الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الأول:
الدواوين وثيقة الصلة بالجيش الأيوبي
الدواوين وثيقة الصلة بالجيش الأيوبي
…
الباب الأول: الدواوين وثيقة الصلة بالجيش الأيوبي
كانت الدولة الأيوبية دولة عسكرية، نشأت وترعرعت إبان الحروب الصليبية، وخاضت المعارك الحربية الواحدة تلو الأخرى في بسالة.
وبرز في هذه الدولة ديوانان كبيران هما ديوان الإنشاء وديوان الجيوش، وكان عليهما المعول الأكبر في سياسة الدولة كلها في الداخل والخارج، يساعدهما في التنفيذ باقي الدواوين، وكان يضم هذه الدواوين جميعا دار الوزارة.
ديوان الإنشاء:
ظل ديوان الإنشاء طول عصر الحروب الصليبية رفيع المكانة، معنياً به أشد العناية، فهو ديوان عظيم المقدار، وهو خزانة الأسرار، شريف بمراسلة السلطان1.
كان ديوان الإنشاء يومئذ رأس الدولة المفكر، ووسيلة اتصال الحكومة بفروعها في داخل البلاد، وبغيرها من الحكومات في خارج حدودها، وقد استطاع النثر أن يفي بحاجة الأمة وأن يعبر عن مشاعرها وإحساساتها2، وقد أدرك صاحب صبح الأعشى قيمة ما يسجله ديوان الإنشاء، فقال:"إنه لو جمعت بعض دفاتره لاجتمع منها تاريخ كامل"3.
وكان العاملون في ديوان الإنشاء في غاية الصيانة والنزاهة وقلة الخلطة بالناس، وأتفق أن الصاحب زين الدين يعقوب بن الزبير كان من جملتهم، فسمع الملك الصالح نجم الدين أيوب عنه أنه يحضر في السماعات4، فصرفه من ديوان لا يحتمل مثل هذا5.
ديوان الجيش:
أشرف ديوان الجيش في عهد الأيوبيين على شئون الجيش، من تجنيد وعتاد وخلافة، وكان يطلق عليه أيضا ديوان الإقطاع6 وتسمية ديوان الجيش بديوان الإقطاع
1 النابلسي: لمع القوانين ص18.
2 الدكتور أحمد بدوي، الحياة الأدبية في عصر الحروب الصليبية ص 334.
3 صبح الأعشى جـ 1ص135.
4 السماع: الغناء والسماعات هنا أي أماكن الطرب واللهو، والظاهر أن الملك الصالح نجم الدين أيوب كان لا يسمح للعاملين بديوان الإنشاء بالتردد على أماكن اللهو والمجون، حفاظا على مهابة هذا الديوان العظيم.
5 الخطط المقريزية جـ 3ص158.
6 ابن فضل الله، التعريف ص 89.
يدل في صورة قاطعة على مبلغ اعتماد النظام الحربي الأيوبي أو معظمه على الأقل على التوزيع الإقطاعي1، فمن الطبيعي أن ينقل صلاح الدين عن مخدومه نور الدين نظام الإقطاع الحربي الوراثي والشخصي إلى مصر، غداة أن استتب له الأمر فيها، بعد وفاة العاضد سنة (567 هـ= 1172 م)2.
وكتب ابن مماتي فصلا في المقرر عن ميرة الإقطاعات في دولة صلاح الدين، مرتبة قيمتها حسب درجات الأجناد وجنسياتهم.
فالأجناد من الأتراك والأكراد والتركمان دينارهم الإقطاعي دينار واحد كامل جنديا.. الكتابة والعاقلة من العربان ومن يجري مجراهم على عادة الأجناد المصريين، دينارهم نصف دينار
…
والغزاة والقواد ومن هم في معناهم، دينارهم ربع دينار.. السعر الناقص عن كل دينار جندي
…
والمأمور بالحوالة به عن كل دينار واحد جندي أردب واحد الثلثان قمح والثلث شعير، والحوالة علا بيت المال في مستحق الأجناد، كل جندي ربع دينار عنباً على سبيل المصالحة.
على أن المراجع الأيوبية - فيما يعلم الباحث - خلت من ذكر تفصيلات عن تقييم تلك الطوائف إلى أقسام أصغر منها، ليعرف كل أمير وجندي رتبته ومركزه في الجيش3.
وفي صبح الأعشى صورة لما كان عليه ديوان الجيش في عهد الفاطميين، وأعتقد أن الصورة العامة في عصر الأيوبيين لم تتغير كثيرا من الناحية الإدارية، فتقسيم هذا الديوان إلى ثلاثة أقسام أولها خاص بالشئون الحربية العامة، والثاني خاص بالرواتب. والثالث خاص بالإقطاعات.
فديوان الجيش مثلا في العصرين الفاطمي والأيوبي لا يكون صاحبه إلا مسلما، وله الرتبة الجليلة والمكانة الرفيعة، وبين يديه حاجب، وإليه عرض الأجناد وخيولهم، وذكر حلاهم ومعدات خيولهم. وكان من شرط هذا الديوان عندهم ألا يثبت لأحد من الأجناد إلا الفرس الجيد دون البغال والبراذين، وليس له تغيير أحد من الأجناد، ولا شيء من إقطاعهم إلا بمرسوم. وبين يدي صاحب هذا الديوان نقباء الأمراء، يعرفونه أحوال الأجناد من الحياة والموت والغيبة والحضور وغير ذلك، وكان قد فسح للأجناد في المقايضة بالإقطاعات لما لهم
1 دكتور نظير حسان سعداوي: التاريخ الحربي ص 174.
2 دكتور نظير حسان سعداوي: التاريخ الحربي ص 27.
3 دكتور نظير حسان سعداوي: جيش مصر ص 29.
في ذلك من المصالح بتوقيعات من صاحب ديوان المجلس من غير علامة، ومن هذا الديوان كان يعمل أوراق أرباب الجرايات، وله خازنان.
وإدارة الرواتب تشتمل على اسم كل مرتزق في الدولة وجار وجراية، والتعريفات واردة عليه من كل عمل باستمرار من هو مستمر. ومباشرة من أستجد، وموت من مات، وأما إدارة الإقطاع فقد كانت مختصة عندهم بما هو مقطع للأجناد1.
ديوان الأسطول:
وشرع صلاح الدين بعد وصوله القاهرة في النظر في الشئون البحرية والأسطول، وربما كان سر اهتمامه بالأمور البحرية مباشرة بعد إزالة الدولة الفاطمية، أنه كان يخشى مجيء حملة بحرية من ناحية أفريقية من المغاربة أو من ناحية الصليبيين وأحلافهم من البيزنطيين والصقليين، كما حدث قبلا، بحجة التدخل لإعادة الدولة الفاطمية، أو أنه رأى البحرية الفاطمية ودور الصناعة في حال تدعو إلى العناية، بعد أن نزل بها ما نزلت بسبب إحراق شاور الفسطاط ودور الصناعة بها غداة وصول حملة أمورى الثالثة في سنة 563 هـ = 1168 م أو أنه أخذ في ترتيب شئونه الحربية عامة بمجرد أن صار صاحب الأمر في مصر بعد وفاة العاضد، وهذا الاحتمال الثالث هو الأرجح، بدليل اهتمامه بالجيش في السنة نفسها2.
وولى صلاح الدين نظر ذلك الديوان وقتذاك صديقا من أصدقائه، لم تذكر المراجع اسمه أو شيئا عنه ماعدا أن صلاح الدين أفرد له إقطاعاً مخصوصاً وديواناً مفرداً هو ديوان الأسطول، وأنه كتب إلى جميع الأعمال المصرية والشامية يؤكد عليهم وجوب تلبية طلبات صاحب الأسطول، كلما وصلت إليهم، من حيث جمع الرجال الذين يأخذهم ناظر ديوان الأسطول للخدمة في السفن الأيوبية3.
ويقول المقريزي: لما كان زوال الدولة الفاطمية على يد السلطان صلاح الدين يوسف ابن أيوب اعتنى أيضا بأمر الأسطول، وأفرد له ديوانا عرف بديوان الأسطول، وعين لهذا الديوان الفيوم بأعمالها والحبس الجيوش في البرين الشرقي والغربي، وهو من البر الشرقي بهتين والأميرية والمنية، ومن البر الغربي ناحية سفط ونهيا ووسيم والبساتين خارج القاهرة، وعين له أيضا الخراج، وهو أشجار من سنط لا تحصى كثرة البهناوية وسفط ريشين
1 القلقشندي: صبح الأعشى جـ 3 ص 488:489.
2 الدكتور نظير حسان سعداوي: التاريخ الحربي ص 24.
3 دكتور حسنين محمد ربيع: النظم المالية في مصر ص 71.
والأشمونين والأسيوطية والأخميمية والقوصية، لم تزل بهذه النواحي لا يقطع منها إلا ما تدعو الحاجة إليه، وكان فيها ما تبلغ قيمة العود الواحد منه مائة دينار.
وعين له أيضا النطرون وكان قد بلغ ضمانه ثمانية آلاف دينار، ثم أفرد لديوان الأسطول مع ذكر الزكاة التي كانت تجبى بمصر، وبلغت في سنة زيادة على خمسين ألف دينار، وأفرد له المراكب الديوانية وناحية أشناق وطنبوى، وسلم هذا الديوان لأخيه الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب1. فأقام في مباشرته وعمالته صفي الدين عبد الله بن شكر، وتقرر ديوان الأسطول الذي ينفق في رجاله نصف وربع دينار بعد ما كان نصف وثمن دينار، فلما مات السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب استمر الحال في الأسطول قليلا، ثم قل الاهتمام به وصار لا يفكر في أمره إلا عند الحاجة إليه، ثم لما انقرضت دولة بني أيوب وتملك الأتراك المماليك مصر أهملوا أمر الأسطول، إلى أن كانت أيام السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداوى فنظر فما أمر الشوافي الحربية، وأستدعى رجال الأسطول، وكان الأمراء قد استعملوها في الحراريق وغيرها، وندبهم للسفر، وأمر بمد الشوافي. وقطع الأخشاب لعمارتها وإقامتها على ما كانت عليه، في أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب2!
وأسماء المراكب الحربية في أسطول الدولة الأيوبية كما ذكرها ابن مماتي هي: (طريدة، حمالة، شيني، مسطح، حراقة، مركوس، شلندي، أعزازي)3.
وكان في مصر حتى آخر القرن السادس للهجرة ثلاث دور للصناعة مشهورة ذكرها ابن مماتي صاحب قوانين الدواوين فقال:
صناعة العمائر فيها تنشأ المراكب المذكورة، ولها مستخدمون يستدعون ما يحتاج إليه، ويطلق لهم المال والأصناف ويسترفع منهم الحسبانات وفيها يباع من حطام وغيره، وترد حساباتهم، والصناعات الآن ثلاثة، بمصر، والإسكندرية، ودمياط4.
ديوان الأسرى:
قال القاضي محي الدين عبد الله بن عبد الظاهر في كتاب الدر النظيم في أوصاف القاضي الفاضل عبد الرحيم، ومن جمله بنائه دار التمر بمصر المحروسة، ولها دخل عظيم
1 ذكر المقريزي في السلوك جـ1 ق 1 ص 107 أن تسليم أمر الأسطول للملك العادل كان في عام 587هـ=1192م.
2 الخطط المقريزية جـ3 ص110،111
3 ابن مماتي: قوانين الدواوين ص 339.
4 ابن مماتي: قوانين الدواوين ص 340.