الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإِهْدَاءُ:
إلى:
من حباني من حنانه ما نعمت به وأنا وليد.
ومن إرشاده ما قومني وأنا غصن رطيب
ومن عونه على تحصيل العلم ما مكنني من أن أجدَّ في طلب المعرفة وأنا تلميذ
ومن تأييده لدعوة الإصلاح ما هَوَّنَ عَلَيَّ تحمل الأذى في سبيل الله
ومن صبره على الشدائد ما حَبَّبَ إِلَيَّ التضحية وأنا مُشَرَّدٌ، أو مُوَثَّقٌ بأغلال السجون والمعتقلات.
ومن خفقات قلبه الرحيم ما خففت عني الآلام، وأنا طريح العلل والأمراض.
إلى:
من كان كل أمله أن أكون حلقة في سلسلة بيتنا العلمي منذ مئات السنين، وكل طلبته من ربه: أن يجعلني من حسناته يوم الدين.
إلى أبي الشيخ الجليل
حسني السباعي
أهدي أول مؤلفاتي العلمية، اعترافاً بفضله وحسن توجيهه، راجياً من الله جل
[ج]
شأنه أن يبارك في لي حياته، ويجزل له من مثوبته، ويتقبل دعاء ولد بارّ لأب كريم، استجابة لأمره تعالى:{وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} (2)
مصطفى
[د]
(2)[سورة الإسراء، الآية: 24].
مقدمة الطبعة الثانية
بقلم الدكتور محمد أديب الصالح
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي له ما في السماوات والأرض وهو على كل شيء قدير. والصلاة والسلام على معلم الناس الخير محمد بن عبد الله الذي أوتي القرآن ومثله معه، وجعل الله طاعته من طاعته هو سبحانه، فكانت سُنَّتُهُ صلوات الله عليه وسلامه بيان الكتاب الكريم، والمصدر الثاني من مصادر شريعة الإسلام. وكان من قبِل عن رسول الله فعن الله قبِل.
أما بعد،
فالبحث في سُنَّةِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، أمر على غاية الأهمية في بنية الإسلام الفكرية، ومصادر التشريع فيه، خصوصاً إذا وضعنا في الحسبان ما ينصب لأمتنا من أحابيل ومكائد، وما يراد لها من إعراض عن هدي النبوة، وتشكك فيما يصل الأجيال بنبيها عليه الصلاة والسلام.
ومن خلال ذلك ينظر إلى الفراغ الذي ملأه في هذا الميدان كتاب " السُنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي " للأستاذ الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله، الذي كان الميدان العلمي واحداً من الميادين التي خاضها دفاعاً عن دعوة الإسلام وشريعة الإسلام.
[هـ]
وعلى بركة الله تصدر الطبعة الثانية لهذا الكتاب القيم والحمد لله. وإذا توافر للمؤلف القدرة على البحث العلمي وتتبع الأمور في مظانها، بجانب الغيرة الصادقة على دين الله. إن هذا الكتاب صورة حية لهاتين المكرمتين، فأنت واجد أن المضمون منطبق تمام الانطباق على العنوان، مع رد المفتريات والشبه، واقتحام معاقل العادين على السُنَّة من حيث المتن أو السند.
وإذا كان قد تناول بعض المباحث برفق وإيجاز، فإنما كان ذلك لأنها ليست من صلب الموضوع، فأعطاها بقدر ما لها من علاقة فحسب.
وكم أحسن رحمه الله صنعا في ذلك التتبع التاريخي للأدوار التي مرت بها السُنَّة، ووضع الأصبع على مكمن الداء في الماضي والحاضر، ومواقف العلماء التي ردت الأمور إلى نصابها.
وبطريقة منهجية جامعة فنّد آراء المخالفين قديما وحديثا، وعرض لمواقف بعض المستشرقين والمستغربين، وكشف بالروح العلمية المنصفة مواقعهم وما وراء اتجاهاتهم من جهل وتزوير. فكان موقفه في ذلك كله موقف العالم الداعية المجاهد، الذي يقدم لك الفكرة، مؤيدا ما يجنح إليه بالحجة من مظانها .. وتلمس من وراء بحثه - كما أسلفنا - الغيرة الصادقة على السُنّة أن يعدى عليها باسم العلم وتحت عناوين المعرفة.
ولعل من الإنصاف أن أشير إلى أن الأستاذ رحمه الله قد ألف الكتاب في ظروف قاسية شهدها الذين يسكنون معه في القاهرة من إخوانه، حين اضطرته تلك الظروف وهو يجمع المادة العلمية للموضوع أن يغادر الشقة إلى مكان آخر حيث لا يجد المراجع إلا بصعوبة، ويتصل ببعض أساتذته بصعوبة أشد، لا يحجز الأذى عنه ومخاطر الاتصال إلا عناية الله .. ولم يطبع الكتاب طباعة رسمية، وإنما خرج رسالة للأستاذية يومذاك - الدكتوراه - في الأزهر على الآلة الطابعة.
[و]
وشغلت مؤلفنا شؤون الدعوة والقضايا العامة، ومهمات الجامعة والتدريس في كليتي الشريعة والحقوق، مع إدارة كلية الشريعة عن البدء بطبع الكتاب.
ويشاء الله أن يفاجئه المرض العضال .. وصدرت الطبعة الأولى وهو على حال صحية غاية في الإرهاق، وإن كان الرضى عن الله، والطمأنينة لنعمة الابتلاء، مِمَّا كان يزين حياته في تلك الفترة رحمه الله.
وكان الإقبال على الكتاب شديدا خصوصا من أولئك الذين يقدرون هذه الموضوعات حق قدرها وشرع - على قسوة المرض - في تنقيحه وزيادة ما يراه من التعليقات تمهيدا لدفعه إلى المطبعة
…
حتى وافته المنية - غفر الله له - وأصول الكتاب هي شغله الشاغل، ويرى القارئ ملحقين في هذه الطبعة الثانية، وقد وعد بملحق ثالث حالت وفاته دُونَ إنجازه.
وختاما: إن كتاب " السُنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي " بما يشتمل عليه من حقائق علمية تضع السُنَّة موضعها من شريعة الإسلام، وما يقع عليه القارئ من نفس طويل في تحليل المواقف مِنَ السُنَّةِ في القديم وفي العصر الحاضر، وما يلمسه من تلك الجولات الموفقة مع أهل الانحراف من مستشرقين وغيرهم من دعاة التغريب.
إن ذلك كله يجعل الكتاب جديراً - إن شاء الله - بأن يؤدي الغرض من خدمة الرسالة التي كان يحملها المؤلف رحمه الله .. وأن يحظى بالكثير من اهتمام الباحثين في وقت نجد فيه ليالي الإسلام مثقلات بألوان من مؤامرات الدس في أصولنا ومصادرنا وخصوصاً السُنَّة المُطَهَّرَة .. مِمَّا تشم منه رائحة التضليل في بناء الجيل لإبعاده عن مقومات الوجود الحقيقي لأمَّته في كتاب ربها وسُنَّة نبيها عليه الصلاة والسلام.
[ز]
رحم الله الأستاذ السباعي وأجزل مثوبته في الآخرين، ونفع بآثاره الطيبة التي ضربت في كل ميدان من ميادين الدعوة، وكان من عيونها هذا الكتاب في طبعته الثانية - التي يخرجها المكتب الإسلامي استجابة طبيعية للقراء والباحثين الذين طال انتظارهم له - خاصة - ونرجو أن يكون ذلك كله في كفة حسناته حيث يوزن مداد العلماء بدم الشهداء فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء
…
{يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم} (*)، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[ح]
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(*) هذه الجملة نص قرآني: [سورة الحديد، الآية: 12].
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي شرع الأحكام لعباده بكتاب مبين، وأناط تفصيل أحكامه بخاتم النبيين والمرسلين، سيدنا محمد بن عبد الله - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ -، نقلة الوحي، والأمناء على الحق، والدعاة إلى الله على هدى وصراط مستقيم، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد: فنحن في عصر اضطربت فيه النظم العالمية المتعددة، وعجزت عن إيجاد السلام والرخاء لشعوب العالم، ومهما يكن في قادة الأمم المسيطرة من عيوب أدت إلى هذا الاضطراب، فإن الذي لا ريب فيه عندنا أن الأسباب المباشرة لشقاء العالم هي تلك النظم التي لم تثبت حتى الآن صلاحها لحل مشاكل الإنسانية على وجه يريحها من الحروب والمنازعات، ويبعدها عن جو القلق الذي تعيش به في أعقاب الحروب العالمية الدامية، بعد أن كانت تعيش خلال الحروب في جو قاتم من الدماء والدمار والخراب.
وعقيدتنا، نحن المُسْلِمِينَ، أن لا مناص لهذا العالم - إن أراد لنفسه السعادة والسلام - من الرجوع إلى تعاليم الله الصافية الخالصة من التحريف والتلاعب والتبديل والتغيير، والتي جاءت رسالة الإسلام مُتَمِّمَةً لها وَمُعَبِّرَةً عن رسالتها أوفى
[ط]
تعبير وَأَدَقِّهِ وَأَوْسَعِهِ، وأكثره مراناً ومسايرة للعصور، وتحقيقاً لحاجة بني الإنسان على اختلاف ديارهم وأزمانهم.
وشريعة الإسلام - في مصادرها الأولى - وفي بحوث فقهائها وأئمتها - رحبة الفناء، واسعة النهج، تتسع لكل حادثة، وتحل كل مشكلة، وتقيم موازين القسط بين الأفراد والجماعات والحكومات، وتحقق للشعب الطائع اليقظ الراقي المتحفز، وللدنيا في مختلف أقطارها، الدولة العادلة المسالمة التي تجنح لِلْسِلْمِ حين يجنح له غيرها، وتذود عن كرامة العقيدة والأخلاق والحرية الصادقة، حين يميل إلى العدوان عليها معتد أثيم أو باغ ماكر.
ومصادر التشريع الإسلامي معروفة لدى المُسْلِمِينَ موثوقة محفوظة، ولا شك في أن السُنَّةَ المُطَهَّرَةَ، وهي ثانية هذه المصادر، أوسعها فروعا، وأحفلها نظماً، وأرحبها صدراً، إذ كان كتاب الله الكريم متضمناً للقواعد العامة في التشريع وللأحكام الكلية في الغالب، مِمَّا جعله خالداً خلود الحق، بَيْدَ أَنَّ السُنَّةَ الكريمة عنيت بشرح هذه القواعد، وتثبيت تلك النظم، وتفريع الجزئيات على الكليات، مِمَّا يعرفه كل من درس السُنَّةَ دراسة وافية، ومن ثم لم يكن لِلْمُتَشَرِّعِينَ من علماء الإسلام مندوحة من الاعتماد على السُنَّةِ، واللجوء إليها والعناية بها والاسترشاد بأحكامها المنصوصة على أحكام الحوادث الطارئة.
ولقد تعرضت السُنَّةُ في القديم لهجمات بعض الفرق الإسلامية الخارجة على سُنَنِ الحق لشبهات طارئة لم تجد في نفوس أتباعها ما يدفعها، كما تعرضت في العصر الحاضر لهجمات بعض المُسْتَشْرِقِينَ المُتَعَصِّبِينَ من دُعاة التَبْشِيرِ وَالاِسْتِعْمَارِ، ابتغاء الفتنة وابتغاء هدم هذا الركن المتين من أركان التشريع الإسلامي الوارف الظلال وتابعهم على ذلك بعض المؤلفين من أبناء أُمَّتِنَا، اغتراراً بما يضفيه أولئك المُسْتَشْرِقُونَ على بحوثهم من زخارف علمية لا تثبت أمام النقد العلمي النزيه أو اندفاعا وراء
[ي]
ميول نفسية وشبهات فكرية لم يحاولوا تخصيصها على ضوء ما بين أيديهم من تراث السلف وبحوث العلماء الراسخين، فصادف رأي المُسْتَشْرِقِينَ في السُنَّةِ هَوًى كامناً في نفوس هؤلاء، فضربوا على الوتر، وغنوا بذلك الحداء.
أَتَانِي هَوَاهَا قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ الهَوَى
…
فَصَادَفَ قَلْباً خَالِياً فَتَمَكَّنَا
وقد سبق لي في عام 1358 هـ أن عانيت مع بعضهم بعض الشيء في دفع أوهامهم والرد على ما علق بأذهانهم من تَخَرُّصَاتِ المُسْتَشْرِقِينَ. لذلك رأيت أن أبحث في هذه الرسالة عن السُنَّةِ ومكانتها في التشريع الإسلامي، مُبَيِّنًا الأدوار التاريخية التي اجتازتها، وجهود علماء الإسلام في صيانتها وتمحيصها، مناقشًا ما أورد المتحاملون عليها في القديم والحديث بروح علمية هادئة، يستبين بها وجه الحق، وتتضح بها طلعة السُنَّةِ المُطَهَّرَةِ بيضاء مشرقة.
وقد ختمتها بشذرات من تاريخ أشهر علماء الإسلام من مُجْتَهِدِينَ وَمُحَدِّثِينَ مِمَّنْ لهم دور بارز في حفظ السُنَّةِ وتدوينها، أو في الرجوع إليها في استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها.
وقد قَسَّمْتُ الرسالة إلى ثلاثة أبواب وخاتمة:
الباب الأول: في معنى السُنَّةِ ونقلها وتدوينها، وفيه فصول:
الفصل الأول: في معنى السُنَّةِ، وتعريفها، وموقف الصحابة مِنَ السُنَّةِ.
الفصل الثاني: كيف نشأ الوضع فيها؟ ومتى؟ وأين؟
الفصل الثالث: في جهود العلماء لتنقيتها وتصحيحها.
[ك]
الفصل الرابع: في ثمار جهود العلماء ونتائجها بالنسبة لِلْسُنَّةِ.
الباب الثاني: فيما تعرضت له السُنَّةُ من شُبَهٍ وخصومة وفيه سبعة فصول:
الفصل الأول: السُنَّةُ مع الشِيعَة والخوارج.
الفصل الثاني: السُنَّةُ مع المعتزلة والمُتَكَلِّمِينَ.
الفصل الثالث: السُنَّةُ مع من ينكر حُجِيَّتِهَا قَدِيمًا.
الفصل الرابع: السُنَّةُ مع من ينجر حُجِيَّتِهَا حَدِيثًا.
الفصل الخامس: السُنَّةُ مع من ينكر حُجِيَّة خبر الآحاد.
الفصل السادس: السُنَّةُ مع المُسْتَشْرِقِينَ.
الفصل السابع: السُنَّةُ مع بعض الكَاتِبِينَ حَدِيثًا.
الباب الثالث: في مرتبة السُنَّةِ من التشريع الإسلامي، وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في مرتبتها بالنسبة إلى الكتاب.
الفصل الثاني: كيف اشتمل القرآن على السُنَّة.
الفصل الثالث: نَسْخُ السُنَّة بالقرآن، أو القرآن بِالسُنَّةِ.
الخاتمة: في تراجم بعض كبار علماء الإسلام من مُجْتَهِدِينَ وَمُحَدِّثِينَ وهم عشرة:
1 -
الإمام أبو حنيفة.
2 -
الإمام مالك.
3 -
الإمام الشافعي.
4 -
الإمام أحمد.
5 -
البخاري.
6 -
مسلم.
7 -
النسائي.
8 -
أبو داود.
9 -
الترمذي.
[ل]
10 -
ابن ماجه.
والله أسأل أن يجنبني العثار ويلهمني الرشد، ويفتح لي خزائن رحمته، ويجعلنا مِمَّنْ يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
والحمد لله رب العالمين.
القاهرة: 6 رجب 1368 هـ / 4 أيار (مايو) 1949 م.
مصطفى حسني السباعي
[م]