المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة الأعراف قوله تعالى: {المص (1) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن - العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير - جـ ٣

[محمد الأمين الشنقيطي]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌ ‌سورة الأعراف قوله تعالى: {المص (1) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن

‌سورة الأعراف

قوله تعالى: {المص (1) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (3)} [الأعراف: 1 - 3] قد تَكَلَّمنا فيما مضى مراراً على الحروف المقطعة في أوائل السور، وذكرنا كلام العلماء فيها، وسَنُلِمُّ هنا ببعض قليل منه. رُوي عن ابن عباس وغيره أن قوله:{المص (1)} : أنا الله أَفْصِل

(1)

. كما روى عنه: «أنا الله أعلم»

(2)

في {الم} .

ورُوي عن جماعة أن الألف واللام والميم والصاد أنها من أول اسمه المُصوِّر

(3)

؛ لأن اسمه المُصوِّر تحته غرائب وعجائب تُبْهِر

(1)

أخرجه ابن جرير (12/ 293)، والبيهقي في الأسماء والصفات ص 120، والنحاس في القطع والائتناف ص 111، وإسناده ضعيف وعزاه السيوطي في الدر (3/ 67) لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وأبي مردويه.

(2)

أخرجه ابن جرير (1/ 207)، وابن أبي حاتم (1/ 27)، والنحاس في القطع والائتناف ص 110 - 111، وإسناده ضعيف، وعزاه في الدر (1/ 22) إلى وكيع، وعبد بن حميد، وابن المنذر.

(3)

انظر: ابن جرير (12/ 293).

ص: 5

العقول، إذا رأيتم الناس يوم جمرة العقبة مجتمعة من أقطار الدنيا وجدتموها على صَبَّة واحدة: الأنف ها هنا، والعينان ها هنا، والفم ها هنا، على نمط وأسلوب واحد، مع أنه لم تشتبه صورة رجل بصورة رجل حتى لا يُفرَق بينهما، ولا صورة امرأة بصورة امرأة، فكل منهم له صورة يُطبع عليها، سابق علم الله بها، مُنفَّذ في تصويره بها. وهذا مما يدل على كمال وعظمة خالق السماوات والأرض.

ولكن تفسير الحروف المقطعة بأنها تدل على حروف من أسماء الله، هذا التفسير وإن قال به بعض أهل العلم، وإن كان له أصل في الجملة في اللغة العربية؛ لأن من أساليبها: وضع الحرف مراداً به الكلمة، كما قال الراجز

(1)

:

قُلْتُ لهَا: قِفِي فَقَالَتْ لِي: قَافْ

لَا تَحْسَبِي أنَّا نَسِينَا الإِيجافْ

يعني بقوله: «قاف» وقفت. ومنه قول الآخر

(2)

:

بِالخَيْرِ خَيْرَاتٌ وَإِنْ شَرّاً فَا

وَلَا أُرِيدُ الشَّرَّ إِلَاّ أَنْ تَا

يعني: وإن شرّاً فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء. فجاءوا بالحرف واستغنوا عن الكلمة.

لكن هذا التفسير لم يقم عليه دليل، ولا يجب الرجوع إليه. وقد يفتح باب هذا التفسير للباطنية الزنادقة حيث يفسرون الكلام برموز وألغاز غير مرادة.

(1)

البيت للوليد بن عقبة. وهو في ابن جرير (1/ 212)، تأويل مشكل القرآن ص308.

(2)

البيت لتميم بن أوس. وهو في ابن جرير (1/ 213)، الكتاب لسيبويه (3/ 321).

ص: 6

وقال بعض العلماء

(1)

: إن معنى قوله: {المص (1)} أنه اسم لهذه السورة. وبعضهم يقول

(2)

: اسم من أسماء الله.

وبعضهم يقول

(3)

: هو من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه.

وأظهر أقوال العلماء فيها -مع كثرتها وانتشارها أظهرها- قول واحد؛ لأنه دل عليه استقراء القرآن في الجملة، وما دل عليه استقراء القرآن فهو أقرب من غيره. والقول الذي دل عليه استقراء القرآن هو قول بعض العلماء: إن المراد بالحروف المقطعة في أوائل السور: إظهار إعجاز القرآن، فكأن الله يقول للبشر:{المص (1)} هذه حروف من الحروف المتداولة بين أيديكم تركبون منها كلامكم، فلو كان هذا الكلام من عند غير الله وهو مُؤلَّف من حروفكم المتداولة بين أيديكم لكنتم تقدرون على تأليف مثله، فَلِما عَجَزْتُم عن تأْلِيف مثله وهو من الحروف المعْرُوفة لَدَيْكُمْ مركب منها، عرفنا بذلك أنه تنزيل من حكيم حميد لا مِنَ البَشَرِ.

ووجه الاستقراء الذي دل على هذا القول: أن الله في جميع القرآن في جميع السور المبدوءة بحروف مقطعة لم تُذكر منها سورة واحدة إلا وجاء بعدها التنويه بشأن القرآن والرفع من شأنه، فدل هذا على هذا، ولم يخلُ من هذا في سائر القرآن إلا سورتان: سورة مريم، وسورة القلم، أما غير ذلك فلا تُذكر الحروف المقطعة إلا ذُكر بعدها التنويه بشأن القرآن والرفع من أمرهِ. قال في البقرة:{الم (1)} فأتبعه بقوله: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى

(1)

انظر: ابن جرير (1/ 206).

(2)

انظر: المصدر السابق (1/ 206)، (12/ 293).

(3)

انظر: المصدر السابق (1/ 209).

ص: 7

لِّلْمُتَّقِين (2)} [البقرة: الآيتان 1، 2] وقال في آل عمران: {الم (1) الله لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2)} فأتبعه بقوله: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} الآية، [آل عمران: الآيات 1 - 3] وقال هنا في الأعراف: {المص (1)} ثم أتبعه بقوله: {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} [الأعراف: الآيتان 1، 2] وقال في سورة يونس: {الر} ثم أتبعه بقوله: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} [يونس: آية 1] وقال في سورة يوسف: {الر} ثم قال: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبين} [يوسف: آية 1] وقال في الرعد: {المر} ثم قال: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ} الآية [الرعد: آية 1]، وقال في سورة الخليل:{الَر} ثم قال: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [إبراهيم: آية 1]، وقال في سورة الحجر:{الَر} ثم قال: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} [الحجر: آية 1] وهكذا في سائر القرآن إلا في سورة مريم والقلم؛ حيث أتبع الحروف المقطعة في سورة مريم في قوله: {كهيعص (1)} بقوله: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2)} [مريم: الآيتان 1، 2] وقال في القلم: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1)} [القلم: آية 1] مع أن هذه يُحتمل أن المراد بـ {وَمَا يَسْطُرُونَ} هو هذا القرآن العظيم؛ لأنه أعظم ما يُسطر، فيكون في مريم فقط.

وقوله: {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ} [لأعراف: الآية 2] أكثر العلماء على أن الكتاب خبر مبتدأ محذوف

(1)

، وحذف المسند إليه إذا دل المقام عليه نوع من الإيجاز معروف مقبول في النحو وفي المعاني، لا اختلاف فيه، وهذا هو الأظهر، أن قوله:{كِتابٌ} خبر مبتدأ

(1)

انظر: ابن جرير (12/ 295)، الدر المصون (5/ 241).

ص: 8

محذوف: هذا كتاب أُنزل إليك. خلافاً لمن زعم أن {المص (1)} اسم لهذه السورة، وأنه في محل مبتدأ، وأن {كِتَابٌ} خبره

(1)

، والمعنى: السورة المسماة {المص (1)} كتاب أُنزل إليك. والقرآن يطلق على كل سورة منه أنها كتاب وأنه كتب عديدة؛ لأنه مكتوب في صحف كثيرة، كما بينه تعالى في سورة البينة حيث قال:{رَسُولٌ مِّنَ الله يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3)} [البينة: الآيتان 2، 3] فعبر عن القرآن بأنه كتب قيمة. ولكن الأظهر هو ما عليه الجمهور: أن قوله: {كِتَابٌ} خبر مبتدأ محذوف: هذا كتاب. والكتاب (فِعال) بمعنى: (مفعول) والمعنى: كلام الله مكتوب، فالكتاب بمعنى المكتوب. وإنما قيل له كتاب: لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، كما قال الله:{بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ (22)} [البروج: الآيتان 21، 22] ومكتوب في صحف بأيدي الملائكة، كما قال تعالى:{فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (13) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15)} [عبس: الآيتان 13 - 15] وكون الكتاب بمعنى المكتوب هو (فِعَال) بمعنى (مفعول).

والقرآن وإن كان مكتوباً في اللوح المحفوظ فنزوله على النبي صلى الله عليه وسلم ليس أن جبريل ينظر في اللوح المحفوظ

(2)

، بل الله (جل وعلا) يكلم جبريل بما يريد إنزاله من أنجم القرآن، فيسمعه جبريل من كلام الله على الوجه اللائق بكمال الله وجلاله. وإذا تكلم الله

(1)

انظر: القرطبي (7/ 160)، الدر المصون (5/ 241).

(2)

للشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله رسالة بعنوان: (الجواب الواضح المستقيم في التحقيق في كيفية إنزال القرآن الكريم) رد فيها على مَنْ زَعَمَ أَنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام أخَذَ القُرْآنَ من اللوح المحفوظ، وقد طُبعت مُسْتَقِلَّة، كما أنها ضمن المجموع في فتاواه (1/ 214).

ص: 9

بوحيه صعق أهل السماوات من عظمة كلام رب العالمين (جل وعلا) كما جاء مبيناً في الأحاديث الصحيحة

(1)

، وأول من يرفع رأسه منهم جبريل، فيقولون: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير. فيسمعه جبريل من كلام رب العالمين، يتكلم به الله على الوجه اللائق بكماله وجلاله، المخالف لكلام خلقه من جميع الجهات، ثم يأتي جبريل فيكلم به الرسول صلى الله عليه وسلم. وأنواع الوحي بَيَّنَهَا النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث بكثرة.

ولما كان هذا القرآن مكتوباً في اللوح المحفوظ، وفي الكتب عند الملائكة سُمِّي الكِتَاب. وقال الله فيه هنا:{كِتَابٌ أُنزلَ إِلَيكَ} والكتاب (فِعَال) بمعنى (مفعول)، أي: مكتوب، وإتيان (الفِعَال) بمعنى (المفعول) مسموع في كلام العرب وليس قياساً مُطَّرِداً، وتوجد في العربية منه أوزان معروفة، ككتاب بمعنى: مكتوب، وإله بمعنى: مألوه، أي: معبود، ولباس بمعنى: ملبوس، وإمام بمعنى: مؤتم به. فكلها (فِعَال) بمعنى اسم المفعول.

وأصل مادة الكاف والتاء والباء (كتب) في لغة العرب التي نزل بها القرآن معناها الضم والجمع

(2)

، فكل شيء ضممت بعض أجزائه إلى بعض فقد كَتَبْتَهُ، ومنه قيل للكبكبة من الجيش:(كتيبة) لأنها طائفة من الجيش جُمع بعض أطرافها إلى

(1)

من حديث النواس بن سمعان، وابن مسعود، وأبي هريرة مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد جاء عن ابن عباس، والضحاك، والشعبي مختصراً. كما جاء عن ابن مسعود موقوفاً. وقد خرجت جميع هذه الروايات في الدراسة التي وضعتها على مناهل العرفان (1/ 253 - 254)، فراجعه إن شئت.

(2)

مضى عند تفسير الآية (38) من سورة الأنعام.

ص: 10

بعض، كما قال نابغة ذبيان

(1)

:

وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ

بهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ

ولذلك قيل للخياطين: (كاتبين) فالعرب تسمي الخائط كاتباً، وتسمي الخياطة كتابة؛ لأن الخياط يضم أطراف الثوب بعضها إلى بعض، وكذلك الخَرَّاز تسميه العرب كاتباً؛ لأنه يضم بعض أطراف الجلد إلى بعض ويخرزها فيجمعها بالسير، فقيل له: كاتب؛ لأنه ضم بعض الأجزاء إلى بعض. وفي لُغَز الحريري في مقاماته

(2)

:

وَكَاتِبِينَ وَمَا خَطَّتْ أَنَامِلُهُمْ

حَرْفاً وَلَا قَرَءُوا مَا خُطَّ فِي الْكُتُبِ

يعني بهم الخياطين؛ ولذا تسمي العرب الخُرْزَة الذي يجمع السير وجهيها تسميها (كُتبة) وتسمي السير أيضاً الذي يجمعها (كُتبة)(فُعلة) من الكَتْب بمعنى الضم والجمع، ومن هذا المعنى وهو تسمية الخُرْزَة التي يجمع السير طرف وجهيها في خياطة الجلود أنها تسمى (كُتْبة) وتجمع على (كُتَب) بضم الكاف وفتح التاء، ومن هذا المعنى: قول غيلان ذي الرمة

(3)

:

مَا بَالُ عَيْنَيْكَ مِنْهَا المَاءُ يَنْسَكِبُ

كَأَنَّهُ مِنْ كُلى مَفْرِيَّةٍ سَرَبُ

وَفْرَاءَ غَرْفيَّةٍ أَثْأَى خَوَارِزهَا

مُشَلْشَلٌ ضيَّعَتْهُ بَيْنَهَا الكُتَبُ

يعني أن دمعه يسيل بِكَثْرَةٍ؛ كما أن الخُرَز إذا اتَّسَعَتْ عَنِ السَّير وصارت فيها فجوات انْصَبَّ الماءُ مِنْهَا من السّقاء بكثرة؛ ولذا كانت العرب تقول: «اكْتُب بغْلتك، واكْتُب ناقتك» يعنون: أن يجمع طرفي

(1)

السابق.

(2)

السابق.

(3)

مضى عند تفسير الآية (38) من سورة الأنعام.

ص: 11

فرجها بحلقة لئلا يُنْزَى عليها الذكر فتحمل، وكان يقول الشاعر يهجو بني فزارة من قبائل ذبيان من قيس عيلان بن مضر، كانت العرب تعيرهم بأنهم كانوا يفعلون الفاحشة مع إناث الإبل، وكان الشاعر يقول

(1)

:

لَا تَأْمَنَنَّ فَزَارِيًّا خَلَوْتَ بِهِ

عَلَى قُلُوصِكَ وَاكْتُبْهَا بِأَسْيَارِ

يعني: خِط فرجها بأسيار لئلا يزني بها إن خلا بها، وقصدنا بهذا الكلام الخبيث بيان لغة العرب، لا المعاني الخسيسة التافهة؛ لأن معاني لغة العرب يُسْتَفَاد منها ما يعين على فهم كتاب الله وسنة رسوله، وإن كان مُفْرَغاً في معاني خسيسة تافهة فنَحْنُ نَقْصِدُ مُطْلَق اللّغَة لا المعاني التافهة التي هي تابعة لها. إذا عرفتم هذا فالْكِتَابة مصدر سيال، سُميت كتابة؛ لأن الكاتب يضم حرفاً إلى حرف، ويجمع حرفاً مع آخر، وحرفاً مع آخر، حتى تحصل من هذا نقوش وحروف تدل على معاني الكلام؛ ولهذا سُمِّيَ الكتاب كتاباً.

وقوله: {أُنُزِلَ إِليْكَ} الجملة الفعلية في قوله: {أُنزِلَ إِليْكَ} في محل النعت لقوله: {كِتابٌ} لأن

(2)

النكرات تُنعت بالجمل، ويربط بينها وبين النكرة بالضمير كما هو معروف. وفاعل الإنزال محذوف، والأصل: أنزله الله إليك، وإنما حذف الفاعل اختصاراً؛ لأن من المعلوم أن هذا القرآن العظيم المُعجز الجامع لكل خير، الشامل لعلوم الأولين والآخرين ليس هناك من يقدر على إنزاله إلا خالق السماوات والأرض. ولما كان المُنْزِل معلوماً كان هذا

(1)

السابق.

(2)

مضى عند تفسير الآية (48) من سورة البقرة.

ص: 12

الاختصار والإيجاز واقعاً موقعه؛ لأن الفاعل معروف، فلو حُذف لما ضر حذفه؛ ولذا قال:{كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيكَ} أي: أنزله الله إليك. وقد أنزله الله إليه أنجماً، منجماً في حوالي ثلاث وعشرين سنة.

وقوله: {فَلَا يَكُن في صَدرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ} يعني: هذا الكتاب أنزله الله إليك لتنذر به وذكرى للمؤمنين، فاللام في قوله:{لِتُنذِرَ} - الآتي- يتعلق بقوله: {أُنزِلَ}

(1)

يعني: أُنزل إليك لأجل أن تُنذر به وأن تُذكر به، فلا تعجز عن ذلك الإنذار، ولا يضق صدرك عنه.

{فَلَا يَكُن في صَدرٍكَ حَرَجٌ مِنْهُ} صدر الإنسان معروف، وإذا جاء على الإنسان أمر يثقل عليه أو يشق عليه أورثه ضيقاً في صدره، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يشق عليه ويضيق بصدره التبليغ من حيث إن الكفار يكذبونه ويقولون له: أنت كذاب، أنت ساحر، أنت شاعر، أنت كاهن، هذه أساطير الأولين عَلَّمَكَها بشر، فتكذيبهم له وأذيتهم له يشق عليه، كما قال الله:{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97)} [الحجر: آية 97] وقال: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيُحْزِنُكَ} [الأنعام: آية 33] وفي القراءة الأخرى: {لَيَحزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ}

(2)

أي: {فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ} أي: ضيق. يعني: أَوْسِع صدرك، وتحمل الأذى، وشُقَّ الطريق في تبليغ هذا القرآن العظيم، والإنذار به، والتذكير به، لا تضعف، ولا تجبن، ولا تخف من الأذى، ولا يضق صدرك به.

والحرج في كلام العرب أصله: الضيق

(3)

، وقد يُسمون الشجر

(1)

انظر: الدر المصون (5/ 242).

(2)

مضى عند تفسير الآية (33) من سورة الأنعام.

(3)

انظر: المفردات (مادة: حرج) ص 226، اللسان (مادة: حرج) (1/ 599).

ص: 13

الملتف الذي لا تصل إليه راعية يسمونه: (حَرَجَة) لضيق مكانه، وقد كانوا يقولون في قصة غزوة بدر:«فإذا أبو جهل كالحَرَجَة» -يعني لشدة ازدحام قريش عليه وصيانتهم له- يقولون: أبو الحكم لا يُخلص إليه

(1)

كالشجرة الملتف عليها الشجر لا يمكن أن يُوصل لها، هذا أصل (الحرج) في لغة العرب الضيق، وقد بَيَّنَّاه في قوله:{يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} [الأنعام: آية 125]، ومنه قوله:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: آية 78] أي: ما جعل عليكم من ضيق، وأحرجه: أوْقَعَهُ في الحَرَج؛ ولذا سُميت الطلقات الثلاث (المُحَرِّجَات) لأنها تُضَيِّق على صاحبها وتمنعه مِنْ رَجْعَةِ امْرَأته، واليمين قد تكون مُحَرِّجة؛ لأنها تمنع من المحلوف عليه، وهذه المعاني معروفة في كلام العرب، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة، أو جميل بن معمر، على الخلاف المعروف في الشعر المشهور

(2)

:

قَالَتْ: وَعَيْشِ أَبِي وَحُرْمَةِ إِخْوَتِي

لأُنَبِّهَنَّ الحَيَّ إِنْ لَمْ تَخْرُجِي

فَخَرَجْتُ خَوْفَ يَمِينِهَا فَتَبَسَّمَتْ

فَعَلِمْتُ أَنَّ يَمِينَهَا لَمْ تُحْرَجِ

أنها يمين ليست مضَيّقة، وأنها كلا شيء. وكذلك قول العَرْجِي بن عمر بن عثمان

(3)

:

(1)

السيرة لابن هشام ص674.

(2)

البيت في ديوان عمر بن أبي ربيعة ص83، عيون الأخبار (4/ 93)، الأضواء (2/ 286).

(3)

البيت في عيون الأخبار (4/ 90)، الأضواء (2/ 286). قال ابن قتيبة:«هو عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان، وكان ينزل بموضع قبل الطائف يقال له: العرج، فنُسب إليه» اهـ الشعر والشعراء ص386.

ص: 14

عُوجِي عَلَيْنَا رَبَّةَ الهَوْدَجِ

إِنَّكِ إِلَاّ تَفْعَلِي تُحْرَجِي

يرويه كثير ممن رواه: (إنك إلَاّ تفعلي تَحْرجي) أي: تقعي في الحرج الذي هو الإثم والضيق بالذنوب، والأظهر أن أصله (تُحْرِجِي) أي: توقعي صاحبك في حرج وضيق، حيث هجرتِهِ، هذا أصل الحرج في لغة العرب. وعليه فالآية كقوله:{فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُك أَن يَقُولُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ} [هود: آية 12] وكقوله: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (6)} [الكهف: آية 6] وروي هنا عن جماعة من كبار المفسرين أن الحرج في هذه الآية: الشك

(1)

أي: فلا يكن في صدرك شك منه أنه مُنَزَّلٌ من الله (جل وعلا). وعلى هذا فالآية كقوله: {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [البقرة: آية 147] أي: من الشاكين، وقوله:{فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ} [يونس: آية 94]. وتفسير الحرج في آية الأعراف بالشك في هذا الموضع قال به جماعة من أجلاء المفسرين. وعلماء العربية يقولون: إنه -مع أنه رُوي عن بعض أجلاء أهل التفسير أنه- سائغ في اللغة العربية؛ لأن الشاك قلق صدره ضَيِّق لا يميل إلى طرف الإثبات ولا إلى طرف النفي، وِمما يؤيد هذا: أن الريب في جميع القرآن معناه: الشك. كقوله: {لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: آية 2] أي: لا شك فيه. مع أن أصل الريب في لغة العرب: مصدر رابه، يريبه، ريباً إذا أزعجه وأقلقه. وفي حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم رأى ظبياً حاقفاً

(2)

(1)

انظر: ابن جرير (12/ 103 - 107)، (295 - 296)، الأضواء (2/ 285 - 286).

(2)

أي: نائماً قد انحنى في نومه.

ص: 15

فقال: «لَا يَرِيبُهُ أَحَدٌ»

(1)

يعني: لا تزعجوه، ولا تُقْلِقُوه، ولا تنفروه؛ لأنَّكم مُحْرِمُون لا يجوز لكم إزعاج الصيد. ومن هذا المعنى قول توبة بن الحُمَيِّر

(2)

:

وكنتُ إذا ما جئتُ ليلى تَبرقَعَت

فقد رابني منها الغَدَاة سفُورُها

رابني: يعني أزعجني وأقلقني؛ لأن أهلها كانوا شَكَوه إلى الوالي فأهدر دَمَهُ إنْ زارها، وكان إذا جاءها لبست برقعها عنه، فأنذروها وأنها إن أعلمته فعلوا بها وفعلوا، فلما زارها سفرت وكشفت عن وجهها، فشرد توبة بن الحُميِّر هارباً وقال:

وكنتُ إذا ما جئت ليلى تَبرقَعَت

فقد رابني منها الغَدَاة سفُورُها

فعلم أنها ما كشفت عن وجهها إلا لأن النار تحت الرماد. والشاهد أن قوله: (فقد رابني منها) أزعجني وأقلقني، وأن الريب أصله الإزعاج والإقلاق، وهو في القرآن يطلق على الشك؛ لأن نفس الشاك غير مطمئِنَّة، بل هي قلقة مضطربة لا تدري أتميل إلى طرف النفي أو إلى طرف الثبوت. وهذا معنى قوله:{فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَج مِّنْهُ} .

وقوله: {لِتُنذِرَ بِهِ} التحقيق أنها لام كي المعروفة بلام التعليل، والفعل منصوب بأن مضمرة بعدها، وهي تتعلق بقوله:{أُنزِلَ}

(3)

يعني: أُنزل إليك هذا الكتاب لأي حكمة أُنزل إليك؟

(1)

أخرجه مالك في الموطأ ص241، حديث رقم (785)، والنسائي في الحج، باب ما يجوز للمحرم أكله من الصيد. حديث رقم (2818)، (5/ 182 - 183) وانظر: صحيح النسائي (2/ 594).

(2)

البيت في اللسان (مادة: برقع)(1/ 200).

(3)

انظر: الدر المصون (5/ 242).

ص: 16

{لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلمُؤْمِنِين (2)} .

وقوله: {لِتُنذِرَ} أصله مضارع أنذره ينذره إنذاراً، والإنذار في لغة العرب التي نزل بها القرآن هو خصوص الإعلام المقترن بتهديد خاصة وتخويف، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذاراً؛ لأن الإنذار: الإعلام المقترن بتخويف وتهديد خاصة

(1)

. وأصل ماضي هذا الفعل: (أنذر) بالهمزة، وكان لو جرى على الأصل لقيل:«لِتُؤَنْذِرَ به» لكن

(2)

القاعدة المقررة في فن التصريف أن كل فعل بُني ماضيه على (أَفْعَل) أن همزة (أَفْعَل) تحذف وجوباً بقياس مطرد في مضارعه، واسم فاعله، واسم مفعوله. ومفعول الإنذار هنا محذوف، وقد دل عليه التفصيل؛ أي: لتنذر به الكفار المتمرِّدين العاتين، وتذكر به المؤمنين

(3)

. فالقرآن إنذار لقوم تمرّدوا وعتوا، وتذكرة وبشرى لقوم آخرين كقوله:{فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً (97)} [مريم: آية 97] والمعنى: أنزلنا إليك هذا الكتاب لتخوف به الخلق الذين كذّبوه ولم يتبعوه.

وفي هذه الآية الكريمة وأمثالها من الآيات زواجر عظيمة ينبغي لنا أن نعتبرها؛ لأن خالقنا (جل وعلا) بَيَّن لنا في أول هذه السورة الكريمة -سورة الأعراف من هذا المحكم المنزل الذي هو آخر كتاب نزل من السماء على آخر نبي بعثه الله في أرضه (صلوات الله وسلامه عليه) - قال: إنه أنزل عليه هذا الكتاب ليخوف به الخلق من عقوبات خالق السماوات والأرض وسخطه، فإنه الجبار الأعظم الذي

(1)

مضى عند تفسير الآية (130) من سورة الأنعام.

(2)

مضى عند تفسير الآية (76 - 77) من سورة البقرة.

(3)

انظر: أضواء البيان (2/ 286).

ص: 17

إذا سخط عاقب العقوبة المهلكة المستأصلة. فبهذا يجب علينا أن نتأمل في معاني القرآن، ونعرف أوامر ربنا التي أمرنا بها فيه، ونواهيه التي نهانا عنها، ونخاف من هذا الإنذار والتهديد الذي أُنزل هذا القرآن على الرسول ليفعله بمن لم يعمل بهذا القرآن العظيم. فالإنسان يجب عليه أن يتدبّر هذا القرآن العظيم، وينظر أوامره، وينظر نواهيه، ويعمل بما فيه من الحلال والحرام، فالحلال ما أحله الله في هذا القرآن وبينته السنة الكريمة، والدين ما شرعه الله؛ لأنه لا حكم إلا لله، فكل الأحكام هي لله، والتشريع لله، والتحليل والتحريم لله، وقد أنزل علينا هذا الكتاب ليخوفنا إذا لم نعمل بما فيه من العبر والآيات، فَنُحل حلاله، ونُحرِّم حَرَامَه، ونعتقد عقائده، ونعمل بمحْكَمه، ونؤمن بمتشابهه، ونعتبر بما فيه من الأمثال، وتلين قلوبنا لما فيه من المواعظ وضروب الأمثال. فهذا الإنذار لا ينبغي للمسلم أن يهمله ويعرض عنه صفحاً.

وقوله: {وَذِكْرَى لِلمُؤْمِنِينَ (2)} الذكرى هنا مصدر مؤنَّث تأنيثاً لفظيّاً بألف التأنيث المقصورة، وأصله بمعنى: التذكير، أي: لأجل الإنذار لمن عَتَى وتمرد، وللتذكير للمؤمنين العاملين به. والذكرى: هي الاتِّعَاظ؛ لأن المؤمنين يذكرهم فتنفعهم الذكرى {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)} [الذاريات: آية 55].

وقوله: {وَذِكْرَى} في محل إعرابه ثلاثة أوجه معروفة

(1)

: أظهرها: أنه في محل خفض معطوف على {لِيُندرَ بِهِ} أي: للإنذار وللتذكير، ويجوز أن يكون منصوباً عطفاً على محل {لِيُندرَ بِهِ} لأنه

(1)

انظر: الدر المصون (5/ 244).

ص: 18

وإن جُرَّ فهو في معنى مفعول لأجله، ويجوز أن يكون مبتدأ، ويكون -أي: يجوز- معطوفاً على قوله: {كِتَابٌ} كتاب أنزلناه إليك، وذكرى للمؤمنين أنزلناها إليك. والأول هو الأظهر.

والمؤمنون: عباد الله المصدقون بقلوبهم تصديقاً تساعده جوارحهم، فيكون القلب مصدقاً وتظهر آثار ذلك التصديق على الجوارح، بأن تطيع الله، وتمتثل أمره، وتجتنب نهيه. فالإيمان في لغة العرب يطلق على التصديق

(1)

، ومنه {وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} أي: بمصدقنا في أن يوسف أكله الذئب {وَلَو كُنَّا صَادقِين (17)} [يوسف: آية 17]. وهو في اصطلاح الشرع

(2)

: التصديق من جهاته الثلاث: وهو تصديق القلب بالاعتقاد، وتصديق اللسان بالإقرار، وتصديق الجوارح بالعمل. فالإيمان قول وعمل، ينقص ويزيد بحسب الأعمال الصالحة وعدمها على مذهب أهل السنة والجماعة الذي دلت عليه نصوص الوحي في القرآن والأحاديث الصحيحة بكثرة، كقوله:{لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح آية 4]{زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: آية 2] وما جرى مجرى ذلك من النصوص، وفي الحديث الصحيح:«إن الإيمانَ بِضْعٌ وسَبْعونَ -وفي بعضها: وَسِتُّونَ- شُعْبَةً أعْلاهَا: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وأدْنَاهَا إمَاطَةُ الأذَى عن الطَّريق»

(3)

وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح إماطة الأذى عن الطريق إيماناً، وقد سمى الصلاة إيماناً في قوله:{وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: آية 143] أي: صلاتكم إلى بيت

(1)

مضى عند تفسير الآية (55) من سورة البقرة.

(2)

مضى عند تفسير الآية (48) من سورة الأنعام.

(3)

السابق.

ص: 19

المقدس قبل نسْخ القبلة إليه. وهذا معنى قوله: {وَذِكْرَى لِلمُؤْمِنِينَ} .

ولما بيَّن (جل وعلا) أنه أنزل هذا الكتاب العظيم على هذا النبي الكريم، وأنه أنزله عليه لينذر به ويُذَكِّر، وأنه يجب على أمته أن تَأْتَسِي به في الإنذار بالقُرْآنِ والتذكير به، أَمَر من ذُكِّروا وأنذروا -أمرهم- بما ينبغي أن يفعلوا حول ذلك الإنذار والتذكير الذي بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال:{اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف: آية 3] هذا الأمر للوجوب بإجماع العلماء، وصيغة (افعل) وإن اختلف فيها علماء الأصول هل هي تقتضي الوجوب، أو تقتضي الندب، أو تقتضي مطلق الطلب الصادق بالندب والوجوب، أو إن كانت في القرآن اقْتَضَتِ الوجوب، وإن كانت في السنة اقتضت الندب، هذه الأقوال وإن ذكرها علماء الأصول

(1)

فالصحيح المعروف الذي دَلَّ عليه الشرع الكريم واللغة التي نزل بها القرآن: أن صيغة (افعل) إذا جاءت في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم كانت مقتضية لوجوب الامتثال، إلا أن يدل دليل آخر صارف عن ذلك الوجوب، ويكون ذلك الدليل يجب الرجوع إليه، والأدلة على هذا كثيرة: منها أن الله لما قال للملائكة: {اسْجُدُواْ لآدَمَ} [البقرة: آية 34] كانت لفظة {اسْجُدُواْ} صيغة أمر، وهي لفظة (افعل) ومعروف أن المقرَّرَ في المعاني وفي أصول الفقه: أن الصيغ الدالة على الأمر التي تقتضي الوجوب أنها أربع صيغ لا خامسة لها

(2)

:

(1)

راجع ما تقدم عند تفسير الآية (44) من سورة الأنعام.

(2)

انظر: المذكرة في أصول الفقه ص188، نثر الوررد (1/ 176)، الأضواء (5/ 233).

ص: 20

الأولى منها: فعل الأمر الصريح، نحو:{أَقِمِ الصَّلَاةَ} [الإسراء: آية 78] وقوله هنا: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف: آية 3].

والثاني: اسم فعل الأمر، نحو:{عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ} [المائدة: آية 105].

والثالث: الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، نحو:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: آية 63]، {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)} [الحج: آية 29].

والرابعة: هي المعروفة عند النحويين بالمصدر النائب عن فعله، نحو قوله:{فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} [محمد: آية 4] يعني: فاضربوا رقابهم. وكقول هند بنت عتبة يوم أُحد لما انهزم المشركون هزيمتهم الأولى، وقُتل حَمَلَة اللواء من بني عبد الدار، وبقي لواء قريش طريحاً حتى رفعته عمرة بنت علقمة الحارثية التي يقول فيها حسان

(1)

:

وَلَوْلَا لِوَاءُ الحَارِثِيَّةِ أصْبَحُوا

يُباعونَ في الأسْوَاقِ بَيْعَ الجَلائِبِ

عند ذلك قالت هند بنت عتبة بن ربيعة العَبْشَمِيَّة:

صَبراً بني عَبْدِ الدَّار

صَبْراً حُمَاةَ الأدْبَار

ضَرْباً بكُلِّ بتَّار

(2)

(1)

ديوان حسان ص29، السيرة لابن هشام ص859.

(2)

السيرة لابن هشام ص846.

ص: 21

فكل هذه المصادر مصادر نابت عن أفعالها، ففيها معنى الأمر. تعني: اصبروا يا بني عبد الدار، واضربوا بكل بتَّار. هذه هي صيغ الأمر.

وقد دل القرآن والسنة ولغة العرب على أن صيغة (افعل) تقتضي الوجوب، فمن الدليل على ذلك: أن الله لما قال للملائكة: {اسْجُدُواْ لآدَمَ} [البقرة: آية 34] كانت {اسْجُدُواْ} صيغة (افعل) فلما امتنع إبليس وبَّخه وحكم عليه بالعصيان، وقال:{مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} موبِّخاً له، فَدَلَّ على أن عدم امتثال صيغة الأمر أنه معصية، ويؤيِّدُ ذلك أن نَبِيَّ الله موسى قال لأخيه هارون لما أراد السفَر إلى الميقات، قال لأخيه هارون:{اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ} [الأعراف: الآية 142] وهذه صيغة أمر، فلما ظن أنه لم يتبعها قال:{أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93)} [طه: آية 93] فصرح بأن مخالفة صيغة (افعل) معصية، ومن الأدلة على ذلك أن الله يقول:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)} [النور: آية 63]، وقد قال جل وعلا:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [الأحزاب: آية 36] وفي القراءة الأخرى: {أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}

(1)

، ومن قضائه للأمر هو أن يقول:(افعل كذا) فدلت آية الأحزاب هذه على أن أمره تعالى قاطع للاختيار، موجب للامتثال، والأدلة في هذا كثيرة.

ووجه دلالة اللغة العربية على أن صيغة (افعل) تقتضي الوجوب: أن السيد المالك لعبد لو قال لعبده: (اسقني ماءً) فامتنع

(1)

انظر: المبسوط لابن مهران ص358.

ص: 22

العبد ولم يسق سيده فأدَّبَه وضربه أن عامة أهل اللسان يقولون: إن هذا العتاب واقع موقعه، فلو قال العبد للسيد: أنت ظلمتني بعقابي هذا؛ لأن قولك (اسقني) صيغة (افعل) وهذه لا تُوجب ولا تلزم شيئاً!! لقال له أهل اللسان العربي: كذبت يا عبد، بل الصيغة ألزمتك، ولكنك امتنعت، فلسيدك أن يعاقبك. هذا وجه دلالة اللغة العربية على ما ذكرنا.

وعلى كل حال فقوله: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} هذا الأمر واجب بإجماع العلماء، فيجب على كل مسلم أن يتبع ما أنزله الله في هذا القرآن الكريم على سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. والسنة جميعها إنما هي قطرة من بحر القرآن العظيم؛ لأن القرآن بحر لا ساحل له، والسنة قطرة من بحره؛ لأن جميع ما جاء في سنة رسول الله يدخل في قوله:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: آية 7] والعمل بما جاء عن رسول الله عمل بالقرآن العظيم، وقد ثبت في الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه جاءته امرأة تسأله عن ابنتها يريدها زوجها أن تُزف إليه، وقد تمعَّط شعرها، يعني: سقط شعرها، والشعر جمال المرأة، فهي تريد أن تصل شعر رأسها بشيء تجملها به لزوجها، فذكر ابن مسعود أن الواصلة شعرها بشعر غيرها ملعونة في كتاب الله، فجاءته المرأة بعد ذلك وقالت له: لقد قرأت ما بين اللوحتين أو ما بين الدفتين فلم أجد لعن الواصلة في كتاب الله!! فقال لها: إن كنت قَرَأْتِيهِ فَقَدْ وجدتيه، أوَمَا قَرَأْتِ:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} ؟ قالت: بلى. قال: هو صلى الله عليه وسلم لعن الواصلة

(1)

.

وهذا مما يدل على أن كل ما في سنة رسول الله فالعمل

(1)

هنا وقع للشيخ رحمه الله وَهْمٌ حيث أدخل حديثاً في حديث آخر؛ ذلك أن حديث ابن مسعود في أنه لعن النامصات .. إلخ، فراجعته امرأة من بني أسد محتجة بأنها لم تجد هذا اللعن في كتاب الله وهذا الحديث أخرجه البخاري في التفسير، باب (وما آتاكم الرسول فخذوه) حديث رقم (4886) ، (8/ 630)، وأخرجه في مواضع أخرى انظر: الأحاديث (4887، 5931، 5939 5943، 5948)، ومسلم في اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، حديت رقم (2125)، (3/ 1678).

وأما المرأة التي سألت عن وصل شعر ابنتها: فهي امرأة من الأنصار سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ابنة لها زوَّجتها فمرضت فتساقط شعرها، قالت: أفأصل شعرها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الواصلة

» إلخ.

وقد روى هذا الحديث من الصحابة:

1 -

عائشة رضي الله عنها وقد أخرجه البخاري في اللباس، باب: وصل الشعر، حديث رقم:(5934)، (10/ 374)، وطرفه في:(5205). ومسلم في اللباس والزينة، باب: تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، حديث رقم:(2123)، (3/ 1677).

2 -

أسماء رضي الله عنها وقد أخرجه البخاري في اللباس، باب: وصل الشعر. حديث رقم: (5935)، (10/ 374). وطرفاه:(5936، 5941). ومسلم في اللباس والزينة، باب: تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، حديث رقم:(2122)، (1676). هذا وقد ورد في لعن الواصلة أحاديث أخرى منها حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة رضي الله عنهما وهما في الصحيحين.

ص: 23

به عمل بكتاب الله.

{اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} فعلى جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يعملوا بهذه الأوامر السماوية المنزَّلة من خالق السماوات والأرض، الذي فتح أعينهم في وجوههم، وصبغ لهم بعضها بصبغ أسود، وبعضها بصبغ أبيض، وفتح لهم آنافهم وأفواههم، وأعطاهم الألسنة، وأنبت لهم الأسنان، وشق لهم المحل

ص: 24

الذي ينزل عنهم منه البول والغائط، وفتح لهم العروق والشرايين ليجري فيها الدم، فهذا لو لم يثقبه رب العالمين ويفتحه لما قدر أحد على أن يثقبه!! هذا الذي هذه عظمته، وهذا سلطانه وقدرته عليكم يأمركم بوحيه المنزل من فوق سبع سماوات أن تتبعوا أوامره ونواهيه التي أنزلها على رسله، ولا تتبعوا أولياء غيره (جل وعلا)، ولا تشريعات غير شرعه (جل وعلا)، فيجب على جميع المسلمين أن يعلموا أن الحلال هو ما أحله الله، والحرام هو ما حَرَّمَه الله، والدين هو ما شرعه الله، والمُتَّبَعُ هو نظام الله الذي أنزله في هذا القرآن على سيد الخلق (صلوات الله وسلامه عليه). فالذين يتمردون على هذا الأمر ويسمعون في القرآن:{اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} ويقولون: لا، لا يمكن أن نتبع ما أُنزل إلينا من ربنا بل نتبع قانون نابليون، أو قانون فلان، أو فلان من القوانين الوضعية المستوردة المتمردة على نظام خالق السماوات والأرض!! هذا أمر لا يليق، وصاحبه ليس من الإيمان في شيء؛ لأن هذا الكون ليس فوضى، وإنما له خالق جبار ملك عظيم قهار خالق كل شيء، وبيده كل شيء، وإليه مرجع كل شيء، ولا يقبل أبداً ولا يرضى أبداً أن يُتبع شيء إلا الشيء الذي أنزل هو (جل وعلا) على رسوله الكريم لينذر به ويذكر به المؤمنين، فهذا هو الذي ينبغي أن يُتبع، وهو نظام السماء الذي يحفظ لبني آدم في دار الدنيا أديانهم أتم الحفظ، ويحفظ لهم أنفسهم، ويحفظ لهم عقولهم، ويحفظ لهم أنسابهم، ويحفظ لهم أموالهم، ويحفظ لهم أعراضهم، إلى غير ذلك من مقوماتهم الدينية والدنيوية، فيجب اتباعه وعدم العدول عنه إلى غيره.

ص: 25

وبهذا تعلمون أن من يقوم ويعلن في وقاحة أمام جميع الدنيا أنه لا يتبع ما أنزله الله إلى سيد الخلق (صلوات الله وسلامه عليه)، والله يأمر باتباع ما أنزل وتَرْكِ اتباع غيره، وهو يعلن إذا كان رئيساً لقوم باسم الذين يزعم أنه مُمَثِّلهم أنه لا يحكم بما أنزل الله، ولا يتبع ما أنزل الله، بل يحكم بقانون آخر وَضْعِي وضَعَه زنادقة كَفَرَة فجرة مُظْلِمَةٌ قلوبهم، هم في أصل وضعه عالة على علماء المسلمين، زنادقة كفرة فجرة، يرْغَب عن تَنْزِيل رب العالمين المأمور باتباعه فيذهب إلى وضع الخنازير الكفرة الفجرة، يعتقد أنه هو الذي ينظم علاقات الحياة، زاعماً أن القرآن تقاليد قديمة، وأنَّ رَكْبَ الحضَارَة تَطَوَّرَ عنها، وأن الدنيا تطورت في أحوالها الراهنة تطوراً بعد نزول القرآن لا يمكن أن ينظمها القرآن!! فهذا كلام الفَرَاعنة الجهلة المتمردين على نظام السماء، ولا يوجد في الدنيا نظام يضبط علاقات الخلق وينشر الطمأنينة والرخاء والعدالة مثل نظام السماء الذي وضعه خالق السماوات والأرض (جل وعلا). والقرآن بَيَّنَ لنا في آيات كثيرة أن الذي يَتَمَرَّد على هذا الأمر في آية سورة الأعراف:{اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} ولم يتبع ما أُنزل إليه مِنْ رَبِّه، واتبع القوانين والنُّظم الوضعية بين لنا في غير ما آية أنه كافر، وأن ربه الشيطان، وأن مصيره إلى النار خالداً مخلداً.

[1/ب] / [والآيات القُرْآنية الدَّالة على هذا كثيرة جدّاً، من ذلك ما بَيَّنَّاهُ مراراً أن إبليس عليه لعنة الله، لما جاء تلامذته وإخوانه من أهل مكة، وأراد أن يُهيئ لهم وحي الشياطين ليجادلوا به النبي صلى الله عليه وسلم، قال لهم: سلوا محمداً عن الشاة تُصْبِح ميتة، من هو الذي قتلها؟ فلما أخبرهم أن الله هو الذي قتلها، قالوا له من وحي الشيطان: ما

ص: 26

ذبحتموه بأيديكم -يعنون المذكاة - تقولون: حَلَال وطاهر وطيب مستلذ، وما ذبحه الله بيده الكريمة -يعنون الميتة، أن الله قتلها- تقولون: هو حرام ميتة مستقذر، فأنتم إذاً أحسن من الله!! وأنزل الله في وحي الشياطين جواباً لنبيه عنه قوله:{وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ} [الأنعام: آية 121] يعني: الميتة، وإن زعم أولياء الشيطان أنها ذبيحة الله، ثم قال:{وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} أي: وإن أكل الميتة لفسق، وخروج عن طاعة الله، ثم قال -وهو محل الشاهد-:{وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} وإن أطعتموهم في تحليل الميتة إنكم لمشركون.

اعلم أن تحليل الميتة وتحريمها ليس عقيدة من العقائد، ولا أصلاً من الأصول، وإنما هو فرع من الفروع، مضغة لحم شرّع الله على لسان نبيه تحريمها؛ لأنها ماتت ولم يُذكر عليها اسم الله، وشرّع إبليس على لسان أوليائه تحليلها، فهذا نظام إبليس، وهو تحليل الميتة، وهذا نظام خالق السماوات والأرض الذي شرعه على لسان نبيه. فالله يقول: هذه ماتت حتف أنفها، ولم تُذَك ولم يُذكر اسم الله عليها. والشيطان يُشرّع بفلسفته ويقول:]

(1)

الحلال ما قتله الله، وهو ذبيحة الله، وأن المذكاة التي سُمي عليها الله أنها ليست أحل من الجيفة؛ لأنكم أنتم الذين قتلتموها، وقَتْل الله أحل من قتلكم!! هذا وحي الشيطان، وفلسفة الشيطان، يريد أن يحلل لحم الميتة!! ونظام السماء يحرم لحم الميتة على لسان الرسول مأموراً بقوله:{اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} ومنه تحريم الميتة، أنزل الله: {وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ

(1)

في هذا الموضع انقطاع في التسجيل وتم استدراك النقص مما سبق عند تفسير الآية (57) من سورة الأنعام.

ص: 27

يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ} [الأنعام: آية 121] يعني: الميتة، وإن زعم أولياء الشيطان وأتباعه الذي يوحي إليهم أنه ذبيحة الله بسكين من ذهب، وأنه أحل من ذبيحة المسلمين. قال:{وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ} ثم قال: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} أي: خروج عن طاعة خالقكم. ثم قال: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} يُعنى بـ (وحي الشيطان): قوله: ما ذبحتموه بأيديكم حلال، وما ذبحه الله حرام، فأنتم إذاً أحسن من الله!! ثم قال -وهو محل الشاهد-:{وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)} [الأنعام: آية 121] هذا فَصْل الله (جل وعلا) بين المتحاكمين إلى قانون الشيطان والمتحاكمين إلى قانون الرحمن، فقد اختصم أتباع الشيطان وأتباع رسل الرحمن في مضغة من لحم: هي لحم الميتة، فقال أتباع الشيطان: إنه حلال.

واستدلوا على ذلك بوحي الشياطين: أنها إنما قتلها الله، وما قتله الله ذبيحة الله، وذبيحة الله أحَلّ [من]

(1)

كلِّ شيء. هذا وحي الشيطان وتشريع الشيطان وإلقاء الشيطان إلى أتباع الشيطان. ثم إن الذي أنزل الرحمن على رسل الرحمن أن الميتة التي ماتت ولم تُذَكَّ ولم يذكر اسم الله عليها أنها ميتة يحرم أكلها {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} [البقرة: آية 173]{وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ} [الأنعام: آية 121] فهذه طائفة الشيطان تتبع قانونه ونظامه: أن هذا اللحم حلال!! وهذه طائفة أتباع رسل الرحمن تحكم بأن هذا اللحم حرام بتشريع خالق السماوات والأرض، ثم هذا فَصْلُ الله وحكمه بين الطائفتين، قال:{وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)} [الأنعام: آية 121] وإن أطعتموهم في تشريع إبليس، واتباع قانونه ونظامه في تحليل الميتة إنكم لمشركون بخالق السماوات والأرض؛ لأن التحريم والتحليل لا يكون إلا

(1)

ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق.

ص: 28

للسلطة العليا التي لا يمكن أن تكون فوقها سلطة، وحكم الله هو كعبادته، فكما أنه يجب إفراده في عبادته يجب إفراده في حكمه؛ ولذا قال:{وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} [الكهف: آية 110] وقال: {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (110)} [الكهف: آية 26] فجعل الحكم كالعبادة. وفي قراءة ابن عامر -كبير القراء، قارئ أهل الشام-:{ولا تُشْرِكْ في حكمه أحدًا}

(1)

أي: لا تشرك أيها العبد في حكم ربك أحداً، فالحكم لله؛ لأن الحكم لا يمكن أن يكون إلا للأعظم الأكبر الأجل الذي ليس فوقه ولا أجلَّ منه شيء، كما قال تعالى:{ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12)} [غافر: آية 12] فقوله: {الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} هي مُمَيِّزة لمن يستحق أن يكون الحكم له، فإن كان الطواغيت الذين يتبع الخفافيشُ تعليمهم وأحكامهم هم العَلِيُّون الأكبرون فليتقدموا، وإن كانوا هم الأصاغر الأخسون الأذلون فليعلموا أن الحكم ليس إليهم وإنما هو للعلي الكبير خالق السماوات والأرض جل وعلا.

وقوله في هذه الآية: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)} [الأنعام: آية 121] هذا الشرك هو شرك أكبر مخرج عن الملة بإجماع المسلمين، فمن زعم أن الميتة حلال، وأنها ذبيحة الله، وأن وحي الشيطان حق، وأن نظامه أحق أن يُتبع، فإنه كافر بإجماع المسلمين، كما صرح الله بقوله:{وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)} وهذا الشرك هو شرك أكبر مخرج عن الملة.

وهؤلاء المشركون المتبعون قانون الشيطان ونظام إبليس، هم الذين يوبخهم الله في سورة يس يوم القيامة على رؤوس الأشهاد: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَا تَعْبُدُوا

(1)

مضى عند تفسير الآية (106) من سورة الأنعام ..

ص: 29

الشَّيْطَانَ} معنى عبادتهم للشيطان ليس معناها: أنهم سجدوا له ولا صاموا ولا صلوا، وإنما معناها: أنهم اتبعوا ما شرع لهم من وحي الشياطين، وأخذوا بقانونه ونظامه في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، قال الله:{أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَاّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (60) وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (61)} ثم قال: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً} والله لقد أضل الشيطان منكم جمعاً وخلائق كثيراً، ويدخل فيها الدخول الأولي: هؤلاء الذين اتبعوا قانونه ونظامه وأعرضوا عن نظام الله المذكور في قوله: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} ثم قال: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً} ، ثم وبخهم لخساسة عقولهم ودناءتها فقال:{أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62)} أليست عندكم عقول تعلمون أن من يطاع ويتبع تشريعه، وتمتثل أوامره، وتجتنب نواهيه هو خالق السماوات والأرض لا إبليس؟! ثم بين مصيرهم النهائي:{هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (64) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)} [يس: الآيات 60 - 65] وفي التنزيل: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَاّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلَاّ شَيْطَاناً مَّرِيداً (117)} [النساء: آية 117] يعني: ما يعبدون إلا الشيطان؛ لأنهم اتبعوا نظامه وقانونه، وتركوا نظام الله الذي شرعه على ألسنة رسله.

والذين يتحاكمون إلى غير ما أنزل الله، ويزعمون الإيمان، بَيَّن الله في سورة النساء أن دعواهم هذه كاذبة يُتعجب من كذبها، وكيف تجرءوا على قولها، حيث قال لنبيه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ

ص: 30

ضَلَالاً بَعِيداً (60)} [النساء: آية 60] فَعَجَّب نبيه كيف ادّعوا الإيمان وهم يريدون التحاكم إلى غير ما أنزل!! والكفار -مع أنهم كفرة فجرة يعبدون الأصنام- إذا غيروا تشاريع الله، واتبعوا تشريع الشيطان مخالفاً لشيء شرعه الله كان ذلك كفراً جديداً زائداً على كفرهم الأول، كما صرح الله بهذا في سورة التوبة في قوله:{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: آية 37] والمراد بالنسيء: تأخير الشهر الحرام؛ لأن النَّسْءَ في اللغة: التأخير. وربا النسأ: ربا التأخير. ونسأ الله في أجله: أخَّره وطول حياته. كانت ثلاثة من الشهور الحُرُم متوالية، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، فكانوا تطول عليهم ثلاثة أشهر متوالية لا يأكل بعضهم بعضاً، ولا يغير بعضهم على بعض، فكانوا يقولون: إنما نُنسئ الشهر الحرام ونؤخره!! فيحلون المحرم فيقاتلون فيه، ويؤخرونه إلى صفر، قال جل وعلا:{إِنَّمَا النَّسِيءُ} أي: تأخير الشهر الحرام، إحلاله وتحريم شهر آخر كان حلالاً تحليل لما حرمه الله، وتحريم لما أحله الله، قال في هذا:{زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ الله} ولإحلالهم ما حرم الله ازدادوا كفراً إلى كفرهم

(1)

. وأول من نسأ من العرب: بنو فُقِيم من كنانة

(2)

، وكان شاعرهم يقول في شعره المشهور

(3)

:

أَلسْنا النَّاسئين على مَعَدٍّ

شُهُورَ الحِلِّ نجعلُها حَرَاما

(1)

انظر: ابن جرير (14/ 243).

(2)

انظر: السيرة لابن هشام ص56.

(3)

لبيت لعمير بن قيس جَزْل الطّعَانِ، أحد بني فراس بن غَنْم، وهي في السيرة لابن هشام ص56، البداية والنهاية (2/ 206 - 207).

ص: 31

فَجَعْلُهم شهور الحل حراماً هو النسيء الذي كان زيادة في كفرهم إلى كفر آخر، فإذا كان الكافر الذي يسجد للصنم إذا غيَّر حكم الله، وحرَّم ما أحل الله، وأحل ما حرمه الله كفر كفراً جديداً زيادة إلى كفره الأول، فما بالكم بالمؤمن الذي يدَّعي أنه مسلم إذا غيَّر منار الإسلام، وحرَّم ما أحله الله، وحلل ما حرمه الله مدعياً أن تحليل الله وتحريمه تطورت عنه الدنيا، وأن نظام السماء كان لائقاً في ذلك الوقت، وأن ركب الحضارة تقدم عن ذلك، وأنه يحتاج إلى شيء جديد يُلائم التطور الجديد!! هذا كلام المتزندقين الجهلة الذين يزعمون أنهم تقدُّمِيُّون!! وهم أشد الناس تأخُّراً، وأخس الناس عقولاً؛ حيث تنكروا لخالقهم، وسيُقِرُّون يوم القيامة أنهم لا عقول لهم؛ حيث يقولون في جملة إخوانهم:{لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)} [الملك: آية 10].

فالتقدم كل التقدم -التقدم الحقيقي- هو طاعة خالق السماوات والأرض، وامتثال أوامره، واتباع ما أُنزل إلى النبي الكريم، مع أن هذا الذي أمرنا الله أن نتبعه في قوله:{اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف: آية 3] يأمرنا بالتقدم في جميع الميادين الحيوية غاية التقدم، ودين

(1)

الإسلام يأمر الإنسان بأن يكون متقدماً قويّاً في جميع ميادين الحياة، وأن يكون مُتَّصِلاً بربِّه، مُربياً روحه على ضوء تعليم السماء، مُنَوِّراً بصيرته بنور القرآن السماوي، فيكون علمه وعمله مزدوجاً معطياً للجسم نصيبه، معطياً للروح نصيبها، هذا تعليم السماء وأمره الحق الذي لا شك فيه.

(1)

مضى عند تفسير الآية (115) من سورة الأنعام.

ص: 32

ومن تدبر آيات القرآن وَجَدَ القرآن العظيم يدعو إلى كل تقدم حيوي في جميع ميادين الحياة، إلا أنه يدعو الخلق إلى أن يطيعوا خالقهم، ويسترشدوا بإرشاد خالق السماوات والأرض، ليدلهم على ما يصلحهم في دينهم ودنياهم، ومعاشهم، ومعادهم، سبحانه (جل وعلا) ما أحكمه! وما أجهل من خالف تعاليمه! إلا أن الذي يذهب عن نور القرآن هو في الحقيقة كالخفاش، وأنتم تعلمون أن الخفاش لا يكاد ينتفع بنور الشمس؛ لأن نور الشمس لا ينتفع به إلا من أعطاه الله بصيرة، أما الخفافيش الذين سلب الله بصائرهم لا يكادون ينتفعون بنور الشمس، فإذا انتشرت أنوار الشمس، وانتشر العالم في ضوء سبيل لا ينفق الإنسان فيه على كهرباء، ولا على زيت، ولا فتيلة، فنور رب العالمين سبيل مبذول للأسود والأحمر، فالخفاش في ذلك الوقت لا ينتفع بهذا النور، فإذا كان الظلام خرج من محله يطير ويفرح ويمرح؛ لأن الظلام هو الذي يلائمه!! فالقرآن العظيم إنما يلائم البصائر النيرة، والأرواح الكريمة، أما الأرواح الخنازيرية الخسيسة البهيمية فهي خفافيش البصائر، لا يلائمها إلا الظلام والنتن، كما أن الجُعَل لا يلائمه إلا النتن، وكما أن الخفاش لا يلائمه إلا الظلام.

خَفَافِيشُ أَعْمَاهَا النَّهَارُ بِضَوْئِهِ

فَوَافَقَهَا قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمُ

(1)

{يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} [البقرة: آية 20] لأن القرآن أعظم نور، والخفافيش البصائرية يقضي عليها ويعميها زيادة {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [فصلت: آية 44] والعياذ بالله جل وعلا.

(1)

مضى عند تفسير الآية (128) من سورة الأنعام.

ص: 33

والحاصل أن خالق السماوات والأرض يقول في كتابه المحفوظ الذي تولى حفظه بنفسه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} [الحجر: آية 9] يقول مخاطباً لجميع الخلائق {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف: آية 3] يعني: اتبعوا ما أنزله الله على لسان هذا النبي الكريم سيد الخلق -صلوات الله وسلامه عليه- وخاتم الأنبياء، الذي جاء بالحنيفية البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.

{اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} الأولياء في لغة العرب: جمع ولي، وقد تقرر في فن التصريف: أن (الفعيل) إذا كان وصفاً اطرد جمعه جمع تكسير على (فُعَلاءْ) إلا إذا كان معتل اللام أو مُضَعَّفاً فإنه يَطَّرِد جمعه جمع تكسير على (أَفْعِلاء) كتقي وأتقياء، وشقي وأشقياء، وسخي وأسخياء، وولي وأولياء، كما هنا

(1)

. والولي في لغة العرب: هو كل مَنِ انْعَقَدَ بَيْنَك وبَيْنَهُ سَبَبٌ يجعلك تواليه ويواليك

(2)

؛ ولذا كان الله ولي المؤمنين، والمؤمنون أولياء الله {الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ} [البقرة: آية 257] {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)} [يونس: آية 62] لأنهم يوالونه بالطاعة، وهو يواليهم بالنصرة والثواب الجزيل، وإصلاح الدنيا والآخرة.

وهؤلاء الذين يتخذون أولياء كالذين يتخذون الشياطين أولياء فيتبعون قانون الشيطان وتشريع الشيطان، وكالذين يتخذون بعض رؤساء الكفرة الضُلَاّل أولياء فيتبعون تشاريعهم، ويحلون حلالهم،

(1)

انظر: التوضيح والتكميل (2/ 404 - 405).

(2)

مضى عند تفسير الآية (51) من سورة الأنعام.

ص: 34

ويحرمون حرامهم، فهؤلاء كَفَرَةٌ فَجَرَةٌ، وقد ثبت في الحديث عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله:{اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله} [التوبة: آية 31] كيف اتخذوهم أرباباً؟! - وكان عدي في الجاهلية نصرانيّاً - قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ألمْ يُحِلُّوا لهُمْ مَا حَرَّمَ اللهُ، وَيُحَرِّمُوا عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ اللهُ؟» قال: بلى. قال: «بِذَلِكَ اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَاباً»

(1)

. فمن اتبع تشريع ولي تَوَلاهُ من شيطان، أو طاغية، أو كافر، أو صاحب قانون، أو بدعة فاتبع ما أحل من الحرام، وما حرم من الحلال فقد اتَّخَذَ ذلك رَبّاً، وخرج عن قانون نظام السماء الذي وَضَعَهُ خَالِقُ السماوات والأرض -جل وعلا - على لسان سيد الخلق، وهذا معنى قوله:{وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ} أي: غيره {أَوْلِيَاء} .

ثم قال: {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (3)} في هذا الحرف ثلاث قراءات سَبْعِيَّات

(2)

: قرأه ابن عامر وحده: {قليلاً ما يتذكرون (3)} بزيادة ياء، وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم:{قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} بتاء واحدة مع تخفيف الذال على حذف إحدى التاءين، وإذا كان أول الفعل مبدوءاً بتاءين جاز حذف إحداهما تخفيفاً بقياس مطرد، وقرأه بقية القراء السبعة، وهم: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر - وهو شعبة - عن عاصم، قرءوا:{قليلاً ما تذّكرون} بتشديد الذال. فعلى قراءة: {تَذَكَّرُونَ} أصله: (تتذكرون) حُذفت إحدى التاءين. وعلى قراءة: {تذّكرون} فقد أُدغمت إحدى التاءين في

(1)

مضى عند تفسير الآية (57) من سورة الأنعام.

(2)

انظر: المبسوط لابن مهران ص207.

ص: 35

الذال، وعلى قراءة ابن عامر:{يتذكرون} فهو من الغَيْبة لا مِنَ الخِطَاب، فالفعل للغائبين لا للمخاطبين

(1)

.

وقوله: {قَلِيلاً} يعربونه مصدراً

(2)

، والمعنى: تتذكرون تَذَكّراً قليلاً؛ لأن الكفار ربما تذكروا تذكراً قليلاً فآمنوا، ولكنهم يراجعهم شركهم وكفرهم كما قال:{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالله إِلَاّ وَهُم مُّشْرِكُونَ (106)} [يوسف: آية 106] وزعمت جماعة من علماء العربية أن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم يطلقون القِلَّة ويريدون بها العَدَمَ المحْضَ

(3)

، يقولون: مررت بأرض قليل بها الكرَّاث والبصل. يعنون: لا كُرَّاثَ فيها ولا بصل. وهذا أسلوب معروف، ومنه قول غيلان ذي الرمة

(4)

:

أُنِيخَتْ فَأَلْقَتْ بَلْدة فَوْقَ بَلْدَةٍ

قَلِيلاً بهَا الأَصْوَاتُ إلا بُغَامُهَا

يعني: لا صوت فيها البتة إلا بُغام ناقته. ومنه قول الطِّرِمَّاح بن حكيم يمدح يزيد بن المُهلب

(5)

:

أَشَمٌّ نَدِيٌّ كَثِيرُ النَّوَادِي

قَلِيلُ المَثَالِبِ وَالقَادِحَهْ

(1)

انظر: حجة القراءات ص279.

(2)

لعله سبق لسان، والمراد: نعت مصدر محذوف. انظر: البحر المحيط لأبي حيان (4/ 267)، الدر المصون (5/ 246).

(3)

انظر: ابن جرير (2/ 329 - 230)، بصائر ذوي التمييز (4/ 293)، القرطبي (2/ 26)، ابن عاشور (1/ 600)، أضواء البيان (2/ 287).

(4)

البيت في مشاهد الإنصاف ص145، دفع إيهام الاضطراب ص79.

(5)

البيت في ديوانه ص86، دفع إيهام الاضطراب ص78، وشطره الأول في الديوان:

أشم كثير البوادي النوال

. . . . . . . . . . . . . . .

ص: 36

يعني: لا مثلبة فيه ولا قادحة البتة، وهذا معروف، ومنه في كلام العرب قوله

(1)

:

فَمَا بَأْسَ لَوْ رَدَّتْ عَلَيْنَا تَحِيَّةً

قَلِيلاً لَدَى مَنْ يَعْرِفُ الحَقَّ عَابُهَا

يعني لا عيب فيها البتة عِنْدَ مَنْ يَعْرِف الحق، وظاهر القرآن هو الأول، أنهم يتذكرون تذكُّراً قليلاً لا يُجْدِي، ولو تذكروا وآمنوا بالبعض لا ينفعهم ذلك كما قال تعالى:{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَاّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الآية [البقرة: آية 85] وهذا معنى قوله: {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: آية 3].

والحاصل أن هذه الآية الكريمة يجب على كل مسلم أن يتدبرها، ويعلم أن النظام المتبع هو نظام الله لا نظام إبليس، ولا قانون الشيطان؛ لأن قانون الشيطان صرح الله بأن من اتبعه مشرك في قوله:{وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)} [الأنعام: آية 121] وآية الأنعام هذه: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)} هي عند علماء العربية مثال لحذف لام التوطئة، قالوا: الأصل: (ولئن أطعتموهم إنكم لمشركون) فحُذفت لام توطئة القسم، قالوا: وهذه الآية دليل على ذلك، والقرينة على أن هناك لام التوطئة محذوفة أنه لو كان شرطاً محضاً خالياً من قَسَم لقال: وإن أطعتموهم فإنكم لمشركون؛ لأن جواب الشرط إذا كان ليس يصلح فعلاً للشرط وجب اقترانه بالفاء كما هو معروف في علم العربية، فلو لم يكن هنالك قسم مقدر لقال:

(1)

البيت في مغني اللبيب (2/ 6)، وأول شطره الثاني:«قليل» وذكره الشيخ رحمه الله بالنصب في دفع إيهام الاضطراب ص79.

ص: 37

وإن أطَعْتُموهم فإنكم لمشركون. والتحقيق أن القرآن ليس فيه حذف الفاء في جملة جزاء الشرط إذا كانت جملة اسمية أو طلبية، أو غير ذلك من الجمل التي لا تصلح أن تكون فعلاً للشرط

(1)

، وما زعموا من أن قراءة نافع في سورة الشورى

(2)

: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} [الشورى: آية 30] فإن المصحف الكبير الذي بقي في المدينة عند عثمان بن عفان رضي الله عنه فيه: {وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم} بلا فاء، والمصاحف التي أُرسلت للعراق وغيره فيها الفاء:{وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ (30)} قالوا: (ما) هنا شرطية، والفاء لم تأت في قراءة نافع وابن عامر:{وما أصابكم من مصيبة بما كسبت} بلا فاء.

والحق أن آية الشورى هذه لا حجة فيها؛ لأن لفظة (ما) على قراءة نافع وابن عامر: موصولة لا شرطية

(3)

. والمعنى: والذي أصابكم من مصيبة هو كائن بما كسبت أيديكم. فلا شرط فيه أصلاً على قراءة نافع وابن [عامر]

(4)

، والمقرر في علم القراءات وعلوم القرآن: أن القراءتين كالآيتين، تكون هذه القراءة لها معنى، وهذه لها معنى

(5)

. فلا مانع من أن تكون (ما) على قراءة الجمهور شرطية، فجيء بالفاء، وعلى قراءة نافع

(1)

انظر: البحر المحيط (4/ 213)، الدر المصون (5/ 132).

(2)

انظر: المبسوط لابن مهران ص395.

(3)

انظر: حجة القراءات ص642.

(4)

في الأصل: «وابن كثير» وهو سبق لسان.

(5)

راجع ما مضى عند تفسير الآية (33) من سورة الأنعام.

ص: 38

وابن [عامر]

(1)

موصولة، فلم يُحتج إلى الفاء. وهذا معنى قوله جل وعلا:{اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (3)} .

والرب: هو السيد المدبر للشؤون، وربنا: هو خالقنا وسيدنا والمدبر لشؤوننا، الذي لا نستغني عنه، وكل من يدبر الشؤون ويدبر الأمور ويسوسها تسميه العرب (ربّاً) فيقولون: مَنْ رَبُّ هذا البلد؟ يعني: من هو السيد الذي يسوس أموره ويدَبِّرها، وهذا معروف في كلام العرب

(2)

، ومنه قول عَلْقَمَة بْن عَبَدة التميمي، وهو عربي قُح جاهلي

(3)

:

وكُنْتَ امرأً أفْضَتْ إليكَ ربَابَتي

وقَبْلكَ رَبَّتني فَضِعْتُ رُبُوبُ

فسمى الساسة الذين كانوا يسوسونه: (ربوباً) جمع (رب) وأصله من: (ربَّه يربُّه) إذا أصلحه وساس شؤونه، ومنه بهذا المعنى:(الربيبة) وهي بنت امرأة الرجل؛ لأن زوج أُمها في الغالب يسوسها ويدبر شؤونها، وقد يكون بعضكم قرأ في السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة حُنَيْن لما صَلَّى الصبح وانْحَدَر في وادي حنين في غَلَس ظلام الصبح بعد الصلاة، وكان مالك بن عوف النَّصْرِي جمع له هوازن في مضيق وادي حنين، فدخل المسلمون فيهم في غَلَس ظلام الصبح، فشدوا عليهم شَدَّة رجل واحد، فصارت الرِّمَاح والنِّبَال كأنها مطر تزعزعه الريح، ووقع بالمسلمين ما ذكر الله في قوله: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ

(1)

راجع التعليق في الحاشية قبل السابقة.

(2)

مضى عند تفسير الآية (45) من سورة الأنعام.

(3)

السابق.

ص: 39

أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} [التوبة: آية 25] وكان صفوان بن أمية من أعْدَى خلق الله لِرَسُولِ الله؛ لأن النبي قتل يوم بدر أبَاه أميّة، وأخاه علي بن أمية، وقتل يوم أُحد عَمَّه أُبيّ بن خلف، فهو من أشد الناس عداوة لرسول الله، وهو الذي استعار منه النبي سلاحاً لغزوة حنين، وأمهله مدة ينظر فيها في أمره، وكان حاضراً لِمَا وقع للمسلمين، فقال رجل معه (ابن أخيه من الأم، أو قريب له): «الآن بطل سحر محمد» فعند ذلك قال صفوان: «اسكت فُضَّ فُوك، والله لأن يربني رجل من قريش أحب إليَّ من أن يربني رجل من هوازن»

(1)

وهو محل الشاهد؛ لأنه لو كانت غلبت هوازن النبي -لا قدر الله- لكانت السيادة لهم فحكموا قريشاً، فهو يقول: أن يربني ابن عمي محمد صلى الله عليه وسلم يسودني فيسوسني أحب إلى من أن يسودني رجل من هوازن، والشاهد: أن قوله: «لأن يربني» لأن يسودني فيسوسني ويدبر أمري، هذا أصل معنى الرب، ورب السماوات والأرض: هو خالق هذا الكون وسيده ومدبر شؤونه الذي لا يستغنى عنه طرفة عين.

[2/أ] / قوله تعالى: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ (4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلَاّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5) فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ (7)} [الأعراف: الآيات 4 - 7].

لما أمر الله (جل وعلا) جميع خَلْقِهِ أن يتبعوا ما أُنْزِلَ إليهم من

(1)

مضى تخريجه عند تفسير الآية (45) من سورة الأنعام.

ص: 40

ربهم في قوله: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف: الآية 3] ونهاهم أن يتبعوا أولياء من دونه -سواءً كانوا من أولياء الشياطين المضلين، أو من أولياء الإنس المضلين- في قوله:{وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} ثم سفَّه من اتبع أولياء من دونه فقال: {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} لما أمر باتباع ما أنزل الله، ونهى عن اتباع غيره حذر هذا التحذير العظيم من اتباع غير ما أنزل الله، وبيَّن أن قبلكم أمماً كثيرةً اتبعت غير ما أنزل الله، وامتنعت من اتباع ما أنزل الله، فأهلكها الله وَدَمَّرَها تدميراً مستأصلاً، وعَذَّبَهَا في الدنيا عذاباً نكراً متصلاً بعذاب الآخرة، يحذر خلقه أن يتبعوا غير ما أنزل لئلا يوقع بهم ما أوقع بمن قبلهم؛ ولذا قال بعد قوله:{اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} قال بعد ذلك مهدداً ومخوفاً لمن اتبع غير ما أنزل، وامتنع من اتباع ما أنزل:{وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ (4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلَاّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5)} [الأعراف: الآيتان 4، 5].

قوله: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ} (كم) في اللغة العربية هنا معناها الإخبار بعدد كثير، ومميزها هو المجرور بـ (من) معناه: وكثير من القرى أهلكناه ودمرناه؛ لأنهم اتبعوا غير ما أنزلنا، وتركوا اتباع ما أنزلنا. فـ (كم) هنا هي الخبرية، والمراد بها: الإخبار بعدد كثير. والمعنى: وكثير من نوع القرية أهلكناه ودمرناه. وإنما أَنَّث الضمير في {أَهْلَكْنَاهَا} لأنه عائد إلى القرية، إلا أن هذه القرية عددها كثير كما دل عليه قوله:(كم) لأنه يخبر بعدد ضخم من القرى الظالمة أهلكها الله ودمرها؛ لأنها لم تتبع ما أنزل. فمعنى: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ} كثير من نوع القرية أهلكناه. و (كم) هنا في موضع رفع على أنها مبتدأ،

ص: 41

وجملة {أَهْلَكْنَاهَا} خبره، على أجود الإعرابين. ويجوز أن تكون منصوبة على الاشتغال، منصوبة بـ (أهلكنا) مضمرة دلت عليها {أَهْلَكْنَاهَا}

(1)

على حد قوله: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)} [القمر: آية 49] إلا أن الرفع هنا على الابتداء أجود؛ لأن ما لا تقدير فيه أولى مما فيه تقدير

(2)

.

والقرية تطلق في اللغة العربية إطلاقين

(3)

: تطلق على مطلق الأبنية من الحجارة والطين والأُسس والسقوف، وتطلق على أهل القرية التي هي عامرة بهم، دل القرآن على إطلاقها هذين الإطلاقين. والتخويف بإهلاك أهلها وإن كان نفس القرى والأبنية يدمره الله ويهلكه، إلا أن التخويف الشديد إنما هو بإهلاك أهلها، والمراد بالإهلاك: إهلاك أهلها؛ لأن الله قال بأن المراد الأهل، قال:{وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ (4)} فقوله: {هُمْ قَآئِلُونَ} يدل على أن المراد هو السكان؛ لأن نفس الأبنية لا يقال فيها: {هُمْ قَآئِلُونَ} فلا بد هنا من تقدير: (أهل القرية) على كل حال

(4)

؛ لأن الله قال: {أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ (4)} فقال بعضهم: يقدر في قوله: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} أي: أهلكنا أهلها {فَجَاءهَا} أي: القرية، والمراد: أهلها {بَأْسُنَا بَيَاتاً} بدليل قوله: {أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} . وقال بعض العلماء: لا حاجة إلى تقدير (الأهل) في الأول: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} أي: دمرنا أبنيتها وجعلناها خاوية

(1)

انظر الدر المصون (5/ 247).

(2)

انظر: البرهان للزركشي (3/ 104)، قواعد التفسير (1/ 362).

(3)

انظر: المفردات (مادة: قرى) ص669.

(4)

انظر: الدر المصون (5/ 248).

ص: 42

على عروشها لما سخطنا على أهلها {فَجَاءهَا بَأْسُنَا} في حال كون أهلها بائتين، أو في حال كونهم قائلين، أي: مستريحين وقت القيلولة.

وفي هذه الآية الكريمة حذف النعت، وحذف النعت يقول بعض علماء العربية: إنه قليل، كما قال ابن مالك في الخلاصة

(1)

:

وَمَا مِنَ المَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ

يَجُوزُ حَذْفُه وفِي النَّعْتِ يَقِل

ولكنه بِتَتَبّع اللغة العربية يُعلم أن حذف النعت كثير. والنعت المحذوف هنا هو قوله: «وكم من قرية ظالمة عاصية غير متبعة ما أُنزل إليها» . والدليل على هذا النعت المحذوف: أن الله لا يهلك قرية إلا قرية ظالمة، كما صرح به في قوله:{وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَاّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59)} [القصص: آية 59] فدلت هذه الآيات على أن القرية يُحذف نعتها هنا. أي: «وكم من قرية ظالمة عاصية ممتنعة من اتباع ما أنزلنا، متبعة للأولياء المضلين غير ما أنزلنا، كم من قرية بهذه المثابة أهلكناها» .

وحَذفُ النعت

(2)

مشهور في كلام العرب، ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى:{وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (79)} [الكهف: آية 79] لأن المراد كل سفينة صحيحة صالحة؛ إذ لو كان يأخذ المعِيبَة المَخْرُوقَة لما كان في خرق الخضر للسفينة فائدة؛ لأنه لما خرقها خرقها ليعيبها لتسلم بذلك العيب من أخذ الملك الغاصب لها؛ لأن عيبها بالخرق يزهده في أخذها؛ ولذا قال: {أَمَّا السَّفِينَةُ

(1)

مضى عند تفسير الآية (71) من سورة البقرة.

(2)

السابق.

ص: 43

فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف: آية 79] أي: لئلا يأخذها الملك الغاصب، فدل كون الملك لا يأخذ السفينة المعيبة على حذف النعت في قوله:{وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ} أي: صحيحة صالحة غير معيبة ولا مخروقة. وحذف النعت معروف في كلام العرب، ومن أمثلته في كلام العرب قول المُرقَّش الأكبر

(1)

:

وَرُبَّ أَسِيلَةِ الخَدَّينِ بِكْرٍ

مُهَفْهَفَةٍ لها فَرْعٌ وَجِيْدُ

يعني: لها فرع فاحم، وجيد طويل، فحذف النعت لدلالة المقام عليه، ومنه قول عبيد بن الأبرص الأسدي يمدح رجلاً

(2)

:

مَنْ قَوْلُهُ قَوْلٌ وَمَنْ فِعْلُهُ

فِعْلٌ وَمَنْ نَائِلُهُ نائِلُ

يعني: من قوله قولٌ فصلٌ، وفعله فعلٌ جميل، ونائله نائلٌ جَزْل، فحذف النعوت لدلالة المقام عليها، والمعنى:{وَكَم مِّن قَرْيَةٍ} أي: وكثير من نوع القرية الظالمة العاصية المتبعة غير ما أنزل الله أهلكناها بسخطنا عليها فدمرناها تدميراً مستأصلاً؛ لأنها لم تتبع ما أنزلنا واتبعت غير ما أنزلنا.

وهذه القرى بينها الله بكثرة إجمالاً وتفصيلاً

(3)

، كقوله:{وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً (9)} ثم بين عذابهم الأخروي فقال: {أَعَدَّ الله لَهُمْ عَذَاباً} الآية [الطلاق: الآيات 8 - 10] وكقوله: {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ

(1)

السابق.

(2)

السابق.

(3)

انظر: الأضواء (2/ 288).

ص: 44

مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ (45)} [الحج: آية 45] والمعنى: أن آبارها تعطلت لم يبق من يستقي عليها لهلاك أهلها وفنائهم عن آخرهم. وكقوله: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ (15)} [الأنبياء: الآيات 11 - 15] والآيات بمثل هذا كثيرة. ومن هذه القرى التي أهلكها الله قرى قوم لوط (سدوم) وغيرها، رفعها إلى السماء وقلبها فجعل عاليها سافلها، وأرسل عليها حجارة السجيل؛ ولأجل أنه قلبها وجعل عاليها سافلها سُميت القرى:(المؤتفكات) وسُميت عاصمتها: (المؤتفكة) لأن جبريل أَفَكَها، أي: قلبها فجعل عاليها سافلها. والإفك: قلب الشيء، ومنه قيل لأسوأ الكذب (إفك) لأنه قلب للحقائق عن ظواهرها. ومن تلك القرى: قوم مدين (أصحاب شعيب) الذين أهلكتهم الظُّلة، وقوم صالح الذين واعدهم ثلاثة أيام وعداً غير مكذوب، فأخذتهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، ومنهم قوم هود أرسل الله عليهم الريح العقيم فَدَمَّرهُم، ومنهم قوم نوح أرسل الله عليهم الطوفان فدَمَّرَهم، كما جاء مفصلاً في الآيات القرآنية.

وكل هؤلاء القرى التي دمَّرها الله إنما دَمَّرَهَا لأنه أنزل إليها وحياً وتشريعاً على لسان نبي كريم وقال لها: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} ولا تتبعوا غيره. فتمردوا، ولم يتبعوا ما أنزل الله، واتبعوا غيره فَدَمَّرَهُم اللهُ تدميراً مستأصلاً؛ ولذا يُحذر هذه الأمة على لسان نَبِيِّها أن لا تتَّبِعَ غير ما أنزل الله، لئلا يهلكها بهلاك مُسْتَأْصِل.

ص: 45

وهذه الآيات فيها تخويف عظيم، وتهديد كبير من رب السماوات والأرض؛ لأنهم إذا تركوا العمل بما أنزل الله، وذهبوا يعملون بغير ما أنزل الله، فقد استحقوا العقوبة والهلاك، فهم مستحقون للعقوبة والهلاك، فعليهم أن يتبعوا ما أنزل الله، ويتركوا اتباع غير ما أنزل الله؛ ليسلموا بذلك من استحقاق عقوبات الله وإهلاكه العظيم؛ ولذا قال:{وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} أي: إهلاكاً مستأصلاً لم يبق منها داع ولا مجيب {فَجَاءهَا بَأْسُنَا} أي: عذابنا وهلاكنا المستأصل. والبأس يطلق على كل نكال شديد

(1)

، والمراد به هنا: إهلاكهم وتدميرهم عن آخرهم.

وقوله: {بَيَاتاً} مصدر مُنكّر في موضع الحال

(2)

، أي:{فَجَاءهَا بَأْسُنَا} أي: جاء أهلَها بأسُنا في حال كونهم بائتين، أي: نائمين في الليل في بيوتهم، أو جاءهم بأسنا في حال كونهم وهم قائلون.

والتحقيق: أن الجملة الحالية إذا عُطفت بأداة عطف حُذف منها واو العطف لاستثقال تكرر أدوات العطف

(3)

، هذا هو التحقيق، ومناقشات النحويين في عدم حذفه كلها ساقطة. والحق الذي لا شك فيه أن الجملة الحالية إذا عُطفت على حَال بأداة عطف تُحذف منها واو الحال؛ لأن واو الحال تشبه أداة العطف، فَيُسْتَثْقَل إثباتها مع حرف العطف، ويكون الربط بالضمير؛ لأن ربط الجملة الحالية بالضمير يكفي عن ربطها بالواو.

(1)

انظر: المفردات (مادة: بؤس) ص153.

(2)

انظر: الدر المصون (5/ 249).

(3)

انظر: السابق (5/ 250).

ص: 46

والبيات: أصله مَصْدر بَاتَ الرجل يبيت بيتُوتة، وبياتاً

(1)

، وسُمِّيَ البيت بَيْتاً؛ لأنه يُبَاتُ فيه، وهو مصدر مُنكَّر في مَوْضِع الحال، والمصادر المُنكَّرة تقع أحوالاً بكثرة. أي:{فَجَاءهَا بَأْسُنَا} أي: جاء أهْلها بأسُنا في حال كونهم بائتين نائمين في غفلة. أو جاءها بأسنا في حال كونهم وهم قائلون.

والقائلون: جمع القائل، وهمزته منقلبة عن ياء؛ لأن الفاعل من الأجوف تُبدل عينه همزة، سواء كانت واواً أو ياء، فإن قلت: قال زيد، يقول، فهو قائل، الهمزة مبدلة من واو؛ لأن أصل الأجوف واوي العين من (القول). وإن قلت: قال زيد، يقيل. معناه: استراح في وقت النهار، يعني من العمل، سواء كانت القيلولة استراحاً مع نوم أو غير نوم. تقول: قال، يقيل، فهو قائل، كـ:(باع، يبيع، فهو بائع) فالهمزة مبدلة من ياء؛ لأن (قال، يقيل) من (القيلولة) أجوف يائي العين، و (قال، يقول) من (القول) أجوف واوي العين، والهمزة تُبدل من الواو والياء، وهي هنا مبدلة من ياء؛ لأن (القائلين) هنا جمع (قائل) وهو اسم فاعل (قال، يقيل) كـ (باع، يبيع) من (القيلولة) وهي الاستراحة في نصف النهار وقت شدة الحر، سواء كانت مع نوم أو مع غير نوم

(2)

.

وهذان الوقتان وقت راحة ودعة واستراحة، فإتيان العذاب والإهلاك فيها أفظع، وقد أهلك الله قوم شعيب في وقت القائلة؛ حيث أرسل عليهم الظُّلة في شدة النهار وأحرقتهم، وأهلك قوم لوط قبل

(1)

المصدر السابق (5/ 249).

(2)

انظر: المصدر السابق (5/ 252)، معجم مفردات الإبدال والإعلال ص230.

ص: 47

أن يستيقظوا مِنْ نوْمِهِمْ عند انصداع الفجر، كما قال:{إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81)} [هود: آية 81] والله (جل وعلا) يخوف الظالمين المتبعين لغير ما أنزل بأن يهلكهم وقت البيات، أو وقت القيلولة، أو أن يهلكهم في أوقات أُخر كما قال:{أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ (97) أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلَاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99)} [الأعراف: الآيات 97 - 99]، وقال جل وعلا:{أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} [النحل: الآيات 45 - 47] إلى آخر الآيات التي يخوف الله بها خلقه من معاصيه.

وعلينا جميعاً أن نعرف أن خالق السماوات والأرض هو الجبار العظيم، شديد البطش والنكال {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)} [البروج: آية 12] وهو يخوف خلقه أن يعملوا بمعصيته، وأن يتبعوا غير ما أنزل، فيجب على كل مسلم أن يخاف من عقوبات الله وسخطه وإهلاكه، وأن يحذر كل الحذر من أن يتبع غير ما أنزل الله، فيجب على كل أحد أن يتبع ما أنزل الله ويدع غيره.

واستدلال ابن حزم وغيره من الظاهرية بهذه الآية على منع القياس سنبسط الكلام عليه في قصة إبليس - عليه لعائن الله - الآتية في الآيات القادمة قريباً إن شاء الله.

وقوله جل وعلا: {فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ (4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ} [الأعراف: الآيتان 4، 5] يعني: لما أهلك الله القرى بظلمها ودمرها تدميراً مستأصلاً لم يكن عندها عذر ولا حجة مقبولة؛

ص: 48

لأن الله (جل وعلا) هو العدل الذي لا يأخذ ظلماً: {إِنَّ الله لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: آية 40] فلا يأخذ أحداً بعذاب إلا وهو مستحق كل الاستحقاق لذلك العذاب؛ ولذا القرى التي دَمَّرَها لم تكن عندها دعوى ولا معذرة تقول: يا ربنا إنك ظلمتنا؛ أو عاقبتنا ولم تنذرنا!! لأنه لا يعذب أحداً حتى يقطع حجته ويُعذر إليه من جميع الجهات، كما قال جل وعلا:{رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: آية 165] فلو كان عذبهم قبل أن ينذرهم لاعتذروا وقالوا: أنت لم تُنْذِرْنَا ونحن جاهلون معذورون، ولكن الله يقول:{رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} وهذه الحجة التي أشار لها في سورة النساء أوضحها في سورة طه، وأشار لها في سورة القصص، حيث قال في طه:{وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى (134)} [طه: آية 134] وقال في القصص: {وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)} [القصص: آية 47] فلما قطع عذرهم بالرسل والآيات والمعجزات لما جاءهم الهلاك لم تكن عندهم دعوى يعتذرون بها، ولا حجة يبدونها إلا الإقرار والاعتراف بأنهم الخبثاء الظالمون؛ ولذا قال:{فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلَاّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5)} [الأعراف: آية 5] لم يكن عندهم عذر ولا دعوى؛ ولذا قالوا: {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} .

فقوله: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ} قال بعض العلماء: فما كان قولهم؛ لأنهم لا حجة لهم ولا دعوى.

ص: 49

وقال بعض العلماء: لم يكن عندهم ادعاء ولا معذرة إلا قولهم: {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} .

وقال بعض العلماء: الدعوى هنا بمعنى الدعاء، لم يكن عندهم دعاء ولا تضرع إلا الاعتراف بالذنب حين لا ينفع الاعتراف، والندم حيث لا ينفع الندم.

والدعوى تطلق على القول، وعلى الادعاء، وعلى الدعاء

(1)

. أي: فما كان قولهم ومعذرتهم حين جاءهم العذاب إلا الاعتراف {إِلَاّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} .

وأظهر القولين هنا

(2)

أن {دَعْوَاهُمْ} في محل رفع اسم لكان، وأن قوله:{إِلَاّ أَن قَالُواْ} المصدر المنسبك من (أن) وصلتها في محل نصب خبراً لكان؛ لأنه إذا كان الفاعل والمفعول أو الاسم والخبر معرفتين كان الأُولى منها يستحق أن يكون هو الفاعل أو الاسم إلا بدليل يدل عليه. وقول بعض العلماء: إن {دَعْوَاهُمْ} هنا منصوب بدليل قوله: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَاّ أَن قَالُوا} [النمل: آية 56] فجعل {إِلَاّ أَن قَالُوا} هو المرفوع، و {جَوَابَ} هو المنصوب، كذلك {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلَاّ أَن قَالُواْ} فيه فرق؛ لأن {جَوَابَ} يظهر فيه النصب فيتعين الاسم من الخبر، وقوله:{دَعْوَاهُمْ} لا يتعين فيه الاسم من الخبر؛ لأنه لا يظهر عليه النصب، فالأَولى أن يكون الأول هو المرفوع، والثاني هو المنصوب إلا بقرينة تدل عليه. والمعنى فما كان دعواهم وادعاؤهم إلا قولهم:

(1)

انظر: المفردات (مادة: دعا)(316)، بصائر ذوي التمييز (2/ 601).

(2)

انظر: الدر المصون (5/ 253).

ص: 50

{إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} يعني: إنا كنا ظالمين فيما كنا عليه من اتباع غير ما أنزل الله، وترك اتباع ما أنزل الله.

والظالمين جمع تصحيح للظالم، وهو خبر كان منصوب، والظالم: اسم فاعل الظلم، وقد قدمنا مراراً

(1)

أن الظلم في لغة العرب التي نزل بها القرآن أنه وضع الشيء في غير موضعه، فكل من وضع شيئاً في غير موضعه فهو ظالم.

وأكبر أنواع وضع الشيء في غير موضعه: وضع العبادة في غير الخالق (جل وعلا)؛ ولذا كان الشرك بالله وعبادة غيره هو النوع الأكبر من أنواع الظلم، كما قال العبد الحكيم لقمان:{يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِالله إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)} [لقمان: آية 13] وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر قوله: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} [الأنعام: آية 82] قال: بِشِرْك. ثم تلا قول لقمان: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِالله إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: آية 13]

(2)

ونظيره في القرآن: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: آية 254] وقوله: {وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ الله مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ (106)} [يونس: آية 106] هذا أصل الظلم في لغة العرب. أعظم أنواعه: وضع الشيء في غير موضعه، وضع العبادة في غير مَنْ خلق، وهي الكفر بالله.

ومن أنواع الظلم وضع الطاعة في غير موضعها بأن يطيع عدوه إبليس ويعصي خالقه (جل وعلا)، فمن أطاع إبليس واتبع تشريعه،

(1)

مضى عند تفسير الآية (51) من سورة البقرة.

(2)

السابق.

ص: 51

وعصى الله ولم يتبع ما أنزل فهو ظالم؛ لأنه وضع الطاعة في غير موضعها، والمعصية في غير موضعها، والله يقول:{أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} [الكهف: آية 50] وكل مَنْ وَضَعَ شيئاً في غير موضعه تسميه العرب (ظالماً) ومن ذلك قولهم للذي يضرب لبنه قبل أن يروب: هو ظالم؛ لأنه وضع الضرب في غير موضعه؛ لأن ضربه قبل أن يروب يضيع زبده، وإضاعة زبده وضع للضرب في غير موضعه، ومنه سُمي الذي يضرب لبنه قبل أن يروب (ظالماً) وفي لُغَز الحريري في مقاماته

(1)

: هل يجوز أن يكون الحاكم ظالماً؟ قال: نعم إذا كان عالماً. يعني بقوله: «ظالماً» أنه يضرب لبنه قبل أن يروب ويسقيه الناس. وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر

(2)

:

وَقَائِلَةٍ ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائِي

وَهَلْ يَخْفَى عَلَى العَكَدِ الظَّلِيمُ

قولها: (ظلمت لكم سقائي) يعني سقيتكم إياه قبل أن يروب ويؤخذ زبده. وقوله: (وهل يخفى على العَكَد الظليم) العَكد: عصب مؤخر اللسان؛ لأن اللسان يذوق فيعرف ما نُزع زبده من اللبن وما لم ينزع. ومنه بهذا المعنى قول الآخر

(3)

:

وَصَاحِبِ صِدْقٍ لمْ تَرُبْنِي شَكَاتُهُ

ظَلَمْتُ وفي ظَلْمِي لَهُ عَامِداً أَجْرُ

يعني: أنه صبَّ سقاءه فسقاه الناس قبل أن يروب، ويقول: ظلمي لهذا السقاء ظلم أُريد به الأجر عند الله، ولذا قال

(4)

:

(1)

مضى عند تفسير الآية (129) من سورة الأنعام.

(2)

مضى عند تفسير الآية (51) من سورة البقرة.

(3)

السابق.

(4)

السابق.

ص: 52

وَصَاحِبِ صِدْقٍ لمْ تَرُبْنِي شَكَاتُهُ

ظَلَمْتُ وفي ظَلْمِي لَهُ عَامِداً أَجْرُ

ورواية البيت: (ظَلمي) بفتح الظاء، من (ظَلَمَه، يَظْلِمُه، ظَلْماً) لأن (الفَعْل) بالفتح والسكون، هو قياس مصدر الثلاثي المعدّى. أما الظُلم -بضم الظاء- فهو اسم مصدر الظَلم المعروف. والرواية في البيت:

وَصَاحِبِ صِدْقٍ لمْ تَرُبْنِي شَكَاتُهُ

ظَلَمْتُ وفي ظَلْمِي لَهُ عَامِداً أَجْرُ

ومنه قيل للأرض التي حُفر فيها وليست موضعاً للحفر قيل: مظلومة؛ لأن الحفر وُضِعَ في غير موضعه، ومنه على التحقيق قول نابغة ذبيان

(1)

:

وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيْلالاً أُسَائِلُهَا

عَيَّتْ جواباً وَمَا بِالرّبْعِ مِنْ أَحَدِ

إِلَاّ الأَوَاريَّ لأْياً مَا أبَيِّنُها

والنُّؤي كالحوضِ بالمظْلُومَةِ الجَلَدِ

النؤي هنا: يريد به ما يحفره الأعراب -البدو- حول خيامهم لِئَلا يجترفها السيل، فيحفرون حولها حفيراً يذهب معه الماء عن الخيمة، وإنما قال: إن هذه الأرض مظلومة؛ لأنها فلاة ليست محلاّ للحفر سابقاً؛ ولذا قيل للتراب المحفور من القبر (ظليم) أي: مظلوم؛ لأن العادة أنه لا يُحفر قبر في محل هو محل لحفر سابقاً؛ ومنه بهذا المعنى قول الشاعر يصف رجلاً جُعل في قبره

(2)

:

فَأَصْبَحَ فِي غَبْرَاءَ بَعْدَ إِشَاحَةٍ

مِنَ العَيْشِ مَرْدُودٌ عَلَيْهَا ظَلِيمُهَا

وأمثال هذا في لغة العرب كثيرة، أصل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه.

(1)

مضى عند تفسير الآية (52) من سورة البقرة.

(2)

السابق.

ص: 53

وهو في اصطلاح الشرع

(1)

: وضع العبادة في غير موضعها، وهو الشرك بالله. أو وضع الطاعة في غير موضعها، كطاعة إبليس، ومعصية الله. وقد جاء الظلم في القرآن في موضع واحد يُراد به النقص

(2)

وهو قوله تعالى: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً} [الكهف: آية 33] يعني أي: ولم تنقص منه شيئاً. وهذا معنى قوله: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلَاّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5)} [الأعراف: آية 5] أي: واضعين الشيء في غير موضعه حيث كنا نضع الاتباع في غير موضعه، فنتبع قانون الشيطان ونترك اتباع ما أنزل الله، ونطيع الشيطان ونعصي

(3)

أمر الله. فهم متبعون ما لا ينبغي أن يُتبع، وتاركون ما ينبغي أن يُتبع، فقد وضعوا الأمر في غير موضعه، وأوقعوه في غير موقعه، وذلك معنى الظلم في لغة العرب. ولذا قال:{قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5)} .

وفي الآية التي ذكرنا إشكال معروف وسؤال مشهور عند العلماء، وهو الفاء في قوله:{فَجَاءهَا بَأْسُنَا}

(4)

؛ لأن المعروف في لغة العرب: أن الفاء حرف تعقيب، وأن ما بعدها آتٍ بعد ما قبلها؛ لأنك لو قلت: جاء زيد فعمرو. معناه: أن عَمْراً جاء بعد مجيء زيد، عقبه. والقرآن هنا قال:{وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا} فجعل مجيء البأس كأنه واقع عقب الإهلاك، ومجيء البأس ليس واقعاً عقب الإهلاك، بل مجيء البأس هو عين الإهلاك، فالتعقيب بالفاء

(1)

السابق.

(2)

راجع ما سبق عند تفسير الآية (54) من سورة البقرة.

(3)

في الأصل (غير) وهو سبق لسان.

(4)

انظر: الدر المصون (5/ 248 - 249).

ص: 54

هنا فيه إشكالاً معروفًا وسؤلاً مشهورًا عند العلماء؛ لأن طالب العلم يقول: كيف يقول: {أَهْلَكْنَاهَا} ثم يقول عقبه {فَجَاءهَا بَأْسُنَا} فكأن البأس لم يأتها إلا بعد أن أُهلكت، والواقع خلافه؛ لأن البأس جاءها وهو إهلاكها. فهذا وجه السؤال.

والجواب عنه للعلماء من أوجه معروفة مشهورة في التفسير:

أحدها: أن الكلام على حذف الإرادة. أي: أردنا إهلاكها بإرادتنا المُصَمِّمَة الأزلية، فنفذنا ذلك، فجاءها بأسنا، وحَذْفُ فعل الإرادة كثير في القرآن جدّاً، كقوله:{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ} أي: أردت أن تقرأ القرآن {فَاسْتَعِذْ بِالله} [النحل: آية 98]{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ} [المائدة: آية 6] أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا. وحَذْفُ فعل الإرادة معروف في القرآن وفي كلام العرب.

الثاني: أن المراد بقوله: {أَهْلَكْنَاهَا} يعني: حكمنا بإهلاكها. يعني: في سابق أزلنا؛ أي: حكمنا عليها بالإهلاك، وجعلناه قدراً مقدوراً محكوماً به، فجاءها تنفيذاً لذلك القدر {بَأْسُنَا} . وهو قريب من الأول.

[الثالث]

(1)

: أن معنى {أَهْلَكْنَاهَا} أن الإهلاك -والعياذ بالله- هو الخذلان؛ أي: خذلناها وأضْلَلْنَاهَا فلم تتبع ما أنزل الله، ومن خذله الله ولم يوفِّقْهُ فهو الهالك، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور إنه ترك أمَّتَهُ على المحَجَّةِ الْبَيْضَاء، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَاّ هَالِك

(2)

. فسمى الزائغ عن الطريق: هالكاً، فمعنى:

(1)

في الأصل: «الثاني» وهو سبق لسان.

(2)

من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، ولفظه:((تركتكم على البيضاء))، وفي رواية:((على مثل البيضاء)). وبنحوه من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه. أخرجه أحمد (4/ 126، 127)، والدارمي (1/ 43)، وأبو داود في السنة، باب في لزوم السنة، حديث رقم:(4583)(2/ 358)، والترمذي في العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع. حديث رقم:(2676)، (5/ 44)، وابن ماجه في المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، حديث رقم:(42، 43، 44)، (1/ 15 - 17)، وابن أبي عاصم في السنة (1/ 17 - 20)، والمروزي في السنة ص26 - 27، وابن حبان (كما في الإحسان 1/ 104)، والطبراني في الكبير (18/ 246 - 248)، والآجري في الشريعة ص46 - 47، والحاكم في المستدرك (1/ 95 - 97)، وفي المدخل إلى الصحيح ص79 - 81، واللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (1/ 22، 74 - 76) وأبو نعيم في الحلية (5/ 220 - 221)، والبيهقي في الكبرى (10/ 114)، وفي الاعتقاد ص113، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (2/ 1163 - 1164)، والبغوي في شرح السنة (1/ 205).

ص: 55

{أَهْلَكْنَاهَا} خذلناها حتى زاغت عن الطريق، وكفرت، وعتت عن أمر ربها، فجاءها بأسنا نتيجة لذلك الإهلاك الذي هو الضلال الذي خذلها الله فأضلها.

وقال بعض العلماء: جرت عادة العرب في لغتهم أن كل فعلين معناهما واحد يرتبون ما شاءوا منهما بالفاء على الآخر. وعليه فالفاء تفسيرية؛ لأن الفاء قد تكون [تفسيرية، نحو: توضأ فغسل وجهه]

(1)

ويديه ورجليه. فقوله: «فغسل» هنا: الفاء تفسير لتوضَّأ، فهي تفسيرية؛ ولذا {أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا} [الأعراف: آية 4] فيكون مجيء البأس تفسيراً للإهلاك. والعرب تقول: إن كل فعلين معناهما واحد يُرتب كل منهما على الآخر بالفاء والواو كالتفسير، كأن تقول: شتمني فأساء إلي، وأساء إلي فشتمني. ونحو ذلك وهذا مستفيض

(1)

في هذا الموضع انقطاع في التسجيل. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام كما في الدر المصون (5/ 249).

ص: 56

في كلام العرب. وهذه أوجه الجواب عن هذا الإشكال.

ومعنى قوله: {إِلَاّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأعراف: آية 5] ثم إن الله (جل وعلا) علم بأنه أنزل هذا الكتاب الأعظم، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ والإنذار به، ثم أمر باتباعه، ونهى عن اتباع غيره، ثم بيَّن أن من لم يتبع ما أنزل الله يهلكه الله ويدمره، وأنه إذا جاءه الإهلاك والتدمير ليس عنده إلا الإقرار، بيَّن أنه يوم القيامة سيسأل جميع الخلائق من مرسلين ومرسل إليهم ماذا كان موقفهم من هذا القرآن العظيم الذي أمرهم باتباعه في دار الدنيا، فيسأل المرسلين: هل بلغتم كتابي؟ وماذا أجابوكم؟ ويسأل المُرسل إليهم: هل بلغكم رسالاتي؟ وماذا أجبتم به المرسلين؟ ومما يفسر الآية: قوله جل وعلا: {يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ} [المائدة: آية 109] يعني: ماذا أجابتكم به الأمم لما أمرتموهم باتباع ما أنزلت، ونهيتموهم عن اتباع غيره؟ ثم قال في الأمم:{وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاء} وفي قراءة: {فَعُمِّيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلَونَ} [القصص: الآيتان 65، 66]

(1)

فالله (جل وعلا) في ذلك الوقت يسأل جميع الخلائق ويقول للمرسلين: هل بلَّغتم رسالاتي؟ ويقول لهم أيضاً: ماذا أجابتكم به أممكم؟ هل قبلت منكم ما جئتم به أو ردته عليكم؟ ويقول للذين أُرسل إليهم: هل بَلَّغَتْكُم الرسلَ رسالاتي، وماذا أجبتم رُسُلي؟ فالذي عرف أن الله أقسم في هذه الآية أنه يسأل الرسل، ويسأل المُرسل إليهم، يلزم عليه في دار الدنيا وقت إمكان الفرصة أن يكون من المُصدقين للرسل، المتبعين ما أنزل الله لئلا يقع في الويلة العظمى والهلاك الأكبر عند

(1)

انظر: المبسوط لابن مهران ص238.

ص: 57

هذا السؤال الهائل المخيف. وهذا معنى قوله: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} يعني: بماذا أجابوا الرسل، وهل بلغتهم الرسل؟ {وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: آية 6] هل بلغوا الأمم؟ وماذا أجابتهم الأمم

(1)

؟

كقوله: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65)} [القصص: آية 65]{يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ} [المائدة: آية 109] فعلى المؤمن أن يكون متبعاً لما أنزل الله ليكون جوابه عند هذا السؤال جواباً سديداً.

وقد قدمنا أن الأمم الكافرة إذا سُئل الرسل وقالوا: (قد بلغناهم) ينكر الأمم ويقولون: ما بلغونا ولا شيئاً، ولو بلغونا لأطعنا ربنا!! فيقول الرسل: والله لقد بلغناهم أكمل تبليغ وأتمه. فيقول الله للرسل - هو يسأل الجميع، وهو أعلم - ليُظهر براءة الرسل ونزاهتهم وأمانتهم، ويُظهر خيانة الكفرة وعنادهم وكفرهم، فيكون فضلاً لهؤلاء ونكالاً لهؤلاء، فإذا أنكر الكفار أن الرسل بلغوهم، وقيل للرسل: هل عندكم من شهداء؟ فيقولون: نعم، أمة محمد صلى الله عليه وسلم تشهد لنا، فيُدعى بنا -معاشر هذه الأمة الكريمة- فنشهد في ذلك الموقف العظيم للرسل الكرام بأنهم بلغوا ونصحوا وتحمَّلُوا الأذى، وبلغوا الدعوة على أكمل وجوه التبليغ، مع تحمّل الأذى على أكمل الوجوه، وأن الأمم الكافرة هي التي آذتهم وأهانتهم وطغت وتجَبَّرَتْ وتَكَبَّرَت عن قبول رسالات ربها.

فيقول الأمم: يا ربنا كيف تقبل علينا شهادة أمة محمد وهم وقت إرسال الرسل إلينا لم يبرزوا للوجود، فهم في ذلك الوقت معدومون؛ لأنهم آخر الأمم، وكيف يشهدون على شيء وقع قبل أن يكونوا في الوجود؟! فنُسأل عن ذلك،

(1)

انظر الأضواء (2/ 289) ..

ص: 58

فنقول: نعم، نحن في ذلك الوقت كنا معدومين، ولكنا بعد وجودنا حصل لنا اليقين الجازم، ومدار الشهادة على اليقين الجازم، فما شهدنا إلا بيقين جازم لا تختلجه الشكوك ولا الأوهام؛ لأنك يا ربنا أرسلت إلينا رسولاً كريماً هو خير الرسل وأصدقهم وأعظمهم أمانة، وأنزلت عليه كتاباً محفوظاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فما جاءنا في ذلك الكتاب، وأخبرنا به ذلك النبي الكريم، فنحن نقطع به ونجزم به أشد قطعاً وجزماً مما عايناه بأعْيُنِنَا وسمعناه بآذاننا، وهؤلاء قد قصصت علينا أخبارهم في آياتك المحكمات قصصاً لا يختلجه شك، فهو قطع مجزوم به، فهؤلاء الكفرة قوم نوح قصصت علينا قضيتهم وأذاهم له، وما تحمل من أذاهم، وما نصح لهم من النصح، وما مكث فيهم من الزمن يبلغهم {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَاّ خَمْسِينَ عَاماً} [العنكبوت: آية 14] وأنه قال: {إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَاّ فِرَاراً (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً (7)} [نوح: الآيات 5 - 7] وهؤلاء قوم هود قصصت علينا قصصهم في آيات كثيرة، كقولهم له:{يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} [هود: آية 53] وهؤلاء قوم صالح قصصت علينا أخبارهم في آيات كثيرة، كقولهم له:{يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} إلى آخر الآيات [الأعراف: آية 77]، وقد قدمنا أن هذا معنى قوله:{لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [البقرة: آية 143] ومن هذا (

)

(1)

.

(1)

في هذا الموضع وقع انقطاع في التسجيل وذهب معه بعض الكلام .. ويمكن أن يستدرك أول المسألة الآتية من كلام الشيخ رحمه الله في الأضواء حيث قال: «وهنا إشكال معروف: وهو أنه تعالى قال هنا: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6)} وقال: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)} وقال: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ (24)} وهذا صريح في إثبات سؤال الجميع يوم القيامة، مع أنه قال:

» إلخ. الأضواء (2/ 290).

كما يمكن أن يُستدرك بقية الكلام السابق بمراجعة كلام الشيخ رحمه الله على هذه المسألة عند الكلام على الآية (93) من سورة الأعراف.

ص: 59

[2/ب] / {وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص: آية 78] وقال: {لَا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: آية 39] فنفى سؤال الناس عن ذنوبهم، وأنه لا يُسأل أحد عن ذنبه مع أن قوله:{فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)} [الحجر: الآيتان 92، 93] من جملة ما كانوا يعملون: ذنوبهم، فإنهم يُسألون عنها

(1)

.

ووجه الجواب: أشهر أجوبة العلماء عن هذا جوابان:

أحدهما: أن السؤال قسمان: سؤال توبيخ وتقريع، وهو من جنس التعذيب، وسؤال استخبار واستعلام واستكشاف، فالمنفي في الآيات: سؤال الاستخبار والاستعلام والاستكشاف؛ لأن الله هو العالم المحيط علمه بكل شيء، فليس كقضاة الدنيا الذين يَسْألون عن الحقيقة ليستفيدوا منها علماً، فهو عالم بما صنعوا، مُسَجِّل له عليهم في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فلا يقال للواحد منهم: هل فعلت الذنب الفلاني؟ سؤال استعلام واستكشاف، بل هو مسجل عليه ذنبه، محقق عليه، لا يُسأل عنه بهذا المعنى أبداً، وإنما

(1)

انظر: الأضواء (2/ 290 - 291) ، (7/ 753 - 754)، دفع إيهام الاضطراب ص 131.

ص: 60

يُسال عن ذنبه سؤال توبيخ وتقريع، ويُقال له: لِمَ فعلت هذا؟! ألم أنهك يا خبيث عن هذا؟! وإذا وَجَدْتَ أسئلة الكفار في القرآن وجدتَها كلها أسئلة توبيخ وتقريع، كما قال لهم:{أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ} [الزمر: آية 71]{مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ} [الصافات: آية 25]{أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ} [الطور: آية 15] كل الأسئلة أسئلة توبيخ وتقريع، وأما سؤال المرسلين فليس سؤال توبيخ ولا تقريع، والمراد به أن المرسلين إذا سُئلوا وقالوا:(بلَّغنا ونصحنا) رجع اللوم والتقريع على الأمم. ومن ذلك القبيل: سؤال الموءودة، وهي البنت التي كانوا يدفنونها حية، كما في قوله:{وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} [التكوير: الآيتان 8، 9] لأن سؤال الموءودة ليس توبيخاً ولا تقريعاً للموءودة؛ لأنها لا ذنب لها، وإنما تقول: قُتِلْتُ ودُفنت حية في غير ذنب؛ ليتوجه العتاب الشديد واللوم العظيم على من فعل ذلك بها، فسؤال المرسلين وسؤال الموءودة إنما يُراد به: شدة توبيخ الكفار الذين كذبوا المرسلين، ووأدوا الموءودة. هذا معنى الآيات، وهذا معنى قوله:{فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6)} [الأعراف: الآية 6] والدليل على أن سؤال الله للكفار سؤال توبيخ وتقريع، وأن سؤاله للمرسلين ليجيبوا بأنهم بلَّغوا فيتوجه التوبيخ والتقريع على الكفار زيادة على زيادة.

الدليل على هذا -أنه لا يسألهم سؤال استعلام واستخبار واستكشاف- أنه أتبعه بقوله: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ (7)} [الأعراف: آية 7] يعني: لا نسألهم لنستفيد منهم شيئاً لم نعلمه، بل نحن نقص عليهم جميع ما عملوا بعلم حقيقي أزلي محيط بكل شيء، وما كنا في دار الدنيا غائبين عن شيء فعلوه، فلا نسألهم

ص: 61

سؤال استعلام واستكشاف، وإنما نسألهم سؤال توبيخ وتقريع، أما في الكفار فبالمباشرة، وفي المرسلين فليبرءوا أنفسهم بأنهم بَلَّغوا، فيتوجه التقريع العظيم على الكفار الذين كذبوهم {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ} فوالله لنقصن عليهم بعلم.

ومعنى: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ} نذكر لهم أعمالهم فذلك قصة، قصة، قصة، فيقول الله للعبد: يا فلان بن فلان ألم تعلم أنك فعلت في اليوم الفلاني، في الوقت الفلاني، في الساعة الفلانية، من الشهر الفلاني، في البقعة الفلانية، عملت كذا وكذا، وكذا وكذا؟ ثم يسرد عليه أعماله قصة قصة، وقعة بعد وقعة، حتى يأتي على جميع ما فعل، وكذلك تشهد عليهم بقاع الأرض؛ لأن الإنسان إذا عصى الله في بقعة من بقاع الأرض يومئذ ينطقها الله، وتشهد عليه البقعة، وتقول: أشهد على فلان بن فلان أنه في ساعة كذا في يوم كذا في شهر كذا فعل عليَّ كذا وكذا.

كما يأتي إيضاح هذا في سورة الزلزلة في قوله: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1)} إلى قوله: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5)} [الزلزلة: الآيات 1 - 5] تُحدث الأرض أخبارها فتخبر بما فعل الناس عليها، كما أنهم في ذلك الوقت تشهد عليهم أيديهم وألسنتهم وجلودهم، كما قال تعالى:{الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)} [يس: آية 65] ولما لاموا جلودهم في الشهادة عليهم {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [فصلت: آية 21] والله (جل وعلا) يخبر أنهم في دار الدنيا ما كانوا يتسترون على أعضائهم خوف أن تشهد عليهم، لا يظنون أنها تشهد عليهم {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ

ص: 62

وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ الله لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ} [فصلت: الآيتان 22، 23] يعني: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم} [الأعراف: آية 7] على الأنبياء والأمم ما فَعَلَهُ كلّ إِنْسان على رؤوس الأشهاد، فَعَلْتَ كذا وكذا، مع أنه يجد كل ما فعل من حين يخط عليه القلم إلى أن يموت مكتوباً في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها؛ وإذا وضع الكتاب خاف أهل الذنوب خوفاً هائلاً شديداً؛ ولذا قال تعالى:{وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ} مشفقين: أي خائفين خوفاً عظيماً يتخلَّلُه الإشفاق على أنفسهم من الهلاك {وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَاّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} [الكهف: آية 49] وفي ذلك الوقت يُعطى كل إنسان كتابه على رؤوس الأشهاد، ويؤمر بأن يقرأه هو بنفسه، كما قال جل وعلا: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ

يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً (13) اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (14)} [الإسراء: الآيتان 13، 14] فإذا عرف

(1)

الإنسان أن جميع ما يقول في دار الدنيا سيُلقى على رؤوس الأشهاد ويُقص عليه أمام الخلائق في الآخرة: فعلتَ كذا وكذا، في يوم كذا، في تاريخ كذا، وأنه يُلَقَّاه في كتاب منشور على رؤوس الأشهاد، إذا كان المسلم يعرف هذا وعنده مسكة من عقل يجب عليه في دار الدنيا -وقت إمكان الفرصة - أن لا يخزي نفسه ويخجلها على رؤوس الأشهاد خزياً وخجلاً يجره إلى النار، فيُحاسِبُ، وينظر إلى الملكين المصاحبين له، وأن لا يقول ولا يفعل إلا شيئاً إذا رآه مسجلاً عليه يوم القيامة، أو قيل له: أنت فعلت، كان يُبَيِّضُ وجهه، ولا يُسَوِّده، ولا يخزيه، ولا يفضحه. وعلى كل

(1)

مضى عند تفسير الآية (108) من سورة الأنعام.

ص: 63

واحد منا أن يعلم الحقائق القرآنية، وأسرار الوحي، ولا يبقى كالبهيمة التي تأكل النهار وتنام الليل، هذا لا ينبغي؛ لأن الرحيل قريب والقضاء قريب، والمحاسبة حق، وكل ما فعله الإنسان مُسَجَّل عَلَيْهِ، وسيُقرأ على رؤوس الأشهاد، وسيجده في كتاب منشور، فعلينا معاشر الإخوان أن لا نفضح أنفسنا يوم القيامة، وأن لا نُفوِّت الفرصة وقت الإمكان ونضيعها في قال وقيل حتى يضيع العمر المحدد، ويُجر الإنسان إلى القبر وهو صفر الكفين، فقير ليس عنده حسنات، لا ينشر عنه يوم القيامة إلا ما يفضحه ويخزيه، وفضيحة الآخرة وخزيها ليست كفضيحة الدنيا، فالذي يُفضح في الدنيا يكون خسيس العرض وهو في أشد الفضيحة وهو يفرح ويمرح، ويأكل ويشرب، صحيح الجسم، لا أثر عليه، أما فضيحة الآخرة فإنها يتبعها العذاب المخلد، والجر بالنواصي والأقدام إلى النار. فعلينا كُلاًّ أن ننتهِز الفرصة قبل أن يضيع الوقت، وأن لا نُفرِّط لئلا نندم حيث لا ينفع الندم، لأن الله (جل وعلا) مسجل علينا كل ما فعلنا؛ ولذا قال:{فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ (7)} .

وقد أجمع جميع العلماء أن مثل هذه الآيات لم ينزل الله من [السماء إلى الأرض]

(1)

واعظاً أكبر، ولا زاجراً أعظم من هذا الزاجر الأكبر، والواعظ الأعظم، الذي لا تكاد تقلب ورقة واحدة من المصحف الكريم إلا وجدت فيها هذا الزاجر الأكبر، والواعظ الأعظم؛ لأن جبار السماوات والأرض، خالق الخلق يقول لكم: يا عبادي الأذلاء الضعفاء المساكين: اعلموا أني مطلع على كل ما تفعلون من الخسائس والخبائث، أُسجله عليكم بعلم حقيقي أَزَلِيّ

(1)

في الأصل: «من الأرض إلى السماء» وهذا سبق لسان.

ص: 64

إلهي، ولست غائباً عن شيء تفعلونه، بل كل ما تفعلون بمرأى مني ومسمع، فاحذروا أن تنتهكوا حُرماتي، وأن تستوجبوا سخطي وعذابي يوم القيامة.

وضرب بعض العلماء

(1)

لهذا مثلاً -ولله المثل الأعلى- وقد كررناه في هذه الدروس تكراراً كثيراً لكثرة تكرار القرآن له في جميع الآيات، لو فرضنا أن هذا البراح من الأرض فيه ملك - ولله المثل الأعلى - إذا انتُهكت حُرماته يغضب غضباً شديداً، ويُنكِّل بمن أغضبه أشد النكال وأعظمه، وحول هذا الملك نساؤه وبناته وجواريه، أترون أن الحاضرين يخطر في بال أحد منهم أن يشير إلى جارية من جواريه، أو إحدى بناته؟ لا، بل كل منهم خاشع الطرف، خاضع الأعضاء، غايته السلامة، لا يتحرك، ولا يفعل أي شيء يُغضب ذلك الملك وهو ينظر إليه. هذا - ولله المثل الأعلى - في ملك من الآدميين، يموت ويأكله التراب والدود، فكيف - ولله المثل الأعلى - بخالق السماوات والأرض، وهو أشد بطشاً وأعظم نكالاً، وهو مطلع عليكم، يقول لكم: اعلموا أن كل ما تفعلون أني مطلع عليه. فلو علم أهل بلدة من البلاد أن أمير ذلك البلد يطلع على كل ما يفعلونه من الخبائث والخسائس في الليل، وأنه يراه، لباتوا متأدبين لا يفعلون إلا شيئاً حسناً خوفاً من عقابه، مع ضعف عقاب ملوك الدنيا - ولله المثل الأعلى - فالله يقول:{فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ (7)} {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَاّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} [يونس: آية 61] ولأجل أن هذا الزاجر الأكبر، والواعظ الأعظم، هو أعظم أسباب طاعة الله؛ لأن من

(1)

مضى عند تفسير الآية (59) من سورة الأنعام.

ص: 65

راقب الله، ولاحظ أن الله مطلع عليه - إن كان عاقلاً - استحيا من الله، ولم يرتكب ما يسخط الله، ولا يفضحه هو ويخزيه يوم القيامة.

أراد جبريل عليه السلام أن يُعَلِّم الصحابة رضي الله عنهم هذا الزاجر الأكبر، والواعظ الأعظم، فجاء النبيَّ صلى الله عليه وسلم في قصة حديث جبريل المشهورة، وقال له:«يا محمد - صلوات الله وسلامه عليه - أخبرني عن الإحسان» والإحسان: هو أن تأتي بالعمل حسناً على الوجه اللائق عند الله (جل وعلا)، والإحسان هو الذي خُلقنا من أجله؛ لأن الله يقول في أول سورة هود:{خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء} ثم بين الحكمة في خلقه الخلائق فقال: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هود: آية 7] ولم يقل: أكثر عملاً. وقال في أول سورة الكهف: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا} ثم بين الحكمة في خلق الأرض وزينتها قال: {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الكهف: آية 7] وقال في أول سورة الملك: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} ثم بين الحكمة فقال: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك: آية 2] فهذه الآيات دلت على أنه خلق الخلق ليمتحنهم، وهذا لا ينافي:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات: آية 56] أي: إلا لآمُرَهُمْ بِعِبَادَتِي عَلَى ألسنة رسلي، وأمتحنهم فيظهر المحسن منهم وغير المحسن، فلما كان الإحسان هو الذي خُلقنا من أجله، أراد جبريل أن ينبه الصحابة على الطريق إليه فقال:«يا محمد أخبرني عن الإحسان» صلى الله عليه وسلم، فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أن طريق الإحسان محصورة في هذا الزاجر الأكبر، والواعظ الأعظم، وهو أن يعلم العبد الضعيف الذليل المسكين أن جبار السماوات والأرض مطلع عليه، حاضر لا يغيب عن شيء من فعله، يعلم كل ما يفعل؛ ولذا

ص: 66

قال: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»

(1)

،

فجميع الخَلائق الله (جل وعلا) مطلع عليهم، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، لا يغيب عنه شيء من أعمالهم؛ ولذا قال:{فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ (7)} [الأعراف: آية 7].

وآية الأعراف هذه وغيرها من الآيات تدل على بطلان مذهب المعتزلة النافين للصفات

(2)

، فيقولون: إن الله عالم لا بعلم قام بذاته، قادر لا بقدرة قامت بذاته

إلى آخرها. ويقولون: إن العلم لو كان ثابتاً لكان موجوداً أزليّاً قديماً، والقديم لا يتعدد. وهذا من سخافة عقولهم، والله أثبت لنفسه أنه عالم بعلم فقال:{فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ} وأثبت لنفسه صفة العلم ونظيرها قوله: {لَكِنِ الله يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النساء: آية 166] وأثبت النبي صلى الله عليه وسلم له صفة العلم والقدرة في دعاء الاستخارة المشهور المأثور: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ»

(3)

فأثبت له صفة العلم وصفة القدرة. فهذه النصوص القرآنية النبوية من الآيات والأحاديث تدل على بطلان سخافة المعتزلة في نفيهم لصفات المعاني وإثباتهم أحكامها؛ ولذا قال جل وعلا: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ} .

{وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ} [الأعراف: آية 7] صيغة الجمع في

(1)

مضى عند تفسير الآية (58) من سورة البقرة ..

(2)

انظر: الأضواء (2/ 291).

(3)

أخرجه البخاري في التهجد، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى. حديث رقم (1162)، (3/ 48)، وأخرجه في موضعين آخرين، انظر: الأحاديث رقم: (6382، 7390).

ص: 67

قوله: {وَمَا كُنَّا} للتعظيم، وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنه أن السماوات السبع والأرضين السبع ومن فيهما في يد الله (جل وعلا) أصغر من حبة خردل في يد أحدنا

(1)

، وله المثل الأعلى فهو العلي الأعظم، الكبير الأكبر، الذي لا يخفى عليه شيء، ولا يغيب عنه شيء، فعلينا جميعاً أن نعلم أن كل ما نفعل أن ربنا مطلع عليه، ومُدَّخره لنا فمجازينا عليه، وليعلم كل واحد منا أن حركاته في دار الدنيا هي بيته الذي يبنيه، والذي يصير مصيره الأبدي إليه، فإن كانت حركاته طيبة كلها طاعة لله فإنه يبني بها غرفة من غرف الجنة، ينال فيها الحور العين، والولدان، ومجاورة رب غير غضبان، والنظر إلى وجه الله الكريم، وإن كانت حركاته في دار الدنيا حركات سيئة مخالفة

(2)

لما أنزل الله فإن تلك الحركات إنما يبني بها منزله ومصيره الأخير، وهو سجن من سجون جهنم؛ لأنه لا مسكن في الآخرة إلا غرف الجنة أو سجون جهنم، وقد يُدخل الواحد من أهل جهنم في سجنه ومقره كما يُدخل الوتد في الحائط لشدة ضيق مكانه عليه، كما قال جل وعلا:{وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً (13)} [الفرقان: آية 13] فعلى كل مسلم أن لا يضيع الفرصة، وأن يعلم أنها ليست فوضى، وأنه عبد مملوك مربوب، عليه رقابة إلهية عظمى تُسجل عليه ما يفعل من خير وشر، فليتحرَّ، وأن لا يفعل إلا ما يرضي ربه، ولا يخزيه ولا يفضحه يوم القيامة على رؤوس

(1)

أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (1090)، (2/ 476)، وابن جرير (24/ 25)، والذهبي في العلو (314)، ص117.

(2)

في الأصل: «مخالفة لغير ما أنزل الله» وهو سبق لسان.

ص: 68

الأشهاد؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك جاءه الموت من حيث لا يشعر، وقد يأتيه بغتة فتضيع عليه الفرصة ويندم حيث لا يفيد الندم.

{وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ (9)} [الأعراف: الآيتان 8، 9]

(1)

.

[3/أ] / بيّن الله (جل وعلا) في أول هذه السورة الكريمة - سورة الأعراف - أنه كتاب أنزله، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينذر بهذا الكتاب المنزل إليه، وأن لا يكون في صدره حرج، ثم أمر عامة الناس باتباع ما أنزل، ونهاهم عن اتباع غيره، ثم بين لهم أنه أهلك كثيراً من القرى لما أعرضوا عن اتباع ما أنزل واتبعوا غيره. بين في هذه الآية الكريمة أن هذا الكتاب الذي أنزل إليكم والسنة المفسرة المبينة له التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أمركم الله بالعمل بكل ما أنزل في كتابه أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بين لكم أن المفرط والممتثل منكم ليس واحد منهما يُترك فوضى سُدى، بل لا بد أن يُحصى على كل إنسان ما عمل من يوم تكليفه إلى يوم يموت، وأن جميع ما قدم من خير أو شر يوزن يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، فتوزن حَسَنَاتُهُ وسيئاته بميزان عدل، لا ينقص شعيرة قال:{وَالْوَزْنُ} أي: وزن أعمال الإنسان ممَّا قَدَّمَ في دار الدُّنْيَا من حسنات وسيئات.

{يَوْمَئِذٍ} تقرر في علم العربية أن تنوين (يومئذ) أنه تنوين عوض عن جملة

(2)

، والجملة التي تُعوض عنها نون التنوين تكون

(1)

الآية غير موجودة في التسجيل.

(2)

انظر: التوضيح والتكميل (1/ 15).

ص: 69

مذكورة سابقاً في أول الكلام والمعنى، فنون التنوين في {يَوْمَئِذٍ} عوض عن قوله:{فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ (7)} [الأعراف: الآيتان 6، 7] أي: ووزن الأعمال يومئذ نسأل الذين أُرسل إليهم ونسأل المرسلين. وزن أعمال الخلائق يومئذ، أي: يوم ذلك السؤال المتقدم وهو يوم القيامة.

{الْحَقُّ} قوله: {وَالْوَزْنُ} مبتدأ بلا خلاف. واختلف المعربون من علماء العربية في خبره

(1)

، وقال بعضهم: خبره {يَوْمَئِذٍ} ، والمعنى: والوزن الحق كائن يومئذ، يوم سؤال الرسل والمرسلين، وعليه فالخبر هو الظرف الذي هو (يومئذ) يُقدر له الكون والاستقرار، والوزن كائن يومئذ، أي: يوم ذلك السؤال المذكور.

وقال بعض العلماء: خبر المبتدأ هو (الحق) أي: والوزن في ذلك اليوم الحق. فـ (الوزن) مبتدأ، و (الحق) خبره.

وعلى القول الأول فهو يدل على أن الذين أجازوه من علماء العربية -وهم جماعة كثيرة من علماء العربية والمفسرين- يدل على أنهم يرون أن المبتدأ إذا كان منعوتاً لا تمتنع الحيلولة بينه وبين نعته بالخبر. هكذا ظاهر صنيعهم وإعرابهم، أن (يومئذ) خبر، و (الحق) نعت للوزن.

وأظهر الإعرابين: أن (الحق) هي خبر (الوزن)، و (يومئذ) ظرف، أي: والوزن في ذلك اليوم الحق العدل.

(1)

انظر: الدر المصون (5/ 255).

ص: 70

وأصل الحق: الثابت الذي لا يضمَحِلّ، والمراد بالحق فيه أنه عدل ثابت لا جور فيه ولا حيف، فلا يُزاد في سيئات مسيئ، ولا يُنقص من حسنات مُحْسِن، فهو وزن في غاية الحق، وفي كمال العدالة والإنصاف، لا يُظلم صاحبه شيئاً

(1)

، ولكن قد يُزاد المحسن حسنات إلى حسناته:{إِنَّ الله لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَاعِفْهَا} [النساء: آية 40] وفي القراءة الأخرى

(2)

: {وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} .

وهذا الوزن فيه أكبر واعظ وأعظم زاجر، يعني: يا عبادي ما دمتم في دار الدنيا فانتهزوا الفرصة، ولا يضع عليكم الوقت، واعلموا أن كل ما تقدمون وما تقولون وما تفعلون من خير سيوزن بميزان عدل حق قسط على رؤوس الأشهاد، لا يخيس شعيرة، فمن ثقلت موازينه بالحسنات فهو المفلح، ومن خفت موازينه بكثرة سيئاته وقلة حسناته فلا يلومن إلا نفسه.

واعلموا أن جماهير العلماء من عامة المسلمين، سلفهم وخلفهم، على أن هذا الوزن وزن حقيقي، وأنه يقع بميزان له لسان وكفتان

(3)

، توضع السيئات في كفة، والحسنات في كفة، فيثقل الله ما شاء منهما، فإن كانت حسناته أكثر ثقلت كفة الحسنات فصار إلى الجنة، وإن كانت سيئاته أكثر خفت موازينه لِقِلَّةِ حسناته وكثرة سيئاته، وحُقَّ لميزان توضع فيه الحسنات أن يثقل، وحُقَّ لميزان

(1)

انظر: الأضواء (2/ 292).

(2)

انظر: المبسوط لابن مهران ص179.

(3)

انظر: ابن جرير (12/ 311)، التذكرة للقرطبي ص313، الجامع لأحكام القرآن (7/ 165)، شرح الطحاوية ص609.

ص: 71

توضع فيه السيئات أن يخف، والحق إنما كان ثقيلاً في الميزان يوم القيامة؛ لأنه ثقيل على النفوس في دار الدنيا، والباطل إنما كان خفيفاً في الميزان يوم القيامة لخِفَّتِه على النفوس في دار الدنيا، وهذا الوزن التحقيق الذي عليه السلف أنه وزن حقيقي، بميزان حقيقي، له لسان وكفتان، ينظر إليه جميع الخلائق، توضع أعمال العبد في كفة، الحسنات في كفة، والسيئات في كفة، فإن ثقلت كفة الحسنات صار إلى الجنة، وإن خفت كفة الحسنات صار إلى النار.

واختلفوا في كيفية هذا الوزن على ثلاثة أقوال لا يكذب بعضها بعضاً

(1)

، وقال بعض العلماء: لا مانع من أن يقع جميعها فذهب أكثر المفسرين إلى أن الموزون هو صحائف الأعمال؛ لأن كل إنسان له كتاب وصحائف فيها عمله، كما قدمنا في قوله:{وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً (13) اقْرَأْ كَتَابَكَ} [الإسراء: الآيتان 13، 14] فهذا الكتاب متضمن جميع صحف عمله، وأن هذه الصحف يوضع ما كُتب منها فيه الحسنات في كفة، وما كتب فيه السيئات في كفة، وعلى هذا القول الأكثر، واستدلوا له بحديث البطاقة المشهور الذي أخرجه الترمذي وغيره

(2)

وصححه

(1)

انظر: ابن جرير (12/ 310 - 314)، الجامع لشعب الإيمان (2/ 69)، ابن كثير (2/ 202)، التذكرة للقرطبي ص313، الجامع لأحكام القرآن (7/ 165)، شرح الطحاوية ص610.

(2)

من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أخرجه أحمد (2/ 213، 221)، والترمذي، كتاب الإيمان، باب: ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله، حديث رقم:(2639)، (5/ 24)، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب: ما يُرجى من رحمة الله يوم القيامة. حديث رقم (4300)، (2/ 1437)، والحاكم (1/ 6)، (529)، والبيهقي في الشعب (2/ 71)، وابن جرير (12/ 313)، والبغوي في التفسير (2/ 149)، وانظر: السلسلة الصحيحة، حديث رقم (135).

ص: 72

بعض أهل العلم أن رجلاً يوم القيامة يُجاء له بتسع وتسعين سجلاً كلها مملوءة من السيئات، كل سجل منها مدّ البصر، ثم يقول له ربه: هل تنكر شيئاً من هذا؟ فيقول: لا. هل ظلمتك رسلي؟! لا .. ثم يُؤتى ببطاقة -والبطاقة: القطعة الصغيرة قدر الأنملة- مكتوب فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، فيقول: وما تغني هذه البطاقة مع هذه السجلات العظيمة الكثيرة؟! فيقال له: إنك لا تُظلم. فتوضع تلك البطاقة الصغيرة في كفة الميزان وتلك السجلات العظيمة الهائلة في الكفة الأخرى، فطاشت تلك السجلات، وثقلت تلك البطاقة؛ لأن اسم الله (جل وعلا) لا يعادله شيء.

استدلوا بهذا الحديث على أن الموزون هو صحائف الأعمال لذكر وزن السجلات ووزن البطاقة التي فيها شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.

وذهبت جماعة من العلماء، ورواه غير واحد عن ابن عباس

(1)

: أن الموزون نفس الأعمال، وأن الله يُحوِّل الأعمال الحسنة إلى أجرام حسنة مضيئة نيرة، والله (جل وعلا) قادر على كل شيء، فهو قادر على أن يقلب ما ليس بجسم أن يقلبه جسماً، وقد جاء ما يدل على هذا كما جاء في حديث الترغيب في الزهراوين البقرة وآل عمران أنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو فرقان من طير

(1)

أخرجه البيهقي في الشعب (2/ 69)، والبغوي في التفسير (2/ 149)، ونقله عنه ابن كثير (2/ 202)، وذكره السيوطي في الدر (3/ 70)، وهذا الأثر لا يصح عن ابن عباس رضي الله عنهما لأنه من طريق الكلبي عن أبي صالح.

ص: 73

صواف

(1)

، وكما جاء في الحديث أن عمل الإنسان يتجسم له في صورة إنسان طيب الريح، وكذلك العمل الخبيث

(2)

، وكما جاء في بعض الأحاديث أن القرآن يتمثل لصاحبه في قبره

(3)

، وأمثال هذا كثيرة جدّاً، وعلى كل حال فالله قادر على أن يقلب الأعمال أجساماً، فهو قادر على كل ما يشاء، فيجعل الأعمال الصالحة في صور نيرة حسنة. والأعمال القبيحة في صور مظلمة قبيحة، فتوضع هذه في كفة الحسنات وهذه في كفة السيئات، فتثقل موازين بعض، وتطيش موازين آخرين والعياذ بالله.

وقال بعض أهل العلم: إن ما يوزن أصحاب الأعمال، واستدلوا بالحديث المعروف المشهور: أن الرجل السمين -الأكول الشروب- يأتي يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة

(4)

، وفي مناقب عبد الله بن مسعود: أنهم لما رأوا دقة ساقيه قال لهم صلى الله عليه وسلم:

(1)

أخرجه مسلم في صلاة المسافرين، باب: فضل قراءة القرآن وسورة البقرة. حديث رقم (804 - 805)، (1/ 553 - 554)، من حديث أبي أمامة والنواس بن سمعان رضي الله عنهما.

(2)

كما في حديث البراء رضي الله عنه مرفوعاً عند أحمد (4/ 295)، وأصله في الصحيحين.

(3)

كما في حديث بريدة رضي الله عنه عند أحمد (5/ 352)، وابن ماجه في الأدب، باب ثواب القرآن، حديث رقم (3781)، (2/ 1242)، وأورده الألباني في صحيح ابن ماجه (3048)، وقال: ضعيف يحتمل التحسين.

(4)

أخرجه البخاري في التفسير، باب:{أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} حديث رقم (4729)، (8/ 426)، ومسلم في صفة القيامة والجنة والنار، حديث رقم (2785)، (4/ 2147).

ص: 74

«إنها فِي المِيزانِ أَثْقَل مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ»

(1)

.

وما قاله ابن فورك وغيره من المتكلمين: إن وزن حقيقة الأعمال مستحيل؛ لأن ما ليس بجسم يستحيل أن يكون جسماً

(2)

!! لا يُعوَّل عليه لأن الله قادر على كل ما يشاء، لا يتعاصى على قدرته شيء، فهو قادر على ما شاء، وقادر على ما لم يشأ أيضاً، فهو قادر على هداية أبي بكر وأبي لهب، وقد شاء أحد المقدورين وهو هداية أبي بكر، ولم يشأ مقدوره الثاني وهو هداية أبي لهب.

فهذه ثلاثة أقوال:

أحدها: أن الموزون صحف الأعمال.

والثاني: أن الموزون الأعمال، تُقلب أجساماً في صور موزونة.

الثالث: أن الموزون أصحاب الأعمال. وكان ابن جرير الطبري -كبير المفسرين - يرى أن كفة الحسنات يكون فيها نفس الشخص وحسناته، وأن الكفة الأخرى فيها سيئاته

(3)

، هكذا يقوله العلماء، وعلى كل حال فالتحقيق أنه وزن حقيقي بميزان ذي لسان وكفتين.

(1)

أخرجه أحمد (1/ 420، 421)، والطبراني في الكبير (9/ 75 - 76)، (19/ 28)، وابن أبي شيبة (12/ 113)، والحاكم (3/ 317).

(2)

عبارة ابن فورك: «وقد أنكرت المعتزلة الميزان بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها إذ لا تقوم بأنفسها، ومن المتكلمين من يقول

» اهـ التذكرة ص313، وانظر: القرطبي (7/ 165).

(3)

ابن جرير (12/ 314).

ص: 75

وظاهر القرآن تعدّد هذه الموازين؛ لأنه قال في سورة الأنبياء: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا} وفي القراءة الأخرى

(1)

: {وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: آية 47] وقال في القارعة: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ (5) فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11)} [القارعة: الآيات 4 - 11] وقال في سورة (قد أفلح المؤمنون): {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ (101) فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104)} [المؤمنون: الآيات 101 - 104] فهذه الآيات تعبر بالجمع في الميزان، وظاهرها التعدد.

وذهبت جماعة من العلماء إلى أن الميزان واحد، وأنه أُطلق عليه اسم الجمع لكثرة ما يُوزن فيه من أنواع الأعمال، وكثرة الأشخاص العاملين الموزونة أعمالهم

(2)

.

وعلى كل حال فكل ما قدمت أيها الإنسان في دار الدنيا سيوضع لك في كفة، وما قدمت من شر سيوضع في كفة، فإن رجح خيرك على شرك ذهبت إلى الجنة فرحاً مسروراً، وإن رجح شرّك

(1)

انظر: المبسوط لابن مهران ص302.

(2)

انظر: القرطبي (7/ 166)، شرح الطحاوية ص610.

ص: 76

على خيرك فلا تلومن إلا نفسك، وربنا (جل وعلا) يذكرنا بهذا ويعظنا به في دار الدنيا، في وقت إمكان الفرصة؛ لئلا تضيع علينا الفرصة، فعلينا أن نكثر من الحسنات، ونُجانب السيئات؛ ليكون ما في موازيننا يثقل عند الله فنفرح به ونُسر وندخل الجنة، فالسَّفِيهُ كل السَّفِيه والمتأخِّر حق المتأخر هو الذي لا يُراعي أوامر الله، وإنما يجمع في الدنيا من السيئات ليثقل بها كفة السيئات وتطيش كفة الحسنات، فيفضح على رؤوس الأشهاد ويجر إلى النار. هذا الخبيث المغفّل وإن سَمَّوه في الظروف الراهنة متقدماً متنوراً مسايراً ركب الحضارة!! فهو الحمار المغفل الذي لا يفهم ما أمامه، وهو أشد الناس تأخراً، وسيعلم أنه الأرذل المتأخر إذا مات وفارقت روحه جسده، ووجد ما عند الله من العدل والإنصاف، ووجده لم يقدم إلا السيئات والخبائث والتمرد على مَنْ خَلَقَهُ، فإذا وزنت سيئاته، وكانت كثيرة جدّاً، ولم توجد له حسنات فعند ذلك سيعلم هل هو كان متقدماً أم لا؟! وهل كان عاقلاً فطناً أم لا؟! بل يعلم أنه هو المتأخر الفدم

(1)

البليد الحمار الذي لا يفهم عن الله شيئاً! وعما قليل ستنكشف الحقائق {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد: آية 38] فسيقع ما سيقع، فعلى المؤمن أن يكون عاقلاً فطناً، وأن لا يهلك نفسه بيده، وأن يلاحظ أنه يوم القيامة ستوزن سيئاته وحسناته على رؤوس الأشهاد، فإن كانت سيئاته أرجح جُرَّ مخزياً مفضوحاً إلى النار، وإن كانت حسناته أرجح جاء مسروراً كريماً إلى الجنة، فعلى الإنسان أن لا يُهلك نفسه في دار الدنيا باتباع الشهوات واتباع

(1)

الفدم: بعيد الفهم قليل الفطنة. انظر: المصباح المنير (مادة: فدم) ص177.

ص: 77

المضللين، وأن لا تَطَّبِهِ الشعارات الزائفة المضللة التي تصرفه عن طاعة مَنْ خلَقَهُ إلى طاعة الشيطان فيخيب يوم القيامة ويخسأ عند الوزن. فعلى كل أحد أن يُعد لهذا الوزن عدته يوم القيامة.

وقد قدمنا أن جمهور علماء المسلمين أنه وزن حقيقي بميزان ذي لسان وكفتين.

وهنا سؤال معروف، وهو أن يقول طالب العلم:

ما اعتل به الضالون المعتزلة النافون للميزان، القائلون: إنه ليس هناك ميزان حقيقي. يقولون: إن الله عالم بأعمال خلقه فما حاجته إلى أن يزنها، فهو عالم كُلاًّ منها غاية العلم، محيط بقدر حسناته وبقدر سيئاته، فأي حاجة إلى وزن الأعمال والرب (جل وعلا) عالم بحقيقتها بعلمه المحيط بكل شيء، عالم أيها الراجح؟!

(1)

.

والجواب: أن الله (جل وعلا) يزن أعمال خلقه يوم القيامة ليُري خلقه كمال عدالته وإنصافه، وإن كان ذلك لا يحتاج، كما يكتب عليهم ذلك في كتب ويُسجِّله عليهم ويقول للواحد:{اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (14)} [الإسراء: آية 14] هذا خزياً له وتسجيلاً على رؤوس الأشهاد، وكذلك يُشهد عليهم ألسنتهم، وأيديهم، وأرجلهم، وجلودهم، وهو غني عن كل ذلك، كل هذا لإظهار إنصافه وعدالته، ولتوبيخ أولئك الخبثاء الأخساء على رؤوس الأشهاد.

(1)

انظر: تفسير ابن جرير (12/ 312)، شرح الطحاوية ص63، البحر المحيط (4/ 270).

ص: 78

أمَّا المعتزلة فقد قالوا: إن الميزان لا حقيقة له، وإنما المراد بالوزن: العدالة في الجزاء، قالوا: وهذا معروف في كلام العرب، يقولون: هذا الكلام يوازن هذا الكلام، وهذا الرجل يوازن هذا الرجل. والميزان معناه: القسط التام والعدالة، وأن لا يُظلم إنسان شيئاً. قالوا: وهذا معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر

(1)

:

قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقَائِكُمْ ذَا قُوَّةٍ

عِنْدِي لِكُلِّ مُخَاصِمٍ مِيزَانُهْ

أي: ما يوازن كلامه وحجته. ومع الأسف قد سبق المعتزلة لهذا القول مجاهد، والضحاك، والأعمش

(2)

!! وهو قول باطل مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة كما ذكرنا.

وإن كان الوزن يطلق على العدل، إلا أن الأحاديث النبوية، وظواهر القرآن العظيمة، وسائر المسلمين -إلا من شذّ- كلها متفقة على أنه ميزان حقيقي له لسان وكفتان كما ذكرنا، والأحاديث بمثله كثيرة لا ينكرها إلا مكابر، وهو الحق الصحيح إن شاء الله، وهذا معنى قوله:{وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} [الأعراف: آية 8].

متعلَّق (الوزن) هنا محذوف، و (الوزن) مصدر (وَزَنَ، يَزنُ، زِنَةً، ووزناً)، كوعد، يَعِدُ، عِدَةً، ووَعْداً، ووَصَلَ، يَصِل، صِلَةً،

(1)

البيت في اللسان (مادة: وزن)(3/ 921)، وفيه (مِرَّة) بدل (قوة).

(2)

انظر: قول مجاهد في ابن جرير (12/ 309)، (311)، (315)، البغوي (2/ 149)، الدر المنثور (3/ 69)، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم، وعزاه إليه القرطبي وإلى الضحاك والأعمش. انظر: الجامع لأحكام القرآن (7/ 165)، التذكرة ص313، البحر المحيط (4/ 270)، ولعل نسبته إلى الأعمش والضحاك لا تصح، والله أعلم.

ص: 79

ووصْلاً، ومتعلَّق المصدر محذوف، والوزن للأعمال في الموازين كائن يوم القيامة {يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} العدل الذي لا جور فيه، فلا يُزاد في سيئات مسيء، ولا ينقص من حسنات محسن.

{فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} أي: بكثرة حسناته. جَمَعَ الموازين لأن (من) هنا بمعنى جماعة كثيرة، سواء قلنا: إنها شرطية، أو موصولة فإنها تعم، وهي لجماعة كثيرة، بدليل قوله:{فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ولم يقل: (فذلك هو المفلح) بالإفراد، فإفراد الضمير في قوله:{مَوَازِينُهُ} والجمع في الإشارة والضمير في قوله: {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الأول بالنظر إلى لفظ (من).

والثاني: بالنظر إلى معناها

(1)

. وقد قدمنا أن ظاهر الآيات تعدد الموازين، وأن كثيراً من العلماء قالوا: إنه ميزان واحد، وأُطلق عليه اسم الجمع تفخيماً له، والعرب تطلق الجمع وتريد المفرد كعكسه، كما يقولون: سار فلان إلى البصرة بالسفن، وهو في سفينة واحدة، وراح إلى الشام على البغال وهو راكب بغلة واحدة. وقال بعض العلماء: الموازين جمع موزون، والموزون هو الحسنات والسيئات. وجمع (الموزون) على موازين جمع قياسي مُطَّرِد، وعلى هذا فلا سؤال ولا إشكال

(2)

. وعلى أنه جمع (ميزان) فظاهر القرآن التعدد، كقوله:{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: آية 47] أو أنه لفظ جمع أُطلق وأُريد المفرد نظراً لكثرة ما يُوزن فيه من الأعمال.

(1)

انظر: ابن جرير (12/ 315).

(2)

انظر: القرطبي (7/ 166)، شرح الطحاوية ص609، البحر المحيط (4/ 270)، الدر المصون (5/ 256).

ص: 80

{فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} [الأعراف: آية 8] أي: كانت حسناته أكثر، ولا يهلك على الله إلا هالك؛ لأن الحسنة الواحدة توضع في الميزان بعشر حسنات، والسيئة توضع في الكفة الأخرى سيئة واحدة وإن شاء الله غفرها، فمن غلبت آحاده عشراته فلا خير فيه!! وربما كانت الحسنة توضع بسبعمائة حسنة، فدرهم الإنفاق يوضع بالميزان حسنته بسبعمائة ضعف، كما قال جل وعلا:{مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ} ثم بين أن المضاعفة قد تزيد قال: {وَالله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ} [البقرة: آية 261] وقوله: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} [البقرة: آية 245] فالأضعاف الكثيرة أكثر من عشرة، فالله (جل وعلا) كريم لا يهلك عليه إلا هالك، فالحسنة أقل درجاتها عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، والسيئة إما أن يغفرها، وإن لم يغفرها وُضعت في الميزان سيئة واحدة [فعلينا أن نُحاسِب]

(1)

وأن نكثر من الحسنات، ونتجافى عن السيئات، ونخشى من خالق السماوات والأرض، فمن أكثر السيئات في دار الدنيا، وأقل الحسنات فإنما يهلك نفسه بيده؛ لأنه إذا حضر الوزن، ورأى كثرة السيئات، وقلة الحسنات، والفضيحة، والجرّ بالنواصي والأقدام إلى النار ندم في ذلك الوقت حيث لا ينفع الندم، فعلينا جميعاً أيها الإخوان المسلمون أن ننتهز الفرصة وقت الإمكان، وأن لا نُضيعها لئلا نندم حيث لا ينفع الندم؛ لأن الفرصة إذا فاتت بالموت انتهى كل شيء، والله يقول:{وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ} كيف يتناولون

(1)

في هذا الموضع انقطع التسجيل. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.

ص: 81

العمل الصالح وقد مضى أوانه بالموت، وهذا معنى قوله:{وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} أي: ثقلت كفة الحسنات بكثرة الحسنات، وطاشت كفة السيئات؛ لأنها صارت أرجح منها كفة الحسنات.

{فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الجمع في قوله: {فَأُوْلَئِكَ هُمُ} نظراً إلى معنى (من)

(1)

، وإفراد الضمير في (موازينه) عائد إلى لفظ (من)، ولفظها مفرد ومعناها جمع.

و (المفلحون) جمع تصحيح للمفلح، والمفلح: هو اسم فاعل أفلح يُفلح فهو مُفلح. وأصل الفلاح في لغة العرب: اسم مصدر بمعنى الإفلاح؛ لأن مصدر (أفلح) القياسي أن يقال: إفلاحاً؛ لأن (أفْعَل) إذا كانت صحيحة العين ينقاس مصدرها على (الإفعال) بقياس مطرد. فالفلاح اسم مصدر نائب عن (الإفعال).

والفلاح في لغة العرب يُطلق إطلاقين مشهورين، وكل منهما يدخل في الآية الكريمة

(2)

:

الأول من إطلاقي الفلاح: أن العرب تقول: (أفلح فلان) إذا فاز بمطلوبه الأكبر، فكل إنسان كان يحاول مطلوباً أعظم ثم ظفر به وفاز بما كان يرجو فهذا قد أفلح، ومنه قول لبيد بن ربيعة

(3)

:

اعْقِلِي إِنْ كُنْتِ لَمَّا تَعْقِلي

وَلَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ عَقَلْ

(1)

انظر: ابن جرير (12/ 315).

(2)

انظر: المفردات (مادة: فلح) ص644، اللسان (مادة: فلح) (2/ 1125)، الأضواء (6/ 204).

(3)

البيت في ابن جرير (1/ 250).

ص: 82

يعني: أن مَنْ رَزَقَهُ اللهُ نُورَ العقل فَقَدْ فَازَ بالمطلوب الأكْبَر الذي يطلبه كل إنسان؛ لأن العقل يعقل صاحبه عن كل ما لا ينبغي، ويحجزه عن كل ما يَشِين، ومنه بهذا المعنى أيضاً قوله تعالى:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: آية 1] فهو محتمل للمعنيين أيضاً، والفلاح في جميع القرآن محتمل للمعنيين المذكورين:

الأول: هو ما ذكرنا: أنه الفوز بالمطلوب الأكبر.

الثاني: أن المراد بالفلاح: الدوام والبقاء السَّرْمَدِي في النعيم، فكل من كان له دوام وبقاء في النعيم تقول العرب: نَالَ الفَلاحَ. وهذا المعْنَى معروف في كلامهم. ومنه قول الأضبط بن قريع، أو كعب بن زهير على أحد القولين

(1)

:

لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الهُمُومِ سَعَهْ

وَالمُسْيُ وَالصُّبْحُ لَا فَلَاحَ مَعَهْ

يعني: أن تعاقب الليل والنهار لا بقاء للإنسان في دار الدنيا معه، ومنه بهذا المعنى قول لبيد بن ربيعة في رجزه

(2)

:

لَوْ أَنَّ حَيّاً مُدْرِكَ الْفَلَاحِ

لنَالَهُ مُلاعِبُ الرِّمَاحِ

يعني: لو كان إنسان خالداً لا يموت لنال الخلود ملاعب الرماح، يعني: عمه أبا براء عامر بن مالك، المعروف، أحد بني أم البنين الأربعة. وبهذين المعنيين فُسر حديث الإقامة والأذان (حي على الفلاح) قال بعض العلماء: حيّ: بمعنى هَلُمَّ وتعالوا إلى الفوز بالمطلوب الأكبر، وهو الجنة والسعادة ورضا الله؛ لأن أكبر أسباب ذلك الصلاة.

(1)

تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (45) من سورة البقرة.

(2)

مضى عند تفسير الآية (111) من سورة الأنعام.

ص: 83

القول الثاني: (حي على الفلاح) هَلُمَّ إلى البقاء السرمدي في جنات النعيم؛ لأن أكبر أسباب ذلك: الصلاة؛ لأن الصلوات الخمس هي أعظم دعائم الإسلام بعد الشهادتين. وهذا معنى قوله: {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .

{وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} الخِفَّةُ معناها: الطيش وعدم الرّجْحَان، ومن طاشت موازينه سواء قلنا إنها الكفة التي فيها السيئات، أو نفس السيئات عند من يقول: أي: خفت كفة الميزان لقلة ما فيها من الحسنات؛ لأن الحسنات إن كانت قليلة كان الميزان خفيفاً؛ لأن المعتبر في الحقيقة ثِقَلُهُ: الحَسَنَات، فإن كَثُرَتْ ثَقُل الميزان، وإن قلت خَفَّ الميزان [وثقلت]

(1)

الكفة الأخرى التي فيها السيئات، ومعنى:{خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} كثرت سيئاته -والعياذ بالله- على حسناته.

{فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم} فأولئك الذين خفت موازينهم لقلة حسناتهم وكثرة سيئاتهم {الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم} ، والله (جل وعلا) قال هنا إنهم خسروا أنفسهم؛ لأنهم قد رُزِئُوا في أنفسهم، وأكبر الأدلة على خسرانهم أنفسهم: أنهم إن صاروا إلى النار أكبر مُنْيةٍ يتمنونها، وأكبر غرض يطلبونه: هو أن يموتوا وتعدم أنفسهم فتصير لا شيء؛ ولذلك يقولون: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ (77)} [الزخرف: آية 77] ولكن أمنيتهم العُظْمَى الَّتِي هِيَ الموت لا يحصلونها أبداً؛ لأن الله يقول: {لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} [فاطر: آية 36] ويقول (جل وعلا) في الكافر: {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} [إبراهيم: آية 17]{فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى} [طه: آية 74] فمن كانت أمنيته الموت، وغايته الكبرى أن يستريح من نفسه من

(1)

في الاصل: «وخفت» ، وهو سبق لسان.

ص: 84

وجودها إلى العدم فمعلوم أنه خسرها؛ ولذا قال: {خَسِرُواْ أَنفُسَهُم} [الأعراف: آية 9] وأصل الخسران في لغة العرب: هو نقصان مال التاجر، سواء كان نقصاً في ربح المال، أو نقصاً في رأس المال

(1)

.

والخسران في اصطلاح الشرع: هو غبن الإنسان في حظوظه من ربه (جل وعلا)؛ لأن الإنسان إذا غُبن في حظوظه من ربه (جل وعلا) فقد خَسِرَ الخُسْرَان المبين، وقد أقسم الله (جل وعلا) - وهو أصدق من يقول - في سورة كريمة من كتابه - وكل سورة منه كريمة- ألا وهي (سورة العصر) أن الخسران لا ينجو منه إنسان كائناً ما كان إلا بأعمال معينة مبينة، وذلك في قوله:{وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)} {إِنَّ الْإِنسَانَ} معناه: إن كل إنسان كائناً من كان {لَفِي خُسْرٍ} {إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} [العصر: الآيات 1 - 3] فهذا الخسران لا يُنجي منه شيء أبداً كما أقسم عليه رب السماوات والأرض إلا الإيمان والأعمال الصالحات، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، هذا الذي يُنجي من الخسران.

وقَدْ بَيَّنَّا في هذه الدروس مِرَاراً أن العلماء ضَرَبوا لهذا الخسران مثلين:

أحد ذينك المثلين: أن كل إنسان كائناً من كان أعطاه الله في دار الدنيا رأس مال، ورأس مال الإنسان هو جواهر نفيسة، وأعلاق عظيمة لا يماثلها شيء من الدنيا، فهي أعظم من كل اليواقيت، وأعظم من كل الجواهر، ولا يماثلها شيء في الدنيا أبداً. هذه

(1)

انظر: المفردات (مادة: خسر) ص281.

ص: 85

الجواهر التي هي رأس ماله هي ساعات عمره، أيام عمره وشُهُوره ولياليه وأعوامه، فهذا رأس مال الإنسان. فاعلم أيها الإنسان أن عمرك هو رأس مالك

(1)

:

إِذَا كَانَ رَأْسُ المَالِ عُمْرَكَ فَاحْتَرِزْ

عَلَيْهِ مِنَ الإنْفَاقِ في غَيْرِ وَاجِبِ

فإن كان صاحب رأس هذا المال رجلاً متقدماً حقيقة لَبِقاً عارفاً حاذقاً اتَّجَرَ مَعَ رَبِّه برأس هذا المال، فنظر ساعات العمر، فكل وقت منها يتوجه فيه أمر من خالق السماوات والأرض، كأوقات الصلوات، وأوقات الصوم، والعبادات المؤقتة، يبادر إلى مرضاة خالقه، فيتَّجر مع خالقه (جل وعلا) ويُحرِّك رأس المال مع خَيْر من يتجر معه، وهو رب السماوات والأرض (جل وعلا) ويكثر من طاعات رَبِّه ومرضاة رَبِّهِ، وينظر كل شيء حَرَّمَهُ خالقه أو نهى عنه فيجتنبه ويتباعد منه، وهذا هو تحريكه رأس المال وتجارته مع رب العالمين؛ ولذا سمى الله هذا العمل الصالح وإنفاق العمر فيما يُرضي الله، سماه في آية: تجارة، وفي آية: بيعاً، وفي آية: شراء، وفي آية: قرضاً، والكل بمعنى واحد. قال:{مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً} [البقرة: آية 245] فسمى العمل الصالح قرضاً.

وقال: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِالله وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11)} ثم بين عوض هذا التاجر: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} إلى آخر الآيات [الصف: الآيات 10 - 12]، وقد سماه بيعاً وشراءً في قوله:{إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ} [التوبة: آية 111] وقال: {فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: آية 111]

(1)

البيت في الخزانة (1/ 31).

ص: 86

فالإنسان اللبق الحاذق لا يضيع هذه الجواهر النفيسة، والأعلاق العظيمة، التي هي ساعات عمره ودقائقه وثوانيه، بل يحرك رأس هذا المال، ويتجر به مع خير من يُتجر معه، وهو خالق السماوات والأرض، إن جئت بحسنة جاءك بعشر حسنات إلى سبعمائة إلى ما لا يعلمه إلا الله، إن جاءه عبده يمشي أتاه ربه هرولة، وإن تقرب إليه باعاً تَقَرَّبَ (جَلَّ وَعَلا) إليه ذراعاً، سبحانه ما أعظمه وما أكرمه! فالإنسان العاقل يَتَّجِرُ بِرَأْسِ هذا المال مع رَبِّ العالمين، فلا تضيع عليه هذه النفائس والأعلاق الثمينة، فيصرف أوقاته فيما يُرْضِي اللهَ، وإذا كان معه تَعَبٌ فليكف عما لا يُرْضِي رَبَّهُ، فيكون عمله إما أن يكون خيراً يستجلبه، وإما أن يكون سلامة من الشرور، فيكون على خير، فيربح من هذه التجارة: الحور، والولدان، وغُرف الجنان، ومجاورة رب غير غضبان، والنظر إلى وجه الله الكريم، ومُلك لا ينفد {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (20)} [الإنسان: آية 20].

وإذا كان صاحب رأس هذا المال مغفلاً أحْمَقَ، قليل الفهم عن الله، ليس عارفاً بحقائق الأمور، لا يدري الفرق بين التقدم والتأخر، ولا بين التَّنَوُّر وغير التَّنَوُّر، فإنك تراه يتلاعب بهذه الجواهر النفيسة التي أعطاه الله، وهي أيَّام عمره، ولا يُقدرها، ويُمضيها في قيل وقال، وربما أمْضَى أكْثَرَهَا في مساخط الله، وما يستوجب غضب الله، من الوقوع في محارمه، والتمرد على نظامه، واتباع كل ناعق من شياطين الإنس والجن الذين يدعون إلى النار، وإلى سخط الله (جل وعلا)، حتى ينقضي الوقت المحدد من أيام عمره، فيؤخذ روحه من بدنه فيموت فيضيع عليه رأس المال، فيُجر إلى القبر وهو

ص: 87

مُفْلِس فقير، والآخرة يا إخوان دار لا تصلح للفقراء المفاليس؛ لأنها ليس فيها سلف ولا بيع، ولا إرفاق، وإنما فيها ما قدم الإنسان من عمل في دار الدنيا

(1)

:

لا دَارَ لِلْمَرْءِ بَعْدَ المَوْتِ يَسْكُنُهَا

إِلَاّ التِّي كَانَ قَبْلَ المَوْتِ يَبْنِيهَا

فَإِنْ بَنَاهَا بِخَيْرٍ طَابَ مَسْكَنُهُ

وَإِنْ بَنَاهَا بِشَرٍّ خَابَ بَانِيهَا

والآخرة ليس فيها منزل إلا غرفة من غرف الجنة، أو سجن من سجون النار -والعياذ بالله- وسنتكلم -إن شاء الله- في أثناء هذه السورة الكريمة على أصحاب الأعراف، وما قصتهم، وما الذي جعلهم على الأعراف، ونذكر كلام العلماء فيه، فعلينا جميعاً أن لا نضيع رأس هذا المال، فَمَنْ ضَيَّعَ رَأْسَ ماله وأفنى عمره فيما لا يرضي ربه ضاع رأس المال، وإذا ضاع رأس المال فالربح أضيع وأضيع، فيصير إلى سجن من سجون جهنم -والعياذ بالله- هذا أحد مثلي الخسران الذي ضرب العلماء له.

المثل الثاني: هو ما جاء به حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم

(2)

، وحسنه بعض العلماء، ولا بأس به -إن شاء الله- أن كل إنسان كائناً من كان له منزل في الجنة ومنزل في النار، فالله يجعل منزلاً في الجنة

(1)

من قصيدة منسوبة لعلي رضي الله عنه وهي في الديوان المنسوب إليه ص154.

(2)

جاء في هذا المعنى حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً عند الإمام أحمد (2/ 512)، وذكره الهيثمي في المجمع (10/ 399)، وقال:«وفي رواية: لا يدخل أحد النار إلا رأى مقعده من الجنة لو أحسن ليكون عليه حسرة، ولا يدخل أحد الجنة إلا رأى مقعده من النار لو أساء ليزداد شكراً، رواه كله أحمد ورجال الرواية الأولى رجال الصحيح» اهـ.

ص: 88

باسم كل إنسان، ومنزلاً في النار باسم كل إنسان. فإذا أدخل الله أهل الجنة الجنة وأهل النار النار أطلع أهل الجنة على منازلهم في النار لو أنهم كفروا بالله وعصوه لتزداد غبطتهم وسرورهم بما هم فيه، وعند ذلك يقولون:{الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله} [الأعراف: آية 43] ثم إنه يُري أهل النار منازلهم في الجنة لو أنهم أطاعوا الله وآمنوا واتقوا لتزداد ندامتهم وحسرتهم، وعند ذلك يقول الواحد منهم:{لَوْ أَنَّ الله هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [الزمر: آية 57] ثم إن الله يحكم بمنازل أهل النار في الجنة لأهل الجنة، وبمنازل أهل الجنة في النار لأهل النار، ومن كانت صفقته بيع منزله في الجنة بمنزل غيره في النار فصفقته خاسرة، وهو من الخاسرين بلا شك. هكذا قال بعض العلماء وهذا معنى قوله:{فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ} [الأعراف: آية 9].

(ما) هنا مصدرية، والباء سببية. يعني: خسروا أنفسهم بسبب كونهم ظالمين بآياتنا.

قال بعض العلماء

(1)

: إنما عدّى الظلم هنا بالباء لأنه مُضمّن معنى الكفر والجحود، والجحود يُعدّى بالباء كقوله:{وَجَحَدُوا بِهَا} وقد جاء في القرآن تسمية الجحود في الآيات (ظلماً) كما قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً} [النمل: آية 14].

وقوله: {بِآيَاتِنَا} قد قدمنا في هذه الدروس

(2)

أن الآيات

(1)

انظر: الدر المصون (5/ 257).

(2)

مضى عند تفسير الآية (73) من سورة البقرة.

ص: 89

جمع آية، وأن أكثر علماء الصرف على أن وزنها (فَعَلَة)، وأن أصلها (أَيَيَة) فاؤها همزة، وعينها ياء، ولامها ياء، بعدها هاء تأنيث لفظية. وقد اجتمع فيها موجبَا إعلال؛ لأن فيها حرفي لين كل منهما متحرك بِحَرَكَةٍ أصلِيَّةٍ بعد فتح، فالياءان كل منهما تستوجب إعلالاً، والمقرر في علوم العربية: أنه إذا اجتمع موجِبَا إعلال كان الحرف [الأخير هو الذي وقع فيها الإعلال، ولكنه وقع هنا في الحرف الأول على خلاف القاعدة الكثيرة المطردة، وهو جائز.

وقيل: أصلها: (أَيَاه) ولكن الإعلال وقع هنا في الحرف الأول فصار (آية)، ولها في اللغة معنيان:

المعنى الأول: بمعنى (العَلامة)، تقول العرب: الآية بيني وبينك كذا؛ أي: العلامة بيني وبينك كذا. ومنه قوله تعالى:]

(1)

.

[3/ب] / {إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ} أي: علامة ملك طالوت عليكم {أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} الآية [البقرة: آية 248] وهذا معروف في كلام العرب، وقد جاء في شعر نابغة ذبيان -وهو جاهلي عربي قُح- تفسير الآية بالعلامة حيث قال

(2)

:

تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لهَا فَعَرَفْتُهَا

لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا الْعَامِ سَابِعُ

ثم بيَّن أن مراده بالآيات: علامات الدار؛ حيث قال بعده:

رَمَاد كَكُحْلِ العينِ لأْياً أُبينُهُ

وَنُؤْيٌ كَجِذمِ الحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ

(1)

في هذا الموضع ذهب بعض التسجيل. وتم استدراك النقص من كلام الشيخ رحمه الله في موضع سابق عند تفسير الآية (118) من سورة الأنعام (بتصرف).

(2)

مضى عند تفسير الآية (46) من سورة البقرة.

ص: 90

هذا هو المعنى المشهور للآية، أن معناها العلامة، فآية كذا: علامة كذا.

المعنى الثاني: أن العَرَبَ تطلق الآية وتريد الجماعة، تقول: جاء القوم بآيتهم؛ أي: بجماعتهم، ومنه بهذا المعنى قول بُرج بن مُسْهِر الطائي

(1)

:

خَرَجْنَا مِنَ النَّقْبَيْنِ لَا حَيَّ مِثْلُنَا

بِآيَتنَا نُزْجِي اللِّقَاحَ المَطَافِلَا

يعني: بجماعتنا، فإذا علمتم أن الآية في اللغة تطلق على العلامة، وعلى الجماعة، فهي في القرآن العظيم باستقراء القرآن العظيم تطلق إطلاقين:

أحدهما: الآية الْكَوْنِيَّة القَدَرِيَّة، وهي ما نصبه الله (جل وعلا) ليدل به خلقه على أنه الواحد الأحد الأعظم الصمد المستحق لأَنْ يُعْبَدَ وَحْدَه كقوله:{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ الله مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)} [البقرة: آية 164] أي: لعلامات واضحة جِازِمَة قاطعة بأن مَنْ خَلَقَهَا هُوَ رَبُّ هَذَا الْكَوْنِ، وهو المعبود وحده (جل وعلا) سبحانه عما يشركون، وهذا كثير.

وتطلق الآية في القرآن إطلاقاً آخر، ومعناها: الآية الشَّرْعِيَّة الدينية، كآيات هذا القرآن العظيم، ومنه قوله هنا:{بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ} [الأعراف: آية 9] لأنه قال: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن

(1)

مضى عند تفسير الآية (73) من سورة البقرة.

ص: 91

رَّبِّكُمْ} [الأعراف: آية 3] وذلك الذي أُنزل إليهم من ربهم أعظمه الآيات السماوية القرآنية التي تُتلى، وآيات الكتب، فلما ظَلَمُوا بها وجحدوا بها كانوا ظالمين ودخلوا النار.

ومن الآية الشرعية الدينية قوله تعالى: {رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ الله} [الطلاق: آية 11]{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} [الجمعة: آية 2] فالآية الكونية القدرية في القرآن من الآية بمعنى العلامة بلا نزاع، والآية الشرعية الدينية قيل هي من الآية بمعنى الجَمَاعة؛ لأن كل آية اشتملت على جماعة وجملة من حروف القرآن وألفاظه متضمنة لبعض ما فيه من الإعجاز والعقائد والحلال والحرام. وقيل أيضاً: إنها من العلامة؛ لأنها علامات على صِدْقِ مَنْ جَاءَ بِهَا؛ ولأن لها مبادئ ومقاطع هي علامات على انتهاء هذه الآية وابتداء الأخرى. وهذا معنى قوله: {بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ} [الأعراف: آية 9].

{وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ (10) وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)} [الأعراف: الآيات 10 - 13].

لما أمر الله (جل وعلا) خلقه في أول هذه السورة الكريمة فقال لهم: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} [الأعراف: آية 3] ثم إنه وعظهم وأخبرهم أنه يسألهم، وأنه يقصُّ عليهم أعمالهم بعلم، وأنه لم يكن غائباً عن شيء عملوه في دار الدنيا، وأنه يزن أعمالهم بميزان فلا يخيس شعيرة، بيّن لهم أنه أنعم عليهم في دار

ص: 92

الدنيا من أنواع الإنعام إنعاماً عظيماً ينبغي لهم أن يشكروا له ذلك الإنعام، وأن لا يستعينوا بإنعامه على معصيته، فإن من أعظم أنواع اللؤم والخساسة أن ينعم علينا رب السماوات والأرض العظيم الأعظم بنعمه الكثيرة ثم نستعين بها على معصيته وما لا يرضيه!! هذا مِنْ أَقْبَحِ القبيح، وأشنع الشنيع الذي لا ينبغي لأحد أن يفعله.

وقد نَبَّهَنَا في هذه الآيات على بعض الإنعام الذي أنعم علينا قال: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ} [الأعراف: آية 10] والله لقد مكناكم في الأرض؛ أي: جعلناكم متمَكِّنِينَ فيها، مُتَصَرِّفِين قادرين على استجلاب المعايش والرفاهية والراحة بما هيأنا لكم من الأسباب، جعلنا لكم الأرض ساكنة قابلة؛ لأن تبنوا عليها، وتبنوا منها البيوت التي هي هنيّة لذيذة للمقام، ثم جعلناها قابلة لأنواع الازدراع لتزرعوا فيها ما تأكلون وما تلبسون، ثم خلقنا لكم الأنعام، وذللناها لكم، فمنها ركوبكم ومنها تأكلون، أنبتنا لكم فيها الأصواف والأوبار والأشعار لتلبسوا منها، وجعلنا لكم لحومها لتأكلوا منها، وأسمانها، وألبانها، وأزبادها، وجعلنا لكم الحديد لتستعينوا به على أمور دنياكم وفلاحتكم، إلى غير ذلك من سائر الأسباب والتمكين الذي مكنه لنا في الدنيا.

وقال بعض العلماء: (مكناكم فيها) أي: جعلنا لكم فيها أمكنة تسكنون بها في الدنيا ذاهبين وراجعين. والله جعل لنا الأرض تضمُّنَا على ظهرها أحياء، وفي بطنها أمواتاً كما يأتي في قوله:{أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً (25) أَحْيَاء وَأَمْوَاتاً (26)} [المرسلات: الآيتان 25، 26]{كِفَاتاً} أي: محلاً لكفتكم. أي: ضمكم. والكَفْت في لغة

ص: 93

العرب: الضَّمُّ. أي: تضمكم على ظهرها في دار الدنيا أحياء متنعمين بما فيها من المنافع والمعايش، وتضمكم في بطنها أمواتاً إذا متم

(1)

. ولذا قال هنا: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ} والله (جل وعلا) مكَّن لعباده في الأرض، هيأ لهم الأرزاق، وأنزل لهم المطر، وأنبت لهم النبات، وخلق لهم الحيوانات وجميع المرافق التي تُعِينُهُمْ على دنياهم.

وقوله: {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} [الأعراف: آية 10] قرأه عامة القراء بالياء

(2)

{مَعَايِشَ} بكسر الياء غير مهموز، وما رواه خارجة بن مصعب عن نافع من أنه قرأها:{معائِش} بالهمز لا أصل له، والرواية ضعيفة جدّاً، ومخالفة للقانون العربي، وكذلك ما رُوي عن ابن عامر من السبعة كله ضعيف لم يثبت، وهو مخالف للعربية، وقد زعم قوم أن همز {مَعَايِشَ} رُوي عن علي بن زيد والأعمش

(3)

. والتحقيق أن القراءة التي عليها عامة المسلمين، منهم السبعة والعشرة وحفاظ من روى عنهم، وعامة القراء إلا من أشرنا إليه قرءوا:{مَعَايِشَ} بالياء المكسورة من غير همز. والقاعِدَة المقررة في فنِّ التصريف: أن المَدَّة الثالثة إذا كانت زائدة وجب إبدالها همزة، كـ (صحيفة) فإن الياء زائدة؛ لأن الصحيفة أصلها من (صَحَفَ) بصاد، فحاء، ففاء، والياء زائدة. فهذه المَدَّة الزائدة تُقْلَب في جمع التكسير [هَمْزاً]

(4)

، فتقول في جمع (الصحيفة): صحائف.

(1)

انظر: المفردات (مادة: كفت) ص713.

(2)

انظر: المبسوط لابن مهران ص207.

(3)

انظر: المصدر السابق، ابن جرير (12/ 317)، القرطبي (7/ 167).

(4)

في الأصل: «ياء» وهو سبق لسان.

ص: 94

وفي جمع (المدينة) مدائن، وكذلك الواو والألف كلها إذا كانت زوائد أُبدلت من مَدَّتها في جمع التكسير المتناهي: هَمْزاً، فتقول في (السحابة): سحائب. فتبدل الهمزة من الألف، وفي (القلادة): قلائد، وفي (العجوز)

-بالواو- عجائز، فالهمزة مبدلة من الواو؛ لأن المَدَّة الثالثة زائدة. أما (معيشة) فالياء التي بعد العين فأصلها من الكلمة، أصلها: مَعْيِشَة (مفعِلة) -بكسر العين- وقيل: مَعْيَشَة (مَفْعَلة) -بفتح العين- والأول أظهر، نُقلت حركة العين المعتلة للساكن الصحيح، وسكونه إليها، فصارت (معيشة) فالياء أصلية

(1)

. فيجب أن تُجمع على معايش بكسر الياء.

وكذلك غيرها من الواويات يجب تصحيح الواو إذا كانت المَدَّة أصلية، فتقول في (المَقَام): مَقَاوِم، وفي (المَعُونة): مَعَاوِن، وتقول في كل ما هو أصلي بالواو كمَخَافَة، ومَخاوِف، ومَلامَة، ومَلاوِم؛ لأن المَدَّة فيها أصلية، كمعيشة، ومعايش. ومن تصحيح ما أصله واو قول الشاعر

(2)

:

وَإِنِّي لَقَوّامٌ مَقَاوِمَ لمْ يَكُنْ

جَرِيرٌ وَلَا مَوْلَى جَرِيرٍ يَقُومُهَا

صحح واو (مَقَاوِم) ولم يقل: مقائم؛ لأن الألف في المقام أصلية في محل العين، ومنه قول الآخر

(3)

:

وَمَا هِيَ إِلَاّ بِنْتُ خَمْسٍ وَأَرْبَعٍ

مَغَاوِر هَمَّامٍ عَلَى حَيِّ خَثْعَمِ

فصحح الواو، وهو جمع (مُغار) من: أغار القوم على القوم،

(1)

انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص198.

(2)

البيت للأخطل وهو في ديوانه ص322.

(3)

لم أقف عليه.

ص: 95

يغيرون إغارة، ومُغاراً، وألِفُ المُغار أصلية.

والحاصل أن المَدَّة الأصلية تُصَحَّح في جمع التكسير، سواء كانت ياء، أو واواً، والمَدَّة الزائدة تُبدل همزة، سواء كانت ألفاً، أو ياء، أو واواً

(1)

. فالقراءة الصحيحة التي عليها العشرة وجمهور القراء الموافقة لقاعدة اللغة العربية: {مَعَايِشَ} بكسر الياء.

والمعايش: جمع معيشة، والمراد: ما يعيشون به في دار الدنيا، مما سبَّبَ لهم من أسباب المعيشة، مما جعل لهم من الثمار، والزروع، والدواب، وجعل لهم في الدواب من الألبان، والأسمان، والأزباد، واللحوم إلى غير ذلك مما هيأه لهم في دار الدنيا إكراماً منه عليهم يعيشون به في دار الدنيا. وهذا معنى قوله:{وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} [الأعراف: آية 10].

ثم إن الله عابهم فقال: {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [الأعراف: آية 10] فـ {قَلِيلاً} نعت لمصدر محذوف، و (ما) توكيد للقلة. والمعنى:{تَشْكُرُونَ} شكراً قليلاً ما؛ لأنه لا يخلو إنسان من شكر في الجملة.

وأصل الشكر في لغة العرب

(2)

: أصل مادته تميل إلى معنى الظهور، والعرب تقول: ناقة شكور: إذا كان يظهر عليها السِّمن، والشكر يُطلق في القرآن من الرب لعبده، ومن العبد لربه، فمن إطلاق شكر العبد لربه قوله:{أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان:

(1)

انظر: ابن جرير (12/ 316 - 317)، القرطبي (7/ 167 - 168)، الدر المصون (5/ 257 - 258).

(2)

مضى عند تفسير الآية (52) من سورة البقرة.

ص: 96

آية 14] {أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} [النمل: آية 19] ومن شكر الرب لعبده قوله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)} [البقرة: آية 158] وقوله: {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: آية 34] فمعنى شُكر العبد لربه: هو معناه في الاصطلاح. وأصل الشكر في لغة العرب: فعل يُنبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه مُنْعِماً.

والحمد في لغة العرب

(1)

: هو الثناء بالثناء الجميل باللسان على المحمود بجميل صفاته، سواءً كان من باب الإحسان أو من باب الاستحقاق.

والحمد لغة: يطلق على الشكر اصطلاحاً، والشكر اصطلاحاً يطلق على الحمد لغة، فبينهما تَعَاوُرٌ وتعاقُبٌ.

والمراد بشكر العبد لربه: هو أن تظهر نِعْمَة ربه عليه، فَيُظهر تلك النعمة، ويستعمل جميع ما أنعم الله عليه في طاعة مَنْ خَلَقَهُ (جَلَّ وَعَلا)

(2)

. فهذه العيونُ التي تبصرون بها نِعَمٌ عظيمة أنعم الله عليكم بها، فشكر من خَلَقها عليها أن لا تنظروا بها إلا في شيء يُرْضِي من خَلَقها، فلا تَنْظُرْ أيها العبد بعينيك اللتين أنعم الله بهما عليك في شيء حَرَّمَهُ الله عَلَيْك، فتكون مستعيناً بنعمته على معصيته!! هذا فعل لا يليق، فعل خبيث، فعل يدل على لؤم صاحبه وحمقه وقلة عقله، وشكر هذه اليد التي أعطاك الله إياها، وفرّق لك

(1)

مضى عند تفسير الآية (45) من سورة الأنعام.

(2)

مضى عند تفسير الآية (46) من سورة الأنعام.

ص: 97

أصابعها، وأبعد إبهامها من سبابتها ليُمكنك العقد والحلّ بها - فلو جعل الإبهام مقترناً بالسبابة لما حللت شيئاً ولا عقدت شيئاً - شكر هذه اليد أن لا تبطش بها في شيء إلا شيئاً يُرْضِي مَنْ خَلَقَهَا (جل وعلا)، فلا تكتب بها ما لا يرضي الله، ولا تضرب بها ضرباً لا يرضي الله، ولا تفعل بها فعلاً لا يرضي الله. وهَذِهِ القَدَمُ الّتي أنْعَمَ الله عليك بها، تمْشِي بها، شُكْرُهَا: أن لا تسعى بها لشيء إلا لشيء يرضي مَنْ خَلَقَها، وهكذا. فالمال الذي أنْعَمَ اللهُ عَلَيْكَ به شُكْرُهُ: أن لا تَسْتَعيِن به إلا في شيء يُرْضِي مَنْ أَعْطَاكَ إِيَّاهُ، وكذلك الجاه، إذا أعطاك اللهُ جَاهاً ومَنْزِلَة ومكانة يمكنك التصرُّف فيها وتسهيل الأمور فلا تَسْتَعِنْ بِتِلْكَ النعمة إلا على شيء يُرْضِي مَنْ خَلَقَهَا، لا لنفسك ولا لغيرك، فلا تشفع بِجَاهِكَ في وصول إنسان إلى محرَّم، أو ظلم إنسان لإنسان، فكل ذلك من كُفْرِ النِّعْمَةِ وعَدَمِ شُكْرِهَا.

فعَلَيْنَا جميعاً أن نشكر خالِقَنَا، وأن نستعين بِنِعَمِهِ على ما يُرْضِيهِ؛ لأنَّ العَبْدَ إذا عرف قَدْرَ ذُلِّه وضعفه ومهانته، وعرف قَدْرَ عِظَمِ رَبِّه وجَلالة شَأْنِهِ، وعرف ما أنعم عليه ربه به من النِّعَمِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ عَلَيْهِ، ثُمَّ صرف تلك النِّعَم فيما يُسْخِط اللهَ ويُغْضِبه ولا يرضيه، واستعان بِنِعَمِهِ على ما يَكْرَهُهُ فإن هذا أشد اللؤم وأعظم الوقاحة، ولا يَنْبَغِي أَنْ يُقدم عليه عاقل! فعلينا جميعاً أن نُلاحِظ نِعَمَ اللهِ عَلَيْنَا، وأن لا نَسْتَعْمِلَهَا في شيء لا يرضيه؛ لأن استِعَانَتَنَا بنعمه على ما يسخطه أمر قبيح منا، ولؤم شنيع لا ينبغي لعاقل أن يُقْدِمَ عَلَيْهِ.

أما شكر الرب لعبده فقد قال بعض العلماء: هو أن يُثيبَهُ

ص: 98

الثواب الجزيل من عمله القليل، كما بيَّن أن العبد يَعْمَلُ حَسَنة واحدة فيجعلها الله عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله.

ومادة الشكر تتعدَّى بنفسها إلى المفعول إذا كان المفعول هو النعمة، وتتعدّى باللام في اللغة الفصحى إذا كان المفعول هو المُنْعِم، فهنا فرق دقيق في العربية لا يلاحظه كثير من طلبة العلم، فالفعل الذي هو (شكر) إن كان مفعوله النعمة تعدّى إلى النعمة بنفسه لا بحرف تَعَدٍّ، كقوله:{رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} [النمل: آية 19] فـ {نِعْمَتَكَ} مفعول به لـ {أَشْكُرَ} . أما إذا كان الشكر للمنعم فاللغة الفصحى التي لم يأتِ في القرآن غيرها أنه لا يتعدى الشكر إلى المنعم إلا باللام، فتقول: شكراً لك، وأنا أشكر لك، وأحمد الله وأشكر له. ولا تقول: وأشكره؛ ولذا يقول الله: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: آية 14]{وَاشْكُرُواْ لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: آية 152] ولم يأتِ في القرآن تعدية الشكر إلى المنعم إلَاّ بحرف الجر الذي هو اللام، فهذه هي اللغة الفصحى بلا نزاع بين من يحمل القلم العربي، أما لو قال:«وأشكره» من غير لام فقد أفرط قوم وقالوا: هذا لحن لا يجوز في العربية، والتحقيق: أن تعدية الشكر إلى المنعم بدون لام أنها لغة مسموعة جائزة، إلا أنها ليست هي اللغة الفصحى المشهورة، ومن شواهد هذه اللغة قول أبي نُخيلة

(1)

:

شَكَرْتُكَ إِنَّ الشُّكْرَ حَبْلٌ مِنَ التُّقَى

وَمَا كُلُّ مَنْ أَوْلَيْتَهُ نِعْمَةً يَقْضِي

(1)

مضى عند تفسير الآية (53) من سورة الأنعام.

ص: 99

فقد قال: (شكرتُك) ولم يقل: شكرت لك، ومنه بهذا المعنى قول جميل بن معمر في شعره المشهور

(1)

:

خَلِيلَيَّ عُوجَا الْيَوْمَ حَتَّى تُسَلِّمَا

عَلَى عَذبَةِ الأنْيَابِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ

فَإِنَّكُمَا إِنْ عُجْتُمَا لِي سَاعَةً

شَكَرْتُكُمَا حَتَّى أُغَيَّبَ فِي قَبْرِي

فقد قال: (شكرتكما) فتحصَّل من هذا الكلام أن الشكر يقع على النعمة بلا حرف جر إجماعاً، وأن شُكْر المنعم يتعدى باللام في اللغة المشهورة، وربما تعدّى بنفسه

(2)

.

وقوله: {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [الأعراف: آية 10] نعت لمصدر، أي: تشكرون شكراً قليلاً. و (ما) تأكيد للقلة، ولفظة (ما) تأتي لتأكيد النكرة في قلتها وحقارتها. قال بعض العلماء: لا يخلو أحد مِنْ شُكْرٍ في الجملة إلا أنه شكر قليل، والشكر القليل لا يفيد؛ لأن من عمل ببعض الكتاب وترك أكثره كَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ، كما قال:{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: آية 85] وقد قدمنا فيما مضى أن بعض علماء التفسير يقولون: إن القرآن تُطلق فيه القلَّة ويُراد العدم

(3)

. والمراد لا تشكرون النعمة أصلاً؛ لأن المفرِّط المستعمل أغلب نعم الله فيما يسخط الله لا يُعد من الشاكرين، وهذا التفسير مخالف لظاهر القرآن؛ لأن القرآن دل على أن هناك شكراً قليلاً، وهو مخالف لظاهر القرآن؛ ولا تجوز مخالفة ظاهر القرآن إلا لدليل

(4)

يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنة، أما اسْتِعْمَال القِلَّة في

(1)

السابق.

(2)

راجع ما سبق قريباً.

(3)

مضى عند تفسير الآية (3) من سورة الأعراف.

(4)

مضى عند تفسير الآية (56) من سورة البقرة.

ص: 100

العَدَمِ فهو استعمال صحيح في لغة العرب مَعْرُوف لا شَكَّ فِيهِ بين العلماء، وقد ذكرنا في الدروس السابقة له أمثلة كثيرة، كقول غيلان ذي الرمة

(1)

:

أُنِيخَتْ فَأَلْقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ

قَلِيلٍ بِهَا الأَصْوَاتُ إِلا بُغامُها

لأن مراده بالقلة: العدم المحض. يعني: لا صوت بتلك الفلاة ألبتة إلا بُغام ناقته. ومنه بهذا المعنى قول الطِّرِمَّاح بن حكيم يمدح يزيد بن المهلب

(2)

:

أَشَمٌّ نَدِيٌّ كَثِيرُ النَّوَادِي

قَلِيلُ المَثَالِبِ وَالقَادِحَهْ

يعني: لا مَثْلَبَةَ فِيهِ ولا قَادِحَةَ، وتقول العرب: مَرَرْتُ بأرض قليل فيها البَصَل والكُرَّاثُ. يعنون: لا بَصَلَ ولا كُرَّاثَ فِيهَا ألْبَتَّةَ، ومنه قول الشاعر -وهو شاهد على أن (ما) تأتي موضع (لا) التي لنفي الجنس- في قوله

(3)

:

فَمَا بَأْسَ لَوْ رَدَّتْ عَلَيْنَا تَحِيَّةً

قَلِيلاً لَدَى مَنْ يَعْرِفُ الحَقَّ عَابُهَا

ولكن هذا الإطلاق وإن كان صحيحاً في لغة العرب فظاهر القرآن يخالفه ويدل على أنه لا يخلو إنسان من شكر في الجملة، إلا أن الشكر القليل مع الكفر الكثير لا ينفع، كما قال تعالى:{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالله إِلَاّ وَهُم مُّشْرِكُونَ (106)} [يوسف: آية 106] وهذا معنى قوله: {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [الأعراف: آية 10].

(1)

مضى عند تفسير الآية (3) من هذه السورة.

(2)

السابق.

(3)

مضى عند تفسير الآية (3) من هذه السورة.

ص: 101

{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (11)} [الأعراف: آية 11].

في هذه الآية الكريمة إشكال معروف؛ لأن الله قال بصيغة الجمع: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} وهذا يتبادر منه أن المخاطبين في قوله: {خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} ذرية آدم، إلا أنه رتّب عليه قوله:{ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ} و (ثم) تقتضي الترتيب والمهلة، فيكون الله بعد أن خلق ذرية آدم وصورها قال للملائكة: اسجدوا لآدم، وهذا خلاف الواقع؛ لأنه أمرهم بالسجود له عندما نفخ فيه الروح قبل أن يولد له شيء، كما دلّ عليه قوله في سورة الحجر:{إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ (29)} [الحجر: الآيتان 28، 29] وقوله في سورة ص: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72)} [ص: الآيتان 71، 72] فيخطر في ذهن طالب العلم إشكال، وهو الترتيب بـ (ثم) فيقول: كيف يقول: {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ} [الأعراف: آية 11] بعد تصوير ذرية آدم، وخلقها؟! وهذا خلاف الواقع، فهذا إشكال معروف في الآية، مشهور عند علماء التفسير، وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة

(1)

:

أحدها: وهو الذي اختاره كبير المفسرين -محمد بن جرير الطبري وغيره- أن المراد بالجمع في {خَلَقْنَاكُمْ} و {صَوَّرْنَاكُمْ} آدم وحده، وإنما أُطلق عليه صورة الجمع لأنه لما كان أبا البشر

(1)

انظر: تفسير ابن جرير (12/ 317 - 323)، البغوي (2/ 150)، القرطبي (7/ 168 - 169)، ابن كثير (2/ 202)، الدر المصون (5/ 260).

ص: 102

ووجوده أصلٌ في وجوده كان خلقه وتصويره كأنه خلق وتصوير للجميع. ونحو هذا الأسلوب معروف في القرآن؛ لأن الله يخاطب اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} [البقرة: آية 57] والذين ظُلل عليهم الغمام وأُنزل عليهم المن والسلوى أجداد أجداد أجدادهم، قبلهم بعشرات القرون، فَدَلَّ على أن أصْلَ الإنسان الذي هو منه قَدْ يُخَاطَب الإنسان والمراد به ذلك الأصل، وهذا كثير في القرآن، كقوله:{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ} [البقرة: آية 61]{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} [البقرة: آية 55] المخاطب به الموجودون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، والقائلون أجدادهم الموجودون قبلهم بقرون.

وعلى هذا فلا إشكال في قوله: {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ} [الأعراف: آية 11] لأن (ثم) على بابها من الترتيب والمهلة، غاية ما في الباب أنه أطلق الأصل وأراد شموله لفروعه، ونظائره في القرآن كثيرة كما مثلنا.

القول الثاني: هو ما قاله بعض العلماء: معنى {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} أيها الخلق في أصلاب آبائكم، {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} هذه الصور العظيمة في بطون أمهاتكم. وهذا من غرائب صنعه وعجائبه؛ لأن تصويره لنا في بطون أمهاتنا فيه من غرائب صنعه ما يبهر العقول، والله في كتابه يُعجّب خلقه كيف ينصرفون عن تصويره لهم في الأرحام، أولاً قال في ذلك:{هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)} [آل عمران: آية 6] ثم بيّن تصويره لنا في الأرحام بحالة تبهر العقول، ثم عجّب خلقه كيف ينصرفون عن التدبر في هذا!! لأنكم كلكم أيها الحاضرون تعلمون أنه ليس واحد

ص: 103

منكم يدخل بطن أمه في أول دخوله له وفيه يد ولا رجل ولا عين ولا أنف ولا فم، بل يدخلها نطفة من ماء مهين مستوية الأجزاء، ليست مفصلة ولا مُخَلَّقَة، ثم إِنَّ رَبَّ العالمين بقدرته العظيمة ينقله من طور إلى طور، ومن حال إلى حال، ينقله من النطفة إلى علقة -وهي الدم الجامد الذي إذا صُبَّ عليه الماء الحار لم يذب- ثُمَّ يَنْقِل العَلَقَة مُضْغَة، ويُصيّر المضغة عظاماً، فيركِّب هذه العظام بعضها في بعض هذا التركيب الدقيق المحكم الهائل، لو نظرت تركيب الأنملة بالأنملة، وفقرة الظهر بفقرة الظهر، والمفصل بالمفصل، وتركيب عظام الرأس بعضها إلى بعض، وخياطة بعضها مع بعض على ذلك الوجه العظيم الهائل، ونظرت في الإنسان - لأن الإنسان إذا نظر في موضع رأس إبرة من جسده وجد من عجائب صنع الله وغرائبه ما يبهر العقول- بعد أن دخل بطن أمه نطفة من مَنيّ فإذا هو مصور هذا التصوير العظيم، مخلوق منه هذا الهيكل العظيم، العظام شُدّ بعضها ببعض على أحْكَمِ وَجْهٍ وأَتْقَنِهِ وأَبْدَعِهِ، ومنه قوله:{نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً (28)} [الإنسان: آية 28] الأسر: أصله شدّ الشيء بالإسار، والإسار في لغة العرب

(1)

:

القِدّ، وهو الجلد الذي لم يُدبغ؛ لأن الجلد الذي لم يُدبغ إذا أخذت سيوره وشددت بها شيئاً وهي مبلولة يبست فاستحكم الشدّ غاية الاستحكام {وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ} المعنى: شددنا بعض عظامهم إلى بعض كما يُشد الشيء إلى الشيء بالإسار، وهو الجلد غير المدبوغ، ومنه قيل للأسير:(أسير) لأنه يُشَدُّ بالإسار غالباً، فلو كان الذي شدّ يدك بمعصمك، ومعصمك بمرفقك، ومرفقك بمنكبك، لو كان غير

(1)

انظر: المفردات (مادة: أسر) ص76، القاموس (مادة: الأسر) ص437 ..

ص: 104

متقن لتحرك الإنسان فسقطت يده!! وقيل: مع الأسف كان شدّ يده بمعصمه غير وثيق فطاحت يده، أو سقط منكبه، أو سقطت فخذه، أو سقط رأسه عن رقبته، لا، كل هذا مشدود بشد محكم، والعظام بعضها ملصق ببعض على أبدع أسلوب وأحكمه، ثم إن الله فتح في الوجه هاتين العينين، وصبغ بعضهما بصبغ أسود، وبعضهما بصبغ أبيض، ثم جعل فيهما نور البصر، ثم فتح فمه، ثم جعل فيه اللسان ليُعبِّر به عن ضميره، ويردّ به شاذ الطعام على الأضراس ليمكنها طحنه ليمكن المعدة هضمه، ثم إنه فتح هذا الأنف وجعله مثقوباً من جهتين، وجعل فيه حاسة الشم، وزين الفم بالفك الأعلى، والفك الأسفل، ثم إنه جعل ماء العين مِلْحاً لئلا تنتن شحمتها، وجعل له شحمة لئلا يجففها الهواء، ثم أنبع عيناً عذباً في فم الإنسان وهي ريقه يبتلع بها الطعام؛ لأن الله لو أخذ ريق الواحد منكم لا يمكن أن يبتلع شيئاً ولو زبداً ذائباً، فجعل له الريق ليبل به الطعام فيسهل بلعه، وإذا أكل كثيراً يأتيه من مدد الريق ما يبلُّ له الطعام الكثير العظيم الهائل، وإذا لم يحتج إليه في الأكل أمسك عنه جمّ الريق وكثرته لئلا يُتعبه التفل، ثم إنه وضع العينين في الرأس ولم يضعهما في الرجلين، وركب فقار الظهر بعضها مع بعض، وجعل مخها داخلها، وجعل الدماغ في مخلاة حصينة، ثم جعل عليها العظام وحصنها بها، وخاط العظام خياطة هائلة محكمة، ثم خلق الكبد ووضعها في موضعها اللائق بها، ووكّلها بوظيفتها البدنية، وفعل كذلك بالكليتين والطحال والمرارة، ثم ثقب الأمعاء ليخرج منها الثُّفْل، ثم ثقب الدُبر ليخرج منه الغائط، ثم ثقب محل البول، ثم ثقب العروق والشرايين ليدور معها الدم، ولو فكرنا وشرحنا عضواً واحداً من أعضاء الإنسان

ص: 105

لرأينا من غرائب صنع

الله وعجائبه ما يبهر العقول ويعتقد به الإنسان أن خالقه ذو القدرة العظيم، الذي لا يُعبد إلا هو وحده، ولا يطاع إلا هو وحده؛ ولذا من لُطْفِهِ بالإنسان: كل شيء يحتاج إلى قَطْعِه كشعره وأظفاره نَزَعَ منه روح الحياة؛ ليسهل عليه قص الأظافر وحلق الشعر، وتقصيره؛ إذ لو جعل في الأظافر الحياة كما جعلها في سائر البدن، وجعلها في الشعر لا يمكن قصُّ ظُفر إلا بعملية، ولا حلق شعر إلا بعملية! ثم إن القفا -الذي لم يجعل عنده عينين- جعله عظماً قوياً لو ضربه شيء عليه لم يضره. والأشياء الضعيفة كالكبد والطحال التي إذا مسه شيء عليها أثر عليه - وهي جهة البطن - جعل عليها الحارسَين وهما العينان، يحرسانها مِنْ أَنْ يضرَّهَا شَيْء. وهذه قطرة من بحر من غرائب صنع الله وعجائبه، والله (جل وعلا) فعل هذا من العمليات بكل واحد منا، وأنا أؤكد لكم أنه لم يحتج أن يأخذ لأمه غرفة في صِحِّيّة

(1)

، وأن يُبنجها ويُنومها ويُشق طبقة بطنها العليا، ثم طبقة بطنها السُّفلى، ثم ينزع المشيمة التي على الولد، ثم يسلط الأشعة الكهربائية لينظر ماذا يفعل؟! فأطباء جميع الدنيا لو اجتمعوا عن بكرة أبيهم من مشارق الأرض ومغاربها وأرادوا أن يعملوا عملية في جنين في رحم امرأة فيستحيل أن يقدروا على أن يعملوا شيئاً حتى يشقوا طبقات بطنها الثلاث، ثم يسلطوا الأشعة الكهربائية وينزعوا المشيمة عن الولد، ثم يعملون العملية، فقد يموت وهو الأغلب، وقد لا يموت، فخالق السماوات والأرض يفعل في العبد مئات العمليات، وهو لم يشق بطن أمه، ولم يحتج إلى أشعة كهربائية، بل العلم والبصر والقدرة نافذ تمام النفوذ، يفعل كيف يشاء {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} [آل عمران:

(1)

أي: عيادة صِحِّية.

ص: 106

آية 6] وإنما قصصنا عليكم هذا النموذج من قدرة الله، وصنعه فيكم، وعدم شقّه لبطون أمهاتكم؛ لأن الله أمركم أن تنتبهوا إليه، وأن لا تُصرفوا عنه.

وذلك في السورة الكريمة، سورة الزمر -وكل سورة من القرآن كريمة- أعني قوله في الزمر:{يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ} ظلمة الرحم، وظلمة البطن، وظلمة المشيمة؛ لأن المشيمة تكون منطوية على الولد لا يراه إلا من قشعها عنه {ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ} ثم قال وهو محل الشاهد:{فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [الزمر: آية 6] يا ناس!! فأنى تصرفون؟! أين تروح عقولكم عن قدرة خالق السماوات والأرض الجبار الأعظم ولا تنظرون فعله فيكم وأنتم في بطون أمهاتكم {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} [آل عمران: آية 6]{يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ (8)} [الانفطار الآيات: 6 - 8] وهذا التصوير فيه من غرائب صنع الله وعجائبه ما يبهر العقول؛ لأنكم كلكم أيها الحاضرون طُبعتم على طابع واحد، وصُببتم صبّة واحدة، فالأنف من جميعكم في محل الأنف، والعينان في محل العين، والفم في محل الفم، والأذن في محل الأذن، ولم يشتبه منكم اثنان حتى لا يُعرف أحدهما من الآخر، كل من رآكم يعرف أن هذه صورة فلان، وهذه صورة فلان، ولو جاء من الخلق أعداد ملايين الحصى لم يضق علم خالق السماوات والأرض حتى يعلم لكل واحد منهم صورة فيطبعه عليها لا تشابه صورة الآخر، ولم تتشابه أصواتكم ولا آثاركم في الأرض، ولا بصماتكم في الورق، كل واحد طُبع على طابع مستقل، لم يشاركه فيه غيره، ولم يشابهه غيره، وهذا يدل على كمال العلم

ص: 107

والقدرة الباهرة العظيمة التي يجب على الإنسان أن يعلم عظمة المتصف بها ويطيعه ولا يتمرد عليه، وهذا معنى قوله:{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} [الأعراف: آية 11].

وعلى هذا القول -أن المراد بخلق بني آدم في الأصلاب، وتصويرهم في أرحام الأمهات- يكون قوله:{ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ} تكون (ثم) هنا للترتيب الإخباري، أي: ثم أخبرناكم بعد ذلك أنّا قلنا للملائكة: {اسْجُدُواْ لآدَمَ} . ولفظة (ثم) قد تأتي في القرآن للترتيب في الذكر لا لترتيب الحقيقة الواقعة في زمنها، وهذا الأسلوب وإن كان غير ظاهر فهو موجود في القرآن وفي كلام العرب، فمن أمثلته في القرآن قوله تعالى في الأنعام -يعني شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم وهو آخر الأنبياء:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)} ثم قال: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} [الأنعام: الآيتان 153، 154] وإتيان موسى الكتاب قبل نزول هذا على النبي صلى الله عليه وسلم بقرون، فدّل على أن (ثم) هناك ليست للترتيب الزماني وإنما هي للترتيب الذكري، ونظير ذلك في القرآن قوله في سورة البلد:{فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17)} [البلد: الآيات 11 - 17] لأنه ليس المراد أنه مثلاً يقتحم العقبة، وأنه يطعم ذا المسغبة، ويفعل كذا وكذا، ثم بعد ذلك يكون من الذين آمنوا، لا، ليس هذا هو المراد، وإنما هي للترتيب الذكري، لا للترتيب الزماني المعروف، ومن إتيان ذلك في كلام العرب قول الشاعر

(1)

:

(1)

البيت للأقيشر الأسدي، وهو في ديوانه ص115، وفيه (من شرها).

ص: 108

سَأَلْتُ رَبِيعَةَ مَنْ خَيْرُهَا

أَباً ثُمَّ أُمّاً فَقَالُوا: لِمَهْ؟

لأن قوله: (من خيرها أباً ثم أمّاً) المعنى: من خيرها أباً وأمّاً؟ ولا ترتيب هنالك، وقول الآخر

(1)

:

إِنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ

ثُمَّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهْ

لأن سيادة الأب وسيادة الجد قبل سيادة الابن، وقد عُطفت عليها بـ (ثم)، فتبين أن الترتيب في الذكر لا في الزمان. هكذا قال بعضهم، والأول أظهر. وهذا معنى قوله:{ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ} [الأعراف: آية 11].

هذا القول قاله الله معلَّقاً أولاً - بلا نزاع - قبل أن يخلق آدم؛ لأنا ذكرنا في سورة «ص» وسورة «الحجر» التصريح بذلك حيث قال في سورة الحجر: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ (29)} [الحجر: الآيتان 28، 29] وقال في ص {إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ} [ص: آية 71].

[4/أ] أمرهم بالسجود له، وهذا السجود / تعظيم لله (جل وعلا)؛ لأنه امتثال أمره، لا عبادة لآدم، ولا سجود إلا لأمر الله (جل وعلا)، والأمر إن كان ممتثلاً به أمر الله فالمطاع فيه الله، ونظيره أن ملَكَ الموت يقال له: اقبض روح محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء. فأي جريمة في الدنيا أعظم من قتل النبي صلى الله عليه وسلم ونزع روحه، وقتل الأنبياء والأولياء؟ لكن ملك الموت مأمور من الله، فهو مطيع في ذلك الفعل؛ لأنه إنما فعله بأمر الله.

(1)

البيت في مغني اللبيب (1/ 107).

ص: 109

{اسْجُدُواْ لآدَمَ} [الأعراف: آية 11] قال بعض العلماء: إن الملائكة صلوات الله وسلامه عليهم لمَّا عظَّموا أنفسهم وحقروا بني آدم لما قال لهم الله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء} [البقرة: آية 30] ثم أثنوا على أنفسهم وقالوا: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: آية 30] امتحنهم الله وعلم آدم الأسماء كلها، ثم قال لهم:{أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء} [البقرة: آية 31] فعجزوا وقالوا: {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَاّ مَا عَلَّمْتَنَا} [البقرة: آية 32] ثم قال لآدم: تعال أنت فبين هذا العلم الذي عجزوا عنه وجهلوه. فقام آدم وبيّنها تماماً؛ ولذا قال: {قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33)} [البقرة: آية 33] إن هذا الذي حقرتم يعلم ما لا تعلمون، وعنده من الخصال ما ليس لديكم.

وكلام العلماء في تفضيل الملائكة والآدميين لا يعنينا؛ لأن أكثر الناس مختلفون فيه، وكلٌّ يَحْتَجُّ بِظَوَاهِر من كتاب الله، ولا دليل جازماً يجب الجزم واليقين به، ولا حاجة تدعو إليه، واختلاف العلماء فيه معروف

(1)

، وعلى كل حال فالله أظهر فضل آدم هنا حيث علمه ما جهله كل الملائكة وأمَرَهم بالسجود.

قال بعض العلماء: أمرهم بالسجود لمَّا عَلِم ما لم يعلموا، ويرشد له قوله:{إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: آية 30]{وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31)} [البقرة: آية 31] وبعد ذلك قال:

(1)

مضى عند تفسير الآية (50) من سورة الأنعام.

ص: 110

{قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ

} الآية [البقرة: آية 33].

وعلى هذا القول فالملائكة لما أُمروا أن يسجدوا لآدم، أُمر جميع الملائكة، كما دل عليه قوله:{فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَاّ إِبْلِيسَ} [الحجر: آية 30] واستثنى في جميع السور التي ذكر فيها سجود الملائكة بجميعها كالبقرة، والأعراف، وطه، والحجر، وص، كلها بيّن فيها سجود الملائكة إلا إبليس {اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَاّ إِبْلِيسَ} [الأعراف: آية 11] أي: فسجدوا كلهم أجمعون، بدليل قوله:{فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَاّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} [الحجر: آية 30].

إبليس: هو الشيطان اللعين عليه لعائن الله، ومَنْعُه من الصرف لأنه اسم عجمي عَلَم، والعُجْمَة والعلمية يمنعان الصرف.

وقال بعض العلماء: أصل (إبليس) عربي؛ لأنه (إفعيل) من الإبلاس، والإبلاس: القنوط واليأس من رحمة الله، حتى يبقى اليائس من شدة يأسه ساكتاً لا يحير كلاماً، ومنه قوله:{فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} [الأنعام: آية 44] ولكنه يشكل على قولهم أنه لو كان عجميّاً؛ لأن العَلَم إذا وُضع على (إفعيل) كان منصرفاً؛ لأنه ليس فيه علتان مانعتان من الصرف.

وأجاب من قال هذا: بأن (إبليس) أصله من (الإبلاس) وهو القنوط واليأس من رحمة الله، ومُنع من الصرف للعلمية وشبه العجمية؛ لأن هذا اللفظ يشبه الألفاظ العجمية، هكذا يقولون، والأول أظهر

(1)

.

(1)

مضى عند تفسير الآية (44) من سورة الأنعام.

ص: 111

وقوله: {لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} [الأعراف: آية 11] لم يسجد مع الملائكة، ثم إن الله (جل وعلا) سأله سؤال توبيخ وتقريع قال:{مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: آية 12] في (لا) هنا وجهان

(1)

:

أحدهما: أن {مَا مَنَعَكَ} مضمّنة معنى فِعل و (لا) في بابها ليست زائدة، أي: ما ألجأك وأحوجك إلى أن لا تسجد؟ ما المانع الذي ألجأك وأحوجك إلى أن لا تسجد؟! وتضمين الفعل معنى فعل معروف، قال به عامة علماء النحو من البصريين

(2)

.

وأظهر القولين في هذا: أن (لا) هنا جيء بها لتأكيد النفي؛ لأن (منعك) في معنى الجحود والنفي، وإتيان (لا) زائدة في الكلام الذي فيه معنى الجحد مطّرد

(3)

، ذكر الفراء وغيره من علماء العربية أنه مطرد

(4)

. والدليل على هذا أن خير ما يُفسر به القرآن القرآن، وقد قال تعالى في هذه القصة بعينها في سورة «ص»:{يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: آية 75] ولم يأت بلفظة (لا)، وخير ما يُفسر به القرآن القرآن، فعلمنا أن لفظة (لا) لتوكيد النفي.

واعلموا أن علماء العربية مطبقون على أن لفظة (لا) تُزاد لتأكيد المعنى وتقويته، أما في الكلام الذي فيه معنى الجحد فلا خلاف بينهم في ذلك، وشواهده في القرآن وأمثلته كثيرة، فمن أمثلته في

(1)

انظر: ابن جرير (12/ 324)، القرطبي (7/ 170)، الدر المصون (5/ 261 - 263)، الأضواء (2/ 293).

(2)

مضى عند تفسير الآية (109) من سورة الأنعام.

(3)

السابق.

(4)

معاني القرآن (1/ 374).

ص: 112

القرآن: {لِئَلَاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} [الحديد: آية 29] والمعنى: ليعلم أهل الكتاب. فقد جيء بـ (لا) لتوكيد المقام، {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} [النساء: آية 65] فوربك لا يؤمنون، {قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَاّ تَتَّبِعَنِ} [طه: الآيتان 92 - 93] أي: أن تتبعني، {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ} [فصلت: آية 34] أي: والسيئة، على أشهر التفسيرين، وقوله جل وعلا:{وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (95)} [الأنبياء: آية 95] على أحد القولين، {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: آية 109] على أحد التفسيرين، {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَاّ تُشْرِكُواْ} [الأنعام: آية 151] على أحد التفسيرات التي قدمنا في الآية

(1)

. وهذا كثير في كلام العرب، ومنه في كلام العرب قول أبي النجم في رجزه

(2)

:

فَمَا أَلُومُ البِيْضَ أَلَاّ تَسْخَرَا

لمَّا رَأَيْنَ الشَّمَطَ القَفَنْدَرا

يعني: لا ألوم البيض أن تسخر. أي: لا ألومها على سخريتها. وأنشد الفراء لزيادة (لا) في الكلام الذي فيه معنى الجحد قول الشاعر

(3)

:

مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللهِ دِينَهُمُ

وَالأَطْيَبَانِ أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ

يعني: وعمر، و (لا) زيدت لتوكيد معنى الجحد، وأنْشَدَ الجَوْهَرِيّ لزيادة (لا) في الكلام الذي ليس فيه معنى جحد قول

(1)

مضى عند تفسير الآية (109) من سورة الأنعام.

(2)

السابق.

(3)

السابق.

ص: 113

رؤبة بن العَجَّاج، أو قول العَجَّاج

(1)

:

فِي بِئْر لَا حُورٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ

بِإِفْكِهِ حَتَّى رَأَى الصُّبْحَ شَجَرْ

يعني: (في بئر حور) أي: هلكة، و (لَا) زائدة. وأنشد الأصمعي لزيادتها في الكلام الذي ليس فيه معنى الجحد

(2)

قول ساعدة بن جُؤَيَّةَ الهذلي

(3)

:

أَفعنك لَا بَرْقٌ كَأَنَّ وَمِيضَهُ

غَابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرَامٌ مُثْقَبُ

والتحقيق أن (لا) زائدة، لا عاطفة على جملة محذُوفَة كما زَعَمَهُ بعضهم، ومن شواهد ذلك قول الشاعر

(4)

:

تَذَكَّرْتُ لَيْلَى فَاعْتَرَتْنِي صَبَابةٌ

وكَادَ ضَمِيرُ الْقَلْبِ لَا يَتَقَطَّعُ

أي: كاد يتقطع، و (لا) مزيدة في هذا، وهي كذلك في قوله:{لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1)} [البلد: آية 1] لأن المعنى: أقسم بهذا البلد، كما قال:{وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ (3)} [التين: آية 3] على أحد الأوجه المعروفة، ومثل هذا كثير في كلام العرب، فقوله:(لا) على وجهين:

أحدهما: أن تكون صلة لتوكيد الكلام، ومن أساليب اللغة العربية زيادة لفظ (لا) لتوكيد الكلام كما بيَّنا الآيات الدالة عليه {لِئَلَاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} [الحديد: آية 29] أي: ليعلم أهل الكتاب، {مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَاّ تَتَّبِعَنِ} [طه: آية 92] ما منعك أن

(1)

مضى عند تفسير الآية (151) من سورة الأنعام.

(2)

البحر المحيط (4/ 273)، الدر المصون (5/ 262).

(3)

مضى عند تفسير الآية (109) من سورة الأنعام.

(4)

السابق.

ص: 114

تتبعني، {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ} [فصلت: آية 34] لا تستوي الحسنة والسيئة. إلى غير ما ذكرنا من الآيات، وأبيات العرب التي ذكرنا، ويدل أنها هنا صلة لتوكيد الكلام: أن الله حذفها في (ص) حيث قال: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: آية 75]. واختار بعض العلماء - وهو اختيار ابن كثير

(1)

، وابن جرير

(2)

- أن الفعل مُضَمَّن كما يذهب إليه علماء البصرة، وأن (لا) على بابها. والكلام في معنى: ما أحوجك وألجأك إلى أن لا تسجد. وهذا معنى قوله: {مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: آية 12] أي: حين أمرتك.

وهذه الآية الكريمة من أدلة العلماء على أن صيغة (افعل) تأتي للوجوب؛ لأنه قال: {اسْجُدُواْ لآدَمَ} [الأعراف: آية 11] فلما لم يمتثل إبليس وبَّخَه على ذلك، وقال:{مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: آية 12] فدل على أن صيغة الأمر لا يجوز خلافها، ولما قال نبي الله موسى لأخيه:{اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ} [الأعراف: آية 142] بعد ذلك لما ظن أنه خَالَفه قال: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه: آية 93] فسمى مخالفة صيغة (افعل) معصية، فدل على أنه يراها للوجوب كما ذكرنا أدلته مراراً

(3)

، وهذا معنى قوله:{فَسَجَدُواْ إِلَاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} [الأعراف: آية 11].

واعلم أن العلماء رضي الله عنهم اختلفوا في إبليس هل هو من الملائكة أو أصله ليس من الملائكة

(4)

؟

(1)

تفسير ابن كثير (2/ 203).

(2)

تفسير ابن جرير (12/ 325، 326).

(3)

راجع ما سبق عند تفسير الآية (44) من سورة الأنعام.

(4)

انظر: ابن جرير (1/ 502 - 508)، القرطبي (1/ 294 - 295)، ابن كثير (1/ 75)، (3/ 88 - 89)، مجموع الفتاوى (4/ 346)، البداية والنهاية (1/ 55)، أضواء البيان (4/ 119 - 121).

ص: 115

فذهبت جماعة كثيرة من السلف إلى أن أصله كان من الملائكة، وأن الله نسخه من ديوان الملائكة فصيّره شيطاناً. قالوا: ويدل على هذا: استثناؤه من الملائكة في جميع السور التي فيها قصة إبليس وآدم، والأصل في الاستثناء الاتصال، ولا يجوز أن يُحمل على الانفصال إلا لدليل يدل عليه.

وقال بعض [أهل]

(1)

العلم: أصل إبليس لم يكن من الملائكة، ولكنه جنّي خلقه الله من مارج من نار، كان يتعبد مع الملائكة ويعمل بأعمالهم فنُسب إليهم، كالرجل الحليف في القبيلة الذي ليس منها يُنسب إليها وهو ليس في الحقيقة منها. ورجحوا هذا القول بمرجحين:

أحدهما: شهادة الله للملائكة بالعصمة حيث قال: {عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} [الأنبياء: آية 26]{لَا يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ} [التحريم: الآية 6] وإبليس اللعين عصى الله ما أمره. فدلّ على أنه ليس من العباد المكرمين الذين هم الملائكة، وقال:{لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27)} [الأنبياء: آية 27] وهذا اللعين لم يعمل بأمره، فدلّ هذا أنه ليس من الملائكة.

الدليل الثاني: أن الله صرح بأنه من الجن في سورة الكهف حيث قال: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَاّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ} [الكهف: آية 50] فصرح أنه كان من الجن، وكونه من الجن هو السبب الذي جعله لم يفعل كما فعل الملائكة؛ إذ لو كان من عنصر

(1)

ما بين المعقوفين [] زيادة يقتضيها السياق.

ص: 116

الملائكة وجنس الملائكة لفعل كما فعل الملائكة، فلما بيّن أنه أبى وعصى وتمرد وبين قوله إنه:{كَانَ مِنَ الْجِنِّ} [الكهف: آية 50] تبين أنه من غير الملائكة، ولم يأت في الوحي دليل أظهر في محل النزاع من آية الكهف هذه حيث صرحت بأن إبليس من الجن، ونفته من الملائكة؛ لأنه لو كان من الملائكة لفعل كما فعل الملائكة.

والذين قالوا: إن جمهور العلماء على أن أصله كان ملكاً، وأنه كان يسمى: عزازيل، وأنه كان قائماً بأمر السماء الدنيا، يقولون: إن الجن قبيلة من الملائكة خُلقوا من النار من بين سائر الملائكة، وهذا خلاف ظاهر القرآن، وإن كانت العرب تُسمي الملائكة جنّاً فتسمية الملائكة جنّاً معروف في كلام العرب، ومنه قول الأعشى يمدح سليمان

(1)

:

وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ المَلائِكِ تِسْعَةً

قِيَاماً لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلا أَجْرِ

فقال: (من جن الملائك).

وقال بعض المفسرين: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً} [الصافات: آية 158] قالوا: يعني بالجِنَّة: الملائكة؛ لأنهم يُجنُّون عن العيون فلا تراهم كما لا ترى الجن، وزعموا أن معنى:{وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً} [الصافات: آية 158] هو قولهم: الملائكة بنات الله، هكذا قاله بعض العلماء، وهذا خلافٌ مشهور، وأظهر شيء في محل النزاع آية الكهف هذه التي قالت:{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَاّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ} [الكهف: آية 50] ثم رتب على كونه من الجن بالفاء {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: آية 50] فدل بمسلك الإيماء

(1)

تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (128) من سورة الأنعام.

ص: 117

والتنبيه أن علّة فسقه عن ربه كونه من أصل الجن لا مِنْ أصْلِ الملائكة، هذا أظهر شيء في محل النزاع.

وقد دلّ القرآن على أن إبليس له ذرية، ودَلَّتِ الأحاديث الصحيحة على أنه يرسلها للتضليل، وقد قال جل وعلا:{أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} [الكهف: آية 50] وجاء في صحيح مسلم

(1)

أن الشيطان الذي يوسوس للإنسان في صلاته حتى يُشغله عنها اسمه (خِنْزَب) فهو من أولاد إبليس.

واختلف العلماء في الكيفية التي بها كان نسل إبليس، وسُئل الشعبي رحمه الله قيل له: هل تزوج إبليس؟ فقال: ذلك عرس ما حضرناه

(2)

. وزعموا أنه بعد ذلك لما قرأ: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ} [الكهف: آية 50] قال: نعم يمكن أن يكون تزوج، وهذا لا يدل على أنه تزوج، ولم يقم دليل من كتاب ولا سنة على ذريته كيف تناسلت. وكيف جاءت منه ذرية، هل هي من زوجة أو كما يقول بعضهم إن له آلة امرأة وآلة رجل، يُدخل هذا في هذا فتخرج منه بيضات، فتنفلق البيضات عن الشياطين فتنتشر. هكذا يقولونه من شِبْه الإسرائيليات ولم يقم دليل عليه

(3)

، والذي دلّ عليه القرآن: أن له ذرية، كما قال:{أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} [الكهف: آية 50] وهذا معنى قوله: {إِلَاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} [الأعراف: آية 11].

(1)

مسلم، كتاب السلام، باب: التعوذ من شيطان الوسوسة في الصلاة، حديث رقم (2203)، (4/ 1728).

(2)

سير أعلام النبلاء (4/ 312).

(3)

انظر: أضواء البيان (4/ 122).

ص: 118

ثم إنه (جل وعلا) سأله: ما المانع له من السجود؟ قال: {مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} ؟ فأجاب إبليس بقوله: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: آية 12] وجواب إبليس هذا يحتمل كلاماً كثيراً لا تسعه بقية هذا الوقت، فنرجو الله (جل وعلا) أن يحفظنا من مكايد إبليس، وأن يؤيسه، ويخيبه منا، اللهم لا تضلنا بإبليس، اللهم إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم، ونعوذ بالله من همزات الشياطين، ونعوذ بالله أن يحضرنا الشياطين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

يقول الله جل وعلا: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)} [الأعراف: الآيتان 12، 13].

تكلّمنا على قوله: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} وقوله (جل وعلا) حكاية عن إبليس: {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} كأن الله لما سأل إبليس -وهو عالم؛ لأنه (جل وعلا) أعلم بالمُوجِب الذي بسببه امتنع إبليس من السجود- قال له: {مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} ؟ وهو أعلم، فأجاب إبليس -عليه لعائن الله- بما كان يضمره من الكِبْرِ، وكأنه اعْتَرَضَ على رَبِّهِ، وواجه ربه (جل وعلا) بأن تكليفَهُ إياه أمر لا ينبغي ولا يصلح!! فخطَّأ ربه (جل وعلا) سبحانه وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً!! وجعل ذلك ذريعة له ومبرراً في زعمه الباطل لعدم السجود، قال:{أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} كيف تأمرني أن أسجد لآدم؟ وأنا أفضل من آدم، والفاضل ليس من المعقول أن يُؤمر بالسجود للمفضول، فهذا التكليف ليس واقعاً موقعه!! فهذا قول اللعين لعنه الله!!

ص: 119

{أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} (خير) تُستعمل استعمالين

(1)

:

تستعمل اسماً للخير الذي هو ضد الشر، وكثيراً ما تُستعمل في المال، كقوله:{إِن تَرَكَ خَيْراً} [البقرة: آية 180] أي: مالاً.

وتستعمل صيغة تفضيل، وهو المراد هنا. فقوله:{أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ} أصله: أنا أَخْيَر منه. أي: أكثر خيراً منه لفضل عُنصري على عُنصره. ولفظة (خير) و (شر) جعلتهما العرب صيغتي تفضيل، وحذفت همزتهما لكثرة الاستعمال، كما قال ابن مالك في الكافية

(2)

:

وغَالِباً أَغنَاهُم (خَيرٌ) و (شَرّ)

عَنْ قَوْلِهم (أخْيَر منه) و (أَشَرّ)

قال إبليس اللعين: أنا خير من آدم، والذي هو الفاضل، والذي هو أكثر فضلاً وخيراً لا ينبغي أن يُهْضَم ويؤمر بالسجود لمن هو دونه، فهذا التكليف ليس واقعاً مَوْقِعَهُ؛ ولذا لا أمتثله!! فتَكَبَّر وتجبَّر، وجَعَلَ تَكْلِيفَ رَبِّه له واقعاً غير موقعه -عليه لعائن الله- فباء بالخيبة والخسران -نعوذ بالله (جل وعلا) - قال إبليس: أنا خير من آدم. ثم بيَّن سبب الخيريَّة فقال: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ} [الأعراف: آية 12] يعني: أن عنصري أشرف من عنصره؛ لأن النار -في زعمه- أشرف من الطّين؛ لأن النار مضيئة نيرة، طبيعتها الارتفاع، خفيفة غير كثيفة، وأن الطين منسفل كثيف مظلم ليس بمرتفع!! هذا قوله في زَعْمِهِ، وزعم أن الفرع تابع لعنصره في الفضل، فقاس نفسه على عنصره الذي هو النار، وقاس آدم على عنصره الذي هو الطين،

(1)

انظر: المفردات (مادة: خير) ص301، وراجع ما مضى عند تفسير الآية (54) من سورة البقرة.

(2)

مضى عند تفسير الآية (54) من سورة البقرة.

ص: 120

واستَنْتَجَ من ذلك أنه خير من آدم؛ لأن عنصره في زعمه خير من عنصره [ورتَّبَ على ذلك معصية الأمر]

(1)

الذي هو: اسجدوا لآدم -على إبليس لعنة الله- وأول من قاس قياساً فاسداً وردّ به نصوص الله وأوامره ونواهيه هو إبليس اللعين -عليه لعائن الله- فكل من ردّ نصوص الشرع الواضحة بالقياسات الباطلة عناداً وتكبراً فإمامه إبليس؛ لأنه أول مَنْ رَدَّ النصوص الصريحة بالمقاييس الكاذبة عليه لعنة الله.

وقياس إبليس هذا باطل من جهات عديدة

(2)

:

الأول منها: أنه مخالف لِنَصِّ أمْرِ رَبِّ العالمين؛ لأن الله يقول: {اسْجُدُواْ لآدَمَ} [الأعراف: آية 11] وكل قياس خَالَفَ أمر الله الصريح فهو قياس باطل باطل باطل، وقد تَقَرَّرَ في علم الأصول

(3)

:

أن كل قياس خالف نَصّاً مِنْ كِتَابٍ أو سنة فهو باطل، ويُقدح فيه بالقادح المسمى (فساد الاعتبار) ومخالفة القياس للنص تُسمى (فساد الاعتبار) وتدُلّ على بطلان القياس، فهذا وَجْهٌ مِنْ أوْجُهِ بطلانه؛ لأنه مخالف للنص الصريح، ولا إلحاق ولا قياس مع وجود النصوص الصريحة.

الثاني: أن إبليس كاذب في أن النار خَيْرٌ مِنَ الطين، بل الطين خير من النار؛ لأن طبيعة الطين: الرزانة، والتُؤدة، والإصلاح،

(1)

في هذا الموضع انقطع التسجيل، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها المعنى.

(2)

انظر: مجموع الفتاوى (15/ 5 - 6) بدائع الفوائد (4/ 139 - 143)، أضواء البيان (1/ 73).

(3)

انظر: المذكرة في أصول الفقه ص285، نثر الورود ص551.

ص: 121

والجمع، تُودِعه الحبة فيعطيكها سنبلة، وتودعه النواة فيعطيكها نخلة، وإذا نظرت إلى البساتين المغروسة في طين طيب ووجدت ما فيها من أنواع الثمار الجنية، والروائح، والأزهار، والثمار عرفت قيمة الطين، أما النار فطبيعتها الطيش، والخفة، والتفريق، والإفساد، فكلما وضعت شيئاً فيها فرَّقته وفسَّدته، وطبيعتها الطيش والخفة، يطير الشرر من هنا فيحرق ما هناك، ثم يطير الشرر من هناك فيحرق ما وراءه، والذي طبيعته الطيش والخِفَّة والإفساد والتفريق لا يكون خيراً من الذي طبيعته التؤدة والرزانة والجمع والإصلاح، تودعه الحبة فيعطيكها سنبلة، وتودعه النواة فيعطيكها نخلة!! فالطين خير من النار بأضعاف؛ ولذا غلب على إبليس عنصره وهو الطيش والخفة، فطاش وتمرد على ربه، وخسر الخسران الأبدي، وغلب على آدم عنصره الطيني فلما وقع في الزلة رجع إلى السكينة والتؤدة والتواضع والاستغفار لربه حتى غفر له.

الثالث: أنَّا لو سلمنا تسليماً جَدَلِيّاً أن النار خير من الطين، فَشَرَفُ الأصل لا يدل على شرف الفَرْعِ، فكم من أصل شريف وفرعه وضيع، وكم من أصْلٍ وَضِيع وفَرْعُهُ رَفِيع.

لَئِنْ فَخِرْتَ بَآبَاءٍ لهُمْ شَرَفٌ

قُلْنَا صَدَقْتَ وَلَكِنْ بِئْسَ مَا وَلَدُوا

(1)

فكم من أصل رفيع وفرعه وضيع!!

واعلم أن العلماء في هذا المحل يعيبون القياس، ويذمون الرأي، ويقولون: إنَّ مَنْ قَاسَ فقد اتبع إبليس؛ لأنه أول مَنْ رَدّ

(1)

البيت لابن الرومي، وهو في ديوانه (2/ 305)، وشرح ديوان المتنبي للعكبري (4/ 145).

ص: 122

النصوص بالقياس. وعن ابن سيرين رحمه الله: ما عُبدت الشمس إلا بالقياس

(1)

. ويكثر في كلام السلف ذَمّ الرَّأْيِ والقِيَاسِ. ومن أشنع من يحمل على المجتهدين في القياس: الظاهرية، وبالأخص أبو محمد بن حزم -عفا الله عنا وعنه- فإنه حمل على أئمة الهدى رحمهم الله وشنع عليهم تشنيعاً عظيماً، وسَخِرَ منهم سخرية لا تليق به ولا بهم، وجزم بأن كل من اجتهد بشيء لم يكن منصوصاً في كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه ضال، وأنه مُشَرِّع!! وحمل على الأئمة وسَخِرَ من قياساتهم، وجاء بقياسات كثيرة للأئمة وسَفَّهَهَا وسخر من أهلها، فتارة يسخر من أبي حنيفة رحمه الله وتارة من مالك، وتارة من أحمد، وتارة مِنَ الشَّافِعِي، لم يسلم منه أحد منهم في قياساتهم!! ومن عرف الحق عرف أن الأئمة رحمهم الله أنهم أولى بالصواب من ابن حزم، وأن ما شنع عليهم فهم أولى بالصواب منه، وأنه هو حمل عليهم وهم أوْلَى بالخير منه، وأعلم بالدين منه، وأعمق فهماً بنصوص الكتاب والسنة منه، وهذا باب كثير، فابن حزم يقول: لا يجوز اجتهادٌ كائناً ما كان، ولا يجوز أن يُتكلم في حكم إلا تبعاً لنص من كتاب أو سنة، أما من جاء بشيء لم يكن منصوصاً في الكتاب ولا السنة فهو مُشَرِّع ضال، ويزعم أن ما ألحَقَهُ الأئمة من الأحكام المسكوت عنها واستنبطوها من المنطوقات أن كل ذلك ضلال، ويستدل بعشرات الآيات، إن لم تكن مئات الآيات فلا أقل من عشرات الآيات

(2)

. يقول: الله قال: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} [الأعراف: آية 3] والمقاييس لم تنزل علينا

(1)

انظر: إعلام الموقعين (1/ 254).

(2)

انظر: الإحكام ص1055، فما بعدها.

ص: 123

من ربنا!! ويقول: {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} [سبأ: آية 50] فجعل الهدى بخصوص الوحي لا بخصوص المقاييس.

ويقول: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله} [المائدة: آية 49] والمقاييس لم تكن مما أنزل الله. ويقول: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: الآيات 44، 45، 47] والقياس لم يكن مما أنزل الله، ويأتي بنحوها الآيات من هذا بشيء كثير جدّاً، ويقول: إن القياس لا يفيد إلا الظن، والله يقول:{إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} [يونس: آية 36] وفي الحديث: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ»

(1)

. ويقول: إن كل ما لم يأتِ بنص من كتاب أو سنة لا يجوز البحث عنه [لأنه عفو]

(2)

.

ومن ذلك: أن الله حرم أشياء، وأحَلَّ أشْيَاءَ، وَسَكَتَ عَنْ أشْيَاء لا نسياناً رحمة بكم فلا تسألوا عنها

(3)

، وفي حديث:«مَا سَكَتَ اللهُ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ»

(4)

. ويقول: إن ما لم يأتِ في كتاب ولا سنة فالبحث

(1)

مضى تخريجه عند تفسير الآية (79) من سورة البقرة.

(2)

في هذا الموضع انقطاع في التسجيل. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها المعنى.

(3)

مضى عند تفسير الآية (145) من سورة الأنعام.

(4)

الترمذي في اللباس، باب ما جاء في لبس الفراء، حديث رقم (1726)، (4/ 220)، وقال: «وفي الباب عن المغيرة، وهذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، وروى سفيان وغيره عن سليمان التميمي عن أبي عثمان عن سلمان قوله، وكأن الحديث الموقوف قوله، وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ما أراه محفوظاً

» إلخ. وابن ماجه في الأطعمة، باب أكْلِ الجُبْنِ والسّمن. حديث رقم (3367)، (2/ 1117)، والبيهقي (10/ 12)، والحاكم (4/ 115)، والعقيلي (2/ 174)، وهو في صحيح ابن ماجه (2715)، وصحيح الترمذي (1410)، وغاية المرام (2، 3)، والمشكاة (4228)، عن سلمان رضي الله عنه، وأخرجه الحاكم (2/ 375)، والبزار (كما في كشف الأستار (1/ 79، 3/ 58) من طريق عاصم بن رجاء بن حيوة عن أبيه عن أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعاً. وقال البزار في الموضع الأول الذي خرَّج فيه هذا الحديث: «إسناده صالح» اهـ وقال في الموضع الآخر: «لا نعلمه يُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الإسناد، وعاصم بن رجاء حدَّث عنه جماعة، وأبوه روى عن أبي الدرداء غير حديث، وإسناده صالح

» اهـ وقال الهيثمي (1/ 121): «إسناده حسن ورجاله موثقون» اهـ وانظر (7/ 55)، وهدا الإسناد منقطع؛ لأن رجاء لم يلق أبا الدرداء كما نبه عليه الحافظ في التهذيب (3/ 230) والله أعلم. والحديث أخرجه أيضاَ العقيلي (2/ 174) عن الحسن مرسلاً. وعقبه قوله:«هذا أولى» اهـ كما أخرجه ابن عدي في الكامل عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً، وضعَّف إسناده.

ص: 124

عنه حرام، وهو مَعْفُوٌّ لا مؤاخذة به

(1)

.

وهو غالط من جهات كثيرة، منها: أن ما سكت عنه الوحي منه ما يمكن أن يكون عفواً كما قال، فنحن مثلاً أُوجِبَ علينا صوم شهر واحد من السنة وهو رمضان، وسكت الوحي عن إيجاب شهر آخر، فلم يجب علينا إلا هذا؛ لأن ما سُكِتَ عنْه فهو عفو، وأُوجبت علينا الصلوات وغيرها لم يكن علينا، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ضمام بن ثعلبة قال:«لا» لمّا قال له الأعرابي ضمام: هل عليّ غيرها؟ قال: «لَا، إِلاّ أَنْ تَطوّعَ»

(2)

. أما إنها توجد أشياء لا يمكن أن تكون عَفْواً ولا بد من

(1)

انظر: الإحكام ص1060، فما بعدها.

(2)

البخاري في الإيمان، باب: الزكاة في الإسلام، حديث رقم (46)، (1/ 106)، وأطرافه في (1891، 2678، 6956)، ومسلم في الإيمان، باب: بيان الصلوات الخمس التي هي أحد أركان الإسلام. حديث رقم (11)، (1/ 40).

ص: 125

النظر فيها والاجتهاد، وَمَنْ نَظَر إلى جمود ابن حزم علم أنه على غير هدى، وأن الهدى مع الأئمة رحمهم الله.

والذي يجب اعتقاده في الأئمة رحمهم الله كالإمام مالك، وأبي حنيفة، والإمام أحمد، والشافعي -رحمة الله على الجميع- أن ما اجتهدوا فيه أكثره أصابوا فيه، فلهم أجر اجتهادهم وأجر إصابتهم، وأنه لا يخلو أحدٌ من خطأ، فلا بد أن يكون بعضهم أخطأ فيما اجتهد فيه، فما أخطئوا فيه فَهُمْ مَأْجُورُونَ لاجتهادهم، معذورون في خطئهم رحمهم الله والصحابة كانوا يجتهدون كما كان يجتهد الأئمة رحمهم الله وسنلمُّ بأطراف من هذا؛ لأن هذا باب واسع لو تَتَبَّعْنَاهُ لمكثنا فيه زمناً طويلاً! ولكن نُلم إلمامات بقدر الكفاية:

أولاً: ليعلم السامعون أن ما كل ما سكت عنه الوحي يمكن أن يكون عفواً، بل الوحي يسكت عن أشياء لا بد ألبتة من حَلِّها. ومن أمثلة ذلك: مسألة العَوْل، فكما قال الفَرَضِيُّون: إن أول عَوْل نزل في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه

(1)

- ماتت امرأة وتركت زوجها وأختيها، فجاء زوجها وأختاها إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال الزوج: يا أمير المؤمنين: هذه تركة زوجتي، ولم تترك ولداً، والله يقول في محكم كتابه:

(1)

أخرجه البيهقي (6/ 253)، والحاكم (4/ 340)، وقال:«صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه» اهـ وابن حزم في المحلى (9/ 264)، وانظر: تلخيص الحبير (3/ 89).

ص: 126

{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ} [النساء: آية 12] فهذه زوجتي ولم يكن لها ولد، فَلِي نِصْف ميراثها بهذه الآية، ولا أتَنَازَل عن نصف ميراثي بدانق. فقامت الأختان فقالتا: يا أمير المؤمنين هذه تركة أختنا، ونحن اثنتان، والله يقول:{فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} [النساء: آية 176] والله لا نقبل النقص عن الثلثين بدانق. فقال عمر رضي الله عنه: ويلك يا عمر، والله إن أعطيت الزوج النصف لم يبق للأختين ثلثان، وإن أعطيت الثلثين للأختين لم يبق للزوج نصف!! فنقول: يا ابن حزم كيف نسكت عن هذا؟ وكيف يكون هذا عفوًا؟! والوحي سكت عن هذا ولم يبين أيَّ النَّصَّيْنِ ماذا نفعل فيهما؟! فهذا لا يمكن أن يكون عفواً، ولا بد من حلّه!! فلا نقول لهم: تهارشوا على التّركة تهارش الحمُر، أو ننزعها من واحد إلى الآخر، فلا بد من إلحاقٍ للمسكوت عنه بالمنطوق به، وحل معقول بالاجتهاد. فجمع عمر رضي الله عنه الصحابة، وأسف كل الأسف أنه لم يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العول بمثل هذا، وقال له العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، أرأيت هذه المرأة لو كانت تُطَالَب بسبعة دنانير دَيْناً، وتركت ستة دنانير فقط، ماذا كنت فاعلاً؟! قال: أجعل الدنانير الستة سبعة أنصباء، وأُعطي لكل واحد من أصحاب الدنانير نصيباً من الستة. قال: كذلك فافعل، أصل فريضتها من ستة؛ لأن فيها نصف الزوج يخرج من اثنين. وثُلثا الأختين يخرجان من ثلاثة، ومخرج الثلث ومخرج النصف متباينان، فنضرب اثنين في ثلاثة بستة، ثم اجْعَل نَصْفَة زائدة هي المسماة بالعَوْل، فهي فريضة عائلة بسدسها إلى سبعة، فجعل تركة المرأة سبعة أنصباء، وقال للزوج:

ص: 127

لك نصف الستة -وهي ثلاثة- فخذ الثلاثة من سبعة، فبقي من السبعة أربعة، فقال للأختين: لكما الثلثان من الستة -وهما أربعة- فخذاها من سبعة.

فصار النقص على كل واحد من الوارثين، ولم يُضِع نصّاً من نصوص القرآن. وكان ابن حزم في هذه المسالة يُخطِّيء جميع الصحابة ويقول: إن العباس وعامة الصحابة على غلط، وأن هذا الفعل الذي فعلوا لا يجوز، وأن الحق مع ابن عباس وَحْدَه الذي خالف عامة الصحابة في العَوْل، وقال: الذي أحصى رمل عالج لم يجعل في شيء واحد نصفاً وثلثين

(1)

. فرأي ابن عباس أن يُنظر في الورثة، إذا كان أحدهما أقْوَى نُقَدِّمُه، ونكمل له نصيبه، ونجعل النقص على الأضعف، فابن عباس في مثل هذا يقول: إن الزوج يُعطى نصفه كاملاً؛ لأن الزوج لا يحجبه الأبوان، ولا يحجبه الأولاد، بخلاف الأختين فهما أضعف سبباً منه؛ لأنهما يحجبهما الأولاد ويحجبهما الأب. قال: وُيعطي للأختين نصفاً، وهذا تلاعب بكتاب الله!! الله يقول:{فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ} [النساء: آية 176] وهو يقول: فلهما النصف. فهذا عمل بما يناقض القرآن. مع أن ابن حزم ورأي ابن عباس تقضي عليه وتبطله المسألة المعروفة عند الفرضيين بالمنبرية، وإنما سُميت بالمنبرية؛ لأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه) أفتى بها وهو على المنبر في أثناء خطبته؛ لأنه ابتدأ خطبته على المنبر فقال: الحمد لله الذي يجزي كل نفس بما تسعى، وإليه المآب والرُّجعى. فسمع قائلاً يقول: ما تقولون فيمن هلك عن زوجة

(1)

أخرجه البيهقي (6/ 253)، وابن حزم في المحلى (9/ 264)، وأورده السيوطي في الدر (2/ 127) وعزاه لسعيد بن منصور.

ص: 128

وأبوين وابنتين؟ فقال علي رضي الله عنه: «صار ثُمْنُها تُسعاً» ومر في خطبته

(1)

.

وقوله: «صارت ثُمْنُها تُسعاً» لأن هذه الفريضة فيها ابنتان وأبوان وزوجة، الابنتان لهما الثلثان، والأبوان لكل واحد منهما السدس، فذلك يستغرق جميع التركة؛ لأن السدسين ثلث، وتبقى الزوجة، تعول الفريضة، وأصلها من أربعة وعشرين. والأربعة والعشرون ثُمُنُها: ثلاثة، فيُعالُ بها في ثُمن الزوجة. والثمن من أربعة وعشرين: ثلاثة. وإذا ضُم الثمن الذي عالت به الفريضة إلى أصل الفريضة ضمَّت ثلاثة العول وهو الثمن الذي عيل به للزوجة إلى الأربعة والعشرين التي هي أصل الفريضة، صارت: سبعة وعشرين، والثلاثة من السبعة والعشرين تُسعها، ومن الأربعة والعشرين ثمنها.

فهذه لو قلنا لابن حزم: أيهما يحجب؟ هل البنتان تحجبان؟ لا والله.

هل الأب والأم يحجبان؟ لا والله. هل الزوجة تحجب؟ لا والله. ليس فيهم من يحجبه أحد، وكلاهما أهل فروض منصوصة في كتاب الله، ولا يُحجب أحد منهم أبداً!! فبهذا يبطل قوله: إن مَنْ هُوَ أضْعَف سبباً بأنه يُحْجَب يُقدَّم علَيْهِ غيْرُهُ.

ثم لتعلموا أن الحقيقة الفاصلة في هذا أنه ورد عن السلف مِنَ الصَّحَابَةِ ومَنْ بَعْدَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الآثَارِ المستفيضة في ذَمِّ الرَّأْيِ

(1)

أخرجه سعيد بن منصور (1/ 19)، عن سفيان عن أبي إسحاق قال:«أُتي علي. . .» . وابن أبي شيبة في المصنف (11249)، (11/ 288) عن وكيع عن سفيان عن رجل. والدارقطني (5)، (4/ 68)، والبيهقي (6/ 253). وفي إسنادهما شريك بن عبد الله، والحارث الأعور. وذكره عبد الرزاق (10/ 258) بغير إسناد.

قال الألباني في الإرواء: (1706)، (6/ 146) عن إسناده عند البيهقي (ومثله الدارقطني):«وهذا سند ضعيف من أجل الحارث وهو الأعور، وشريك، وهو ابن عبد الله القاضي. وكلاهما ضعيف» ا. هـ.

ص: 129

والقِيَاسِ، وأجْمَعَ الصَّحَابَةُ والتَّابِعُونَ على العمل بالقياس واستنباط ما سُكت عنه مما نطق به الوحي. هذا أمر لا نزاع فيه، فمن جمد على النصوص ولم يُلحق المسكوت عنه بالمنطوق به فَقَدْ ضَلَّ وأَضَلَّ.

ومن هذا النوع: ما أجمع عليه جميع المسلمين حتى سلف ابن حزم -وهو داود بن علي الظاهري- كان لا ينكر القياس المعروف الذي يسميه الإمام الشافعي: «القياس في معنى الأصل» ويقول له: «القياس الجلي» وهو المعروف عند الفقهاء بـ «مفهوم الموافقة» و «وإلغاء الفارق» ويسمى: «نفي الفارق» وهو نوع من تنقيح المناط

(1)

. فقد أجمع جميع المسلمين على أن المسكوت عنه فيه يُلحق بالمنطوق، وأن قول ابن حزم:«إنه مسكوت عنه، لم يُتعرض له» أنه كذب محض، وافتراء على الشرع، وأن الشرع لم يَسْكُتْ عَنْه، فقوله تعالى:{فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: آية 23] يقول ابن حزم

(2)

: إن هذه الآية ناطقة بالنهي عن التأفيف، ولكنها ساكتة عن حكم الضرب!! ونحن نقول: لا والله، لما نهى عن التأفيف الذي هو أخَفّ الأذى فَقَدْ دَلَّتْ هَذِه الآية مِنْ بَابٍ أَوْلَى عَلَى أنَّ ضَرْبَ الوالدين أشد حُرْمَة، وأشد حُرمة، وأن الآية غير ساكتة عنها بل نَبَّهَت على الأكبر بما هو أصغر منه، فلما نهت عن التأفيف وهو أقل أذيّة من الضرب لم تسكت عن الضرب. ونقول إن قوله تعالى:{فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)} [الزلزلة: الآيتان 7، 8] أن هذه الآية ليست ساكتة

(1)

مضى عند تفسير الآية (145) من سورة الأنعام.

(2)

انظر: جواب ابن حزم عن هذه الإلزامات في الأحكام ص932، فما بعدها.

ص: 130

عمن عمل مثقال جبل أُحد، فلا نقول: نصّ على الذّرة، وما فوق الذرة -وهو أثقل منها- لا يؤخذ من الآية، فهي ساكتة عنه. بل نقول: إن الآية غير ساكتة عنه، وإن ذلك المسكوت يُلحق بهذا المنطوق. وكذلك قوله:{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} [الطلاق: آية ?] لو جاء بأربعة عدول فلا نقول: أربعة عدول مسكوت عنها. بل نقول: إن الآية التي نصّت على قبول شهادة العَدْلَيْنِ دَالّة على قبول شهادة أربعة عدول. ونقول: إن قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً} [النساء: آية 10] لا نقول كما يقول ابن حزم: إنها ساكتة عن إحراق مال اليتيم وإغراقه؛ لأنها نَصَّتْ عَلَى حُرْمَةِ أكْلِهِ فَقَطْ.

بل نقول: إن الآية التي نهَتْ عَنْ أَكْلِهِ دلت على حرمة إِغْرَاقِهِ وإحراقِهِ بِالنَّارِ؛ لأن الجميع إتلاف.

ومما يدل على أن ما يقوله ابن حزم لا يقول به عاقل: أن ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن البول في الماء الراكد

(1)

يقول ابن حزم: لو بال في قارورة وصبها في الماء لم يكن هذا من المكروه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَنْهَ عن هذا، وإنما قال:«لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» . ولم يقل: لا يبولن أحدكم في إناء ثم يصبه في الماء الراكد. فهذا لا يعقل!! أيعقل أحد أن الشرع الكريم ينهى عن أن يبول إنسان بقطرات قليلة أقل من ربع وزن الكِيْل ثم إنه يجوز له أن يملأ عشرات التنكات من البول بعدد مئات الكيلوات ثم يصبها في الماء؟ وأن هذا جائز

(2)

!! [وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَقْضِينَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَان» ، لأن الغضب من

(1)

مضى عند تفسير الآية (50) من سورة الأنعام.

(2)

في هذا الموضع انقطع التسجيل، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.

ص: 131

مشوشات الفكر، فيدخل في حكمه ما لو كان في .. ]. حزن مُفْرِط يذهل عقله، أو فرح شديد مُفْرِط يدهش عقله، أو في عطش شديد مُفْرِط يدهش عقله، أو في جوع شديد مُفْرِط يدهش عقله، ونحو ذلك من [4/ب] مشوشات الفكر التي هي أعظم من الغضب/ فليس في المسلمين من يعقل أنه يقال للقاضي: احكم بين الناس وأنت في غاية تشويش الفكر بالجوع والعطش المُفْرِطَين، أو الحزن والسرور المُفْرِطَين، أو الحَقْن والحَقْب المُفْرِطَين، أو الحزن، والحقن: مدافعة البول، والحقب: مدافعة الغائط؛ لأن الإنسان إذا كان يدافع البول أو الغائط مدافعة شديدة كان مَشَوَّش الفكر، مشغول الخاطر، لا يمكن أن يَتَعَقَّل حججَ الخصوم؛ فمثل هذا إذا قال العلماء: إن القاضي لا يجوز له أن يحكم وهو مُشَوَّش الفكر. فنعلم أن قول ابن حزم أنهم إنما جاءوا بتشريع جديد أنه كَذِبٌ، وأن حديث:«لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَان»

(1)

يدل على أن من كان فكره متشوشاً تشويشاً أشد من الغضب أولى بالمنع من هذا الحكم.

وكذلك نهيه صلى الله عليه وسلم عن التضحية بالشاة العوراء

(2)

لا نقول: إن العلماء ما نهوا عن التضحية بالشاة العمياء أن العمياء مسكوت عنها، وما سكت الله عنه فهو عفو، فله أن يضحي بالعمياء. هذا مما لا يقوله عاقل!!

وكذلك قال الله: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور: آية 4] ولم يصرح في الآية إلا بأن يكون القاذف ذكراً والمقذوفة أُنثى، فلو قذفت

(1)

مضى عند تفسير الآية (50) من سورة الأنعام ..

(2)

السابق.

ص: 132

أنثى ذكراً، أو قذف ذكر ذكراً، أو قذفت أُنثى أُنثى، كيف نقول إن هذا عفو، وإن هذا القذف لا مؤاخذة فيه؛ لأن الله إنما نص على قذف الذكور للإناث، حيث قال:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور: آية 4] ولما أراد ابن حزم هنا أن يدخل الجميع في عموم المحصنات فقال: المحصنات نعت للفروج (والذين يرمون الفروج المحصنات) فيشمل الذكور والإناث

(1)

، يُرد عليه: أن المحصنات في القرآن لم تأتِ قط للفروج، وإنما جاءت للنساء، وكيف يجري ذلك في قوله:{إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} [النور: آية 23] وهل يمكن أن تكون الفروج غافلات مؤمنات؟! هذا مما لا يعقل.

وكذلك نص الله (جل وعلا) على أن المبتوتة إذا طلقها الأول ثلاث طلقات فصارت مبتوتة حراماً عليه إلا بعد زوج، ثم تزوجها زوج فدخل بها ثم طلقها هذا الزوج الأخير فإنه يجوز للأول أن ينكحها؛ لأنها حلت بنكاح الثاني. والله إنما صرح في هذه السورة بنص واحد، وهو أن يكون الزوج الذي حل لها إنما طلقها لأنه قال في تطليق الأول:{فَإِن طَلَّقَهَا فَلآ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} [البقرة: آية 230] ثم قال في تطليق الزوج الذي حللها: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلآ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} أي: على الزوجة التي كانت حراماً؛ والزوج الذي كانت حراماً عليه {أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله} [البقرة: آية 230] فنص على طلاق المحلل خاصة. {فَإِن طَلَّقَهَا} أرأيتم لو حللها وجامعها مئة مرة حتى حلّت، وكانت كماء المزن، ثم مات قبل أن يطلقها، أو فسخ حاكم عقدهما بموجب آخر بالإعسار بنفقة أو غير

(1)

انظر: كتابه الإيصال (ملحق في آخر المحلى)(11/ 270).

ص: 133

ذلك من أسباب الفسخ، أيقول مسلم: إن هذه لا تحل للأول؛ لأن الله ما نص إلا على قوله: {فَإِن طَلَّقَهَا} ولو مات لم تحل؛ لأن الموت ليس بطلاق!! هذا مما لا يقوله عاقل!! وأمثال هذا كثيرة جدّاً. فنحن نقول: إن هذا الذي يقول ابن حزم: «إن الوحي سكت عنه» الوحي لم يسكت عنه، وإنما أشار إليه لتنبيهه لبعضه على بعضه، فالغضب يدل على كل تشويش فكر. والمحصنات لا فرق بين المحصنات والمحصنين. وقوله:{فَإِن طَلَّقَهَا} [البقرة: آية 230] لا فرق بين ما لو طلقها أو مات عنها، فَبَعْدَ أنْ جَامَعَهَا وفارَقَهَا تَحِلّ للأَوَّلِ سواء كان الفراق بالطلاق المنصوص في القرآن، أو بسبب آخر كالموت والفَسْخِ. وهذا مما لا ينازع فيه عاقل، وإن نازع فيه ابن حزم.

ثم إن ابن حزم يسخر من الإمام أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن الإمام أبا حنيفة رحمه الله يقول: إن التشهد الأخير يخرج الإنسان به من الصلاة بكل مناف للصلاة. ورُوي عنه: حتى أنه لو انتقض وضُوؤُه فضرط أنه خرج من الصلاة؛ لأن الضراط مناف لها. وكان ابن حزم يسخر عليه من هذا فيقول: ألا ترون قياس الضراط على (السلام عليكم) الوارد في النصوص!! إن لم يكن قياس الضراط على (السلام عليكم) قياساً فاسداً فليس في الدنيا قياس فاسد!!

ويسخر من الإمام مالك في مسائل كثيرة ويقول: إنه يقيس قياسات الألغاز؛ لأن مالكاً رحمه الله جعل أقل الصداق رُبْعَ دِينار، أو ثلاثة دراهم خالصة. قال: قياساً على السرقة بجامع أن كلّاً منهما فيه استباحة عضو في الجملة؛ لأن النكاح فيه استباحة الفرج بالوطء، والقطع فيه استباحة اليد بالقطع، فابن حزم يسخر من مالك ويقول:

ص: 134

هذه ألغاز ومحاجاة بعيدة من الشرع، وتشريعات باطلة. وأمثال هذا منه كثيرة

(1)

.

ونحن نضرب مثلاً: فإنه من أشد ما حمل فيه على الأئمة رحمهم الله مسألة حديث تحريم رِبَا الفَضْلِ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثَبَتَ عنه في الأحاديث الصحيحة أنه قال: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ، مِثْلاً بمِثْل، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى»

(2)

ابن حزم يقول: ليس في الدنيا ما يحرم فيه ربا الفضل إلا هذا. ويقول: الدليل على أنهم مُشَرِّعون، وأن أقوالهم كلها كاذبة؛ لأن بعضهم كالشافعي يقول: علة الربا في البر: الطعم، فيقيس كل مطعوم على البر فيقول: إن المطعومات كالفواكه كالتفاح وغيره من الفواكه يحرم فيه الربا قياساً على البر بجامع الطعم. وأبو حنيفة وأحمد يقولان: العلة: الكيل، فيقولان: كل مكيل يحرم فيه الربا قياساً على البر. فيحرمان الربا في النُّورة والأشنان وكل مكيل. فيقول ابن حزم: هذا يقول: «العلة الطعم» ويُلحق أشياء، وهذا يقول:«العلة الكيل» ويُلحق أشياء أخرى، وكل منهم يُكَذِّب الآخر

(3)

!! فهذه القياسات

(1)

انظر الإحكام ص1082.

(2)

البخاري في البيوع، باب: بيع الفضة بالفضة، حديث رقم (2176، 2177، 2178)، (4/ 379)، ومسلم في المساقاة، باب: الربا، حديث رقم (1584)، (3/ 1208، 1211)، من حديث أبي سعيد الخدري، وقد جاء في هذا المعنى عدة أحاديث، منها حديث أبي بكرة عند البخاري (2175)، (2182) ومسلم (1590)، وحديث عمر عند مسلم (1586)، وفيه أيضاً عن عبادة (1587)، وأبي هريرة (1588)، وفضالة بن عبيد (1591).

(3)

انظر: الإحكام ص1065، 1082.

ص: 135

المتناقضة، والأقوال المتكاذبة، والأحكام التي ينفي بعضها بعضاً لا يشك عاقل في أنها ليست من عند الله. وأمثال هذا كثيرة.

ونحن نضرب مثلاً بهذه المسألة فنقول: إن الأئمة رضي الله عنهم، أبا حنيفة، وأحمد، والشافعي رحمهم الله الذين سخر ابن حزم من قياساتهم هم أولى بظواهر النصوص من نفس ابن حزم. ونقول لابن حزم مثلاً: أنت قلت: إنك مع الظاهر، وقلت:

أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنِّي ظَاهِرِيّ وَأَنَّنِي

عَلَى مَا بَدَا حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ

(1)

فهذا الإمام الشافعي الذي قال: «إن علة الربا في البر: الطعم» . استدل بحديث ثابت في صحيح مسلم، وهو حديث معمر بن عبد الله رضي الله عنه، الثابت في صحيح مسلم، قال: كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ

» الحديث

(2)

فالشافعي فيما سخر منه ابن حزم أقرب لظاهر نصوص الوحي من ابن حزم. وكذلك الإمام أبو حنيفة وأحمد بن حنبل -رحمهما الله تعالى- اللذان قالا: «إن علة الربا في البر: الكيل» استدلَاّ بالحديث الثابت في الصحيح: «وَكَذَلِكَ المِيزان» ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر المكيلات وبين أن الربا حرام فيها قال: «وكذلِكَ المِيزان» . والتحقيق: أن الموزونات مثل المكيلات، فجعل معرفة القدر علة للربا. وقوله:«وكذلك الميزان» ثابت في الصحيحين

(3)

.

(1)

البيت في مطمح الأنفس لأبي نصر الإشبيلي صـ281، وفيات الأعيان (3/ 327)، سير أعلام النبلاء (18/ 207)، وصدره:«ألم تر» .

(2)

مسلم في المساقاة، باب: بيع الطعام بالطعام مثلاً بمثل، حديث رقم (1592)، (3/ 1214).

(3)

البخاري في البيوع، باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه، حديث رقم (2201، 2202)، (4/ 399)، وأطراف حديث (2201)، في (2302، 4244، 4246،7350)، وحديث (2202)، أطرافه في (2303، 4245، 4247،7351).

ومسلم في المساقاة، باب: بيع الطعام مثلاً بمثل. حديث رقم (1593)، (3/ 1215)، من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما.

ص: 136

وفي حديث حيان بن عبيد الله الذي أخرجه الحاكم في مستدركه، وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، عن أبي سعيد الخدري لما ذكر الستة التي يحرم فيها الربا قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:«وَكَذلِك كُلّ ما يُكَال أو يُوزَن»

(1)

. وهذا الحديث حاول ابن حزم تضعيفه من ثلاث جهات، وقد ناقشناه في الكتاب الذي كتبنا على القرآن مناقشة وافية

(2)

. والتحقيق: أن حيان بن عبيد الله ليس بمجروح، وأن زعمه أن أبا مجلز الذي روى عنه الحديث لم يلق ابن عباس أنه كذب، وأنه أدرك ابن عباس وأبا سعيد الخدري رحمهم الله، وأن الحديث لا يقل عن درجة القبول بوجه من الوجوه عند المناقشة الصحيحة كما بَيَّنَّاهُ في الكتاب الذي كَتَبْنَا في القرآن، وهذا الحديث قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم:«وكذلك كل ما يُكَالُ أو يُوزَن» . وهذا أقرب لظاهر نص النبي صلى الله عليه وسلم من ابن حزم الذي يسخر من أبي حنيفة والإمام أحمد -رحمهما الله- وليس قصدُنا في هذا الكلام أن نتكلم على ابن حزم؛ لأنه رجل من علماء المسلمين، وفحل من فحول العلماء، إلا أن له زلات، ولا يخلو أحد من خطأ، ومقصودنا أن نبين لمن نظر كتب ابن حزم فقط أن حملاته على الأئمة

(1)

أخرجه الحاكم في المستدرك (2/ 42 _ 43)، وقال:«صحيح الإسناد ولم يخرجاه» اهـ وتعقبه الذهبي بقوله: «حيان فيه ضعف وليس بالحجة» اهـ.

(2)

انظر: أضواء البيان (1/ 240).

ص: 137

أن الغلط معه فيها لا معهم، وأنهم أقرب للصواب، وأولى به منه، وأعلم منه، وأكثر علماً وورعاً منه، فهم لا يحملون على أحد، ولا يعيبون أحداً.

والحاصل أن إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق أمر لا شك فيه، وأن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل، والله (جل وعلا) قد بين نظائر في القرآن كثيرة يُعلم بها إلحاق النظير بالنظير. والنبي صلى الله عليه وسلم أرشد أمته إلى ذلك في أحاديث كثيرة

(1)

، فمن ذلك: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن القُبْلة للصائم، فقال له:«أرَأَيْتَ لو تمَضْمَضْت»

(2)

؟! فهذا إشارة من النبي صلى الله عليه وسلم إلى قياس المضمضة على القُبْلة بجامع أن القُبْلة مقدمة الجماع، وأن المضمضة مقدمة الشرب، فكل منهما مقدمة الإفطار وليست بإفطار. فمحل كون القُبْلة كالمضمضة: إذا كان صاحبها لا يخرج منه شيء، أما إذا كانت القبلة تخرج منه شيء فهو كالذي إذا تمَضْمَضَ ابتلع شيئاً من الماء، فحكمه حكمه، وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث متعددة ثابتة في الصحيحين: أنه سأله رجل مرة، وامرأة مرة، عن دَين يقضيانه على ميت لهما، مرة تقول: أبي، ومرة تقول: أمي. وكذلك الرجل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَرَأَيْتِ لو كان على أمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ أَكَانَ يَنْفَعُهُ؟» قالت: نعم. قال: «فدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى»

(3)

. هو تنبيه منه صلى الله عليه وسلم على قياس دَين الله على دَين الآدمي. بجامع أن الكل حق يطالب به الإنسان، وأنه يقضى عنه بدفعه

(1)

انظر: جواب ابن حزم عن مثل هذه الأدلة في الإحكام ص966، فما بعدها.

(2)

مضى عند تفسير الآية (145) من سورة الأنعام.

(3)

السابق.

ص: 138

لمستحقه. وأمثال هذا كثيرة. ومن أصرحها: ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل، كان الرجل أبيض، وامرأته بيضاء، وولدت له غلاماً أسود، فأصاب الرجل جَزَعٌ مِنْ سَوَادِ الغُلامِ، وظن أنها زَنَتْ بِرَجُلٍ أسْوَد وجاءت منه بهذا الولد، فجاء للنبي صلى الله عليه وسلم مُنْزَعِجاً وأَخْبَرَهُ أنها جاءت بولد أسْوَدَ، وكان يريد أن يلاعنها وينفي عنه الولد باللّعَانِ زَعْماً أن هذا الولد مِنْ زَانٍ أسود، وأنه ليس ولده؛ لأنه هو أبيض وزوجته بيضاء. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:«هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟» قال: نعم.

قال: «مَا أَلْوَانُهَا؟» قال: حمر الألوان. قال: «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَق؟» (والأورق المتصف بلون الوُرْقة، والوُرْقة لون كلون حمام الحرم، يعني: سواد يعلوه بياض يكون في الإبل) قال الرجل: إن فيها لوُرْقاً؟ قال: «وَمِنْ أَيْنَ جَاءَتْهَا تِلْك الوُرقة؟» آباؤها حمر وأمهاتها حمر، فمن أين جاءتها الوُرقة؟ قال: لعل عرقاً نزعها! قال له: «وهَذَا الوَلَدُ لَعَلَّ عِرْقاً نَزَعَهُ»

(1)

. فاقتنع الأعرابي. وهذا إلحاق نظير بنظير، وبالجملة فنظير الحق حق، ونظير الباطل باطل، وهذا مما لا يُشك فيه، وأن القياس منه قياس صحيح لا شك فيه كالأمثلة التي ذكرنا، ومنه قياس فاسد، والقرآن ذكر بعض الأقيسة الفاسدة، وبعض الأقيسة الصحيحة، فمن الأقيسة الصحيحة في القرآن قوله تعالى:{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (59)} [آل عمران: آية 59] كما اليهود قالوا: إن عيسى لا يمكن أن تَلِدَهُ مَرْيم إلا مِنْ رَجُلٍ زَنَى بها، وقالوا لها:{يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً (28)} [مريم: آية 28] وهذا الولد لا بد أن يكون له والد، وهذا الوالد رجل فَجَرْتِ معه وزنيتِ به. فالله (جل وعلا)

(1)

السابق.

ص: 139

قاس لهم هذا الولد على آدم بجامع أن آدم وُلِدَ ولم يكن له أم ولا أب، خُلق ولم يكن له أم ولا أب، فالذي خَلَقَ آدَمَ ولمْ يَكُنْ له أب ولا أم فهو قادِرٌ على أن يخلق عيسى من أُمٍّ ولم يكن له أب، كما خلق حواء من ضلع رجل. فالله (جل وعلا) جعل خلق الإنسان قسمة رباعية: بعضٌ خلقه لا من ذكر ولا من أنثى وهو آدم، وبعض خلقه من أنثى دون ذكر وهو عيسى ابن مريم، وبعض خلقه من ذكر دون أنثى وهي حواء؛ لأن الله يقول:{خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} أي: آدم {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: آية 1] والقسم الرابع: خلقه من ذكر وأنثى فقاس عيسى على آدم بجامع أن الذي أوجد آدم بقدرته يوجد عيسى بقدرته. وأمثال هذا كثيرة.

وكذلك قاس الموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم على الأمم الماضية، وقال لهم:{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} ثم بين إلحاق النظير بالنظير فقال: {وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} [محمد: آية 10] فكأن الموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فرع، والكفار المتقدمون أصل، والحكم الذي عمهم المهدد به: العذاب والهلاك، والعلة الجامعة: تكذيب الرسل، والتمرد على رب العالمين. وأمثال هذا في القرآن كثيرة.

وكذلك ما يسمونه: (قياس العلة) - وهو الجمع بين الأصل والفرع بدليل العلة

(1)

- يكثر في القرآن جدّاً، كقوله جل وعلا:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى} [فصلت: آية 39] فقاس إحياء الموتى الذي ينكره منكرو البعث على إحياء الأرض المشاهد؛ لأن كلاًّ منهما إحياء.

(1)

انظر: المذكرة في أًصول الفقه ص243، نثر الورود ص442.

ص: 140

وهذا الإحياء للموجود يدل على قدرة قادر كاملة باهرة يقدر بها من اتصف بها على إحياء الموتى كما أحيا الأرض بعد موتها، وكما استدل (جل وعلا) بقياس الأولى على الأدنى، واستدل بأن من خلق السماوات والأرض لا يعجز عن خلق الإنسان الصغير الحقير بعد الموت، كما قال:{أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29)} الآية [النازعات: الآيات 27 - 29] وقال: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر: آية 57]، ومن قدر على خلق الأكبر فهو قادر على خلق الأصغر، وقال جل وعلا:{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى} [الأحقاف: آية 33] وقاس النشأة الأخرى على النشأة الأولى فقال: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى} [الواقعة: آية 62] والإيجاد الأول، فهلا قستم عليه النشأة الأخرى والإيجاد الأخير، وعلمتم أن مَنْ قَدَر على الأول قادر على الثاني، كما قال:{قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: آية 79] وأمثال هذا كثيرة جدّاً.

أما القياس الفاسد الذي بُني مخالفاً للنصوص كقياس إبليس لعنه الله، وكالأقيسة المخالفة للنصوص، وكأقيسة الشَّبَه المبنية على الفساد

(1)

، فإن الكفار جاءوا بقياس الشبه كثيراً باطلاً - ومِثْلُه باطل - كما قالوا في يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام:{إن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} [يوسف: آية 77] فأثبتوا السرقة على أخي يوسف؛ لأن يوسف قد سرقَ قَبْلَهُ، قالوا: الأخ يشابه الأخ، فيلزم من مشابهتهما أن يكونا متشابهين في الأفعال، وأن هذا

(1)

انظر: كلام الشيخ رحمه الله على قياس الشبه في المذكرة في أصول الفقه ص265، نثر الورود ص509.

ص: 141

سرق كما سرق ذلك!! وهذا قياس شَبَهٍ باطل. وهذا النوع من القياس كقياسات إبليس الباطلة؛ والكفار - لعنهم الله - كذبوا جميع الرسل بقياسات شَبَهٍ باطلة؛ لأنه ما جاء رسول إلى قوم إلا قالوا له: أنت بشر، وكونك بشر يجعلك تشبه سائر البشر، ولا نقبل أن تكون رسولاً من رب العالمين وأنت تأكل كما نأكل، وتشرب مما نشرب، وتمشي في الأسواق كما نمشي فيها!! ونص الله على أن هذا مَنَعَ كل أمة، قال:{وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلَاّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَّسُولاً (94)} [الإسراء: آية 94] فشبهوا البشر بالبشر قياس شبه، واستنتجوا من ذلك أنه لا تكون له أفضلية على البشر، والرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - ردوا عليهم هذا القياس، ورده الله عليهم في آيات لما قالوا للرسل:{إِنْ أَنتُمْ إِلَاّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} [إبراهيم: آية 10] أجابهم الرسل قالوا: {إِن نَّحْنُ إِلَاّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [إبراهيم: آية 11] فمشابهتنا في البشرية لا تستلزم [عدم]

(1)

تفاوتنا في فضل الله، كما قال جل وعلا:{فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} [التغابن: آية 6]{وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ (34)} [المؤمنون: آية 34] وقالوا فيه: {يَأكُلُ مِمَّا تَأكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} [المؤمنون: آية 33]{أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} [القمر: آية 24] وهذا كثير في القرآن، وهذه الأقيسة الفاسدة.

والحاصل أن القياس منه صحيح ومنه فاسد، فالصحيح هو الذي أجمع عليه الصحابة والتابعون وعامة المسلمين. وأحكام الصحابة في القياس لا يكاد أحد يحصيها، فقد جاء في صحيح

(1)

ما بين المعقوفين [] زيادة يقتضيها السياق ..

ص: 142

البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن المجتهدين يختلفون في اجتهادهم، وكلهم لا إثم عليه ولا ضَيْر عليه؛ لأنه قد ثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«مَنْ كَان سَامِعاً مطيعاً فلا يُصَلِّينَّ العصْرَ إلا في بَنِي قُرَيْظَة»

(1)

.

هذا نص صريح صحيح سمعه الصحابة بآذانهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم راحوا من المدينة إلى ديار بني قريظة وأدركتهم صلاة العصر في الطريق، فاختلفوا في فهم هذا الحديث، وكُلٌّ اجْتَهَدَ بحسب ما أدى إليه فهمه، فجماعة قالوا: ليس مراد النبي صلى الله عليه وسلم أن نؤخر صلاة العصر عن وقتها، ولكن مراده الإسراع إلى بني قريظة، فلنصلِّ ونسرع، فصلوا العصر وأسرعوا، وجماعة قالوا: العصر وجبت علينا على لسانه صلى الله عليه وسلم، فلو قال لنا: اتركوها إلى يوم القيامة تركناها إلى يوم القيامة، ولو قال: اتركوها إلى قريظة تركناها إلى قريظة، وجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصلوا، واجتمعوا عند النبي صلى الله عليه وسلم وهم في خلاف بين مُشَرِّق ومُغَرِّب؛ لأن من صلى ومن لم يصل مختلفان، فهو صلى الله عليه وسلم قررهم جميعاً ولم يُخَطِّئ أحداً منهم، ولو كان واحد منهم فعل غير صواب وأمراً حراماً لما أقره الرسول عليه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يقر على باطل، ولا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه. وثبت في صحيح البخاري عن الحسن البصري

(1)

البخاري في صلاة الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب راكباً وإيماءً، حديث رقم (946)، (2/ 436)، وطرفه في (4119)، ومسلم في الجهاد والسير، باب: المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين، حديث رقم (1770)، (3/ 1391)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

تنبيه: في البخاري (العصر) وفي مسلم (الظهر). وانظر كلام الحافظ على الروايتين في الفتح (7/ 408 - 409).

ص: 143

(رحمه الله ما مضمونه ومعناه: أنه كان يقول: لولا آية من كتاب الله أشفقت على المجتهدين، وهي قوله تعالى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ

} الآية [الأنبياء: آية 78]

(1)

؛ لأن الله (جل وعلا) صَرَّحَ بأنهما حَكَمَا حيث قال: {إِذْ يَحْكُمَانِ} بألف الاثنين الواقعة على داود وسليمان ثم قال: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} ولم يذكر شيئاً عن داود، فَعَلِمْنَا أن داود لم يفهمها؛ لأنها لو فهمها الأب لما اقتصر على الابن، ولَمَا كان للاقتصار على سليمان فائدة مع أنهما فهماها، ولو كان هذا وحياً من الله لما فهمه أحدهما دون الآخر؛ لأن الوحي أمر لازم للجميع، فدل على أنهما اجتهدا، وأن داود لم يُصِبْ في اجتهاده، وأن سليمان أصاب في اجتهاده، فالله أثنى على كل منهما، ولم يؤنب داود، بل قال بعدها:{وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً}

(2)

[الأنبياء: آية 79] وقد ثبت في الصحيحين ما يُستأنس به لهذا؛ لأنه قد ثبت في الصحيحين أن داود عليه السلام في زمنه جاءته امرأتان نُفستا، وجاء الذئب فاختطف ابن واحدة منهما، وكانت التي اختطف ولدها هي الكبرى، وبقي ولد الصغرى فقالت الكبرى: هذا ولدي، وتنازعتا، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى اجتهاداً منه، لأمارات ظهرت له، أو لشيء في شرعه يقتضي ظاهره ذلك الاجتهاد. فرجعتا إلى سليمان، فلما رجعتا إلى سليمان قال: كل واحدة منكما تدعيه!! هاتوا بالسكين أشقه بينهما نصفين، فأُعطي نصفه لهذه ونصفه لهذه. وكان أبو هريرة يقول: ما سمعت بالسكين إلا ذلك اليوم، ما كنا نقول لها إلا المُدْيَة. فلما قال إنه

(1)

البخاري في الأحكام، باب: متى يستوجب القضاء (13/ 146).

(2)

انظر: جواب ابن حزم عن هذه الأدلة في الإحكام ص699 ..

ص: 144

يشقه جزعت أمه التي هي الصغرى، وأدركتها الرأفة على الولد فقالت له: لا، يرحمك الله، هو ابنها وأنا لا حق لي فيه. وكانت الكبرى راضية بأن يُشق لتساويها أختها في المصيبة، فعلم سليمان أن الولد للصغرى، فقضى به للصغرى

(1)

. وذكر ابن عساكر في تاريخه ما يشبه هَذِهِ القِصَّةَ عَنْ دَاوُد وسليمان، إلا أَنَّهُ فِي تاريخ ابن عساكر -والله أعلم بصحة القصة وعدم صحتها- إلا أن هذا الذي ذكرنا الآن اتفق عليه الشيخان من حديث أبي هريرة. والقصة التي ذَكَرَها ابن عساكر في تاريخه: أنه كان أربعة من أشراف بني إسرائيل راودوا امرأة جميلة من بني إسرائيل عن نفسها، وكانت بارعة الجمال، [فمنعتهم وحاولوا أن يصلوا]

(2)

إليها فامتنعت، فاتفقوا على أن يحتالوا عليها حيلة فيقتلونها، فجاءوا وشهدوا عند داود أن عندها كلباً علمته الزنا، وأنها تزني بكلبها، وكان مثل هذا عند داود يقتضي حكم الرجم، فدعا داود بالشهود فشهد الأربعة على أنها تزني بكلبها فرجمها داود.

قالوا: وكان سليمان إذ ذاك صغيراً، فجمع سليمان الصبيان وجعل منهم شُرَطاً، قال: فلان وفلان جعلهم كالشرطيين، وأخذ قوماً وجعلهم شهوداً، وجاءوا يشهدون، وجعل رجلاً كأنه المرأة، وقالوا: نشهد أن هذه زنت بكلبها، ثم قال سليمان للصبيان الذين جعلهم كالشُّرط: خذوا كل واحد منهم وفرقوهم وأتوني بهم واحداً واحداً. فجاءوه بالأول فقال: ما تقول في شهادتك؟ قال:

(1)

البخاري في أحاديث الأنبياء، باب: قوله تعال: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ

} حديث رقم (3427)، (6/ 458)، وطرفه في (6769)، ومسلم في الأقضية، باب: بيان اختلاف المجتهدين، حديث رقم (1720)، (3/ 1344).

(2)

في الأصل: «فمنعتهما وحاولا أن يصلا» .

ص: 145

أقول إنها زنت بكلبها. قال له: وما لون الكلب؟! قال: كان كلبها أحمر، ثم دعا بالثاني فقال: وما لون الكلب؟ قال: كان كلبها أسود، ثم دعا الآخر فقال: أغبر، فاختلفت أقوالهم في لون الكلب، فعلم أنهم كَذَبَة، فقال: اقتلوهم؛ لأنهم قتلوها. فسمع داود الخبر، فأرسل بالشهود حالاً وفرقهم، وجاءوه واحداً واحداً فسألهم فاختلفوا في لون الكلب، فعلم أنهم شهدوا عليها شهادة زور ليقتلوها حيلة، فقتلهم قصاصاً، هكذا قال، والله أعلم

(1)

.

وعلى كل حال فالقياس هو قسمان: قياس صحيح، وقياس فاسد. فما جاء به الظاهرية -من ذم القياس- والسلف هو ينطبق على القياس الفاسد، والصحابة كانوا مجمعين على القياس الصحيح

(2)

. وقد جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسله إلى اليمن جاءه ثلاثة نفر يختصمون في غلام، كلهم يقول: هو ابني. فقال: اقترعوا على الغلام، فوقعت القرعة لواحد [منهم]

(3)

فقال للذي جاء الغلام في نصيبه: خذ الغلام وادفع لكل واحد منهما ثلث الدية -ثلث دية الغلام- قالوا: فلما بلغ قضاؤه النبي صلى الله عليه وسلم ضحك من قَضَاءِ عَلِيٍّ هذا حتى بدت نواجذه

(4)

.

(1)

تاريخ دمشق (22/ 232)، وهي في مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (10/ 120 - 121).

(2)

انظر: مناقشة ابن حزم لذلك في الإحكام ص979.

(3)

في الأصل: (منهما).

(4)

عبد الرزاق (13472، 13473)، وأحمد (4/ 373، 374)، وأبو داود في الطلاق، باب: من قال بالقرعة إذا تنازعوا في الولد، حديث رقم (2252 - 2254)، (6/ 359 - 362)، والنسائي في الصغرى، كتاب الطلاق، باب: القرعة في الولد إذا تنازعوا فيه.

حديث رقم (3488 - 3492)، (6/ 182 - 184)، وفي الكبرى رقم (5988)، وابن ماجه في الأحكام، باب: القضاء بالقرعة. حديث رقم (2348)، (2/ 786)، والبيهقي (10/ 267).

وهو في صحيح أبي داود (1986 - 1987)، وصحيح ابن ماجه (1901)، وصحيح النسائي (3264 - 3267).

ص: 146

ومن ذلك حديث معاذ الذي قال له: «بِمَ تَقْضِي؟» قال: بكتاب الله. قال: «فإنْ لَمْ تَجِدْ؟» فبسنة رسول الله. قال: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟» قال: أجْتَهِدُ رَأْيِي. فقال: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم»

(1)

. وهذا الحديث يقول ابن حزم: إنه باطل

(2)

لا أصل له؛ لأنه رواه الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة، عن ناس من حمص مجهولين، هو رواية مجهول عن مجاهيل، وأن الاستدلال به ضلال. وقد قال ابن كثير في مقدمة تفسيره: إنه رواه أصحاب السنن بإسناد جيد

(3)

وذكر بعض العلماء أنه جاء من طريق عبادة بن نُسي، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل. وهذا الإسناد من هنا صحيح لا شك في صحته؛ لأن رجاله معروفون، إلا أن البلية مما قبل عبادة بن نُسي، والظاهر أن الذي رواه عن عبادة بن نسي هو محمد بن حسان

(4)

المصلوب، الذي صلبه أبو جعفر المنصور في

(1)

أحمد (5/ 236)، (242)، والدارمي (1/ 55)، وأبو داود في القضاء، باب: اجتهاد الرأي في القضاء، حديث رقم (3575، 3576)، (9/ 509)، والترمذي في الأحكام، باب: ما جاء في القاضي كيف يقضي. حديث رقم (1327، 1328)، (3/ 607)، وانظر: ضعيف أبي داود (770، 771)، والمشكاة (3737)، وضعيف الترمذي (224)، والسلسلة الضعيفة (881).

(2)

انظر الإحكام ص698، 773.

(3)

تفسير ابن كثير (1/ 3).

(4)

هو محمد بن سعيد بن حسان، ويقال له: ابن أبي حسان. قيل: «قلبوا اسمه على مائة وجه ليخفى» اهـ (التقريب ص847) وانظر: ص836.

ص: 147

الزندقة، وهو كذاب لا يُحتج به. فالحاصل أن حديث معاذ لا طريق له إلا طريق السنن التي فيها الحارث بن عمرو، عن قوم من أصحاب معاذ من أهل حمص.

والذين قالوا: إن الحديث صحيح، وإنه يجوز العمل به، استدلوا بأمرين:

أحدهما: أن الحارث بن عمرو المذكور وَثّقَهُ ابْنُ حبان، وإن كان ابن حبان له تساهل في التوثيق فالحديث له شواهد قَوِيَّة يَعْتَضِدُ بِهَا، كحديث الصحيحين:«إِذَا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ»

(1)

. قالوا: أصحاب معاذ بن جبل ليس فيهم مجروح، بل كلهم عدول. وإذا كان الحارث موثقاً، وأصحاب معاذ كلهم عدول فالحديث مقبول. وكذلك قالوا: إن علماء المسلمين تَلَقَّوْا هَذَا الحديث خلفاً عن سَلف، وتَلَقِّي العُلَمَاءِ للحديث بالْقَبُولِ يَكْفِيهِ عَنِ الإِسْنَادِ، وَكَمْ من حديث اكتُفي بصحته عن الإسناد، واكتُفي بعمل العلماء به في أقطار الدنيا؛ لأن هذه الأمة إذا عمل علماؤها في أقطار الدنيا بحديث دل على أن له أصلاً، واكتفي بذلك عن الإسناد.

وعلى كل حال فالقياس الباطل هو المذموم، والقياس الصحيح -وهو إلحاق النظير بالنظير على الوجه الصحيح- لا شك في

(1)

البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، حديث رقم (7352)، (13/ 318)، ومسلم في الأقضية، باب: بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، رقم الحديث (1716)، (3/ 1342).

ص: 148

صحته، وأن الصحابة كذلك كانوا يفعلون، يُلحقون المسكوت عنه بالمنطوق به، وهذا كثير، وقد مثلنا له بأمثلة كثيرة.

[5/أ] / يقول الله جل وعلا: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)} [الأعراف: آية 31] قَدْ تَقَرَّر في علوم الحديث أن تفسير الصحابي إذا كان له تعلق بسبب النزول أن له حكم الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كما هو معروف في مصطلح الحديث

(1)

. وإذا علمتم ذلك فاعلموا أن مسلم بن الحجاج رحمه الله في آخر صحيحه أخرج عن ابن عباس من طريق سعيد بن جبير أنَّ هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف نزلت فيما كان يفعله المشركون من أنهم يطوفون بالبيت عراة، فأنزل الله النهي عن ذلك

(2)

، والتجمل بلباس الزينة، وستر العورة للطواف وللصلاة في جميع المساجد، فالسبب خاص واللفظ عام، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب

(3)

كما سنوضحه إن شاء الله.

والمعروف في مختلقات

(4)

العرب التي كانوا يفعلون: أنَّ غير الحُمس، والحُمس: جميع قريش

(5)

؛ لأنَّ من قريش أهل بطاح

(1)

انظر: معرفة علوم الحديث ص20، البرهان للزركشي (2/ 172)، النكت على ابن الصلاح (2/ 530، 531)، تدريب الراوي (1/ 193)، قواعد التفسير (1/ 54، 178).

(2)

مسلم في التفسير، باب قوله تعالى:{خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} حديث رقم (3028)، (4/ 2320).

(3)

مضى عند تفسير الآية (57) من سورة الأنعام.

(4)

انظر: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (6/ 357).

(5)

المصدر السابق (6/ 362)، وانظر: ابن جرير (3/ 557).

ص: 149

وأهل ظواهر، وجميعهم هم وحلفاؤهم يُسمّون:«الحُمس» وأهل البطاح منهم: أولاد كعب فما دونه، وما فوق كعب وهم بنو عامر بن لؤي، وبنو الحارث بن فِهْر، وبنو محارب بن فِهْر من قبائل قريش، هؤلاء كانوا ليسوا ببطاح مكة بل بالظواهر، فهؤلاء أهل ظواهر، وهؤلاء الأبطحيون في نفس بطحاء مكة، والجميع يسمون:«الحُمسْ» هم قريش بجميعها أهل بطاحها وأهل ظواهرها، كانت عادة العرب في الجاهلية أن الإنسان إذا جاء يريد الطواف ببيت الله الحرام إن كان له صديق من الحُمس أعطاه ثوباً يطوف فيه، وذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية -قبل البعثة- كان له صديق من بني تميم هو عياض بن حمار الذي كان بعد ذلك صحابيّاً كريماً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد عياض بن حمار أن يطوف أعاره ثوبه ليطوف فيه كما هو معروف في التاريخ

(1)

. فإن أعاره أحد الحُمس ثوبه طاف فيه، وإن لم يجد من يعيره من الحُمس ثوباً فإن كان ثوبه جديداً -لم يلبسه قبل ذلك- طاف فيه، ولكنه عندما يطوف فيه يلقيه من حاله ويذهب عرياناً؛ لأنهم يقولون: لا نطوف بيت الله بثياب عصينا الله فيها، أو يتفاءلون أنهم يخرجون من الذنوب ويتعرَّوْن منها كما تعروا من الثياب

(2)

. وهذه تشريعات الشيطان. والإنسان منهم إذا طاف في ثوبه لا بد أن يلقيه، وإن لم يُلْقه ضربوه حتى يلقيه وسمى ذلك الثوب (لَقَى) وهو معروف في التاريخ؛ لأن (اللَّقى) هذا الثوب الذي يلقيه من طاف فيه يبقى طريحاً تدوسه أقدام الناس في المطاف

(3)

.

(1)

انظر: الاستيعاب (3/ 129).

(2)

انظر: المفصل (6/ 359).

(3)

انظر: القرطبي (7/ 189)، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (6/ 359).

ص: 150

وبعضهم قالوا: يُلقون (اللَّقى) في منى، ومنه قول الشاعر

(1)

:

كَفَى حَزَناً كَرِّي عَلَيْهِ كَأَنَّهُ

لَقىَ بَيْنَ أَيْدِي الطَّائِفِينَ حَرِيمُ

يعني أخاً له ميتاً تدوسه أقدام الناس وهو ميت كأنه هذا الثوب اللَّقَى الذي طَرَحَهُ من طاف به، فإن لم يجد من يعيره، وكان الثوب قديماً -في زعمهم قد عصى الله فيه- طرح الثوب وجاء عرياناً، وطاف عرياناً -والعياذ بالله- وتطوف المرأة عريانة!! وبعضهم يقول: كانت النساء تطوف بالليل ليس عليهن ثياب، والرِّجال يطوفون بالنهار

(2)

. والبيت الذي تقوله الطائفة

(3)

:

الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ

فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ

هو في صحيح مسلم في حديث ابن عباس الذي ذكرناه آنفاً

(4)

، وأنه تفسير صحابي لهذه الآية متعلق بسبب النزول فَلَهُ حُكْم الرَّفْعِ، فكأنه حديث صحيح في حكم الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

يقول: إن معنى الآية: {خُذُوا زِينَتَكُمْ} [الأعراف: آية 31] يعني: خذوا زينة اللباس واستروا بها عوراتكم عند الطواف بالبيت والصلاة. والآية وإن كان سبب نزولها في طوافهم بالبيت عراة فلفظها عام لكل مسجد. والمقرر في الأصول: أن اللفظ إن كان عامّاً

(1)

البيت في القرطبي (7/ 189)، السيرة لابن هشام (220/ 1).

(2)

انظر: المفصل (6/ 358).

(3)

هذا البيت ينسب لضباعة بنت عامر بن صعصعة. وهو في صحيح مسلم (4/ 1320)، وابن جرير (12/ 377، 389، 390، 391، 393)، القرطبي (7/ 189)، المفصل (6/ 358).

(4)

تقدم تخريجه قريباً.

ص: 151

والسبب كان خاصّاً فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، هذا هو الحق الذي عليه جماهير العلماء، وعليه عامة الأصوليين إلا مَنْ شَذَّ

(1)

.

والدلالة على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب تفهم من نصوص الوحي، ومن اللغة العربية

(2)

. أما نصوص الوحي فقد دلت على ذلك أحاديث صحيحة تدل على أن العِبْرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما يدل عليه استقراء القرآن، وتدل عليه اللغة العربية أيضاً. فمن الأحاديث الدالة على ذلك: قصة الأنصاري المشهورة التي ذكرها الله في سورة هود، وسيأتي إيضاحها، وضابطها: أن أنصاريّاً كان تمَّاراً فجاءته امرأة تريد أن تبتاع منه تمراً فأُعجب بجمالها فقال لها: إن في البيت تمراً أجود من هذا، فلما دخلت في البيت تظن أنه يبيعها التمر الأجود كان بينه وبينها ما لا ينبغي أن يكون بين رجل وغير زوجته، إلا أنه لم يقع بينهما ما يستوجب الحد، فكان شيء مثل التقبيل والضم ونحوه، ثم بعد ذلك ندم ذلك الأعرابي وسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فَأَنْزَلَ اللهُ فيه آية مدنية في سورة مكية، وهي قوله تعالى في سورة هود:{وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ} يعني كالصلوات الخمس التي يقيمها في الجماعات {يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: آية 114] أي: يغفر الله بهن تلك الذنوب، كتقبيل تلك الأجنبية، ثم إن ذلك الرجل لما نزلت فيه الآية وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم سأل ذلك الأنصاريُّ وقال له: يا رسول الله ألي هذا خاصة؟ وسؤال الأنصاري - هذا - مقتضاه: أيختص حكم هذه الآية بي لأنني سبب نزولها، أم العبرة بعموم لفظ {إِنَّ الْحَسَنَاتِ

(1)

مضى قريباً.

(2)

انظر: أدلة ذلك في قواعد التفسير (2/ 594).

ص: 152

يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «بَلْ لأُمَّتِي كُلّهِمْ»

(1)

. وسؤال الأنصاري هذا وجواب النبي صلى الله عليه وسلم له ثابت في صحيح البخاري في تفسير سورة هود، وهو نص صريح في أَنَّ العِبْرَةَ بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.

ومن النصوص الدالة على ذلك: ما ثبت في الصحيح ثبوتاً لا مطعن فيه، من أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء عليّاً وفاطمة رضي الله عنهما وأرضاهما) وهما نائمان، وأيقظهما ليصليا من الليل، فقال له علي رضي الله عنه: إن أرواحنا بيد الله إن شاء بعثنا. فولى صلى الله عليه وسلم كالمغضب يضرب فخذه ويقول: {وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً}

(2)

[الكهف: آية 54] مع أن آية: {وَكَانَ الْإِنسَانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} نزلت على التحقيق في الكفار المشركين الذين يجادلون في القرآن، فيقول بعضهم: شعر. ويقول بعضهم: سحر. ويقول بعضهم: كَهانة. إلى غير ذلك. ويدل على أنها في الكفار: أول الآية، وهو قوله:{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ} أي المكذِّب بالقرآن الذي لم يَعْتَبِر بأمثاله {أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً}

(1)

البخاري في الصحيح كتاب التفسير. باب {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ} حديث رقم (4687)، (8/ 355)، ومسلم في الصحيح، كتاب التوبة باب قوله تعالى:{إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} حديث رقم (2763)، (4/ 2115).

(2)

البخاري في الصحيح، كتاب التهجُّد، باب (تحريض النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب) حديث رقم (1127)، (3/ 10)، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب ما رُوي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح، حديث رقم (775)، (1/ 537).

ص: 153

[الكهف: آية 54] وخصومةً في التكذيب بالقرآن، فالنبي صلى الله عليه وسلم بيَّن أنها وإن نزلت في الكفار أن عموم لفظها شامل لقول علي رضي الله عنه: إن أرواحنا بيد الله، إن شاء أن يبعثنا بعثنا.

ومما يدل على هذا من اللغة العربية: أن الرجل مثلاً لو كان له أربع زوجات فآذته واحدة منهن وشتمته وأطلقت لسانها فيه حَتَّى أغْضَبَتْهُ، وهي واحدة، والثلاث الأُخر ساكتات لا يفعلن إلا ما يرضي زوجهن. فقال الزوج بسبب إغضاب التي أغضبته: أنتن كلكن طوالق. فإن الطلاق لا يختص بذات السبب التي أغضبته وآذته بل يطلق الجميع نظراً إلى عموم اللفظ، ويلغى سبب اللفظ الذي حمل عليه، كما هو معلوم عند أهل اللسان العربي.

وقوله (جل وعلا) في هذه الآية: {يَا بَنِي آدَمَ} [الأعراف: آية 31] كأنه يذكرهم بقضية إبليس. لا يَدُم إبليس على النكاية فيكم بنزع ثيابكم عنكم كما فعل بِأَبَوَيْكُمْ.

{خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} الأصل: أؤْخذوا بالهمزة؛ لأنه مضارع (أخذ) بالهمزة، إلا أن ثلاثة أفعال مهموزة الفاء وهي:(أخذ)، و (أمر)، و (أكل) يجوز حذف همزتها في الأمر كما بيناه مراراً

(1)

.

{خُذُواْ زِينَتَكُمْ} أي: لباسكم الذي تسترون به عوراتكم وتتجملون به.

{عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} سواءً كان المسجد الحرام للطواف أو غيره من المساجد للصلاة. وكون الزينة هنا لبس اللباس للطواف والصلاة

(1)

مضى عند تفسير الآية (118) من سورة الأنعام.

ص: 154

يكاد يجمع عليه المفسرون

(1)

، وقد دل عليه حديث ابن عباس المذكور الذي قدمنا أن له حكم الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخذ العلماء من ظاهر عموم الآية أنَّهُ يَنْبَغِي للرجل إذا أراد أن يخرج إلى المسجد ليحضر جماعات المسلمين ويصلي أن يلبس من الثياب أحْسَنَها

(2)

. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم الثناء على لَوْنِ البَيَاض في حديث: «إِنَّ مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ فَالْبَسُوا الْبَيَاضَ وَكَفِّنُوا فِيهِ مَوْتَاكُمْ، وَإِنَّ مِنْ خَيْرِ أَكْحَالِكُمُ الإِثْمِدَ فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ، وَيُنْبِتُ الشَّعَرَ»

(3)

وهو حديث مشهور أخرجه بعض أصحاب السنن وغيرهم؛ ولذا كانوا يتطيبون ويستاكون ويقولون: إن الطيب والسواك مِنْ كَمَالِ

(1)

انظر: ابن جرير (12/ 389)، القرطبي (7/ 189).

(2)

انظر: القرطبي (7/ 191)، ابن كثير (2/ 210).

(3)

أخرحه أحمد (1/ 247، 328، 363)، وأبو داود في اللباس، باب في البياض، حديث رقم (4043)، (11/ 110)، وأخرجه في موضع آخر، حديث رقم (3860)، والترمذي في الجنائز، باب ما يستحب من الأكفان، حديث رقم (994)، (3/ 310 - 311)، وابن ماجه في الجنائز، باب ما جاء فيما يستحب من الكفن، حديث رقم (1472)، (1/ 473)، كما أخرجه في كتاب اللباس (3566)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وهو في صحيح أبي داود (3284، 3426)، وصحيح الترمذي (792)، كما أخرجه أحمد (5/ 10، 13، 17، 18، 19)، والترمذي في الأدب، باب: ما حاء في لبس البياض. حديث رقم: (2810)، (5/ 117)، وقال الترمذي:«وفي الباب عن ابن عباس وابن عمر» اهـ كما أخرجه ابن ماجه في اللباس، باب البياض من الثياب، حديث رقم:(3567)، (2/ 1181)، من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه. وهو في صحيح ابن ماجه (2870).

ص: 155

الزِّينَةِ التي يتناولها ظاهر الآية الكريمة

(1)

. مع القطع بأنها نازلة في عدم العُرْيِ وستر العورات عند الطواف والصلوات.

وهي دليل واضح على أن الطواف لا يَصِحّ مِنَ العُرْيَان كما عليه جمهور العلماء، وأن الصلاة أيضاً لا تَصِحُّ مَعَ كشْفِ العَوْرَةِ خلافاً للإمام أبي حنيفة رحمه الله في الطواف

(2)

. ويؤيد معنى ما دلت عليه الآية قوله صلى الله عليه وسلم الذي أرسل عليًّا ينادي به: «وَأَلاّ يحج بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وألا يطُوفَ بالبيْتِ عُرْيَانٌ»

(3)

. وهذا معنى قوله: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: آية 31] أي: لا تأتوا الطواف مكشوفة عوراتكم، ولا تأتوا مساجد المسلمين مكشوفة عوراتكم كما كان يفعله المشركون في مسجد مكة؛ لأنا ذكرنا عن ابن عباسٍ من طريق سعيد بن جبير كما أخرجه مسلم في صحيحه

(4)

أن هذه الآية نزلت في أن المشركين كانوا يطوفون عراة، حتى إن المرأة لتقول:

اليومَ يَبْدُو بعضُه أو كُله

فما بدا منه فلا أُحلُّه

(1)

انظر: ابن كثير (2/ 210).

(2)

انظر: الكافي لابن عبد البر ص63، المجموع (3/ 165)، المغني (2/ 283).

(3)

البخاري في الحج، باب: لا يطوف بالبيت عريان، ولا يحج مشرك. حديث رقم (1622)، (3/ 483)، ومسلم في الحج، باب لا يحج البيت مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان

، حديث رقم (1347)، (2/ 982)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وجاء من حديث علي رضي الله عنه عند الترمذي في التفسير، باب ومن سورة براءة. حديث رقم:(3091، 3092)، (5/ 275، 276).

(4)

مضى تخريجه قريباً.

ص: 156

وهذا الحديث الذي له حكم الرفع الثابت في صحيح مسلم؛ لأنه تفسير من ابن عباس يتعلق بسبب النزول، فكأن ابن عباس يفسِّر الزينة بأنها لبس الثياب عند الطواف والصلوات، وتفسير الصحابي إن كان له تعلق بسبب النزول كان له حكم الرفع كما هو مقرَّر في علوم الحديث.

وهذا يدل على أن قائلة البيت من اللاتي كنَّ يطفن بالبيت وهن عريانات يتقربن بذلك إلى الله، مع أنه ذكرت جماعة من المؤرخين للبيت المذكور قصة غير ما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس، والظاهر أنَّ ما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس أثبت، فقد ذكر غير واحد ممن تكلم على الصحابة في ترجمة ضباعة بنت عامر بن لقيط بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة

(1)

- هي من بني قشير الذين منهم مسلم بن الحجاج القشيري - وكانت امرأة ذات جمال، وأنها تزوجها عبد الله بن جدعان التيمي، الجواد المشهور، وجاء بها إلى مكة، وكان من أعظم فتيان مكة في ذلك الزمن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، والد أبي جهل، فأعجبه جمال ضباعة بنت عامر، التي هي زوجة ابن جدعان، فصار يأتيها ويقول لها إن هذا الشيخ الكبير الذي ليس له جمال لا يناسب جمالك وكمالك فتطلقي منه لأتزوجك، يُخَبِّبها عليه، فَخَبَّبها عليه، فطلبت من ابن جدعان الطلاق، فلما طلبت منه الطلاق قال: نعم، بشرط أن تنحري كذا وكذا جزوراً -مئة من الإبل أو أكثر- وتغزلي غزلاً يمتد من هنا إلى جبل كذا، وأن تطوفي ببيت الله وأنت عريانة، فقالت له: اصبر حتى أفكر في شأني، فجاءها هشام، وكان هشام من

(1)

انظر: الإصابة (4/ 353 - 354).

ص: 157

عظام فتيان مكة، وقد قال فيه الشاعر لما مات

(1)

:

فَأَصْبَحَ بَطْنُ مَكَّةُ مُقشعِرّاً

كأنَّ الأرضَ ليس بها هِشَامُ

فلما جاءها هشام بن المغيرة والد أبي جهل، وقصَّت عليه القصة، قال لها: التزمي له كل ما اشترط عليك، فأنا أعطيك مئة جزور، وما شئت من الإبل تنحرينه، وآمر نساء بني المغيرة أن يغزلن لك الغزل الذي فعل

(2)

، وأطلب من قريش أن يُخْلُوا لك البيت حتى تطوفي به وحدك وأنت عريانة، وأنه وفَّى بما فعل، أعطاها الإبل فنحرتها، وغزل لها الغزل، وطلب من قريش فأخلوا لها البيت. والذين يذكرون القصة من كتب الصحابة -كما في الإصابة والاستيعاب وغيرهما

(3)

من كتب الصحابة ممن ذكروا هذه القصة- زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت طفل صغير وَلِدَته

(4)

معه المطلب بن وداعة السهمي، وأنهم بقوا لصغرهم، وأنهم رأوها تنزع ثوباً ثوباً حتى بقيت ليس عليها شيء وصارت تقول:

اليومَ يَبْدُو بعضُه أوكُلُّه

فما بَدَا منه فلا أُحِلُّهُ

قالوا: ولما كشفت عنها جميع الثياب نشرت شعرها حتى تدلَّى عليها وستر عورتها، وأنها هي التي قالت هذا البيت؛ ولذلك قال

(1)

البيت للحارث بن خالد بن العاص، أو الحارث بن أُمية بن عبد شمس. وهو في الكامل ص671، اللسان (مادة: قثم) (3/ 22).

(2)

هكذا في الأصل، ولعله سبق لسان، والمراد: طلب أو شرط.

(3)

هذا الخبر موجود في الإصابة (4/ 353)، ولم أقف عليه في ترجمتها في الاستيعاب.

(4)

الَّلدَةُ: التِّرب، ويجمع على: لِدَات، انظر: القاموس (مادة: الولد) ص417.

ص: 158

عياض في شرح مسلم في الكلام على البيت في مسلم

(1)

: إن قائلته ضباعة هذه، ولكنه تلفيق لقصة بقصة أخرى، وزعم من ذكر هذه القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك خطبها عند ابنها. والظاهر أنه ابنها سلمة بن هشام؛ لأنها ولدت منه ابنها سلمة الذي كانت ترقصه وهو صغير وتقول

(2)

:

اللَّهُمَّ ربَّ الكَعْبَةِ المُحَرَّمَهْ

أَظْهِرْ عَلَى كُلِّ عَدُوٍّ سَلَمَهْ

وأنه قال: حتى أستأذنها، فذهب ليستأذنها، فأُخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن جمالها الذي عهده تغيَّر، وأنها سقطت أسنانها وذَهَبَ جَمَالها، فلما جاء يستأذنها غضبت عليه وقالت: أتستأذنني في رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فلما رجع إليه أعرض عنها النبي صلى الله عليه وسلم

(3)

. هكذا ذكروه في هذه القصة والله أعلم بصحتها.

أما كونه نزلت في المرأة التي كانت تطوف بالبيت عريانة فقد أخرجه مسلم في صحيحه عن ابن عباس

(4)

، والظاهر أنه أثبت من هذا، والله تعالى أعلم.

ومعنى الآية الكريمة: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ} [الأعراف: آية 31] أي: ثيابكم التي تسترون بها عوراتكم وتتجمَّلون بها عند كل مسجد لإقامة

(1)

لم أقف عليه في كلام القاضي عياض رحمه الله على الحديث في كتابه (الإكمال) المطبوع، وقد نقله عن القرطبي في المفهم (7/ 346)، وانظر: إكمال المعلم (8/ 589)، شرح الأُبي على مسلم (7/ 328).

(2)

البيت في طبقات ابن سعد (4/ 97)، الإصابة (2/ 69).

(3)

ذكره ابن سعد في الطبقات (8/ 110).

(4)

مضى قريباً.

ص: 159

الصلوات وخصوصاً المسجد الحرام للطواف والصلاة فيه خلاف ما كان يفعله المشركون.

{وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ} نزل قوله: {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ} في بعض العرب، قال بعض العرب: كان بنو عامر بن صعصعة إذا أحرموا بالحج لا يأكلون الودك، ولا يشربون من ألبان الغنم، ولا مما خرج من لحومِهَا، فحرَّموا على أنفسهم بعض الطيبات من الدسم كالودك، وبعضهم يحرم شرب اللبن واللحم، فأُمروا أيضاً أن لا يحرِّموا هذه الطيبات التي أحلَّ الله، كما قال لهم: البسوا الثياب، ولا تتجرَّدوا في الإحرام، فكذلك كلوا طيبات الرزق ولا تحرموها على أنفسكم؛ أي:{وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ} حتى ولو كان من الودك، ولو كان من اللبن مما يحرمه الجاهلية؛ لأن الجاهلية كانوا في الموسم بعضهم يحرم على نفسه الدسم، وبعضهم يُحَرِّم شرب اللبن واللحوم، ويزعمون أن هذا أتم لحجهم، وأنه أرضى لله

(1)

، فقال الله فيهم:{وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ} ولا تحرموا شيئاً من طيبات الله؛ لأن ذلك تشريع الشيطان ككشف العورات.

وهذا يدل على أن الإنسان لا ينبغي له أن يحرِّم شيئاً حلله الله كما قدمنا في سورة المائدة في قوله: {لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ وَلا تَعْتَدُواْ} [المائدة: آية 87] وعليه فليس للإنسان أن يقول: هذا الطعام أو هذا الشراب حرامٌ عليَّ، فإن حرَّم على نفسه حلالاً كطعام أو شراب فإنه لا يحرم عليه، وبعض العلماء يقول: تلزمه في تحريم

(1)

انظر: السيرة لابن هشام (1/ 219 - 221)، المُفَصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام (6/ 362، 371).

ص: 160

الحلال كفارة يمين. ومالك وأصحابه قالوا: إن لم يكن الذي حَرَّمَه حلالاً غير الزوجة والأمة لا تلزمه يمين ولا يلزمه شيء.

وحجة من قال: إنه تلزمه يمين: أن الله لمَّا قال لنبينا صلى الله عليه وسلم وهو قدوتنا صلوات الله وسلامه عليه: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ} [التحريم: آية 1] وأصح الروايات أنه العسل، وإن جاء في روايات أخرى أنه جاريته

(1)

. قال الله له بعد تحريم هذا الحلال: {قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: آية 2] فعُلم أن في تحريم الحلال كفارة يمين؛ لأن تحلة اليمين هي كفارته، وذلك يدل على أنَّ فيه كفارة يمين، خلافاً لمالك وأصحابه

(2)

. أما إذا حَرَّمَ امْرَأَتَهُ بأن قال: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَام، أو علَّق تحريمها على شيءٍ ووقع. فللعلماء فيه اختلافات واضطربات كثيرة تزيد على ثلاثة عشر مذهباً معروفة في كلام العلماء

(3)

، أجراها عندي على القياس هو قول مَنْ قَال: إنه تلزمه كفَّارَة ظِهَار، هذا القول هو أقْرَبُهَا للقياس وظاهر القرآن العظيم؛ لأن الله نص في محكم كتابه في سورة المجادلة في امرأة أوس بن الصامت التي قال لها: أنت عليَّ كظهر أمي - (أنت عليَّ كظهر أمِّي) معناه بالحرف الواحد: أنْتِ حَرَامٌ- وقد جاء القرآن بأن في هذا اللفظ كفارة ظهار حيث قال: {والذين يظَّهَّرونَ من نسائهم}

(1)

انظر: ابن جرير (28/ 155 - 159)، القرطبي (18/ 177 - 179 - 185)، ابن كثير (4/ 386)، فتح الباري (9/ 289، 376)، أضواء البيان (6/ 529).

(2)

انظر: القرطبي (18/ 179 - 180).

(3)

انظر: ابن أبي شيبة (5/ 72)، مصنف عبد الرزاق (6/ 399)، الاستذكار (17/ 36 - 48)، القرطبي (18/ 180 - 186)، أضواء البيان (6/ 523، 531 - 539).

ص: 161

وفي القراءة الأخرى: {يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} [المجادلة: آية 3]

(1)

إلى آخر خصال كفارة الظهار المعروفة في سورة المجادلة، فهذا القول أقيس الأقوال وأجراها على القياس، وأقربها لظاهر القرآن.

وكذلك قول مَنْ قَالَ: إنه يلزمه الاسْتِغْفَار وكفارة يمين، فيدل عليه ظاهر آية التحريم بناءً على أن الذي حرم صلى الله عليه وسلم: جاريته؛ لأن في بعض الأحاديث في قوله: {لِمَ تُحَرِّمُ} [التحريم: آية 1] أنَّ حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة أهلها يومها فأذن لها، ثم دعا بجاريته في بيت حفصة؛ لأنه ذلك اليوم عندها وهو في بيتها، وكان بينه وبين الجارية ما يكون بين الرجل وامرأته، فرجعت حفصة ففطنت لما وقع، فغضبت وقالت: ليست لي حرمة، أفي بيتي وفي يومي يُفعل هذا؟! وأن النبي صلى الله عليه وسلم حرَّم الجارية إرضاءً لها

(2)

.

(1)

انظر: المبسوط لابن مهران ص431.

(2)

كون ذلك وقع إرضاءً لحفصة جاء دلك في عدة روايات وبعضها مرسلة. فمن ذلك:

1 -

ابن عباس عن عمر رضي الله عنهما عند ابن جرير (28/ 158)، والواحدي في أسباب النزول ص438، وعزاه في الدر (6/ 239) لابن المنذر. قال الحافظ في الفتح (8/ 657): «ووقعت هذه القصة مدرجة عند ابن إسحاق في حديث ابن عباس عن عمر

» اهـ.

2 -

عن ابن عباس رضي الله عنهما عند ابن سعد (8/ 134)، وأورده السيوطي في الدر (6/ 239)، وعزاه لابن مردويه.

3 -

عن أبي هريرة رضي الله عنه. أورده السيوطي في الدر (6/ 240)، وعزاه لابن مردويه والطبراني في الأوسط، وضعفه الحافظ في الفتح (9/ 289)، وانظر تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي (4/ 60)، والكافي الشاف ص175.

4 -

عن أم سلمة رضي الله عنها عند ابن سعد في الطبقات (8/ 134).

5 -

عن محمد بن جبير بن مطعم عن ابن سعد (8/ 134).

6 -

عن عروة بن الزبير عند ابن سعد (8/ 134).

7 -

عن القاسم بن محمد عند ابن سعد (8/ 134).

8 -

عن الضحاك عند ابن سعد (8/ 134)، وأورده السيوطي في الدر (6/ 240)، وعزاه لسعيد بن منصور وابن المنذر.

أما الروايات الدالة عموماً على أنَّ ذلك وقع في تحريمه صلى الله عليه وسلم جاريته فهي كثيرة، ومنها:

1 -

عن أنس رضي الله عنه عند النسائي في عشرة النساء، باب الغيرة حديث رقم (3959)، (7/ 71)، والحاكم في المستدرك (2/ 493)، وقال:«صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي. وعزاه في الدر (6/ 239)، لابن مردويه، وقد صححه الحافظ في الفتح (9/ 376)، وقال:«وهذا أصح طرق هذا السبب» اهـ.

2 -

عن ابن عباس رضي الله عنهما. عند ابن جرير (28/ 157)، والطبراني في الكبير (11/ 86)، (12/ 117)، والبزار (زوائد البزار 3/ 76)، وعزاه السيوطي في الدر (6/ 239، 240، 241) للترمذي، وابن المنذر، وابن مردويه، وعبد بن حميد. وقد ضعفه ابن كثير في التفسير (4/ 390)، والحافظ في الفتح (9/ 289)، وانظر: مجمع الزوائد (5/ 178)، (7/ 126)، تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي (4/ 59)، الكافي الشاف ص175.

3 -

عن ابن عمر رضي الله عنهما. أورده السيوطي في الدر (6/ 240)، وعزاه للضياء في المختارة، والهيثم بن كليب في مسنده. وقال ابن كثير في التفسير (4/ 386): هذا إسناد صحيح اهـ.

4 -

عن عائشة رضي الله عنها. ذكره الحافظ في الفتح (9/ 289)، وعزاه لابن مردويه.

5 -

عن بعض آل عمر. ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (4/ 61)، والحافظ في الكافي الشاف ص175، وعزاه لابن أبي خيثمة في تاريخه، وابن إسحاق.

6 -

عن الشعبي. عند ابن جرير (28/ 156)، وعزاه في الدر (6/ 240) لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن سعد.

7 -

عن قتادة. عند ابن جرير (28/ 156، 158)، وابن سعد (8/ 134)، وعزاه في الدر (6/ 240) لعبد الرزاق وعبد بن حميد.

8 -

عن زيد بن أسلم عند ابن جرير (28/ 155، 156)، وابن سعد (8/ 134)، وصحح الحافظ إسناده في الفتح (9/ 376).

9 -

عن مسروق. عند ابن جرير (28/ 156)، وابن سعد (8/ 134)، وعزاه في الدر (6/ 240) لعبد بن حميد، وسعيد بن منصور، وصحح الحافظ إسناده في الفتح (8/ 657).

10 -

عن عبد الرحمن بن زيد. عند ابن جرير (28/ 156)، وعزاه في الفتح (9/ 289) لابن مردويه.

قال الحافظ في الفتح (8/ 657): «وهذه الطرق يقوي بعضها بعضاً» اهـ.

ص: 162

فعلى هذا القول أنه في تحريم الجارية فالله قال بعده: {قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2)} [التحريم: آية 2] فدل على أن في تحريم الرجل امرأته كفارة يمين والاستغفار وهذان القولان داخلان في مذهب مالك، وكل منهما قال به جماعة من العلماء، وروى مالك في الموطأ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه إن قال لها: أنت حرام، كانت بينونة كبرى، تعد ثلاث طلقات

(1)

. وكان ابن عباس يفتي بكفارة اليمين

(2)

، ويقول:

(1)

الموطأ ص375، وعبد الرزاق في المصنف (6/ 403)، ابن أبي شيبة (5/ 72).

(2)

أخرجه مسلم، كتاب الطلاق، باب وجوب الكفارة على مَنْ حَرَّمَ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يَنْوِ الطلاق، حديث رقم (1473)، (2/ 1100).

ص: 164

{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: آية 21].

وأجراها على القياس وأقربها لظاهر القرآن أن فيها كفارة الظهار. وتَتَبُّع طُرُق أقوال العلماء فيها وما استدل به كل منهم يطول علينا جدّاً، ويخرجنا إخراجاً بعيداً عن المقصود.

وقوله جلَّ وعلا: {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ} [الأعراف: آية 31] أي: ولا تحرموا ما لم يحرمه الله في الحج من أكل اللحوم والودك وشرب الألبان.

{وَلا تُسْرِفُواْ} [الأعراف: آية 31] أصل الإسراف في لغة العرب: هو مجاوزة الحد

(1)

. والإسراف المنهي عنه هنا فيه للعلماء وجهان

(2)

:

أحدهما: أن المعنى لا تسرفوا في الأكل والشرب فتأكلوا فوق الحاجة، وتشربوا فوق الحاجة؛ لأن الإسراف في الأكل والشرب يثقل البدن، ويعوق صاحبه عن طاعة الله، والقيام بالليل، فيجعل صاحبه كلما كانت بطنه ملأى من الأكل والشرب كان ثقيل الجسم، لا ينهض لطاعة الله، فنهاهم الله عن الإسراف في الأكل، وكذلك يسبب الأمراض.

وجرت عادة المفسرين أنهم يذكرون هنا في تفسير هذه الآية من سورة الأعراف قصة، ويذكرون فيها حديثاً الظاهر أنه لا أصل له ولا أساس له، إلا أن الكثير ممن تكلموا على القرآن لا يميزون بين

(1)

مضى عند تفسير الآية (141) من سورة الأنعام.

(2)

انظر: ابن جرير (12/ 394)، القرطبي (7/ 191 - 195).

ص: 165

سقيم الحديث وصحيحه، فيَكْتُبُون مِنْهُ كلّ ما رأوا من غير تمييز بين صحيحه وسقيمه.

والقصة المعروفة

(1)

: زعموا أنه كان عند هارون الرشيد طبيب نصراني، وأن الطبيب النصراني قال: ليس في كتابكم شيء من الطب، وأصل العلم علمان: علم الأبدان وعلم الأديان. وأنه كان عند هارون الرشيد علي بن الحسين بن واقد، فقال له: جَمَع كتابُنَا الطِّبَّ في نِصْفِ آية، هي {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ} لأن من المعلوم أن الطب نوعان: طب حِمْيَة، وهو تَوَقٍّ للداء قبل أن ينزل الداء. والثاني: طب علاج ومداواة بعد أن ينزل الداء. وأن من أعظم طب الحمية هو ما قال: {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ} لأن مَنْ خَفَّفَ أَكْلَهُ وَشُرْبَهُ كما قال صلى الله عليه وسلم: «بِحَسْبِ امْرِئٍ لُقَيْمَاتٍ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ، وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ، وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ»

(2)

، فتخفيف الأكل يستوجب صِحَّةَ البَدَنِ، وأنه قال له: جمع الطب كله في نصف آية؛ لأن خير الطب طب الحمية. وهذه الآية جاءت على أعظم طب الحمية. وأنه قال له: وهل يُؤْثَرُ عَنْ نبيِّكم شيء من الطب؟ قال: نعم. وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المَعِدَةُ رَأْسُ الدَّاءِ، والحِمْيَةُ أَصْلُ الدَّوَاءِ، وَعَوِّدُوا كُلَّ جِسْمْ مَا

(1)

انظر: القرطبي (7/ 192)، كشف الخفاء (2/ 280).

(2)

الترمذي في الزهد، باب: ما جاء في كراهية كثرة الأكل. حديث رقم (2380)، (4/ 590)، وابن ماجه في الأطعمة باب الاقتصاد في الأكل وكراهة الشبع، حديث رقم (3349)، (2/ 1111)، وانظر: الإرواء (1983)، السلسلة الصحيحة (2265)، صحيح الترمذي (1939)، صحيح ابن ماجه (2704).

ص: 166

اعْتَادَ»

(1)

،

ويقولون هذا ويسكتون، وهذا نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليست بصحيحة، ولم يثبت هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل لا أساس له على الصواب إن شاء الله تعالى.

وعلى هذا القول فالإسراف المنهي عنه في الأكل بما يسبب من التكاسل عن طاعات الله، وما يسبب من الأمراض وغير ذلك.

الوجه الثاني؛ أن معنى: {وَلَا تُسْرِفُواْ} أي: لا تجاوزوا حدود الله، فتحرِّمُوا ما أحلّ الله كالودك للمُحْرِم، وكاللباس للطَّائِف، فهذه أمورٌ لم يحرمها الله، ولا تسرفوا في التحريم والتحليل بأن تحرموا ما أحلَّ الله، وتحللوا ما حرَّم الله، وكلا الإسرافين إسراف. ولا مانع من أن تشمل الآية الجميع. فلا يجوز الإسراف بتحريم ما أحلَّ الله، وتحليل ما حرَّم الله، كما لا يجوز الإسراف الكثير بملء البطن مِلْئاً شديداً من الأكل والشرب حتى يتكاسل الإنسان ولا يتنشط لطاعة الله، وتأتيه الأمْرَاض؛ لأنه ما ملأ ابن آدم وعاءً شرّاً مِنْ بَطْنِهِ؛ فَإِنَّ مَنْ كَانَ كَثِيرَ الأكْلِ والشُّرْبِ لا تراه يقوم الليل، ولا يتنشط للعبادات، ولا ينشط لسانه لذكر الله، فهو كسول ملول، وكذلك ربما نشأت له الأمراض. وهذا معنى قوله:{وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ إِنَّهُ} جلَّ وعلا {لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: آية 31] المُجَاوِزِينَ الحدود بتحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرّم الله. ويدخل فيه المسرفون بكثرة الأكل والشرب الشاغلة عن طاعة الله، المثبطة عن القيام بِمَا يُرْضِي اللهَ (جل وعلا) ونحو ذلك، وهذا معنى قَوْلِهِ:{وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} .

(1)

في الكلام على هذا القول انظر: كشف الخفاء (2/ 279)، الدرر المنتثرة ص161، مختصر المقاصد الحسنة ص184.وهو من كلام بعض الأطباء ..

ص: 167

{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32)} [الأعراف: آية 32] قرأ هذا الحرف عامة القراء ما عدا نافعاً قارئ أهل المدينة: {خَالِصَةً} بنصب التاء. وقرأه نافع وحده: {خَالِصَةٌ} بضم التاء

(1)

.

ومعنى الآية الكريمة: أن الكفار لمّا حرَّموا على أنفسهم لبس الثياب في الطواف، وطافوا بالبيت عُرَاةً، وحرَّمُوا على أنفسهم أيام الموسم أكل الودك، والسمن، وشرب اللبن، وأكل اللحوم، قال الله (جلَّ وعلا) موبِّخاً مقرعاً للذين يَتَعَدَّون عليه ويحرمون ما لم يحرم:{قُلْ} يا نبي الله لهؤلاء الكفرة الجهلة الذين حَرَّمُوا لبس الزينة عند الطواف، وحرموا أكل المذكورات وشربها في الموسم حال التلبُّس بالإحرام، (من) هو الذي {حَرَّمَ زِينَةَ الله} وهي اللباس الذي يستر العورة؛ لأنه لا حالة أقبح مِنْ أَنْ يَكُونَ الإِنْسَان بادِي الفرج، عاري العورة، فهذا في غاية القبح. أما إن أعطاهُ الله ثياباً فجمل بها ظاهره، وستر بها قبحه وعَوَرَه فهذه زينة الله التي أخرجها لخلقه. من هو الذي حرَّم زينة الله كلبس اللباس الذي يجمع بين ستر العورة والتجمُّل عند الطواف وفي غيره؟!

{مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} أخرجها: أي أظهرها وأبرزها من العدم إلى الوجود بأن خلقها ويسَّر أسباب تناولها حتى صارت في متناولهم، وحرَّم الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، الطيبات التي أحلها الله وطَيَّبَها؛ كالودك حالة الإحرام، واللبن واللحم ونحو ذلك.

(1)

انظر: المبسوط لابن مهران ص208.

ص: 168

من هو الذي حرم عليكم هذه المحرمات والطيبات من الرزق؟ والله (جلَّ وعلا) يشدد النكير على من حرم ما لم يحرمه. والآيات الدالة على ذلك كثيرة كقوله: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ الله حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ} [الأنعام: آية 150]{قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلَالاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ (59)} [يونس: آية 59]{وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116)} [النحل: آية 116] والآيات بمثل هذا كثيرة جدّاً. فلما قال الله لنبيه: قل لهم يا نبي الله، لهؤلاء المُحَرِّمِين ما أحل الله، من هو الذي حَرَّمَ هذا؟ وعلم أنه لا جواب لهم، أمره بالجواب الصحيح، وهو قوله:{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} قل لهم يا نبي الله: هي ليست بحرامٍ أبداً، وليست بمحرمات ألبتة. هي للذين آمنوا حلال مباحة.

وقوله: {هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ} غير خالصة {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: غير مختصين بها بل يشاركهم فيها الكفار، ونصيب الكفار فيها كثير، كما قال تعالى:{وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ (34) وَزُخْرُفاً وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وفي القراءة الأخرى {لَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}

(1)

الآية [الزخرف: الآيات 33 - 35]. قال بعض العلماء: بَيَّنَتْ هَذِهِ الآية أن سَبَبَ خَلْقِ الزِّينَة والطيبات من الرِّزْقِ أن الله خَلَقَهَا في الدنيا لخصوص المؤمنين، إلا أنه رَزَقَ مِنْهَا الكفار تبعاً للمؤمنين؛ لأن الدُّنْيَا متاع

(1)

انظر: المبسوط لابن مهران ص398.

ص: 169

يأكل منه البرُ والفاجر، فتلك الزينة وطيبات الرزق في الدنيا يشترك فيها البر والفاجر، ويأكل منها المسلم والكافر، لكنها يوم القيامة تبقى خالصة للمؤمنين لا يشاركهم فيها كافر أبداً؛ ولذا قال:{هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: ويشترك معهم فيها الكفار، في حال كونها خالصة لهم يوم القيامة لا يشاركهم فيها أحد؛ لأن يوم القيامة لا يجد الزينة ولا الرزق الطيب إلا المؤمنون خاصة، أما الكفار فلا زينة لهم ولا رزق طيب

(1)

.

وعلى قراءة الجمهور فـ {خالصةً} حال، وعلى قراءة نافع {خالصةٌ} بالرفع فهي خبر بعد خبر

(2)

{هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ} [الأعراف: آية 32] الجار والمجرور في {لِلَّذِينَ آمَنُواْ} خبر، و {خالصةٌ} خبر آخر. وعلى قراءة الجمهور فـ {خالصةً} حال، وعامله الكون والاستقرار الذي يتعلق بالجار والمجرور {هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ} كائنة مستقرة للذين آمنوا في حال كونها خالصة لهم وَحْدَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ.

وهذا التفسير هو الصحيح الذي عليه الجمهور

(3)

. ومعناه: أن الزينة والطيبات من الرزق في دار الدنيا يشترك فيها البر والفاجر والمؤمن والكافر، وأنها في الآخرة تكون خالصة للمؤمنين لا يشاركهم فيها أحد؛ إذ لا يجد الزينة والرزق الطيب في القيامة إلا المؤمنون خاصة؛ ولذا لم يذكر خلوصها لهم في الدنيا لاشتراك الكفار معهم، وصرّح بكونها خالصة لهم في خصوص الآخرة.

(1)

انظر: ابن كثير (2/ 211).

(2)

انظر: حجة القراءات ص281.

(3)

انظر: القرطبي (7/ 200)، الدر المصون (5/ 301 - 305).

ص: 170

وهنالك تفسيرٌ غير ظاهر قال به جماعات من علماء التفسير: أن معنى كونها خالصة للمؤمنين أنَّ الله ينعِّمهم بها في الدنيا، وينعِّمهم في الآخرة أيضاً، ولم يحسبها عليهم، ولم ينقص أجورهم بتلك اللذات والطيبات من الرزق التي أكلوها في الدنيا

(1)

، وهذا مستبعد، والقول الأول هو الذي عليه الجمهور وهو معنى الآية إن شاء الله.

وهذا معنى قوله: {هِيَ} أي: الطيبات من الرزق والزينة {لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي ويشاركهم فيها غيرهم من الكفار، لكنها يوم القيامة خالصة للمؤمنين لا يشاركهم فيها أحد، ويوضح هذا أن نبي الله إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما قال الله له:{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} فلما قال الله له: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} طلب الإمامة لذريته {قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي} فبين له الله أن الظالمين من ذريته غير المستقيمين المطيعين لا يعهد الله لهم بالإمامة، لأنهم لا يستحقونها حيث قال مجيباً له:{قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: آية 124] فعرف إبراهيم أَنَّ ربَّه كأنه لامه في الجملة حيث طلب الإمامة لناس منهم من لا يصلح لها، كما قال الله لإبراهيم وإسحاق:{وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ} [الصافات: آية 113] ثم بعد ذلك لما أراد إبراهيم طلب الرزق خصه بالمؤمنين خوف أن يلام كالملامة الأولى وقال: {اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} ثم قيَّد وقال: {مَنْءَامَنَ مِنْهُم بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ} فربه قال له: هذه في الدنيا لا تحتاج إلى القيد {قَالَ وَمَن كَفَرَ} فيأكل من الدنيا أيضاً مع المؤمن {فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [البقرة: آية 126] وهذا معنى قوله:

(1)

انظر: ابن جرير (12/ 401).

ص: 171

{خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف: آية 32] يوم القيامة إنما سُمِّي يوم القيامة؛ لأنه يوم يقوم فيه جميع الخلائق بين [يدي]

(1)

جبار السماوات والأرض للحساب، كما قال جلَّ وعلا:{ألَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)} [المطففين: الآيات 4 - 6] فقوله: {يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} هو الذي سمي به يوم القيامة؛ لأنه يوم يقوم فيه الناس لرب العالمين.

ثم قال جلَّ وعلا: {كَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ} [الأعراف: آية 32] كهذا التفصيل الذي فصلنا لكم به الحلال والحرام، وبينا لكم به حرمة كشف العورات ولزوم سترها، وأخذ الزينة، وأنه لا يُحرِّم أحد ما أحَلَّهُ الله، كهذا البيان الواضح لهذه الأحكام نبيِّنُ الآيات دائماً في هذا القرآن {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} والبيان عام، ولكنه خَصَّ به القوم الذين يعلمون لأن أهل العلم الذين يعلمون هم الذين يفهمون عن الله هذا البيان، أما الجهلة فلا يفهمون شيئاً، ومن لا ينتفع بالشيء فكأنه لم يتوجه إليه. ونظير هذا كثير في القرآن يخص الله به الحكم المُنْتَفِع به مع أن الحكم أصله عام

(2)

كقوله: {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا (45)} [النازعات: آية 45] مع أنه في الحقيقة منذر الأسود والأحمر {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ} [يس: آية 11] وهو منذر للأسود والأحمر {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: آية 45] لأن الذي يخاف الوعيد هو المنتفع به مع أن التذكير بالقرآن عام. وهذا كثير في القرآن أن يخص الحكم بالمنتفع به دون غيره، وذلك هو معنى قوله:{كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} .

(1)

ما بين المعقوفين [] زيادة يقتضيها السياق.

(2)

مضى عند تفسير الآية (51) من سورة الأنعام.

ص: 172

قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)} [الأعراف: آية 33].

{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} قرأ هذا الحرف حمزة وحده: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} وقرأ بقية القراء: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}

(1)

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحدهما دون غيرهما: {ما لم يُنْزِلْ به سلطاناً} بضم الياء وكسر الزاي. وقرأ الجمهور: {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} بفتح النون وتشديد الزاي، مضارع (نزَّل).

قل لهم يا نبي الله: هذا الذي تحرمونه ليس هو الذي حرّمه الله، الذي حرمه ربي إنما حرَّمه ربي على الحقيقة، والحرام هو ما حرمه الله، والحلال هو ما أحله الله.

{إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} الفواحش جمع فاحشة، وهو جمع قياسي؛ لأن (الفاعِلَة) مطلقاً و (الفَاعِل) إن كان اسماً أو صفة لما لا يعقل كله ينقاس جمع تكسيره على (فواعل)

(2)

والفاحشة: هي كل خصلة تناهت في القبح حتى صارت قبيحة بالغة نهاية القبح من الذنوب والمعاصي

(3)

.

{مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: آية 33] قد قدمنا أقوال العلماء على هذا في الأنعام في قوله: {وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} [الأنعام: آية 120] وأنها كلها ترجع إلى شيءٍ واحد، فقال بعضهم: الفواحش الظاهرة هي الزنا مع البغايا ذوات الرايات،

(1)

انظر: المبسوط لابن مهران ص219.

(2)

مضى عند تفسير الآية (151) من سورة الأنعام.

(3)

السابق.

ص: 173

والفواحش الباطنة هي الزنا مع الخليلات والصديقات التي يُزنى بهن سرّاً في البيوت. وقال بعض العلماء: ما ظهر من الفواحش: كنكاح زوجات الآباء، كما تقدَّم في قوله:{وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلَاّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً (22)} [النساء: آية 22] وأن ما بطن منها هو الزنا. والتحقيق: أنّ الآية الكريمة تشمل جميع المعاصي والذنوب، لا تفعلوا شيئاً منها ظاهراً علناً بين الناس، ولا شيئاً باطناً في خفية لا يطلع عليه أحد، وهو يشمل جميع التفسيرات الواردة عن الصحابة وغيرهم.

والفواحش ظاهرها وباطنها تشمل جميع الذنوب؛ إلا أن الله عطف بعضها على بعض عطف خاصٍّ على عام. وقد تقرر في المعاني: أن عطف الخاص على العام، وعطف العام على الخاص، إن كان في كل منهما في الخاص أهمية لا تكون في غَيْرِهِ من أفراد العام أنه سائغ، وأنه من الإطناب المقبول لأجل الخصوصية التي في الخاص، فكأن تميزه بخصوصيته جعله كأنه قسم آخر غير أقسام العام فحسن عطفه عليه

(1)

. وهنا عطف الخاص على العام لأن المعطوفات الآتية كلها داخلة في الفواحش ما ظهر منها وما بطن.

وقول من قال: إن {مَا ظَهَرَ} هو الزنا مع البغايا ذوات الرايات، و {وَمَا بَطَنَ} الزنا مع الخليلات الصديقات التي يُزنى بهن سرّاً. أو أن {مَا ظَهَرَ مِنْهَا} هو نكاح زوجات الآباء، وأن {وَمَا بَطَنَ} هو الزنا، إلى غير ذلك من الأقوال كله يشمله التفسير العام الذي هو الصواب، وأن الله نهى عن ارتكاب جميع

(1)

مضى عند تفسير الآية (120) من سورة الأنعام.

ص: 174

المحرّمات سواء كان ذلك ظاهراً أمام الناس، أو خفية بحيث لا يطلع عليه الناس. وهذا معنى قوله:{مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} .

وعطف على ذلك {وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ} قال بعض العلماء: الإثم: هو كل معصية تقتصر على نفس الإنسان، والبغي: هو كل معصية يظلم بها غيره

(1)

.

وقوله: {بِغَيْرِ الْحَقِّ} لا يكون بغي بحق أبداً، فكل بغي بغير حق لا شك، كما قال تعالى:{وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} ومعلوم أن النبيين لا يُقتلون بحق أبداً، فهو كالتوكيد

(2)

، كقوله:{وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: آية 38]{يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} [البقرة: آية 79].

وقال بعض العلماء: {بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف: آية 33] كقوله: {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشورى: آية 40] لأن من بُغي عليه ثم انتقم قد يسمى هذا بغياً، كقوله:{وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} وكما سمّى الانتقام اعتداءً في قوله: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: آية 194] سمى جزاء الاعتداء: اعتداءً، وجزاء السيئة: سيئة وإن كان الانتقام ليس سيئة وليس اعتداء.

وقوله: {وَأَن تُشْرِكُواْ بِالله} أي: وحرَّم عليكم {أن تشركوا بِالله ما لم يُنْزِل به سلطاناً} على قراءة ابن كثير وأبي عمرو. {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} على قراءة الجمهور

(3)

. والسلطان: الحجة الواضحة.

(1)

انظر: ابن جرير (12/ 403)، القرطبي (7/ 201).

(2)

انظر: الدر المصون (5/ 307) ومضى عند تفسير الآية (142) من سورة البقرة، (48) من سورة الأنعام.

(3)

انظر: النشر (2/ 218)، إتحاف فضلاء البشر (1/ 407).

ص: 175

ومعلوم أن الإشراك بالله لا ينزل به سلطان ألبتة، كقوله:{وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهاًءَاخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} [المؤمنون: آية 117] فمعلوم أن الإله الثاني لا يكون به برهان ألبتة، وقد تقرَّر في علم الأصول

(1)

أن النص من الكتاب والسنة إذا جاء مبيناً للحقيقة الواقعة لا يكون له مفهوم مخالفة، والواقع أنهم يشركون بالله ما لم ينزِّل به سلطاناً، فجاءت الآية مبينة للحقيقة الواقعة ليكون النهي واقعاً على بيان الحقيقة الواقعة، وكذلك قوله:{لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} .

{وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لَا تَعْلَمُونَ} المصدران المنسبكان في قوله: {وَأَن تُشْرِكُوا} و {وَأَن تَقُولُواْ} في محل نصب عطف على {الفَوَاحِشَ} من عطف الخاص على العام

(2)

.

{إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ} قوله: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} بدل من الفواحش، أي: وحرّم الإثم والبغي بغير الحق، وحرم الشرك بالله، وحرّم القول على الله بلا علم.

وكان بعض العلماء يقول: هذا التكرار وعطف ما دخل فيما قبله عليه لحكمة، وهذه الحكمة بيانها وتفصيلها: أن مظالم الناس وتعدي بعضهم على بعض في دار الدنيا راجع إلى ستة أقسام، وهي أن يتعدى عليه في دينه، أو أن يتعدى على نسبه، أو أن يتعدى على عرضه، أو أن يتعدى على نفسه، أو أن يتعدى على ماله، فهي

(3)

ستة جواهر: الدين والنفس والنسب والعقل والمال والعرض. فهذه

(1)

انظر: المذكرة في أصول الفقه ص241، نثر الورود (1/ 107).

(2)

انظر: القرطبي (7/ 201)، الدر المصون (5/ 307).

(3)

مضى عند تفسير الآية (115) من سورة الأنعام.

ص: 176

الجواهر الستة هي التي تدور حولها المظالم. قال من قال هذا: الآية جاءت ناهية عن التعدي في جميع هذه الجواهر الست؛ لأن قوله: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} هذا تَعَدٍّ على الأنساب؛ لأن الزنا سواءً كان ظاهراً أو باطناً تعدٍّ على أنساب الناس وتقذير لفرش الناس؛ لأنه إذا كثر الزنالم يدر هذا مَنْ أبوه، ولم تدر أم هذا مَنْ أبوه، فضاعت الصبيان، ولم يعرف لهذا أب، فاختلطت الأنساب، وتقذرت الفرش، وضاعت أخلاق المجتمع. وأن النهي عن الفاحشة هو ذَبٌّ عن الأنساب. وهذا معنى قوله:{مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: آية 33].

وأن قوله: {وَالْبَغْيَ} المراد به: العدوان والظلم، سواءً كأن عدوت على نفسه فقتلته، أو عدوت على ماله فأخذته، أو عدوت على عرضه فتناولت منه وقذفته. قالوا: والمراد بالإثم هنا: الخمر؛ لأنها هي التي تعدو على العقول. وقال الحسن: الإثم: الخمر

(1)

. وكثير من علماء العربية يسمون الخمر إثماً. ولهم في ذلك شواهد كثيرة، وأشعار معروفة، منها قول الشاعر

(2)

:

شربت الإثمَ حتى ضلَّ عقلي

كذاكَ الإثمُ تذهبُ بالعقولِ

يعني: الخمر. وقال بعض العلماء: هدا البيت مصنوع. وبعضهم يقول: هو بيت عربي شاهد، ومنه قول الآخر

(3)

:

نَشْرَبُ الإِثْمَ بِالصواعِ جِهَارا

وَتَرَى المِسْكَ بَيْنَنَا مُسْتَعَارَا

(1)

القرطبي (7/ 200).

(2)

البيت في القرطبي (7/ 200)، الدر المصون (5/ 306).

(3)

البيت في القرطبي (7/ 201).

ص: 177

وهذا كثير في كلام العرب - تسمية الخمر إثماً - ومنه قول الآخر

(1)

:

نهانَا رَسُولُ الله أَنْ نَقْرَبَ الخَنَا

وَأَنْ نَشْرَبَ الإِثْمَ الَّذِي يُوجِبُ الوِزْرَا

وقول الآخر

(2)

:

وَرُحْتُ حَزِيناً ذَاهِلَ العَقْلِ بَعْدَهُمْ

كَأَنِّي شَرِبْتُ الإِثْمَ أَوْ مَسَّني خَبَلُ

قالوا: فقوله: {الإِثْمَ} هو تحريم للخمر؛ لأنها هي التي تذهب العقول، فهو زجر عن إذهاب العقول ومحافظة على العقول. بقي الدين وحده؛ لأن الأنساب جاءت في النهي عن الزنا، والأنفس والأعراض والأموال جاءت في النهي عن البغي؛ لأنه ظلم على الإنسان في ماله أو نفسه أو عرضه. والمحافظة على العقول جاءت في تحريم الإثم وهو الخمر. على هذا القول بقي الدين والمراد بقوله:{وَأَن تُشْرِكُواْ بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} [الأعراف: آية 33] لأن أعظم إفساد الدين الإشراك بالله، والقول في دين الله بلا علم، فهذا أعظم فساد الدين، قالوا: فعلى هذا تكون الآية الكريمة إنما تداخلت عطوفها وتكرَّرَتْ ليكون فيها الزَّجْرُ عن الأنفس، والزجر عن الأموال، والزجر عن الأعراض، والزجر عن الأنساب، والزجر عن العقول، والزجر عن الأديان. وقد علمنا من استقراء الكتاب والسنة أن الله (جل وعلا) في هذا التشريع الكريم الذي أنْزَلَهُ عَلَى هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بالغ في المُحَافَظَةِ على هذه الجواهر الست، بالغ على حفظ الدين كما قال صلى الله عليه وسلم:«مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»

(3)

؛ محافظة على

(1)

البيت في البحر المحيط (4/ 292)، الدر المصون (5/ 306).

(2)

البيت في المصدرين السابقين.

(3)

مضى عند تفسير الآية (115) من سورة الأنعام.

ص: 178

الدين لئلا يغيَّر ويبدَّل، وقال:{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: آية 193، الأنفال: آية 39] أي: حتى لا يبقى شرك، بدليل قوله:«أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ»

(1)

،

وحافظ على الأنساب فَحَرَّمَ الزِّنا، واختلاط ماء الرجل بماء الرجل وتقذير الفرش؛ لتبقى الأنساب مستقيمة واضحة ناصعة، قال:{وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} [الإسراء: آية 32] وأوجب جلد الزاني محافظة على أنساب المجتمع {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: آية 2] وفي الآية المنسوخة التلاوة الباقية الحكم: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم»

(2)

.

ومن شدة محافظته على الأنساب أوجب العدة على المرأة إذا فارقها زوجها بموت أو طلاق -أوجب عليها التربص زمناً ليعلم أن رحمها صفت من ماء الرجل الأوَّل - لئلا يختلط ماء رجل بماء رجل آخر في رحم امرأة واحدة {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ} الآية [البقرة: آية 228].

[5/ب] / ومن أجل محافظته على الأنساب منع سقي زرع الرجل بماء غيره؛ ولذا منع تزويج الحامل، فالمرأة إذا مات عنها زوجها أو طلقها وهي حامل لا يجوز أن تتزوَّج زوجاً آخر حتى تضع حملها؛ لأنه إن تزوجها وجامَعَهَا سَقَى ذلك الحمل وهو زرع لغيره بمَائِهِ فمنع سقي الزرع بماء الغير محافظة على الأنساب فقال:{وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: آية 4] وحافظ الشرع الكريم على الأعراض فنهى عن انتهاك الأعراض {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً} [الحجرات: آية 12]{وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ}

(1)

مضى عند تفسير الآية (53) من سورة الأنعام ..

(2)

مضى عند تفسير الآية (115) من سورة الأنعام.

ص: 179

[الحجرات: آية 11]{لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ} [الحجرات: آية 11] ثم إنه أوجب حد القذف ثمانين جلدة؛ زجراً ومحافظة على أعراض الناس، وهو قوله:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)} [النور: آية 4] ثم جاء بالمحافظة على العقول فَحَرَّم شرب المسكر {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: آية 90] وقال صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»

(1)

«مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ»

(2)

وأوجب حد شارب الخمر محافظة على العقول وصيانةً لها. وكذلك منع من انتهاك المال، واحترام الملكية الفردية حيث قال:{لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} [النساء: آية 29] وفي الحديث «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَاّ عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ»

(3)

.

(1)

مضى عند تفسير الآية (45) من سورة الأنعام.

(2)

السابق.

(3)

ورد في هذا المعنى عدة أحاديث عن جماعة من الصحابة بألفاظ متقاربة، منها:

1 -

حديث أبي حرة الرقاشي عن عمه: أخرجه أحمد (5/ 72)، وأبو يعلى (3/ 139)، والدارقطني (3/ 26)، والبيهقي في السنن (6/ 100)، وفي الشعب (10/ 119 - 120)، والبزار (كشف الأستار 2/ 204)، وذكره الحافظ في الإصابة (1/ 362)، والهيثمي في المجمع (4/ 172)، وقال:«رواه أبو يعلى، وأبو حُرَّة وثقه أبو داود وضعفه ابن معين» اهـ. وانظر: الإرواء (5/ 279)، صحيح الجامع (7539).

2 -

حديث أبي حميد الساعدي: أخرجه أحمد (5/ 425)، والبيهقي في السنن (6/ 100)، وفي الشعب (10/ 120)، والبزار (كشف الأستار 2/ 134)، وابن حبان (الإحسان 7/ 587)، والطحاوي في شرح المعاني (4/ 241)، ومشكل الآثار (4/ 41)، وذكره الهيثمي في المجمع (4/ 171)، وقال:«رواه أحمد والبزار ورجال الجميع رجال الصحيح» اهـ وانظر الإرواء (5/ 279).

3 -

عمرو بن يثربي: رواه أحمد (3/ 423)، (5/ 113)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (1/ 332)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (979)، (2/ 287)، والدارقطني (3/ 25، 26)، والطحاوي في المشكل (4/ 42)، وفي شرح المعاني (4/ 241)، والبيهقي في السنن (6/ 97)، وذكره الهيثمي في المجمع (4/ 171)، وقال: «رواه أحمد وابنه من زياداته أيضاً، والطبراني في الكبير والأوسط

ورجال أحمد ثقات» اهـ وانظر: الإرواء (5/ 280 - 281).

4 -

ابن عباس: أخرجه الدارقطني (3/ 25)، والبيهقي (6/ 97)، وانظر: الإرواء (5/ 281).

5 -

ابن عمر: أخرجه البيهقي (6/ 97).

6 -

أنس: أخرجه الدارقطني (3/ 25، 26)، وانظر الإرواء (5/ 282).

ص: 180

وقد بيَّن القرآن في سورة النساء ما يدل على أنه سيأتي قوم في آخر الزمان يتخذون وسيلة إلى ظلم الناس في أموالهم من قولهم: هذا فقير، وهذا غني، فنأخذ من الغني لنرده على الفقير!! كما هو مشاهد في المذاهب الهدامة، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَالله أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُواْ الْهَوَى} [النساء: آية 135] بأن تقولوا: هذا غني فنأخذه للفقير، أو نكتم الشهادة عليه للفقير {فَلَا تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} ولذا جعل حدَّ السرقة لمن أخذ المال في قوله:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ الله وَالله عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)} [المائدة: آية 38] فأوجب قطع يد السارق محافظةً على أموال المجتمع. والكفار الفجرة يرون أن قطع يد السارق أنه عمل وحشي لا ينبغي أن يكون في النُّظم الإنسانية؛ لجهلهم وطمس بصائرهم وعدم علمهم بالحِكَم السماوية التي يُشرِّعها خالق السماوات والأرض؛ لأن الله

ص: 181

(جلَّ وعلا) خلق هذه اليد، وفرّق أصابعها، وشدَّ رؤوسها بالأظافر، وجعلها مستعدة غاية الاستعداد للمعاونة الكريمة في بناء المجتمع في دنياه وآخرته، فمدت أناملها الخبيثة الخسيسة الخائنة لتأخذ المال على أخس وجه وأرذله وأردئه، فصارت كأنها عضو نجس قذر يريد أن يُقَذِّر جميع البدن، فأمر الله بإزالته كإزالة عضو إزالة تطهيرية لئلا يُضيع جميع البدن. ومعلوم أن العضو إذا فسد وخيف منه أن يُفسد جميع البدن أن إزالته ليصح جميع البدن أنه عمل تطهيري معقول عند كل الناس؛ ولذا ثبت في الصحيح من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه

(1)

ما يدل على أنه إن قطعت يده طهر من تلك الرذيلة وصار طاهراً، وبقي جسمه الآخر نزيهاً طاهراً؛ لأن العضو الفاسد الذي كان يُقَذِّر جميع الجسم أُزيل بالعملية التطهيرية.

ومن غرائب القرآن أنه لو لم تُقطع يد السارق فاليد الواحدة السارقة الفاجرة قد تفقر آلاف الأيدي، فقد يكون السارق الواحد إذا لم يخف من الردع بقطع اليد يُفْقِر آلاف الأيدي، فيسرق جميع قوت آلاف الناس، فيتركهم عالة يتكففون الناس، وربما ماتوا من الجوع!! فاليد الواحدة قد تُفقر آلاف الأيدي وملايين الأيدي؛ ولذا قطعها الشارع لحكمتين: ليطهِّر صاحبها من هذه الرذيلة الدنية الخبيثة، وكذلك ليردع الناس عن أموال الناس؛ لأن المال هو شريان الحياة، وبه قوام شئون الدنيا في دينها وآخرتها، لا يصلح دونه شيء؛ لأنه هو الذي يُصلَح به كل شيء من مرافق الدنيا والآخرة، فهو أساس الدنيا، وأساس هذه الدنيا وعمل الآخرة كله على المال. وإذا كانت هذه اليد بارية قد تُفقِر آلاف الأيدي، فأمر الشارع بقطعها لأنها عضو نجس قذر يريد أن

(1)

مضى عند تفسير الآية (128) من سورة الأنعام.

ص: 182

يلطخ جميع الجسد، كعملية تطهيرية، وليرتدع أمثاله من الفجرة عن أموال الناس. وهذا تشريع سماوي، حكمته معروفة، يتوب الله على السارق ويطهره، ويزيل عنه الخبث الذي ارتكبه، والنجاسة التي تلطخ بها، ويحفظ أموال المجتمع؛ لأن المال شريان الحياة، إذا سُرِق قوت الرجل - جعل جميع ما عنده في صندوق، فجاءه سارق فسرقه - يصبح ذلك المسكين وأولاده الصغار وزوجته في جوع، إما أن يذهب فيتكفف الناس، وقد يفضل الشريف الموت على تكفف الناس. فهذا قد تفعله اليد الواحدة لآلاف الأيدي، وقد يُفقر عشرات الناس، ويضُرُّهُم. فَقَطْعُ هذا العضو النجس الخائن الخبيث ليطهر به بقية البدن، وينكف الناس، ويرتدع الفجرة تشريعٌ سماوي معقول.

ومن المُشَاهَد: أن هذه البلاد -نرجو الله أن يعصمها، ويحفظ القائمين عليها، ويوفقهم للخير، ويرزقهم بطانة الخير، ويذهب عنهم بطانة السوء - لما كانوا يقطعون يد السارق، ويقيمون حدود الله، كل الإحصائيات العالمية في جميع أقطار الدنيا لا توجد بلاد، أقل فيها ارتكاب الجرائم من السرقات ونحوها من أنواع الفجور مثل هذه البلاد، وكل ذلك بفضل الله (جلَّ وعلا) ثم بفضل تحكيم ذلك التشريع السماوي، فأمريكا -مثلاً- مع حضارتها لا يمكن أن تعدّ فيها جنايات السرقات، وجرائم الأخلاق وغيرها مما يزعمون أنهم في حضارة وتمدُّن، لما أهملوا تشاريع رب السماوات والأرض كثر فيهم الخبث، وكثرت الجنايات، وكثر ارتكاب الجرائم بحد لا يتصوَّر، ومن خرج من هذه البلاد يرى ذلك، ويعلم أنه ليس بآمن على نفسه ولا على ماله؛ لأنه لم تكن هنالك زواجر وروادع من رب العالمين -تعالى- تضع العدالة في الأرض، وتنشر الطمأنينة،

ص: 183

ولكن البلاد التي تحكم بما أنزل الله، وتقطع يد السارق، وترجم الزاني المحصن، وتجلد الزاني تراها دائماً لأجل ذلك التشريع السماوي تقل فيها الجرائم الأخلاقية. ومعلوم أن هذه البلاد - التي هي وحدها التي بقيت في الدنيا تعلن أنها تحكم بما أنزل الله على ما كان منها - أنها أقل البلاد في الإحصائيات العامة جرائم وفضائح وعظائم ذنوب؛ لأجل التشريع السماوي. فتشريع رب العالمين هو التشريع الصحيح الذي يصون الأنفس، ويصون الأموال، ويصون الأعراض، ويصون العقول، ويصون الأنساب، إلى غير ذلك من المقومات الإنسانية. ومعلوم أنه ليس قصدنا أن نثني على أحدٍ كائناً ما كان، كل الناس يعرف ذلك، وإنما قصدنا أن نثني على دين الإسلام، ونبين محاسنه، وأن تشريع رب العالمين لا يدانيه غيره، ولا يماثله غيره، وأنَّ مَنْ حَكَّمَ شَرْعَ اللهِ كانت العدالة في بلاده أكثر، وكانت الطمأنينة أكثر، وكان الرخاء أكثر.

وهذه البلاد عليها - على ما كان منها - أن تحْمد نعم الله، فهي في رفاهية، وطمأنينة على الأنفس والأموال والأعراض لا تكاد توجد في بلد من بلاد الله، يعلم ذلك كل من سافر وذهب إلى البلاد الخارجية، وكل ذلك ليس إلا لأجل أنها تقطع يد السارق، وترجم الزاني، وتحكم بحدود الله.

قال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34) يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلََئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ

ص: 184

كَافِرِينَ (37)} [الأعراف: الآيات 34 - 37].

يقول جلَّ وعلا: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34)} [الأعراف: آية 34] لمّا أمر الله (جلَّ وعلا) ونهى هدد الأمة التي بعث بها نبيه صلى الله عليه وسلم أن كل أمة لها وقت محدد وأجل معين، إذا انتهى ذلك الأجل جاء أمر الله. وهذا تهديد لكفار قريش الذين كذَّبوه صلى الله عليه وسلم، والموعظة بالحكم عامة.

ويجب على كل إنسان أن يعلم أنَّ كل إنسان من أفراد كل أمة؛ وأن كل أمة - الجميع محدود له أجل معين لا يتقدمه بلحظة ولا يتأخر عنه بلحظة، كما ذكره هنا في الأمم، وبينه أيضاً في الأشخاص في آيات متعددة، كقوله:{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَاّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً} [آل عمران: آية 14] أي: شيئاً مكتوباً محدداً بأجل معين ووقت محتوم لا يتقدَّم عنه ولا يتأخَّر، وإذا كان عمر الإنسان محدَّداً عند الله بوقت معين لا يتقدَّم عنه ولا يَتَأَخَّر، وهو لا يدري أذلك الوقت قريب أو بعيد أو متوسط، قد يمكن أن يكون موته قريباً وهو لاهٍ يضحك، أكفانه تنسج - وهي حاضرة موجودة - وهو لاهٍ يضحك ويلعب ويعصي الله!!

فعلى كل عاقل أن يبادر بغتة الموت، وأن يخاف أن يكون الوقت المحدد لعمره قد انتهى أو قارب الانتهاء، فيحمله ذلك على أن يشتغل بما يرضي ربه لتكون خواتيم عمله طيبة، فعلى كل إنسان أن يعتبر أن له أجلاً محدداً ووقتاً معيناً لا يتقدم عنه ولا يتأخَّر، وإذا كان لا يدري هل ذلك الوقت قريب جدّاً فعليه أن يعمل بعمل من هو عالم أنه يموت قريباً لئلا يعاجله الموت وهو مقيم على معاصي الله وما يسخط ربه، فيموت شر ميتة، فيجر إلى القبر مغضوباً عليه من

ص: 185

ربه -والعياذ بالله- فعلى كل مسلم أن يلاحظ هذا، ويحسن عمله خوفاً من أن يكون الأجل المحدد له أوشك على الانتهاء. وهذه موعظة يجب على كل مسلم أن يعتبر بها، والأمم منهم من يكون أجلها المضروب لها واحداً، كالأمَّة التي يأتيها الهلاك في وقت واحدٍ، كقوم نوح الذين اجترفهم الطوفان في وقت واحد، وكقوم هود الذين أهلكتهم الريح العقيم في وقتٍ واحدٍ، وكقوم صالح الذين أخذتهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، إلى غير ذلك من القصص المبينة في القرآن، وقد يموت من الأمة أفراد، وأفراد، وأفراد من غير استئصال في وقت واحد. والأمة المهلكة في وقت واحد، والأفراد التي تموت، كلّ منها بأجل محدد له، ووقت معلوم عند الله، لا يتقدمه ولا يتأخَّر عنه، فمن قتل فقد مات بأجله الذي قدره الله عليه، خلافاً للمعتزلة القدرية الذين يزعمون أن أعمال العباد لا مشيئة فيها لله، فيقولون: عمره كان أكثر من هذا، ولكن القاتل نقص عمره فقتله قبل أجله! فهذا جَهْلٌ بالله، وقدح في علم الله؛ لأن الله عالم بكل ما كان وما سيكون، وعالم بكل وقت يموت فيه الإنسان، فلا بد أن يموت في الوقت المعين الذي سبق علم الله أنه يموت فيه، فمن مات فقد انقضى أجله المحدد له عند الله، الذي كان الله يعلم سابقاً أنه عند انقضائه سيموت كما هو مذهب أهل السنة والجماعة

(1)

.

والأمة أُطلقت في القرآن العظيم أربعة إطلاقات، كلها عربية فصحى

(2)

: وهي معنى آيات من كتاب الله.

(1)

انظر: القرطبي (7/ 202)، شرح الطحاوية (127، 128).

(2)

مضى عند تفسير الآية (42) من سورة الأنعام.

ص: 186

أُطلقت الأمة في القرآن على الطائفة المجتمعة في دين أو نِحْلَة. وهذا أكثر إطلاقاتها، نحو:{كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ} [المؤمنون: آية 44]{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [البقرة: آية 213]{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} [الأعراف: آية 34].

وأُطلقت الأمة في آية من كتاب الله على الرجل المُقْتَدى به الذي هو إمام؛ لأن إبراهيم قال الله له: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} [البقرة: آية 124] ولذا سمَّاه أمة في قوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لله} .

وأُطلقت الأمة في القرآن على البُرهة من الزمن، والقطعة من الدهر. ومنه بهذا المعنى قوله في أوّل سورة هود:{وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} [هود: آية 8] إلى مدة معينة من الدهر. وقوله في سورة يوسف: {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف: آية 45] أي: تذكَّر بعد برهة من الزمن.

وأُطلقت الأمة في القرآن - وهو كثير في كلام العرب - على نفس الشريعة والملة. وإطلاق الأمة على الدين والطريقة الذي هو الشريعة والملة متعدد جدّاً في القرآن، ومنه قوله تعالى عن الكفار:{إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف: آية 23] أي: على مِلَّةٍ وشَرِيعَة ودين {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [الأنبياء: آية 92] أي: دينكم وشريعتكم وملتكم طريقة واحدة، وهذا المعنى مشهور في كلام العرب، ومنه قول نابغة ذبيان

(1)

:

حَلَفْتُ فلم أتْرك لنَفْسِكَ رِيْبَةً

وَهَلْ يَأْثَمنْ ذُو أمَّةٍ وَهُوَ طَائِعُ؟

(1)

السابق.

ص: 187

يقول: وهل يأثمن صاحب دين فيرتكب ما يخالف دينه وهو طائع؟ يقول هذا وهو كافر.

وقوله: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ} من الأمم {أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ} أي: جاء الوقت المعين المحدد لإهلاكهم هلكوا. كقوم نوح لمّا جاء الوقت المحدد لهم - المشار إليه بقوله: {وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} [هود: آية 40]- أُهلكوا، وقوم هود لمّا جاء الوقت المحدد لإهلاكهم أرسل الله عليهم الرِّيحَ العقيم {مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42)} [الذاريات: آية 42] {فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} [الحاقة: آية 6] وكذلك قوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وفرعون وقومه، كل أمة من الأمم جاء الوقت المحدد لها وأراد الله إهلاكها أهلكها عند الوقت المعين؛ لأن قريشاً استعجلوا بالعذاب فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم:{مَا يَحْبِسُهُ} [هود: آية 8] ما يحبس العذاب؟ {عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} [ص: آية 16] وأصل (القِط) في لغة العرب: هو الصك الذي يكتب به الملك الجوائز للزائرين، لأنه يكتب أوراقاً كل واحدة فيها عطاء فلان، فتلك الورقة المكتوب فيها جائزة كل إنسان ممن زار الملك هي قِطُّه، وهو معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر:

وَلَا المَلِكُ النُّعْمَانُ يَوْمَ لَقِيْتَهُ

عَلَى مُلْكِه يُعْطِي القُطُوطَ وَيأْفِقُ

(1)

ومعنى (يأفق): يفضل بعضاً على بعض في العطاء، فقوله:{عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا} أي: نصيبنا من العذاب الذي تزعم، فاستعجلوا بالعذاب، والله يقول {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ} [الحج: آية 47] وقد

(1)

تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (57) من سورة الأنعام.

ص: 188

جاء استعجالهم به في آيات كثيرة، فبين لهم في هذه الآية من سورة الأعراف أن الله إن أراد إهلاك أمة أو عذابها فلذلك وقت معين محدَّد عنده لا يتقدَّمه ولا يتأخره {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ} المعين لإهلاكهم والقضاء عليهم {لَا يَسْتَأْخِرُونَ} عن ذلك الأجل {سَاعَةً} بل يهلكون عند وقت مجيء الأجل ولا يتقدمون عنه، ولا يمكن أن يهلكوا قبله ولا أن يتأخروا عنه؛ لأنها مواقيت معينة لا يسبقها ما عُيِّن لها ولا يتأخر عنها.

وقوله في هذه الآية الكريمة: {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ} قرأ هذا الحرف ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي:{فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُم} بتحقيق الهمزتين، وقرأه أبو عمرو، وقالون عن نافع، والبزِّي عن ابن كثير:{فإذا جا أجلهم} بإسقاط إحدى الهمزتين. والقرّاء مختلفون: هل الهمزة الساقطة هي الأولى أو الثانية؟ وقرأه ورش عن نافع، وقنبل عن ابن كثير:{فإذا جاآجلهم} [الأعراف: آية 34] بإبدال الهمزة الثانية مدّاً للأولى

(1)

.

وقوله: {لَا يَسْتَأْخِرُونَ} قرأه عامة القراء: {لَا يَسْتَأْخِرُونَ} بتحقيق الهمزة، إلا أن ورشاً قرأه عن نافع، والسوسي عن أبي عمرو:{لا يستاخرون} بإبدال الهمزة ألفاً

(2)

، والكل قراءات صحيحة، ولغات عربية فصيحة.

ومعنى: {لَا يَسْتَأْخِرُونَ} عنه، أي: عن ذلك الأجل {وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} أي: لا يتقدمون عنه.

(1)

انظر: النشر (1/ 382 - 383)، البدور الزاهرة ص78، ص114.

(2)

انظر: النشر (1/ 390 - 393)، البدور الزاهرة ص 114.

ص: 189

وإنما ذكر الساعة مع أنهم لا يتقدمون عنه بلحظة ولا يتأخرون؛ لأن عادة العرب أن يطلقوا الساعة في أقل الأوقات، مع أنهم لا يتأخرون لحظة ولا دقيقة {وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} عن الوقت المضروب لذلك الإهلاك.

{يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35)} [الأعراف: آية 35] قرأ هذا الحرف عامة القراء غير أبي عمرو {يا بني آدم إما يأتينكم رُسُلٌ منكم} بضم السين والراء، وقرأه أبو عمرو:{يا بني آدم إِما يأتينكم رُسْلٌ منكم} بسكون السين. وتخفيف (الفُعُل) بإسكان العين قراءة معروفة ولغة مشهورة، كما تقول العرب: كُتُب وكُتْب، ورُسُل ورُسْل

(1)

.

لما أخرج الله آدم من الجنة بَيَّنَ لذريته أن الجنة بعد أن أُخرج منها آدم وحواء لا يمكن أن يدخلها أحد إلا بعد تكاليف ومشاق، وأخبرهم أنه سيرسل لهم الرسل بالأوامر والنواهي، فمن أطاع أمره واجتنب نهيه واتبع رسله أدخله جنته وَرَدَّهُ إلى الوَطَنِ الأوَّل، ومَنْ كَفَرَ وعصى وتمرَّد أدْخَلَهُ النَّار وأخْلَدَهُ فيها والعياذ بالله.

{يَا بَنِي آدَمَ} يا أولاد آدم، والنون فيه محذوفة للإضافة، وأصل (البنين) من الملحق بالجموع المذكرة السالمة؛ لأنه ليس من الوصف ولا من العَلَم، ولا ينقاس جمع المذكر السالم إلا في الأوصاف والأعلام، فهذا من الملحقات به. {يَا بَنِي آدَمَ} معناه: يا أولاد آدم الذي استزَلَّه الشيطان بوساوسه وغروره من الجنة إلى دار

(1)

انظر: إتحاف فضلاء البشر (1/ 404)، البدور الزاهرة ص116.

ص: 190

الأكدار والبلايا. {إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} (إنْ) هنا هي (إنْ) الشرطية التي زيدت بعدها (ما) لتوكيد الشرط.

فقوله {إمَّا} [الأعراف: آية 35] أصله: إن يأتكم رسل منكم

(1)

. فزيدت (ما) لتوكيد الشرط، وزيادة (ما) بعد (إن) الشرطية لتوكيد الشرط أسلوبٌ عربي معروف. وإن زيدت (ما)[بعد]

(2)

(إن) الشرطية في الفعل المضارع، قال بعض علماء العربية: يجب حينئذٍ توكيده بنون التوكيد، وهو لغة القرآن، فما جاء في القرآن (إمّا) قبل فعل مضارع إلَاّ وأُكِّد ذلك المضارع بنون التوكيد في جميع القرآن من غير استثناء حرف واحد، كقوله:{وَإمَّا يَنزَغَنَّكَ} [فصلت: آية 36]{فَإمَّا نَذهَبَنَّ بِكَ} [الزخرف: آية 41]{فإمَّا تثْقَفَنَّهُمْ فِى الحَرب} [الأنفال: آية 57]{وإمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ} [الرعد: آية 40] وهكذا. ومن هنا زعمت جماعة من علماء العربية أن توكيد المضارع بنون التوكيد بعد (إما) أنه لازم؛ لأنه جاء به القرآن في جميع الحروف القرآنية التي فيها (إما) قبل المضارع وممن قال بلزوم النون: الزجّاج

(3)

والمبرّد

(4)

.

وخالف جماعة آخرون فقالوا: توكيده بالنون بعد (إمّا) حسنٌ طيبٌ، إلا أنه ليس بواجب ولا بلازم، وممن قال بأنه غير لازم: سيبويه

(5)

والفارسي. واستدلّوا على عدم لزومه بكثرة سقوط النون

(1)

انظر: البحر المحيط (4/ 167)، الدر المصون (1/ 298 - 301).

(2)

في الأصل: «قبل» وهو سبق لسان.

(3)

معاني القرآن وإعرابه للزجاج (1/ 117).

(4)

الكامل (1/ 378 - 379).

(5)

الكتاب (3/ 515)، وانظر: التوضيح والتكميل (2/ 256).

ص: 191

في أشعار العرب، وسقوط نون التوكيد من الفعل المضارع بعد (إما) لا تكاد تحصيه في أشعار العرب، وهو كثير جدّاً في كلامهم، ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس

(1)

:

فإمّا تَرَيني ولي لمَّةٌ

فإنَّ الحَوَادِثَ أوْدَى بِهَا

فلم يأت بالنون في قوله: (تريني) وهو بعد (إما)، ومنه قول لبيد بن ربيعة العامري

(2)

:

فَإِمَّا تَرَيْنِي يَوْمَ أَصْبَحْتُ سِالِماً

وَلَسْتُ بِأَحْظَى مِنْ كِلَابٍ وَجَعْفَرِ

ومنه قول الشنفرى

(3)

:

فَإِمَّا تَرَيْنِي كَابْنَةِ الرَّمْل ضَاحِياً

عَلَى رِقِّةٍ أَحْفَى وَلا أَتَنَعَّلُ

ومنه أيضاً قول الأفوه الأودي

(4)

:

إِمَّا تَرَيْ رَأْسِيَ أَزْرَى بِِهِ

مَاسُ زَمانٍ ذِي انْتِكَاسٍ مَؤُوس

ومنه قول الآخر وهو حماسي

(5)

:

زَعَمَتْ تَمَاضِرُ أَنَّنِي إِمَّا أَمُتْ

يَسْدُدُ أُبَيْنُوهَا الأَصَاغِرُ خلّتِي

(1)

ديوان الأعشى ص28، رصف المباني ص103، الدر المصون (1/ 300).

(2)

البيت في ديوانه ص67، ولفظه:

فإما تريني اليوم عندك سالماً

فلست بأحيا من كلاب جعفر

(3)

البيت في البحر المحيط (4/ 167)، الدر المصون (1/ 299).

(4)

البيت في البحر المحيط (6/ 185)، الدر المصون (7/ 591)، والماس: الطيش، والمؤوس: الإفساد.

(5)

البيت في البحر المحيط (4/ 167)، الدر الصون (1/ 299).

ص: 192

وقول الآخر

(1)

:

يَا صاح إمَّا تَجدْني غَيرَ ذي جِدَةٍ

فما التَّخَلِّيَ عَن الخِلاّن مِنْ شِيَمِي

وأمثال هذا كثيرة في كلام العرب، فاستدل سيبويه والفارسي ومن وافقهما بهذه الشواهد على أن [توكيد المضارع بنون التوكيد بعد (إما) غير لازم.

[6/أ] كما دلت الآية على أن الرسل الذين يُبعثون إلى الناس أنهم]

(2)

/ آدميون مثلهم؛ لأنهم لو أُرسل لهم ملك لما تمكنوا من الأخذ منه؛ لأن الملائكة لا يُجَانِسُونَ بَنِي آدَمَ؛ ولذا كان جبريل إذا أتى النبي صلى الله عليه وسلم في أغلب الأحوال يتمثَّل له في صورة رجل هو دحْيَة بن خليفة الكلبي كما هو معروف

(3)

،

وقد قدَّمنا إيضاح هذا في

(1)

البيت في البحر المحيط (4/ 167)، الدر الصون (1/ 299).

(2)

وقع انقطاع في هذا الموضع، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.

(3)

جاء هذا في عدة روايات عن جماعة من الصحابة منهم:

1 -

أم سلمة رضي الله عنها. أخرجه البخاري في المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، حديت رقم:(3634)، (6/ 629) وطرفه في (4980). ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضانل أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها حديث رقم:(2451)، (4/ 1906).

2 -

عائشة رضي الله عنها، ذكره ابن عساكر (مختصر تاريخ دمشق 8/ 162).

3 -

ابن عمر رضي الله عنه عند أحمد (2/ 107)، وذكره الحافظ في الإصابة (1/ 473)، وصححه.

4 -

أنس رضي الله عنه ذكره الهيثمي في المجمع (9/ 378)، وقال:«رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عفير بن معدان وهو ضعيف» اهـ.

5 -

أبو هريرة وأبو ذر رضي الله عنهما عند النسائي في الإيمان وشرائعه، باب صفة الإيمان والإسلام. حديث رقم (4991)(8/ 101)، في آخر حديث جبربل الطويل. وقد ضعف الحافظ في الفتح (1/ 125)، هذه الزيادة ونسبها إلى الوهم. وانظر: ضعيف النسائي (375).

ص: 193

سورة الأنعام في الكلام على قوله: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ (9)} [الأنعام: آية 9] فَكَوْن الرُّسُل إلى بني آدم من جنسهم ومن نوعهم يسهِّل عليهم الأخذ منه، وتسهل عليهم معاشرتهم وصحبتهم والاهتداء بهديهم هو مِنْ نِعَمِ اللهِ -تعالى- عليهم، مع أنّ كون الرسل منهم هي شبهة أضلهم الله بها. كل قوم إذا جاءهم رسول منهم يقولون: كيف تكون رسولاً وأنت من جلدتنا، وتشرب كما نشرب، وتأكل كما نأكل، وتروح للسوق تشتري حاجتك، مثل هذا لا يكون له فضل علينا، وهذا كثيرٌ في القرآن، وبيّن الله في سورة بني إسرائيل أنه سبب مانع من إيمانهم جميعاً حيث قال في سورة بني إسرائيل:{وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلَاّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ الله بَشَراً رَّسُولاً} [الإسراء: آية 94] فجعلوا بعثة البشر من المحال، وقالوا:{أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} [القمر: آية 24]{مَا أَنتُمْ إِلَاّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} [يس: آية 15]{وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} [المؤمنون: آية 34]{مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: آية 7] وقد بيّن لهم الله أن جميع الرسل من جنس الناس الذين يرسلون إليهم، كقوله:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً} [الرعد: آية 38]{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَاّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى} [يوسف: آية 109] وهذه من نعم الله علينا.

ص: 194

وقوله: {مِنكُمْ} [الأعراف: آية 35] يدل على أنه قد يوجد رسل آخرون ليسوا منا، وهو كذلك؛ لأن من الملائكة رسلاً، والملائكة ليسوا من جنسنا، كما قال الله:{اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: آية 75] وقال: {جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ} الآية [فاطر: آية 1]، {يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} أي: إن يجئكم من تلقائي ومن عندي رسل من جنسكم ونوعكم أرسلتهم إليكم، كما قال للنبي صلى الله عليه وسلم في أول سورة يونس:{أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ} [يونس: آية 2] لا عجب في هذا {أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ} [الأعراف: آية 63] لا عجب في هذا.

{إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} {يَقُصُّونَ} معناه: يقرءون ويتلون عليكم آياتي في كتبي التي نزلتها على رسلي لينذروكم بها، ويبينوا لكم فيها العقائد، والحلال، والحرام، والأمثال، والجنة، والنار، وخبر الدنيا والآخرة، وما يستوجب به العبد رضا الله، وما يستوجب به سخطه، {إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} [الأعراف: آية 35] فاعلموا أن من اتبع رسلي وأطاعني صار إلى أحسن ما يكون، ومن كذب رسلي واستكبر عن آياتي وعصاني فسيصير إلى أسوأ ما يكون؛ ولذا قال:{فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} {فَمَنِ اتَّقَى} أي: اتقى الله بأن صدّق رسله وامتثل أوامره التي جاءت بها الرسل، واجتنب نواهيه التي جاء نهي عنها على ألسنة الرسل، وأطاع الله فيما جاءت به رسله، وأصلح عمله بطاعة الله (جلّ وعلا)،

ص: 195

وجريان عمله على الوجه الذي يرضي الله الذي شرعه الله على ألسنة رسله، فهؤلاء الصنف الذين صدّقوا رسلي، وآمنوا بي، وأطاعوني، أصلحوا أعمالهم باتباع الرسل، واتقوا ربهم بامتثال أمره واجتناب نهيه، فهؤلاء يوم القيامة عندما يكون الفزع الأكبر آمنون، لا يخافون ولا يحزنون.

فقوله: {لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} الخوف في لغة العرب -أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منه- هو غم من أمر مستقبل في غالب الأحوال، فإذا كان إنسان يغتم من أمرٍ مستقبل يتوقع وقوعه عليه فهذا هو الخوف. أما الحزن: فهو الغم من أمر فائت، كأن تصيبه مصيبة أو بلية وتقع فيبقى مغموماً مما وقع، فهذا حزين. وربما وضعت العرب الخوف مكان الحزن، والحزن مكان الخوف قليلاً

(1)

، وربما أطلقت العرب الخوف وأرادت به (العِلْم) إطلاقاً غير كثير. قال بعض العلماء: منه في القرآن: {إِلَاّ أَن يَخَافَا أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ الله} [البقرة: آية 229] أي: إلا أن يعلما، فإن علمتم. ومن إطلاق الخوف على (العلم) كما ذكرنا قول أبي محجن الثقفي

(2)

:

إِذَا مِتُّ فَادْفِنِّي إِلَى جَنْبِ كَرْمَةٍ

تُروِّي عِظَامِي في المَمَاتِ عُرُوقُهَا

وَلَا تَدْفِنُنِّي بِالفَلاةِ فَإِنَّنِي

أَخَافُ إذا مَا مِتُّ أَلَاّ أَذُوقَهَا

(1)

في معنى الخوف والحزن والفرق بينهما راجع ما تقدّم عند تفسير الآية (48) من سورة الأنعام.

(2)

تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (48) من سورة الأنعام.

ص: 196

فإن قوله هنا (أخاف): أعلم وأتيقَّن؛ لأنه عالم أنه إذا مات لا يشرب الخمر بعد موته كما لا يخفى.

وقوله هنا: {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} المعروف في علم العربية أن (لا) التي هي لنفي الجنس إذا تكررت بأن عُطفت عليها أخرى لا يلزم إعمالها بل يجوز إعمالها وإهمالها، والذي سوَّغ إهمالها

(1)

في قوله: {لَا خَوْفٌ} لأن المعطوفة عليها وهي: {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأعراف: آية 35] جاءت بعدها معرفة وهي لا تعمل إلا في النكرات

(2)

. فَلَمَّا اسْتَحَالَ عَمَلُ الثَّانِيَة أُهملت الأولى لتَجَانُس الحرفين في عدم العمل، هكذا قاله بعض العلماء، وله وجهٌ من النظر.

وقوله: {اتَّقَى} أصل مادة (الاتقاء) هي من (الوقاية)، أصل (اتقى) من (وقى) ففاء الكلمة واو، وعينها قاف، ولامها ياء، أصلها (وقى) كما تقول:(ونى، وودى، ووشى، ووقى) دخلها تاء الافتعال، كما تقول في (قرب): اقترب، وفي (كسب): اكتسب، وفي (وقى): اوتقى. والقاعدة المقررة في التصريف: أن تاء الافتعال إذا دخلت على كلمةٍ فاؤها واو وجب إبدال الواو تاءً، ثم تدغم التاء المبدلة من الواو في تاء الافتعال الزائدة فيصير معناه: اتقى

(3)

.

(1)

انظر: التوضيح والتكميل (1/ 288 - 290).

(2)

انظر: التوضيح والتكميل (1/ 284 - 285)، أوضح المسالك (1/ 203)، الدر المصون (5/ 304).

(3)

مضى عند تفسير الآية (48) من سورة البقرة.

ص: 197

وأصل الاتقاء في لغة العرب

(1)

: معناه أن تجعل بينك وبين الشيء وقاية تمنعك منه. تقول العرب: اتقيت السيوف بِمِجَنِّي، واتقيت الرمضاء بنعلي. فكل ما جعلت بينك وبينه شيئاً يقيك منه فقد اتقيته. وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول نابغة ذبيان

(2)

:

سَقَطَ النَّصيفُ ولم تُرِدْ إِسْقَاطَهُ

فَتَنَاولَتْهُ واتَّقَتْنَا بِالْيَدِ

أي: جعلت يدها وقاية دون وجهها لئلا نراه. هذا أصل الاتقاء في لغة العرب.

وهو في اصطلاح الشرع: أن يجعل العبد في دار الدنيا وقاية تقيه من سخط الله وعذابه وعقابه، هذه الوقاية التي تَقِي سخط الله وعذابه، هي امتثال أوامر الله، واجتناب نهي الله. فمن امتثل أمر خالقه واجتنب نهيه فقد اتخذ وقاية تقيه سخطه وعذابه؛ ولذا سمي: الاتقاء.

وهو مراتب كثيرة: منها اتقاء الشرك، واتقاء المحرمات، واتقاء الشبهات خوفاً من الوقوع في الحرام كما هو معروف.

وربما اعتدَّت العرب بأصل (الواو) مبدلاً من (تاء) من غير زيادة شيء، كما قالوا:(تَقَاهُ يتْقيه) والأصل: (وقاه يقيه) فأبدلوه

(1)

السابق.

(2)

السابق.

ص: 198

تاء من غير إدغام. وهذا موجود في كلام العرب نادر، ومنه قوله:{إِلَاّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران: آية 28] لأن (تُقَاة) أصله (وُقَاة) من غير إدغام، ومنه بهذا المعنى قولهم:«تقى الله يَتْقيه» بمعنى: اتقاه يتَّقيه. والأصل: (وقاه يقيه) ولا موجب للإبدال هنا يستوجبه، إلا أنهم راعوا فيه المشدد الذي فيه موجب الإبدال. ومن (تَقَاه يتْقيه) بالتخفيف قول الإمام الشعبي رحمه الله الذي قال بعضهم فيه: إنه شاعر العلماء رحمه الله مع علمه وجلالة قدره

(1)

:

يقولُ لِيَ المُفْتي وهُنَّ عَشِيَّةً

بمكةَ يَسْحَبْنَ المُهَذَّبَة السُّحْلا

تَقِِ اللهَ لا تَنْظُرْ إِلَيْهِنَّ يَا فَتًى

وما خِلْتني في الحج مُلْتَمِساً وصلا

ووالله لا أنْسَى وَإنْ شطَّتِ النَّوى

عَرَانِينَهُنّ الشُّمَّ والأعْيُنَ النُّجْلا

وَلا المِسْكَ مِنْ أَعْرَافِهِنَّ وَلا البُرَا

جَوَاعِل في أوْسَاطِهَا قَصَباً خَذْلا

وَوَالله لَوْلا اللهُ مَا قُلْتُ مَرْحَباً

لأَوَّلِ شَيْبَاتٍ طَلَعْنَ وَلا أهْلا

والشاهد في قوله:

تق الله لا تنظر إليهن يا فتى

. . . . . . . . . . . . . . .

لأن أصله: «اتق الله» إلا أنه خُفِّف، وأُبدلت التاء من الواو مع التحقيق، وهي لغة.

(1)

البيت الأول ذكره العكبري في شرحه للمتنبي (4/ 86)، ونسبه للقحيف. فلعل الشعبي رحمه الله تمثل بها، والأبيات في معجم الأدباء (4/ 1479)، الأغاني (24/ 88)، وفي الأمالي (2/ 124) وفيه أنهم سألوا الشعبي رحمه الله عن قائل هذه الأبيات فسكت ففهموا أنه قائلها. وصدر البيت الأخير في الأمالي: «خليلي لولا الله

».

ص: 199

وقوله: {وَأَصْلَحَ} حَذَفَ المفعولين هنا، وقد تقرر في علم النحو أن حَذْفَ المفعول إذا دل المقام عليه جائز:

وحَذْفَ فَضلَةٍ أَجِزْ إنْ لَم يَضُرِ

(1)

.................................

وتقرير المعنى: {فَمَن ِاتَّقَى} الله بامتثال أوامره واجتناب نهيه، {وَأَصْلَحَ} عمله باتباع الرسل ومراعاة الله (جلّ وعلا) فيما يأمر به وما ينهى عنه {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأعراف: آية 35] أي: ليس أمامهم شيء يغتمون منه؛ لأنه لم يكن أمامهم إلا الخير الدائم، والنعيم السرمدي {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} على شيءٍ فائت؛ لأنهم كلما طلبوا أُعطوا، فلا يحزنون على فائت؛ لأن جميع رغباتهم حاضرة موجودة. وإذا كانت أُمنيات الإنسان كلها حاضرة موجودة فإنه لا يأسف على شيء فائت؛ لأنه لم يفته شيء، وهذا معنى قوله:{فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} .

{وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلََئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف: آية 36] يعني: إن جاءتكم رُسُلِي فالذين أطاعوا رسلي واتقوني فهم آمنون لا يلحقهم خوف ولا حزن، وهم في جنات النعيم، وأمَّا الذين عصوني وعصوا رسلي، ولم يطيعوني، ولم يمتثلوا أمري، وأمّا {وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} فقالوا للرسل: هذا الذي جئتم به كذب، بل هو سحر، أو شعر، أو كهانة، أو أساطير الأولين، هذا تَلَقَّيْتُمُوهُ عَنْ غَيْرِكُمْ {وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا} أي:

(1)

هذا هو الشطر الأول من البيت، وشطره الآخر:

..................................

كحذف ما سيق جَوَاباً أوْ حُصِرْ

وهو في الخلاصة ص28.

ص: 200

تَكَبَّرُوا عن العمل بها كأبي جهل وأبي لهب وأمثالهم من هذه الأمة والأمم السابقة {وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلََئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ} [الأعراف: آية 36].

{أُوْلَئِكَ} أشار لهم إشارة البعيد؛ لأنهم بُعداء بُغضاء ينبغي أن يتباعد منهم، ومن الاقتداء بهم، ومن الاتصاف بصفاتهم.

وسمّاهم {أَصْحَابُ النَّارِ} لأن العرب كثيراً ما تطلق المصاحبة على الاجتماع الطويل. والمراد بالنار - والعياذ بالله - نار الآخرة، وهي أَحَرُّ من نار الدنيا بسبعين ضعفاً - نعوذ بالله - تَنْمَاع من حرِّها الجبال، وحرُّها لا يُقَادَر قدره.

وأصل الألف التي بين النون والراء أصلها واو. أصل النار (نَوَر) بدليل أن التضعيف الذي يردُّ العين إلى أصلها يبين ذلك، تقول:(تنَوَّرتُ) إذا نظرت النار من بعيد، فلو كانت يائية العين لقيل فيها:(تَنَيَّرْتُ) فلما قالوا: (تنورت) علمنا أن أصل الألف التي في محل العين واو، ومنه تصغير العرب لها على (نُويرة) فلو كانت يائية العين لقالوا:«نُييرة»

(1)

ومما يدلُّ عليه قوله

(2)

:

تَنَوَّرتُهَا مِنْ أَذْرعَاتٍ وَأَهْلِهَا

بِيَثْرِبَ أَدْنى دَارِهَا نَظَرٌ عِالي

(1)

مضى عند تفسير الآية (128) من سورة الأنعام.

(2)

السابق.

ص: 201

فَتَنَوَّرْتُ نَارُهَا مِنْ بَعِيدٍ

بخزَازَى، هيهات منك الصَّلاءُ

(1)

قال بعض العلماء: والنار من قولهم: (نَارَت الظبية): إذا ارْتَفعت جافلة؛ لأن طبيعتها الخفة والطيش والارتفاع أعاذنا الله والمسلمين منها

(2)

.

{هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أصل الخلود في لغة العرب: المكث زماناً طويلاً، ومنه قول لبيد

(3)

:

............................

صُمّاً خَوَالِدُ مَا يُبِينُ كَلامُهَا

يعني: أثافي القدر، أنها مكثت في محله من الديار زمناً طويلاً. والمراد بالخلود هنا على التحقيق: الخلود السرمدي الأبدي الذي لا انقضاء له أبداً. فأهل النار الكفار خالدون فيها أبداً.

وما روي عن بعض السلف من الصحابة فمن بعدهم أن النار تفنى، وتخفق أبوابها ليس فيها أحد، وأنها ينبت في محلها الجرجير

(4)

فإن ذلك يجب حمله كما جزم به الشيخ البغوي

- وهو صادق - على الطبقة التي كان فيها عصاة المسلمين

(5)

، لأن عصاة

(1)

البيت للحارث بن حلِّزة، وهو في اللسان (مادة: نور) (3/ 740)، وقوله:(بخزازَى) جبل بين منْعج وعاقل.

(2)

مضى عند تفسير الآية (128) من سورة الأنعام.

(3)

شرح القصائد المشهورات (1/ 135)، وصدره:

فوقفت أسألها وكيف سؤالُنا

..........................................

(4)

انظر: التذكرة للقرطبي ص437.

(5)

وانظر: تفسير البغوي (2/ 403) وراجع ما مضى عند تفسير الآية (128) من سورة الأنعام.

ص: 202

المسلمين الذين ماتوا مرتكبي الكبائر يدخل بعضهم النار ويُخرجون منها حتى لا يبقى فيها أحدٌ ممن في قلبه مثقال حبة من إيمان، ولهم طبقة؛ لأن للنار سبعة أبواب، لكل باب منهم جزء مقسوم، فإذا خرج الموحدون منها فلا مانع من فناء الطبقة التي كانوا فيها، أما الكفَّار فقد دلت نصوص الوحي العظيمة على أنهم خالدون فيها أبداً خلوداً سرمديّاً لا انقضاء له أبداً. وفي خلودهم الأبدي سؤالات معروفة:

أحدهما أن الله قيده بالمشيئة في سورة الأنعام، وفي سورة هود، حيث قال في سورة الأنعام:{قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَاّ مَا شَاءَ اللهُ} [الأنعام: آية 128] وقال في سورة هود: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَاّ مَا شَاء رَبُّكَ} [هود: الآيتان 106، 107].

السؤال الثاني: أن الظرف في سورة النبأ -الظرف المُنَكَّر- يدل على المفهوم، وهو قوله:{لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً (23)} [النبأ: آية 23] فالأحقاب: أزمنة مُنكَّرة يدل على أن لها انقضاء.

السؤال الآخر: سؤال فلسفي بارد، يستدل به الفجرة الملاحدة، يقولون: العقل لا يدرك أن يخلدوا فيها أبداً؛ لأن الله أحكم الحاكمين، وهو ذو عدلٍ وإنصافٍ بالغ، هو الحَكَم العدل (جلّ وعلا)، وهم إنما ارتكبوا المعاصي في الدنيا في أيام محدودة قليلة، فكيف يكون زمن المعصية محدوداً قليلاً وزمن الجزاء لا انقطاع له أبداً؟! قال الملحدون في هذا: لا مناسبة إذاً بين العمل والجزاء، فالعمل في مدةٍ وجيزة، والجزاء لا انقضاء له. فيقول

ص: 203

الملحد: هذا لا يظهر فيه كمال الإنصاف؛ لأنه ينبغي أن يكون الجزاء بحسب العمل، والعمل قليل في أيامٍ معدودة فكيف يكون الجزاء لا نهاية له؟!

والجواب عن الآيات لو تتبعنا جميع الأجوبة فيه لطال جدّاً، ولكننا نلمُّ بطرف منه باختصار، فنقول: إن الله (جلّ وعلا) ذكر خلود أهل الجنة وخلود أهل النار، واستثنى في كل واحدٍ منهما بمشيئته، قال في خلود أهل النار:{خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَاّ مَا شَاء رَبُّكَ} [هود: آية 107]{قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَاّ مَا شَاء الله} [الأنعام: آية 128] وقيّد خلود أهل الجنة بالمشيئة أيضاً قال: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ} [هود: آية 108] وفي القراءة الأخرى

(1)

: {وَأَمَّا الَّذِينَ سَعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَاّ مَا شَاء رَبُّكَ} فالقيد بالمشيئة في خلود الطائفتين - خلود أهل الجنة وخلود أهل النار، وهذه المشيئة - قد بينت الآيات في كل من الفريقين أن خلود كل واحدٍ منهما لا انقطاع له أبداً، قال تعالى في خلود أهل الجنة:{عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} أي: خلوداً في النعيم غير مقطوع {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ (54)} [ص: آية 54] أي: لا انقطاع له أبداً {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ} [النحل: آية 96] أي: لا انقطاع له أبداً من نعيم الجنة.

[أما النار التي فيها الكفار فالتحقيق أنها باقية لا تفنى؛ لأن الله صرح بذلك في آيات كثيرة، فصرح بأنها لا تفنى حيث قال:

(1)

انظر: المبسوط لابن مهران ص242.

ص: 204

{كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} ومعلوم أن {كُلَّمَا} تتكرر]

(1)

بتكرر الفعل الذي قيّد به، والله يقول:{كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} [الإسراء: آية 97] وهو صريح في أنه ليس للنار خبوة نهائية ليس بعدها زيادة سعير، فمن قال: إن لها خبوة نهائية، وفناء ليس بعدها سعير، نقول: يكذبك القرآن في نص قوله: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} [الإسراء: آية 97] فهو نص صريح في أنه لم تكن هناك خبوة إلا بعدها زيادة سعير إلى ما لا نهاية.

والآيات الدالة على الدوام الأبدي كثيرة {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} [الفرقان: آية 65]{لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75)} [الزخرف: آية 75] إلى آيات كثيرة.

أما آية النبأ، وهي قوله:{لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً (23)} [النبأ: آية 23] فقد بينتها غاية البيان آية سورة ص، وإيضاح ذلك أن المعنى:{لَابِثِينَ فِيهَا} أي: في النار {أَحْقَاباً} في حال كونهم في تلك الأحقاب {لَاّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلَا شَرَاباً (24) إِلَاّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً (25)} [النبأ: الآيتان 24، 25] فإذا انقضت أحقاب الحميم والغسَّاق عُذِّبوا بأنواع أُخر وأشكال لا نهاية لها.

والدليل على أن هذه الأحقاب مختصة بأحقاب الحميم والغساق، وأن لهم أشكالاً من العذاب غير هذا صرّح الله به في سورة ص، وخير ما يُبَيَّنُ به القرآنُ بالقرآن، حيث قال تعالى: {هَذَا

(1)

وقع مسح في التسجيل في هذا الموضع، وتم استدراك النقص من كلام الشيخ رحمه الله عند تفسير الآية (128) من سورة الأنعام (مع شيء من الاختصار).

ص: 205

وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58)} [ص: الآيات 55 - 58] فبيَّنَ أَنَّ هنالِكَ أشْكَالاً وأنواعاً من العَذَاب، غير أحقاب الحميم والغسَّاق، فدل على عدم الانتهاء.

أما الشبهة الباردة الفلسفِيَّةُ التي يقولون فيها: إن العَبْدَ في دار الدنيا عمل المعاصي في مُدَّة وَجِيزَة، وهي مدة عمره القليلة، فكيف يكون عمل المعاصي في زمن قليل وجزاؤها دائم لا يزول؟!

فجواب هذه الشبهة الباردة الملحدة: أن الخبث والكفر الذي انطوت عليه قلوبهم وتمرَّدُوا بِسَبَبِه على الله منطوية عليه قلوبهم أبداً، لا يزول منها أبداً، فكان العذاب أَبَدِيّاً سرمديّاً؛ لأن سبب ارتكابه كان في القلب، أبدي سرمدي، والآيات الدالة على هذا كثيرة؛ كَقَوْلِهِ تَعَالى عنهم أنهم لما عاينوا النار، ورأوا عذاب الله وعظمة النار، وهول ذلك الموقف، وتمنَّوا الرجوع إلى دار الدنيا مرة أخرى ليطيعوا الرسل، ويعودوا إلى رضا الله، وتمنوا ذلك فقالوا:{يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنعام: آية 27] وفي القراءة الأخرى

(1)

: {وَلَا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} بيّن الله أن ذلك الخبث الذي كان في قلوبهم في دار الدنيا لم يَزُل أبداً حتى بعد الموت، ومعاينة النار ومعاينة العذاب، قال وهو أصدق من يقول:{وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: آية 28] فهو يبين أنهم كلما ردوا إلى الدنيا رجعوا إلى الكفر، وأن أصل

(1)

مضى عند تفسير الآية (101) من سورة الأنعام.

ص: 206

ذلك الكفر كامن في قلوبهم لا يزول، ومما يوضحه قوله في الأنفال {وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْراً لَاّسْمَعَهُمْ} (خيراً) نكرة في سياق الشرط، فهي تعم. معناه: أنّ الله لا يعلم في قلوبهم خيراً أبداً في وقتٍ من الأوقات كائناً ما كان، ولا زمن من الأزمان. ثم قال على الفرض:{وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ} [الأنفال: آية 23]. فتبين أن ذلك الشر الذي عصوا به الرسل وتمردوا به على الله دائم لا يزول، فكان جزاؤه دائماً لا يزول، فتطابق الجزاء والعمل؛ ولذا قال تعالى:{جَزَآءً وِفَاقًا (26)} [النبأ: آية 26] أي: جزاءً موافقاً لأعمالهم.

وهذا معنى قوله: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف: آية 36] أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منها.

فعلينا جميعاً في دار الدنيا أن نعمل العمل الذي يجنبنا النار، ونستعيذ بالله منها؛ لأنه لا قدرة لأحد على حر النار. وهذه النار التي هي كَلَا شَيْءٍ بالنسبة إلى حَرِّ تِلْكَ النَّارِ إذا مسَّك منها لهب شديد، أو وقعت يدك على نارٍ عرفت شدة حرها، وأنك لا تطيق النار العظمى أبداً، كما قال تعالى في نار الدنيا:{نَحنُ جَعَلْناهَا تَذْكِرَةً} [الواقعة: آية 73] فمن صَلِيَ بِحَرِّهَا تَذَكَّرَ نَارَ الآخرة، وعلم أنه لا يطيقها، فعليه أن يتحرَّز منها، ويتباعد عن أسبابها التي تُقرِّب إليها في دار الدنيا ما دامت الفرصة ممكنة. أما الذي يعلم بالنار، وبِحَرِّ النار، وهو في دار الدنيا يعمل عمل النار الذي يؤدي إليها فهذا كالفراشة التي تسقط في النار وتحرق نفسها، لا عقل له ولا تذكُّر. فعلى المسلم أن يعتبر بحرِّ النار وبشدة النار، ويضع يده قريباً من حر

ص: 207

النار الموجودة حتى يعلم أنه لا قدرة له على حرِّها، وأن حرّها أليم شديد، وأن تلك أحر منها بسبعين ضعفاً، وأنه يعمل على أن يتجنَّبَها ولا يصلاها؛ لأنه إذا عمل الأعمال التي تُورِدُهُ النار فهو ذاهِب العقل مضيع نفسه، موردها المهالك؛ إذ لا قدرة لأحد على حَرِّ النَّارِ، فاعلموا أيها الإخوان أنه لا قدرة لأجسامكم على النار، فاتقوا النار وأطيعوا الله، وأطيعوا رسوله صلى الله عليه وسلم واعملوا بما يرضيه، واحذروا من المعاصي والمنكرات التي تجركم إلى النار؛ لأنكم لا قدرة لكم على النار.

وإذا أردتم أن تعلموا أنه لا قدرة لكم على النار فليأت منكم أحد إلى كير شديد الوقود ثم يضع رجله أو يده فيه، هل له على ذلك طاقة {نَحْنُ جَعَلنَاهَا تَذكِرَةً} فاحذروا من النار، والحذر منها إنما هو ممكن في هذه الأيام التي أنتم فيها، فإذا انقضى الأجل المحدد ضاعت الفرصة، وأسفه الناس وأقلهم حلماً، وأرذلهم عقلاً هو من لا يَتَسَبَّب في أن يجانب حر النار ويقدم على النار، والذين يتجرءون قال الله فيهم:{فَمَآ أَصبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [البقرة: آية 175] لارتكابهم أسبابها -والعياذ بالله- فعلى المسلم العاقل أن يجتهد في إنقاذ نفسه من حر النار، وأن يعلم أنه لا طاقة له على النار فينظر في أوامر ربه فيمتثلها، وفي نواهيه فيجتنبها، ولا يغتر بالأساليب والشعارات الزَّائِفَة مِنْ تَقَدُّمٍ وحَضَارَة!! الذين يسمون أنفسهم (تقدميين) إذا ماتوا ووجدوا قبورهم تضطرم ناراً وخُلِّدوا في نار جهنم عرفوا في ذلك الوقت هل هم تقدميون أو متأخرون؟! بل هم والله متأخرون غاية التأخُّر، فالمتأخر هو الذي يهلك [نفسه]

(1)

، ولا يكون عنده ذهن ثاقب

(1)

في الأصل: (نفسها) وهو سبق لسان.

ص: 208

يعلم أوامر ربه، وعظمة من خلقه، ويطيع خالقه، ويمتثل أمره، ويجتنب نهيه، ويعمل في أن يُجنب نفسه حرّ جهنم، أعاذنا الله والمسلمين منها.

{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ (37)} [الأعراف: آية 37] والعياذ بالله.

قوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ} استفهام إنكار معناه النفي؛ أي: لا أحد أظلم. وفي هذه الآية سؤال معروف

(1)

، وهو أن معنى:{فَمَنْ أَظْلَمُ} لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً. وهذه تدل على أن المفتري على الله الكذب، والمكذِّب بآياته هو أعظم الناس ظلماً؛ لأن (أظلم) صيغة تفضيل، وأنه يفوق غيره ويفضله في الظلم، وقد جاءت آيات أخرى:{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى الله وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ} [الزمر: آية 32]{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ الله} [البقرة: آية 114] قال بعضهم: يظهر لطالب العلم في هذا شبه تعارض؛ لأنه قال: لا أحد أظلم من هذا، ولا أحد أظلم من هذا، ولا أحد أظلم من هذا.

وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة معروفة، أشهرها اثنان:

أحدهما، وَجَزَمَ بِهِ أبُو حَيَّان في كتابه البحر المحيط: أنه لا تعارض أصلاً بين الآيات، وإنما دَلَّتِ الآيات على أن كل من ذُكر في قوله:{فَمَنْ أَظلَمُ} لا يمكن أن يفوقه أحد من أهل الدنيا في

(1)

مضى عند تفسير الآية (93) من سورة الأنعام.

ص: 209

الظلم، إلا أنهم جميعاً متساوون لا يفوق بعضهم بعضاً، وهم يفوقون غيرهم في الظلم، كما لو قلت: ليس في هذا البلد أعلم من زيد، وليس فيه أعلم من عمرو. وزيد وعمرو مستويان في العلم، فتكون صادقاً، ولا معارضة بين قوليك. وهذا وجه ظاهر لا إشكال فيه، وهو كما قال أبو حيان.

الوجه الثاني: أنها تتخصص بِصِلَاتِها، وعليه فيكون المعنى:{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى} [الأعراف: آية 37] لا أحد من جنس المفترين أظلم ممن افترى على الله كذباً، ولا أحد من جنس المانعين أظلم ممن منع مساجد الله، ولا أحد من جنس المكذّبين أظلم ممن كذب على الله وكذَّب بالصدق، وهكذا. والظلم قد قدمنا معناه -مراراً- بشواهده العربية

(1)

.

{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِباً} الافتراء: الاختلاق، والقول بغير الواقع. والكذب: الأصح في أقواله أنه الإخبار بخلاف الواقع

(2)

.

وأقوال البيانيين فيه معروفة، والمراد هنا: الإخبار بغير الواقع، كقولهم إن مع الله شريكاً، وإن له ولداً، وإنه أمرهم بالفاحشة كطوافهم عراة، إلى غير ذلك من افتراءاتهم على الله.

{أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} التي جاءت بها رسله، فقال: إن هذا القرآن ليس بحق، إنه شعر، أو سحر، أو كهانة، أو أساطير الأولين. لا أحد أظلم ممن افترى هذا الكذب على الله بادعاء الشركاء والأولاد، وأنه حرم كذا وهو لم يحرمه، ولا أحد أظلم ممن كذَّب

(1)

مضى عند تفسير الآية (51) من سورة البقرة.

(2)

مضى عند تفسير الآية (93) من سورة الأنعام.

ص: 210

بآيات الله فجحد بها وقال: إنها من السِّحر، أو من الشعر، أو من كلام الكهنة، أو من أساطير الأوّلين، أو أنها عَلَّمَهَا له بَشَرٌ. لا أحد أظلم من هذا وهذا.

ثم قال: {أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ} في قوله: {أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ} المراد بهذا النصيب الذي ينالهم من الكتاب فيه أقوالٌ متقاربة لعلماء التفسير لا يكذِّب بعضها بعضاً

(1)

، أرجحها: ما دلت عليه القرينة القرآنية، قال بعض العلماء:{يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ} يرجعون إلى ما هم صائرون إليه مما كُتب لهم أزلاً، فمن كُتب له أن يموت على ذلك الشقاء مات عليه، ومن كُتب له أن يتوب تاب.

والتحقيق في معنى هذه الآية: أنَّ معنى {أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ} أنهم ينالهم ما كتب الله لهم في الدنيا مما ينالونه من الخير ومن الشر، من الصحة، والعافية، والرفاهية، والأمراض، والأحزان، والأموال، والرزق، والآجال، حتى يستكملوا في دار الدنيا ما سبق في علم الله أنهم ينالونه من الأرزاق، والنعمة، والعافية، والأولاد، والآجال، وما يصيبهم من الخيرات، والخِصْب، والأموال، وكذلك ما يلاقونه أيضاً من البأساء، والأمراض، والفقر، وتحديد الآجال، حتى إذا انتهى نصيبهم في هذه الدنيا مما كُتب لهم من خير أو شر، ورزق ومال وأجل لا يزالون كذلك {حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا} [الأعراف: آية 37] وعليه فـ (حتى) هذه غائية.

(1)

انظر: ابن جرير (12/ 408)، القرطبي (7/ 203)، ابن كثير (2/ 212).

ص: 211

وقال بعضهم: هي حتى الابتدائية التي تكون قبل ابتداء الجمل

(1)

. حتى إذا جاءت الواحد منهم بعد أن نال نصيبه المكتوب له في الدنيا من جميع الأنواع المكتوبة له من الأرزاق، والآجال، والأولاد، والعافية، والرزق، والأمراض، والهموم، ونحو ذلك.

{حَتَّى إذَا جَاءَتهُمْ رُسُلُنَا} المراد بالرسل هنا: جمع رسول. وهذه الرسل هي: ملك الموت وأعوانه، يقبضون أرواحهم.

واعلموا أن الله أسند قبض الروح في آية إلى نفسه -جلّ وعلا- حيث قال عن نفسه: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [الزمر: آية 42] وأسنده في آية لِمَلَك واحد، وهي قوله في السجدة:{قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} [السجدة: آية 11] وأسنده في آيات كثيرة لملائكة كثيرة مرسلين لذلك، كقوله هنا:{حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ} [الأعراف: آية 37] وكقوله: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ} [الأنعام: آية 61] وكقوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} [النساء: آية 97] ولا إشكال في الآيات

(2)

؛ لأن إسناد التوفي إلى الله؛ لأن كل شيء بمشيئته وقضائه وقدره، فلا تقع وفاة أحد إلا بمشيئته - جلّ وعلا - كما صرّح به في قوله:{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَاّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً} [آل عمران: آية 145] وإسناده لملك الموت لأنه هو الرئيس الموظَّف بقبض

(1)

انظر: البحر المحيط (4/ 294)، الدر المصون (5/ 309).

(2)

راجع ما سبق عند تفسير الآية (158) من سورة الأنعام.

ص: 212

الأرواح. وإسناده لملائكة كثيرين؛ لأن لملك الموت أعواناً كثيرين يقبضون معه أرواح الناس بأمره. قال بعض أهل العلم: يقبض أعوانه الروح حتى تبلغ الحلقوم فيأخذها ملك الموت

(1)

. والآيات دلت على أن له أعواناً كثيرة من الملائكة يقبضون معه الأرواح، كقوله هنا:{حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ} وكقوله: {تَوَفَّتهُ رُسُلنَا وَهُم لَا يُفَرِّطُونَ} {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ} {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [الأنفال: آية 50] عياذاً بالله جلَّ وعلا.

{حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ} [الأعراف: آية 37] أي: ذلك الإنسان الذي استكمل في دار الدنيا نصيبه من الكتاب، بأن أكل جميع ما كُتب له من الرزق، ونال ما كُتب له من الشهوات واللذات والأجل، ونال ما قَدَّر الله عليه من الشرور في الدنيا، حتى إذا انقضى أجله، وجاء الوقت المحدد لموته جاءته {رُسُلُنا} أي: ملك الموت وأعوانه ليقبضوا روحه وينزعوها من بدنه، وسنذكر كيفية ذلك في قوله:{لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء} [الأعراف: آية 40] في الآيات القريبة.

{جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ} {يَتَوَفَّوْنَهُمْ} في هذه الآية وجهان من التفسير

(2)

: التحقيق أنها الوفاة بقبض الأرواح في دار الدنيا، وأنهم إذا جاءهم [الملائكة]

(3)

يقبضون أرواحهم في دار الدنيا يوبخونهم ويقرعونهم عند أخذ الروح، ويقولون لهم: أين

(1)

السابق.

(2)

انظر: ابن كثير (2/ 212).

(3)

ما بين المعقوفين [] زيادة يقتضيها السياق.

ص: 213

شركاؤكم الذين كنتم تزعمون؟ أيْنَ مَنْ كنْتُمْ تعبدون مع الله؟ نادوهم فلينقذوكم منا ويخلصوكم منِ هذا الموت وما بعده من العذاب. وعلى هذا القول فقوله: {يَتَوَفَّوْنَهُمْ} يعني: بقبض الأرواح. وفيه قولٌ آخر، وهو ضعيف، إلا أنه ذكره جماعة من علماء التفسير

(1)

، أن هذا يوم القيامة إذا حشر الخلق جاءت رسل الله، وهم الملائكة الموكلون بالنار يتوفونهم، أي: يأخذون أهل النّار وافين؛ لأن جميع أهل النار مكتوبون في ديوان، مُعَيَّنة به أسماؤهم، وأسماء آبائهم، وأنسابهم، وقبائلهم، والملائكة الموكلون عندهم السجلات يأخذونهم واحداً واحداً حتى يستوفوا العدد المكتوب. هذا قول في الآية. والأوّل هو الصحيح. وعلى هذا القول فقوله:{يَتَوَفَّوْنَهُمْ} يأخذون عددهم وافياً. والقول الأوّل: {يَتَوَفَّوْنَهُمْ} بقبض الأرواح.

{قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله} يقوله لهم الملائكة عند قبض الروح توبيخاً وتقريعاً، ويضربونهم أيضاً مع ذلك، كما قال جلّ وعلا:{وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [الأنفال: آية 50] والعياذ بالله.

{أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله} (أين) هنا هي الاستفهامية. و (ما) موصولة. أين الذين كنتم {تَدْعُونَ} ؟ أي: تعبدون {مِن دُونِ الله} ، أي: مع الله (جلّ وعلا) وتجعلونهم شركاء معه؟ أين هم؟ نادوهم فليحضروا فليخلصوكم وينقذوكم!! وهذا من التوبيخ والتقريع والتعذيب.

(1)

انظر: ابن جرير (12/ 415).

ص: 214

وهذه الآية أُطلقت فيها الوفاة على معناها العُرْفِيّ. واعلموا أن معنى (توفاه) تطلق في اللغة العربية إطلاقين

(1)

: إطلاقا لغويّاً، وإطلاقا عرفيّاً.

أما إطلاقها اللغوي: فهو أخذ الشيء كاملاً بجميعه وافياً. تقول العرب: توفيت دَيْني: إذا أخذته وافياً كاملاً لا ينقص منه شيء. فكل شيء أخذته وافياً بتمامه فقد توفيته، وهذا معناها في اللغة العربية.

ومعناها في العرف: تقول العرب: توفاه الله. إذا قبض روحه وحدها دون جسمه. هذا معناها العرفي، وذلك معناها اللغوي.

والقاعدة المقررة عند جمهور الأصوليين: أن الحقيقة العرفية تُقدم على الحقيقة اللغوية ما لم يقم دليل يرجح الحقيقة اللغوية

(2)

.

وذكر بعض علماء الأصول عن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يقدم العرفية على الحقيقة اللغوية؛ لأن العرفية وإن ترجحت في الاستعمال فالحقيقية قد ترجحت بأصل الوضع

(3)

.

وهذا تترتب عليه مسألة غلط فيها كثير من الناس، وأضل الملحدون فيها كثيراً من الناس، وهي قضية عيسى ابن مريم (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام)؛ لأن الله عبر عنه بالوفاة [6/ب] في قوله:{إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} [آل عمران: آية 55] أما قوله (جلَّ وعلا) عنه:/ {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} [المائدة: آية 117] من كلام عيسى يوم القيامة، ولا يأتي يوم القيامة إلا وعيسى قد مات قطعاً، لا نزاع في موته قبل يوم القيامة؛ لأن {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} من كلام عيسى يوم القيامة إذا قال له

(1)

مضى عند تفسير الآية (146) من سورة الأنعام.

(2)

السابق.

(3)

انظر: شرح الكوكب المنير (3/ 435)، نثر الورود (1/ 156).

ص: 215

ربه: {أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ} [المائدة: آية 116] هذا كلامه يوم القيامة {أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ الله قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي} إلى أن قال: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} أي: قبضتني إليك ورفعتني إلى السماء {كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} وقول عيسى هذا يوم القيامة لا حجة فيه على أنه قد مات، أما آية قوله:{إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: آية 55] فهي قول في دار الدنيا لا في الآخرة. واحتج به بعض الملاحدة الذين يزعمون أن عيسى قد مات!! وهذه فكرة إلحادية.

والتحقيق الذي دلت عليه السنة المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقرآن العظيم -الوحي المنزّل- أن عيسى لم يمت إلى الآن، وأنه حي في السماء، وأنه سينزل في هذه الأمة في آخر الزمان ليقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويقتل المسيح الدجَّال، وهو نازل لا محالة، دلَّ على ذلك السنة المتواترة عن رسول الله، والقرآن العظيم

(1)

.

أما القرآن العظيم فقد دل عليه دلالة صريحة - وإن قيل فيها قول يخالفها؛ لأن القول المخالف باطل وإن نسبوه لابن عباس؛ لأنه باطل؛ لأن ظاهر القرآن خلافه، والعقل لا يقبله أيضاً - ذلك أن الله قال عن عيسى ابن مريم:{مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَاّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ} [النساء: الآيتان 157، 158] ثم قال

(2)

: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء: آية 157] بيَّن أن السبب

(1)

مضى عند تفسير الآية (146) من سورة الأنعام.

(2)

هذا الجزء من الآية متقدم على المذكور قبله من الآية (157).

ص: 216

الذي ادعى اليهود به أنهم قتلوه: أن الله ألقى شبهه على رجلٍ آخر، فظنوه إياه، فقتلوه، وظنوا أنهم قتلوه، والله يقول:{لَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ} إلى أن قال: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ} ثم قال: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} [النساء: آية 159] أي: بعيسى ابن مريم في آخر هذا الزمان {قَبْلَ مَوْتِهِ} أي: قبل موت عيسى ابن مريم. وهذا هو التحقيق في معنى الآية والذي دلّ عليه ظاهر القرآن، وبينته السنة المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما قول بعضهم الذي يزعمونه عن ابن عباس أن معنى: {قَبْلَ مَوْتِهِ} أي: قبل موت ذلك الكتابي

(1)

. فهو أمر غير معقول؛ لأن من أهل الكتاب من يموت في نومه، ومن يموت فجأة، ومن تأخذه سكتة قلبية، ومن يُقطع رأسه فجأة. فهذا لا يمكن أن يؤمن به قبل موته، أي: قبل موت الكتابي كما لا يخفى على أحد.

أما الأحاديث بأن عيسى حي، وأنه ينزل، فهي متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطعن فيها إلا ملحد

(2)

.

أما قوله: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} فيجاب عنه بأجوبة:

أحدها: أن المراد بها هنا: التوفي اللغوي، كما ذكرنا. أي: قابضك إليَّ وافياً بجسمك وبدنك، وغاية ما في الباب أنه قُدِّمت هنا الحقيقة اللغوية على الحقيقة العرفية التي هي إطلاق الوفاة على قبض الروح خاصة؛ لأن الحقيقة اللغوية هنا اعتضدت بظاهر القرآن وبالسنة المتواترة، والحقيقة اللغوية إذا قامت عليها مرجحات

(1)

مضى عند تفسير الآية (146) من سورة الأنعام.

(2)

السابق.

ص: 217

رجحت على الحقيقة العرفية كما هو معروف في الأصول.

الثاني: أن نقول: إن الله قال: إنه متوفيه، ولا شك أنه متوفيه، ولكن لم يقل: إن تلك الوفاة أنها وقعت، ولا عيّن وقتها، غاية ما في الباب أنه قال: إنه متوفيه، وهو صادق، وهو متوفيه، ولكن أين أنه توفاه بالفعل؟ فإن قالوا: عطف عليه قوله: {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: آية 55] فذكر الوفاة قبل الرفع. قلنا: العطف بالواو لا يقتضي الترتيب، وإنما يقتضي مطلق التشريك

(1)

، وقد يكون المعطوف بالواو هو الأول، كما في قوله:{وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ} [الأحزاب: آية 7] وهو صلى الله عليه وسلم بعد نوح بأزمان. وأجمع أهل اللسان العربي أنه يجوز أن تقول: جاء زيد وعمرو. ويكون المعطوف بالواو هو الأوَّل؛ لأن الواو لا تقتضي إلا مطلق التشريك.

فإن قال قائل: دل الحديث على أن الواو قد تقتضي الترتيب، كقوله صلى الله عليه وسلم لما رقي على الصفا:«أبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ»

(2)

والترتيب بين الصفا والمروة بالواو في قوله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ الله} [البقرة: آية 158] وفي رواية: «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ» وهنا واو، والنبي صلى الله عليه وسلم جعل هذه الواو كأنها تقتضي الترتيب وتقتضي بدء ما بدأ الله به.

فالجواب ما أجاب به جماعة من قدماء علماء العربية من أنّ الواو كما أنها لا تقتضي الترتيب فإنها لا تمنع من أن يراد بها الترتيب إذا دلّ على ذلك دليل جازم خارج عن أصل الوضع، أما إذا تجردت

(1)

مضى عند تفسير الآية (146) من سورة الأنعام.

(2)

السابق.

ص: 218

من الأدلة فإنها لا تقتضي ترتيباً وإنما عرف الترتيب بها هنا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فالذي دل على الترتيب دليل خارج، لا نفس أصل الواو. ومنه بهذا المعنى قول حَسّان (على رواية الواو)

(1)

:

هَجَوتَ محمَّداً فأَجَبْتُ عَنْهُ

وَعِنْدَ اللهِ في ذَاكَ الجَزَاءُ

لأن الواو هنا بـ «وأجبت عنه» الجواب بعد الهجاء. وهذا إذا دلت عليه قرينة ودليل خارج لا مانع من أن تكون الواو للترتيب، لكنها عند الإطلاق لا تكون للترتيب.

الثالث: قال بعض العلماء: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} [آل عمران: آية 55] أي: منيمك؛ لأن الله -قالوا- لما أراد رفعه ألقى عليه النوم. أي: منيمك {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} في تلك النومة لئلا تنزعج من الرَّفْعِ إلى السَّمَاءِ، والله قد يطلق الوفاة على النوم، وأطلق الوفاة على النوم في موضعين من كتابه:

أحدهما: قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ} [الأنعام: آية 60] أي ينيمكم في الليل {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} .

الثاني: قوله {الله يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ} [الزمر: آية 42] فالحاصل أن هذه الآيات ليس فيها ما يدل على موت عيسى ابن مريم، وأن القرآن دلّ على أنه حي؛ لأن الله قال:{وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: آية 159] والضمير عائد إلى عيسى على التحقيق لا إلى الكتابي كما بينا. وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الفائضة - وهو الصادق

(1)

السابق.

ص: 219

المصدوق - مصرحة بذلك، وهو الحق الذي لا شك فيه، فادعاء أنه مات هو من الفِكَر الإلحادية، كادعاء القاديانية أنه رُفع إلى السماء ثم نزل ومرض ومات مريضاً بكشمير!! وغير ذلك من الخرافات التي لا أساس لها

(1)

.

ومن المؤسف أن بعض المنتسبين للعلم يَتَشَبَّعُون بالفِكَر الإفرنجية ويُقْدمون على هذا الإلحاد، ويقولون: إنَّ عيسى قد مات. مع أن الأحاديث النبوية الصريحة الصحيحة مستفيضة بأنه حي، وأنه سينزل في هذه الدنيا، وأن الله نص على ذلك في قوله:{وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} أي: قبل موت عيسى، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة، ودلَّ عليه ظاهر القرآن، لا (موته) أي: الكتابي؛ لأنه من المُشَاهَد أن من أهل الكتاب من يموت قبل أن يؤمن بعيسى، كالذي ينام فيموت نائماً، وكالذي تأتيه سكتة قلبية فيموت من حينه، وكالذي يُقْطع رأسه فجأة ولا تكون له فرصة ليؤمن بعيسى. وهذا معنى قوله:{حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله} [الأعراف: آية 37] أي: تعبدون من دونه من المعبودات والأصنام والأوثان.

{قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا} [الأعراف: آية 37] أي: غابوا واضمحلوا. وقد بيّنا أن الغيبوبة والاضمحلال من أنواع إطلاقات الضلال في القرآن

(2)

.

{وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ} والعياذ بالله؛ لأن الكفار إذا عاينوا الحقيقة شهدوا على أنفسهم، وأقروا حيث

(1)

انظر: القاديانية لإحسان إلهي ظهير ص199.

(2)

مضى عند تفسير الآية (39) من سورة الأنعام.

ص: 220

لا ينفع الإقرار ولا ينفع الندم. كما قال تعالى: {فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11)} [تبارك: آية 11] والعياذ بالله جلَّ وعلا، كما أنهم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم، وتشهد عليهم جلودهم {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا الله الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [فصلت: آية 21].

{قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لَاّ تَعْلَمُونَ (38) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ (39) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43)} [الأعراف: الآيات 38 - 43].

يقول الله جلَّ وعلا: {قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لَاّ تَعْلَمُونَ (38)} [الأعراف: آية 38].

لما اعترف الكفار بكفرهم، وندموا حيث لا ينفع الندم، وقال الله عنهم:{وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ} [الأعراف: آية 37]

ص: 221

لما شهدوا على أنفسهم أنهم كانوا في دار الدنيا كافرين حتى ماتوا على ذلك بيّن جزاءهم فقال إن الله يقول لهم يوم القيامة ما قصَّ هنا، قال الله لهم، أو قالها لهم خازن النار بأمر من الله (جل وعلا). والظاهر أن القائل هو الله؛ لأنه إذا لم يقيد بما يدل على أنه المَلك انصرف إلى أن الله هو الذي أمر بإدخالهم النار؛ لأنهم لا يدخلونها إلا بأمره -جلّ وعلا- قال الله لأولئك الكفار:{ادخُلُواْ} في النار {فِي أُمَمٍ} في جملة أمم، والأمم: هي أجيال الناس المتقدمة مِنَ الكَفَرَةِ. ادخلوا في زمرة أمم {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ} مضت من قبلكم وماتوا وهم كافرون فدخلوا النار، ادخلوا في زمرتهم في النار -والعياذ بالله- وقوله:{قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ} أي: قد مضت من قبلكم، ومضى زمانها قبل زمانكم. والمعنى: أنه كانت قبلكم في الوجود أمم كافرة فأدخلتها النار، فادخلوا في جملتهم في النار والعياذ بالله.

وقوله: {فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ} قال بعض العلماء

(1)

: {فِي النَّارِ} بدل من قوله: {فِى أُمَمٍ} والظاهر أن الصواب أنها ليست بدلاً منها، وأن المعنى: ادخلوا في جملة أجناسكم من الكفرة، ادخلوا أنتم وهم في النار.

وقوله: {مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ} [الأعراف: آية 38] هذه الأمم التي أدخلت النار بعضها من الجن وبعضها من الإنس، وهذه الآية نص صريح في أن كفرة الجن في النار مع كفرة الإنس كما قدمناه مراراً

(2)

.

وكون كافر الجن في النار لا خلاف فيه بين العلماء، وإنما

(1)

انظر: البحر المحيط (4/ 295)، الدر المصون (5/ 312).

(2)

مضى عند تفسير الآية (130) من سورة الأنعام.

ص: 222

اختلف العلماء في المؤمنين من الجن هل هم في الجنة أو ليسوا فيها؟ فذهب جماعة أن جزاء المؤمنين من الجن أنهم لا يدخلون النار ولا يدخلون الجنة، بل كان جزاؤهم الإجارة من النار فقط دون التنعم بالجنة. واغتر من قال بهذا القول بظاهر آية الأحقاف؛ لأن الجن لما قال نذيرهم:{يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ الله وَآمِنُوا بِهِ} [الأحقاف: آية 31] رتبوا على ذلك قولهم: {يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} ولم يقولوا: ويدخلكم الجنة. فاغتروا بهذا الظاهر. والخلاف في المؤمنين من الجن هل يدخلون الجنة أو يجارون من النار ولا يدخلون الجنة؟ وبعضهم يقول: يكونون رابضين عند أبواب الجنة، خلافٌ معلوم مشهور، والظاهر أن الصواب أن المؤمنين من الجن يدخلون الجنة كما دخل الكافرون منهم النار، وقد دلّ على هذا بعض الآيات: من أصرح الآيات دليلاً عليه قوله تعالى في سورة الرحمن مخاطباً للإنس والجن: {ولِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّه جَنَّتَانِ (46)} [الرحمن: آية 46] ثم بين أن هذا الوعد بالجنتين لمن خاف مقام ربه للإنس والجن حيث أتبعه بقوله: {فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47)} [الرحمن: آية 47] والتثنية في قوله: {فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47)} للإنس والجن بلا نزاع بين العلماء. فدل ظاهر هذه الآية أن مؤمن الجن في الجنة، ويستأنس له بظاهر قوله:{لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: آية 74] فيفهم منه أن في الجنة جنًّا يطمثون النساء، ولكنهم لم يسبقوا هؤلاء أزواجهم في الجنة. وهذا الأخير أظهر.

وقوله جلّ وعلا: {ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النّار} والعياذ بالله {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ} من هذه الأمم {لَّعَنَتْ

ص: 223

أُخْتَهَا} إنما كانت أختها لأنها أختها في الديانة والملة والكفر بالله، وتكذيب الرسل، وكل شيئين متشابهين، أو متصاحبين تنسب العرب لهما الأخوة ومنه:{وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلَاّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا} [الزخرف: آية 48] فالمتشابهان تسميهما العرب (إخوان) وكذلك المتصاحبان تسميهما (إخوان) وإنما كانت الأمة أخت الأمة لمشابهتها لها في الكفر والطغيان وتكذيب الرسل حتى مات الجميع على ذلك

- والعياذ بالله - كما قال الله: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} [الإسراء: آية 27] وهو معنى معروف في كلام العرب، وكل أمة كافرة أخت للكافرة، كما أنَّ الأمة المؤمنة أخت للأمة المؤمنة {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: آية 10] وإنما لعنتها لأن بعض هذه الأمم يسن الضلال والكفر حتى يقتدي به الذين جاءوا من بعدهم -والعياذ بالله- فيلعنوهم لأنهم تَسَبَّبَ لهم بِالاقْتِدَاءِ بهم دخولُ النار، كما قال الله (جل وعلا) عن نبيه إبراهيم إنه قال لهم:{ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ} [العنكبوت: آية 25] وقال تعالى عنهم: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا} [البقرة: الآيتان 166، 167] فهم يوم القيامة أعداء يلعن بعضهم بعضاً، ويعادي بعضهم بعضاً، وهذا معنى قوله:{كُلّمَا دَخَلَتْ أُمّةٌ} [الأعراف: آية 38] في النار {لَعَنَت أُخْتَهَا} أي: صاحبتها المماثلة لها في الضلال والكفر، وتكذيب الرسل؛ لأن بعض الأمم تبقى سننهم في الضلال والكفر فيقتدي بها من جاء بعدهم من الأمم -والعياذ بالله- فيلعنونهم لذلك.

ص: 224

ثم قال جلَّ وعلا: {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً} {ادَّارَكُواْ} أصله: تداركوا. والمعروف في علم العربية أن (تفاعل) و (تفعَّل) يكثر فيهما الإدغام واستجلاب همزة الوصل عند الإدغام

(1)

. فقوله: {ادَّارَكُواْ} أصله (تداركوا){مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ الله اثَّاقَلْتُمْ} [التوبة: آية 38] أصله (تثاقلتم){فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} [البقرة: آية 72] أصله (فتدارءتم). وكذلك في (تفعَّل) كقوله: {وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا} [يونس: آية 24] أصله (تزينت){قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ} [النمل: آية 47] أصله: (تطيرنا) وهذا الإدغام معروف في كلام العرب، ومثله في (تفاعل) كما هنا قول الشاعر

(2)

:

تُولي الضَّجِيعَ إذا ما الْتَذَّهَا خَصِرَا

عذبَ المَذَاقِ إذا ما اتَّابَعَ القُبَلُ

يعني: إذا ما تتابع القُبَلُ. {حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً} أي: تلاحقوا وأدرك الآخِرُ الأول واجتمعوا في النار جميعاً - والعياذ بالله، أعاذنا الله منها ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل - شكا عند ذلك الوقت الأتباع الضعفاءُ رؤساءهم المتبوعين وقالوا لهم- أي لأجلهم؛ لأنهم يخاطبون الله ولا يخاطبون الرؤساء المتبوعين، قالوا يشكونهم لله (جلَّ وعلا)، ويطلبونه أن يزيد عليهم العذاب لإضلالهم إياهم-:{رَبَّنَا} معناه: يا ربنا، يا خالقنا وسيدنا ومدبر أمورنا، {هَؤُلَاءِ} الرؤساء من قادة الكفرة {أَضَلُّونَا} هم الذين أضلونا عن طريق الصَّواب، ومنعونا من اتباع الرسل ومن طاعتك وامتثال أمرك، فقد

(1)

انظر: البحر المحيط (4/ 296)، الدر المصون (1/ 434)، (5/ 313)، وراجع ما مضى عند تفسير الآية (72) من سورة البقرة.

(2)

مضى هذا الشاهد عند تفسير الآية (72) من سورة البقرة.

ص: 225

أطعناهم وزينوا لنا وقالوا لنا: أطيعونا نهدكم، واتبعونا نذهب بكم إلى الخير، ومكروا بنا حتى أضلونا عن طريقك فاتبعناهم فأهلكونا {أَضَلُّونَا فَئاتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ} [الأعراف: آية 38] {فَآتِهِمْ} أعطهم عذاباً مضاعفاً، بأن تعذب الواحد منهم كعذاب اثنين، ويكون هذا العذاب المضاعف من النار، كما قال تعالى:{رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (68)} [الأحزاب: آية 68] وفي القراءة الأخرى: {والعنهم لعناً كَثِيراً}

(1)

فسألوا الله أن يزيد عليهم العذاب، وأن يلعنهم، وشكوه بأنهم أضلوهم. ومحاججتهم مذكورة في آياتٍ كثيرة

(2)

،

كما قال تعالى: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64)} [ص: آية 64] وبسطَها الله في سورة سبأ في قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِالله وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً} [سبأ: الآيات 31 - 33] الآيات. فيوم القيامة يكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضاً، ويعادي بعضهم بعضاً، ويسأل الأتباع أن يزيد الله الرؤساء المتبوعين عذاباً فوق عذابهم، كما قال تعالى:{الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ} [النحل: آية 88] فعند ذلك الوقت يتمنون الرجعة إلى دار الدنيا ليتبرؤوا منهم، وأن لا يدخلوهم النار {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ

(1)

انظر: النشر (2/ 349)، إتحاف فضلاء البشر (2/ 378).

(2)

انظر: أضواء البيان (2/ 299) ..

ص: 226

اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ (166)} [البقرة: آية 166] فلما تبرأ المتبوعون من الأتباع تمنى عند ذلك الأتباع الرجعة إلى الدنيا {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} (لو) هنا تمنياً، يا ليت لنا كرة. أي: رجعة ثانية إلى الدنيا {فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ الله أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} لما شكا الأتباعُ المتبوعين وقالوا لربهم: هؤلاء أضلونا فضاعف لهم العذاب عذاباً على الضلال وعذاباً على الإضلال.

قال الله مجيباً لهم: {لِكُلٍّ ضِعْفٌ} [الأعراف: آية 39] لكل منكم ومنهم ضِعْف، أما ضعف المتبوعين الرؤساء فلا إشكال في مضاعفة العذاب عليهم؛ لأن ضِعْفاً على ضلالهم، وضِعفاً على إضلالهم؛ لأنهم هم الذين سنوا لهم الضلال «ومَنْ سنَّ سُنة سيئة فعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَنْ عَمِلَ بها إلى يوْمِ القِيَامة لا ينقص ذلك مِنْ أوزَارِهِم شَيْئاً»

(1)

وقد بيّن الله أن رؤساء الضلالة المتبوعين عليهم وزر ضلالهم ووزر إضلالهم في آيات كثيرة كقوله: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: آية 13] وكقوله جل وعلا: {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاء مَا يَزِرُونَ (25)} [النحل: آية 25].

ومضاعفة العذاب على الرؤساء قادة الضلالة لا إشكال فيه {الَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني في أنفسهم {وَصَدُّواْ} غيرهم {عَن سَبِيلِ الله

(1)

أخرجه مسلم من حديث جرير رضي الله عنه في العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة

، حديت رقم:(1017)، (4/ 2059)، وقد أخرجه في موضع قبله (2/ 704، 705).

كما أخرج نحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم: (2674).

ص: 227

زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ} عذاباً بكفرهم، وعذاباً بصدهم الناس عن سبيل الله {بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ} [النحل: آية 88].

أما مضاعفة العذاب للضعفاء الأتباع ففيها إشكال، وكثير من المفسرين لا يتعرضون لهذا الإشكال؛ لأن الله يقول:{وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَاّ مِثْلَهَا} [الأنعام: آية 160] وهم لم يُضِلُّوا. وهذا إشكال معروف في هذه الآية. وهو مضاعفة العذاب للأتباع

(1)

.

فقال بعضهم: إنهم وإن كانوا أتباعاً فلا بد لهؤلاء الأتباع من ضعفاء أُخر، فالواحد يكون تبعاً لرئيسه في الضلالة، ولكنه يُضِلُّ امرأته وأولاده وبعض أقاربه، فمعهم هم أيضاً رئاسة في الضلال قليلة كل بحسبه، ويضاعف العذاب لكل بحسبه.

وقال بعض العلماء: مضاعفة العذاب للرؤساء بإضلالهم وضلالهم، ومضاعفته للأتباع بتقليدهم الأعمى، وتعصبهم للكفر، وعدم نظرهم في المعجزات البينات، والأدلة الواضحات التي جاءت بها الرسل، مع الكفر، فقد جمعوا بين التقليد الأعمى والإعراض عن سماع الحق، مع الكفر الذي ارتكبوه. هكذا قاله بعض العلماء.

وقوله: {وَلَكِن لَاّ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: آية 38] قرأ هذا الحرف عامة القراء ماعدا شعبة عن عاصم: {وَلَكِن لَاّ تَعْلَمُونَ} بتاء الخطاب

(2)

. والمعنى: أن لكل من أهل النار ضِعفاً بحسب عمله

(1)

انظر: تفسير الألوسي (4/ 117)، القاسمي (7/ 76)، المنار (8/ 414)، التحرير والتنوير (8/ 123).

(2)

انظر: المبسوط لابن مهران ص208.

ص: 228

ولكنكم لا تعلمون قدر ما ينالونه من العذاب المهين وشدته وهوله وألمه. وفي قراءة شعبة عن عاصم: {ولكن لا يعلمونَ} ولكن لا يعلم الجميع أن لكل منهم ضِعْفاً من العذاب، كانوا لا يعلمون ذلك، ويوم القيامة سيعلمونه:{وَبَدَا لَهُم مِّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: آية 47].

وهذه الآيات الكريمة تدل على أن المتبوعين في الضلالة، والأتباع في الضلالة، كلهم - والعياذ بالله - يضاعف لهم العذاب في النار، وهؤلاء الأتباع الذين يدعون على الرؤساء بقولهم:{آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً} [الأحزاب: آية 68] وقوله هنا عنهم: {فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ} لو ضاعف الله العذاب على الرؤساء ما كان ذلك ينفع الأتباع بشيء {وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39)} [الزخرف: آية 39] عذاب هؤلاء لا ينفع هؤلاء

(1)

. وإذا كنتم أيها الناس تعلمون أن القرآن العظيم مصرِّح في آيات كثيرة بالخصومة بين أهل النار، بين الرؤساء والمرؤوسين - الأتباع والمتبوعين - وأنَّ مصير الجميع إلى النار، فاحذروا - رحمكم الله - أن تكونوا من رؤساء الضلالة والقادة إلى النار، واحذروا أن تكونوا من الأتباع الذين يتبعون الناعقين الداعين إلى الضلالة والنار، لئلا تكونوا من الفريقين. والمؤسف - والعياذ بالله - أن كفرة الإفرنج في هذا الزمن قادة وسادة في الضلال، يدعون الناس إلى الكفر والإلحاد في آيات الله، والطعن في الدين بأنه تقاليد قديمة لا فائدة فيها ولا تساير ركب الحضارة، ولا يمكن أن تنظم علاقات العالم بحسب تطورات الدنيا الراهنة.

وكثير من الخفافيش الذين ليس

(1)

انظر: الأضواء (2/ 300).

ص: 229

عندهم نور العقل يتبعونهم - والعياذ بالله - ويقلدونهم في كل شيء، فيوم القيامة إذا ماتوا تبرأ أولئك الرؤساء الكفرة المُتَّبَوعُون من أولئك الأتباع الضعفاء المساكين العمي الذين يقلدونهم في كل ما يجرهم إلى النار، فعلى المسلمين أن يعلموا أن ما يسميه الإفرنج اليوم بالحضارة الغربية والتقدّم هو حقيقته الدعاء إلى الكفر بالله، والإلحاد في آياته، والطعن في كتابه وفي رسوله صلى الله عليه وسلم فهم قادة النار، وسادة أهل جهنم الذين يتبعهم كثيرٌ من الرعاع الذين لا عقول لهم، ولم تتنور بصائرهم بنور الوحي، فهم أتباع لأولئك في طريق جهنَّم، وعن قريب يقف الجميع أمام الله وهؤلاء متبوعون سادة في الكفر، وهؤلاء أتباع مساكين مغرورون خدعهم أولئك حتى جروهم إلى الكفر بالله، والطعن في رسله وكتبه، والإلحاد في آياته، وزينوا لهم أن الدين مسخرة لا فائدة فيه، وبعضهم يقول لهم: إنه أفْيُون الشعوب. فيلحذر المسلم أن يكون من أتباع الكفرة إلى نار جهنَّم.

واعلموا أن هذا الذي يطلقون عليه اسم الحضارة والتقدُّم أنه شعار يحمل في داخله حقيقة الكفر والإلحاد بالله، والتمردُ على نظام السماء، والطعن في الدين، وفي الرسول صلى الله عليه وسلم، والازدراء بالإيمان، والاستخفاف بأوامر الله ونواهيه، فهذا الشباب المنتشر في أقطار الدنيا الذي يقلد أولئك في كل ما يقولون ويفعلون ويعتقدون، مع أنهم يتسمون باسم المسلمين، هم أتباع، وأولئك متبوعون، ويوم القيامة قد علمتم مصير المتبوعين الداعين إلى النار، ومصير الأتباع الذين يتبعونهم، فعلى المسلم في دار الدنيا قبل أن تضيع عليه الفرصة أن لا يغتر باسم الحضارة واسم التمدن واسم التقدم، وأن ينظر في الوحي السماوي، وما هي أوامر رب العالمين الذي خلق

ص: 230

السماوات والأرض، وما هي نواهيه، فيخضع لأوامر ربه، ويمتثل أمر الله، ويجتنب نهيه، ويقتدي بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لئلا يكون تبعاً لكفرة فجرة يتبرؤون منه يوم القيامة ويندم، ويصير الجميع إلى النار.

ودين الإسلام الذي نتكلم باسمه - الذي هو تشريع رب العالمين جلّ وعلا - لا يمكن أن يكون صخرة تعثر في طريق التقدُّم، بل هو دين كل تقدم في كل ميادين الحياة، فدين الإسلام يدعو إلى التقدم والقوة في جميع ميادين الحياة، فما يخيله الكفرة الإفرنج مِنْ أنَّهُ دين ركود وجمود ودعةٍ وإخلاد إلى الأرض، وأن المتمسك به لا يمكن أن ينهض، ولا يساير ركب الحضارة، كلها فلسفات شيطانية لا أساس لها، تروّج على ضعاف العقول.

أما دين الإسلام فهو في حقيقة ذاته دين التقدُّم في جميع الميادين الحيوية، فيدعو إلى كل تقدم في جميع الميادين الحيوية، إلا أنه يُعَلِّمُ الناس أن هذه الدنيا ليست فوضى، وأن عليها ربّاً حكماً عدلاً هو خالق كل شيء، ومدبِّر كل شيء، ومنه كل شيء، وإليه مصير كل شيء، هو الذي خلق هذه الأرض والبحار، ونصب هذه الجبال ورفع السماوات، وخلق هذا الخلق، وشق أعينهم، وصبغ بعضها بصبغ أسود، وبعضها بصبغ أبيض، وفعل بهم ما هو معروف، هذا الرب هو الذي له السلطان الأكبر، والكلمة العليا، فلا يُصدَر إلا عن أمره، فهو (جلّ وعلا) الحقيق بأن يطاع فلا يُعْصى، وأن يذكر فلا يُنْسَى، وهو (جل وعلا) أنزل كتاباً مبيناً محفوظاً من كلامه (جل وعلا)، وسنة نبوية على نبي كريم، بيَّن فيها معالم الحياة، وأقام فيها أُسس الدنيا التي إذا مشت عليها قامت بالعدالة التي لا نظير لها،

ص: 231

والأمن والطمأنينة والرفاهية، وانتظمت علاقاتها على أكمل وجه، مع إرضاء خالق السماوات والأرض، والعمل لدار الكرامة والخلود في الجنة في الدار الأخرى.

وإذا نظرتم في القرآن فإنه لا يدعو إلى الإخلاد والضعف والعجز، لا وكلَاّ، بل إنه يدعو إلى التقدُّم والقوة في جميع ميادين الحياة، اقرءوا آية:{وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} [الأنفال: آية 61] فتجدوا نص هذه الآية الكريمة يأمر بإعداد القوة، وهو مساير للتطور مهما بلغ التطور، ولو مما لا يتصوره الإنسان، فالمتكاسل الذي لا يُعد القوة لرد الكفاح المسلح، وقمع أعداء الله، هو مخالف لنظام القرآن، غير ممتثل أمر الله؛ لأن الله يقول:{وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} .

وإذا نظرتم في القرآن تجدونه يبين معالم السياسة، ومعالم الاجتماع، ومعالم الاقتصاد على أبدع الوجوه وأكملها في جميع مرافق الحياة.

فالسياسة الخارجية مثلاً يعرف العاقلون بالاستقراء أنها تتركز على أصلين:

أحدهما: إعداد القوة الكافية لرد الكفاح المسلَّح، وقمع الطغاة أعداء الإسلام. وفي هذا الأساس يقول الله:{وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} [الأنفال: آية 61].

الثاني: اجتماع الكلمة اجتماعاً صحيحاً حقّاً حول كلمة لا إله إلا الله، لا تتخلله عداوات، ولا مباغضات، ولا مداهنة بالكلام جوفاء مع العداوات الباطنة. والله يقول في هذا:{وَلَا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُم} [الأنفال: آية 46] {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلَا

ص: 232

تَفَرَّقُواْ} [آل عمران: آية 103] فمن عمل بهذين الأصلين فأعد القوة الكافية، وكانت كلمة المسلمين حول تلك القوة كلمة واحدة، وصفّاً واحداً لا يتخلله خلل ولا فشل، كانت قوتهم وافية، وكلمتهم عالية؛ وعدوهم يهابهم، ولا يستطيع أن ينتهكهم.

وبيانه للسياسة الداخلية من المحافظة على الأموال، والأعراض، والأنفس، والعقول، والأديان حتى يكون المجتمع في طمأنينة، ورَفَاهَةٍ، ورخاء، قد أشرنا إليه مراراً

(1)

. فدين الإسلام دين التقدُّم في جميع الميادين، لا دين إخلاد إلى الأرض وضعفٍ وركود، بل هو دين تقدُّم في الميادين. وخذوا أمثلة في القرآن في ذلك:

اقرءوا إن شئتم آيتين من سورة النساء في صلاة الخوف، يقول الله فيهما:{وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: آية 102] وفي هاتين الآيتين: هذا وقت التحام الكفاح المسلَّح، والمفروض أن الرجال تنزل رؤوسهم عن أعناقهم!! وكتاب الله وقرآنه العظيم في هذا الوقت يُعلِّم تدبير الخطة العسكرية على أكمل الوجوه وأبدعها ليتسنى للمسلمين في ذلك الوقت الحَرِج، وذلك الامتحان العسكري أن يتصلوا بخالق السماوات والأرض، ويأتوا بأدب من آداب السماء، وتتصل أرواحهم بالله، وهو الصلاة في الجماعة في هذا الوقت الحَرِج.

(1)

مضى عند تفسير الآية (115) من سورة الأنعام.

ص: 233

واقرءوا من سورة الأنفال قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ....

(1)

[الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ} فقوله: {فَاثْبُتُواْ} تعليم عسكري سماوي، يأمر به خالق السماوات والأرض بالصمود في الميدان في خطوط النار الأمامية. وفي هذا الوقت الضنك يقول الله (جل وعلا): {وَاذْكُرُواْ الله كَثِيراً} [الأنفال: الآية 45] هكذا فليكن المؤمن قويّاً في جميع الميادين، محافظاً على آدابه الروحية، متصلاً بربه صلة روحية؛ لأن الروح المهذبة على ضوء التعليم السماوي تقود المادة والقوة قيادة طبيعية حكيمة ليس بها ويلة على البشر.

[17/أ] ثم أنتم تعلمون في التاريخ أنه]، / لمّا حاصرهم الأحزاب في غزوة الخندق ذلك الحصار العسكري التاريخي العظيم، الذي نوَّه الله بشأنه، وذكر هوله وشدته في سورة الأحزاب في قوله:{إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} أي من الخوف {وَتَظُنُّونَ بِالله الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11)} [الأحزاب: الآيتان 10، 11] هذا ليس زلزال أرض، ولا أن المدينة تزلزلت أرضها وجبالها، ولكنه زلزال خوف وشدة هول من كثرة العدو وإحاطته وقوته، لما جاءهم هذا الأمر العظيم ماذا قابلوا به هذا الأمر العظيم؟! وهم في ذلك الوقت ضعاف في العَدد والعُدد، يقاطعهم جميع أهل الأرض في السياسة والاقتصاد، ليست بينهم روابط سياسية مع أحدٍ من أهل الدنيا في ذلك الحين، ولا روابط اقتصادية، وهو الوقت الذي رؤي فيه صلى الله عليه وسلم يشدُّ حزامه على الحجارة من الجوع كما ذكره الأخباريون وأصحاب السير.

في هذا

(1)

في هذا الموضع وقع انقطاع في التسجيل، وتم استدراك النقص من كلام الشيخ رحمه الله عند تفسير الآية (115) من سورة الأنعام.

ص: 234

الوقت العظيم لم يكن عندهم في ذلك الوقت من الأصدقاء إلا بنو قريظة من اليهود، كان بينهم وبينهم عهد، فعندما أحاط بهم الأحزاب نقضوا العهد وصاروا مع العدو عليهم كما هو معروف، فصار جميع أهل الدنيا أعداءً لهم، والقوة العسكرية محاصرة لهم، وهم في قلة من العَدَد والعُدد والجوع، ضعيف عسكرهم، ضعيف اقتصادهم، إلا أن قوتهم بالله قوة عظيمة هائلة، فما هو الدواء والعلاج الذي قابلوا به هذا الحصار العسكري التاريخي الهائل العظيم؟! هو الإيمان بالله، وصدق اللجوء إليه (جلّ وعلا)، كما قال الله:{وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَاّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً (22)} [الأحزاب: آية 22] ما زادهم قوة العدوّ، وإحاطته بهم، وكون الدنيا كُلاًّ أعداءهم إلا إيماناً بالله، وتسليماً لله، فنتيجة قوة هذا الإيمان وهذا التسليم عند هذه الشدائد العظيمة والكروب كان من نتائج ذلك الإيمان والتسليم ما قصه الله في محكم كتابه في قوله:{وَرَدَّ الله الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى الله الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ الله قَوِيّاً عَزِيزاً (25) وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُوهَا} وختمها بقوله {وَكَانَ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} [الأحزاب: الآيات 25 - 27] يعني إن كنتم ضعافاً فهو جلّ وعلا ليس بضعيف بل هو قدير على كل شيء، لا يخذل أولياءه الذين يُسَلِّمُون له، ويؤمنون به إيماناً قويّاً.

ومما يدّل على هذا المعنى أنه لما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية - معتمراً عام ست في ذي القعدة، قيل له: إن عثمان بن عفان قُتل - لما أرسله بالهدايا إلى البيت - ثم بايعه أصحابه بيعة الرضوان تحث

ص: 235

شجرة الحديبية البيعة المشهورة، وكانوا وقت بيعتهم تحت الشجرة علم الله من قلوبهم الإيمان الكامل، والإخلاص التامّ الذي ينبغي، كما شهد الله لهم به في قوله:{لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح: آية 18] فَنَوَّه عما في قلوبهم من الإيمان والإخلاص بالاسم المُبْهم الذي هو الموصول، لمَّا علم من قلوبهم الإيمان والإخلاص لله كما ينبغي كان من نتائج ذلك الإخلاص والإيمان الذي علمه في قلوبهم ما قصه علينا في قوله:{وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا} [الفتح: آية 21] فصرح أن إمكانياتهم العَدَدية والعُددية لم تُقْدِرْهُم عليها، ثم قال:{قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا} أي: فأقدركم عليها وجعلها غنيمة لكم. ثم ختمها فقال: {وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} إن كنتم ضِعَافاً فالله ليس بضعيف، وإن كنتم غير قادرين فالله (جلّ وعلا) قادر، والمتمسك بدين الإسلام لا يُغلب {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله وَالله مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: آية 249] والقرآن لا يدعو إلى الإخلاد، ولا الخمول، ولا التأخر، وإنما يدعو إلى القوة والكفاح، والتقدم في جميع الميادين.

فالذين يأخذون من الإفرنج قشور حضارتهم من الكفر والإلحاد والانحطاط الخُلقي، والتمرّد على نظام السماء، ولا يأخذون من القوة التي عندهم شيئاً، ويضعون على الإسلام أنه دين ركود، ولا يساير التطور، ويمنع التقدم، كلها فلسفات شيطانية لا أساس لها، بل دين الإسلام يأمر بالتقدم والقوة في جميع الميادين، ويأذن بأن تأخذ دنياك التي تحتاج إليها من كل برّ وفاجر، فلا مانع عند دين الإسلام من أن تأخذ حاجتك الدنيوية المحضة التي لا تمت إلى

ص: 236

الدين بصلة أن تأخذها من الكافر الخنزير الخسيس.

وقد بيّنا مراراً

(1)

أننا نذكر ثلاثة أمثلة لهذا لنبين للناس مرانة دين الإسلام، وأنه ليس بدين خمول ولا دين تأخر، بل هو دين كفاح، ودين قوة، ودين تقدم في جميع الميادين، والنصر يأتي فيه من السماء لأن أهله يربون أرواحهم على ضوء تعليم الله (جلّ وعلا)، ويتصلون بخالقهم، فهم حزبه، وهم جيشه، وهو ناصرهم (جلَّ وعلا) على عدوهم، ومما يدل على أن دين الإسلام لم يمنع أخذ الأمور الدنيوية حتى ولو من الكفرة الفجرة: أن نبينا صلى الله عليه وسلم -وهو القدوة لنا صلوات الله وسلامه عليه- لما تعاونت عليه قوى الشر، واجتمع عليه جميع قريش، ودبّروا خطتهم أن يأتيه -مثلاً- رجل من كل قبيلة، فيضربوه ضربة واحدة، فيتفرق دمه في قبائل قريش، فيقبل أولياؤه الدية. ودبّروا هذه الخطة، واضطر صلى الله عليه وسلم للخروج مهاجراً، ودخل هو وصاحبه في غار، كما قصه الله في تاريخ القرآن في سورة براءة {إِلَاّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [التوبة: آية 40] وجد في ذلك الوقت خبيراً كافراً عنده خبرة دنيوية، ولكنه هو كافر، وهذا الخبير يسمى عبد الله بن الأريقط الدؤلي، من بني دؤل من كنانة، عنده خبرة دنيوية وهو كافر، فالنبي صلى الله عليه وسلم لمرانته وقوته وعلمه بمصالح الدنيا والآخرة لم يمتنع من الانتفاع بخبرته الكافرة بسبب كفره، بل أعطاه الركائب -مراكبه هو ومن معه- وقال: في الوقت الفلاني تعال عندنا واسلك بنا طريقاً غير معهودة؛ لأن الطرق المعهودة عليها العيون والرصد من كفار قريش، وقد جعلوا الجعائل لمن يأتيهم

(1)

مضى عند تفسير الآية (115) من سورة الأنعام.

ص: 237

به صلى الله عليه وسلم، فجاءه ابن الأريقط، وصار مع كفره أميناً في المعاملة، وجاءهم بمراكبهم في الوقت المعيّن، وذهب بهم في طريق غير مسلوك إلى جهة الساحل، حتى أوصلهم المدينة بسلام

(1)

،

وحاشا بهم الطرق المعروفة التي عليها العيون والرصد، فهذا انتفاع من النبي صلى الله عليه وسلم بخبرة خبير كافر، ولم يمنعه كفره من أن ينتفع في دنياه بتلك الخبرة على حدّ قولهم:(اجتنِ الثمار وألْقِ الخشبة في النار)

(2)

.

وكذلك لما حاصرهم المشركون ذلك الحصار العسكري المنوَّه عنه آنفاً في الأحزاب - كما ذكر أصحاب السير، وأصحاب الأخبار

(3)

- أن سلمان الفارسي قال له: كنا يا رسول الله إذا خفنا خندقنا. فالخندق أشار إليه سلمان، وبيّن أنه خطة عسكرية ابتكرتها أذهان الفرس، وهم إذ ذلك مجوس يعبدون النار، فلم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من الانتفاع بتلك الخطة العسكرية أن الأذهان التي ابتكرتها أذهان كفرة فجرة يعبدون النار وهم الفرس، بل جعل ذلك الخندق واستعان به على القوم، فهذه خطة عسكرية أصلها للكفار، وانتفع بها النبي صلى الله عليه وسلم في دنياه وهو مرضٍ ربه.

وكذلك قد ثبت في صحيح مسلم

(4)

أن النبي صلى الله عليه وسلم همّ أن يمنع وطء النساء المراضع؛ لأن العرب كانوا يعتقدون أن الرجل إذا أتى امرأته وهي ترضع ولدها أن غشيانه أم الولد وهي ترضعه أن ذلك

(1)

السابق ..

(2)

السابق.

(3)

السابق.

(4)

السابق.

ص: 238

يضعف عظمه، ويترك فيه ضعفاً قويّاً وكان الرجل إذا ضرب بالسيف ونبا السيف عن الضريبة ولم يقطع قالوا: هذا من الغِيْلَة!! يعنون أنه وُطِئَت أمه وهي ترضعه!! كانوا يذمون هذا، وكان شاعرهم يقول

(1)

:

فَوَارسُ لم يغالُوا في رضَاعٍ

فتَنْبُو في أكُفِّهمُ السُّيوفُ

فأخبرته فارس والروم بأنهم يفعلون هذا ولا يضرُّ أولادهم، فأخذ به صلى الله عليه وسلم.

فتراه أخذ بخبر خبيرٍ كافر، وأخذ بخطة عسكرية كافرية، وأخذ بخطة طبية كافرية، لم يمنعه من الانتفاع بالدنيا أن أصل هذا من الكفار، وهذا من مرانة دين الإسلام، وكونه ليس دين خمول ولا دين ضعف، بل هو دين تقدم في جميع ميادين الحياة. والشاهد أن ما يوسوس به الشيطان ويفلسف به أعداء الإسلام أن الإسلام ليس دين تقدم، وأنه لا يساير ركب الحضارة، كله فلسفات شيطانية يروّجونها على ضعاف العقول لينسلخوا من الدين. أما دين الإسلام فهو في حدّ ذاته دين التقدم، ودين القوة، ودين التقدم في جميع الميادين، ودين الكفاح، ودين قمع أعداء الله بالقوة حتى يذلوا ويصغروا وتكون كلمة الله هي العليا. هذا دين الإسلام. والذين يتخذون دين الإسلام هزؤاً، وأنه تقاليد قديمة لا تنفع الآن، ولا تساير ركب الحضارة، فقادته ورؤساؤه في ذلك كفرة الإفرنج، وسيحشر الجميع يوم القيامة أتباعاً ومتبوعين يقع فيهم ما ذكر الله في هذه السورة الكريمة في رؤساء الكفر وأتباعهم والعياذ بالله جلّ وعلا.

(1)

السابق.

ص: 239

فعلى كل مسلم ألا يغتر بالشعارات الزائفة، والكلمات المضلة التي تحمل في وسطها الكفر والإلحاد، والتمرد على الله من اسم الحضارة، واسم التمدُّن، واسم التقدم، فإن هذه شعارات هي في حقيقتها المقصودة عند أهلها الذين جاءوا بها تحمل الطعن في الدين، والإلحاد في آيات الله، والكفر بالله، وتحمل كل شر وطغيان فيها والعياذ بالله. فعلى شباب المسلمين أن لا يغتروا بها، ولا يجعلوا الكفرة الفجرة الخنازير سلفهم ومتبوعيهم؛ لئلا يقع بهم ما يقع بالأتباع والمتبوعين من دعاة النار والعياذ بالله، وهذا معنى قوله:{حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لَاّ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: آية 38].

{وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ (39)} .

لما شكا الأتباع من المتبوعين، وقالوا لربهم:{هَؤُلاء أَضَلُّونَا} قرأ {هؤلاء يضلونا} بإبدال الهمزة الأخيرة ياءً نافِعٌ وابنُ كثير وأبو عمرو، وقرأ الباقون:{هَؤُلاء أَضَلُّونَا} بتحقيق الهمزتين

(1)

. لما قال الأتباع هذا، وشكوا المتبوعين، وسألوا الله أن يضاعف عليهم العذاب، وهم المراد بقوله:{أُخْرَاهُمْ} لأن الأتباع يدخلون النار متأخرين؛ لأن الرؤساء أعظم منهم ذنباً فـ {أُخْرَاهُمْ} في دخول النار، أو {أُخْرَاهُمْ} درجة في الكفر هم الأتباع، و {أُولَاهُمْ} دخولاً في النار، وفي مرتبة الكفر: هم

(1)

انظر: إتحاف فضلاء البشر (1/ 196)، (2/ 48).

ص: 240

الرؤساء المتبوعون

(1)

. أجاب الرؤساء المتبوعون: {وَقَالَتْ أُولَاهُمْ} أي: أولى الأمم، الرؤساء المتبوعون، وهم سادة الكفر العظام الذين دخلوا النار أولاً {لأُخْرَاهُمْ} قالوا:{لأُخْرَاهُمْ} اللام: لام التبليغ؛ أي: للأتباع الذين شكوهم وطلبوا أن يزيد الله مضاعفة العذاب عليهم {فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْل} الظاهر أن الفاء هي التي يقولون لها: (الفصيحة). إن شكوتمونا وسألتم لنا ضِعْف العذاب فما لكم علينا من فضل، أنتم في النار عملتم في الدنيا بالكفر كما عملنا وستخلدون في النار كما خلدنا -والعياذ بالله- وهذا معنى:{فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْل} فذوقوا العذاب بسبب ما كنتم تكسبون في دار الدنيا، كما قال الله عنهم إنهم قالوا:{أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ} [سبأ: آية 32] يعنون: الرسل جاءتكم بآيات واضحات، ومعجزات، وكتب سماوية، ونحن ما جئناكم بشيء، فَلِمَ تتبعونا وتتركون الحق واضحاً فأنتم الذين جنيتم على أنفسكم {فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} بسبب الذي كنتم تكسبونه في دار الدنيا.

ثم قال (جلّ وعلا) بعد أن ذكر ما للكفار - أتباعهم ومتبوعيهم - من عذاب النار، ومضاعفة العذاب -والعياذ بالله- قال:{إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا} [الأعراف: آية 40] من الأتباع والمتبوعين الكفرة {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء} قرأ هذا الحرف أبو عمرو: {لَا تُفْتَحُ لهم أبواب السماء} بالتاء الفوقية مع التخفيف. وقرأه حمزة والكسائي: {لَا يُفْتَح لهم أبواب السماء} وقرأه الباقون وهم

(1)

انظر: ابن جرير (12/ 417، 419)، القرطبي (7/ 205)، ابن كثير (2/ 212).

ص: 241

(نافع، وابن كثير، وابن عامر، وعاصم): {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء} ففي الكلمة الكريمة ثلاث قراءات سبعيات

(1)

: {لا يُفْتَح لهم أبواب السماء} وهي قراءة حمزة، والكسائي. {لا تُفْتَحُ لهم أبواب السماء} وهي قراءة أبي عمرو. {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء} وهي قراءة نافع، وابن كثير، وعاصم، وابن عامر. هذه القراءات الثلاث معناها واحد.

{إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} وجحدوا أنها من عند الله، وتكبروا عن العمل بها من الكفار أتباعهم ومتبوعيهم قبحهم الله {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء} . في عدم فتح أبواب السماء لهم أقوال متقاربة معروفة، لا يكذب بعضها بعضاً، وهي كلها حق

(2)

، قال بعض العلماء:{لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء} فيرفع لهم منها عملٌ صالح؛ لأن أعمالهم مردودة إلى الله، كما قال الله:{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: آية 10] والكفار ليس عندهم عملٌ صالح يرفع كَلِمَهم، وليس عندهم كَلِمٌ طيب، قالوا:{لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء} لترفع أعمالهم الصالحة إلى الله. وقال بعض العلماء: {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء} لاستجابة دعواتهم؛ لأن دعواتهم مردودة {وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَاّ فِي ضَلَالٍ} [الرعد: آية 14] وقال بعض العلماء: {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء} أي: لا تنزل إليهم البركات والرحمات من الله (جل وعلا) نازلة مفتحة لها أبواب السماء لكفرهم. وكل هذه الأقوال حق. وذهب جماهير من المفسرين أن معنى: {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ} لأرواحهم عند الموت {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء} والآية تشمل هذا كله. لا تفتح لأعمالهم أبواب السماء فترفع،

(1)

انظر: المبسوط لابن مهران ص208.

(2)

انظر: ابن جرير (12/ 421)، القرطبي (7/ 206)، ابن كثير (2/ 213).

ص: 242

ولا تفتح لدعواتهم أبواب السماء لأنها غير مستجابة، ولا تفتح لهم أبواب السماء بالبركات، ولا تفتح أبواب السماء لأرواحهم إذا ماتوا.

وحديث البراء المشهور المعروف عند العلماء يستدل به المفسرون على دخول القول الأخير في الآية؛ لأن حديث البراء المذكور أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والإمام أحمد، وغير واحد عن البراء: أن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم خرجوا معه في جنازة أنصاري، وجلس صلى الله عليه وسلم قبل أن يُلحد الأنصاري، وأمرهم أن يستعيذوا بالله من عذاب القبر، ثم ذكر لهم حال الميت المسلم والميت الكافر، فقال صلى الله عليه وسلم ما حاصله وملخَّصه: إن الإنسان المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، عندهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، فجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه ويقول: أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فتسيل نفسه كما تسيل القطرة من فمِ السِّقاء، فإذا سالت أخذها فلم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها ويجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط، فتخرج منها ريح كأحسن ما يكون من نفحة مسك على وجه الأرض، ثم يصعدون بها إلى السماء، كلما مروا بملأ من الملائكة قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ قالوا: هذا فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كان يُسَمَّى بها في الدنيا. حتى ينتهوا إلى السماء السابعة، فيقول الله (جل وعلا): اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. فَترد روحه إلى جسده، ويأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له: مَنْ رَبُّكَ؟ فيقول: ربي الله. فيقولان: وما دينك؟

ص: 243

فيقول: ديني الإسلام. فيقولان: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيقولان: وما علّمك هذا؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. فينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي، فافرشوا له من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة يأتيه رَوْحُها ونعيمها.

ثم إن الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح - والمسوح: جمع مِسْح وهو الثوب الخلق البالي الخبيث الخشن السيئ والعياذ بالله- فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه ويقول: أيتها الروح الخبيثة، اخرجي إلى سخط وغضب من الله (جل وعلا). فتتفرّق روحه في جسده، فينزعها من جسده كما يُنزع السفود من الصوف المبلول، فإذا أخرجها لم يَدَعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، وتخرج منها ريح كأنتن جيفة وُجدت على وجه الأرض؛ ثم يصعدون بها إلى السماء كلّما مرت على ملأ من الملائكة قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ قالوا: فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يدعى بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء فيستفتحوا له فلا يؤذن له -والعياذ بالله- وتطرح روحه طرحاً، وفي حديث البراء المذكور أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ:{لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: آية 40] وأنه عند طرح روحه قرأ: {وَمَن يُشْرِكْ بِالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ} [الحج: آية 31] وفي القراءة الأخرى

(1)

{فَتَخَطَّفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} ثم ترد روحه إلى جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه ويسألانه ويقولان: من

(1)

انظر: المبسوط لابن مهران ص207.

ص: 244

ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. ما هذا الرجل الذي بُعثَ فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي، فافرشوه من النار، وألبسوه من النار وافتحوا له باباً إلى النار. وفي بعض روايات الحديث: أنه يُسلط عليه أعمى أبكم، عنده مرزبة من حديد لو ضَرب بها جبلاً لبقي تراباً. يضربونه فيصرخ صرخة يسمعها كل الناس إلا الثقلين والعياذ بالله جل وعلا

(1)

. وحديث البراء هذا جاءت بمثله أحاديث تدل على أن السماوات (

)

(2)

.

{وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} التحقيق أن المراد بالجمل هنا هو البعير زوج الناقة المعروف. وعن ابن مسعود أنه سأله رجل عن الجمل هنا فاستهجن سؤاله وقال له: الجمل هو زوج الناقة

(3)

. كأنه يستهجن سؤاله، وأن هذا لا ينبغي أن يُسأل عنه.

والمراد بـ (السَّم) هو الثقب. و (الخِيَاط): الإبرة، والمعنى: أن الجمل -وهو البعير الضخم الكبير- لا يمكن أن تُدخله من ثقب إبرة الخياطة هذه، لا يمكن أن تدخل من وسطها جملاً بعِظَمِه وتفرّق قوائمه. فالجمل لا يدخل في ثقب إبرة أبداً، فهم لا يدخلون الجنة أبداً. فهذا أسلوب عربي معروف، يعلقون الشيء على ما لا يكون، فيدل على أنه لا يكون، فيقولون: لا يقع كذا حتى يقع كذا. فيكون

(1)

مضى عند تفسير الآية (8) من هذه السورة.

(2)

في هذا الموضع وجد انقطاع في التسجيل.

(3)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (2/ 299)، وسعيد بن منصور (التفسير)، (948، 951)، (5/ 138، 141)، وابن جرير (12/ 428، 429)، والدولابي في الكنى (2/ 151)، والطبراني في الكبير (8691، 8692)، (9/ 151).

ص: 245

وقوع الشيء محالاً، وهو أسلوب معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر

(1)

:

إذا شَابَ الْغُرَابُ أَتَيْتُ أهْلِي

وَصَارَ القَارُ كاللَّبَنِ الحَلِيبِ

القار: الزفت، وهو لا يَبْيَضُّ أبداً، والغراب لا يشيب أبداً. ومنه قول بشر بن أبي خازم

(2)

:

فرَجِّي الخَيْرَ وانْتَظِرِي إِيابِي

إِذَا مَا القَارِظُ العَنَزِيُّ آبَا

والقارظان العَنَزِيَّان لا يؤوبان أبداً. وهذا أسلوب عربي معروف. والتحقيق أن المراد بالجمل هنا هو الجمل المعروف من الإبل، وأن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم يضربون [المَثَل]

(3)

في العظم بالجمل كما قال الشاعر

(4)

:

............................

جِسْمُ الجمال وأحلامُ العصافيرِ

وقال (جلَّ وعلا) في شرر النار: {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْر (32) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (33)} [المرسلات: الآيتان 32، 33] وفي القراءة الأخرى

(5)

: {كأنه جِمالات صفر} هذا هو التحقيق، وأن المعنى: أنهم لا يدخلون الجنة حتى يدخل الجمل -البعير- الضخم الكبير

(1)

البيت في النكت والعيون للماوردي (2/ 223)، الدر المصون (5/ 320)، المغني لابن قدامة (10/ 475).

(2)

البيت في القرطبي (3/ 50)، اللسان (مادة: رجا) (1/ 1138)، وفي (مادة: قرظ)، (3/ 63) وفيه مناسبة البيت والمُراد بالقارظين.

(3)

ما بين المعقوفين [] زيادة يقتضيها السياق.

(4)

البيت لحسان، وهو في ديوانه ص129، والمثبت في الديوان:«جسم البغال» وصدره: «لا بأس بالقوم من طول ومن عِظَم» .

(5)

انظر: المبسوط لابن مهران ص457.

ص: 246

مع عظمه وتفرُّق قوائمه حتى يدخل من ثقب إبرة الخياطة، وهذا لا يكون أبداً!! فدخولهم الجنة لا يكون أبداً. وهذا أسلوب عربي معروف. وهذا هو التحقيق.

والقراءات الكثيرة التي تروى هنا عن السلف: {حتى يلج الجُمَّل} {حتى يلج الجُمَل} {حَتَّى يَلِجَ الجُمْلُ} وغيرها من القراءات كلها قراءات شاذة. ومعانيها لا يعتمد عليها

(1)

؛ لأنهم رووا عن ابن عباس أنه قرأ: {حَتَّى يَلِجَ الجُمَّل فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} وزعموا أن المراد بالجُمَّل هو الحبال الغليظة التي تجر بها السفينة، وأن هذه لا تدخل في عين الإبرة. فكل القراءات التي تشير إلى الجُمَّل، أو إلى الجُمَل، أو إلى الجَمْل، أو إلى الجُمْل، وغير ذلك من أنها حبال غليظة لا يمكن أن تدخل في الإبرة، كلها لا معوّل عليها، لأنها قراءات شاذة، ومعانيها غير صحيحة. والتحقيق هو قراءة الجمهور التي عليها السبعة بل والعشرة {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ} [الأعراف: آية 40] أي: حتى يدخل البعير الضخم العظيم في ثقب الإبرة. وهذا لا يكون أبداً، فدخولهم لا يكون أبداً. كقول الشاعر

(2)

:

إذا شَابَ الغرابُ أتيت أهلي

وصار القارُ كاللّبن الحَليِبِ

فالغراب لا يشيب أبداً، والقار -وهو الزفت- لا يَبْيَضُّ أبداً، فلا آتي أبداً.

(1)

انظر: ابن جرير (12/ 428، 431، 433)، القرطبي (7/ 207)، المحتسب (1/ 249).

(2)

مضى قريباً.

ص: 247

وهذا هو معنى قوله: {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} كذلك العذاب -والعياذ بالله- وإدخال النار، وتحريم الجنة {نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} المجرمون: جمع تصحيح للمجرم، وهو فاعل الإجرام، والإجرام: ارتكاب الجريمة، والجريمة في لغة العرب

(1)

: الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه النكال، ومادته تكون رباعية وثلاثية، تقول:(أجرم) إذا ارتكب الجريمة. وتقول العرب: (جَرَمَ) ثلاثيّاً، والثلاثي لم يرد في القرآن، ولم يرد في القرآن إلا بصيغة الرباعي {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا} [المطففين: آية 29] {فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} [هود: آية 35]{وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} كله بصيغة الإجرام بالرباعي. أمّا (جرم) الثلاثي فهو مسموع في اللغة وغير موجود في القرآن. ومن أمثلته في اللغة قول الشاعر

(2)

:

وننصُرُ مولانَا ونعلم أنَّهُ

كما الناسُ مجرومٌ عليهِ وجارمُ

لأن (المجروم) مفعول و (الجارم) فاعل، والمفعول والفاعل لا يأتيان إلا من الثلاثي كما هو معروف في فنِّ التصريف. وهذا معنى قوله:{وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} .

ثم قال: {لَهُم مِّن جَهَنَّمَ} أي: من النّار {مِهَادٌ} المهاد: الفراش. فراشهم من النار {وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} الغواشي: جمع غاشية، والغاشية: هي اللحاف الذي يتغطى به الإنسان. معناها: لُحُفُهم التي تغطيهم من النار، وفرشهم التي تحتهم من النار والعياذ

(1)

مضى عند تفسير الآية (55) من سورة الأنعام.

(2)

مضى عند تفسير الآية (55) من سورة الأنعام.

ص: 248

بالله

(1)

. وهذا معنى قوله: {لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} [الأعراف: آية 41] ثم قال: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} الواضعين العبادة في غير موضعها، كالمشركين والعياذ بالله.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43) وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ (45) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46)} [الأعراف: الآيات 42 - 46].

يقول الله جلّ وعلا: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43)} [الأعراف: الآيتان 42، 43].

لما بيَّن (جلّ وعلا) ما أعدَّ للكفار من العذاب الأليم، وأنه يدخلهم جميعهم النار، وأنهم يلعن بعضهم بعضاً -والعياذ بالله- ويطلب الأتباع زيادة مضاعفة العذاب للمتبوعين، لما بين -والعياذ بالله- ما يناله أصحاب النار من العذاب، وهم الكفرة العتاة

(1)

انظر: ابن جرير (12/ 435 - 436).

ص: 249

المتمردون، والذين يجاهرون بمعاصي الله -جلّ وعلا- لما بيَّن ما للعصاة والكفار من الوعيد، بين ما للمطيعين المؤمنين من الوعد الكريم، وجرت العادة في القرآن أن الله يجمع بين الوعد والوعيد؛ لأن مطامع العقلاء محصورة في أمرين هما: اجتلاب النفع، واجتناب الضر. فبين ما للمتقين من النفع يوم القيامة، وما للذين لم يتقوا من العذاب والنكال، ليكون الخوف والطمع حافزين للإنسان في دار الدنيا على طاعة الله. ومن أمثال العرب:(سوط وتمرة)

(1)

يعنون بالسوط: الشيء المؤلم الذي يُخاف. وبالتمرة: الشيء الحلو الذي يرغِّب، وهذا كثيرٌ في القرآن -الجمع بين الوعد والوعيد- كقوله:{نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ (50)} [الحجر: الآيتان 49، 50] وكقوله: {حم (1) تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ الله الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3)} [غافر: الآيات 1 - 3] وكقوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} [الرعد: آية 6] والآيات بمثل ذلك كثيرة.

{وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} [الأعراف: آية 42] القاعدة المعروفة عند العلماء أن الإيمان إذا لم يعطف عليه العمل الصالح يشمل جميع خصال الدين من اعتقاديات وعمليات. فالإيمان على مذهب أهل السنة والجماعة قول وعمل، وإذا أُفرد الإيمان شمل جميع مسائل دين الإسلام من الاعتقاد والعمل

(2)

. وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أن الإيمان «بِضْعٌ -في بعض

(1)

مضى عند تفسير الآية (147) من سورة الأنعام.

(2)

مضى عند تفسير الآية (48) من سورة الأنعام.

ص: 250

الروايات: وسَبْعُونَ شُعْبَةً، وفي بعضها:- وسِتُّونَ شُعْبَةً، أعْلاهَا شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ»

(1)

فسمى إماطة الأذى عن الطريق إيماناً، وهو من الأعمال. وفي الحديث: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيماناً

» الحديث

(2)

. فسمى الصوم إيماناً «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسَاباً

»

(3)

الحديث، فسمى صلاة ليلة القدر إيماناً {وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: آية 143] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس. وأمثال هذا كثيرة جدّاً.

أما إذا عُطف العمل الصالح على الإيمان كقوله هنا: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} [الأعراف: آية 42] فإن الإيمان حينئذ ينصرف إلى رُكْنِهِ الأكبر الأعظم وهو الاعتقاد القلبي، وهو إيمان القلب واعتقاده وانقياده بشهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبكل ما يجب الإيمان به مما بينته السنة الصحيحة والقرآن العظيم؛ لأن العمل هنا نُصَّ عليه في قوله:{وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} ولو لم يُنص على العمل لدخل في الإيمان؛ لأن القلب إذا آمن إيماناً صحيحاً تبعه جميع -سائر- الأعضاء؛ لأن القلب أمير البدن، إذا تَوَجَّهَ إلى جِهَة وجَّه إليها البدن، وفي الحديث الصحيح:«إِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»

(4)

.

(1)

السابق.

(2)

السابق.

(3)

السابق.

(4)

مضى عند تفسير الآية (75) من سورة البقرة.

ص: 251

وقوله: {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} أي: آمنت قلوبهم، وظهرت آثار ذلك الإيمان في القلوب على الجوارح، فعملت الجوارح بطاعة الله جل وعلا.

وقوله: {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} معناها: عملوا الفعلات الصالحات. والعمل الصالح ضابطه عند العلماء: هو

(1)

ما استكمل ثلاثة أمور، فكل عمل استكملت فيه هذه الأمور الثلاثة فهو صالح، وكل عمل اختل فيه واحدٌ منها أو أكثر، فهو عمل غير صالح:

الأول من هذه الأمور الثلاثة: أن يكون ذلك العمل مطابقاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله لا يقبل التقرُّب إليه بغير ما شرع، فكل مَنْ تَقَرَّبَ إلى الله بعمل لم يشرعه الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم فعَمَلُهُ مَرْدُود عليه، وذلك التقرُّب لا يزيد من الله إلا بُعْداً. فلو قال جاهل مثلاً: إن صلاة الصبح ركعتان، فهي قليلة، فأنا أريد أن أزيد بركعة تقرباً لله، فيجعلها ثلاثاً كالمغرب، فإنها تبطل وتُرد عليه، ويضرب بها وجهه؛ لأنه جاء بها على غير الوجه الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. فلا يزيد ولا ينقص، فالزيادات على ما شرعه الله بدعوى التقرب هي باطلة. مثالها عند العلماء كالورم، فهو زيادة في العين بأن يكون العضو كبيراً وهو في الحقيقة نقصان؛ لأنه ألمٌ وفَسَادٌ، فالذي ينبغي هو اتباع سُنَّتِهِ صلى الله عليه وسلم -كما ينبغي طبق الأصل- من غير أن يزيد وأن لا ينقص. فهذا هو الأول من الأمور الثلاثة، أن يكون مطابقاً لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله يقول: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ

(1)

مضى عند تفسير الآية (54) من سورة الأنعام.

ص: 252

فَانتَهُوا} [الحشر: آية 7] ويقول: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله} [النساء: آية 80] ويقول: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله} [آل عمران: آية 31].

الثاني: أن يكون ذلك العمل فيما بين العَبْدِ وَرَبِّهِ؛ أي: في نية العبد الباطنة التي لا يطلع عليها إلا الله: أن يكون مخلصاً ذلك العمل لله لا يشرك معه فيه غيره. فإن كان ذلك العمل -في نية العبد وباطنه الذي لا يعلمه إلا الله- غير خالص لله فليس بعمل صالح، وإنما هو عمل طالح؛ لأن الله يقول:{وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: آية 5] فالذي عَبَد الله بغير الإخلاص له جاء بما لم يؤمر به، والله يقول:{قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ (11)} [الزمر: آية 11] وفي الآية الأخرى: {مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ} [الزمر: آية 15].

فالأول: مطابقة الشرع في الظاهر.

والثاني: الإخلاص من العبد فيما بينه وبين الله في السر الذي لا يعلمه إلا الله.

والثالث: أن يكون ذلك العمل مبنيّاً على أساس الإيمان والعقيدة الصحيحة؛ لأن العقيدة الصحيحة كالأساس، والعمل كالسقف، فإذا وجد السقف أساساً ثبت عليه، وإن لم يجد أساساً انهار، فالذي ليس عنده عقيدة صحيحة لو عمل الأعمال المطابقة، وأخلص فيها لله لا تنفعه في الآخرة؛ لأنها لم تُبْنَ على أساس؛ ولهذا يقول الله:{وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [النساء: آية 124] فيشترط الإيمان بالعقيدة

ص: 253

الصحيحة. ويقول في عمل غير المؤمن: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً (23)} [الفرقان: آية 23] ويقول في أعمال غير المؤمنين: {مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ} [إبراهيم: آية 18] وفي آية: {كَسَرابٍ} [النور: آية 39] فأعمالهم باطلة -والعياذ بالله- فالكفار الذين لا عقيدة لهم ولا إيمان بالعقيدة الصحيحة قد يعملون أعمالاً صالحة يريدون بها وجه الله، كأن يبرّ الواحد والديه، وينفس عن المكروب، ويقري الضيف ويعين المظلوم، فهذه أعمال صالحة أخلص فيها لله ولكنها لا تنفعه يوم القيامة؛ لأنها لم تبُنَ على أساس عقيدة صحيحة، وإيمان بما يجب الإيمان به في الكتاب والسنة، لكن أعمال الكفار إن وقعت في الدنيا صالحة مطابقة للشرع مخلصون فيها يثيبهم الله بها في دار الدنيا؛ لأن الله لا يضيع عنده شيء، كما قال جل وعلا:{مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا [وَهُمْ فِيَها لَا يُبْخَسُونَ (15)] [7/ب] /أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَاّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (16)} [هود: الآيتان 15، 16] وثبت في صحيح مسلم من حديث أنس

(1)

أن الله (جلَّ وعلا) يطعم الكافر بحسناته في الدنيا حتى يرد على الله يوم القيامة ولا جزاء له.

وهو أحد التفسيرين في قوله (جل وعلا): {وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} [النور: آية 39] فأحد التفسيرين: فوفاه حسابه في دار الدنيا، يعني: عمل الكافر بالعافية والمال والرزق والتنعم في الدنيا على أحد القولين كما سيأتي.

(1)

مسلم في صفات المنافقين وأحكامهم، باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا

حديث رقم (2808)، (4/ 2162).

ص: 254

فحيث اجتمعت هذه الأمور الثلاثة - بأن كان العمل مطابقاً للشرع، وصاحبه مخلص فيه فيما بينه وبين الله، وكان صاحبه بانيه على عقيدة صحيحة - فهذا عمل صالح ينفعه يوم القيامة، وهو الذي وعد الله أهله بالجنة في هذه الآية التي نحن بصددها وغيرها من الآيات، وحيث اختل أحد تلك الأمور الثلاثة لم يكن عملاً صالحاً كما بَيَّنَّا.

وقوله: {الصَّالِحَات} [الأعراف: آية 42] أصله يستشكل طالب العلم: ما مفرد الصالحات؟ لأن العمل الصالح لا يجمع على صالحات. وإذاً فما مفرد الصالحات؟

والتحقيق أن مفرد الصالحات: صالحة؛ لأن العرب تسمي الخصلة

(1)

الطيبة: حسنة، وتسميها: صالحة. وهذا معروف في كلامهم، تقول مثلاً: فعل فلان حسنة، وفعل صالحة. كما قال تعالى:{مَن جَاءَ بالحَسَنَةِ} [االأنعام: آية 160] أي: بالخصلة الحسنة، وكذلك من فعل الصالحة كالحسنة، أي: هي الخصلة الطيبة التي ترضي الله. وهذا معروف في كلام العرب. ومن إطلاق الصالحة على الخصلة الطيبة: قَوْلُ أبي العاص بنِ الرَّبِيع في زَوْجِهِ زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبياته المشهورة

(2)

:

ذَكَرْتُ زَيْنَبَ بَالأَجْزَاعِ مِنْ إِضَما

فَقُلْتُ سَقْياً لِشَخْصٍ يَسْكُنُ الحَرَمَا

بِنْتُ الأَمِينِ جَزَاكِ اللهُ صَالِحَةً

وَكُلُّ بَعْلٍ سَيُثْنِي بِالَّذِي عَلِمَا

(1)

مضى عند تفسير الآية (160) من سورة الأنعام.

(2)

السابق.

ص: 255

فقوله: «صالحة» أي: خصلة حسنة. ومنه بهذا المعنى قول الحطيئة

(1)

:

كيفَ الهجاءُ ولا تنفكُّ صالحة

من آل لأْمٍ بظهرِ الغَيبِ تَأْتِينِي

يمدح بني لأم من الطائيين يقول:

كيفَ الهجاءُ ولا تنفكُّ صالحة

.................................

أي: فعلة صالحة طيبة.

...........................

من آلِ لأْمٍ بظهرِ الغيبِ تأتيني

وسُئِل أعرابي فقيل له: ما الحب؟ فقال

(2)

:

الحُبُّ مَشْغَلةٌ عَنْ كُلِّ صَالحةٍ

وسَكْرَةُ الحُبِّ تَنْفِي سَكْرَةَ الوَسَنِ

وقوله: «عن كل صالحة» أي: كل خصلة طيبة. فمعنى {وَعمِلُوا الصَّالحَاتِ} [الأعراف: آية 42] فعلوا في دار الدنيا الفعلات - الخصلات - الطيبات من كونها مطابقة للشرع، وكون فاعلها مخلصاً فيها لله، مبنية على عقيدة صحيحة، وإيمان صحيح بالله وبِرُسُله، وبكل ما يجب الإيمان به.

وقوله: {لَا نُكَلّفُ نَفساً إِلَاّ وُسْعَهَا} [الأعراف: آية 42] جملة اعتراضية بين المبتدأ وخبره، واعتراضها هنا من ألطف شيء؛ لأن الله لمَّا بين أنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات يدخلون الجنة كأنه قال: والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة، هم فيها خالدون. فكأن الإنسان يخطر في ذهنه أولاً: الجنةُ مع عظمها وما

(1)

مضى عند تفسير الآية (160) من سورة الأنعام.

(2)

السابق.

ص: 256

فيها من الملاذ والكرامات لا يمكن أن يستحقها أحد إلا بعد تعب هائل، وعناء شديد عظيم طويل، فبين الله أنه في هذه الشريعة السمحة التي جاء بها هذا النبي الكريم، أن الجنة تنال -مع عظم قدرها، وما فيها من اللذات والكرامة، وجميع الخيرات- بعملٍ سهل، لا مشقة فيه، ولا عناء ولا تعباً شديداً فيه؛ ولذا قال قبل أن يأتي بالخبر الذي هو:{أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الأعراف: آية 42] قال: {لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا} اعلموا أن جنتي التي بَينت لكم ما فيها من الخير، وما فيها من النعيم، والحور، والولدان، والجنان، والأشجار المثمرة، والغرف العالية، وأنهار العسل، والماء، واللبن، والنساء الحسان، وغير ذلك من اللذات والمكارم ونضرة النعيم والخلود الذي لا يزول، الذي لا يداخله سقم ألبتة، ولا هرم ولا مرض. اعلموا أن هذه الجنة التي هي بهذه المثابة من العظَم، وعلو الأمر، وارتفاع الشأن، أني أدخلكم إياها على عمل ليس بالصعب، ولا بالشديد، لا يستلزم المشقة الفادحة، ولا العناء العظيم، بل هو سهل خفيف، لا نكلف أحداً فيه إلا ما يطيقه، فمن عجز عن أن يصوم لسفر أو مرض أفطر ثم صام عدة من أيام أُخر، ومن لم يستطع الصلاة قائماً فليصل قاعداً، وهكذا، كما قال تعالى:{وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: آية 119] فإنه عند الضرورات يبيح لكم ما كان محرَّماً، ويخفف عليكم عند المشقات، والتخفيف عند المشقات إحدى القواعد الخمس التي بني عليها الفقه الإسلامي، وهي معروفة في الأصول

(1)

:

(1)

هذه القواعد الخمس يصدّر بها غالباً أصحاب القواعد كتبهم المصنفة في هذا الباب، كالسيوطي في الأشباه والنظائر وغيره.

ص: 257

الأولى منها: الضرر يزال.

الثانية: المشقة تجلب التيسير. وهو هذه.

الثالثة: لا يرتفع يقين بشك.

الرابعة: أن أعمال الناس ومعاملاتهم تبعٌ لأعرافهم وعوائدهم وما يعرفون.

الخامسة: الأمور بحسب مقاصدها.

والشاهد أن منها: المشقة تجلب التيسير {لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا} [الأعراف: آية 42] أي: طاقتها. فالوسع: الطاقة. أي: لا نكلف أحداً ما يعجز عنه أو يشق عليه مشقة عظيمة، فالوسع: الطاقة التي يكون صاحبها في اتساع، ولا يرهقه ضيق عظيم هائل. وهذا مما يبين أنَّ الله يسَّر الوصول إلى هذه الدار الكريمة، وهي الجنة، على لسان هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. فقد وضع في شريعته وعلى لسانه الآصار والأثقال، وأغلال التكاليف الشاقة التي كانت على مَنْ قَبْلَنَا، وجاء بها حنيفيَّةً سَمْحَةً هيِّنَةً لا ضيق فيها {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: آية 78] {يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: آية 185] ولهذه الحكمة جاءت الجملة الاعتراضية بين المبتدأ والخبر {لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا} أي: طاقتها وما تفعله في سعة لا يرهقها فيه ضيق وعناء شديد. ثم جاء بالخبر: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الأعراف: آية 42]{أُولَئِكَ} مبتدأ و {أَصْحَابُ} خبره، والمبتدأ وخبره خبر المبتدأ الأول الذي هو الموصول في قوله:{وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)} خلوداً أبديّاً {لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} [الكهف:

ص: 258

آية 108] {عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: آية 108]{إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ (54)} [ص: آية 54] لا يمرضون، ولا يشيبون، ولا يزول عنهم النعيم، بل هم في سرور ونعيم دائم، يتمتعون بأنواع المآكل، والمشارب، والمفارش، والمناكح، إلى غير ذلك ممَّا بَيَّنَهُ الله في آيات كثيرة. وقد قدمنا

(1)

أن الجنة في لغة العرب: البستان؛ لأن أشجاره الملتفة تجن الداخل فيه.

وجاء في القرآن إطلاق الجنة على البستان كقوله: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} [القلم: آية 17] وهي قصة بستان معروف في أطراف اليمن، كما يأتي في تفسير سورة القلم إن شاء الله. وكقوله جلّ وعلا:{وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} [الكهف: آية 35] إلى غير ذلك من الآيات. ومن إطلاق العرب الجنة على البستان كما قدمنا قول زهير

(2)

:

كَأَنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَي مُقَتَّلَةٍ

من النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا

يعني بقوله: «جنة» : بستان نخل. وقوله: «سُحُقا» جمع سَحُوق، والسَّحوق: النخلة الطويلة.

أما الجنة في اصطلاح الشرع: فهي دار الكرامة التي أعد الله لعباده المؤمنين، وهي شجرة مثمرة، ونهر مطَّرد، وغرفة عالية، وزوجة حسناء، ورضى لا سخط بعده، والمؤمنون فيها ينظرون إلى وجه الله الكريم، كما جاء في آيات وأحاديث صحيحة، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله. وهذا معنى قوله:{أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف: آية 42] ومن أعظم السرور: الخلود؛

(1)

مضى عند تفسير الآية (76) من سورة الأنعام.

(2)

مضى عند تفسير الآية (99) من سورة الأنعام.

ص: 259

لأن أكبر ما يُنكد اللَّذائذ، وينغص اللذات، أن يعلم صاحبها أنه زائل عنها، وأنها زائلة عنه، فترى الإنسان في سرور متمتعاً بنسائه الحسان، وماله، ونعيمه، ولذاته في الدنيا، فإذا خطر على قلبه أنه يموت، وتنكح نساؤه بعده، وتقسم أمواله، تكدرت عليه تلك اللذائذ وبقي مهموماً؛ ولذا كان الخلود الأبدي وعدم الانقطاع هو ما تتم به اللذة في [الآخرة]

(1)

؛ ولذا قال الله: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} لا يزولون عنها أبداً، فلا تورث ديارهم من بعدهم، ولا تُنكح نساؤهم من بعدهم، ولا يصير ما عندهم من النعيم لأحدٍ بعدهم، هم خالدون في ذلك النعيم، وقد صدق من قال

(2)

:

أَشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي فِي سُرُورٍ

تَيَقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُهُ انْتِقَالا

فالسرور إذا تيقن صاحبه الانتقال عنه صار عليه غمّاً. وقد أوضح هذا بعض الشعراء فقال

(3)

:

أُحِبُّ لَيَالي الهَجْرِ لَا فَرَحاً بِهَا

عَسَى الدَّهْرُ يَأْتِي بَعْدَهَا بِوِصَالِ

وَأُبْغِضُ أَيَّامَ الْوِصَالِ لأَنَّنِي

أَرَى كُلَّ وَصْلٍ مُعْقَباً بِزَوَالِ

فالفكرة بالزوال تُكَدِّرُ اللَّذَّات الحاضِرَة؛ ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرهم أن يكثروا من ذكر الموت، ويقال للموت: هاذم اللذات؛ لأن مَنْ تَذَكَّرَهُ ضَاعَتْ عليه لذته التي هو فيها؛ لأنه يقطعها؛ ولذا قال: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف: آية 42] لا يزول عنهم ذلك النعيم حتى تتكدر غبطتهم به بزواله.

(1)

في الأصل: «الدنيا» ، ولعله سبق لسان.

(2)

البيت للمتنبي، وهو في ديوانه (بشرح العكبري 3/ 224)، شواهد الكشاف ص100.

(3)

البيتان في كتاب ألف ليلة وليلة ص1436.

ص: 260

قال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43)} [الأعراف: آية 43].

{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} [الأعراف: آية 43] لما كان أهل الدنيا على مصادقتهم والقرابات بينهم يكون بينهم الغل، والغش، والبغضاء، والحسد، بيّن الله أن أهل الجنة سالمون من هذا الداء الذي يصاب به أهل الدنيا.

{وَنَزَعْنَا} صيغة الجمع للتعظيم، والله (جلَّ وعلا) هو الذي نزع {مَا فِي صُدُورِهِم} أي: صدور عبادنا المؤمنين الذين هم أصحاب الجنة، نزعنا جميع ما في صدورهم من غلّ. واختلفت عبارات العلماء في الغلّ إلى معاني متقاربة

(1)

، والظاهر أنه يشملها كلها، فبعضهم يقول: الغلّ: الحقد الكامن، وبعضهم يقول: هو البغض، وبعضهم يقول: هو الحسد والكراهية. وهو يشمل ذلك كله؛ لأن الإنسان قد يكون في قلبه للآخر حقد كامن، وحسد، وبغض، يكون هذا بين الآدميين، فالله (جلّ وعلا) يوم القيامة ينزع من صدور المؤمنين في الجنة جميع الأحقاد، فلا يكون هنالك أحدٌ يضمر حقداً لأخيه، ولا بغضاً، ولا حسداً، ولا غشّاً، بل ليس بينهم إلا التوادّ الكامل، والتعاطف والتناصح، يحب بعضهم بعضاً، ومن آثار ذلك أن منازلهم متفاوتة ينظر بعضهم منازل بعضٍ فوقه كما ننظر النجم في السماء، ومع ذا لا يحسده على ارتفاع منزلته عليه، بل هو يحبه

(1)

انظر: ابن جرير (12/ 438)، القرطبي (7/ 208).

ص: 261

ولا يضمر له في ذلك حسداً ولا غِلاً، وذكر غير واحد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال:«أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله فيهم: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}» ذَكَرَهُ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه غير واحد؛ قتادة وغيره، وكثير من طُرُقِهِ فيها انقطاع، والله أعلم بصحته إليه، ولكنه مشهور فائض على ألسنة المفسرين والعلماء والله أعلم بصحته عنه

(1)

،

ولا شك أنهم إن كان بينهم في الدنيا شيء؛ لأن طلحة والزبير ممّن قاتل عليّاً رضي الله عنه يوم الجمل، وبعضهم يزعم أنه كان بينه وبين عثمان بن عفان بعض الشيء، مع أن الذي يظهر أن عليّاً وعثمان لم يكن أحدهما يضمر للآخر إلا الطَّيِّب، وكان تسليم الحسن بن علي رضي الله عنه الخلافة إلى معاوية بن أبي سفيان (رضي الله عن الجميع) فيها أعظم منقبة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ لأن كثيراً من الناس كانوا يتهمون عليّاً رضي الله عنه بما هو بريء منه، أن له ضلعاً في قتل عثمان، وأنه كان يقول له الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان من أمّه، يعرّض بعلي

(2)

:

(1)

الأثر في ابن أبي شيبة (15/ 269، 281 - 282)، وابن جرير (12/ 438)، وابن سعد (3/ (القسم الأول) ص80، وابن أبي عاصم في السنة (1215)، واللالكائي (2573)، والحاكم (3/ 105) وذكره الهيثمي في المجمع (9/ 97) وعزاه للطبراني في الكبير.

وأورده ابن كثير (2/ 215)، والسيوطي في الدر (3/ 85) والزيلعي في تخريج الكشاف (1/ 462)، وابن حجر في تخريج الكشاف ص6، ورواية ابن سعد وابن جرير منقطعة، بخلاف رواية ابن أبي شيبة. وانظر: الفتح السماوي (2/ 635 - 636).

(2)

البيتان في تاريخ دمشق (56/ 227)، مختصر تاريخ ابن عساكر (مختصر ابن منظور)(26/ 346)، الكامل للمبرد (2/ 916)، مع شيء من الاختلاف في الروايات.

ص: 262

بَنِي هَاشِمٍ رُدّوا سِلاحَ ابْنِ أُخْتِكُمْ

وَلَا تنهبُوه لَا تَحِلُّ مَنَاهبُهْ

بَنِي هَاشِمٍ كيْفَ التَّعَاقُدُ بَيْنَنَا

وَعِنْدَ عَلِيٍّ سَيْفُه وحَرَائِبُهْ

وكانوا يظنون بأمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأرضاه) أنه مقصِّر في القَوَد من قَتَلَة عثمان، وأنه قادر على أن يقتلهم، وأنه مقصّر، فلما سلّم الحسن رضي الله عنه الخلافة إلى معاوية بن أبي سفيان -مصداقاً لحديث جدّه:«إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَسَيُصْلِحُ اللهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ أُمَّتِي»

(1)

- فصار الأمر كله إلى معاوية، وهو وليّ الدم الذي كان يطالب به في أهل الشام، وكان امتناعه من بيعة عليّ لا يعلله بعلّة إلا أنه يُمَكِّن من قَتَلَة عثمان فيقتلهم قصاصاً، ثم يبايع عليّاً، فلما خلصت الخلافة لمعاوية ولم يبق له منازعٌ أبداً، واجتمعت عليه كلمة المسلمين، وصار والياً على جميع المسلمين لا منازع له، لما سلّمه الحسن الخلافة رضي الله عنه لم يستطع معاوية أن يقتل واحداً كائناً ما كان ممن قتلوا عثمان رضي الله عنه

(2)

- فتبينت بذلك براءة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأرضاه- مما كانوا يتهمونه به، فصار في تسليم الحسن الخلافة لمعاوية أعظم منقبة لعلي رضي الله عنه وأعظم براءة مما كان يُتَّهمُ به مِمَّن لا يعلم ولا يقدّر فضله رضي الله عنه.

وقوله جلّ وعلا: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} [الأعراف: آية 43] قال بعض العلماء: الله ينزعه من صدورهم بعد أن يدخلوا الجنة.

(1)

مضى عند تفسير الآية (85) من سورة الأنعام.

(2)

انظر: عيون الأخبار لابن قتيبة (1/ 14).

ص: 263

وقال بعض العلماء: ينشئهم النشأة الجديدة على فطرة سليمة خالية من الأحقاد. فظاهر الآية أنَّهُمْ يَوْمَ القيامة يبعثون وهو موجود فيهم، إلا أن الله يسله وينزعه منهم

(1)

، بدليل قوله:{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} [الأعراف: آية 43] وقد قال في سورة الحجر {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ (47)} [الحجر: آية 47] وهذا من أعظم كمال اللذات حيث يكون الإنسان خالداً مخلداً، وحيث يكون هو وإخوانه ورفقاؤه في ذلك النعيم ليس بين اثنين منهم شحناء، ولا عداوة، ولا حقد، ولا حسد، ولا مخاصمة، وكل هذا من كمال النعيم.

وقوله: {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ} [الأعراف: آية 43] أعربه بعضهم حالاً، وبعضهم منع إتيان الحال هنا لأنه قال:{وَنَزَعنَا} فاعلها لا دخل له في الجملة فلا يمكن أن تكون حالاً، وبعضهم يقول: يصح أن تكون حالاً. فعلى أن الجملة حالية فلا إشكال، وعلى امتناع الحالية فيها -كما زعمه بعض علماء العربية- فهي كلام آخر مستأنف مما يعطيهم الله

(2)

.

{تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ} أي: من تحت قصورهم وغرفهم العالية {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ} سائلة. يقول بعض العلماء: أنهار الجنة تجري في غير أخدود

(3)

. ويذكرون أن المؤمن في غرفته العالية قد يشير إلى النهر تحته فيصعد إليه حتى يقضي منه حاجته. كما يأتي في تفسير قوله: {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6)} [الإنسان: آية 6]

(1)

في هذه المسألة انظر: ابن جرير (12/ 439)، ابن كثير (2/ 215).

(2)

انظر: البحر المحيط (4/ 298)، الدر المصون (5/ 323).

(3)

انظر: ابن جرير (1/ 384).

ص: 264

ولا غرابة في ارتفاع الماء إلى ولي الله في غرفته من الأرض؛ لأنه يشاهد في الدنيا ما هو أعظم من هذا وأغرب؛ لأنك أيام البلح تأخذ بلحة من نخلة طويلة سحوق، فإذا ضغطت على البلحة بضرسك طار منها الماء!! وهذا الماء إنما أَخَذَتْهُ من عروقها، فصعد من ثرى الأرض ومن عروق النخلة وطلع مع هذا الجذع القوي الخشن، طلع معه الماء ورفعه الله من هذا البعد العالي بقدرته، فمن فعل هذا فلا يصعب عليه أن يرفع الماء إلى غرف المؤمنين العالية. وهذه الأنهار مختلفة الألوان والأشكال، كما قال تعالى:{فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} [محمد: آية 15]. وهذا معنى: {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ} .

{فِي جَنَّاتِ النَّعِيم}

(1)

[يونس: آية 9] تارة يفرد الجنة نظراً إلى أنها اسم جنس، وتارة يجمعها. وإضافتها إلى النعيم لأنهم يتنعمون فيها بجميع اللذائذ، وتظهر على وجوههم نضرة النعيم، فهم في غاية النعيم، والنعيم ضدّ البؤس، فهم في نعمة دائمة ظاهرة آثارها على أبدانهم، في نضرة وجمال وسرور وغبطة، لا يشيبون ولا يهرمون ولا يمرضون؛ ولذا قال:{فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [يونس: آية 9].

{وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} [الأعراف: آية 43] بين الله

(1)

في هذا الموضع وقع للشيخ رحمه الله سهو حيث ساق خاتمة الآية التي في سورة يونس: {فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} وفسر هذا القدر منها، وقد نُبِّه الشيخ رحمه الله على ذلك أثناء الدرس ولم يتفطن له. وعلى كلٍّ فلم يفت من تفسير آية الأعراف شيء، وإنما صار الكلام على ذلك القدر من سورة يونس من باب الزيادة.

ص: 265

أنه لما أدخل أهل الجنة الجنة حمدوا الله على نعمه، وذلك ذكره عنهم في مواضع كثيرة كقوله عنهم أنهم قالوا:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35)} [فاطر: الآيتان 34، 35] وقال عنهم هنا أنهم حمدوه أيضاً فقالوا: {الحَمْدُ لله} الحمد

(1)

: معناه كل ثناءٍ جميل ثابت لله (جل وعلا)؛ لأنه يستحقه لذاته؛ ولأنه يستحقه علينا بما أنعم علينا حيث أدخلنا هذا النعيم الخالد الذي لا يزول.

{الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} أي: وفقنا للطريق التي ينال بها هذا الثواب العظيم وهو الجنة. نحمد الله على أن وفقنا في دار الدنيا، وهدانا إلى الإيمان به واتباع رسله حتى نِلْنَا بذلك العَمَلَ الصَّالِحَ هذا الجزاء المقيم، والنعيم العظيم. {الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} ثم قالوا:{وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ} [الأعراف: آية 43] هذه اللام هي التي تسمى في النحو بلام الجحود، وهي تؤكد النفي، تؤكد نفي هدايتهم لولا أن الله هداهم، وتسمى لام الجحود ولا تكون إلا بعد كونٍ منفي، نحو: ما كان، ولم يكن، والفعل منصوب بعدها بـ (أن) مضمرة

(2)

.

{وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ} إلى الطريق التي هذا ثوابها وجزاؤها {لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله} [الأعراف: آية 43] المصدر المنسبك من (أن) وصلتها في محل رفع؛ لأن ما بعد (لولا) مبتدأ خبره محذوف غالباً.

(1)

مضى عند تفسير الآية (45) من سورة الأنعام.

(2)

مضى عند تفسير الآية (37) من سورة الأنعام.

ص: 266

والمعنى: لولا هداية الله موجودة لما نلنا هذا الجزاء، ولما هُدينا إلى هذا العمل الذي هذا جزاؤه. وقرأ هذا الحرف عامة القراء ما عدا الشامي، أعني ابن عامر:{وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله} وقرأه ابن عامر وحده: {ما كنا لنهتدي} بلا واو

(1)

. والمصاحف التي أُرسلت إلى الشام ليس فيها الواو، وإنما فيها:{ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} بلا واو، وهما قراءتان سبعيتان، ولغتان فصيحتان؛ ولأجل هذا الاختلاف بزيادة حرفٍ في بعض القراءات الصحيحة وحذفه من القراءات الأخرى كان ذلك سبب تعدد نسخ المصحف العثماني، تعدد نسخه لتكون نسخة فيها الواو ونسخة لا واو فيها، فبعض المصاحف التي أُرسلت إلى الشام ليس فيها الواو وإنما فيها:{ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} بلا واو، وهي قراءة الشامي، وهو ابن عامر. وهذا معنى قوله:{وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله} .

ثم قالوا على سبيل الفرح والغبطة والسرور: {لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: آية 43] والله لقد جاءتنا رسل ربنا في دار الدنيا بالحق؛ لأن العمل الصالح الذي أَمَرَتْنَا به، والجزاء الذي وَعَدَتْنَا أن نناله هذا هو قد تحقق لنا، ودخلنا الجنة التي كانوا يعدوننا في دار الدنيا على الأعمال الصالحة. والله لقد جاءتنا رسل ربنا في دار الدنيا بالحق الثابت الذي لا شك فيه فما كذبونا ولا دلسوا لنا، وإنما جاءونا بالحق. وقالوا هذا على وجه السرور والغبطة؛ لأن من دخل في غبطة وسرور يتكلم بهذا الكلام تلذذاً لا يقصد غير ذلك.

(1)

انظر: المبسوط لابن مهران ص208.

ص: 267

ولما قالوا هذا الكلام: {لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} قالوا هذا {وَنُودُواْ} [الأعراف: آية 43] أي: نودوا من قِبَل الله، ناداهم الله أو ملك من الملائكة بأمر الله {أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ} [الأعراف: آية 43] (أن) هذه فيها وجهان

(1)

: زعم بعضهم أنها المخففة من الثقيلة. و (أنْ) إذا خففت من الثقيلة - (أن) المفتوحة - لم يبطل عملها، ويكون اسمها ضمير الشأن، والجملة بعدها خبرها. وأظهر القولين أنها هنا هي التفسيرية. ومعنى التفسيرية أن ما بعدها يفسر ما قبلها، فنفس النداء الذي نودوا به هو قوله:{تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: آية 43] وضابط أَنْ التفسيرية: التي يكون ما بعدها تفسيراً لما قبلها هي أن يتقدمها ما فيه معنى القول وليس فيه حروف القول

(2)

، أعني:(القاف، والواو، واللام) وقد تقدمها ما فيه معنى القول؛ لأن النداء فيه معنى القول، وليس فيه حروف القول، فيظهر أنها تفسيرية، خلافاً لمن زعم أنها مخففة من الثقيلة.

{تِلْكُمُ الْجَنَّةُ} (تلك) إشارة إلى الجنة، نظراً إلى أنها اسم جنس. وقوله:«كُم» هو حرف خطاب للمخاطبين؛ لأنهم جمعٌ كثير {تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا} معناه: أعطيتموها. فإيراث الجنة: إعطاؤها وليس المراد به أنها مأخوذة من أموات كميراث الميت، كما يزعمه بعضهم، بل المراد بإيراثها: أن الله أعطاهم إياها، وأدخلهم إياها، وأباحها لهم، خلافاً لمن زعم أن معنى إيراثهم لها أن الله جعل لكل نفس منفوسة مسكناً في الجنة ومسكناً في النار، فإذا أدخل أهل الجنة

(1)

انظر: البحر المحيط (4/ 300)، الدر المصون (5/ 324).

(2)

مضى عند تفسير الآية (111) من سورة الأنعام.

ص: 268

الجنة، وأهل النار النار اطلع أهل الجنة على مساكنهم في النار -لو أنهم كفروا بالله وعصوه- لتزداد غبطتهم وسرورهم، وعند ذلك يقولون:{الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله} [الأعراف: آية 43] ثم إنه يطلع الكفار على منازلهم في الجنة -لو أنهم آمنوا وأطاعوا الله - لتزداد ندامتهم وحَسْرَتُهُمْ، وعند ذلك يقول الواحد منهم:{لَوْ أَنَّ الله هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [الزمر: آية 57] قالوا: ثم إن الله يُعْطِي مَنَازِلَ أهْلِ النَّارِ في الجنة لأهل الجنة، وكأَنَّ أهل النار أموات؛ لأن من في العذاب الذي هم فيه ميت؛ لأنهم يتمنون الموت فلا يجدونها

(1)

، فكأنهم ورثوها عنهم. وهذا وإن جاء به حديث فلا يصلح لتفسير الآية؛ لأن الله قال:{بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: آية 43] ولم يقل: «أورثتموها من أهل النار» . فصرح أنه أورثهم إياها بما كانوا يعملون، أي: بسبب ما كنتم تعملون في دار الدنيا من طاعة الله.

وتمسك المعتزلة بظاهر هذه الآية وأمثالها من الآيات فقالوا: إن العبد هو الذي خلق فعل نفسه في الطاعات، واستحق به الجنة لا بفضلٍ من الله -جل وعلا- أعاذنا الله من مقالتهم. وهنا يشنع الزمخشري في تفسير هذه الآية

(2)

-لأنه معتزلي- على من يقول: إنهم دخلوا الجنة بفضل الله ورحمته فيقول: قال المبطلة: إنهم دخلوها بفضل الله، والله يقول: إنهم دخلوها بأعمالهم. وهذا جهل من المعتزلة وعدم علم بالسنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه في الحديث الصحيح

(1)

هكذا العبارة، ويمكن حملها على الأمنية.

(2)

انظر: الكشاف (2/ 63).

ص: 269

أنه قال: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الجَنَّةَ» . قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا، إِلَاّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ»

(1)

وهذا الحديث الصحيح أصله فيه إشكال بينه وبين هذه الآيات التي يستدل بها المعتزلة، كقوله هنا:{أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً (63)} [مريم: آية 63] وأمثال ذلك.

وللعلماء أجوبة كثيرة عن الإشكال بين الحديث وبين هذه الآيات وما جرى مجراها من الآيات

(2)

، وأظهر أوجه التوفيق عندنا: أن العمل الصالح لا ينفع صاحبه إلا إذا تَقَبَّلَهُ الله منه، ولا يَعْمَلُ عَمَلاً صالحاً إلا إِذا وفَّقَه الله إليه وأعانَهُ عليه. فلما كان العمل الصالح الذي

(1)

روى هذا الحديث جماعة من الصحابة، منهم:

1 -

أبو هريرة رضي الله عنه، عند البخاري في الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، حديث رقم (6463)، (11/ 294). ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم، باب: لن يدخل أحد الجنة بعمله

، حديت رقم (2816)، (4/ 2169).

2 -

عائشة رضي الله عنها، عند البخاري في الموضع المتقدم، حديث رقم (6464، 6467)، (11/ 294)، ومسلم في الموضع المتقدم من صحيحه، حديث رقم (2818)، (4/ 2171).

3 -

جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، عند مسلم، في الموضع المتقدم من صحيحه. حديث رقم (2817)، (4/ 2170).

(2)

انظر: شرح الطحاوية ص641، ولشيخ الإسلام رحمه الله رسالة تعرف بـ (رسالة في دخول الجنة، هل يدخل أحد الجنة بعمله أم ينقضه قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» وهي ضمن جامع الرسائل (1/ 143)، وانظر حادي الأرواح ص61.

ص: 270

هو سَبَب دخول الجنة لا ينفع إلا إذا تَقَبَّلَه الله، ولو شاء لم يَتَقَبَّلْهُ، ولا ينفع إلا إذا وفَّقَ الله إليه ولو شاء لم يوَفِّق إليه، صار كل شي بفضله ورحمته -جلّ وعلا- كما هو الحق وهو الصواب. وهذا معنى قوله:{وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: آية 43] أي: في دار الدنيا من طاعات الله، ودخلتموها بفضل الله ورحمته حيث تقبل منكم تلك الأعمال الصالحة، ووفقكم إلى فعلها في دار الدنيا، وأعانكم عليها برحمته وفضله، وتقبلها منكم، فلو لم يوفقكم لها ويعنكم عليها لما قدرتم على فعلها، ولو لم يَتَقَبَّلْهَا منكم لما نفعتكم أبداً، وكل هذا بفضله ورحمته جلّ وعلا.

{وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ (44)} [الأعراف: آية 44] بين (جلّ وعلا) أنه إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وبيّن ما يقوله أهل النار في النار من التخاصم، ولَعن بعضهم لبعض:{كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} وسؤال بعضهم مضاعفة العذاب لبعض، وما يقوله أهل الجنة من حمد الله، والثناء عليه للتوفيق، والغبطة بالخلود، ونزع الأحقاد والغلال

(1)

التي كانت بينهم، لما بيّن هذا كله بيَّن أن أهل الجنة ينادون أهل النار كالموبخين على نوع من التوبيخ والشماتة بهم؛ لأنهم كانوا يكذبون في الدنيا بالنار والجنة.

{وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ} وهذا النداء للعلماء فيه سؤالات: هل نادى جميع أهل الجنة جميع أهل النار؟ أو نادى بعضهم بعضاً؟ وظاهر القرآن أنه نداءٌ عام. وقال بعض العلماء: كل

(1)

هكذا العبارة. ولم أقف على من جمع (الغِلّ) على (الغِلَال).

ص: 271

ناسٍ من المؤمنين ينادون من كانوا يعرفونهم في الدنيا من الكفار: يا أصحاب النار هل وجدتم ما وعد ربكم حقّاً؟ فنحن وجدنا ما وعدنا من النعيم حقّاً، فهل وجدتم ما كان يقال لكم من الوعيد بالعذاب حقّاً

(1)

؟

{وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا} (أَنْ) هذه كالتي قبلها في القول بأنها تفسيرية أو مخففة من الثقيلة. وقد ذكرنا الكلام عليها آنفاً

(2)

.

{أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا} من الجنة، والنعيم المقيم، والخلود الأبديّ في نعمِ الله، وجدناه حقّاً من الله، وصَدَقَنا وعده {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء} [الزمر: آية 74] فوجدنا وعد الله بالنعيم، والخلود الأبدي في الجنة على ألسنة الرسل، وجدناه حقّاً، فهل وجدتم أنتم ما وعدكم ربكم من العذاب، والنكال، ودخول النار، هل وجدتموه حقّاً؟ وهذا سؤال توبيخ وتقريع وشماتة، والعياذ بالله. قالوا في ذلك الوقت معترفين حيث لا ينفع الاعتراف، نادمين حيث لا ينفع الندم:{قَالُواْ نَعَمْ} [الأعراف: آية 44] وجدنا ما وعده الله من العذاب والنكال على ألسنة الرسل حقّاً، ووجدنا أن تكذيبنا به في دار الدنيا سفاهة منا وجناية على أنفسنا.

وقرأ هذا الحرف عامة القراء ما عدا عليّاً الكسائي {قَالُواْ نَعَمْ} بفتح النون والعين. وقرأه الكسائي وحده: {قالوا نَعِم}

(3)

و (نَعَم)

(1)

انظر: الألوسي (4/ 122).

(2)

انظر: الدر المصون (5/ 325)، وراجع ما سبق عند تفسير الآية السابقة.

(3)

انظر: المبسوط لابن مهران ص209.

ص: 272

و (نَعِم) لغتان كلاهما تأتي بمعنى الأخرى على الصواب. و (نَعَم) لا تكون جواباً إلا لاستفهام مُثْبَت، ولا تكون جواباً لاستفهام منفي، فلو كانت الآية:«ألم تجدوا ما وعدكم ربكم حقاً؟» بالنفي لما جاز أن يجاب بـ (نعم) وإنما يجاب بـ (بلى) هذا هو المعروف؛ لأن المكان الذي تصلح به (بلى) لا تصلح به (نعم) والمكان الذي تصلح به (نعم) لا تصلح به (بلى). و (بلى) تأتي في اللغة العربية وفي القرآن العظيم لمعنيين لا ثالث لهما:

أحدهما: أن (بلى) تأتي لنفي النفي، فهي نقيضه (لا) لأن (لا) لنفي الإثبات، و (بلى) لنقيض النفي، فإذا جاء نفي في القرآن ثم جاءت بعده (بلى) فإن (لا) تنفي ذلك النفي، ونفي النفي إثبات. فيصير ما بعد (بلى) إثبات؛ لأنها نفت النفي الذي قبلها، ونفي النفي إثبات. وهذا كثيرٌ في القرآن، كقوله:{زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا} نفوا البعث بأداة النفي التي هي (لن){قُلْ بَلَى} فنفى الله نفيهم للبعث، فثبت البعث؛ ولذا قال:{وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} [التغابن: آية 7] وكقوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ} [سبأ: آية 3] نفوا إتيان الساعة بحرف النفي الذي هو (لا)، قال الله:{بَلَى} [سبأ: آية 3] فنفت نفيهم، وأثبتت إتيان الساعة؛ ولذا قال بعده:{لَتَأْتِيَنَّكُمْ} [سبأ: آية 3] وهذا كثير في القرآن وفي كلام العرب.

المعنى الثاني: أن تأتي (بلى) جواباً لاستفهام مقترن بالنفي خاصة، لا لاستفهام إيجابي، كقوله:{أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى} [الأعراف: آية 172]{أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى} [يس: آية 81] وهكذا. ولا يجوز أن يقال في هذا: نعم. أما إن كان السؤال بالإثبات فالجواب بـ (نعم) لا بـ (بلى) فلو

ص: 273

قلت: هل جاء زيد؟ فالجواب: نعم قد جاء زيد. وقلت: أليس زيد قد جاء؟ فالجواب: بلى. لا بـ (نعم)

(1)

.

وما سُمع من كلام العرب في إتيان (نعم) بعد الاستفهام المقترن بالنفي الذي هو موضع (بلى) فإنه شاذّ يُحفظ ولا يُقاس عليه. وقد سُمع في كلام العرب إتيان لفظة (نعم) في محل (بلى) في الاستفهام المقترن بالنفي، ومن شواهده قول الشاعر

(2)

:

أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو

وَإِيَّانَا؟ فَذَاكَ لنَا تَدَانِ

نَعَمْ، وَتَرَى الهِلالَ كَمَا أَرَاهُ

وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلانِي

فالمحل هنا (بلى) لا لـ (نعم) لأن الاستفهام مقترن بنفي، وإنما يُحفظ مثل هذا ولا يقاس عليه.

وقوله: {قَالُواْ نَعَمْ} [الأعراف: آية 44] هو حرف إثبات، جوابٌ لاستفهام إثبات. معناه: وجدنا ما وعدنا ربنا من العذاب الأليم والنكال وجدناه حقّاً.

{فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ} [الأعراف: آية 44] التأذين في لغة العرب: الإعلام. تقول العرب: أذّن الرجل: إذا أَعْلَم. ومنه الأذَان لِلصَّلاةِ؛ لأنه الإعلام بدخول وقتها، ودعاء الناس {فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء} [الأنبياء: آية 109] أعلمتكم، وآذَنَهُ: إذا أعْلَمَهُ

(3)

. ومنه

(1)

انظر: القرطبي (7/ 210)، الدر المصون (5/ 326)، رصف المباني ص157، 364.

(2)

البيتان في الأمالي للقالي (1/ 282)، رصف المباني ص365، الدر المصون (1/ 456).

(3)

انظر: المفردات (مادة: أذن) ص70.

ص: 274

قول الحارث بن حِلِّزة

(1)

:

آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ

رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ

{فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ} أي: نادَى مُنَادٍ بِصَوْتٍ عَالٍ، وأعلم مُعلم {بَيْنَهُمْ} قرأ هذا الحرف عامة القراء إلا ورشاً عن نافع:{فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ} بهمزة محققة. وقرأه ورش وحده عن نافع: {فَأَذَّنَ مُوَذِّنٌ} بإبدال الهمزة واواً. انفرد بهذه القراءة ورش عن نافع عن جميع القراء

(2)

.

{بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ} [الأعراف: آية 44] قرأ هذا الحرف نافع، وعاصم، وقنبل عن ابن كثير، وأبو عمرو، قرأوا كلهم:{أَن لَّعْنَةُ الله} بتخفيف (أن) وضم [8/ أ] تاء (لعنة). وقرأه الباقون وهم حمزة، والكسائي، وابن عامرٍ، والبزي عن ابن كثير:/ {أنّ لعنة الله}

(3)

. بتشديد (أَنَّ) ونصب (تاء){لَعْنَةَ} .

واللعنة في لغة العرب

(4)

: الإبعاد والطرد. فالرجل إذا كان ذا جرائم، وذا جرائر، يطلبه هؤلاء بدم، وهؤلاء بدم، ثم إن قومه تبرءوا منه وطردوه لئلا تقاتلهم القبائل التي يطالبونه بالدم، إذا نفوه وطردوه يُسمى رجلاً لعيناً، ومنه قول الشماخ أو غيره

(5)

:

ذَعَرْتُ به القَطَا، ونَفَيْتُ عنه

مَقامَ الذئبِ، كالرجُل اللَّعينِ

(1)

مضى عند تفسير الآية (128) من سورة الأنعام.

(2)

انظر: المبسوط لابن مهران ص105، إتحاف فضلاء البشر (2/ 49).

(3)

انظر: السبعة لابن مجاهد ص281، المبسوط لابن مهران ص209.

(4)

انظر: اللسان (مادة: لعن)(3/ 374).

(5)

البيت للشماخ، وهو في اللسان (مادة لعن)(3/ 374).

ص: 275

فـ (لعنة الله) معناها: طرده وإبعاده.

{فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ} [الأعراف: آية 44] أي: نادى مناد وأعلم مُعلم.

{أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ} الذين ظلموا أنفسهم في دار الدنيا وكانوا يضعون العبادة في غير موضعها -والعياذ بالله- وهم الكفرة. وهذا من النكال بالكافرين لما اعترفوا بأن الوعيد حق عليهم نادى مناد يدعو عليهم باللعنة -والعياذ بالله- ويصفهم بالظلم الذي استحقوا به عذاب الله ونكاله.

ثم قال: {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله} [الأعراف: آية 45]{الَّذِينَ} في محل خفض لأنه نعت للظالمين.

{يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله} العرب تستعمل (صد) استعمالين

(1)

: تستعملها متعدية إلى المفعول، تقول: صد زيد عَمْراً يصُده، ومصدر هذه (الصد) لا غير. ومنه:{وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ الله} [النساء: آية 160] صده يصُده صدّاً، على القياس؛ لأن كل فعل ثلاثي متعدٍّ إلى المفعول ينقاس مصدره إلى (فَعْل) بفتح فسكون، فصده صدّاً؛ لأن مصدرها:(الصد) على القياس. وهذه مضمومة الصاد، وليس فيها إلا الضم. تقول: صده يصُدُّه صدّاً، لا غير.

الثانية: يستعملون (صدَّ) لازمة غير متعدية إلى المفعول، تقول: كان زيد ذاهباً إلى الشام فَصَدَّ عنه إلى العراق. أي: مال عنه إلى العراق، لازماً، ومصدر هذه:(الصدود) على القياس أو الغلبة. وفي مضارعها ضم الصاد وكسرها. تقول: صد زيد عن الأمر يصِد

(1)

انظر: الدر المصون (5/ 328).

ص: 276

ويصُد. وعليه القراءتان السبعيتان

(1)

: {إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} {إذا قومك منه يصُدون} [الزخرف: آية 57] و (صد): هنا في هذه الآية هي (صد) المتعدية للمفعول.

{الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله} أي: يصدون الناس عن سبيل الله. و (السبيل): الطريق. وإنما أُضيفت الطريق إلى الله؛ لأنها السبيل التي أمر بسلوكها، وَوَعَدَ بالثَّوَاب مَنْ سَلَكَهَا، ونَهَى عن عدم سلوكها، ووعَدَ بالْعِقَابِ مَنْ لم يَسْلُكْهَا.

والسبيل في لغة العرب وفي القرآن تُذَكَّر وتؤنث

(2)

، فمن تأنيثها في القرآن:{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى الله} [يوسف: آية 108] وقوله: {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: آية 55] على من قرأ {سبيلُ} بالرفع: تستبين هي أي: سبيل المجرمين

(3)

.

وقد يذكَّر السبيل كقوله: {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} [الأعراف: آية 146].

وسبيل الله: هي دين الإسلام وطاعة الله التي جاءت بها رسله.

{وَيَبْغُونَهَا} أي: يطلبونها، وهي السبيل، أَنَّثها في هذه الآية. يطلبونها {عِوَجَا} هذا مصدر بمعنى الوصف، أي: في حال كونها معوجة، يبغونها معوجة زائغة مائلة، فيها عبادة الأوثان، والشركاء، والأولاد لله. يطلبون هذه السبيل العوجاء التي ليس فيها استقامة. أما القرآن العظيمِ فسبيله ليس فيها عوج، بل هي مستقيمة، كما

(1)

انظر: المبسوط لابن مهران ص399.

(2)

مضى عند تفسير الآية (116) من سورة الأنعام.

(3)

مضى عند تفسير الآية (54 - 55) من سورة الأنعام.

ص: 277

قال تعالى: {قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} [الزمر: آية 28] وقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (1)} [الكهف: آية 1] فسبيل الله ليس فيها عوج. والسبيل التي يبغيها الكفار {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} [الأعراف: آية 45] أي: معوجة ذات عوج، عوجاء غير مستقيمة لما تدعو إليه من الكفر بالله، وادعاء الشركاء والأولاد له. وهذا معنى:{وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} .

{وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ} [الأعراف: آية 45] وهم مع ذلك كافرون بالآخرة، جاحدون بها.

{بِالآخِرَةِ} : هي الدار الآخرة، وقد بينا مراراً

(1)

أنها إنما سُميت آخرة لأنها ليس بعدها مرحلة أخرى.

ويجب على كل إنسان أن ينظر في مراحله، وتاريخ مراحله، حتى يفهم الآخرة؛ لأن الله أمره بذلك حيث قال:{فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ (6)} [الطارق: الآيتان 5، 6] فاعلم أيها المسكين - الذي هو الإنسان - أن أول مراحلك تراب بلَّه الله تبارك وتعالى بماء فصار ذلك التراب طيناً، ثم بعد أن صار طيناً ونقله الله من طَور إلى طور خُمِّر حتى [صار]

(2)

طيناً لازباً، وتغيرت ريحه حتى صار حمأ، ثم إنه يَبِسَ حَتَّى صَارَ صلصالاً، ثم إن الله نفخ فيه الروح، وجعله بشراً سَوِيّاً خلق منه آدم، جعله ذا جسد ودم ولحم، ثم إنه خلق من ضلعِه امْرَأَتَهُ حَوَّاء، كما قال:{خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} قال في الأعراف: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}

(1)

مضى عند تفسير الآية (92) من سورة الأنعام.

(2)

ما بين المعقوفين [] زيادة يقتضيها السياق.

ص: 278

[الأعراف: آية 189] وقال في أول النساء: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} وقال في الزمر: {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [الزمر: آية 6] وقد خلق حواء من آدم بلا نزاع كما نصت عليه هذه الآيات القرآنية، ثم بعد ذلك كانت طريق التناسل أيها الإنسان أن تكون أولاً نطفة من مني حقيرة مهينة، من ماء الرجل وماء المرأة في رحم المرأة، ثم تمكث ما شاء الله وأنت نطفة، ثم يقلب الله هذه النطفة علقة، أي: دماً جامداً إذا صُب عليه الماء الحار لم يذب، ثم إن الله يقلب هذا الدم مضغة، أي: قطعة لحم كما يقطعه آكل اللحم ليمضغه، ثم إن الله يقلب هذه اللحمة هيكل عظام يركب بعضها ببعض، يركب فيه المفاصل بعضها ببعض، والسُّلاميات بعضها ببعض، والفقار بعضها ببعض {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً (28)} [الإنسان: آية 28] ثم إنه (جل وعلا) يكسو هيكل هذا العظام اللحم، ويجعل فيه العروق، ويفتح فيه العيون، والأفواه، والآناف، ويجعل الكبد في محلها، والكليتين في محلهما، والطحال في محله، إلى غير ذلك، ثم ييسر لك طريق الخروج من بطن أمك، وهو مكان ضيق، كما قال:{ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20)} [عبس: آية 20] ثم يخرجك إلى الدنيا.

وقد جاوزنا جميع هذه المراحل ونحن في مرحلة الخروج إلى الدنيا، وهذه المرحلة المحطة التي نحن فيها منا من يسافر منها بسرعة، ومنا من يمكث فيها:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج: آية 5] ويقال لنا: اعلموا أن السفر طويل، وأن الشقة فادحة، وأنه لا محطة يؤخذ منها الزاد إلا هذه المحطة، فمن لم يتزود من هذه المحطة هلك وانقطع عن القافلة، وبقي في بلاء وويل لا ينقطع.

ص: 279

فعلينا أن نتزود من هذه المحطة التي هي محل الزاد {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: آية 197] فنأخذ من الأعمال الصالحات، والشقة أمامنا طويلة، والسفر بعيد، والسفر لم ينته. ثم بعد هذه المحطة ننتقل جميعاً إلى محطة القبور، وهي محطة من رحلة الإنسان. وسمع بدوي رجلاً يقرأ:{أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)} [التكاثر: آية 1] قال: انصرفوا والله من المقابر إلى دار أُخرى؛ لأن الزائر منصرف لا محالة. ثم إن القبر محطة ومرحلة من هذه المراحل يخرجنا الله منه جميعاً أحياء نُساق إلى المحشر {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} [الروم: الآية 25] فنُساق جميعاً من محطة القبر إلى محطة المحشر في عرصات القيامة، ويلقى الناس فيها ما يلاقون من الأهوال والأوجال ودنُوّ الشمس منهم، وإلجام العرق إياهم كما هو معروف، ثم يشفع النبي صلى الله عليه وسلم سيد الخلق الشفاعة الكبرى، فإذا جاء الناس، واعتذر لهم آدم، واعتذر لهم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وجاءوا إليه صلوات الله وسلامه عليهم، وقال لهم:«أنا لها» .

يعني: أن الله وعده بذلك في دار الدنيا حيث قال له: {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} [الإسراء: آية 79] ولكنه (صلوات الله وسلامه عليه) لشدة علمه بالله، وتعظيمه لله، يعلم أنه لا شفاعة إلا بإذن الله {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: آية 255] {مَا مِن شَفِيعٍ إِلَاّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} [يونس: آية 3] فلا يتجرأ على الشفاعة فلتة بسرعة، وإنما يسجد ويلهمه ربه من المحامد ما لم يلهمه أحداً قبله ولا بعده، ولم يزل كذلك حتى يقول له ربه: يا محمد -صلوات الله وسلامه عليه- ارفع رأسك، وسل تُعطه، واشفع تُشَفَّعْ. فشفع صلى الله عليه وسلم

ص: 280

الشفاعة الكبرى

(1)

، ويظهر في ذلك الوقت فضله - صلوات الله وسلامه عليه - على جميع مَنْ في المحْشَرِ من الأنبياء والمرسلين، كما ظَهَرَ فَضْلُهُ عليهم في دار الدنيا لما عُرِج به مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سماوات، واجتمع بهم في بيت المقدس، وصلى بجميعهم بأمر من جبريل كما هو معروف في الأحاديث

(2)

،

فهو سيدهم في الدنيا وسيدهم في الآخرة -صلوات الله وسلامه عليه- ثم إذا أذن الله في الحساب حاسب الناس، ثم إذا انتهى حسابهم تفرقوا في ذلك الوقت فراقاً لا اجتماع بعده، وهو قوله تعالى:{يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً} [الزلزلة: آية 6] وقوله: {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَاّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (14)} [الروم: آية 14] وهذا التفرق مذهوب به ذات اليمين إلى الجنة، ومذهوب به ذات الشمال إلى النار، وقد أوضح الله هذه الأشتات في سورة الروم حيث قال:{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (15) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الْآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (16)} [الروم: الآيتان 15، 16] فيُذهب بأهل الجنة إلى الجنة، وبأهل النار إلى النار، وُيذبح الموت، ويُقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. فحينئذ تنقطع الرحلة، وتُلقى عصا التسيار، وتكون تلك هي المحطة الأخيرة التي لا انتقال منها أبداً إلى محطة أخرى. فأهل الجنة في نعيم دائم، وأهل النار في عذاب دائم، لن ينتقل هؤلاء إلى منزل آخر، ولا هؤلاء إلى منزل آخر، ولهذا سُميت الآخرة؛

(1)

مضى عند تفسير الآية (51) من سورة الأنعام.

(2)

مضى عند تفسير الآية (161) من سورة الأنعام ..

ص: 281

لأن ليس بعدها محطة أخرى يُنتقل إليها. وهذا إيضاح معنى (الآخرة).

وقوله: {كَافِرُونَ} أي: جاحدون. أصل الكفر في لغة العرب هو: الستر والتغطية، وكل شيء سترته وغطيته فقد كفرته. وهذا معروف في كلام العرب، ومنه قيل للزراع: كُفَّار؛ لأنهم يكفرون البذر في بطن الأرض، يسترونه ويغطونه. وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول لبيد في معلقته

(1)

:

يَعْلُو طَرِيقَةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرٌ

فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا

يعني: سترها وغطاها غمامُها. ومن هنا قيل للَّيل: كافر؛ لأنه يكفر الأجرام ويغطيها بظلامِهِ ومنه قول لبيد في معلقته

(2)

:

حتى إذا ألقتْ يداً في كافرٍ

وأَجَنَّ عَوْرَاتِ الثغُورِ ظَلامُها

كما هو معروف، وإنما سُمي الكافر كافراً لأنه يجحد نعم الله، ويجحد آياته، ويريد أن يغطيها بالجحود والكفر والعياذ بالله. وهذا معنى قوله:{وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ} [الأعراف: آية 45].

قال تعالى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ (49) وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله قَالُواْ

(1)

شرح القصائد المشهورات (1/ 152).

(2)

شرح القصائد المشهورات (1/ 166).

ص: 282

إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51)} [الأعراف: الآيات 46 - 51].

يقول الله جل وعلا: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47)} .

قوله جل وعلا: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ} أي: بين أهل الجنة وأهل النار، وقيل: بين الجنة وبين النار حجاب، والحجاب هو: الحاجز الساتر بين الشيئين

(1)

، ومنه قوله تعالى:{وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ} [الأحزاب: آية 53]. وهذا الحجاب الذي بين أهل الجنة وأهل النار، وبين الجنة والنار هو السُّور المذكور في سورة الحديد في قوله جل وعلا:{فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد: آية 13] وهذا الحجاب الذي هو هذا السُّور المبين في سورة الحديد لا يمنع من كون النار في أسفل السافلين، والجنة في أعلى؛ لأن الجنة فوق السماوات والنار منسفلة تحت الأرضين، وهذا لا يمنع من أن الله يجعل سوراً ساتراً بين أهل الجنة وأهل النار كما صرح به في قوله:{وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ} وقوله مبيناً لهذا الحجاب: {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد: آية 13].

وضَرْبُ ذلك الحجاب يبيِّن أن أهل الجنة لا ينالهم شيء من

(1)

انظر: تفسير ابن جرير (12/ 449)، القرطبي (7/ 211)، الدر المصون (5/ 328).

ص: 283

عذاب النار لا من حرّها ولا من نتنها ولا من أذاها، كما أن أهل النار لا ينالهم شيء مما في الجنة من النعيم، لا من بردها، ولا من نسيم روائحها الشذية، وهذا معنى قوله:{وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ} .

{وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ} الأعراف في اللغة: جمع عُرْف، والفُعْل يُجمع على أفعال. والعُرْف في لغة العرب هو كل مكان من الأرض مرتفع تسميه العرب عُرْفاً

(1)

، فالجبل المرتفع والرمل المرتفع تسميه العرب عُرْفاً، ومن ذلك عرف الديك لارتفاعه على سائر بدنه، وعُرْف الفرس لارتفاعه على سائر بدنها، فكل مرتفع تسميه العرب عُرْفاً، وتجمعه على أعراف، وربما قالوا للعُرْف عُرُف بضمتين، ومنه قول الكُميت

(2)

:

أبْكَاكَ بِالعُرُفِ المَنْزِلُ

وما أَنْتَ والطَّلَلُ المُحْوِلُ

وهذه الأعراف معناها بإطباق المفسرين: أماكن مرتفعة عالية، وأكثر المفسرين على أنها هي أعاليها، والسور وشرفاته؛ لأن هذا الحجاب المضروب بين أهل الجنة والنار، والسور الذي له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب له شرفات -أي: أعاليه له شرفات- مرتفعة في أعلاه هي الأعراف التي عليها هؤلاء الرجال المذكورون. وعلى هذا القول أكثر المفسرين، خلافاً لمن زعم أن الأعراف مرتفعات فوق الصراط عليها رجال على هذه المرتفعات

(1)

انظر: المجمل لابن فارس، كتاب العين، باب العين والفاء وما يثلثهما. ص513 تفسير ابن جرير (12/ 449)، القرطبي (7/ 211)، الدر المصون (5/ 328)، معجم البلدان (4/ 105).

(2)

البيت في الصحاح، باب الفاء، فصل العين (4/ 1401)، معجم البلدان (4/ 105).

ص: 284

فوق الصراط، محبوسون عن الجنة، مُزَحْزَحُونَ عَنِ النَّارِ. والأكثر أن المراد بالأعراف: أعالي ذلك السور وشرفاته المرتفعة عليها رجال. الرجال: جمع الرجل، واختُلف في المراد بهؤلاء الرجال الذين هم على الأعراف المذكورة على نحو من اثني عشر قولاً مدارها على قَوْلَيْنِ كل منهما تَتَفَرَّعُ مِنْهُ أقْوَالٌ

(1)

:

أحدهما: أن الرجال الذين هم على الأعراف رجال قَلَّت حسناتهم عن سائر أهل الجنة فاستوت حسناتهم وسيئاتهم؛ لأنه إذا وُزن أعمال الجميع بالميزان المتقدم في قوله: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8)} [الأعراف: آية 8] من ثقلت حسناته على سيئاته بقدر صُؤابة -وهي بيضة القملة- دخل الجنة، وكذلك من ثقلت سيئاته على حسناته فخفت كفة حسناته بقدر ذلك دخل النار، ومن اعتدلت سيئاته وحسناته فلم ترجح كفة السيئات، ولم ترجح كفة الحسنات؛ لأن آحاده قابلت عشراته فلم يكن هنالك رجحان لهذه ولا هذه فهؤلاء هم أصحاب الأعراف على قول جمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم. وممن صرح بهذا: عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس

(2)

رضي الله عنهم.

فعلى هذا مدار هذه الأقوال راجع إلى هذا القول، سواء قلنا ما قاله بعضهم من أنهم رجال جاهدوا في سبيل الله، فنهاهم آباؤهم، فعصوا آباءهم وعقوهم بالخروج، وقتلوا في سبيل الله، فمنعهم القتل في

(1)

انظر: ابن جرير (12/ 452، 461)، القرطبي (7/ 211)، ابن كثير (2/ 216).

(2)

كما في ابن جرير (12/ 452 - 457).

ص: 285

سبيل الله من دخول النار، ومنعهم عقوق الآباء من دخول الجنة فكانوا على الأعراف.

وكذلك قول من قال: إنهم بروا آباءهم وعقوا أمهاتهم، أو بالعكس، فمنعهم بر الأمهات من النار، ومنعهم عقوق الآباء من دخول الجنة. إلى نحو هذا من الأقوال فمداره راجع إلى شيء واحد، كما رُوي مصرحاً به عن عبد الله بن مسعود

(1)

أنه الوزن، وأن من ثقلت موازينه دخل الجنة، ومن خَفَّتْ مَوَازِينُهُ دخل النار، ومن اعتدلت موازينه فلم ترجح إحدى الكفتين على الأخرى كان على الأعراف. أقوال العلماء تدور على هذا. وعلى هذا القول فأصحاب الأعراف أقل عَمَلاً من غيرهم من أهل الجنة؛ لأن لهم سيئات ثبطتهم عن دخول الجنة، ولهم حسنات منعتهم من دخول النار. وعلى هذا فهم أقل مرتبة من أهل الجنة الذين دخلوها.

وقال بعض العلماء: كما سيأتي في أنهم إذا دخلوا الجنة تبقى في كل واحد منهم شامة بيضاء يُعرف بها.

وقال بعضهم: يقال لهم مساكين أهل الجنة؛ لأنهم آخر الداخلين فيها، سواء قلنا: إن الأعراف هو أعالي السور المذكور وشرفاته، أو أنه مرتفعات فوق الصراط كما قاله بعض العلماء. وعلى هذ القول فأصحاب الأعراف أقل درجة من أهل الجنة.

وذهب قوم إلى أن أصحاب الأعراف من أعظم درجات أهل الجنة، فزعم بعضهم أنهم ملائكة، وزعم بعضهم أنهم الشهداء، وزعم بعضهم أنهم خيار أهل الجنة من العلماء العاملين، والأتقياء

(1)

أخرجه ابن جرير (12/ 453).

ص: 286

الكرام، أنهم جاءوا لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأن الله أجلسهم على هذا المكان المرتفع ليشرفوا على أهل النار وأهل الجنة على سبيل النزهة والتمتع بمعرفة أخبار الجميع، وما صار إليه أهل النار وأهل الجنة.

والذين قالوا هذا القول اختلفوا فيهم اختلافاً كثيراً، بعضهم يقول: ملائكة. وهذا لا يساعده ظاهر قوله: {رِجَالٌ} لأن الملائكة لا يُسَمَّوْن رجالاً. واحتجوا بقوله: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً} [الأنعام: آية 9] أنهم في صفة الرجال، أو أنهم أنبياء، أو أنهم الشهداء، إلى غير ذلك.

وزعم بعضهم أنهم مؤمنو الجن. كما ذكرنا أن العلماء اختلفوا في المؤمنين من الجن هل يدخلون الجنة

(1)

؟ فزعم بعضهم أن المؤمنين من الجن لا يدخلون الجنة، وإنما جزاؤهم الإجارة من العذاب الأليم كما صرحوا به في قوله تعالى عنهم في سورة الأحقاف عن الجن حيث قالوا:{يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ الله وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31)} [الأحقاف: آية 31] ولم يقولوا: يدخلكم الجنة. قالوا: فعلموا أنهم إن أجابوا داعي الله وأطاعوه كان جزاؤهم غفران الذنوب، والإجارة من العذاب الأليم، قالوا: وربما سمى الله الجن رجالاً أيضاً كقوله: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ} [الجن: آية 6] وقد قدمنا أن التحقيق أن المؤمنين من الجن يدخلون الجنة كالمؤمنين من الإنس، وأنه دل عليه بعض الآيات، كقوله مخاطباً للجن والإنس معاً:{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)}

(1)

مضى عند تفسير الآية (38) من سورة الأنعام.

ص: 287

[الرحمن: آية 46] ثم بين شمول الوعد بهاتين الجنتين للإنس والجن معاً فقال بعده: {فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: آية 47] وهو خطاب للإنس والجن بالإجماع كما بَيَّنَّا.

وقول من قال: إن أصحاب الأعراف من أعظم أهل الجنة رتباً، أو أنهم ملائكة لا يتجه كل الاتجاه؛ لأنه يشير إلى عدم اتجاهه قوله:{لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} [الأعراف: آية 46] على التحقيق من أنها في أصحاب الأعراف؛ لأن الملائكة وخيار أهل الجنة لا يناسب أن يقال فيهم: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} وإن احتج من قال هذا بأن العرب قد تطلق الطمع على اليقين، إلا أنه ليس بالإطلاق المعروف المشهور الذي يجب حمل القرآن عليه.

وأقوال العلماء في هذا كثيرة، أظهرها الذي عليه الجمهور من الصحابة فَمَنْ بَعْدَهم أن أصحاب الأعراف رجال منعتهم حسناتهم من دخول النار، ومنعتهم سيئاتهم من دخول الجنة، ولم يكن هنالك رجحان للحسنات على السيئات، ولا للسيئات على الحسنات. وظاهر القرآن أنهم كلهم ذكور؛ لأنه قال:{رِجَالٌ} ولم يقل (نساء). والمقرر في الأصول: أن لفظة (الرجال) لا يدخل فيها النساء

(1)

. وقال بعض العلماء: إذا ذكر الرجال فلا مانع من دخول النساء بحكم التبع. واستأنسوا لهذا بأن العرب تسمي المرأة (رجلة)، وتسمية المرأة (رجلة) لغة صحيحة معروفة في كلام العرب، ومنه قول الشاعر

(2)

:

(1)

انظر: شرح الكوكب المنير (3/ 234)، المذكرة (212).

(2)

البيتان في اللسان (مادة: رجل)(1/ 1132).

ص: 288

كُلُّ جَارٍ ظَلَّ مُغْتَبِطاً

غَيْرَ جِيرَانِ بَنِي جَبَلَهْ

مَزَّقُوا ثَوْبَ فَتَاتِهُم

لمْ يُراعُوا حُرْمَةَ الرّجُلَهْ

يعني: المرأة. وقوله: {وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ} [الأعراف: آية 46] جملة حالية.

{يَعْرِفُونَ كُلاًّ} [الأعراف: آية 46] التنوين تنوين عوض {كُلاًّ} من أهل الجنة وأهل النار.

{بِسِيمَاهُمْ} السيما في اللغة: العلامة التي يُميَّز بها الشيء عن غيره

(1)

. فسيما أهل الجنة: ابيضاض الوجوه، ونضرة النعيم، والحُسن، وسيما أهل النار: اسْوِدَاد الوجوه، والقبح، والتشويه الخلقي بأكل النار لهم والعياذ بالله {يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ} [الأعراف: آية 46].

ثم بين الله أن أصحاب الأعراف ربما نظروا تارة إلى الجنة، وربما أُجبروا على النظر إلى أهل النار؛ لأن منظر النار فظيع جدّاً، لا ينظر إليه أحد باختياره، ولذا قال:{وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} [الأعراف: آية 46] إذا نظروا إلى أهل الجنة وما هم فيه من النعيم حيوهم تحية كريمة، نادوهم من مكانهم:{أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} [الأعراف: آية 46] ومعنى: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} سلمتم من جميع الآفات، وصرتم في مأمن من كل ما يؤذي. وهذه

(2)

تحية الإسلام: (السلام عليكم) لأن (السلام) معناه السلامة من كل الآفات (عليكم)، وهي أحسن تحية يُحيَّا بها، تحية الإسلام أحسن من تحيات الجاهلية وتَحَايا الملوك.

(1)

انظر: المفردات (مادة: سام) ص438.

(2)

مضى عند تفسير الآية (54) من سورة الأنعام.

ص: 289

فأحسن تحية هي تحية الإسلام. (السلام عليكم) معناه: سلمكم الله من جميع الآفات، ومن كل شيء يؤذيكم. وكان الجاهلية يُحيُّون فيقولون: حياك الله، و (حياك الله): أطال الله حياتك. ومن ذلك قيل للسلام: تحية؛ لأن التحية مصدر: حَيَّاه يحيِّيه تحية. أصلها: (تَحْيِيَة) لأن المُقَرَّرَ في فن التصريف أن (فعَّل) مُضعَّفة العين إذا كانت معتلة اللامَ ينقاس مصدرها على (التَّفْعِلة) كزكاه تزكية، ونَمَّاهُ تنمية، وحيَّاه تَحْييَة، إلا أن الياء أُدغمت في الياء فقيل:(تحية)

(1)

. ومعنى: (حيَّاك الله): أطال الله حياتك. ومطلق الدعاء بطول الحياة لا يستلزم الخير؛ لأن الإنسان قد تكون حياته تعسة نَكِدَة يتمنى أن يستريح منها بالموت، فرب حياة يفضل صاحبها عليها الموت، كما قال بعض المتأخرين

(2)

:

أَلَا مَوْتٌ يُبَاعُ فَأَشْتَرِيهِ

فَهَذَا العَيْشُ مَا لَا خَيْرَ فِيهِ

أَلَا رَحِمَ المُهَيْمِنُ نَفْسَ حُرٍّ

تَصَدَّقَ بِالوَفَاةِ عَلَى أَخِيهِ

فهذا يريد من يتصدق عليه بالموت تفضيلاً لها على حياته. ومنه الأبيات المعروفة، قيل إنها للأعشى ميمون بن قيس، وقيل لغيره

(3)

:

المَرْءُ يَرْغَبُ فِي الحَيَا

ةِ وَطُولُ عَيْشٍ قَدْ يَضُرُّهْ

تَفْنَى بَشَاشَتُهُ وَيَبْـ

قَى بَعْدَ حُلْوِ العَيْشِ مُرُّهْ

وَتَسُوؤُهُ الأَيَّامُ حَـ

ـتَى مَا يَرَى شَيْئاً يَسُرُّهْ

كَمْ شَامِتٍ بِي إِذْ هَلَكْـ

تُ وَقَائِلٍ للهِ دَرُّهْ

(1)

انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص93.

(2)

مضى عند تفسير الآية (54) من سورة الأنعام.

(3)

السابق.

ص: 290

فالشاهد أن (حياك الله) أي: أطال الله حياتك. طول الحياة لا يستلزم الخير؛ لأنه ربما يكون في حياة مزعجة قَلِقَةٍ يَتَمَنَّى أنْ يَمُوتَ، فالموت خير منها، كما جاءت الأحاديث الصحيحة المتفق عليها أنه في آخر الزمان يأتي الرجل قبر أخيه فيتمَنَّى كل المُنى أن يكون مكانه ميتاً؛ قَلَقاً من حياته، وإيثاراً للراحة منها من كثرة الفتن، والعياذ بالله

(1)

.

هذا معنى {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} أي: سلمكم الله سلاماً. فالسلام اسم مصدر (سلَّم) وقد تقرر في علم العربية

(2)

أن (فَعَّل) مُضعَّفة العين قياس مصدرها (التفعيل) إلا إذا كانت معتلة اللام أو مهموزته فالقياس في مصدرها (التَّفْعِلة) ويكثر إتيان (الفَعَال) بدلاً من (التفعيل) اسم مصدر، كما تقول: سلَّم عليه سلاماً؛ أي: تسليماً. وكلَّمَهُ كلاماً؛ أي: تكليماً. وبين له الأمر بياناً؛ أي: تبييناً. وطلّق امرأته طلاقاً؛ أي: تطليقاً. ومنه (السلام) لأنه مصدر (سلَّم) فمعنى (سلام عليكم) سلمكم الله من جميع الآفات، وهذه تحية عظيمة، وإنما ساغ الابتداء بالنكرة هنا لأنها في معرض الدعاء.

{وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} [الأعر اف: آية 46].

(أنْ) هذه كاللواتي قبلها التي ذكرنا احتمال كونها مخففة من الثقيلة، أو أنها تفسيرية. فعلى أنها مخففة من الثقيلة فاسمها ضمير الشأن المستكن، وخبرها جملة المبتدأ والخبر. وعلى أنها تفسيرية

(1)

السابق.

(2)

انظر: التوضيح والتكميل (2/ 77 - 79).

ص: 291

فهي بمعنى (أي) وما بعدها يفسر ما قبلها. وضابط (أن) التفسيرية: هي أن يتقدمها معنى القول وليس فيه حروف القول

(1)

. والمناداة التي تقدمتها فيها معنى القول وليس فيها حروف القول. هذا {أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} .

{لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} أظهر التفسيرين في قوله: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} أنه واقع على أصحاب الأعراف، ولا محل للجملة من الإعراب على أصح القولين. فكأن سائلاً سأل قال: ما شأن أصحاب الأعراف هؤلاء الذين يُحيُّون أهل الجنة ويخاطبون أهل النار، ما قصتهم، وما شأنهم؟ فأجيب بقوله:{لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} لم يدخلوا الجنة بالفعل {وَهُمْ يَطْمَعُونَ} في دخولها في ثاني حال طمعاً منهم في رحمة ربهم وفضله جل وعلا، وهذا هو أصح التفسيرين، خلافاً لمن قال إن الأعراف أنها شرفات عالية فوق الصراط مرتفعات في الصراط، عليها هؤلاء الرجال، تمر بهم زُمَرُ الجنة، وزُمَرُ أهل النار، فإذا رأوا زُمَر أهل الجنة عرفوهم بسيماهم، وحيوهم، وقالوا لهم:{سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا} أي: أهل الجنة الذين هم مارون بأهل الأعراف {وَهُمْ يَطْمَعُونَ} في دخولها لأنهم ذاهبون إليها. هذا القول قال به جماعة من علماء التفسير، والأول أظهر منه.

ومعنى {يَطْمَعُونَ} الطمع: هو تعلق النفس وأملها في الحصول على الشيء. وهذا معنى قوله: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} والأول أظهر من الثاني.

(1)

مضى عند تفسير الآية (151) من سورة الأنعام.

ص: 292

ثم قال تعالى: {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ} [الأعراف: آية 47]{صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ} معناه قلبت عيونهم {تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ} ، إلى جهة أصحاب النار ومقابلتهم حتى يروهم. والعبارة بقوله:{صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ} تدل على أن الله هو الذي صرف أبصارهم إليهم، وأنهم ما كانوا يحبون النظر إليهم اختياراً لشدة الهول وفظاعة الأمر - والعياذ بالله - {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ} أي: قُلبت أبصارهم تجاه أهل النار ونظروا ما هم فيه من العذاب - والعياذ بالله - وما هم فيه من سوء الحال، واسوداد الوجوه، وتغيير الخلقة، وإحراق النار لهم، تَعَوَّذوا بالله من النار ومن شَرِّهَا، وتضرعوا ملتجئين إلى الله أن لا يجعلهم من أهل النار، قالوا:{رَبَّنَا} يا خالقنا وسيدنا ومدبر شؤوننا أعذنا من النار و {لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأعراف: آية 47] أي: لا تصيرنا مع القوم الظالمين. يعنون: أصحاب النار. وقد قدمنا أن (القوم) اسم جمع لا واحد له من لفظه، يطلق بأصل الوضع العربي على خصوص الذكور، وربما دخل فيه الإناث بحكم التبع

(1)

والدليل على إطلاقه بالأصالة على الذكور دون الإناث قوله تعالى: {لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ} [الحجرات: آية 11] فعطفه النساء على القوم يدل على أنهن لم يدخلن فيهم بحسب الوضع. ومن ذلك قول زهير

(2)

:

وما أدري وسوفَ إِخَالُ أَدري

أَقَومٌ آل حصنٍ أم نساءُ

(1)

مضى عند تفسير الآية (80) من سورة الأنعام.

(2)

السابق.

ص: 293

فجعل النساء غير القوم. والدليل على دخول النساء في القوم بحكم التبع قوله تعالى في ملكة سبأ (بلقيس): {وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ الله إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ (43)} [النمل: آية 43] فصرح أنها من قوم. دخلت في اسم القوم بحكم التبع.

ومعنى: {الظَّالِمِينَ} قد قدمنا أن الظلم يطلق على الكفر، وهو أعظم أنواعه؛ لأن الظلم: وضع الشيء في غير موضعه

(1)

، وأنه يطلق على ظلم دون ظلم، كظلم المسلم لنفسه. والظاهر أنهم يعنون الكفار، والكفار هم رؤساء الظالمين، كما قال تعالى:{وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: آية 254] وقال: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: آية 13] وقال جل وعلا: {وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ الله مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ (106)} [يونس: آية 106] وثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم فسَّر قوله: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} [الأنعام: آية 82] قال: بشرك

(2)

. وقد قدمنا أن كل من وضع شيئاً في غير موضعه فقد ظلم، وأن أكبر أنواع الظلم وضع العبادة في غير الخالق؛ لأن أكل الإنسان رزقه ونعمه وتقلبه في فضله وهو يعبد غيره وضع للعبادة في غير موضعها. وذلك معروف في كلام العرب، فكل من وضع شيئاً في غير موضعه تقول له العرب: ظالماً، وقد ذكرنا مراراً أنهم يسمون الذي يضرب لبنه قبل أن يروب (ظالماً) لأنه وضع الضرب في غير موضعه؛ لأن ضربه قبل أن يروب يضيع زبده، فهو ضرب في غير موضعه، فهو ظلم

(3)

.

(1)

مضى عند تفسير الآية (51) من سورة البقرة.

(2)

السابق.

(3)

مضى عند تفسير الآية (51) من سورة البقرة.

ص: 294

وهذا معروف في كلامهم. وفي لُغَز الحريري في مقاماته: «هل يجوز أن يكون الحاكم ظالماً؟ قال: نعم إذا كان عالماً»

(1)

يريد أن القاضي إذا كان يضرب لبنه قبل أن يروب لا مانع من أن يُستقضى إذا كان من أهل العلم، وهو معروف كثير في كلام العرب، ومنه قول الشاعر

(2)

:

وَقَائِلَةٍ ظَلَمْتُ لَكُمْ سِقَائِي

وَهَلْ يَخْفَى عَلَى العَكَدِ الظَّلِيمِ

والعَكَد: عَصَب اللسان. ويُروى: «على العكَد الظليم» ومنه قول الآخر في سقاء له من اللبن صبَّه وسقاه قومه قبل أن يروب

(3)

:

وَصَاحِبِ صِدْقٍ لَمْ تَرُبْنِي شكَاتُهُ

ظَلَمْتُ وَفِي ظَلْمِي لَهُ عَامِداً أَجْرُ

ومنه قيل للأرض التي حُفرت وليست محل حفر: (مظلومة)، وقيل للتراب الذي يستخرج من حفر القبر:(ظليم) لأنه حَفرٌ في غير محل الحفر، لم يحفر قبل هذا، ولم يكن معهوداً لأن يحفر لاستخراج ماء ونحوه. ومِنْ إِطْلاقِهِ عَلَى الأرض التي حُفِرَتْ ولَيْسَتْ محلاًّ للحَفْرِ قَوْل نابغة ذبيان

(4)

:

إلا الأوَاريَّ لأْياً ما أُبَيِّنُها

والنُّؤْيُ كَالحَوْضِ بالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ

أي: بالأرض المظلومة المحفور فيها وهي ليست محلاًّ للحفر؛ لأن الحفر وُضع في غير موضعه. وهذا هو المعنى الصحيح، خلافاً لمن زعم أن المظلومة هي التي تأخر عنها المطر، ومنه قيل

(1)

السابق.

(2)

السابق.

(3)

السابق.

(4)

السابق.

ص: 295

لتراب القبر (ظليم) لأن حَفْرَه ليس في محل الحَفْر عادة قبل ذلك. ومنه قول الشاعر يصف ميتاً مدفوناً في قبره مردوداً عليه تراب القبر

(1)

:

فَأَصْبَحَ فِي غَبْرَاءَ بَعْدَ إِشَاحَةٍ

مِنَ الْعَيْشِ مَرْدُودٌ عَلَيْها ظَليمُها

وهذا معنى معروف في كلام العرب: فأكبر أنواع الظلم وضع العبادة في غير موضعها وهو الكفر بالله {وَالكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: آية 254] وفيه ظلم دون ظلم، كالذي يطيع الشيطان ويعصي الله معتقداً أنه فاعل معصية، وأنه مرتكب قبيحة؛ لأن هذا من عصاة المسلمين الذين إن شاء الله غفر لهم، وقد ذكرنا أن الظالم لنفسه من جملة المؤمنين الذين يدخلون الجنة؛ لأنه يخلط العمل الصالح والعمل السيئ، فقد يتوب الله عليه.

ومعنى قوله: {لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} أي: لا تَصَيِّرْنَا مع أهل النار في ذلك العذاب الشديد والإهانة العظيمة -والعياذ بالله- وهذا معنى قوله: {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ} [الأعراف: آية 47] في هذا الحرف ثلاث قراءات سَبْعِيَّات

(2)

:

قرأه قالون عن نافع، والبزي عن ابن كثير، وأبو عمرو في جميع الروايات:{تلقَا أصحاب النار} [الأعراف؛ آية 47] بحذف إحدى الهمزتين مع المد بناءً على أن المحذوفة الأخيرة، ومع عدم المد بناء على أن المحذوفة الأولى.

(1)

مضى عند تفسير الآية (51) من سورة البقرة.

(2)

انظر: المبسوط لابن مهران ص (125 - 126)، الإتحاف (1/ 193)، (2/ 47، 50).

ص: 296

وقرأه ورش عن نافع، وقنبل عن ابن كثير:{تِلْقَآء أصْحَاب النار} بمد الثانية همزاً للأولى، ومدها نظراً للساكن بعدها.

وقرأه بقية القراء السبعة، وهم حمزة، والكسائي، وعاصم، وابن عامر:{تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ} بتحقيق الهمزتين.

والتلقاء: مصدر، معناه أن يكون الشيء جهة الشيء الذي يُتلقى منها. ولم يأت مصدر على (التِّفعَال) بكسر العين إلا (التلقاء، والتبيان) أما غير ذلك من المصادر فهو بالفتح في كل شيء، كالتَّسْيَار، والتَّذكار، والتَّطواف

(1)

. أما الأسماء فهي تأتي كثيراً على (تِفْعال) كتِقصار، وما جرى مجراه، كما هو معروف في علم العربية. {قَالُواْ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأعراف: آية 47].

ثم بين (جل وعلا) أن أصحاب الأعراف ينادون رجالاً من أهل النار ويوبخونهم، وظاهر القرآن أنهم يعرفونهم في الدنيا، ويعرفونهم في النار بسيماهم فينادونهم ويوبخونهم {وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً} [الأعراف: آية 48] يعني من أهل النار {مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ} [الأعراف: آية 48] وبخُوهم وقالوا لهم: {مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ} [الأعراف: آية 48] ماذا نفعكم به؟ العرب تقول: أغنى عنه الشيء يغني: إذا نفعه. والاسم من هذا يُسمى (غَناء) لأن العرب تسمي النفع (غَناء) وتسمي المطرب الخبيث (غِناء) وتسمي الإقامة (غَنىً). فالمادة موجودة منها خمس لغات

(2)

، وهي:(الغِناء) بالكسر والمد،

(1)

انظر: الدر المصون (5/ 331).

(2)

انظر: ابن جرير (12/ 569)، المصباح المنير (مادة: غنت) ص173، اللسان (مادة: غنا) (3/ 1024)، القرطبي (7/ 251 - 252)، الدر المصون (5/ 387).

ص: 297

و (الغَناء) بالفتح والمد، و (الغِنى) بالكسر والقصر، و (الغَنى) بالفتح والقصر، و (الغُنى) بالضم والقصر، كلها موجودة في اللغة، ولم يوجد منها (الغُناء) بالضم فالمد، هذا ليس بموجود في العربية.

أما (الغِنَى) بالكسر والقصر فهو ضد الفقر. وأما (الغِنَاء) بالكسر والمد فالمراد به المطرب قبحه الله. وأما (الغَنَاء) بالفتح والمد كسحاب فهو النفع، ومنه قول الشاعر

(1)

:

قَلَّ الغَنَاءُ إِذَا لَاقَى الفَتَى تَلَفاً

قَوْل الأَحبَّةِ: لا تَبْعدْ وقدْ بعدَا

وقول هبيرة بن أبي وهب على إحدى روايتي بيته

(2)

:

لَعَمْرُكَ مَا وَلَّيْتُ ظَهْرِي مُحَمَّداً

وَأَصْحَابَهُ جُبْناً وَلَا خِيفَةَ الْقَتْلِ

وَلَكِنَّنِي قَلَّبْتُ أَمْرِي فَلَمْ أَجِدْ

لِسَيْفِي غَنَاءً إِنْ ضَرَبْتُ وَلَا نَبْلِي

أي: نفعاً. ويروى (مساغاً) فالغَنَاء: النفع. ومن الغَنَاء بمعنى النَّفْعِ قولهم: فلان لا يُغني شيئاً؛ أي: لا ينفع بِشَيْءٍ. و {مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ} أي: ما نفعكم بشيء. هذا

(3)

من هذه المادة. أما (الغُنى) بالضم والقصر فهو جمع غُنية، والغُنية ما يَقْتَنِيه الإنسان فيستغني به عن الناس. وأما (الغَنى) بالفتح والقصر فهو مصدر غَنِيَ بالمكان يَغنَى به غَنىً على القياس إذا أقَامَ به. ومنه قوله:{كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ} [يونس: آية 124] أي: كان لم تقِم بالأمس. هذا معنى هذه المادة وتصاريفها في لغة العرب. والمعنى: {مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ} نفعكم بشيء، ولا دفع عنكم شيئاً.

(1)

البيت في المساعد على تسهيل الفوائد (2/ 235).

(2)

البيتان في السيرة لابن هشام ص (1085 - 1086)، وأوله: «لعمري

» إلخ.

(3)

سيأتي قريباً عند تفسير الآية (92) من هذه السورة.

ص: 298

وقوله: {جَمْعُكُمْ} هو ما كنتم تجمعون في دار الدنيا من الأموال، وما كنتم تتخذونه من الجمع المُؤَيِّد من الأولاد والأعوان، كل ما كنتم تجمعونه في الدنيا من الأموال، وتتخذون من الأعوان والأولاد، كل ذلك لم يُغْن عنكم شيئاً، لم ينفعكم بشيء، ولم يدفع عنكم شيئاً؛ إذ أنتم في دركات النار والعياذ بالله.

{وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} (ما) مصدرية. أي: ولم يغن عنكم كونكم مستكبرين في الدنيا متكبرين متعاظمين، لم يغن عنكم ذلك الاستكبار والتعاظم شيئاً؛ لأنكم صِرْتُمْ إلى دركات النار. وبعض المفسرين يزعم أنهم ينادون الرؤساء بأسمائِهِمْ فيقولون: يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا فلان بن فلان، يا عتبة بن ربيعة، يا فلان بن فلان {مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} توبيخاً وتقريعاً لهم والعياذ بالله.

وظاهر القرآن أن هذا التوبيخ والتقريع من أصحاب الأعراف لهؤلاء الذين هم في النار، وأصحاب الأعراف يعرفون أهل الجنة وأهل النار، ولا مانع من أن الله يُطْلِع مَنْ فِي الجَنَّة على مَنْ في النار كما سيأتي في قوله:{أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء} [الأعراف: آية 50] وستأتي قصة الرجل في سورة الصافات

(1)

؛ لأن الله ذكر في الصافات قصة رجل وأجملها، والمفسرون يبسطونها ويشرحونها، إلا أن شرحهم لها وبسطها من القصص الإسرائيلية التي لا يعوَّل عليها، إلا أن القرآن جاء بقدر منها كاف. زعموا أنه كان رجلان في دار الدنيا شريكين ولهما مال عظيم، فاقتسما المال، وكان أحدهما مسلماً

(1)

مضى عند تفسير الآية (53) من سورة الأنعام.

ص: 299

والآخر كافراً، فكان المسلم يقول للكافر: يا أخي تصدق من مالك واتق الله، وذلك يقول له: أنت مفقود العقل كيف نحيا بعد الموت؟ هذا أمر لا يكون وأنت لا عقل لك!! ثم إن الكافر اشترى بساتين جميلة، ثم سأل ذلك عن الثمن فقيل: اشتراها بكذا، فقال: اللهم إن فلاناً اشترى كذا وكذا من البساتين بكذا وكذا من المال، اللهم إني أشتري إليك من بساتين الجنة بمثل ما اشترى، ثم أخذ قدر الثمن وتصدق به. ثم إن الكافر تزوج امرأة جميلة بارعة في الجمال، وبذل لها مهراً عظيماً. فقال المؤمن: اللهم إن فلاناً تزوج فلانة، وبذل لها من المال كذا، اللهم إني أخطب إليك بقدر ذلك المال من الحور العين، ثم تصدق به على الفقراء. وهكذا إلى أن نفد ما عنده. فجاء لصاحبه الكافر يريد أن يعمل أجيراً عنده فطرده ومنعه، وكان يراوده على الرجوع إلى الكفر، فدخل ذلك المؤمن الجنة وذلك الكافر النار، فبعض الأوقات كان ذلك المؤمن يتحدث مع إخوانه في نعيم الجنة، فأخبرهم أنه كان له صاحب في دار الدنيا من أمره كيت وكيت، وقال لهم: انظروا معي في النار لنعلم ما صار إليه، وننظر ماذا كان مصيره. فقالوا له: لا حاجة لنا فيه، ولا معرفة لنا به، وأنت إن شئت فانظر. فنظر في النار فرآه يتقلب في دركات الجحيم، وهذا الذي ذكرنا الآن تفاصيله إسرائيليات تُحكى ولا يعول عليها.

والصحيح الثابت هو ما نص عليه القرآن في سورة الصافات، وهو قوله:{وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ (49) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ (50) قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51)} يعني في دار الدنيا {يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ (52)} وفي القراءة الأخرى

(1)

:

(1)

انظر: المبسوط لابن مهران ص376.

ص: 300

{يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَّدِّقِينَ (52)} {لمن المُصَّدِقين}

(1)

{أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ (54)} أي: مطلعون معي لننظر مصيره {فَاطَّلَعَ} أي: فاطلع هو، أي: صاحبه المؤمن من الجنة إلى النار {فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَالله إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57)} [الصافات: الآيات 48 - 57].

وقصة هذا الرجل التي ذكرناها استطراداً تدل على المباعدة من قرين السوء؛ لأن هذا الرجل المؤمن الكريم حلف بالله وهو في الجنة أن قرينه قرين السوء كاد أن يهلكه ويلقيه في النار حيث قال: {قَالَ تَالله إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57)} أي: معك في النار؛ ولذا قال جل وعلا: {وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ} [الأعراف: الآيتان 48، 49].

واختُلف في قائل هذا القول

(2)

، فظاهر القرآن أنه من بقية كلام أصحاب الأعراف، يوبخون رؤساء أهل النار، ويقولون لهم: أهؤلاء الضعفاء المساكين الذين كنتم تسخرون منهم في الدنيا، وتستهزئون بهم، وتضحكون منهم، وتقولون: الله أعظم من أن يعبأ بهؤلاء، والله لا يدخلهم جنة، ولا يدخلهم نعيماً أبداً {أَهَؤُلاء} الضعفاء المساكين الذين كنتم تستهزئون بهم في الدنيا وتسخرون منهم وتُقسمون - تحلفون بالله - {لَا يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ} ماذا قال لهم الله؟ قال لهم:{ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} [الأعراف:

(1)

القراءة بتشديد الصاد من (المُصَّدِقين) رواية عن حمزة، كما في القرطبي (15/ 82)، البحر المحيط (7/ 360)، الدر المصون (9/ 308).

(2)

انظر: ابن جرير (12/ 469)، القرطبي (7/ 214).

ص: 301

آية 49] وعلى هذا فيكون أصحاب الأعراف قد وبَّخوا رؤساء الكفر والقادة بأنهم لم يغن عنهم تكبرهم في الدنيا وجمعهم، وأن الضعفاء المساكين الذين كانوا يسخرون منهم أحلّهم الله دار كرامته، ونفى عنهم الخوف والحزن أبداً.

وقال بعض العلماء: {أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ} هي من كلام الله يوبخ بها الكفار، أو من كلام بعض الملائكة أمره بذلك، وأن قوله:{ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ} راجعه إلى أصحاب الأعراف، أن أصحاب الأعراف بعد أن وبَّخوا أهل النار وهم بين الجنة والنار يطمعون أنه بعد ذلك يرحمهم الله فيتفضل عليهم، ويقول لأصحاب الأعراف:{ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} وهذا الوجه الأخير ذكره جماعة كثيرة من المفسرين، والأول أظهر، وإن كان القائل بهذا الأخير كثيراً جدّاً من علماء التفسير.

والجنة هي دار الكرامة التي أعد الله لأوليائه.

{لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ} قد بيَّنَّا

(1)

أنَّ الخوف في لغة العرب هو: الغم من أمر مستقبل

- أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منه - وأن الحَزَن - يُسمى (حَزَناً) ويسمى (حُزْناً) وفعله يأتي على (حَزَنَ وحَزِن) ومضارعه يأتي على (يَحزِن) و (يَحْزُن) - أنه والعياذ بالله - غم من أمر فائت. تقول: فلان حزين، إذا أصابته مصيبة وكان حزيناً من أمر قد مضى ووقع. وتقول: فلان خائف: إذا كان مغموماً من أمر يتوقعه ولم يأت بعد. هذا أصل الخوف والحزن في لغة العرب -أعاذنا الله منهما- وربما وضعت العرب أحدهما في موضع الآخر فعبرت

(1)

مضى عند تفسير الآية (48) من سورة الأنعام.

ص: 302

بالخوف عن غم من أمر فائت. وربما عبّروا بالحزن عن الغم من أمر مستقبل، ربما وضعت أحدهما في موضع الآخر. وهذا معنى قوله:{ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} .

{وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله قَالُواْ إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [الأعراف: آية 50] بين (جل وعلا) في هذه الآية الكريمة أن الكفار في دركات النار - والعياذ بالله - إذا أحرقتهم النار وأضر بهم الجوع الشديد والعطش الشديد مع إحراق النار سألوا أهل الجنة، وفي قصتهم أنهم يقولون لله: إن لنا قرابات في الجنة فَأْذَن لنا أن نراهم ونقابلهم ونكلمهم، وأنهم إذا قابلوهم يدعو الواحد أخاه، والواحد أباه، والواحد ابنه، والواحد يدعو ابن عمه؛ لأنه -والعياذ بالله- يكون أَخَوَان أحدهما في الجنة، والثاني في النار، ويكون أَخَوَان، الابن في الجنة، والأب في النار والعكس، فيقولون -لهم يستغيثون بقراباتهم- إنهم في إحراق وجوع وعطش، ويطلبون منهم أن يفيضوا عليهم من الماء ليتبردوا من شدة الحريق الذي هم فيه وشدة العطش، فيجيبوهم: بأن الله حرم ما في الجنة على الكفار - أعاذنا الله من الكفر- وهذا معنى قوله: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء} [الأعراف: آية 50](أن) هي كالمذكورات قبلها في القولين اللذَين بينَّا.

{أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء} إفاضة الماء: صبه بكثرة وسعة.

{أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله} [لأعراف: آية 50](أو) هنا مانعة خلو مُجوِّزة جمع، يجوز أن يكون الماء وحده، أو ما رزقهم الله، أو الجميع.

ص: 303

{أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله} بعضهم يقول: مما رزقكم الله من الأنواع التي تشبه الماء كالألبان وكالخمر؛ لأن الإفاضة يظنون أنها تختص بالسائلات، وعلى هذا قدروا في قوله:{أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله} أو ألقُوا إلينا مما رزقكم الله. وهذا وإن كان سائغاً في اللغة العربية - أن يُحذف فعل يدل [عليه]

(1)

المقام، وهذا موجود كثيراً في اللغة العربية - إلا أنه لا يُحتاج إليه في هذه الآية الكريمة، وهو معروف في كلام العرب، كقول الراجز

(2)

:

عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِداً

حَتَّى شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا

لأن الماء البارد لا يُعلف. يعني: علفتها تبناً وسقيتها ماءً، ومنه قول الآخر

(3)

:

إِذَا مَا الغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْماً

وَزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونَا

لأن العيون لا تُزجج. والمعنى: وأكحلن العيون. وقول الآخر

(4)

:

وَرَأَيْتُ زَوْجَكِ في الْوَغَى

مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحاً

لأن الرمح لا يُتقلد. أي: وحاملاً رمحاً. وهذا كثير في المنصوبات. ومن أمثلته في المرفوعات قوله جل وعلا - على أحد التفسيرين - {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20)} لأن الجلود لا تصهر. أي: لا تُذاب. معناه: وتحرق الجلود. ونظيره في

(1)

في الأصل: «على» .

(2)

البيت في الخصائص (2/ 431).

(3)

مضى عند تفسير الآية (108) من سورة الأنعام.

(4)

البيت في الخصائص (2/ 431)، شرح القصائد المشهورات (1/ 133).

ص: 304

المرفوعات من كلام العرب قول لبيد بن ربيعة في معلقته

(1)

:

فَعَلا فُرُوعُ الأَيْهُقَانِ وأَطْفلَت

بالجَلْهَتين ظِباؤُها ونَعَامُها

لأن النعام لا يُطْفِل، وإنما هو يبيض حتى بعد ذلك ينفلق البيض عن الأطفال. هكذا قال بعضهم، والتحقيق أن إفاضة الشيء وإلقاءه بكثرة قد يكون في المائعات وغير المائعات، وقد أطلقه الله على الآدميين المفيضين من عرفات وهم ليسوا من المائعات، كما قال:{ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: آية 199]{فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ} [البقرة: آية 198] والعرب تقول: «أفاض علينا من طعامه، وأفاض علينا من رزقه» . إذا أكثر، كما هو معروف. فلا حاجة إلى هذا التقدير الذي ذهب إليه كثير من المفسرين.

{أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله} من مآكل الجنة ومشاربها، يطلبونهم ويستجدونهم. قال بعض العلماء: يسألون مع اليأس. وقال بعضهم: لهم طمع لشدة ما هم فيه. فأجابهم المؤمنون في الجنة، فقالوا:{إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا} أي: الشيئين اللذين [سألتم]

(2)

، وهما: الماء وما رزقنا الله من نعيمه غير الماء.

{حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} [الأعراف: آية 50] والتحريم هنا تحريم كوني قدري، أي: منعهما من الكافرين؛ لأن التحريم يُطلق

(1)

شرح القصائد المشهورات (1/ 132). وقوله: «الأيهُقَان» جمع أَيهُقانة، وهو الجرجير البري. وقوله:«وأطفلت» أي: كثُر أطفالها. والجلهتان: جانبا الوادي. والمعنى: أن الشاعر يصف دياراً خلت من أهلها فنما فيها الجرجير البري وارتفع وكثر أولاد الوحش بها لأمنها فيها.

(2)

في الأصل: «سألتما» .

ص: 305

في القرآن وفي لغة العرب على التحريم الشرعي، وعلى التحريم بمعنى المنع. وليس المراد هنا أنهما شرعاً محرمات، ولكنه تحريم قدري، وأن الله منع منهما الكافرين منعاً باتّاً بقدره وقضائه، ونظيره من التحريم بالمعنى القدري لا بالمعنى الشرعي قوله:{قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [المائدة: آية 26] وقوله جل وعلا: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ} [القصص: آية 12]؛ لأن الرضيع لا يؤاخذ بالتحريم الشرعي حتى يكون عليه حرام أو حلال. والمعنى: منعناه منهما. {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (95)} [الأنبياء: آية 50] هو من التحريم بمعنى المنع كوناً وقدراً. والتحريم بمعنى المنع معروف في كلام العرب، مشهور في لغتهم التي نزل بها القرآن، ومنه قول الشاعر

(1)

:

حَرَامٌ عَلَى عَيْنَيَّ أَنْ تَطْعَمَ الْكَرَى

وَأَنْ تَرْقَآ حَتَّى أُلَاقِيكِ يَا هِنْدُ

فمعنى «حرام على عيني أن تطعم الكرى» : ممنوعتان من ذوق النعاس والنوم. ونظيره قول امرىء القيس لِفَرَسِهِ

(2)

:

جَالتْ لِتَصْرَعنِي فَقُلْتُ لهَا اقْصُرِي

إِنِّي امْرُؤٌ صَرْعِي عَلَيْكِ حَرَامُ

أي: لا تقدرين عليه. فمعنى: {إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} حكم بمنعهم منهما حكماً باتّاً، كما قال (جل وعلا) عن عيسى ابن مريم:{إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الْجَنَّة وَمَأْوَاهُ النَّارُ} [المائدة: آية 72] وكذلك الكفار كما أن الجنة حرام عليهم فما فيها من الماء والرزق والنعيم حرام عليهم لا يذوقونه أبداً. وهذا

(1)

مضى عند تفسير الآية (151) من سورة الأنعام.

(2)

السابق.

ص: 306

معنى قوله: {إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} .

ثم أخذوا يوبخونهم بصفاتهم الخسيسة التي كانوا يرتكبونها في دار الدنيا فقال: {الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً} [الأعراف: آية 51] إنما أضاف الدين إليهم مع أنهم ليس لهم دين - قبحهم الله - لأن الدين أمرهم الله به، وأرسل إليهم نبيه يدعوهم إليه، فكان من حقهم أن يعتنقوه، وأن يطيعوا الله، فلم يكن لهم دين إلا هذا اللهو واللعب، واللهو واللعب متقاربان

(1)

، قال بعض العلماء: اللهو: هو صرف النفس عما ينفع ويفيد إلى ما لا ينفع ولا يفيد. واللعب: هو أن يطلب الإنسان لنفسه الفرح والسرور بما لا ينبغي أن يفرح به، ولا أن يُسَرَّ به. وهما متقاربان.

ومعنى اتخاذهم الدينَ لهْواً ولَعِباً: أنهم يسخرون من القرآن، ويسخرون من النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ضعفاء المسلمين، يستهزئون بالدين وبأهل الدين. وبذلك اتخذوا الدين [8 / ب] لهواً ولعباً كما قال (جل وعلا) أنهم إذا مر بهم ضعفاء المسلمين:/ {وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ (31)} [المطففين: الآيتان 30، 31] ويسخرون منهم ويستهزئون كما قال (جل وعلا) عنهم إنهم يقولون: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)} [البقرة: الآيتان 14، 15] ويسخرون من المؤمنين كما سخروا من نبي الله نوح، وقالوا له: بعد أن كنت نبيّاً صرت نجاراً. وقال لهم: {قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ

(1)

انظر: الفروق اللغوية ص210، المفردات (مادة: لعب) (741)، (مادة: لهى) ص748.

ص: 307

عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (39)} [هود: الآيتان 38، 39] وهذا معنى اتخاذهم الدين لهواً ولعباً.

{وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [الأعراف: آية 51] أي: خدعتهم الدنيا بِلَذَائِذِهَا ونعيمها، وظنوا أنها غير زائلة، وأنها لا جزاء بعدها، فألهتهم لذاتها -والعياذ بالله- والانهماك فيها حتى ماتوا وهم كفار.

وهذه الآيات ينبغي للمسلم أن يعتبر بها، ويأخذ منها عظات كريمة، فيعلم أن يوم القيامة إنما هو بحسب الأعمال، هنالك قوم قصرت بهم أعمالهم تقصيراً شديداً فأُدخلوا دركات النار، وقوم قصرت بهم أعمالهم تقصيراً غير شديد فحُبسوا عن الجنة، وقوم لم تُقصر بهم أعمالهم فأُدخلوا الجنة، ومن بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه، كما ثبت عن النبي

(1)

صلى الله عليه وسلم. والمراد من قصص هذه الأخبار أن نعتبر في دار الدنيا، ونعلم أن الأمور بحسب الأعمال، وأن من قصّر به عمله كان في دركات النار، ومن قصر به عمله تقصيراً أخف من ذلك حُبس عن الجنة إلى ما شاء الله. فعلينا أن نحذر من التقصير في طاعة الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه؛ لأن التقصير قد يجر إلى دركات النار، وقد يجر أيضاً إلى الحبس عن الجنة. فعلى المسلم أن يحذر من هذا ومن هذا، وأن يطيع الله ويبالغ في مرضاة الله بامتثال أوامر الله واجتناب نواهي الله بحيث لا يتخلف عن أمرٍ أمره الله به، ولا يوجد عند أمر نهاه الله عنه؛ ليدخل الجنة، ولا يدخل النار، ولا يُحبس عن الجنة بسيئاته.

(1)

جزء من حديث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن. حديث رقم:(2699)، (4/ 2074) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 308

هذا يلزم، كذلك لا يتخذ الدين هُزُؤاً ولعباً؛ لأن الذين يتخذون الدين هُزُؤًا ولعباً سيجدون غِبَّ ذلك. وأتباع هؤلاء كثروا في هذا الزمان والعياذ بالله؛ لأن كل نزعة كفرية تتجدد لها أغصان بعروقها القديمة، وهذه النزعة متجددة الآن تجدداً كثيراً؛ لأنك تجد كثيراً من الشباب في جميع أقطار المعمورة ممن ينتسبون إلى الإسلام يتخذون الدين هزؤاً ولعباً، ويتمسخرون من الذي يصلي، ومن الذي يتسم بسمت الأنبياء، فيعفي ذقنه ولا يحلقه، وربما قلدوا عليه التيس استهزاءً واستحقاراً، فهؤلاء ينالهم من وعيد الذين اتخذوا دينهم هزؤاً ولعباً بقدر ما ارتكبوا، فيجب على كل مسلم شابّاً كان أو غيره أن لا يتخذ الدين هزواً ولعباً، وألا يتخذ الدين لهواً ولعباً، فلا يسخر من الدين، ولا يسخر من أهله، ولا يسخر من حملة الدين، ولا من العلماء، ولا من هيئاتهم. مع أن الذين يسخرون ذوقهم معكوس، وضمائرهم منطمسة؛ لأن هذا الذي يسخرون منه هو الشيء الذي ينبغي، وهم في الحالة التي يُسخر منها، كما في أمثال العرب:(رمتني بدائها وانسَلَّت) الآن إذا رأيتَ رجلاً ذقنه مثل ذقني، له لحية بيضاء موفورة لم تقطع منها شعرة، إذا سافر ورآه صبيان المسلمين وشبابهم في الخارج ينظرون إليه نظرة ازدراء واحتقار، كأنه في أعينهم تيس، لا يفهم عن الدنيا، ولا يساير ركب الحضارة، مع أنه في الواقع أن الرجل المعفي ذقنه المتسم بسمة الأنبياء هو الرجل العاقل الآخذ بالسمت الكريم؛ لأن هذه اللحية هي أعظم ما يتميز به الذكر عن الأنثى، فحلقها والفرار منها فرار من كرم الرجولة وشرف الذكورة إلى أنوثة الخنوثة، يريد أن يتشبه بالأنثى!! وهذا شرف وكرم وجمال في وجهه، وميزة لفحولته وذكورته عن خنوثة الأنثى

ص: 309

وضعفها.

والرجال الكرام الذين أخذوا كنوز قيصر وكسرى لم يكن واحد منهم يحلق شيئاً من ذقنه، وكذلك سيد الخلق صلى الله عليه وسلم كان أجمل الناس، وأحسن الناس وجهاً، وأكثر الرجال نساءً، ولحيته كثة معفاة، هي في غاية الجمال والكمال، فيجب على كل شاب وعلى كل مسلم أن لا يتمسخر من الإسلام، وأن لا يتخذ الإسلام لهواً ولعباً وأن لا يسخر من حملة الدين، ولا من هيئات العلماء، وليعلم أن هيئات العلماء هي السمت الذي كان عليه السلف الصالح، والصحابة الكرام، والنبي صلى الله عليه وسلم، وهو سمت الأنبياء الكرام في ماضي الزمان.

هذا هارون - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- من أنبياء سورة الأنعام الذين قال الله فيهم: {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ} [الأنعام: آية 84] وقال الله لنبينا: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: آية 90] وثبت في صحيح البخاري

(1)

عن مجاهد أنه سأل ابن عباس: من أين أخذت السجدة في ص؟ قال: أوَمَا تقرأ؟! قال: {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ} [إلى أن قال:]

(2)

{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} وهارون من الأنبياء الذين أمر نبينا أن يقتدي بهم، ومن الاقتداء بهم: الاقتداء في سمتهم الكريم - لما غضب عليه أخوه وَجَدَه كث اللحية معفاها، فقال له:{لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي} [طه: آية 94] ومرادنا بهذا الكلام أن اتخاذ دين الله هزواً ولعباً ولهواً ولعباً انتشر في أقطار الدنيا، ولا سيما من الشباب الذين يَتَسَمَّون باسم المسلمين إذا رأوا رجلاً

(1)

تقدم تخريجه عند تفسير الآية (90) من سورة الأنعام.

(2)

ما بين المعقوفين [] زيادة يقتضيها السياق.

ص: 310

يذهب إلى الصلاة يصلي سخروا منه وهَزَؤُوا به! يظنون أن الكرة رياضة خير من الصلاة، وإذا رأوا رجلاً متسماً بسمت الإسلام، أو عليه سمت الإسلام، أو ينادي باسم الدين يقولون: هذا رجعي، هذا رجل لا يفهم، هذا لا يساير ركب الحضارة!! ويتخذون العلماء، وحملة الدين، والنور السماوي، وتعاليم الدين يسخرون منها، ويضحكون ويستهزئون فليحذروا من الاستهزاء بدين الله، ومن اتخاذ آيات الله هزواً ولعباً؛ لأن ذلك أمر عظيم عند الله. ولما ضحك بعض المنافقين، وقالوا: النبي صلى الله عليه وسلم لما ضلت راحلته في غزوة تبوك - هو يَدَّعى أنه يأتيه علم الغيب من السماء وهو لا يدري أين ذهبت راحلته!! وسخروا من النبي صلى الله عليه وسلم وهزئوا به، فنزل القرآن فيهم:{وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} [التوبة: آية 65] يعني: كنا نسخر ونضحك بهزل غير جد.

أجابهم الله {قُلْ أَبِالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن يُعْفَ عن طائفة منكم تُعَذَّبْ طائفةٌ يأنهم كانوا مجرمين} [التوبة: الآيتان 65، 66] وفي قراءة عاصم وحده: {إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً}

(1)

وفيها قال ابن المرحَّل

(2)

:

لِعَاصِمٍ قِرَاءَهْ

لِغَيْرِهَا مُخَالِفَهْ

إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ

مِنْكُمْ نُعذِّبْ طَائِفَهْ

(1)

انظر: المبسوط لابن مهران ص228.

(2)

البيت في البحر المحيط، لأبي حيان (5/ 67) سمعه من أبي الحكم مالك بن المرحل المالقي (ت 699) ولعله من قصيدة ابن المرحل الموسومة بـ (التبيين والتبصير في نظم كتاب التيسير) كما في ترجمته في الأعلام للزركلي (5/ 263)(7/ 201 - 202) كما في الهامش.

ص: 311

والشاهد عندنا أن نُحَذِّر إخواننا المسلمين من أن يتخذوا دين الله وآيات الله هزواً ولعباً، لئلا يلحقهم ما لحق الكفار الذين اتخذوا دينهم هزواً ولعباً، فليحذر المؤمن كل الحذر أن يسخر من دين الله، وأن يستهزئ بآيات الله، وأن يسخر من حملة العلم ومن رجال الدين، وأن يتخذهم مسخرة ومضحكة، هذا لا ينبغي ولا يليق، ومن فعله سيناله من الوعيد بقدر ما قال الله في أهل النار:{الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [الأعراف: آية 51] فعلى المسلم أن يحترم الدين، ويعظم الدين، ويعظم كل ما جاء من ربه من الأوامر والنواهي، ويعظم العلماء وحملة العلم، والمتَّسِمِين بسمات العلم، ولا يحتقرهم، ولا يتخذهم هزواً. وإنما بينا هذا لكثرة ما نشاهد من شباب المسلمين في أقطار الدنيا، يتخذون الدين مسخرة وملعبة ومضحكة، يضحكون ممن يصلي، ويستهزئون به، ويسخرون منه، ويتخذونه لهواً ولعباً كأنه مضحكة مسخرة!! هذا أمر خطير وعاقبته وخيمة. وقصدنا أن نحذر أنفسنا وإخواننا المسلمين منه، فعلينا أن نعظم آيات الله، ونحترم دين الله، ونحترم حملة الدين والعلماء المتصفين بحمل الدين، ولا نتخذهم لهواً ولعباً، ولا نسخر منهم، ولا نقلد عليهم التيوس إذا رأيناهم يعفون لحاهم، بل نعظمهم ونحترمهم؛ لئلا يلحقنا من الوعيد بقدر ما فعلنا من ذلك، كما قال الله في الكفار:{الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً} لأنهم كانوا يسخرون من ضعاف المسلمين إذا رأوهم يصلون ويعبدون الله يتغامزون ويضحكون {وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30)} [المطففين: آية 30] ويقولون: {أَهَؤُلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا} [الأنعام: آية 53]{لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} [الأحقاف: الآية 11] انظروا دين محمد

ص: 312

يقول: إن هؤلاء البؤساء النتْنَى الفقراء أنهم ينالون الكرامة!! فيسخرون منهم ويضحكون من دينهم. هذا أمر لا ينبغي، بل يجب على المسلم أن يكون محترماً للدين، معظماً لما جاء من الله، معظماً لرجال العلم، محترماً لرجال الدين، غير مستهزئ بالدين، ولا بحملة الدين، ولا متخذهم مسخرة، هذا هو اللازم.

وهذا معنى قوله: {الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} أي: خدعتهم. والدنيا: تأنيث الأدنى، وإنما سُميت (دنيا) لدنوها. أي: قربها، أو لدناءتها بالنسبة إلى الآخرة.

ثم قال الله: {فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ} [الأعراف: آية 51] المراد بالنسيان هنا: الترك مع العلم التام؛ لأن الله لا ينسى، كما قال:{عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَاّ يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} [طه: آية 52] والعرب تُطلق النسيان على ذهاب الشيء عن علم الإنسان بعد أن كان يعلمه، وهذا المعنى مستحيل على الله، وتطلق النسيان على الترك عمداً

(1)

. وهو المقصود هنا وهو في آيات كثيرة {فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ} [الأعراف: آية 51] أي: نتركهم عن إرادة وقصد يتقلبون في دركات النار، وأنواع العذاب.

{كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا} [الأعراف: آية 51] أي: نسياناً كنسيانهم لقاء يومهم هذا؛ لأن هذا اليوم لم ينسوه، وإنما تركوا العمل له عمداً وقصداً وعناداً للرسل {كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا} .

{وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [الأعراف: آية 51] في قوله: {وَمَا} {وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} وجهان من

(1)

مضى عند تفسير الآية (41) من سورة الأنعام.

ص: 313

التفسير

(1)

، الصحيح منهما: أنها مصدرية، والمعنى: كنسيانهم لقاء يومهم هذا، وككونهم جاحدين بآياتنا في دار الدنيا، فـ (ما) مصدرية، وغلط قوم من علماء التفسير فقالوا: إنها نافية، والمعنى:{وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} ما كانوا يجحدون بها في قرارة أنفسهم، بل يعلمون أنها حق، ولكنهم كانوا يعاندون، كما قال:{فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ} [الأنعام: آية 33] والتحقيق أنها مصدرية، والمعنى: نتركهم في النار، وننساهم تاركين إياهم في النار عمداً وقصداً معذبين في النار خالدين فيها {كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا} كما تركوا العمل للقاء هذا اليوم، وكما كانوا بآياتنا يجحدون، أي: كنسيانهم لهذا اليوم، وكجحودهم لآياتنا، وتكذيبهم رسلنا.

قال تعالى: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (53) إِنَّ رَبَّكُمُ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)} [الأعراف: الآيات 52 - 54].

يقول اللَّهُ جل وعلا: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ

(1)

انظر: الدر المصون (5/ 336).

ص: 314

الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53)} [الأعراف: الآيتان 52، 53].

لَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ (جل وعلا) مصيرَ أهلِ الجنةِ ومصيرَ أهلِ النارِ، وما يقولُه كُلٌّ من أهلِ الجنةِ وأهلِ النارِ للآخرين، وما يقولُه أصحابُ الأعرافِ لِلطَّرَفَيْنِ بَيَّنَ أن الذين هلكوا واستحقوا النارَ وخلدوا في النارِ ما جاءهم ذلك إلا عن الإعراضِ عن هذا الكتابِ الأعظمِ والنورِ المبين الذي أنزله رَبُّ السماواتِ والأرضِ، وَفَصَّل فيه العقائدَ، والحلالَ والحرامَ، وَبَيَّنَ فيه الأمثالَ، وما يُوصِلُ إلى الجنةِ، وما يُوصِلُ إلى النارِ، وأوضحَ فيه كُلَّ خيرٍ، وَحَذَّرَ فيه من كُلِّ شَرٍّ، وَبَشَّرَ فيه وَأَنْذَرَ، فَمَنْ أعرضَ عن هذا القرآنِ هُمُ الذين صاروا إلى النارِ، وَمَنْ عمل بهذا القرآنِ هم الذين صاروا إلى الجنةِ.

ومنذ أنزلَ اللَّهُ هذا الكتابَ - الذي هو أعظمُ كتابٍ نزلَ من السماءِ إلى الأرضِ، وَجَمَعَ اللَّهُ فيه علومَ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ - استحالَ شرعًا أن يدخلَ أحدٌ النارَ إلا عن طريقِ الإعراضِ عنه أو يدخلَ أحدٌ الجنةَ إلا عن طريقِ العملِ به، فالعملُ به مفتاحُ الجنةِ، والإعراضُ عنه مفتاحُ النارِ:{وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} الآية [هود: آية 17] ولأَجْلِ ذلك جَعَلَهُ اللَّهُ رحمةً لقومٍ وَفَّقَهُمْ للعملِ به، وحجةً ووبالاً على قومٍ خَذَلَهُمْ فَلَمْ يعملوا به:{قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} [فصلت: آية 44]{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلَاّ خَسَارًا (82)} [الإسراء: آية 82]{وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [المائدة: آية 64] {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ

ص: 315

آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125)} ولذا قال هنا: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ} أي: الخلائق الذين كنا نَقُصُّ خبرَهم؛ لأن بعضَهم في الجنةِ وبعضَهم في النارِ. فَعَلَى هذا القولِ فـ (الكتاب) جنسُ الكتبِ السماويةِ. والأظهرُ أن الْمُخَاطَبِينَ به المرادين به أمةُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وأن الكتابَ هو هذا القرآنُ العظيمُ.

{وَلَقَدْ جِئْنَاهُم} أي: جئنا هذه الأمةَ التي دخل بعضُها الجنةَ وبعضُها النارَ.

{بِكِتَابٍ} أَنْزَلْنَاهُ على نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم. وقراءةُ الجمهورِ من السبعةِ بل والعشرةِ: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ} أما قراءةُ: {ولقد جئناهم بكتاب فَضَّلْنَاهُ} أي: على سائرِ الكتبِ، فليست من القراءاتِ السبعيةِ، وقرأ بها ابنُ محيصن وغيرُه

(1)

. وهي -وإن كانت شاذةً- فمعناها صحيحٌ؛ لأنه مُفَضَّلٌ على سائرِ الكتبِ.

وقراءةُ الجميعِ: اللامُ موطئةٌ للقَسَمِ، وَاللَّهِ ما تركناهم سُدًى ولا في غفلةٍ، وَاللَّهِ لقد جئناهم بكتابٍ. يعني: أَتَيْنَاهُمْ بكتابٍ. قدمنا أنه قيل له (الكتاب) لأنه مكتوبٌ في اللوحِ المحفوظِ، كما قال:{بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ (22)} [البروج: الآيتان 21، 22] وفي صحفٍ عِنْدَ الملائكةِ، كما في قولِه:{فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (13) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ (14)} [عبس: الآيتان 13، 14] وكذلك هو مكتوبٌ عندَ المسلمين في مصاحفِهم يقرؤونه.

{بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ} صِيغَةُ الجمعِ للتعظيمِ، وَاللَّهُ هو الآتِي بهذا

(1)

انظر: الإتحاف (2/ 51).

ص: 316

الكتابِ وحدَه، المُفصِّلُ له وحدَه. وصيغةُ الجمعِ في (جئنا) وفي (فصلنا) إنما هي للتعظيمِ، والمعنَى:{فَصَّلْنَاهُ} التفصيلُ ضِدُّ الإجمالِ. ومعنَى تفصيلِ هذا الكتابِ: جَعَلْنَاهُ مُفَصَّلاً مُوَضَّحًا بَيِّنًا، فيه العقائدُ بتفصيلٍ وإيضاحٍ، والحلالُ والحرامُ والأمثالُ والمواعظُ، وما يُدْخِلُ الجنةَ، وما يُدْخِلُ النارَ، وما يُرْضِي اللَّهَ، وما يُسْخِطُ اللَّهَ، وما تصلح به أحوالُ الإنسانِ في دنياه وآخرتِه، وما تَفْسُدُ به، فقد فصَّل اللَّهُ فيه كُلَّ شيءٍ، وَبَيَّنَ فيه أصولَ كُلِّ شيءٍ، فأوضحَ فيه العقائدَ، ومكارمَ الأخلاقِ، والخروجَ من الشبهاتِ، وَرَفَعَ فيه الْهِمَمَ، وَبَيَّنَ أصولَ الحلالِ والحرامِ، وأصولَ المواعظِ وجميعَ الأشياءِ.

والغريبُ كُل الغريبِ الذي لَا يقضي الإنسانُ عجبَه منه أن أمةً ينزلُ عليها هذا الكتابُ الذي يقول اللَّهُ فيه: إنه فَصَّلَهُ على عِلْمٍ منه، بَيَّنَهُ مُفَصَّلاً بعلمِ اللَّهِ (جل وعلا) المحيطِ بِكُلِّ شيءٍ، وضمَّنه جميعَ المصالحِ ودرءَ جميعِ المفاسدِ وخيرَ الدنيا والآخرةِ، وهذا كُلُّهُ من رَبِّ العالمين المحيطِ علمُه بِكُلِّ شيءٍ، وهذا كلامُه الذي فصَّله على علمٍ منه وَأَوْضَحَهُ، وَبَيَّنَ فيه معالمَ الخيرِ ومعالمَ الشرِّ، وما يُصْلِحُ دنيا الإنسانِ وآخرتَه، وما يكونُ به على خيرٍ في كِلْتَا الدَّارَيْنِ، وهو تنزيلُ رَبِّ العالمين، وتفصيلُ خالقِ السماواتِ والأرضِ، ومع هذا كُلِّهِ يُرْغَبُ عن هذا الكتابِ ولا يُبَالِي به، ويذهبُ يطلبُ الخيرَ والحقَّ في آراءِ قومٍ كفرةٍ فجرةٍ كلابٍ خنازيرَ!! فهذا من غرائبِ الدهرِ وعجائبِه!! كيف تُصْرَفُ هذه الأمةُ عن هذا الكتابِ المنزلِ الذي هو كلامُ ربِّ العالمين، وما فيه من المعانِي، وما فيه من العقائدِ والحلالِ والحرامِ والمعاملاتِ والمواعظِ ومكارمِ الأخلاقِ، وإيضاحِ علاقاتِ المجتمعِ فيما بينَه، وإيضاحِ حالةِ الإنسانِ في نفسِه، وما ينبغي أن

ص: 317

يكونَ عليه، وما ينبغي أن يكونَ عليه مع مجتمعِه الخاصِّ، ومع مجتمعِه العامِّ، وما يكون عليه مع أعدائه، كُلُّ هذا فَصَّلَهُ رَبُّ العالمين، وَأَوْضَحَهُ وزاده بيانًا رسولٌ كريمٌ:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: الآيتان 3، 4] فَتَرَكَهَا محجةً بيضاءَ ليلُها كنهارِها، لا يزيغُ عنها إلا هَالِكٌ.

مَنْ سَلَكَ هذا القرآنَ العظيمَ، وعمل به، وبالسنةِ المبينةِ له نَالَ خيرَ الدنيا وخيرَ الآخرةِ، وكان أعظمَ الناسِ هيبةً، وَأَقْوَاهُمْ شوكةً، وَأَعَزَّهُمْ مَنَعَةً، ومع هذا كُلِّهِ فالأمةُ التي نَزَلَ القرآنُ على أسلافِها تَخَلَّتْ عن هذا الكتابِ المحكمِ الذي هو كتابُ رَبِّ العالمين، الذي قال فيه:{وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ} [الأعراف: آية 52] المُفصِّلُ له هو اللَّهُ على علمٍ من الله المحيطِ علمُه بِكُلِّ شيءٍ، ومع هذا يتركونَه ولا ينظرونَ إليه، وينبذونَه وراءَ ظهورِهم، ويذهبونَ يطلبونَ الرشدَ ومصالحَ أمرِهم في قوانينَ وَنُظُمٍ رَتَّبَهَا كفرةٌ فجرةٌ جهلةٌ مُظْلِمَةٌ قلوبُهم، هم كالأنعامِ أو أضلُّ سبيلاً!! فهذا من أغربِ ما يشاهده الإنسانُ! ولو أننا لم نَرَهُ عيانًا لَمَا كُنَّا نصدق أن عاقلاً يذهب عن كلامِ رَبِّ العالمين الذي بَيَّنَ فيه الرشادَ وخيرَ الدنيا وخيرَ الآخِرَةِ، وأوضحَ فيه كُلَّ شيءٍ يتركه عمدًا زاعمًا أنه لا يُنَظِّمُ علاقاتِ الحياةِ، ولا يسايرُ رَكْبَ الحضارةِ، ثم يذهبُ إلى نُظُمٍ وَضْعِيَّةٍ، وقوانينَ إفرنجيةٍ وَضَعَهَا ملاحدةٌ لَا يعلمونَ عن الله شيئًا، لَا يعلمونَ إِلَاّ ظاهرًا من الحياةِ الدنيا وهم عن الآخرةِ هم غافلونَ.

فهذا من أغربِ ما وقع في التاريخِ!! نسألُ اللَّهَ أن يُبَصِّرَنَا بهداه ولا يُضِلَّنَا، ولكنا بَيَّنَّا مرارًا أن الذين يَنْصَرِفُونَ عن أنوارِ القرآنِ وَهُدَى القرآنِ يطلبونَ الرشادَ في نظمٍ كفريةٍ قانونيةٍ، مخالفةٍ لهدى اللَّهِ وكتابِه الذي فَصَّلَهُ على عِلْمٍ منه هُدًى وَرَحْمَةً، أن

ص: 318

الذي جَرَّهُمْ إلى ذلك أنَّ القرآنَ أعظمُ نُورٍ، وَاللَّهُ يُسَمِّيهِ النورَ في آياتٍ كثيرةٍ:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا (174)} [النساء: آية 174]{فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا} [التغابن: آية 8] على عَبْدِنَا {وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: آية 52] فهو نورٌ أعظمُ نورٍ، وهؤلاء الذين ينصرفونَ عنه إلى النُّظُمِ الوضعيةِ الكافريةِ في الحقيقةِ هم خفافيشُ البصائرِ، والخفاشُ لا يُلَامُ إذا كان لا يمكنُ أن يَرَى ضوءَ الشمسِ؛ لأن بصيرتَه ليس لها استعدادٌ ولا قوةٌ على مقابلةِ الشمسِ.

مِثْلَ النَّهَارِ يَزِيدُ أَبْصَارَ الْوَرَى

نُورًا وَيُعْمِي أَعْيُنَ الْخُفَّاشِ

(1)

خَفَافِيشُ أَعْمَاهَا النَّهَارُ بِضَوْئِهِ

وَوَافَقَهَا قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمُ

(2)

كَمَا أشارَ اللَّهُ لهذا بقولِه: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} [البقرة: آية 20] وَبَيَّنَ (جل وعلا) في سورةِ الرعدِ أن هذا القرآنَ لا ينصرفُ عنه ويجهلُ أحقيتَه وأمرَه إلا مَنْ أَعْمَى اللَّهُ بصيرتَه بالكليةِ، والأعمى إذا كان لا يبصرُ الشمسَ فما في تَبْصِيرِهِ لها حيلةٌ وذلك في قولِه:{أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} [الرعد: آية 19] فَصَرَّحَ بأن الذي لا يعلمُ أنه الحقُّ أن الذي مَنَعَهُ من ذلك هو عَمَاهُ، وعدمُ رؤيةِ الأَعْمَى للشمسِ لا يجعلُ في الشمسِ لَبْسًا ولا شَكًّا ولا ريبًا:

إِذَا لَمْ تَكُنْ لِلْمَرْءِ عَيْنٌ صَحِيحَةٌ

فَلَا غَرْوَ أَنْ يَرْتَابَ وَالصُّبْحُ مُسْفِرُ

(3)

(1)

مضى عند تفسير الآية (128) من سورة الأنعام.

(2)

السابق.

(3)

السابق.

ص: 319

ولم يَكْفِ هؤلاء المساكين الخفافيشَ، لم يَكْفِهِمُ الإعراضُ عن القرآنِ، وتركُه وراءَ ظهورهم، وتفضيلُ آراءِ الكفرةِ الفجرةِ عليه، لم يَكْفِهِمْ ذلك أن طَعَنُوا فيه، وَزَعَمُوا أن بعضَ تشاريعِه التي نَظَّمَهَا اللَّهُ وَشَرَّعَهَا أنها ليست عادلةً - والعياذُ بالله - وَمَنْ زَعَمَ هذا فقد طَعَنَ في حكمةِ اللَّهِ، وَكَفَرَ بالله كُفْرًا بوَاحًا.

ترى الجهلةَ الملاحدةَ الذين صَبَغَهُمُ الإفرنجُ كما يشاؤون يقولونَ: كيفَ يَجْعَلُ دينُ الإسلامِ ميراثَ المرأةِ أقلَّ من ميراثِ الرجلِ وعينُ القرابةِ التي يُدْلِي بها الرجلُ هي عينُ القرابةِ التي تُدْلِي بها المرأةُ، فكيف يكونُ نَفْسُ ما يُدْلِي به الرجلُ هو ما تُدْلِي به المرأةُ ثم يُفَضِّلُهُ عليها؟

(1)

.

وَاللَّهُ (جل وعلا) يعلمُ أن هذا سَيَضِلُّ به قومٌ، وأن مَنْ زعم أن تفضيلَ الرجلِ على المرأةِ في الميراثِ ليس بحكمةٍ ولا صوابٍ أنه ضَالٌّ؛ وَلِذَا بَيَّنَ هذا من غرائبِ القرآنِ حيث قال بعدَ قولِه:{لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} [النساء: آية 176] أَتْبَعَهُ بقولِه: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [النساء: آية 176] فَبَيَّنَ أن مَنْ لَمْ يَتَّبِعْ هذا التشريعَ وَطَعَنَ فيه أنه ضَالٌّ، وهو كما قال الله.

ثم يقولونَ: كيف يَجْعَلُ دينُ الإسلامِ الطلاقَ بيدِ الرجلِ من غيرِ إِذْنِ المرأةِ، مع أن عقدَ النكاحِ أَوَّلاً لم يكن إلا بإذنِ المرأةِ وَرِضَاهَا، فهي عقدةٌ اجْتَمَعَا عليها، فكيف يَجْعَلُ الاستقالةَ منها للرجلِ وحدَه دونَ إِذْنِ المرأةِ؟

ثم يقولونَ بالفلسفاتِ الشيطانيةِ: ربما أَفْنَى الرجلُ جمالَها وشبابَها حتى صارت لَا يَرْغَبُ فيها غيرُه ثم يُلْقِيهَا وَيُطَلِّقُهَا فتبقَى ضائعةً، وهذا ظُلْمٌ. وَيُلَفِّقُونَ نحوَ هذا من الفلسفاتِ

(1)

انظر: الأضواء (1/ 158).

ص: 320

الشيطانيةِ التي يأتِي بها قومٌ أَعْمَى اللَّهُ بصائرَهم عن أنوارِ القرآنِ وَحِكَمِ رَبِّ العالمين الباهرةِ

(1)

.

ونحن نذكرُ هنا (إن شاء الله) بعضَ الأشياءِ التي طَعَنُوا بها في التشريعِ الإسلاميِّ، وَنُبَيِّنُ أن الذي جَرَّهُمْ إلى ذلك هو سُوءُ فَهْمِهِمْ، وعدمُ معرفتِهم، وطمسُ بصائرِهم، وضلالُ قلوبِهم:

وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلاً صَحِيحًا

وَآفَتُهُ مِنَ الْفَهْمِ السَّقِيمِ

(2)

أما تفضيلُ اللَّهِ للرجلِ على المرأةِ فِي الميراثِ فقد أشارَ لحكمتِه بقولِه: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: آية 34] وتقريبُ هذا للأذهانِ: أن الميراثَ ما تَعِبَ فيه الرجلُ الوارثُ ولَا المرأةُ الوارثةُ، ولا مَسَحَا في تَحْصِيلِهِ عَرَقًا، وإنما هو مالٌ مَلَّكَهُمُ اللَّهُ إياه تفَضُّلاً منه مُلكًا جَبْرِيًّا من غيرِ أن يَتَسَبَّبَا فيه بعملٍ ولا بكدٍ ولا بكدحٍ، فَاللَّهُ ملَّكهما إياه، وقد أَجْرَى اللَّهُ عادتَه بحكمتِه أنه لَمَّا قَسَّمَ الإنسانَ إلى ذَكَرٍ وأنثى جعلَ الذكورةَ بقوةِ حَالِهَا وطبيعتِها قوةً وكمالاً.

فالذكورةُ قوةٌ وكمالٌ، والأنوثةُ ضَعْفٌ خِلْقِيٌّ جِبِلِّيٌّ، ونقصٌ خِلْقِيٌّ جَبَلَ اللَّهُ هذا النوعَ من الإنسانِ عليه. وعامةُ العقلاءِ لا يكادونَ يختلفونَ في هذا إلا المكابرين بالفلسفاتِ الشيطانيةِ.

والدليلُ على ذلك ما أشارَ له اللَّهُ في سورةِ الزخرفِ في قوله: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18)}

(3)

[الزخرف: آية 18] وفي القراءةِ الأُخْرَى: {أومن يَنْشَأُ

(1)

السابق (1/ 159).

(2)

البيت للمتنبي. وهو في ديوانه (بشرح العكبري 4/ 120).

(3)

انظر: المبسوط لابن مهران ص397.

ص: 321

في الحلية وهو في الخصام غير مبين} يعني: أيجعلونَ لِلَّهِ البناتِ، يجعلونَ له الولدَ، ثم يجعلونَ له أضعفَ الْوَلَدَيْنِ جِبلَّةً وأنقصَهما خِلقَةً وهو الأُنْثَى؛ ولذلك منذ تُولَدُ الأُنْثَى وهي تُجْعَلُ لها الزيناتُ، وربما ثُقِبَتْ آذانُها وجُعلت فيها الأقراطُ والشنوفُ، ثم تُجْعَلُ في جيدِها القلائدُ - من أنواعِ الْحُلِيِّ - وفي مَعَاصِمِهَا، وفي خَلَاخِلِهَا، وَتُكْسَى الحليَّ والحللَ منذ تُولَدُ إلى أن تموتَ، كل ذلك التزيينِ هو جبرٌ لذلك النقصِ الخلقيِّ الذي خَلَقَهَا اللَّهُ عليه وَجَبَلَهَا عليه.

وَمَا الْحَلْيُ إِلَاّ زِينَةٌ مِنْ نَقِيصَةٍ

يُتَمِّمُ مِنْ حُسْنٍ إِذَا الْحُسْنُ قَصَّرَا

(1)

وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْجَمَالُ مُوَفَّرًا

كَحُسْنِكِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَنْ يُزَوَّرا

أما الذَّكَرُ فجمالُ ذُكُورَتِهِ وكمالُ فحولتِه هو جمالٌ وكمالٌ طَبِيعِيٌّ، ولذا لا تجدُ الدنيا على مرورِ الأزمنةِ والقرونِ تخرقُ آذانَ الذكورِ وتجملهم بالأقراطِ والشنوفِ، ولا تجعلُ لهم قلائدَ الحلي والخلاخيلِ والأساورِ، وإنما تُجْعَلُ ذلك للأنثى.

والإفرنجُ الذين يحاولونَ أنهما سواء يُحَمِّرونَ فَمَ الأُنْثَى ولا يُحَمِّرونَ فَمَ الذَّكَرِ، وَكُلُّ ذلك يشيرُ إلى الفرقِ الجبليِّ الطبيعيِّ بينَهما الذي جَبَلَهُمَا اللَّهُ عليه.

فلما كان اللَّهُ (جل وعلا) جَعَلَ الأنوثةَ في أصلِ طبيعتِها وَخِلْقَتِهَا ضَعْفًا خلقيًّا ونقصًا جبليًّا، وجعلَ الذكورةَ

(1)

البيتان لابن الرومي، وهما في ديوانه (3/ 1007، 1008)، (تحقيق حسين نصار) مع شيء من الاختلاف، والذي في الديوان:

ومَا الحَلْيُ إلا حيلة لنَقِيْصةٍ

تُتَمِّمُ من حُسْنٍ إذا الُحسْنُ قَصَّرَا

وليس لحليٍ في الجميلةِ منظرا

جمال ولكن في القبيحة منظرا

تضيء نجومُ الليل في الليلِ وحده

وليس لها ضوءٌ إذا الصبحُ نوَّرا

فأمَّا إذا ما الحُسنُ كان مُكَمَّلا

كحُسْنكِ لم يحتجْ إلى أن يُزَوَّرَا

ص: 322

في أصلِ خلقتِها كمالاً طبيعيًّا وقوةً جِبِلِّيَّةً، اقتضت حكمةُ العليمِ الخبيرِ أن يجعلَ ذلك القويَّ بطبعه، الكاملَ بجبلته قَيِّمًا على ذلك الضعيفِ بقوتِه، الناقصِ بجبلته؛ ليستجلبَ له ما يعجزُ عنه من الخيرِ، ويدفعُ عنه ما يعجزُ عنه من الشَّرِّ، ولذلك كان الرجلُ يترقبُ النقصَ في حياتِه دائما؛ فإنه يبذلُ دائمًا النفقاتِ في صَدُقَاتِ الزوجاتِ، والإنفاقِ عليهن، وفي مُؤَنِ الجهادِ، وفي نوائبِ الدهرِ، فهو غارمٌ باذلٌ دائمًا، والمرأةُ تترقبُ طولَ حياتِها الزيادةَ، وأن يُمْلأَ كِيسُهَا، تترقبُ رجلاً يدفعُ لها مالاً كثيرًا في صَدَاقِهَا، ويقومُ بجميعِ مُؤَنِهَا ولوازِمها في الدنيا، فهي تترقبُ الزيادةَ دائمًا، والرجلُ يترقبُ النقصَ دائمًا.

فلما كان الحكيمُ الخبيرُ أرادَ أن يُقَسِّمَ عليهما الميراثَ آثَرَ مترقبَ النقصِ دائمًا على مترقبِ الزيادةِ دائما جَبْرًا لبعضِ نقصِه المترقبِ؛ ولذا تَجِدُ الرجلَ وأختَه، تجدُ أختَه تُدفع لها الأموالُ الكثيرةُ في صَدَاقِهَا، ويقومُ غيرُه بنفقاتِها وَكُلِّ ما يَلْزَمُ لها، والرجلُ أخوها الآخَرُ هو الذي يَبْذُلُ ما عندَه في نفقاتِ زوجاتِه ومهورهن، ونوائبِ الدهرِ، ومعوناتِ الجهادِ، وغيرِ ذلك.

وإذا وجدنا مَنْ يَقْسِمُ على اثْنَيْنِ أحدهما يترقبُ النقصَ دائمًا، والثاني يترقبُ الزيادةَ دائمًا، فآثر مترقبَ النقصِ دائمًا على مترقبِ الزيادةِ دائمًا جَبْرًا لبعضِ نقصِه المُترقب لقلنا له: إن إِيثَارَكَ لهذا وزيادتَك لهذا عن هذا واقعةٌ مَوْقِعَهَا عن حكمةٍ بالغةٍ، ووضع أَمْرٍ في موضعِه، وإيقاعِه في موقعِه، ولهذا كان (جل وعلا) يُفَضِّلُ في الميراثِ الذكرَ على الأنثى؛ لأن الذكرَ باذلٌ يبذلُ في مهورِ الأزواجِ وفي نفقاتِهن وفي نفقاتِ الأولادِ، وفي مُؤَنِ الجهادِ وغيرِ ذلك من وُجُوهِ الْبِرِّ.

والمرأةُ دائمًا تترقبُ

ص: 323

رجلاً يبذلُ لها مالاً كثيرًا يُسَمَّى الصداق، ويقومُ بشؤونها من إنفاقٍ وملبسٍ ومأكلٍ ومشربٍ وكلِّ ما تحتاجُ إليه. فإيثارُ مترقبِ النقصِ على مترقبِ الزيادةِ حكمةٌ بالغةٌ، وأمرٌ واضحٌ واقعٌ موقعَه كما لا يَخْفَى إلا على مطموسِ البصيرةِ، وإنما جَعَلَ اللَّهُ الرجالَ قَوَّامِينَ على النساءِ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ في الذكورةِ بِجِبِلَّتِهَا وخلقتها من القوةِ والكمالِ، وقصورِ الأنوثةِ عن ذلك؛ ولذلك كان الولدُ يُنْسَبُ إلى الرجلِ، والمرأةُ راضيةٌ، نفسُ المرأةِ تقولُ لولدِها الذي نُفِسَتْ به وخرج من قُبُلها:«هذا ابنُ فلان» . تعني [زوجها]

(1)

، تنسبُه لأبيه وَفْقًا لقولِه تعالى:{ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} [الأحزاب: آية 5] وجعل الله الرجلَ هو المسؤولَ عن المرأةِ، يُقَوِّمُ أخلاقَها، وَيَقُومُ بشؤونِها، وهو مترقبٌ النقصَ والبذلَ دائمًا، وهي مترقبةٌ الزيادةَ دائمًا. وجَعْلُ اللَّهِ النساءَ يُنْفَقُ عليهن، وَيُكْفَيْنَ المؤنةَ ليسَ لإهانةٍ لهن، ولا لهضمٍ لحقوقهن، ولكنما هو إكرامٌ لهن بحسبِ طبيعتِهن وخلْقَتِهن التي جَبَلَهُنَّ عليها خالقُ السماواتِ والأرضِ؛ لأَنَّ المرأةَ تتعرضُ لأعينِ الخونةِ؛ لأن المرأةَ كُلَّهَا هي متعةٌ وتلذذٌ أَبَتْ أم كَرِهَتْ؛ لأن عينَ الإنسانِ إذا نظرت إلى جمالِها الْتَذَّتْ منها واستغلت جَمَالَهَا كرهًا، فاقتضت حكمةُ الشرعِ أن تُصَانَ، وَتُجْعَلُ كالدرةِ المصونةِ، وتُكفى مؤنَ الدهرِ ولوازمَه ونوائبَه؛ لئلا تضطرَ إلى الابتذالِ وما لا يليقُ بِشَرَفِهَا. فهذه تعاليمُ الإسلامِ، وصيانتُه للمرأةِ وإكرامُها وبذلُها لحقوقِها الكاملةِ، مع أنَّا بَيَّنَّا مِرَارًا أنها تُسَاعِدُ في بناءِ المجتمعِ، وتربيةِ الأسرةِ داخلَ بيتِها مساعدةً أعظمَ مما يعملُه الرجلُ خارجًا، لَكِنَّ تلك المساعدةَ في عفافٍ وسترٍ وكرمٍ. وهذا واضحٌ مَنْ نَظَرَهُ

(1)

في الأصل: زوجة.

ص: 324

يعلمُ أن تفضيلَ الرجلِ في الميراثِ عن المرأةِ لحكمةٍ بالغةٍ واضحةٍ لَا يجهلُها إلا مَنْ طَمَسَ اللَّهُ بصيرتَه.

كذلك جَعْلُ الطلاقِ بيدِ الرجلِ حكمتُه بالغةٌ واضحةٌ لَا إشكالَ فيها؛ لأن القرآنَ بَيَّنَ أن النساءَ وإن كُنَّ في غايةِ الكرامةِ على أزواجهن وعلى أُسَرِهِنَّ، وهن بالمنزلة العليا التي جَعَلَهَا اللَّهُ لهن من أنهن يُكْفَيْنَ جميعَ الحقوقِ، ويُكفينَ جميعَ المؤناتِ، ويُصَنَّ أكرمَ الصيانةِ وأعزَّها، وأن لا يُبْذَلْنَ لضياعِ شَرَفِهِنَّ، ولا مروءتهن وَهُنَّ مع ذلك مَزَارِعُ تُزْرَعُ فيها النطفُ حتى تُسْتَحْصَدَ ويأخذها صاحبُها فتثمرُ النطفةُ في رَحِمِ المرأةِ، ثم تَلِدُهَا فيأخذها صاحبُها الذي زَرَعَهَا وهو الرجلُ، ويقال: هذا ابنُ فلانٍ. وَاللَّهُ يقولُ: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: آية 223] وإنما سَمَّى النساءَ حَرْثًا لأن طبيعةَ الحالِ والأمرَ الواقعَ هو يقتضي ذلك بِلَا شَكٍّ ولا رَيْبٍ؛ لأن آلةَ التناسلِ والازدراعِ هي مع الرجلِ، فلو أَرَادَتِ المرأةُ أن تأخذَ حَمْلاً من الرجلِ، وأن تجامعَه فتحمل منه وهو كارهٌ فإن ذَكَرَهُ لَا ينتشرُ إليها، ولا تَقْدِرُ أن تأخذَ منه شيئًا، بخلافِ الرجلِ فعنده آلةُ النسلِ وآلةُ الازدراعِ، فهو فاعلٌ بطبيعةِ حالِه، وهي مفعولٌ بطبيعةِ الوضعِ الذي خَلَقَهَا اللَّهُ وَجَبَلَهَا عليه. فالرجلُ قد يُجَامِعُهَا راغمةً مكرهةً وَتَلِدُ ولدًا يكونُ هو خيرُ الدنيا والآخرةِ عليها وإن حملت به كرهًا وإرغامًا غيرَ راضيةٍ، أما الرجلُ فلا تكادُ المرأةُ أن تحصلَ منه على حملٍ وهو كارهٌ أبدًا؛ لأنه إذا كان غيرَ راغبٍ في ذلك لا ينتشرُ ذَكَرُهُ ولا يقومُ إليها، ولا تقدرُ منه على شيء. فتبين أنه فاعلٌ بطبيعةِ الحالِ والجبلةِ الخلقيةِ، وأنها مفعولٌ به بالطبيعةِ التي خَلَقَهَا اللَّهُ وجبلها عليها، كما قال:{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ}

ص: 325

لأنه يُحْبِلُهَا وهي كارهةٌ، كما قال أبو كبير الهذليُّ في ربيبه تأبط شرًّا

(1)

:

مِمَّنْ حَمَلْنَ بِهِ وَهُنَّ عَوَاقِدٌ

حُبُكَ النِّطَاقِ فَشَبَّ غَيْرَ مُهبَّلِ

يعني حبلت به أُمُّهُ وهي عاقدةٌ حُبُكَ نطاقِها، شادةٌ إِزَارَهَا، ممتنعةٌ من أن تحل الإزارَ، فقد أُكْرِهَتْ على ذلك الجماعِ الذي حبلت منه. ولأَجْلِ هذا إذا كان الرجلُ فاعلاً والمرأةُ مُزْدَرَعٌ ليس من العقلِ ولا من الحكمةِ أن نقولَ لإنسانٍ لا رغبةَ له في الأولادِ في حقلٍ: لا بد أن نُرْغِمَكَ على هذا الحقلِ والبقاءِ معه وأنتَ لا رغبةَ لكَ فيه. والرجلُ لم يُفْنِ من جمالِ المرأةِ شيئًا، إنما أَفْنَى جمالَها الليالي والأيامُ.

أَفْنَاهُ قيل اللَّهِ لِلشَّمْسِ: اطْلُعِي

(2)

..........................

فالرجل لم يُنْقِصْ من جمالِها شيئًا، وإنما نَقَصَهُ اللَّهُ بطولِ عُمْرِهَا. والمدةُ التي مَكَثَ معها هو قائمٌ بجميعِ شؤونها، وليس مُلْزَمًا بالبقاءِ دائمًا عندَ حقلٍ لَا خيرَ له فيه، فلو أُرْغِمَ على البقاءِ معها دائمًا وهو كارهٌ لم تَسْتَفِدْ منه شيئًا، ولم تَقْدِرْ أن تأتيَ منه بولدٍ، ولا أن تحصلَ منه على شيءٍ، بخلافِ الرجلِ.

وكذلك يزعمونَ أن تعددَ الزوجاتِ من التشريعِ الذي ليس بِطَيِّبٍ. وكلُّ هذا قصورٌ منهم - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - لأن تعددَ الزوجاتِ فيه مصلحةُ المرأةِ، ومصلحةُ الرجلِ، ومصلحةُ المجتمعِ، فهو تشريعٌ سماويٌّ يشملُ جميعَ المصالحِ، وهم يقولونَ: إن تعددَ الزوجاتِ أمرٌ

(1)

البيت لأبي كبير الهذلي يصف تأبط شرًّا، وهو في ديوان تأبط شرًّا ص88، الكامل (1/ 175)، مغني اللبيب (2/ 193)، شواهد الكشاف ص105.

(2)

هذا شطر بيت لأبي النجم، وشطره الثاني:

........................

حتى إذا واراك أفق فارجعي

وهو في «الإيضاح في علوم البلاغة (1/ 29)، ورحلة الحج إلى بيت الله الحرام ص185» .

ص: 326

لَا ينبغي؛ لأَنَّ الرجلَ إذا كانت امرأتُه واحدةً أمكنه أن يأخذَ بِخَاطِرِهَا، وأن يعيشَ معها في عيشٍ مستقيمٍ لذيذٍ، كُلٌّ منهما قريرُ العينِ بصاحبِه، أما إن جَمَعَ معها أخرى فإنه إن أَرْضَى هذه سَخِطَتْ هذه، وإن أَرْضَى هذه سخطت هذه، فهو بَيْنَ سخطتين دائمًا، وفي نزاعٍ دائمٍ، وأن الإتيانَ بالضرةِ الأخرى يُؤْلِمُ قلبَ الزوجةِ الأُولَى، وأن هذا التشريعَ ليس بطيبٍ. وكلُّ هذا جهالةٌ منهم قَبَّحَهُمُ اللَّهُ؛ لأن المشاغبةَ أمرٌ طبيعيٌّ بينَ الناسِ، فالرجلُ تقعُ المشاغبةُ بينَه وبينَ أُمِّهِ، وبينَه وبينَ أبيه وأخيه، وبينَه وبينَ زوجتِه الواحدةِ، فهي أمرٌ طبيعيٌّ بالنسبةِ إلى الناسِ يتخاصمونَ مرةً ويكونُ بينَهم بعضُ الشنآنِ والشرِّ ثم يرجعُ كلٌّ منهم إلى رضا الآخَرِ، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ من ضرورياتِ الحياةِ. والمرأةُ الواحدةُ قد تَمْرَضُ، وقد تُنفس، وقد تحيضُ، فتبقى منافعُ الرجلِ معطلةً، والمرأةُ غيرُ صالحةٍ في ذلك الوقتِ - لِنِفَاسِهَا أو حيضها أو مرضها، غير صالحة في ذلك الوقتِ - لأخصِّ لوازمِ الزوجيةِ، فتبقى مواهبُ الرجلِ معطلةً، وهذا لا يَنْبَغِي.

ثم إن اللَّهَ أجرى العادةَ بأن النساءَ أكثرُ من الذكورِ في جميعِ أقطارِ الدنيا، وكذلك تُثْبِتُهُ الإحصاءاتُ العالميةُ؛ لأن الذكورَ أكثرُ تعرضًا لأسبابِ الموتِ من النساءِ [فهم]

(1)

أكثرُ خروجًا للقتالِ، وأكثرُ مزاولةً في ميادينِ الحياةِ، فالموتُ يَكْثُرُ [فيهم]

(2)

غالبًا، فالنساءُ أكثرُ في جميعِ أقطارِ الدنيا، فلو قُصر كُلُّ رجلٍ على امرأةٍ واحدةٍ لبقي عددٌ ضخمٌ ورقمٌ عالٍ عظيمٌ من النساءِ لا أزواجَ لهن فَيُضْطُرِرْنَ إلى الرذيلةِ، وإلى الزنى، وإلى تفشيِ الرذيلةِ وضياعِ الخُلقِ ومكارمِ الأخلاقِ. مع أنه لو جَمَعَ الرجل اثنتين أو ثلاثًا كما قال الله فلا ضررَ على المرأةِ

(1)

في الأصل: «فهن» وهذا سبق لسان.

(2)

في الأصل: «فيهن» وهذا سبق لسان.

ص: 327

لا تجدُ ضررًا من عدمِ الحظِّ الإنسانيِّ؛ لأن الرجلَ يأتيها في ليالٍ قليلةٍ، وتجدُ مَنْ يقومُ بشؤونها؛ ولذا البلادُ التي تمنعُ تعددَ الزوجاتِ تجدُها تمنعُ أمرًا حلالاً فيه صالحُ الرجلِ وصالحُ المرأةِ وصالحُ المجتمعِ بكثرةِ الأولادِ، وهم مع ذلك فيهم كثيرٌ من النساءِ هُمل لا أزواجَ لهن، لا حرفةَ لهن إلا الزنى، وكلُّ واحدٍ - والعياذُ بالله - له صدائقُ وخليلاتٌ يُزاني بهن - والعياذُ بالله - فتنتشرُ الرذيلةُ، وتضيعُ الأخلاقُ، وتضيعُ المروءةُ، فالنساءُ أكثرُ من الرجالِ، وكذلك النساءُ مستعداتٌ كُلُّهُنَّ للزواجِ؛ لأن كُلَّ امرأةٍ بلغت مبلغَ الزواجِ فهي مستعدةٌ للزواجِ، وما كل الرجالِ مستعدًّا للزواجِ؛ لأنه قد يعوقُه الفقرُ عن القيامِ باللازمِ ونحوِ ذلك. فلو قُصِرَ الواحدُ على الواحدةِ لَبَقِيَ عددٌ ضخمٌ خالٍ من أزواجٍ، وكانت حرفتُه الزنى - والعياذُ بالله - فضاعت أخلاقُه، وضاعت مروءتُه، وضاع شَرَفُهُ.

هذا هو تشريعُ خالقِ السماواتِ والأرضِ. والمرأةُ -وإن كان في الضرةِ عليها بعضُ أَذًى في قلبها- إلا أن هذا الأَذَى الخفيفَ أنه يُغْتَفَرُ لأجلِ هذه المصالحِ العظامِ، وهي مصلحةُ الرجلِ حيثُ لا تُعَطَّلُ منافعُه وقتَ حيضِ المرأةِ أو نفاسِها أو مرضِها، وفيه مصلحةٌ للمرأةِ حيث لا يَبْقَى عددٌ ضخمٌ من النساءِ لا أزواجَ لهن؛ لأن الرجالَ أقلُّ منهن، وفيه مصلحةٌ للأمةِ بكثرةِ النسلِ؛ لأنه إذا تَعَدَّدَتِ الزوجاتُ كَثُرَ النسلُ، وفي الحديثِ: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم يأمرُنا بالتزويجِ، وأنه يُكَاثِرُ بنا الأممَ

(1)

، فتعددُ الزوجاتِ مصلحةٌ لنفسِ المرأةِ؛ لئلا تبقى لا زوجَ لها فتحترفُ حرفةَ الزنى وتضيعُ، ومصلحةٌ للرجلِ؛ لئلا تُعَطَّلَ منافعُه وقتَ حيضِ المرأةِ أو نفاسِها أو مرضها، وفيه مصلحةٌ للأمةِ بكثرةِ

(1)

مضى عند تفسير الآية (151) من سورة الأنعام.

ص: 328

الرجالِ؛ لأن الكثرةَ لها شأنٌ، وَتَقْدِرُ الأمةُ على أن تكافحَ بها عدوَّ الإسلامِ وتردَّ بها الكفاحَ الداهمَ لبلادها. فهذه مصالحُ الإسلامِ، وهي واضحةٌ لا شَكَّ فيها.

وكذلك ما يزينُه إبليسُ من أنه لابدَّ أن تكونَ النساءُ كالرجالِ في جميعِ الميادين، فهذا أَمْرٌ قَدْ بَيَّنَّا أيضًا أن الحقَّ فيه مع القرآنِ كما لا يَخْفَى، وأن الفلسفاتِ الشيطانيةَ إنما أَضَاعَتْ أخلاقَ الناسِ، وابتذلت النساءَ وضيعتهن من حيث لا يَشْعُرْنَ؛ لأن الشيطانَ يسوؤه لعداوتِه للإنسانِ ما جاءَ به الإسلامُ من معاونةِ الرجلِ وامرأتِه على بناءِ أولادِهما وأسرتِهما، والمساعدةِ في مجتمعِهما بأن يخرجَ الرجلُ؛ لأَنَّ فحولتَه وذكورتَه مناسبةٌ للخروجِ، عظامُه قويةٌ وعضلاتُه قويةٌ، وعيونُه محمرةٌ قويةٌ لَا يتلذذُ به من رَآهُ، وليس مُتَعَرِّضًا للفتنةِ، يقومُ في كدحِ الحياةِ لتحصيلِ شؤونِ الحياةِ، وفي الجهادِ لِرَدِّ الكفاحِ المسلحِ وإعلاءِ كلمةِ اللَّهِ، ويتركُ قرينَه الآخَرَ الكريمَ وهو امرأتُه الكريمةُ العفيفةُ الصَّيِّنَةُ المطيعةُ لِلَّهِ (جل وعلا)، الْمُحَافِظَةُ على شَرَفِهَا ودينِها وكرمِها، المُبَيِّضة وجهَ نفسِها ووجهَ أسرتِها، يتركُها في بيتِه في صيانةٍ وسترٍ وعفافٍ فيجدُها قائمةً أحسنَ قيامٍ، تَحْنُو على الرضيعِ فترضعُه، وعلى الفطيمِ فترحمُه، وعلى المريضِ فَتُعَالِجُهُ، وعلى شؤونِ البيتِ فتقومُ بجميعِ مصالِحها، فإذا جاء الرجلُ مِنْ عَمَلِهِ وَجَدَ قرينَه الآخَرَ الكريمَ قائمًا بأكبرِ مساعدةٍ وأعظمِ معونةٍ وأعظمِ تربيةٍ للأولادِ الصغارِ، من تعليمِهم الأدبَ ومبادئَ الدينِ والإصلاحِ البيتيِّ، فيجدُ قرينَه الآخَرَ الكريمَ قائمًا له بأعظمِ مساعدةٍ على بناءِ الأسرةِ الخاصِّ وبناءِ المجتمعِ العامِّ؛ لأنه مُتَرَكِّبٌ من الأُسَرِ الخاصةِ، إلا أن الشيطانَ لعداوتِه لِبَنِي آدمَ يغيظُه هذا التعاونُ الكريمُ الشريفُ

ص: 329

النزيهُ، وبناءُ المجتمعِ من الطرفين على أكملِ الوجوهِ وَأَتَمِّهَا وأليقها بالشرفِ والمروءةِ، فيأتِي لأوليائِه ويهمسُ في آذانهم وأذنِ المرأةِ ويقولُ: الرجلُ يخرجُ ويختلطُ بالدنيا وَتَبْقَيْنَ أنتِ محبوسةً كالدجاجةِ، فأنتِ لستِ بدجاجةٍ، أنتِ إنسانٌ ينبغي أن تخرجي كما يخرجُ الرجلُ، وَتُزَاوِلِي ما يزاولُه الرجلُ، فإذا خَرَجَا معًا اضطرا لأن يُؤَجِّرَا إنسانًا يجلسُ

في البيتِ ليحافظَ على الأولادِ وشؤونِ البيتِ الداخليةِ، فيصيرُ ذلك الأجيرُ المسكينُ هو الضحيةَ، وهو الدجاجةُ المحبوسةُ في البيتِ لتتمكنَ المرأةُ من الخروجِ، ويكونُ جَمَالُهَا وَقْفًا على الخونةِ كما أَوْضَحْنَاهُ مرارًا؛ لأنها إذا خرجت كانت كُلُّ عينٍ فاجرةٍ تنظرُ إليها وتتمتعُ بجمالِها كما شاءت، والرجلُ ربما نَزَلَ منه المنيُّ بالنظرةِ إلى جمالِ المرأةِ الجميلةِ كما هو معروفٌ، فيُستغل جمالَها مَجَّانًا بلا ثمنٍ، غدرًا وخيانةً ومكرًا وجنايةً على شرفِ المسكينةِ وعلى مروءتها وعلى فَضْلِهَا وعلى أُسْرَتِهَا، باسمِ فلسفةٍ شيطانيةٍ فاضيةٍ جوفاءَ باسمِ التقدمِ، باسم الحضارةِ، باسمِ التمدنِ!! وكلُّ ذلك ضلالٌ وإضلالٌ، وضياعٌ للأخلاقِ والمروءةِ والشرفِ تحتَ شعاراتٍ براقةٍ زائفةٍ كاذبةٍ، يُضَيِّعُ الشيطانُ تحتَها كُلَّ فضيلةٍ وكلَّ شرفٍ وكلَّ مروءةٍ، وهذا مُشَاهَدٌ في الأقطارِ التي أَطْلَقَتْ لنسائِها الحريةَ، وَصِرْنَ يَخْرُجْنَ عارياتٍ، يُزَاوِلْنَ ما يزاوله الرجالُ من الأعمالِ، فَتَرَاهُنَّ ذَهَبَ مِنْ جميعهن الحياءُ والشرفُ النسويُّ، وصارت أولادُ الزنى تُؤْخَذُ من الشوارعِ تُعَدُّ بالآلافِ والملايين!!

وَمَنْ نَظَرَ في إحصائياتِ أولادِ الزنى في العالمِ المتمدنِ يعلم أن نتيجةَ فلسفاتِ الشيطانِ هي الزنى والانحطاطُ الخلقيُّ، وضياعُ الشرفِ وذهابُ المروءةِ والكرمِ. ومع هذا يسمونه التقدمَ والحضارةَ

ص: 330

والتمدنَ، والذوقَ السليمَ!! والتشريعَ السماويَّ - الذي يقولُ اللَّهُ فيه:{وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)} [الأعراف: آية 52] الذي طَعَنُوا فيه وَنَبَذُوهُ وراءَ ظهورِهم وتقوَّلوا عليه كما تَقَوَّلَ الكفارُ أنه لا يُسَايِرُ ركبَ الحضارةِ، وليس بصالحٍ لكلِّ زمانٍ - هو الذي يأمرُهم بالعفافِ والكرمِ والمحافظةِ على الأخلاقِ والشرفِ مع العملِ الحثيثِ في الدنيا.

وربما تضطر بعضُ النساءِ إلى مزاولةِ الأعمالِ كالتي لا زوجَ لها ولا وَلِيَّ لها يقومُ بشؤونِها، فنحنُ لَا نقولُ: إنها تَبْقَى عالةً لَا تعملُ، بل تذهبُ وتعملُ في بعضِ مرافقِ الحياةِ لتسدَّ خَلَّتَها وماءَ وجهِها عن تكففِ الناسِ، ولكنها تعملُ في عفافٍ وسترٍ وصيانةٍ وكرمٍ، وعدمِ مخالطةٍ للأجانبِ، وعدمِ إهدارٍ للفضيلةِ وارتكابٍ للرذيلةِ، فَرُبَّ امرأةٍ عملت عملاً من أعمالِ الحياةِ الدنيا سَدَّتْ به خَلَّتها، وَقَوَّمَتْ به شَأْنَهَا، وهي في غايةِ العفافِ والتسترِ، والأخذِ بمكارمِ الأخلاقِ.

والحاصلُ أن اللَّهَ (جل وعلا) يقولُ: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ} هذا الكتابُ فَصَّلَهُ خالقُ السمواتِ والأرضِ حالَ كونِ ذلك التفصيلِ على علمٍ منه (جل وعلا)، وعلمُه محيطٌ بكلِّ شيءٍ لَا يَخْفَى عليه شيءٌ، فهو عَالِمٌ بما كان وما يكونُ وما لو كان كيفَ يكونُ؛ لأنا بَيَّنَّا مِرَارًا أن العلمَ الكاملَ لِلَّهِ (جل وعلا) وحدَه، فهو المحيطُ علمُه بكلِّ شيءٍ، يعلمُ ما كان وما يكونُ حتى إنه من إحاطةِ عِلْمِهِ لَيَعْلَمُ ما سبقَ في علمِه أنه لا يكونُ أن لو كانَ كيفَ يكونُ.

ومن إحاطةِ علمِ اللَّهِ: أن جميعَ الخلائقِ لا يعلمونَ إلا ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ من علمِه، فالعلمُ المحيطُ لِلَّهِ (جل وعلا) وحدَه، ولا يعلمُ أحدٌ شيئًا إلا ما عَلِمَهُ العليمُ الخبيرُ جل وعلا.

ص: 331

ومما يُوَضِّحُ هذا أن أَعْلَمَ الخلائقِ

(1)

: الملائكةُ والرسلُ الكرامُ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهم)، فالملائكةُ لَمَّا قال لهم خالقُهم جل وعلا:{أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: آية 31] ماذا قال الملائكةُ؟ {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَاّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)} [البقرة: آية 32] فقولُه: {لَا عِلْمَ لَنَا} هي (لَا) التي تُسَمَّى (لا) النافيةَ للجنسِ، فهي لنفيِ جنسِ العلمِ، فَنَفَوْا جنسَ العلمِ عنهم أصلاً إلا شيئًا عَلَّمَهُمُ اللَّهُ إياه.

[9/ أ] / وهؤلاءِ الرسلُ الكرامُ الذين هم صفوةُ اللَّهِ من خلقِه، وأعلمُ الخلقِ بِاللَّهِ - صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهم - هذا سيدُهم وخاتُمهم وأفضلُهم على الإطلاقِ نبيُّنا صلى الله عليه وسلم رُمِيَتْ زوجتُه أُمُّ المؤمنينَ عائشةُ بنتُ الصِّدِّيقِ رضي الله عنها في غزوةِ المريسيعِ بأعظمِ فريةٍ وأكبرِ شنيعةٍ، وهو صلى الله عليه وسلم مع ما أَعْطَاهُ اللَّهُ من النبوةِ والعلمِ العظيمِ ما كان يَدْرِي أَحَقٌّ ما قيل عنها أم كَذِبٌ، وكان يقول لها:«كَيْفَ تِيكُمْ» ؟ لا يدري عن حقيقة الأمر، ويقول لها:«يَا عَائِشَةُ إِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَتُوبِي، وَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّؤُكِ» . ولم يعلم حقيقةَ الأمرِ حتى أَعْلَمَهُ الحكيمُ الخبيرُ فقال له: {أُولَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور: آية 26] وَلَمَّا نزلَ الوحيُ ببراءتِها وقالت لها أُمُّهَا: قُومِي إلى رسولِ اللَّهِ فَاحْمَدِيهِ. قالت: لَا وَاللَّهِ لا أحمدُه ولا أحمدُ اليومَ إلا اللَّهَ، فإن اللَّهَ هو الذي بَرَّأَنِي وهو لم يُبَرِّئْنِي

(2)

. وقد أُمِرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يقولَ: {قُل لَاّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعام:

(1)

مضى عند تفسير الآية (59) من سورة الأنعام.

(2)

السابق.

ص: 332

آية 50] وقد قيل له أن يقولَ: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ} [الأعراف: آية 188].

وهذا نَبِيُّ اللَّهِ إبراهيمُ - وَهُوَ هُوَ - قال اللَّهُ له: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة: آية 124] ذَبَحَ عجلَه وَتَعِبَ هو وامرأتُه في إنضاجِ العجلِ يظنُّ أن الضيفَ الذين عنده يأكلونَ، ولم يعلم أنهم جبريلُ والملائكةُ معه! {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} [هود: آية 70]، وَبَيَّنَ لهم أنه خائفٌ منهم:{قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} [الحجر: آية 52] ولم يعلم أنهم ملائكةٌ - رسلُ اللَّهِ - حتى أخبروه. قال لهم: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ (58)} [الحجر: الآيتان 57 - 58] وَلَمَّا نزلوا بنبيِّ اللَّهِ لوطٍ - وهو هو -: {سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود: آية 77] يظن أنهم فتيانٌ حِسَانُ الوجوهِ، حسانُ الثيابِ، حسانُ الروائحِ، وأن قومَه يفعلونَ بهم فاحشةَ اللواطِ، حتى قال كلامَه المحزنَ:{لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: آية 80] ولم يعلم أنهم ملائكةٌ حتى قال له جبريلُ: {يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} [هود: آية 81] وهؤلاء الذين كانوا يدفعونَ البابَ ليكسروه يريدونَ أن يفعلوا فاحشةَ اللواطِ بجبريلَ والملائكةِ معه لَمَّا أَذِنَ اللَّهُ لجبريلَ فيهم مَسَحَ وجوهَهم بريشةٍ من جناحِه فبقيت أعينُهم كأنها لم تكن أصلاً، كما يأتي في قولِه عنهم:{وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ} [القمر: آية 37].

وهذا نَبِيُّ اللَّهِ نوحٌ - وهو هو - (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) ما كان يظنُّ أن ابنَه كافرٌ، وكان يقولُ:{رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ} [هود: آية 45] أي: وقد قلتَ لي: {احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ

ص: 333

زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ} [هود: آية 40] ولم يَدْرِ ما حقيقةُ ولدِه حتى أَعْلَمَهُ الحكيمُ الخبيرُ فقال له: {يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: آية 46] فما كان من نوحٍ إلا أن قال: {رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ} [هود: آية 47].

وهذا نَبِيُّ اللَّهِ يعقوبُ الذي قال اللَّهُ فيه: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ} [يوسف: آية 68] ابْيَضَّتْ عيناه من الحزنِ فهو كظيمٌ، ولم يَدْرِ عن ولده يوسفَ في مصرَ، ما بينَه وبينَه إلا مراحلُ قليلةٌ حتى جاءه البشيرُ بِخَبَرِهِ.

وهذا سليمانُ أعطاه اللَّهُ الريحَ غُدُوُّهَا شهرٌ وَرَوَاحُهَا شهرٌ، وَسَخَّرَ له الجنَّ والطيرَ، ما كان يدري عن ملكةِ سبأٍ، ولا عن مَأْرِبٍ، ولا ما جَرَى فيها حتى أخبرَه الهدهدُ المسكينُ الضعيفُ.

وكان سليمانُ عليه السلام متوعدًا للهدهدِ لأنه خرجَ بلَا إِذْنٍ {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (21)} [النمل: الآيتان 20 - 21] فَلَمَّا علم الهدهدُ من قضيةِ اليمنِ بعضَ علمِ التأريخِ وَعِلْمِ الجغرافيا - من ملكةِ سبأٍ وقومِها - وكان سليمانُ يجهلُه أعطاه هذا العلمُ قوةً وصمودًا أمامَ سليمانَ، ووقفَ أمامَ النبوةِ وَالْمُلْكِ وقفةَ الرجلِ الصامدِ، ونسبَ الإحاطةَ لنفسِه ونفاها عن سليمانَ، وقال: إني: {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل: آية 22] وهكذا.

أما اللَّهُ (جل وعلا) فهو المحيطُ علمُه بكلِّ شيءٍ، ولكنه يُطْلِعُ

ص: 334

رسلَه على ما شاءَ من غَيْبِهِ، وقد أَطْلَعَ نَبِيَّنَا صلى الله عليه وسلم على أمورٍ من الغيبِ لَا يعلمُ كثرتَها إلا اللَّهُ، فما تُوُفِّيَ صلى الله عليه وسلم حتى لم يكن طائرٌ يُحَرِّكُ جناحه إلا أعطى لأصحابِه عنه عِلْمًا، وَبَيَّنَ لأصحابِه جميعَ الفتنِ، وجميعَ ما يقعُ في آخِرِ الزمانِ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ من الغيوبِ - ولكنهم نَسُوهُ - ولكنه لا يَعْلَمُ من ذلك إلا ما عَلَّمَهُ اللَّهُ، كما قال جل وعلا:{عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَاّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} الآيةَ [الجن: الآيتان 26، 27] أما اللَّهُ (جل وعلا) فَعِلْمُهُ محيطٌ بكلِّ شيءٍ، يعلمُ ما كان، ويعلمُ ما لم يكن، وما سيكونُ كيف يكونُ ويعلمُ ما سبقَ في علمِه أنه لا يكونُ، يعلمُ أن لو كان كيف يكونُ، فهو يعلمُ أن أبا لهبٍ لَنْ يؤمنَ، ويعلمُ لو آمَنَ أبو لهبٍ أيكونُ إيمانُه تَامًّا أو ناقصًا. والآياتُ الشاهدةُ بهذا في القرآنِ كثيرةٌ، فإن الكفارَ يومَ القيامةِ إذا عَايَنُوا العذابَ وَرَأَوْا حقيقةَ الآخرةِ نَدِمُوا وَتَمَنَّوْا أن يُرَدُّوا إلى الدنيا مرةً أخرى لِيُصَدِّقُوا الرسلَ ويؤمنوا:{فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنعام: آية 27] وفي القراءةِ الأُخْرَى

(1)

:

{وَلَا نُكذِّبُ بآيات ربنا ونَكُونُ من المؤمنين} وَاللَّهُ يعلمُ أن هذا الردَّ الذي تَمَنَّوْهُ لا يكونُ، ومع ذلك فهو عَالِمٌ أَنْ لو كانَ كيفَ يكونُ؛ وَلِذَا قال:{وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: آية 28] والمتخلفونَ عن غزوةِ تبوكَ عَلِمَ اللَّهُ في سَابِقِ أَزَلِهِ أنهم لن يحضروها أبدًا؛ لأنه هو الذي ثَبَّطَهُمْ عنها لحكمةٍ، كما قال:{وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} [التوبة: آية 46] وخروجُهم الذي سَبَقَ في علمِه أنه لا يكونُ هو عالمٌ أن لو كانَ كيفَ يكونُ، كما صَرَّحَ به في قولِه: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا

(1)

مضى عند تفسير الآية (106) من سورة الأنعام ..

ص: 335

زَادُوكُمْ إِلَاّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} [التوبة: آية 47] وهذا في القرآنِ كثيرٌ

(1)

، كقولِه:{وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75)} [المؤمنون: آية 75] فعلمه تعالى محيط بكل شيء، فإذا كان هذا العلم المحيط بكل شيء علم الله (جل وعلا) وهو الذي فصل هذا الكتاب بهذا العلم المحيط علمنا أنه ضمنه استجلاب كل خير، والتحذير من كل شر، ورتب فيه جميع المصالح ودرأ جميع المفاسد، ودعا فيه إلى جميع مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، ورفع الهمم وكل شيء صالح للدنيا والآخرة في شؤونِ الفردِ وشؤونِ المجتمعِ كما يعرفُه مَنْ تَأَمَّلَ آياتِ القرآنِ وَتَدَبَّرَهَا. وهذا معنَى قولِه:{وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ} [الأعراف: آية 52].

{هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: آية 52] في قولِه: {هُدًى وَرَحْمَةً} وجهانِ من الإعراب

(2)

:

أحدهما: أنهما مَصْدَرَانِ مُنَكَّرانِ حالانِ. والمصدرُ المُنَكَّرُ يقعُ حالاً بكثرةٍ. جئناهم بكتابٍ في حالِ كونِه هاديًا وَذَا رَحْمَةٍ.

وقال بعضُ العلماءِ: هما مفعولانِ من أَجْلِهِ. والمعنَى: جئناهم بكتابٍ فصلناه لأَجْلِ هُدَى الناسِ؛ ولأَجْلِ أن نرحمَ بِاتِّبَاعِهِ الناسَ. وكلا الإِعْرَابَيْنِ له وجهٌ من النظرِ.

ومعنَى {هُدًى} هذا القرآنُ فَصَّلْنَاهُ حالَ كونِه هاديًا، أو لأَجْلِ كونِه هُدًى يهدي الناسَ إلى ما فيه صلاحُهم من خيرِ الدنيا والآخرةِ،

(1)

انظر: الأضواء (2/ 303).

(2)

انظر: البحر المحيط (4/ 306)، الدر المصون (5/ 336).

ص: 336

فَيُبَيِّنُ لهم الخيرَ في الدنيا والآخرةِ، ويأمرُهم بِاتِّبَاعِهِ، وَيُبَيِّنُ لهم الشرَّ في الدنيا والآخرةِ، ويأمرُهم باجتنابِه.

{وَرَحْمَةً} يعنِي: وَمَنْ سَلَكَهُ وَاتَّبَعَهُ يرحمه اللَّهُ (جل وعلا) ويصلحُ له دينَه ودنياه.

وقولُه: {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} خَصَّ القومَ المؤمنيِن لأنهم هم المنتفعونَ به كما بَيَّنَّا الآياتِ الدالةَ عليه

(1)

في قولِه: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} وقولِه: {هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [فصلت: آية 44] وقولُه: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: آية 82].

ثم لَمَّا بَيَّنَ أن هذا القرآنَ العظيمَ هو الذي أَنْزَلَهُ، وهو الذي فَصَّلَهُ وَبَيَّنَ حلالَه وحرامَه وعقائدَه ومواعظَه وأمثالَه وآدابَه ومكارمَه، وأنه بَيَّنَ هذا بعلمِه المحيطِ بكلِّ شيءٍ، هَدَّدَ الكفارَ الذين لم يَعْمَلُوا به فقال:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَاّ تَأْوِيلَهُ} [الأعراف: آية 53] التأويلُ: يُطْلَقُ ثلاثةَ إِطْلَاقَاتٍ

(2)

: أما التأويلُ في لغةِ القرآنِ فهو ما يَؤُولُ إليه الأمرُ وتصيرُ إليه الحقيقةُ في ثانِي حالٍ. وعلى هذا فتأويلُ القرآنِ هو ما يَؤُولُ إليه أَمْرُهُ في ثانِي حقيقةٍ، وتقعُ عليه الحقيقةُ، وهو صِدْقُ ما وَعَدَ به بأن يُدْخِلَ مَنْ آمَنَ به الجنةَ وَيُخَلَّدَ في نعيمها، وَيُدْخِلَ مَنْ كَفَرَ به النارَ ويخلد في جحيمها، فهذا تَأْوِيلُهُ، أي: ما تُؤَوَّلُ إليه حقيقةُ ما كان يَعِدُ به وينطقُ به في دارِ الدنيا. وهذا هو التأويلُ في لغةِ القرآنِ.

(1)

مضى عند تفسير الآية (51) من سورة الأنعام.

(2)

انظر: أضواء البيان (1/ 266، 267)، المذكرة في أصول الفقه ص176، قواعد التفسير (2/ 683).

ص: 337

وَيُطْلَقُ التأويلُ أيضًا على التفسيرِ، ومنه قولُه صلى الله عليه وسلم في ابنِ عباسٍ:«اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ»

(1)

. وقولُهم: فلانٌ يعلمُ تأويلَ القرآنِ. أي: تفسيرَه.

والإطلاقُ الثالثُ - إطلاقٌ حادثٌ هو اصطلاحُ الأصوليين لم يَكُنْ معروفًا في الزمنِ الأولِ - وهو أن التأويلَ: حَمْلُ اللفظِ عن ظاهرِه الْمُتَبَادَرِ منه إلى محتملٍ مرجوحٍ بدليلٍ يدلُّ عليه. هذا اصطلاحٌ حادثٌ، وهو المعروفُ عندَ الأصوليين باسمِ التأويلِ.

وهو ثلاثةُ أنواعٍ: تأويلٌ صحيحٌ، وتأويلٌ فاسدٌ، وَلَعِبٌ. فإذا كان التأويلُ: صَرْفَ الكلامِ عن ظاهرِه الْمُتَبَادَرِ منه إلى معنًى مرجوحٍ ليس هو الظاهرَ من الكلامِ بدليلٍ صحيحٍ يدلُّ عليه حقًّا في نفسِ الأمرِ، فهو التأويلُ الصحيحُ الْمُسَمَّى بالتأويلِ القريبِ. ومثالُه: قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الثابتُ في صحيحِ البخاريِّ: «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ»

(2)

فإن ظاهرَ هذا الحديثِ الثابتِ في صحيحِ البخاريِّ أن الشفعةَ ثابتةٌ لِلْجَارِ؛ لأَنَّ الصقبَ والسقبَ هو ما يُلَاصِقُ الجارَ من أرضِ جارِه. إلا أنه حُمِلَ على محتملٍ مرجوحٍ، وهو أن المرادَ بالجارِ هنا: خصوصُ الشريكِ المُقاسِمِ. وهذا احتمالٌ مرجوحٌ، إلا إنه دَلَّ عليه نصٌّ صحيحٌ، فَحُمِلَ اللفظُ عليه لدلالةِ ذلك النصِّ، وهو قولُه صلى الله عليه وسلم في حديثِ جابرٍ: «فَإِذَا صُرِفَتِ الطُّرُقُ، وَضُرِبَتِ الْحُدُودُ

(1)

الحديث بلفظ: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» أخرجه أحمد (1/ 328)، وهو في الصحيحين بلفظ:«اللهم علمه الكتاب» . كما في البخاري (143، 3756، 7270)، ومسلم (2477).

(2)

البخاري في الشفعة، باب عرض الشفعة على صاحبها قبل البيع. حديث رقم (2258) (4/ 437) وأطرافه في:(6977، 6978، 6980، 6981).

ص: 338

فَلَا شُفْعَةَ»

(1)

. فَعُلِمَ أنه لم تكن هناك شفعةٌ إلا مع الاشتراكِ في الأرضِ أو في الطريقِ كما هو معروفٌ. ومثالُ التأويلِ البعيدِ يمثلُ له بعضُ أهلِ الأصولِ

- بعضُهم يجيءُ بما يُخَالِفُهُ به الآخَرُ - والمعروفُ عندَ علماءِ الأصولِ: أن الأصوليَّ يكونُ مَالِكِيًّا مثلاً فيمثلُ بشيءٍ ضِدَّ مذهبِه، وقصدُه فَهْمُ القاعدةِ. ويكون شَافِعِيًّا مثلا ويمثلُ بمثالٍ مخالفٍ لمذهبِه لِتُفْهَمَ القاعدةُ. وقصدنا بكلامهم هنا المثالُ لا مناقشة أدلةِ الأقوالِ.

والشافعيةُ والمالكيةُ والحنبليةُ يمثلونَ للتأويلِ البعيدِ بِحَمْلِ الإمامِ أَبِي حنيفةَ (رحمة الله على الجميعِ) المرأةَ في حديثِ عائشةَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ»

(2)

قالوا: حَمْلُ أَبِي حنيفةَ للمرأةِ على المُكاتَبَةِ تأويلٌ بعيدٌ؛ لأنه بعيدٌ من ظاهرِ النصِّ، ولم يَقُمْ دليلٌ جازمٌ عليه؛ لأن (أي) صيغةُ عمومٍ، والعمومُ أُكِّدَ بلفظةِ (ما) فَلَا يَحْسُنُ حَمْلُهُ على صورةٍ نادرةٍ قد لا تَخْطُرُ في الذهنِ وهو الْمُكَاتَبَةُ. قالوا: وكقولِ الإمامِ أَبِي حنيفةَ (رحمة الله على الجميعِ): {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة: آية 4]

(1)

أخرجه البخاري في البيوع، باب بيع الشريك من شريكه، حديث رقم:(2213)، (4/ 407). وأطرافه:(2214، 2257، 2495، 2496، 6976) من طريق أبي سلمة عن جابر، وأخرجه مسلم في المساقاة باب الشفعة، حديث رقم:(1608)، (3/ 1229) من طريق أبي الزبير عن جابر بلفظ مغاير.

(2)

أحمد (6/ 66)، (166)، وأبو داود في النكاح، باب في الولي. حديث رقم (2069)، (6/ 98،100)، والترمذي في النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي. حديث رقم (1102)، (3/ 398 - 399)، وابن ماجه في النكاح، باب لا نكاح إلا بولي. حديث رقم (1879)، (1/ 605)، وهو في صحيح أبي داود (1835)، وصحيح الترمذي (880)، وصحيح ابن ماجه (1524)، الإرواء (1840)، المشكاة (1331).

ص: 339

حَمَلَ المسكينَ على المُد، وأجازَ أن يُعْطَى إطعامُ الستينَ لمسكينٍ واحدٍ. وقالوا: حَمْلُ (المسكين) على (المُدِّ) من التأويلِ البعيدِ. هكذا يمثلونَ، وَقَصْدُنَا المثالُ لَا مناقشة أدلةِ أقوالِ العلماءِ هنا.

أما إذا كان صُرِفَ الكلامُ عن ظاهرِه المتبادرِ منه لَا لدليلٍ في نفسِ الأمرِ ولَا لدليلٍ [خارجيٍّ صحيحٍ فإن ذلك لَا يُعَدُّ من التأويلِ المقبولِ]

(1)

بل هو تَلَاعُبٌ بنصوصِ القرآنِ، وكقولِهم:{مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} [الرحمن: آية 19] البحرين: عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ: {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ} [الرحمن: آية 20] الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ. فهذا ليس من التأويلِ، وإنما هذا من اللعبِ والتلاعبِ بكتابِ اللَّهِ. ويكثرُ مثلُ هذا في تفسيرِ الْبَاطِنِيِّينَ وغلاةِ الروافضِ، ولا يُسَمَّى تأويلاً وإنما هو لَعِبٌ.

أما التأويلُ في القرآنِ فمعناه: ما تَؤُولُ إليه حقيقةُ الأمرِ. فقولُه: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَاّ تَأْوِيلَهُ} أي: ما تَؤُولُ إليه حقيقتُه من دخولِ أهلِ الجنةِ الجنةَ، ودخولِ أهلِ النارِ النارَ.

ثم قال: {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} [الأعراف: آية 53] أي: يومَ يأتِي الوقتُ الذي تُحَقَّقُ فيه مواعيدُ القرآنِ، وتحقق الوعد للمؤمنِ والوعيد للكافرِ.

{يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ} [الأعراف: آية 53] أي: تَرَكُوهُ وَتَنَاسَوُا العملَ به في دارِ الدنيا. {قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: آية 53] هذا القرآنُ ونحوُه من الكتبِ كان حَقًّا، والذي أَمَرَ بأن يَدْخُلَ مَنِ امْتَثَلَهُ الجنةَ، ونحن - والعياذُ بالله - لَمَّا لم نَمْتَثِلْ

(1)

في هذا الموضع وُجِدَ انقطاعٌ في التسجيل، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.

ص: 340

ذلك الأمرَ فَمَصِيرُنَا إلى النارِ. وهذا معنَى قولِهم: {قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: آية 53] وَتَمَنَّوُا الشفاعةَ حيثُ لَا شفاعةَ.

ثم قالوا: {فَهَل لَّنَا مِنْ شُفَعَاءَ} [الأعراف: آية 53] جمعُ شفيعٍ و (هل) هنا لِلتَّمَنِّي، يتمنونَ الشفعاءَ:{فَيَشْفَعُوا لَنَا} [الأعراف: آية 53] وَيُخْرِجُونَا مِمَّا نحن فيه: {أَوْ نُرَدُّ} [الأعراف: آية 53] أو هل لنا أن نُرَدَّ إلى دارِ الدنيا لنبدلَ تكذيبَ الرسلِ بالتصديقِ، ونبدلَ المعاصيَ بالطاعاتِ؟ وهو معنَى قولِهم:{فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} [الأعراف: آية 53] بَيَّنَ اللَّهُ أنهم لَا يجدونَ الشفعاءَ وَلَا يُرَدُّونَ وقال: {قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأعراف: آية 53] خَسِرُوا أنفسَهم - والعياذُ بالله - لأنهم غُبِنُوا في أنفسِهم وَرُزِئُوا فيها.

والدليلُ على خُسْرَانِهِمْ أنفسَهم: أن غايةَ أمنيتِهم أن تعدمَ أنفسُهم ويموتوا ولكن لا يجدونَ: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ (77)} [الزخرف: آية 77] وهذا معنَى خسرانهم أنفسَهم لأنهم رُزِئُوا في أنفسِهم فَبَاعُوهَا - والعياذُ بالله - بعرضٍ من الدنيا، وَصَارَتْ إلى العذابِ المخلدِ إلى يومِ القيامةِ.

وقولُه: {وَضَلَّ عَنْهُم} [الأعراف: آية 53] غَابَ وَاضْمَحَلَّ ما كان يفترونَه في دارِ الدنيا من أن الأصنامَ تشفعُ لهم، كقولِهم:{هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: آية 18]{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: آية 3] ومعنَى: {يَفْتَرُونَ} يَخْتَلِقُونَ مِنَ الْكَذِبِ.

قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا

ص: 341

وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57)} [الأعراف: الآيات 54 - 57].

يقول اللَّهُ جل وعلا: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)} [الأعراف: آية 54].

لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ - جل وعلا - وَنَهَى في هذه السورةِ الكريمةِ، وَبَيَّنَ فيها أحوالَ أهلِ الجنةِ وأحوالَ أهلِ النارِ، وَأَوْضَحَ عواقبَ طاعتِه وعواقبَ معصيتِه، وَبَيَّنَ أنه أَرْسَلَ إلى الدنيا كتابًا فَصَّلَهُ على عِلْمٍ منه بَيَّنَ أن الذي قال هذه الأشياءَ وَأَخْبَرَ بها أنه هو رَبُّ كُلِّ شيءٍ، وخالقُ كُلِّ شيءٍ، المعبودُ وحدَه، المستحقُّ لأَنْ يُعْبَدَ وحدَه، ولأن يطاعَ فلا يُعْصَى، وأن يُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى فقال:{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ} إن ربكم الله، كُلُّ الناسِ يعلمونَ أن اللَّهَ رَبُّهُمْ، ولم يُكَابِرْ في هذا إلا مُكَابِرٌ، أو أحدٌ كالبهائمِ، لا عقلَ له؛ لأنه جُبِلَتْ فِطَرُ العقلاءِ على معرفةِ أن اللَّهَ هو الربُّ الخالقُ لكلِّ شيءٍ. والكفارُ الذين يعبدونَ الأصنامَ مُقِرُّونَ بهذا عَالِمُونَ به، والآياتُ القرآنيةُ الدالةُ على ذلك كثيرةٌ:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: آية 87]{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ} [يونس: آية 31] وإنكارُ فرعونَ لمعرفتِه ربوبيةَ اللَّهِ

ص: 342

حيث قال اللَّهُ عنه إنه قال: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: آية 23] وقال: {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء: آية 29] وقال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: آية 24] فإن فرعونَ مُكَابِرٌ عالمٌ أنه عبدٌ مربوبٌ، وأن اللَّهَ رَبُّهُ وَرَبُّ كُلِّ شيءٍ، كما أَوْضَحَهُ اللَّهُ في إقسامِ موسى على ذلك، قال:{لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ} [الإسراء: آية 102] وَاللَّهِ لقد علمتَ يا فرعونُ ما أنزلَ هؤلاء الآياتِ إلا رَبُّ السماواتِ والأرضِ. أي: وَمَنْ فيهن.

وكقولِه: {وَجَحَدُوا بِهَا} [النمل: آية 14] يعني: فرعونَ وقومَه {وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: آية 14] فهو جاحدٌ مُكَابِرٌ ليستخفَّ قلوبَ قومِه: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} [الزخرف: آية 54].

والذين ينفونَ ربوبيةَ اللَّهِ هم بهائمُ كالبغالِ والحميرِ لَا عقولَ لهم: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَاّ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الفرقان: آية 44] أما عَامَّةُ العقلاءِ الذين ارْتَفَعَ إدراكُهم عن إدراكِ الحيواناتِ فَهُمْ يعلمونَ أن اللَّهَ رَبُّ كُلِّ شيءٍ وخالقُ كُلِّ شيءٍ.

{إِنَّ رَبَّكُمُ} [الأعراف: آية 54] أي: إن سيدَكم وخالقَكم ومدبرَ شؤونِكم {الله} - جل وعلا - {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} [الأعراف: آية 54] أي: وما بينَهما {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [الأعراف: آية 54] هذه الأيامُ الستةُ بَيَّنَ اللَّهُ تفصيلَ خَلْقِهِ الخلائقَ فيها في سورةِ فصلت - السجدة

(1)

- حيث قال: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9)} قال: {خَلَقَ الْأَرْضَ

(1)

انظر: الأضواء (2/ 304).

ص: 343

فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} [فصلت: الآيتان 9، 10] أي: بإضافةِ يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ لليومين الأولين فصارت أربعًا، ثم قال:{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت: الآيتان 11، 12] تضافُ إلى الأربعةِ السابقةِ فتكونُ ستةً.

والعلماءُ يقولونَ: إن هذه الأيامَ المرادُ بها أوقاتُها؛ لأنه في ذلك الوقتِ لم يكن هنالك يومٌ؛ لأن اليومَ من طلوعِ الشمسِ إلى غروبِها، وإن لم يكن هنالك شمسٌ لَا يُعْرَفُ اليومُ. إلا أن اللَّهَ قبلَ أن يخلقَ الشمسَ والقمرَ يعلمُ زمنَ الأيامِ قبلَ وجودِ الشمسِ.

وهذه الأيامُ قد جاءَ في رواياتٍ كثيرةٍ أن أَوَّلَهَا الأحدُ وَآخِرَهَا الجمعةُ

(1)

. والقرآنُ بَيَّنَ أنه خلقَ الأرضَ في يومين ثم خلقَ فيها الجبالَ والأقواتَ والأرزاقَ في يومين، ثم خلقَ السماواتِ في يومين، فهي ستةُ أيامٍ. ويومُ السبتِ ليس منها.

وما جاء في صحيحِ مسلمٍ من حديتِ أَبِي هريرةَ أن اللَّهَ خلقَ التربةَ يومَ السبتِ

(2)

،

(1)

جاء في هذا المعنى عدة روايات عن جماعة منهم مجاهد كما في تفسير الطبري (12/ 482)، وعبد الله بن سلام كما في تاريخ الطبري (1/ 24)، وابن مسعود، وابن عباس، وأيضًا عن أبي سنان عن أبي بكر مرفوعًا كما في (1/ 26)، من تاريخ ابن جرير رحمه الله.

وقد تكلم على هذه الرواية الحافظ ابن كثير في تاريخه (1/ 15)، ورجحها على الرواية الأخرى في التفسير (2/ 220)، وقد سبقه إلى ذلك ابن جرير رحمه الله في تاريخه (1/ 25).

(2)

مسلم في صفات المنافقين. باب: ابتداء الخلق، وخلق آدم عليه السلام. حديث رقم (2789)، (4/ 2149)، وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (2/ 220) معلقًا على هذه الرواية:«وفيه استيعاب الأيام السبعة، والله تعالى قد قال: {فِي سِتَّةِ أَيَّام} ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث، وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار، ليس مرفوعًا» ا. هـ. وراجع كلام ابن كثير على هذه الرواية في البداية والنهاية (1/ 17).

ص: 344

وجعلَ في كُلٍّ من أيامِ الأسبوعِ بعضَ الخلقِ، وإن كان في صحيحِ مسلمٍ فهو غَلَطٌ، غَلِطَ بعضُ الرواةِ في رَفْعِهِ، والظاهرُ أنه أَخَذَهُ أبو هريرةَ عن كعبِ الأحبارِ أو نحوِه من الإسرائيلياتِ

(1)

؛ لأنه خلافُ القرآنِ - الصحيحُ - أن السبتَ لم يكن من الأيامِ التي خُلِقَ فيها شيءٌ، وأن السماواتِ والأرضَ وما بينَهما خُلِقَتْ في ستةِ أيامٍ من الأسبوعِ، أولها يومُ الأحدِ، وآخرُها يومُ الجمعةِ، خَلَقَ اللَّهُ فيه آدمَ بعدَ صلاةِ العصرِ.

وهذه الأيامُ قال بعضُ العلماءِ

(2)

: إنها كأيامِ الدنيا. وقال بعضُهم: اليومُ منها هو المذكورُ في قولِه: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: آية 47].

وَاللَّهُ خَلَقَ السماواتِ والأرضَ وما بينَهما في ستةِ أيامٍ، مع أنه قادرٌ على أن يخلقَ الجميعَ في لحظةٍ واحدةٍ كلمحِ البصرِ لحكمتِه (جل وعلا)، قال بعضُ العلماءِ: أَرَادَ أن يُعَلِّمَ خَلْقَهُ التمهلَ في الأمورِ، والتدرجَ فيها لِيَقْدِرُوا عليها، وهو قادرٌ على خلقِ ما شَاءَ في لحظةٍ واحدةٍ:{وَمَا أَمْرُنَا إِلَاّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50)} [القمر: آية 50]

(1)

انظر: ابن كثير (2/ 220).

(2)

انظر: القرطبي (7/ 219)، البحر المحيط (4/ 307)، ابن كثير (2/ 220).

ص: 345

فهو يقولُ للشيءِ كُنْ فَيَكُونُ

(1)

. هذا معنَى قولِه: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [الأعراف: آية 54].

قال بعضُ العلماءِ: الستةُ أَصْلُهَا (سِدْسَة) أُبْدِلَتِ الدالُ تاءً وَأُدْغِمَتْ في التاءِ

(2)

. قالوا: وَتُصَغَّرُ الستةُ على (سُدَيْسَة) ردًّا لها لأصلها. وعلى كُلِّ حالٍ فالستةُ العددُ المعروفُ، وهو الثلاثةُ مرتين كما هو معروفٌ.

{ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: آية 54] العرشُ يُطْلَقُ في اللغةِ إطلاقاتٍ متعددةً

(3)

مِنْ أَشْهَرِهَا في القرآنِ: سريرُ الْمُلْكِ

(4)

. فالعرشُ سريرُ المُلْكِ، سريرُ المَلِك الذي يُعَدُّ له تسميه العربُ عَرْشًا، ومنه سريرُ ملكةِ سبأٍ في قولِه:{أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} وقولُه: {أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ} [النمل: آية 42].

وقولُه: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} {ثُمَّ اسْتَوَى} جل وعلا: {عَلَى الْعَرْشِ} وهذه صفةُ الاستواءِ ونحوها من آياتِ الصفاتِ ارْتَبَكَ فيه

(1)

انظر: القرطبي (7/ 219)، البحر المحيط (4/ 307).

(2)

انظر: القرطبي (7/ 218)، الدر المصون (5/ 339)، معجم مفردات الإبدال والإعلال ص 139. وقد وقع للشيخ رحمه الله هنا سبق لسان، وصواب العبارة - كما في المصادر المذكورة هنا - أن يقال «أُبدلت السين تاء، وأُدغمت في الدال».

(3)

انظر: القرطبي (7/ 220)، الدر المصون (5/ 340).

(4)

في الأصل قال الشيخ رحمه الله بعد هذه الكلمة: «وإنما أُطلق على السُّقُف» . ثم قال بعدها: «فالعرش سرير

» إلخ، فصنيعه يُشعر أنه تراجع عن العبارة السابقة، ولذا لم أُثبتها. والله أعلم.

ص: 346

عقولُ كثيرٍ من الناسِ، وَضَلَّ فيه من الخلقِ المنتسبين للعلمِ، بل والذين عندَهم علمٌ وعقولٌ ما لَا يُحْصِيهِ كثرةً إِلَاّ اللَّهُ (جل وعلا). ونحنُ نوضحُ لكم المقامَ في عقيدةِ السلفِ الصحيحةِ التي كان عليها رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه والسلفُ الصالحُ، وهي العقيدةُ الكريمةُ الصافيةُ من شوائبِ التشبيهِ والتعطيلِ، لا تشوبُها شائبةُ تشبيهٍ ولا تشوبُها شائبةُ تعطيلٍ، ونحنُ نوضحُ هذا في ضوءِ القرآنِ العظيمِ.

وإيضاحُ ذلك أن تَعْلَمُوا - أيها الإخوانُ - أن اللَّهَ تبارك وتعالى أَوْضَحَ في كتابِه هذا القرآنِ العظيمِ الذي هو أصلُ الْهُدَى، ومنبعُ اليقينِ، ونورُ المعرفةِ والعلمِ، بَيَّنَ فيه أن الْمُعْتَقَدَ المُنجي في آياتِ الصفاتِ الذي يأتي صاحبُه يومَ القيامةِ سَالِمًا من بلايا التشبيهِ وبلايا التعطيلِ هو مُركَّزٌ على ثلاثةِ أُسس

(1)

، نُوصِيكُمْ وأنفسَنا بتقوى اللَّهِ، وأن تعتقدوا هذه الأسسَ الثلاثةَ الكبارَ، فتنجيكم أمامَ اللَّهِ من بلايا هذا المأزقِ الذي ضَلَّ فيه من الخلقِ ما لَا يُحصى.

هي ثلاثةُ أُسُسٍ عظام مَنْ جَاءَ بها ولقي اللَّهَ عليها لَقِيَهُ سَالِمًا على بصيرةٍ مِنْ رَبِّهِ، عاملاً بنورِ القرآنِ العظيمِ، وَمَنْ أَخَلَّ بواحدٍ منها فَقَدْ أَدْخَلَ نفسَه في مهواةٍ.

وهذه الأسسُ الثلاثةُ نُوَضِّحُهَا لكم في ضوءِ القرآنِ العظيمِ:

الأولُ منها، وهو أساسُ العقيدةِ، والحجرُ الأساسيُّ لمعرفةِ اللَّهِ معرفةً صحيحةً، وللعقيدةِ التي هي على أساسٍ سماويٍّ صحيحٍ. هذا الأساسُ المذكورُ هو تنزيهُ خالقِ السماواتِ والأرضِ - جل وعلا - عن أن يشبهه شيءٌ من خَلْقِهِ؛ لا فِي ذواتِهم ولا في صفاتِهم،

(1)

مضى عند تفسير الآية (52) من سورة الأنعام.

ص: 347

ولا أفعالِهم. وكيف يخطرُ في ذهنِ العاقلِ أن الخالقَ - جل وعلا - يُشْبِهُهُ شيءٌ من خَلْقِهِ في الذاتِ أو الصفاتِ أو الأفعالِ؟ لأن جميعَ الخلائقِ صَنْعَةٌ من صُنْعِه - جل وعلا - {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: آية 88] والصنعةُ لَا يمكنُ أن تُشْبِهَ صانعَها بحالٍ؛ لأنه هو الذي أَبْرَزَهَا من [العدمِ إلى الوجودِ]

(1)

، واخترعَها بعدَ أن لم تكن شيئًا. فكيف يخطرُ في ذهنِ عاقلٍ أن تكونَ تُشْبِهُهُ؟ هذا مما لا يخطرُ في الأذهانِ السليمةِ، وَأَحْرَى الأذهان الممتلئة بنورِ الوحيِ؛ فأساسُ التوحيدِ الأكبرُ، وأساسُه الأعظمُ، هو تنزيهُ خالقِ السماواتِ والأرضِ - جل وعلا - عن مشابهةِ خَلْقِهِ؛ لأَنَّ الخلقَ صنعةٌ من صنائعِه، والصنعةُ لَا تُشْبِهُ صانعَها. فعلينا أولاً أن نطهرَ قلوبَنا من أقذارِ التشبيهِ، وأنجاسِ التشبيهِ، وأدرانِ التشبيهِ، ونجزمَ جَزْمًا بَاتًّا قاطعًا أن الوصفَ إذا أُسْنِدَ إلى الله، وَوُصِفَ به اللَّهُ في كتابٍ أو سُنَّةٍ صحيحةٍ فإن ذلك الوصفَ بالغٌ من غاياتِ الكمالِ والجلالِ ما يقضي على جميعِ الوساوسِ، ويقطعُ علائقَ أوهامِ المشابهةِ بينَه وبينَ صفاتِ المخلوقين، وتجزمُ قلوبُنا بأن الخلقَ صَنْعَةٌ والخالقَ صانعٌ، ولا مناسبةَ بين الصنعةِ وصانعِها، لا في الذاتِ، ولَا في الصفاتِ، ولَا في الأفعالِ.

وهذا الأساسُ الأكبرُ للعقيدةِ التي هي عقيدةُ السلفِ في آياتِ الصفاتِ وأحاديثِها الذي هو التنزيهُ الكاملُ، وتقديسُ صفاتِ خالقِ السماواتِ والأرضِ وتعظيمُها وإكبارُها وإجلالُها عن أن تُشْبِهَ شيئًا من صفاتِ المخلوقين أو ذواتِهم أو أفعالِهم، سبحانه وتعالى عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا. هذا الأَسَاسُ الأعظمُ في ضوءِ قولِه:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: آية 11]

(1)

في الأصل: «من الوجود إلى العدم» وهو سبق لسان.

ص: 348

{وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} [الإخلاص: آية 4]{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: آية 56]{فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ} [النحل: آية 74] فإذا رَزَقَ اللَّهُ العبدَ فَهْمَ هذا الأساسِ الأكبرِ، والحجرِ الأساسيِّ للعقيدةِ الصحيحةِ، وكان قلبُه قلبًا طاهرًا من أقذارِ التشبيهِ، مُنَزِّهًا لخالقِ السماواتِ والأرضِ كما ينبغي، جازمًا بأن الخلقَ صَنْعَتُهُ، وأن الصنعةَ لَا تُشْبِهُ صانعَها بحالٍ، فإذا كان قلبُ المؤمنِ طاهرًا واعتقدَ اعتقادًا جازمًا باتًّا بأن صفةَ اللَّهِ منزَّهة عن مشابهةِ صفاتِ خَلْقِهِ كتنزيهِه ذاتَه عن مشابهةِ ذواتِ خَلْقِهِ - إذا استحكم هذا الأساسُ العظيمُ في قلبِ المؤمنِ - فالأساسُ الثاني: هو أَنَّا كُلاًّ علينا أن نصدقَ اللَّهَ فيما أَثْنَى به على نفسه، ونصدقَ سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم فيما أَثْنَى به على رَبِّهِ؛ لأن اللَّهَ أصدقُ مَنْ يقولُ:{وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً} [النساء: آية 122]{وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: آية 87]{أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} [البقرة: آية 140] فإذا مَدَحَ اللَّهُ نفسَه بوصفٍ كريمٍ في كتابِه، أو مَدَحَهُ رسولُه الصادقُ الأمينُ الذي قال في حَقِّهِ:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: الآيتان 3، 4] فعلينا أن لا نُكذِّبَ اللَّهَ، ولا نُكذِّبَ رسولَه، ولا نَنْفِيَ ما أَثْبَتَهُ اللَّهُ لنفسِه، ولا ننفيَ ما أثبتَه الصادقُ الأمينُ صلى الله عليه وسلم لِرَبِّهِ، ولكن علينا أن نؤمنَ بذلك الوصفِ الذي مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه، أو مَدَحَهُ به الصادقُ الأمينُ صلى الله عليه وسلم، ولكنَّ ذلك

الإيمانَ إيمانٌ مبنيٌّ على أساسِ التنزيهِ وعدمِ مشابهةِ الخلقِ؛ لأَنَّ الخلقَ لا يمكنُ أن يُشْبِهُوا خالقَهم.

وهذا التعليمُ العظيمُ الذي هو تنزيهُ اللَّهِ - جل وعلا - عن مشابهةِ الخلقِ. ثم إذا طَهُرَتِ القلوبُ من أقذارِ التشبيهِ يتبعُ ذلك الإيمانُ بالصفاتِ الثابتةِ بالقرآنِ العظيمِ والسنةِ الصحيحةِ إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ.

ص: 349

هذا لم نَقُلْهُ لكم من تلقاءِ أنفسِنا وإنما هو تعليمُ خالقِ السماواتِ والأرضِ في المحكمِ المنزلِ؛ لأَنَّ اللَّهَ أَوْضَحَ هذين الأَسَاسَيْنِ غايةَ الإيضاحِ، وَبَيَّنَهُمَا غايةَ البيانِ حيث قال:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: آية 11] وأتبع ذلك بقولِه: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: آية 11] ففي قولِه: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} بعد قولِه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} في ذلك سِرٌّ أعظمُ، وتعليمٌ أكبرُ، ومغزًى عظيمٌ. وإيضاحُه أن السمعَ والبصرَ من حيث هما سَمْعٌ وبصرٌ - وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى - يتصفُ بهما جميعُ الحيواناتِ، فكلُّ الحيواناتِ تسمعُ وَتُبْصِرُ، فَكَأَنَّ اللَّهَ يقولُ في الآيةِ الكريمةِ: يا عبدي اعْرِفْ قَدْرَكَ ولَا تَتَنَطَّعْ، ولا تَنْفِ عَنِّي صفاتي، ولا تَذْهَبْ بصفاتِي إلى صفاتِ المخلوقين حتى تقولَ: هذا وصَفٌ غيرُ لائقٍ، هذا وصفٌ يجبُ صَرْفُهُ عن ظاهرِه إجماعًا. لا، لا يا عبدي، أَثْبِتْ لي سمعي وبصري، ولكن لَاحِظْ قولي قبلَ ذلك:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فيكونُ إِثْبَاتُكَ للسمعِ والبصرِ إثباتَ تنزيهٍ عن مشابهةِ أسماعِ الخلائقِ وأبصارِهم، نَظَرًا لقولي قبلَه مقترنًا به:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فأولُ الآيةِ الكريمةِ وهو قولُه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تنزيهٌ تَامٌّ عن مماثلةِ صفاتِ المخلوقين من غيرِ أن يفضيَ ذلك التنزيهُ إلى تعطيلٍ.

وقوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} إيمانٌ بالصفاتِ على الحقيقةِ إيمانًا تَامًّا من غيرِ أن يفضيَ ذلك الإيمانُ إلى تشبيهٍ ولَا إلى تعطيلٍ.

فَعَلَيْنَا أن نعتقدَ جميعًا ما دَلَّ عليه أولُ الآيةِ من تنزيهِ خالقِ السماواتِ والأرضِ عن مشابهةِ خَلْقِهِ، وأن نعتقدَ أيضًا ما دَلَّ عليه آخِرُهَا من إثباتِ الصفاتِ الثابتةِ في الوحيِ الصحيحِ على أساسِ ذلك

ص: 350

التنزيهِ، لَا على أساسِ مشابهةِ الخلقِ سبحانه وتعالى عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا - وَلِذَا قال:{وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} بعدَ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} والصفاتُ كُلُّهَا من بابٍ واحدٍ؛ لأنك لا تجدُ صفةً يَكْثُرُ اتصافُ المخلوقاتِ بها أعظمَ من السمعِ والبصرِ فليست هناك صفةُ مجيءٍ، ولا صفةُ نزولٍ، ولا صفةُ وَجْهٍ، ولا صفةُ يَدٍ، ولا غيرُ ذلك من الصفاتِ أشدَّ اتصافًا للمخلوقاتِ بها من السمعِ والبصرِ، فَضَرَبَ لكَ السمعَ والبصرَ مثلاً على أن تُثْبِتَهُمَا لِلَّهِ وتلاحظَ في ذلك الإثباتِ قولَه:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} هو حلٌّ وإيضاحٌ برهانيٌّ في جميعِ الصفاتِ الثابتةِ في كتابِ اللَّهِ وسنةِ رسولِه صلى الله عليه وسلم أن تُنَزِّهَ اللَّهَ أولاً حتى تُطَهِّرَ قلبَك من أقذارِ التشبيهِ وأدرانِه وأنجاسِه، ثم إذا طَهَّرْتَ أرضَ قلبكَ من أقذارِ التشبيهِ، وأنجاسِ التشبيهِ، وأدرانِ التشبيهِ يجبُ عليكَ أن تؤمنَ بما وصفَ اللَّهُ به نفسَه، أو وَصَفَهُ به رسولُه صلى الله عليه وسلم إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ كما بَنَى:{وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} على قولِه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فليس لكَ أن تقولَ: الحيوانُ يسمعُ ويبصرُ، الإنسانُ يسمعُ ويبصرُ، والبعيرُ يسمعُ ويبصرُ، والحمارُ يسمعُ ويبصرُ، وكلُّ حيوانٍ يسمعُ ويبصرُ، فإذا أَثْبَتُّ السمعَ والبصرَ لِلَّهِ كُنْتُ مُشَبِّهًا له بالحيواناتِ!! لَا وَكَلَاّ يا عَبْدِي، بل أَثْبِتْ لي سَمْعِي وبصري إثباتًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ، وَانْظُرْ أني قلتُ قبلَ:{وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} قلتُ قبلَها: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ليكونَ الإيمانُ بإثباتِ سمعي وبصري مَبْنِيًّا على تنزيهي وعدمِ مماثلتي لِخَلْقِي، فبأولُ الآيةِ يحصلُ للمؤمنِ التنزيهُ التامُّ ويذهبُ عنه جميعُ أنواعِ التشبيهاتِ، وبآخِرِ الآيةِ يؤمنُ

العبدُ بما ثَبَتَ عن ربه أو عن رسولِه صلى الله عليه وسلم إيمانًا كريمًا طاهرًا مُقَدَّسًا عن مشابهةِ صفاتِ

ص: 351

الخلقِ، مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ. فهذانِ أساسانِ أعظمانِ:

الأولُ منهما: تنزيهُ خالقِ السماواتِ والأرضِ عن مشابهةِ صفاتِ خَلْقِهِ في ذواتِهم أو أفعالِهم أو صفاتِهم.

الثاني: هو الإيمانُ بما ثَبَتَ عن اللَّهِ مما مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ، والتباعدِ كُلَّ البعدِ عن مشابهةِ الخلقِ. وكذلك ما أَثْبَتَهُ عليه به رسولُه صلى الله عليه وسلم فبتنزيهك أيها المؤمنُ رَبَّكَ من مشابهةِ الخلقِ تكونُ عَامِلاً بقولِه:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: آية 11]{وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} [الإخلاص: آية 4]{فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ} [النحل: آية 74]{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: آية 6] وَبِتَصْدِيقِكَ رَبَّكَ وتصديقِك رسولَك فيما أَثْنَى الربُّ به على نفسِه أو أثنى عليه به رسولُه تكونُ مُؤْمِنًا بالصفاتِ إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ، فتسلمُ من ورطةِ التشبيهِ، وتسلمُ من ورطةِ التعطيلِ، وتأتي رَبَّكَ يومَ القيامةِ وقلبُك سليمٌ طاهرٌ من أقذارِ التشبيهِ، وأقذارِ التعطيلِ، وجحودِ آياتِ اللَّهِ التي مَدَحَ بها نَفْسَهُ. فهذانِ الأساسانِ بَيَّنَهُمَا اللَّهُ لنا في هذا الْمُحْكَمِ الْمُنَزَّلِ في قولِه:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: آية 11].

والأساسُ الثالثُ: أن تعلمَ أيها العبدُ أن عقلَك المسكينَ الضعيفَ وَاقِفٌ عندَ حَدِّهِ، وَرَبُّ السماواتِ والأرضِ أعظمُ وأكبرُ وأجلُّ شأنًا من أن تحيطَ به علمًا، أو أن تعلمَ كُنْهَ كيفيةِ اتصافِه بصفاتِه - جل وعلا -؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ:{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110)} [طه: آية 110] فَنَفَى إحاطةَ العلمِ البشريِّ به - جل وعلا - نفيًا قُرْآنِيًّا بَاتًّا.

ص: 352

ونحن الآنَ أيها المسلمونَ تسيرُ بنا الأيامُ والليالي لحظاتُها ودقائقُها وثوانيها إلى القبورِ، وعن قليلٍ نُنْشَرُ من القبورِ إلى عرصاتِ القيامةِ، وَاللَّهُ سَائِلُنَا جميعًا كما قال:{فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6)} [الأعراف: آية 6]{فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ (92)} [الحجر: آية 92] واعلموا أيها الإخوانُ أنه لا يُؤْمَنُ أن يسألَنا خالقُنا: ماذا كُنْتُمْ تقولونَ في صفاتِي التي مَدَحْتُ بها نَفْسِي، كاستوائِي على عَرْشِي؟ فإني مدحتُ نفسي في سبعِ آياتٍ من كتابِي بأني استويتُ على عَرْشِي، ماذا كنتُم تقولونَ فيما مدحتُ به نفسي؟ كنتُم تقولونَ: إن ظاهرَه خبيثٌ، وأنه قذرٌ نَجِسٌ تشبيهٌ وتنفونَه وتحرفونَ كلامي، تجيئون بقولٍ لَمْ أَقُلْهُ، كالذين قال اللَّهُ فيهم:{فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} [البقرة: آية 59] أَمْ كنتُم تُنَزِّهُونَنِي، وتعلمونَ أني لا أُثْنِي على نفسِي إلا بصفةِ كمالٍ وجلالٍ لائقةٍ مقدسةٍ معظمةٍ منزهة، وتثبتونَ لِي ما أَثْبَتُّ لنفسي إثباتًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ، على نحوِ:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} .

وأنا أؤكدُ لكم بمعرفةِ القرآنِ العظيمِ ونحنُ في دارِ الدنيا أَنَّ مَنْ مات منكم وَحُشِرَ وَنُشِرَ وَلَقِيَ اللَّهَ - جل وعلا - على هذه العقيدةِ السلفيةِ التي نلقنكم في دارِ الدنيا أنه يأتِي آمِنًا من كل توبيخٍ وتقريعٍ يأتِيه مِنْ قِبَلِ واحدٍ من هذه الأُسسِ الثلاثةِ.

أما الأساسُ الأولُ - الذي هو تنزيهُ اللَّهِ عن مشابهةِ خَلْقِهِ - فَوَاللَّهِ لَا يأتِي واحدًا منكم بسببِه بَلِيَّةٌ ولا تقريعٌ ولَا عذابٌ أبدًا، فلا يقولُ اللَّهُ لأحدكم مُوَبِّخًا له مُقَرِّعًا: لِمَ كُنْتَ في دارِ الدنيا تُنَزِّهُنِي عن مشابهةِ خَلْقِي؟

لَا وَاللَّهِ. هذا أساسٌ هو طريقُ سلامةٍ محققةٍ لا يشكُّ فيها عاقلٌ،

ص: 353

وكذلك الأساسُ الثاني: وهو الإيمانُ بصفاتِ اللَّهِ، وتصديقُ اللَّهِ في كتابِه، وتصديقُ رسولِه في سُنَّتِهِ الصحيحةِ بما مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه أو مَدَحَهُ به رسولُه إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ، فلَا يقولُ اللَّهُ لِوَاحِدٍ منكم يومَ القيامةِ مُوَبِّخًا له مُقَرِّعًا له: لِمَ كنتَ تصدقني فيما أَثْنَيْتُ به على نفسي، وتؤمنُ بالصفاتِ التي مدحتُ بها نفسي إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ؟ لا والله، لا تأتِي أحدًا منكم بَلِيَّةٌ من هذا الأساسِ، ولا يقولُ اللَّهُ لكم: لِمَ كنتُم في دارِ الدنيا تقولونَ: إن العقولَ البشريةَ لا تحيطُ بِاللَّهِ؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: الآية 110] فهذه عقيدةُ السلفِ الصحيحةُ، الصافيةُ من كُلِّ شائبةِ تشبيهٍ، وَمِنْ كُلِّ شائبةِ تعطيلٍ، فهي طريقُ سلامةٍ محققةٍ، كُلُّهَا عملٌ بنورِ القرآنِ العظيمِ لَا تَخْتَلِجُهَا شكوكٌ، ولا تَتَطَرَّقُهَا أوهامٌ؛ لأن أولَ أساسِها تنزيهُ خالقِ

(1)

[السماواتِ والأرضِ عن مشابهةِ المخلوقين، فهي مبنيةٌ] على ثلاثةِ أُسُسٍ كُلُّهَا واضحٌ من نورِ القرآنِ العظيمِ، أولها: تنزيهُ خالقِ السماواتِ والأرضِ عن مشابهةِ خَلْقِهِ.

وثانيها: الإيمانُ بما مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ، وكذلك ما مَدَحَهُ به رسولُه صلى الله عليه وسلم.

والثالثُ: العجزُ عن الإحاطةِ بِالكَيْفِ وَالْكُنْهِ؛ لأن اللَّهَ يقولُ: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110)} [طه: الآية 110] فالسلفيُّ بتنزيهِه طاهرُ القلبِ مِنْ أقذارِ التشبيهِ، وإيمانُه بالصفاتِ على أساسِ التنزيهِ طاهرُ القلبِ من أقذارِ التعطيلِ، وباعترافِه بعجزِه عن إدراكِ الكُنْهِ والإحاطةِ واقفٌ عِنْدَ حَدِّهِ، غيرُ مُتَكَلِّفٍ علمَ ما لم

(1)

في هذا الموضع انقطع التسجيل، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.

ص: 354

يَعْلَمْ، فطريقُه طريقُ سلامةٍ محققةٍ، فإذا سَمِعَ السلفيُّ قولَه تعالى:{ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: الآية 54] كما في آيةِ الأعرافِ هذه فيقولُ: هذا الاستواءُ على العرشِ الذي مَدَحَ خالقُ السماواتِ والأرضِ نفسَه في سبعِ آياتٍ من كتابِه هو صفةُ كمالٍ وجلالٍ بالغةٌ من غاياتِ الكمالِ والجلالِ ما يقضي على جميعِ الوساوسِ ويقطعُ علائقَ أوهامِ التشبيهِ بينَه وبينَ صفاتِ المخلوقين، فَيَمْتَلِئُ قلبُه لهذه الصفةِ من الإجلالِ والإعظامِ والإكبارِ والتقديسِ والتنزيهِ، فتكونُ أرضُ قلبِه طاهرةً بهذا التنزيهِ الكريمِ فيؤمنُ بالاستواءِ على أساسِ هذا التنزيهِ والإكبارِ والإجلالِ والإعظامِ والتقديسِ عن مشابهةِ صفاتِ الْخَلْقِ بوجهٍ من الوجوهِ؛ لأَنَّ الخلقَ مَنْ هُمُ الْخَلْقُ؟ أليسوا صنعةً من صَنَائِعِهِ وَأَثَرًا من آثارِ قدرتِه وإرادتِه؟ فكيفَ يخطرُ في ذهنِ العاقلِ أن يُشَبِّهُوهُ؟

فالسلفيُّ إذا سَمِعَ مثلَ هذه الآيةِ الكريمةِ: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} وَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ مَدَحَ نفسَه بهذا الاستواءِ الأعظمِ امتلأَ قلبُه من الإجلالِ والإعظامِ والإكبارِ والتقديسِ والتنزيهِ لهذه الصفةِ العظيمةِ فَأَثْبَتَهَا لِلَّهِ (جل وعلا) إِثْبَاتًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ على نحوِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: الآية 11] وليسَ الاستواءُ بأكثرَ في المخلوقين من السمعِ والبصرِ، بل استواءُ المخلوقين كسائرِ ذواتِهم وصفاتِهم، واستواءُ اللَّهِ وَسَمْعُهُ وبصرُه لائقانِ بذاتِه كسائرِ صفاتِه (جل وعلا) فالمخلوقُ حَقٌّ، وصفاتُه حَقٌّ، والخالقُ حَقٌّ، وصفاتُه حَقٌّ، إلا أن صفاتِ المخلوقِ مُنَاسِبَةٌ لذاتِ المخلوقِ، مُنْحَطَّةٌ كانحطاطِ ذاتِ المخلوقِ، وصفاتُ الخالقِ لائقةٌ بذاتِ الخالقِ، مُتَعَاظِمَةٌ كعظمةِ ذاتِ الخالقِ (جل وعلا) وَبَيْنَ صفةِ هذا وهذا مثلُ ما بينَ ذاتِ هذا

ص: 355

وهذا كما هو معروفٌ.

فإذا سَمِعَ السلفيُّ: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} تَلَقَّى هذا الاستواءَ بالإعظامِ والإجلالِ والتقديسِ والتنزيهِ فكان قلبُه طَاهِرًا من أقذارِ التشبيهِ، ثم آمَنَ به على أساسِ ذلك التنزيهِ مع العجزِ عن إدراكِ الكيفيةِ، فهو في أولِ أَمْرِهِ مُنَزَّهٌ، وفي ثانِي أمرِه مؤمنٌ بالصفةِ، مُصَدِّقٌ رَبَّهُ على أساسِ التنزيهِ، عالمٌ بأنه عاجزٌ عن إدراكِ الكيفيةِ، فمذهبُه طريقُ سلامةٍ محققةٍ لا شَكَّ فيها، ليس فيها شائبةُ تَشْبِيهٍ، ولا شائبةُ تعطيلٍ، ولا تكلف بعلمِ ما لم يَعْلَمْ.

أما الخلفيُّ إذا سَمِعَ قولَه: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} فإنه يَدْخُلُ في ثلاثِ بلايا عِظَامٍ، كُلُّ بَلِيَّةٍ أكبرُ من أُخْتِهَا، وليس من المظنونِ أن يتخلصَ منها يومَ القيامةِ إن لم يَعْذُرْهُ اللَّهُ بجهلِه:

أَوَّلُهَا: أنه إذا سَمِعَ قولَه: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [طه: الآية 4] قال: هذا الاستواءُ أولُ ما يَتَبَادَرُ منه للأذهانِ - ظاهرُه المتبادرُ منه للأذهانِ - أنه مُشَابِهٌ لاستواءِ المخلوقين، فكأنه يقولُ لِلَّهِ: هذا الوصفُ العظيمُ الكريمُ الذي مَدَحْتَ به نفسَك ظاهرُه قذرٌ نَجِسٌ؛ لأنه لا كلامَ أقذر ظاهرًا ولَا أنجسَ ظاهرًا ولا أخبثَ ظاهرًا ولا أَنْتَنَ ظاهرًا من كلامٍ ظاهرُه تشبيهُ اللَّهِ بخلقِه، فهذا الظاهرُ هو أَنْتَنُ ظاهرٍ يُوجَدُ في الكلامِ وأقبحُه وأقذرُه وأنجسُه، فكأنه يقولُ لِلَّهِ: ظاهرُ ما مدحتَ به نفسَك المتبادر منه قذرٌ نجسٌ خبيثٌ لا يَلِيقُ، وهو مشابهةُ الخلقِ، فأولُ ما يسبقُ في قلبِه تشبيهُ صفةِ الخالقِ بخلقِه، فيكونُ هذا أولَ بذرٍ للشرِّ في قلبِ هذا المسكينِ من حيثُ لا يشعرُ، ثم إذا اسْتَحْكَمَ في قلبِه أن ظاهرَ هذا الاستواءِ المتبادر منه هو مشابهةُ الخلقِ اضطر إلى أن ينفيَه من أصلِه، وقال: هذا الذي مدحتَ به نفسَك لا يليقُ ظاهرُه!! ثم نفاه من أصلِه، نفى صفةَ الاستواءِ من أصلِها!! وهذه

ص: 356

هي الْبَلِيَّةُ الثانيةُ الْعُظْمَى؛ لأن مَنْ يدعي على صفاتِ اللَّهِ التي مَدَحَ بها نفسَه في كتابِه مُعَلِّمًا خلقَه أن يمدحوه بها مَنِ ادَّعَى عليها أن ظاهرَها قذرٌ، وأنه نَجِسٌ، وأنه خبيثٌ؛ لأنه مشابهةُ الخلقِ، هذه هي البليةُ الأُولَى من البلايا اللازمةِ لمذهبِ الخلفِ.

والبليةُ الثانيةُ: هو أنه إذا اسْتَحْكَمَ هذا التشبيهُ في قلبِه اضطر إلى أن ينفيَ الصفةَ، فيقولُ: هذا الاستواءُ ظاهرُه مشابهةُ المخلوقين فيلزمُ أن نَنْفِيَهُ ونصرفَه عن ظاهرِه إجماعًا؛ لأنه أَوْهَمَ غيرَ اللائقِ، فينفي الوصفَ الذي مدحَ اللَّهُ به نفسَه في سبعِ آياتٍ من كتابِه، والوصفُ الذي مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه في سبعِ آياتٍ من كتابِه مَنْ نَفَاهُ فهو أَجْرَؤُ من خَاصِي الأسدِ بأضعافٍ، وهو واقعٌ في بليةٍ عُظْمَى، وجنايةٌ كبرى بلا شَكٍّ. ثم إذا ادَّعَى على الصفةِ أن ظاهرَها لا يليقُ ثم نَفَاهَا بسببِ هذه الدعوى جاءَ بصفةٍ أُخْرَى من كِيسِهِ الخاصِّ، من غيرِ اعتمادٍ إلى كتابٍ، ولا إلى سُنَّةٍ، يَظُنُّ أنها هي الكمالُ، فيقولُ: إذًا معنَى (استوى): اسْتَوْلَى، ثم يضربُ لذلك مثلاً ببيتِ الراجزِ المشهورِ

(1)

:

قَدِ اسْتَوَى بَشَرٌ عَلَى الْعِرَاقِ

مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مِهْرَاقِ

فيقولُ: «قَدِ اسْتَوَى بَشَرٌ» معناه: قَدِ اسْتَوْلَى بشرٌ، وإذًا فمعنَى قولِه:{ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} ثم اسْتَوْلَى على العرشِ. وهذه هي البليةُ الثالثةُ من البلايا العظامِ، فَاللَّهُ قَالَ:{اسْتَوَى} وهذا قال: «اسْتَوْلَى» فَصَدَقَ عليه قولُه: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)} [البقرة: الآية 59] ثم نقولُ: أيها المسكينُ الخَلَفِيُّ الجاهلُ بالله وبعظمةِ اللَّهِ

(1)

مضى عند تفسير الآية (158) من سورة الأنعام.

ص: 357

المحرفُ آياتِ اللَّهِ: قولُك: إن (استوى) بمعنَى: (اسْتَوْلَى) وبيت الرجز الذي جئتَ به أَلَمْ تَخْشَ اللَّهَ في هذا؟ أَلَمْ تَسْتَحِ من اللَّهِ استحياءً يمنعُك أن تُشَبِّهَ استيلاءَ اللَّهِ على عَرْشِهِ الذي زعمتَ باستيلاءِ بِشْرِ بْنِ مَروَانَ على العراقِ؟! وهل يُعلم - أيها الإخوانُ - تشبيهٌ في الدنيا أشنعُ ولا أفظعُ ولا أقبحُ من تشبيهِ استيلاءِ خالقِ السماواتِ والأرضِ على عرشِه المزعومِ باستيلاءِ بشرِ بنِ مروانَ على العراقِ؟ وهل يَرْضَى عاقلٌ أن يُشَبِّهَ العراقَ بالعرشِ، وأن يشبَه اللَّهَ (جل وعلا) ببشرِ بنِ مروانَ باستيلائِه على العراقِ؟ هل تعقلونَ في الدنيا تَشْبِيهًا أخسَّ من هذا، وأشنعَ من هذا، وأفظعَ من هذا؟! فنقول: أيها الخَلَفيُّ المستدلُّ بهذا البيتِ، أَلَمْ تَعْلَمْ أنكَ بدعواكَ واستدلالكَ بالبيتِ على استواءِ بشرِ بنِ مروانَ على العراقِ أنكَ أنتَ أكثرُ المُشَبِّهين في الدنيا نصيبًا في التشبيهِ حيث شَبَّهْتَ العرشَ بالعراقِ، وشَبَّهْتَ خالقَ السماواتِ والأرضِ في استيلائِه على عرشِه باستيلاءِ بشرِ بنِ مروانَ على العراقِ؟ ثم لِتَعْلَمْ أن الاستيلاءَ الذي جئتَ به وبدلتَ به لفظَ القرآنِ أنه هو أشدُّ الصفاتِ تَوَغُّلاً في التشبيهِ؛ لأنك لَمَّا قُلْتَ:{اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} معناه: (استولى) صرتَ مُشَبِّهًا لِلَّهِ بكلِّ مخلوقٍ قَهَرَ مَخْلُوقًا فغلبَه فاستولى عليه، والمخلوقاتُ التي تَقْهَرُ المخلوقاتِ فتغلبُها فتستولي عليها تُعَدُّ بالملايين، فالاستيلاءُ أكثرُ الصفاتِ

تَوَغُّلاً في التشبيهِ، فصاحبُه يُشَبِّهُ اللَّهَ بكلِّ مخلوقٍ قَهَرَ مخلوقًا فغلبَه فاستولى عليه، وهذا الاستيلاءُ تحتَه مِنَ التشبيهِ بحورٌ لَا سواحلَ لها تُعَدُّ بالملايين والآلافِ، ولَا شَكَّ أن هذا المسكينَ المغرورَ سيضطرُّ ويقولُ: الاستيلاءُ الذي فَسَّرْتَ به الاستواءَ واستشهدتَ له ببيتِ الرجزِ استيلاءٌ مُنَزَّهٌ عن

ص: 358

استيلاءِ المخلوقين.

فنقول له: نناشدكَ اللَّهَ أَنْصِفْ في الجوابِ ولا تُعْمِيكَ الأهواءُ والتعصباتُ، أيهما أحقُّ بالتنزيهِ، الأحقُّ بالتنزيهِ الاستواءُ الذي هو من كلامِ رَبِّ العالمين، ولفظ القرآنِ العظيمِ، نَزَلَ به الروحُ الأمينُ من فوقِ سبعِ سماواتٍ على سيدِ الخلقِ صلى الله عليه وسلم قُرْآنًا يُتْلَى، الحرفُ منه بعشرِ حسناتٍ يُقْرَأُ به في الصلواتِ، وَمَنْ أَنْكَرَ أنه من كلامِ رَبِّ العالمين كَفَرَ بإجماعِ العلماءِ، فهذا هو الأحقُّ بالتنزيهِ أَمِ الأحقُّ بالتنزيهِ لفظةُ الاستيلاءِ الذي جاء به ناسٌ مِنْ قِبَلِ أنفسِهم من غيرِ اعتمادٍ على دليلٍ من كتابٍ وَلَا سُنَّةٍ ولا عقلٍ ولا لغةٍ ولا شيءٍ؟ ولا شكَّ أنه إن لم يكن مُكَابِرًا سيضطر إلى أن يقولَ: كلامُ رَبِّ العالمين أَحَقُّ بالتنزيهِ والإجلالِ والتقديسِ من كلامٍ جاءَ به ناسٌ من غيرِ اعتمادٍ على كتابٍ ولا سُنَّةٍ؛ فَلِذَا مذهبُ الخلفِ تحتَه ثلاثُ بَلَايَا:

أولُها: أنهم يَدَّعُونَ على آياتِ اللَّهِ التي مَدَحَ بها نفسَه أن ظاهرَها خبيثٌ قذرٌ، فكأنَّهم يقولونَ لله: هذا الذي مدحتَ به نفسَك، وأثنيتَ به على نفسكَ، وعلَّمتَ خلقَك أن يمدحوك به في كتابِك هذا قذرٌ نجسٌ لَا يليقُ، ونحن نأتيك بالكمالِ من عندِ أنفسنا، ويأتوا بكمالٍ من عندِ أنفسِهم مزعومٍ!! هذا هوسٌ وجنونٌ لَا يقولُ به عاقلٌ.

فَالْبَلِيَّةُ الأُولَى: هي الادعاءُ على النصوصِ أن ظاهرَها لَا يليقُ بِاللَّهِ.

والبليةُ الثانيةُ: هي نفيُ الصفاتِ التي مَدَحَ اللَّهُ بها نفسَه.

والبليةُ الثالثةُ: هي الأمرُ الذي يجيئونَ به من عندِ أنفسِهم الذي هو أعظمُ الأمورِ تَشْبِيهًا، وأوغلُها في التشبيهِ، فبأيِّ عقلٍ وبأيِّ نقلٍ، وبأيِّ كتابٍ أو سُنَّةٍ يسوغُ للخلفيِّ أن يُشَبِّهَ استيلاءَ اللَّهِ على عرشِه

ص: 359

الذي زَعَمَ باستيلاءِ بشرِ بنِ مروانَ على العراقِ؟ فهذا أَخَسُّ التشبيهِ وأشنعُ التشبيهِ، ولو كان عَالِمًا بما يعلمُ به السلفُ الصالحُ لَعَلِمَ أن الاستواءَ الذي مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه أنه بالغٌ من غاياتِ الكمالِ والجلالِ ما يقطعُ علائقَ الوساوسِ وأوهامَ المشابهةِ بينَه وبينَ صفاتِ المخلوقينَ، فَيُثْبِتُهُ لِلَّهِ كما أَثْبَتَهُ على نفسِه إثباتًا مُنَزَّهًا عن مشابهةِ صفاتِ المخلوقين، مُقَدَّسًا مكَبَّرًا مُعَظَّمًا مُنَزَّهًا عن مشابهةِ المخلوقين على نحوِ:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: الآية 11].

وهنا شُبَهٌ نتعرضُ لها وربما خَطَرَ في ذهنِ الإنسانِ أن يقولَ: ذكرتُم لنا أن كُلَّ وصفٍ أَثْبَتَهُ اللَّهُ لنفسِه يجبُ أن نعتقدَ أن ذلك الوصفَ بالغٌ من غاياتِ الكمالِ والجلالِ والتقديسِ والتنزيهِ والإعظامِ والإجلالِ والإكبارِ ما يقطعُ الوساوسَ وعلائقَ أوهامِ المشابهةِ بينَه وبينَ صفاتِ المخلوقينَ، ومن ذلك صفةُ الاستواءِ، وصفةُ الوجهِ، وصفةُ اليدِ، ونحو ذلك مما ثَبَتَ مِمَّا مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه في كتابِه أو مَدَحَهُ بها رسولُه صلى الله عليه وسلم.

فإن قالوا: نحنُ لَا نعلمُ كيفيةَ استواءٍ منزهةً عن كيفيةِ استواءِ المخلوقين، فَلَمْ تُدْرِكْ عقولُنا إلا هذا الاستواءَ الذي هو انتصابٌ مُشَابِهٌ لصفاتِ المخلوقين فَبَيِّنُوا لنا كيفيةَ استواءٍ منزهةً معقولةً لنعتقدَ كيفيةً منزهةً.

فالجوابُ على هذه الشبهةِ من وجهين:

أحدُهما: أن نقولَ أَوَّلاً: هل عرفتُم - أيها المتنطعونَ - كيفيةَ الذاتِ الكريمةِ المقدسةِ المتصفةِ بهذا الاستواءِ؟ فلا بُدَّ أن يقولوا: لَا، فنقولُ: معرفةُ كيفيةِ الاتصافِ بالصفاتِ متوقفةٌ على معرفةِ كيفيةِ الذاتِ؛ لأن كُلَّ صفةٍ هي بحسبِ موصوفاتِها، والصفاتُ تتباينُ

ص: 360

باختلافِ موصوفاتِها، ونضربُ لذلك مثلاً - ولله المثلُ الأعلى - ألا ترونَ - أيها الإخوانُ - أن لفظةَ (رأس) راء، وهمزة، وسين (رأس) إذا أضفتَه إلى الإنسانِ فقلتَ:«رأسُ الإنسانِ» وأضفتَه إلى الجبلِ فقلتَ: «رأسُ الجبلِ» وأضفتَه إلى الوادي فقلتَ: «رأسُ الوادي» وأضفتَه إلى المالِ فقلتَ: «رأسُ المالِ» أَلَمْ تَكُنْ هذه الحقائقُ متباينةً مختلفةً اختلافًا تامًّا ليست بمتشابهةٍ ألبتةَ مع أن لفظةَ «الرأس» واحدةٌ، وإنما تَبَايَنَتْ حقائقُ هذه الكلمةِ بحسبِ اختلافِ إضافاتِها، وهذا باختلافِ الإضافاتِ إلى مخلوقاتٍ حقيرةٍ، فما بَالُكُمْ - أيها الإخوانُ - بما أُضِيفَ إلى الخالقِ وما أُضِيفَ إلى خَلْقِهِ الذي هو صنعةٌ من صنائعِه؟ فالفرقُ بَيْنَ هذا وهذا كالفرقِ بينَ ذاتِ الخالقِ وذاتِ المخلوقِ.

شُبْهَةٌ أُخْرَى: إذا قال مُعَطِّلٌ مُتَنَطِّعٌ: القرآنُ نَزَلَ بلسانٍ عربيٍّ مُبِينٍ، والعربُ لا تعرفُ في لغتِها للاستواءِ إلا هذا المُشَاهَدَ في المخلوقين، فيكونُ إثباتُه تشبيهًا بحسبِ ما دَلَّ عليه الوضعُ العربيُّ الذي نَزَلَ به القرآنُ.

فالجوابُ مِنْ وَجْهَيْنِ أيضًا: فنقولُ: العربُ الذين نَزَلَ القرآنُ بلغتِهم يعرفونَ كُلَّ المعرفةِ مِنْ وَضْعِ لغتِهم ومعانيها أن بينَ الخالقِ والمخلوقِ، والرازقِ والمرزوقِ، والمُحْيِي والمُحْيَا والمميتِ والمُماتِ، يعلمونَ أن بينَهما فوارقَ عظيمةً هائلةً لا يُقادَر قدرها مستلزمة كُلَّ الالتزامِ لِتَبَايُنِ صفاتِهم، وأن تكونَ صفاتُ هذا متعاليةً متعاظمةً إلى اللياقةِ بذاتِه، وأن تكونَ صفاتُ هذا منحطةً منخفضةً متواضعةً إلى قَدْرِ ذاتِه، فانحطاطُ صفةِ المخلوقِ عن صفةِ الخالقِ كانحطاطِ ذاتِ المخلوقِ عن عظمةِ ذاتِ الخالقِ (جل وعلا) فهذا

ص: 361

يعرفُه أهلُ اللسانِ من لغتِهم؛ وَلِذَا لم يكن الأعرابُ البدوُ يلتبسُ عليهم هذا، فيعلمونَ أن الفوارقَ التي بين الخالقِ وخلقِه، والرازقِ وَمَنْ رَزَقَهُ، والمُميتِ وَمَنْ يُمِيتُهُ، والمُحيي ومن يُحييه، يعلمونَ أن بينهما فوارقَ عظيمةً هائلةً يلزمُها تباينُ الصفاتِ، وأن صفاتِ هذا لا تُشْبِهُ صفاتِ هذا، وأن صفاتِ هذا كذاته لائقةٌ بذاتِه، وأن صفاتِ هذا لائقةٌ بذاتِه، وبينَ صفاتِ هذا وصفاتِ هذا من الاختلافِ كما بَيْنَ ذاتِ هذا وذاتِ هذا.

الجوابُ الثاني: أن نقولَ: القرآنُ نزلَ بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، وقد أقررتُم بأن اللَّهَ سميعٌ بصيرٌ، والعربُ لا تَعْرِفُ في لغتِها معنًى للسمعِ والبصرِ لا يُدْرِكُونَ معنًى للسمعِ والبصرِ إلا هذا الْمُشَاهَدَ بالجارحةِ في الحيواناتِ، هل يعلمونَ كيفيةً له غيرَ هذا؟ لا، أبدًا.

فإن قالوا: لا نعلمُ للسمعِ والبصرِ كيفيةً إلا المشاهدَ في الحيواناتِ، لكنا نعلمُ أن سمعَ اللَّهِ وبصرَه مُنَزَّهَانِ عن مشابهةِ أسماعِ الخلقِ وأبصارِهم لتنزيهِ ذاتِه عن ذواتِهم وصفاتِه عن صفاتِهم. قلنا: وكذلك نقولُ في الاستواءِ وسائرِ جميعِ الصفاتِ.

فعلينا معًا أن نعلمَ أن الطريقَ الوحيدَ الأسلمَ الذي كان عليه السلفُ الصالحُ أولُه أن نُنَزِّهَ خالقَنا (جل وعلا) عن مشابهةِ الخلقِ، ونعلمَ أن الخلقَ صنعةٌ مِنْ صنعائِه، ثم لا ننكرُ وصفًا أَثْنَى اللَّهُ به على نفسِه، ولا نجحدُ مَدْحًا مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه في كتابِه وَعَلَّمَ خلقَه أن يمدحوه، ولا نكذب رسولَنا صلى الله عليه وسلم وننفي مَدْحًا مَدَحَ به رَبَّهُ، فَاللَّهُ أعلمُ بنفسِه منا:{أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} [البقرة: الآية 140] ولا يصفُ اللَّهَ بعدَ اللَّهِ أعلمُ بِاللَّهِ مِنْ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَعَلَيْنَا أن نعتقدَ أولاً التنزيهَ وأن الخلقَ صَنْعَةٌ، والصَّنْعَةُ لَا تُشْبِهُ صانعَها .. ثم نؤمنُ بما ثبتَ عن اللَّهِ،

ص: 362

وما ثبتَ عن رسولِ اللَّهِ إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ على نحوِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: الآية 11] فنكونُ بتنزيهِنا طاهرةً قلوبُنا من أقذارِ التشبيهِ، وبإيمانِنا بالصفاتِ على أساسِ التنزيهِ طاهرة قلوبُنا من أقذارِ التعطيلِ، فَنَلْقَى اللَّهَ سَالِمِينَ غيرَ مشبهين ولا مُعَطِّلِينَ. وأما هذا المذهبُ الخلفيُّ أولُ ما يبدأ به الادعاءُ على آياتِ اللَّهِ أن ظاهرَها قَذِرٌ، وأنه نَجِسٌ، ثم بعد ذلك نَفْيُهَا، ثم الإتيانُ بشيءٍ آخَرَ من تلقاءِ أنفسِهم لم يَرِدْ به كتابٌ ولا سُنَّةٌ. وكلُّ هذه بليةٌ عُظْمَى من ثلاثِ بلايا لا يُؤْمَنُ أن يقعَ صاحبُها في مَهْوَاةٍ؛ لأن الادعاءَ على اللَّهِ أن ما مَدَحَ به نفسَه ظاهرُه خبيثٌ لَا يليقُ، هذه جنايةٌ كُبْرَى، ونفيُ ما مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه جنايةٌ أُخرى، وإتيانُ الإنسانِ بوصفٍ من تلقاءِ نفسِه ليثبتَه لِلَّهِ لم يُثْبِتْهُ اللَّهُ لنفسِه كالاستيلاءِ الذي لم يُثْبِتْهُ الرسولُ ولم يُثْبِتْهُ اللَّهُ هو الجنايةُ الثالثةُ.

ولو هَدَاهُ اللَّهُ إلى ما هَدَى إليه السلفَ الصالحَ [لأَثْبَتَ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ لنفسِه على ما يليقُ بجلالِ اللَّهِ وعظمتِه]

(1)

لأن الوصفَ عندما يُسْنَدُ إلى اللَّهِ يعلمُ المؤمنُ أنه بالغٌ من غاياتِ الكمالِ والجلالِ والعلوِّ والشرفِ والرفعةِ واللياقةِ بِاللَّهِ ما يَقْضِي على جميعِ الوساوسِ وأوهامِ علائقِ المشابهةِ بينَه وبينَ صفاتِ المخلوقين، فيؤمنُ بالوصفِ على أساسِ التنزيهِ على نحوِ:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} لَكَانَ سَالِمًا من بليةِ التشبيهِ، وَسَالِمًا من بليةِ التعطيلِ.

ومن المعلومِ أن علماءَ الكلامِ الذين خَاضُوا في هذه الأمورِ،

(1)

في هذا الموضع انقطع التسجيل، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.

ص: 363

وَنَفَوْا بعضَ الصفاتِ بأقيسةٍ منطقيةٍ اسْتَنْتَجُوا نفيَ بعضِ الملزوماتِ من نفيِ اللوازمِ - في زعمِهم - أن ذلك غلطٌ منهم (

)

(1)

زعموا أن هنالك صفةً نفسيةً، وصفةً سلبيةً، وصفةَ معنًى، وصفةً معنويةً، وصفةَ فِعْلٍ، وصفةً جامعةً. وَمَثَّلُوا لكلٍّ مِنْ هذا، وسنذكرُ لكم نَمُوذَجًا في أن كُلاًّ من الصفاتِ التي ذَكَرُوهَا جاء في القرآنِ العظيمِ وصفُ الخالقِ بها، وجاءَ فيه وصفُ المخلوقِ بها علينا أن نعتقدَ أن وصفَ اللَّهِ حَقٌّ، وأن وصفَ المخلوقِ حَقٌّ، وَلَكِنَّ وَصْفَ اللَّهِ لائقٌ بِاللَّهِ، مُنَزَّهٌ عن مشابهةِ صفةِ المخلوقِ، ووصفُ المخلوقِ لائقٌ بالمخلوقِ ولا يليقُ بالله (جل وعلا) وبينَ وصفِ الخالقِ والمخلوقِ من المنافاةِ كما بينَ ذاتِ الخالقِ والمخلوقِ، فبعضُهم لا يُقِرُّ من صفاتِ المعانِي الثابتةِ إلا بسبعٍ، وهي القدرةُ والإرادةُ والعلمُ والحياةُ والسمعُ والبصرُ والكلامُ، وينفي غيرَ هذه السبعِ من المعانِي الثابتةِ في كتابِ اللَّهِ بدعوى أن ظاهرَها خبيثٌ لَا يليقُ ويؤولونَها بأمورٍ أُخَرَ كما ذَكَرْنَا، وَيُثْبِتُونَ هذه السبعَ المعانيَ.

والمعتزلةُ ينفونَ هذه المعانيَ السبعةَ ويثبتونَ أحكامَها فيقولونَ: هو قادرٌ بذاتِه لَا بقدرةٍ قامت بالذاتِ، سميعٌ بذاتِه لَا بسمعٍ قائمٍ بالذاتِ. ومذهبُهم يعلمُ كُلُّ عاقلٍ أنه مذهبٌ متناقضٌ باطلٌ لا يَشُكُّ فيه أَدْنَى عَاقِلٍ.

فنقولُ: القدرةُ التي ذَكَرُوهَا من صفاتِ المعانِي أَثْبَتَهَا اللَّهُ لنفسِه في غيرِ آيةٍ من كتابِه فقالَ: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: الآية 109] وأثبتَها لبعضِ المخلوقين فقال: {إِلَاّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ

(1)

في هذا الموضع انقطع التسجيل، والكلام مع ذلك منتظم.

ص: 364

أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: الآية 34] فيعلمونَ أن قدرةَ اللَّهِ حَقٌّ، وأن للمخلوقِ قدرةً، وأنه لَا مناسبةَ بينَ قدرةِ الخالقِ وقدرةِ المخلوقِ، فقدرةُ المخلوقِ مُنَاسِبَةٌ لحالِه، وقدرةُ الخالقِ لائقةٌ به (جل وعلا) وبينَ القدرةِ والقدرةِ من المنافاةِ كمثلِ ما بينَ الذاتِ والذاتِ. وكذلك الإرادةُ وَصَفَ اللَّهُ نفسَه بأنه يريدُ قال:{فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [البروج: الآية 16]، {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: الآية 185] {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82)} [يس: الآية 82].

وَوَصَفَ بعضَ خلقِه بالإرادةِ فقال: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} [التوبة: 32]، {يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ} [الصف: الآية 8] {إِنْ يُرِيدُونَ إِلَاّ فِرَارًا} [الأحزاب: الآية 13] ونحنُ نعلمُ أن لله إرادةً حَقَّةً لائقةً بكمالِه وجلالِه، وللمخلوقِ إرادةٌ مُنْسَفِلَةٌ إلى قدرِ المخلوقِ واللياقةِ بذاتِ المخلوقِ، وبينَ الإرادةِ والإرادةِ كمثلِ ما بينَ الذاتِ والذاتِ مع المنافاةِ.

وكذلك وَصَفَ نفسَه بالحياةِ قال: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: الآية 255]{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [الفرقان: الآية 58] ووصفَ بعضَ خلقِه بالحياةِ فقال: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} [الروم: الآية 19]{وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: الآية 30]{وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)} [مريم: الآية 15] فيجزمُ بأن لله حياةً حقيقيةً تليقُ بكمالِه وجلالِه، وللمخلوقِ حياةٌ مناسبةٌ لحالِه، وبينَ حياةِ المخلوقِ وحياةِ الخالقِ من المنافاةِ كمثلِ ما بينَ ذاتِ الخالقِ والمخلوقِ. ووصفَ اللَّهُ نفسَه بالسمعِ والبصرِ قال:{إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [لقمان: الآية 28]{وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: الآية 61] {لَيْسَ

ص: 365

كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: الآية 11] ووصفَ بعضَ خلقِه بالسمعِ والبصرِ قال: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2)} [الإنسان: الآية 2]{أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} [مريم: الآية 38] فلله سمعٌ وبصرٌ حقيقيانِ لائقانِ بكمالِه وجلالِه، وللمخلوقِ سمعٌ وبصرٌ لائقانِ بحالِه، وبينَ سمعِ الخالقِ وبصرِه ومسمعِ المخلوقِ وبصرِه من المنافاةِ كمثلِ مَا بَيْنَ ذاتِ الخالقِ والمخلوقِ. ووصفَ نفسَه (

)

(1)

.

وبينَ كلامِ الخالقِ والمخلوقِ من المنافاةِ كمثلِ ما بينَ ذاتِ الخالقِ والمخلوقِ. هذه صفاتُ المعانِي السبعُ.

وكذلك المعنوياتُ التي هي كونُه قادرًا مُرِيدًا حَيًّا سميعًا بصيرًا، إنما يُثْبِتُونَهَا صفاتٍ على ما يسمونَه (الحال) وهم يزعمونَ أن الحالَ المعنويةَ أمرٌ ثُبُوتِيٌّ غيرُ موجودٍ ولا معدومٍ!! وهو من خيالاتِ المتكلمين التي لا أساسَ لها؛ لأن عامةَ العقلاءِ يعلمونَ أنه لا واسطةَ بينَ النقيضين، وأن كُلَّ ما ليس بموجودٍ فهو معدومٌ، وما ليس بمعدومٍ فهو موجودٌ، وهذا مما لا يَشُكُّ فيه عاقلٌ. وزعمُهم أن الحالَ واسطةٌ ثبوتيةٌ، لا هي معدومةٌ على الحقيقةِ، ولا هي موجودةٌ على الحقيقةِ من الخيالاتِ الوهميةِ التي لَا أساسَ لها، بل كونُه قادرًا مُرِيدًا حَيًّا متكلمًا سميعًا بصيرًا هو معنَى كيفيةِ الاتصافِ بالقدرةِ والإرادةِ والعلمِ.

(1)

في هذا الموضع انقطع التسجيل، وقد ذهب بسببه كلام طويل تجد نظائره في مواضع متعددة من هذا التفسير، ومن ذلك ما ذكره عند تفسير الآية (158) من سورة الأنعام، وكذا ما ذكره في محاضرته في الأسماء والصفات.

ص: 366

والصفاتُ التي يسمونَها (سلبيةً)، معناها عندهم: هي الصفةُ التي لم تَدُلَّ على معنًى وجوديٍّ بالوضعِ، فالصفةُ عندهم إما أن تدلَّ على معنًى وجوديٍّ بدلالةِ المطابقةِ فهذه صفةُ معنًى كالقدرةِ؛ لأنها صفةٌ تدلُّ على معنًى، وهي المعنَى القائمُ بالذاتِ التي يَتَأَتَّى به إيجادُ الممكناتِ وإعدامُها على وَفْقِ الإرادة.

أما إذا كانت الصفةُ لا تدلُّ بدلالةِ المطابقةِ على معنًى وجوديٍّ وإنما تدلُّ على عَدَمٍ مَحْضٍ وهو عدمُ مَا لَا يليقُ بِاللَّهِ عن اللَّهِ هذه التي يسمونَها السلبيةَ وهم يقسمونَها إلى خمسِ صفاتٍ: القِدَم والبقاءِ والمخالفةِ للخلقِ والوحدانيةِ والغِنَى المطلقِ الذي يسمونَه (القيامَ بالنفسِ) وهو الاستغناءُ عندَهم عن المحلِّ والمُخَصَّصِ، كما هو معروفٌ في فَنِّ الكلامِ. فنقولُ: إن القِدَمَ والبقاءَ الذين وَصَفَ بهما المتكلمونَ اللَّهَ زاعمينَ أن اللَّهَ وصفَ بهما نفسَه في قولِه: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} [الحديد: الآية 3] جاء وصفُ المخلوقِ بهما، قال اللَّهُ في وصفِ المخلوقِ بالقِدَمِ:{حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [يس: الآية 39]{إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ} [يوسف: الآية 95]{أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76)} [الشعراء: الآية 76] وقال في وصفِ الحادثِ بالبقاءِ: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (77)} [الصافات: الآية 77]{مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} [النحل: الآية 96] فلو قَدَّرْنَا أن القِدَمَ يجوزُ إطلاقُه لِلَّهِ كما ذهبَ إليه جماعةٌ من العلماءِ، ويدلُّ عليه حديثُ أبِي داودَ:«أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»

(1)

لأن القِدَمَ يُطْلَقُ في اللغةِ: على ما له زمنٌ كثيرٌ وإن كان مَسْبُوقًا بِعَدَمٍ، وهو في اصطلاحِ المتكلمينَ لَا يُطْلَقُ إلا على سَلْبِ

(1)

سيأتي تخريجه عند تفسير الآية (99) من هذه السورة.

ص: 367

العدمِ السابقِ.

والقِدَمُ عندَ المتكلمين أَخَصُّ من الأزلِ؛ لأَنَّ القِدَمَ والأزلَ كلاهما في اصطلاحِ أهلِ الكلامِ عبارةٌ عن ما لَا أولَ له ولا افتتاحَ له، لكن الْقِدَمَ عبارةٌ عن ما لَا افتتاحَ له بشرطِ أن يكونَ وجوديًّا، والأزلُ عبارةٌ عن ما لَا افتتاحَ له ولا أولَ له، سواء كان وجوديًّا أو عدميًّا. فمثالُ ما اجتمعَ فيه الأزليُّ والقديمُ في اصطلاحِ المتكلمين: ذاتُ اللَّهِ وصفاتُه؛ لأنها لا أولَ لوجودِها وهي موجودةٌ. ومثالُ ما هو أَزَلِيٌّ وليس بقديمٍ: أَعْدَامُنَا سوى اللَّهِ فإنها أزليةٌ فإنا قبلَ أن نوجدَ كنا معدومين، وعدمُنا الأولُ لا أوليةَ له ولا افتتاحَ له، فهو أزليٌّ ولَا يُسَمَّى قَدِيمًا؛ لأنه غيرُ موجودٍ، كذلك الأوليةُ والآخريَّةُ المنصوصتانِ في الآيةِ:{هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} [الحديد: الآية 3] جاءَ وصفُ المخلوقِ بها أيضًا، قال في وصفِ المخلوقِ بِهِمَا:{أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (17)} [المرسلات: الآيتان 16 - 17] فَلِلَّهِ (جل وعلا) أوليةٌ وآخريةٌ لائقتانِ بكمالِه وجلالِه، وللمخلوقِ أوليةٌ وآخريةٌ لائقتانِ بحالِه، وبينَ الصفةِ والصفةِ من المنافاةِ كما

ص: 368

بينَ الذاتِ والذاتِ.

كذلك صفاتُ الأفعالِ، فاللَّهُ (جل وعلا) وَصَفَ بها نفسَه، ووصفَ بها خَلْقَهُ، فوصفَ نفسَه بصفةِ الفعلِ التي هي الرِّزْقُ، وأنه يرزقُ الناسَ، قال:{وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَاّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: الآية 6]{إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ} [الذاريات: الآية 58] فهذه صفةُ فِعْلٍ، ووصفَ بعضَ خلقِه بها فقال:{وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} [البقرة: الآية 233]{وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ} [النساء: الآية 8] فَرزْقُ اللَّهِ لائقٌ بكمالِه وجلالِه، ورِزقُ بعضِ المخلوقين لبعضٍ لائقٌ بحالِهم، وبينَ الصفةِ والصفةِ من المنافاةِ كما بينَ الذاتِ والذاتِ. كذلك وَصَفَ نفسَه بالفعلِ الذي هو العملُ، قال:{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا (71)} [يس: الآية 71] ووصفَ بعضَ خلقِه بالعملِ فقال: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)} [السجدة: الآية 17] وبينَ العملِ والعملِ من المنافاةِ كما بينَ الذاتِ والذاتِ. ووصفَ نفسَه بأنه يعلُّم خلقَه قال: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنسَانَ (3)} [الرحمن: الآيات 1 - 3].

ووصفَ بعضَ خلقِه بالتعليمِ قال: {وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [آل عمران: الآية 164] وَجَمَعَ المثالين في قولِه: {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ} [المائدة: الآية 4] فالتعليمُ والتعليمُ بينَهما من المنافاةِ كمثلِ ما بينَ الذاتِ والذاتِ. ووصفَ نفسَه بأنه يُنَبِّئُ، ووصفَ بعضَ خلقِه بالفعلِ الذي هو التَّنْبِئَةُ، وجمعَ المثالين في قولِه:{فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} [التحريم: الآية 3] ووصفَ نفسَه بأنه يُؤْتِي، ووصفَ بعضَ خلقِه بأنه يُؤْتِي، فالفعلُ الذي هو الإيتاءُ أسندَه لنفسِه مرةً ولخلقِه مرةً، قال عن نفسِه:{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: الآية 269]{مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} [آل عمران: الآية 26]{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} [البقرة: الآية 258] إلى غيرِ ذلك.

ووصفَ بعضَ المخلوقين بالإيتاءِ قال: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} [النساء: الآية 20]{وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [النساء: الآية 2] وليس الإيتاءُ كالإيتاءِ، فالفرقُ بينَهما كالفرقِ بينَ الذاتِ والذاتِ.

وكذلك الصفاتُ الجامعةُ كالكِبَرِ وَالْعُلُوِّ والعِظَمِ والجبروتِ والمُلكِ والتكبرِ، كلها وَصَفَ به نفسَه في كتابِه،

ص: 369

ووصفَ به بعضَ خلقِه، قال في وصفِ نفسِه بالعلوِّ والعِظَمِ والكِبَرِ:{وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: الآية 255] وفي الكِبَرِ: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: الآية 34]{عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9)} [الرعد: الآية 9] ووصفَ بعضَ خلقِه بالعِظَمِ فقال: {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: الآية 63]{إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا} [الإسراء: الآية 40] ووصفَ بعضَ خلقِه بِالْكِبَرِ فقال: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} [البقرة: الآية 143]{وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَاّ} [الإسراء: الآية 31]{لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [تبارك: الآية 12] إلى غيرِ ذلك.

ووصفَ بعضَ خلقِه بالعلوِّ فقال: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57)} [مريم: الآية 57]{إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا} [الإسراء: الآية 40] فليسَ العِظَمُ كالعِظَمِ، ولا العلوُّ كالعلوِّ، ولَا الكِبَرُ كالكِبَرِ. ووصفَ نفسَه بالملكِ فقال:{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ} [الجمعة: الآية 1] وقال جل وعلا: {عِنْدَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} [القمر: الآية 55] ووصفَ بعضَ المخلوقين بالملكِ في قوله جل وعلا: {وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: الآية 79]{وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} [يوسف: الآية 43] فليس المُلكُ كالمُلكِ، فَمُلْكُهُ (جل وعلا) لائقٌ بذاتِه، وملكُ المخلوقين لائقٌ بحالِهم، وبينَ جميعِ هذه الصفاتِ من التنافِي كمثلِ ما بينَ الذاتِ والذاتِ. ووصفَ نفسَه بأنه جَبَّارٌ متكبرٌ، قال:{هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} [الحشر: الآية 23] وصف نفسَه بأنه جبارٌ متكبرٌ، ووصفَ بعضَ الخلقِ بذلك قال: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ

ص: 370

مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [غافر: الآية 35]{وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130)} [الشعراء: الآية 130]{أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: الآية 60] فليس التكبرُ كالتكبرِ، ولا الجبرُ كالجبرِ، فبينَ الصفاتِ والصفاتِ من المنافاةِ كما بينَ الذاتِ والذاتِ.

ووصفَ نفسَه بأنه رؤوفٌ رحيمٌ قال: {إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [النحل: الآية 7] ووصفَ بعضَ الخلقِ بذلك كقولِه في نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم: {حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: الآية 128] ووصفَ نفسَه بالحلمِ فقال: {لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59)} [الحج: الآية 59] ووصفَ بعضَ خلقِه بالحلمِ فقال: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: الآية 114]{فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101)} [الصافات: الآية 101] ووصفَ نفسَه بالعزةِ فقال: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: الآية 220] ووصفَ بعضَ خلقِه بالعزةِ: {قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ} [يوسف: الآية 51]{وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} [ص: الآية 23] فليست العزةُ كالعزةِ، ولا الحلمُ كالحلمِ، ولا شيءٌ من صفاتِ اللَّهِ كشيءٍ من صفاتِ المخلوقين، فسائرُ صفاتِ اللَّهِ حقٌّ، وسائرُ صفاتِ المخلوقين حَقٌّ. ولو تَتَبَّعْنَا مثلَ هذا لَجِئْنَا منه بمئاتِ الآلافِ، ولكنَّ هذه الأمثلةَ كافيةٌ، والمقصودُ عندَنا أن يعلمَ إخوانُنا المؤمنونَ أن اللَّهَ حَقٌّ، وأن صفاته حَقٌّ، وأن المخلوقين حَقٌّ، وأن صفاتَه حقٌّ، وأن صفاتِ اللَّهِ بسائرِها الثابتة في الكتابِ والسنةِ منزهةٌ عن صفاتِ المخلوقين كتنزيهِ ذاتِه عن ذواتِهم، فصفاتُ المخلوقين لائقةٌ بذواتِهم، وصفاتُ الخالقِ لائقةٌ بذاتِه، وبينَ الصفةِ والصفةِ من المنافاةِ كمثلِ ما بينَ الذاتِ والذاتِ هذا الواجبُ على كُلِّ مسلمٍ أن يعتقدَه.

ص: 371

وبهذا التقريرِ الذي قَرَّرْنَا تعلمونَ أن قولَهم: «مَذْهَبُ السَّلَفِ أَسْلَمُ» أنه مع ذلك أحكمُ وأعلمُ؛ لأنه طريقُ سلامةٍ محققةٍ، ليس فيه شائبةُ تشبيهٍ، وليس فيه شائبةُ تعطيلٍ، ولا جحودٌ بآياتِ اللَّهِ، كُلُّهُ طرقُ سلامةٍ محققةٍ في ضوءِ القرآنِ، وحيث حادَ عنه الإنسانُ دَخَلَ في بلايا، ونحنُ نقولُ لكم هذا وَنُقَرِّرُ لكم مذهبَ السلفِ على ضوءِ القرآنِ العظيمِ مع أنَّا ما دَرَسْنَا دراسةً شديدةً مثلَ علومِ الكلامِ والمنطقِ، وما تنفي به كُلُّ طائفةٍ بعضًا من صفاتِ اللَّهِ، ونحن مطلعونَ على جميعِ الأدلةِ وعلى تركيبِها التي نُفِيَ بها بعضُ الصفاتِ، عارفونَ كيف جاء البُطْلَانُ، ومن الوجهِ الذي جاءَ البُطْلَانُ، واسمُ الدليلِ الذي تُرَدُّ به، ولكن ذلك لا يليقُ في هذا المجلسِ الحافلِ؛ لأنه لَا يعرفُه إلا خواصُّ الناسِ، فبعدَ النظرِ العامِّ الطويلِ في علمِ الكلامِ وما يستدلُّ به طوائفُ المتكلمين وما تَرُدُّ به كُلُّ طائفةٍ على الأخرى، والأقيسةُُ المنطقيةُ التي رَتَّبُوهَا وَنَفَوْا بها بعضَ الصفاتِ، ومعرفتُنا من الوحيِ ومن نفسِ الكلامِ والبحوثِ والمناظراتِ كيف يُبْطِلُ ذلك الدليلَ، ومن أين جاء الخطأُ، وَتَحَقَّقْنَا من هذا كُلِّهِ، بعد ذلك كله تَحَقَّقْنَا كُلَّ التحققِ أن السلامةَ كُلَّ السلامةِ، والخيرَ كُلَّ الخيرِ في اتباعِ نورِ هذا القرآنِ العظيمِ، والاهتداء بِهَدْيِ هذا النبيِّ الكريمِ، فما أثبتَه اللَّهُ لنفسِه نُثْبِتُهُ مع غاياتِ التنزيهِ، وما نَفَاهُ عن نفسِه نَنْفِيهِ مع غاياتِ التنزيهِ، وما أَثْبَتَهُ سيدُ الخلقِ صلى الله عليه وسلم لِرَبِّهِ نثبتُه مع كمالِ التنزيهِ، وما نَفَاهُ نَنْفِيهِ مع كمالِ التنزيهِ، وما سَكَتَ عنه الوحيُ لم يتعرض له بالكليةِ فإن اللَّهَ لم يُكَلِّفْنَا من صفاتِه إلا بِمَا عَلِمْنَا عن طريقِ كتابِه أو سُنَّةِ رسولِه صلى الله عليه وسلم.

وفي الختامِ نسألُ اللَّهَ جميعًا أن يُوَفِّقَنَا وإخوانَنا المسلمينَ لِمَا يرضيه،

ص: 372

ونوصي أنفسَنا وإخوانَنا بتقوى اللَّهِ، وأن لَا يُشَبِّهُوا اللَّهَ بصفاتِ خلقِه، وأن لَا يجحدوا وينفوا ما أَثْبَتَهُ اللَّهُ لنفسِه وَمَدَحَ به نفسَه، وأن لَا يُكَلِّفُوا عقولَهم الإحاطةَ بشيءٍ عاجزة عنه.

قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57)} [الأعراف: الآيات 54 - 57].

يقول اللَّهُ جل وعلا: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)} .

تَكَلَّمْنَا على أولِ هذه الآيةِ الكريمةِ وَشَرَحْنَا مذهبَ السلفِ في الاستواءِ وما جَرَى مجراه من آياتِ الصفاتِ وأحاديثِ الصفاتِ، وَبَيَّنَّا أن المعتقدَ الْمُنَجِّي في ذلك عندَ اللَّهِ يَنْبَنِي على ثلاثةِ أُسُسٍ:

أوَّلُها: - وهو أساسُ توحيدِ الأسماءِ والصفاتِ الأعظم - هو تنزيهُ خالقِ السماواتِ والأرضِ (جل وعلا) عن مشابهةِ خَلْقِهِ، وكيفَ يخطرُ في ذهنِ المسلمِ العاقلِ مشابهةُ الخلقِ بخالقِهم وهو صَنْعَةٌ مِنْ صُنْعِهِ:{صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: الآية 88] والصَّنْعَةُ

ص: 373

لا يمكنُ أن تشبهَ صانعَها بحالٍ، فالأساسُ الأعظمُ الأولُ هو تنزيهُ خالقِ السماواتِ والأرضِ (جل وعلا) عن أن يُشْبِهَهُ شيءٌ من خلقِه في صفاتِهم أو ذواتِهم أو أفعالِهم.

والأساسُ الثاني: هو تصديقُ اللَّهِ، وعدمُ تكذيبه، وعدمُ جحودِ ما مدحَ به نفسَه، بل تصديقُ اللَّهِ بما مَدَحَ به نفسَه في كتابِه مُعَلِّمًا خلقَه أن يمدحوه به والإيمان بذلك إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ كما عَلَّمَنَا اللَّهُ ذلك في قولِه:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: الآية 11] فَبَيَّنَ لنا أنه يجبُ علينا أن ننزهَه أولاً عن مماثلةِ الخلقِ بقولِه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وأن نؤمنَ بما وصفَ به نفسَه إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ حيث قال: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} بعدَ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} .

والأساسُ الثالثُ: هو أن نعلمَ أن إحاطةَ العلمِ البشريِّ منفيةٌ عن اللَّهِ نَفْيًا قرآنيًّا بَاتًّا في قولِه: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110)} فإذا ماتَ العبدُ على هذه العقيدةِ الصحيحةِ جاء آمِنًا يومَ القيامةِ من توبيخٍ يلحقُه من واحدٍ من هذه الأُسسِ الثلاثةِ، فَلَا تَأْتِيهِ بليةٌ من قِبَلِ تنزيهِه لربه عن مشابهةِ خلقِه، ولا تأتيه بليةٌ من تصديقِه رَبَّهُ فيما مَدَحَ به نفسَه، أو تصديقه رسولَه فيما أَثْنَى به على رَبِّهِ تصديقًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ كنحوِ:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} .

وَلَا تأتيه بليةٌ من كونِه مُقِرًّا بأن علمَه لَا يحيطُ بِاللَّهِ؛ لأن اللَّهَ يقولُ: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: الآية 110] وقد شَرَحْنَا تقسيمَ المتكلمين للصفاتِ، وَبَيَّنَّا ما جاء في القرآنِ من وصفِ الخالقِ ووصفِ المخلوقِ بها، وأن وصفَ الخالقِ حَقٌّ، وأن وصفَ المخلوقِ حَقٌّ إلا أن وصفَ الخالقِ مُنَزَّهٌ عن مشابهةِ وصفِ

ص: 374

المخلوقِ، لائق بالخالقِ، ووصفُ المخلوقِ حقٌّ إلا أنه ملائمٌ مناسبٌ للمخلوقِ لَا يجوزُ في حَقِّ الخالقِ (جل وعلا) وَضَرَبْنَا لذلك أمثلةً كثيرةً ونُورِدُ هنا نُقْطَتَيْنِ:

إحداهما: أن اللَّهَ (جل وعلا) وَصَفَ نفسَه بالاستواءِ، وَوَصَفَ بعضَ المخلوقين بالاستواءِ، كما وَصَفَ نفسَه بالسمعِ والبصرِ والقدرةِ والحياةِ ونحوِ ذلك، فَاللَّهُ وصفَ نفسَه بأنه سميعٌ بصيرٌ قال:{إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [لقمان: الآية 28] ووصفَ المخلوقَ بالسمعِ والبصرِ، قال:{إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2)} [الإنسان: الآية 2] ووصفَ نفسَه بالحياةِ، قال:{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: الآية 255]{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [الفرقان: الآية 58] ووصفَ بعضَ خلقِه بالحياةِ قال: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} [الروم: الآية 19]{وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: الآية 30]{وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)} [مريم: الآية 15] إلى آخِرِ ما ذَكَرْنَاهُ، فَاللَّهُ (جل وعلا) له قدرةٌ حقيقيةٌ وحياةٌ وسمعٌ وبصرٌ، والمخلوقونَ لهم سمعٌ وبصرٌ وقدرةٌ وحياةٌ، إلا أن صفاتِ المخلوقين مُنَاسِبَةٌ لذواتِهم لَا تليقُ بِاللَّهِ ولَا تُشْبِهُ صفاتِ اللَّهِ، وصفاتُ الله من جميعِ ذلك لائقةٌ بِاللَّهِ، منزهةٌ عن مشابهةِ صفاتِ المخلوقين كما أَوْضَحْنَا أمثلتَه بكثرةٍ.

كذلك وَصَفَ نفسَه بالاستواءِ على العرشِ في سبعِ آياتٍ من كتابِه، ولم يذكر صفةَ الاستواءِ في أحدِ تلك المواضعِ السبعةِ إلا مقرونةً بشيءٍ من صفاتِ الكمالِ والجلالِ يُبْهِرُ العقولَ ويقضي بأنه العظيمُ الأعظمُ التي لا يماثلُه شيءٌ في شيءٍ من صفاتِه، ولَا في

ص: 375

ذاتِه، ولا أفعالِه، وأن جميعَ تلك الصفاتِ بما فيها الاستواءُ لا يجوزُ جَحْدُ شيءٍ منها ولا إنكارُه.

الموضعُ الأولُ من المواضعِ السبعةِ بحسبِ ترتيبِ المصحفِ الكريمِ: هو قولُه هنا في سورةِ الأعرافِ: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)} [الأعراف: الآية 54] فَانْظُرُوا هذا من صفاتِ الكمالِ والجلالِ هل يمكن أن يُحَرَّف شيءٌ منه، أو يُجحد شيءٌ منه؟ لا وَكَلَاّ.

والموضعُ الثاني: قولُه تعالى في سورةِ يونسَ: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (3) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (4) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَاّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ (6)} [يونس: الآيات 3 - 6] فانظروا هذا من صفاتِ الكمالِ والجلالِ هل يمكنُ أن يُجْحَدَ شيءٌ منه، أو يُكذب بشيءٍ منه؟ لَا وَكَلَاّ.

الموضعُ الثالثُ: قولُه تعالى في أولِ سورةِ الرعدِ: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (1) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)

ص: 376

وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٍ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} وفي القراءة الأخرى

(1)

: {وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} . {تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ} وفي القراءةِ الأخرى

(2)

: {يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ} . {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكْلِ} وفي القراءةِ الأخرى

(3)

: {الأُكُلِ} {نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: الآية 4] فانظروا هذا من صفاتِ الكمالِ والجلالِ هل يمكنُ أن يُجْحَدَ شيءٌ منه أو يُكَذَّبَ بشيءٍ منه؟ لَا وَكَلَاّ.

الموضعُ الرابعُ: قولُه تعالى في سورةِ طه: {طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَاّ تَذْكِرَةً لِّمَنْ يَخْشَى (3) تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8)} [طه: الآيات 1 - 8] فانظروا هذا من صفاتِ الكمالِ والجلالِ هل يمكنُ أن يُجْحَدَ شيءٌ منه، أو يُكذب بشيءٍ منه؟ لَا وَكَلَاّ.

والموضعُ الخامسُ: في سورةِ الفرقانِ في قولِه تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (58) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59)} [الفرقان: الآيتان 58 - 59] فَانْظُرُوا هذا من صفاتِ الكمالِ والجلالِ هل يمكنُ أن يُكذبَ بشيءٍ منه، أو يُجحدَ شيءٌ منه؟ لَا وَكَلَاّ.

(1)

مضى عند تفسير الآية (99) من سورة الأنعام.

(2)

السابق.

(3)

السابق.

ص: 377

الموضعُ السادسُ: في سورةِ (ألم السجدة) في قولِه تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ (9)} [السجدة: الآيات 3 - 9] فانظروا هذا من صفاتِ الكمالِ والجلالِ المذكورِ في جميعِ هذه الآياتِ مع صفةِ الاستواءِ هل يمكنُ أن يُكْفَرَ بشيءٍ منه، أو يُجْحَدَ شيءٌ منه، أو يقال: إن شيئًا منه ليس لَائِقًا بالله؟ لَا وَكَلَاّ.

الموضعُ السابعُ: وهو آخِرُهَا في سورةِ الحديدِ في قولِه: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} إلى آخِرِ الآياتِ [الحديد: الآيات 3 - 5] فهل يمكنُ أن يُنكر شيءٌ من هذا من الكمالِ والجلالِ الذي أَثْنَى اللَّهُ به على نفسِه؟ فَكُلُّهُ كمالٌ وجلالٌ يجبُ تقديسُه وتنزيهُه بما فيه الاستواءُ عن مشابهةِ صفاتِ المخلوقين، والإيمان بجميعِ تلك الصفاتِ على أساسِ ذلك التنزيهِ على غرارِ:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: الآية 28] كذلك - وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى - وَصَفَ بعضَ خلقِه

ص: 378

بالاستواءِ فقال في بعضِ المخلوقين: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} [الزخرف: الآية 13]{فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} الآية [النحل: الآية 28]{وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} [هود: الآية 44] فَاللَّهُ (جل وعلا) كما وَصَفَ نفسَه بالقدرةِ والسمعِ والبصرِ والكلامِ والحياةِ إلى غيرِ ذلك، وَوَصَفَ نفسَه بالاستواءِ، كذلك وَصَفَ بعضَ المخلوقين بالسمعِ والبصرِ والقدرةِ والإرادةِ والحياةِ والاستواءِ، فَسَمْعُ اللَّهِ وبصرُه وقدرتُه وإرادتُه واستواؤُه وذاتُه جميعُ ذلك مُنزَّهٌ غايةَ التنزيهِ عن مشابهةِ شيءٍ من المخلوقين في الذواتِ والصفاتِ والأفعالِ، وَسَمْعُ المخلوقينَ وأبصارُهم وحياتُهم وقدرتُهم وإرادتُهم واستواؤهم كُلُّ ذلك لائقٌ بحالهم وبينَ صفاتِ اللَّهِ من جميعِ ذلك وصفاتِ المخلوقين من جميعِ ذلك كمثلِ ما بينَ ذاتِ الخالقِ وذاتِ المخلوقِ لَا مناسبةَ ألبتةَ؛ لأن الخلقَ صَنْعَةٌ من صَنَائعِه

أَبْرَزَهُمْ من العدمِ إلى الوجودِ بقدرتِه وإرادتِه، فلا يخطرُ في العقلِ السليمِ أن يُمْكِنَ أن يُشْبِهُوهُ في شيءٍ من ذواتِهم أو صفاتِهم أو أفعالِهم، وهل تُشْبِهُ الصنعةُ صانعَها؟ لا وكلا - سبحانه وتعالى عما يقولُ الظالمونَ عُلُوًّا كبيرًا - وهذا هو الذي أَرَدْنَا أن نوضحَه لكم - أيها الإخوانُ - من مذهبِ السلفِ الذي هو طريقُ سلامةٍ محققةٍ مبنيٌّ على أساسِ تنزيهِ اللَّهِ عن مشابهةِ خلقِه، وعلى أساسِ تصديقِ اللَّهِ ورسولِه فيما مَدَحَ اللَّهُ به نفسَه، أو مَدَحَهُ به رسولُه تصديقًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ، مع وقوفِ العقلِ البشريِّ عند حَدِّهِ، وعدم إدراكه بكنهيةِ كيفيةِ الاتصافِ.

وقد بَيَّنَّا أن هذا طريقُ سلامةٍ محققةٍ لَا شكَّ فيها، لا تستلزمُ تَبِعَةً ولا محذورًا ولا خوفًا ولا قلقًا؛ لأنه أمرٌ واضحٌ في نورِ القرآنِ العظيمِ تنزيهُ ربِّ

ص: 379

العالمين، وتصديقُ ربِّ العالمين، وتصديقُ رسولِه تصديقًا مَبْنِيًّا على أساسِ التنزيهِ، والبعدِ عن مشابهةِ الخلقِ، ووقوفِ العقلِ عند حَدِّهِ، وعدمِ تَعَدِّيهِ لطورِه، فهذا طريقِ سلامةٍ محققةٍ لَا يشكُّ فيها عاقلٌ أبدًا، وَبَيَّنَّا أن ما يسمونَه مذهبَ [الخلفِ]

(1)

يستلزمُ بلايا أَوْضَحْنَاهَا فَأَغْنَى ذلك عن إعادتِها اليومَ، ولا يأمنُ معتقدُها أن تأتيَه منها بلايا يومَ القيامةِ قد لا يتخلصُ منها.

فالذي نُوصِي به أنفسَنا وإخوانَنا المسلمين تقوى اللَّهِ، وأن لا يَتَهَجَّمُوا على صفاتِ اللَّهِ بِأَنَّ ظاهرَها غيرُ لائقٍ، وأنه ظاهرٌ خبيثٌ، وأن لا يَتَهَجَّمُوا بِنَفْيِهَا، بل ينزهونَ خالقَهم أولاً ثم يصدقونَه فيما مَدَحَ به نفسَه، فيؤمنونَ بما أثبتَ لنفسِه إيمانًا مَبْنِيًّا على أساسِ ذلك التنزيهِ على نحوِ:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ويعلمونَ أن عقولَهم المسكينةَ المخلوقةَ عاجزةٌ عن إدراكِ الإحاطةِ وكيفيةِ الكُنْهِ: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110)} [طه: الآية 110] وإنما أَكْثَرْنَا من تكرارِ هذه المسألةِ لشدةِ الحاجةِ إليها؛ ولأن كثيرًا من الناسِ يدَّعي على صفاتِ اللَّهِ أن ظاهرَها غيرُ لائقٍ، وأنه خبيثٌ، ثم ينفيها ويأتي ببدلِها من تلقاءِ نفسِه، وهذه أمورٌ قد لَا تُخْرِجُ صاحبَها عِنْدَ اللَّهِ، قد لا يتخارجُ منها لأنه كأنه يقولُ لِلَّهِ: هذا الذي مَدَحْتَ به نفسَك في كتابك مُعَلِّمًا خلقَك أن يمدحوك به، ظاهرُه خبيثٌ نجسٌ لا يليقُ، ثم ينفيه، ثم يأتي بتأويلٍ آخَرَ من تلقاءِ نفسِه، هذه الطريقُ شائكةٌ غيرُ مأمونةٍ، ولاسيما إذا وجدَ الناسُ مَنْ يُبَيِّنُ لهم ما تحتَها من المخاطرِ، وَيُبَيِّنُوا لهم المعتقدَ السلفيَّ الصحيحَ الواضحَ الذي لَا إشكالَ فيه ولا لبسَ، ولا خطرَ

(1)

في الأصل: «السلف» وهو سبق لسان.

ص: 380

ولا مخطورَ، وهذا معنَى قولِه:{ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} .

ثم بَيَّنَ (جل وعلا) من صفاتِ كمالِه وجلالِه أنه استوى على العرشِ، وأنه كما أنه اسْتَوَى على عرشِه استواءً لائقًا بجلالِه وكمالِه كما قال مع ذلك هو يُدَبِّرُ شؤونَ الدنيا ويدبرُ السمواتِ والأرضَ وَمَنْ فيهما.

{يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} قرأَ هذا الحرفَ حمزةُ والكسائيُّ وشعبةُ عن عاصمٍ: {يُغشِّي الليل النهار} مضارعُ غَشَّاهُ يُغَشِّيه.

وقرأه بقيةُ القراءِ السبعة

(1)

: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} [الأعراف: آية 54] مضارعُ أغشاه يُغْشيه. وأغشى وغَشَّى بالهمزةِ والتضعيفِ معناهما واحدٌ، ويأتي كُلٌّ منهما في القرآنِ بمعنَى الآخرِ، وتكونُ في كل منهما قراءتانِ (يُغشي) و (يُغَشِّي).

أما في قولِه: {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (54)} [النجم: آية 54] فقد أَجْمَعَ القراءُ كلُّهُمْ على التضعيفِ.

وقولُه: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} [يس: آية 9] أَجْمَعُوا كُلُّهُمْ على الهمزةِ وعدمِ التشديدِ.

ومعنَى: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} العربُ تقولُ: أَغْشَاهُ الشيءُ يغشيه. إذا جعلَه غشاءً له وساترًا ومغطيًا له. معناه: يجعلُ الليلَ مُغْشِيًا للنهارِ، أي: مُغَطِّيًا ضوءَ النهارِ بظلامِه، يذهبُ بضوءِ النهارِ ويغطي ضوءَه بظلامِ الليلِ.

وهذا من غرائبِ صنعِه وعجائبِ آياتِه. وفي الآيةِ محذوفٌ دَلَّ المقامُ عليه، أي: وَيُغْشِي النهارُ الليلَ أيضًا، فيأتِي ضوءُ النهارِ وَيغْشَى ظلامَ الليلِ فَيُذْهِبُهُ ويحل محلَّه، كما قال: {وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي

(1)

مضى عند تفسير الآية (99) من سورة الأنعام.

ص: 381

لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38)} [يس: الآيتان 37، 38] فالإتيانُ بالليلِ بدلَ النهارِ والإتيانُ بالنهارِ بدلَ الليلِ من أعظمِ آياتِ اللَّهِ - جل وعلا - الدالة على أنه المعبودُ وحدَه، وأنه الربُّ وحدَه، ومع كونِ الليلِ والنهارِ آيتين فَهُمَا أيضًا نعمتانِ عظيمتانِ من أعظمِ نِعَمِ اللَّهِ على خَلْقِهِ، فهما جامعانِ بينَ كونِهما آيتين وكونهما نعمتين، وَبيَّنَ أنهما آيتانِ بقولِه:{وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ} [فصلت: آية 27] وَبَيَّنَ أنهما نعمتانِ وآيتانِ في مواضعَ كثيرةٍ من أصرحِها سورةُ القصصِ حيث قال فيها: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72)} [القصص: الآيتان 71، 72] ثم بَيَّنَ أنهما نعمتانِ بعدَ بيانِ أنهما آيتانِ قال: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ} [القصص: آية 73] يعنِي النهار.

فجعل الليلَ مُظْلِمًا مُنَاسِبًا للسكونِ والهدوءِ وعدمِ الحركةِ ليستريحَ الناسُ من كَدِّ الأعمالِ والتعبِ في النهارِ، ثم يجعلُ النهارَ مُضِيئًا مُنِيرًا مُنَاسِبًا لِبَثِّ الناسِ في حوائجِهم واكتسابِ معايشهم في نورٍ ساطعٍ من غيرِ فتيلةٍ ولَا زيتٍ ولَا حاجةٍ إلى مؤنة، بل هو ضوءُ السراجِ الذي خَلَقَهُ اللَّهُ وجعلَ نورَه سبيلاً للأسودِ وللأحمرِ بلَا ثَمَنٍ، يسعونَ فيه إلى معايشهم، وهذا مِنْ عظائمِ قدرتِه ومن عجائبِ مِنَنِهِ وإنعامِه - جل وعلا - على خَلْقِهِ؛ ولذا قال:{يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} .

{يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} [الأعراف: آية 54] الحثيثُ: أصلُ الحثِّ في

ص: 382

لغةِ العربِ: الإسراعُ والاستعجالُ

(1)

. أي: يطلبُه طَلَبًا حَثِيثًا مسرعًا غايةَ الإسراعِ فلَا يُمْهِلُهُ دقيقةً، عندما ينتهي وقتُ النهارِ فإذا الليلُ يطلبُه طلبًا مسرعًا فيحلُّ محلَّه في أسرعِ ما يكونُ، وليس بينَهما واسطةٌ بحيث تكونُ ليست من النهارِ ولَا من الليلِ. فـ (حثيثًا) نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: طلبًا حثيثًا، أي: مُسْرِعًا. أو بمعنَى الحالِ، أي: حالَ كونِه حاثًّا، أي: مُسْرِعًا شديدَ الإسراع لا يمهلُه ساعةً

(2)

.

وَاللَّهُ - جل وعلا - ذَكَرَ أن الليلَ - هنا - يطلبُ النهارَ طلبًا حثيثًا، والمفسرونَ [يقولون]

(3)

: يتبعُه تبعَ الطالبِ. والعادةُ المقررةُ عندَ العلماءِ: أن ظاهرَ القرآنِ لَا يجوزُ العدولُ عنه إلا لدليلٍ يجبُ الرجوعُ إليه

(4)

. فلا مانعَ من أن اللَّهَ - جل وعلا - يخلقُ في الليلِ إدراكًا يكونُ يطلبُ به النهارَ؛ لأنه يخلقُ الإدراكَ في الجماداتِ والأشياءِ التي لَا إدراكَ لها، كما قال جل وعلا:{وَإِن مِّنْ شَيْءٍ إِلَاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لَاّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: آية 44] وكما قال - جل وعلا - في الحجارةِ: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: آية 74] فَصَرَّحَ أن الحجرَ وهو جمادٌ يهبطُ من أعلى الجبلِ من خشيةِ اللَّهِ. وقد ثَبَتَ في صحيحِ البخاريِّ في القصةِ المشهورةِ الصحيحةِ أن الجذعَ الذي كان يخطبُ عليه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا تَحَوَّلَ عنه إلى المنبرِ

(1)

انظر: ابن جرير (12/ 483)، القرطبي (7/ 221)، الدر المصون (5/ 342).

(2)

انظر: القرطبي (7/ 221)، البحر المحيط (4/ 309)، الدر المصون (5/ 342).

(3)

في الأصل: «يقول» .

(4)

مضى عند تفسير الآية (56) من سورة البقرة.

ص: 383

وافتقدَ الجذعُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم حَنَّ حنينَ العشارِ، والصحابةُ يسمعونَ، حتى جاءَه صلى الله عليه وسلم يُسْكِتُهُ كما تُسْكِتُ الأُمُّ وَلَدَهَا

(1)

.

وذلك الحنينُ بإدراكٍ خَلَقَهُ اللَّهُ في ذلك الجذعِ لَا نعلمُه. وقد ثَبَتَ في صحيحِ مسلمٍ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال وهو الصادقُ المصدوقُ: «إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَرًا فِي مَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ»

(2)

وأمثالُ هذا كثيرةٌ في الكتابِ وَالسُّنَّةِ، كقولِه:{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} [الأحزاب: آية 72] والإشفاقُ: الخوفُ. فنسبَ الخوفَ والإشفاقَ للسماواتِ والأرضِ والجبالِ وهي جماداتٌ، وصرَّح بأنه يعلمُ مِنَ الجماداتِ ما لا يعلمُه خلقُه حيث قال:{وَإِن مِّنْ شَيْءٍ إِلَاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لَاّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: آية 44] فلا مانعَ عَقْلاً من أن يجعلَ اللَّهُ للظلامِ المعبَّرِ عنه بالليلِ إدراكًا يطلبُ به النهارَ، لَا مانعَ عَقْلاً من ذلك، ولا ينبغي أن يُصْرَفَ القرآنُ عن ظاهرِه المتبادرِ منه إلا بدليلٍ يجبُ الرجوعُ إليه.

وعامةُ المفسرين يقولونَ: إن معنَى {يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} [الأعراف: آية 54] أي: يُسْرِعُ تَابِعًا له، كما يفعلُه الطالبُ. مع زعمِهم أن الليلَ ليس عندَه إدراكٌ يطلبُ به؛ لأنه ظلامٌ، ومعروفٌ أن الليلَ ظلامٌ، ولكن اللَّهَ قادرٌ على كُلِّ شيءٍ. وهذا معنى قوله:{يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} .

وكذلك النهارُ يطلبُ الليلَ حثيثًا، أي: طلبًا بإسراعٍ جِدًّا. وبعضُ المفسرينَ يذكرُ هنا مسائلَ الأفلاكِ وحركاتِها، وحركةَ الفلكِ

(1)

مضى تخريجه عند تفسير الآية (37) من سورة الأنعام.

(2)

السابق.

ص: 384

الأعظمِ، وَكُلُّ ذلك من علومِ الهيئةِ التي لا ينبغي أن تُدْخَلَ في القرآنِ. وعلومُ الهيئةِ قد أشارَ القرآنُ العظيمُ إلى أنها ليست تحتَها فوائدُ لها طائلٌ؛ لأن أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم سألوه - وَالْمَلَكُ يَغْدُو وينزلُ، والوحيُ يأتي - عن هيئةِ القمرِ، قالوا له: يا نَبِيَّ اللَّهِ ما بالُ الهلالِ يبدو دقيقًا ثم لم يَزَلْ يكبرُ حتى يستديرَ بَدْرًا

(1)

؟ وهذا سؤالٌ عن هيئةِ القمرِ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم لا يجوزُ في حقِّه تأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ فيما للأمةِ فيه حاجةٌ. فلم يُبَيِّنْ لهم شيئًا مما يَزْعُمُهُ أصحابُ الهيئة؛ لأن أصحابَ الهيئةِ يزعمونَ أن القمرَ جرمٌ ظلمانيٌّ لا نورَ - أصلاً - فيه، إلا أنه جرمٌ صقيلٌ، والجرمُ الصقيلُ يقبل سطوعَ النورِ فيه كالمرآةِ إذا قَابَلَهَا شعاعُ الشمسِ يسطعُ فيها. ويقولون: إن القمرَ تشرعُ الشمسُ في البعدِ منه حتى يتمَّ البعدُ، فإذا تم البعدُ تَكَامَلَ شعاعُ الشمسِ؛ لأن شعاعَ الشمسِ عندهم يتسربُ من وراءِ التكورِ الأرضيِّ فيقابلُه القمرُ فيسطعُ فيه كما يسطعُ نورُ الشمسِ في المرآةِ، فيظهرُ ذلك النورُ للناسِ.

يقولونَ: إن البعدَ يتمُّ ليلةَ أربعَ عشرةَ، وعند ذلك يتسربُ نورُ الشمسِ من وراءِ التكورِ الأرضيِّ إلى وجهِ القمرِ الذي يلي أهلَ الأرضِ فيتمُّ نورُه تمامًا، ثم يبدأ القمرُ من القربِ إلى الشمسِ في ليلةِ خمسةَ عشرةَ من الشهرِ، فعندَ ذلك يبدأ نورُ الشمسِ يتسربُ من وجهِ القمرِ الذي يلي الأرضَ إلى وجهِه الأعلى الذي يلي ما فوقَه من السماءِ فيكونُ ليلةَ خمسةَ عشر وجهُه الأعلى كَلَيْلَةِ الهلالِ، يطلعُ قليلٌ من النورِ إلى وجهِه الأعلى ثم يزدادُ القربُ ليلةَ السادس عشر فينتقلُ نورُ الشمسِ من وجهِه الأعلى، حتى تكونَ ليلةُ الهلالِ فيتمُّ القربُ فيكونُ

(1)

مضى تخريجه عند الآية (96) من سورة الأنعام.

ص: 385

جميع نورِ الشمسِ في طرفِ القمرِ الأعلى، ولا يظهرُ منه إلا قليلٌ في خفافِ القمرِ هو الهلالُ، والقمرُ هنالك مُسْتَتِرٌ مظلمٌ لَا يُرى منه إلا الشمسُ الذي نزلَ إليه الضوءُ من أعلاه وهو ما يرونه الهلالَ. هكذا يقولون من هذه المقالات، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم جاءه القرآنُ بالإعراضِ عن جميعِ هذه المقالاتِ كُلِّهَا وعدمِ الالتفاتِ إليها، فأجابَ قولَهم:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: آية 189] فَبَيَّنَ المقصودَ منها وفائدتَها الدنيويةَ، وَتَرَكَ ما لَا فائدةَ فيه؛ لأن المُشَرِّعَ كالطبيبِ يأتِي بما فيه الفائدةُ ويدعُ ما لا فائدةَ فيه.

ومن هنا عُرِفَ أن الهيئةَ لَا فائدةَ فيها، وما يزعمُه بعضُ الأفدامِ الذين لَا عقولَ لهم ولا حياءَ من أن المانعَ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم من أن يعلمَهم الهيئةَ الجغرافيةَ القمريةَ وَيُبَيِّن لهم الهيئةَ العلويةَ أن عقولَهم عاجزةٌ قاصرةٌ وأن الإفرنجَ وأذنابَ الإفرنجِ هم الذين كانت لهم عقولٌ عَرَفُوا بها هذا، فهذا من الهوسِ والجنونِ؛ لأَنَّ أكملَ الناسِ عقولاً وأثقبَهم أذهانًا أصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وَاللَّهُ يمدُّهم بنورِ الوحيِ الذي ينزلُ به الْمَلَكُ من السماءِ؛ ولذلك بَيَّنَ القرآنُ أن النظرَ في الهيئةِ العليا ليس تحتَه نتيجةٌ ولا طائلٌ، ومن غرائبِ القرآنِ أن [9/ ب] هذا البابَ الذي قَفَلَهُ القرآنُ / فتحَه الإفرنجُ بعد عشراتِ القرونِ ففتحوه عن كفرياتٍ وتكذيباتٍ للوحيِ السماويِّ وخيمة ليس تحتَها طائلٌ، لَا يُسْتَفَادُ منها في أمورِ الدنيا، وإنما تُسْتَفَادُ منها عقلياتٌ كافراتٌ كاذبةٌ.

والفلاسفةُ من اليونانيين من أرسطاطاليسَ وأصحابِه لَمَّا قسَّموا علومَ الفلسفةِ إلى قسمةٍ سداسيةٍ، وَقَسَّمُوهَا إلى فلسفةٍ رياضيةٍ،

ص: 386

وفلسفةٍ منطقيةٍ، وفلسفةٍ إلهيةٍ، وفلسفةٍ طبيعيةٍ، وفلسفةٍ نفسيةٍ، وفلسفةٍ تشريعيةٍ

(1)

قَسَّمُوهَا هذه القسمةَ السداسيةَ، وَبَحَثُوا في كُلِّ قِسْمٍ منها. قَسَّمُوا القسمَ الرياضيَّ منها - وهو الفلسفةُ الرياضيةُ منقسمةٌ - إلى ثلاثةِ أقسامٍ: وهي الهندسةُ، والحسابُ، والهيئةُ.

أما الهندسةُ والحسابُ: فَكِلَاهُمَا مَبْنِيٌّ على مقدماتٍ عقليةٍ يقينيةٍ، وقواعدَ حقيقيةٍ مُنْطَبِقَةٍ لَا يَشُكُّ فيها عاقلٌ، فهي علومٌ مبنيةٌ على مقدماتٍ عقليةٍ وأساسٍ يقينيٍّ؛ ولذلك لا يتطرقُها خطأٌ إلا من جهةِ الناظرِ فيها؛ وَلِذَا لا تجدُ فيلسوفًا يأتِي ويقولُ: فكرةُ الفيلسوفِ الفلانيِّ في الحسابِ خاطئةٌ. أو فكرتُه في الهندسةِ خاطئةٌ؛ لأن الحسابَ والهندسةَ من الفلسفةِ الرياضيةِ كِلَاهُمَا مركبٌ في مقدماتٍ عقليةٍ صحيحةٍ لَا خطأَ فيها.

أما النوعُ الثالثُ من الفلسفةِ الرياضيةِ - وهو الهيئةُ - فقد أَطْبَقَ أهلُه على أنه لم يكن مَبْنِيًّا على مقدماتٍ عقليةٍ، ولا قواعدَ يقينيةٍ، وإنما مَبْنَاهُ تخميناتٌ، وظنونٌ أكثرُ ما تكونُ كاذبةً، وربما صَدَقَتْ؛ ولذا تجدُ الفيلسوفَ يقولُ: نظرةُ الفيلسوفِ الفلانيِّ في كذا - في الشمسِ، أو في القمرِ، أو في طبقاتِ الجوِّ، أو في كذا - نظرةٌ خاطئةٌ، بل الحقُّ كذا وكذا؛ لأنها لم تُبْنَ على مقدماتٍ يقينيةٍ، ولا قوانينَ عقليةٍ، بل مَبْنَاهَا ظنونٌ وتخميناتٌ. وهذه الظنونُ والتخميناتُ أَضَلَّتْ كثيرًا من الرعاعِ الْمُتَسَمِّينَ باسمِ المسلمين، يُكَذِّبُونَ نصوصَ القرآنِ ونصوصَ السنةِ نَظَرًا إلى أقوالِ كفرةٍ فجرةٍ في شيءٍ لَا أساسَ لهم فيه، فقضيةُ الفلسفةِ الهيئيةِ من الفلسفةِ الرياضيةِ

(1)

انظر: كشف الظنون (2/ 1289).

ص: 387

كُلُّ دَلِيلِهَا ما يُسَمُّونَهُ في المنطقِ: شَرْطِيَّةً متصلةً لزوميةً يستثنونَ فيها نقيضَ التالِي فينتجونَ نقيضَ المُقدَّمِ أو عينَ المقدمِ، فينتجونَ عينَ التالِي في زَعْمِهِمْ، والربطُ بَيْنَ اللازمِ والملزومِ؛ أَعْنِي المُقدمَ والتالِيَ قد يكونُ رَبْطًا منفكًا، فيقولونَ: لو لم تكن الشمسُ تدورُ حولَ نفسِها لكان كذا وكذا، لو لم يكن الكوكبُ الفلانيُّ بمسافةِ كذا وعلى قَدْرِ كذا لكانَ كذا وكذا، أَوَلَمْ يكن كذا وكذا. وهي أمورٌ لا طائلَ تحتَها.

وعلينا جميعًا أن نلتزمَ هذا الأساسَ: كُلُّ ما خَالَفَ كتابَ اللَّهِ مخالفةً صريحةً فيجبُ علينا أن نجزمَ بأن مَنْ قَالَهُ كاذبٌ كافرٌ ملعونٌ، كالذي يقولُ: إن الشمسَ ساكنةٌ وأنها لا تتحركُ، وينفِي عنها اسمَ الجريانِ ويقولُ: لا تَجْرِي، فهذا كافرٌ ملحدٌ مُكَذِّبٌ نصوصَ القرآنِ؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ:{وَالشَّمْسُ تَجْرِي} [يس: آية 38] فالذي ينفِي عنها الجريانَ الذي أَثْبَتَهُ اللَّهُ مُحَادٌّ لِلَّهِ، مناقضٌ لكلامِ اللَّهِ، علينا أن نُكَفِّرَهُ ونكذبه. وكذلك مَنْ يقولُ: إن القمرَ لَا يجري؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ: {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} [لقمان: آية 29] فَمَا نَاقَضَ القرآنَ مناقضةً صريحةً فيجبُ علينا أن نكذبَه، وما وافقَ القرآنَ أو السُّنَّةَ الصحيحةَ علينا أن نتقبلَه، وما لم يناقض القرآنَ ولا السنةَ الصحيحةَ مناقضةً صريحةً فيجبُ علينا أن لَا نقدمَ على تكذيبِه وأن لا نتجرأَ على أنه كَذِبٌ خَوْفَ أن يكونَ حَقًّا، وإذا كان حَقًّا ظَنَّ القائلونَ به المتمسكونَ به أن القرآنَ كَذِبٌ؛ لأنه قيل لهم: إنه يخالفُ القرآنَ. والقرآنُ في نفسِ الأمرِ لا يخالفُ نظريةً صحيحةً أبدًا؛ لأنه كلامُ اللَّهِ الحقُّ المقطوعُ بأنه حَقٌّ، والحقُّ لا يُخَالِفُ حَقًّا أبدًا، فعلينا أن نَتَثَبَّتَ، وأن لَا نتسرعَ في الشيءِ الذي لا يكونُ القرآنُ صريحًا في

ص: 388

نَفْيِهِ، ولا نَنْفِيهِ إلا بتثبتٍ تَامٍّ ويقينٍ؛ لئلَاّ نجنيَ على القرآنِ ونشككَ الناسَ في أنه حَقٌّ، ونقول: ظاهرُ القرآنِ كذا، والذي يتبادرُ لنا كذا، وإن وقع خلافُه فهو من قصورِ فَهْمِنَا، والقرآنُ بَرِيءٌ من كُلِّ ما لَيْسَ بِحَقٍّ، فَكُلُّهُ حَقٌّ، ولا يناقضُ حَقًّا.

ومن ذلك أن الأولين من أصحابِ الهيئةِ كانوا يظنونَ أن الجرمَ الواحدَ يستحيلُ أن يكونَ كُرَةً وَسَطْحًا، ويزعمونَ أن كُلَّ جسمٍ كرويٍّ يستحيلُ أن يكونَ سَطْحًا، ويقولونَ: إن الأرضَ كرويةٌ. والذين يقولونَ: إن الكرويَّ لَا يكونُ سَطْحًا نقولُ له: زعمُك الكرويةَ أنتَ فيه كافرٌ كَذَّابٌ؛ لأَنَّ اللَّهَ يقولُ: {وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)} [الغاشية: آية 20] فالأرضُ سطحٌ لَا شَكَّ فيه؛ لأن الله - جل وعلا - صَرَّحَ بأنها سَطْحٌ. أما حُذَّاقُهُمُ المتأخرونَ الذين يقولونَ: لَا تَنَافِيَ بينَ الكرةِ والسطحِ؛ لأن الجسمَ الكبيرَ قد يكونُ ارتفاعُه الكرويُّ مُدَرَّجًا تدريجًا دقيقًا دقيقًا دقيقًا حتى يكونَ سطحًا، ولا يظهرُ الارتفاعُ الكرويُّ إلا في جميعِ المجموعةِ العظيمةِ مع كِبَرِهَا. فهذا نقولُ له: لا مانعَ من ذِكْرِكَ أنها كرةٌ؛ لأنك تقولُ بأنها سطحٌ، وَتُصَدِّقُ رَبَّنَا في أنها سطحٌ. والحذاقُ من المسلمين الذين نَظَرُوا في حقيقةِ الأرضِ كُلُّهُمْ زعموا أنها كرةٌ، وكذلك الذي يَقْتَضِيهِ الدليلُ العقليُّ أن الأرضَ كرويةٌ، إلا أنها سطحٌ يَقِينًا كما قاله رَبُّ العالمين؛ لأن الارتفاعَ الكرويَّ في الأرضِ مدرجٌ تدريجًا دقيقًا دقيقًا بَالِغٌ من غايةِ الدقةِ ما لا يُنَافِي السطحيةَ، وتكونُ الأرضُ معه سَطْحًا، ولا يظهرُ الارتفاعُ إلا في المجموعةِ الكبيرةِ.

والحاصلُ أن كُلَّ ما نَاقَضَ صريحَ القرآنِ فهو كَذِبٌ باطلٌ يجبُ

ص: 389

علينا تكذيبُه وتكفيرُ صاحبِه إن أُنْذِرَ ولم يَتُبْ، وما لم يُنَاقِضِ القرآنَ مناقضةً صريحةً فعلينا أن لا نَعْجَلَ ولا نَتَجَرَّأَ ولَا نقول على طول: هذا كَذِبٌ لأنه يناقضُ القرآنَ!! بل نَتَثَبَّتُ ولا نحكمُ على نظريةٍ أنها تناقضُ القرآنَ إلا بتحقيقٍ ويقينٍ وكونِ القرآنِ صريحًا في ذلك. وغير ذلك نقول: الذي يظهرُ لنا من ظاهرِ القرآنِ كذا، وهذا الذي نفهمُه، فإن كان فَهْمُنَا صحيحًا فالأمرُ كما فَهِمْنَا، وإن كان غيرَ ذلك فالقصورُ مِنَّا وَمِنْ فَهْمِنَا، وكتابُ اللَّهِ حَقٌّ لَا يأتيه الباطلُ من بَيْنِ يديه وَلَا من خلفِه، لا يخالفُ نظريةً صحيحةً.

وقولُه جل وعلا: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} [الأعراف: آية 54] قرأ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدا ابنَ عامرٍ: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} بنصبِ الأسماءِ الأربعةِ؛ فقولُه: {الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} معطوفاتٌ على قولِه: {السَّمَاوَاتِ} {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ} وخلقَ الشمسَ والقمرَ، وخلقَ النجومَ في حالِ كونِ المذكوراتِ مسخراتٍ بِأَمْرِهِ.

وقرأه ابنُ عامرٍ وحدَه: {والشمسُ والقمرُ والنجومُ مسخراتٌ بأمره}

(1)

فعلى قراءةِ ابنِ عامرٍ بالرفعِ: (الشمسُ) مبتدأٌ، وما بعدَه معطوفٌ عليه، وخبرُ المبتدأِ:{مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ}

(2)

.

والتسخيرُ: التذليلُ. فقد سَخَّرَ الشمسَ لمنافعِ هذا الْخَلْقِ؛ ولأنها آيةٌ عُظْمَى كما قال: {وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13)} [النبأ: آية 13]

(1)

انظر: المبسوط لابن مهران ص209.

(2)

انظر: حجة القراءات ص284.

ص: 390

يُطْلِعُهَا في كُلِّ يومٍ، ويسيرها بحسابٍ معلومٍ طرقها وسيرها بتسخيرِ رَبِّ العالمينَ دائبة. وكذلك سَخَّرَ القمرَ على سَيْرِهِ المعتادِ، وحسابِه المعروفِ، نعرفُ بهما عددَ السنين والشهورِ والحسابَ، وكذلك سَخَّرَ النجومَ ليهتديَ بها خَلْقُهُ، وليزينَ بها السماءَ، ويطردَ بها الشياطينَ. فهذه المخلوقاتُ العظامُ العلويةُ سَخَّرَهَا خالقُ السماواتِ والأرضِ للاعتبارِ بها، ولمنافعِ خَلْقِهِ منها؛ لأَنَّ اللَّهَ جعلَ في الشمسِ والقمرِ منافعَ عظيمةً في الثمارِ والمعادنِ والنباتاتِ والحيواناتِ وغيرِ ذلك بحكمتِه - جل وعلا - وَعَدْلِهِ، حتى إنك لترى النخلةَ التي في الظلِّ دائمًا بين النخلِ لا يُصِيبُهَا شعاعُ الشمسِ تَرَاهَا رديئةَ الحملِ جِدًّا، كما يأتي إيضاحُه في قولِه:{لَاّ شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ} [النور: آية 35] وهذا معنَى قولِه: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} .

{أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} (ألا) حرفُ استفتاحٍ وتنبيهٍ. (له) أي: لِلَّهِ (جل وعلا) وحدَه {الْخَلْقُ} لأنه خالقُ كُلِّ شيءٍ.

وأصلُ الخلقِ في لغةِ العربِ

(1)

: التقديرُ، فَكُلُّ شيءٍ قَدَّرْتَهُ فقد خَلَقْتَهُ. فإذا رأيتَ الْحَذَّاءَ - صاحبَ النعالِ - أكرمكم اللَّهُ - يأخذُ بسوادٍ كَفَحْمٍ أو غيرِه ليقيسَ قدرَ ما يقطعُ من النعلِ يُسَمِّى ذلك (خَلْقًا) فإذا قطعَه يقال:(فَرَاهُ) ومن هذا قولُ زهيرِ بنِ أَبِي سُلمى

(2)

:

وَلأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ

وَبَعْضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي

(1)

مضى عند تفسير الآية (54) من سورة البقرة.

(2)

السابق.

ص: 391

يعني: تُقَدِّرُ الأمرَ ثم تُنْفِذُهُ، وبعضُ الناسِ يقدرُه ثم يعجزُ عن تنفيذِه. وَاللَّهُ - جل وعلا - يُقَدِّرُ الأشياءَ قبلَ أن يُوقِعَهَا ثم يَفْرِيهَا ويبرؤها مُطَابِقًا لِمَا قدر سابقًا، وتنفيذًا لِمَا سَبَقَ في عِلْمِهِ الأَزَلِيِّ. فهذا معنَى (الخلقِ) {لَهُ الْخَلْقُ} كما قال:{الْخَالِقُ الْبَارِئُ} [الحشر: آية 24] يعنِي: يَخْلُقُهَا وَيُقَدِّرُهَا ثم يبرؤها وَيَفْرِيهَا وينجزها.

{وَالأَمْرُ} لأَنَّ اللَّهَ خالقُ كُلِّ شيءٍ، وله الأمرُ، هو الذي وحدَه له الأمرُ، يأمر بما شاءَ بأوامرِه الكونيةِ وأوامرِه الشرعيةِ، فلَا أَمْرَ كونيًّا قدريًّا إلا له، ولا أمر شرعيًّا دينيًّا إلا له. وكان سفيانُ بنُ عيينةَ رحمه الله وجماعةٌ من السلفِ يستدلونَ بهذه الآيةِ من سورةِ الأعرافِ على أن القرآنَ ليس بمخلوقٍ

(1)

؛ لأن الأمرَ في القرآنِ كقولِه: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ} [يس: آية 82]{إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ} [النحل: آية 40] فالقرآنُ فيه الأوامرُ الكونيةُ القدريةُ، وفيه الأوامرُ الشرعيةُ، وَاللَّهُ - جل وعلا - جَعَلَ الأمرَ وحدَه والخلقَ وحدَه، فَتَبَيَّنَ أن القرآنَ ليس دَاخِلاً في جملةِ المخلوقِ. وهذا الاحتجاجُ معروفٌ عندَ أهلِ السنةِ. ومناقشاتُ القائلين بخلقِ القرآنِ فِي الاستدلالِ بهذه الآيةِ كثيرةٌ طويلةٌ يَضِيعُ علينا الوقتُ بِتَتَبُّعِهَا من غيرِ طائلٍ. والحقُّ الذي لا شَكَّ فيه أن القرآنَ غيرُ مَخْلُوقٍ، وأنه كلامُ اللَّهِ منه بَدَأَ وإليه يعودُ، فكلامُ اللَّهِ ليس بمخلوقٍ.

وإنما نَشَأَتْ محنةُ القولِ بخلقِ القرآنِ في أيامِ المأمونِ،

(1)

انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (2/ 219).

ص: 392

ولم تَزَلْ مستحكمةً مستفحلةً أيامَ المأمونِ، وأيامَ المعتصمِ، وأيامَ الواثقِ بِاللَّهِ، ثم أَزَالَ اللَّهُ المحنةَ على يدِ المتوكلِ على اللَّهِ جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا.

وقد ذَكَرْنَا مرارًا

(1)

أن أولَ مصدرٍ لكبحِ هذه الفتنةِ وَجِمَاحِهَا في أيامِ الواثقِ قضيةُ الشيخِ الشاميِّ، وهو عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الأذرميُّ في قصتِه المشهورةِ؛ لأن العلماءَ عُذِّبُوا في القولِ بِخَلْقِ القرآنِ، وَامْتُحِنُوا غايةَ الامتحانِ. وكانوا وقتَ المناظراتِ مِمَّا يستدلونَ به آيةُ الأعرافِ هذه، فيقولونَ: اللَّهُ جعلَ الخلقَ على حِدَةٍ والأمرَ على حِدَةٍ، والأمرَ في القرآن؛ لأن أمرَه بكلامِه فكلامُه غيرُ داخلٍ في خَلْقِهِ. وهم صَادِقُونَ، ومناقشاتُ الذين يُجَادِلُونَهُمْ معروفةٌ. وكان حاملُ رايةِ تلكَ المحنةِ: أحمدَ بنَ أَبِي دؤاد الإياديَّ جَازَاهُ اللَّهُ بما هو أَهْلُهُ. وقد قُتِلَ فيها كثيرٌ من العلماءِ، وَامْتُحِنَ خَلْقٌ من العلماءِ، وَدَاهَنَ كثيرٌ منهم، وَضُرِبَ أيامَ المعتصمِ بالله في محنةِ القولِ بالقرآنِ سيدُ المسلمين في زمانِه: الإمامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ حنبلٍ - تَغَمَّدَهُ اللَّهُ برحمته، وَجَزَاهُ عن الإسلامِ والمسلمين خَيْرًا - ضُرب أيام الواثق، لم يزل يُضْرَب حتى يُرْفَعَ من محلِّ الضربِ لا يدري ليلاً من نهارٍ، غائبَ العقلِ من شدةِ الضربِ المبرحِ الأليمِ!! وإذا أَفَاقَ يقولونَ له: قُلِ القرآنُ مخلوقٌ. يقول: لَا وَاللَّهِ، القرآنُ كلامُ اللَّهِ غيرُ مخلوقٍ، صفةُ اللَّهِ، منه بَدَأَ وإليه يعودُ، لا أقولُ مخلوقٌ. وذكروا أن ذلك الشيخَ الشاميَّ هو أولُ مَنْ يَسَّرَ اللَّهُ على يديه خمودَ القولِ بمحنةِ القرآنِ، وأن الواثقَ بالله لم يَمْتَحِنْ بعدَه أحدًا.

وقد ذَكَرَ الخطيبُ في

(1)

مضى عند تفسير الآية (144) من سورة الأنعام.

ص: 393

تاريخِ بغدادَ وغيرِه روايتَه، وذكر ابنُ كثيرٍ في تاريخِه أن السندَ الذي ذَكَرَهَا به الخطيبُ فيه مَنْ لَا يُعرف

(1)

. إلا أن القصةَ مشهورةٌ معروفةٌ، لم يَزَلِ العلماءُ يستدلونَ بها قديمًا وحديثًا، والاستدلالُ بها صحيحٌ لَا شَكَّ فيه، ودليلُها الصحيحُ الذي اسْتَدَلَّ به هو المعروفُ في الأصولِ بـ (السَّبْرِ والتقسيمِ) وفي علومِ الجدلِ بـ (التقسيمِ والترديدِ) وفي علومِ المنطقِ بـ (الشرطيِّ المنفصلِ) وحاصلُه أن القصةَ التي ذَكَرَهَا الخطيبُ في تاريخِ بغدادَ ذَكَرَهَا من طريقِ محمدِ بنِ الواثقِ قال: كان أبي إذا أَرَادَ أن يقتلَ أحدًا أَحْضَرَنِي، وَجِيءَ بشيخٍ من الشامِ مكبَّلاً بالحديدِ، وهو عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الأَذْرَميُّ رحمه الله شيخُ أبي داودَ والنسائيِّ، جِيءَ به مُكَبَّلاً بالحديدِ يريدونَ أن يقتلوه إن لم يَقُلْ إن القرآنَ مخلوقٌ. قال محمدُ بنُ الواثقِ: فأحضرني أبي فَجِيءَ بذلك الشيخِ مُكَبَّلاً بالحديدِ، فقال للواثقِ: السلامُ عليكَ يا أميرَ المؤمنين.

فقال له الواثقُ بالله: لَا سَلَّمَكَ اللَّهُ.

فقال الشيخُ: بِئْسَ مَا أَدَّبَكَ مُؤَدِّبُكَ يا أميرَ المؤمنين!! اللَّهُ يقولُ: {وَإِذَا حُيِّيْتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: آية 86] وَاللَّهِ مَا حَيَّيْتَ بأحسنَ منها ولا رَدَدْتَهَا.

فقال الواثقُ: ائذنوا لأبي عبدِ اللَّهِ. يعني أحمدَ بنَ أبِي دؤادَ - جازاه اللَّهُ بما هو أهلُه - فحضر ابنُ أبي دؤاد، فقال له الواثقُ: نَاظِرْ هذا الرجلَ (في بعضِ رواياتِ القصةِ أن ذلك الشيخَ الشاميَّ المكبلَ بالحديدِ قال: ابنُ أَبِي دؤاد أحقرُ وأصغرُ من أن يُنَاظِرَنِي).

(1)

السابق.

ص: 394

فقال ابنُ أبِي دؤاد لذلك الشيخِ: ما تقولُ في القرآنِ؟

قال: مَا أَنْصَفْتَنِي. يعنِي: وَلِي السؤالُ.

فقال له ابنُ أبي دؤاد: سَلْ.

فقال الشيخُ الشاميُّ لابنِ أبِي دؤاد: ما تقولُ في القرآنِ؟

قال: مخلوقٌ.

قال: أَسْأَلُكَ: هَلْ مَقَالَتُكَ هذه التي تدعو الناسَ إليها وَتُغْرِي [أميرَ]

(1)

المؤمنين بتقتيلِ العلماءِ وتعذيبِهم وامتحانِهم في شأنِها هَلْ كان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَالِمًا بها؟ وهل كان خلفاؤُه الراشدونُ عَالِمِينَ بها؟ وهل كان عَالِمًا بها أبو بكر وعمرُ وعثمانُ وَعَلِيٌّ، أو كانوا جَاهِلِينَ بها؟!

فقال ابنُ أبي دؤاد: كانوا جَاهِلِينَ بها.

فقال الشيخُ الشاميُّ: مَا شَاءَ اللَّهُ، ما شاء الله، جَهِلَهَا رسولُ اللَّهِ وَعَلِمَهَا ابنُ أبِي دؤادٍ!!

فقال ابنُ أبِي دؤادٍ: أَقِلْنِي، والمناظرةُ على بَابِهَا.

فقال له الشيخُ الشاميُّ: هو كذلك. ثم قال له: ما تقولُ في القرآنِ؟

قال: مخلوق.

قال: مقالتُك هذه - أنه مخلوقٌ - التي تدعو الناسَ إليها هل كان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وخلفاؤُه الراشدونُ، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي عَالِمِينَ بها أو جَاهِلِينَ؟

(1)

ما بين المعقوفين [

] زيادة يقتضيها السياق.

ص: 395

قال: كانوا عَالِمِينَ بها ولم يدعوا الناسَ إليها.

فقال الشيخُ الشاميُّ: أَلَمْ يَسَعْكَ يا ابنَ أَبِي دؤادٍ ما وَسِعَ رسولَ اللَّهِ في أُمَّتِهِ؟ أَلَمْ يَسَعْكَ يا ابنَ أبي دؤادٍ ما وسع الخلفاءَ الراشدين في رعاياهم من المسلمين؟ فقام الواثقُ من مَوْضِعِهِ، وسقطَ من عينِه ابنُ أبي دؤاد، ولم يمتحن بعدَها أحدًا في خَلْقِ القرآنِ. وَذَكَرَ عنه الخطيبُ أنه تابَ من القولِ بخلقِ القرآنِ، إلا أنه لم يُظْهِرْهُ، وإنما أظهرَ السنةَ المتوكلُ على اللَّهِ. وفي القصةِ: أن الواثقَ خَرَجَ إلى مَحَلِّ خلوتِه واضطجعَ على قفاه ووضعَ رجلَه على ركبتِه ثم قال: جَهِلَهَا رسولُ اللَّهِ وَعَلِمَهَا ابنُ أَبِي دؤادٍ!! ما شاء الله، جَهِلَهَا رسولُ اللَّهِ وَعَلِمَهَا ابنُ أبِي دؤادٍ!! ثم قال: علمها رسول الله وخلفاؤه ولم يَدْعُوا الناسَ إليها، أَلَمْ يَسَعِ ابنَ أبي دؤادٍ ما وَسِعَ رسولَ اللَّهِ وخلفاءَه الراشدينَ؟ وسقط من عينه، ثم أمر بالحدادِ فَفَكَّ الحديدَ عن الشيخِ الشاميِّ، وأعطاه أربعمائة دينارٍ، وقال له: ارْجِعْ إلى أَهْلِكَ رَاشِدًا. هكذا يقولونَ.

والشاهدُ: أن مِنْ أَدِلَّةِ مَنْ يُمتحنون في القولِ بخلقِ القرآنِ آيةُ الأعرافِ هذه يقولونَ: إن الأمرَ إنما هو بكلامِه، وقد جَعَلَهُ على حِدَةٍ عن الخلقِ حيث قال:{أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف: آية 54] فَدَلَّ على أن الأمرَ ليس من الخلقِ، وأن كلامَ اللَّهِ الذي هو أمرُه ليس بمخلوقٍ. هكذا يستدلونَ. واستدلَّ به قبلَ المحنةِ سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ وغيرُه. ومناقشاتُ القائلين بخلقِ القرآنِ في الاستدلالِ في هذه الآيةِ كثيرةٌ معروفةٌ. وهذا معنَى قولِه:{أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} .

{تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: آية 54](تبارك)

ص: 396

معناه: تَعَاظَمَ وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ - جل وعلا- وأصلُ تَبَارَكَ: (تفاعل) إذا كَثُرَتْ بركاتُه وخيراتُه. وَاللَّهُ - جل وعلا - هو المتعالِي المتنزهُ عن كُلِّ شيءٍ، المتقدسُ الأعظمُ، الذي يُفِيضُ الخيرَ على خَلْقِهِ.

وقولُه: {رَبُّ الْعَالَمِينَ} العَالَمُونَ: جمعُ العَالَمِ

(1)

، وهو من الملحقاتِ بالجمعِ المذكرِ السالمِ؛ لأنه ليس بوصفٍ ولا عَلَمٍ، فهو ملحقٌ بالجمعِ المذكرِ السالمِ، لا جمعَ مذكرٍ سَالِمًا. وقد بَيَّنَ اللَّهُ في سورةِ الشعراءِ أن العالمينَ يشملُ السماواتِ والأرضَ وما بينَهما وَمَنْ فيهما، كما قال:{قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُم مُّوقِنِينَ (24)} [الشعراء: الآيتان 23، 24].

{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)} [الأعراف: آية 55] لَمَّا بَيَّنَ - جل وعلا - أنه العظيمُ الأعظمُ، خالقُ السماواتِ والأرضِ وخالقُ الشمسِ والقمرِ والنجومِ، وَمُسَخِّرُ الجميعِ، وَبَيَّنَ عظمتَه وجلَالَه، أَمَرَ خَلْقَهُ الضعافَ المساكينَ أن يسألوه ويدعوه ليأتيَهم بما يطلبونَ، ويكشفَ عنهم من الضرِّ ما يسألونَ كَشْفَهُ، والمرادُ بذلك: كأنه يقولُ: أنا العظيمُ الأعظمُ الجبارُ، الذي خَلَقَ السماواتِ والأرضَ والكواكبَ العظامَ، وأنا خالقُ كُلِّ شيءٍ، وأنتم عبادي الفقراءُ الضعافُ فَادْعُونِي؛ لأَنَّ الدعاءَ يستشعرُ به الدَّاعِي ذُلَّهُ وفقرَه وضعفَه وحاجتَه، ويستشعرُ به عظمةَ مَنْ يدعو، وأنه عَالِمٌ بكل شيءٍ، لا يَخْفَى عليه دعاؤُه

(1)

مضى عند تفسير الآية (47) من سورة البقرة.

ص: 397

ولو كان في أَخْفَى الخفاءِ، وأنه عظيمٌ قادرٌ على كُلِّ شيءٍ، قادرٌ على أن يُذْهِبَ عنه بالضرِّ ويأتيه بالخيرِ، فالدعاءُ مُخُّ العبادةِ، وهو مِنْ أعظمِ العباداتِ إذا كان مُخْلَصًا فيه لِلَّهِ؛ ولذا أَمَرَ اللَّهُ خَلْقَهُ به في هذه الآية:{ادْعُوا رَبَّكُمْ} أَيْ: خالقَكم وسيدَكم ومدبرَ شؤونكم، ادعوه:{تَضَرُّعًا} تَضَرُّعًا: مصدرٌ مُنَكَّرٌ حالٌ. أي: في حالِ كونِكم متضرعين. والتضرعُ: (التفَعُّل) من الضراعةِ. والعربُ تقولُ: ضَرَعَ فلانٌ لفلانٍ. إذا ذَلَّ له وَخَشِعَ

(1)

. أي: ادْعُوهُ تَضَرُّعًا، أي: في حالِ كونِكم متضرعينَ أذلَاّءَ خاشعينَ له - جل وعلا - مستشعرينَ ذُلَّكُمْ وفقرَكم وحاجتَكم، وعظمةَ ربكم وكبرياءَه، وشدةَ فقرِكم إليه، وشدةَ غِنَاهُ عنكم. وَكُلُّ ذليلٍ خاشعٍ تُسَمِّيهِ العربُ:(ضارعًا)، وهو معروفٌ في كلامهم، ومنه قولُ الشاعرِ

(2)

:

ليُبْكَ يَزِيدٌ ضَارِعٌ لِخُصُومَةٍ

وَمُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوَائِحُ

وقولُه: {وَخُفْيَةً} قرأ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدَا شعبةَ عن عَاصِمٍ: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} بضمِّ الخاءِ، وهو (فُعْلَة) من الخفاءِ الذي هو ضِدُّ العلانيةِ والجهرِ. وقرأه شعبةُ وحدَه عن عاصمٍ:{ادعوا ربكم تضرعًا وخِفْية} بكسرِ الخاءِ

(3)

. وَالْخُفْيَةُ والخِفيةُ لغتانِ. فهي (فُعلة) و (فِعلة) من الخفاءِ. لغتانِ فصيحتانِ، وقراءتانِ سبعيتانِ.

ومعنَى ادعوه خُفْيَةً: أي لِيَكُنْ دعاؤكم في خفاءٍ. وكان السلفُ الصالحُ رضي الله عنهم من الصحابةِ فَمَنْ بعدَهم يجتهدونَ في الدعاءِ ولَا يُسْمَعُ لهم شيءٌ، إنما هو هَمْسٌ خَفِيٌّ فيما بينَهم وبينَ

(1)

مضى عند تفسير الآية (42) من سورة الأنعام.

(2)

السابق.

(3)

انظر: المبسوط لابن مهران ص196.

ص: 398

ربهم؛ لأن إخفاءَ الدعاءِ أبعدُ من الرياءِ، ولأنه يدلُّ على ثقةِ العبدِ بأن رَبَّهُ عَالِمٌ بِمَا خَفِيَ وما ظَهَرَ لَا يَخْفَى عليه شيءٌ. فالدعاءُ الخفيُّ أفضلُ وأعظمُ من الدعاءِ الذي هو [جهرًا]

(1)

وعلانيةً، وقد أَثْنَى اللَّهُ بخفاءِ الدعاءِ على عبدِه زكريا في قولِه:{كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3)} [مريم: الآيات 1 - 3] فتعليمُ رَبِّ العالمين أن اللَّهَ يأمرُك أن تدعوه في جميعِ حوائجِك إذا اضْطُرِرْتَ إلى شيءٍ فَادْعُ خالقَ السماواتِ والأرضِ يُيَسِّرْهُ لكَ، وإذا نَابَكَ أمرٌ، أو حَزَبَكَ مكروهٌ، أو دَهَمَتْكَ خطوبٌ فَادْعُ خالقَ السماواتِ والأرضِ، وَتَضَرَّعْ إليه بِذُلٍّ واستكانةٍ في دعاءٍ خَفِيٍّ لَا يسمعُه أحدٌ؛ لأن اللَّهَ - جل وعلا - السرُّ عندَه علانيةٌ، إذا أسررتَ به يعلمُه ولا يَخْفَى عليه، ولو هَمَسْتَ به في نفسِك كما قال تعالى:{فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: آية 7].

ومن هذه الآيةِ الكريمةِ أَخَذَ الإمامُ أبو حَنِيفَةَ وأصحابُه حُكْمًا فِقْهِيًّا وهو عدمُ رفعِ الصوتِ بـ (آمين) إذا قال الإمامُ: {وَلَا الضَّالِّينَ} قالوا: إن (آمين) دعاءٌ؛ لأن معناها: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ. وَاللَّهُ - جل وعلا - يقولُ: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: آية 55] قالوا: الأمرُ بإخفاءِ الدعاءِ نصٌّ صريحٌ في القرآنِ المتواترِ المعصومِ، فلَا تُعَارِضُهُ الأحاديثُ التي وَرَدَتْ بإظهارِ التأمينِ

(2)

؛ لأنه جاءَ بعضُ الأحاديثِ أن أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كان إِذَا قَرَأَ: {وَلَا الضَّالِّينَ} رَفَعُوا أصواتَهم بآمين حتى تَرْتَجَّ

(1)

في الأصل «سرًّا» ، وهو سبق لسان.

(2)

انظر: الهداية (1/ 48 - 49)، القرطبي (1/ 129)، (7/ 224)، ابن كثير (1/ 31).

ص: 399

الجدرانُ

(1)

. والقاعدةُ المقررةُ في أصولِ أبِي حنيفةَ رحمه الله: أنه لا يُقَدِّمُ الخاصَّ على العامِّ؛ لأن دلالةَ العامِّ عندَه على أفرادِه قطعيةٌ

(2)

، فَكُلُّ فردٍ داخلٌ في العامِّ كأنه نُصَّ عليه بِنَصٍّ خَاصٍّ، ولا يُقَدَّمُ الخاصُّ على العامِّ بل يُنْظَرُ في الخاصِّ والعامِّ إذا عَرَفَ المتأخر منهما نَسَخَ به الأولَ، وإذا لم يَعْرِفِ المتأخرَ منهما احْتَاطَ

(3)

؛ ولأجلِ هذه القاعدةِ المقررةِ في أصولِ أبي حنيفةَ رحمه الله كان يقولُ بوجوبِ الزكاةِ في كُلِّ ما خَرَجَ من الأرضِ ولم يَبْلُغْ خمسةَ أَوْسُقٍ، ولا نصفَ وسقٍ، ولا ربعَ وسقٍ؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا قال:«لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ»

(4)

قال أيضًا: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ»

(5)

وكان أبو حنيفةَ لا يَرَى تقديمَ الخاصِّ على العامِّ.

قال: يتعارضُ هذا العامُّ وهو قولُه: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» مع الخاصِّ الذي هو قولُه: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» لأن العامَّ عند أبي حنيفةَ قَطْعِيُّ الشمولِ لأفرادِه إلا ما أخرجَه دليلٌ، فَكَأَنَّ كُلَّ فردٍ من أفرادِ العامِّ عندَه دَلَّ عليه نَصٌّ مُسْتَقِلٌّ. فنظر أبو حنيفةَ في التاريخِ فلم يَعْرِفْ تاريخهما أيهما السابقُ، هل الأولُ الذي قال النبي:«فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» أو قوله: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» ؟ فلما جَهِلَ التاريخَ احتاطَ لوجوبِ

(1)

أخرجه ابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة فيها، باب الجهر بآمين. حديث رقم (853)، (1/ 277 - 278)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وهو عند أبي داود في الصلاة، باب التأمين وراء الإمام. حديث رقم:(922)، (3/ 208). وليس فيه:«فيرتج بها المسجد» ، وهو في ضعيف ابن ماجه برقم (182)، والسلسلة الصحيحة (1/ 754).

(2)

مضى عند تفسير الآية (131) من سورة الأنعام.

(3)

السابق.

(4)

السابق.

(5)

السابق.

ص: 400

الزكاةِ احتياطًا لبراءةِ الذمةِ والخروجِ من عهدةِ التكليفِ بالزكاةِ. وكذلك في هذه الآيةِ قال: إن الأحاديثَ التي جاءت برفعِ الصوتِ في التأمينِ أخبارُ آحَادٍ. ولو فَرَضْنَا أنها متأخرةٌ؛ لأن الظاهرَ أنها متأخرةٌ؛ لأن هذه السورةَ - سورةَ الأعرافِ - من القرآنِ النازلِ بمكةَ إلَاّ ثمان آياتٍ منها تأتِي في قولِه: {واسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ} الآياتِ.

أما غيرُها في سورةِ الأعرافِ فهي من القرآنِ النازلِ بمكةَ قبلَ الهجرةِ. وأحاديثُ التأمينِ بالصلاةِ هي في المدينةِ متأخرةٌ عنها، إلا أن القاعدةَ المقررةَ فِي أصولِ الإمامِ أَبِي حنيفةَ رحمه الله أنه لَا تُنْسَخُ المتواتراتُ بأخبارِ الآحَادِ، والأحاديثُ أخبارُ آحادٍ، والإسرارُ بالدعاءِ متواترٌ؛ لأن قولَه هنا في سورةِ الأعرافِ:{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} نَصٌّ متواترٌ ظاهرُ الدلالةِ يدلُّ على إخفاءِ الدعاءِ، و (آمين) هي مِنَ الدعاءِ؛ لأن معناها: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ.

وَهُنَالِكَ قولٌ ضعيفٌ شَاذٌّ يقولُ: إن (آمين) من أسماءِ اللَّهِ تعالى

(1)

. وعلى هذا القولِ قال بعضُ أصحابِ أبي حنيفةَ: لو قَدَّرْنَا أن (آمين) من أسمائِه تعالى فَاللَّهُ يقولُ: {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ} [الأعراف: آية 205] كذا يقولونَ!

والعلماءُ الذين يقولونَ: إن القضاءَ بالمتأخرِ، يقولونَ: إن هذا عَامٌّ، ورفعُ الأصواتِ بالتأمينِ خاصٌّ، ولَا يتعارضُ عامٌّ وخاصٌّ. وهذا مذهبُ الجمهورِ المقررُ في أصولِ الشافعيةِ والحنبليةِ والمالكيةِ أن الخاصَّ يَقْضِي على العامِّ ويقدم عليه، وكذلك المقيدُ على المطلقِ سواء تقدمَ أو تأخرَ عنه كما هو معروفٌ في الأصولِ. وهذا معنَى قولِه:{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} .

(1)

انظر: القرطبي (1/ 128).

ص: 401

{إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} {إِنَّهُ} جل وعلا: {لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: آية 55] في الدعاءِ ولَا في غيرِه. وقد جاء حديثٌ في ابنِ ماجه وغيرِه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّهُ يَكُونُ فِي أُمَّتِي قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ»

(1)

.

والاعتداءُ فِي الدعاءِ على أنواعٍ كثيرةٍ

(2)

: منها: الذي يَصِيحُ بالدعاءِ صِيَاحًا مُزْعِجًا، ومنها: الذي يَسْأَلُ اللَّهَ أن يعطيَه مَرْتَبَةَ النبيين في الجنةِ، أو فوقَ مرتبةِ النبيين، فهذا اعتداءٌ في الدعاءِ، وقد جاءَ عن عَبْدِ اللَّهِ بنِ مغفلٍ رضي الله عنه أنه سَمِعَ ابنًا له يقولُ:«اللهم إني أسألك القصرَ الأبيضَ الذي عن يمينِ الجنةِ إذا أدخلتني الجنةَ»

(3)

(1)

ورد هذا الحديث من رواية سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مغفل رضي الله عنهما، وهو جزء من حديثيهما الآتيين.

(2)

في هذه المسألة راجع: مسائل الإمام أحمد (رواية صالح)(1/ 171)، الفروع (1/ 458)، الفتاوى (10/ 713 - 714)، الفروق للقرافي (4/ 259 - 265)، تفسير القرطبي، والقاسمي، والمنار، للآية رقم (55) من سورة الأعراف. الدعاء للطرطوشي (154 - 155)، تلخيص الاستغاثة (93 - 95)، بدائع الفوائد (3/ 12 - 14)، تصحيح الدعاء من الغلط والاعتداء لبكر أبو زيد، الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية لجيلان بن خضر العروسي.

(3)

أخرجه أحمد (4/ 86، 87)، (5/ 55)، وابن أبي شيبة (10/ 288)، وعبد بن حميد في المنتخب برقم (499)، وأبو داود في الطهارة، باب الإسراف في الوضوء. حديث رقم (96)، (1/ 169). وابن ماجه في الدعاء. باب كراهية الاعتداء في الدعاء حديث رقم (3864)، (2/ 1271)، وابن حبان (الإحسان 8/ 269)، والبيهقي (1/ 196)، والحاكم (1/ 540)، من حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه. وهو في الفتح السماوي (2/ 637)، صحيح أبي داود (87)، صحيح ابن ماجه (3116)، المشكاة (418)، الإرواء (140). وقد حسنه ابن كثير في التفسير (2/ 222).

ص: 402

فهذا من الاعتداءِ في الدعاءِ. وعن بعضِ الصحابةِ أنه سَمِعَ ولدَه يقولُ: «اللهم إني أسالكَ الجنةَ وحورَها ونعيمَها وكذا وكذا، وأعوذُ بكَ من النارِ وسلاسلِها وأغلالِها وكذا وكذا وكذا. قال: هذا من الاعتداءِ في الدعاءِ، يَكْفِيكَ أن تقولَ: اللهم إني أسالكَ الجنةَ وما قَرَّبَ إليها من قولٍ وعملٍ، وأعوذُ بكَ من النارِ وما قَرَّبَ إليها مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ»

(1)

.

فَاللَّهُ جل وعلا: {لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} الْمُجَاوِزِينَ في الحدودِ، سواء كان في الدعاءِ أو في غيرِ الدعاءِ من مجاوزةِ ما ينبغي إلى ما لا ينبغي كما هو عامٌّ، وهي وإن نَزَلَتْ في الدعاءِ فالعبرةُ بعمومِ الألفاظِ لا بخصوصِ الأسبابِ.

ونحن وإن كنا نعلمُ أن الإخفاءَ في الدعاءِ أفضلُ من [الجهرِ]

(2)

به وندعو غالبًا في هذا المجلسِ دعاءً ظاهرًا قَصْدُنَا به أن يَسْمَعَنَا إخوانُنا ويُؤَمِّنُّونَ لنا فنكونَ مجتمعين على الدعاءِ في هذا الشهرِ المباركِ، ولو أَسْرَرْنَا الدعاءَ لَمَا سَمِعُوهُ وَلَمَا أَمَّنُوا لنا، والمُؤَمِّنُ أحدُ الدَّاعِيَيْنِ، وقد نَصَّ على ذلك القرآنُ؛ لأن اللَّهَ في سورةِ يونسَ قال عن نَبِيِّهِ موسى:{وَقَالَ مُوسَى} ذَكَرَ موسى وحدَه: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيَضِلُّوا

(1)

أخرجه أحمد (1/ 172، 183)، وابن أبي شيبة (10/ 288)، وأبو يعلى (2/ 71)، والطيالسي رقم (200)، وأبو داود في الصلاة، باب الدعاء .. حديث رقم (1467)، (4/ 353)، من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. وهو في صحيح أبي داود (1313)، وانظر: الزيلعي على أحاديث الكشاف (1/ 462)، تخريج ابن حجر على الكشاف ص64، الفتح السماوي (2/ 636).

(2)

في الأصل: «الإسرار» وهو سبق لسان.

ص: 403

عَنْ سَبِيلِكَ} [يونس: آية 88] وفي القراءةِ الأخرى

(1)

: {لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ} {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ} ثم قال: {قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا} [يونس: آية 89] فجعل الداعيَ اثنين، والداعي في الآيةِ واحدٌ، وهو {قَالَ مُوسَى} قالوا: لأن هارونَ أَمَّنَ، والمُؤمِّنُ أَحَدُ الدَّاعِيَيْنِ. ومن هنا أخذ بعضُ العلماءِ أن قراءةَ الإمامِ إذا قال المأمومُ (آمين) تَكْفِي المأمومَ؛ لأن اللَّهَ سَمَّى المُؤَمِّنَ داعيًا، كما ذَكَرَهُ بعضُ العلماءِ

(2)

.

{وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57) وَالبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَاّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُنَ (58)} . [الأعراف: الآيات 56 _ 58]

يقول اللَّهُ جل وعلا: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (56)} [الأعراف: آية 56] لَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ (جل وعلا) عظمتَه، وأنه خالقُ كُلِّ شيءٍ المستحقُّ لأَنْ يُطَاعَ فلَا يُعْصَى، وأن يُذْكَرَ فلا يُنْسَى، وأن يُعْبَدَ وحدَه نَهَى عن الفسادِ في الأرضِ بعدَ إصلاحِها، وَأَمَرَ بأن يدعوه عبادُه خوفًا وطمعًا قال:{وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} المرادُ بالإفسادِ في الأرضِ يشملُ الشركَ بالله وسائرَ المعاصي؛ لأن مِنْ أعظمِ الفسادِ في الأرضِ الشركَ بِاللَّهِ. والشركُ بالله ومعاصيه قد يَحْبِسُ اللَّهُ بسببِها المطرَ فتموت الْحُبَارَى في وَكْرِهَا، وَالْجُعَلُ في جُحْرِهِ، بسببِ ذنوبِ بنِي آدمَ.

(1)

انظر: الإتحاف (2/ 119).

(2)

انظر: ابن كثير (2/ 429).

ص: 404

وقولُ الضحاكِ وغيرِه: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ} ولَا تُغَوِّروا الأنهارَ، وَتَدْفِنُوا المياهَ الجاريةَ، وتقطعوا الأشجارَ المثمرةَ

(1)

. كُلُّ ذلك داخلٌ في هذا، وربما كان قَطْعُ الشجرِ مصلحةً للمسلمين إذا كان فيه حصارٌ للكفرةِ ومضرةٌ عليهم

(2)

، كما يأتي فيما وَقَعَ في بني النضيرِ في قولِه:{مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ} أي: من نخلةٍ {أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} [الحشر: آية 5] ومن الفسادِ في الأرضِ: قطعُ الدنانيرِ، وإفسادُ السكةِ، وَكُلُّ معصيةٍ لله وضرر على المسلمين وشرك بالله، جميعُ هذا من الفسادِ في الأرضِ الذي نَهَى اللَّهُ عنه؛ لأَنَّ طاعةَ اللَّهِ كُلَّهَا صلاحٌ يستوجبُ المطيعون بها رحمةَ اللَّهِ ونعيمَه وعافيتَه:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: آية 2 - 3]{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: آية 4] فطاعةُ اللَّهِ وتقواه سببٌ لإدرارِ الأرزاقِ والعافيةِ كما قال تعالى عن نَبِيِّهِ نوحٍ: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12)} [نوح: الآيات 10 - 12] وقال عن نَبِيِّهِ هودٍ أنه قال لقومِه: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} إلى قولِه: {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} [هود: آية 52] وهذا متكررٌ في القرآنِ. والمعاصِي والشركُ كُلُّهَا إفسادٌ في الأرضِ، وطاعةُ اللَّهِ واتباعُ أوامرِه كُلُّهَا إصلاحٌ في الأرضِ.

ومعنَى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ} [الأعراف: آية 56] أي: بالشركِ والمعاصِي وجميعِ أنواعِ الفسادِ.

(1)

انظر: القرطبي (7/ 226).

(2)

المصدر السابق (7/ 227)، (9/ 84)، (18/ 8).

ص: 405

{بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} بعدَ أن أَصْلَحَهَا اللَّهُ بأن بَعَثَ فيها الرسلَ الكرامَ، وعلَّموا أوامرَ اللَّهِ ونواهيَه، وما به صلاحُ الدنيا والآخرةِ، فإن مَبْعَثَ الرُّسُلِ تستقيمُ به أمورُ الدنيا، ويصلحُ به جميعُ الشؤونِ مما يُصْلِحُ الدنيا والآخرةَ، فَمَنْ جاءَ لأمورِ الناسِ وهي صالحةٌ قائمةٌ على أوامرِ اللَّهِ وشرعِه الذي جاءت به رُسُلُهُ وغيَّر في ذلك وَأَفْسَدَ وأشركَ وعصى فقد أَفْسَدَ في الأرضِ بعدَ إصلاحِها. وهذا هو الأظهرُ في معنَى الآيةِ.

وقولُه جل وعلا: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الأعراف: آية 56] قال بعضُهم: {وَادْعُوهُ} معناه: اعْبُدُوهُ. وقال بعضُهم: هو الدعاءُ بمعنَى المسألةِ والطلبِ لجلبِ الخيرِ وَدَفْعِ الضُّرِّ. والدعاءُ من أعظمِ أنواعِ العبادةِ.

وَبَيَّنَ (جل وعلا) أن الداعيَ ينبغي له إذا دَعَا رَبَّهُ أو عبدَ رَبَّهُ يستشعرُ الخوفَ من اللَّهِ والطمعَ فيه، فيكونُ طامعًا في ثوابِ اللَّهِ ورحمتِه واستجابةِ دعائِه لِمَا يعلمُ من فضلِ اللَّهِ وكرمِه ورحمتِه ورأفتِه بعبادِه. فَعَلَى الداعِي أن يكونَ خائفًا طامعًا. وبهذا يُعْلَمُ أن ما يقولُه بعضُ مَنْ غَلَا: أن مَنْ عَبَدَ اللَّهَ لأجلِ الخوفِ من الله، أو لأجلِ الطمعِ فيه أن عبادتَه ناقصةٌ!! لأنه مُتَاجِرٌ بعبادتِه ليدفعَ عنه الخوفَ، أو يستجلبَ له الطمعَ، وأن الأكملَ أن يكونَ عَبَدَ اللَّهَ لعظمةِ اللَّهِ وإجلالِه. هكذا يقول بعضُهم! وخيرُ الْهَدْيِ هَدْيُ كتابِ

(1)

اللَّهِ، وقد أَمَرَنَا في دعائِه أن ندعوه خائفين من عذابِه وعقابِه وَنَكَالِهِ، طَامِعِينَ في فضلِه ورحمتِه ورأفتِه وَجُودِهِ وما عندَه من الخيرِ؛ لأن مطامعَ العقلاءِ محصورةٌ في أَمْرَيْنِ هما: جلبُ النفعِ، ودفعُ الضُّرِّ.

وإذا كان

(1)

في الأصل: «كتاب الله صلى الله عليه وسلم» . وهذا سبق لسان.

ص: 406

من يَعْبُدُ اللَّهَ أو من يدعو اللَّهَ مستشعرًا الخوفَ من الله والطمعَ في ثوابِه وما عندَه من الخير كان الخوفُ والطمعُ جَنَاحَيْنِ يطيرُ بهما إلى الاستقامةِ وإلى ما ينبغي.

وهذا يُعْلَمُ منه أنه ينبغي للمسلمِ أن يكونَ في جميعِ أحوالِه إذا دعا اللَّهَ أو عَبَدَ اللَّهَ أن يكونَ جامعًا بين الخوفِ من الله والطمعِ فيما عندَ اللَّهِ (جل وعلا)، فَلَا يَتْرُكِ الرجاءَ لئلَاّ يكونَ من القَانِطِينَ {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: آية 87] ولا يَتْرُكِ الخوفَ فيأمن مَكْرَ اللَّهِ؛ لأنه لا يأمنُ مكرَ اللَّهِ إلا القومُ الخاسرونَ فيكونُ خائفًا من اللَّهِ، طامعًا راجيًا في فضلِ اللَّهِ.

والعلماءُ يقولونَ

(1)

: ينبغي للإنسانِ وهو في أيامِ صحتِه أن يُغلِّبَ الخوفَ دائمًا على الرجاءِ، وأن يكونَ خوفُه أغلبَ من رجائِه، فإذا حضره الموتُ غَلَّبَ الرجاءَ في ذلك الوقتِ على الخوفِ. فلا ينبغي لمؤمنٍ أن يموتَ إلا وهو يُحْسِنُ ظَنَّهُ بالله (جل وعلا)؛ لأن رَبَّهُ رؤوفٌ رحيمٌ كما جاء بذلك الحديثُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم

(2)

.

فالمؤمنُ إذا احتضرَ وَعَلِمَ أن الموتَ قد حضره، وأن أيامَ حياتِه ذاهبةٌ مُدْبِرَةٌ، فهو في ذلك الوقتِ ينبغي له أن يحسنَ ظَنَّهُ بالله، وأن يعلمَ أنه قادمٌ إلى عَفُوٍّ كريمٍ رؤوفٍ رحيمٍ، واللَّهُ عندَ ظَنِّ عبدِه به.

أما في أيامِ صحتِه فيُغلِّبُ الخوفَ من اللَّهِ لئلا يحملَه حُسْنُ الظنِّ على أَمْنِ مكرِ اللَّهِ والتلاعبِ بأوامرِه ونواهيِه. هكذا قال بعضُ أهلِ

(1)

انظر: مدارج السالكين (1/ 517)، فتح الباري (11/ 301).

(2)

مسلم في الجنة في صفة نعيمها وأهلها، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت. حديث رقم (2877)، (4/ 2205).

ص: 407

العلمِ. وقد دَلَّ الحديثُ على أن الإنسانَ لَا ينبغي له أن يموتَ إلا وهو يُحْسِنُ الظنَّ بالله (جل وعلا). وهذا معنَى قولِه: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الأعراف: آية 56].

ثم قال: {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: آية 56] الرحمةُ صفةٌ من صفاتِ اللَّهِ اشْتَقَّ لنفسِه منها اسمَه (الرحمن) واسمَه (الرحيم) وهي صفةٌ كريمةٌ من صفاتِ اللَّهِ تظهرُ آثارُها فيمن شاء أن يرحمَه مِنْ خَلْقِهِ، اشتق من هذه الصفةِ لنفسِه اسمَه (الرحمن) واسمَه (الرحيم) ونحنُ نُثْبِتُ لله ما أثبتَه لنفسِه على أكملِ الوجوهِ وأنزهِها وأقدسِها وأليقِها بالله، وأبعدِها عن مُشَابَهَةِ صفاتِ المخلوقين.

وقولُه: {قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} المحسنونَ جمعُ تصحيحٍ للمحسنِ، والمحسنُ: اسمُ فاعلِ الإحسانِ، والإحسانُ مصدرُ أَحْسَنَ العملَ يُحْسِنُهُ إحسانًا، إذا جاء به حَسَنًا.

والإحسانُ هو الذي خَلَقَ اللَّهُ الخلائقَ من أجلِ الاختبارِ فيه

(1)

. إحسانُ العمل كما قال (جل وعلا) في أولِ سورةِ هودٍ: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هود: آية 7] فَبَيَّنَ أن الحكمةَ في الخلقِ: ابتلاؤُه الخلقَ أيهم أحسنُ عملاً، ولم يَقُلْ: أيهم أكثرُ عملاً. وقال في أولِ سورةِ الكهفِ: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} ثم بَيَّنَ الحكمةَ فقال: {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الكهف: آية 7] وقال في أولِ سورةِ الملكِ: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} ثم بَيَّنَ الحكمةَ فقال: {لِيَبْلُوَكُمْ

(1)

مضى عند تفسير الآية (59) من سورة الأنعام.

ص: 408

أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك: آية 2] والإحسانُ الذي خُلِقْنَا من أَجْلِ الابتلاءِ فيه قد أَرَادَ جبريلُ عليه السلام أن يُنَبِّهَ المسلمين إلى الطريقِ التي يَصِحُّ بها الإحسانُ الذي خُلِقُوا من أَجْلِهِ فجاءَ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في حديثِ جبريلَ المشهورِ

(1)

في صفةِ أَعْرَابِيٍّ، وسأله عن الإيمانِ والإسلامِ، وقال له: يَا مُحَمَّدُ

- صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه - أَخْبِرْنِي عن الإحسانِ؟ أي: وهو الذي خُلِقْتُمْ من أجلِ الاختبارِ فيه. فَبَيَّنَ له النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن إحسانَ العملِ لا يكونُ إلا بالواعظِ الأكبرِ والزاجرِ الأعظمِ وهو مراقبةُ الله، وعلم العبد أنه كأنه ينظر إلى الله (جل وعلا)، وأنه إن كان لم يَرَ اللَّهَ فَاللَّهُ (جل وعلا) يراه. فَمَنْ عَلِمَ أنه بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِ السماواتِ والأرضِ الجبارِ العظيمِ الأعظمِ، وأن اللَّهَ يراه: أَحْسَنَ عَمَلَهُ؛ لأن الإنسانَ - وَلِلَّهِ المثلُ الأعلى - إذا كان أمامَ مَلِكٍ جبارٍ من ملوكِ الدنيا شديدِ البطشِ على مَنْ لَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَهُ، وَأَمَرَهُ بعملٍ، وهو حاضرٌ ينظرُ إليه، لابد أن يَجِدَّ ويحسنَ ذلك العملَ على أكملِ الوجوهِ.

فعلى المؤمنِ أن يستشعرَ أنه بَيْنَ يَدَيْ خَالِقِ السماواتِ والأرضِ، وأن اللَّهَ يراه، وأنه ليس بغائبٍ عنه. فإذا لَاحَظَ هذا ملاحظةً صحيحةً أَحْسَنَ العملَ؛ ولذا قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم مجيبًا لجبريلَ في قولِه: أَخْبِرْنِي عن الإحسانِ. قال صلى الله عليه وسلم: «الإِحْسَانُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» . لأن مَنْ لَاحَظَ هذه الموعظةَ وهذه المراقبةَ أَحْسَنَ عَمَلَهُ.

وفي هذه الآيةِ الكريمةِ من سورةِ الأعرافِ سؤالٌ عربيٌّ مشهورٌ

(1)

مضى عند تفسير الآية (58) من سورة البقرة.

ص: 409

عند علماءِ التفسيرِ، وهو أنه قال:{إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ} ثم قال: {قَرِيبٌ} بصيغةِ التذكيرِ ولم يَقُلْ: قريبةٌ. يقولونَ: الرحمةُ لَفْظُهَا مؤنثٌ فَلِمَ لم يَقُلْ: إن رحمةَ الله قريبةٌ من المحسنين، بل قال: قريبٌ. وللعلماءِ عن هذا السؤالِ العربيِّ أجوبةٌ تزيدُ على العشرةِ

(1)

، كما هي معروفةٌ في علومِ التفسيرِ وبعضِ علومِ العربيةِ، نذكر منها بعضًا فيه كفايةٌ:

منها: أن الرحمةَ مصدرٌ بمعنَى (الرُّحم) والمصدر مذكرُ المعنَى، فمعنَى {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ} أي: إن رُحْمَه بعبدِه قريبٌ. فذكَّره نظرًا لمعنَى الرحمةِ؛ لأن معناها المصدرُ بمعنَى (الرُّحم).

وقال بعضُ العلماءِ: (رحمة الله) هنا يعني أنه يرحمُ العبدَ بالثوابِ، فيكونُ المعنَى: إن ثوابَ اللَّهِ النَّاشِئَ عن رحمتِه بعبدِه قريبٌ من المحسنين.

الوجهُ الثالثُ: هو ما قَرَّرَهُ بعضُ علماءِ العربيةِ: أن القربَ نوعانِ: قربٌ في النَّسَبِ، وقربٌ في المسافةِ المكانيةِ أو الزمانيةِ، أما قربُ النسبِ فالمؤنثةُ فيه يلزمُها التاءُ بلا خلافٍ بينَ علماءِ العربيةِ، فتقولُ: هذه المرأةُ قريبتي. تعنِي في النسبِ. ولا يجوزُ أن تقولَ: قَرِيبِي بلا تاءٍ. فالقرابةُ في النسبِ يلزمُ فيها تاءُ الفرقِ بين الذكرِ والأنثى، فلا يجوزُ - قولاً واحدًا - أن تقول: هذه المرأةُ قريبٌ مِنِّي في النسبِ، بل يلزمُ أن تقولَ: قريبةٌ مني في النسبِ بالتاءِ. أما إن كان القربُ قربَ مكانٍ أو زمانٍ فيجوزُ في المؤنثةِ التأنيثُ والتذكيرُ،

(1)

انظر: ابن جرير (12/ 488)، القرطبي (7/ 227)، البحر المحيط (4/ 313)، الدر المصون (5/ 344 - 346)، أضواء البيان (2/ 322).

ص: 410

فتقول: هذه المرأةُ قريبٌ مني. تعني في المسافةِ لَا في النسبِ. ودارُها قريبٌ من دَارِي. وإن شئتَ قلتَ: قريبةٌ من داري. والكلُّ مسموعٌ في كلامِ العربِ، فتقول: دارُ زيدٍ قريبٌ من دارِ عمرٍو، ودارُ زيدٍ قريبةٌ من دارِ عمرٍو، وهذه المرأةُ الفلانيةُ قريبٌ من فلانٍ. تعنِي في المسافةِ وقريبةٌ منه تعنِي في المسافة، والكلُّ مسموعٌ موجودٌ في كلامِ العربِ، فَمِنْ إدخالِ التاءِ على قرابةِ المسافةِ قولُ عروةَ بنِ حزامٍ

(1)

:

عَشِيَّةَ لَا عَفْرَاءُ مِنِّي قَرِيبَةٌ

فَتَدْنُو، وَلَا عَفْرَاءُ مِنْكَ بَعِيدُ

فقال: «قريبةٌ» بالتاءِ، وهو قربُ مسافةٍ. ومن تجريدِ (القريبةِ) من التاءِ في المسافةِ قولُ امرئِ القيسِ

(2)

:

لَهُ الْوَيْلُ إِنْ أَمْسَى وَلَا أُمَّ هَاشِمٍ

قَرِيبٌ وَلَا البَسْبَاسَةُ ابْنَةُ يَشْكُرَا

فقال: «أم هاشم قريب» . يعنِي في المسافةِ. ومن هذا المعنَى قولُه تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} [الشورى: آية 17] أي: في الزمانِ، ولم يقل قَرِيبَةٌ. {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} [الأحزاب: آية 63].

قال بعضُ أهلِ العلمِ: وجهُ تذكيرِ الرحمةِ: إضافتُها إلى اللَّهِ جل وعلا.

وقال بعضُهم: وَجْهُ تذكيرِها لأنها نَعْتٌ لموصوفٍ محذوفٍ: إن رحمةَ اللَّهِ شيءٌ قريبٌ من المحسنين.

(1)

البيت في ابن جرير (12/ 488)، البحر المحيط (4/ 313)، الدر المصون (5/ 346).

(2)

ديوان امرئ القيس ص65.

ص: 411

والذين يقولونَ: إن رحمةَ اللَّهِ هي رحمتُه لعبدِه في الآخرةِ، يقولونَ: إن الإنسانَ كُلَّ يوم يقربُ من الآخرةِ ويبعدُ من الدنيا؛ لأن ما أَمَامَكَ قريبٌ وما وراءَك بعيدٌ، كما قال الحطيئةُ أو غيرُه

(1)

:

لَعَمْرُكَ مَا السَّعَادَةُ جَمْعَ مَالٍ

وَلَكِنَّ التَّقِيَّ هُوَ السَّعِيدُ

وَمَا لَا بُدَّ أَنْ يَأْتِي قَرِيبٌ

وَلَكِنَّ الَّذِي يَمْضِي بَعِيدُ

فَكَأَنَّ الإنسانَ كُلَّ يومٍ يقربُ من الآخرةِ ويبعدُ من الدنيا؛ لأن ما يستقبلُه الإنسانُ يتقربُ إليه دائمًا، وما يَسْتَدْبِرُهُ يتباعدُ منه دائمًا، والآخرةُ قريبٌ جِدًّا، كما قال:{وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} وهذا معنى قوله: {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} .

والذين يقولونَ: إن رحمةَ اللَّهِ قريبةٌ من عبادِه المحسنين بحصولِها لهم في الدنيا والآخرةِ؛ لأنه في الدنيا يرحمُهم بالتوفيقِ إلى الأعمالِ الصالحةِ وبالعملِ بما يرضيه، كما قال جل وعلا:{إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [النحل: آية 7]{وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: آية 43] فَبَيَّنَ أنه بالمؤمنين رحيمٌ، يرحمهم بالدنيا بما يُيَسِّرُ لهم من التوفيقِ إلى ما يُرْضِيهِ، ويرحمُهم في الآخرةِ بالإدخالِ في دارِ كرامتِه. وهذا معنَى قولِه:{إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} .

{وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57)}

(1)

البيت للحطيئة، وهو في الأمالي (2/ 202)، الآداب الشرعية (3/ 307)، شعر الدعوة الإسلامية ص517، وبين البيتين بيت آخر وهو قوله:

وتقوى الله خير الزاد ذُخرا

وعند الله للأتقى مزيدُ

وصدر البيت الأول: «ولست أرى» .

ص: 412

{وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ} [الأعراف: آية 57] قرأه أكثرُ السبعةِ: {يُرْسِلُ الرِّيَاحَ} بالجمعِ، وقرأه بعضُ السبعةِ:{يرسل الريح} بالإفرادِ. وعلى قراءةِ الإفرادِ فالمرادُ الجنسُ، فلا تُنَافِي قراءةُ الإفرادِ قراءةَ الجمعِ

(1)

.

وقولُه: {بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الأعراف: آية 57] فيه قراءاتٌ كثيرةٌ

(2)

، السبعياتُ منها أربعٌ:{نُشُرًا بين يدي رحمته} {نُشْرًا بين يدي رحمته} {نَشْرًا بين يدي رحمته} {بُشْرًا بين يدي رحمته} هذه القراءاتُ الأربعُ هي السبعياتُ من القراءاتِ التي في هذه الكلمةِ.

فقرأ بعضُهم: {نُشُرًا} بِضَمِّ النونِ والشينِ. وهي قراءةُ نافعٍ وابنِ كثيرٍ وأبي عمرو.

وقرأ بعضُهم: {نُشْرًا} بِضَمِّ النونِ وسكونِ الشينِ. وقرأ بها من السبعةِ: ابنُ عامرٍ وحدَه.

وقرأ بعضُهم: {نَشْرًا} بفتحِ النونِ وسكونِ الشينِ. وهي قراءةُ حمزةَ والكسائيِّ.

وقرأ عاصمٌ وحدَه: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} هذه القراءاتُ السبعيةُ، على أن بعضَ السبعةِ قرأَ (الرياح) وبعضُهم قَرَأَ (الريح).

ومعنى قراءةِ (الريح): جنسُ الرياحِ، فلا تُنَافِي قراءةُ الإفرادِ قراءةَ الجمعِ.

(1)

انظر: المبسوط لابن مهران ص209، الإتحاف (2/ 51).

(2)

انظر: المبسوط لابن مهران ص209،حجة القراءات ص285.

ص: 413

أما مَنْ قَرَأَ: {نُشُرًا} فنشرًا جمعُ ناشرةٍ، أو جمعُ نَشُورٍ، وفيها مَعْنَيَانِ

(1)

: أحدُهما: أنها تنتشرُ أمامَ المطرِ من ها هنا وها هنا، أو أنها تُلَقِّحُ المطرَ الذي به إحياءُ الأرضِ الميتةِ فكأنها تَنْشُرُهُ. والإنشارُ والنشورُ: النشورُ: الحياةُ بعدَ الموتِ، وَأَنْشَرَهُ: أحياه بعدَ الموتِ. وأكثرُهم على أن نُشُرًا جمع نَشُورٍ، أو جمع ناشرةٍ كما قال بعضُهم، كشاهدٍ وشُهُدٍ. ونُشُر هي التي تنتشرُ أمامَ المطرِ فتأتِي منتشرةً من ها هنا ومن ها هنا. وعلى هذا القولِ فهو من الانتشارِ؛ لأَنَّ الريحَ كأنها كانت راكدةً كالشيءِ المطويِّ، فإذا كانت أمامَ المطرِ نُشِرَتْ كما يُنْشَرُ الثوبُ، فجاءت منتشرةً أمامَ المطرِ من ها هنا ومن ها هنا.

وقراءةُ ابنِ عامرٍ: {نُشْرًا بين يدي رحمته} كقراءةِ نافعٍ وابنِ كثيرٍ وأبي عمرٍو إلا أن ابنَ عامرٍ خَفَّفَ الشينَ فسكَّن ضمتَها. كما تقولُ: رسُل ورُسْل، وكتُب وكُتْب، ونُشُر ونشْر. فمعنى قراءةِ ابنِ عامرٍ كالقراءةِ التي قَبْلَهَا، وهو أن اللَّهُ يُرْسِلُ الرياحَ في حالِ كونِها منتشرةً من ها هنا وها هنا أمامَ السحابِ. وهذا من غرائبِ صُنْعِهِ وعجائبِه جل وعلا.

وعلى قراءةِ حمزةَ والكسائيِّ {نَشْرًا} ففيه من الإعرابِ وجهانِ: أحدُهما: أنه ما نَابَ عن المطلقِ من {يُرْسِلُ الرِّيَاحَ} لأَنَّ معنَى (يرسلها) في قوةِ: ينشرُ الرياحَ بين يدي المطرِ نَشْرًا. فتكونُ مفعولاً مُطْلَقًا بالمعنَى من (يرسل). أو أنها مصدرٌ مُنكَّرٌ حَالٌ، أي: يرسلُ الريحَ في حالِ كونِها منتشرةً أمامَ المطرِ، أو ناشرةً كَمَا ذَكَرْنَا.

(1)

انظر: الأضواء (2/ 323).

ص: 414

وعلى قراءةِ حفصٍ: {يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} فالبُشرُ هنا جمعُ البشيرِ؛ لأن الريحَ تُبَشِّرُ بإتيانِ المطرِ بعدها فهي بشيرُ المطرِ، كما يدلُّ عليه قولُه:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} [الروم: آية 46] فإجراءُ الريحِ وانتشارُها من ههنا وهاهنا أمامَ المطرِ مبشرةً به من غرائبِ صنعِه وعجائبِه، ومن عظائمِ نِعَمِهِ على خَلْقِهِ، وهو معطوفٌ على قولِه:{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} هذا الذي خَلَقَ السماواتِ والأرضَ، وأغشى الليلَ النهارَ كذلك هو الذي يُرسل الرياحَ بشرًا بين يدي رحمته.

[10 / أ] / ومعنَى: {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} المرادُ بالرحمةِ هنا: المطرُ؛ لأن المطرَ رحمةُ اللَّهِ يرحمُ بها عبادَه في الدنيا فيكونونَ في جَدْبٍ وفي فَقْرٍ، ومواشيهم على وشكِ الهلاكِ، فيغيثُهم اللَّهُ بالمطرِ، فتنبت زروعُهم وثمارُهم وتنعمُ مواشيهم فتكثر عندَهم اللحومُ والأسمانُ والأزبادُ، وتتوفرُ عندهم الأشعارُ والأصوافُ والأوبارُ، ينسجونَ منها اللباسَ وغيرَه من الفُرُشِ والخيامِ وما جرى مَجْرَى ذلك. فهذا من غرائبِ آياتِه وعظائمِ نِعَمِهِ.

ومعنَى (بَيْنَ يَدَيِ الْمَطَرِ) يعنَي: أمامَ المطرِ قدامَه منتشرةً قدامَه مُبَشِّرَةً به. وهذا من غرائبِ صُنْعِهِ وكبائرِ نِعَمِهِ.

والريحُ اختلفَ الفلاسفةُ في حَدِّهَا، وربما عجزوا عنه. وبعضُهم يقولُ: الريحُ: هواءٌ يتحركُ. والريحُ هي هذا الشيءُ الذي تشاهدونَه وتحسونَه. أما تعريفُهم فقد عسر على مَنْ أَرَادَهُ. وَعَرَّفَهُ بعضُهم بأنه: هواءٌ يتحركُ. وقد سَلَّطَهَا اللَّهُ على قومِ عَادٍ فأهلكتهم عن آخرهم. وهذا معنَى قولِه: {يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}

ص: 415

يعني أمامَ المطرِ. فقد سَمَّى المطرَ (رحمةً) لأن اللَّهَ يرحم به عبادَه فتخصبُ بلادُهم وتنمو زروعُهم ومواشيهم وثمارهم، وهو أصلُ النعمِ الدنيويةِ على الْخَلْقِ؛ ولذا سَمَّاهُ (رحمةً) هنا، وفي قولِه بالرومِ:{فَانْظُرْ إِلَى أَثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [الروم: آية50] وفي القراءةِ الأُخْرَى: {إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ} .

{بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً} [الأعراف: آية 57] من فوائدِ الريحِ: كما أن الله ينشرها مُبَشِّرَةً بالمطرِ منتشرةً أمامَه كذلك يحملُ عليها المطرَ؛ لأن السحابَ هو غيرُ المطرِ بإجماعِ أهلِ اللسانِ، فالسحابُ: الوعاءُ الذي فيه المطرُ. والمطرُ: هو نفسُ الماءِ، وهو نفسُ الوَدْقِ.

وهذه الآيةُ من سورةِ الأعرافِ تُبَيِّنُ أن الماءَ أنه في وعاءٍ، وأن ذلك الوعاءَ ثقيلٌ جِدًّا ثقلاً عظيمًا، وأن اللَّهَ يحملُه - مع ثقلِه - على متنِ الريحِ، ثم إن الريحَ تَذْهَبُ به إلى حيثُ شاءَ اللَّهُ (جل وعلا)، فيسيلُ ذلك المطرُ من الثقوبِ والخلالِ التي في ذلك السحابِ الذي هو الوعاءُ، وقد بيَّن اللَّهُ كيفيةَ هذا في سورةِ النورِ في قولِه:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا} أي: يسوقُ سحابًا: {ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا} أي: مُتَرَاكمًا بعضَه فوقَ بعضٍ {فَتَرَى الْوَدْقَ} وهو نفسُ المطرِ الذي هو الماءُ {يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} [النور: آية 43] أي: من ثقوبِ السحابِ. وخلالُ الشيءِ: ثقوبُه وفروجُه. فهو يتقاطرُ من الثقوبِ والفروجِ التي جَعَلَهَا اللَّهُ في الوعاءِ الذي يحملُ فيه المطر. وَبَيَّنَ أن ذلك الوعاءَ ثقيلٌ جِدًّا في قولِه: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ} [الأعراف: آية 57] أَقَلَّتْ: أي حَمَلَتْ. والعربُ تقولُ. أَقَلَّتْهُ ناقتُه. أي: حَمَلَتْهُ. والمرادُ: أَقَلَّتِ الريحَ، أي:

ص: 416

حَمَلَتِ الريحَ {سَحَابًا} جمعُ سحابةٍ، وهي الوعاءُ الذي فيه الماءُ، وهي المزنةُ.

{ثِقَالاً} جمعُ ثقيلةٍ، أي: سحابةٌ ثقيلةٌ. وسحابٌ - بالجمعِ - ثقال. وَاللَّهُ صَرَّحَ بأنها ثقالٌ، أي: شديدةُ الثقلِ لِمَا هي موقرة به - مملوءةٌ به - من الماءِ

(1)

.

وهذا نَصٌّ صريحٌ من رَبِّ العالمين الذي هو أصدقُ مَنْ يقولُ أن اللَّهَ يجعلُ ماءَ المطرِ في وعاءٍ، وأنه يحملُ تلك الأوعيةَ الثقيلةَ جِدًّا على متنِ الريحِ، ثم إنه إذا أرادَ نزولَ المطرِ إلى مَحَلٍّ أخرجَ الماءَ من الثقوبِ والفروجِ والخللِ الذي في تلك الوعاءِ الذي فيه الماءُ، كما قال:{فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} [النور: آية 43] وهذا الماءُ يُنْزِلُهُ اللَّهُ (جل وعلا) من حيثُ شاءَ، وهو قادرٌ على أن ينزلَه من نَهْرٍ تحتَ العرشِ، وعلى أن يجعلَه من بخارِ البحرِ ثم يرفعُه فيجعلُه ماءً صافيًا ويجعله في الْمُزْنِ، وهو قادرٌ على كُلِّ ذلك. وأكثرُ السلفِ على أن الماءَ ينزلُ في السحابِ من نهرٍ تحتَ العرشِ. وبعضُ العلماءِ يقولُ: لَا مانعَ من أن يرتفعَ من بخارِ البحرِ ماءٌ صَافٍ عذبٌ تتحلل منه الأجرامُ الملحةُ ثم يجعلُه اللَّهُ في وعاءِ الْمُزْنِ، ثم يحملُه على الريحِ، ثم يُلْقِيهِ حيث شاءَ. كما قال مسلم الجاهلية زيدُ بنُ عمرِو بنِ نُفَيْلٍ

(2)

:

وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ

لَهُ الأَرْضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقَالاً

(1)

مضى عند تفسير الآية (99) من سورة الأنعام.

(2)

الأبيات ذكرها ابن هشام في السيرة (1/ 247 - 248)، وفيه بعض اختلاف في البيت الثاني. ولفظه في ابن هشام:

دحاها فلما رآها استوت

على الماء أرسى عليها الجبالا

ص: 417

دَحَاهَا فَلَمَّا اسْتَوَتْ شَدَّهَا

جَمِيعًا وَأَرْسَى عَلَيْهَا الْجِبَالَا

وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ

لَهُ الْمُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلَالَا

إِذَا هِيَ سِيقَتْ إِلَى بَلْدَةٍ

أَطَاعَتْ فَصَبَّتْ عَلَيْهَا سِجَالَا

وبهذا تعلمونَ أن المطرَ إنما يَنْزِلُ بأمرِ اللَّهِ وقدرتِه وإرادتِه، يعلم قَدْرَهُ ويجعلُه في أوعيةِ السحابِ، ويحملُه على مَتْنِ الريحِ، ثم يُخْرِجُهُ من الثقوبِ والخلالِ التي في الوعاءِ الذي هو فيه وهو السحابُ، كما قال وهو أصدقُ مَنْ يقولُ:{فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} [النور: آية 43] والعربُ كانوا يزعمونَ أن بعضَ الْمُزْنِ يمتلئُ من البحرِ، وهو معروفٌ في أشعارهم، ومنه قولُ أبي ذؤيبٍ الهذليِّ

(1)

:

سَقَى أُمَّ عَمْرٍو كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ

حَنَاتِمُ غُرٌّ مَاؤُهُنَّ ثَجِيجُ

شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ

مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ

يعني: لُجَجَ البحرِ. ومنه قولُ طرفةَ بنِ العبدِ

(2)

:

لَا تَلُمْنِي إِنَّهَا مِنْ نِسْوَةٍ

رُقَّدِ الصَّيْفِ مَقَالِيتٍ نُزُرْ

كَبَنَاتِ الْبَحْرِ يَمْأَدْنَ كَمَا إِذَا

أَنْبَتَ الصَّيْفُ عَسَالِيجَ الْخُضَرْ

(1)

البيت الأول في اللسان (مادة: ثج)(1/ 349)، (حنتم)(1/ 734)، وفيه (حناتم سُحْم) والبيت الثاني في الخصائص (2/ 85)، المحتسب (2/ 114)، اللسان (مادة: شرب) (2/ 287)، (متى)(3/ 435)، (مخر)(3/ 450).

(2)

البيتان في ديوان طرفة ص58، البحر المحيط (1/ 86)، والأول منهما في رصف المباني ص268، والبيت الثاني في الخصائص (2/ 85)، اللسان (مادة: عسلج) (2/ 779)، (مخر)(3/ 450)، وفي جميع هذه المصادر:«أنبت الصيف» .

ص: 418

والشاهدُ: أن المطرَ لا تنزلُ قطرةٌ منه إلا بمشيئةِ خالقِ السماواتِ والأرضِ وبتدبيرِه. وقد بَيَّنَ لنا كيفَ يُنْزِلُهُ: أن اللَّهَ يسوقُ سحابًا وهو المزنُ الذي هو وعاءُ الماءِ، ثم يجمع بعضَه إلى بعضٍ حتى يجعلَه متراكمًا بعضَه فوقَ بعضٍ، ثم يُخْرِجُ الماءَ من تلك الثقوبِ والفروجِ التي هي خلالُ ذلك السحابِ. وهذا صريحُ قولِه تعالى:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} [النور: آية 43] أي: ترى ماءَ المطرِ يخرجُ من الخلالِ، جمع (خَلَل) وهي الثقوبُ والفروجُ التي في ذلك السحابِ الذي هو وعاءُ الماءِ. فهذا بفعلِ ملكٍ مقتدرٍ يُنْزِلُ المطرَ حيث شَاءَ، ويحملُ السحابَ الموقرةَ الثقيلةَ بالماءِ على مَتْنِ الريحِ، ثم يأمرُها بأن تَصُبَّهَا بالمكانِ الذي شَاءَ بتصريفٍ مِنْ عَالِمٍ قديرٍ، عالمٍ بقدرِ المطرِ الذي ينزلُه وبقدرِ الرشاشِ الذي ينزله. وقد بَيَّنَ تعالى أن كثيرًا من الخلقِ سيكفرونَ بهذا، كالذين يزعمونَ أن المطرَ لم يَنْزِلْهُ خالقٌ، وإنما هو أمرٌ طبيعيٌّ، كما يزعمُه الكفرةُ الإفرنجُ وأتباعُ الإفرنجِ، لَا يعترفونَ بأن المطرَ ينزلُه حكيمٌ خبيرٌ، بل يذهبونَ إلى فكرةٍ كافرةٍ ملحدةٍ يُقَرِّرُهَا كثيرٌ ممن لا يَفْهَمُ، ثم يطمسُها وَيذُرُّ في عيونِ الناسِ أن يقولَ:«بمشيئةِ اللَّهِ» مجاملةً.

وهو يعتقدُ الطبيعيةَ كما يعتقدُها الكفرةُ الإفرنجُ الذين قَرَّرُوا هذا!! فَهُمْ - والعياذُ بالله - كالأنعامِ بل هم أَضَلُّ، لا يعترفونَ بخالقٍ حكيمٍ مُدَبِّرٍ ينزلُ المطرَ، فيزعمونَ أن نزولَ المطرِ أمرٌ طبيعيٌّ، وأن حرارةَ الشمسِ إذا تَتَابَعَتْ على البحرِ حتى بلغت مئةَ درجةٍ تَبَخَّرَ ماءُ البحرِ، وكذلك احتكاكُ الماءِ بالريحِ يُبَخِّرُهُ، فيتصاعدُ بخارُ الماءِ وتتحللُ منه الأجرامُ الملحيةُ، ثم يتكاثفُ البخارُ بعضُه فوقَ بعضٍ، ثم إذا اجتمعَ وَلَاقَى هواءً بصفةِ كذا جاءته

ص: 419

ريحٌ وَفَرَّقَتْهُ، وصارَ هو الرشاشُ بطبيعتِه وطبيعةِ المطرِ من غيرِ فاعلٍ مختارٍ!! وهذا كُفْرٌ بالله، وإلحادٌ سَافِرٌ، ونفيٌ للخالقِ الذي لا يكونُ شيءٌ إلا بأمره وقضائِه.

وَاللَّهُ قد بَيَّنَ أن كثيرًا من الناسِ سيَؤُولُونَ إِلى هذا الكفرِ والإلحادِ؛ لأنه لَمَّا ذَكَرَ المطرَ في سورةِ الفرقانِ قال: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} {أَنزَلْنَا} نسبَ الإنزالَ لنفسِه بصيغةِ التعظيمِ قال: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ} [الفرقان: الآيات 48 - 51] يعني: لقد صَرَّفْنَا الماءَ بَيْنَ بني آدمَ فَأَكْثَرْنَا المطرَ في عامٍ على بعضِ الجهاتِ فَأَخْصَبَتْ لنختبرَ أهلَها هل يشكرونَنا على ذلك الإنعامِ؟ وَصَرَّفْنَا الماءَ في بعضِ السنينَ عن بعضِ البقاعِ حتى تمحلَ وتجدبَ لنختبرَ أهلَها هل يصبرونَ؟ وهل يُنِيبُونَ إلينا ويتضرعونَ لنكشفَ عنهم الضراءَ؟ فهو تصريفُ حكيمٍ خبيرٍ يُصَرِّفُ الماءَ بحكمتِه وإرادتِه، وينزلُه بمشيئتِه على هذا الوجهِ الأعظمِ الكريمِ الذي يَنْزِلُ رشاشًا.

والله لَمَّا قال: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا} لأَجْلِ أن يتذكرَ مَنْ جاءهم الماءُ فأخصبوا فيشكروا نعمةَ اللَّهِ ويتذكر مَنْ صُرِفَ عنهم الماءُ فأجدبوا؛ لِيُنِيبُوا إلى اللَّهِ، ويتوبوا إلى اللَّهِ ثم قال:{فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَاّ كُفُورًا} [الفرقان: آية 50] فَأَبَى أكثرُ الناسِ إلا كفورًا بالله - جل وعلا - وَمِنْ أعظمِ الكفورِ الذي أَبَوْا إلا إياه: قولُهم: إن الماءَ يُنْزِلُهُ بخارُ كذا وكذا، وطبيعةُ كذا وكذا، فقد صَدَقَ اللَّهُ - جل وعلا - ولا تأتِي بليةٌ ولا إلحادٌ يتجددُ في الزمانِ إلا وهو مُشَارٌ إليه في القرآنِ.

فقولُه في هذه الآيةِ الكريمةِ: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا} وَإِتْبَاعُهُ لذلك بقولِه: {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَاّ كُفُورًا} [الفرقان: آية 50]

ص: 420

من غرائبِ هذا القرآنِ وعجائبِه. وتطبيقُه الآن على أكثرِ مَنْ في المعمورةِ، ينفونَ أن المطرَ نازلٌ بحكمةِ خبيرٍ عليمٍ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - فينطبقُ عليهم قولُه:{فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَاّ كُفُورًا} وقد ثَبَتَ في صحيحِ مسلمٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كَلَّمَهُمْ صبيحةَ ليلةٍ كان فيها مطرٌ، وقال لهم:«هَلْ سَمِعْتُمْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمُ الْبَارِحَةَ؟» قالوا: ماذا قال؟ قال: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ. أَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا. فَهُوَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ»

(1)

.

وَأَكْفَرُ منه بالله مَنْ قال: مُطِرْنَا ببخارِ كذا وكذا لا بفعلِ اللَّهِ وإرادتِه. فعلى المؤمنِ أن يعتقدَ أن المطرَ أَنْزَلَهُ حكيمٌ خبيرٌ، وأنه ماءٌ يُنْزِلُهُ مِنْ حيث شاء، إما من السماءِ أو من حيث شَاءَ اللَّهُ (جل وعلا) فيجعلُه في أوعيةِ السحابِ، فتمتلئُ حتى تكونَ ثقيلةً جِدًّا، كما قال هنا:{حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً} [الأعراف: آية 57].

والثقالُ: جمعُ ثقيلةٍ، وإنما كانت ثقيلةً لكثرةِ ملئها من الماءِ. وَصَرَّحَ بأن الريحَ تُقِلُّهَا، وأنه يحملُها على ظهرِ الريحِ حتى تمطرَ في الموضعِ الذي شَاءَ اللَّهُ، وصرح بأنه هو الذي يصرفُ المطرَ بإرادتِه ومشيئتِه، فينزلُه على قومٍ فيخصبوا ليُختبروا هل يَشْكُرُونَ؟ ويرفعُه عن

(1)

البخاري في الأذان، باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم. حديث رقم:(846)، (2/ 333). وأطرافه في:(1038، 4147، 7503)، ومسلم في الإيمان، باب بيان كفر من قال: مُطرنا بالنوء. حديث رقم (125)، (1/ 83)، من حديث زيد بن خالد رضي الله عنه.

ص: 421

قومٍ فيجدبوا ليختبروا هل يُنِيبُونَ إلى الله ويتوبونَ؟ وهذا من غرائبِ صُنْعِ الله وعجائبِه. واللَّهُ (جل وعلا) أَمَرَ خلقَه أن ينظروا في هذا وتوابعِه حيث قال: {فَلْيَنظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24)} [عبس: آية 24] لَامُ الأَمْرِ هنا صيغةُ أمرٍ تقتضي الوجوبَ، معناه: يجبُ على كُلِّ إنسانٍ أن ينظرَ إلى طعامِه. يعني: يا أيها الإنسانُ المسكينُ الضعيفُ انْظُرْ إلى طعامِك، انظر إلى الخبزِ الذي تأكلُ ولَا تستغنِي عنه، مَنْ هو الذي خَلَقَ الماءَ الذي شَرِبَتْ به أرضُه حتى نَبَتَ بإذن اللهِ؟ أيقدرُ أحدٌ غيرُ اللهِ أن يخلقَ الماءَ ويبرزَ جرمَه من [العدمِ إلى الوجودِ]

(1)

؟ هَبْ أن الماءَ خُلِقَ وصارَ موجودًا مَنْ هو الذي يَقْدِرُ على إنزالِه بهذه الطريقِ الحكيمةِ وإخراجِه من خلالِ السحابِ رشاشًا لا يضرُّ بأحدٍ، فلو أَرْسَلَ اللهُ المطرَ كلَّه قطعةً واحدةً مجتمعةً لأَغْرَقَتِ الدنيا ودمرت البلادَ والعبادَ، فهو يُنْزِلُهُ رشاشًا من خلالِ السحابِ لئلا يضرَّ بالناسِ، وينزلُه بِقَدَرٍ معلومٍ بحيث يكونُ فيه الحاجةُ، ولا يجعلُه طوفانًا يغمرُ الأرضَ لئلَاّ يُهْلِكَ مَنْ عليها كما وَقَعَ لقومِ نوحٍ. هَبْ أن اللهَ أَنْزَلَ الماءَ بهذه الطريقةِ العظيمةِ الحكيمةِ هل يقدرُ أحدٌ غيرُ اللهِ أن يشقَّ الأرضَ عن مسمارِ النباتِ الذي يكونُ منه الْحَبُّ الذي تأكلون؟

الجوابُ: لَا. هَبْ أن مسمارَ النباتِ خَرَجَ، مَنْ هو الذي يقدرُ على أن يُرَبِّيَهُ وينميه؟ هَبْ أنه نَمَا وكبر، مَنْ ذَا الذي يقدرُ أن يشقَّه ويخرجَ منه السنبلةَ؟ هَبْ أن السنبلةَ خَرَجَتْ، من هو الذي يقدرُ أن يربيها وينقلَها من طَوْرٍ إلى طَوْرٍ حتى تكونَ حَبًّا صالحًا للأكلِ؟ {انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: آية 99].

(1)

في الأصل: «من الوجود إلى العدم» . وهو سبق لسان.

ص: 422

هذه غرائبُ صنعِ اللهِ وعجائبُه، والكفرةُ الملاعينُ الذين يزعمونَ أن إنزالَ اللهِ للمطرِ بهذا الأسلوبِ الغريبِ العجيبِ المُبيَّنِ في سورةِ النورِ وغيرِها - الذي صَرَّحَ اللهُ بأنه هو الذي أَنْزَلَهُ، وهو الذي يُصَرِّفُهُ بين خَلْقِهِ كما يشاءُ - يزعمونَ أن كُلَّ هذا كَذِبٌ، وأنه لَا خالقَ ولا فاعلَ مختار، وإنما هي أمورٌ طبيعيةٌ، فطبيعةُ الماءِ أن يتبخرَ بطبيعتِه إما بدرجاتِ حرارةِ الشمسِ؛ لأن الماءَ إذا بلغَ درجةَ مائةٍ من درجاتِ الحرارةِ يستحيلُ بُخَارًا، أو باحتكاكِه بالريحِ، فاحتكاكُ الريحِ بالماءِ قد يجعلُه بخارًا، ثم إن البخارَ يتصاعدُ بطبيعةِ حالِه، ثم يجتمعُ بعضُه إلى بعضٍ، فيلاقي هواءً آخَرَ بصفةِ كذا، فتفرقُه الريحُ، وأن هذا أمرٌ طبيعيٌّ لَا فاعلَ له. هذا كُفْرٌ بالله، وإنكارٌ لخالقِ السماواتِ والأرضِ، وجحودٌ له (جل وعلا).

واللهُ بَيَّنَ أن أكثرَ الخلقِ سيصيرونَ إلى ذلك في سورةِ الفرقانِ كما أَوْضَحَهُ بقولِه: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَاّ كُفُورًا (50)} [الفرقان: الآيات 48 - 50] ولَا شَكَّ أن مِنَ الناسِ الذين أَبَوْا إلا كفورًا: الذين زَعَمُوا أنه نَزَلَ بطبيعةِ بخارِ كذا وكذا عليهم لعائنُ اللهِ، وإذا ماتوا فسيعلمونَ هل هناك رَبٌّ مُدَبِّرٌ ملكُ السماواتِ والأرضِ هو المنزلُ للمطرِ، الخالقُ لكلِّ شيءٍ أو لَا؟ وهذا معنَى قولِه:{حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ} {حَتَّى} هنا هي الابتدائيةُ التي تُذْكَرُ قبلَ الْجُمَلِ. و (أقلت) معناه: حَمَلَتْ «حتى إذا أقلت الرياح» أي: حَمَلَتْ: {سَحَابًا} أي: مُزْنًا مملوءةً بالماءِ.

{ثِقَالاً} السحابُ: جمعُ سحابةٍ أو اسمُ جمعٍ للسحابةِ.

ص: 423

والثقالُ: جمعُ ثقيلةٍ، لثقلها بالماءِ الذي هي موقرةٌ منه، يحملُها اللهُ على مَتْنِ الريحِ.

{سُقْنَاهُ} أي: سُقْنَا ذلك السحابَ المُوقَرَ بالماءِ.

{إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ} قَرَأَهُ بعضُ السبعةِ: {مَيِّتٌ} بالتشديدِ. وقرأه بعضُهم: {مَيْت} بالتخفيفِ، وهما قراءتانِ سبعيتانِ مشهورتانِ

(1)

ولغتانِ صحيحتانِ معروفتانِ.

ومعنَى كونِ البلدِ مَيِّتًا أنه غبارٌ لَا نباتَ فيه ولا شجرَ. ميتٌ جَدْبٌ ليس فيه نباتٌ ولا شجرٌ نابتٌ.

{سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ} أي: بذلك البلدِ. وعليه فالباءُ ظرفيةٌ، أي: فَأَنْزَلْنَا فيه، أي: في ذلك البلدِ: {الْمَاءَ} أو {فَأَنْزَلْنَا بِهِ} أي: بذلك السحابِ {الْمَاءَ} في ذلك البلدِ، وَصَرَّفْنَاهُ إلى ما شئنا من البلادِ وَصَرَفْنَاهُ عمن شئنا من البلادِ:{وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَاّ كُفُورًا} [الفرقان: آية 50] وهذا معنَى قولِه: {سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ} أي: بسببِ ذلك الماءِ: {مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى} هذا من براهينِ البعثِ، كما أَخْرَجْنَا النباتَ بعدَ أن لم يكن شيئًا، وأخرجناه بعدَ أن انعدمَ، كذلك نُخْرِجُكُمْ من قبورِكم أحياءً بعدَ أن كنتُم معدومين؛ لأن الكلَّ إخراجٌ بعدَ عَدَمٍ، وإعادةٌ بعدَ فناءٍ، وحكمُ الكلِّ واحدٌ.

ومعنَى: {وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ}

(2)

[الروم: آية 19، الزخرف:

(1)

انظر: الإتحاف (2/ 52).

(2)

الظاهر أنه وقع للشيخ رحمه الله سهو في هذا الموضع فذكر قوله: {كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} وليست هذه الجملة في آية الأعراف، وإنما في آية الروم:(19)، وآية الزخرف:(11)، وإنما في الأعراف:{كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى} .

ص: 424

آية 11] أي: تُخْرَجُونَ من قبورِكم أحياءً بَعْدَ الموتِ عندَ النفخةِ الثانيةِ، كما قال تعالى:{ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} [الزمر: آية 68] وقال جل وعلا: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (14)} [النازعات: آية 13 - 14] أي: على وجهِ الأرضِ أحياءً يمشونَ. وهذا معروفٌ؛ لأَنَّ اللَّهَ (جل وعلا) يبعثُ الخلائقَ كُلَّهُمْ يومَ القيامةِ. وإحياءُ الأرضِ بعدَ موتِها دليلٌ على بعثِ الخلائقِ. وهذا معنَى قولِه: {سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ} [الأعراف: آية 57].

وقولُه: {سُقْنَاهُ} بصيغةِ التعظيمِ دليلٌ قاطعٌ على أن الموضعَ الذي يَأْتِيهِ المطرُ أن ما يأتيه بإرادةِ اللهِ - جل وعلا - وأنه هو الذي سَاقَ ذلك المطرَ محمولاً على الريحِ إلى ذلك البلدِ الْمُعَيَّنِ بحكمتِه وقدرتِه وإرادتِه، لَا بطبيعةِ الريحِ، ولا بطبيعةِ البخارِ، ولا بطبيعةِ الهواءِ؛ لأن اللهَ (جل وعلا) هو الخالقُ لكلِّ شيءٍ. والطبائعُ لا يؤثرُ منها إلا ما شاء اللهُ أن يؤثرَ. وقد أجمعَ أهلُ الحقِّ وأهلُ الباطلِ جميعًا - عن بكرةِ أبيهم - أن المؤثرَ من حيث هو مؤثرٌ لا يَعْدُو عن ثلاثةِ أشياء: مؤثرٌ بالاختيارِ، ومؤثرٌ بالطبيعةِ، ومؤثرٌ بالعلةِ

(1)

.

والحقُّ من هذه المؤثراتِ واحدٌ، وهو المؤثرُ بالاختيارِ، وهو خالقُ السماواتِ والأرضِ (جل وعلا) سبحانَه وحدَه، لَا يمكنُ أن يقعَ تأثيرٌ في الدنيا ولا في الآخرةِ، ولا تسكينةٌ ولا تحريكةٌ إلا بمشيئتِه وقدرتِه (جل وعلا) فالتأثيرُ بالاختيارِ هو التأثيرُ الحقُّ، وهو تأثيرُ خالقِ السماواتِ والأرضِ الذي لا يمكنُ أن تقعَ تحريكةٌ ولا تسكينةٌ في الدنيا ولا في الآخرةِ، ولا أَيِّ شيءٍ كائنًا ما كان إلا عن قدرتِه وإرادتِه

(1)

انظر: الكليات ص279، موقف ابن تيمية من الأشاعرة 3/ 1346 - 1347.

ص: 425

ومشيئتِه - جل وعلا - وإنما قَسَّمُوا المؤثرَ - أهلَ الحقِّ وأهلَ الباطلِ - إلى مؤثرٍ بالاختيارِ، ومؤثرٍ بالطبيعةِ في زعمِ الطَّبَائِعِيِّينَ، ومؤثرٍ بالعلةِ في زعمِ الفلاسفةِ المعللين بِالْعِلَلِ؛ لأنهم يقولونَ: المؤثرُ من حيث هو مؤثرٌ إما أن يصحَّ منه التركُ، وإما أن لَا. فهذانِ قِسْمَانِ لَا ثالثَ لهما، وهو تقسيمٌ عَقْلِيٌّ؛ لأن حَصْرَ المُقَسَّمِ في الشيءِ ونقيضِه حصرٌ عَقْلِيٌّ كما هو معروفٌ في فنونِ البحوثِ والمناظراتِ؛ لأنهم يقولونَ: إما أن يصحَّ من المؤثرِ التركُ، وإما أن لا، فإن كان يصحُّ منه التركُ فهو المؤثرُ بالاختيارِ. وهذا واضحٌ؛ لأنه لَمَّا صَحَّ له أن يتركَ، وصحَّ له أن يفعلَ وقد أَثَّرَ وهو قادرٌ على تركِ التأثيرِ عَلِمْنَا أنه اختارَ أحدَ المقدورين على الآخَرِ، وهذا هو التأثيرُ الحقُّ، وهو تأثيرُ خالقِ السماواتِ والأرضِ (جل وعلا)، ولا تأثيرَ ألبتةَ في الحقيقةِ إلا هذا التأثيرَ بالاختيارِ من خالقِ السماواتِ والأرضِ.

أما النوعانِ الباطلانِ من المؤثراتِ وهما: التأثيرُ بالطبيعةِ، والتأثيرُ بالعلةِ فإنهم يقولونَ: إن كان المؤثرُ لا يصحُّ منه التركُ فله حالتانِ: إما أن يتوقفَ تأثيرُه على وجودِ شرطٍ وانتفاءِ مانعٍ، وإما أن لا، فإن توقفَ تأثيرُه على وجودِ الشرطِ وانتفاءِ المانعِ فهو الذي يُسَمِّيهِ الطبائعيونَ:(المؤثرَ بالطبيعةِ) وضابطُ تأثيرِ الطبيعةِ عندَهم: هو المؤثرُ الذي لَا يصحُّ منه التركُ مع أن تأثيرَه يتوقفُ على وجودِ الشرطِ وانتفاءِ المانعِ. ومثالُه عندَهم: تأثيرُ النارِ بالإحراقِ، فهو تأثيرٌ بطبيعتِها؛ لأنَّ النارَ لَا يصحُّ منها التركُ، وتأثيرُها قد يتوقفُ على وجودِ الشرطِ، وهو إبرازُ النارِ من كُمُونِهَا الأصليِّ في الزنادِ ونحوِه، وانتفاءُ المانعِ وهو أن لَا يكونَ المانعُ الملاقِي للنارِ في أَوَّلِهَا مُنَافيًا

ص: 426

للإحراقِ، كأن يكونَ أول ما يلاقي الشهابَ الخارجَ من الزندِ الواري ماء، فإن الماءَ لَا يؤثرُ فيه، أو يكونَ أول ما يلاقيه صخر لا يؤثرُ فيه. فهذا توقفٌ على وجودِ الشرطِ وانتفاءِ المانعِ، وهو الذي يسمونَه:(المؤثرَ بالطبيعةِ) مع أنه لا يصحُّ منه التركُ.

أما إن كان لا يصحُّ منه التركُ ولا يتوقفُ تأثيرُه على وجودِ الشرطِ ولا على انتفاءِ المانعِ فهو الذي يسمونَه: (المؤثرَ بالعلةِ). ومثالُه عندَهم -قَبَّحَهُمُ اللَّهُ-: تأثيرُ حركةِ الأصبُعِ في حركةِ الخاتمِ؛ لأن الأصبُعَ إن كان فيه خاتمٌ فماذا تَحَرَّكَ الأصبعُ لا بد أن يتحركَ الخاتمُ. والفلاسفةُ يقولونَ: إن تأثيرَ وجودِ اللهِ في وجودِ المخلوقاتِ تأثيرٌ بالعلةِ، ومن هنا زعموا قدمَ هيولى العالَم؛ لأن المؤثرَ لا ينفكُّ عن أثرِه. ومذاهبُهم - قَبَّحَهُمُ اللهُ - باطلةٌ كُلُّهَا كفرياتٌ وإلحادياتٌ.

ونعطيكم نماذجَ وأمثلةً على أن المؤثرَ في الحقيقةِ هو اللهُ، وأن اللهَ يسببُ ما شاءَ من المُسبَباتِ على ما شاء من الأسبابِ، ولو شاءَ انخرامَ السببِ لَانْخَرَمَ. ألا تسمعونَ في تاريخِ القرآنِ أن نبيَّ اللهِ إبراهيمَ أُلْقِيَ في النارِ هو والحطبُ، والحطبُ شيءٌ صلبٌ شديدٌ قويٌّ، وجسمُ إبراهيمَ لطيفٌ لَيِّنٌ، والنارُ لا عقلَ عندَها تُمَيِّزُ به بينَ إبراهيمَ وبينَ الحطبِ، فَأَكَلَتْ بحرارتِها الحطبَ حتى جَعَلَتْهُ رمادًا، في عينِ الوقتِ الذي هي فيه بردٌ على إبراهيمَ، والطبيعةُ معنًى واحدٌ لَا يتجزأُ أو لَا ينقسمُ، فالطبيعةُ من المعانِي الأفرادِ التي لا يمكنُ أن تتجزأَ، ولَا أن تنقسمَ، فالنارُ لو كان التأثيرُ بطبيعتِها لَاسْتَحَالَ أن تكونَ بَرْدًا على إبراهيمَ وَحَرًّا على الحطبِ حتى يصيرَ رمادًا، مع أنها معنًى واحدٌ وطبيعةٌ واحدةٌ. وذلك يدلُّ على أن المؤثرَ في الحقيقةِ هو

ص: 427

خالقُ السماواتِ والأرضِ لَمَّا قال للنارِ: {يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا} [الأنبياء: آية 69] وخصصَ وقال: {عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: آية 69] ولم يَقُلْ: «على الحطبِ» كانت على إبراهيمَ بَرْدًا إطاعةً لِمَالِكِ السماواتِ والأرضِ. والحطبُ الذي لم يُقَلْ لها أن تكونَ بردًا عليه كانت حَرًّا عليه فَأَحْرَقَتْهُ حتى كان رَمَادًا، وهو طبيعةٌ واحدةٌ، والطبائعُ لَا تتجزأُ لأنها معنًى واحدٌ لَا ينقسمُ، فَدَلَّ هذا على أن المؤثرَ في الحقيقةِ هو خالقُ السماواتِ والأرضِ (جل وعلا). وزعمَ المفسرونَ أن اللَّهَ لو لم يَقُلْ:{وَسَلَامًا} [الأنبياء: آية 69] لأهلكه البردُ من شدةِ بردِ النارِ عليه في الوقتِ الذي هي فيه حَرٌّ على الحطبِ تحرقُه حتى يكونَ رمادًا.

فاللهُ يُسَبِّبُ ما شاءَ من الأسبابِ، على ما شاءَ من المُسَبِّباتِ، وهو المريدُ لكلِّ ذلك، الذي كُلُّ شيءٍ بمشيئتِه، لا يصدرُ أمرٌ إلا عن قُدْرَتِهِ وإرادتِه، وربما جعلَ السببَ مُضَادًّا للمسبِّبِ، وجعلَه سببًا في وجودِه، كما بَيَّنَّاهُ في سورةِ البقرةِ

(1)

لَمَّا أرادَ إحياءَ قتيلِ بَنِي إسرائيلَ أَمَرَهُمْ أن يذبحوا بقرةً حتى صارت بقرةً ميتةً، وأمرَ بقطعِ قطعةٍ منها وهي ميتةٌ فَضُرِبَ الميتُ بها فَحَيِيَ!! فمن أين للميتِ الحياةُ من قطعةِ لحمٍ ميتةٍ من بقرةٍ ميتةٍ؟ فهذا لا سببَ فيه يعقلُ، فلو كانت البقرةُ حَيَّةً لقالوا: سَرَتْ للميتِ الحياةُ من حياتِها. فهي قطعةٌ ميتةٌ، فَمِنْ أَيْنَ جاءت هذه الحياةُ من الضربِ بهذه القطعةِ الميتةِ؟ ومثلُ هذا يُبَيِّنُ اللهُ به أنه هو الذي يَرْبِطُ بينَ الأسبابِ ومسبباتِها، فالأسبابُ حَقٌّ، والربطُ بينَها وبينَ مسبباتِها حَقٌّ، وإنكارُه تلاعبٌ بِالدِّينِ، وجعلُها مستقلةً

(1)

مضى عند تفسير الآية (73) من سورة البقرة.

ص: 428

بشيءٍ كُفْرٌ باللهِ (جل وعلا) وإلحادٌ في شَرْعِهِ، بل الحقُّ أن اللهَ هو خالقُ كُلِّ شيءٍ، ومسببُ ما شاءَ من [المسببات]

(1)

على ما شاءَ من الأسبابِ، هو الذي جَعَلَ تأثيرَ الإحراقِ في النارِ، وجعلَ تأثيرَ الريِّ في الماءِ، وجعلَ تأثيرَ الشبعِ في الخبزِ، وجعلَ تأثيرَ القطعِ في السكينِ. وهكذا فهو الخالقُ لكلِّ شيءٍ، وكلُّ شيءٍ بمشيئتِه وقدرتِه (جل وعلا)؛ وَلِذَا قال:{سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى} [الأعراف: آية 57] كذلك الإخراجُ الذي أَخْرَجْنَا به النباتَ بعدَ الانعدامِ نخرجُ الموتَى من قبورِهم أحياءً للبعثِ.

{لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: آية 57](لعل) تأتِي في القرآنِ بِمَعْنَيَيْنِ

(2)

، قال بعضُ العلماءِ: هي على التَّرَجِّي، ولكن الترجِّي بحسبِ ما يظهرُ للناسِ، أما اللهُ فهو عَالِمٌ بما كان فلا يَصْدُقُ عليه الترجِّي، كقولِه لموسى وهارونَ:{فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ} [طه: آية 44] أي: على رجائِكما وَعِلْمِ بَنِي آدمَ القاصرِ، أما اللهُ فهو عالمٌ أنه لا يذَّكر ولا يَخْشَى.

الثاني: ما قاله بعضُ العلماءِ: إن كلَّ العللِ في القرآنِ مشمَّةٌ معنَى التعليلِ بمعنَى: لأَجْلِ. وعليه فـ {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} لأَجْلِ أن تتذكروا وتتعظوا بآيتِنا وغرائبِ صُنْعِنَا وعجائِبِنا. و (لعل) تأتِي في لغةِ العربِ بمعنَى التعليلِ، وهو معروفٌ في كلامِهم، ومنهُ قولُ الشاعرِ

(3)

:

(1)

في الأصل: «الأسباب» وهو سبق لسان.

(2)

مضى عند تفسير الآية (52) من سورة البقرة.

(3)

السابق.

ص: 429

وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الْحُرُوبَ لَعَلَّنَا

نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مُوثَقِ

فَلَمَّا كَفَفْنَا الْحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُكُمْ

كَشِبْهِ سَرَابٍ فِي الْمَلَا مُتَأَلِّقِ

وهذا معنَى قولِه: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} قَرَأَهُ بعضُ السبعةِ: {تَذَكَّرُونَ} بحذفِ إحدى التَّائَيْنِ. والباقونَ: {تَذَكَّرُونَ} بإدغامِ التاءِ في التاءِ.

ومعنَى: {تَذَكَّرُونَ} تتعظونَ بما أريناكم من غرائبِ صنعِنا وعجائبِه.

{وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَاّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58)} .

يقول اللهُ جل وعلا: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَاّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58)} [الأعراف: آية 58] لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ - جل وعلا - وَنَهَى في هذه الآيةِ الكريمةِ، وَبَيَّنَ عظائمَ آياتِه وبرهانَ عبادتِه وربوبيتِه أنه الربُّ وحدَه، والمعبودُ وحدَه، وَبَيَّنَ أنه أَنْزَلَ إلى هذه الخلائقِ كِتَابًا فصَّله على عِلْمٍ هدًى ورحمةً، بَيَّنَ هنا أن الناسَ الذين أُنْزِلَ عليهم هذا الكتابُ لهم شَبَهٌ بعنصرهم الأولِ وهو الأرضُ، وشبَّه الوحيَ الذي أنزلَه على نبينا صلى الله عليه وسلم بالمطرِ، فالوحيُ كثيرًا ما يُشبَّهُ بالمطرِ كما أَوْضَحْنَاهُ في سورةِ البقرةِ في الكلامِ على قولِه:{أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} الآياتِ [البقرة: آية 19] فَكَمَا أن المطرَ يُحْيِي اللهُ به الأرضَ بعدَ موتِها وينبتُ به النباتاتِ والزروعَ والثمارَ، وَيُنْعِشُ به الحيواناتِ، وَيُهَيِّئ به لِبَنِي آدمَ مصالَحهم الدنيويةَ، فكذلك القرآنُ هو مطرُ أرضِ القلوبِ، إذا نزلَ مطرُ القرآنِ على أرضِ القلوبِ أَثْمَرَتِ

ص: 430

القلوبُ ثمراتِها الرائعةَ اليانعةَ من الإيمانِ باللهِ والتقوى والخشيةِ والإنابةِ والإيثارِ وطاعةِ اللهِ (جل وعلا) والخوفِ منه والانقيادِ لأوامرِه، والتباعدِ لنواهيه، فالقرآنُ مطرُ القلوبِ، والأرضُ كأنها المطرُ الذي يُثْمِرُ فيه القرآنُ، كما أن الأرضَ هي مطرُ السحابِ التي يُثْمِرُ فيها. فَضَرَبَ اللهُ المثلَ هنا لقلوبِ بَنِي آدمَ بِأَنَّ بَيْنَهُمْ شَبَهًا وبينَ الأرضِ؛ لأنها أصلُهم وعنصرُهم الذي خُلقوا منه، فإذا نزل المطرُ من السماءِ وأصابَ أرضًا طيبةً أَثَّرَ فيها أثرًا شَدِيدًا فأنبتتِ الزروعَ والحبوبَ والثمارَ والعشبَ والكلأَ الكثيرَ، وصارت تَرْفُلُ في حُلَلِ زِينَتِهَا من أنواعِ النباتاتِ.

وإذا نزلَ المطرُ على أرضٍ سَبِخَةٍ خبيثةٍ لَا تقبلُ النباتَ كلما ازدادَ نزولُ المطرِ عليها ازدادت خُبْثًا، لا تمسكُ ماءً عذبًا يُشْرَبُ منه، ولا تُنْبِتُ مرعًى يُرْتَعُ فيه، ولا ثمارًا ولا زروعًا تُؤْكَلُ، فهذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لقلبِ المؤمنِ وقلبِ الكافرِ، وضربَ المثلَ للقرآنِ بأنه مطرُ القلوبِ المثمرِ فيها، كما أن مطرَ السحابِ هو مطرُ الأرضِ المثمرُ فيها، قال:{وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ} [الأعراف: آية 58] أصلُ البلدِ الطيبِ من الأرضِ إذا صادفَه المطرُ الكثيرُ يخرجُ نباتُه بإذنِ رَبِّهِ أَحْسَنَ ما يكونُ، يخرجُ نباتُه نباتًا حسنًا فيه الزروعُ والثمارُ والأعشابُ والكلأُ وكلُّ ما ينتفع به الناسُ في أمورِ معاشِهم، هذا هو البلدُ الطيبُ، كذلك القلبُ الطيبُ إذا نَزَلَتْ عليه أمطارُ القرآنِ: زواجرُه ونواهيه ومواعظُه وحلالُه وحرامُه أثمرَ ذلك القرآنُ في ذلك القلبِ ثمراتٍ أحسنَ من ثمراتِ الأرضِ الطيبةِ إذا نزلَ عليها المطرُ، فأثمرَ الإيمانَ باللهِ، والتطهرَ من أدناسِ المعاصِي والكفرِ، وامتثالَ أَمْرِ اللهِ واجتنابَ نواهيه.

وكلُّ خصلةٍ حسنةٍ يُثْمِرُهَا مطرُ القرآنِ في قلبِ المؤمنِ؛ كالخشيةِ من اللهِ، والتوبةِ عندَ الزلاتِ، والإنابةِ إليه،

ص: 431

والسخاءِ والشجاعةِ والرضا بقضاءِ اللهِ، والإيثارِ وعدمِ الشُّحِّ، إلى غيرِ ذلك من خصالِ الإسلامِ الكريمةِ الجميلةِ.

{وَالَّذِي خَبُثَ} أي: والبلدُ الذي خَبُثَ كالبلدِ الذي يكونُ سَبِخًا خبيثًا لَا يخرجُ نباتُه ولو تَتَالَتْ عليه الأمطارُ: {إِلَاّ نَكِدًا} إلا في حالِ كونِه نَكِدًا عسيرَ الخروجِ لَا خيرَ فيه ولا منفعةَ فيه ألبتةَ، يخرجُ بِعُسْرٍ غايةَ العسرِ، ويخرجُ مَسْلُوبًا من الخيرِ والنفعِ.

وأصلُ النَّكِدِ في لغةِ العربِ: العسيرُ، لا يخرجُ إلا في حالِ كونِه نَكِدًا، أي: عسيرَ الخروجِ، مسلوبَ الفائدةِ، لَا يُنْتَفَعُ به في أَكْلِ الناسِ، ولَا أَكْلِ الأنعامِ؛ إِذْ لَا فائدةَ فيه، فكذلك قلبُ الكافرِ لَا يُثْمِرُ إلَاّ نكدًا عسيرًا، ثمرةً لَا فائدةَ فيها، كالأرضِ السبخةِ إذا كَثُرَتْ عليها الأمطارُ لَا يُثْمِرُ شيئًا فيه فائدةٌ.

وهذا المثلُ بَيَّنَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في حديثِ أبِي موسى الأشعريِّ المتفقِ عليه بيانًا واضحًا، وفيه:«إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْهُدَى كَمَثَلِ غَيْثٍ كَثِيرٍ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءُ فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُنْبِتُ كَلأً وَلَا تُمْسِكُ مَاءً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي الدِّينِ وَنَفَعَهُ اللَّهُ بِمَا بَعَثَنِي بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ»

(1)

.

والنبيُّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديثِ الصحيحِ الذي اتفقَ عليه مسلمٌ والبخاريُّ من حديثِ أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه بَيَّنَ أن

(1)

البخاري في العلم، باب فضل من عَلِمَ وعَلَّم. حديث رقم (79)، (1/ 175). ومسلم في الفضائل، باب بيان مثل ما بعث النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم. حديث رقم (2282)، (4/ 1787).

ص: 432

قلوبَ البشرِ بالنسبةِ إلى أمطارِ القرآنِ ثلاثةُ أنواعٍ: قلبٌ كالأرضِ الطيبةِ إذا نزلت عليه أمطارُ القرآنِ أَنْبَتَ العشبَ والكلأَ الكثيرَ، معناه: أنه يثمرُ فيه القرآنُ ومواعظُه فيجمعُ بينَ العلمِ به والعملِ، فيتعلمُ معانيه، ويفهمُ حِكمَه، ويعملُ بها، وَيُعَلِّمُهَا غيرَه. وفي حديثِ البخاريِّ من حديثِ عثمانَ بنِ عفانَ رضي الله عنه:«خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» وفي روايةٍ في صحيحِ البخاريِّ: «إِنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»

(1)

فهذه هي الطائفةُ الأُولَى من الطوائفِ الثلاثةِ التي شَبَّهَهَا النبيُّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديثِ الصحيحِ المتفقِ عليه - بالأرضِ الطيبةِ القابلةِ للماءِ الْمُنْبِتَةِ للكلأِ والعشبِ الكثيرِ، فكذلك القلوبُ الطيبةُ تُثْمِرُ فيها مواعظُ القرآنِ الثمراتِ الكثيرةَ الطيبةَ، فترى صاحبَها خائفًا من اللهِ، طَامِعًا في فَضْلِ اللهِ، مُطِيعًا لِلَّهِ، مُتَبَاعِدًا عن معاصِي اللهِ، مُمْتَثِلاً جميعَ الأوامرِ، مُتَبَاعِدًا عن انتهاكِ شيءٍ من النواهِي، فهذه الطائفةُ الأُولَى.

الطائفةُ الثانيةُ: ضَرَبَ لها النبيُّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديثِ الصحيحِ المتفقِ عليه مَثَلاً بأنها كأنها أجادبُ ليس فيها مَرْعًى ولكن فيها منافعُ تمسكُ الماءَ فيسيلُ الماءُ ويحبسُ فيها فتكونُ مجتمعةً فيها مياهٌ كثيرةٌ، ثم هذه المياهُ ينفعُ اللَّهُ بها خلقَه: منهم مَنْ يأتي فيشربُ، ومنهم مَنْ يسقِي مواشيَه من هذا الماءِ، ومنهم مَنْ يُسَلِّطُهُ على زروعِه وبساتينِه فينتفعُ بهذا الماءِ. وهذه الطائفةُ هي التي حَفِظَتْ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العلمَ الذي جاء به من القرآنِ والحديثِ الصحيحِ، ولم يكن عندهم من قوةِ الفهمِ ما يتفهمونَ في معانيه ويطلعونَ على أسرارِه وَحِكَمِهِ،

(1)

البخاري في فضائل القرآن. باب: خيركم من تعلم القرآن وعلمه. حديث رقم (5028)، (9/ 74)، وذكر اللفظ الآخر قبله برقم (5027).

ص: 433

فَهُمْ كهذا المستنقعِ الذي أَمْسَكَ هذا الماءَ حتى انتفعَ به آخرونَ، فهم يحفظونَ ذلك العلمَ فيرويه عنهم فَطَاحِلُ علماء يقفونَ على أسرارِه ويفهمونَ معانيه ويستنبطونَ منه، فكذلك هذا الماءُ الذي أَمْسَكَتْهُ هذه الأجادبُ لم يُنبت هو فيه نفسه، ولكن الله نَفَعَ به الناسَ حيث شربوا منه وَسَقَوْا مواشيَهم وزروعَهم، كذلك هؤلاء يحفظونَ عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ما أَنْزَلَ اللهُ عليه، ولم تكن أفهامُهم بالغةً أفهامَ فطاحلِ العلماءِ، إلا أن العلماءَ يَرْوُونَهُ عنهم روايةً صحيحةً ثابتةً عنه صلى الله عليه وسلم، فيتفهمونَ في معانيه، ويقفونَ على أسرارِه، ويستنبطونَ منه وَيُبَيِّنُونَهُ للناسِ.

هذه الطائفةُ الثانيةُ: «وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ»

(1)

فَتَرَى بعضَ الأئمةِ العظامِ يروي حديثًا صحيحًا وبعضُ رواتِه ليس من أهلِ العلمِ، وليسَ من أهلِ الاستنباطِ والخوضِ في معانِي الكتابِ

(1)

روى هذا الحديث جماعة من الصحابة منهم:

1 -

زيد بن ثابت. عند الترمذي في العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع. حديث رقم (2656)، (5/ 33)، وابن ماجه في المقدمة، باب من بلغ علمًا، حديث رقم (230)، (1/ 84)، وهو في صحيح الترمذي (2139)، صحيح ابن ماجه (187)، السلسلة الصحيحة (403).

2 -

ابن مسعود. عند الترمذي (في الموضع المتقدم من سننه) برقم (2657)، (2658)، (5/ 34)، وابن ماجه (في نفس الموضع المتقدم) برقم (232)، (1/ 85)، وهو في صحيح الترمذي برقم (2140)، وصحيح ابن ماجه برقم (189)، المشكاة (230).

3 -

جبير بن مطعم. عند ابن ماجه (الموضع المتقدم) برقم (231)، (1/ 85)، وهو في صحيح ابن ماجه (188).

4 -

أنس بن مالك. عند ابن ماجه (الموضع السابق) برقم (236)، (1/ 86)، وهو في صحيح ابن ماجه برقم (193).

ص: 434

وَالسُّنَّةِ، فيحفظُ عنه ذلك الفحلُ من فحولِ الأئمةِ ذلك الحديثَ مثلاً فيستنبطُ منه الأحكامَ، وَيُبَيِّنُ فيه الأسرارَ المشتملةَ عليه.

الطائفةُ الثالثةُ: هي التي ضَرَبَ لها مثلاً بالأرضِ السبخةِ التي لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كلأً، وهذه مضروبةٌ لقلوبِ الكفارِ والمنافقين، كلما تَتَابَعَتْ عليهم المواعظُ وَسَمِعُوا آياتِ القرآنِ تُتْلَى وَأُسْمِعُوا مواعظَه وزواجرَه كان يَمُرُّ على قلوبِهم من غيرِ أن يستفيدوا شيئًا، كما أن تلك الأرضَ السبخةَ كُلَّمَا تَتَابَعَ عليها المطرُ لم تَزْدَدْ إلا خبثًا، لم تُمْسِكْ ماءً عذبًا يُشْرَبُ منه، ولم تُنْبِتْ للناسِ كلأً ولَا عُشْبًا. فقلوبُ هؤلاءِ لم تَحْفَظْ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم عِلْمًا يُرْوَى عنهم حتى ينتفعَ به غيرُهم، ولم ينتفعوا بأنفسِهم مما سَمِعُوا منه صلى الله عليه وسلم، فَهُمْ كالسباخِ التي لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلأً.

وهذا مَثَلٌ عظيمٌ ضَرَبَهُ اللهُ، وَجَرَتِ العادةُ أن الكتبَ السماويةَ تَكْثُرُ فيها ضروبُ الأمثالِ؛ لأن المثلَ يُصيِّر المعقولَ كالمحسوسِ؛ ولذا قال اللهُ:{وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: آية 21] وَبَيَّنَ أن الأمثالَ لَا يفهمها عن اللهِ إلا أهلُ العلمِ حيث قال في العنكبوتِ: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَاّ الْعَالِمُونَ (43)} [العنكبوت: آية 43] وَبَيَّنَ (جل وعلا) أنه لا يَسْتَحْيِي أن يضربَ مثلاً ما، كائنًا ما كان، وأن الأمثالَ التي يَضْرِب يهدي اللهُ بها قومًا أرادَ هداهم، وتكونُ سببًا لضلالِ آخَرِينَ أرادَ اللهُ إضلالَهم، فهي من فتنةِ اللهِ التي يُضِلُّ بها مَنْ يشاءُ ويهدي من يشاءُ، وذلك في قولِه:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً} ثم قال:

ص: 435

{يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَاّ الْفَاسِقِينَ} [البقرة: آية 26] هذه أمثالُ القرآنِ يهدي اللَّهُ بها من يريد هُدَاهُ، وما يضلُّ بها إلا الفاسقينَ. ولما سمعَ الكفارُ أن اللهَ يضربُ المثلَ بالكلبِ في قولِه:{فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} [الأعراف: آية 176] ويضرب المثلَ بالحمارِ في قولِه: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: آية 5] ويضربُ المثلَ بالذبابِ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا} [الحج: آية 73] وسمعوه يضربُ المثلَ بهذه الأشياءِ قالوا: اللهُ أعظمُ وأكبرُ وَأَنْزَهُ من أن يذكرَ الحمارَ والكلبَ والذبابَ والعنكبوتَ! فهذا الكلامُ الذي فيه هذه الحقيراتُ ليس من كلامِ اللهِ؛ لأن اللهَ أعظمُ من هذا.

فَبَيَّنَ اللهُ أنه يضربُ الأمثالَ وَيُبَيِّنُ العلومَ العظيمةَ الجليلةَ في ضَرْبِ الأمثالِ في أمورٍ حقيرةٍ؛ وَلِذَا قال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} فترى الذبابَ من أحقرِ الأشياءِ ولكن المثلَ المضروبَ فيه من أعظمِ العلومِ؛ يُبَيِّنُ للناسِ أن المعبوداتِ من دونِ اللهِ بالغةٌ من التفاهةِ وعدمِ الفائدةِ ما يجعلُها لَا تقدرُ على خلقِ ذُبَابٍ، وَلَوْ تَسَلَّطَ الذبابُ عليها فانتزعَ منها شيئًا ما قَدَرَتْ على أن تنتصفَ منه. وهذا من التحقيرِ والتصغيرِ للمعبودِ من دونِ اللهِ يقتضي عِلْمًا عظيمًا له قَدْرُهُ ومكانتُه، وهو إفرادُ اللهِ بالعبادةِ، وإدراكُ أن ما سواه لا يُغْنِي شيئًا. وكذلك ضربُه المثلَ في العنكبوتِ لأنه يُبَيِّنُ أن بيتَ العنكبوتِ الذي تنسجه من خيوطِ رِيقِهَا لا يُغْنِي شيئًا عن أحدٍ، فكذلك المعبوداتُ من دونِ اللهِ. فالشيءُ في نفسِه حقيرٌ، والعلمُ المبينُ في ضربِ المثلِ فيه علمٌ عظيمٌ كريمٌ له مكانتُه وَقَدْرُهُ؛ ولذا قال تعالى:

ص: 436

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا} .

وبهذه الآياتِ وهذه الأمثالِ التي ذَكَرْنَا يجبُ على المسلمِ أن يخافَ من سَخَطِ اللَّهِ وأن يكونَ قلبُه كالأرضِ السبخةِ التي لَا تنتفعَ بمواعظِ القرآنِ ولَا بزواجرِه، ويسألُ اللهَ أن يجعلَ أرضَ قلبِه طيبةً قابلةً لمواعظِ القرآنِ وزواجرِه وأوامرِه ونواهيه؛ فإن مَنْ كانت أرضُ قلبِه طيبةً انتفعَ بمواعظِ هذا القرآنِ، وَنَفَعَتْهُ أوامرُه فَامْتَثَلَهَا، وزواجرُه فَاجْتَنَبَهَا، وأمثاله فَاعْتَبَرَ بها، وقصصَه فاعتبر بها.

فَعَلَيْنَا جميعًا أن نسألَ اللهَ أن لا يجعلَ قلوبَنا كالأرضِ السبخةِ التي لا تنتفعُ بما ينزلُ عليها من أمطارِ الوحيِ، وأن يجعلَ أرضَ قلوبِنا كالأرضِ الطيبةِ القابلةِ للإثمارِ وإنباتِ العشبِ والكلأِ الكثيرِ والتأثرِ بآياتِ اللهِ (جل وعلا) لتثمرَ الخيرَ كُلَّهُ من الإيمانِ باللهِ وطاعتِه وامتثالِ أَمْرِهِ واجتنابِ نَهْيِهِ. وهذا معنَى قولِه:{وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَاّ نَكِدًا} [الأعراف: آية 58].

{كَذَلِكَ} التصريفُ. التصريفُ: قَلْبُ الشيءِ من حالٍ إلى حالٍ. واللهُ يبينُ لنا المواعظَ موعظةً بعدَ موعظةٍ، والآياتِ آيةً بعدَ آيةٍ في أسلوبٍ بعدَ أسلوبٍ. كذلك التصريفُ الذي صَرَّفْنَا لكم فيه هذه الآياتِ، وَبَيَّنَّا لكم ما يلزمُ، وَبَيَّنَّا لكم عِظَمَ قدرتِنا، وأدلةَ رُبُوبِيَّتِنَا وألوهيتِنا، وَضَرَبْنَا لكمُ الأمثالَ في مَنْ ينفعُ فيه ذلك وَمَنْ لَا ينفعُ فيه، كذلك التصريفُ الموضحُ للآياتِ جملةً بعدَ جملةٍ، وآيةً بعدَ آيةٍ، كذلك التصريفُ {نُصَرِّفُ الآيَاتِ} نأتِي بها على أنحاء مختلفةٍ، في أساليبَ مختلفةٍ لَعَلَّ اللَّهَ يهدي بذلك مَنْ يشاءُ.

وقولُه: {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} [الأعراف: آية 58] خَصَّ القومَ الذين يشكرونَ لأنهم هم المنتفعونَ بالآياتِ. كقولِه: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ

ص: 437

مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: آية 45] لأَنَّ مَنْ يخافُ الوعيدَ هو المنتفعُ به، كقولِه:{إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45)} [النازعات: آية 45]{إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ} [يس: آية 11]{إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ} [فاطر: آية 18] وما جَرَى مَجْرَى ذلك

(1)

.

وقد بَيَّنَّا في هذه الدروسِ مِرَارًا

(2)

أن لفظةَ (القومِ) أنه اسمُ جمعٍ لَا واحدَ له من لَفْظِهِ، وأنه يُطْلَقُ على خصوصِ الذكورِ بالوضعِ العربيِّ، وربما دَخَلَتْ فيه الإناثُ بحكمِ التبعِ، وَبَيَّنَّا أن الدليلَ على اختصاصِ لفظِ (القومِ) بالذكورِ قولُه تعالى في الحجراتِ:{لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ} [الحجرات: آية 11] ثم عطفَ النساءَ على القومِ فقالَ: {وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ} [الحجرات: آية 11] فَدَلَّ على عدمِ دخولِ النساءِ في القومِ بحسبِ الوضعِ العربيِّ، وَدَلَّ عليه أيضًا قولُ زهيرِ بنِ أَبِي سلمى

(3)

:

وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْرِي

أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِسَاءُ

فَعَطَفَ النساءَ على القومِ، فَدَلَّ على أنهن غيرُ داخلاتٍ في اسمِ القومِ وَضْعًا؛ لأَنَّ الأصلَ عدمُ التكرارِ، وعدمُ عطفِ الشيءِ على ما هو أعمُّ منه أو أخصُّ إلا بدليلٍ. والدليلُ على دخولِ الإناثِ في القومِ بِحُكْمِ التبعِ قولُه تعالى في بلقيسَ:{وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ} [النمل: آية 43] فَصَرَّحَ بأنها من قومٍ كَافِرِينَ. أَدْخَلَهَا في اسمِ القومِ تَبَعًا.

(1)

مضى عند تفسير الآية (51) من سورة الأنعام.

(2)

مضى عند تفسير الآية (80) من هذه السورة.

(3)

السابق.

ص: 438

وقولُه: {يَشْكُرُونَ} [الأعراف: آية 58] مفعولُه محذوفٌ، أي: يشكرونَ لله نِعَمَهُ. وهذه الآيةُ تُبَيِّنُ أن مِنْ أعظمِ إنعامِ اللهِ هو هذا القرآنُ العظيمُ وتصريفُ الآياتِ فيه وَبَيَانُهَا للناسِ؛ لأن أعظمَ النعمِ هو إنزالُ هذا القرآنِ العظيمِ وبيانُ ما فيه من الآياتِ مِمَّا يُرْضِي اللَّهَ، ومما يستجلبُ المعاطبَ والمخاوفَ، ومما يستجلبُ السلامةَ؛ وَلِذَا بَيَّنَ اللَّهُ أن إنزالَه فضلٌ كبيرٌ على الخلقِ لَمَّا قال:{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} وقسَّمهم فقال: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} وَبَيَّنَ أن إنزالَ القرآنِ العظيمِ أكبرُ فَضْلٍ، قال:{ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: آية 32] أي: الفضلُ الكبيرُ من اللهِ عليهم حيثُ أَنْزَلَ لهم كتابَه يُتْلَى، مَحْفُوظًا، يُبَيِّنُ لهم ما يُقَرِّبُهُمْ إلى رَبِّهِمْ، وما يُبْعِدُهُمْ من النارِ، وما يهذبُ نفوسَهم ويربِّي أرواحَهم، ويرفعُ أخلاقَهم، وَيُبَيِّنُ لهم مكارمَ الأخلاقِ، إلى غيرِ ذلك؛ وَلِذَا قال هنا:{لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} فَبَيَّنَ أن تفصيلَ الآياتِ لإيضاحِها في هذا القرآنِ نعمةٌ عُظْمَى من اللَّهِ يستحقُّ أن يُشْكَرَ عليها؛ وَلِذَا عَلَّمَ خَلْقَهُ أن يحمدوه على هذه النعمةِ العظمى التي هي إنزالُ القرآنِ، قال في أولِ الكهفِ:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (1)} [الكهف: آية 1] فقولُه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} تعليمٌ من اللهِ لخلقِه أن يحمدوه أعظمَ الحمدِ على هذه النعمةِ العظمى الكبرى التي هي إنزالُ هذا القرآنِ العظيمِ، وأشارَ لذلك بقولِه هنا:{لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} .

وقد بَيَّنَّا في هذه الدروسِ مِرَارًا

(1)

أن أصلَ الشكرِ في لغةِ العربِ رُبَّمَا يُرَادُ به: الظهورُ، وَلِذَا تُسَمِّي العربُ الغصنَ الذي يَنْبُتُ

(1)

مضى عند تفسير الآية (52) من سورة البقرة.

ص: 439

في الجذعِ الذي كان مقطوعًا تُسَمِّيه (شكيرًا) لأنه ظَهَرَ [10/ ب] بعدَ أن لم يكن هناك شيءٌ ظاهرٌ، وتقول العربُ: ناقةٌ شكورٌ. إذا كان / يظهرُ عليها آثارُ السِّمَنِ. والمرادُ به في اللغةِ: أن يكونَ أثرُ نِعَمِ اللَّهِ ظاهرًا على عَبْدِهِ، فلَا يجحدُه ولا يكفرُ به، ولَا يجحدُ نِعَمَهُ، ولا يستعينُ بها على ما لا يُرْضِيهِ.

وقد بَيَّنَّا أن القرآنَ جاء فيه شكرُ الربِّ لعبدِه وشكرُ العبدِ لِرَبِّهِ

(1)

. جاء شكرُ الربِّ لعبدِه في قولِه: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: آية 158]{إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: آية 34] وشكرُ العبدِ لربه كقولِه: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: آية 14] وقولِه هنا: {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} {وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: آية 152] وَبَيَّنَّا أن بعضَ العلماءِ يقولُ: إن شكرَ الربِّ لعبدِه هو أن يثيبَه الثوابَ الجزيلَ من عملِه القليلِ. وشكرُ العبدِ لربِّه: هو أن يستعملَ نِعَمَهُ في مرضاةِ رَبِّهِ، فنعمةُ العينِ: أن لا ينظرَ بها إلا فيما يُرْضِي مَنْ خَلَقَهَا وامتنَّ بها، وشكرُ نعمةِ اليدِ أن لا يبطشَ بها إلا فيما يُرْضِي مَنْ خلقها وَامْتَنَّ بها، وشكرُ نعمةِ الرِّجْلِ: أن لَا يمشيَ بها إلا إلى ما يُرْضِي مَنْ خَلَقَهَا وَامْتَنَّ بها، وشكرُ المالِ: أن لَا يستعينَ به ويصرفَه إلا فيما يُرْضِي مَنْ خَلَقَهُ وَامْتَنَّ به، وهكذا.

وَبَيَّنَّا أن العبدَ الذي يستعينُ بِنِعَمِ اللَّهِ على معاصِي اللهِ أنه بالغٌ من اللؤمِ والوقاحةِ شيئًا لا يقادر قدره، فَمِنْ أعظمِ الناسِ لؤمًا، وأشدِّهم وقاحةً، وأقلهم حياءً هو مَنْ يستعملُ نِعَمَ خالقِ السماواتِ والأرضِ التي أَنْعَمَهَا عليه يستعملُها ويستخدمُها في معصيتِه وفيما يسخطه. فهذا الإنسانُ ليس في وجهِه ماءٌ يستحي به،

(1)

السابق.

ص: 440

فهو من أقلِّ الناسِ حياءً وَأَلأَمِهِمْ وَأَخَسِّهِمْ، وكيف يجملُ بعبدٍ مسكينٍ ضعيفٍ أن يُنْعِمَ عليه خالقُ السماواتِ والأرضِ نِعَمَهُ الكثيرةَ بفضلِه ورحمتِه ثم يستعينُ بِنِعَمِ خالقِه على معصيةِ خالقِه وما يُسْخِطُ خالقَه، فهذا أقبحُ اللؤمِ وأخسُّه، وصاحبُه أقلُّ الناسِ حياءً وأشدُّهم وقاحةً.

وَبَيَّنَّا أن

(1)

مادةَ (شكر) في لغةِ العربِ أنها تتعدى إلى النعمةِ بنفسِها بدونِ حرفِ الجرِّ. تقولُ: شكرتُ نعمةَ اللهِ. وهذا أمرٌ لا خلافَ فيه. ومنه قولُه: {أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} [النمل: آية 19] فإذا كان الشكرُ شكرَ نعمةٍ تَعَدَّى إليه الفعلُ بنفسِه بِلَا خلافٍ. أما شكرُ المنعمِ فاللغةُ الفصحى التي نَزَلَ به القرآنُ أن يُعَدَّى الشكرُ إلى المنعمِ باللامِ فتقولُ: «شُكْرًا لك» . وتقولُ: «أنا أشكرُ لَكَ» ولَا تقول: «أنا أَشْكُرُكَ» . وتقول: «نحمدُ اللهَ ونشكرُ له» ولا تقول: «ونشكره» . وهذه هي اللغةُ الفصحى، تعديتُه باللامِ هي اللغةُ الفصحى التي لا شكَّ في أنها أفصحُ، وهي لغةُ القرآنِ؛ لأنه ما جاء في القرآنِ مُعَدًّى إلى المنعمِ إلا باللامِ، كقولِه:{أَنِ اشْكُرْ لِي} [لقمان: آية 14]{وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: آية 152]{أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: آية 14] ولم يَقُلْ في آيةٍ واحدةٍ: اشكرني. بتعديةِ الفعلِ إلى المفعولِ دونَ اللامِ. ومن هنا شَذَّ قومٌ من علماءِ العربيةِ فقالوا: (أحمدُه وأشكرُه) لَحْنٌ، ولا يجوزُ (وأشكره) وإنما يجوزُ:(وأشكر له) ولكنهم غلطوا؛ لأن اللغةَ الفصحى هي (وأشكر له) ولكن (وأشكره) بتعديةِ الفعلِ إلى المنعمِ بلَا واسطةِ حرفِ جرٍّ لغةٌ معروفةٌ مسموعةٌ في كلامِ العربِ، وقد بَيَّنَّا فيما مضى

(1)

مضى عند تفسير الآية (53) من سورة الأنعام.

ص: 441

شواهدَها. ومن شواهدِها قولُ أبي نخيلةَ

(1)

:

شَكَرْتُكَ إِنَّ الشُّكْرَ حَبْلٌ مِنَ التُّقَى

وَمَا كُلُّ مَنْ أَوْلَيْتَهُ نِعْمَةً يَقْضِي

فهذا الشاعرُ الفصيحُ. قال: «شكرتُك» بالكافِ ولم يَقُلْ: «شكرتُ لك» ومنه قولُ جميلِ بنِ معمرٍ في شعرِه المشهورِ

(2)

:

خَلِيلَيَّ عُوجَا الْيَوْمَ حَتَّى تُسَلِّمَا

عَلَى عَذْبَةِ الأَنْيَابِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ

فَإِنَّكُمَا إِنْ عُجْتُمَا لِي سَاعَةً

شَكَرْتُكُمَا حَتَّى أُغَيَّبَ فِي قَبْرِي

فقال: «شكرتُكما» ولم يَقُلْ: «شكرتُ لكما» فَتَبَيَّنَ من هذا أن مادةَ (شكر) تَتَعَدَّى إلى النعمةِ مفعولاً بنفسها، وإلى المنعمِ باللامِ في اللغةِ الفصحى، وربما تَعَدَّتْ إلى المنعمِ بنفسِها بدونِ حرفِ جَرٍّ. وهذا معنَى قولِه:{نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} [الأعراف: آية 158].

والتفصيلُ ضِدُّ الإجمالِ

(3)

، أي: نَأْتِي بها مفصلةً مفصلةً، آيةً بعدَ آيةٍ، وموعظةً بعدَ موعظةٍ، في أسلوبٍ بعدَ أسلوبٍ.

{لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} نِعَمَنَا في ذلك البيانِ؛ لأَنَّ بيانَ اللهِ فيما ينفعُ وما يضرُّ من أعظمِ مِنَنِهِ وَنِعَمِهِ على خَلْقِهِ. وهذا معنَى قولِه: {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} .

قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (60) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ

(1)

مضى عند تفسير الآية (53) من سورة الأنعام.

(2)

السابق.

(3)

قرأ الشيخ رحمه الله الآية: (نفصل) وهي: (نصرف) ثم فسرها بناء على ذلك.

ص: 442

الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62)}.

{لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59)} [الأعراف: آية 59] قَرَأَ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدا الكسائيَّ: {مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهِ} وَقَرَأَ الكسائيُّ من السبعةِ: {ما لكم من إلهٍ غَيْرهِ}

(1)

.

وقرأ نافعٌ وابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو: {إنيَ أخاف عليكم} بفتحِ ياءِ المتكلمِ. وقرأَ الباقونَ:

{إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ} بإسكانِ الياءِ

(2)

. والجميعُ لغةٌ.

أما قراءةُ الكسائيِّ: {ما لكم من إله غَيْرِه} فـ (غَيْرِه) نعتٌ للإلهِ وهو مجرورٌ بـ (من). وأما على قراءةِ الجمهورِ: {مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} فالنعتُ راجعٌ للمحلِّ؛ لأَنَّ الأصلَ: (ما لكم إله غيره) فَجُرَّ المبتدأُ بـ (من) لتوكيدِ النفيِ، فهو مخفوضٌ لفظًا مرفوعٌ مَحَلاًّ، والتابعُ للمخفوضِ لفظًا المرفوعُ محلاًّ يجوزُ رفعُه نظرًا إلى المحلِّ، وخفضُه نَظَرًا إلى اللفظِ كما هو معروفٌ في علمِ العربيةِ

(3)

.

واللامُ في قولِه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا} هي جوابُ قسمٍ محذوفٍ: واللهِ لقد أرسلنا. وهذه اللامُ الموطئةُ للقسمِ إذا جاءت مع الفعلِ الماضِي لا تكادُ العربُ تُجَرِّدُهَا من (قد)، تأتِي معها بـ (قد) التحقيقيةِ دائمًا، حتى زَعَمَ بعضُ العلماءِ أن (قد) واجبةٌ معها إن كانت بعدَ اللامِ

(1)

انظر: المبسوط لابن مهران ص210.

(2)

المصدر السابق ص219، الإتحاف (2/ 53).

(3)

انظر: حجة القراءات ص286، الإتحاف (2/ 52).

ص: 443

الموطئةِ للقسمِ قبلَ فعلٍ مَاضٍ. والتحقيقُ أنه لغةٌ فصحى كثيرةٌ ربما نَطَقَتِ العربُ بغيرِها فجاءت باللامِ والماضي دونَ (قد)، وهو مسموعٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ امرئِ القيس

(1)

:

حَلَفْتُ لَهَا بِاللَّهِ حَلفْةَ فَاجِرٍ

لَنَامُوا فَمَا إِنْ مِنْ حَدِيثٍ وَلَا صَالِي

ولم يقل: لقد ناموا.

واللهِ {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} {نُوحًا} هو نبيُّ اللهِ نوحٌ عليه وعلى نبينا الصلاةُ والسلامُ. والمؤرخونَ يقولونَ: إنه ابن لمك بن متوشَلَخ بن خنوخ، ويزعمونَ أن خنوخَ هو إدريسُ، وأن نوحًا من ذريةِ إدريسَ. هكذا ذَكَرَهُ غيرُ واحدٍ من المفسرين

(2)

. وأن إدريسَ قَبْلَ نوحٍ، وجاء في بعضِ رواياتِ حديثِ الإسراءِ ما يدلُّ على أن نوحًا ليس من ذريةِ إدريسَ، لأنه إذا سَلَّمَ على أجدادِه كإبراهيمَ ونوحٍ وَمَنْ جرى مجرَاهم يقولونَ: مَرْحبًا بالنبيِّ الصالحِ والابنِ الكريمِ. وإدريسُ لم يَقُلْ مرحبًا بالنبيِّ الصالحِ والابنِ، وإنما قال: والأخِ. كما جاءَ في بعضِ رواياتِ حديثِ المعراجِ

(3)

كما هو معروفٌ، وأكثرُ المؤرخين على هذا.

ونوحٌ هو أولُ نَبِيٍّ بعثَه اللهُ في الأرضِ بعدَ أن صارَ الكفرُ في الأرضِ، وَعُبِدَتْ فيها الأصنامُ، وَعُبِدَ فيها غيرُ اللهِ. فأولُ رسولٍ أُرْسِلَ بمنعِ عبادةِ الأصنامِ وتوحيدِ اللهِ بعبادتِه هو نبيُّ اللهِ نوحٌ عليه وعلى نبيِّنا الصلاةُ والسلامُ، وقد ثَبَتَ في أحاديثِ الشفاعةِ التي تكادُ

(1)

البيت في ديوانه ص125، و «الصالي»: المستدفئ بالنار.

(2)

مضى عند تفسير الآية (84) من سورة الأنعام.

(3)

مضى عند تفسير الآية (161) من سورة الأنعام.

ص: 444

أن تكونَ متواترةً أن آدمَ يقولُ لهم: اذهبوا إلى نوحٍ فإنه أولُ نبيٍّ بعثَه اللهُ في الأرضِ

(1)

. وَذَكَرَ المؤرخونَ وأصحابُ الأخبارِ أن بَيْنَ نوحٍ وآدمَ عشرةُ قرونٍ كُلُّهَا كانت على دينِ الإسلامِ، وكان في قومِ نوحٍ رجالٌ صالحونَ من أفاضلِ الناسِ في العبادةِ والزهدِ وطاعةِ اللهِ، وهم: وَدّ، ويغوث، ونَسْر، ويعوق

(2)

، فلما ماتوا صَوَّرَ قومُهم صورَهم وَبَنَوْا عليهم مساجدَ، وصاروا إذا نظروا إلى صُوَرِ أولئك الصالحين بَكَوْا بكاءً شديدًا ونشطوا في العبادةِ لِمَا يعلمونَ من صلاحِ أولئك القومِ وما كانوا عليه من العبادةِ، فَتَطَاوَلَ بهم الزمانُ حتى مات أهلُ العلمِ وَبَقِيَ الجهالُ فجاءهم الشيطانُ فقال لهم: إنما كانوا يعبدونَ هؤلاء وَيُسْقَوْنَ بها. فعبدوهم، وذلك أولُ كفرٍ وقعَ في الأرضِ.

وَعُلِمَ بذلك أن أولَ كفرٍ وقع في الأرضِ إنما جاءَ عن طريقِ التصويرِ، فكثيرٌ من الناسِ الذين لا يفهمونَ يقولونَ: هؤلاء الْمُنْتَسِبُونَ للعلمِ يُشَدِّدُونَ النكيرَ في التصاويرِ وَيُحَرِّمُونَ التصويرَ، والتصويرُ ليس فيه جنايةٌ على مالٍ، ولا على نَفْسٍ، ولا على عِرْضٍ، فَأَيُّ ذنبٍ عظيمٍ في التصويرِ، وَأَيُّ بأسٍ فيه؟ ويظنونَ لجهلهم أن أمرَه خفيفٌ.

والتصويرُ له أثرُه البالغُ في إفسادِ الدنيا وإفسادِ الدينِ أَوَّلاً وَآخِرًا، أما أولاً: فالتصويرُ هو سببُ أولِ كفرٍ وَقَعَ في الأرضِ تحتَ السماءِ، أولُه تصويرُ صورِ أُولئك القومِ الصالحين الذين صَوَّرُوهُمْ بقصدٍ حَسَنٍ، وكانوا إذا رأوا صورَهم بَكَوْا وأنابوا إلى اللهِ، وجَدُّوا

(1)

مضى عند تفسير الآية (51) من سورة الأنعام.

(2)

لم يذكر سواعًا.

ص: 445

في العبادةِ بما كانوا يعلمونَ من صلاحِ أولئك القومِ الذين صَوَّرُوا صُوَرَهُمْ، ثم تطاولَ بهم الزمانُ إلى أن كَانَتْ تلك الصورُ أوثانًا تُعْبَدُ من دونِ اللهِ؛ ولذا عَارَضُوا نبيَّ اللهِ نوحًا في عبادتهم أشدَّ المعارضةِ:{وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا} [نوح: الآيتان 23، 24] فَعُلِمَ أن التصويرَ كان أولَ جنايةٍ شركيةٍ وَقَعَتْ في الدنيا. وهذا الأثرُ السيئُ التاريخيُّ يدلُّ على عِظَمِ شَرِّهِ قَبَّحَهُ اللهُ.

وكذلك في الآخِرِ كان من أعظمِ الأسبابِ التي ضَيَّعَتْ أخلاقَ المسلمين وَذَهَبَتْ بعقولهم ومكارمهم؛ لأن الذين يريدونَ ضياعَ الإسلامِ يَسْعَوْنَ كُلَّ السعيِ في أن يُصوروا النساءَ عارياتِ الفروجِ، ويطبعونَ صُوَرَهَا في الصحفِ والمجلاتِ، ويرسلونَها لأقطارِ الدنيا. فإذا رأى الشابُّ الغِرُّ المسكينُ صورةَ فرجِ الخبيثةِ بَادِيًا تَحَرَّكَتْ غريزتُه، وقامت شهوتُه، وَسَافَرَ إلى البلادِ التي تُمْكِنُهُ فيها الحريةَ وإشباعَ رغبتِه الغريزيةِ التي لم يُقَيِّدْهَا تقوى، ولم يَزُمَّهَا إيمانٌ ولا ورعٌ ولا مروءةٌ. فصارَ التصويرُ في الأحوالِ الراهنةِ له أيضًا أثرُه البالغُ في ضياعِ الأخلاقِ، وانتشارِ الرذيلةِ، والقضاءِ على مكارمِ الأخلاقِ - قَبَّحَهُ اللَّهُ - ويكفيه أن الله (جل وعلا) له الأسماءُ الحسنى، والصفاتُ العلى، ومن أسمائِه العظيمةِ التي تَحْتَهَا غرائبُ وعجائبُ تُفَتِّتُ الأكبادَ: اسمُه (المصورُ) جل وعلا، فهو جل وعلا من أسمائِه الأزليةِ التي سَمَّى بها نفسَه (المصور) واسمُه (المصور) تحتَه من غرائبِ صُنْعِهِ وعجائبِ قدرتِه ما يُبْهِرُ العقولَ لِمَنْ كان له عقلٌ أو أَلْقَى السمعَ وهو شهيدٌ، ومما يوضحُ عظمةَ هذا الاسمِ وما يشيرُ إليه من كمالِ قدرةِ اللَّهِ وَعِظَمِ عِلْمِهِ وإحاطتِه بكلِّ شيءٍ أن ينظرَ

ص: 446

الواحدُ منكم إلى الحجيجِ يومَ جمرةِ العقبةِ فيجدُ الناسَ بهذه الكثرةِ العظيمةِ مع اختلافِ ألوانِهم وأشكالِهم وبلادِهم وهيئاتِهم، ويجد الجميعَ مَصْبُوبِينَ صَبَّةً واحدةً، الأنفُ موضوعٌ في مَحلِّهِ، والعينانِ في محلهما، والأُذُنَانِ في محلِّهما، والفمُ في محلِّه، وكلُّ عضوٍ موضوعٌ في موضعِه من الجميعِ.

واللهُ يصورُ كلَّ واحدٍ منهم صورةً مستقلةً يطبعه عليها بعلمِه وقدرتِه لا يشاركُه فيها أحدٌ ألبتةَ، فلا يَشْتَبِهُ منهم اثنانِ، وكلُّ صورةٍ طُبِعَ عليها واحدٌ منهم فهي كانت في عِلْمِهِ الأزليِّ قبلَ أن يقعَ ذلك الإنسانُ، فلما وقعَ وقعَ مُصَوَّرًا بالصورةِ التي كانت مهيأةً له في العلمِ السابقِ، ولو جاءَ ملايينُ أضعافَ الحصى من البشرِ لم يَضِقْ علمُ اللَّهِ عن أن يخترعَ لكلِّ واحدٍ منهم صورةً تَخُصُّهُ لَا يشاركُه فيه غيرُه، حتى إن أصواتَهم لم تتشابه، وآثارَهم في الأرضِ لا يختلطُ بعضُها ببعضٍ، وبصماتُ أصابعِهم في الأوراقِ لَا يُشَابِهُ بعضُها بعضًا عندَ مَنْ يعرفُ ذلك، فاللهُ سَمَّى نفسَه (المصورَ) لِمَا تحتَه من هذه الأسرارِ العظامِ والعجائبِ والغرائبِ التي تُبْهِرُ العقولَ، فيأتي هذا الإنسانُ الضعيفُ المسكينُ لِيُنْزِلَ نفسَه منزلةَ العظيمِ الجبارِ المصورِ ويفعلُ كفعلِه؛ ولذا جاء عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي تشديدِ عذابِ الْمُصَوِّرِينَ في الأحاديثِ الصحيحةِ أنهم أشدُّ الناسِ عذابًا، وأن ما صَوَّرُوهُ في الدنيا يُؤْمَرُونَ بأن يُحْيُوهُ وَيُعَذَّبُونَ عليه عذابًا شديدًا.

والحاصلُ أن التصويرَ هو سببُ أولِ شركٍ وَقَعَ في الدنيا، وله أثرُه الفعَّال الآنَ في فسادِ الأخلاقِ، وضياعِ شبابِ المجتمعِ كما هو معروفٌ؛ لأَنَّ مِنْ أعظمِ أسبابِ الفسادِ وتغييرِ فِطَرِ شبابِ المسلمين أن يَرَوْا في أوراقِ الصحائفِ والمجلاتِ فروجَ النساءِ - صورها - عارياتٍ، فإذا رأى صورةَ المرأةِ على هيئتِها متجردةً من كُلِّ شيءٍ،

ص: 447

باديةَ الفرجِ، فلا شكَّ أن الشبابَّ الذي ليس عقلُه مَزْمُومًا بإيمانٍ كاملٍ، وورعٍ ومروءةٍ تَامَّةٍ أن ذلك يُحَرِّكُ غريزتَه ويهيجُ طبيعتَه، فتراهم كثيرًا يسافرونَ باسمِ العلاجِ، وباسمِ كذا وكذا من الأعذارِ الكاذبةِ، وإنما مقصدُهم في الحقيقةِ هو أن يُشْبِعُوا رغباتِهم الغريزيةَ مما عَايَنُوا مُنْتَشِرًا من الفسادِ في قعرِ بلادِهم نعوذُ بالله من ذلك، وهذا معنَى قوله:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [الأعراف: آية 59].

ذَكَرَ بعضُ العلماءِ أن قومَ نوحٍ كانوا خَلْقًا كثيرًا مُنْتَشِرِينَ في أقطارِ الدنيا. وبعضُهم يقولُ: إنهم كانوا في بعضِ الأرضِ دونَ بعضِها. ولم يَقُمْ دليلٌ صحيحٌ على عددِهم وكثرتِهم، وهل كانوا يشغلونَ جميعَ نواحِي المعمورةِ أو بعضًا منها؟ ولم يَأْتِ مَنْ هُمْ. واللهُ في القرآنِ لم يُسَمِّهِمْ إلا بقومِ نوحٍ. {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} يعنِي: بعدَ أن عَبَدُوا الأصنامَ، وَعَبَدُوا صورَ أولئك الصالحينَ: وَدًّا ويغوثَ ويعوقَ ونسرًا، وبعدَ أن فَعَلُوا ذلك أَرْسَلَ اللهُ إليهم نبيَّه نوحًا ليتركوا عبادةَ الأصنامِ ويعبدُوا اللهَ وحدَه، فقال لهم نوحٌ:{يَا قَوْمِ} [الأعراف: آية 59] حَذَفَ ياءَ المتكلمِ، والأصلُ:(يا قومي) والمنادَى المضافُ إلى ياءِ المتكلمِ أصلُه فيه الخمسُ اللغاتِ المعروفةِ

(1)

منها حذفُ ياءِ المتكلمِ.

{اعْبُدُوا اللَّهَ} [الأعراف: آية 59] أصلُ العبادةِ في لغةِ العربِ

(2)

: الذلُّ والخضوعُ، فكلُّ خاضعٍ ذليلٍ تُسَمِّيهِ (عابدًا) وَكُلُّ ما خُضِّعَ وَذُلِّلَ فَقَدْ عُبِّدَ، ومنه قولُ طرفةَ بنِ العبدِ في مُعَلَّقَتِهِ

(3)

:

(1)

مضى عند تفسير الآية (54) من سورة البقرة.

(2)

انظر: المفردات (مادة: عبد) ص542.

(3)

شرح القصائد المشهورات (1/ 60).

وقوله: «تباري» أي: تعارض. والعتاق: الكرام. والناجيات: السريعات. والوظيف: عظم الساق. والمور: الطريق. والمعَبَّد: المذلَّل.

ص: 448

تُبَارِي عِتاقَ النَّاجِيَاتِ وَأَتْبَعَتْ

وَظِيفًا وَظِيفًا فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّدِ

أَيْ: فوقَ طريقٍ مُذَلَّلٍ بأقدامِ المشاةِ. وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ.

والعبادةُ في اصطلاحِ الشرعِ

(1)

: هي التقربُ إلى اللهِ (جل وعلا) وإفرادُه بذلك التقربِ والعبادةِ في جميعِ ما أَمَرَ أن يُتَقَرَّبَ إليه به على سبيلِ الذلِّ والخضوعِ والمحبةِ، فلا يكفي الذلُّ والخضوعُ دونَ المحبةِ، ولا تكفي المحبةُ دونَ الذلِّ والخضوعِ، فلا بد من الجمعِ بينَ الأَمْرَيْنِ. فإن كان الذلُّ والخضوعُ دونَ محبةٍ فالذليلُ الخاضعُ قد يكونُ مُبْغِضًا كَارِهًا لِمَنْ أَذَلَّهُ وأخضعَه، وَمَنْ أَبْغَضَ رَبَّهُ وَكَرِهَهُ فهو في دركاتِ النارِ. والمحبةُ وحدَها إذا لم يكن معها خوفٌ قد يتجرأُ صاحبُها ويكونُ ذَا دلالٍ فيتجرأُ على المقامِ الأقدسِ بما لا يَنْبَغِي. فلا بدَّ أن تكونَ هناكَ محبةٌ، وأن يكونَ هناك خوفٌ وَذُلٌّ وخضوعٌ لله. وضابطُها: هي التقربُ إلى اللهِ بما أَمَرَ أن يُتَقَرَّبَ إليه به بإخلاصٍ، على النحوِ الذي شَرَعَ، فلا يرضى اللهُ أن يعبدَ بغيرِ ما شَرَعَ. فلا بد أن تكونَ بما شَرَعَ مطابقة للشرعِ، مُخلَصًا فيها لله وحدَه (جل وعلا). وهذا معنَى قولِه:{اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية 59] ليس لكم من إِلَهٍ غيره.

قولُه هنا: {مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ} [الأعراف: آية 59] أصلُه مبتدأٌ زِيدَتْ قَبْلَهُ (من) والمقررُ في فَنِّ الأصولِ: أن النكرةَ في سياقِ النفيِ ظاهرةٌ في العمومِ، أما إذا دَخَلَتْ عليها (مِنْ) الْمَزِيدَةِ لتوكيدِ النفيِ

(1)

انظر: الكليات ص583.

ص: 449

فإنها تنقلُها من الظهورِ في العمومِ إلى التنصيصِ الصريحِ في العمومِ

(1)

. فلو قيل: «ما لكم إلهٌ غيره» كان ظاهرًا في العمومِ. فإن قيل: «ما لكم من إله غيره» . كان نصًّا صريحًا في العمومِ، وقد تُزَادُ (مِنْ) قبلَ النكرةِ في سياقِ النفيِ لتنقلَه من الظهورِ في العمومِ إلى التنصيصِ الصريحِ في العمومِ، تَطَّرِدُ زِيَادَتُهَا هكذا بهذا المعنَى في اللغةِ العربيةِ في ثلاثةِ مواضعَ لَا رابعَ لها

(2)

:

الأولُ: أن تُزَادَ قبلَ المبتدأِ كما هنا، كقولِه:{مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} أصلُه: (ما لكم إلهٌ غيره).

الثانِي: أن تزادَ قبلَ الفاعلِ، نحو:{مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ} [المائدة: آية 19]، الأصلُ:(ما جاءنا بشير) فالمجرورُ بها فاعلٌ أصلاً.

الثالثُ: أن تزادَ قبلَ المفعولِ به، نحو:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ} [الأنبياء: آية 25] الأصلُ: (وما أرسلنا من قبلك رسولاً).

{اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية 59] على قراءةِ الجمهورِ فِي {غَيْرُهُ} نعتٌ لِمَحَلِّ الإلهِ؛ لأن أصلَه مرفوعٌ. وعلى قراءةِ الكسائيِّ فهو نعتٌ للفظِ الإلهِ؛ لأنه مجرورٌ بـ (مِنْ)

(3)

وقد قَدَّمْنَا أن (الإلهَ). (فِعَال) بمعنَى (مفعولٍ) أي: معبودٌ، فالإِلَهَةُ في اللغةِ: العبادةُ. والإلهُ: المعبودُ. وفي قراءةِ ابنِ عباسٍ:

(1)

مضى عند تفسير الآية (38) من سورة الأنعام.

(2)

السابق.

(3)

انظر: المبسوط لابن مهران ص210، حجة القراءات ص 286.

ص: 450

أي: وعبادتك. فالإلهُ معناه المعبودُ الذي يعبدُه خَلْقُهُ بِذُلٍّ وخضوعٍ ومحبةٍ إليه (جل وعلا). وقد قَدَّمْنَا أن إتيانَ (الفِعَالِ) بمعنَى (المفعولِ) مسموعٌ في اللغةِ وليس بِمُطَّرِدٍ، ومنه:(إله) بمعنَى: مألوه، و (كتاب) بمعنَى: مكتوبٍ، و (لباس) بمعنَى: ملبوس، و (إمام) بمعنَى: مُؤْتَمٍّ به، في أوزانٍ معروفةٍ، وهذا معنَى:{مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}

(1)

.

{إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: آية 59]{إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ} إن لم تُفْرِدُوا رَبَّكُمْ بالعبادةِ وَتُخْلِصُوا له بالعبادةِ وتتركوا عبادةَ الأوثانِ: {أَخَافُ عَلَيْكُمْ} إن متم على ذلك {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} هو [يومُ القيامةِ، يعنى]

(2)

أن مَنْ مات يعبدُ غيرَ اللهِ لَقِيَهُ العذابُ العظيمُ. والعظيمُ هنا نعتٌ لليومِ، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أنه نعتٌ للعذابِ جُرَّ بالمجاورةِ؛ لأن مِنْ عَادَةِ العربِ أن تُنَوِّهَ بالأيامِ وتُشنِّعَهَا مع أنها ظروفٌ وأزمانٌ نَظَرًا لِمَا يَقَعُ فيها. يقولونَ: يومٌ ذُو كواكبَ، يومٌ أشنعُ، يومٌ عصيبٌ. ومنه قولُ نَبِيِّ اللهِ لوطٍ:{سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود: آية 77] ونظيرُه قولُ الشاعرِ

(3)

:

وَكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرِّدْ

وقَدْ سَلَكوُكَ فِي يَوْمٍ عَصِيبِ

ومنه قولُه تعالى: {يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17) السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} [المزمل: آية 17 - 18] فاليومُ

(4)

تُذَكِّرُهُ العربُ وتُهوِّلُ شأنَه نَظَرًا لِمَا يقعُ

(1)

مضى عند تفسير الآية (38) من سورة الأنعام.

(2)

في هذا الموضع انقطع التسجيل وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.

(3)

مضى عند تفسير الآية (130) من سورة الأنعام.

(4)

مضى عند تفسير الآية (130) من سورة الأنعام.

ص: 451

فيه، أما نفسُ اليومِ في حَدِّ ذاتِه فهو ظرفٌ من الظروفِ، وإنما المرادُ تهويلُه بما يقعُ فيه. وهذا معنَى:{إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: آية 59] والآيةُ لها صُورَتَانِ: إن كان مقصودُه أنه يخافُ عليهم عذابَ يومٍ عظيمٍ في دارِ الدنيا وقتَ طَمَعِهِ في إيمانِهم فلَا إشكالَ في الآيةِ. ومعنَى خوفِه عليهم: أنه يخافُ ألا يتوبوا فيموتوا كافرين. فيكونُ الخوفُ في موقعِه، وهو أنهم في دارِ الدنيا يحتملُ أن يؤمنوا فلا يُعذبوا، ويُخاف أن يتمادوا على الكفرِ حتى يَمُوتُوا فيعذبوا. فيكونُ الخوفُ في موقعِه. وعلى قولِ مَنْ يقول: أخافُ عليكم العذابَ إن متم على الكفرِ فيتعينُ أن تُحمل (أخافُ) بمعنَى أعلمُ؛ لأن نوحًا عَالِمٌ كُلَّ العلمِ بأنهم إن ماتوا كُفَّارًا عُذِّبوا عذابًا عظيمًا لَا شَكَّ فيه. والعربُ تُطْلِقُ الخوفَ وتريدُ به العلمَ كما هو معروفٌ في لغتِها.

وقال بعضُ العلماءِ: منه قولُه: {إِلَاّ أَنْ يَخَافَا أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة: آية 229] قالوا: معناه: إلا أن يَعْلَمَا {فَإِنْ خِفْتُمْ} : فإن عَلِمْتُمْ. وقد ذَكَرْنَا مرارًا أن مِنْ شَوَاهِدِ إتيانِ الخوفِ بمعنَى العلمِ قولُ أبي مِحْجَنٍ الثقفيِّ في أبياتِه المشهورةِ

(1)

:

إِذَا مِتُّ فَادْفِنِّي إِلَى جَنْبِ كَرْمةٍ

تُروِّي عِظَامِي بِالْمَمَاتِ عُرُوقُهَا

وَلَا تَدْفِنَنِّي بِالْفَلَاةِ فَإِنَّنِي

أَخَافُ إِذَا مَا مُتُّ أَلَاّ أَذُوقَهَا

وهو يعلمُ عِلْمًا يقينًا أنه إذا ماتَ ليس شاربًا للخمرِ بعدَ موتِه كما لَا يَخْفَى. وهذا معنَى قولِه: {إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} .

(1)

مضى عند تفسير الآية (48) من سورة الأنعام.

ص: 452

فأجابه قومُه شَرَّ جوابٍ وَأَخَسَّهُ وأقبحَه: {قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ} [الأعراف: آية 60] الملأُ: أشرافُ الجماعةِ وَذُكُورُهَا الذين ليس فيهم امرأةٌ. قيل سُمُّوا (ملأً) لأنهم يملؤون صدورَ المجالسِ بقامتِهم الوافيةِ، أو يملؤونَ صدورَ الناظرِ لأُبَّهَتِهِمْ وَجَمَالِهِمْ، أو أنهم يَتَمَالَؤُونَ على العقدِ والحلِّ فيتفقونَ عليه. أي: قال أشرافُ جماعتِه ورؤساؤُهم وأهلُ الحلِّ والعقدِ منهم: {قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ} لَنَعْتَقِدُكَ يا نوحُ {فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الأعراف: آية 60] أي: في ذَهَابٍ عن طريقِ الحقِّ بَيِّنٍ واضحٍ حيث جِئْتَنَا لِتَصْرِفَنَا عما كانَ يعبدُ آباؤُنا، فهذا التوحيدُ الذي جِئْتَنَا به وإفرادُ اللهِ بالعبادةِ نَرَاكَ في ضلالٍ وَذَهَابٍ عن الحقِّ مبينٍ واضحٍ.

وقد قَدَّمْنَا

(1)

أن (المُبِيْن) هو اسمُ فاعلِ (أَبَانَ) وأن العربَ تستعملُه استعمالين كِلَاهُمَا في القرآنِ. تقولُ العربُ: أَبَانَ الأَمْرُ يَبِينُ. من (أبان) اللازمةِ. فهو بَيِّنٌ ومُبِينٌ. وعلى هذا فالمُبِينُ صفةٌ مشبهةٌ من (أبان) اللازمةِ بمعنَى (بَيَّنَ) وعليه: في ضلالٍ بَيِّنٍ. أَي: واضحٍ لَا إشكالَ فيه. وهذا المعنَى كثيرٌ في كلامِ العربِ - إطلاقُ (أبانَ) لازمةً - ومنه قولُ كعبِ بنِ زُهَيْرٍ

(2)

:

قَنْوَاءُ فِي حُرَّتَيْهَا لِلْبَصِيرِ بِهَا

عِتْقٌ مُبِينٌ وَفِي الْخَدَّيْنِ تَسْهِيلُ

قولُه: «عتق مبين» أي: كَرَمٌ ظَاهِرٌ. ومن (أبان) لازمة بِمَعْنَى: (بان) قولُ عمرَ بنِ أبِي ربيعةَ المخزوميِّ

(3)

:

(1)

مضى عند تفسير الآية (55) من سورة الأنعام.

(2)

السابق.

(3)

السابق.

ص: 453

لَوْ دَبَّ ذَرٌّ فَوْقَ ضَاحِي جِلْدِهَا

لأَبَانَ مِنْ آثَارِهِنَّ حُدُورُ

يعنِي: لَظَهَرَ من آثارِ النملِ على جِلْدِهَا ورمٌ لرقةِ بَشْرَتِهَا. ومنه قولُ جريرٍ

(1)

:

إِذَا آبَاؤُنَا وَأَبُوكَ عُدُّوا

أَبَانَ الْمُقْرِفَاتِ مِنَ الْعِرَابِ

أَيْ: ظهرَ المقرفات من العراب.

الوجهُ الثاني: تستعملُ (أبان) اسم فاعلِ (أبان) المتعدية، أبانَه يُبِينُهُ. فاسمُ الفاعلِ (مبين) واسمُ المفعولِ (مُبان) كما هو معروفٌ. والظاهرُ أن هذه هنا من اللازمةِ.

ومعنَى: {فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} أي: في ضلالٍ بَيِّنٍ وَاضِحٍ، من (أبان) اللازمةِ.

قال نوحٌ مُجِيبًا لهم: {يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ} [الأعراف: آية 61] هم قالوا: إنه في ضلالٍ كثيرٍ. وهو نَفَى أن تكونَ معَه ضلالةٌ فردٌ واحد، وإذا انتفى عنه فردٌ واحدٌ من أفرادِ الضلالةِ فانتفاءُ غيرِه أَنْفَى وَأَنْفَى:{لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ} ولا حَيْدُودَةٌ عن طريقِ الحقِّ، بل أنا على حقٍّ وعلى طريقٍ مستقيمٍ، ولكنِّي غيرُ ضَالٍّ.

{وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: آية 61] أُرْسِلْتُ إليكم مِنْ خَالِقِ السماواتِ والأرضِ وما بينَهما ومدبرِ شؤونِ الجميعِ. وقد بَيَّنَ في الشعراءِ أن (العالمين) يشملُ السماءَ والأرضَ وَمَنْ فيهما وما بينَهما في قولِه: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنْتُم مُّوقِنِينَ (24)} [الشعراء: الآيتان 23، 24].

(1)

السابق.

ص: 454

{قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ} قَرَأَ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدا أبا عمرٍو: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي} [الأعراف: آية 62] بفتحِ الباءِ وتشديدِ اللامِ. وقرأَه أبو عمرو وحدَه: {أُبْلِغُكُمْ رسالات ربي}

(1)

الأُولَى: من التبليغِ، والثانية من الإبلاغِ

(2)

. وَسَمَّى رسالاتِه رسالات؛ لأنها في نواحٍ متعددةٍ

(3)

.

{أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ} العربُ تقولُ: نَصَحَهُ وَنَصَحَ له، و (نصح له) أكثرُ. ومعناه:{أَنْصَحُ لَكُمْ} أَبْغِي لكم النصيحةَ خالصةً من شوائبِ الغشِّ جميعِه، بل إنما أُعْطِيكُمُ النصيحةَ صافيةً خالصةً من شائبةِ الغشِّ، أدعوكم إلى اللَّهِ:{وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: آية 62] أعلمُ من رَبِّي ما لا تعلمونَه، ومن جملةِ ذلك أنكم إن عصيتموني، وَمُتُّمْ على كفرِكم أنكم تَلْقَوْنَ العذابَ العظيمَ والإهانةَ الكبرى والخلودَ في دركاتِ النارِ، وأنكم إن أطعتموني دخلتُم الجنةَ وخلدتُم في نعيمِ اللهِ، وهذا معنَى قولِه:{وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} أي: بوحيٍّ من الله جل وعلا.

(1)

انظر: المبسوط لابن مهران ص210.

(2)

انظر: حجة القراءات ص286 - 287.

(3)

في هذا الموضع وقع للشيخ رحمه الله وهم حيث ظن أنه تكلم على الآية رقم (68) والتي فيها قول نبي الله هود عليه الصلاة والسلام؛ ولذا قال رحمه الله هنا: {وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} هذا قول نبي الله نوح، والذي فسرنا الآن قول نبي الله هود كما سيأتي في قصته» ا. هـ. والواقع أن كلام الشيخ رحمه الله في تفسير الآية على وجهه لم يقع فيه وَهْم في الحقيقة؛ ولذا لم نثبت استدراك الشيخ رحمه الله في الأصل وإنما اكتفينا بالتنبيه على ذلك في الحاشية. وانظر ما ذكره عند تفسير الآية (65) من هذه السورة.

ص: 455

[11/ أ] / قال تعالى: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (64)} [الأعراف: الآيتان 63 - 64].

يقول اللهُ جل وعلا: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (64)} [الأعراف: الآيتان 63، 64].

هذا مما قَصَّ اللهُ علينا من قصصِ أنبيائِه مع أُمَمِهِمْ. لَمَّا قال نوحٌ لقومِه: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: آية 59] وَرَدُّوا عليه ذلك الردَّ القبيحَ الشنيعَ، وقالوا له:{إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الأعراف: آية 60] وقابل سفاهتَهم وَجَهْلَهُمْ وَقُبْحَ رَدِّهِمْ بالكلامِ اللطيفِ، والجوابِ الكريمِ الخالِي من بذاءةِ اللسانِ، اللَّيِّنِ كما هي عادةُ الرسلِ في مخاطباتِهم مع الكفرةِ الجهلةِ:{قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62)} [الأعراف: الآيتان 61، 62] قال أيضًا لقومِه: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ} [الأعراف: آية 63] أَجْرَى اللهُ العادةَ بأن الأممَ إذا بُعِثَ فيهم رُسُلٌ منهم يقولونَ: لو كان اللَّهُ مُرْسِلاً رسولاً لَمَا جَعَلَهُ بَشَرًا يأكلُ الطعامَ، ويشربُ كما نشربُ، ويروحُ إلى السوقِ ليقضيَ حاجتَه، ويتزوجُ، ويولدُ له! لو كان مُرْسِلاً رسولاً لأَرْسَلَ الملائكةَ؛ لأَنَّ لهم هيبةً ليست عندَ الآدَمِيِّينَ، وعلاماتٍ تميزهم عن الآدميين. ويقولونَ للرسلِ: أنتم بشرٌ مثلُنا، تأكلونَ كما نأكلُ، وتشربونَ كما نشربُ، وتذهبونَ إلى

ص: 456

الأسواقِ لقضاءِ حاجاتِكم كما نفعلُ، وتتزوجونَ كما نتزوجُ، ويولدُ لكم كما يُولَدُ لنا، فأنتم بشرٌ مثلُنا لا يمكنُ أن نكونَ لكم تَبَعًا، وأن تكونوا أفضلَ منا بحيثُ تكونونَ آمِرِينَ نَاهِينَ علينا!! هذه عادةٌ أَجْرَاهَا اللهُ كما قال تعالى:{وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَاّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً (94)} [الإسراء: آية 94] كيف يبعثُ اللهُ بشرًا يأكلُ ويشربُ، ويذهبُ إلى السوقِ؟ وهذا كثيرٌ في القرآنِ

(1)

{فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ} [القمر: آية 24] لا يمكن هذا {أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ} [التغابن: آية 6]{مَا أَنْتُمْ إِلَاّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} [يس: آية 15]{مَا هَذَا إِلَاّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ (34)} [المؤمنون: الآيتان 33، 34] فيعجبونَ من أن الله يبعثُ الرسلَ من البشرِ، ويستنكرونَ هذا الأمرَ. والرسلُ تُبَيِّنُ لهم أن هذا لا عجبَ فيه؛ لأن اللهَ ما أرسلَ إلى الأممِ إلا رُسُلاً منهم، كما قال:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَاّ رِجَالاً} [يوسف: آية 109] لم نُرْسِلْ قَبْلُ ملائكةً. وقال (جل وعلا) لَمَّا قالوا: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: آية 7] قال الله: {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: آية 20] إلى غير ذلك.

ومن هذا القبيلِ قال نبيُّ اللهِ نوحٌ عليه وعلى نبينا الصلاةُ والسلامُ لقومِه: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ} [الأعراف: آية 63] هذه الهمزةُ التي تأتِي بعدَها أداةُ عطفٍ كالواوِ والفاءِ وَثُمَّ، الأكثرونَ من علماءِ العربيةِ على أن الهمزةَ تتعلقُ بجملةٍ محذوفةٍ، وأن الواوَ إنما فُتِحَتْ لأنها عاطفةٌ على الجملةِ المحذوفةِ الذي دَلَّ عليه

(1)

انظر: أضواء البيان (2/ 323) ..

ص: 457

المقامُ

(1)

. وهذا هو الوجهُ المختارُ من الوَجْهَيْنِ، واعتمدَه ابنُ مالكٍ في الخلاصةِ بقولِه

(2)

:

وَحَذْفُ مَتْبُوعٍ بَدَا هُنَا اسْتَبِحْ

....................................

وتقديرُ المحذوفِ: أكفرتُم وَكَذَّبْتُمُونِي وعجبتُم أيضًا من أن جاءَكم ذِكْرٌ من ربكم، أي: أكفرتُم وعجبتُم؟ إنكارٌ لكفرِهم، وإنكارٌ لعجبهم المعطوفِ عليه؛ لأن كل هذا ليس محلَّ استنكارٍ.

والعَجَبُ معروفٌ، وهو أن يستغربَ الإنسانُ الشيءَ ويستبعدَه كأنه ليس من المألوفِ وجودُ نظيرِه:{أَوَعَجِبْتُمْ} [الأعراف: آية 63] أي: أَكَفَرْتُمْ وعجبتُم؟ أي: تعجبتُم واستغربتُم من {أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف: آية 63] أي: جاءكم ذِكْرٌ. أي: موعظةٌ. المرادُ بِالذِّكْرِ هنا: موعظةُ اللهِ التي أَنْزَلَهَا على نَبِيِّهِ نوحٍ من توحيدِ اللهِ الخالصِ وعبادتِه وحدَه (جل وعلا)، والوعظِ الذي يُلَيِّنُ القلوبَ، والزجرِ عن عبادةِ غيرِ اللهِ، فهذا الذكرُ الذي جاءَهم، (ذكر) أي: وعظٌ نازلٌ من الله.

{عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ} [الأعراف: آية 63] على لسانِ رجلٍ منكم بَعَثَهُ اللهُ فيكم نَبِيًّا، بعثَه اللهُ بهذا الوعظِ لأَجْلِ أن ينذرَكم. وقد قَدَّمْنَا أن

(3)

(الإنذارَ) أنه الإعلامُ المقترنُ بتهديدٍ خاصةً. فكلُّ [إنذارٍ إعلامٌ وليس كُلُّ إعلامٍ إنذارًا]

(4)

، أي: لينذركم. أي ليخبرَكم برسالاتِ اللهِ، مبلغكم أوامرَه ونواهيَه، مُبَيِّنًا لكم أنكم إن لم تتقوه وتطيعوا

(1)

مضى عند تفسير الآية (75) من سورة البقرة.

(2)

السابق.

(3)

مضى عند تفسير الآية (130) من سورة الأنعام.

(4)

في الأصل: «فكل إعلام إنذار، وليس كل إنذار إعلامًا» وهو سبق لسان.

ص: 458

رسولَه أنكم سَتَلْقَوْنَ العذابَ الأليمَ والنكالَ الشديدَ.

وكونُ الإخبارِ مُقْتَرِنًا بهذا التهديدِ والتخويفِ من عذابِ اللهِ ونكالِه هو معنَى الإنذارِ. أي: (لينذركم) لأجلِ أن ينذرَكم، يخوفكم عقابَ اللهِ وشدةَ نكالِه وبأسِه إن تماديتُم على كفركم.

{وَلِتَتَّقُوا} [الأعراف: آية 63] علةٌ أُخْرَى. أي: جاءكم ذِكْرٌ من ربكم على لسانِ رَجُلٍ منكم لأَجْلِ أن تتقوا اللهَ وتجعلوا بينَكم وبين سَخَطِهِ وعذابِه وقايةً، هي امتثالُ أمرِ اللهِ واجتنابُ نهيِ اللهِ؛ ولأَجْلِ أن تُرْحَمُوا.

(لَعَلَّ) هنا الظاهرُ فيها أنها تعليليةٌ؛ لأنها معطوفةٌ على مَوْضِعَيْنِ من لامِ كَيْ؛ لأن قولَه: {لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا} كِلْتَاهُمَا لَامُ كَيْ، فَعَطْفُ (لعل) عليهما يدلُّ على أنها للتعليلِ. وقد قال بعضُ علماءِ التفسيرِ

(1)

: كل (لَعَلَّ) في القرآنِ فَفِيهَا معنَى التعليلِ إلا التي في سورةِ الشعراءِ: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129)} [الشعراء: آية 129] قالوا: هي بمعنَى: كأنكم تَخْلُدُونَ. هكذا قالوا واللَّهُ أعلمُ.

ولا شكَّ أن (لعلَّ) تأتِي في القرآنِ للتعليلِ، وكذلك تأتِي في كلامِ العربِ، فَمِنْ إتيانِها في القرآنِ ظاهرةً في التعليلِ واضحةً فيه:{وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: آية78] أي: أَنْعَمَ عليكم بنعمةِ الأبصارِ والأفئدةِ لأَجْلِ أن تشكروا نعمَه فتؤمنوا به. وَمِنْ إتيانِ (لعل) في كلامِ العربِ بمعنَى التعليلِ قولُ الشاعرِ

(2)

:

فَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الْحُرُوبَ لَعَلَّنَا

نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ

(1)

مضى عند تفسير الآية (52) من سورة البقرة.

(2)

السابق.

ص: 459

فقولُه: (كُفُّوا الحروبَ لعلنا) أي: كُفُّوا الحروبَ لأَجْلِ أن نَكُفَّ. وهذا معنَى قولِه: {وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} هذا الذِّكْرُ الذي أَنْزَلَهُ اللهُ عليكم على لسانِ رجلٍ منكم لا عجبَ فيه وإنما أنزل اللهُ هذا الذي تعجبتُم منه لصلاحِكم:

أولاً: لأَجْلِ أن تتقوا اللهَ بإنذارِ هذا النبيِّ الكريمِ الذي هو مِنْكُمْ.

الثاني: {لِيُنذِرَكُمْ} يخوفكم عقابَ اللهِ، وتتقوا اللهَ، ولأَجْلِ أن يرحمَكم اللهُ برحمتِه الواسعةِ إذا أقلعتُم عن الكفرِ واتقيتُم اللهَ؛ لأن رحمةَ اللهِ وَسِعَتْ كُلَّ شيءٍ، ولكن الله بَيَّنَ من يكتب لهم رحمتَه في قوله:{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ} [الأعراف: الآيتان 156، 157] هؤلاء هم الذين يكتب اللهُ لهم رحمتَه؛ ولذا قال نبيُّ اللهِ نوحٌ لقومِه: لا تعجبوا فهذا ليس مَحَلَّ عَجَبٍ، وهذا أمرٌ لا يُعْجَبُ منه؛ لأن اللهَ أَنْزَلَ عليكم ذِكْرًا على لسانِ رَجُلٍ منكم ليخوفَكم من اللهِ، من عبادةِ غيرِه؛ ولأجلِ أن تتقوا رَبَّكُمْ بما يعلمكم ويبلغكم عن الله؛ ولأَجْلِ أن يرحمَكم اللهُ إن أنتم فعلتُم ذلك. وهذا معنَى قوله:{لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ثم أعادَ الكلامَ فقال: {فَكَذَّبُوهُ} لأنه ذَكَرَ أولاً أنهم كَذَّبُوهُ تكذيبًا شنيعًا حيث قالوا له: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الأعراف: آية 60] فَلَمَّا أعادَ عليهم الكلامَ، وَبَيَّنَ لهم أن بعثَه إليهم لا يُسْتَعْجَبُ منه، وأنه لصلاحِهم ليخوفَهم من معاصِي اللهِ، وليتقوا اللهَ فيرحمهم اللهُ عادوا إلى التكذيبِ.

وقال اللهُ هنا: {فَكَذَّبُوهُ} عادوا إلى تكذيبِهم الأولِ. والظاهرُ أنه قال: {فَكَذَّبُوهُ} ولم يَذْكُرْ شناعةَ قولهم لأنهم تَمَادَوْا على مثلِ قولِهم الأولِ من التكذيبِ: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}

ص: 460

يعني لَمَّا كَذَّبُوهُ - في الكلامِ اختصارٌ - صبر على أَذَاهُمْ، ومكثَ تسعمائة وخمسين سنةً وهو يدعوهم إلى الإسلامِ صابرًا على ما يَلْقَى منهم من الأذى، حتى إن رَبَّهُ تعالى قنَّطَه منهم وَبَيَّنَ له أنه لا يؤمنُ منهم أحدٌ أبدًا كما قال:

{وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَاّ مَنْ قَدْ آمَنَ} [هود: آية 36] فَتَيَقَّنَ نوحٌ أنه لم يَبْقَ يُرْجَى منهم خَيْرٌ، وإنما فيهم الشرُّ، وتعذيبُ نوحٍ وإهانتُه بما ينال منهم من السوءِ، وأنهم كلهم شرٌّ لَا يُرْجَى منهم خيرٌ أبدًا، ولا من نَسْلِهِمْ بعدَ أن مَكَثَ فيهم هذا الزمنَ الطويلَ الذي بَيَّنَهُ اللَّهُ في العنكبوتِ فِي قولِه:{فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَاّ خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت: آية 14] لَمَّا أعلمَه اللهُ أنهم لا يُرجى لهم صلاحٌ، ولا يُرجى لهم خيرٌ، وأنه لا يؤمنُ منهم ولا من ذرياتهم أحدٌ، لما حَصَلَ هذا اليأسُ عند ذلك دَعَا عليهم في قولِه:{رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: آية 26] دَيَّارًا: أي: داخل دَارٍ، أو عامر بيتٍ، فأهْلِكْهُمْ كُلَّهُمْ.

ثم قال: {إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَاّ فَاجِرًا كَفَّارًا (27)} [نوح: آية 27] وإنما قال نوحٌ: {وَلَا يَلِدُوا إِلَاّ فَاجِرًا كَفَّارًا} لأن رَبَّهُ أخبرَه بأنهم لا يؤمنُ منهم أحدٌ في قولِه في سورةِ هودٍ: {أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَاّ مَنْ قَدْ آمَنَ} [هود: آية 36] فَلَمَّا دعا عليهم نوحٌ وَبَيَّنَ اللهُ دعاءَه عليهم فيٍ آياتٍ كثيرةٍ: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10)} [القمر: آية 10]{فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ} [الأنبياء: الآيتان 76، 77].

لَمَّا مَكَثَ فيهم هذا الزمنَ الطويلَ وهم يكذبونَه ويؤذونَه، وكانت امرأتُه خبيثةً تَدُلُّهُمْ على مَنْ أَسْلَمَ من القليلين الذين أَسْلَمُوا

ص: 461

معه فيعذبونَهم ويهينونَهم أهلكها اللهُ معهم، وصارت مع الكافرين، ودخلتِ النارَ والعياذُ بالله، وَضَرَبَهَا اللهُ مثلاً مع امرأةِ لوطٍ لِمَنْ يكونُ في صحبةِ أفاضلِ الناسِ وخيارِ الأنبياءِ ولا يكونُ في نفسِه طَيِّبًا فلا ينتفعُ بتلك الصحبةِ الكريمةِ لِخُبْثِ نفسِه، قال:{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10)} [التحريم: آية 10] ومعنَى (خانتاهما) أي: بالكفرِ وإطلاعِ الكفارِ على أسرارِهما، وليس المرادُ أنهما خَانَتَا خيانةَ زِنًى كما تَوَهَّمَهُ بعضُ الناسِ، وأن امرأةَ نوحٍ خَانَتْهُ فَزَنَتْ! واستدلوا بأن اللهَ لَمَّا قال نوحٌ:{رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} قال: {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: الآيتانِ 45، 46] فهذا غلطٌ، بل غلطٌ عظيمٌ فاحشٌ. والمحققونَ من أهلِ العلمِ أن اللهَ كرم مناصبَ الأنبياءِ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم، وَطَهَّرَ فُرُشَهُمْ فلم تَزْنِ امرأةُ نَبِيٍّ قَطُّ، والولدُ الكافرُ الذي أُغْرِقَ هو ابنُ نوحٍ لا شكَّ فيه؛ لأن اللهَ - وهو أصدقُ مَنْ يقولُ - صَرَّحَ بأنه ابنُه حيث قال:{وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ} [هود: آية 42] وقولُ اللهِ له: {مِنْ أَهْلِكَ} يعنِي بحذفِ الصفةِ، من أهلِك الموعودِ بنجاتِهم وإركابِهم في السفينةِ في قولِه:{إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ} [العنكبوت: آية 33] لأنه فَارَقَ دينَكم وَكَانَ كافرًا.

فَلَمَّا تَطَاوَلَ الزمنُ على نوحٍ وهو يدعوهم، ولا يزيدُهم دعاؤُه إلا فرارًا وَبُعْدًا عن الحقِّ؛ دعا عليهم فأجابَ اللهُ دعوتَه، فأرسلَ

ص: 462

السماءَ مِدْرَارًا، وَفَجَّرَ عيونَ الأرضِ، فَالْتَقَى الماءُ من أعلى وأسفلَ، حتى صارَ طُوفَانًا غَطَّى على الجبالِ. والدليلُ على أنه غَمَرَ الجبالَ: أن نوحًا لَمَّا قال لولدِه: {يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ} وقال الولدُ: {سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ} أجابَه نوحٌ فقال: {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَاّ مَن رَّحِمَ} [هود: الآيتان 42، 43] فَدَلَّ على أنه ليسَ هناك معتصمٌ في الجبالِ؛ وَلِذَا قال تعالى: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12)} [القمر: الآيات 10 - 12] فصارَ طوفانًا جارفًا أَهْلَكَ جميعَ مَنْ على وجهِ الأرضِ، مِنْ كُلِّ ما هو حَيٌّ إلا مَنْ كان في تلك السفينةِ، كما قال تعالى:{فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ} [العنكبوت: آية 15] وأمر اللهُ نَبِيَّهُ نوحًا بأن يجعلَ تلك السفينةَ - ويجعلَها بالنجارةِ - وكان ينجرها والأرضُ يبَس، وهم يضحكونَ منه ويسخرونَ ويقولونَ: كنتَ نَبِيًّا فصرتَ نَجَّارًا! وهو يقولُ لهم: {إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [هود: الآيتان 38، 39] فَلَمَّا قَرُبَ الوعدُ المحددُ لإهلاكِهم قيلَ لنوحٍ: ارْكَبْ في السفينةِ وَاحْمِلْ فيها أهلكَ ومن آمَنَ مَعَكَ، ثم قال:{وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَاّ قَلِيلٌ} [هود: آية 40] وَأَمَرَ أن يأخذَ من كُلِّ شيءٍ من جميعِ الحيواناتِ زَوْجَيْنِ.

أي: ذَكَرًا وَأُنْثَى؛ لأن جميعَ مَنْ على وجهِ الأرضِ سيهلكه الطوفانُ، ولن يبقى إلا مَنْ فِي تلك السفينةِ، فيكونُ كُلُّ جنسٍ من أنواعِ الحيواناتِ موجود معه منه ذَكَرٌ وأنثى ليتناسلَ ذلك الذكرُ بتلك الأنثى وينشأَ منهما ذلك النوعُ من أنواعِ الحيواناتِ كما يأتي في قولِه:{قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} [هود: آية 40] وفي القراءةِ

ص: 463

الأخرى

(1)

: {مِنْ كُلِّ زوجين اثنين} أي: ذَكَرًا وَأُنْثَى ليقعَ منهما التناسلُ وينتشرَ منهما ذلك النوعُ؛ لأن مَنْ على وجهِ الأرضِ سَيُهْلِكُهُ ذلك الطوفانُ. وذلك يُبَيِّنُ أن ذنوبَ بَنِي آدمَ قد يُهْلِكُ اللهُ بها الجميعَ حتى الحيواناتِ. قال بعضُ العلماءِ: قد تهلك الحبارى في وَكْرِهَا، والجُعْل في جُحْره بذنوبِ بَنِي آدمَ، وقد يهلك اللهُ بني آدمَ بذنوبِ بعضِهم. فإذا انتشرَ الفسادُ في الأرضِ وكانَ الناسُ قادرين على أن يَكُفُّوهُ فلم يكفوه نزلَ البلاءُ فَعَمَّ الصالحَ والطالحَ، كما جاء في الأحاديثِ الكثيرةِ وفي قولِه تعالى:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَاّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: آية 25] وَمِنْ أَوْضَحِ ذلك حديثُ النعمانِ بنِ بشيرٍ الثابتُ في الصحيحِ - المشهور - الذي ضَرَبَ فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم مثلاً للناسِ إن أَخَذَتْ على أيدي السفهاءِ، وَمَنَعَتْهُمْ من معاصِي اللهِ، وَأَمَرَتْ بالمعروفِ، وَنَهَتْ عن المنكرِ، وإن لم تَفْعَلْ ذلك، فضربَ لهم مثلاً بقومٍ اسْتَهَمُوا على سفينةٍ، فكان بعضُهم في أسفلِ السفينةِ، وكانوا إذا أَرَادُوا أن يشربوا من الماءِ صَعدُوا فَمَرُّوا على مَنْ فَوْقَهُمْ، فقالوا: لَا ينبغي لنا أن نصعدَ ونمرَّ على مَنْ فَوْقَنَا بل نَخْرِقُ السفينةَ مما يَلِينَا، ونشربُ مِمَّا يَلِينَا فلَا نصعد حتى نَمُرَّ على مَنْ بأعلاها. فَبَيَّنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنهم إن تركوهم وما أرادوا وخرقوا السفينةَ دخلَ الماءُ فيها فامتلأت فغرقَ الجميعُ، وإن زَجَرُوهُمْ وكفوا أيديَهم نَجَوْا ونجا الجميعُ.

نقلنا الحديثَ بالمعنَى، وهو حديثٌ صحيحٌ، ثابتٌ في الصحيحِ

(2)

، مشهورٌ، وهو واضحٌ في أن السفهاءَ

(1)

انظر: المبسوط لابن مهران ص239.

(2)

البخاري في الشركة، باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه. حديث رقم (2493)(5/ 132)، وطرفه في (2686).

ص: 464

إن لم يُؤْمَرُوا بالمعروفِ وَيُنْهَوْا عن المنكرِ وَيُضْرَبْ على أيديهم أنهم يُهلِكونَ الجميعَ، فيهلك الجميعُ بذنوبهم.

وفي الحديثِ الصحيحِ المشهورِ من حديثِ أُمِّ المؤمنينَ أُمِّ الحكمِ زينبَ بنتِ جحشٍ رضي الله عنها: أنها لَمَّا سَمِعَتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ هَكَذَا» . وعقدَ التسعينَ مثل هذا. أنها رضي الله عنها لَمَّا سَأَلَتْهُ فقالت: أَنَهْلِكُ وفينا الصالحونَ؟ قال: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ»

(1)

فإذا انتشرت المعاصي وكثر الخَبَثُ ولم يُضرب على أيدي السفهاءِ أوشكَ اللهُ أن يعمهم بعذابٍ من عندِه؛ ولذا عَمَّ جميعَ مَنْ في الأرضِ بذنوبِ مَنْ كَذَّبُوا نوحًا عليه وعلى نبيِّنا الصلاةُ والسلامُ.

وَلَمَّا دعا عليهم نوحٌ قيلَ لنوحٍ: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} [هود: آية 40] الذي سَبَقَ عليه القولُ مِنْ أَهْلِهِ: زوجتُه الكافرةُ - قَبَّحَهَا اللَّهُ - وابنُه الكافرُ - والمؤرخونَ يزعمونَ أن اسمَه كَنْعَانُ - فلما رَكِبَ نوحٌ في السفينةِ، وَفَجَّرَ اللهُ عيونَ الأرضِ، وأنزلَ الماءَ من السماءِ فالتقَى الماءُ على أَمْرٍ قد قُدِرَ، أَهْلَكَهُمُ اللهُ بذلك الطوفانِ، ولم يُبْقِ منهم باقيةً. وفي قصتِهم: أن اللَّهَ تبارك وتعالى لو كان يرحمُ أحدًا منهم لَرَحِمَ امرأةً منهم في القصةِ؛ لأن عندَها ولدًا صغيرًا تُحِبُّهُ حُبًّا شديدًا، كانت كلما طلع الماءُ ارْتَفَعَتْ بالولدِ إلى الجبلِ، حتى صارت على رأسِ الجبلِ، فَطَمَّ الماءُ على الجبلِ، فكان الماءُ

(1)

البخاري في الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ويل للعرب

» حديث رقم (7059)، (13/ 11)، ومسلم في الفتن وأشراط الساعة باب: اقتراب الفتن

حديث رقم: (2880)، (4/ 2207).

ص: 465

كُلَّمَا بلغَ شيئًا منها رَفَعَتِ الولدَ، حتى بلغ حلقومَها، رَفَعَتْ يدَها بالولدِ حتى أغرقَ اللهُ الجميعَ

(1)

، وَدَمَّرَ اللهُ الجميعَ. واعتذرَ نبيُّ اللهِ نوحٌ عن دعائِه عليهم - مع أن اللَّهَ أَعْلَمَهُ أنهم خبثاءُ ليس فيهم خيرٌ - قال يقولُ لِرَبِّهِ:{قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَاّ فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10)} إلى آخِرِ ما ذُكِرَ. [نوح: الآيات 5 - 10] فالقصةُ اخْتُصِرَتْ هنا في سورةِ الأعرافِ وَبَسَطَهَا اللهُ في سورٍ أخرى متعددةٍ.

ولذا قال: {فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ} [الأعراف: آية 64] أي: أنجيناه هو والذين معَه في الفلكِ، وهم قليلٌ؛ لأن اللهَ قال:{وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَاّ قَلِيلٌ} [هود: آية 40].

وبعضُ المؤرخين يقولونَ: هم أربعونَ رجلاً وأربعونَ امرأةً، هم ثمانونَ نَفْسًا. وبعضُهم يقولُ: هم تسعةُ أَنْفُسٍ. واللهُ تعالى أعلمُ. ولكن اللَّهَ بَيَّنَ أنهم قليلٌ حيث قال: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَاّ قَلِيلٌ} وقال: {أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَاّ مَنْ قَدْ آمَنَ} [هود: آية 36] فصارت تلك السفينةُ تجري بهم تتلاطمُ عليها الأمواجُ كما قال تعالى: {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ} [هود: آية 42] الأمواجُ كأنها الجبالُ، وهذا يدلُّ على عِظَمِ الطوفانِ وارتفاعِه فوقَ الأرضِ حيث شَبَّهَ أمواجَه بالجبالِ كما قال:{وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ} فأهلكهم اللهُ وَدَمَّرَهُمْ، وَاسْتَوَتِ السفينةُ على الْجُودِيِّ ثُمَّ لَمَّا قَضَى اللهُ أَمْرَهُ:{وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [هود: آية 44] فَلَمَّا أَرْسَلَ اللهُ

(1)

انظر: البداية والنهاية (1/ 113 - 114).

ص: 466

الرياحَ وَنَشَفَتِ الأرضُ، ويبست من آثارِ ذلك الطوفانِ نَزَلَ نوحٌ وَمَنْ مَعَهُ، وَتَنَاسَلَ مَنْ مَعَهُ، وصارَ جميعُ الدنيا من أولادِه الثلاثةِ الذين كانوا مَعَهُ، كما قال تعالى:{وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (77)} [الصافات: آية 77].

والمؤرخونَ يُسَمُّونَ نوحًا: آدمَ الأصغرَ؛ لأن جميعَ مَنْ بَعْدَهُ من الدنيا من نَسْلِهِ. وأولادُه الذين مَعَهُ: سام وحام ويافث. وبعضُ المؤرخين يقولونَ: إن جميعَ الموجودين في الدنيا راجعٌ إلى تلك الأصنافِ التي هِيَ مِنْ نسلِ هؤلاء الرجالِ، ويزعمونَ أن سَامًا من نسلِه: العربُ والرومُ والفرسُ، وأن حامًا من نسلِه: القبطُ والسوادين والبربرُ، وأن يافث من نسلِه: الصقالبةُ ويأجوجُ ومأجوجُ والتركُ. وأن جميعَ أنواعِ الناسِ يرجعُ في الأصلِ إلى هذه العناصرِ، هكذا يقولونَ، وَاللَّهُ تعالى أَعْلَمُ

(1)

. وَلِذَا قال تعالى: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ} [الأعراف: آية 64].

الْفُلْكُ: السفينةُ. وهذه السفينةُ تَمْشِي في البحرِ تحملُ الناسَ، آية من آياتِ الله، كما قال:{وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّاتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41)} [يس: آية 41] وفي القراءةِ الأخرى

(2)

: {ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42) وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَاّ رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (44)} [يس: الآيات 41 - 44] الفلكُ: السفينةُ، وَيُطْلَقُ على جمعِ السفنِ، فهو يُطْلَقُ على المفردِ وعلى الجمعِ. قال بعضُ علماءِ العربيةِ

(3)

: إن أُطْلِقَ على

(1)

انظر: البداية والنهاية (1/ 115).

(2)

انظر: المبسوط لابن مهران ص371.

(3)

انظر: المفردات للراغب ص645.

ص: 467

المفردِ فضمةُ (فُلْك) كضمةِ (قُفْل)، وإن أُطْلِقَ على الجمعِ فضمةُ (فُلُك) كضمةِ (كُتُب) و (رُسُل). هكذا يقولون.

وقد يجوزُ تذكيرُه وتأنيثُه، وإذا جاء في القرآنِ مجموعًا كان مؤنثًا دائمًا كقولِه في الفلكِ:{لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} {وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ} [النحل: آية 14] إلى غيرِ ذلك من التأنيثِ. وربما جَاءَ (الفلك) مذكرًا مفردًا في قولِه: {فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} [يس: آية 41] ولم يَقُلْ: (المشحونة) أي: الموقرِ بالناسِ. أي: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ} [الأعراف: آية 64] أي: في السفينةِ التي أُمِرَ بِنَجْرِهَا، وأن اللَّهَ وعدَه بأنه سَيُهْلِكُ قومَه بالغرقِ في الطوفانِ.

وهذا مِمَّا يدلُّ على أن الآدميين ينبغي لهم معرفةُ الصنائعِ، وأن لَا يكونوا مُتَوَاكِلِينَ متكاسلين، فالصنائعُ وَالْحِرَفُ الصناعيةُ ينبغي للمجتمعِ أن يَتَعَلَّمُوهَا، ألا يرونَ أن النجارةَ هي من جملةِ الصنائعِ، وكثيرٌ من الناس يأنفُ عن أن يتعاطاها، مع أن مُعَلِّمَهَا الأولَ هو جبريلُ

عليه السلام وتلميذها الأول هو نوحٌ - عليه وعلى نبينا الصلاةُ والسلامُ - كما في قولِه: {اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} [هود: آية 37] فَمُعَلِّمُهَا الأولُ جبريلُ، وتلميذُها الأولُ نوحٌ، ثم إنها هي السببُ في وجودِ الموجودين من بَنِي آدمَ على ظهرِ الأرضِ؛ لأَنَّ مَنْ لم يكن في تلك السفينةِ المصنوعةِ عن طريقِ النجارةِ لم يَبْقَ منهم أحدٌ، لم تَبْقَ منهم عينٌ تَطْرِفُ، بل ماتوا كلُّهم كما قال:{فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ} [العنكبوت: آية 15] وقال هنا: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ} [الأعراف: آية 64] وهذا يدلُّ على أنَّ الْحِرَفَ الصناعيةَ ينبغي للمجتمعِ الاهتمامُ بها؛ ولذا كان أَوَّلَ نجَّار في الأرضِ نوحٌ، وأول مُعلِّم للنجارةِ جبريل، وأول حدَّاد في الأرض هو

ص: 468

داود عليه السلام كمَا قال الله له: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ} [سبأ: الآيتان 10، 11] والله يعلِّمه أصولَ الحدادةِ كقولِه: {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ: آية 11] لأن قولَه: {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} من أعظمِ تعاليمِ أصولِ الحدادةِ؛ لأَنَّ معنَى: {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} السردُ في لغةِ العربِ

(1)

: نسجُ الدرعِ، تُسَمِّيهِ العربُ سردًا وزردًا، وتسمي ناسجَ الدروعِ: سرَّادًا زَرَّادًا، ودرعٌ مسرودةٌ كما هو معروفٌ، ومنه قولُ أَبِي ذُؤَيْبٍ

(2)

:

وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا

دَاوُدُ أَوْ صَنَعُ السَّوَابِغِ تُبَّعُ

وقولُ الآخَرِ

(3)

:

نَقْرِيهِمُ لَهْذَمِيَّاتٍ نَقُدُّ بِهَا

مَا كَانَ خَاطَ عَلَيْهِمْ كُلُّ زَرَّادِ

فمعنَى: {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ: آية 11] أي: اجْعَلِ المساميرَ والحِلَقَ في نسجِ الدروعِ بأقدارٍ متناسبةٍ متلائمةٍ؛ لأن المسمارَ إن كان أكبرَ من الحلقةِ جِدًّا كَسَرَهَا، وإذا كان أصغرَ منها جِدًّا لم يَشُدَّهَا كما ينبغي، فإذا كانت المساميرُ والحِلَقُ بأقدارٍ متناسبةٍ كانت الدروعُ مشدودةً كما ينبغي، تردُّ وقعَ السلاحِ من السيوفِ والسهامِ. وهذا مِمَّا يدلُّ على أن الحِرَفَ الصناعيةَ لَا ينبغي التكاسلُ فيها ولا عدمُ تعاطيها؛ لأن أولَ مَنْ تعاطاها الرسلُ الكرامُ - صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهم - وكانت آثارُها الكريمةُ ظاهرةً في المجتمعِ؛ لأن الموجودين في الدنيا كانوا مَوْجُودِينَ بفضلِ اللَّهِ ثم بسببِ تلك الصناعةِ التي هي

(1)

انظر: المفردات (مادة: سرد) ص406، القرطبي (14/ 267).

(2)

البيت في القرطبي (14/ 268).

(3)

البيت للقطامي، وهو في الكامل (1/ 83)، أسرار البلاغة ص40، 45.

ص: 469

النِّجَارَةُ؛ لأن مَنْ لم يكن في تلك السفينةِ المصنوعةِ عن طريقِ حرفةِ النجارةِ كُلُّهُمْ هلكوا وماتوا من ذلك الطوفانِ، كما قال تعالى:{فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} [الأعراف: آية 64] أي: الكفار الذين كذَّبوا نوحًا أَغْرَقْنَاهُمْ جميعًا بذلك الطوفانِ، كما قال تعالى:{فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ (15)} [العنكبوت: الآيتان 14 - 15] ولذا قال: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ} [الأعراف: آية 64]{إِنَّهُمْ} : أي: الكفار الذين كَذَّبُوا نوحًا الذين أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بالإغراقِ بالطوفانِ: {كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ} . والعَمُونَ جمع الْعَمِيِّ، ووزنُ العميِّ:(فَعِل) أصلُه: (عميٌ) تطرفت الياءُ بعدَ الكسرِ فصارَ ناقصًا

(1)

. والعميُّ هو أَعْمَى القلبِ، والعياذُ بالله.

وقراءةُ الحجةِ من القراءِ، منهم السبعةُ، بل والعشرةُ:{قَوْمًا عَمِينَ} جمع عَمِي، والعميُّ هو: الذي قَلْبُهُ أعمى لا يعرفُ الحقَّ، ولا يميزُ بينَ الشرِّ والخيرِ، ولا الباطلِ والحقِّ، ولا الحسنِ ولا القبيحِ.

أما قراءةُ «قومًا عامِين» على وزنِ (فاعل) فهي من القراءاتِ الشاذةِ

(2)

، فلا تجوزُ القراءةُ بها. وإن كان المقررُ في علومِ العربيةِ أن الصفةَ المشبهةَ سواءً كانت على وزنِ (فَعِل) كما هنا في قولِه:{عَمِينَ} [الأعراف: آية 64] أو وزنِ (فعيل) أو غيرهما إذا أُرِيدَ

(1)

انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص194. وفيه: «أصله: (عميين) استُثْقِلت الكسرة على الياء فحُذِفت، فالتقى ساكنان فحُذِفت اللام» ا. هـ.

(2)

انظر: الدر المصون (5/ 358).

ص: 470

بها التجددُ والحدوثُ جاءت على وزنِ (فاعل)

(1)

. هذا معنًى معروفٌ مُقَرَّرٌ في علومِ العربيةِ، كثيرٌ في القرآنِ وفي كلامِ العربِ، إلا أنه لا يجوزُ قراءةً هنا وإن كان سائغًا لغةً؛ لأن الصفةَ المشبهةَ إذا أُرِيدَ بها التجددُ والحدوثُ عُبِّرَ عنها بصيغةِ الفاعلِ، سواء كانت من (فَعيل)، أو من (فَعِل)، أو (فَيعِل) أو غيرِهما كما هو معروفٌ. فالعربُ مثلاً تقولُ: ضَاقَ صدرُه يضيقُ فهو ضيِّق. فالضيِّقُ صفةٌ مشبهةٌ من (ضاق) على وزنِ (فَيْعِل) فإذا أُرِيدَ به التجددُ والحدوثُ عُدِلَ عن (ضَيْق) وقيل: ضائق. ومنه قولُه تعالى: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} [هود: آية 12] لَمْ يَقُلْ: (ضَيِّق) لأنه أَرَادَ تجددَ الضيقِ وحدوثَه، وهو كثيرٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشاعرِ العكلي حيث قال

(2)

:

بِمَنْزِلَةٍ أَمَّا اللَّئِيمُ فَسَامِنٌ

بِهَا وَكِرَامُ النَّاسِ بَادٍ شُحُوبُهَا

سَامِنٌ: أصلُه سَمِينٌ. صفةٌ مشبهةٌ. وَلَمَّا أرادَ به التجددَ والحدوثَ عَبَّرَ عنه بوزنِ (فاعل). ومنه على وزنِ (فعيل) قولُ لبيدِ بنِ ربيعةَ رضي الله عنه

(3)

:

رَأَيْتُ التُّقَى وَالْجُودَ خَيْرَ تِجَارَةٍ

رَبَاحًا إِذَا مَا الْمَرْءُ أَصْبَحَ ثَاقِلَا

أصله: ثقيلٌ. صفةٌ مشبهةٌ من (ثَقُل) فهو ثقيلٌ، فلما أرادَ به

(1)

انظر: التوضيح والتكميل (2/ 93).

(2)

البيت في البحر المحيط (5/ 207)، والدر المصون (6/ 294). وهو لأبي حزام غالب بن الحارث العكلي وقد عزاه أبو حيان لبعض اللصوص يصف السجن.

(3)

البيت في ديوانه ص119.

ص: 471

التجددَ والحدوثَ قال: ثاقلٌ. ومن هذا المعنَى قولُ قيسِ بنِ الخطيمِ لَمَّا قال

(1)

:

أَبْلِغْ خِدَاشًا أَنَّنِي مَيِّتٌ

كُلُّ امْرِئٍ ذِي حَسَبٍ مَائِتُ

فلما أراد التجددَ والحدوثَ قال: (مائت). وهذا كثيرٌ في كلامِ العربِ يَكْفِينَا منه ما ذَكَرْنَا الآنَ. والشاهدُ أَنَّ قراءةُ الحجةِ من القراءِ: {قَوْمًا عَمِينَ} [الأعراف: آية 64] جمعُ تصحيحٍ لِلْعَمِيِّ على وزنِ (فَعِل) صفةٌ مشبهةٌ من عَمِيَ يعمى فهو عَمِيٌّ إذا كان أَعْمَى القلبِ. وأن قراءةَ: (عامين) قراءةٌ شاذةٌ لا تجوزُ القراءةُ بها وإن كان مثلُها يجوزُ لغةً إذا أريدَ التجددُ والحدوثُ، وما كُلُّ ما يجوزُ لغةً يجوزُ قراءةً؛ لأن القراءةَ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ. وهذا معنَى قولِه:{إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ} [الأعراف: آية 64] والعياذُ بالله؛ لأن اللَّهَ يُعْمِي بصائرَ الكفارِ حتى يهلكوا: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ} [الكهف: آية 57]{فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: آية 46] وصرَّح في سورةِ الرعدِ بأن جميعَ الذين يعرفونَ حَقِّيَّةَ هذا القرآنِ أنهم لم يمنعهم من ذلك إلا عَمَى بصائرِهم - والعياذُ بالله - والعينُ العمياءُ لا يمكنُ أن ترى الشمسَ ولو كانت في رابعةِ النهارِ.

...........................

إِذْ لَا تَرَى الشَّمْسَ عَيْنٌ تَشْتَكِي الْعَوَرَا

(2)

إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ عَيْنٌ صَحِيحَةٌ

فَلَا غَرْوَ أَنْ يَرْتَابَ وَالصُّبْحُ مُسْفِرُ

(3)

(1)

البيت في ديوانه ص211.

(2)

لم أقف عليه.

(3)

مضى عند تفسير الآية (128) من سورة الأنعام.

ص: 472

والآيةُ التي بَيَّنَ اللَّهُ بها ذلك من سورةِ الرعدِ هي قولُه: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} [الرعد: آية 19] فَصَرَّحَ أن الذي لا يعلم أنه الحقُّ أن ذلك إنما جاءه من قِبَلِ عماه، فالقرآنُ نورٌ أوضحُ من نورِ الشمسِ، والذي لا يرى أحقيتَه إنما جَرَّهُ لذلك عَمَاهُ، والأعمى لا يرى الشمسَ، وعدمُ رؤيتِه للشمسِ لا يجعلُ في الشمسِ لَبْسًا ولا رَيْبًا ولا شَكًّا كما بَيَّنَّا. وهذا معنَى قولِه:{إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ} [الأعراف: آية 64].

{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68)} [الأعراف: الآيات 65 - 68].

{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} هذا معطوفٌ على قولِه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ}

[الأعراف: آية 59] وتقريرُ المعنَى: واللهِ لقد أرسلنا نوحًا إلى قومِه، وقد أرسلنا إلى عادٍ أخاهم هودًا.

وهذه الأممُ يَقُصُّ اللهُ خبرَها على هذه الأمةِ لتستفيدَ من ذلك فوائدَ عظيمةً: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ} [يوسف: آية 111] فيخافُ المكذبونَ للرسلِ الجاحدونَ بآياتِ اللهِ أن ينزلَ بهم مِثْلُ ما نَزَلَ بأولئك من الْمَثُلَاتِ، ومن عذابِ اللهِ المستأصلِ المتصلِ بعذابِ النارِ، وكذلك يُعَلِّمُ الناسَ الآدابَ، وآدابُ الدعاةِ إلى اللهِ في لِينِهِمْ وَعَطْفِهِمْ، وَلِينِ كَلَامِهِمْ، وكرمِ مخاطبتِهم، وعدمِ بذاءتِهم وكلامِهم بكلامِ الجاهلين؛ هذا نبيُّ اللهِ نوحٌ لَمَّا قالوا له:{إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الأعراف: آية 60] هو يعلمُ أنهم هم

ص: 473

الضالونَ، وأنه هو المهتدِي، والذي يَعِيبُكَ ويلمزُك بعيبٍ أنتَ تعلمُ أنه فيه هو، وأنك أنتَ بَرِيٌ منه هذا مما يستدِعي الغضبَ، والكلامَ الشديدَ، والردَّ العنيفَ، فَنَبِيُّ اللهِ نوحٌ لم يَقُلْ لهم شيئًا من ذلك، ولم يَرُدَّ عليهم رَدًّا عنيفًا، وإنما رَدَّ بأكرمِ العبارةِ، وألطفِ الردِّ، فقال:{يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: آية 61] فلم يَقُلْ: أنتم هم الكفرةُ الفجرةُ الضُلَاّلُ، ولم يقذع فيهم بلسانِه، بل بالعباراتِ اللطيفةِ اللينةِ، وهذا تعليمٌ من اللهِ لخلقِه أن الداعيَ المتبعَ لآثارِ الرسلِ إذا قَابَلَهُ الجهلةُ ببذاءةِ اللسانِ وَعَابُوهُ وتكلموا له بالقبيحِ أنه لا يقابلهم إلا بالقولِ اللَّيِّنِ اللطيفِ، والحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، كما هي عادةُ الرسلِ في خطاباتِهم لأُمَمِهِمْ.

وقولُه: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [الأعراف: آية 65] واللهِ لقد أرسلنا إلى عادٍ أخاهم هودًا. عادٌ قبيلةٌ عظيمةٌ، والمؤرخونَ يقولونَ: إن عادًا ابنُ إرمَ بنِ عوص

(1)

، وهو من ذريةِ سامِ بنِ نوحٍ بلا خلافٍ بين المؤرخين. ويزعمونَ أن قبيلةَ عادٍ كانوا أعظمَ الناسِ أجسامًا. يزعمُ أهلُ القصصِ والأخبارِ أن أقصرَهم قامتُه ستونَ ذراعًا، وأن الواحدَ

(1)

عامة كتب التاريخ تذكر نسب عاد أنه ابن عوص بن إرم بن سام بن نوح. وبعضهم يقول: عاد بن عوص بن سام بن نوح. ولم أقف على من قال بأنه ابن إرم بن عوص. ووقع في معجم البلدان لياقوت عند الكلام على (دمشق) و (إرم): «عاد بن إرم بن سام بن نوح» . ولعل الذي وقع للشيخ رحمه الله هنا سبق لسان، خاصة أنه قال بعدها بأسطر في نسب هود عليه السلام:«ابن إرم بن نوح» وقال عن عاد: «عاد بن إرم. وقيل: ابن عوص بن إرم» ا. هـ. وانظر: تاريخ ابن جرير (1/ 110)، البداية والنهاية (1/ 120).

ص: 474

منهم يكونُ مئةَ ذراعٍ. وعلى كُلِّ حالٍ فَهُمْ من أَشَدِّ الناسِ قوةً كما قال اللَّهُ عنهم: {وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} [فصلت: آية 25] وهم قبيلةُ إرمَ المذكورةُ في القرآنِ؛ لأن عادَ بن إرم، وقيل: ابنُ عوص بن إرم. فهو من أولادِ إرمَ. و (إرم) اسمُ رجلٍ تُسَمَّى به القبيلةُ، وعادٌ من ذريتِه؛ وَلِذَا قال:{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6)} ثم أَبْدَلَ منها فقال: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8)} [الفجر: الآيات 6 - 8].

قولُه: {لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} يدلُّ على عظمةِ أبدانِهم وشدةِ طُولِهِمْ وبدانتِهم وقوتِهم كما هو معروفٌ. أرسل اللهُ إلى هذه القبيلةِ العاتيةِ الشديدةِ الْقُوَى والبطشِ أرسلَ إليهم أخاهُم هودًا - عليه وعلى نبينا الصلاةُ والسلامُ - وكان نَبِيُّ اللهِ هود عربيَّ اللسانِ، وإنما مُنِعَ من الصرفِ

(1)

قال بعضُهم: لأنه عربيٌّ، والعجميُّ إذا كان علمًا على ثلاثة حروف وسطها ساكنٌ يكون مصروفًا كما هو معروفٌ، كما صُرِفَ نوحٌ ولوطٌ وهما علمانِ أعجميانِ كما هو معروفٌ

(2)

.

ويزعمونَ أن هودَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ رباحٍ من ذريةِ إرمَ من سامِ بنِ نوحٍ

(3)

.هو من نفسِ القبيلةِ، كما قال:{أَخَاهُمْ هُودًا} [الأعراف: آية 65] خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أن أصلَه ليس منهم، وأن (أخاهم) صاحبَهم. والتحقيقُ أنه منهم، وأنه أخوهم ومن قبيلتهم كما يأتي في قولِه:{أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ} [الأعراف: آية 69] فَبَيَّنَ أنه منهم؛ وَلِذَا قال هنا: {أَخَاهُمْ هُودًا} بعثَ اللهُ إليهم

(1)

«هود» غير ممنوع من الصرف، بل هو مصروف؛ لأنه اسم رجل عربي، وكذا على القول بأنه أعجمي لكونه علمًا على ثلاثة أحرف ساكن الوسط. انظر: الدر المصون (5/ 358).

(2)

انظر: التوضيح والتكميل (2/ 278).

(3)

انظر: تاريخ ابن جرير (1/ 110)، البداية والنهاية (1/ 120). وفيهما أقوال أخرى في نسب هود عليه السلام.

ص: 475

نبيَّه هودًا. وَصَرَّحَ اللهُ في سورةِ الأحقافِ بأن منازلَهم في الأحقافِ، والأحقافُ جمعُ الحِقْفِ، والحِقْف حبلُ الرملِ

(1)

. وهم يزعمونَ أنها حبالُ الرملِ التي في أطرافِ اليمنِ أو حضرموتَ، كانوا إلى تلك الجهةِ كما يأتِي في قولِه:{إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ} [الأحقاف: آية 21] والأحقافُ جمعُ الحِقْفِ، والحِقْفُ: هو الحبلُ الممتدُّ العالِي من الرملِ، فَهُمْ في رمالٍ هناك، كانت منازلُهم في رمالٍ تتخلَّلُها أوديةٌ في نواحِي اليمنِ أو حضرموتَ، كما يأتي في سورةِ الأحقافِ.

{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} ماذا قال هودٌ؟ قال دعوةَ الرسلِ التي جاؤوا بها كلهم وهي عبادةُ اللهِ وحدَه، فَهُمْ متفقونَ على وتيرةٍ واحدةٍ وهي الدعاءُ إلى أن يُعْبَدَ اللَّهُ وحدَه، ويُخلص له في توحيدِه، فهذه دعوةُ الرسلِ التي جاؤوا بها عامةً، وهي التي فيها المعاركُ بينَهم وبين أُمَمِهِمْ، والقرآنُ بَيَّنَ ذلك جملةً وتفصيلاً، أما بيانُه بالتفصيلِ كقولِه:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} ماذا قال نوحٌ؟ {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية 59]{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} ماذا قال هودٌ؟ {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية 65]{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} ماذا قال صالحٌ؟ {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية 73] وهكذا في جميعِ الرسلِ. ومن الأدلةِ العامةِ الْمُبَيِّنَةِ لذلك: قولُه تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: آية 36]{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَاّ يُوحَى إِلَيْهِ} [الأنبياء: آية 25] وفي القراءةِ الأخرى

(2)

: {نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا

(1)

المفردات (مادة: حقف) ص248.

(2)

انظر: المبسوط لابن مهران ص301.

ص: 476

مِنْ قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45)} [الزخرف: آية 45] فإخلاصُ العبادةِ لخالقِ السماواتِ والأرضِ هو دعوةُ الرسلِ التي جاؤوا بها كُلُّهُمْ عليهم صلواتُ اللهِ وسلامُه؛ ولذا أَمَرَ نبيَّنا صلى الله عليه وسلم في سورةِ الأنبياءِ أن يقولَ: إنه لم يُوح إليه شيءٌ إلا عبادة اللهِ وحدَه، وإفرادُه بالعبادةِ في قولِه:{قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الأنبياء: آية 108] و (إنما) مِنْ صِيَغِ الحصرِ كما هو مقررٌ في المعانِي في مبحثِ القصرِ

(1)

،

وفي الأصولِ في مبحثِ العامِّ

(2)

؛ لأن كلمةَ (لا إله إلا الله) هي التي قامت عليها السماواتُ والأرضُ، وهي المتضمنةُ توحيدَ العبادةِ بنفيها وإثباتها، فَنَفْيُهَا يتضمنُ: خلعَ جميعِ أنواعِ المعبوداتِ غيرَ اللهِ في جميعِ العباداتِ، وإثباتُها يتضمنُ: إفرادَه - جل وعلا - بالعبادةِ دونَ غيرِه، وهذا معنَى قولِهم:(لَا إِلَهَ) نَفْيٌ (إِلَاّ اللَّهُ) إِثْبَاتٌ.

وهذه الكلمةُ الشريفةُ التي قامت عليها السماواتُ والأرضُ، وَخُلِقَتْ من أجلها الجنةُ والنارُ، وهي التي جاء بها جميعُ الرسلِ - صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم - وَلِذَا قال:{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية 65] قد بَيَّنَّا معنَى هذه الجملةِ والقراءاتِ فيها في قضيةِ نوحٍ

(3)

، ومعنَى الكلمتين واحدٌ لا فَرْقَ بينَهما. {مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} إلا أن نوحًا قال لقومِه:{إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: آية 59] وهودًا قال لقومِه: {أَفَلَا تَتَّقُونَ} [الأعراف: آية 65] يعني:

(1)

انظر: الإيضاح للقزويني ص125 ..

(2)

انظر: شرح الكوكب المنير (3/ 515)، وهي تُذْكَرُ عادةً في كتب الأصول في الكلام على المفاهيم.

(3)

راجع ما تقدم عند تفسير الآية (59) من سورة الأعراف.

ص: 477

أتكفرونَ بالله فلا تَتَّقُونَهُ، فلا تتخذونَ بينَكم وبينَه وقايةً تَقِيكُمْ من سخطِه وعذابِه، هي امتثالُ أمرِه واجتنابُ نَهْيِهِ. وكان رَدُّ الكفارِ مُتَشَابِهًا لِتَشَابُهِ قلوبِهم في الكفرِ، كما قال تعالى:{تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} [البقرة: آية 118] فقومُ نوحٍ قالوا له: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ} [الأعراف: آية 60] وقوم هود قالوا له: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ} [الأعراف: آية 66] والسفاهةُ: (فَعَالة) من السَّفَهِ، وأصلُ السفهِ في لغةِ العربِ هو: الخفةُ والطيشُ، فكلُّ شيءٍ خفيف طائش تُسَمِّيهِ العربُ سفهًا

(1)

. وتقولُ العربُ: تَسَفَّهَتِ الريحُ الريشةَ إذا اسْتَخَفَّتْهَا فطارت بها كُلَّ مَطَارٍ. وهذا معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشاعرِ

(2)

:

مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ

أَعَالِيَهَا مَرُّ الرِّيَاحِ النَّواسِمِ

معنَى (تسفهت أعاليها) أي: اسْتَخَفَّتْهَا فَهَزَّتْهَا. هذا أصلُ معنَى السَّفَهِ في لغةِ العربِ.

وهو في الاصطلاحِ المشهورِ: هي خفةُ العقلِ وطيشُ الْحِلْمِ، بحيث يكونُ السفيهُ لا يهتدي إلى مصالِحه، ولا يعرفُ مضارَّه من مصالِحه، لا يميزُ بينَ الضارِّ والنافعِ، ولا الحسنِ ولَا القبيحِ لِخِفَّةِ عقلِه وطيشِه وعدمِ رجاحتِه

(3)

؛ ولذا كان السفيهُ يجبُ التحجيرُ عليه، وجَعْلُ مالِه تحتَ يَدَيْ وَلِيٍّ يحفظُ له مالَه؛ لأن عقلَه الطائشَ وَحِلْمَهُ الخفيفَ يجعلُه يُضَيِّعُ مالَه.

(1)

انظر: المفردات (مادة: سفه) ص414.

(2)

البيت لذي الرمة. وهو في القرطبي (1/ 205)، (7/ 236).

(3)

انظر: الكليات (349، 510)، القاموس الفقهي ص173 - 174.

ص: 478

والعلماءُ مختلفونَ في السفهِ الذي يُحْجَرُ به على الرجلِ البالغِ ويُولَّى عليه في مالِه

(1)

، فكانَ مالكُ بنُ أنسٍ رحمه الله وعامةُ أصحابِه وَمَنْ وَافَقَهُ من العلماءِ يَرَوْنَ أن السفهَ الذي يُحْجَرُ به على السفيهِ في مالِه ويولَّى عليه غيرَه إنما هو السفهُ في خصوصِ المالِ، بحيث يكونُ طيشُ عقلِه وخفةُ حِلْمِهِ في نفسِ التصرفِ الماليِّ، بحيث يضيعُ عن المعاملاتِ، ولا يُحْسِنُ حفظَه ولا التصرفَ فيه. فَمَنْ كان عندَ مالكٍ يحسنُ التصرفَ في المالِ ويحفظُه وَلَا يُخْدَعُ، بل هو عارفٌ بوجوهِ التصرفاتِ وحفظِ المالِ فمالُه يُدْفَعُ إليه عندَ مالكٍ وأصحابِه، ولا يُسَمَّى سَفِيهًا، ولو كان سِكِّيرًا شِرِّيبًا للخمرِ، مُرْتَكِبًا للمعاصي:

وَشَارِبُ الْخَمْرِ إِذَا مَا ثَمَّرا

لِمَا يَلِي مِنْ مَالِهِ لَمْ يُحْجَرَا

(2)

هذا مذهبُ مالكٍ وأصحابِه. وذهبَ الشافعيُّ في جماعةٍ من العلماءِ إلى أن مَنْ كان يتعاطى المعاصيَ كالشِّرِّيبِ السِّكِّيرِ الذي يشربُ الخمرَ، ويتعاطى المعاصيَ أنه سفيهٌ لَا يُمكَّنُ من مالِه أبدًا حتى تصلحَ حالُه الدينيةُ مع حالِه الدنيويةِ. قال: لأنه لا أحدَ أخفّ حِلْمًا وأطيشَ عَقْلاً من الذي يتسببُ في أن يحرقَ نفسَه بالنارِ، فهذا خفيفُ الحلمِ طائشُ العقلِ، لَا يُعطى له مالُه، فهو السفيهُ بمعنَى الكلمةِ.

وهذا كلامٌ معروفٌ في فروعِ المذاهبِ مشهورٌ؛ ولذا نَسَبَ قومُ هودٍ هودًا إلى خفةِ العقلِ وطيشِه، قالوا:{إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ}

(1)

انظر: القرطبي (5/ 28 - 31).

(2)

البيت لابن عاصم المالكي، وهو أحد أبيات تحفته المسماة:(تحفة الحكام) انظر: البهجة في شرح التحفة (2/ 294)، وهو في الأضواء (2/ 281).

ص: 479

[الأعراف: آية 66] أي: في خفةِ عقلٍ وطيشِ حِلْمٍ؛ لأنك تَدْعُونَا إلى أن نتركَ ديننا ونذهبَ إلى دينٍ آخَرَ جديدٍ ما نعرفُه، فلا عقلَ عندك ولا حِلْمَ، بل أنتَ سفيهٌ خفيفُ العقلِ طائشُ الحلمِ. هذا قولُهم لَعَنَهُمُ اللهُ.

{وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [الأعراف: آية 66] نَظُنُّكَ كاذبًا؛ لأنك بشرٌ مِثْلُنَا، فلا زيادةَ لك علينا ولا فضلَ لَكَ علينا؛ لأنا من عنصرٍ واحدٍ آدميونَ جميعًا نشربُ ونأكلُ جميعًا، فما نظنُّك إلا كاذبًا، وأنك سفيهٌ خفيفُ العقلِ طائشُه. فقابلهم هودٌ بهذا الردِّ الكريمِ اللطيفِ، وَالتَّأَنِّي الكريمِ، والتؤدةِ العظيمةِ، وقال:{يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ} [الأعراف: آية 67] ليس بِي شيءٌ من طيشِ العقلِ ولا من خِفَّتِهِ، وإنما أنا راجحُ العقلِ ثابتُه، ثابتُ الْحِلْمِ، لستُ بطائشٍ ولَا خفيفٍ.

{وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: آية 67] رسولٌ مُرْسَلٌ إليكم من رَبِّ العالمين. قد بَيَّنَّا فيما مضى

(1)

أن الرسولَ (فَعُول) بمعنَى (مُفْعَل) أي: مُرسَل من رَبِّ العالمين أرسلني إليكم. وأن أصلَ الرسولِ: مصدر سُمِّيَ به، وإتيانُ المصدرِ على وزن (فعول) قليلٌ جِدًّا في العربيةِ، مسموعٌ في أوزانٍ قليلةٍ، كالقَبُولِ، والوَلُوعِ، والرسُولِ. وأصلُ الرسولِ مصدرٌ بمعنَى الرسالةِ، وهو مشهورٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشاعرِ

(2)

:

لَقَدْ كَذَبَ الْوَاشُونَ مَا فُهْتُ عِنْدَهُمُ

بِقَوْلٍ وَلَا أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ

(1)

مضى عند تفسير الآية (130) من سورة الأنعام.

(2)

مضى عند تفسير الآية (130) من سورة الأنعام.

ص: 480

يعنِي: ما أرسلتُهم برسالةٍ. وقول الآخَرِ

(1)

:

أَلَا أَبْلِغْ بَنِي عَمْرٍو رَسُولاً

بِأَنِّي عَنْ فُتَاحَتِكُمْ غَنِيُّ

[11/ب] أي: (بني عمرو رسولاً) أي: رسالة. وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ/ ومن فوائدِ كونِ الرسولِ أصلُه مصدرٌ تُحل إشكالاتٍ في القرآنِ؛ لأن العربَ إذا نَعَتَتْ بالمصدرِ أَلْزَمَتْهُ الإفرادَ والتذكيرَ

(2)

، وربما تَنَاسَتِ المصدريةَ فيه وعملت بالوصفيةِ العارضةِ فَجَمَعَتْهُ وَثَنَّتْهُ؛ ولذا جاء الرسولُ مُفْرَدًا في القرآنِ والمرادُ به اثنانِ، وجاء مُفْرَدًا في كلامِ العربِ والمرادُ به جمعٌ نَظَرًا إلى أن أصلَه مصدرٌ.

فإذا قال لك قائلٌ: اللهُ يقولُ عن موسى وهارونَ في سورةِ طه: {إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ} [طه: آية 47] بالتثنيةِ، ويقولُ في القصةِ بِعَيْنِهَا في سورةِ الشعراءِ:{إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: آية 16] بالإفرادِ، ولم يقل:«رسولا رب العالمين» .

فالجوابُ: إن الإفرادَ نَظَرًا إلى أصلِ الرسولِ، وأن أصلَه مصدرٌ، والعربُ إذا نَعَتَتْ بمصدرٍ أَلْزَمَتْهُ التذكيرَ، وأن التثنيةَ في قولِه:{رَسُولَا} والجمعُ في قولِه: {تِلْكَ الرُّسُلُ} [البقرة: آية 253] نظرًا إلى الوصفيةِ العارضةِ؛ لأن العربَ نَقَلَتْهُ من المصدريةِ فَجَعَلَتْهُ وصفًا؛ ولأجلِ كونِ أصلِه مصدرًا تُطْلِقُهُ العربُ مفردًا وتريدُ به الجمعَ على عادةِ النعتِ بالمصادرِ، ومنه قولُ أَبِي ذؤيبٍ الْهُذَلِيِّ

(3)

:

(1)

مضى عند تفسير الآية (78) من سورة البقرة.

(2)

مضى عند تفسير الآية (46) من سورة الأنعام.

(3)

مضى عند تفسير الآية (50) من سورة الأنعام.

ص: 481

أَلِكْنِي إِلَيْهَا وَخَيْرُ الرَّسُو

لِ أَعْلَمُهُمْ بِنَوَاحِي الْخَبَرْ

فقولُه: «أعلمهم» رَدَّ الجمعَ على الرسولِ مُفْرَدًا نظرًا إلى أن أصلَه مصدرٌ. وهذا معنَى قولِه: {وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} .

{أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي} هي كالقراءاتِ التي قَدَّمْنَا في كلامِ نوحٍ

(1)

، قَرَأَهَا أبو عمرٍو:{أُبلِغْكم رسالات ربي} والباقونَ: {أُبَلِّغُكُمْ} وتفسيرُها كتفسيرِ الذي قَبْلَهَا بلا زيادةٍ.

{وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} وأنا لكم ناصحٌ فيما أقولُ، لَا أغشكم ولا أخدعُكم، أمينٌ فيه لا أكذبُ، وأنتم تعلمونَ أني فيما مَضَى في غايةِ النصحِ والأمانةِ؛ لأني رجلٌ منكم قد جَرَّبْتُمُونِي قبلَ الرسالةِ فما جربتم فِيَّ إلا النصحَ والأمانةَ، فأنا لكم ناصحٌ. وكُلُّ خالصٍ لا شائبةَ فيه يُسَمِّيهِ العربُ (ناصحًا) والناصحُ: هو السالمُ من جميعِ الغشِّ والخديعةِ. والأمينُ: هو الذي لا خيانةَ معه. أنا لكم ناصحٌ فيما جئتُكم به، لا غشَّ معي ولا خديعةَ، أمينٌ فيما أقولُ لكم، في غايةِ الصدقِ، ليس فيه كَذِبٌ، هذه حقيقتِي، أما السفاهةُ التي رَمَيْتُمُونِي بها فليست بي سفاهةٌ. ولم يقل لهم:«بل أنتم السفهاء» لكرامةِ رَدِّ الرسلِ، ومعاملتِهم للجهلةِ الْحَمْقَى بالتي هي أحسنُ. وهذا معنَى قولِه:{وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} .

{أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي} الرسالاتُ جمعُ رسالةٍ، وهي اسمٌ لِمَا يُرسِلُ به المرسِلُ رسولاً إلى غيرِه. ورسالاتُ اللهِ هي ما بَعَثَهُ به إليهم من الإيمانِ باللهِ وطاعتِه وامتثالِ أمره واجتنابِ نواهيه.

(1)

راجع ما تقدم عند تفسير الآية (62) من سورة الأعراف.

ص: 482

قال تعالى: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ (71) فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (72)} [الأعراف: الآيات 69 - 72].

يقول اللهُ جل وعلا: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69)} [الأعراف: آية 69].

هذه الآيةُ التي هي قولُه: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ} فَسَّرْنَاهَا؛ لأنها اتَّفَقَ فيها قولُ نوحٍ وقولُ هودٍ، فَكُلٌّ منهم قالها لقومِه؛ لأن كلاًّ من قومِهما عَجِبُوا من أن يَبْعَثَ اللَّهُ بَشَرًا، وكذلك عادةُ الأممِ أن تعجبَ من بَعْثِ الرسلِ، ويقولونَ: لَا يمكنُ أن يبعثَ اللهُ رسولاً يأكلُ ويشربُ ويتزوجُ ويُولَدُ له، حتى إن الله (جل وعلا) بَيَّنَ أن هذه الشبهةَ الكاذبةَ كانت هي المانعَ الأكبرَ من إيمانِ الناسِ، حيث قال:{وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَاّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً (94)} [الإسراء: آية 94] كأنه قال هنا: ما منعَهم من الإيمانِ إلا استغرابُ بَعْثِ البشرِ واستعجابُهم منه، كما أن الذين بُعِثْ فيهم نَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم عَجِبُوا من بَعْثِ البشرِ كما قال تعالى في أولِ سورةِ يونسَ: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ

ص: 483

النَّاسَ} [يونس: آية 2] وقال في أولِ سورةِ ق: {بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِّنْهُمْ} [ق: آية 2] والآياتُ بمثلِ ذلك كثيرةٌ.

وقد بَيَّنَّا

(1)

أن أظهرَ الوجهين في قولِه: {أَوَعَجِبْتُمْ} أن الهمزةَ تتعلقُ بمحذوفٍ، والواو مفتوحة؛ لأنها عاطفةٌ على ذلك المحذوفِ، وتقديرُه: أكفرتُم وعجبتُم أن يأتيكم ذِكْرٌ من ربكم على رجلٍ منكم؟ وقد فَسَّرْنَا الآيةَ، وبينا أن الذِّكر هو المواعظُ والأوامرُ والنواهي التي تأتيهم بها الرسلُ، وأن قولَه:{عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ} على لسانِ رجلٍ منكم، لأن أنبياءَ اللهِ رجالٌ كما قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَاّ رِجَالاً} [يوسف: آية 109] فلم يُرْسِلِ اللهُ امرأةً قَطُّ؛ ولذا قال: {عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ} كما أوضحناه في مقاولةِ نوحٍ لقومِه.

ثم إن نبيَّ اللهِ هودًا قال هنا لقومِه ما لم يَقُلْهُ نوحٌ لقومِه، وهو قولُه:{وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف: آية 69]{وَاذكُرُوا} نِعَمَ اللهِ عليكم: {إِذْ جَعَلَكُمْ} خلفاءَ في الأرضِ، يعني: بأن أَهْلَكَ قومَ نوحٍ واستخلفكم في الأرضِ فجعلكم خلفاءَ في الأرضِ آمِنِينَ فيها، عليكم نعم اللهِ مُسْبَلَةً.

والخلفاءُ: جمع خليفةٍ، وهو مَنْ يُستخلف بعدَ مَنْ كان قبلَه. قال بعضُ العلماءِ: إنما قيل لهم (خلفاءَ) لأنهم صاروا خَلَفًا من قومِ نوحٍ حيث أَهْلَكَ اللهُ أولئك وأسكن هؤلاء في الأرض بعدَهم، فكانوا خَلَفًا من بعدهم، وخلفاءَ مِنْ بعدِهم. وقال بعضُهم: إنهم خلفاءُ أي: فيهم ملوكٌ، والعربُ تُسَمِّي الخليفةَ الذي يكونُ مَلِكًا بعدَ مَنْ

(1)

مضى عند تفسير الآية (75) من سورة البقرة.

ص: 484

قبلَه: خليفةً. ولفظُه مؤنثٌ

(1)

ومعناه مُذَكَّرٌ، فيجوزُ تذكيرُ الضمائرِ الراجعةِ عليه نَظَرًا إلى المعنَى، ويجوزُ تأنيثُها كما قال الشاعرُ

(2)

:

أَبُوكَ خَلِيفَةٌ وَلَدَتْهُ أُخْرَى

وَأَنْتَ خَلِيفَةٌ ذَاكَ الْكَمَالُ

{وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف: آية 69] الخلفاءُ: جمعُ الخليفةِ؛ لأنه جَعَلَهُمْ خَلَفًا منهم يسكنونَ الأرضَ، أو جَعَلَهُمْ ملوكَ الأرضِ. يزعم أصحابُ القصصِ والأخبارِ أنهم كان عددُهم كثيرًا جِدًّا، وأنهم منتشرونَ فيما بينَ حضرموتَ إلى عمانَ

(3)

، وأنهم كانوا يظلمونَ غيرَهم ويقهرونَهم لِمَا أعطاهم اللهُ من القوةِ. ولكن اللَّهَ بَيَّنَ أن منازلَهم كانت في الأحقافِ حيث قال في سورةِ الأحقافِ:{وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ} [الأحقاف: آية 21] وقد بَيَّنَّا

(4)

أن الأحقافَ جمعُ حِقْفٍ، والحِقفُ في لغةِ العربِ: الحبلُ من الرملِ، الرملُ المرتفعُ تُسَمِّيهِ العربُ حِقفًا، فالأحقافُ: الرمالُ. والمفسرونَ يقولونَ: إنها رمالٌ في جوانبِ اليمنِ وحضرموتَ، وأنهم كانوا في تلك الرمالِ بينَها أوديةٌ يزرعونَ فيها ويعيشون. وسيأتِي في سورةِ الفجرِ قولُ مَنْ قال من العلماءِ: إنهم كانوا رُحَّلاً يذهبونَ بالمواشِي؛ لأنه أحدُ القولين في قولِه: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7)} [الفجر: آية 7] لأن أحدَ القولين في معنىَ: {ذَاتِ الْعِمَادِ} أنهم أصحابُ عمودٍ يرتحلونَ وَيَبْنُونَ خيمهم على العمدِ؛ ولذا قيل لهم: {ذَاتِ الْعِمَادِ} على أحدِ الوجهين.

(1)

مضى عند تفسير الآية (73) من سورة البقرة.

(2)

السابق.

(3)

انظر: ابن جرير (12/ 507).

(4)

مضى عند تفسير الآية (60) من سورة الأعراف.

ص: 485

والوجهُ الثاني: أنهم لقوةِ أجسامِهم وَعِظَمِهَا وَطُولِهَا وبدانتِها قيل فيهم: {ذَاتِ الْعِمَادِ} لشدةِ اعتمادِ أجسامِهم وقوتِها كما يأتي هناك

(1)

. وهذا معنَى قولِه: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ} [الأعراف: آية 69] أي: في الأرضِ في عافيةٍ وطمأنينةٍ ورفاهيةٍ من الدنيا من بعدِ قومِ نوحٍ. والآيةُ تشيرُ إلى تهديدٍ، يعني: كما أن قومَ نوحٍ لَمَّا كذبوا نُوحًا دمَّرهم اللهُ وأهلكهم، وجعلَكم خلفاءَ في الأرض من بعدِهم فاحذروا أن تفعلوا مثلَ فعلهم؛ لئلا يُهْلِكَكُمْ ويجعلَ خلفاءَ الأرض بعدَكم غيرَكم. فيه تهديدٌ وتذكيرٌ بالنعمةِ. وهذا معنَى قولِه:{وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ} .

وبعضُ علماءِ العربيةِ

(2)

يقولونَ: (إذ) ها هنا مفعولٌ به لا مفعول فيه. أعني: أنها مفعولٌ وليست ظَرْفًا. والمعنَى: {اذْكُرُوا} تَذَكَّرُوا الوقتَ الذي جَعَلَكُمْ فيه خلفاءَ من بعدِ قومِ نوحٍ تَذَكُّرًا يحملكم على شكرِ نعمةِ اللهِ والخوفِ من نِقَمِه أن يُنْزِلَ بكم مثلَ ما أَنْزَلَ بقومِ نوحٍ. وهذا معنَى قولِه: {إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف: آية 69] الذين أَهْلَكَهُمُ الطوفانُ إهلاكًا مستأصلاً.

{وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً} [الأعراف: آية 69] في هذا الحرفِ قراءتانِ سبعيتان

(3)

: {بصطة} بالصادِ، و {بسطة} بالسينِ. فقولُه:{وزادكم في الخلق بصطة} بالصادِ هي قراءةُ نافعٍ والكسائيِّ، وقراءةُ ابنِ كثيرٍ في روايةِ البزيِّ خاصةً، وقراءةُ عاصمٍ في روايةِ شعبةَ خاصةً، وقراءةُ ابنِ عامرٍ في روايةِ ابنِ ذكوانَ خاصةً. أما حمزةُ

(1)

انظر: ابن كثير (4/ 507).

(2)

وهو قول الزمخشري في الكشاف (2/ 69). وانظر: الدر المصون (5/ 360).

(3)

انظر: المبسوط لابن مهران ص 148.

ص: 486

فقرأها عنه خلادٌ بالوجهين: {بصطة} بالصادِ، و {بسطة} بالسينِ. فقد قَرَأَهَا خلادٌ عن حمزةَ بالوجهين، وقرأها نافعٌ، وأبو عمرو، والبزيُّ عن ابنِ كثيرٍ، وشعبةُ عن عاصمٍ، وابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ، كل هؤلاء قرءوا:{بصطة} بالصادِ. وَقَرَأَهَا الباقونَ بالسينِ، والباقونَ الذين قرءوها بالسينِ هم: أبو عمرو، وعاصمٌ في روايةِ حفصٍ، وابنُ عامرٍ في روايةِ هشامٍ، وابنُ كثيرٍ في روايةِ قنبل، وحمزةُ في روايةِ خَلَفٍ، كل هؤلاء قرءوا:{بسطة} .

وما ذكره الشاطبيُّ

(1)

وغيرُه من أن ابنَ ذكوانَ له عن ابنِ عامرٍ فيها: (السين والصاد) كقراءةِ خلادٍ عن حمزةَ ليس يصحُّ عند الْمُحَقِّقِينَ؛ لأن جميعَ رواياتِ الشاطبيِّ إنما هي من طريقِ أبي عمرٍو الداني، وأبو عمرٍو الداني لم يذكر عن أحدٍ مِمَّنْ ذَكَرَ عنهم القراءاتِ عن ابنِ ذكوانَ في قراءةِ ابنِ عامرٍ إلا {بصطة} بالصادِ خاصة، ولم يَرْوِ عنه السينَ عن أحدٍ، فهذانِ هما القراءتانِ السبعيتانِ. والبسطةُ والبصطةُ معناهما واحدٌ، وإنما أُبْدِلَتِ السينُ صادًا في قراءةِ مَنْ قَرَأَ:{بصطة} بالصادِ نَظَرًا إلى حرفِ الإطباقِ الذي بعدَ السينِ وهو الطاءُ، ولذلك تُبْدَلُ السينُ صادًا كثيرًا إذا كان بعدَها حرفٌ من حروفِ الإطباقِ، والأصلُ (بسطة) بالسينِ.

والبسطُ: أصلُه الزيادةُ. والمعنَى: زَادَكُمْ في خلقِ أجسامِكم بسطةً. أي: زيادةً على خَلْقِ الناسِ في الطولِ وَعِظَمِ الأبدانِ وقوتِها وبدانتِها، كما يأتي في سورةِ فصلت قولُ بعضِ العلماءِ: إنهم - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - زعموا أنه لا يمكنُ أن نقهرَهم قوةً ولو قوةَ اللَّهِ (عز

(1)

انظر: الوافي في شرح الشاطبية ص220.

ص: 487

وجل) - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - كما يأتي قولُ مَنْ قال بذلك في قولِه: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} [فصلت: آية 15] مَنْ هو الذي يكونُ أشدَّ منا قوةً حتى يقهرنا؟ ثم إن اللَّهَ بَيَّنَ أن اللَّهَ الذي خلقهم هو أشدُّ منهم قوةً. وَلَمَّا أرسلَ عليهم الريحَ العقيمَ علموا أنهم ضعافٌ غايةَ الضعفِ إذا جاءتهم قوةُ رَبِّ العالمين التي يهلكهم بها ويسلطها عليهم، وهذا معنَى قولِه:{وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً} .

{فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ} ذكَّرهم نبيُّ اللهِ هودٌ عليه وعلى نبينا الصلاةُ والسلامُ، أمرهم أن يذكروا آلاءَ اللهِ. وآلَاءُ اللهِ: نِعَمُهُ المتواترةُ عليهم، من الصحةِ والعافيةِ وقوةِ الأبدانِ، وما يَسَّرَ لهم من الأرزاقِ والرفاهيةِ في الدنيا. والآلاءُ: النِّعَمُ، واحدُه (إِلى) بكسرِ الهمزةِ وفتحِ اللامِ مقصورًا، كَعِنَبٍ وَأَعْنَابٍ. ويقال فيه:(إِلْيٌ) و (ألْوٌ) و (ألآء) وأكثرُها في مفردِ الآلاءِ: (إِلىَ) بكسرٍ فَفَتْحٍ

(1)

، والمرادُ به النعمةُ. والآلاءُ: النِّعَمُ {فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ} أي: تَذَكَّرُوا نِعَمَ اللهِ الكثيرةَ التي لا تُحْصَى، التي أَنْعَمَهَا عليكم ذِكْرًا يحملكم على طاعةِ اللهِ، وتصديقِ رسولِه، وعبادتِه وحدَه، وتركِ عبادةِ الأصنامِ.

{لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} والآيةُ تدلُّ على أن مَنْ تَذَكَّرَ نِعَمَ اللهِ عليه ذِكْرًا يحملُه على شكر تلك النعمةِ والخضوعِ لله والإنابةِ إليه بطاعتِه أنه يُفْلِحُ؛ ولذا رَتَّبَ على قولِه: {فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ} قال: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فإنكم إن ذَكَرْتُمْ آلاءَ اللهِ يُرْجَى لكم الفلاحُ، بناءً على أن (لعل) على بابِها من التَّرَجِّي بحسبِ ما يظهرُ لهودٍ (عليه الصلاةُ

(1)

انظر: ابن جرير (12/ 506)، القرطبي (7/ 237)، الدر المصون (5/ 360)، تفسير المشكل من غريب القرآن ص85.

ص: 488

والسلامُ). وعلى أنها حرفُ تعليلٍ فالمعنَى: اذكروا نعمةَ اللهِ لأَجْلِ أن تُفْلِحُوا.

وقد بَيَّنَّا مرارًا

(1)

أن العربَ تقولُ: أَفْلَحَ الرجلُ يُفْلِحُ فلاحًا. والفلاحُ: اسمُ المصدرِ، والقياسُ في مصدرِها:(إفلاحًا)؛ لأن المقررَ في فَنِّ التصريفِ: أن كُلَّ ماضٍ جاء على وزنِ (أَفْعَلَ) فالقياسُ في مصدرِه أن يكونَ (إفعالاً) ما لم يكن مُعْتَلَّ العينِ، فإن كان معتلَّ العينِ سَقَطَتِ العينُ بالاعتلالِ وَعُوِّضَتْ منها التاءُ على الروايةِ الكثيرةِ الفصيحةِ، كما هو معروفٌ في علمِ العربيةِ، مُوَضَّحٌ في فَنِّ التصريفِ. فالفلاحُ اسمُ مَصْدَرٍ.

والفلاحُ في لغةِ العربِ: يُطْلَقُ على مَعْنَيَيْنِ كما بَيَّنَّاهُ مرارًا، يطلقُ الفلاحُ في لغةِ العربِ على الفوزِ بالمطلوبِ الأكبرِ، تقولُ العربُ: أَفْلَحَ فلانٌ. إذا فَازَ بأعظمِ مطلوبٍ كان يطلبُه. فَمَنْ نالَ رغبتَه وحصَّل مطلوبَه تقولُ له العربُ: أَفْلَحَ. وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ لبيدِ بنِ ربيعةَ

(2)

:

فَاعْقِلِي إِنْ كُنْتِ لَمَّا تَعْقِلِي

وَلَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ عَقَلْ

يعنِي: مَنْ أعطاه اللَّهُ نورَ العقلِ فَازَ بالمطلوبِ الأكبرِ؛ لأَنَّ العقلَ يعقلُه عما لا ينبغي، ويميزُ به الحسنَ والقبيحَ، والنافعَ والضارَّ، والحقَّ والباطلَ.

وَيُطْلَقُ الفلاحُ في لغةِ العربِ أيضًا على البقاءِ السرمديِّ الدائمِ في النعيمِ، تقولُ العربُ: أفلحَ فلانٌ. إذا كان بَاقِيًا في نعيمٍ سَرْمَدِيٍّ.

(1)

مضى عند تفسير الآية (8) من هذه السورة.

(2)

مضى عند تفسير الآية (8) من هذه السورة.

ص: 489

وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ لبيدِ بنِ ربيعةَ أيضًا في رجزه

(1)

:

لَوْ أَنَّ حَيًّا مُدْرِكُ الْفَلَاحِ

لَنَالَهُ مُلَاعِبُ الرِّمَاحِ

وقولُه: «مدركُ الفلاحِ» أي: مدرك البقاء في الدنيا بلا مَوْتٍ. ومنه بهذا المعنَى قولُ كعبِ بنِ زهيرٍ، أو الأضبطِ بنِ قريعٍ في الشعرِ المشهورِ

(2)

:

لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الْهُمُومِ سَعَةْ

وَالْمُسْيُ وَالصُّبْحُ لَا فَلَاحَ مَعَهْ

يعنِي أنه لا بقاءَ في الدنيا مع تخالفِ الإمساءِ والإصباحِ. وبهذين الْمَعْنَيَيْنِ اللذين هما البقاءُ السرمديُّ في النعيمِ، والفوزُ بالمطلوبِ الأكبرِ، بكلِّ واحدٍ منهما جاءَ تفسيرُ حديثِ الأذانِ والإقامةِ في قولِه:«حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ» فقال بعضُ العلماءِ: «حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ» هَلُمَّ إلى الفوزِ بالمطلوبِ الأكبرِ وهو الجنةُ وَرِضَى اللهِ؛ لأن أعظمَ أسبابِ ذلك: الصلاةُ.

القولُ الثاني: «حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ» هَلُمَّ إلى البقاءِ السرمديِّ في جناتِ النعيمِ؛ لأن أكبرَ أسبابِ ذلك: الصلاةُ كما هو معروفٌ فِي تفسيرِ حديثِ الأذانِ والإقامةِ. وهذا معنَى قولِه: {فَاذْكُرُوا آلاء الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأعراف: آية 69] هذه عادةُ الرسلِ - صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم - بِعِظَمِ التذكيرِ، وشدةِ النصحِ، ولطافةِ الأسلوبِ، والاجتهادِ في هُدَى قومهم، ولكن الْهُدَى بيدِ اللهِ:{وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} [المائدة: آية 41].

(1)

مضى عند تفسير الآية (111) من سورة الأنعام.

(2)

تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (45) من سورة البقرة.

ص: 490

{قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (72)} [الأعراف: الآيات 70، 72].

لَمَّا نصحَ نَبِيُّ اللَّهِ هودٌ قومَه هذا النصحَ الكريمَ، وذكَّرهم بآلاءِ اللهِ وَنِعَمَهُ، وأشارَ لهم إلى أن اللهَ أَهْلَكَ مَنْ كان قبلَهم لَمَّا عَصَوْا وتمردوا، وكان قد خَوَّفَهُمْ قبلَ هذا وهددهم بأنهم إن لم يؤمنوا باللهِ أَهْلَكَهُمُ اللهُ وَعَذَّبَهُمْ، قالوا له هذا الجوابَ الخبيثَ الذي هو في غايةِ الخبثِ وبذاءةِ اللسانِ والعتوِّ والتمردِ على اللهِ {قَالُوا} أي: قال: قومُ هودٍ لهودٍ: {أَجِئْتَنَا} يا هودُ بهذه الدعوى التي جئتَ بها، وَالدِّينِ الذي تَزْعُمُ وتدعو إليه لِتَصْرِفَنَا عن آلهتِنا التي كنا نعبدها:{لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ} نعبد إِلَهًا واحدًا لا نشرك به شيئًا آخَرَ من الآلهةِ {وَنَذَرَ} أي: ونتركَ {مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} من الآلهةِ. فقولُه: {وَنَذَرَ} معناه: نتركَ. وهذا الفعلُ لا يوجدُ منه في العربيةِ إلا مضارعُه وَأَمْرُهُ، تقول:«يَذَرُ الأمرَ» بمعنَى: يتركه، و (ذَرْ) بمعنى: اتْرُكْ. ولا يُستعمل منه في العربيةِ إلا الأمرُ والمضارعُ، فماضيه:(تَرَكَ)، واسمُ فاعلِه:(تارك)، واسمُ مفعولِه:(متروكٌ)، ومصدرُه:(التركُ)؛ لأنه لَا يوجدُ منه إلا الأمرُ والمضارعُ

(1)

. فمعنَى {لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ} [الأعراف: آية 70] أي: لِنُفْرِدَ خالقَ السماواتِ والأرضِ وحدَه بالعبادةِ: {وَنَذَرَ} أي: ونتركَ {مَا كَانَ} أي: عبادةَ ما كان يعبدُه

(1)

مضى عند تفسير الآية (112) من سورة الأنعام.

ص: 491

آباؤُنا من قَبْلِنَا من هذه الآلهةِ والأصنامِ.

وكانت عندَهم أصنامٌ يسمونها، كما دَلَّ عليه قولُه:{أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا} [الأعراف: آية 71] والمؤرخونَ وأهلُ الأخبارِ يزعمونَ أن منها صَنَمًا يُسَمَّى: صداء أو (صمدا)، وَصَنَمًا يُسَمَّى:(صمودا) وصنمًا يُسَمَّى: (الهباء)

(1)

. وهم يعبدونَ هذه الأصنامَ ويسمونَها بهذه الأسماءِ.

{أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ} هذا إنكارٌ منهم، وهم يُنْكِرُونَ أعظمَ الحقِّ وأوضحِ الْحِجَجِ، وهي توحيدُ رَبِّ العالمين. {وَنَذَرَ} أي: ونتركَ {مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} مِنْ قَبْلِنَا. ثم قالوا له: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} نحنُ لا نُصَدِّقُكَ أبدًا ولا نؤمنُ لكَ أبدًا، فالعذابُ الذي تُهَدِّدُنَا به عَجِّلْ به علينا، فإن كان عندكَ شيءٌ أو صِدْقٌ فَأْتِ بالذي تُهَدِّدُنَا به وَتُخَوِّفُنَا به، إن كنتَ صادقًا في ذلك الوعيدِ فهاتِ العذابَ وَعَجِّلْهُ. وهذا أعظمُ طغيانٍ وَتَمَرُّدٍ، كما قال كفارُ مكةَ:{إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: آية 32] وقالوا: {عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} [ص: آية 16] فَاسْتَعْجَلُوا بالعذابِ وأظهروا التمردَ النهائيَّ، وأنهم لا يَرْتَدِعُونَ ولا ينكفون عن كفرهم. {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} أي: بالذي تَعِدُنَا به من العذابِ، وعذابُ اللهِ لنا في زعمكَ

(1)

انظر: البداية والنهاية (1/ 121)، وفي تفسير ابن جرير (12/ 507)، «صُداء» و «صمود» و «الهباء» . وفي ابن كثير (2/ 225)، كما في الأصل عدا الأخير (الهنا) وهو تحريف كما لا يخفى. وانظر:(تكملة أسماء الأصنام) وهو ملحق في آخر كتاب الأصنام لابن الكلبي ص110، 111، وانظر كذلك: الشرك الجاهلي وآلهة العرب المعبودة في الإسلام ص148 - 149.

ص: 492

إن كنتَ مِنْ جملةِ الصادقين فهاتِ الذي تُهَدِّدُنَا به، تَمَرُّدًا على اللهِ، وتعجيزًا لرسولِه، واستخفافًا بدعوةِ نَبِيِّهِ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - فَأُوحِيَ إلى هودٍ في ذلك الوقتِ أن القولَ حَقَّ عليهم، وأن العذابَ وَجَبَ عليهم، وأن اللَّهَ قَضَى أمرَه فيهم فقال - بسببِ ذلك - هودٌ:{قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ} [الأعراف: آية 71] جَزَمَ بأنه وقعَ عليهم بالفعلِ؛ لأن [الْمُتَوَقَّعَ كالواقعِ]

(1)

؛ لأن اللهَ حَكَمَ به. ومن أساليبِ اللغةِ العربيةِ: إطلاقُ الفعلِ الماضِي مُرَادًا به المستقبلُ إيذانًا بتحققِ الوقوعِ، وهو كثيرٌ في القرآنِ العظيمِ جِدًّا وفي كلامِ العربِ

(2)

،

ومنه في القرآنِ: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} يعنِي القيامةَ، بدليلِ:{فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: آية 1] وَأَكْثَرَ اللَّهُ منه في سورةِ الزمرِ حيث قال: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ} إلى قولِه: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ} [الزمر: الآيات 69 - 73] كُلُّ هذه الأفعالِ الماضيةِ المذكورةِ في الزمرِ معناها: الاستقبالُ، وإنما عُبِّرَ عنها بالماضِي إيذانًا بتحققِ الوقوعِ.

والرِّجْزُ هنا: العذابُ. قال بعضُ العلماءِ: أصلُه من الارتجازِ، وهو الاضطرابُ؛ لأن الْمُعَذَّبَ يبقى في الاضطرابِ. وهو (رجسٌ) بالسينِ هنا. {رِجْسٌ} أي: عذابٌ. وربما يقالُ للرجسِ: (رجزٌ) بالسينِ والزايِ. ومعناه: العذابُ. والمعنَى: وَقَعَ عليكم عذابٌ وغضبٌ كائنٌ من ربِّكم فمعناه أن اللَّهَ غَضِبَ عليكم، وأنه مُعَذِّبُكُمْ عذابًا مستأصلاً لا مَحَالَةَ.

(1)

في الأصل: «الواقع كالمتوقع» . وهو سبق لسان.

(2)

راجع ما مضى عند تفسير الآية (148) من سورة الأنعام ..

ص: 493

والغضبُ وصْفٌ وَصَفَ اللهُ به نفسَه إذا انْتُهِكَتْ حرماتُه. فنحن معشرَ المسلمين نَمْشِي على ما كان عليه السلفُ الصالحُ نُمِرُّ كُلَّ الصفاتِ كما جاءت، ونصدقُ رَبَّنَا فيما وَصَفَ به نفسَه مع التنزيهِ التامِّ الكاملِ عن مشابهةِ صفاتِ المخلوقين، على نحوِ:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: آية 11] كما أوضحناه في آيةِ: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: آية 54].

ثم قال لهم نَبِيُّ اللهِ هودٌ: {أَتُجَادِلُونَنِي} معناه: تُخَاصِمُونَنِي وَتُنَازِعُونَنِي: {فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا} أنا أدعوكم إلى عبادةِ الواحدِ الجبارِ، خالقِ السماواتِ والأرضِ الذي هو يرزقُكم وَيُمِيتُكم ويحييكم، وأنتم تخاصمونَني وتجادلونَني لتعبدوا أسماءً بلا مسمياتٍ، لا حقيقةَ لها، لا تنفعُ ولا تضرُّ، فهذا أمرٌ جديرٌ بأن يُنْكَرَ.

والمجادلةُ: المخاصمةُ. قال بعضُ العلماءِ: أصلُ اشتقاقِها من (الْجِدَالةِ)، والجِدَالةُ: الأرضُ، وجدَّلَه: إذا تَرَكَهُ صريعًا في الأرضِ. قالوا: كأن المتضاربَيْن في الخصامِ كُلٌّ منهما يريدُ أن يُسْقِطَ صاحبَه حتى يُجَدِّله. هكذا قال بعضُهم واللَّهُ أعلمُ

(1)

.

{أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ} أي: في أصنامِكم، وإنما هي أسماءٌ بلا مسمياتٍ؛ لأنكم تزعمونَ أنها آلهةٌ، وأنها معبوداتٌ!! ومعنَى الإلهيةِ واستحقاقِ العبادةِ مَنْفِيٌّ عنها نَفْيًا بَاتًّا، فهي اسمٌ بلا مُسَمًّى؛ شيءٌ اخْتَلَقَتْهُ ألسنتُكم لا حقيقةَ له في نفسِ الأمرِ. تُجَادِلُونَنِي فيها زاعمينَ أنها لا بُدَّ أن تُعْبَدَ مع اللهِ، وأنها شركاءُ له يُصْرَفُ لها من الحقوقِ كما يُصْرَفُ له.

(1)

انظر: المفردات (مادة: جدل) ص189.

ص: 494

{سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} هم الذين اخترقوا لها هذه الأسماءَ بلا مسمياتٍ، إِذِ الأسماءُ التي وَضَعْتُمْ لها ليس لها أساسٌ من الحقيقةِ ولَا من الصحةِ. فليست بآلهةٍ ألبتةَ، وليست بمستحقةٍ للعبادةِ ألبتةَ، كما صَرَّحَ اللهُ بذلك في قولِه:{وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَاّ يَخْرُصُونَ} [يونس: آية 66] يعني: هؤلاء الذين يتبعونَهم ليسوا شركاءَ ألبتةَ في الحقيقةِ.

ثم قال: {مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} لأن هذه الآلهةَ التي تعبدونَ {مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا} أي: بعبادتِها واستحقاقِها للعبادةِ {مِنْ سُلْطَانٍ} أي: من حُجَّةٍ واضحةٍ أبدًا، بل الذي نزَّله اللهُ من الحججِ القاطعةِ مَنْعَ عبادتِها، وكُفْرَ عابدِها، وخلودِه في النارِ.

ثم قال: {فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ} انتظرُوا ماذا يحدثُ عليكم من اللهِ وهو الغضبُ والهلاكُ الذي وعدتُكم به أنه وَجَبَ وحقَّ عليكم.

{إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ} وسوفَ تعلمونَ عن طريقِ ذلك الانتظارِ هل يقعُ عليكم ما وعدتُكم به أو لا يقعُ. وهو تهديدٌ عظيمٌ.

ثم إن اللهَ بَيَّنَ مصيرَ الجميعِ، قال:{فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} [الأعراف: آية 72] فَأَنْجَيْنَا هودًا والذين آمنوا معه - وهم طائفةٌ قليلةٌ - أنجيناهم برحمةٍ مِنَّا. وذلك الإنجاءُ من عذابٍ شديدٍ، كما قال تعالى في سورةِ هودٍ:{وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} [هود: آية 58].

ص: 495

{وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} قولُه: «قَطَعَ اللَّهُ دَابِرَهُمْ» معناه: اسْتَأْصَلَهُمْ عن آخرِهم؛ لأن النسلَ كأنه دابرٌ للآباءِ، فالدابرُ هو الذي يتبعك عند دُبُرِكَ، فكأن الآباءَ أمةٌ سالفةٌ، ونسلَهم شيءٌ تابعٌ أَدْبَارَهُمْ، نَاشِئٌ بعدَهم. فإذًا قَطْعُ الدابرِ معناه: أُهلكوا عن آخرِهم فلم يَبْقَ منهم نسلٌ يَدْبُرهم، أي: يَمْشِي في دبرهم سالكًا الحياةَ بعدَهم. فقَطْع الدابرِ معناه: إهلاكُهم المستأصلُ بحيث لا يَبْقَى لهم نسلٌ في الأرضِ يكونُ حَيًّا عن دبرٍ منهم، بل أهلكهم اللهُ جميعًا، ولم يترك منهم دَاعيًا ولا مُجِيبًا.

والمفسرونَ يذكرونَ قِصَّتَهُمْ

(1)

هنا، ويذكرُه الأخباريون

(2)

وبعضُها جاء به بعضُ الأحاديثِ، كما جاء في حديثٍ عن الإمامِ أحمدَ

(3)

.

والذي يَعْرِفُ التاريخَ معرفةً لا بأسَ بها يظهر له أن كثيرًا مما يزعمُه المؤرخونَ في قصةِ عادٍ أنه ليس من الشيءِ الصحيحِ. ومعلومٌ أن التاريخَ وَالسِّيَرَ كالإسرائيلياتِ، منها ما هو صحيحٌ، ومنها ما ليس بصحيحٍ، فَتُحْكَى لِيُعْتَبَرَ بما فيها من الغرائبِ والعجائبِ، وَيُنْتَفَعَ بما

(1)

انظر: ابن جرير (12/ 508)، ابن كثير (2/ 225).

(2)

انظر: البداية والنهاية (1/ 126).

(3)

أحمد (3/ 481، 482)، والترمذي في تفسير القرآن، باب:«ومن سورة الذاريات» حديث رقم (3273، 3274)، (5/ 391، 392)، وابن ماجه في الجهاد مختصرًا باب:(الرايات والألوية). حديث رقم (2816)، (2/ 941)، وابن جرير (12/ 513، 516).

وانظر: صحيح الترمذي، حديث رقم (2611)، وصحيح ابن ماجه، حديث رقم (2272)، والسلسلة الصحيحة (5/ 137).

ص: 496

تشيرُ إليه من اجتلابِ المصالحِ وتجنبِ المضارِّ، ولا يُحْكَمُ بصحةِ شيءٍ منها إلا شيءٌ قام عليه دليلٌ من كتابٍ أو سُنَّةٍ.

والمفسرونَ يذكرونَ في قصتِهم أنهم لَمَّا تَمَرَّدُوا هذا التمردَ العظيمَ على نَبِيِّ اللهِ هودٍ، وأراد اللهُ أن يُهلكهم أمسكَ عنهم المطرَ ثلاثَ سِنِينَ، فقحطت أرضُهم وأجدبوا وجاعوا، وأضعفَهم القحطُ وكادَ يُهلكهم. ويزعمونَ أن عادةَ الناسِ في ذلك الزمانِ أن مَنْ أَصَابَهُ كَرْبٌ أو بلاءٌ يُرْسِلُونَ مَنْ يدعو اللهَ لهم عند بيتِه الحرامِ؛ لأنهم يظنونَ أن اللهَ إذا دُعِيَ عند بيتِه الحرامِ لا يَرُدُّ مَنْ دعاه ولا يخيِّبه. فلما وَقَعَ بهم ما وَقَعَ جَهَّزُوا وفدًا منهم، يزعمونَ أنه يقربُ من سبعينَ رجلاً، كبيرُهم: قَيْل بنُ عنز، المشهورُ في التاريخِ، وأرسلوا معه جماعةً من كبرائِهم - يزعمُ المؤرخونَ أن منهم: نعيمَ بنَ هزَّالةَ، ومنهم: مرثدُ بنُ سعدٍ. وكان مرثدُ بنُ سعدٍ فيما يزعمونَ مِمَّنْ آمَنَ بهودٍ، وكان يكتُم إيمانَه - ويزعمونَ أن الذين عند مكةَ في ذلك الوقتِ العمالقةُ، والعمالقةُ: أولادُ عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، وأن رئيسَهم في ذلك الزمانِ يُسمَّى: معاويةَ بنَ بكرٍ، وأن أخوالَه عادٌ، وهم أخوالُه وأصهارُه، وأنه كان نازلاً بظاهرِ مكةَ خارجًا عن الْحَرَمِ، وأن الوفدَ الذي أرسلَه عادٌ ليستسقيَ اللهَ لهم عند بيتِ اللهِ الحرامِ نزلوا عندَ معاويةَ بنِ بكرٍ رئيسِ العماليقِ، وكان عادٌ أخوالَه وأصهارَه، وكان عنده قينتان يُغَنِّيَانِ، اسْمُهُمَا: الجرادتانِ، وأن رئيسَ العماليقِ - وهو معاويةُ بنُ بكرٍ - مَكَثَ عندَه الوفدُ العادي شهرًا، يسقيهم الخمرَ، وَيُحْسِنُ إليهم، وتغنيهم الجرادتانِ، حتى نَسُوا ما جاؤوا من أَجْلِهِ.

وكان معاويةُ بنُ بكرٍ - فيما يزعمُه المؤرخونَ والمفسرونَ -

ص: 497

رَقَّ لأخوالِه وأصهارِه عادٍ، وَأَسَاءَتْهُ حالةُ وَفْدِهِمْ، ولم يَقْدِرْ أن يُبَيِّنَ لهم شيئًا لئلا يظنوا أنه مُسْتَثْقِلٌ بضيافتِهم، فاستشارَ قينتيه فَقَالَتَا: قُلْ شعرًا تنبههم به ونغنيهم بذلك الشعرِ لينتبهوا، وأن معاويةَ بنَ بكرٍ ابتدعَ الشعرَ المذكورَ المعروفَ الذي نَبَّهُهُمْ به، وأن الجرادتين [غنتاهم]

(1)

بذلك الشعرِ، [وأنهم لما غنتاهم]

(2)

الجرادتان به انتبهوا وذهبوا إلى بيتِ اللهِ الحرامِ فقام قَيْل يدعو عندَ البيتِ، ويزعمُ المؤرخونَ والمفسرونَ أنه طَلَعَتْ سَحَابَاتٌ، وناداه منادٍ: اخْتَرْ أيها شِئْتَ؟! وأنه اخْتَلَى السوداءَ، وأنه سَمِعَ فيها قائلاً يقولُ: اخْتَرتَ رمادًا رمددًا، لا يترك من عادٍ أحدًا، لا والدًا ولا ولدًا. وأن تلك السحابةَ ذَهَبَتْ إليهم وجاءت مِنْ قِبَلِ وادٍ لهم يسمونَه: المغيثَ، ففرحوا بها وقالوا:{هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} [الأحقاف: آية 24] ويزعمُ المؤرخونَ أن منهم امرأةً تُسَمَّى: مميد

(3)

، أنها صُعِقَتْ، فلما أَفَاقَتْ قالوا: ما بَالُكِ؟ قالت: رأيتُ في العارضِ الذي تظنونه مطرًا شيئًا كالنارِ مَعَهُ رياحٌ، تَقُودُهُ رجالٌ، وفيه هلاكٌ. فأرسل اللهُ عليهم الريحَ العقيمَ، ما تذرُ من شيءٍ أَتَتْ عليه إلا جَعَلَتْهُ كالرميمِ، كما قال تعالى:{وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7)} [الحاقة: الآيتان 6، 7] إلى غيرِ ذلك من الآياتِ.

والشعرُ الذي اخترعَه معاويةُ بنُ بكرٍ وَنَبَّهَ به وفدَ العاديين هو

(1)

في الأصل: «غنتهما» .

(2)

في الأصل: «وأنهما لما غنتهما» .

(3)

هكذا في تفسير ابن كثير (2/ 226)، وفي البداية والنهاية (1/ 127):(فهد). وفي تفسير ابن جرير (12/ 512)،:(مَهْدَد).

ص: 498

قولُه فيما يَذْكُرُ المفسرونَ وأصحابُ السيرِ والأخبارِ، أنه قال

(1)

:

أَلَا يَا قَيْلَ وَيْحَكَ قُمْ فَهَيْنِمْ

لَعَلَّ اللَّهَ يَسْقِينَا غَمَامَا

فَيَسْقِي أَرْضَ عَادٍ إِنَّ عَادًا

قَدَ امْسَوْا لَا يُبِينُونَ الْكَلَامَا

مِنَ الْعَطَشِ الشَّدِيدِ فَلَيْسَ نَرْجُو

بِهِ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ وَلَا الْغُلَامَا

وَقَدْ كَانَتْ نِسَاؤُهُمُ بِخَيْرٍ

فَقَدْ أَمْسَتْ نِسَاؤُهُمُ أَيَامَا

وَإِنَّ الْوَحْشَ تَأْتِيهِمْ جِهَارًا

وَلَا تَخْشَى لِعَادِيٍّ سِهَامَا

وَأَنْتُمُ هَا هُنَا فِيمَا اشْتَهَيْتُمْ

نَهَارَكُمُ وَلَيْلَكُمُ التَّمَامَا

قَقُبِّحَ وَفْدُكُمْ مِنْ وَفْدِ قَوْمٍ

وَلَا لُقُّوا التَّحِيَّةَ وَالسَّلَامَا

هكذا يزعمُه المفسرونَ والمؤرخونَ، ويزعمونَ أَنَّ وقتَ إهلاكِ عادٍ أن الذين على مكةَ أنهم العمالقةُ. والناظرُ في التاريخِ يَسْتَرِيبُ في هذا ولا يُصَدِّقُهُ؛ لأن المعروفَ في التاريخِ أن بيتَ اللهِ الحرامَ لَمَّا انْدَرَسَ من أيام طوفانِ نوحٍ أنه لم يُبْنَ قبل أن بَنَاهُ إبراهيمُ وإسماعيلُ بِنَاءَهُمَا المشهورَ المذكورَ في القرآنِ العظيمِ، وأنه قَبْلَ ذلك كان مُنْدَرِسًا لا يُعْرَفُ له محلٌّ كما قال اللهُ:{وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} [الحج: آية 26] ووجدوه في ذلك الوقتِ كانَ محلَّ مربضٍ لغُنَيْمَةٍ لرجلٍ من جُرْهُمٍ.

والمؤرخونَ يذكرونَ أن اللهَ لَمَّا أَنْبَعَ ماءَ زمزمَ لهاجرَ وإسماعيلَ أن أولَ من ساكنَها العمالقُ، وهم أولادُ عمليق. وهم من العربِ البائدةِ؛ لأنَّ العربَ نوعانِ: عربٌ بائدةٌ

(2)

: أي: هَلَكُوا عن آخِرِهِمْ

(1)

الأبيات في تفسير ابن جرير (12/ 510)، تفسير ابن كثير (2/ 225 - 226)، البداية والنهاية (1/ 126 - 127).

(2)

وهم العرب العاربة. ولم يذكر النوع الثاني وهم العرب المستعربة.

ص: 499

ولم يَبْقَ لهم نَسْلٌ، وهم قبائلُ معروفةٌ، منهم عادٌ وَجُرْهُمٌ، ومنهم ثمودٌ، ومنهم أُميم وعبيل، وجديس وطسم من العربِ البائدةِ المعروفةِ الذين هَلَكُوا عن آخِرِهِمْ

(1)

. وجاء في بعضِ الأحاديثِ ما يدلُّ على أنَّ أولَ مَنْ سَاكَنَ هاجرَ جُرْهُمٌ

(2)

ويمكن أن يُحْمَلَ على أنهم أولُ مَنْ سَاكَنَهَا بعدَ زوالِ العمالقِ

(3)

.

والمذكورُ في التاريخِ

(4)

المعروف عند المؤرخين أَنَّ ماءَ زمزمَ لَمَّا نَبَعَ لهاجرَ وإسماعيلَ مَرَّ بهم قومٌ من العماليقِ كانوا مسافرين، وكانت مكةُ في ذلك الوقتِ لَا يُعْرَفُ بها ماءٌ، فَرَأَوْا طيرَ الماءِ، فجاؤوا فوجدوا هاجرَ وإسماعيلَ واستأذنوهم في المساكنةِ، وَاشْتَرَطَتْ عليهم هاجرُ أَنَّ الماءَ لها، ولم يَزَلِ العمالقُ معهم حتى بَغَوْا وطغوا في الحرمِ، وشبَّ إسماعيلُ، فَسَلَّطَ اللهُ عليهم جرهمًا - وهم من العربِ البائدةِ، من ذريةِ سامِ بنِ نوحٍ، خلافًا لمن قال من المؤرخين: إن نفس جرهم كان مُسْلِمًا من الذين دخلوا في السفينةِ مع نوحٍ. والصحيحُ الذي عليه جمهورُ المؤرخين: أنه مِنْ ذريةِ سامِ بنِ نوحٍ - فَسَلَّطَ اللهُ عليهم جرهمًا، وكان رئيسُهم مضاضَ بنَ عمرٍو الجرهميَّ، الذي زوَّج ابنتَه رَحْلَةَ لإسماعيلَ، وهي صاحبةُ القصةِ المشهورةِ الذي قال لها إبراهيمُ: إذا جاء زَوْجُكِ فقولِي له:

(1)

انظر: البداية والنهاية (1/ 120)، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (1/ 294 - 298)، صبح الأعشى (1/ 313)، فما بعدها.

(2)

يشير إلى الحديث الطويل في قصة هاجر وإسماعيل ونبع ماء زمزم. وهو في البخاري، كتاب: الأنبياء، باب: يزفون: النَّسَلَانُ في المشي، حديث رقم (3364)، (3365)، (6/ 396 - 399).

(3)

قال الحافظ في الفتح: (6/ 403): «وقيل إن أصلهم من العمالقة» ا. هـ.

(4)

انظر: تاريخ الطبري (1/ 130).

ص: 500

لِيُثَبِّتْ عَتَبَةَ بَابِهِ

(1)

. ولم تزل جرهمٌ حتى شبَّ فيهم إسماعيلُ، وتزوجَ منهم، وتعلَّم منهم العربيةَ، وكانت سدانةُ البيتِ عندَ أولادِ إسماعيلَ إلى آخرِهم نابتِ بنِ إسماعيلَ، فلما مَاتَ نابت أخذَ الجرهميون مفاتيحَ الكعبةِ، وصارت عندَهم سدانةُ البيتِ، كما قال شاعرُهم لَمَّا أَجْلَتْهُمْ خزاعةُ

(2)

:

وَكُنَّا وُلَاةَ الْبَيْتِ مِنْ بَعْدِ نَابِتٍ

نَطُوفُ بِذَاكَ الْبَيْتِ وَالْخَيْرُ ظَاهِرُ

فَأُرْسِلَ نبيُّ اللهِ إسماعيلُ لجرهم في مكةَ المكرمةِ، ثم مات إسماعيلُ وكبارُ أولادِه، وأخذَ الجرهميون سدانةَ البيتِ، ولم يزل البيتُ عند جرهم، وقد بنوه -جرهمٌ- أيامَ ولايتهم عليه، كما قال زهيرُ بنُ أبي سُلمى في معلقتِه

(3)

:

فَأَقْسَمْتُ بِالْبَيْتِ الَّذِي طَافَ حَوْلَهُ

رِجَالٌ بَنَوْهُ مِنْ قُرَيْشٍ وَجُرْهُمِ

ولم يزل جرهمٌ هم أهلَ بيتِ اللهِ الحرامِ حتى طَغَوْا وَبَغَوْا.

ويزعمُ المؤرخونَ أن رجلاً منهم يُسَمَّى (إسافًا) وامرأةً تُسَمَّى (نائلة) دَخَلَا جوفَ الكعبةِ فَزَنَى بها في جوفِ الكعبةِ، وأن اللَّهَ مَسَخَهُمَا حَجَرَيْنِ، وأنهما هما الصنمانِ اللَّذَانِ أخذهما الخبيثُ الخسيسُ اللعينُ: عمرُو بنُ لُحَيٍّ- الذي ضيَّع بقايا دينِ إبراهيمَ، وجاء بعبادةِ الأصنامِ، وبحَّرَ البحائرَ والسوائبَ - ووضعَ أحدَهما على الصَّفَا، والثانيَ على المروةِ، وكانوا يسجدونَ لهما في

(1)

تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.

(2)

البيت لعمرو بن الحارث بن مضاض من قصيدة له ذكرها ابن كثير في «البداية والنهاية» (2/ 186).

(3)

شرح القصائد المشهورات (2/ 108).

ص: 501

الْمَسْعَى!! وأشارَ لهما أبو طالبٍ في لَامِّيَّتِهِ المشهورةِ حيث قال

(1)

:

وَحَيْثُ يُلْقِي الأَشْعَرُونَ رِحَالَهُمْ

بِمَلْقَى الرِّفَاقِ مِنْ إِسَافٍ وَنَائِلِ

فَلَمَّا بغى جرهمٌ وَطَغَوْا في الأرضِ سَلَّطَ اللهُ عليهم خزاعةَ. وخزاعةُ أصلُهم من العربِ المذبذبةِ، أكثرُ المؤرخين يقولونَ: إنهم من سبأ، وأن اللهَ لَمَّا أرسلَ سيلَ العرمِ على سبأٍ:{وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} صارت خزاعةُ منهم إلى الحجازِ ونزلوا على جرهمٍ في بيتِ اللهِ الحرامِ

(2)

.

وبعضُ العلماءِ يزعمُ أنَّ خزاعةَ من أبناءِ قَمَعَةَ الذين منهم عمرُو بنُ لحيِّ بنِ قَمَعَةَ

(3)

، وقمعةُ بنُ إلياسَ. وإلياسُ أولادُه هم الذين يُسَمَّوْنَ: خِنْدَفًا؛ لأن إلياسَ بنَ مضرَ جَدَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يزعمُ أهلُ السيرِ والأخبارِ

(4)

أن امرأتَه تُسَمَّى: ليلى، وهي بنتُ الحارثِ بنِ قضاعةَ

(5)

، وأن إبلَهم ضَاعَتْ فَتَبِعَهَا عمرُو بنُ إلياسَ فأدرك الإبلَ فسُمِّي مدركةَ، وهو جَدُّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، مدركةُ بنُ إلياسَ. وأن قمعةَ قَمَعَ بالبيت فقام به فسُمِّي قمعة

(6)

. وَمِنْ نسلِه عمرُو بنُ لُحَيٍّ

(1)

البيت في البداية والنهاية (2/ 191).

(2)

المصدر السابق (2/ 187)، السيرة لابن هشام (1/ 106).

(3)

انظر: السيرة لابن هشام (1/ 88)، البداية والنهاية (2/ 199).

(4)

السابق.

(5)

في طبقات ابن سعد (1/ 36)، تاريخ الطبري (2/ 189) ومعجم البلدان (2/ 508)، ومعجم ما استعجم (3/ 859):«ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة» . وتُسَمَّى أيضًا: خِنْدَفًا.

(6)

في تاريخ الطبري (2/ 189): «وانقمع عمير في الخباء فلم يخرج، فسمِّي قمعة» ا. هـ. والروايات في مدركة وطابخة متناقضة، فبعضها كما ذكر الشيخ هنا، وبعضها على العكس حيث تقول: إن عَمْرًا هو طابخة، وأن أخاه عامرًا هو مدركة.

ص: 502

الخبيثُ

(1)

.

وخزاعةُ على قولِ مَنْ يقول: إنهم خِنْدَفيون لا أنهم من سبأٍ، وأن أحدَ أولادِه

(2)

اصطادَ أَرْنَبًا فطبخه فسُمي طابخة، وهو جدُّ تميمٍ، وأن تميمَ بنَ مر بن أُدِّ بن طابخةَ، وقبائل الرَّباب: بنو تيمٍ، وبنو عدي، وبنو عكل، وضبة وبنو ثور وبنو عجل

(3)

وهم قبائلُ الربابِ الذين تَحَالَفُوا على رُبٍّ

(4)

مع تميمٍ وصاروا يُنْسَبُونَ إليهم وقال فيهم الشاعرُ

(5)

:

يَعُدُّ النَّاسِبُونَ إِلَى تَمِيمٍ

بُيُوتَ الْمَجْدِ أَرْبَعَةً كِبَارَا

(1)

انظر: تاريخ الطبري (2/ 189)، السيرة لابن هشام (1/ 88)، البداية والنهاية (2/ 199).

(2)

أي. أولاد إلياس.

(3)

انظر: المعارف لابن قتيبة ص74، الأنساب للسمعاني (3/ 39)، بلوغ الأرب (1/ 21)، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (1/ 402).

(4)

جاء في الأنساب (3/ 39): «وإنما سموا الرباب لأنهم ترببوا- أي: تحالفوا- على بني سعد بن زيد مناة. وقال الكلبي في كتاب الألقاب قال: إنما سموا الرباب

أنهم غمسوا أيديهم في رُب فتحالفوا على بني تميم فسموا الرباب جميعًا، وخُصت تيم بالرباب» ا. هـ. ولم أقف على من عَدَّ بني عجل من الرباب، ففي الأنساب: نقلاً عن أبي عبيدة: «تيم الرباب: ثور وعدي وعكل ومزينة بنو عبد مناة بن أُدّ، وضبة بن أُدّ» ا. هـ. ونقل عن ابن الكلبي أنهم: «تيم وعدي وعوف والأشيب وثور أطحل وضبة بن أُدّ» ا. هـ. وفي بلوغ الأرب (1/ 21)(هامش): «الرباب - بالكسر - خمس قبائل تجمعوا فصاروا يدًا واحدة وهم: ضبة وثور وعكل وتيم وعدي» ا. هـ.

(5)

الأبيات في بلوغ الأرب (1/ 21). وصدر البيت الأخير: «ويذهب فيهما المري لغوًا» .

ص: 503

يَعُدُّونَ الرَّبَابَ وَآلَ سَعْدٍ

وَعَمْرًا ثُمَّ حَنْظَلَةَ الْخِيَارَا

وَيَسْقُطُ بَيْنَهَا الْمرِّيُّ عَفْوًا

كَمَا أَلْغَيْتَ فِي الدِّيَةِ الْحُوَارَا

كذلك بنو مزينةَ الذين منهم زهيرٌ وأولادُه، وهم من أُدّ بنِ طابخةَ. هكذا يقول المفسرونَ. ثم لم يَزَلِ البيتُ عندَ خزاعةَ فَسَلَّطَهُمُ اللهُ على جرهم فطردوهم شَرَّ طردة، وَسَلَّطَ اللهُ الأمراضَ على جرهم، وَلَمَّا طلع الجرهميُّ على أحدِ جبالِ مكةَ ورأى خزاعةَ مُسْتَوْلِينَ على البيتِ ينحرون أباعرَ جرهم قال أبياتَه المشهورةَ المعروفةَ

(1)

:

كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحُجُونِ إِلَى الصَّفَا

أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ

بَلَى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَهَا فَأَبَادَنَا

صُروفُ اللَّيَالِي وَالْجُدُودُ الْعَوَائِرُ

وَكُنَّا وُلَاةَ الْبَيْتِ مِنْ بَعْدِ نَابِتٍ

نَطُوفُ بِذَاكَ الْبَيْتِ وَالْخَيْرُ ظَاهِرُ

الأبيات المشهورة، ثم إن قُصَيًّا كان في الطائفِ ومعَه أبو غُبْشَانَ سيدُ خزاعةَ الذي بيدِه مفاتيحُ الكعبةِ، فسقاه خَمْرًا حتى سَكِرَ، واشترى منه البيتَ الحرامَ وسدانتَه، وأخذ مَفَاتِحَهُ وباعه له وهو سكرانُ بِزِقٍّ من خَمْرٍ، وكتب عليه صكَّ البيعِ، ولما استفاقَ ذلك وَصَحَا من سكره نَدِمَ وصار بينَ قريشٍ وخزاعةَ بعضُ حروبٍ على ذلك، وفي الواقعةِ يقولُ الشاعرُ

(2)

:

بَاعَتْ خُزَاعَةُ بَيْتَ اللَّهِ إِذْ سَكِرَتْ

بِزِقِّ خَمْرٍ فَبِئْسَتْ صَفْقَةُ الْبَادِي

(1)

الأبيات لعمرو بن الحارث بن عمرو بن مُضاض، وهي في السيرة لابن هشام (1/ 131)، البداية والنهاية (2/ 185).

وقد سقط هنا - بعد البيت الأول - بيت من أبياتها وهو قوله:

فقُلتُ لها والقَلبُ منيّ كأنما

يُلَجْلِجهُ بين الجَنَاحَيْنِ طائرُ

(2)

البيت في نهاية الأرب (1/ 247).

ص: 504

وَقَعَ بينَهم بعضُ الحروبِ والقتلى فيما يذكره الأخباريون وأهلُ السِّيَرِ، فاستعانَ قُصَيٌّ بأخيه لأُمِّهِ سيدِ قضاعةَ، وكانت القتلى أكثرَ في خزاعةَ، ثم تَحَاكَمُوا إلى يَعْمَرَ الشَدَّاخِ (يعمر الكناني) الذي يقولُ فيه امرئُ القيسِ

(1)

:

كِنَانِيَّةٌ بَانَتْ وَفِي الصَّدْرِ وُدُّهَا

مُجَاوِرَةٌ غَسَّانَ وَالْحَيَّ يَعْمَرَا

وكان من حكامِ العربِ، فحكم بأن تُشْدَخَ دماءُ خزاعةَ، أي: تُهْدَرَ، وحكم بصحةِ البيعِ، وأن الكعبةَ لِقُصَيٍّ

(2)

. فأخذَها قُصَيٌّ، وأخذَ الوظائفَ المشهورةَ، وأعطاها لبني عبدِ الدارِ في خبرٍ يَطُولُ.

والمقصودُ عندنا من هذا أن العمالقَ إنما سَكَنُوا مكةَ بعدَ أن نبعَ ماءُ زمزمَ لهاجرَ وإسماعيلَ، وهذا هو المعروفُ في التاريخِ. والمعروفُ أن عادًا هلكوا بأزمنةٍ طويلةٍ قبلَ وجودِ إبراهيمَ، وأن هودًا كان قبل إبراهيمَ، وهذا مما يُشَكِّكُ في أن هذه الأخبارَ السيريةَ ليست بصحيحةٍ كما هو معروفٌ، وَاللَّهُ تعالى أعلمُ. إلا أن المفسرينَ يذكرونَ القصةَ كما ذَكَرْنَا.

ومعنَى قولِه: {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ} [الأعراف: آية 71] الرجسُ هنا العذابُ، قال بعضُهم: أصلُه من الارتجاسِ، وهو: الاضطرابُ؛ لأن الْمُعَذَّبَ يضطربُ من شدةِ العذابِ. والغضبُ: هو غضبُ اللهِ الذي حَلَّ بهم.

{أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} السلطانُ: الحجةُ الواضحةُ التي لا تتركُ في الحقِّ لَبْسًا.

(1)

ديوان امرئ القيس ص59.

(2)

انظر: السيرة لابن هشام (1/ 140)، البداية والنهاية (2/ 207).

ص: 505

قال بعضُ العلماءِ: هي من السلطنةِ والقهرِ؛ لأن المتمسكَ بها يقهرُ خصومَه. وقال بعضُ العلماءِ: الأَلِفُ والنونُ فيها زائدتانِ، وأصلُها من السليطِ الذي يُوقَدُ به ضوءُ المصباحِ؛ لأَنَّ الحجةَ الواضحةَ ضوؤها يكشفُ ظلامَ الجهلِ، وهو معروفٌ، ومنه قولُ الشاعرِ

(1)

:

كَضَوْءِ السِّرَاجِ السَّلِيـ

ـطِ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ نُحَاسَا

ثم قال: {فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ} [الأعراف: آية 71] صيغةُ الأمرِ هنا في قولِه: {فَانْتَظِرُوا} للتهديدِ وقد تَقَرَّر في فَنِّ المعانِي في مبحثِ الإنشاءِ

(2)

، وفي فَنِّ الأصولِ في مبحثِ الأمرِ

(3)

: أن مِنَ [المعانِي التي تَرِدُ لها صيغةُ:]

(4)

(افعل) التهديدَ.

{فَانْتَظِرُوا} ومعنَى الانتظارِ: هو التربصُ لشيءٍ يأتِي.

{إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71) فَأَنْجَيْنَاهُ} أي: أَنْجَيْنَا هودًا وَأَنْجَيْنَا الذين آمنوا مع هودٍ: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا} لأنهم مؤمنونَ بنا {وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} أي: اسْتَأْصَلْنَاهُمْ بالهلاكِ، وذلك الهلاكُ بالريحِ العقيمِ.

ويذكرونَ في قصتِهم أن الريحَ تقلعُ الرجلَ من مكانِه فترفعُه إلى السماءِ كأنه ريشةٌ ثم تُلْقِيهِ في الأرضِ مُنَكَّسًا على رأسِه فينكسرُ

(1)

البيت للجعدي، وهو في تاريخ دمشق (42/ 461)، وفي اللسان (مادة: سلط)، و (مادة: نحس)، جمهرة أشعار العرب للقرشي (1/ 137)، الكامل للمبرد (1/ 477). وصدره في بعض المصادر: «يُضيء كضَوء سِرَاجِ

». وفي بعضها: «تُضيءُ كمثلِ سِراجِ الذُّبال» .

(2)

انظر: الإيضاح للقزويني ص148.

(3)

مضى عند تفسير الآية (112) من سورة الأنعام.

(4)

في الأصل: «صيغ» .

ص: 506

رأسُه، وتسقطُ أُمُّ رَأْسِهِ. ويدلُّ على هذه قولُه تعالى:{تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} [القمر: آية 20] والنخلُ المنقعرُ معناه: المنقلعُ من الأرضِ بعروقِه. وهذا يدلُّ على عِظَمِ أجسامِهم وَطُولِهَا، وأن اللهَ شَبَّهَهُمْ بقولِه:{نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} وإن كان العربُ يُشَبِّهُونَ القتلى مُطْلَقًا بالنخلِ المنقعرِ، ومنه قولُ العباسِ بنِ مرداسٍ السلميِّ

(1)

:

حَتَّى رَفَعْنَا وَقَتْلَاهُمْ كَأَنَّهُمْ

نَخْلٌ بِظَاهِرَةِ الْبَطْحَاءِ مُنْقَعِرُ

وهذا معنَى قولِه: {وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} [الأعراف: آية 72] وإنما عُبِّرَ عن الاستئصالِ بقطعِ الدابرِ لأن الدابرَ هو الذي يَمْشِي وراءَك عند دبركَ. تقول: مَشَى زيدٌ فَدبَرَهُ عمرٌو. معناه: كان يمشي في أثرِه عن دبرٍ منه. والأولادُ - النسلُ - كأنه دابرٌ للآباءِ، إذا ماتَ هؤلاءِ بَرَزَ هذا دُبرهم يمشي من بعدِهم حَيًّا خلفَهم. وقطْعُ الدابرِ معناه: إهلاكُ الجميعِ حتى لا يَبْقَى به نَسْلٌ يكونُ خَلفًا من الآباءِ. بل اللهُ دَمَّرَ الجميعَ وأهلَكَهم عن آخرهم. وهذا معنَى قولِه: {وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} وهذا يدلُّ على أن التكذيبَ بآياتِ اللهِ مستوجبٌ للهلاكِ الْمُسْتَأْصِلِ.

وقولُه: {وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ} تأكيدٌ. وما كانوا في عِلْمِ اللَّهِ مؤمنين أبدًا؛ لأَنَّ اللَّهَ طَبَعَهُمْ على الشقاوةِ، والعياذُ باللهِ جل وعلا.

ويزعم المفسرونَ أن نبيَّ اللهِ هودًا هو وَمَنْ مَعَهُ إنما جاءهم من الرياحِ ريحٌ باردةٌ لَيِّنَةٌ قدرَ ما يكون مُسْتَلَذًّا من الريحِ، ولم يَنَلْهُمْ منها شيءٌ

(2)

.

(1)

البيت في ديوانه ص72، وأوله:«حتى تولوا .. » .

(2)

انظر: تفسير ابن جرير (12/ 513)، البداية والنهاية (1/ 130).

ص: 507

وزعم بعضُهم أن هودًا تُوُفِّيَ هنالك بجنبِ رمالِ حضرموتَ. وعن عَلِيِّ بنِ أبِي طالبٍ رضي الله عنه أنه وَصَفَ لرجلٍ من حضرموتَ كَوْمًا من الرملِ فيه أشجارٌ وكذا وكذا حتى عَرَفَهُ الحضرميُّ بالعلاماتِ، فزعم له أن قبرَ هودٍ عِنْدَهُ

(1)

.

وأكثرُ المؤرخين يقولونَ: إن هودًا لَمَّا أهلكَ اللَّهُ قومَه سارَ هو ومن آمَنَ معه إلى الحجازِ، وماتوا كلهم بِمَكَّةَ، هكذا يقولونَ واللهُ تعالى أعلمُ. وهذا معنَى قولِه:{فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (72)} .

[12/ أ] / قال تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75)} [الأعراف: الآيات 73 - 75].

يقولُ اللهُ جل وعلا: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73)}

(1)

أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (1/ 1/135)، وابن جرير (12/ 507)، وأورده ابن كثير في البداية والنهاية (1/ 130).

ص: 508

[الأعراف: آية 73].

هذه هي القصةُ الثالثةُ من قصصِ الأنبياءِ التي قَصَّ اللَّهُ علينا في هذه السورةِ الكريمةِ

- سورةِ الأعرافِ - ذَكَرَ لنا قصةَ نوحٍ وماذا قال لقومه، وماذا قالوا له، وماذا كان مصيرُهم [ثم ذَكَرَ لنا قصةَ هودٍ]

(1)

مع عادٍ وماذا قال لهم وقالوا له، وماذا كان مصيرُهم. ثم ذَكَرَ لنا القصةَ الثالثةَ وهي قصةُ صالحٍ مع قومِه ثمود، واللهُ - جل وعلا - يُبَيِّنُ لنا هذه القصصَ ليس المرادُ مطلقَ تاريخٍ فقط، وإنما يُبَيِّنُهَا للاعتبارِ، وليحذر الناس من معاصي الله، والتمردِ على أوامرِه، وتكذيبِ رُسُلِهِ؛ لئلَاّ ينزلَ بهم من الهلاكِ ما نَزَلَ بِمَنْ قَبْلَهُمْ كما قال نبي اللَّهِ شعيبٌ لقومِه:{وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89)} [هود: آية 89].

وقولُه: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} عُطِفَ على قولِه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [الأعراف: آية 59] أَيْ: لقد أَرْسَلْنَا نوحًا إلى قومِه {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [الأعراف: آية 65] أي: وَأَرْسَلْنَا إلى عادٍ أخاهم هودًا {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} . أي: وَأَرْسَلْنَا إلى ثمودَ أخاهم صالحًا.

ثمودُ: قبيلةٌ من قبائلِ العربِ البائدةِ الذين انقطعَ نَسْلُهُمْ، فَهُمْ من العربِ البائدةِ. والمؤرخونَ يزعمونَ أن ثمودَ أنه ابنُ عابرٍ، وبعضُهم يقولُ: جاثر أو جائر بن إرم بن سام بن نوح

(2)

. وَنَبِيُّ اللهِ صالحٌ - من نَسَبِهِمْ - من أَوْسَطِهِمْ نَسَبًا وأكرمِهم بيتًا وحسبًا، بَعَثَهُ

(1)

في هذا الموضع انقطع التسجيل، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.

(2)

انظر: تفسير ابن جرير (12/ 524)، القرطبي (7/ 238)، البداية والنهاية (1/ 130).

ص: 509

اللَّهُ فيهم، وهو صالحُ بنُ عبيدِ بنِ آسفَ، من ذريةِ أروم من إرمَ بنِ سامِ بنِ نوحٍ

(1)

من قبيلةِ ثمودَ، وهو من أوسطِهم نَسَبًا كما هي عادةُ الأنبياءِ. وهو نَبِيٌّ عربيٌّ كريمٌ، أرسله اللهُ إلى قبيلةٍ عربيةٍ من العربِ البائدةِ، كانت منازلُهم بَيْنَ الشامِ والحجازِ في وادِي الْقُرَى وما حَوْلَهُ، منازلهم معروفةٌ إلى الآن، وآثارُ نحتِهم للجبالِ باقيةٌ إلى الآن، كما يعرفُه مَنْ يَمُرُّ عليهم في طريقِه إلى الشامِ من الحجازِ، وبلادُهم هي المسماةُ بالْحِجْرِ، وتأتِي في قولِه:{وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (82) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83)} [الحجر: الآيات 80 - 83].

لَمَّا أَهْلَكَ اللَّهُ عادًا استخلفَ في الأرضِ بعدَهم قبيلةَ ثمودَ، وأكثرَ اللهُ عليهم الأرزاقَ وَالنِّعَمَ، وَوَسَّعَ لهم في المعاشِ، وعاثوا في الأرضِ وَأَفْسَدُوا فيها، وَعَبَدُوا الأصنامَ، فأرسلَ اللهُ إليهم نَبِيَّهُ صالحًا يُذكِّرهم، والمفسرونَ يقولونَ: لم يَزَلْ يدعوهم إلى الإسلامِ حتى بدأ فيه الشَّمطُ، وهو البياضُ الذي يَبْدُو في اللحيةِ، أو الشيبُ الذي يدخلُ في الرأسِ يخالطُه سوادٌ، وهو يدعوهم إلى اللهِ، وهم

(1)

في طبقات ابن سعد (1/ 27): «صالح بن آسف بن كماشج بن أروم بن ثمود بن جائر بن إرم بن سام بن نوح» . وفي تاريخ الطبري (1/ 115): «صالح بن عبيد بن آسف بن ماسخ بن عبيد بن خادر بن ثمود بن جائر بن إرم بن سام بن نوح» . وفي تفسير القرطبي: (7/ 238): «صالح بن عبيد بن آسف بن كاشح بن عبيد بن حاذر بن ثمود» . وفي البداية والنهاية (1/ 130): «صالح بن عبد بن ماسح بن عبيد بن حاجز بن ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح» . كما ذكر المعلق في الهامش عن بعض النسخ ما يغاير بعض ما سبق. ولا يخفى أن بعض هذه الفروقات بسبب الأخطاء المطبعية.

ص: 510

لا يَزْدَادُونَ إلا عُتُوًّا وَتَمَرُّدًا؛ ولذا قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [النمل: آية 45] ثمودُ جَدُّهُمْ. وأجمعَ مَنْ يُعْتَدُّ به من القراءِ في هذا الحرفِ على عدمِ صرفِ ثمودَ، قرؤوا كُلُّهُمْ:{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [الأعراف: آية 73] مجرورٌ بالفتحةِ؛ لأنه غيرُ منصرفٍ؛ لأنه عَلَمٌ مؤنثٌ؛ لأَنَّ المرادَ عَلَمُ القبيلةِ، فاجتمعت فيه العلميةُ والتأنيثُ، فمُنِع من الصرفِ. وَمَنْ قَرَأَ:{وإلى ثمودٍ أخاهم صالحًا} فهي قراءةٌ شاذةٌ

(1)

، والقراءاتُ السبعيةُ بعضُها يأتِي فيه صرفُ ثمودَ، [وبعضها]

(2)

يأتي فيه مَنْعُهَا من الصرفِ كما هو معروفٌ. فَمَنْعُهَا من الصرفِ نَظَرًا إلى تأنيثِ القبيلةِ، وأنه عَلَمٌ مؤنثٌ، والعلميةُ والتأنيثُ مَانِعَانِ من الصرفِ، وَمَنْ صَرَفَ ثمودَ فقال:(ثمودًا) بتنوينِ الصرفِ أَرَادَ جَدَّهُمُ الأكبرَ الذَّكَرَ ولم يُرِدِ القبيلةَ فلم تجتمع علامتانِ مانعتانِ من الصرفِ، وهذا هو وجهُ كونِه ينصرفُ في بعضِ المواضعِ ولا ينصرفُ في بعضها

(3)

.

أرسلنا إليهم: {أَخَاهُمْ صَالِحًا} أخاهم في النسبِ لَا في الدِّينِ؛ لأن دِينَهُ يخالفُ دينَهم، فلما جاءهم نَبِيُّ اللهِ صالحٌ جاءهم بدعوةِ جميعِ الأنبياءِ وهي عبادةُ اللهِ وحدَه:{قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} ليس لكم معبودٌ يستحقُّ أن يُعْبَدَ وحدَه سواه، بل هو (جلَّ وعلا) المعبودُ وحدَه، المستحقُّ لأَنْ يُفْرَدَ فِي العبادةِ وَيُخْلَصَ له

(1)

انظر: إتحاف فضلاء البشر (2/ 53).

(2)

في الأصل: «وبعضهم» .

(3)

انظر: تفسير ابن جرير (12/ 525)، القرطبي (7/ 238)، الدر المصون (5/ 361).

ص: 511

الدينُ؛ لأنه الخالقُ الرازقُ الْمُحْيِي المميتُ الذي بيدِه الأمرُ، وإليه يصيرُ كُلُّ شيءٍ، فهو المعبودُ وحدَه.

{قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} الْبَيِّنَةُ: هي الدليلُ الذي يقومُ على الحقِّ فيتركُه واضحًا لا شبهةَ فيه، ومنه قِيلَ للشهودِ على الحقِّ:(بينة) لأنهم يُثْبِتُونَهُ ويظهرون أنه حَقٌّ حتى يبقَى لَا لَبْسَ فيه. فَكُلُّ دليلٍ يُظْهِرُ الحقَّ وَيُبَيِّنُهُ حتى لا يبقى فيه لبسٌ تُسَمِّيهِ العربُ: (بَيِّنَةً). وهذه البينةُ جاءتهم من رَبِّهِمْ. (مِن) لابتداءِ الغايةِ. أعنِي: مبدأُ إتيانِها من ربكم. أي: خالقِكم وسيِّدكم ومدبرِ شؤونكم. فكأن قائلاً قال: ما هذه الْبَيِّنَةُ والمعجزةُ الواضحةُ التي لم تَتْرُكْ في الحقِّ لَبْسًا، وَأَنَّ صالحًا رسولٌ من ربِّ العالمين؟ فَسَّرَ البينةَ بقولِه:{هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف: آية 73] يذكرونَ في قصتِهم أن سيدَهم كان رجلاً يُسَمَّى: جندعَ بنَ عمرٍو. وَبَنُو عمرٍو من ساداتِ ثمودَ وبطونِهم الكبارِ العظامِ، فلما أَلَحَّ عليهم صالحٌ في الدعاءِ إلى اللَّهِ زَعَمَ المؤرخونَ

(1)

والمفسرونَ

(2)

أنهم قالوا له: «اذْهَبْ مَعَنَا إلى عِيدِنَا الذي نجتمعُ فيه، فنذهبُ بأصنامِنا وندعو أصنامَنا وتدعُو أنتَ إِلَهَكَ، فإن اسْتُجِيبَ لأصنامِنا اتَّبِعْنَا وإن اسْتَجِيبَ لإِلَهِكَ اتَّبَعْنَاكَ. فقال لهم: نَعَمْ. فخرجَ معهم فَدَعَوْا أصنامَهم فلم يستجيبوا لهم بشيءٍ - كما هو معلومٌ لَا يَخْفَى- فاقترحَ عليه سَيِّدُهُمْ، أو جماعتُهم - تَعَنُّتًا - قالوا: هذه الصخرةُ - يزعمونَ أنها كانت صخرةً كبيرةً كالهضبةِ، ويزعمونَ أنها

(1)

انظر: البداية والنهاية (1/ 134).

(2)

انظر: تفسير ابن جرير (12/ 528).

ص: 512

تُسَمَّى (الكاثبةَ) - أَخْرِجْ لنا منها ناقةً مخترجةً. معناه: هي كالبختيةِ، تكونُ جوفاءَ وَبْرَاءَ عُشراء، فان أخرجتَها لنا على هذا الوصفِ اتَّبَعْنَاكَ.

فأخذ صَالِحٌ عليهم عهودَ اللهِ ومواثيقَه أنه إن أَخرَجَ لهم اللهُ تلك الناقةَ من تلك الصخرةِ الصَّماءِ اتَّبَعُوهُ، فلما أَخَذَ عليهم المواثيقَ يقولُ المفسرونَ: إنه قام فصلَّى ركعتين وَدَعَا اللهَ تعالى وَهُمْ ينظرونَ، فلما دَعَا اللهَ تَحَرَّكَتِ الصخرةُ وَتَمَخَّضَتْ تمخضَ النَّتُوجِ عن وَلَدِهَا، فانشقت عن تلك الناقةِ، عُشْراءَ، وَبْرَاءَ، جَوْفَاءَ، ضخمةً بالغةً في غايةِ الضخمِ.

ثم إنها وَلَدَتْ فصيلاً ضخمًا مثلَها وهم ينظرونَ، فلما عَايَنُوا هذا أسلمَ رئيسُهم جندعُ بنُ عمرٍو وَمَنْ كان معه من الرهطِ الذين يُطِيعُونَهُ، وحاولَ كُبراءُ ثمودَ أن يُسلموا كلُّهم لَمَّا عَايَنُوا من آياتِ اللهِ، فجاءهم خبثاءُ منهم، منهم ذؤابُ بنُ عمرِو بنِ لَبِيدٍ، بعضُهم يقولُ: ابنُ عمرِو بنُ أَسَدٍ، والحُبابُ صَاحِبَا آلهتهم التي يَسْدنُونَهَا، وربابُ بنُ صمعر، وجماعةٌ من رؤسائِهم، فَزَيَّنُوا لهم الارتدادَ، وأن لا يتبعوا صَالِحًا، فَثَبَّتُوهُمْ على الكفرِ والعياذُ بالله. وكان فيهم رجلٌ يُسَمَّى: شهابَ بنَ خليفةَ، ابن عَمِّ سيدِهم جندعَ بنِ عمرٍو، كان من أَعَزِّ الفتيانِ في ثمودَ، ومن أفاضلِهم وأماثلِهم المتَّبعين، فدعاه مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قومِه من بني عمرو ليُسلم فمنعه الخبيثُ ذؤابُ بنُ عمرٍو وربابٌ وَمَنْ معهم من الأعزاءِ من كفرةِ ثمودَ. وكان شاعرُهم المُسلم يقولُ في ذلك

(1)

:

وَكَانَتْ عُصْبةٌ مِنْ آلِ عَمْرٍو

إِلَى دِينِ النَّبِيِّ دَعَوْا شِهَابَا

عَزِيزَ ثَمُودَ كُلَّهُمُ جَمِيعًا

فَهَمَّ بِأَنْ يُجِيبَ وَلَوْ أَجَابَا

لأَصْبَحَ صَالِحٌ فِينَا عَزِيزًا

وَمَا عَدَلُوا بِصَاحِبِهِمْ ذُؤَابَا

(1)

الأبيات في ابن جرير (12/ 530)، البداية والنهاية (1/ 134).

ص: 513

إلى آخِرِ الأبياتِ المعروفةِ. فَأَسْلَمَتْ تلك الطائفةُ القليلةُ مع صالحٍ، وَبَقِيَ أكثرُهم في غايةِ الكفرِ والعتوِّ والتمردِ على اللَّهِ. وَلَمَّا أخرجَ لهم الناقةَ أمرَه اللهُ بأن يقولَ لهم: إن بئرَهم التي يشربونَ منها: نهارٌ منها للناقةِ لَا يَشْرَبُ منها غيرُها أبدًا، والنهارُ الثاني لجميعهم يَسْقُونَ مواشيَهم وأنفسَهم وَيَدَّخِرُونَ ما شاؤوا من الماءِ، كما قال:{وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} [القمر: آية 28] وقال: {لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} [الشعراء: آية 155] يَذْكُرُ المؤرخونَ أن يومَ شُرْبِ الناقةِ أنها تأتِي من بَيْنِ الْجَبَلَيْنِ فَتُدْخِلُ رَأْسَهَا في البئرِ ولا تتركُ في البئرِ قطرةً من الماءِ، ثم إنها تُفَرِّجُ فَخِذَيْهَا فيحلبونَ منها كلما شاؤوا فيملؤونَ جميعَ أوعيتِهم، ويدخرونَ من لَبَنِهَا كلما شاؤوا فَيُغْنِيهِمْ ذلك عن الماءِ

(1)

، وَلَبَنُهَا من أصفَى اللبنِ وأعذبِه وأحلاه. فلما طَالَ عليهم ذلك عَقَرُوهَا - والعياذُ بالله - كما جاء في آياتٍ قرآنيةٍ كثيرةٍ، وسببُ عَقْرِهَا يقولُ المفسرونَ والمؤرخونَ

(2)

: إنه كانت فيهم عجوزٌ كافرةٌ، هي امرأةُ ذؤابِ بنِ عمرِو بنِ لبيدٍ، أو ابنِ عمرِو بنِ أسدٍ، هي من أقبحِ الناسِ وأشدِّهم كُفْرًا وَعَدَاوَةً لِصَالِحٍ، تُسَمَّى: عُنيزةَ بنتَ غُنْمٍ، وَتُكْنَى: أُمَّ غنم

(3)

، وكانت ذاتَ بناتٍ حِسَانٍ، وهي زوجُ ذؤابِ بنِ عمرٍو - قَبَّحَهَا اللَّهُ - وأنها جاءت للقبيحِ قُدارِ بنِ سالفٍ - وكان قُدارُ بنُ سالفٍ قصيرًا أَحْمَرَ، أزرقَ العينين عزيزًا في قومِه، وجاء في الحديثِ وَصْفُهُ بأنه

(1)

انظر: ابن جرير (12/ 530 - 531).

(2)

انظر: تفسير ابن جرير (12/ 531)، البداية والنهاية (1/ 135).

(3)

في البداية والنهاية (1/ 135): «عنيزة بنت غنيم بن مجلز وتكنى: أم عثمان» .

ص: 514

عارمٌ عزيزٌ في قومِه

(1)

.

والعارمُ: شديدُ الشرِّ - وقالت له: إن أنتَ عقرتَ هذه الناقةَ أعطيتُك أَيَّ بَنَاتِي شِئْتَ. وكان عندها بناتٌ حِسَانٌ، ذواتُ جمالٍ، ويزعمونَ أن امرأةً منهم أخرى تُسَمَّى: صدقةَ أو صدوقَ

(2)

بنتَ الْمُحَيَّا، وكانت ذاتَ جمالٍ بارعٍ، وَكِلْتَا المرأتين لهما أغنامٌ وآبال وأبقارٌ كثيرةٌ، وكانت الناقةُ لِعِظَمِهَا إذا رأتها مواشيهم تَفِرُّ منها خوفًا منها، وكانت الناقةُ زمنَ الصيفِ تخرجُ عن حرِّ الوادي، فإذا رَأَتْهَا مواشيهم نَفَرَتْ منها واضطُرت إلى حرِّ الوادي، وإذا كان في الشتاءِ دَخَلَتِ الناقةُ في الوادي لِتَتَدَفَّأَ به، فنفرت منها مواشيهم، فتضرروا بذلك، وكانوا يتمنونَ عَقْرَهَا. وأكثرُ المفسرين يقولونَ: إن السببَ فيه هاتانِ المرأتانِ، وأنَّ قُدارَ بنَ سالفٍ - لَمَّا أَغْرَتْهُ الخبيثةُ عنيزةُ بنتُ غنمٍ - قَبَّحَهَا اللَّهُ - وَخَيَّرَتْهُ في بناتِها مع جَمَالِهِنَّ إن هو عَقَرَ الناقةَ - انتدبَ واحدًا من قومِه يُسَمُّونَهُ مصدعَ، وأن هذين الرَّجُلَيْنِ اتَّبَعَهُمَا سبعةٌ من قومِهم فصاروا تسعةً، وأنهم هم المذكورونَ في سورةِ النملِ:{وَكَانَ فِي المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48)} [النمل: أية 48] وأنهم ذهبوا إلى الناقةِ وَكَمِنُوا لها يومَ شُرْبِهَا عندما صَدَرَتْ من الماءِ، والمؤرخونَ يزعمونَ أنها لا يمكنُ أن تصدر من الفجِّ الذي جاءت منه لِعِظَمِهَا

(3)

؛ لأنها يصعب عليها أن تَنْثَنِيَ، فتطلع من فَجٍّ آخَرَ، فكمنوا لها وهي صادرةٌ

(1)

أخرجه البخاري في التفسير (تفسير سورة والشمس وضحاها) حديث رقم (4942)(8/ 705)، وأطرافه (3377، 4942، 5204، 6042).

(2)

في البداية والنهاية (صدوق)(1/ 135)، وفي تفسير ابن جرير (12/ 531):(صدوف).

(3)

انظر: تفسير ابن جرير (12/ 535)، البداية والنهاية (1/ 135).

ص: 515

من الماءِ. يقولُ المفسرونَ والمؤرخونَ

(1)

:

إن مصدعَ كَمَنَ لها في أصلِ صرفٍ وَكَمَنَ قدارُ بنُ سالفٍ في صخرةٍ أخرى، فَمَرَّتْ بهما الناقةُ فرماها مصدع فانتظمَ بسهمِه عَضَلَتَهَا، ثم مرت على قدارِ بنِ سالفٍ يزعمونَ أن الخبيثةَ - المرأةَ - كَشَفَتْ له عن بنتِها الجميلةِ وَحَرَّضَتْهُ على عقرِ الناقةِ فضربَ عرقوبَها فَسَقَطَتْ، فضربَ في لُبَّتِهَا فنحرها، وأنهم اقتسموا لَحْمَهَا.

واختلفت رواياتُ المؤرخين والمفسرين في الفصيلِ

(2)

، ولا شيءَ في ذلك ثابتٌ، فمنهم مَنْ يقولُ: إن مصدعًا تَبِعَهُ فأخذه وَنَحَرَهُ معها واقتسموا لحمَه مع لَحْمِهَا. ومنهم مَنْ يقول: إنه رَغَا مَرَّاتٍ، وصار فوقَ جبلٍ، وانفتحت له صخرةٌ فدخل فيها، حتى إن قومًا ليزعمونَ أنه هو الدابةُ التي تأتِي في آخِرِ الزمانِ! وَكُلُّ ذلك قصصٌ لَا مُعَوَّلَ عليها ولا ثبوتَ لها. واللهُ أعلمُ بقصةِ الفصيلِ؛ لأنَ القرآنَ لم يُبَيِّنْ ماذا كان مصيرُه، ولم يُبَيِّنْهُ ولم يثبت خبره بوحيٍ صحيحٍ، وإنما هي رواياتٌ يَحْكِيهَا المؤرخونَ والمفسرونَ.

فَلَمَّا عقروا الناقةَ - والعياذُ بالله - والذي تَوَلَّى عقرها قدارُ بنُ سالفٍ - قَبَّحَهُ اللهُ - هو أَشْقَى الأَوَّلِينَ، ويُزعَمُ أن أصلَه ابنُ زَنْيَةٍ، وُلِدَ على فراشِ سالفٍ، وهو خبيثٌ أحمرُ أزرقُ، عزيزٌ في قومِه عَارِمٌ، أنه لَمَّا عقروها -والقرآنُ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ عقرِهم لها- فبيَّن أن عاقرَها واحدٌ، وأسندَ عقرَها للجميعِ حيث قال:{فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29)} [القمر: آية 29] وقال في آياتٍ كثيرةٍ إن الذي عَقَرَهَا الجميعُ كقولِه: {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ} [الأعراف:

(1)

انظر: تفسير ابن جرير (12/ 531) ..

(2)

انظر: تفسير ابن جرير (12/ 533)، البداية والنهاية (1/ 135).

ص: 516

آية 77] وكقولِه: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا} [الشمس: الآيات 11 - 14] إلى غيرِ ذلك من الآياتِ

(1)

. وأجابَ العلماءُ عن أن اللَّهَ مرةً نَسَبَ العقرَ إلى واحدٍ وهو قولُه: {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29)} وتارةً نَسَبَ العقرَ إلى الجميعِ، قالوا: لأنهم كُلَّهُمْ مُتَمَالِئُونَ، وأنه لم يذهب لعقرِها حتى اتَّفَقَ جميعُهم، حتى إنه لَيَسْتَأْذِنُ المرأةَ في خِدْرِهَا فتقولُ: نَعَمْ. فَوَافَقُوا جميعًا على عقرها، والمتمالئون على شيءٍ، المتفقونَ عليه، كأنهم فَعَلُوهُ كُلُّهُمْ، وإن كان المباشرُ واحدًا منهم. هكذا قَالَهُ بعضُ العلماءِ، مع أن عادةَ اللغةِ العربيةِ إسنادُ الفعلِ للناسِ وفاعلُه بعضُهم

(2)

، وهو معروفٌ في كلامِ العربِ، وكثيرٌ في القرآنِ العظيمِ، ومما يُوَضِّحُهُ كناية الإيضاحِ: قراءةُ

(3)

حمزةَ والكسائيِّ {فَإِن قَتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ}

(4)

[البقرة: آية 191] لأنه لا يَصِحُّ أنه إن قتلوكم ومتم فاقتلوهم بعدَ أن قُتِلْتُمْ ومتم. هذا ليس من المعقول!

والمعنَى: فإنا قَتَلُوا بعضَكم فليقتلهم البعضُ الآخَرُ، فَأَطْلَقَ [الكلَّ وأرادَ البعضَ]

(5)

. وهذا كثيرٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ ابنِ مطيعٍ يومَ حرةِ واقمٍ لَمَّا جاءت جيوشُ يزيدَ بنِ معاويةَ يرأسُها (مجرم) الذي يُسَمَّى: مسلمَ بنَ عقبةَ، وفعلوا بالمدينةِ ما فَعَلُوا، وكان الشاعرُ يقولُ

(6)

:

(1)

راجع المصدرين السابقين.

(2)

انظر: الأضواء (2/ 324 - 325).

(3)

مضى عند تفسير الآية (72) من سورة البقرة.

(4)

السابق.

(5)

في الأصل: «فأطلق البعض وأراد الكل» . وهو سبق لسان.

(6)

مضى عند تفسير الآية (72) من سورة البقرة.

ص: 517

فَإِنْ تَقْتُلُونَا عِنْدَ حَرَّةِ وَاقِمٍ

فَلَسْنَا عَلَى الإِسْلَامِ أَوَّلَ مَنْ قُتِلْ

فقولُه: «فإن تَقْتُلُونَا» لو كان هو ميتًا مقتولاً لَمَا كان حَيًّا يُرزَق يقولُ الشعرَ، وإنما المرادُ: فإن تقتلوا بعضَنا.

فَلَمَّا عقروا الناقةَ واقتسموا لَحْمَهَا، قيل: وكذلك فصيلها. وقيل: دَخَلَ فصيلُها في الصخرةِ فَانْفَرَجَتْ له. ويزعم بعضُ المؤرخين: أن صَالِحًا لَمَّا عَلِمَ أنهم عقروها قال لهم: أَدْرِكُوا فَصِيلَهَا لعلَّ اللهَ يكشفُ عنكم العذابَ. وأنهم لم يستطيعوا أن يُدْرِكُوهُ، فلما أَخْبَرُوا نَبِيَّهُمْ صالحًا قال لهم ما حَكَى اللهُ عنه:{فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود: آية 65] يعنِي: لكم متعةُ ثلاثةِ أيامٍ وبعدَ اليومِ الثالثِ يأتيكم العذابُ الْمُسْتَأْصِلُ. قالوا له: وما علامةُ ذلك؟ يذكرُ المفسرونَ والمؤرخونَ أنه قال لهم: تُصْبِحُونَ في اليومِ الأولِ وألوانُكم مُصْفَرَّةٌ، ثم في اليومِ الثانِي تحمرُّ ألوانُكم، ثم في اليومِ الثالثِ تسودُّ ألوانُكم، ثم في اليومِ الرابعِ يأتيكم عذابُ اللهِ المستأصلُ فيهلككم اللهُ. هكذا يقولونَ.

ويزعمُ المفسرونَ والمؤرخونَ: أن عَقْرَ الناقةِ كان يومَ الأربعاءِ - وكانوا يسمونَ الأيامَ بغيرِ هذه الأسماءِ المعروفةِ - فلما كان يومُ الخميسِ أصبحت وجوهُهم مُصْفَرَّةً، وصار بعضُهم يقولُ لبعضٍ: أَلَا ترى هذه الصفرةَ التي في وَجْهِكَ؟ فعلموا بالهلاكِ، وَأَيْقَنُوا صِدْقَ النبيِّ صالحٍ، فلما كان يومُ الجمعةِ - فيما يزعمونَ - أصبحت ألوانُهم مُحْمَرَّةً، فازدادوا يقينًا بالهلاكِ، فلما كان يومُ السبتِ أصبحت ألوانُهم مُسْوَدَّةً

(1)

. وبعضُ أهلِ العلمِ يقولُ: هو اليومُ الثالثُ

(1)

انظر: تفسير ابن جرير (12/ 535)، البداية والنهاية (1/ 136).

ص: 518

من عَقْرِهَا، فهلاكُهم يومُ السبتِ. وبعضُهم يقولُ: هو صبيحةُ الأحدِ. وَلَمَّا أَيْقَنُوا بالهلاكِ يزعمونَ أنهم تَحَنَّطُوا بالأشياءِ المصبِّرةِ، ولبسوا الأشياءَ التي هي كالأكفانِ مستعدينَ للهلاكِ، فلما ارْتَفَعَتْ شمسُ اليومِ بعدَ اليومِ الثالثِ جاءتهم الصيحةُ، سَمَّاهَا اللهُ في آياتٍ صيحةً، كما قال:{وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [هود: آية 67] والمرادُ بهم قومُ صالحٍ، وَسَمَّاهَا هنا رجفةً فقال:{فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78)} [الأعراف: آية 78] ولا منافاةَ بَيْنَ تسميتِها صيحةً وتسميتِها رجفةً؛ لأَنَّ الصيحةَ يصيحُ بهم الملكُ من فوقِهم نازلاً من السماءِ، فإذا صَاحَ بهم رَجَفَتْ بهم الأرضُ وَارْتَعَدَتْ من شدةِ صيحةِ الملكِ، فَفَارَقَتْ أرواحُهم أبدانَهم فلم يَبْقَ منهم دل ولا مجيبٌ والعياذُ باللهِ جل وعلا

(1)

.

وهذا معنَى قولِه: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً} [الأعراف: آية 73]{آيَةً} : حالٌ مقدَّرةٌ، والعاملُ فيها معنَى الإشارةِ، أُشِيرَ إليها في حالِ كونِها آيةً. أي علامةً واضحةً على أنِّي نَبِيٌّ مُرْسَلٌ من اللَّهِ جِئْتُكُمْ. والتحقيقُ: أنها إنما كانت آيةً لانْفِلَاقِ الصخرةِ عنها، كما قال تعالى:{وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} ثم قال: {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَاّ تَخْوِيفًا} [الإسراء: آية 59] خِلَافًا لمن زَعَمَ أن كونَها آيةً: عِظَمُهَا، وأنها تشربُ البئرَ كُلَّهَا، ولا توجدُ ناقةٌ من إبلِ الدنيا تشربُ بِئْرًا كُلَّهَا وحدَها في وقتٍ واحدٍ!! وخلافًا لِمَنْ زعم أن كونَها آيةً: كثرةُ ما يُحْلَبُ منها من اللبنِ؛ لأنها يُحْلَبُ بها من اللبنِ ما يَسَعُ خلائقَ كثيرةً، كل هذا قيل به، والأظهرُ هو ما عليه جمهورُ المفسرينَ، ويدلُّ

(1)

انظر: البداية والنهاية (1/ 136)، الدر المصون (5/ 369)، الأضواء (2/ 325).

ص: 519

عليه ظاهرُ القرآنِ أنها معجزةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ لِنَبِيِّهِ صالحٍ، وهذا معنَى قولِه:{فَذَرُوهَا تَأكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ} [الأعراف: آية 73].

{فَذَرُوهَا} معناه: اتْرُكُوهَا {تَأكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ} ؛ لأن الأرضَ التي تأكلُ فيها ليست لكم، والعُشْب الذي تَأْكُلُهُ ليس من إِنْبَاتِكُمْ، بل هي أرضُ رَبِّهَا، والنباتُ الذي أنْبَتَهُ مَنْ خَلَقَهَا، فليست الأرضُ لكم، ولستُم أنتم الذين أَنْبَتُّمْ النباتَ {فَذَرُوهَا تَأكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ} أي: لا تَتَعَرَّضُوا لها بشيءٍ فيه سوءٌ: من عَقْرٍ، ولا نَحْرٍ، ولَا طَرْدٍ، ولَا مَنْعِهَا من نصيبِها من الماءِ، إلى غيرِ ذلك.

{فَيَأخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فهذه فاءُ السببيةِ، والمضارعُ منصوبٌ بـ (أن) مضمرةٍ بعدَها يجبُ حَذْفُهَا، والمعنَى: لا تَمَسُّوهَا بسوءٍ فيتسببُ عن ذلك أن يأتيَكم عذابٌ أليمٌ. والأليمُ معناه: الْمُؤْلِمُ. والصحيحُ: أن (الفعيل) في لغةِ العربِ تأتِي بمعنَى (المُفْعِل) وما يذكرُه بعضُ علماءِ العربيةِ عن الأصمعيِّ من إنكارِه إتيانَ (الفَعِيْل) في اللغةِ بمعنَى (المُفْعِل) وَاغْتَرَّ به بعضُ المفسرين فقال: أليمٌ معناه: مُتَأَلَّمٌ منه، فجعلَه بصيغةِ اسمِ المفعولِ. كُلُّ ذلك غيرُ صحيحٍ، بل غَلَطٌ، والتحقيقُ: أن (الفَعِيل) تأتِي في اللغةِ العربيةِ بمعنَى (المُفْعِل)

(1)

كقولِه: {عَذَابٌ أَلِيمٌ} بمعنَى: مُؤْلِمٍ. ومنه قولُ الشاعرِ

(2)

:

وَنَرْفَعُ مِنْ صُدُورِ شَمَرْدَلَاتٍ

يَصُكُّ وُجُوهَهَا وَهَجٌ أَلِيمُ

(1)

انظر: تفسير الألوسي (1/ 150)، التحرير والتنوير (1/ 282).

(2)

البيت لذي الرمة. وهو في الكامل للمبرد (1/ 260). والشمردلات: الإبل الطوال. ونرفع: أي: نستحثها في السير. والوهج: الحر الشديد.

ص: 520

أَيْ: وهجٌ مُؤْلِمٌ. ومنه بهذا المعنَى قولُه تعالى: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي: منذرٌ. فالنذيرُ بمعنَى الْمُنْذِرِ. وقولُ عمرِو بنِ معدِ يكربَ الزبيديِّ في مطلعِ عَيْنِيَّتِهِ المشهورةِ

(1)

:

أَمِنْ رَيْحَانَةِ الدَّاعِي السَّمِيعِ

يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ

فقولُه: «السميع» يعنِي: الدَّاعِي الْمُسْمِع. فأطلق على المسمعِ السميعَ.

ومنه قولُه فيها أيضا

(2)

:

وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍٍ

تَحِيَّةُ بَيْنَهُمْ ضَرْبٌ وَجِيْعُ

أي: ضَرْبٌ مُوجِعٌ. فهذا هو التحقيقُ.

{وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ} فيتسببُ عن مَسِّكُمْ إياها بالسوءِ أن يأتيكَم {عَذَابٌ أَلِيمٌ} العذابُ: نكالُ اللهِ (جلَّ وعلا) الذي يأتِي به لِمَنْ يستحقُّه بسببِ ارتكابِ الذنبِ. {عَذَابٌ} من اللهِ {أَلِيمٌ} أي: مُؤْلِمٌ، وهذا معنَى قولِه:{فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ} .

قولُه: {تَأْكُلْ} المضارعُ مجزومٌ بجوابِ الأمرِ، ويجوزُ رَفْعُهُ، إلا أنَّ عَامَّةَ مَنْ يُعْتَدُّ به من القراءِ على الجزمِ، وأكثرُ علماءِ العربيةِ: أن المضارعَ المجزومَ في جوابِ الطلبِ أن أصلَه مجزومٌ بجملةٍ شرطيةٍ محذوفةٍ

(3)

وتقريرُ المعنَى: إن تَذَرُوهَا تَأْكُلْ في أرضِ اللهِ. وهذا معنَى: {فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ} يعنِي: إن تَتْرُكُوهَا وتذروها تأكلْ في أرضِ اللهِ.

(1)

البيت في الأصمعيات ص172، الشعر والشعراء لابن قتيبة ص240، (شرح الكافية الشافية) لابن مالك (2/ 1034).

(2)

البيت في الكتاب لسيبويه (2/ 323)، الدر المصون (2/ 47).

(3)

مضى عند تفسير الآية (69) من سورة البقرة.

ص: 521

ومعنَى قولِه: {وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ} أي: بأيِّ أَذًى من أنواعِ الأَذَى، من عَقْرٍ، أو نَحْرٍ، أو ضَرْبٍ، أو تَنْفِيرٍ، أو مَنْعٍ من المرعى، أو مَنْعِ نَصِيبِهَا من الماءِ {فَيَأخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .

ثم إن نَبِيَّ اللهِ صالحًا ذكَّر قومَه أيضًا بِنِعَمِ اللهِ قال: {فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ} [الأعراف: آية 74] أي: نِعَمَ اللهِ {إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ} يعني: في الأرضِ من بعد عَادٍ، مثلما قال [هود]

(1)

لقومِه: {إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف: آية 69] وهذا قَرَّرْنَاهُ فيما مَضَى، أي: أَهْلَكَهُمْ وجعلكم مُسْتَخْلَفِينَ في الأرضِ بعدَهم تتمتعونَ فيها. واستدلَّ بعضُ العلماء

(2)

بهذه الآياتِ على أن الكافرَ يصدقُ عليه أنه مُنَعَّمٌ عليه في الدنيا؛ لأن نَبِيَّ اللهِ هودًا - وهو هو - قال لقومِه: {فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ} فصرَّح بأن لله عليهم نِعَمًا في الدنيا، وكذلك قال نَبِيُّ اللهِ صالحٌ:{فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ} فَبَيَّنَ كُلٌّ مِنْ هودٍ وصالحٍ أن لله في الدنيا على الكفرةِ آلاء وَنِعَمًا بما أعطاهم من الرزقِ والعافيةِ ورغدِ العيشِ والتمتعِ بلذاتِ الدنيا، هذه الآياتُ دَلَّتْ على هذا.

وقال بعضُ العلماءِ: لا نعمةَ على الكافرِ أَصْلاً؛ لأن هذا استدراجٌ، واللهُ يقولُ:{سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183)} [الأعراف: الآيتان 182، 183] فمنزلتُه منزلةُ الطعامِ اللذيذِ الذي فيه السمُّ الفتاكُ القاتلُ، فشربُه ليس بلذيذٍ، والإنعامُ به ليس بإنعامٍ!! وظاهرُ القرآنِ أَوْلَى بالإتباعِ؛ لأَنَّ اللهَ سمَّى

(1)

في الأصل: نوح. وهو سبق لسان.

(2)

انظر: القرطبي (4/ 330)، (7/ 240).

ص: 522

هذه آلاء ونعمًا عليهم على ألسنةِ رسلِه الكرامِ (صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم)، وهذا معنَى قولِه:{وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ} .

{وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ} [الأعراف: آية 74] العربُ تقولُ: (بَوَّأَهُ يُبَوِّئه) إذا جَعَلَ له مباءة. والمباءةُ في لغةِ العربِ: المنزلُ. تقولُ العربُ: (بَوَّأَهُ يُبَوِّئُهُ) أي: اتَّخَذَ له مباءةً، أي: منزلاً. وتَبَوَّأَ الرجلُ يَتَبَوَّأ: اتخذَ مباءةً، أي: منزلاً. والمبوَّأ: هو المنزلُ

(1)

. وهذا كثيرٌ في القرآنِ وفي كلامِ العربِ، فَمِنْهُ في القرآنِ:{وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ} [الزمر: آية 74] أي: نَتَّخِذُ من مباءاتها ومنازلِها حيث نشاءُ: {لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا} [العنكبوت: آية 58] أي: لَنَجْعَلَنَّ الغرفَ مباءاتٍ ومنازلَ لهم. وهذا في القرآنِ كثيرٌ {وَلَقَدْ بَوَّأنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ} [يونس: آية 93] أي: أَنْزَلْنَاهُمْ مُنْزَلاً كَرِيمًا طَيِّبًا كما هو معروفٌ، وهذا كثيرٌ في القرآنِ. ومن إطلاقِه في كلامِ العربِ قولُ عمرِو بنِ معدِ يكربَ الزبيديِّ

(2)

:

كَمْ مِنْ أَخٍ لِي مَاجِدٍ

بَوَّأْتُهُ بِيَدَيَّ لَحْدَا

أَيْ: جَعَلْتُ اللحدَ مباءةً ومنزلاً له عند موتِه. وهذا معروفٌ، وهذا معنَى قولِه:{إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ} [الأعراف: آية 74] أَيْ: جَعَلَ في الأرضِ لكم مباءاتٍ ومنازلَ متنوعةً، منها ما تَتَبَرَّدُونَ به في الصيفِ، ومنها ما تستدفئونَ به في

(1)

انظر: المفردات (مادة: باء) ص158، اللسان (مادة: بوأ) (2/ 283 - 284).

(2)

البيت في الكامل (3/ 1377)، الدر المصون (3/ 379)، شواهد الكشاف ص32، وشطره الأول في هذه المصادر:«كم من أخ لي حازم» . سوى شواهد الكشاف إذ فيه: «صالح» .

ص: 523

الشتاءِ، وهذا معنَى قولِه:{وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ} هي بَيْنَ الحجازِ والشامِ من وادِي القُرَى فما حَوْلَهُ، كانت ديارُهم هناك. {تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا} السهولُ: جمعُ سَهْلٍ، وهو المكانُ المنخفضُ المستوي الذي لا وَعْرَ فيه. أي: تتخذونَ من أَمْكِنَتِهَا السهلةِ التي ليست بجبالٍ قصورًا، تَبْنُونَ تلك القصورَ من سَهْلِ الأرضِ مِمَّا توقدونَ عليه من آجُرها وطينِها وتؤسسونها بالحجارةِ، وكانوا في الصيفِ يسكنونَ القصورَ المبنيةَ من الآجُرِّ والطينِ؛ لأنها أشدُّ برودةً.

{وَتَنْحِتُونَ الجِبَالَ بُيُوتًا} نحتُ الشيءِ: هو أن تنحته شيئًا فشيئًا، ومنه قيل للمِبْرَدِ:(مِنْحَتٌ) لأنه ينحتُ الشيءَ، ومعنَى نحتهم الجبالَ: أنهم يأخذونَ آلات حديد - وكانت سواعدُهم قويةً جِدًّا - فيحفرونَ في الجبلِ، حتى يجعلوا فيه أُوب البيوتِ، ثم يقطعونَ لها أبوابَها وطاقاتِها من نفسِ الجبلِ، ثم تكونُ تلك الأبوابُ والغرفُ والطاقاتُ كُلُّهَا من الجبالِ، يَنْحِتُونَهَا بالحديدِ بقوةِ أيديهم نَحْتًا، إذا اشتدَّ البردُ زمنَ الشتاءِ دَخَلُوهَا فكانت لشدةِ استدفائِها لا يحسونَ بالبردِ شيئًا، وهذا من نِعَمِ اللَّهِ عليهم.

وقرأَ هذا الحرفَ جماهيرُ القراءِ: {وَتَنْحِتُونَ الجِبَالَ بُيُوتًا} بكسرِ باءِ: (بيوت) لِمُجَانَسَةِ الياءِ. وقرأه بضمِّ الباءِ على الأصلِ: {بُيُوتًا} أبو عمرٍو، وحفصٌ عن عاصمٍ، وورشٌ عن نافعٍ. لم يَقْرَأْهُ مِنَ القراءِ السبعةِ على الأصلِ:{بُيُوتًا} إلا عاصمٌ في روايةِ حفصٍ خاصةً، ونافعٌ في روايةِ ورشٍ خاصةً، وأبو عمرٍو. وغيرُ ذلك من سائرِ القراءِ قرؤوا:{وتَنْحِتونَ الجبال بِيوتًا}

(1)

أي: تنحتونَ من

(1)

انظر: إتحاف فضلاء البشر (2/ 54).

ص: 524

الجبالِ بيوتًا ينحتونها في الجبال.

وقراءةُ الحسنِ شاذةٌ: {تَنْحَتُونَ من الجِبَال بيوتًا}

(1)

وإن كانت قياسيةً؛ لأن (فَعَل) إذا كانت حلقيةَ العينِ أو اللامِ يقاسُ في مضارعِها الفتحُ

(2)

، إلا أن السماعَ (تَنْحِتُونَ) بالكسرِ، وهي قراءةُ السبعةِ وغيرِهم؛ وقراءةُ الحسنِ:«تَنْحَتونَ» شاذةٌ، وأشذُّ منها قراءةُ مَنْ قَرَأَ:{تَنْحاَتُونَ} بإشباعِ الفتحةِ، فهذه قراءةٌ شاذةٌ جِدًّا، أشذُّ من الأُولَى فـ (تَنْحَتُونَ) بفتحِ الحاءِ شاذةٌ، وإشباعُ الفتحةِ أَلِفًا أَشَذُّ وَأَشَذُّ، وإن كان إشباعُ الفتحةِ بألفٍ يسوغ في كلامِ العربِ، هو مسموعٌ في كلامِ العربِ، إلا أنه لَا يجوزُ قراءةً، وهو موجودٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ عبدِ يغوثَ بنِ وقاصٍ

(3)

:

وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ

كَأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا

فَأَشْبَعَ الفتحةَ بالأَلِفِ، وأصلُ الفعلِ مجزومٌ، فالأصلُ:«تَرَ» بلا أَلِفٍ، أشبعَ الفتحةَ أَلِفًا. وقول الآخَرِ

(4)

:

إِذَا الْعَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ

وَلَا تَرَضَّاهَا وَلَا تَمَلَّقِ

الأَصْلُ: (ولَا ترضَّها) فأُشْبِعَتِ الفتحة. ومنه في وسط الكلامِ قولُ عنترةَ في معلقتِه

(5)

:

(1)

المصدر السابق (2/ 53)، القرطبي (7/ 239)، البحر المحيط (4/ 329)، الدر المصون (5/ 364).

(2)

انظر: القرطبي (7/ 239).

(3)

البيت في المحتسب (1/ 69)، المفضليات ص158.

(4)

البيت لرؤبة، وهو في الخصائص (1/ 307)، اللسان (مادة: رضي) (1/ 1179).

(5)

ديوان عنترة ص122.

ص: 525

يَنْبَاعُ مِنْ ذِفْرَيْ غَضُوبٍ جَسْرَةٍ

زَيَّافَةٍ مِثْلَ الْفَنِيقِ الْمُكْدَمِ

فقولُه: (ينباع) أصلُه: (يَنْبَع) يعنِي: أن العرقَ ينبعُ من عَظْمِ ذِفراها، وهو العظمُ الذي خَلْفَ أُذُنِهَا، أصلُه يسيلُ منه العرقُ من الإبلِ إذا سَارَتْ سيرًا شديدًا.

وقراءةُ الجمهورِ هي التي يجوزُ القراءةُ بها {تَنْحِتُونَ الْجِبَالَ} جمع جبلٍ. {بُيُوتًا} جمع بيتٍ. قرأه حفصٌ عن عاصمٍ، وورشٌ عن نافعٍ، وأبو عمرٍو:{بُيُوتًا} بضمِّ الباءِ على الأصلِ

(1)

: جمعُ بيتٍ، والبيتُ هو ما يُسْكَنُ فيه، سُمِّيَ بيتًا لأَنَّ الساكنَ يبيتُ فيه.

{فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ} أي: نِعَمَ اللَّهِ عليكم حيث جعلكم خلفاءَ في الأرضِ من بعدِ عادٍ ويسَّر لكم القصورَ في سهولِها، وَيَسَّرَ لكم نحتَ الجبالِ في نفسِ الجبالِ لِتَنَالُوا من بردِ السُّكْنَى زمنَ الحرِّ، ومن الاستدفاءِ زمنَ البردِ، وَكُلُّ هذا نعمُ اللَّهِ وآلاؤُه عليكم. وهذا معنَى قولِه:{فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ} أي: نِعَمَهُ التي أَنْعَمَهَا عليكم.

وكان بعضُ العلماءِ يقولُ

(2)

: هذه الآيةُ الكريمةُ تدلُّ على بناءِ القصورِ الشامخاتِ لأَنَّ اللهَ امْتَنَّ عليهم على لسانِ نَبِيِّهِمْ، بأنهم يتخذونَ القصورَ. وقد جاء عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ما يدلُّ في ظواهرَ كثيرةٍ من الشرعِ أنه لا ينبغي للإنسانِ أن يتطاولَ في البنيانِ وَيَبْنِيَ فوقَ حاجتِه وَيُضَيِّعَ المالَ في ذلك، فينبغي للإنسانِ أن يبنيَ قدرَ حاجتِه وألا يضيعَ المالَ فيما يزيدُ على قدرِ حاجتِه من القصورِ الشامخةِ، ولاسيما إن كان ذلك على سبيلِ المباهاةِ والتفاخرِ فلا خيرَ

(1)

راجع ما تقدم قريبًا.

(2)

انظر: القرطبي (7/ 239).

ص: 526

فيه.

وأكثرُ العلماءِ على أنه لا يمنعُ الرجل أن يبنيَ بيتًا ليستغلَّه فيؤجرَه ويأخذَ منه؛ لأنه من أنواعِ التجاراتِ وابتغاءِ فضلِ اللَّهِ - جل وعلا - وكذلك ما يحتاجُ إليه هو وَمَنْ يَعُولُهُ، فهذا من الأمورِ الضروريةِ.

وقولُه جل وعلا: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ

} العِثِيُّ والعثوُّ معناهما: الفسادُ. وهذه الحالُ مؤكدةٌ عاملها؛ لأن معنَى: {وَلَا تَعْثَوْا} لا تُفْسِدُوا. فـ (مفسدون) حالٌ مؤكدةٌ لعامِلِها، والحالُ قد تؤكدُ عاملَها فيكونُ معناها هو معنَى عاملها، وإلى هذه بعينِها أشارَ ابنُ مالكٍ في الخلاصةِ بقوله

(1)

:

وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا

فِي نَحْوِ لَا تَعْثَ فِي الأَرْضِ مُفْسِدَا

معناها: لا تُفْسِدُوا في الأرضِ في حالِ كونِكم مُفْسِدِينَ، فالحالُ مؤكدةٌ لعاملِها، والمقصودُ تأكيدُ النهيِ عن الفسادِ في الأرضِ بالإشراكِ بالله وعبادةِ غيرِه معه، وأذيةِ مَنْ أَسْلَمَ من قومِ صالحٍ، وتكذيبِ نَبِيِّ اللهِ صالحٍ، إلى غيرِ ذلك من أنواعِ الفسادِ.

{قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَاّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: الآيات 75 - 79].

(1)

الخلاصة ص33.

ص: 527

قرأ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدا ابنَ عامرٍ قارئَ أهلِ الشامِ: {قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} بلا واوٍ، وقرأه ابنُ عامرٍ وحدَه:{وقال الملأ الذين اسْتَكْبَرُوا} بالواو. وفي المصاحفِ الشاميةِ هذه الواوُ. وهما قراءتانِ سبعيتانِ

(1)

، إحداهما بالواوِ والثانيةُ بلا واوٍ، وكونُ بعضِ الحروفِ الصحيحةِ يزيدُ فيه حرفٌ أو كلمةٌ وينقصُ ذلك الحرفُ أو الكلمةُ في قراءةٍ أخرى لأَجْلِ هذا السببِ بعينه كان عثمانُ بنُ عفانَ رضي الله عنه وأرضاه) وَمَنْ معه من الصحابةِ في جَمْعَةِ المصحفِ الأخيرةِ التي جَمَعَهَا عثمانُ رضي الله عنه عَدَّدُوا نسخَ المصاحفِ العثمانيةِ ليمكن أن تكونَ نسخةٌ فيها هذه الواوُ ونسخةٌ عارية من هذه الواوِ، والجميعُ كأنه نسخةٌ واحدةٌ، إلا أنهم نَوَّعُوهَا وَعَدَّدُوهَا ليمكنَ أن تأتيَ جميعُ القراءاتِ مطابقةً لها.

{قَالَ الْمَلأُ} قَدَّمْنَا أن الملأَ أشرافُ الجماعةِ ورؤساؤهم الذكورُ الذين ليس فيهم إناثٌ.

{الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} أي: تَكَبَّرُوا وَعَتَوْا ولم يؤمنوا استكبارًا عن الإيمانِ {مِنْ قَوْمِهِ} أي: مِنْ قومِ صالحٍ، وهم ثمودُ قالوا {لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} وكان جُلُّ مَنْ آمَنَ بصالحٍ

- قبلَ أن يؤمنَ جندعُ بنُ عمرٍو وَمَنْ آمَنَ معه - كان أغلبُهم ضعافًا؛ لأَنَّ اللهَ أجرى العادةَ بأن أكثرَ أتباعِ الأنبياءِ: الضعفاءُ، وأكثرَ مَنْ عادى الأنبياءَ وأكثرَ أهلِ النارِ: أهلُ الترفِ في الدنيا والمكانةِ والمالِ والجاهِ. والسرُّ في ذلك: أن المساكينَ الضعافَ لا يُحَارِبُونَ عن رئاسةٍ، ولا يستنكفونَ أن يكونوا تَبَعًا، فإذا سَمِعُوا الحقَّ آمَنُوا به، أما الرؤساءُ فإنهم

(1)

انظر: السبعة لابن مجاهد ص284، إتحاف فضلاء البشر (2/ 54).

ص: 528

لا يَرْضَوْنَ أن يكونوا تَبَعًا، وأن يكونوا مرؤوسين غيرَ رؤساءَ، فيجادلوا لتبقَى لهم مكانتُهم ورئاستُهم؛ لأنهم إن أطاعوا الرسلَ كانوا تَبَعًا تحتَ أوامرِ الرسلِ لَا رئاسةَ لهم ولا سيادةَ؛ ولذا في قصةِ هرقلَ الثابتةِ في الصحيحِ لَمَّا سألَ أبا سفيانَ السؤالاتِ المعروفةَ - المشهورةَ الثابتةَ في الصحيحِ - عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ جُمْلَتِهَا أن قال له: أشرافُ الناسِ يتبعونَه أم ضعفاؤُهم؟ فقال أبو سفيانَ: بل ضعفاؤُهم، قال هرقلُ: أولئك أتباعُ الرسلِ

(1)

. كما هو معروفٌ.

{قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} أي: الرؤساءُ والقادةُ من قبيلةِ ثمودَ الذين تَكَبَّرُوا عن الإيمانِ وإجابةِ نَبِيِّ اللهِ صالحٍ {لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} أي: للضعفاءِ المستضعفين. وقولُه: {لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} بدلٌ مِنْ قولِه: {لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} أي: المستضعفينَ، أعنِي خصوصَ المؤمنين من المستضعفين {أَتَعْلَمُونَ} أَتَتَيَقَّنُونَ وتجزمونَ بأن {صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ} وأنه غيرُ كاذبٍ على اللهِ؟ فأجابهم المستضعفونَ أحسنَ جوابٍ وأبلغَه، فلم يقولوا لهم: نَعَمْ نحنُ نجزمُ بأنه مُرْسَلٌ، ولكن جعلوا كونَه مُرْسَلاً أمرًا لا ينبغي أن يُشَكَّ فيه، ولا أن يكونَ النزاعُ ولا الخلافُ فيه، وقالوا:{إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ} إنا مؤمنونَ بالأمرِ الذي أُرْسِلَ به، الذي لا ينبغي أن يُشَكَّ ولا أن يُخْتَلَفَ في أنه حَقٌّ، ولهذه الحكمةِ عَدَلُوا عن أن يقولوا: نَعَمْ، فأجابهم الملأُ الكفارُ المتكبرونَ فقالوا:{إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنْتُمْ بِهِ} من رسالةِ صالحٍ {كَافِرُونَ} جاحدونَ والعياذُ بالله، وهذا معنَى قولِه:{إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} .

(1)

مضى عند تفسير الآية (93) من سورة الأنعام.

ص: 529

فَلَمَّا تَمَرَّدُوا وَطَغَوْا {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ} العربُ تقولُ: عَقَرَ البعيرَ إما قَطَعَ عرقوبَه. هذا أصلُ العقرِ، إذا قطعَ عرقوبَه. وكانت عادةُ العربِ إذا أرادوا أن يَنْحَرُوا الإبلَ ضربوا عراقيبَها بالسيوفِ حتى تسقطَ فينحروها، وصارَ العقرُ يُطلق على النحرِ، وعلى قطعِ العرقوبِ، وعلى كُلِّ جرحٍ في البعيرِ، حتى أنهم إذا جُرِحَ ظهرُه بدَبَرٍ ونحوِه تقولُ العربُ: عَقَرَهُ، وهو معنًى مشهورٌ في كلامِ العربِ

(1)

، ومنه قولُ امرئِ القيسِ في معلقتِه

(2)

:

تَقُولُ وَقَدْ مَالَ الْغَبِيطُ بِنَا مَعًا

عَقَرْتَ بَعِيرِي يَا امْرَأَ الْقَيْسِ فَانْزِلِ

تَعْنِي أنه أَثَّرَ بالدَّبَرِ في ظهرِه. فمعنَى (عقروها): قَتَلُوهَا. وقد بَيَّنَّا قصتَها فيما فَكَّرْنَا الآنَ أن تَيْنَكَ المرأتين الخبيثتين استنفرَا لها ذينك الرجلين وهما: قدار بن سالف، ومصدع، وأنهما استهويَا سبعةً من قومِهم فكانوا تسعةَ رهطٍ، وهم التسعةُ الرهطُ المذكورونَ في سورةِ النملِ، وأن مصدعًا وقدارًا كَمَنَا لها عندَ صدورِها من الماءِ في أصلِ صخراتٍ، فانتظمَ مصدعٌ عضلتَها بسهمِه، وعقرَها قُدارٌ بسيفِه فقطعَ عرقوبَها فسقطت وَرَغَتْ، ثم طَعَنَ في لُبَّتِهَا فنحرها. وهذا معنَى {فَعَقَرُوهَا} بِمُمَالأَةٍ منهم.

{فَعَقَرُوا النَّاقَةَ} هي ناقةُ اللهِ التي أَخْرَجَهَا آيةً لهم: {وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ} العتوُّ: التكبرُ والتمردُ، تمردوا وتكبروا عن قَبُولِ أَمْرِ رَبِّهِمْ، وعقروا الآيةَ التي أجاءهم اللهُ بها معجزةً لِنَبِيِّهِ، ثم قالوا في

(1)

انظر: المفردات (مادة: عقر) ص577، القرطبي (7/ 240)، الدر المصون (5/ 366).

(2)

ديوان امرئ القيس ص113.

ص: 530

غايةِ الكفرِ والعنادِ: {يَا صَالِحُ} سَمَّوْهُ باسمِه وقاحةً منهم واحتقارًا وعدمَ حياءٍ.

{يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} قَرَأَ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ: {يَا صَالِحُ ائْتِنَا} بتحقيقِ الهمزةِ. وقرأه ورشٌ عن نافعٍ وَالسُّوسِيِّ عن أبِي عمرٍو: {وقالوا يا صالحُ اوْتِنَا}

(1)

بإبدالِ الهمزةِ واوًا. أما إذا كان الوقفُ على {يَا صَالِحُ} فجميعُ القراءِ يقرؤونَ: {إيتنا بما تعدنا} بكسرِ الهمزةِ. فالقراءةُ في حالةِ الابتداءِ بـ {إيتنا} متفقٌ عليها إذا وَقَفْتَ فَقُلْتَ: {يَا صَالِحُ} قلتَ: في قراءةِ الجميعِ {إيتنا بما تعدنا} أصلُه {ائتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} أُبْدِلَتِ الهمزةُ الثانيةُ مَدًّا للأُولَى.

وَمَدًّا أَبْدِلَ ثَانِيَ الْهَمْزَيْنِ مِنْ

كِلْمَةٍ إِنْ يَسْكُنْ كَآثِرْ وَائْتَمِنْ

(2)

أما في الوصلِ فعامةُ القراءِ يقرؤون: {يَا صَالِحُ ائْتِنَا} بتحقيقِ الهمزةِ. وقرأَ ورشٌ عن نافعٍ، والسوسيُّ عن أبي عمرٍو:{يَا صَالِحُ اوتِنَا} بإبدالِ الهمزةِ واوًا. هذه قراءةُ السبعةِ في الوصلِ والوقفِ

(3)

.

ومعنَى: {ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} هذا العذابُ الذي تَعِدُنَا به إن تَعَرَّضْنَا للناقةِ بسوءٍ؛ لأنك قلتَ لنا: {وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فقد مَسَسْنَاهَا بسوءٍ، وهاتِ العذابَ الأليمَ الذي تَعِدُنَا به إن كُنْتَ من المرسلين، إن كنتَ رسولاً حقًّا فهاتِ العذابَ الذي

(1)

رُسمت في المصحف المكتوب على وفق رواية ورش عن نافع هكذا: {يَا صَالِحُ إيتِنَا} والنقطة أسفل همزة الوصل تدل على الابتداء بها مكسورة. وقد وُضعت الكسرة قبلها مكان الهمزة التي نُقلت حركتها للساكن قبلها وحُذفت للدلالة على الابتداء بهمزة مضمومة.

(2)

مضى عند تفسير الآية (53) من سورة البقرة.

(3)

انظر: البحر المحيط (4/ 331)، الدر المصون (5/ 367).

ص: 531

وَعَدْتَ به. فلما قالوا ذلك ذَكَرَ المفسرونَ ما ذَكَرْنَاهُ الآنَ، وقد قال اللهُ إنه قال لهم:{تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود: آية 65] فهذا قرآنٌ لا شَكَّ فيه

(1)

، والمفسرونَ يزعمونَ أنهم قالوا له: ما العلامةُ؟ وأنه بَيَّنَ لهم أن العلامةَ اصفرارُ الألوانِ في اليومِ الأولِ، واحمرارُها في الثاني، واسودادُها في الثالثِ، ونزولُ العذابِ صبيحةَ الرابعِ، وكان كما وَقَعَ. وهذا معنَى قولِه:{وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ} .

{فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} [الأعراف: آية 78] سَمَّاهَا هنا في الأعرافِ: (رجفةً)، وَسَمَّاهَا في مواضعَ أُخَرَ:(صيحةً)، كقوله في سورةِ هودٍ في قصةِ قومِ صالحٍ:{وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِّثَمُودَ (68)} [هود: الآيتان 67، 68] سَمَّاهَا (صيحةً) في مواضعَ، وَسَمَّاهَا هنا (رجفةً)، وهي صيحةٌ في الحقيقةِ ورجفةٌ؛ لأن الْمَلَكَ يصيحُ بهم من السماءِ فترجفُ بهم الأرضُ وتزلزلُ من شدةِ الصيحةِ فتفارقُ أرواحُهم أبدانَهم

(2)

.

{فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} الدارُ هنا معناه: الديارُ، وفي بعضِ الآياتِ:{فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود: الآيات 67، 94] بالجمعِ، وفي بعضِها:{فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [الأعراف الآيات: 78، 91، العنكبوت: آية 37] لأن الدارَ اسمُ جنسٍ، وهو إذا أضيفَ إلى معرفةٍ فهو عَامٌّ. فمعنَى {فِي دَارِهِمْ} و {دِياَرِهِمْ} واحدٌ، والمقررُ في

(1)

انظر: الأضواء (2/ 325).

(2)

مضى عند تفسير الآية (73) من هذه السورة.

ص: 532

الأصولِ: أن مِنْ صِيَغِ العمومِ إضافةُ المفردِ إذا كان اسمَ جنسٍ إلى معرفةٍ، فإنه يَعُمُّ، ونظيرُه في القرآنِ:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إبراهيم: آية 34] أي: نِعَمَ اللَّهِ {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: آية 63] أي: أوامرَه {إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي} [الحجر: آية 68] أي: أَضْيَافِي، ونحو ذلك كثيرٌ معروفٌ في الأصولِ وفي العربيةِ

(1)

.

ومعنَى: {جَاثِمِينَ} هو خبرُ أَصْبَحُوا، والجاثمونَ جمعُ تصحيحٍ للجاثمِ، والجاثمُ: المتصفُ بالجثومِ، وأصلُ الجثومِ: هو أن يكونَ الإنسانُ مُنْكَبًّا على وَجْهِهِ، رُكْبَتَاهُ في الأرضِ، ومكانُه يُسَمَّى (المجْثَم) فالذي يفعلُه ولدُ الظبيةِ إذا كان مُنْبَطِحًا مُنْكَبًّا على وجهه يسمى (جثومًا) ومكانُه يسمى (المجْثَم) على القياسِ

(2)

، ومنه قولُ زهيرِ بنِ أبي سلمى في معلقتِه

(3)

:

بِهَا الْعِينُ وَالآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً

وَأَطْلَاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ

فمعنَى {جَاثِمِينَ} مُنْكَبِّينَ على وجوهِهم مَوْتَى، مفارقة أرواحِهم أبدانَهم، ليس منهم دَاعٍ ولا مجيبٌ، حَلَّتْ بهم نقمةُ اللهِ - جل وعلا - وعذابُه المستأصلُ المتصلُ بعذابِ الآخرةِ (والعياذُ بالله، وهذه النكالاتُ التي وَقَعَتْ في الأممِ يجبُ الاعتبارُ بها، وأن يخافَ الموجودونَ في الدنيا من عصيانِ اللهِ، ومبارزةِ رُسُلِهِ بالمعصيةِ

(1)

مضى عند تفسير الآية (47) من سورة البقرة.

(2)

انظر: تفسير ابن جرير (12/ 546)، القرطبي (7/ 242) عمدة الحفاظ (مادة: جثم) ص88.

(3)

شرح القصائد المشهورات (1/ 100).

و (العِين): البقر. و (الآرام): الظباء. و (الأطلاء): أولادها. و (خِلْفَة): فوجًا بعد فوج.

ص: 533

ومضادةِ ما جاؤوا به لئلا يُهْلِكَهُمُ اللهُ وينزلَ بهم ما أنزلَ بغيرهم، وهذا معنَى قوله:{فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [الأعراف: آية 78].

{فَتَوَلَّى عَنْهُمْ} [الأعراف: آية 79] فَتَوَلَّى نَبِيُّ اللهِ صالحٌ عنهم، وهذا التولِّي للعلماءِ فيه وَجْهَانِ

(1)

:

[12/ب] / أحدُهما: أنه تَوَلَّى عنهم لَمَّا تَحَقَّقَ الهلاكَ، وأنه نازلٌ بهم تَوَلَّى راجعًا عنهم وقال لهم:{يَا قَوْمِ} وَاللَّهِ {لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ} غايةَ النصحِ {لَاّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} فكرهتُم نصيحتِي ورددتموها وستجدونَ غِبَّ ذلك.

وبعضُ العلماءَ يقولونَ: إن نَبِيَّ اللهِ صالحًا لم يقل لهم هذا إلا بعدَ أن نزلَ بهم عذابُ اللهِ وصاروا مَوْتَى، وَفَارَقَتْ أرواحُهم أجسادَهم، جاء إلى جثثِهم وَوَبَّخَهُمْ هذا التوبيخَ بعدَ أن ماتوا. وهذا الأخيرُ هو ظاهرُ القرآنِ؛ لأَنَّ قوله:{فَتَوَلَّى عَنْهُمْ} مُرَتَّبٌ بالفاءِ على قولِه: {فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} والفاءُ تَقْتَضِي التعقيبَ، فكونُه قال لهم هذا بعدَ أن ماتوا وَأَصْبَحُوا في دارِهم جاثمينَ هو ظاهرُ القرآنِ، وظاهرُ القرآنِ لا يجوزُ العدولُ عنه إلا لأمرٍ يجبُ الرجوعُ إليه

(2)

. وقد وَقَعَ مثلُ هذا من نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم فقد ثَبَتَ في الصحيحِ أن كفارَ قريشٍ لَمَّا ماتوا يومَ بدرٍ وَجُعِلُوا في القليبِ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ - موتَى كُفَّارًا وَقَفَ عليهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُمْ أمواتٌ بعدَ ثلاثٍ وقال: - نَادَاهُمْ بأسمائهم - يا أَبَا جهل بن هشامٍ، يا عتبة بن ربيعةَ، يا شيبةُ بنَ ربيعةَ،

(1)

انظر: القرطبي (7/ 242).

(2)

مضى عند تفسير الآية (56) من سورة البقرة.

ص: 534

هل وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فإني قد وجدتُ ما وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا. ووبخهم وقرعهم. ولما قال له عمرُ بنُ الخطابِ ما مضمونُه: كيفَ تُكَلِّمُ قومًا قد جَيَّفُوا، هم جِيَفٌ وأمواتٌ؟ قال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم:«مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ»

(1)

.

فلا مانعَ من أن يكونَ توبيخُ صالحٍ لقومِه بعدَ الموتِ كتوبيخِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم للكفرةِ أصحابِ القليبِ يومَ بدرٍ، وهذا ظاهرُ القرآنِ؛ لأنه رَتَّبَ {فَتَوَلَّى} على قولِه:{فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي} وَاللَّهِ لقد أبلغتُكم رسالةَ رَبِّي {وَنَصَحْتُ لَكُمْ} نُصْحًا خالصًا غيرَ مشوبٍ بغشٍّ بحقيقةٍ، حَذَّرْتُكُمْ نقَمَ اللهِ {وَلَكِنْ} ولكنكم والعياذُ باللهِ {لَاّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} بل تكرهونَ مَنْ ينصح لكم وتعصونَ أَمْرَهُ، وإذًا فَقَدْ وجدتُم غِبَّ ذلك ونتيجتَه والعياذُ بالله.

يقول جل وعلا: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَاّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَاّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84)} [الأعراف: الآيات 80، 84].

(1)

أخرجه البخاري في المغازي، باب قتل أبي جهل، حديث رقم (3979، 3980، 3981)، (7/ 301)، ومسلم في الجنائز، باب الميت يُعذب ببكاء أهله عليه، حديث رقم (932)(2/ 643)، وأورده في موضع آخر، حديث رقم (1794) من حديث عائشة رضي الله عنها مختصرًا.

وأخرجه البخاري في المغازي، باب قتل أبي جهل، حديث رقم (3976)، (7/ 300)، من حديث أنس عن أبي طلحة رضي الله عنهما.

ص: 535

هذه هي القصةُ الرابعةُ من قِصَصِ الأنبياءِ الذين قَصَّ اللهُ علينا أخبارَهم مع أُمَمِهِمْ في هذه السورةِ الكريمةِ - سورةِ الأعرافِ - لِنَعْتَبِرَ بما فيها {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الأَلْبَابِ

} [يوسف: آية 111] فَبَيَّنَ لنا أن قومَ نوحٍ كَذَّبُوهُ، وأنه أهلكهم بطوفانٍ أَغْرَقَهُمْ فَبَادُوا عن آخِرِهِمْ، وأن قومَ هودٍ كَذَّبُوهُ فأرسلَ عليهم الريحَ العقيمَ فَدَمَّرَتْهُمْ عن آخِرِهِمْ، وأن قومَ صالحٍ كذبوه فأخذتهم الصيحةُ فأصبحوا في دارهم جاثمين، ليس فيهم دَاعٍ ولا مُجِيبٌ، كأن اللَّهَ يقولُ: اعْلَمُوا مُعَامَلَتِي لِمَنْ عَصَانِي وَطَغَى وتكبر وعادَى رُسُلِي فإني سأهلُكه الإهلاكَ المستأصلَ، وأجعلُ مصيرَه إلى النارِ. وهم - والعياذُ بالله - مغضوبٌ عليهم في الدنيا، مغضوبٌ عليهم في الآخرةِ، ولأَجْلِ ذلك ثَبَتَ في الصحيحين من غيرِ وَجْهٍ

(1)

أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم في سفرِه في غزوةِ تبوكَ مَرَّ بأرضِ الحِجْرِ - وهي ديارُ ثمودَ - فَلَمَّا مَرَّ بها صلى الله عليه وسلم تَلَثَّمَ وَأَسْرَعَ السيرَ جِدًّا ليجاوزَ أرضَ الغضبِ بسرعةٍ، ونهى أصحابَه أن يشربوا من مياهها، وكان قومٌ منهم قد عَجَنُوا بمائها عجينًا، وقومٌ قد حَاسُوا منه حَيْسًا، فنهاهم أن يأكلوا العجينَ الذي عُجِنَ بماءِ تلك الأرضِ، وَنَهَاهُمْ عن أن يأكلوا الحيسَ الذي بُلَّ بماءِ تلك الأرضِ. وفي بعضِ رواياتِ

(1)

البخاري في المغازي، باب نزول النبي صلى الله عليه وسلم الحجرَ، حديث رقم (4419، 4420)، (8/ 125)، وفي أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى:{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} وقوله: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ} الأحاديث رقم (3378 - 3381)، وفي التفسير، باب:«ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين» حديث رقم (4702).

ومسلم في الزهد والرقائق، باب: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين. حديث رقم (2980، 2981)، (4/ 2285، 2286).

ص: 536

الحديثِ أنه أَذِنَ لبعضِهم في أن يُطْعِمُوا ذلك الحيسَ إبلَهم، ونهاهم عن أَكْلِهِ.

ومعلومٌ اختلافٌ العلماءِ

(1)

: هَلْ يجوزُ الوضوءُ بمياهِ أَرْضِهِمْ؟ وهل يرفعُ الحدثَ؟ وهو تجوزُ الصلاةُ في دَيْرِهِمْ أو لا تجوزُ؟ وإن وقعت فهل هي باطلةٌ أو غيرُ باطلةٍ؟ خلافُ العلماء في هذا معروفٌ. ومما ينبغي أن يُتَنَبَّهَ له الآنَ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عن مياهِ أولئك القومِ؛ لأنها مياهُ أرضِ غضبٍ، وَبَيَّنَ أن الشربَ منها لا يجوزُ، وإذا كان الشربُ منها لا يجوزُ فالطهارةُ التي هي طاعةُ اللهِ يظهرُ أنها من بابِ أَوْلَى لا تجوزُ.

وصَرَّحَتِ الأحاديثُ المتفقُ عليها أنه لا يجوزُ لأحدٍ أن يدخلَ ديارَهم إلا بَاكِيًا، خَوْفًا أن ينزلَ به مثلُ ما نَزَلَ بهم

(2)

. فأرضُهم أرضُ غضبٍ. وكذلك جاءَ عن عَلِيٍّ رضي الله عنه لَمَّا مَرَّ بأرضِ الخسفِ في بابل من أرضِ العراقِ أنه أَسْرَعَ وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى جَاوَزَهَا

(3)

.

(1)

انظر: المجموع (1/ 91).

(2)

تقدم تخريجه في الصفحة الماضية.

(3)

ورد ذلك عن علي رضي الله عنهما من غير وجه، فرواه أبو داود في الصلاة، باب في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة (486، 487)، (2/ 156 - 158)، والبيهقي (2/ 451) وفي آخره التصريح بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه عن الصلاة فيها. وقد ضعفه ابن حزم في المحلى (4/ 82)، والحافظ في الفتح (1/ 530)، والخطابي في معالم السنن (1/ 167)، ونقل الصيني عن ابن القطان تضعيفه، وكذا ضعفه البيهقي في المعرفة وعبد الحق الإشبيلي. انظر: عون المعبود (2/ 158).

وجاء من وجه آخر عن علي رضي الله عنه موقوفًا كما عند ابن أبي شيبة (2/ 377)، والبيهقي (2/ 451)، والخطيب في تاريخه (8/ 274) من طرق عدة. وقال البخاري في صحيحه:«باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب، ويذكر أن عليًّا رضي الله عنه كَرِهَ الصلاةَ بخسف بابل» . انظر البخاري مع الفتح (1/ 530).

ص: 537

ومن ذلك يُعْلَمُ أنه لا تجوزُ السُّكْنَى في مَحَلِّ ديارِهم، ولا الزراعةُ ولا الغرسُ في محلِّ ديارهم، كُلُّ ذلك لا يجوزُ. لا يجوزُ الانتفاعُ بمياهِ أرضِهم، ولا الازدراعُ فيها، ولا الشربُ منها، ولا غَرْسُ شجرٍ بها، كُلُّ ذلك حرامٌ ممنوعٌ لا يجوزُ، كما دَلَّتْ عليه الأحاديثُ النبويةُ الصحيحةُ. فيجبُ على مَنْ بَسَطَ اللَّهُ يدَه إذا أرادَ بعضُ الجهلةِ أن يسكنَ في ديارِ قومِ صالحٍ وأن يشربَ من مياهِها ويزرعَ على مياهِها ويغرسَ عليه الأشجارَ أن يمنعَه من ذلك كُلِّهِ اقتداءً بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو خيرُ قدوةٍ، فقد مَنَعَ أصحابَه من أن يشربوا من مائِها، وَمَنَعَهُمْ أن يأكلوا عَجِينًا عُجِنَ بمائها، وأن يأكلوا حَيْسًا بُلَّ بمائِها، وهو صلى الله عليه وسلم خَيْرُ أُسوةٍ، وكل هذا ثابتٌ في الصحيحين عن ابنِ عمرَ وغيرِه رضي الله عنهم.

فنهيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عن الشربِ من آبارِ ثمودَ ومنعُه من أَكْلِ العجينِ الذي بُلَّ بمائها، وَمِنْ أَكْلِ الحيسِ الذي بُلَّ بمائها، وَتَلَثُّمُهُ صلى الله عليه وسلم وإسراعُه السيرَ ليجاوزَ واديَهم، وأمرُه أصحابَه أن لا يشربوا إلا من البئرِ التي كانت تشربُ منها الناقةُ يدلُّ على أن بلادَهم أرضُ غضبٍ، وأنها لا يجوزُ السُّكْنَى فيها، ولا يجوزُ دخولُ ديارِهم لأحدٍ إلا وهو يَبْكِي خوفًا من اللَّهِ أن يُنْزِلَ به مثلَ ما أنزل بهم. فالذي يدخلُ بلادَهم ليتفرجَ وينظرَ غيرَ باكٍ ففعلُه حرامٌ لا يجوزُ للأحاديثِ الصحيحةِ النبويةِ الثابتةِ عنه صلى الله عليه وسلم، ولا يجوزُ أن يُتْرَكَ أحدٌ يزرعُ في ديارِهم، ويشربَ من مائها، ويأكلَ من الحَبِّ المزروعِ

ص: 538

بمياههم، كُلُّ ذلك لا يجوزُ؛ لأنها أرضُ غضبٍ ملعونةٌ لا يجوزُ المقامُ فيها ولا الانتفاعُ بمائها.

ثم ذَكَرَ تعالى القصةَ الرابعةَ وهي قصةُ لوطٍ، قال:{وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} [الأعراف: آية 80] اختلفَ العلماءُ في وجهِ نصبِ {لُوطًا} في قولِه: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} على وَجْهَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ

(1)

:

قال بعضُ العلماءِ: هو معطوفٌ على ما قبلَه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [الأعراف: آية 59]{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [الأعراف: آية 65] أي: وَأَرْسَلْنَا هودًا إلى عادٍ {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [الأعراف: آية 73] أي: وَأَرْسَلْنَا صالحًا إلى ثمودَ، وأرسلنا لوطًا أيضًا فقال لقومِه كذا وكذا.

وبعضُ العلماءِ يقولُ: هو منصوبٌ بـ «اذْكُرْ» محذوفًا. وَاذْكُرْ لوطًا حينَ قال لقومِه. وعليه يكونُ: {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} بدلُ اشتمالٍ من قولِه: {لُوطًا} كما قاله غيرُ واحدٍ.

ولوطٌ: هو لوطُ بنُ هارانَ ابنُ أَخِي إبراهيمَ.

والمؤرخونَ يزعمونَ أن أبا إبراهيمَ اسمُه (تارح) والقرآنُ صَرَّحَ بأن اسمَ أبيه (آزر) حيث قال: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ} [الأنعام: آية 74] ولا مانعَ من أن يكونَ له اسمانِ، أو اسمٌ وَلَقَبٌ

(2)

. وهم يقولونَ: إن نَبِيَّ اللَّهِ لوطًا ابنُ أَخِي إبراهيمَ، وأنه لَمَّا أَنْجَى اللهُ إبراهيمَ من نارِ النمرودِ وسافرَ من سوادِ العراقِ مُهَاجِرًا إلى الشامِ أن لوطًا كان مِمَّنْ هَاجَرَ مع إبراهيمَ {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى

(1)

انظر: الدر المصون (5/ 370).

(2)

مضى عند تفسير الآية (84) من سورة الأنعام.

ص: 539

رَبِّي} [العنكبوت: آية 26] فَنَزَلَ إبراهيمُ فلسطينَ، وكانت محلَّ مهاجره، ونزلَ لوطٌ بالأردنِّ - والأُرْدُنُّ بضمِّ الهمزةِ والدالِ وتشديدِ النونِ - يقولونَ: إنه نهرٌ وَكُورَةٌ

(1)

في أعالِي الشامِ، فأرسلَ اللهُ نبيَّ اللهِ لوطًا إلى قومِ لوطٍ، وهم قُرًى، يزعمُ بعضُ المفسرين أنها أربعةٌ، وبعضُهم يقولُ: هي خمسةٌ وعاصمتُها - البلدُ الكبيرُ - تُسَمَّى: (سدومَ) وبعضُ علماءِ العربيةِ يقولونَ: (سذوم) بذال المعجمةِ، وهو قولُ الجوهريِّ

(2)

، وَنَصَرَهُ القاموسُ. وبعضُهم يقولُ: هي (سدوم) بالدالِ المهملةِ

(3)

، وهي أكبرُ قُرَاهُمْ، فأرسلَ اللهُ فيهم نبيَّه لوطًا (عليه وعلى نبينا الصلاةُ والسلامُ)، وجرى لهم معه ما قَصَّهُ اللهُ علينا في آياتٍ متعددةٍ، منها آيةُ الأعرافِ هذه.

{وَلُوطًا} أي: وَأَرْسَلْنَا لوطًا، أي: وَاذْكُرْ نَبِيَّ اللهِ لوطَ بنَ هارانَ إِذْ قال لقومِه الذين أُرْسِلَ إليهم وهم بلدُ سدوم والقرى التي حَوْلَهَا، وهي المعروفةُ بالمؤتفكاتِ؛ لأن المؤتفكاتِ قُرَى قومِ لوطٍ، والمؤتفكةُ بالإفرادِ يمكنُ أن يكونَ المرادُ بها جميعُ القُرَى؛ لأن مثلَ ذلك يُطْلَقُ عليه ما يُطْلَقُ على المؤنثةِ المفردةِ المجازيةِ التأنيثِ.

وقيل لقرى قومِه: (المؤتفكات) لأن جبريلَ عليه السلام أَفَكَهَا أي: قَلَبَهَا بهم فَاقْتَلَعَهَا من الأرضِ وَرَفَعَهَا إلى السماءِ جَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا، كما قال

(1)

أي: مدينة أو صقع؛ لأنه يدور على ما فيه من قرى.

(2)

المثبت في الصحاح: (سدوم) بالدال. (5/ 1949) قال في القاموس: «وسدوم: لقرية قوم لوط، غلط فيه الجوهري، والصواب: (سذوم) بالذال المعجمة» ا. هـ (مادة: سدم) ص1447. وللتوسع انظر اللسان (مادة: سدم) و (مادة: سذم).

(3)

انظر: معجم البلدان (3/ 200)، معجم ما استعجم (3/ 729).

ص: 540

تعالى: {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} [هود: آية 82] وجَعْلُ العالِي هو السافلَ هو معنَى القلبِ والأَفْكِ؛ لأن العربَ تقولُ: أَفَكَ الشيءَ يأفكه إذا قَلَبَهُ، ومنه سُمِّيَ أسوأُ الكذبِ (إِفْكًا) لأنه قلبٌ للحقيقةِ عن ظاهرِها الصحيحِ إلى شيءٍ آخَرَ بَاطِلٍ.

{إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} [الأعراف: آية 80]{أَتَأْتُونَ} هنا همزةُ إنكارٍ، أَنْكَرَ نَبِيُّ اللهِ لوطٌ عليهم الفاحشةَ، وقد قَدَّمْنَا أن الفاحشةَ

(1)

في لغةِ العربِ أنها كُلُّ خصلةٍ متناهيةٍ في القبحِ تُسَمِّيهَا العربُ فاحشة، وكلُّ شيءٍ بالغٍ نهايتَه تُسَمِّيهِ العربُ فاحشًا، ومنه قولُ طرفةَ بنِ العبدِ في معلقتِه

(2)

:

أَرَى الْمَوْتَ يَعْتَامُ الْكِرَامَ وَيَصْطَفِي

عَقِيلَةَ مَالِ الْفَاحِشِ الْمُتَشَدِّدِ

فَسَمَّاهُ فاحشًا لَمَّا بَلَغَ نهايتَه في البخلِ. فالفاحشةُ: الخصلةُ المتناهيةُ في القبحِ والشناعةِ، وهذه الخصلةُ الخسيسةُ القبيحةُ هي فاحشةُ اللواطِ - قَبَّحَهَا اللَّهُ وقبحَ مرتكبَها - ولذا أَنْكَرَهَا نبيُّ اللهِ لوطٌ عليهم، وَبَيَّنَ أنه مُبْغِضٌ لها غايةَ البغضِ في قولِه:{إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ} [الشعراء: آية 168] أَيْ: من الْمُبْغِضِينَ الكارهين أَشَدَّ البغضِ والكراهيةِ. {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} أي: الخصلةَ الذميمةَ الخسيسةَ الدنيةَ البالغةَ غايةَ الدناءةِ والخبثِ والفحشِ والقباحةِ، وهي إتيانُ الرجالِ في أَدْبَارِهِمْ، وهي فاحشةُ اللواطِ - قَبَّحَهَا اللهُ وَقَبَّحَ مُرْتَكِبَهَا - فإنها فاحشةٌ خسيسةٌ قبيحةٌ لم يَسْبِقْ إليها أحدٌ قَوْمَ لُوطٍ، كما قال هنا:{مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ} الباءُ هذه تأتِي

(1)

مضى عند تفسير الآية (151) من سورة الأنعام.

(2)

السابق.

ص: 541

بعدَ (سبق) كقولِه صلى الله عليه وسلم: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ»

(1)

وهي للتعدي؛ لأن الفعلَ لَا يتعدى إلى الضميرِ إلا بها {مَا سَبَقَكُمْ} بهذه الفاحشةِ {مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ} (من) الأُولَى أصلُها دخلت على الفاعلِ، والأصلُ: ما سَبَقَكُمْ أحدٌ بها. إلا أن النكرةَ في سياقِ النفيِ إن زِيدَتْ قَبْلَهَا (من) نَقَلَتْهَا من الظهورِ في العمومِ إلى التنصيصِ الصريحِ في العمومِ

(2)

.

وقولُه: {مِّن الْعَالَمِينَ} تبعيضيةٌ، أي: ما سَبَقَكُمْ أحدٌ من بعضِ جميعِ العالمينَ إلى هذه الفاحشةِ الْمُنْكَرَةِ والخصلةِ القبيحةِ الخسيسةِ - قَبَّحَهَا اللهُ جل وعلا - ولذا بَيَّنَهَا فقال: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّنْ دُونِ النِّسَاءِ} [الأعراف: آية 81].

قرأ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدا حَفْصًا عن عاصمٍ ونافعًا: {أئنكم لتأتونَ الرجالَ} بهمزةِ استفهامٍ إلا أن أبا عمرٍو وابنَ كثيرٍ سهَّلَا الهمزةَ الثانيةَ بَيْنَ بَيْنَ، وأبا عمرٍو يُدْخِلُ بينَهما الألفَ المعروفةَ بألفِ الإدخالِ، والباقونَ من القراءِ قرؤوها بتحقيقِ الهمزتين {أئنكم} بهمزتين ولم يُدْخِلْ بَيْنَ الهمزتين المحققتين أَلِفًا من عامةِ القراءِ إلا هشامٌ عن ابنِ عامرٍ، فهشامٌ وحدَه عن ابنِ عامرٍ قرأ:{ءائنكم} بألفٍ بَيْنَ الهمزتين المحققتين، وعامةُ القراءِ غيرُ هشامٍ عن ابنِ عامرٍ الذين حَقَّقُوا الهمزتين لم يُدْخِلُوا بينهما ألفًا، والذين

(1)

البخاري في اللباس، باب: البرود والحبر والشملة، حديث رقم (5811)، (10/ 276)، وأخرجه في موضع آخر، انظر: حديث رقم (6542)، ومسلم في الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب. الأحاديث رقم (216،218،220)، (1/ 197).

(2)

مضى عند تفسير الآية (38) من سورة الأنعام.

ص: 542

سَهَّلُوا الهمزةَ الثانيةَ - وَهُمَا: أبو عمرٍو وابنُ كثيرٍ - ابنُ كثيرٍ منهم لم يُدْخِلِ الألفَ، وأبو عمرٍو أَدْخَلَ الألفَ، فَتَحَصَّلَ أن في قولِه:{إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} ثلاثُ قراءاتٍ سبعياتٍ

(1)

: قرأه نافعٌ وحفصٌ عن عاصمٍ: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ} بهمزةٍ واحدةٍ على الخبرِ لَا على الاستفهامِ، وقرأه أبو عمرٍو وابنُ كثيرٍ:{أَينَّكُمْ} بتسهيلِ الهمزةِ الثانيةِ، إلا أن أَبَا عمرٍو زَادَ ألفَ الإدخالِ، وابنُ كثيرٍ لم يَزِدْهُ. وقرأها الباقونَ بتحقيقِ الهمزتين، ولم يُدْخِلْ أَلِفًا معَ تحقيقِ الهمزتين أحدٌ منهم إلا هشامٌ فِي روايتِه عن ابنِ عَامِرٍ. هذه القراءاتُ في الآيةِ.

أما على قراءةِ

(2)

: {أئنكم لتأتونَ الرجال} [الأعراف: آية 81] فهو توبيخٌ بعدَ توبيخٍ، وتقريعٌ بعدَ تقريعٍ؛ لأن الاستفهامَ للإنكارِ، وهو يتضمنُ التوبيخَ والتقريعَ، فهو يكررُ لهم التوبيخَ والتقريعَ المرةَ بعدَ المرةِ، والإنكارَ بعدَ الإنكارِ؛ لأَنَّ فِعْلَهُمْ القبيحَ الشنيعَ يستحقُّ ذلك التوبيخَ والتقريعَ والإنكارَ.

أما على قراءةِ نافعٍ وحفصٍ عن عاصمٍ {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ} فبعضُ العلماءِ يقولُ: إنه خبرٌ لَا استفهامَ فيه، والأظهرُ أنه فيه استفهامٌ إلا أن الاستفهامَ حُذِفَ لدلالةِ القراءةِ الثانيةِ عليه؛ لأَنَّ المقامَ أليقُ بتكريرِ التوبيخِ والتقريعِ من غيرِ ذلك، وهمزةُ الاستفهامِ إذا دَلَّ الدليلُ عليها جَازَ حَذْفُهَا، وهو قِيَاسِيٌّ عند الأخفشِ، وَسَمَاعِيٌّ عندَ غيرِه. وهو موجودٌ بكثرةٍ في كلامِ العربِ مع (أَمْ) وَدُونَ (أَمْ)، ومع

(1)

انظر: المبسوط لابن مهران ص210.

(2)

في توجيه هذه القراءات انظر: حجة القراءات (287، 288).

ص: 543

ذِكْرِ الجوابِ، ودونَ ذكرِ الجوابِ

(1)

، قال بعضُ العلماءِ منه في القرآنِ:{أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء: آية 34] قالوا: الأصلُ: أَفَهُمُ الْخَالِدُونَ. فَاكْتَفَى بالاستفهامِ الأولِ عن الثانِي، وزعم بعضُهم أن منه:{وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ} [الشعراء: آية 22]. قالوا: الأصلُ أَوَتِلْكَ نعمةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ؟ وزعم بعضُهم أن منه قولَه: {قَالَ هَذَا رَبِّي} [الأنعام: آية 76] أي: أهذا ربي؟ باستفهامِ الإنكارِ. والدلالةُ على حذفِ الهمزةِ هو توحيدُ إبراهيمَ وعدمُ شَكِّهِ في ربوبيةِ الكوكبِ. وأنشدَ سيبويه رحمه الله في كتابِه لِحَذْفِ همزةِ الاستفهامِ إذا دَلَّ المقامُ عليها قولَ الشاعرِ

(2)

:

لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنْ كُنْتُ دَارِيًا

شُعَيْثُ بْنُ سُهَيْمٍ أَمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنْقَرِ

وأنشد له سيبويه أيضًا في كتابِه قَوْلَ الأَخْطَلِ

(3)

:

كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أَمْ رَأَيْتَ بِوَاسِطٍ

غَلَسَ الظَّلَامِ مِنَ الرَّبَابِ خَيَالَا

فَبَيْتُ الأخطلِ هذا أَوْرَدَهُ سيبويه في كتابِه مُجَوِّزًا أن تكونَ همزةُ الاستفهامِ محذوفةً، وأن الأصلَ: أَكَذَبَتْكَ عَيْنُكَ؟ فَحُذِفَتْ همزةُ الاستفهامِ. وإن كان الشيخُ الخليلُ بنُ أحمدَ يخالفُ سيبويه في معنَى بيتِ الأخطلِ هذا ويقولُ: إنه خَبَرٌ

(4)

، وأن المرادَ به ما يسميه علماءُ البلاغةِ: الرجوعَ، وهو من البديعِ المعنويِّ عندَهم، وهو أن يَأْتِيَ الإنسانُ بأمرٍ ثم ينقضُ ذلك الأمرَ بعينِه ليدلَّ على أنه قاله أولاً،

(1)

مضى عند تفسير الآية (76) من سورة الأنعام.

(2)

السابق.

(3)

السابق.

(4)

السابق.

ص: 544

وهو في غيبةٍ عن رُشْدِهِ من شوقٍ أو وَلَهٍ أو نحوِ ذلك، ثم يراجعُه رُشْدُهُ، وينفِي الأمرَ للأولِ الذي كان كَذِبًا ويأتِي بالحقِّ

(1)

، ويمثلونَ له بقولِ زهيرٍ

(2)

:

قِفْ بِالدِّيَارِ الَّتِي لَمْ يَعْفُهَا الْقِدَمُ

بَلَى وَغَيَّرَهَا الأَرْوَاحُ وَالدِّيَمُ

يزعمونَ أن زُهَيْرًا قال: «لَمْ يَعْفُهَا الْقِدَمُ» لَمَّا رأى دارَ المحبوبِ خَامَرَهُ الشوقُ والحبُّ حتى طاش عقلُه، فَعَبَّرَ بغيرِ الواقعِ، ثم رَاجَعَهُ عقلُه فَرَجَعَ للصوابِ، وأن الخليلَ يقولُ: إن بيتَ الأخطلِ من هذا القبيلِ، وسيبويه رحمه الله يقولُ: إنه حُذِفَتْ فيه همزةُ الاستفهامِ.

وحذفُ همزةِ الاستفهامِ مع ذِكْرِ الجوابِ، وعدمُ ذِكْرِ الجوابِ، ومع (أَمْ) ودونَ (أَمْ) كثيرٌ في اللغةِ العربيةِ عِنْدَ مَنْ تَتَبَّعَهَا

(3)

، فَمِنْهُ دونَ (أَمْ) ودونَ ذِكْرِ الجوابِ، كقولِ الكميتِ

(4)

:

طَرِبْتُ وَمَا شَوْقًا إِلَى الْبِيضِ أَطْربُ

وَلَا لَعِبًا مِنِّي وَذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ

يعني: أَوَ ذو الشيبِ يلعبُ؟ فَحَذَفَ همزةَ الاستفهامِ، دون (أَمْ) ودونَ ذِكْرِ الجوابِ، ومنه قولُ خويلدٍ الهذليِّ

(5)

:

رَفَوْنِي وَقَالُوا يَا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ

فَقُلْتُ - وَأَنْكَرْتُ الْوُجُوهَ - هُمُ هُمُ

يعنِي: أَهُمْ هُمْ؟ كما هو التحقيقُ. ومنه مع ذِكْرِ الْجَوَابِ قولُ

(1)

انظر: الصناعتين للعسكري ص443، علوم البلاغة للمراغي ص327.

(2)

البيت في ديوانه ص90.

(3)

مضى عند تفسير الآية (76) من سورة الأنعام.

(4)

السابق.

(5)

السابق.

ص: 545

عمرَ بنِ أبي ربيعةَ المخزوميِّ المعروف المشهور، في شِعْرِهِ المشهورِ

(1)

:

شَفَّ عَنْهَا مُرَقَّقٌ جَنَدِيٌّ

فَهْيَ كَالشَّمْسِ مِنْ خِلَالِ السَّحَابِ

أَبْرَزُوهَا مِثْلَ الْمَهَاةِ تَهَادَى

بَيْنَ خَمْسٍ كَوَاعِبٍ أَتْرَابِ

ثُمَّ قَالُوا تُحِبُّهَا قُلْتُ بَهْرًا

عَدَدَ النَّجْمِ وَالْحَصَى وَالتُّرَابِ

فقولُه: «تُحِبُّهَا» يعنِي: أَتُحِبُّهَا؟ على التحقيقِ، وهو كثيرٌ في كلامِ العربِ. ومنه مع (أَمْ) قولُ عمرَ بنِ أبِي ربيعةَ هذا

(2)

:

بَدَا لِيَ مِنْهَا مِعْصَمٌ يَوْمَ جَمَّرَتْ

وَكَفٍّ خَضِيبٍ زُيِّنَتْ بِبَنَانِ

فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَحَاسِبٌ

بِسَبْعٍ رَمَيْتُ الْجَمْرَ أَمْ بِثَمَانِ

يعني: «أبسبعٍ رميتُ الجمرَ أم بثمان» ومنه بهذا المعنَى قولُ أُحَيْحَةَ بنِ الجُلَاحِ الأنصاريِّ

(3)

:

لَعَمْرُكَ مَا تَدْرِي وَإِنْ ذَمَّرْتَ سَقْبًا

لِغَيْرِكَ أَمْ يَكُونُ لَكَ الْفَصِيلُ

يعني: أَلِغَيْرِكَ أَمْ يكون لك.

وقولُ الخنساءِ الشاعرةِ بنتِ عمرِو بنِ الشريدِ السُلميةِ

(4)

:

قَذًى بِعَيْنَيْكَ أَمْ بِالْعَيْنِ عُوَّارُ

أَمْ خِلْتَ إِذْ أَقْفَرَتْ مِنْ أَهْلِهَا الدَّارُ

(1)

تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية رقم (76) من سورة (الأنعام)، والبيت الأول من قصيدة في ديوانه ص45، والبيتان الأخيران من قصيدة أخرى. وهي في الديوان ص59 - 60، وبين البيتين أربعة أبيات.

(2)

مضى عند تفسير الآية (76) من سورة الأنعام.

(3)

السابق.

(4)

السابق، ولفظه في الديوان:

قذًى بِعَيْنِكِ أم بالعين عُوَّارُ

أم ذَرَفت إذ خَلَتْ من أهلها الدار

ص: 546

يعنِي: أَقَذًى بِعَيْنَيْكَ؟ ومنه قولُ امرئِ القيسِ

(1)

:

تَرُوحُ مِنَ الْحَيِّ أَمْ تَبْتَكِرْ

وَمَاذَا عَلَيْكَ بِأَنْ تَنْتَظِرْ

يعني: أَتَرُوحُ؟ وهو كثيرٌ في كلامِ العربِ معروفٌ، وَيَكْفِينَا منه ما ذَكَرْنَا على سبيلِ المثالِ. وعلى هذا فقراءةُ نافعٍ وحفصٍ حُذِفَتْ فيها الهمزةُ لدلالةِ المقامِ عليها، فهي لَا تَخْلُو أيضًا من إنكارٍ وتوبيخٍ كالتي قَبْلَهَا، وهذا أليقُ بالمقامِ، خِلَافًا لمن قال: لم تُقَدَّرْ هناك همزةُ استفهامٍ، وإنما الجملةُ خبريةٌ لَا استفهامَ فيها، فكأنه حَكَمَ عليهم بأنهم يفعلونَ هذا الأمرَ لَمَّا وَبَّخَهُمْ عليه.

{إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ} [الأعراف: آية 81] جَمْعُ رَجُلٍ وهم الذكورُ {شَهْوَةً} شهوةً هنا في إعرابِه أَوْجُهٌ متقاربةٌ

(2)

، بعضُهم يقولُ: مفعولٌ لأَجْلِهِ، أي: تأتونَ الرجالَ لأجلِ شهوتِكم لهم دونَ النساءِ. وبعضُهم يقول: هو مصدرٌ مُنَكَّرٌ حالاً، أي: في حالِ كونِكم مُشْتَهِينَ الرجالَ دونَ النساءِ. وبعضُهم يقولُ: هو ما نَابَ عن المطلقِ من قوله: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ} فإنه مُضَمَّنٌ معنَى: تشتهونَ الرجالَ شهوةً.

والشهوةُ: هي مَيْلُ النفسِ إلى الشيءِ ورغبتُها فيه.

{مِّنْ دُونِ النِّسَاءِ} لأَنَّ النساءَ هُنَّ أزواجُكم اللاتِي خَلَقَهُنَّ اللَّهُ لكم، لِتَتَمَتَّعُوا بهن تَمَتُّعًا نزيهًا طاهرًا يكونُ عنه النسلُ وبقاءُ الجنسِ الآدميِّ، فَتَرَكْتُمْ هذا الأمرَ الطيبَ الكريمَ وهو إتيانُ النساءِ، وهي الأزواجُ التي خَلَقَهُنَّ اللهُ لكم، كما قال تعالى عنهم: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ

(1)

السابق، وفي الديوان:«أو تبتكر» .

(2)

انظر: الدر المصون (5/ 372).

ص: 547

مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166)} [الشعراء: الآيتان 165، 166] فَبَيَّنَ اللَّهُ شدةَ قُبْحِ فعلهم هنا حيث أنكر عليهم في قوله: {لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ} معناه يأتونَهم في أدبارِهم بفعلِ فاحشةِ اللواطِ قَبَّحَهُمُ اللهُ جل وعلا {مِّن دُونِ النِّسَاءِ} اللاتِي هُنَّ أزواجُكم وَخُلِقْنَ لكم لِتَتَمَتَّعُوا بهن تمتعًا طاهرًا كريمًا لائقًا بالمروءةِ يَتْبَعُهُ النسلُ وبقاءُ الجنسِ الآدميِّ، فتركتُم هذا الأمرَ الطيبَ الذي خلق اللهُ النساءَ له، وذهبتُم إلى هذا الأمرِ الوسخِ القبيحِ النجسِ الذي يقضي بانقطاعِ نَسْلِ الإنسانِ؛ لأَنَّ الرجالَ إذا اكْتَفَوْا بالرجالِ عن النساءِ انقطعَ النسلُ كُلُّهُ وضاعَ جنسُ بَنِي آدمَ؛ ولذا وَبَّخَهُمُ اللَّهُ.

وفاحشةُ اللواطِ -قَبَّحَهَا اللَّهُ وَقَبَّحَ مُرْتَكِبَهَا- أولُ مَنْ فَعَلَهَا من أهلِ الدنيا قومُ لوطٍ، وهي من خسائسِ الذنوبِ الجامعةِ بينَ الخسةِ ودناءةِ صاحبِها ورداءتِه، وشناعتِها وكثرةِ مفاسدِها، فإن لها مفاسدَ عظيمةً، مع أنها لَا يرتكبُها إلا أخسُّ الناسِ، وأرذلُ الناسِ، وأقبحُ الناسِ دِينًا، ومروءةً وإنسانيةً، الذين يَرْتَكِبُونَهَا أشبهُ شيءٍ بالبهائمِ قَبَّحَهُمُ اللَّهُ، وَقَبَّحَ فِعْلَهُمْ القبيحَ.

ومن خسائسِ هذه الفاحشةِ: أنها إن انْتَشَرَتْ في الناسِ واستغنى الرجالُ بالرجالِ صار ذلك سببًا لانقطاعِ الجنسِ الإنسانيِّ ودمارِ الدنيا، وخصلةٌ إذا تَمَادَى الناسُ فيها كانت خَرَابًا لجميعِ الدنيا، هي من أَخَسِّ الخصالِ. ويزعمُ الناسُ الذين مَارَسُوا أضرارَ هذه الخسيسةِ أن الإنسانَ المفعولَ به إذا نَزَلَ مَنِيُّ اللائطِ فيه أن ذلك الْمَنِيَّ - والعياذُ بالله - يُورِثُهُ أضرارًا قبيحةً: يجعلُه دَيُّوثًا، وَيُضَيِّعُ هِمَّتَهُ، ويخربُ إنسانيتَه وكيانَه، فيبقى القبيحُ الخسيسُ الخنزيرُ كَلَا

ص: 548

شَيْءٍ، وكذلك اللائطُ - قَبَّحَهُ اللَّهُ وقبح فِعْلَهُ - يذهبُ إلى أنتنِ مَحَلٍّ وأقذرِه ومحلِّ النجاساتِ ليتمتعَ بهذا! فهو من أَخَسِّ الناسِ وأنتنِهم، والمحلُّ الذي يريدُ التمتعَ منه هو أنجسُ شيءٍ وأنتنُه وأقبحُه. وفعلُه الخسيسُ يقتضِي بانقضاءِ النسلِ، وربما أورثَ الخبيثَ الخسيسَ أمراضًا كما هو مُشَاهَدٌ عند مَنْ يعلمُ ذلك ويعلمُ الطِّبَّ؛ لأن اللَّهَ جعلَ في أرحامِ النساءِ خاصيةً لجذبِ مَنِيِّ الرجالِ، إذا هَاجَ مَنِيُّ الرَّجُلِ لينزلَ وهو يُجَامِعُ امرأتَه كان في رَحِمِ امرأتِه خاصيةٌ لجذبِ ماءِ الرَّجُلِ، فتجذبُ رَحِمُهَا مَنِيَّهٌ، فيخلصُ من بقايا الْمَنِيِّ، أما إذا كانت القضيةُ لُوَاطًا - قبح الفاعل فيه والمفعول به فيه، قَبَّحَ اللهُ الجميعَ - فإنه لا يكونُ في دُبُرِ الرجلِ استعدادٌ لجذبِ ماءِ الرجلِ الآخَرِ، فيتهيأُ الماءُ للخروجِ، ويبقَى في المجارِي، فينتنُ ويتعفنُ، ثم تنشأُ منه أمراضٌ وأورامٌ وأسقامٌ عظيمةٌ، قَبَّحَ اللَّهُ الجميعَ.

والحاصلُ أنها خصلةٌ من أقبحِ الخصالِ وأخسِّها وأكثرِها ضررًا، صاحبُها في الدنيا تُؤْذِنُ بأنه ساقطُ المروءةِ، ساقطُ الدِّينِ، لا يخافُ اللَّهَ، وَتُدْخِلُهُ يومَ القيامةِ النارَ، وَمَنِ ارْتَكَبَهَا أجمعَ العلماءُ على أنه يُعَاقَبُ في الدنيا عقوبةً زاجرةً.

واختلفَ العلماءُ في عقوبةِ اللائطِ

(1)

، المرتكِب هذه الفاحشةَ الخبيثةَ - قَبَّحَهَا اللهُ وَقَبَّحَ مرتكبَها - فذهبَ جماعةٌ من العلماءِ، وحكى عليه غيرُ واحدٍ إجماعَ الصحابةِ، وهو مذهبُ مالكٍ وعامةِ أصحابِه، وروايةً عن الشافعيِّ، وروايةً عن الإمامِ أحمدَ أنهما يُقْتَلَانِ:

(1)

انظر: المجموع (20/ 27)، المغني (12/ 348)، القرطبي (7/ 243).

ص: 549

الفاعلُ والمفعولُ به يقتلانُ معًا، إلا أن العلماءَ الذين قالوا يقتلانِ، اختلفوا في كيفيةِ قتلِه، فمنهم مَنْ قال: يُقْتَلُ بالسيفِ، ومنهم مَنْ قال: يُرْجَمُ بالحجارةِ حتى يموتَ، ومنهم مَنْ قال: يُحْرَقُ الخبيثُ بالنارِ حتى يُقْتَلَ تحريقًا، ومنهم مَنْ قال: يُرْفَعُ على شَاهِقٍ ثم يُرْمَى من الشاهقِ وَيُتْبَعُ بالحجارةِ كما فَعَلَ اللهُ بقومِ لوطٍ الذين هم أولُ مَنِ ارتكبَ هذه الفاحشةَ، رَفَعَهُمْ إلى أعلى ثم قَذَفَ [بهم إلى]

(1)

الأرضِ وَأَرْسَلَ عليهم حجارةً مِنْ سِجِّيلٍ.

والذين قالوا: يُقْتَلُ اللائطُ والملوطُ استدلوا بالحديثِ الذي رَوَاهُ عكرمةُ عن ابنِ عباسٍ، وأخرجَه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُّ وغيرُهم، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:«مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»

(2)

. وقال ابنُ حَجَرٍ في رجالِ هذا الإسنادِ: إنهم موثقونَ. وَذَكَرَ فيه بعضَ اختلافٍ

(3)

. وأكثرُ العلماءِ يُثْبِتُونَ هذا الحديثَ، وكم من واحدٍ قال: إنه حديثٌ ثابتٌ. وما جاء عن يَحْيَى بنِ مَعِينٍ من أن في إسنادَه عمرُو بنُ أبِي عمرٍو مَوْلَى المطلب، وأنه اتَّهَمَهُ في هذا الحديثِ

(4)

، مردودٌ بأن عَمْرًا المذكورَ من الحفاظِ المشهورين، الذين رَوَى لهم مالكٌ والشيخانِ، فلا يقدحُ فيه هذا، فهذا الحديثُ الذي رواه هؤلاء عن ابنِ عباسٍ هو حجةُ مَنْ قال: يُقْتَلُ الفاعلُ والمفعولُ به، سواء كانا مُحْصَنَيْنِ أو غَيْرَ مُحْصَنَيْنِ.

(1)

في الأصل: «قذف الأرض بهم» .

(2)

مضى عند تفسير الآية (151) من سورة الأنعام.

(3)

بلوغ المرام ص259.

(4)

انظر: الدراية (2/ 103).

ص: 550

والذين قالوا: يُقْتَلَانِ بالسيفِ؛ لأن النبيَّ قال في الحديثِ: «فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» . والقتلُ إِذَا أُطْلِقَ يَنْصَرِفُ إِلَى القتلِ بالسيفِ.

والذين قالوا: يُرْجَمَانِ اسْتَدَلُّوا بآثارٍ جاءت في ذلك، جاء عن عَلِيِّ بنِ أبي طالبٍ أنه رَجَمَ لُوطِيًّا

(1)

، جاء عنه من بعضِ الوجوهِ. وَرُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أيضًا أن هذه اللوطيةَ الكبرى، أن فيها الرجمَ

(2)

. فقد رُوِيَ عن عَلِيٍّ وابنِ عباسٍ وغيرِهم.

والذين قالوا: يُحْرَقُ بالنارِ استدلوا بما رواه البيهقيُّ وغيرُه من أن خالدَ بنَ الوليدِ رضي الله عنه أرسل إلى أبِي بكرٍ الصديقِ أيامَ خلافتِه أنه وَجَدَ في بعضِ نواحِي بلادِ العربِ رَجُلاً يُنْكَحُ - والعياذُ بالله - كما تُنْكَحُ النساءُ، وأن أبا بكر جَمَعَ الصحابةَ فاستشارهم فكان أشدُّهم في ذلك قولاً عَلِيَّ بنَ أبي طالبٍ رضي الله عنه، فقال: يَا أميرَ المؤمنين، إن هذه فاحشةٌ لم تَرْتَكِبْهَا من الأممِ إلا أمةٌ واحدةٌ، وقد فَعَلَ اللَّهُ بها ما علمتُم في كتابِه، فَأَرَى أن يُحَرَّقَ بالنارِ، واتفقَ الصحابةُ على ذلك

(3)

.

ذكر هذه القصةَ البيهقيُّ وإسنادُه فيها

(1)

أخرجه عبد الرزاق (13488)، وابن أبي شيبة (9/ 530)، والبيهقي (8/ 232)، وانظر: الدراية (2/ 103).

(2)

أخرجه بنحوه عبد الرزاق (13491)، وابن أبي شيبة (9/ 530)، وأبو داود في الحدود، باب: فيمن عَمِلَ عَمَلَ قومِ لوطٍ (4439)، (12/ 155)، والبيهقي (8/ 232)، والدارقطني (3/ 125)، انظر: صحيح أبي داود (3746).

(3)

أخرجه البيهقي (8/ 232)، وعزاه الحافظ في الدراية (2/ 103)، لابن أبي الدنيا والواقدي في الردة. وقال:«ضعيف جِدًّا» ا. هـ.

ص: 551

مرسلٌ، وجاءت مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عن عَلِيٍّ رضي الله عنه أنه حَرَّقَ رجلاً وَرَجَمَهُ

(1)

.

والذين قالوا: يُرْفَعُ من عَالٍ إلى أسفلَ، ثم يُتْبَعُ بالحجارةِ، قالوا: إن اللَّهَ كذلك فَعَلَ بقومِ لُوطٍ.

هذا هو القولُ الأولُ - أنه يُقْتَلُ الفاعلُ والمفعولُ - وهو أقوى الأقوالِ دليلاً، وهو مذهبُ مالكٍ وعامةِ أصحابِه، وَحَكَى عليه غيرُ واحدٍ إجماعَ الصحابةِ، وهو روايةٌ عن أحمدَ، وقولٌ عن الشافعيِّ.

المذهبُ الثاني في عقوبةِ اللائطِ: أن اللواطَ كَالزِّنَى، إن كان اللائطُ مُحْصَنًا رُجِمَ، وإن كان غيرَ محصن جُلِدَ مائةً وَغُرِّبَ سَنَةً، كما هو معروفٌ. وهذا هو الروايةُ التي رَجَعَ إليها الشافعيُّ في قولِ الربيعِ وغيرِه

(2)

، وهو الروايةُ الأخرى عن الإمامِ أحمدَ، قالوا: إنه كالزِّنَى: واستدلوا بحديثٍ لا يَصِحُّ، وهو أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:«إِذَا أَتَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَهُمَا زَانِيَانِ، وَإِذَا أَتَتِ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَهُمَا زَانِيَتَانِ»

(3)

وهذا الحديثُ لا يصحُّ إسنادُه، وإن جاء من وَجْهَيْنِ، فلا يصحُّ إسنادُه. واستدلَّ مَنْ قال هذا القولَ بالقياسِ، قَاسُوهُ على الزنى،

(1)

البيهقي (8/ 232 - 233)، بنحوه.

(2)

السابق (8/ 233).

(3)

أخرجه البيهقي (8/ 233)، قال الحافظ في التلخيص (4/ 55): «

البيهقي من حديث أبي موسى، وفيه محمد بن عبد الرحمن القشيري كذبه أبو حاتم

ورواه أبو الفتح الأزدي في الضعفاء، والطبراني في الكبير من وجه آخر عن أبي موسى، وفيه بشر بن الفضل البجلي وهو مجهول. وقد أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عنه» ا. هـ. وضعفه الألباني في الإرواء (2349).

ص: 552

قالوا: بِجَامِعِ أن كلاًّ منهما إيلاجُ فَرْجٍ في فَرْجٍ مُحَرَّمٍ شَرْعًا مُشْتَهًى طبعًا. وهذا رواية عن الشافعيِّ، وَرُوِيَ عن أحمدَ، وقال به جماعاتٌ كثيرةٌ من فقهاءِ الأمصارِ، وَمِمَّنْ رُوي عنه هذا من الصحابةِ: ابنُ الزبيرِ وجماعاتٌ من التابعينَ، وفقهاء الأمصارِ، وهذا هو الروايةُ الأخرى عن الإمامِ أحمدَ، والقولُ الآخَرُ عن الشافعيِّ. وعن الربيعِ: أن الشافعيَّ رَجَعَ إلى هذا القولِ.

المذهبُ الثالثُ: أنه لا يُقْتَلُ ولا يُحَدُّ حَدَّ الزنى، وإنما يُعَزَّرُ بحسبِ ما يراه الإمامُ مِنْ ضَرْبٍ أو سَجْنٍ. وهذا مذهبُ أبِي حنيفةَ، إلا أن صَاحِبَيْهِ خالفاه فيما ذَكَرَ بعضُهم أنهما في هذا وَافَقَا الشافعيَّ وغيرَه في أنه كالزاني. ومذهبُ أبي حنيفةَ احتجَّ له بأن الصحابةَ اختلفوا فيه، فَدَلَّ على أنه ليس فيه نَصٌّ صريحٌ، والحدودُ تُدْرَأُ بالشبهاتِ، وقال: قياسُه على الزنى غيرُ مقبولٍ؛ لأن الزنَى له اسمٌ يَخُصُّهُ، واللواطُ له اسمٌ يَخُصُّهُ، واستدلَّ له بعضُ الحنفيةِ ببيتِ أَبِي نُوَاسٍ

(1)

:

مِنْ كَفِّ ذَاتِ حِرٍّ فِي زِيِّ ذِي ذَكَرٍ

لَهَا مُحِبَّانِ لُوطِيٌّ وَزَنَّاءُ

قالوا: الزنى له اسمٌ يَخُصُّهُ، واللواطُ له اسمٌ يَخُصُّهُ، والقياسُ لا يصحُّ مع وجودِ الفارقِ. قالوا: لأن الزنى يُضَيِّعُ الأنسابَ ويورثُ الشبهةَ في الفراشِ، واللواطُ لا يضيعُ نَسَبًا ولا يورثُ شبهةً في فراشٍ؛ لأن اللواطَ لا يقعُ منه ولدٌ، بخلافِ الزنى فقد تَشْتَبِهُ به الفُرُشُ، وتختلطُ به الأنسابُ. قالوا: والداعيةُ في الزنى من الجانبين؛ لأن الزانيَ والزانيةَ كُلٌّ منهما يَتَلَذَّذُ، واللواطُ من جهةٍ

(1)

البيت في ديوانه ص28.

ص: 553

واحدةٍ؛ لأَنَّ المفعولَ به - قَبَّحَهُ اللَّهُ - قد لَا يتلذذُ - قبح الله الجميعَ - واستدلَّ أبو حنيفةَ أيضًا بتفسيرِ مجاهدٍ في قولِه تعالى: {وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا} [النساء: آية 16] قال: اللَّذَانِ يأتيانها: الرَّجُلَانِ يفعلانِ فاحشةَ اللواطِ، فَآذُوهُمَا بالسبِّ والضربِ بالنعالِ ونحوِ ذلك

(1)

. كما قال به بعضُ العلماءِ في تفسيرِ الآيةِ.

هذه مذاهبُ العلماءِ في عقوبةِ الخنزيرِ الخبيثِ اللائطِ، قَبَّحَهُ اللَّهُ.

وَاعْلَمُوا أن أَوْجُهَ التلذذِ المحرمةَ على أنواعٍ: منها: أن يأتيَ الرجلُ الرجلَ، ومنها: أن يأتيَ الرجلُ المرأةَ حرامًا، ومنها: أن تأتيَ المرأةُ المرأةَ، قبح اللهُ الجميعَ ولعنَ مَنْ يفعلُ ذلك.

أما إتيانُ الرجلِ الرجلَ فهو فاحشةُ اللواطِ الذي كُنَّا نذكرُه الآنَ.

وأما إتيانُ الرجلِ المرأةَ غيرَ زوجِه ولا سريته فهو الزِّنَى، وسيأتِي إيضاحُ الكلامِ عليه - إن شاءَ اللهُ - في سورةِ النورِ، حيث أَوْضَحَهُ اللهُ وَبَيَّنَ ما يترتبُ عليه. وكذلك إتيانُ المرأةِ المرأةَ. وإتيانُ الرجلِ زوجَه في دُبُرِهَا هو من هذه المحرماتِ الخسائسِ

(2)

. والعلماءُ يُسَمُّونَهُ: اللوطيةَ الصغرى. فيجبُ على كُلِّ مسلمٍ أن يعلمَ أن إتيانَ الرجلِ امرأتَه في دبرِها حرامٌ، وقد قال أبو عبد اللَّهِ القرطبيُّ رحمه الله

(1)

أخرجه ابن جرير (8/ 82)، وابن أبي حاتم (3/ 895)، وعزاه في الدر (2/ 130)، لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.

(2)

انظر: القرطبي (3/ 90 - 95)، المغني (10/ 226)، فتح الباري (8/ 190 - 192).

ص: 554

في تفسيرِه

(1)

: إن حرمتَه رواها عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم اثْنَا عَشَرَ صحابيًّا من الصحابةِ الكرامِ. وناهيكَ بالتحريمِ شيءٌ يَرْوِي حرمتَه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم اثْنَا عشر صحابيًّا من الصحابةِ الكرامِ رضي الله عنهم.

وأحاديثُهم معروفةٌ موجودةٌ، أخرجَها الإمامُ أحمدُ في مُسْنَدِهِ، وأصحابُ السننِ، وهي معروفةٌ بكثرةٍ، وفيها الوعيدُ الشديدُ والتهديدُ لِمَنْ يأتِي امرأتَه في دُبُرِهَا.

وما رُوِيَ عن بعضِ السلفِ: - كما يذكرونَه عن ابنِ عُمَرَ وأبي سعيدٍ الخدريِّ وجماعةٍ من الصحابةِ والتابعين - من أنهم رَخَّصُوا للرجلِ أن يأتيَ امرأتَه في دُبُرِهَا، كل ذلك بَيْنَ أَمْرَيْنِ

(2)

: إما مكذوبٌ لا أصلَ له، وإما مُحَرَّفٌ عن حقيقتِه، مُصَوَّرٌ بصورةٍ غيرِ حقيقتِه؛ لأن الذين قالوا من السلفِ ذلك، وَجَوَّزُوا إتيانَ النساءِ من الأدبارِ يَعْنُونَ أن يأتيَ الرجلُ امرأتَه من جهةِ دُبُرِهَا في قُبُلِهَا، وَكَمْ من رجلٍ يجامعُ امرأتَه في قُبُلِهَا من جهةِ دُبُرِهَا، وهذا معروفٌ، وتدلُّ على هذا وجوهٌ صحيحةٌ ثابتةٌ، منها: ما ثَبَتَ في الصحيحين وغيرِهما عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ رضي الله عنه أن اليهودَ كانوا يقولونَ: إذا جَامَعَ الرجلُ امرأتَه في قُبُلِهَا من جهةِ دُبُرِهَا جاءَ ولدُها أحولَ. فأنزل اللهُ: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ}

(3)

[البقرة: آية 223] وهذا تفسيرٌ من جابرٍ رضي الله عنه للآيةِ الكريمةِ بمعنَى:

(1)

تفسير القرطبي (3/ 95).

(2)

انظر: السابق (3/ 93 - 96).

(3)

البخاري في التفسير، باب (نساؤكم حرث لكم) حديث رقم (4528، 8/ 189)، ومسلم في النكاح، باب: جواز جماعه امرأته في قبلها من قدامها ومن ورائها من غير تعرض للدبر. حديث رقم (1435)، (2/ 1058).

ص: 555

{فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} أَيْ: وَأْتُوا نساءَكم في مَحَلِّ الحرثِ وهو القُبُلُ خاصةً، أنى شئتُم، سواء كانتِ المرأةُ باركةً على وَجْهِهَا فلا يكونُ الولدُ أحولَ، أو مستلقيةً على قَفَاهَا، أو على جَنْبٍ. والمقررُ في علومِ الحديثِ: أن تفسيرَ الصحابيِّ إذا كان له تَعَلُّقٌ بسببِ النزولِ فحكمُه حكمُ المرفوعِ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم

(1)

. وحديثُ جابرٍ هذا له حُكْمُ الرفعِ، وهو حديثٌ ثابتٌ في الصحيحين، يُبَيِّنُ أن المعنَى: إتيانُها في قُبُلِهَا من جهةِ دُبُرِهَا.

وما اشتهر عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ أنه أَذِنَ وَرَخَّصَ في ذلك فهو باطلٌ؛ بدليلِ ما رواه الدارميُّ رحمه الله في مسندِه بإسنادٍ صحيحٍ أن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ رضي الله عنهما سأله رجلٌ فقال له: أيُحَمَّضُ لِلْجَوَارِي؟ فقال: وما التحميضُ؟ فَذَكَرَ له الدبرَ، فقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: وهل يفعلُ هذا أحدٌ من المسلمين؟!

(2)

هذا إسنادٌ صحيحٌ في مسندِ الدراميِّ رحمه الله، يُبَيِّنُ أن ما ذُكِرَ عن ابنِ عمرَ أنه كَذِبٌ، وأنه لا يَقْصِدُ إتيانَ المرأةِ في دُبُرِهَا. وَمَنْ رُوِيَ عنه من السلفِ ما يُوهِمُ ذلك فمرادُه أنه يجوزُ أن يأتِي الرجلُ امرأتَه في قبلِها من جهةِ دبرِها وهذا لا نَهْيَ فيه، وهو الذي نَزَلَتْ فيه آيةُ:{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: آية 223].

وما يستدلُّ به بعضُ مَنْ لَا يعلمُ معانيَ القرآنِ من أن اللهَ أَذِنَ للرجلِ أن يأتيَ امرأتَه حيثُ شاءَ لأنه قال: {أَنَّى شِئْتُمْ} أي: كيفَ شِئْتُمْ. وقولُه: {أَنَّى شِئْتُمْ} يقتضِي سواء كان ذلك في القبلِ أم في الدبرِ!! فهذا جهلٌ وَعُجْمَةٌ، وعدمُ فَهْمٍ للقرآنِ؛ لأن هذا مُرَتَّبٌ بالفاءِ

(1)

مضى عند تفسير الآية (31) من هذه السورة.

(2)

الدارمي (1/ 208)، (1147).

ص: 556

على قولِه: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} فَرَتَّبَ على كونِ النساءِ حَرْثًا أي: مَحَلَّ ازدراعِ الأولادِ بقولِه: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} ولا حرثَ في الدبرِ ألبتةَ، فلا يدخلُ في الآيةِ ألبتةَ

(1)

.

ومما استدلَّ به العلماءُ - مع روايةِ اثني عشرَ صَحَابِيًّا عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم تحريمُ إتيانِ النساءِ في أدبارِهن، مما استُدلَّ به من غيرِ النصوصِ -: القياسُ، فَمِنْ ذلك أن اللهَ (تعالى) حَرَّمَ على الرجلِ إتيانَ امرأتِه في فَرْجِهَا أيامَ الحيضِ. وَعَلَّلَ ذلك بأن الحيضَ أَذًى يُنَزِّهُ الرجالَ عن أن يتلبسوا بأذَى الحيضِ وقذرِه حيث قال:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} ثم بَيَّنَ علةَ الاعتزالِ بأنه أَذًى فقال: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: آية 222] وقولُه: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} هو القبُلُ؛ لأن اللَّهَ قال: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ} [البقرة: آية 223] والمأمورُ بإتيانِه: محلُّ الحرثِ، ومعلومٌ أن محلَّ حرثِ الأولادِ ليس الدبرَ، وتدلُّ عليه آيةٌ أخرى، وهي قولُه تعالى:{فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [البقرة آية 187] لأن معنَى: {مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} أي: من الأولادِ على أصحِّ التفسيرين، وعليه جمهورُ العلماءِ، يعنِي: بَاشِرُوهُنَّ وَلْتَكُنْ تلك المباشرةُ في محلِّ ابتغاءِ الأولادِ، ومعلومٌ أن الدبرَ ليس محلَّ ابتغاءِ الأولادِ؛ ولذا كانت المرأةُ أيامَ حيضِها يُمْنَعُ على زوجِها جِمَاعُهَا حَذَرًا من أذَى الحيضِ ونجاستِه، فالدبرُ أنجسُ وأنجسُ من محلِّ الحيضِ؛ لأنه محلُّ الغائطِ، ومحلُّ النتنِ والخبثِ والنجاسةِ الدائمةِ، فهو أنجسُ وأنجسُ والعياذُ بالله.

(1)

انظر: القرطبي (3/ 91 - 93).

ص: 557

ومما استدلَّ به بعضُ العلماءِ

(1)

: قالوا: إن الرجلَ إذا تَزَوَّجَ امرأةً فَوَجَدَهَا رتقاءَ -والرتقاءُ هي التي فَرْجُهَا مسدودٌ، ليس فيها محلٌّ يمكن أن يُجَامِعَهَا فيه؛ لأن فَرْجَهَا مسدودٌ بالكليةِ- قالوا: إن هذا عيبٌ تُرَدُّ به بإجماعِ العلماءِ، ولو كان الدبرُ مَحَلَّ تلذذٍ لَمَا رُدَّتِ الرتقاءُ؛ لأن عندَه محلاًّ آخَرَ يتمتعُ به غير القُبلِ المسدودِ، وهو دُبُرُهَا.

وحكى القرطبيُّ إجماعَ العلماءِ على أن الرتقَ عيبٌ يُرَدُّ به، وأن الرجلَ إذا تزوجَ امرأةً فَوَجَدَهَا مسدودةَ الفرجِ بالكليةِ أنه عَيْبٌ يَرُدُّهَا به، ولا يلزمُه شيءٌ من نصفِ الصداقِ. وقال الإمامُ ابنُ عبدِ البرِّ رحمه الله

(2)

: إن عامةَ العلماءِ أَجْمَعُوا على أن الرتقَ عَيْبٌ تُرَدُّ به الرتقاءُ، ولم يُعْلَمْ في ذلك خلافٌ، إلا شيءٌ ضعيفٌ لم يَثْبُتْ، رُوِيَ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ رحمه الله أنها لَا تُرَدُّ بالرتقِ. فإن قيل: قد يكونُ الرتقُ عَيْبًا؛ لأن الرَّتْقَاءَ لَا تَلِدُ، والعقمُ عَيْبٌ. أجاب عنه بعضُ العلماءِ: بأن العقمَ ليس بعيبٍ، وَمَنْ تزوجَ امرأةً فَوَجَدَهَا عقيمًا لا تلدُ، لا يكونُ هذا عَيْبًا يَرُدُّهَا به، وإن طَلَّقَهَا لَزِمَهُ نصفُ الصداقِ إن كان قبلَ الدخولِ؛ لأن العقمَ في النساءِ ليس عَيْبًا يُرَدُّ به. وحكى القرطبيُّ رحمه الله في تفسيرِ قولِه:{فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: آية 223] إجماعَ العلماءِ على أن عُقْمَ المرأةِ ليس من العيوبِ التي يَرُدُّهَا به الرجلُ

(3)

، ويدلُّ على ذلك ظواهرُ آياتٍ:

هذا زكريا صلى الله عليه وسلم يقولُ: {وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} [آل عمران: آية 40]{وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا} [مريم: آية 5] وهو مقيمٌ معها على

(1)

انظر: السابق (3/ 94).

(2)

الاستذكار (16/ 100).

(3)

القرطبي (3/ 94).

ص: 558

ذلك، وذلك يدلُّ على أن ذلك الأمرَ لو كان مِمَّا لَا ينبغي البقاءُ عليه لَمَا بَقِيَ هو عليه. ولا ينافِي هذا ورودُ أحاديثَ كثيرةٍ بتزوجِ الولودِ؛ لأَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يُكَاثِرُ بنا الأممَ، فالولودُ قَطْعًا خيرٌ من العقيمِ، وكثرةُ النسلِ خيرٌ من قِلَّتِهِ كما لَا يَخْفَى.

والحاصلُ أن الوجوهَ المحرمةَ من التلذذِ أن: منها إتيانَ الرجلِ امرأةً غيرَ زوجِه ولا سُرِّيَّتِهِ، وهذا هو الزنا أَعَاذَنَا اللَّهُ والمسلمين منه.

ومنها إتيانُ الرجلِ الرجلَ، وهذا هو اللواطُ - قبحه الله ولعنَ مرتكبه - وهو الذي كُنَّا نتكلم عليه ومنها: إتيانُ امرأةِ الرجلِ في دُبُرِهَا، فلا يَحِلُّ له أن يأتيَ امرأتَه في دبرها، وذلك يُسَمَّى اللوطيةَ الصغرَى، وهو الذي كنا نُبَيِّنُ روايةَ اثني عشرَ صحابيًّا حرمتَه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم والتشديدَ فيه.

ومن ذلك إتيانُ المرأةِ المرأةَ، المعروفُ بِالْمُسَاحَقَةِ؛ لأن بعضَ النساءِ الخبيثاتِ الخسيساتِ التي لا مروءةَ لَهُنَّ ولَا خُلُقَ ولا حياءَ يجامعُ بَعْضُهُنَّ بعضًا، فتتلاقَى عوراتُهن، وَتَحُكُّ هذه فرجَها بفرجِ هذه - قبح الله الجميعَ، الخسيساتِ - فإن هذا الفعلَ من أخسِّ الأفعالِ وأقبحِها، وهو من المحرماتِ الخسيسةِ الخبيثةِ التي لا تَرْتَكِبُهَا إلا ساقطةُ مروءةٍ، وساقطةُ دينٍ، خبيثةٌ لا حياءَ لها ولَا مروءةَ ولا إنسانيةَ، وهذه من أقبحِ الأفعالِ وأحرمِها وأشنعِها، وإذا ثَبَتَتْ على امرأةٍ يجبُ على مَنْ بَسَطَ اللَّهُ يدَه أن يعزرَها التعزيرَ البالغَ الرادعَ لها ولأمثالِها من الخسيساتِ الخبيثاتِ القبيحاتِ، وهذه المساحقةُ - قَبَّحَهَا اللَّهُ وأخزاها، وقبحَ مَنْ تَرْتَكِبُهَا وأخزاها - هي من قبائحِ الذنوبِ، وخسائسِ الفضائحِ، وربما نَشَأَتْ عنها بلايا عظامٌ، ربما نَشَأَ عنها مثلَ الزاني بعينه؛ لأن المُساحِقَاتِ ربما حَمَلَتْ إحداهن

ص: 559

عن طريقِ المساحقةِ فتيقن الناس أنها زانيةٌ.

وذلك أن التي تتخذُ أخدانًا مساحقاتٍ - قَبَّحَهَا اللَّهُ - قد تكونُ ذاتَ زوجٍ فَيُجَامِعُهَا زوجُها فيستقرُّ ماءُ زوجِها في رَحِمِهَا، ثم تأتِي أخرى خدنتُها التي تساحقُها وماءُ زوجِها مستقرٌّ في رَحِمِهَا فتحكُّ ذلك العضوَ منها بالعضوِ من الأخرى فتتحركُ الشهوةُ منهما، وعندَ تحركِ الشهوةِ ينزلُ ماءُ زوجِها من رَحِمِهَا فيدخلُ في رحمِ الأخرى عندَ ثورانِ شهوتِها فيختلطُ بِمَنِيِّهَا المنعكسِ إلى رَحِمِهَا فينشأُ من ذلك الحملُ، فيقدرُ الناسُ أن الخبيثةَ الكلبةَ زانيةٌ قبحها اللهُ وقبح فِعْلَهَا وقبحَ مَنْ يرتكبُ هذه الخسائسَ الشنائعَ، فإن الإنسانَ حتى ولو كان غيرَ ذِي دِينٍ لا ينبغي له إن كان ذَا إنسانيةٍ أو مروءةٍ أن يرتكبَ هذا، وقد صَدَقَ الوليدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ مروانَ حيث قال: إنه لو لم يَسْمَعِ اللواطَ يُذْكَرْ في القرآنِ لَمَا صَدَّقَ أن ذَكَرًا يَنْزُو على ذَكَرٍ؛ لأن النفوسَ الطبيعيةَ والفطرَ السليمةَ تستقذرُ هذا وتستخبثُه كُلَّ الاستخباثِ، حتى ولو ضُرِبَتْ عنقُ الرجلِ السليمِ الفطرةِ أن يفعلَ هذا لَمَا فَعَلَ - قبحَ اللَّهُ مَنْ يَرْتَكِبُ هذه الخسائسَ والخبائثَ - فهذه هي الأمورُ التي لا يجوزُ أن تُفْعَلَ، وهي إتيانُ الرجلِ امرأةً أجنبيةً، وإتيانُه زوجتَه في دُبُرِهَا، وإتيانُ الرجلِ الرجلَ، وإتيانُ المرأةِ المرأةَ، كُلُّ هذا خبيثٌ قَبِيحٌ.

[13/ أ] / أما استمناءُ الرجلِ بيدِه - لأن الرجلَ إذا اشتدت غُلْمَتُهُ فيجعلُ مثل صابونٍ أو غاسولٍ في يدِه ويحكُّه على ذَكَرِهِ حتى ينزلَ منه الماءُ - فالتحقيقُ أن هذا الاستمناءَ باليدِ المعروفَ في اصطلاحِ الأدباءِ بجَلْدِ عُمَيرَة

(1)

، وَيُسَمَّى (الخضخضةَ)، فالتحقيقُ الذي لا شَكَّ

(1)

انظر: المنتخب في كنايات الأدباء ص105، القاموس (مادة: عمر) ص 572، البحر المحيط لأبي حيان (6/ 397).

ص: 560

فيه أنه فعلٌ قبيحٌ وأنه حَرَامٌ

(1)

، وإن كان الإمامُ أحمدُ - مع جلالتِه وَعِظَمِ قَدْرِهِ في العلم - يُذْكَرُ عنه أنه يُرَخِّصُ في هذا كالترخيصِ بإخراجِ الدمِ بالفصادةِ إذا خِيفَ منه أَذًى

(2)

.

إلا أن التحقيقَ مع الجمهورِ، وأن الاستمناءَ باليدِ المعروفَ بجلدِ عميرةَ المُسَمَّى بالخضخضةِ - قبحَّه الله - أنه حرامٌ، وظاهرُ القرآنِ يدلُّ على أنه حرامٌ ظهورًا بَيِّنًا، ولم يَرِدْ في كتابِ الله ولا في سنةِ رسولِ اللَّهِ شيءٌ يعارضُ ظاهرَ آيةِ:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)} الدالةِ على تحريمِ الاستمناءِ باليدِ، وهي قولُه تعالى في:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} و (سَأَلَ سَائِلٌ): {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: الآيتان 5، 6] و [المعارج: الآيتان 29، 30] فلم يَسْتَثْنِ اللهُ إلا نوعين وهو قولُه: {إِلَاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)} ثم جاء بِحُكْمٍ عامٍّ شاملٍ قال: {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)} [المؤمنون: آية 7] و [المعارج: آية 30] ولا شَكَّ أن الناكحَ يدَه مِمَّنِ ابتغَى وراءَ ذلك فهو داخلٌ في قولِه: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} خِلَافًا لمن يجيزُ ذلك. والسفهاءُ يفعلونَ هذا كما قال شَاعِرُهُمْ

(3)

:

إِذَا حَلَلْتَ بِوَادٍ لَا أَنِيسَ بِهِ

فَاجْلِدْ عُمَيْرَةَ لَا عَارٌ وَلَا حَرَجُ

(1)

انظر: القرطبي (12/ 105)، المجموع (20/ 31 - 34).

(2)

المذهب عند الحنابلة أنه حرام، ونقله في الإنصاف عن جميع الأصحاب، وإنما يُباح حال الخوف من الزنا مع عدم القدرة على النكاح أو التسري، وزاد بعضهم ما إذا خاف على نفسه وبدنه. وفي رواية عن الإمام أحمد التحريم بإطلاق. انظر: الإنصاف (10/ 251)، الفروع (6/ 121)، كشاف القناع (6/ 125)، شرح منتهى الإرادات (3/ 362).

(3)

البيت في القرطبي (12/ 105)، المجموع (20/ 33).

ص: 561

وهذا من الشيءِ الذي لا ينبغي أن يُختلفَ في تحريمِه، وإن قال به هذا الإمامُ الجليلُ ما قال، وكلُّ كلامٍ فيه مقبولٌ ومردودٌ كما قال إمامُ دارِ الهجرةِ مالكُ بنُ أنسٍ رحمه الله.

فَفَاحِشَةُ اللواطِ - قبحها الله - وما يتبعُها يجبُ على المسلمين الحذرُ منها، وأظهرُ الأقوالِ دَلِيلاً: أن مرتكبَها يُقْتَلُ، يُقْتَلُ الفاعلُ والمفعولُ.

أما مَنْ يَزْنِي ببهيمةٍ

(1)

فقد جاء فيه حديثٌ أنه يُقْتَلُ هو والبهيمةُ التي زَنَى بها

(2)

، والحديثُ الذي وَرَدَ في ذلك قد يكونُ لا يَقِلُّ عن درجةِ الاحتجاجِ، وأكثرُ أهلِ العلمِ على أن مَنْ زَنَى ببهيمةٍ لا يُقْتَلُ هو ولا البهيمةُ؛ واستدلُّوا بحديثِ ابنِ مسعودٍ الثابتِ فِي الصحيحين:«لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَاّ بِإِحْدَى ثَلَاثٍ»

(3)

. والثلاثُ معروفةٌ ليس منها نكاحُ البهيمةِ. قالوا: هذا الحصرُ القويُّ اليقينيُّ أقوى من الأحاديثِ الواردةِ في قتلِ مَنْ أَتَى بَهِيمَةً.

وبعضُ العلماءِ يقولُ: إذا أَتَاهَا جَازَ أَكْلُهَا. وهو مذهبُ مالكٍ، وبعضُهم يقول: تُقْتَلُ ولا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا. وَاللَّهُ (جل وعلا) أَعْلَمُ بذلك.

وهذا معنَى قولِه: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّنْ دُونِ النِّسَاءِ} [الأعراف: آية 81] النساءُ: اسمُ جمعٍ لَا واحدَ له من لَفْظِهِ، واحدتُه امرأةٌ.

(1)

انظر: المجموع (20/ 29)، المغني (12/ 351).

(2)

مضى عند تفسير الآية (151) من سورة الأنعام.

(3)

السابق.

ص: 562

{شَهْوَةً مِّنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} هذا النوعُ من الإضرابِ يُسَمَّى (إضرابًا انْتِقَالِيًّا).

{بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} والإسرافُ مجاوزةُ الحدِّ؛ لأن اللَّهَ خَلَقَ لهم النساءَ وجعلَ فيهن الجمالَ، وركبَ فيهن الشهوةَ؛ لأن اللَّهَ إنما رَكَّبَ الشهوةَ في الرجالِ والنساءِ، الحكمةُ الكبرى في ذلك أن يقعَ التناسلُ ويبقى نوعُ الإنسانِ؛ لأن المرأةَ إذا كانت لا تَشْتَهِي الجماعَ لا يمكنُ أن تَقْبَلَهُ بحالٍ أبدًا، فلا يمكنُ أن يُرْغِمَهَا على قبولِ جماعِ الرجلِ لها إلا شهوتُها في ذلك الفعلِ، فلو كانت لا تشتهيه ألبتةَ لَمَا قَبِلَتْهُ أبدًا وَلَتَمَنَّعَتِ النساءُ عن ذلك الفعلِ فَانْقَطَعَ نسلُ بَنِي آدمَ، وكذلك الرجلُ إن كان لم يُرَكَّبْ فيه شهوةُ هذا الفعلِ لَا يقبلُ ذلك الفعلَ أبدًا. فجعلَ اللَّهُ الشهوةَ في الرجالِ إلى النساءِ، وفي النساءِ إلى الرجالِ؛ لتجتمعَ الشهوةُ والشهوةُ فيقعُ بذلك التناسلُ، ويبقَى نوعُ الإنسانِ. فَمَنْ صَرَفَ الشهوةَ إلى غيرِ محلِّها وجعلَها في الذَّكَرِ أَسْرَفَ؛ لأنه جَاوَزَ الحدَّ وَوَضَعَ الأمرَ في غيرِ مَوْضِعِهِ؛ لأنه لو اقْتَصَرَ الرجالُ على الرجالِ وتركوا النساءَ لَانْقَطَعَ النسلُ وانقطعَ بَنُو آدمَ وخرب الْعَالَمُ كُلُّهُ؛ ولذا قال:{بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} وَلَمَّا قال لهم لوطٌ هذا الكلامَ قال اللَّهُ: {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَاّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّنْ قَرْيَتِكُمْ} [الأعراف: آية 82]{أَخْرِجُوهُمْ} أي: لوطًا وَمَنْ مَعَهُ، وقد بَيَّنَ القرآنُ أن لُوطًا لم يُؤْمِنْ معه إلا أهلُ بَيْتِهِ فقط، وهم بناتُه.

وزوجتُه بَيَّنَ القرآنُ أنها كَافِرَةٌ، وأنها هَلَكَتْ مع الهالكين في آياتٍ كثيرةٍ، والآيةُ التي دَلَّتْ على أنه لم يؤمن معه إلا أهلُ بيتِه هي قولُه في الذارياتِ:{فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ (36)} [الذاريات: الآيتان 35، 36] وهو

ص: 563

بيتُ لوطٍ، هو وَابْنَتَاهُ؛ ولهذا قال:{إِلَاّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ} أي: لوطًا وأهلَه {مِّنْ قَرْيَتِكُمْ} سدوم {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ} أي: جماعةٌ وناسٌ {يَتَطَهَّرُونَ} يتطهرونَ من أدبارِ الرجالِ، ويتنزهونَ عن إتيانِ الرجالِ في أدبارِهم، فكأنَّهم يعيبونَهم بما ليس بعيبٍ، فهم يعيبونهم بالتطهرِ من أقذارِ أدبارِ الرجالِ، وهذا العيبُ الذي عَابُوهُمْ به هو غايةُ المدحِ والنزاهةِ:

وَعَيَّرَهَا الْوَاشُونَ أَنِّي أُحِبُّهَا

وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا

(1)

قال بعضُ العلماءِ: عَابُوهُمْ والله بما ليسَ بعيبٍ، بل هو غايةُ المدحِ. وهذا معنَى قولِه:{إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} .

{فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ} [الأعراف: آية 83] اخْتُصِرَتِ القصةُ هنا وَبُسِطَتْ في مواضعَ أُخَرَ كثيرةٍ، وذلك أن الرسلَ لَمَّا جاؤوا إلى إبراهيمَ وَبَشَّرُوهُ بغلامٍ عَلِيمٍ، ووقعَ ما وقعَ مِنْ ذَبْحِهِ لهم العجلَ، وَخَوْفِهِ منهم، وسؤالِه لهم:{قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّنْ طِينٍ (33)} [الذاريات: الآيات 31 - 33] وجاءوا لوطًا وَسِيئ بهم لوط {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} [هود: الآيتان 77، 78] وَحَاوَرَهُمُ المحاورةَ المعروفةَ المتكررةَ في القرآنِ {أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ} [الحجر: آية 70] وجاءوا يكسرونَ البابَ، يظنونَ أن جبريلَ والملائكةَ معه جاؤوا في صفةِ شبابٍ حِسَانِ الوجوهِ، حسانِ الثيابِ، حسانِ الريحِ، فجاءوا يريدونَ

(1)

البيت في الفائق للزمخشري (3/ 445)، روح المعاني (1/ 22)، (13/ 161)، (23/ 11)، اللسان (مادة: ظهر) (2/ 659).

ص: 564

أن يفعلوا بهم فاحشةَ اللواطِ، فلما غَلَبُوا لوطًا على البابِ وكادُوا أن يكسروه، وقال لوطٌ كلامَه المحزنَ:{قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: آية 78] عندَ ذلك أخبرَه جبريلُ والملائكةُ معه: {قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} [هود: آية 81] وَأَمَرُوهُ بالإسراءِ بأهلِه {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ} [هود: آية 81] وقالوا له: {وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَاّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ} [هود: آية 81] الخبيثةُ الكافرةُ بَقِيَتْ معهم؛ وَلِذَا قال هنا: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ} [الأعراف: آية 83] حيث أَمَرْنَاهُ بأن يَسْرِيَ ليلاً إنا مُهْلُكُوهُمْ مع الصبحِ {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} [هود: آية 81] فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ.

وقولُه: {إِلَاّ امْرَأَتَكَ} [هود: آية 81] كانت امرأتُه قبيحةً خبيثةً مع الكفارِ كافرةً، وَضَرَبَ اللَّهُ لها مَثَلاً هي وامرأة نوحٍ في قولِه:{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10)} [التحريم: آية 10] قَبَّحَهَا اللَّهُ

(1)

.

وقراءةُ الجمهورِ ما عدا ابنَ كثيرٍ وأبا عمرٍو لا إشكالَ؛ لأن الجمهورَ قرؤوا: {وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَاّ امْرَأَتَكَ} وعلى قراءةِ النصبِ لا إشكالَ في الآيةِ ألبتةَ، وأن المعنَى: فَأَسْرِ بأهلِك بقطعٍ من الليلِ إلا امرأتَك فلا تَسْرِ بها فَاتْرُكْهَا مع الهالكينَ {إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ} [هود: آية 81] لأنها كافرةٌ منهم.

أما على قراءةِ أبي عمرٍو وابنِ كثيرٍ: {إِلَاّ امْرَأَتُكَ}

(1)

انظر: الأضواء (2/ 326).

ص: 565

بالرفعِ

(1)

ففي الآيةِ إشكالٌ متعارضٌ مع قولِه: {إِلَاّ امْرَأَتَكَ} لأن قولَه: {إِلَاّ امْرَأَتَكَ} بالفتحِ يدلُّ على أنه لم يَسْرِ بها، وعلى قراءةِ {إلا امرأتُك} يدلُّ على أنه سَرَى بها، وأنها لم يَلْتَفِتْ أحدٌ إِلَاّ هِيَ.

وَجَمَعَ بعضُ العلماءِ بينَ القراءتين بأن اللهَ أَعْلَمَهُ أنها هالكةٌ لا مَحَالَةَ، وأنه لم يَسْرِ بها إسراءً إلى حيثُ النجاةُ، سواء بَقِيَتْ معهم أو ذَهَبَتْ معهم قليلاً فالتفتت فأصابَها حجرٌ فأهلكها كما أَهْلَكَ قومَها، فهي هالكةٌ على كِلَا القولين سواء أَسْرَى بها فالتفتت فهلكت، أو بقيت معهم، فهي هالكةٌ على كُلِّ حالٍ. وفائدةُ إسرائِه بِمَنْ معه هي النجاةُ، وهي محرومةٌ من هذه الفائدةِ. وإذًا يكونُ معنَى القراءتين كالشيءِ الواحدِ. هكذا قال بعضُ العلماءِ. وهذا معنَى قولِه:{فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَاّ امْرَأَتَهُ} .

{كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} [الأعراف: آية 83](الغابرين): جمعُ الغابرِ، والغابرُ اسمٌ مشتركٌ من الأضدادِ، يُطْلَقُ على الماضِي وعلى الباقِي، تُقال (الغابر) للماضي، و (الغابر) للباقي. والمرادُ بها هنا: الباقين. {مِنَ الْغَابِرِينَ} أي: من الباقين في الهلاكِ. فَعَلَى القولِ بأنه لم يَسْرِ بها فالكلامُ ظاهرٌ، وعلى القولِ بأنه أَسْرَى بها: عندما خرجَ بها الْتَفَتَتْ فَهَلَكَتْ، فكأنها بَقِيَتْ معهم، فهي باقيةٌ معهم في الهلاكِ:{إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} [هود: آية 81] وَاللَّهُ بَيَّنَ هذه القصةَ في آياتٍ كثيرةٍ من كتابِه وأوضحَها؛ لأن الرسلَ لمَّا قالوا لإبراهيمَ: {إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} وَبَيَّنُوا له أنهم سَيُهْلِكُونَ القريةَ قال: {إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا

(1)

انظر: السبعة ص338، حجة القراءات ص347، الدر المصون (6/ 365 - 369).

ص: 566

نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَاّ امْرَأَتَهُ} [العنكبوت: آية 32] القبيحةَ، فَلَمَّا كان وقتُ الصبحِ الذين جاؤوا يريدونَ كسرَ البابِ وفاحشةَ اللواطِ بجبريلَ والملائكةِ معه لَمَّا قال جبريلُ للوطٍ:{يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} [هود: آية 81] ذَكَرَ المفسرون أن اللَّهَ أَذِنَ له في النكالِ بهم، فجاءَ في صورتِه، وعليه ما عليه من الوشاحاتِ والأجنحةِ، ثم مَسَحَ أعينَهم بريشةٍ من جَنَاحِهِ، فبقيت وجوهُهم كأنها لم تَكُنْ فيها عيونٌ أصلاً، كما سيأتِي في قولِه في القصةِ بِعَيْنِهَا:{وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ} [القمر: الآيات 37 - 39] وَيَذْكُرُونَ أن جبريلَ عليه السلام اقتلعَ أرضَهم من الأرضِ، وَأَدْخَلَ جناحَه من تحتها، وَاقْتَلَعَهَا من الأرضِ، ورفعَها حتى قَرُبَتْ من السماءِ، ثم أَلْقَاهَا مُنَكِّسًا لها، جاعلاً عاليَها أسفلَها، وأنهم أَتْبَعَتْهُمُ الملائكةُ حجارةَ السجيلِ، كما يأتِي في قولِه: {جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا

وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّنْ سِجِّيلٍ} [هود: آية 82] والتحقيقُ: أن السجيلَ: أنه الطينُ؛ لأَنَّ اللَّهَ قال: {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّنْ طِينٍ (33)} [الذاريات: آية 33] وخيرُ ما يُفَسِّرُ القرآنَ القرآنُ

(1)

، إلا أنه طينٌ مشويٌّ بالنارِ، شديدُ الحرارةِ، لا يأتي على شيءٍ إلا خَرَقَهُ. وهذه القصةُ مذكورةٌ في مواضعَ كثيرةٍ من كتابِ اللَّهِ؛ ولذا قال هنا:{فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَاّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا} [الأعراف: الآيتان 83، 84] لم يَذْكُرْ هنا أنه جَعَلَ عَالِيَ أرضِهم سافلَها، وذكرَه في هودٍ حيث قال: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّنْ سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (82) مُّسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ

(1)

انظر: الأضواء (2/ 326).

ص: 567

مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)} [هود: الآيتان 82 - 83] ذَكَرَ هنا مطرَ الحجارةِ وقال: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا} وهذا المطرُ مطرٌ من حجارةِ السجيلِ كما قال: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّنْ سِجِّيلٍ} [الحجر: آية 74] وقال: {الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ} [الفرقان: آية 40] وهي حجارةُ السجيلِ. وقال في بعضِ الآياتِ: {فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ} [الشعراء: الآية 173، النمل: الآية 58] وقال هنا: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} انظر يا نَبِيَّ اللَّهِ: {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} [الأعراف: آية 84].

العاقبةُ: هي ما يَؤُولُ إليه الأمرُ عقبَ الأمرِ الأولِ، وتؤولُ إليه الحقيقةُ في ثانِي حَالٍ.

والمجرمونَ جمعُ المجرمِ، والمجرمُ مرتكبُ الجريمةِ، والجريمةُ: الذنبُ الذي يستحقُّ صاحبُه العذابَ والنكالَ

(1)

{فَانْظُرْ كَيْفَ} الحالُ التي يَؤُولُ إليها أمرُ المجرمينَ وعاقبتُهم، وهو الدمارُ والنكالُ، والعذابُ المستأصلُ المتصلُ بعذابِ الآخرةِ. وهذا معنَى قولِه:{فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} يُخَوِّفُ اللهُ خلقَه أن يقعَ بهم مثلُ ما وقعَ بهؤلاءِ، ومن أعظمِ ما يخوفُ الطغاةَ الفجرةَ من فاحشةِ اللواطِ - قَبَّحَهَا اللهُ وقبَّح مرتكبَها - أن الله بَيَّنَ في كتابِه أن مرتكبيَها أُرْسِلَ عليهم حجارةُ السجيلِ، ثم بَيَّنَ أن تلك الحجارةَ موجودةٌ، وأنها لم تُعْدَمْ، وأنها ليست ببعيدٍ من الظالمينَ الذين يفعلونَ مثلَ فِعْلِهِمْ حيث قال:{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّنْ سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (82) مُّسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)} [هود:

(1)

مضى عند تفسير الآية (55) من سورة الأنعام.

ص: 568

الآيتانِ 82 - 83].

فقولُه: {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} على أشهرِ التفسيرين وأصحِّهما فيها أعظمُ تهديدٍ وأكبرُ زجرٍ وتخويفٍ لمن يَرْتَكِبُ الخسيسةَ القبيحةَ وهي فاحشةُ اللواطِ. وهذا معنَى قولِه: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} .

قال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ (85) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِّنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87)} [الأعراف: الآيات 85 - 87].

يقول الله جل وعلا: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف: آية 85].

قولُه تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} معناه: وَأَرْسَلْنَا إلى مدينَ أخاهُم شعيبًا فهو معطوفٌ على قولِه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [الأعراف: آية 59] لأَنَّا في هذه السورةِ الكريمةِ - سورةِ الأعرافِ - تَكَلَّمْنَا فيما مَضَى في الدروسِ السابقةِ على قصةِ نوحٍ، وقصةِ هودٍ، وقصةِ صالحٍ، وقصةِ لوطٍ مع أصحابِهم، وَكُنَّا واقفينَ عندَ قصةِ شعيبٍ مع مَدْيَنَ، وابتداء ما ذكر قوله: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى

ص: 569

قَوْمِهِ} ثم قال: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [الأعراف: آية 65] أي: وَأَرْسَلْنَا إلى عادٍ أَخَاهُمْ هودًا، ثم قال:{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [الأعراف: آية 73] أَيْ: وَأَرْسَلْنَا إلى ثمودَ أخاهم صالحًا، إلى أن قال:{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} أي: أَرْسَلْنَا إلى مدينَ أخاهُم شعيبًا. أكثرُ المفسرين والمؤرخين يقولونَ: إن (مدينَ) اسمُ مدينَ بنِ إبراهيمَ، وأن هذه الأمةَ التي أُرْسِلَ إليها شعيبٌ أنها من ذريةِ مدينَ بنِ إبراهيمَ، وأن شعيبًا أخاهم في النسبِ، وكانت ديارُ مدينَ بأرضِ مَعَانٍ من أطرافِ الشامِ مما يلي الحجازَ، قريبًا من بحيرةِ قومِ لوطٍ. وقال بعضُ أهلِ العلمِ:(مَدْيَنُ) اسمُ بلدةٍ. واختلفَ المؤرخونَ والمفسرونَ

(1)

في نسبِ شعيبٍ اختلافًا كثيرًا لا يقومُ شيءٌ على دليلٍ قاطعٍ منه، فكثيرٌ من المؤرخينَ يقولونَ: هو شعيبُ بنُ ميكيلَ بنِ يشجرَ بنِ مدينَ بنِ إبراهيمَ. وبعضُهم يقولُ: هو ابنُ صيفورَ أو ضيفورَ بنِ عيفاءَ أو عنقاءَ. وبعضُهم يقول: هو شعيبٌ من ذريةِ يشجرَ بنِ لَاوِي بنِ يعقوبَ. والأقوالُ في نَسَبِهِ كثيرةٌ جِدًّا، ولم يَقُمْ برهانٌ على شيءٍ منها.

وقد جاء في حديثِ أبي ذَرٍّ المشهورِ في الأنبياءِ عندَ ابنِ حبانَ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم ذكرَ لأَبِي ذَرِّ أن أربعةً من الأنبياءِ عربٌ قال: «وَهُمْ هُودٌ وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ وَنَبِيُّكَ يَا أَبَا ذَرٍّ»

(2)

وكان السلفُ الصالحُ يسمونَ شُعَيْبًا خطيبَ الأنبياءِ

(3)

لحسنِ

(1)

انظر: تفسير ابن جرير (12/ 554)، القرطبي (7/ 247)، البداية والنهاية (1/ 184 - 185)، معجم البلدان (5/ 77)، البحر المحيط (4/ 336).

(2)

أخرجه ابن حبان: الإحسان (1/ 287)، حديث رقم (362).

(3)

انظر: تفسير ابن جرير (12/ 567)، القرطبي (7/ 248)، البداية والنهاية (1/ 185)،الدر المنثور (3/ 102).

ص: 570

مراجعتِه لقومِه، ووضوحِ أدلتِه التي يدعوهم بها إلى الدينِ. وسيأتِي في سورةِ هودٍ كلامُ الناسِ وما يُخْتَارُ منه على قولِهم في تفسيرِ قولِه:{وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا} [هود: آية 91] أنه كان أَعْمَى.

وقد يَشْكُلُ على طالبِ العلمِ كونُ شعيبٍ عَرَبِيًّا فَمِنْ أينَ تَعَرَّبَ وَمِنْ أينَ أخذَ العربيةَ عَمَّنْ؟ لأن إبراهيمَ أَعْجَمِيٌّ، وإسماعيلُ أبو العربِ العاربةِ

(1)

، معلومٌ أنه تَعَرَّبَ من العربِ العاربةِ البائدةِ الذين سَاكَنُوهُ عندَ زمزمَ كَجُرْهُمٍ، وقد أُرْسِلَ إلى جرهمٍ وَتَعَلَّمَ منهم اللسانَ العربيَّ على الصحيحِ.

ذَكَرَ بعضُ العلماءِ - وممن ذَكَرَهُ حافظُ المغربِ أبو عمرَ بنُ عبدِ البرِّ، وذكرَه ابنُ حجرٍ في الإصابةِ أيضًا وغيرُهم - ذَكَرُوا في ترجمةِ سلمةَ بنِ سعدٍ - ويقالُ: سلمةُ بنُ سعيدٍ - أنه وَفَدَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وَانْتَسَبَ له وهو عَنَزِيٌّ، وأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال «نِعْمَ الْحَيُّ عَنَزَةَ مَبْغِيٌّ عَلَيْهِمْ مَنْصُورُونَ، أُولَئِكَ قَوْمُ شُعَيْبٍ، وَأَخْتَانُ مُوسَى» . هذا حديثٌ رواه الطبرانيُّ وغيرُه، وذكرَه ابنُ عبدِ البرِّ في الاستيعابِ وغيرِه

(2)

.

قال بعضُ العلماءِ: لو كان هذا الحديثُ محفوظًا صحيحًا لكانَ دَالاًّ على أن شعيبًا من قبيلةٍ من قبائلِ العربِ البائدةِ تُسَمَّى: عَنَزَةَ،

(1)

هكذا في الأصل. ولعله سبق لسان؛ إذ من المعلوم أنه أَبٌ للعرب المستعربة.

(2)

أخرجه الطبراني في الكبير (5/ 55)، والبزار: كشف الأستار (3/ 313)، وأورده ابن عبد البر في الاستيعاب (2/ 91)، والحافظ في الإصابة (2/ 65)، والهيثمي في المجمع (10/ 51)، وقال:«وفيه من لم أعرفهم» ا. هـ.

وقال الحافظُ في الإصابةِ (2/ 65)، عن إسنادِه عند الطبراني:«وفي الإسناد من لا يُعرف» ا. هـ.

ص: 571

ولكنه لم يَصِحَّ. وعنزةُ هؤلاء المذكورونَ في هذا الحديثِ ليس المرادُ بهم بنو عنزةَ بنِ أسدِ بنِ ربيعةَ بنِ نزارٍ، المعروفونَ؛ لأَنَّ شعيبًا قبلَهم بكثيرٍ، كما قالَه غيرُ واحدٍ، وعلى كُلِّ حالٍ فالكلامُ في شعيبٍ ونسبِه كثيرٌ، واختلافُ العلماءِ فيه كثيرٌ، وَغَلِطَ بعضُ العلماءِ وبعضُ المؤرخين - كصاحبِ صُبْحِ الأَعْشَى - فَزَعَمَ أن شعيبًا كان بعد مُوسَى

(1)

. وهذا لا شَكَّ أنه غَلَطٌ؛ لأن شُعَيْبًا قَبْلَ موسى، وقد دَلَّتْ عليه آياتُ القرآنِ في سورةِ الأعرافِ هذه وغيرِها؛ لأن اللَّهَ في سورةِ الأعرافِ هذه لَمَّا ذكرَ قصةَ نوحٍ وقصةَ هودٍ وصالحٍ ولوطٍ وشعيبٍ مع قومِهم قال بعدَ ذلك في الآياتِ الآتيةِ:{ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا} [الأعراف: آية 103] فَدَلَّ على أن بعثَ موسى بآياتِ اللهِ بعدَ هؤلاءِ الرسلِ وَأُمَمِهِمْ، كما هو نَصُّ القرآنِ العظيمِ. وزعمَ بعضُ العلماءِ أن شعيبًا ابنُ بنتِ لوطٍ.

وقال بعضُ العلماءِ: هو مِمَّنْ آمَنَ مع إبراهيمَ لَمَّا نَجَا مِنَ النارِ، وهاجرَ معه

(2)

. وَكُلُّهَا أقوالٌ لا دليلَ عليها، وغايةُ ما يفيدُه القرآنُ: أن اللَّهَ بعثَ نبيَّه شعيبًا إلى أهلِ مدينَ. وذكر اللهُ في آياتٍ أُخْرَى متعددةٍ - كما سيأتي في سورةِ «الحجراتِ» ، وفي سورةِ «الشعراء» ، وفي سورةِ «ص» وغيرِ ذلك - أن شعيبًا أرسلَ أيضًا إلى أصحابِ الأيكةِ، كما سيأتِي في قولِه:{كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176)} [الشعراء: آية 176] والعلماءُ مختلفونَ: هل أصحابُ الأيكةِ هم مَدْيَنُ أنفسُهم فيكون شعيبٌ أُرْسِلَ إلى أُمَّةٍ واحدةٍ، أو مدينُ أمةٌ وأصحابُ الأيكةِ أمةٌ أخرى، فيكون شعيبٌ قد أُرْسِلَ إلى

(1)

في (1/ 314) من صبح الأعشى عدَّ (مدين) من قبائل العرب البائدة، وهذا يعني أنه يرى تأخر موسى عن زمان شعيب عليهما السلام. والله تعالى أعلم.

(2)

انظر: البداية والنهاية (1/ 185).

ص: 572

أُمَّتَيْنِ؟ هذا خلافٌ معروفٌ بَيْنَ العلماءِ، وأكثرُ أهلِ العلمِ على أنهم أمةٌ واحدةٌ كانوا يعبدونَ أيكةً، أي: شجرًا مُلْتَفًّا، وأن اللَّهَ سماهم مرةً بنسبهم (مدين) ومرةً أضافهم إلى الأيكةِ التي يعبدونَها. وجزمَ بصحةِ هذا ابنُ كثيرٍ في تاريخِه وتفسيرِه

(1)

وَمِمَّنِ اشتهر عنه أنهم أُمَّتَانِ قتادةُ

(2)

وجماعةٌ، وهو خلافٌ معروفٌ.

والذين قالوا: إنهما أُمَّتَانِ قالوا: في (مدين) قال: إنه أَخُوهُمْ حيث قال: {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ} [الأعراف: آية 85] أما أصحابُ الأيكةِ فلم يَقُلْ: إنه أخوهم بل قال: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ} [الشعراء: الآيتانِ 176، 177] ولم يقل: أخوهم شعيبٌ.

وَأُجِيبَ عن هذا بأنه لَمَّا ذَكَرَ مَدْيَنَ ذَكَرَ الجدَّ الذي يشملُ القبيلةَ وَمِنْ جُمْلَتِهَا شعيبٌ، ذكر أنه أخوهم من النسبِ. أما قولُه:{أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ} فمعناه: أنهم يعبدونَها، وَلَمَّا ذَكَرَهُمْ في مقامِ الشركِ وعبادةِ غيرِ اللَّهِ لم يُدْخِلْ معهم شعيبًا في ذلك وهم أمةٌ واحدةٌ. هكذا قاله بعضُهم

(3)

وَاللَّهُ أعلمُ.

وعلى كُلِّ حالٍ فشعيبٌ هذا معروفٌ أنه نبيٌّ من الرسلِ الكرامِ، وقد ذَكَرَ اللَّهُ قصتَه مع قومِه مفصلةً في آياتٍ من كِتَابِهِ، ذكرَها هنا، وذكرَها في سورةِ هودٍ، وفي سورٍ أخرى كما سيأتِي إن شاءَ اللَّهُ. هذا معنَى:{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} أي: وَأَرْسَلْنَا إلى مدينَ

(1)

تفسير ابن كثير (2/ 556)، البداية والنهاية (1/ 185، 189، 190).

(2)

انظر: تفسير ابن جرير (14/ 48).

(3)

انظر: البداية والنهاية (1/ 190).

ص: 573

أخاهم شعيبًا، ماذا قال لهم؟ وماذا أُرْسِلَ به إليهم؟ قال:{يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية 85].

قولُه: {اعْبُدُوا اللَّهَ} هو حظُّ الإثباتِ مِنْ لَا إلهَ إِلَاّ اللَّهُ. وقولُه: {مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} حظُّ النفيِ منها. وهذه الكلمةُ التي هي (لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ) هي التي قامت عليها السماواتُ والأرضُ، وَخُلِقَتْ لأجلِ الحسابِ عليها الجنةُ والنارُ وَأُرْسِلَ بها الرسلُ، وهي محلُّ المعاركِ بَيْنَ الرسلِ وَأُمَمِهِمْ، وجميعُ الرسل مَا أُرْسِلَ منهم نبيٌّ إلا بهذه الكلمةِ وما تَتَضَمَّنُهُ من الشرائعِ والأحكامِ. إذا نظرتَ في رسائلِ الرسلِ إجماعًا وتفصيلاً وجدتَ ذلك كما قُلْنَا، ومما يدلُّ عليه تفصيلاً أن كُلَّ رسولٍ إذا أُرْسِلَ إلى قومِه يُبَيِّنُ القرآنَ أن أولَ ما يقولُ لهم هو مضمونُ (لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ) كقولِه في قِصَصِهِمْ في هذه السورةِ الكريمةِ:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} ماذا قال لهم؟ قال: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: آية 59] ثم قال: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} ماذا قال لهم؟ قال: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية 65] ثم قال: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية 73] وكذلك قال في شعيبٍ: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية 85] وهكذا. وكذلك بالإجمالِ قولُه تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَاّ يُوحَى إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)} [الأنبياء: آية 25] وفي القراءةِ الأُخْرَى

(1)

:

{إِلَاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ}

(1)

مضى عند تفسير الآية (65) من هذه السورة ..

ص: 574

وهو حَظُّ الإثباتِ منها، {وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النمل: آية 36] وهو حظُّ النفيِ منها {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45)} [الزخرف: آية 45] وهكذا.

وهذا من تاريخِ الأنبياءِ والقصصِ القرآنيةِ يدلُّ على عظمةِ هذه الكلمةِ، وأنها هي رسالةُ اللهِ في أرضِه لِخَلْقِهِ، حتى إنه (جل وعلا) حَصَرَ جميعَ الوحيِ فيها في سورةِ الأنبياءِ في قولِه:{قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الأنبياء: آية 108] وغيرِ ذلك من الآياتِ و (إنما) أداةُ حصرٍ لشدةِ أهميةِ هذه الكلمةِ.

وهي مركبةٌ مِنْ نَفْيٍ وإثباتٍ، إثباتُها قولُه:{اعْبُدُوا اللَّهَ} وهي الأمرُ بعبادتِه وحدَه. أصلُ العبادةِ الذلُّ والخضوعُ، ومنه قِيلَ للعبدِ (عبد) لِذُلِّهِ وخضوعِه بين يَدَيْ سَيِّدِهِ، فكلُّ خاضعٍ ذليلٍ يقال له: عبدٌ وعابدٌ. فالعبادةُ: الذُّلُّ والخضوعُ، وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ مشهورٌ، ومنه قولُ طرفةَ بنِ العبدِ في معلقتِه

(1)

:

تُبَارِي عِتَاقًا نَاجِيَاتٍ وَأَتْبَعَتْ

وَظِيفًا وَظِيفًا فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّدِ

يعني: فوقَ طريقٍ مُذَلَّلٍ. ومعناها في الاصطلاحِ

(2)

: هي الذلُّ والخضوعُ لخالقِ السماواتِ والأرضِ (جل وعلا) بكلِّ ما أَمَرَ أن يُتَقَرَّبَ إليه به على وجهِ الذلِّ والخضوعِ والمحبةِ. فلا تكفِي المحبةُ عن الذلِّ والخضوعِ، ولا الخضوعُ عن الذلِّ والمحبةِ؛ لأن الذليلَ الخاضعَ إذا كان غيرَ مُحِبٍّ لمعبودِه قد يكونُ مُبْغِضًا له، وَمَنْ أَبْغَضَ معبودَه فهو كافرٌ ضَالٌّ. والمحبةُ وحدَها لا تكفي؛ لأن الذي

(1)

تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (59) من هذه السورة.

(2)

السابق.

ص: 575

لَا يخافُ قد يحملُه التذللُ على أن يسيءَ الأدبَ مع المحبوبِ الذي يُحِبُّهُ، فإذا اجتمعَ الحبُّ والذلُّ والخضوعُ كان الأمرُ كما ينبغي. وهذا معنَى قولِه:{اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: آية 85](ما) هنا نافيةٌ، والإلهُ (فِعَال) من الإلهةِ وهي العبادةُ. أي: ما لكم من معبودٍ يُعْبَدُ حَقًّا غيرُه (جل وعلا)؛ لأنه هو المعبودُ وحدَه. والإلهُ: قال بعضُ علماءِ العربيةِ: هو (فِعَال) بمعنَى: (مفعولٍ) أي مَأْلُوهٌ، أي: معبودٌ يعبدُه خَلْقُهُ على وجهِ الذلِّ والخضوعِ والمحبةِ.

وإتيانُ (الفِعَال) بمعنَى (المفعولِ) مسموعٌ في أوزانٍ معروفةٍ في اللغةِ العربيةِ، كالإلهِ بمعنَى المعبودِ، والكتابِ بمعنَى المكتوبِ، واللباسِ بمعنَى الملبوسِ، والإمامِ بمعنَى المؤتمِ به، في أوزانٍ غيرِ كثيرةٍ

(1)

.

والإلهةُ: العبادةُ، وفي قراءةِ ابنِ عباسٍ - وهي من قراءاتِ الصحابةِ الشاذةِ

(2)

-: (ويذرك وإلاهتك) أي: وعبادتَك. وقد قال رؤبةُ بنُ العجاحِ في رجزِه وهو عربيٌّ قُحٌّ فَصِيحٌ

(3)

:

لِلَّهِ دَرُّ الْغَانِيَاتِ الْمُدَّهْ

سَبَّحْنَ وَاسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلُّهِي

وقولُه: {يَا قَوْمِ} [الأعراف: آية 85] نَادَى شعيبٌ قومَه باسمِ (القوم) وحذفَ ياءَ المتكلمِ، وَحَذْفُ يَاءِ المتكلمِ من المنادَى الصحيحِ الآخِرِ أحدُ اللغاتِ المشهورةِ المعروفةِ فيه. قال بعضُ علماءِ

(1)

مضى عند تفسير الآية (38) من سورة الأنعام.

(2)

تقدمت هذه القراءة عند تفسير الآية (59) من هذه السورة.

(3)

البيت في تفسير ابن جرير (1/ 123)، زاد المسير (1/ 9)، ابن كثير (1/ 19)، اللسان (مادة: أله) (1/ 88).

ص: 576

العربيةِ: القومُ في وضعِ اللسانِ العربيِّ الذي نَزَلَ به القرآنُ: يختصُّ بالذكورِ دونَ الإناثِ، وربما دَخَلَ فيه الإناثُ بحكمِ التبعِ

(1)

. قالوا: والدليلُ على اختصاصِ القومِ بأصلِ الوضعِ بالذكورِ دونَ الإناثِ قولُه تعالى: {لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ} ثم قال: {وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ} [الحجرات: آية 11] قالوا: لو دَخَلَتِ النساءُ بالوضعِ في القومِ لَكَفَى ذلك عن قولِه: {وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ} ونظيرُ آيةِ الحجراتِ هذه قولُ زهيرِ بنِ أبي سُلمى

(2)

:

وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْرِي

أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ

والدليلُ على دخولِ النساءِ باسمِ القومِ بحكمِ التبعِ: قولُه تعالى في سورةِ النملِ في ملكةِ سبأٍ: {وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43)} [النمل: آية 43].

وقولُه: {مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ} (إله) هنا: نكرةٌ في سياقِ النفيِ زِيدَتْ قبلَها (من) وقد تَقَرَّرَ في الأصولِ - وَذَكَرَهُ الشيخُ عمرو سيبويه رحمه الله -: أن النكرةَ في سياقِ النفيِ إذا زِيدَتْ قبلَها لفظةُ (مِنْ) لتوكيدِ النفيِ انتقلت بذلك من الظهورِ في العمومِ إلى كونِها نَصًّا صريحًا في العمومِ

(3)

. فهذا نَصٌّ صريحٌ في عمومِ النفيِ لجميعِ الآلهةِ غيرِه (جل وعلا) وحدَه.

وينقاسُ زيادةُ (من) قبلَ النكرةِ في سياقِ النفيِ في توكيدِ العمومِ ينقاسُ بقياسٍ مطردٍ في اللغةِ في ثلاثةِ مواضعَ

(4)

:

(1)

مضى عند تفسير الآية (80) من سورة النساء.

(2)

السابق.

(3)

مضى عند تفسير الآية (38) من سورة الأنعام.

(4)

السابق.

ص: 577

أحدُها: زيادةُ (مِنْ) قَبْلَ النكرةِ التي هي مبتدأٌ، كما في قولِه هنا:{مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} الأصلُ: (ما لكم إله غيره) مبتدأٌ سَوَّغَ الابتداءَ به النفيُ، وَجَرَّتْهُ (مِنْ) هنا. فدخولُ (من) على النكرةِ التي هي مبتدأٌ لتوكيدِ العمومِ مطردٌ في اللغةِ العربيةِ.

الثاني: دخولُ (من) على النكرةِ إن كانت فَاعِلاً، نحو:{مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ} [القصص: آية 46]{مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ} [المائدة: آية 19].

الثالثُ: زيادتُها قبلَ المفعولِ، نحو:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ} [إبراهيم: آية 4] أَيْ: مَا أَرْسَلْنَا رسولاً.

وقولُه: {غَيْرُهُ} إنما رُفِعَ (غيرُه) مع أن المنعوتَ مجرورٌ بـ (من) لأَنَّهُ في محلِّ رَفْعٍ، أصلُه مرفوعٌ مبتدأٌ، فَرُوعِيَ في نعتِه محلُّه؛ ولذا قيل:{غَيْرُهُ} مراعاةً للمحلِّ كما هو معروفٌ. أي: ما لكم إله سواه.

ثم قال نبيُّ اللهِ شعيبٌ: {قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف: آية 85](قد) هنا حرفُ تحقيقٍ لمجيءِ البينةِ، ولا شكَّ أن المرادَ بالبينةِ في هذه الآيةِ: المعجزةُ التي تُثْبِتُ صدقَ شعيبٍ وَتُوجِبُ الإيمانَ بما جاء به. وَالْبَيِّنَةُ: هي الحجةُ الواضحةُ التي لا تتركُ في الحقِّ لَبْسًا، وهي هنا: المعجزةُ بلا نزاعٍ إلا مَنْ شَذَّ، فمعنَى:{قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ} أي: جاءتكم معجزةٌ من اللهِ عرفتموها وَعَايَنْتُمُوهَا على أَنِّي رسولُ اللَّهِ. وهذه البينةُ التي جاءهم

ص: 578

بها شعيبٌ وَذَكَرَهَا اللَّهُ هنا على سبيلِ الإجمالِ لم تَأْتِ مفصلةً قي القرآنِ وإنما جاءت مُجْمَلَةً، كما أن أكثرَ معجزاتِ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم لم تَأْتِ مفصلةً في القرآنِ بل غالبًا يُنَوِّهُ منها عن القرآنِ حيث إنه معجزةٌ عُظْمَى. وقد ثَبَتَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الحديثِ الصحيحِ أن الله ما أَرْسَلَ رسولاً قَطُّ إلا وأعطاه معجزةً تقومُ الحجةُ بها على الخلقِ؛ لأنه إذا لم يُعْطِهِ برهانًا قاطعًا من المعجزاتِ، تقومُ الحجةُ به على الخلقِ قيامًا لا لبسَ فيه؛ تَزْعُمُ الأُمَّةُ أنه مُدَّعٍ لا دليلَ على دعواه؛ ولذا وَجَبَ أن كُلَّ نبيٍّ جاء بمعجزةٍ، وقد صرح النبيُّ صلى الله عليه وسلم بذلك في الحديثِ الصحيحِ الذي يقولُ فيه:«مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ إِلَاّ أُوتِيَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»

(1)

وقد بَيَّنَ تعالى أن رُسُلَهُ مصحوبونَ بالمعجزاتِ في قولِه: {كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} [التغابن: آية 6] ونحو ذلك من الآياتِ.

وأعظمُ البيناتِ، وأكبرُ البيناتِ، وأوضحُ المعجزاتِ: هو هذا القرآنُ العظيمُ الذي نُفَسِّرُهُ ونتكلمُ فيه؛ لأنه معجزةٌ عُظْمَى، وبينةٌ كُبْرَى تترددُ في آذانِ بَنِي آدمَ إلى يومِ القيامةِ. أما غيرُه من المعجزاتِ: فقد ينقضِي مع انقضاءِ وقتِه، كناقةِ صالحٍ، فإنا لا نجدُها الآنَ، وكما تَقَدَّمَ من معجزاتِ الأنبياءِ لم يَبْقَ بعدَهم منه شيءٌ تراه الناسُ بعدَهم، بخلافِ هذا القرآنِ فمعجزتُه الكبرى [باقيةٌ إلى آخِرِ الزمانِ]

(2)

وذلك في قولِه مُنْكِرًا عليهم: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً} [العنكبوت: آية 51] الآيةَ. وهذا معنَى قولِه: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ}

(1)

مضى عند تفسير الآية (37) من سورة الأنعام.

(2)

في هذا الموضع انقطع التسجيل. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.

ص: 579

أي: جاءتكم علي يَدِي معجزةٌ واضحةٌ مبدأُ مجيئِها كائنٌ من ربكم (جل وعلا). وَرَبُّهُمْ: هو اللهُ، وأصلُ الربِّ في لغةِ العربِ التي نَزَلَ بها القرآنُ: مشتركٌ بين عشرةِ معانٍ، منها

(1)

: أن العربَ تُطْلِقُ الربَّ على الذي يسوسُ الأمورَ وَيُدَبِّرُهَا، وعلى السيدِ الذي إليه المرجعُ. فاللهُ (جل وعلا) هو السيدُ الذي إليه المرجعُ، وهو الذي يُدَبِّرُ الأمورَ والشؤونَ، وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ، فالعربُ تقولُ للرجلِ الذي يدبرُ شأنَ البلدةِ: هذا رَبُّهَا، أي: مدبرُ شؤونِها، وهو معروفٌ في كلامِهم، ومنه قولُ علقمةَ بنِ عبدةَ التميميِّ

(2)

:

وَكُنْتَ امْرَأً أَفْضَتْ إِلَيْكَ رِبَابَتِي

وَقَبْلَكَ رَبَّتْنِي - فَضِعْتُ - رُبُوبُ

أي: قبلَك سَاسَتْنِي سادةٌ فضيعوني. وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ، وأنتم تعرفونَ في التاريخِ والسيرةِ في غزوةِ حُنَيْنٍ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا فتحَ مكةَ وتركَ صفوانَ بنَ أميةَ بنَ خلفٍ ينتظرُ في شأنِه، واقترضَ منه السلاحَ المعروفَ، وذهبَ معه صفوانُ إلى حنينٍ، وكانت هوازنُ في غزوةِ حنينٍ جَمَعَهَا مالكُ بنُ عوفٍ النصريُّ - في مضيقٍ من مضايقِ وادِي حُنَيْنٍ - ودخل النبيُّ وأصحابُه بعد صلاةِ الصبحِ في بقيةِ ظلامِ الغلسِ، وَشَدَّ عليهم هوازنُ شدةَ رجلٍ واحدٍ حتى كأن الرماحَ والنبالَ مطرٌ تزعزعه الريحُ، ووقع ما وقع مما ذَكَرَهُ اللهُ في قولِه:{وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} [التوبة: آية 25] وفي ذلك الوقتِ قال رجلٌ كان مع صفوانَ بنِ أميةَ: بَطَلَ سِحْرُ محمدٍ. زاعمًا أن الذي عنده سِحْرٌ، وأن هوازنَ غَلَبُوهُ

(1)

مضى عند تفسير الآية (45) من سورة الأنعام.

(2)

تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (45) من سورة الأنعام.

ص: 580

وهزموا أصحابَه، وأن السِّحْرَ بَطَلَ، فقال له صفوانُ بنُ أميةَ - وكان عدوًّا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قَتَلَ أباه أميةَ بنَ خلفٍ يومَ بدرٍ، وقتلَ معه أَخَا صفوانَ وهو: عَلِيُّ بْنُ أميةَ، وقتلَ عمَّه أُبَيَّ بنَ خلفٍ بيدِه الكريمةِ يومَ أُحُدٍ، فلما قال صاحبُه: بَطَلَ سِحْرُ محمدٍ. قال له صفوانُ وقد أَخَذَتْهُ العصبيةُ والحميةُ النسبيةُ -: اسْكُتْ فُضَّ فُوكَ، وَاللَّهِ لأن يَرُبُّنِي رجلٌ من قريشٍ أحبُّ إِلَيَّ من أن يَرُبَّنِي رجلٌ من هوازنَ

(1)

. وهو محلُّ الشاهدِ؛ لأنه أطلقَ (يربني) على معنَى يَسُوسُنِي وَيَسُودُنِي ويدبرُ شؤونِي هذا معناه.

{قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف: آية 85] رَبُّنَا وسيدُنا وخالقُنا ومدبرُ شؤونِنا هو اللَّهُ (جل وعلا)، وأصلُ (البينةِ) صفةٌ مشبهةٌ من بَانَ يَبِينُ فهو بَيِّنٌ، والأنثى يقال لها:(بَيِّنَةٌ) والتأنيثُ ليس بحقيقيٍّ. ومعنى البينةِ: الحجةُ الواضحةُ التي هي المعجزةُ التي لا تتركُ في الحقِّ لَبْسًا.

وهذه المادةُ التي منها (البينةُ)(الباء، والياء، والنون) جاء استعمالُها في القرآنِ وفي لغةِ العربِ على أربعةِ أَضْرُبٍ

(2)

: جاءت في

(1)

السابق.

(2)

قال: قال الشيخ رحمه الله عند تفسير الآية رقم (101)، من هذه الدروس في سورة الأعراف: «وقد ذكرنا فيما مضى في الكلام على قولِه: {قَدْ جَاءتْكُمْ بَيِّنَةٌ} تصريف هذه الكلمة وما جاء من أمثلتها في القرآن ببعض أمثلتها، وكان ذلك الذي ذكرنا هنالك سقط منه قسم نسيانًا، وكنا نتحرى إن جاءت لها مناسبة أخرى أن نبين القسم الذي سقط من كلامنا سهوًا؛ لئلا يضيع على بعض طلبة العلم الذين يسمعون هذه الدروس

وقد ذكرنا فيما مضى أن البينة جاء من تصاريفها في القرآن ولغة العرب أربعة تصاريف، واحد منها مجرد وثلاثة مزيدة - وهذا محل النسيان- لأنها جاءت على خمسة أنواع، أربعة منها مزيدة وواحد مجرد ومن هنا وقع الغلط، وكنا نريد إذا جئنا بمناسبة كهده أن نتدارك النسيان السابق لنبين القسم الذي سقط

» إلى آخر ما ذكر رحمه الله فليراجع هناك.

ص: 581

كُلِّهَا لَازِمَةً، وفي ثلاثةٍ منها ربما جاءت متعديةً. والرابعُ: لازمٌ على كُلِّ حالٍ، فإن هذه المادةَ جاء فِعْلُهَا الماضِي مُجَرَّدًا وهو قولُهم:(بَانَ يَبِينُ فهو بَيِّنٌ) وهو الذي منه الصفةُ المشبهةُ التي هي (البينةُ) فهي صفةٌ مشبهةٌ من (بان يَبين). وقد تقررَ في علمِ الصرفِ: أن الثلاثيَّ الأجوفَ تكثرُ الصفةُ المشبهةُ منه على وزنِ (فَيْعِل) سواء كان وَاوِيَّ العينِ أو يَائِيَّهَا، كـ (هان) فهو هَيِّنٌ، و (بان) فهو بَيِّنٌ، و (مات) فهو ميِّت، و (ساد) فهو سيِّد، وما جَرَى مَجْرَى ذلك. هذا أحدُها، وهو مجردُها أعني:(بان يَبْيَنُ فهو بَيِّن) ولم يُسمع هذا في اللغةِ العربيةِ إلا لازمًا.

أما الأوزانُ الثلاثةُ المزيدةُ من هذه المادةِ فهي قولهم

(1)

: (أَبَانَ) وقولُهم: (بَيَّنَ) وقولُهم: (اسْتَبَانَ) يأتِي مزيدُه على: (أَفْعَل) وعلى: (فَعَّل) وعلى: (اسْتَفعَل). وهذه الأوزانُ الثلاثةُ من (بَانَ يَبِينُ) مزيدةٌ تكونُ متعديةً ولازمةً، وقد جاءت كُلُّهَا في القرآنِ، وجاء كلامُ العلماءِ في تَعَدِّيهَا ولزومِها في القرآنِ. أما (أبان) مزيدةً بالهمزةِ على وزنِ (أفعل) فالعربُ تُعَدِّيهِ وتقولُ:«أَبَانَ الأَمْرَ يُبِينُهُ إبانةً» فهي (أَفْعَل) متعديةً للمفعولِ، واسمُ الفاعلِ منه (مُبِينٌ) واسمُ المفعولِ (مُبَانٌ) وقد تأتِي (أبان) لازمةً، ويكثرُ لزومُها في القرآن، تقول العربُ:«أبان الشيءُ يُبِينُ» بمعنَى: بان في نفسِه وَظَهَرَ لازمًا، وهو معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه:«كِتَابٌ مُبِينٌ» أي: بَيِّنٌ ظَاهِرٌ وَاضِحٌ.

(1)

مضى عند تفسير الآية (55) من سورة الأنعام.

ص: 582

ومن إتيانِ (أبان) لازمةً غيرَ متعديةٍ للمفعولِ قولُ جريرٍ وهو عَرَبِيٌّ قُحٌّ

(1)

:

إِذَا آبَاؤُنَا وَأَبُوكَ عُدُّوا

أَبَانَ الْمُقْرِفَاتِ مِنَ العِرَابِ

أي: ظَهَرَتْ وَاتَّضَحَتْ. من غيرِ تعديةٍ للمفعولِ، ونظيرُه قولُ عمرَ بنِ أبِي ربيعةَ المخزوميِّ، وهو عربيٌّ قُحٌّ أيضا

(2)

:

لَوْ دَبَّ ذَرٌ فَوْقَ ضَاحِي جِلْدِهَا

لأَبَانَ مِنْ آثَارِهِنَّ حُدُورُ

أَيْ: لظهرَ واتضحَ من آثارِهن حدورٌ، أي: وَرَمٌ. هذا مَعْرُوفٌ.

الوزنُ الثانِي: (بَيَّنَ) وقد يأتِي لازمًا ومتعديًا، تقول العرب:«بَيَّنْتُ له الأمرَ أُبِينُهُ تبيينًا» . متعديًا، وتقولُ العربُ:«بَيَّنَ الأمرُ» بمعنَى: بَانَ وَاتَّضَحَ، ومنه المثلُ المعروفُ (بَيَّنَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ)

(3)

أي: بَانَ وَاتَّضَحَ، ومن شواهدِها المعروفةِ: قولُ قيسِ بنِ ذُرَيْحٍ

(4)

:

وَلِلْحُبِّ آيَاتٌ تَبَيَّنُ بِالْفَتَى

شُحُوبٌ وَتَعْرَى مِنْ يَدَيْهِ الأَصَابِعُ

فهذا البيتُ روايتُه المشهورةُ: (شحوبٌ) بضمِّ الباءِ، والمعنَى: وللحب علاماتٌ تَبَيَّنُ أي: تظهرُ وتَبِينُ بالفتى، وهي شحوبٌ إلى آخِرِه. وأنشدَ بيتَ ابنِ ذُريح هذا ثعلبٌ:

وِلِلْحُبِّ آيَاتٌ تُبَيِّنُ بِالْفَتَى

شُحُوبًا. . . . . . . . . . . . . . .

(1)

مضى عند تفسير الآية (46) من سورة الأنعام.

(2)

مضى عند تفسير الآية (55) من سورة الأنعام.

(3)

السابق.

(4)

السابق.

ص: 583

بالنصبِ، وعليه فَلَا شَاهِدَ في البيتِ. ومن هذا المعنَى قولُ جريرٍ التميميِّ يمدحُ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ

(1)

:

رَأَى النَّاسُ الْبَصِيرَةَ فَاسَتَقَلُّوا

وَبَيَّنَتِ الْمِرَاضُ مِنَ الصِّحَاحِ

أي: ظَهَرَتْ وَاتَّضَحَتْ.

الوجهُ الثاني: (اسْتَبَانَ) وقد جاء في القرآنِ، والقراءتانِ في الآيةِ على إحداهما تكونُ (استبان) لازمةً، وعلى الأخرى متعديةً، وهي قولُه:{وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: آية 55]{ولتستبين سبيل المجرمين} فعلى رفعِ {سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} فـ (استبان) لازمةٌ. أي: تستبين سبيلُ المجرمين: تتضحُ وتظهرُ. وعلى قراءةِ النصبِ: {ولتستبين سبيلَ المجرمين} فـ (تستبين) متعديةٌ و (سبيلَ) مفعولٌ به، لتستبينَ أنتَ يا نبيَّ اللَّهِ سبيلَ المجرمين

(2)

.

هذا أصلُ هذه المادةِ، وما جاء منها في القرآنِ، وما جاء من لغاتِها. والعادةُ في التفسيرِ أن الكلمةَ التي يَكْثُرُ تَكَرُّرُهَا في القرآنِ يُشْبَعُ الكلامُ عليها في موضعٍ واحدٍ لا يُعَادُ؛ ولذلك تَكَلَّمْنَا عليها هنا.

ومعنَى قولِه: {قَدْ جَاءتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف: آية 85] أي معجزةٌ واضحةٌ لم تَتْرُكْ لكم عُذْرًا في التكذيبِ.

وقولُه: {فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ} كان قومُ شعيبٍ الذين أُرْسِلَ إليهم مِنْ أَخَسِّ الخلقِ معاملةً، كانوا يُطَفِّفُونَ المكيالَ

(1)

مضى عند تفسير الآية (55) من سورة الأنعام.

(2)

السابق.

ص: 584

والميزانَ، ويبخسونَ الناسَ أشياءَهم، ويأخذونَ المكوسَ، ويقطعونَ الطريقَ، وَيَصُدُّونَ مَنْ أَرَادَ الإسلامَ عن الإسلامِ، فبعثَ اللَّهُ إليهم هذا النبيَّ الكريمَ؛ لينهاهم عن هذه المنكراتِ؛ ولذا قال لهم:{فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ} لَا شَكَّ أن إيفاءَ الكيلِ يستلزمُ إيفاءَ المكيالِ، وإيفاء المكيالِ يستلزمُ إيفاءَ الكيلِ حيث إنه آلَتُهُ، فإذا استوفَى الفعل استوفى كيل الآلةِ، وإذا استوفى مَلْء الآلةِ فقد استوفَى الفعل، فَهُمَا متلازمانِ، كُلٌّ منهما يكفِي عن الآخَرِ؛ ولذا فهو (جل وعلا) تارةً يُعَبِّرُ بالكيلِ كقولِه هنا:{فَأَوْفُوا الْكَيْلَ} وقولُه في الشعراءِ: {أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181)} [الشعراء: آية 181] وتارةً يُعَبِّرُ بآلةِ الكيلِ التي هي المكيالُ، كقولِه في سورةِ هودٍ:{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ} [هود: آية 84][13/ب] / فتعبيرُه تارةً بالمكيالِ وتارةً بالكيلِ يدلُّ على أن الْعِبَارَتَيْنِ متلازمتانِ، وَكُلٌّ منهما تُؤَدِّي معنَى الأخرى، وهو كذلك؛ لأن مَنْ أَوْفَى فِعْلَ الكيلِ لابد أن يملأَ الآلةَ كما ينبغي، وَمَنِ اسْتَوْفَى الآلةَ أي: مَلأَهَا تمامًا فقد استوفَى فِعْلَ الكيلِ، فهما متلازمانِ.

{فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ} [الأعراف: آية 85] عَبَّرَ في أحدِهما بالمصدرِ وفي الثانِي بالميزانِ الذي هو آلةُ الوزنِ، وقال قومٌ: الميزانُ هنا كالكيلِ، اسمُ مصدرٍ كالميعادِ بمعنَى الوعدِ، والميلادُ بمعنَى الولادةِ. والياءُ في الميزانِ منقلبةٌ عن واوٍ، أصلُه:(مِوْزَان) بالواوِ، سَكَنَتِ الواوُ بعد كسرٍ فوجب إبدالُها ياءً على القاعدةِ التصريفيةِ المشهورةِ

(1)

.

(1)

انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص279.

ص: 585

وَاللَّهُ (جل وعلا) مِنْ حِكَمِهِ البالغةِ، وتشريعاتِه الرائعةِ وَضْعُهُ المقاييسَ كالمكاييلِ والموازين؛ لأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الإنسانَ مُحْتَاجًا للنساءِ، وَمُفْتَقِرًا للغذاءِ، وخلق له ما في الأرضِ جميعًا، ولم يتركه سُدًى، فهو محتاجٌ للطعامِ الذي عِنْدَ أَخِيهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ المقاديرَ والمقاييسَ؛ ليأخذَ قَدْرًا مُعَيَّنًا معلومًا بدقةٍ ويدفعُ ثمنَه فينتفعُ به، وهو وصاحبُه كُلٌّ منهما طيبُ النفسِ. ولو لم تُجْعَلْ مقاييسُ وموازينُ وأشياءٌ دقيقةٌ يعلم بها كُلُّ ما أخذ وما دفع لكانوا يتهارشون على الحاجاتِ الضروريةِ تهارشَ الكلابِ، وَفَسَدَ نظامُ الدنيا، وهذا من تشريعِ خالقِ السماواتِ والأرضِ. وهذا معنَى قولِه:{فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ} [الأعراف: آية 85] والله (جل وعلا) في كتابِه شَدَّدَ في إيفاءِ الكيلِ والوزنِ تشديدًا بالغًا، وهددَ مَنْ يخونُ تهديدًا بالغًا، كما سيأتيكم في قولِه:{وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)} [المطففين: الآيات 1 - 6] وذلك لأَنَّ الطعامَ المكيلَ عليه أساسُ الدنيا؛ لأن البشرَ لا حياةَ لهم دينيةٌ ولا دنيويةٌ إلا بشيءٍ يأكلونَه، واللَّهُ يقولُ في الأنبياءِ الْكِرَامِ:{وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَاّ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} [الأنبياء: آية 8] فَلَمَّا كانت المكيلاتُ والموزوناتُ غالبًا أساسَ الحياةِ جاءَ الوحيُ المنزلُ والتشريعُ السماويُّ في شريعتِنا وغيرِها على شِدَّةِ المحافظةِ عليها.

وقولُه في هذه الآيةِ الكريمةِ: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} [الأعراف: آية 85] كانوا يَبْخَسُونَ الناسَ جميعَ أشيائِهم. والبخسُ في لغةِ العربِ التي نزل بها القرآنُ: النقصُ، العربُ تقولُ: بَخَسَهُ

ص: 586

حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ منه؛ ولذلك سَمَّوُا المكسَ (بخسًا) لأنه أَخْذٌ من أموالِ الناسِ ونقصٌ لها، ومنه قولُ الشاعرِ

(1)

:

أَفِي كُلِّ أَسْوَاقِ الْعِرَاقِ إِتَاوَةٌ

وَفِي كُلِّ مَا بَاعَ امْرِؤٌ بَخْسُ دِرْهَمِ

يعنِي: في كُلِّ ما باع امرؤٌ مكس درهم. وكانوا ينقصونَ أشياءَ الناسِ: تارةً يخدعونهم عنها، وتارةً يعيبونَها وَيُزَهِّدُونَهُمْ فيها، إلى غيرِ ذلك من أنواعِ البخسِ. وهذا معنَى قولِه:{وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} [الأعراف: آية 85] والأشياءُ: جمعُ شيءٍ، وهو - على التحقيقِ - ممنوعٌ من الصرفِ، وقد قَدَّمْنَا اختلافَ أهلِ العلمِ في الموجبِ الذي مَنَعَ لفظةَ (أشياء) من الصرفِ.

وهذه الآيةُ الكريمةُ تدلُّ على أن المسلمَ الإنسانَ لَا يجوزُ له أن يبخسَ أخاه شيئَه ولَا ينقصَه، فَيَحْرُمُ عليكَ أيها المسلمُ أن تعيبَ سلعةَ أَخِيكَ، وأن تزهدَه فيها، وأن تخدعَه عنها، كُلُّ ذلك من أفعالِ الكفرةِ - الحرامِ - وهذا يدلُّ على أن أموالَ الناسِ محترمةٌ، وأنه لا يجوزُ لأحدٍ أن يبخسَ أحدًا شيئًا، ولا أن ينقصَه شيئًا، فأموالُ الناسِ لا يجوزُ أَخْذُهَا.

وقد بَيَّنَ اللَّهُ (جل وعلا) في سورةِ النساءِ ما يدلُّ على أن اللَّهَ عَالِمٌ بأنه سيأتِي قومٌ يتخذونَ سبيلاً ووسيلةً من قولِهم: «هذا غَنِيٌّ وهذا فقيرٌ» إلى أن يظلموا هذا الغنيَّ بادعاءِ أنهم يَرُدُّونَ من مالِه على الفقيرِ للمساواةِ والعدالةِ!! وَاللَّهُ حَذَّرَ من هذا غايةَ التحذيرِ، وَنَهَى

(1)

البيت لزهير، وقيل: لجابر بن حيي التغلبي. وهو في شواهد الكشاف ص116 وشطره الثاني:

...................................

وما كل ما باع امرؤ مكس درهم

ص: 587

عنه غايةَ النهيِ، وهذا المحكمُ المنزلُ لَا تأتِي معضلةٌ في الزمانِ ولا يقعُ شَرٌّ إلا هو موجودٌ فيه وموجودٌ فيه دَوَاؤُهُ وَشِفَاؤُهُ، قال اللَّهُ تعالى في سورةِ النساءِ:{يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} [النساء: آية 135] فلا تقولوا: هذا غَنِيٌّ وهذا فقيرٌ، والعدالةُ الإنسانيةُ تستوجبُ أن نَبْتَزَّ غِنَى هذا لندفعَه لهذا لنساويهم!! لَا. لَا {إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى} فَبَيَّنَ أن أخذَ أموالِ الناسِ وابتزازَ ثرواتِهم بطريقِ:(هذا غَنِيٌّ وهذا فقيرٌ) اتِّبَاعٌ للهوى {فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا} ثم قال: {وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} .

قال تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ (85) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِّنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87) قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)} [الأعراف: الآيات 85 - 89].

يقول الله جل وعلا: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: آية 86].

ص: 588

هذا من كلامِ نَبِيِّ اللَّهِ شعيبٍ يُذَكِّرُ قومَه بنعمةِ اللَّهِ عليهم كي يشكروا نعمةَ الله فيتوبوا إلى اللهِ ويصدقوا رسولَه ويؤمنوا به.

وقولُه: {إِذْ} قال بعضُ العلماءِ: هو مفعولٌ به لا مفعول فيه. أي: اذْكُرُوا الوقتَ الذي كُنْتُمْ فيه قليلين فكثركم اللهُ وَأَنْعَمَ عليكم بالكثرةِ.

قال بعضُ العلماءِ: هو مفعولٌ فيه ووقت للذِّكْرِ

(1)

.

وقولُه جل وعلا: {وَاذْكُرُوا} اذْكُرُوا يا قوم {إِذْ كُنتُمْ} حينَ كنتُم {قَلِيلاً} قليلاً عَدَدُكُمْ {فَكَثَّرَكُمْ} اللَّهُ فجعل عددَكم كثيرًا. والكثرةُ تستلزمُ القوةَ؛ لأن الجمعَ الكثيرَ أقوى عادةً من الجمعِ القليلِ.

يقولُ المفسرونَ: إن مَدْيَنَ بنَ إبراهيمَ تَزَوَّجَ إحدى ابْنَتَيْ لوطٍ فولدت له فَرَمَى اللَّهُ في نسلِها البركةَ والنماءَ

(2)

؛ فلذا قال: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} [الأعراف: آية 86] كَثَّرَهُ: أي: جَعَلَهُ كثيرًا بعدَ أن كان قليلاً. والمعروفُ أن الكثرةَ بعدَ القلةِ أنها من نِعَمِ اللَّهِ التي تَسْتَوْجِبُ الشكرَ

(3)

، ومن هنا يعلمُ أن الذين يأتونَ بتشاريعِ الشيطانِ دائمًا يعكسونَ نورَ الوحيِ النازلِ على الأنبياءِ!! فَنَبِيُّ اللَّهِ شعيبٌ يذَكِّرُ قومَه بنعمةِ الكثرةِ بعدَ القلةِ، وأولياءُ الشيطانِ وأنصارُ نظامِ إبليسَ يقولونَ: يجبُ على الأُمَّةِ تحديدُ النسلِ (

)

(4)

(1)

انظر: الدر المصون (5/ 378).

(2)

انظر: البحر المحيط (4/ 340).

(3)

مضى عند تفسير الآية (151) من سورة الأنعام.

(4)

في هذا الموضع كلام غير واضح. ويمكن استدراك النقص بمراجعة كلام الشيخ رحمه الله في هذه المسألة عند تفسير الآية (151) من سورة الأنعام.

ص: 589

إشفاقًا، كما بَيَّنَّاهُ في قوله:{وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف: آية 85].

وَاعْلَمُوا أن ما قَالَهُ بعضُ المفسرين من أن الكثرةَ لا تستلزمُ العزةَ!! وأن الأقلِّين ربما كانوا أَعَزَّ من الأكثرين!! ويستدلونَ على هذا بشعرٍ للسموألِ بنِ عاديا (

)

(1)

في قولِه

(2)

:

تُعَيِّرُنَا أَنَّا قَلِيلٌ عَدِيدُنَا

فَقُلْتُ لَهَا إِنَّ الْكِرَامَ قَلِيلُ

وَمَا ضَرَّنَا أَنَّا قَلِيلٌ وَجَارُنَا

عَزِيزٌ وَجَارُ الأَكْثَرِينَ ذَلِيلُ

وهذا لا حجةَ فيه؛ لأَنَّ هذا الشاهدَ [من قولِ]

(3)

بعضِ الشعراءِ [الذين لا عبرةَ بقولهم]

(4)

والله يقولُ فيهم: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا} [الشعراء: الآيات 225 - 227] ولا شَكَّ أن الكثرةَ هي مظنةُ العزةِ والقوةِ، ونعمةٌ تستحقُّ الشكرَ، وهو الصحيحُ؛ ولذا قال الأعشى ميمونُ بنُ قيسٍ في مناظرةِ علقمةَ بنِ علاثةَ وعامرِ بنِ الطفيلِ

(5)

:

عَلْقَمَ، لَا لَسْتَ إِلَى عَامِرٍ

النَّاقِضِ الأَوْتَارَ وَالوَاتِرِ

(1)

في هذا الموضع كلام غير واضح. والكلام مستقيم بدونه.

(2)

البيتان في البحر المحيط (4/ 340)، الأمالي (1/ 269)، العقد الفريد (1/ 208)، وبينهما بيت آخر، وهو قوله:

وما قلَّ من كانت بقاياهُ مثْلُنَا

شبابٌ تسامَى للعُلَا وكُهولُ

(3)

في هذا الموضع كلام غير واضح. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.

(4)

في هذا الموضع كلام غير واضح. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.

(5)

ديوان الأعشى ص92، 93.

ص: 590

إلى أن قال:

ولَسْتَ بِالأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى

وَإِنَّمَا الْعِزَّةُ لِلْكَاثِرِ

فصرَّح بأن الكثرةَ تستلزمُ العزةَ، فهذا أفضلُ من قولِ السموألِ كما هو معروفٌ، وهذا معنَى قولِه:{وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} .

{وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: آية 86] العاقبةُ: من أسماءِ المصادرِ التي جاءت على وزنِ اسمِ فاعلٍ، فقد تقررَ في علمِ العربيةِ: أن المصدرَ ربما جاء بوزنِ (

)

(1)

كأن يأتِي بوزنِ اسمِ الفاعلِ أو اسمِ المفعولِ، فَمِنَ المصادرِ الآتيةِ على وزنِ (فاعل):(عاقبة) بمعنَى: العُقْبَى. اسمُ مصدرٍ و (الفاعلة) أصلُها وزنُ (اسم فاعل). ومنه (العافيةُ) بمعنَى: المعافاةِ في أوزانٍ قليلةٍ معروفةٍ. ومن إتيانِ المصدرِ بمعنَى اسمِ المفعولِ قولُهم: مأسورٌ ومقتولٌ ومعقولٌ (

)

(2)

كما هو معروفٌ في محلِّه.

والعاقبةُ هي ما يؤولُ إليه الأمرُ في حالِه آخِرًا، سُمِّيَتْ (عاقبةً) لأنها تُبَيِّنُ الحقائقَ عقبَ الأمرِ الأولِ (

)

(3)

وما يؤولُ الشيءُ إليه (

)

(4)

كما تقدمَ

(5)

. ومعنَى هذا أن نَبِيَّ اللَّهِ شعيبًا ذكَّر قومَه نِعَمَ اللهِ، أن يُنِيبُوا إلى اللهِ ويشكروا له، وَحَذَّرَهُمْ من الإفسادِ في الأرضِ، وَبَيَّنَ لهم عاقبةَ السوءِ كما كانت عاقبةُ قومِ نوحٍ، وقومِ هودٍ، وقومِ

(1)

في هذا الموضع كلمة غير واضحة.

(2)

في هذا الموضع كلام غير واضح.

(3)

في هذا الموضع كلام غير واضح. والكلام مستقيم بدونه.

(4)

في هذا الموضع كلام غير واضح. والكلام مستقيم بدونه.

(5)

مضى عند تفسير الآية (84) من سورة الأعراف.

ص: 591

صالحٍ، وقومِ لوطٍ، وكان لوطٌ غيرَ بعيدٍ من أهلِ مدينَ كما تَقَدَّمَ في أحدِ التفسيرين في قولِه:{وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنْكُمْ بِبَعِيدٍ} [هود: آية 89] وهذا معنَى قولِه: {وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} .

{وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87)} [الأعراف: آية 87].

قد آمَنَتْ لشعيبٍ طائفةٌ من قومِه كما يأتي في قولِه عن الكفارِ منهم: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا} الآيةَ [الأعراف: آية 88] فهذه الطائفةُ أَقَلُّ الطائفتين، فكانت طائفةٌ آمَنَتْ بشعيبٍ وطائفةٌ كَفَرَتْ به، فكانت تهددُ شعيبًا وقومَه بالإخلاءِ من الوطنِ والنفيِ من البلدِ أو يرجعوا إلى كفرِ الكفارِ فيكونوا معهم في كُفْرِهِمْ كما سيأتِي قريبًا.

فقال لهم نبيُّ اللهِ شعيبٌ: {وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ} لم تدخل تاءُ التأنيثِ هنا في قولِه: (كان) لأن تأنيثَ الطائفةِ تأنيثٌ غيرُ حقيقيٍّ؛ والفعلُ إذا أُسْنِدَ إلى مؤنثٍ تأنيثًا غيرَ حقيقيٍّ جازَ تجريدُه من التاءِ وإلحاقُ التاءِ له، كما هو معروفٌ

(1)

. {طَائِفَةٌ مِّنْكُمْ آمَنُوا} رُدَّ الضميرُ في قولِه: {آمَنُوا} ضميرَ جمعٍ على (الطائفة) نظرًا إلى المعنَى؛ لأن الطائفةَ اسمُ جمعٍ تدلُّ على أفرادٍ كثيرةٍ. وهذا معنَى قولِه: {طَائِفَةٌ مِّنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ} أي: آمنوا بما

(1)

مضى عند تفسير الآية (135) من سورة الأنعام.

ص: 592

أَرْسَلَنِي اللَّهُ به من إثباتِ التوحيدِ لله، وإيفاءِ المكيالِ والميزانِ، وعدمِ بخسِ الناسِ أشياءَهم، وعدمِ الإفسادِ في الأرضِ بعدَ إصلاحِها، ونحوِ ذلك.

{وَطَائِفَةٌ} أخرى {لَّمْ يُؤْمِنُوا} بي بل كفروا، وصارت الطائفتانِ طائفتين مختلفتين كُلٌّ منهما تقولُ: إننا على الحقِّ والأخرى على الباطلِ {فَاصْبِرُوا} انتظروا قضاءَ اللهِ وحكمَه حتى يحكمَ بيننا وهو خيرُ مَنْ يَحْكُمُ. وفي هذا أعظمُ تهديدٍ، فالكفارُ يَرَوْنَ حكمَ الله سيأتِي بإهلاكِ الظالمِ الكافرِ وإنجاءِ المسلمِ، وقد حَكَمَ اللَّهُ بينهم هذا الحكمَ المنتظرَ في قولِه:{وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا} ثم قال: {وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95)} [هود: الآيتان 94، 95] هذا حكمُ اللهِ جاء مُبَيَّنًا في سورةِ هودٍ، وستأتِي الإشارةُ إليه هنا في سورةِ الأعرافِ

(1)

. وهذا معنَى قولِه: {فَاصْبِرُوا} [الأعراف: آية 87] أي: انْتَظِرُوا وَتَرَبَّصُوا.

{حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا} حتى حَرْفُ غايةٍ، والفعلُ المضارعُ بعدَها منصوبٌ بـ (أن) مضمرةً، وهو في محلِّ جرِّ بمعنَى {حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ} إلى أن يحكمَ اللَّهُ {بَيْنَنَا} إلى أن يأتيَ حكمُ اللَّهِ بَيْنَنَا. فالمقصودُ أن حكمَ اللهِ عاقبتُه لنا فيهلك الكافرُ وينجي المسلمُ كما لا يَخْفَى.

{وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [الأعراف: آية 87] جل وعلا. (خَيْرٌ) هنا صيغةُ تفضيلٍ؛ لأن مِنَ الناسِ مَنْ يحكم، في الدنيا حُكَّامٌ

(1)

انظر: الأضواء (2/ 327).

ص: 593

يحكمون، ربما حَكَمُوا بعدلٍ وتشريفٍ وَطُهْرٍ، إلا أن اللَّهَ خيرُ مَنْ يَحْكُمُ - جل وعلا - لأنه لَا يَخْفَى عليه الحقُّ مِنَ الباطلِ، ولا يفعلُ إلا ما هو في غايةِ الصوابِ والسدادِ والحكمةِ؛ ولذا قال:{وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} .

{قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88)} [الأعراف: آية 88].

لَمَّا قال اللَّهُ (جل وعلا) عن شعيبٍ هذا الكلامَ العظيمَ الذي خَاطَبَ به قومَه أجابَ أشرافُ قومِه بهذا الجوابِ السخيفِ الخسيسِ: {قَالَ الْمَلأُ} الملأُ: أشرافُ الجماعةِ من الذكورِ

(1)

، قال بعضُ العلماءِ: سُمُّوا ملأً لأنهم يملؤون صدورَ المجالسِ بقاماتِهم الوافيةِ، وقال بعضُ العلماءِ: سُمُّوا ملأً لأنهم هم الذين يتمالؤون على العقدِ والحلِّ حيث إنهم أشرفُ رجالِ البلدِ.

قولُه: {الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} أي: تَكَبَّرُوا عن أن يكونوا أَتْبَاعًا لشعيبٍ ويُقرُّوا بقولِه. قالوا: لشعيبٍ رَادِّينَ عليه أخسَّ رَدٍّ وأسخفَه: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ} اللامُ موطئةٌ لقسمٍ محذوفٍ، والمعنَى: وَاللَّهِ لنخرجنك يا شعيبُ {وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا} قولُه: {وَالَّذِينَ} معطوفٌ على الضميرِ المنصوبِ. ومعلومٌ في علمِ العربيةِ أن الضمائرَ المنصوبةَ يجوزُ العطفُ عليها بلا قَيْدٍ ولا شَرْطٍ، والذي يذكرونَ فيه بعضَ الشروطِ هو العطفُ على الضمائرِ المرفوعةِ المتصلةِ، والضمائرِ المنخفضةِ، كما هو مُقَرَّرٌ في محله. وكان من

(1)

مضى عند تفسير الآية (60) من هذه السورة.

ص: 594

سفاهتِهم ووقاحتِهم أن نَادَوْهُ باسمِه مُجَرَّدًا {يَا شُعَيْبُ} كما يُنَادَى أحدُ الناسِ، وهو نَبِيٌّ كَرِيمٌ!! {لَنُخْرِجَنَّكَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} فـ (أو) هذه هي التي يسميها النظارُ: مانعةَ الخلوِّ. وكما أنهم أَقْسَمُوا أن لا يخلُو المقامُ من إحدى حَالَتَيْنِ: إما أن يُخْرِجُوا شعيبًا، وأما أن يعودَ هو وقومُه في ملتِهم، فلا بد من إحدى الاثنتين؛ فهي مانعةُ خلوٍّ. والمعنَى: أن إقسامَهم أن الحالَ لا يَخْلُو من أحدِ أمرين: إما إخراجُ شعيبٍ وَمَنْ آمَنَ به، أو يدخلَ في ملةِ الكفارِ. لا بد من أحدهما. وهذا معنَى قولِه:{أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} .

وفي هذه الآيةِ الكريمةِ سؤالٌ معروفٌ مشهورٌ؛ لأن ظاهرَ القرآنِ هنا أن شعيبًا قد دَخَلَ في ملتهم سابقًا يومًا؛ لأَنَّ قولَهم مخاطبونَ له: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} وقول شعيبٍ مُجِيبًا لهم: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا} [الأعراف: آية 89] يدلُّ بظاهرِه على أنه قد كان فيها سابقًا يومًا ما. وأكثرُ العلماءِ يقولونَ: إن الأنبياءَ (صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم) معادنُ وَحْيٍ، ومحلُّ الخيرِ، واللهُ يقول:{اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: آية 124] وفي القراءةِ الأخرى

(1)

: {حَيْثُ يَجْعَلُ رسالاته} فلا يكفرونَ بالله لأَنَّ فِطْرَتَهُمْ التي وُلدوا عليها لا يُبَدِّلُهَا اللَّهُ بالكفرِ لمكانتهم عنده، فبعضُ العلماءِ يقولُ: لو فَرَضْنَا أنهم وقعَ منهم بعضُ الشركِ وأنابوا إلى اللَّهِ [فإنهم يصيرونَ إلى مثلِ حالهم]

(2)

قَبْلَهُ وصارَ كأنه لم يَكُنْ.

(1)

انظر: إتحاف فضلاء البشر (2/ 29)، حجة القراءات ص270.

(2)

في هذا الموضع كلام غير واضح. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.

ص: 595

وأكثرُ الأصوليين وعلماءِ التفسيرِ أن شعيبًا لم يكن كافرًا يومًا ما. ويجابُ عن ظاهرِ الآيةِ بِجَوَابَيْنِ

(1)

:

أحدُهما: أن العربَ تطلقُ لفظةَ (عَادَ) تُطلقه إطلاقين:

أحدُهما: عَادَ إلى أمرٍ كان فيه سَابِقًا.

والثاني: تقولُ العربُ: «عَادَ كذا كذا» بمعنَى (صار) إلى كذا من جَدِيدٍ

(2)

، ومنه [قولُهم: عادَ الطينُ خزفًا، وعادَ الخمرُ خَلاًّ]

(3)

ولا شَكَّ أن هذا الاستعمالَ موجودٌ في (عَادَ) تقولُ العربُ: عَادَ [رجلاً]

(4)

فلان. أي: صارَ إلى [الرجولةِ]

(5)

ولم يتقدمه [وصفٌ مماثلٌ قَبْلَهَا]

(6)

ومنه بهذا المعنَى قولُ الشاعرِ:

[وَرَبَّيْتُهُ حَتَّى إِذَا مَا تَرَكْتُهُ

أَخَا الْقوْمِ وَاسْتَغْنَى عَنِ الْمَسْحِ شَارِبُهْ

وَبِالْمَحْضِ حَتَّى عَادَ جَعْدًا عَنَطْنَطًا

إِذَا قَامَ سَاوَى غَارِبَ الْفَحْلِ غَارِبُهْ]

(7)

(1)

انظر: القرطبي (7/ 250)، البحر المحيط (4/ 342)، الدر المصون (5/ 379).

(2)

انظر: فقه اللغة للثعالبي ص355.

(3)

في هذا الموضع كلام غير واضح. وما بين المعقوفين [

] زيادة يتم بها الكلام.

(4)

في هذا الموضع كلام غير واضح. وما بين المعقوفين [

] زيادة يتم بها الكلام.

(5)

في هذا الموضع كلام غير واضح. وما بين المعقوفين [

] زيادة يتم بها الكلام.

(6)

في هذا الموضع كلام غير واضح. وما بين المعقوفين [

] زيادة يتم بها الكلام.

(7)

في هذا الموضع كلام غير واضح. والبيتان بين المعقوفين في الدر المصون (5/ 379).

ص: 596

قالوا: معناه [صار جَعْدًا]

(1)

.

الوجهُ الثاني: وبه قال غيرُ واحدٍ: أن نَبِيَّ اللَّهِ شُعَيْبًا كان معه جماعةٌ من قومِه آمنوا به، فالذين آمنوا به من قومِه كانوا كُفَّارًا على ملةِ قومِهم، وهم عددٌ كثيرٌ، وهو رجلٌ واحدٌ [فعُبِّر]

(2)

باسمِ العددِ الكثيرِ وَغَلَّبُوهُ على ذلك الواحدِ، والتزمَ معهم شعيبٌ في هذا الخطابِ تَغْلِيبًا لقومِه الأكثرين. وظاهرُ كلامِ ابنِ جريرٍ رحمه الله في تفسيرِ هذه الآيةِ الكريمةِ من سورةِ الأعرافِ ذَاهِبًا أن شعيبًا كان معهم - سابقًا - على مِلَّتِهِمْ، وكذلك قال صَرِيحًا عن إبراهيمَ في قولِه:{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي} [الأنعام: آية 76] فنقل ابنُ جريرٍ عن ابنِ عباسٍ أن إبراهيمَ كان يظنُّ ربوبيةَ الكوكبِ في ذلك الزمنِ. ونحنُ نقولُ: إن قولَه في الخليلِ إبراهيمَ غَلَطٌ مَحْضٌ لا شَكَّ فيه، وَإِنْ نَسَبَهُ إلى ابنِ عباسٍ؛ لأن الآياتِ القرآنيةَ صَرَّحَتْ بأن إبراهيمَ لم يكن من المشركين، ونفى عنه الشركَ في الكونِ الماضِي، والكونُ الماضِي يستغرقُ كُلَّ الزمنِ، كقولِه:{مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67)} [آل عمران: آية 67] قولُه: {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} نَفَى الشِّرْكَ عن إبراهيمَ في الكونِ الماضِي، والكونُ الماضِي مستغرقٌ. ومنه قولُه تعالى:{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)} [النحل: آية 120] ونحو ذلك من الآياتِ، فنفيُ هذا عن إبراهيمَ صريحٌ، ونفيُه

(1)

في هذا الموضع كلام غير واضح. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.

(2)

في هذا الموضع كلام غير واضح، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.

ص: 597

عن شعيبٍ لم يَقُمْ دليلٌ عليه في الصراحةِ كإبراهيمَ. وأقوالُ أهلِ العلمِ قد ذَكَرْنَاهَا لكم الآنَ فيه. وهذا معنَى قولِه: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} الملةُ: الشريعةُ والدِّينُ.

قال بعضُ العلماءِ: أصلُها مشتقةٌ من الإملالِ، والإملالُ - بِلَامَيْنِ - هو الإملاءُ، وهو أن تُلْقِيَ على الكاتبِ الجملةَ ليكتبَها ثم تلقيَ عليه جملةً أخرى، قالوا:[وجه كون]

(1)

الشرائعِ كالإملاءِ: أنها تقعُ كذلك مفرقةً شيئًا بعدَ شيءٍ كما تقعُ جملةُ الكتابةِ إملاءً مفرقةً حتى تَتِمَّ. وعلى كُلِّ حالٍ فَالْمِلَّةُ: الشريعةُ والدينُ، وملتهم كافرةٌ، والعياذُ بالله.

قال لهم نَبِيُّ اللَّهِ شعيبٌ: {أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} [الأعراف: آية 88] والتحقيقُ من القولين أن همزةَ الاستفهامِ هنا تتعلقُ بمحذوفٍ، والواوُ عاطفةٌ على ذلك المحذوفِ، هذا أظهرُ القولين اللَّذَيْنِ بَيَّنَّاهُمَا مرارًا في هذه الدروسِ

(2)

، وإليه يَلْمَحُ ابنُ مالكٍ في خلاصتِه بقولِه في بابِ العطفِ:

وَحَذْفُ مَتْبُوعٍ بَدَا هُنَا اسْتَبِحْ

..............................

(3)

كما هو معروفٌ في محلِّه، ويكونُ المعنَى: أتُكرهونا على العَوْدِ في ملتِكم وإن كُنَّا كارهين فَتُخْرِجُونَنَا من مقامِنا قَهْرًا ولو كنا كَارِهِينَ لذلك؟! هذا معنَى قولِه: {أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} الاستفهامُ هنا للإنكارِ، أنكرَ عليهم هذا القولَ السخيفَ [مع بيانِ كراهتِه له]

(4)

.

(1)

في الأصل: «وهو» وما بين المعقوفين [] زيادة ينتظم بها الكلام.

(2)

انظر: البحر المحيط (4/ 343)، الدر المصون (5/ 381).

(3)

مضى عند تفسير الآية (75) من سورة البقرة.

(4)

في هذا الموضع كلام غير واضح، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.

ص: 598

ثم قال: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الأعراف: آية 89] فهذه الجملةُ معلقةٌ على شَرْطٍ، والمعلقُ على الشرطِ لَا يُعْرَفُ كذبُه ولا صدقُه إلا بوجودِ الشرطِ أو عدمِه، وهذا معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، تقولُ: قد وقعَ كذا إن كان كذا. فإن كان الشرطُ مَنْفِيًّا انتفى المشروطُ، والمعنَى: قد افْتَرَيْنَا على اللَّهِ كذبًا إن عُدْنَا في مِلَّتِكُمْ. المعروفُ عند البصريين أن الشرطَ إذا تَقَدَّمَهُ ما يكونُ جزاءً أنه يكونُ دليلاً على الجزاءِ المقدَّر، والكوفيونَ لا يمنعونَ تقدمَ الجزاءِ على الشرطِ. فعلى قولِ الكوفيين لا مانعَ من أن يكونَ المعنَى: إِنْ عُدْنَا في ملتكم فقد افْتَرَيْنَا على اللَّهِ الكذبَ، وأن قولَه:{قَدِ افْتَرَيْنَا} هو جزاءُ الشرطِ قُدِّمَ عليه في قولِه: {إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ} .

والثاني: على مذهبِ البصريين من النحاةِ: أن جزاءَ الشرطِ لا يتقدمُ عليه ولكنه يدلُّ عليه، وعلى قولِهم فجزاءُ الشرطِ مقدرٌ تقديره: إِنْ عُدْنَا في ملتكم فقد افترينا على اللهِ كَذِبًا، والمعنَى: أن ملةَ الكفارِ كُلَّهَا كَذِبٌ وزورٌ وبهتانٌ، يدَّعونَ لِلَّهِ الأولادَ، ويجعلونَ له الأندادَ، ويُكَذِّبونَه ويُكَذِّبونَ رُسُلَهُ، فكلُّها كَذِبٌ وافتراءٌ، والعائدُ إليها عائدٌ إلى أعظمِ الكذبِ والافتراءِ، وهذا معنَى قولِه:{قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} .

الصحيحُ أن الكذبَ هو: عدمُ مطابقةِ الكلامِ للواقعِ في نفسِ الأَمْرِ

(1)

، والأقوالُ فيه معروفةٌ يذكرها البلاغيونَ في فَنِّ المعانِي.

{إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ} أي: رَجَعْنَا إليها، وهذا بالنسبةِ إلى غيرِ شعيبٍ ظاهرٌ أي: أُلْجِئْنَا إليها بالنظرِ إلى شعيبٍ كما ذَكَرْنَاهُ.

(1)

مضى عند تفسير الآية (93) من سورة الأنعام.

ص: 599

{بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا} [الأعراف: آية 89] وقولُه: {بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا} قرينةٌ على أنه عودٌ بعدَ ملابسةٍ سابقةٍ لقولِه: {بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا} لأَنَّ الجماعةَ الذين آمنوا لشعيبٍ كانوا كَافِرِينَ، وهذا معنَى قولِه:{بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا} أَنْقَذَنَا اللَّهُ من الكفرِ وعبادةِ الأوثانِ وغيرِ دلك بِأَنْ بَعَثَ إلينا نَبِيًّا كريمًا معه المعجزاتُ الواضحةُ تدلُّ على صِدْقِهِ، كما تَقَدَّمَ في قولِه: {قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ

} الآيةَ [الأعراف: آية 85].

ثم قال: {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا} {وَمَا يَكُونُ لَنَا} [الأعراف: آية 89] معناه: ما يَصِحُّ لنا، وما ينبغي مِنَّا، ولا يمكنُ لنا {أَنْ نَّعُودَ فِيهَا} أن نرجعَ إليها، أو أن نصلَ إليها كما قِيلَ، فَنَبِيُّ الله شعيبٌ لمَّا تَبَرَّأَ من الملةِ الكافريةِ، وقال إنهم إن عَادُوا إليها فقد افْتَرَوْا على اللَّهِ كَذِبًا، فَوَّضَ جميعَ أَمْرِهِ إلى اللَّهِ، وَبَيَّنَ أن الأمورَ كُلَّهَا بيدِ الله، فهو الذي بيدِه الهدايةُ وإليه الضلالُ، فإن نَبِيَّ اللَّهِ شعيبًا وإن كان من خيارِ المرسلين لَا يهديه ويوفقُه إلا رَبُّهُ - جل وعلا - وهذه عادةُ العارفينَ بالله يعلمونَ أنه لَا توفيقَ إلا بتوفيقِ اللَّهِ {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} [المائدة: آية 41] {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ} [النحل: آية 37] ونحو ذلك من الآياتِ.

{إِلَاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا} يريدُ رَبُّنَا بمشيئتِه الكونيةِ القدريةِ شيئًا فلا مَفَرَّ ولَا مَوْئِلَ عما شَاءَ وَقَدَّرَ.

{وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} (علمًا) هنا: تمييزٌ محوَّلٌ عن الفاعلِ، أصلُه فاعل (وسع) فَأُعْطِيَ الفعلُ فاعلاً آخَرَ وَحُوِّلَ التمييزُ عن الفاعلِ. معنَى {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} أي: وَسِعَ علمُه كُلَّ شيءٍ، فَاللَّهُ يعلمُ كُلَّ شيءٍ، ويعلمُ ما هو أَعَمُّ من الشيءِ؛ لأن المعدومَ في مذهبِ أهلِ

ص: 600

السنةِ والجماعةِ ليس بشيءٍ

(1)

،

وَاللَّهُ يعلمُ المعدومَ الذي ليس بشيءٍ، فهو (جل وعلا) يعلمُ الموجوداتِ والمعدوماتِ والجائزاتِ والمستحيلاتِ، فإنه بإحاطةِ عِلْمِهِ ليعلمُ المعدومَ الذي سَبَقَ في سابقِ عِلْمِهِ أنه لا يوجدُ، وهو يعلمُ أن ذلك المعدومَ الذي لا يُوجَدُ أن لَوْ وُجِدَ كيف يكونُ، فهو يعلمُ مثلاً: أن أبا لَهَبٍ لَنْ يُؤْمِنَ، ومع ذلك يعلمُ لو آمَنَ أبو لهبٍ أيكونُ إيمانُه تَامًّا أو ناقصًا، كما لا يَخْفَى، وكونُه (جل وعلا) يعلمُ المعدومَ الذي لا يوجدُ أن لو وُجِدَ كيفَ يكونُ، دَلَّتْ عليه آياتٌ كثيرةٌ من كتابِ اللَّهِ، من الآياتِ الدالةِ على ذلك: أن الكفارَ يومَ القيامةِ إذا رَأَوُا النارَ، وَعَايَنُوا صدقَ ما جاءت به الرسلُ، وندموا وقد فَاتَتِ الْفُرْصَةُ نَدِمُوا حيث لا ينفعُ الندمُ، وَتَمَنَّوْا أن يُرَدُّوا إلى الدنيا مرةً أخرى ليُصدقوا الرسلَ، واللَّهُ يعلمُ أنه لا يَرُدُّهُمْ إلى الدنيا مرةً ثانيةً، فقد بَيَّنَ في سورةِ الأنعامِ أن هذا الردَّ الذي عَلِمَ أنه لا يكونُ، بَيَّنَ أنه لو كان لَعَلِمَ كيفَ يكونُ؛ وَلِذَا قال:{وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: آية 28] فهو يعلمُ أنهم لا يُرَدُّونَ ويعلمُ لو رُدُّوا ماذا يكونُ، كما صَرَّحَ بقولِه:{وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [لأنعام: آية 28] والمتخلفونَ عن غزوةِ تبوكَ لا يَحْضُرُونَهَا أبدًا؛ لأَنَّ اللَّهَ هو الذي ثَبَّطَهُمْ عنها بإرادتِه لحكمةٍ، كما بَيَّنَهُ بقولِه:{وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46)} [التوبة: آية 46] وهذا الخروجُ الذي لَا يكونُ قد عَلِمَ (جل وعلا) أَنْ لو كان كيفَ يكونُ، كما صَرَّحَ به في قولِه:{لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَاّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ}

(1)

مضى عند تفسير الآية (96) من سورة الأنعام ..

ص: 601

الآيةَ [التوبة: آية 47] وهذا كثيرٌ في كتابِ اللَّهِ كقولِه جل وعلا: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّنْ ضُرٍّ

لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75)} [المؤمنون: آية 75] هذا هو العلمُ المحيطُ بكلِّ شيءٍ في الجائزاتِ والمعدوماتِ والمستحيلاتِ، والمعدومُ الذي لا يُوجَدُ أن لو وُجِدَ كيف يكونُ، أما الخلقُ فإنهم لا يعلمونَ من العلومِ إلا ما عَلَّمَهُمْ خالقُ السماواتِ والأرضِ (جل وعلا). وسنوضحُ لكم ذلك بأمثلةٍ قرآنيةٍ:

فَمِمَّا لا يَخْفَى عليكم أن أَعْلَمَ المخلوقاتِ وأفضلَهم الملائكةُ والرسلُ عليهم جميعًا صلاةُ اللَّهِ وسلامُه، فالملائكةُ جميعًا - مع عِلْمِهِمْ - لَمَّا قال لهم اللَّهُ:{أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: آية 31] أَطْبَقُوا كلُّهم على جوابٍ واحدٍ: {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَاّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)} [البقرة: آية 32] فقولُهم: {لَا عِلْمَ لَنَا} بُنِيَتِ النكرةُ مع (لا) وذلك لا يكونُ إلا في لَا التي لنفيِ الجنسِ، فالملائكةُ نَفَوْا جِنْسَ العلمِ من أصلِه عنهم، ولم يَسْتَثْنُوا إلا ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ إياه.

وكذلك وقائعُ الرسلِ القرآنيةِ - صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهم - هذا سيدُ الخلقِ، وأعلمُ الناسِ، وأفضلُ الرسلِ، سيدُنا محمدٌ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه)، رُمِيَتْ أَحَبُّ أزواجِه إليه - أُمُّ المؤمنينَ عائشةُ - بأعظمِ فريةٍ وأكبرِ مُنْكَرٍ أنها فَعَلَتْهُ مع صفوانَ بنِ معطلٍ السلميِّ، وهو صلى الله عليه وسلم لَا يعلمُ ما قالوه عنها أَهُوَ حَقٌّ؟!! أم هو كَذِبٌ؟!! ولذا كان يقولُ:«كَيْفَ تِيكُمْ؟» وقالت رضي الله عنها إنها في ذلك المرضِ أيامَ قولِ الناسِ عليها مسألةَ الإفكِ قالت: فَقَدْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اللطفَ الذي كنتُ أعرفُه منه. وهي لا تَدْرِي ما قيلَ عنها.

ص: 602

وكان يقولُ لها: «يَا عَائِشَةُ إِنْ كُنْتِ قَدْ فَعَلْتِ شَيْئًا فَتُوبِي، فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْكِ، وَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ» . ولم يَدْرِ عن الحقيقةِ، حتى عَلَّمَهُ الحكيمُ الخبيرُ خالقُ السماواتِ والأرضِ الذي لا تَخْفَى عليه خافيةٌ وقال له: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ

} الآيات العشر إلى قولِه: {أُولَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور: آية 26] وَلِذَا لَمَّا قالت لها أُمُّهَا أُمُّ رومانَ: قُومِي إليه فَاحْمَدِيهِ. قالت: واللَّهِ لا أحمدُه، ولا أَحْمَدُ اليومَ إلا اللَّهَ؛ لأنه هو الذي بَرَّأَنِي

(1)

.

وهذا نَبِيُّ اللَّهِ إبراهيمُ - وهو هو - صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه جاء بتاريخِ القرآنِ أنه ذَبَحَ عجلَه للملائكةِ يظنُّ أنهم يأكلونَ، وَتَعِبَ في إنضاجِه، ولم يَدْرِ أن ضيوفَه ملائكةٌ؛ ولذا خَافَ منهم وأخبرَهم بأنه خافَ منهم في سورةِ الحجرِ في قولِه تعالى عنه:{قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} [الحجر: آية 52] ولم يَدْرِ عنهم شيئًا حتى أَخْبَرُوهُ. وَلَمَّا جاءوا لنبيِّ اللَّهِ لوطٍ: {سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود: آية 77] فَظَنَّ أنهم شبابٌ يَفْعَلُ فيهم قومُه فاحشةَ اللواطِ، حتى جاءوه يدافعونَه عن البابِ ليدخلوا عليهم فيفعلوا بهم فاحشةَ اللواطِ، حتى قال ذلك الكلامَ المؤثرَ:{لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: آية 80] حتى أَعْلَمَهُ جبريلُ أنهم ملائكةُ اللَّهِ: {قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} [هود: آية 81] فعندَ ذلك عَلِمَ.

وهذا نَبِيُّ اللَّهِ نوحٌ مع جلالتِه وعظمةِ رُتْبَتِهِ في الأنبياءِ مِنْ أُولِي

(1)

مضى عند تفسير الآية (59) من سورة الأنعام.

ص: 603

العزمِ، قال:{رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} [هود: آية 45] كان يَظُنُّ أن ذلك الابنَ الكافرَ من الأهلِ الموعودِ بنجاتِهم، ولم يَعْلَمِ الحقيقةَ حتى قال له اللَّهُ:{يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِّنَ الْخَاسِرِينَ (47)} [هود: الآيتان 46، 47].

وهذا نَبِيُّ اللَّهِ يعقوبُ قال الله فيه: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ} [يوسف: آية 68]{وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف: آية 84] ولا يَدْرِي عن ولدِه يوسفَ شيئًا حتى كان يقولُ: {اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: آية 87].

وهذا سليمانُ سَخَّرَ له اللَّهُ الرياحَ والجنَّ، الريحُ غُدُوُّهَا شهرٌ وَرَوَاحُهَا شهرٌ، ما كان عندَه علمٌ عن مَأْرِبٍ - قريبًا من صنعاءَ باليمنِ - حتى جاءه الهدهدُ وتَمَدَّحَ عليه بما عَلِمَ من عِلْمِ جغرافيةِ وتاريخِ اليمنِ وسليمانُ يَجْهَلُهُ، وكان سليمانُ تَوَعَّدَ الهدهدَ في قولِه:{لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (21)} [النمل: آية 21] فلما جاء الهدهدُ معه بعضُ العلمِ عن تاريخِ مَأْرِبٍ - جماعةِ بلقيسَ من سبأٍ - بعضُ تاريخٍ وجغرافيةٍ عنهم، صَمَدَ أمامَ سليمانَ ولم يَرُعْهُ الوعيدُ الشديدُ من نَبِيٍّ مَلِكٍ، فنسب الإحاطةَ إلى نفسِه، وَنَفَاهَا عن سليمانَ، وقال له:{أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} الآية [النمل: آية 22][14 /أ] / كما هو معروفٌ. وإنما أَشَرْنَا إلى هذا لِنُبَيِّنَ أن الْعَالِمَ الحقيقيَّ هو اللَّهُ: {قُل لَاّ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَاّ اللَّهُ} [النمل: آية 65] فالملائكةُ والرسلُ

ص: 604

لا يعلمونَ إلا ما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ، والله يُعْلِمُ رسلَه وملائكتَه ما شاء من وَحْيِهِ

(1)

، وقد علَّم نَبِيَّنَا (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) عُلُومًا كثيرةً؛ ولو حَفِظَ الناسُ عنه ما أخبرهم به من الغيوبِ لَمَا مَضَى عليهم شيءٌ من البلايا والزعازعِ إلا وقد كان عندَهم خَبَرٌ منه صلى الله عليه وسلم، فهو أَخْبَرَ بكثيرٍ من الأمورِ، بعضُها حُفِظَ، وأكثرُها لم يَحْفَظْهُ الناسُ، صارت تُشَاهَدُ منه اليومَ غرائبُ عديدةٌ؛ لأنه ثَبَتَ في صحيحِ مسلمٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ (

)

(2)

القلاص فلا يُسْعَى عليها» هذا الحديثُ العظيمُ من غرائبِ وعجائبِ الإخبارِ بالغيبِ؛ لأنه ما كان أحدٌ في الدنيا يُصَدِّقُ أن الإبلَ تتركُ ولا تُقْطَعُ عليها المسافاتِ، فنحن في هذا الزمانِ شَاهَدْنَا صِدْقَ هذا الحديثِ بِأَعْيُنِنَا، نرى [ونشاهدُ]

(3)

الإبلَ محمولةً مع المتاعِ في السياراتِ!! وهذا من غرائبِ وعجائبِ الوحيِ التي أَخْبَرَ بها - صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه - ومن ذلك قوله: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ

» الحديثَ المشهورَ

(4)

ألا ترونَ كيف اتَّبَعَ

(1)

مضى عند تفسير الآية (59) من سورة الأنعام.

(2)

لم يتضح الكلام لضعف التسجيل ولفظ الحديث عند مسلم: «والله لينزلن ابن مريم حكمًا عادلاً، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتُتركن القلاص فلا يُسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد» .

مسلم في الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. حديث رقم (242)، (1/ 136).

(3)

في هذا الموضع كلمة غير واضحة، وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.

(4)

() البخاري في أحاديث الأنبياء، باب ما ذُكر عن بني إسرائيل، حديث رقم (3456)، (6/ 495)، وأخرجه في موضع آخر، حديث رقم (7320)، ومسلم في العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى، حديث رقم (2669)، (4/ 2054).

ص: 605

المسلمونَ النصارى واليهودَ - عياذًا بالله؟! وهذا معنَى قوله: {إِلَاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} .

{عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} [الأعراف: آية 89] هذا كلامُ نَبِيِّ اللِّه شعيبٍ، وتقديمُ المعمولِ الذي هو الجارُّ والمجرورُ يدلُّ على القصرِ

(1)

، أي: لَا نَتَوَكَّلُ إلا عليه وحدَه جل وعلا.

ثم قال: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} الفُتاحةُ في لغةِ حميرَ القديمةِ معناها: الحكمُ. كان الحميريونَ وغيرُهم من قبائلِ اليمنِ من قحطانيين يطلقونَ اسمَ الفُتاحةِ على القضاءِ، والفَتَّاح على الحاكمِ، والفتح على الْحُكْمِ، والقرآنُ جاءت فيه لغاتُ العربِ

(2)

.

ومعنَى: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا} [الأعراف: آية 89] أي: احْكُمْ بَيْنَنَا وبين قومِنا بالحقِّ، ومعلومٌ أن اللَّهَ لا يحكمُ إلا بالحقِّ.

{وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} أي: الحاكمين. وجاء في القرآنِ إطلاقُ الفتحِ على القضاءِ كثيرًا، كقولِه:{قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ} [السجدة: آية 29] وقولُه جل وعلا {ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} [سبأ: آية 26] إلى غيرِ ذلك من الآياتِ.

{وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ (90)} [الأعراف: الآية 90].

(1)

مضى عند تفسير الآية (47) من سورة البقرة.

(2)

مضى عند تفسير الآية (76) من سورة البقرة.

ص: 606

قَدَّمْنَا الكلامَ على قولِه: {وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} .

وقولُه: {لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ} ذَكَرَ هنا أَمْرَيْنِ كلاهما يحتاجُ]

(1)

إلى جوابٍ، أحدُهما الْقَسَمُ المدلولُ عليه باللامِ. والثاني: الشرطُ الذي من أدواتِه (إن) والقاعدةُ المقررةُ في علمِ العربيةِ أنه إذا اجْتَمَعَ قَسَمٌ وشرطٌ جِيءَ بجزاءِ السابقِ منهما، وَحُذِفَ جزاءُ الثاني؛ لدلالةِ جزاءِ الأولِ عليه

(2)

. والسابقُ هنا الْقَسَمُ، وإذا كان الجوابُ هنا جوابَ الْقَسَمِ

(3)

لم يُقْرَنْ بالفاءِ كما هو معروفٌ في مَحَلِّهِ، وهو قولُه:{إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ} [الأعراف: آية 90] أي: وقال الملأُ الذين كفروا من قومِ شعيبٍ، أي: لِمَنْ دُونَهُمْ: {لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا} وَاللَّهِ لئن اتبعتُم نبيَّ اللَّهِ شعيبًا {إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ} التحقيقُ أن التنوينَ في قولِه: {إِذًا} أنه تنوينُ عِوَضٍ، والمعنَى: إن اتبعتموه خَسِرْتُمْ، ومعنَى خسرانِهم هنا: يزعمونَ أنهم عندَ ذلك يشترونَ الضلالةَ بِالْهُدَى زاعمينَ أن الهدى هو الكفرُ الذي كانوا عليه، وأن اتباعَ نَبِيِّ اللَّهِ ضلالٌ كما هو مذكورٌ في إفسادِ الأرضِ بعدَ إصلاحِها، وَمِنْ خُسْرَانِهِمُ المزعومِ: أنهم كانوا ينتفعونَ بأموالِ الناسِ إذا أَضَلُّوهُمْ وَبَخَسُوهُمْ أشياءَهم وَطَفَّفُوا لهم المكيالَ والميزانَ، ونبيُّ اللَّهِ شعيبٌ يُضَيِّقُ عليهم هذه المصالحَ الدنيويةَ

(1)

في هذا الموضع انقطع التسجيل. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.

(2)

مضى عند تفسير الآية (57) من سورة الأنعام.

(3)

لعله سبق لسان، والمراد جواب الشرط كما هو معلوم. وفي وجوب اقترانه بالفاء تفصيل معروف. راجع: التوضيح والتكميل (2/ 316).

ص: 607

فيخسرونَ ما كانوا يأخذونَه من أموالِ الناس ظُلْمًا. هذا من خسرانِهم المزعومِ.

وهذه الآيةُ تُبَيِّنُ أن الكافرَ الضالَّ يدّعِي بكفرِه وضلالِه أنه هو عَيْنُ الْهُدَى، وأن الْهُدَى هو الخسرانُ والضلالُ كما كنا نُبَيِّنُهُ في آيةِ:{وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف: آية 85] وهذا معنَى قولِه: {وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ (90)} .

{فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} [الأعراف: آية 91] الفاءُ سببيةٌ، وقد تَقَرَّرَ في علمِ الأصولِ في مبحثِ مسلكِ الإيماءِ والتنبيهِ، وفي مبحثِ النصِّ والظاهرِ

(1)

أن الفاءَ تُذْكَرُ في التعليلِ لدلالتِها على السببيةِ، كقولِه:«سَهَى صلى الله عليه وسلم فَسَجَدَ» أي: لِعِلَّةِ سَهْوِهِ. «سَرَقَ السَّارِقُ فَقُطِعَتْ يَدُهُ» . أي: لِعِلَّةِ سرقتِه قالوا: {لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا} أي: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} أي: بسببِ كفرِهم وإلحادِهم.

وقولُه: {لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} الرجفةُ: معناه الزلزلةُ القويةُ التي تُؤَدِّي إلى تحريكٍ قَوِيٍّ عنيفٍ، فكلُّ مَا تَحَرَّكَ تحريكًا قويًّا عنيفًا فقد رَجَفَ، فالرجفةُ زلزلةٌ قويةٌ حَرَّكَتِ الأرضَ مِنْ تَحْتِهِمْ حتى اهتزت بهم هَزًّا عنيفًا أَدَّى إلى موتِهم. وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه: زلزلةُ القيامةِ لزلزلتِها الأرضَ وتحريكِها إياها تحريكًا عنيفًا {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7)} [النازعات: الآيتان 6، 7] فهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ مشهورٌ، ومنه قولُ عنترةَ

(2)

:

(1)

مضى عند تفسير الآية (54) من سورة البقرة.

(2)

ديوان عنترة ص61.

ص: 608

مَتَى مَا تَلْقَنِي فَرْدَيْنِ تَرجُفْ

رَوَانِقُ أَلْيَتَيْكَ وتُسْتَطَارَا

وفي هذه الآيةِ الكريمةِ سؤالٌ معروفٌ مشهورٌ عند العلماءِ وطلبةِ العلمِ، وهو: أن اللهَ في هذه الآيةِ الكريمةِ من سورةِ الأعرافِ بَيَّنَ أن الذي أَهْلَكَ اللهُ به قومَ شعيبٍ رجفةٌ، حيث قال:{فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91)} [الأعراف: آية 91] جَاثِمِينَ: أي: مَوْتَى، وَكُلُّ واحدٍ منهم مُنْكَبٌّ على وجهِه لا روحَ في جسدِه، والجاثمُ: الذي يلزمُ مَحَلاًّ واحدًا، لَرُبَّمَا كان على وجهِه كما هو معروفٌ، ومنه قولُ زهيرٍ في معلقتِه

(1)

:

بِهَا العِينُ وَالآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً

وَأَطْلَاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ

المجثمُ: مكانُ الجثومِ، وهو المكانُ الذي كان فيه مُنْكَبًّا على وجهِه غالبًا. وهنا قال إن سببَ إهلاكِهم بالرجفةِ، وصرَّح بسورةِ هودٍ بأن سببَ إهلاكِهم صيحةٌ، حيث قال:{وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود: آية 94] وصرَّح في سورةِ الشعراءِ أن قومَ شعيبٍ أصحابَ الظلةِ كان عذابُهم في ظُلَّةٍ، المذكور فِي قولِه:{فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: آية 189] تارةً يُعَبِّرُ عن سببِ إهلاكِهم بالرجفةِ، وتارةً بالصيحةِ، وتارةً بالظُّلَّةِ، فهذا هو وجهُ السؤالِ المعروفِ في هذه الآياتِ

(2)

.

وحاصلُ الجوابِ: أن العلماءَ اختلفوا - كما قَدَّمْنَا - هل شعيبٌ أُرْسِلَ إلى أمةٍ واحدةٍ أو أُرْسِلَ إلى أُمَّتَيْنِ

(3)

؟ وكان قتادةُ

(1)

مضى عند تفسير الآية (78) من هذه السورة.

(2)

انظر: الأضواء (2/ 327).

(3)

مضى عند تفسير الآية (85) من هذه السورة.

ص: 609

(رحمه الله في طائفةٍ من العلماءِ يقولونَ: أُرْسِلَ شعيبٌ إلى أُمَّتَيْنِ، أُرْسِلَ إلى مَدْيَنَ فأهلكهم اللَّهُ بالصيحةِ، وأرسلَ إلى أصحابِ الأيكةِ بعدَ أن هَلَكَ أصحابُ مدينَ فأهلكهم اللَّهُ بِالظُّلَّةِ. وهذا القولُ قال به بعضُ العلماءِ، واستدلوا باختلافِ نوعِ العذابِ، وفي أن اللَّهَ قال في أهلِ مَدْيَنَ:{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [الأعراف: آية 85] ولم يَقُلْ في أصحابِ الأيكةِ: أخاهم. وأكثرُ العلماءِ على أن أهلَ مَدْيَنَ هم أهلُ الأيكةِ، وأنها أمةٌ واحدةٌ، وأنهم نُسِبُوا إلى جَدِّهِمْ مدينَ بنِ إبراهيمَ وأنه كانت لهم أيكةٌ - غيضةٌ - ملتفةٌ من الشجرِ يعبدونَها، وبعضُ المؤرخين يقولونَ: كانت أيكتُهم من شجرِ الدومِ، واللَّهُ تعالى أَعْلَمُ.

الجوابُ عن هذا

(1)

: هو ما قال به غيرُ واحدٍ، وممن أَلَمَّ به ابنُ كثيرٍ رحمه الله في تفسيرِه: أن كُلَّ ذلك وَقَعَ لقومِ شعيبٍ، وأن أصحابَ مدينَ هم أصحابُ الأيكةِ، والاسمُ مُخْتَلَفٌ فيهما والمسمَّى واحدٌ. قالوا: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أن يُهْلِكَهُمْ صاحَ بهم الْمَلَكُ صيحةً شديدةً؛ ولذا قيل: {وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [هود: آية 94] فَلَمَّا صَاحَ الْمَلَكُ اهتزت الأرضُ بهم هزًّا عنيفًا، وَرَجَفَتْ بهم رجفةً قويةً، فصارَ هو معنَى قولِه:{فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} [الأعراف: آية 91] ثم إن اللَّهَ أَضْرَمَ عليهم الظلَّةَ نَارًا فاحترقوا، فَاجْتَمَعَتِ لهم الصيحةُ من أَعْلَى، والرجفةُ من أسفلَ، وَأَحْرَقَهُمُ اللَّهُ، واجتمعَ لهم ذلك كُلُّهُ - والعياذُ بالله تعالى - قال بعضُ العلماءِ: وممن ذَكَرَهُ ابنُ كثيرٍ

(2)

: أنهم كان لهم كاهنانِ أحدُهما يُسَمَّى: سُميرًا، والثاني يسمى

(1)

مضى عند تفسير الآية (85) من هذه السورة.

(2)

تفسير ابن كثير (2/ 232)، البداية والنهاية (1/ 189).

ص: 610

عِمْرَانَ بنَ شدادٍ، وأن رجلاً منهم يُقال له: عمرُ بنُ جلهاءَ نَظَرَ إلى الأيكةِ وَرَأَى فيها العذابَ فَأَطْلَعَهُ اللَّهُ عليه، وأنه كان يقولُ لهم أبياتِه المعروفةَ، يقولُ لهم

(1)

:

يَا قَوْمِ، إِنَّ شُعَيْبًا مُرسَلٌ فَذَرُوا

عَنْكُمْ سُمَيْرًا وَعِمْرَانَ بْنَ شَدَّادِ

إِنِّي أَرَى غَبْيَةً يَا قَوْمِ قَدْ طَلَعَتْ

تَدْعُو بِصَوْتٍ عَلَى صَمَّانَةِ الْوَادِي

وَإِنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا فِيهَا ضَحَاءَ غَدٍ

إِلَاّ الرَّقِيمَ يُمَشِّي بَيْنَ أَنْجَادِ

والرقيمُ: كَلْبُهُمْ. يقولُ: فِي ضُحَى غَدٍ لَا يُرى إلا الكلبُ وحدَه يمشي. لكونِهم قد أَبَادَهُمُ اللَّهُ.

وَزَعَمَ جماعةٌ من المؤرخين

(2)

أن أبا جَاد، وهوز، وحطي، وكلمن، وسعفص، وقرشت أنها أسماءُ ملوكِ مدينَ الذين أُرْسِلَ إليهم شعيبٌ، وأن وقتَ إهلاكِهم كان في ذلك الوقتِ مَلِكُ مَدْيَنَ المسمَّى (كلمن)، وأنه لَمَّا أهلكَه اللَّهُ قال قالت ابنتُه، وبعضُهم يقول: أختُه تَبْكِيهِ:

كلمن قَدْ هَدَّ رُكْنِي

هُلْكُهُ وَسْطَ الْمَحَلَّةْ

سَيِّدُ الْقَوْمِ أَتَاهُ الْـ

حَتْفُ نَارًا وَسْطَ ظُلَّةْ

جُعِلَتْ نَارًا عَلَيْهِمْ

دَارُهُمْ كَالْمُضْمَحِلَّةْ

(3)

وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فقد أهلكهم اللهُ ودمرهم بالرجفةِ والصيحةِ والإحراقِ بعذابِ يومِ الظُلةِ {إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} وهذا معنَى قولِه: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ} [الأعراف: آية 91] الدارُ

(1)

الأبيات في ابن جرير (12/ 567).

(2)

انظر: ابن جرير (12/ 568).

(3)

الأبيات في ابن جرير (12/ 568).

ص: 611

هنا: اسمُ جنسٍ مفردٍ، أُضِيفَ إلى مُعَرَّفٍ فهو يَعُمُّ أي: في ديارِهم. وألفُ الياءِ منقلبةٌ عن واوٍ؛ لأن أصلَها (دوَرَ) ولذا تُصَغَّرُ على (دُويرة) لا على دُيَيْرَةٍ

(1)

، والجاثمُ هو المستلقي على وَجْهِهِ، والمرادُ أنهم أصبحوا مُنْكَبِّينَ على وجوهِهم مَوْتَى لا أرواحَ في أجسادِهم، وانتقلوا إلى الشقاءِ الأبديِّ - عياذًا بالله - وهذا معنَى قولِه:{فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا} [الأعراف: 91 - 92] فَرَدَّ اللَّهُ على الذين قالوا ما قالوا فِي شعيبٍ: تَوَلَّى اللَّهُ الردَّ عنه عليهم؛ لأنهم قالوا لقومهم: {لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ} [الأعراف: آية 90].

فَرَدَّ اللَّهُ عليهم فقال: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا} [الأعراف: آية 92] أُهْلِكُوا وكأنهم لم يُقِيمُوا فيها أحياء أبدًا، ثم قال وهو محلُّ الشاهدِ من الردِّ:{الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ} وهو الخسرانُ الحقُّ لَا الذين اتَّبَعُوهُ.

ومعنَى قولِه: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا} (الذين) هنا اسم موصول، ومحلُّه من الإعرابِ: مبتدأٌ، وخبرُ المبتدأِ جملةُ:{كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا} و (كَأَنْ) مخففةٌ من الثقيلةِ، وإذا خُفِّفَتْ من الثقيلةِ نُوِيَ اسمُها وقُدِّرَ مَحْذُوفًا كثيرًا، وربما ظَهَرَ كما هو معروفٌ في محلِّه. والمعنَى: كأنهم، أي: كأنه أَي: الأمرُ والشأنُ لم يَغْنَوْا فيها أبدًا.

وقولُه: {يَغْنَوْا} هو مصدرُ (غَنِيَ يَغْنَى غَنًى) بفتحتين على القياسِ؛ لأن المقررَ في فَنِّ العربيةِ: أن (فَاعِلَ) مكسورةِ العينِ إذا كانت لازمةً ينقاسُ مصدرُها على (فَعَل) بفتحتين، والعربُ تقولُ:

(1)

انظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص113.

ص: 612

«غَنِيَ بالمكانِ يَغْنَى به غَنَاءً» . إذا أقامَ به في رفاهيةٍ، ومكانُ إقامتِه يُسَمَّى:(المَغْنَى) وَيُجْمَعُ على (المَغَانِي) وهو معروفٌ في لغةِ العربِ كثيرًا

(1)

، ومنه قولُ الشاعرِ

(2)

:

وَلَقَدْ غَنَوْا فِيهَا بِأَنْعَمِ عِيشَةٍ

فِي ظِلِّ مَلْكٍ ثَابِتِ الأَوْتَادِ

(غَنَوْا) أي: أقامُوا في نعمةٍ ورفاهيةٍ. وهذا معروفٌ في كلامِ العربِ، وقد تقولُ العربُ:«غَنِينَا في كذا» أي: عِشْنَا به مقيمينَ عليه. ومنه قولُ حَاتِمٍ

(3)

:

غَنِينَا زَمَانًا بِالتَّصَعْلُكِ وَالْغِنَى

فَكُلاًّ سَقَانَاهُ بِكَأْسَيْهِمَا الدَّهْرُ

فَمَا زَادَنَا بَغْيًا عَلَى ذِي قَرَابَةٍ

غِنَانَا وَلَا أَزْرَى بِأَحْسَابِنَا الْفَقْرُ

هذا معروفٌ، وهذه المادةُ جاءت منها خمسُ لغاتٍ في اللغةِ العربيةِ

(4)

، جاء منها:(الغَنَى) بالفتحِ والقصرِ، و (الغِنَى) بالكسرِ والقصرِ، و (الغَنَاء) بالفتحِ والمدِّ، و (الغِنَاء) بالكسرِ والمدِّ. و (الغُنى) بالضمِّ والقصرِ، ولم يَأْتِ منها (الغُناءُ) بِضَمٍّ فَمَدٍّ.

(1)

مضى عند تفسير الآية (48) من سورة الأعراف.

(2)

البيت للأسود بن يعفر، وهو في الدر المصون (5/ 387).

(3)

ديوان حاتم ص24، وهي في الديوان هكذا:

غنينا زمانًا بالتصعلك والغنى

كما الدهر في أيامه العسر واليسر

كسينا صروف الدهر لينًا وغلظة

وكلاًّ سقاناه بكأسيهما الدهر

فما زادنا بأوًا على ذي قرابة

غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر

ولفظها في القرطبي (7/ 252): كما ذكر الشيخ رحمه الله إلا أن محقق الكتاب أضاف الشطر الثاني من البيت الأول، والشطر الأول من البيت الثاني ليوافق ما في الديوان.

(4)

مضى عند تفسير الآية (48) من هذه السورة.

ص: 613

أما (الغَنى) بفتحٍ وقصرٍ فهو محلُّ الشاهدِ هنا، وهو مصدرُ غَنِيَ بالمكانِ يغنَى به غَنَاءً إذا أقام به على الدوامِ.

أما (الغَنَاءُ) بفتحِ الغينِ مع المدِّ إلى الهمزةِ فهو المَلَاءُ. تقولُ العربُ: «ماله غَنَاء» أي: ماله مَلَاء. ومنه قولُ الشاعرِ

(1)

:

قَلَّ الْغَنَاءُ إِذَا لَاقَى الْفَتَى تَلَفًا

قَوْلُ الأَحِبَّةِ: لَا تَبْعُدْ وَقَدْ بَعُدَا

و (الغِنَى) بكسرٍ فقصرٍ هو ضِدُّ الفقرِ، وهو أن يكونَ الإنسانُ غَنِيًّا مُوسِرًا.

وأما المطربُ الخسيسُ الخبيثُ - الأصواتُ المطربةُ - فهو (الغِنَاء) بكسرِ الغينِ ومدِّها إلى الهمزةِ.

فالغِنَاءُ بالكسرِ والمدِّ هو المطربُ، والغِنَى بالكسرِ والقصرِ ضِدُّ الفقرِ، والغَنَى بالفتحِ والقصرِ هو الإقامةُ، والغَنَاءُ بالفتحِ والمدِّ هو المَلَاءُ، ومنه قولُ الشاعرِ:

قَلَّ الْغَنَاءُ إِذَا لَاقَى الْفَتَى تَلَفًا

قَوْلُ الأَحِبَّةِ: لَا تَبْعُدْ وَقَدْ بَعُدَا

ومنه قولُ هبيرةَ بنِ أبي وَهْبٍ المخزوميِّ - على إحدى الروايتين في بيتِه - يخاطبُ زوجَه أُمَّ هانئٍ بنتَ أبي طالبٍ لَمَّا هَرَبَ يومَ الفتحِ إلى نجرانَ ومات بها كافرًا، أَرْسَلَ لها يُخَاطِبُهَا

(2)

:

لَعَمْرِيَ مَا وَلَّيْتُ ظَهْرِي مُحَمَّدًا

أَصْحَابَهُ جُبْنًا وَلَا خِيفَةَ الْقَتْلِ

وَلَكِنَّنِي قَلَّبْتُ أَمْرِي فَلَمْ أَجِدْ

لِسَيْفِي غَنَاءً إِنْ ضَرَبْتُ وَلَا نَبْلِي

يعني: غناء أي: نَفْعًا.

(1)

السابق.

(2)

مضى عند تفسير الآية (48) من سورة الأعراف.

ص: 614

وَقَفْتُ فَلَمَّا خِفْتُ ضَيَعَةَ مَوْقِفِي

رَجَعْتُ كَضِرْغَامٍ هِزَبْرٍ أَبِي شِبْلِ

(1)

أَمَّا (الغُنَى) بضمِّ الغينِ مع القصرِ فهو جمعُ غُنْيَةٍ، وَالْغُنْيَةُ: ما يقتنيه الرجلُ من المالِ لِيَسُدَّ به خلَّتَه وَفَقْرَهُ.

فهذا ما جاء من هذه المادةِ في اللغةِ العربيةِ، ومحلُّ الشاهدِ منه هنا أن العربَ تقولُ:«غَنِيَ بالمكانِ، يَغْنَى به غَنَاءً» على القياسِ، إذا أقامَ به.

والمعنَى: الذين كَذَّبُوا شعيبًا دَمَّرَهُمُ اللَّهُ وأهلكهم إهلاكًا مستأصلاً حتى كأنهم لم يُقِيمُوا في دارهم يومًا من الدهرِ أبدًا ولم يُوجَدُوا، والذي زَالَ زَوَالاً كُلِّيًّا تقولُ العربُ: كأنه لم يكن يومًا ما، كما قال أحدُ الجرهميين لَمَّا طَرَدَهُمُ الخزاعيونَ من مكةَ

(2)

:

كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَجُونِ إِلَى الصَّفَا

أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ

كأن ذلك لم يُوجَدْ أصلاً. وهذا معنَى قولِه: {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا} [الأعراف: آية 92] أي: كأنه. أي: الأمرُ والشأنُ لم يُقِيمُوا في دارهم أبدًا للهلاكِ المستأصلِ الذي دَمَّرَهُمْ.

ثم قال: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ} فَرَدَّ عليهم كَذِبَهُمْ ردًّا فصيحًا بليغًا، يعني: ليس الخاسرُ مَنِ اتَّبَعَ شُعَيْبًا ولكن مَنْ كَذَّبَ شعيبًا هم الخاسرونَ، وهذا معنَى قولِه:{الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ} والإتيانُ بالضميرِ بعدَ (كان) يدُلُّ على التوكيدِ.

(1)

لفظ هذا البيت في السيرة لابن هشام:

وقَفْتُ فلما لم أجدْ لي مُقَدَّمًا

صددت كَضِرغَام هِزَبْرٍ أَبِي شِبلِ

(2)

مضى عند تفسير الآية (72) من سورة الأعراف.

ص: 615

وقد قَدَّمْنَا في هذه الدروسِ مِرَارًا معنَى (الخُسرانِ) وما ضَرَبَ العلماءُ له من الأمثالِ

(1)

. فالخاسرونَ: جمعُ الخاسرِ، وأصلُ الخسرانِ في اللغةِ هو: ذهابُ بعضِ مالِ التاجرِ، كان يُرْزَأَ بشيءٍ من مالِه من ربحٍ كان أو رأسِ مالٍ، ولكن الخسرانَ أَقْسَمَ

(2)

اللَّهُ في كتابِه على أنه لا يُنَجَّى منه أحدٌ إلا بأمورٍ معينةٍ بَيَّنَهَا في سورةٍ عظيمةٍ من كتابِه وهي قولُه: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)} أي: إِنَّ كُلَّ إنسانٍ كائنًا مَنْ كان لَفِي خُسْرٍ {إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} فهؤلاء هم الذين يَخْرُجُونَ من هذا الْخُسْرَانِ.

وقد ضَرَبَ العلماءُ لهذا الخسرانِ مَثَلَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ يعطيانِ موعظةً لطالبِ العلمِ وفكرةً صادقةً. قالوا: أحدُ هذين الْمَثَلَيْنِ: أن اللَّهَ تبارك وتعالى أَعْطَى كُلَّ نفسٍ رأسَ مالٍ، وأمرَها بالتجارةِ معَه فيه - ورأسُ هذا المالِ المذكورِ قد قَدَّمْنَا مرارًا في هذه الدروسِ بيانَه، وَكَرَّرْنَاهُ المرةَ بعدَ المرةِ - قَصْدًا - لِنَعِظَ به إخوانَنا المسلمين ونحاولَ نفعَهم بِلِينِ قلوبِهم على ضوءِ القرآنِ العظيمِ - قالوا: رأسُ المالِ هذا المذكورُ المُنَوَّهُ عنه: هو الجواهرُ النفيسةُ العظيمةُ الذي لا يوجدُ في الدنيا شيءٌ يُمَاثِلُهَا أبدًا، وهذه الجواهرُ النفيسةُ، والأعلاقُ العظيمةُ، هي - أيها الإخوانُ - هي ساعاتُ العمرِ ولحظاتُه، فهذا رأسُ مالِ الإنسانِ، وهو أَنْفَسُ شيءٍ يُعْطَاهُ الإنسانُ، وخالقُ السماواتِ والأرضِ يأمرُنا أن نتجرَ معه في رأسِ هذا المالِ، فَنُحَرِّكَ رأسَ هذا المالِ، وهي هذه اللحظاتُ والدقائقُ من ساعاتِ

(1)

مضى عند تفسير الآية (9) من سورة الأعراف.

(2)

السابق.

ص: 616

العمرِ المعدودةِ، فَنَتَّجِرَ مع خالقِ السماواتِ والأرضِ فيها، فننظرَ ما يتوجهُ إلينا طولَ حياةِ العمرِ ودقائقِه من أوامرِ اللَّهِ ونواهِيه فنبادرَ بإرضاءِ خالقِ السماواتِ والأرضِ بامتثالِ ما أَمَرَ به واجتنابِ ما نَهَى عنه، وربُّنا (جل وعلا) يُعْطِينَا أرباحًا هائلةً بائنةً على هذا: يُسْكِنُنَا الجنةَ، وهي: زوجةٌ حسناءُ، وغرفةٌ عاليةٌ، ونهرٌ مُطَّرِدٌ، وشجرةٌ مثمرةٌ، وَمُلْكٌ لا ينفدُ أبدًا، فنربحُ رِبْحًا لا نفادَ له، وعافيةً لا كَدَرَ فيها، وحياةً لَا موتَ بعدَها، وصحةً لا يخالطُها مرضٌ أبدًا، فَمَنْ حَرَّكَ رَأْسَ هذا المالِ على الوجهِ الكيِّسِ الصحيحِ مع رَبِّ العالمين رَبِحَ الأرباحَ الهائلةَ، فإنه يربحُ منه مجاورةَ ربِّ العالمين في دارِ كرامتِه، والنظرَ إلى وجهِه الكريمِ.

وإن كان صاحبُ رأسِ هذا المالِ - وهو ساعاتُ العمرِ ودقائقُه - كان رَجُلاً غيرَ عاقلٍ - يعنِي أخرقَ لا يَفْهَمُ الحقائقَ ولا يقدِّر قدرَ عمرِه - فإن المسكينَ يضيعُ هذه الأعلاقَ النفيسةَ، وهذه الجواهرَ العظيمةَ في قَالَ وقالوا، ولا يُرَاقِبُ ما يَتَوَجَّهُ إليه مِنْ قِبَلِ خالقِه بالامتثالِ والاجتهادِ فيضيعُها دائمًا، وربما صَرَفَهَا فيما لا يُرْضِي اللَّهَ من المعاصِي والملاهِي - والملائكةُ تكتبُ عليه - حتى ينقضيَ الوقتُ المحددُ فيذهب إلى القبرِ وهو مُفْلِسٌ - والعياذُ بالله - فعندَ ذلك يندمُ حيث لا ينفعُ الندمُ، فعلينا جميعًا، ما دَامَتِ الفرصةُ ممكنةً أن نعتبرَ في رأسِ هذا المالِ، وأن لَا نُضَيِّعَهُ، ولا نكونَ حَمْقَى جهلاء، بل نعتبرُ به، ونتصرفُ مع اللَّهِ بتجارةٍ مُرْضِيَةٍ؛ لأن طاعتَنا لِلَّهِ وإثابتَه لنا سمَّاهُ في كتابِه:(تجارةً)(بيعًا)(شراءً) إلى غيرِ ذلك، قال:{هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} إلى آخِرِ الآيَاتِ [الصف: الآيتانِ 10، 11]، وقال: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ

ص: 617

الجَنَّةَ} إلى أن قال: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: آية 111] وَسَمَّاهُ (قَرْضًا) في قولِه: {مَّنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة: آية 45] إلى غير ذلك. ومقصودُنا - أيها الإخوانُ - أن نُنَبِّهَكُمْ وأنفسَنا إلى مكانةِ العمرِ وَعِظَمِهَا، وأن مَنْ خَسِرَهُ خَسِرَ كُلَّ شيء، وأن مَنْ كان حَازِمًا في تحريكِه والعملِ فيه رَبِحَ كُلَّ شيءٍ كما لا يَخْفَى، فعلى هذا القولِ يكونُ خُسرانُ الإنسانِ في رأسِ مالِه الذي أعطاه اللَّهُ - وهو عمرُه إذا ضَيَّعَهُ، ولم يُبْقِ منه شيئًا - كان أَخْسَرَ الخاسرين، وإذا خَسِرَ هو رأسَ المالِ عُلِمَ أنه ليس هناك رِبْحٌ أبدًا كما هو معروفٌ.

وَاعْلَمُوا - أيها الإخوانُ - أن العمرَ كما أن اللَّهَ (جل وعلا) جعلَه رأسَ المالِ، وهو التجارةُ الرابحةُ مَنْ خَسِرَهَا خَسِرَ كُلَّ شيءٍ، فإنه مع ذلك جَعَلَهُ حُجَّةً على المعمَّر، فأعمارُكم كما أنها رؤوسُ أموالِكم، وأصلُ فوائدِكم، فكذلك هي حجةٌ عليكم؛ لأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ العمرَ مع الرسولِ لأَنَّ كُلاًّ منهما حُجةٌ على المعمِّر كالمرسلِ إليه، كما قال تعالى في العُمْرِ:{أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} [فاطر: آية 37] فجاء بالعمرِ والرسولِ مُقْتَرِنِينَ؛ لأن الرسولَ يُنْذِرُكَ وَيَعِظُكَ، والعمرُ مهلةٌ تَقْدِرُ فيها أن تتداركَ ما فَاتَ وَتُصْلِحَ الخللَ، وتنيبَ إلى اللَّهِ، وترجعَ مِنْ ما يُسْخِطُهُ إلى ما يرضيه، فهذه الآيةُ العظيمةُ من عظامِ مواعظِ القرآنِ {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} احتجَّ به على أهلِ النارِ الذين لم يُحَرِّكُوا أعمارَهم في خَيْرٍ، ولم يَعْتَبِرُوا بها؛ ولذا قال:{فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} [فاطر: آية 37] والعياذُ بالله جل وعلا. هذا أَحَدُ الْمَثَلَيْنِ الْمَضْرُوبَيْنِ، الذين جَعَلَهُمَا العلماءُ لهذا الخسرانِ.

ص: 618

الْمَثَلُ الثاني: ما ذَكَرَهُ بعضُ العلماءِ من أن الله (جل وعلا) خلقَ لكلِّ إنسانٍ كائنًا مَنْ كان - جَعَلَ له - مَنْزِلاً في الجنةِ ومنزلاً في النارِ، فكلُّ إنسانٍ له منزلٌ في الجنةِ وله منزلٌ في النارِ، فإذا أَدْخَلَ اللَّهُ أهلَ الجنةِ الجنةَ أَطْلَعَهُمْ على مساكنِهم في النارِ - لو أنهم كَفَرُوا وَعَصَوْا - لِتَزْدَادَ غبطتُهم وسرورُهم وفرحُهم بما هم فيه، فيقولُ الواحدُ منهم عند ذلك:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف: آية 43] أي: إنه (جل وعلا) يُطْلِعُ أهلَ النارِ على منازلِهم في الجنةِ لو أنهم آمَنُوا وأطاعُوا لتزدادَ ندامتُهم وحسرتُهم - والعياذُ بالله - وعندَ ذلك يقولُ الواحدُ منهم: {لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [الزمر: آية 57] ثم إن الله (جل وعلا) يجعلُ منازلَ أهلِ الجنةِ في النارِ لأهلِ النارِ، ومنازلَ أهلِ النارِ في الجنةِ لأهلِ الجنةِ، وَمَنْ كانت معاملتُه أن استبدلَ منزلَ غيرِه في النارِ بمنزلتِه في الجنةِ فمعلومٌ أن صفقتَه صفقةٌ خاسرةٌ كما لا يَخْفَى، ومضمونُ هذا جاءَ في حديثٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والظاهرُ أن سندَه لا بأسَ به، واللَّهُ تعالى أعلمُ

(1)

.

هذانِ المثلانِ اللذانِ ضَرَبَهُمَا العلماءُ في الخسرانِ الذي أَقْسَمَ اللَّهُ أنه لا يَنْجُو منه أحدٌ إلا مَنِ اسْتَثْنَى في قولِه: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} [العصر: الآيات 1 - 3] وبهذا تعرفونَ أن هذه السورةَ العظيمةَ؛ سورةَ العصرِ التي قال الإمامُ الشافعيُّ: «إنها لو لم يَنْزِلْ من القرآنِ إلا هي لَكَفَتْ»

(2)

؛ لاشتمالِها على جميعِ تشاريعِ الإسلامِ، بَيَّنَ

(1)

مضى عند تفسير الآية (9) من هذه السورة.

(2)

أورده ابن كثير في التفسير (4/ 547).

ص: 619

اللَّهُ فيها الأسسَ الكبارَ، والأصولَ العظامَ من وجهِ التجارةِ بالعمرِ مع خالقِ السماواتِ والأرضِ الذي يحصلُ منه الربحُ الأبديُّ الذي لا ينتهي، وأنه تحريكُ العمرِ والتجارةِ فيه معَ اللَّهِ، بقولِه:{إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} [العصر: آية 3] فإن الآيةَ شَمِلَتْ إيمانَ القلوبِ وأعمالَ الجوارحِ، وَدَعَتْ إلى النفعِ إلى الغيرِ بالتواصِي بالحقِّ والتواصِي بالصبرِ، فجاء بها كُلُّ شيءٍ، فسبحانَ العليمِ الكريمِ ما أَعْلَمَهُ وما أَعْظَمَ تعليمَه وأوضحَه، وهذا معنَى قولِه:{الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: آية 92].

{فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)} [الأعراف: آية 93].

{فَتَوَلَّى عَنْهُمْ} ضميرُ الفاعلِ المستتر في قولِه: {فَتَوَلَّى} راجعٌ إلى شعيبٍ، {فَتَوَلَّى} هو أي: نَبِيُّ اللَّهِ شعيبٌ رَجَع مُوَلِّيًا عنهم {وَقَالَ يَا قَوْمِ} خَاطَبَهُمْ وقد أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وهذا الخطابُ بعضُ العلماءِ يقولُ

(1)

: قاله لهم في آخِرِ حياتِهم لَمَّا أرادَ أن يخرجَ عنهم كما في قولِه: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا} [هود: آية 94] وقد أَمَرَهُ اللَّهُ بالخروجِ عندما قَرُبَ نزولُ العذابِ فيهم. وبعضُ العلماءِ يقولُ: قال لهم هذا بعدَ أن هَلَكُوا وَدَمَّرَهُمُ اللَّهُ رَجَعَ وقالَه لهم. ولا مانعَ من هذا، وقد وَقَعَ مِثْلُهُ؛ لأنه ثَبَتَ في الصحيحين أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم جَمَعَ صناديدَ قريشٍ يومَ بدرٍ - أصحابَ القليبِ - وَوَبَّخَهُمْ وقال لهم: {قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ

(1)

راجع ما سبق عند تفسير الآية (79) من سورة الأعراف.

ص: 620

رَبُّكُمْ حَقًّا} [الأعراف: آية 44] فَوَبَّخَهُمْ

(1)

، وَبَيَّنَّا أنهم يسمعونَ كلامَه، وأنهم الآنَ يعرفونَ الحقيقةَ كما هو مَعْرُوفٌ.

{قَالَ يَا قَوْمِ} قد تَكَلَّمْنَا عن القومِ فيما سَبَقَ قريبًا

(2)

.

{لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي} [الأعراف: آية 93] اللامُ موطئةٌ لقسمٍ محذوفٍ (وَاللَّهِ لقد أبلغتُكم رسالاتِ رَبِّي) وهذا النبيُّ الكريمُ أَقْسَمَ في هذه الآيةِ الكريمةِ على أنه أبلغَ رسالةَ رَبِّهِ؛ لأن الأنبياءَ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهم) يجبُ عليهم الإبلاغُ على أكملِ الوجوهِ وَأَتَمِّهَا. فَكُلُّ مُشرِّعٍ يأتِي بتشريعٍ ودينٍ لم يأتِ به نبيُّنا صلى الله عليه وسلم فكأنه يَدَّعِي عليه أنه لم يُبَلِّغْ. وهو (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) بَلَّغَ كُلَّ شيءٍ أُمِرَ بتبليغِه، كما أَقْسَمَ شعيبٌ على أنه بَلَّغَ رسالةَ رَبِّهِ، فَثَبَتَ عن عائشةَ رضي الله عنها أنها قالت: مَنْ زَعَمَ أن مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم كَتَمَ حَرْفًا مما أُنْزِلَ عليه فقد افْتَرَى على اللَّهِ الكذبَ، واللَّهِ لو كان كَاتِمًا شيئًا لَكَتَمَ قَوْلَهُ تعالى:{وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ}

(3)

[الأحزاب: آية 37].

وقد شَهِدَ اللَّهُ لنبينا صلى الله عليه وسلم آياتٍ عديدةً أنه بَلَّغَ، كما شهد شعيبٌ لنفسه هنا بقولِه:{لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي} فَمِنَ الآياتِ التي شَهِدَ اللَّهُ فيها لنبيِّنا بالإبلاغِ قولُه: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: آية 3] فلو كان لم يُبَلِّغْ جميعَه على ما ينبغي لَمَا قال:

(1)

السابق.

(2)

مضى عند تفسير الآية (80) من سورة الأنعام.

(3)

أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معنى قول الله عز وجل:(ولقد رآه نزلة أُخرى، وهل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الإسراء؟) حديث رقم (177)، (1/ 160).

ص: 621

{أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} للنقصِ في الذي لم يُبلغ، وقال له:{فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (54)} [الذاريات: آية 54] ولو كَتَمَ شيئًا لكان مَلُومًا. وقال: {فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور: آية 54] إلى غيرِ ذلك من الآياتِ، فهو (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) لنا بمنزلةِ الوالدِ الشفيقِ يُعَلِّمُنَا، حتى إنه من شدةِ رَأْفَتِهِ ورحمتِه بنا وحرصِه على هُدَانَا يُعَلِّمُنَا، كُلَّ شيءٍ، حتى إنه يُعَلِّمُ الرجلَ إذا رَاحَ إلى بيتِ الماءِ ليقضيَ حاجتَه - أَكْرَمَكُمُ اللَّهُ - كيفَ يفعلُ؟ وبماذا يستجمرُ؟ وما لا يفعلُ مع القِبْلَةِ، وفي أَيِّ اليدين يستجمرُ، وماذا يتقِي عندَ الاستجمارِ كما هو معروفٌ في محلِّه.

وهذه الآياتُ تَدُلُّ على أن أنبياءَ اللَّهِ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهم) نَصَحُوا لأُمَمِهِمْ وَبَلَّغُوا أَكْمَلَ البلاغِ وَأَتَمَّهُ، وَصَبَرُوا على الأَذَى، وعلى أتباعِهم من الْمُنْتَسِبِينَ للعلمِ أن يبلغوا العلمَ على الوجهِ الأكملِ، وأن يصبروا على أَذَى الناسِ؛ لأَنَّ كُلَّ مَنْ يأمرُ بخيرٍ وَيَنْهَى عن منكرٍ لا بُدَّ أن يلحقَه الأَذَى من الناسِ، وهذا أمرٌ معروفٌ؛ لأن كُلَّ مَنْ يتعرضُ للناسِ في مهوياتِهم وينهاهم عَمَّا يَهْوَوْنَ، ويأمروهم بما لا يهوون يكونونَ أعداءً له؛ ولذا كان لقمانُ الحكيمُ لَمَّا أوصاه ولدُه وقال له:{وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ} [لقمان: آية 17] أَتْبَعَ ذلك بقولِه: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} لأنه يعلمُ أن الأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكرِ يستلزمُ اتباعَ إصابةِ الأَذَى من الناسِ كما لا يَخْفَى، فعلى طلبةِ العلمِ أن يعتبروا بأمثالِ هذه الآياتِ، وينصحوا لأمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ولا يكتموا العلمَ عند الحاجةِ إليه، وَيُبَلِّغُوهُ على الوجهِ الأكملِ بالإيضاحِ والحكمةِ والصبرِ على الأَذَى.

ص: 622

ونحن معاشرَ هذه الأمةِ سَيَثْبُتُ بقولِنا وشهادتِنا على الأممِ فصلُ القضاءِ يومَ القيامةِ

(1)

، يومَ يجمعُ اللَّهُ الأولينَ والآخِرِينَ في صعيدٍ واحدٍ، ينفذُهم البصرُ، وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، كما جاء في القرآنِ العظيمِ، وذلك أنه إذا اجْتَمَعَتِ الخلائقُ سأل اللَّهُ الرسلَ والمرسلَ إليهم كما [مَضَى]

(2)

في قولِه: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6)} فالكفارُ الذين كَفَرُوا من الأممِ يقولونَ: {مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ} [المائدة: آية 19] فالرسلُ الذي أُرْسِلَتْ إلينا هم الذين خَانُونَا وَكَتَمُوا عنا رسائلَ رَبِّنَا، ولو جَاءَتْنَا رسالةُ رَبِّنَا لَكُنَّا أطوعَ الناسِ لها وأتبعَها لها!! فيقولُ اللَّهُ - وهو أعلمُ - للرسلِ: هَلْ عِنْدَكُمْ بَيِّنَةٌ على التبليغِ؟ فيقولونَ: نَعَمْ، أمةُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم تشهدُ لنا. فَتُدْعَى هذه الأمةُ الكرامُ الذين قال الله فيهم:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: آية 110] فيقال لهم: أَتَشْهَدُونَ أن هؤلاء الرسلَ الكرامَ بَلَّغُوا هؤلاءِ الكفرةَ؟ فنقولُ على رؤوسِ الأشهادِ في ذلك اليومِ العظيمِ: نَعَمْ، نحنُ نشهدُ أنهم بَلَّغُوهُمْ أكملَ البلاغِ وأتمه، وأن هؤلاء الكفرةَ آذَوْهُمْ وَتَعَرَّضُوا لهم بكلِّ سوءٍ، وَلَجُّوا في الكفرِ بعدَ أن بَيَّنُوا لهم كُلَّ شيءٍ، وَتَحَمَّلُوا منهم كُلَّ الأَذَى. فيحتجُّ علينا الأممُ فيقولونَ: كيفَ تشهدونَ علينا وأنتم في وقتِ إرسالِ الرسلِ إلينا في ظلماتِ العدمِ لم تُوجَدُوا إِذْ ذَاكَ، كيف تشهدونَ على شيءٍ وَقَعَ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقُوا؟

فنقولُ: نَعَمْ إننا نضعُ أداءَ الشهادةِ على حصولِ العلمِ اليقينِ، وقد حَصَلَ لنا العلمُ اليقينُ بما شَهِدْنَا، فما شَهِدْنَا إلا بما عَلِمْنَا؛ لأن

(1)

مضى عند تفسير الآية (6) من سورة الأعراف.

(2)

في الأصل: «يأتي» . وهو سبق لسان.

ص: 623

اللَّهَ أَرْسَلَ إلينا نَبِيًّا كَرِيمًا، وأنزلَ إليه أعظمَ الكتبِ، وهو أصدقُ كلامٍ، وَكُلُّ ما في كتابِ اللَّهِ فنحنُ نقطعُ به ونجزمُ به - لأنه كلامُ خَالِقِنَا - أشدَّ مِنْ جَزْمِنَا بما رَأَتْهُ أعينُنا وَسَمِعَتْهُ آذانُنا، فقد قَصَّ اللَّهُ علينا قصصَكم مُفَصَّلَةً ومجملةً، فأنتم يا قومَ نوحٍ قَصَّ اللَّهُ علينا في كتابِه ما جرى منكم معه في دارِ الدنيا وأنه قال:{وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9)} إلى آخِرِ الآياتِ. [نوح: الآيات 7 - 9]. وأنتم يا قومَ هودٍ قَصَّ اللَّهُ علينا من خَبَرِكُمْ كذا وكذا وكذا، وقولكم له:{إِن نَّقُولُ إِلَاّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ} [هود: آية 54] وما صَبَرَ على أذاكم وما جاءكم به من الإنذارِ العظيمِ. وكذلك قومُ صالحٍ، فنفصَّل ما فُصِّلَ، وَنُجْمِلُ ما أُجْمِلَ، فيثبت الحكمُ عليهم بشهادتِنا كما [مضى]

(1)

في قولِه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} أي: خيارًا عُدُولاً {لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: آية 143] فهذه الآيةُ وأمثالُها كقولِه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: آية 110] فيها الدلالةُ القرآنيةُ الواضحةُ على أن هذه الأمةَ هي خيرُ الأممِ وأفضلُها، ويؤيدُ ذلك ويوضحُه ما جاء في السننِ من حديثِ معاويةَ بنِ حيدةَ القشيريِّ رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال في هذه الأمةِ:«أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ»

(2)

.

أما قولُه في بني إسرائيلَ: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: آية 47] فلا يتناولُ هذه الأمةَ؛ لأنها في ذلك الوقتِ لم تُوجَدْ، والمعدومُ ليس بشيءٍ حتى يُفضَّل عليه غيرِه؛ فبعدَ أن وُجِدَتْ واستقرَّ كيانُها صَحَّ تفضيلُها على جميعِ الأممِ، واستقراءُ القرآنِ قد دَلَّ

(1)

في الأصل: «سيأتي» ، وهو سبق لسان.

(2)

مضى عند تفسير الآية (47) من سورة البقرة.

ص: 624

على ذلك دلالةً واضحةً، وإيضاحُ ذلك

(1)

: أن الفضلَ العظيمَ إنما يُعْرَفُ بالاختبارِ، فعندَ الامتحانِ (

).

(2)

[14/ ب] / {فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ} [الأعراف: آية 93] لَمَّا عَلِمَ نبيُّ اللَّهِ شعيبٌ أن اللَّهَ مُهْلِكٌ قومَه تَوَلَّى رَاجِعًا عنهم، وقال مُخَاطبًا لهم:{لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ} واللَّهِ لقد أبلغتُكم رسالاتِ رَبِّي التي لو اتَّبَعْتُمُوهَا لَمَا وقعتُم فيما وقعتُم فيه {وَنَصَحْتُ لَكُمْ} بَذَلْتُ لكم غايةَ النصحِ، وبينتُ لكم، وأمرتُكم بما فيه لكم الخيرُ، ونهيتُكم عما فيه لكم الشرُّ، ولكن تَمَرَّدْتُمْ حتى أَهْلَكَكُمُ اللَّهُ {فَكَيْفَ آسَى} آسَى: معناها أَحْزَنُ، فالعربُ تقولُ: أَسِيَ الرجلُ يَأْسَى بمعنَى: حَزِنَ يحزنُ، و (آسى) فعلٌ مضارعٌ، والهمزةُ الأُولَى همزةُ المتكلمِ، والألفُ مبدلةٌ من فاءِ الفعلِ، والمعنَى: فكيف أَحْزَنُ أنا. {آسَى} أي: أحزنُ {عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ} مُتَمَرِّدِينَ على اللَّهِ؛ أعداءِ للهِ ورسلِه، فهؤلاء لا يُحْزَنُ عليهم، كما قال اللَّهُ لِنَبِيِّنَا:{وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} [النمل: آية 127] ونحو ذلك من الآياتِ

(3)

. وهذه الآيةُ تَدُلُّ أن قومَ الرجلِ إذا كانوا أعداءً لله فأهلكهم اللَّهُ بذنوبِهم لا ينبغِي له أن يحزنَ عليهم؛ لأنهم ليسوا أَهْلاً للحزنِ عليهم لعداوتِهم لِلَّهِ وَرُسُلِهِ.

{وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلَاّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا

(1)

السابق.

(2)

في هذا الموضوع انقطع التسجيل، ويمكن استدراك النقص بمراجعة كلام الشيخ رحمه الله في هذه القضية فيما مضى عند تفسير الآية (47) من سورة البقرة.

(3)

انظر: الأضواء (2/ 327 - 328).

ص: 625

الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95)} [الأعراف: الآيتان 94، 95].

{وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلَاّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94)} [الأعراف: آية 94] بَيَّنَ اللَّهُ (جل وعلا) في هذه الآيةِ الكريمةِ أنه لم يُرْسِلْ نَبِيًّا قَطُّ من الأنبياءِ إلى أمةٍ إلا كَذَّبَتْ تلك الأمةُ، وبعد تكذيبِها ابْتَلَاهَا اللَّهُ أنواعَ الابتلاءِ، ثم بَيَّنَ مصيرَها النهائيَّ. وهذا العمومُ في (ما) عامٌّ لم يَخْرُجْ منه شيءٌ إلا قوم يونسَ فإن اللَّهَ أَخْرَجَهُمْ من هذا العمومِ في قولِه:{فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98)} [يونس: آية 98] لم يَخْرُجْ من هذا العمومِ إلا قومُ يونسَ فقط كما دَلَّتْ عليه آيةُ يونسَ هذه.

ومعنَى الآيةِ الكريمةِ: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ} المدينةُ تُسَمَّى (قريةً)

(1)

لأن الناسَ يجتمعونَ فيها، من قولِهم: قَرَيْتُ الماءَ. إذا جَمَعْتَهُ في الحوضِ. والأصلُ: ما أَرْسَلْنَا نَبِيًّا. فالمفعولُ نكرةٌ زِيدَتْ قَبْلَهَا لفظةُ (من) لتأكيدِ العمومِ، وَقَرَأَ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ ما عدَا نافعًا {مِّن نَّبِيٍّ} بالتشديدِ، وقرأه نافعٌ وحدَه:{من نبيء} بالهمزةِ

(2)

. أما على قراءةِ نافعٍ فالنبيءُ مُشتقٌّ من النبأِ، والنبأُ: الخبرُ الذي له شأنٌ. فَكُلُّ نبأٍ خبرٌ، وليس كُلُّ خبرٍ نبأً؛ لأَنَّ النبأَ اسمٌ للخبرِ الذي له شَأْنٌ، تقولُ: جَاءَنَا نبأُ الجيوشِ، وجاءنا نبأُ الأميرِ. ولا تقولُ: جاءنا نبأُ حمارِ الحجامِ؛ لأنه لا خَطْبَ له. أما على قراءةِ الجمهورِ فقال بعضُ العلماءِ: (النبي) أيضًا من (النبيءِ) أُبْدِلَتِ

(1)

مضى عند تفسير الآية (4) من سورة الأعراف.

(2)

مضى عند تفسير الآية (89) من سورة الأنعام.

ص: 626

الهمزةُ ياءً. وقال بعضُهم: هو مِنَ (النَّبْوَةِ) بمعنَى الارتفاعِ، وهذا معروفٌ {إِلَاّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا} كُلَّمَا أرسلَ اللَّهُ نَبِيًّا إلى قومٍ كَذَّبُوهُ وَنَاصَبُوهُ العداءَ ثم أَخَذَهُمُ اللَّهُ أولاً {بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ} [الأعراف: آية 94] البأساءُ: الفقرُ والجوعُ. الضراءُ: الأمراضُ. يَبْتَلِيهِمْ أولاً بالفقرِ والجوعِ والجدبِ، ثم يبتليهم بالأمراضِ ونحوِها، وإذا لم يَنْفَعْهُمْ هذا الابتلاءُ بالشرِّ ابتلاهم بالخيرِ؛ لأن الابتلاءَ تارةً بالشرِّ وتارةً بالخيرِ فَبَيَّنَ ابتلاءَه لهم بالخيرِ بعدَ ابتلائِه لهم بالشرِّ في قولِه:{ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ} [الأعراف: آية 95] بَدَّلْنَا مكانَ السيئةِ الحسنةَ، (الحسنة) و (مكان) هما مَفْعُولَا (بَدَّلْنَا) على التحقيقِ؛ خِلَافًا لِمَنْ زعموا أن (مكان) ظرفٌ، فهما مفعولانِ لِبَدَّلْنَا.

ومعنَى: {بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ} أي: بَدَّلْنَا لهم الخصبَ مكانَ الجدبِ، والصحةَ والعافيةَ مكانَ الأمراضِ، فَجَعَلْنَا لهم الشيءَ الحسنَ بدلاً من الشيءِ السيئِ؛ لِنَبْتَلِيَهُمْ أخيرًا بالحسنِ بعدَ أن ابْتَلَيْنَاهُمْ أَوَّلاً بالسيئِ.

وأصلُ (السيئةِ) أصلُها: (سَيْوِئَة) حروفُها الأصليةُ هي: السينُ وهو فاؤُها، والواوُ وهو عينُها، والهمزةُ وهي لامُها، وياءُ (فَيْعِلَة) زائدةٌ، فَأُبْدِلَتِ الياءُ الزائدةُ بالواوِ التي هي عَيْنُ الكلمةِ بعدَ إبدالِها ياءً على القاعدةِ التصريفيةِ المشهورةِ المعروفةِ

(1)

.

و (الحسنةُ) صفةٌ مشبهةٌ من: حَسُنَ الشيءُ فهو حَسَنٌ، وكذلك (السيئةُ) صفةٌ مشبهةٌ من: سَاءَ يَسُوءُ فهو سَيِّءٌ؛ لأن السيئةَ تسوءُ صاحبَها يومَ القيامةِ إذا رَآهَا فِي صَحِيفَتِهِ.

(1)

مضى عند تفسير الآية (160) من سورة الأنعام.

ص: 627

والحسنةُ: أصلُها صفةٌ مشبهةٌ تأنيثُ الحسنِ إلا أنها اشْتُهِرَ استعمالُها حتى اسْتُعْمِلَتْ استعمالَ الأسماءِ الجامدةِ كالصالحةِ والحسنةِ والخصالِ الطيبةِ، وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ.

ومعنَى: {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ} [الأعراف: آية 95] بَدَّلْنَا لهم مكانَ الجدبِ خصبًا ورزقًا، ومكانَ الأمراضِ عافيةً وصحةً؛ لِنَبْتَلِيَهُمْ بذلك أيضًا.

وقولُه: {حَتَّى عَفَوا} يعنِي: كَثُرُوا. العربُ تقولُ: «عَفَا الشيءُ» بمعنَى: كَثُرَ، فـ (عفوا) معناه: كَثُرُوا. كَثُرَتْ أنفسُهم - بالعافيةِ والصحةِ - وأموالُهم، حتى نَمَوْا وَنَمَتْ أموالُهم، وَكُلُّ شيءٍ كَثُرَ تقولُ فيه العربُ:(عفا) ومنه: إعفاءُ اللحيةِ، وهو تكثيرُ شَعْرِهَا وتوفيرُه لا حلقه وَقَصّه.

فمعنَى: {حَتَّى عَفَوْا} حتى كَثُرُوا، وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشاعرِ

(1)

:

وَلَكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ مِنْهَا

بِأَسْوُقِ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ

فَهُوَ معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ. حتى عَفَوْا وكثروا وزالَ عنهم الجوعُ والقحطُ وخصبوا وأنعموا؛ لَمَّا زَالَ عنهم هذا كُلُّهُ ابتليناهم بالحسناتِ، ولم ينفع فيهم الابتلاءُ بالحسناتِ أيضًا، وقالوا:{قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ} معناه عندَهم: أن هذه حياةُ الدهرِ، تارةً يجيءُ بخيرٍ، وتارةً يجيءُ بشرٍّ، وهو أمرٌ طبيعيٌّ ليس من الابتلاءِ ولا الفتنةِ على الذنوبِ ثم إن اللَّهَ قال إنه بعدَ أن لم يَنْفَعِ ابتلاؤُنا

(1)

البيت للبيد بن ربيعة، وهو في الدر المصون (5/ 389).

ص: 628

دَمَّرَهُمْ؛ ولذا قال: {أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً} أَخَذْنَاهُمْ بالعذابِ والهلاكِ بغتةً.

أَيْ: في حالِ كَوْنِنَا مباغتين لهم. أي: أخذهم فجأةً. وَالْمُبَاغَتَةُ أشدُّ وأعظمُ {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} أي: لَا يعلمونَ بذلك فأهلكهم اللَّهُ بغتةً (والعياذُ بالله) وهذا معنَى قولِه: {فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} .

{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96)} [الأعراف: آية 96].

{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا} (لو): حَرْفُ الشَّرْطِ لَا تَلِي إلا الْجُمَلَ الفعليةَ و (أنَّ) هنا حرفٌ مَصْدَرِيٌّ، ليست جملةً فِعْلِيَّةً، إلا أن الفعلَ محذوفٌ، ولو وَقَعَ {أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا} لو كان أهلُ القرى الذين دَمَّرَهُمُ اللَّهُ وأهلكهم اللَّهُ آمنوا بِاللَّهِ وأطاعوا رُسُلَهُ:{لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ} قَرَأَ هذا الحرفَ عامةُ القراءِ غيرَ ابنِ عامرٍ: {لَفَتَحْنَا} بالتخفيفِ، وقرأه ابنُ عامرٍ:{لَفَتَّحنَا عليهم} بالتشديدِ

(1)

.

{بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ} البركاتُ: الخيراتُ، وبركاتُ السماءِ: ما يَنْزِلُ منها من الأمطارِ، وبركاتُ الأرضِ: ما يَخْرُجُ منها من النباتاتِ والزروعِ والحبوبِ ونحوِ ذلك.

وهذه الآياتُ تدلُّ على أن الناسَ إِنْ أَطَاعُوا اللَّهَ أَغْدَقَ اللَّهُ عليهم رِزْقَهُ، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا

(1)

انظر: السبعة ص286.

ص: 629

يَحْتَسِبُ} [الطلاق: الآيتان 2، 3] وقال نوحٌ لقومِه: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12)} [نوح: الآيات 10 - 12] وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [المائدة: آية 66] في آياتٍ كثيرةٍ.

{وَلَكِنْ كَذَّبُوا} [الأعراف: آية 96] ولكنهم لم يُطِيعُوا اللَّهَ فَكَذَّبُوا {فَأَخَذْنَاهُم} أَهْلَكْنَاهُمْ بسببِ ما كانوا يَكْسِبُونَ من الذنوبِ والكفرِ والمعاصِي.

وقد نقتصرُ الآنَ على هذه الكلماتِ القليلةِ؛ لأَنَّ البارحةَ أَخَذْنَا دواءً أَثَّرَ عَلَيْنَا، فَمَعِيَ الآنَ بَعْضُ الأَثَرِ.

ص: 630