْت بِقَبْر أُمِّي آمِنَة فَصليت رَكْعَتَيْنِ فاستأذنت رَبِّي أَن اسْتغْفر لَهَا فنهيت فَبَكَيْت ثمَّ عدت فَصليت رَكْعَتَيْنِ فاستأذنت رَبِّي أَن أسْتَغْفر لَهَا فزجرت زجرا فعلا بُكَائِي ثمَّ دَعَا براحلته فركبها فَمَا سَار إِلَّا هنيَّة حَتَّى قَامَت النَّاقة لثقل الْوَحْي فَأنْزل الله {مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين} الْآيَتَيْنِ
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَتعقبه الذَّهَبِيّ عَن ابْن مَسْعُود رضي الله عنه قَالَ جَاءَ ابْنا مليكَة - وهما من الْأَنْصَار - فَقَالَا: يَا رَسُول الله إِن أمنا كَانَت تحفظ على البعل وتكرم الضَّيْف وَقد وُئدت فِي الْجَاهِلِيَّة فَأَيْنَ أمنا فَقَالَ: أمكُمَا فِي النَّار
فقاما وَقد شقّ ذَلِك عَلَيْهِمَا فدعاهما رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَرَجَعَا فَقَالَ: أَلا أَن أُمِّي مَعَ أمكُمَا فَقَالَ مُنَافِق من النَّاس: أما مَا يُغني هَذَا عَن أمه إِلَّا مَا يُغني ابْنا مليكَة عَن أمهما وَنحن نَطَأ عَقِبَيْهِ
فَقَالَ شَاب من الْأَنْصَار لم أر رجلا أَكثر سؤالا لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم مِنْهُ: يَا رَسُول الله وَأَيْنَ أَبَوَاك فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: مَا سألتهما رَبِّي فيطيعني فيهمَا
وَفِي لفظ: فيطعمني فيهمَا وَإِنِّي لقائم يَوْمئِذٍ الْمقَام الْمَحْمُود فَقَالَ الْمُنَافِق للشاب الْأنْصَارِيّ: سَله وَمَا الْمقَام الْمَحْمُود قَالَ: يَا رَسُول الله وَمَا الْمقَام الْمَحْمُود قَالَ: ذَاك يَوْم ينزل الله فِيهِ على كرسيه يئط فِيهِ كَمَا يئط الرحل الْجَدِيد من تضايقه وَهُوَ كسعة مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض ويجاء بكم حُفَاة عُرَاة غرلًا فَيكون أول من يكسى إِبْرَاهِيم
يَقُول الله: اكسوا خليلي
فَيُؤتى بريطتين بيضاوين من رياط الْجنَّة ثمَّ اكسى على أَثَره فأقوم عَن يَمِين الله مقَاما يغبطني فِيهِ الأوّلون وَالْآخرُونَ ويشق لي نهر من الْكَوْثَر إِلَى حَوْضِي قَالَ: يَقُول الْمُنَافِق: لم أسمع كَالْيَوْمِ قطّ لقلما جرى نهر قطّ إِلَّا فِي إِحَالَة أَو رَضْرَاض فسله فيمَ يجْرِي النَّهر إِلَيْهِم
قَالَ: فِي إِحَالَة من الْمسك ورضراض
قَالَ: يَقُول الْمُنَافِق: لم أسمع كَالْيَوْمِ قطّ
وَالله لقلما جرى نهر قطّ إِلَّا كَانَ لَهُ نَبَات فسله هَل لذَلِك النَّهر نَبَات فَقَالَ الْأنْصَارِيّ: يَا رَسُول الله هَل لذَلِك النَّهر نَبَات قَالَ: نعم
قَالَ: مَا هُوَ قَالَ: قضبان الذَّهَب
قَالَ: يَقُول الْمُنَافِق: لم أسمع كَالْيَوْمِ قطّ وَالله مَا نَبتَت قضيب إِلَّا كَانَ لَهُ ثَمَر فسله هَل لتِلْك القضبان ثمار فَسَأَلَ الْأنْصَارِيّ قَالَ: يَا رَسُول الله هَل لتِلْك القضبان ثمار قَالَ: نعم اللُّؤْلُؤ والجوهر
فَقَالَ الْمُنَافِق: لم أسمع كَالْيَوْمِ قطّ فسله عَن شراب الْحَوْض فَقَالَ الْأنْصَارِيّ: يَا رَسُول الله مَا شراب الْحَوْض قَالَ: أَشد بَيَاضًا من اللَّبن وَأحلى من الْعَسَل من سقَاهُ الله مِنْهُ شربة لم يظمأ بعْدهَا وَمن حرمه لم يرو بعْدهَا
وَأخرج ابْن سعد عَن الْكَلْبِيّ وَأبي بكر بن قيس الْجعْفِيّ قَالَا: كَانَت جعفى يحرمُونَ الْقلب فِي الْجَاهِلِيَّة فوفد إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم رجلَانِ مِنْهُم قيس بن سَلمَة وَسَلَمَة بن يزِيد وهما أَخَوان لأُم فاسلما فَقَالَ لَهما رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بَلغنِي أنكما لَا تأكلان الْقلب
قَالَا: نعم
قَالَ: فَإِنَّهُ لَا يكمل إسلامكما إِلَّا بِأَكْلِهِ
ودعا لَهما بقلب فشوي وأطعمه لَهما
فَقَالَا: يَا رَسُول الله إِن أمنا مليكَة بنت الحلو كَانَت تفك العاني وَتطعم البائس وترحم الْفَقِير وَإِنَّهَا مَاتَت وَقد وَأَدت بنية لَهَا صَغِيرَة فَمَا حَالهَا فَقَالَ: الوائدة والموءودة فِي النَّار
فقاما مغضبين
فَقَالَ: إِلَيّ
فارجعا فَقَالَ: وَأمي مَعَ أمكُمَا
فأبيا ومضيا وهما يَقُولَانِ: وَالله إِن رجلا أطعمنَا الْقلب وَزعم أَن أمنا فِي النَّار لأهل أَن لَا يتبع وذهبا فلقيا رجلا من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَعَه إبل من إبل الصَّدَقَة فَأَوْثَقَاهُ وطردا الإِبل فَبلغ ذَلِك النَّبِي صلى الله عليه وسلم فلعنهما فِيمَن كَانَ يلعن فِي قَوْله: لعن الله رعلاً وذكوان وَعصيَّة ولحيان وَابْني مليكَة من حَرِيم وحران
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله (وَقضى رَبك أَن لَا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه)(الْإِسْرَاء الْآيَة 23) إِلَى قَوْله (كَمَا ربياني صَغِيرا) قَالَ: ثمَّ اسْتثْنى فَقَالَ {مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين} إِلَى قَوْله {عَن موعدة وعدها إِيَّاه}
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {فَلَمَّا تبين لَهُ أَنه عدوّ لله} قَالَ: تبين لَهُ حِين مَاتَ وَعلم التَّوْبَة قد انْقَطَعت عَنهُ
وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَأَبُو بكر الشَّافِعِي فِي فَوَائده والضياء فِي المختارة عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: لم يزل إِبْرَاهِيم يسْتَغْفر لِأَبِيهِ حَتَّى مَاتَ فَلَمَّا مَاتَ تبين لَهُ أَنه عدوّ لله فتبرأ مِنْهُ
وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن ابْن عَبَّاس {فَلَمَّا تبين لَهُ أَنه عدوّ لله} يَقُول: لما مَاتَ على كفره
أما قَوْله تَعَالَى: {إِن إِبْرَاهِيم لأوّاه حَلِيم} أخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن أبي ذَر رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رجل يطوف بِالْبَيْتِ وَيَقُول فِي داعئه: أوّه أوّه
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِنَّه لأواه
وَأخرج عبد الله بن أَحْمد فِي زَوَائِد الزّهْد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان عَن كَعْب رضي الله عنه فِي قَوْله {إِن إِبْرَاهِيم لأوّاه حَلِيم} قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيم عليه السلام إِذا ذكر النَّار قَالَ: أوّه من النَّار أوّه
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن أبي الجوزاء
مثله
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن جَابر رضي الله عنه أَن رجلا كَانَ يرفع صَوته بِالذكر فَقَالَ رجل: لَو أَن هَذَا خفض صَوته
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم دَعه فَإِنَّهُ أوّاه
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن عقبَة بن عَامر رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ لرجل يُقَال لَهُ ذُو البجادين: إِنَّه أوّاه وَذَلِكَ أَنه كَانَ يكثر ذكر الله بِالْقُرْآنِ وَالدُّعَاء
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَدخل مَيتا الْقَبْر وَقَالَ: رَحِمك الله ان كنت لأوّاهاً تلاء لِلْقُرْآنِ
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن عبد الله بن شَدَّاد بن الْهَاد قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الأوّاه: الخاشع المتضرع
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: الأوّاه: الدُّعَاء
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن زيد بن أسلم قَالَ: الأوّاه الدُّعَاء المستكين إِلَى الله كَهَيئَةِ الْمَرِيض المتأوّه من مَرضه
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَالْفِرْيَابِي وَابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي
حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ عَن أبي العبيدين قَالَ: سَأَلت عبد الله بن مَسْعُود عَن الأوّاه فَقَالَ: هُوَ الرَّحِيم
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الأوّاه الْمُؤمن التوّاب
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الأوّاه الْحَلِيم الْمُؤمن الْمُطِيع
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن أبي أَيُّوب قَالَ: الأوّاه الَّذِي إِذا ذكر خطاياه اسْتغْفر مِنْهَا
وَأخرج ابْن جرير من طَرِيق الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الأوّاه الْمُؤمن بالحبشية
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم من طَرِيق مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الأوّاه الموقن
وَأخرج ابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ من طَرِيق أبي ظبْيَان عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الأوّاه الموقن بِلِسَان الحبشية
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد قَالَ: الأوّاه الموقن بِلِسَان الْحَبَشَة
وَأخرج ابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ من طَرِيق عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الأوّاه الموقن بِلِسَان الْحَبَشَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد قَالَ: الأوّاه الموقن بِلِسَان الْحَبَشَة
وَأخرج ابْن جرير عَن عَطاء قَالَ: الأوّاه الموقن بِلِسَان الْحَبَشَة
وَأخرج ابْن جرير عَن الضَّحَّاك قَالَ: الأوّاه الموقن بِلِسَان الْحَبَشَة
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن عِكْرِمَة قَالَ: الأوّاه الموقن وَهِي كلمة حبشية
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم من وَجه آخر عَن مُجَاهِد قَالَ: الأوّاه الْفَقِيه الموقن
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الشّعبِيّ قَالَ: الأوّاه الشَّيْخ
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن أبي ميسرَة قَالَ: الأوّاه الشَّيْخ
وَأخرج ابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ عَن عَمْرو بن شُرَحْبِيل قَالَ: الأوّاه الرَّحِيم بِلِسَان الْحَبَشَة
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن عَمْرو بن شُرَحْبِيل قَالَ: الأوّاه الدُّعَاء بِلِسَان الْحَبَشَة
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن سعيد بن جُبَير قَالَ: الأوّاه الْمَسِيح
وَأخرج البُخَارِيّ فِي تَارِيخه عَن الْحسن قَالَ: الأوّاه الَّذِي قلبه مُعَلّق عِنْد الله
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيم يُسمى الأوّاه لرقته وَرَحمته
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الْحسن فِي قَوْله {إِن إِبْرَاهِيم لأوّاه حَلِيم} قَالَ: الْحَلِيم الرَّحِيم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {إِن إِبْرَاهِيم لأوّاه حَلِيم} قَالَ: كَانَ من حلمه أَنه كَانَ إِذا أَذَاهُ الرجل من قومه قَالَ لَهُ: هداك الله
وَأخرج عبد بن حميد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: مَا أنزل شَيْء من الْقُرْآن إِلَّا وَأَنا أعلمهُ إِلَّا أَربع آيَات
إِلَّا (الرقيم)(الْكَهْف الْآيَة 9) فَإِنِّي لَا أَدْرِي مَا هُوَ فَسَأَلت كَعْبًا فَزعم أَنَّهَا الْقرْيَة الَّتِي خَرجُوا مِنْهَا (وَحَنَانًا من لدنا وَزَكَاة)(مَرْيَم الْآيَة 13) قَالَ: لَا أَدْرِي مَا الحنان وَلكنهَا الرَّحْمَة (والغسلين)(الحاقة الْآيَة 36) لَا أَدْرِي مَا هُوَ وَلَكِنِّي أَظُنهُ الزقوم
قَالَ الله (إِن شَجَرَة الزقوم طَعَام الأثيم)(الدُّخان الْآيَتَانِ 42 - 43) قَالَ: والأوّاه هُوَ الموقن بالحبشية
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد قَالَ: الأوّاه الْمُؤمن
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد قَالَ: الأوّاه الْمُنِيب الْفَقِير
وَأخرج ابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ عَن عقبَة بن عَامر قَالَ: الأوّاه الْكثير ذكر الله
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد فِي قَوْله {وَمَا كَانَ الله ليضل قوما بعد إِذْ هدَاهُم حَتَّى يبين لَهُم مَا يَتَّقُونَ} قَالَ: بَيَان الله للْمُؤْمِنين فِي الاسْتِغْفَار للْمُشْرِكين خَاصَّة وَفِي بَيَانه طَاعَته ومعصيته عَامَّة مَا فعلوا أَو تركُوا
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة رضي الله عنه فِي قَوْله {حَتَّى يبين لَهُم مَا يَتَّقُونَ} قَالَ: مَا يأتونه وَمَا ينتهون عَنهُ
الْآيَات 115 - 116
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن يحيى بن عقيل رضي الله عنه قَالَ: دفع إِلَى يحيى بن يعمر كتابا قَالَ: هَذِه خطْبَة عبد الله بن مَسْعُود رضي الله عنه كَانَ يقوم فيخطب بهَا كل عَشِيَّة خَمِيس على أَصْحَابه ذكر الحَدِيث ثمَّ قَالَ: فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يَغْدُو عَالما أَو متعلماً فَلْيفْعَل وَلَا يَغْدُو لسوى ذَلِك فَإِن الْعَالم والمتعلم شريكان فِي الْخَيْر أَيهَا النَّاس إِنِّي وَالله مَا أَخَاف عَلَيْكُم أَن تؤخذوا بِمَا لم يبين لكم وَقد قَالَ الله تَعَالَى {وَمَا كَانَ الله ليضل قوما بعد إِذْ هدَاهُم حَتَّى يبين لَهُم مَا يَتَّقُونَ} فقد بَين لكم مَا تَتَّقُون
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {وَمَا كَانَ الله ليضل قوما بعد إِذْ هدَاهُم حَتَّى يبين لَهُم مَا يَتَّقُونَ} قَالَ: نزلت حِين أخذُوا الْفِدَاء من الْمُشْركين يَوْم الْأُسَارَى قَالَ: لم يكن لكم أَن تأخذوه حَتَّى يُؤذن لكم وَلَكِن مَا كَانَ الله ليعذب قوما بذنب أذنبوه حَتَّى يبين لَهُم مَا يَتَّقُونَ
قَالَ: حَتَّى ينهاهم قبل ذَلِك
الْآيَة 117
أخرج ابْن جرير وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو نعيم وَالْبَيْهَقِيّ مَعًا فِي الدَّلَائِل والضياء فِي المختارة عَن ابْن عَبَّاس
أَنه قَالَ لعمر بن الْخطاب رضي الله عنه حَدثنَا من شَأْن سَاعَة الْعسرَة
فَقَالَ خرجنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى تَبُوك فِي قيظ شَدِيد فنزلنا منزلا فأصابنا فِيهِ عَطش حَتَّى ظننا إِن رقابنا ستقطع حَتَّى إِن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه وَيجْعَل مَا بَقِي على كبده فَقَالَ أَبُو بكر الصّديق رضي الله عنه: يَا رَسُول الله إِن الله قد عوّدك فِي الدُّعَاء خيرا فَادع لنا
فَرفع يَدَيْهِ فَلم يرجعهما حَتَّى قَالَت السَّمَاء فأهطلت ثمَّ سكبت فملأوا مَا مَعَهم ثمَّ ذَهَبْنَا نَنْظُر فَلم نجدها جَاوَزت الْعَسْكَر
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد فِي قَوْله {فِي سَاعَة الْعسرَة} قَالَ: غَزْوَة تَبُوك
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة فِي قَوْله {لقد تَابَ الله على النَّبِي والمهاجرين وَالْأَنْصَار الَّذين اتَّبعُوهُ فِي سَاعَة الْعسرَة} قَالَ: هم الَّذين اتبعُوا النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَة تَبُوك قبل الشَّام فِي لهبان الْحر على مَا يعلم الله من الْجهد أَصَابَهُم فِيهَا جهد شَدِيد حَتَّى لقد ذكر لنا أَن الرجلَيْن كَانَ يشقا التمرة بَينهمَا وَكَانَ النَّفر يتداولون التمرة بَينهم يمصها أحدهم ثمَّ يشرب عَلَيْهَا المَاء ثمَّ يمصها الآخر فَتَابَ الله عَلَيْهِم فأقفلهم من غزوتهم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عقيل بن أبي طَالب فِي قَوْله {الَّذين اتَّبعُوهُ فِي سَاعَة الْعسرَة} قَالَ: خَرجُوا فِي غَزْوَة تَبُوك الرّجلَانِ وَالثَّلَاثَة على بعير وَخَرجُوا فِي حر شَدِيد فَأَصَابَهُمْ يَوْمًا عَطش حَتَّى جعلُوا ينحرون إبلهم فيعصرون أكراشها وَيَشْرَبُونَ ماءها فَكَانَ ذَلِك عسرة من المَاء وعسرة من النَّفَقَة وعسرة من الظّهْر
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه عَن جَابر فِي قَوْله {الَّذين اتَّبعُوهُ فِي سَاعَة الْعسرَة} قَالَ: عسرة الظّهْر وعسرة وعسرة المَاء
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك
أَنه قَرَأَ {من بعد مَا كَاد يزِيغ قُلُوب فريق مِنْهُم}
الْآيَة 118
أخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مَنْدَه وَابْن مرْدَوَيْه وَابْن عَسَاكِر عَن جَابر بن عبد الله فِي قَوْله {وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا} قَالَ: كَعْب بن مَالك وهلال بن أُميَّة ومرارة بن ربيعَة وَكلهمْ من الْأَنْصَار
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن مجمع بن جَارِيَة قَالَ: الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا فَتَابَ الله عَلَيْهِم كَعْب بن مَالك وهلال بن أُميَّة ومرارة بن ربعي
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن شهَاب قَالَ: إِن الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا كَعْب بن مَالك من بني سَلمَة وهلال بن أُميَّة من بني وَاقِف ومرارة بن ربيع من بني عَمْرو بن عَوْف
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أنس بن مَالك قَالَ: لما نزل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِذِي أَوَان خرج عَامَّة الْمُنَافِقين الَّذين كَانُوا تخلفوا عَنهُ يتلقونه فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لأَصْحَابه لَا تكلمن رجلا تخلف عَنَّا وَلَا تجالسوه حَتَّى آذن لكم فَلم يكلموهم فَلَمَّا قدم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَة أَتَاهُ الَّذين تخلفوا يسلمُونَ عَلَيْهِ فَأَعْرض عَنْهُم وَأعْرض الْمُؤْمِنُونَ عَنْهُم حَتَّى أَن الرجل ليعرض عَنهُ أَخُوهُ وَأَبوهُ وَعَمه فَجعلُوا يأْتونَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ويعتذرون بالجهد والأسقام فَرَحِمهمْ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فبايعهم واستغفر لَهُم وَكَانَ مِمَّن تخلف عَن غير شكّ وَلَا نفاق ثَلَاثَة نفر الَّذين ذكر الله تَعَالَى فِي سُورَة التَّوْبَة
كَعْب بن مَالك السّلمِيّ وهلال بن أُميَّة الوَاقِفِي ومرارة بن ربيعَة العامري
وَأخرج ابْن مَنْدَه وَابْن عَسَاكِر عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما {وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا} قَالَ: كَعْب بن مَالك ومرارة بن الرّبيع وهلال بن أُميَّة
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة وَأحمد وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن حبَان وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الزُّهْرِيّ قَالَ: أَخْبرنِي عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن كَعْب بن مَالك أَن عبد الله بن كَعْب بن مَالك وَكَانَ قَائِد كَعْب من بنيه حِين عمي قَالَ: سَمِعت كَعْب بن مَالك يحدث حَدِيثه حِين تخلف عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَة تَبُوك قَالَ كَعْب: لم أَتَخَلَّف عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَة غَزَاهَا قطّ إِلَّا فِي غَزْوَة تَبُوك غير أَنِّي تخلفت فِي غَزْوَة بدر وَلم يُعَاتب أحدا تخلف عَنْهَا إِنَّمَا خرج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يُرِيد عير قُرَيْش حَتَّى جمع الله بَينهم وَبَين عدوهم على غير ميعاد وَلَقَد شهِدت مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَيْلَة الْعقبَة حِين تواثقنا على الْإِسْلَام وَمَا أحب أَن لي بهَا مشْهد بدر وَإِن كَانَت بدر أذكر فِي النَّاس مِنْهَا وَأشهر
وَكَانَ من خبري حِين تخلفت عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَة تَبُوك أَنِّي لم أكن قطّ أقوى وَلَا أيسر مني حِين تخلفت عَنهُ فِي تِلْكَ الْغُزَاة وَالله مَا جمعت قبلهَا راحلتين قطّ حَتَّى جمعتهما فِي تِلْكَ الْغُزَاة وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَلما يُرِيد غزَاة إِلَّا ورى بغَيْرهَا حَتَّى كَانَت تِلْكَ الْغَزْوَة فَغَزَاهَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي حر شَدِيد واستقبل سفرا بَعيدا وَمَفَازًا واستقبل عدوا كثيرا فجلا للْمُسلمين أَمرهم لِيَتَأَهَّبُوا أهبة عدوهم فَأخْبرهُم وَجهه الَّذِي يُرِيد والمسلمون مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كثير لَا يجمعهُمْ كتاب حَافظ يُرِيد الدِّيوَان
قَالَ كَعْب رضي الله عنه: فَقل رجل يُرِيد أَن يتغيب إِلَى ظن أَن ذَلِك سيخفى مَا لم ينزل فِيهِ وَحي من الله عز وجل وغزا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم تِلْكَ الْغُزَاة حِين
طابت الثِّمَار والظل وآن لَهَا أَن تصغر فتجهز إِلَيْهَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون مَعَه وطفقت أغدو لكَي أتجهز مَعَهم فأرجع وَلَا أَقْْضِي شَيْئا فَأَقُول لنَفْسي: أَنا قَادر على ذَلِك إِن أردْت
فَلم يزل ذَلِك يتمادى بِي حَتَّى اسْتمرّ بِالنَّاسِ الْجد فَأصْبح رَسُول الله صلى الله عليه وسلم غاديا والمسلمون مَعَه وَلم أقض من جهازي شَيْئا وفلت الجهاز بعد يَوْم أَو يَوْمَيْنِ ثمَّ ألحقهُ فَغَدَوْت بعد مَا فصلوا لأتجهز فَرَجَعت وَلم أقض من جهازي شَيْئا ثمَّ غَدَوْت فَرَجَعت وَلم أقض شَيْئا فَلم يزل ذَلِك يتمادى بِي حَتَّى انْتَهوا وتفارط الْغَزْو فهممت أَن أرتحل فأدركهم - وليت أَنِّي أفعل - ثمَّ لم يقدر لي ذَلِك فطفقت إِذْ خرجت فِي النَّاس بعد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أَنِّي لَا أرى إِلَّا رجلا مغموصا عَلَيْهِ من النِّفَاق أَو رجلا مِمَّن عذره الله
وَلم يذكرنِي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى بلغ تَبُوك فَقَالَ وَهُوَ جَالس فِي الْقَوْم بتبوك مَا فعل كَعْب بن مَالك فَقَالَ رجل من بني سَلمَة: حَبسه يَا رَسُول الله برْدَاهُ وَالنَّظَر فِي عطفيه
فَقَالَ لَهُ معَاذ بن جبل: بئْسَمَا قلت وَالله يَا رَسُول الله مَا علمنَا عَلَيْهِ إِلَّا خيرا
فَسكت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم
قَالَ كَعْب بن مَالك: فَلَمَّا بَلغنِي أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قَافِلًا من تَبُوك حضرني همي فطفقت أَتَذكر الْكَذِب وَأَقُول: بِمَاذَا أخرج من سخطه غَدا وأستعين على ذَلِك بِكُل ذِي رَأْي من أَهلِي فَلَمَّا قيل أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما رَاح عني الْبَاطِل وَعرفت أَنِّي لم أَنْج مِنْهُ بِشَيْء أبدا فأجمعت صدقه وَأصْبح رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قادما وَكَانَ إِذا قدم من سفر بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ جلس للنَّاس فَلَمَّا فعل ذَلِك جَاءَهُ المتخلفون فطفقوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ ويحلفون لَهُ وَكَانُوا بضعَة وَثَمَانِينَ رجلا فَقبل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مِنْهُم علانيتهم واستغفر لَهُم ووكل سرائرهم إِلَى الله حَتَّى جِئْت فَلَمَّا سلمت عَلَيْهِ تَبَسم تَبَسم الْمُغْضب ثمَّ قَالَ لي تعال
فَجئْت أَمْشِي حَتَّى جَلَست بَين يَدَيْهِ فَقَالَ: مَا خَلفك ألم تكن قد اشْتريت ظهرك فَقلت: يَا رَسُول الله لَو جَلَست عِنْد غَيْرك من أهل الدُّنْيَا لرأيت أَن أخرج من سخطه بِعُذْر لقد أَعْطَيْت جدلا وَلكنه - وَالله - لقد علمت لَئِن حدثتك الْيَوْم حَدِيث كذب ترْضى عني بِهِ ليوشكن الله يسخطك عَليّ وَلَئِن حدثتك الصدْق وتجد عَليّ فِيهِ أَنِّي لأرجو قرب عتبي من الله وَالله مَا كَانَ لي عذر وَالله مَا كنت قطّ أفرغ وَلَا أيسر مني حِين تخلفت عَنْك
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: أما هَذَا فقد صدق فَقُمْ حَتَّى يقْضِي الله فِيك
فَقُمْت وبادرني رجال من بني سَلمَة واتبعوني فَقَالُوا لي: وَالله مَا علمناك كنت أذنبت ذَنبا قبل هَذَا وَلَقَد عجزت أَن لَا تكون اعتذرت إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِمَا اعتذر بِهِ المتخلفون فَلَقَد كَانَ كافيك من ذَنْبك اسْتِغْفَار رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: فوَاللَّه مَا زَالُوا يؤنبوني حَتَّى أردْت أَن أرجع فأكذب نَفسِي ثمَّ قلت لَهُم: هَل لَقِي هَذَا معي أحدا قَالُوا: نعم لقِيه مَعَك رجلَانِ قَالَا مَا قلت وَقيل لَهما مثل مَا قيل لَك
فَقلت: من هما قَالُوا: مرَارَة بن الرّبيع وهلال بن أُميَّة الوَاقِفِي فَذكرُوا لي رجلَيْنِ صالحين قد شَهدا بَدْرًا لي فيهمَا أُسْوَة حَسَنَة فمضيت حِين ذكروهما لي
قَالَ: وَنهى رَسُول الله النَّاس عَن كلامنا أَيهَا الثَّلَاثَة من بَين من تخلف عَنهُ فَاجْتَنَبَنَا النَّاس وتغيروا لنا حَتَّى تنكرت لي فِي نَفسِي الأَرْض الَّتِي كنت أعرف فلبثنا على ذَلِك خمسين لَيْلَة فَأَما صَاحِبَايَ فاستكانا وقعدا فِي بيوتهما وَأما أَنا فَكنت أَشد الْقَوْم وأجلدهم فَكنت أشهد الصَّلَاة مَعَ الْمُسلمين وأطوف بالأسواق فَلَا يكلمني أحد وَآتِي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي مَجْلِسه بعد الصَّلَاة فَأسلم وَأَقُول فِي نَفسِي هَل حرك شَفَتَيْه برد السَّلَام أم لَا ثمَّ أُصَلِّي قَرِيبا مِنْهُ وأسارقه النّظر فَإِذا أَقبلت على صَلَاتي نظر إِلَيّ فَإِذا الْتفت نَحوه أعرض عني حَتَّى إِذا طَال عَليّ ذَلِك من هجر الْمُسلمين مشيت حَتَّى تسورت حَائِط أبي قَتَادَة وَهُوَ ابْن عمي وَأحب النَّاس إِلَيّ فَسلمت عَلَيْهِ فوَاللَّه مَا رد السَّلَام عَليّ فَقلت لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَة أنْشدك الله تَعَالَى هَل تعلم أَنِّي أحب الله وَرَسُوله قَالَ: فَسكت
قَالَ: فعدت فنشدته فَسكت فعدت فنشدته قَالَ: الله وَرَسُوله أعلم فَفَاضَتْ عَيْنَايَ وتوليت حَتَّى تسورت الْجِدَار
وَبينا أَنا أَمْشِي بسوق الْمَدِينَة إِذا نبطي من أَنْبَاط الشَّام مِمَّن قدم بِطَعَام يَبِيعهُ بِالْمَدِينَةِ يَقُول: من يدل على كَعْب بن مَالك فَطَفِقَ النَّاس يشيرون لَهُ إِلَيّ حَتَّى جَاءَ فَدفع إِلَيّ كتابا من ملك غَسَّان - وَكنت كَاتبا - فَإِذا فِيهِ: أما بعد فقد بلغنَا أَن صَاحبك قد جفاك وَلم يجعلك الله بدار هوان وَلَا مضيعة فَالْحق بِنَا نواسك
فَقلت حِين قرأتها: وَهَذَا أَيْضا من الْبلَاء
فيممت بهَا التَّنور فسجرته فِيهَا حَتَّى إِذا مَضَت أَرْبَعُونَ لَيْلَة من الْخمسين إِذا برَسُول رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فَقَالَ: أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَأْمُرك أَن تَعْتَزِل إمرأتك
فَقلت: أطلقها أم مَاذَا أفعل قَالَ: بل اعتزلها وَلَا تَقربهَا وَأرْسل إِلَى صَاحِبي مثل ذَلِك
فَقلت لإمرأتي: الحقي بأهلك فكوني
عِنْدهم حَتَّى يقْضِي الله فِي هَذَا الْأَمر فَجَاءَت امْرَأَة هِلَال بن أُميَّة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَت: يَا رَسُول الله إِن هلالا شيخ ضائع وَلَيْسَ لَهُ خَادِم فَهَل تكره أَن أخدمه قَالَ: لَا وَلَكِن لَا يقربنك
فَقَالَت: إِنَّه وَالله مَا بِهِ حَرَكَة إِلَى شَيْء وَالله مَا زَالَ يبكي من لدن إِن كَانَ من أَمرك مَا كَانَ إِلَى يَوْمه هَذَا
فَقَالَ لي بعض أَهلِي: لَو اسْتَأْذَنت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي امْرَأَتك فقد أذن لامْرَأَة هِلَال أَن تخدمه
فَقلت: وَالله لَا اسْتَأْذَنت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَمَا أَدْرِي مَا يَقُول إِذا استأذنته وَأَنا رجل شَاب
قَالَ: فلبثنا عشر لَيَال فكمل لنا خَمْسُونَ لَيْلَة من حِين نهى عَن كلامنا
قَالَ: ثمَّ صليت الْفجْر صباح خمسين لَيْلَة على ظهر بَيت من بُيُوتنَا فَبينا أَنا جَالس على الْحَال الَّتِي ذكر الله عَنَّا قد ضَاقَتْ عَليّ نَفسِي وَضَاقَتْ عَليّ الأَرْض بِمَا رَحبَتْ سَمِعت صَارِخًا أوفى جبل سلع يَقُول بِأَعْلَى صَوته: يَا كَعْب بن مَالك أبشر
فَخَرَرْت سَاجِدا وَعرفت أَن قد جَاءَ الْفرج فآذن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حِين صلى الْفجْر فَذهب النَّاس يبشروننا وَذهب قبل صَاحِبي مبشرون وركض إِلَيّ رجل فرسا وسعى ساع من أسلم وأوفى على الْجَبَل فَكَانَ الصَّوْت أسْرع من الْفرس فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعت صَوته يبشرني نزعت لَهُ ثوبي فكسوتهما إِيَّاه ببشارته - وَالله مَا أملك غَيرهمَا يَوْمئِذٍ - فاستعرت ثَوْبَيْنِ فلبستهما فَانْطَلَقت أؤم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني النَّاس فوجا بعد فَوْج يهنئونني بِالتَّوْبَةِ يَقُولُونَ: لِيَهنك تَوْبَة الله عَلَيْك حَتَّى دخلت الْمَسْجِد فَإِذا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم جَالس فِي الْمَسْجِد وَحَوله النَّاس فَقَامَ إِلَيّ طَلْحَة بن عبيد الله يُهَرْوِل حَتَّى صَافَحَنِي وهناني وَالله مَا قَامَ إِلَيّ رجل من الْمُهَاجِرين غَيره
قَالَ: فَكَانَ كَعْب رضي الله عنه لَا ينساها لطلْحَة
قَالَ كَعْب رضي الله عنه: فَلَمَّا سلمت على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ وَهُوَ يَبْرق وَجهه من السرُور أبشر بِخَير يَوْم مر عَلَيْك مُنْذُ وَلدتك أمك
قلت: أَمن عنْدك يَا رَسُول الله أم من عِنْد الله قَالَ: لَا بل من عِنْد الله
وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذا سر استنار وَجهه حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَة قمر
فَلَمَّا جَلَست بَين يَدَيْهِ قلت يَا رَسُول الله إِن من تَوْبَتِي أَن انخلع من مَالِي صَدَقَة إِلَى الله وَإِلَى رَسُوله صلى الله عليه وسلم قَالَ: أمسك بعض مَالك فَهُوَ خير لَك
قلت: إِنِّي أمسك سهمي الَّذِي بِخَيْبَر وَقلت: يَا رَسُول الله إِنَّمَا نجاني الله بِالصّدقِ وَإِن من تَوْبَتِي أَن لَا أحدث إِلَّا صدقا مَا بقيت
قَالَ: فوَاللَّه مَا أعلم أحدا من الْمُسلمين أبلاه الله من الصدْق فِي الحَدِيث مُنْذُ ذكرت ذَلِك لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مِمَّا أبلاني الله تَعَالَى
وَالله مَا تَعَمّدت مُنْذُ قلت ذَلِك إِلَى يومي هَذَا كذبا وَإِنِّي لأرجو أَن يحفظني الله فِيمَا بَقِي وَأنزل الله (لقد تَابَ الله على النَّبِي والمهاجرين وَالْأَنْصَار)(التَّوْبَة الْآيَة 117) إِلَى قَوْله {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين} فوَاللَّه مَا أنعم الله عَليّ من نعْمَة قطّ بعد أَن هَدَانِي الله لِلْإِسْلَامِ أعظم فِي نَفسِي من صدق رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَوْمئِذٍ أَن لَا أكون كَذبته فَأهْلك كَمَا هلك الَّذين كذبوه فَإِن الله قَالَ للَّذين كذبوه حِين أنزل الْوَحْي شَرّ مَا قَالَ لأحد فَقَالَ (سيحلفون بِاللَّه لكم إِذا انقلبتم إِلَيْهِم لتعرضوا عَنْهُم فأعرضوا عَنْهُم إِنَّهُم رِجْس)(التَّوْبَة الْآيَة 95) إِلَى قَوْله {الْفَاسِقين} قَالَ: وَكُنَّا خلفنا أَيهَا الثَّلَاثَة عَن أَمر أُولَئِكَ الَّذين قبل مِنْهُم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حِين خلفوا فبايعهم واستغفر لَهُم وأرجأ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أمرنَا حَتَّى قضى الله فِيهِ فبذلك قَالَ {وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا} وَلَيْسَ تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنَا الَّذِي ذكر مِمَّا خلفنا بتخلفنا عَن الْغَزْو وَإِنَّمَا هُوَ حلف لَهُ وَاعْتذر إِلَيْهِ فَقبل مِنْهُ
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن كَعْب بن مَالك رضي الله عنه قَالَ: لما نزلت تَوْبَتِي أتيت النَّبِي صلى الله عليه وسلم فقبَّلت يَده وركبتيه وكسوت المبشر ثَوْبَيْنِ
وَأخرج ابْن جرير عَن مُجَاهِد رضي الله عنه {وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا} قَالَ: الَّذين أرجأوا فِي وسط بَرَاءَة قَوْله {وَآخَرُونَ مرجون لأمر الله} ) (التَّوْبَة الْآيَة 106) هِلَال بن أُميَّة ومرارة بن ربيعَة وَكَعب بن مَالك
وَأخرج ابْن جرير عَن قَتَادَة رضي الله عنه {وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا} مثقلة يَقُول: عَن غَزْوَة تَبُوك
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الْحسن رضي الله عنه قَالَ: لما غزا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم تَبُوك تخلف كَعْب بن مَالك وهلال بن أُميَّة ومرارة بن الرّبيع قَالَ: أما أحدهم فَكَانَ لَهُ حَائِط حِين زها قد فَشَتْ فِيهِ الْحمرَة والصفرة فَقَالَ: غزوت وغزوت وغزوت مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَلَو أَقمت الْعَام فِي هَذَا الْحَائِط فَأَصَبْت مِنْهُ
فَلَمَّا خرج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه دخل حَائِطه فَقَالَ: مَا خلفني رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَمَا استبق الْمُؤْمِنُونَ فِي الْجِهَاد فِي سَبِيل الله إِلَّا ضن بك أَيهَا الْحَائِط
اللهمَّ إِنِّي أشهدك أَنِّي تَصَدَّقت بِهِ فِي سَبِيلك
وَأما الآخر فَكَانَ قد تفرق عَنهُ من أَهله نَاس واجتمعوا لَهُ فَقَالَ: غزوت مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وغزوت فَلَو أَنِّي أَقمت الْعَام فِي أَهلِي
فَلَمَّا خرج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه قَالَ: مَا خلفني عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَمَا استبق إِلَيْهِ المجاهدون فِي سَبِيل الله إِلَّا ضن بكم أَيهَا الْأَهْل اللَّهُمَّ إِن لَك عليَّ أَن لَا أرجع إِلَى أَهلِي وَمَالِي حَتَّى أعلم مَا تقضي فيَّ
وَأما الآخر فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِن لَك عليَّ أَن ألحق بالقوم حَتَّى أدركهم أَو أنقطع
فَجعل يتتبع الدقع والحزونة حَتَّى لحق بالقوم فَأنْزل الله {لقد تَابَ الله على النَّبِي} إِلَى قَوْله {وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا حَتَّى إِذا ضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ} قَالَ الْحسن رضي الله عنه: يَا سُبْحَانَ الله وَالله مَا أكلُوا مَالا حَرَامًا لَا أَصَابُوا دَمًا حَرَامًا وَلَا أفسدوا فِي الأَرْض غير أَنهم أبطأوا عَن شَيْء من الْخَيْر الْجِهَاد فِي سَبِيل الله وَقد - وَالله - جاهدوا وَجَاهدُوا وَجَاهدُوا فَبلغ مِنْهُم مَا سَمِعْتُمْ فَهَكَذَا يبلغ الذَّنب من الْمُؤمن
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك فِي قَوْله {وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا} يَعْنِي خلفوا عَن التَّوْبَة لم يتب عَلَيْهِم حَتَّى تَابَ الله على أَبُو لبَابَة وَأَصْحَابه
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن عَسَاكِر عَن عِكْرِمَة فِي قَوْله {وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا} عَن التَّوْبَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عِكْرِمَة بن خَالِد المَخْزُومِي أَنه كَانَ يقْرؤهَا {وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا} نصب أَي بعد مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: دَعَا الله إِلَى تَوْبَته من قَالَ (أَنا ربكُم الْأَعْلَى)(النازعات الْآيَة 24)
وَقَالَ (مَا علمت لكم من إِلَه غَيْرِي)(الْقَصَص الْآيَة 38) وَمن آيس الْعباد من التَّوْبَة بعد هَؤُلَاءِ فقد جحد كتاب الله وَلَكِن لَا يقدر العَبْد أَن يَتُوب حَتَّى يَتُوب الله وَهُوَ قَوْله {ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم ليتوبوا} فبدء التَّوْبَة من الله عز وجل
الْآيَة 119
أخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن نَافِع فِي قَوْله {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين} قَالَ: نزلت فِي الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا: قيل لَهُم: كونُوا مَعَ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن كَعْب بن مَالك قَالَ: فِينَا نزلت أَيْضا {اتَّقوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين}
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عمر فِي قَوْله {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين} قَالَ: مَعَ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه
وَأخرج ابْن جرير عَن سعيد بن جُبَير فِي قَوْله {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين} قَالَ: مَعَ أبي بكر وَعمر رضي الله عنهما
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ واين عَسَاكِر عَن الضَّحَّاك فِي قَوْله {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين} قَالَ: امروا أَن يَكُونُوا مَعَ أبي بكر وَعمر وأصحابهما
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {اتَّقوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين} قَالَ: مَعَ عَليّ بن أبي طَالب
وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن أبي حعفر فِي قَوْله {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين} قَالَ: مَعَ عَليّ بن أبي طَالب
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ فِي قَوْله {اتَّقوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين} قَالَ: كونُوا مَعَ كَعْب بن مَالك ومرارة بن ربيعَة وهلال بن أُميَّة
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن عدي وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ: لَا يصلح الْكَذِب فِي جد وَلَا هزل وَلَا أَن يعد أحدكُم صَبِيه شَيْئا ثمَّ لَا يُنجزهُ اقرأوا إِن شِئْتُم {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين} قَالَ: وَهِي فِي قِرَاءَة عبد الله هَكَذَا قَالَ: فَهَل تَجِدُونَ لأحد رخصَة فِي الْكَذِب
وَأخرج ابْن الْأَنْبَارِي فِي الْمَصَاحِف عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يقْرَأ {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين}
وَأخرج أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَالْبُخَارِيّ فِي الْأَدَب وَابْن عدي وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب عَن أبي بكر الصّديق رضي الله عنه سَمِعت النَّبِي صلى الله عليه وسلم يَقُول: عَلَيْكُم بِالصّدقِ فَإِنَّهُ
يهدي إِلَى الْبر وهما فِي الْجنَّة وَإِيَّاكُم وَالْكذب فَإِنَّهُ يهدي إِلَى الْفُجُور وهما فِي النَّار وَلَا يزَال الرجل يصدق حَتَّى يكْتب عِنْد الله صديقا وَلَا يزَال يكذب حَتَّى يكْتب عِنْد الله كذابا
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَابْن عدي وَالْبَيْهَقِيّ وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَلَيْكُم بِالصّدقِ فَأن الصدْق يهدي إِلَى الْبر وَأَن الْبر يهدي إِلَى الْجنَّة وَأَن الرجل ليصدق حَتَّى يكْتب عِنْد الله صديقا وَإِيَّاكُم وَالْكذب فَإِن الْكَذِب يهدي إِلَى الْفُجُور وَإِن الْفُجُور يهدي إِلَى النَّار وَإِن الرجل ليكذب حَتَّى يكْتب عِنْد الله كذابا
وَأخرج ابْن عدي عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: يَا أَيهَا النَّاس اجتنبوا الْكَذِب فَإِن الْكَذِب يهدي إِلَى الْفُجُور وَإِن الْفُجُور يهدي إِلَى النَّار وَإنَّهُ يُقَال: صدق وبر وَكذب وفجر
وَأخرج أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب عَن أبي مَالك الْجُشَمِي أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ: أَرَأَيْت لَو كَانَ لَك عَبْدَانِ أَحدهمَا يخونك ويكذبك حَدِيثا وَالْآخر لَا يخونك ويصدقك حَدِيثا أَيهمَا أحب إِلَيْك قَالَ: قلت: الَّذِي لَا يخونني ويصدقني حَدِيثا قَالَ: كَذَلِك أَنْتُم عِنْد ربكُم عز وجل
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ عَن ابْن مَسْعُود رضي الله عنه رفع الحَدِيث إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِن الْكَذِب لَا يصلح مِنْهُ جد وَلَا هزل وَلَا يعد الرجل ابْنه ثمَّ لَا ينجز لَهُ إِن الصدْق يهدي إِلَى الْبر وَأَن الْبر يهدي إِلَى الْجنَّة وَإِن الْكَذِب يهدي إِلَى الْفُجُور وَإِن الْفُجُور يهدي إِلَى النَّار إِنَّه يُقَال للصادق صدق وبر وَيُقَال للكاذب كذب وفجر وَإِن الرجل ليصدق حَتَّى يكْتب عِنْد الله صديقا ويكذب حَتَّى يكْتب عِنْد الله كذابا
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد وَالْبَيْهَقِيّ عَن أَسمَاء بنت يزِيد أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم خطب فَقَالَ: مَا يحملكم على أَن تتابعوا على الْكَذِب كَمَا يتتابع الْفراش فِي النَّار كل الْكَذِب يكْتب على ابْن آدم
إِلَّا رجل كذب فِي خديعة حَرْب أَو إصْلَاح بَين إثنين أَو رجل يحدث امْرَأَته ليرضيها
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن النوّاس بن سمْعَان الْكلابِي قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَالِي أَرَاكُم تتهافتون فِي الْكَذِب تهافت الْفراش فِي النَّار كل الْكَذِب يكْتب على ابْن آدم إِلَّا رجل كذب فِي خديعة حَرْب أَو إصْلَاح بَين إثنين أَو رجل يحدث امْرَأَته ليرضيها
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن شهَاب قَالَ: لَيْسَ بِكَذَّابٍ من دَرأ عَن نَفسه
وَأخرج ابْن عدي وَالْبَيْهَقِيّ وَضَعفه عَن أبي بكر رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: الْكَذِب مُجَانب للإِيمان
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن عدي عَن أبي بكر الصّديق رضي الله عنه قَالَ: إيَّاكُمْ وَالْكذب فَإِن الْكَذِب مُجَانب للإِيمان
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا هُوَ الصَّحِيح مَوْقُوف
وَأخرج ابْن عدي وَالْبَيْهَقِيّ عَن سعد بن أبي وَقاص عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: يطبع الْمُؤمن على كل شَيْء إِلَّا الْخِيَانَة وَالْكذب
وَأخرج ابْن عدي عَن ابْن عمر عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ يطبع الْمُؤمن على كل خلق لَيْسَ الْخِيَانَة وَالْكذب
وَأخرج ابْن عدي عَن أبي أُمَامَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن الْمُؤمن ليطبع على خلال شَتَّى من الْجُود وَالْبخل وَحسن الْخلق وَلَا يطبع الْمُؤمن على الْكَذِب وَلَا يكون كذابا
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد عَن أبي أُمَامَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يطبع الْمُؤمن على الْخلال كلهَا إِلَّا الْخِيَانَة وَالْكذب
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن عبد الله بن أبي قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْمُؤمن يطبع على كل خلق إِلَّا الْكَذِب والخيانة
وَأخرج أَبُو نعيم فِي الْحِلْية عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد قَالَ: يبْنى الإِنسان على خِصَال فمهما بني عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يبْنى على الْخِيَانَة وَالْكذب
وَأخرج مَالك وَالْبَيْهَقِيّ عَن صَفْوَان بن سليم أَنه قيل يَا رَسُول الله أَيكُون الْمُؤمن جَبَانًا قَالَ نعم
قيل: أَيكُون الْمُؤمن بَخِيلًا قَالَ: نعم
قيل: أَيكُون الْمُؤمن كذابا قَالَ: لَا
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ وَأَبُو يعلى وَضَعفه عَن أبي بَرزَة عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ الْكَذِب يسوّد الْوَجْه والنميمة عَذَاب الْقَبْر
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ عَن عَائِشَة رضي الله عنها قَالَت مَا كَانَ خلق
أبْغض إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من الْكَذِب وَلَقَد كَانَ الرجل يكذب عِنْده الكذبة فَمَا يزَال فِي نَفسه حَتَّى يعلم أَنه قد أحدث مِنْهَا تَوْبَة
وَأخرج أَحْمد وهناد بن السّري رضي الله عنه فِي الزّهْد وَابْن عدي وَالْبَيْهَقِيّ عَن النّواس بن سمْعَان قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كَبرت خِيَانَة أَن تحدث أَخَاك حَدِيثا هُوَ لَك مُصدق وَأَنت بِهِ كَاذِب
وَأخرج أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ عَن أَسمَاء بنت عُمَيْس قَالَت كنت صَاحِبَة عَائِشَة الَّتِي هيأتها فأدخلتها على النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي نسْوَة فَمَا وُجدنا عِنْده قرى إِلَّا قدح من لبن فتناوله فَشرب مِنْهُ ثمَّ نَاوَلَهُ عَائِشَة فاستحيت مِنْهُ فَقلت: لَا تردي يَد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم
فَأَخَذته فَشَربته ثمَّ قَالَ: ناولي صواحبك
فَقلت: لَا نشتهيه
فَقَالَ: لَا تجمعن كذبا وجوعاً
فَقلت: إِن قَالَت إحدانا لشَيْء تشتهيه لَا أشتهي أيعدُّ ذَلِك كذبا
فَقَالَ: إِن الْكَذِب يكْتب كذبا حَتَّى الكذيبة تكْتب كذيبة
وَأخرج ابْن سعد وَابْن أبي شيبَة وَأحمد وَالْبَيْهَقِيّ عَن عبد الله بن عَامر بن ربيعَة قَالَ: جَاءَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بيتنا وَأَنا صبي صَغِير فَذَهَبت أَلعَب فَقَالَت أُمِّي لي: يَا عبد الله تعال أُعْطِيك
فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَا أردْت أَن تعطيه قَالَت: أردْت أَن أعْطِيه تَمرا قَالَ: إِمَّا أَنَّك لَو لم تفعلي لكتبت عَلَيْك كذبة
وَأخرج الطَّيَالِسِيّ وَأحمد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ والدارمي وَأَبُو يعلى وَابْن حبَان وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ والضياء عَن الْحسن بن عَليّ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: دع مَا يريبك إِلَى مَا لَا يريبك فَإِن الصدْق طمأنينة وَإِن الْكَذِب رِيبَة
وَأخرج ابْن عدي عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي خطبَته إِن أعظم الْخَطِيئَة عِنْد الله اللِّسَان الْكَاذِب
وَأخرج ابْن عدي عَن أبي بكر الصّديق قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول الصدْق أَمَانَة وَالْكذب خِيَانَة
وَأخرج ابْن ماجة والحكيم التِّرْمِذِيّ فِي نَوَادِر الْأُصُول والخرائطي فِي مَكَارِم الْأَخْلَاق وَالْبَيْهَقِيّ عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُول الله من خير النَّاس قَالَ ذُو الْقلب المحموم وَاللِّسَان الصَّادِق قُلْنَا: قد عرفنَا اللِّسَان الصَّادِق فَمَا الْقلب المحموم قَالَ: التقي النقي الَّذِي لَا إِثْم فِيهِ وَلَا بغي وَلَا غل وَلَا حسد
قُلْنَا يَا رَسُول الله: فَمن على أَثَره قَالَ: الَّذِي يشنأ الدُّنْيَا وَيُحب الْآخِرَة قُلْنَا مَا نَعْرِف
هَذَا فِينَا إِلَّا رَافعا مولى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَمن على أَثَره قَالَ: مُؤمن فِي حسن خلق
قُلْنَا: أما هَذَا ففينا
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب عَن عمر بن الْخطاب قَالَ: لَا تَجِد الْمُؤمن كذابا
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن عمر بن الْخطاب قَالَ لَا تنظروا إِلَى صَلَاة أحد وَلَا إِلَى صِيَامه وَلَكِن انْظُرُوا إِلَى من حدث صدق وَإِذا ائْتمن أدّى وَإِذا أشفى ورع
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن أنس قَالَ: إِن الرجل ليحرم قيام اللَّيْل وَصِيَام النَّهَار بالكذبة يكذبها
وَأخرج ابْن عدي وَالْبَيْهَقِيّ عَن مُحَمَّد بن سِيرِين قَالَ: الْكَلَام أوسع من أَن يكذب ظريف
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن مطر الْوراق قَالَ: خصلتان إِذا كَانَتَا فِي عبد كَانَ سَائِر عمله تبعا لَهما حسن الصَّلَاة وَصدق الحَدِيث
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن الفضيل قَالَ: لم يتزين النَّاس بِشَيْء أفضل من الصدْق وَطلب الْحَلَال
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن عبد الْعَزِيز بن أبي رواد قَالَ: أبرار الدُّنْيَا الْكَذِب وَقلة الْحيَاء من طلب الدُّنْيَا بِغَيْرِهِمَا فقد أَخطَأ الطَّرِيق وَالْمطلب وأبرار الْآخِرَة الْحيَاء والصدق فَمن طلب الْآخِرَة بِغَيْرِهِمَا فقد أَخطَأ الطَّرِيق وَالْمطلب
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن يُوسُف بن أَسْبَاط قَالَ: يرْزق العَبْد بِالصّدقِ ثَلَاث خِصَال الْحَلَاوَة والملاحة والمهابة
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن أبي روح حَاتِم بن يُوسُف قَالَ: أتيت بَاب الفضيل بن عِيَاض فَسلمت عَلَيْهِ فَقلت: يَا أَبَا عَليّ معي خَمْسَة أَحَادِيث إِن رَأَيْت أَن تَأذن لي فأقرأ
فَقَالَ لي: اقْرَأ
فَقَرَأت فَإِذا هِيَ سِتَّة فَقَالَ لي: أَن قُم يَا بني تعلم الصدْق ثمَّ اكْتُبْ الحَدِيث
وَأخرج ابْن عدي عَن عمرَان بن الْحصين رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن فِي المعاريض لمندوحة عَن الْكَذِب
وَأخرج ابْن عدي عَن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن فِي المعاريض مَا يُغني الرجل الْعَاقِل عَن الْكَذِب
الْآيَات 120 - 121
أخرج ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَمْرو بن مَالك عَن أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ لما نزلت هَذِه الْآيَة {مَا كَانَ لأهل الْمَدِينَة وَمن حَولهمْ من الْأَعْرَاب أَن يتخلفوا عَن رَسُول الله} قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَوْلَا ضعفاء النَّاس مَا كَانَت سَرِيَّة إِلَّا كنت فِيهَا
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن زيد فِي قَوْله {مَا كَانَ لأهل الْمَدِينَة وَمن حَولهمْ من الْأَعْرَاب أَن يتخلفوا عَن رَسُول الله} قَالَ: هَذَا حِين كَانَ الإِسلام قَلِيلا فَلَمَّا كثر الإِسلام وَفَشَا قَالَ الله تَعَالَى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لينفروا كَافَّة)(التَّوْبَة الْآيَة 122)
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ {لَا يصيبهم ظمأ} قَالَ: الْعَطش {وَلَا نصب} قَالَ: العناء
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن رَجَاء بن حَيْوَة وَمَكْحُول: أَنَّهُمَا كَانَا يكرهان التلثم من الْغُبَار فِي سَبِيل الله
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الْأَوْزَاعِيّ وَعبد الله بن الْمُبَارك وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الغزاري وَعِيسَى بن يُونُس السبيعِي أَنهم قَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَا ينالون من عدوّ نيلاً إِلَّا كتب لَهُم بِهِ عمل صَالح} قَالُوا: هَذِه الْآيَة للْمُسلمين إِلَى أَن تقوم السَّاعَة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن السّديّ فِي قَوْله {مَا كَانَ لأهل الْمَدِينَة} الْآيَة قَالَ: نستخها الْآيَة الَّتِي تَلِيهَا {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لينفروا كَافَّة} الْآيَة
وَأخرج الْحَاكِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن عَليّ رضي الله عنه قَالَ خرج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي غزَاة وَخلف جعفراً فِي أَهله فَقَالَ جَعْفَر: وَالله مَا أَتَخَلَّف عَنْك فخلفني
فَقلت: يَا رَسُول الله أتخلفني أَي شَيْء تَقول قُرَيْش أَلَيْسَ يَقُولُونَ: مَا أسْرع مَا خذل ابْن عَمه وَجلسَ عَنهُ وَأُخْرَى ابْتغى الْفضل من الله لِأَنِّي سَمِعت الله تَعَالَى يَقُول {وَلَا يطؤون موطئاً يغِيظ الْكفَّار} الْآيَة
قَالَ: أما قَوْلك أَن تَقول قُرَيْش: مَا أسْرع مَا خذل ابْن عَمه وَجلسَ عَنهُ فقد قَالُوا: إِنِّي سَاحر وكاهن وَإِنِّي كَذَّاب فلك بِي أُسْوَة أما ترْضى أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هرون من مُوسَى غير أَنه لَا نَبِي بعدِي وَأما قَوْلك تبتغي الْفضل من الله فقد جَاءَنَا فلفل من الْيمن فبعه وَأنْفق عَلَيْك وعَلى فَاطِمَة حَتَّى يأتيكما الله مِنْهُ برزق
الْآيَة 122
أخرج أَبُو دَاوُد فِي ناسخه وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: نسخ هَؤُلَاءِ الْآيَات (انفروا خفافاً وثقالاً)(التَّوْبَة الْآيَة 41) و (إِلَّا تنفرُوا يعذبكم عذَابا أَلِيمًا)(التَّوْبَة الْآيَة 39) قَوْله {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لينفروا كَافَّة} يَقُول: لتنفر طَائِفَة ولتمكث طَائِفَة مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فالماكثون مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم هم الَّذين يتفقهون فِي الدّين وينذرون اخوانهم إِذا رجعُوا إِلَيْهِم من الْغَزْو لَعَلَّهُم يحذرون مَا نزل من بعدهمْ من قَضَاء الله فِي كِتَابه وحدوده
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْمدْخل عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لينفروا كَافَّة} يَعْنِي مَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لينفروا جَمِيعًا ويتركوا النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَحده {فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة} يَعْنِي عصبَة يَعْنِي السَّرَايَا
فَلَا يَسِيرُونَ إِلَّا باذنه فَإِذا رجعت السَّرَايَا وَقد نزل قُرْآن تعلمه الْقَاعِدُونَ من النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالُوا: إِن الله قد أنزل عليَّ نَبِيكُم بَعدنَا قُرْآنًا وَقد تعلمناه فتمكث السَّرَايَا يتعلمون مَا أنزل الله على نَبِيّهم بعدهمْ وَيبْعَث سَرَايَا أخر فَذَلِك قَوْله {ليتفقهوا فِي الدّين} يَقُول يتعلمون مَا أنزل الله على نبيه ويعلمونه السَّرَايَا إِذا رجعت إِلَيْهِم {لَعَلَّهُم يحذرون}
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لينفروا كَافَّة} قَالَ: لَيست هَذِه الْآيَة فِي الْجِهَاد وَلَكِن لما دَعَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم على مُضر بِالسِّنِينَ أجدبت بِلَادهمْ فَكَانَت الْقَبِيلَة مِنْهُم تقبل بأسرها حَتَّى يحلوا بِالْمَدِينَةِ من الْجهد ويعتلوا بالإِسلام وهم كاذبون فضيقوا على أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وأجهدوهم فَأنْزل الله تَعَالَى يخبر رَسُوله صلى الله عليه وسلم أَنهم لَيْسُوا بمؤمنين فردهم إِلَى عَشَائِرهمْ وحذر قَومهمْ أَن يَفْعَلُوا فعلهم فَذَلِك قَوْله {ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يحذرون}
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر قَالَ: كَانَ الْمُؤْمِنُونَ يحرضهم على الْجِهَاد إِذا بعث رَسُول الله صلى الله عليه وسلم سَرِيَّة خَرجُوا فِيهَا وَتركُوا النَّبِي صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ فِي رقة من النَّاس فَأنْزل الله تَعَالَى {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لينفروا كَافَّة} أمروا إِذْ بعث النَّبِي صلى الله عليه وسلم سَرِيَّة أَن تخرج طَائِفَة وتقيم طَائِفَة فيحفظ المقيمون على الَّذين خَرجُوا مَا أنزل الله من الْقُرْآن وَمَا يسن من السّنَن فَإِذا رَجَعَ اخوانهم أخبروهم بذلك وعلموهم وَإِذا خرج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لم يتَخَلَّف عَنهُ أحد إِلَّا باذن أَو عذر
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن عِكْرِمَة قَالَ: لما نزلت (إِلَّا تنفرُوا يعذبكم عذَابا أَلِيمًا)(التَّوْبَة الْآيَة 39)(وَمَا كَانَ لأهل الْمَدِينَة)(التَّوْبَة الْآيَة 120) الْآيَة
قَالَ المُنَافِقُونَ: هلك أهل البدو الَّذين تخلفوا عَن مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَلم يغزوا مَعَه وَقد كَانَ نَاس خَرجُوا إِلَى البدو وَإِلَى قَومهمْ يفقهونهم فَأنْزل الله تَعَالَى {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لينفروا كَافَّة} الْآيَة
وَنزلت (وَالَّذين يحاجون فِي الله من بعد مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حجتهم داحضة)(الشورى الْآيَة 16) الْآيَة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد فِي قَوْله {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لينفروا كَافَّة} الْآيَة
قَالَ: نَاس من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عليه وسلم خَرجُوا فِي الْبَوَادِي فاصابوا من النَّاس مَعْرُوفا وَمن الخصب مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ ودعوا من وجدوا من النَّاس إِلَى الْهدى فَقَالَ لَهُم النَّاس: مَا نَرَاكُمْ إِلَّا قد تركْتُم أصحابكم وجئتونا
فوجدوا فِي أنفسهم من ذَلِك تحرجاً واقبلوا من الْبَادِيَة كلهم حَتَّى دخلُوا على النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ الله تَعَالَى {فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة} خرج بعض وَقعد بعض يَبْتَغُونَ الْخَيْر {ليتفقهوا فِي الدّين} وليسمعوا مَا فِي النَّاس وَمَا أنزل بعدهمْ {ولينذروا قَومهمْ} قَالَ: النَّاس كلهم إِذا رجعُوا إِلَيْهِم {لَعَلَّهُم يحذرون}
الْآيَة 123
أخرج ابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة فِي قَوْله {قَاتلُوا الَّذين يلونكم من الْكفَّار} قَالَ: الْأَدْنَى فالأدنى
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك
مثله
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن زيد فِي الْآيَة قَالَ: كَانَ الَّذين يلونه من الْكفَّار الْعَرَب فَقَاتلهُمْ حَتَّى فرغ مِنْهُم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد
أَنه سُئِلَ عَن قتال الديلم فَقَالَ: قاتلوهم فَإِنَّهُم من الَّذين قَالَ الله تَعَالَى {قَاتلُوا الَّذين يلونكم من الْكفَّار}
وَأخرج ابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ عَن الْحسن
أَنه كَانَ إِذا سُئِلَ عَن قتال الرّوم والديلم تَلا هَذِه الْآيَة {قَاتلُوا الَّذين يلونكم من الْكفَّار وليجدوا فِيكُم غلظة} قَالَ: شدَّة
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عمر
أَنه سُئِلَ عَن غَزْو الديلم فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول {قَاتلُوا الَّذين يلونكم من الْكفَّار} قَالَ: الرّوم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {وليجدوا فِيكُم غلظة} قَالَ: شدَّة
124 -
126
أخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة فِي قَوْله {فَمنهمْ من يَقُول أَيّكُم زادته} قَالَ: من الْمُنَافِقين من يَقُول
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {فَأَما الَّذين آمنُوا فزادتهم إِيمَانًا} قَالَ: كَانَت إِذا أنزلت سُورَة آمنُوا بهَا فَزَادَهُم الله إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا وَكَانُوا بهَا يستبشرون
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ فِي قَوْله {فزادتهم رجساً إِلَى رجسهم} قَالَ: شكا إِلَى شكهم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {أَو لَا يرَوْنَ أَنهم يفتنون} قَالَ: يبتلون
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد فِي قَوْله {يفتنون} قَالَ: يبتلون {فِي كل عَام مرّة أَو مرَّتَيْنِ} قَالَ: بِالسنةِ والجوع
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الْحسن فِي قَوْله {يفتنون فِي كل عَام مرّة أَو مرَّتَيْنِ} قَالَ: يبتلون بالعدوّ فِي كل عَام مرّة أَو مرَّتَيْنِ
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة فِي قَوْله {يفتنون فِي كل عَام} قَالَ: يبتلون بالغزو فِي سَبِيل الله
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن بكار بن مَالك {أَو لَا يرَوْنَ أَنهم يفتنون فِي كل عَام مرّة أَو مرَّتَيْنِ} قَالَ: يمرضون فِي كل عَام مرّة أَو مرَّتَيْنِ
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الْعُتْبِي قَالَ: إِذا مرض العَبْد ثمَّ عوفي فَلم يَزْدَدْ خيرا قَالَت الْمَلَائِكَة عليهم السلام هَذَا الَّذِي داويناه فَلم يَنْفَعهُ الدَّوَاء
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أبي سعيد {أَو لَا يرَوْنَ أَنهم يفتنون فِي كل عَام مرّة أَو مرَّتَيْنِ} قَالَ: كَانَت لَهُم فِي كل عَام كذبة أَو كذبتان
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن حُذَيْفَة فِي قَوْله {أَو لَا يرَوْنَ أَنهم يفتنون فِي كل عَام مرّة أَو مرَّتَيْنِ} قَالَ: كُنَّا نسْمع فِي كل عَام كذبة أَو كذبتين فيضل بهَا فِئَام من النَّاس كثير
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك قَالَ: فِي قِرَاءَة عبد الله أَولا يرَوْنَ أَنهم يفتنون فِي كل عَام مرّة أَو مرَّتَيْنِ وَمَا يتذكرون
الْآيَة 127
أخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {وَإِذا مَا أنزلت سُورَة نظر بَعضهم إِلَى بعض} قَالَ: هم المُنَافِقُونَ
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الضَّحَّاك {وَإِذا مَا أنزلت سُورَة نظر بَعضهم إِلَى بعض هَل يراكم من أحد} كَرَاهِيَة أَن يغصنا بهَا
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن زيد فِي قَوْله {وَإِذا مَا أنزلت سُورَة نظر بَعضهم إِلَى بعض هَل يراكم من أحد} مِمَّن سمع خبركم رآكم أحد أخبرهُ إِذا نزل شَيْء يخبر عَن كَلَامهم وهم المُنَافِقُونَ
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: لَا تَقولُوا انصرفنا من الصَّلَاة فَإِن قوما انصرفوا صرف الله قُلُوبهم وَلَكِن قُولُوا: قضينا الصَّلَاة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن ابْن عمر قَالَ: لَا يُقَال انصرفنا من الصَّلَاة وَلَكِن قد قضيت الصَّلَاة
الْآيَة 128
أخرج عبد بن حميد والْحَارث بن أبي أُسَامَة فِي مُسْنده وَابْن الْمُنْذر وَابْن مردوية وَأَبُو نعيم فِي دَلَائِل النبوّة وَابْن عَسَاكِر عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم} قَالَ: لَيْسَ من الْعَرَب قَبيلَة إِلَّا وَقد ولدت النَّبِي صلى الله عليه وسلم مضريها وربيعيها ويمانيها
وَأخرج عبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه وَأَبُو الشَّيْخ عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه فِي قَوْله {لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم} قَالَ: لم يصبهُ شَيْء من ولادَة الْجَاهِلِيَّة وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم خرجت من نِكَاح وَلم أخرج من سفاح
وَأخرج ابْن سعد عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم} قَالَ: قد ولدتموه يَا معشر الْعَرَب
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أنس قَالَ: قَرَأَ رَسُول الله {لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم} فَقَالَ عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه: يَا رَسُول الله مَا معنى {أَنفسكُم} فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَنا أَنفسكُم نسبا وصهراً وحسباً لَيْسَ فيَّ وَلَا فِي آبَائِي من لدن آدم سفاح كلهَا نِكَاح
وَأخرج الْحَاكِم عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَرَأَ {لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم} يَعْنِي من أعظمكم قدرا
وَأخرج ابْن سعد وَابْن عَسَاكِر عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم خرجت من لدن آدم من نِكَاح غير سفاح
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَا ولدني من سفاح الْجَاهِلِيَّة شَيْء وَمَا ولدني إِلَّا نِكَاح كَنِكَاح الإِسلام
وَأخرج ابْن سعد وَابْن عَسَاكِر عَن عَائِشَة قَالَت: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم خرجت من نِكَاح غير سفاح
وَأخرج ابْن سعد وَابْن أبي شيبَة فِي المُصَنّف عَن مُحَمَّد بن عَليّ بن حُسَيْن أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ إِنَّمَا خرجت من نِكَاح وَلم أخرج من سفاح من لدن آدم لم يُصِبْنِي من سفاح أهل الْجَاهِلِيَّة شَيْء لم أخرج إِلَّا من طهرة
وَأخرج ابْن أبي عمر الْعَدنِي فِي مُسْنده وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَأَبُو نعيم فِي الدَّلَائِل وَابْن عَسَاكِر عَن عَليّ بن أبي طَالب أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: خرجت من نِكَاح وَلم أخرج من سفاح من لدن آدم إِلَى أَن ولدني أبي وَأمي لم يُصِبْنِي من سفاح الْجَاهِلِيَّة شَيْء
وَأخرج أَبُو نعيم فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لم يلتق أبواي قطّ على سفاح لم يزل الله ينقلني من الإِصلاب الطّيبَة إِلَى الْأَرْحَام الطاهرة مصفى مهذباً لَا تتشعب شعبتان إِلَّا كنت فِي خيرهما
وَأخرج ابْن سعد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم خير الْعَرَب مُضر وَخير مُضر بَنو عبد منَاف وَخير بني عبد منَاف بَنو هَاشم وَخير بَنو هَاشم بَنو عبد الْمطلب وَالله مَا افترق شعبتان مُنْذُ خلق الله آدم إِلَّا كنت فِي خيرهما
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل وَابْن عَسَاكِر عَن أنس قَالَ: خطب النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَنا مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب بن فهر بن مَالك بن النَّضر بن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر بن نزار وَمَا افترق النَّاس فرْقَتَيْن إِلَّا جعلني الله فِي خيرهما فأخرجت من بَين أَبَوي فَلم يُصِبْنِي شَيْء من عهد الْجَاهِلِيَّة وَخرجت من نِكَاح وَلم أخرج من سفاح من لدن آدم حَتَّى انْتَهَيْت إِلَى أبي وَأمي فَأَنا خَيركُمْ نفسا وخيركم أَبَا
وَأخرج ابْن سعد وَالْبُخَارِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: بعثت من خير قُرُون بني آدم قرنا فقرنا حَتَّى كنت من الْقرن الَّذِي كنت فِيهِ
وَأخرج ابْن سعد وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن الله اصْطفى من ولد إِبْرَاهِيم إِسْمَعِيل وَاصْطفى من ولد إِسْمَعِيل بني كنَانَة وَاصْطفى من بني كنَانَة قُريْشًا وَاصْطفى من قُرَيْش بني هَاشم وَاصْطَفَانِي من بني هَاشم
وَأخرج أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو نعيم وَالْبَيْهَقِيّ مَعًا فِي الدَّلَائِل عَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن الله حِين خلق الْخلق جعلني من خير خلقه ثمَّ حِين فرقهم جعلني فِي خير الْفَرِيقَيْنِ ثمَّ حِين خلق الْقَبَائِل جعلني من خَيرهمْ قَبيلَة وَحين خلق الْأَنْفس جعلني من خير أنفسهم ثمَّ حِين خلق الْبيُوت جعلني من خير بُيُوتهم فَأَنا خَيرهمْ بَيْتا وَخَيرهمْ نفسا
وَأخرج الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ فِي نَوَادِر الْأُصُول وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو نعيم وَالْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن الله خلق الْخلق فَاخْتَارَ من الْخلق بني آدم وَاخْتَارَ من بني آدم الْعَرَب وَاخْتَارَ من الْعَرَب مُضر وَاخْتَارَ من مُضر قُريْشًا وَاخْتَارَ من قُرَيْش بني هَاشم واختارني من بني هَاشم فانا من خِيَار إِلَى خِيَار
وَأخرج ابْن سعد عَن مُحَمَّد بن عَليّ بن حُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: قسم الله الأَرْض نِصْفَيْنِ فجعلني فِي خيرهما ثمَّ قسم النّصْف على ثَلَاثَة فَكنت فِي خير ثلث مِنْهَا ثمَّ اخْتَار الْعَرَب من النَّاس ثمَّ اخْتَار قُريْشًا من الْعَرَب ثمَّ اخْتَار بني هَاشم من قُرَيْش ثمَّ اخْتَار بني عبد الْمطلب من بني هَاشم ثمَّ اختارني من بني عبد الْمطلب
وَأخرج ابْن سعد وَالْبَيْهَقِيّ عَن مُحَمَّد بن عَليّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَن الله اخْتَار الْعَرَب فَاخْتَارَ مِنْهُم كنَانَة ثمَّ اخْتَار مِنْهُم قُريْشًا ثمَّ اخْتَار مِنْهُم بني هَاشم ثمَّ اختارني من بني هَاشم وَأخرج ابْن سعد عَن عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن الله اخْتَار الْعَرَب فَاخْتَارَ كنَانَة من العربواختار قُريْشًا من كنَانَة وَاخْتَارَ بني هَاشم من قُرَيْش واختارني من بني هَاشم
وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَا ولدتني بغي قطّ مذ خرجت من صلب آدم وَلم تزل تتنازعني الْأُمَم كَابِرًا عَن كَابر حَتَّى خرجت من أفضل حيين من الْعَرَب هَاشم وزهرة
وَأخرج ابْن أبي عمر الْعَدنِي عَن ابْن عَبَّاس أَن قُريْشًا كَانَت نورا بَين يَدي الله تَعَالَى قبل أَن يخلق الْخلق بألفي عَام يسبح ذَلِك النُّور وتسبح الْمَلَائِكَة بتسبيحه فَلَمَّا خلق الله آدم عليه السلام ألْقى ذَلِك النُّور فِي صلبه
قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: فاهبطني
الله إِلَى الأَرْض فِي صلب آدم عليه السلام وَجَعَلَنِي فِي صلب نوح وَقذف بِي فِي صلب إِبْرَاهِيم ثمَّ لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الْكَرِيمَة إِلَى الْأَرْحَام الطاهرة حَتَّى أخرجني من بَين أَبَوي لم يلتقيا على سفاح قطّ
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن ربيعَة بن الْحَرْث بن عبد الْمطلب قَالَ بلغ النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَن قوما نالوا مِنْهُ فَغَضب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ قَالَ: أَيهَا النَّاس إِن الله خلق خلقه فجعلهم فرْقَتَيْن فجعلني فِي خير الْفرْقَتَيْنِ ثمَّ جلعهم قبائل فجعلني فِي خَيرهمْ قبيلاً ثمَّ جعلهم بُيُوتًا فجعلني فِي خَيرهمْ بَيْتا ثمَّ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: أَنا خَيركُمْ قبيلاً وخيركم بَيْتا
وَأخرج التِّرْمِذِيّ وحسنة وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ عَن الْمطلب بن أبي ودَاعَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وبلغه بعض مَا يَقُول النَّاس فَصَعدَ الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ: من أَنا قَالُوا: أَنْت رَسُول الله
قَالَ: أَنا مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب إِن الله خلق الْخلق فجعلني فِي خير خلقه وجعلهم فرْقَتَيْن فجعلني فِي خير فرقة وجعلهم قبائل فجعلني فِي خَيرهمْ قَبيلَة وجعلهم بُيُوتًا فجعلني فِي خَيرهمْ بَيْتا فانا خَيركُمْ بَيْتا وخيركم نفسا
وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَالنَّسَائِيّ عَن عبد الْمطلب بن ربيعَة بن الْحَرْث بن عبد الْمطلب
وَأخرج ابْن سعد عَن قَتَادَة قَالَ: ذكر لنا أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ إِذا أَرَادَ الله أَن يبْعَث نَبيا نظر إِلَى خير أهل الأَرْض قَبيلَة فيبعث خَيرهَا رجلا
وَأخرج الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ فِي نَوَادِر الْأُصُول عَن حعفر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَتَانِي جِبْرِيل عليه السلام فَقَالَ: يَا مُحَمَّد إِن الله عز وجل بَعَثَنِي فطفت شَرق الأَرْض وغربها وسهلها وجبلها فَلم أجد حَيا خيرا من الْعَرَب ثمَّ أَمرنِي فطفت فِي الْعَرَب فَلم أجد حَيا خيرا من مُضر ثمَّ أَمرنِي فطفت فِي مُضر فَلم أجد حَيا خيرا من كنَانَة ثمَّ أَمرنِي فطفت فِي كنَانَة فَلم أجد حَيا خيرا من قُرَيْش ثمَّ أَمرنِي فطفت فِي قُرَيْش فَلم أجد حَيا خيرا من بني هَاشم ثمَّ أَمرنِي أَن أخْتَار من أنفسهم فَلم أجد فيهم نفسا خيرا من نَفسك
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَإِسْحَق بن رَاهَوَيْه وَابْن منيع فِي مُسْنده وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل من طَرِيق يُوسُف بن مهْرَان عَن ابْن عَبَّاس عَن أبيّ بن كَعْب قَالَ: آخر آيَة أنزلت على النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَفِي لفظ: إِن آخر
مَا نزل من الْقُرْآن {لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم} إِلَى آخر الْآيَة
وَأخرج ابْن الضريس فِي فَضَائِل الْقُرْآن وَابْن الْأَنْبَارِي فِي الْمَصَاحِف وَابْن مرْدَوَيْه عَن الْحسن أَن أبي بن كَعْب كَانَ يَقُول: إِن أحدث الْقُرْآن عهد بِاللَّه وَفِي لفظ: بالسماء هَاتَانِ الْآيَتَانِ {لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم} إِلَى آخر السُّورَة
وَأخرج عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل فِي زَوَائِد الْمسند وَابْن الضريس فِي فضائله وَابْن أبي دَاوُد فِي الْمَصَاحِف وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل والخطيب فِي تَلْخِيص الْمُتَشَابه والضياء فِي المختارة من طَرِيق أبي الْعَالِيَة عَن أبيّ بن كَعْب
أَنهم جمعُوا الْقُرْآن فِي مصحف فِي خلَافَة أبي بكر فَكَانَ رجال يَكْتُبُونَ ويملي عَلَيْهِم أبي بن كَعْب حَتَّى انْتَهوا إِلَى هَذِه الْآيَة من سُورَة بَرَاءَة {ثمَّ انصرفوا صرف الله قُلُوبهم بِأَنَّهُم قوم لَا يفقهُونَ} فظنوا أَن هَذَا آخر مَا نزل من الْقُرْآن فَقَالَ أبيّ بن كَعْب: أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قد أَقْرَأَنِي بعد هَذَا آيَتَيْنِ {لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم حَرِيص عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيم فَإِن توَلّوا فَقل حسبي الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ توكلت وَهُوَ رب الْعَرْش الْعَظِيم} فَهَذَا آخر مَا نزل من الْقُرْآن
قَالَ: فختم الْأَمر بِمَا فتح بِهِ بِلَا إِلَه إِلَّا الله يَقُول الله (وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول إِلَّا يُوحى إِلَيْهِ أَنه لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدون)(الْأَنْبِيَاء الْآيَة 25)
وَأخرج ابْن سعد وَأحمد وَالْبُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن جرير وَابْن أبي دَاوُد فِي الْمَصَاحِف وَابْن حبَان وَابْن الْمُنْذر وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن زيد بن ثَابت قَالَ: أرسل إليَّ أَبُو بكر مقتل أهل الْيَمَامَة وَعِنْده عمر فَقَالَ أَبُو بكر: إِن عمر أَتَانِي فَقَالَ: إِن الْقَتْل قد استحر يَوْم الْيَمَامَة بِالنَّاسِ واني أخْشَى أَن يستحر الْقَتْل بالقراء فِي المواطن فَيذْهب كثير من الْقُرْآن الا أَن تجمعوه وَإِنِّي أرى أَن تجمع الْقُرْآن
قَالَ أَبُو بكر: فَقلت لعمر: كَيفَ أفعل شَيْئا لم يَفْعَله رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ عمر: هُوَ - وَالله - خير
فَلم يزل عمر يراجعني فِيهِ حَتَّى شرح الله لذَلِك صَدْرِي وَرَأَيْت الَّذِي رأى عمر
قَالَ زيد بن ثَابت: وَعمر جَالس عِنْده لَا يتَكَلَّم فَقَالَ أَبُو بكر: إِنَّك رجل شَاب عَاقل وَلَا نتهمك كنت تكْتب الْوَحْي لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع الْقُرْآن فاجمعه فوَاللَّه لَو كلفوني نقل جبل من الْجبَال مَا كَانَ أثقل عليَّ مِمَّا أمراني بِهِ من جمع الْقُرْآن
قلت: كَيفَ تفعلان شَيْئا لم يَفْعَله رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ أَبُو بكر:
هُوَ - وَالله - خير
فَلم أزل أراجعه حَتَّى شرح الله صَدْرِي للَّذي شرح لَهُ صدر أبي بكر وَعمر
فَقُمْت فتتبعت الْقُرْآن اجمعه من الرّقاع والإِكاف والعسب وصدور الرِّجَال حَتَّى وجدت من سُورَة التَّوْبَة آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَة بن ثَابت الْأنْصَارِيّ لم أجدهما مَعَ أحد غَيره {لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم} إِلَى آخرهما وَكَانَت الصُّحُف الَّتِي جمع فِيهَا الْقُرْآن عِنْد أبي بكر حَتَّى توفاه الله ثمَّ عِنْد عمر حَتَّى توفاه الله ثمَّ عِنْد حَفْصَة بنت عمر
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو الشَّيْخ عَن عبيد بن عُمَيْر قَالَ: كَانَ عمر لَا يثبت آيَة فِي الْمُصحف حَتَّى يشْهد رجلَانِ فجَاء رجل من الْأَنْصَار بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ {لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم} إِلَى آخرهَا
فَقَالَ عمر: لَا أَسأَلك عَلَيْهَا بَيِّنَة أبدا كَذَلِك كَانَ رَسُول الله
وَأخرج ابْن أبي دَاوُد فِي الْمَصَاحِف عَن عُرْوَة قَالَ: لما استحر الْقَتْل بالقراء يَوْمئِذٍ فرقَّ أَبُو بكر على الْقُرْآن أَن يضيع فَقَالَ لعمر بن الْخطاب ولزيد بن ثَابت: أقعدا على بَاب الْمَسْجِد فَمن جاءكما بِشَاهِدين على شَيْء من كتاب الله فاكتباه
وَأخرج ابْن إِسْحَق وَأحمد بن حَنْبَل وَابْن أبي دَاوُد عَن عباد بن عبد الله بن الزبير قَالَ: أَتَى الْحَرْث بن خُزَيْمَة بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ من آخر بَرَاءَة {لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم} إِلَى قَوْله {وَهُوَ رب الْعَرْش الْعَظِيم} إِلَى عمر فَقَالَ: من مَعَك على هَذَا فَقَالَ: لَا أَدْرِي وَالله إِلَّا أَنِّي أشهد لسمعتها من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ووعيتها وحفظتها
فَقَالَ عمر: وَأَنا أشهد لسمعتها من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَو كَانَت ثَلَاث آيَات لجعلتها سُورَة على حِدة فانظروا من الْقُرْآن فالحقوها
فألحقت فِي آخر بَرَاءَة
وَأخرج ابْن أبي دَاوُد فِي الْمَصَاحِف عَن يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن حَاطِب قَالَ: أَرَادَ عمر بن الْخطاب أَن يجمع الْقُرْآن فَقَامَ فِي النَّاس فَقَالَ: من كَانَ تلقى من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم شَيْئا من الْقُرْآن فليأتنا بِهِ وَكَانُوا كتبُوا ذَلِك فِي الصُّحُف والألواح والعسب وَكَانَ لَا يقبل من أحد شَيْئا حَتَّى يشْهد شهيدان فَقتل وَهُوَ يجمع ذَلِك إِلَيْهِ فَقَامَ عُثْمَان بن عَفَّان فَقَالَ: من كَانَ عِنْده شَيْء من كتاب الله فليأتنا بِهِ وَكَانَ لَا يقبل من أحد شَيْئا حَتَّى يشْهد بِهِ شَاهِدَانِ فجَاء خُزَيْمَة بن ثَابت فَقَالَ: إِنِّي رأيتكم تركْتُم آيَتَيْنِ لم تكتبوهما
فَقَالُوا: مَا هما قَالَ: تلقيت من رَسُول الله صلى الله عليه وسلم {لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم} إِلَى آخر السُّورَة فَقَالَ عُثْمَان:
وَأَنا أشهد بهما من عِنْد الله فَأَيْنَ ترى أَن نجعلهما قَالَ: اختم بهما آخر مَا نزلت من الْقُرْآن فختمت بهما بَرَاءَة
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن قَتَادَة فِي قَوْله {لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم} الْآيَة
قَالَ: جعله الله من أنفسهم فَلَا يحسدونه على مَا أعطَاهُ الله من النبوّة والكرامة عَزِيز عَلَيْهِ عنت مؤمنهم حَرِيص على ضالهم أَن يهديه الله {بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيم}
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم} قَالَ: شَدِيد عَلَيْهِ مَا شقّ عَلَيْكُم {حَرِيص عَلَيْكُم} أَن يُؤمن كفاركم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عِكْرِمَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم جَاءَ جِبْرِيل فَقَالَ لي: يَا مُحَمَّد إِن رَبك يُقْرِئك السَّلَام وَهَذَا ملك الْجبَال قد أرْسلهُ الله إِلَيْك وَأمره أَن لَا يفعل شَيْئا إِلَّا بِأَمْرك
فَقَالَ لَهُ ملك الْجبَال: إِن الله أَمرنِي أَن لَا أفعل شَيْئا إِلَّا بِأَمْرك إِن شِئْت دمدمت عَلَيْهِم الْجبَال وَإِن شِئْت رميتهم بالحصباء وَإِن شِئْت خسفت بهم الأَرْض
قَالَ: يَا ملك الْجبَال فَإِنِّي آتِي بهم لَعَلَّه أَن يخرج مِنْهُم ذُرِّيَّة يَقُولُونَ: لَا إِلَه إِلَّا الله
فَقَالَ ملك الْجبَال عليه السلام: أَنْت كَمَا سمَّاك رَبك رؤوف رَحِيم
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أبي صَالح الْحَنَفِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَن الله رَحِيم وَلَا يضع رَحمته إِلَّا على رَحِيم
قُلْنَا: يَا رَسُول الله كلنا نرحم أَمْوَالنَا وَأَوْلَادنَا
قَالَ: لَيْسَ بذلك وَلَكِن كَمَا قَالَ الله {لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم حَرِيص عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيم}
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن سعد بن أبي وَقاص قَالَ لما قدم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَة جَاءَتْهُ جُهَيْنَة فَقَالُوا لَهُ: إِنَّك قد نزلت بَين أظهرنَا فأوثق لنا نأمنك وتأمنا
قَالَ: وَلم سَأَلْتُم هَذَا قَالُوا: نطلب الْأَمْن فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة {لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم} الْآيَة
وَأخرج ابْن سعد عَن أبي صَالح الْحَنَفِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن الله رَحِيم يحب الرَّحِيم يضع رَحمته على كل رَحِيم
قَالُوا: يَا رَسُول الله إِنَّا لنرحم أَنْفُسنَا وأموانا وَأَزْوَاجنَا
قَالَ: لَيْسَ كَذَلِك وَلَكِن كونُوا كَمَا قَالَ الله: {لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم حَرِيص عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيم}
الْآيَة 129
أخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {فَإِن توَلّوا فَقل حسبي الله} يَعْنِي الْكفَّار توَلّوا عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَهَذِه فِي الْمُؤمنِينَ
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن مُحَمَّد بن كَعْب قَالَ: خرجت سَرِيَّة إِلَى أَرض الرّوم فَسقط رجل مِنْهُم فَانْكَسَرت فَخذه فَلم يستطيعوا أَن يحملوه فربطوا فرسه عِنْده وَوَضَعُوا عِنْده شَيْئا من مَاء وَزَاد فَلَمَّا ولوا أَتَاهُ آتٍ فَقَالَ لَهُ: مَا لَك هَهُنَا قَالَ: انْكَسَرت فَخذي فتركني أَصْحَابِي
فَقَالَ: ضع يدك حَيْثُ تَجِد الْأَلَم
فَقل {فَإِن توَلّوا فَقل حسبي الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ توكلت وَهُوَ رب الْعَرْش الْعَظِيم} قَالَ: فَوضع يَده فَقَرَأَ هَذِه الْآيَة فصح مَكَانَهُ وَركب فرسه وَأدْركَ أَصْحَابه
وَأخرج أَبُو دَاوُد عَن أبي الدَّرْدَاء مَوْقُوفا وَابْن السّني عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من قَالَ حِين يصبح وَحين يُمْسِي {حسبي الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ توكلت وَهُوَ رب الْعَرْش الْعَظِيم} سبع مَرَّات كَفاهُ الله مَا أهمه من أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وَأخرج ابْن النجار فِي تَارِيخه عَن الْحسن قَالَ: من قَالَ حِين يصبح سبع مَرَّات {حسبي الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ توكلت وَهُوَ رب الْعَرْش الْعَظِيم} لم يصبهُ ذَلِك الْيَوْم وَلَا تِلْكَ اللَّيْلَة كرب وَلَا سلب وَلَا غرق
أما قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ رب الْعَرْش الْعَظِيم} أخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: إِنَّمَا سمي الْعَرْش عرشاً لارتفاعه
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ فِي العظمة عَن سعد الطَّائِي قَالَ: الْعَرْش ياقوتة حَمْرَاء
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ فِي العظمة عَن وهب بن مُنَبّه قَالَ: إِن الله تَعَالَى خلق الْعَرْش والكرسي من نوره فالعرش ملتصق بالكرسي وَالْمَلَائِكَة فِي جَوف الْكُرْسِيّ وَحَوله الْعَرْش أَرْبَعَة أَنهَار نهر من نور يتلألأ ونهر من نَار تتلظى ونهر من ثلج أَبيض تلتمع مِنْهُ الْأَبْصَار ونهر من مَاء وَالْمَلَائِكَة قيام فِي تِلْكَ الْأَنْهَار
يسبحون الله تَعَالَى وللعرش أَلْسِنَة بِعَدَد أَلْسِنَة الْخلق كلهم فَهُوَ يسبح الله تَعَالَى ويذكره بِتِلْكَ الْأَلْسِنَة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الشّعبِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْعَرْش ياقوتة حَمْرَاء وَإِن ملكا من الْمَلَائِكَة نظر إِلَيْهِ وَإِلَى عظمه فَأوحى الله إِلَيْهِ: إِنِّي قد جعلت فِيك قوّة سبعين ألف ملك لكل ملك سَبْعُونَ ألف جنَاح فطر
فطار الْملك بِمَا فِيهِ من القوّة والأجنحة مَا شَاءَ الله أَن يطير فَوقف فَنظر فَكَأَنَّهُ لم يرم
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن حَمَّاد قَالَ: خلق الله الْعَرْش من زمردة خضراء وَخلق لَهُ أَربع قَوَائِم من ياقوتة حَمْرَاء وَخلق لَهُ ألف لِسَان وَخلق فِي الأَرْض ألف أمة كل أمة تسبح الله بِلِسَان من ألسن الْعَرْش
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو الشَّيْخ عَن عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي قَالَ: إِن الْعَرْش مطوّق بحية وَالْوَحي ينزل فِي السلَاسِل
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن عَطاء قَالَ: كَانُوا يرَوْنَ أَن الْعَرْش على الْحرم
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: مَا يقدر قدر الْعَرْش إِلَّا الَّذِي خلقه وَإِن السَّمَوَات فِي خلق الْعَرْش مثل قبَّة فِي صحراء
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد قَالَ: مَا أخذت السَّمَوَات وَالْأَرْض من الْعَرْش إِلَّا كَمَا تَأْخُذ الْحلقَة من أَرض الفلاة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن كَعْب قَالَ: إِن السَّمَوَات فِي الْعَرْش كالقنديل مُعَلّقا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عمر بن يزِيد الْبَصْرِيّ قَالَ: فِي كتاب مَا تنبأ عَلَيْهِ هرون النَّبِي عليه الصلاة والسلام: إِن بحرنا هَذَا خليج من نبطس ونبطس وَرَاءه وَهُوَ مُحِيط بِالْأَرْضِ فالأرض وَمَا فَوْقهَا من الْبحار عِنْد نبطس كعين على سيف الْبَحْر وَخلف نبطس قينس مُحِيط بِالْأَرْضِ فنبطس وَمَا دونه عِنْده كعين على سيف الْبَحْر وَخلف قينس الْأَصَم مُحِيط بِالْأَرْضِ فقينس وَمَا دونه عِنْده كعين على سيف الْبَحْر وَخلف الْأَصَم المظلم مُحِيط بِالْأَرْضِ فالأصم وَمَا دونه عِنْده كعين على سيف الْبَحْر: وَخلف المظلم جبل من الماس مُحِيط بِالْأَرْضِ فالمظلم وَمَا دونه عِنْده كعين على سيف الْبَحْر وَخلف الماس الباكي وَهُوَ مَاء عذب مُحِيط بِالْأَرْضِ أَمر الله نصفه أَن يكون تَحت الْعَرْش فَأَرَادَ أَن يستجمع فزجره فَهُوَ باك
يسْتَغْفر الله فالماس وَمَا دونه عِنْده كعين على سيف الْبَحْر وَالْعرش خلف ذَلِك مُحِيط بِالْأَرْضِ فالباكي وَمَا دونه عِنْده كعين على سيف الْبَحْر
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن عبد الرَّحْمَن بن زيد أسلم عَن أَبِيه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَا السَّمَوَات السَّبع فِي الْكُرْسِيّ إِلَّا كدراهم سَبْعَة القيت فِي ترس
قَالَ ابْن زيد: قَالَ أَبُو ذَر عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم مَا الْكُرْسِيّ فِي الْعَرْش إِلَّا كحلقة من حَدِيد القيت بَين ظَهْري فلاة من الأَرْض والكرسي مَوضِع الْقَدَمَيْنِ
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن وهب رضي الله عنه قَالَ: خلق الله الْعَرْش وللعرش سَبْعُونَ ألف سَاق كل سَاق كاستدارة السَّمَاء وَالْأَرْض
وَأخرج عبد بن حميد وَأَبُو الشَّيْخ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات عَن مُجَاهِد رضي الله عنه قَالَ: بَين الْمَلَائِكَة وَبَين الْعَرْش سَبْعُونَ حِجَابا حجاب من نور وحجاب من ظلمَة وحجاب من نور وحجاب من ظلمَة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم يَقُول عِنْد الكرب لَا إِلَه إِلَّا الله الْعَظِيم الْحَلِيم لَا إِلَه إِلَّا الله رب الْعَرْش الْعَظِيم لَا إِلَه إِلَّا الله رب السَّمَوَات وَرب الْأَرْضين وَرب الْعَرْش الْكَرِيم
وَأخرج النَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ عَن عبد الله بن جَعْفَر رَضِي الله قَالَ: عَلمنِي عَليّ رضي الله عنه كَلِمَات علمهن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِيَّاه يقولهن عِنْد الكرب وَالشَّيْء يُصِيبهُ لَا إِلَه إِلَّا الله الْحَلِيم الْكَرِيم سُبْحَانَ الله وتبارك الله رب الْعَرْش الْعَظِيم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
وَأخرج الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ من طَرِيق إِسْحَق بن عبد الله بن جَعْفَر عَن أَبِيه قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول لقنوا مَوْتَاكُم لَا إِلَه إِلَّا الله الْحَلِيم الْكَرِيم سُبْحَانَ الله رب السَّمَوَات السَّبع وَرب الْعَرْش الْعَظِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين
قَالُوا: يَا رَسُول الله فَكيف هِيَ للحي قَالَ: أَجود وأجود
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن عبد الله بن جَعْفَر أَنه زوّج ابْنَته فَخَلا بهَا فَقَالَ: إِذا نزل بك الْمَوْت أَو أَمر من أُمُور الدُّنْيَا فظيع فاستقبليه بِأَن تقولي لَا إِلَه إِلَّا الله الْحَلِيم الْكَرِيم سبجان الله رب الْعَرْش الْعَظِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين
وَأخرج أَحْمد فِي الزّهْد وَأَبُو الشَّيْخ فِي العظمة عَن وهب بن مُنَبّه رَضِي الله عَنهُ
أَن حزقيل كَانَ فِي سبا بخْتنصر مَعَ دانيال من بَيت الْمُقَدّس فَزعم حزقيل أَنه كَانَ نَائِما على شأطئ الْفُرَات فَأَتَاهُ ملك وَهُوَ نَائِم فَأخذ بِرَأْسِهِ فاحتمله حَتَّى وَضعه فِي خزانَة بَيت الْمُقَدّس قَالَ: فَرفعت رَأْسِي إِلَى السَّمَاء فَإِذا السَّمَوَات منفرجات دون الْعَرْش قَالَ: فَبَدَا لي الْعَرْش وَمن حوله فَنَظَرت إِلَيْهِم من تِلْكَ الفرجة فَإِذا الْعَرْش - إِذا نظرت إِلَيْهِ - مظل على السَّمَوَات وَالْأَرْض وَإِذا نظرت إِلَى السَّمَوَات وَالْأَرْض رأيتهن متعلقات بِبَطن الْعَرْش وَإِذا الحملة أَرْبَعَة من الْمَلَائِكَة لكل ملك مِنْهُم أَرْبَعَة وُجُوه وَجه إِنْسَان وَوجه نسر وَوجه أَسد وَوجه ثَوْر فَلَمَّا أعجبني ذَلِك مِنْهُم نظرت إِلَى أَقْدَامهم فَإِذا هِيَ فِي الأَرْض على عجل تَدور بهَا وَإِذا ملك قَائِم بَين يَدي الْعَرْش لَهُ سِتَّة أَجْنِحَة لَهَا لون كلون فرع لم يزل ذَلِك مقَامه مُنْذُ خلق الله الْخلق إِلَى أَن تقوم السَّاعَة فَإِذا هُوَ جِبْرِيل عليه السلام وَإِذا ملك أَسْفَل من ذَلِك أعظم شَيْء رَأَيْته من الْخلق فَإِذا هُوَ مِيكَائِيل وَهُوَ خَليفَة على مَلَائِكَة السَّمَاء وَإِذا مَلَائِكَة يطوفون بالعرش مُنْذُ خلق الله الْخلق إِلَى أَن تقوم السَّاعَة يَقُولُونَ: قدوس قدوس رَبنَا الله الْقوي مَلَأت عَظمته السَّمَوَات وَالْأَرْض وَإِذا مَلَائِكَة أَسْفَل من ذَلِك لكل ملك مِنْهُم سِتَّة أَجْنِحَة جَنَاحَانِ يستر بهما وَجهه من النُّور وجناحان يُغطي بهما جسده وجناحان يطير بهما
وَإِذا هم الْمَلَائِكَة المقربون وَإِذا مَلَائِكَة أَسْفَل من ذَلِك سُجُود مذ خلق الله الْخلق إِلَى أَن ينْفخ فِي الصُّور فَإِذا نفخ فِي الصُّور رفعوا رؤوسهم فَإِذا نظرُوا إِلَى الْعَرْش قَالُوا: سُبْحَانَكَ مَا كُنَّا نقدرك حق قدرتك ثمَّ رَأَيْت الْعَرْش تدلى من تِلْكَ الفرجة فَكَانَ قدرهَا ثمَّ أفْضى إِلَى مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فَكَانَ يَلِي مَا بَينهمَا ثمَّ دخل من بَاب الرَّحْمَة فَكَانَ قدره ثمَّ أفْضى إِلَى الْمَسْجِد فَكَانَ قدره ثمَّ وَقع على الصَّخْرَة فَكَانَ قدرهَا ثمَّ قَالَ: يَا ابْن آدم
فصعقت وَسمعت صَوتا لم أسمع مثله قطّ فَذَهَبت أقدر ذَلِك الصَّوْت فَإِذا قدره كعسكر اجْتَمعُوا فاجلبوا بِصَوْت وَاحِد أَو كفئة اجْتمعت فتدافعت وأتى بَعْضهَا بَعْضًا أَو أعظم من ذَلِك
قَالَ حزقيل: فَلَمَّا صعِقَتْ قَالَ: أنعشوه فَإِنَّهُ ضَعِيف خلق من طين ثمَّ قَالَ: اذْهَبْ إِلَى قَوْمك فَأَنت طليعتي عَلَيْهِم كطليعة الْجَيْش من دَعوته مِنْهُم فأجابك واهتدى بهداك فلك مثل أجره وَمن غفلت عَنهُ حَتَّى يَمُوت ضَالًّا فَعَلَيْك مثل وزره لَا يُخَفف ذَلِك من أوزارهم شَيْئا ثمَّ عرج بالعرش واحتملت حَتَّى رددت إِلَى
شاطئ الْفُرَات فَبَيْنَمَا أَنا نَائِم على شاطئ الْفُرَات إِذْ أَتَانِي ملك فَأخذ برأسي فاحتملني حَتَّى ادخلني جنب بَيت الْمُقَدّس فَإِذا أَنا بحوض مَاء لَا يجوز قدمي ثمَّ افضيت مِنْهُ إِلَى الْجنَّة فَإِذا شَجَرهَا على شطوط أنهارها وَإِذا هُوَ شجر لَا يَتَنَاثَر ورقه وَلَا يفنى عمره فَإِذا فِيهِ الطّلع والقضيب وَالْبيع والقطيف قلت: فَمَا لباسها قَالَ: هُوَ ثِيَاب كثياب الْحور يتفلق على أَي لون شَاءَ صَاحبه
قلت: فَمَا ازواجها فعرضن عليَّ فَذَهَبت لأقيس حسن وجوههنفإذا هن لَو جمع الشَّمْس وَالْقَمَر كَانَ وَجه احداهن اضوأ مِنْهُمَا وَإِذا لحم إِحْدَاهُنَّ لايواري عظمها وَإِذا عظمها لَا يواري مخها وَإِذا هِيَ إِذا نَام عَنْهَا صَاحبهَا اسْتَيْقَظَ وَهِي بكر فعجبت من ذَلِك
فَقيل لي: لم تعجب من هَذَا فَقلت: وَمَا لي لَا أعجب قَالَ: فَإِنَّهُ من أكل من هَذِه الثِّمَار الَّتِي رَأَيْت خلد وَمن تزوج من هَذِه الْأزْوَاج انْقَطع عَنهُ الْهم والحزن قَالَ: ثمَّ أَخذ برأسي فردني حَيْثُ كنت
قَالَ حزقيل: فَبينا أَنا نَائِم على شاطئ الْفُرَات إِذْ أَتَانِي ملك فَأخذ برأسي فاحتملني حَتَّى وضعني بقاع من الأَرْض قد كَانَت معركة وَإِذا فِيهِ عشرَة آلَاف قَتِيل قد بددت الطُّيُور وَالسِّبَاع لحومهم وَفرقت بَين اوصالهم ثمَّ قَالَ لي: إِن قوما يَزْعمُونَ أَنه من مَاتَ مِنْهُم أَو قتل فقد انفلت مني وَذَهَبت عَنهُ قدرتي فادعهم
قَالَ حزقيل: فدعوتهم فَإِذا كل عظم قد أقبل إِلَى مفصله الَّذِي مِنْهُ انْقَطع مَا رجل بِصَاحِبِهِ باعرف من الْعظم بمفصله الَّذِي فَارق حَتَّى أمَّ بَعْضهَا بَعْضًا ثمَّ نبت عَلَيْهَا اللَّحْم ثمَّ نَبتَت الْعُرُوق ثمَّ انبسطت الْجُلُود وَأَنا أنظر إِلَى ذَلِك ثمَّ قَالَ: ادْع لي أَرْوَاحهم
قَالَ حزقيل: فدعوتها وَإِذا كل روح قد أقبل إِلَى جسده الَّذِي فَارق فَلَمَّا جَلَسُوا سَأَلتهمْ فيمَ كُنْتُم قَالُوا: انَّا لما متْنا وفارقنا الْحَيَاة لَقينَا ملك يُقَال لَهُ مِيكَائِيل قَالَ: هلموا أَعمالكُم وخذوا أجوركم كَذَلِك سُنَّتنا فِيكُم وفيمن كَانَ قبلكُمْ وفيمن هُوَ كَائِن بعدكم
فَنظر فِي أَعمالنَا فَوَجَدنَا نعْبد الْأَوْثَان فَسلط الدُّود على أَجْسَادنَا وَجعلت الْأَرْوَاح تألمه وسلط الْغم على أَرْوَاحنَا وَجعلت أَجْسَادنَا تألمه فَلم نزل كَذَلِك نعذب حَتَّى دَعوتنَا
قَالَ: ثمَّ احتملني فردني حَيْثُ كنت
مُقَدّمَة سُورَة يُونُس أخرج النّحاس وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: نزلت سُورَة يُونُس بِمَكَّة
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن عبد الله بن الزبير قَالَ: أنزلت سُورَة يُونُس بِمَكَّة
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن مُحَمَّد بن سِيرِين رضي الله عنه قَالَ: كَانَت سُورَة يُونُس تعد السَّابِعَة
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أنس رضي الله عنه سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: إِن الله أَعْطَانِي الرائيات إِلَى الطواسين مَكَان الْإِنْجِيل
وَأخرج ابْن أبي شيبَة فِي المُصَنّف عَن الْأَحْنَف رضي الله عنه قَالَ: صليت خلف عمر رضي الله عنه الْغَدَاة فَقَرَأَ بِيُونُس وَهود وَغَيرهمَا
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (10)
سُورَة يُونُس
مَكِّيَّة وآياتها تسع وَمِائَة
الْآيَة 1
أخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {الر} قَالَ: فواتح السُّور أَسمَاء من أَسمَاء الله
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات وَابْن النجار فِي تَارِيخه عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما فِي قَوْله {الر} قَالَ: أَنا الله ارى