الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِبَابُ إيقَاعِ الطَّلَاقِ
(الطَّلَاقُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: صَرِيحٌ، وَكِنَايَةٌ. فَالصَّرِيحُ قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ وَمُطَلَّقَةٌ وَطَلَّقْتُك فَهَذَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تُسْتَعْمَلُ فِي الطَّلَاقِ وَلَا تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ فَكَانَ صَرِيحًا
بَابُ إيقَاعِ الطَّلَاقِ
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَصْلِ الطَّلَاقِ وَوَصْفِهِ شَرَعَ فِي بَيَانِ تَنْوِيعِهِ فَقَالَ (الطَّلَاقُ) أَيْ التَّطْلِيقُ (عَلَى ضَرْبَيْنِ: صَرِيحٍ، وَكِنَايَةٍ، فَالصَّرِيحُ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ وَمُطَلَّقَةٌ وَطَلَّقْتُك يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ رَجْعِيٌّ) لِكَوْنِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ صَرِيحَةً، وَالصَّرِيحُ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} وَهُوَ يُشِيرُ بِتَسْمِيَتِهِ بَعْلًا إلَى أَنَّ الطَّلَاقَ
وَأَنَّهُ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ بِالنَّصِّ
الرَّجْعِيَّ لَا يُبْطِلُ الزَّوْجِيَّةَ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ قَالَ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ وَالرَّدُّ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا زَالَ عَنْهُ مِلْكُهُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْبَعْلَ
(وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ) لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَكَذَا إذَا نَوَى الْإِبَانَةَ
فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِلزَّوْجِ حَقِيقَةً وَهِيَ لَا تُتْرَكُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَأَمَّا لَفْظُ الرَّدِّ فَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ كَالْبَائِعِ جَارِيَةً بِالْخِيَارِ لَهُ وَلِلْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ فِيهَا لِلْمُشْتَرِي. ثُمَّ إذَا فَسَخَهُ يُقَالُ رَدَّ الْجَارِيَةَ وَإِنْ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا مِلْكُ الْبَائِعِ (وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ) وَالصَّرِيحُ مَا ظَهَرَ الْمُرَادُ بِهِ ظُهُورًا بَيِّنًا بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَهَذَا كَذَلِكَ، وَالصَّرِيحُ يَقُومُ لَفْظُهُ مَقَامَ مَعْنَاهُ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ.
وَقَوْلُهُ وَكَذَا إذَا نَوَى الْإِبَانَةَ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَإِنَّهُ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ: يَعْنِي إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، وَكَذَا إذَا نَوَى الْإِبَانَةَ لِأَنَّهُ خَالَفَ الشَّرْعَ حَيْثُ قَصَدَ تَنْجِيزَ مَا عَلَّقَهُ الشَّرْعُ بِانْقِضَاءِ
لِأَنَّهُ قَصَدَ تَنْجِيزَ مَا عَلَّقَهُ الشَّرْعُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ.
وَلَوْ نَوَى الطَّلَاقَ عَنْ وِثَاقٍ لَمْ يُدَنْ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ. وَلَوْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ عَنْ الْعَمَلِ لَمْ يُدَنْ فِي الْقَضَاءِ وَلَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الطَّلَاقَ لِرَفْعِ الْقَيْدِ وَهِيَ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِالْعَمَلِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ يَسْتَعْمِلُ لِلتَّخْلِيصِ.
الْعِدَّةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} وَالْإِمْسَاكُ بِالْمَعْرُوفِ هُوَ الرَّجْعَةُ، وَالتَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ هُوَ تَرْكُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ. وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الرَّجْعَةَ إمْسَاكًا وَالْإِمْسَاكُ إبْقَاءُ الشَّيْءِ عَلَى مَا كَانَ، فَمَا دَامَتْ الْعِدَّةُ بَاقِيَةً كَانَتْ وِلَايَةُ الرَّجْعَةِ بَاقِيَةً، وَإِذَا انْقَضَتْ مِنْ غَيْرِ رَجْعَةٍ بَانَتْ فَصَارَتْ الْبَيْنُونَةُ مُعَلَّقَةً بِالِانْقِضَاءِ كَذَا قَالُوا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنْ سَلَّمْنَا دَلَالَتَهُ عَلَى تَعْلِيقِ الْبَيْنُونَةِ بِالِانْقِضَاءِ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ مَا لَمْ يَنْوِ الْبَيْنُونَةَ فَلَمْ يَبْقَ حُجَّةٌ فِيمَا نُوِيَتْ فِيهِ، وَلَوْ قَالَ لِأَنَّ الطَّلَاقَ ثَابِتٌ اقْتِضَاءً وَالْمُقْتَضِي ضَرُورِيٌّ وَالضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِالرَّجْعِيِّ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْبَائِنِ كَانَ أَسْلَمَ، وَمَوْضِعُهُ أُصُولُ الْفِقْهِ.
وَقَوْلُهُ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ) يَعْنِي قَصْدُهُ وَتَقْرِيرُ الْحُجَّةِ لِأَنَّهُ قَصَدَ تَقْدِيمَ مَا أَخَّرَ الشَّرْعُ إلَى وَقْتٍ وَكُلُّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ يُرَدُّ عَلَيْهِ قَصْدُهُ كَمَا فِي قَتْلِ الْمُورَثِ وَأَصْلُهُ بَقَرَةُ بَنِي إسْرَائِيلَ (وَلَوْ نَوَى الطَّلَاقَ عَنْ وَثَاقٍ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَهُوَ الْقَيْدُ وَالْكَسْرُ فِيهِ لُغَةٌ (لَمْ يُدَيَّنْ فِي الْقَضَاءِ) أَيْ لَمْ يُصَدَّقْ، وَحَقِيقَتُهُ دَيَّنْت الرَّجُلَ تَدْيِينًا وَكَلْتُهُ إلَى دِينِهِ فَاسْتُعْمِلَ فِي التَّصْدِيقِ مَجَازًا لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ لِأَنَّهُ صَرْفُ الْكَلَامِ عَمَّا هُوَ صَرِيحٌ فِيهِ إلَى مَا لَيْسَ بِمُتَعَارَفٍ فِيمَا عَلَيْهِ تَخْفِيفٌ. وَكَذَلِكَ لَا يَسَعُ الْمَرْأَةَ أَنْ تُصَدِّقَهُ فِي ذَلِكَ (وَيُدَيَّنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ) إذْ الطَّلَاقُ مِنْ الْإِطْلَاقِ يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِبِلِ أَوْ الْوَثَاقِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ عِبَارَةً عَنْهُ مَجَازًا.
(وَلَوْ نَوَى بِهِ) أَيْ بِقَوْلِهِ طَالِقٌ (الطَّلَاقَ عَنْ الْعَمَلِ لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْقَضَاءِ وَلَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الطَّلَاقَ لِرَفْعِ الْقَيْدِ وَهُوَ) قِيلَ أَيْ الْمَرْأَةُ بِتَأْوِيلِ الشَّخْصِ أَوْ الذَّاتِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ بَلْ يَعُودُ إلَى الْقَيْدِ الَّذِي يَرْفَعُهُ الطَّلَاقُ وَهُوَ النِّكَاحُ.
وَتَقْرِيرُهُ الطَّلَاقَ لِرَفْعِ الْقَيْدِ النِّكَاحِيِّ، وَالْقَيْدُ النِّكَاحِيُّ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالْعَمَلِ فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ بِرَفْعِ الْقَيْدِ بِالْعَمَلِ وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَرَوَى الْحَسَنُ (عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُدَيَّنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الطَّلَاقَ يُسْتَعْمَلُ فِي التَّخْلِيصِ) فَكَانَ
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ مُطْلَقَةٌ بِتَسْكِينِ الطَّاءِ لَا يَكُونُ طَلَاقًا إلَّا بِالنِّيَّةِ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَعْمَلَةٍ فِيهِ عُرْفًا فَلَمْ يَكُنْ صَرِيحًا.
مَعْنَاهُ أَنْتِ مُخَلَّصَةٌ مِنْ الْعَمَلِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِهِ، أَمَّا إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ عَمَلِ كَذَا مَوْصُولًا صُدِّقَ دِيَانَةً رِوَايَةً وَاحِدَةً (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ مُطْلَقَةٌ بِتَسْكِينِ الطَّاءِ لَا يَكُونُ طَلَاقًا إلَّا بِالنِّيَّةِ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَعْمَلَةٍ فِيهِ عُرْفًا فَلَا يَكُونُ صَرِيحًا)
قَالَ (وَلَا يَقَعُ بِهِ إلَّا وَاحِدَةٌ وَإِنْ نَوَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقَعُ مَا نَوَى لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لَفْظَهُ، فَإِنَّ ذِكْرَ الطَّالِقِ ذِكْرٌ لِلطَّلَاقِ لُغَةً كَذِكْرِ الْعَالَمِ ذِكْرٌ لِلْعِلْمِ
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا كَانَ كِنَايَةً لِعَدَمِ الْوَاسِطَةِ وَالْكِنَايَةُ تَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ
وَقَوْلُهُ (وَلَا يَقَعُ بِهِ) مِنْ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ وَهَذَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ: أَيْ لَا يَقَعُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ (إلَّا وَاحِدَةٌ وَإِنْ نَوَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقَعُ مَا نَوَى لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ لَفْظِهِ فَإِنَّ ذِكْرَ الطَّالِقِ ذِكْرٌ لِلطَّلَاقِ)
وَلِهَذَا يَصِحُّ قِرَانُ الْعَدَدِ بِهِ فَيَكُونَ نَصَبًا عَلَى التَّمْيِيزِ. وَلَنَا أَنَّهُ نَعْتٌ فَرْدٌ حَتَّى قِيلَ لِلْمُثَنَّى طَالِقَانِ وَلِلثَّلَاثِ طَوَالِقُ فَلَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ لِأَنَّهُ ضِدُّهُ، وَذِكْرُ الطَّالِقِ
لِكَوْنِهِ نَعْتًا وَهُوَ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ (وَلِهَذَا) أَيْ لِكَوْنِهِ مُحْتَمَلَ لَفْظِهِ (يَصِحُّ قِرَانُ الْعَدَدِ بِهِ وَيَكُونُ نَصْبًا عَلَى التَّفْسِيرِ) وَكُلُّ مَا هُوَ مُحْتَمَلُ اللَّفْظِ تَصِحُّ نِيَّتُهُ (وَلَنَا أَنَّهُ نَعْتُ فَرْدٍ حَتَّى قِيلَ لِلْمُثَنَّى طَالِقَانِ وَلِلثَّلَاثِ طَوَالِقُ) وَكُلُّ مَا هُوَ نَعْتُ فَرْدٍ (لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ لِأَنَّهُ ضِدُّهُ) وَالضِّدُّ لَا يَحْتَمِلُ الضِّدَّ.
وَقَوْلُهُ وَذِكْرُ الطَّوَالِقِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ فَإِنَّ ذِكْرَ الطَّالِقِ ذِكْرٌ لِلطَّلَاقِ لُغَةٌ.
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الطَّالِقَ نَعْتٌ مِنْ الثُّلَاثِيِّ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى طَلَاقٍ يَكُونُ صِفَةً لِلْمَرْأَةِ لَا عَلَى طَلَاقٍ يَكُونُ بِمَعْنَى التَّطْلِيقِ كَالسَّلَامِ بِمَعْنَى التَّسْلِيمِ، وَمَحَلُّ النِّيَّةِ هُوَ الثَّانِي لِأَنَّهُ فِعْلُ الرَّجُلِ دُونَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ وَصْفٌ
ذِكْرٌ لِطَلَاقٍ هُوَ صِفَةٌ لِلْمَرْأَةِ لَا لِطَلَاقٍ هُوَ تَطْلِيقٌ، وَالْعَدَدُ الَّذِي يُقْرَنُ بِهِ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مَعْنَاهُ طَلَاقًا ثَلَاثًا كَقَوْلِك أَعْطَيْتُهُ جَزِيلًا: أَيْ عَطَاءً جَزِيلًا (وَإِذَا قَالَ: أَنْتِ الطَّلَاقُ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَوْ نَوَى وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ) وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ بِاللَّفْظَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ ظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ النَّعْتَ وَحْدَهُ
ضَرُورِيٌّ تَتَّصِفُ بِهِ الْمَرْأَةُ وَلَيْسَ بِفِعْلِ الزَّوْجِ لَكِنَّهُ يَقْتَضِي الثَّانِيَ تَصْحِيحًا لَهُ وَكَانَ ثَابِتًا ضَرُورَةَ صِحَّةِ الْكَلَامِ مُقْتَضًى وَلَا عُمُومَ لَهُ.
وَقَوْلُهُ وَالْعَدَدُ الَّذِي يُقْرَنُ بِهِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ وَلِهَذَا يَصِحُّ قِرَانُ الْعَدَدِ بِهِ وَهُوَ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (وَإِذَا قَالَ أَنْتِ الطَّلَاقُ) وَاضِح
يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ، فَإِذَا ذَكَرَهُ وَذَكَرَ الْمَصْدَرَ مَعَهُ وَأَنَّهُ يَزِيدُهُ وَكَادَةً أَوْلَى.
وَأَمَّا وُقُوعُهُ بِاللَّفْظَةِ الْأُولَى فَلِأَنَّ الْمَصْدَرَ قَدْ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الِاسْمُ، يُقَالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ: أَيْ عَادِلٌ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَلَاقٌ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ أَيْضًا وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى النِّيَّةِ وَيَكُونُ رَجْعِيًّا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ صَرِيحُ الطَّلَاقِ لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ فِيهِ، وَتَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ وَالْكَثْرَةَ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ فَيُعْتَبَرُ بِسَائِرِ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ فَيَتَنَاوَلُ الْأَدْنَى مَعَ احْتِمَالِ الْكُلِّ، وَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ فِيهَا خِلَافًا لِزُفَرَ.
هُوَ يَقُولُ: إنَّ الثِّنْتَيْنِ بَعْضُ الثَّلَاثِ فَلَمَّا صَحَّتْ نِيَّةُ الثَّلَاثِ صَحَّتْ نِيَّةُ بَعْضِهَا ضَرُورَةً. وَنَحْنُ نَقُولُ: نِيَّةُ الثَّلَاثِ إنَّمَا صَحَّتْ لِكَوْنِهَا جِنْسًا، حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ أَمَةً تَصِحُّ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْجِنْسِيَّةِ، أَمَّا الثِّنْتَانِ فِي حَقِّ الْحُرَّةِ فَعَدَدٌ، وَاللَّفْظُ لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ وَهَذَا لِأَنَّ مَعْنَى التَّوَحُّدِ يُرَاعَى فِي أَلْفَاظِ الْوُحْدَانِ وَذَلِكَ بِالْفَرْدِيَّةِ أَوْ الْجِنْسِيَّةِ وَالْمَثْنَى بِمَعْزِلٍ مِنْهُمَا.
وَقَوْلُهُ (فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ) اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ الطَّلَاقُ لَوْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ أَنْتِ طَالِقٌ لَمَا صَحَّ فِيهِ نِيَّةُ الثَّلَاثِ كَمَا لَمْ تَصِحَّ فِي أَنْتِ طَالِقٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ نِيَّةَ الثَّلَاثِ إنَّمَا لَا تَصِحُّ فِي طَالِقٍ لِأَنَّهُ نَعْتُ فَرْدٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا الطَّلَاقُ فَهُوَ مَصْدَرٌ فِي أَصْلِهِ وَإِنْ وُصِفَ بِهِ فَلُمِحَ فِيهِ جَانِبُ الْمَصْدَرِيَّةِ وَصَحَّ فِيهِ نِيَّةُ الثَّلَاثِ، وَبَقِيَّةُ كَلَامِهِ وَاضِحٌ.
.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ فَقَالَ: أَرَدْت بِقَوْلِي طَالِقٌ وَاحِدَةً وَبِقَوْلِي الطَّلَاقَ أُخْرَى يُصَدَّقُ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَالِحٌ لِلْإِيقَاعِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ فَتَقَعُ رَجْعِيَّتَانِ إذَا كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا.
(وَإِذَا أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى جُمْلَتِهَا أَوْ إلَى مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْجُمْلَةِ وَقَعَ الطَّلَاقُ) لِأَنَّهُ أُضِيفَ إلَى مَحِلِّهِ، وَذَلِكَ (مِثْلَ أَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ) لِأَنَّ التَّاءَ ضَمِيرُ الْمَرْأَةِ (أَوْ) يَقُولَ (رَقَبَتُكِ طَالِقٌ أَوْ عُنُقُك) طَالِقٌ أَوْ رَأْسُك طَالِقٌ (أَوْ رُوحُك أَوْ بَدَنُك أَوْ جَسَدُك أَوْ فَرْجُك أَوْ وَجْهُك) لِأَنَّهُ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ. أَمَّا الْجَسَدُ وَالْبَدَنُ فَظَاهِرٌ وَكَذَا غَيْرُهُمَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} وَقَالَ {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} وَقَالَ عليه الصلاة والسلام
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ فَقَالَ أَرَدْت بِقَوْلِي طَالِقٌ وَاحِدَةً وَبِقَوْلِي الطَّلَاقِ أُخْرَى) فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَوْطُوءَةً لَغَا الثَّانِي، وَإِنْ كَانَتْ مَوْطُوءَةً (يُصَدَّقُ) وَيَقَعُ طَلْقَتَانِ رَجْعِيَّتَانِ (لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَالِحٌ لِلْإِيقَاعِ) بِتَقْدِيرِ الْمُبْتَدَإِ فِي الثَّانِي كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ.
(وَلَوْ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى جُمْلَتِهَا) مِثْلَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ لِأَنَّ التَّاءَ ضَمِيرُ الْمَرْأَةِ وَذَكَرَ هَذَا وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ مِمَّا قَبْلَهُ تَمْهِيدًا لِذِكْرِ مَا بَعْدَهُ (أَوْ إلَى مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْجُمْلَةِ مِثْلَ قَوْلِك رَقَبَتُك طَالِقٌ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} وَلَمْ يُرِدْ الرَّقَبَةَ بِعَيْنِهَا، وَكَذَلِكَ الْعُنُقُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} وَلَمْ يُرِدْ الْأَعْنَاقَ بِعَيْنِهَا حَيْثُ لَمْ يَقُلْ خَاضِعَةً وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ.
«لَعَنَ اللَّهُ الْفُرُوجَ عَلَى السُّرُوجِ» وَيُقَالُ فُلَانٌ رَأْسُ الْقَوْمِ وَيَا وَجْهَ الْعَرَبِ وَهَلَكَ رُوحُهُ بِمَعْنَى نَفْسُهُ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الدَّمُ فِي رِوَايَةٍ يُقَالُ دَمُهُ هَدَرٌ وَمِنْهُ النَّفْسُ وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَكَذَلِكَ إنْ)(طَلَّقَ جُزْءًا شَائِعًا مِنْهَا مِثْلَ أَنْ يَقُولَ نِصْفُك أَوْ ثُلُثُك) طَالِقٌ لِأَنَّ الشَّائِعَ مَحِلٌّ لِسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ كَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ فَكَذَا يَكُونُ مَحِلًّا لِلطَّلَاقِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ فَيَثْبُتَ فِي الْكُلِّ ضَرُورَةً (وَلَوْ قَالَ: يَدُك طَالِقٌ أَوْ رِجْلُك طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: يَقَعُ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي كُلِّ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ. لَهُمَا أَنَّهُ جُزْءٌ مُسْتَمْتَعٌ بِعَقْدِ النِّكَاحِ
وَلَوْ قَالَ يَدُك طَالِقٌ أَوْ رِجْلُك لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ، وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: يَقَعُ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي كُلِّ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ كَالْإِصْبَعِ وَالشَّعْرِ وَالسِّنِّ وَالظُّفْرِ. لَهُمَا أَنَّهُ جُزْءٌ مُسْتَمْتَعٌ بِعَقْدِ النِّكَاحِ، وَكُلُّ جُزْءٍ مُسْتَمْتَعٍ بِعَقْدِ النِّكَاحِ يَكُونُ مَحَلًّا لِحُكْمِ النِّكَاحِ، وَمَا كَانَ مَحَلًّا لِحُكْمِ النِّكَاحِ كَانَ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ لِأَنَّهُ رَافِعُهُ فَيَكُونُ حَالًّا مَحَلَّهُ فَإِذَا أُضِيفَ إلَيْهِ الطَّلَاقُ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِيهِ تَوْفِيَةً لِحَقِّ الْإِضَافَةِ ثُمَّ يَسْرِي إلَى الْكُلِّ كَمَا فِي الْجُزْءِ الشَّائِعِ. فَإِنْ قِيلَ:
وَمَا هَذَا حَالُهُ يَكُونُ مَحِلًّا لِحُكْمِ النِّكَاحِ فَيَكُونَ مَحِلًّا لِلطَّلَاقِ فَيَثْبُتَ الْحُكْمُ فِيهِ قَضِيَّةً لِلْإِضَافَةِ ثُمَّ يَسْرِي إلَى الْكُلِّ كَمَا فِي الْجُزْءِ الشَّائِعِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أُضِيفَ إلَيْهِ النِّكَاحُ لِأَنَّ التَّعَدِّيَ مُمْتَنِعٌ إذْ الْحُرْمَةُ فِي سَائِرِ الْأَجْزَاءِ تُغَلِّبُ الْحِلَّ فِي هَذَا الْجُزْءِ وَفِي الطَّلَاقِ الْأَمْرُ عَلَى الْقَلْبِ.
وَلَنَا أَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى غَيْرِ مَحِلِّهِ فَيَلْغُوَ كَمَا إذَا أَضَافَهُ إلَى رِيقِهَا أَوْ ظُفُرِهَا، وَهَذَا لِأَنَّ مَحِلَّ الطَّلَاقِ مَا يَكُونُ فِيهِ الْقَيْدُ لِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ رَفْعِ الْقَيْدِ وَلَا قَيْدَ فِي الْيَدِ وَلِهَذَا لَا تَصِحُّ إضَافَةُ النِّكَاحِ إلَيْهِ، بِخِلَافِ الْجُزْءِ الشَّائِعِ لِأَنَّهُ مَحِلٌّ لِلنِّكَاحِ عِنْدَنَا حَتَّى تَصِحَّ إضَافَتُهُ إلَيْهِ فَكَذَلِكَ يَكُونُ مَحِلًّا لِلطَّلَاقِ.
لَوْ كَانَ الْجُزْءُ الْمُعَيَّنُ مَحَلًّا لِحُكْمِ النِّكَاحِ لَانْعَقَدَ النِّكَاحُ إذَا أُضِيفَ إلَيْهِ ثُمَّ يَسْرِي إلَى الْكُلِّ.
أَجَابَ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أُضِيفَ إلَيْهِ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ السِّرَايَةَ مُمْتَنِعَةٌ إذْ الْحُرْمَةُ فِي سَائِرِ الْأَجْزَاءِ تَغْلِبُ الْحِلَّ فِي هَذَا الْجُزْءِ فَيَمْتَنِعُ عَنْ السَّرَيَانِ (وَفِي الطَّلَاقِ الْأَمْرُ عَلَى الْقَلْبِ) يَعْنِي الْحُرْمَةَ فِي هَذَا الْجُزْءِ تَغْلِبُ الْحِلَّ فِي سَائِرِ الْأَجْزَاءِ وَقَوْلُهُ (وَلَنَا أَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ) ظَاهِرٌ، وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الْيَدَ وَالرِّجْلَ وَنَحْوَهُمَا أَطْرَافٌ وَهِيَ أَتْبَاعٌ لَا مَحَالَةَ، فَإِذَا وَرَدَ عَلَيْهِمَا دَخَلَ الْأَتْبَاعُ كَمَا فِي شِرَاءِ تِلْكَ الرَّقَبَةِ فَيَكُونُ ذِكْرُ الْأَصْلِ ذِكْرًا لِلتَّبَعِ، وَأَمَّا ذِكْرُ التَّبَعِ فَلَا يَكُونُ ذِكْرًا لِلْأَصْلِ. فَإِنْ قِيلَ: سَلَّمْنَا ذَلِكَ لَكِنْ عَبَّرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْيَدِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ فِي قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ» أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ صَاحِبُ الْيَدِ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ، وَعِنْدَنَا أَنَّ الزَّوْجَ إذَا قَالَ أَرَدْت إضْمَارَ صَاحِبِهَا طَلُقَتْ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: إذَا قَالَ لَهَا رَأْسُك
وَاخْتَلَفُوا فِي الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَا يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ.
(وَإِنْ طَلَّقَهَا نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ أَوْ ثُلُثَهَا كَانَتْ) طَالِقًا (تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً) لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَجَزَّأُ، وَذِكْرُ بَعْضِ مَا لَا يَتَجَزَّأُ كَذِكْرِ الْكُلِّ، وَكَذَا الْجَوَابُ فِي كُلِّ جُزْءٍ سَمَّاهُ لِمَا بَيَّنَّا (وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَنْصَافٍ تَطْلِيقَتَيْنِ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا) لِأَنَّ نِصْفَ التَّطْلِيقَتَيْنِ تَطْلِيقَةٌ،
طَالِقٌ وَعَنَى اقْتِصَارَ الطَّلَاقِ عَلَى الرَّأْسِ لَا يَبْعُدُ أَنْ نَقُولَ بِأَنَّهَا لَا تَطْلُقُ، وَلَوْ قَالَ يَدُك طَالِقٌ وَأَرَادَ بِهِ الْعِبَارَةَ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ لَا يَبْعُدُ أَنْ نَقُولَ بِأَنَّهَا تَطْلُقُ، وَإِذَا قَالَ ظَهْرُك طَالِقٌ أَوْ بَطْنُك طَالِقٌ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَقَعُ الطَّلَاقُ لِأَنَّ الظَّهْرَ وَالْبَطْنَ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ النِّكَاحُ بِدُونِهِمَا، بِخِلَافِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ) أَيْ الْإِيقَاعُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ لَا يُعَبَّرُ بِهِمَا عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ ظَهْرُك أَوْ بَطْنُك عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا.
(وَإِنْ طَلَّقَهَا نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ أَوْ ثُلُثَهَا طَلُقَتْ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً) لِأَنَّهُ ذَكَرَ بَعْضَ مَا لَا يَتَجَزَّأُ وَهُوَ الطَّلَاقُ، إذْ نِصْفُ التَّطْلِيقِ أَوْ ثُلُثُهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَذِكْرُ بَعْضِ مَا لَا يَتَجَزَّأُ كَذِكْرِ الْكُلِّ كَالْعَفْوِ عَنْ بَعْضِ الْقِصَاصِ صِيَانَةً لِلْكَلَامِ عَنْ الْإِلْغَاءِ وَتَغْلِيبًا لِلْمُحَرِّمِ عَلَى الْمُبِيحِ وَإِعْمَالًا لِلدَّلِيلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَى الْبَعْضِ وَهُوَ مِمَّا لَا يَتَجَزَّأُ أَوْجَبَ إكْمَالَهُ وَإِلَّا لَزِمَ إبْطَالُ الدَّلِيلِ (وَكَذَا الْجَوَابُ فِي كُلِّ جُزْءٍ سَمَّاهُ) وَالنِّصْفُ كَالرُّبُعِ وَالثُّمُنِ وَالسُّدُسِ وَغَيْرِهَا (لِمَا بَيَّنَّا) أَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ (وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ تَطْلِيقَتَيْنِ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِأَنَّ نِصْفَ تَطْلِيقَتَيْنِ تَطْلِيقَةٌ) فَثَلَاثَةُ أَنْصَافِ تَطْلِيقَتَيْنِ يَكُونُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ
ضَرُورَةً
، وَهَذِهِ
فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَنْصَافٍ تَكُونُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ ضَرُورَةً. وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَنْصَافٍ تَطْلِيقَةً، قِيلَ: يَقَعُ تَطْلِيقَتَانِ لِأَنَّهَا طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ فَيَتَكَامَلَ، وَقِيلَ: يَقَعُ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ لِأَنَّ كُلَّ نِصْفٍ يَتَكَامَلُ فِي نَفْسِهِ فَتَصِيرَ ثَلَاثًا.
الْمَسْأَلَةُ مِنْ خَوَاصِّ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: إنَّمَا أَوْرَدَ: يَعْنِي مُحَمَّدًا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِإِشْكَالٍ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ عَدَدٍ نَصَّفْته لَا يَكُونُ إلَّا نِصْفَيْنِ، فَالْقَوْلُ بِالثَّلَاثَةِ فِي ذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَلْغُوَ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ الطَّلَاقَ يَعْنِي أَرَادَ ثَلَاثَ طَلْقَاتٍ وَاسْتَعْمَلَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ تَطْلِيقَتَيْنِ بِاعْتِبَارِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ نِصْفَ تَطْلِيقَتَيْنِ إذَا كَانَ تَطْلِيقَةً فَثَلَاثَةُ أَنْصَافِهِمَا تَكُونُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ لَا يَقَعُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ مُهْمَلٌ لَا مَعْنَى لَهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يَقَعُ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ ذِكْرَ الْعَدَدِ كَانَ لَغْوًا فَبَقِيَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا الْكَلَامُ إمَّا أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِيمَا أَرَادَ أَوْ مَجَازًا، وَلَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِيمَا وُضِعَ لَهُ وَلَا إلَى الثَّانِي لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْحَقِيقَةِ وَعَدَمِ الِاتِّصَالِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مَجَازٌ، وَتَصَوُّرُ الْحَقِيقَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِجَوَازِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالِاتِّصَالُ مَوْجُودٌ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْجُزْءِ وَإِرَادَةِ الْكُلِّ. وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ مَا إذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ تَطْلِيقَتَيْنِ لَمْ تَطْلُقْ إلَّا ثِنْتَيْنِ وَلَمْ نَقُلْ وَقَدْ أَوْقَعَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ رُبُعَ تَطْلِيقَتَيْنِ وَرُبُعُ التَّطْلِيقَتَيْنِ نِصْفُ تَطْلِيقَةٍ. وَمَنْ أَوْقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ طَلُقَتْ ثَلَاثًا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ جَوَابَ هَذَا اللَّفْظِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ. وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ فَالْفَرْقُ وَاضِحٌ بَيِّنٌ، فَإِنَّ الْأَجْزَاءَ الَّتِي أَوْقَعَهَا هُنَاكَ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ مَوْجُودَةٌ فِي التَّطْلِيقَتَيْنِ لِأَنَّ رُبُعَ تَطْلِيقَتَيْنِ نِصْفُ تَطْلِيقَةٍ فَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ تَطْلِيقَتَيْنِ تَطْلِيقَةٌ وَنِصْفٌ فَيَقَعُ تَطْلِيقَتَانِ فَلَا وَجْهَ إلَى صَرْفِ الْكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَهَاهُنَا الْأَجْزَاءُ الَّتِي أَوْقَعَهَا غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي التَّطْلِيقَتَيْنِ إذْ لَيْسَ لِلتَّطْلِيقَتَيْنِ ثَلَاثَةُ أَنْصَافٍ فَلَا حَاجَةَ لِتَصْحِيحِ كَلَامِهِ سِوَى تَصْحِيحِ كَلَامِ الْعَاقِلِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ تَطْلِيقَةٍ قِيلَ يَقَعُ طَلْقَتَانِ) وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ النَّاطِفِيُّ فِي الْأَجْنَاسِ وَالْعَتَّابِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. وَقَالَ الْعَتَّابِيُّ: هُوَ الصَّحِيحُ
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ أَوْ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ. وَلَوْ قَالَ: مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ أَوْ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ فَهِيَ ثِنْتَانِ. وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ فِي الْأُولَى هِيَ ثِنْتَانِ وَفِي الثَّانِيَةِ ثَلَاثٌ) وَقَالَ زُفَرُ: الْأُولَى لَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ تَقَعُ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّ الْغَايَةَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْمَضْرُوبِ لَهُ
لِأَنَّ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ تَطْلِيقَةٍ تَكُونُ تَطْلِيقَةً وَنِصْفَ تَطْلِيقَةٍ فَصَارَ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَنِصْفَ تَطْلِيقَةٍ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: يَقَعُ ثَلَاثَةٌ لِأَنَّ كُلَّ نِصْفٍ يَكُونُ طَلْقَةً وَاحِدَةً لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ فَيَصِيرُ ثَلَاثَةُ أَنْصَافِ تَطْلِيقَةٍ ثَلَاثَ طَلْقَاتٍ لَا مَحَالَةَ. .
قَالَ (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ) إذَا طَلَّقَهَا مُشْتَمِلًا كَلَامَهُ عَلَى الْغَايَتَيْنِ، فَإِمَّا أَنْ تَدْخُلَ الْغَايَتَانِ وَهُوَ قَوْلُهُمَا أَوْ لَا تَدْخُلَا وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ أَوْ يَدْخُلَ الِابْتِدَاءُ دُونَ الِانْتِهَاءِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ وَهُوَ أَنْ يَدْخُلَ الِانْتِهَاءُ دُونَ الِابْتِدَاءِ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ. وَجْهُ قَوْلِ زُفَرَ أَنَّ غَايَةَ الشَّيْءِ لَا تَدْخُلُ فِيهِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ غَايَةً كَمَا فِي الْمَحْسُوسَاتِ كَقَوْلِهِ بِعْت مِنْك مِنْ هَذَا الْحَائِطِ إلَى هَذَا الْحَائِطِ، وَهُوَ قِيَاسٌ مَحْضٌ. وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ حَاجَّهُ حَيْثُ قَالَ لَهُ كَمْ سِنُّك؟ فَقَالَ مَا بَيْنَ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ، فَقَالَ لَهُ إذَنْ أَنْتَ ابْنُ
الْغَايَةُ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْت مِنْك مِنْ هَذَا الْحَائِطِ إلَى هَذَا الْحَائِطِ.
وَجْهُ قَوْلِهِمَا وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ مَتَى ذُكِرَ فِي الْعُرْفِ يُرَادُ بِهِ الْكُلُّ، كَمَا تَقُولُ لِغَيْرِك: خُذْ مِنْ مَالِي مِنْ دِرْهَمٍ إلَى مِائَةٍ.
تِسْعِ سِنِينَ فَتَحَيَّرَ.
وَرَوَى فَخْرُ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْأَصْمَعِيَّ هُوَ الَّذِي حَاجَّهُ عَلَى بَابِ الرَّشِيدِ قَالَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ؟ قَالَ تَطْلُقُ وَاحِدَةً لِأَنَّ كَلِمَةَ مَا بَيْنَ لَا تَتَنَاوَلُ الْحَدَّيْنِ، فَقَالَ لَهُ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قِيلَ لَهُ كَمْ سِنُّك؟ فَقَالَ مَا بَيْنَ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ يَكُونُ ابْنَ تِسْعِ سِنِينَ، فَتَحَيَّرَ زُفَرُ وَاسْتَحْسَنَ فِي مِثْلِ هَذَا وَيَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّ مَنْ قَالَ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى وَاحِدَةٍ لَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَقِيلَ يَقَعُ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ حَدًّا وَمَحْدُودًا لَغَا آخِرُ كَلَامِهِ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ ذَلِكَ وَبَقِيَ أَنْتِ طَالِقٌ.
وَوَجْهُ قَوْلِهِمَا وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ أَنَّ مِثْلَ
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَكْثَرُ مِنْ الْأَقَلِّ وَالْأَقَلُّ مِنْ الْأَكْثَرِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ سِنِّي مِنْ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ وَمَا بَيْنَ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ وَيُرِيدُونَ بِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِرَادَةُ الْكُلِّ فِيمَا طَرِيقُهُ طَرِيقُ الْإِبَاحَةِ كَمَا ذُكِرَ، إذْ الْأَصْلُ فِي الطَّلَاقِ
هَذَا الْكَلَامِ فِي الْعُرْفِ يُرَادُ بِهِ الْكُلُّ، كَمَا يُقَالُ لِغَيْرِهِ خُذْ مِنْ مَالِي مِنْ دِرْهَمٍ إلَى مِائَةٍ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُرَادَ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ الْأَكْثَرُ مِنْ الْأَقَلِّ وَالْأَقَلُّ مِنْ الْأَكْثَرِ وَهُوَ مَا بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ سِنِّي مِنْ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ أَوْ مَا بَيْنَ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ وَيُرِيدُونَ مَا ذَكَرْنَاهُ: يَعْنِي الْأَكْثَرَ مِنْ الْأَقَلِّ أَوْ الْأَقَلَّ مِنْ الْأَكْثَرِ، قِيلَ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَشَّى فِي قَوْلِهِ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَتَمَشَّى فِيهِ أَيْضًا لِأَنَّ الْأَكْثَرَ فِيهِ الثَّلَاثُ وَالْأَقَلَّ الْوَاحِدُ، وَالْأَكْثَرُ مِنْ الْأَقَلِّ وَالْأَقَلُّ مِنْ الْأَكْثَرِ الثِّنْتَانِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ فِيهِ: يَعْنِي فِي الطَّلَاقِ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِي الْأَكْثَرِ فِي الطَّلَاقِ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ فِي كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ وَالثَّلَاثُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِيهِ.
وَأَقُولُ: قَوْلُهُ إنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَكْثَرُ مِنْ الْأَقَلِّ: مَعْنَاهُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا عَدَدٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ. وَقَوْلُهُ سِنِّي مِنْ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ. وَقَوْلُهُ وَالْأَقَلُّ مِنْ الْأَكْثَرِ مَعْنَاهُ: إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا ذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ، وَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ الِاعْتِرَاضُ. وَقَوْلُهُ (وَإِرَادَةُ الْكُلِّ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا يُرَادُ بِهِ الْكُلُّ كَمَا يُقَالُ لِغَيْرِهِ خُذْ مِنْ مَالِي مِنْ دِرْهَمٍ إلَى
هُوَ الْحَظْرُ، ثُمَّ الْغَايَةُ الْأُولَى لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا الثَّانِيَةُ، وَوُجُودُهَا بِوُقُوعِهَا، بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّ
مِائَةٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (ثُمَّ الْغَايَةُ الْأُولَى) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ زُفَرَ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ لَا تَدْخُلَ الْغَايَتَانِ كَمَا ذَكَرْت، إلَّا أَنَّ الْغَايَةَ الْأُولَى لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الثَّانِيَةَ، وَلَا يَصِحُّ إلَّا بَعْدَ وُجُودِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّانِيَةُ وَوُجُودُهَا بِوُقُوعِهَا. وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الْبَيْعِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ كَمَا لَوْ قَالَ بِعْتُك مِنْ هَذَا الْحَائِطِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قِيَاسٌ فَاسِدٌ لِأَنَّ الْغَايَةَ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ مَوْجُودَةٌ قَبْلَ جَعْلِهَا غَايَةً فَلَا ضَرُورَةَ فِي إدْخَالِهَا، وَأَمَّا فِي صُورَةِ النِّزَاعِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ وَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهَا لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا الثَّانِيَةُ وَوُجُودُهَا بِوُقُوعِهَا وَالْحَاصِلُ أَنَّا لَمْ نَقُلْ بِأَنَّ الْغَايَةَ دَاخِلَةٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهَا لِضَرُورَةِ الثَّانِيَةِ. وَنُوقِضَ بِمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً ثَانِيَةً لَمْ يَقَعْ إلَّا وَاحِدَةٌ وَلَمْ يُضْطَرَّ فِيهِ إلَى الْأُولَى لِوُقُوعِ الثَّانِيَةِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ ثَانِيَةً صَارَ لَغْوًا، بِخِلَافِ قَوْلِهِ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ فَإِنَّهُ كَلَامٌ مُعْتَبَرٌ فِي إيقَاعِ الطَّلَاقِ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ وُقُوعِ الْأُولَى. وَلَوْ نَوَى فِي قَوْلِهِ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ أَوْ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ وَأَشْبَاهِهِمَا وَاحِدَةً صُدِّقَ دِيَانَةً لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ لَا قَضَاءً لِأَنَّهُ
الْغَايَةَ فِيهِ مَوْجُودَةٌ قَبْلَ الْبَيْعِ. وَلَوْ نَوَى وَاحِدَةً يَدِينُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي ثِنْتَيْنِ وَنَوَى الضَّرْبَ وَالْحِسَابَ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهِيَ وَاحِدَةٌ) وَقَالَ زُفَرُ: تَقَعُ ثِنْتَانِ لِعُرْفِ الْحِسَابِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ. وَلَنَا أَنَّ عَمَلَ الضَّرْبِ أَثَرُهُ فِي تَكْثِيرِ الْأَجْزَاءِ لَا فِي زِيَادَةِ الْمَضْرُوبِ، وَتَكْثِيرُ أَجْزَاءِ الطَّلْقَةِ لَا يُوجِبُ تَعَدُّدَهَا (فَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ فَهِيَ ثَلَاثٌ) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ فَإِنَّ حَرْفَ الْوَاوِ لِلْجَمْعِ وَالظَّرْفَ يَجْمَعُ الْمَظْرُوفَ، وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا تَقَعُ وَاحِدَةً كَمَا فِي قَوْلِهِ وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ،
خِلَافُ الظَّاهِرِ، لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ يُرَادُ بِهِ الْأَكْثَرُ مِنْ الْأَقَلِّ وَالْأَقَلُّ مِنْ الْأَكْثَرِ.
(وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي ثِنْتَيْنِ وَنَوَى الضَّرْبَ وَالْحِسَابَ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهِيَ وَاحِدَةٌ. وَقَالَ زُفَرُ: يَقَعُ ثِنْتَانِ لِعُرْفِ الْحِسَابِ) فِيمَا بَيْنَهُمْ أَنَّ وَاحِدَةً فِي ثِنْتَيْنِ ثِنْتَانِ (وَلَنَا أَنَّ عَمَلَ الضَّرْبِ فِي تَكْثِيرِ الْأَجْزَاءِ لَا فِي زِيَادَةِ الْمَضْرُوبِ) لِأَنَّ الْغَرَضَ بِهِ إزَالَةُ كَسْرٍ يَقَعُ عِنْدَ الْقِسْمَةِ، فَمَعْنَى وَاحِدَةٍ فِي ثِنْتَيْنِ وَاحِدَةٌ ذَاتُ جُزْأَيْنِ، (وَتَكْثِيرُ أَجْزَاءِ الطَّلْقَةِ لَا يُوجِبُ تَعَدُّدَهَا) كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وَنِصْفَهَا وَثُلُثَهَا وَرُبُعَهَا وَسُدُسَهَا وَثُمُنَهَا لَمْ يَقَعْ إلَّا وَاحِدَةٌ (فَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ فَهِيَ ثَلَاثٌ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ وَالظَّرْفُ يَجْمَعُ الْمَظْرُوفَ) وَقَوْلُهُ (وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا) وَاضِحٌ
وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً مَعَ ثِنْتَيْنِ تَقَعُ الثَّلَاثُ لِأَنَّ كَلِمَةَ " فِي " تَأْتِي بِمَعْنَى " مَعَ " كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} أَيْ مَعَ عِبَادِي، وَلَوْ نَوَى الظَّرْفَ تَقَعُ وَاحِدَةً، لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَصْلُحُ ظَرْفًا فَيَلْغُوَ ذِكْرُ الثَّانِي (وَلَوْ قَالَ اثْنَتَيْنِ فِي اثْنَتَيْنِ وَنَوَى الضَّرْبَ وَالْحِسَابَ فَهِيَ ثِنْتَانِ) وَعِنْدَ زُفَرَ ثَلَاثٌ لِأَنَّ قَضِيَّتَهُ أَنْ تَكُونَ أَرْبَعًا، لَكِنْ لَا مَزِيدَ لِلطَّلَاقِ عَلَى الثَّلَاثِ.
وَعِنْدَنَا الِاعْتِبَارُ الْمَذْكُورُ الْأَوَّلُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ هُنَا إلَى الشَّامِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بِمِلْكِ الرَّجْعَةِ) وَقَالَ زُفَرُ: هِيَ بَائِنَةٌ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلَاقَ بِالطُّولِ
وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً مَعَ ثِنْتَيْنِ وَقَعَ الثَّلَاثُ) سَوَاءٌ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا أَوْ لَمْ تَكُنْ (لِأَنَّ كَلِمَةَ فِي تَأْتِي بِمَعْنَى مَعَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، وَهَذَا لِأَنَّ أَحَدَ الْعَدَدَيْنِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْآخَرِ وَبَيْنَ الظَّرْفِ وَالْمَظْرُوفِ مَعْنَى الْمَعِيَّةِ فَاسْتُعِيرَ لَهُ (وَلَوْ نَوَى الظَّرْفَ تَقَعُ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّ الطَّلَاقَ مَعْنًى فِقْهِيٌّ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْغَيْرِ فَيَلْغُو ذِكْرُ الثَّانِي (وَلَوْ قَالَ اثْنَتَيْنِ فِي اثْنَتَيْنِ وَنَوَى الضَّرْبَ وَالْحِسَابَ) وَالضَّرْبُ تَضْعِيفُ أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ بِقَدْرِ مَا فِي الْعَدَدِ الْآخَرِ كَالْأَرْبَعَةِ فِي الْخَمْسَةِ يَحْصُلُ عِشْرُونَ لِأَنَّ الْعِشْرِينَ تَضْعِيفُ الْأَرْبَعَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ أَوْ تَضْعِيفُ الْخَمْسَةِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ (فَهِيَ ثِنْتَانِ) وَعِنْدَ زُفَرَ ثَلَاثٌ لِأَنَّ قَضِيَّتَهُ أَنْ تَكُونَ أَرْبَعًا بِعُرْفِ الْحِسَابِ (لَكِنْ لَا مَزِيدَ لِلطَّلَاقِ عَلَى الثَّلَاثِ. وَعِنْدَنَا الِاعْتِبَارُ لِلْمَذْكُورِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ) يَعْنِي فِي قَوْلِهِ إنَّ عَمَلَ الضَّرْبِ فِي تَكْثِيرِ الْأَجْزَاءِ لَا فِي زِيَادَةِ الْمَضْرُوبِ.
(وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ هُنَا إلَى الشَّامِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بِمِلْكِ الرَّجْعَةِ.
وَقَالَ زُفَرُ: هِيَ بَائِنَةٌ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلَاقَ بِالطُّولِ) وَالطُّولُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْقُوَّةِ وَقُوَّةُ الشَّيْءِ
قُلْنَا: لَا بَلْ وَصَفَهُ بِالْقَصْرِ لِأَنَّهُ مَتَى وَقَعَ وَقَعَ فِي الْأَمَاكِنِ كُلِّهَا.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بِمَكَّةَ أَوْ فِي مَكَّةَ فَهِيَ طَالِقٌ فِي الْحَالِ فِي كُلِّ الْبِلَادِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي الدَّارِ) لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَخَصَّصُ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَان،
إنَّمَا تَظْهَرُ بِامْتِنَاعِهِ عَنْ قَبُولِ الْإِبْطَالِ، وَذَلِكَ فِي الْبَائِنِ دُونَ الرَّجْعِيِّ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا صَرَّحَ بِذِكْرِ الطُّولِ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً طَوِيلَةً وَقَعَ رَجْعِيًّا عِنْدَهُ فَكَيْفَ صَحَّ تَعْلِيلُهُ بِالطُّولِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ إذَا قَالَ إلَى الشَّامِ كَنَّى عَنْ الطُّولِ وَالْكِنَايَةُ أَقْوَى مِنْ التَّصْرِيحِ لِكَوْنِهَا دَعْوَى الشَّيْءِ بِبَيِّنَةٍ وَمَوْضِعُهُ عِلْمُ الْبَيَانِ.
وَأَقُولُ: هَذِهِ خَطَابَةٌ لَا تَكَادُ تَنْهَضُ فِي مَقَامِ الِاسْتِدْلَالِ، وَقِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ، وَهَذَا أَقْرَبُ (وَقُلْنَا لَا بَلْ وَصَفَهُ بِالْقَصْرِ لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ وَقَعَ فِي الْأَمَاكِنِ كُلِّهَا) فَتَخْصِيصُهُ بِذِكْرِ الشَّامِ تَقْصِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا وَرَاءَهُ.
(وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ بِمَكَّةَ أَوْ فِي مَكَّةَ فَهِيَ طَالِقٌ فِي الْحَالِ فِي كُلِّ الْبِلَادِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي الدَّارِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَخَصَّصُ بِمَكَانٍ دُونَ آخَرَ)
وَإِنْ عُنِيَ بِهِ إذَا أَتَيْت مَكَّةَ يُصَدَّقُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً لِأَنَّهُ نَوَى الْإِضْمَارَ وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَكَذَا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ مَرِيضَةٌ، وَإِنْ نَوَى إنْ مَرِضْت لَمْ يُدَنْ فِي الْقَضَاءِ (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا دَخَلْت مَكَّةَ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَدْخُلَ مَكَّةَ) لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالدُّخُولِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي دُخُولِ الدَّارِ يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ لِمُقَارَبَةٍ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالظَّرْفِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الظَّرْفِيَّةِ.
فَصْلٌ فِي إضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَى الزَّمَانِ
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ عَنَى) ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ (عِنْدَ تَعَذُّرِ الظَّرْفِيَّةِ) إنَّمَا تَعْذُرُ الظَّرْفِيَّةُ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يَصْلُحُ ظَرْفًا لِلطَّلَاقِ عَلَى أَنْ يَكُونَ شَاغِلًا لَهُ فَيُحْمَلُ عَلَى الشَّرْطِ لِمُقَارَبَةٍ: أَيْ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالظَّرْفِ لِأَنَّ الظَّرْفَ يَسْبِقُ الْمَظْرُوفَ كَمَا أَنَّ الشَّرْطَ يَسْبِقُ الْمَشْرُوطَ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: وَقِيلَ لِأَنَّ الظَّرْفَ يُجَامِعُ الْمَظْرُوفَ كَمَا أَنَّ الشَّرْطَ يُجَامِعُ الْمَشْرُوطَ.
فَصْلٌ فِي إضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَى الزَّمَانِ
ذَكَرَ هَاهُنَا فُصُولًا مُتَرَادِفَةً بِحَسَبِ إضَافَةِ الطَّلَاقِ وَتَنْوِيعِهِ، وَتَشْبِيهُهُ إضَافَةَ الطَّلَاقِ تَأْخِيرَ حُكْمِهِ عَنْ وَقْتِ
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا وَقَعَ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ) لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِالطَّلَاقِ فِي جَمِيعِ الْغَدِ وَذَلِكَ بِوُقُوعِهِ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ. وَلَوْ نَوَى بِهِ آخِرَ النَّهَارِ صُدِّقَ دِيَانَةً لَا قَضَاءً لِأَنَّهُ نَوَى التَّخْصِيصَ فِي الْعُمُومِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُهُ لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ غَدًا أَوْ غَدًا الْيَوْمَ يُؤْخَذُ بِأَوَّلِ الْوَقْتَيْنِ الَّذِي تَفَوَّهَ بِهِ) فَيَقَعَ فِي الْأَوَّلِ فِي الْيَوْمِ وَفِي الثَّانِي فِي الْغَدِ، لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: الْيَوْمَ كَانَ تَنْجِيزًا وَالْمُنَجَّزُ لَا يَحْتَمِلُ الْإِضَافَةَ،
التَّكَلُّمِ إلَى زَمَانٍ يُذْكَرُ بَعْدَهُ بِغَيْرِ كَلِمَةِ شَرْطٍ (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا) عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَاضِحٌ.
وَقَوْلُهُ نَوَى التَّخْصِيصَ فِي الْعُمُومِ وَهُوَ) أَيْ الْعُمُومُ (يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ) فَكَانَ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ كَلَامِهِ وَنِيَّةُ الْمُحْتَمَلِ صَحِيحَةٌ فَيُصَدَّقُ دِيَانَةً (لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ) لِأَنَّ الْغَدَ اسْمٌ لِجَمِيعِ أَجْزَاءِ النَّهَارِ فَلَا يُصَدَّقُ قَضَاءً وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الْعَامُّ مَا يَتَنَاوَلُ أَفْرَادًا مُتَّفِقَةَ الْحُدُودِ وَلَفْظُ الْغَدِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَمَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ مِنْ الْأَوَّلِ وَالْوَسَطِ وَالْآخِرِ فَهُوَ مِنْ أَجْزَائِهِ لَا مِنْ أَفْرَادِهِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ نِيَّةُ آخِرِ النَّهَارِ تَخْصِيصًا فَلَا عُمُومَ وَلَا تَخْصِيصَ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ فَإِنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ الْكُلِّ وَإِرَادَةَ الْجُزْءِ مَجَازٌ لَا مَحَالَةَ (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ غَدًا) ظَاهِرٌ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لِمَ لَا يَجْعَلُ غَدًا ظَرْفًا لِطَلَاقٍ آخَرَ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرِ أَنْتِ طَالِقٌ، وَالْأَصْلُ خِلَافُهُ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ
وَإِذَا قَالَ: غَدًا كَانَ إضَافَةً وَالْمُضَافُ لَا يَتَنَجَّزُ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ الْإِضَافَةِ فَلَغَا اللَّفْظُ الثَّانِي فِي الْفَصْلَيْنِ.
فِي غَيْرِ مَوْضِعِ
الضَّرُورَةِ
، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ صَوْنَ كَلَامِ الْعَاقِلِ عَنْ الْإِلْغَاءِ نَوْعُ ضَرُورَةٍ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ وَصْفُهَا بِالطَّلَاقِ الْيَوْمَ وَغَدًا وَبِالطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ يُحَصِّلُ هَذَا الْمَقْصُودَ فَلَا حَاجَةَ إلَى غَيْرِهَا، وَعَلَى هَذَا كَانَ كَلَامُهُ مَصُونًا عَنْ الْإِلْغَاءِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا لَا يَتِمُّ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا الْيَوْمَ لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِالطَّلَاقِ غَدًا
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي غَدٍ وَقَالَ نَوَيْت آخِرَ النَّهَارِ دِينَ فِي الْقَضَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ خَاصَّةً) لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِالطَّلَاقِ " فِي " جَمِيعِ الْغَدِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ غَدًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ وَلِهَذَا يَقَعُ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ، وَهَذَا لِأَنَّ حَذْفَ فِي وَإِثْبَاتَهُ سَوَاءٌ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ فِي الْحَالَيْنِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ لِأَنَّ كَلِمَةَ فِي لِلظَّرْفِ وَالظَّرْفِيَّةُ لَا تَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ وَتَعَيَّنَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ ضَرُورَةَ عَدَمِ الْمُزَاحِمِ، فَإِذَا عَيَّنَ آخِرَ النَّهَارِ كَانَ التَّعْيِينُ الْقَصْدِيُّ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنْ الضَّرُورِيِّ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ غَدًا لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ حَيْثُ وَصَفَهَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ مُضَافًا إلَى جَمِيعِ الْغَدِ. نَظِيرُهُ إذَا قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَصُومَنَّ عُمْرِي، وَنَظِيرُ الْأَوَّلِ: وَاَللَّهِ لَأَصُومَنَّ فِي عُمْرِي، وَعَلَى
وَالْمَوْصُوفُ بِهِ غَدًا لَا يَكُونُ مَوْصُوفًا بِهِ الْيَوْمَ. أُجِيبَ بِأَنَّ إيقَاعَ الثَّانِيَةِ فِيهَا يُفْضِي إلَى الْمَكْرُوهِ وَهِيَ إيقَاعُ الطَّلْقَتَيْنِ دَفْعَةً وَاحِدَةً فَلَا يَسْعَى لِإِثْبَاتِهَا فَيَكُونُ الثَّانِي لَغْوًا.
(وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي غَدٍ) عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا بَيَّنَّا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ نَوَى التَّخْصِيصَ فِي الْعُمُومِ وَهُوَ يَحْتَمِلُهُ مُخَالِفًا لِلظَّاهِرِ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ. وَقَوْلُهُ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ) قِيلَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ عَنْ قَوْلِهِمَا مُخَالِفًا لِلظَّاهِرِ.
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ خِلَافَ الظَّاهِرِ إنَّمَا لَا يُدَيَّنُ فِي الْقَضَاءِ إذَا لَمْ تَكُنْ نِيَّتُهُ مُصَادِفَةً لِحَقِيقَةِ كَلَامِهِ، وَهُنَا صَادَفَتْهَا فَيُدَيَّنُ قَضَاءً وَدِيَانَةً؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَنَوَى جَمِيعَ النِّسَاءِ صُدِّقَ قَضَاءً وَدِيَانَةً وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلظَّاهِرِ لِمُصَادَفَةِ نِيَّتِهِ حَقِيقَةَ كَلَامِهِ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ لَا تَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا مَا هُوَ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ كَلَامِهِ كَالْمَجَازِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بَعْدَ مَعْرِفَةِ أَنَّ فِي غَدٍ لَا يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ وَهُوَ حَقِيقَتُهُ، وَغَدٌ يَقْتَضِيهِ وَهُوَ حَقِيقَتُهُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} فَإِنَّهُ لَا اسْتِيعَابَ فِيمَا فِيهِ الْحَرْفُ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِيمَا لَا حَرْفَ فِيهِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ نُصْرَةَ الرُّسُلِ وَالْمُرْسَلَ وَالْمُرْسَلَ إلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا مَقْرُونَةً بِحَرْفِ " فِي " وَذَكَرَ نُصْرَتَهُمْ فِي الْآخِرَةِ غَيْرَ مَقْرُونَةٍ بِهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِأَنَّ نُصْرَةَ اللَّهِ إيَّاهُمْ فِي الْآخِرَةِ دَائِمَةٌ، وَأَمَّا نُصْرَتُهُمْ فِي الدُّنْيَا فَكَانَتْ تَقَعُ
هَذَيْنِ الدَّهْرَ وَفِي الدَّهْرِ.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ وَقَدْ تَزَوَّجَهَا الْيَوْمَ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ) لِأَنَّهُ أَسْنَدَهُ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ مُنَافِيَةٍ لِمَالِكِيَّةِ الطَّلَاقِ فَيَلْغُوَ، كَمَا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ إخْبَارًا عَنْ عَدَمِ النِّكَاحِ
فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِأَنَّهَا دَارُ الِابْتِلَاءِ، وَكُلُّ مَا هُوَ حَقِيقَةٌ فِي أَحَدِهِمَا فَهُوَ مَجَازٌ فِي الْآخَرِ. وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَيَكُونُ نِيَّةُ حَقِيقَةِ الْكَلَامِ مِنْ بَابِ بَيَانِ التَّقْرِيرِ وَهُوَ تَوْكِيدُ الْكَلَامِ بِمَا يَقْطَعُ احْتِمَالَ الْمَجَازِ فَكَانَ مِنْ الْجَائِزِ قَبْلَ بَيَانِ نِيَّتِهِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ فِي غَدٍ مَجَازَهُ وَهُوَ الِاسْتِيعَابُ فَإِذَا بَيَّنَهَا قَطَعَ احْتِمَالَ الْمَجَازِ وَمَوْضِعُهُ أُصُولُ الْفِقْهِ وَبَاقِي كَلَامِهِ وَاضِحٌ بَعْدَ مَعْرِفَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
(وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ وَقَدْ تَزَوَّجَهَا الْيَوْمَ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ لِأَنَّهُ أَسْنَدَهُ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ) أَيْ مَعْلُومَةٍ (مُنَافِيَةٍ لِمَالِكِيَّةِ الطَّلَاقِ) لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي مِلْكِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي أَضَافَ إلَيْهِ الطَّلَاقَ (فَيَلْغُو كَمَا إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ) أَوْ تُخْلَقِي (وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ إخْبَارًا عَنْ عَدَمِ النِّكَاحِ) فَكَأَنَّهُ قَالَ مَا كُنْت أَمْسِ فِي قَيْدِ نِكَاحِي، وَإِذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ صِيرَ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا لَهُ دُونَ الْإِنْشَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الطَّالِقَ مَنْ اتَّصَفَتْ بِوُقُوعِ طَلَاقِهَا بِتَطْلِيقِ الزَّوْجِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ لِأَنَّ الْمُطَلِّقَ إنْ كَانَ هَذَا الزَّوْجَ فَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ
أَوْ عَنْ كَوْنِهَا مُطَلَّقَةً بِتَطْلِيقِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَزْوَاجِ (وَلَوْ تَزَوَّجَهَا أَوَّلهُ مِنْ أَمْسِ وَقَعَ السَّاعَةَ) لِأَنَّهُ مَا أَسْنَدَهُ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ وَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ إخْبَارًا أَيْضًا فَكَانَ إنْشَاءً، وَالْإِنْشَاءُ فِي الْمَاضِي إنْشَاءٌ فِي الْحَالِ فَيَقَعَ السَّاعَةَ (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قِبَلَ أَنْ أَتَزَوَّجَك لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ) لِأَنَّهُ أَسْنَدَهُ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ: طَلَّقْتُك وَأَنَا صَبِيٌّ أَوْ نَائِمٌ، أَوْ يُصَحَّحُ إخْبَارًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَا لَمْ أُطَلِّقْك أَوْ مَتَى لَمْ أُطَلِّقْك أَوْ مَتَى مَا لَمْ أُطَلِّقْك وَسَكَتَ طَلُقَتْ) لِأَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى زَمَانٍ خَالٍ عَنْ التَّطْلِيقِ وَقَدْ وُجِدَ حَيْثُ سَكَتَ، وَهَذَا لِأَنَّ كَلِمَةَ مَتَى وَمَتَى مَا
فِي قَيْدِ نِكَاحِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَهُوَ الْمَذْكُورُ بِقَوْلِهِ (أَوْ عَنْ كَوْنِهَا مُطَلَّقَةً بِتَطْلِيقِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَزْوَاجِ) فَيَكُونُ تَكْرَارًا، وَأَيْضًا قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ مَوْضُوعٌ لِلْإِخْبَارِ لُغَةً، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ إمْكَانَ الْمَصِيرِ إلَى الْمَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ يَمْنَعُ الْمَصِيرَ إلَى الْمَفْهُومِ الشَّرْعِيِّ فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى إبْطَالِ كَثِيرٍ مِنْ الْمَفْهُومَاتِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُمَا أَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ لِمَنْ تَزَوَّجَهَا الْيَوْمَ إمَّا لَغْوًا لِعَدَمِ شَرْطِهِ وَهُوَ الْمِلْكُ وَقْتَ الطَّلَاقِ، أَوْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ عَدَمِ النِّكَاحِ مَجَازًا فَإِنَّ رَفْعَ النِّكَاحِ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَهُ، وَإِمْكَانُ الْمَصِيرِ إلَى الْمَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ إنَّمَا لَا يَمْنَعُ الْمَصِيرَ إلَى الْمَفْهُومِ الشَّرْعِيِّ إذَا لَمْ يُفْضِ إلَى اللَّغْوِ، فَأَمَّا إذَا أَفْضَى إلَيْهِ مَنَعَهُ صَوْنًا لِكَلَامِ الْعَاقِلِ عَنْ الْإِلْغَاءِ.
وَقَوْلُهُ أَوْ عَنْ كَوْنِهَا مُطَلَّقَةً بِتَطْلِيقِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَزْوَاجِ) يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ إمَّا أَنْ تَكُونَ مُطَلَّقَةَ زَوْجٍ آخَرَ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ جُعِلَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ إخْبَارًا عَنْ عَدَمِ النِّكَاحِ مَجَازًا، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ جُعِلَ إخْبَارًا عَنْ كَوْنِهَا مُطَلَّقَةَ ذَلِكَ الزَّوْجِ (وَلَوْ تَزَوَّجَهَا أَوَّلُ مِنْ أَمْسِ وَقَعَ السَّاعَةَ لِأَنَّ مَا أَسْنَدَهُ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ) وَهُوَ وَاضِحٌ (وَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ إخْبَارًا أَيْضًا) وَهَذَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَاضِحٌ أَيْضًا.
وَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي فَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُطَلَّقَةٍ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَزْوَاجِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُطَلَّقَةً فَلَا يَسْتَقِيمُ إلَّا إذَا جُعِلَ نِكَاحُ هَذَا الزَّوْجِ رَافِعًا لِتِلْكَ النِّسْبَةِ وَفِيهِ مَا فِيهِ وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَك) وَمَا بَعْدَهُ وَاضِحٌ
صَرِيحٌ فِي الْوَقْتِ لِأَنَّهُمَا مِنْ ظُرُوفِ الزَّمَانِ، وَكَذَا كَلِمَةُ " مَا " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {مَا دُمْتُ حَيًّا} أَيْ وَقْتَ الْحَيَاةِ.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أُطَلِّقْك لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَمُوتَ) لِأَنَّ الْعَدَمَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْيَأْسِ عَنْ الْحَيَاةِ وَهُوَ الشَّرْطُ كَمَا فِي قَوْلِهِ إنْ لَمْ آتِ الْبَصْرَةَ، وَمَوْتُهَا بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِ هُوَ الصَّحِيحُ.
وَقَوْلُهُ (كَمَا فِي قَوْلِهِ إنْ لَمْ آتِ الْبَصْرَةَ) يَعْنِي كَمَا إذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ آتِ الْبَصْرَةَ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ حَتَّى يَقَعَ الْيَأْسُ عَنْ الْإِتْيَانِ، فَإِذَا انْتَهَى إلَى الْمَوْتِ فَقَدْ وَقَعَ الْيَأْسُ فَوُجِدَ الشَّرْطُ وَالْمَحَلُّ قَابِلٌ وَالْمِلْكُ بَاقٍ فَوَقَعَ فَكَذَلِكَ هُنَا (وَمَوْتُهَا بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِ) يَعْنِي يَقَعُ الطَّلَاقُ بِمَوْتِهَا قُبَيْلَ مَوْتِهِ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ رِوَايَةِ النَّوَادِرِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِمَوْتِهَا لِأَنَّ الزَّوْجَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا مَا لَمْ تَمُتْ، وَإِنَّمَا عَجَزَ بِمَوْتِهَا، فَلَوْ وَقَعَ الطَّلَاقُ لَوَقَعَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ إنْ لَمْ آتِ الْبَصْرَةَ. وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْإِيقَاعَ مِنْ حُكْمِهِ الْوُقُوعُ وَقَدْ تَحَقَّقَ الْعَجْزُ عَنْ إيقَاعِهِ قُبَيْلَ مَوْتِهَا لِأَنَّهُ لَا يَعْقُبُهُ الْوُقُوعُ، كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ مَوْتِك فَيَقَعُ الطَّلَاقُ قُبَيْلَ مَوْتِهَا بِلَا فَصْلٍ، وَلَا مِيرَاثَ لِلزَّوْجِ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا قَبْلَ مَوْتِهَا بِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا. وَالْفَرْقُ بَيْنَ رِوَايَةِ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ آتِ الْبَصْرَةَ حَيْثُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِمَوْتِهَا فِيهِ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ يَقَعُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ تَحَقَّقَ شَرْطُ الْوُقُوعِ وَهُوَ عَدَمُ التَّطْلِيقِ فِي زَمَانٍ يُمْكِنُ التَّطْلِيقُ وَهُوَ آخِرُ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ فَتَطْلُقُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ لَمْ آتِ الْبَصْرَةَ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا لَمْ أُطَلِّقْك، أَوْ إذَا مَا لَمْ أُطَلِّقْك لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَمُوتَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: تَطْلُقُ حِينَ سَكَتَ) لِأَنَّ كَلِمَةَ إذَا لِلْوَقْتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} وَقَالَ قَائِلُهُمْ:
وَإِذَا تَكُونُ كَرِيهَةٌ أُدْعَى لَهَا
…
وَإِذَا يُحَاسُ الْحَيْسُ يُدْعَى جُنْدُبٌ
فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَتَى وَمَتَى مَا، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا شِئْتِ لَا يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا بِالْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ
الشَّرْطُ بِمَوْتِهَا لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إتْيَانِهِ الْبَصْرَةَ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الشَّرْطُ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ.
قَالَ (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا لَمْ أُطَلِّقْك أَوْ إذَا مَا لَمْ أُطَلِّقْك لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَمُوتَ) أَقُولُ: إذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ إذَا لَمْ أُطَلِّقْك أَوْ إذَا مَا لَمْ أُطَلِّقْك. فَإِمَّا إنْ نَوَى شَيْئًا أَوْ لَمْ يَنْوِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَإِنْ نَوَى الْوَقْتَ وَقَعَ فِي الْحَالِ، وَإِنْ نَوَى الشَّرْطَ وَقَعَ فِي آخِرِ الْعُمُرِ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُمَا وَنِيَّةُ الْمُحْتَمَلِ صَحِيحَةٌ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَمُوتَ، وَقَالَا: طَلُقَتْ حِينَ سَكَتَ الزَّوْجُ لِأَنَّ كَلِمَةَ إذَا مَوْضُوعَةٌ لِلْوَقْتِ وَتُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ مِنْ غَيْرِ سُقُوطِ الْوَقْتِ كَمَتَى وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ، وَاسْتَدَلَّ لَهُمَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} لِإِفَادَةِ الْوَقْتِ الْخَالِصِ فِي أَمْرٍ مُتَرَقَّبٍ: أَيْ مُنْتَظَرٍ لَا مَحَالَةَ، وَبِقَوْلِهِ:
وَإِذَا تَكُونُ كَرِيهَةٌ أُدْعَى لَهَا
…
وَإِذَا يُحَاسُ الْحَيْسُ يُدْعَى جُنْدُبُ
لِإِفَادَتِهِ فِي أَمْرٍ كَائِنٍ فِي الْحَالِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ مَتَى وَمَتَى مَا إلَى عَدَمِ سُقُوطِ مَعْنَى الْوَقْتِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ شَرْطًا.
وَاسْتَوْضَحَ كَوْنَهُ بِمَعْنَى مَتَى بِقَوْلِهِ (وَلِهَذَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا شِئْت لَا يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا بِالْقِيَامِ) كَمَا فِي قَوْلِهِ مَتَى شِئْت، وَلَوْ كَانَ بِمَعْنَى إنْ يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا بِالْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ كَمَا فِي إنْ.
كَمَا فِي قَوْلِهِ مَتَى شِئْت. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ كَلِمَةَ إذَا تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرْطِ أَيْضًا، قَالَ قَائِلُهُمْ:
وَاسْتَغْنِ مَا أَغْنَاك رَبُّك بِالْغِنَى
…
وَإِذَا تُصِبْك خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلْ
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ كَلِمَةَ إذَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الظَّرْفِ وَالشَّرْطِ تُسْتَعْمَلُ) فِيهِمَا وَهُوَ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ فِي نَصِيحَةِ ابْنِهِ:
وَاسْتَغْنِ مَا أَغْنَاك رَبُّك بِالْغِنَى
…
وَإِذَا تُصِبْك خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلْ
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ إصَابَةَ الْخَصَاصَةِ مِنْ الْأُمُورِ الْمُتَرَدِّدَةِ وَهِيَ لَيْسَتْ مَوْضِعَ إذَا فَكَانَتْ بِمَعْنَى إنْ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى
فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الشَّرْطُ لَمْ تَطْلُقْ فِي الْحَالِ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْوَقْتُ تَطْلُقُ فَلَا تَطْلُقُ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ،
جَانِبِ الظَّرْفِيَّةِ اكْتِفَاءً بِدَلِيلِهَا. وَإِذَا كَانَتْ مُشْتَرَكَةً لَمْ يَجُزْ اسْتِعْمَالُهَا فِيهِمَا دَفْعَةً (فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الشَّرْطُ لَمْ تَطْلُقْ فِي الْحَالِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْوَقْتُ طَلُقَتْ فَلَا تَطْلُقُ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ،
بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْمَشِيئَةِ لِأَنَّهُ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ لِلْوَقْتِ لَا يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا، وَعَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ لِلشَّرْطِ يَخْرُجُ وَالْأَمْرُ صَارَ فِي يَدِهَا فَلَا يَخْرُجُ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَلْبَتَّةَ، أَمَّا إذَا نَوَى الْوَقْتَ يَقَعُ فِي الْحَالِ وَلَوْ نَوَى الشَّرْطَ يَقَعُ فِي آخِرِ الْعُمُرِ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهَا.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَا لَمْ أُطَلِّقْك أَنْتِ طَالِقٌ فَهِيَ طَالِقٌ بِهَذِهِ التَّطْلِيقَةِ) مَعْنَاهُ قَالَ ذَلِكَ وُصُولًا بِهِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَقَعَ الْمُضَافُ فَيَقَعَانِ إنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ رحمه الله لِأَنَّهُ وُجِدَ زَمَانٌ لَمْ يُطَلِّقْهَا فِيهِ وَإِنْ قَلَّ وَهُوَ زَمَانُ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْهَا. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ زَمَانَ
بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْمَشِيئَةِ لِأَنَّهُ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ لِلْوَقْتِ لَا يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا، وَعَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ لِلشَّرْطِ يَخْرُجُ وَالْأَمْرُ صَارَ فِي يَدِهَا فَلَا يَخْرُجُ بِالشَّكِّ) وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْأَمْرَ صَارَ بِيَدِهَا بِقَوْلِهِ إذَا شِئْت فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُخْرِجًا لِلْأَمْرِ عَنْ يَدِهَا، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ عِلَّةً لِلضِّدَّيْنِ. وَالْجَوَابُ مَا قَرَّرْنَاهُ فِي التَّقْرِيرِ فَلْيُطْلَبْ ثَمَّةَ.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ مَا لَمْ أُطَلِّقْك أَنْتِ طَالِقٌ) وَاضِحٌ وَأَوَّلَهُ بِقَوْلِهِ (مَوْصُولًا) لِأَنَّهُ إذَا قَالَ ذَلِكَ مَفْصُولًا وَقَعَتَا قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُ وَاجِدٌ الزَّمَانَ الْخَالِيَ عَنْ التَّطْلِيقِ.
الْبِرِّ مُسْتَثْنًى عَنْ الْيَمِينِ بِدَلَالَةِ الْحَالِ لِأَنَّ الْبِرَّ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَلَا يُمْكِنُهُ تَحْقِيقُ الْبِرِّ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الْقَدْرَ مُسْتَثْنًى، أَصْلُهُ مَنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ فَاشْتَغَلَ بِالنَّقْلَةِ مِنْ سَاعَتِهِ وَأَخَوَاتُهُ عَلَى مَا يَأْتِيك فِي الْأَيْمَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَةٍ: يَوْمَ أَتَزَوَّجُك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَهَا لَيْلًا طَلُقَتْ) لِأَنَّ الْيَوْمَ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ بَيَاضُ النَّهَارِ فَيُحْمَلَ عَلَيْهِ وَإِذَا قُرِنَ بِفِعْلٍ يَمْتَدُّ كَالصَّوْمِ وَالْأَمْرِ بِالْيَدِ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْمِعْيَارُ، وَهَذَا أَلْيَقُ بِهِ، وَيُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الْوَقْتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} وَالْمُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الْوَقْتِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ إذَا قُرِنَ بِفِعْلٍ لَا يَمْتَدُّ وَالطَّلَاقُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَيَنْتَظِمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ.
وَقَوْلُهُ (وَأَخَوَاتُهُ) يُرِيدُ بِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ لَا يَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ وَهُوَ لَابِسُهُ وَلَا يَرْكَبُ هَذِهِ الدَّابَّةَ وَهُوَ رَاكِبُهَا فَنَزَعَهُ فِي الْحَالِ وَنَزَلَ عَنْهَا لَا يَحْنَثُ وَإِنْ كَانَ اللُّبْسُ الْقَلِيلُ وَالرُّكُوبُ الْقَلِيلُ يُوجَدَانِ وَقْتَ الِاشْتِغَالِ بِالنَّزْعِ وَالنُّزُولِ.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَوْمَ أَتَزَوَّجُك فَأَنْتِ طَالِقٌ) هَاهُنَا ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ: النَّهَارُ وَاللَّيْلُ وَالْيَوْمُ، أَمَّا النَّهَارُ فَلِلْبَيَاضِ خَاصَّةً، وَأَمَّا اللَّيْلُ فَلِلسَّوَادِ خَاصَّةً وَذَلِكَ حَقِيقَتُهُمَا اللُّغَوِيَّةُ، وَأَمَّا الْيَوْمُ فَإِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي بَيَاضِ النَّهَارِ وَمُطْلَقِ الْوَقْتِ بِالِاشْتِرَاكِ عِنْدَ بَعْضٍ، وَالصَّحِيحُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَكْثَرِ أَنَّ إطْلَاقَهُ عَلَى مُطْلَقِ الْوَقْتِ مَجَازٌ لِأَنَّ حَمْلَ الْكَلَامِ عَلَى الْمَجَازِ أَوْلَى مِنْ الِاشْتِرَاكِ لِعَدَمِ اخْتِلَالِ الْفَهْمِ بِوُجُودِ الْقَرِينَةِ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَخْلُو مِنْ الظَّرْفِيَّةِ فَيُرَجَّحُ أَحَدُ مَعْنَيَيْهِ عَلَى الْآخَرِ بِمَا قُرِنَ بِهِ. فَإِنْ كَانَ مُمْتَدًّا وَهُوَ مَا يَصِحُّ فِيهِ ضَرْبُ الْمُدَّةِ كَاللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ وَالْمُسَاكَنَةِ وَغَيْرِهَا لِصِحَّةِ أَنْ يُقَالَ لَبِسْت يَوْمًا أَوْ رَكِبْت يَوْمًا أَوْ سَكَنْت يَوْمًا يُحْمَلُ عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْمِعْيَارُ، وَهَذَا أَلْيَقُ بِهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَمْتَدُّ كَالْخُرُوجِ وَالدُّخُولِ وَالْقُدُومِ لِعَدَمِ صِحَّةِ تَقْدِيرِهَا بِزَمَانٍ، إذْ لَا يُقَالُ خَرَجْت أَوْ قَدِمْت أَوْ دَخَلْت يَوْمًا يُحْمَلُ عَلَى مُطْلَقِ الْوَقْتِ اعْتِبَارًا لِلتَّنَاسُبِ بَيْنَ الظَّرْفِ وَالْمَظْرُوفِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ} ، الْآيَةَ وَالْمُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الْوَقْتِ لِأَنَّ الْفَارَّ مِنْ الزَّحْفِ يَلْحَقُهُ الْوَعِيدُ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا. وَقَوْلُهُ. (وَالطَّلَاقُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ) يَعْنِي أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ مَا لَيْسَ يَمْتَدُّ فَيَنْتَظِمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ اُعْتُبِرَ الْمَظْرُوفُ دُونَ
وَلَوْ قَالَ: عَنَيْت بِهِ بَيَاضَ النَّهَارِ خَاصَّةً دِينَ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ وَاللَّيْلُ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا السَّوَادَ وَالنَّهَارُ يَتَنَاوَلُ الْبَيَاضَ خَاصَّةً وَهَذَا هُوَ اللُّغَةُ. .
الْمُضَافِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لِتَمَيُّزِ الْمُضَافِ بَيْنَ سَائِرِ الْأَيَّامِ. وَلِهَذَا لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ عَبْدِي حُرٌّ وَامْرَأَتِي طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ وَأَمْرُك بِيَدِك أَوْ اخْتَارِي يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ يَعْتِقُ عَبْدُهُ وَتَطْلُقُ امْرَأَتُهُ بِقُدُومِهِ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا لِعُمُومِ الْمَجَازِ، وَلَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ وَالِاخْتِيَارُ بِيَدِهَا بِقُدُومِهِ لَيْلًا مَعَ اتِّحَادِ الْمُضَافِ إلَيْهِ فِيهِمَا لِامْتِدَادِ الْمَظْرُوفِ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، وَفِي اعْتِبَارِ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْجَوَابُ بِالنَّظَرِ إلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْمَظْرُوفُ وَالْمُضَافُ إلَيْهِ كِلَاهُمَا مِمَّا لَا يَمْتَدُّ كَقَوْلِهِ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَعْتَبِرْ كُلَّهُمْ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَ الْجَوَابُ فِيهِ كَمَسْأَلَةِ الِاخْتِيَارِ وَالْأَمْرِ بِالْيَدِ إلَّا الْمَظْرُوفَ. فَإِنْ قِيلَ: اعْتَبَرَ الْمُصَنِّفُ الْمُضَافَ إلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ يَوْمَ أُكَلِّمُ فُلَانًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ مَعَ اخْتِلَافِ الْجَوَابِ لِأَنَّ الْكَلَامَ مِمَّا يَمْتَدُّ. أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْكَلَامَ عِنْدَهُ غَيْرُ مُمْتَدٍّ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ فَيَجُوزُ اعْتِبَارُهُ لِاسْتِقَامَةِ الْجَوَابِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ (وَلَوْ قَالَ عَنَيْت بِهِ بَيَاضَ النَّهَارِ خَاصَّةً دُيِّنَ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ صِحَّةِ نِيَّةِ الْحَقِيقَةِ مَعَ اسْتِغْنَائِهَا عَنْهَا
فَصْلٌ
(وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنَا مِنْك طَالِقٌ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَإِنْ نَوَى طَلَاقًا، وَلَوْ قَالَ: أَنَا مِنْك بَائِنٌ أَوْ أَنَا عَلَيْك حَرَامٌ يَنْوِي الطَّلَاقَ فَهِيَ طَالِقٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَيْضًا إذَا نَوَى)
فَصْلٌ) لَمَّا كَانَتْ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَى النِّسَاءِ مُخَالِفَةً لِإِضَافَتِهِ إلَى الرِّجَالِ ذَكَرَهَا فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ وَذَكَرَ فِيهِ مَسَائِلَ أُخَرَ مُتَنَوِّعَةً وَكَانَ حَقُّهَا أَنْ تُذْكَرَ فِي مَسَائِلَ شَتَّى (وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنَا مِنْك طَالِقٌ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَإِنْ نَوَى طَلَاقًا، وَلَوْ قَالَ أَنَا مِنْك بَائِنٌ أَوْ عَلَيْك حَرَامٌ وَنَوَى الطَّلَاقَ طَلُقَتْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَيْضًا إذَا نَوَى) لِأَنَّ الطَّلَاقَ وُضِعَ لِإِزَالَةِ مِلْكِ النِّكَاحِ وَالْحِلِّ الْمُشْتَرَكَيْنِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَإِنَّ الْحِلَّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وَهُوَ
لِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ حَتَّى مَلَكَتْ هِيَ الْمُطَالَبَةَ بِالْوَطْءِ كَمَا يَمْلِكُ هُوَ الْمُطَالَبَةَ بِالتَّمْكِينِ، وَكَذَا الْحِلُّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وَالطَّلَاقُ وُضِعَ لِإِزَالَتِهِمَا فَيَصِحَّ مُضَافًا إلَيْهِ كَمَا صَحَّ مُضَافًا كَمَا فِي الْإِبَانَةِ وَالتَّحْرِيمِ. وَلَنَا أَنَّ الطَّلَاقَ لِإِزَالَةِ الْقَيْدِ وَهُوَ فِيهَا دُونَ الزَّوْجِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا هِيَ الْمَمْنُوعَةُ عَنْ التَّزَوُّجِ وَالْخُرُوجِ وَلَوْ كَانَ لِإِزَالَةِ الْمِلْكِ فَهُوَ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ وَالزَّوْجَ مَالِكٌ وَلِهَذَا سُمِّيَتْ مَنْكُوحَةً بِخِلَافِ الْإِبَانَةِ لِأَنَّهَا لِإِزَالَةِ الْوَصْلَةِ وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ التَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ لِإِزَالَةِ الْحِلِّ وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَصَحَّتْ إضَافَتُهُمَا إلَيْهِمَا وَلَا تَصِحُّ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَّا إلَيْهَا.
ظَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ لَمَّا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّهَا تَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِالْوَطْءِ كَمَا أَنَّهُ يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِالتَّمْكِينِ وَلِأَنَّهُمَا يُسَمَّيَانِ مُتَنَاكِحَيْنِ وَيَذْكُرُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ (وَالطَّلَاقُ وُضِعَ لِرَفْعِ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ) وَكُلُّ مَا وُضِعَ لِذَلِكَ صَحَّ مُضَافًا إلَيْهِ كَمَا فِي الْإِبَانَةِ وَالتَّحْرِيمِ. وَقُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الطَّلَاقَ وُضِعَ لِإِزَالَةِ مِلْكِ النِّكَاحِ وَالْحِلِّ الْمُشْتَرَكَيْنِ بَلْ وُضِعَ لِإِزَالَةِ الْقَيْدِ وَهُوَ فِيهَا دُونَ الزَّوْجِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا الْمَمْنُوعَةُ عَنْ التَّزَوُّجِ وَالْبُرُوزِ. سَلَّمْنَا أَنَّهُ وُضِعَ لِذَلِكَ لَكِنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ لَهُ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ وَالزَّوْجُ مَالِكٌ، وَهَذَا لِأَنَّهَا تَمْلِكُ بِالنِّكَاحِ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ فِي مُقَابَلَةِ النِّكَاحِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ الْبَدَلَانِ فِي مِلْكِ شَخْصٍ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ وَلِهَذَا) أَيْ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ (سُمِّيَتْ مَنْكُوحَةً) أَيْ وَارِدًا عَلَيْهَا مِلْكُ النِّكَاحِ (بِخِلَافِ الْإِبَانَةِ لِأَنَّهَا لِإِزَالَةِ الْوَصْلَةِ وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ، وَبِخِلَافِ التَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ لِإِزَالَةِ الْحِلِّ وَهُوَ مُشْتَرَكٌ فَصَحَّ إضَافَتُهُمَا إلَى الزَّوْجَيْنِ، وَلَا يَصِحُّ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَّا إلَيْهَا)
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ لَا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ). قَالَ رضي الله عنه: هَكَذَا ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ آخِرًا. وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا تَطْلُقُ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً، ذَكَرَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ فِيمَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ لَا شَيْءَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ.
وَلَوْ كَانَ الْمَذْكُورُ هَاهُنَا قَوْلَ الْكُلِّ فَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ،
قِيلَ لَوْ كَانَ الزَّوْجَانِ فِي الْإِبَانَةِ وَالْحِلِّ مُشْتَرَكَيْنِ لَاتَّحَدَا فِي حَقِّ إضَافَةِ الْإِبَانَةِ وَالْحُرْمَةِ إلَيْهِمَا وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَكَذَا الْمَلْزُومُ، فَإِنَّهُ إذَا قَالَ أَنْتِ بَائِنٌ أَوْ حَرَامٌ وَنَوَى الطَّلَاقَ وَقَعَ، وَلَوْ قَالَ أَنَا بَائِنٌ أَوْ حَرَامٌ وَنَوَى الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ مَا لَمْ يَقُلْ مِنْك أَوْ عَلَيْك. وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ لَمْ يَنْشَأْ مِنْ عَدَمِ الِاشْتِرَاكِ بَلْ مِنْ حَيْثُ تَعَدُّدُ الْمِلْكِ وَالْحِلِّ مِنْ جِهَتِهِ دُونَهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا مِلْكٌ غَيْرُهُ وَلَا تَحِلُّ عَلَى غَيْرِهِ مَا دَامَتْ فِي عِصْمَتِهِ فَكَانَتْ الْجِهَةُ مُتَعَيِّنَةً فَاكْتَفَى بِقَوْلِهِ أَنْتِ بَائِنٌ أَوْ حَرَامٌ وَأَمَّا الزَّوْجُ فَلَهُ مِلْكٌ عَلَى غَيْرِهَا وَيَحِلُّ عَلَى غَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي عِصْمَتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مِنْك أَوْ عَلَيْك تَعْيِينًا لِلْجِهَةِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ لَا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ (وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ) يَعْنِي بَيْنَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ لَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ لَا شَيْءَ فِي حَقِّ التَّشْكِيكِ فِي الْإِيقَاعِ أَوْ فِي حَقِّ الْوَضْعِ. وَقَوْلُهُ (وَلَوْ كَانَ الْمَذْكُورُ هَاهُنَا) أَيْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (قَوْلَ الْكُلِّ فَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ فِي وَضْعِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي أَنَّهُ لَا يَقَعُ
لَهُ أَنَّهُ أَدْخَلَ الشَّكَّ فِي الْوَاحِدَةِ لِدُخُولِ كَلِمَةِ " أَوْ " بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّفْيِ فَيَسْقُطَ اعْتِبَارُ الْوَاحِدَةِ وَيَبْقَى قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَوَّلًا لِأَنَّهُ أَدْخَلَ الشَّكَّ فِي أَصْلِ الْإِيقَاعِ فَلَا يَقَعُ. وَلَهُمَا أَنَّ الْوَصْفَ مَتَى قُرِنَ بِالْعَدَدِ كَانَ الْوُقُوعُ بِذِكْرِ الْعَدَدِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا تَطْلُقُ ثَلَاثًا، وَلَوْ كَانَ الْوُقُوعُ بِالْوَصْفِ لَلَغَا ذِكْرُ الثَّلَاثِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْوَاقِعَ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ الْمَنْعُوتُ الْمَحْذُوفُ مَعْنَاهُ أَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً عَلَى مَا مَرَّ، وَإِذَا كَانَ الْوَاقِعُ مَا كَانَ الْعَدَدُ نَعْتًا لَهُ كَانَ الشَّكُّ دَاخِلًا فِي أَصْلِ الْإِيقَاعِ فَلَا يَقَعُ شَيْءٌ.
شَيْءٌ فَكَانَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ أَيْضًا لَا يَقَعُ شَيْءٌ. ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ فِي طَلَاقِ الْمَبْسُوطِ بِأَنَّ عِنْدَهُ تَطْلُقُ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ لَا شَيْءَ وَلَا تَفَاوُتَ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ وُرُودَ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. وَقَوْلَةُ (لَهُ) أَيْ لِمُحَمَّدٍ (أَنَّهُ أَدْخَلَ الشَّكَّ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (وَلَهُمَا) أَيْ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (أَنَّ الْوَصْفَ) يَعْنِي: أَنْتِ طَالِقٌ (مَتَى قُرِنَ بِالْعَدَدِ) مِثْلَ أَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا (كَانَ الْوُقُوعُ بِذِكْرِ الْعَدَدِ) وَأَطْلَقَ الْعَدَدَ عَلَى الْوَاحِدِ مَجَازًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَصْلُ الْعَدَدِ، وَمَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّ الْوَصْفَ مَتَى قُرِنَ بِالْعَدَدِ كَانَ الْكُلُّ كَلَامًا وَاحِدًا فِي الْإِيقَاعِ، فَحِينَئِذٍ كَانَ الشَّكُّ الدَّاخِلُ فِي الْوَاحِدَةِ دَاخِلًا فِي الْإِيقَاعِ فَكَانَ نَظِيرَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ لَا، وَهُنَاكَ لَا يَقَعُ شَيْءٌ بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا وَاسْتَوْضَحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (أَلَا تَرَى) وَهُوَ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا مَرَّ)
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ مَوْتِي أَوْ مَعَ مَوْتِك فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) لِأَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ لَهُ لِأَنَّ مَوْتَهُ يُنَافِي الْأَهْلِيَّةَ وَمَوْتَهَا يُنَافِي الْمَحَلِّيَّةَ وَلَا بُدَّ مِنْهُمَا.
(وَإِذَا مَلَكَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ أَوْ شِقْصًا مِنْهَا أَوْ مَلَكَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا أَوْ شِقْصًا مِنْهُ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ) لِلْمُنَافَاةِ بَيْنَ الْمِلْكَيْنِ. أَمَّا مِلْكُهَا إيَّاهُ فَلِلِاجْتِمَاعِ بَيْنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْمَمْلُوكِيَّةِ، وَأَمَّا مِلْكُهُ إيَّاهَا فَلِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ ضَرُورِيٌّ وَلَا ضَرُورَةَ مَعَ قِيَامِ مِلْكِ الْيَمِينِ فَيَنْتَفِيَ النِّكَاحُ (وَلَوْ اشْتَرَاهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ) لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَسْتَدْعِي قِيَامَ النِّكَاحِ، وَلَا بَقَاءَ لَهُ مَعَ الْمُنَافِي لَا مِنْ وَجْهٍ وَلَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَكَذَا إذَا مَلَكَتْهُ أَوْ شِقْصًا مِنْهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ لِمَا قُلْنَا مِنْ الْمُنَافَاةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَقَعُ لِأَنَّ الْعِدَّةَ وَاجِبَةٌ. بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ
أَرَادَ بِهِ قَوْلَهُ كَانَ الْوُقُوعُ بِذِكْرِ الْعَدَدِ.
(وَقَوْلُهُ فَلِلِاجْتِمَاعِ بَيْنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْمَمْلُوكِيَّة) قَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ مُسْتَوْفًى، وَقَوْلُهُ (فَلِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ ضَرُورِيٌّ) بَيَانُهُ أَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ إثْبَاتُ الْمِلْكِ عَلَى الْحُرَّةِ وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَمَا هُوَ كَذَلِكَ فَهُوَ ضَرُورِيٌّ، فَإِذَا طَرَأَ عَلَيْهِ الْحِلُّ الْقَوِيُّ وَهُوَ مِلْكُ الْيَمِينِ يَنْفِي الْحِلَّ الضَّرُورِيَّ لِضَعْفِهِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُسَلَّمٌ فِيمَا إذَا مَلَكَ الزَّوْجُ جَمِيعَ مَنْكُوحَتِهِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ. فَأَمَّا إذَا مَلَكَ شِقْصًا مِنْهَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْتَفِيَ الْحِلُّ الثَّابِتُ بَيْنَهُمَا بِالنِّكَاحِ لِأَنَّهُ لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ لَا حِلٌّ قَوِيٌّ وَلَا ضَعِيفٌ. أُجِيبَ بِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ دَلِيلُ الْحِلِّ فَقَامَ مَقَامَهُ تَيْسِيرًا (وَلَوْ اشْتَرَاهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَسْتَدْعِي قِيَامَ النِّكَاحِ وَلَا بَقَاءَ لَهُ مَعَ الْمُنَافِي لَا مِنْ وَجْهٍ) يَعْنِي مِنْ حَيْثُ الْعِدَّةُ لِأَنَّهَا أَثَرٌ مِنْ
لَا عِدَّةَ هُنَاكَ حَتَّى حَلَّ وَطْؤُهَا لَهُ.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا وَهِيَ أَمَةٌ لِغَيْرِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ مَعَ عِتْقِ مَوْلَاك إيَّاكَ فَأَعْتَقَهَا مَوْلَاهَا مَلَكَ الزَّوْجُ الرَّجْعَةَ) لِأَنَّهُ عَلَّقَ التَّطْلِيقَ بِالْإِعْتَاقِ أَوْ الْعِتْقِ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَنْتَظِمُهُمَا وَالشَّرْطُ مَا يَكُونُ مَعْدُومًا عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ
آثَارِهِ فَلَا يَجِبُ مَعَ وُجُودِ الْمُنَافِي وَإِلَّا لَكَانَ مِلْكُ النِّكَاحِ بَاقِيًا مِنْ وَجْهٍ (وَلَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) يَعْنِي مِنْ حَيْثُ مِلْكُ النِّكَاحِ، وَعَلَى هَذَا كَانَ قَوْلُهُ لَا مِنْ وَجْهٍ وَلَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ وَلَا بَقَاءَ. وَقِيلَ لَا مِنْ وَجْهٍ: يَعْنِي إذَا مَلَكَ الشِّقْصَ وَلَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ: يَعْنِي إذَا مَلَكَ الْجَمِيعَ، وَعَلَى هَذَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ مَعَ الْمُنَافِي. وَقَوْلُهُ (لَا عِدَّةَ هُنَاكَ) يَعْنِي فِي حَقِّ مَوْلَاهَا الَّذِي كَانَ زَوْجَهَا: أَيْ لَا يَظْهَرُ أَثَرُ عِدَّتِهَا بِدَلِيلِ حِلِّ وَطْئِهَا. وَأَمَّا الْعِدَّةُ فِي نَفْسِهَا فَوَاجِبَةٌ، حَتَّى إنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهَا لَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِآخَرَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا
قَالَ (وَإِذَا قَالَ لَهَا وَهِيَ أَمَةٌ لِغَيْرِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ مَعَ عِتْقِ مَوْلَاك إيَّاكِ فَأَعْتَقَهَا مَلَكَ الزَّوْجُ الرَّجْعَةَ لِأَنَّهُ عَلَّقَ التَّطْلِيقَ بِالْإِعْتَاقِ أَوْ الْعِتْقِ) وَهَذَا الْكَلَامُ يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ أَنَّهُ تَعْلِيقٌ مَعَ عَدَمِ شَيْءٍ مِنْ أَدَاتِهِ وَأَنَّهُ تَعْلِيقُ التَّطْلِيقِ الْمَذْكُورِ دُونَ الطَّلَاقِ وَأَنَّهُ تَعْلِيقُ التَّطْلِيقِ بِالْإِعْتَاقِ أَوْ الْعِتْقِ. أَمَّا أَنَّهُ تَعْلِيقٌ فَلِمَا بَيَّنَّهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَالشَّرْطُ مَا يَكُونُ مَعْدُومًا عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ وَلِلْحُكْمِ تَعَلُّقٌ بِهِ وَالْمَذْكُورُ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ مَعَ عِتْقِ مَوْلَاك إيَّاكِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ مِنْ الْمَوْلَى أَمْرٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ وَالْحُكْمُ وَهُوَ الطَّلَاقُ تَعَلَّقَ بِهِ فَكَانَ الْعِتْقُ شَرْطًا وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ مَشْرُوطًا.
وَأَمَّا أَنَّهُ تَعْلِيقُ التَّطْلِيقِ فَلِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمَرْءِ إنَّمَا يَنْفُذُ فِيمَا يَمْلِكُهُ وَهُوَ التَّطْلِيقُ دُونَ الطَّلَاقِ لِكَوْنِهِ أَمْرًا شَرْعِيًّا لَيْسَ دَاخِلًا تَحْتَ قُدْرَتِهِ، وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَالْمُعَلَّقُ بِهِ
وَلِلْحُكْمِ تَعَلُّقٌ بِهِ وَالْمَذْكُورُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَالْمُعَلَّقُ بِهِ التَّطْلِيقُ لِأَنَّ فِي التَّعْلِيقَاتِ يَصِيرُ التَّصَرُّفُ تَطْلِيقًا عِنْدَ الشَّرْطِ عِنْدَنَا، وَإِذَا كَانَ التَّطْلِيقُ مُعَلَّقًا بِالْإِعْتَاقِ أَوْ الْعِتْقِ يُوجَدُ بَعْدَهُ ثُمَّ الطَّلَاقُ يُوجَدُ بَعْدَ التَّطْلِيقِ فَيَكُونَ الطَّلَاقُ مُتَأَخِّرًا عَنْ الْعِتْقِ فَيُصَادِفَهَا وَهِيَ حُرَّةً فَلَا تَحْرُمُ حُرْمَةً غَلِيظَةً بِالثِّنْتَيْنِ. بَقِيَ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ كَلِمَةَ مَعَ لِلْقِرَانِ. قُلْنَا: قَدْ تُذْكَرُ لِلتَّأَخُّرِ كَمَا
التَّطْلِيقُ لِأَنَّ فِي التَّعْلِيقَاتِ يَصِيرُ التَّصَرُّفُ تَطْلِيقًا عِنْدَ الشَّرْطِ عِنْدَنَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ عِنْدَنَا يَمْنَعُ عِلِّيَّةَ الْعِلَّةِ إلَى زَمَانِ وُجُودِهِ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ.
وَأَمَّا أَنَّهُ تَعْلِيقُ التَّطْلِيقِ بِالْإِعْتَاقِ أَوْ الْعِتْقِ فَلِمَا قَالَ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَنْتَظِمُهُمَا: أَيْ يَتَنَاوَلُهُمَا عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ. أَمَّا الْإِعْتَاقُ فَعَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ لِمَا أَنَّ الْعِتْقَ لَمَّا لَمْ يُتَصَوَّرْ فِي غَيْرِ الْقَرِيبِ إلَّا بِالْإِعْتَاقِ كَانَ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْحُكْمِ وَإِرَادَةِ عِلَّتِهِ. وَأَمَّا الْعِتْقُ فَعَلَى طَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَهُوَ الْمَلْفُوظُ فَثَبَتَ أَنَّهُ عَلَّقَ التَّطْلِيقَ بِالْإِعْتَاقِ أَوْ الْعِتْقِ، وَإِذَا كَانَ التَّطْلِيقُ مُعَلَّقًا بِالْإِعْتَاقِ أَوْ الْعِتْقِ يُوجَدُ بَعْدَهُ لِأَنَّ الْجَزَاءَ يَعْقُبُ الشَّرْطَ، ثُمَّ الطَّلَاقُ يُوجَدُ بَعْدَ التَّطْلِيقِ بَعْدِيَّةً ذَاتِيَّةً لِكَوْنِهِ حُكْمَهُ فَيَكُونُ الطَّلَاقُ مُتَأَخِّرًا عَنْ الْعِتْقِ فَيُصَادِفُهَا وَهِيَ حُرَّةٌ فَلَمْ تَحْرُمْ بِالثِّنْتَيْنِ حُرْمَةً غَلِيظَةً. بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ كَلِمَةَ مَعَ لِلْمُقَارَنَةِ فَيَكُونُ مُنَافِيًا لِمَعْنَى الشَّرْطِيَّةِ. وَأَجَابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ قُلْنَا قَدْ تُذْكَرُ لِلتَّأَخُّرِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} فَتُحْمَلُ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ ضَرُورَةَ تَصْحِيحِ الْكَلَامِ. وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّ قَوْلَهُ مَعَ عِتْقِ مَوْلَاك إيَّاكِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِمَعْنَى الْإِعْتَاقِ فَمَا وَجْهُ الشِّقِّ الثَّانِي مِنْ التَّرْدِيدِ؟. وَالثَّانِي أَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ التَّقْرِيرِ يَجِبُ أَنْ يَقَعَ طَلَاقُ مَنْ قِيلَ لَهَا وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ
فِي قَوْله تَعَالَى {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} فَتُحْمَلَ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ.
(وَلَوْ قَالَ: إذَا جَاءَ غَدٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ وَقَالَ الْمَوْلَى: إذَا جَاءَ غَدٌ فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَجَاءَ الْغَدُ لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَعِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: زَوْجُهَا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ) عَلَيْهَا، لِأَنَّ الزَّوْجَ قَرَنَ الْإِيقَاعَ بِإِعْتَاقِ الْمَوْلَى حَيْثُ عَلَّقَهُ بِالشَّرْطِ الَّذِي عَلَّقَ بِهِ الْمَوْلَى الْعِتْقَ، وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ الْمُعَلَّقُ سَبَبًا عِنْدَ الشَّرْطِ وَالْعِتْقُ يُقَارِنُ الْإِعْتَاقَ لِأَنَّهُ عِلَّتُهُ
أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ نِكَاحِك لِأَنَّهُ يَكُونُ بِمَعْنَى إنْ نَكَحْتُك لَكِنْ لَا يَقَعُ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ وَجْهَهُ النَّظَرُ إلَى لَفْظَةِ الْعِتْقِ لِيَتَبَيَّنَ أَثَرُهُ فِيمَا إذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ عِتْقِك فِي عَدَمِ اخْتِلَافِ الْحُكْمِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْعُدُولَ عَنْ مَعْنَى الْقِرَانِ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ " مَعَ " إنَّمَا كَانَ ضَرُورَةَ صِيَانَةِ كَلَامِ مَنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي ذَلِكَ تَنْجِيزًا أَوْ تَعْلِيقًا مُطْلَقًا. وَفِيمَا ذَكَرْتُمْ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّنْجِيزَ وَلَا التَّعْلِيقَ إلَّا بِالنِّكَاحِ بِصَرِيحِ الشَّرْطِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِيَانَةِ كَلَامِ الْقَادِرِ مُطْلَقًا صِيَانَةُ كَلَامِ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ.
(وَإِذَا قَالَ إذَا جَاءَ غَدٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ وَقَالَ الْمَوْلَى إذَا جَاءَ غَدٌ فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَجَاءَ الْغَدُ) حُرِّمَتْ حُرْمَةً غَلِيظَةً (لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَعِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: زَوْجُهَا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ) كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ دَلِيلَ مُحَمَّدٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَلَا يَقْبَلُ الْإِصْلَاحَ بِالْعِنَايَةِ، وَأَنَا أَذْكُرُهُ بِتَوْضِيحٍ تَبَعًا لِلْمُصَنِّفِ. قَالَ (لِأَنَّ الزَّوْجَ قَرَنَ الْإِيقَاعَ بِإِعْتَاقِ الْمَوْلَى) مَعْنًى يَعْنِي عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيقِ (حَيْثُ عَلَّقَهُ بِالشَّرْطِ الَّذِي عَلَّقَ بِهِ الْمَوْلَى) فَكَانَا مُقْتَرِنَيْنِ فِي ذَلِكَ الشَّرْطِ وَهُوَ مَجِيءُ الْغَدِ، وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ إنَّمَا يَنْعَقِدُ سَبَبًا عِنْدَ الشَّرْطِ فَكَانَا مُقْتَرِنَيْنِ فِي السَّبَبِيَّةِ لِحُكْمِهِمَا أَيْضًا (وَالْعِتْقُ يُقَارِنُ الْإِعْتَاقَ لِأَنَّهُ عِلَّتُهُ) وَالْحُكْمُ لَا يَتَأَخَّرُ زَمَانًا عَنْ الْعِلَّةِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ سَوَاءٌ كَانَتْ الْعِلَّةُ
أَصْلُهُ الِاسْتِطَاعَةُ مَعَ الْفِعْلِ فَيَكُونَ التَّطْلِيقُ مُقَارِنًا لِلْعِتْقِ ضَرُورَةً فَتَطْلُقُ بَعْدَ الْعِتْقِ فَصَارَ كَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَلِهَذَا تُقَدَّرُ عِدَّتُهَا بِثَلَاثِ حِيَضٍ. وَلَهُمَا أَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمَا عَلَّقَ بِهِ الْمَوْلَى الْعِتْقَ ثُمَّ الْعِتْقُ يُصَادِفُهَا وَهِيَ أَمَةٌ فَكَذَا الطَّلَاقُ وَالطَّلْقَتَانِ تُحَرِّمَانِ الْأَمَةَ حُرْمَةً غَلِيظَةً، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِأَنَّهُ عَلَّقَ التَّطْلِيقَ بِإِعْتَاقِ الْمَوْلَى فَيَقَعَ الطَّلَاقُ بَعْدَ الْعِتْقِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ، وَبِخِلَافِ الْعِدَّةِ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ فِيهَا بِالِاحْتِيَاطِ، وَكَذَا الْحُرْمَةُ الْغَلِيظَةُ يُؤْخَذُ فِيهَا بِالِاحْتِيَاطِ، وَلَا وَجْهَ إلَى مَا قَالَ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَوْ كَانَ يُقَارِنُ الْإِعْتَاقَ لِأَنَّهُ عِلَّتُهُ فَالطَّلَاقُ يُقَارِنُ التَّطْلِيقَ لِأَنَّهُ عِلَّتُهُ فَيَقْتَرِنَانِ.
شَرْعِيَّةً أَوْ عَقْلِيَّةً (أَصْلُهُ الِاسْتِطَاعَةُ مَعَ الْفِعْلِ) كَمَا عُرِفَ (فَيَكُونُ التَّطْلِيقُ مُقَارِنًا لِلْعِتْقِ) لِأَنَّ التَّطْلِيقَ مُقَارِنٌ لِلْإِعْتَاقِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَالْإِعْتَاقَ مُقَارِنٌ لِلْعِتْقِ وَالطَّلَاقَ يُقَارِنُ الْعِتْقَ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ عِلَّتُهُ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهَا فَالتَّطْلِيقُ يُقَارِنُ الْعِتْقَ، وَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ.
وَقَوْلُهُ فَتَطْلُقُ بَعْدَ الْعِتْقِ) فَاسِدٌ لِأَنَّ الطَّلَاقَ حُكْمُ التَّطْلِيقِ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ وَالتَّطْلِيقُ يُقَارِنُ الْإِعْتَاقَ وَالْإِعْتَاقُ يُقَارِنُ الْعِتْقَ فَالطَّلَاقُ يُقَارِنُ الْعِتْقَ، فَإِنَّ الْمُقَارِنَ لِلْمُقَارِنِ لِلشَّيْءِ مُقَارِنٌ لِذَلِكَ الشَّيْءِ فَكَيْفَ يَقَعُ بَعْدَهُ. فَإِذَا كَانَ الْعِلَّتَانِ وَالْمَعْلُولَانِ مَعًا، فَكَمَا أَنَّ الْإِعْتَاقَ صَادَفَهَا وَهِيَ أَمَةٌ فَكَذَلِكَ التَّطْلِيقُ وَالطَّلْقَتَانِ تُحَرِّمَانِ الْأَمَهَ حُرْمَةً غَلِيظَةً، وَظَهَرَ مِنْ هَذَا جَمِيعُ مَا ذَكَرَهُ، وَقَدْ ذَكَرَ لِمُحَمَّدٍ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ حُرَّةٌ أَوْجَزُ مِنْ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ
فَصْلٌ فِي تَشْبِيهِ الطَّلَاقِ وَوَصْفِهِ
(وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ هَكَذَا يُشِيرُ بِالْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى فَهِيَ ثَلَاثٌ)
وَهُمَا: أَيْ الْإِعْتَاقُ وَالتَّطْلِيقُ يُوجَدَانِ بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ فَيَتَقَدَّمُ أَوْجَزُهُمَا فِي الْوُجُودِ وَهُوَ قَوْلُهُ أَنْتِ حُرَّةٌ فَيُصَادِفُهَا التَّطْلِيقَتَانِ وَهِيَ حُرَّةٌ فَيَمْلِكُ الرَّجْعَةَ عَلَيْهَا وَهَذَا قَرِيبٌ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ يُنَاقِضُ قَوْلَهُ فَيَتَقَدَّمُ أَوْجَزُهُمَا.
(فَصْلٌ فِي تَشْبِيهِ الطَّلَاقِ وَوَصْفِهِ) ذَكَرَ وَصْفَ الطَّلَاقِ بَعْدَ ذِكْرِ أَصْلِهِ وَتَنْوِيعِهِ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ لِكَوْنِهِ تَابِعًا (وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ هَكَذَا يُشِيرُ بِالْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى فَهِيَ ثَلَاثٌ،
لِأَنَّ الْإِشَارَةَ بِالْأَصَابِعِ تُفِيدُ الْعِلْمَ بِالْعَدَدِ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ إذَا اقْتَرَنَتْ بِالْعَدَدِ الْمُبْهَمِ، قَالَ عليه الصلاة والسلام «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» الْحَدِيثَ، وَإِنْ أَشَارَ بِوَاحِدَةٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ أَشَارَ بِثِنْتَيْنِ فَهِيَ ثِنْتَانِ لِمَا قُلْنَا، وَالْإِشَارَةُ تَقَعُ بِالْمَنْشُورَةِ مِنْهَا، وَقِيلَ: إذَا أَشَارَ بِظُهُورِهَا فَبِالْمَضْمُومَةِ مِنْهَا، وَإِذَا كَانَ تَقَعُ الْإِشَارَةُ بِالْمَنْشُورَةِ مِنْهَا فَلَوْ نَوَى الْإِشَارَةَ بِالْمَضْمُومَتَيْنِ يُصَدَّقُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً، وَكَذَا إذَا نَوَى الْإِشَارَةَ بِالْكَفِّ حَتَّى يَقَعَ فِي الْأُولَى ثِنْتَانِ دِيَانَةً،
لِأَنَّ الْإِشَارَةَ بِالْأُصْبُعِ تُفِيدُ الْعِلْمَ بِالْعَدَدِ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ إذَا قُرِنَتْ بِالْعَدَدِ الْمُبْهَمِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما (قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَخَنَّسَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ»: يَعْنِي أَنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَمَعْنَى خَنَّسَ قَبَضَ (فَإِنْ أَشَارَ بِوَاحِدَةٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ أَشَارَ بِثِنْتَيْنِ فَهِيَ ثِنْتَانِ) وَقَدْ طَعَنَ بَعْضُ الْجُهَّالِ عَلَى مُحَمَّدٍ فِي قَوْلِهِ بِالسَّبَّابَةِ بِأَنَّهُ اسْمٌ جَاهِلِيٌّ وَالِاسْمُ الشَّرْعِيُّ الْمُسَبِّحَةُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ السَّبَّابَةُ، رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: كَيْفَ الطَّهُورُ؟ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، فَأَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ أُذُنَيْهِ فَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَ أُذُنَيْهِ وَبِالسِّبَابَتَيْنِ بَاطِنَ أُذُنَيْهِ» رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ. وَقَوْلُهُ (لِمَا قُلْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ بِالْأَصَابِعِ تُفِيدُ الْعِلْمَ بِالْعَدَدِ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ إذَا اقْتَرَنَتْ بِالْعَدَدِ. وَقَوْلُهُ (وَالْإِشَارَةُ تَقَعُ بِالْمَنْشُورَةِ مِنْهَا)
وَفِي الثَّانِيَةِ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ هَكَذَا تَقَعُ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِالْعَدَدِ الْمُبْهَمِ فَبَقِيَ الِاعْتِبَارُ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ
(وَإِذَا وَصَفَ الطَّلَاقَ بِضَرْبٍ مِنْ الشِّدَّةِ أَوْ الزِّيَادَةِ كَانَ بَائِنًا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ أَوْ أَلْبَتَّةَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقَعُ رَجْعِيًّا إذَا كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا لِأَنَّ الطَّلَاقَ شُرِعَ مُعْقِبًا لِلرَّجْعَةِ فَكَانَ وَصْفُهُ بِالْبَيْنُونَةِ خِلَافَ الْمَشْرُوعِ فَيَلْغُو كَمَا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَنْ لَا رَجْعَةَ لِي عَلَيْك. وَلَنَا أَنَّهُ وَصَفَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَيْنُونَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَبَعْدَ الْعِدَّةِ تَحْصُلُ بِهِ فَيَكُونُ هَذَا الْوَصْفُ لِتَعْيِينِ أَحَدِ الْمُحْتَمَلَيْنِ،
ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (وَلَنَا أَنَّهُ وَصَفَهُ) أَيْ وَصَفَ الطَّلَاقَ (بِمَا يَحْتَمِلُهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَيْنُونَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَ الْعِدَّةِ تَحْصُلُ بِهِ) وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مُحْتَمَلَاتِهِ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ (فَيَكُونُ هَذَا الْوَصْفُ لِتَعْيِينِ أَحَدِ الْمُحْتَمَلَيْنِ). وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُحْتَمِلًا لَهَا لَجَازَ نِيَّتُهَا فَيَقَعُ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَائِنَةً إذَا نَوَى وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا تَعْمَلُ إذَا لَمْ تَكُنْ مُغَيِّرَةً لِلْمَشْرُوعِ، وَنِيَّةُ الْبَائِنِ مِنْ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ تُغَيِّرُ الْمَشْرُوعَ لِأَنَّ الطَّلَاقَ شُرِعَ مُعَقِّبًا لِلرَّجْعَةِ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ تَسْلِيمٌ لِدَلِيلِ الْخَصْمِ وَمُحْوِجٌ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ عَدَمِ جَوَازِ كَوْنِ النِّيَّةِ مُغَيِّرَةً وَجَوَازِ كَوْنِ الْوَصْفِ مُغَيِّرًا لِلْمَشْرُوعِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْوَصْفَ الْمَلْفُوظَ أَقْوَى فِي اعْتِبَارِ الشَّرْعِ مِنْ النِّيَّةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ تَطْلِيقٌ اعْتَبَرَ الشَّرْعُ ذَلِكَ طَلَاقًا وَغَيَّرَ بِهِ مَشْرُوعًا وَهُوَ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْكَذِبِ،
وَمَسْأَلَةُ الرَّجْعَةِ مَمْنُوعَةٌ فَتَقَعُ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَوْ نَوَى الثِّنْتَيْنِ. أَمَّا إذَا نَوَى الثَّلَاثَ فَثَلَاثٌ لِمَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ، وَلَوْ عَنَى بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَبِقَوْلِهِ بَائِنٌ أَوْ أَلْبَتَّةَ أُخْرَى تَقَعُ تَطْلِيقَتَانِ بَائِنَتَانِ لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ يَصْلُحُ لِابْتِدَاءِ الْإِيقَاعِ (وَكَذَا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَفْحَشَ الطَّلَاقِ) لِأَنَّهُ إنَّمَا يُوصَفُ بِهَذَا الْوَصْفِ بِاعْتِبَارِ أَثَرِهِ وَهُوَ الْبَيْنُونَةُ فِي الْحَالِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ بَائِنٌ، وَكَذَا إذَا قَالَ أَخْبَثَ الطَّلَاقِ (أَوْ أَسْوَأَهُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَكَذَا إذَا قَالَ طَلَاقَ الشَّيْطَانِ
وَلَوْ نَوَى طَلَاقًا وَلَمْ يَتَلَفَّظْ بِلَفْظٍ لَمْ يُعْتَبَرْ طَلَاقًا لِئَلَّا يَتَغَيَّرَ الْمَشْرُوعُ وَهُوَ شَرْعِيَّةُ الْوُقُوعِ بِأَلْفَاظِ الطَّلَاقِ.
وَقَوْلُهُ (وَمَسْأَلَةُ الرَّجْعَةِ مَمْنُوعَةٌ) أَيْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بَائِنًا بَلْ تَقَعُ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَلَئِنْ سُلِّمَ فَالْفَرْقُ أَنَّ فِي قَوْلِهِ أَنْ لَا رَجْعَةَ تَصْرِيحًا بِنَفْيِ الْمَشْرُوعِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا وَصَفَهُ بِالْبَيْنُونَةِ وَلَمْ يَنْفِ الرَّجْعَةَ صَرِيحًا فَيَلْزَمُ مِنْهَا نَفْيُ الرَّجْعَةِ ضِمْنًا، وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يَثْبُتُ ضِمْنًا وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ قَصْدًا، كَذَا أَفَادَهُ شَيْخُ شَيْخِي الْعَلَّامَةُ. وَقَوْلُهُ (فَتَقَعُ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ) يَعْنِي فِيمَا إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ (إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَوْ نَوَى الثِّنْتَيْنِ، أَمَّا إذَا نَوَى الثَّلَاثَ فَثَلَاثٌ لِمَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ) أَيْ فِي بَابِ إيقَاعِ الطَّلَاقِ بِقَوْلِهِ وَنَحْنُ نَقُولُ نِيَّةُ الثَّلَاثِ إنَّمَا صَحَّتْ لِكَوْنِهَا جِنْسًا. وَقَوْلُهُ (تَطْلِيقَتَانِ بَائِنَتَانِ) يَعْنِي عِنْدَنَا. وَقِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ تَطْلِيقَتَانِ رَجْعِيَّتَانِ.
وَقَوْلُهُ لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ) يَعْنِي قَوْلَهُ بَائِنٌ أَوْ أَلْبَتَّةَ يَصْلُحُ لِابْتِدَاءِ الْإِيقَاعِ بِأَنْ كَانَ يَقُولُ أَنْتِ بَائِنٌ أَوْ أَنْتِ أَلْبَتَّةَ وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، وَكَذَا إذَا نَوَى بِبَتِّهِ تَطْلِيقَةً أُخْرَى وَيَكُونُ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ فَكَانَ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ بَائِنٌ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا رَجْعِيًّا عَمَلًا بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا أَنَّا جَعَلْنَاهُ بَائِنًا لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ لِأَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ بَائِنًا لَا مَحَالَةَ عِنْدَنَا فَيَكُونُ الْأَوَّلُ كَذَلِكَ ضَرُورَةً إذْ لَا يُتَصَوَّرُ بَقَاءُ الْأَوَّلِ رَجْعِيًّا إذَا صَارَ الثَّانِي بَائِنًا، وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْأَوَّلَ يَقَعُ رَجْعِيًّا ابْتِدَاءً فَيَنْقَلِبُ بَائِنًا بِوُقُوعِ الثَّانِي بَائِنًا لِعَدَمِ تَصَوُّرِ بَقَائِهِ رَجْعِيًّا.
وَهَذَا صَحِيحٌ ظَاهِرٌ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْأَوَّلَ يَقَعُ رَجْعِيًّا. فَإِنْ أَرَادَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَإِنْ أَرَادَ بَقَاءَهُ رَجْعِيًّا فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ. وَقَوْلُهُ (وَكَذَا إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَفْحَشَ الطَّلَاقِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ فِي الْأَحْكَامِ
أَوْ طَلَاقَ الْبِدْعَةِ) لِأَنَّ الرَّجْعِيَّ هُوَ السُّنِّيُّ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: الْبِدْعَةَ وَطَلَاقَ الشَّيْطَانِ بَائِنًا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بَائِنًا إلَّا بِالنِّيَّةِ لِأَنَّ الْبِدْعَةَ قَدْ تَكُونُ مِنْ حَيْثُ الْإِيقَاعُ فِي حَالَةِ حَيْضٍ فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ أَوْ طَلَاقَ الشَّيْطَانِ يَكُونُ رَجْعِيًّا لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ قَدْ يَتَحَقَّقُ بِالطَّلَاقِ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ فَلَا تَثْبُتُ الْبَيْنُونَةُ بِالشَّكِّ (وَكَذَا إذَا قَالَ: كَالْجَبَلِ) لِأَنَّ التَّشْبِيهَ بِهِ يُوجِبُ زِيَادَةً لَا مَحَالَةَ وَذَلِكَ بِإِثْبَاتِ زِيَادَةِ الْوَصْفِ، وَكَذَا إذَا قَالَ: مِثْلَ الْجَبَلِ لِمَا قُلْنَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَكُونُ رَجْعِيًّا لِأَنَّ الْجَبَلَ شَيْءٌ وَاحِدٌ فَكَانَ تَشْبِيهًا بِهِ فِي تَوَحُّدِهِ
(وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَشَدَّ الطَّلَاقِ أَوْ كَأَلْفٍ أَوْ مِلْءَ الْبَيْتِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ثَلَاثًا) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِالشِّدَّةِ وَهُوَ الْبَائِنُ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الِانْتِقَاضَ وَالِارْتِفَاضَ، أَمَّا الرَّجْعِيُّ فَيَحْتَمِلُهُ، وَإِنَّمَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ لِذِكْرِهِ الْمَصْدَرَ،
الْأَرْبَعَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ فَتَقَعُ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَوْ نَوَى الثِّنْتَيْنِ. وَلَوْ نَوَى الثَّلَاثَ فَثَلَاثٌ، وَلَوْ نَوَى بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَبِقَوْلِهِ أَفْحَشَ الطَّلَاقِ وَاحِدَةً أُخْرَى يَقَعُ تَطْلِيقَتَانِ: وَكَذَا الْجَوَابُ فِي قَوْلِهِ أَخْبَثَ الطَّلَاقِ أَوْ أَشَرَّهُ أَوْ أَشَدَّهُ أَوْ أَكْبَرَهُ أَوْ أَسْوَأَهُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ إنَّمَا يُوصَفُ بِهَذَا الْوَصْفِ بِاعْتِبَارِ أَثَرِهِ وَهُوَ الْبَيْنُونَةُ فِي الْحَالِ لَا بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَحْسُوسٍ. وَمَا هُوَ غَيْرُ مَحْسُوسٍ فَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِأَثَرِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ بَائِنٌ. فَإِنْ قِيلَ: أَفْحَشُ وَأَشَدُّ وَنَحْوُهُمَا أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ فَيَقْتَضِي فَاحِشًا وَأَفْحَشَ، وَالْفَاحِشُ هُوَ الْبَائِنُ. وَالْأَفْحَشُ مِنْهُ هُوَ الثَّلَاثُ فَيَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ الثَّلَاثُ بِهِ وَنَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ. أُجِيبَ بِأَنَّ أَفْعَلَ قَدْ يَكُونُ لِإِثْبَاتِ أَصْلِ الْوَصْفِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ كَقَوْلِهِ:
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِهَذَا التَّشْبِيهِ فِي الْقُوَّةِ تَارَةً وَفِي الْعَدَدِ أُخْرَى، يُقَالُ هُوَ كَأَلْفِ رَجُلٍ وَيُرَادُ بِهِ الْقُوَّةُ فَتَصِحُّ نِيَّةُ الْأَمْرَيْنِ، وَعِنْدَ فِقْدَانِهَا يَثْبُتُ أَقَلُّهُمَا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَقَعُ الثَّلَاثُ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ لِأَنَّهُ عَدَدٌ فَيُرَادُ بِهِ التَّشْبِيهُ فِي الْعَدَدِ ظَاهِرًا فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ كَعَدَدِ أَلْفٍ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَمْلَأُ الْبَيْتَ لِعِظَمِهِ فِي نَفْسِهِ وَقَدْ يَمْلَؤُهُ لِكَثْرَتِهِ، فَأَيُّ ذَلِكَ نَوَى صَحَّتْ نِيَّتُهُ، وَعِنْدَ انْعِدَامِ النِّيَّةِ يَثْبُتُ الْأَقَلُّ. ثُمَّ الْأَصْلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مَتَى شَبَّهَ الطَّلَاقَ بِشَيْءٍ يَقَعُ بَائِنًا: أَيَّ شَيْءٍ كَانَ الْمُشَبَّهُ بِهِ ذَكَرَ الْعِظَمَ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ
النَّاقِصُ وَالْأَشَجُّ أَعْدَلَا بَنِي مَرْوَانَ وَهُوَ مَشْهُورٌ سُمِّيَ لِلْإِضَافَةِ بِالْمَعْنَى الثَّانِي، وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى شَرْحٍ،
لِمَا مَرَّ أَنَّ التَّشْبِيهَ يَقْتَضِي زِيَادَةَ وَصْفٍ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إنْ ذَكَرَ الْعِظَمَ يَكُونُ بَائِنًا وَإِلَّا فَلَا أَيَّ شَيْءٍ كَانَ الْمُشَبَّهُ بِهِ لِأَنَّ التَّشْبِيهَ قَدْ يَكُونُ فِي التَّوْحِيدِ عَلَى التَّجْرِيدِ. أَمَّا ذِكْرُ الْعِظَمِ فَلِلزِّيَادَةِ لَا مَحَالَةَ. وَعِنْدَ زُفَرَ إنْ كَانَ الْمُشَبَّهُ بِهِ مِمَّا يُوصَفُ بِالْعِظَمِ عِنْدَ النَّاسِ يَقَعُ بَائِنًا وَإِلَّا فَهُوَ رَجْعِيٌّ. وَقِيلَ مُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقِيلَ مَعَ أَبِي يُوسُفَ. وَبَيَانُهُ فِي قَوْلِهِ مِثْلُ رَأْسِ الْإِبْرَةِ مِثْلُ عِظَمِ رَأْسِ الْإِبْرَةِ وَمِثْلُ الْجَبَلِ مِثْلُ عِظَمِ الْجَبَلِ
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً شَدِيدَةً أَوْ عَرِيضَةً أَوْ طَوِيلَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ) لِأَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ وَهُوَ الْبَائِنُ، وَمَا يَصْعُبُ تَدَارُكُهُ يُقَالُ: لِهَذَا الْأَمْرِ طُولٌ وَعَرْضٌ.
وَذَكَرَ الْأَصْلَ الَّذِي يُبْتَنَى عَلَيْهِ أَقْوَالُهُمْ وَهُوَ أَيْضًا وَاضِحٌ. .
وَقَوْلُهُ (وَبَيَانُهُ فِي قَوْلِهِ مِثْلَ رَأْسِ الْإِبْرَةِ) يَقَعُ بِهِ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خَاصَّةً عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي يُوسُفَ، وَقِيلَ مِثْلُ عِظَمِ رَأْسِ الْإِبْرَةِ يَقَعُ بِهِ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ. (وَقَوْلُهُ مِثْلَ الْجَبَلِ) يَقَعُ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ وَمُحَمَّدٍ إنْ كَانَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَوْلُهُ (مِثْلَ عِظَمِ الْجَبَلِ) يَقَعُ بِهِ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ بِالِاتِّفَاقِ، أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلِوُجُودِ التَّشْبِيهِ،
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَقَعُ بِهَا رَجْعِيَّةً لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ لَا يَلِيقُ بِهِ فَيَلْغُو، وَلَوْ نَوَى الثَّلَاثَ فِي هَذِهِ الْفُصُولِ صَحَّتْ نِيَّتُهُ لِتَنَوُّعِ الْبَيْنُونَةِ عَلَى مَا مَرَّ وَالْوَاقِعُ بِهَا بَائِنٌ.
(فَصْلٌ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ)
(وَإِذَا طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَقَعْنَ عَلَيْهَا) لِأَنَّ الْوَاقِعَ مَصْدَرٌ مَحْذُوفٌ لِأَنَّ مَعْنَاهُ طَلَاقًا ثَلَاثًا
وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَلِذِكْرِ الْعِظَمِ، وَأَمَّا عِنْدَ زُفَرَ فَلِكَوْنِ الْجَبَلِ مِمَّا يُوصَفُ بِالْعِظَمِ عِنْدَ النَّاسِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ. .
(فَصْلٌ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ) لَمَّا كَانَ الطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ مِنْ الطَّلَاقِ بَعْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَارِضِ مِنْ الْأَصْلِ وَلَهُ أَحْكَامٌ جَمَّةٌ ذَكَرَهُ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ بَعْدَ ذِكْرِ مَا هُوَ الْأَصْلُ (إذَا قَالَ لِغَيْرِ الْمَلْمُوسَةِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَقَعْنَ) وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يَقَعُ وَاحِدَةٌ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَتَبِينُ بِهَا لَا إلَى عِدَّةٍ. وَقَوْلُهُ ثَلَاثًا يُصَادِفُهَا وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ فَلَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ. وَلَنَا مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ لِأَنَّ الْوَاقِعَ مَصْدَرٌ مَحْذُوفٌ لِأَنَّ مَعْنَاهُ طَلَاقًا ثَلَاثًا عَلَى مَا بَيَّنَّا: يَعْنِي قَبْلَ هَذَا أَنَّ الْوَصْفَ مَتَى قُرِنَ بِالْعَدَدِ كَانَ الْوُقُوعُ بِذِكْرِ الْعَدَدِ إلَخْ، وَإِنَّمَا يُقَدَّرُ الْمَصْدَرُ مَحْذُوفًا لِأَنَّ الْوَصْفَ نَعْتُ الْمَرْأَةِ وَهِيَ غَيْرُ مُتَعَدِّدَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ شَيْءٍ يَحْتَمِلُ التَّعَدُّدَ، وَالْمَصْدَرُ أَوْلَى بِذَلِكَ لِدَلَالَةِ الْوَصْفِ عَلَيْهِ، فَإِذَا
عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ إيقَاعًا عَلَى حِدَةٍ فَيَقَعْنَ جُمْلَةً:(فَإِنْ فَرَّقَ الطَّلَاقَ بَانَتْ بِالْأُولَى وَلَمْ تَقَعْ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ) وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ إيقَاعٌ عَلَى حِدَةٍ إذَا لَمْ يَذْكُرْ فِي آخِرِ كَلَامِهِ مَا يُغَيِّرُ صَدْرَهُ حَتَّى يَتَوَقَّفَ عَلَيْهِ فَتَقَعُ الْأُولَى فِي الْحَالِ فَتُصَادِفُهَا الثَّانِيَةُ وَهِيَ مُبَانَةٌ (وَكَذَا إذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ
كَانَ الْوَاقِعُ مَصْدَرًا مَحْذُوفًا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ إيقَاعًا عَلَى حِدَةٍ وَإِلَّا لَزَادَ عَدَدُ الطَّلَاقِ وَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَيَقَعْنَ جُمْلَةً وَصَارَ الْكُلُّ كَلَامًا وَاحِدًا، وَلَا كَذَلِكَ أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ لِكَوْنِهَا جُمَلًا فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ إيقَاعًا عَلَى حِدَةٍ وَتَبِينُ بِالْأُولَى، وَلَا تَقَعُ الثَّانِيَةُ إذَا لَمْ يَذْكُرْ فِي آخِرِ كَلَامِهِ مَا يُغَيِّرُ صَدْرَهُ حَتَّى يَتَوَقَّفَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ صَادَفَتْهَا وَهِيَ
وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهَا بَانَتْ بِالْأُولَى (وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فَمَاتَتْ قَبْلَ قَوْلِهِ وَاحِدَةً كَانَ بَاطِلًا) لِأَنَّهُ قَرَنَ الْوَصْفَ بِالْعَدَدِ فَكَانَ الْوَاقِعُ هُوَ الْعَدَدَ، فَإِذَا مَاتَتْ قَبْلَ ذِكْرِ الْعَدَدِ فَاتَ الْمَحَلُّ قَبْلَ الْإِيقَاعِ فَبَطَلَ (وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) لِمَا بَيَّنَّا وَهَذِهِ تُجَانِسُ مَا قَبْلَهَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَ وَاحِدَةٍ أَوْ بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ) وَالْأَصْلُ أَنَّهُ مَتَى ذَكَرَ شَيْئَيْنِ وَأَدْخَلَ بَيْنَهُمَا حَرْفَ الظَّرْفِ إنْ قَرَنَهَا بِهَاءِ الْكِنَايَةِ كَانَ صِفَةً لِلْمَذْكُورِ آخِرًا كَقَوْلِهِ: جَاءَنِي زَيْدٌ قَبْلَهُ عَمْرٌو، وَإِنْ لَمْ يَقْرِنْهَا بِهَاءِ الْكِنَايَةِ كَانَ
مُبَانَةٌ، كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فَمَاتَتْ قَبْلَ قَوْلِهِ وَاحِدَةً بَطَلَ لِأَنَّهُ قَرَنَ الْوَصْفَ بِالْعَدَدِ فَكَانَ الْوَاقِعُ هُوَ الْعَدَدُ، فَإِذَا مَاتَتْ قَبْلَ ذِكْرِ الْعَدَدِ فَاتَ الْمَحَلُّ قَبْلَ الْإِيقَاعِ فَبَطَلَ، وَكَذَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا لِمَا بَيَّنَّا) أَنَّهُ قَرَنَ الْوَصْفَ بِالْعَدَدِ فَكَانَ الْوَاقِعُ هُوَ الْعَدَدُ (وَهَذِهِ) أَيْ هَذِهِ الْمَسَائِلُ الثَّلَاثُ وَهِيَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فَمَاتَتْ قَبْلَ قَوْلِهِ وَاحِدَةً، وَكَذَا لَوْ مَاتَتْ قَبْلَ قَوْلِهِ ثِنْتَيْنِ أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ قَوْلِهِ ثَلَاثًا (تُوَافِقُ مَا قَبْلَهَا) وَهُوَ قَوْلُهُ وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَقَعْنَ (مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ) وَهُوَ أَنَّ الْوَاقِعَ فِيهِمَا جَمِيعًا ذِكْرُ الْعَدَدِ لَا ذِكْرُ الْوَصْفِ وَحْدَهُ، إلَّا أَنَّ الْحُكْمَ اخْتَلَفَ لِمَا أَنَّ ذِكْرَ الْعَدَدِ الَّذِي هُوَ الْوَاقِعُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ صَادَفَ الْمَرْأَةَ وَهِيَ مَيِّتَةٌ فَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ أَصْلًا، وَهُنَاكَ لَمَّا لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ بِذِكْرِ الْوَصْفِ نَفْسِهِ بَلْ بِالْعَدَدِ وَصَادَفَهَا الْعَدَدُ وَهِيَ مَنْكُوحَتُهُ حَيَّةً وَقَعَ الثَّلَاثُ لِكَوْنِ الْوَاقِعِ هُوَ الْعَدَدُ فَكَانَ الِاعْتِبَارُ فِي الصُّورَتَيْنِ لِلْعَدَدِ لَا لِلْوَصْفِ (قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَ وَاحِدَةٍ) اعْلَمْ أَنَّ كَلِمَةَ قَبْلُ لِلتَّقْدِيمِ وَكَلِمَةَ بَعْدُ لِلتَّأْخِيرِ
صِفَةً لِلْمَذْكُورِ أَوَّلًا كَقَوْلِهِ: جَاءَنِي زَيْدٌ قَبْلَ عَمْرٍو، وَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ فِي الْمَاضِي إيقَاعٌ فِي الْحَالِ لِأَنَّ الْإِسْنَادَ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ فَالْقَبْلِيَّةُ فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَ وَاحِدَةٍ صِفَةٌ لِلْأُولَى فَتَبِينُ بِالْأُولَى فَلَا تَقَعُ الثَّانِيَةُ، وَالْبَعْدِيَّةُ فِي قَوْلِهِ بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ صِفَةٌ لِلْأَخِيرَةِ فَحَصَلَتْ الْإِبَانَةُ بِالْأُولَى (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَهَا وَاحِدَةٌ تَقَعُ ثِنْتَانِ) لِأَنَّ الْقَبْلِيَّةَ صِفَةٌ لِلثَّانِيَةِ لِاتِّصَالِهَا بِحَرْفِ الْكِنَايَةِ فَاقْتَضَى إيقَاعَهَا فِي الْمَاضِي وَإِيقَاعَ الْأُولَى فِي الْحَالِ، غَيْرَ أَنَّ الْإِيقَاعَ فِي الْمَاضِي إيقَاعٌ فِي الْحَالِ أَيْضًا فَيَقْتَرِنَانِ فَيَقَعَانِ، وَكَذَا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ لِأَنَّ الْبَعْدِيَّةَ صِفَةٌ لِلْأُولَى فَاقْتَضَى إيقَاعَ الْوَاحِدَةِ فِي الْحَالِ وَإِيقَاعَ الْأُخْرَى قَبْلَ هَذِهِ فَتَقْتَرِنَانِ (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً مَعَ وَاحِدَةٍ أَوْ مَعَهَا وَاحِدَةٌ تَقَعُ ثِنْتَانِ) لِأَنَّ كَلِمَةَ مَعَ لِلْقِرَانِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ: مَعَهَا وَاحِدَةٌ أَنَّهُ تَقَعُ وَاحِدَةٌ
فَإِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَ وَاحِدَةٍ أَوْ بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، وَإِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَهَا وَاحِدَةٌ أَوْ بَعْدَ وَاحِدَةٍ وَقَعَتْ ثِنْتَانِ، وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي الْكِتَابِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الظَّرْفَ إذَا قُيِّدَ بِالْكِنَايَةِ كَانَ صِفَةً لِمَا بَعْدَهُ، وَإِذَا لَمْ يُقَيَّدْ كَانَ صِفَةً لِمَا قَبْلَهُ. وَالثَّانِي أَنَّ الْإِيقَاعَ فِي الْمَاضِي إيقَاعٌ فِي الْحَالِ لِأَنَّ الْإِسْنَادَ لَيْسَ فِي سِعَتِهِ، فَإِذَا قِيلَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَ وَاحِدَةٍ كَانَ الظَّرْفُ صِفَةً لِمَا قَبْلَهُ فَيَقَعُ وَاحِدَةٌ قَبْلَ الْأُخْرَى فَيَفُوتُ الْمَحَلُّ وَتَلْغُو الثَّانِيَةُ، وَإِذَا قَالَ قَبْلَهَا وَاحِدَةٌ يَكُونُ صِفَةً لِلثَّانِيَةِ فَاقْتَضَى إيقَاعَهَا فِي الْمَاضِي وَإِيقَاعَ الْأُولَى فِي الْحَالِ، وَالْإِيقَاعُ فِي الْمَاضِي إيقَاعٌ فِي الْحَالِ فَيَقْتَرِنَانِ فِي الْوُقُوعِ، وَالْبَعْدِيَّةُ فِي قَوْلِهِ بَعْدَ وَاحِدَةٍ صِفَةٌ لِمَا قَبْلَهُ فَيَقْتَضِي إيقَاعَ الْأُولَى فِي الْحَالِ وَإِيقَاعَ الثَّانِيَةِ قَبْلَهَا فَيَقْتَرِنَانِ كَمَا مَرَّ. وَفِي قَوْلِهِ بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ صِفَةٌ لِلثَّانِيَةِ فَتَبِينُ بِالْأُولَى وَتَلْغُو الثَّانِيَةُ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّيَّةِ (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً مَعَ وَاحِدَةٍ أَوْ مَعَهَا وَاحِدَةٌ وَقَعَتْ ثِنْتَانِ) لِأَنَّ كَلِمَةَ مَعَ لِلْقِرَانِ فَتَتَوَقَّفُ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ تَحْقِيقًا لِمُرَادِهِ فَوَقَعَا مَعًا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ
لِأَنَّ الْكِنَايَةَ تَقْتَضِي سَبْقَ الْمُكَنَّى عَنْهُ لَا مَحَالَةَ، وَفِي الْمَدْخُولِ بِهَا تَقَعُ ثِنْتَانِ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا لِقِيَامِ الْمَحَلِّيَّةِ بَعْدَ وُقُوعِ الْأُولَى
(وَلَوْ قَالَ لَهَا: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً فَدَخَلَتْ وَقَعَتْ عَلَيْهَا وَاحِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: تَقَعُ ثِنْتَانِ، وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَدَخَلَتْ طَلُقَتْ ثِنْتَيْنِ) بِالِاتِّفَاقِ. لَهُمَا أَنَّ حَرْفَ الْوَاوِ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ فَتَعَلَّقْنَ جُمْلَةً كَمَا إذَا نَصَّ عَلَى الثَّلَاثِ أَوْ أَخَّرَ الشَّرْطَ.
فِي قَوْلِهِ مَعَهَا أَنَّهَا تَقَعُ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ تَسْتَدْعِي سَبْقَ الْمُكَنَّى عَنْهُ وُجُودًا، وَذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ بِالْوُقُوعِ. وَقَوْلُهُ (وَفِي الْمَدْخُولِ بِهَا يَقَعُ ثِنْتَانِ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا) أَيْ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ قَبْلُ وَبَعْدُ بِالْكِنَايَةِ وَغَيْرِهَا لِقِيَامِ الْمَحَلِّيَّةِ بَعْدَ وُقُوعِ الْأُولَى. .
قَالَ (وَلَوْ قَالَ لَهَا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً فَدَخَلَتْ وَقَعَتْ عَلَيْهَا وَاحِدَةٌ) أَقُولُ: إذَا عَلَّقَ بِالشَّرْطِ عَدَدًا مِنْ الطَّلَاقِ وَعَطَفَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ، فَإِمَّا أَنْ قَدَّمَ الشَّرْطَ أَوْ أَخَّرَهُ، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي كَمَا إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَدَخَلَتْ وَقَعَ الْجَمِيعُ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ كَمَا إذَا قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقَعُ وَاحِدَةٌ (لَهُمَا أَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ) وَقَدْ دَخَلَتْ بَيْنَ الْأَجْزِيَةِ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَيَتَعَلَّقْنَ جَمِيعًا وَيَنْزِلْنَ جُمْلَةً، كَمَا لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا
وَلَهُ أَنَّ الْجَمْعَ الْمُطْلَقَ يَحْتَمِلُ الْقِرَانَ وَالتَّرْتِيبَ، فَعَلَى اعْتِبَارِ الْأَوَّلِ تَقَعُ ثِنْتَانِ، وَعَلَى اعْتِبَارِ الثَّانِي لَا تَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ كَمَا إذَا نَجَّزَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ فَلَا يَقَعُ الزَّائِدُ عَلَى الْوَاحِدَةِ بِالشَّكِّ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَخَّرَ الشَّرْطَ لِأَنَّهُ مُغَيِّرٌ صَدْرَ الْكَلَامِ
لِأَنَّ الْجَمْعَ بِوَاوِ الْجَمْعِ كَالْجَمْعِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَكَمَا لَوْ أَخَّرَ الشَّرْطَ فَإِنَّ تَأْخِيرَهُ لَا يُغَيِّرُ مُوجِبَ الْكَلَامِ. وَلَهُ أَنَّ الْجَمْعَ الْمُطْلَقَ يَحْتَمِلُ الْقِرَانَ وَالتَّرْتِيبَ لِأَنَّ تَحَقُّقَهُ فِي الْخَارِجِ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَعَلَى اعْتِبَارِ الْأَوَّلِ تَقَعُ الْجُمْلَةُ، وَعَلَى اعْتِبَارِ الثَّانِي لَا تَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ، كَمَا إذَا نَجَّزَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ بِأَنْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ بِالِاتِّفَاقِ فَكَانَ فِي الزَّائِدِ عَلَى الْوَاحِدَةِ شَكٌّ فَلَا يَقَعُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَخَّرَ الشَّرْطَ لِأَنَّهُ مُغَيِّرٌ صَدْرَ
فَيَتَوَقَّفُ الْأَوَّلُ عَلَيْهِ فَيَقَعْنَ جُمْلَةً وَلَا مُغَيِّرَ فِيمَا إذَا قَدَّمَ الشَّرْطَ فَلَمْ يَتَوَقَّفْ. وَلَوْ عَطَفَ بِحَرْفِ الْفَاءِ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ فِيمَا ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ، وَذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ أَنَّهُ يَقَعُ وَاحِدَةً بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
الْكَلَامِ عَنْ التَّنْجِيزِ إلَى التَّعْلِيقِ، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ تَوَقَّفَ فِيهِ صَدْرُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فَيَقَعْنَ جُمْلَةً وَلَا مُغَيِّرَ فِيمَا إذَا قَدَّمَ الشَّرْطَ فَلَمْ يَتَوَقَّفْ فَوَقَعَ عَلَى التَّرْتِيبِ وَبَانَتْ بِالْأُولَى فَلَا تَقَعُ الثَّانِيَةُ وَلَمْ يَجِبْ عَنْ التَّنْصِيصِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ لِظُهُورِهِ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ التَّرْتِيبَ. وَقَوْلُهُ (وَلَوْ عَطَفَ بِحَرْفِ الْفَاءِ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ فِيمَا ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ) فَإِنَّهُ جَعَلَ الْعَطْفَ بِالْوَاوِ وَالْفَاءِ سَوَاءً، وَقَالَ إنَّ حَرْفَ الْعَطْفِ يَجْعَلُهُمَا كَلَامًا وَاحِدًا فَتَعَلَّقَا كَمَا فِي صُورَةِ الْوَاوِ، وَسَوَاءٌ قَدَّمَ الشَّرْطَ أَوْ أَخَّرَهُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ (وَذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ أَنَّهُ يَقَعُ وَاحِدَةٌ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ وَهُوَ الْأَصَحُّ).
(وَأُمًّا الضَّرْبُ الثَّانِي وَهُوَ الْكِنَايَاتُ لَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ إلَّا بِالنِّيَّةِ أَوْ بِدَلَالَةِ الْحَالِ) لِأَنَّهَا غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لِلطَّلَاقِ بَلْ تَحْتَمِلُهُ وَغَيْرَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ أَوْ دَلَالَتِهِ. قَالَ (وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مِنْهَا ثَلَاثَةُ
أَلْفَاظٍ يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ
وَلَا يَقَعُ بِهَا إلَّا وَاحِدَةٌ، وَهِيَ قَوْلُهُ: اعْتَدِّي وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ) أَمَّا الْأُولَى فَلِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الِاعْتِدَادَ عَنْ النِّكَاحِ وَتَحْتَمِلُ اعْتِدَادَ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ نَوَى الْأَوَّلَ تَعَيَّنَ بِنِيَّتِهِ فَيَقْتَضِي طَلَاقًا سَابِقًا وَالطَّلَاقُ يُعْقِبُ الرَّجْعَةَ.
قَالَ (وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي وَهُوَ الْكِنَايَاتُ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الصَّرِيحُ شَرَعَ فِي بَيَانِ الضَّرْبِ الثَّانِي وَهُوَ الْكِنَايَاتُ. الْكِنَايَةُ: مَا اسْتَتَرَ الْمُرَادُ بِهِ.
وَحُكْمُهَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا إلَّا بِالنِّيَّةِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ دَلَالَةِ الْحَالِ
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الِاعْتِدَادِ لِأَنَّهُ تَصْرِيحٌ بِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ فَكَانَ بِمَنْزِلَتِهِ وَتَحْتَمِلُ الِاسْتِبْرَاءَ لِيُطَلِّقَهَا، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَلِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مَعْنَاهُ تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِذَا نَوَاهُ جُعِلَ كَأَنَّهُ قَالَهُ، وَالطَّلَاقُ يُعْقِبُ الرَّجْعَةَ، وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهُ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَ قَوْمِهِ، وَلَمَّا احْتَمَلَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ تَحْتَاجُ فِيهِ إلَى النِّيَّةِ وَلَا تَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ فِيهَا مُقْتَضًى أَوْ مُضْمَرٌ، وَلَوْ كَانَ مُظْهَرًا لَا تَقَعُ بِهَا إلَّا وَاحِدَةٌ، فَإِذَا كَانَ مُضْمَرًا أَوْلَى، وَفِي قَوْلِهِ وَاحِدَةٌ وَإِنْ صَارَ الْمَصْدَرُ مَذْكُورًا لَكِنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الْوَاحِدَةِ يُنَافِي نِيَّةَ
لِأَنَّهَا غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لِمَا اُسْتُعْمِلَتْ فِيهِ بَلْ تَحْتَمِلُهُ وَغَيْرَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ أَوْ دَلَالَتِهِ (ثُمَّ الْكِنَايَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ) مَا يَكُونُ الْوَاقِعُ بِهِ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً، وَمَا يَكُونُ وَاحِدَةً بَائِنَةً، فَالْأَوَّلُ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ هِيَ اعْتَدِّي وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَك وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ، وَلَا بُدَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مِنْ احْتِمَالِ مَعْنَيَيْنِ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى التَّعْيِينِ بِالنِّيَّةِ أَوْ بِمَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ دَلَالَةِ الْحَالِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا ذَلِكَ وَكَلَامُهُ فِيهِ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ فِيهَا) أَيْ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ (مُقْتَضًى) أَيْ ثَابِتٌ بِالِاقْتِضَاءِ فِي قَوْلِهِ اعْتَدِّي وَاسْتَبْرِئِي كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ فَيَقْتَضِي طَلَاقًا سَابِقًا، لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالِاعْتِدَادِ بِغَيْرِ طَلَاقٍ غَيْرُ صَحِيحٍ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ الطَّلَاقِ سَابِقًا.
وَقَوْلُهُ (أَوْ مُضْمَرٌ) يَعْنِي فِي قَوْلِهِ أَنْتِ
الثَّلَاثِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِإِعْرَابِ الْوَاحِدَةِ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْعَوَامَّ لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ وُجُوهِ الْإِعْرَابِ.
قَالَ (وَبَقِيَّةُ الْكِنَايَاتِ إذَا نَوَى بِهَا الطَّلَاقَ كَانَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً، وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا كَانَتْ ثَلَاثًا، وَإِنْ نَوَى ثِنْتَيْنِ كَانَتْ وَاحِدَةً،
وَاحِدَةٌ. وَقَوْلُهُ (وَلَا مُعْتَبَرَ بِإِعْرَابِ الْوَاحِدَةِ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ) يَعْنِي سَوَاءً قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بِالنَّصْبِ أَوْ بِالرَّفْعِ أَوْ بِالسُّكُونِ، فَقَوْلُهُ (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ يَقَعُ الطَّلَاقُ إذَا نَصَبَ الْوَاحِدَةَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لِكَوْنِهِ صِفَةً لِلطَّلْقَةِ، أَمَّا إذَا رَفَعَهَا فَلَا يَقَعُ وَإِنْ نَوَى لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تَكُونُ صِفَةَ شَخْصِهَا، وَقِيلَ هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَقَعُ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا لِأَنَّ نِيَّةَ الطَّلَاقِ تُعْرِبُ عَنْ الْغَرَضِ وَإِنْ أَخْطَأَ فِي الْإِعْرَابِ، وَإِنْ أَسْكَنَ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى النِّيَّةِ لِاحْتِمَالِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْكُلَّ سَوَاءٌ (لِأَنَّ الْعَوَامَّ لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ وُجُوهِ الْإِعْرَابِ) وَالثَّانِي هُوَ بَقِيَّةُ الْكِنَايَاتِ وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي الْكِتَابِ (إذَا نَوَى بِهَا الطَّلَاقَ كَانَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا كَانَ ثَلَاثًا وَإِنْ نَوَى ثِنْتَيْنِ كَانَتْ وَاحِدَةً) أَمَّا وُجُوبُ النِّيَّةِ فَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ احْتِمَالِهِ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ مُذَاكَرَةِ
وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ: أَنْتِ بَائِنٌ وَبَتَّةٌ وَبَتْلَةٌ وَحَرَامٌ وَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ وَخَلِيَّةٌ وَبَرِيَّةٌ وَوَهَبْتُكِ لِأَهْلِكِ وَسَرَّحْتُك وَفَارَقْتُك وَأَمْرُك بِيَدِك وَاخْتَارِي وَأَنْتِ حُرَّةٌ وَتَقَنَّعِي وَتَخَمَّرِي وَاسْتَتِرِي وَاغْرُبِي وَاخْرُجِي وَاذْهَبِي وَقُومِي وَابْتَغِي الْأَزْوَاجَ) لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ.
قَالَ (إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ) فَيَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ فِي الْقَضَاءِ، وَلَا يَقَعُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ. قَالَ رضي الله عنه (سَوَّى بَيْنَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَقَالَ: وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ إذَا كَانَ فِي حَالِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ)
الطَّلَاقِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَحْكُمُ بِالْوُقُوعِ وَإِنْ ادَّعَى الزَّوْجُ عَدَمَ النِّيَّةِ.
وَأَمَّا جَوَازُ نِيَّةِ الثَّلَاثِ فَلِأَنَّ الْوَاقِعَ بِهَا إذَا كَانَ بَائِنًا فَالْبَيْنُونَةُ تَتَّصِلُ بِالْمَرْأَةِ لِلْحَالِ، وَلِاتِّصَالِهَا وَجْهَانِ: انْقِطَاعٌ يَرْجِعُ إلَى الْمِلْكِ، وَانْقِطَاعٌ يَرْجِعُ إلَى الْحِلِّ فَيَتَعَدَّدُ الْمُقْتَضَى بِتَعَدُّدِ الْمُقْتَضِي عَلَى الِاحْتِمَالِ فَصَحَّ تَعْيِينُهُ وَالْمُسْتَثْنَى بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (سَوَّى) يَعْنِي الْقُدُورِيَّ (بَيْنَ أَلْفَاظِ الْكِنَايَاتِ) فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِلَا نِيَّةٍ حَالَ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ، وَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ إنَّمَا ذَلِكَ
قَالُوا (وَهَذَا فِيمَا لَا يَصْلُحُ رَدَّا) وَالْجُمْلَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَحْوَالَ ثَلَاثَةٌ: حَالَةٌ مُطْلَقَةٌ وَهِيَ حَالَةُ الرِّضَا، وَحَالَةُ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ، وَحَالَةُ الْغَضَبِ.
وَالْكِنَايَاتُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: مَا يَصْلُحُ جَوَابًا وَرَدًّا، وَمَا يَصْلُحُ جَوَابًا لَا رَدَّا، وَمَا يَصْلُحُ جَوَابًا وَسَبًّا وَشَتِيمَةً. فَفِي حَالَةِ الرِّضَا لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهَا طَلَاقًا إلَّا بِالنِّيَّةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي إنْكَارِ النِّيَّةِ لِمَا قُلْنَا، وَفِي حَالَةِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ لَا يُصَدَّقُ فِيمَا يَصْلُحُ جَوَابًا، وَلَا يَصْلُحُ رَدَّا فِي الْقَضَاءِ مِثْلُ قَوْلِهِ خَلِيَّةٌ بَرِيَّةٌ بَائِنٌ بَتَّةٌ حَرَامٌ اعْتَدِّي أَمْرُك بِيَدِك اخْتَارِي؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مُرَادَهُ الطَّلَاقُ عِنْدَ سُؤَالِ الطَّلَاقِ، وَيُصَدَّقُ فِيمَا يَصْلُحُ جَوَابًا وَرَدًّا مِثْلُ قَوْلِهِ: اذْهَبِي اُخْرُجِي قُومِي تَقَنَّعِي تَخَمَّرِي
فِيمَا لَا يَصْلُحُ رَدًّا) فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانٍ، وَبَيَّنَ بِقَوْلِهِ (وَالْجُمْلَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَحْوَالَ ثَلَاثَةٌ: حَالَةٌ مُطْلَقَةٌ وَهِيَ حَالَةُ الرِّضَا، وَحَالَةُ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ) بِأَنْ تَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ (وَحَالَةُ غَضَبِ الزَّوْجِ. وَالْكِنَايَاتُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مَا يَصْلُحُ جَوَابًا وَرَدًّا) وَهُوَ سَبْعَةٌ: اُخْرُجِي اذْهَبِي اُغْرُبِي قُومِي تَقَنَّعِي اسْتَتِرِي تَخَمَّرِي، أَمَّا صَلَاحِيَةُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لِلرَّدِّ فَأَنْ يُرِيدَ الزَّوْجُ بِقَوْلِهِ اُخْرُجِي اُتْرُكِي سُؤَالَ الطَّلَاقِ وَكَذَلِكَ اذْهَبِي وَاغْرُبِي وَقُومِي. وَأَمَّا تَقَنَّعِي فَمِنْ الْقَنَاعَةِ، وَقِيلَ مِنْ الْقِنَاعِ وَهُوَ الْخِمَارُ؛ وَمَعْنَى الرَّدِّ فِيهِ هُوَ أَنْ يَنْوِيَ وَاقْنَعِي بِمَا رَزَقَك اللَّهُ مِنِّي مِنْ أَمْرِ الْمَعِيشَةِ وَاتْرُكِي سُؤَالَ الطَّلَاقِ وَاشْتَغِلِي بِالتَّقَنُّعِ الَّذِي هُوَ أَهَمُّ لَك مِنْ سُؤَالِ الطَّلَاقِ، وَكَذَا قَوْلُهُ اسْتَتِرِي وَتَخَمَّرِي لِأَنَّهُمَا مِنْ السَّتْرِ وَالْخِمَارِ (وَمَا يَصْلُحُ جَوَابًا لَا رَدًّا) ثَمَانِيَةُ أَلْفَاظٍ: خَلِيَّةٌ. بَرِيَّةٌ. بَائِنٌ. بَتَّةٌ حَرَامٌ. اعْتَدِّي. أَمْرُك بِيَدِك. اخْتَارِي. وَالْخَمْسَةُ الْأُولَى تَصْلُحُ لِلسَّبِّ وَالشَّتِيمَةِ أَيْضًا.
إذَا عُرِفَ هَذَا فَفِي حَالَةِ الرِّضَا لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهَا طَلَاقًا إلَّا بِالنِّيَّةِ لِمَا قُلْنَا إنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ بِتَعْيِينِ أَحَدِ الْمُحْتَمَلَيْنِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي إنْكَارِ النِّيَّةِ مَعَ يَمِينِهِ وَفِي حَالَةِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ لَمْ يَصْدُقْ قَضَاءً فِي قَوْلِهِ لَمْ أَنْوِ الطَّلَاقَ فِيمَا يَصْلُحُ جَوَابًا وَلَا يَصْلُحُ رَدًّا وَهُوَ الْأَلْفَاظُ الثَّمَانِيَةُ الْمَذْكُورَةُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ
وَمَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الرَّدَّ وَهُوَ الْأَدْنَى فَحُمِلَ عَلَيْهِ.
وَفِي حَالَةِ الْغَضَبِ يُصَدَّقُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ الرَّدِّ وَالسَّبِّ، إلَّا فِيمَا يَصْلُحُ لِلطَّلَاقِ وَلَا يَصْلُحُ لِلرَّدِّ وَالشَّتْمِ كَقَوْلِهِ: اعْتَدِّي وَاخْتَارِي وَأَمْرُك بِيَدِك فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِيهَا لِأَنَّ الْغَضَبَ يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الطَّلَاقِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ: لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك وَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك وَخَلَّيْتُ سَبِيلَك وَفَارَقْتُك، أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ لِمَا فِيهَا مِنْ احْتِمَالِ مَعْنَى السَّبِّ.
أَنَّ مُرَادَهُ الطَّلَاقُ عِنْدَ سُؤَالِ الطَّلَاقِ، وَالْحَاكِمُ إنَّمَا يَسْتَتْبِعُ الظَّاهِرَ وَيَصْدُقُ فِيمَا يَصْلُحُ جَوَابًا وَرَدًّا وَهُوَ الْأَلْفَاظُ السَّبْعَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ. وَقَوْلُهُ (وَمَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى) يُرِيدُ بِهِ مِثْلَ اُغْرُبِي وَاسْتَتِرِي لِأَنَّهُ احْتَمَلَ الرَّدَّ وَهُوَ الْأَدْنَى فَحُمِلَ عَلَيْهِ، وَفِي حَالَةِ الْغَضَبِ يَصْدُقُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ: يَعْنِي أَقْسَامَ الْكِنَايَاتِ لِاحْتِمَالِ الرَّدِّ أَوْ السَّبِّ إلَّا فِيمَا يَصْلُحُ لِلطَّلَاقِ وَلَا يَصْلُحُ لِلرَّدِّ وَالشَّتْمِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ: اعْتَدِّي، وَاخْتَارِي وَأَمْرُك بِيَدِك، فَإِنَّهُ لَا يَصْدُقُ فِيهَا لِأَنَّ الْغَضَبَ يَدُلُّ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَلَى إرَادَةِ الطَّلَاقِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا قَالَ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك وَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك وَخَلَّيْت سَبِيلَك وَفَارَقْتُك وَقَالَ لَمْ أَنْوِ الطَّلَاقَ صَدَقَ لِمَا فِيهَا مِنْ احْتِمَالِ مَعْنَى السَّبِّ، وَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَلْفَاظٍ.
وَقِيلَ خَمْسَةُ أَلْفَاظٍ خَامِسُهَا الْحَقِي بِأَهْلِك أَلْحَقَهَا أَبُو يُوسُفَ بِالْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ الْمُحْتَمِلَةِ لِلسَّبِّ مِنْ حَيْثُ احْتِمَالُهَا السَّبَّ، فَإِنَّ قَوْلَهُ لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ لِأَنَّك أَقَلُّ مِنْ أَنْ تُنْسَبِي إلَى مِلْكِي أَوْ أُنْسَبَ إلَيْك بِالْمِلْكِ وَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك لِسُوءِ خُلُقِك وَاجْتِمَاعِ أَنْوَاعِ الشَّرِّ فِيك وَخَلَّيْت سَبِيلَك لِقَذَارَتِك وَفَارَقْتُك فِي الْمَضْجَعِ لِذَفَرِك وَعَدَمِ نَظَافَتِك،
ثُمَّ وُقُوعُ الْبَائِنِ بِمَا سِوَى الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مَذْهَبُنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقَعُ بِهَا رَجْعِيٌّ لِأَنَّ الْوَاقِعَ بِهَا طَلَاقٌ،
وَالْحَقِي بِأَهْلِك لِأَنَّك أَوْحَشُ مِنْ أَنْ تَكُونِي خَلِيلَتِي.
قَالَ (ثُمَّ وُقُوعُ الْبَائِنِ بِمَا سِوَى الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مَذْهَبُنَا) وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَقَعُ بِهَا رَجْعِيٌّ) وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ (لِأَنَّ الْوَاقِعَ بِهَا طَلَاقٌ)
لِأَنَّهَا كِنَايَاتٌ عَنْ الطَّلَاقِ وَلِهَذَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ وَيُنْتَقَصُ بِهِ الْعَدَدُ، وَالطَّلَاقُ مُعْقِبٌ لِلرَّجْعَةِ كَالصَّرِيحِ.
وَلَنَا أَنَّ تَصَرُّفَ الْإِبَانَةِ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إلَى مَحِلِّهِ عَنْ وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَلَا خَفَاءَ فِي الْأَهْلِيَّةِ وَالْمَحَلِّيَّةِ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى الْوِلَايَةِ أَنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إلَى إثْبَاتِهَا كَيْ لَا يَنْسَدَّ عَلَيْهِ بَابُ التَّدَارُكِ وَلَا يَقَعُ فِي عُهْدَتِهَا بِالْمُرَاجَعَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ،
وَاحِدٌ (لِأَنَّهَا كِنَايَاتٌ عَنْ الطَّلَاقِ وَلِهَذَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ) وَالْكِنَايَاتُ عَنْ الطَّلَاقِ طَلَاقٌ وَلِهَذَا يُنْتَقَصُ بِهِ الْعَدَدُ (وَالطَّلَاقُ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ كَالصَّرِيحِ) فَإِنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ مُعَقِّبًا لِلرَّجْعَةِ لِكَوْنِهِ طَلَاقًا (وَلَنَا أَنَّ تَصَرُّفَ الْإِبَانَةِ صَدَرَ عَنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إلَى مَحَلِّهِ عَنْ وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ) وَكُلُّ مَا صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ كَذَلِكَ كَانَ صَحِيحًا لَا مَحَالَةَ. أَمَّا الْأَهْلِيَّةُ فَلَا خَفَاءَ فِيهِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَهْلِ، وَأَمَّا الْمَحَلِّيَّةُ فَثَابِتَةٌ وَلِهَذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مَحَلًّا لِلْبَيْنُونَةِ الْغَلِيظَةِ بِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا الْوِلَايَةُ الشَّرْعِيَّةُ فَلِأَنَّ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى وِلَايَةِ الطَّلَاقِ شَرْعًا وَهُوَ مِسَاسُ الْحَاجَةِ إلَى إثْبَاتِهَا دَالٌّ عَلَى وِلَايَةِ الْإِبَانَةِ بِوَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ: أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ (كَيْ لَا يَنْسَدَّ بَابُ التَّدَارُكِ) وَالثَّانِي قَوْلُهُ (وَلَا يَقَعُ فِي عُهْدَتِهَا بِالْمُرَاجَعَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ) وَقَوْلُهُ (بَابُ التَّدَارُكِ) أَيْ تَدَارُكِ دَفْعِ الْمَرْأَةِ عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقَعْ الْبَيْنُونَةُ عِنْدَ نِيَّتِهِ عَسَى تُوقِعُ الْمَرْأَةُ عَلَيْهِ نَفْسَهَا وَقَبَّلَتْهُ بِشَهْوَةٍ فَثَبَتَتْ الرَّجْعَةُ وَالزَّوْجُ يُرِيدُ فِرَاقَهَا، كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَفِي هَذَا كَمَا تَرَى جَعَلَ الْوَجْهَيْنِ وَجْهًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ بِعَيْنِهِ تَفْسِيرُ الْوَجْهِ الثَّانِي، فَإِنْ جَعَلْت الثَّانِيَ تَفْسِيرًا لِلْأَوَّلِ بِالْعَطْفِ فَسَدَ النُّكْتَةُ جُمْلَةً لِأَنَّ وُقُوعَ الْمُرَاجَعَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَإِذَا فَسَدَ التَّفْسِيرُ فَسَدَ الْمُفَسَّرُ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يُفَسَّرَ قَوْلَهُ كَيْ لَا يَنْسَدَّ بَابُ التَّدَارُكِ بِأَنَّ الرَّجُلَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَدْ يَكُونُ نَافِرًا عَنْ الْمَرْأَةِ جِدًّا بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ فَيُرِيدُ فِرَاقَهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَحِلُّ لَهُ الرُّجُوعُ ثُمَّ يَبْدُو لَهُ، فَلَوْ لَمْ يُوجَدْ الْوَاحِدُ الْبَائِنُ لَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَلَا يَرْضَى بِالِاسْتِحْلَالِ فَيَنْسَدُّ عَلَيْهِ بَابُ التَّدَارُكِ، وَأَمَّا إذَا وُجِدَ ذَلِكَ فَيَتَدَارَكُ بِتَجْدِيدِ النِّكَاحِ، وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي فَتَفْسِيرُهُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا الدَّلِيلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَصَرُّفَ الْإِبَانَةِ قَدْ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ إلَخْ فَيَكُونُ صَحِيحًا، وَالْمُدَّعِي أَنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ تَصَرُّفُ إبَانَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِهِ لِيَصِحَّ أَنْ يُقَالَ تَصَرُّفُ الْإِبَانَةِ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِبَانَةَ الَّتِي يُمْكِنُ بِهَا التَّدَارُكُ وَلَا يَقَعُ فِي عُهْدَتِهَا بِالْمُرَاجَعَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ مُحْتَاجٍ إلَيْهَا لَا بُدَّ مِنْهَا، وَهُوَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْبَيْنُونَةُ الْغَلِيظَةُ لِانْسِدَادِ بَابِ التَّدَارُكِ بِهَا
وَلَيْسَتْ كِنَايَاتٍ عَلَى التَّحْقِيقِ لِأَنَّهَا عَوَامِلُ فِي حَقَائِقِهَا، وَالشَّرْطُ تَعْيِينُ أَحَدِ نَوْعَيْ الْبَيْنُونَةِ دُونَ الطَّلَاقِ، وَانْتِقَاصُ الْعَدَدِ لِثُبُوتِ الطَّلَاقِ بِنَاءً عَلَى زَوَالِ الْوَصْلَةِ، وَإِنَّمَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِيهَا لِتَنَوُّعِ الْبَيْنُونَةِ إلَى غَلِيظَةٍ وَخَفِيفَةٍ،
فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ الْبَيْنُونَةُ الْخَفِيفَةُ بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ. وَقَوْلُهُ (وَلَيْسَتْ كِنَايَاتٍ عَلَى التَّحْقِيقِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ لِأَنَّهَا كِنَايَاتٌ عَنْ الطَّلَاقِ.
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْكِنَايَةَ عَنْ الطَّلَاقِ الصَّرِيحِ إنَّمَا تَكُونُ كَالصَّرِيحِ فِي الْعَمَلِ أَنْ لَوْ كَانَتْ حَقِيقَةً، وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ لِأَنَّهَا عَوَامِلُ فِي حَقَائِقِهَا (وَقَوْلُهُ وَالشَّرْطُ تَعْيِينُ أَحَدِ نَوْعَيْ الْبَيْنُونَةِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ وَلِهَذَا يُشْتَرَطُ النِّيَّةُ.
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ اشْتِرَاطَ النِّيَّةِ لَوْ كَانَ لِأَجْلِ الطَّلَاقِ كَانَ دَلِيلًا عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ لِتَعْيِينِ أَحَدِ نَوْعَيْ الْبَيْنُونَةِ الْغَلِيظَةِ وَالْخَفِيفَةِ لَا لِلطَّلَاقِ، يَعْنِي: النِّيَّةُ شَرْطٌ لِلطَّلَاقِ الْبَائِنِ لَا لِلطَّلَاقِ الْمُجَرَّدِ. وَقَوْلُهُ (وَانْتِقَاصُ الْعَدَدِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ وَيُنْتَقَصُ بِهِ الْعَدَدُ.
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الطَّلَاقَ الْبَائِنَ يُزِيلُ الْوَصْلَةَ وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ يُنْتَقَصُ بِهِ الْعَدَدُ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ نَقْصِ الْعَدَدِ وَالطَّلَاقِ الْبَائِنِ فَكَانَ النَّقْصُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ طَلَاقًا بَائِنًا. وَقَوْلُهُ (وَإِنَّمَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَوْ كَانَتْ عَوَامِلَ فِي حَقَائِقِهَا لَمَا صَحَّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ بَائِنٌ مَثَلًا كَمَا لَا تَصِحُّ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ لِأَنَّهُ عَامِلٌ بِنَفْسِهِ، وَتَقْرِيرُهُ صِحَّةُ نِيَّةِ الثَّلَاثِ لَمْ تَكُنْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ عَامِلٌ فِي حَقِيقَتِهِ
وَعِنْدَ انْعِدَامِ النِّيَّةِ يَثْبُتُ الْأَدْنَى، وَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ الِاثْنَتَيْنِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ لِأَنَّهُ عَدَدٌ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ.
(وَإِنْ قَالَ لَهَا: اعْتَدِّي اعْتَدِّي اعْتَدِّي وَقَالَ: نَوَيْت بِالْأُولَى طَلَاقًا وَبِالْبَاقِي حَيْضًا دِينَ فِي الْقَضَاءِ) لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ، وَلِأَنَّهُ يَأْمُرُ امْرَأَتَهُ فِي الْعَادَةِ بِالِاعْتِدَادِ بَعْدَ الطَّلَاقِ فَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهُ (وَإِنْ قَالَ: لَمْ أَنْوِ بِالْبَاقِي شَيْئًا فَهِيَ ثَلَاثٌ) لِأَنَّهُ لَمَّا نَوَى بِالْأُولَى الطَّلَاقَ صَارَ الْحَالُ حَالَ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ فَتَعَيَّنَ الْبَاقِيَانِ لِلطَّلَاقِ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي نَفْيِ النِّيَّةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: لَمْ أَنْوِ بِالْكُلِّ الطَّلَاقَ حَيْثُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَا ظَاهِرَ يُكَذِّبُهُ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: نَوَيْت بِالثَّالِثَةِ الطَّلَاقَ دُونَ الْأُولَيَيْنِ حَيْثُ لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةً لِأَنَّ الْحَالَ عِنْدَ الْأُولَيَيْنِ لَمْ تَكُنْ حَالَ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ،
بَلْ مِنْ حَيْثُ تَنَوُّعُ الْبَيْنُونَةِ إلَى غَلِيظَةٍ وَخَفِيفَةٍ، وَعِنْدَ انْعِدَامِ النِّيَّةِ يَثْبُتُ الْأَدْنَى وَهُوَ الْوَاحِدُ الْبَائِنُ (وَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ لِأَنَّهُ عَدَدٌ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ) يَعْنِي فِي أَوَائِلِ بَابِ إيقَاعِ الطَّلَاقِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَنَحْنُ نَقُولُ نِيَّةُ الثَّلَاثِ إنَّمَا صَحَّتْ لِكَوْنِهَا جِنْسًا إلَخْ. .
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ لَهَا اعْتَدِّي اعْتَدِّي اعْتَدِّي) وَقَالَ نَوَيْت بِالْأُولَى طَلَاقًا وَبِالثَّانِيَةِ حَيْضًا دِينَ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ. هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَحْتَمِلُ وُجُوهًا هَذَا تَفْصِيلُهَا: نَوَى بِالْجَمِيعِ طَلَاقًا وَقَعَتْ ثَلَاثٌ. نَوَى بِالْجَمِيعِ حَيْضًا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ. لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ. نَوَى بِالْأُولَى طَلَاقًا لَا غَيْرُ وَقَعَ ثَلَاثٌ نَوَى بِالثَّانِيَةِ طَلَاقًا لَا غَيْرُ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ. نَوَى بِالْأُولَى حَيْضًا لَا غَيْرُ وَقَعَتْ ثَلَاثٌ. نَوَى بِالثَّانِيَةِ حَيْضًا لَا غَيْرُ وَقَعَتْ ثِنْتَانِ. نَوَى بِالثَّالِثَةِ حَيْضًا لَا غَيْرُ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ. نَوَى بِالْأُولَى طَلَاقًا وَبِالثَّانِيَةِ حَيْضًا لَا غَيْرُ وَقَعَتْ ثِنْتَانِ. نَوَى بِالْأُولَى طَلَاقًا وَبِالثَّالِثَةِ حَيْضًا لَا غَيْرُ وَقَعَتْ ثِنْتَانِ. نَوَى بِالثَّانِيَةِ طَلَاقًا وَبِالثَّالِثَةِ حَيْضًا لَا غَيْرُ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ. نَوَى بِالْأُولَيَيْنِ
وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يُصَدَّقُ الزَّوْجُ عَلَى نَفْيِ النِّيَّةِ إنَّمَا يُصَدَّقُ مَعَ الْيَمِينِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِي الْإِخْبَارِ عَمَّا فِي ضَمِيرِهِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَمِينِ مَعَ الْيَمِينِ.
طَلَاقًا لَا غَيْرُ وَقَعَتْ ثَلَاثٌ. نَوَى بِالْأُخْرَيَيْنِ طَلَاقًا لَا غَيْرُ وَقَعَتْ ثِنْتَانِ. نَوَى بِالْأُولَيَيْنِ حَيْضًا لَا غَيْرُ وَقَعَتْ ثِنْتَانِ. نَوَى بِالْأُخْرَيَيْنِ حَيْضًا لَا غَيْرُ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ. نَوَى بِالْأُولَى وَالثَّالِثَةِ طَلَاقًا لَا غَيْرُ وَقَعَتْ ثَلَاثٌ. نَوَى بِالْأُولَى وَالثَّالِثَةِ حَيْضًا لَا غَيْرُ وَقَعَتْ ثِنْتَانِ. نَوَى بِالْأُولَى وَالثَّانِيَةِ طَلَاقًا وَبِالثَّالِثَةِ حَيْضًا وَقَعَتْ ثِنْتَانِ. نَوَى بِالْأُولَى وَالثَّالِثَةِ طَلَاقًا وَبِالثَّانِيَةِ حَيْضًا وَقَعَتْ ثِنْتَانِ. نَوَى بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ طَلَاقًا وَبِالْأُولَى حَيْضًا وَقَعَتْ ثَلَاثٌ. نَوَى بِالْأُولَى وَالثَّانِيَةِ حَيْضًا وَبِالثَّالِثَةِ طَلَاقًا وَقَعَتْ ثِنْتَانِ. نَوَى بِالْأُولَى وَالثَّالِثَةِ حَيْضًا وَبِالثَّانِيَةِ طَلَاقًا وَقَعَتْ ثِنْتَانِ. نَوَى بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ حَيْضًا وَبِالْأُولَى طَلَاقًا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ. وَبِنَاءُ هَذِهِ الْوُجُوهِ عَلَى الِاقْتِضَاءِ وَعَلَى حَالِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ وَعَلَى أَنَّ النِّيَّةَ تُبْطِلُ مُذَاكَرَةَ الطَّلَاقِ فَاعْتُبِرَ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ (وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَصْدُقُ الزَّوْجُ عَلَى نَفْيِ النِّيَّةِ إنَّمَا يَصْدُقُ مَعَ الْيَمِينِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِي الْإِخْبَارِ عَمَّا فِي ضَمِيرِهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَمِينِ مَعَ الْيَمِينِ) وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَابُ تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ
فَصْلٌ فِي الِاخْتِيَارِ
(وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: اخْتَارِي يَنْوِي بِذَلِكَ الطَّلَاقَ أَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا مَا دَامَتْ فِي مَجْلِسِهَا ذَلِكَ، فَإِنْ قَامَتْ مِنْهُ أَوْ أَخَذَتْ فِي عَمَلٍ آخَرَ خَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا) لِأَنَّ الْمُخَيَّرَةَ لَهَا الْمَجْلِسُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم أَجْمَعِينَ،
بَابُ تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ)
:
لَمَّا فَرَغَ مِنْ تَصَرُّفِ نَفْسِ الرَّجُلِ فِي الطَّلَاقِ شَرَعَ فِي بَيَانِ التَّصَرُّفِ الْحَاصِلِ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ فِي بَابٍ عَلَى حِدَةٍ، وَأَخَّرَهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ تَصَرُّفُ الْمَرْءِ لِنَفْسِهِ.
(فَصْلٌ فِي الِاخْتِيَارِ)
هَذَا الْبَابُ ثَلَاثُ فُصُولٍ بِالِاسْتِقْرَاءِ وَذَكَرَهَا مُتَوَالِيَةً وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ فِيهِ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا. الْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَقَعَ بِهَذَا شَيْءٌ وَإِنْ نَوَى الزَّوْجُ الطَّلَاقَ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِيقَاعَ بِهَذَا اللَّفْظِ حَتَّى لَوْ قَالَ اخْتَرْتُك مِنْ نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي مِنْك لَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَمَنْ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا لَا يَمْلِكُ تَمْلِيكَهُ لِغَيْرِهِ، لَكِنْ اسْتَحْسَنُوا تَرْكَ الْقِيَاسِ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ. رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَزَيْدٍ وَعَائِشَةَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إذَا خَيَّرَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ كَانَ لَهَا الْخِيَارُ مَا دَامَتْ فِي مَجْلِسِهَا ذَلِكَ، فَإِذَا قَامَتْ فَلَا خِيَارَ لَهَا. وَلَمْ يُقَلْ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَ ذَلِكَ
وَلِأَنَّهُ تَمْلِيكُ الْفِعْلِ مِنْهَا، وَالتَّمْلِيكَاتُ تَقْتَضِي جَوَابًا فِي الْمَجْلِسِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، لِأَنَّ سَاعَاتِ الْمَجْلِسِ اُعْتُبِرَتْ سَاعَةً
فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ. وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ) دَلِيلٌ مَعْقُولٌ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَقْتَصِرَ الْجَوَابُ عَلَى الْمَجْلِسِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ أَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ لَا يَبْطُلَ خِيَارُهَا بِالْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ مِنْ الزَّوْجِ مُطْلَقٌ وَالْمُطْلَقُ فِيمَا يَحْتَمِلُ التَّأْبِيدَ يَتَأَبَّدُ، لَكِنْ تَرَكْنَا هَذَا الْقِيَاسَ بِآثَارِ الصَّحَابَةِ، وَالْمُصَنِّفُ جَعَلَهُ كَالْبَيْعِ فِي كَوْنِهِ تَمْلِيكًا، ثُمَّ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ مِمَّا يَتَأَبَّدُ، وَمِمَّا لَا يَتَأَبَّدُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ بَطَلَ الْقِيَاسُ: أَعْنِي قِيَاسَ الْمُصَنِّفِ التَّخْيِيرَ عَلَى الْبَيْعِ لِأَنَّهُ مِمَّا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ كَانَ الِاخْتِيَارُ كَذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ الْقِيَاسُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ. ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَ التَّمْلِيكِ وَالتَّوْكِيلِ بِأَنَّ التَّمْلِيكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُمَلَّكُ لَهُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ، وَالتَّوْكِيلَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ عَامِلًا لِغَيْرِهِ، وَالْمَرْأَةُ بَعْدَ التَّخْيِيرِ إنَّمَا تَعْمَلُ لِنَفْسِهَا فَكَانَ التَّخْيِيرُ تَمْلِيكًا لَا تَوْكِيلًا.
وَأَوْرَدَ عَلَى ذَلِكَ شُبَهًا: أَحَدُهَا أَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ إذَا وَكَّلَ الْمَدْيُونَ بِإِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ عَنْ الدَّيْنِ فَهُوَ وَكِيلٌ وَإِنْ كَانَ عَامِلًا لِنَفْسِهِ فِي إبْرَاءِ ذِمَّتِهِ عَنْ الدَّيْنِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ وَكِيلٌ عَدَمُ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمَجْلِسِ، وَيَمْلِكُ صَاحِبُ الدَّيْنِ الرُّجُوعَ قَبْلَ الْإِبْرَاءِ. وَالثَّانِيَةُ أَنَّ التَّخْيِيرَ لَوْ كَانَ تَمْلِيكًا تَوَارَدَ مِلْكُهُ وَمِلْكُهَا عَلَى الطَّلَاقِ دَفْعَةً وَهُوَ لَا يَصِحُّ. وَالثَّالِثَةُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ طَلِّقِي نَفْسَك ثُمَّ حَلَفَ أَنْ لَا يُطَلِّقَ وَطَلَّقَتْ هِيَ نَفْسَهَا حَنِثَ الزَّوْجُ فِي يَمِينِهِ، وَلَوْ مَلَكَتْ طَلَاقَهَا لَمَا حَنِثَ.
وَأَجَابَ عَنْ الْأَوَّلِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ تَصَرُّفَ الْمَدْيُونِ لِنَفْسِهِ وَقَعَ فِي ضِمْنِ صِحَّةِ وَكَالَتِهِ وَالضِّمْنِيُّ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَهُوَ لَيْسَ بِدَافِعٍ
وَاحِدَةً، إلَّا أَنَّ الْمَجْلِسَ تَارَةً يَتَبَدَّلُ بِالذَّهَابِ عَنْهُ وَتَارَةً بِالِاشْتِغَالِ بِعَمَلٍ آخَرَ، إذْ مَجْلِسُ الْأَكْلِ غَيْرُ مَجْلِسِ
لِجَوَازِ أَنْ يُقَالَ مِثْلُهُ فِي التَّخْيِيرِ بِأَنَّهَا تَعْمَلُ لِنَفْسِهَا فِي ضِمْنِ صِحَّةِ وَكَالَتِهَا، وَكَذَا بَقِيَّةُ كَلَامِهِ فِي الْأَجْوِبَةِ لَا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ يَطُولُ الْكَلَامُ بِذِكْرِهِ.
وَأَقُولُ: التَّمْلِيكُ هُوَ الْإِقْرَارُ الشَّرْعِيُّ عَلَى مَحَلِّ التَّصَرُّفِ وَالتَّوْكِيلُ هُوَ الْإِقْرَارُ عَلَى التَّصَرُّفِ وَحِينَئِذٍ تَنْدَفِعُ الشُّبْهَةُ الْأُولَى.
وَالْجَوَابُ عَنْ الثَّانِيَةِ أَنَّ التَّخْيِيرَ تَمْلِيكٌ لَكِنْ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ لَهَا إلَّا بِالْقَبُولِ، فَقَبْلَهُ لَا مِلْكَ لَهَا وَبَعْدَهُ زَالَ مِلْكُهُ فَلَمْ يَتَوَارَدْ الْمِلْكَانِ عَلَيْهِ لَا قَبْلَ الْقَبُولِ وَلَا بَعْدَهُ. وَعَنْ الثَّالِثَةِ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَمْنُوعَةٌ وَالْمَنْعُ مَذْكُورٌ فِي الزِّيَادَاتِ. ثُمَّ إنَّ الْمَرْأَةَ إمَّا أَنْ تَخْتَارَ زَوْجَهَا أَوْ نَفْسَهَا، فَإِنْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ. وَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: تَقَعُ تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، كَأَنَّهُ جَعَلَ عَيْنَ هَذَا اللَّفْظِ طَلَاقًا. وَإِنَّمَا نَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، قَالَتْ عَائِشَةُ: «خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاخْتَرْنَاهُ، وَلَمْ يَكُنْ
الْمُنَاظَرَةِ وَمَجْلِسُ الْقِتَالِ غَيْرُهُمَا.
وَيَبْطُلُ خِيَارُهَا بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ، بِخِلَافِ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ لِأَنَّ الْمُفْسِدَ هُنَاكَ الِافْتِرَاقُ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ فِي قَوْلِهِ: اخْتَارِي لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ تَخْيِيرَهَا فِي نَفْسِهَا وَيَحْتَمِلُ تَخْيِيرَهَا فِي تَصَرُّفٍ آخَرَ غَيْرِهِ (فَإِنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فِي قَوْلِهِ اخْتَارِي كَانَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً).
وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَقَعَ بِهَذَا شَيْءٌ، وَإِنْ نَوَى الزَّوْجُ الطَّلَاقَ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِيقَاعَ بِهَذَا اللَّفْظِ فَلَا يَمْلِكُ التَّفْوِيضَ إلَى غَيْرِهِ إلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّاهُ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم، وَلِأَنَّهُ بِسَبِيلٍ مِنْ أَنْ يَسْتَدِيمَ نِكَاحَهَا أَوْ يُفَارِقَهَا فَيَمْلِكُ إقَامَتَهَا مَقَامَ نَفْسِهِ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ، ثُمَّ الْوَاقِعُ بِهَا بَائِنٌ لِأَنَّ اخْتِيَارَهَا نَفْسَهَا بِثُبُوتِ اخْتِصَاصِهَا بِهَا وَذَلِكَ فِي الْبَائِنِ (وَلَا يَكُونُ ثَلَاثًا وَإِنْ
ذَلِكَ طَلَاقًا»، وَإِنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ عِنْدَنَا وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ لِأَنَّ اخْتِيَارَهَا نَفْسَهَا بِثُبُوتِ اخْتِصَاصِهَا بِهَا، وَذَلِكَ فِي الْبَائِنِ، وَلَا يَقَعُ ثَلَاثٌ وَإِنْ نَوَى الزَّوْجُ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَا يَتَنَوَّعُ، بِخِلَافِ الْإِبَانَةِ فَإِنَّهَا تَتَنَوَّعُ كَمَا تَقَدَّمَ.
نَوَى الزَّوْجُ ذَلِكَ) لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَا يَتَنَوَّعُ، بِخِلَافِ الْإِبَانَةِ لِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ قَدْ تَتَنَوَّعُ.
قَالَ (وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ النَّفْسِ فِي كَلَامِهِ أَوْ فِي كَلَامِهَا، حَتَّى لَوْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي فَقَالَتْ قَدْ: اخْتَرْت فَهُوَ بَاطِلٌ) لِأَنَّهُ عُرِفَ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ فِي الْمُفَسَّرَةِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَلِأَنَّ الْمُبْهَمَ لَا يَصْلُحُ تَفْسِيرًا لِلْمُبْهَمِ الْآخَرِ وَلَا تَعْيِينَ مَعَ الْإِبْهَامِ (وَلَوْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي نَفْسَك فَقَالَتْ: اخْتَرْت تَقَعُ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ) لِأَنَّ كَلَامَهُ مُفَسَّرٌ، وَكَلَامُهَا خَرَجَ جَوَابًا لَهُ فَيَتَضَمَّنُ إعَادَتَهُ
وَقَوْلُهُ وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ النَّفْسِ فِي كَلَامِهِ أَوْ كَلَامِهَا) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هَذَا لَيْسَ بِمُنْحَصِرٍ بِذِكْرِ النَّفْسِ فِي حَقِّ إرَادَةِ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ مِنْ التَّخْيِيرِ، فَإِنَّ الْبَيْنُونَةَ كَمَا تَقَعُ عِنْدَ ذِكْرِ النَّفْسِ فِي أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ فَكَذَلِكَ تَقَعُ بِذِكْرِ مَا يَقُومُ مَقَامَ النَّفْسِ فِي أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ كَالتَّطْلِيقَةِ وَالِاخْتِيَارَةِ. وَهُوَ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (حَتَّى لَوْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي فَقَالَتْ اخْتَرْت فَهُوَ بَاطِلٌ) قِيلَ هَذَا إذَا لَمْ يُصَدِّقْهَا الزَّوْجُ بِأَنَّهَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا، أَمَّا إذَا صَدَقَهَا طَلُقَتْ وَإِنْ كَانَ الْكَلَامَانِ مُبْهَمَيْنِ. وَقَوْلُهُ (وَلَا تَعْيِينَ مَعَ الْإِبْهَامِ) يَعْنِي أَنَّ اخْتَارِي مِنْ الْكِنَايَاتِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ وَلَا تَعْيِينَ مَعَ الْإِبْهَامِ، وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ اخْتَارِي نَفْسَك) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (فَيَتَضَمَّنُ إعَادَتَهُ) أَيْ إعَادَةَ كَلَامِهِ
(وَكَذَا لَوْ قَالَ اخْتَارِي اخْتِيَارَةً فَقَالَتْ: اخْتَرْت) لِأَنَّ الْهَاءَ فِي الِاخْتِيَارَةِ تُنْبِئُ عَنْ الِاتِّحَادِ وَالِانْفِرَادِ، وَاخْتِيَارُهَا نَفْسَهَا هُوَ الَّذِي يَتَّحِدُ مَرَّةً وَيَتَعَدَّدُ أُخْرَى فَصَارَ مُفَسَّرًا مِنْ جَانِبِهِ.
(وَلَوْ قَالَ: اخْتَارِي فَقَالَتْ: قَدْ اخْتَرْت نَفْسِي يَقَعُ الطَّلَاقُ إذَا نَوَى الزَّوْجُ) لِأَنَّ كَلَامَهَا مُفَسَّرٌ، وَمَا نَوَاهُ الزَّوْجُ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ كَلَامِهِ (وَلَوْ قَالَ: اخْتَارِي فَقَالَتْ: أَنَا أَخْتَارُ نَفْسِي فَهِيَ طَالِقٌ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَطْلُقَ لِأَنَّ هَذَا مُجَرَّدُ وَعْدٍ أَوْ يَحْتَمِلُهُ، فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك فَقَالَتْ: أَنَا أُطَلِّقُ نَفْسِي.
فَكَأَنَّهَا قَالَتْ اخْتَرْت مَا أَمَرْتنِي بِاخْتِيَارِهِ وَهُوَ النَّفْسُ.
وَقَوْلُهُ وَكَذَا لَوْ قَالَ اخْتَارِي اخْتِيَارَةً) بَيَانُ مَا يَقُومُ مَقَامَ النَّفْسِ فِي التَّفْسِيرِ (لِأَنَّ الْهَاءَ) أَيْ التَّاءَ (فِي الِاخْتِيَارَةِ تُنْبِئُ عَنْ الِاتِّحَادِ) لِكَوْنِهَا لِلْمَرَّةِ، وَالِاتِّحَادُ إنَّمَا يَكُونُ فِي اخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا لِأَنَّهُ يَتَّحِدُ مَرَّةً بِأَنْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي نَفْسَك بِتَطْلِيقَةٍ (وَيَتَعَدَّدُ أُخْرَى) بِأَنْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي نَفْسَك بِمَا شِئْت أَوْ بِثَلَاثٍ (فَصَارَ مُفَسِّرًا مِنْ جَانِبِهِ) بِخِلَافِ اخْتِيَارِهَا الزَّوْجَ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ لِكَوْنِهِ عِبَارَةً عَنْ إبْقَاءِ النِّكَاحِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَدِّدٍ. .
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي فَقَالَتْ اخْتَرْت نَفْسِي) ظَاهِرٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ وُقُوعَ كَلَامِ الْمَرْأَةِ مُفَسَّرًا بِذِكْرِهَا الِاخْتِيَارَةَ، كَمَا لَوْ قَالَ الزَّوْجُ اخْتَارِي فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ اخْتَرْت اخْتِيَارَةً، وَالْحُكْمُ فِيهِمَا سَوَاءٌ لِأَنَّ ذِكْرَ الِاخْتِيَارَةِ لَمَّا صَلَحَ لِلتَّفْسِيرِ صَارَ ذِكْرُهَا بِمَنْزِلَةِ ذِكْرِ النَّفْسِ وَكِلَاهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سَوَاءٌ. فَكَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى ذِكْرِ الِاخْتِيَارَةِ (وَلَوْ قَالَ اخْتَارِي فَقَالَتْ أَنَا أَخْتَارُ نَفْسِي فَهِيَ طَالِقٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَطْلُقَ لِأَنَّ هَذَا مُجَرَّدُ وَعْدٍ) يَعْنِي إنْ أَرَادَتْ الِاسْتِقْبَالَ (أَوْ يَحْتَمِلُهُ) إنْ لَمْ تُرِدْهُ، (فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك فَقَالَتْ أَنَا أُطَلِّقُ نَفْسِي) فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِهَذَا
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ حَدِيثُ «عَائِشَةَ رضي الله عنها، فَإِنَّهَا قَالَتْ لَا بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» اعْتَبَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم جَوَابًا مِنْهَا، وَلِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ وَتَجُوزُ فِي الِاسْتِقْبَالِ كَمَا فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ، وَأَدَاءِ الشَّاهِدِ الشَّهَادَةَ، بِخِلَافِ قَوْلِهَا: أُطَلِّقُ نَفْسِي لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلَى الْحَالِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحِكَايَةٍ عَنْ حَالَةٍ قَائِمَةٍ، وَلَا كَذَلِكَ
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ حَدِيثُ عَائِشَةَ) وَهُوَ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا} بَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِعَائِشَةَ فَقَالَ: إنِّي مُخْبِرُك بِأَمْرٍ فَلَا تُجِيبِينِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْك، ثُمَّ أَخْبَرَهَا بِالْآيَةِ، فَقَالَتْ: أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ لَا، بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ» . وَاعْتَبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَوَابًا مِنْهَا وَإِنْ كَانَ عَلَى صِيغَةِ الْمُضَارِعِ الْمُحْتَمِلِ الْوَعْدَ (وَلِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ وَتَجَوُّزٌ فِي الِاسْتِقْبَالِ) وَالْحَقِيقَةُ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مُرَادَةً (كَمَا فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ) فَإِنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ مِنْهُ إيمَانًا لَا وَعْدًا بِالْإِيمَانِ، وَكَذَا الشَّاهِدُ إذَا قَالَ: أَشْهَدُ بِكَذَا فَلَا يَصِيرُ إلَى الْمَجَازِ (بِخِلَافِ قَوْلِهَا أَنَا أُطَلِّقُ نَفْسِي لِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ مُتَعَذِّرٌ) إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ حَالَةٌ قَائِمَةٌ بِالْمُتَكَلِّمِ يَقَعُ قَوْلُهُ أُطَلِّقُ نَفْسِي حِكَايَةً عَنْهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْإِيقَاعَ بِاللِّسَانِ دُونَ
قَوْلُهَا: أَنَا أَخْتَارُ نَفْسِي لِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ حَالَةٍ قَائِمَةٍ وَهُوَ اخْتِيَارُهَا نَفْسَهَا، وَلَوْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي اخْتَارِي اخْتَارِي فَقَالَتْ: قَدْ اخْتَرْت الْأُولَى أَوْ الْوُسْطَى أَوْ الْأَخِيرَةَ طَلُقَتْ ثَلَاثًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَلَا يُحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الزَّوْجِ (وَقَالَا: تَطْلُقُ وَاحِدَةً) وَإِنَّمَا لَا يُحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الزَّوْجِ لِدَلَالَةِ التَّكْرَارِ عَلَيْهِ إذْ الِاخْتِيَارُ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ هُوَ الَّذِي
الْقَلْبِ وَلَمْ يَصِحَّ فِعْلُ اللِّسَانِ حِكَايَةً عَنْ فِعْلٍ قَائِمٍ بِاللِّسَانِ عَلَى سَبِيلِ الْحَالِ لِأَنَّهُ مَعْدُومٌ بَعْدُ وَالْحِكَايَةُ تَقْتَضِي وُجُودَ الْمَحْكِيِّ عَنْهُ (وَلَا كَذَلِكَ أَخْتَارُ نَفْسِي لِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ حَالَةٍ قَائِمَةٍ وَهُوَ اخْتِيَارُهَا نَفْسَهَا) لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ فَيَكُونُ الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ حِكَايَةً عَنْ أَمْرٍ قَائِمٍ لَا مَحَالَةَ. وَاعْتَرَضَ الشَّارِحُونَ عَلَى قَوْلِهِ حَقِيقَةً فِي الْحَالِ بِأَنَّ النَّحْوِيِّينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ صِيغَةَ الْمُضَارِعِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَهُمْ أَعْرَفُ بِالْمَوْضُوعَاتِ.
وَأَجَابَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَتَابَعَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّ أَحَدَ مَعْنَيَيْ الْمُشْتَرَكِ يَتَرَجَّحُ بِدَلَالَةٍ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى وَقَدْ وُجِدَ هَاهُنَا دَلَالَةُ إرَادَةِ الْحَالِ بِهِ، إذْ الْعَادَةُ الْعُرْفِيَّةُ وَالشَّرْعِيَّةُ تَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الصِّيغَةِ لِلْحَالِ يَقُولُ الرَّجُلُ فُلَانٌ يَخْتَارُ كَذَا وَأَنَا أَمْلِكُ كَذَا فِي الْعَادَةِ وَفِي الشَّرِيعَةِ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ وَأَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَهَذَا كَمَا تَرَى لَيْسَ بِدَافِعٍ لِلسُّؤَالِ وَلَيْسَ لَهُ اتِّصَالٌ بِهَذَا الْمَحَلِّ.
وَأَقُولُ: بَحْثُ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ لَيْسَ بِوَظِيفَةِ النَّحْوِيِّ فَلَا مُعْتَبَرَ بِكَلَامِهِمْ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ وَظِيفَةُ الْأُصُولِ أَوْ وَظِيفَةُ الْبَيَانِ، وَأَهْلُ الْبَيَانِ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِذِكْرِهِ فِيمَا وَصَلَ إلَيْنَا مِنْ كُتُبِهِمْ، وَأَهْلُ الْأُصُولِ نَقَلُوا فِيهِ الْخِلَافَ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْعَكْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالِاشْتِرَاكِ، وَالْأَوَّلُ مُخْتَارُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُصَنِّفُ مِنْهُمْ لَا مَحَالَةَ، وَالْقَوْلُ بِالِاشْتِرَاكِ مَرْجُوحٌ لِأَنَّ اللَّفْظَ إذَا دَارَ بَيْنَ الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ فَالْحَمْلُ عَلَى الْمَجَازِ أَوْلَى لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ مُخِلٌّ بِالْفَهْمِ عَلَى مَا عُرِفَ. قَالَ (وَلَوْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي اخْتَارِي اخْتَارِي فَقَالَتْ قَدْ اخْتَرْت الْأُولَى أَوْ الْوُسْطَى أَوْ الْأَخِيرَةَ طَلُقَتْ ثَلَاثًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا يُحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الزَّوْجِ وَلَا إلَى ذِكْرِ النَّفْسِ، وَعِنْدَهُمَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا لَا يُحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ) وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْكِنَايَاتِ (لِدَلَالَةِ التَّكْرَارِ عَلَيْهِ إذْ الِاخْتِيَارُ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ هُوَ الَّذِي
يَتَكَرَّرُ لَهُمَا إنْ ذَكَرَ الْأُولَى، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ إنْ كَانَ لَا يُفِيدُ مِنْ حَيْثُ التَّرْتِيبُ يُفِيدُ مِنْ حَيْثُ الْإِفْرَادُ فَيُعْتَبَرُ فِيمَا يُفِيدُ.
يَتَكَرَّرُ) فَكَانَ مُتَعَيِّنًا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ النَّفْسِ لِزَوَالِ الْإِبْهَامِ، قَالَ: الْأُولَى وَالْوُسْطَى وَالْأَخِيرَةَ كُلٌّ مِنْهَا اسْمٌ لِمُفْرَدٍ مُرَتَّبٍ، وَلَيْسَ الْمَحَلُّ مَحَلَّ تَرْتِيبٍ فَيَلْغُو التَّرْتِيبُ وَيَبْقَى الْإِفْرَادُ، وَكَأَنَّهَا قَالَتْ اخْتَرْت التَّطْلِيقَةَ الْأُولَى لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهَا اخْتَرْت الْأُولَى اخْتَرْت مَا صَارَ إلَيَّ بِالْكَلِمَةِ الْأُولَى، وَاَلَّذِي صَارَ إلَيْهَا بِالْكَلِمَةِ الْأُولَى تَطْلِيقَةٌ فَكَأَنَّهَا صَرَّحَتْ بِذَلِكَ وَفِي ذَلِكَ يَقَعُ وَاحِدَةٌ فَكَذَا هَاهُنَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذَا وَصْفُ لَغْوٍ لِأَنَّ الْمُجْتَمِعَ فِي الْمِلْكِ لَا تَرْتِيبَ فِيهِ كَالْمُجْتَمِعِ فِي الْمَكَانِ فَإِنَّ الْقَوْمَ إذَا اجْتَمَعُوا فِي مَكَان لَا يُقَالُ هَذَا أَوَّلُ وَهَذَا آخِرُ وَإِنَّمَا التَّرْتِيبُ فِي فِعْلِ الْأَعْيَانِ يُقَالُ هَذَا جَاءَ أَوَّلًا وَهَذَا جَاءَ آخِرًا وَكُلُّ مَا لَا تَرْتِيبَ فِيهِ يَلْغُو فِيهِ الْكَلَامُ الَّذِي هُوَ لِلتَّرْتِيبِ وَهُوَ الْأُولَى وَأُخْتَاهَا، وَإِذَا لَغَا اللَّفْظُ مِنْ حَيْثُ التَّرْتِيبُ يَلْغُو مِنْ حَيْثُ الْإِفْرَادُ أَيْضًا لِأَنَّ التَّرْتِيبَ فِيهِ أَصْلٌ بِدَلَالَةِ الِاشْتِقَاقِ وَالْإِفْرَادُ مِنْ ضَرُورَاتِهِ، وَإِذَا لَغَا فِي حَقِّ الْأَصْلِ لَغَا فِي حَقِّ الْبِنَاءِ، وَإِذَا لَغَا فِي حَقِّهِمَا بَقِيَ قَوْلُهَا اخْتَرْت وَهُوَ يَصْلُحُ جَوَابًا لِلْكُلِّ فَيَقَعُ الثَّلَاثُ، وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَطْلَقَ الْكَلَامَ عَلَى الْأُولَى أَوْ الْوُسْطَى أَوْ الْأَخِيرَةِ وَكُلٌّ مِنْهَا مُفْرَدٌ فَلَا يَكُونُ كَلَامًا. وَالثَّانِي أَنَّ
وَلَهُ أَنَّ هَذَا وَصْفٌ لَغْوٌ لِأَنَّ الْمُجْتَمِعَ فِي الْمِلْكِ لَا تَرْتِيبَ فِيهِ كَالْمُجْتَمِعِ فِي الْمَكَانِ، وَالْكَلَامُ لِلتَّرْتِيبِ وَالْإِفْرَادُ مِنْ ضَرُورَاتِهِ، فَإِذَا لَغَا فِي حَقِّ الْأَصْلِ لَغَا فِي حَقِّ الْبِنَاءِ (وَلَوْ قَالَتْ اخْتَرْت اخْتِيَارَةً فَهِيَ ثَلَاثٌ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) لِأَنَّهَا لِلْمَرَّةِ فَصَارَ كَمَا إذَا صَرَّحَتْ بِهَا وَلِأَنَّ الِاخْتِيَارَةَ لِلتَّأْكِيدِ وَبِدُونِ التَّأْكِيدِ تَقَعُ الثَّلَاثُ فَمَعَ التَّأْكِيدِ أَوْلَى
الْأُولَى اسْمٌ لِفَرْدٍ سَابِقٍ فَكَانَ الْإِفْرَادُ أَصْلًا وَالتَّرْتِيبُ بِنَاءً لِكَوْنِهِ يُفْهَمُ مِنْ وَصْفِهِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ رُبَّمَا يُطْلِقُونَ الْكَلَامَ عَلَى الْمُرَكَّبِ مِنْ الْحُرُوفِ الْمَسْمُوعَةِ الْمُتَمَيِّزَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُفِيدًا، وَهَذَا عَلَى ذَلِكَ الِاصْطِلَاحِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْكُلِّ وَإِرَادَةِ الْجُزْءِ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ كُلًّا مِنْ ذَلِكَ صِفَةٌ وَالصِّفَةُ مَا دَلَّتْ عَلَى ذَاتٍ بِاعْتِبَارِ مَعْنًى هُوَ الْمَقْصُودُ فَيَكُونُ الْأُولَى دَالًّا عَلَى الْفَرْدِ السَّابِقِ وَمَعْنَى السَّبْقِ هُوَ الْمَقْصُودُ فَصَحَّ أَنَّ التَّرْتِيبَ أَصْلٌ وَالْإِفْرَادَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَقُومُ إلَّا بِالذَّاتِ الَّتِي لَزِمَتْهَا الْفَرْدِيَّةُ فِي الْوُجُودِ وَهَذَا كَمَا تَرَى مَعْنًى دَقِيقٌ جَزَاهُ اللَّهُ عَنْ الْمُحَصِّلِينَ خَيْرًا (وَلَوْ قَالَتْ اخْتَرْت اخْتِيَارَةً فَهِيَ ثَلَاثٌ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) وَهُوَ وَاضِحٌ
(وَلَوْ قَالَتْ قَدْ طَلَّقْت نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ) لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُوجِبُ الِانْطِلَاقَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَكَأَنَّهَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ (وَإِنْ قَالَ لَهَا أَمْرُك بِيَدِك فِي تَطْلِيقَةٍ أَوْ اخْتَارِي تَطْلِيقَةً فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ) لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهَا الِاخْتِيَارَ لَكِنْ بِتَطْلِيقَةٍ وَهِيَ مُعْقِبَةٌ لِلرَّجْعَةِ بِالنَّصِّ.
وَلَوْ قَالَتْ قَدْ طَلَّقْت نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ) يَعْنِي فِي جَوَابِ مَنْ قَالَ اخْتَارِي (فَهِيَ وَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ) يَعْنِي قَوْلَهَا قَدْ طَلَّقْت نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت بِتَطْلِيقَةٍ (يُوجِبُ الِانْطِلَاقَ) أَيْ الْبَيْنُونَةَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِكَوْنِهِ مِنْ أَلْفَاظِ الصَّرِيحِ وَمَا يُوجِبُ الْبَيْنُونَةَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ كَانَ عِنْدَ الْوُقُوعِ رَجْعِيًّا فَهَذَا اللَّفْظُ يُوجِبُ الرَّجْعِيَّ. فَإِنْ قِيلَ: إذَنْ لَا يَكُونُ الْجَوَابُ مُطَابِقًا لِلتَّفْوِيضِ لِأَنَّ الْمُفَوَّضَ إلَيْهَا الِاخْتِيَارُ وَهُوَ يُفِيدُ الْبَيْنُونَةَ. أَشَارَ إلَى الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ (فَكَأَنَّهَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ) فَكَانَ مُطَابِقًا مِنْ حَيْثُ إنَّ الِاخْتِيَارَ قَدْ وُجِدَ مِنْهَا. قَالَ الشَّارِحُونَ: وَقَوْلُهُ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ غَلَطٌ وَقَعَ مِنْ الْكَاتِبِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إنَّمَا تَتَصَرَّفُ حُكْمًا لِلتَّفْوِيضِ وَالتَّفْوِيضُ بِتَطْلِيقَةٍ بَائِنَةٍ لِكَوْنِهِ مِنْ الْكِنَايَاتِ فَتَمْلِكُ الْإِبَانَةَ لَا غَيْرُ، وَالْأَصَحُّ مِنْ الرِّوَايَةِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ وَلَا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ لِأَنَّ رِوَايَاتِ الْمَبْسُوطِ وَالْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَالزِّيَادَاتِ وَعَامَّةَ نُسَخِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ هَكَذَا، سِوَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِصَدْرِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ مِثْلَ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَالدَّلِيلُ أَيْضًا يُسَاعِدُ مَا ذُكِرَ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ، فَإِنَّهُ ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ، أَمَّا وُقُوعُ الْوَاحِدَةِ فَلِمَا قُلْنَا وَهُوَ أَنَّ التَّطْلِيقَةَ لَا تَتَنَاوَلُ أَكْثَرَ مِنْ الْوَاحِدَةِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ بَائِنًا لِأَنَّ الْعَامِلَ تَخْيِيرُ الزَّوْجِ وَالْوَاقِعُ بِالتَّخْيِيرِ بَائِنٌ لِأَنَّهُ تَمْلِيكُ النَّفْسِ مِنْهَا وَالرَّجْعِيُّ لَا يُثْبِتُ مِلْكَ النَّفْسِ (وَإِنْ قَالَ لَهَا أَمْرُك بِيَدِك فِي تَطْلِيقَةٍ أَوْ اخْتَارِي بِتَطْلِيقَةٍ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهَا الِاخْتِيَارَ لَكِنْ بِتَطْلِيقَةٍ وَهِيَ تَعْقُبُ الرَّجْعَةَ) قِيلَ فَعَلَى هَذَا كَانَ قَوْلُهُ هَذَا فِي التَّقْدِيرِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك، وَقَوْلُهَا اخْتَرْت لَا يَصْلُحُ جَوَابًا لِقَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك بَلْ يَلْغُو.
وَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهَا اخْتَرْت إنَّمَا لَا يَصْلُحُ جَوَابًا لِقَوْلِهِ طَلِّقِي لِكَوْنِهِ أَضْعَفَ مِنْ الطَّلَاقِ فَإِنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ الْإِيقَاعَ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ دُونَ لَفْظِ الِاخْتِيَارِ؛ وَلِهَذَا صَحَّ بِالْعَكْسِ لِكَوْنِ الطَّلَاقِ أَقْوَى، وَهَهُنَا لَمْ يَكُنْ
فَصْلٌ فِي الْأَمْرِ بِالْيَدِ
أَضْعَفَ لِأَنَّ صِحَّةَ هَذَا الْجَوَابِ بِالنَّظَرِ إلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ وَهُوَ الْأَمْرُ بِالْيَدِ وَالِاخْتِيَارِ دُونَ مَا يَئُولُ إلَيْهِ مِنْ الْمَعْنَى وَهُمَا ضَعِيفَانِ كَالِاخْتِيَارِ، فَجَازَ أَنْ يَقَعَ قَوْلُهَا اخْتَرْت جَوَابًا لَهُ.
(فَصْلٌ فِي الْأَمْرِ بِالْيَدِ)
أَخَّرَ فَصْلَ الْأَمْرِ بِالْيَدِ عَنْ فَصْلِ الِاخْتِيَارِ لِأَنَّ ذَلِكَ مُؤَيَّدٌ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم، إذَا جَعَلَ الرَّجُلُ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي التَّخْيِيرِ فِي الْمَسَائِلِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: إلَّا أَنَّ هَذَا صَحِيحٌ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا لِأَنَّ الزَّوْجَ مَالِكٌ لِأَمْرِهَا فَإِنَّمَا يُمَلِّكُهَا بِهَذَا اللَّفْظِ مَا هُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ فَيَصِحُّ مِنْهُ وَيَلْزَمُ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الرُّجُوعَ عَنْهُ اعْتِبَارًا بِإِيقَاعِ
(وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك يَنْوِي ثَلَاثًا فَقَالَتْ: قَدْ اخْتَرْت نَفْسِي بِوَاحِدَةٍ فَهِيَ ثَلَاثٌ) لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ يَصْلُحُ جَوَابًا لِلْأَمْرِ بِالْيَدِ لِكَوْنِهِ تَمْلِيكًا كَالتَّخْيِيرِ، وَالْوَاحِدَةُ صِفَةٌ لِلِاخْتِيَارَةِ، فَصَارَ كَأَنَّهَا قَالَتْ: اخْتَرْت نَفْسِي بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَبِذَلِكَ يَقَعُ الثَّلَاثُ
الطَّلَاقِ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي الِاخْتِيَارِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِيقَاعَ بِهَذَا اللَّفْظِ. حَتَّى لَوْ قَالَ اخْتَرْتُك مِنْ نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي مِنْك لَا يَقَعُ شَيْءٌ وَفِي الْأَمْرِ بِالْيَدِ كَذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ قِيَاسًا كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ إلَّا إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ إذَا قَالَ أَمْرِي مِنْك بِيَدِك أَوْ أَمْرُك مِنِّي بِيَدِي وَقَعَ الطَّلَاقُ فَيَنْدَفِعُ (وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَمْرُك بِيَدِك يَنْوِي بِذَلِكَ الثَّلَاثَ فَقَالَتْ قَدْ اخْتَرْت نَفْسِي بِوَاحِدَةٍ فَهِيَ ثَلَاثٌ) وَبَيَانُهُ يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ صِحَّةِ جَوَابِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ بِالِاخْتِيَارِ وَإِلَى كَيْفِيَّةِ الدَّلَالَةِ عَلَى الثَّلَاثَةِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ يَصْلُحُ جَوَابًا لِلْأَمْرِ بِالْيَدِ لِكَوْنِهِ تَمْلِيكًا كَالتَّخْيِيرِ فَكَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ فَجَازَ أَنْ يَقَعَ جَوَابًا لَهُ.
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الدَّلَالَةِ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَلِأَنَّ الْوَاحِدَةَ صِفَةُ الِاخْتِيَارَةِ (فَصَارَتْ كَأَنَّهَا قَالَتْ اخْتَرْت نَفْسِي بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ) أَيْ بِاخْتِيَارَةٍ وَاحِدَةٍ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ وَهِيَ فِي الْأُولَى الِاخْتِيَارَةُ، وَإِنَّمَا
(وَلَوْ قَالَتْ: قَدْ طَلَّقْت نَفْسِي بِوَاحِدَةٍ أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ) لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وَهُوَ فِي الْأُولَى الِاخْتِيَارَةُ، وَفِي الثَّانِيَةِ التَّطْلِيقَةُ إلَّا أَنَّهَا تَكُونُ بَائِنَةً لِأَنَّ التَّفْوِيضَ فِي الْبَائِنِ ضَرُورَةُ مِلْكِهَا أَمْرَهَا، وَكَلَامُهَا خَرَجَ جَوَابًا لَهُ فَتَصِيرُ الصِّفَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي التَّفْوِيضِ مَذْكُورَةً فِي الْإِيقَاعِ وَإِنَّمَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِي قَوْلِهِ: أَمْرُك بِيَدِك لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ وَنِيَّةُ الثَّلَاثِ نِيَّةُ التَّعْمِيمِ،
عَبَّرَ عَنْهَا بِمَرَّةٍ لِأَنَّ الصِّيغَةَ الدَّالَّةَ عَلَى الْمَرَّةِ مِنْ الِاخْتِيَارِ هِيَ الِاخْتِيَارَةُ فَعَبَّرَ عَنْهَا بِمَفْهُومِهَا، وَبِذَلِكَ: أَيْ بِقَوْلِهَا اخْتَرْت نَفْسِي بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ يَقَعُ الثَّلَاثُ لِأَنَّ مَعْنَاهُ اخْتَرْت جَمِيعَ مَا فَوَّضْت إلَيَّ اخْتِيَارَةً وَاحِدَةً، وَحِينَ نَوَى الزَّوْجُ الثَّلَاثَ فَقَدْ فَوَّضَ إلَيْهَا ذَلِكَ (وَلَوْ قَالَتْ) يَعْنِي فِي جَوَابِ قَوْلِهِ لَهَا أَمْرُك بِيَدِك (قَدْ طَلَّقْت نَفْسِي وَاحِدَةً أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ لِأَنَّ الْوَاحِدَ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ) فَوَجَبَ إثْبَاتُهُ عَلَى حَسَبِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَذْكُورُ السَّابِقُ، وَهُوَ فِي الْأُولَى الِاخْتِيَارَةُ لِدَلَالَةِ اخْتَرْت عَلَيْهَا، وَفِي الثَّانِيَةِ التَّطْلِيقَةُ لِدَلَالَةِ طَلَّقْت عَلَيْهَا، وَلَا يُتَوَهَّمُ التَّكْرَارُ فِي قَوْلِهِ وَهِيَ فِي الْأُولَى الِاخْتِيَارَةُ مَعَ تَقَدُّمِ قَوْلِهِ وَالْوَاحِدَةُ صِفَةٌ لِلِاخْتِيَارَةِ لِأَنَّهُ إعَادَةٌ لِبَيَانِ قَرِينَةِ الْمَحْذُوفِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ وَهُوَ فِي الْأُولَى الِاخْتِيَارَةُ لِدَلَالَةِ اخْتَرْت عَلَيْهَا فَتَكُونُ فِي الثَّانِيَةِ التَّطْلِيقَةُ لِدَلَالَةِ طَلَّقْت عَلَيْهَا إلَّا أَنَّهَا تَكُونُ بَائِنَةً لِأَنَّ أَمْرَك بِيَدِك مِنْ أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ، وَالْوَاقِعُ بِهَا بَائِنٌ فِيمَا سِوَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فَكَانَ التَّفْوِيضُ فِي الْبَائِنِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ مَلَّكَهَا أَمْرَهَا، فَقَوْلُهُ فِي الْبَائِنِ خَبَرُ إنَّ وَتَقْرِيرُهُ التَّفْوِيضَ حَصَلَ فِي الْبَائِنِ لِضَرُورَةِ أَنَّهُ مَلَّكَهَا أَمْرَهَا، وَأَنَّ تَمْلِيكَهُ إيَّاهَا أَمْرَهَا يَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ لِكَوْنِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ مِنْ أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ وَكَلَامُهَا خَرَجَ جَوَابًا لَهُ فَتَصِيرُ الصِّفَةُ الْمَذْكُورَةُ يَعْنِي الْبَيْنُونَةَ فِي التَّفْوِيضِ مَذْكُورَةً فِي إيقَاعِ الْمَرْأَةِ كَلَامَهَا مُطَابِقًا لِكَلَامِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهَا اخْتَرْت نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ فِي جَوَابِ اخْتَارِي وَبَيْنَ قَوْلِهِ ذَلِكَ فِي جَوَابِ أَمْرُك بِيَدِك عِنْدَ الْمُصَنِّفِ حَتَّى كَانَ الْوَاقِعُ فِي الْأَوَّلِ رَجْعِيًّا كَمَا تَقَدَّمَ وَفِي الثَّانِي بَائِنًا كَمَا ذَكَرَهُ، وَهَلْ هَذَا إلَّا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا تَقَدَّمَ كَانَ سَهْوًا مِنْ الْكَاتِبِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُونَ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ الِاخْتِيَارَ الْقِيَاسُ فِيهِ أَنْ لَا يَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ وَإِنْ نَوَى الزَّوْجُ، إلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّاهُ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَالْإِجْمَاعُ إنَّمَا هُوَ فِي مُجَرَّدِ الطَّلَاقِ لَا فِي الْبَائِنِ فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَمْنَعُ صَرِيحَ الطَّلَاقِ الْوَارِدِ فِي كَلَامِهَا عَنْ مُوجِبِهِ بِخِلَافِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ لِأَنَّهُ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا عَلَى مَا نَقَلْنَا عَنْ صَاحِبِ النِّهَايَةِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْفَصْلِ (وَإِنَّمَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ فِي قَوْلِهِ أَمْرُك بِيَدِك دُونَ اخْتَارِي لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: الْأَمْرُ اسْمٌ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ كُلَّ شَيْءٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} أَرَادَ بِهِ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ اسْمًا عَامًّا
بِخِلَافِ قَوْلِهِ: اخْتَارِي لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ وَبَعْدَ غَدٍ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ اللَّيْلُ وَإِنْ رَدَّتْ الْأَمْرَ فِي يَوْمِهَا بَطَلَ أَمْرُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَكَانَ الْأَمْرُ بِيَدِهَا بَعْدَ غَدٍ) لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِذِكْرِ وَقْتَيْنِ بَيْنَهُمَا وَقْتٌ مِنْ جِنْسِهِمَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْأَمْرُ إذْ ذِكْرُ الْيَوْمِ بِعِبَارَةِ الْفَرْدِ لَا يَتَنَاوَلُ اللَّيْلَ فَكَانَا أَمْرَيْنِ فَبِرَدِّ أَحَدِهِمَا لَا يَرْتَدُّ الْآخَرُ.
وَقَالَ زُفَرُ رحمه الله: هُمَا أَمْرٌ وَاحِدٌ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ وَبَعْدَ غَدٍ. قُلْنَا: الطَّلَاقُ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْقِيتَ،
صَلَحَ اسْمًا لِكُلِّ فِعْلٍ، فَإِذَا نَوَى الطَّلَاقَ صَارَ كِنَايَةً عَنْ قَوْلِهِ طَلَاقُك بِيَدِك وَالطَّلَاقُ مَصْدَرٌ يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ فَيَكُونُ نِيَّةُ الثَّلَاثِ نِيَّةَ التَّعْمِيمِ (بِخِلَافِ قَوْلِهِ اخْتَارِي لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ) يَعْنِي فِي فَصْلِ الِاخْتِيَارِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَا يَتَنَوَّعُ. .
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ لَهَا أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ وَبَعْدَ غَدٍ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ اللَّيْلُ) حَتَّى لَوْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فِي اللَّيْلِ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ (وَإِنْ رَدَّتْ الْأَمْرَ فِي يَوْمِهَا بَطَلَ أَمْرُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَكَانَ الْأَمْرُ فِي يَدِهَا بَعْدَ غَدٍ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِذِكْرِ وَقْتَيْنِ) يَعْنِي الْيَوْمَ وَبَعْدَ غَدٍ (بَيْنَهُمَا وَقْتٌ مِنْ جِنْسِهِمَا) يَعْنِي الْغَدَ (لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْأَمْرُ) فَإِنَّهَا لَوْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فِي الْغَدِ لَا تَطْلُقُ فَكَانَا أَمْرَيْنِ (فَبِرَدِّ أَحَدِهِمَا لَا يَرْتَدُّ الْآخَرُ) وَهَذَا دَلِيلُ كَوْنِ الْأَمْرِ بِيَدِهَا بَعْدَ غَدٍ بَعْدَ رَدِّهِ فِي الْيَوْمِ.
وَقَوْلُهُ إذْ ذِكْرُ الْيَوْمِ بِعِبَارَةِ الْفَرْدِ لَا يَتَنَاوَلُ الْيَوْمَ) دَلِيلُ قَوْلِهِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ اللَّيْلُ وَهُوَ
وَالْأَمْرُ بِالْيَدِ يَحْتَمِلُهُ، فَيُوَقَّتُ الْأَمْرُ بِالْأَوَّلِ وَجَعَلَ الثَّانِيَ أَمْرًا مُبْتَدَأً (وَلَوْ قَالَ أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ وَغَدًا يَدْخُلُ اللَّيْلُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ رَدَّتْ الْأَمْرَ فِي يَوْمِهَا لَا يَبْقَى الْأَمْرُ فِي يَدِهَا فِي غَدٍ) لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَقْتٌ مِنْ جِنْسِهِمَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْكَلَامُ وَقَدْ يَهْجُمُ اللَّيْلُ وَمَجْلِسُ الْمَشُورَةِ لَا يَنْقَطِعُ فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ: أَمْرُك بِيَدِك فِي يَوْمَيْنِ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّهَا إذَا رَدَّتْ الْأَمْرَ فِي الْيَوْمِ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا غَدًا لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ رَدَّ الْأَمْرِ كَمَا لَا تَمْلِكُ رَدَّ الْإِيقَاعِ.
كَمَا تَرَى الْإِدْلَاجُ مُلْبِسٌ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا.
وَقَالَ زُفَرُ: هُمَا أَمْرٌ وَاحِدٌ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ وَبَعْدَ غَدٍ فِي كَوْنِ أَحَدِهِمَا مَعْطُوفًا عَلَى الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارِ لَفْظِ الْأَمْرِ. وَقُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْقِيتَ فَكَانَتْ الطَّالِقُ الْيَوْمَ طَالِقًا غَدًا وَبَعْدَ غَدٍ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْيَدِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُهُ، وَذِكْرُ وَقْتَيْنِ غَيْرُ مُتَّصِلٍ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ لِتَخَلُّلِ وَقْتٍ بَيْنَهُمَا غَيْرِ مَذْكُورٍ فَيُؤَقَّتُ بِالْأَوَّلِ، وَجَعَلَ الثَّانِيَ أَمْرًا مُبْتَدَأً كَأَنَّهُ قَالَ وَأَمْرُك بِيَدِك بَعْدَ غَدٍ (وَلَوْ قَالَ أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ وَغَدًا يَدْخُلُ اللَّيْلُ فِي ذَلِكَ) وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ رَدَّ الْأَمْرِ كَمَا لَا تَمْلِكُ رَدَّ الْإِيقَاعِ) مَعْنَاهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَرُدَّ الْأَمْرَ بِالْيَدِ الَّذِي صَدَرَ مِنْ زَوْجِهَا بِأَنْ تَقُولَ لَا أَقْبَلُ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ
وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّهَا إذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا الْيَوْمَ لَا يَبْقَى لَهَا الْخِيَارُ فِي الْغَدِ، فَكَذَا إذَا اخْتَارَتْ زَوْجَهَا بِرَدِّ الْأَمْرِ لِأَنَّ الْمُخَيَّرَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لَا يَمْلِكُ إلَّا اخْتِيَارَ أَحَدِهِمَا.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ وَأَمْرُك بِيَدِك غَدًا أَنَّهُمَا أَمْرَانِ لِمَا أَنَّهُ ذَكَرَ لِكُلِّ وَقْتٍ خَبَرًا بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ
لَهَا أَنْ تَرُدَّ الْإِيقَاعَ الَّذِي أَوْقَعَهُ زَوْجُهَا عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْأَمْرُ بَاقِيًا فِي الْغَدِ كَمَا كَانَ وَكَانَ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا غَدًا.
وَقَوْلُهُ وَجْهُ الظَّاهِرِ) ظَاهِرٌ وَكَذَا قَوْلُهُ (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إذَا قَالَ أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ) قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: هَذِهِ هِيَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ، وَجَعَلَ قَاضِي خَانْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَصْلَ الرِّوَايَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافَ أَحَدٍ.
(وَإِنْ قَالَ: أَمْرُك بِيَدِك يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ فُلَانٌ فَلَمْ تَعْلَمْ بِقُدُومِهِ حَتَّى جَنَّ اللَّيْلُ فَلَا خِيَارَ لَهَا) لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْيَدِ مِمَّا يَمْتَدُّ فَيَحْمِلُ الْيَوْمَ الْمَقْرُونَ بِهِ عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ فَيَتَوَقَّتُ بِهِ ثُمَّ يَنْقَضِي بِانْقِضَاءِ وَقْتِهِ
(وَإِذَا جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا أَوْ خَيَّرَهَا فَمَكَثَتْ يَوْمًا لَمْ تَقُمْ فَالْأَمْرُ فِي يَدِهَا مَا لَمْ تَأْخُذْ فِي عَمَلٍ آخَرَ) لِأَنَّ هَذَا تَمْلِيكُ التَّطْلِيقِ مِنْهَا (لِأَنَّ الْمَالِكَ مَنْ يَتَصَرَّفُ بِرَأْيِ نَفْسِهِ وَهِيَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَالتَّمْلِيكُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ)
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ أَمْرُك بِيَدِك يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ فُلَانٌ فَلَمْ تَعْلَمْ بِقُدُومِهِ حَتَّى جَنَّ اللَّيْلُ فَلَا خِيَارَ لَهَا) ظَاهِرٌ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ فِي آخِرِ فَصْلِ إضَافَةِ الطَّلَاقِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ. وَقَوْلُهُ (فَيَتَوَقَّتُ بِهِ) أَيْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَنْقَضِي بِانْقِضَائِهِ.
(وَإِذَا جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا أَوْ خَيَّرَهَا فَمَكَثَتْ يَوْمًا لَمْ تَقُمْ فَالْأَمْرُ فِي يَدِهَا مَا لَمْ تَأْخُذْ فِي عَمَلٍ آخَرَ لِأَنَّ هَذَا تَمْلِيكُ التَّطْلِيقِ مِنْهَا لِأَنَّ الْمَالِكَ مَنْ يَتَصَرَّفُ بِرَأْيِ نَفْسِهِ) وَهَذِهِ تَتَصَرَّفُ بِرَأْيِ نَفْسِهَا فَهِيَ مَالِكَةٌ وَالتَّمْلِيكُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ (وَقَدْ بَيَّنَّاهُ) يَعْنِي فِي فَصْلِ الِاخْتِيَارِ مِنْ قَوْلِهِ: التَّمْلِيكَاتُ تَقْتَضِي جَوَابًا فِي الْمَجْلِسِ كَمَا فِي الْبَيْعِ. قِيلَ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ قَالَ قَبْلَ هَذَا إذَا قَالَ أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ وَغَدًا يَدْخُلُ اللَّيْلُ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَمْرَ بِيَدِهَا لَا يَبْطُلُ فِي يَوْمَيْنِ وَإِنْ قَامَتْ عَنْ الْمَجْلِسِ، لِأَنَّهُ لَوْ بَطَلَ بِالْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ لَمْ يَكُنْ لِتَقْيِيدِهِ بِيَوْمَيْنِ فَائِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا لَمْ تَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهَا يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ لَا يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْمَجْلِسِ وَبَيْنَهُمَا تَنَافٍ
ثُمَّ إنْ كَانَتْ تَسْمَعُ يُعْتَبَرُ مَجْلِسُهَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَسْمَعُ فَمَجْلِسُ عِلْمِهَا وَبُلُوغِ الْخَبَرِ إلَيْهَا لِأَنَّ هَذَا تَمْلِيكٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى مَا وَرَاءَ الْمَجْلِسِ، وَلَا يُعْتَبَرُ مَجْلِسُهُ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ لَازِمٌ فِي حَقِّهِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ مَحْضٌ لَا يَشُوبُهُ التَّعْلِيقُ، وَإِذَا اُعْتُبِرَ مَجْلِسُهَا فَالْمَجْلِسُ تَارَةً يَتَبَدَّلُ بِالتَّحَوُّلِ
ثُمَّ إنْ كَانَتْ تَسْمَعُ يُعْتَبَرُ مَجْلِسُهَا ذَلِكَ) أَيْ الَّذِي سَمِعَتْ فِيهِ (وَإِنْ كَانَتْ لَا تَسْمَعُ) لِغَيْبَةٍ أَوْ لِصَمَمٍ (فَمَجْلِسُ عِلْمِهَا) وَبُلُوغُ الْخَبَرِ إلَيْهَا لِأَنَّ هَذَا تَمْلِيكٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ، وَمَا هُوَ كَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا وَرَاءِ الْمَجْلِسِ، كَمَا لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَهَذَا لِأَنَّ مَعْنَى أَمْرُك بِيَدِك إنْ أَرَدْت طَلَاقَك فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ لَا يَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ وَالتَّعْلِيقُ كَذَلِكَ، وَالْأَمْرُ بِالْيَدِ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنَيَيْهِمَا عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ فَكَيْفَ يَكُونُ مُحْتَمِلًا لَهُ؟
وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّمْلِيكَ الَّذِي هُوَ مُعْتَبَرٌ فِيهِ مِنْ بَابِ تَمْلِيكِ الْمَنَافِعِ كَالْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ؛ وَإِذَا صَحَّ التَّوْقِيتُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ صَارَ الْأَمْرُ بِيَدِهَا فِي الْمُدَّةِ الَّتِي وَقَّتَهَا، فَلَوْ بَطَلَ الْأَمْرُ بِقِيَامِهَا عَنْ الْمَجْلِسِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّأْقِيتِ فَائِدَةٌ، وَبِهَذَا خَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ النَّظَرِ الْمُتَقَدِّمِ أَيْضًا.
وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ التَّعْلِيقُ فَلَا يَحْتَمِلُ التَّوْقِيتَ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ بِالْيَدِ
وَمَرَّةً بِالْأَخْذِ فِي عَمَلٍ آخَرَ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الْخِيَارِ، وَيَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ الْإِعْرَاضِ، إذْ الْقِيَامُ يُفَرِّقُ الرَّأْيَ، بِخِلَافِ مَا إذَا مَكَثَتْ يَوْمًا لَمْ تَقُمْ وَلَمْ تَأْخُذْ فِي عَمَلٍ آخَرَ لِأَنَّ الْمَجْلِسَ قَدْ يَطُولُ وَقَدْ يَقْصُرُ فَيَبْقَى إلَى أَنْ يُوجَدَ مَا يَقْطَعُهُ أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ. وَقَوْلُهُ مَكَثَتْ يَوْمًا لَيْسَ لِلتَّقْدِيرِ بِهِ.
وَقَوْلُهُ مَا لَمْ تَأْخُذْ فِي عَمَلٍ آخَرَ يُرَادُ بِهِ عَمَلٌ يُعْرَفُ أَنَّهُ قَطْعٌ لِمَا كَانَ فِيهِ لَا مُطْلَقَ الْعَمَلِ (وَلَوْ كَانَتْ قَائِمَةً فَجَلَسَتْ فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا) لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْإِقْبَالِ فَإِنَّ الْقُعُودَ أَجْمَعُ لِلرَّأْيِ (وَكَذَا إذَا كَانَتْ قَاعِدَةً فَاتَّكَأَتْ أَوْ مُتَّكِئَةً فَقَعَدَتْ) لِأَنَّ هَذَا انْتِقَالٌ مِنْ جِلْسَةٍ إلَى جِلْسَةٍ فَلَا يَكُونُ إعْرَاضًا، كَمَا إذَا كَانَتْ مُحْتَبِيَةً فَتَرَبَّعَتْ.
قَالَ رضي الله عنه: هَذَا رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَذَكَرَ فِي غَيْرِهِ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ قَاعِدَةً فَاتَّكَأَتْ لَا خِيَارَ لَهَا لِأَنَّ الِاتِّكَاءَ إظْهَارُ التَّهَاوُنِ بِالْأَمْرِ فَكَانَ إعْرَاضًا،
مُطْلَقًا عَنْ التَّوْقِيتِ اعْتَبَرْنَا جَانِبَ التَّمْلِيكِ، فَقُلْنَا بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الْمَجْلِسِ لِعَدَمِ مَا يَدُلُّ عَلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، وَاعْتَبَرْنَا مَعْنَى التَّعْلِيقِ فَقُلْنَا بِبَقَاءِ الْإِيجَابِ إلَى مَا وَرَاءِ الْمَجْلِسِ إذَا كَانَتْ غَائِبَةً عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَلَا يُعْتَبَرُ مَجْلِسُهُ، حَتَّى لَوْ قَامَ وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَالْخِيَارُ بَاقٍ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ حِينَئِذٍ لَازِمٌ فِي حَقِّهِ حَتَّى لَا يَقْدِرَ عَلَى الرُّجُوعِ لِكَوْنِهِ تَصَرُّفَ يَمِينٍ مِنْ جَانِبِهِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ حَتَّى يُعْتَبَرَ مَجْلِسُهُمَا جَمِيعًا، فَإِنْ أَيُّهُمَا قَامَ عَنْ الْمَجْلِسِ قَبْلَ قَبُولِ الْآخَرِ بَطَلَ الْبَيْعُ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ مَحْضٌ لَا يَشُوبُهُ التَّعْلِيقُ، وَلِهَذَا لَوْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا عَنْ كَلَامِهِ قَبْلَ قَبُولِ الْآخَرِ جَازَ إذَا اُعْتُبِرَ مَجْلِسُهَا، فَالْمَجْلِسُ تَارَةً يَتَبَدَّلُ بِالتَّحَوُّلِ: يَعْنِي إلَى مَجْلِسٍ آخَرَ، وَمَرَّةً بِالْأَخْذِ فِي عَمَلٍ آخَرَ مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْخِيَارِ، يَعْنِي فِي قَوْلِهِ إذْ مَجْلِسُ الْأَكْلِ غَيْرُ مَجْلِسِ الْمُنَاظَرَةِ إلَى آخِرِهِ.
وَقَوْلُهُ (وَيَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (وَلَيْسَ لِلتَّقْدِيرِ بِهِ) أَيْ بِالْيَوْمِ لِأَنَّهُ لَوْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ فَهُوَ بَاقٍ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَقَوْلُهُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. وَقَوْلُهُ (وَلَوْ كَانَتْ قَائِمَةً فَجَلَسَتْ) ظَاهِرٌ
وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَصَحُّ.
وَلَوْ كَانَتْ قَاعِدَةً فَاضْطَجَعَتْ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله (وَلَوْ قَالَتْ اُدْعُ أَبِي أَسْتَشِرْهُ أَوْ شُهُودًا أُشْهِدْهُمْ فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا) لِأَنَّ الِاسْتِشَارَةَ لِتَحَرِّي الصَّوَابِ، وَالْإِشْهَادَ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْإِنْكَارِ فَلَا يَكُونُ دَلِيلَ الْإِعْرَاضِ (وَإِنْ كَانَتْ تَسِيرُ عَلَى دَابَّةٍ أَوْ فِي مَحْمَلٍ فَوَقَفَتْ فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا، وَإِنْ سَارَتْ بَطَلَ خِيَارُهَا) لِأَنَّ سَيْرَ الدَّابَّةِ وَوُقُوفَهَا مُضَافٌ إلَيْهَا (وَالسَّفِينَةُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْتِ) لِأَنَّ سَيْرَهَا غَيْرُ مُضَافٍ إلَى رَاكِبِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إيقَافِهَا وَرَاكِبُ الدَّابَّةِ يَقْدِرُ. .
فَصْلٌ فِي الْمَشِيئَةِ
(وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك وَلَا نِيَّةَ لَهُ أَوْ نَوَى وَاحِدَةً فَقَالَتْ: طَلَّقْت نَفْسِي فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ،
وَقَوْلُهُ (وَالْأَوَّلُ) أَيْ رِوَايَةُ الْجَامِعِ (أَصَحُّ) لِأَنَّ مَنْ حَزَبَهُ أَمْرٌ قَدْ يَسْتَنِدُ لِلتَّفَكُّرِ لِمَا أَنَّ الِاسْتِنَادَ سَبَبٌ لِلرَّاحَةِ كَالْقُعُودِ. وَقَوْلُهُ (فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ) فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ لَا تَبْطُلُ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي مَالِكٍ عَنْهُ تَبْطُلُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ. وَوَجْهُ الرِّوَايَتَيْنِ مُنْدَرِجٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ. قِيلَ خَصَّ أَبَا يُوسُفَ بِالذِّكْرِ وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ صَاحِبَيْهِ كَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا نَقَلَا عَنْهُ. وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَتْ اُدْعُ أَبِي أَسْتَشِيرُهُ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (وَالسَّفِينَةُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْتِ) يَعْنِي أَنَّهَا إذَا سَارَتْ لَا يَبْطُلُ خِيَارُهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ.
فَصْلٌ فِي الْمَشِيئَةِ
قَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ تَقْدِيمِ الِاخْتِيَارِ وَبَعْدَهُ السُّؤَالُ عَنْ تَقَدُّمِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ وَالْمَشِيئَةِ دَوْرِيٌّ فَيَسْقُطُ (وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ طَلِّقِي نَفْسَك وَلَا نِيَّةَ لَهُ أَوْ نَوَى وَاحِدَةً فَقَالَتْ طَلَّقْت نَفْسِي فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ،
وَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا وَقَدْ أَرَادَ الزَّوْجُ ذَلِكَ وَقَعْنَ عَلَيْهَا) وَهَذَا لِأَنَّ قَوْلَهُ طَلِّقِي مَعْنَاهُ افْعَلِي فِعْلَ التَّطْلِيقِ، وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ فَيَقَعُ عَلَى الْأَدْنَى مَعَ احْتِمَالِ الْكُلِّ كَسَائِرِ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ، فَلِهَذَا تَعْمَلُ فِيهِ نِيَّةُ الثَّلَاثِ، وَيَنْصَرِفُ إلَى وَاحِدَةٍ عِنْدَ عَدَمِهَا وَتَكُونُ الْوَاحِدَةُ رَجْعِيَّةً لِأَنَّ الْمُفَوَّضَ إلَيْهَا صَرِيحُ الطَّلَاقِ، وَلَوْ نَوَى الثِّنْتَيْنِ لَا تَصِحُّ لِأَنَّهُ نِيَّةُ الْعَدَدِ إلَّا إذَا كَانَتْ الْمَنْكُوحَةُ أَمَةً لِأَنَّهُ جِنْسٌ فِي حَقِّهَا.
(وَإِنْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك قَالَتْ: أَبَنْت نَفْسِي طَلَقْت) وَلَوْ قَالَتْ: قَدْ اخْتَرْت نَفْسِي لَمْ تَطْلُقْ لِأَنَّ الْإِبَانَةَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَبَنْتُك يَنْوِي بِهِ الطَّلَاقَ أَوْ قَالَتْ: أَبَنْت نَفْسِي فَقَالَ الزَّوْجُ: قَدْ أَجَزْت ذَلِكَ بَانَتْ فَكَانَتْ مُوَافِقَةً لِلتَّفْوِيضِ فِي الْأَصْلِ إلَّا أَنَّهَا زَادَتْ فِيهِ وَصْفًا وَهُوَ
وَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا وَقَدْ أَرَادَ الزَّوْجُ ذَلِكَ وَقَعْنَ) سَوَاءٌ طَلَّقَتْ جُمْلَةً أَوْ مُتَفَرِّقَةً. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ قَوْلَهُ طَلِّقِي) ظَاهِرٌ لَكِنْ تُرْجِمَ الْفَصْلُ بِفَصْلِ الْمَشِيئَةِ فَكَانَ الِابْتِدَاءُ فِيهِ بِمَسْأَلَةٍ فِيهَا ذِكْرُ الْمَشِيئَةِ أَوْلَى.
(وَإِنْ قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك فَقَالَتْ أَبَنْت نَفْسِي طَلُقَتْ، وَلَوْ قَالَتْ قَدْ اخْتَرْت نَفْسِي لَمْ تَطْلُقْ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْإِبَانَةَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ لِقَطْعِ وَصْلَةِ النِّكَاحِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَبَنْتُك يَنْوِي الطَّلَاقَ أَوْ قَالَتْ أَبَنْت نَفْسِي فَقَالَ الزَّوْجُ قَدْ اخْتَرْت ذَلِكَ بَانَتْ وَأَلْفَاظُ الطَّلَاقِ تُوَافِقُ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا لِكَوْنِهِ تَطْلِيقًا فَكَانَتْ الْإِبَانَةُ مُوَافِقَةً لِلتَّفْوِيضِ فِي الْأَصْلِ، وَإِذَا كَانَ الْجَوَابُ مُوَافِقًا لِلسُّؤَالِ مِنْ حَيْثُ الْأَصْلُ كَانَ صَحِيحًا مِنْ حَيْثُ الْأَصْلُ إلَّا أَنَّهَا زَادَتْ فِيهِ: أَيْ فِي الْجَوَابِ وَصْفًا وَهُوَ تَعْجِيلُ الْإِبَانَةِ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ إنَّمَا تُفِيدُ الْإِبَانَةَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِمَّا أَنْ يَبْطُلَ الْأَصْلُ لِأَجْلِ مَا زِيدَ فِيهِ مِنْ الْوَصْفِ، أَوْ يَلْغُوَ الْوَصْفُ لِرِعَايَةِ الْأَصْلِ، وَإِلْغَاءُ الْوَصْفِ لِتَصْحِيحِ الْأَصْلِ أَوْلَى فَيُصَارُ إلَيْهِ كَمَا لَوْ قَالَتْ فِي جَوَابِ طَلِّقِي
تَعْجِيلُ الْإِبَانَةِ فَيَلْغُو الْوَصْفُ الزَّائِدُ وَيَثْبُتُ الْأَصْلُ، كَمَا إذَا قَالَتْ: طَلَّقْت نَفْسِي تَطْلِيقَةً بَائِنَةً، وَيَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ. بِخِلَافِ الِاخْتِيَارِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ اخْتَرْتُك أَوْ اخْتَارِي يَنْوِي الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ، لَوْ قَالَتْ ابْتِدَاءً: اخْتَرْت نَفْسِي فَقَالَ الزَّوْجُ: قَدْ أَجَزْت لَا يَقَعُ شَيْءٌ إلَّا أَنَّهُ عُرِفَ طَلَاقًا بِالْإِجْمَاعِ إذَا حَصَلَ جَوَابًا لِلتَّخْيِيرِ، وَقَوْلُهُ طَلِّقِي نَفْسَك لَيْسَ بِتَنْجِيزٍ فَيَلْغُو. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ بِقَوْلِهَا أَبَنْت نَفْسِي لِأَنَّهَا أَتَتْ بِغَيْرِ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا إذْ الْإِبَانَةُ تَغَايُرُ الطَّلَاقَ.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ) لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْيَمِينِ لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِتَطْلِيقِهَا وَالْيَمِينُ تَصَرُّفٌ لَازِمٌ، وَلَوْ قَامَتْ عَنْ مَجْلِسِهَا بَطَلَ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لَهَا: طَلِّقِي ضَرَّتَك لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ وَإِنَابَةٌ فَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ وَيَقْبَلُ الرُّجُوعَ
نَفْسَك تَطْلِيقَةً طَلَّقْت نَفْسِي تَطْلِيقَةً بَائِنَةً. وَقَوْلُهُ (وَيَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ) إنَّمَا قَالَ هَكَذَا تَفْسِيرًا لِكَلَامِ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ قَالَ طَلُقَتْ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِشَيْءٍ آخَرَ، وَأَرَى أَنَّهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ لِأَنَّ كَوْنَهَا رَجْعِيَّةً يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ فَيَلْغُو الْوَصْفُ الزَّائِدُ وَيَثْبُتُ الْأَصْلُ.
وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ الِاخْتِيَارِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْإِبَانَةَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَهُوَ وَاضِحٌ (وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ بِقَوْلِهَا أَبَنْت نَفْسِي لِأَنَّهَا أَتَتْ بِغَيْرِ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا) حَيْثُ كَانَ الْمُفَوَّضُ الطَّلَاقَ وَمَا أَتَتْ بِهِ الْإِبَانَةُ وَهُمَا مُتَغَايِرَانِ لَا مَحَالَةَ، وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إبْطَالُ الْأَصْلِ لِلْوَصْفِ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا تَطْلُقُ طَلَاقًا بَائِنًا لِأَنَّ الزَّوْجَ مَلَّكَهَا إيقَاعَ الطَّلَاقِ مُطْلَقًا وَهُوَ يَمْلِكُ إيقَاعَ الْبَائِنِ وَالرَّجْعِيِّ فَكَذَا هِيَ، وَفِي هَذَا تَرْكُ اعْتِبَارِ الْمُطَابَقَةِ بَيْنَ التَّفْوِيضِ وَالْجَوَابِ، وَالْفِقْهُ هُوَ الْأَوَّلُ: أَعْنِي ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ.
(وَإِنْ قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك) ظَاهِرٌ. وَحُكْمُهُ اللُّزُومُ نَظَرًا إلَى الْيَمِينِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْمَجْلِسِ نَظَرًا إلَى التَّمْلِيكِ: وَفِيهِ مُطَالَبَتَانِ إحْدَاهُمَا مَا وَجْهُ اخْتِصَاصِ طَلِّقِي نَفْسَك بِالْيَمِينِ دُونَ طَلِّقِي ضَرَّتَك وَكَمَا كَانَ مَعْنَى طَلِّقِي نَفْسَك إنْ طَلَّقْت نَفْسَك فَأَنْتِ طَالِقٌ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى طَلِّقِي ضَرَّتَك إنْ أَرَدْت طَلَاقَهَا فَهِيَ طَالِقٌ.
وَالثَّانِيَةُ مَا وَجْهُ اخْتِصَاصِ الْأَوَّلِ بِالتَّمْلِيكِ وَالثَّانِي بِالتَّوْكِيلِ؟ وَالْجَوَابُ عَنْ الْأُولَى أَنَّ الْيَمِينَ بِالتَّعْلِيقِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا وُجُودُهُ مُتَرَدِّدٌ، وَوُجُودُ طَلَاقِ الضَّرَّةِ إذَا فَوَّضَ إلَيْهَا أَمْرٌ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ طَبْعًا وَعَادَةً
(وَإِنْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك مَتَى شِئْت فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ) لِأَنَّ كَلِمَةَ مَتَى عَامَّةٌ فِي الْأَوْقَاتِ كُلِّهَا فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْت.
(وَإِذَا قَالَ لِرَجُلٍ: طَلِّقْ امْرَأَتِي فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ) وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ وَأَنَّهُ اسْتِعَانَةٌ، فَلَا يَلْزَمُ وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك لِأَنَّهَا عَامِلَةٌ لِنَفْسِهَا فَكَانَ تَمْلِيكًا لَا تَوْكِيلًا (وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: طَلِّقْهَا إنْ شِئْت فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي الْمَجْلِسِ خَاصَّةً) وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَرْجِعَ. وَقَالَ زُفَرُ رحمه الله: هَذَا وَالْأَوَّلُ
فَلَا يَصْلُحُ شَرْطًا. وَأُجِيبَ عَنْ الثَّانِيَةِ بِمَا تَقَدَّمَ، أَنَّ الْمَالِكَ هُوَ الَّذِي يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ وَالْوَكِيلَ هُوَ الَّذِي يَعْمَلُ لِغَيْرِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي طَلَاقِ نَفْسِهَا عَامِلَةٌ لِنَفْسِهَا بِتَخْلِيصِهَا عَنْ رِقِّ النِّكَاحِ وَفِي طَلَاقِ ضَرَّتِهَا عَامِلَةٌ لِلزَّوْجِ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا فِي طَلَاقِ ضَرَّتِهَا أَعْمَلُ لِنَفْسِهَا مِنْهَا فِي طَلَاقِ نَفْسِهَا؛ وَلِأَنَّ الصُّورَتَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَا مِنْ بَابِ الْمَشِيئَةِ أَوْ لَا. وَالْمَآلُ شُمُولُ التَّمْلِيكِ أَوْ شُمُولُ التَّوْكِيلِ أَوْ التَّحْكِيمِ الْبَاطِلِ.
(وَإِنْ قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك مَتَى شِئْت) وَاضِحٌ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ التَّمْلِيكُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَوْجُودٌ أَوَّلًا، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الطَّلَاقِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ لِكَوْنِهِ لَازِمَ التَّمْلِيكِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْمَجْلِسِ مِنْ أَحْكَامِ التَّمْلِيكِ، وَالْحُكْمُ قَدْ يَتَأَخَّرُ لِمَانِعٍ كَمَا فِي شَرْطِ الْخِيَارِ وَهُوَ طَرِيقَةُ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَمَوْضِعُهُ الْأُصُولُ.
قَوْلُهُ (وَإِذَا قَالَ لِرَجُلٍ طَلِّقْ امْرَأَتِي) وَاضِحٌ، وَمَنَاطُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْلِيكِ وَالتَّوْكِيلِ مِنْ أَنَّ الْمَالِكَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ وَالْوَكِيلَ لِغَيْرِهِ وَقَدْ عَلِمْت مَا عَلَيْهِ (وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ طَلِّقْهَا إنْ شِئْت فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي الْمَجْلِسِ خَاصَّةً وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَرْجِعَ. وَقَالَ زُفَرُ: هَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ
سَوَاءٌ لِأَنَّ التَّصْرِيحَ بِالْمَشِيئَةِ كَعَدَمِهِ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ عَنْ مَشِيئَتِهِ فَصَارَ كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا قِيلَ لَهُ: بِعْهُ إنْ شِئْت. وَلَنَا أَنَّهُ تَمْلِيكٌ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالْمَشِيئَةِ وَالْمَالِكُ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ عَنْ مَشِيئَتِهِ،
لِأَنَّ التَّصْرِيحَ بِالْمَشِيئَةِ كَعَدَمِ التَّصْرِيحِ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ عَنْ مَشِيئَتِهِ) لِأَنَّ الْفِعْلَ الِاخْتِيَارِيَّ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِهَا وَفِعْلُهُ اخْتِيَارِيٌّ؛ وَإِذَا تَسَاوَيَا كَانَ الثَّانِي تَوْكِيلًا كَالْأَوَّلِ وَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ لِلْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ بِعْ إنْ شِئْت، فَإِنَّ ذِكْرَ الْمَشِيئَةِ لَا يُخْرِجُ التَّوْكِيلَ إلَى التَّمْلِيكِ (وَلَنَا أَنَّهُ تَمْلِيكٌ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالْمَشِيئَةِ وَالْمَالِكُ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ عَنْ مَشِيئَتِهِ). لَا يُقَالُ: قَدْ بَيَّنَ آنِفًا أَنَّ الْوَكِيلَ أَيْضًا يَتَصَرَّفُ بِمَشِيئَتِهِ. لِأَنَّا نَقُولُ: الْمَشِيئَةُ نَوْعَانِ: مَشِيئَةٌ تَفْتَقِرُ إلَيْهَا الْحَرَكَةُ الْإِرَادِيَّةُ وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي كُلِّ مُتَحَرِّكٍ بِهَا، وَمَشِيئَةٌ أُخْرَى يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا اسْتِحْسَانُ الْفِعْلِ وَتَرْكُهُ، وَالْأُولَى ثَابِتَةٌ فِي التَّوْكِيلِ مَعَ جِهَةِ حَظْرٍ يَرْفَعُهَا قَوْلُهُ طَلِّقْهَا إيقَاعًا لِفِعْلِ الْمُوَكِّلِ، وَالثَّانِيَةُ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْمُلَّاكِ وَقَدْ فَوَّضَهَا إلَيْهِ بِقَوْلِهِ إنْ شِئْت فَكَانَ تَمْلِيكًا، هَذَا مَا أَمْكَنَنِي تَلْخِيصُهُ مِنْ كَلَامِ الْمَشَايِخِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: كَوْنُهُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ لَازِمٌ مِنْ لَوَازِمِ التَّمْلِيكِ وَقَدْ انْتَفَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
وَأَقُولُ: إذَا بَنَى الْكَلَامَ عَلَى مَا قَدْ ثَبَتَ أَنَّ التَّمْلِيكَ إقْرَارٌ شَرْعِيٌّ عَلَى مَحَلِّ التَّصَرُّفِ وَالتَّوْكِيلَ إقْرَارٌ شَرْعِيٌّ عَلَى نَفْسِ التَّصَرُّفِ لَا عَلَى أَنَّ الْمَالِكَ يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ وَالْوَكِيلِ سَقَطَ هَذَا الِاعْتِرَاضُ، وَالنَّظَرُ
وَالطَّلَاقُ يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُهُ.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّهَا مَلَكَتْ إيقَاعَ الثَّلَاثِ فَتَمْلِكُ إيقَاعَ الْوَاحِدَةِ ضَرُورَةً (وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك وَاحِدَةً فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: تَقَعُ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّهَا أَتَتْ بِمَا مَلَكَتْهُ وَزِيَادَةٍ فَصَارَ كَمَا إذَا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ أَلْفًا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا أَتَتْ بِغَيْرِ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا فَكَانَتْ مُبْتَدِئَةً، وَهَذَا لِأَنَّ الزَّوْجَ مَلَّكَهَا الْوَاحِدَةَ وَالثَّلَاثُ غَيْرُ الْوَاحِدَةِ لِأَنَّ الثَّلَاثَ اسْمٌ لِعَدَدٍ مُرَكَّبٍ مُجْتَمِعٍ وَالْوَاحِدَةُ فَرْدٌ لَا تَرْكِيبَ فِيهِ فَكَانَتْ بَيْنَهُمَا مُغَايِرَةٌ عَلَى سَبِيلِ الْمُضَادَّةِ، بِخِلَافِ
الْأَوَّلُ فِي طَلَاقِ الضَّرَّةِ عَلَى مَا مَرَّ. ثُمَّ أَقُولُ: وَالْوَكِيلُ فِي الطَّلَاقِ كَالرَّسُولِ، وَحَيْثُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ رَسُولًا إلَى نَفْسِهِ كَانَ قَوْلُهُ طَلِّقِي نَفْسَك تَمْلِيكًا، وَأَمَّا قَوْلُهُ طَلِّقِي ضَرَّتَك وَقَوْلُهُ لِأَجْنَبِيٍّ طَلِّقْ امْرَأَتِي فَيَحْتَمِلَانِ الرِّسَالَةَ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ كَلِمَةَ إنْ شِئْت كَانَ تَوْكِيلًا، وَإِنْ ذَكَرَهَا كَانَ تَمْلِيكًا صَوْنًا لِلزِّيَادَةِ عَنْ الْإِلْغَاءِ، إذْ التَّوْكِيلُ يَحْصُلُ بِدُونِهِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ النَّظَرُ الثَّانِي فِي طَلَاقِ الضَّرَّةِ فَتَأَمَّلْهُ فَلَعَلَّهُ مَخْلَصٌ. وَقَوْلُهُ (وَالطَّلَاقُ يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ) جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِ زُفَرَ صُورَةَ النِّزَاعِ عَلَى الْبَيْعِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا تَوْكِيلٌ لِلْبَيْعِ لَا الْبَيْعُ نَفْسُهُ وَالتَّوْكِيلُ بِهِ قَابِلٌ لِلتَّعْلِيقِ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ اُعْتُبِرَ التَّوْكِيلُ بِالْبَيْعِ بِأَصْلِ الْبَيْعِ.
قَالَ (وَإِنْ قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا) هَذَا لِبَيَانِ مُخَالَفَةِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي إيقَاعِ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا، وَالْمَسْأَلَةُ الْأُولَى ظَاهِرَةٌ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَوَجْهُ قَوْلِهِمَا فِيهَا وَاضِحٌ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك وَطَلَّقَهَا وَضَرَّتَهَا وَكَمَا تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك فَقَالَتْ أَبَنْت نَفْسِي فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهَا طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ مَا زَادَتْ مِنْ صِفَةِ الْبَيْنُونَةِ مُعْدِمًا لِلْمُطَابَقَةِ فِي أَصْلِ الطَّلَاقِ فَيَكُونُ كَقَوْلِهَا طَلَّقْت نَفْسِي مِنْك مُمْتَثِلَةً وَيَلْغُو قَوْلُهَا ثَلَاثًا (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا أَتَتْ بِغَيْرِ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا) وَمَنْ فَعَلَتْ كَذَلِكَ كَانَتْ مُبْتَدِئَةً كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك فَطَلَّقَتْ ضَرَّتَهَا فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَتِهِ، وَكَلَامُهُ فِيهِ ظَاهِرٌ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ ثَبَتَ مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ الْعَشَرَةِ لَيْسَ عَيْنَهَا وَلَا غَيْرَهَا فَكَذَلِكَ الْوَاحِدُ مِنْ الثَّلَاثَةِ يَكُونُ لَا عَيْنَهَا وَلَا غَيْرَهَا، فَمَا وَجْهُ إثْبَاتِ الْمُغَايَرَةِ بَيْنَهُمَا؟ أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ
الزَّوْجِ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِحُكْمِ الْمِلْكِ، وَكَذَا هِيَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِأَنَّهَا مَلَكَتْ الثَّلَاثَ، أَمَّا هَاهُنَا لَمْ تَمْلِكْ الثَّلَاثَ وَمَا أَتَتْ بِمَا فُوِّضَ إلَيْهَا فَلَغَتْ.
(وَإِنْ أَمَرَهَا بِطَلَاقٍ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فَطَلَّقَتْ بَائِنَةً، أَوْ أَمَرَهَا بِالْبَائِنِ فَطَلَّقَتْ رَجْعِيَّةً وَقَعَ مَا أَمَرَ بِهِ الزَّوْجُ) فَمَعْنَى الْأَوَّلِ أَنْ يَقُولَ لَهَا الزَّوْجُ: طَلِّقِي نَفْسَك وَاحِدَةً أَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فَتَقُولُ: طَلَّقْت نَفْسِي وَاحِدَةً بَائِنَةً فَتَقَعُ رَجْعِيَّةً لِأَنَّهَا أَتَتْ بِالْأَصْلِ وَزِيَادَةِ وَصْفٍ كَمَا ذَكَرْنَا فَيَلْغُو الْوَصْفُ وَيَبْقَى الْأَصْلُ، وَمَعْنَى الثَّانِي أَنْ يَقُولَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك وَاحِدَةً بَائِنَةً فَتَقُولُ طَلَّقْت نَفْسِي وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً فَتَقَعُ بَائِنَةً لِأَنَّ قَوْلَهَا وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً لَغْوٌ مِنْهَا لِأَنَّ الزَّوْجَ لَمَّا عَيَّنَ صِفَةَ الْمُفَوَّضِ إلَيْهَا فَحَاجَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَى إيقَاعِ الْأَصْلِ دُونَ تَعْيِينِ الْوَصْفِ فَصَارَ كَأَنَّهَا اقْتَصَرَتْ
فِي الْعَشَرَةِ الْمَوْجُودَةِ أَوْ الْمُتَصَوَّرَةِ، وَأَمَّا الثَّلَاثُ هَاهُنَا فَمَعْدُومٌ، وَالْوَاحِدُ الْمَوْجُودُ غَيْرُ الثَّلَاثِ الْمَعْدُومَةِ. فَإِنْ قِيلَ: سَلَّمْنَا الْمُغَايَرَةَ لَكِنْ إذَا قَالَ لَهَا أَمْرُك بِيَدِك وَنَوَى الْوَاحِدَةَ وَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا وَقَعَتْ الْوَاحِدَةُ وَقَدْ أَتَتْ بِغَيْرِ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا إذْ الثَّلَاثُ غَيْرُ الْوَاحِدَةِ عَلَى مَا ذُكِرَ. أُجِيبَ بِأَنَّ التَّفْوِيضَ هُنَاكَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِشَيْءٍ، فَقَدْ يَكُونُ خَاصًّا وَقَدْ يَكُونُ عَامًّا، فَإِذَا نَوَى الْوَاحِدَةَ فَقَدْ قَصَدَ تَفْوِيضًا خَاصًّا وَهُوَ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلظَّاهِرِ، فَلَمَّا أَوْقَعَتْ ثَلَاثًا فَقَدْ وَافَقَتْهُ فِيمَا هُوَ أَصْلُ التَّفْوِيضِ وَهُوَ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ الْوَاحِدَةِ فَتَقَعُ الْوَاحِدَةُ.
(وَقَوْلُهُ وَإِنْ أَمَرَهَا بِطَلَاقٍ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ) ظَاهِرٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ إنْ قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا إنْ شِئْت لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ إنْ شِئْت إنْ شِئْت الثَّلَاثَ إذْ الشَّرْطُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ جَزَاءٍ،
عَلَى الْأَصْلِ فَيَقَعُ بِالصِّفَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا الزَّوْجُ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا (وَإِنْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا إنْ شِئْت فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ) لِأَنَّ مَعْنَاهُ إنْ شِئْت الثَّلَاثَ وَهِيَ بِإِيقَاعِ الْوَاحِدَةِ مَا شَاءَتْ الثَّلَاثَ فَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ (وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك وَاحِدَةً إنْ شِئْت فَطَلَّقَتْ ثَلَاثًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) لِأَنَّ مَشِيئَةَ الثَّلَاثِ لَيْسَتْ بِمَشِيئَةٍ لِلْوَاحِدَةِ كَإِيقَاعِهَا (وَقَالَا: تَقَعُ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّ مَشِيئَةَ الثَّلَاثِ مَشِيئَةٌ لِلْوَاحِدَةِ، كَمَا أَنَّ إيقَاعَهَا إيقَاعٌ لِلْوَاحِدَةِ فَوُجِدَ الشَّرْطُ.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْتِ فَقَالَتْ: شِئْتُ إنْ شِئْتَ فَقَالَ الزَّوْجُ: شِئْتُ يَنْوِي الطَّلَاقَ بَطَلَ الْأَمْرُ) لِأَنَّهُ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِالْمَشِيئَةِ الْمُرْسَلَةِ وَهِيَ أَتَتْ بِالْمُعَلَّقَةِ فَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ وَهُوَ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يَعْنِيهَا فَخَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا، وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِقَوْلِهِ شِئْت وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْمَرْأَةِ ذِكْرُ الطَّلَاقِ لِيَصِيرَ الزَّوْجُ شَائِيًا طَلَاقَهَا، وَالنِّيَّةُ لَا تَعْمَلُ فِي غَيْرِ الْمَذْكُورِ
فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ أَوْ يُقَدَّرُ مِثْلُهُ مُتَأَخِّرًا، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَةِ الثَّلَاثِ وَلَمْ تُوجَدْ بِمَشِيئَةِ الْوَاحِدَةِ، وَكَذَا عَكْسُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَشِيئَةُ الْوَاحِدَةِ وَمَشِيئَةُ الثَّلَاثِ لَيْسَتْ مَشِيئَةً لِلْوَاحِدَةِ، كَمَا أَنَّ إيقَاعَ الثَّلَاثِ لَيْسَ بِإِيقَاعٍ لِلْوَاحِدَةِ فِيمَا إذَا قَالَتْ طَلَّقْت نَفْسِي ثَلَاثًا، وَوَجْهُ قَوْلِهِمَا ظَاهِرٌ.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت فَقَالَتْ شِئْت إنْ شِئْت فَقَالَ شِئْت يَنْوِي الطَّلَاقَ بَطَلَ الْأَمْرُ) وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ، وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ بِقَوْلِهِ شِئْت لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إيقَاعَ الطَّلَاقِ بِهَذَا اللَّفْظِ. وَالثَّانِي أَنَّهُ إذَا قَالَ شِئْت طَلَاقَك: أَيْ بِلَفْظِ صَرِيحِ الطَّلَاقِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْتَاجَ إلَى النِّيَّةِ.
وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ كَلَامَهُ بِنَاءٌ عَلَى كَلَامِهَا وَلَيْسَ فِي كَلَامِهَا ذِكْرُ الطَّلَاقِ وَإِنَّمَا فِيهِ ذِكْرُ الْمَشِيئَةِ فَيَكُونُ شَائِيًا بِمَشِيئَتِهَا لَا بِطَلَاقِهَا، لَا يُقَالُ كَلَامُهَا مَبْنِيٌّ عَلَى كَلَامِهِ الْأَوَّلِ وَفِيهِ ذِكْرُ
حَتَّى لَوْ قَالَ: شِئْت طَلَاقَك يَقَعُ إذَا نَوَى لِأَنَّهُ إيقَاعٌ مُبْتَدَأٌ إذْ الْمَشِيئَةُ تُنْبِئُ عَنْ الْوُجُودِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَرَدْت طَلَاقَك لِأَنَّهُ لَا يُنْبِئُ عَنْ الْوُجُودِ.
الطَّلَاقِ لِأَنَّ كَلَامَهَا لَغَا بِالِاشْتِغَالِ بِمَا لَا يَعْنِيهَا فَيَلْغُو مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ قَوْلَهُ شِئْت طَلَاقَك قَدْ يَقْصِدُ وُجُودَهُ مِلْكًا وَقَدْ يَقْصِدُ وُجُودَهُ وُقُوعًا فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ لِتَعْيِينِ جِهَةِ الْوُجُودِ وُقُوعًا (وَقَوْلُهُ إذْ الْمَشِيئَةُ تُنْبِئُ عَنْ الْوُجُودِ) قِيلَ لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ فِي الْأَصْلِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الشَّيْءِ وَهُوَ اسْمٌ لِلْمَوْجُودِ، فَكَانَ قَوْلُهُ شِئْت بِمَنْزِلَةِ أَوْجَدْت وَإِيجَادُ الطَّلَاقِ بِإِيقَاعِهِ، بِخِلَافِ الْإِرَادَةِ فَإِنَّهَا فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الطَّلَبِ، قَالَ عليه الصلاة والسلام «الْحُمَّى رَائِدُ الْمَوْتِ» أَيْ طَالِبُهُ، فَإِنْ قِيلَ: ذَهَبَ عُلَمَاؤُنَا فِي أُصُولِ الدِّينِ إلَى أَنَّ الْإِرَادَةَ وَالْمَشِيئَةَ وَاحِدَةٌ فَمَا هَذِهِ التَّفْرِقَةُ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا تَفْرِقَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعِبَادِ وَتَسْوِيَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ وَكَذَا
(وَكَذَا إذَا قَالَتْ شِئْتُ إنْ شَاءَ أَبِي أَوْ شِئْت إنْ كَانَ كَذَا لِأَمْرٍ لَمْ يَجِئْ بَعْدُ) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَأْتِيَّ بِهِ مَشِيئَةٌ مُعَلَّقَةٌ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَبَطَلَ الْأَمْرُ (وَإِنْ قَالَتْ: قَدْ شِئْت إنْ كَانَ كَذَا لِأَمْرٍ قَدْ مَضَى طَلُقَتْ) لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِشَرْطٍ كَائِنٍ تَنْجِيزٌ.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا شِئْت أَوْ إذَا مَا شِئْت أَوْ مَتَى شِئْت أَوْ مَتَى مَا شِئْت فَرَدَّتْ الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ رَدًّا وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ) أَمَّا كَلِمَةُ مَتَى وَمَتَى مَا فَلِأَنَّهُمَا لِلْوَقْتِ وَهِيَ عَامَّةٌ فِي الْأَوْقَاتِ كُلِّهَا، كَأَنَّهُ قَالَ فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْت فَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ رَدَّتْ الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ رَدًّا لِأَنَّهُ مَلَّكَهَا الطَّلَاقَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي شَاءَتْ فَلَمْ يَكُنْ تَمْلِيكًا
مَا يُرِيدُهُ بِخِلَافِ الْعِبَادِ.
وَقَوْلُهُ وَكَذَا إذَا قَالَتْ شِئْت إنْ شَاءَ أَبِي) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِأَمْرٍ كَائِنٍ تَنْجِيزٌ) قِيلَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَفَرَ مَنْ قَالَ هُوَ يَهُودِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ فَعَلَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ بُطْلَانَ الثَّانِي مَمْنُوعٌ، وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ نَقُولُ: هَذِهِ الْأَلْفَاظُ صَارَتْ كِنَايَةً عَنْ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى إذَا حَصَلَ التَّعْلِيقُ بِهَا بِفِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ، فَكَذَا إذَا حَصَلَ بِفِعْلٍ فِي الْمَاضِي تَحَامِيًا عَنْ تَكْفِيرِ الْمُسْلِمِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ إذَا شِئْت إلَخْ)
قَبْلَ الْمَشِيئَةِ حَتَّى يَرْتَدَّ بِالرَّدِّ، وَلَا تُطَلِّقُ نَفْسَهَا إلَّا وَاحِدَةً لِأَنَّهَا تَعُمُّ الْأَزْمَانَ دُونَ الْأَفْعَالِ فَتَمْلِكُ التَّطْلِيقَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَلَا تَمْلِكُ تَطْلِيقًا بَعْدَ تَطْلِيقٍ، وَأُمًّا كَلِمَةُ إذَا وَإِذَا مَا فَهُمَا وَمَتَى سَوَاءٌ عِنْدَهُمَا. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ يُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ كَمَا يُسْتَعْمَلُ لِلْوَقْتِ لَكِنَّ الْأَمْرَ صَارَ بِيَدِهَا فَلَا يَخْرُجُ بِالشَّكِّ وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ.
(وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّمَا شِئْت فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ حَتَّى تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا) لِأَنَّ كَلِمَةَ كُلَّمَا تُوجِبُ تَكْرَارَ الْأَفْعَالِ إلَّا أَنَّ التَّعْلِيقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْمِلْكِ الْقَائِمِ (حَتَّى لَوْ عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا
وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (فَلَا يَخْرُجُ بِالشَّكِّ) يَعْنِي لَوْ نَظَرْنَا إلَى كَوْنِهِ لِلشَّرْطِ يَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهَا بِالْقِيَامِ كَمَا فِي قَوْلِهِ إنْ شِئْت، وَلَوْ نَظَرْنَا إلَى كَوْنِهِ لِلْوَقْتِ لَا يَخْرُجُ فَلَا يَخْرُجُ بِالشَّكِّ. وَقَوْلُهُ (وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ) يَعْنِي فِي فَصْلِ إضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَى الزَّمَانِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّمَا شِئْت) ظَاهِرٌ.
لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ) لِأَنَّهُ مِلْكٌ مُسْتَحْدَثٌ (وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ) لِأَنَّهَا تُوجِبُ عُمُومَ الِانْفِرَادِ لَا عُمُومَ الِاجْتِمَاعِ فَلَا تَمْلِكُ الْإِيقَاعَ جُمْلَةً وَجَمْعًا (وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ حَيْثُ شِئْت أَوْ أَيْنَ شِئْت لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَشَاءَ، وَإِنْ قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا فَلَا مَشِيئَةَ لَهَا) لِأَنَّ كَلِمَةَ حَيْثُ وَأَيْنَ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَكَانِ وَالطَّلَاقُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمَكَانِ فَيَلْغُو وَيَبْقَى ذِكْرُ مُطْلَقِ الْمَشِيئَةِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ، بِخِلَافِ الزَّمَانِ لِأَنَّ لَهُ تَعَلُّقًا بِهِ حَتَّى يَقَعَ فِي زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ عُمُومًا وَخُصُوصًا.
(وَإِنْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ كَيْفَ شِئْت طَلُقَتْ تَطْلِيقَةً يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ) وَمَعْنَاهُ قَبْلَ
وَقَوْلُهُ (فَلَا تَمْلِكُ الْإِيقَاعَ جُمْلَةً وَجَمْعًا) قِيلَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ. وَقِيلَ الْجُمْلَةُ هُوَ أَنْ تَقُولَ طَلَّقْت نَفْسِي ثَلَاثًا، وَالْجَمْعُ أَنْ تَقُولَ طَلَّقْت وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ حَيْثُ شِئْت) ظَاهِرٌ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا لَغَا ذِكْرُ الْمَكَانِ. بَقِيَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ شِئْت فَيَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ دَخَلْت الدَّارَ فَإِنَّهُ يَقَعُ السَّاعَةَ. أُجِيبَ بِأَنَّ حَيْثُ وَأَيْنَ تُفِيدَانِ ضَرْبًا مِنْ التَّأْخِيرِ، وَحَرْفَ الشَّرْطِ أَيْضًا يُفِيدُ ضَرْبًا مِنْ التَّأْخِيرِ فَيَشْتَرِكَانِ فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى التَّأْخِيرِ فَيُجْعَلَانِ مَجَازًا عَنْ حَرْفِ الشَّرْطِ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا جُعِلَا مَجَازًا عَنْ حَرْفِ الشَّرْطِ لِمَاذَا يَبْطُلُ بِالْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ وَإِنَّمَا يَبْطُلُ بِالْقِيَامِ عَنْ الْمَجْلِسِ إذَا جُعِلَا مَجَازًا عَنْ حَرْفِ إنْ، وَأَمَّا إذَا جُعِلَا مَجَازًا عَنْ كَلِمَةِ إذَا أَوْ مَتَى فَلَا يَبْطُلُ بِالْقِيَامِ عَنْهُ فَلِمَ لَمْ يُجْعَلْ مَجَازًا عَنْ كَلِمَةِ إذَا أَوْ مَتَى؟ أُجِيبَ بِأَنَّ جَعْلَهُمَا مَجَازًا عَنْ إنْ أَوْلَى لِمَا أَنَّهَا لِمَحْضِ الشَّرْطِ فَكَانَتْ أَصْلًا فِي الْبَابِ، وَالِاعْتِبَارُ بِالْأَصْلِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ الزَّمَانِ لِأَنَّ لِلطَّلَاقِ تَعَلُّقًا بِهِ لِوُقُوعِهِ فِي زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ وَاقِعًا فِي مَكَان كَانَ وَاقِعًا فِي جَمِيعِ الْأَمْكِنَةِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ: أَيْ اعْتِبَارُ الزَّمَانِ خُصُوصًا، كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا أَوْ عُمُومًا كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْت
قَالَ (وَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ كَيْفَ شِئْت)
الْمَشِيئَةِ، فَإِنْ قَالَتْ: قَدْ شِئْت وَاحِدَةً بَائِنَةً أَوْ ثَلَاثًا وَقَالَ الزَّوْجُ ذَلِكَ نَوَيْت فَهُوَ كَمَا قَالَ، لِأَنَّ عِنْدَ ذَلِكَ تَثْبُتُ الْمُطَابَقَةُ بَيْنَ مَشِيئَتِهَا وَإِرَادَتِهِ، أَمَّا إذَا أَرَادَتْ ثَلَاثًا وَالزَّوْجُ وَاحِدَةً بَائِنَةً أَوْ عَلَى الْقَلْبِ تَقَعُ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ لِأَنَّهُ لَغَا تَصَرُّفَهَا لِعَدَمِ الْمُوَافَقَةِ فَبَقِيَ إيقَاعُ الزَّوْجِ وَإِنْ لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ تُعْتَبَرُ مَشِيئَتُهَا فِيمَا قَالُوا جَرْيًا عَلَى مُوجِبِ التَّخْيِيرِ قَالَ رضي الله عنه
اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِيمَا إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ كَيْفَ شِئْت هَلْ يَتَعَلَّقُ أَصْلُ الطَّلَاقِ بِمَشِيئَتِهَا أَوْ لَا، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَتَعَلَّقُ بَلْ تَقَعُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَا مَشِيئَةَ لَهَا إنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا وَقَعَتْ تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ وَالْمَشِيئَةُ إلَيْهَا فِي الْمَجْلِسِ بَعْدَ ذَلِكَ. ثُمَّ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَنْوِيَ الزَّوْجُ شَيْئًا أَوْ لَمْ يَنْوِ، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي اُعْتُبِرَتْ مَشِيئَتُهَا فِي الْكَمِّ وَالْكَيْفِ فِيمَا قَالُوا جَرْيًا عَلَى مُوجِبِ التَّخْيِيرِ. وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، فَإِنْ اتَّفَقَتْ نِيَّتُهُ وَمَشِيئَتُهَا فَذَاكَ، وَإِنْ اخْتَلَفَا بِأَنْ شَاءَتْ بَائِنَةً وَالزَّوْجُ ثَلَاثًا أَوْ بِالْعَكْسِ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَقَالَا: لَا يَقَعُ شَيْءٌ لَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَا بَعْدَهُ حَتَّى تَشَاءَ، فَإِنْ شَاءَتْ أَوْقَعَتْ مَا شَاءَتْ مِنْ الرَّجْعِيِّ وَالْبَائِنِ وَالثَّلَاثِ لِأَنَّهُ فَوَّضَ التَّطْلِيقَ إلَيْهَا عَلَى أَيِّ صِفَةٍ شَاءَتْ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ كَيْفَ لِلسُّؤَالِ عَنْ الْحَالِ مُطْلَقًا فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْلِيقِ الْأَصْلِ بِمَشِيئَتِهَا لِتَثْبُتَ لَهَا الْمَشِيئَةُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت أَوْ حَيْثُ شِئْت أَوْ أَيْنَ شِئْت. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ كَلِمَةَ كَيْفَ لِطَلَبِ الْوَصْفِ لَا لِطَلَبِ الْأَصْلِ، يُقَالُ كَيْفَ أَصْبَحْت: أَيْ عَلَى أَيِّ وَصْفٍ مِنْ الصِّحَّةِ وَالسَّقَمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَكَانَ التَّفْوِيضُ فِي وَصْفِ الطَّلَاقِ، وَالتَّفْوِيضُ فِي وَصْفِهِ يَسْتَدْعِي وُجُودَ أَصْلِهِ، وَإِلَّا لَكَانَ كَيْفَ لِطَلَبِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَوُجُودُ الطَّلَاقِ بِوُقُوعِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَهَاهُنَا سُؤَالٌ مَشْهُورٌ وَهُوَ أَنَّ الْمَعْقُولَ أَنْ لَا يَحْتَاجَ إلَى نِيَّةِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَيْهَا وَجَبَ أَنْ تَسْتَقِلَّ بِإِثْبَاتِ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا اعْتِبَارًا بِعَامَّةِ التَّفْوِيضَاتِ. وَجَوَابُهُ أَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهَا حَالَ الطَّلَاقِ وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْكَمِّ وَالْكَيْفِ: يَعْنِي الْعَدَدَ وَالْبَيْنُونَةَ فَيَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ لِتَعْيِينِ أَحَدِهِمَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الطَّحَاوِيِّ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَجْعَلَ الطَّلَاقَ بَائِنًا أَوْ ثَلَاثًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ نَاقِلًا عَنْ الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ: وَقَدْ رَاجَعْت الْفُحُولَ فِي جَوَابِ هَذَا الْإِشْكَالِ فَمَا قَرَعَ سَمْعِي جَوَابُهُ فَيَجِبُ التَّعْوِيلُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا مُنَاسَبَةَ لِهَذَا التَّفْوِيضِ لِعَامَّةِ التَّفْوِيضَاتِ إلَّا فِي كَوْنِهِ تَفْوِيضًا وَذَلِكَ لَيْسَ بِجَامِعٍ لِوُجُودِ الْفَارِقِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُفَوِّضَ هَاهُنَا مُتَنَوِّعٌ دُونَهَا فَيَكُونُ فِي وُجُوبِ التَّعْوِيلِ نَظَرٌ. تَوْضِيحُهُ أَنَّ الْمُتَأَخِّرَ إلَى الْمَشِيئَةِ مَا عُلِّقَ بِهَا وَالتَّعْلِيقُ بِالْمَشِيئَةِ إنَّمَا حَصَلَ
وَقَالَ فِي الْأَصْلِ هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله (وَعِنْدَهُمَا لَا يَقَعُ مَا لَمْ تُوقِعْ الْمَرْأَةُ فَتَشَاءُ رَجْعِيَّةً أَوْ بَائِنَةً أَوْ ثَلَاثًا) وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْعَتَاقُ لَهُمَا أَنَّهُ فَوَّضَ التَّطْلِيقَ إلَيْهَا عَلَى أَيِّ صِفَةٍ شَاءَتْ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْلِيقِ أَصْلِ الطَّلَاقِ بِمَشِيئَتِهَا لِتَكُونَ لَهَا الْمَشِيئَةُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ: أَعْنِي قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ كَلِمَةَ كَيْفَ
بِكَلِمَةِ كَيْفَ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُ وَهِيَ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْأَصْلِ أَصْلًا فَيَكُونُ مُنَجِّزًا أَصْلَ الطَّلَاقِ وَمُفَوِّضًا لِوَصْفِهِ الْمُتَنَوِّعِ. وَتَفْوِيضُ وَصْفِ الشَّيْءِ مُبْهَمًا قَبْلَ وُجُودِ الْأَصْلِ مُمْتَنِعٌ إلَّا أَنَّ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا لَا أَثَرَ لِمَشِيئَةِ الْوَصْفِ بَعْدَ وُقُوعِ الْأَصْلِ لِعَدَمِ الْمَحَلِّ فَيَلْغُو تَفْوِيضُ الصِّفَةِ إلَى مَشِيئَتِهَا، وَفِي الْمَوْطُوءَةِ الْمَحَلُّ بَاقٍ بَعْدَ وُجُودِ الْأَصْلِ فَلَهَا الْمَشِيئَةُ بَعْدَ وُقُوعِهِ.
وَقَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْعَتَاقُ) يَعْنِي إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ كَيْفَ شِئْت عَتَقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا حَالَ لِلْعِتْقِ يُفَوَّضُ إلَيْهِ. وَعِنْدَهُمَا لَا يَعْتِقُ حَتَّى يَشَاءَ وَإِنَّمَا قَالَ فِي الْكِتَابِ (قَالَ فِي الْأَصْلِ هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ) لِأَنَّ مَا أَوْرَدَهُ فِي الْأَصْلِ مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ قَوْلِهِمَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الرِّوَايَةَ فِيهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةِ لَا غَيْرُ فَذَكَرَهُ لِيَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إنَّمَا هُوَ قَوْلُهُ لَا قَوْلُهُمَا بِدَلِيلِ
لِلِاسْتِيصَافِ، يُقَالُ كَيْفَ أَصْبَحْت وَالتَّفْوِيضُ فِي وَصْفِهِ يَسْتَدْعِي وُجُودَ أَصْلِهِ وَوُجُودَ الطَّلَاقِ بِوُقُوعِهِ.
(وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ كَمْ شِئْت أَوْ مَا شِئْت طَلَّقَتْ نَفْسَهَا مَا شَاءَتْ) لِأَنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ لِلْعَدَدِ فَقَدْ فَوَّضَ إلَيْهَا أَيَّ عَدَدٍ شَاءَتْ
مَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ.
(وَإِنْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ كَمْ شِئْت أَوْ مَا شِئْت طَلَّقَتْ نَفْسَهَا مَا شَاءَتْ) ذَكَرَ فِي أَصْلِ رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: إنْ شَاءَتْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا مَا لَمْ تَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهَا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُبَاحُ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا وَالزَّوْجُ لَا يَسَعُهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ إنْ شَاءَتْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا مَشِيئَةَ الْقُدْرَةِ لَا مَشِيئَةَ الْإِبَاحَةِ: يَعْنِي أَنَّهَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} عَلَى أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لَهَا فِي التَّخْيِيرِ.
وَوَجْهُ الِاخْتِصَاصِ اضْطِرَارُهَا، فَإِنَّ التَّفْرِيقَ يُخْرِجُ الْأَمْرَ مِنْ يَدِهَا. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُمَا يَعْنِي كَمْ وَمَا يُسْتَعْمَلَانِ لِلْعَدَدِ فَقَدْ فَوَّضَ إلَيْهَا أَيَّ عَدَدٍ شَاءَتْ) فَإِنْ قِيلَ: هَذَا فِي " كَمْ " مُسَلَّمٌ، وَأَمَّا فِي " مَا " فَهِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ لِلْوَقْتِ كَمَا تُسْتَعْمَلُ لِلْعَدَدِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {مَا دُمْتُ حَيًّا} فَقَدْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي تَفْوِيضِ الْعَدَدِ إلَيْهَا فَلَا يَثْبُتُ الْعَدَدُ بِالشَّكِّ. أُجِيبَ بِأَنَّ جَانِبَ الْعَدَدِ مُرَجَّحٌ بِأَصْلٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ هَذَا تَفْوِيضٌ بِمَعْنَى التَّمْلِيكِ لِأَنَّهُ تَفْوِيضٌ إلَى الْمَرْأَةِ أَمْرَ نَفْسِهَا وَالتَّمْلِيكَاتُ تَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ أَنْ لَوْ كَانَتْ مَعْمُولَةً بِمَعْنَى الْعَدَدِ لَا بِمَعْنَى الْوَقْتِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى مَا وَرَاءِ الْمَجْلِسِ فَتَعَارَضَ جِهَتَا التَّرْجِيحِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ تَمْلِيكٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ، وَالْأَوَّلُ كَالْأَصْلِ فَالتَّرْجِيحُ بِهِ أَوْلَى
(فَإِنْ قَامَتْ مِنْ الْمَجْلِسِ بَطَلَ، وَإِنْ رَدَّتْ الْأَمْرَ كَانَ رَدًّا) لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ وَاحِدٌ وَهُوَ خِطَابٌ فِي الْحَالِ فَيَقْتَضِي الْجَوَابَ فِي الْحَالِ.
(وَإِنْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك مِنْ ثَلَاثٍ مَا شِئْت فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ وَلَا تُطَلِّقَ ثَلَاثًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله، وَقَالَا: تُطَلِّقُ ثَلَاثًا إنْ شَاءَتْ) لِأَنَّ كَلِمَةَ مَا مُحْكَمَةٌ فِي التَّعْمِيمِ وَكَلِمَةَ مَنْ قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِتَمْيِيزٍ فَحُمِلَ عَلَى تَمْيِيزِ الْجِنْسِ، كَمَا إذَا قَالَ: كُلْ مِنْ طَعَامِي مَا شِئْت أَوْ طَلِّقْ مِنْ نِسَائِي مَنْ شَاءَتْ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ كَلِمَةَ مِنْ حَقِيقَةٌ لِلتَّبْعِيضِ وَمَا لِلتَّعْمِيمِ فَعُمِلَ بِهِمَا،
فَإِنْ قَامَتْ عَنْ الْمَجْلِسِ بَطَلَ الْأَمْرُ) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ تَمْلِيكٌ وَالتَّمْلِيكُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ (وَإِنْ رَدَّتْ الْأَمْرَ كَانَ رَدًّا لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ وَاحِدٌ) إذْ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ، قِيلَ هُوَ احْتِرَازٌ عَنْ كُلَّمَا، وَكُلُّ مَا هُوَ أَمْرٌ وَاحِدٌ يَقْتَضِي جَوَابًا وَاحِدًا لِيَكُونَ الْجَوَابُ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ وَذَلِكَ الْجَوَابُ الْوَاحِدُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْحَالِ، إذْ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْوَقْتِ مُرَادًا. قِيلَ وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ إذَا وَمَتَى وَالْخِطَابُ فِي الْحَالِ يَقْتَضِي الْجَوَابَ فِي الْحَالِ لِمَا قُلْنَا، فَإِذَا رَدَّتْ الْأَمْرَ فَقَدْ حَصَلَ الْجَوَابُ فِي الْحَالِ وَلَا جَوَابَ بَعْدَهُ لِعَدَمِ التَّكْرَارِ،.
وَإِنْ قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك مِنْ ثَلَاثٍ مَا شِئْت، فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ دُونَ الثَّلَاثِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ ثَلَاثًا (لِأَنَّ كَلِمَةَ مَا مُحْكَمَةٌ فِي التَّعْمِيمِ وَكَلِمَةَ مَنْ قَدْ تَكُونُ لِلتَّمْيِيزِ) يَعْنِي لِلْبَيَانِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} وَقَدْ تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ وَقَدْ تَكُونُ لِغَيْرِهِمَا كَمَا عُرِفَ ذَلِكَ فَاجْتَمَعَ فِي كَلَامِهِ الْمُحْكَمُ وَالْمُحْتَمَلُ فَيُحْمَلُ الْمُحْتَمَلُ عَلَى الْمُحْكَمِ وَيُجْعَلُ بَيَانًا (كَمَا إذَا قَالَ كُلْ مِنْ طَعَامِي مَا شِئْت أَوْ طَلُقَ مِنْ نِسَائِي مَنْ شَاءَتْ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ كَلِمَةَ مَنْ حَقِيقَةٌ لِلتَّبْعِيضِ وَمَا لِلتَّعْمِيمِ وَالْعَمَلُ بِهِمَا مُمْكِنٌ) مِنْ حَيْثُ أَنْ يُجْعَلَ الْمُرَادُ بَعْضًا عَامًّا، وَالثِّنْتَانِ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَاحِدَةِ عَامٌّ وَبِالنِّسْبَةِ
وَفِيمَا اسْتَشْهَدَا بِهِ تَرْكُ التَّبْعِيضِ بِدَلَالَةِ إظْهَارِ السَّمَاحَةِ أَوْ لِعُمُومِ الصِّفَةِ وَهِيَ الْمَشِيئَةُ، حَتَّى لَوْ قَالَ: مَنْ شِئْت كَانَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
إلَى الثَّلَاثِ بَعْضٌ. فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا لَا يَتَنَاوَلُ الْوَاحِدَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَامٍّ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ دَلَالَةً، وَإِذَا كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا مُمْكِنًا لَا يُهْمَلُ أَحَدُهُمَا (وَفِيمَا اُسْتُشْهِدَ بِهِ تَرْكُ التَّبْعِيضِ) بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ (وَهُوَ إظْهَارُ السَّمَاحَةِ أَوْ لِعُمُومِ الصِّفَةِ وَهِيَ الْمَشِيئَةُ) فَإِنَّ النَّكِرَةَ إذَا اتَّصَفَتْ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ تَعُمُّ لِمَا عُرِفَ وَهَاهُنَا كَذَلِكَ (حَتَّى لَوْ قَالَ مَنْ شِئْت كَانَ عَلَى الْخِلَافِ)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قِيلَ ثُمَّ إنَّهَا إنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا لَا يَقَعُ شَيْءٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ الْمُفَوَّضَ إلَيْهَا الْوَاحِدَةُ إذَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا لَا يَقَعُ، فَكَذَا الَّتِي فُوِّضَ إلَيْهَا ثِنْتَانِ إذَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا لَا يَقَعُ وَقَدْ مَرَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ الْأَيْمَانِ فِي الطَّلَاقِ
(وَإِذَا أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى النِّكَاحِ وَقَعَ عَقِيبَ النِّكَاحِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَةٍ إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَقَعُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ»
بَابُ الْأَيْمَانِ فِي الطَّلَاقِ:
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ تَنْجِيزِ الطَّلَاقِ صَرِيحًا وَكِنَايَةً أَعْقَبَهُ بِذِكْرِ بَيَانِ تَعْلِيقِهِ لِكَوْنِهِ مُرَكَّبًا مِنْ ذِكْرِ الطَّلَاقِ وَالشَّرْطِ، وَالْمُرَكَّبُ مُؤَخَّرٌ عَنْ الْمُفْرَدِ. وَالْيَمِينُ فِي الطَّلَاقِ عِبَارَةٌ عَنْ تَعْلِيقِهِ بِأَمْرٍ بِمَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الشَّرْطِ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ شَرْطٌ وَجَزَاءٌ، سُمِّيَ يَمِينًا مَجَازًا لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى السَّبَبِيَّةِ. إضَافَةُ مَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ فِي الشَّرْطِ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالظِّهَارِ إلَى الْمِلْكِ جَائِزَةٌ سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى الْخُصُوصِ، كَمَا إذَا قَالَ لِامْرَأَةٍ إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ عَلَى الْعُمُومِ كَقَوْلِهِ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ فِي الظِّهَارِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَصِحُّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ» رُوِيَ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً فَأَبَى أَوْلِيَاؤُهَا أَنْ يُزَوِّجُوهَا مِنْهُ، فَقَالَ: إنْ نَكَحْتهَا فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ» وَلَنَا أَنَّ هَذَا تَصَرُّفُ يَمِينٍ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ،
وَلَنَا أَنَّ هَذَا تَصَرُّفُ يَمِينٍ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ فَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ قِيَامُ الْمِلْكِ فِي الْحَالِ لِأَنَّ الْوُقُوعَ عِنْدَ الشَّرْطِ وَالْمِلْكُ مُتَيَقَّنٌ بِهِ عِنْدَهُ وَقَبْلَ ذَلِكَ أَثَرُهُ الْمَنْعُ وَهُوَ قَائِمٌ بِالْمُتَصَرِّفِ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ التَّنْجِيزِ،
وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ قِيَامُ الْمِلْكِ فِي الْحَالِ لِأَنَّ الْوُقُوعَ عِنْدَ الشَّرْطِ إذْ الْعِلَّةُ لَيْسَتْ بِعِلَّةٍ فِي الْحَالِ عِنْدَنَا كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ (وَالْمِلْكُ مُتَيَقَّنٌ بِهِ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَإِذَا كَانَ مُتَيَقَّنًا بِهِ عِنْدَهُ وَقَعَ الطَّلَاقُ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي وَهُوَ الْعِلَّةُ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ كَالْمَلْفُوظِ لَدَى الشَّرْطِ، وَانْتِفَاءُ الْمَانِعِ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ مَنْقُوضٌ بِقَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّهُ تَصَرُّفُ يَمِينٍ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، وَقِيَامُ الْمِلْكِ فِي الْحَالِ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمِلْكَ مُتَيَقَّنٌ بِهِ عِنْدَ الشَّرْطِ فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى اشْتِرَاطِهِ فِي الْحَالِ، بِخِلَافِ صُورَةِ النَّقْضِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ فِيهَا ذَلِكَ عَرِيَتْ عَنْ الْمِلْكِ ظَاهِرًا لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ مَا يَحْدُثُ فَضْلًا عَنْ التَّيَقُّنِ بِهِ، وَهَذَا جَوَابٌ بِالْفَرْقِ وَالْمُصَنِّفُ قَائِلٌ بِهِ.
وَقَوْلُهُ (وَقَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ وَقَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ أَثَرُهُ الْمَنْعُ وَهُوَ قَائِمٌ بِالْمُتَصَرِّفِ لِأَنَّهُ يَمِينٌ وَمَحَلُّهُ ذِمَّةُ الْحَالِفِ فَلَا يَكُونُ شَرْطًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَمَجَالُ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاسِعٌ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَنْوَارِ وَالتَّقْرِيرِ. وَقَوْلُهُ (وَالْحَدِيثُ) يَعْنِي مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ التَّنْجِيزِ، فَإِنَّ الْمُنَجَّزَ هُوَ الطَّلَاقُ حَقِيقَةً لَا الْمُعَلَّقُ
وَالْحَمْلُ مَأْثُورٌ عَنْ السَّلَفِ كَالشَّعْبِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِمَا (وَإِذَا أَضَافَهُ إلَى شَرْطٍ وَقَعَ عَقِيبَ الشَّرْطِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ) وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ الْمِلْكَ قَائِمٌ فِي الْحَالِ، وَالظَّاهِرُ بَقَاؤُهُ إلَى وَقْتِ وُجُودِ الشَّرْطِ
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عليه الصلاة والسلام عَنْ كَوْنِ ذَلِكَ طَلَاقًا فَقَالَ «لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ» وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَنَّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ بِالنِّكَاحِ جَائِزٌ أَوْ لَيْسَ بِجَائِزٍ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ أَوْ إثْبَاتِهِ (وَالْحَمْلُ عَلَى التَّنْجِيزِ مَأْثُورٌ عَنْ السَّلَفِ كَالشَّعْبِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِمَا) كَمَكْحُولٍ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (وَإِذَا أَضَافَهُ إلَى شَرْطٍ وَقَعَ عَقِيبَ الشَّرْطِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ الْمِلْكَ قَائِمٌ فِي الْحَالِ، وَالظَّاهِرُ بَقَاؤُهُ إلَى وَقْتِ الشَّرْطِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الشَّيْءِ عَلَى مَا كَانَ وَهُوَ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ. لَا يُقَالُ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ ثُبُوتُ الْمِلْكِ عِنْدَ الشَّرْطِ، وَالِاسْتِصْحَابُ حُجَّةٌ دَافِعَةٌ لَا مُثْبِتَةٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِصْحَابَ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِإِثْبَاتِ مَا لَمْ يَكُنْ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ.
.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَيَصِحُّ يَمِينًا أَوْ إيقَاعًا (وَلَا تَصِحُّ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ مَالِكًا أَوْ يُضِيفَهُ إلَى مِلْكٍ) لِأَنَّ الْجَزَاءَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا لِيَكُونَ مُخِيفًا فَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْيَمِينِ وَهُوَ الْقُوَّةُ وَالظُّهُورُ بِأَحَدِ هَذَيْنِ، وَالْإِضَافَةُ إلَى سَبَبِ الْمِلْكِ بِمَنْزِلَةِ الْإِضَافَةِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ عِنْدَ سَبَبِهِ (فَإِنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَدَخَلَتْ الدَّارَ
قَوْلُهُ فَيَصِحُّ يَمِينًا) يَعْنِي عِنْدَنَا عَلَى مَا مَرَّ (أَوْ إيقَاعًا) يَعْنِي عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ عِنْدَهُ كَوْنَهُ طَلَاقًا مُعَلَّقٌ لَا التَّطْلِيقُ فَكَانَ إيقَاعًا فِي الْحَالِ وَلَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ حُكْمُهُ (وَلَا تَصِحُّ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ مَالِكًا) لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (أَوْ يُضِيفُهُ إلَى مِلْكٍ لِأَنَّ الْجَزَاءَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا) أَيْ غَالِبَ الْوُجُودِ (وَالظُّهُورُ بِأَحَدِ هَذَيْنِ) الْأَمْرَيْنِ، أَمَّا أَنَّ الْجَزَاءَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا (فَلِيَكُونَ مُخِيفًا بِوُقُوعِهِ فَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْيَمِينِ وَهُوَ الْقُوَّةُ) فَإِنَّ الْحَامِلَ عَلَى الْحَمْلِ أَوْ الْمَنْعِ اللَّذَيْنِ عُقِدَ الْيَمِينُ لِأَجْلِهِمَا هُوَ قُوَّةُ خَوْفِ نُزُولِ الْجَزَاءِ، وَالْخَوْفُ إنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَ الْجَزَاءُ غَالِبَ الْوُجُودِ عِنْدَ الشَّرْطِ، وَأَمَّا أَنَّ ظُهُورَهُ بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فَلِأَنَّهُ إذَا انْعَدَمَ مَا انْعَدَمَ الْخَوْفُ فَانْعَدَمَ مَعْنَى الْيَمِينِ: أَعْنِي الْحَمْلَ أَوْ الْمَنْعَ (وَالْإِضَافَةُ إلَى سَبَبِ الْمِلْكِ) كَقَوْلِهِ إنْ اشْتَرَيْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ (بِمَنْزِلَةِ الْإِضَافَةِ إلَى الْمِلْكِ) كَقَوْلِهِ إنْ مَلَكْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْجَزَاءَ (ظَاهِرٌ عِنْدَ سَبَبِهِ) يَعْنِي سَبَبَ الْمِلْكِ (قَوْلُهُ فَإِنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ) تَفْرِيعٌ عَلَى مَا مُهِّدَ مِنْ الْأَصْلِ وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ تَزَوَّجْتُك حَتَّى
لَمْ تَطْلُقْ) لِأَنَّ الْحَالِفَ لَيْسَ بِمَالِكٍ وَلَا أَضَافَهُ إلَى الْمِلْكِ أَوْ سَبَبِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
(وَ
أَلْفَاظُ الشَّرْطِ
إنْ وَإِذَا وَإِذَا مَا
يَئُولَ مَعْنَاهُ إنْ تَزَوَّجْتُك وَدَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ صِيَانَةً عَنْ الْإِلْغَاءِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِعْلَ الْيَمِينِ مِمَّا يُذَمُّ بِهِ فَلَا يَجُوزُ تَصْحِيحُ قَوْلِهِ عَلَى وَجْهٍ يُؤَدِّي إلَى مَذَمَّتِهِ، كَذَا قَالَ عَامَّةُ الشَّارِحِينَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ لَيْسَ بِيَمِينٍ حَقِيقَةً. وَلَئِنْ كَانَ فَقَدْ يَقَعُ فِيمَا يَكُونُ مَحْمُودًا شَرْعًا، كَمَا إذَا قَالَ إنْ اشْتَرَيْتُك وَدَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الشَّرْعِ عِنَايَةً بِوُقُوعِ الْحُرِّيَّةِ.
وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: الْمُقَدَّرُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَحْذُوفًا أَوْ مُقْتَضًى، وَلَيْسَ بِمَحْذُوفٍ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ لَيْسَ بِمُتَوَقِّفٍ عَلَيْهِ لُغَةً وَلَا مُقْتَضَى لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ الْمُقَدَّرُ أَحَطَّ رُتْبَةً مِنْ الْمَذْكُورِ وَأَنْ لَا يَتَغَيَّرَ الْمَذْكُورُ عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِالْمُقَدَّرِ، وَالشَّرْطَانِ مُنْتَفِيَانِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ لِأَنَّ التَّزَوُّجَ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْ دُخُولِ الدَّارِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الشَّرْطَ قَبْلَ التَّصْرِيحِ دُخُولُ الدَّارِ وَحْدَهُ وَبَعْدَهُ التَّزَوُّجُ وَالدُّخُولُ، فَمَا كَانَ شَرْطًا صَارَ بَعْضَهُ وَمَوْضِعُهُ أُصُولُ الْفِقْهِ.
(قَالَ وَأَلْفَاظُ الشَّرْطِ) عَبَّرَ بِأَلْفَاظِ الشَّرْطِ وَلَمْ يَقُلْ حُرُوفَ الشَّرْطِ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ لِأَنَّ عَامَّتَهَا أَسْمَاءٌ، وَلَمْ يُورِدْ
كُلُّ وَكُلَّمَا وَمَتَى وَمَتَى مَا) لِأَنَّ الشَّرْطَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعَلَامَةِ، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ مِمَّا تَلِيهَا أَفْعَالٌ فَتَكُونُ عَلَامَاتٍ عَلَى الْحِنْثِ، ثُمَّ كَلِمَةُ إنْ حَرْفٌ لِلشَّرْطِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَعْنَى الْوَقْتِ وَمَا وَرَاءَهَا مُلْحَقٌ بِهَا، وَكَلِمَةُ كُلٍّ لَيْسَتْ شَرْطًا حَقِيقَةً لِأَنَّ مَا يَلِيهَا اسْمٌ وَالشَّرْطُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَزَاءُ وَالْأَجْزِيَةُ تَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ إلَّا أَنَّهُ أُلْحِقَ بِالشَّرْطِ لِتَعَلُّقِ الْفِعْلِ بِالِاسْمِ
أَحَدَ حَرْفَيْ الشَّرْطِ وَضْعًا وَهُوَ لَوْ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: لِأَنَّ كَلِمَةَ لَوْ تَعْمَلُ عَمَلَ الشَّرْطِ مَعْنًى لَا لَفْظًا، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ تَعْمَلُ عَمَلَهُ لَفْظًا وَمَعْنًى، فَإِنَّهَا فِي مَوَاضِعِ الْجَزْمِ تَجْزِمُ وَفِي غَيْرِ مَوَاضِعِ الْجَزْمِ لَزِمَ دُخُولُ الْفَاءِ فِي جَزَائِهِنَّ، بِخِلَافِ كَلِمَةِ لَوْ، وَهَذَا لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي عِلْمِ الْفِقْهِ.
وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ التَّعْلِيقَ يَمِينٌ تُعْقَدُ لِلْحَمْلِ أَوْ الْمَنْعِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَوْ مَوْضُوعَةٌ لِامْتِنَاعِ الشَّيْءِ لِامْتِنَاعِ غَيْرِهِ فِي الْمَاضِي فَأَنَّى لَهُ مَدْخَلٌ فِي ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الشَّرَطَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعَلَامَةِ) قَالَ فِي الصِّحَاحِ: الشَّرَطُ بِالتَّحْرِيكِ الْعَلَامَةُ، وَأَشْرَاطُ السَّاعَةِ عَلَامَاتُهَا، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَعْنَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الشَّرَطَ مُشْتَقٌّ مِنْ الشَّرَطِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْعَلَامَةِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالِاشْتِقَاقِ هُوَ الِاشْتِقَاقُ الْكَبِيرُ، وَهُوَ أَنْ تَجِدَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ تَنَاسُبًا فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَلَيْسَ بَيْنَ الشَّرَطِ وَالْعَلَامَةِ تَنَاسُبٌ لَفْظِيٌّ فَيُقَدَّرُ ذَلِكَ لِيَسْتَقِيمَ. وَقَوْلُهُ (وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ مِمَّا تَلِيهَا الْأَفْعَالُ) يَعْنِي غَيْرَ كَلِمَةِ كُلٍّ فَإِنَّهُ يُذْكَرُ فِيمَا
الَّذِي يَلِيهَا مِثْلُ قَوْلِك كُلُّ عَبْدٍ اشْتَرَيْتُهُ فَهُوَ حُرٌّ. قَالَ رضي الله عنه:
يَلِيهَا اسْمٌ، وَفِي كَلَامِهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ عَلَى الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ طَرِيقَ مَعْرِفَتِهَا وَإِنَّمَا طَرِيقُ ذَلِكَ السَّمَاعُ، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ سُمِعَتْ مُسْتَعْمَلَةً فِي مَوْضِعِ الشَّرْطِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاسْتِدْلَالِ، وَلَئِنْ صَحَّ الِاسْتِدْلَال فَدَلِيلُهُ هَاهُنَا لَا يُفِيدُ مَطْلُوبَهُ لِأَنَّ مَطْلُوبَهُ أَنَّ هَذِهِ أَلْفَاظُ الشَّرْطِ وَدَلِيلُهُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعَلَامَةِ وَهُوَ مُسَلَّمٌ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ مِمَّا يَلِيهَا الْأَفْعَالُ، وَهَذَا أَيْضًا مُسَلَّمٌ لَكِنَّ قَوْلَهُ فَتَكُونُ عَلَامَاتٍ عَلَى الْحِنْثِ لَيْسَ
(فَفِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ انْحَلَّتْ وَانْتَهَتْ الْيَمِينُ) لِأَنَّهَا غَيْرُ مُقْتَضِيَةٍ لِلْعُمُومِ وَالتَّكْرَارِ لُغَةً، فَبِوُجُودِ الْفِعْلِ مَرَّةً يَتِمُّ الشَّرْطُ وَلَا بَقَاءَ لِلْيَمِينِ بِدُونِهِ
(إلَّا فِي كُلَّمَا فَإِنَّهَا تَقْتَضِي تَعْمِيمَ الْأَفْعَالِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ} الْآيَةُ
وَمِنْ ضَرُورَةِ التَّعْمِيمِ التَّكْرَارُ. قَالَ (فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ وَتَكَرَّرَ الشَّرْطُ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ)
بِلَازِمٍ لِلْمُقَدَّمَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ.
وَقَوْلُهُ (إلَّا فِي كُلَّمَا فَإِنَّهَا تَقْتَضِي تَعْمِيمَ الْأَفْعَالِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ} الْآيَةَ)،.
(وَمِنْ ضَرُورَةِ التَّعْمِيمِ التَّكْرَارُ) فِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ
لِأَنَّ بِاسْتِيفَاءِ الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ الْمَمْلُوكَاتِ فِي هَذَا النِّكَاحِ لَمْ يَبْقَ الْجَزَاءُ وَبَقَاءُ الْيَمِينِ بِهِ وَبِالشَّرْطِ. وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَسَنُقَرِّرُهُ مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلَوْ دَخَلَتْ عَلَى نَفْسِ التَّزَوُّجِ بِأَنْ قَالَ: كُلَّمَا تَزَوَّجْت امْرَأَةً فَهِيَ طَالِقٌ يَحْنَثُ بِكُلِّ مَرَّةٍ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ) لِأَنَّ انْعِقَادَهَا بِاعْتِبَارِ مَا يَمْلِكُ عَلَيْهَا مِنْ الطَّلَاقِ بِالتَّزَوُّجِ وَذَلِكَ غَيْرُ
عَدَّ كَلِمَةَ كُلٍّ مِنْ أَلْفَاظِ الشَّرْطِ وَعِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ لَمْ يَنْتَهِ الْيَمِينُ، فَإِنَّ مَنْ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً طَلُقَتْ، وَلَوْ تَزَوَّجَ أُخْرَى طَلُقَتْ كَذَلِكَ، فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَقُولَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ إلَّا فِي كُلٍّ وَكُلَّمَا. وَالثَّانِي أَنَّهُ قَالَ وَمِنْ ضَرُورَةِ التَّعْمِيمِ التَّكْرَارُ، وَالتَّعْمِيمُ فِي كَلِمَةِ كُلٍّ مَوْجُودٌ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا وَلَا تَكْرَارَ فِيهِ، حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَ الَّتِي طَلُقَتْ ثَانِيًا لَمْ يَقَعْ الْجَزَاءُ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ شَرْطِيَّةَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ إنَّمَا هِيَ بِاعْتِبَارِ مَا يَلِيهَا مِنْ الْأَفْعَالِ لِأَنَّ الْخَطَرَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِاعْتِبَارِهِ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ قَدْ انْتَهَتْ الْيَمِينُ، وَلِهَذَا لَوْ تَزَوَّجَهَا ثَانِيًا لَمْ تَطْلُقْ، وَعَدَمُ الِانْتِهَاءِ بِاعْتِبَارِ عُمُومِ الْأَسْمَاءِ لَمْ يَنْشَأْ مِنْ مَنْشَأِ الشَّرْطِ فَلَا يَكُونُ مُنَاقِضًا. وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ وَمِنْ ضَرُورَةِ التَّعْمِيمِ تَعْمِيمُ الْأَفْعَالِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ، وَالتَّعْمِيمُ فِي الْأَفْعَالِ إنَّمَا يَكُونُ بِتَجَدُّدِ الْأَفْعَالِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالتَّكْرَارِ، فَإِذَا قَالَ كُلَّمَا دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلُقَتْ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الثَّلَاثِ، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ وَتَكَرَّرَ الشَّرْطُ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ لِأَنَّ الْجَزَاءَ طَلْقَاتُ هَذَا الْمِلْكِ وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْهَا، وَبَقَاءُ الْيَمِينِ بِبَقَاءِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ فَإِذَا انْتَفَى الْجَزَاءُ يَنْتَفِي الْكُلُّ، وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ وَسَيَجِيءُ (وَلَوْ دَخَلَتْ عَلَى نَفْسِ التَّزَوُّجِ بِأَنْ قَالَ كُلَّمَا تَزَوَّجْت امْرَأَةً فَهِيَ طَالِقٌ يَحْنَثُ بِكُلِّ مَرَّةٍ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ انْعِقَادَهَا بِاعْتِبَارِ مَا يَمْلِكُ عَلَيْهَا مِنْ الطَّلَاقِ بِالتَّزَوُّجِ) وَهُوَ غَيْرُ
مَحْصُورٍ.
قَالَ (وَزَوَالُ الْمِلْكِ بَعْدَ الْيَمِينِ)(لَا يُبْطِلُهَا) لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ فَبَقِيَ وَالْجَزَاءُ بَاقٍ لِبَقَاءِ مَحَلِّهِ فَبَقِيَ الْيَمِينُ (ثُمَّ إنْ وُجِدَ الشَّرْطُ فِي مِلْكِهِ انْحَلَّتْ الْيَمِينُ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ) لِأَنَّهُ وُجِدَ الشَّرْطُ وَالْمَحَلُّ قَابِلٌ لِلْجَزَاءِ فَيَنْزِلُ الْجَزَاءُ وَلَا تَبْقَى الْيَمِينُ لِمَا قُلْنَا (وَإِنْ وُجِدَ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ انْحَلَّتْ الْيَمِينُ) لِوُجُودِ الشَّرْطِ (وَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ) لِانْعِدَامِ الْمَحَلِّيَّةِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي وُجُودِ الشَّرْطِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ إلَّا أَنْ تُقِيمَ الْمَرْأَةُ الْبَيِّنَةَ) لِأَنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِالْأَصْلِ وَهُوَ عَدَمُ الشَّرْطِ، وَلِأَنَّهُ يُنْكِرُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ وَزَوَالَ الْمِلْكِ وَالْمَرْأَةُ تَدَّعِيهِ (فَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي حَقِّ نَفْسِهَا مِثْلُ أَنْ
مَحْصُورٍ.
قَالَ (وَزَوَالُ الْمِلْكِ بَعْدَ الْيَمِينِ لَا يُبْطِلُهَا) إذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ ثُمَّ أَبَانَهَا لَمْ يَبْطُلْ الْيَمِينُ لِمَا مَرَّ أَنَّ بَقَاءَ الْيَمِينِ بِالشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ. وَالْفَرْضُ أَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يُوجَدْ فَهُوَ بَاقٍ، وَالْجَزَاءُ أَيْضًا بَاقٍ لِبَقَاءِ الْمَحَلِّ وَهُوَ الْمَرْأَةُ فَتَبْقَى الْيَمِينُ كَمَا كَانَتْ فِي مَحَلِّهِ وَهِيَ ذِمَّةُ الْحَالِفِ. فَإِنْ قِيلَ: سَلَّمْنَا أَنَّ مَحَلَّ الْجَزَاءِ بَاقٍ وَلَكِنْ مِنْ شَرْطِ وُقُوعِهِ الْمِلْكُ وَلَيْسَ بِمَوْجُودٍ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْكَلَامَ لَيْسَ فِي الْوُقُوعِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي بَقَائِهِ يَمِينًا وَالْيَمِينُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْمِلْكِ ابْتِدَاءً بِدَلِيلِ جَوَازِ إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَفِي الْبَقَاءِ أَوْلَى إذْ الْبَقَاءُ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُوجَدَ الشَّرْطُ فِي الْمِلْكِ كَمَا إذَا تَزَوَّجَهَا ثَانِيًا ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطُ أَوْ فِي غَيْرِهِ كَمَا إذَا وُجِدَ قَبْلَ التَّزَوُّجِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَانْحَلَّتْ الْيَمِينُ. أَمَّا وُقُوعُ الطَّلَاقِ فَلِأَنَّ الشَّرْطَ وُجِدَ فِي الْمِلْكِ فَنَزَلَ الْجَزَاءُ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ، وَأَمَّا انْحِلَالُ الْيَمِينِ فَلِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ فَبِوُجُودِ الشَّرْطِ مَرَّةً انْتَهَتْ الْيَمِينُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي انْحَلَّتْ الْيَمِينُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ لِانْعِدَامِ الْمَحَلِّيَّةِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي وُجُودِ الشَّرْطِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ) عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ
يَقُولَ: إنْ حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ وَفُلَانَةُ فَقَالَتْ: قَدْ حِضْت طَلُقَتْ هِيَ وَلَمْ تَطْلُقْ فُلَانَةُ) وَوَقَعَ الطَّلَاقُ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَقَعَ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فَلَا تُصَدَّقُ كَمَا فِي الدُّخُولِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهَا أَمِينَةٌ فِي حَقِّ نَفْسِهَا إذْ لَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا كَمَا قُبِلَ فِي حَقِّ الْعِدَّةِ وَالْغَشَيَانِ لَكِنَّهَا شَاهِدَةٌ فِي حَقِّ ضَرَّتِهَا بَلْ هِيَ مُتَّهَمَةٌ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي حَقِّهَا
قَوْلُهُ وَلَمْ تَطْلُقْ فُلَانَةُ) لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ بَلْ فِيمَا إذَا كَذَّبَهَا الزَّوْجُ فِي قَوْلِهَا حِضْت، وَأَمَّا إذَا صَدَّقَهَا فَإِنَّهُ يَقَعُ. وَقَوْلُهُ (كَمَا قُبِلَ فِي حَقِّ الْعِدَّةِ وَالْغَشَيَانِ) أَمَّا قَبُولُهَا فِي الْعِدَّةِ فَبِأَنْ تَقُولَ قَدْ انْقَضَتْ أَوْ لَمْ تَنْقَضِ.
وَأَمَّا فِي الْغَشَيَانِ فَيَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدَهُمَا أَنْ تَقُولَ الْمُطَلَّقَةُ الثَّلَاثُ انْقَضَتْ عِدَّتِي وَتَزَوَّجْت بِزَوْجٍ آخَرَ وَدَخَلَ بِي الزَّوْجُ الثَّانِي. وَالثَّانِي أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهَا فِي حَقِّ حِلِّ الْجِمَاعِ وَحُرْمَتِهِ بِقَوْلِهَا أَنَا طَاهِرٌ أَوْ حَائِضٌ. وَقَوْلُهُ (لَكِنَّهَا شَاهِدَةٌ فِي حَقِّ ضَرَّتِهَا بَلْ هِيَ مُتَّهَمَةٌ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي حَقِّهَا) وَفِيهِ بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ الْحَيْضِ وَعَدَمِهِ، وَالْمَآلُ شُمُولُ طَلَاقِهِمَا أَوْ شُمُولُ عَدَمِهِ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ حَاضَتْ فَقَدْ وُجِدَ الشَّرْطُ فَيَقَعُ طَلَاقُهُمَا جَمِيعًا، وَإِنْ لَمْ تَحِضْ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ فَلَا يَقَعُ طَلَاقُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. فَأَمَّا أَنْ يُوجَدَ الْحَيْضُ فِي حَقِّهَا دُونَ ضَرَّتِهَا فَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ الشَّيْءِ مَوْجُودًا وَمَعْدُومًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ مُحَالٌ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الشَّرْعَ أَثْبَتَ بِقَوْلِهَا حِضْت فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَصْفَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ: الْأَمَانَةَ وَالشَّهَادَةَ، وَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ اقْتِضَائِهِمَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ فِي الشَّرْعِ فَإِنَّهُ رَتَّبَ
(وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إنْ كُنْت تُحِبِّينَ أَنْ يُعَذِّبَك اللَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَعَبْدِي حُرٌّ فَقَالَتْ أُحِبُّهُ)
أَوْ قَالَ: (إنْ كُنْت تُحِبِّينِي فَأَنْتِ طَالِقٌ وَهَذِهِ مَعَك فَقَالَتْ: أُحِبُّك)(طَلُقَتْ هِيَ وَلَمْ يُعْتَقْ الْعَبْدُ وَلَا تَطْلُقُ صَاحِبَتُهَا) لِمَا قُلْنَا، وَلَا يُتَيَقَّنُ بِكَذِبِهَا لِأَنَّهَا لِشِدَّةِ بُغْضِهَا إيَّاهُ قَدْ تُحِبُّ التَّخْلِيصَ مِنْهُ بِالْعَذَابِ،
عَلَى النِّكَاحِ وَهُوَ أَمْرٌ وَاحِدٌ الْحِلُّ لِلزَّوْجِ وَالْحُرْمَةُ لِغَيْرِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ لَا يَقْتَضِي أَحَدُهُمَا الْوُجُودَ وَالْآخَرُ الْعَدَمَ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ اقْتِضَاءَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَيْضِ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ خَفِيٌّ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَمْرِ الدَّالِّ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهَا حِضْت، وَلَيْسَ ثَمَّةَ اخْتِلَافٌ فِي مُقْتَضَى وُجُودِهِ وَعَدَمِهِ.
وَقَوْلُهُ (وَكَذَا لَوْ قَالَ إنْ كُنْت تُحِبِّينَ أَنْ يُعَذِّبَك اللَّهُ بِنَارِ جَهَنَّمَ) ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (لِمَا بَيَّنَّا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ أَمِينَةٌ فِي حَقِّ نَفْسِهَا شَاهِدَةٌ فِي حَقِّ ضَرَّتِهَا.
وَقَوْلُهُ وَلَا يَتَيَقَّنُ بِكَذِبِهَا) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إخْبَارُهَا
وَفِي حَقِّهَا إنْ تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِإِخْبَارِهَا وَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً، فَفِي حَقِّ غَيْرِهَا بَقِيَ الْحُكْمُ عَلَى الْأَصْلِ وَهِيَ الْمَحَبَّةُ
(وَإِذَا قَالَ لَهَا: إذَا حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَرَأَتْ الدَّمَ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ حَتَّى يَسْتَمِرَّ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِأَنَّ مَا يَنْقَطِعُ دُونَهَا لَا يَكُونُ حَيْضًا (فَإِذَا تَمَّتْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ حَكَمْنَا بِالطَّلَاقِ مِنْ حِينِ حَاضَتْ) لِأَنَّهُ بِالِامْتِدَادِ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ الرَّحِمِ فَكَانَ حَيْضًا مِنْ الِابْتِدَاءِ (وَلَوْ قَالَ لَهَا: إذَا حِضْت حَيْضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَتِهَا) لِأَنَّ الْحَيْضَةَ بِالْهَاءِ هِيَ الْكَامِلَةُ مِنْهَا، وَلِهَذَا حُمِلَ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ الِاسْتِبْرَاءِ وَكَمَالُهَا بِانْتِهَائِهَا وَذَلِكَ بِالطُّهْرِ
عَنْ مَحَبَّتِهَا تَعْذِيبَ اللَّهِ إيَّاهَا بِنَارِ جَهَنَّمَ مَقْطُوعٌ بِكَذِبِهِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهَا أَصْلًا. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ بِكَذِبِهَا لِأَنَّهَا لِشِدَّةِ بُغْضِهَا إيَّاهُ قَدْ تُحِبُّ التَّخْلِيصَ مِنْهُ بِالْعَذَابِ فَلَمْ يَكُنْ كَذِبُهَا مَقْطُوعًا بِهِ. وَقَوْلُهُ (وَفِي حَقِّهَا إنْ تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِإِخْبَارِهَا) ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (إذَا قَالَ إذَا حِضْت حَيْضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ ظَاهِرٌ، وَمِنْ الْفَرْقِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ إذَا حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ وَهَذَا الْعَبْدُ حُرٌّ كَانَ حُرًّا مِنْ حِينِ رَأَتْ الدَّمَ حَتَّى كَانَ الْأَكْسَابُ لَهُ وَكَانَ الطَّلَاقُ بِدْعِيًّا. وَقَوْلُهُ وَإِذَا قَالَ إذَا حِضْت حَيْضَةً كَانَ الطَّلَاقُ سُنِّيًّا لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا بَعْدَ مَا طَهُرَتْ. وَقَوْلُهُ (فِي حَدِيثِ الِاسْتِبْرَاءِ) يُرِيدُ بِهِ مَا قَالَهُ عليه الصلاة والسلام فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ «وَلَا الْحَيَالَى حَتَّى يَسْتَبْرِئْنَ بِحَيْضَةٍ» أَرَادَ بِهِ
(وَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا صُمْت يَوْمًا طَلُقَتْ حِينَ تَغِيبَ الشَّمْسُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي تَصُومُ) لِأَنَّ الْيَوْمَ إذَا قُرِنَ بِفِعْلٍ مُمْتَدٍّ يُرَادُ بِهِ بَيَاضُ النَّهَارِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ إذَا صُمْت لِأَنَّهُ لَمْ يُقَدِّرْهُ بِمِعْيَارٍ وَقَدْ وُجِدَ الصَّوْمُ بِرُكْنِهِ وَشَرْطِهِ.
(وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إذَا وَلَدْت غُلَامًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَإِذَا وَلَدْت جَارِيَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ فَوَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً وَلَا يَدْرِي أَيَّهُمَا أَوَّلُ لَزِمَهُ فِي الْقَضَاءِ تَطْلِيقَةٌ، وَفِي التَّنَزُّهِ تَطْلِيقَتَانِ وَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِوَضْعِ الْحَمْلِ) لِأَنَّهَا لَوْ وَلَدَتْ الْغُلَامَ أَوَّلًا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْجَارِيَةِ ثُمَّ لَا تَقَعُ أُخْرَى بِهِ لِأَنَّهُ حَالُ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَلَوْ وَلَدَتْ الْجَارِيَةَ أَوَّلًا وَقَعَتْ تَطْلِيقَتَانِ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْغُلَامِ ثُمَّ لَا يَقَعُ شَيْءٌ آخَرُ بِهِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ حَالُ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِذًا فِي حَالٍ تَقَعُ وَاحِدَةٌ وَفِي حَالٍ تَقَعُ ثِنْتَانِ فَلَا تَقَعُ الثَّانِيَةُ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِالثِّنْتَيْنِ تَنَزُّهًا وَاحْتِيَاطًا، وَالْعِدَّةُ مُنْقَضِيَةٌ بِيَقِينٍ لِمَا بَيَّنَّا.
كَمَالَ الْحَيْضِ وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ بِانْتِهَائِهِ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ إذَا كَانَ أَيَّامُهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَبِالِانْقِطَاعِ وَالْغُسْلِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ إذَا كَانَتْ أَيَّامُهَا دُونَ الْعَشَرَةِ. وَقَوْلُهُ (وَإِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا صُمْت يَوْمًا) ظَاهِرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ. وَإِذَا قَالَ إذَا صُمْت صَوْمًا فَحُكْمُهُ كَذَلِكَ (بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ إذَا صُمْت) فَإِنَّهَا إذَا صَامَتْ سَاعَةً مَقْرُونَةً بِالنِّيَّةِ وَقَعَ الطَّلَاقُ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ.
قَالَ (وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إذَا وَلَدْت غُلَامًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا تَخْلُو عَنْ أَوْجُهٍ: إنْ عَلِمَ أَنَّ الْغُلَامَ وَلَدَتْهُ أَوَّلًا طَلُقَتْ وَاحِدَةً وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالْجَارِيَةِ، وَلَا يَقَعُ شَيْءٌ بَعْدَهُ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْجَارِيَةَ وُلِدَتْ أَوَّلًا طَلُقَتْ ثِنْتَيْنِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ لِلزَّوْجِ لِإِنْكَارِهِ الزِّيَادَةَ، وَإِنْ لَمْ يَدْرِ أَيُّهُمَا أَوَّلُ لَزِمَهُ فِي الْقَضَاءِ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهَا ثَابِتَةٌ بِيَقِينٍ وَفِي الثَّانِيَةِ شَكٌّ، وَفِي التَّنَزُّهِ وَهُوَ التَّبَاعُدُ عَنْ السُّوءِ تَطْلِيقَتَانِ، حَتَّى لَوْ كَانَ قَدْ طَلَّقَهَا قَبْلَ هَذَا وَاحِدَةً لَا يَطَؤُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ ثَلَاثًا، وَتَرْكُ وَطْءِ امْرَأَةٍ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَطَأَ امْرَأَةً مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ (وَالْعِدَّةُ مُنْقَضِيَةٌ بِيَقِينٍ لِمَا بَيَّنَّا) يُرِيدُ قَوْلَهُ لِأَنَّهَا لَوْ وَلَدَتْ الْغُلَامَ أَوَّلًا إلَخْ. وَحَاصِلُهُ
(وَإِنْ قَالَ لَهَا: إنْ كَلَّمْت أَبَا عَمْرٍو وَأَبَا يُوسُفَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَبَانَتْ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَكَلَّمَتْ أَبَا عَمْرٍو ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَكَلَّمَتْ أَبَا يُوسُفَ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا مَعَ الْوَاحِدَةِ الْأُولَى) وَقَالَ زُفَرُ رحمه الله: لَا يَقَعُ، وَهَذِهِ عَلَى وُجُوهٍ:(أَمَّا إنْ وُجِدَ الشَّرْطَانِ فِي الْمِلْكِ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ وَهَذَا ظَاهِرٌ، أَوْ وُجِدَا فِي غَيْرِ الْمِلْكِ فَلَا يَقَعُ، أَوْ وُجِدَ الْأَوَّلُ فِي الْمِلْكِ وَالثَّانِي فِي غَيْرِ الْمِلْكِ فَلَا يَقَعُ أَيْضًا لِأَنَّ الْجَزَاءَ لَا يَنْزِلُ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ فَلَا يَقَعُ) أَوْ وُجِدَ الْأَوَّلُ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ وَالثَّانِي فِي الْمِلْكِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ الْخِلَافِيَّةُ. لَهُ اعْتِبَارُ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي إذْ هُمَا فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ. وَلَنَا أَنَّ صِحَّةَ الْكَلَامِ بِأَهْلِيَّةِ الْمُتَكَلِّمِ، إلَّا أَنَّ الْمِلْكَ يُشْتَرَطُ حَالَةُ التَّعْلِيقِ لِيَصِيرَ الْجَزَاءُ غَالِبَ الْوُجُودِ
أَنَّ انْقِضَاءَ عِدَّةِ الْحَامِلِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ.
وَقَوْلُهُ (إنْ كَلَّمْت أَبَا عَمْرٍو) عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَاضِحٌ سِوَى أَلْفَاظٍ نَذْكُرُهَا. وَقَوْلُهُ (فِي حَقِّ الطَّلَاقِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ) يَعْنِي مِنْ حَيْثُ إنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ إلَّا بِهِمَا، فَصَارَ الشَّرْطَانِ بِمَنْزِلَةِ شَرْطٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ كَانَ شَرْطًا وَاحِدًا لَمَا وَقَعَ بِدُونِ الْمِلْكِ فَكَذَلِكَ هَذَا (وَلَنَا أَنَّ صِحَّةَ الْكَلَامِ) أَيْ صِحَّةَ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ الْيَمِينُ (بِأَهْلِيَّةِ الْمُتَكَلِّمِ) وَهِيَ قَائِمَةٌ بِهِ فَتَكُونُ صِحَّتُهُ قَائِمَةً بِهِ بِأَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ ذِمَّتَهُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى مِلْكٍ، لَكِنْ شَرَطْنَا الْمِلْكَ حَالَةَ التَّعْلِيقِ لِيَصِيرَ الْجَزَاءُ غَالِبَ الْوُجُودِ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ، فَإِنَّ الْمِلْكَ إذَا كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ التَّعْلِيقِ فَالظَّاهِرُ بَقَاؤُهُ إلَى وَقْتِ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا يَكُونُ مُخِيفًا حَامِلًا
لِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ فَتَصِحُّ الْيَمِينُ وَعِنْدَ تَمَامِ الشَّرْطِ لِيَنْزِلَ الْجَزَاءُ لِأَنَّهُ لَا يَنْزِلُ إلَّا فِي الْمِلْكِ، وَفِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ
أَوْ مَانِعًا، وَحَالَةُ تَمَامِ الشَّرْطِ لِنُزُولِ الْجَزَاءِ لِكَوْنِهِ لَا يَنْزِلُ إلَّا فِي الْمِلْكِ، وَفِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، فَلَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ الْمِلْكِ لِأَنَّ الْيَمِينَ يَقُومُ بِمَحَلِّهِ وَهُوَ الذِّمَّةُ، كَمَا إذَا عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِالشَّرْطِ فَأَبَانَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَأَتَتْ بِالشَّرْطِ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَمْ تَبْطُلْ الْيَمِينُ بِزَوَالِ الْمِلْكِ فَكَانَ كَالنِّصَابِ إذَا انْتَقَصَ فِي خِلَالِ الْحَوْلِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ.
الْحَالُ حَالُ بَقَاءِ الْيَمِينِ فَيُسْتَغْنَى عَنْ قِيَامِ الْمِلْكِ إذْ بَقَاؤُهُ بِمَحَلِّهِ وَهُوَ الذِّمَّةُ.
(وَإِنْ قَالَ لَهَا: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَطَلَّقَهَا ثِنْتَيْنِ وَتَزَوَّجَتْ زَوْجًا آخَرَ وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ عَادَتْ إلَى الْأَوَّلِ فَدَخَلَتْ الدَّارَ طَلُقَتْ ثَلَاثًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ: هِيَ طَالِقٌ مَا بَقِيَ مِنْ الطَّلَاقِ) وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ. وَأَصْلُهُ أَنَّ الزَّوْجَ الثَّانِيَ يَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلَاثِ عِنْدَهُمَا فَتَعُودُ إلَيْهِ بِالثَّلَاثِ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَا يَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلَاثِ فَتَعُودُ إلَيْهِ مَا بَقِيَ،
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ لَهَا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا) مَسْأَلَةُ الْهَدْمِ وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ. وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ لَا تَظْهَرُ فِيمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ؛ فَإِنَّهَا إذَا تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ وَعَادَتْ إلَى الزَّوْجِ الْأَوَّلِ ثُمَّ دَخَلَتْ الدَّارَ يَقَعُ عَلَيْهَا الثَّلَاثُ بِالِاتِّفَاقِ. أَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَلِعَدَمِ الْهَدْمِ.
وَأَمَّا عِنْدَهُمَا وَإِنْ وُجِدَ الْهَدْمُ فَبِالدُّخُولِ فِي الدَّارِ يَقَعُ الثَّلَاثُ لِأَنَّ الثَّلَاثَ مُعَلَّقَةٌ بِدُخُولِ الدَّارِ، وَإِنَّمَا تَظْهَرُ فِيمَا إذَا عَلَّقَ الطَّلْقَةَ الْوَاحِدَةَ بِدُخُولِ الدَّارِ ثُمَّ طَلَّقَهَا طَلْقَتَيْنِ وَتَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ ثُمَّ عَادَتْ إلَى
وَسَنُبَيِّنُ مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَإِنْ قَالَ لَهَا: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ رَجَعْت إلَى الْأَوَّلِ فَدَخَلَتْ الدَّارَ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ) وَقَالَ زُفَرُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ: يَقَعُ الثَّلَاثُ لِأَنَّ الْجَزَاءَ ثَلَاثٌ مُطْلَقٌ لِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ، وَقَدْ بَقِيَ حَتَّى وُقُوعِهَا فَتَبْقَى الْيَمِينُ. وَلَنَا أَنَّ الْجَزَاءَ طَلَقَاتُ هَذَا الْمِلْكِ لِأَنَّهَا هِيَ الْمَانِعَةُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ مَا يَحْدُثُ وَالْيَمِينُ تُعْقَدُ لِلْمَنْعِ أَوْ الْحَمْلِ، وَإِذَا كَانَ الْجَزَاءُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَقَدْ فَاتَ بِتَنْجِيزِ الثَّلَاثِ الْمُبْطِلِ لِلْمَحَلِّيَّةِ فَلَا تَبْقَى الْيَمِينُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَبَانَهَا لِأَنَّ الْجَزَاءَ بَاقٍ لِبَقَاءِ مَحَلِّهِ
الْأَوَّلِ فَدَخَلَتْ الدَّارَ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ الْغَلِيظَةُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِعَدَمِ الْهَدْمِ، وَعِنْدَهُمَا لَا لِتَحَقُّقِهِ (وَإِنْ قَالَ لَهَا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ رَجَعَتْ إلَى الْأَوَّلِ فَدَخَلَتْ الدَّارَ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ. وَقَالَ زُفَرُ: يَقَعُ الثَّلَاثُ لِأَنَّ الْجَزَاءَ مُطْلَقٌ لِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ) إذْ لَمْ يُقَيِّدْ تَطْلِيقَاتٍ فِي مِلْكٍ دُونَ مِلْكٍ فَلَا يَتَقَيَّدُ (قَوْلُهُ وَقَدْ بَقِيَ احْتِمَالُ وُقُوعِهَا) أَيْ بِنِكَاحِهَا ثَانِيًا بَعْدَ تَزَوُّجِهَا بِزَوْجٍ آخَرَ (فَتَبْقَى الْيَمِينُ) فَإِذَا وُجِدَ الْمَحَلُّ يَقَعُ الْجَزَاءُ (وَلَنَا أَنَّ الْجَزَاءَ طَلْقَاتُ هَذَا الْمِلْكِ) بِدَلَالَةِ الْحَالِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ الْجَزَاءَ طَلْقَاتُ هَذَا الْمِلْكِ لِأَنَّهَا هِيَ الْمَانِعَةُ؛ إذْ الظَّاهِرُ عَدَمُ مَا يَحْدُثُ، وَكُلُّ مَا كَانَ مَانِعًا عَنْ وُجُودِ الشَّرْطِ أَوْ حَامِلًا عَلَيْهِ فَهُوَ الْجَزَاءُ لِأَنَّ الْيَمِينَ لِلْمَنْعِ أَوْ الْحَمْلِ وَهَاهُنَا عُقِدَتْ لِلْمَنْعِ فَيَكُونُ الْجَزَاءُ طَلْقَاتِ هَذَا الْمِلْكِ، وَإِذَا كَانَ الْجَزَاءُ ذَلِكَ وَقَدْ فَاتَ بِالتَّنْجِيزِ الْمُبْطِلِ لِلْمَحَلِّيَّةِ فَاتَ الْيَمِينُ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ بَقَاءَ الْيَمِينِ بِالشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ وَقَدْ فَاتَ الْجَزَاءُ وَالْكُلُّ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ جُزْئِهِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ انْعِقَادَ الْيَمِينِ لَوْ انْحَصَرَ فِي الْمَنْعِ وَالْحَمْلِ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ إنْ حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ لَا مَنْعٌ وَلَا حَمْلٌ لِكَوْنِ الْحَيْضِ عَارِضًا سَمَاوِيًّا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْغَالِبِ الشَّائِعِ دُونَ النَّادِرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ السُّؤَالَ لَمْ يَنْحَصِرْ فِي صُورَةِ الْحَيْضِ حَتَّى يَكُونَ نَادِرًا، وَإِنَّمَا هُوَ آتٍ فِي الْوِجْدَانِيَّاتِ كَالْمَحَبَّةِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْجُوعِ وَغَيْرِهَا. وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: الشَّرْطُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ هُوَ إخْبَارُهَا عَنْ ذَلِكَ وَالْحَمْلُ وَالْمَنْعُ فِيهِ مُتَصَوَّرٌ.
وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَبَانَهَا) يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ وَقَدْ فَاتَ بِتَنْجِيزِ الثَّلَاثِ أَيْ فَاتَ الْجَزَاءُ بِتَنْجِيزِ الثَّلَاثِ الْمُبْطِلِ لِلْمَحَلِّيَّةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَبَانَهَا بِطَلْقَةٍ أَوْ طَلْقَتَيْنِ حَيْثُ لَا يَفُوتُ الْجَزَاءُ لِبَقَاءِ الْمَحَلِّ، وَلِهَذَا إذَا عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ عَادَتْ بِثَلَاثِ طَلْقَاتٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْهَدْمِ، وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَا إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ فَدَخَلَ الدَّارَ عَتَقَ مَعَ أَنَّهُ بِالْبَيْعِ لَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلْيَمِينِ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الظِّهَارِ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ لَوْ كَانَ قَالَ لَهَا زَوْجُهَا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ كَانَ مُظَاهِرًا مِنْهَا إنْ دَخَلَتْ الدَّارَ.
وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْعَبْدَ بِصِفَةِ الرِّقِّ كَانَ مَحَلًّا لِلْعِتْقِ وَبِالْبَيْعِ لَمْ تَفُتْ تِلْكَ الصِّفَةُ، حَتَّى لَوْ فَاتَتْ بِالْعِتْقِ لَمْ تَبْقَ الْيَمِينُ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ
(وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إذَا جَامَعْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَجَامَعَهَا فَلَمَّا الْتَقَى الْخِتَانَانِ طَلُقَتْ ثَلَاثًا، وَإِنْ لَبِثَ سَاعَةً لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَإِنْ أَخْرَجَهُ ثُمَّ أَدْخَلَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْمَهْرُ) وَكَذَا إذَا قَالَ لِأَمَتِهِ: إذَا جَامَعْتُك فَأَنْتِ حُرَّةٌ (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ أَنَّهُ أَوْجَبَ الْمَهْرَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ أَيْضًا لِوُجُودِ الْجِمَاعِ بِالدَّوَامِ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِلِاتِّحَادِ) وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْجِمَاعَ إدْخَالُ الْفَرْجِ فِي الْفَرْجِ وَلَا دَوَامَ لِلْإِدْخَالِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَخْرَجَ ثُمَّ أَوْلَجَ لِأَنَّهُ وُجِدَ الْإِدْخَالُ بَعْدَ الطَّلَاقِ إلَّا أَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ بِشُبْهَةِ الِاتِّحَادِ بِالنَّظَرِ إلَى الْمَجْلِسِ وَالْمَقْصُودِ وَإِذَا لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ وَجَبَ الْعُقْرُ إذْ الْوَطْءُ لَا يَخْلُو عَنْ أَحَدِهِمَا، وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا يَصِيرُ مُرَاجِعًا بِاللَّبَاثِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ رحمه الله
مَحَلِّيَّةَ الظِّهَارِ لَا تَنْعَدِمُ بِالتَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ بِالظِّهَارِ غَيْرُ الْحُرْمَةِ بِالطَّلَاقِ، فَإِنَّ تِلْكَ الْحُرْمَةَ حُرْمَةٌ مُتَنَاهِيَةٌ بِوُجُودِ التَّكْفِيرِ وَهَذِهِ بِوُجُودِ الزَّوْجِ الثَّانِي إلَّا أَنَّهَا إنْ دَخَلَتْ الدَّارَ بَعْدَ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ إنَّمَا لَا يَصِيرُ مُظَاهِرًا لِأَنَّ الظِّهَارَ تَشْبِيهُ الْمُحَلَّلَةِ بِالْمُحَرَّمَةِ وَلَا حِلَّ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَإِنَّمَا يُوجَدُ بَعْدَ التَّزَوُّجِ بِهَا، فَإِذَا دَخَلَتْ الدَّارَ حِينَئِذٍ ثَبَتَ الظِّهَارُ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إذَا جَامَعْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ) يَعْنِي إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ. وَقَوْلُهُ (وُجُودُ الْجِمَاعِ بِالدَّوَامِ عَلَيْهِ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ جَعَلَ الدَّوَامَ عَلَى اللَّبَاثِ بَعْدَ الدُّخُولِ بِمَنْزِلَةِ الدُّخُولِ الِابْتِدَائِيِّ. وَقَوْلُهُ (وَلَا دَوَامَ لِلْإِدْخَالِ) مَعْنَاهُ أَنَّ لِلدَّوَامِ حُكْمَ الِابْتِدَاءِ فِيمَا لَهُ دَوَامٌ، وَالْجِمَاعُ هُوَ الْإِدْخَالُ وَلَا دَوَامَ لَهُ. وَقَوْلُهُ (وَجَبَ الْعُقْرُ) قَالَ فِي دِيوَانِ الْأَدَبِ: الْعُقْرُ مَهْرُ الْمَرْأَةِ إذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ وَالْمُرَادُ بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ،
لِوُجُودِ الْمِسَاسِ، وَلَوْ نَزَعَ ثُمَّ أَوْلَجَ صَارَ مُرَاجِعًا بِالْإِجْمَاعِ لِوُجُودِ الْجِمَاعِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
(فَصْلٌ فِي الِاسْتِثْنَاءِ)
وَبِهِ فَسَّرَ الْإِمَامُ الْعَتَّابِيُّ الْعُقْرَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
وَقَوْلُهُ لِوُجُودِ الْمِسَاسِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا لَهُ حُكْمُ دَوَامِ الْجِمَاعِ فَيَكُونُ الْبَقَاءُ كَابْتِدَاءِ الْوُجُودِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَأَمَّا دَوَامُ الْمِسَاسِ فَهُوَ مَوْجُودٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَعَنْ هَذَا قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَصِيرَ مُرَاجِعًا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ الْكُلِّ لِوُجُودِ الْمِسَاسِ بِشَهْوَةٍ.
(فَصْلٌ فِي الِاسْتِثْنَاءِ)
الِاسْتِثْنَاءُ هُوَ التَّكَلُّمُ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا، وَأَلْحَقَهُ بِفَصْلِ التَّعْلِيقِ لِتَآخِيهِمَا فِي كَوْنِهِمَا بَيَانَ التَّغَيِّ. وَلَمَّا كَانَ التَّعْلِيقُ لِكَوْنِهِ يَمْنَعُ كُلَّ الْكَلَامِ أَقْوَى مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ بَعْضَهُ قَدَّمَهُ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ
وَلَمَّا كَانَتْ مَسْأَلَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى تَعْلِيقًا صُورَةً ذَكَرَهَا بِقُرْبٍ مِنْ التَّعْلِيقِ فِي أَوَّلِ فَصْلِ الِاسْتِثْنَاءِ لِقُوَّةِ الْمُنَاسَبَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمْنَعُ أَوَّلَ الْكَلَامِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى ذَلِكَ اسْتِثْنَاءً قَالَ {وَلا يَسْتَثْنُونَ} وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ قَوْلَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ بَعْدَ
(وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُتَّصِلًا لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ)
ذِكْرِ الْجُمَلِ لِلْإِبْطَالِ أَوْ لِلتَّعْلِيقِ؛ فَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إلَى الْأَوَّلِ وَمُحَمَّدٌ إلَى الثَّانِي، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ إقْرَارِ هَذَا الْكِتَابِ فَقَالَ: لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى إمَّا إبْطَالٌ أَوْ تَعْلِيقٌ، وَسَنَذْكُرُ ثَمَرَةَ هَذَا الِاخْتِلَافِ هُنَالِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ مُتَّصِلًا لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ)
لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ وَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُتَّصِلًا بِهِ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ»
لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ وَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُتَّصِلًا بِهِ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ» ).
وَلِأَنَّهُ أَتَى بِصُورَةٍ الشَّرْطِ فَيَكُونُ تَعْلِيقًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَإِنَّهُ إعْدَامٌ قَبْلَ الشَّرْطِ وَالشَّرْطُ لَا يُعْلَمُ هَاهُنَا فَيَكُونُ إعْدَامًا مِنْ الْأَصْلِ وَلِهَذَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِهِ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الشُّرُوطِ (وَلَوْ سَكَتَ ثَبَتَ حُكْمُ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ)
وَلِأَنَّهُ أَتَى بِصُورَةِ الشَّرْطِ) أَيْ بِحَرْفِ الشَّرْطِ صَرِيحًا دُونَ حَقِيقَتِهِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الشَّرْطِ عِبَارَةٌ عَمَّا يَكُونُ عَلَى خَطَرٍ وَتَرَدُّدٍ وَمَشِيئَةُ اللَّهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ لِثُبُوتِهَا قَطْعًا أَوْ انْتِفَائِهَا كَذَلِكَ، وَمَا هُوَ كَذَلِكَ فَهُوَ تَعْلِيقٌ (فَيَكُونُ تَعْلِيقًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ) يَعْنِي مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ (وَالتَّعْلِيقُ إعْدَامٌ) أَيْ إعْدَامُ الْعِلِّيَّةِ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَالشَّرْطُ هَاهُنَا غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنَا أَصْلًا (فَيَكُونُ إعْدَامًا مِنْ الْأَصْلِ) فَكَانَ إبْطَالًا لِلْكَلَامِ (وَلِهَذَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِهِ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الشُّرُوطِ) لِكَوْنِهِ بَيَانَ تَغْيِيرٍ وَشَرْطُهُ الِاتِّصَالُ (فَلَوْ سَكَتَ ثَبَتَ حُكْمُ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ)
.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ أَوْ ذِكْرُ الشَّرْطِ بَعْدَهُ رُجُوعًا عَنْ الْأَوَّلِ. قَالَ رضي الله عنه:
وَلَوْ طَلَّقَ فَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّك قَدْ اسْتَثْنَيْت وَهُوَ غَيْرُ ذَاكِرٍ إنْ كَانَ بِحَيْثُ إذَا غُصِبَ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ وَسِعَهُ الْأَخْذُ بِشَهَادَتِهِمَا وَإِلَّا لَا يَأْخُذُ بِهَا.
فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ أَوْ ذِكْرُ الشَّرْطِ بَعْدَهُ رُجُوعًا عَنْ الْأَوَّلِ. وَقَوْلُهُ (فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ) يَعْنِي عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ (أَوْ ذِكْرُ الشَّرْطِ) يَعْنِي عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ
(وَكَذَا إذَا)(مَاتَتْ قَبْلَ قَوْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) لِأَنَّ بِالِاسْتِثْنَاءِ خَرَجَ الْكَلَامُ مِنْ أَنْ يَكُونَ إيجَابًا وَالْمَوْتُ يُنَافِي الْمُوجِبَ دُونَ الْمُبْطِلِ، بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ الزَّوْجُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الِاسْتِثْنَاءُ
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً طَلُقَتْ ثِنْتَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثِنْتَيْنِ طَلُقَتْ وَاحِدَةً)
وَقَوْلُهُ (وَكَذَا إذَا مَاتَتْ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ يَعْنِي إذَا مَاتَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قَوْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ لِأَنَّ الْكَلَامَ خَرَجَ بِالِاسْتِثْنَاءِ مِنْ أَنْ يَكُونَ إيجَابًا؛ وَإِذَا بَطَلَ الْإِيجَابُ بَطَلَ الْحُكْمُ. فَإِنْ قِيلَ: الْإِيجَابُ وُجِدَ فِي حَيَاتِهَا وَالِاسْتِثْنَاءُ بَعْدَهَا فَيَكُونُ بَاطِلًا لِعَدَمِ الْمَحَلِّ؛ وَإِذَا بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ صَحَّ الْإِيجَابُ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ.
أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَالْمَوْتُ يُنَافِي الْمُوجِبَ دُونَ الْمُبْطِلِ) يَعْنِي أَنَّ الْإِيجَابَ لَوْ اتَّصَلَ بِالْمَوْتِ بِأَنْ تَمُوتَ قَبْلَ تَمَامِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ بَطَلَ.
وَأَمَّا الْمُبْطِلُ وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ أَوْ الشَّرْطُ فَلَا يَبْطُلُ لِأَنَّ مُبْطِلَ الشَّيْءِ مَا يُنَافِيهِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مُبْطِلٍ وَمُبْطِلٍ، بِخِلَافِ الْمُوجِبِ فَإِنَّ الْمُبْطِلَ يُنَافِيهِ فَيَرْفَعُهُ (بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ الزَّوْجُ) بَعْدَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قَوْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَهُوَ يُرِيدُ الِاسْتِثْنَاءَ حَيْثُ يَقَعُ الطَّلَاقُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الِاسْتِثْنَاءُ، وَإِنَّمَا تُعْلَمُ إرَادَتُهُ الِاسْتِثْنَاءَ بِقَوْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ إنِّي أُطَلِّقُ امْرَأَتِي وَاسْتَثْنَى.
(وَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً طَلُقَتْ ثِنْتَيْنِ، وَإِنْ قَالَ إلَّا ثِنْتَيْنِ طَلُقَتْ وَاحِدَةً) وَفِي ذِكْرِ الْمِثَالَيْنِ إشَارَةٌ
وَالْأَصْلُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَكَلُّمٌ بِالْحَاصِلِ بَعْدَ الثُّنْيَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِ الْقَائِلِ لِفُلَانِ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَبَيْنَ قَوْلِهِ عَشَرَةٌ إلَّا تِسْعَةً فَيَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْبَعْضِ مِنْ الْجُمْلَةِ لِأَنَّهُ يَبْقَى التَّكَلُّمُ بِالْبَعْضِ بَعْدَهُ، وَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى بَعْدَهُ شَيْءٌ لِيَصِيرَ مُتَكَلَّمًا بِهِ وَصَارِفًا لِلَّفْظِ إلَيْهِ،
إلَى أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ سَوَاءٌ، خِلَافًا لِلْفَرَّاءِ فَإِنَّهُ لَا يُجَوِّزُ الْأَكْثَرَ وَيَدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ الْعَرَبُ (وَالْأَصْلُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَكَلُّمٌ بِالْحَاصِلِ بَعْدَ الثُّنْيَا) أَيْ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ إخْرَاجٌ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ، وَمَوْضِعُهُ أُصُولُ الْفِقْهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُقَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَأَنْ يُقَالَ عَشَرَةٌ إلَّا تِسْعَةً، فَيَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْبَعْضِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ الْجُمْلَةِ لِبَقَاءِ التَّكَلُّمِ بِالْبَعْضِ بَعْدَهُ (وَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ) مِثْلَ أَنْ يَقُولَ عَشَرَةٌ إلَّا عَشَرَةً لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ شَيْءٌ (يَصِيرُ مُتَكَلِّمًا بِهِ وَصَارِفًا لِلَّفْظِ إلَيْهِ) فَبَقِيَ كَلَامُهُ الْأَوَّلُ كَمَا كَانَ وَيَقَعُ الثَّلَاثُ، وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ رُجُوعٌ وَالرُّجُوعُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَنْ الطَّلَاقِ بَاطِلٌ فَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا أَنَّهُ أَبْطَلَ اسْتِثْنَاءَ الْكُلِّ فِي الْوَصِيَّةِ مَعَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي زِيَادَاتِهِ أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ إنَّمَا لَا يَصِحُّ إذَا كَانَ بِعَيْنِ ذَلِكَ اللَّفْظِ، وَأَمَّا إذَا اسْتَثْنَى بِغَيْرِ ذَلِكَ اللَّفْظِ فَيَصِحُّ وَإِنْ كَانَ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ كُلُّ نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا كُلَّ نِسَائِي لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ بَلْ يَطْلُقْنَ كُلُّهُنَّ. وَلَوْ قَالَ كُلُّ نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا زَيْنَبَ وَعَمْرَةَ وَبَكْرَةَ وَسَلْمَى لَا تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ وَإِنْ كَانَ هُوَ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ، وَهَذَا لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَصَرُّفٌ لَفْظِيٌّ فَيَصِحُّ فِيمَا صَحَّ فِيهِ اللَّفْظُ،
وَإِنَّمَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ إذَا كَانَ مَوْصُولًا بِهِ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ثِنْتَانِ فَيَقَعَانِ وَفِي الثَّانِي وَاحِدَةٌ، فَتَقَعُ وَاحِدَةٌ وَلَوْ قَالَ: إلَّا ثَلَاثًا يَقَعُ الثَّلَاثُ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ فَلَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
بَابُ طَلَاقِ الْمَرِيضِ
فَلَمَّا اسْتَثْنَى الْجُزْءَ مِنْ الْكُلِّ صَحَّ لَفْظًا فَكَذَا فِيمَا بَقِيَ، إذْ لَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ يَتْبَعُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ لَمَا صَحَّ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ عَشَرَةً إلَّا تِسْعَةً لِمَا أَنَّهُ لَا مَزِيدَ عَلَى الثَّلَاثِ شَرْعًا وَهُوَ صَحِيحٌ بِلَا خِلَافٍ. وَقَوْلُهُ (وَإِنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ مَوْصُولًا بِهِ) ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
(بَابُ طَلَاقِ الْمَرِيضِ):
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ طَلَاقِ الصَّحِيحِ سُنِّيًّا وَبِدْعِيًّا صَرِيحًا وَكِنَايَةً تَنْجِيزًا وَتَعْلِيقًا كُلًّا وَجُزْءًا شَرَعَ فِي بَيَانِ طَلَاقِ
(وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ طَلَاقًا بَائِنًا فَمَاتَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ وَرِثَتْهُ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَلَا مِيرَاثَ لَهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: لَا تَرِثُ فِي الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ قَدْ بَطَلَتْ بِهَذَا الْعَارِضِ وَهِيَ السَّبَبُ
الْمَرِيضِ مُتَعَرِّضًا لِبَعْضِ مَا ذُكِرَ إذْ الْمَرَضُ مِنْ الْعَوَارِضِ السَّمَاوِيَّةِ فَأَخَّرَ بَيَانَهُ عَنْ بَيَانِ حُكْمِ مَنْ بِهِ الْأَصْلُ وَهُوَ الصِّحَّةُ (وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ) وَهَذَا يُسَمَّى طَلَاقَ الْفَارِّ. وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ مَنْ أَبَانَ امْرَأَتَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بِغَيْرِ رِضَاهَا وَهِيَ مِمَّنْ تَرِثُهُ ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ وَرِثَتْهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. قَيَّدَ بِالْإِبَانَةِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ إذَا كَانَ رَجْعِيًّا كَانَ تَوْرِيثُهَا مِنْهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ حُكْمَ النِّكَاحِ بَاقٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَا بِاعْتِبَارِ الْفِرَارِ. وَقَيَّدَ بِمَرَضِ مَوْتِهِ لِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا بَائِنًا فِي مَرَضٍ فَصَحَّ مِنْهُ ثُمَّ مَاتَ لَا تَرِثُ، وَبِغَيْرِ الرِّضَا لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بِرِضَاهَا لَا تَرِثُهُ وَمِمَّنْ تَرِثُهُ، لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً أَوْ أَمَةً لَا تَرِثُ وَبِالْمَوْتِ فِي الْعِدَّةِ لِأَنَّهَا إنْ مَاتَتْ بَعْدَ انْقِضَائِهَا لَمْ تَرِثْ خِلَافًا لِمَالِكٍ، وَحُكْمُ الْفِرَارِ كَمَا ثَبَتَ مِنْ جَانِبِهِ يَثْبُتُ مِنْ جَانِبِهَا كَمَا إذَا ارْتَدَّتْ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَهِيَ مَرِيضَةٌ فَإِنَّهُ يَرِثُهَا (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَرِثُ فِي الْوَجْهَيْنِ)
وَلِهَذَا لَا يَرِثُهَا إذَا مَاتَتْ. وَلَنَا أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ سَبَبُ إرْثِهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَالزَّوْجُ قَصَدَ إبْطَالَهُ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ قَصْدُهُ بِتَأْخِيرِ عَمَلِهِ إلَى زَمَانِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا، وَقَدْ أَمْكَنَ لِأَنَّ النِّكَاحَ فِي الْعِدَّةِ يَبْقَى فِي حَقِّ بَعْضِ الْآثَارِ فَجَازَ أَنْ يَبْقَى
يَعْنِي قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَبَعْدَهَا لِأَنَّ سَبَبَ إرْثِهَا مِنْهُ الزَّوْجِيَّةُ وَالزَّوْجِيَّةُ قَدْ بَطَلَتْ بِهَذَا الْعَارِضِ وَهُوَ الطَّلَاقُ (وَلِهَذَا لَا يَرِثُهَا إذَا مَاتَتْ. وَلَنَا أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ سَبَبُ إرْثِهَا مِنْهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ) وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَالزَّوْجُ قَصَدَ إبْطَالَ هَذَا السَّبَبِ) بِالطَّلَاقِ وَهُوَ أَيْضًا ظَاهِرٌ (فَيُرَدُّ عَلَيْهِ قَصْدُهُ بِتَأْخِيرِ عَمَلِهِ) أَيْ عَمَلِ الطَّلَاقِ (إلَى زَمَانِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا) فَإِنْ قِيلَ: إنْ كَانَ سَبَبُ تَأْخِيرِ الْعَمَلِ دَفْعَ الضُّرِّ عَنْهَا وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ فِي ذَلِكَ الْمَوْطُوءَةُ وَغَيْرُهَا وَمَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَمَا بَعْدَهُ.
أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَقَدْ أَمْكَنَ) يَعْنِي إنَّمَا يَصِحُّ تَوْرِيثُهَا مِنْهُ إذَا أَمْكَنَ تَأْخِيرُ عَمَلِ الطَّلَاقِ لِيَكُونَ السَّبَبُ وَهُوَ النِّكَاحُ قَائِمًا، وَقَدْ أَمْكَنَ ذَلِكَ إلَى زَمَانِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِأَنَّ النِّكَاحَ فِي الْعِدَّةِ بَاقٍ فِي حَقِّ بَعْضِ الْآثَارِ
فِي حَقِّ إرْثِهَا عَنْهُ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الِانْقِضَاءِ لِأَنَّهُ لَا إمْكَانَ، وَالزَّوْجِيَّةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لِإِرْثِهِ عَنْهَا فَتَبْطُلُ فِي حَقِّهِ خُصُوصًا إذَا رَضِيَ بِهِ.
(وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا بِأَمْرِهَا أَوْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا أَوْ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ ثُمَّ مَاتَ
مِنْ حُرْمَةِ التَّزَوُّجِ وَحُرْمَةِ الْخُرُوجِ وَالْبُرُوزِ وَحُرْمَةِ نِكَاحِ الْأُخْتِ وَحُرْمَةِ نِكَاحِ أَرْبَعَةٍ سِوَاهَا، فَجَازَ أَنْ يَبْقَى فِي حَقِّ إرْثِهَا مِنْهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَوْطُوءَةِ وَمَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ فِيهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِعَدَمِ بَقَاءِ النِّكَاحِ أَصْلًا. وَقَوْلُهُ (وَالزَّوْجِيَّةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ وَلِهَذَا لَا يَرِثُهَا إذَا مَاتَتْ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الزَّوْجَ إذَا كَانَ مَرِيضًا لَا يَتَعَلَّقُ لَهُ حَقٌّ فِي مَالِ الْمَرْأَةِ لِكَوْنِهَا صَحِيحَةً فَلَا يَرِثُهَا إذَا مَاتَتْ، إمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّهُ بِمَالِهَا، وَإِمَّا لِأَنَّهُ رَضِيَ بِحِرْمَانِهَا عَنْ الْإِرْثِ حَيْثُ أَقْدَمَ عَلَى الطَّلَاقِ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ النِّكَاحُ قَائِمًا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ (وَقَوْلُهُ فَتَبْطُلَ فِي حَقِّهِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُ جَوَابُ النَّفْيِ. وَقَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ بِالرَّفْعِ لَا غَيْرُ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا وَجْهٌ خَلَا قَوْلَهُ لَا غَيْرُ فَإِنَّهُ لَا وَجْهَ لَهُ.
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ طَلَّقَهَا بِأَمْرِ) هَا ظَاهِرٌ. قِيلَ سُؤَالُهَا لِلطَّلَاقِ لَا يَرْبُو عَلَى قَوْلِهَا أَسْقَطْت مِيرَاثِي مِنْ
وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ لَمْ تَرِثْهُ) لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِإِبْطَالِ حَقِّهَا وَالتَّأْخِيرِ لِحَقِّهَا. وَإِنْ قَالَتْ طَلِّقْنِي لِلرَّجْعَةِ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَرِثَتْهُ لِأَنَّ
فُلَانٍ وَثَمَّةَ لَا يَسْقُطُ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْمِيرَاثَ لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ مَقْصُودًا، وَلَكِنْ سَبَبُهُ وَهُوَ الزَّوْجِيَّةُ يَحْتَمِلُ الرَّفْضَ، فَإِذَا لَمْ تَرْضَ بِرَفْضِهَا جَعَلْنَاهَا قَائِمَةً فِي حَقِّهَا حُكْمًا، وَإِذَا رَضِيَتْ حَكَمْنَا بِارْتِفَاضِهَا فَيَسْقُطُ الْإِرْثُ ضِمْنًا لَهُ، وَكَمْ مِنْ
الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يُزِيلُ النِّكَاحَ فَلَمْ تَكُنْ بِسُؤَالِهَا رَاضِيَةً بِبُطْلَانِ حَقِّهَا
(وَإِنْ قَالَ لَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ كُنْت طَلَّقْتُك ثَلَاثًا فِي صِحَّتِي وَانْقَضَتْ عِدَّتُك فَصَدَّقَتْهُ، ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا بِدَيْنٍ أَوْ أَوْصَى لَهَا بِوَصِيَّةٍ فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ الْمِيرَاثِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: يَجُوزُ إقْرَارُهُ وَوَصِيَّتُهُ. وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي مَرَضِهِ بِأَمْرِهَا ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا بِدَيْنٍ أَوْ أَوْصَى لَهَا بِوَصِيَّةٍ فَلَهَا الْأَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ الْمِيرَاثِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ رحمه الله فَإِنَّ لَهَا جَمِيعَ مَا أَوْصَى وَمَا أَقَرَّ بِهِ، لِأَنَّ الْمِيرَاثَ لَمَّا بَطَلَ بِسُؤَالِهَا زَالَ الْمَانِعُ مِنْ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَالْوَصِيَّةِ. وَجْهُ قَوْلِهِمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنَّهُمَا لَمَّا تَصَادَقَا عَلَى الطَّلَاقِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً عَنْهُ حَتَّى جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا فَانْعَدَمَتْ التُّهْمَةُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهَا وَيَجُوزُ وَضْعُ الزَّكَاةِ فِيهَا، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّ الْعِدَّةَ بَاقِيَةٌ وَهِيَ سَبَبُ التُّهْمَةِ، وَالْحُكْمُ يُدَارُ عَلَى دَلِيلِ التُّهْمَةِ وَلِهَذَا يُدَارُ عَلَى النِّكَاحِ وَالْقَرَابَةِ، وَلَا عِدَّةَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى
حُكْمٍ يَثْبُتُ ضِمْنًا وَلَا يَثْبُتُ قَصْدًا، وَكَذَلِكَ إذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا لِأَنَّهُ دَلِيلُ الرِّضَا بِالْفُرْقَةِ، وَبِالْخُلْعِ قَدْ الْتَزَمَتْ الْمَالَ لِتَحْصُلَ لَهَا الْفُرْقَةُ وَهُوَ أَدَلُّ عَلَى الرِّضَا بِهَا.
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ لَهَا فِي مَرَضِهِ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا يَجِبُ الْأَقَلُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَجِبُ مَا أَقَرَّ وَأَوْصَى بَالِغًا مَا بَلَغَ فِيهِمَا عِنْدَ زُفَرَ، وَقَوْلُهُمَا فِي الْأُولَى كَقَوْلِ زُفَرَ، وَفِي الثَّانِيَةِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. قَالَ زُفَرُ (وَالْمِيرَاثُ لَمَّا بَطَلَ بِسُؤَالِهَا أَوْ تَصْدِيقِهَا زَالَ الْمَانِعُ مِنْ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَالْوَصِيَّةِ) وَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ يَعْمَلُ الْمُقْتَضَى عَمَلَهُ. وَ (وَجْهُ قَوْلِهِمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنَّهُمَا لَمَّا تَصَادَقَا عَلَى الطَّلَاقِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً فَانْعَدَمَتْ التُّهْمَةُ) وَاسْتَوْضَحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ أَلَا تَرَى.
وَقَوْلُهُ وَهِيَ سَبَبُ التُّهْمَةِ) أَيْ الْعِدَّةُ سَبَبُ تُهْمَةِ إيثَارِ الزَّوْجِ الزَّوْجَةَ عَلَى سَائِرِ الْوَرَثَةِ بِزِيَادَةِ نَصِيبِهَا كَمَا فِي حَقِيقَةِ الزَّوْجِيَّةِ (وَالْحُكْمُ) وَهُوَ عَدَمُ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَالْوَصِيَّةِ (يُدَارُ عَلَى دَلِيلِ التُّهْمَةِ وَلِهَذَا يُدَارُ) الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ (عَلَى النِّكَاحِ وَالْقَرَابَةِ) حَيْثُ لَا يَجُوزُ وَصِيَّتُهُ وَلَا إقْرَارُهُ لِمَنْكُوحَتِهِ وَذَوِي قَرَابَتِهِ. وَتَحْقِيقُ هَذَا أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَخْتَارُ الطَّلَاقَ لِيَنْفَتِحَ عَلَيْهِ بَابُ الْوَصِيَّةِ وَالْإِقْرَارِ، وَكَذَا قَدْ يَتَوَاضَعُ مَعَ بَعْضِ قَرَابَتِهِ بِدَيْنٍ إيثَارًا لَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَكِنَّهُ أَمْرٌ مُبْطَنٌ وَلَهُ سَبَبٌ ظَاهِرٌ وَهُوَ النِّكَاحُ وَالْقَرَابَةُ فَأَقَامَهُ الشَّرْعُ مَقَامَهُ وَلَمْ يُجَوِّزْ الْإِقْرَارَ وَالْوَصِيَّةَ لِمَنْكُوحَتِهِ وَقَرِيبِهِ، فَكَذَا فِي الْمُعْتَدَّةِ لِأَنَّ الْعِدَّةَ مِنْ أَسْبَابِ التُّهْمَةِ (وَلَا عِدَّةَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى) لِتَصَادُقِهِمَا عَلَى انْقِضَائِهَا. وَفِي عِبَارَتِهِ تَسَامُحٌ لِأَنَّ ذِكْرَ أَنَّ الْعِدَّةَ سَبَبُ التُّهْمَةِ ثُمَّ جَعْلَهُ دَلِيلَ التُّهْمَةِ، وَإِقَامَةَ
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّ التُّهْمَةَ قَائِمَةٌ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ تَخْتَارُ الطَّلَاقَ لِيَنْفَتِحَ بَابُ الْإِقْرَارِ وَالْوَصِيَّةِ عَلَيْهَا فَيَزِيدَ حَقُّهَا، وَالزَّوْجَانِ قَدْ يَتَوَاضَعَانِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْفُرْقَةِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِيَبَرَّهَا الزَّوْجُ بِمَالِهِ زِيَادَةً عَلَى مِيرَاثِهَا وَهَذِهِ التُّهْمَةُ فِي الزِّيَادَةِ فَرَدَدْنَاهَا، وَلَا تُهْمَةَ فِي قَدْرِ الْمِيرَاثِ فَصَحَّحْنَاهُ، وَلَا مُوَاضَعَةَ عَادَةً فِي حَقِّ الزَّكَاةِ وَالتَّزَوُّجِ وَالشَّهَادَةِ، فَلَا تُهْمَةَ فِي حَقِّ هَذِهِ الْأَحْكَامِ
قَالَ رضي الله عنه:
الشَّيْءِ مَقَامَ غَيْرِهِ إقَامَةَ السَّبَبِ الدَّاعِي مَقَامَ الْمَدْعُوِّ، وَإِقَامَةَ الدَّلِيلِ مَقَامَ الْمَدْلُولِ فَهُمَا قَسِيمَانِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّ التُّهْمَةَ قَائِمَةٌ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ تَخْتَارُ الطَّلَاقَ لِيَنْفَتِحَ بَابُ الْإِقْرَارِ وَالْوَصِيَّةِ عَلَيْهَا فَيَزِيدُ حَقُّهَا، وَالزَّوْجَانِ قَدْ يَتَوَاضَعَانِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْفُرْقَةِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِيَبَرَّهَا الزَّوْجُ بِمَالِهِ زِيَادَةً عَلَى مِيرَاثِهَا، وَهَذِهِ التُّهْمَةُ فِي الزِّيَادَةِ فَرَدَدْنَاهَا، وَلَا تُهْمَةَ فِي قَدْرِ الْمِيرَاثِ فَصَحَّحْنَاهُ) وَقَوْلُهُ (وَلَا مُوَاضَعَةَ عَادَةً) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقْبَلُ شَهَادَتَهُ لَهَا وَهُوَ
(وَمَنْ كَانَ مَحْصُورًا أَوْ فِي صَفِّ الْقِتَالِ فَطَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا لَمْ تَرِثْهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَارَزَ رَجُلًا أَوْ قُدِّمَ لِيُقْتَلَ فِي قِصَاصٍ أَوْ رَجْمٍ وَرِثَتْ إنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ أَوْ قُتِلَ) وَأَصْلُهُ مَا بَيَّنَّا أَنَّ امْرَأَة الْفَارِّ تَرِثُ اسْتِحْسَانًا، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْفِرَارِ بِتَعَلُّقِ حَقِّهَا بِمَالِهِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَرَضٍ يُخَافُ مِنْهُ الْهَلَاكُ غَالِبًا كَمَا إذَا كَانَ صَاحِبَ الْفِرَاشِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يَقُومُ بِحَوَائِجِهِ كَمَا يَعْتَادُهُ الْأَصِحَّاءُ، وَقَدْ يَثْبُتُ حُكْمُ الْفِرَارِ بِمَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَرَضِ فِي تَوَجُّهِ الْهَلَاكِ الْغَالِبِ، وَمَا يَكُونُ الْغَالِبُ مِنْهُ السَّلَامَةَ لَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ الْفِرَارِ، فَالْمَحْصُورُ وَاَلَّذِي فِي صَفِّ الْقِتَالِ الْغَالِبُ مِنْهُ السَّلَامَةُ لِأَنَّ الْحِصْنَ لِدَفْعِ بَأْسِ الْعَدُوِّ وَكَذَا الْمَنَعَةُ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ الْفِرَارِ، وَاَلَّذِي بَارَزَ أَوْ قُدِّمَ لَيُقْتَلَ الْغَالِبُ مِنْهُ الْهَلَاكُ فَيَتَحَقَّقُ بِهِ الْفِرَارُ وَلِهَذَا أَخَوَاتٌ تَخْرُجُ عَلَى هَذَا الْحَرْفِ، وَقَوْلُهُ إذَا مَاتَ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ أَوْ قُتِلَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا مَاتَ
وَاضِحٌ.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ كَانَ مَحْصُورًا أَوْ فِي صَفِّ الْقِتَالِ) هَذَا لِبَيَانِ أَنَّ حُكْمَ الْفِرَارِ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِي الْمَرَضِ بَلْ كُلُّ شَيْءٍ يُقَرِّبُهُ إلَى الْهَلَاكِ غَالِبًا فَهُوَ فِي مَعْنَى مَرَضِ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ مَرَضَ الْمَوْتِ هُوَ الَّذِي يُخَافُ مِنْهُ الْهَلَاكُ غَالِبًا فَكَانَا فِي الْمَعْنَى سَوَاءً، وَفَسَّرَ الْمَرَضَ الَّذِي يُخَافُ مِنْهُ الْهَلَاكُ غَالِبًا أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ فِرَاشٍ، وَفَسَّرَهُ بِمِنْ يَكُونُ بِحَالٍ لَا يَقُومُ بِحَوَائِجِهِ كَالْأَصِحَّاءِ وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (وَلِهَذَا أَخَوَاتٌ تَخْرُجُ عَلَى هَذَا) مِنْهَا رَاكِبُ السَّفِينَةِ بِمَنْزِلَةِ الصَّحِيحِ، فَإِنْ تَلَاطَمَتْ الْأَمْوَاجُ وَخِيفَ الْغَرَقُ صَارَ كَالْمَرِيضِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. وَمِنْهَا الْمَرْأَةُ الْحَامِلُ فَإِنَّهَا كَالصَّحِيحَةِ فَإِذَا أَخَذَهَا الطَّلْقُ فَهِيَ كَالْمَرِيضَةِ. وَمِنْهَا الْمُقْعَدُ وَالْمَفْلُوجُ مَا دَامَ يَزْدَادُ مَا بِهِ فَهُوَ كَالْمَرِيضِ، فَإِنْ صَارَ بِحَيْثُ لَا يَزْدَادُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الصَّحِيحِ فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ مَا دَامَ يَزْدَادُ فِي عِلَّتِهِ فَالْغَالِبُ أَنَّ آخِرَهُ الْمَوْتُ، وَإِذَا صَارَ بِحَالٍ لَا يَزْدَادُ فَلَا يَخَافُ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ وَقَوْلُهُ إذَا مَاتَ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ) بَيَانُهُ: إذَا طَلَّقَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ثُمَّ قُتِلَ أَوْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْمَرَضِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فَلَهَا الْمِيرَاثُ، وَكَانَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ يَرَى أَنْ لَا مِيرَاثَ لَهَا لِأَنَّ مَرَضَ
بِذَلِكَ السَّبَبِ أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ كَصَاحِبِ الْفِرَاشِ بِسَبَبِ الْمَرَضِ إذَا قُتِلَ.
(وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ أَوْ إذَا دَخَلْت الدَّارَ أَوْ إذَا صَلَّى فُلَانٌ الظُّهْرَ أَوْ إذَا دَخَلَ فُلَانٌ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَكَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ وَالزَّوْجُ مَرِيضٌ لَمْ تَرِثْ، وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ فِي الْمَرَضِ وَرِثَتْ إلَّا فِي قَوْلِهِ إذَا دَخَلْت الدَّارَ) وَهَذَا عَلَى وُجُوهٍ: إمَّا أَنْ يُعَلِّقَ الطَّلَاقَ بِمَجِيءِ الْوَقْتِ أَوْ بِفِعْلِ الْأَجْنَبِيِّ أَوْ بِفِعْلِ نَفْسِهِ أَوْ بِفِعْلِ الْمَرْأَةِ، وَكُلُّ وَجْهٍ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَمَّا إنْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ أَوْ كِلَاهُمَا فِي الْمَرَضِ.
أَمَّا الْوَجْهَانِ الْأَوَّلَانِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ بِمَجِيءِ الْوَقْتِ بِأَنْ قَالَ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ بِفِعْلِ الْأَجْنَبِيِّ بِأَنْ قَالَ إذَا دَخَلَ فُلَانٌ الدَّارَ أَوْ صَلَّى فُلَانٌ الظُّهْرَ، فَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ فَلَهَا الْمِيرَاثُ لِأَنَّ الْقَصْدَ إلَى الْفِرَارِ قَدْ تَحَقَّقَ مِنْهُ بِمُبَاشَرَةٍ التَّعْلِيقِ فِي حَالِ تَعَلُّقِ حَقِّهَا بِمَالِهِ، وَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ لَمْ تَرِثْ. وَقَالَ زُفَرُ رحمه الله تَرِثُ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ يَنْزِلُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَالْمُنْجَزِ فَكَانَ إيقَاعًا فِي الْمَرَضِ.
وَلَنَا أَنَّ التَّعْلِيقَ السَّابِقَ يَصِيرُ تَطْلِيقًا عِنْدَ الشَّرْطِ حُكْمًا لَا قَصْدًا
الْمَوْتِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْمَوْتِ، وَلَمَّا مَاتَ بِسَبَبٍ آخَرَ عَلِمْنَا أَنَّ مَرَضَهُ لَمْ يَكُنْ مَرَضَ الْمَوْتِ وَأَنَّ حَقَّهَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقًا بِمَالِهِ يَوْمئِذٍ فَهُوَ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا فِي صِحَّتِهِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: قَدْ اتَّصَلَ الْمَوْتُ بِمَرَضِهِ حِينَ لَمْ يَصِحَّ حَتَّى مَاتَ، وَقَدْ يَكُونُ لِلْمَوْتِ سَبَبَانِ فَلَا يَتَبَيَّنُ بِهَذَا أَنَّ مَرَضَهُ لَمْ يَكُنْ مَرَضَ الْمَوْتِ وَأَنَّ حَقَّهَا لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فِي مَالِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ إرْثَهَا عَنْهُ بِحُكْمِ الْفِرَارِ وَهُوَ مُتَحَقِّقٌ هَاهُنَا. .
(وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ) كَلَامُهُ فِيهِ وَاضِحٌ سِوَى أَلْفَاظٍ نَذْكُرُهَا (قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ) يَعْنِي طَلَاقًا بَائِنًا لِأَنَّ حُكْمَ الْفِرَارِ إنَّمَا يُعْطَى إذَا كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَقَوْلُهُ (وَكَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ) بِمَعْنَى وُجِدَتْ تَامَّةً لَا تَحْتَاجُ إلَى خَبَرٍ. وَقَوْلُهُ (يَصِيرُ تَطْلِيقًا عِنْدَ الشَّرْطِ حُكْمًا لَا قَصْدًا) يَظْهَرُ بِمَسْأَلَتَيْنِ:
وَلَا ظُلْمَ إلَّا عَنْ قَصْدٍ فَلَا يُرَدُّ تَصَرُّفُهُ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَهُوَ مَا إذَا عَلَّقَهُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ فَسَوَاءٌ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ أَوْ كَانَا فِي الْمَرَضِ وَالْفِعْلُ مِمَّا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ أَوْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ يَصِيرُ فَارًّا لِوُجُودِ قَصْدِ الْإِبْطَالِ، إمَّا بِالتَّعْلِيقِ أَوْ بِمُبَاشَرَةِ الشَّرْطِ فِي الْمَرَضِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ فِعْلِ الشَّرْطِ بُدٌّ فَلَهُ مِنْ التَّعْلِيقِ أَلْفُ بُدٍّ فَيُرَدُّ تَصَرُّفُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَهُوَ مَا إذَا عَلَّقَهُ بِفِعْلِهَا، فَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ وَالْفِعْلُ مِمَّا لَهَا مِنْهُ بُدٌّ كَكَلَامِ زَيْدٍ وَنَحْوِهِ لَمْ تَرِثْ لِأَنَّهَا رَاضِيَةٌ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ مِمَّا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ كَأَكْلِ الطَّعَامِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ وَكَلَامِ الْأَبَوَيْنِ تَرِثُ لِأَنَّهَا مُضْطَرَّةٌ فِي الْمُبَاشَرَةِ لِمَا لَهَا فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ خَوْفِ الْهَلَاكِ فِي الدُّنْيَا
إحْدَاهُمَا أَنَّهُ لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ بِالشَّرْطِ ثُمَّ وُجِدَ وَهُوَ مَجْنُونٌ فَإِنَّهُ يَقَعُ مَعَ أَنَّ طَلَاقَ الْمَجْنُونِ غَيْرُ وَاقِعٍ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِتَطْلِيقٍ قَصْدًا. وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا عَلَّقَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ بِشَرْطٍ ثُمَّ حَلَفَ أَنْ لَا يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطُ لَا يَحْنَثُ، فَلَوْ كَانَ تَطْلِيقًا قَصَدَ الْحِنْثَ.
وَقَوْلُهُ وَالْفِعْلُ مِمَّا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ أَوْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ يَصِيرُ فَارًّا) قِيلَ عَلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِيرَ فَارًّا فِي التَّعْلِيقِ بِالْفِعْلِ الَّذِي لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ لِأَنَّ الْفِعْلَ إذَا كَانَ مِمَّا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ يَصِيرُ مُضْطَرًّا فِي مُبَاشَرَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ فَلَا يَصِيرُ الْفِعْلُ ظُلْمًا فَلَا تَرِثُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاضْطِرَارَ فِي جَانِبِ الْفِعْلِ لَا يَرِدُ وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ كَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ أَوْ إلَى قَتْلِ الْجَمَلِ الصَّائِلِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ وَإِنْ لَمْ يُوصَفْ فِعْلُهُ بِالظُّلْمِ لِمَا أَنَّ عِصْمَةَ الْمَحَلِّ تَكْفِي لِإِيجَابِ الضَّمَانِ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهَا رَاضِيَةٌ بِذَلِكَ) يَعْنِي صَارَ كَأَنَّهُ طَلَّقَهَا بِسُؤَالِهَا لِمَا أَنَّ الرِّضَا بِالشَّرْطِ رِضًا بِالْمَشْرُوطِ. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ فَإِنَّ أَحَدَ شَرِيكَيْ الْعَبْدِ إذَا قَالَ لِصَاحِبِهِ إنْ ضَرَبْته فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبَهُ عَتَقَ، وَلِلضَّارِبِ وِلَايَةُ تَضْمِينِ الْحَالِفِ مَعَ أَنَّ الضَّارِبَ ضَرَبَهُ بِاخْتِيَارِهِ فَلَمْ يُجْعَلْ ذَلِكَ مِنْهُ رِضًا. أُجِيبَ بِأَنَّ حُكْمَ الْفِرَارِ يَثْبُتُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ اسْتِحْسَانًا بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ بِشُبْهَةِ الْعُدْوَانِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ
أَوْ فِي الْعُقْبَى وَلَا رِضًا مَعَ الِاضْطِرَارِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ وَالشَّرْطُ فِي الْمَرَضِ، فَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ مِمَّا لَهَا مِنْهُ بُدٌّ فَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ لَا مِيرَاثَ لَهَا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ رحمه الله، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الزَّوْجِ صُنْعٌ بَعْدَمَا تَعَلَّقَ حَقُّهَا بِمَالِهِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَرِثُ لِأَنَّ الزَّوْجَ أَلْجَأَهَا إلَى الْمُبَاشَرَةِ فَيَنْتَقِل الْفِعْلُ إلَيْهِ كَأَنَّهَا آلَةٌ لَهُ كَمَا فِي الْإِكْرَاهِ.
قَالَ (وَإِذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَهُوَ مَرِيضٌ ثُمَّ صَحَّ ثُمَّ مَاتَ لَمْ تَرِثْ) وَقَالَ زُفَرُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ: تَرِثُ لِأَنَّهُ قَصَدَ الْفِرَارَ حِينَ أَوْقَعَ فِي الْمَرَضِ وَقَدْ مَاتَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْمَرَضُ إذَا تَعَقَّبَهُ بُرْءٌ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الصِّحَّةِ لِأَنَّهُ يَنْعَدِمُ بِهِ مَرَضُ الْمَوْتِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ فَلَا يَصِيرُ الزَّوْجُ فَارًّا. وَلَوْ طَلَّقَهَا فَارْتَدَّتْ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ ثُمَّ أَسْلَمَتْ ثُمَّ مَاتَ الزَّوْجُ مِنْ مَرَضِهِ وَهِيَ
وَتَابَعَهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ فَيَبْطُلُ حُكْمُهُ أَيْضًا لِشُبْهَةِ الرِّضَا، وَلَا كَذَلِكَ حُكْمُ الضَّمَانِ، وَقَدْ وُجِدَ هَاهُنَا شُبْهَةُ رِضَا الْمَرْأَةِ فَيَكْفِي ذَلِكَ لِنَفْيِ حُكْمِ الْفِرَارِ. وَقَوْلُهُ (أَوْ فِي الْعُقْبَى) رَاجِعٌ إلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ. قِيلَ إنَّمَا خَصَّهَا بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَ جَمِيعُ الْمَكْتُوبَاتِ فِيهِ سَوَاءً لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ فُرِضَتْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَكَانَ الْفَهْمُ فِي النَّظَرِ إلَى الْأَوَّلِ أَسْبَقَ. وَقَوْلُهُ (فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) أَيْ لَا تَرِثُ الْمَرْأَةُ لِأَنَّهُ حِينَ عَلَّقَ الزَّوْجُ الطَّلَاقَ لَمْ يَكُنْ فِي مَالِهِ لَهَا حَقٌّ فَلَا يُتَّهَمُ بِالْقَصْدِ إلَى الْفِرَارِ وَلَمْ يُوجَدْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُ صُنْعٌ، غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يَنْعَدِمَ رِضَاهَا إذْ فِعْلُهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا لَا تَجِدُ مِنْهُ بُدًّا؛ فَيَكُونُ هَذَا كَالتَّعْلِيقِ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ أَوْ بِمَجِيءِ الشَّهْرِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هُنَاكَ لَا تَرِثُ إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا لِمَا أَنَّ الزَّوْجَ لَمْ يُبَاشِرْ الْعِلَّةَ وَلَا الشَّرْطَ فِي مَرَضِهِ فَلَا يَكُونُ فَارًّا.
فَإِنْ قِيلَ: فِي هَذَا مُنَاقَضَةٌ مِنْ جَانِبِ زُفَرَ لِأَنَّهُ قَالَ فِيمَا تَقَدَّمَ إنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ كَالْمُنَجَّزِ فَكَانَ إيقَاعًا فِي الْمَرَضِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الزَّوْجِ صُنْعٌ بَعْدَ تَعَلُّقِ حَقِّهَا بِمَا لَهُ صُنْعٌ مُعْتَبَرٌ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَمَّا كَانَ فِعْلَهَا جُعِلَ صُنْعُ الزَّوْجِ كَلَا صُنْعٍ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ الشَّرْطَ لَمْ يَكُنْ فِعْلَهَا فَلَمْ يَخْرُجْ فِعْلُهُ عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِبَارِ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ الزَّوْجَ أَلْجَأَهَا إلَى الْمُبَاشَرَةِ)
فِي الْعِدَّةِ لَمْ تَرِثْ، وَإِنْ لَمْ تَرْتَدَّ بَلْ طَاوَعَتْ ابْنَ زَوْجِهَا فِي الْجِمَاعِ وَرِثَتْ. وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّهَا بِالرِّدَّةِ أَبْطَلَتْ أَهْلِيَّةَ الْإِرْثِ إذْ الْمُرْتَدُّ لَا يَرِثُ أَحَدًا وَلَا بَقَاءَ لَهُ بِدُونِ الْأَهْلِيَّةِ، وَبِالْمُطَاوَعَةِ مَا أَبْطَلَتْ الْأَهْلِيَّةَ لِأَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ لَا تُنَافِي الْإِرْثَ وَهُوَ الْبَاقِي، بِخِلَافِ مَا إذَا طَاوَعَتْ فِي حَالِ قِيَامِ النِّكَاحِ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الْفُرْقَةَ فَتَكُونُ رَاضِيَةً بِبُطْلَانِ السَّبَبِ، وَبَعْدَ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِالْمُطَاوَعَةِ لِتَقَدُّمِهَا عَلَيْهَا فَافْتَرَقَا
(وَمَنْ قَذَفَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ صَحِيحٌ وَلَاعَنَ فِي الْمَرَضِ وَرِثَتْ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله لَا تَرِثُ، وَإِنْ كَانَ الْقَذْفُ فِي الْمَرَضِ وَرِثَتْهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) وَهَذَا مُلْحَقٌ بِالتَّعْلِيقِ بِفِعْلِ لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ إذْ هِيَ مُلْجَأَةٌ إلَى الْخُصُومَةِ لِدَفْعِ عَارِ الزِّنَا عَنْ نَفْسِهَا وَقَدْ بَيَّنَّا الْوَجْهَ فِيهِ (وَإِنْ آلَى وَهُوَ صَحِيحٌ ثُمَّ بَانَتْ بِالْإِيلَاءِ وَهُوَ مَرِيضٌ لَمْ تَرِثْ، وَإِنْ كَانَ الْإِيلَاءُ أَيْضًا فِي الْمَرَضِ وَرِثَتْ) لِأَنَّ الْإِيلَاءَ فِي مَعْنَى تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِمُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ خَالِيَةٍ
أَيْ إلَى جَعْلِ فِعْلِهَا الَّذِي لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ عِلَّةً لِإِسْقَاطِ حَقِّهَا
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ لَا تُنَافِي الْإِرْثَ) يَعْنِي بَلْ تُنَافِي النِّكَاحَ كَمَا فِي الْأُمِّ وَالْأُخْتِ. وَقَوْلُهُ (وَهُوَ) يَعْنِي الْإِرْثَ هُوَ (الْبَاقِي) وَقَوْلُهُ (فَتَكُونُ رَاضِيَةً بِبُطْلَانِ السَّبَبِ) أَيْ سَبَبِ الْإِرْثِ وَهُوَ النِّكَاحُ.
(قَوْلُهُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تَرِثُ) قِيلَ لِأَنَّ الطَّلَاقَ إنَّمَا يَقَعُ بِلِعَانِهَا لِأَنَّهُ آخِرُ اللِّعَانَيْنِ، وَكَانَ آخِرَ الْمُدَارَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ: الْفُرْقَةُ إنَّمَا تَقَعُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي عِنْدَنَا فَكَانَ الْقَضَاءُ آخِرَ الْمُدَارَيْنِ. أُجِيبَ بِأَنَّ اللِّعَانَ شَهَادَةٌ عِنْدَنَا عَلَى مَا يَأْتِي، وَالْحُكْمُ إمَّا يَثْبُتُ بِالشَّهَادَةِ لَا بِالْقَضَاءِ.
وَوَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْفُرْقَةَ وَإِنْ كَانَتْ تَقَعُ بِلِعَانِهَا إلَّا أَنَّهَا مُضْطَرَّةٌ فِي ذَلِكَ لِاسْتِدْفَاعِ الْعَارِ عَنْ نَفْسِهَا وَكَانَ مُلْحَقًا بِفِعْلٍ لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ (وَقَدْ بَيَّنَّا الْوَجْهَ فِيهِ) أَيْ فِي الْفِعْلِ الَّذِي لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُهُ لِأَنَّهَا مُضْطَرَّةٌ فِي الْمُبَاشَرَةِ.
وَقَوْلُهُ وَإِنْ آلَى وَهُوَ صَحِيحٌ) ظَاهِرٌ
عَنْ الْوِقَاعِ فَيَكُونُ مُلْحَقًا بِالتَّعْلِيقِ بِمَجِيءِ الْوَقْتِ وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَهُ قَالَ (وَالطَّلَاقُ الَّذِي يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ تَرِثُ بِهِ
قَوْلُهُ وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَهُ) يُرِيدُ قَوْلَهُ وَلَنَا أَنَّ التَّعْلِيقَ السَّابِقَ يَصِيرُ تَطْلِيقًا إلَخْ. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِيلَاءَ نَظِيرُ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِمَجِيءِ الْوَقْتِ إنْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ لِمَا أَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ إبْطَالِ الْإِيلَاءِ بِالْفَيْءِ، فَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ صَارَ كَأَنَّهُ أَنْشَأَ الْإِيلَاءَ فِي الْمَرَضِ وَهُنَاكَ تَرِثُ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا، وَكَانَ نَظِيرَ مَنْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِالطَّلَاقِ فِي صِحَّتِهِ فَطَلَّقَهَا الْوَكِيلُ فِي الْمَرَضِ كَانَ فَارًّا لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْعَزْلِ؛ فَإِذَا لَمْ يَعْزِلْ جُعِلَ كَأَنَّهُ أَنْشَأَهُ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا. أُجِيبَ بِأَنَّ
فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يُزِيلُ النِّكَاحَ حَتَّى يُحِلَّ الْوَطْءَ فَكَانَ السَّبَبُ قَائِمًا. قَالَ (وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهَا تَرِثُ إنَّمَا تَرِثُ إذَا مَاتَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ) وَقَدْ بَيِّنَاهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا ثَابِتٌ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إبْطَالُ الْإِيلَاءِ إلَّا بِضَرَرٍ يَلْزَمُهُ فَلَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مُطْلَقًا، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْوَكَالَةِ. وَقَوْلُهُ (فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ) يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ الطَّلَاقُ بِسُؤَالِهَا أَوْ بِغَيْرِ سُؤَالِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ التَّعْلِيقُ بِفِعْلِهَا أَوْ بِفِعْلِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْفِعْلُ مِمَّا لَهَا مِنْهُ بُدٌّ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَالْبَاقِي وَاضِحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
بَابُ الرَّجْعَةِ
(وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً رَجْعِيَّةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ فَلَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا فِي عِدَّتِهَا رَضِيَتْ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ تَرْضَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ
بَابُ الرَّجْعَةِ)
لَمَّا كَانَتْ الرَّجْعَةُ مُتَأَخِّرَةً عَنْ الطَّلَاقِ طَبْعًا أَخَّرَهَا وَضْعًا لِيُنَاسِبَ الْوَضْعُ الطَّبْعَ وَالرَّجْعَةُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ اسْتِدَامَةِ مِلْكِ النِّكَاحِ. وَلَهَا شَرَائِطُ: إحْدَاهَا تَقْدِيمُ صَرِيحِ لَفْظِ الطَّلَاقِ أَوْ بَعْضِ أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالثَّانِيَةُ أَنْ لَا يَكُونَ بِمُقَابَلَتِهِ مَالٌ. وَالثَّالِثَةُ أَنْ لَا يُسْتَوْفَى الثَّلَاثَةُ مِنْ الطَّلَاقِ. وَالرَّابِعَةُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مَدْخُولًا بِهَا. وَالْخَامِسَةُ أَنْ تَكُونَ الْعِدَّةُ قَائِمَةً وَلَا خِلَافَ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا لِأَحَدٍ لِثُبُوتِهَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.
وَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامِ الْعِدَّةِ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ اسْتِدَامَةُ الْمِلْكِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ سَمَّى إمْسَاكًا وَهُوَ الْإِبْقَاءُ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ الِاسْتِدَامَةُ فِي الْعِدَّةِ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ بَعْدَ انْقِضَائِهَا
(وَالرَّجْعَةُ أَنْ يَقُولَ رَاجَعْتُك أَوْ رَاجَعْت امْرَأَتِي) وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الرَّجْعَةِ وَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ قَالَ (أَوْ يَطَأَهَا أَوْ يُقَبِّلَهَا أَوْ يَلْمِسَهَا بِشَهْوَةٍ أَوْ يَنْظُرَ إلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ) وَهَذَا عِنْدَنَا
وَ)
أَلْفَاظُ (الرَّجْعَةِ
أَنْ يَقُولَ رَاجَعْتُك) إنْ كَانَ فِي حَضْرَتِهَا (أَوْ رَاجَعْت امْرَأَتِي) فِي الْغَيْبَةِ بِشَرْطِ الْإِعْلَامِ أَوْ فِي الْحَضْرَةِ أَيْضًا، أَوْ يَقُولَ رَدَدْتُك أَوْ أَمْسَكْتُك، أَوْ يَقُولَ أَنْتِ عِنْدِي كَمَا كُنْت، أَوْ أَنْتِ امْرَأَتِي إنْ نَوَى الرَّجْعَةَ، وَلَا خِلَافَ لِأَحَدٍ فِي جَوَازِ الرَّجْعَةِ بِالْقَوْلِ.
وَأَمَّا بِالْفِعْلِ مِثْلَ أَنْ (يَطَأَهَا أَوْ يُقَبِّلَهَا أَوْ يَلْمِسَهَا بِشَهْوَةٍ أَوْ يَنْظُرَ إلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ) فَهِيَ صَحِيحَةٌ (عِنْدَنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ: لَا تَصِحُّ الرَّجْعَةُ إلَّا بِالْقَوْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ حَتَّى يَحْرُمَ وَطْؤُهَا، وَعِنْدَنَا هُوَ اسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ وَسَنُقَرِّرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْفِعْلُ قَدْ يَقَعُ دَلَالَةً عَلَى الِاسْتِدَامَةِ كَمَا فِي إسْقَاطِ الْخِيَارِ،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَصِحُّ الرَّجْعَةُ إلَّا بِالْقَوْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ) لِثُبُوتِ الْحِلِّ بِهَا، وَابْتِدَاءُ النِّكَاحِ لَا يَصِحُّ بِالْوَطْءِ وَدَوَاعِيهِ؛ فَكَانَ الْوَطْءُ حَرَامًا كَمَا فِي ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ. وَقُلْنَا: هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ اسْتِدَامَةِ النِّكَاحِ كَمَا بَيَّنَّا، وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ سُمِّيَ إمْسَاكًا وَهُوَ الْإِبْقَاءُ. وَقَوْلُهُ (وَسَنُقَرِّرُهُ) إشَارَةٌ إلَى مَا ذُكِرَ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ وَهُوَ قَوْلُهُ قُلْنَا إنَّهَا قَائِمَةٌ حَتَّى يَمْلِكَ مُرَاجَعَتَهَا إلَخْ.
وَقَوْلُهُ وَالْفِعْلُ قَدْ يَقَعُ دَلَالَةً عَلَى الِاسْتِدَامَةِ) جُزْءُ الدَّلِيلِ. وَقَوْلُهُ (كَمَا فِي إسْقَاطِ الْخِيَارِ) دَلِيلُهُ.
وَتَقْرِيرُهُ: الرَّجْعَةُ اسْتِدَامَةُ الْمِلْكِ، وَالْفِعْلُ قَدْ يَقَعُ دَلِيلًا عَلَى الِاسْتِدَامَةِ كَمَا فِي إسْقَاطِ الْخِيَارِ، فَإِنَّ مَنْ بَاعَ جَارِيَةً عَلَى أَنَّهُ
وَالدَّلَالَةُ فِعْلٌ يَخْتَصُّ بِالنِّكَاحِ وَهَذِهِ الْأَفَاعِيلُ تَخْتَصُّ بِهِ خُصُوصًا فِي الْحُرَّةِ، بِخِلَافِ النَّظَرِ وَالْمَسِّ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ لِأَنَّهُ قَدْ يَحِلُّ بِدُونِ النِّكَاحِ كَمَا فِي الْقَابِلَةِ وَالطَّبِيبِ وَغَيْرِهِمَا، وَالنَّظَرُ إلَى غَيْرِ الْفَرْجِ قَدْ يَقَعُ بَيْنَ الْمُسَاكِنَيْنِ وَالزَّوْجُ يُسَاكِنُهَا فِي الْعِدَّةِ، فَلَوْ كَانَ رَجْعَةً لَطَلَّقَهَا فَتَطُولُ الْعِدَّةُ عَلَيْهَا.
قَالَ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى الرَّجْعَةِ شَاهِدَيْنِ،
بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ وَطِئَهَا سَقَطَ الْخِيَارُ، كَمَا إذَا أَسْقَطَ بِالْقَوْلِ، بَلْ هُنَا أَوْلَى لِأَنَّهُ فِي الْبَيْعِ يَحْتَاجُ إلَى رَفْعِ السَّبَبِ الْمُزِيلِ وَهُوَ الْبَيْعُ، أَمَّا هَاهُنَا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى رَفْعِ الطَّلَاقِ بَلْ يَحْتَاجُ إلَى دَفْعِ مَا لَوْلَاهُ لَزَالَ وَالدَّفْعُ أَسْهَلُ مِنْ الرَّفْعِ. وَلَمَّا كَانَ الثَّابِتُ بِالدَّلِيلِ أَنَّ بَعْضَ الْفِعْلِ قَدْ يَقَعُ دَلَالَةً عَلَى الِاسْتِدَامَةِ احْتَاجَ إلَى أَنْ يُعَيِّنَهُ فَقَالَ (وَالدَّلَالَةُ) أَيْ الدَّلِيلُ (فِعْلٌ يَخْتَصُّ بِالنِّكَاحِ، وَهَذِهِ الْأَفَاعِيلُ تَخْتَصُّ بِالنِّكَاحِ) فَتَقَعُ دَلَالَةً. وَقَوْلُهُ (خُصُوصًا فِي الْحُرَّةِ) لِبَيَانِ أَنَّ حِلَّ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا لَيْسَ إلَّا بِالنِّكَاحِ، وَأَمَّا فِي الْأَمَةِ فَيَحِلُّ بِهِ وَبِمِلْكِ الْيَمِينِ أَيْضًا (بِخِلَافِ النَّظَرِ وَالْمَسِّ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ لِأَنَّهُ قَدْ يَحِلُّ بِدُونِ النِّكَاحِ كَمَا فِي الْقَابِلَةِ وَالطَّبِيبِ) وَالْخَاتِنَةِ، وَالشَّاهِدِ فِي الزِّنَا إذَا احْتَاجَ إلَى تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ، (وَالنَّظَرُ إلَى غَيْرِ الْفَرْجِ قَدْ يَقَعُ بَيْنَ الْمُسَاكِنَيْنِ وَالزَّوْجُ يُسَاكِنُهَا فِي الْعِدَّةِ، فَلَوْ كَانَ النَّظَرُ إلَيْهَا رَجْعَةً لَطَلَّقَهَا فَتَطُولُ الْعِدَّةُ عَلَيْهَا) وَفِيهِ ضَرَرٌ بِهَا فَلَا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} .
قَالَ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى الرَّجْعَةِ) إذَا أَرَادَ الرَّجْعَةَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ لِاثْنَيْنِ
فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ صَحَّتْ الرَّجْعَةُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ لَا تَصِحُّ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ رحمه الله لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} وَالْأَمْرُ لِلْإِيجَابِ. وَلَنَا إطْلَاقُ النُّصُوصِ عَنْ قَيْدِ الْإِشْهَادِ، وَلِأَنَّهُ اسْتِدَامَةٌ لِلنِّكَاحِ، وَالشَّهَادَةُ لَيْسَتْ شَرْطًا فِيهِ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ كَمَا فِي الْفَيْءِ فِي الْإِيلَاءِ، إلَّا أَنَّهَا تُسْتَحَبُّ لِزِيَادَةِ الِاحْتِيَاطِ كَيْ لَا يَجْرِيَ التَّنَاكُرُ فِيهَا، وَمَا تَلَاهُ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَرَنَهَا بِالْمُفَارَقَةِ وَهُوَ فِيهَا مُسْتَحَبٌّ
اشْهَدَا عَلَيَّ بِأَنِّي رَاجَعْت امْرَأَتِي (وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ صَحَّتْ الرَّجْعَةُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا تَصِحُّ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ) وَهُوَ غَرِيبٌ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْإِشْهَادَ عَلَى ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ وَيَجْعَلُهُ شَرْطًا عَلَى الرَّجْعَةِ (لَهُمَا قَوْله تَعَالَى {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} وَالْأَمْرُ لِلْإِيجَابِ.
وَلَنَا إطْلَاقُ النُّصُوصِ فِي الرَّجْعَةِ عَنْ قَيْدِ الْإِشْهَادِ) وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} وقَوْله تَعَالَى {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} وقَوْله تَعَالَى {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} وقَوْله تَعَالَى {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «مُرْ ابْنَك فَلْيُرَاجِعْهَا» وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّهُ) أَيْ الرَّجْعَةَ بِمَعْنَى الرُّجُوعِ أَوْ عَلَى تَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ (اسْتِدَامَةٌ لِلنِّكَاحِ) كَمَا تَقَدَّمَ، وَالِاسْتِدَامَةُ إنَّمَا هِيَ حَالَةُ الْبَقَاءِ (وَالشَّهَادَةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي النِّكَاحِ حَالَ الْبَقَاءِ) بِالِاتِّفَاقِ فَكَانَتْ (كَالْفَيْءِ فِي الْإِيلَاءِ) فِي أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِكَوْنِهِ حَالَةَ الْبَقَاءِ (إلَّا أَنَّهَا) أَيْ الشَّهَادَةَ (مُسْتَحَبَّةٌ لِزِيَادَةِ الِاحْتِيَاطِ كَيْ لَا يَجْرِيَ التَّنَاكُرُ فِيهَا) أَيْ فِي الرَّجْعَةِ (وَمَا تَلَاهُ) يَعْنِي مِنْ قَوْله تَعَالَى {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} (مَحْمُولٌ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ دَفْعًا لِلتَّنَاكُرِ؛ فَكَانَ الْأَمْرُ لِلْإِرْشَادِ إلَى مَا هُوَ الْأَوْفَقُ بِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَرَنَهَا بِالْمُفَارَقَةِ حَيْثُ قَالَ {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا} (وَهُوَ) أَيْ الْإِشْهَادُ (فِيهَا) أَيْ فِي الْمُفَارَقَةِ (مُسْتَحَبٌّ) فَكَذَا فِي الرَّجْعَةِ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْقِرَانَ فِي النَّظْمِ لَا يُوجِبُ الْقِرَانَ فِي الْحُكْمِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} . وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَا إذَا حُكِمَ عَلَى إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ الْمُتَقَارِنَتَيْنِ بِحُكْمِ الْجُمْلَةِ الْأُخْرَى، وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِ كُلُّ جُمْلَةٍ مِنْ الْجُمْلَتَيْنِ مُسْتَقِلَّةٌ بِحُكْمِهَا، وَإِنَّمَا تَعْقُبُهُمَا جُمْلَةٌ أُخْرَى تَعَلَّقَتْ بِهِمَا وَإِحْدَاهُمَا تَقْتَضِي تَعَلُّقَهَا بِهَا مِنْ حَيْثُ الِاسْتِحْبَابُ، فَكَذَلِكَ الْأُخْرَى لِئَلَّا يَلْزَمَ
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعْلِمَهَا كَيْ لَا تَقَعَ فِي الْمَعْصِيَةِ (وَإِذَا انْقَضَتْ الْعِدَّةُ فَقَالَ كُنْت رَاجَعْتهَا فِي الْعِدَّةِ فَصَدَّقَتْهُ فَهِيَ رَجْعَةٌ، وَإِنْ كَذَّبَتْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا) لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَمَّا لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ فِي الْحَالِ فَكَانَ مُتَّهَمًا إلَّا أَنَّ بِالتَّصْدِيقِ تَرْتَفِعُ التُّهْمَةُ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الِاسْتِحْلَافِ فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ وَقَدْ مَرَّ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ
. (وَإِذَا قَالَ الزَّوْجُ قَدْ رَاجَعْتُك فَقَالَتْ مُجِيبَةً لَهُ قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي لَمْ تَصِحَّ الرَّجْعَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله) وَقَالَا: تَصِحُّ الرَّجْعَةُ لِأَنَّهَا صَادَفَتْ الْعِدَّةَ إذْ هِيَ بَاقِيَةٌ ظَاهِرًا إلَى أَنْ تُخْبِرَ وَقَدْ سَبَقَتْهُ الرَّجْعَةُ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ لَهَا طَلَّقْتُك فَقَالَتْ مُجِيبَةً لَهُ قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي يَقَعُ الطَّلَاقُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّهَا صَادَفَتْ حَالَةَ
اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ فِي مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعْلِمَهَا) بِالرَّجْعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعْلِمْهَا لَرُبَّمَا تَقَعُ الْمَرْأَةُ فِي الْمَعْصِيَةِ فَإِنَّهَا قَدْ تَتَزَوَّجُ بِنَاءً عَلَى زَعْمِهَا أَنَّ زَوْجَهَا لَمْ يُرَاجِعْهَا وَقَدْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَيَطَأَهَا الزَّوْجُ الثَّانِي فَكَانَتْ عَاصِيَةً وَزَوْجُهَا الَّذِي أَوْقَعَهَا فِيهِ مُسِيئًا بِتَرْكِ الْإِعْلَامِ، وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يُعْلِمْهَا صَحَّتْ الرَّجْعَةُ لِأَنَّهَا اسْتِدَامَةٌ لِلْقَائِمِ وَلَيْسَتْ بِإِنْشَاءٍ؛ فَكَانَ الزَّوْجُ بِالرَّجْعَةِ مُتَصَرِّفًا فِي خَالِصِ حَقِّهِ، وَتَصَرُّفُ الْإِنْسَانِ فِي خَالِصِ حَقِّهِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِ الْغَيْرِ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَكُونُ عَاصِيَةً بِغَيْرِ عِلْمٍ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهَا إذَا تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ سُؤَالٍ وَقَعَتْ فِي الْمَعْصِيَةِ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ جَاءَ مِنْ جِهَتِهَا (وَإِذَا انْقَضَتْ الْعِدَّةُ فَقَالَ قَدْ كُنْت رَاجَعْتهَا فِي الْعِدَّةِ؛ فَإِنْ صَدَّقَتْهُ فَهِيَ رَجْعَةٌ، وَإِنْ كَذَّبَتْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَمَّا لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ فِي الْحَالِ) وَكُلُّ مَنْ فَعَلَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُتَّهَمٌ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ لَا تَصِحَّ الرَّجْعَةُ وَإِنْ صَدَّقَتْهُ أَيْضًا (إلَّا أَنَّ بِالتَّصْدِيقِ تَرْتَفِعُ التُّهْمَةُ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الِاسْتِحْلَافِ فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ، وَقَدْ مَرَّ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ)،.
(وَإِذَا قَالَ الزَّوْجُ قَدْ رَاجَعْتُك فَقَالَتْ مُجِيبَةً لَهُ قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي) فَأَمَّا إنْ قَالَتْ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِكَلَامِ الزَّوْجِ أَوْ بَعْدَ مُكْثٍ فَإِنْ كَانَ الثَّانِي تَصِحُّ الرَّجْعَةُ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَمْ تَصِحَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا.
قَالَا: الرَّجْعَةُ صَادَفَتْ الْعِدَّةَ لِبَقَائِهَا ظَاهِرًا إلَى أَنْ تُخْبِرَ، وَقَدْ سَبَقَتْ الرَّجْعَةُ فَكَانَتْ وَاقِعَةً فِي الْعِدَّةِ وَهِيَ صَحِيحَةٌ لَا مَحَالَةَ (وَلِهَذَا لَوْ قَالَ لَهَا طَلَّقْتُك فَقَالَتْ مُجِيبَةً لَهُ قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي وَقَعَ الطَّلَاقُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا صَادَفَتْ حَالَةَ
الِانْقِضَاءِ لِأَنَّهَا أَمِينَةٌ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ الِانْقِضَاءِ فَإِذَا أَخْبَرَتْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى سَبْقِ الِانْقِضَاءِ وَأَقْرَبُ أَحْوَالِهِ حَالُ قَوْلِ الزَّوْجِ وَمَسْأَلَةُ الطَّلَاقِ عَلَى الْخِلَافِ، وَلَوْ كَانَتْ عَلَى الِاتِّفَاقِ فَالطَّلَاقُ يَقَعُ بِإِقْرَارِهِ بَعْدَ الِانْقِضَاءِ وَالْمُرَاجَعَةُ لَا تَثْبُتُ بِهِ
الِانْقِضَاءِ لِأَنَّهَا أَمِينَةٌ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ الِانْقِضَاءِ) إذْ لَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِإِخْبَارِهَا وَقَدْ أَخْبَرَتْ بِذَلِكَ، وَالْإِخْبَارُ يَقْتَضِي سَبْقَ الْمُخْبَرِ عَنْهُ وَلَا دَلِيلَ عَلَى مِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ (وَأَقْرَبُ أَحْوَالِهِ حَالُ قَوْلِ الزَّوْجِ) فَإِذَا صَادَفَتْ حَالَةَ الِانْقِضَاءِ لَا تَكُونُ مُعْتَبَرَةً. وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَسْأَلَةَ الطَّلَاقِ عَلَى الْوِفَاقِ بَلْ عَلَى الْخِلَافِ، وَلَئِنْ كَانَتْ عَلَى الِاتِّفَاقِ فَالطَّلَاقُ يَقَعُ بِإِقْرَارِهِ
(وَإِذْ قَالَ زَوْجُ الْأَمَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا: قَدْ كُنْت رَاجَعْتهَا وَصَدَّقَهُ الْمَوْلَى وَكَذَّبَتْهُ الْأَمَةُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله، وَقَالَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى) لِأَنَّ بُضْعَهَا مَمْلُوكٌ لَهُ، فَقَدْ أَقَرَّ بِمَا هُوَ خَالِصُ حَقِّهِ لِلزَّوْجِ فَشَابَهُ الْإِقْرَارَ عَلَيْهَا بِالنِّكَاحِ، وَهُوَ يَقُولُ حُكْمُ الرَّجْعَةِ يُبْتَنَى عَلَى الْعِدَّةِ وَالْقَوْلُ فِي الْعِدَّةِ قَوْلُهَا، فَكَذَا فِيمَا يُبْتَنَى عَلَيْهَا، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْقَلْبِ فَعِنْدَهُمَا الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى،
بَعْدَ الِانْقِضَاءِ وَالْمُرَاجَعَةُ لَا تَثْبُتُ بِهِ.
(وَإِذَا قَالَ زَوْجُ الْأَمَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ قَدْ كُنْت رَاجَعْتهَا) وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ؛ فَإِمَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ الْمَوْلَى وَالْأَمَةُ أَوْ يُكَذِّبَاهُ، أَوْ يُصَدِّقَهُ الْمَوْلَى وَتُكَذِّبَهُ الْأَمَةُ أَوْ بِالْعَكْسِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ صَحَّتْ الرَّجْعَةُ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَمْ تَصِحَّ بِالِاتِّفَاقِ إلَّا إذَا بَرْهَنَ، وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ وَلَيْسَ لَهُ بَيِّنَةٌ (فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى لِأَنَّ الْبُضْعَ مَمْلُوكٌ) لَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَمَعْنَاهُ مَنَافِعُ الْبُضْعِ، فَكَانَ الْإِقْرَارُ بِهَا لِلزَّوْجِ إقْرَارًا بِمَا هُوَ خَالِصُ حَقِّهِ فَلَا مَرَدَّ لَهُ، وَكَانَ كَالْإِقْرَارِ عَلَيْهَا بِالنِّكَاحِ، بِأَنْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ زَوْجُ أَمَتِهِ مِنْ فُلَانٍ (وَهُوَ) أَيْ أَبُو حَنِيفَةَ (يَقُولُ حُكْمُ الرَّجْعَةِ يُبْتَنَى عَلَى بَقَاءِ الْعِدَّةِ) وَانْقِضَائِهَا، وَكُلُّ مَا يُبْتَنَى عَلَى ذَلِكَ يُبْتَنَى عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ لِكَوْنِهِ أَمِينًا (وَالْقَوْلُ فِي الْعِدَّةِ قَوْلُهَا) فَحُكْمُ الرَّجْعَةِ يُبْتَنَى عَلَى قَوْلِهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْجَوَابَ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالتَّزْوِيجِ لِظُهُورِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا صَدَّقَهُ فِي الرَّجْعَةِ لَمْ يَبْقَ لَهُ حَقٌّ فِي مَنَافِعِ بُضْعِهَا، فَأَنَّى يَكُونُ لَهُ إقْرَارٌ بِمَا هُوَ خَالِصُ حَقِّهِ، بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ بِالتَّزْوِيجِ فَإِنَّهُ إقْرَارٌ بِذَلِكَ وَكَانَ الْفَرْقُ بَيِّنًا، وَإِنْ كَانَ الرَّابِعُ وَعَبَّرَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (وَلَوْ كَانَ عَلَى الْقَلْبِ فَعِنْدَهُمَا الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى) لِأَنَّ مَنَافِعَ الْبُضْعِ خَالِصُ حَقِّهِ وَالزَّوْجُ يَدَّعِيهَا عَلَيْهِ
وَكَذَا عِنْدَهُ فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّهَا مُنْقَضِيَةُ الْعِدَّةِ فِي الْحَالِ، وَقَدْ ظَهَرَ مِلْكُ الْمُتْعَةِ لِلْمَوْلَى فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي إبْطَالِهِ، بِخِلَافِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْمَوْلَى بِالتَّصْدِيقِ فِي الرَّجْعَةِ مُقِرٌّ بِقِيَامِ الْعِدَّةِ عِنْدَهَا وَلَا يَظْهَرُ مِلْكُهُ مَعَ الْعِدَّةِ (وَإِنْ قَالَتْ قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي وَقَالَ الزَّوْجُ وَالْمَوْلَى لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُك فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا) لِأَنَّهَا أَمِينَةٌ فِي ذَلِكَ إذْ هِيَ الْعَالِمَةُ بِهِ
. (وَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ لَعَشْرَةِ أَيَّامٍ انْقَطَعَتْ الرَّجْعَةُ وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِلْ، وَإِنْ انْقَطَعَ لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ لَمْ تَنْقَطِعْ الرَّجْعَةُ حَتَّى تَغْتَسِلَ أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ كَامِلٍ) لِأَنَّ الْحَيْضَ لَا مَزِيدَ لَهُ عَلَى الْعَشَرَةِ، فَبِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ خَرَجَتْ مِنْ الْحَيْضِ فَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ وَانْقَطَعَتْ الرَّجْعَةُ، وَفِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ يُحْتَمَلُ عَوْدُ الدَّمِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْتَضِدَ الِانْقِطَاعُ بِحَقِيقَةِ الِاغْتِسَالِ أَوْ بِلُزُومِ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الطَّاهِرَاتِ بِمُضِيِّ وَقْتِ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ كِتَابِيَّةً لِأَنَّهُ لَا يُتَوَقَّعُ فِي حَقِّهَا أَمَارَةٌ زَائِدَةٌ فَاكْتَفَى بِالِانْقِطَاعِ، وَتَنْقَطِعُ إذَا تَيَمَّمَتْ وَصَلَّتْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله: إذَا تَيَمَّمَتْ انْقَطَعَتْ، وَهَذَا قِيَاسٌ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ حَالَ عَدَمِ الْمَاءِ طَهَارَةٌ مُطْلَقَةٌ
وَهِيَ مُنْكِرَةٌ (وَكَذَا عِنْدَهُ فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّهَا مُنْقَضِيَةُ الْعِدَّةِ فِي الْحَالِ) بِالِاتِّفَاقِ، وَبِالِانْقِضَاءِ يَظْهَرُ مِلْكُ الْمُتْعَةِ لِلْمَوْلَى وَهِيَ تُبْطِلُهُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِيهِ، بِخِلَافِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْمَوْلَى بِالتَّصْدِيقِ فِي الرَّجْعَةِ مُقِرٌّ بِقِيَامِ الْعِدَّةِ عِنْدَهَا. أَيْ عِنْدَ الرَّجْعَةِ، وَلَا يَظْهَرُ مِلْكُهُ مَعَ الْعِدَّةِ فِي هَذَا الْكَلَامِ إشَارَةً إلَى الْجَوَابِ عَنْ مَسْأَلَةِ التَّزْوِيجِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَتْ قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي) ظَاهِرٌ وَالضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ إلَى الِانْقِضَاءِ.
وَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ لِعَشَرَةِ أَيَّامٍ قَالَ (وَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ) كَلَامُهُ وَاضِحٌ.
وَقَوْلُهُ بِلُزُومِ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الطَّاهِرَاتِ بِمُضِيِّ وَقْتِ الصَّلَاةِ) يَعْنِي أَنَّ الْوَقْتَ إذَا مَضَى صَارَتْ الصَّلَاةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا وَهُوَ مِنْ أَحْكَامِ الطَّاهِرَاتِ. وَقَوْلُهُ (إذَا تَيَمَّمَتْ وَصَلَّتْ) أَطْلَقَ الصَّلَاةَ لِتَنَاوُلِ الْمَكْتُوبَةِ وَغَيْرِهَا
حَتَّى يَثْبُتُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا يَثْبُتُ بِالِاغْتِسَالِ فَكَانَ بِمَنْزِلَتِهِ. وَلَهُمَا أَنَّهُ مُلَوَّثٌ غَيْرُ مُطَهِّرٌ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ طَهَارَةً ضَرُورَةَ أَنْ لَا تَتَضَاعَفَ الْوَاجِبَاتُ، وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ تَتَحَقَّقُ حَالَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ لَا فِيمَا قَبْلَهَا مِنْ الْأَوْقَاتِ،
وَقَوْلُهُ (حَتَّى يَثْبُتَ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ) يُرِيدُ بِهِ دُخُولَ الْمَسْجِدِ وَمَسَّ الْمُصْحَفِ وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَإِبَاحَةَ الصَّلَاةِ
وَالْأَحْكَامُ الثَّابِتَةُ أَيْضًا ضَرُورِيَّةٌ اقْتِضَائِيَّةٌ، ثُمَّ قِيلَ تَنْقَطِعُ بِنَفْسِ الشُّرُوعِ عِنْدَهُمَا،
وَسَجْدَةَ التِّلَاوَةِ.
وَقَوْلُهُ وَالْأَحْكَامُ الثَّابِتَةُ أَيْضًا ضَرُورِيَّةٌ اقْتِضَائِيَّةٌ) يَعْنِي أَنَّ ثُبُوتَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مِنْ ضَرُورَةِ جَوَازِ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ، أَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فَلِأَنَّهَا رُكْنُ الصَّلَاةِ.
وَأَمَّا الْمَسْجِدُ فَلِأَنَّهُ مَكَانُ الصَّلَاةِ. وَأَمَّا سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ فَهِيَ مِنْ تَوَابِعِ الْقِرَاءَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَقْرَأَ فِي صَلَاتِهَا آيَةَ السَّجْدَةِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْحَاصِلُ مِنْ دَلِيلِهِمَا أَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ وَأَنَّ الضَّرُورَةَ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ حَالَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ وَلَا يَكُونُ قَبْلَهُ طَهَارَةٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا انْقِطَاعُ الرَّجْعَةِ. وَقَدْ تَقَرَّرَ مِنْ الْأُصُولِ أَنَّ الثَّابِتَ بِالضَّرُورَةِ لَا يَتَعَدَّى مَوْضِعَهَا فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ لَا تَنْقَطِعَ الرَّجْعَةُ وَإِنْ صَلَّتْ مَا لَمْ تَغْتَسِلْ
وَقِيلَ بَعْدَ الْفَرَاغِ لِيَتَقَرَّرَ حُكْمُ جَوَازِ الصَّلَاةِ
(وَإِذَا اغْتَسَلَتْ وَنَسِيَتْ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهَا لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ، فَإِنْ كَانَ عُضْوًا فَمَا فَوْقَهُ لَمْ تَنْقَطِعْ الرَّجْعَةُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ عُضْوٍ انْقَطَعَتْ) قَالَ رضي الله عنه: وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ. وَالْقِيَاسُ فِي الْعُضْوِ الْكَامِلِ أَنْ لَا تَبْقَى الرَّجْعَةُ لِأَنَّهَا غَسَلَتْ الْأَكْثَرَ. وَالْقِيَاسُ فِيمَا دُونَ الْعُضْوِ أَنْ تَبْقَى لِأَنَّ حُكْمَ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ لَا يَتَجَزَّأُ. وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ وَهُوَ الْفَرْقُ أَنَّ مَا دُونَ الْعُضْوِ يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْجَفَافُ لِقِلَّتِهِ فَلَا يَتَيَقَّنُ بِعَدَمِ وُصُولِ الْمَاءِ إلَيْهِ، فَقُلْنَا بِأَنَّهُ تَنْقَطِعُ الرَّجْعَةُ وَلَا يَحِلُّ لَهَا التَّزَوُّجُ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ فِيهِمَا، بِخِلَافِ الْعُضْوِ الْكَامِلِ
أَوْ يَمْضِي عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الضَّرُورِيَّ مَتَى مَا ثَبَتَ ثَبَتَ بِجَمِيعِ لَوَازِمِهِ وَمِنْ لَوَازِمِ ثُبُوتِ الطَّهَارَةِ عِنْدَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ انْقِطَاعُ الْحَيْضِ، وَمِنْ لَوَازِمِ انْقِطَاعِهِ مُضِيُّ الْمُدَّةِ، وَمِنْ لَوَازِمِ مُضِيِّهَا انْقِطَاعُ الرَّجْعَةِ، وَلَازِمُ لَازِمِ اللَّازِمِ لَازِمٌ فَيَثْبُتُ عِنْدَ ثُبُوتِهِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ جَعْلِهِمَا التَّيَمُّمَ طَهَارَةً ضَرُورِيَّةً هَاهُنَا وَطَهَارَةً مُطْلَقَةً فِي بَابِ الْإِمَامَةِ وَجَعْلِ مُحَمَّدٍ بِالْعَكْسِ فَقَدْ سَبَقَ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى.
(وَإِذَا اغْتَسَلَتْ وَنَسِيَتْ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهَا لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ فَإِنْ كَانَ عُضْوًا فَمَا فَوْقَهُ لَمْ تَنْقَطِعْ الرَّجْعَةُ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ عُضْوٍ كَأُصْبُعٍ وَنَحْوِهِ انْقَطَعَتْ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ) اعْلَمْ أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَذْكُرْ فِي كُتُبِهِ مَوْضِعَ الْقِيَاسِ هَلْ هُوَ عُضْوٌ فَمَا فَوْقَهُ أَوْ هُوَ مَا دُونَهُ، وَرُوِيَ أَنَّهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فِي الْعُضْوِ فَمَا فَوْقَهُ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ أَنْ تَنْقَطِعَ الرَّجْعَةُ لِأَنَّهَا غَسَلَتْ أَكْثَرَ الْبَدَنِ، وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ فَكَأَنَّهَا أَصَابَ الْمَاءُ جَمِيعَ الْبَدَنِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا تَنْقَطِعُ لِأَنَّ الْعِدَّةَ بَاقِيَةٌ لِعَدَمِ الطَّهَارَةِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ فِيمَا دُونَهُ، فَالْقِيَاسُ أَنْ تَبْقَى الرَّجْعَةُ لِبَقَاءِ الْحَدَثِ، وَالِاسْتِحْسَانُ أَنْ تَنْقَطِعَ لِأَنَّ مَا دُونَ الْعُضْوِ يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْجَفَافُ لِقِلَّتِهِ فَلَا يُتَيَقَّنُ بِعَدَمِ وُصُولِ الْمَاءِ إلَيْهِ، وَالْمُصَنِّفُ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَالْقِيَاسُ فِي الْعُضْوِ الْكَامِلِ أَنْ لَا تَبْقَى الرَّجْعَةُ لِأَنَّهَا غَسَلَتْ الْأَكْثَرَ، وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى قِيَاسِ أَبِي يُوسُفَ وَبِقَوْلِهِ وَالْقِيَاسُ فِيمَا دُونَ الْعُضْوِ أَنْ لَا تَبْقَى لِأَنَّ حُكْمَ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ لَا يَتَجَزَّأُ وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ. وَذَكَرَ وَجْهَ الِاسْتِحْسَانِ وَبَيَّنَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْعُضْوِ الْكَامِلِ وَمَا دُونَهُ بِقَوْلِهِ إنَّ مَا دُونَ الْعُضْوِ يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْجَفَافُ لِقِلَّتِهِ فَلَا يُتَيَقَّنُ بِعَدَمِ وُصُولِ الْمَاءِ إلَيْهِ فَقُلْنَا بِانْقِطَاعِهَا، حَتَّى لَوْ تَيَقَّنَتْ بِعَدَمِ وُصُولِ الْمَاءِ إلَيْهِ بِأَنْ مَنَعَتْ قَصْدًا لَمْ تَنْقَطِعْ الرَّجْعَةُ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى اسْتِحْسَانِ مُحَمَّدٍ. وَقَالَ (بِخِلَافِ الْعُضْوِ الْكَامِلِ
لِأَنَّهُ لَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْجَفَافُ وَلَا يَغْفُلُ عَنْهُ عَادَةً فَافْتَرَقَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَنَّ تَرْكَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ كَتَرْكِ عُضْوٍ كَامِلٍ. وَعَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا دُونَ الْعُضْوِ لِأَنَّ فِي فَرْضِيَّتِهِ اخْتِلَافًا بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْضَاءِ.
(وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَامِلٌ أَوْ وَلَدَتْ مِنْهُ وَقَالَ لَمْ أُجَامِعْهَا فَلَهُ الرَّجْعَةُ) لِأَنَّ الْحَبَلَ مَتَى ظَهَرَ فِي مُدَّةٍ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ جُعِلَ مِنْهُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» وَذَلِكَ دَلِيلُ الْوَطْءِ مِنْهُ وَكَذَا إذَا ثَبَتَ نَسَبُ الْوَلَدِ
لِأَنَّهُ لَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْجَفَافُ) فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مَبْلُولًا عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ لِعَدَمِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ عَادَةً فَلَا تَنْقَطِعُ الرَّجْعَةُ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى اسْتِحْسَانِ أَبِي يُوسُفَ، فَانْظُرْ حِذْقَ الْمُصَنِّفِ فِي هَذَا الْإِدْرَاجِ اللَّطِيفِ الَّذِي قَلَّمَا وَقَعَ مِثْلُهُ لِغَيْرِهِ، جَزَاهُ اللَّهُ عَنْ الْمُحَصِّلِينَ خَيْرًا (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ تَرْكَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ كَتَرْكِ عُضْوٍ كَامِلٍ) وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَلِكَ وَهُوَ رِوَايَةُ هِشَامٍ عَنْهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَيْضِ بَاقٍ لِكَوْنِهِمَا فَرْضَيْنِ فِي الْجَنَابَةِ (وَ) فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى (عَنْهُ) وَهُوَ رِوَايَةُ الْكَرْخِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ (هُوَ) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (بِمَنْزِلَةِ مَا دُونَ الْعُضْوِ لِأَنَّ فِي فَرْضِيَّتِهِ اخْتِلَافًا) فَإِنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ سُنَّتَانِ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي انْقِطَاعِ الرَّجْعَةِ (بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْضَاءِ) فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ لِأَحَدٍ فِي فَرْضِيَّتِهِ.
قَالَ (وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَامِلٌ أَوْ وَلَدَتْ مِنْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَقَالَ لَمْ أُجَامِعْهَا ثُمَّ أَرَادَ الرَّجْعَةَ) فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِقَوْلِهِ لَمْ أُجَامِعْهَا لِأَنَّهُ ظَهَرَ الْحَبَلُ فِي مُدَّةٍ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ لِكَوْنِ الْمَسْأَلَةِ مَوْضُوعَةً فِي ذَلِكَ، وَمَتَى ظَهَرَ فِي مُدَّةٍ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ جُعِلَ مِنْهُ (لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ») الْحَدِيثَ (وَذَلِكَ) أَيْ جَعْلُ الْحَمْلِ مِنْهُ (دَلِيلُ الْوَطْءِ مِنْهُ، وَكَذَا إذَا ثَبَتَ نَسَبُ الْوَلَدِ
مِنْهُ جُعِلَ وَاطِئًا، وَإِذَا ثَبَتَ الْوَطْءُ تَأَكَّدَ الْمِلْكُ وَالطَّلَاقُ فِي مِلْكٍ مُتَأَكِّدٍ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ وَيَبْطُلُ زَعْمُهُ بِتَكْذِيبِ الشَّرْعِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَثْبُتُ بِهَذَا الْوَطْءِ الْإِحْصَانُ فَلَأَنْ تَثْبُتَ بِهِ الرَّجْعَةُ أَوْلَى. وَتَأْوِيلُ مَسْأَلَةِ الْوِلَادَةِ أَنْ تَلِدَ قَبْلَ الطَّلَاقِ، لِأَنَّهَا لَوْ وَلَدَتْ بَعْدَهُ تَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِالْوِلَادَةِ فَلَا تُتَصَوَّرُ الرَّجْعَةُ.
قَالَ: (فَإِنْ خَلَا بِهَا وَأَغْلَقَ بَابًا أَوْ أَرْخَى سِتْرًا
مِنْهُ جُعِلَ وَاطِئًا) لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِهِ (وَإِذَا ثَبَتَ الْوَطْءُ تَأَكَّدَ الْمِلْكُ، وَالطَّلَاقُ فِي مِلْكٍ مُتَأَكَّدٍ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ وَيَبْطُلُ زَعْمُهُ) أَنَّهُ لَمْ يُجَامِعْهَا (بِتَكْذِيبِ الشَّارِعِ) وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ دَلَالَةً، وَقَوْلُهُ لَمْ أُجَامِعْهَا صَرِيحٌ، وَالصَّرِيحُ يَفُوقُ الدَّلَالَةَ. وَالثَّانِي أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَوْلِهِ لَمْ أُجَامِعْهَا لِسُقُوطِ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ لَهُ، وَتَكْذِيبُ الشَّارِعِ لَا يَرُدُّهُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ لِإِنْسَانٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ وَصَلَتْ إلَيْهِ أُمِرَ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ وَإِنْ صَارَ مُكَذَّبًا شَرْعًا.
وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الدَّلَالَةَ مِنْ الشَّارِعِ وَالصَّرِيحَ مِنْ الْعَبْدِ وَدَلَالَةَ الشَّارِعِ أَقْوَى لِاحْتِمَالِ الْكَذِبِ مِنْ الْعَبْدِ دُونَ الشَّارِعِ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ هَاهُنَا بِإِقْرَارِهِ حَقُّ الْغَيْرِ وَالْمُوجِبُ لِلرَّجْعَةِ وَهُوَ الطَّلَاقُ بَعْدَ الدُّخُولِ ثَابِتٌ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ لِثُبُوتِ الْمُقْتَضَى وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ، بِخِلَافِ الْمُسْتَشْهَدِ بِهِ فَإِنَّ الْمَانِعَ ثَمَّ مَوْجُودٌ وَهُوَ تَعَلُّقُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِهِ. وَقَوْلُهُ (أَلَا تَرَى) تَوْضِيحٌ لِقَوْلِهِ وَالطَّلَاقُ فِي مِلْكٍ مُتَأَكَّدٍ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ وَبَيَانُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّ الْإِحْصَانَ لَهُ مَدْخَلٌ فِي وُجُودِ الْعُقُوبَةِ وَمَعَ هَذَا يَثْبُتُ بِهَذَا الْوَطْءِ (فَلَأَنْ يَثْبُتَ بِهِ الرَّجْعَةُ) الَّتِي لَيْسَتْ فِيهَا جِهَةُ الْعُقُوبَةِ (أَوْلَى) وَقَوْلُهُ (وَتَأْوِيلُ مَسْأَلَةِ الْوِلَادَةِ) ظَاهِرٌ.
(فَإِنْ خَلَا بِهَا وَأَغْلَقَ بَابًا أَوْ أَرْخَى سِتْرًا) عَلَى رِوَايَةِ كِتَابِ الطَّلَاقِ بِكَلِمَةِ أَوْ،
وَقَالَ لَمْ أُجَامِعْهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا لَمْ يَمْلِكْ الرَّجْعَةَ) لِأَنَّ تَأَكُّدَ الْمِلْكِ بِالْوَطْءِ وَقَدْ أَقَرَّ بِعَدَمِهِ فَيُصَدَّقُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَالرَّجْعَةُ حَقُّهُ وَلَمْ يَصِرْ مُكَذَّبًا شَرْعًا، بِخِلَافِ الْمَهْرِ لِأَنَّ تَأَكُّدَ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى يُبْتَنَى عَلَى تَسْلِيمِ الْمُبْدَلِ لَا عَلَى الْقَبْضِ، بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ.
(فَإِنْ رَاجَعَهَا) مَعْنَاهُ بَعْدَمَا خَلَا بِهَا وَقَالَ لَمْ أُجَامِعْهَا (ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ بِيَوْمٍ)(صَحَّتْ تِلْكَ الرَّجْعَةُ) لِأَنَّهُ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ إذْ هِيَ لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَالْوَلَدُ يَبْقَى فِي الْبَطْنِ هَذِهِ الْمُدَّةَ فَأُنْزِلَ وَاطِئًا قَبْلَ الطَّلَاقِ دُونَ مَا بَعْدَهُ لِأَنَّ عَلَى اعْتِبَارِ الثَّانِي يَزُولُ الْمِلْكُ بِنَفْسِ الطَّلَاقِ لِعَدَمِ الْوَطْءِ قَبْلَهُ فَيَحْرُمُ الْوَطْءُ
وَعَلَى رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَأَرْخَى سِتْرًا بِالْوَاوِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ (ثُمَّ قَالَ لَمْ أُجَامِعْهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا لَمْ يَمْلِكْ الرَّجْعَةَ لِأَنَّ تَأَكُّدَ الْمِلْكِ بِالْوَطْءِ وَقَدْ أَقَرَّ بِعَدَمِهِ فَيَصْدُقُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَالرَّجْعَةُ حَقُّهُ) فَإِنْ قِيلَ: قَدْ صَارَ مُكَذَّبًا شَرْعًا لِوُجُوبِ كَمَالِ الْمَهْرِ وَلَا يَجِبُ الْمَهْرُ كَامِلًا إلَّا إذَا كَانَ الطَّلَاقُ بَعْدَ الدُّخُولِ.
أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَلَمْ يَصِرْ مُكَذَّبًا شَرْعًا لِأَنَّ تَأَكُّدَ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى يُبْتَنَى عَلَى تَسْلِيمِ الْمُبْدَلِ لَا عَلَى الْقَبْضِ) وَمَعْنَاهُ إنَّمَا يَصِيرُ مُكَذَّبًا شَرْعًا أَنْ لَوْ كَانَ كَمَالُ الْمَهْرِ مُسْتَلْزِمًا لِلْقَبْضِ وَهُوَ الْوَطْءُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِتَسْلِيمِ الْمُبْدَلِ وَقَدْ حَصَلَ بِالْخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ، إذْ التَّسْلِيمُ عِبَارَةٌ عَنْ رَفْعِ الْمَوَانِعِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَيَقْدِرُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ عَلَى أَنْ يَقْبِضَهُ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ وَالتَّسْلِيمُ غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِلْقَبْضِ فَلَا يَلْزَمُ التَّكْذِيبُ (بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ) لِأَنَّ الْحَمْلَ وَثُبُوتَ النَّسَبِ يَسْتَلْزِمُ الْقَبْضَ فَيَلْزَمُ التَّكْذِيبُ.
(فَإِنْ رَاجَعَهَا بَعْدَمَا خَلَا بِهَا وَقَالَ لَمْ أُجَامِعْهَا) يَعْنِي وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُهَا (ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ بِيَوْمٍ صَحَّتْ تِلْكَ الرَّجْعَةُ) أَيْ الرَّجْعَةُ السَّابِقَةُ (لِأَنَّ النَّسَبَ ثَابِتٌ مِنْهُ لِعَدَمِ الْإِقْرَارِ مِنْهَا بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ) وَلِاحْتِمَالِ الْمُدَّةِ (فَإِنَّ الْوَلَدَ يَبْقَى فِي الْبَطْنِ هَذِهِ الْمُدَّةَ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِالدُّخُولِ فَأَنْزَلَ وَاطِئًا قَبْلَ الطَّلَاقِ دُونَ مَا بَعْدَهُ) لِأَنَّ فِيمَا بَعْدَهُ يَكُونُ الْوَطْءُ حَرَامًا
وَالْمُسْلِمُ لَا يَفْعَلُ الْحَرَامَ
(فَإِنْ قَالَ لَهَا إذَا وَلَدْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَوَلَدَتْ ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ آخَرَ فَهِيَ رَجْعَةٌ) مَعْنَاهُ مِنْ بَطْنٍ آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ إذَا لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِأَنَّهُ وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهِ بِالْوَلَدِ الْأَوَّلِ وَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ فَيَكُونُ الْوَلَدُ الثَّانِي مِنْ عَلُوقٍ حَادِثٍ مِنْهُ فِي الْعِدَّةِ لِأَنَّهَا لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَيَصِيرُ مُرَاجِعًا
(وَإِنْ قَالَ كُلَّمَا وَلَدْت وَلَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَوَلَدَتْ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ فِي بُطُونٍ مُخْتَلِفَةٍ فَالْوَلَدُ الْأَوَّلُ طَلَاقٌ وَالْوَلَدُ الثَّانِي رَجْعَةٌ وَكَذَا الثَّالِثُ) لِأَنَّهَا إذَا جَاءَتْ بِالْأَوَّلِ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَصَارَتْ مُعْتَدَّةً، وَبِالثَّانِي صَارَ مُرَاجِعًا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ يَجْعَلُ الْعَلُوقَ بِوَطْءٍ حَادِثٍ فِي الْعِدَّةِ وَيَقَعُ الطَّلَاقُ الثَّانِي بِوِلَادَةِ الْوَلَدِ الثَّانِي لِأَنَّ الْيَمِينَ مَعْقُودَةٌ بِكَلِمَةِ كُلَّمَا وَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ، وَبِالْوَلَدِ الثَّالِثِ صَارَ مُرَاجِعًا لِمَا ذَكَرْنَا، وَتَقَعُ الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ بِوِلَادَةِ الثَّالِثِ وَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ بِالْأَقْرَاءِ لِأَنَّهَا حَائِلٌ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ حِينَ وَقَعَ الطَّلَاقُ
لِزَوَالِ الْمِلْكِ بِنَفْسِ الطَّلَاقِ: يَعْنِي إلَّا إلَى عِدَّةٍ لِأَنَّ الْفَرْضَ عَدَمُ الْوَطْءِ قَبْلَهُ لِأَنَّهُ أَنْكَرَهُ بَعْدَ الْخَلْوَةِ وَالْمُسْلِمُ لَا يَفْعَلُ الْحَرَامَ، وَإِنْ كَانَتْ مَوْطُوءَةً قَبْلَ الطَّلَاقِ كَانَ الطَّلَاقُ بَعْدَ الدُّخُولِ وَذَلِكَ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ فَكَانَتْ الرَّجْعَةُ صَحِيحَةً.
قَالَ (فَإِنْ قَالَ لَهَا إذَا وَلَدْت فَأَنْتِ طَالِقٌ) وَمَنْ عَلَّقَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ بِوِلَادَتِهَا فَوَلَدَتْ وَلَدًا ثُمَّ وَلَدَتْ وَلَدًا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَالْوِلَادَةُ الثَّانِيَةُ لَا تَكُونُ دَلِيلَ الرَّجْعَةِ فَيَكُونُ الطَّلَاقُ قَدْ وَقَعَ بِالْوَلَدِ الْأَوَّلِ وَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِالْوَلَدِ الثَّانِي، وَمَا ثَمَّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ وَطِئَهَا بَعْدَ الْوَلَدِ الْأَوَّلِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الرَّجْعَةُ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ فَهِيَ رَجْعَةٌ لِأَنَّ الْوِلَادَةَ الثَّانِيَةَ رَجْعَةٌ، وَوَجْهُهُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ.
وَقَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ) إنْ لِلْوَصْلِ: أَيْ لِمَا كَانَ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ لَا تَفَاوُتَ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْوِلَادَةُ الثَّانِيَةُ فِي أَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فِي ثُبُوتِ الرَّجْعَةِ لِأَنَّ الْوَلَدَ الثَّانِيَ مُضَافٌ إلَى عُلُوقٍ حَادِثٍ لَا مَحَالَةَ وَهُوَ بِالْوَطْءِ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَكَانَ رَجْعَةً.
(وَإِنْ قَالَ كُلَّمَا وَلَدْت وَلَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ) عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (لِمَا ذَكَرْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا بِالْوَلَدِ الْأَوَّلِ إلَخْ.
(وَالْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ تَتَشَوَّفُ وَتَتَزَيَّنُ) لِأَنَّهَا حَلَالٌ لِلزَّوْجِ إذْ النِّكَاحُ قَائِمٌ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ الرَّجْعَةُ مُسْتَحَبَّةٌ وَالتَّزَيُّنُ حَامِلٌ لَهُ عَلَيْهَا فَيَكُونُ مَشْرُوعًا (وَيُسْتَحَبُّ لِزَوْجِهَا أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهَا حَتَّى يُؤْذِنَهَا أَوْ يُسْمِعَهَا خَفْقَ نَعْلَيْهِ) مَعْنَاهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِهِ الْمُرَاجَعَةُ لِأَنَّهَا رُبَّمَا تَكُونُ مُتَجَرِّدَةً فَيَقَعُ بَصَرُهُ عَلَى مَوْضِعٍ يَصِيرُ بِهِ مُرَاجِعًا ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فَتَطُولُ الْعِدَّةُ عَلَيْهَا (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا حَتَّى يُشْهِدَ عَلَى رَجْعَتِهَا) وَقَالَ زُفَرُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ: لَهُ ذَلِكَ لِقِيَامِ النِّكَاحِ، وَلِهَذَا لَهُ أَنْ يَغْشَاهَا عِنْدَنَا. وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} الْآيَةَ، وَلِأَنَّ تَرَاخِيَ عَمَلِ الْمُبْطِلِ لِحَاجَتِهِ إلَى الْمُرَاجَعَةِ، فَإِذَا لَمْ يُرَاجِعْهَا حَتَّى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ ظَهَرَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُبْطِلَ عَمَلَ عَمَلَهُ مِنْ وَقْتِ وُجُودِهِ وَلِهَذَا تُحْتَسَبُ الْأَقْرَاءُ مِنْ الْعِدَّةِ فَلَمْ يَمْلِكْ الزَّوْجُ الْإِخْرَاجَ إلَّا أَنْ يُشْهِدَ عَلَى رَجْعَتِهَا فَتَبْطُلُ الْعِدَّةُ وَيَتَقَرَّرُ مِلْكُ الزَّوْجِ. وَقَوْلُهُ حَتَّى يُشْهِدَ عَلَى رَجْعَتِهَا
وَقَوْلُهُ (وَالْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ تَتَشَوَّفُ وَتَتَزَيَّنُ) التَّشَوُّفُ خَاصٌّ فِي الْوَجْهِ وَالتَّزَيُّنُ عَامٌّ تَفَعُّلٌ مِنْ شُفْت الشَّيْءَ جَلَوْته وَدِينَارٌ مَشُوفٌ: أَيْ مَجْلُوٌّ وَهُوَ أَنْ تَجْلُوَ الْمَرْأَةُ وَجْهَهَا وَتَصْقُلَ خَدَّيْهَا.
وَقَوْلُهُ إذْ النِّكَاحُ قَائِمٌ بَيْنَهُمَا) يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ التَّوَارُثَ قَائِمٌ بَيْنَهُمَا وَكَذَلِكَ جَمِيعُ أَحْكَامِ النِّكَاحِ قَائِمٌ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ تَدْخُلُ هَذِهِ الْمُطَلَّقَةُ فِيهِ وَيَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ النِّكَاحُ قَائِمًا بَيْنَهُمَا لَجَازَ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا كَالَّتِي فِي نِكَاحِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ امْتَنَعَ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} فَإِنَّهُ نَزَلَ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} أَيْ لَعَلَّهُ يَبْدُو لَهُ فَيُرَاجِعَهَا وَالْمُسَافَرَةُ بِهَا إخْرَاجٌ مِنْ الْبَيْتِ فَيَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهَا. فَإِنْ قِيلَ: لِمَا لَا يَكُونُ نَفْسُ الْمُسَافَرَةِ دَلِيلًا عَلَى الرَّجْعَةِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْإِخْرَاجَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَالرَّجْعَةَ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا وَهُمَا مُتَنَافِيَانِ. وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّ تَرَاخِيَ عَمَلِ الْمُبْطِلِ) دَلِيلٌ مَعْقُولٌ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْمُسَافَرَةِ بِهَا قَبْلَ الرَّجْعَةِ، وَتَقْرِيرُهُ تَرَاخِي عَمَلِ الْمُبْطِلِ وَهُوَ الطَّلَاقُ لِحَاجَةِ الزَّوْجِ إلَى الْمُرَاجَعَةِ وَلَا حَاجَةَ لَهُ إلَيْهَا فَلَا تَرَاخِيَ. أَمَّا أَنَّ التَّرَاخِيَ كَذَلِكَ فَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا عَدَمُ حَاجَتِهِ إلَيْهَا فَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُرَاجِعْهَا حَتَّى انْقَضَتْ الْمُدَّةُ ظَهَرَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُ إلَيْهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ كَلَامَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسَافَرَةَ لَا تَجُوزُ إذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَلَمْ يُرَاجِعْهَا، وَأَمَّا إذَا سَافَرَ بِهَا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ وَالْكَلَامِ فِيهِ.
مَعْنَاهُ الِاسْتِحْبَابُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ
(وَالطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ لَا يُحَرِّمُ الْوَطْءَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: يُحَرِّمُهُ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ زَائِلَةٌ لِوُجُودِ الْقَاطِعِ وَهُوَ الطَّلَاقُ. وَلَنَا أَنَّهَا قَائِمَةٌ حَتَّى يَمْلِكَ مُرَاجَعَتَهَا مِنْ غَيْرِ رِضَاهَا لِأَنَّ حَقَّ الرَّجْعَةِ ثَبَتَ نَظَرًا لِلزَّوْجِ لِيُمْكِنَهُ التَّدَارُكُ عِنْدَ اعْتِرَاضِ النَّدَمِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يُوجِبُ اسْتِبْدَادَهُ بِهِ، وَذَلِكَ يُؤْذِنُ بِكَوْنِهِ اسْتِدَامَةً لَا إنْشَاءً
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَرِدُ أَنْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمُدَّةِ الْعِدَّةَ.
وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ بِهَا مُدَّةُ الْإِقَامَةِ فَلَا يَرِدُ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ عَمَلَ الْمُبْطِلِ أُخِّرَ إلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِالْإِجْمَاعِ دُونَ مُدَّةِ الْإِقَامَةِ، وَلَعَلَّ الصَّوَابَ أَنَّ عَدَمَ جَوَازِ الْمُسَافَرَةِ أَيْضًا يَثْبُتُ بِالتَّبْيِينِ كَعَمَلِ الْمُبْطِلِ؛ وَإِذَا ظَهَرَ عَدَمُ الْحَاجَةِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُبْطِلَ عَمَلُ عَمَلِهِ مِنْ وَقْتِ وُجُودِهِ؛ وَلِهَذَا يَحْتَسِبُ الْأَقْرَاءَ مِنْ الْعِدَّةِ، وَلَوْ كَانَ عَمَلُ الْمُبْطِلِ مُقْتَصِرًا عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لَمَا احْتَسَبَ الْأَقْرَاءَ الْمَاضِيَةَ مِنْ الْعِدَّةِ كَمَا لَمْ تُحْتَسَبْ فِي قَوْلِهِ إذَا حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّ تِلْكَ الْحَيْضَةَ غَيْرُ مُحْتَسَبَةٍ مِنْ الْعِدَّةِ لِأَنَّهُ شَرْطُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَإِذَا لَمْ يَقْتَصِرْ عَمَلُ الْمُبْطِلِ عَلَى وَقْتِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بَلْ كَانَ مِنْ وَقْتِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ بِمَنْزِلَةِ الْمَبْتُوتَةِ تَقْدِيرًا حِينَ لَمْ يُرِدْ الرَّجْعَةَ فَكَأَنَّمَا أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إخْرَاجَ الْمَبْتُوتَةِ إلَى السَّفَرِ فَكَذَلِكَ لَا يَمْلِكُ إخْرَاجَ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ عَلَى رَجْعَتِهَا فَتَبْطُلَ الْعِدَّةُ وَيَتَقَرَّرُ مِلْكُ النِّكَاحِ.
وَقَوْلُهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَا) يَعْنِي فِي أَوَائِلِ الْبَابِ حَيْثُ قَالَ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى الرَّجْعَةِ شَاهِدَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ صَحَّتْ الرَّجْعَةُ
(وَالطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ لَا يُحَرِّمُ الْوَطْءَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: يُحَرِّمُهُ لِأَنَّ حِلَّ الْوَطْءِ بِالزَّوْجِيَّةِ وَالزَّوْجِيَّةُ زَائِلَةٌ لِوُجُودِ الْقَاطِعِ وَهُوَ الطَّلَاقُ. وَلَنَا أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ قَائِمَةٌ وَلِهَذَا يَمْلِكُ مُرَاجَعَتَهَا مِنْ غَيْرِ رِضَاهَا) بِالِاتِّفَاقِ، وَلَوْ كَانَتْ زَائِلَةً لَكَانَتْ أَجْنَبِيَّةً فَلَمْ تَصِحَّ الرَّجْعَةُ بِدُونِ رِضَاهَا، وَهَذَا الْمِقْدَارُ كَانَ كَافِيًا فِي الِاسْتِدْلَالِ لَكِنَّهُ اسْتَظْهَرَ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ حَقَّ الرَّجْعَةِ يَثْبُتُ نَظَرًا لِلزَّوْجِ لِيُمْكِنَهُ التَّدَارُكُ عِنْدَ اعْتِرَاضِ النَّدَمِ، وَهَذَا الْمَعْنَى: أَيْ ثُبُوتُهُ نَظَرًا لَهُ يُوجِبُ اسْتِبْدَادَهُ بِهِ: أَيْ بِالرَّجْعَةِ بِتَأْوِيلِ الرُّجُوعِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَبِدًّا بِهِ لَمَا تَمَّ النَّظَرُ لِأَنَّهُ قَدْ لَا تَرْضَى الْمَرْأَةُ بِالرَّجْعَةِ فَحَقُّ الرَّجْعَةِ يُوجِبُ اسْتِبْدَادَ الزَّوْجِ بِالرَّجْعَةِ (وَاسْتِبْدَادُهُ بِذَلِكَ يُؤْذِنُ بِكَوْنِهِ اسْتِدَامَةً لَا إنْشَاءً)
إذْ الدَّلِيلُ يُنَافِيهِ وَالْقَاطِعُ أَخَّرَ عِلْمَهُ إلَى مُدَّةٍ إجْمَاعًا أَوْ نَظَرًا لَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
فَصْلٌ فِيمَا تَحِلُّ بِهِ الْمُطَلَّقَةُ
(وَإِذَا كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا دُونَ الثَّلَاثِ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ وَبَعْدَ انْقِضَائِهَا) لِأَنَّ حِلَّ الْمَحَلِّيَّةِ بَاقٍ لِأَنَّ زَوَالَهُ مُعَلَّقٌ بِالطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ فَيَنْعَدِمُ قَبْلَهُ، وَمَنْعُ الْغَيْرِ فِي الْعِدَّةِ لِاشْتِبَاهِ النَّسَبِ
إذْ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى الِاسْتِبْدَادِ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْقِيَاسِ يُنَافِي أَنْ تَكُونَ الرَّجْعَةُ إنْشَاءً لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَسْتَبِدُّ بِهِ وَالِاسْتِدَامَةُ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا فِي الْقَائِمِ وَكَانَتْ الزَّوْجِيَّةُ قَائِمَةً. وَقَوْلُهُ (وَالْقَاطِعُ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ لِوُجُودِ الْقَاطِعِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ وُجُودَ الْقَاطِعِ لَا يُنَافِي قِيَامَ الزَّوْجِيَّةِ لِأَنَّهُ أَخَّرَ عَمَلَهُ إلَى مُدَّةٍ إجْمَاعًا أَوْ نَظَرًا لَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ: يَعْنِي قَوْلَهُ يَثْبُتُ لِلزَّوْجِ نَظَرًا لَهُ فَكَانَ كَالْبَيْعِ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ تَأَخَّرَ عَمَلُ الْبَيْعِ فِي اللُّزُومِ إلَى مُدَّةٍ نَظَرًا لِمَنْ لَهُ الْخِيَارُ.
(فَصْلٌ فِيمَا تَحِلُّ بِهِ الْمُطَلَّقَةُ)
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَا يُتَدَارَكُ بِهِ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ ذَكَرَ مَا يُتَدَارَكُ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ الطَّلْقَاتِ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ (وَإِذَا كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا دُونَ الثَّلَاثِ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ وَبَعْدَ انْقِضَائِهَا لِأَنَّ حِلَّ الْمَحَلِّيَّةِ) وَهُوَ كَوْنُهَا آدَمِيَّةً لَيْسَتْ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ (بَاقٍ لِأَنَّ زَوَالَهُ مُعَلَّقٌ بِالطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ} عَلَى مَا نَذْكُرُهُ وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ مَعْدُومٌ قَبْلَهُ. وَرُدَّ بِأَنَّ الشَّرْطَ يُوجِبُ الْوُجُودَ عِنْدَ الْوُجُودِ دُونَ الْعَدَمِ عِنْدَ الْعَدَمِ عِنْدَنَا.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مَعْدُومٌ بِعَدَمِهِ الْأَصْلِيِّ إذْ الْعِلَّةُ لَمْ تَصِرْ عِلَّةً بَعْدُ، وَإِذَا كَانَ حِلُّ الْمَحَلِّ بَاقِيًا جَازَ نِكَاحُهَا فِي الْعِدَّةِ وَبَعْدَ انْقِضَائِهَا. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا تَعْلِيلٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} نَهَى
وَلَا اشْتِبَاهَ فِي إطْلَاقِهِ
(وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا فِي الْحُرَّةِ أَوْ ثِنْتَيْنِ فِي الْأَمَةِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ نِكَاحًا صَحِيحًا وَيَدْخُلَ بِهَا ثُمَّ يُطَلِّقَهَا أَوْ يَمُوتَ عَنْهَا) وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}
عَنْ الْعَزْمِ عَلَى نِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ مُطْلَقًا، وَالتَّعْلِيلُ فِي مُقَابَلَتِهِ بَاطِلٌ.
أَجَابَ بِقَوْلِهِ وَمَنْعُ الْغَيْرِ فِي الْعِدَّةِ لِاشْتِبَاهِ النَّسَبِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ مَنْعُ الْغَيْرِ عَنْ الْعَزْمِ عَلَى نِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ لِأَنَّ الْمَانِعَ اشْتِبَاهُ النَّسَبِ وَلَا اشْتِبَاهَ فِي إطْلَاقِهِ: أَيْ فِي تَجْوِيزِ نِكَاحِ مُعْتَدَّتِهِ، إذْ الِاشْتِبَاهُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمِيَاهِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي مُعْتَدَّةِ الْغَيْرِ. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِالصَّغِيرَةِ وَالْآيِسَةِ وَعِدَّةِ الْوَفَاةِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَمُعْتَدَّةِ الصَّبِيِّ وَالْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فَإِنَّهُ لَا اشْتِبَاهَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، وَلَا يَجُوزُ التَّزَوُّجُ فِي الْعِدَّةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ بَيَانُ الْحِكْمَةِ وَحِكْمَةُ الْحُكْمِ تُرَاعَى فِي الْجِنْسِ لَا فِي كُلِّ فَرْدٍ، لَا بَيَانُ الْعِلَّةِ لِوُجُودِ التَّخَلُّفِ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الصُّوَرِ. وَأَقُولُ كَمَا ذَكَرْت: اشْتِبَاهُ النَّسَبِ مَانِعٌ عَنْ جَوَازِ النِّكَاحِ فِي عِدَّةِ الْغَيْرِ وَهَذَا صَادِقٌ. وَأَمَّا أَنَّهُ مُلْزَمٌ جَوَازُهُ إذَا عُدِمَ هَذَا الْمَانِعُ فَلَيْسَ بِلَازِمٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ثَمَّةَ مَانِعٌ آخَرُ وَهُوَ جِهَةُ التَّعَبُّدِ
(وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا فِي الْحُرَّةِ أَوْ ثِنْتَيْنِ فِي الْأَمَةِ لَمْ تَحِلَّ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ نِكَاحًا صَحِيحًا وَيَدْخُلَ بِهَا ثُمَّ يُطَلِّقَهَا أَوْ يَمُوتَ عَنْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} وَالْمُرَادُ
فَالْمُرَادُ الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ، وَالثِّنْتَانِ فِي حَقِّ الْأَمَةِ كَالثَّلَاثِ فِي حَقِّ الْحُرَّةِ، لِأَنَّ الرِّقَّ مُنَصِّفٌ لِحِلِّ الْمَحَلِّيَّةِ عَلَى مَا عُرِفَ ثُمَّ الْغَايَةُ نِكَاحُ الزَّوْجِ مُطْلَقًا، وَالزَّوْجِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ إنَّمَا تَثْبُتُ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَشَرْطُ الدُّخُولِ ثَبَتَ بِإِشَارَةِ النَّصِّ وَهُوَ أَنْ يُحْمَلَ النِّكَاحُ عَلَى الْوَطْءِ حَمْلًا لِلْكَلَامِ عَلَى الْإِفَادَةِ دُونَ الْإِعَادَةِ إذْ الْعَقْدُ اُسْتُفِيدَ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الزَّوْجِ
بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِنْ طَلَّقَهَا} الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ (وَالثِّنْتَانِ فِي الْأَمَةِ كَالثَّلَاثِ فِي حَقِّ الْحُرَّةِ لِأَنَّ الرِّقَّ مُنَصِّفٌ لِحِلِّ الْمَحَلِّيَّةِ) لِكَوْنِهِ نِعْمَةً وَالْعُقْدَةُ الْوَاحِدَةُ لَا تَتَجَزَّأُ فَكَمُلَتْ عَلَى مَا عُرِفَ، وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ صَحِيحًا لِأَنَّ الْغَايَةَ نِكَاحُ زَوْجٍ آخَرَ مُطْلَقًا حَيْثُ لَمْ يُقَيَّدْ بِصِحَّةٍ وَلَا فَسَادٍ، وَالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ (وَالزَّوْجِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ) أَيْ الْكَامِلَةُ (إنَّمَا تَثْبُتُ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ) وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ الدُّخُولُ بِهَا إمَّا بِإِشَارَةِ الْكِتَابِ
أَوْ يُزَادَ عَلَى النَّصِّ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ، وَهُوَ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَذُوقَ عُسَيْلَةَ الْآخَرِ» رُوِيَ بِرِوَايَاتٍ،
عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ طَرِيقَةُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَهُوَ أَنْ يُحْمَلَ النِّكَاحُ فِي قَوْله تَعَالَى {حَتَّى تَنْكِحَ} عَلَى الْوَطْءِ حَمْلًا لِلْكَلَامِ عَلَى الْإِفَادَةِ دُونَ الْإِعَادَةِ، فَإِنَّ الْعَقْدَ اُسْتُفِيدَ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الزَّوْجِ فِي قَوْلِهِ {زَوْجًا غَيْرَهُ} ، فَلَوْ حَمَلْنَا النِّكَاحَ عَلَى الْعَقْدِ كَانَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا وَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى مِنْ التَّأْكِيدِ، وَأَمَّا بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ وَهُوَ حَدِيثُ رِفَاعَةَ بْنِ وَهْبٍ الْقُرَظِيِّ «طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ تَمِيمَةُ، وَقِيلَ عَائِشَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتِيكٍ فَتَزَوَّجَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ الْقُرَظِيَّ ثُمَّ طَلَّقَهَا فَأَتَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي، وَإِنِّي نَكَحْت بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ الْقُرَظِيَّ، وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ الْهُدْبَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَعَلَّك تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ، لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَك» وَقَدْ رُوِيَ بِرِوَايَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي بَعْضِهَا بِلَفْظِ الْغَيْبَةِ كَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَفِي بَعْضِهَا بِلَفْظِ الْخِطَابِ كَمَا رُوِيَتْ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ يَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ وَنُسَخِ إطْلَاقِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي التَّقْرِيرِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَتَمِّ
وَلَا خِلَافَ لِأَحَدٍ فِيهِ سِوَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ. وَقَوْلُهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ حَتَّى لَوْ قَضَى بِهِ الْقَاضِي لَا يَنْفُذُ، وَالشَّرْطُ الْإِيلَاجُ دُونَ الْإِنْزَالِ لِأَنَّهُ كَمَالٌ وَمُبَالَغَةٌ فِيهِ وَالْكَمَالُ قَيْدٌ زَائِدٌ
(وَالصَّبِيُّ الْمُرَاهِقُ فِي التَّحْلِيلِ كَالْبَالِغِ) لِوُجُودِ الدُّخُولِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ وَهُوَ الشَّرْطُ بِالنَّصِّ،
فَلْيُطْلَبْ ثَمَّةَ (وَلَا خِلَافَ لِأَحَدٍ فِيهِ) أَيْ فِي اشْتِرَاطِ الدُّخُولِ سِوَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَقِيلَ هُوَ قَوْلُ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ.
وَقَوْلُهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ) لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ وَلِهَذَا (إذَا قَضَى الْقَاضِي بِهِ) أَيْ بِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ (لَا يَنْفُذُ، وَالشَّرْطُ الْإِيلَاجُ دُونَ الْإِنْزَالِ؛ لِأَنَّ الْإِنْزَالَ كَمَالٌ وَمُبَالَغَةٌ فِيهِ) أَيْ فِي الدُّخُولِ، وَالْكَمَالُ قَيْدٌ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلْ الدَّلِيلُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْعُسَيْلَةَ وَهِيَ تَصْغِيرُ الْعَسِيلَةِ وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنْ إصَابَةِ حَلَاوَةِ
وَمَالِكٌ رحمه الله يُخَالِفُنَا فِيهِ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا بَيَّنَّاهُ. وَفَسَّرَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَقَالَ: غُلَامٌ لَمْ يَبْلُغْ وَمِثْلُهُ يُجَامِعُ جَامَعَ امْرَأَتَهُ وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ وَأَحَلَّهَا عَلَى الزَّوْجِ الْأَوَّلِ، وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنْ تَتَحَرَّك آلَتُهُ وَيَشْتَهِي، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْغُسْلُ عَلَيْهَا لِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَهُوَ سَبَبٌ لِنُزُولِ مَائِهَا وَالْحَاجَةِ إلَى الْإِيجَابِ فِي حَقِّهَا، أَمَّا لَا غُسْلَ عَلَى الصَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ يُؤْمَرُ بِهِ تَخَلُّقًا قَالَ (وَوَطْءُ الْمَوْلَى أَمَتَهُ لَا يُحِلُّهَا) لِأَنَّ الْغَايَةَ نِكَاحُ الزَّوْجِ
(وَإِذَا تَزَوَّجَهَا بِشَرْطِ التَّحْلِيلِ فَالنِّكَاحُ مَكْرُوهٌ) لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ»
الْجِمَاعِ وَهِيَ تَحْصُلُ بِالْإِيلَاجِ، وَكَانَ التَّصْغِيرُ دَالًّا عَلَى عَدَمِ الشِّبَعِ بِالْإِنْزَالِ.
(وَمَالِكٌ يُخَالِفُنَا فِيهِ) أَيْ فِي اشْتِرَاطِ الْإِيلَاجِ دُونَ الْإِنْزَالِ، وَيَشْتَرِطُ الْإِنْزَالَ وَهُوَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ مِنْ الْبَالِغِ فَلَا يَكُونُ الصَّبِيُّ الْمُرَاهِقُ كَالْبَالِغِ فِي إفَادَةِ التَّحْلِيلِ (وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا بَيَّنَّاهُ) أَنَّ الْإِنْزَالَ كَمَالٌ وَمُبَالَغَةٌ فِيهِ وَهُوَ قَيْدٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ (فَسَّرَهُ) أَيْ الْمُرَاهِقُ (فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَقَالَ: غُلَامٌ لَمْ يَبْلُغْ إلَخْ) وَهُوَ ظَاهِرٌ. قَالَ (وَوَطْءُ الْمَوْلَى أَمَتَهُ لَا يُحِلُّهَا) إذَا طَلَّقَ امْرَأَةً ثِنْتَيْنِ وَهِيَ أَمَةُ الْغَيْرِ فَوَطِئَهَا الْمَوْلَى بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لَمْ تَحِلَّ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ غَايَةَ الْحُرْمَةِ نِكَاحُ الزَّوْجِ وَالْمَوْلَى لَا يُسَمَّى زَوْجًا. قَالَ فِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ: رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ وَعِنْدَهُ عَلِيٌّ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ عُثْمَانُ وَزَيْدٌ وَقَالَا: هُوَ زَوْجٌ، فَقَامَ عَلِيٌّ مُغْضَبًا كَارِهًا لِمَا قَالَا وَقَالَ: لَيْسَ بِزَوْجٍ.
(وَلَوْ تَزَوَّجَهَا بِشَرْطِ التَّحْلِيلِ) بِأَنْ قَالَ تَزَوَّجْتُك عَلَى أَنْ أُحِلَّك أَوْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ (فَالنِّكَاحُ مَكْرُوهٌ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ») فَإِنَّ مَحْمَلَهُ اشْتِرَاطُ التَّحْلِيلِ فِي الْعَقْدِ كَمَا ذَكَرْنَا، إذْ لَوْ أَضْمَرَ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ اللَّعْنَ. وَقِيلَ مَعْنَى
وَهَذَا هُوَ مَحْمَلُهُ (فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَمَا وَطِئَهَا حَلَّتْ لِلْأَوَّلِ) لِوُجُودِ الدُّخُولِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ إذْ النِّكَاحُ لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُفْسِدُ النِّكَاحَ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُؤَقَّتِ فِيهِ وَلَا يُحِلُّهَا عَلَى الْأَوَّلِ لِفَسَادِهِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَصِحُّ النِّكَاحُ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَا يُحِلُّهَا عَلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ مَا أَخَّرَهُ الشَّرْعُ فَيُجَازَى بِمَنْعِ مَقْصُودِهِ كَمَا فِي قَتْلِ الْمُوَرِّثِ
قَوْلِهِ هُوَ مَحْمَلُهُ الْكَرَاهَةُ مَحْمَلُ الْحَدِيثِ لِإِفْسَادِهِ (فَإِنْ طَلَّقَهَا) يَعْنِي الَّذِي شَرَطَ التَّحْلِيلَ (بَعْدَمَا وَطِئَهَا حَلَّتْ لِلْأَوَّلِ لِوُجُودِ الدُّخُولِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، إذْ النِّكَاحُ لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُفْسِدُ النِّكَاحَ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُوَقَّتِ) كَأَنَّهُ قَالَ تَزَوَّجْتُك إلَى وَقْتِ كَذَا (وَلَا يُحِلُّهَا عَلَى الزَّوْجِ الْأَوَّلِ لِفَسَادِهِ) فَإِنَّ مِنْ شُرُوطِ التَّحْلِيلِ صِحَّةَ النِّكَاحِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَصِحُّ النِّكَاحُ لِمَا بَيَّنَّا) أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ (وَلَا يُحِلُّهَا عَلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ مَا أَخَّرَهُ الشَّرْعُ) لِأَنَّ النِّكَاحَ عَقْدُ الْعُمُرِ فَيَقْتَضِي الْحِلَّ عَلَى الْأَوَّلِ بَعْدَ مَوْتِ الثَّانِي، فَبِشَرْطِ التَّحْلِيلِ يَصِيرُ مُسْتَعْجِلًا لِلْحِلِّ (فَيُجَازَى بِمَنْعِ مَقْصُودِهِ كَمَا فِي قَتْلِ الْمُورَثِ) وَذُكِرَ فِي رَوْضَةِ الزَّنْدَوَسْتِيِّ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ
(وَإِذَا طَلَّقَ الْحُرَّةَ تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَتَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ ثُمَّ عَادَتْ إلَى الزَّوْجِ الْأَوَّلِ عَادَتْ بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ وَيَهْدِمُ الزَّوْجُ الثَّانِي مَا دُونَ الثَّلَاثِ كَمَا يَهْدِمُ الثَّلَاثَ. وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله: لَا يَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلَاثِ)
قَالَ: النِّكَاحُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ جَائِزٌ حَتَّى إذَا لَمْ يُطَلِّقْهَا الثَّانِي بَعْدَ وَطْئِهِ إيَّاهَا يُجْبِرُهُ الْقَاضِي عَلَى ذَلِكَ، وَتَحِلُّ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ إذَا طَلَّقَهَا الثَّانِي بِرَأْيِهِ أَوْ بِأَمْرِ الْقَاضِي إيَّاهُ. قَالَ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ: هَذَا الْبَيَانُ لَمْ يُوجَدْ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْكُتُبِ.
(وَإِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْحُرَّةَ تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَتَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ ثُمَّ عَادَتْ إلَى الزَّوْجِ الْأَوَّلِ عَادَتْ بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، وَيَهْدِمُ الزَّوْجُ الثَّانِي) التَّطْلِيقَةَ وَالتَّطْلِيقَتَيْنِ كَمَا يَهْدِمُ الثَّلَاثَ يَعْنِي أَنَّهُ يَجْعَلُ ذَلِكَ الْبَاقِيَ مِنْ الْمِلْكِ الْأَوَّلِ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَلَا تَحْرُمُ الْحُرْمَةَ الْغَلِيظَةَ إلَّا إذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا جَمْعًا أَوْ فُرَادَى (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ) وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ) وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ (لَا يَهْدِمُ) وَيَبْقَى الزَّوْجُ مَالِكًا بِمَا بَقِيَ مِنْ الْأَوَّلِ، وَتَحْرُمُ الْحُرْمَةُ الْغَلِيظَةُ إذَا انْتَهَى ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ
لِأَنَّهُ غَايَةٌ لِلْحُرْمَةِ بِالنَّصِّ فَيَكُونُ مَنْهِيًّا، وَلَا إنْهَاءَ لِلْحُرْمَةِ قَبْلَ الثُّبُوتِ. وَلَهُمَا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ»
فَأَخَذَ الشُّبَّانُ مِنْ الْفُقَهَاءِ بِقَوْلِ الْمَشَايِخِ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَالْمَشَايِخُ مِنْ الْفُقَهَاءِ بِقَوْلِ الشُّبَّانِ مِنْ الصَّحَابَةِ. اسْتَدَلَّ مُحَمَّدٌ بِأَنَّ الزَّوْجَ الثَّانِيَ غَايَةٌ لِلْحُرْمَةِ بِالنَّصِّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَكُلُّ مَا كَانَ غَايَةً لِلْحُرْمَةِ فَهُوَ مِنْهُ لَهَا؛ لِأَنَّ الْمُغَيَّا يَنْتَهِي بِالْغَايَةِ فَيَكُونُ الزَّوْجُ الثَّانِي مَنْهِيًّا لِلْحُرْمَةِ، وَلَا انْتِهَاءَ لِلْحُرْمَةِ قَبْلَ ثُبُوتِهَا، وَلَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ قَبْلَ وُقُوعِ الثَّلَاثِ (وَلَهُمَا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ») وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ أَوْرَدُوهُ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي الزَّوْجِ الثَّانِي، وَكَانَ الْمُرَادُ بِالْمُحَلِّلِ
سَمَّاهُ مُحَلِّلًا وَهُوَ الْمُثَبِّتُ لِلْحِلِّ
(وَإِذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَقَالَتْ قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي وَتَزَوَّجْت وَدَخَلَ بِي الزَّوْجُ وَطَلَّقَنِي وَانْقَضَتْ عِدَّتِي وَالْمُدَّةُ تَحْتَمِلُ ذَلِكَ جَازَ لِلزَّوْجِ أَنْ يُصَدِّقَهَا إذَا كَانَ فِي غَالِبِ ظَنِّهِ أَنَّهَا صَادِقَةٌ).
الزَّوْجَ الثَّانِيَ (سَمَّاهُ مُحَلِّلًا وَهُوَ الْمُثْبِتُ لِلْحِلِّ) ثُمَّ الْحِلُّ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْحِلَّ السَّابِقَ، أَوْ حِلًّا جَدِيدًا لَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ لِاسْتِلْزَامِهِ تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ فَتَعَيَّنَ الثَّانِي، وَبِالضَّرُورَةِ يَكُونُ غَيْرَ الْأَوَّلِ، وَالْأَوَّلُ حِلٌّ نَاقِصٌ وَكَانَ الْجَدِيدُ كَامِلًا، وَهُوَ مَا يَكُونُ بِالطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ، فَإِنْ قِيلَ: سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُحَلِّلَ هُوَ الْمُثْبِتُ لِلْحِلِّ وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حِلًّا جَدِيدًا لَكِنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّ مَحْمَلَهُ هُوَ شَرْطُ التَّحْلِيلِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا. وَالثَّانِي أَنَّ الْحِلَّ قَبْلَ ذَلِكَ ثَابِتٌ فَيُصْرَفُ إلَى مَا لَيْسَ بِثَابِتٍ عَمَلًا بِالْحَقِيقَةِ. فَالْجَوَابُ أَنَّا قَدْ ذَكَرْنَا لِقَوْلِهِ وَهُوَ مَحْمَلُهُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدَهُمَا مَا ذَكَرْت وَلَيْسَ بِمَرْضِيٍّ. وَالثَّانِيَ أَنَّ مَحْمَلَهُ الْكَرَاهَةُ لَا الْفَسَادُ، وَحِينَئِذٍ يَنْدَفِعُ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّ الْحِلَّ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ ثَابِتٌ لَكِنَّ إطْلَاقَ الْمُحَلِّلِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ الثَّانِي عَلَى الْإِطْلَاقِ مُحَلِّلًا، فَصَرْفُهُ إلَى بَعْضِ الصُّوَرِ تَقْيِيدٌ بِلَا دَلِيلٍ، وَالثَّابِتُ بِهِ غَيْرُ الثَّابِتِ قَبْلَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَكَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا وَغَيْرَهَا سَوَاءً وَبِهِ يَنْدَفِعُ الْأَمْرُ الثَّانِي.
(وَإِذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَقَالَتْ قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي)
لِأَنَّهُ مُعَامَلَةٌ أَوْ أَمْرٌ دِينِيٌّ لِتَعَلُّقِ الْحِلِّ بِهِ، وَقَوْلُ الْوَاحِدِ فِيهِمَا مَقْبُولٌ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ إذَا كَانَتْ الْمُدَّةُ تَحْتَمِلُهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي أَدْنَى هَذِهِ الْمُدَّةِ وَسَنُبَيِّنُهَا فِي بَابِ الْعِدَّةِ.
عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ وَاخْتَلَفُوا فِي أَدْنَى هَذِهِ الْمُدَّةِ) قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَصْدُقُ فِي أَقَلَّ مِنْ سِتِّينَ يَوْمًا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: تَصْدُقُ فِي تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَتَخْرِيجُ قَوْلِهِمَا أَنَّهُ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ طَلَّقَهَا فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الطُّهْرِ، وَحَيْضُهَا أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةٌ، وَطُهْرُهَا أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَالثَّلَاثَةُ إذَا كَانَتْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كَانَتْ تِسْعَةً وَالطُّهْرَانِ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، فَلِذَلِكَ صَدَقَتْ فِي تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا لِأَنَّهَا أَمِينَةٌ أَخْبَرَتْ بِمَا هُوَ مُحْتَمَلٌ فَوَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهَا.
وَأَمَّا تَخْرِيجُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ طَلَّقَهَا فِي أَوَّلِ الطُّهْرِ تَحَرُّزًا عَنْ إيقَاعِ الطَّلَاقِ فِي الطُّهْرِ بَعْدَ الْجِمَاعِ، وَطُهْرُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لِأَنَّهُ لَا غَايَةَ لِأَكْثَرِ الطُّهْرِ فَقَدَّرْنَاهُ بِأَقَلِّهِ، وَحَيْضُهَا خَمْسَةٌ لِأَنَّ مِنْ النَّادِرِ أَنْ يَكُونَ حَيْضُهَا أَقَلَّ الْحَيْضِ، أَوْ يَمْتَدَّ إلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ فَيُعْتَبَرُ الْوَسَطُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ خَمْسَةٌ فَثَلَاثَةُ أَطْهَارٍ كُلُّ طُهْرٍ خَمْسَةَ عَشَرَ فَيَكُونُ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ، وَثَلَاثُ حِيَضٍ كُلُّ حَيْضٍ خَمْسَةٌ يَكُونُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَذَلِكَ سِتُّونَ يَوْمًا، وَهَذَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ.
وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ طَلَّقَهَا فِي آخِرِ الطُّهْرِ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ وَاجِبٌ، وَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ فِي آخِرِ الطُّهْرِ أَقْرَبُ إلَى التَّحَرُّزِ عَنْ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ ثُمَّ حَيْضُهَا عَشَرَةٌ، لِأَنَّا لَمَّا قَدَّرْنَا طُهْرَهَا بِأَقَلِّ الْمُدَّةِ نَظَرًا لَهَا يُقَدَّرُ حَيْضُهَا بِأَكْثَرِ الْمُدَّةِ نَظَرًا لِلزَّوْجِ، وَثَلَاثُ حِيَضٍ كُلُّ حَيْضَةٍ عَشَرَةٌ ثَلَاثُونَ، وَطُهْرَانِ كُلُّ طُهْرٍ خَمْسَةَ عَشَرَ فَذَلِكَ سِتُّونَ يَوْمًا.
وَقَوْلُهُ وَسَنُبَيِّنُهَا فِي بَابِ الْعِدَّةِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَقَعَتْ هَذِهِ الْحَوَالَةُ حَوَالَةً غَيْرَ رَابِحَةٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهَا فِي بَابِ الْعِدَّةِ وَلَا فِي غَيْرِهِ. وَرُدَّ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى، أَمَّا اللَّفْظُ فَلِأَنَّ مِثْلَ هَذَا يُسَمَّى وَعْدًا لَا حَوَالَةً، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ وَعْدٌ غَيْرُ مُنَجَّزٍ، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَلِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِي بَابِ الْعِدَّةِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَعْدُهُ مُنَجَّزًا فِي بَابِ الْعِدَّةِ مِنْ كِتَابٍ آخَرَ. وَأَقُولُ: الْأَوَّلُ ظَاهِرٌ، وَالثَّانِي خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
1 -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَابُ الْإِيلَاءِ):
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: ذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّلَاقِ مِنْهُ: التَّحْرِيمَاتُ الَّتِي تَنْفُذُ مِنْ الزَّوْجِ بِحُكْمِ مِلْكِ النِّكَاحِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: الطَّلَاقُ، وَالْإِيلَاءُ، وَاللِّعَانُ، وَالظِّهَارُ. ثُمَّ قَالَ: فَيَبْدَأُ بِالطَّلَاقِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَالْمُبَاحُ لِلزَّوْجِ فِي وَقْتِهِ.
ثُمَّ أَدْنَى دَرَجَةٍ مِنْهُ فِي الْإِبَاحَةِ الْإِيلَاءُ، لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَمِينٌ مَشْرُوعٌ وَلَكِنْ فِيهِ مَعْنَى الظُّلْمِ عَلَى مَا يَجِيءُ، وَكَانَ أَدْنَى مِنْهُ فِي الْإِبَاحَةِ. وَهُوَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْيَمِينِ. يُقَالُ آلَى يُولِي إيلَاءً: إذَا حَلَفَ. وَفِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ مَنْعِ النَّفْسِ عَنْ قُرْبَانِ الْمَنْكُوحَةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مَنْعًا مُؤَكَّدًا بِالْيَمِينِ، وَسَبَبُهُ سَبَبُ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ وَهُوَ عَدَمُ الْمُوَافَقَةِ، وَهُمَا مُتَشَابِهَانِ فِي أَنَّ الْإِبَانَةَ فِيهِمَا مُؤَقَّتَةٌ إلَى وَقْتٍ، لَكِنْ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَخْتَارُ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لِأَنَّ التَّدَارُكَ فِيهِ لَا يَسْتَعْقِبُ مَكْرُوهًا. وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ الْإِيلَاءَ لِمَا أَنَّ التَّدَارُكَ فِيهِ غَيْرُ مُتَضَمِّنٍ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نُقْصَانَ عَدَدِ الطَّلَاقِ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ. وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ صَادِرًا مِنْ أَهْلِ الطَّلَاقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عِنْدَهُمَا فِي مَنْكُوحَتِهِ فِي مُدَّةِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا. وَرُكْنُهُ أَنْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَنَحْوَهُ، أَوْ يَقُولَ: إنْ قَرِبْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ وَأَمْثَالَهُ. وَحُكْمُهُ لُزُومُ الْكَفَّارَةِ بِالْقُرْبَانِ فِي الْأَوَّلِ وَلُزُومُ الْجَزَاءِ فِي الثَّانِي، وَوُقُوعُ تَطْلِيقَةٍ بَائِنَةٍ إذَا مَضَتْ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ فَهُوَ يَمِينٌ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْحِنْثِ وَالْبِرِّ فِيهِ شَيْءٌ، وَمِنْ هَذَا قِيلَ
(وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك أَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَهُوَ مُولٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} الْآيَةُ (فَإِنْ وَطِئَهَا فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ) لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مُوجِبُ الْحِنْثِ (وَسَقَطَ الْإِيلَاءُ)
الْمُولِي هُوَ مَنْ لَا يَخْلُو عَنْ أَحَدِ الْمَكْرُوهَيْنِ
(وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك، أَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَهُوَ مُولٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} الْآيَةَ، فَإِنْ وَطِئَهَا فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مُوجِبُ الْحِنْثِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وَعْدُ الْمَغْفِرَةِ، وَالْمَغْفُورُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ. قُلْنَا: وَعْدُ الْمَغْفِرَةِ فِي الْآخِرَةِ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ فِي الدُّنْيَا (وَسَقَطَ الْإِيلَاءُ) عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَوْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ
لِأَنَّ الْيَمِينَ تَرْتَفِعُ بِالْحِنْثِ
(وَإِنْ لَمْ يَقْرَبْهَا حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ بَانَتْ مِنْهُ بِتَطْلِيقَةٍ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَبِينُ بِتَفْرِيقِ الْقَاضِي
لِأَنَّ الْيَمِينَ تَرْتَفِعُ بِالْحِنْثِ).
(وَإِنْ لَمْ يَقْرَبْهَا حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ بَانَتْ مِنْهُ بِتَطْلِيقَةٍ) لِأَنَّ مَعْنَى الْإِيلَاءِ عِنْدَنَا: إنْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلَمْ أُجَامِعْك فَأَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَلَكِنَّهُ تَوَقَّفَ بَعْدَ الْمُدَّةِ عَلَى أَنْ يَفِيءَ إلَيْهَا أَوْ يُفَارِقَهَا، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَفْعَلَ (تَبِينُ بِتَفْرِيقِ الْقَاضِي) بَيْنَهُمَا، وَكَانَ التَّفْرِيقُ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً
لِأَنَّهُ مَانِعُ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ فَيَنُوبُ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي التَّسْرِيحِ كَمَا فِي الْجُبِّ وَالْعُنَّةِ. وَلَنَا أَنَّهُ ظَلَمَهَا بِمَنْعِ حَقِّهَا
لِأَنَّهُ مَانِعٌ حَقَّهَا فِي الْجِمَاعِ فَيَنُوبُ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي التَّسْرِيحِ كَمَا فِي الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ. وَلَنَا أَنَّهُ ظَلَمَهَا بِمَنْعِ حَقِّهَا)
فَجَازَاهُ الشَّرْعُ بِزَوَالِ نِعْمَةِ النِّكَاحِ عِنْدَ مُضِيِّ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَالْعَبَادِلَةِ الثَّلَاثَةِ وَزَيْدِ ابْنِ ثَابِتٍ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -، وَكَفَى بِهِمْ قُدْوَةٌ، وَلِأَنَّهُ كَانَ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَحَكَمَ الشَّرْعُ بِتَأْجِيلِهِ إلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ
وَهُوَ الْوَطْءُ فِي الْمُدَّةِ (فَجَازَاهُ الشَّرْعُ بِزَوَالِ نِعْمَةِ النِّكَاحِ عِنْدَ مُضِيِّ هَذِهِ الْمُدَّةِ) تَخْلِيصًا لَهَا عَنْ ضَرَرِ التَّعْلِيقِ، وَلَا يَحْصُلُ التَّخْلِيصُ بِالرَّجْعِيِّ فَوَقَعَ بَائِنًا (وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَالْعَبَادِلَةِ الثَّلَاثَةِ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) وَهُمْ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ هُمْ أَرْبَعَةٌ: ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ عَمْرٍو، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الزَّوْجَ إنَّمَا يَكُونُ ظَالِمًا بِمَنْعِ حَقِّهَا إذَا لَمْ يَكُنْ وَطِئَهَا مَرَّةً، وَأَمَّا إذَا وَطِئَهَا فَقَدْ سَقَطَ حَقُّهَا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ حَقَّهَا سَقَطَ بِالْجِمَاعِ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْقَضَاءِ، وَأَمَّا فِي الدِّيَانَةِ فَلَمْ يَسْقُطْ، وَكَانَ الْجَزَاءُ بِزَوَالِ النِّعْمَةِ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ بِمَنْعِهِ حَقَّهَا دِيَانَةً، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يَحْكُمَ الْقَاضِي بِوُقُوعِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِظَالِمٍ عِنْدَهُ بَعْدَ الدُّخُولِ مَرَّةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ (وَلِأَنَّ الْإِيلَاءَ كَانَ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ) عَلَى الْفَوْرِ بِحَيْثُ لَا يَقْرَبُهَا الشَّخْصُ بَعْدَ الْإِيلَاءِ أَبَدًا (فَحَكَمَ الشَّرْعُ بِتَأْجِيلِهِ إلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ)
(فَإِنْ كَانَ حَلَفَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَقَدْ سَقَطَتْ الْيَمِينُ) لِأَنَّهَا كَانَتْ مُؤَقَّتَةً بِهِ
فَلَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ إلَّا بِالتَّأْجِيلِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَطْلِيقَةٍ أَوْ تَفْرِيقِ الْقَاضِي.
وَقَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ حَلَفَ) يَعْنِي إذَا مَضَتْ
(وَإِنْ كَانَ حَلَفَ عَلَى الْأَبَدِ فَالْيَمِينُ بَاقِيَةٌ) لِأَنَّهَا مُطْلَقَةً وَلَمْ يُوجَدْ الْحِنْثُ لِتَرْتَفِعَ بِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ الطَّلَاقُ قَبْلَ التَّزَوُّجِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَنْعُ الْحَقِّ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ (فَإِنْ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا عَادَ الْإِيلَاءُ، فَإِنْ وَطِئَهَا وَإِلَّا وَقَعَتْ بِمُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ تَطْلِيقَةٌ أُخْرَى)
أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَقْرَبْهَا فَلَا يَخْلُو. إمَّا إنْ كَانَ حَلَفَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أَوْ عَلَى الْأَبَدِ؛ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَقَدْ سَقَطَ الْيَمِينُ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُوَقَّتَةً بِهِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَالْيَمِينُ بَاقِيَةٌ لِأَنَّهَا يَمِينٌ مُطْلَقَةٌ وَلَمْ يُوجَدْ الْحِنْثُ لِتَرْتَفِعَ بِهِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ الطَّلَاقُ قَبْلَ التَّزَوُّجِ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ فَالْيَمِينُ بَاقِيَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَنْعُ الْحَقِّ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ إذْ لَا حَقَّ لَهَا فِي الْجِمَاعِ بَعْدَهَا، وَهَذَا اخْتِيَارُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ.
وَكَانَ الْفَقِيهُ أَبُو سَهْلٍ الشَّرَغِيُّ يَقُولُ: يَتَكَرَّرُ الطَّلَاقُ بِتَكَرُّرِ الْمُدَّةِ: يَعْنِي إذَا مَضَتْ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا لِأَنَّ الْإِيلَاءَ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ بِمَنْزِلَةِ شَرْطٍ مُتَكَرِّرٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ: كُلَّمَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلَمْ أَقْرَبْك فِيهَا فَأَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْرَبْهَا حَتَّى بَانَتْ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَلَمْ يَقْرَبْهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بَانَتْ فَدَلَّ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ شَرْطٍ مُتَكَرِّرٍ، وَالْأَصَحُّ قَوْلُ الْعَامَّةِ لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ (فَإِنْ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا) بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ بِمُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا (عَادَ الْإِيلَاءُ، فَإِنْ وَطِئَهَا) فِي الْمُدَّةِ (وَإِلَّا وَقَعَتْ تَطْلِيقَةٌ أُخْرَى بِمُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أُخْرَى
لِأَنَّ الْيَمِينَ بَاقِيَةٌ لِإِطْلَاقِهَا، وَبِالتَّزَوُّجِ ثَبَتَ حَقُّهَا فَيَتَحَقَّقُ الظُّلْمُ وَيَعْتَبِرُ ابْتِدَاءُ هَذَا الْإِيلَاءِ مِنْ وَقْتِ التَّزَوُّجِ.
(فَإِنْ تَزَوَّجَهَا ثَالِثًا عَادَ الْإِيلَاءُ وَوَقَعَتْ بِمُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أُخْرَى إنْ لَمْ يَقْرَبْهَا) لِمَا بَيِّنَاهُ (فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ لَمْ يَقَعْ بِذَلِكَ الْإِيلَاءِ طَلَاقٌ) لِتَقَيُّدِهِ بِطَلَاقِ هَذَا الْمِلْكِ وَهِيَ فَرْعُ مَسْأَلَةِ التَّنْجِيزِ الْخِلَافِيَّةِ وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ
لِأَنَّ الْيَمِينَ بَاقِيَةٌ لِإِطْلَاقِهَا، وَبِالتَّزَوُّجِ حَدَثَ حَقُّهَا فَيَتَحَقَّقُ الظُّلْمُ) فَيُزَالُ بِالطَّلَاقِ الْبَائِنِ.
وَقَوْلُهُ (وَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ هَذَا الْإِيلَاءِ مِنْ وَقْتِ التَّزَوُّجِ) قِيلَ هُوَ احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا تَزَوَّجَهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْإِيلَاءَ يُعْتَبَرُ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ لَا مِنْ وَقْتِ التَّزَوُّجِ، كَذَا ذَكَرَهُ التُّمُرْتَاشِيُّ (فَإِنْ تَزَوَّجَهَا ثَانِيًا) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ثَالِثًا وَلِكُلٍّ وَجْهٌ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَبِالنَّظَرِ إلَى التَّزَوُّجِ بَعْدَ الْإِيلَاءِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَبِالنَّظَرِ إلَى التَّزَوُّجِ قَبْلَ الْإِيلَاءِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ (عَادَ الْإِيلَاءُ وَوَقَعَتْ بِمُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أُخْرَى تَطْلِيقَةٌ أُخْرَى إنْ لَمْ يَقْرَبْهَا لِمَا بَيَّنَّا) أَنَّ الْيَمِينَ بَاقِيَةٌ لِإِطْلَاقِهَا، وَبِالتَّزَوُّجِ ثَبَتَ حَقُّهَا فَيَتَحَقَّقُ الظُّلْمُ، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ لَمْ يَقَعْ بِذَلِكَ الْإِيلَاءِ طَلَاقٌ (فَإِنْ وَطِئَهَا كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ) أَمَّا عَدَمُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فَلِتَقَيُّدِهِ بِطَلَاقِ هَذَا الْمِلْكِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّعْلِيقِ بِعَدَمِ الْقُرْبَانِ، وَتَعْلِيقُ الطَّلَاقِ يَنْحَصِرُ فِي طَلَاقِ ذَلِكَ الْمِلْكِ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ التَّعْلِيقُ (وَهِيَ فَرْعُ مَسْأَلَةِ التَّنْجِيزِ الْخِلَافِيَّةِ) فَإِنَّهُ يَبْطُلُ التَّعْلِيقُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ (وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ) أَيْ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ فِي الطَّلَاقِ.
قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: وَإِذَا آلَى الرَّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ لَا يَقْرَبُهَا
(وَالْيَمِينُ بَاقِيَةٌ) لِإِطْلَاقِهَا وَعَدَمِ الْحِنْثِ (فَإِنْ وَطِئَهَا كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ) لِوُجُودِ الْحِنْثِ
(فَإِنْ حَلَفَ عَلَى أَقَلِّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا إيلَاءَ فِيمَا دُونَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ،
ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا بَطَلَ الْإِيلَاءُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ طَلَاقٌ مُؤَجَّلٌ فَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ عَلَى التَّطْلِيقَاتِ الْمَمْلُوكَةِ وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْهَا بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ عَلَيْهَا، وَكَذَا لَوْ بَانَتْ بِالْإِيلَاءِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا إلَّا عِنْدَ زُفَرَ، وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ عِنْدَ الْوَطْءِ فَلِبَقَاءِ الْيَمِينِ لِإِطْلَاقِهَا وَوُجُودِ الْحِنْثِ.
قَالَ (فَإِنْ حَلَفَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا) مِثْلَ أَنْ يَقُولَ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك شَهْرًا وَهُوَ وَضْعُ الْمَبْسُوطِ، أَوْ قَالَ لَا أَقْرَبُك شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: هُوَ مُولٍ إنْ تَرَكَ وَطْأَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بَانَتْ بِتَطْلِيقَةٍ، وَهَكَذَا كَانَ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ أَوَّلًا، فَلَمَّا بَلَغَهُ فَتْوَى ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا إيلَاءَ فِيمَا دُونَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَتْوَى ابْنِ عَبَّاسٍ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ النَّصِّ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} أَطْلَقَ الْإِيلَاءَ وَقَيَّدَ التَّرَبُّصَ بِمُدَّةٍ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ وَلَوْ مُدَّةً يَسِيرَةً كَيَوْمٍ أَوْ سَاعَةٍ يَلْزَمُهُ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَالتَّقْيِيدُ بِمُدَّةٍ يَكُونُ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ وَهُوَ لَا يَجُوزُ بِفَتْوَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَكَيْفَ رَجَعَ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ قَوْلِهِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ فَتْوَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَعَ فِي الْمُقَدَّرَاتِ، وَالرَّأْيُ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْمُقَدَّرَاتِ الشَّرْعِيَّةِ فَكَانَ مَسْمُوعًا، وَلَمْ يَرِدْ عَنْ أَحَدٍ خِلَافُهُ فَيُجْعَلُ تَفْسِيرًا لِلنَّصِّ لَا تَقْيِيدًا، وَتَقْرِيرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ تَرَبُّصُ
وَلِأَنَّ الِامْتِنَاعَ عَنْ قُرْبَانِهَا فِي أَكْثَرِ الْمُدَّةِ بِلَا مَانِعٍ وَبِمِثْلِهِ لَا يُثْبِتُ حُكْمَ الطَّلَاقِ فِيهِ (وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك شَهْرَيْنِ وَشَهْرَيْنِ بَعْدَ هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ فَهُوَ مُولٍ) لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِحَرْفِ الْجَمْعِ فَصَارَ كَجَمْعِهِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ (وَلَوْ مَكَثَ يَوْمًا ثُمَّ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك شَهْرَيْنِ بَعْدَ الشَّهْرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا) لِأَنَّ الثَّانِيَ إيجَابٌ مُبْتَدَأٌ وَقَدْ صَارَ مَمْنُوعًا
أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، تُرِكَ الْأَوَّلُ بِدَلَالَةِ الثَّانِي فَكَانَ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ.
وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّ الِامْتِنَاعَ عَنْ قُرْبَانِهَا) دَلِيلٌ مَعْقُولٌ عَلَى وَضْعِ الْمَبْسُوطِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي مَطْلَعِ هَذَا الْبَحْثِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الِامْتِنَاعَ عَنْ قُرْبَانِهَا: أَيْ عَنْ قُرْبَانِ مَنْ آلَى مِنْهَا زَوْجُهَا شَهْرًا فِي أَكْثَرِ الْمُدَّةِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ حَاصِلٌ بِلَا مَانِعٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ يَمِينٌ، وَبِمِثْلِهِ: أَيْ بِمِثْلِ هَذَا الْحَلِفِ الْمُنْعَقِدِ عَلَى شَهْرٍ لَا يَثْبُتُ الطَّلَاقُ بِمُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لِخُلُوِّ الزَّائِدِ عَنْ الْيَمِينِ فَكَانَ كَمَنْ لَمْ يَقْرَبْهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ بِلَا يَمِينٍ، فَإِنَّهُ بِمُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَالضَّمِيرُ فِي فِيهِ قِيلَ هُوَ رَاجِعٌ إلَى الِامْتِنَاعِ وَقِيلَ إلَى الْحَلِفِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ وَبِمِثْلِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى أَكْثَرِ الْمُدَّةِ. وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَلِأَنَّ الِامْتِنَاعَ عَنْ قُرْبَانِهَا فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ بَدَلٌ فِي أَكْثَرِ الْمُدَّةِ كَانَ أَشْمَلَ لِتَنَاوُلِهِ وَضْعَ الْمَبْسُوطِ وَغَيْرَهُ (وَلَوْ قَالَ لَهَا وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك شَهْرَيْنِ وَشَهْرَيْنِ بَعْدَ هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ فَهُوَ مُولٍ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِحَرْفِ الْجَمْعِ) وَهُوَ الْوَاوُ (فَصَارَ كَجَمْعِهِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ) كَأَنَّهُ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَتَكُونُ يَمِينًا وَاحِدَةً حَيْثُ لَمْ يُفْرِدْ الْمُدَّةَ الثَّانِيَةَ بِنَفْيٍ عَلَى حِدَةٍ، فَلَوْ قَرِبَهَا فِي الْمُدَّةِ لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
(وَلَوْ مَكَثَ يَوْمًا أَوْ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك شَهْرَيْنِ بَعْدَ الشَّهْرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا لِأَنَّ الثَّانِيَ إيجَابٌ مُبْتَدَأٌ) وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعِدْ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمَعْطُوفِ وَلَا حَرْفَ النَّفْيِ وَلَمْ يَمْكُثْ بَيْنَهُمَا سَاعَةً دَخَلَ
بَعْدَ الْيَمِينِ الْأُولَى شَهْرَيْنِ وَبَعْدَ الثَّانِيَةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ إلَّا يَوْمًا مَكَثَ فِيهِ فَلَمْ تَتَكَامَلْ مُدَّةُ الْمَنْعِ.
حُكْمُ الْمَعْطُوفِ فِي حُكْمِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَأَمَّا إذَا فَاتَ أَحَدُ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ فَقَدْ كَانَ إيجَابًا مُبْتَدَأً، وَعَلَى هَذَا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ لَا يَكُونُ مُولِيًا لِفَوَاتِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ لِوُجُودِ الْمُكْثِ يَوْمًا وَإِعَادَةِ اسْمِ اللَّهِ وَحَرْفِ النَّفْيِ فَقَدْ صَارَ مَمْنُوعًا بَعْدَ الْيَمِينِ الْأُولَى شَهْرَيْنِ وَبَعْدَ الثَّانِيَةِ مُضَافًا إلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ بَعْدَ الشَّهْرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ إلَّا يَوْمًا مَكَثَ فِيهِ فَلَمْ يَتَكَامَلْ مُدَّةُ الْمَنْعِ فَلَا يَكُونُ مُولِيًا، وَيَكُونُ كَلَامُهُ يَمِينَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ يَلْزَمُهُ بِالْقُرْبَانِ كَفَّارَتَانِ.
وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك شَهْرَيْنِ وَلَا شَهْرَيْنِ لَا يَصِيرُ مُولِيًا لِأَنَّهُ بِإِعَادَةِ حَرْفِ النَّفْيِ صَارَ إيجَابًا آخَرَ وَصَارَا أَجَلَيْنِ وَتَدَاخَلَا، كَمَا لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا يَوْمًا وَلَا يَوْمَيْنِ أَنَّ الْيَمِينَ تَنْقَضِي بِيَوْمَيْنِ لِأَنَّهُ أَعَادَ كَلِمَةَ النَّفْيِ فَصَارَ الثَّانِي مُنْفَرِدًا عَنْ الْأَوَّلِ فَتَدَاخَلَ وَقْتُهُمَا بَعْدَ الِانْفِرَادِ لِأَنَّ الْوَقْتَ الْوَاحِدَ يَصْلُحُ وَقْتًا لِأَيْمَانٍ كَثِيرَةٍ، فَإِنَّ مَنْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا شَهْرًا وَلَا أَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ شَهْرًا وَلَا آكُلُ هَذَا الطَّعَامَ شَهْرًا فَمَضَى شَهْرٌ وَاحِدٌ تَنْتَهِي الْأَيْمَانُ كُلُّهَا،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَكَذَلِكَ هَاهُنَا إذَا مَضَى شَهْرَانِ فَقَدْ مَضَتْ مُدَّةُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْيَمِينَيْنِ فَيُمْكِنُهُ قُرْبَانُ امْرَأَتِهِ فِي مُدَّةِ الْإِيلَاءِ بِغَيْرِ شَيْءٍ يَلْزَمُهُ فَلَا يَصِيرُ مُولِيًا، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يُفْرِدْ مُدَّةَ الثَّانِيَةِ بِنَفْيٍ عَلَى حِدَةٍ كَانَ الْكُلُّ مُدَّةً وَاحِدَةً
(وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك سَنَةً إلَّا يَوْمًا لَمْ يَكُنْ مُولِيًا) خِلَافًا لَزُفَرَ، هُوَ يَصْرِفُ الِاسْتِثْنَاءَ إلَى آخِرِهَا اعْتِبَارًا بِالْإِجَارَةِ فَتَمَّتْ مُدَّةُ الْمَنْعِ. وَلَنَا أَنَّ الْمَوْلَى مَنْ لَا يُمْكِنُهُ الْقُرْبَانُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ إلَّا بِشَيْءٍ يَلْزَمُهُ وَهَاهُنَا يُمْكِنُهُ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى يَوْمَ مُنْكَرٌ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ لِأَنَّ الصَّرْفَ إلَى الْآخِرِ لِتَصْحِيحِهَا فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ مَعَ التَّنْكِيرِ وَلَا كَذَلِكَ الْيَمِينُ
فَكَانَ مُولِيًا
(وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك سَنَةً إلَّا يَوْمًا لَمْ يَكُنْ مُولِيًا، خِلَافًا لِزُفَرَ هُوَ يَقُولُ يُصْرَفُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى آخِرِهَا كَمَا لَوْ قَالَ آجَرْت دَارِي هَذِهِ سَنَةً إلَّا يَوْمًا فَتَمَّتْ مُدَّةُ الْمَنْعِ. وَلَنَا أَنَّ الْمُولِيَ مَنْ لَا يُمْكِنُهُ الْقُرْبَانُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ إلَّا بِشَيْءٍ يَلْزَمُهُ) وَهَذَا لَيْسَ بِصَادِقٍ عَلَى مَا نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْقُرْبَانُ (إذْ الْمُسْتَثْنَى يَوْمٌ مُنَكَّرٌ) فَمَا مِنْ يَوْمٍ يَمُرُّ عَلَيْهِ بَعْدَ يَمِينِهِ إلَّا وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَجْعَلَهُ الْيَوْمَ الْمُسْتَثْنَى فَيَقْرَبَهَا فِيهِ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يَلْزَمُهُ، وَلَا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلَى آخِرِ السَّنَةِ لِأَنَّهُ مُعَيَّنٌ فَكَانَ تَغْيِيرًا لِكَلَامِهِ مِنْ الْمُنَكَّرِ إلَى الْمُعَيَّنِ بِغَيْرِ حَاجَةٍ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ لَا تَمْنَعُ انْعِقَادَ الْيَمِينِ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ فَإِنَّ الْحَاجَةَ
(وَلَوْ قَرِبَهَا فِي يَوْمٍ وَالْبَاقِي أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ صَارَ مُولِيًا) لِسُقُوطِ الِاسْتِثْنَاءِ.
(وَلَوْ قَالَ وَهُوَ بِالْبَصْرَةِ وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ الْكُوفَةَ وَامْرَأَتُهُ بِهَا لَمْ يَكُنْ مُولِيًا) لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْقُرْبَانُ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يَلْزَمُهُ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ الْكُوفَةِ
مَاسَّةٌ إلَى الصَّرْفِ إلَى آخِرِ السَّنَةِ لِتَصْحِيحِهِ: أَيْ لِتَصْحِيحِ عَقْدِ الْإِجَارَةِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ مَعَ التَّنْكِيرِ لِلْجَهَالَةِ (وَلَوْ قَرِبَهَا فِي يَوْمٍ وَالْبَاقِي أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرُ صَارَ مُولِيًا لِسُقُوطِ الِاسْتِثْنَاءِ).
(وَلَوْ قَالَ وَهُوَ بِالْبَصْرَةِ وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ الْكُوفَةَ وَامْرَأَتُهُ بِهَا لَمْ يَكُنْ مُولِيًا لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْقُرْبَانُ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يَلْزَمُهُ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ الْكُوفَةِ) وَلَا يُشْكِلُ بِمَنْ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ وَقَالَ وَاَللَّهِ لَا يَقْرَبُهُنَّ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُولِيًا مِنْهُنَّ إنْ لَمْ يَقْرَبْهُنَّ جَمِيعًا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بِنَّ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ، مَعَ أَنَّ لَهُ أَنْ يَطَأَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إلَى أَنْ يَأْتِيَ عَلَى الثَّلَاثِ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يَلْزَمُهُ لِمَا أَنَّ الْحِنْثَ لَا يَتَعَلَّقُ بِإِجْزَاءِ الْمَحْلُوفِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْكُلِّ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدُّورَ الْأَرْبَعَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ حِنْثٍ مَا لَمْ يَدْخُلْ الْكُلَّ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ فِي مَسْأَلَةِ الْحَلِفِ عَلَى أَرْبَعِ نِسْوَةٍ بِنَفْيِ الْقُرْبَانِ مُولِيًا فِي الْحَالِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عُلِمَ أَنَّ إمْكَانَ الْقُرْبَانِ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يَلْزَمُهُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِيلَاءِ لِأَنَّهُ إنَّمَا صَارَ مُولِيًا مَعَ إمْكَانِ الْقُرْبَانِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ الْحَالِفَ ظَالِمٌ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِمَنْعِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ، كَمَا لَوْ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عَلَى الِانْفِرَادِ، إلَّا أَنَّهُ
(قَالَ: وَلَوْ حَلَفَ بِحَجٍّ أَوْ بِصَوْمٍ أَوْ بِصَدَقَةٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ فَهُوَ مُولٍ) لِتَحَقُّقِ الْمَنْعِ بِالْيَمِينِ وَهُوَ ذِكْرُ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، وَهَذِهِ الْأَجْزِيَةُ مَانِعَةٌ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمَشَقَّةِ. وَصُورَةُ الْحَلِفِ بِالْعِتْقِ أَنْ يُعَلِّقَ بِقُرْبَانِهَا عِتْقَ عَبْدِهِ، وَفِيهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ يَقُولُ: يُمْكِنُهُ الْبَيْعُ ثُمَّ الْقُرْبَانُ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَهُمَا يَقُولَانِ الْبَيْعُ مَوْهُومٌ
لَا يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِقُرْبَانِ بَعْضِهِنَّ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مُوجِبُ الْحِنْثِ فَلَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يُتِمَّ شَرْطَهُ، وَلَكِنْ عِنْدَ تَمَامِ الشَّرْطِ لَا يَكُونُ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِقُرْبَانِ الْأَخِيرَةِ فَقَطْ بَلْ بِقُرْبَانِهِنَّ جَمِيعًا.
وَأَمَّا وُقُوعُ الطَّلَاقِ فِي الْإِيلَاءِ فَبِاعْتِبَارِ الْبِرِّ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَلِهَذَا بِنَّ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ. قَالَ (وَلَوْ حَلَفَ بِحَجٍّ أَوْ بِصَوْمٍ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ فِي الْإِيلَاءِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْيَمِينِ بِغَيْرِ اللَّهِ بِذِكْرِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ بِأَنْ يُعَلِّقَ قُرْبَانَهَا بِحَجٍّ أَوْ صَوْمٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُولِيًا لِتَحَقُّقِ الْمَنْعِ بِالْيَمِينِ بِذِكْرِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ.
وَقَوْلُهُ الْبَيْعُ مَوْهُومٌ)
فَلَا يَمْنَعُ الْمَانِعِيَّةَ فِيهِ، وَالْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ أَنْ يُعَلِّقَ بِقُرْبَانِهَا طَلَاقَهَا أَوْ طَلَاقَ صَاحِبَتِهَا وَكُلُّ ذَلِكَ مَانِعٌ.
(وَإِنْ آلَى مِنْ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ كَانَ مُولِيًا، وَإِنْ آلَى مِنْ الْبَائِنَةِ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا) لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ قَائِمَةٌ فِي الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ، وَمَحَلُّ
يَعْنِي لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا يَحْدُثُ (فَلَا يَمْنَعُ الْمَانِعِيَّةَ فِيهِ) أَيْ فِي الْإِيلَاءِ، وَلَكِنْ إنْ بَاعَ الْعَبْدُ سَقَطَ الْإِيلَاءُ عَنْهُ لِأَنَّهُ صَارَ بِحَالٍ يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ، فَإِنْ اشْتَرَاهُ لَزِمَهُ الْإِيلَاءُ مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ لِأَنَّهُ صَارَ بِحَالٍ لَا يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا إلَّا بِعِتْقٍ يَلْزَمُهُ، وَلَوْ كَانَ جَامَعَهَا بَعْدَمَا بَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا لِأَنَّ الْيَمِينَ قَدْ سَقَطَتْ لِوُجُودِ شَرْطِ الْحِنْثِ بَعْدَ بَيْعِ الْعَبْدِ، وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ سَقَطَ الْإِيلَاءُ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ قُرْبَانِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ.
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ آلَى مِنْ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ) ظَاهِرٌ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْإِيلَاءَ جَزَاءُ الظُّلْمِ بِمَنْعِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ وَالْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ لَيْسَ لَهَا حَقٌّ فِي الْجِمَاعِ لَا قَضَاءً وَلَا دِيَانَةً، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا وِلَايَةُ الْمُطَالَبَةِ بِذَلِكَ حَتَّى كَانَ الْمُسْتَحَبُّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُرَاجِعَهَا بِدُونِ الْجِمَاعِ فَلَا يَكُونُ الزَّوْجُ ظَالِمًا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ جَزَاءُ الظُّلْمِ الَّذِي هُوَ الْإِيلَاءُ.
وَأَجَابَ الْعَلَّامَةُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْكَرْدَرِيُّ بِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمَنْصُوصِ مُضَافٌ إلَى النَّصِّ لَا إلَى الْمَعْنَى، وَالْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ
الْإِيلَاءِ مَنْ تَكُونُ مِنْ نِسَائِنَا بِالنَّصِّ، فَلَوْ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ سَقَطَ الْإِيلَاءُ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّيَّةِ
(وَلَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك أَوْ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَكُنْ مُولِيًا وَلَا مُظَاهِرًا) لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي مَخْرَجِهِ وَقَعَ بَاطِلًا لِانْعِدَامِ الْمَحَلِّيَّةِ فَلَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا بَعْدَ ذَلِكَ (وَإِنْ قَرِبَهَا كَفَّرَ) لِتَحَقُّقِ الْحِنْثِ إذْ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةٌ فِي حَقِّهِ
(وَ
مُدَّةُ إيلَاءِ الْأَمَةِ
شَهْرَانِ) لِأَنَّ هَذِهِ مُدَّةٌ ضُرِبَتْ أَجَلًا لِلْبَيْنُونَةِ فَتَتَنَصَّفُ بِالرِّقِّ كَمُدَّةِ الْعِدَّةِ.
(وَإِنْ كَانَ الْمُولِي مَرِيضًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْجِمَاعِ أَوْ كَانَتْ مَرِيضَةً أَوْ رَتْقَاءَ أَوْ صَغِيرَةً لَا تُجَامَعُ أَوْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَصِلَ
مِنْ نِسَائِنَا بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} وَالْبَعْلُ هُوَ الزَّوْجُ وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ نِسَائِهِ، وَكَانَ الْحُكْمُ الْمُرَتَّبُ عَلَى نِسَاءِ الْأَزْوَاجِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} مُرَتَّبًا عَلَى الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ.
(وَلَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك أَوْ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَكُنْ مُولِيًا وَلَا مُظَاهِرًا لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي مَخْرَجِهِ وَقَعَ بَاطِلًا لِانْعِدَامِ الْمَحَلِّيَّةِ) إذْ الْمَحَلُّ نِسَاؤُنَا بِالنَّصِّ فَكَانَ كَبَيْعِ الْمَيْتَةِ فَيَكُونُ بَاطِلًا (فَلَا يَنْقَلِبُ بَعْدَ ذَلِكَ صَحِيحًا، فَإِنْ قَرِبَهَا كَفَّرَ لِتَحَقُّقِ الْحِنْثِ إذْ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةٌ فِي حَقِّهِ) أَيْ فِي حَقِّ الْحِنْثِ لِأَنَّ الْيَمِينَ يَعْتَمِدُ تَصَوُّرَ الْفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ حِسًّا وَلَا يَعْتَمِدُ حِلَّهُ وَحُرْمَتَهُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَمَضَى الْيَوْمُ وَلَمْ يَشْرَبْ حَنِثَ وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ حَرَامًا مَحْضًا.
(وَمُدَّةُ إيلَاءِ الْأَمَةِ شَهْرَانِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مُدَّةُ إيلَائِهَا كَمُدَّةِ إيلَاءِ الْحُرَّةِ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لِإِظْهَارِ الظُّلْمِ بِمَنْعِ الْحَقِّ فِي الْجِمَاعِ، وَالْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ (وَلَنَا أَنَّ هَذِهِ مُدَّةٌ ضُرِبَتْ أَجَلًا لِلْبَيْنُونَةِ فَتَتَنَصَّفُ بِالرِّقِّ كَمُدَّةِ الْعِدَّةِ).
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ الْمُولِي مَرِيضًا) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا أَنَّهُ آلَى وَهُوَ صَحِيحٌ وَبَقِيَ بَعْدَ إيلَائِهِ صَحِيحًا
إلَيْهَا فِي مُدَّةِ الْإِيلَاءِ فَفَيْؤُهُ أَنْ يَقُولَ بِلِسَانِهِ فِئْت إلَيْهَا فِي مُدَّةِ الْإِيلَاءِ، فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ سَقَطَ الْإِيلَاءُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا فَيْءَ إلَّا بِالْجِمَاعِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الطَّحَاوِيُّ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَيْئًا لَكَانَ حِنْثًا. وَلَنَا أَنَّهُ آذَاهَا بِذِكْرِ الْمَنْعِ فَيَكُونُ إرْضَاؤُهَا
مِقْدَارًا يَسْتَطِيعُ فِيهِ أَنْ يُجَامِعَهَا ثُمَّ مَرِضَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَفَيْؤُهُ بِالْجِمَاعِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ آخِرُ الْمُدَّةِ وَهُوَ عَاجِزٌ عِنْدَهُ فَكَانَ كَوَاجِدِ الْمَاءِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَلَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ حَتَّى عَدِمَ الْمَاءَ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ. وَقُلْنَا: لَمَّا تَمَكَّنَ مِنْ جِمَاعِهَا فَقَدْ تَحَقَّقَ مِنْهُ الظُّلْمُ بِمَنْعِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ فَلَا يَكُونُ رُجُوعُهُ إلَّا بِإِبْقَاءِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ آلَى وَهُوَ مَرِيضٌ وَتَمَّ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَهُوَ مَرِيضٌ وَفَيْؤُهُ أَنْ يَقُولَ بِلِسَانِهِ فِئْت إلَيْهَا؛ فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ سَقَطَ الْإِيلَاءُ عِنْدَنَا (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا فَيْءَ إلَّا بِالْجِمَاعِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الطَّحَاوِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَيْئًا لَكَانَ حِنْثًا) لِأَنَّ الْفَيْءَ يَسْتَلْزِمُ حُكْمَيْنِ: وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ وَانْتِفَاءَ الْفُرْقَةِ. ثُمَّ الْفَيْءُ بِاللِّسَانِ لَا يُعْتَبَرُ فِي أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ فَكَذَلِكَ فِي الْآخَرِ (وَلَنَا أَنَّهُ آذَاهَا بِذِكْرِ الْمَنْعِ) لِأَنَّ الزَّوْجَ إذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْجِمَاعِ حَالَ الْإِيلَاءِ لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ الْإِضْرَارَ بِمَنْعِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ إذْ لَا حَقَّ لَهَا فِيهِ حِينَئِذٍ وَإِنَّمَا قَصْدُهُ الْإِيحَاشُ بِاللِّسَانِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ ظُلْمٌ يَرْتَفِعُ بِاللِّسَانِ، وَإِذَا أَرْضَاهَا بِاللِّسَانِ ارْتَفَعَ الظُّلْمُ لِأَنَّ
بِالْوَعْدِ بِاللِّسَانِ، وَإِذَا ارْتَفَعَ الظُّلْمُ لَا يُجَازَى بِالطَّلَاقِ (وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الْجِمَاعِ فِي الْمُدَّةِ بَطَلَ ذَلِكَ الْفَيْءُ وَصَارَ فَيْؤُهُ بِالْجِمَاعِ) لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْحَلِفِ.
(وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ سُئِلَ عَنْ نِيَّتِهِ)، فَإِنْ قَالَ أَرَدْت الْكَذِبَ فَهُوَ كَمَا قَالَ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ، وَقِيلَ لَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ
التَّوْبَةَ بِحَسَبِ الْجِنَايَةِ فَلَا يُجَازَى بِالطَّلَاقِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ فَيْئًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنْ تَجِبَ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهَا جَزَاءُ الْحِنْثِ، وَالْحِنْثُ لَا يَتَحَقَّقُ بِالْفَيْءِ بِاللِّسَانِ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ الْمُولِي مَرِيضًا وَقْتَ الْإِيلَاءِ وَجَبَ أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ الْإِيلَاءُ لِعَدَمِ الظُّلْمِ بِمَنْعِ حَقِّهَا إذْ لَيْسَ لَهَا حَقٌّ فِي الْجِمَاعِ إذْ ذَاكَ، فَالْجَوَابُ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْعَلَّامَةِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْكَرْدَرِيِّ، وَقَدْ ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبُيُوعِ.
وَالثَّالِثُ أَنَّهُ آلَى وَهُوَ مَرِيضٌ وَقَدَرَ عَلَى الْجِمَاعِ فِي الْمُدَّةِ وَفَيْؤُهُ بِالْجِمَاعِ سَوَاءٌ كَانَ فَاءَ إلَيْهَا فِي مَرَضِهِ بِالْقَوْلِ أَوْ لَمْ يَفِئْ، أَمَّا إذَا لَمْ يَفِئْ فَظَاهِرٌ وَكَذَلِكَ إذَا فَاءَ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْحَلِفِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْمُولِي إذَا كَانَ مَرِيضًا حَالَ الْإِيلَاءِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي فَيْئِهِ الْجِمَاعُ لِمَا ذَكَرْنَا آنِفًا أَنَّهُ آذَاهَا بِذِكْرِ الْمَنْعِ فَيَكُونُ إرْضَاؤُهَا بِالْوَعْدِ بِاللِّسَانِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَرَضَ قَدْ يَطُولُ وَقَدْ يَقْصُرُ، فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَقْصُرَ عَنْ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ وَيَقْدِرَ عَلَى الْجِمَاعِ صَارَ ظَالِمًا بِمَنْعِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ قَصْدَهُ فِي الِابْتِدَاءِ لَمْ يَكُنْ إلَّا مَنْعُ الْحَقِّ بِالْجِمَاعِ. وَالْأَصْلُ فِي الْفَيْءِ حِينَئِذٍ الْجِمَاعُ، وَلَكِنْ فِي إطْلَاقِ الْحَلِفِ بَعْضُ تَسَامُحٍ عَلَى قَوَدِ كَلَامِهِ فَتَأَمَّلْ.
(وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ سُئِلَ عَنْ نِيَّتِهِ) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا لَا يَمْتَازُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ إلَّا بِالْإِرَادَةِ (فَإِنْ قَالَ أَرَدْت الْكَذِبَ فَهُوَ كَمَا قَالَ) لَا يَقَعُ طَلَاقٌ وَلَا يَكُونُ بِالنِّيَّةِ إيلَاءً وَلَا ظِهَارًا (لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ) لِأَنَّ الْمَرْأَةَ كَانَتْ حَلَالًا لَهُ، فَقَوْلُهُ أَنْتِ حَرَامٌ خَبَرٌ لَيْسَ بِمُطَابِقٍ لِلْوَاقِعِ فَيَكُونُ كَذِبًا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْكَذِبَ إذَا كَانَ حَقِيقَةَ كَلَامِهِ وَجَبَ أَنْ يَنْصَرِفَ إلَيْهِ، وَلَا يَنْصَرِفُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا بِقَرِينَةٍ أَوْ نِيَّةٍ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ لَا تَحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (وَقِيلَ لَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ) ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ وَالْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرَيْهِمَا أَنَّ
لِأَنَّهُ يَمِينٌ ظَاهِرًا (وَإِنْ قَالَ أَرَدْت الطَّلَاقَ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الثَّلَاثَ) وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْكِنَايَاتِ (وَإِنْ قَالَ أَرَدْت الظِّهَارَ فَهُوَ ظِهَارٌ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَيْسَ بِظِهَارٍ لِانْعِدَامِ التَّشْبِيهِ بِالْمُحَرَّمَةِ وَهُوَ الرُّكْنُ فِيهِ. وَلَهُمَا أَنَّهُ أَطْلَقَ الْحُرْمَةَ وَفِي الظِّهَارِ نَوْعُ حُرْمَةٍ وَالْمُطْلَقُ يَحْتَمِلُ الْمُقَيَّدَ (وَإِنْ قَالَ أَرَدْت التَّحْرِيمَ أَوْ لَمْ أُرِدْ بِهِ شَيْئًا فَهُوَ يَمِينٌ يَصِيرُ بِهِ مُولِيًا)
الْقَاضِيَ لَا يُصَدِّقُهُ فِي إبْطَالِ الْإِيلَاءِ (لِأَنَّهُ يَمِينٌ ظَاهِرًا) لِكَوْنِهِ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ كَمَا نَذْكُرُهُ (وَإِنْ قَالَ أَرَدْت الطَّلَاقَ) فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا مِنْ الْعَدَدِ أَوْ نَوَى وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ (فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَإِنْ نَوَى الثَّلَاثَ فَثَلَاثٌ) لِأَنَّهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهَا (وَإِنْ قَالَ أَرَدْت الظِّهَارَ فَهُوَ ظِهَارٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَيْسَ بِظِهَارٍ) نَقَلَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ عَنْ النَّوَادِرِ. لِمُحَمَّدٍ أَنَّ الظِّهَارَ تَشْبِيهُ الْمُحَلَّلَةِ بِالْمُحَرَّمَةِ وَهُوَ الرُّكْنُ فِيهِ وَلَا تَشْبِيهَ هَاهُنَا فَلَا يَكُونُ ظِهَارًا (وَلَهُمَا أَنَّهُ أَطْلَقَ الْحُرْمَةَ) وَهِيَ تَحْتَمِلُ أَنْوَاعًا، وَالظِّهَارُ نَوْعٌ مِنْهَا فَيَكُونُ مِنْ مُحْمَلَاتِ مُطْلَقِ الْحُرْمَةِ، وَمَنْ نَوَى مُحْتَمَلَ كَلَامِهِ صُدِّقَ (وَإِنْ قَالَ أَرَدْت التَّحْرِيمَ أَوْ لَمْ أُرِدْ شَيْئًا فَهُوَ يَمِينٌ يَصِيرُ بِهِ مُولِيًا)
لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي تَحْرِيمِ الْحَلَالِ إنَّمَا هُوَ يَمِينٌ عِنْدَنَا وَسَنَذْكُرُهُ فِي الْأَيْمَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ يَصْرِفُ لَفَظَّةَ التَّحْرِيمِ إلَى الطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ بِحُكْمِ الْعُرْفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
فَإِنْ قَرِبَهَا كَفَّرَ، وَإِنْ لَمْ يَقْرَبْهَا حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ بَانَتْ مِنْهُ بِالْإِيلَاءِ. أَمَّا إذَا أَرَادَ التَّحْرِيمَ (فَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي تَحْرِيمِ الْحَلَالِ إنَّمَا هُوَ الْيَمِينُ عِنْدَنَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} إلَى قَوْلِهِ {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} وَأَمَّا إذَا لَمْ يُرِدْ شَيْئًا فَلِأَنَّ الْحُرْمَةَ الثَّابِتَةَ بِالْيَمِينِ أَدْنَى الْحُرُمَاتِ لِأَنَّ فِي الْإِيلَاءِ الْوَطْءَ حَلَالٌ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ وَفِي الظِّهَارِ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ الْحُرْمَةَ فِي الْإِيلَاءِ لَا تَثْبُتُ فِي الْحَالِ مَا لَمْ تَنْقَضِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَفِي الظِّهَارِ تَثْبُتُ فِي الْحَالِ. وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الطَّلَاقُ وَقَعَ بَائِنًا وَيُحَرِّمُ الْوَطْءَ وَالْإِيلَاءُ لَا يُحَرِّمُ الْوَطْءَ، فَلَمَّا كَانَتْ حُرْمَةُ الْيَمِينِ أَدْنَى الْحُرُمَاتِ تَعَيَّنَتْ لِتَيَقُّنِهَا، وَسَيَجِيءُ الْكَلَامُ فِيهِ فِي الْأَيْمَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ يَصْرِفُ لَفْظَ التَّحْرِيمِ إلَى الطَّلَاقِ بِدُونِ النِّيَّةِ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ وَأَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ سَعِيدٍ: قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: وَبِهِ نَأْخُذُ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَانِنَا هَذَا أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِهَذَا اللَّفْظِ الطَّلَاقَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(بَابُ الْخُلْعِ)
بَابُ الْخُلْعِ)
:
أَخَّرَ الْخُلْعَ عَنْ الْإِيلَاءِ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْإِيلَاءَ لِتَجَرُّدِهِ عَنْ الْمَالِ كَانَ أَقْرَبَ إلَى الطَّلَاقِ، بِخِلَافِ الْخُلْعِ فَإِنَّ فِيهِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ مِنْ جَانِبِ الْمَرْأَةِ.
وَالثَّانِي أَنَّ مَبْنَى الْإِيلَاءِ نُشُوزٌ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ، وَالْخُلْعُ نُشُوزٌ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ غَالِبًا فَقَدَّمَ مَا بِالرَّجُلِ عَلَى مَا بِالْمَرْأَةِ، وَالْخُلْعُ بِالضَّمِّ اسْمٌ مِنْ قَوْلِهِمْ خَالَعَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا وَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ بِمَالِهَا. وَهُوَ
(وَإِذَا تَشَاقَّ الزَّوْجَانِ وَخَافَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ تَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ بِمَالٍ يَخْلَعُهَا بِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} (فَإِذَا فَعَلَا ذَلِكَ وَقَعَ بِالْخُلْعِ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ وَلَزِمَهَا الْمَالُ) لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «الْخُلْعُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ»
فِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ أَخْذِ مَالٍ مِنْ الْمَرْأَةِ بِإِزَاءِ مِلْكِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْخُلْعِ. وَشَرْطُهُ شَرْطُ الطَّلَاقِ. وَحُكْمُهُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ. وَصِفَتُهُ أَنَّهُ مِنْ جَانِبِ الْمَرْأَةِ مُعَاوَضَةٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَمِينٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ عِنْدَهُمَا عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُ ثَمَرَةِ الْخِلَافِ (إذَا تَشَاقَّ الزَّوْجَانِ) أَيْ تَخَاصَمَا وَصَارَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي شِقٍّ: أَيْ جَانِبٍ (وَخَافَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) أَيْ مَا يَلْزَمُهُمَا مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ (فَلَا بَأْسَ بِأَنْ تَفْتَدِيَ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مِنْهُ بِمَالٍ) تَبْذُلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} أَيْ فَلَا جُنَاحَ عَلَى الرَّجُلِ فِيمَا أَخَذَ وَلَا عَلَى الْمَرْأَةِ فِيمَا أَعْطَتْ، سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى مَا أَعْطَتْهُ فِدَاءً مِنْ فَدَاهُ مِنْ الْأَسْرِ: إذَا اسْتَنْقَذَهُ لِمَا أَنَّ النِّسَاءَ عَوَانٌ عِنْدَ الْأَزْوَاجِ بِالْحَدِيثِ وَكَانَ الْمَالُ الَّذِي يُعْطَى فِي تَخْلِيصِهِنَّ فِدَاءً (فَإِذَا فَعَلَا ذَلِكَ وَقَعَ طَلَاقٌ بَائِنٌ وَلَزِمَهَا الْمَالُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «الْخُلْعُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ») رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِمْ وَمَرْفُوعًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ حَتَّى صَارَ مِنْ الْكِنَايَاتِ، وَالْوَاقِعُ بِالْكِنَايَةِ بَائِنٌ
وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ حَتَّى صَارَ مِنْ الْكِنَايَاتِ) فَإِذَا قَالَ خَالَعْتُكِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْعِوَضَ وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ وَقَعَ (وَالْوَاقِعُ بِالْكِنَايَةِ بَائِنٌ) فَإِذَا قِيلَ لَوْ صَارَ
إلَّا أَنْ ذِكْرَ الْمَالِ أَغْنَى عَنْ النِّيَّةِ هُنَا، وَلِأَنَّهَا لَا تُسْلِمُ الْمَالَ إلَّا لِتَسْلَمَ لَهَا نَفْسُهَا وَذَلِكَ بِالْبَيْنُونَةِ.
(وَإِنْ كَانَ النُّشُوزُ مِنْ قِبَلِهِ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا عِوَضًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ} إلَى أَنْ قَالَ {فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} وَلِأَنَّهُ أَوْحَشَهَا بِالِاسْتِبْدَالِ فَلَا يَزِيدُ فِي وَحْشَتِهَا بِأَخْذِ الْمَالِ
مِنْ الْكِنَايَاتِ لَكَانَتْ النِّيَّةُ شَرْطًا وَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (إلَّا أَنَّ ذِكْرَ الْمَالِ أَغْنَى عَنْ النِّيَّةِ هَاهُنَا) وَقَدْ قِيلَ فِي بَيَانِهِ إنَّ الْخُلْعَ يَحْتَمِلُ الِانْخِلَاعَ عَنْ اللِّبَاسِ أَوْ عَنْ الْخَيْرَاتِ أَوْ عَنْ النِّكَاحِ، فَلَمَّا ذَكَرَ الْعِوَضَ تَعَيَّنَ الِانْخِلَاعُ عَنْ النِّكَاحِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ (وَلِأَنَّهَا لَا تُسَلِّمُ الْمَالَ إلَّا لِتَسْلَمَ لَهَا نَفْسُهَا وَذَلِكَ بِالْبَيْنُونَةِ).
قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ النُّشُوزُ مِنْ قِبَلِهِ) يُقَالُ نَشَزَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا فَهِيَ نَاشِزَةٌ: إذَا اسْتَعْصَتْ عَلَيْهِ أَوْ أَبْغَضَتْهُ. وَعَنْ الزَّجَّاجِ: النُّشُوزُ يَكُونُ مِنْ الزَّوْجَيْنِ وَهِيَ كَرَاهَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ (يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عِوَضًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} فَإِنْ قِيلَ: النَّهْيُ وَرَدَ عَنْ فِعْلٍ حِسِّيٍّ وَهُوَ الْأَخْذُ وَمِثْلُهُ يَقْتَضِي عَدَمَ الْمَشْرُوعِيَّةِ، ثُمَّ هُوَ مُؤَكَّدٌ بِتَوَاكِيدَ هِيَ قَوْلُهُ {أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} . {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} فَكَيْفَ الْجَوَازُ مَعَ الْكَرَاهَةِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ النَّهْيَ وَإِنْ وَرَدَ عَنْ فِعْلٍ حِسِّيٍّ وَلَكِنَّهُ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ وَهُوَ زِيَادَةُ الْإِيحَاشِ فَلَا يَعْدَمُ الْمَشْرُوعِيَّةَ فِي نَفْسِهِ
(وَإِنْ كَانَ النُّشُوزُ مِنْهَا كَرِهْنَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا) وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ طَابَ الْفَضْلُ أَيْضًا لِإِطْلَاقِ مَا تَلَوْنَا بَدْءًا. وَوَجْهُ الْأُخْرَى قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم فِي امْرَأَةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شِمَاسٍ «أَمَّا الزِّيَادَةُ فَلَا»
كَمَا فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «لَا تَتَّخِذُوا الدَّوَابَّ كَرَاسِيَّ» وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِدَلِيلِهِ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ أَوْحَشَهَا بِالِاسْتِبْدَالِ فَلَا يَزِيدُ فِي وَحْشَتِهَا بِأَخْذِ الْمَالِ (وَإِنْ كَانَ النُّشُوزُ مِنْهَا كَرِهْنَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: طَابَ الْفَضْلُ أَيْضًا لِإِطْلَاقِ مَا تَلَوْنَا بَدْءًا): أَيْ أَوَّلًا، يَعْنِي قَوْله تَعَالَى {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} فَإِنَّهُ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ الْفَضْلِ وَغَيْرِهِ (وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى) أَيْ رِوَايَةِ الْقُدُورِيِّ وَهِيَ رِوَايَةُ كِتَابِ الطَّلَاقِ فِي الْأَصْلِ (قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم فِي امْرَأَةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ بْنِ شَمَّاسٍ " أَمَّا الزِّيَادَةُ فَلَا ") وَقِصَّتُهَا مَا رُوِيَ
وَقَدْ كَانَ النُّشُوزُ مِنْهَا (وَلَوْ أَخَذَ الزِّيَادَةَ جَازَ فِي الْقَضَاءِ) وَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَ وَالنُّشُوزُ مِنْهُ لِأَنَّ مُقْتَضَى مَا تَلَوْنَا شَيْئَانِ الْجَوَازُ حُكْمًا وَالْإِبَاحَةُ، وَقَدْ تُرِكَ الْعَمَلُ فِي حَقِّ الْإِبَاحَةِ لِمُعَارِضٍ فَبَقِيَ مَعْمُولًا فِي الْبَاقِي.
«أَنَّ جَمِيلَةَ بِنْتَ سَلُولَ كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، فَجَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: لَا أَعْتِبُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلَا فِي خُلُقٍ، وَلَكِنِّي أَخْشَى الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ لِشِدَّةِ بُغْضِي إيَّاهُ، فَقَالَ: أَتَرُدِّينَ إلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ فَقَالَتْ نَعَمْ وَزِيَادَةً، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الزِّيَادَةُ فَلَا» (وَكَانَ النُّشُوزُ مِنْهَا) بِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ، فَكَانَ قَوْلُهُ " أَمَّا الزِّيَادَةُ فَلَا " يَنْفِي إبَاحَةَ أَخْذِ الْفَضْلِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَإِذَا انْتَفَى الْإِبَاحَةُ كَانَ مَكْرُوهًا (وَلَوْ أَخَذَ الزِّيَادَةَ جَازَ فِي الْقَضَاءِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَ وَالنُّشُوزُ مِنْهُ لِأَنَّ مُقْتَضَى مَا تَلَوْنَا) مِنْ قَوْله تَعَالَى {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} (شَيْئَانِ: الْجَوَازُ حُكْمًا) أَيْ جَوَازُ أَخْذِ الزِّيَادَةِ فِي الْقَضَاءِ (وَالْإِبَاحَةُ) أَيْ إبَاحَةُ أَخْذِ الزِّيَادَةِ هَكَذَا فَسَّرَ الشَّارِحُونَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ رحمه الله وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ بِأَنَّ كُلَّ مُبَاحٍ جَائِزٌ دُونَ الْعَكْسِ، لِأَنَّ الْجَوَازَ ضِدُّ الْحُرْمَةِ وَالْإِبَاحَةَ ضِدُّ الْكَرَاهَةِ.
فَإِذَا انْتَفَى الْجَوَازُ ثَبَتَ ضِدُّهُ وَهُوَ الْحُرْمَةُ فَتَنْتَفِي الْإِبَاحَةُ أَيْضًا، وَإِذَا انْتَفَتْ الْإِبَاحَةُ ثَبَتَ ضِدُّهَا وَهُوَ الْكَرَاهَةُ، وَلَا يَنْتَفِي بِهِ الْجَوَازُ لِجَوَازِ اجْتِمَاعِ الْجَوَازِ مَعَ الْكَرَاهَةِ (وَقَدْ تُرِكَ) يَعْنِي مَا تَلَوْنَا (فِي حَقِّ الْإِبَاحَةِ لِمُعَارِضٍ) وَهُوَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم " أَمَّا الزِّيَادَةُ فَلَا " لِكَوْنِهِ نَهْيًا لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ وَهُوَ زِيَادَةُ الْإِيحَاشِ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ لَا يَعْدَمُ الْمَشْرُوعِيَّةَ (فَبَقِيَ مَعْمُولًا فِي الْبَاقِي) وَهُوَ الْجَوَازُ. وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ الرَّدِّ، وَكَلَامُنَا فِي كَرَاهِيَةِ الْأَخْذِ فَلَيْسَ الْحَدِيثُ مُتَّصِلًا بِمَحَلِّ النِّزَاعِ. وَالثَّانِي أَنَّ الْحَدِيثَ خَبَرُ وَاحِدٍ وَهُوَ لَا يُعَارِضُ الْكِتَابَ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الرَّدَّ إذَا كَانَ غَيْرَ مُبَاحٍ وَهِيَ نَاشِزَةٌ فَكَانَ الْأَخْذُ مِنْهَا وَهُوَ غَيْرُ نَاشِزٍ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ مُبَاحًا فَكَانَ مُتَّصِلًا بِمَحَلِّ النِّزَاعِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْمُعَارِضَ لِلْكِتَابِ إذَا أَخَذَ أَبَانَ وَهُوَ نَاشِزٌ قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ} إلَى قَوْلِهِ {فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} وَالْكِتَابُ يَجُوزُ أَنْ
(وَإِنْ طَلَّقَهَا عَلَى مَالٍ فَقَبِلَتْ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَلَزِمَهَا الْمَالُ) لِأَنَّ الزَّوْجَ يَسْتَبِدُّ بِالطَّلَاقِ تَنْجِيزًا وَتَعْلِيقًا وَقَدْ عَلَّقَهُ بِقَبُولِهَا، وَالْمَرْأَةُ تَمْلِكُ الْتِزَامَ الْمَالِ لِوِلَايَتِهَا عَلَى نَفْسِهَا، وَمِلْكِ النِّكَاحِ مِمَّا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالًا
يُعَارِضَ الْكِتَابَ، وَإِذَا عُورِضَ الْكِتَابُ بِالْكِتَابِ جَازَ بَعْدَهُ أَنْ يُعَارَضَ بِالْخَبَرِ فَكَانَ الْحَدِيثُ مُعَارِضًا لِلْكِتَابِ بَعْدَ مُعَارَضَةِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ فَكَانَتْ جَائِزَةً.
(وَإِنْ طَلَّقَهَا عَلَى مَالٍ) مِثْلَ أَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ (فَقَبِلَتْ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَلَزِمَ الْمَالُ) لِأَنَّ هَذَا تَصَرُّفَ مُعَاوَضَةٍ يَعْتَمِدُ أَهْلِيَّةَ الْمُتَعَاوِضَيْنِ وَصَلَاحِيَةَ
كَالْقِصَاصِ (وَكَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا) لِمَا بَيَّنَّا وَلِأَنَّهُ مُعَاوَضَةُ الْمَالِ بِالنَّفْسِ وَقَدْ مَلَكَ الزَّوْجُ أَحَدَ الْبَدَلَيْنِ فَتَمْلِكُ هِيَ الْآخَرَ وَهِيَ النَّفْسُ تَحْقِيقًا لِلْمُسَاوَاةِ.
قَالَ (وَإِنْ بَطَلَ الْعِوَضُ فِي الْخُلْعِ مِثْلَ أَنْ يُخَالِعَ الْمُسْلِمُ عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مَيْتَةٍ فَلَا شَيْءَ لِلزَّوْجِ وَالْفُرْقَةُ بَائِنَةٌ، وَإِنْ بَطَلَ الْعِوَضُ فِي الطَّلَاقِ كَانَ رَجْعِيًّا) فَوُقُوعُ الطَّلَاقِ فِي الْوَجْهَيْنِ لِلتَّعْلِيقِ بِالْقَبُولِ وَافْتِرَاقُهُمَا فِي الْحُكْمِ لِأَنَّهُ لَمَّا بَطَلَ الْعِوَضُ كَانَ الْعَامِلُ فِي الْأَوَّلِ لَفْظُ الْخُلْعِ وَهُوَ كِنَايَةٌ، وَفِي الثَّانِي الصَّرِيحُ وَهُوَ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ لِلزَّوْجِ شَيْءٌ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا مَا سَمَّتْ مَالًا مُتَقَوِّمًا حَتَّى تَصِيرَ غَارَّةٌ لَهُ، وَلِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَى إيجَابِ الْمُسَمَّى لِلْإِسْلَامِ وَلَا إلَى إيجَابِ غَيْرِهِ لِعَدَمِ الِالْتِزَامِ،
الْمَحَلِّ وَالْكُلُّ حَاصِلٌ، أَمَّا أَهْلِيَّةُ الزَّوْجِ فَلِأَنَّهُ يَسْتَبِدُّ بِالطَّلَاقِ تَنْجِيزًا وَتَعْلِيقًا لَا مَحَالَةَ، وَقَدْ عَلَّقَهُ بِقَبُولِهَا بِدَلَالَةِ مَقَامِ الْمُعَاوَضَةِ فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهِ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَبُولِ، وَأَمَّا أَهْلِيَّةُ الْمَرْأَةِ فَلِأَنَّهَا تَمْلِكُ الْتِزَامَ الْمَالِ لِوِلَايَتِهَا عَلَى نَفْسِهَا، وَأَمَّا صَلَاحِيَةُ الْمَحَلِّ فَلِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ مِمَّا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالًا كَالْقِصَاصِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَجَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ وَالْجَامِعُ وُجُودُ الْتِزَامٍ مِنْ أَهْلِهِ، كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ (وَإِذَا وَقَعَ الطَّلَاقُ كَانَ بَائِنًا لِمَا بَيَّنَّا) أَنَّهَا لَا تُسَلِّمُ الْمَالَ إلَّا لِتَسْلَمَ لَهَا نَفْسُهَا (وَلِأَنَّهُ مُعَاوَضَةُ الْمَالِ بِالنَّفْسِ وَقَدْ مَلَكَ الزَّوْجُ أَحَدَ الْبَدَلَيْنِ فَتَمْلِكُ الزَّوْجَةُ الْبَدَلَ الْآخَرَ وَهُوَ النَّفْسُ تَحْقِيقًا لِلْمُسَاوَاةِ).
(قَالَ: وَإِنْ بَطَلَ الْعِوَضُ فِي الْخُلْعِ) إذَا خَالَعَ الْمُسْلِمُ امْرَأَتَهُ عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مَيْتَةٍ فَلَا شَيْءَ لِلزَّوْجِ لِبُطْلَانِ الْعِوَضِ الْمُسَمَّى وَالْفُرْقَةُ بَائِنَةٌ، وَإِنْ طَلَّقَهَا عَلَى ذَلِكَ وَهِيَ مَدْخُولٌ بِهَا وَلَمْ يَكُنْ الطَّلَاقُ الْوَاقِعُ الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَالطَّلَاقُ رَجْعِيٌّ، أَمَّا الِاشْتِرَاكُ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ عَلَّقَهُ بِقَبُولِهَا وَقَدْ قَبِلَتْ، وَأَمَّا الِافْتِرَاقُ بَيْنَهُمَا بِالْبَيْنُونَةِ وَالرَّجْعَةِ فَلِأَنَّهُ لَمَّا بَطَلَ الْعِوَضُ كَانَ الْعَامِلُ فِي الْأَوَّلِ لَفْظَ الْخُلْعِ وَهُوَ كِنَايَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْوَاقِعُ بِهَا بَائِنٌ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ لَيْسَتْ مِنْهَا، وَفِي الثَّانِي الصَّرِيحُ وَهُوَ يَعْقُبُ الرَّجْعَةَ
بِخِلَافِ مَا إذَا خَالَعَ عَلَى خَلٍّ بِعَيْنِهِ فَظَهَرَ أَنَّهُ خَمْرٌ لِأَنَّهَا سَمَّتْ مَالًا فَصَارَ مَغْرُورًا، وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَاتَبَ أَوْ أَعْتَقَ عَلَى خَمْرٍ حَيْثُ تَجِبُ قِيمَةُ الْعَبْدِ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَوْلَى فِيهِ مُتَقَوِّمٌ وَمَا رَضِيَ بِزَوَالِهِ مَجَّانًا،
وَأَمَّا عَدَمُ وُجُوبِ شَيْءٍ عَلَيْهَا لِلزَّوْجِ فَلِأَنَّهَا مَا سَمَّتْ مَالًا مُتَقَوِّمًا لِتَصِيرَ غَارَّةً لَهُ، وَلِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِإِلْزَامِ الْمُسَمَّى لِامْتِنَاعِ الْمُسْلِمِ عَنْ تَسْلِيمِهِ وَتَسَلُّمِهِ وَلَا إلْزَامِ غَيْرِهِ لِعَدَمِ الِالْتِزَامِ بِهِ (بِخِلَافِ مَا إذَا خَالَعَ عَلَى خَلٍّ بِعَيْنِهِ فَظَهَرَ خَمْرًا) فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ عَلَيْهَا رَدُّ الْمَهْرِ الَّذِي أَخَذَتْهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَعِنْدَهُمَا كَيْلٌ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ خَلٍّ وَسَطٍ، وَهَذَا وَالصَّدَاقُ سَوَاءٌ لِأَنَّهَا سَمَّتْ مَالًا وَغَرَّتْهُ بِذَلِكَ فَكَانَتْ ضَامِنَةً لِأَنَّ التَّغْرِيرَ فِي ضِمْنِ الْعَقْدِ يُوجِبُ الضَّمَانَ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا كَاتَبَ أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى خَمْرٍ حَيْثُ تَكُونُ الْكِتَابَةُ فَاسِدَةً وَإِنْ أَدَّاهَا عَتَقَ وَعَلَى الْعَبْدِ قِيمَتُهُ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَاتَبَ أَوْ أَعْتَقَ عَلَى خَمْرٍ حَيْثُ تَجِبُ قِيمَةُ الْعَبْدِ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَوْلَى فِيهِ) أَيْ فِي الْعَبْدِ (مُتَقَوِّمٌ) حَتَّى لَوْ غُصِبَ وَجَبَتْ الْقِيمَةُ عَلَى الْغَاصِبِ (وَمَا رَضِيَ بِزَوَالِهِ مَجَّانًا) فَلَمَّا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَسْلِيمِ الْبَدَلِ لِعَدَمِ تَقَوُّمِهِ
أَمَّا مِلْكُ الْبِضْعِ فِي حَالَةِ الْخُرُوجِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ عَلَى مَا نَذْكُرُ، وَبِخِلَافِ النِّكَاحِ لِأَنَّ الْبِضْعَ فِي حَالَةِ الدُّخُولِ مُتَقَوِّمٌ، وَالْفِقْهُ أَنَّهُ شَرِيفٌ فَلَمْ يَشْرَعْ تَمَلُّكَهُ إلَّا بِعِوَضٍ إظْهَارًا لِشَرَفِهِ، فَأَمَّا الْإِسْقَاطُ فَنَفْسُهُ شَرَفٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى إيجَابِ الْمَالِ.
قَالَ (وَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا جَازَ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا فِي الْخُلْعِ) لِأَنَّ مَا يَصْلُحُ عِوَضًا لِلْمُتَقَوِّمِ
لَزِمَ قِيمَةُ الْمُبْدَلِ وَهُوَ الرَّقَبَةُ الْمُتَقَوِّمَةُ (أَمَّا مِلْكُ الْبُضْعِ فِي حَالَةِ الْخُرُوجِ فَغَيْرُ مُتَقَوِّمٍ عَلَى مَا يُذْكَرُ) بُعَيْدَ هَذَا بِقَوْلِهِ " وَالْفِقْهُ " فَلَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ، وَهَذَا الْجَوَابُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَبْدِ ظَاهِرٌ كَمَا تَرَى، وَكَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُكَاتَبِ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَوْلَى لَمَّا كَانَ فِيهِ مُتَقَوِّمًا لَمْ يَرْضَ بِزَوَالِهِ بِلَا بَدَلٍ، وَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ الْبَدَلُ فَسَدَتْ الْكِتَابَةُ، وَأَمَّا مِلْكُ الْبُضْعِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مُتَقَوِّمًا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ بُطْلَانِ الْبَدَلِ فَسَادُ الْخُلْعِ، وَإِنَّمَا عَتَقَ الْمُكَاتَبُ إذَا أَدَّى الْخَمْرَ الْمُسَمَّاةَ لِأَنَّ فِي الْكِتَابَةِ تَعْلِيقَ الْعِتْقِ بِأَدَاءِ الْمُسَمَّى وَقَدْ وُجِدَ الشَّرْطُ فَيَقَعُ الْمَشْرُوطُ. قِيلَ وَفِي قَوْلِهِ عَلَى خَمْرٍ تَلْوِيحٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ كَاتَبَ عَلَى مَيْتَةٍ أَوْ دَمٍ فَالْكِتَابَةُ بَاطِلَةٌ، حَتَّى لَوْ أَدَّى لَمْ يَعْتِقْ وَلَا تَجِبُ الْقِيمَةُ. وَقَوْلُهُ (وَبِخِلَافِ النِّكَاحِ) لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخُلْعِ حَيْثُ صَحَّ وَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ وَالْخُلْعُ صَحَّ وَلَمْ يَجِبْ شَيْءٌ (لِأَنَّ الْبُضْعَ فِي حَالَةِ الدُّخُولِ مُتَقَوِّمٌ) وَلِهَذَا إذَا تَزَوَّجَ الْمَرِيضُ امْرَأَةً بِمَهْرِ مِثْلِهَا كَانَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ (وَالْفِقْهُ) مَا ذَكَرَهُ وَهُوَ وَاضِحٌ.
قَالَ (وَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا فِي النِّكَاحِ جَازَ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا فِي الْخُلْعِ) كُلُّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا فِي النِّكَاحِ جَازَ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا فِي الْخُلْعِ وَلَا يَنْعَكِسُ (لِأَنَّ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا لِلْمُتَقَوِّمِ
أَوْلَى أَنْ يَصْلُحَ عِوَضًا لِغَيْرِ الْمُتَقَوِّمِ.
(فَإِنْ قَالَتْ لَهُ خَالِعْنِي عَلَى مَا فِي يَدِي فَخَالَعَهَا فَلَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهَا) لِأَنَّهَا لَمْ تَغُرُّهُ بِتَسْمِيَةِ الْمَالِ (وَإِنْ قَالَتْ خَالِعْنِي عَلَى مَا فِي يَدِي مِنْ مَالٍ فَخَالَعَهَا فَلَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا شَيْءٌ رَدَّتْ عَلَيْهِ مَهْرَهَا) لِأَنَّهَا لَمَّا سَمَّتْ مَالًا لَمْ يَكُنْ الزَّوْجُ رَاضِيًا بِالزَّوَالِ إلَّا بِعِوَضٍ، وَلَا وَجْهَ إلَى إيجَابِ الْمُسَمَّى وَقِيمَتِهِ لِلْجَهَالَةِ وَلَا إلَى قِيمَةِ الْبِضْعِ: أَعْنِي مَهْرَ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ حَالَةَ الْخُرُوجِ فَتَعَيَّنَ إيجَابُ مَا قَامَ بِهِ عَلَى الزَّوْجِ
دَفْعًا لِلضَّرَرِ
عَنْهُ
أَوْلَى أَنْ يَصْلُحَ عِوَضًا لِغَيْرِهِ) وَلَا يَنْعَكِسُ، فَإِذَا اخْتَلَعَتْ مِنْهُ عَلَى مَا فِي بُطُونِ غَنَمِهَا جَازَ، وَلَهُ مَا فِي بُطُونِ غَنَمِهَا وَقْتَ الْخُلْعِ دُونَ مَا حَدَثَ بَعْدَهُ. وَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى مَا فِي بُطُونِ غَنَمِهِ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِكَوْنِ مَا فِي الْبَطْنِ لَيْسَ بِمَالٍ فِي الْحَالِ وَإِنْ كَانَ بِعَرْضِيَّةِ أَنْ يَصِيرَ مَالًا بِالِانْفِصَالِ لَكِنَّهَا بِالنَّظَرِ إلَى ذَلِكَ تَكُونُ فِي مَعْنَى الْإِضَافَةِ أَوْ التَّعْلِيقِ، وَأَحَدُ الْعِوَضَيْنِ وَهُوَ مَنَافِعُ الْبُضْعِ فِي بَابِ النِّكَاحِ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ وَالْإِضَافَةَ فَكَذَلِكَ الْعِوَضُ الْآخَرُ.
وَأَمَّا الْخُلْعُ فَأَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِيهِ وَهُوَ الطَّلَاقُ يَحْتَمِلُ الْإِضَافَةَ وَالتَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ فَكَذَلِكَ الْعِوَضُ الْآخَرُ فَأَمْكَنَ تَصْحِيحُ تَسْمِيَةِ مَا فِي الْبَطْنِ بِاعْتِبَارِ الْمَآلِ، وَإِذَا صَحَّتْ التَّسْمِيَةُ فَلَهُ الْمُسَمَّى إنْ وُجِدَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي بُطُونِهَا شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ لِأَنَّهَا مَا غَرَّتْهُ لِأَنَّ مَا فِي الْبَطْنِ قَدْ يَكُونُ مَالًا مُتَقَوِّمًا وَقَدْ يَكُونُ رِيحًا.
(فَإِنْ قَالَتْ لَهُ خَالِعْنِي عَلَى مَا فِي يَدَيَّ فَخَالَعَهَا فَلَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا لَمْ تَغُرَّهُ بِتَسْمِيَةِ الْمَالِ لِأَنَّ كَلِمَةَ " مَا ") عَامَّةٌ تَتَنَاوَلُ الْمَالَ وَغَيْرَهُ (وَإِنْ قَالَتْ خَالِعْنِي عَلَى مَا فِي يَدَيَّ مِنْ مَالٍ فَلَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا شَيْءٌ رَدَّتْ عَلَيْهِ مَهْرَهَا لِأَنَّهَا لَمَّا سَمَّتْ مَالًا لَمْ يَكُنْ الزَّوْجُ رَاضِيًا بِالزَّوَالِ مَجَّانًا، وَلَا وَجْهَ إلَى إيجَابِ الْمُسَمَّى وَقِيمَتِهِ لِلْجَهَالَةِ) أَيْ جَهَالَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ لِجَهَالَةِ الْمُسَمَّى، وَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى مَجْهُولًا كَانَتْ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ جَهَالَةً (وَلَا إلَى قِيمَةِ الْبُضْعِ: أَعْنِي مَهْرَ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ حَالَةَ الْخُرُوجِ) كَمَا تَقَدَّمَ (فَتَعَيَّنَ إيجَابُ مَا قَامَ الْبُضْعُ بِهِ عَلَى الزَّوْجِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ)
(وَلَوْ قَالَتْ خَالِعْنِي عَلَى مَا فِي يَدِي مِنْ دَرَاهِمَ أَوْ مِنْ الدَّرَاهِمِ فَفَعَلَ فَلَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا شَيْءٌ فَعَلَيْهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ) لِأَنَّهَا سَمَّتْ الْجَمْعَ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ، وَكَلِمَةُ مِنْ هَاهُنَا لِلصِّلَةِ دُونَ التَّبْعِيضِ لِأَنَّ الْكَلَامَ يَخْتَلُّ بِدُونِهِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَتْ خَالِعْنِي عَلَى مَا فِي يَدَيَّ مِنْ دَرَاهِمَ) وَاضِحٌ.
وَقَوْلُهُ وَكَلِمَةُ " مِنْ " هَاهُنَا لِلصِّلَةِ) إشَارَةٌ إلَى مَا يُقَالُ إذَا كَانَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ دِرْهَمَانِ أَوْ دِرْهَمٌ يَجِبُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهَا شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ لِأَنَّ كَلِمَةَ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِكَوْنِهِ صِلَةً أَنْ يَكُونَ لِلْبَيَانِ عَلَى اصْطِلَاحِ النَّحْوِيِّينَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَ فَقَالَ: كُلُّ مَوْضِعٍ يَصِحُّ الْكَلَامُ فِيهِ بِدُونِهِ فَهُوَ لِلتَّبْعِيضِ كَمَا فِي قَوْلِهِ أَخَذْت مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ لَا يَصِحُّ فِيهِ بِدُونِهِ فَهُوَ صِلَةٌ زِيدَتْ لِتَصْحِيحِ الْكَلَامِ، فَإِنَّهَا لَوْ قَالَتْ خَالِعْنِي عَلَى مَا فِي يَدَيَّ دَرَاهِمَ اخْتَلَّ الْكَلَامُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلتَّبْعِيضِ كَانَ الْجَمْعُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بَاقِيًا عَلَى حَالِهِ فَيَلْزَمُهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ مَا ذَكَرْت مِنْ الِاخْتِلَالِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ قَوْلَهَا دَرَاهِمَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهَا مَا فِي يَدَيَّ وَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ خَالِعْنِي عَلَى دَرَاهِمَ وَقَوْلُهَا الدَّرَاهِمُ يَكُونُ بَدَلًا أَيْضًا وَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ خَالِعْنِي عَلَى الدَّرَاهِمِ وَاللَّامُ إذَا دَخَلَ الْجَمْعُ وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَعْهُودٌ يُرَادُ بِهِ الْوَاحِدُ، فَلَوْ كَانَ فِي يَدِهَا وَاحِدٌ وَجَبَ أَنْ يُكْتَفَى بِهِ وَلَا يَلْزَمُهَا الزِّيَادَةُ. وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا الْمَنْعَ لَا يَضُرُّنَا لِأَنَّهُ إذَا كَانَ تَقْدِيرُ كَلَامِهَا خَالِعْنِي عَلَى دَرَاهِمَ يَلْزَمُهَا ثَلَاثَةٌ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
(فَإِنْ اخْتَلَعَتْ عَلَى عَبْدٍ لَهَا آبِقٍ عَلَى أَنَّهَا بَرِيئَةٌ مِنْ ضَمَانِهِ لَمْ تَبْرَأْ وَعَلَيْهَا تَسْلِيمُ عَيْنِهِ إنْ قَدَرَتْ وَتَسْلِيمُ قِيمَتِهِ إنْ عَجَزَتْ) لِأَنَّهُ عَقْدُ الْمُعَاوَضَةِ فَيَقْتَضِي سَلَامَةَ الْعِوَضِ، وَاشْتِرَاطُ الْبَرَاءَةِ عَنْهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ فَيَبْطُلُ إلَّا أَنَّ الْخُلْعَ
وَعَنْ الثَّانِي لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا مَعْهُودَ ثَمَّ بَلْ مَا فِي يَدِهَا مَعْهُودٌ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهَا.
(فَإِنْ اخْتَلَعَتْ عَلَى عَبْدٍ لَهَا آبِقٍ عَلَى أَنَّهَا بَرِيئَةٌ مِنْ ضَمَانِهِ) يَعْنِي أَنْ لَا تُطَالَبَ بِتَحْصِيلِهِ وَتَسْلِيمِهِ، بَلْ إنْ حَصَلَ تُسَلِّمُهُ إلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا (وَلَمْ تَبْرَأْ وَعَلَيْهَا تَسْلِيمُ عَيْنِهِ إنْ قَدَرَتْ وَتَسْلِيمُ قِيمَتِهِ إنْ عَجَزَتْ) لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَقْتَضِي سَلَامَةَ الْعِوَضِ فَيَكُونُ اشْتِرَاطُ الْبَرَاءَةِ شَرْطًا فَاسِدًا لِأَنَّهُ لَا تَقْتَضِيهِ الْعُقْدَةُ فَيَبْطُلُ دُونَ الْخُلْعِ لِأَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ. فَإِنْ قِيلَ: سَلَّمْنَا أَنَّ الْخُلْعَ لَا يَبْطُلُ بِهَا لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ تَفْسُدَ التَّسْمِيَةُ لِاشْتِرَاطِ عَدَمِ وُجُوبِ تَسْلِيمِ الْمُسَمَّى، وَإِذَا فَسَدَتْ رَجَعَ الزَّوْجُ عَلَيْهَا بِمَا سَاقَ إلَيْهَا مِنْ الْمَهْرِ كَمَا إذَا اخْتَلَعَتْ مِنْهُ عَلَى دَابَّةٍ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْعَقْدَ إذَا كَانَ صَحِيحًا كَانَ مَا يُنَاقِضُهُ مِنْ الشَّرْطِ سَاقِطًا، وَالسَّاقِطُ لَا يُؤَثِّرُ فِي فَسَادِ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا فَسَدَتْ التَّسْمِيَةُ فِيمَا إذَا اخْتَلَعَتْ عَلَى دَابَّةٍ لِلْجَهَالَةِ الْمُسْتَقْبَحَةِ لِكَوْنِهَا تَنْتَظِمُ أَنْوَاعًا مُخْتَلِفَةً مِنْ الْحَيَوَانِ. فَإِنْ قِيلَ: الْخُلْعُ كَمَا يُوجِبُ تَسَلُّمَ الْمُسَمَّى يُوجِبُ تَسْلِيمَهُ بِوَصْفِ كَوْنِهِ سَلِيمًا وَاشْتِرَاطُ الْبَرَاءَةِ عَنْ وَصْفِ السَّلَامَةِ صَحِيحٌ فَلْيَصِحَّ اشْتِرَاطُهَا عَنْ تَسْلِيمِ الْمُسَمَّى أَيْضًا. أُجِيبَ بِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ التَّسْلِيمِ فَوْقَ اسْتِحْقَاقِ السَّلِيمِ، فَإِنَّ بَيْعَ مَا لَا
لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، وَعَلَى هَذَا النِّكَاحِ
(وَإِذَا قَالَتْ طَلَّقَنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَعَلَيْهَا ثُلُثُ الْأَلْفِ) لِأَنَّهَا لَمَّا طَلَبَتْ الثَّلَاثَ بِأَلْفٍ فَقَدْ طَلَبَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِثُلُثِ الْأَلْفِ، وَهَذَا لِأَنَّ حَرْفَ الْبَاءِ يَصْحَبُ الْأَعْوَاضَ
يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ لَا يَجُوزُ، وَالْبَيْعُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ عَنْ الْعُيُوبِ صَحِيحٌ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ الْأَدْنَى جَوَازُ الْأَعْلَى، وَلِأَنَّ الرَّغْبَةَ فِي تَمَلُّكِ الشَّيْءِ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ وَذَلِكَ بِالتَّسْلِيمِ وَبِاشْتِرَاطِ الْبَرَاءَةِ عَنْهُ يَفُوتُ الْمَقْصُودُ، وَلَا كَذَلِكَ اشْتِرَاطُ الْبَرَاءَةِ عَنْ الْعُيُوبِ. وَقَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا النِّكَاحُ) يَعْنِي إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى عَبْدٍ آبِقٍ عَلَى أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ ضَمَانِهِ لَمْ يَبْرَأْ وَعَلَيْهِ تَسْلِيمُ عَيْنِهِ إلَخْ.
(وَإِذَا قَالَتْ طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَعَلَيْهَا ثُلُثُ الْأَلْفِ) وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ (وَإِنْ قَالَتْ
وَالْعِوَضُ يَنْقَسِمُ عَلَى الْمُعَوَّضِ وَالطَّلَاقُ بَائِنٌ لِوُجُوبِ الْمَالِ (وَإِنْ قَالَتْ طَلَّقَنِي ثَلَاثًا عَلَى أَلْفٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَيَمْلِكُ الرَّجْعَةَ. وَقَالَا هِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ بِثُلُثِ الْأَلْفِ) لِأَنَّ كَلِمَةَ عَلَى بِمَنْزِلَةِ الْبَاءِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ، حَتَّى إنَّ قَوْلَهُمْ احْمِلْ هَذَا الطَّعَامَ بِدِرْهَمٍ أَوْ عَلَى دِرْهَمٍ سَوَاءٌ.
وَلَهُ أَنَّ كَلِمَةَ عَلَى لِلشَّرْطِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَنْ تَدْخُلِي الدَّارَ كَانَ شَرْطًا، وَهَذَا لِأَنَّهُ لِلُّزُومِ حَقِيقَةً، وَاسْتُعِيرَ لِلشَّرْطِ لِأَنَّهُ يُلَازِمُ الْجَزَاءَ، وَإِذْ كَانَ لِلشَّرْطِ فَالْمَشْرُوطُ لَا يَتَوَزَّعُ عَلَى أَجْزَاءِ الشَّرْطِ،
طَلِّقْنِي ثَلَاثًا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً وَقَعَ طَلَاقٌ رَجْعِيٌّ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَقَالَا: وَقَعَتْ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ بِثُلُثِ الْأَلْفِ) لِأَنَّ الطَّلَاقَ عَلَى مَالٍ مِنْ جَانِبِ الْمَرْأَةِ مُعَاوَضَةٌ (وَكَلِمَةُ عَلَى بِمَنْزِلَةِ الْبَاءِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ، حَتَّى إنَّ قَوْلَهُمْ احْمِلْ هَذَا الطَّعَامَ بِدِرْهَمٍ وَعَلَى دِرْهَمٍ سَوَاءٌ) وَإِذَا كَانَ مُعَاوَضَةً انْقَسَمَ أَجْزَاءُ الْعِوَضِ عَلَى أَجْزَاءِ الْمُعَوَّضِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ كَلِمَةَ عَلَى لِلشَّرْطِ) أَيْ تُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ مَجَازًا (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} أَيْ بِشَرْطِ عَدَمِ الْإِشْرَاكِ بِاَللَّهِ (وَمَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَنْ تَدْخُلِي الدَّارَ كَانَ شَرْطًا) وَيُجَوِّزُ الْمَجَازَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ اُسْتُعِيرَ لِلشَّرْطِ لِأَنَّهُ يُلَازِمُ الْجَزَاءَ فَكَانَتْ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ اللُّزُومُ (وَإِذَا كَانَ لِلشَّرْطِ فَالْمَشْرُوطُ لَا يَتَوَزَّعُ عَلَى أَجْزَاءِ الشَّرْطِ) وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ جَعْلَهُ بِمَعْنَى الشَّرْطِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى تَمْلِيكِ الْمَالِ وَذَلِكَ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ. وَالثَّانِي أَنَّ مَا ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ مَجَازٌ وَمَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ مَجَازٌ آخَرُ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْمَجَازَيْنِ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، فَإِنَّ اللُّزُومَ كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ فَكَذَلِكَ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَالَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ تَابِعٌ لِلطَّلَاقِ فَجَازَ أَنْ يَقْبَلَهُ تَبَعًا لِمَتْبُوعِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهُ مُسْتَقِلًّا، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ اللُّزُومَ بَيْنَ الْعِوَضَيْنِ بِالتَّضَايُفِ وَبَيْنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ بِالذَّاتِ وَكَانَ جَعْلُهُ لِلشَّرْطِ مَجَازًا أَقْرَبَ إلَى حَقِيقَتِهِ، وَالْمَجَازُ
بِخِلَافِ الْبَاءِ لِأَنَّهُ لِلْعِوَضِ عَلَى مَا مَرَّ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ الْمَالُ كَانَ مُبْتَدَأً فَوَقَعَ الطَّلَاقُ وَيَمْلِكُ الرَّجْعَةَ (وَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا بِأَلْفٍ أَوْ عَلَى أَلْفٍ فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ) لِأَنَّ الزَّوْجَ مَا رَضِيَ بِالْبَيْنُونَةِ إلَّا لِتُسْلِمَ لَهُ الْأَلْفَ كُلَّهَا، بِخِلَافِ قَوْلِهَا طَلَّقَنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ لِأَنَّهَا لَمَّا رَضِيَتْ بِالْبَيْنُونَةِ بِأَلْفٍ كَانَتْ بِبَعْضِهَا أَرْضَى (وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَلْفٍ فَقَبِلَتْ طَلُقَتْ وَعَلَيْهَا الْأَلْفُ وَهُوَ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ بِأَلْفٍ) وَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبُولِ فِي الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ
الْأَقْرَبُ إلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ (قَوْلُهُ عَلَى مَا مَرَّ) أَرَادَ بِهِ قَوْلَهُ لِأَنَّ حَرْفَ الْبَاءِ يَصْحَبُ الْأَعْوَاضَ (وَإِذَا لَمْ يَجِبْ الْمَالُ كَانَ طَلَاقًا مُبْتَدَأً) غَيْرَ مَبْنِيٍّ عَلَى سُؤَالِهَا (فَوَقَعَ وَلَهُ الرَّجْعَةُ) وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا) ظَاهِرٌ (وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَلْفٍ) أَوْ بِأَلْفٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِهَا فِي الْمَجْلِسِ، وَهَذَا يَمِينٌ مِنْ جِهَتِهِ فَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَإِضَافَتُهُ وَلَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ وَلَا يَبْطُلُ بِقِيَامِهِ عَنْ الْمَجْلِسِ، وَيَتَوَقَّفُ عَلَى الْبُلُوغِ إنْ كَانَتْ غَائِبَةً لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِقَبُولِهَا الْمَالَ وَهُوَ مِنْ جِهَتِهَا مُبَادَلَةٌ فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا وَإِضَافَتُهَا، وَيَصِحُّ رُجُوعُهَا قَبْلَ قَبُولِ الزَّوْجِ وَيَبْطُلُ بِقِيَامِهَا عَنْ الْمَجْلِسِ. وَقَوْلُهُ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ بِأَلْفٍ بِعِوَضٍ يَجِبُ لِي عَلَيْك نَظَرًا إلَى الْبَاءِ، وَمَعْنَى
مَعْنَى قَوْلِهِ بِأَلْفٍ بِعِوَضِ أَلْفٍ يَجِبُ لِي عَلَيْك، وَمَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى أَلْفٍ عَلَى شَرْطِ أَلْفٍ يَكُونُ لِي عَلَيْك، وَالْعِوَضُ لَا يَجِبُ بِدُونِ قَبُولِهِ، وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ لَا يَنْزِلُ قَبْلَ وُجُودِهِ. وَالطَّلَاقُ بَائِنٌ لِمَا قُلْنَا.
(وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْك أَلْفٌ فَقَبِلَتْ، وَقَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ وَعَلَيْك أَلْفٌ فَقَبِلَ عَتَقَ الْعَبْدُ وَطَلُقَتْ الْمَرْأَةُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ)
قَوْلِهِ عَلَى أَلْفٍ عَلَى شَرْطِ أَلْفٍ يَكُونُ لِي عَلَيْك إنَّمَا هُوَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ (وَالْعِوَضُ لَا يَجِبُ بِدُونِ قَبُولِهِ) ظَاهِرٌ (وَقَوْلُهُ وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ لَا يَنْزِلُ قَبْلَ وُجُودِهِ) يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُضَمَّ إلَيْهِ وَبِوُجُودِهِ يَكُونُ الْأَلْفُ عَلَيْهَا وَكَوْنُهَا عَلَيْهَا إنَّمَا يَكُونُ بِالْقَبُولِ، فَإِذَا قَبِلَتْ فِي الْمَجْلِسِ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَوَجَبَ عَلَيْهَا الْأَلْفُ وَيَكُونُ الطَّلَاقُ بَائِنًا لِمَا قُلْنَا: يَعْنِي فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ مِنْ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «الْخُلْعُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ» وَمِنْ الْمَعْقُولِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَلِأَنَّهَا لَا تُسَلِّمُ الْمَالَ إلَّا لِتَسْلَمَ لَهَا نَفْسُهَا.
(وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْك أَلْفٌ فَقَبِلَتْ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ وَعَلَيْك أَلْفٌ فَقَبِلَ، وَكَذَلِكَ
وَكَذَا إذَا لَمْ يَقْبَلَا (وَقَالَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْأَلْفُ إذَا قَبِلَ) وَإِذَا لَمْ يَقْبَلْ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ. لَهُمَا أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يُسْتَعْمَلُ لِلْمُعَاوَضَةِ، فَإِنَّ قَوْلَهُمْ احْمِلْ هَذَا الْمَتَاعَ وَلَك دِرْهَمٌ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ بِدِرْهَمٍ. وَلَهُ أَنَّهُ جُمْلَةٌ تَامَّةٌ فَلَا تَرْتَبِطُ بِمَا قَبْلَهُ إلَّا بِدَلَالَةٍ، إذْ الْأَصْلُ فِيهَا الِاسْتِقْلَالُ وَلَا دَلَالَةَ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ يَنْفَكَّانِ عَنْ الْمَالِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ
الْحُكْمُ إنْ لَمْ يَقْبَلَا. وَقَالَا: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْأَلْفُ إذَا قَبِلَا، وَإِذَا لَمْ يَقْبَلَا لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ) وَيُعْلَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْخِلَافَ فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَرْأَةَ أَوْ الْعَبْدَ إذَا قَبِلَ الْمَالَ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ مَجَّانًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا مُعْتَبَرَ بِقَبُولِهِمَا، وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ الْمَالُ. وَالثَّانِي أَنَّهُمَا إذَا لَمْ يَقْبَلَا الْمَالَ يَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ عِنْدَهُ كَمَا إذَا قَبِلَا، وَعِنْدَهُمَا إذَا لَمْ يَقْبَلَا لَمْ يَقَعَا (لَهُمَا أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يُسْتَعْمَلُ لِلْمُعَاوَضَةِ، فَإِنَّ قَوْلَهُمْ احْمِلْ هَذَا الْمَتَاعَ وَلَك عَلَيَّ دِرْهَمٌ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ بِدِرْهَمٍ) وَالْخُلْعُ مُعَاوَضَةٌ فَيُحْمَلُ الْوَاوُ عَلَى مَعْنَى الْبَاءِ بِدَلَالَةِ حَالِ الْمُعَاوَضَةِ كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَقَبِلَتْ. وَلَهُمَا هَاهُنَا طَرِيقٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ الْوَاوُ لِلْحَالِ كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي حَالِ مَا يَجِبُ لِي عَلَيْك أَلْفٌ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ قَبُولِهَا، فَإِذَا قَبِلَتْ وَجَبَ الْأَلْفُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ قَوْلَهُ وَعَلَيْك أَلْفٌ جُمْلَةٌ تَامَّةٌ مِنْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ لَا يَرْتَبِطُ بِمَا قَبْلَهُ إلَّا بِدَلِيلٍ، إذْ الْأَصْلُ فِي الْجُمْلَةِ التَّامَّةِ الِاسْتِقْلَالُ وَلَا دَلِيلَ هَاهُنَا (لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ يَنْفَكَّانِ عَنْ الْمَالِ) بَلْ عَادَةُ الْكِرَامِ فِيهِمَا الِامْتِنَاعُ عَنْ قَبُولِ عِوَضٍ (بِخِلَافِ الْبَيْعِ
وَالْإِجَارَةِ لِأَنَّهُمَا لَا يُوجَدَانِ دُونَهُ.
(وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَلْفٍ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ أَوْ عَلَى أَنَّك بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَبِلَتْ فَالْخِيَارُ بَاطِلٌ إذَا كَانَ لِلزَّوْجِ، وَهُوَ جَائِزٌ إذَا كَانَ لِلْمَرْأَةِ، فَإِنْ رَدَّتْ الْخِيَارَ فِي الثَّلَاثِ بَطَلَ، وَإِنْ لَمْ تَرُدَّ طَلُقَتْ وَلَزِمَهَا الْأَلْفُ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (وَقَالَا: الْخِيَارُ بَاطِلٌ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ وَعَلَيْهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ) لِأَنَّ الْخِيَارَ لِلْفَسْخِ بَعْدَ الِانْعِقَادِ لَا لِلْمَنْعِ مِنْ الِانْعِقَادِ، وَالتَّصَرُّفَانِ لَا يَحْتَمِلَانِ الْفَسْخَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لِأَنَّهُ فِي جَانِبِهِ يَمِينٌ وَمِنْ جَانِبِهَا شَرْطُهَا.
وَالْإِجَارَةِ لِأَنَّهُمَا لَا يُوجَدَانِ دُونَهُ) أَيْ دُونَ الْمَالِ لِكَوْنِهِمَا مُعَاوَضَةً مَحْضَةً فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَالُ الْمُعَاوَضَةِ دَلِيلًا
(وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَلْفٍ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ أَوْ عَلَى أَنَّك بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَبِلَتْ) طَلُقَتْ فَالْخِيَارُ بَاطِلٌ (إذَا كَانَ لِلزَّوْجِ، وَجَائِزٌ إذَا كَانَ لِلْمَرْأَةِ، فَإِنْ رَدَّتْ الْخِيَارَ فِي الثَّلَاثِ بَطَلَ الطَّلَاقُ، وَإِنْ أَجَازَتْ) الطَّلَاقَ أَوْ لَمْ تَرُدَّ الْخِيَارَ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُهُ وَقَعَ الطَّلَاقُ (وَلَزِمَهَا الْأَلْفُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: الْخِيَارُ بَاطِلٌ فِي الْوَجْهَيْنِ وَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ وَعَلَيْهَا الْأَلْفُ لِأَنَّ الْخِيَارَ لِلْفَسْخِ بَعْدَ الِانْعِقَادِ لَا لِلْمَنْعِ مِنْ الِانْعِقَادِ، وَلَا فَسْخَ بَعْدَ الِانْعِقَادِ هَاهُنَا لِأَنَّ التَّصَرُّفَيْنِ) يَعْنِي إيجَابَ الزَّوْجِ وَقَبُولَ الْمَرْأَةِ لَا يَحْتَمِلَانِ الْفَسْخَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، أَمَّا مِنْ جَانِبِهِ فَلِأَنَّهُ يَمِينٌ لِأَنَّهُ ذِكْرُ
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْخُلْعَ فِي جَانِبِهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ حَتَّى يَصِحَّ رُجُوعُهَا، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا وَرَاءِ الْمَجْلِسِ فَيَصِحُّ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ فِيهِ، أَمَّا فِي جَانِبِهِ يَمِينٌ حَتَّى لَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى مَا وَرَاءِ الْمَجْلِسِ، وَلَا خِيَارَ فِي الْأَيْمَانِ، وَجَانِبُ الْعَبْدِ فِي الْعَتَاقِ مِثْلُ جَانِبِهَا فِي الطَّلَاقِ.
شَرْطٍ وَجَزَاءٍ مَعْنًى وَالْيَمِينُ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ.
وَأَمَّا مِنْ جَانِبِهَا فَلِأَنَّ قَبُولَ الْمَرْأَةِ شَرْطُ تَمَامِ الْيَمِينِ فَإِنَّ يَمِينَ الزَّوْجِ تَتِمُّ بِقَبُولِ الْمَرْأَةِ فَأَخَذَ قَبُولُهَا حُكْمَ الْيَمِينِ فِي عَدَمِ احْتِمَالِ الْفَسْخِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْخُلْعَ فِي جَانِبِهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ) أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ رَجَعَتْ صَحَّ، وَلَوْ قَامَتْ مِنْ الْمَجْلِسِ بَطَلَ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَحَّ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ فِيهِ، وَأَمَّا فِي جَانِبِهِ فَيَمِينٌ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْهُ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى مَا وَرَاءِ الْمَجْلِسِ، وَلَا خِيَارَ فِي الْأَيْمَانِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ جَانِبِهَا شَرْطُ الْيَمِينِ وَشَرْطُ الْيَمِينِ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ. أُجِيبَ بِأَنَّ كَوْنَهُ شَرْطَ يَمِينٍ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ تَمْلِيكًا فِي نَفْسِهِ كَمَنْ قَالَ لِآخَرَ إنْ بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ بِكَذَا فَعَبْدِي هَذَا الْآخَرُ حُرٌّ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ بِالْمُعَاوَضَةِ وَلَمْ يَمْنَعْ كَوْنَهُ مُعَاوَضَةً أَنْ يَكُونَ شَرْطًا لِلْيَمِينِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ فِيهِ الْخِيَارُ، ثُمَّ لَمَّا بَطَلَ الْقَبُولُ بِالرَّدِّ بِحُكْمِ الْخِيَارِ بَطَلَ كَوْنُهُ شَرْطًا لِأَنَّ كَوْنَهُ شَرْطًا قَائِمٌ بِهَذَا الْوَصْفِ وَهُوَ أَنَّهُ تَمْلِيكُ مَالٍ (وَجَانِبُ الْعَبْدِ فِي الْعَتَاقِ مِثْلُ جَانِبِهَا فِي الطَّلَاقِ)
(وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ طَلَّقْتُك أَمْسِ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَمْ تَقْبَلِي فَقَالَتْ قَبِلْت فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ، وَمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ بِعْت مِنْك هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَمْسِ فَلَمْ تَقْبَلْ فَقَالَ: قَبِلْت فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي) وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الطَّلَاقَ بِالْمَالِ يَمِينٌ مِنْ جَانِبِهِ فَالْإِقْرَارُ بِهِ لَا يَكُونُ إقْرَارًا بِالشَّرْطِ لِصِحَّتِهِ بِدُونِهِ، أَمَّا الْبَيْعُ فَلَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقَبُولِ وَالْإِقْرَارُ بِهِ إقْرَارٌ بِمَا لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ فَإِنْكَارُهُ الْقَبُولَ رُجُوعٌ مِنْهُ.
يَعْنِي يَصِحُّ الْخِيَارُ مِنْ الْعَبْدِ إذَا خَيَّرَهُ الْمَوْلَى فِي الْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ كَمَا يَصِحُّ الْخِيَارُ فِي الْخُلْعِ مِنْ جَانِبِ الْمَرْأَةِ.
(وَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ طَلَّقْتُك أَمْسِ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَمْ تَقْبَلِي فَقَالَتْ قَبِلْت فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ، وَمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ بِعْت مِنْك هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَمْسِ فَلَمْ تَقْبَلْ فَقَالَ قَبِلْت فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي.
وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الطَّلَاقَ بِالْمَالِ يَمِينٌ مِنْ جَانِبِهِ) فَإِنَّهُ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِقَبُولِهَا الْمَالَ وَلِهَذَا لَمْ يَصِحَّ الرُّجُوعُ عَنْهُ (وَالْإِقْرَارُ بِهِ) أَيْ بِالْيَمِينِ عَلَى تَأْوِيلِ الْحَلِفِ أَوْ الْمَذْكُورِ (لَا يَكُونُ إقْرَارًا بِوُجُودِ الشَّرْطِ لِصِحَّتِهِ) أَيْ لِصِحَّةِ الْيَمِينِ (بِدُونِهِ) أَيْ بِدُونِ الشَّرْطِ (أَمَّا الْبَيْعُ فَلَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقَبُولِ) وَلِهَذَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ قَبْلَ الْقَبُولِ (فَالْإِقْرَارُ بِهِ) أَيْ بِالْبَيْعِ (إقْرَارٌ بِمَا لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ، فَإِنْكَارُهُ الْقَبُولَ رُجُوعٌ مِنْهُ) عَنْ
قَالَ (وَالْمُبَارَأَةُ كَالْخُلْعِ كِلَاهُمَا يُسْقِطَانِ كُلَّ حَقٍّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالنِّكَاحِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَسْقُطُ فِيهِمَا إلَّا مَا سَمَّيَاهُ، وَأَبُو يُوسُفَ مَعَهُ فِي الْخُلْعِ وَمَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمُبَارَأَةِ.
الْإِقْرَارِ وَهُوَ غَيْرُ مَسْمُوعٍ.
قَالَ (وَالْمُبَارَأَةُ كَالْخُلْعِ) الْمُبَارَأَةُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مُفَاعَلَةٌ مِنْ بَارَأَ شَرِيكَهُ: إذَا أَبْرَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ وَتَرْكُ الْهَمْزَةِ خَطَأٌ، وَكَذَا فِي الْمُغْرِبِ. وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ الْمُبَارَأَةَ وَالْخُلْعَ (كِلَاهُمَا يُسْقِطُ كُلَّ حَقٍّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالنِّكَاحِ) كَالْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ دُونَ الْمُسْتَقْبَلَةِ لِأَنَّ لِلْمُخْتَلِعَةِ وَالْمُبَارِئَةِ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ بِهِ صَرَّحَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْكَافِي وَهَذَا (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَسْقُطُ فِيهِمَا إلَّا مَا سَمَّيَاهُ، وَأَبُو يُوسُفَ مَعَهُ فِي الْخُلْعِ وَمَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمُبَارَأَةِ) فَلَوْ كَانَ مَهْرُهَا أَلْفًا فَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ مَهْرِهَا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ عَلَى الزَّوْجِ بِشَيْءٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي قَوْلِهِمَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعِمِائَةٍ وَلَوْ كَانَتْ قَبَضَتْ الْأَلْفَ ثُمَّ اخْتَلَعَتْ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ غَيْرُ الْمِائَةِ فِي قَوْلِهِ وَعِنْدَهُمَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا إلَى تَمَامِ النِّصْفِ، وَإِذَا خَالَعَهَا عَلَى مَالٍ مُسَمًّى مَعْلُومٍ مَعْرُوفٍ سِوَى الصَّدَاقِ، فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مَدْخُولًا بِهَا وَالْمَهْرُ مَقْبُوضٌ فَإِنَّهَا تُسَلِّمُ إلَى الزَّوْجِ وَلَا يَتْبَعُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بَعْدَ الطَّلَاقِ بِشَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ الْمَهْرُ غَيْرَ مَقْبُوضٍ فَالْمَرْأَةُ تُسَلِّمُ إلَى الزَّوْجِ بَدَلَ الْخُلْعِ وَلَا تَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجِ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَهْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا.
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا وَالْمَهْرُ مَقْبُوضٌ فَإِنَّ الزَّوْجَ يَأْخُذُ مِنْهَا بَدَلَ الْخُلْعِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الْمَهْرِ بِسَبَبِ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَهْرُ مَقْبُوضًا يَأْخُذُ الزَّوْجُ مِنْهَا بَدَلَ الْخُلْعِ وَهِيَ لَا تَرْجِعُ عَلَى زَوْجِهَا بِنِصْفِ الْمَهْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا.
وَأَمَّا إذَا بَارَأَهَا بِمَالٍ مَعْلُومٍ سِوَى الْمَهْرِ فَالْجَوَابُ فِيهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ
لِمُحَمَّدٍ أَنَّ هَذِهِ مُعَاوَضَةٌ وَفِي الْمُعَاوَضَاتِ يُعْتَبَرُ الْمَشْرُوطُ لَا غَيْرُهُ.
كَالْجَوَابِ فِي الْخُلْعِ عِنْدَهُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي الْخُلْعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (لِمُحَمَّدٍ أَنَّ هَذِهِ) أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْخُلْعِ وَالْمُبَارَأَةِ مُعَاوَضَةٌ وَفِي الْمُعَاوَضَاتِ يُعْتَبَرُ الْمَشْرُوطُ لَا غَيْرُ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا دَيْنٌ وَاجِبٌ بِسَبَبٍ آخَرَ أَوْ عَيْنٌ فِي يَدِهِ لَا يَسْقُطُ بِهِمَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَنَفَقَةُ عِدَّتِهَا لَا تَسْقُطُ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ
وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمُبَارَأَةَ مُفَاعَلَةٌ مِنْ الْبَرَاءَةِ فَتَقْتَضِيهَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَأَنَّهُ مُطْلَقٌ قَيَّدْنَاهُ بِحُقُوقِ النِّكَاحِ لِدَلَالَةِ الْغَرَضِ أَمَّا الْخُلْعُ فَمُقْتَضَاهُ الِانْخِلَاعُ وَقَدْ حَصَلَ فِي نَقْضِ النِّكَاحِ وَلَا ضَرُورَةَ إلَى انْقِطَاعِ الْأَحْكَامِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْخُلْعَ يُنَبِّئُ عَنْ الْفَصْلِ وَمِنْهُ خَلَعَ النَّعْلَ وَخَلَعَ الْعَمَلَ وَهُوَ مُطْلَقٌ كَالْمُبَارَأَةِ فَيُعْمَلُ بِإِطْلَاقِهِمَا فِي النِّكَاحِ وَأَحْكَامِهِ وَحُقُوقِهِ.
وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمُبَارَأَةَ مُفَاعَلَةٌ مِنْ الْبَرَاءَةِ) وَالْمُفَاعَلَةُ تَقْتَضِي الْفِعْلَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي بَرَاءَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ (وَأَنَّهُ) أَيْ لَفْظُ الْبَرَاءَةِ عَلَى مَا قِيلَ أَوْ عَلَى تَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ (مُطْلَقٌ)، وَقَيَّدْنَاهُ بِحُقُوقِ النِّكَاحِ لِدَلَالَةِ الْغَرَضِ وَهُوَ وُقُوعُ الْبَرَاءَةِ عَمَّا وَقَعَتْ الْبَرَاءَةُ لِأَجْلِهِ وَهُوَ النُّشُوزُ الْحَاصِلُ بِسَبَبِ وَصْلَةِ النِّكَاحِ، وَانْقِطَاعُ الْمُنَازَعَةِ إنَّمَا يَكُونُ بِإِسْقَاطِ مَا وَجَبَ بِاعْتِبَارِ تِلْكَ الْوَصْلَةِ، كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ. وَقِيلَ الْغَرَضُ هُوَ قَطْعُ الْمُنَازَعَةِ النَّاشِئَةِ بِالنِّكَاحِ فَتَتَقَيَّدُ الْبَرَاءَةُ بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ بِالنِّكَاحِ، أَمَّا الْخُلْعُ فَمُقْتَضَاهُ الِانْخِلَاعُ وَقَدْ حَصَلَ فِي نَفْسِ النِّكَاحِ فَلَا ضَرُورَةَ إلَى انْقِطَاعِ الْأَحْكَامِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْخُلْعَ يُنْبِئُ عَنْ الْفَصْلِ، وَمِنْهُ خَلْعُ النَّعْلِ وَخَلْعُ الْعَمَلِ) وَهُوَ انْفِصَالُ الْعَامِلِ عَنْهُ، وَالْفَصْلُ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ وَصْلٍ وَلَا وَصْلَ إلَّا بِالنِّكَاحِ وَحُقُوقُهُ لَازِمَةٌ لَهُ وَقَدْ صَدَرَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ بِالنِّكَاحِ (كَالْمُبَارَأَةِ فَيُعْمَلُ بِالْإِطْلَاقِ كَمَا فِي الْمُبَارَأَةِ فِي النِّكَاحِ وَأَحْكَامِهِ وَحُقُوقِهِ) قَوْلًا بِكَمَالِ الْفَصْلِ، وَنَفَقَةُ
.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَالَ (وَمَنْ خَلَعَ ابْنَتَهُ وَهِيَ صَغِيرَةٌ بِمَالِهَا لَمْ يَجُزْ عَلَيْهَا) لِأَنَّهُ لَا نَظَرَ لَهَا فِيهِ إذْ الْبُضْعُ فِي حَالَةِ الْخُرُوجِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ، وَالْبَدَلُ مُتَقَوِّمٌ بِخِلَافِ النِّكَاحِ لِأَنَّ الْبُضْعَ مُتَقَوِّمٌ عِنْدَ الدُّخُولِ وَلِهَذَا يُعْتَبَرُ خَلْعُ الْمَرِيضَةِ مِنْ الثُّلُثِ وَنِكَاحُ الْمَرِيضِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ لَا يَسْقُطُ الْمَهْرُ وَلَا يَسْتَحِقُّ مَالَهَا، ثُمَّ يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي رِوَايَةٍ وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَقَعُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ بِشَرْطِ قَبُولِهِ فَيَعْتَبِرُ بِالتَّعْلِيقِ بِسَائِرِ الشُّرُوطِ
الْعِدَّةِ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً عِنْدَ الْخُلْعِ فَتَسْقُطُ بِهِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ بَعْدَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا.
(وَمَنْ خَلَعَ ابْنَتَهُ وَهِيَ صَغِيرَةٌ بِمَالِهَا لَمْ يَجُزْ عَلَيْهَا) لِأَنَّ وِلَايَةَ الْأَبِ نَظَرِيَّةٌ وَلَا نَظَرَ لَهَا فِيهِ: أَيْ فِي هَذَا الْخُلْعِ (لِأَنَّ الْبُضْعَ فِي حَالَةِ الْخُرُوجِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ وَلِهَذَا يُعْتَبَرُ خُلْعُ الْمَرِيضَةِ مِنْ الثُّلُثِ) وَالْبَدَلُ مُتَقَوِّمٌ وَمُقَابَلَةُ مَا لَيْسَ بِمُتَقَوِّمٍ بِمَا لَهُ قِيمَةٌ لَيْسَتْ مِنْ النَّظَرِ فِي شَيْءٍ (بِخِلَافِ النِّكَاحِ) فَإِنَّ الرَّجُلَ إذَا زَوَّجَ ابْنَهُ الصَّغِيرَ امْرَأَةً بِمَهْرِ الْمِثْلِ صَحَّ لِأَنَّ الْبُضْعَ مُتَقَوِّمٌ حَالَةَ الدُّخُولِ؛ وَلِهَذَا يُعْتَبَرُ نِكَاحُ الْمَرِيضِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ فَكَانَ مُقَابَلَةَ الْمُتَقَوِّمِ بِالْمُتَقَوِّمِ وَهُوَ مِنْ وُجُوهِ النَّظَرِ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ الْخُلْعُ لَمْ يَسْقُطْ الْمَهْرُ وَلَا يَسْتَحِقُّ الزَّوْجُ مِنْ مَالِهَا بَدَلَ الْخُلْعِ، وَهَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ أَوْ لَا يَقَعُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَةٍ يَقَعُ، وَفِي أُخْرَى لَا يَقَعُ. وَمَنْشَأُ الرِّوَايَتَيْنِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ فِي الْكِتَابِ لَمْ يَجُزْ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَنْصَرِفَ إلَى الطَّلَاقِ وَأَنْ يَنْصَرِفَ إلَى لُزُومِ الْمَالِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الطَّلَاقَ وَاقِعٌ، وَعَدَمَ الْجَوَازِ مُنْصَرِفٌ إلَى الْمَالِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُنْتَقَى فَقَالَ: لِأَنَّ لِسَانَ الْأَبِ كَلِسَانِهَا. وَلَوْ خَالَعَ امْرَأَتَهُ الصَّغِيرَةَ عَلَى مَهْرِهَا فَقَبِلَتْ أَوْ قَالَتْ الصَّغِيرَةُ لِزَوْجِهَا اخْلَعْنِي عَلَى مَهْرِي فَفَعَلَ وَقَعَ الطَّلَاقُ بِغَيْرِ بَدَلٍ.
وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فَقَالَ (وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ بِشَرْطِ قَبُولِهِ) أَيْ قَبُولِ الْأَبِ، فَيُعْتَبَرُ
(وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى أَلْفٍ عَلَى أَنَّهُ ضَامِنٌ فَالْخُلْعُ وَاقِعٌ وَالْأَلْفُ عَلَى الْأَبِ) لِأَنَّ اشْتِرَاطَ بَدَلِ الْخُلْعِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ صَحِيحٌ فَعَلَى الْأَبِ أَوْلَى.
بِالتَّعْلِيقِ بِسَائِرِ الشُّرُوطِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَغَيْرَهُ، وَفِي ذَلِكَ يَقَعُ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ، فَكَذَلِكَ إذَا وُجِدَ الْقَبُولُ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ الْخُلْعَ فِي مَعْنَى الْيَمِينِ وَالْأَيْمَانُ لَا تُجْرَى فِيهَا النِّيَابَةُ، وَلَوْ انْعَقَدَ مِنْ الْأَبِ انْعَقَدَ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ إلَّا أَنَّ هَذَا لَا يَقْوَى فَإِنَّ الْأَبَ يُوجَدُ مِنْهُ شَرْطُ الْيَمِينِ لَا نَفْسُ الْيَمِينِ، وَشَرْطُ الْيَمِينِ يَصِحُّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ (وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى أَلْفٍ عَلَى أَنَّهُ) أَيْ الْأَبَ (ضَامِنٌ فَالْخُلْعُ وَاقِعٌ وَالْأَلْفُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْأَبِ، وَمَعْنَى الضَّمَانِ هَاهُنَا الْتِزَامُ الْمَالِ عَلَى نَفْسِهِ لَا الْكَفَالَةُ عَنْ الصَّغِيرَةِ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا مَالًا حَتَّى يَتَكَفَّلَ عَنْهَا أَحَدٌ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ (أَنَّ اشْتِرَاطَ بَدَلِ الْخُلْعِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ صَحِيحٌ) لِكَوْنِهِ فِي مَعْنَى الْمُخْتَلِعَةِ فِي عَدَمِ دُخُولِ شَيْءٍ يُقَابِلُ الْبَدَلَ فِي مِلْكِهِ (فَعَلَى الْأَبِ أَوْلَى) وَذَكَرَ فِي وَجْهِ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّ لِلْأَبِ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ بَيْعًا وَشِرَاءً وَإِجَارَةً وَإِيدَاعًا وَإِبْضَاعًا، وَلَا يَجُوزُ هَذَا التَّصَرُّفُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ.
ثُمَّ اشْتِرَاطُ بَدَلِ الْخُلْعِ عَلَى نَفْسِهِ تَصَرُّفٌ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ، فَلَمَّا جَازَ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ عَامَّةِ التَّصَرُّفَاتِ فِي مَالِ الصَّغِيرِ فَلَأَنْ يَجُوزَ مِنْ الْأَبِ وَلَهُ ذَلِكَ أَوْلَى وَفِيهِ تَأَمُّلٌ، فَإِنَّ التَّصَرُّفَ فِي مَالِ الصَّغِيرِ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ أَنْ لَوْ تَعَلَّقَ بَدَلُ الْخُلْعِ بِمَالِ الصَّغِيرَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَكَانَ تِلْكَ الْوِلَايَةُ وَعَدَمُهَا سَوَاءً. وَلَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الْخُلْعُ تَصَرُّفٌ دَائِرٌ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ أَوْ نَفْعٌ مَحْضٌ كَقَبُولِ الْهِبَةِ عَلَى مَا قِيلَ فَإِذَا كَانَ الْتِزَامُ بَدَلِهِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ صَحِيحًا مَعَ قُصُورِ الشَّفَقَةِ فَلَأَنْ يَصِحَّ مِنْ الْأَبِ مَعَ وُفُورِهَا أَوْلَى. فَإِنْ قُلْت: عَلَى مَا ذَكَرْت مِنْ كَوْنِ الْأَجْنَبِيِّ فِي مَعْنَى الْمَرْأَةِ فِي عَدَمِ دُخُولِ شَيْءٍ يُقَابِلُ الْبَدَلَ فِي مِلْكِهِ يَجِبُ أَنْ يَصِحَّ إعْتَاقُ الرَّجُلِ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ كَمَا يَصِحُّ عَلَى مَالِهِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْأَجْنَبِيِّ شَيْءٌ كَالْعَبْدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. قُلْت: تَحْصُلُ لِلْعَبْدِ حُرِّيَّةُ نَفْسِهِ الَّتِي هِيَ حَيَاةٌ مَعْنَوِيَّةٌ وَسَبَبٌ لِحُصُولِ الْأَمْلَاكِ، وَلَيْسَ الْأَجْنَبِيُّ كَذَلِكَ. لَا يُقَالُ: فِي الْخُلْعِ أَيْضًا تَحْصُلُ لِلْمَرْأَةِ الْحُرِّيَّةُ عَنْ رِقِّ النِّكَاحِ وَلَيْسَ الْأَجْنَبِيُّ
وَلَا يَسْقُطُ مَهْرُهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ وِلَايَةِ الْأَبِ (وَإِنْ شَرَطَ الْأَلْفَ عَلَيْهَا تَوَقَّفَ عَلَى قَبُولِهَا إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْقَبُولِ، فَإِنْ قَبِلَتْ وَقَعَ الطَّلَاقُ) لِوُجُودِ الشَّرْطِ (وَلَا يَجِبُ الْمَالُ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْغَرَامَةِ فَإِنْ قَبِلَهُ الْأَبُ عَنْهَا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ (وَكَذَا إنْ خَالَعَهَا عَلَى مَهْرِهَا وَلَمْ يَضْمَنْ الْأَبُ الْمَهْرَ تَوَقَّفَ عَلَى قَبُولِهَا، فَإِنْ قَبِلَتْ طَلُقَتْ وَلَا يَسْقُطُ الْمَهْرُ) وَإِنْ قَبِلَ الْأَبُ عَنْهَا فَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ
كَذَلِكَ. لِأَنَّا نَقُولُ: الْعِتْقُ يُثْبِتُ الْحُرِّيَّةَ وَالْقُوَّةُ الشَّرْعِيَّةُ وَالْخُلْعُ يَرْفَعُ الْمَانِعَ لِتَعْمَلَ الْقُوَّةُ الشَّرْعِيَّةُ عَمَلَهَا فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ إثْبَاتُ شَيْءٍ بِخِلَافِ الْعِتْقِ (قَوْلُهُ وَلَا يَسْقُطُ مَهْرُهَا) يَعْنِي وَإِنْ كَانَ الْخُلْعُ يُسْقِطُهُ (لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ وِلَايَةِ الْأَبِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ النَّظَرِ وَوِلَايَتُهُ نَظَرِيَّةٌ.
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ شَرَطَ الْأَلْفَ) يَعْنِي أَنَّ الزَّوْجَ إنْ شَرَطَ الْأَلْفَ عَلَى الصَّغِيرَةِ (تَوَقَّفَ عَلَى قَبُولِهَا إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْقَبُولِ) بِأَنْ تَعْقِلَ الْعَقْدَ وَتُعَبِّرَ عَنْ نَفْسِهَا (فَإِنْ قَبِلَتْ وَقَعَ الطَّلَاقُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَلَا يَجِبُ الْمَالُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْغَرَامَةِ وَإِنْ قَبِلَهُ الْأَبُ عَنْهَا فَفِيهِ) أَيْ فِي هَذَا الْقَبُولِ (رِوَايَتَانِ رِوَايَةٌ يَصِحُّ لِأَنَّ هَذَا نَفْعٌ مَحْضٌ لِلصَّغِيرَةِ)؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَةَ تَتَخَلَّصُ مِنْ عُهْدَتِهِ بِغَيْرِ مَالٍ فَصَحَّ مِنْ الْأَبِ كَقَبُولِ الْهِبَةِ، كَذَا فِي مَبْسُوطِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ هَذَا الْقَبُولَ بِمَعْنَى شَرْطِ الْيَمِينِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ النِّيَابَةَ (وَكَذَا إنْ خَالَعَهَا عَلَى مَهْرِهَا وَلَمْ يَضْمَنْ الْأَبُ الْمَهْرَ تَوَقَّفَ عَلَى قَبُولِهَا، فَإِنْ قَبِلَتْ طَلُقَتْ وَلَا يَسْقُطُ الْمَهْرُ) لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ الْقَبُولُ وَلَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْغَرَامَةِ (وَإِنْ قَبِلَ الْأَبُ عَنْهَا فَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ) فِي رِوَايَةٍ
(وَإِنْ ضَمِنَ الْأَبُ الْمَهْرَ وَهُوَ أَلْفُ دِرْهَمٍ طَلُقَتْ) لِوُجُودِ قَبُولِهِ وَهُوَ الشَّرْطُ وَيَلْزَمُهُ خَمْسُمِائَةٍ اسْتِحْسَانًا.
وَفِي الْقِيَاسِ يَلْزَمُهُ الْأَلْفُ،
يَصِحُّ وَفِي أُخْرَى لَا يَصِحُّ، وَوَجْهُ الرِّوَايَتَيْنِ مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا (وَإِنْ ضَمِنَ الْأَبُ الْمَهْرَ) أَيْ الْتَزَمَ بِمَعْنَى إذَا خَالَعَ الْأَبُ مَعَ الزَّوْجِ وَالْتَزَمَ الْمَهْرَ عَلَى ذِمَّتِهِ (وَهُوَ أَلْفُ دِرْهَمٍ مَثَلًا طَلُقَتْ لِوُجُودِ قَبُولِهِ وَهُوَ الشَّرْطُ، وَيَلْزَمُهُ خَمْسُمِائَةٍ اسْتِحْسَانًا) لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مَلْمُوسَةٍ وَكَانَ الْمَهْرُ أَلْفًا فَأَضَافَ الْخُلْعَ إلَى مَهْرِهَا وَمَهْرُهَا مَا يَجِبُ لَهَا بِالنِّكَاحِ، وَالْوَاجِبُ لَهَا بِالنِّكَاحِ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ نِصْفُ الْمَهْرِ وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ فَكَأَنَّهُ خَالَعَهَا عَلَى خَمْسِمِائَةٍ صَرِيحًا (وَفِي الْقِيَاسِ يَلْزَمُهُ الْأَلْفُ) بِحُكْمِ الضَّمَانِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ ضَمَانَ الْأَبِ بِالْمَهْرِ وَهُوَ أَلْفُ دِرْهَمٍ إذَا صَحَّ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ تَكُونَ مَدْخُولًا بِهَا أَوْ لَا؛ فَإِنْ كَانَتْ فَلَهَا عَلَى الزَّوْجِ جَمِيعُ الْمَهْرِ وَلِلزَّوْجِ عَلَى الْأَبِ بِحُكْمِ الضَّمَانِ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَلَهَا عَلَى الزَّوْجِ نِصْفُ الْمَهْرِ لِأَنَّ النِّصْفَ الْآخَرَ سَقَطَ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلِلزَّوْجِ عَلَى الْأَبِ أَلْفُ دِرْهَمٍ بِحُكْمِ الضَّمَانِ فِي الْقِيَاسِ.
وَأَمَّا فِي الِاسْتِحْسَانِ فَلِلزَّوْجِ عَلَى الْأَبِ خَمْسُمِائَةٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ سَلَامَةُ الْأَلْفِ وَقَدْ حَصَلَتْ، إذْ النِّصْفُ سَقَطَ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ الَّذِي تَرْجِعُ بِهِ الْمَرْأَةُ عَلَيْهِ
وَأَصْلُهُ فِي الْكَبِيرَةِ إذَا اخْتَلَعَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى أَلْفٍ وَمَهْرُهَا أَلْفٌ فَفِي الْقِيَاسِ عَلَيْهَا خَمْسُمِائَةٍ
فَهُوَ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الضَّامِنِ وَهُوَ الْأَبُ، هَذَا إذَا لَمْ تَقْبِضْ الْمَهْرَ، وَأَمَّا إذَا قَبَضَتْ الْمَهْرَ كُلَّهُ فَيَرْجِعُ الزَّوْجُ بِالنِّصْفِ عَلَيْهَا وَبِالنِّصْفِ الْآخَرِ عَلَى الضَّامِنِ فَيَسْلَمُ لَهُ جَمِيعُ الْأَلْفِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِاخْتِلَافِ السَّبَبِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَقْصُودِ (وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْكَبِيرَةِ إذَا اخْتَلَعَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى أَلْفٍ وَمَهْرُهَا أَلْفٌ) وَلَمْ تَقْبِضْ شَيْئًا (فَالْقِيَاسُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهَا خَمْسُمِائَةٍ) لِلزَّوْجِ لِأَنَّ خَمْسَمِائَةٍ مِنْ الْمَهْرِ سَقَطَتْ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَدْ الْتَزَمَتْ الْمَرْأَةُ الْأَلْفَ وَنِصْفُ الْأَلْفِ سَقَطَ عَنْ ذِمَّتِهَا بِطَرِيقِ الْمُقَاصَّةِ لِأَنَّ لَهَا عَلَى الزَّوْجِ خَمْسَمِائَةٍ بَاقِيَةً بَعْدَ سُقُوطِ نِصْفِ الْمَهْرِ.
فَوَجَبَ عَلَيْهَا
زَائِدَةٌ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ عَادَةً حَاصِلُ مَا يَلْزَمُهَا.
خَمْسُمِائَةٍ زَائِدَةٌ عَلَى الْأَلْفِ تَتْمِيمًا لِلْأَلْفِ الَّتِي الْتَزَمَتْهَا (وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا) لِأَنَّ مَقْصُودَ الزَّوْجِ سُقُوطُ كُلِّ الْمَهْرِ عَنْ ذِمَّتِهِ وَقَدْ حَصَلَ فَلَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ زَائِدٌ عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا قَبَضَتْ جَمِيعَ الْمَهْرِ فَعَلَى الْقِيَاسِ تَرُدُّ الْمَرْأَةُ الْأَلْفَ وَخَمْسَمِائَةِ الْأَلْفِ بَدَلَ الْخُلْعِ وَخَمْسَمِائَةِ نِصْفِ الْمَهْرِ لِلطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ: تَرُدُّ الْأَلْفَ لَا غَيْرُ خَمْسَمِائَةٍ بَدَلَ الْخُلْعِ وَخَمْسَمِائَةٍ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ. وَقَوْلُهُ (زَائِدَةٍ) بِالْجَرِّ لِأَنَّ الصِّفَةَ تَتْبَعُ الْمُضَافَ إلَيْهِ فِي الْإِعْرَابِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَقَالَ: هَكَذَا أَفَادَ شَيْخِي مِرَارًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
1 -
.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَابُ الظِّهَارِ
قَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ تَرْتِيبِ الْحُرُمَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي أَوَّلِ كُلِّ بَابٍ مِنْهَا، وَيُحْتَاجُ إلَى وَجْهِ تَقْدِيمِ الظِّهَارِ عَلَى اللِّعَانِ. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِبَاحَةِ مِنْ سَبَبِ اللِّعَانِ، فَإِنَّ سَبَبَ اللِّعَانِ عِنْدَ إضَافَتِهِ إلَى غَيْرِ مَنْكُوحَتِهِ يُوجِبُ حَدَّ الْقَذْفِ، وَمُوجِبُ الْحَدِّ مَعْصِيَةٌ مَحْضَةٌ بِغَيْرِ شَائِبَةِ الْإِبَاحَةِ. وَالظِّهَارُ فِي اللُّغَةِ: قَوْلُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَفِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ: تَشْبِيهُ الْمَنْكُوحَةِ بِالْمُحَرَّمَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ اتِّفَاقًا بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ اتِّفَاقًا احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ فُلَانَةَ وَهِيَ أُمُّ الْمَزْنِيِّ بِهَا أَوْ ابْنَتُهَا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا؛ لِأَنَّ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَقُولُ الْحَرَامُ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ. وَسَبَبُهُ سَبَبُ الْخُلْعِ وَهُوَ النُّشُوزُ، فَإِنَّ آيَةَ الظِّهَارِ نَزَلَتْ فِي خَوْلَةَ وَكَانَتْ نَاشِزَةً. وَشَرْطُهُ كَوْنُ الْمُظَاهِرِ عَاقِلًا بَالِغًا مُسْلِمًا وَالْمَرْأَةِ مِنْ نِسَائِنَا. وَرُكْنُهُ قَوْلُهُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ
(وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَقَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا وَلَا مَسُّهَا وَلَا تَقْبِيلُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ عَنْ ظِهَارِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} إلَى أَنْ قَالَ {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} . وَالْظَ هَارُ كَانَ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَرَّرَ الشَّرْعُ أَصْلَهُ وَنَقَلَ حُكْمَهُ إلَى تَحْرِيمٍ مُوَقَّتٍ بِالْكَفَّارَةِ غَيْرِ مُزِيلٍ لِلنِّكَاحِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ
كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهُ. وَحُكْمُهُ حُرْمَةُ الْوَطْءِ وَالدَّوَاعِي مَعَ بَقَاءِ أَصْلِ الْمِلْكِ إلَى غَايَةِ الْكَفَّارَةِ.
(وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَقَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا وَلَا مَسُّهَا وَلَا تَقْبِيلُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ عَنْ ظِهَارِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} وَالظِّهَارُ كَانَ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَرَّرَ الشَّرْعُ أَصْلَهُ وَنَقَلَ حُكْمَهُ إلَى تَحْرِيمٍ مُوَقَّتٍ بِالْكَفَّارَةِ غَيْرِ مُزِيلٍ لِلنِّكَاحِ) وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ جَعَلَهَا فِي التَّحْرِيمِ عَلَى نَفْسِهِ كَالْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا مِنْ أُمِّهِ كَالْفَخِذِ وَالظَّهْرِ وَالْبَطْنِ وَالْفَرْجِ، ثُمَّ نَظَرُوا فَلَمْ يَجِدُوا مَوْضِعًا أَحْسَنَ فِي الذِّكْرِ وَلَا أَسْتَرَ مِنْ الظَّهْرِ مَعَ إصَابَةِ الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادُوهُ فَاسْتَعْمَلُوهُ دُونَ غَيْرِهِ. ثُمَّ إنَّ «خَوْلَةَ بِنْتَ ثَعْلَبَةَ قَالَتْ: كُنْت تَحْتَ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ وَقَدْ سَاءَ خُلُقُهُ لِكِبَرِ سِنِّهِ، فَرَاجَعْته فِي بَعْضِ مَا أَمَرَنِي بِهِ فَقَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، ثُمَّ خَرَجَ فَجَلَسَ فِي نَادِي قَوْمِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيَّ فَرَاوَدَنِي عَنْ نَفْسِي، فَقُلْت وَاَلَّذِي نَفْسُ خَوْلَةَ بِيَدِهِ لَا تَصِلُ إلَيَّ وَقَدْ قُلْت مَا قُلْت حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِي ذَلِكَ، فَوَقَعَ عَلَيَّ فَدَفَعْته بِمَا تَدْفَعُ بِهِ الْمَرْأَةُ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ، وَخَرَجْت إلَى بَعْضِ جِيرَانِي فَأَخَذْت ثِيَابًا فَلَبِسْتهَا وَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْته بِذَلِكَ، فَجَعَلَ يَقُولُ لِي: زَوْجُك وَابْنُ عَمِّك وَقَدْ كَبِرَ فَأَحْسِنِي إلَيْهِ، فَجَعَلْت أَشْكُو إلَى اللَّهِ مَا أَرَى مِنْ سُوءِ خُلُقِهِ فَتَغَشَّى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا كَانَ يَتَغَشَّاهُ عِنْدَ نُزُولِ الْوَحْيِ فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: أَنْزَلَ اللَّهُ فِيك وَفِي زَوْجِك بَيَانًا، وَتَلَا قَوْله تَعَالَى {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ} إلَى آخِرِ آيَاتِ الظِّهَارِ، ثُمَّ قَالَ: مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً، فَقُلْت: لَا يَجِدُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ مُرِيهِ أَنْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَقُلْت: هُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يُطِيقُ الصَّوْمَ، فَقَالَ: مُرِيهِ فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَقُلْت: مَا عِنْدَهُ شَيْءٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: إنَّا سَنُعِينُهُ بِعِرْقٍ، فَقُلْت: وَأَنَا أُعِينُهُ بِعِرْقٍ أَيْضًا، فَقَالَ: افْعَلِي وَاسْتَوْصِي بِهِ خَيْرًا» وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: الْمُرَادُ مِنْ الْعَوْدِ هُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْجِمَاعِ الَّذِي هُوَ إمْسَاكٌ بِالْمَعْرُوفِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمُرَادُ هُوَ السُّكُوتُ عَنْ طَلَاقِهَا عَقِيبَ الظِّهَارِ (قَوْلُهُ وَهَذَا) إشَارَةٌ إلَى نَقْلِ حُكْمِ الظِّهَارِ مِنْ الطَّلَاقِ إلَى التَّحْرِيمِ الْمُوَقَّتِ بِالْكَفَّارَةِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الظِّهَارَ جِنَايَةٌ لِكَوْنِهِ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا}
لِكَوْنِهِ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا فَيُنَاسِبُ الْمُجَازَاةَ عَلَيْهَا بِالْحُرْمَةِ، وَارْتِفَاعُهَا بِالْكَفَّارَةِ. ثُمَّ الْوَطْءُ إذَا حَرُمَ حَرُمَ بِدَوَاعِيهِ كَيْ لَا يَقَعَ فِيهِ كَمَا فِي الْإِحْرَامِ، بِخِلَافِ الْحَائِضِ وَالصَّائِمِ لِأَنَّهُ يَكْثُرُ وُجُودُهُمَا، فَلَوْ حَرُمَ الدَّوَاعِي يُفْضِي إلَى الْحَرَجِ وَلَا كَذَلِكَ الظِّهَارُ وَالْإِحْرَامُ.
وَالْمُنْكَرُ مَا يُنْكِرُهُ الْحَقِيقَةُ وَالشَّرْعُ، وَالزُّورُ هُوَ الْكَذِبُ وَالْبَاطِلُ، وَالْجِنَايَةُ تُنَاسِبُ الْمُجَازَاةَ عَلَيْهَا بِالْحُرْمَةِ وَارْتِفَاعُهَا بِالْكَفَّارَةِ (ثُمَّ الْوَطْءُ إذَا حُرِّمَ حُرِّمَ بِدَوَاعِيهِ كَيْ لَا يَقَعَ فِيهِ كَمَا فِي الْإِحْرَامِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تُحَرَّمُ الدَّوَاعِي لِأَنَّ التَّحْرِيمَ عُرِفَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} وَالتَّمَاسُّ فِي الْقُرْآنِ كِنَايَةٌ عَنْ الْجِمَاعِ.
وَأَجَابَ صَاحِبُ الْأَسْرَارِ بِأَنَّ التَّمَاسَّ حَقِيقَةٌ فِي الْمَسِّ بِالْيَدِ وَالْكَلَامُ لِلْحَقِيقَةِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْمَجَازِ (بِخِلَافِ الْحَائِضِ وَالصَّائِمِ) حَيْثُ لَا تُحَرَّمُ الدَّوَاعِي فِيهِمَا (لِأَنَّهُ يَكْثُرُ وُجُودُهُمَا، فَلَوْ حُرِّمَ الدَّوَاعِي أَفْضَى إلَى الْحَرَجِ، وَلَا كَذَلِكَ الظِّهَارُ وَالْإِحْرَامُ) وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ. فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا كَثُرَ وُجُودُهُمَا كَانَ أَدْعَى إلَى شَرْعِ الزَّاجِرِ مِنْ الظِّهَارِ، فَلِمَ انْعَكَسَ الْأَمْرُ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ أَوْقَاتِ الْحَيْضِ وَالصَّوْمِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَكِنَّ أَوْقَاتِ الطُّهْرِ وَالْإِفْطَارِ أَكْثَرُ، فَلَمَّا كَثُرَ أَوْقَاتُ الطُّهْرِ كَانَ الْجِمَاعُ مَوْجُودًا فِيهَا ظَاهِرًا فَيُوجِبُ ذَلِكَ فُتُورَ رَغْبَةٍ فِي الْجِمَاعِ فَلَا يَلِيقُ فِيهِ إيجَابُ الزَّاجِرِ
(فَإِنْ وَطِئَهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرَ الْكَفَّارَةِ الْأُولَى وَلَا يَعُودُ حَتَّى يُكَفِّرَ)«لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام لِلَّذِي وَاقَعَ فِي ظِهَارِهِ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ اسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَلَا تَعُدْ حَتَّى تُكَفِّرَ» وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ آخَرُ وَاجِبًا لَنَبَّهَ عَلَيْهِ. قَالَ: وَهَذَا اللَّفْظُ لَا يَكُونُ إلَّا ظِهَارًا لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ (وَلَوْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ لَا يَصِحُّ)
لِأَنَّ إيجَابَ الزَّاجِرِ لِمَنْعِ وُجُودِ الْجِمَاعِ، وَبِفُتُورِ الرَّغْبَةِ كَانَ مُمْتَنِعًا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إيجَابِ الزَّاجِرِ.
(فَإِنْ وَطِئَهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُ الْكَفَّارَةِ الْأُولَى) أَيْ الْكَفَّارَةُ الْوَاجِبَةُ بِالظِّهَارِ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَنْصُوصِ، وَلَا يُعَاوِدُ الْوَطْءَ حَتَّى يُكَفِّرَ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ الْبَيَاضِيَّ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ظَاهَرْت مِنْ امْرَأَتِي ثُمَّ أَبْصَرْت خَلْخَالَهَا فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ فَوَاقَعْتهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَغْفِرْ رَبَّك وَلَا تَعُدْ حَتَّى تُكَفِّرَ» وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ آخَرُ وَاجِبًا لَنَبَّهَ عَلَيْهِ. قَالَ: وَهَذَا اللَّفْظُ) هَذَا إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي: يَعْنِي هَذَا اللَّفْظَ لَا يَثْبُتُ بِهِ إلَّا الظِّهَارُ، فَلَوْ نَوَى الطَّلَاقَ أَوْ الْإِيلَاءَ أَوْ قَالَ لَمْ أَنْوِ بِهِ شَيْئًا
لِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهِ
(وَإِذَا قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَبَطْنِ أُمِّي أَوْ كَفَخْذِهَا أَوْ كَفَرْجِهَا فَهُوَ مُظَاهِرٌ) لِأَنَّ الظِّهَارَ لَيْسَ إلَّا تَشْبِيهُ الْمُحَلَّلَةِ بِالْمُحَرَّمَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَتَحَقَّقُ فِي عُضْوٍ لَا يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهِ (وَكَذَا إذَا شَبَّهَهَا بِمَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا عَلَى التَّأْبِيدِ مِنْ مَحَارِمِهِ مِثْلَ أُخْتِهِ أَوْ عَمَّتِهِ أَوْ أُمِّهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ)
يَكُونُ ظِهَارًا (لِأَنَّهُ) أَيْ كَوْنَهُ طَلَاقًا (مَفْسُوخٌ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهِ) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَغْيِيرَ مَوْضُوعِ الشَّرْعِ وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ ذَلِكَ
(وَلَوْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَبَطْنِ أُمِّي أَوْ كَفَخِذِهَا أَوْ كَفَرْجِهَا فَهُوَ مُظَاهِرٌ لِأَنَّ الظِّهَارَ لَيْسَ إلَّا تَشْبِيهُ الْمُحَلَّلَةِ بِالْمُحَرَّمَةِ) اللَّامُ فِي الْمُحَلَّلَةِ وَالْمُحَرَّمَةِ لِلْعَهْدِ: أَيْ الْمُحَلَّلَةِ نِكَاحًا لَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ بِالْمُحَرَّمَةِ تَأْبِيدًا لَا تَوْقِيتًا (وَهَذَا الْمَعْنَى) أَيْ التَّشْبِيهُ (يَتَحَقَّقُ فِي عُضْوٍ لَا يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهِ) كَالْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ، بِخِلَافِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَالشِّعْرِ وَالظُّفْرِ لِأَنَّهُ يَحِلُّ النَّظَرُ وَالْمَسُّ فَلَا يَكُونُ مُظَاهِرًا بِالتَّشْبِيهِ بِهَا.
وَقَوْلُهُ وَكَذَا إذَا شَبَّهَهَا بِمَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا) ظَاهِرٌ
لِأَنَّهُنَّ فِي التَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ كَالْأُمِّ (وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ رَأْسُك عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ فَرْجُك أَوْ وَجْهُك أَوْ رَقَبَتُك أَوْ نِصْفُك أَوْ ثُلُثُك أَوْ بَدَنُك) لِأَنَّهُ يُعَبِّرُ بِهَا عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي الشَّائِعِ ثُمَّ يَتَعَدَّى كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الطَّلَاقِ
وَإِنْ قَالَ رَأْسُك عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ فَرْجُك أَوْ رَقَبَتُك كَانَ مُظَاهِرًا) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ فَيَكُونُ تَشْبِيهُهَا مِنْ الْمَرْأَةِ كَتَشْبِيهِ ذَاتِ الْمَرْأَةِ (وَلَوْ قَالَ نِصْفُك أَوْ ثُلُثُك أَوْ رُبُعُك كَظَهْرِ أُمِّي كَانَ مُظَاهِرًا لِأَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ أَوَّلًا ثُمَّ يَسْرِي إلَى سَائِرِ الْبَدَنِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الطَّلَاقِ)
(وَلَوْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ مِثْلُ أُمِّي أَوْ كَأُمِّي يَرْجِعُ إلَى نِيَّتِهِ) لِيَنْكَشِفَ حُكْمُهُ (فَإِنْ قَالَ أَرَدْت الْكَرَامَةَ فَهُوَ كَمَا قَالَ) لِأَنَّ التَّكْرِيمَ بِالتَّشْبِيهِ فَاشٍ فِي الْكَلَامِ (وَإِنْ قَالَ أَرَدْت الظِّهَارَ فَهُوَ ظِهَارٌ) لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ بِجَمِيعِهَا، وَفِيهِ تَشْبِيهٌ بِالْعُضْوِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فَيَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ (وَإِنْ قَالَ أَرَدْت الطَّلَاقَ فَهُوَ طَلَاقٌ بَائِنٌ) لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ بِالْأُمِّ فِي الْحُرْمَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَنَوَى الطَّلَاقَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لِاحْتِمَالِ الْحَمْلِ عَلَى الْكَرَامَةِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَكُونُ ظِهَارًا لِأَنَّ التَّشْبِيهَ بِعُضْوٍ مِنْهَا لَمَّا كَانَ ظِهَارًا فَالتَّشْبِيهُ بِجَمِيعِهَا أَوْلَى. وَإِنْ عَنَى بِهِ التَّحْرِيمَ لَا غَيْرُ؛ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ هُوَ إيلَاءٌ لِيَكُونَ الثَّابِتُ بِهِ أَدْنَى الْحُرْمَتَيْنِ.
وَلَوْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ مِثْلُ أُمِّي أَوْ كَأُمِّي احْتَمَلَ وُجُوهًا فَيُرْجَعُ إلَى نِيَّتِهِ لِيَنْكَشِفَ ذَلِكَ)؛ وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ) ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَحْدَهُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْأَمَالِي: إذَا قَالَ هَذَا فِي حَالَةِ الْغَضَبِ وَقَالَ نَوَيْت بِهِ الْبِرَّ لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْقَضَاءِ وَهُوَ ظِهَارٌ. وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ إيلَاءٌ لِأَنَّ الْأُمَّ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ بِالنَّصِّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} وَكَانَ قَوْلُهُ أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي هَذَا اللَّفْظِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا يَثْبُتُ أَقَلُّ الْوُجُوهِ وَهُوَ الْإِيلَاءُ. وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ أَنَّ كَلَامَهُ يَحْتَمِلُ التَّشْبِيهَ مِنْ حَيْثُ الْكَرَامَةُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ بِالنِّيَّةِ وَالْفَرْضُ عَدَمُهَا.
وَوَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ (التَّشْبِيهَ بِعُضْوٍ مِنْهَا لَمَّا كَانَ ظِهَارًا فَالتَّشْبِيهُ بِجَمِيعِهَا أَوْلَى. وَإِنْ عَنَى بِهِ التَّحْرِيمَ لَا غَيْرُ؛ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ هُوَ إيلَاءٌ لِيَكُونَ الثَّابِتُ بِهِ أَدْنَى الْحُرْمَتَيْنِ)
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ظِهَارٌ لِأَنَّ كَافَ التَّشْبِيهِ تَخْتَصُّ بِهِ.
(وَلَوْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَأُمِّي وَنَوَى ظِهَارًا أَوْ طَلَاقًا فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ. الظِّهَارُ لِمَكَانِ التَّشْبِيهِ وَالطَّلَاقُ لِمَكَانِ التَّحْرِيمِ وَالتَّشْبِيهُ تَأْكِيدٌ لَهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إيلَاءٌ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ظِهَارٌ،
فَإِنَّ الْحُرْمَةَ الثَّابِتَةَ بِالْإِيلَاءِ أَدْنَى مِنْ الْحُرْمَةِ الثَّابِتَةِ بِالظِّهَارِ، إذْ حُرْمَةُ الْإِيلَاءِ لِغَيْرِهَا وَهُوَ هَتْكُ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَحُرْمَةُ الظِّهَارِ لِعَيْنِهَا وَهُوَ أَنَّهُ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَزُورٌ، وَلِأَنَّ الْحُرْمَةَ الثَّابِتَةَ بِالظِّهَارِ لَا تَرْتَفِعُ إلَّا بِالْكَفَّارَةِ، وَالثَّابِتَةَ بِالْإِيلَاءِ تَرْتَفِعُ بِدُونِهَا وَهُوَ الْحِنْثُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ظِهَارٌ لِأَنَّ كَافَ التَّشْبِيهِ يَخْتَصُّ بِهِ).
(وَلَوْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَأُمِّي وَنَوَى ظِهَارًا أَوْ طَلَاقًا فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ) فَحَسْبُ، لِأَنَّهُ لَمَّا صَرَّحَ بِالْحُرْمَةِ لَمْ يَبْقَ كَلَامُهُ مُحْتَمِلًا لِلْكَرَامَةِ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَوَجْهُهَا ظَاهِرٌ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إيلَاءٌ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ظِهَارٌ،
وَالْوَجْهَانِ بَيَّنَّاهُمَا
(وَإِنْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَظَهْرِ أُمِّي وَنَوَى بِهِ طَلَاقًا أَوْ إيلَاءً لَمْ يَكُنْ إلَّا ظِهَارًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: هُوَ عَلَى مَا نَوَى) لِأَنَّ التَّحْرِيمَ يَحْتَمِلُ كُلَّ ذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنَّا، غَيْرَ أَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ إذَا نَوَى الطَّلَاقَ لَا يَكُونُ ظِهَارًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَكُونَانِ جَمِيعًا
وَالْوَجْهَانِ بَيَّنَّاهُمَا) يَعْنِي قَوْلَهُ لِيَكُونَ الثَّابِتُ أَدْنَى الْحُرْمَتَيْنِ، وَقَوْلَهُ لِأَنَّ كَافَ التَّشْبِيهِ يَخْتَصُّ بِهِ
(وَإِنْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَظَهْرِ أُمِّي وَنَوَى طَلَاقًا أَوْ إيلَاءً لَا يَكُونُ إلَّا ظِهَارًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وَكَذَا إذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ (وَقَالَا: هُوَ عَلَى مَا نَوَى) إنْ نَوَى ظِهَارًا فَظِهَارٌ، وَإِنْ نَوَى طَلَاقًا فَطَلَاقٌ، وَإِنْ نَوَى إيلَاءً فَإِيلَاءٌ، كَذَا ذَكَرَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَالْإِمَامُ الْعَتَّابِيُّ فِي شَرْحَيْهِمَا لِلْجَامِعِ الصَّغِيرِ (لِأَنَّ التَّحْرِيمَ مُحْتَمَلٌ) وَنِيَّةُ الْمُحْتَمَلِ صَحِيحَةٌ (غَيْرَ أَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ إذَا نَوَى الطَّلَاقَ لَا يَكُونُ ظِهَارًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَكُونَانِ جَمِيعًا) يَعْنِي يَقَعُ الطَّلَاقُ بِنِيَّتِهِ وَيَكُونُ مُظَاهِرًا بِالتَّصْرِيحِ بِالظِّهَارِ، وَلَا يَصْدُقُ فِي صَرْفِ الْكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ قَضَاءً فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ زَيْنَبُ طَالِقٌ وَلَهُ امْرَأَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِهَذَا الِاسْمِ وَقَالَ لِي امْرَأَةٌ أُخْرَى وَإِيَّاهَا عَنَيْت يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى تِلْكَ بِنِيَّتِهِ وَعَلَى هَذِهِ الْمَعْرُوفَةِ بِالظَّاهِرِ.
وَقَدْ عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ فَلَا يُحْتَمَلُ غَيْرُهُ، ثُمَّ هُوَ مُحْكَمٌ فَيُرَدُّ التَّحْرِيمُ إلَيْهِ.
قَالَ (وَلَا يَكُونُ الظِّهَارُ إلَّا مِنْ الزَّوْجَةِ، حَتَّى لَوْ ظَاهَرَ مِنْ أَمَتِهِ لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {مِنْ نِسَائِهِمْ} وَلِأَنَّ الْحِلَّ فِي الْأَمَةِ تَابِعٌ فَلَا تُلْحَقُ بِالْمَنْكُوحَةِ، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ مَنْقُولٌ عَنْ الطَّلَاقِ وَلَا طَلَاقَ فِي الْمَمْلُوكَةِ.
وَضَعَّفَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ بِأَنَّ الطَّلَاقَ إنْ وَقَعَ بِقَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَانَ مُتَكَلِّمًا بِلَفْظِ الظِّهَارِ بَعْدَ مَا بَانَتْ، وَالظِّهَارُ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ لَا يَصِحُّ، وَإِنْ قَالَ الظِّهَارُ مَعَ الطَّلَاقِ يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ. قُلْنَا اللَّفْظُ الْوَاحِدُ لَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
وَأَجَابَ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ عَنْ هَذَا فَقَالَ: يَصِحُّ ظِهَارُ الْمُبَانَةِ عَلَى قَوْلِهِ، وَكَانَ هَذَا رِوَايَةً مِنْهُ عَلَى صِحَّةِ ظِهَارِ الْمُبَانَةِ وَأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ وَلِهَذَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ يَكُونُ ظِهَارًا فَلَا يُصَدَّقُ فِي إبْطَالِ حُكْمِ الظِّهَارِ وَيُصَدَّقُ فِي إرَادَةِ الطَّلَاقِ لِاعْتِرَافِهِ بِهِ.
وَقَوْلُهُ وَقَدْ عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ) يَعْنِي مَبْسُوطَ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ) وَلِهَذَا لَا يَحْتَاجُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ إلَى النِّيَّةِ (فَلَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ مِنْ الطَّلَاقِ) وَالْإِيلَاءِ (ثُمَّ هُوَ مُحْكَمٌ) لِعَدَمِ احْتِمَالِ الْغَيْرِ، وَقَوْلُهُ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ يَحْتَمِلُ تَحْرِيمَ الطَّلَاقِ وَغَيْرَهُ كَمَا مَرَّ (فَيُرَدُّ التَّحْرِيمُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الظِّهَارِ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ فِي رَدِّ الْمُحْتَمَلِ عَلَى الْمُحْكَمِ.
قَالَ (وَلَا يَكُونُ الظِّهَارُ إلَّا مِنْ الزَّوْجَةِ، حَتَّى لَوْ ظَاهَرَ مِنْ أَمَتِهِ لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} وَلِأَنَّ الْحِلَّ فِي الْمَمْلُوكَةِ تَابِعٌ) بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى أَمَةً فَوَجَدَهَا مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ بِرَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ لَمْ يَثْبُتْ لِلْمُشْتَرِي وِلَايَةُ الرَّدِّ بِسَبَبِ الْحُرْمَةِ فَلَا تَكُونُ الْأَمَةُ فِي مَعْنَى الْمَنْكُوحَةِ حَتَّى تَلْحَقَ بِهَا (وَلِأَنَّ الظِّهَارَ مَنْقُولٌ عَنْ الطَّلَاقِ وَلَا طَلَاقَ فِي الْمَمْلُوكَةِ) وَعُورِضَ بِأَنَّ الْأَمَةَ مَحَلُّ الظِّهَارِ بَقَاءً فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَحَلًّا ابْتِدَاءً؛ كَمَا لَوْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ وَهِيَ أَمَةٌ ثُمَّ اشْتَرَاهَا فَإِنَّهُ يَبْقَى حُكْمُ الظِّهَارِ، وَمَا يَرْجِعُ إلَى الْمَحَلِّ فَالِابْتِدَاءُ وَالْبَقَاءُ فِيهِ سَوَاءٌ كَالْمَحْرَمِيَّةِ فِي النِّكَاحِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ بَقَاءَ الظِّهَارِ فِيمَا ذَكَرْت لَيْسَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا مَحَلٌّ لِلظِّهَارِ بَقَاءً، وَإِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ حُرْمَةَ الظِّهَارِ إذَا صَادَفَتْ الْمَحَلَّ
(فَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِغَيْرِ أَمْرِهَا ثُمَّ ظَاهَرَ مِنْهَا ثُمَّ أَجَازَتْ النِّكَاحَ فَالظِّهَارُ بَاطِلٌ) لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي التَّشْبِيهِ وَقْتَ التَّصَرُّفِ فَلَمْ يَكُنْ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ، وَالظِّهَارُ لَيْسَ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِهِ حَتَّى يَتَوَقَّفَ، بِخِلَافِ إعْتَاقِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ.
(وَمَنْ قَالَ لِنِسَائِهِ أَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي كَانَ مُظَاهِرًا مِنْهُنَّ جَمِيعًا) لِأَنَّهُ أَضَافَ الظِّهَارَ إلَيْهِنَّ فَصَارَ كَمَا إذَا أَضَافَ الطَّلَاقَ (وَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةُ) لِأَنَّ الْحُرْمَةَ تَثْبُتُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدَةٍ وَالْكَفَّارَةُ لِإِنْهَاءِ الْحُرْمَةِ فَتَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِهَا، بِخِلَافِ الْإِيلَاءِ مِنْهُنَّ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ فِيهِ لِصِيَانَةِ حُرْمَةِ الِاسْمِ وَلَمْ يَتَعَدَّدْ ذِكْرُ الِاسْمِ.
لَا تَزُولُ إلَّا بِالْكَفَّارَةِ، وَهَاهُنَا قَدْ صَادَفَتْ مَحَلًّا فَتَبْقَى إلَى أَنْ تُوجَدَ الْكَفَّارَةُ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرْمَةِ الثَّابِتَةِ بِالطَّلَاقِ، فَإِنَّهَا إذَا طَلُقَتْ ثِنْتَيْنِ لَمْ تَحِلَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ بِزَوْجٍ آخَرَ.
(فَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِغَيْرِ أَمْرِهَا ثُمَّ ظَاهَرَ مِنْهَا ثُمَّ أَجَازَتْ النِّكَاحَ فَالظِّهَارُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ صَادَقَ فِي التَّشْبِيهِ وَقْتَ التَّصَرُّفِ) لِكَوْنِهَا مُحَرَّمَةً قَبْلَ إجَازَتِهَا فَلَمْ يُوجَدْ رُكْنُ الظِّهَارِ وَهُوَ تَشْبِيهُ الْمُحَلَّلَةِ بِالْمُحَرَّمَةِ فَلَمْ يَكُنْ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَالظِّهَارُ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ.
وَقَوْلُهُ وَالظِّهَارُ لَيْسَ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِهِ) أَيْ حُقُوقِ النِّكَاحِ جَوَابُ سُؤَالٍ. تَقْرِيرُهُ الظِّهَارُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمِلْكِ وَالْمِلْكُ مَوْقُوفٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الظِّهَارُ مَوْقُوفًا عَلَى الْإِجَازَةِ يُوقَفُ إعْتَاقُ الْمُشْتَرَى مِنْ الْغَاصِبِ عَلَى إجَازَةِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ الْبَيْعُ الصَّادِرُ مِنْ الْغَاصِبِ.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّ الظِّهَارَ لَيْسَ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ وَلَوَازِمِهِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَوَقُّفِ النِّكَاحِ عَلَى الْإِجَازَةِ تَوَقُّفُ الظِّهَارِ عَلَيْهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ حُقُوقِهِ أَنَّ النِّكَاحَ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ، وَالظِّهَارَ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ، وَمَا لَا يَكُونُ مَشْرُوعًا لَا يَكُونُ مِنْ حُقُوقِ الْمَشْرُوعِ (بِخِلَافِ إعْتَاقِ الْمُشْتَرَى مِنْ الْغَاصِبِ، لِأَنَّهُ) أَيْ الْإِعْتَاقَ (مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ) لِكَوْنِهِ مَنْهِيًّا لِلْمِلْكِ وَمُتَمِّمًا لَهُ.
(وَمَنْ قَالَ لِنِسَائِهِ أَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي كَانَ مُظَاهِرًا مِنْهُنَّ جَمِيعًا) وَكَلَامُهُ فِيهِ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الْإِيلَاءِ مِنْهُنَّ) يَعْنِي أَنْ يَقُولَ لَهُنَّ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكُنَّ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَقْرَبْهُنَّ حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ طَلُقْنَ جَمِيعًا، وَإِنْ قَرِبَ الْكُلَّ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ فِيهِ لِصِيَانَةِ حُرْمَةِ الِاسْمِ وَلَمْ يَتَعَدَّدْ ذِكْرُ الِاسْمِ.
فَصْل فِي الْكَفَّارَة
فَصْلٌ فِي الْكَفَّارَةِ
لَمَّا ذَكَرَ حُكْمَ الظِّهَارِ وَهُوَ حُرْمَةُ الْوَطْءِ وَدَوَاعِيهِ إلَى نِهَايَتِهِ ذَكَرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ مَا يَنْهَى تِلْكَ الْحُرْمَةَ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ. وَسَبَبُهَا الظِّهَارُ وَالْعَوْدُ جَمِيعًا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَطَفَ الْعَوْدَ عَلَى الظِّهَارِ فِي بَيَانِ سَبَبِ الْكَفَّارَةِ، ثُمَّ رَتَّبَ الْحُكْمَ
قَالَ (وَكَفَّارَةُ الظِّهَارِ عِتْقُ رَقَبَةٍ) فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) لِلنَّصِّ الْوَارِدِ فِيهِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْكَفَّارَةَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ. قَالَ (وَكُلُّ ذَلِكَ قَبْلَ الْمَسِيسِ) وَهَذَا فِي الْإِعْتَاقِ، وَالصَّوْمُ ظَاهِرٌ لِلتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ، وَكَذَا فِي الْإِطْعَامِ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ فِيهِ مَنْهِيَّةٌ لِلْحُرْمَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِهَا عَلَى الْوَطْءِ لِيَكُونَ الْوَطْءُ حَلَالًا قَالَ (وَتَجْزِي فِي الْعِتْقِ الرَّقَبَةُ الْكَافِرَةُ وَالْمُسْلِمَةُ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ) لِأَنَّ اسْمَ الرَّقَبَةِ يَنْطَلِقُ عَلَى هَؤُلَاءِ إذْ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الذَّاتِ الْمَرْقُوقِ الْمَمْلُوكِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ،
عَلَيْهَا بِالْفَاءِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ الظِّهَارَ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَزُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ جِهَةُ إبَاحَةٍ فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ، لِأَنَّ سَبَبَهَا لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ أَمْرًا دَائِرًا بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، وَضَمَّ إلَى ذَلِكَ الْعَوْدَ عَمَّا قَالَ لِكَوْنِهِ بَعْضَ الْمُنْكَرِ وَهُوَ حَسَنٌ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِسَبَبٍ مُسْتَقِرٍّ لَهَا حَتَّى لَوْ عَادَ بِالْعَزْمِ عَلَى الْوَطْءِ ثُمَّ أَبَانَهَا أَوْ مَاتَتْ لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ، وَلَوْ عَادَ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ لَا يَطَأَهَا سَقَطَتْ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ لِلْعَوْدِ مَدْخَلٌ فِي السَّبَبِيَّةِ لَمَا جَازَ أَدَاءُ الْكَفَّارَةِ بَعْدَ الظِّهَارِ قَبْلَ الْعَوْدِ حَقِيقَةً لِأَنَّ تَقَدُّمَ الْحُكْمِ عَلَى السَّبَبِ لَا يَجُوزُ وَهُوَ جَائِزٌ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَوْدِ حَقِيقَةً إنْ كَانَ الْفِعْلَ فَهُوَ لَيْسَ بِسَبَبٍ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْعَزْمَ فَلَا نُسَلِّمُ جَوَازَ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ. نَعَمْ يَجِبُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْفِعْلِ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ إنْهَاءً لِلْحُرْمَةِ الثَّابِتَةِ بِالظِّهَارِ، وَلَا يُمْكِنُ إيقَاعُ الْفِعْلِ حَلَالًا إلَّا بَعْدَ إنْهَاءِ الْحُرْمَةِ بِالْكَفَّارَةِ فَوَجَبَ التَّعْجِيلُ عَلَى الْفِعْلِ لِيَكُونَ الْفِعْلُ وَاقِعًا بِصِفَةِ الْحِلِّ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحُرْمَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ يَدُلُّ النَّصُّ الْمُوجِبُ لِلْكَفَّارَةِ، وَمَا فِي الْكِتَابِ ظَاهِرٌ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (عِتْقُ رَقَبَةٍ) إعْتَاقُ رَقَبَةٍ، فَإِنَّ الْعِتْقَ قَدْ لَا يَنُوبُ عَنْ الْكَفَّارَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَرِثَ أَبَاهُ وَنَوَى الْكَفَّارَةَ لَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهَا.
وَقَوْلُهُ (مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) مُتَعَلِّقٌ بِالْمَرْقُوقِ دُونَ الْمَمْلُوكِ لِأَنَّ الْكَمَالَ فِي الرِّقِّ شَرْطٌ دُونَ الْمِلْكِ وَلِهَذَا لَوْ أَعْتَقَ الْمُكَاتَبَ الَّذِي لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا صَحَّ عَنْ الْكَفَّارَةِ، وَلَوْ أَعْتَقَ الْمُدَبَّرَ عَنْهَا لَمْ يَصِحَّ. وَاعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ عَنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ رَقَّهُ حَتَّى يُشْتَقَّ مِنْهُ الْمَرْقُوقُ، وَإِنَّمَا يُقَالُ رَقَّ فُلَانٌ: إذَا صَارَ رَقِيقًا: أَيْ عَبْدًا.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْأَزْهَرِيَّ حَكَى عَنْ ابْنِ السِّكِّيتِ أَنَّهُ جَاءَ عَبْدٌ مَرْقُوقٌ وَكِلَاهُمَا ثِقَةٌ. وَالثَّانِي أَنَّ تَذْكِيرَ الذَّاتِ لَا يَجُوزُ، فَالصَّوَابُ ذَاتٌ مَرْقُوقَةٌ
وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُنَا فِي الْكَافِرَةِ وَيَقُولُ: الْكَفَّارَةُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلَى عَدُوِّ اللَّهِ كَالزَّكَاةِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ إعْتَاقُ الرَّقَبَةِ وَقَدْ تَحَقَّقَ، وَقَصْدُهُ مِنْ الْإِعْتَاقِ التَّمَكُّنُ مِنْ الطَّاعَةِ ثُمَّ مُقَارَفَتُهُ الْمَعْصِيَةَ يُحَالُ بِهِ إلَى سُوءِ اخْتِيَارِهِ
مَمْلُوكَةٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الذَّاتَ تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ النَّفْسِ وَالشَّيْءِ فَتَذْكِيرُهُ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الثَّانِي.
وَقَوْلُهُ وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُنَا) أَيْ لَا يُجَوِّزُ إعْتَاقَ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ فِي الْكَفَّارَةِ (لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقُّ اللَّهِ لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلَى عَدُوِّ اللَّهِ كَالزَّكَاةِ وَنَحْنُ نَقُولُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ إعْتَاقُ الرَّقَبَةِ وَقَدْ تَحَقَّقَ) وَقَوْلُهُ (وَقَصْدُهُ مِنْ الْإِعْتَاقِ التَّمَكُّنُ مِنْ الطَّاعَةِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ الْكَفَّارَةُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى.
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ قَصْدَ الْمُكَفِّرِ بِالْإِعْتَاقِ هُوَ أَنْ يَتَمَكَّنَ الْمُعْتَقُ مِنْ الطَّاعَةِ بِخُلُوصِهِ عَنْ خِدْمَةِ الْمَوْلَى (ثُمَّ مُقَارَفَتُهُ الْمَعْصِيَةَ) أَيْ بَقَاؤُهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ (يُحَالُ بِهِ إلَى سُوءِ) اعْتِقَادِهِ وَ (اخْتِيَارِهِ)
(وَلَا تُجْزِئُ الْعَمْيَاءُ وَلَا الْمَقْطُوعَةُ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ) لِأَنَّ الْفَائِتَ جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ وَهُوَ الْبَصَرُ أَوْ الْبَطْشُ أَوْ الْمَشْيُ وَهُوَ الْمَانِعُ، أَمَّا إذَا اخْتَلَّتْ الْمَنْفَعَةُ فَهُوَ غَيْرُ مَانِعٍ، حَتَّى يُجَوِّزَ الْعَوْرَاءَ وَمَقْطُوعَةَ إحْدَى الْيَدَيْنِ وَإِحْدَى الرِّجْلَيْنِ مِنْ خِلَافٍ لِأَنَّهُ مَا فَاتَ جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ بَلْ اخْتَلَّتْ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتَا مَقْطُوعَتَيْنِ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لِفَوَاتِ جِنْسِ مَنْفَعَةِ الْمَشْيِ إذْ هُوَ عَلَيْهِ مُتَعَذِّرٌ، وَيَجُوزُ الْأَصَمُّ. وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ وَهُوَ رِوَايَةُ النَّوَادِرِ، لِأَنَّ الْفَائِتَ جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ، إلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّا الْجَوَازَ لِأَنَّ أَصْلَ الْمَنْفَعَةِ بَاقٍ، فَإِنَّهُ إذَا صِيحَ عَلَيْهِ سَمِعَ حَتَّى لَوْ كَانَ بِحَالٍ لَا يَسْمَعُ أَصْلًا بِأَنْ وُلِدَ أَصَمَّ وَهُوَ الْأَخْرَسُ لَا يَجْزِيه (وَلَا يَجُوزُ مَقْطُوعُ إبْهَامَيْ الْيَدَيْنِ) لِأَنَّ قُوَّةَ الْبَطْشِ بِهِمَا فَبِفَوَاتِهِمَا يَفُوتُ جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ (وَلَا يَجُوزُ الْمَجْنُونُ الَّذِي لَا يَعْقِلُ) لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْجَوَارِحِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْعَقْلِ
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مُقَارَفَتُهُ الْمَعْصِيَةَ يُحَالُ بِهِ إلَى سُوءِ اخْتِيَارِهِ، لَكِنْ لِمَ لَا يَكُونُ تَصَوُّرُ ذَلِكَ مِنْهُ مَانِعًا عَنْ الصَّرْفِ إلَيْهِ كَمَا فِي الزَّكَاةِ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْقِيَاسَ جَوَازُ صَرْفِ الزَّكَاةِ إلَيْهِ أَيْضًا لِأَنَّ فِيهِ مُوَاسَاةَ عِبَادِ اللَّهِ، لَكِنْ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «خُذْهَا مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَرُدَّهَا عَلَى فُقَرَائِهِمْ» أَخْرَجَهُمْ عَنْ الْمَصْرِفِ.
قَالَ (وَلَا تُجْزَى الْعَمْيَاءُ) أَيْ لَا يَجُوزُ إعْتَاقُ الرَّقَبَةِ الْعَمْيَاءِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ، وَالضَّابِطُ فِي تَخْرِيجِ مَا يَجُوزُ بِهِ الْإِعْتَاقُ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَمَا لَا يَجُوزُ هُوَ أَنَّهُ مَتَى أَعْتَقَ رَقَبَةً كَامِلَةَ الرِّقِّ فِي مِلْكِهِ مَقْرُونًا بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ، وَجِنْسُ مَا يُبْتَغَى بِهِ مِنْ الْمَنَافِعِ فِيهَا قَائِمٌ بِلَا بَدَلٍ جَازَ عَنْهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ. فَقَوْلُهُ رَقَبَةً احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا أَعْتَقَ نِصْفَ رَقَبَةٍ فَجَامَعَهَا ثُمَّ أَعْتَقَ النِّصْفَ الْآخَرَ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ أَعْتَقَ النِّصْفَ الْآخَرَ قَبْلَ الْجِمَاعِ جَازَ. وَقَوْلُهُ كَامِلَةَ الرِّقِّ احْتِرَازٌ عَنْ الْمُدَبَّرِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَوْلُهُ مَقْرُونًا بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَلَمْ يَنْوِ عَنْ الْكَفَّارَةِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ عَنْهَا، وَإِنْ نَوَى عَنْهَا بَعْدَ الْإِعْتَاقِ لَا يَجُوزُ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ وَجِنْسُ مَا يُبْتَغَى بِهِ مِنْ الْمَنَافِعِ فِيهَا قَائِمٌ احْتِرَازٌ عَنْ مَقْطُوعِ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ وَمَا يُمَاثِلُ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ بِلَا بَدَلٍ احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى بَدَلٍ، فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ عَنْ الْكَفَّارَةِ. وَإِنَّمَا كَانَ فَوْتُ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ مَانِعًا لِأَنَّ الشَّخْصَ يَصِيرُ فِي ذَلِكَ الْجِنْسِ كَالْهَالِكِ لِأَنَّ قِيَامَ الشَّخْصِ بِمَنَافِعِهِ.
وَقَوْلُهُ وَيَجُوزُ الْأَصَمُّ) وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ قُوَّةَ الْبَطْشِ بِهِمَا) يُفِيدُ أَنَّ مَا يَزُولُ بِهِ تِلْكَ الْقُوَّةُ كَانَ مَانِعًا فَقَطْعُ أَكْثَرِ أَصَابِعِ كُلِّ يَدٍ كَقَطْعِ جَمِيعِهَا
فَكَانَ فَائِتَ الْمَنَافِعِ (وَاَلَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ يَجْزِيه) لِأَنَّ الِاخْتِلَالَ غَيْرُ مَانِعٍ، وَلَا يُجْزِئُ عِتْقُ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ لِاسْتِحْقَاقِهِمَا الْحُرِّيَّةَ بِجِهَةٍ فَكَانَ الرِّقُّ فِيهِمَا نَاقِصًا، وَكَذَا الْمُكَاتَبُ الَّذِي أَدَّى بَعْضَ الْمَالِ لِأَنَّ إعْتَاقَهُ يَكُونُ بِبَدَلٍ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجْزِيه لِقِيَامِ الرِّقِّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلِهَذَا تَقْبَلُ الْكِتَابَةُ الِانْفِسَاخَ، بِخِلَافِ أُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ وَالتَّدْبِيرِ لِأَنَّهُمَا لَا يَحْتَمِلَانِ الِانْفِسَاخَ، فَإِنْ أَعْتَقَ مُكَاتَبًا لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا جَازَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. لَهُ أَنَّهُ اسْتَحَقَّ الْحُرِّيَّةَ بِجِهَةِ الْكِتَابَةِ فَأَشْبَهَ الْمُدَبَّرَ. وَلَنَا أَنَّ الرِّقَّ قَائِمٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَلِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام " الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ
وَقَوْلُهُ (وَاَلَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ يَجْزِيهِ) يَعْنِي إذَا أَعْتَقَهُ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ (وَلَا يُجْزِئُ عِتْقُ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ) لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُطْلَقَةٍ، وَالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ، وَرَقَبَةُ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ لَيْسَتْ بِكَامِلَةٍ (لِاسْتِحْقَاقِهِمَا جِهَةَ الْحُرِّيَّةِ فَكَانَ الرِّقُّ نَاقِصًا) فَإِنَّهُ إذَا ثَبَتَ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ مِنْ الْقُوَّةِ الْحُكْمِيَّةِ زَالَ فِي مُقَابَلَتِهِ شَيْءٌ مِنْ الضَّعْفِ الْحُكْمِيِّ. وَقَوْلُهُ (فَأَشْبَهَ الْمُدَبَّرَ) اسْتِدْلَالٌ بِمَا لَا يَقُولُ بِهِ، فَإِنَّ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ وَإِعْتَاقَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ جَائِزٌ فَكَانَ هَذَا احْتِجَاجًا عَلَيْنَا بِمَذْهَبِنَا.
وَقَوْلُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ وَلِهَذَا تَقْبَلُ الْكِتَابَةُ الِانْفِسَاخَ. وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم
دِرْهَمٌ " وَالْكِتَابَةُ لَا تُنَافِيه فَإِنَّهُ فَكُّ الْحَجْرِ بِمَنْزِلَةِ الْإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ إلَّا أَنَّهُ بِعِوَضٍ فَيَلْزَمُ مِنْ جَانِبِهِ، وَلَوْ كَانَ مَانِعًا يَنْفَسِخُ مُقْتَضَى الْإِعْتَاقِ إذْ هُوَ يَحْتَمِلُهُ، إلَّا أَنَّهُ تَسْلَمُ لَهُ الْأَكْسَابُ وَالْأَوْلَادُ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي حَقِّ الْمَحَلِّ
«الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَقَوْلُهُ (وَالْكِتَابَةُ لَا تُنَافِيهِ) دَلِيلٌ آخَرُ.
وَتَقْرِيرُهُ الْمُكَاتَبُ رَقِيقٌ قَبْلَ الْكِتَابَةِ لَا مَحَالَةَ، وَلَمْ يَزُلْ رِقُّهُ بِهَا لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَزُولُ إلَّا بِمُنَافِيهِ، وَالْكِتَابَةُ لَا تُنَافِي الرِّقَّ (فَإِنَّهُ) أَيْ عَقْدَ الْكِتَابَةِ أَوْ ذَكَرَهُ بِاعْتِبَارِ الْخَبَرِ (فَكُّ الْحَجْرِ) إذْ لَمْ يَمْلِكْ بِهِ الْمُكَاتَبُ إلَّا الْمَنَافِعَ، وَالْأَكْسَابُ كَالْإِعَارَةِ وَالْإِجَارَةِ وَفَكُّ الْحَجْرِ لَا يُنَافِي مِلْكَ الرَّقَبَةِ كَالْإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَتْ الْكِتَابَةُ فَكَّ الْحَجْرِ بِمَنْزِلَةِ الْإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ لَاسْتَبَدَّ الْمَوْلَى بِالْفَسْخِ كَمَا فِي عَزْلِ الْمَأْذُونِ.
أَجَابَ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنَّهُ: أَيْ عَقْدَ الْكِتَابَةِ فَكُّ الْحَجْرِ بِعِوَضٍ فَكَانَ لَازِمًا مِنْ جَانِبِهِ: أَيْ مِنْ جَانِبِ الْمَوْلَى.
وَقَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ مَانِعًا) جَوَابٌ بِطَرِيقِ التَّنَزُّلِ: يَعْنِي لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ مَانِعٌ عَنْ الْإِعْتَاقِ عَنْ الْكَفَّارَةِ، لَكِنَّهُ إذَا أَعْتَقَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ (يَنْفَسِخُ) قَبْلَ الْإِعْتَاقِ (مُقْتَضَى الْإِعْتَاقِ إذْ هُوَ) أَيْ عَقْدُ الْكِتَابَةِ (يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ) فَإِنْ قِيلَ: لَوْ صَحَّ إعْتَاقُهُ تَكْفِيرًا وَانْفَسَخَ عَقْدُ الْكِتَابَةِ مُقْتَضَى الْإِعْتَاقِ لَسَلِمَ الْأَوْلَادُ وَالْأَكْسَابُ لِلْمَوْلَى، كَمَا إذَا أَعْتَقَ عَبْدَهُ الْمَأْذُونَ بِجِهَةِ التَّكْفِيرِ وَلَهُ أَكْسَابٌ أَجَابَ بِقَوْلِهِ (إلَّا أَنَّهُ يُسَلِّمُ لَهُ) أَيْ لِلْمُكَاتَبِ (الْأَكْسَابَ وَالْأَوْلَادَ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي حَقِّ الْمَحَلِّ)
بِجِهَةِ الْكِتَابَةِ، أَوْ لِأَنَّ الْفَسْخَ ضَرُورِيٌّ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْوَلَدِ وَالْكَسْبِ
(وَإِنْ اشْتَرَى أَبَاهُ أَوْ ابْنَهُ يَنْوِي بِالشِّرَاءِ الْكَفَّارَةَ جَازَ عَنْهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ وَالْمَسْأَلَةُ تَأْتِيك فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ
وَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ وَهُوَ مُوسِرٌ وَضَمِنَ قِيمَةَ بَاقِيه لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَجُوزُ عِنْدَهُمَا
يَعْنِي الْمُكَاتَبَ (بِجِهَةِ الْكِتَابَةِ) وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَخْرُجُ الْأَكْسَابُ وَالْأَوْلَادُ عَنْ مِلْكِهِ كَمَا لَوْ عَتَقَ بِأَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْفَسْخَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِرِضَا الْمُكَاتَبِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ صَرِيحًا فَيُقَدَّرُ دَلَالَةً، وَالدَّلَالَةُ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ إذَا سَلِمَتْ لَهُ الْأَكْسَابُ وَالْأَوْلَادُ، فَجَعَلَ الْعِتْقَ بِجِهَةِ الْكِتَابَةِ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا بِاخْتِلَافِ الْجِهَاتِ، وَجَعَلَ الْإِعْتَاقَ لِلتَّكْفِيرِ لِأَنَّ الْمَوْلَى قَصَدَهُ، وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْجِهَاتِ نَظَرًا لِلْجَانِبَيْنِ (أَوْ لِأَنَّ الْفَسْخَ ثَبَتَ ضَرُورَةَ صِحَّةِ الْإِعْتَاقِ) فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْأَوْلَادِ وَالْأَكْسَابِ.
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ اشْتَرَى أَبَاهُ أَوْ ابْنَهُ) وَاضِحٌ.
لِأَنَّهُ يَمْلِكُ نَصِيبَ صَاحِبِهِ بِالضَّمَانِ فَصَارَ مُعْتِقًا كُلَّ الْعَبْدِ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَهُوَ مِلْكُهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ فَيَكُونُ إعْتَاقًا بِعِوَضٍ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ نَصِيبَ صَاحِبِهِ يَنْتَقِصُ عَلَى مِلْكِهِ ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إلَيْهِ بِالضَّمَانِ وَمِثْلُهُ يَمْنَعُ الْكَفَّارَةَ
(فَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ ثُمَّ أَعْتَقَ بَاقِيه عَنْهَا جَازَ) لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ بِكَلَامَيْنِ وَالنُّقْصَانُ مُتَمَكِّنٌ عَلَى مِلْكِهِ بِسَبَبِ الْإِعْتَاقِ بِجِهَةِ الْكَفَّارَةِ وَمِثْلُهُ غَيْرُ مَانِعٍ، كَمَنْ أَضْجَعَ شَاةً لِلْأُضْحِيَّةِ فَأَصَابَ السِّكِّينُ عَيْنَهَا، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ النُّقْصَانَ تَمَكَّنَ عَلَى مِلْكِ الشَّرِيكِ
وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُعْتَقُ مُعْسِرًا) يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَنْ الْكَفَّارَةِ بِالِاتِّفَاقِ. فَإِنْ قِيلَ: يَجِبُ أَنْ يَقَعَ عَنْ الْكَفَّارَةِ عِنْدَهُمَا وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَقُ مُعْسِرًا لِأَنَّهُ يَصِيرُ حُرًّا مَدْيُونًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِعْتَاقَ عِنْدَهُمَا لَا يَتَجَزَّأُ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ وُجُوبَ هَذَا الدَّيْنِ بِسَبَبِ الْإِعْتَاقِ فَلَا يَكُونُ الْعِتْقُ مَجَّانًا فَلَا يَقَعُ عَنْ الْكَفَّارَةِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ نَصِيبَ صَاحِبِهِ يَنْتَقِصُ عَلَى مِلْكِهِ) لِتَعَذُّرِ اسْتِدَامَةِ الْمِلْكِ فِيهِ (ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إلَيْهِ بِالضَّمَانِ) مَا بَقِيَ مِنْهُ فَكَانَ فِي الْمَعْنَى إعْتَاقُ عَبْدٍ إلَّا شَيْئًا، وَمِثْلُهُ يَمْنَعُ الْكَفَّارَةَ. فَإِنْ قِيلَ: الْمَضْمُونَاتُ تُمْلَكُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ بِصِفَةِ الِاسْتِنَادِ إلَى زَمَانِ وُجُودِ السَّبَبِ فَصَارَ نَصِيبُ السَّاكِتِ مِلْكَ الْمُعْتَقِ زَمَانَ الْإِعْتَاقِ وَكَانَ النُّقْصَانُ فِي مِلْكِهِ لَا فِي مِلْكِ شَرِيكِهِ وَمِثْلُهُ لَا يَمْنَعُ الْكَفَّارَةَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِيمَا يَلِيهِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمَضْمُونِ يَثْبُتُ بِصِفَةِ الِاسْتِنَادِ فِي حَقِّ الضَّامِنِ وَالْمَضْمُونِ لَهُ لَا فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا عَلَى مَا عُرِفَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ مِنْ الزِّيَادَاتِ وَالْكَفَّارَةُ غَيْرُهُمَا فَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي حَقِّهَا مُسْتَنِدًا وَيَلْزَمُ النُّقْصَانَ الْمَانِعُ.
(فَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ ثُمَّ أَعْتَقَ بَاقِيَهُ جَازَ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ بِكَلَامَيْنِ) فَلَا مَحْظُورَ فِيهِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ تَمَكَّنَ فِيهِ النُّقْصَانُ لِمَا مَرَّ وَالنُّقْصَانُ مَانِعٌ.
أَجَابَ بِقَوْلِهِ وَالنُّقْصَانُ مُتَمَكِّنٌ عَلَى مِلْكِهِ بِسَبَبِ الْإِعْتَاقِ بِجِهَةِ الْكَفَّارَةِ، فَإِنَّهُ أَعْتَقَ النِّصْفَ وَبَعْضَ النِّصْفِ الْآخَرِ ثُمَّ أَعْتَقَ مَا بَقِيَ وَمِثْلُهُ غَيْرُ مَانِعٍ، كَمَنْ أَضْجَعَ شَاةً لِلْأُضْحِيَّةِ فَأَصَابَ السِّكِّينُ عَيْنَهَا فَإِنَّ النُّقْصَانَ لَمَّا حَصَلَ بِفِعْلِ التَّضْحِيَةِ لَمْ يَمْنَعْ، فَكَذَلِكَ النُّقْصَانُ الْحَاصِلُ بِفِعْلِ الْكَفَّارَةِ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ النُّقْصَانَ تَمَكَّنَ عَلَى مِلْكِ الشَّرِيكِ حَيْثُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ النُّقْصَانُ الْحَاصِلُ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي مَصْرُوفًا إلَى الْكَفَّارَةِ لِانْعِدَامِ الْمِلْكِ لَهُ فِي ذَلِكَ النِّصْفِ فَبَطَلَ قَدْرُ النُّقْصَانِ وَلَمْ يَقَعْ عَنْ الْكَفَّارَةِ، فَإِذَا ضَمِنَ قِيمَةَ النِّصْفِ الْبَاقِي وَأَعْتَقَهُ فَقَدْ صُرِفَ إلَى الْكَفَّارَةِ وَهُوَ نَاقِصٌ وَصَارَ فِي الْحَاصِلِ كَأَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدًا إلَّا قَدْرَ النُّقْصَانِ.
وَهَذَا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. أَمَّا عِنْدَهُمَا فَالْإِعْتَاقُ لَا يَتَجَزَّأُ، فَإِعْتَاقُ النِّصْفِ إعْتَاقُ الْكُلِّ فَلَا يَكُونُ إعْتَاقًا بِكَلَامَيْنِ.
(وَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ ثُمَّ جَامَعَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا ثُمَّ أَعْتَقَ بَاقِيه لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ، وَشَرْطُ الْإِعْتَاقِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْمَسِيسِ بِالنَّصِّ، وَإِعْتَاقُ النِّصْفِ حَصَلَ بَعْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا إعْتَاقُ النِّصْفِ إعْتَاقُ الْكُلِّ فَحَصَلَ الْكُلُّ قَبْلَ الْمَسِيسِ.
(وَإِذَا لَمْ يَجِدْ الْمُظَاهِرُ مَا يَعْتِقُ
وَقَوْلُهُ (وَهَذَا) أَيْ جَعْلُهُ إعْتَاقًا بِكَلَامَيْنِ (عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ) فِي تَجَزِّي الْإِعْتَاقِ (أَمَّا عِنْدَهُمَا فَالْإِعْتَاقُ لَا يَتَجَزَّأُ، فَإِعْتَاقُ النِّصْفِ إعْتَاقٌ لِلْكُلِّ فَلَا يَكُونُ إعْتَاقًا بِكَلَامَيْنِ) وَعَلَى هَذَا مَبْنَى الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَلِيهَا وَهِيَ ظَاهِرَةٌ، إلَّا أَنَّهُ اُعْتُرِضَ عَلَى قَوْلِهِ وَإِعْتَاقُ النِّصْفِ حَصَلَ بَعْدَهُ بِأَنَّ أَيَّ إعْتَاقٍ وُجِدَ بَعْدَ هَذَا وَإِنْ كَانَ كَامِلًا فَهُوَ إعْتَاقٌ بَعْدَ الْمَسِيسِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ عَنْ الْكَفَّارَةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ إعْتَاقُ رَقَبَةٍ كَامِلَةٍ قَبْلَ الْمَسِيسِ الثَّانِي فَصَارَ إعْتَاقُ نِصْفِ الْعَبْدِ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَكَأَنَّهُ قَدْ جَامَعَ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يُعَاوِدَ حَتَّى يُكَفِّرَ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
قَالَ (وَإِذَا لَمْ يَجِدْ الْمُظَاهِرُ مَا يُعْتِقُ) إذَا لَمْ يَجِدْ الْمُظَاهِرُ رَقَبَةً وَلَا ثَمَنَهَا يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ صَامَ بِالْأَهِلَّةِ جَازَ،
فَكَفَّارَتُهُ صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لَيْسَ فِيهِمَا شَهْرُ رَمَضَانَ وَلَا يَوْمُ الْفِطْرِ وَلَا يَوْمُ النَّحْرِ وَلَا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ) أَمَّا التَّتَابُعُ فَلِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ وَشَهْرُ رَمَضَانَ لَا يَقَعُ عَنْ الظِّهَارِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ وَالصَّوْمُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَلَا يَنُوبُ عَنْ الْوَاجِبِ الْكَامِلِ.
(فَإِنْ جَامَعَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا فِي خِلَالِ الشَّهْرَيْنِ لَيْلًا عَامِدًا أَوْ نَهَارًا نَاسِيًا اسْتَأْنَفَ الصَّوْمَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَسْتَأْنِفُ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ التَّتَابُعَ، إذْ لَا يَفْسُدُ بِهِ الصَّوْمُ وَهُوَ الشَّرْطُ، وَإِنْ كَانَ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْمَسِيسِ شَرْطًا فَفِيمَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ تَقْدِيمُ الْبَعْضِ وَفِيمَا قُلْتُمْ تَأْخِيرُ الْكُلِّ عَنْهُ. وَلَهُمَا أَنَّ الشَّرْطَ فِي الصَّوْمِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْمَسِيسِ وَأَنْ يَكُونَ خَالِيًا عَنْهُ ضَرُورَةً بِالنَّصِّ،
وَإِنْ كَانَ كُلُّ شَهْرٍ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَإِنْ صَامَ لِغَيْرِ الْأَهِلَّةِ فَأَفْطَرَ لِتَمَامِ تِسْعَةٍ وَخَمْسِينَ يَوْمًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ، وَكَذَا إنْ أَدْخَلَ فِي صِيَامِهِ شَهْرَ رَمَضَانَ أَوْ يَوْمَ الْفِطْرِ أَوْ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ.
(فَإِنْ جَامَعَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا فِي خِلَالِ الشَّهْرَيْنِ لَيْلًا عَامِدًا أَوْ نَهَارًا نَاسِيًا اسْتَأْنَفَ الصَّوْمَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَسْتَأْنِفُ) وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِاَلَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا لِأَنَّهُ إذَا جَامَعَ غَيْرَهَا فَإِنْ كَانَ وَطْئًا يُفْسِدُ الصَّوْمَ كَالْجِمَاعِ بِالنَّهَارِ عَامِدًا قَطَعَ التَّتَابُعَ فَيَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ لَمْ يُفْسِدْهُ بِأَنْ وَطِئَهَا بِالنَّهَارِ نَاسِيًا أَوْ بِاللَّيْلِ كَيْفَمَا كَانَ لَمْ يَقْطَعْ التَّتَابُعَ فَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ فِي جِمَاعِ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا بِالنَّهَارِ نَاسِيًا لِأَنَّهُ إذَا جَامَعَهَا فِيهِ عَامِدًا يَسْتَأْنِفُ بِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا ذِكْرُ الْعَمْدِ فِيهِ فِي اللَّيْلِ فَقَدْ وَقَعَ اتِّفَاقًا لِأَنَّ الْعَمْدَ وَالنِّسْيَانَ فِي الْوَطْءِ بِاللَّيْلِ سَوَاءٌ، فَعُرِفَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي وَطْءٍ لَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ. لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ هَذَا وَطْءٌ لَا يَفْسُدُ بِهِ الصَّوْمُ فَلَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ صَائِمًا، وَهُوَ الشَّرْطُ: أَيْ السَّبَبُ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي كَوْنِ الصَّوْمِ كَفَّارَةً وَقَدْ وُجِدَ. فَإِنْ قِيلَ: تَقْدِيمُ الصَّوْمِ عَلَى الْمَسِيسِ شَرْطٌ وَلَمْ يُوجَدْ أَجَابَ بِقَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْمَسِيسِ شَرْطًا فِيمَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ تَقْدِيمُ الْبَعْضِ وَفِيمَا قُلْتُمْ يَعْنِي الِاسْتِئْنَافُ تَأْخِيرُ الْكُلِّ عَنْهُ وَتَأْخِيرُ الْبَعْضِ أَهْوَنُ مِنْ تَأْخِيرِ الْكُلِّ (وَلَهُمَا أَنَّ الشَّرْطَ فِي الصَّوْمِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْمَسِيسِ وَأَنْ يَكُونَ خَالِيًا عَنْ الْمَسِيسِ ضَرُورَةً بِالنَّصِّ) وَهَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدَهُمَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ النَّصَّ يَقْتَضِي شَرْطَيْنِ: كَوْنَ الصَّوْمِ قَبْلَ الْمَسِيسِ، وَكَوْنَ الصَّوْمِ خَالِيًا عَنْ الْمَسِيسِ
وَهَذَا الشَّرْطُ يَنْعَدِمُ بِهِ فَيَسْتَأْنِفُ (وَإِنْ أَفْطَرَ مِنْهَا يَوْمًا بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ اسْتَأْنَفَ) لِفَوَاتِ التَّتَابُعِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ عَادَةً.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي مِنْ ضَرُورَةِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ تَقْدِيمَهُ عَلَى الْمَسِيسِ يَسْتَلْزِمُ خُلُوَّ الصَّوْمِ عَنْهُ (وَهَذَا الشَّرْطُ) أَيْ الشَّرْطُ الثَّانِي وَهُوَ الْخُلُوُّ عَنْهُ (يَنْعَدِمُ بِهِ) أَيْ بِالْمَسِيسِ فَيَنْعَدِمُ الْمَشْرُوطُ، وَيَجِبُ الِاسْتِئْنَافُ، لِأَنَّهُ إنْ عَجَزَ عَنْ الْإِتْيَانِ قَبْلَ الْمَسِيسِ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ خَالِيًا عَنْ الْمَسِيسِ، وَإِلَى هَذَا يُشِيرُ كَلَامُ عَامَّةِ الشَّارِحِينَ. وَالثَّانِي أَنْ يُقَالَ قَوْلُهُ " وَأَنْ يَكُونَ خَالِيًا عَنْهُ ضَرُورَةً " تَفْسِيرُ الْأَوَّلِ بِطَرِيقِ الْعَطْفِ لِأَنَّ إيقَاعَهُ قَبْلَ الْمَسِيسِ إخْلَاؤُهُ عَنْهُ بِالضَّرُورَةِ وَبِتَخَلُّلِ الْجِمَاعِ عُدِمَ الشَّرْطُ وَصَارَ الصَّوْمُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ وَقَدْ جَامَعَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا قَبْلَ الْكَفَّارَةِ. وَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ الِاسْتِغْفَارُ وَتَرْكُ الْعَوْدِ إلَى الْكَفَّارَةِ فَيَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ، وَهَذَا أَوْلَى لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْجَوَابِ عَنْ قَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْمَسِيسِ شَرْطًا إلَخْ.
وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ بِهِ الصَّوْمُ فَلَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ أَنَّ عَدَمَ الْفَسَادِ فِي النِّسْيَانِ ثَبَتَ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى قَطْعِ التَّتَابُعِ وَفِي الْعَمْدِ لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ (وَإِنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْهَا بِعُذْرٍ) كَسَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ (أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ اسْتَأْنَفَ لِفَوَاتِ التَّتَابُعِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ عَادَةً) وَهَذَا احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا أَفْطَرَتْ الْمَرْأَةُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ أَوْ الْإِفْطَارِ بِعُذْرِ الْحَيْضِ فَإِنَّهَا لَا تَسْتَأْنِفُ لِأَنَّهَا مَعْذُورَةٌ عَادَةً، إذْ لَا تَجِدُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لَا حَيْضَ فِيهِمَا. وَلَوْ صَامَ الْمُظَاهِرُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْإِعْتَاقِ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ الشَّهْرَيْنِ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعِتْقُ وَصَارَ صَوْمُهُ تَطَوُّعًا لِاقْتِدَارِهِ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ
(وَإِنْ ظَاهَرَ الْعَبْدُ لَمْ يَجُزْ فِي الْكَفَّارَةِ إلَّا الصَّوْمُ) لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ (وَإِنْ أَعْتَقَ الْمَوْلَى أَوْ أَطْعَمَ عَنْهُ لَمْ يَجْزِهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ فَلَا يَصِيرُ مَالِكًا بِتَمْلِيكِهِ.
(وَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ الْمُظَاهِرُ الصِّيَامَ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} (وَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ قِيمَةَ ذَلِكَ) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام فِي حَدِيثِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ وَسَهْلِ بْنِ صَخْرٍ:
الْغُرُوبِ كَانَ الصَّوْمُ عَنْ كَفَّارَتِهِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ ظَاهَرَ الْعَبْدُ) ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (أَوْ قِيمَةَ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ غَيْرِ الْأَعْدَادِ الْمَنْصُوصَةِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا فِي الْأَعْدَادِ الْمَنْصُوصَةِ فَلَا يَجُوزُ أَدَاؤُهَا قِيمَةً إذَا كَانَتْ أَقَلَّ قَدْرًا مِمَّا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ. وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ أَوْ مِثْلَهُ قِيمَةً، حَتَّى لَوْ أَدَّى نِصْفَ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ جَيِّدٍ تَبْلُغُ قِيمَتُهُ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ لَا يَجُوزُ، وَكَذَا لَوْ أَدَّى أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ حِنْطَةً تَبْلُغُ قِيمَتُهُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ لَا يَجُوزُ، إذْ الْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ جِنْسٍ هُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ مِنْ الطَّعَامِ لَا يَكُونُ بَدَلًا عَنْ جِنْسٍ آخَرَ هُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِي الْقِيمَةِ أَكْثَرَ لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِمَعْنَى النَّصِّ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ لَهُ فِي غَيْرِهِ وَقَوْلُهُ (فِي حَدِيثِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ) هُوَ أَخُو عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَأَوْسٌ هُوَ زَوْجُ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، وَهِيَ الْمُجَادِلَةُ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهَا آيَةُ الظِّهَارِ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا سَهْلُ بْنُ صَخْرٍ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ سَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ وَكَذَا فِي الْمَبْسُوطِ،
«لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ» وَلِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ دَفْعُ حَاجَةِ الْيَوْمِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ فَيُعْتَبَرُ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَقَوْلُهُ أَوْ قِيمَةُ ذَلِكَ مَذْهَبُنَا وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الزَّكَاةِ
(فَإِنْ أَعْطَى مَنًّا مِنْ بُرٍّ وَمَنَوَيْنِ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ جَازَ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ إذْ الْجِنْسُ مُتَّحِدٌ (وَإِنْ أَمَرَ غَيْرَهُ أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ مِنْ ظِهَارِهِ فَفَعَلَ أَجْزَأَهُ) لِأَنَّهُ اسْتِقْرَاضٌ مَعْنًى وَالْفَقِيرُ قَابِضٌ لَهُ
وَذَكَرَ فِي الْمُغْرِبِ سَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ الْبَيَاضِيَّ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مُوَافِقٌ لِمَا أَوْرَدَهُ الْإِمَامُ الْمُسْتَغْفِرِيُّ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ قَالَ: سُهَيْلُ بْنُ صَخْرٍ اللَّيْثِيُّ.
وَقَوْلُهُ فَيُعْتَبَرُ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ) يَعْنِي فِي الْمِقْدَارِ، وَلَكِنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ التَّفْرِيقَ هَاهُنَا بِأَنْ يُعْطِيَ فَقِيرًا مَنًّا مِنْ حِنْطَةٍ وَمَنًّا آخَرَ فَقِيرًا آخَرَ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَكَانَ الْعَدَدُ مُعْتَبَرًا كَالْمِقْدَارِ، وَمَتَى فَرَّقَ لَمْ يُوجَدْ الْإِطْعَامُ الْمُعْتَادُ لِلْمَسَاكِينِ، وَأَمَّا فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ فَالْمُعْتَبَرُ فِيهَا الْقَدْرُ دُونَ الْعَدَدِ لِكَوْنِهِ مَسْكُوتًا عَنْهُ فَيَكُونُ التَّفْرِيقُ جَائِزًا. وَقَوْلُهُ (أَوْ قِيمَةَ ذَلِكَ) ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ إذْ الْجِنْسُ مُتَّحِدٌ) يَعْنِي مِنْ حَيْثُ الْإِطْعَامُ وَسَدُّ الْجَوْعَةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْبُرِّ وَالتَّمْرِ وَالشَّعِيرِ الْإِطْعَامُ فَيَجُوزُ تَكْمِيلُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ كَمَا إذَا أَطْعَمَ خَمْسَةَ مَسَاكِينَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِطَرِيقِ الْإِبَاحَةِ وَكَسَا خَمْسَةَ مَسَاكِينَ وَالْكِسْوَةُ أَرْخَصُ مِنْ الطَّعَامِ لَمْ يُجِزْهُ لِمَا أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْكِسْوَةِ غَيْرُ الْمَقْصُودِ بِالْإِطْعَامِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِبَاحَةَ فِي أَحَدِهِمَا تَجُوزُ دُونَ الْآخَرِ. وَاسْتَشْكَلَ بِمَا إذَا أَعْتَقَ نِصْفَ رَقَبَتَيْنِ بِأَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ عَبْدَانِ فَأَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْهُمَا عَنْ الْكَفَّارَةِ لَا يَجُوزُ عَنْهَا وَإِنْ اتَّحَدَ الْجِنْسُ مِنْ حَيْثُ الْإِعْتَاقُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ نِصْفَ الرَّقَبَتَيْنِ لَيْسَ بِرَقَبَةٍ كَامِلَةٍ، وَالشَّرِكَةُ فِي كُلِّ رَقَبَةٍ تَمْنَعُ التَّكْفِيرَ بِهَا. وَقَوْلُهُ (وَإِنْ أَمَرَ غَيْرَهُ أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ
أَوَّلًا ثُمَّ لِنَفْسِهِ فَتَحَقَّقَ تَمَلُّكُهُ ثُمَّ تَمْلِيكُهُ
(فَإِنْ غَدَّاهُمْ وَعَشَّاهُمْ جَازَ قَلِيلًا كَانَ مَا أَكَلُوا أَوْ كَثِيرًا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُجْزِئُهُ إلَّا التَّمْلِيكُ اعْتِبَارًا بِالزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّمْلِيكَ أَدْفَعُ لِلْحَاجَةِ فَلَا يَنُوبُ مَنَابَهُ الْإِبَاحَةُ. وَلَنَا أَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ هُوَ الْإِطْعَامُ وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي التَّمْكِينِ مِنْ الطُّعْمِ وَفِي الْإِبَاحَةِ ذَلِكَ كَمَا فِي التَّمْلِيكِ، أَمَّا الْوَاجِبُ فِي الزَّكَاةِ الْإِيتَاءُ وَفِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ الْأَدَاءُ وَهُمَا لِلتَّمْلِيكِ حَقِيقَةً (وَلَوْ كَانَ فِيمَنْ عَشَّاهُمْ صَبِيٌّ فَطِيمٌ لَا يُجْزِئُهُ)
مِنْ ظِهَارِهِ) ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (فَإِنْ غَدَّاهُمْ وَعَشَّاهُمْ) بِكَلِمَةِ الْوَاوِ لَا بِأَوْ لِأَنَّ التَّغْذِيَةَ وَحْدَهَا أَوْ التَّعْشِيَةَ وَحْدَهَا لَا تُجْزِئُ. قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: الْمُعْتَبَرُ فِي التَّمْكِينِ أَكْلَتَانِ مُشْبِعَتَانِ، إمَّا الْغَدَاءُ وَالْعَشَاءُ، وَإِمَّا غَدَاءَانِ أَوْ عَشَاءَانِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ حَاجَةُ الْيَوْمِ وَذَلِكَ بِالْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ. وَفِي الْمُجَرَّدِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله: إذَا غَدَّى سِتِّينَ وَعَشَّى سِتِّينَ آخَرِينَ لَا يَجُوزُ. وَقَوْلُهُ (قَلِيلًا أَكَلُوا أَوْ كَثِيرًا) يَعْنِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الشِّبَعُ لَا الْمِقْدَارُ. وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ شَبْعَانَ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِجَوَازِهِ لِأَنَّهُ وُجِدَ إطْعَامُ الْعَدَدِ الْمُعَيَّنِ وَقَدْ شَبِعُوا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ عَلَيْهِ إشْبَاعُ السِّتِّينَ وَهُوَ مَا أَشْبَعَهُمْ.
وَقَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ فَإِنْ غَدَّاهُمْ وَعَشَّاهُمْ وَهُوَ لَا يُجَوِّزُ فِي الْكَفَّارَةِ إلَّا التَّمْلِيكُ قِيَاسًا عَلَى الزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ (وَهَذَا) أَيْ عَدَمُ جَوَازِ الْإِبَاحَةِ (لِأَنَّ التَّمْلِيكَ أَدْفَعُ لِلْحَاجَةِ فَلَا يَنُوبُ مَنَابَهُ الْإِبَاحَةُ. وَلَنَا أَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ هُوَ الْإِطْعَامُ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي التَّمْكِينِ مِنْ الطَّعْمِ) لِأَنَّهُ جَعَلَ الْغَيْرَ طَاعِمًا (وَفِي إبَاحَةِ ذَلِكَ) أَيْ التَّمْكِينِ (كَمَا فِي التَّمْلِيكِ) فَيَتَأَدَّى الْوَاجِبُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَمَّا بِالتَّمْكِينِ فَلِمُرَاعَاةِ عَيْنِ النَّصِّ، وَأَمَّا بِالتَّمْلِيكِ فَلِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ مِنْهُ فَإِمَّا أَنْ يُطْعِمَهُ أَوْ يَصْرِفَهُ إلَى حَاجَةٍ أُخْرَى فَلِذَلِكَ يُقَامُ التَّمْلِيكُ مَقَامَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، أَمَّا الْوَاجِبُ فِي الزَّكَاةِ فَهُوَ الْإِيتَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَآتُوا الزَّكَاةَ} وَفِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ الْأَدَاءُ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «أَدُّوا عَمَّنْ تَمُونُونَ» وَهُمَا لِلتَّمْلِيكِ حَقِيقَةً. وَقَوْلُهُ (وَلَوْ كَانَ فِيمَنْ عَشَّاهُمْ صَبِيٌّ) ظَاهِرٌ.
لِأَنَّهُ لَا يَسْتَوْفِي كَامِلًا، وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِدَامِ فِي خُبْزِ الشَّعِيرِ لِيُمْكِنَهُ الِاسْتِيفَاءُ إلَى الشِّبَعِ، وَفِي خُبْزِ الْحِنْطَةِ لَا يُشْتَرَطُ الْإِدَامُ.
(وَإِنْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا سِتِّينَ يَوْمًا أَجْزَأَهُ، وَإِنْ أَعْطَاهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ لَمْ يَجْزِهِ إلَّا عَنْ يَوْمِهِ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ سَدُّ خَلَّةِ الْمُحْتَاجِ وَالْحَاجَةُ تَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، فَالدَّفْعُ إلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي كَالدَّفْعِ إلَى غَيْرِهِ، وَهَذَا فِي الْإِبَاحَةِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ. وَأَمَّا التَّمْلِيكُ مِنْ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ بِدَفَعَاتٍ، فَقَدْ قِيلَ لَا يُجْزِئُهُ، وَقَدْ قِيلَ يُجْزِئُهُ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى التَّمْلِيكِ تَتَجَدَّدُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ،
وَقَوْلُهُ (وَهَذَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لَمْ يُجِزْهُ إلَّا عَنْ يَوْمِهِ: يَعْنِي إذَا دَفَعَ لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ سِتِّينَ مَرَّةً بِطَرِيقِ الْإِبَاحَةِ فَلَا خِلَافَ لِأَحَدٍ فِي عَدَمِ جَوَازِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بِطَرِيقِ التَّمْلِيكِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ سَدُّ الْخَلَّةِ. وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ الصَّرْفُ إلَى الْغَنِيِّ، وَبَعْدَمَا اسْتَوْفَى وَظِيفَةَ الْيَوْمِ لَا حَاجَةَ لَهُ إلَى سَدِّ الْخَلَّةِ بِصَرْفِ وَظِيفَةٍ أُخْرَى إلَيْهِ، بِخِلَافِ كَفَّارَةٍ أُخْرَى لِأَنَّ الْمُسْتَوْفِيَ فِي حُكْمِ تِلْكَ الْكَفَّارَةِ كَالْمَعْدُومِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ مِثْلَهُ فِي هَذِهِ الْكَفَّارَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّقْرِيرِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا (وَقَدْ قِيلَ يَجْزِيهِ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى التَّمْلِيكِ كَثِيرَةٌ تَتَجَدَّدُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ) فَإِذَا فَرَّقَ بِدَفَعَاتٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ جَازَ كَمَا
بِخِلَافِ مَا إذَا دَفَعَ بِدَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّ التَّفْرِيقَ وَاجِبٌ بِالنَّصِّ.
(وَإِنْ قَرُبَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا فِي خِلَالِ الْإِطْعَامِ لَمْ يَسْتَأْنِفْ) لِأَنَّهُ تَعَالَى مَا شَرَطَ فِي الْإِطْعَامِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْمَسِيسِ، إلَّا أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ الْمَسِيسِ قَبْلَهُ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِعْتَاقِ أَوْ الصَّوْمِ فَيَقَعَانِ بَعْدَ الْمَسِيسِ، وَالْمَنْعُ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ لَا يَعْدَمُ الْمَشْرُوعِيَّةَ فِي نَفْسِهِ.
فِي الْأَيَّامِ، بِخِلَافِ حَاجَةِ الْإِبَاحَةِ بِالْإِطْعَامِ فَإِنَّهُ إذَا اسْتَوْفَى حَاجَتَهُ فِي يَوْمٍ تَنْتَهِي حَاجَتُهُ إلَى الطَّعَامِ وَلَا تَتَجَدَّدُ إلَّا بِتَجَدُّدِ الْأَيَّامِ، وَ (بِخِلَافِ مَا إذَا دَفَعَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لِأَنَّ التَّفْرِيقَ وَاجِبٌ بِالنَّصِّ) وَهُوَ قَوْلُهُ {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} وَلَمْ يُوجَدْ لَا حَقِيقَةً وَلَا تَقْدِيرًا فَلَا يَجُوزُ كَالْحَاجِّ إذَا رَمَى الْحَصَيَاتِ السَّبْعَ دَفْعَةً وَاحِدَةً.
قَوْلُهُ (وَإِنْ قَرِبَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا فِي خِلَالِ الْإِطْعَامِ) وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (وَالْمَنْعُ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ) يَعْنِي تَوَهُّمَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِعْتَاقِ
(وَإِذَا أَطْعَمَ عَنْ ظِهَارَيْنِ سِتِّينَ مِسْكِينًا كُلَّ مِسْكِينٍ صَاعًا مِنْ بُرٍّ لَمْ يَجْزِهِ إلَّا عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُجْزِئُهُ عَنْهُمَا، وَإِنْ أَطْعَمَ ذَلِكَ عَنْ إفْطَارٍ وَظِهَارٍ أَجْزَأَهُ عَنْهُمَا) لَهُ أَنَّ بِالْمُؤَدَّى وَفَاءً بِهِمَا وَالْمَصْرُوفُ إلَيْهِ مَحِلٌّ لَهُمَا فَيَقَعُ عَنْهُمَا كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ السَّبَبُ أَوْ فَرَّقَ فِي الدَّفْعِ. وَلَهُمَا أَنَّ النِّيَّةَ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لَغْوٌ وَفِي الْجِنْسَيْنِ مُعْتَبَرَةٌ، وَإِذَا لَغَتْ النِّيَّةُ وَالْمُؤَدَّى يَصْلُحُ كَفَّارَةً وَاحِدَةً لِأَنَّ نِصْفَ الصَّاعِ أَدْنَى الْمَقَادِيرِ فَيَمْنَعُ النُّقْصَانَ دُونَ الزِّيَادَةِ فَيَقَعُ عَنْهُمَا كَمَا إذَا نَوَى أَصْلَ الْكَفَّارَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا فَرَّقَ فِي الدَّفْعِ لِأَنَّهُ فِي الدَّفْعَةِ الثَّانِيَةِ فِي حُكْمِ مِسْكِينٍ آخَرَ
لَا يَعْدَمُ الْمَشْرُوعِيَّةَ فِي نَفْسِهِ كَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ وَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ.
قَالَ (وَإِذَا أَطْعَمَ عَنْ ظِهَارَيْنِ) وَإِذَا أَطْعَمَ الْمُظَاهِرُ عَنْ ظِهَارَيْنِ (سِتِّينَ مِسْكِينًا كُلَّ مِسْكِينٍ صَاعًا مِنْ بُرٍّ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا عَنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُجْزِئُهُ عَنْهُمَا، وَإِنْ أَطْعَمَ ذَلِكَ عَنْ إفْطَارٍ وَظِهَارٍ أَجْزَأَهُ عَنْهُمَا) اتِّفَاقًا (لَهُ أَنَّ بِالْمُؤَدَّى وَفَاءً بِهِمَا) إذْ الْوَاجِبُ عَنْ كُلِّ ظِهَارٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ فَفِي الصَّاعِ وَفَاءٌ بِهِمَا لَا مَحَالَةَ (وَالْمَصْرُوفُ إلَيْهِ مَحَلٌّ لَهُمَا) لِأَنَّ الْفَقِيرَ لَا يَخْرُجُ بِأَخْذِ أَحَدِ الْحَقَّيْنِ عَنْ كَوْنِهِ مَصْرِفًا لِبَقَاءِ الْخَلَّةِ وَالنِّيَّةُ مُعَيَّنَةٌ (فَيَقَعُ عَنْهُمَا كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ السَّبَبُ) يَعْنِي أَطْعَمَ ذَلِكَ عَنْ إفْطَارٍ وَظِهَارٍ (أَوْ فَرَّقَ فِي الدَّفْعِ. وَلَهُمَا أَنَّ النِّيَّةَ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لَغْوٌ) لِأَنَّ النِّيَّةَ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْفَرْضُ عَدَمُهَا فَلَغَتْ النِّيَّةُ (وَإِذَا لَغَتْ وَالْمُؤَدَّى يَصْلُحُ كَفَّارَةً وَاحِدَةً لِأَنَّ نِصْفَ الصَّاعِ أَدْنَى الْمَقَادِيرِ، وَالْمَقَادِيرُ تَمْنَعُ النُّقْصَانَ دُونَ الزِّيَادَةِ فَيَقَعُ عَنْهَا، كَمَا إذَا نَوَى أَصْلَ الْكَفَّارَةِ) فَإِنَّهُ يَقَعُ عَنْ إحْدَاهُمَا بِالِاتِّفَاقِ (بِخِلَافِ مَا إذَا فَرَّقَ فِي الدَّفْعِ لِأَنَّهُ فِي الدَّفْعَةِ الثَّانِيَةِ فِي حُكْمِ مِسْكِينٍ آخَرَ) وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ كُلَّ ظِهَارٍ وَجَبَ لِسَبَبٍ عَلَى حِدَةٍ وَكَانَا بِمَنْزِلَةِ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ عَنْهُمَا. وَالثَّانِي أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا عَنْ أَحَدِ الظِّهَارَيْنِ بِعَيْنِهِ صَحَّ نِيَّةُ التَّعْيِينِ وَلَمْ تَلْغُ وَإِنْ كَانَ الْجِنْسُ وَاحِدًا وَلِهَذَا حَلَّ وَطْءُ الَّتِي
(وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَتَا ظِهَارٍ فَأَعْتَقَ رَقَبَتَيْنِ لَا يَنْوِي عَنْ إحْدَاهُمَا بِعَيْنِهَا جَازَ عَنْهُمَا، وَكَذَا إذَا صَامَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَطْعَمَ مِائَةً وَعِشْرِينَ مِسْكِينًا جَازَ) لِأَنَّ الْجِنْسَ مُتَّحِدٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى نِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ (وَإِنْ أَعْتَقَ عَنْهُمَا رَقَبَةً وَاحِدَةً أَوْ صَامَ شَهْرَيْنِ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ عَنْ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَإِنْ أَعْتَقَ عَنْ ظِهَارٍ وَقُتِلَ لَمْ يَجُزْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجْزِيه عَنْ أَحَدِهِمَا فِي الْفَصْلَيْنِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ عَنْ أَحَدِهِمَا فِي الْفَصْلَيْنِ لِأَنَّ الْكَفَّارَاتِ كُلَّهَا بِاعْتِبَارِ اتِّحَادِ الْمَقْصُودِ جِنْسٌ وَاحِدٌ. وَجْهُ قَوْلِ زُفَرَ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَنْ كُلِّ ظِهَارٍ نِصْفَ الْعَبْدِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ عَنْ أَحَدِهِمَا بَعْدَمَا أَعْتَقَ عَنْهُمَا لِخُرُوجِ الْأَمْرِ مِنْ يَدِهِ. وَلَنَا أَنَّ نِيَّةَ التَّعْيِينِ
عَيَّنَهَا. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ النِّيَّةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْجِنْسَيْنِ لَا فِيمَا كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْجِنْسَيْنِ وَهُوَ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ إعْتَاقَ الرَّقَبَةِ يَصْلُحُ كَفَّارَةً عَنْ أَحَدِ الظِّهَارَيْنِ قَدْرًا وَمَحَلًّا فَصَحَّتْ نِيَّتُهُ. فَأَمَّا إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا كُلَّ مِسْكِينٍ صَاعًا. فَإِنْ صَلُحَ عَنْ الظِّهَارَيْنِ قَدْرًا لَمْ يَصْلُحْ لَهُمَا مَحَلًّا لِأَنَّ مَحَلَّهُمَا مِائَةٌ وَعِشْرُونَ مِسْكِينًا عِنْدَ عَدَمِ التَّفْرِيقِ، فَإِذَا زَادَ فِي الْوَظِيفَةِ وَنَقَصَ عَنْ الْمَحَلِّ وَجَبَ أَنْ يَعْتَبِرَ قَدْرَ الْمَحَلِّ احْتِيَاطًا، كَمَا لَوْ أَعْطَى ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا كُلَّ وَاحِدٍ صَاعًا.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَتَا ظِهَارٍ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (كَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ عَنْ أَيِّهِمَا شَاءَ) جَوَابُ الِاسْتِحْسَانِ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ لِخُرُوجِ الْأَمْرِ مِنْ يَدِهِ (وَإِنْ أَعْتَقَ عَنْ ظِهَارٍ وَقَتْلٍ لَمْ يَجُزْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَقَالَ زُفَرُ: لَا يُجْزِيهِ عَنْ أَحَدِهِمَا فِي الْفَصْلَيْنِ) يَعْنِي فِي مُتَّحِدِ الْجِنْسِ وَمُخْتَلِفِهِ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ أَنْ يَجْعَلَ عَنْ أَيِّهِمَا شَاءَ فِي الْفَصْلَيْنِ لِأَنَّ الْكَفَّارَاتِ بِاعْتِبَارِ اتِّحَادِ الْمَقْصُودِ) وَهُوَ السَّتْرُ (جِنْسٌ وَاحِدٌ) وَالنِّيَّةُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ غَيْرُ مُفِيدٍ فَبَقِيَ نِيَّةُ أَصْلِ الْكَفَّارَةِ، وَلَوْ نَوَى أَصْلَ الْكَفَّارَةِ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ عَنْ أَيِّهِمَا شَاءَ فَكَذَا هَذَا (وَوَجْهُ قَوْلِ زُفَرَ أَنَّهُ أَعْتَقَ مِنْ كُلِّ ظِهَارٍ نِصْفَ الْعَبْدِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ عَنْ أَحَدِهِمَا لِخُرُوجِ الْأَمْرِ مِنْ يَدِهِ. وَلَنَا أَنَّ نِيَّةَ التَّعْيِينِ
فِي الْجِنْسِ الْمُتَّحِدِ غَيْرُ مُفِيدٍ فَتَلْغُو، وَفِي الْجِنْسِ الْمُخْتَلِفِ مُفِيدَةٌ، وَاخْتِلَافُ الْجِنْسِ فِي الْحُكْمِ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ هَاهُنَا بِاخْتِلَافِ السَّبَبِ. نَظِيرُ الْأَوَّلِ إذَا صَامَ يَوْمًا فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ عَنْ يَوْمَيْنِ يَجْزِيه عَنْ قَضَاءِ يَوْمٍ وَاحِدٍ. وَنَظِيرُ الثَّانِي إذَا كَانَ عَلَيْهِ صَوْمُ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّمْيِيزِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فِي الْجِنْسِ الْمُتَّحِدِ لَغْوٌ) قِيلَ مَعْنَاهُ نَوَى التَّوْزِيعَ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ وَكَانَ لَغْوًا، وَإِذَا لَغَتْ صَارَ كَأَنَّهُ أَعْتَقَ رَقَبَةً عَنْ الظِّهَارَيْنِ وَلَمْ يَنْوِ عَنْهُمَا، وَذَلِكَ جَائِزٌ وَلَهُ أَنْ يَصْرِفَهَا إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْكَفَّارَتَانِ مِنْ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِأَنَّهُ نَوَى التَّوْزِيعَ فِي الْجِنْسِ الْمُخْتَلِفِ وَكَانَتْ مُعْتَبَرَةً فَلَا يَكُونُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ اخْتِلَافَ الْجِنْسِ. فَإِنَّ الْحُكْمَ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ بِالْإِعْتَاقِ فِي الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ وَاحِدٌ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَاخْتِلَافُ الْجِنْسِ فِي الْحُكْمِ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ هَاهُنَا بِاخْتِلَافِ السَّبَبِ) فَإِنَّ الْقَتْلَ يُخَالِفُ الظِّهَارَ لَا مَحَالَةَ، وَاخْتِلَافُ السَّبَبِ يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْحُكْمِ لِأَنَّ الْحُكْمَ مَلْزُومُ السَّبَبِ، وَاخْتِلَافُ اللَّوَازِمِ يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَلْزُومَاتِ. وَلَمَّا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ صَحَّتْ النِّيَّةُ فَكَانَ إعْتَاقَ رَقَبَةٍ وَاحِدَةٍ عَنْ كَفَّارَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ فَيَكُونُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُ الرَّقَبَةِ فَلَا يَجُوزُ، ثُمَّ نَظَرَ الْمُصَنِّفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْجِنْسَيْنِ الْمُتَّحِدِ وَالْمُخْتَلِفِ بِمَا ذَكَرَهُ فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ فَقَالَ (نَظِيرُ الْأَوَّلِ) يَعْنِي الْجِنْسَ الْمُتَّحِدَ (إذَا صَامَ يَوْمًا قَضَاءَ رَمَضَانَ عَنْ يَوْمَيْنِ يَجْزِيهِ عَنْ قَضَاءِ يَوْمٍ وَاحِدٍ) بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ إلْغَاءِ نِيَّةِ التَّوْزِيعِ وَبَقَاءِ أَصْلِ النِّيَّةِ إذْ الْجِنْسُ مُتَّحِدٌ (وَنَظِيرُ الثَّانِي) يَعْنِي الْجِنْسَ الْمُخْتَلِفَ (إذَا كَانَ عَلَيْهِ صَوْمُ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّمْيِيزِ) فَإِنْ نَوَى مِنْ اللَّيْلِ أَنْ يَصُومَ غَدًا عَنْهُمَا كَانَتْ النِّيَّةُ مُعْتَبَرَةً وَلَا يَصِيرُ صَائِمًا إذْ الْجِنْسُ مُخْتَلِفٌ.
وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا بِمَا إذَا نَوَى عَنْ قَضَاءِ ظُهْرَيْنِ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْجِنْسَ مُتَّحِدٌ وَتَعْيِينُ النِّيَّةِ لَا بُدَّ مِنْهُ وَإِلَّا لَا يَقَعُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَأُجِيبَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ اتِّحَادَ الْجِنْسِ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْخِطَابِ وَالسَّبَبِ، فَإِنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا سَبَبًا وَخِطَابًا عَلَى حِدَةٍ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّ الْجَمِيعَ ثَابِتٌ بِخِطَابٍ فَلْيَصُمْهُ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ إلَخْ.
بَابُ اللِّعَانِ
قَالَ (إذَا قَذَفَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بِالزِّنَا
بَابُ اللِّعَانِ:
قَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ فِي أَوَّلِ الظِّهَارِ. وَاللِّعَانُ فِي اللُّغَةِ: الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ، يُقَالُ لَاعَنَهُ مُلَاعَنَةً وَلِعَانًا، ثُمَّ لُقِّبَ الْبَابُ بِاللِّعَانِ دُونَ الْغَضَبِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ الْغَضَبُ أَيْضًا لِأَنَّ اللَّعْنَ مِنْ جَانِبِ الرَّجُلِ وَهُوَ مُقَدَّمٌ، وَفِي الشَّرِيعَةِ شَهَادَاتٌ تَجْرِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مَقْرُونَةٌ بِاللَّعْنِ وَالْغَضَبِ، وَسَبَبُهُ قَذْفُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ قَذْفًا يُوجِبُ الْحَدَّ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ، وَشَرْطُهُ النِّكَاحُ حَتَّى لَوْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْقَذْفِ لَا يَجْرِي اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا. وَرُكْنُهُ الشَّهَادَاتُ الْمَخْصُوصَةُ الَّتِي تَجْرِي بِكَلِمَاتٍ مَعْرُوفَةٍ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.
وَحُكْمُهُ حُرْمَةُ الْوَطْءِ وَالِاسْتِمْتَاعِ كَمَا فَرَغَا مِنْ اللِّعَانِ. قَالَ (وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بِالزِّنَا
وَهُمَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَالْمَرْأَةُ مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا أَوْ نَفَى نَسَبَ وَلَدِهَا وَطَالَبَتْهُ بِمُوجِبِ الْقَذْفِ فَعَلَيْهِ اللِّعَانُ)
وَهُمَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ) أَيْ مِنْ أَهْلِ أَدَائِهَا وَلِهَذَا لَا يُجْرَى بَيْنَ الْمَمْلُوكَيْنِ (وَالْمَرْأَةُ مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا) حَتَّى لَوْ لَمْ تَكُنْ مِنْ ذَلِكَ بِأَنْ تَزَوَّجَتْ بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ وَدَخَلَ بِهَا أَوْ كَانَ لَهَا وَلَدٌ مَجْهُولُ النَّسَبِ لَا يَجْرِي بَيْنَهُمَا (أَوْ نَفَى نَسَبَ وَلَدِهَا وَطَالَبَتْهُ بِمُوجِبِ الْقَذْفِ فَعَلَيْهِ اللِّعَانُ)
فَإِنْ قِيلَ: اللِّعَانُ يَجْرِي بَيْنَ الْأَعْمَيَيْنِ وَالْفَاسِقَيْنِ وَلَيْسَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَتَخْصِيصُ الْمَرْأَةِ بِكَوْنِهَا مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا غَيْرُ مُفِيدٍ لِكَوْنِهِ شَرْطًا فِي جَانِبِ الرَّجُلِ أَيْضًا حَتَّى لَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ لَا يَجْرِي وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا أُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ لَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمْ جَازَ، كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ إنَّمَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهَا مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا لِئَلَّا يَخْلُوَ الْقَذْفُ عَنْ إيجَابِ حُكْمٍ، فَإِنَّهَا إذَا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ الرَّجُلَ حَدٌّ وَلَا لِعَانٌ لِأَنَّ اللِّعَانَ قَائِمٌ فِي حَقِّهِ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ وَهُوَ يَقْتَضِي إحْصَانَهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ الرَّجُلُ مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهُ وَقَذَفَ فَإِنَّهُ يُحَدُّ حَدَّ الْقَذْفِ، فَلَمْ
وَالْأَصْلُ أَنَّ اللِّعَانَ عِنْدَنَا شَهَادَاتٌ مُؤَكَّدَاتٌ بِالْأَيْمَانِ مَقْرُونَةٌ بِاللَّعْنِ قَائِمَةٌ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ فِي حَقِّهِ وَمَقَامَ حَدِّ الزِّنَا فِي حَقِّهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ} وَالِاسْتِثْنَاءُ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْجِنْسِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى
يَخْلُ الْقَذْفُ عَنْ إيجَابِ حُكْمٍ.
وَقَوْلُهُ (وَالْأَصْلُ) اعْلَمْ أَنَّ مُوجَبَ قَذْفِ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ كَانَ حَدَّ الْقَذْفِ فِي الِابْتِدَاءِ كَمَا فِي الْأَجْنَبِيَّةِ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} الْآيَةَ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ «ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ كُنَّا جُلُوسًا فِي الْمَسْجِدِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ إذْ دَخَلَ أَنْصَارِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، فَإِنْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ افْتَحْ، فَنَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ» وَلِأَنَّهُ «صلى الله عليه وسلم قَالَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ حِينَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ: ائْتِ بِأَرْبَعَةٍ مِنْ الشُّهَدَاءِ يَشْهَدُونَ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِك وَإِلَّا تُجْلَدُ عَلَى ظَهْرِك فَقَالَ الصَّحَابَةُ: الْآنَ يُجْلَدُ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ فَتَبْطُلُ شَهَادَتُهُ فِي الْمُسْلِمِينَ»، فَثَبَتَ أَنَّ مُوجِبَ الْقَذْفِ فِي الزَّوْجَةِ كَانَ الْحَدَّ ثُمَّ انْتَسَخَ ذَلِكَ بِاللِّعَانِ، فَنَظَرْنَا فِي آيَةِ اللِّعَانِ فَوَجَدْنَاهَا دَالَّةً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي اللِّعَانِ أَنْ يَكُونَ شَهَادَاتٍ مُؤَكَّدَاتٍ بِالْأَيْمَانِ مَقْرُونَةً بِاللَّعْنِ قَائِمَةً مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَمَقَامَ حَدِّ الزِّنَا فِي حَقِّهَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ} وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَى الْأَزْوَاجَ مِنْ الشُّهَدَاءِ.
وَالْأَصْلُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْجِنْسِ، وَلَا شُهَدَاءَ إلَّا بِالشَّهَادَةِ وَلَا شَهَادَةَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ إلَّا كَلِمَاتُ اللِّعَانِ فَدَلَّ أَنَّهَا شَهَادَاتٌ أُكِّدَتْ بِالْأَيْمَانِ نَفْيًا لِلتُّهْمَةِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى
{فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} نَصٌّ عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْيَمِينِ فَقُلْنَا الرُّكْنُ هُوَ الشَّهَادَةُ الْمُؤَكَّدَةُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ قَرَنَ الرُّكْنَ فِي جَانِبِهِ بِاللَّعْنِ لَوْ كَانَ كَاذِبًا وَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ وَفِي جَانِبِهَا بِالْغَضَبِ وَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَ حَدِّ الزِّنَا،
{فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} نَصَّ عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْيَمِينِ، فَقُلْنَا: الرُّكْنُ هُوَ الشَّهَادَةُ الْمُؤَكَّدَةُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ قَرَنَ الرُّكْنَ فِي جَانِبِهِ بِاللَّعْنِ لَوْ كَانَ كَاذِبًا تَأْكِيدًا وَهُوَ قَائِمٌ فِي حَقِّهِ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ وَفِي جَانِبِهَا بِالْغَضَبِ لِأَنَّهُنَّ يَسْتَعْمِلْنَ اللَّعْنَ فِي كَلَامِهِنَّ كَثِيرًا عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «إنَّهُنَّ يُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ» وَسَقَطَتْ حُرْمَةُ اللَّعْنِ عَنْ أَعْيُنِهِنَّ فَعَسَاهُنَّ يَجْتَرِئْنَ عَلَى الْإِقْدَامِ لِكَثْرَةِ جَرْيِ اللَّعْنِ عَلَى أَلْسِنَتِهِنَّ وَسُقُوطِ وَقْعِهِ عَنْ قُلُوبِهِنَّ فَقَرَنَ الرُّكْنَ فِي جَانِبِهَا بِالْغَضَبِ رَدْعًا لَهُنَّ عَنْ الْإِقْدَامِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى إقَامَةِ الشَّهَادَةِ مَقَامَ الْحَدِّ فِي الطَّرَفَيْنِ وَمَا الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْحَدِّ وَالشَّهَادَةِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْحَدَّ زَاجِرٌ، وَالِاسْتِشْهَادَ بِاَللَّهِ كَاذِبًا مَقْرُونًا بِاللَّعْنِ عَلَى نَفْسِهِ سَبَبُ الْهَلَاكِ، وَفِي ذَلِكَ زَجْرٌ عَنْ الْإِقْدَامِ عَلَى سَبَبِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ اللِّعَانُ قَائِمًا فِي حَقَّةِ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ يَجْرِي كَجَرَيَانِهِ فِي الِاتِّحَادِ وَالتَّعَدُّدِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ قَذَفَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ لَهُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي كَلَامٍ مُتَفَرِّقٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُلَاعِنَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عَلَى حِدَةٍ، وَإِنْ قَذَفَ أَجْنَبِيَّاتٍ فَإِنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ لَهُنَّ مَرَّةً وَاحِدَةً. أُجِيبَ بِأَنَّ اللِّعَانَ قَائِمٌ فِي حَقِّهِ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ بِقَذْفِ امْرَأَتِهِ لَا مُطْلَقًا لِأَنَّهُ صَارَ بَدَلًا عَمَّا كَانَ يَلْزَمُهُ فِي الِابْتِدَاءِ بِقَذْفِهَا فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْأَجْنَبِيَّاتُ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ لِاخْتِلَافِ الْمَقْصُودِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَاكَ دَفْعُ عَارِ الزِّنَا عَنْهُنَّ وَذَلِكَ يَحْصُلُ
إذَا ثَبَتَ هَذَا نَقُولُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ الرُّكْنَ فِيهِ الشَّهَادَةُ وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ هِيَ مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا لِأَنَّهُ قَائِمٌ فِي حَقِّهِ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ فَلَا بُدَّ مِنْ إحْصَانِهَا، وَيَجِبُ بِنَفْيِ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ لَمَّا نَفَى وَلَدَهَا صَارَ قَاذِفًا لَهَا ظَاهِرًا وَلَا يُعْتَبَرُ احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ مِنْ غَيْرِهِ بِالْوَطْءِ مِنْ شُبْهَةٍ، كَمَا إذَا نَفَى أَجْنَبِيٌّ نَسَبَهُ عَنْ أَبِيهِ الْمَعْرُوفِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّسَبِ الْفِرَاشُ الصَّحِيحُ وَالْفَاسِدُ مُلْحَقٌ بِهِ. فَنَفْيُهُ عَنْ الْفِرَاشِ الصَّحِيحِ قَذْفٌ حَتَّى يَظْهَرَ الْمُلْحَقُ بِهِ
بِإِقَامَةِ حَدٍّ وَاحِدٍ، وَهَاهُنَا لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِلِعَانٍ وَاحِدٍ لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُنَّ بِكَلِمَاتِ اللِّعَانِ، فَقَدْ يَكُونُ صَادِقًا فِي حَقِّ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وَالْمَقْصُودُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِلِعَانِ بَعْضِهِنَّ فَيُلَاعِنُ كُلًّا مِنْهُنَّ عَلَى حِدَةٍ، حَتَّى لَوْ كَانَ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ كَانَ عَلَيْهِ لَهُنَّ حَدٌّ وَاحِدٌ لِأَنَّ مُوجَبَ قَذْفِهِنَّ الْحَدُّ حِينَئِذٍ، وَالْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِحَدٍّ وَاحِدٍ كَمَا فِي الْأَجْنَبِيَّاتِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ عِنْدَنَا لِأَنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ اللِّعَانَ أَيْمَانٌ مُؤَكَّدَاتٌ بِالشَّهَادَةِ، فَمَنْ كَانَ أَهْلًا لِلْيَمِينِ كَانَ أَهْلًا لِلِّعَانِ.
قَالَ (إذَا ثَبَتَ هَذَا نَقُولُ) يَعْنِي إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ اللِّعَانَ عِنْدَنَا شَهَادَاتٌ مُؤَكَّدَاتٌ بِالْأَيْمَانِ نَقُولُ (لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُتَلَاعِنَانِ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ الرُّكْنَ فِيهِ الشَّهَادَةُ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهَا لِأَنَّهُ قَائِمٌ فِي حَقِّهِ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِحْصَانِ، وَيَجِبُ بِنَفْيِ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ لَمَّا نَفَى وَلَدَهَا صَارَ قَاذِفًا لَهَا) كَمَا إذَا نَفَى أَجْنَبِيٌّ نَسَبَ وَلَدٍ عَنْ أَبِيهِ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهُ يَكُونُ قَذْفًا لِلْمَرْأَةِ فَكَذَلِكَ هَذَا (وَلَا يُعْتَبَرُ احْتِمَالُ كَوْنِ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِهِ بِالْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّسَبِ الْفِرَاشُ الصَّحِيحُ وَالْفَاسِدُ مُلْحَقٌ بِهِ، فَنَفْيُهُ عَنْ الْفِرَاشِ الصَّحِيحِ قَذْفٌ حَتَّى يَظْهَرَ الْمُلْحَقُ بِهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَصِيرُ بِنَفْيِ الْوَلَدِ قَاذِفًا لَهَا مَا لَمْ يَقُلْ وَإِنَّهُ مِنْ الزِّنَا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ كَمَا لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ لَيْسَ هَذَا الْوَلَدُ الَّذِي وَلَدْته مِنْ زَوْجِك فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ قَاذِفًا مَا لَمْ يَقُلْ وُلِدَ مِنْ الزِّنَا
وَيُشْتَرَطُ طَلَبُهَا لِأَنَّهُ حَقُّهَا فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهَا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ (فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْهُ حَبَسَهُ الْحَاكِمُ حَتَّى يُلَاعِنَ أَوْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ) لِأَنَّهُ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إيفَائِهِ فَيُحْبَسُ بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ أَوْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ لِيَرْتَفِعَ السَّبَبُ
بِالِاتِّفَاقِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَالْقِيَاسُ مَا قَالَهُ، إلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ لِضَرُورَةٍ فِي اللِّعَانِ، لِأَنَّ الزَّوْجَ قَدْ يَعْلَمُ أَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ مِنْهُ بِأَنْ لَمْ يَطَأْهَا أَوْ عَزَلَ عَنْهَا عَزْلًا بَيِّنًا وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ بِزِنًا أَوْ بِوَطْءٍ عَنْ شُبْهَةٍ فَاكْتَفَى بِنَفْيِ الْوَلَدِ حَتَّى يَنْتَفِيَ عَنْهُ نَسَبُ الْوَلَدِ، وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ مَعْدُومَةٌ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ.
(وَيُشْتَرَطُ طَلَبُهَا بِمُوجَبِ الْقَذْفِ لِأَنَّهُ حَقُّهَا) لِأَنَّهُ بِاللِّعَانِ يَنْدَفِعُ عَارُ الزِّنَا عَنْهَا (فَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهَا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، فَإِنْ امْتَنَعَ الزَّوْجُ عَنْ اللِّعَانِ حَبَسَهُ الْحَاكِمُ حَتَّى يُلَاعِنَ أَوْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ لِأَنَّهُ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إيفَائِهِ فَيُحْبَسُ بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ أَوْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ لِيَرْتَفِعَ السَّبَبُ) وَفِي نُسْخَةٍ: لِيَرْتَفِعَ الشَّيْنُ، وَمَعْنَى النُّسْخَةِ الْأُولَى لِيَرْتَفِعَ السَّبَبُ: أَيْ سَبَبُ اللِّعَانِ: أَيْ عِلَّتُهُ وَهُوَ التَّكَاذُبُ لِأَنَّ اللِّعَانَ إنَّمَا يَجِبُ إذَا أَكْذَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ فِيمَا يَدَّعِيهِ بَعْدَ قَذْفِ الزَّوْجِ امْرَأَتَهُ بِالزِّنَا؛ وَأَمَّا إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ فَلَمْ يَبْقَ التَّكَاذُبُ بَلْ وَافَقَ الْمَرْأَةَ فِي أَنَّهَا لَمْ تَزْنِ وَلَا يَجْرِي اللِّعَانُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا النُّسْخَةُ الْأُخْرَى فَقِيلَ إنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ عَلَى زَعْمِ أَنَّ سَبَبَ اللِّعَانِ لَا يَرْتَفِعُ بِالْإِكْذَابِ بَلْ يَتَقَرَّرُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِالْإِكْذَابِ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الْقَذْفِ لَكِنْ يَرْتَفِعُ الشَّيْنُ بِالتَّكَاذُبِ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: أَرَادَ بِالسَّبَبِ الشَّرْطَ لِأَنَّ التَّكَاذُبَ شَرْطُ اللِّعَانِ: قِيلَ قَوْلُهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إيفَائِهِ احْتِرَازٌ عَنْ الْمَدْيُونِ الْمُفْلِسِ، فَإِنَّ الدَّيْنَ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ
(وَلَوْ لَاعَنَ وَجَبَ عَلَيْهَا اللِّعَانُ) لِمَا تَلَوْنَا مِنْ النَّصِّ إلَّا أَنَّهُ يُبْتَدَأُ بِالزَّوْجِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُدَّعِي (فَإِنْ امْتَنَعَتْ حَبَسَهَا الْحَاكِمُ حَتَّى تُلَاعِنَ أَوْ تُصَدِّقَهُ) لِأَنَّهُ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهَا وَهِيَ قَادِرَةٌ عَلَى إيفَائِهِ فَتُحْبَسُ فِيهِ.
(وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا
لَكِنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى إيفَائِهِ فَلَا يُحْبَسُ (وَلَوْ لَاعَنَ وَجَبَ عَلَيْهَا اللِّعَانُ لِمَا تَلَوْنَا مِنْ النَّصِّ) وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} وَقَوْلُهُ (إلَّا أَنَّهُ يُبْتَدَأُ بِالزَّوْجِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُدَّعِي) بِنَاءً عَلَى أَنَّ اللِّعَانَ شَهَادَاتٌ وَالْمُطَالِبُ بِهَا هُوَ الْمُدَّعِي وَالِاسْتِثْنَاءُ بِمَعْنَى لَكِنَّ كَأَنَّهُ اسْتَشْعَرَ أَنْ يُقَالَ الْمَتْلُوُّ مِنْ النَّصِّ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَبْدُوءِ بِهِ فَقَالَ إلَّا أَنَّهُ يُبْتَدَأُ بِهِ. وَقَوْلُهُ (فَإِنْ امْتَنَعَتْ) ظَاهِرٌ.
(وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا) بِأَنْ كَانَا كَافِرَيْنِ فَأَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ وَقَذَفَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ
أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ فَقَذَفَ امْرَأَتَهُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اللِّعَانُ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهِ فَيُصَارُ إلَى الْمُوجِبِ الْأَصْلِيِّ وَهُوَ الثَّابِتُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} الْآيَةَ، وَاللِّعَانُ خَلَفٌ عَنْهُ
(وَإِنْ)(كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَهِيَ أَمَةٌ أَوْ كَافِرَةٌ أَوْ مَحْدُودَةٌ فِي قَذْفٍ أَوْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهَا) بِأَنْ كَانَتْ صَبِيَّةً أَوْ مَجْنُونَةً أَوْ زَانِيَةً (فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا لِعَانَ) لِانْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ وَعَدَمِ الْإِحْصَانِ فِي جَانِبِهَا وَامْتِنَاعِ اللِّعَانِ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهَا فَيَسْقُطُ الْحَدُّ كَمَا إذَا صَدَّقَتْهُ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «أَرْبَعَةٌ لَا لِعَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِمْ: الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ تَحْتَ الْمُسْلِمِ، وَالْمَمْلُوكَةُ تَحْتَ الْحُرِّ، وَالْحُرَّةُ تَحْتَ الْمَمْلُوكِ»
أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ (أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ فَقَذَفَ امْرَأَتَهُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اللِّعَانُ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ (فَيُصَارُ إلَى الْمُوجَبِ الْأَصْلِيِّ) وَهُوَ حَدُّ الْقَذْفِ (الثَّابِتُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} الْآيَةَ) فَإِنَّهُ كَانَ هُوَ الْمَشْرُوعُ أَوَّلًا ثُمَّ صَارَ اللِّعَانُ خَلَفًا عَنْهُ فِي قَذْفِ الزَّوْجِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرَائِطِ، فَإِذَا عُدِمَتْ صِيرَ إلَى الْأَصْلِ.
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ) هُوَ (مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «أَرْبَعَةٌ لَا لِعَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِمْ: الْيَهُودِيَّةُ، وَالنَّصْرَانِيَّةُ تَحْتَ الْمُسْلِمِ، وَالْمَمْلُوكَةُ تَحْتَ الْحُرِّ، وَالْحُرَّةُ تَحْتَ الْمَمْلُوكِ») قِيلَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يُوجَدْ لَهُ أَصْلٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَلَكِنْ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الْبَاقِي إلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
وَلَوْ كَانَا مَحْدُودَيْنِ فِي قَذْفٍ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّ امْتِنَاعَ اللِّعَانِ بِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهِ إذْ هُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ
قِيلَ: كَفَى بِأَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ لِعَدَالَتِهِ وَضَبْطِهِ وَفِقْهِهِ مُقْتَدًى (وَلَوْ كَانَا مَحْدُودَيْنِ فِي قَذْفٍ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) لِأَنَّ امْتِنَاعَ اللِّعَانِ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهِ وَهُوَ كَوْنُهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ. فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا اُعْتُبِرَ جَانِبُهَا أَيْضًا وَهِيَ مَحْدُودَةٌ فِي الْقَذْفِ دَرْءًا لِلْحَدِّ؟.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَانِعَ عَنْ الشَّيْءِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ مَانِعًا إذَا وُجِدَ الْمُقْتَضَى لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَمَّا يَنْتَفِي بِهِ الْحُكْمُ مَعَ قِيَامِ مُقْتَضِيهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الزَّوْجُ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ لَمْ يَنْعَقِدْ قَذْفُهُ مُقْتَضِيًا لِلْحُكْمِ وَهُوَ اللِّعَانُ، فَلَا يُعْتَبَرُ الْمَانِعُ وَالْقَذْفُ فِي نَفْسِهِ مُوجِبٌ الْحَدَّ فَيُحَدُّ، بِخِلَافِ مَا إذَا وُجِدَ الْأَهْلِيَّةُ مِنْ جَانِبِهِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ قَذْفُهُ مُقْتَضِيًا لَهُ، فَإِذَا ظَهَرَ عَدَمُ أَهْلِيَّتِهَا بِكَوْنِهَا مَحْدُودَةً فِي قَذْفِهِ بَطَلَ الْمُقْتَضَى فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ لَهُ بَلْ انْعَقَدَ اللِّعَانُ وَلَا لِعَانَ لِبُطْلَانِهِ بِالْمَانِعِ. وَنُوقِضَ بِمَا لَوْ قَذَفَ عَبْدَ امْرَأَتِهِ وَهِيَ مَمْلُوكَةٌ أَوْ مُكَاتَبَةٌ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا لِعَانَ، وَعَلَى قَوَدِ مَا ذَكَرْتُمْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ قَذْفُهُ مُقْتَضِيًا لِلْحُكْمِ وَهُوَ اللِّعَانُ فَيَجِبُ أَنْ يُحَدَّ لِأَنَّ الْقَذْفَ يُوجِبُهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي الْعَبْدِ شُبْهَةَ الْأَهْلِيَّةِ لِأَنَّ لَهُ شَهَادَةً بَعْدَ الْعِتْقِ فَاعْتُبِرَتْ دَرْءًا لِلْحَدِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَحْدُودُ فِي قَذْفٍ.
(وَصِفَةُ اللِّعَانِ أَنْ يَبْتَدِئَ الْقَاضِي بِالزَّوْجِ فَيَشْهَدُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ يَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا، وَيَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا. يُشِيرُ إلَيْهَا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ ثُمَّ تَشْهَدُ الْمَرْأَةُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ تَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا. وَتَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا) وَالْأَصْلُ فِي مَا تَلَوْنَاهُ مِنْ النَّصِّ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَأْتِي بِلَفْظَةِ الْمُوَاجَهَةِ يَقُولُ فِيمَا رَمَيْتُك بِهِ مِنْ الزِّنَا لِأَنَّهُ أَقْطَعُ لِلِاحْتِمَالِ. وَجْهُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ لَفْظَةَ الْمُغَايَبَةِ إذَا انْضَمَّتْ إلَيْهَا الْإِشَارَةُ انْقَطَعَ الِاحْتِمَالُ.
قَالَ (وَإِذَا الْتَعَنَا لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ حَتَّى يُفَرِّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا)
قَوْلُهُ (وَصِفَةُ اللِّعَانِ أَنْ يَبْتَدِئَ الْقَاضِي) صِفَةَ اللِّعَانِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ.
وَقَالَ زُفَرُ: تَقَعُ بِتَلَاعُنِهِمَا لِأَنَّهُ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ الْمُؤَبَّدَةُ بِالْحَدِيثِ. وَلَنَا أَنَّ ثُبُوتَ الْحُرْمَةِ يُفَوِّتُ الْإِمْسَاكَ بِالْمَعْرُوفِ فَيَلْزَمُهُ التَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ، فَإِذَا امْتَنَعَ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ دَفْعًا لِلظُّلْمِ، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ ذَلِكَ الْمُلَاعِنِ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: كَذَبْت عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أَمْسَكْتهَا، هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا، قَالَهُ بَعْدَ اللِّعَانِ (وَتَكُونُ الْفُرْقَةُ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ) رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِأَنَّ فِعْلَ الْقَاضِي انْتَسَبَ إلَيْهِ كَمَا فِي الْعِنِّينِ
وَقَوْلُهُ (فَإِذَا الْتَعْنَا لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ حَتَّى يُفَرِّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا) يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّلَاعُنِ قَبْلَ تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ تَوَارَثَا (وَقَالَ زُفَرُ: تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِتَلَاعُنِهِمَا لِأَنَّهُ يَثْبُتُ الْحُرْمَةُ الْمُؤَبَّدَةُ بِالْحَدِيثِ) يَعْنِي قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم «الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا» نَفَى الِاجْتِمَاعَ بَعْدَ التَّلَاعُنِ، وَهُوَ تَنْصِيصٌ عَلَى وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا بِالتَّلَاعُنِ (وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ (أَنَّ ثُبُوتَ الْحُرْمَةِ يُفَوِّتُ الْإِمْسَاكَ بِالْمَعْرُوفِ فَيَلْزَمُهُ التَّسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ، فَإِذَا امْتَنَعَ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ دَفْعًا لِلظُّلْمِ) وَقَوْلُهُ (دَلَّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَنْ لَا تَقَعَ الْفُرْقَةُ حَتَّى يُفَرِّقَ الْقَاضِي، وَلَوْ قَالَ دَلَّ عَلَيْهِ أَيْضًا كَانَ أَوْلَى فَتَأَمَّلْ.
وَقَوْلُهُ «قَوْلُ ذَلِكَ الْمُلَاعِنِ يُرِيدُ بِهِ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ فَإِنَّهُ قَالَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ اللِّعَانِ: كَذَبْت عَلَيْهَا إنْ أَمْسَكْتهَا هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم» ، وَلَوْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا لَأَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ «اذْهَبْ فَلَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا» أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ مُنْصَرِفٌ إلَى طَلَبِهِ رَدَّ الْمَهْرِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ:«إنْ كُنْت صَادِقًا فَهُوَ لَهَا بِمَا اسْتَحْلَلْت مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْت كَاذِبًا فَلَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا» .
وَالْجَوَابُ عَنْ اسْتِدْلَالِ زُفَرَ بِالْحَدِيثِ يَجِيءُ (ثُمَّ إذَا فَرَّقَ الْحَاكِمُ تَكُونُ الْفُرْقَةُ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لِأَنَّ فِعْلَ الْقَاضِي انْتَسَبَ إلَيْهِ لِنِيَابَتِهِ عَنْهُ كَمَا فِي الْعِنِّينِ)
.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(وَهُوَ خَاطِبٌ إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ) عِنْدَهُمَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هُوَ تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا» نَصَّ عَلَى التَّأْبِيدِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْإِكْذَابَ رُجُوعٌ وَالشَّهَادَةُ بَعْدَ الرُّجُوعِ لَا حُكْمَ لَهَا، لَا يَجْتَمِعَانِ مَا دَامَا مُتَلَاعِنَيْنِ، وَلَمْ يَبْقَ التَّلَاعُنُ وَلَا حُكْمُهُ بَعْدَ الْإِكْذَابِ فَيَجْتَمِعَانِ
وَقَوْلُهُ (وَهُوَ خَاطِبٌ إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ عِنْدَهُمَا) مَسْأَلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هُوَ) أَيْ الثَّابِتُ بِاللِّعَانِ (تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا») نَصَّ عَلَى التَّأْبِيدِ وَهُوَ يُنَافِي عَوْدَهُ خَاطِبًا.
(وَلَهُمَا أَنَّ الْإِكْذَابَ) أَيْ الْإِقْرَارَ بِالْكَذِبِ (رُجُوعٌ عَنْ الشَّهَادَةِ) وَالرُّجُوعُ عَنْهَا يُبْطِلُ حُكْمَهَا، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ نَصِّ التَّأْبِيدِ وَالْعَوْدِ خَاطِبًا لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَجْتَمِعَانِ مَا دَامَا مُتَلَاعِنَيْنِ، لِأَنَّهُمَا يَكُونَانِ مُتَلَاعِنَيْنِ، إمَّا حَقِيقَةً بِمُبَاشَرَتِهِمَا اللِّعَانَ، أَوْ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ بَقَاءِ حُكْمِهِ، وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ بَعْدَ الْإِكْذَابِ، أَمَّا حَقِيقَةً فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا حُكْمًا فَلِأَنَّهُ لَمَّا أَكْذَبَ نَفْسَهُ
(وَلَوْ كَانَ الْقَذْفُ بِوَلَدٍ نَفَى الْقَاضِي نَسَبَهُ وَأَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ) وَصُورَةُ اللِّعَانِ أَنْ يَأْمُرَ الْحَاكِمُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُك بِهِ مِنْ نَفْيِ الْوَلَدِ، وَكَذَا فِي جَانِبِ الْمَرْأَةِ (وَلَوْ قَذَفَهَا بِالزِّنَا وَنَفَى الْوَلَدَ ذَكَرَ فِي اللِّعَانِ الْأَمْرَيْنِ ثُمَّ يَنْفِي الْقَاضِي نَسَبَ الْوَلَدِ وَيُلْحِقُهُ بِأُمِّهِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام نَفَى وَلَدَ امْرَأَةِ
وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَبَطَلَتْ أَهْلِيَّةُ اللِّعَانِ، وَإِذَا بَطَلَتْ الْأَهْلِيَّةُ ارْتَفَعَ حُكْمُهُ فَيَجْتَمِعَانِ.
(وَلَوْ كَانَ الْقَذْفُ بِوَلَدٍ نَفَى الْقَاضِي النَّسَبَ مِنْ الْأَبِ وَأَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ) وَصُورَةُ اللِّعَانِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَأْمُرَ الْحَاكِمُ الرَّجُلَ فَيَقُولَ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إلَخْ وَهُوَ
هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ هِلَالٍ وَأَلْحَقَهُ بِهَا» وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا اللِّعَانِ نَفْيُ الْوَلَدِ فَيُوَفِّرُ عَلَيْهِ مَقْصُودَهُ،
ظَاهِرٌ (وَقَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا اللِّعَانِ نَفْيُ الْوَلَدِ) حَيْثُ كَانَ الْقَذْفُ بِهِ (فَيُوَفِّرُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الزَّوْجِ مَقْصُودَهُ،
فَيَتَضَمَّنُهُ الْقَضَاءُ بِالتَّفْرِيقِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْقَاضِي يُفَرِّقُ وَيَقُولُ: قَدْ أَلْزَمْته أُمَّهُ وَأَخْرَجْته مِنْ نَسَبِ الْأَبِ لِأَنَّهُ يَنْفَكُّ عَنْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ (فَإِنْ عَادَ الزَّوْجُ وَأَكْذَبَ نَفْسَهُ حَدَّهُ الْقَاضِي) لِإِقْرَارِهِ بِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ
فَالْقَضَاءُ بِالتَّفْرِيقِ يَكُونُ مُتَضَمِّنًا لِنَفْيِهِ فَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَنْفِيَ الْقَاضِي نَسَبَهُ وَيَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْقَاضِيَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا وَيَقُولُ قَدْ أَلْزَمْته أُمَّهُ وَأَخْرَجْته مِنْ نَسَبِ الْأَبِ) حَتَّى لَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَمْ يَنْتَفِ النَّسَبُ عَنْهُ (لِأَنَّهُ) أَيْ نَفْيَ الْوَلَدِ (يَنْفَكُّ عَنْهُ) أَيْ عَنْ التَّفَرُّقِ، إذْ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ التَّفْرِيقِ بِاللِّعَانِ نَفْيُ الْوَلَدِ كَمَا لَوْ مَاتَ الْوَلَدُ فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِاللِّعَانِ وَلَا يَنْتَفِي النَّسَبُ عَنْهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يُصَرِّحَ الْقَاضِي بِنَفْيِ النَّسَبِ عَنْهُ.
رَوَاهُ بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (فَإِنْ عَادَ الزَّوْجُ وَأَكْذَبَ نَفْسَهُ) بَعْدَ اللِّعَانِ (حَدَّهُ الْقَاضِي لِإِقْرَارِهِ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَيْهِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هَذَا إذَا لَمْ يُطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً بَائِنَةً بَعْدَ الْقَذْفِ، فَإِنَّهُ إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ الْقَذْفِ وَالْبَيْنُونَةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَاللِّعَانُ، أَمَّا اللِّعَانُ فَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِاللِّعَانِ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ فَلَا مَعْنَى لِلِّعَانِ لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ
(وَحَلَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا) وَهَذَا عِنْدَهُمَا لِأَنَّهُ لَمَّا حُدَّ لَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِلِّعَانِ فَارْتَفَعَ حُكْمُهُ الْمَنُوطُ بِهِ وَهُوَ التَّحْرِيمُ (وَكَذَلِكَ إنْ قَذَفَ غَيْرَهَا فَحُدَّ بِهِ) لِمَا بَيَّنَّا (وَكَذَا إذَا زَنَتْ فَحُدَّتْ) لِانْتِفَاءِ أَهْلِيَّةِ اللِّعَانِ مِنْ جَانِبِهَا
(وَإِذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ صَغِيرَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهُ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهَا لَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا،
قَذْفَهُ كَانَ مُوجِبًا لِلِّعَانِ، وَالْقَذْفُ الْوَاحِدُ لَا يُوجِبُ حَدَّيْنِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَمَا لَاعَنَهَا لِأَنَّ وُجُوبَ اللِّعَانِ هُنَاكَ بِأَصْلِ الْقَذْفِ وَالْحَدِّ بِكَلِمَاتِ اللِّعَانِ فَقَدْ نَسَبَهَا فِيهَا إلَى الزِّنَا وَانْتَزَعَ مَعْنَى الشَّهَادَةِ مِنْهَا بِإِكْذَابِهِ نَفْسَهُ، فَيَكُونُ هَذَا نَظِيرَ شُهُودِ الزِّنَا إذَا رَجَعُوا.
وَأَمَّا فِيمَا قُلْنَا فَلَمْ يُوجَدْ كَلِمَاتُ اللِّعَانِ فَلِهَذَا لَا يُحَدُّ وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ، فَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَا زَانِيَةُ كَانَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالتَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ، وَإِنَّمَا قَذَفَهَا بِالزِّنَا بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَوْ قَالَ يَا زَانِيَةُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَمْ يَلْزَمْهُ حَدٌّ وَلَا لِعَانٌ لِأَنَّهُ قَذَفَهَا وَهِيَ مَنْكُوحَتُهُ ثُمَّ أَبَانَهَا بِالتَّطْلِيقَاتِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ بَعْدَ قَذْفِهَا إذَا أَبَانَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ حَدٌّ وَلَا لِعَانٌ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ (وَقَوْلُهُ وَحَلَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا) تَكْرَارٌ لِقَوْلِهِ وَهُوَ خَاطِبٌ إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ عِنْدَهُمَا، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ ذَكَرَ هُنَاكَ تَفْرِيعًا وَنَقَلَ هَاهُنَا لَفْظَ الْقُدُورِيِّ.
وَقَوْلُهُ وَكَذَلِكَ إنْ قَذَفَ غَيْرَهَا فَحُدَّ بِهِ) يَعْنِي جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا. وَقَوْلُهُ (لِمَا بَيَّنَّا) يُرِيدُ بِهِ قَوْلَهُ لِأَنَّهُ لَمَّا حُدَّ لَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِلِّعَانِ (وَكَذَا إذَا زَنَتْ فَحُدَّتْ) لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا (لِانْتِفَاءِ أَهْلِيَّةِ اللِّعَانِ مِنْ جَانِبِهَا) فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا جَرَى اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا عُلِمَ أَنَّهُمَا زَوْجَانِ عَلَى صِفَةِ الْإِحْصَانِ، وَالْمَرْأَةُ وَالرَّجُلُ إذَا زَنَيَا بَعْدَ إحْصَانِهِمَا رُجِمَا فَحِينَئِذٍ كَانَ قَوْلُهُ فَحُدَّتْ مَعْنَاهُ رُجِمَتْ، فَبَعْدَ ذَلِكَ أَنَّى تَبْقَى مَحَلًّا لِلتَّزَوُّجِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ حُدَّتْ جُلِدَتْ، وَتَصْوِيرُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَتَلَاعَنَا بَعْدَ التَّزَوُّجِ قَبْلَ الدُّخُولِ ثُمَّ إنَّهَا زَنَتْ بَعْدَ اللِّعَانِ فَكَانَ حَدُّهَا الْجَلْدَ دُونَ الرَّجْمِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُحْصَنَةٍ لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ إحْصَانِ الرَّجْمِ الدُّخُولَ بَعْدَ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ وَلَمْ يُوجَدْ.
قَالَ (وَإِذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ صَغِيرَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهَا لَوْ كَانَ الْقَاذِفُ أَجْنَبِيًّا) لِعَدَمِ إحْصَانِهِمَا، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ
فَكَذَا لَا يُلَاعِنُ الزَّوْجُ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ (وَكَذَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا) لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ (وَقَذْفُ الْأَخْرَسِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللِّعَانُ) لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالصَّرِيحِ كَحَدِّ الْقَذْفِ، وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يَعْرَى عَنْ الشُّبْهَةِ وَالْحُدُودُ تَنْدَرِئُ بِهَا
(وَإِذَا قَالَ الزَّوْجُ لَيْسَ حَمْلُك مِنِّي فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا) وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ لِأَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ بِقِيَامِ الْحَمْلِ فَلَمْ يَصِرْ قَاذِفًا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: اللِّعَانُ يَجِبُ بِنَفْيِ الْحَمْلِ إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَهُوَ مَعْنَى مَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ، لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِقِيَامِ الْحَمْلِ عِنْدَهُ فَيَتَحَقَّقُ الْقَذْفُ. قُلْنَا: إذَا لَمْ يَكُنْ قَذْفًا فِي الْحَالِ يَصِيرُ كَالْمُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَ بِك حَمْلٌ فَلَيْسَ مِنِّي. وَالْقَذْفُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ (وَإِنْ قَالَ لَهَا زَنَيْت وَهَذَا الْحَمْلُ مِنْ الزِّنَا تَلَاعَنَا) لِوُجُودِ الْقَذْفِ حَيْثُ ذَكَرَ الزِّنَا صَرِيحًا (وَلَمْ يَنْفِ الْقَاضِي الْحَمْلَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَنْفِيه لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام نَفَى الْوَلَدَ عَنْ هِلَالٍ وَقَدْ قَذَفَهَا حَامِلًا.
الْبُلُوغَ وَالْعَقْلَ (فَكَذَا لَا يُلَاعِنُ الزَّوْجُ لِقِيَامِ اللِّعَانِ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ، وَكَذَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ) لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُخَاطَبٍ (وَقَذْفُ الْأَخْرَسِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللِّعَانُ) لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ حَدِّ الْقَذْفِ وَحَدُّ الْقَذْفِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالصَّرِيحِ فَكَذَلِكَ اللِّعَانُ (وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ) هُوَ يَقُولُ إشَارَةُ الْأَخْرَسِ كَعِبَارَةِ النَّاطِقِ (وَلَنَا أَنَّ الْإِشَارَةَ لَا تَعْرَى عَنْ الشُّبْهَةِ) لِكَوْنِهَا مُحْتَمَلَةً (وَالْحُدُودُ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ) وَاللِّعَانُ فِي مَعْنَى الْحَدِّ.
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا قَالَ الزَّوْجُ لَيْسَ حَمْلُك مِنِّي) ظَاهِرٌ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ بِقِيَامِ الْحَمْلِ عِنْدَهُ لِلْقَذْفِ. وَقَوْلُهُ (وَالْقَذْفُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَذْفَ مِمَّا لَا يُحْلَفُ بِهِ لِإِفْضَائِهِ إلَى إبْقَائِهِ إلَى زَمَانِ وُجُودِ الشَّرْطِ فِي ذِمَّةِ الْحَالِفِ، وَفِي ذَلِكَ احْتِيَالٌ لِإِثْبَاتِ مَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ (وَإِنْ قَالَ لَهَا زَنَيْت وَهَذَا الْحَمْلُ مِنْ الزِّنَا) ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (وَقَدْ قَذَفَهَا حَامِلًا)
وَلَنَا أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْوِلَادَةِ لِتَمَكُّنِ الِاحْتِمَالِ قَبْلَهُ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ قِيَامَ الْحَبَلِ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ
(وَإِذَا
نَفَى الرَّجُلُ وَلَدَ امْرَأَتِهِ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ أَوْ فِي الْحَالَةِ الَّتِي تَقْبَلُ التَّهْنِئَةَ
وَتُبْتَاعُ آلَةُ الْوِلَادَةِ صَحَّ
رُوِيَ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ إنْ جَاءَتْ بِهِ أُصَيْهِبَ أُرَيْصِحَ حَمْشَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِهِلَالٍ» وَفِي رِوَايَةٍ «أُحَيْمِرَ قَصِيرًا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدًا جُمَالِيًّا فَهُوَ لِشَرِيكٍ، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: لَوْلَا الْأَيْمَانُ الَّتِي سَبَقَتْ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» (وَلَنَا أَنَّ نَفْيَ الْوَلَدِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِهِ، وَالْأَحْكَامُ لَا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْوِلَادَةِ لِتَمَكُّنِ الِاحْتِمَالِ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ انْفِصَالِ الْوَلَدِ أَوْ قَبْلَ حُصُولِ الْوِلَادَةِ. فَإِنْ قِيلَ: بَلْ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَبْلَهَا كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ بِهِ وَلَهُ.
أُجِيبَ بِأَنَّ اللِّعَانَ فِي حَقِّ الزَّوْجِ بِمَنْزِلَةِ الْحَدِّ فَلَا يُقَامُ مَعَ الشُّبْهَةِ، بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ، وَالْإِرْثُ وَالْوَصِيَّةُ يَتَوَقَّفَانِ عَلَى انْفِصَالِ الْوَلَدِ وَلَا يَتَقَرَّرُ فِي الْحَالِ. وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ قَوْلَهُ الْأَحْكَامُ لَا تَتَرَتَّبُ يُرَادُ بِهِ بَعْضُهَا، وَنَفْيُ الْوَلَدِ مِنْهَا لِئَلَّا يَلْزَمَ إقَامَةُ الْحَدِّ مَعَ قِيَامِ الشُّبْهَةِ (وَالْحَدِيثُ) أَيْ حَدِيثُ هِلَالٍ (مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ قِيَامَ الْحَبَلِ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ) بِدَلِيلِ مَا رَوَيْنَا أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا كَانَ كَذَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِطَرِيقِ الْوَحْيِ.
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا نَفَى الرَّجُلُ وَلَدَ امْرَأَتِهِ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ أَوْ فِي الْحَالَةِ الَّتِي تُقْبَلُ التَّهْنِئَةُ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ لَا الْفَاعِلِ، لِأَنَّهُ لَوْ قَبِلَ الْأَبُ التَّهْنِئَةَ ثُمَّ نَفَى
نَفْيُهُ وَلَاعَنَ بِهِ وَإِنْ نَفَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَاعَنَ، وَيَثْبُتُ النَّسَبُ هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَصِحُّ نَفْيُهُ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ) لِأَنَّ النَّفْيَ يَصِحُّ فِي مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ وَلَا يَصِحُّ فِي مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَفَصَلْنَا بَيْنَهُمَا بِمُدَّةِ النِّفَاسِ لِأَنَّهُ أَثَرُ الْوِلَادَةِ. وَلَهُ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلتَّقْدِيرِ لِأَنَّ الزَّمَانَ لِلتَّأَمُّلِ وَأَحْوَالُ النَّاسِ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ فَاعْتَبَرْنَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَهُوَ قَبُولُهُ التَّهْنِئَةَ أَوْ سُكُوتُهُ عِنْدَ التَّهْنِئَةِ أَوْ ابْتِيَاعُهُ مَتَاعَ الْوِلَادَةِ أَوْ مُضِيُّ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَهُوَ مُمْتَنِعٌ عَنْ النَّفْيِ. وَلَوْ كَانَ غَائِبًا وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْوِلَادَةِ ثُمَّ قَدِمَ تُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَلَى الْأَصْلَيْنِ.
لَا يَصِحُّ نَفْيُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (يَصِحُّ نَفْيُهُ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ) يَعْنِي إذَا كَانَ حَاضِرًا (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلتَّقْدِيرِ بِمُدَّةٍ لِأَنَّ الزَّمَانَ لِلتَّأَمُّلِ) لِئَلَّا يَقَعَ فِي نَفْيِ الْوَلَدِ مُجَازِفًا (وَأَحْوَالُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ فَاعْتَبَرْنَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى عَدَمِ النَّفْيِ وَهُوَ قَبُولُهُ التَّهْنِئَةَ أَوْ سُكُوتُهُ عِنْدَ التَّهْنِئَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ إقْرَارٌ مِنْهُ أَنَّ الْوَلَدَ لَهُ وَكَذَلِكَ ابْتِيَاعُهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِصْلَاحِ الْوَلَدِ عَادَةً، أَوْ مُضِيِّ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ عَنْ النَّفْيِ، وَإِذَا وُجِدَ مِنْهُ دَلِيلُ الْقَبُولِ لَا يَصِحُّ النَّفْيُ بَعْدَهُ، وَلَيْسَ فِيمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ ذِكْرُ مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ كَمَا تَرَى. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ لِأَنَّ فِي هَذِهِ تَسْتَعِدُّ لِلْعَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْعَقِيقَةُ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَلَكِنَّ هَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ نَصْبَ الْمِقْدَارِ بِالرَّأْيِ لَا يَجُوزُ. وَذَكَرَ فِي الشَّامِلِ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُقَدَّرُ بِثَلَاثَةٍ وَذَلِكَ فِي الضَّعْفِ مِثْلُ الْأَوَّلِ (وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ غَائِبًا وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْوِلَادَةِ ثُمَّ قَدِمَ تُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ ذَكَرْنَاهَا عَلَى الْأَصْلَيْنِ) فَيُجْعَلُ كَأَنَّهَا وَلَدَتْهُ الْآنَ فَلَهُ النَّفْيُ عِنْدَ
قَالَ (وَإِذَا وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ فَنَفَى الْأَوَّلَ وَاعْتَرَفَ بِالثَّانِي يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا) لِأَنَّهُمَا تَوْأَمَانِ خُلِقَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ (وَحُدَّ الزَّوْجُ) لِأَنَّهُ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بِدَعْوَى الثَّانِي، وَإِنْ اعْتَرَفَ بِالْأَوَّلِ وَنَفَى الثَّانِي يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا لِمَا ذَكَرْنَا وَلَاعَنَ لِأَنَّهُ قَادِرٌ بِنَفْيِ الثَّانِي وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ، وَالْإِقْرَارُ بِالْعِفَّةِ سَابِقٌ عَلَى الْقَذْفِ فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ إنَّهَا عَفِيفَةٌ ثُمَّ قَالَ هِيَ زَانِيَةٌ، وَفِي ذَلِكَ التَّلَاعُنُ كَذَا هَذَا.
أَبِي حَنِيفَةَ فِي مِقْدَارِ مَا يُقْبَلُ فِيهِ التَّهْنِئَةُ، وَعِنْدَهُمَا فِي مِقْدَارِ مُدَّةِ النِّفَاسِ بَعْدَ الْقُدُومِ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَلْزَمُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ فَصَارَتْ حَالُ الْقُدُومِ كَحَالِ الْوِلَادَةِ.
(قَوْلُهُ وَإِذَا وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ) ظَاهِرٌ (وَالْإِقْرَارُ بِالْعِفَّةِ سَابِقٌ عَلَى الْقَذْفِ) جَوَابُ سُؤَالٍ تَقْدِيرُهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّهُ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ الْقَذْفِ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ الْأَوَّلَ بِثُبُوتِ النَّسَبِ بَاقٍ بَعْدَ نَفْيِ الْوَلَدِ فَيُعْتَبَرُ قِيَامُ الْإِقْرَارِ بَعْدَ الْقَذْفِ بِابْتِدَاءِ الْإِقْرَارِ، وَلَوْ وُجِدَ الْإِقْرَارُ بَعْدَ النَّفْيِ ثَبَتَ الْإِكْذَابُ وَوَجَبَ الْحَدُّ، فَكَذَا هَاهُنَا.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْعِفَّةِ سَابِقٌ عَلَى الْقَذْفِ حَقِيقَةً وَالِاعْتِبَارُ بِالْحَقِيقَةِ (فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ إنَّهَا عَفِيفَةٌ ثُمَّ قَالَ هِيَ زَانِيَةٌ، وَفِي ذَلِكَ التَّلَاعُنُ) وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إكْذَابًا (فَكَذَلِكَ هَذَا).
بَابُ الْعِنِّينِ وَغَيْرِهِ
(وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ عِنِّينًا أَجَّلَهُ الْحَاكِمُ سَنَةً، فَإِنْ وَصَلَ إلَيْهَا وَإِلَّا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا إذَا طَلَبَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ)
بَابُ الْعِنِّينِ وَغَيْرِهِ)
:
لَمَّا فَرَغَ مِنْ وُجُوهِ أَحْكَامِ الْأَصِحَّاءِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ أَحْكَامَ مَنْ بِهِ نَوْعُ مَرَضٍ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، لِأَنَّ حُكْمَ مَنْ بِهِ الْعَوَارِضُ بَعْدَ ذِكْرِ حُكْمِ الْأَصِحَّاءِ، وَالْعِنِّينُ هُوَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى إتْيَانِ النِّسَاءِ، مِنْ عُنَّ إذَا حُبِسَ فِي الْعُنَّةِ وَهِيَ حَظِيرَةُ الْإِبِلِ، أَوْ مِنْ عَنَّ إذَا عَرَضَ لِأَنَّهُ يَعِنُّ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَقُومَ آلَتُهُ أَوْ لَمْ تَقُمْ، وَبَيْنَ أَنْ يَصِلَ إلَى الثَّيِّبِ دُونَ الْبِكْرِ أَوْ إلَى بَعْضِ النِّسَاءِ دُونَ بَعْضٍ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِمَرَضٍ بِهِ أَوْ لِضَعْفٍ فِي خِلْقَتِهِ أَوْ لِكِبَرِ سِنِّهِ أَوْ لِسِحْرٍ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ عِنِّينٌ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَصِلُ إلَيْهَا لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ فِي حَقِّهَا. قَالَ (وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ عِنِّينًا) أَيْ وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ عِنِّينًا (أَجَّلَهُ الْحَاكِمُ سَنَةً) ابْتِدَاؤُهَا مِنْ وَقْتِ الْخُصُومَةِ (فَإِنْ وَصَلَ إلَيْهَا وَإِلَّا فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا إذَا طَلَبَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ) وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ
هَكَذَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَلِأَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ لَهَا فِي الْوَطْءِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الِامْتِنَاعُ لِعِلَّةٍ مُعْتَرَضَةٍ، وَيَحْتَمِلُ لِآفَةٍ أَصْلِيَّةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ مُدَّةِ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، وَقَدَّرْنَاهَا بِالسَّنَةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ.
فَإِذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ وَلَمْ يُصَلِّ إلَيْهَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْعَجْزَ بِآفَةٍ أَصْلِيَّةٍ فَفَاتَ الْإِمْسَاكُ بِالْمَعْرُوفِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ التَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ، فَإِذَا امْتَنَعَ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا
وَعَلَيْهِ فَتْوَى فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ رضي الله عنهم (وَلِأَنَّ حَقَّهَا ثَابِتٌ فِي الْوَطْءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الِامْتِنَاعُ لِعِلَّةٍ مُعْتَرِضَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِآفَةٍ أَصْلِيَّةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ مُدَّةِ مَعْرِفَةٍ لِذَلِكَ. وَقَدَّرْنَاهَا بِالسَّنَةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ) لِأَنَّ الْعَجْزَ قَدْ يَكُونُ لِفَرْطِ رُطُوبَةٍ فَيَتَدَاوَى بِمَا يُضَادُّهُ مِنْ الْيُبُوسَةِ أَوْ بِالْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الطَّبَائِعِ.
(فَإِذَا مَضَتْ وَلَمْ يَصِلْ إلَيْهَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْعَجْزَ بِآفَةٍ أَصْلِيَّةٍ فَفَاتَ الْإِمْسَاكُ بِالْمَعْرُوفِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ التَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ، فَإِذَا امْتَنَعَ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا) وَقِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّرَ السَّنَةَ شَمْسِيَّةً أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ مُوَافَقَةُ الْعِلَاجِ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي
وَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهَا لِأَنَّ التَّفْرِيقَ حَقُّهَا
يَقَعُ التَّفَاوُتُ فِيهَا بَيْنَ السَّنَةِ الْقَمَرِيَّةِ وَالشَّمْسِيَّةِ وَلَيْسَ بِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ (وَلَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهَا التَّفْرِيقَ) لِأَنَّهُ حَقُّهَا
(وَتِلْكَ الْفُرْقَةُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ) لِأَنَّ فِعْلَ الْقَاضِي أُضِيفَ إلَى الزَّوْجِ فَكَأَنَّهُ طَلَّقَهَا بِنَفْسِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ فَسْخٌ لَكِنَّ النِّكَاحَ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا تَقَعُ بَائِنَةً لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ دَفْعُ الظُّلْمِ عَنْهَا لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهَا لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بَائِنَةً تَعُودُ مُعَلَّقَةً بِالْمُرَاجَعَةِ.
(وَلَهَا كَمَالُ مَهْرِهَا إنْ كَانَ خَلَا بِهَا) فَإِنَّ خَلْوَةَ الْعِنِّينِ صَحِيحَةٌ (وَيَجِبُ الْعِدَّةُ) لِمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلِ هَذَا إذَا أَقَرَّ الزَّوْجُ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا (وَلَوْ اخْتَلَفَ الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ فِي الْوُصُولِ إلَيْهَا
وَتِلْكَ الْفُرْقَةُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ لِأَنَّ فِعْلَ الْقَاضِي أُضِيفَ إلَى الزَّوْجِ وَكَأَنَّهُ طَلَّقَهَا بِنَفْسِهِ. (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: هُوَ فَسْخٌ لِأَنَّهُ فُرْقَةٌ مِنْ جِهَتِهَا لَكِنْ النِّكَاحُ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ عِنْدَنَا) يَعْنِي بَعْدَ التَّمَامِ، وَأَمَّا قَبْلَ تَمَامِ الْعَقْدِ فَيُقْبَلُ كَمَا فِي خِيَارِ الْبُلُوغِ وَخِيَارِ الْعِتْقِ وَقَدْ تَقَدَّمَ (وَإِنَّمَا تَقَعُ التَّطْلِيقَةُ بَائِنَةً لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ دَفْعُ الظُّلْمِ عَنْهَا لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهَا لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بَائِنَةً تَعُودُ مُعَلَّقَةً بِالْمُرَاجَعَةِ) وَهِيَ الَّتِي لَا تَكُونُ ذَاتَ زَوْجٍ وَلَا مُطَلَّقَةً، أَمَّا الْأُولَى فَلِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْوَطْءُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهَا تَحْتَ زَوْجٍ فَلَا يَحْصُلُ لَهَا دَفْعُ الظُّلْمِ.
(وَلَهَا كَمَالُ الْمَهْرِ إنْ كَانَ خَلَا بِهَا لِأَنَّ خَلْوَةَ الْعِنِّينِ صَحِيحَةٌ) لِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ سَلَّمَتْ الْمُبْدَلَ مَعَ وُجُودِ الْآلَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْبَدَلُ، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَضَاءُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رضي الله عنهما حَيْثُ قَالَا: مَا ذَنْبُهُنَّ إذَا جَاءَ الْعَجْزُ مِنْ قِبَلِكُمْ (وَيَجِبُ الْعِدَّةُ) لِتَوَهُّمِ الشَّغْلِ احْتِيَاطًا اسْتِحْسَانًا (لِمَا بَيَّنَّا)
فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ يُنْكِرُ اسْتِحْقَاقَ حَقِّ الْفُرْقَةِ وَالْأَصْلُ هُوَ السَّلَامَةُ فِي الْجِبِلَّةِ (ثُمَّ إنْ حَلَفَ بَطَلَ حَقُّهَا، وَإِنْ نَكَلَ يُؤَجَّلُ سَنَةً، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا نَظَرَ إلَيْهَا النِّسَاءُ، فَإِنْ قُلْنَ هِيَ بِكْرٌ أُجِّلَ سَنَةً) لِظُهُورِ كَذِبِهِ (وَإِنْ قُلْنَ هِيَ ثَيِّبٌ يَحْلِفُ الزَّوْجُ، فَإِنْ حَلَفَ لَا حَقَّ لَهَا، وَإِنْ نَكَلَ يُؤَجَّلُ سَنَةً، وَإِنْ كَانَ مَجْبُوبًا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَالِ إنْ طَلَبَتْ) لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي التَّأْجِيلِ (وَالْخَصِيُّ يُؤَجَّلُ كَمَا يُؤَجَّلُ الْعِنِّينُ) لِأَنَّ وَطْأَهُ مَرْجُوٌّ
يَعْنِي فِي بَابِ الْمَهْرِ هَذَا إذَا أَقَرَّ الزَّوْجُ بِعَدَمِ الْوُصُولِ إلَيْهَا، وَإِنْ ادَّعَاهُ وَأَنْكَرَتْهُ (فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ اسْتِحْقَاقَ حَقِّ الْفُرْقَةِ) حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا لِلْوُصُولِ صُورَةً (وَالْأَصْلُ فِي الْجِبِلَّةِ السَّلَامَةُ) وَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهُ وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ فَكَانَ كَالْمُودِعِ إذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ مَعْنًى وَإِنْ كَانَ مُدَّعِيًا صُورَةً (ثُمَّ إنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ لَقَدْ أَصَبْتهَا بَطَلَ حَقُّهَا، وَإِنْ نَكَلَ يُؤَجَّلُ سَنَةً، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا نَظَرَ النِّسَاءُ إلَيْهَا، فَإِنْ قُلْنَ هِيَ بِكْرٌ أُجِّلَ سَنَةً، وَإِنْ قُلْنَ هِيَ ثَيِّبٌ يَحْلِفُ الزَّوْجُ) لِإِمْكَانِ أَنَّ بَكَارَتَهَا زَالَتْ بِوَجْهٍ آخَرَ فَيُشْتَرَطُ الْيَمِينُ مَعَ شَهَادَتِهِنَّ لِيَكُونَ حُجَّةً (فَإِنْ حَلَفَ لَا حَقَّ لَهَا، وَإِنْ نَكَلَ يُؤَجَّلُ سَنَةً) ثُمَّ كَيْفَ يَعْرِفُ أَنَّهَا بِكْرٌ أَوْ ثَيِّبٌ؟ قَالُوا: يَدْفَعُ فِي فَرْجِهَا أَصْغَرَ بَيْضَةٍ مِنْ بَيْضِ الدَّجَاجِ، فَإِنْ دَخَلَ بِلَا عُنْفٍ فَثَيِّبٌ وَإِلَّا فَبِكْرٌ.
وَقِيلَ إنْ أَمْكَنَهَا أَنْ تَبُولَ عَلَى الْجِدَارِ فَبِكْرٌ وَإِلَّا فَثَيِّبٌ، وَقِيلَ تُكْسَرُ الْبَيْضَةُ فَتُصَبُّ فِي فَرْجِهَا فَإِنْ دَخَلَتْ فَثَيِّبٌ وَإِلَّا فَبِكْرٌ. قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ مَجْبُوبًا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَالِ) ظَاهِرٌ.
(وَإِذَا أُجِّلَ الْعِنِّينُ سَنَةً وَقَالَ قَدْ جَامَعْتُهَا وَأَنْكَرَتْ نَظَرَ إلَيْهَا النِّسَاءُ. فَإِنْ قُلْنَ: هِيَ بِكْرٌ خُيِّرَتْ) لِأَنَّ شَهَادَتَهُنَّ تَأَيَّدَتْ بِمُؤَيِّدٍ وَهِيَ الْبَكَارَةُ (وَإِنْ قُلْنَ: هِيَ ثَيِّبٌ حَلَفَ الزَّوْجُ، فَإِنْ نَكَلَ خُيِّرَتْ) لِتَأَيُّدِهَا بِالنُّكُولِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا تُخَيَّرُ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فِي الْأَصْلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ (فَإِنْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ خِيَارٌ) لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِبُطْلَانِ حَقِّهَا
وَفِي التَّأْجِيلِ تُعْتَبَرُ السَّنَةُ الْقَمَرِيَّةُ هُوَ الصَّحِيحُ
قَوْلُهُ (وَإِنْ قُلْنَ هِيَ ثَيِّبٌ حَلَفَ الزَّوْجُ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْإِرَاءَةَ لِلنِّسَاءِ مَرَّتَانِ: مَرَّةٌ قَبْلَ الْأَجَلِ لِلتَّأْجِيلِ وَمَرَّةٌ بَعْدَ الْأَجَلِ لِلتَّخْيِيرِ (فَإِنْ نَكَلَ خُيِّرَتْ لِتَأَيُّدِهَا بِالنُّكُولِ) أَيْ لِتَأَيُّدِ دَعْوَى الْمَرْأَةِ أَنَّهُ لَمْ يُجَامِعْهَا بِنُكُولِ الزَّوْجِ عَنْ الْيَمِينِ (فَإِنْ حَلَفَ لَا تُخَيَّرُ) لِبُطْلَانِ حَقِّهَا (وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فِي الْأَصْلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ) يَعْنِي قَوْلَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ اسْتِحْقَاقَ حَقِّ الْفُرْقَةِ (فَإِنْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ خِيَارٌ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِبُطْلَانِ حَقِّهَا) وَكَذَلِكَ إذَا قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا أَوْ أَقَامَهَا أَعْوَانُ الْقَاضِي أَوْ قَامَ الْقَاضِي قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ شَيْئًا بَطَلَ خِيَارُهَا لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ تَخْيِيرِ الزَّوْجِ امْرَأَتَهُ وَذَلِكَ مُوَقَّتٌ بِالْمَجْلِسِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَالتَّفْرِيقُ كَانَ لِحَقِّهَا، فَإِذَا رَضِيَتْ بِالْإِسْقَاطِ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً بِتَأْخِيرِ الِاخْتِيَارِ إلَى أَنْ قَامَتْ أَوْ أُقِيمَتْ سَقَطَ حَقُّهَا فَلَا تُطَالِبُ بَعْدَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ، فَإِنْ اخْتَارَتْ الْفُرْقَةَ أَمَرَ الْقَاضِي الزَّوْجَ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَإِنْ أَبَى فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا كَمَا مَرَّ.
قَالَ (وَفِي التَّأْجِيلِ تُعْتَبَرُ السَّنَةُ الْقَمَرِيَّةُ هُوَ الصَّحِيحُ) وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ يَوْمًا. وَرَوَى الْحَسَنُ أَنَّهُ تُعْتَبَرُ السَّنَةُ الشَّمْسِيَّةُ وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَسِتُّونَ يَوْمًا وَجُزْءٌ مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ الْيَوْمِ
وَيُحْتَسَبُ بِأَيَّامِ الْحَيْضِ وَبِشَهْرِ رَمَضَانَ لِوُجُودِ ذَلِكَ فِي السَّنَةِ وَلَا يُحْتَسَبُ بِمَرَضِهِ وَمَرَضِهَا لِأَنَّ السَّنَةَ قَدْ تَخْلُو عَنْهُ.
(وَإِذَا كَانَ بِالزَّوْجَةِ عَيْبٌ فَلَا خِيَارَ لِلزَّوْجِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُرَدُّ بِالْعُيُوبِ الْخَمْسَةِ وَهِيَ: الْجُذَامُ وَالْبَرَصُ وَالْجُنُونُ وَالرَّتْقُ وَالْقَرْنُ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ الِاسْتِيفَاءَ حِسًّا أَوْ طَبْعًا
وَتُحْتَسَبُ بِأَيَّامِ الْحَيْضِ وَشَهْرِ رَمَضَانَ) يَعْنِي لَا يُعَوِّضُ عَنْ أَيَّامِ الْحَيْضِ وَشَهْرِ رَمَضَانَ الْوَاقِعَةِ فِي مُدَّةِ أَيَّامِ التَّأْجِيلِ أَيَّامٌ أُخَرُ بَلْ هِيَ مَحْسُوبَةٌ مِنْ مُدَّةِ التَّأْجِيلِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم قَدَّرُوا مُدَّةَ التَّأْجِيلِ بِسَنَةٍ وَلَمْ يَسْتَثْنُوا مِنْهَا أَيَّامَ الْحَيْضِ وَشَهْرَ رَمَضَانَ مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّ السَّنَةَ لَا تَخْلُو عَنْهَا (وَلَا يُحْتَسَبُ بِمَرَضِهِ وَمَرَضِهَا لِأَنَّ السَّنَةَ قَدْ تَخْلُو عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْمَرَضِ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى أَيَّامِ الْحَيْضِ وَشَهْرِ رَمَضَانَ وَيُعَوَّضُ لِذَلِكَ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَيْهِ فَتْوَى الْمَشَايِخِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله أَنَّهُ إذَا مَرِضَ أَحَدُهُمَا مَرَضًا لَا يَسْتَطِيعُ الْجِمَاعُ مَعَهُ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ شَهْرٍ اُحْتُسِبَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْهُ لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ وَجَعَلَ لَهُ بَدَلَ مَكَانِهَا، وَكَذَلِكَ الْغَيْبَةُ لِأَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ مَحْسُوبٌ عَلَيْهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ فِي اللَّيْلِ مَمْنُوعٌ فِي النَّهَارِ وَالنَّهَارُ بِدُونِ اللَّيْلِ يَكُونُ نِصْفَ الشَّهْرِ، فَثَبَتَ أَنَّ نِصْفَ الشَّهْرِ مَحْسُوبٌ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ أَنَّهُمَا إذَا كَانَا صَحِيحَيْنِ فِي شَيْءٍ مِنْ السَّنَةِ وَلَوْ فِي يَوْمٍ يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِزَمَانِ الْمَرَضِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ رحمه الله أَنَّ مَرَضَ أَحَدِهِمَا فِيمَا دُونَ الشَّهْرِ يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ شَهْرًا لَا يُحْتَسَبُ وَيُزَادُ فِي مُدَّتِهِ بِقَدْرِ مُدَّةِ الْمَرَضِ.
(وَإِذَا كَانَ بِالزَّوْجَةِ عَيْبٌ) أَيَّ عَيْبٍ كَانَ (فَلَا خِيَارَ لِلزَّوْجِ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُرَدُّ بِالْعُيُوبِ الْخَمْسَةِ وَهِيَ الْجُذَامُ وَالْبَرَصُ وَالْجُنُونُ وَالرَّتَقُ) بِفَتْحِ التَّاءِ مَصْدَرُ قَوْلِك امْرَأَةٌ رَتْقَاءُ لَا يُسْتَطَاعُ جِمَاعُهَا لِارْتِتَاقِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ: أَيْ لِانْسِدَادِهِ لَيْسَ لَهَا خَرْقٌ إلَّا الْمَبَالُ (وَالْقَرْنُ) بِسُكُونِ الرَّاءِ. قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: وَهُوَ إمَّا غُدَّةٌ غَلِيظَةٌ أَوْ لَحْمَةٌ مُرْتَفِعَةٌ أَوْ عَظْمٌ تَمْنَعُ مِنْ سُلُوكِ الذَّكَرِ فِي الْفَرْجِ وَامْرَأَةٌ قَرْنَاءُ بِهَا ذَلِكَ. قَالَ: لِأَنَّهَا يَعْنِي الْعُيُوبَ الْخَمْسَةَ تَمْنَعُ الِاسْتِيفَاءَ حِسًّا أَوْ طَبْعًا، أَمَّا حِسًّا فَفِي الرَّتَقِ وَالْقَرْنِ، وَأَمَّا طَبْعًا فَفِي الْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَالْجُنُونِ لِأَنَّ الطِّبَاعَ السَّلِيمَةَ تَنْفِرُ عَنْ جِمَاعِ هَؤُلَاءِ وَرُبَّمَا يَسْرِي إلَى الْأَوْلَادِ
وَالطَّبْعُ مُؤَيَّدٌ بِالشَّرْعِ. قَالَ عليه الصلاة والسلام «فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنْ الْأَسَدِ»
وَالطَّبْعُ مُؤَيَّدٌ بِالشَّرْعِ) «قَالَ صلى الله عليه وسلم فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَك مِنْ الْأَسَدِ.»
وَلَنَا أَنَّ فَوْتَ الِاسْتِيفَاءِ أَصْلًا بِالْمَوْتِ لَا يُوجِبُ الْفَسْخَ فَاخْتِلَالُهُ بِهَذِهِ الْعُيُوبِ أَوْلَى، وَهَذَا لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ مِنْ الثَّمَرَاتِ وَالْمُسْتَحَقُّ هُوَ التَّمَكُّنُ وَهُوَ حَاصِلٌ.
(وَإِذَا كَانَ بِالزَّوْجِ جُنُونٌ أَوْ بَرَصٌ أَوْ جُذَامٌ فَلَا خِيَارَ لَهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله: لَهَا الْخِيَارُ) دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا كَمَا فِي الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ، بِخِلَافِ جَانِبِهِ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ بِالطَّلَاقِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْخِيَارِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الزَّوْجِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْجُبّ وَالْعُنَّةُ لِأَنَّهُمَا يُخِلَّانِ بِالْمَقْصُودِ الْمَشْرُوعِ لَهُ النِّكَاحُ، وَهَذِهِ الْعُيُوبُ غَيْرُ مُخِلَّةٍ بِهِ فَافْتَرَقَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَلَنَا أَنَّ فَوْتَ الِاسْتِيفَاءِ بِالْكُلِّيَّةِ بِالْمَوْتِ لَا يُوجِبُ الْفَسْخَ) حَتَّى لَا يَسْقُطَ شَيْءٌ مِنْ مَهْرِهَا، فَاخْتِلَالُهُ بِهَذِهِ الْعُيُوبِ أَوْلَى. قِيلَ فِيهِ ضَعْفٌ لِأَنَّ النِّكَاحَ مُوَقَّتٌ بِحَيَاتِهِمَا (وَهَذَا) أَيْ كَوْنُ هَذِهِ الْعُيُوبِ لَا تُوجِبُ الْفَسْخَ (لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ مِنْ الثَّمَرَاتِ) وَفَوْتُ الثَّمَرَةِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْتَوْفِ لِبَخَرٍ أَوْ ذَفَرٍ أَوْ قُرُوحٍ فَاحِشَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الْفَسْخِ وَإِنَّمَا الْمُسْتَحَقُّ هُوَ التَّمَكُّنُ وَهُوَ حَاصِلٌ، أَمَّا فِي الْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَالْجُنُونِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا فِي الْبَاقِيَيْنِ فَبِالشَّقِّ أَوْ الْفَتْقِ، «وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ» الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى الْفِرَارِ بِالطَّلَاقِ، وَكَذَا مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَوَجَدَ عَلَى كَشْحِهَا بَيَاضًا فَرَدَّهَا» مَحْمُولٌ عَلَى الطَّلَاقِ، لِأَنَّهُ رُوِيَ " أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «قَالَ لَهَا: الْحَقِي بِأَهْلِك» وَهَذَا مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ، وَكَذَا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَثْبَتَ لَهَا الْخِيَارَ بِهَذِهِ الْعُيُوبِ، وَمَذْهَبُنَا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ.
(وَإِذَا كَانَ بِالزَّوْجِ جُنُونٌ أَوْ بَرَصٌ أَوْ جُذَامٌ فَلَا خِيَارَ لَهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَهَا الْخِيَارُ) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهَا الْوُصُولُ إلَى حَقِّهَا لِمَعْنًى فِيهِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ فَتُخَيَّرُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا حَيْثُ لَا طَرِيقَ لَهَا سِوَاهُ، بِخِلَافِ جَانِبِهِ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ بِالطَّلَاقِ (وَلَهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْخِيَارِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ الزَّوْجِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ فِي الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ لِأَنَّهُمَا يُخِلَّانِ بِالْمَقْصُودِ الْمَشْرُوعِ لَهُ النِّكَاحُ) وَهُوَ الْوَطْءُ لِأَنَّ شَرْعِيَّةَ النِّكَاحِ لِأَجْلِ الْوَطْءِ (وَهَذِهِ الْعُيُوبُ غَيْرُ مُخِلَّةٍ بِهِ فَافْتَرَقَا) فَإِنْ قِيلَ: قَدْ جَعَلَ الْمُصَنِّفُ الْوَطْءَ فِيمَا إذَا كَانَ بِالْمَرْأَةِ مِنْ الْعُيُوبِ الْخَمْسَةِ مِنْ الثَّمَرَاتِ وَلَمْ يُثْبِتْ لَهُ خِيَارَ
بَابُ الْعِدَّةِ
الْفَسْخِ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ جَعَلَهُ الْمَقْصُودَ الْمَشْرُوعَ لَهُ النِّكَاحُ، وَيَلْزَمُ عَنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودَ الْمَشْرُوعَ لَهُ النِّكَاحُ وَأَنْ لَا يَكُونَ بِاعْتِبَارِ الْمَوْضِعَيْنِ وَذَلِكَ تَحَكُّمٌ. قُلْت: هَذَا السُّؤَالُ نَشَأَ مِنْ تَفْسِيرِ الْمَشْرُوعِ لَهُ النِّكَاحُ بِالْوَطْءِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُرَادٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ التَّمَكُّنُ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُمَا يُخِلَّانِ بِهِ، بِخِلَافِ الْعُيُوبِ الثَّلَاثَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ الْعِدَّةِ)
الْعِدَّةُ لَمَّا كَانَتْ أَثَرَ الْفُرْقَةِ بِالطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ أَعْقَبَهَا لِذِكْرِ وُجُوهِ التَّفْرِيقِ فِي بَابٍ عَلَى حِدَةٍ، لِأَنَّ الْأَثَرَ يَعْقُبُ الْمُؤَثِّرَ. وَالْعِدَّةُ فِي اللُّغَةِ: أَيَّامُ أَقْرَاءِ الْمَرْأَةِ، وَفِي الشَّرِيعَةِ: تَرَبُّصٌ يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ عِنْدَ زَوَالِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ مُتَأَكَّدًا بِالدُّخُولِ أَوْ الْخَلْوَةِ أَوْ الْمَوْتِ، وَهُوَ: أَيْ هَذَا الزَّوَالُ سَبَبُهَا. وَشَرْطُهَا وُقُوعُ الْفُرْقَةِ. وَرُكْنُهَا حُرُمَاتٌ ثَابِتَةٌ إلَى أَجَلٍ يَنْقَضِي
(وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا أَوْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَهِيَ حُرَّةٌ مِمَّنْ تَحِيضُ فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ}
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ هُوَ كَفُّ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا عَنْ أَفْعَالٍ مَحْظُورَةٍ عَلَيْهَا وَقَدْ عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ. قَالَ (وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا) وَلَمْ يَقُلْ وَقَدْ دَخَلَ بِهَا. لِأَنَّ قَوْلَهُ رَجْعِيًّا يُغْنِي عَنْهُ إذْ الرَّجْعَةُ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا (أَوْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ طَلَاقٍ) كَخِيَارِ الْعِتْقِ وَخِيَارِ الْبُلُوغِ وَعَدَمِ الْكَفَاءَةِ وَمِلْكِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ وَالْفُرْقَةِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ (وَهِيَ حُرَّةٌ مِمَّنْ تَحِيضُ، فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ}
وَالْفُرْقَةُ إذَا كَانَتْ بِغَيْرِ طَلَاقٍ فَهِيَ فِي مَعْنَى الطَّلَاقِ لِأَنَّ الْعِدَّةَ وَجَبَتْ لِلتَّعَرُّفِ عَنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ فِي الْفُرْقَةِ الطَّارِئَةِ عَلَى النِّكَاحِ، وَهَذَا يَتَحَقَّقُ فِيهَا.
وَالْأَقْرَاءُ الْحِيَضُ عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْأَطْهَارُ وَاللَّفْظُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا إذْ هُوَ مِنْ الْأَضْدَادِ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ السِّكِّيتِ وَلَا يَنْتَظِمُهُمَا جُمْلَةُ لِلِاشْتِرَاكِ
وَهُوَ فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ ظَاهِرُ الْمُرَادِ يَدُلُّ عَلَيْهَا بِعِبَارَتِهِ، وَأَمَّا الْفُرْقَةُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ فَهِيَ فِي مَعْنَاهُ (لِأَنَّ الْعِدَّةَ وَجَبَتْ لِلتَّعَرُّفِ عَنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ فِي الْفُرْقَةِ الطَّارِئَةِ عَلَى النِّكَاحِ وَهَذَا) أَيْ التَّعَرُّفُ عَنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ (يَتَحَقَّقُ فِيهَا) أَيْ فِي الْفُرْقَةِ بِغَيْرِ طَلَاقٍ.
(وَالْأَقْرَاءُ الْحَيْضُ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْأَطْهَارُ وَاللَّفْظُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا) فَكَانَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الْأَضْدَادِ (كَذَا قَالَهُ ابْنُ السِّكِّيتِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُمَا جُمْلَةً لِلِاشْتِرَاكِ) فَإِنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ عِنْدَنَا لَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ حَقِيقَتَيْنِ أَوْ حَقِيقَةً وَمَجَازًا عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، وَلَا بُعْدَ فِي أَنْ يَكُونَ تَعَرُّضُ الْمُصَنِّفِ
وَالْحَمْلُ عَلَى الْحَيْضِ أَوْلَى، إمَّا عَمَلًا بِلَفْظِ الْجَمْعِ، لِأَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى الْأَطْهَارِ وَالطَّلَاقُ يُوقَعُ فِي طُهْرٍ لَمْ يُبْقِ جَمْعًا، أَوْ لِأَنَّهُ مُعَرِّفٌ لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ، أَوْ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «وَعِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ» فَيَلْتَحِقُ بَيَانًا بِهِ
(وَإِنْ كَانَتْ لَا تَحِيضُ مِنْ صِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ} الْآيَةَ
لِكَوْنِهِ مِنْ الْأَضْدَادِ إشَارَةً إلَى نَفْيِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ مَجَازٌ فِي أَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمَجَازِ مِنْ مُنَاسَبَةٍ وَكَوْنُهُ مِنْ الْأَضْدَادِ يَنْفِيهَا، وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْحَمْلِ عَلَى أَحَدِهِمَا. وَالْحَمْلُ عَلَى الْحَيْضِ أَوْلَى لِمَعَانٍ: أَحَدُهُمَا الْعَمَلُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ: يَعْنِي الْقُرُوءَ فَإِنَّهُ جَمْعُ قُرْءٍ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ، وَوَجْهُهُ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ الْحَمْلِ عَلَى الْحَيْضِ لَا عَلَى الطُّهْرِ لِمَا أَنَّ الطَّلَاقَ يُوقَعُ فِي طُهْرٍ وَهُوَ السُّنَّةُ، ثُمَّ هُوَ مَحْسُوبٌ عَنْ الْأَقْرَاءِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْأَطْهَارِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مُدَّةُ عِدَّتِهَا قُرْأَيْنِ وَبَعْضَ الثَّالِثِ، وَلَفْظُ الثَّلَاثَةِ فِي قَوْله تَعَالَى {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} خَاصٌّ لِكَوْنِهِ وُضِعَ لِمَعْنًى مَعْلُومٍ عَلَى الِانْفِرَادِ، وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ النُّقْصَانَ، وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي الْأَنْوَارِ وَالتَّقْرِيرِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أُرِيدَ بِالْقُرُوءِ الْحَيْضُ فَإِنَّهُ يُكْمِلُ ثَلَاثًا.
وَالثَّانِي أَنَّ الْحَيْضَ مُعَرِّفٌ لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ لِأَنَّ بَرَاءَتَهَا إنَّمَا تَظْهَرُ بِالْحَيْضِ لَا بِالطُّهْرِ، لِمَا أَنَّ الْحَمْلَ طُهْرٌ مُمْتَدٌّ فَيَجْتَمِعَانِ فَلَا يَحْصُلُ التَّعَرُّفُ بِأَنَّهَا حَامِلٌ أَوْ حَائِلٌ وَهُوَ أَيْ التَّعَرُّفُ هُوَ الْمَقْصُودُ. وَالثَّالِثُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «وَعِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ» وَالرِّقُّ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي التَّنْصِيفِ لَا فِي النَّقْلِ مِنْ الطُّهْرِ إلَى الْحَيْضِ فَيُلْحَقُ بَيَانًا بِهِ: أَيْ فَيُلْحَقُ هَذَا الْخَبَرُ بِالْمُشْتَرَكِ مِنْ الْكِتَابِ بَيَانًا.
(وَكَذَا الَّتِي بَلَغَتْ بِالسِّنِّ وَلَمْ تَحِضْ) بِآخِرِ الْآيَةِ.
(وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَعِدَّتُهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} (وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «طَلَاقُ الْأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» وَلِأَنَّ الرِّقَّ مُنَصِّفٌ وَالْحَيْضَةُ لَا تَتَجَزَّأُ فَكُمِّلَتْ فَصَارَتْ حَيْضَتَيْنِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ عُمَرُ بِقَوْلِهِ: لَوْ اسْتَطَعْتُ لَجَعَلْتهَا حَيْضَةً وَنِصْفًا
(وَإِنْ كَانَتْ لَا تَحِيضُ مِنْ صِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ} (وَكَذَا الَّتِي بَلَغَتْ بِالسِّنِّ) أَيْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً بِآخِرِ الْآيَةِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ} عَطَفَ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ عَلَى اللَّائِي يَئِسْنَ وَجَعَلَ لَهُمَا خَبَرًا وَاحِدًا، وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعِدَّةِ الْحَيْضُ وَالشُّهُورُ بَدَلٌ عَنْهَا، حَيْثُ جَعَلَ الْأَشْهُرَ عِدَّةً بِشَرْطِ عَدَمِ الْحَيْضِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} .
(وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَعِدَّتُهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وَقَوْلُهُ (فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً) ظَاهِرٌ.
(وَإِنْ كَانَتْ لَا تَحِيضُ فَعِدَّتُهَا شَهْرٌ وَنِصْفٌ) لِأَنَّهُ مُتَجَزِّئُ فَأَمْكَنَ تَنْصِيفُهُ عَمَلًا بِالرِّقِّ.
(وَ
عِدَّةُ الْحُرَّةِ فِي الْوَفَاةِ
أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا
وَقَوْلُهُ (وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ فِي الْوَفَاةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} نَسَخَ قَوْله تَعَالَى
(وَعِدَّةُ الْأَمَةِ شَهْرَانِ وَخَمْسَةُ أَيَّامٍ) لِأَنَّ الرِّقَّ مُنَصِّفٌ.
(وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَعِدَّتُهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا) لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}
{وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَسْتَأْذِنُهُ فِي الِاكْتِحَالِ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: كَانَتْ إحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا قَعَدَتْ فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا فِي بَيْتِهَا حَوْلًا ثُمَّ خَرَجَتْ فَرَمَتْ كَلْبَةً بِبَعْرَةٍ أَفَلَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» فَسَقَطَ اسْتِدْلَالُ مَنْ يَقُولُ لَهَا عِدَّتَانِ طُولِيٌّ وَهِيَ الْحَوْلُ وَالْقَصْرِيُّ وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَإِنَّ الْأُولَى هِيَ الْعِدَّةُ الْكَامِلَةُ وَإِنَّ الثَّانِيَةَ رُخْصَةٌ (وَعِدَّةُ الْأَمَةِ شَهْرَانِ وَخَمْسَةُ أَيَّامٍ) لِمَا عُرِفَ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ الرِّقَّ مُنَصِّفٌ.
(وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَعِدَّتُهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما وَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: تَعْتَدُّ بِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ، إمَّا بِوَضْعِ الْحَمْلِ وَإِمَّا بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ أَيَّهُمَا كَانَ أَبْعَدَ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ} الْآيَةَ، يَقْتَضِي الِاعْتِدَادَ بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَقَوْلُهُ {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ}
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ أَنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ الْقُصْرَى نَزَلَتْ بَعْدَ الْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَقَالَ عُمَرُ: لَوْ وَضَعَتْ وَزَوْجُهَا عَلَى سَرِيرِهِ لَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَحَلَّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ.
يُوجِبُ الِاعْتِدَادَ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا احْتِيَاطًا (وَقُلْنَا: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ شَاءَ بَاهَلْته أَنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ الْقُصْرَى يَعْنِي سُورَةَ {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} إلَى آخِرِهَا نَزَلَتْ بَعْدَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ) يُرِيدُ أَنَّ قَوْله تَعَالَى {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ} مُتَأَخِّرٌ عَنْ قَوْلِهِ {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} فَيَكُونُ نَاسِخًا فِي ذَوَاتِ الْأَحْمَالِ (وَقَالَ عُمَرُ: لَوْ وَضَعَتْ وَزَوْجُهَا عَلَى سَرِيرِهِ لَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَحَلَّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ).
(وَإِذَا وَرِثَتْ الْمُطَلَّقَةُ فِي الْمَرَضِ فَعِدَّتُهَا أَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ: وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: ثَلَاثُ حِيَضٍ، وَمَعْنَاهُ إذَا كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا أَوْ ثَلَاثًا، أَمَّا إذَا كَانَ رَجْعِيًّا فَعَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ بِالْإِجْمَاعِ. لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ النِّكَاحَ قَدْ انْقَطَعَ قَبْلَ الْمَوْتِ بِالطَّلَاقِ وَلَزِمَتْهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ، وَإِنَّمَا تَجِبُ عِدَّةُ الْوَفَاةِ إذَا زَالَ النِّكَاحُ فِي الْوَفَاةِ إلَّا أَنَّهُ بَقِيَ فِي حَقِّ الْإِرْثِ لَا فِي حَقِّ تَغَيُّرِ الْعِدَّةِ، بِخِلَافِ الرَّجْعِيِّ لِأَنَّ النِّكَاحَ بَاقٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَلَهُمَا أَنَّهُ لَمَّا بَقِيَ فِي حَقِّ الْإِرْثِ يُجْعَلُ بَاقِيًا فِي حَقِّ الْعِدَّةِ
وَإِذَا وَرِثَتْ الْمُطَلَّقَةُ فِي الْمَرَضِ فَعِدَّتُهَا أَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ) عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ بِطَلَاقِ الْفَارِّ إذَا كَانَ بَائِنًا أَوْ ثَلَاثًا أَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ أَنْ تَعْتَدَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فِيهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ، حَتَّى لَوْ اعْتَدَّتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَلَمْ تَحِضْ كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ مَا لَمْ تَحِضْ ثَلَاثَ حِيَضٍ وَلَوْ حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ قَبْلَ تَمَامِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ لَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا حَتَّى تَتِمَّ الْمُدَّةُ (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: ثَلَاثُ حِيَضٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ رَجْعِيًّا فَعَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ بِالْإِجْمَاعِ. لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ النِّكَاحَ قَدْ انْقَطَعَ قَبْلَ الْمَوْتِ بِالطَّلَاقِ) لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَهُوَ قَاطِعٌ لِلنِّكَاحِ بِلَا خِلَافٍ، وَمَنْ انْقَطَعَ نِكَاحُهَا بِالطَّلَاقِ لَزِمَهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ لِأَنَّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ مُخْتَصَّةٌ بِمَنْ زَالَ نِكَاحُهَا بِالْوَفَاةِ وَهَذِهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا بَقِيَ فِي حَقِّ الْإِرْثِ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنَّهُ بَقِيَ فِي حَقِّ الْإِرْثِ: يَعْنِي بِالدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى تَوْرِيثِهَا (لَا فِي حَقِّ تَغْيِيرِ الْعِدَّةِ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ لِأَنَّ النِّكَاحَ بَاقٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَهُمَا أَنَّهُ لَمَّا بَقِيَ فِي حَقِّ الْإِرْثِ يُجْعَلُ بَاقِيًا فِي حَقِّ الْعِدَّةِ) وَبَيَانُ الْمُلَازَمَةِ بِقَوْلِهِ (احْتِيَاطًا) بَيَانُهُ أَنَّهُ إنَّمَا أَعْطَيْنَاهَا الْمِيرَاثَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ
احْتِيَاطًا فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا.
وَلَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ حَتَّى وَرِثَتْهُ امْرَأَةٌ فَعِدَّتُهَا عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ. وَقِيلَ عِدَّتُهَا بِالْحَيْضِ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ النِّكَاحَ حِينَئِذٍ مَا اُعْتُبِرَ بَاقِيًا إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ فِي حَقِّ الْإِرْثِ لِأَنَّ الْمُسْلِمَةَ لَا تَرِثُ مِنْ الْكَافِرِ (فَإِذَا عَتَقَتْ الْأَمَةُ فِي عِدَّتِهَا مِنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ انْتَقَلَتْ عِدَّتُهَا إلَى عِدَّةِ الْحَرَائِرِ) لِقِيَامِ النِّكَاحِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (وَإِنْ أَعْتَقَتْ وَهِيَ مَبْتُوتَةٌ أَوْ مُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَمْ تَنْتَقِلْ عِدَّتُهَا
النِّكَاحَ بِمَنْزِلَةِ الْقَائِمِ بَيْنَهُمَا حُكْمًا إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ. أَوْ بِاعْتِبَارِ إقَامَةِ الْعِدَّةِ مَقَامَ أَصْلِ النِّكَاحِ حُكْمًا، إذْ لَا بُدَّ لِلْمِيرَاثِ مِنْ قِيَامِ السَّبَبِ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَالْمِيرَاثُ لَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ وَالْعِدَّةُ تَجِبُ بِهِ، فَإِذَا جُعِلَ النِّكَاحُ فِي حُكْمِ الْمِيرَاثِ كَالْمُنْتَهِي بِالْمَوْتِ حُكْمًا فَفِي حُكْمِ الْعِدَّةِ أَوْلَى، وَسَبَبُ وُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا بِالْحَيْضِ مُتَقَرِّرٌ حَقِيقَةً فَأَلْزَمْنَاهَا الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا احْتِيَاطًا.
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ) جَوَابٌ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو يُوسُفَ فَقَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ تَرِثُهُ زَوْجَتُهُ الْمُسْلِمَةُ وَلَيْسَ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ زَوَالَ النِّكَاحِ كَانَ بِرِدَّتِهِ لَا بِمَوْتِهِ فَكَذَلِكَ زَوَالُ النِّكَاحِ هَاهُنَا بِالطَّلَاقِ الْبَائِنِ لَا بِالْمَوْتِ.
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ عِنْدَهُمَا تَعْتَدُّ بِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ فَلَا يَنْهَضُ دَلِيلًا. وَقِيلَ عِدَّتُهَا بِالْحَيْضِ بِالْإِجْمَاعِ وَعُذْرُهُمَا عَنْ ذَاكَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ أَنَّ النِّكَاحَ مَا اُعْتُبِرَ بَاقِيًا إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ فِي حَقِّ الْإِرْثِ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ مُسْلِمَةٌ، وَالْمُسْلِمَةُ لَا تَرِثُ الْكَافِرَ وَلَكِنْ يَسْتَنِدُ اسْتِحْقَاقُ الْمِيرَاثِ إلَى وَقْتِ الرِّدَّةِ، وَبِذَلِكَ السَّبَبِ لَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ بِالْحَيْضِ فَلَا يَلْزَمُهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ، وَهَاهُنَا اسْتِحْقَاقُ الْمِيرَاثِ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا عِنْدَ الطَّلَاقِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ النِّكَاحَ كَالْقَائِمِ بَيْنَهُمَا إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ حُكْمًا.
وَقَوْلُهُ (فَإِذَا عَتَقَتْ الْأَمَةُ فِي عِدَّتِهَا)
إلَى عِدَّةِ الْحَرَائِرِ) لِزَوَالِ النِّكَاحِ بِالْبَيْنُونَةِ أَوْ الْمَوْتِ.
(وَإِنْ كَانَتْ آيِسَةً فَاعْتَدَّتْ بِالشُّهُورِ ثُمَّ رَأَتْ الدَّمَ انْتَقَضَ مَا مَضَى مِنْ عِدَّتِهَا وَعَلَيْهَا أَنْ تَسْتَأْنِفَ الْعِدَّةَ بِالْحَيْضِ) وَمَعْنَاهُ إذَا رَأَتْ الدَّمَ عَلَى الْعَادَةِ لِأَنَّ عَوْدَهَا يُبْطِلُ الْإِيَاسَ هُوَ الصَّحِيحُ، فَظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ خَلْفًا وَهَذَا لِأَنَّ شَرْطَ الْخَلْفِيَّةِ تَحَقُّقُ الْيَأْسِ وَذَلِكَ بِاسْتِدَامَةِ الْعَجْزِ إلَى الْمَمَاتِ كَالْفِدْيَةِ
ظَاهِرٌ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْعِدَّةَ حُكْمُ زَوَالِ الزَّوْجِيَّةِ، وَحُكْمُ الزَّوَالِ يَثْبُتُ عِنْدَ الزَّوَالِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَتَحَوَّلَ الْعِدَّةُ فِي الرَّجْعِيِّ أَيْضًا لِأَنَّهَا عِنْدَ الزَّوَالِ أَمَةٌ وَلِهَذَا تَعْتَدُّ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا إنَّمَا تَحَوَّلَتْ لِأَنَّ سَبَبَهَا وَهُوَ الزَّوَالُ مُتَرَدِّدٌ فَكَانَتْ مُتَرَدِّدَةً لِتَرَدُّدِ سَبَبِهَا فَتَغَيَّرَتْ، وَلِهَذَا تَحَوَّلَتْ بِالْمَوْتِ مِنْ الْأَقْرَاءِ إلَى الشُّهُورِ، بِخِلَافِ الْبَائِنِ فَإِنَّ سَبَبَهُ لَيْسَ بِمُتَرَدِّدٍ فَلَمْ تَتَحَوَّلْ الْعِدَّةُ بِالْعِتْقِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَتْ آيِسَةً) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (وَإِذَا رَأَتْ عَلَى الْعَادَةِ) يَعْنِي إنْ رَأَتْ دَمًا سَائِلًا، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْمَيْدَانِيُّ يَقُولُ: إذَا رَأَتْ دَمًا سَائِلًا كَمَا كَانَتْ تَرَاهُ فِي زَمَانِ حَيْضِهَا فَهُوَ حَيْضٌ، وَإِنْ رَأَتْ بِلَّةً يَسِيرَةً لَمْ تَكُنْ حَيْضًا بَلْ ذَلِكَ مِنْ نَتْنِ الرَّحِمِ فَكَانَ فَاسِدًا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الْحَيْضِ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ عَوْدَهَا يُبْطِلُ الْإِيَاسَ هُوَ الصَّحِيحُ) قَيَّدَ بِالصَّحِيحِ احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ الرَّازِيِّ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هَذَا إذَا لَمْ يُحْكَمْ بِإِيَاسِهَا، فَأَمَّا إذَا انْقَطَعَ الدَّمُ عَنْهَا زَمَانًا حَتَّى حُكِمَ بِإِيَاسِهَا وَكَانَتْ ابْنَةَ تِسْعِينَ سَنَةً أَوْ نَحْوَهَا فَرَأَتْ
فِي حَقِّ الشَّيْخِ الْفَانِي.
(وَلَوْ حَاضَتْ حَيْضَتَيْنِ ثُمَّ أَيِسَتْ تَعْتَدُّ بِالشُّهُورِ) تَحَرُّزًا عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ.
الدَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حَيْضًا.
وَقَوْلُهُ (تَحَرُّزًا عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ) مَنْقُوضٌ بِمَنْ صَلَّى بِوُضُوءٍ ثُمَّ سَبَقَهُ الْحَدَثُ
(وَالْمَنْكُوحَةُ نِكَاحًا فَاسِدًا وَالْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ عِدَّتُهُمَا الْحَيْضُ فِي الْفُرْقَةِ وَالْمَوْتِ) لِأَنَّهَا لِلتَّعَرُّفِ عَنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ لَا لِقَضَاءِ حَقِّ النِّكَاحِ، وَالْحَيْضُ هُوَ الْمُعَرِّفُ.
وَلَمْ يَجِدْ مَاءً فَإِنَّهُ يَبْنِي التَّيَمُّمَ، وَكَذَلِكَ إذَا عَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ يُومِئُ، وَفِي ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْبَدَلِيَّةَ إمَّا أَنْ تُعْتَبَرَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي الطَّهَارَةِ، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ صَحِيحٍ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الصَّلَاةَ بِالتَّيَمُّمِ لَيْسَتْ بِبَدَلٍ عَنْ الصَّلَاةِ بِالْوُضُوءِ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ بِالْإِيمَاءِ لَيْسَتْ بِبَدَلٍ عَنْ الصَّلَاةِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِأَنَّ بَعْضَ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ بَدَلًا عَنْ كُلِّهِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ وَإِنْ كَانَتْ فِيهَا الْبَدَلِيَّةُ لَكِنْ لَا جَمْعَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ لَا تَكْمُلُ بِالْأُخْرَى. وَأَمَّا الْعِدَّةُ بِالشُّهُورِ فَبَدَلٌ عَنْ الْحَيْضِ وَإِكْمَالُ الْبَدَلِ بِالْأَصْلِ جَمْعٌ بَيْنَهُمَا.
قَالَ (وَالْمَنْكُوحَةُ نِكَاحًا فَاسِدًا) كَالْمَنْكُوحَةِ بِغَيْرِ شُهُودٍ بِاتِّفَاقِ عُلَمَائِنَا، وَالْمُحَرَّمِ إذَا نَكَحَهَا الْمُحَرَّمُ عَالِمًا بِحُرْمَتِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (وَالْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ) وَهِيَ الَّتِي زُفَّتْ إلَى غَيْرِ زَوْجِهَا فَوَطِئَهَا (عِدَّتُهُمَا الْحَيْضُ فِي الْفُرْقَةِ وَالْمَوْتِ جَمِيعًا لِأَنَّهَا) أَيْ لِأَنَّ عِدَّتَهَا (لِلتَّعَرُّفِ عَنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ لَا لِقَضَاءِ حَقِّ النِّكَاحِ) إذْ لَا حَقَّ لِلنِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَالْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ (وَالْحَيْضُ هُوَ الْمُعَرِّفُ)
(وَإِذَا مَاتَ مَوْلَى أُمِّ الْوَلَدِ عَنْهَا أَوْ أَعْتَقَهَا فَعِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ)
وَلَا تَفْرِقَةَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْفُرْقَةِ وَالْمَوْتِ. فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا وَجَبَ أَنْ يُكْتَفَى بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ شَهْرٍ كَمَا فِي الِاسْتِبْرَاءِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهَا إنَّمَا كَانَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ إلْحَاقًا لِلشُّبْهَةِ بِالْحَقِيقَةِ، فَإِنَّ أَحْكَامَ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ أَبَدًا يُؤْخَذُ مِنْ حُكْمِ الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ فَإِنَّهُمَا يُفِيدَانِ إفَادَةَ الصَّحِيحِ، غَيْرَ أَنَّ ثُبُوتَ الْمِلْكِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبْضِ لِوَهَاءٍ فِيهِ وَلِذَلِكَ يَثْبُتُ أَجْرُ الْمِثْلِ دُونَ الْمُسَمَّى كَذَلِكَ، وَهَاهُنَا أَيْضًا لَمْ تَثْبُتْ عِدَّةُ الْوَفَاةِ لِوَهَاءٍ فِيهِ، فَإِنَّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ لِزِيَادَةِ إظْهَارِ التَّأَسُّفِ لِفَوَاتِ نِعْمَةِ النِّكَاحِ، وَالنِّعْمَةُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ دُونَ الْفَاسِدِ فَلِذَلِكَ اخْتَصَّتْ بِالصَّحِيحِ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ فِيهِ جِهَةُ النِّكَاحِ أُلْحِقَ بِالصَّحِيحِ فِي اعْتِبَارِ مُدَّةِ الْعِدَّةِ احْتِيَاطًا.
(وَإِذَا مَاتَ مَوْلَى أُمِّ الْوَلَدِ عَنْهَا أَوْ أَعْتَقَهَا فَعِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ) وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ
لِأَنَّهَا تَجِبُ بِزَوَالِ مِلْكِ الْيَمِينِ فَشَابَهَتْ الِاسْتِبْرَاءَ. وَلَنَا أَنَّهَا وَجَبَتْ بِزَوَالِ الْفِرَاشِ فَأَشْبَهَ عِدَّةَ النِّكَاحِ ثُمَّ إمَامُنَا فِيهِ عُمَرُ فَإِنَّهُ قَالَ: عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ ثَلَاثُ حِيَضٍ
عَدَمُهَا أَثَرُ مِلْكِ الْيَمِينِ (لِأَنَّهَا تَجِبُ بِزَوَالِهِ وَكَانَ كَالِاسْتِبْرَاءِ) وَلِهَذَا لَا تَخْتَلِفُ بِالْحَيَاةِ وَالْوَفَاةِ (وَلَنَا أَنَّهَا أَثَرُ زَوَالِ الْفِرَاشِ) لِأَنَّهَا تَجِبُ بِهِ فَكَانَتْ كَعِدَّةِ النِّكَاحِ وَفِيمَا لَا يُكْتَفَى بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ. وَالْقِيَاسُ عَلَى الِاسْتِبْرَاءِ ضَعِيفٌ لِأَنَّ سَبَبَهُ اسْتِحْدَاثُ الْمِلْكِ وَسَبَبُهَا زَوَالُ الْفِرَاشِ وَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُمَا، وَإِمَامُنَا فِيهِ عُمَرُ رضي الله عنه فَإِنَّهُ قَالَ: عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ
(وَلَوْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ) كَمَا فِي النِّكَاحِ.
(وَإِذَا مَاتَ الصَّغِيرُ عَنْ امْرَأَتِهِ وَبِهَا حَبَلٌ فَعِدَّتُهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: عِدَّتُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْحَمْلَ لَيْسَ بِثَابِتِ النَّسَبِ مِنْهُ فَصَارَ كَالْحَادِثِ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَلَهُمَا إطْلَاقُ قَوْله تَعَالَى {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وَلِأَنَّهَا
ثَلَاثُ حِيَضٍ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ (وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ كَمَا فِي النِّكَاحِ).
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا مَاتَ الصَّغِيرُ عَنْ امْرَأَتِهِ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (كَالْحَادِثِ بَعْدَ الْمَوْتِ) يَعْنِي بِأَنْ تَضَعَ بَعْدَ الْمَوْتِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ يَوْمِ الْمَوْتِ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَنْ يَأْتِيَ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَتَفْسِيرُ قِيَامِ الْحَبَلِ عِنْدَ الْمَوْتِ أَنْ تَلِدَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ كَذَا فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ. (وَلَهُمَا قَوْله تَعَالَى {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ أَوْ الْوَفَاةِ.
وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ) دَلِيلٌ مَعْقُولٌ لَهُمَا. وَتَقْرِيرُهُ: عِدَّةُ الْوَفَاةِ مُقَدَّرَةٌ بِمُدَّةِ وَضْعِ الْحَمْلِ فِي أُولَاتِ الْأَحْمَالِ قَصُرَتْ الْمُدَّةُ أَوْ طَالَتْ لِقَضَاءِ حَقِّ النِّكَاحِ لَا لِلتَّعَرُّفِ عَنْ فَرَاغِ الرَّحِمِ وَهَذِهِ مُقَدَّمَةٌ.
مُقَدَّرَةٌ بِمُدَّةِ وَضْعِ الْحَمْلِ فِي أُولَاتِ الْأَحْمَالِ قَصُرَتْ الْمُدَّةُ أَوْ طَالَتْ لَا لِلتَّعَرُّفِ عَنْ فَرَاغِ الرَّحِمِ لِشَرْعِهَا بِالْأَشْهُرِ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَاءِ، لَكِنْ لِقَضَاءِ حَقِّ النِّكَاحِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَتَحَقَّقُ فِي الصَّبِيِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحَمْلُ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْحَمْلِ الْحَادِثِ
وَهَذَا الْمَعْنَى يَعْنِي قَضَاءَ حَقِّ النِّكَاحِ يَتَحَقَّقُ فِي الصَّبِيِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحَمْلُ مِنْهُ وَهَذِهِ أُخْرَى وَهِيَ وَاضِحَةٌ، وَبَيَّنَ الْأُولَى بِقَوْلِهِ (لِشَرْعِهَا) أَيْ لِشَرْعِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ بِالْأَشْهُرِ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَاءِ: يَعْنِي لَوْ كَانَتْ لِلتَّعَرُّفِ عَنْ فَرَاغِ الرَّحِمِ لَمْ تُشْرَعْ بِالْأَشْهُرِ لِأَنَّ الْحَيْضَ هُوَ الْمُعَرِّفُ عَلَى مَا مَرَّ، وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ لِشَرْعِهَا إمَّا أَنْ يَعُودَ إلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ فِي أُولَاتِ الْأَحْمَالِ أَوْ إلَيْهَا مُطْلَقًا، وَلَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ عِنْدَنَا وَلَا إلَى الثَّانِي لِأَنَّ الْمُدَّعَى عِدَّةُ الْوَفَاةِ فِي الْحَامِلِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ أَنْ لَا يَكُونَ لِلتَّعَرُّفِ عَنْ فَرَاغِ الرَّحِمِ فِي غَيْرِ الْحَامِلِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ فِيهَا لِأَنَّ نَفْسَ وَضْعِ الْحَمْلِ يَدُلُّ عَلَى فَرَاغِ الرَّحِمِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ مُطْلَقًا: يَعْنِي أَنَّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ شُرِعَتْ لِقَضَاءِ حَقِّ النِّكَاحِ لَا لِلتَّعَرُّفِ لَا فِي أُولَاتِ الْأَحْمَالِ وَلَا فِي غَيْرِهَا لِأَنَّهَا شُرِعَتْ بِالْأَشْهُرِ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَاءِ الْمُعَرِّفَةِ، وَالدَّلِيلُ إذَا كَانَ أَعَمَّ مِنْ الْمَدْلُولِ كَانَ أَتَمَّ فَائِدَةً، وَكَوْنُ نَفْسِ وَضْعِ الْحَمْلِ يَدُلُّ عَلَى فَرَاغِ الرَّحِمِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَعَدَمُ الِاعْتِبَارِ لَيْسَ اعْتِبَارَ الْعَدَمِ كَمَا عُرِفَ.
وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الْحَمْلِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ فَصَارَ كَالْحَادِثِ بَعْدَ الْمَوْتِ: يَعْنِي إنَّمَا كَانَتْ عِدَّتُهَا بِالشُّهُورِ لِأَنَّا حَكَمْنَا بِفَرَاغِ رَحِمِهَا عِنْدَ الْمَوْتِ وَالْتَزَمْنَا الْعِدَّةَ بِالشُّهُورِ حَقًّا لِلنِّكَاحِ
لِأَنَّهُ وَجَبَتْ الْعِدَّةُ بِالشُّهُورِ فَلَا تَتَغَيَّرُ بِحُدُوثِ الْحَمْلِ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ كَمَا وَجَبَتْ وَجَبَتْ مُقَدَّرَةً بِمُدَّةِ الْحَمْلِ فَافْتَرَقَا.
وَلَا يَلْزَمُ امْرَأَةُ الْكَبِيرِ إذَا حَدَثَ لَهَا الْحَبَلُ بَعْدَ الْمَوْتِ لِأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ مِنْهُ فَكَانَ كَالْقَائِمِ عِنْدَ الْمَوْتِ حُكْمًا (وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ فِي الْوَجْهَيْنِ) لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا مَاءَ لَهُ فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْعُلُوقُ، وَالنِّكَاحُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي مَوْضِعِ التَّصَوُّرِ.
(وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ لَمْ تَعْتَدَّ بِالْحَيْضَةِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الطَّلَاقُ) لِأَنَّ الْعِدَّةَ مُقَدَّرَةٌ، بِثَلَاثِ حِيَضٍ كَوَامِلَ فَلَا يَنْقُصُ عَنْهَا.
(وَإِذَا
وُطِئَتْ الْمُعْتَدَّةُ بِشُبْهَةٍ
فَعَلَيْهَا عِدَّةٌ أُخْرَى وَتَدَاخَلَتْ الْعِدَّتَانِ، وَيَكُونُ مَا تَرَاهُ الْمَرْأَةُ مِنْ الْحَيْضِ
بِآيَةِ التَّرَبُّصِ (فَلَا تَتَغَيَّرُ بِحُدُوثِ الْحَمْلِ. وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ كَمَا وَجَبَتْ الْعِدَّةُ وَجَبَتْ مُقَدَّرَةً بِمُدَّةِ الْحَمْلِ) لِأَنَّهَا عِدَّةُ أُولَاتِ الْأَحْمَالِ بِالنَّصِّ (فَافْتَرَقَا) أَيْ الْحَمْلُ الْقَائِمُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَالْحَادِثُ بَعْدَهُ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَلَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ حَامِلًا فَقَدْ أَلْزَمْنَاهَا الْعِدَّةَ بِالشُّهُورِ، ثُمَّ إذَا ظَهَرَ الْحَمْلُ تَكُونُ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ فَقَدْ تَغَيَّرَتْ الْعِدَّةُ بِحُدُوثِ الْحَمْلِ أَجَابَ بِقَوْلِهِ
(وَلَا يَلْزَمُ امْرَأَةَ الْكَبِيرِ إذَا حَدَثَ بِهَا الْحَبَلُ بَعْدَ الْمَوْتِ لِأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ مِنْهُ فَكَانَ) أَيْ الْحَمْلُ (كَالْقَائِمِ عِنْدَ الْمَوْتِ حُكْمًا) تَبَعًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ آخَرَ وَهُوَ ثُبُوتُ النَّسَبِ لِأَنَّ النَّسَبَ بِلَا حَمْلٍ لَا يَثْبُتُ وَحَيْثُ ثَبَتَ هَاهُنَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ حَمْلٍ فَجَعَلْنَاهُ كَالْقَائِمِ حُكْمًا، وَفِي امْرَأَةِ الصَّغِيرِ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ لَمْ يَحْتَجْ إلَى جَعْلِ الْحَمْلِ قَائِمًا عِنْدَ الْمَوْتِ فَكَانَ الْحَمْلُ مُضَافًا إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ وَكَانَ ابْتِدَاءُ عِدَّتِهَا بِالْأَشْهُرِ لَا مَحَالَةَ (وَلَا يَثْبُتُ النَّسَبُ فِي الْوَجْهَيْنِ) يَعْنِي فِي وَجْهَيْ مَسْأَلَةِ الصَّغِيرِ وَهُمَا وَجْهُ الْقَائِمِ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَوَجْهُ الْحَادِثِ بَعْدَهُ (لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا مَاءَ لَهُ فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْعُلُوقُ) فَإِنْ قِيلَ: النِّكَاحُ مَوْجُودٌ فَيُقَامُ مَقَامَ الْمَاءِ «لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَالنِّكَاحُ يُقَامُ مَقَامَهُ) أَيْ مَقَامَ الْمَاءِ (فِي مَوْضِعِ التَّصَوُّرِ).
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ) ظَاهِرٌ.
قَالَ (وَإِذَا وُطِئَتْ الْمُعْتَدَّةُ بِشُبْهَةٍ) إذَا وَجَبَتْ عَلَى الْمَرْأَةِ عِدَّتَانِ: فَإِمَّا أَنْ تَكُونَا مِنْ رَجُلَيْنِ، أَوْ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي كَمَا إذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ وَوَطِئَهَا أَوْ وَطِئَ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا وَقَالَ ظَنَنْت أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي أَوْ طَلَّقَهَا بِأَلْفَاظِ
مُحْتَسَبًا مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَإِذَا انْقَضَتْ الْعِدَّةُ الْأُولَى وَلَمْ تُكْمِلْ الثَّانِيَةَ فَعَلَيْهَا تَمَامُ الْعِدَّةِ الثَّانِيَةِ) وَهَذَا عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَتَدَاخَلَانِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْعِبَادَةُ فَإِنَّهَا عِبَادَةُ كَفٍّ عَنْ التَّزَوُّجِ وَالْخُرُوجِ فَلَا تَتَدَاخَلَانِ كَالصَّوْمَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ
الْكِنَايَةِ فَوَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْعِدَّتَيْنِ يَتَدَاخَلَانِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ وَكَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ كَمَا سَيَجِيءُ. أَوْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَالْمُطَلَّقَةِ إذَا تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا فَوَطِئَهَا الثَّانِي وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا تَتَدَاخَلَانِ عِنْدَنَا وَيَكُونُ مَا تَرَاهُ الْمَرْأَةُ مِنْ الْحَيْضِ مُحْتَسَبًا مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَإِذَا انْقَضَتْ الْعِدَّةُ الْأُولًى وَلَمْ تُكْمِلْ الثَّانِيَةُ فَعَلَيْهَا إتْمَامُ الْعِدَّةِ الثَّانِيَةِ.
وَصُورَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَطْءَ الثَّانِيَ إذَا كَانَ بَعْدَمَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ حَيْضَةً يَجِبُ عَلَيْهَا بَعْدَ الْوَطْءِ الثَّانِي ثَلَاثُ حِيَضٍ أَيْضًا، وَالْحَيْضَتَانِ تَنُوبُ عَنْ أَرْبَعِ حِيَضٍ حَيْضَتَانِ لِلْأُولَى وَحَيْضَتَانِ لِلثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ عَنْ الْوَطْءِ الثَّانِي خَاصَّةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رَأَتْ شَيْئًا فَلَيْسَ عَلَيْهَا إلَّا ثَلَاثُ حِيَضٍ وَهِيَ تَنُوبُ عَنْ سِتِّ حِيَضٍ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَتَدَاخَلَانِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْعِدَّةِ الْعِبَادَةُ: أَيْ عِبَادَةُ الْكَفِّ عَنْ التَّزَوُّجِ وَالْخُرُوجِ وَلَا تَدَاخُلَ فِي الْعِبَادَاتِ كَالصَّوْمَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ) فَإِنَّ الْعِدَّةَ كَفٌّ عَنْ التَّزَوُّجِ وَالْخُرُوجِ كَمَا أَنَّ الصَّوْمَ كَفٌّ عَنْ اقْتِضَاءِ الشَّهْوَتَيْنِ،
وَلَنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ التَّعَرُّفُ عَنْ فَرَاغِ الرَّحِمِ وَقَدْ حَصَلَ بِالْوَاحِدَةِ فَتَتَدَاخَلَانِ، وَمَعْنَى الْعِبَادَةِ تَابِعٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا تَنْقَضِي بِدُونِ عِلْمِهَا وَمَعَ تَرْكِهَا الْكَفَّ.
فَكَمَا لَا تَدَاخُلَ فِي الصَّوْمِ فَكَذَا فِي الْعِدَّةِ (وَلَنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْعِدَّةِ التَّعَرُّفُ عَنْ فَرَاغِ الرَّحِمِ وَقَدْ حَصَلَ التَّعَرُّفُ بِالْعِدَّةِ الْوَاحِدَةِ فَيَتَدَاخَلَانِ) وَقَوْلُهُ (وَمَعْنَى الْعِبَادَةِ تَابِعٌ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْعِبَادَةُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِي الْعِدَّةِ تَابِعٌ أَنَّ رُكْنَهَا حُرْمَةُ الِازْدِوَاجِ وَالْخُرُوجِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ} الْآيَةَ وَقَالَ {وَلا يَخْرُجْنَ} الْآيَةَ، وَمُوجَبُ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ. وَإِذَا كَانَ رُكْنُهَا الْحُرْمَةَ فَالْحُرُمَاتُ تَجْتَمِعُ كَصَيْدِ الْحَرَمِ لِلْمُحْرِمِ حَرَامٌ لِلْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ، وَكَالْخَمْرِ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُهَا وَهُوَ صَائِمٌ فَإِنَّهَا حَرَامٌ لَهُ لِصَوْمِهِ وَلِكَوْنِهِ خَمْرًا وَلِيَمِينِهِ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّ رُكْنَهُ الْكَفُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} وَلَنْ يَجْتَمِعَ الْإِمْسَاكَانِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَاسْتَوْضَحَ الْمُصَنِّفُ تَبَعِيَّةَ الْعِبَادَةِ بِقَوْلِهِ (أَلَا تَرَى أَنَّهَا تَنْقَضِي بِدُونِ عِلْمِهَا وَمَعَ تَرْكِهَا الْكَفَّ) يَعْنِي عَنْ الْخُرُوجِ وَالْعِبَادَةِ لَا يَتَحَقَّقُ أَدَاؤُهَا بِدُونِ رُكْنِهَا. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلتَّعَرُّفِ عَنْ فَرَاغِ الرَّحِمِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الصَّبِيَّةِ وَالْآيِسَةِ لِعَدَمِ الشَّغْلِ بِهِمَا وَلَا عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لِأَنَّ زَوْجَهَا لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ وَاللَّوَازِمُ بَاطِلَةٌ فَكَذَلِكَ الْمَلْزُومَاتُ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ ذَلِكَ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ جَوَازَ التَّدَاخُلِ وَإِلَّا لَجَازَ التَّدَاخُلُ فِي أَقْرَاءِ عِدَّةٍ وَاحِدَةٍ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَنَفْيِ ضَرَرِ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَنْهَا. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الصَّبِيَّةَ الَّتِي تَحْتَمِلُ الْوَطْءَ وَالْآيِسَةَ تَحْتَمِلَانِ الْعُلُوقَ،
(وَالْمُعْتَدَّةُ عَنْ وَفَاةٍ إذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ تَعْتَدُّ بِالشُّهُورِ وَتَحْتَسِبُ بِمَا تَرَاهُ مِنْ الْحَيْضِ فِيهَا) تَحْقِيقًا لِلتَّدَاخُلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ.
فَدَارَ الْحُكْمُ عَلَى دَلِيلِ الشَّغْلِ وَهُوَ الْوَطْءُ، لِأَنَّ الْعِدَّةَ يُكْتَفَى فِي إيجَابِهَا بِتَوَهُّمِ الشَّغْلِ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ، وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا الْحَاجَةُ فِيهَا إلَى التَّعَرُّفِ قَائِمَةٌ صِيَانَةً لِمَاءَيْ الزَّوْجَيْنِ عَنْ الِاخْتِلَاطِ لِأَنَّ مَاءَ الْأَوَّلِ مُحْتَرَمٌ فِي نَفْسِهِ كَمَاءِ الثَّانِي. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ الْمُلَازَمَةَ لِأَنَّ التَّعَرُّفَ بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ لَيْسَ كَالتَّعَرُّفِ بِثَلَاثِ حِيَضٍ فِي حُصُولِ الْمَقْصُودِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْأُولَى تَعَرُّفُ الْفَرَاغِ، وَمِنْ الثَّانِيَةِ إظْهَارُ خَطَرِ النِّكَاحِ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَمِنْ الثَّالِثَةِ إظْهَارُ شَرَفِ الْحُرِّيَّةِ، وَهَذَا الْمَقْصُودُ لَا يَحْصُلُ بِالْحَيْضَةِ الْوَاحِدَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يُعَلِّلْ إلَّا بِالتَّعَرُّفِ عَنْ فَرَاغِ الرَّحِمِ وَكَانَ السُّؤَالُ وَارِدًا عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ (وَالْمُعْتَدَّةُ عَنْ وَفَاةٍ إذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ تَعْتَدُّ بِالشُّهُورِ) ظَاهِرٌ.
(وَابْتِدَاءُ الْعِدَّةِ فِي الطَّلَاقِ عَقِيبَ الطَّلَاقِ وَفِي الْوَفَاةِ عَقِيبَ الْوَفَاةِ، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْوَفَاةِ حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ الْعِدَّةِ فَقَدْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا) لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الْعِدَّةِ الطَّلَاقُ أَوْ الْوَفَاةُ فَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ وَقْتِ وُجُودِ السَّبَبِ، وَمَشَايِخُنَا يُفْتُونَ فِي الطَّلَاقِ أَنَّ ابْتِدَاءَهَا مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ نَفْيًا لِتُهْمَةِ الْمُوَاضَعَةِ.
قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: لَوْ تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ فَدَخَلَ بِهَا الثَّانِي فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا فَعَلَيْهَا بَقِيَّةُ عِدَّتِهَا مِنْ الْأَوَّلِ تَمَامَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ وَعَلَيْهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ لِلْآخَرِ وَيُحْتَسَبُ بِمَا حَاضَتْ بَعْدَ التَّفْرِيقِ مِنْ عِدَّةِ الْوَفَاةِ أَيْضًا.
قَالَ (وَابْتِدَاءُ الْعِدَّةِ فِي الطَّلَاقِ عَقِيبَ الطَّلَاقِ) ابْتِدَاءُ الْعِدَّةِ فِي الطَّلَاقِ عَقِيبَ الطَّلَاقِ (وَفِي الْوَفَاةِ عَقِيبَ الْوَفَاةِ) لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الْعِدَّةِ الطَّلَاقُ أَوْ الْوَفَاةُ (فَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ وَقْتِ وُجُودِ السَّبَبِ) فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْوَفَاةِ حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ الْعِدَّةِ فَقَدْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا. قَالَ مُحَمَّدٌ: إذَا فَارَقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ زَمَانًا ثُمَّ قَالَ لَهَا كُنْت طَلَّقْتُك مُنْذُ كَذَا وَالْمَرْأَةُ لَا تَعْلَمُ بِذَلِكَ لَهَا أَنْ تُصَدِّقَهُ وَتُعْتَبَرُ عِدَّتُهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ (وَمَشَايِخُنَا) يُرِيدُ عُلَمَاءَ بُخَارَى وَسَمَرْقَنْدَ (يُفْتُونَ فِي الطَّلَاقِ أَنَّ ابْتِدَاءَهَا مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ نَفْيًا لِتُهْمَةِ الْمُوَاضَعَةِ) بِجَوَازِ أَنْ يَتَوَاضَعَا عَلَى الطَّلَاقِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِيَصِحَّ إقْرَارُ الْمَرِيضِ لَهَا بِالدَّيْنِ وَوَصِيَّتُهُ لَهَا بِشَيْءٍ، أَوْ يَتَوَاضَعَا عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لَأَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا أَوْ أَرْبَعًا سِوَاهَا. وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: اخْتِيَارُ مَشَايِخِ بَلْخِي أَنَّهُ تَجِبُ الْعِدَّةُ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ عُقُوبَةً عَلَيْهِ جَزَاءً عَلَى كِتْمَانِ الطَّلَاقِ: يَعْنِي حَتَّى لَا يَتَزَوَّجَ بِأُخْتِهَا وَبِأَرْبَعٍ سِوَاهَا زَجْرًا لَهُ عَلَى الْكِتْمَانِ، لَكِنْ لَا تَجِبُ لَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ وَالسُّكْنَى لِأَنَّ ذَلِكَ حَقُّهَا وَقَدْ أَقَرَّتْ
(وَالْعِدَّةُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ
عَقِيبَ التَّفْرِيقِ أَوْ عَزْمِ الْوَاطِئِ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا) وَقَالَ زُفَرُ: مِنْ آخِرِ الْوَطَآتِ لِأَنَّ الْوَطْءَ هُوَ السَّبَبُ الْمُوجِبُ. وَلَنَا أَنَّ كُلَّ وَطْءٍ وُجِدَ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ يَجْرِي مَجْرَى الْوَطْأَةِ الْوَاحِدَةِ لِاسْتِنَادِ الْكُلِّ إلَى حُكْمِ عَقْدٍ وَاحِدٍ، وَلِهَذَا يُكْتَفَى فِي الْكُلِّ بِمَهْرٍ وَاحِدٍ، فَقِيلَ: الْمُتَارَكَةُ أَوْ الْعَزْمُ لَا تُثْبِتُ الْعِدَّةَ مَعَ جَوَازِ وُجُودِ غَيْرِهِ وَلِأَنَّ التَّمَكُّنَ عَلَى وَجْهِ الشُّبْهَةِ
بِسُقُوطِهِ.
(وَالْعِدَّةُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ عَقِيبَ التَّفْرِيقِ) بِأَنْ يَحْكُمَ الْحَاكِمُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا (أَوْ عَزْمِ الْوَاطِئِ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا) وَالْعَزْمُ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ وَلَهُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ تَرَكْت وَطْأَهَا أَوْ مَا يُفِيدُ مَعْنَاهُ فَيُقَامُ مَقَامَهُ وَيُدَارُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ (وَقَالَ زُفَرُ: مِنْ آخِرِ الْوَطَآتِ لِأَنَّ الْوَطْءَ هُوَ السَّبَبُ الْمُوجِبُ) لِلْعِدَّةِ إذْ لَوْ لَمْ يَطَأْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ (وَلَنَا أَنَّ كُلَّ وَطْءٍ وُجِدَ فِي الْعَقْدِ) وَتَقْرِيرُهُ الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: سَلَّمْنَا أَنَّ الْوَطْءَ هُوَ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لَكِنَّ جَمِيعَ الْوَطَآتِ الَّتِي تُوجَدُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ (بِمَنْزِلَةِ وَطْأَةٍ وَاحِدَةٍ لِاسْتِنَادِ الْكُلِّ إلَى عَقْدٍ وَاحِدٍ وَلِهَذَا يُكْتَفَى فِي الْكُلِّ بِمَهْرٍ وَاحِدٍ) وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ آخِرُ وَطْأَةٍ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ إلَّا بِالتَّفْرِيقِ أَوْ الْعَزْمِ، لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ جَازَ أَنْ يُوجَدَ غَيْرُهُ فَلَا يَكُونُ مَا فَرَضْنَاهُ آخِرَ الْوَطَآتِ آخِرَهَا. وَتَجْرِيدُ هَذِهِ النُّكْتَةِ: الْعِدَّةُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِآخِرِ وَطْأَةٍ وَآخِرُ وَطْأَةٍ لَا تُوجَدُ إلَّا بِالتَّفْرِيقِ أَوْ الْعَزْمِ، فَالْعِدَّةُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالتَّفْرِيقِ أَوْ الْعَزْمِ، أَمَّا أَنَّهَا لَا تَثْبُتُ إلَّا بِآخِرِ وَطْأَةٍ فَبِالِاتِّفَاقِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْخَصْمِ، وَأَمَّا أَنَّ آخِرَ وَطْأَةٍ لَا تُوجَدُ إلَّا بِالتَّفْرِيقِ أَوْ الْعَزْمِ فَلِمَا قَالَ مَعَ جَوَازِ وُجُودِ غَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّ التَّمَكُّنَ عَلَى وَجْهِ الشُّبْهَةِ) دَلِيلٌ آخَرُ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ حَقِيقَةَ الْوَطْءِ أَمْرٌ خَفِيٌّ لَهُ سَبَبٌ ظَاهِرٌ وَهُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الْوَطْءِ عَلَى وَجْهِ الشُّبْهَةِ، وَكُلُّ أَمْرٍ خَفِيٍّ لَهُ سَبَبٌ ظَاهِرٌ يُقَامُ السَّبَبُ مَقَامَهُ وَيُدَارُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ، فَالتَّمَكُّنُ مِنْ الْوَطْءِ عَلَى وَجْهِ الشُّبْهَةِ يَقُومُ مَقَامَ حَقِيقَةِ الْوَطْءِ، وَإِذَا قَامَ مَقَامَهَا فَمَهْمَا كَانَ التَّمَكُّنُ بَاقِيًا كَانَ الْوَطْءُ بَاقِيًا فَلَا يَتَعَيَّنُ آخِرُ الْوَطَآتِ إذْ التَّمَكُّنُ بَاقٍ بَعْدَ كُلِّ وَطْأَةٍ فُرِضَتْ فَلَا بُدَّ مِنْ الْمُتَارَكَةِ أَوْ الْعَزْمِ لِيَرْتَفِعَ التَّمَكُّنُ فَيَتَعَيَّنَ
أُقِيمَ مَقَامَ حَقِيقَةِ الْوَطْءِ لِخَفَائِهِ وَمِسَاسِ الْحَاجَةِ إلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ.
(وَإِذَا قَالَتْ الْمُعْتَدَّةُ انْقَضَتْ عِدَّتِي وَكَذَّبَهَا الزَّوْجُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا مَعَ الْيَمِينِ) لِأَنَّهَا أَمِينَةٌ فِي ذَلِكَ وَقَدْ اُتُّهِمَتْ بِالْكَذِبِ فَتَحْلِفُ كَالْمُودِعِ.
(وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا بَائِنًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي عِدَّتِهَا وَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَعَلَيْهِ مَهْرٌ كَامِلٌ وَعَلَيْهَا عِدَّةٌ مُسْتَقْبَلَةٌ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ وَعَلَيْهِ إتْمَامُ الْعِدَّةِ الْأُولَى) لِأَنَّ هَذَا طَلَاقٌ قَبْلَ الْمَسِيسِ فَلَا يُوجِبُ كَمَالَ الْمَهْرِ وَلَا اسْتِئْنَافَ الْعِدَّةِ، وَإِكْمَالُ الْعِدَّةِ الْأُولَى إنَّمَا يَجِبُ بِالطَّلَاقِ الْأَوَّلِ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ حَالَ
آخِرُ الْوَطَآتِ. فَإِنْ قُلْت: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ حَقِيقَةَ الْوَطْءِ أَمْرٌ خَفِيٌّ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى مَعْرِفَةِ الْعِدَّةِ إنَّمَا هِيَ لِلزَّوْجَيْنِ وَحَقِيقَةُ الْوَطْءِ لَيْسَتْ بِخَفِيَّةِ النَّسَبِ إلَيْهِمَا. قُلْت: قَدْ أَشَارَ إلَى الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ (وَمِسَاسُ الْحَاجَةِ إلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْوَاطِئِ وَهُوَ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَقِيلَ وَكَذَا أُخْتُ الْمَوْطُوءَةِ وَأَرْبَعٌ سِوَاهَا، وَلَا خَفَاءَ فِي مَفْهُومِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي النُّكْتَتَيْنِ، وَلَمْ أَجِدْ فِي الشُّرُوحِ مَا يُطَابِقُ مَقْصُودَهُ فَذَكَرْت مَا خَاطِرِي أَبُو عُذْرِهِ وَجَهْدُ الْمُقِلِّ دُمُوعُهُ.
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا قَالَتْ الْمُعْتَدَّةُ انْقَضَتْ عِدَّتِي) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (فَتَخَلَّفَ كَالْمُودَعِ) يَعْنِي إذَا قَالَ هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ أَوْ قَالَ رَدَدْتهَا وَأَنْكَرَ الْمُودِعُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَمَا عَلَى الْأَمِينِ إلَّا الْيَمِينُ.
قَالَ (وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا بَائِنًا) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هَذِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمَعْرُوفَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي التَّتِمَّةِ وَالذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهِمَا وَهِيَ كُلُّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّ الدُّخُولَ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ هَلْ يَكُونُ دُخُولًا فِي النِّكَاحِ الثَّانِي أَوْ لَا؟ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَكُونُ وَعِنْدَهُمَا يَكُونُ. وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ ظَاهِرَةٌ.
وَوَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ هَذَا طَلَاقٌ قَبْلَ الْمَسِيسِ وَالْخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ، وَكُلُّ طَلَاقٍ يَكُونُ كَذَلِكَ لَا يُوجِبُ كَمَالَ الْمَهْرِ وَلَا اسْتِئْنَافَ الْعِدَّةِ فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَامَ يَجِبُ عَلَيْهَا إكْمَالُ الْعِدَّةِ الْأُولَى؟ أَجَابَ بِقَوْلِهِ: وَإِكْمَالُ الْعِدَّةِ الْأُولَى إنَّمَا وَجَبَ بِالطَّلَاقِ الْأَوَّلِ إلَّا
التَّزَوُّجِ الثَّانِي، فَإِذَا ارْتَفَعَ بِالطَّلَاقِ الثَّانِي ظَهَرَ حُكْمُهُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى أُمَّ وَلَدِهِ ثُمَّ أَعْتَقَهَا. وَلَهُمَا أَنَّهَا مَقْبُوضَةٌ فِي يَدِهِ حَقِيقَةً بِالْوَطْأَةِ الْأُولَى وَبَقِيَ أَثَرُهُ وَهُوَ الْعِدَّةُ، فَإِذَا جَدَّدَ النِّكَاحَ وَهِيَ مَقْبُوضَةٌ نَابَ ذَلِكَ الْقَبْضُ عَنْ الْقَبْضِ الْمُسْتَحَقِّ فِي هَذَا النِّكَاحِ كَالْغَاصِبِ يَشْتَرِي الْمَغْصُوبَ الَّذِي فِي يَدِهِ يَصِيرُ قَابِضًا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ،
أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ حَالَةَ التَّزَوُّجِ الثَّانِي لِعَدَمِ اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ. فَإِذَا طَلَّقَهَا ثَانِيًا بِلَا دُخُولٍ صَارَ النِّكَاحُ الثَّانِي كَالْمَعْدُومِ فَيَجِبُ عَلَيْهَا إكْمَالُ الْعِدَّةِ الْأُولَى (كَمَا لَوْ اشْتَرَى أُمَّ وَلَدِهِ) أَيْ مَنْكُوحَتَهُ الَّتِي وَلَدَتْ مِنْهُ (ثُمَّ أَعْتَقَهَا) فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ: حَيْضَتَانِ مِنْ النِّكَاحِ تَجْتَنِبُ فِيهِمَا مَا تَجْتَنِبُ مِنْ الْخُرُوجِ وَالتَّزَيُّنِ، وَحَيْضَةٌ مِنْ الْعِتْقِ لَا تَجْتَنِبُ فِيهَا لِأَنَّهُ لَمَّا اشْتَرَاهَا فَسَدَ النِّكَاحُ وَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَإِنَّمَا لَمْ يَظْهَرْ حُكْمُ الْعِدَّةِ فِي حَقِّهِ لِمَانِعٍ وَهُوَ مِلْكُ الْيَمِينِ، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ ظَهَرَ حُكْمُ الْعِدَّةِ فِي حَقِّهِ أَيْضًا فَوَجَبَتْ حَقًّا لِلْفَسَادِ، وَهُمَا يُعْتَبَرَانِ مِنْ الْإِعْتَاقِ أَيْضًا وَيَلْزَمُهَا الْإِحْدَادُ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَإِنَّهَا تَجِبُ مِنْ الْعِتْقِ خَاصَّةً فَلَا يَلْزَمُهَا الْإِحْدَادُ (وَلَهُمَا أَنَّهَا مَقْبُوضَةٌ فِي يَدِهِ حَقِيقَةً بِالْوَطْأَةِ الْأُولَى وَبَقِيَ أَثَرُهُ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ بَقِيَ أَثَرُهُ: أَيْ أَثَرُ الْوَطْءِ الْأَوَّلِ (وَهُوَ الْعِدَّةُ فَإِذَا جَدَّدَ النِّكَاحَ وَهِيَ مَقْبُوضَةٌ) بِالدُّخُولِ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ (نَابَ ذَلِكَ الْقَبْضُ) الَّذِي كَانَ بِالدُّخُولِ (مَنَابَ الْقَبْضِ) أَيْ الدُّخُولِ (الْمُسْتَحَقِّ فِي هَذَا النِّكَاحِ) فَإِذَا طَلَّقَهَا صَارَ كَأَنَّهُ طَلَّقَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي فَيَجِبُ عَلَيْهِ مَهْرٌ كَامِلٌ وَعَلَيْهَا
فَوَضَحَ بِهَذَا أَنَّهُ طَلَاقٌ بَعْدَ الدُّخُولِ.
وَقَالَ زُفَرُ: لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْأُولَى قَدْ سَقَطَتْ بِالتَّزَوُّجِ فَلَا تَعُودُ، وَالثَّانِيَةُ لَمْ تَجِبْ وَجَوَابُهُ مَا قُلْنَا.
. قَالَ (وَإِذَا طَلَّقَ الذِّمِّيُّ الذِّمِّيَّةَ فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَكَذَا إذَا خَرَجَتْ الْحَرْبِيَّةُ إلَيْنَا مُسْلِمَةً،
عِدَّةٌ مُسْتَقْبَلَةٌ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بَعْدَ النِّكَاحِ الثَّانِي كَالطَّلَاقِ بَعْدَ الدُّخُولِ لَكَانَ صَرِيحُهُ مُعْقِبًا لِلرَّجْعَةِ كَالطَّلَاقِ الصَّرِيحِ بَعْدَ الدُّخُولِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الطَّلَاقَ بَائِنٌ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَلَاقٍ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَإِنَّمَا هُوَ كَالطَّلَاقِ بَعْدَ الدُّخُولِ وَالْمُشَابِهُ لِلشَّيْءِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يُسَاوِيَهُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْخَلْوَةَ كَالدُّخُولِ فِي حَقِّ تَكْمِيلِ الْمَهْرِ وَوُجُوبِ كَمَالِ الْعِدَّةِ لَا فِيمَا سِوَاهُمَا، حَتَّى لَوْ طَلَّقَهَا بَعْدَ خَلْوَةٍ كَانَ الْوَاقِعُ بَائِنًا وَشَبَّهَهُ بِالْغَاصِبِ يَشْتَرِي الْمَغْصُوبَ وَهُوَ وَاضِحٌ.
وَقَوْلُهُ (فَوَضَح بِهَذَا أَنَّهُ طَلَاقٌ بَعْدَ الدُّخُولِ) تَشْبِيهٌ لَا تَحْقِيقَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ نَابَ ذَلِكَ الْقَبْضُ عَنْ الْقَبْضِ الْمُسْتَحَقِّ، وَقَوْلُ زُفَرَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (وَجَوَابُهُ مَا قُلْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ وَإِكْمَالُ الْعِدَّةِ الْأُولَى وَإِلَى قَوْلِهِ وَلَهُمَا أَنَّهَا مَقْبُوضَةٌ فِي يَدِهِ إلَخْ.
(وَإِذَا طَلَّقَ الذِّمِّيُّ الذِّمِّيَّةَ فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَكَذَا إذَا خَرَجَتْ الْحَرْبِيَّةُ إلَيْنَا) مُرَاغَمَةً عَلَى نِيَّةِ أَنْ لَا تَعُودَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ أَبَدًا، يُقَالُ رَاغَمَ فُلَانٌ قَوْمَهُ إذَا نَابَذَهُمْ وَخَرَجَ عَنْهُمْ،
فَإِنْ تَزَوَّجَتْ جَازَ إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا، وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: عَلَيْهَا وَعَلَى الذِّمِّيَّةِ الْعِدَّةُ) أَمَّا الذِّمِّيَّةُ فَالِاخْتِلَافُ فِيهَا نَظِيرُ الِاخْتِلَافِ فِي نِكَاحِهِمْ مَحَارِمَهُمْ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا إذَا كَانَ مُعْتَقَدُهُمْ أَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَأَمَّا الْمُهَاجِرَةُ فَوَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْفُرْقَةَ لَوْ وَقَعَتْ بِسَبَبٍ آخَرَ وَجَبَتْ الْعِدَّةُ فَكَذَا بِسَبَبِ التَّبَايُنِ، بِخِلَافِ مَا إذَا هَاجَرَ الرَّجُلُ وَتَرَكَهَا لِعَدَمِ التَّبْلِيغِ. وَلَهُ قَوْله تَعَالَى {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ حَيْثُ وَجَبَتْ كَانَ فِيهَا حَقُّ بَنِي آدَمَ وَالْحَرْبِيُّ مُلْحَقٌ بِالْجَمَادِ حَتَّى كَانَ مَحَلًّا لِلتَّمَلُّكِ
وَالْإِسْلَامُ لَيْسَ بِشَرْطٍ. قَالَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ: إذَا خَرَجَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ إلَيْنَا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا ثُمَّ أَسْلَمَ أَوْ صَارَ ذِمِّيًّا وَالْآخَرُ عَلَى حَرْبِهِ فَقَدْ زَالَتْ الزَّوْجِيَّةُ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الْخَارِجَةُ فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا قَيَّدَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَهُ مُسْلِمَةً بَيَانًا لِأَحْسَنِ حَالَاتِهَا (فَإِنْ تَزَوَّجَتْ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: عَلَيْهَا وَعَلَى الذِّمِّيَّةِ الْعِدَّةُ أَمَّا الذِّمِّيَّةُ فَالِاخْتِلَافُ فِيهَا نَظِيرُ الِاخْتِلَافِ فِي نِكَاحِهِمْ مَحَارِمَهُمْ) يَعْنِي كَمَا أَنَّ نِكَاحَ الْمَحَارِمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ صَحِيحٌ عِنْدَهُ إذَا كَانَ مُعْتَقَدُهُمْ ذَلِكَ حَتَّى لَا يُتَعَرَّضَ لَهُمْ.
كَذَلِكَ الذِّمِّيَّةُ الْمُطَلَّقَةُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا مِنْ الْكَافِرِ إذَا كَانَ مُعْتَقَدُهُمْ ذَلِكَ (وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ) يَعْنِي فِي بَابِ نِكَاحِ أَهْلِ الشِّرْكِ (وَأَمَّا الْمُهَاجِرَةُ فَوَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْفُرْقَةَ لَوْ وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا بِسَبَبٍ آخَرَ كَالطَّلَاقِ وَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ فَكَذَا بِسَبَبِ التَّبَايُنِ، بِخِلَافِ مَا إذَا هَاجَرَ الرَّجُلُ وَتَرَكَهَا) فِي دَارِ الْحَرْبِ (لِعَدَمِ تَبْلِيغِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ إيَّاهَا وَلَهُ قَوْله تَعَالَى {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} نَفَى الْجُنَاحَ فِي نِكَاحِ الْمُهَاجِرَاتِ مُطْلَقًا فَتَقْيِيدُهُ بِمَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ. وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ حَيْثُ وَجَبَتْ) دَلِيلٌ مَعْقُولٌ. وَتَقْرِيرُهُ: الْعِدَّةُ حَيْثُ وَجَبَتْ كَانَ فِيهَا حَقُّ الْعَبْدِ لِأَنَّهَا تَجِبُ صِيَانَةً لِمَاءٍ مُحْتَرَمٍ وَلِهَذَا لَا تَجِبُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَا حَقَّ لِلْحَرْبِيِّ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْجَمَادِ حَتَّى كَانَ
إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا لِأَنَّ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا ثَابِتَ النَّسَبِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ نِكَاحُهَا وَلَا يَطَؤُهَا كَالْحُبْلَى مِنْ الزِّنَا وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
(فَصْلٌ)
مَحَلًّا لِلتَّمَلُّكِ.
وَقَوْلُهُ (إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً مِنْ قَوْلِهِ، وَالْحَرْبِيُّ مُلْحَقٌ بِالْجَمَادِ مَعْنًى لِأَنَّ مَعْنَاهُ وَالْحَرْبِيُّ لَا حَقَّ لَهُ (إلَّا أَنْ تَكُونَ امْرَأَتُهُ حَامِلًا لِأَنَّ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا ثَابِتَ النَّسَبِ) وَالْحَمْلُ الثَّابِتُ النَّسَبُ يَكُونُ أَمْنَعَ مِنْ احْتِمَالِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ إذَا كَانَتْ حَامِلًا لَا يُزَوِّجُهَا مَوْلَاهَا، وَإِذَا كَانَتْ حَائِلًا جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَهَذَا لِأَنَّ الْوَلَدَ إذَا كَانَ ثَابِتَ النَّسَبِ كَانَ الْفِرَاشُ قَائِمًا، فَنِكَاحُهَا يَسْتَلْزِمُ الْجَمْعَ بَيْنَ الْفِرَاشَيْنِ، وَلَا كَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قَوْله تَعَالَى {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} مُطْلَقٌ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ الْحَامِلِ وَالْحَائِلِ، فَتَقْيِيدُهُ بِالْحَائِلِ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ فَلَا يَجُوزُ كَمَا قُلْتُمْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعِدَّةِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَسْقِيَنَّ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» مَشْهُورٌ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ فَيَجُوزُ بِهِ الزِّيَادَةُ، بِخِلَافِ الْعِدَّةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مِثْلُهُ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا إنْ تَزَوَّجَتْ صَحَّ نِكَاحُهَا وَلَا يَطَؤُهَا كَالْحُبْلَى مِنْ الزِّنَا، وَالْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ لَا يَجُوزَ نِكَاحُ الْمُهَاجِرَةِ الْحَامِلِ أَصَحُّ لِثُبُوتِ نَسَبِ الْوَلَدِ، بِخِلَافِ الْحُبْلَى مِنْ الزِّنَا لِأَنَّهُ لَا نَسَبَ لَهُ.
(فَصْلٌ)
لَمَّا ذَكَرَ نَفْسَ وُجُوبِ الْعِدَّةِ وَكَيْفِيَّةَ الْوُجُوبِ وَعَلَى مَنْ تَجِبُ وَعَلَى مَنْ لَا تَجِبُ ذَكَرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ مَا يَجِبُ
قَالَ (وَعَلَى الْمَبْتُوتَةِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إذَا كَانَتْ بَالِغَةً مُسْلِمَةً الْحِدَادُ) أَمَّا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فَلِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إلَّا عَلَى زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»
عَلَى الْمُعْتَدَّاتِ أَنْ يَفْعَلْنَهُ وَمَا لَا يَجِبُ، يُقَالُ بَتَّ طَلَاقَ الْمَرْأَةِ وَأَبَتَّهُ وَالْمَبْتُوتَةُ الْمَرْأَةُ وَأَصْلُهَا الْمَبْتُوتُ طَلَاقُهَا، وَالْمُرَادُ بِالْمَبْتُوتَةِ مَنْ انْقَطَعَ عَنْهَا حَقُّ الرَّجْعَةِ وَهِيَ تَقَعُ عَلَى ثَلَاثٍ، وَهِيَ الْمُخْتَلِعَةُ وَالْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا وَالْمُطَلَّقَةُ بِتَطْلِيقَةٍ بَائِنَةٍ (وَعَلَى الْمَبْتُوتَةِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إذَا كَانَتْ بَالِغَةً مُسْلِمَةً الْحِدَادُ) وَهُوَ تَرْكُ زِينَتِهَا وَخِضَابِهَا بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا. وَأَصْلُ الْحَدِّ الْمَنْعُ، يُقَالُ أَحَدَّتْ الْمَرْأَةُ إحْدَادًا فَهِيَ مُحَدَّةٌ مَنَعَتْ نَفْسهَا، وَحَدَّتْ تَحُدُّ حِدَادًا (أَمَّا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تَحُدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إلَّا عَلَى زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا») وَفِي وَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ إشْكَالٌ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ إحْلَالُ الْإِحْدَادِ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لِكَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ التَّحْرِيمِ وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ التَّحْرِيمِ إحْلَالٌ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْإِيجَابِ.
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «لَا يَحِلُّ» نَفْيٌ لِإِحْلَالِ الْإِحْدَادِ وَنَفْيُ إحْلَالِ الْإِحْدَادِ نَفْيُ الْإِحْدَادِ نَفْسِهِ فَحِينَئِذٍ كَانَ فِي الْمُسْتَثْنَى إثْبَاتُ الْإِحْدَادِ لَا مَحَالَةَ. وَكَانَ تَقْرِيرُ الْحَدِيثِ: لَا تَحُدُّ الْمَرْأَةُ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إلَّا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فَإِنَّهَا تَحُدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَكَانَ هَذَا حِينَئِذٍ إخْبَارًا بِإِحْدَادِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فَكَانَ وَاجِبًا لِأَنَّ إخْبَارَ الشَّارِعِ آكَدُ مِنْ الْأَمْرِ وَهَذَا أَنْسَبُ مَا وَجَدْت فِي الشُّرُوحِ. فَإِنْ قِيلَ: الْإِحْدَادُ هُوَ التَّأَسُّفُ عَلَى فَوْتِ النِّعَمِ وَذَلِكَ مَذْمُومٌ
وَأَمَّا الْمَبْتُوتَةُ فَمَذْهَبُنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا حِدَادَ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} فَكَيْفَ صَارَ وَاجِبًا بِالْخَبَرِ مُعَارِضًا لِلْكِتَابِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَا فِي الْكِتَابِ فَرَحٌ خَاصٌّ وَأَسًى خَاصٌّ وَهُوَ الْفَرَحُ وَالْأَسَى مَعَ الصِّيَاحِ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ (وَأَمَّا) وُجُوبُ الْإِحْدَادِ عَلَى (الْمَبْتُوتَةِ فَمَذْهَبُنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا حِدَادَ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ
وَجَبَ إظْهَارُ التَّأَسُّفِ عَلَى فَوْتِ زَوْجٍ وَفِي بُعْدِهَا إلَى مَمَاتِهِ وَقَدْ أَوْحَشَهَا بِالْإِبَانَةِ فَلَا تَأْسَفْ بِفَوْتِهِ. وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى الْمُعْتَدَّةَ أَنْ تَخْتَضِبَ بِالْحِنَّاءِ» . وَقَالَ «الْحِنَّاءُ طِيبٌ» وَلِأَنَّهُ يَجِبُ إظْهَارًا لِلتَّأَسُّفِ
وَجَبَ إظْهَارًا لِلتَّأَسُّفِ عَلَى فَوْتِ زَوْجٍ وَفَّى بِعَهْدِهَا إلَى مَمَاتِهِ. وَهَذَا قَدْ أَوْحَشَهَا بِالْإِبَانَةِ فَلَا تَأْسَفُ عَلَى فَوْتِهِ. وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى الْمُعْتَدَّةَ أَنْ تَخْتَضِبَ بِالْحِنَّاءِ وَقَالَ: الْحِنَّاءُ طِيبٌ» ) رَوَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ مُعْتَدَّةِ الْوَفَاةِ وَغَيْرِهَا وَفِي مَعْنَاهُ مَا رَوَى الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ بِإِسْنَادِهِ إلَى حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: الْمُطَلَّقَةُ وَالْمُخْتَلِعَةُ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَالْمُلَاعَنَةُ لَا يَخْتَضِبْنَ وَلَا يَتَطَيَّبْنَ وَلَا يَلْبَسْنَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا وَلَا يَخْرُجْنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ. وَإِبْرَاهِيمُ أَدْرَكَ عَصْرَ الصَّحَابَةِ وَزَاحَمَهُمْ فِي الْفَتْوَى فَيَجُوزُ تَقْلِيدُهُ.
وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّهُ وَجَبَ) دَلِيلٌ مَعْقُولٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِإِلْحَاقِ الْمَبْتُوتَةِ بِالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي وُجُوبِ الْإِحْدَادِ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِلَا خِلَافٍ، وَمَنَاطُ حُكْمِهِ إظْهَارُ التَّأَسُّفِ عَلَى فَوْتِ نِعْمَةِ النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِصَوْنِهَا
عَلَى فَوْتِ نِعْمَةِ النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِصَوْنِهَا وَكِفَايَةُ مُؤَنِهَا، وَالْإِبَانَةُ أَقْطَعُ لَهَا مِنْ الْمَوْتِ حَتَّى كَانَ لَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ مَيِّتًا قَبْلَ الْإِبَانَةِ لَا بَعْدَهَا (وَالْحِدَادُ) وَيُقَالُ الْإِحْدَادُ وَهُمَا لُغَتَانِ (أَنْ تَتْرُكَ الطِّيبَ وَالزِّينَةَ وَالْكُحْلَ وَالدُّهْنَ الْمُطَيَّبَ وَغَيْرَ الْمُطَيَّبِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إلَّا مِنْ وَجَعٍ) وَالْمُعْتَدُّ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إظْهَارِ التَّأَسُّفِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ دَوَاعِي الرَّغْبَةِ فِيهَا وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ عَنْ النِّكَاحِ فَتَجْتَنِبُهَا كَيْ لَا تَصِيرَ ذَرِيعَةً إلَى الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام لَمْ يَأْذَنْ لِلْمُعْتَدَّةِ فِي الِاكْتِحَالِ.
وَالدُّهْنُ لَا يَعْرَى عَنْ نَوْعِ طِيبٍ وَفِيهِ زِينَةُ الشَّعْرِ، وَلِهَذَا يُمْنَعُ الْمُحْرِمُ عَنْهُ قَالَ: إلَّا مِنْ عُذْرٍ لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً، وَالْمُرَادُ الدَّوَاءُ.
وَكِفَايَةِ مُؤَنِهَا، وَالْإِبَانَةُ أَقْطَعُ لَهَا مِنْ الْمَوْتِ حَتَّى كَانَ لَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ مَيِّتًا قَبْلَ الْإِبَانَةِ لَا بَعْدَهَا فَكَانَ إلْحَاقُ الْمَبْتُوتَةِ بِالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا كَإِلْحَاقِ ضَرْبِ الْوَالِدَيْنِ بِالتَّأْفِيفِ. فَإِنْ قِيلَ: إنْ تَمَّ هَذَا فِي الْمُطَلَّقَةِ لَمْ يَتِمَّ فِي الْمُخْتَلِعَةِ لِأَنَّهَا قَدْ افْتَدَتْ نَفْسَهَا بِرِضَاهَا لِطَلَبِ الْخَلَاصِ مِنْهُ، فَكَيْفَ تَتَأَسَّفُ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَحْكَامَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ بِالْمَوْضُوعَاتِ الْأَصْلِيَّةِ وَفَوَاتُ نِعْمَةِ النِّكَاحِ مِمَّا يُوجِبُ التَّأَسُّفَ بِوَضْعِهِ فَلَا مُعْتَبَرَ بِصُورَةِ نَقْضٍ صَدَرَتْ مِنْ نَاقِصَاتِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ.
لَا يُقَالُ: لَوْ كَانَ الْحِدَادُ لِمَا ذَكَرْتُمْ لَوَجَبَ عَلَى الْأَزْوَاجِ أَيْضًا لِأَنَّ نِعْمَةَ النِّكَاحِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا. لِأَنَّا نَقُولُ: النَّصُّ لَمْ يَرِدْ إلَّا فِي الزَّوْجَاتِ، وَالْأَزْوَاجُ لَيْسُوا فِي مَعْنَاهُنَّ لِكَوْنِهِنَّ أَدْنَى مِنْهُنَّ فِي نِعْمَةِ النِّكَاحِ لِمَا فِيهِ مِنْ صِيَانَتِهِنَّ لِأَنَّهُنَّ لَحْمٌ عَلَى وَضَمٍ، وَدُرُورُ النَّفَقَةِ عَلَيْهِنَّ لِكَوْنِهِنَّ ضَعَائِفَ عَنْ التَّكَسُّبِ عَوَاجِزَ عَنْ التَّقَلُّبِ وَلَا كَذَلِكَ الْأَزْوَاجُ.
وَقَوْلُهُ (وَالْحِدَادُ وَيُقَالُ الْإِحْدَادُ) تَعْرِيفٌ لِلْحِدَادِ، وَكَانَ مَوْضِعُهُ أَوَّلَ الْكَلَامِ، وَأَتَى بِالْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِأَنَّ لَفْظَهُ يُخَالِفُ لَفْظَ الْقُدُورِيِّ، وَفِي الْوَجَعِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْعُذْرَ هُوَ التَّدَاوِي لَا الزِّينَةُ. وَقَوْلُهُ (وَالْمَعْنَى فِيهِ) أَيْ فِي إيجَابِ تَرْكِ الطِّيبِ وَالزِّينَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إظْهَارِ التَّأَسُّفِ.
وَالثَّانِي أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ دَوَاعِي الرَّغْبَةِ فِيهَا لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إنْ كَانَتْ مُتَزَيِّنَةً مُتَطَيِّبَةً تَزِيدُ رَغْبَةُ الرَّجُلِ فِيهَا (وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ عَنْ النِّكَاحِ) مَا دَامَتْ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ أَوْ الطَّلَاقِ (فَتَجْتَنِبُهَا كَيْ لَا تَصِيرَ ذَرِيعَةً) أَيْ وَسِيلَةً (إلَى الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ) وَهُوَ النِّكَاحُ (وَقَدْ صَحَّ أَنَّ «النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَأْذَنْ لِلْمُعْتَدَّةِ فِي الِاكْتِحَالِ») رُوِيَ عَنْ «أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَتْ: إنَّ زَوْجَ ابْنَتِي تُوُفِّيَ وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا أَفَنُكَحِّلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» وَقَوْلُهُ (وَالْمُرَادُ الدَّوَاءُ) يَعْنِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُرَادُهَا بِالِاسْتِعْمَالِ الدَّوَاءَ لَا الزِّينَةَ.
لَا الزِّينَةُ. وَلَوْ اعْتَادَتْ الدُّهْنَ فَخَافَتْ وَجَعًا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَمْرًا ظَاهِرًا يُبَاحُ لَهَا لِأَنَّ الْغَالِبَ كَالْوَاقِعِ، وَكَذَا لَيْسَ الْحَرِيرُ إذَا احْتَاجَتْ إلَيْهِ لِعُذْرٍ لَا بَأْسَ بِهِ.
(وَلَا تَخْتَضِبْ بِالْحِنَّاءِ) لَمَا رَوَيْنَا (وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِعُصْفُرٍ وَلَا بَزَعْفَرَانٍ) لِأَنَّهُ يَفُوحُ مِنْهُ رَائِحَةُ الطِّيبِ. قَالَ (وَلَا حِدَادَ عَلَى كَافِرَةٍ) لِأَنَّهَا غَيْرُ مُخَاطَبَةٍ بِحُقُوقِ الشَّرْعِ (وَلَا عَلَى
وَقَوْلُهُ (لِمَا رَوَيْنَا إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ «صلى الله عليه وسلم الْحِنَّاءُ طِيبٌ.» قَالَ وَلَا حِدَادَ عَلَى كَافِرَةٍ) هَذَا بَيَانُ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحِدَادُ وَهُنَّ خَمْسٌ الْكَافِرَةُ وَالصَّغِيرَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَدَّةُ عَنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ وَالْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ. وَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِكَوْنِهَا مَعْلُومَةً مِمَّا تَقَدَّمَ، أَمَّا الْكَافِرَةُ وَهِيَ الْكِتَابِيَّةُ فَلِأَنَّهَا غَيْرُ مُخَاطَبَةٍ بِحُقُوقِ الشَّرْعِ وَالْحِدَادُ مِنْ
صَغِيرَةٍ) لِأَنَّ الْخِطَابَ مَوْضُوعٌ عَنْهَا (وَعَلَى الْأَمَةِ الْإِحْدَادُ) لِأَنَّهَا مُخَاطَبَةٌ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا لَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّ الْمَوْلَى، بِخِلَافِ الْمَنْعِ مِنْ الْخُرُوجِ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ حَقِّهِ وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ لِحَاجَتِهِ.
حُقُوقِهِ، أَشَارَ إلَى ذَلِكَ «قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَلِأَنَّ الْخِطَابَ مَوْضُوعٌ عَنْهَا، وَذَكَرَ الْأَمَةَ فِي أَثْنَائِهَا اسْتِطْرَادًا وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا أُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَدَّةُ عَنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ فَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَا فَاتَهَا نِعْمَةُ النِّكَاحِ لِتُظْهِرَ التَّأَسُّفَ، وَالْأَصْلُ هُوَ الْإِبَاحَةُ فِي الزِّينَةِ لَا سِيَّمَا فِي النِّسَاءِ، قَالَ اللَّهُ
قَالَ (وَلَيْسَ فِي عِدَّةِ أُمِّ الْوَلَدِ وَلَا فِي عِدَّةِ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ إحْدَادٌ) لِأَنَّهَا مَا فَاتَهَا نِعْمَةُ النِّكَاحِ لِتُظْهِرَ التَّأَسُّفَ، وَالْإِبَاحَةُ أَصْلٌ.
(وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُخْطَبَ الْمُعْتَدَّةُ وَلَا بَأْسَ بِالتَّعْرِيضِ فِي الْخِطْبَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} إلَى أَنْ قَالَ {وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا} وَقَالَ عليه الصلاة والسلام «السِّرُّ النِّكَاحُ» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: التَّعْرِيضُ أَنْ يَقُولَ: إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رضي الله عنه فِي الْقَوْلِ الْمَعْرُوفِ: إنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ نَجْتَمِعَ.
تَعَالَى {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} فَإِنْ قِيلَ: قَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ وُجُوبَ الْحِدَادِ لِإِظْهَارِ التَّأَسُّفِ وَكَوْنِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ دَوَاعِيَ الرَّغْبَةِ فِيهَا، فَإِنْ فَاتَ الْأَوَّلُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَدَّةِ عَنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ فَالثَّانِي مَوْجُودٌ فِيهِمَا لِأَنَّهُمَا مَمْنُوعَانِ عَنْ النِّكَاحِ حَالَ قِيَامِ عِدَّتِهِمَا، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْحِدَادُ عَلَيْهِمَا لِلْوَجْهِ الثَّانِي.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْوَجْهَ الثَّانِيَ حِكْمَةٌ وَلَيْسَ بِعِلَّةٍ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ دَوَرَانِ وُجُوبِ الْحِدَادِ عَلَى فَوَاتِ نِعْمَةِ النِّكَاحِ، وَالْحُكْمُ يَدُورُ عَلَى الْعِلَّةِ دُونَ الْحِكْمَةِ، وَأَرَى أَنَّ قَوْلَهُ وَالْإِبَاحَةُ الْأَصْلِيَّةُ إشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا فَاتَ فِيهِمَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ عَارَضَتْ الْإِبَاحَةُ الْأَصْلِيَّةُ الْوَجْهَ الْآخَرَ فَلَمْ تَثْبُتْ الْحُرْمَةُ.
(وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُخْطَبَ الْمُعْتَدَّةُ) لِقَوْلِهِ {وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} (وَلَا بَأْسَ بِالتَّعْرِيضِ فِي الْخِطْبَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} إلَى أَنْ قَالَ {وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا} وَقَالَ «صلى الله عليه وسلم السِّرُّ النِّكَاحُ») وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ كَانَتْ الْآيَةُ دَلِيلًا عَلَى الْحُكْمَيْنِ جَمِيعًا، وَالتَّعْرِيضُ أَنْ تَذْكُرَ شَيْئًا تَدُلَّ بِهِ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ، وَقَدْ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الْخِطْبَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ {أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ} أَيْ
(وَلَا يَجُوزُ لِلْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ وَالْمَبْتُوتَةِ الْخُرُوجُ مِنْ بَيْتِهَا لَيْلًا وَلَا نَهَارًا، وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَخْرُجُ نَهَارًا وَبَعْضَ اللَّيْلِ وَلَا تَبِيتُ فِي غَيْرِ مَنْزِلِهَا) أَمَّا الْمُطَلَّقَةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} قِيلَ الْفَاحِشَةُ نَفْسُ الْخُرُوجِ، وَقِيلَ الزِّنَا، وَيَخْرُجْنَ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ، وَأَمَّا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فَلِأَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا فَتَحْتَاجُ إلَى الْخُرُوجِ نَهَارًا لِطَلَبِ الْمَعَاشِ، وَقَدْ يَمْتَدُّ إلَى أَنْ يَهْجُمَ اللَّيْلُ، وَلَا كَذَلِكَ الْمُطَلَّقَةُ لِأَنَّ النَّفَقَةَ دَارَةٌ عَلَيْهَا مِنْ مَالِ زَوْجِهَا،
سَتَرْتُمْ فِي قُلُوبِكُمْ فَلَمْ تَذْكُرُوهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ لَا مُعَرِّضِينَ وَلَا مُصَرِّحِينَ، وَالْمُسْتَدْرَكُ بِقَوْلِهِ {وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ} مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ فَاذْكُرُوهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا: أَيْ وَطْئًا لِأَنَّهُ مِمَّا يُسَرُّ، إلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَهُوَ أَنْ تُعَرِّضُوا وَلَا تُصَرِّحُوا، وَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَعَلِّقٌ بِلَا تُوَاعِدُوهُنَّ: أَيْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ مُوَاعَدَةً قَطُّ إلَّا مُوَاعَدَةً مَعْرُوفَةً، كَذَا فِي الْكَشَّافِ، وَقَدْ فَسَّرَ الْقَوْلَ الْمَعْرُوفَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ.
(وَلَا يَجُوزُ لِلْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ وَالْمَبْتُوتَةِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمَنْزِلِ) الَّذِي كَانَتْ فِيهِ وَقْتَ الْمُفَارَقَةِ إلَّا إذَا اُضْطُرَّتْ نَحْوَ إنْ خَافَتْ سُقُوطَهُ أَوْ يُغَارُ فِيهِ عَلَى نَفْسِهَا أَوْ مَالِهَا أَوْ أَخْرَجَهَا أَهْلُ الْمَنْزِلِ بِأَنْ كَانَتْ تَسْكُنُ بِكِرَاءٍ وَكَانَ زَوْجُهَا غَائِبًا أَوْ لَا تَقْدِرُ عَلَى الْأُجْرَةِ (وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَخْرُجُ نَهَارًا وَبَعْضَ اللَّيْلِ وَلَا تَبِيتُ فِي غَيْرِ مَنْزِلِهَا، أَمَّا عَدَمُ خُرُوجِ الْمُطَلَّقَةِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْفَاحِشَةِ فَقِيلَ هِيَ نَفْسُ الْخُرُوجِ، قَالَهُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ، فَيَكُونُ مَعْنَاهَا: إلَّا أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهَا فَاحِشَةً، كَمَا يُقَالُ لَا يَسُبُّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام إلَّا كَافِرٌ وَلَا يَزْنِي أَحَدٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا (وَقِيلَ هِيَ الزِّنَا وَيَخْرُجْنَ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِنَّ) قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو يُوسُفَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ نُشُوزُهَا وَأَنْ تَكُونَ بَذِيَّةَ اللِّسَانِ تَبْذُو عَلَى أَحْمَاءِ زَوْجِهَا. وَقَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا) وَاضِحٌ.
حَتَّى لَوْ اخْتَلَعَتْ عَلَى نَفَقَةِ عِدَّتِهَا قِيلَ: إنَّهَا تَخْرُجُ نَهَارًا، وَقِيلَ لَا تَخْرُجُ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا فَلَا يَبْطُلُ بِهِ حَقٌّ عَلَيْهَا. .
(وَعَلَى الْمُعْتَدَّةِ أَنْ تَعْتَدَّ فِي الْمَنْزِلِ الَّذِي يُضَافُ إلَيْهَا بِالسُّكْنَى حَالَ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ وَالْمَوْتِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} وَالْبَيْتُ الْمُضَافُ إلَيْهَا هُوَ الْبَيْتُ الَّذِي تَسْكُنُهُ، وَلِهَذَا لَوْ زَارَتْ أَهْلَهَا وَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا كَانَ عَلَيْهَا أَنْ تَعُودَ إلَى مَنْزِلِهَا فَتَعْتَدَّ فِيهِ وَقَالَ عليه الصلاة والسلام لِلَّتِي قُتِلَ زَوْجُهَا «اُسْكُنِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ» (وَإِنْ كَانَ نَصِيبُهَا مِنْ دَارِ الْمَيِّتِ لَا يَكْفِيهَا فَأَخْرَجَهَا الْوَرَثَةُ مِنْ نَصِيبِهِمْ) انْتَقَلَتْ، لِأَنَّ هَذَا انْتِقَالٌ بِعُذْرٍ، وَالْعِبَادَاتُ تُؤَثِّرُ فِيهَا الْأَعْذَارُ
وَقَوْلُهُ «وَقَالَ صلى الله عليه وسلم لِلَّتِي قُتِلَ زَوْجُهَا هِيَ فُرَيْعَةُ بِنْتُ مَالِكِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ أُخْتُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَمَّا قُتِلَ زَوْجُهَا جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَأْذَنَتْ أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَنِي خُدْرَةَ لَا فِي بَيْتِ زَوْجِهَا، فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا خَرَجَتْ دَعَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهَا: أَعِيدِي الْمَسْأَلَةَ، فَأَعَادَتْ فَقَالَ لَهَا: لَا حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ» يَعْنِي لَا تَخْرُجِي حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُك. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى حُكْمَيْنِ. عَلَى أَنَّهَا يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ،
فَصَارَ كَمَا إذَا خَافَتْ عَلَى مَتَاعِهَا أَوْ خَافَتْ سُقُوطَ الْمَنْزِلِ أَوْ كَانَتْ فِيمَا بِأَجْرٍ وَلَا تَجِدُ مَا تُؤَدِّيهِ.
(ثُمَّ إنْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بِطَلَاقٍ بَائِنٍ أَوْ ثَلَاثٍ لَا بُدَّ مِنْ سُتْرَةٍ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لَا بَأْسَ بِهِ) لِأَنَّهُ مُعْتَرَفٌ بِالْحُرْمَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْهُ فَحِينَئِذٍ تَخْرُجُ لِأَنَّهُ عُذْرٌ، وَلَا تَخْرُجُ عَمَّا انْتَقَلَتْ إلَيْهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَخْرُجَ هُوَ وَيَتْرُكَهَا (وَإِنْ جَعَلَا بَيْنَهُمَا امْرَأَةً ثِقَةً تَقْدِرُ عَلَى الْحَيْلُولَةِ فَحَسَنٌ، وَإِنْ ضَاقَ عَلَيْهِمَا الْمَنْزِلُ فَلْتَخْرُجْ، وَالْأَوْلَى خُرُوجُهُ).
وَعَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ فِي بَعْضِ النَّهَارِ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهَا جَائِزٌ، فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا خُرُوجَهَا لِلِاسْتِفْتَاءِ.
وَقَوْلُهُ (وَالْأَوْلَى أَنْ يَخْرُجَ هُوَ وَيَتْرُكَهَا) لِأَنَّ مُكْثَهَا فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ وَاجِبٌ وَمُكْثَهُ فِيهِ مُبَاحٌ وَرِعَايَةُ الْوَاجِبِ أَوْلَى.
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ ضَاقَ عَلَيْهِمَا الْمَنْزِلُ فَلْتَخْرُجْ) يُشِيرُ إلَى أَنَّ ضِيقَ الْمَنْزِلِ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْذَارِ، فَإِذَا خَرَجَتْ فَإِلَى الزَّوْجِ تَعْيِينُ الْمَوْضِعِ الَّذِي تَنْتَقِلُ إلَيْهِ. بِخِلَافِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إذَا خَرَجَتْ لِعُذْرٍ، فَإِنَّ التَّعْيِينَ إلَيْهَا لِاسْتِبْدَادِهَا
(وَإِذَا خَرَجَتْ الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا إلَى مَكَّةَ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَوْ مَاتَ عَنْهَا فِي غَيْرِ مِصْرٍ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مِصْرِهَا أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ رَجَعَتْ إلَى مِصْرِهَا) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِابْتِدَاءِ الْخُرُوجِ مَعْنًى بَلْ هُوَ بِنَاءٌ (وَإِنْ كَانَتْ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إنْ شَاءَتْ رَجَعَتْ وَإِنْ شَاءَتْ مَضَتْ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا وَلِيٌّ أَوْ لَمْ يَكُنْ) مَعْنَاهُ إذَا كَانَ إلَى الْمَقْصِدِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ أَيْضًا لِأَنَّ الْمُكْثَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ أَخْوَفُ عَلَيْهَا مِنْ الْخُرُوجِ، إلَّا أَنَّ الرُّجُوعَ أَوْلَى لِيَكُونَ الِاعْتِدَادُ فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ. قَالَ (إلَّا أَنْ يَكُونَ طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا فِي مِصْرٍ فَإِنَّهَا لَا تَخْرُجُ حَتَّى تَعْتَدَّ ثُمَّ تَخْرُجَ إنْ كَانَ لَهَا مَحْرَمٌ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ
فِي أَمْرِ السُّكْنَى.
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا خَرَجَتْ الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا إلَى مَكَّةَ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَوْ مَاتَ عَنْهَا) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهٍ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مِصْرِهَا أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ رَجَعَتْ إلَى مِصْرِهَا سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَقْصِدِهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ أَوْ دُونُهَا. أَمَّا إذَا كَانَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَظَاهِرٌ لِأَنَّ الْمُضِيَّ إلَى مَقْصِدِهَا يَكُونُ سَفَرًا وَالرُّجُوعُ لَا يَكُونُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْهَا فَلِأَنَّهَا كَمَا رَجَعَتْ صَارَتْ مُقِيمَةً، وَإِذَا مَضَتْ كَانَتْ مُسَافِرَةً مَا لَمْ تَصِلْ إلَى الْمَقْصِدِ، فَإِذَا قَدَرَتْ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ اسْتِدَامَةِ السَّفَرِ فِي الْعِدَّةِ تَعَيَّنَ ذَلِكَ عَلَيْهَا؛ وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَقْصِدِ أَيْضًا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ أَوْ أَقَلُّ، فَإِنْ كَانَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَهِيَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَتْ رَجَعَتْ إلَى مِصْرِهَا وَإِنْ شَاءَتْ مَضَتْ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا وَلِيٌّ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ الْمُكْثَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ أَخْوَفُ عَلَيْهَا مِنْ الْخُرُوجِ لِأَنَّ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ فِي الْخُرُوجِ إلَى مَكَّةَ وَغَالِبُ طُرُقِهَا مَفَازَةٌ وَمَعْطَشٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الْخُرُوجِ. قِيلَ وَيَنْبَغِي أَنْ تَخْتَارَ أَقْرَبَ الْجَانِبَيْنِ وَهِيَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَالَّتِي أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَهَا أَنْ تُهَاجِرَ مِنْ غَيْرِ مَحْرَمٍ لِأَنَّهَا خَائِفَةٌ عَلَى نَفْسِهَا وَدِينِهَا فَهَذِهِ فِي الْمَفَازَةِ كَذَلِكَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (إلَّا أَنَّ الرُّجُوعَ أَوْلَى لِيَكُونَ الِاعْتِدَادُ فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ) وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مَضَتْ إلَى مَقْصِدِهَا لِأَنَّهَا إذَا مَضَتْ لَا تَكُونُ مُنْشِئَةً سَفَرًا وَلَا سَائِرَةً فِي الْعِدَّةِ مُدَّةَ السَّفَرِ، وَإِنْ رَجَعَتْ كَانَتْ مُنْشِئَةً سَفَرًا فَلِهَذَا مَضَتْ إلَى مَقْصِدِهَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ فِي الْكِتَابِ هَذَا الشِّقَّ اعْتِمَادًا عَلَى أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ الشِّقِّ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْجَانِبَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ كَانَتْ بِالْخِيَارِ. فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا أَقَلَّ تَعَيَّنَ.
وَقَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا فِي مِصْرٍ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ إنْ شَاءَتْ رَجَعَتْ وَإِنْ شَاءَتْ مَضَتْ: يَعْنِي أَنَّ لَهَا
(وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إنْ كَانَ مَعَهَا مَحْرَمٌ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمِصْرِ قَبْلَ أَنْ تَعْتَدَّ) لَهُمَا أَنَّ نَفْسَ الْخُرُوجِ مُبَاحٌ دَفْعًا لِأَذَى الْغُرْبَةِ وَوَحْشَةِ الْوَحْدَةِ فَهَذَا عُذْرٌ، وَإِنَّمَا الْحُرْمَةُ لِلسَّفَرِ وَقَدْ ارْتَفَعَتْ بِالْمُحْرِمِ. وَلَهُ أَنَّ الْعِدَّةَ أَمْنَعُ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ عَدَمِ الْمُحْرِمِ، فَإِنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْرُجَ إلَى مَا دُونَ السَّفَرِ بِغَيْرِ مُحْرِمٍ وَلَيْسَ لِلْمُعْتَدَّةِ ذَلِكَ، فَلَمَّا حُرِّمَ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ إلَى السَّفَرِ بِغَيْرِ الْمُحْرِمِ فَفِي الْعِدَّةِ أَوْلَى.
الْخِيَارَ فِي ذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَتْ الْمُفَارَقَةُ فِي مِصْرٍ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ حَتَّى تَعْتَدَّ، ثُمَّ تَخْرُجَ إنْ كَانَ لَهَا مَحْرَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إنْ كَانَ مَعَهَا مَحْرَمٌ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمِصْرِ قَبْلَ أَنْ تَعْتَدَّ لِأَنَّ نَفْسَ الْخُرُوجِ مُبَاحٌ بِالِاتِّفَاقِ دَفْعًا لِأَذَى الْغُرْبَةِ وَوَحْشَةِ الْوَحْدَةِ، وَإِنَّمَا الْحُرْمَةُ لِلسَّفَرِ وَقَدْ ارْتَفَعَتْ بِالْمَحْرَمِ، وَإِذَا ارْتَفَعَتْ الْحُرْمَةُ عَادَ مُبَاحًا. وَقَوْلُهُ (وَهَذَا عُذْرٌ) إشَارَةٌ إلَى نُكْتَةٍ أُخْرَى هِيَ أَنَّ التَّرَبُّصَ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ فِي مَنْزِلِهَا وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا لَكِنْ يَجُوزُ لَهَا الِانْتِقَالُ بِعُذْرٍ كَانْهِدَامِ الْمَنْزِلِ وَغَيْرِهِ، وَأَذَى الْقُرْبَةِ وَوَحْشَةُ الْوَحْدَةِ عُذْرٌ فَيَجُوزُ لَهَا الِانْتِقَالُ نَظَرًا إلَى وُجُودِ الْمُقْتَضِي وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ وَهُوَ ارْتِفَاعُ التَّحْرِيمِ الْحَاصِلِ لِلسَّفَرِ بِوُجُودِ الْمَحْرَمِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعِدَّةَ أَمْنَعُ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ عَدَمِ الْمَحْرَمِ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ.
بَابُ ثُبُوتِ النَّسَبِ
(وَمَنْ قَالَ إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَهَا فَوَلَدَتْ وَلَدًا لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ تَزَوَّجَهَا فَهُوَ ابْنُهُ وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ) أَمَّا النَّسَبُ فَلِأَنَّهَا فِرَاشُهُ، لِأَنَّهَا لَمَّا جَاءَتْ بِالْوَلَدِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ النِّكَاحِ فَقَدْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْهَا مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ فَكَانَ الْعُلُوقُ قَبْلَهُ
بَابُ ثُبُوتِ النَّسَبِ)
لَمَّا ذَكَرَ أَنْوَاعَ الْمُعْتَدَّاتِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ وَالْأَشْهُرِ وَالْأَحْمَالِ ذَكَرَ مَا يَلْزَمُ مِنْ اعْتِدَادِ أُولَاتِ الْأَحْمَالِ وَهُوَ ثُبُوتُ النَّسَبِ فِي هَذَا الْبَابِ (وَمَنْ قَالَ إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَهَا فَوَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ تَزَوُّجِهَا) أَيْ مِنْ وَقْتِ تَزَوُّجِهَا لِأَنَّ الْيَوْمَ قُرِنَ بِفِعْلٍ غَيْرِ مُمْتَدٍّ فَيَكُونُ بِمَعْنَى الْوَقْتِ: يَعْنِي مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ (فَهُوَ ابْنُهُ وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، أَمَّا النَّسَبُ فَلِأَنَّهَا فِرَاشُهُ لِأَنَّهَا لَمَّا جَاءَتْ بِالْوَلَدِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ النِّكَاحِ فَقَدْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْهَا مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مَشْرُوطٌ بِالنِّكَاحِ وَالْمَشْرُوطُ يَعْقُبُ الشَّرْطَ بِزَمَانٍ وَإِنْ لَطُفَ فَيَكُونُ الْعُلُوقُ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الطَّلَاقِ
فِي حَالَةِ النِّكَاحِ وَالتَّصَوُّرُ ثَابِتٌ بِأَنْ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ يُخَالِطُهَا فَوَافَقَ الْإِنْزَالُ النِّكَاحَ وَالنَّسَبُ يُحْتَاطُ فِي إثْبَاتِهِ، وَأَمَّا الْمَهْرُ فَلِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ النَّسَبُ مِنْهُ جُعِلَ وَاطِئًا حُكْمًا فَتَأَكَّدَ الْمَهْرُ بِهِ
فِي حَالَةِ النِّكَاحِ) فَإِنْ قِيلَ: هَذَا نِكَاحٌ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْوَطْءُ وَالْإِعْلَاقُ لِأَنَّهُ كَمَا تَزَوَّجَ وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَبِدُونِ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ نَسَبَ وَلَدٍ جَاءَتْ بِهِ امْرَأَةُ الصَّبِيِّ لَا يَثْبُتُ؛ لِذَلِكَ أَجَابَ بِقَوْلِهِ وَالتَّصَوُّرُ ثَابِتٌ بِأَنْ يُجْعَلَ كَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ عَلَى بَطْنِهَا يُخَالِطُهَا وَالنَّاسُ يَسْمَعُونَ كَلَامَهُمَا فَيَكُونُ الْإِنْزَالُ قَدْ وَافَقَ تَمَامَ النِّكَاحِ مُقَارِنًا لِلطَّلَاقِ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الشَّرْطِ وَزَوَالُ الْفِرَاشِ حُكْمُ الطَّلَاقِ فَيَكُونُ الْعُلُوقُ حَاصِلًا قَبْلَ زَوَالِ الْفِرَاشِ ضَرُورَةً فَيَثْبُتُ النَّسَبُ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا فِي غَايَةِ النُّدْرَةِ. فَكَيْفَ يُبْنَى عَلَيْهِ الْحُكْمُ؟ أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَالنَّسَبُ يُحْتَاطُ فِي إثْبَاتِهِ) يَعْنِي وَإِنْ كَانَ نَادِرًا لَكِنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ فِي إثْبَاتِهِ فَيَجِبُ بِنَاؤُهُ عَلَى هَذَا النَّادِرِ، هَذَا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ، وَأَمَّا إذَا وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْهَا فَلَا يَثْبُتُ النَّسَبُ لِأَنَّ عُلُوقَهُ كَانَ ثَابِتًا عَلَى النِّكَاحِ قَبْلَ ثُبُوتِ الْفِرَاشِ فَلَا يَكُونُ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ إنْ وُلِدَتْ لِأَكْثَرَ مِنْهَا لِأَنَّهُ حِينَ طَلُقَتْ حَكَمْنَا بِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ لَهَا لِأَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْخَلْوَةِ، وَلَمْ يُتَيَقَّنْ بُطْلَانُ هَذَا الْحُكْمِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ عَلِقَ مِنْ زَوْجٍ آخَرَ بَعْدَ الطَّلَاقِ، بِخِلَافِ مَا إذَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ التَّزَوُّجِ فَقَدْ جَاءَتْ بِالْوَلَدِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ فَتَيَقَّنَّا بِقِيَامِ الْوَلَدِ فِي الْبَطْنِ وَقْتَ الطَّلَاقِ، فَبَعْدَ ذَلِكَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، فَجَعَلْنَا الْعُلُوقَ مِنْهُ احْتِيَاطًا لِأَمْرِ النَّسَبِ، إذْ لَوْ جَعَلْنَاهُ مِنْ عُلُوقٍ قَبْلَ النِّكَاحِ مِنْ زَوْجٍ آخَرَ وَذَلِكَ الزَّوْجُ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ كَانَ فِيهِ إضَاعَةُ الْوَلَدِ وَإِبْطَالُ النِّكَاحِ الْجَائِزِ وَالطَّلَاقِ الْوَاقِعِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ وَإِحَالَةُ الْوَلَدِ إلَى أَبْعَدِ الْأَوْقَاتِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَجَعَلْنَاهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْمَهْرُ فَلِمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ الْقِيَاسُ يَلْزَمُهُ مَهْرٌ وَنِصْفُ مَهْرٍ، أَمَّا النِّصْفُ فَلِلطَّلَاقِ
(وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ إذَا جَاءَتْ بِهِ لِسَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مَا لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا) لِاحْتِمَالِ الْعُلُوقِ فِي حَالَةِ الْعِدَّةِ لِجَوَازِ أَنَّهَا تَكُونُ مُمْتَدَّةَ الطُّهْرِ (وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ) وَثَبَتَ نَسَبُهُ لِوُجُودِ الْعُلُوقِ فِي النِّكَاحِ أَوْ فِي الْعِدَّةِ فَلَا يَصِيرُ مُرَاجِعًا لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْعُلُوقَ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَيَحْتَمِلُ بَعْدَهُ فَلَا يَصِيرُ مُرَاجِعًا بِالشَّكِّ (وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ كَانَتْ رَجْعَةً) لِأَنَّ الْعُلُوقَ بَعْدَ الطَّلَاقِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ
قَبْلَ الدُّخُولِ وَأَمَّا الْمَهْرُ فَبِالدُّخُولِ.
وَقَوْلُهُ (وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (وَيُحْتَمَلُ بَعْدَهُ فَلَا يَصِيرُ مُرَاجِعًا بِالشَّكِّ) قِيلَ عَلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ يَصِيرَ مُرَاجِعًا لِأَنَّ الْوَطْءَ هَاهُنَا حَلَالٌ فَأُحِيلَ الْعُلُوقُ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ وَهِيَ حَالَةُ الْعِدَّةِ فَتَثْبُتُ بِهِ الرَّجْعَةُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي ذَلِكَ حَمْلَ أَمْرِهِ عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُرَاجِعًا لَهَا بِدُونِ الْإِشْهَادِ بِالْفِعْلِ، وَأُحِيلَ الْعُلُوقُ إلَى مَا قَبْلَ الطَّلَاقِ صِيَانَةً لِحَالِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ فَلَا يَصِيرُ مُرَاجِعًا بِالشَّكِّ، وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَقُولَ لَا يَصِيرُ مُرَاجِعًا لِدَلَالَةِ الدَّلِيلِ عَلَى كَوْنِ الْوَطْءِ قَبْلَ الطَّلَاقِ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ الْعُلُوقَ بَعْدَ الطَّلَاقِ) إذْ الْوَلَدُ لَا يَبْقَى فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْهُ وَإِلَّا لَزِمَ الزِّنَا، وَهُوَ مُنْتَفٍ حَمْلًا لِحَالِهَا عَلَى الصَّلَاحِ. قِيلَ لَا يَلْزَمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ كَانَ مِنْ الزِّنَا لِجَوَازِ أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ زَوْجًا آخَرَ. لَا يُقَالُ: الْفَرْضُ فِيمَا إذَا لَمْ تَتَزَوَّجْ. لِأَنَّا نَقُولُ: الْفَرْضُ أَنَّهُ لَمْ يَطَأْهَا فِي الْعِدَّةِ، إذْ لَوْ وَطِئَهَا لَثَبَتَتْ الرَّجْعَةُ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ هَذَا التَّكَلُّفِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ نَعَمْ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ الْحُكْمَ بِإِبْقَاءِ نِكَاحِ الْأَوَّلِ عِنْدَ الِاحْتِمَالِ أَسْهَلُ مِنْ الْحُكْمِ
مِنْهُ لِانْتِفَاءِ الزِّنَا مِنْهَا فَيَصِيرُ بِالْوَطْءِ مُرَاجِعًا.
(وَالْمَبْتُوتَةُ يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ قَائِمًا وَقْتَ الطَّلَاقِ فَلَا يَتَيَقَّنُ بِزَوَالِ الْفِرَاشِ قَبْلَ الْعُلُوقِ فَيَثْبُتُ النَّسَبُ احْتِيَاطًا، (فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِتَمَامِ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الْفُرْقَةِ لَمْ يَثْبُتْ) لِأَنَّ الْحَمْلَ حَادِثٌ بَعْدَ الطَّلَاقِ فَلَا يَكُونُ مِنْهُ لِأَنَّ وَطْأَهَا حَرَامٌ. قَالَ (إلَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ)
بِإِنْشَاءِ نِكَاحٍ آخَرَ فَيَجِبُ الْقَوْلُ بِهِ.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَإِلَى هَذَا أَشَارَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي مَبْسُوطِهِ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ دَافِعٍ بَلْ هُوَ الْتِزَامُ السُّؤَالِ. وَالصَّوَابُ فِي الْجَوَابِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ لِانْتِفَاءِ الزِّنَا مِنْهَا لَازِمُهُ وَهُوَ تَضْيِيعُ الْوَلَدِ، فَإِنَّ الزِّنَا مَلْزُومُ تَضْيِيعِ الْوَلَدِ فَيَكُونُ ذِكْرَ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةَ اللَّازِمِ وَهُوَ مَجَازٌ وَحِينَئِذٍ يَنْدَفِعُ السُّؤَالُ، لِأَنَّا إذَا جَعَلْنَا الْوَلَدَ مِنْ نِكَاحِ شَخْصٍ آخَرَ مَجْهُولٍ بَقِيَ الْوَلَدُ ضَائِعًا فَكَأَنَّهُ قَالَ لِانْتِفَاءِ التَّضْيِيعِ مِنْهَا بِالزِّنَا أَوْ بِمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ.
قَالَ (وَالْمَبْتُوتَةُ يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا مِنْهُ) إذَا وَلَدَتْ الْمَبْتُوتَةُ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا مِنْهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ قَائِمًا وَقْتَ الطَّلَاقِ فَلَا يُتَيَقَّنُ بِزَوَالِ الْفِرَاشِ قَبْلَ الْعُلُوقِ فَيَثْبُتُ النَّسَبُ احْتِيَاطًا، وَإِنْ وَلَدَتْ لِتَمَامِ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الْفُرْقَةِ لَمْ يَثْبُتْ لِأَنَّ الْحَمْلَ حَادِثٌ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَإِلَّا لَزَادَ أَكْثَرُ مُدَّةِ الْحَمْلِ عَلَى سَنَتَيْنِ وَهُوَ بَاطِلٌ (فَلَا يَكُونُ مِنْهُ لِأَنَّ وَطْأَهَا حَرَامٌ) وَقَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ لَمْ يَثْبُتْ: يَعْنِي أَنَّهُ إنْ ادَّعَاهُ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ
لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ. وَلَهُ وَجْهٌ بِأَنْ وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ فِي الْعِدَّةِ (فَإِنْ كَانَتْ الْمَبْتُوتَةُ صَغِيرَةً يُجَامَعُ مِثْلُهَا فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَلْزَمْهُ حَتَّى تَأْتِيَ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ، ثُمَّ هَلْ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى تَصْدِيقِ الْمَرْأَةِ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ) أَيْ الْتَزَمَ النَّسَبَ عِنْدَ دَعْوَاهُ (وَلَهُ وَجْهٌ شَرْعِيٌّ بِأَنْ وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ فِي الْعِدَّةِ) وَالنَّسَبُ يُحْتَاطُ فِي إثْبَاتِهِ فَيَثْبُتُ (فَإِنْ كَانَتْ الْمَبْتُوتَةُ صَغِيرَةً يُجَامَعُ مِثْلُهَا فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَلْزَمْهُ حَتَّى تَأْتِيَ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ إلَى سَنَتَيْنِ) لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا وَلَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَأَشْبَهَتْ الْكَبِيرَةَ. وَلَهُمَا أَنَّ لِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا جِهَةً مُتَعَيِّنَةً وَهُوَ الْأَشْهُرُ فَبِمُضِيِّهَا يَحْكُمُ الشَّرْعُ بِالِانْقِضَاءِ وَهُوَ فِي الدَّلَالَةِ فَوْقَ إقْرَارِهَا لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْخِلَافَ، وَالْإِقْرَارُ يَحْتَمِلُهُ وَإِنْ كَانَتْ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: يَثْبُتُ مِنْهُ النَّسَبُ إلَى سَنَتَيْنِ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا وَلَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَأَشْبَهَتْ الْكَبِيرَةَ) وَبَيَانُ الِاحْتِمَالِ مَا قِيلَ إنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُرَاهِقَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَهِيَ تَحْتَمِلُ الْحَبَلَ سَاعَةً فَسَاعَةً فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا وَقْتَ الطَّلَاقِ فَيَكُونُ انْقِضَاءُ عِدَّتِهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا حَمَلَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَتْ كَالْبَالِغَةِ إذَا لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا إلَى سَنَتَيْنِ، وَإِنَّمَا قَالَ وَلَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِأَنَّهَا إذَا أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ثُمَّ جَاءَتْ بِالْوَلَدِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ يَثْبُتُ النَّسَبُ لِظُهُورِ بُطْلَانِ إقْرَارِهَا فَصَارَتْ كَأَنَّهَا لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَائِهَا فَيَثْبُتُ النَّسَبُ (وَلَهُمَا أَنَّ لِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا جِهَةً مُتَعَيِّنَةً وَهِيَ الْأَشْهُرُ) لِأَنَّا عَرَفْنَاهَا صَغِيرَةً بِيَقِينٍ، وَمَا عُرِفَ كَذَلِكَ لَا يُحْكَمُ بِزَوَالِهِ بِالِاحْتِمَالِ فَبِمُضِيِّهَا يَحْكُمُ الشَّرْعُ بِالِانْقِضَاءِ أَقَرَّتْ بِهِ أَوْ لَمْ تُقِرَّ (وَهُوَ) أَيْ حُكْمُ الشَّرْعِ فِي الدَّلَالَةِ فَوْقَ إقْرَارِهَا لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْخِلَافَ وَالْإِقْرَارُ يَحْتَمِلُهُ، فَلَوْ أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ثُمَّ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ، فَكَذَا إذَا حَكَمَ الشَّرْعُ بِالْمُضِيِّ.
وَاعْتُرِضَ بِالْكَبِيرَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فَإِنَّ لِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا جِهَةً مُتَعَيِّنَةً، وَهِيَ مُضِيُّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ مَا لَمْ يَكُنْ الْحَبَلُ ظَاهِرًا، ثُمَّ هُنَاكَ يَثْبُتُ النَّسَبُ إلَى سَنَتَيْنِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، وَلَا يُحْكَمُ بِالِانْقِضَاءِ بِالْأَشْهُرِ هُنَاكَ لِاحْتِمَالِ الِانْقِضَاءِ بِالْوَضْعِ فَمَا بَالُ مَا نَحْنُ فِيهِ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ. وَالْجَوَابُ سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ إلَّا أَنَّا نَقُولُ: لِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا جِهَةٌ أُخْرَى (وَإِنْ كَانَتْ)
مُطَلَّقَةً طَلَاقًا رَجْعِيًّا فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَهُ يَثْبُتُ إلَى سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا لِأَنَّهُ يُجْعَلُ وَاطِئًا فِي آخِرِ الْعِدَّةِ وَهِيَ الثَّلَاثَةُ الْأَشْهُرُ ثُمَّ تَأْتِي لِأَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَهُوَ سَنَتَانِ، وَإِنْ كَانَتْ الصَّغِيرَةُ ادَّعَتْ الْحَبَلَ فِي الْعِدَّةِ فَالْجَوَابُ فِيهَا وَفِي الْكَبِيرَةِ سَوَاءٌ، لِأَنَّ بِإِقْرَارِهَا يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا.
(وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا مَا بَيْنَ الْوَفَاةِ وَبَيْنَ السَّنَتَيْنِ) وَقَالَ زُفَرُ: إذَا جَاءَتْ بِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ لِأَنَّ الشَّرْعَ حَكَمَ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالشُّهُورِ لِتَعَيُّنِ الْجِهَةِ فَصَارَ كَمَا إذَا أَقَرَّتْ بِالِانْقِضَاءِ كَمَا بَيَّنَّا فِي الصَّغِيرَةِ إلَّا أَنَّا نَقُولُ لِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا جِهَةٌ أُخْرَى وَهُوَ وَضْعُ الْحَمْلِ، بِخِلَافِ الصَّغِيرَةِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا عَدَمُ الْحَمْلِ لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَفِيهِ شَكٌّ.
(وَإِذَا اعْتَرَفَتْ الْمُعْتَدَّةُ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ثُمَّ جَاءَتْ بِالْوَلَدِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ يَثْبُتُ نَسَبُهُ) لِأَنَّهُ ظَهَرَ كَذِبُهَا بِيَقِينٍ فَبَطَلَ الْإِقْرَارُ (وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَثْبُتْ) لِأَنَّا لَمْ نَعْلَمْ بِبُطْلَانِ الْإِقْرَارِ لِاحْتِمَالِ الْحُدُوثِ بَعْدَهُ،
الصَّغِيرَةُ (مُطَلَّقَةً طَلَاقًا رَجْعِيًّا فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَهُمَا) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ: يَعْنِي إنْ وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ ثَبَتَ النَّسَبُ وَإِلَّا فَلَا (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَثْبُتُ النَّسَبُ إلَى سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا لِأَنَّهُ يُجْعَلُ وَاطِئًا فِي آخِرِ الْعِدَّةِ وَهِيَ: ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ ثُمَّ تَأْتِي بِهِ لِأَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَهُوَ سَنَتَانِ، وَإِنْ كَانَتْ الصَّغِيرَةُ ادَّعَتْ الْحَبَلَ فِي الْعِدَّةِ فَالْجَوَابُ فِيهَا وَفِي الْكَبِيرَةِ سَوَاءٌ) لِأَنَّهَا أَعْرَفُ بِأَمْرِ عِدَّتِهَا فَيُحْكَمُ بِإِقْرَارِهَا بِبُلُوغِهَا فَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ فِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَلِأَقَلَّ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا فِي الرَّجْعِيِّ.
وَقَوْلُهُ (وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا) ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (إلَّا أَنَّا نَقُولُ لِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا جِهَةٌ أُخْرَى) حَاصِلُهُ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْ الْحَامِلِ وَالصَّغِيرَةِ أَمْضَيْنَا الْحُكْمَ عَلَى الْأَصْلِ، وَلَكِنْ الْأَصْلُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ قَدْ اخْتَلَفَ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَبِيرَةِ الْإِحْبَالُ فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي حَقِّهَا تَعَيُّنُ جِهَةِ الْعِدَّةِ بِالْأَشْهُرِ، وَالْأَصْلُ فِي الصَّغِيرَةِ عَدَمُ الْإِحْبَالِ فَلِذَلِكَ اعْتَبَرْنَا فِي حَقِّهَا تَعَيُّنَ جِهَةِ الْعِدَّةِ بِالْأَشْهُرِ. لَا يُقَالُ: الْأَصْلُ فِي الْكَبِيرَةِ أَيْضًا عَدَمُ الْإِحْبَالِ. لِأَنَّا نَقُولُ: ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَنْكُوحَةِ، فَأَمَّا النِّكَاحُ فَلَا يُعْقَدُ إلَّا بِالْإِحْبَالِ. وَقَوْلُهُ (وَفِيهِ) أَيْ فِي الْبُلُوغِ (شَكٌّ) وَالصِّغَرُ كَانَ ثَابِتًا بِيَقِينٍ فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ.
(وَإِذَا اعْتَرَفَتْ الْمُعْتَدَّةُ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ) ظَاهِرٌ.
وَهَذَا اللَّفْظُ بِإِطْلَاقِهِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مُعْتَدَّةٍ.
(وَإِذَا وَلَدَتْ الْمُعْتَدَّةُ وَلَدًا لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ بِوِلَادَتِهَا رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ حَبَلٌ ظَاهِرٌ أَوْ اعْتِرَافٌ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ فَيَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَثْبُتُ فِي الْجَمِيعِ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ) لِأَنَّ الْفِرَاشَ قَائِمٌ بِقِيَامِ الْعِدَّةِ
وَقَوْلُهُ (وَهَذَا اللَّفْظُ) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ فَإِذَا اعْتَرَفَتْ الْمُعْتَدَّةُ (بِإِطْلَاقِهِ) حَيْثُ لَمْ يُقَيَّدْ بِمُعْتَدَّةٍ دُونَ أُخْرَى (يَتَنَاوَلُ كُلَّ مُعْتَدَّةٍ) يَعْنِي كَانَتْ مُعْتَدَّةً مِنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ أَوْ بَائِنٍ بِالْأَشْهُرِ أَوْ بِالْحِيَضِ. قِيلَ ذَكَرَ الْمَرْغِينَانِيُّ وَقَاضِي خَانْ أَنَّ الْآيِسَةَ لَوْ أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ ثَبَتَ نَسَبُ وَلَدِهَا فَلَمْ يَتَنَاوَلْ كُلَّ مُعْتَدَّةٍ إلَّا أَنْ يُؤَوَّلَ كُلُّ مُعْتَدَّةٍ غَيْرَ الْآيِسَةِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْآيِسَةَ إذَا أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ مُفَسَّرَةٌ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ أَوْ مُطْلَقًا فِي مُدَّةٍ تَصْلُحُ لِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ ثُمَّ وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ يَثْبُتُ لِلنَّسَبِ وَإِلَّا فَلَا. .
قَالَ (وَإِذَا وَلَدَتْ الْمُعْتَدَّةُ وَلَدًا) إذَا وَلَدَتْ الْمُعْتَدَّةُ عَنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ أَوْ رَجْعِيٍّ وَلَدًا وَقَدْ أَنْكَرَهُ الزَّوْجُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَا لَمْ يَشْهَدْ بِوِلَادَتِهَا رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ حَبَلٌ ظَاهِرٌ أَوْ اعْتِرَافٌ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ فَيَثْبُتُ النَّسَبُ بِلَا شَهَادَةٍ، وَقَالَا: يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّ الْفِرَاشَ وَهُوَ تَعَيُّنُ الْمَرْأَةِ لِمَاءِ الزَّوْجِ بِحَيْثُ يَثْبُتُ مِنْهُ نَسَبُ كُلِّ وَلَدٍ تَلِدُهُ قَائِمٌ بِقِيَامِ الْعِدَّةِ
وَهُوَ مُلْزِمٌ لِلنَّسَبِ وَالْحَاجَةُ إلَى تَعْيِينِ الْوَلَدِ أَنَّهُ مِنْهَا فَيَتَعَيَّنُ بِشَهَادَتِهَا كَمَا فِي حَالِ قِيَامِ النِّكَاحِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِإِقْرَارِهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَالْمُنْقَضِي لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَمَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى إثْبَاتِ النَّسَبِ ابْتِدَاءً فَيُشْتَرَطُ كَمَالُ الْحُجَّةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ ظَهَرَ الْحَبَلُ أَوْ صَدَرَ الِاعْتِرَافُ مِنْ الزَّوْجِ لِأَنَّ النَّسَبَ ثَابِتٌ قَبْلَ الْوِلَادَةِ وَالتَّعَيُّنَ يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهَا (فَإِنْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً عَنْ وَفَاةٍ فَصَدَّقَهَا الْوَرَثَةُ فِي الْوِلَادَةِ وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَى الْوِلَادَةِ أَحَدٌ فَهُوَ ابْنُهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) وَهَذَا فِي حَقِّ الْإِرْثِ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّهِمْ فَيُقْبَلُ فِيهِ تَصْدِيقُهُمْ، أَمَّا فِي حَقِّ النَّسَبِ هَلْ يَثْبُتُ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ. قَالُوا: إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ يَثْبُتُ لِقِيَامِ الْحُجَّةِ وَلِهَذَا قِيلَ: تُشْتَرَطُ لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ، وَقِيلَ لَا تُشْتَرَطُ لِأَنَّ الثُّبُوتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ تَبَعٌ لِلثُّبُوتِ فِي حَقِّهِمْ بِإِقْرَارِهِمْ، وَمَا ثَبَتَ تَبَعًا لَا يُرَاعَى فِيهِ الشَّرَائِطُ.
وَهُوَ) أَيْ قِيَامُ الْفِرَاشِ (مُلْزِمٌ لِلنَّسَبِ) فَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِهِ (وَ) إنَّمَا (الْحَاجَةُ إلَى تَعْيِينِ الْوَلَدِ) وَهُوَ يَحْصُلُ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا فِي حَالِ قِيَامِ النِّكَاحِ أَوْ بِظُهُورِ الْحَبَلِ أَوْ إقْرَارِ الزَّوْجِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ: يَعْنِي سَلَّمْنَا أَنَّ الْفِرَاشَ يَكُونُ قَائِمًا بِقِيَامِ الْعِدَّةِ وَلَكِنَّ الْعِدَّةُ هَاهُنَا لَيْسَتْ بِقَائِمَةٍ (لِأَنَّهَا تَنْقَضِي بِإِقْرَارِهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ وَالْمُنْقَضِي لَا يَصْلُحُ حُجَّةً فَمَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى إثْبَاتِ النَّسَبِ ابْتِدَاءً بِالْقَضَاءِ فَيُشْتَرَطُ كَمَالُ الْحُجَّةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ النِّكَاحُ قَائِمًا أَوْ الْحَبَلُ ظَاهِرًا أَوْ الِاعْتِرَافُ بِهِ مِنْ الزَّوْجِ صَادِرًا لِأَنَّ النَّسَبَ إذْ ذَاكَ ثَابِتٌ قَبْلَ الْوِلَادَةِ) فَلَا يُحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِهِ، وَإِنَّمَا الْحَاجَةُ إلَى التَّعْيِينِ، وَذَلِكَ (يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهَا) قِيلَ لَا يَحِلُّ نَظَرُ الرَّجُلِ إلَى الْعَوْرَةِ فَمَا وَجْهُ اشْتِرَاطِ شَهَادَةِ الرِّجَالِ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ النَّظَرَ لَا يَلْزَمُ، بَلْ إذَا دَخَلَتْ بَيْتًا بَيْنَ الشُّهُودِ وَهْم يَعْلَمُونَ أَنْ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهَا ثُمَّ خَرَجَتْ مَعَ الْوَلَدِ كَفَى لِجَوَازِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَإِذَا وَلَدَتْ الْمُعْتَدَّةُ عَنْ وَفَاةٍ قَبْلَ تَمَامِ سَنَتَيْنِ وَلَدًا فَصَدَّقَهَا أَيْ أَقَرَّ بِهِ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ أَوْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ يُقْطَعُ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِمْ كَرَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ مِنْهُمْ (فَهُوَ ابْنُهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) وَهَذَا فِي حَقِّ الْإِرْثِ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّهِمْ فَيُقْبَلُ فِيهِ تَصْدِيقُهُمْ (أَمَّا فِي حَقِّ النَّسَبِ) بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِمْ (فَهَلْ يَثْبُتُ أَوْ لَا؟ قَالُوا: إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ) كَمَا ذَكَرْنَا وَهُمْ عُدُولٌ (يَثْبُتُ لِقِيَامِ الْحُجَّةِ) وَلِهَذَا قِيلَ يُشْتَرَطُ لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ، وَقِيلَ لَا يُشْتَرَطُ لِأَنَّ الثُّبُوتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ تَبَعٌ لِلثُّبُوتِ فِي حَقِّهِمْ لِإِقْرَارِهِمْ، وَمَا يَثْبُتُ تَبَعًا لَا يُرَاعَى فِيهِ الشَّرَائِطُ كَالْعَبْدِ مَعَ الْمَوْلَى وَالْجُنْدِيِّ مَعَ السُّلْطَانِ فِي حَقِّ الْإِقَامَةِ.
(وَإِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ امْرَأَةً فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ يَوْمِ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ) لِأَنَّ الْعُلُوقَ سَابِقٌ عَلَى
قَوْلُهُ وَإِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ امْرَأَةً) ظَاهِرٌ
النِّكَاحِ فَلَا يَكُونُ مِنْهُ (وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ اعْتَرَفَ بِهِ الزَّوْجُ أَوْ سَكَتَ) لِأَنَّ الْفِرَاشَ قَائِمٌ وَالْمُدَّةُ تَامَّةٌ (فَإِنْ جَحَدَ الْوِلَادَةَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ تَشْهَدُ بِالْوِلَادَةِ حَتَّى لَوْ نَفَاهُ الزَّوْجُ يُلَاعِنُ) لِأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بِالْفِرَاشِ الْقَائِمِ، وَاللِّعَانُ إنَّمَا يَجِبُ بِالْقَذْفِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَتِهِ وُجُودُ الْوَلَدِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِدُونِهِ (فَإِنْ وَلَدَتْ ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَالَ الزَّوْجُ: تَزَوَّجْتُك مُنْذُ أَرْبَعَةٍ وَقَالَتْ هِيَ: مُنْذُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا وَهُوَ ابْنُهُ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهَا فَإِنَّهَا تَلِدُ ظَاهِرًا مِنْ نِكَاحِ لَا مِنْ سِفَاحٍ
قَوْلُهُ وَاللِّعَانُ إنَّمَا يَجِبُ بِالْقَذْفِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ اللِّعَانُ هَاهُنَا إنَّمَا يَجِبُ بِنَفْيِ الْوَلَدِ وَالْوَلَدُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ فَيَكُونُ اللِّعَانُ ثَابِتًا بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ اللِّعَانَ فِي مَعْنَى الْحَدِّ وَالْحَدُّ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ اللِّعَانَ يَجِبُ بِالْقَذْفِ وَالْقَذْفُ مَوْجُودٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ مِنِّي قَذْفٌ لَهَا بِالزِّنَا مَعْنًى، وَالْقَذْفُ لَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْوَلَدِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِدُونِهِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ الْوَلَدُ الثَّابِتُ بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ وَإِنَّمَا أُضِيفَ اللِّعَانُ إلَى الْقَذْفِ مُجَرَّدًا عَنْهُ (فَإِنْ وَلَدَتْ) الْمَرْأَةُ (ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَالَ الزَّوْجُ تَزَوَّجْتُك مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَقَالَتْ مُنْذُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهَا فَإِنَّهَا تَلِدُ ظَاهِرًا مِنْ نِكَاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ). وَاعْتُرِضَ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَرْأَةَ تُسْنِدُ الْعُلُوقَ إلَى زَمَانٍ سَابِقٍ وَالزَّوْجُ يُنْكِرُهُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَالثَّانِي أَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ أَيْضًا لِأَنَّ النِّكَاحَ حَادِثٌ وَالْأَصْلُ فِي الْحَوَادِثِ أَنْ تُضَافَ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِأَنَّ الزَّوْجَ يَدَّعِي إسْنَادَ الْعُلُوقِ إلَى زَمَانٍ يَسْبِقُ النِّكَاحَ وَهِيَ تُنْكِرُ
وَلَمْ يَذْكُرْ الِاسْتِحْلَافَ وَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ.
(وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إذَا وَلَدْت وَلَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَشَهِدَتْ امْرَأَةٌ عَلَى الْوِلَادَةِ لَمْ تَطْلُقْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: تَطْلُقُ) لِأَنَّ شَهَادَتَهَا حُجَّةٌ فِي ذَلِكَ. قَالَ عليه الصلاة والسلام «شَهَادَةُ النِّسَاءِ جَائِزَةٌ فِيمَا لَا يَسْتَطِيعُ الرِّجَالُ النَّظَرَ إلَيْهِ» وَلِأَنَّهَا لَمَّا قَبِلَتْ فِي الْوِلَادَةِ تَقْبَلُ فِيمَا يَبْتَنِي عَلَيْهَا وَهُوَ الطَّلَاقُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا ادَّعَتْ الْحِنْثَ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِحُجَّةٍ تَامَّةٍ، وَهَذَا لِأَنَّ شَهَادَتَهُنَّ ضَرُورِيَّةٌ فِي حَقِّ الْوِلَادَةِ فَلَا تَظْهَرُ فِي
فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهَا، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ النَّسَبَ مِمَّا يُحْتَاطُ فِي إثْبَاتِهِ؛ فَإِذَا تَعَارَضَ الظَّاهِرَانِ فِيهِ تَرَجَّحَ الْمُثْبِتُ. عَلَى أَنَّ ظَاهِرَ حَالِهَا يَتَأَيَّدُ بِظَاهِرِ حَالِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُبَاشِرُ النِّكَاحَ بِصِفَةِ الْفَسَادِ فَإِنَّ نِكَاحَ الْحُبْلَى فَاسِدٌ وَهَلْ تَحْرُمُ عَلَى الزَّوْجِ بِهَذَا الْكَلَامِ؟ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَحْرُمَ. فَإِنْ قِيلَ: يَجِبُ أَنْ تَحْرُمَ لِأَنَّ هَذَا إقْرَارٌ مِنْهُ بِتَزَوُّجِهِ وَهِيَ حُبْلَى فَصَارَ كَمَا إذَا ادَّعَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ شُهُودٍ.
أُجِيبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ النِّكَاحَ بِغَيْرِ شُهُودٍ فَاسِدٌ لَا مَحَالَةَ وَنِكَاحُ الْحُبْلَى لَيْسَ كَذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ مِنْ الزِّنَا.
وَالثَّانِي أَنَّهُ وَإِنْ أَقَرَّ بِالْحُرْمَةِ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ كَذَّبَهُ فِي ذَلِكَ حَيْثُ أَثْبَتَ النَّسَبَ مِنْهُ وَالْإِقْرَارُ إذَا قَابَلَهُ تَكْذِيبٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ يَبْطُلُ. وَقَوْلُهُ (وَلَمْ يَذْكُرْ الِاسْتِحْلَافَ وَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ) يَعْنِي الِاخْتِلَافَ الْمَذْكُورَ فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ.
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ إذَا وَلَدْت فَأَنْتِ طَالِقٌ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (فِيمَا يُبْتَنَى عَلَيْهَا وَهُوَ الطَّلَاقُ) يَعْنِي أَنَّ الطَّلَاقَ حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْوِلَادَةِ، وَشَهَادَةُ الْقَابِلَةِ حُجَّةٌ فِي إثْبَاتِ الْوِلَادَةِ فَكَذَلِكَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا ضِمْنًا وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يَثْبُتُ ضِمْنًا وَلَا يَثْبُتُ قَصْدًا (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ دَعْوَاهَا لَيْسَتْ الطَّلَاقَ حَتَّى يَثْبُتَ فِي ضِمْنِ الْوِلَادَةِ بِشَهَادَتِهَا)، وَإِنَّمَا دَعْوَاهَا حِنْثَهُ فِي يَمِينِهِ وَالْحِنْثُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَاتِ الْوِلَادَةِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِحُجَّةٍ كَامِلَةٍ. سَلَّمْنَا أَنَّ دَعْوَاهَا الطَّلَاقَ لَكِنْ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا بِشَهَادَتِهَا ضِمْنًا لِأَنَّ شَهَادَتَهُنَّ ضَرُورِيَّةٌ فِي حَقِّ الْوِلَادَةِ لِعَدَمِ حُصُولِ الرِّجَالِ عِنْدَهَا فَلَا تَظْهَرُ فِي حَقِّ الطَّلَاقِ لِأَنَّهُ يَنْفَكُّ عَنْهَا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: كَلَامُنَا
حَقِّ الطَّلَاقِ لِأَنَّهُ يَنْفَكُّ عَنْهَا (وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ قَدْ أَقَرَّ بِالْحَبَلِ طَلُقَتْ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا تُشْتَرَطُ شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حُجَّةٍ لَدَعْوَاهَا الْحِنْثَ، وَشَهَادَتُهَا حُجَّةٌ فِيهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا. وَلَهُ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْحَبَلِ إقْرَارٌ بِمَا يُفْضِي إلَيْهِ وَهُوَ الْوِلَادَةُ، وَلِأَنَّهُ أَقَرَّ بِكَوْنِهَا مُؤْتَمَنَةٌ فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي رَدِّ الْأَمَانَةِ.
فِي الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ بِالْوِلَادَةِ وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّيْءِ لَازِمٌ مِنْ لَوَازِمِهِ وَالْوِلَادَةُ تَثْبُتُ بِشَهَادَتِهَا وَالشَّيْءُ إذَا ثَبَتَ ثَبَتَ بِجَمِيعِ لَوَازِمِهِ وَقَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ قَدْ أَقَرَّ بِالْحَبَلِ) يَعْنِي إذْ أَقَرَّ الزَّوْجُ بِالْحَبَلِ ثُمَّ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِالْوِلَادَةِ فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ وَلَدْت وَكَذَّبَهَا الزَّوْجُ فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا، وَعَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ إذَا كَانَ الْحَبَلُ ظَاهِرًا ثُمَّ عَلَّقَ الطَّلَاقَ. لَهُمَا أَنَّهَا إذَا ادَّعَتْ الْحِنْثَ فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ حُجَّةٍ وَشَهَادَتُهَا فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى (وَلَهُ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْحَبَلِ إقْرَارٌ بِمَا يُفْضِي إلَيْهِ الْحَبَلُ وَهُوَ الْوِلَادَةُ) وَلِأَنَّ إقْرَارَهُ بِحَبَلِهَا إقْرَارٌ بِكَوْنِهَا مُؤْتَمَنَةً وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُؤْتَمَنِ فِي دَعْوَى رَدِّ الْأَمَانَةِ، وَهَذَا يُرْشِدُك إلَى أَنَّ وُجُودَ الشَّرْطِ إنَّمَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْجَزَاءِ عِنْدَهُ إذَا كَانَ وُجُودُ الشَّرْطِ بِدَلِيلٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى الْجَزَاءِ عِنْدَ انْفِرَادِهِ عَنْ الشَّرْطِ، وَالْإِقْرَارُ كَذَلِكَ، بِخِلَافِ شَهَادَةِ الْقَابِلَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَتَلْمَحُ مِنْهُ جَوَابَ الِاعْتِرَاضِ هُنَاكَ.
قَالَ (وَ
أَكْثَرُ مُدَّةِ الْحَمْلِ
سَنَتَانِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ رضي الله عنها الْوَلَدُ لَا يَبْقَى فِي الْبَطْنِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ وَلَوْ بِظِلِّ مِغْزَلٍ (وَأَقَلُّهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} ثُمَّ قَالَ {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} فَبَقِيَ لِلْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ
قَالَ (وَأَكْثَرُ مُدَّةِ الْحَمْلِ سَنَتَانِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ رضي الله عنها: الْوَلَدُ لَا يَبْقَى فِي الْبَطْنِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ وَلَوْ بِظِلِّ مِغْزَلٍ): أَيْ بِقَدْرِ ظِلّ مِغْزَلٍ حَالَ الدَّوَرَانِ، وَالْغَرَضُ تَقْلِيلُ الْمُدَّةِ، فَإِنَّ ظِلَّ الْمِغْزَلِ حَالَةَ الدَّوَرَانِ أَسْرَعُ زَوَالًا مِنْ سَائِرِ الظِّلَالِ. وَرِوَايَةُ الْمَبْسُوطِ وَالْإِيضَاحِ وَبَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ. وَلَوْ بِفَلْكَةِ مِغْزَلٍ: أَيْ وَلَوْ بِدَوْرِ فَلْكَةِ مِغْزَلٍ وَالْمَعْنَى هُوَ مَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْهُ سَمَاعًا لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يَهْتَدِي إلَى مَعْرِفَةِ الْمَقَادِيرِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ بَيَانَ أَكْثَرِ الْمُدَّةِ عَلَى أَقَلِّهَا اهْتِمَامًا بِذِكْرِهِ لِكَوْنِهِ مُخْتَلَفًا فِيهِ. (وَأَقَلُّهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} ثُمَّ قَالَ {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} فَبَقِيَ لِلْحَمْلِ سِتَّةُ أَشّ هر) وَهَذَا تَأْوِيلٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ فَقَالَ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَوَلَدَتْ وَلَدًا لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَهَمَّ عُثْمَانُ بِرَجْمِهَا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا إنَّهَا لَوْ خَاصَمَتْكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ لَخَصَمَتْكُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} وَقَالَ تَعَالَى {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ}
وَالشَّافِعِيُّ يُقَدِّرُ الْأَكْثَرَ بِأَرْبَعِ سِنِينَ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَاهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا قَالَتْهُ سَمَاعًا إذْ الْعَقْلُ لَا يَهْتَدِي إلَيْهِ.
(وَمَنْ تَزَوَّجَ أَمَةً فَطَلَّقَهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ يَوْمِ اشْتَرَاهَا لَزِمَهُ وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ)
فَإِذَا ذَهَبَ لِلْفِصَالِ عَامَانِ لَمْ يَبْقَ لِلْحَمْلِ إلَّا سِتَّةُ أَشْهُرٍ، فَدَرَأَ عُثْمَانُ الْحَدَّ عَنْهَا وَأَثْبَتَ النَّسَبَ مِنْ الزَّوْجِ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَهَذَا التَّقْرِيرُ الَّذِي ذُكِرَ هُنَا فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الرَّضَاعِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ هُنَاكَ ثَلَاثِينَ شَهْرًا مُدَّةً لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَمْلِ وَالْفِصَالِ، ثُمَّ أَظْهَرَ الْمُنْقِصَ فِي حَقِّ الْحَمْلِ وَهَاهُنَا جَعَلَهَا مُدَّتَهُمَا جَمِيعًا ثُمَّ أَصَابَ مِنْهُمَا الْفِصَالَ عَامَانِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ وَمِنْ ضَرُورَتِهِ أَنْ يَبْقَى لِلْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ اسْتِدْلَالَهُ هُنَاكَ إنَّمَا كَانَ بِالنَّظَرِ إلَى الْآيَةِ الْأُولَى وَهَاهُنَا بِالنَّظَرِ إلَيْهَا وَإِلَى الْأُخْرَى، وَجَازَ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ نَظَرًا إلَى ذَاتِهَا مُفِيدَةً لِحُكْمٍ، وَبِالنَّظَرِ إلَيْهَا وَإِلَى غَيْرِهَا مُفِيدَةً لِحُكْمٍ آخَرَ فَتَأَمَّلْ. (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقَدَّرُ الْأَكْثَرُ بِأَرْبَعِ سِنِينَ) وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِحِكَايَاتِ مِثْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ مَوْلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَكَذَلِكَ هَرَمُ بْنُ حَيَّانَ فَسُمِّيَ هَرَمًا لِذَلِكَ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ هَكَذَا فَسُمِّيَ ضَحَّاكًا لِأَنَّهُ ضَحِكَ حِينَ وُلِدَ وَغَيْرُهُمْ (وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَا عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا قَالَتْهُ سَمَاعًا إذْ الْعَقْلُ لَا يَهْتَدِي إلَيْهِ) أَيْ إلَى مِقْدَارِ مُدَّةِ مَا فِي الرَّحِمِ.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ تَزَوَّجَ أَمَةً فَطَلَّقَهَا) يَعْنِي بَعْدَ الدُّخُولِ (ثُمَّ اشْتَرَاهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ يَوْمِ اشْتَرَاهَا لَزِمَهُ وَإِلَّا فَلَا
لِأَنَّهُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَلَدُ الْمُعْتَدَّةِ فَإِنَّ الْعُلُوقَ سَابِقٌ عَلَى الشِّرَاءِ، وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي وَلَدُ الْمَمْلُوكَةِ لِأَنَّهُ يُضَافُ الْحَادِثُ إلَى أَقْرَبِ وَقْتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ دَعْوَةٍ، وَهَذَا إذَا كَانَ الطَّلَاقُ وَاحِدًا بَائِنًا أَوْ خُلْعًا أَوْ رَجْعِيًّا، أَمَّا إذَا كَانَ اثْنَتَيْنِ يَثْبُتُ النَّسَبُ إلَى سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ لِأَنَّهَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ حُرْمَةً غَلِيظَةً فَلَا يُضَافُ الْعُلُوقُ إلَّا إلَى مَا قَبْلَهُ، لِأَنَّهَا لَا تَحِلُّ بِالشِّرَاءِ.
لِأَنَّهُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ) يَعْنِي إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ (وَلَدُ الْمُعْتَدَّةِ فَإِنَّ الْعُلُوقَ سَابِقٌ عَلَى الشِّرَاءِ) لِأَنَّهَا وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ، وَنَسَبُ وَلَدِ الْمُعْتَدَّةِ يَثْبُتُ بِلَا دَعْوَةٍ لِقِيَامِ الْفِرَاشِ حُكْمًا (وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي) يَعْنِي مَا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ (وَلَدُ الْمَمْلُوكَةِ لِأَنَّهُ يُضَافُ الْحَادِثُ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ) وَأَقْرَبُهَا وَقْتُ كَوْنِهَا مَمْلُوكَةً فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِالدَّعْوَةِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (هَذَا إذَا كَانَ الطَّلَاقُ وَاحِدًا بَائِنًا أَوْ خُلْعًا أَوْ رَجْعِيًّا، أَمَّا إذَا كَانَ اثْنَتَيْنِ يَثْبُتُ النَّسَبُ إلَى سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ لِأَنَّهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ حُرْمَةً غَلِيظَةً فَلَا يُضَافُ الْعُلُوقُ إلَّا إلَى مَا قَبْلَهُ لِأَنَّهَا لَا تَحِلُّ بِالشِّرَاءِ) لِأَنَّ الْأَمَةَ تَحْرُمُ حُرْمَةً غَلِيظَةً بِتَطْلِيقَتَيْنِ فَلَا تَحِلُّ لَهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَإِذَا لَمْ تَحِلَّ لَا يَقْضِي بِالْعُلُوقِ مِنْ أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ بَلْ مِنْ أَبْعَدِهَا حَمْلًا لِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصَّلَاحِ، وَأَبْعَدُ الْأَزْمَانِ هُوَ مَا قَبْلَ الطَّلَاقِ فَيَلْزَمُهُ الْوَلَدُ إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الطَّلَاقُ وَاحِدًا فَيَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَيُضَافُ الْوَلَدُ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ، فَحِينَئِذٍ كَانَ وَلَدَ الْأَمَةِ فَلَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ. فَإِنْ قِيلَ: وَجَبَ أَنْ تَنْكَشِفَ الْحُرْمَةُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَإِنْ كَانَتْ الْحُرْمَةُ غَلِيظَةً تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} {إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} أُجِيبَ بِأَنَّهُ وَجَبَ أَنْ لَا تَنْكَشِفَ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} وَالطَّلْقَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْإِمَاءِ بِمَنْزِلَةِ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ فِي الْحَرَائِرِ وَالْمَحْرَمُ أَقْوَى.
(وَمَنْ قَالَ لِأَمَتِهِ إنْ كَانَ فِي بَطْنِك وَلَدٌ فَهُوَ مِنِّي فَشَهِدَتْ عَلَى الْوِلَادَةِ امْرَأَةٌ فَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ) لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى تَعْيِينِ الْوَلَدِ، وَيَثْبُتُ ذَلِكَ بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ بِالْإِجْمَاعِ.
(وَمَنْ قَالَ لِغُلَامٍ هُوَ ابْنِي ثُمَّ مَاتَ فَجَاءَتْ أُمُّ الْغُلَامِ وَقَالَتْ أَنَا امْرَأَتُهُ فَهِيَ امْرَأَتُهُ وَهُوَ ابْنُهُ
وَمَنْ قَالَ لِأَمَتِهِ إنْ كَانَ فِي بَطْنِك وَلَدٌ فَهُوَ مِنِّي فَشَهِدَتْ امْرَأَةٌ عَلَى الْوِلَادَةِ فَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ) لِأَنَّ سَبَبَ ثُبُوتِ النَّسَبِ وَهِيَ الدَّعْوَةُ قَدْ وُجِدَ مِنْ الْمَوْلَى بِقَوْلِهِ فَهُوَ مِنِّي وَإِنَّمَا الْحَاجَةُ إلَى تَعْيِينِ الْوَلَدِ وَهُوَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ بِالْإِجْمَاعِ، هَذَا إذَا وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْإِقْرَارِ، فَإِنْ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا لَا يَلْزَمُهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا حَبِلَتْ بَعْدَ مَقَالَةِ الْمَوْلَى فَلَمْ يَكُنْ الْمَوْلَى مُدَّعِيًا هَذَا الْوَلَدَ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّا تَيَقَّنَّا ثَمَّةَ بِقِيَامِ الْوَلَدِ فِي الْبَطْنِ وَقْتَ الْقَوْلِ فَصَحَّتْ الدَّعْوَى.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ قَالَ لِغُلَامٍ هُوَ ابْنِي) وَاضِحٌ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا الْمِيرَاثُ فِي الِاسْتِحْسَانِ
يَرِثَانِهِ) وَفِي النَّوَادِرِ جُعِلَ هَذَا جَوَابُ الِاسْتِحْسَانِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا الْمِيرَاثُ لِأَنَّ النَّسَبَ كَمَا يَثْبُتُ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ يَثْبُتُ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَبِالْوَطْءِ عَنْ شُبْهَةٍ وَبِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ إقْرَارًا بِالنِّكَاحِ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا إذَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً بِالْحُرِّيَّةِ وَبِكَوْنِهَا أُمَّ الْغُلَامِ وَالنِّكَاحُ الصَّحِيحُ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ لِذَلِكَ وَضْعًا وَعَادَةً (وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّهَا حُرَّةٌ فَقَالَتْ الْوَرَثَةُ أَنْتِ أُمُّ وَلَدٍ فَلَا مِيرَاثَ لَهَا) لِأَنَّ ظُهُورَ الْحُرِّيَّةِ بِاعْتِبَارِ الدَّارِ حُجَّةٌ فِي دَفْعِ الرِّقِّ لَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَيْضًا لِأَنَّ هَذَا النِّكَاحَ يَثْبُتُ لَهُ اقْتِضَاءً فَثَبَتَ بِقَدْرِ
الضَّرُورَةِ
وَهُوَ تَصْحِيحُ النَّسَبِ دُونَ اسْتِحْقَاقِ الْإِرْثِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ النِّكَاحَ عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ لَيْسَ بِمُتَنَوِّعٍ إلَى نِكَاحٍ هُوَ سَبَبٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْإِرْثِ وَنِكَاحٍ لَيْسَ بِسَبَبٍ لَهُ، فَلَمَّا ثَبَتَ النِّكَاحُ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ ثَبَتَ مَا هُوَ مِنْ لَوَازِمِهِ الَّتِي لَا تَنْفَكُّ عَنْهُ شَرْعًا، وَإِنَّمَا قَالَ عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ لِئَلَّا يَرِدَ نِكَاحُ الْكِتَابِيَّةِ وَالْأَمَةِ لِأَنَّهُ مِنْ الْعَوَارِضِ. وَرُدَّ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ ثُبُوتَ النِّكَاحِ بِالِاقْتِضَاءِ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ إنَّمَا يَثْبُتُ لِتَصْحِيحِ الْمُقْتَضَى لَا مَحَالَةَ، وَالْمُقْتَضِي هَاهُنَا وَهُوَ النَّسَبُ يَصِحُّ بِلَا ثُبُوتِ الْمُقْتَضَى وَهُوَ النِّكَاحُ بِأَنْ يَكُونَ عَنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ أَوْ يَكُونَ الْوَلَدُ وَلَدَ أُمِّ الْوَلَدِ فَلَمْ يَفْتَقِرْ ثُبُوتُ النَّسَبِ إلَى النِّكَاحِ لَا مَحَالَةَ، وَهَذَا سُؤَالٌ فَاسِدٌ نَشَأَ مِنْ عَدَمِ فَهْمِ وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ الْمَسْأَلَةُ فِيمَا إذَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً بِالْحُرِّيَّةِ فَلَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ، وَقَالَ: وَالنِّكَاحُ الصَّحِيحُ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ لِذَلِكَ وَضْعًا وَعَادَةً، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ عَنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
بَابُ الْوَلَدِ مَنْ أَحَقُّ بِهِ
(وَإِذَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فَالْأُمُّ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً وَزَعَمَ أَبُوهُ أَنَّهُ يَنْزِعُهُ مِنِّي، فَقَالَ عليه الصلاة والسلام: أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجِي» وَلِأَنَّ الْأُمَّ أَشْفَقُ وَأَقْدَرُ عَلَى الْحَضَانَةِ فَكَانَ الدَّفْعُ إلَيْهَا أَنْظَرَ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الصِّدِّيقُ بِقَوْلِهِ: رِيقُهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ شَهْدٍ وَعَسَلٍ عِنْدَك يَا عُمَرُ، قَالَهُ حِينَ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَالصَّحَابَةُ حَاضِرُونَ مُتَوَافِرُونَ
بَابُ الْوَلَدِ مَنْ أَحَقُّ بِهِ)
مُنَاسَبَةُ هَذَا الْبَابِ لِبَابِ ثُبُوتِ النَّسَبِ ظَاهِرَةٌ لَا تَحْتَاجُ إلَى بَيَانٍ (وَإِذَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فَالْأُمُّ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: إنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَزَعَمَ أَبُوهُ أَنَّهُ يَنْزِعُهُ مِنِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجِي» وَلِأَنَّ الْأُمَّ أَشْفَقُ) عَلَيْهِ لِزِيَادَةِ اتِّصَالِهِ بِهَا مِنْ حَيْثُ يُقَصُّ مِنْهَا بِالْمِقَصِّ (وَأَقْدَرُ عَلَى الْحَضَانَةِ) بِلُزُومِهَا الْبَيْتَ فَكَانَ فِي التَّفْوِيضِ إلَيْهَا زِيَادَةُ مَرْحَمَةٍ لِمَنْ هُوَ مَظِنَّتُهَا (وَإِلَيْهِ أَشَارَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه). رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ خَاصَمَ أُمَّ عَاصِمٍ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ لِيَنْزِعَ الْعَاصِمَ مِنْهَا، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: رِيقُهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ شَهْدٍ وَعَسَلٍ عِنْدَك يَا عُمَرُ، قَالَهُ وَالصَّحَابَةُ حَاضِرُونَ مُتَوَافِرُونَ (وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ)
(وَالنَّفَقَةُ عَلَى الْأَبِ) عَلَى مَا نَذْكُرُ (وَلَا تُجْبَرُ الْأُمُّ عَلَيْهِ) لِأَنَّهَا عَسَتْ تَعْجِزُ عَنْ الْحَضَانَةِ
وَالنَّفَقَةُ عَلَى الْأَبِ) عَلَى مَا سَيَجِيءُ (قَوْلُهُ وَلَا تُجْبَرُ الْأُمُّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَخْذِ الْوَلَدِ إذَا أَبَتْ أَوْ لَمْ تَطْلُبْ لِمَا ذَكَرَهُ، إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ لِلْوَلَدِ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ سِوَى الْأُمِّ فَتُجْبَرُ عَلَى حَضَانَتِهِ لِئَلَّا يَفُوتَ حَقُّ الْوَلَدِ إذْ الْأَجْنَبِيَّةُ لَا شَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ
(فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ أُمٌّ فَأُمُّ الْأُمِّ أَوْلَى مِنْ أُمِّ الْأَبِ وَإِنْ بَعُدَتْ) لِأَنَّ هَذِهِ الْوِلَايَةَ تُسْتَفَادُ مِنْ قِبَلِ الْأُمَّهَاتِ (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ أُمَّ الْأُمِّ فَأُمُّ الْأَبِ أَوْلَى مِنْ الْأَخَوَاتِ) لِأَنَّهَا مِنْ الْأُمَّهَاتِ، وَلِهَذَا تَحَرَّزَ مِيرَاثُهُنَّ السُّدُسُ وَلِأَنَّهَا أَوْفَرُ شَفَقَةً لِلْوِلَادِ (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ جَدَّةٌ فَالْأَخَوَاتُ أَوْلَى مِنْ الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ) لِأَنَّهُنَّ بَنَاتُ الْأَبَوَيْنِ وَلِهَذَا قُدِّمْنَ فِي الْمِيرَاثِ. وَفِي رِوَايَةِ الْخَالَةِ أَوْلَى مِنْ الْأُخْتِ لِأَبٍ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «الْخَالَةُ وَالِدَةٌ» وَقِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ} أَنَّهَا كَانَتْ خَالَتَهُ (وَتُقَدَّمُ الْأُخْتُ لِأَبٍ وَأُمٍّ) لِأَنَّهَا أَشْفَقُ (ثُمَّ الْأُخْتُ مِنْ الْأُمِّ ثُمَّ الْأُخْتُ مِنْ الْأَبِ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُنَّ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ (ثُمَّ الْخَالَاتُ أَوْلَى مِنْ الْعَمَّاتِ) تَرْجِيحًا لِقَرَابَةِ الْأُمِّ (وَيَنْزِلْنَ كَمَا نَزَلْنَا الْأَخَوَاتُ) مَعْنَاهُ تَرْجِيحُ ذَاتِ قَرَابَتَيْنِ ثُمَّ قَرَابَةٍ الْأُمِّ
(فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ أُمٌّ) بِأَنْ مَاتَتْ أَوْ تَزَوَّجَتْ بِأَجْنَبِيٍّ فَإِنَّهَا كَالْمَعْدُومَةِ حِينَئِذٍ (فَأُمُّ الْأُمِّ وَإِنْ بَعُدَتْ) لِأَنَّ هَذِهِ الْوِلَايَةَ تُسْتَفَادُ مِنْ قِبَلِ الْأُمَّهَاتِ لِمَا ذَكَرْنَ مِنْ وُفُورِ شَفَقَتِهِنَّ، فَمَنْ كَانَتْ تُدْلِي إلَيْهِ بِأُمٍّ فَهِيَ أَوْلَى مِمَّنْ تُدْلِي بِأَبٍ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْمُسْلِمَةُ وَالْكَافِرَةُ لِأَنَّ حَقَّ الْحَضَانَةِ بِاعْتِبَارِ الشَّفَقَةِ وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ عَلَى مَا قِيلَ: كُلُّ شَيْءٍ يُحِبُّ وَلَدَهُ حَتَّى الْحُبَارَى، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ أُمُّ الْأُمِّ بِالتَّفْسِيرِ الْمَارِّ فَأُمُّ الْأَبِ أَوْلَى مِنْ الْأَخَوَاتِ لِأَنَّهَا مِنْ الْأُمَّهَاتِ وَهَذِهِ الْوِلَايَةُ بِالْأُمُومَةِ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِكَوْنِ الْجَدَّةِ مِنْ الْأُمَّهَاتِ (تَحْرُزُ مِيرَاثَ الْأُمَّهَاتِ السُّدُسَ وَلِأَنَّهَا أَوْفَرُ شَفَقَةً لِلْوِلَادِ) أَيْ لِأَجْلِ الْوِلَادِ (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ جَدَّةٌ فَالْأَخَوَاتُ أَوْلَى مِنْ الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ لِأَنَّهُنَّ بَنَاتُ الْأَبَوَيْنِ وَلِهَذَا قُدِّمْنَ فِي الْمِيرَاثِ) وَهَذِهِ رِوَايَةُ كِتَابِ النِّكَاحِ اعْتِبَارًا بِقُرْبِ الْقَرَابَةِ وَالْأُخْتُ أَقْرَبُ لِأَنَّهَا وَلَدُ الْأَبِ وَالْخَالَةُ وَلَدُ الْجَدِّ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ: وَالْخَالَةُ أَوْلَى مِنْ الْأُخْتِ لِأَبٍ اعْتِبَارًا بِالْمُدْلَى بِهِ، فَإِنَّ الْخَالَةَ تُدْلِي بِالْأُمِّ وَقَدْ تَأَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «الْخَالَةُ وَالِدَةٌ» وَقَدْ قِيلَ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ} أَنَّهَا كَانَتْ خَالَتَهُ.
وَقَوْلُهُ (وَتُقَدَّمُ الْأُخْتُ لِأَبٍ وَأُمٍّ) ظَاهِرٌ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ ذَاتِ قَرَابَتَيْنِ تُرَجَّحُ عَلَى ذَاتِ قَرَابَةٍ
(ثُمَّ الْعَمَّاتُ يَنْزِلْنَ كَذَلِكَ، وَكُلُّ مَنْ تَزَوَّجَتْ مِنْ هَؤُلَاءِ يَسْقُطُ حَقُّهَا) لِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّ زَوْجَ الْأُمِّ إذَا كَانَ أَجْنَبِيًّا يُعْطِيهِ نَزْرًا وَيَنْظُرُ إلَيْهِ شَزْرًا فَلَا نَظَرَ. قَالَ (إلَّا الْجَدَّةَ إذَا كَانَ زَوْجُهَا الْجَدُّ) لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ أَبِيهِ فَيَنْظُرُ لَهُ (وَكَذَلِكَ كُلُّ زَوْجٍ هُوَ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ) لِقِيَامِ الشَّفَقَةِ نَظَرًا إلَى الْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ (وَمَنْ سَقَطَ حَقُّهَا بِالتَّزَوُّجِ يَعُودُ إذَا ارْتَفَعَتْ الزَّوْجِيَّةُ) لِأَنَّ الْمَانِعَ قَدْ زَالَ.
(فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِلصَّبِيِّ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ فَاخْتَصَمَ فِيهِ الرِّجَالُ فَأَوْلَاهُمْ أَقْرَبُهُمْ تَعْصِيبًا) لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لِلْأَقْرَبِ وَقَدْ عُرِفَ التَّرْتِيبُ فِي مَوْضِعِهِ، غَيْرَ أَنَّ الصَّغِيرَةَ لَا تُدْفَعُ إلَى عَصَبَةٍ غَيْرِ مُحَرَّمٍ كَمَوْلَى الْعَتَاقَةِ وَابْنِ الْعَمِّ تَحَرُّزًا عَنْ الْفِتْنَةِ.
وَاحِدَةٍ لِمَا فِيهَا مِنْ زِيَادَةِ الشَّفَقَةِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَيَجُوزُ التَّرْجِيحُ بِمَا لَا يَكُونُ عِلَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَخَ لِأَبٍ وَأُمٍّ مُقَدَّمٌ فِي الْعُصُوبَةِ عَلَى الْأَخِ لِأَبٍ بِسَبَبِ قَرَابَةِ الْأُمِّ وَقَرَابَةُ الْأُمِّ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لِاسْتِحْقَاقِ الْعُصُوبَةِ بِهَا، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ قَرَابَةَ الْأُمِّ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لِاسْتِحْقَاقِ الْعُصُوبَةِ بِهَا أَصْلًا، بِخِلَافِ قَرَابَةِ الْأَبِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْحَضَانَةِ فَإِنَّ لَهَا ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ قَرَابَةِ الْأُمِّ. قَالَ (وَكُلُّ مَنْ تَزَوَّجَتْ مِنْ هَؤُلَاءِ سَقَطَ حَقُّهَا) كُلُّ مَنْ لَهَا حَقُّ الْحَضَانَةِ مِمَّنْ ذَكَرْنَا سَقَطَ حَقُّهَا فِيمَا إذَا تَزَوَّجَتْ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجِي» وَلِأَنَّ حَقَّ الْحَضَانَةِ لِلنَّظَرِ لِلصَّغِيرِ وَقَدْ فَاتَ عِنْدَ التَّزَوُّجِ لِأَنَّ زَوْجَ الْأُمِّ يُعْطِيهِ نَزْرًا: أَيْ قَلِيلًا، وَيَنْظُرُ إلَيْهِ شَزَرًا: أَيْ نَظَرَ الْمُبْغِضِ فَلَا نَظَرَ لَهُ إذْ ذَاكَ (إلَّا الْجَدَّةَ إذَا كَانَ زَوْجُهَا الْجَدَّ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ أَبِيهِ فَيَنْظُرُ لَهُ، وَكَذَا كُلُّ زَوْجٍ هُوَ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْوَلَدِ) كَالْعَمِّ إذَا تَزَوَّجَ بِأُمِّ الْوَلَدِ (لِقِيَامِ الشَّفَقَةِ نَظَرًا إلَى الْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ. وَمَنْ سَقَطَ حَقُّهَا بِالتَّزَوُّجِ يَعُودُ إذَا ارْتَفَعَتْ الزَّوْجِيَّةُ لِأَنَّ الْمَانِعَ قَدْ زَالَ).
(فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِلصَّبِيِّ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ فَاخْتَصَمَ فِيهِ الرِّجَالُ فَأَوْلَاهُمْ بِهِ أَقْرَبُهُمْ تَعْصِيبًا لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لِلْأَقْرَبِ وَقَدْ عُرِفَ التَّرْتِيبُ فِي مَوْضِعِهِ) فِي بَابِ الْمِيرَاثِ وَوِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ، فَإِنْ اجْتَمَعَ إخْوَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَأَصَحُّهُمْ دِينًا وَوَرَعًا أَحَقُّ بِهِ لِأَنَّ ضَمَّهُ إلَيْهِ أَنْفَعُ لِأَنَّهُ
(وَالْأُمُّ وَالْجَدَّةُ أَحَقُّ بِالْغُلَامِ حَتَّى يَأْكُلَ وَحْدَهُ وَيَشْرَبَ وَحْدَهُ وَيَلْبَسَ وَحْدَهُ وَيَسْتَنْجِيَ وَحْدَهُ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: حَتَّى يُسْتَغْنَى فَيَأْكُلُ وَحْدَهُ وَيَشْرَبُ وَحْدَهُ وَيَلْبَسُ وَحْدَهُ) وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ لِأَنَّ تَمَامَ الِاسْتِغْنَاءِ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ إذَا اسْتَغْنَى يَحْتَاجُ إلَى التَّأَدُّبِ وَالتَّخَلُّقِ بِآدَابِ الرِّجَالِ وَأَخْلَاقِهِمْ، وَالْأَبُ أَقْدَرُ عَلَى التَّأْدِيبِ وَالتَّثْقِيفِ، وَالْخَصَّافُ قَدَّرَ الِاسْتِغْنَاءَ بِسَبْعِ سِنِينَ اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ (وَالْأُمُّ وَالْجَدَّةُ أَحَقُّ بِالْجَارِيَةِ حَتَّى تَحِيضَ) لِأَنَّ بَعْدَ الِاسْتِغْنَاءِ تَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ آدَابِ النِّسَاءِ وَالْمَرْأَةُ عَلَى ذَلِكَ أَقْدَرُ وَبَعْدَ الْبُلُوغِ تَحْتَاجُ إلَى التَّحْصِينِ وَالْحِفْظِ وَالْأَبُ فِيهِ أَقْوَى وَأَهْدَى. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا تُدْفَعُ إلَى الْأَبِ إذَا بَلَغَتْ حَدَّ الشَّهْوَةِ لِتَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إلَى الصِّيَانَةِ.
يَتَخَلَّقُ بِأَخْلَاقِهِ، فَإِنْ تَسَاوَوْا فَأَكْبَرُهُمْ سِنًّا أَحَقُّ بِهِ لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ ثُبُوتًا فَعِنْدَ التَّعَارُضِ يَتَرَجَّحُ بِهِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ، غَيْرَ أَنَّ الصَّغِيرَةَ لَا تُدْفَعُ إلَى عَصَبَةِ غَيْرِ مَحْرَمٍ كَمَوْلَى الْعَتَاقَةِ وَابْنِ الْعَمِّ عِنْدَ وُجُودِ مَحْرَمٍ غَيْرِ عَصَبَةٍ كَالْخَالِ بَلْ تُدْفَعُ إلَى الْخَالِ تَحَرُّزًا عَنْ الْفِتْنَةِ، كَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ. وَذَكَرَ التُّمُرْتَاشِيُّ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْ الْعَصَبَةِ تُدْفَعُ إلَى الْأَخِ لِأُمٍّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ثُمَّ إلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا حَقَّ لِذَكَرٍ مِنْ قِبَلِ النِّسَاءِ وَالتَّدْبِيرُ لِلْقَاضِي يَدْفَعُ إلَى ثِقَةٍ تَحْضُنُهُ.
وَقَوْلُهُ (وَالْأُمُّ وَالْجَدَّةُ أَحَقُّ بِالْغُلَامِ) وَاضِحٌ. وَذَكَرَ رِوَايَةَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِزِيَادَةِ لَفْظِ " يَسْتَغْنِيَ " وَحَذَفَ لَفْظَ " يَسْتَنْجِيَ، وَذَكَرَ أَنَّ الْمَعْنَى وَاحِدٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ) يَعْنِي أَنَّ الصَّبِيَّ فِي الْغَالِبِ إذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ يَسْتَغْنِي عَنْ الْحَضَانَةِ وَالتَّرْبِيَةِ فَحِينَئِذٍ يَسْتَنْجِي وَحْدَهُ. وَقَوْلُهُ (تَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ آدَابِ النِّسَاءِ) كَالْغَزْلِ وَالطَّبْخِ وَغَسْلِ الثِّيَابِ وَنَحْوِهَا (وَالْمَرْأَةُ عَلَى ذَلِكَ أَقْدَرُ مِنْ الرَّجُلِ وَبَعْدَ الْبُلُوغِ تَحْتَاجُ إلَى التَّحْصِينِ) بِالتَّزْوِيجِ، وَوِلَايَةُ التَّزْوِيجِ إلَى الْأَبِ وَإِلَى الْحِفْظِ عَنْ وُقُوعِ الْفِتْنَةِ (وَالْأَبُ فِيهِ أَقْوَى وَأَهْدَى)
(وَمَنْ سِوَى الْأُمِّ وَالْجَدَّةِ أَحَقُّ بِالْجَارِيَةِ حَتَّى تَبْلُغَ حَدًّا تُشْتَهَى، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: حَتَّى تَسْتَغْنِيَ) لِأَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى اسْتِخْدَامِهَا، وَلِهَذَا لَا تُؤَاجِرُهَا لِلْخِدْمَةِ فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ، بِخِلَافِ الْأُمِّ وَالْجَدَّةِ لِقُدْرَتِهِمَا عَلَيْهِ شَرْعًا.
قَالَ (وَالْأَمَةُ إذَا أَعْتَقَهَا مَوْلَاهَا وَأُمُّ الْوَلَدِ إذَا أُعْتِقَتْ كَالْحُرَّةِ فِي حَقِّ الْوَلَدِ) لِأَنَّهُمَا حُرَّتَانِ أَوَانَ ثُبُوتَ الْحَقِّ (وَلَيْسَ لَهُمَا قَبْلَ الْعِتْقِ حَقٌّ فِي الْوَلَدِ لِعَجْزِهِمَا) عَنْ الْحَضَانَةِ بِالِاشْتِغَالِ بِخِدْمَةِ الْمَوْلَى (وَالذِّمِّيَّةُ أَحَقُّ بِوَلَدِهَا الْمُسْلِمِ مَا لَمْ يَعْقِلْ الْأَدْيَانَ أَوْ يَخَفْ أَنْ يَأْلَفَ الْكُفْرَ)
لِأَنَّ لِلرِّجَالِ مِنْ الْغَيْرَةِ مَا لَيْسَ بِالنِّسَاءِ فَيَتَمَكَّنُ الْأَبُ مِنْ حِفْظِهَا عَلَى وَجْهٍ لَا تَتَمَكَّنُ الْأُمُّ مِنْ ذَلِكَ. وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا إذَا بَلَغَتْ حَدَّ الشَّهْوَةِ تُدْفَعُ إلَى الْأَبِ لِتَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إلَى الصِّيَانَةِ، وَحَدُّ الشَّهْوَةِ أَنْ تَبْلُغَ إحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً فِي قَوْلِهِمْ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ.
وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: حَدُّ الشَّهْوَةِ أَنْ تَبْلُغَ تِسْعَ سِنِينَ، وَقِيلَ إذَا بَلَغَتْ سِتَّ سِنِينَ أَوْ سَبْعًا أَوْ ثَمَانٍ إنْ كَانَتْ عَبْلَةً وَقَوْلُهُ (وَمَنْ سِوَى الْأُمِّ وَالْجَدَّةِ) يَعْنِي إذَا كَانَتْ الصَّغِيرَةُ عِنْدَ الْأَخَوَاتِ أَوْ الْخَالَاتِ أَوْ الْعَمَّاتِ فَإِنَّهَا تُتْرَكُ عِنْدَهُنَّ إلَى أَنْ تَبْلُغَ حَدًّا تُشْتَهَى عَلَى رِوَايَةِ الْقُدُورِيِّ، وَحَتَّى تَسْتَغْنِيَ عَلَى رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَتَأْكُلَ وَحْدَهَا وَتَلْبَسَ وَحْدَهَا، لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ تَحْتَاجُ إلَى تَعَلُّمِ آدَابِ النِّسَاءِ لَكِنْ فِيهِ نَوْعُ اسْتِخْدَامٍ لِلصَّغِيرَةِ وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْأُمِّ وَالْجَدَّتَيْنِ وِلَايَةُ الِاسْتِخْدَامِ (وَلِهَذَا لَا تُؤَاجِرُهَا لِلْخِدْمَةِ فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ وَهُوَ التَّعْلِيمُ، بِخِلَافِ الْأُمِّ وَالْجَدَّةِ) لِقُدْرَتِهِمَا عَلَى الِاسْتِخْدَامِ شَرْعًا. .
وَالْأَمَةُ إذَا أَعْتَقَهَا مَوْلَاهَا وَأُمُّ الْوَلَدِ إذَا أُعْتِقَتْ كَالْحُرَّةِ فِي حَقِّ الْوَلَدِ لِأَنَّهُمَا حُرَّتَانِ أَوَانَ ثُبُوتِ الْحَقِّ، وَلَيْسَ لَهُمَا قَبْلَ الْعِتْقِ حَقٌّ فِي الْوَلَدِ لِعَجْزِهِمَا عَنْ الْحَضَانَةِ بِالِاشْتِغَالِ بِخِدْمَةِ الْمَوْلَى، (وَالذِّمِّيَّةُ أَحَقُّ بِوَلَدِهَا الْمُسْلِمِ) بِأَنْ كَانَ زَوْجُهَا مُسْلِمًا (مَا لَمْ يَعْقِلْ الْأَدْيَانَ أَوْ يَخَافُ) بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَبِالْجَزْمِ عَطْفًا عَلَى يَعْقِلُ (أَنْ يَأْلَفَ الْكُفْرَ) لِأَنَّ الدَّفْعَ إلَيْهَا قَبْلَ ذَلِكَ أَنْظَرُ لِلصَّبِيِّ وَبَعْدَهُ يُحْتَمَلُ الضَّرَرُ بِانْتِقَاشِ
لِلنَّظَرِ قَبْلَ ذَلِكَ وَاحْتِمَالِ الضَّرَرِ بَعْدَهُ (وَلَا خِيَارَ لِلْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُمَا الْخِيَارُ لِأَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام خَيَّرَ. وَلَنَا أَنَّهُ لِقُصُورِ عَقْلِهِ يَخْتَارُ مَنْ عِنْدَهُ الدَّعَةُ لِتَخْلِيَتِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّعِبِ فَلَا يَتَحَقَّقُ النَّظَرُ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يُخَيِّرُوا، أَمَّا الْحَدِيثُ فَقُلْنَا قَدْ قَالَ عليه الصلاة والسلام «اللَّهُمَّ اهْدِهِ» فَوُفِّقَ لِاخْتِيَارِهِ الْأَنْظَرَ بِدُعَائِهِ عليه الصلاة والسلام، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ بَالِغًا.
أَحْوَالِ الْكُفْرِ فِي ذِهْنِهِ (وَلَا خِيَارَ لِلْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ) يَعْنِي بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُمَا ذَلِكَ) إذَا بَلَغَ سِنَّ التَّمْيِيزِ وَيُسَلَّمُ إلَى مَنْ اخْتَارَهُ، فَإِنْ اخْتَارَ الْأَبَ لَا يُمْنَعُ مِنْ الزِّيَارَةِ، وَإِنْ اخْتَارَ الْأُمَّ فَعَلَى الْأَبِ مُرَاعَاتُهُ وَتَسْلِيمُهُ إلَى الْمَكْتَبِ وَالْحِرْفَةِ (" لِأَنَّ «النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ») رَوَى «رَافِعُ بْنُ سِنَانٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ وَأَبَتْ امْرَأَتُهُ أَنْ تُسْلِمَ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ ابْنَتِي وَهِيَ فَطِيمٌ، وَقَالَ رَافِعٌ ابْنَتِي فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: اُقْعُدْ نَاحِيَةً وَقَالَ لَهَا اُقْعُدِي نَاحِيَةً، فَأَقْعَدَ الصَّبِيَّةَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ قَالَ اُدْعُوَاهَا، فَمَالَتْ الصَّبِيَّةُ إلَى أُمِّهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: اللَّهُمَّ اهْدِهَا، فَمَالَتْ إلَى أَبِيهَا فَأَخَذَهَا» (وَلَنَا أَنَّهُ لِقُصُورِ عَقْلِهِ يَخْتَارُ مَنْ عِنْدَهُ الدَّعَةُ) أَيْ الْخَفْضُ وَالرَّاحَةُ وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ (أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ بَالِغًا) فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي قِصَّةِ الصَّبِيَّةِ وَقَالَتْ ابْنَتِي وَهِيَ فَطِيمٌ فَكَيْفَ يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ بَالِغًا؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ خَيَّرَ وَلَمْ يَقُلْ غُلَامًا وَلَا غَيْرَهُ لِيَتَنَاوَلَ مَا رَوَيْنَا، وَمَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ مَا يَدُلُّ عَلَى الصِّغَرِ» فَأَوَّلَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ قُلْنَا قَدْ قَالَ عليه الصلاة والسلام إلَخْ، وَالثَّانِيَ بِقَوْلِهِ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ بَالِغًا.
.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَصْلٌ
(وَإِذَا أَرَادَتْ الْمُطَلَّقَةُ أَنْ تَخْرُجَ بِوَلَدِهَا مِنْ الْمِصْرِ فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْأَبِ (إلَّا أَنْ تَخْرُجَ بِهِ إلَى وَطَنِهَا وَقَدْ كَانَ الزَّوْجُ تَزَوَّجَهَا فِيهِ) لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْمَقَامَ فِيهِ عُرْفًا وَشَرْعًا، قَالَ عليه الصلاة والسلام «مَنْ تَأَهَّلَ
فَصْلٌ)
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَنْ لَهُ الْحَضَانَةُ بَيَّنَ مَا يَفْعَلُهُ مِنْ الْإِخْرَاجِ إلَى الْقُرَى وَغَيْرِهِ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ (وَإِذَا أَرَادَتْ الْمُطَلَّقَةُ) بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ (أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمِصْرِ) فَذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: إمَّا أَنْ تَخْرُجَ إلَى وَطَنِهَا وَقَدْ وَقَعَ الْعَقْدُ فِيهِ، وَإِمَّا أَنْ تَخْرُجَ إلَى مَا لَيْسَ وَطَنَهَا وَلَمْ يَقَعْ فِيهِ الْعَقْدُ، وَإِمَّا أَنْ تَخْرُجَ إلَى وَطَنِهَا وَلَمْ يَقَعْ الْعَقْدُ فِيهِ، وَإِمَّا أَنْ تَخْرُجَ إلَى غَيْرِ وَطَنِهَا وَقَدْ وَقَعَ الْعَقْدُ فِيهِ. فَهِيَ الْأَقْسَامُ الْعَقْلِيَّةُ، فَإِنْ اتَّفَقَ أَمْرَانِ جَمِيعًا بِأَنْ تَخْرُجَ إلَى وَطَنِهَا وَقَدْ وَقَعَ الْعَقْدُ فِيهِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا كَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْمُقَامَ فِيهِ عُرْفًا وَشَرْعًا) دَلِيلُ الْمُسْتَثْنَى. وَقَوْلُهُ (وَلِهَذَا
بِبَلْدَةٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» وَلِهَذَا يَصِيرُ الْحَرْبِيُّ بِهِ ذِمِّيًّا، وَإِنْ أَرَادَتْ الْخُرُوجَ إلَى مِصْرٍ غَيْرِ وَطَنِهَا وَقَدْ كَانَ التَّزَوُّجُ فِيهِ أَشَارَ فِي الْكِتَابِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ، وَهَذَا رِوَايَةُ كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَقْدَ مَتَى وُجِدَ فِي مَكَان يُوجِبُ أَحْكَامَهُ فِيهِ كَمَا يُوجِبُ الْبَيْعُ التَّسْلِيمَ فِي مَكَانِهِ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ حَقُّ إمْسَاكِ الْأَوْلَادِ. وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ التَّزَوُّجَ فِي دَارِ الْغُرْبَةِ لَيْسَ
يَصِيرُ الْحَرْبِيُّ) أَيْ الشَّخْصُ الْحَرْبِيُّ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (بِهِ) أَيْ بِالتَّزَوُّجِ فِي بَلْدَةٍ (ذِمِّيًّا) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَهَذَا وَقَعَ غَلَطًا لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَ فِي السِّيَرِ وَذَكَرَ أَيْضًا فِي سِيَرِ سَائِرِ الْكُتُبِ: إذَا تَزَوَّجَ الْمُسْتَأْمَنُ ذِمِّيَّةً لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَيَرْجِعَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي بِهِ رَاجِعٌ إلَى الْتِزَامِ الْمُقَامِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى أَنْ يُقَالَ إنَّهُ بِالتَّزَوُّجِ فِي بَلَدٍ الْتَزَمَ الْمُقَامَ، وَبِالْتِزَامِ الْمُقَامِ يَصِيرُ الْحَرْبِيُّ ذِمِّيًّا، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ بِالتَّزَوُّجِ فِي بَلَدٍ يَصِيرُ الْحَرْبِيُّ ذِمِّيًّا فَعَادَ الْمَحْظُورُ، وَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ مُتَعَلِّقًا بِذَلِكَ يَنْقَطِعُ الْكَلَامُ عَمَّا قَبْلَهُ وَلَا يَبْقَى لَهُ اتِّصَالٌ فِي مَحَلِّ الْبَحْثِ فَلَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِمِثْلِ الْمُصَنِّفِ وَغَيَّرَ بَعْضُهُمْ لَفْظَ الْحَرْبِيِّ إلَى الْحَرْبِيَّةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَا حَاجَةَ إلَى تَغْيِيرِ اللَّفْظِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْحَرْبِيُّ صِفَةً لِشَخْصٍ كَمَا قَدَّرْنَا فِي أَوَّلِ الْبَحْثِ، وَحِينَئِذٍ يُرَادُ بِهِ الْحَرْبِيَّةُ، وَلَكِنْ ذَكَرَهُ بِتَأْوِيلِ الشَّخْصِ وَبِهَذَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ غَلَطًا إلَى كَوْنِهِ مُلْبِسًا، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ فَجَعَلَ مَا ذُكِرَ هَاهُنَا وَجْهَ الْقِيَاسِ لِأَنَّ التَّزَوُّجَ فِي بَلَدٍ يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى الْتِزَامِ الْمُقَامِ فِيهِ شَرْعًا وَعُرْفًا لَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مَمْنُوعَةً عَنْ الْخُرُوجِ عَنْ تِلْكَ الْبَلْدَةِ، وَمَا ذُكِرَ فِي السِّيَرِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ لِأَنَّ التَّزَوُّجَ وَإِنْ صَلَحَ دَلِيلًا عَلَى الْتِزَامِ الْمُقَامِ كَتَزَوُّجِ الْحَرْبِيَّةِ
الْتِزَامًا لِلْمُكْثِ فِيهِ عُرْفًا، وَهَذَا أَصَحُّ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا: الْوَطَنُ وَوُجُودُ النِّكَاحِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ بَيْنَ الْمِصْرَيْنِ تَفَاوُتٌ، أَمَّا إذَا تَقَارَبَا بِحَيْثُ يُمْكِنُ لِلْوَالِدِ أَنْ يُطَالِعَ وَلَدَهُ وَيَبِيتَ فِي بَيْتِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَكَذَا الْجَوَابُ فِي الْقَرْيَتَيْنِ، وَلَوْ انْتَقَلَتْ مِنْ قَرْيَةِ الْمِصْرِ إلَى الْمِصْرِ لَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا لِلصَّغِيرِ حَيْثُ يَتَخَلَّقُ بِأَخْلَاقِ أَهْلِ الْمِصْرِ وَلَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ بِالْأَبِ، وَفِي عَكْسِهِ ضَرَرٌ بِالصَّغِيرِ لِتَخَلُّقِهِ بِأَخْلَاقِ أَهْلِ السَّوَادِ فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ.
لِلذِّمِّيِّ إلَّا أَنَّ قَبُولَ الْجِزْيَةِ الْمُوجِبَ لِلذُّلِّ وَالصَّغَارِ مَانِعٌ. وَرُدَّ بِأَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ وَالِاسْتِحْسَانَ غَيْرُ مَنْقُولٍ عَنْ السَّلَفِ فَلَا يَصِحُّ بِنَاءُ الْجَوَابِ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَجَابَ شَيْخُ شَيْخِي الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بِأَنَّهُ لَمَّا وَجَدَ مَعْنَى الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ لَا وَجْهَ إلَى الْمَنْعِ مِنْ إطْلَاقِ الِاسْمِ عَلَيْهِمَا. وَأَقُولُ: إنْ ثَبَتَ فِي حَرْبِيٍّ يَتَزَوَّجُ فِي بَلَدِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَصِيرَ بِهِ ذِمِّيًّا رِوَايَتَانِ صَحَّ اسْتِخْرَاجُ وَجْهِ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ وَإِلَّا فَلَا. وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ يُرِيدُ بِهِ الْقُدُورِيَّ وَوَجْهُ كُلٍّ مِمَّا فِي الْقُدُورِيِّ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَأَمَّا فِي عَكْسِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ أَنْ تَخْرُجَ إلَى وَطَنِهَا وَلَمْ يَكُنْ الْعَقْدُ بِهَا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ بِالْأَوْلَادِ إلَيْهَا بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الْآخَرُ وَهُوَ مَا لَا يَكُونُ وَطَنَهَا وَلَا وَقَعَ الْعَقْدُ فِيهِ فَقَدْ اقْتَصَرَ عَنْ ذِكْرِهِ لِظُهُورِهِ مِنْ الْأَقْسَامِ الْبَاقِيَةِ (قَوْلُهُ وَالْحَاصِلُ) ظَاهِرٌ مِمَّا ذَكَرْنَا. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ بَعْدَ وُجُودِ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ: لَا بُدَّ مِنْ وَصْفٍ آخَرَ هُوَ شَرْطٌ فِيهِ أَيْضًا، وَهُوَ أَنْ لَا يَنْتَقِلَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَإِنْ كَانَتْ وَطَنَهَا وَوَقَعَ الْعَقْدُ فِيهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّةَ بِالتَّزَوُّجِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ تَصِيرُ ذِمِّيَّةً فَأَنَّى يَتَسَنَّى لَهَا الِانْتِقَالُ إلَيْهَا. وَالْجَوَابُ أَنَّ مُرَادَهُ مُسْلِمٌ عَقَدَ عَلَى مُسْلِمَةٍ فِي وَطَنِهَا دَارِ الْحَرْبِ فَخَرَجَا إلَيْنَا وَوَقَعَتْ الْفُرْقَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا فَأَرَادَتْ الْخُرُوجَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بِوَلَدِهَا لَمْ تُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ وُجِدَ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا وَالْبَاقِي ظَاهِرٌ.
بَابُ النَّفَقَةِ
قَالَ (النَّفَقَةُ وَاجِبَةٌ لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كَافِرَةً إذَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا إلَى مَنْزِلِهِ فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا وَسُكْنَاهَا) وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} وقَوْله تَعَالَى {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام فِي حَدِيثِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ جَزَاءُ الِاحْتِبَاسِ
بَابُ النَّفَقَةِ)
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ حَقِّ الْحَضَانَةِ لِلْوَلَدِ وَمَنْ لَهَا الْحَضَانَةُ احْتَاجَ إلَى بَيَانِ النَّفَقَةِ وَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَطْرَدَ بِذِكْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ السُّكْنَى وَغَيْرِهِ. وَالنَّفَقَةُ اسْمٌ بِمَعْنَى الْإِنْفَاقِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِدْرَارِ عَلَى الشَّيْءِ بِمَا بِهِ يَقُومُ بَقَاؤُهُ. وَنَفَقَةُ الشَّخْصِ عَلَى غَيْرِهِ تَجِبُ بِأَسْبَابٍ: مِنْهَا الزَّوْجِيَّةُ وَمِنْهَا النَّسَبُ وَمِنْهَا الْمِلْكُ. وَفُتِحَ الْبَابُ بِنَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ أَصْلُ النَّسَبِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ وَالنَّسَبُ أَقْوَى مِنْ الْمِلْكِ لِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْوَلَدِ كَالْإِنْفَاقِ عَلَى نَفْسِهِ لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنْهُ وَكَذَا عَلَى الْوَالِدَيْنِ. قَالَ (النَّفَقَةُ وَاجِبَةٌ لِلزَّوْجَةِ عَلَى الزَّوْجِ مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كَافِرَةً إذَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا إلَى مَنْزِلِهِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هَذَا الشَّرْطُ لَيْسَ بِلَازِمٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بَعْدَ صِحَّةِ الْعَقْدِ النَّفَقَةُ وَاجِبَةٌ لَهَا وَإِنْ لَمْ تَنْتَقِلْ إلَى بَيْتِ الزَّوْجِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ لَمْ يَطْلُبْ انْتِقَالَهَا إلَى بَيْتِهِ كَانَ لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِالنَّفَقَةِ.
وَقَالَ فِي الْإِيضَاحِ: وَهَذَا لِأَنَّ النَّفَقَةَ حَقُّ الْمَرْأَةِ وَالِانْتِقَالَ حَقُّ الزَّوْجِ، فَإِذَا لَمْ يُطَالِبْهَا بِالنُّقْلَةِ فَقَدْ تَرَكَ حَقَّهُ وَهَذَا لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ حَقِّهَا (وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ قَوْله تَعَالَى {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} أَمْرٌ بِالْإِنْفَاقِ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أَيْ بِالْوَسَطِ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ فِي تَفْسِيرِهِ بِمَا يَعْرِفُونَ أَنَّهُ الْعَدْلُ عَلَى قَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَكَلِمَةُ عَلَى لِلْوُجُوبِ (وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ)«أُوصِيكُمْ بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ، اتَّخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا، وَأَنْ لَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِأَحَدٍ تَكْرَهُونَهُ. فَإِذَا فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ» (وَ) إنَّ (لَهُنَّ عَلَيْكُمْ نَفَقَتَهُنَّ وَكِسْوَتَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ جَزَاءُ الِاحْتِبَاسِ
فَكُلُّ مَنْ كَانَ مَحْبُوسًا بِحَقٍّ مَقْصُودٍ لِغَيْرِهِ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ: أَصَّلَهُ الْقَاضِي وَالْعَامِلُ فِي الصَّدَقَاتِ. وَهَذِهِ الدَّلَائِلُ لَا فَصْلَ فِيهَا فَتَسْتَوِي فِيهَا الْمُسْلِمَةُ وَالْكَافِرَةُ (وَيُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ حَالُهُمَا جَمِيعًا) قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ:
فَكُلُّ مَنْ كَانَ مَحْبُوسًا بِحَقٍّ مَقْصُودٍ لِغَيْرِهِ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ أَصْلُهُ الْقَاضِي وَالْعَامِلُ فِي الصَّدَقَاتِ) وَنُوقِضَ بِالرَّهْنِ فَإِنَّهُ مَحْبُوسٌ بِحَقٍّ مَقْصُودٍ لِلْمُرْتَهِنِ وَهُوَ الِاسْتِيثَاقُ وَنَفَقَتُهُ لَيْسَتْ عَلَيْهِ بَلْ هِيَ عَلَى الرَّاهِنِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الرَّهْنَ مَحْبُوسٌ بِحَقِّ الرَّاهِنِ أَيْضًا وَهُوَ كَوْنُهُ مُوفِيًا عِنْدَ الْهَلَاكِ وَلِهَذَا لَمْ تَجِبْ النَّفَقَةُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ (وَهَذِهِ الدَّلَائِلُ) يَعْنِي الَّتِي ذَكَرَهَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (لَا فَصْلَ فِيهَا فَيَسْتَوِي الْمُسْلِمَةُ وَالْكَافِرَةُ وَيُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ حَالُهُمَا) هَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ
وَهَذَا اخْتِيَارُ الْخَصَّافِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَتَفْسِيرُهُ أَنَّهُمَا إذَا كَانَا مُوسِرَيْنِ تَجِبُ نَفَقَةُ الْيَسَارِ، وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ فَنَفَقَةُ الْإِعْسَارِ، وَإِنْ كَانَتْ مُعْسِرَةً وَالزَّوْجُ مُوسِرًا فَنَفَقَتُهَا دُونَ نَفَقَةِ الْمُوسِرَاتِ وَفَوْقَ نَفَقَةِ الْمُعْسِرَاتِ. وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: يُعْتَبَرُ حَالُ الزَّوْجِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} وَجْهُ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام لِهِنْدَ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ «خُذِي مِنْ مَالِ زَوْجِكِ مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» اعْتَبَرَ حَالَهَا
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهَذَا) أَيْ اعْتِبَارُ حَالِهِمَا فِي ذَلِكَ (اخْتِيَارُ الْخَصَّافِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَتَفْسِيرُهُ) أَيْ تَفْسِيرُ قَوْلِ الْخَصَّافِ وَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمَةٍ عَقْلِيَّةٍ، إمَّا أَنْ يَكُونَا مُوسِرَيْنِ أَوْ مُعْسِرَيْنِ، أَوْ الزَّوْجُ مُوسِرًا وَالزَّوْجَةُ مُعْسِرَةً، أَوْ بِالْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ. فَفِي الْأَوَّلِ تَجِبُ نَفَقَةُ الْيَسَارِ، وَفِي الثَّانِي نَفَقَةُ الْإِعْسَارِ، وَفِي الثَّالِثِ نَفَقَتُهَا دُونَ نَفَقَةِ الْمُوسِرَاتِ وَفَوْقَ نَفَقَةِ الْمُعْسِرَاتِ إذَا كَانَ الزَّوْجُ يَأْكُلُ الْحَلْوَى وَالْحَمَلَ الْمَشْوِيَّ وَالْبَاجَّاتِ، وَالْمَرْأَةُ كَانَتْ تَأْكُلُ فِي بَيْتِهَا خُبْزَ الشَّعِيرِ لَا يُؤْمَرُ الزَّوْجُ بِأَنْ يُطْعِمَهَا مَا يَأْكُلُ بِنَفْسِهِ وَلَا مَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَأْكُلُ فِي بَيْتِهَا وَلَكِنْ يُطْعِمُهَا فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ، يُطْعِمُهَا خُبْزَ الْبُرِّ وَبَاجَّةً أَوْ بَاجَّتَيْنِ. وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الْقِسْمَ الرَّابِعَ لِأَنَّهُ يُعْلَمُ مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ، فَإِنَّ الْخَصَّافَ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ: يَفْرِضُ لَهَا نَفَقَةً صَالِحَةً يَعْنِي وَسَطًا، فَيُقَالُ لَهُ: تُكَلَّفُ أَنْ تُطْعِمَهَا خُبْزَ الْبُرِّ وَبَاجَّةً أَوْ بَاجَّتَيْنِ كَيْ لَا يَلْحَقَهَا الضَّرَرُ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى مَا فُهِمَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْ تَوْسِيطِ الْحَالِ.
وَقَالَ: وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَقُولُ لَمَّا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ مُعْسِرٍ فَقَدْ رَضِيَتْ بِنَفَقَةِ الْمُعْسِرَيْنِ فَلَا تَسْتَوْجِبُ عَلَى الزَّوْجِ إلَّا بِحَسَبِ حَالِهِ (وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: يُعْتَبَرُ حَالُ الزَّوْجِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ) وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَصْحَابِنَا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} اعْتَبَرَ حَالَ الرَّجُلِ فِي الْحَالَتَيْنِ جَمِيعًا وَأَمَرَهُ بِالْإِنْفَاقِ فَلَا مَصِيرَ إلَى غَيْرِهِ. وَجْهُ الْأَوَّلِ يَعْنِي قَوْلَ الْخَصَّافِ فِي اعْتِبَارِ حَالِهِمَا (وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم لِهِنْدٍ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ) رَوَى
وَهُوَ الْفِقْهُ فَإِنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ بِطَرِيقِ الْكِفَايَةِ، وَالْفَقِيرَةُ لَا تَفْتَقِرُ إلَى كِفَايَةِ الْمُوسِرَاتِ فَلَا مَعْنَى لِلزِّيَادَةِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجَبِ النَّصِّ أَنَّهُ يُخَاطِبُ بِقَدْرِ وُسْعِهِ وَالْبَاقِي دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ بِالْمَعْرُوفِ الْوَسَطُ وَهُوَ الْوَاجِبُ وَبِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلتَّقْدِيرِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ عَلَى الْمُوسِرِ مُدَّانِ وَعَلَى الْمُعْسِرِ مُدٌّ وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ مُدٌّ وَنِصْفُ مُدٍّ،
الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ إلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها «أَنَّ هِنْدًا بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إلَّا مَا أَخَذْت مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَقَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ» فَاعْتُبِرَ حَالُهَا وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا الدَّلِيلُ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْمُدَّعِي لِأَنَّ الْمُدَّعَى هُوَ الِاعْتِبَارُ بِحَالِهِمَا. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ حَالِهَا عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُحْتَاجَ إلَيْهِ هُوَ بَيَانُ اعْتِبَارِ حَالِهَا، وَأَمَّا اعْتِبَارُ حَالِهِ فَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَيْهِ وَالْخَصْمُ يَقُولُ بِهِ، فَإِذَنْ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ حَالِهِ وَالْحَدِيثُ عَلَى اعْتِبَارِ حَالِهَا، فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُونَ حَالُهُ مُعْتَبَرًا مِنْ وَجْهٍ وَحَالُهَا كَذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا عَلَى تَقْدِيرِ التَّعَارُضِ وَالْحَدِيثُ لَا يُعَارِضُ الْآيَةَ لِكَوْنِهِ مِنْ الْآحَادِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْحَدِيثَ تَفْسِيرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} فَتَكُونُ الْمُعَارَضَةُ حِينَئِذٍ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا. قَالَ الْمُصَنِّفُ اخْتِيَارًا مِنْهُ لِقَوْلِ الْخَصَّافِ (وَهُوَ) أَيْ اعْتِبَارُ حَالِهِمَا هُوَ (الْفِقْهُ، فَإِنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ بِطَرِيقِ الْكِفَايَةِ وَالْفَقِيرَةُ لَا تَفْتَقِرُ إلَى كِفَايَةِ الْمُوسِرَاتِ فَلَا مَعْنَى لِلزِّيَادَةِ) يَعْنِي عَلَى كِفَايَتِهَا نَظَرًا إلَى حَالِ الزَّوْجِ.
وَأَجَابَ عَنْ قَوْله تَعَالَى {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} بِقَوْلِهِ (وَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجَبِ النَّصِّ أَنَّهُ يُخَاطَبُ أَنْ يُنْفِقَ بِقَدْرِ وُسْعِهِ) لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّكْلِيفُ بِمَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ، لَكِنْ إنْ زَادَتْ كِفَايَتُهَا عَلَى مَا فِي وُسْعِهِ يَكُونُ لِلْبَاقِي دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ كَمَا مَرَّ وَلَا يُؤَدِّيهِ مَعَ الْعَجْزِ.
وَقَوْلُهُ (وَمَعْنَى قَوْلِهِ بِالْمَعْرُوفِ الْوَسَطُ) إشَارَةٌ إلَى مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ تَفْسِيرَ قَوْله تَعَالَى {وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} الْوَسَطُ لِيَكُونَ جَوَابًا عَنْ قَوْلِ الْخَصْمِ إنَّهُ تَعَالَى قَالَ {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} اعْتَبَرَ الرَّجُلَ، وَقَالَ بِالْمَعْرُوفِ إشَارَةً إلَى أَنْ لَا يُزَادَ عَلَى مَا فِي وُسْعِهِ إنْ كَانَتْ حَالَتُهَا تَقْتَضِيهِ.
وَوَجْهُ كَوْنِهِ جَوَابًا أَنَّهُ إذَا كَانَ مُفَسَّرًا بِالْوَسَطِ فَالْوَسَطُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ حَالِ الرَّجُلِ وَحَالِ الْمَرْأَةِ وَهُوَ الْوَاجِبُ (قَوْلُهُ وَبِهِ) أَيْ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لِهِنْدٍ «خُذِي مِنْ مَالِ زَوْجِك مَا يَكْفِيك» (يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلتَّقْدِيرِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ عَلَى الْمُوسِرِ مُدَّانِ وَعَلَى الْمُعْسِرِ مُدٌّ وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ مُدٌّ وَنِصْفٌ،
لِأَنَّ مَا وَجَبَ كِفَايَةً لَا يَتَقَدَّرُ شَرْعًا فِي نَفْسِهِ.
(وَإِنْ امْتَنَعَتْ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا حَتَّى يُعْطِيَهَا مَهْرَهَا فَلَهَا النَّفَقَةُ) لِأَنَّهُ مَنْعٌ بِحَقٍّ فَكَانَ فَوْتُ الِاحْتِبَاسِ لِمَعْنًى مِنْ قِبَلِهِ فَيُجْعَلُ كَلَا فَائِتٍ.
(وَإِنْ نَشَزَتْ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا حَتَّى تَعُودَ إلَى مَنْزِلِهِ) لِأَنَّ
لِأَنَّ مَا وَجَبَ كِفَايَةً. لَا يَتَقَدَّرُ فِي نَفْسِهِ شَرْعًا) لِأَنَّهُ مِمَّا يَخْتَلِفُ فِيهَا أَحْوَالُ النَّاسِ بِحَسَبِ الشَّبَابِ وَالْهَرَمِ وَبِحَسَبِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَمَاكِنِ، فَفِي التَّقْدِيرِ قَدْ يَكُونُ إضْرَارًا.
قَالَ (وَإِنْ امْتَنَعَتْ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا) إنْ امْتَنَعَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الِامْتِنَاعُ بِحَقٍّ مِثْلَ أَنْ تَطْلُبَ الْمَهْرَ الْمُعَجَّلَ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلَهَا النَّفَقَةُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهَا، فَمُطَالَبَةُ أَحَدِهِمَا لَا يُسْقِطُ الْآخَرَ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَهِيَ نَاشِزَةٌ لِأَنَّ النَّاشِزَةَ هِيَ الْخَارِجَةُ مِنْ مَنْزِلِ الزَّوْجِ الْمَانِعَةُ مِنْهُ نَفْسَهَا وَهَذِهِ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْخَارِجَةِ مِنْ مَنْزِلِ الزَّوْجِ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ سَاكِنَةً مَعَهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الزَّوْجَ يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا فَلَا تَبْطُلُ النَّفَقَةُ، فَإِنْ كَانَ الْمَنْزِلُ مِلْكًا لَهَا وَهُوَ يَسْكُنُ مَعَهَا فِيهِ فَمَنَعَتْهُ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْخُرُوجِ مِنْ بَيْتِهِ.
وَإِذَا كَانَتْ نَاشِزَةً فَلَا نَفَقَةَ لَهَا حَتَّى تَعُودَ إلَى مَنْزِلِهِ لِأَنَّ فَوْتَ الِاحْتِبَاسِ مِنْهَا، وَإِذَا عَادَتْ جَاءَ الِاحْتِبَاسُ فَتَجِبُ النَّفَقَةُ. فَإِنْ قِيلَ: الدَّلَائِلُ الدَّالَّةُ عَلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَا تَفْصِلُ بَيْنَ النَّاشِزَةِ وَغَيْرِهَا فَمَا وَجْهُ حِرْمَانِهَا عَنْهَا؟ فَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا لَمْ تَفْصِلْ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} وَذَلِكَ قَدْ يُشِيرُ إلَى تَسْلِيمِ النَّفْسِ لِأَنَّ الْوِلَادَةَ بِدُونِهِ لَا تُتَصَوَّرُ.
فَوْتَ الِاحْتِبَاسِ مِنْهَا، وَإِنْ عَادَتْ جَاءَ الِاحْتِبَاسُ فَتَجِبُ النَّفَقَةُ، بِخِلَافِ مَا إذَا امْتَنَعَتْ مِنْ التَّمْكِينِ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ لِأَنَّ الِاحْتِبَاسَ قَائِمٌ وَالزَّوْجُ يَقْدِرُ عَلَى الْوَطْءِ كَرْهًا.
(وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا يَسْتَمْتِعُ بِهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) لِأَنَّ امْتِنَاعَ الِاسْتِمْتَاعِ لِمَعْنًى فِيهَا، وَالِاحْتِبَاسُ الْمُوجِبُ مَا يَكُونُ وَسِيلَةً إلَى مَقْصُودٍ مُسْتَحَقٌّ بِالنِّكَاحِ وَلَمْ يُوجَدْ، بِخِلَافِ الْمَرِيضَةِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ.
وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ مَا إذَا امْتَنَعَتْ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ فَوْتَ الِاحْتِبَاسِ مِنْهَا.
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا يُسْتَمْتَعُ بِهَا) أَيْ لَا تُوطَأُ (فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) سَوَاءٌ كَانَتْ فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ أَوْ لَمْ تَكُنْ حَتَّى تَصِيرَ إلَى الْحَالَةِ الَّتِي تُطِيقُ الْجِمَاعَ (لِأَنَّ امْتِنَاعَ الِاسْتِمْتَاعِ إنَّمَا هُوَ لِمَعْنًى فِيهَا، وَالِاحْتِبَاسُ الْمُوجِبُ نَفَقَةً هُوَ مَا يَكُونُ وَسِيلَةً إلَى مَقْصُودٍ مُسْتَحَقٍّ بِالنِّكَاحِ) وَهُوَ الْجِمَاعُ أَوْ دَوَاعِيهِ (وَلَمْ يُوجَدْ) لِأَنَّ الصَّغِيرَةَ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِلْجِمَاعِ لَا تَصْلُحُ لِدَوَاعِيهِ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُشْتَهَاةٍ، وَاسْتَشْكَلَ بِالرَّتْقَاءِ وَالْقَرْنَاءِ وَنَحْوِهِمَا، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ الْمُسْتَحَقَّ بِالنِّكَاحِ فَائِتٌ وَلَهُنَّ النَّفَقَةُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الدَّوَاعِيَ غَيْرُ فَائِتَةٍ بِأَنْ يُجَامِعَهُنَّ تَفْخِيذًا أَوْ غَيْرَهُ، بِخِلَافِ الصَّغِيرَةِ لِمَا ذَكَرْنَا، حَتَّى قَالُوا: إنْ كَانَتْ الصَّغِيرَةُ مُشْتَهَاةً وَيُمْكِنُ جِمَاعُهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ تَجِبُ النَّفَقَةُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهَا النَّفَقَةُ لِأَنَّهَا عِوَضٌ مِنْ الْمِلْكِ عِنْدَهُ كَمَا فِي الْمَمْلُوكَةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ. وَلَنَا أَنَّ الْمَهْرَ عِوَضٌ عَنْ الْمِلْكِ وَلَا يَجْتَمِعُ الْعِوَضَانِ عَنْ مُعَوَّضٍ وَاحِدٍ فَلَهَا الْمَهْرُ دُونَ النَّفَقَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهَا النَّفَقَةُ لِأَنَّهَا عِوَضٌ عَنْ الْمِلْكِ عِنْدَهُ كَمَا فِي الْمَمْلُوكَةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ) وَهَذَا لِأَنَّ وُجُوبَهَا بِسَبَبِ الْحَاجَةِ، وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ فِيهَا سَوَاءٌ كَالْمَمْلُوكَةِ (وَلَنَا أَنَّ الْمَهْرَ عِوَضٌ عَنْ الْمِلْكِ) لِأَنَّ الْعِوَضَ هُوَ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْعَقْدِ بِالتَّسْمِيَةِ وَالدَّاخِلُ تَحْتَهُ هُوَ الْمَهْرُ دُونَ النَّفَقَةِ، وَإِذَا كَانَ الْمَهْرُ عِوَضًا لَا تَكُونُ النَّفَقَةُ عِوَضًا لِئَلَّا يَجْتَمِعَ عِوَضَانِ (عَنْ مُعَوَّضٍ وَاحِدٍ فَلَهَا الْمَهْرُ دُونَ النَّفَقَةِ)
(وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ صَغِيرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوَطْءِ وَهِيَ كَبِيرَةٌ فَلَهَا النَّفَقَةُ مِنْ مَالِهِ) لِأَنَّ التَّسْلِيمَ قَدْ تَحَقَّقَ مِنْهَا، وَإِنَّمَا الْعَجْزُ مِنْ قِبَلِهِ فَصَارَ كَالْمَجْبُوبِ وَالْعِنِّينِ.
(وَإِذَا حُبِسَتْ الْمَرْأَةُ فِي دَيْنٍ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) لِأَنَّ فَوْتَ الِاحْتِبَاسِ مِنْهَا بِالْمُمَاطَلَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا بِأَنْ كَانَتْ عَاجِزَةً فَلَيْسَ مِنْهُ، وَكَذَا إذَا غَصَبَهَا رَجُلٌ كُرْهًا فَذَهَبَ بِهَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ، وَالْفَتْوَى عَلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ فَوْتَ الِاحْتِبَاسِ لَيْسَ مِنْهُ لِيُجْعَلَ بَاقِيًا تَقْدِيرًا،
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ صَغِيرًا) بَيَانُ ذِكْرِ الْعَجْزِ مِنْ جَانِبِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ الْعَجْزِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ بِأَنْ كَانَا صَغِيرَيْنِ لَا يُطِيقَانِ الْجِمَاعَ، فَلَوْ اُعْتُبِرَ جَانِبُ الصَّغِيرِ وَجَبَتْ كَمَا فِي الْكَبِيرَةِ، وَلَوْ اُعْتُبِرَ جَانِبُ الصَّغِيرَةِ لَمْ تَجِبْ كَمَا لَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً وَالزَّوْجُ كَبِيرًا. قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: لَا نَفَقَةَ لَهَا لِأَنَّ الْمَنْعَ لِمَعْنًى جَاءَ مِنْ جِهَتِهَا، وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِي الْبَابِ أَنْ يَجْعَلَ الْمَنْعَ مِنْ قِبَلِهِ كَالْمَعْدُومِ فَالْمَنْعُ مِنْ قِبَلِهَا قَائِمٌ، وَمَعَ قِيَامِ الْمَنْعِ مِنْ قِبَلِهَا لَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الدَّلِيلَ يَقْبَلُ الْقَلْبَ.
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا حُبِسَتْ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (وَالْفَتْوَى عَلَى الْأَوَّلِ). يَعْنِي عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ أَنْ لَا نَفَقَةَ لِلْمَغْصُوبَةِ فِيمَا مَضَى. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ فَوْتَ الِاحْتِبَاسِ لَيْسَ مِنْهُ لِيُجْعَلَ بَاقِيًا تَقْدِيرًا) بَيَانُهُ أَنَّ النَّفَقَةَ عِوَضٌ عَنْ الِاحْتِبَاسِ فِي بَيْتِهِ، فَإِذَا كَانَ الْفَوَاتُ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهِ جُعِلَ ذَلِكَ الِاحْتِبَاسُ بَاقِيًا، أَمَّا إذَا كَانَ الْفَوَاتُ لَا لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ الِاحْتِبَاسُ بَاقِيًا تَقْدِيرًا وَبِدُونِهِ لَا يَجِبُ النَّفَقَةُ.
وَكَذَا إذَا حَجَّتْ مَعَ مَحْرَمٍ لِأَنَّ فَوْتَ الِاحْتِبَاسِ مِنْهَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ لِأَنَّ إقَامَةَ الْفَرْضِ عُذْرٌ، وَلَكِنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُسْتَحِقَّةُ عَلَيْهِ، وَلَوْ سَافَرَ مَعَهَا الزَّوْجُ تَجِبُ النَّفَقَةُ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ الِاحْتِبَاسَ قَائِمٌ لِقِيَامِهِ عَلَيْهَا وَتَجِبُ نَفَقَةُ الْحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ، وَلَا يَجِبُ الْكِرَاءُ لِمَا قُلْنَا (فَإِنْ مَرِضَتْ فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ فَلَهَا النَّفَقَةُ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا نَفَقَةَ لَهَا إذَا كَانَ مَرَضًا يَمْنَعُ مِنْ الْجِمَاعِ لِفَوْتِ الِاحْتِبَاسِ لِلِاسْتِمْتَاعِ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الِاحْتِبَاسَ قَائِمٌ فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِسُ بِهَا وَيَمَسُّهَا وَتَحْفَظُ الْبَيْتَ، وَالْمَانِعُ بِعَارِضٍ فَأَشْبَهَ الْحَيْضَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا إذَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا ثُمَّ مَرِضَتْ تَجِبُ النَّفَقَةُ لِتَحَقُّقِ التَّسْلِيمِ، وَلَوْ مَرِضَتْ ثُمَّ سَلَّمَتْ لَا تَجِبُ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ لَمْ يَصِحَّ قَالُوا هَذَا حَسَنٌ. وَفِي لَفْظِ الْكِتَابِ مَا يُشِيرُ إلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ (وَكَذَا إذَا حَجَّتْ مَعَ مَحْرَمٍ) يَعْنِي بِدُونِ الزَّوْجِ لَا تَجِبُ النَّفَقَةُ (لِأَنَّ فَوْتَ الِاحْتِبَاسِ مِنْهَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ لِأَنَّ إقَامَةَ الْفَرْضِ عُذْرٌ) وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ.
وَقَوْلُهُ (لِمَا قُلْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُسْتَحَقَّةُ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ (فَإِنْ مَرِضَتْ فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ) عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ ظَاهِرٌ، وَهُوَ الْمَوْعُودُ بِقَوْلِهِ قَبْلَ هَذَا بِخِلَافِ الْمَرِيضَةِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ. وَقَوْلُهُ (وَفِي لَفْظِ الْكِتَابِ) يَعْنِي الْقُدُورِيَّ (مَا يُشِيرُ إلَيْهِ) وَهُوَ قَوْلُهُ فَإِنْ مَرِضَتْ فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ فَإِنَّهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّهَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا إلَى مَنْزِلِ الزَّوْجِ فَمَرِضَتْ فِيهِ.
(قَالَ: وَيُفْرَضُ عَلَى الزَّوْجِ النَّفَقَةُ إذَا كَانَ مُوسِرًا وَنَفَقَةُ خَادِمِهَا) الْمُرَادُ بِهَذَا بَيَانُ نَفَقَةِ الْخَادِمِ، وَلِهَذَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَتُفْرَضُ عَلَى الزَّوْجِ إذَا كَانَ مُوسِرًا نَفَقَةُ خَادِمِهَا.
وَقَوْلُهُ وَيُفْرَضُ عَلَى الزَّوْجِ النَّفَقَةُ) لَمَّا كَانَ قَوْلُهُ وَيُفْرَضُ عَلَى الزَّوْجِ النَّفَقَةُ إذَا كَانَ مُوسِرًا مُكَرَّرًا اعْتَذَرَ بِقَوْلِهِ وَالْمُرَادُ بِهَذَا بَيَانُ نَفَقَةِ الْخَادِمِ وَذِكْرُ وَجْهِ وُجُوبِهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْخَادِمِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ عَلَى الزَّوْجِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمَمْلُوكُ لَهَا حَتَّى لَوْ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ لَمْ تَكُنْ مَمْلُوكَةً لَهَا لَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهَا نَفَقَةَ الْخَادِمِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ مِلْكِ الْخَادِمِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا خَادِمٌ لَا يَسْتَوْجِبُهُ كَالْقَاضِي إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِمٌ لَا يَسْتَحِقُّ كِفَايَةَ الْخَادِمِ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: كُلُّ مَنْ يَخْدُمُهَا حُرَّةً كَانَتْ أَوْ مَمْلُوكَةً لَهَا أَوْ لِغَيْرِهَا تَسْتَحِقُّ
وَوَجْهُهُ أَنَّ كِفَايَتَهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا مِنْ تَمَامِهَا إذْ لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ (وَلَا يُفْرَضُ لِأَكْثَرَ مِنْ نَفَقَةِ خَادِمٍ وَاحِدٍ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ.
وَقَوْلُهُ (وَلَا يُفْرَضُ لِأَكْثَرَ مِنْ خَادِمٍ وَاحِدٍ) ظَاهِرٌ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: تُفْرَضُ لِخَادِمَيْنِ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى أَحَدِهِمَا لِمَصَالِحِ الدَّاخِلِ وَإِلَى الْآخَرِ لِمَصَالِحِ الْخَارِجِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْوَاحِدَ يَقُومُ بِالْأَمْرَيْنِ فَلَا ضَرُورَةَ إلَى اثْنَيْنِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَوَلَّى كِفَايَتَهَا بِنَفْسِهِ كَانَ كَافِيًا، فَكَذَا إذَا أَقَامَ الْوَاحِدُ مَقَامَ نَفْسِهِ، وَقَالُوا: إنَّ الزَّوْجَ الْمُوسِرَ يَلْزَمُهُ مِنْ نَفَقَةِ الْخَادِمِ مَا يَلْزَمُ الْمُعْسِرُ مِنْ نَفَقَةِ امْرَأَتِهِ وَهُوَ أَدْنَى الْكِفَايَةِ. وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ إذَا كَانَ مُوسِرًا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ نَفَقَةُ الْخَادِمِ عِنْدَ إعْسَارِهِ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُعْسِرِ أَدْنَى الْكِفَايَةِ وَهِيَ قَدْ تَكْتَفِي بِخِدْمَةِ نَفْسِهَا.
(وَمَنْ أَعْسَرَ بِنَفَقَةِ امْرَأَتِهِ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا وَيُقَالُ لَهَا اسْتَدِينِي عَلَيْهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُفَرَّقُ،
وَقَوْلُهُ (وَقَالُوا) يَعْنِي الْمَشَايِخَ (إنَّ الزَّوْجَ الْمُوسِرَ يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الْخَادِمِ) وَالْيَسَارُ هَاهُنَا مُقَدَّرٌ بِنِصَابِ حِرْمَانِ الصَّدَقَةِ لَا بِنِصَابِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ.
وَقَوْلُهُ (وَهُوَ أَدْنَى الْكِفَايَةِ) يَعْنِي تَنْقُصُ نَفَقَةُ الْخَادِمِ عَنْ نَفَقَتِهَا لَكِنْ فِي حَقِّ الْإِدَامِ دُونَ الْخُبْزِ، وَأَعْلَى الْإِدَامِ اللَّحْمُ وَأَوْسَطُهُ الزَّيْتُ وَأَدْنَاهُ الْمِلْحُ أَوْ اللَّبَنُ. وَقَوْلُهُ (خِلَافًا لِمَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ) يَعْنِي مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ إنَّ الزَّوْجَ إذَا كَانَ مُعْسِرًا وَكَانَ لَهَا خَادِمٌ يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَهَا خَادِمٌ فَهَذِهِ الْمَرْأَةُ لَمْ تَكْتَفِ بِخِدْمَةِ نَفْسِهَا فَيَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ كَمَا لَوْ كَانَ مُوسِرًا. وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُعْسِرِ أَدْنَى الْكِفَايَةِ دَلِيلُ الْأَصَحِّ.
(وَمَنْ أَعْسَرَ بِنَفَقَةِ امْرَأَةٍ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا وَيُقَالُ لَهَا اسْتَدِينِي عَلَيْهِ) أَيْ اشْتَرِي الطَّعَامَ نَسِيئَةً عَلَى أَنْ تَقْضِيَ الثَّمَنَ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُفَرَّقُ،
لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ فَيَنُوبُ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي التَّفْرِيقِ كَمَا فِي الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ، بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى النَّفَقَةِ أَقْوَى.
لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ) فَيَلْزَمُهُ التَّسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ، فَإِنْ أَبَى نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ كَمَا فِي الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ،
وَلَنَا أَنَّ حَقَّهُ يَبْطُلُ وَحَقَّهَا يَتَأَخَّرُ، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى فِي الضَّرَرِ، وَهَذَا لِأَنَّ النَّفَقَةَ تَصِيرُ دَيْنًا بِفَرْضِ الْقَاضِي فَتَسْتَوْفِي الزَّمَانَ الثَّانِي، وَفَوْتُ الْمَالِ وَهُوَ تَابِعٌ فِي النِّكَاحِ لَا يَلْحَقُ بِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ التَّنَاسُلُ. وَفَائِدَةُ الْأَمْرِ بِالِاسْتِدَانَةِ مَعَ الْفَرْضِ أَنْ يُمَكِّنَهَا
بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى النَّفَقَةِ أَقْوَى مِنْ الْجِمَاعِ لِأَنَّ انْقِطَاعَ الْأَوَّلِ مُدَّةً مُهْلِكٌ دُونَ الثَّانِي، وَهَذَا التَّفْرِيقُ عِنْدَهُ فَسْخٌ لَا طَلَاقٌ (وَلَنَا أَنَّ حَقَّهُ) بِالتَّفْرِيقِ (يَبْطُلُ) إذْ لَا يَصِلُ إلَيْهِ إلَّا بِسَبَبٍ جَدِيدٍ، وَحَقُّهَا يَتَأَخَّرُ لِأَنَّ النَّفَقَةَ تَصِيرُ دَيْنًا بِفَرْضِ الْقَاضِي فَيَسْتَوْفِي فِي الزَّمَانِ الثَّانِي (وَالْأَوَّلُ أَقْوَى فِي الضَّرَرِ) فَيَتَحَمَّلُ أَدْنَى الضَّرَرَيْنِ لِدَفْعِ الْأَعْلَى.
وَقَوْلُهُ (وَفَوْتُ الْمَالِ وَهُوَ تَابِعٌ) جَوَابٌ عَنْ الْقِيَاسِ عَلَى الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ.
وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ هَذَا قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ النَّفَقَةِ إنَّمَا يَكُونُ عَنْ الْمَالِ وَهُوَ تَابِعٌ فِي بَابِ النِّكَاحِ، وَالْعَجْزُ عَنْ الْوُصُولِ إلَى الْمَرْأَةِ بِسَبَبِ الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ إنَّمَا يَكُونُ عَنْ الْمَقْصُودِ بِالنِّكَاحِ وَهُوَ التَّوَالُدُ وَالتَّنَاسُلُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ الْفُرْقَةِ بِالْعَجْزِ عَنْ الْمَقْصُودِ جَوَازُهَا بِهِ عَنْ التَّابِعِ. فَإِنْ قِيلَ: لَا فَائِدَةَ فِي الْإِذْنِ لَهَا بِالِاسْتِدَانَةِ بَعْدَ فَرْضِ الْقَاضِي النَّفَقَةَ لَهَا لِأَنَّهَا صَارَتْ دَيْنًا بِفَرْضِهِ. أَجَابَ بِأَنَّ (فَائِدَةَ الْأَمْرِ بِالِاسْتِدَانَةِ مَعَ الْفَرْضِ أَنْ يُمْكِنَهَا
إحَالَةَ الْغَرِيمِ عَلَى الزَّوْجِ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الِاسْتِدَانَةُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي كَانَتْ الْمُطَالَبَةُ عَلَيْهَا دُونَ الزَّوْجِ.
(وَإِذَا قَضَى الْقَاضِي لَهَا بِنَفَقَةِ الْإِعْسَارِ ثُمَّ أَيْسَرَ فَخَاصَمَتْهُ تَمَّمَ لَهَا نَفَقَةَ الْمُوسِرِ) لِأَنَّ النَّفَقَةَ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، وَمَا قَضَى بِهِ
إحَالَةُ الْغَرِيمِ عَلَى الزَّوْجِ مِنْ غَيْرِ رِضَا الزَّوْجِ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الِاسْتِدَانَةُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي كَانَتْ الْمُطَالَبَةُ عَلَيْهَا دُونَ الزَّوْجِ) وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَجْزَ عَنْ النَّفَقَةِ إنَّمَا يَظْهَرُ عِنْدَ حُضُورِ الزَّوْجِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ غَائِبًا غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً وَلَمْ يَخْلُفْ نَفَقَتَهَا فَرَفَعَتْ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا. قَالَ مَشَايِخُ سَمَرْقَنْدَ: جَازَ تَفْرِيقُهُ لِأَنَّهُ قَضَى فِي فَصْلَيْنِ مُجْتَهَدٍ فِيهِمَا فِي التَّفْرِيقِ بِالْعَجْزِ عَنْ النَّفَقَةِ وَفِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَضَاؤُهُ لِأَنَّ الْعَجْزَ لَا يُعْرَفُ حَالَ الْغَيْبَةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا فَيَكُونُ هَذَا تَرْكَ الْإِنْفَاقِ لَا الْعَجْزَ عَنْهُ، فَإِنْ رَفَعَ هَذَا الْقَضَاءَ إلَى قَاضٍ فَأَمْضَاهُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ لِأَنَّ هَذَا الْقَضَاءَ لَيْسَ فِي فَصْلٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ إذْ الْعَجْزُ لَمْ يَثْبُتْ.
وَإِذَا قَضَى الْقَاضِي لَهَا بِنَفَقَةِ الْإِعْسَارِ ثُمَّ أَيْسَرَ فَخَاصَمَتْهُ تَمَّمَ لَهَا نَفَقَةَ الْمُوسِرِ لِأَنَّ النَّفَقَةَ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ.
وَقَوْلُهُ (وَمَا قَضَى بِهِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُتَمِّمَ لَهَا نَفَقَةَ الْيَسَارِ لِأَنَّ فِيهِ نَقْضَ الْقَضَاءِ الْأَوَّلِ.
تَقْدِيرٌ لِنَفَقَةٍ لَمْ تَجِبْ، فَإِذَا تَبَدَّلَ حَالُهُ فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِتَمَامِ حَقِّهَا.
(وَإِذَا مَضَتْ مُدَّةٌ لَمْ يُنْفِقْ الزَّوْجُ عَلَيْهَا وَطَالَبَتْهُ بِذَلِكَ فَلَا شَيْءَ لَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي فَرَضَ لَهَا النَّفَقَةَ لَوْ صَالَحَتْ الزَّوْجَ عَلَى مِقْدَارٍ فِيهَا فَيَقْضِي لَهَا بِنَفَقَةِ مَا مَضَى) لِأَنَّ النَّفَقَةَ صِلَةٌ وَلَيْسَتْ بِعِوَضٍ عِنْدَنَا عَلَى مَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ فَلَا يُسْتَحْكَمُ الْوُجُوبُ فِيهَا إلَّا بِالْقَضَاءِ كَالْهِبَةِ لَا تُوجِبُ الْمِلْكَ إلَّا بِمُؤَكَّدٍ وَهُوَ الْقَبْضُ وَالصُّلْحُ بِمَنْزِلَةِ الْقَضَاءِ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَقْوَى مِنْ وِلَايَةِ الْقَاضِي، بِخِلَافِ الْمَهْرِ لِأَنَّهُ عِوَضٌ.
وَتَقْرِيرُهُ مَا قَضَى بِهِ تَقْدِيرًا لِنَفَقَةٍ لَمْ تَجِبْ لِأَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ شَيْئًا فَشَيْئًا. وَتَقْدِيرُ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ لَا يَكُونُ لَازِمًا لِجَوَازِ تَبَدُّلِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ قَبْلَ وُجُوبِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَازِمًا لَمْ تَسْتَحْكِمْ فِيهِ حُكْمَ الْحَاكِمِ، فَإِذَا تَبَدَّلَ حَالُهُ جَازَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِتَمَامِ حَقِّهَا فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ فَرْضِ نَفَقَةِ الْإِعْسَارِ عَلَى الْمُوسِرِ، لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ لَازِمًا فَلِدَوَامِهِ حُكْمُ الِابْتِدَاءِ عَلَى مَا عُرِفَ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّغْيِيرِ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ عَكْسِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا مَضَتْ مُدَّةٌ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ) يُرِيدُ قَوْلَهُ لِأَنَّ الْمَهْرَ عِوَضٌ عَنْ الْمِلْكِ، وَلَا يَجْتَمِعُ الْعِوَضَانِ عَنْ مُعَوَّضٍ وَاحِدٍ. فَإِنْ قِيلَ: مَا تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعِوَضٍ عَنْ الْبُضْعِ لَكِنْ لَا يُنَافِي أَنْ تَكُونَ عِوَضًا عَنْ الِاسْتِمْتَاعِ وَالْقِيَامِ عَلَيْهَا. قُلْت: يُنَافِيهِ لِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ الْعَقْدُ كَانَ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا وَالْقِيَامُ عَلَيْهَا تَصَرُّفًا فِي مِلْكِهِ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ عَلَى الْمَالِكِ عِوَضًا فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَتْ صِلَةً لَمَا وَجَبَتْ عَلَى الْمُكَاتَبِ. أُجِيبَ بِأَنَّهَا صِلَةٌ مِنْ وَجْهٍ، وَمَا هَذَا شَأْنُهُ يَجِبُ عَلَى الْمُكَاتَبِ كَالْخَرَاجِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا صِلَةٌ لَا يَسْتَحْكِمُ الْوُجُوبُ فِيهَا إلَّا بِالْقَضَاءِ كَالْهِبَةِ لَا تُوجِبُ الْمِلْكَ إلَّا بِمُؤَكِّدٍ وَهُوَ الْقَبْضُ
(وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ بَعْدَمَا قَضَى عَلَيْهِ بِالنَّفَقَةِ وَمَضَى شُهُورٌ سَقَطَتْ النَّفَقَةُ) وَكَذَا إذَا مَاتَتْ الزَّوْجَةُ لِأَنَّ النَّفَقَةَ صِلَةٌ وَالصِّلَاتُ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ كَالْهِبَةِ تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ قَبْلَ الْقَبْضِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تَصِيرُ دَيْنًا قَبْلَ الْقَضَاءِ وَلَا تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عِنْدَهُ فَصَارَ كَسَائِرِ الدُّيُونِ، وَجَوَابُهُ قَدْ بَيَّنَّاهُ.
(وَإِنْ)(أَسْلَفَهَا نَفَقَةَ السَّنَةِ) أَيْ عَجَّلَهَا (ثُمَّ مَاتَ) (لَمْ يُسْتَرْجَعْ مِنْهَا شَيْءٌ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله، يُحْتَسَبُ لَهَا
وَالصُّلْحُ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الْقَضَاءِ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَقْوَى مِنْ وِلَايَةِ الْقَاضِي. وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمَهْرِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ وَلَيْسَتْ بِعِوَضٍ.
(وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ بَعْدَمَا قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنَّفَقَةِ) وَمَا كَانَ أَمَرَهَا بِالِاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ (وَمَضَتْ شُهُورٌ سَقَطَتْ النَّفَقَةُ وَكَذَلِكَ إذَا مَاتَتْ الزَّوْجَةُ لِأَنَّ النَّفَقَةَ صِلَةٌ وَالصِّلَاتُ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ كَالْهِبَةِ تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ قَبْلَ الْقَبْضِ) وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِقَوْلِهِ وَمَا كَانَ أَمَرَهَا بِالِاسْتِدَانَةِ لِأَنَّهُ إذَا أَمَرَهَا بِذَلِكَ لَمْ تَسْقُطْ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَمَّا أَمَرَهَا بِذَلِكَ كَانَ اسْتِدَانَتُهَا اسْتِدَانَةَ الزَّوْجِ لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِمَا، وَلَوْ اسْتَدَانَ بِنَفْسِهِ لَمْ تَبْطُلْ بِالْمَوْتِ، فَكَذَا إذَا اسْتَدَانَتْ بِحُكْمِ الْقَاضِي. فَإِنْ قِيلَ: الْقِيَاسُ عَلَى الْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهَا قَبْلَ الْقَبْضِ غَيْرُ مُؤَكَّدَةٍ وَالنَّفَقَةُ بَعْدَ الْقَضَاءِ مُؤَكَّدَةٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ سُقُوطِ مَا لَيْسَ بِمُؤَكَّدٍ جَوَازُ سُقُوطِ الْمُؤَكَّدِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَى الصِّلَةِ فِيهَا بَعْدَ الْقَضَاءِ بَاقٍ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ لِأَنَّ الْمَعْنَى مِنْ الصِّلَةِ أَنْ يَجِبَ الْمَالُ بِمُقَابَلَةِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ وَهَذِهِ كَذَلِكَ فَقُلْنَا بِسُقُوطِهَا بَعْدَ الْقَضَاءِ بِالْمَوْتِ. قَالَ فِي الْإِيضَاحِ: إنَّهَا وَإِنْ صَارَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ لَكِنْ مَعْنَى الصِّلَةِ لَمْ يَبْطُلْ عَنْهُ وَالصِّلَاتُ تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ قَبْلَ الْقَبْضِ. قَوْلُهُ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ (وَجَوَابُهُ قَدْ بَيَّنَّاهُ) إشَارَةٌ إلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ. وَلَنَا أَنَّ الْمَهْرَ عِوَضٌ عَنْ الْمِلْكِ وَلَا يَجْتَمِعُ الْعِوَضَانِ عَنْ مُعَوَّضٍ وَاحِدٍ فَلَا تَكُونُ النَّفَقَةُ عِوَضًا عَنْ الْبُضْعِ.
قَالَ (وَإِنْ أَسْلَفَهَا نَفَقَةَ السَّنَةِ) يَعْنِي إذَا عَجَّلَ لَهَا نَفَقَةَ السَّنَةِ ثُمَّ مَاتَ أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى تَرِكَتِهَا بِشَيْءٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ
نَفَقَةُ مَا مَضَى وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِلزَّوْجِ) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْكِسْوَةُ لِأَنَّهَا اسْتَعْجَلَتْ عِوَضًا عَمَّا تَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ بِالِاحْتِبَاسِ، وَقَدْ بَطَلَ الِاسْتِحْقَاقُ بِالْمَوْتِ فَيَبْطُلُ الْعِوَضُ بِقَدْرِهِ كَرِزْقِ الْقَاضِي وَعَطَاءِ الْمُقَاتَلَةِ. وَلَهُمَا أَنَّهُ صِلَةٌ وَقَدْ اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ وَلَا رُجُوعَ فِي الصِّلَاتِ بَعْدَ الْمَوْتِ لِانْتِهَاءِ حُكْمِهَا كَمَا فِي الْهِبَةِ، وَلِهَذَا لَوْ هَلَكَتْ مِنْ غَيْرِ اسْتِهْلَاكٍ لَا يُسْتَرَدُّ شَيْءٌ مِنْهَا بِالْإِجْمَاعِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ رحمه الله أَنَّهَا إذَا قَبَضَتْ نَفَقَةَ الشَّهْرِ أَوْ مَا دُونَهُ لَا يُسْتَرْجَعُ مِنْهَا شَيْءٌ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ فَصَارَ فِي حُكْمِ الْحَالِ.
(وَإِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ حُرَّةً فَنَفَقَتُهَا دَيْنٌ عَلَيْهِ يُبَاعُ فِيهَا) وَمَعْنَاهُ إذَا تَزَوَّجَ بِإِذْنِ الْمَوْلَى لِأَنَّهُ دَيْنٌ وَجَبَ فِي ذِمَّتِهِ لِوُجُودِ سَبَبِهِ وَقَدْ ظَهَرَ وُجُوبُهُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى فَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ كَدَيْنِ التِّجَارَةِ فِي الْعَبْدِ التَّاجِرِ، وَلَهُ أَنْ يَفْدِيَ لِأَنَّ حَقَّهَا فِي النَّفَقَةِ لَا فِي عَيْنِ الرَّقَبَةِ، فَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ سَقَطَتْ، وَكَذَا إذَا قُتِلَ
وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُحْتَسَبُ لَهَا بِنَفَقَةِ مَا مَضَى وَمَا بَقِيَ لِلزَّوْجِ إنْ كَانَ قَائِمًا وَقِيمَتُهُ إنْ كَانَ مُسْتَهْلَكًا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَوَجْهُ كُلٍّ مِنْ الْجَانِبَيْنِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ يَسِيرٌ فَصَارَ فِي حُكْمِ الْحَالِ) يَعْنِي إذَا أَخَذَتْ النَّفَقَةَ الْوَاجِبَةَ فِي الْحَالِ لَا تُسْتَرَدُّ بِالْمَوْتِ، فَكَذَا لَا تُسْتَرَدُّ إذَا عَجَّلَ لَهَا نَفَقَةَ الشَّهْرِ.
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ حُرَّةً) ظَاهِرٌ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: فَإِنْ بِيعَ ثُمَّ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ مَرَّةً أُخْرَى بِيعَ ثَانِيًا وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ دُيُونِ الْعَبْدِ مَا يُبَاعُ فِيهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى إلَّا النَّفَقَةَ، وَهَذَا لِأَنَّ النَّفَقَةَ يَتَجَدَّدُ وُجُودُهَا بِمُضِيِّ الزَّمَانِ فَذَاكَ فِي حُكْمِ دَيْنٍ حَادِثٍ وَلَا كَذَلِكَ سَائِرُ الدُّيُونِ، فَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ سَقَطَتْ النَّفَقَةُ وَلَا يُؤَاخَذُ الْمَوْلَى بِشَيْءٍ لِفَوَاتِ مَحَلِّ الِاسْتِيفَاءِ،
فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ صِلَةٌ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَ الْحُرُّ أَمَةً فَبَوَّأَهَا مَوْلَاهَا مَعَهُ مَنْزِلًا فَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ) لِأَنَّهُ تَحَقَّقَ الِاحْتِبَاسُ (وَإِنْ لَمْ يُبَوِّئْهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) لِعَدَمِ الِاحْتِبَاسِ، وَالتَّبْوِئَةُ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ فِي مَنْزِلِهِ وَلَا يَسْتَخْدِمَهَا، وَلَوْ اسْتَخْدَمَهَا بَعْدَ التَّبْوِئَةِ سَقَطَتْ النَّفَقَةُ لِأَنَّهُ فَاتَ الِاحْتِبَاسُ، وَالتَّبْوِئَةُ غَيْرُ لَازِمَةٍ عَلَى مَا مَرَّ فِي النِّكَاحِ، وَلَوْ خَدَمَتْهُ الْجَارِيَةُ أَحْيَانًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا لَا تَسْقُطُ النَّفَقَةُ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَخْدِمْهَا لِيَكُونَ اسْتِرْدَادًا، وَالْمُدَبَّرَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ فِي هَذَا كَالْأَمَةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَكَذَا إذَا قُتِلَ.
وَقَوْلُهُ (فِي الصَّحِيحِ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الْكَرْخِيِّ إنَّهَا تَكُونُ فِي قِيمَتِهِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْقُدُورِيُّ: الصَّحِيحُ أَنْ تَسْقُطَ لِأَنَّهَا صِلَةٌ وَالصِّلَاتُ تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَالْقِيمَةُ إنَّمَا تَقُومُ مَقَامَ الرَّقَبَةِ فِي دَيْنٍ لَمْ يَسْقُطْ بِالْمَوْتِ لَا فِي دَيْنٍ يَسْقُطُ بِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُدَبَّرَ وَالْمُكَاتَبَ إذَا تَزَوَّجَا بِإِذْنِ الْمَوْلَى، وَالنَّفَقَةُ فِيهِمَا تَتَعَلَّقُ بِالْكَسْبِ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَ الْحُرُّ أَمَةً فَبَوَّأَهَا) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (فَلَا نَفَقَةَ لَهَا لِعَدَمِ الِاحْتِبَاسِ) قِيلَ عَلَيْهِ الِاحْتِبَاسُ مِنْ الْمَوْلَى لِحَقٍّ لَهُ شَرْعًا فَكَانَ كَاحْتِبَاسِ الْحُرَّةِ لِأَجْلِ صَدَاقِهَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَسْقُطَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحُرَّةَ إذَا حَبَسَتْ نَفْسَهَا لِصَدَاقِهَا فَالتَّفْوِيتُ إنَّمَا جَاءَ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ حِينَ امْتَنَعَ مِنْ إيفَاءِ مَا لَزِمَهُ، وَأَمَّا هَاهُنَا فَالتَّفْوِيتُ لَيْسَ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ. وَقَوْلُهُ وَالتَّبْوِئَةُ غَيْرُ لَازِمَةٍ جَوَابُ سُؤَالٍ تَقْدِيرُهُ لَمَّا بَوَّأَهَا مَرَّةً يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَمْضِيَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَنْقُضَهَا بِالِاسْتِخْدَامِ.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ لِلتَّبْوِئَةِ غَيْرُ لَازِمَةٍ (عَلَى مَا مَرَّ فِي النِّكَاحِ) أَيْ فِي بَابِ نِكَاحِ الرَّقِيقِ حَيْثُ قَالَ: إذَا بَوَّأَهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى لَمْ يَزُلْ بِالتَّبْوِئَةِ كَمَا لَمْ يَزُلْ بِالنِّكَاحِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ خَدَمَتْهُ الْجَارِيَةُ أَحْيَانًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا) ظَاهِرٌ (وَأُمُّ الْوَلَدِ فِي هَذَا) أَيْ فِي عَدَمِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ (وَالْمُدَبَّرَةُ كَالْأَمَةِ) وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُكَاتَبَةَ
فَصْلٌ
(وَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُسْكِنَهَا فِي دَارٍ مُفْرَدَةٍ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ إلَّا أَنْ تَخْتَارَ ذَلِكَ) لِأَنَّ السُّكْنَى مِنْ كِفَايَتِهَا فَتَجِبُ لَهَا كَالنَّفَقَةِ، وَقَدْ أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَقْرُونًا بِالنَّفَقَةِ، وَإِذَا وَجَبَ حَقًّا لَهَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُشْرِكَ غَيْرَهَا فِيهِ لِأَنَّهَا تَتَضَرَّرُ بِهِ، فَإِنَّهَا لَا تَأْمَنُ عَلَى مَتَاعِهَا، وَيَمْنَعُهَا ذَلِكَ مِنْ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ زَوْجِهَا وَمِنْ الِاسْتِمْتَاعِ، إلَّا أَنْ تَخْتَارَ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِانْتِقَاصِ حَقِّهَا (وَإِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسْكِنَهُ مَعَهَا) لِمَا بَيَّنَّا وَلَوْ أَسْكَنَهَا فِي بَيْتٍ مِنْ الدَّارِ مُفْرَدٍ وَلَهُ غَلْقٌ كَفَاهَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ قَدْ حَصَلَ.
(وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ وَالِدَيْهَا وَوَلَدَهَا مِنْ غَيْرِهِ وَأَهْلَهَا مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهَا)
لِأَنَّهَا إذَا تَزَوَّجَتْ بِإِذْنِ الْمَوْلَى، فَهِيَ كَالْحُرَّةِ فَلَا تَحْتَاجُ إلَى التَّبْوِئَةِ لِاسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا عَلَى حُكْمِ مِلْكِهَا لِصَيْرُورَتِهَا أَخَصَّ بِنَفْسِهَا وَبِمَنَافِعِهَا بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ، وَلِهَذَا لَمْ يَبْقَ لِلْمَوْلَى وِلَايَةُ الِاسْتِخْدَامِ فَكَانَتْ كَالْحُرَّةِ
(فَصْلٌ)
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ النَّفَقَةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ السُّكْنَى. قَالَ (وَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُسْكِنَهَا فِي دَارٍ مُفْرَدَةٍ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ إلَّا أَنْ تَخْتَارَ ذَلِكَ لِأَنَّ السُّكْنَى مِنْ كِفَايَتِهَا فَتَجِبُ لَهَا كَالنَّفَقَةِ، وَقَدْ أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَقْرُونًا بِالنَّفَقَةِ) حَيْثُ قَالَ {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ وَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ مِنْ وُجْدِكُمْ "(وَإِذَا وَجَبَ السُّكْنَى حَقًّا لَهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُشْرِكَ غَيْرَهَا فِيهَا لِأَنَّهَا تَتَضَرَّرُ بِهِ فَإِنَّهَا لَا تَأْمَنُ عَلَى مَتَاعِهَا وَيَمْنَعُهَا ذَلِكَ مِنْ الْمُعَاشَرَةِ وَمِنْ الِاسْتِمْتَاعِ) وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ. .
لِأَنَّ الْمَنْزِلَ مِلْكُهُ فَلَهُ حَقُّ الْمَنْعِ مِنْ دُخُولِ مِلْكِهِ (وَلَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهَا وَكَلَامِهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ اخْتَارُوا) لِمَا فِيهِ مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ، وَقِيلَ: لَا يَمْنَعُهَا مِنْ الدُّخُولِ وَالْكَلَامِ وَإِنَّمَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ الْقَرَارِ وَالدَّوَامِ لِأَنَّ الْفِتْنَةَ فِي اللِّبَاثِ وَتَطْوِيلِ الْكَلَامِ، وَقِيلَ: لَا يَمْنَعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْوَالِدَيْنِ وَلَا يَمْنَعُهُمَا مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، وَفِي غَيْرِهِمَا مِنْ الْمَحَارِمِ التَّقْدِيرُ بِسَنَةٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَقَوْلُهُ (وَهُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ الرَّازِيِّ فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا يَمْنَعُ الْمَحَارِمَ مِنْ الزِّيَارَةِ فِي كُلِّ شَهْرٍ.
(وَإِذَا غَابَ الرَّجُلُ وَلَهُ مَالٌ فِي يَدِ رَجُلٍ يَعْتَرِفُ بِهِ وَبِالزَّوْجِيَّةِ فَرَضَ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ الْمَالِ نَفَقَةَ زَوْجَةِ الْغَائِبِ وَوَلَدِهِ الصِّغَارِ وَوَالِدَيْهِ، وَكَذَا إذَا عَلِمَ الْقَاضِي ذَلِكَ وَلَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ) لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ بِالزَّوْجِيَّةِ الْوَدِيعَةِ فَقَدْ أَقَرَّ أَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ لَهَا؛ لِأَنَّ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ حَقَّهَا مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَإِقْرَارُ صَاحِبِ الْيَدِ مَقْبُولٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَا سِيَّمَا هَاهُنَا
وَإِذَا غَابَ الرَّجُلُ وَلَهُ فِي يَدِ رَجُلٍ مَالٌ يَعْتَرِفُ بِهِ وَبِالزَّوْجِيَّةِ وَطَلَبَتْ الزَّوْجَةُ النَّفَقَةَ فَرَضَ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ الْمَالِ نَفَقَةَ زَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ الصِّغَارِ وَوَالِدَيْهِ) وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ الرَّجُلُ وَلَكِنْ عَلِمَ الْقَاضِي ذَلِكَ فَكَذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ
فَإِنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْمَرْأَةِ فِيهِ لِأَنَّ الْمُودِعَ لَيْسَ بِخَصْمٍ فِي إثْبَاتِ الزَّوْجِيَّةِ عَلَيْهِ وَلَا الْمَرْأَةُ خَصْمٌ فِي إثْبَاتِ حُقُوقِ الْغَائِبِ،
بِالزَّوْجِيَّةِ الْوَدِيعَةِ فَقَدْ أَقَرَّ بِأَنَّ لَهَا حَقَّ الْأَخْذِ لِأَنَّ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ حَقَّهَا مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ لِحَدِيثِ هِنْدٍ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ، وَإِقْرَارُ صَاحِبِ الْيَدِ مَقْبُولٌ فِي نَفْسِهِ لَا سِيَّمَا هَاهُنَا، فَإِنَّ إقْرَارَهُ هَاهُنَا أَشَدُّ قَبُولًا مِنْ إقْرَارِ صَاحِبِ الْيَدِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ لِتَعَيُّنِ طَرِيقِ إثْبَاتِ الْحَقِّ فِي إقْرَارِهِ لِعَدَمِ إثْبَاتِهِ بِالْبَيِّنَةِ (فَإِنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الزَّوْجِيَّةِ أَوْ الْوَدِيعَةِ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْمَرْأَةِ فِيهِ) أَيْ فِي أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ لِأَنَّ إقَامَتَهَا إنْ كَانَتْ لِإِثْبَاتِ الزَّوْجِيَّةِ فَالْمُودَعُ لَيْسَ بِخَصْمٍ فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ لِإِثْبَاتِ الْوَدِيعَةِ فَالْمَرْأَةُ لَيْسَتْ بِخَصْمٍ فِي إثْبَاتِ حُقُوقِ الْغَائِبِ، وَإِذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحَقُّ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ تَعَدَّى إلَى الْغَائِبِ لِكَوْنِ مَا أَقَرَّ بِهِ مِلْكَهُ، وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَا إذَا أَحْضَرَ صَاحِبُ الدَّيْنِ غَرِيمًا لِلْغَائِبِ أَوْ مُودَعًا لَهُ وَهُمَا مُعْتَرِفَانِ بِثُبُوتِ دَيْنِ الْمُدَّعِي عَلَى الْغَائِبِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَأْمُرُ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ مِنْ الْوَدِيعَةِ وَالدَّيْنِ.
وَإِذَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ تَعَدَّى إلَى الْغَائِبِ، وَكَذَا إذَا كَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ مُضَارَبَةً، وَكَذَا الْجَوَابُ فِي الدَّيْنِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْمَالُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهَا دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ طَعَامًا أَوْ كِسْوَةً مِنْ جِنْسِ حَقِّهَا، أَمَّا إذَا كَانَ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ لَا تُفْرَضُ النَّفَقَةُ فِيهِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْبَيْعِ، وَلَا يُبَاعُ مَالُ الْغَائِبِ بِالِاتِّفَاقِ، أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فَلِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ عَلَى الْحَاضِرِ وَكَذَا عَلَى الْغَائِب، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ يَقْضِي عَلَى الْحَاضِرِ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ امْتِنَاعَهُ لَا يَقْضِي عَلَى الْغَائِبِ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ امْتِنَاعَهُ.
قَالَ (وَيَأْخُذُ مِنْهَا كَفِيلًا بِهَا) نَظَرًا لِلْغَائِبِ لِأَنَّهَا رُبَّمَا اسْتَوْفَتْ النَّفَقَةَ أَوْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْمِيرَاثِ إذَا قَسَمَ بَيْنَ وَرَثَةٍ حُضُورٍ بِالْبَيِّنَةِ وَلَمْ يَقُولُوا: لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا آخَرَ حَيْثُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْكَفِيلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ هُنَاكَ الْمَكْفُولُ لَهُ مَجْهُولٌ وَهَاهُنَا مَعْلُومٌ وَهُوَ الزَّوْجُ
وَأُجِيبَ بِأَنَّ أَمْرَ الْقَاضِي فِي حَقِّ الْغَائِبِ إنَّمَا هُوَ لِلنَّظَرِ لَهُ وَفِي الْأَمْرِ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى الْمَرْأَةِ ذَلِكَ إبْقَاءً لِمِلْكِهِ وَلَيْسَ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ نَظَرٌ، لِأَنَّ فِيهِ قَضَاءً عَلَيْهِ بِقَوْلِ الْغَيْرِ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ، ثُمَّ إذَا جَازَ لِلْقَاضِي أَنْ يَأْمُرَ الْمُودَعَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا بِالْبَيِّنَةِ الْمُحْتَمِلَةِ لِلْكَذِبِ فَلَأَنْ يَجُوزَ بِعِلْمِهِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُهُ أَوْلَى، وَكَذَا إذَا كَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ مُضَارَبَةً لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ مِنْ وَجْهٍ، وَكَذَا إذَا كَانَ دَيْنًا.
وَقَوْلُهُ (وَهَذَا) أَيْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ جَوَازِ فَرْضِ الْقَاضِي النَّفَقَةَ إذَا كَانَ الْمَالُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهَا فِي النَّفَقَةِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ طَعَامًا أَوْ كَانَ ثِيَابًا مِنْ جِنْسِ حَقِّهَا فِي الْكِسْوَةِ، أَمَّا إذَا كَانَ الْمَالُ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ فَلَا يَفْرِضُ النَّفَقَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْبَيْعِ وَلَا يُبَاعُ مَالُ الْغَائِبِ هَاهُنَا بِالِاتِّفَاقِ، أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ عَلَى الْحَاضِرِ لِأَنَّ الْبَيْعَ عَلَيْهِ إنَّمَا يَكُونُ بِطَرِيقِ الْحَجْرِ، وَالْحَجْرُ عَلَى الْحُرِّ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ عِنْدَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَكَذَا عَلَى الْغَائِبِ، بَلْ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى. وَأَمَّا عِنْدَهُمَا إنْ كَانَ يَقْضِي عَلَى الْحَاضِرِ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ امْتِنَاعَهُ الْمَشْرُوطَ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ فَلَا يَقْضِي عَلَى الْغَائِبِ لِعَدَمِ ذَلِكَ. قَالَ (وَيَأْخُذُ مِنْهَا كَفِيلًا بِهَا نَظَرًا لِلْغَائِبِ) مَنْ عِنْدَهُ الْمَالُ إذَا اعْتَرَفَ بِهِ وَبِالزَّوْجِيَّةِ يَنْظُرُ الْقَاضِي فَيُحَلِّفُهَا أَنَّهَا مَا اسْتَوْفَتْ النَّفَقَةَ، فَإِذَا حَلَفَتْ دَفَعَ إلَيْهَا النَّفَقَةَ وَأَخَذَ مِنْهَا كَفِيلًا لِجَوَازِ أَنْ يَحْضُرَ الزَّوْجُ فَيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى إيفَاءِ نَفَقَتِهَا، فَإِنْ اتَّفَقَ ذَلِكَ كَانَ الزَّوْجُ مُخَيَّرًا فِي أَخْذِ أَيِّهِمَا شَاءَ مِنْ الْمَرْأَةِ، وَالْكَفِيلِ وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ،
وَيُحَلِّفُهَا بِاَللَّهِ مَا أَعْطَاهَا النَّفَقَةَ نَظَرًا لِلْغَائِبِ.
قَالَ (وَلَا يَقْضِي بِنَفَقَةٍ فِي مَالٍ غَائِبٍ إلَّا لِهَؤُلَاءِ) وَوَجْهُ الْفَرْقِ هُوَ أَنَّ نَفَقَةَ هَؤُلَاءِ وَاجِبَةٌ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي وَلِهَذَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا قَبْلَ الْقَضَاءِ فَكَانَ قَضَاءُ الْقَاضِي إعَانَةً لَهُمْ، أَمَّا غَيْرُهُمْ مِنْ الْمَحَارِمِ فَنَفَقَتُهُمْ إنَّمَا تَجِبُ بِالْقَضَاءِ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ، وَالْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْقَاضِي بِذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِهِ فَأَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ أَوْ لَمْ يَخْلُفْ مَالًا فَأَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ لِيَفْرِضَ الْقَاضِي نَفَقَتَهَا عَلَى الْغَائِبِ وَيَأْمُرَهَا بِالِاسْتِدَانَةِ لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِذَلِكَ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ.
وَقَالَ زُفَرُ: يَقْضِي فِيهِ لِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا لَهَا وَلَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْغَائِبِ، فَإِنَّهُ لَوْ حَضَرَ وَصَدَّقَهَا فَقَدْ أَخَذَتْ حَقَّهَا، وَإِنْ جَحَدَ يَحْلِفُ، فَإِنْ نَكَلَ فَقَدْ صَدَقَ، وَإِنْ أَقَامَتْ بَيِّنَةً فَقَدْ ثَبَتَ حَقُّهَا، وَإِنْ عَجَزَتْ يَضْمَنُ الْكَفِيلُ أَوْ الْمَرْأَةُ، وَعَمَلُ الْقُضَاةِ الْيَوْمَ عَلَى هَذَا أَنَّهُ يَقْضِي بِالنَّفَقَةِ عَلَى الْغَائِبِ لِحَاجَةِ النَّاسِ وَهُوَ مُجْتَهَدٌ فِيهِ،
وَلَا يُقْضَى بِنَفَقَةٍ فِي مَالِ غَائِبٍ إلَّا لِهَؤُلَاءِ) يَعْنِي زَوْجَةَ الْغَائِبِ وَوَلَدَهُ الصِّغَارَ وَوَالِدَيْهِ، أَمَّا غَيْرُهُمْ مِنْ الْمَحَارِمِ كَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ فَلَا يُقْضَى بِنَفَقَتِهِمْ فِيهِ.
وَوَجْهُ الْفَرْقِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ) قِيلَ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يُوجِبُ النَّفَقَةَ لِغَيْرِ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودَيْنِ، وَفِيهِ نَظَرٌ سَيَأْتِي. وَقَوْلُهُ (وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْقَاضِي بِذَلِكَ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ وَكَذَا إذَا عَلِمَ الْقَاضِي بِذَلِكَ. وَقَوْلُهُ (وَ) لَوْ (لَمْ يَكُنْ) يَعْنِي الرَّجُلَ (مُقِرًّا بِهِ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ يَعْتَرِفُ بِهِ وَبِالزَّوْجِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ (فَأَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ) يَعْنِي فِي الصُّورَتَيْنِ إذَا كَانَ ثَمَّةَ وَدِيعَةٌ وَلَكِنْ يُنْكِرُ الزَّوْجِيَّةَ أَوْ أَقَامَتْهَا لِيَفْرِضَ الْقَاضِي نَفَقَةً فِيمَا إذَا لَمْ يَخْلُفْ مَالًا وَلَمْ يَعْلَمْ الْقَاضِي بِالزَّوْجِيَّةِ وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ.
وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَقَاوِيلُ مَرْجُوعٌ عَنْهَا فَلَمْ يَذْكُرْهَا.
(فَصْلٌ)
(وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَهَا النَّفَقَةُ
وَالسُّكْنَى فِي عِدَّتِهَا رَجْعِيًّا كَانَ أَوْ بَائِنًا)
وَقَوْلُهُ (فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَقَاوِيلُ مَرْجُوعٌ عَنْهَا فَلَمْ يَذْكُرْهَا) مِنْ تِلْكَ الْأَقَاوِيلِ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ قَوْلِهِمْ إذَا جَحَدَ الْمَدْيُونُ أَوْ الْمُودَعُ الزَّوْجِيَّةَ بَيْنَهُمَا وَالْمَالُ فِي يَدِهِ، فَقَدْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ أَوَّلًا: تُقْبَلُ بَيِّنَتُهَا عَلَى الزَّوْجِيَّةِ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهَا. وَمِنْهَا مَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ الْغَائِبِ مَالٌ حَاضِرٌ فَطَلَبَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَسْمَعَ بَيِّنَتَهَا عَلَى النِّكَاحِ لِيَفْرِضَ النَّفَقَةَ عَلَى الْغَائِبِ وَيَأْمُرَهَا بِالِاسْتِدَانَةِ لَمْ يَجِبْ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْآخَرُ وَهُوَ قَوْلُهُمَا. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ يُجِيبُهَا إلَى ذَلِكَ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ، وَإِنْ كَانَ لِلْغَائِبِ دَيْنٌ أَوْ وَدِيعَةٌ وَكُلٌّ مِنْ الْمَدْيُونِ وَالْمُودَعِ مُقِرٌّ بِالدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ وَالنِّكَاحِ فَالْقَاضِي يَأْمُرُ أَوَّلًا بِالْإِنْفَاقِ مِنْ الْوَدِيعَةِ لِأَنَّ الْقَاضِيَ نُصِّبَ نَاظِرًا وَنَظَرُ الْغَائِبِ فِي الْبُدَاءَةِ الْوَدِيعَةِ لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الْهَلَاكَ بِخِلَافِ الدَّيْنِ.
(فَصْلٌ)
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى حَالَ قِيَامِ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا شَرَعَ فِي بَيَانِهَا بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ (وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى فِي عِدَّتِهَا رَجْعِيًّا كَانَ أَوْ بَائِنًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا نَفَقَةَ لِلْمَبْتُوتَةِ إلَّا إذَا كَانَتْ حَامِلًا، أَمَّا الرَّجْعِيُّ فَلِأَنَّ النِّكَاحَ بَعْدَهُ قَائِمٌ لَا سِيَّمَا عِنْدَنَا فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ الْوَطْءُ، وَأَمَّا الْبَائِنُ فَوَجْهُ قَوْلِهِ مَا رُوِيَ «عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا فَلَمْ يَفْرِضْ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً» وَلِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ وَهِيَ مُرَتَّبَةٌ عَلَى الْمِلْكِ وَلِهَذَا لَا تَجِبُ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لِانْعِدَامِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا لِأَنَّا عَرَفْنَاهُ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ} الْآيَةَ. وَلَنَا أَنَّ النَّفَقَةَ جَزَاءُ احْتِبَاسٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَالِاحْتِبَاسُ قَائِمٌ فِي حَقِّ حُكْمٍ مَقْصُودٍ بِالنِّكَاحِ وَهُوَ الْوَلَدُ إذْ الْعِدَّةُ وَاجِبَةٌ لِصِيَانَةِ الْوَلَدِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا نَفَقَةَ لِلْمَبْتُوتَةِ) وَهِيَ الَّتِي طَلَّقَهَا الزَّوْجُ ثَلَاثًا أَوْ طَلَّقَهَا بِعِوَضٍ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً (إلَّا إذَا كَانَتْ حَامِلًا أَمَّا الرَّجْعِيُّ فَلِأَنَّ النِّكَاحَ بَعْدَهُ قَائِمٌ لَا سِيَّمَا عِنْدَنَا فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ الْوَطْءُ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَأَمَّا الْبَائِنُ فَوَجْهُ قَوْلِهِ مَا رُوِيَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ إلَخْ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّا عَرَفْنَاهُ) أَيْ وُجُوبَ نَفَقَةِ الْحَامِلِ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ} وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ فِي الْمُطَلَّقَاتِ آخِرُ الْآيَةِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وَالنَّفَقَةُ فِي غَيْرِ الْمُطَلَّقَاتِ غَيْرُ مُغَيَّاةٍ بِوَضْعِ الْحَمْلِ.
فَتَجِبُ النَّفَقَةُ وَلِهَذَا كَانَ لَهَا السُّكْنَى بِالْإِجْمَاعِ وَصَارَ كَمَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا. وَحَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ رَدَّهُ عُمَرُ رضي الله عنه، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا بِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرِي صَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ حَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ، سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:«لِلْمُطَلَّقَةِ الثَّلَاثَ النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ» وَرَدَّهُ أَيْضًا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَجَابِرٌ وَعَائِشَةُ رضي الله عنهم.
(وَلَا نَفَقَةَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا) لِأَنَّ احْتِبَاسَهَا لَيْسَ لِحَقِّ الزَّوْجِ بَلْ لِحَقِّ الشَّرْعِ فَإِنَّ التَّرَبُّصَ عِبَادَةٌ مِنْهَا.
وَقَوْلُهُ (وَصَارَ كَمَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا) اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْحَائِلَ لَوْ كَانَتْ كَالْحَامِلِ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَمْ يَبْقَ لِتَخْصِيصِ الْحَامِلِ فِي النَّصِّ فَائِدَةٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفَائِدَةَ رَفْعُ الِاشْتِبَاهِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْحَائِلَ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ، وَكَانَ يَشْتَبِهَ بِأَنَّ الْحَامِلَ أَيْضًا تَسْتَحِقُّ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ أَوْ زِيَادَةً فَرَفَعَ ذَلِكَ وَقَالَ: لَهَا النَّفَقَةُ فِي جَمِيعِ مُدَّةِ الْحَمْلِ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ. وَقَوْلُهُ (وَلَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا) يُرِيدُ بِهِ قَوْله تَعَالَى {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْوُجْدَ هُوَ السَّعَةُ وَالْغِنَى وَذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى مَا يَمْلِكُ بِهِ، أَمَّا الْإِسْكَانُ فَإِنَّهُ قَدْ يَمْلِكُ إسْكَانَهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ حَيْثُ يَسْكُنُ هُوَ وَلَا يَمْلِكُ الْإِنْفَاقَ مِنْ غَيْرِ مِلْكِهِ، وَكَانَ تَقْدِيرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا تَلَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ مِنْ وُجْدِكُمْ.
وَقَوْلُهُ (سُنَّةَ نَبِيِّنَا) يُرِيدُ بِهِ قَوْلَهُ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ «لِلْمُطَلَّقَةِ الثَّلَاثِ النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ» وَقَوْلُهُ (وَرَدَّهُ أَيْضًا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) هُوَ زَوْجُ فَاطِمَةَ الرَّاوِيَةِ، فَإِنَّ أُسَامَةَ كَانَ إذَا سَمِعَهَا تُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ رَمَاهَا بِكُلِّ شَيْءٍ فِي يَدِهِ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: تِلْكَ الْمَرْأَةُ فَتَنَتْ الْعَالِمَ: أَيْ بِرِوَايَتِهَا هَذَا الْحَدِيثَ.
وَقَوْلُهُ (وَلَا نَفَقَةَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا) ظَاهِرٌ.
.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَلَا تَرَى أَنَّ مَعْنَى التَّعَرُّفِ عَنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ لَيْسَ بِمُرَاعًى فِيهِ حَتَّى لَا يُشْتَرَطَ فِيهَا الْحَيْضُ فَلَا تَجِبُ نَفَقَتُهَا عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ شَيْئًا فَشَيْئًا وَلَا مِلْكَ لَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَا يُمْكِنُ إيجَابُهَا فِي مِلْكِ الْوَرَثَةِ (وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ بِمَعْصِيَةٍ مِثْلَ الرِّدَّةِ وَتَقْبِيلِ ابْنِ الزَّوْجِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) لِأَنَّهَا صَارَتْ حَابِسَةً نَفْسَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ فَصَارَتْ كَمَا إذَا كَانَتْ نَاشِزَةً، بِخِلَافِ الْمَهْرِ بَعْدَ الدُّخُولِ لِأَنَّهُ وُجِدَ التَّسْلِيمُ فِي حَقِّ الْمَهْرِ بِالْوَطْءِ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا جَاءَتْ الْفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِهَا بِغَيْرِ مَعْصِيَةٍ كَخِيَارِ الْعِتْقِ وَخِيَارِ الْبُلُوغِ وَالتَّفْرِيقِ لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ لِأَنَّهَا حَبَسَتْ نَفْسَهَا بِحَقٍّ وَذَلِكَ لَا يُسْقِطُ النَّفَقَةَ كَمَا إذَا حَبَسَتْ نَفْسَهَا لِاسْتِيفَاءِ الْمَهْرِ.
(وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ ارْتَدَّتْ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا، وَإِنْ مَكَّنَتْ ابْنَ زَوْجِهَا) مِنْ نَفْسِهَا (فَلَهَا النَّفَقَةُ) مَعْنَاهُ: مَكَّنَتْ بَعْدَ الطَّلَاقِ،
وَقَوْلُهُ (وَكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ بِمَعْصِيَةٍ مِثْلِ الرِّدَّةِ وَتَقْبِيلِ ابْنِ الزَّوْجِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا) إنَّمَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلسُّكْنَى لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ بِأَيِّ فُرْقَةٍ كَانَتْ لِأَنَّ الْقَرَارَ فِي الْبَيْتِ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهَا فَلَا يَسْقُطُ بِمَعْصِيَتِهَا، فَأَمَّا النَّفَقَةُ فَوَاجِبَةٌ لَهَا فَتَسْقُطُ بِمَعْصِيَةٍ مِنْ قِبَلِهَا، وَأَمَّا الرِّدَّةُ فَقَدْ ذَكَرَهَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي مَبْسُوطِهِ وَقَالَ: إنَّمَا تَسْقُطُ نَفَقَةُ الْمُرْتَدَّةِ إذَا أُخْرِجَتْ لِلْحَبْسِ مِنْ بَيْتِ الْعِدَّةِ، وَأَمَّا إذَا اعْتَدَّتْ وَلَمْ تَخْرُجْ مِنْ بَيْتِ الزَّوْجِ لِلْحَبْسِ فَلَهَا النَّفَقَةُ
(وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ ارْتَدَّتْ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا، وَإِنْ مَكَّنَتْ ابْنَ زَوْجِهَا مِنْ نَفْسِهَا فَلَهَا النَّفَقَةُ) وَالْفَرْقُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ
لِأَنَّ الْفُرْقَةَ تَثْبُتُ بِالطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ وَلَا عَمَلَ فِيهَا لِلرِّدَّةِ وَالتَّمْكِينِ، إلَّا أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ تُحْبَسُ حَتَّى تَتُوبَ، وَلَا نَفَقَةَ لِلْمَحْبُوسَةِ، وَالْمُمَكَّنَةُ لَا تُحْبَسُ فَلِهَذَا يَقَعُ الْفَرْقُ.
وَهُوَ وَاضِحٌ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا كُلَّهُ فِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَالطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ، وَأَمَّا الْمُعْتَدَّةُ بِالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ إذَا وَطِئَهَا ابْنُ الزَّوْجِ أَوْ قَبَّلَهَا بِشَهْوَةٍ وَهِيَ مُطَاوِعَةٌ أَوْ ارْتَدَّتْ فَحُبِسَتْ أَوْ لَمْ تُحْبَسْ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا لِأَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يَقَعُ بِهِ الْفُرْقَةُ وَكَانَ وُقُوعُ الْفُرْقَةِ لِسَبَبٍ وُجِدَ مِنْهَا وَهُوَ مَعْصِيَةٌ فَيُوجِبُ ذَلِكَ سُقُوطَ النَّفَقَةِ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ.
فَصْلٌ
(وَنَفَقَةُ الْأَوْلَادِ الصِّغَارِ عَلَى الْأَبِ
لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ كَمَا لَا يُشَارِكُهُ فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ)
فَصْلٌ)
(لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ نَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ شَرَعَ فِي بَيَانِ نَفَقَةِ الْأَوْلَادِ الصِّغَارِ عَلَى الْأَبِ خَاصَّةً لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ) فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْأَبِ وَالْأُمِّ أَثْلَاثًا بِحَسَبِ مِيرَاثِهِمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى
لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} وَالْمَوْلُودُ لَهُ هُوَ الْأَبُ
{وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} وَوَجْهُ الظَّاهِرِ قَوْله تَعَالَى {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} قِيلَ فِي وَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ رِزْقَ الْوَالِدَاتِ لَمَّا وَجَبَ عَلَى الْأَبِ بِسَبَبِ الْوَلَدِ وَجَبَ عَلَيْهِ رِزْقُ الْوَلَدِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ وُجُوبَ نَفَقَتِهِنَّ عَلَيْهِ كَانَ بِسَبَبِ الْوَلَدِ لِأَنَّ الْحُكْمَ تَرَتَّبَ عَلَى مُشْتَقٍّ، وَتَرَتُّبُهُ عَلَى الْمُشْتَقِّ دَلِيلٌ عَلَى عِلِّيَّةِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ لِذَلِكَ كَمَا فِي السَّارِقِ وَالزَّانِي، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عِلَّةَ نَفَقَتِهِنَّ عَلَى الزَّوْجِ هُوَ الِاحْتِبَاسُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ عِلَّةً لِئَلَّا يَتَوَارَدَ عِلَّتَانِ عَلَى مَعْلُولٍ وَاحِدٍ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْعِلَّةَ هُوَ الْوِلَادُ لِكَوْنِهِ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ إذْ هُوَ السَّبَبُ لِلْجُزْئِيَّةِ الْحَاصِلَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَالْوَلَدِ، وَكَمَا تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى نَفْسِهِ تَجِبُ عَلَى جُزْئِهِ، وَالِاحْتِبَاسُ عِلَّةُ الْعِلَّةِ وَالْعَقْدُ الصَّحِيحُ سَبَبٌ يُفْضِي إلَيْهِ، فَيَجُوزُ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَيْهِ قَبْلَ تَحَقُّقِ الْوِلَادِ، فَإِذَا تَحَقَّقَ يُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ اسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ عَلَى نَفْيِ مُشَارَكَةِ أَحَدٍ فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ بِتَقْدِيمِ الظَّرْفِ.
وَقَاسَ عَلَيْهِ نَفْيَ الْمُشَارَكَةِ فِي نَفَقَةِ الْوَلَدِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَقْبَلُ الِاشْتِرَاكَ، فَكَذَا النَّفَقَةُ الثَّابِتَةُ بِهِمَا؛ وَإِذَا انْتَفَى الِاشْتِرَاكُ فَإِمَّا أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الْأَبِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ لَا سَبِيلَ إلَى
(فَإِنْ كَانَ الصَّغِيرُ رَضِيعًا فَلَيْسَ عَلَى أُمِّهِ أَنْ تُرْضِعَهُ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْكِفَايَةَ عَلَى الْأَبِ وَأُجْرَةَ الرَّضَاعِ كَالنَّفَقَةِ وَلِأَنَّهَا عَسَاهَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ لِعُذْرٍ بِهَا فَلَا مَعْنَى لِلْجَبْرِ عَلَيْهِ. وَقِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى {لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} بِإِلْزَامِهَا الْإِرْضَاعَ مَعَ كَرَاهَتِهَا، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا بَيَانُ الْحُكْمِ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ يُوجَدُ مَنْ تُرْضِعُهُ، أَمَّا إذَا كَانَ لَا تُوجَدُ مَنْ تُرْضِعُهُ تُجْبَرُ الْأُمُّ عَلَى الْإِرْضَاعِ صِيَانَةً لِلصَّبِيِّ عَنْ الضَّيَاعِ.
قَالَ (وَيَسْتَأْجِرُ الْأَبُ مَنْ تُرْضِعُهُ عِنْدَهَا) أَمَّا اسْتِئْجَارُ الْأَبِ فَلِأَنَّ الْأَجْرَ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ عِنْدَهَا مَعْنَاهُ إذَا أَرَادَتْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْحَجْرَ لَهَا.
(وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا وَهِيَ زَوْجَتُهُ أَوْ مُعْتَدَّتُهُ لِتُرْضِعَ وَلَدَهَا) لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْإِرْضَاعَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهَا دِيَانَةً. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ} إلَّا أَنَّهَا عُذِرَتْ لِاحْتِمَالِ عَجْزِهَا، فَإِذَا أَقْدَمَتْ عَلَيْهِ بِالْأَجْرِ ظَهَرَتْ قُدْرَتُهَا فَكَانَ الْفِعْلُ وَاجِبًا عَلَيْهَا فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ، وَهَذَا فِي الْمُعْتَدَّةِ عَنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ رِوَايَةً وَاحِدَةً لِأَنَّ النِّكَاحَ قَائِمٌ، وَكَذَا فِي الْمَبْتُوتَةِ فِي رِوَايَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: جَازَ اسْتِئْجَارُهَا لِأَنَّ النِّكَاحَ قَدْ زَالَ. وَجْهُ الْأُولَى أَنَّهُ بَاقٍ فِي حَقِّ بَعْضِ الْأَحْكَامِ.
(وَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا وَهِيَ مَنْكُوحَتُهُ أَوْ مُعْتَدَّتُهُ لِإِرْضَاعِ ابْنٍ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا جَازَ)
الثَّانِي فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ (وَإِنْ كَانَ الصَّغِيرُ رَضِيعًا فَلَيْسَ عَلَى الْأُمِّ أَنْ تَرْضِعَهُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْكِفَايَةَ عَلَى الْأَبِ وَأُجْرَةَ الرَّضَاعِ كَالنَّفَقَةِ) فَكَمَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ إذَا فُطِمَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ تُرْضِعُهُ إذَا وُجِدَتْ، وَلِأَنَّهَا قَدْ لَا تَقْدِرُ عَلَى الْإِرْضَاعِ لِعُذْرٍ بِهَا فَلَا مَعْنَى لِلْجَبْرِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ قَوْله تَعَالَى {لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} مَعْنَاهُ بِإِلْزَامِهَا الْإِرْضَاعَ مَعَ كَرَاهَتِهَا. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَعْنَى قَوْله تَعَالَى {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} قُلْت: إنْ كَانَ مَعْنَاهُ
لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهَا (وَإِنْ)(انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَاسْتَأْجَرَهَا) يَعْنِي لِإِرْضَاعِ وَلَدِهَا (جَازَ) لِأَنَّ النِّكَاحَ قَدْ زَالَ بِالْكُلِّيَّةِ وَصَارَتْ كَالْأَجْنَبِيَّةِ (فَإِنْ قَالَ الْأَبُ لَا أَسْتَأْجِرُهَا وَجَاءَ بِغَيْرِهَا فَرَضِيَتْ الْأُمُّ بِمِثْلِ أَجْرٍ الْأَجْنَبِيَّةِ أَوْ رَضِيَتْ بِغَيْرِ أَجْرٍ) كَانَتْ هِيَ أَحَقَّ لِأَنَّهَا أَشْفَقُ فَكَانَ نَظَرًا لِلصَّبِيِّ فِي الدَّفْعِ إلَيْهَا (وَإِنْ الْتَمَسَتْ زِيَادَةً لَمْ يُجْبَرْ الزَّوْجُ عَلَيْهَا) دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} أَيْ بِإِلْزَامِهِ لَهَا أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ.
(وَنَفَقَةُ الصَّغِيرِ وَاجِبَةٌ عَلَى أَبِيهِ وَإِنْ خَالَفَهُ فِي دِينِهِ، كَمَا تَجِبُ نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ عَلَى الزَّوْجِ وَإِنْ خَالَفَتْهُ فِي دِينِهِ) أَمَّا الْوَلَدُ فَلِإِطْلَاقِ مَا تَلَوْنَا، وَلِأَنَّهُ جُزْؤُهُ فَيَكُونُ فِي مَعْنَى نَفْسِهِ، وَأَمَّا الزَّوْجَةُ فَلِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْعَقْدُ الصَّحِيحُ فَإِنَّهُ بِإِزَاءِ الِاحْتِبَاسِ الثَّابِتِ بِهِ، وَقَدْ صَحَّ الْعَقْدُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرَةِ وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الِاحْتِبَاسُ فَوَجَبَتْ النَّفَقَةُ.
الْإِخْبَارَ عَنْ فِعْلِهِنَّ حِينَ فَعَلْنَ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى جَوَابٍ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ الْأَمْرَ وَهُوَ الظَّاهِرُ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى النَّدْبِ أَوْ الْوُجُوبِ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يُرْضِعُهُ أَوْ لَمْ يُقْبِلْ الصَّغِيرُ عَلَى ثَدْيِ غَيْرِهَا وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ أَمَّا إذَا كَانَ لَا يُوجَدُ مَنْ تُرْضِعُهُ تُجْبَرُ عَلَى الْإِرْضَاعِ صِيَانَةً لِلصَّبِيِّ عَنْ الضَّيَاعِ، أَوْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْوُجُوبِ عَلَيْهَا تَدَيُّنًا، حَتَّى لَا يَجُوزَ اسْتِئْجَارُهَا عَلَى الْإِرْضَاعِ إذَا كَانَتْ فِي عِصْمَتِهِ أَوْ عِدَّتِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَاسْتَدَلَّ بِهِ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ بِمَعْنَى الْأَمْرِ وَجَبَ أَنْ يَتَنَاوَلَ بِإِطْلَاقِهِ الْمَنْكُوحَةَ وَالْمُبَانَةَ.
قُلْت: إنَّ قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} فِي الْمُطَلَّقَاتِ، وَأَوْجَبَ إيتَاءَ أُجُورِهِنَّ عِنْدَ الْإِرْضَاعِ، فَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ يُرْضِعْنَ عَلَى إطْلَاقِهِ لَوَجَبَ الْإِرْضَاعُ عَلَى الْمُطَلَّقَاتِ، وَفِي ذَلِكَ إبْطَالُ عَمَلِ إحْدَى الْآيَتَيْنِ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْمَنْكُوحَةِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهَا وَهِيَ الْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَالْمَبْتُوتَةُ فِي رِوَايَةٍ إذَا كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ.
وَقَوْلُهُ (وَنَفَقَةُ الصَّغِيرِ وَاجِبَةٌ عَلَى أَبِيهِ وَإِنْ خَالَفَهُ فِي دِينِهِ) بِأَنْ أَسْلَمَ الِابْنُ بِنَفْسِهِ وَالْأَبُ كَافِرٌ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ لِمَا أَنَّ إسْلَامَ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ وَارْتِدَادَهُ صَحِيحٌ (كَمَا تَجِبُ نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ وَإِنْ خَالَفَتْهُ فِي دِينِهِ، أَمَّا الْوَلَدُ فَلِإِطْلَاقِ مَا تَلَوْنَا) يُرِيدُ بِهِ قَوْله تَعَالَى {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} الْآيَةَ (وَلِأَنَّهُ جُزْؤُهُ فَيَكُونُ فِي مَعْنَى نَفْسِهِ) وَكُفْرُهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي نَفَقَةِ نَفْسِهِ فَكَذَا فِي نَفَقَةِ جُزْئِهِ (وَأَمَّا الزَّوْجَةُ فَلِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْعَقْدُ الصَّحِيحُ، فَإِنَّهُ) يَعْنِي وُجُوبَ النَّفَقَةِ (بِإِزَاءِ الِاحْتِبَاسِ الثَّابِتِ بِهِ) أَيْ بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ، وَالْعَقْدُ الصَّحِيحُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ مَوْجُودٌ،
وَفِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا إنَّمَا تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الْأَبِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلصَّغِيرِ مَالٌ، أَمَّا إذَا كَانَ فَالْأَصْلُ أَنَّ نَفَقَةَ الْإِنْسَانِ فِي مَالِ نَفْسِهِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا.
فَصْلٌ.
وَالِاحْتِبَاسُ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ فَيَكُونُ السَّبَبُ مَوْجُودًا فَتَجِبُ النَّفَقَةُ. فَإِنْ قِيلَ: سَلَّمْنَا أَنَّ السَّبَبَ مَوْجُودٌ لَكِنْ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكُفْرُ مَانِعًا كَمَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْإِرْثِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ مَا كَانَ سَبَبُهُ الْعَقْدَ فَالْكُفْرُ لَا يُنَافِي وُجُوبَهُ كَالْمَهْرِ وَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَغَيْرِهِمَا وَالْمِيرَاثُ لَيْسَ سَبَبُهُ الْعَقْدَ، وَإِنَّمَا مَبْنَاهُ عَلَى الْوِلَايَةِ، وَالْكُفْرُ يُنَافِيهَا. وَأَقُولُ: لَوْ اسْتَدَلَّ عَلَى نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ أَيْضًا بِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} الْآيَةَ كَانَ أَسْهَلَ تَأَتِّيًا لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى نَفَقَتِهِنَّ بِعِبَارَتِهِ وَعَلَى نَفَقَةِ الْوَلَدِ بِالدَّلَالَةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى دَفْعِ مَا يُوهِمُ كَلَامُهُ مِنْ التَّرَدُّدِ فِي سَبَبِ النَّفَقَةِ؛ فَإِنَّهُ جَعَلَهُ هَاهُنَا الْعَقْدَ الصَّحِيحَ وَجَعَلَهُ فِي قَوْلِهِ {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} الْوِلَادَ وَقَبْلَهُ الِاحْتِبَاسُ الْحَاصِلُ بِالْعَقْدِ وَدَفَعَهُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَقَوْلُهُ (فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا) أَيْ مِنْ نَفَقَةِ الْوَلَدِ مَعَ مُوَافَقَةِ الدِّينِ وَمُخَالَفَتِهِ إنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْأَبِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلصَّغِيرِ مَالٌ وَتَنْكِيرُ مَالٍ يُشِيرُ إلَى عُمُومِهِ بِوُقُوعِهِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ النَّفَقَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا أَوْ دُورًا أَوْ عَقَارًا أَوْ ثِيَابًا. قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: إذَا كَانَ لِلصَّغِيرِ عَقَارٌ أَوْ ثِيَابٌ وَاحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ لِلنَّفَقَةِ كَانَ لِلْأَبِ أَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُنْفِقَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي نَفَقَةِ الْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ فِي مَالِ نَفْسِهِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ نَفَقَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا وَإِنْ كَانَ لَهَا مَالٌ فَالْأَصْلُ مَنْقُوضٌ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَصْلَ عِبَارَةٌ عَنْ حَالَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ لَا تَتَغَيَّرُ إلَّا بِأُمُورٍ ضَرُورِيَّةٍ، وَقَدْ تَحَقَّقَ فِي نَفَقَةِ الْمَرْأَةِ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ فَيَتَغَيَّرُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْمَرْأَةِ فِي مُقَابَلَةِ الِاحْتِبَاسِ، فَمَا دَامَ الِاحْتِبَاسُ قَائِمًا كَانَتْ النَّفَقَةُ وَاجِبَةً تَحْقِيقًا لِلْمُعَادَلَةِ وَنَفَقَةُ الْوَلَدِ لِلْحَاجَةِ وَلَا حَاجَةَ مَعَ الْغِنَى.
فَصْلٌ
(وَعَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى أَبَوَيْهِ وَأَجْدَادِهِ وَجَدَّاتِهِ إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ وَإِنْ خَالَفُوهُ فِي دِينِهِ) أَمَّا الْأَبَوَانِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} نَزَلَتْ الْآيَةُ فِي الْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ، وَلَيْسَ مِنْ الْمَعْرُوفِ أَنْ يَعِيشَ فِي نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَتْرُكَهُمَا يَمُوتَانِ جُوعًا، وَأَمَّا الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ فَلِأَنَّهُمْ مِنْ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَلِهَذَا يَقُومُ الْجَدُّ مَقَامَ
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ نَفَقَةِ الْوَلَدِ شَرَعَ فِي بَيَانِ نَفَقَةِ الْوَالِدِ (وَيَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى أَبَوَيْهِ وَأَجْدَادِهِ وَجَدَّاتِهِ إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ وَإِنْ خَالَفُوهُ فِي دِينِهِ، أَمَّا الْأَبَوَانِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} قِيلَ نَزَلَتْ فِي سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ حِينَ أَسْلَمَ وَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ جَمِيلَةُ: يَا سَعْدُ بَلَغَنِي أَنَّك صَبَوْت، فَوَاَللَّهِ لَا يُظِلُّنِي سَقْفُ بَيْتٍ مِنْ الضِّحِّ وَالرِّيحِ وَلَا آكُلُ وَلَا أَشْرَبُ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ وَتَرْجِعَ إلَى مَا كُنْت عَلَيْهِ وَكَانَ أَحَبَّ وَلَدِهَا إلَيْهَا، فَأَبَى سَعْدٌ وَصَبَرَتْ هِيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَمْ تَأْكُلْ وَلَمْ تَشْرَبْ وَلَمْ تَسْتَظِلَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهَا، فَأَتَى سَعْدٌ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَشَكَا إلَيْهِ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. (وَلَيْسَ مِنْ الْمَعْرُوفِ أَنْ يَعِيشَ الْوَلَدُ فِي نِعَمِ اللَّهِ وَيَتْرُكَ مَا كَانَ سَبَبًا لَهُ فِي تِلْكَ الْمَعِيشَةِ يَمُوتُ مِنْ الْجُوعِ) وَقَدْ قِيلَ فَسَّرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم
الْأَبِ عِنْدَ عَدَمِهِ وَلِأَنَّهُمْ سَبَّبُوا لِإِحْيَائِهِ فَاسْتَوْجَبُوا عَلَيْهِ الْإِحْيَاءَ بِمَنْزِلَةِ الْأَبَوَيْنِ. وَشُرِطَ الْفَقْرُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَا مَالٍ، فَإِيجَابُ نَفَقَتِهِ فِي مَالِهِ أَوْلَى مِنْ إيجَابِهَا فِي مَالِ غَيْرِهِ، وَلَا يُمْنَعُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ لِمَا تَلَوْنَا (وَلَا تَجِبُ النَّفَقَةُ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ إلَّا لِلزَّوْجَةِ وَالْأَبَوَيْنِ وَالْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ وَالْوَلَدِ وَوَلَدِ الْوَلَدِ) أَمَّا الزَّوْجَةُ فَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهَا وَاجِبَةٌ لَهَا بِالْعَقْدِ لِاحْتِبَاسِهَا لِحَقٍّ لَهُ مَقْصُودٍ، وَهَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِاتِّحَادِ الْمِلَّةِ، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَلِأَنَّ الْجُزْئِيَّةَ ثَابِتَةٌ وَجُزْءَ الْمَرْءِ فِي مَعْنَى نَفْسِهِ، فَكَمَا لَا يُمْتَنَعُ نَفَقَةُ نَفْسِهِ لِكُفْرِهِ لَا يُمْتَنَعُ نَفَقَةُ جُزْئِهِ إلَّا أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا حَرْبِيِّينَ لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانُوا مُسْتَأْمَنَيْنِ، لِأَنَّا نُهِينَا عَنْ الْبِرِّ فِي حَقِّ مَنْ يُقَاتِلُنَا فِي الدِّينِ.
(وَلَا تَجِبُ عَلَى النَّصْرَانِيِّ نَفَقَةُ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ)
حُسْنَ الْمُصَاحَبَةِ بِأَنْ يُطْعِمَهُمَا إذَا جَاعَا وَيَكْسُوَهُمَا إذَا عَرِيَا وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (لِمَا تَلَوْنَا) أَرَادَ بِهِ قَوْله تَعَالَى {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا أَنَّ الْأَبَ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ هَلْ يُجْبَرُ الْوَلَدُ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ أَوْ لَا. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: إذَا كَانَ الْأَبُ كَسُوبًا وَالِابْنُ أَيْضًا كَسُوبًا يُجْبَرُ الِابْنُ عَلَى الْكَسْبِ وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْأَبِ.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: لَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، فَاعْتَبَرَهُ بِذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ اسْتِحْقَاقَ النَّفَقَةِ لِلْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ وَهِيَ تَنْدَفِعُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكَسْبِ، وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ يَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ نَفَقَةِ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ، فَإِنَّ الْوَلَدَ الْبَالِغَ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ لَا تَجِبُ عَلَى الْأَبِ نَفَقَتُهُ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِفَضِيلَةِ الْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ حَيْثُ اُعْتُبِرَتْ حَاجَتُهُ ضَرُورِيَّةً كَانَتْ كَالنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ، أَوْ غَيْرَهَا كَشَهْوَةِ الْفَرْجِ فَإِنَّ لِلْوَالِدِ اسْتِحْقَاقَ اسْتِيلَادِ جَارِيَةِ الْوَلَدِ وَلَيْسَ لِلْوَلَدِ اسْتِحْقَاقُ اسْتِيلَادِ جَارِيَةِ الْوَالِدِ، فَلَوْ شُرِطَ هَاهُنَا عَجْزُ الْوَالِدِ عَنْ الْكَسْبِ لِاسْتِحْقَاقِ نَفَقَتِهِ عَلَى وَلَدِهِ كَمَا شُرِطَ فِي حَقِّ الِابْنِ لَوَقَعَتْ الْمُسَاوَاةُ مَعَ قِيَامِ دَلِيلِ الْمُفَاضَلَةِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَا تَجِبُ النَّفَقَةُ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّا نُهِينَا عَنْ الْبِرِّ فِي حَقِّ مَنْ يُقَاتِلُنَا) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ} الْآيَةَ. وَاسْتَشْكَلَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} فَإِنَّهُ بِإِطْلَاقِهِ يُوجِبُ النَّفَقَةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَإِنْ كَانَا حَرْبِيَّيْنِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْعَمَلَ بِإِطْلَاقِهِ يُفْضِي إلَى التَّعَارُضِ الْمُفْضِي إلَى التَّرْكِ الْمُمْتَنِعِ فَحُمِلَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَهَذَا عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَا تَجِبُ عَلَى النَّصْرَانِيِّ نَفَقَةُ أَخُوهُ الْمُسْلِمِ) مِنْ فُرُوعِ قَوْلِهِ وَلَا تَجِبُ النَّفَقَةُ مَعَ
وَكَذَا لَا تَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ نَفَقَةُ أَخِيهِ النَّصْرَانِيِّ لِأَنَّ النَّفَقَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْإِرْثِ بِالنَّصِّ بِخِلَافِ الْعِتْقِ عِنْدَ الْمِلْكِ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَرَابَةِ وَالْمَحْرَمِيَّةَ بِالْحَدِيثِ، وَلِأَنَّ الْقَرَابَةَ مُوجِبَةٌ لِلصِّلَةِ، وَمَعَ الِاتِّفَاقِ فِي الدِّينِ آكَدُ وَدَوَامُ مِلْكِ الْيَمِينِ أَعْلَى فِي الْقَطِيعَةِ مِنْ حِرْمَانِ النَّفَقَةِ، فَاعْتَبَرْنَا فِي الْأَعْلَى أَصْلَ الْعِلَّةِ وَفِي الْأَدْنَى الْعِلَّةَ الْمُؤَكَّدَةَ فَلِهَذَا افْتَرَقَا (وَلَا يُشَارِكُ الْوَلَدَ فِي نَفَقَةِ أَبَوَيْهِ أَحَدٌ) لِأَنَّ لَهُمَا تَأْوِيلًا فِي مَالِ الْوَلَدِ بِالنَّصِّ، وَلَا تَأْوِيلَ لَهُمَا فِي مَالِ غَيْرِهِ،
اخْتِلَافِ الدِّينِ مُتَضَمِّنًا لِلْفَرْقِ بَيْنَ عَدَمِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ وَوُقُوعِ الْعِتْقِ عِنْدَ التَّمَلُّكِ، وَكَلَامُهُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ النَّفَقَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْإِرْثِ: يَعْنِي فِي غَيْرِ قَرَابَةِ الْوِلَادِ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} وَالْعِتْقُ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَرَابَةِ وَالْمَحْرَمِيَّةِ بِالْحَدِيثِ: يَعْنِي قَوْلَهُ عليه الصلاة والسلام «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ عَتَقَ عَلَيْهِ» وَبِالْمَعْقُولِ وَاضِحٌ خَلَا قَوْلَهُ: دَوَامُ مِلْكِ الْيَمِينِ أَعْلَى فِي الْقَطِيعَةِ مِنْ حِرْمَانِ النَّفَقَةِ، فَإِنَّ حِرْمَانَ النَّفَقَةِ قَدْ يُفْضِي إلَى الْهَلَاكِ وَدَوَامُ مِلْكِ الْيَمِينِ لَيْسَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَكُونُ أَعْلَى؟ وَلِأَنَّ الْإِنْفَاقَ صِلَةُ إحْيَاءٍ حَقِيقَةً وَصِلَةُ الْعِتْقِ صِلَةُ إحْيَاءٍ حُكْمًا، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الْإِحْيَاءَ الْحَقِيقِيَّ أَعْلَى. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى النَّفَقَةِ مَقْدُورَةُ الدَّفْعِ مِنْ غَيْرِهِ بِأَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَوْ يَبَرَّهُ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ، فَإِنَّ الْهَلَاكَ جُوعًا فِي الْعُمْرَانِ مَعَ تَوَفُّرِ أَصْحَابِ الزَّكَوَاتِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْمَعْرُوفِ نَادِرٌ، وَأَمَّا الْحَاجَةُ إلَى الْإِعْتَاقِ فَإِنَّهَا لَا تَنْدَفِعُ إلَّا مِنْ جَانِبِهِ، وَأَمَّا كَوْنُ الْإِحْيَاءِ الْحَقِيقِيِّ أَعْلَى مِنْ الْحُكْمِيِّ فَبَعْدَ تَسْلِيمِهِ مَرْدُودٌ بِعَدَمِ تَعَيُّنِ تَحَقُّقِهِ مِنْ جَانِبِهِ لِمَا قُلْنَا. قَالَ (وَلَا يُشَارِكُ الْوَلَدَ فِي نَفَقَةِ أَبَوَيْهِ أَحَدٌ) لَا يُشَارِكُ الْوَلَدَ فِي نَفَقَةِ أَبَوَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْأَعْمَامِ وَغَيْرِهِمْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (لِأَنَّ لَهُمَا تَأْوِيلًا فِي مَالِ الْوَلَدِ بِالنَّصِّ) وَهُوَ قَوْلُهُ
وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْهِمَا فَكَانَ أَوْلَى بِاسْتِحْقَاقِ نَفَقَتِهِمَا عَلَيْهِ، وَهِيَ عَلَى الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بِالسَّوِيَّةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ الْمَعْنَى يَشْمَلُهُمَا.
- صلى الله عليه وسلم «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» فَكَانَا غَنِيَّيْنِ بِمَالِهِ، وَالْغَنِيُّ لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ. فَإِنْ قِيلَ: التَّأْوِيلُ ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَلَا يُعَارِضُ إطْلَاقَ قَوْله تَعَالَى {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} قُلْت: الْحَدِيثُ مَشْهُورٌ فَتَجُوزُ بِهِ الزِّيَادَةُ. سَلَّمْنَا أَنَّهُ مِنْ الْآحَادِ لَكِنَّ تَرْكَ إطْلَاقِ قَوْلِهِ {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى تَقْيِيدِهَا بِغَيْرِ قَرَابَةِ الْوِلَادِ الْمُسْتَنِدَةِ إلَى قَوْله تَعَالَى {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} الْآيَةَ كَمَا تَقَدَّمَ. فَإِنْ قُلْت: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} يَقْتَضِي أَنْ يُشَارِكَ الْجَدُّ الِابْنَ، كَمَا أَنَّ قَوْله تَعَالَى {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} يَقْتَضِيهِ: قُلْت: لَمَّا ثَبَتَ لِلْوَالِدِ التَّأْوِيلُ فِي مَالِ الْوَلَدِ بِالْإِجْمَاعِ صَارَ غَنِيًّا بِهِ وَالْغَنِيُّ لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى وَالِدِهِ فَلَا يُشَارِكُ الْجَدُّ الِابْنَ.
وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْهِمَا) أَيْ الْوَلَدُ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَى الْوَالِدَيْنِ، وَالْأَقْرَبُ إلَيْهِمَا أَوْلَى لِاسْتِحْقَاقِ نَفَقَتِهِمَا عَلَيْهِ لِأَنَّهَا صِلَةٌ وَجَبَتْ بِالْقَرَابَةِ، فَمَنْ كَانَ أَقْرَبَ فَهُوَ أَوْلَى بِالِاسْتِحْقَاقِ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَهِيَ عَلَى الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بِالسَّوِيَّةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ النَّفَقَةَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى أَثْلَاثًا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ عَلَى قِيَاسِ الْمِيرَاثِ وَعَلَى قِيَاسِ نَفَقَةِ ذَوِي الْأَرْحَامِ.
وَوَجْهُ الظَّاهِرِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَشْمَلُهُمَا. وَبَيَانُهُ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْأَبَوَيْنِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ التَّأْوِيلِ وَحَقِّ الْمِلْكِ لَهُمَا فِي مَالِ الْوَلَدِ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» وَهَذَا الْمَعْنَى يَشْمَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ فَيَكُونَانِ سَوَاءً؛ وَلِهَذَا يَثْبُتُ لَهُمَا هَذَا الِاسْتِحْقَاقُ مَعَ اخْتِلَافِ الْمِلَّةِ وَإِنْ انْعَدَمَ التَّوَارُثُ، فَقَوْلُهُ (وَهُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ.
(وَالنَّفَقَةُ لِكُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ إذَا كَانَ صَغِيرًا فَقِيرًا أَوْ كَانَتْ امْرَأَةً بَالِغَةً فَقِيرَةً أَوْ كَانَ ذَكَرًا بَالِغًا فَقِيرًا زَمِنًا أَوْ أَعْمَى) لِأَنَّ الصِّلَةَ فِي الْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ وَاجِبَةٌ دُونَ الْبَعِيدَةِ، وَالْفَاصِلُ أَنْ يَكُونَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ " وَعَلَى الْوَارِثِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ مِثْلُ ذَلِكَ " ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ الْحَاجَةِ
وَقَوْلُهُ (وَالنَّفَقَةُ لِكُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ: أَيْ النَّفَقَةُ لِكُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ وَهُوَ مَنْ لَا يَحِلُّ نِكَاحُهُ عَلَى التَّأْبِيدِ وَاجِبَةٌ إذَا كَانَ صَغِيرًا فَقِيرًا أَوْ كَانَتْ امْرَأَةً بَالِغَةً فَقِيرَةً أَوْ كَانَ ذَكَرًا فَقِيرًا. زَمِنًا أَوْ أَعْمَى؛ لِأَنَّ الصِّلَةَ فِي الْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ وَاجِبَةٌ دُونَ الْبَعِيدَةِ، وَالْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا كَوْنُهُ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} فَإِنَّ ذَلِكَ لِلْإِشَارَةِ إلَى الْبَعِيدِ فَيَكُونُ إشَارَةً إلَى أَوَّلِ الْآيَةِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَى الْوَارِثِ النَّفَقَةَ، وَتَقْيِيدُهُ بِذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وَعَلَى الْوَارِثِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ قِرَاءَتَهُ كَانَتْ مَسْمُوعَةً مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ الْحَاجَةِ لِاسْتِحْقَاقِهَا لِذَلِكَ، وَالصِّفَاتُ الْمَذْكُورَةُ وَهِيَ الصِّغَرُ وَالْأُنُوثَةُ وَالزَّمَانَةُ وَالْعَمَى أَمَارَةُ الْحَاجَةِ لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ فَإِنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْكَسْبِ غَنِيٌّ. فَإِنْ قِيلَ: مَا بَالُ الْأَبَوَيْنِ لَمْ يُعَدَّا غَنِيَّيْنِ بِقُدْرَتِهِمَا عَلَى الْكَسْبِ؟ أَجَابَ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ الْأَبَوَيْنِ إلَخْ وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ،
وَالصِّغَرِ وَالْأُنُوثَةِ وَالزَّمَانَةِ وَالْعَمَى أَمَارَةُ الْحَاجَةِ لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ، فَإِنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْكَسْبِ غَنِيٌّ بِكَسْبِهِ. بِخِلَافِ الْأَبَوَيْنِ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُمَا تَعَبُ الْكَسْبِ وَالْوَلَدُ مَأْمُورٌ بِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمَا فَتَجِبُ نَفَقَتُهُمَا مَعَ قُدْرَتِهِمَا عَلَى الْكَسْبِ. قَالَ (وَيَجِبُ ذَلِكَ عَلَى مِقْدَارِ الْمِيرَاثِ وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ)
وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ.
وَقَوْلُهُ (يَجِبُ ذَلِكَ) يَعْنِي النَّفَقَةَ (عَلَى قَدْرِ الْمِيرَاثِ وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْإِنْفَاقِ. أَمَّا التَّقْدِيرُ فَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى الْوَارِثِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} تَنْبِيهًا عَلَى اعْتِبَارِ الْمِقْدَارِ لِأَنَّهُ رَتَّبَ الْحُكْمَ عَلَى الْمُشْتَقِّ فَيَكُونُ الْمُشْتَقُّ مِنْهُ هُوَ الْعِلَّةُ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ بِقَدْرِ عِلَّتِهِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَوْصَى لِوَرَثَةِ فُلَانٍ وَلَهُ بَنُونَ وَبَنَاتٌ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُمْ عَلَى قَدْرِ الْمِيرَاثِ، وَعَلَى هَذَا إذَا كَانَ الرَّجُلُ زَمِنًا مُعْسِرًا وَلَهُ ابْنٌ مُعْسِرٌ صَغِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ زَمِنٌ وَلِلرَّجُلِ ثَلَاثَةُ إخْوَةٍ مُتَفَرِّقُونَ مُوسِرُونَ فَنَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَخِيهِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَعَلَى أَخِيهِ لِأُمٍّ أَسْدَاسًا بِحَسَبِ مِيرَاثِهِمَا، فَأَمَّا نَفَقَةُ الْوَلَدِ فَعَلَى الْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ خَاصَّةً لِأَنَّ مِيرَاثَ الْوَلَدِ لَهُ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ خَاصَّةً فَإِنَّهُ عَمٌّ لِأَبٍ وَأُمٍّ،
لِأَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الْوَارِثِ تَنْبِيهٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْمِقْدَارِ، وَلِأَنَّ الْغُرْمَ بِالْغُنْمِ وَالْجَبْرَ لِإِيفَاءِ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ.
قَالَ (وَتَجِبُ نَفَقَةُ الِابْنَةِ الْبَالِغَةِ وَالِابْنِ الزَّمِنِ عَلَى أَبَوَيْهِ أَثْلَاثًا عَلَى الْأَبِ الثُّلُثَانِ وَعَلَى الْأُمِّ الثُّلُثُ) لِأَنَّ الْمِيرَاثَ لَهُمَا عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ. قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ رِوَايَةُ الْخَصَّافِ وَالْحَسَنِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كُلُّ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} وَصَارَ كَالْوَلَدِ الصَّغِيرِ. وَوَجْهُ الْفَرْقِ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ اجْتَمَعَتْ لِلْأَبِ فِي الصَّغِيرِ وِلَايَةٌ وَمَئُونَةٌ حَتَّى وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَدَقَةُ فِطْرِهِ فَاخْتَصَّ بِنَفَقَتِهِ، وَلَا كَذَلِكَ الْكَبِيرُ لِانْعِدَامِ الْوِلَايَةِ فِيهِ فَتُشَارِكُهُ الْأُمُّ، وَفِي غَيْرِ الْوَالِدِ يُعْتَبَرُ قَدْرُ الْمِيرَاثِ حَتَّى تَكُونَ نَفَقَةُ الصَّغِيرِ عَلَى الْأُمِّ وَالْجَدِّ أَثْلَاثًا، وَنَفَقَةُ الْأَخِ الْمُعْسِرِ عَلَى الْأَخَوَاتِ الْمُتَفَرِّقَاتِ الْمُوسِرَاتِ أَخْمَاسًا عَلَى قَدْرِ الْمِيرَاثِ،
وَلَا يَرِثُ مَعَهُ الْعَمُّ لِأَبٍ وَلَا الْعَمُّ لِأُمٍّ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ يَكُونُ مُحْتَاجًا يُجْعَلُ مَعْدُومًا وَتَكُونُ النَّفَقَةُ بَعْدَهُ عَلَى مَنْ يَكُونُ وَارِثًا بِحَسَبِ الْمِيرَاثِ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ ابْنَةً كَانَ نَفَقَةُ الْأَبِ وَالِابْنَةِ عَلَى الْأَخِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ خَاصَّةً، أَمَّا نَفَقَةُ الِابْنَةِ فَلِمَا بَيَّنَّا، وَأَمَّا نَفَقَةُ الْأَبِ فَلِأَنَّ الْوَارِثَ هَاهُنَا الْأَخُ لِأَبٍ وَأُمٍّ خَاصَّةً لِأَنَّ الْأَخَ لِأَبٍ وَأُمٍّ يَرِثُ مَعَ الِابْنَةِ وَالْأَخَ لِأُمٍّ لَا يَرِثُ مَعَهَا فَلَا حَاجَةَ أَنْ يَجْعَلَ الْبِنْتَ كَالْمَعْدُومَةِ، وَلَكِنْ تُعْتَبَرُ صِفَةُ الْوِرَاثَةِ مَعَ بَقَائِهَا، بِخِلَافِ الِابْنِ فَإِنَّهُ لَا يَرِثُ مَعَهُ أَحَدٌ مِنْ الْإِخْوَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُجْعَلَ كَالْمَعْدُومِ؛ فَإِذَا جُعِلَ كَذَلِكَ فَمِيرَاثُ الْأَبِ يَكُونُ بَيْنَ الْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَالْأَخِ لِأُمٍّ أَسْدَاسًا فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا بِحَسَبِ ذَلِكَ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْمِيرَاثُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَلَمْ يَتَجَاوَزْ إلَى غَيْرِهِمْ، وَأَمَّا إذَا تَجَاوَزَ عَنْهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ كَمَا إذَا كَانَ لِلصَّغِيرِ الْفَقِيرِ خَالٌ مُوسِرٌ وَابْنُ عَمٍّ مُوسِرٌ فَالنَّفَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ الَّذِي لَمْ يَرِثْ لَا عَلَى غَيْرِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ الَّذِي هُوَ وَارِثٌ فَيَكُونُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى الْخَالِ دُونَ ابْنِ الْعَمِّ الَّذِي يُحْرِزُ الْمِيرَاثَ لِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ وَابْنُ الْعَمِّ لَيْسَ كَذَلِكَ وَالْخَالُ كَذَلِكَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي الْكِتَابِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ النَّفَقَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمِيرَاثِ بِالنَّصِّ فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ تَجِبَ النَّفَقَةُ عَلَى ابْنِ الْعَمِّ لِكَوْنِهِ وَارِثًا وَلَا تَجِبُ عَلَى الْخَالِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ وَارِثٍ. أُجِيبَ بِأَنَّ نَفَقَةَ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ وَاجِبَةٌ تَحْقِيقًا لِلصِّلَةِ، وَتَحْقِيقُ صِلَةِ قَرَابَةِ ابْنِ الْعَمِّ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِدَلِيلِ جَوَازِ الْمُنَاكَحَةِ فِي حَقِّهِ، بِخِلَافِ الْخَالِ فَإِنَّ صِلَتَهُ وَاجِبَةٌ وَالنَّفَقَةُ مِنْهَا فَتَجِبُ عَلَيْهِ.
قَالَ (وَتَجِبُ نَفَقَةُ الِابْنَةِ الْبَالِغَةِ وَالِابْنِ الزَّمِنِ) كَلَامُهُ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (وَوَجْهُ الْفَرْقِ) يَعْنِي بَيْنَ نَفَقَةِ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ حَيْثُ
غَيْر أَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَهْلِيَّةُ الْإِرْثِ فِي الْجُمْلَةِ لَا إحْرَازُهُ، فَإِنَّ الْمُعْسِرَ إذَا كَانَ لَهُ خَالٌ وَابْنُ عَمٍّ تَكُونُ نَفَقَتُهُ عَلَى خَالِهِ وَمِيرَاثُهُ يُحْرِزُهُ ابْنُ عَمِّهِ (وَلَا تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ لِبُطْلَانِ أَهْلِيَّةِ الْإِرْثِ وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِ وَلَا تَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ) لِأَنَّهَا تَجِبُ صِلَةً وَهُوَ يَسْتَحِقُّهَا عَلَى غَيْرِهِ فَكَيْفَ تَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهَا بِالْإِقْدَامِ عَلَى الْعَقْدِ، إذْ الْمَصَالِحُ لَا تَنْتَظِمُ دُونَهَا، وَلَا يَعْمَلُ فِي مِثْلِهَا الْإِعْسَارُ. ثُمَّ الْيَسَارُ مُقَدَّرٌ بِالنِّصَابِ فِيمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِمَا يَفْضُلُ عَلَى نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ شَهْرًا أَوْ بِمَا يَفْضُلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ كَسْبِهِ الدَّائِمِ كُلَّ يَوْمٍ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ وَإِنَّمَا هُوَ الْقُدْرَةُ دُونَ النِّصَابِ فَإِنَّهُ لِلتَّيْسِيرِ
وَجَبَتْ بِجُمْلَتِهَا عَلَى الْأَبِ خَاصَّةً وَبَيْنَ نَفَقَةِ الْوَلَدِ الْكَبِيرِ الزَّمِنِ حَيْثُ وَجَبَ ثُلُثَاهَا عَلَى الْأَبِ وَالثُّلُثُ عَلَى الْأُمِّ كَمَا فِي الْإِرْثِ أَنَّهُ اجْتَمَعَتْ لِلْأَبِ فِي الصَّغِيرِ وِلَايَةٌ وَمَئُونَةٌ حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِ صَدَقَةُ فِطْرِهِ وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ نَفْسِهِ وَغَيْرُهُ لَا يُشَارِكُهُ فِي النَّفَقَةِ عَلَى نَفْسِهِ. فَكَذَا فِي النَّفَقَةِ عَلَى الصَّغِيرِ. وَأَمَّا الْكَبِيرُ فَلَيْسَ لِلْأَبِ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ لِبُلُوغِهِ فَكَانَ كَسَائِرِ الْمَحَارِمِ نَفَقَتُهُ مُعْتَبَرَةٌ بِمِيرَاثِهِ وَمِيرَاثُهُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا فَكَذَلِكَ نَفَقَتُهُ. وَقَوْلُهُ أَخْمَاسًا عَلَى قَدْرِ الْمِيرَاثِ يَعْنِي: ثَلَاثَةُ الْأَخْمَاسِ مِنْ الْمِيرَاثِ تَكُونُ لِلْأُخْتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَالْخُمُسُ لِلْأُخْتِ لِأَبٍ وَالْخُمُسُ لِلْأُخْتِ لِأُمٍّ بِالْفَرْدِ وَالرَّدِّ، فَكَذَلِكَ النَّفَقَةُ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ.
وَقَوْلُهُ (غَيْرَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَفِي غَيْرِ الْوَالِدِ تُعْتَبَرُ عَلَى قَدْرِ الْمِيرَاثِ، وَالْمُرَادُ بِأَهْلِيَّةِ الْإِرْثِ هُوَ أَنْ لَا يَكُونَ مَحْرُومًا. وَفِي كَلَامِهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ حَيْثُ قَالَ: إنَّ الْمُعْتَبَرَ أَهْلِيَّةُ الْإِرْثِ لَا إحْرَازُهُ، ثُمَّ نَشَرَ بِقَوْلِهِ فَإِنَّ الْمُعْسِرَ إذَا كَانَ لَهُ خَالٌ يَعْنِي وَهُوَ مُوسِرٌ وَابْنُ عَمٍّ كَذَلِكَ فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْخَالِ وَابْنِ الْعَمِّ يُحْرِزُ الْمِيرَاثَ لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ الْخَالَ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ دُونَ ابْنِ الْعَمِّ. وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ لَا إحْرَازُهُ.
وَقَوْلُهُ (وَلَا تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ) رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ الْمُعْتَبَرُ أَهْلِيَّةُ الْإِرْثِ. وَقَوْلُهُ (وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِ) أَيْ اعْتِبَارِ الْإِرْثِ بِأَنْ يَكُونَ أَهْلًا لَا مُحْرِزًا، وَلِهَذَا قُلْنَا لَا يَجِبُ عَلَى النَّصْرَانِيِّ نَفَقَةُ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَلَا عَكْسُهُ. وَقَوْلُهُ (وَلَا تَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (بِمَا يَفْضُلُ عَلَى نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ شَهْرًا) قِيلَ: هَذَا إذَا كَانَتْ نَفَقَتُهُ مِنْ مُسْتَغَلَّاتِهِ (أَوْ بِمَا يَفْضُلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ كَسْبِهِ الدَّائِمِ) إذَا كَانَ مُعْتَمِلًا يُنْفِقُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ.
وَالْفَتْوَى عَلَى الْأَوَّلِ، لَكِنَّ النِّصَابَ نِصَابُ حِرْمَانِ الصَّدَقَةِ.
(وَإِذَا كَانَ لِلِابْنِ الْغَائِبِ مَالٌ قُضِيَ فِيهِ بِنَفَقَةِ أَبَوَيْهِ) وَقَدْ بَيَّنَّا الْوَجْهَ فِيهِ (وَإِذَا بَاعَ أَبُوهُ مَتَاعَهُ فِي نَفَقَتِهِ جَازَ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ (وَإِنْ بَاعَ الْعَقَارَ لَمْ يَجُزْ) وَفِي قَوْلِهِمَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ كُلُّهُ وَهُوَ الْقِيَاسُ، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ لِانْقِطَاعِهَا بِالْبُلُوغِ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ فِي حَالِ حَضْرَتِهِ وَلَا يَمْلِكُ الْبَيْعَ فِي دَيْنٍ لَهُ سِوَى النَّفَقَةِ،
وَقَوْلُهُ (وَالْفَتْوَى عَلَى الْأَوَّلِ) يَعْنِي أَنَّ الْيَسَارَ مُقَدَّرٌ بِالنِّصَابِ، لَكِنَّ النِّصَابَ نِصَابُ حِرْمَانِ الصَّدَقَةِ وَهُوَ مِائَتَا دِرْهَمٍ إذَا كَانَ فَاضِلًا عَنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ أَشْبَهُ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ لِكَوْنِهَا مَئُونَةً مِنْ وَجْهٍ، صَدَقَةً مِنْ وَجْهٍ، وَالنَّفَقَةُ مَئُونَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَلَمَّا لَمْ يُشْتَرَطْ لِوُجُوبِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ الْغِنَى الْمُوجِبُ لِلزَّكَاةِ فَلَأَنْ لَا يُشْتَرَطَ هَاهُنَا وَهِيَ مَئُونَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَوْلَى. وَنَقَلَ فِي خُلَاصَةِ الْفَتَاوَى عَنْ الْأَجْنَاسِ قَالَ فِي نَوَادِرِ أَبِي يُوسُفَ: يُشْتَرَطُ نِصَابُ الزَّكَاةِ. ثُمَّ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: هَكَذَا قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى إنْ انْتَقَصَ مِنْهُ دِرْهَمٌ لَا يَجِبُ.
(وَإِنْ كَانَ لِلِابْنِ الْغَائِبِ مَالٌ قَضَى فِيهِ بِنَفَقَةِ أَبَوَيْهِ) وَقَوْلُهُ (وَقَدْ بَيَّنَّا الْوَجْهَ فِيهِ) يُرِيدُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا يَقْضِي بِنَفَقَةٍ فِي مَالِ غَائِبٍ إلَّا لِهَؤُلَاءِ، إلَى قَوْلِهِ: وَلِهَذَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا فَكَانَ قَضَاءُ الْقَاضِي إعَانَةً لَهُمْ.
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا بَاعَ أَبُوهُ مَتَاعَهُ) ظَاهِرٌ.
وَكَذَا لَا تَمْلِكُ الْأُمُّ فِي النَّفَقَةِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ لِلْأَبِ وِلَايَةَ الْحِفْظِ فِي مَالِ الْغَائِبِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْوَصِيِّ ذَلِكَ فَالْأَبُ أَوْلَى لِوُفُورِ شَفَقَتِهِ، وَبَيْعُ الْمَنْقُولِ مِنْ بَابِ الْحِفْظِ وَلَا كَذَلِكَ الْعَقَارُ لِأَنَّهَا مُحْصَنَةٌ بِنَفْسِهَا، وَبِخِلَافِ غَيْرِ الْأَبِ مِنْ الْأَقَارِبِ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُمْ أَصْلًا فِي التَّصَرُّفِ حَالَةَ الصِّغَرِ وَلَا فِي الْحِفْظِ بَعْدَ الْكِبَرِ. إذَا جَازَ بَيْعُ الْأَبِ فَالثَّمَنُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ وَهُوَ النَّفَقَةُ فَلَهُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْهُ، كَمَا لَوْ بَاعَ الْعَقَارَ وَالْمَنْقُولَ عَلَى الصَّغِيرِ جَازَ لِكَمَالِ الْوِلَايَةِ، ثُمَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِنَفَقَتِهِ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ (وَإِنْ كَانَ لِلِابْنِ الْغَائِبِ مَالٌ فِي يَدِ أَبَوَيْهِ وَأَنْفَقَا مِنْهُ لَمْ يَضْمَنَا) لِأَنَّهُمَا اسْتَوْفَيَا حَقَّهُمَا لِأَنَّ نَفَقَتَهُمَا وَاجِبَةٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ عَلَى مَا مَرَّ وَقَدْ أَخَذَا جِنْسَ الْحَقِّ
وَقَوْلُهُ (وَكَذَا لَا تَمْلِكُ الْأُمُّ فِي النَّفَقَةِ) مُخَالِفٌ لِمَا ذُكِرَ فِي الْأَقْضِيَةِ وَمَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ مِنْ جَوَازِ الْبَيْعِ لِلْأَبَوَيْنِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةِ الْأَقْضِيَةِ وَالْقُدُورِيِّ تَمْلِكُ الْأُمُّ الْبَيْعَ كَالْأَبِ لِأَنَّ مَعْنَى الْوِلَادَةِ يَجْمَعُهُمَا وَهُمَا فِي اسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ عَلَى السَّوَاءِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَا فِي الْأَقْضِيَةِ وَالْقُدُورِيِّ مُؤَوَّلًا بِأَنَّ الْأَبَ هُوَ الَّذِي يَبِيعُ لَكِنْ لِمَنْفَعَتِهِمَا، فَأَضَافَ الْبَيْعَ إلَيْهِمَا مِنْ حَيْثُ إنَّ مَنْفَعَةَ الْبَيْعِ تَعُودُ إلَيْهِمَا وَهُوَ الظَّاهِرُ.
وَقَوْلُهُ (إنَّ لِلْأَبِ وِلَايَةَ الْحِفْظِ فِي مَالِ الْغَائِبِ) اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ كَذَلِكَ، لَكِنْ الْفَرْضُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ لِنَفَقَتِهِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ بَيْعُهُ أَنْ لَوْ كَانَ قَصْدُهُ الْبَيْعَ لِلْحِفْظِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ بَيْعُهُ لِلْحِفْظِ حَقِيقَةً فَبِقَصْدِهِ الْإِنْفَاقَ لَا تَتَغَيَّرُ تِلْكَ الْحَقِيقَةُ، إذْ لَا تَأْثِيرَ لِلْعَزِيمَةِ فِي تَغْيِيرِ الْحَقِيقَةِ. لَا يُقَالُ: عَارَضَ جِهَةُ الْحِفْظِ جِهَةَ الْإِتْلَافِ بِالِاتِّفَاقِ. لِأَنَّا نَقُولُ: الْإِتْلَافُ بَعْدَ وُجُوبِ النَّفَقَةِ وَفِي الْحَالِ لَمْ تَجِبْ فَلَا تَعَارُضَ. وَقَوْلُهُ عَلَى مَا مَرَّ إشَارَةٌ إلَى مَا قَالَ وَلِهَذَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا فَكَانَ قَضَاءُ الْقَاضِي إعَانَةً لَهُمْ.
(وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فِي يَدِ أَجْنَبِيٍّ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِمَا بِغَيْرِ إذْنِ الْقَاضِي ضَمِنَ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ وِلَايَةٍ لِأَنَّهُ نَائِبٌ فِي الْحِفْظِ لَا غَيْرُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَمَرَهُ الْقَاضِي لِأَنَّ أَمْرَهُ مُلْزِمٌ لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ. وَإِذَا ضَمِنَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْقَابِضِ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ فَظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مُتَبَرِّعًا بِهِ.
(وَإِذَا قَضَى الْقَاضِي لِلْوَلَدِ وَالْوَالِدَيْنِ وَذَوِي الْأَرْحَامِ بِالنَّفَقَةِ فَمَضَتْ مُدَّةٌ سَقَطَتْ) لِأَنَّ نَفَقَةَ هَؤُلَاءِ تَجِبُ كِفَايَةً لِلْحَاجَةِ حَتَّى لَا تَجِبُ مَعَ الْيَسَارِ وَقَدْ حَصَلَتْ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ إذَا قَضَى بِهَا الْقَاضِي لِأَنَّهَا تَجِبُ مَعَ يَسَارِهَا فَلَا تَسْقُطُ بِحُصُولِ الِاسْتِغْنَاءِ فِيمَا مَضَى. قَالَ (إلَّا أَنْ يَأْذَنَ الْقَاضِي بِالِاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَهُ وِلَايَةٌ عَامَّةٌ فَصَارَ إذْنُهُ كَأَمْرِ الْغَائِبِ فَيَصِيرُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ فَلَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ) يَعْنِي أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ مَلَكَ الْمَدْفُوعَ بِالضَّمَانِ فَظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مُتَبَرِّعًا بِمَالِ نَفْسِهِ. وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ إذَا قَضَى بِهَا الْقَاضِي: يَعْنِي أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ لِأَنَّهَا تَجِبُ مُقَابَلَةُ الِاحْتِبَاسِ لَا بِطَرِيقِ الْحَاجَةِ وَلِهَذَا تَجِبُ مَعَ يَسَارِهَا فَلَا تَسْقُطُ لِحُصُولِ الِاسْتِغْنَاءِ فِيمَا مَضَى.
وَقَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَأْذَنَ الْقَاضِي بِالِاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ)
فَصْلٌ
(وَعَلَى الْمَوْلَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَى عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ)
لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَمَالِيكِ «إنَّهُمْ إخْوَانُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ
اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ فَمَضَتْ مُدَّةٌ سَقَطَتْ، وَمَعْنَاهُ إذَا أَذِنَ الْقَاضِي بِالِاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ لَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهُمْ أَيْضًا كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَإِنْ مَضَتْ مُدَّةٌ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَهُ وِلَايَةٌ عَامَّةٌ فَصَارَ إذْنُهُ بِالِاسْتِدَانَةِ كَأَمْرِ الْغَائِبِ بِهَا، وَلَوْ أَمَرَ الْغَائِبَ بِالِاسْتِدَانَةِ صَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ لَا يَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، فَكَذَا إذَا أَذِنَ الْقَاضِي بِذَلِكَ. وَإِذَا تَذَكَّرْت أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ جَزَاءُ الِاحْتِبَاسِ وَنَفَقَةَ الْأَقَارِبِ لِلْكِفَايَةِ ظَهَرَ لَك وَجْهُ مَا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ إنَّ الْقَاضِيَ إذَا فَرَضَ لِلزَّوْجَةِ فِي الشَّهْرِ مِائَةً فَمَضَتْ الْمُدَّةُ وَفِي يَدِهَا مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَحْتَسِبْ لِلشَّهْرِ الثَّانِي. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ حُوسِبَ بِهِ، وَإِنَّ الْقَاضِيَ إذَا فَرَضَ لِلزَّوْجَةِ كِسْوَةً لِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ فَسَرَقَتْ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَكْسُوَهَا حَتَّى تَفْرُغَ الْمُدَّةُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْأَقَارِبِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَكْسُوَهُمْ.
(فَصْلٌ)
تَعَالَى تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَلَا تُعَذِّبُوا عِبَادَ اللَّهِ» (فَإِنْ امْتَنَعَ وَكَانَ لَهُمَا كَسْبٌ اكْتَسَبَا وَأَنْفَقَا) لِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا لِلْجَانِبَيْنِ حَتَّى يَبْقَى الْمَمْلُوكُ حَيًّا وَيَبْقَى فِيهِ مِلْكُ الْمَالِكِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا كَسْبٌ) بِأَنْ كَانَ عَبْدًا زَمِنًا أَوْ جَارِيَةً لَا يُؤَاجَرُ مِثْلُهَا (أُجْبِرَ الْمَوْلَى عَلَى بَيْعِهِمَا) لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ وَفِي الْبَيْعِ إيفَاءُ حَقِّهِمَا وَإِبْقَاءُ حَقِّ الْمَوْلَى بِالْخُلْفِ، بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ لِأَنَّهَا تَصِيرُ دَيْنًا فَكَانَ تَأْخِيرًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَنَفَقَةُ الْمَمْلُوكِ لَا تَصِيرُ دَيْنًا فَكَانَ إبْطَالًا، وَبِخِلَافِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ فَلَا يُجْبَرُ عَلَى نَفَقَتِهَا، إلَّا أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم «نَهَى عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ» وَفِيهِ ذَلِكَ، وَنَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَفِيهِ إضَاعَتُهُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله أَنَّهُ يُجْبَرُ، وَالْأَصَحُّ مَا قُلْنَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
جَمَعَ فِي هَذَا الْفَصْلِ بَيْنَ نَفَقَةِ الرَّقِيقِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ وَأَخَّرَهُ عَنْ الْجَمِيعِ وَهُوَ فِي مَحَزِّهِ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَى مِلْكِهِ سِوَى الرَّقِيقِ، وَأَمَّا فِي الدَّوَابِّ فَيُفْتَى فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، وَفِي غَيْرِ الدَّوَابِّ كَالدُّورِ وَالْعَقَارِ فَإِنَّهُ لَا يُفْتَى بِهِ، أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ فِيهِ تَضْيِيعُ الْمَالِ كَانَ تَرْكُ الْإِنْفَاقِ مَكْرُوهًا، وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ، وَفَرَّقَ بَيْنَ نَفَقَةِ الزَّوْجِ وَالْمَمْلُوكِ فِي أَنَّ الْمَوْلَى إذَا امْتَنَعَ عَنْ الْإِنْفَاقِ وَهُوَ مِمَّنْ لَا كَسْبَ لَهُ أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِ الْمَمْلُوكِ، وَالزَّوْجُ إذَا عَجَزَ عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى الزَّوْجَةِ لَا يُجْبَرُ عَلَى الطَّلَاقِ بِأَنَّ فِي الْإِجْبَارِ عَلَى الْبَيْعِ زَوَالَ مِلْكِ الْمَوْلَى إلَى خَلَفٍ وَهُوَ الثَّمَنُ، وَفِي عَدَمِهِ فَوَاتُ حَقِّ الْمَمْلُوكِ فِي النَّفَقَةِ لَا إلَى خَلَفٍ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْمَمْلُوكِ لَا تَصِيرُ دَيْنًا عَلَى الْمَوْلَى بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ، وَأَمَّا فِي النِّكَاحِ فَفِي الْإِجْبَارِ عَلَى التَّفْرِيقِ فَوَاتُ مِلْكِ الزَّوْجِ بِلَا خَلَفٍ، وَفِي عَدَمِهِ فَوَاتُ حَقِّ الْمَرْأَة فِي الْحَالِ إلَى خَلَفٍ لِصَيْرُورَةِ نَفَقَتِهَا بِقَضَاءِ الْقَاضِي دَيْنًا عَلَى الزَّوْجِ فَكَانَ تَأْخِيرًا. وَقَوْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ إذَا قَضَى بِهَا الْقَاضِي لِأَنَّهَا تَجِبُ مَعَ يَسَارِهَا فَلَا تَسْقُطُ فَكَانَ الضَّرَرُ اللَّاحِقُ بِالزَّوْجِ أَشَدَّ وَكَانَ بِالدَّفْعِ أَوْلَى (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُجْبَرُ) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَقَاسَاهُ عَلَى الرَّقِيقِ، وَالْأَصَحُّ مَا قُلْنَا: يَعْنِي مِنْ عَدَمِ الْجَبْرِ لِأَنَّ إجْبَارَ الْقَاضِي الْمَوْلَى عَلَى مَمْلُوكِهِ نَوْعُ قَضَاءٍ وَالْقَضَاءُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَقْضِيٍّ لَهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ وَهَذَا يُوجَدُ فِي الرَّقِيقِ لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَسْتَحِقَّ حَقًّا عَلَى الْمَوْلَى وَعَلَى غَيْرِهِ فِي الْجُمْلَةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ بِالْكِتَابَةِ يَسْتَحِقُّ حُقُوقًا عَلَى الْمَوْلَى وَإِنْ كَانَ مَمْلُوكًا، فَأَمَّا غَيْرُ الرَّقِيقِ فَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَى الْمَوْلَى حَقًّا فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَقْضِيًّا لَهُ فَانْعَدَمَ شَرْطُ الْقَضَاءِ فَيَنْعَدِمُ الْقَضَاءُ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
كِتَابُ الْعَتَاقِ
الْإِعْتَاقُ تَصَرُّفٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، قَالَ صلى الله عليه وسلم «أَيُّمَا مُسْلِمٍ أَعْتَقَ مُؤْمِنًا أَعْتَقَ اللَّهُ تَعَالَى بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ» وَلِهَذَا اسْتَحَبُّوا أَنْ يُعْتِقَ الرَّجُلُ الْعَبْدَ وَالْمَرْأَةُ الْأَمَةَ لِيَتَحَقَّقَ مُقَابَلَةُ الْأَعْضَاءِ بِالْأَعْضَاءِ. قَالَ (الْعِتْقُ يَصِحُّ مِنْ الْحُرِّ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ فِي مِلْكِهِ) شَرْطُ الْحُرِّيَّةِ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ وَلَا مِلْكَ لِلْمَمْلُوكِ وَالْبُلُوغِ
كِتَابُ الْعَتَاقِ
ذَكَرَ الْعَتَاقَ بَعْدَ الطَّلَاقِ لِمُنَاسَبَتِهِ لَهُ فِي أَنَّهُ إسْقَاطٌ بُنِيَ عَلَى السِّرَايَةِ وَاللُّزُومِ كَالطَّلَاقِ حَتَّى صَحَّ التَّعْلِيقُ وَصَارَ إعْتَاقُ الْبَعْضِ كَإِعْتَاقِ الْكُلِّ إمَّا إفْسَادًا فِي الْمِلْكِ أَوْ تَحْقِيقًا لِلْعِتْقِ وَلَمْ يَقْبَلْ الْفَسْخَ بَعْدَ الثُّبُوتِ كَالطَّلَاقِ. وَمِنْ مَحَاسِنِهِ، أَنَّهُ إحْيَاءٌ حُكْمِيٌّ يُخْرِجُ الْعَبْدَ عَنْ كَوْنِهِ مُلْحَقًا بِالْجَمَادَاتِ إلَى كَوْنِهِ أَهْلًا لِلْكَرَامَاتِ الْبَشَرِيَّةِ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَالْوِلَايَةِ. وَتَفْسِيرُهُ فِي اللُّغَةِ الْقُوَّةُ، يُقَالُ: عَتَقَ الْفَرْخُ إذَا قَوِيَ وَطَارَ عَنْ وَكْرِهِ. وَفِي الشَّرِيعَةِ: قُوَّةٌ حُكْمِيَّةٌ يَصِيرُ الْمَرْءُ بِهَا أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ وَالْوِلَايَةِ وَالْقَضَاءِ. وَأَسْبَابُهُ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا الْإِعْتَاقُ، وَمِنْهَا دَعْوَى النَّسَبِ، وَمِنْهَا الِاسْتِيلَادُ، وَمِنْهَا مِلْكُ الْقَرِيبِ، وَمِنْهَا زَوَالُ يَدِ الْكَافِرِ عَنْهُ كَمَا إذَا اشْتَرَى الْحَرْبِيُّ فِي دَارِنَا عَبْدًا مُسْلِمًا فَدَخَلَ بِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمِنْهَا الْإِقْرَارُ بِحُرِّيَّةِ الْعَبْدِ إذَا اشْتَرَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَشَرْطُهُ كَوْنُ الْمُعْتِقِ حُرًّا بَالِغًا مَالِكًا مِلْكَ الْيَمِينِ. وَرُكْنُهُ مَا ثَبَتَ بِهِ الْعِتْقُ؛ وَهُوَ نَوْعَانِ: صَرِيحٌ، وَكِنَايَةٌ. وَحُكْمُهُ زَوَالُ الرِّقِّ وَالْمِلْكِ عَنْ الْمَحَلِّ. وَأَنْوَاعُهُ الْمُرْسَلُ وَالْمُعَلَّقُ وَالْمُضَافُ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَكُلٌّ مِنْهَا إمَّا بِبَدَلٍ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ سِوَى أَلْفَاظٍ نَذْكُرُهَا. (قَوْلُهُ شَرَطَ الْحُرِّيَّةَ لِأَنَّ الْعِتْقَ) يَعْنِي الْإِعْتَاقَ لِأَنَّهُ قَالَ وَالْبُلُوغُ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ وَالصَّبِيُّ مِنْ أَهْلِ الْعِتْقِ.
.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ لِكَوْنِهِ ضَرَرًا ظَاهِرًا، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُهُ الْوَلِيُّ عَلَيْهِ، وَالْعَقْلِ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلتَّصَرُّفِ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ الْبَالِغُ: أَعْتَقْت وَأَنَا صَبِيٌّ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَكَذَا إذَا قَالَ الْمُعْتِقُ أَعْتَقْت وَأَنَا مَجْنُونٌ وَجُنُونُهُ كَانَ ظَاهِرًا
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَرِثَ أَخَاهُ عَتَقَ عَلَيْهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ بِالْعِتْقِ الْإِعْتَاقَ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ لِكَوْنِهِ ضَرَرًا مَحْضًا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلتَّصَرُّفِ فَإِنَّ الْإِعْتَاقَ تَصَرُّفٌ لَا الْعِتْقُ.
وَقَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِكَوْنِ الْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ شَرْطًا إذَا قَالَ الْبَالِغُ أَعْتَقْت وَأَنَا صَبِيٌّ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أُسْنِدَ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ الْإِعْتَاقَ كَانَ إنْكَارًا مِنْهُ لِلْإِعْتَاقِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ. وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِقَوْلٍ مُلْزِمٍ: يَعْنِي لِأَنَّ الصِّبَا يُوجِبُ الْحَجْرَ
لِوُجُودِ الْإِسْنَادِ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ، وَكَذَا لَوْ قَالَ الصَّبِيُّ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ إذَا احْتَلَمْت لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِقَوْلٍ مُلْزِمٍ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ فِي مِلْكِهِ حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَ غَيْرِهِ لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ» .
(وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ أَنْتِ حُرٌّ أَوْ مُعْتَقٌ أَوْ عَتِيقٌ أَوْ مُحَرَّرٌ أَوْ قَدْ حَرَّرْتُك أَوْ قَدْ أَعْتَقْتُك فَقَدْ عَتَقَ نَوَى بِهِ الْعِتْقَ أَوْ لَمْ يَنْوِ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ صَرِيحَةٌ فِيهِ.
عَنْ الْأَقْوَالِ. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ بَلْ هُوَ أَهْلٌ لَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ صَبِيًّا لَوْ أَقَرَّ بِالرِّقِّ لَزِمَهُ حَتَّى لَوْ ادَّعَى بَعْدَ الْبُلُوغِ حُرِّيَّةَ الْأَصْلِ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُلْزَمَ ثَمَّةَ هُوَ يَدُ صَاحِبِ الْيَدِ وَإِقْرَارُهُ مُؤَكَّدٌ.
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ أَنْتَ حُرٌّ) قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: الْأَلْفَاظُ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْعِتْقُ نَوْعَانِ: صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ. فَالصَّرِيحُ لَفْظُ الْعِتْقِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْوَلَاءِ سَوَاءٌ ذَكَرَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ أَوْ الْوَصْفِ أَوْ النِّدَاءِ، أَمَّا صِيغَةُ الْخَبَرِ فَأَنْ يَقُولَ قَدْ أَعْتَقْتُك أَوْ حَرَّرْتُك، وَأَمَّا صِيغَةُ الْوَصْفِ فَأَنْ يَقُولَ أَنْتَ حُرٌّ أَوْ أَنْتَ
لِأَنَّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِيهِ شَرْعًا وَعُرْفًا فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ النِّيَّةِ وَالْوَضْعِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْإِخْبَارِ فَقَدْ جُعِلَ إنْشَاءً فِي التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْحَاجَةِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِمَا (وَلَوْ قَالَ عَنَيْت بِهِ الْإِخْبَارَ الْبَاطِلَ أَوْ أَنَّهُ حُرٌّ مِنْ الْعَمَلِ صُدِّقَ دِيَانَةً)
عَتِيقٌ، وَأَمَّا الْمُنَادَى فَأَنْ يَقُولَ يَا حُرُّ يَا عَتِيقُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ هَذَا مَوْلَايَ إلَخْ
لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ (وَلَا يَدِينُ قَضَاءً) لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ (وَلَوْ قَالَ لَهُ يَا حُرُّ يَا عَتِيقُ يُعْتَقُ) لِأَنَّهُ نِدَاءٌ بِمَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الْعِتْقِ وَهُوَ لِاسْتِحْضَارِ الْمُنَادَى بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ هَذَا هُوَ حَقِيقَتُهُ فَيَقْتَضِي تَحَقُّقَ الْوَصْفِ فِيهِ وَأَنَّهُ يَثْبُتُ مِنْ جِهَتِهِ فَيَقْضِي بِثُبُوتِهِ تَصْدِيقًا لَهُ فِيمَا أَخْبَرَ، وَسَنُقَرِّرُهُ مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إلَّا إذَا سَمَّاهُ حُرًّا ثُمَّ نَادَاهُ يَا حُرُّ لِأَنَّ مُرَادَهُ الْإِعْلَامُ بِاسْمٍ عَلِمَهُ وَهُوَ مَا لَقَّبَهُ بِهِ. وَلَوْ نَادَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ يَا آزَادَ وَقَدْ لَقَّبَهُ بِالْحُرِّ قَالُوا يُعْتَقُ، وَكَذَا عَكْسُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنِدَاءٍ بِاسْمٍ عَلِمَهُ فَيُعْتَبَرُ إخْبَارًا عَنْ الْوَصْفِ.
(وَكَذَا لَوْ قَالَ رَأْسُكَ حُرٌّ أَوْ وَجْهُكَ أَوْ رَقَبَتُكَ أَوْ بَدَنُكَ أَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ فَرْجُك حُرٌّ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ وَقَدْ مَرَّ فِي الطَّلَاقِ، وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى جُزْءٍ شَائِعٍ
وَقَوْلُهُ (وَسَنُقَرِّرُهُ مِنْ بَعْدُ) أَرَادَ بِهِ قَوْلَهُ فِي مَسْأَلَةِ يَا ابْنِي عَلَى مَا سَيَجِيءُ.
وَقَوْلُهُ (إلَّا إذَا سَمَّاهُ حُرًّا) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَلَوْ قَالَ لَهُ يَا حُرٌّ (قَوْلُهُ وَكَذَا عَكْسُهُ) يَعْنِي بِأَنْ نَادَاهُ بِقَوْلِهِ يَا حُرُّ وَكَانَ لَقَبُهُ آزَادَ. وَقَوْلُهُ (فَيُعْتَبَرُ إخْبَارًا عَنْ الْوَصْفِ) قِيلَ فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ " حُرٌّ " عَلَمًا لَهُ كَانَ قَوْلُهُ يَا حُرُّ إنْشَاءً لِلْحُرِّيَّةِ لَا إخْبَارًا عَنْ الْوَصْفِ.
يَقَعُ فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ، وَسَيَأْتِيك الِاخْتِلَافُ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى جُزْءٍ مُعَيَّنٍ لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْجُمْلَةِ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ لَا يَقَعُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رحمه الله، وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي الطَّلَاقِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ.
(وَلَوْ قَالَ لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك وَنَوَى بِهِ الْحُرِّيَّةَ عَتَقَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يُعْتَقْ) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك لِأَنِّي بِعْتُك، وَيُحْتَمَلُ لِأَنِّي أَعْتَقْتُك فَلَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا مُرَادًا إلَّا بِالنِّيَّةِ قَالَ (وَكَذَا كِنَايَاتُ الْعِتْقِ) وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ خَرَجْتِ مِنْ مِلْكِي وَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكِ وَلَا رِقَّ لِي عَلَيْكِ وَقَدْ خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ نَفْيَ السَّبِيلِ وَالْخُرُوجَ عَنْ الْمِلْكِ وَتَخْلِيَةُ السَّبِيلِ بِالْبَيْعِ أَوْ الْكِتَابَةِ كَمَا يَحْتَمِلُ بِالْعِتْقِ فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ، وَكَذَا قَوْلُهُ لِأَمَتِهِ قَدْ أَطْلَقْتُك لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله بِخِلَافِ قَوْلِهِ طَلَّقْتُك عَلَى مَا نُبَيِّنُ مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلَوْ قَالَ لَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْكِ وَنَوَى الْعِتْقَ لَمْ يُعْتَقْ)
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَمًا كَانَ الْمُنَادَى فِي الْحَقِيقَةِ ذَاتًا مَوْصُوفَةً بِصِفَةِ الْحُرِّيَّةِ، وَالْوَصْفُ فِي الْحَقِيقَةِ خَبَرٌ عَنْ الْمَوْصُوفِ، وَكَانَ النِّدَاءُ إخْبَارًا بِأَنَّ الْمُنَادَى مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
وَقَوْلُهُ (وَسَيَأْتِيك الِاخْتِلَافُ فِيهِ) يُرِيدُ الِاخْتِلَافَ فِي تَجَزِّي الْإِعْتَاقِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَقَوْلُهُ (وَقَدْ بَيَّنَّاهُ) يَعْنِي فِي الطَّلَاقِ.
وَقَوْلُهُ (وَكَذَا قَوْلُهُ لِأَمَتِهِ قَدْ أَطْلَقْتُك) يَعْنِي إنْ نَوَى الْعِتْقَ يَقَعُ لِكَوْنِهِ بِمَنْزِلَةِ خَلَّيْت سَبِيلَك لِمُنَاسَبَةِ الْإِرْسَالِ تَخْلِيَةَ السَّبِيلِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ طَلَّقْتُك فَإِنَّهَا لَا تَعْتِقُ لِأَنَّهُ صَارَ صَرِيحًا فِي الطَّلَاقِ عَنْ النِّكَاحِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْعِتْقُ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ وَقَوْلُهُ لِأَنَّ السُّلْطَانَ عِبَارَةٌ عَنْ الْيَدِ، يُقَالُ لِفُلَانٍ سَلْطَنَةٌ وَيُرَادُ بِهَا الْقُدْرَةُ الثَّابِتَةُ مِنْ حَيْثُ الْيَدُ وَالِاسْتِيلَاءُ فَنَفْيُهُ نَفْيٌ لِلْيَدِ وَكَأَنَّهُ قَالَ لَا يَدَ لِي عَلَيْك، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ وَنَوَى بِهِ الْعِتْقَ لَمْ يَعْتِقْ لِجَوَازِ أَنْ تَزُولَ الْيَدُ وَيَبْقَى الْمِلْكُ كَمَا فِي الْمُكَاتَبِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك لِأَنَّ السَّبِيلَ الْمُضَافَ إلَى الْعَبْدِ كِنَايَةٌ عَنْ الْمِلْكِ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إلَى نَفَاذِ التَّصَرُّفِ فِيهِ. وَلَوْ نَفَى الْمِلْكَ بِأَنْ قَالَ لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك وَنَوَى الْعِتْقَ عَتَقَ. فَإِنْ قِيلَ: زَوَالُ الْيَدِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَلْزُومًا لِزَوَالِ الْمِلْكِ أَوْ لَازِمًا لَهُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلْيَكُنْ مَجَازًا لِأَنَّ الْمَجَازَ ذِكْرُ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةُ اللَّازِمِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلْيَكُنْ كِنَايَةً لِأَنَّ الْكِنَايَةَ ذِكْرُ اللَّازِمِ وَإِرَادَةُ الْمَلْزُومِ. فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَلْزُومٍ لِزَوَالِ الْمِلْكِ لِانْفِكَاكِهِ عَنْهُ كَمَا فِي الْمُكَاتَبِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَلَا بِلَازِمٍ لَهُ لِانْفِكَاكِ زَوَالِ الْمِلْكِ عَنْهُ فَإِنَّ الْمِلْكَ يَزُولُ بِالْبَيْعِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَالْيَدَ بَاقٍ إلَى أَنْ يُسَلِّمَ.
لِأَنَّ السُّلْطَانَ عِبَارَةٌ عَنْ الْيَدِ، وَسُمِّيَ السُّلْطَانُ بِهِ لِقِيَامِ يَدِهِ وَقَدْ يَبْقَى الْمِلْكُ دُونَ الْيَدِ كَمَا فِي الْمُكَاتَبِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك لِأَنَّ نَفْيَهُ مُطْلَقًا بِانْتِفَاءِ الْمِلْكِ لِأَنَّ لِلْمَوْلَى عَلَى الْمُكَاتَبِ سَبِيلًا فَلِهَذَا يَحْتَمِلُ الْعِتْقَ.
(وَلَوْ قَالَ هَذَا ابْنِي
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ لِلْمَوْلَى عَلَى الْمُكَاتَبِ سَبِيلًا) يَعْنِي مِنْ حَيْثُ الْمُطَالَبَةُ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ، حَتَّى إذَا انْتَفَى ذَلِكَ بِالْبَرَاءَةِ عَنْهُ يَعْتِقُ.
قَالَ (وَلَوْ قَالَ هَذَا ابْنِي) وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ الَّذِي يُولَدُ
وَثَبَتَ عَلَى ذَلِكَ عَتَقَ) وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ إذَا كَانَ يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ ذَكَرَهُ بَعْدَ هَذَا؛ ثُمَّ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ لِأَنَّ وِلَايَةَ الدَّعْوَةِ بِالْمِلْكِ ثَابِتَةٌ وَالْعَبْدُ مُحْتَاجٌ إلَى النَّسَبِ فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ، وَإِذَا ثَبَتَ عَتَقَ لِأَنَّهُ يَسْتَنِدُ النَّسَبُ إلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ لِلتَّعَذُّرِ وَيُعْتَقُ إعْمَالًا لِلَّفْظِ فِي مَجَازِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ إعْمَالِهِ بِحَقِيقَتِهِ، وَوَجْهُ الْمَجَازِ نَذْكُرُهُ مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلَوْ قَالَ هَذَا مَوْلَايَ أَوْ يَا مَوْلَايَ عَتَقَ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ اسْمَ الْمَوْلَى
مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ وَلَيْسَ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ هَذَا ابْنِي (وَثَبَتَ عَلَى ذَلِكَ) ثَبَتَ النَّسَبُ فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ ثَبَتَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَدَّعِ بِهِ الْكَرَامَةَ وَالشَّفَقَةَ، كَذَا فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ لِأَبِي الْفَضْلِ، حَتَّى لَوْ ادَّعَى ذَلِكَ صُدِّقَ. وَقِيلَ الثَّبَاتُ شَرْطُ النَّسَبِ لِكَوْنِ الرُّجُوعِ عَنْهُ صَحِيحًا دُونَ الْعِتْقِ. وَقِيلَ هُوَ شَرْطٌ اتِّفَاقِيٌّ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ وِلَايَةَ الدَّعْوَةِ بِالْمِلْكِ ثَابِتَةٌ وَالْعَبْدُ مُحْتَاجٌ إلَى النَّسَبِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ (وَإِذَا ثَبَتَ عَتَقَ لِاسْتِنَادِ النَّسَبِ إلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ وَإِنْ كَانَ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ تَعَذَّرَ ثُبُوتُ النَّسَبِ لَكِنَّهُ يَعْتِقُ إعْمَالًا لِلَّفْظِ فِي مَجَازِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ) وَسَيَجِيءُ بَيَانُ تَجَوُّزِ الْمَجَازِ (وَلَوْ قَالَ هَذَا مَوْلَايَ) ظَاهِرٌ. وَقِيلَ مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْ مَعْنَى الْمَوْلَى هُوَ الْمَشْهُورُ فَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُسْتَعْمَلُ فِي ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ مَعْنًى، ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ. أَمَّا مَجِيئُهُ بِمَعْنَى النَّاصِرِ فَكَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ} وَأَمَّا بِمَعْنَى ابْنِ الْعَمِّ فَكَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي}
وَإِنْ كَانَ يَنْتَظِمُ النَّاصِرَ وَابْنَ الْعَمِّ وَالْمُوَالَاةُ فِي الدِّينِ وَالْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ فِي الْعَتَاقَةِ إلَّا أَنَّهُ تَعَيَّنَ الْأَسْفَلُ فَصَارَ كَاسْمٍ خَاصٍّ لَهُ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَسْتَنْصِرُ بِمَمْلُوكِهِ عَادَةً وَلِلْعَبْدِ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ فَانْتَفَى الْأَوَّلُ. وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ نَوْعُ مَجَازٍ، وَالْكَلَامُ لِلْحَقِيقَةِ وَالْإِضَافَةُ إلَى الْعَبْدِ تُنَافِي كَوْنَهُ مُعْتَقًا فَتَعَيَّنَ الْمَوْلَى الْأَسْفَلُ فَالْتَحَقَ بِالصَّرِيحِ، وَكَذَا إذَا قَالَ لِأَمَتِهِ: هَذِهِ مَوْلَاتِي لِمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ قَالَ: عَنَيْت بِهِ الْمَوْلَى فِي الدِّينِ أَوْ الْكَذِبَ يُصَدَّقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ لِمُخَالَفَتِهِ الظَّاهِرَ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَمَّا تَعَيَّنَ الْأَسْفَلُ مُرَادًا الْتَحَقَ بِالصَّرِيحِ وَبِالنِّدَاءِ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ يُعْتَقُ بِأَنْ قَالَ: يَا حُرُّ يَا عَتِيقُ فَكَذَا النِّدَاءُ بِهَذَا اللَّفْظِ. وَقَالَ زُفَرُ رحمه الله لَا يُعْتَقُ فِي الثَّانِي لِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِهِ الْإِكْرَامَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ يَا سَيِّدِي يَا مَالِكِي. قُلْنَا: الْكَلَامُ لِحَقِيقَتِهِ وَقَدْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِ، بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَخْتَصُّ بِالْعِتْقِ
وَقَوْلُهُ (وَالثَّالِثُ نَوْعُ مَجَازٍ) يَعْنِي الْمُوَالَاةَ فِي الدِّينِ لِأَنَّ الْمَوْلَى مُشْتَقٌّ مِنْ الْوَلِيِّ وَهُوَ الْقُرْبُ وَلَا قُرْبَ بَيْنَ الْمَشْرِقِيِّ وَالْمَغْرِبِيِّ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ وَلَا مِنْ حَيْثُ النَّسَبُ وَلَا مِنْ حَيْثُ الْمَكَانُ فَيُعْتَبَرُ الْقُرْبُ مِنْ حَيْثُ الدِّينُ وَلِهَذَا جَازَ نَفْيُهُ، كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ وَمُصَحَّحُهُ الْفَرْضُ وَالتَّقْدِيرُ.
وَقَوْلُهُ (فَالْتَحَقَ بِالصَّرِيحِ) يَعْنِي بِدَلَالَةِ الْحَالِ فِي الْمَحَلِّ وَهُوَ كَوْنُهُ عَبْدًا. وَقَوْلُهُ (وَأَمَّا الثَّانِي) يَعْنِي بِهِ قَوْلَهُ يَا مَوْلَايَ. وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ) يَعْنِي قَوْلَهُ يَا سَيِّدِي يَا مَالِكِي
فَكَانَ إكْرَامًا مَحْضًا.
(وَلَوْ قَالَ يَا ابْنِي أَوْ يَا أَخِي لَمْ يُعْتَقْ) لِأَنَّ النِّدَاءَ لِإِعْلَامِ الْمُنَادَى إلَّا أَنَّهُ إذْ كَانَ بِوَصْفٍ يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ مِنْ جِهَتِهِ كَانَ لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ الْوَصْفِ فِي الْمُنَادَى اسْتِحْضَارًا لَهُ بِالْوَصْفِ الْمَخْصُوصِ كَمَا فِي قَوْلِهِ يَا حُرُّ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَإِذَا كَانَ النِّدَاءُ بِوَصْفٍ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ مِنْ جِهَتِهِ كَانَ لِلْإِعْلَامِ الْمُجَرَّدِ دُونَ تَحْقِيقِ الْوَصْفِ فِيهِ لِتَعَذُّرِهِ وَالْبُنُوَّةُ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا حَالَةَ النِّدَاءِ مِنْ جِهَتِهِ لِأَنَّهُ لَوْ انْخَلَقَ مِنْ مَاءِ غَيْرِهِ لَا يَكُونُ ابْنًا لَهُ بِهَذَا النِّدَاءِ فَكَانَ لِمُجَرَّدِ الْإِعْلَامِ. وَيُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله شَاذًّا أَنَّهُ يُعْتَقُ فِيهِمَا وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الظَّاهِرِ. وَلَوْ قَالَ: يَا ابْنُ لَا يُعْتَقُ لِأَنَّ الْأَمْرَ كَمَا أَخْبَرَ فَإِنَّهُ ابْنُ أَبِيهِ، وَكَذَا إذَا قَالَ: يَا بُنَيَّ أَوْ يَا بُنَيَّةُ لِأَنَّهُ تَصْغِيرُ الِابْنِ وَالْبِنْتِ مِنْ غَيْرِ إضَافَةٍ وَالْأَمْرُ كَمَا أَخْبَرَ.
(وَإِنْ قَالَ لِغُلَامٍ لَا يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ هَذَا ابْنِي عَتَقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله) وَقَالَا: لَا يُعْتَقُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله
لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَخْتَصُّ بِالْعِتْقِ، مَعْنَاهُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ يَا مَوْلَايَ يَا مَنْ عَلَيْهِ وَلَاءُ الْعَتَاقَةِ حَيْثُ تَعَيَّنَ الْأَسْفَلُ مُرَادًا فَيَثْبُتُ بِهَذَا الْقَوْلِ مَا يَخْتَصُّ بِالْعِتْقِ وَهُوَ الْوَلَاءُ وَهُوَ يَقْتَضِي سَابِقَةَ الْعِتْقِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ يَا سَيِّدِي يَا مَالِكِي فَإِنَّ مَعْنَاهُ يَا مَنْ لَهُ السِّيَادَةُ وَالْمِلْكُ عَلَيَّ وَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ شَيْءٌ يَخْتَصُّ بِالْعِتْقِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِ وَهُوَ الْإِكْرَامُ وَالتَّلَطُّفُ.
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ يَا ابْنِي أَوْ يَا أَخِي لَمْ يَعْتِقْ) فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ يَا حُرُّ فِي وُقُوعِ الْعِتْقِ بِهِ دُونَهُمَا لِأَنَّ النِّدَاءَ إذَا كَانَ بِوَصْفٍ يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ مِنْ جِهَتِهِ كَانَ النِّدَاءُ لِتَحَقُّقِ ذَلِكَ الْوَصْفِ فِي الْمُنَادَى اسْتِحْضَارًا لَهُ بِالْوَصْفِ الْمَخْصُوصِ كَمَا هُوَ فِي قَوْلِهِ يَا حُرُّ فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إثْبَاتِ صِفَةِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ مِنْ جِهَتِهِ فِي الْحَالِ (عَلَى مَا بَيَّنَّا) يَعْنِي فِي قَوْلِهِ لِأَنَّهُ نِدَاءٌ بِمَا هُوَ صَرِيحٌ وَهُوَ لِاسْتِحْضَارِ الْمُنَادَى إلَخْ، وَإِذَا كَانَ بِوَصْفٍ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ مِنْ جِهَتِهِ كَانَ لِلْإِعْلَامِ الْمُجَرَّدِ دُونَ تَحْقِيقِ الْوَصْفِ فِيهِ لِتَعَذُّرِهِ، وَالْبُنُوَّةُ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا حَالَةَ النِّدَاءِ مِنْ جِهَتِهِ لِأَنَّهُ لَوْ انْخَلَقَ مِنْ مَاءِ غَيْرِهِ لَا يَكُونُ ابْنًا لَهُ بِهَذَا النِّدَاءِ فَكَانَ لِمُجَرَّدِ الْإِعْلَامِ، هَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ (وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَعْتِقَ فِيهِمَا) أَيْ فِي قَوْلِهِ يَا ابْنِي يَا أَخِي. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعِتْقَ يَقَعُ بِالنِّدَاءِ بِثَلَاثَةِ أَلْفَاظٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَا حُرُّ يَا عَتِيقُ يَا مَوْلَايَ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بِخَمْسَةِ أَلْفَاظٍ بِالثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ وَبِقَوْلِهِ يَا ابْنِي وَيَا أَخِي وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الظَّاهِرِ. وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ يَا ابْنُ) ظَاهِرٌ.
قَالَ (وَإِنْ قَالَ لِغُلَامٍ لَا يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ) إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ وَهُوَ أَكْبَرُ سِنًّا مِنْهُ (هَذَا ابْنِي عَتَقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا لَا يَعْتِقُ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَوَّلًا (وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ) وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَجَازَ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي الْحُكْمِ عِنْدَهُمَا، وَفِي
لَهُمْ أَنَّهُ كَلَامٌ مُحَالُ الْحَقِيقَةِ فَيُرَدُّ فَيَلْغُو كَقَوْلِهِ أَعْتَقْتُك قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ أَوْ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّهُ كَلَامٌ مُحَالٌ بِحَقِيقَتِهِ لَكِنَّهُ صَحِيحٌ بِمَجَازِهِ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ حُرِّيَّتِهِ مِنْ حِينِ مَلَكَهُ، وَهَذَا لِأَنَّ الْبُنُوَّةَ فِي الْمَمْلُوكِ سَبَبٌ لِحُرِّيَّتِهِ، إمَّا إجْمَاعًا أَوْ صِلَةً لِلْقَرَابَةِ، وَإِطْلَاقُ السَّبَبِ وَإِرَادَةُ الْمُسَبَّبِ مُسْتَجَازٌ فِي اللُّغَةِ تَجَوُّزًا، وَلِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ مُلَازِمَةٌ لِلْبُنُوَّةِ فِي الْمَمْلُوكِ وَالْمُشَابَهَةُ فِي وَصْفٍ مُلَازِمٍ مِنْ طُرُقِ الْمَجَازِ عَلَى مَا عُرِفَ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَحَرُّزًا عَنْ الْإِلْغَاءِ، بِخِلَافِ مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لَهُ فِي الْمَجَازِ فَتَعَيَّنَ الْإِلْغَاءُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ قَطَعْت يَدَك فَأَخْرَجَهُمَا صَحِيحَتَيْنِ حَيْثُ لَمْ يُجْعَلْ مَجَازًا عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْمَالِ وَالْتِزَامِهِ وَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْمَالِ لِأَنَّ الْقَطْعَ خَطَأٌ سَبَبٌ لِوُجُوبِ مَالٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ الْأَرْشُ، وَأَنَّهُ يُخَالِفُ مُطْلَقَ الْمَالِ فِي الْوَصْفِ
التَّكَلُّمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي التَّقْرِيرِ فَقَالَا: الْحُكْمُ هَاهُنَا مُحَالٌ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْمَجَازُ، بِخِلَافِ الْأَصْغَرِ سِنًّا فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ فِيهِ مُتَصَوَّرَةٌ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ الْعُلُوقُ مِنْهُ وَاشْتَهَرَ نَسَبُهُ مِنْ غَيْرِهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ أَعْتَقْتُك قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ أَوْ تُخْلَقَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَصَوُّرُ حُكْمِ الْحَقِيقَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ لِحُرَّةٍ اشْتَرَيْتُك بِكَذَا كَانَ نِكَاحًا صَحِيحًا، وَالْحُرَّةُ لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِلْبَيْعِ بَلْ الشَّرْطُ صِحَّةُ التَّكَلُّمِ.
وَقَوْلُهُ هَذَا ابْنِي كَلَامٌ صَحِيحٌ فِي مَحَلِّهِ مِنْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ وَهُوَ مَلْزُومٌ لِقَوْلِهِ هَذَا حُرٌّ مِنْ حِينِ مَلَكْت لِأَنَّ الْبُنُوَّةَ إذَا ثَبَتَتْ فِي الْمَمْلُوكِ كَانَ حُرًّا مِنْ حِينِ الْعُلُوقِ وَذِكْرُ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةُ اللَّازِمِ هُوَ الْمَجَازُ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ هَذَا حُرٌّ مِنْ حِينِ مَلَكْته وَذَلِكَ يُوجِبُ الْعِتْقَ لَا مَحَالَةَ فَيُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ تَصْحِيحًا لِكَلَامِهِ، بِخِلَافِ مَا اُسْتُشْهِدَ بِهِ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلْمَجَازِ إذْ لَيْسَ قَوْلُهُ أَعْتَقْتُك قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ مَلْزُومًا لِقَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ مِنْ حِينِ مَلَكْت لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي عَدَمَ وُرُودِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ وَالثَّانِيَ يَقْتَضِي وُرُودَهُ أَلْبَتَّةَ، وَالشَّيْءُ لَا يَكُونُ مَلْزُومًا لِمَا يُنَافِيهِ وَإِلَّا لَزِمَ انْفِكَاكُ الْمَلْزُومِ عَنْ اللَّازِمِ وَهُوَ مُحَالٌ.
وَقَوْلُهُ (وَهَذَا يُخَالِفُ مَا إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ قَطَعْت يَدَك فَأَخْرَجَهُمَا صَحِيحَتَيْنِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَوْ كَانَ صِحَّةُ ذِكْرِ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةِ اللَّازِمِ مُجَوِّزَةً لِلْمَجَازِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ مُتَصَوَّرًا لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْأَرْشُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّ الْقَطْعَ خَطَأً سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْمَالِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ قَطَعْت يَدَك مَجَازًا عَنْ قَوْلِهِ لَك عَلَيَّ خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ.
وَتَقْرِيرُ جَوَابِهِ أَنَّ الْقَطْعَ خَطَأً لَيْسَ بِسَبَبٍ لِمَالٍ مُطْلَقٍ بَلْ لِمَا يُخَالِفُ الْمَالَ الْمُطْلَقَ فِي الْوَصْفِ وَهُوَ الْأَرْشُ.
حَتَّى وَجَبَ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي سَنَتَيْنِ وَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِدُونِ الْقَطْعِ، وَمَا أَمْكَنَ إثْبَاتُهُ فَالْقَطْعُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لَهُ، أَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَلَا تَخْتَلِفُ ذَاتًا وَحُكْمًا فَأَمْكَنَ جَعْلُهُ مَجَازًا عَنْهُ.
حَتَّى وَجَبَ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي سَنَتَيْنِ) بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَذَلِكَ الْمَالُ الَّذِي هُوَ مُسَبَّبٌ عَنْ الْقَطْعِ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِدُونِ الْقَطْعِ، فَمَا هُوَ مُسَبَّبٌ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ، وَمَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ لَيْسَ بِمُسَبَّبٍ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ مِمَّا تَعَذَّرَ فِيهِ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ فَيَلْغُو، أَمَّا الْحَقِيقَةُ فَظَاهِرَةٌ، وَأَمَّا الْمَجَازُ فَلِأَنَّ قَطْعَ الْيَدِ خَطَأً مَلْزُومٌ لِلْأَرْشِ الَّذِي هُوَ مَلْزُومٌ لِلْقَطْعِ وَاللَّازِمُ وَهُوَ الْقَطْعُ مُنْتَفٍ فَالْمَلْزُومُ وَهُوَ الْأَرْشُ كَذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ (أَمَّا الْحُرِّيَّةُ لَا تَخْتَلِفُ) مَعْنَاهُ الْحُرِّيَّةُ الَّتِي جَعَلْنَا قَوْلَهُ هَذَا ابْنِي وَهِيَ الْحُرِّيَّةُ مِنْ حِينِ مَلَكَ مَجَازًا عَنْهَا لَا تَخْتَلِفُ ذَاتًا وَهُوَ زَوَالُ الرِّقِّ وَلَا حُكْمًا وَهُوَ صَلَاحِيَتُهُ لِلْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ وَالْوِلَايَاتِ كُلِّهَا (فَأَمْكَنَ جَعْلُهُ) أَيْ جَعْلُ قَوْلِهِ هَذَا ابْنِي (مَجَازًا عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْحُرِّيَّةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْعِتْقِ
وَلَوْ قَالَ: هَذَا أَبِي أَوْ أُمِّي وَمِثْلُهُ لَا يُولَدُ لِمِثْلِهِمَا فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ قَالَ لِصَبِيٍّ صَغِيرٍ: هَذَا جَدِّي قِيلَ: هُوَ عَلَى الْخِلَافِ. وَقِيلَ: لَا يُعْتَقُ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا مُوجِبَ لَهُ فِي الْمِلْكِ إلَّا بِوَاسِطَةٍ وَهُوَ الْأَبُ وَهِيَ غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِي كَلَامِهِ فَتَعَذَّرَ أَنْ يُجْعَلَ مَجَازًا عَنْ الْمُوجِبِ. بِخِلَافِ الْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ لِأَنَّ لَهُمَا مُوجِبًا فِي الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ،
أَوْ الْمَذْكُورِ (وَلَوْ قَالَ هَذَا أَبِي أَوْ أُمِّي وَمِثْلُهُ لَا يُولَدُ لِمِثْلِهِمَا فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ) وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
وَقَوْلُهُ (لِمَا بَيَّنَّا) يَعْنِي مِنْ الْوَجْهِ فِي الْجَانِبَيْنِ فِي قَوْلِهِ هَذَا ابْنِي (وَلَوْ قَالَ لِصَبِيٍّ صَغِيرٍ هَذَا جَدِّي قِيلَ هُوَ عَلَى الْخِلَافِ) وَالْوَجْهُ مَا تَقَدَّمَ (وَقِيلَ لَا يَعْتِقُ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا مُوجِبَ لَهُ فِي الْمِلْكِ مِنْ بُنُوَّةٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ) إلَّا بِوَاسِطَةٍ وَهُوَ الْأَبُ وَهِيَ غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِي كَلَامِهِ (فَتَعَذَّرَ أَنْ يُجْعَلَ مَجَازًا عَنْ الْمُوجِبِ) وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْوَاسِطَةَ لَوْ كَانَتْ مَذْكُورَةً مِثْلَ أَنْ يَقُولَ هَذَا جَدِّي أَبُو أَبِي عَتَقَ وَقَدْ ذَكَرَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ (بِخِلَافِ الْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ) لِأَنَّ لَهُمَا مُوجِبًا فِي الْمِلْكِ بِلَا وَاسِطَةٍ
وَلَوْ قَالَ: هَذَا أَخِي لَا يُعْتَقُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله يُعْتَقُ. وَوَجْهُ الرِّوَايَتَيْنِ مَا بَيَّنَّاهُ. وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ هَذَا ابْنَتِي فَقَدْ قِيلَ عَلَى الْخِلَافِ، وَقِيلَ هُوَ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ
وَلَوْ قَالَ هَذَا أَخِي لَا يَعْتِقُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَعْتِقُ، وَوَجْهُ الرِّوَايَتَيْنِ مَا بَيَّنَّا) أَمَّا وَجْهُ رِوَايَةِ الْعِتْقِ فَمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَهَذَا لِأَنَّ الْبُنُوَّةَ فِي الْمَمْلُوكِ سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ إلَخْ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا الْأُخُوَّةُ فِي الْمِلْكِ تُوجِبُ الْعِتْقَ، وَأَمَّا وَجْهُ رِوَايَةِ عَدَمِ الْعِتْقِ فَلِقَوْلِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْجَدِّ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا مُوجِبَ لَهُ فِي الْمِلْكِ إلَّا بِوَاسِطَةٍ، وَكَذَلِكَ هَاهُنَا الْأُخُوَّةُ لَا تَكُونُ إلَّا بِوَاسِطَةِ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ مُجَاوَرَةٍ فِي صُلْبٍ أَوْ رَحِمٍ وَهَذِهِ الْوَاسِطَةُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ. وَلَا مُوجِبَ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ بِدُونِ هَذِهِ الْوَاسِطَةِ. قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: إنَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْأَخِ إنَّمَا كَانَ إذَا ذَكَرَهُ مُطْلَقًا بِأَنْ قَالَ هَذَا أَخِي، فَأَمَّا إذَا ذَكَرَهُ مُقَيَّدًا وَقَالَ هَذَا أَخِي لِأَبِي أَوْ لِأُمِّي فَيَعْتِقُ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ لِمَا أَنَّ مُطْلَقَ الْأُخُوَّةِ مُشْتَرَكٌ قَدْ يُرَادُ بِهَا الْأُخُوَّةُ فِي الدِّينِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} وَقَدْ يُرَادُ بِهَا الِاتِّحَادُ فِي الْقَبِيلَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} وَقَدْ يُرَادُ بِهَا الْأُخُوَّةُ فِي النَّسَبِ، وَالْمُشْتَرَكُ لَا يَكُونُ حُجَّةً.
فَإِنْ قِيلَ: الْبُنُوَّةُ أَيْضًا تَخْتَلِفُ بَيْنَ نَسَبٍ وَرَضَاعٍ فَكَيْفَ يَثْبُتُ الْعِتْقُ بِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ هَذَا ابْنِي؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْبُنُوَّةَ مِنْ الرَّضَاعِ مَجَازٌ، وَالْمَجَازُ لَا يُعَارِضُ الْحَقِيقَةَ (وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ هَذَا ابْنَتِي فَقَدْ قِيلَ هُوَ عَلَى الْخِلَافِ. وَقِيلَ هُوَ) أَيْ عَدَمُ الْعِتْقِ (بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى) لِأَنَّ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ مِنْ بَنِي آدَمَ جِنْسَانِ
بِالْمُسَمَّى وَهُوَ مَعْدُومٌ فَلَا يُعْتَبَرُ وَقَدْ حَقَقْنَاهُ فِي النِّكَاحِ.
(وَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ بَائِنٌ أَوْ تَخَمَّرِي وَنَوَى بِهِ الْعِتْقَ لَمْ تُعْتَقْ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تُعْتَقُ إذَا نَوَى، وَكَذَا عَلَى هَذَا الْخِلَافِ سَائِرُ أَلْفَاظِ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ عَلَى مَا قَالَ مَشَايِخُهُمْ رحمهم الله لَهُ أَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ لِأَنَّ بَيْنَ الْمِلْكَيْنِ مُوَافَقَةً إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِلْكُ الْعَيْنِ، أَمَّا مِلْكُ الْيَمِينِ فَظَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ مِلْكُ النِّكَاحِ فِي حُكْمِ مِلْكِ الْعَيْنِ حَتَّى كَانَ التَّأْبِيدُ مِنْ شَرْطِهِ وَالتَّأْقِيتُ مُبْطِلًا لَهُ وَعَمَلُ اللَّفْظَيْنِ فِي إسْقَاطِ مَا هُوَ حَقُّهُ وَهُوَ الْمِلْكُ وَلِهَذَا يَصِحُّ التَّعْلِيقُ فِيهِ بِالشَّرْطِ، أَمَّا الْأَحْكَامُ فَتَثْبُتُ سَبَبٌ سَابِقٌ وَهُوَ كَوْنُهُ مُكَلَّفًا، وَلِهَذَا يَصْلُحُ لَفْظَةُ الْعِتْقِ وَالتَّحْرِيرُ كِنَايَةً عَنْ الطَّلَاقِ فَكَذَا عَكْسُهُ.
مُخْتَلِفَانِ؛ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْمُشَارُ إلَيْهِ مِنْ جِنْسِ الْمُسَمَّى يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِالْمُسَمَّى لِمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَالْمُسَمَّى هَاهُنَا مَعْدُومٌ فَلَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا عَنْ الِابْنِ لِعَدَمِ الْمُلَازَمَةِ بَيْنَهُمَا.
(قَوْلُهُ وَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ بَائِنٌ) ظَاهِرٌ إلَى قَوْلِهِ وَعَمَلُ اللَّفْظَيْنِ وَهُوَ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الْإِعْتَاقُ إثْبَاتُ الْقُوَّةِ وَلِهَذَا تَثْبُتُ بِهِ الْأَحْكَامُ مِثْلُ الْأَهْلِيَّةِ وَالْوِلَايَةِ وَالشَّهَادَةِ فَأَنَّى يُشْبِهُ الطَّلَاقَ الَّذِي هُوَ إسْقَاطٌ مَحْضٌ.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ الْإِعْتَاقَ أَيْضًا إسْقَاطٌ بِدَلِيلِ صِحَّةِ التَّعْلِيقِ فِيهِمَا، وَأَمَّا الْأَحْكَامُ فَلَيْسَتْ بِوَارِدَةٍ لِأَنَّهَا ثَابِتَةٌ بِسَبَبٍ سَابِقٍ وَهُوَ كَوْنُهُ آدَمِيًّا مُكَلَّفًا غَيْرَ أَنَّ الْإِعْتَاقَ إزَالَةُ الْمَانِعِ فَاسْتَوَى الْإِعْتَاقُ وَالطَّلَاقُ.
وَقَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِكَوْنِ الْعِتْقِ مُحْتَمَلَ لَفْظِهِ (يَصْلُحُ لَفْظَةُ الْعِتْقِ وَالتَّحْرِيرِ كِتَابَةً عَنْ الطَّلَاقِ فَكَذَا عَكْسُهُ) لِأَنَّ مَبْنَى الْمَجَازِ عَلَى الْمُنَاسَبَةِ وَالشَّيْءُ لَا يُنَاسِبُ شَيْئًا إلَّا الشَّيْءَ الْآخَرَ يُنَاسِبُهُ، وَإِنَّمَا قَالَ عَلَى مَا قَالَهُ مَشَايِخُهُمْ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْ الشَّافِعِيِّ لَفْظَةُ الطَّلَاقِ فَحَسْبُ وَأَصْحَابُهُ قَاسُوا عَلَيْهَا سَائِرَ أَلْفَاظِ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ
وَلَنَا أَنَّهُ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ لُغَةً إثْبَاتُ الْقُوَّةِ وَالطَّلَاقَ رَفْعُ الْقَيْدِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْعَبْدَ أُلْحِقَ بِالْجَمَادَاتِ وَبِالْإِعْتَاقِ يَحْيَا فَيَقْدِرُ، وَلَا كَذَلِكَ الْمَنْكُوحَةُ فَإِنَّهَا قَادِرَةٌ إلَّا أَنَّ قَيْدَ النِّكَاحِ مَانِعٌ وَبِالطَّلَاقِ يَرْتَفِعُ الْمَانِعُ فَتَظْهَرُ الْقُوَّةُ وَلَا خَفَاءَ أَنَّ الْأَوَّلَ أَقْوَى، وَلِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ فَوْقَ مِلْكِ النِّكَاحِ فَكَانَ إسْقَاطُهُ أَقْوَى وَاللَّفْظُ يَصْلُحُ مَجَازًا عَمَّا هُوَ دُونَ حَقِيقَتِهِ لَا عَمَّا هُوَ فَوْقَهُ، فَلِهَذَا امْتَنَعَ فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَانْسَاغَ فِي عَكْسِهِ.
وَلَنَا أَنَّهُ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ) لِأَنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُمَا تُجَوِّزُ الِاسْتِعَارَةَ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ لُغَةً إثْبَاتُ الْقُوَّةِ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ عَتَقَ الطَّيْرُ: إذَا قَوَى وَطَارَ عَنْ وَكْرِهِ، وَفِي الشَّرْعِ أَيْضًا كَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَبْدَ أُلْحِقَ بِالْجَمَادَاتِ وَبِالْإِعْتَاقِ يَحْيَا فَيَقْدِرُ.
وَالطَّلَاقُ فِي اللُّغَةِ رَفْعُ الْقَيْدِ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ أَطْلَقْت الْبَعِيرَ عَنْ الْقَيْدِ إذَا حَلَلْته وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ رَفْعِ الْمَانِعِ عَنْ الِانْطِلَاقِ لَا إثْبَاتِ قُوَّةِ الِانْطِلَاقِ، وَكَذَلِكَ فِي الشَّرْعِ لِأَنَّ الْمَنْكُوحَةَ لَمْ تَزَلْ مَالِكِيَّتَهُ فَإِنَّهَا قَادِرَةٌ إلَّا أَنَّ قَيْدَ النِّكَاحِ مَانِعٌ وَبِالطَّلَاقِ يَرْتَفِعُ الْمَانِعُ فَتَظْهَرُ الْقُوَّةُ وَلَيْسَ بَيْنَ إثْبَاتِ الْقُوَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي مَحَلٍّ لَمْ يَكُنْ وَبَيْنَ رَفْعِ الْمَانِعِ لِتَعْمَلَ الْقُوَّةُ الثَّابِتَةُ فِي مَحَلِّهَا مُنَاسَبَةٌ. وَلَا خَفَاءَ أَنَّ الْأَوَّلَ أَقْوَى وَالْأَدْنَى لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعَارًا لِلْأَعْلَى عَلَى مَا نَذْكُرُ، وَلِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ فَوْقَ مِلْكِ النِّكَاحِ لِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ قَدْ يَسْتَلْزِمُ مِلْكَ الْمُتْعَةِ إذَا صَادَفَ الْجَوَارِيَ الْخَالِيَةَ عَمَّا يَمْنَعُ عَنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِنَّ، وَأَمَّا مِلْكُ النِّكَاحِ فَلَا يَسْتَلْزِمُ مِلْكَ الْيَمِينِ أَصْلًا، وَكُلُّ مَا كَانَ هُوَ أَقْوَى فَإِسْقَاطُهُ أَقْوَى فَمِلْكُ الْيَمِينِ إسْقَاطُهُ أَقْوَى وَاللَّفْظُ يَصْلُحُ مَجَازًا عَمَّا دُونَ حَقِيقَتِهِ لَا عَمَّا هُوَ فَوْقَهُ، وَهَذَا لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْمَجَازِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا إذَا وَجَدْت وَصْفًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ مَلْزُومَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ فِي أَحَدِهِمَا أَقْوَى مِنْهُ فِي الْآخَرِ. وَأَنْتَ تَرَى إلْحَاقَ الْأَضْعَفِ بِالْأَقْوَى عَلَى وَجْهِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فَتَدَّعِي أَنَّ مَلْزُومَ الْأَضْعَفِ مِنْ جِنْسِ مَلْزُومِ الْأَقْوَى وَتُطْلِقُ عَلَيْهِ اسْمَ الْأَقْوَى كَمَا إذَا كَانَ عِنْدَك شُجَاعٌ وَأَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُلْحِقَ جُرْأَتَهُ وَقُوَّتَهُ بِجُرْأَةِ الْأَسَدِ وَقُوَّتِهِ فَتَدَّعِي الْأَسْدِيَةَ لَهُ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْأَسَدِ عَلَيْهِ.
وَهَذَا كَمَا تَرَى إنَّمَا يَكُونُ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ دُونَ الْعَكْسِ. وَإِذَا ظَهَرَ هَذَا بَعْدَ الْعِلْمِ بِأَنَّ إزَالَةَ مِلْكِ الْيَمِينِ أَقْوَى ظَهَرَ لَك جَوَازُ اسْتِعَارَةِ أَلْفَاظِ الْعَتَاقِ لِلطَّلَاقِ دُونَ عَكْسِهِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ النُّكْتَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي الْكِتَابِ أَنَّ فِي الْأُولَى مَنْعَ الْمُنَاسَبَةِ وَإِظْهَارَ السَّنَدِ بِأَنَّ الْإِعْتَاقَ إثْبَاتٌ وَالطَّلَاقَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رَفْعٌ فَأَنَّى يَتَنَاسَبَانِ، وَفِي الثَّانِي تَسْلِيمَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إسْقَاطٌ لَكِنَّ الْإِعْتَاقَ أَقْوَى وَهُوَ يُنَافِي الِاسْتِعَارَةَ.
(وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ مِثْلُ الْحُرِّ لَمْ يُعْتَقْ) لِأَنَّ الْمِثْلَ يُسْتَعْمَلُ لِلْمُشَارَكَةِ فِي بَعْضِ الْمَعَانِي عُرْفًا فَوَقَعَ الشَّكُّ فِي الْحُرِّيَّةِ (وَلَوْ قَالَ: مَا أَنْتَ إلَّا حُرٌّ عَتَقَ) لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ عَلَى وَجْهِ التَّأْكِيدِ كَمَا فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ (وَلَوْ قَالَ رَأْسُك رَأْسُ حُرٍّ لَا يُعْتَقُ) لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ بِحَذْفِ حَرْفِهِ (وَلَوْ قَالَ رَأْسُك رَأْسُ حُرٍّ عَتَقَ) لِأَنَّهُ إثْبَاتُ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ إذْ الرَّأْسُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ.
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ مِثْلَ الْحُرِّ) إطْلَاقُهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ نَوَى الْعِتْقَ أَوْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يَعْتِقْ. وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ لَمْ يَعْتِقْ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَفِي تَعْلِيلِهِ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ لِأَنَّ الْمِثْلَ يُسْتَعْمَلُ لِلْمُشَارَكَةِ فِي بَعْضِ الْمَعَانِي عُرْفًا فَوَقَعَ الشَّكُّ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إذَا نَوَى الْحُرِّيَّةَ زَالَ الشَّكُّ. وَقَوْلُهُ (عُرْفًا) يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْعُرْفُ الْعَامُّ، فَإِنَّ الْعَامَّةَ يَسْتَعْمِلُونَهُ لِلْمُشَارَكَةِ فِي بَعْضِ الْأَوْصَافِ يَقُولُونَ زَيْدٌ مِثْلُ عَمْرٍو مَثَلًا إلَّا إذَا كَانَ عَمْرٌو مَشْهُورًا بِصِفَةٍ كَعِلْمٍ أَوْ خَطٍّ أَوْ جُودٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْعُرْفُ الْخَاصُّ فَإِنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي الِاتِّحَادِ بِالْحَقِيقَةِ. وَقَوْلُهُ (وَلَوْ قَالَ مَا أَنْتَ إلَّا حُرٌّ إلَخْ) ظَاهِرٌ.
(فَصْلٌ)
فَصْلٌ
(وَمَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ عَتَقَ عَلَيْهِ) وَهَذَا اللَّفْظُ مَرْوِيٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم " مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ فَهُوَ حُرٌّ " وَاللَّفْظُ بِعُمُومِهِ يَنْتَظِمُ كُلَّ قَرَابَةٍ مُؤَيَّدَةٍ بِالْمَحْرَمِيَّةِ وِلَادًا أَوْ غَيْرَهُ،
لَمَّا ذَكَرَ الْعِتْقَ الْحَاصِلَ بِالْإِعْتَاقِ الِاخْتِيَارِيِّ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ ذَكَرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ عَامَّةَ مَسَائِلِ الْعِتْقِ الَّذِي يَحْصُلُ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ كَإِرْثِ قَرِيبِهِ. وَخُرُوجِ عَبْدِ الْحَرْبِيِّ إلَيْنَا مُسْلِمًا وَوَلَدِ الْأَمَةِ مِنْ مَوْلَاهَا، وَالرَّحِمُ فِي الْأَصْلِ وِعَاءُ الْوَلَدِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، ثُمَّ سُمِّيَتْ الْقَرَابَةُ وَصْلَةُ مَنْ جِهَةِ الْوِلَادِ رَحِمًا، وَمِنْهُ ذُو الرَّحِمِ، وَالْمَحْرَمُ هُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا وَالْآخَرُ أُنْثَى «وَمَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ عَتَقَ عَلَيْهِ» ، وَهَذَا اللَّفْظُ مَرْوِيٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) رَوَاهُ عُمَرُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةُ رضي الله عنهم وَقَالَ صلى الله عليه وسلم «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ فَهُوَ حُرٌّ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ، وَاللَّفْظُ بِعُمُومِهِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ قَرَابَةٍ مُؤَيَّدَةٍ بِالْمَحْرَمِيَّةِ وِلَادًا أَوْ غَيْرَهُ، فَإِنْ قِيلَ الضَّمِيرُ فِي مِثْلِهِ يَعُودُ إلَى مَنْ كَمَا فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ» وَأَمْثَالِهِ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً.
أُجِيبَ بِأَنَّ وُقُوعَهُ جَزَاءً لِقَوْلِهِ " مَنْ مَلَكَ " يَنْبُو عَنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ فَإِنَّ تَمَلُّكَهُ يَدُلُّ عَلَى حُرِّيَّتِهِ إذْ الْمَمْلُوكُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا فَقَوْلُهُ فَهُوَ حُرٌّ لَوْ عَادَ إلَيْهِ كَانَ تَكْرَارًا غَيْرَ مُفِيدٍ، فَإِنْ قِيلَ: صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ «لَنْ يَجْزِيَ وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» عَطَفَهُ بِالْفَاءِ الَّتِي لِلتَّعْقِيبِ فَلَا يَعْتِقُ مَا لَمْ يُعْتِقْهُ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ دَلِيلُ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِلُزُومِ التَّعَارُضِ،
وَالشَّافِعِيُّ رحمه الله يُخَالِفُنَا فِي غَيْرِهِ. لَهُ أَنَّ ثُبُوتَ الْعِتْقِ مِنْ غَيْرِ مَرْضَاةِ الْمَالِكِ يَنْفِيهِ الْقِيَاسُ أَوْ لَا يَقْتَضِيه، وَالْأُخُوَّةُ وَمَا يُضَاهِيهَا نَازِلَةٌ عَنْ قَرَابَةِ الْوِلَادِ فَامْتَنَعَ الْإِلْحَاقُ أَوْ الِاسْتِدْلَال بِهِ، وَلِهَذَا امْتَنَعَ التَّكَاتُبُ عَلَى الْمَكَاتِبِ فِي غَيْرِ الْوِلَادِ وَلَمْ يَمْتَنِعُ فِيهِ. وَلَنَا مَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّهُ مَلَكَ قَرِيبَهُ قَرَابَةً مُؤَثِّرَةً فِي الْمَحْرَمِيَّةِ فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَهَذَا
وَمَحْمَلُهُ أَنَّ مِثْلَهُ يُسْتَعْمَلُ فِي حُصُولِ الثَّانِي بِالْأَوَّلِ لَا بِسَبَبٍ آخَرَ كَمَا يُقَالُ أَطْعَمَهُ فَأَشْبَعَهُ وَسَقَاهُ فَأَرْوَاهُ وَضَرَبَهُ فَأَوْجَعَهُ وَأَمْثَالٌ لَهُ.
قَوْلُهُ (وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُنَا فِي غَيْرِهِ) أَيْ فِي غَيْرِ الْوِلَادِ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ ثُبُوتَ الْعِتْقِ مِنْ غَيْرِ مَرْضَاةِ الْمَالِكِ يَنْفِيهِ الْقِيَاسُ أَوْ لَا يَقْتَضِيهِ، وَكُلُّ مَا يَنْفِيهِ الْقِيَاسُ لَا يَلْحَقُ بِهِ شَيْءٌ آخَرُ بِالْقِيَاسِ، وَكُلُّ مَا لَا يَقْتَضِيهِ لَا يَدْخُلُ غَيْرُهُ فِيهِ بِالِاسْتِدْلَالِ: أَيْ بِدَلَالَةِ النَّصِّ إلَّا إذَا كَانَ الْمُلْحَقُ فِي مَعْنَى الْمُلْحَقِ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ قَرَابَةَ الْأُخُوَّةِ وَمَا يُضَاهِيهَا نَازِلَةٌ عَنْ قَرَابَةِ الْوِلَادِ وَلِهَذَا امْتَنَعَ التَّكَاتُبُ عَلَى الْمُكَاتَبِ فِي غَيْرِ الْوِلَادِ وَلَا يَمْتَنِعُ فِيهِ.
هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي الْأَصْلِ، وَالْوِلَادُ مَلْغِيٌّ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي يُفْتَرَضُ وَصْلُهَا وَيَحْرُمُ قَطْعُهَا حَتَّى وَجَبَتْ النَّفَقَةُ وَحَرُمَ النِّكَاحُ،
وَلَنَا مَا رَوَيْنَا وَهُوَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ عَتَقَ عَلَيْهِ» وَلِأَنَّهُ مَلَكَ قَرِيبَهُ قَرَابَةً مُؤَثِّرَةً فِي الْمَحْرَمِيَّةِ. وَكُلُّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَتَقَ عَلَيْهِ، أَمَّا أَنَّهُ مَلَكَ ذَلِكَ فَبِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا أَنَّ كُلَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَتَقَ عَلَيْهِ فَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْوِلَادِ لِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ تَمَلُّكُ الْقَرِيبِ الْمَحْرَمِ هُوَ الْعِلَّةُ الْمُؤَثِّرَةُ فِي الْوِلَادِ وَالْوِلَادُ مُلْغًى لِأَنَّهَا أَيْ الْقَرَابَةَ الْمُؤَثِّرَةَ فِي الْمَحْرَمِيَّةِ هِيَ الَّتِي يُفْتَرَضُ وَصْلُهَا، وَيَحْرُمُ قَطْعُهَا حَتَّى وَجَبَتْ النَّفَقَةُ وَحَرُمَ النِّكَاحُ.
أَمَّا حُرْمَةُ النِّكَاحِ فَبِالْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا وُجُوبُ النَّفَقَةِ فَمَذْهَبُنَا، لَكِنْ لَمَّا أَثْبَتَ ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} كَانَ ثَابِتًا أَلْبَتَّةَ فَاسْتَدَلَّ بِهِ. وَلِمَشَايِخِنَا هُنَا نُكْتَةٌ وَهُوَ قَوْلُهُ هَذِهِ قَرَابَةٌ صِينَتْ عَنْ أَدْنَى الذُّلَّيْنِ وَهُوَ ذُلُّ النِّكَاحِ فَلَأَنْ تُصَانَ عَنْ أَعْلَاهُمَا أَوْلَى. فَإِنْ ادَّعَى أَنَّ ذُلَّ النِّكَاحِ أَعْلَى فَتِلْكَ مُكَابَرَةٌ تَسْتَدْعِي تَفْضِيلَ الْإِمَاءِ عَلَى الْحَرَائِرِ وَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا، وَإِجْمَاعُنَا عَلَى أَنَّ الرَّضَاعَ يَرْفَعُ ذُلَّ النِّكَاحِ دُونَ الرِّقِّ مِمَّا يَحْسِمُ مَادَّةَ هَذِهِ الْمُكَابَرَةِ فَإِنَّ رَافِعَ الْأَعْلَى يَرْفَعُ الْأَدْنَى لَا مَحَالَةَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَالِكُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، وَكَذَلِكَ الْمَمْلُوكُ لِعُمُومِ الْعِلَّةِ وَهِيَ الْقَرَابَةُ الْمُحَرِّمَةُ لِلنِّكَاحِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ الْقَرَابَةُ إنْ أَوْجَبَتْ الْعِتْقَ أَوْجَبَتْ بِاعْتِبَارِ الصِّلَةِ عَلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ هِيَ الَّتِي يُفْتَرَضُ وَصْلُهَا وَقَرَابَةُ الْأُخُوَّةِ لَا تُوجِبُ الصِّلَةَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الدِّينِ وَلِهَذَا لَا تَجِبُ النَّفَقَةُ فَلَا تُوجِبُ الْإِعْتَاقَ أَيْضًا.
أُجِيبَ بِأَنَّ عِلَّةَ النَّفَقَةِ لَيْسَتْ الْقَرَابَةَ الْمُجَرَّدَةَ فِي الْأُخُوَّةِ بَلْ بِصِفَةِ الْوِرَاثَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} وَاخْتِلَافُ الدِّينِ يَمْنَعُ الْإِرْثَ فَكَذَا مَا يُبْنَى عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَالَ أَوْ كَافِرًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ مَلَكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ لَمْ يَعْتِقْ، فَإِنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ، فَكَذَا لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ. فَإِنْ قِيلَ: عَدَمُ إنْفَاذِ الْعِتْقِ بِالْإِعْتَاقِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْعِتْقِ بِالْمِلْكِ فَإِنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ إذْ أَعْتَقَا لَمْ يَنْفُذْ، وَأَمَّا إذَا مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ عَتَقَ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَا يَقَعُ مِنْ الْعِتْقِ بِالْمِلْكِ يَقَعُ بِالْإِعْتَاقِ أَيْضًا لِأَنَّ الْوُقُوعَ بِالْمِلْكِ إنَّمَا هُوَ بِإِلْزَامِ الشَّرْعِ لِعَدَمِ التَّصَرُّفِ مِنْهُ، وَمَا لَزِمَ بِإِلْزَامِهِ يَلْزَمُ بِالِالْتِزَامِ أَيْضًا بِالِاسْتِقْرَاءِ، إلَّا أَنَّا تَرَكْنَا هَذَا الْأَصْلَ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ بِالْمَانِعِ، وَهُوَ أَنَّ الْإِعْتَاقَ تَصَرُّفٌ ضَارٌّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِهِ لِمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ، وَكَذَا إذَا أَعْتَقَ الْمُسْلِمُ عَبْدًا حَرْبِيًّا فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِي الْكِتَابِ مُتَعَلِّقٌ بِمَجْمُوعِ مَا ذُكِرَ قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الْمَالِكُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا لَا يَنْحَصِرُ تَعَلُّقُهُ
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الْمَالِكُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِعُمُومِ الْعِلَّةِ. وَالْمَكَاتِبُ إذَا اشْتَرَى أَخَاهُ وَمَنْ يَجْرِي مَجْرَاهُ لَا يَتَكَاتَبُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِلْكٌ تَامٌّ يُقْدِرُهُ عَلَى الْإِعْتَاقِ وَالِافْتِرَاضِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ، بِخِلَافِ الْوِلَادِ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِيهِ مِنْ مَقَاصِدِ الْكِتَابَةِ فَامْتَنَعَ الْبَيْعُ فَيَعْتِقُ تَحْقِيقًا لِمَقْصُودِ الْعَقْدِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّهُ يَتَكَاتَبُ عَلَى الْأَخِ أَيْضًا وَهُوَ قَوْلُهُمَا قُلْنَا أَنْ نَمْنَعَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا مَلَكَ ابْنَةَ عَمِّهِ وَهِيَ أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ لِأَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ مَا ثَبَتَتْ بِالْقَرَابَةِ وَالصَّبِيُّ جُعِلَ أَهْلًا لِهَذَا الْعِتْقِ، وَكَذَا الْمَجْنُونُ حَتَّى عَتَقَ الْقَرِيبُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْعَبْدِ
بِقَوْلِهِ أَوْ كَافِرًا.
وَقَوْلُهُ (وَالْمُكَاتَبُ إذَا اشْتَرَى أَخَاهُ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ وَلِهَذَا امْتَنَعَ التَّكَاتُبُ عَلَى الْمُكَاتَبِ فِي غَيْرِ الْوِلَادِ. وَتَقْرِيرُهُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَتَكَاتَبُ عَلَيْهِ، بَلْ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّهُ كَانَ يَتَكَاتَبُ عَلَى الْأَخِ أَيْضًا. وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَإِنَّمَا لَا يَتَكَاتَبُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَيْسَ لَهُ مِلْكٌ تَامٌّ يُقَدِّرُهُ عَلَى الْإِعْتَاقِ لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وَإِنَّمَا أُلْحِقَ بِالْمُلَّاكِ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْكِتَابَةِ، وَمَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْإِعْتَاقِ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا عَتَقَ عَلَيْهِ قَرَابَةُ الْوِلَادِ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ الْوِلَادِ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِيهِ مِنْ مَقَاصِدِ الْكِتَابَةِ لِأَنَّ عِتْقَ نَفْسِهِ كَمَا كَانَ مَقْصُودًا بِالْكِتَابَةِ لِكَوْنِهِ يَتَغَيَّرُ بِالرِّقِّ فَكَذَلِكَ رِقُّ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ، فَإِذَا كَانَ مِنْ مَقَاصِدِهَا امْتَنَعَ الْبَيْعُ فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ تَحْقِيقًا لِمَقْصُودِ الْعَقْدِ، وَأَمَّا حُرِّيَّةُ الْأَخِ فَلَيْسَتْ مِنْ مَقَاصِدِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ لِعَدَمِ لُحُوقِ الْعَارِ بِرِقِّهِ لُحُوقَهُ بِرِقِّ ابْنِهِ أَوْ أَبِيهِ.
وَقَوْلُهُ (وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا مَلَكَ بِنْتَ عَمِّهِ) جَوَابُ نَقْضٍ إجْمَالِيٍّ. تَقْرِيرُهُ: لَوْ كَانَ تَمَلُّكُ
فَشَابَهَ النَّفَقَةَ.
(وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلشَّيْطَانِ أَوْ لِلصَّنَمِ عَتَقَ) لِوُجُودِ رُكْنِ الْإِعْتَاقِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ وَوَصْفُ الْقُرْبَةِ فِي اللَّفْظِ الْأَوَّلِ زِيَادَةٌ فَلَا يَخْتَلُّ الْعِتْقُ بِعَدَمِهِ فِي اللَّفْظَيْنِ الْآخَرَيْنِ.
(وَعِتْقُ الْمُكْرَهِ وَالسَّكْرَانِ وَاقِعٌ) لِصُدُورِ الرُّكْنِ مِنْ الْأَهْلِ فِي الْمَحَلِّ كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ.
(وَإِنْ أَضَافَ الْعِتْقَ إلَى مِلْكٍ أَوْ شَرْطٍ صَحَّ كَمَا فِي الطَّلَاقِ) أَمَّا الْإِضَافَةُ إلَى الْمِلْكِ فَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَأَمَّا التَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ فَلِأَنَّهُ إسْقَاطٌ
ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ عِلَّةً لِعِتْقِهِ عَلَى مَنْ يَمْلِكُ لَعَتَقَتْ ابْنَةُ الْعَمِّ الَّتِي هِيَ أُخْتٌ مِنْ الرَّضَاعَةِ عَلَى ابْنِ عَمِّهَا إذَا اشْتَرَاهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَحْرَمِيَّةِ مَحْرَمِيَّةٌ أَثَّرَتْ فِيهَا الْقَرَابَةُ وَهَذِهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّضَاعَ هُوَ الْمُؤَثِّرُ، وَذِكْرُ هَذَا الْجَوَابِ إنَّمَا هُوَ لِزِيَادَةِ الْإِيضَاحِ لِأَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا مِنْ أَصْلِ دَلِيلِهِ حَيْثُ قَالَ: وَلِأَنَّهُ مَلَكَ قَرِيبَهُ قَرَابَةً مُؤَثِّرَةً فِي الْمَحْرَمِيَّةِ وَهَذِهِ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، وَالصَّبِيُّ جُعِلَ أَهْلًا لِهَذَا الْعِتْقِ وَكَذَلِكَ الْمَجْنُونُ، فَإِذَا دَخَلَ قَرِيبُهُمَا فِي مِلْكِهِمَا بِغَيْرِ صُنْعٍ مِنْهُمَا كَالْإِرْثِ وَالْهِبَةِ عَتَقَ عَلَيْهِمَا لِأَنَّ الْعِلَّةَ وَهِيَ تَمَلُّكُ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ قَدْ وُجِدَتْ وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْعَبْدِ فَيَعْتِقُ وَكَانَ كَالنَّفَقَةِ.
قَالَ (وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى) وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلشَّيْطَانِ أَوْ لِلصَّنَمِ عَتَقَ لِوُجُودِ رُكْنِ الْإِعْتَاقِ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إلَى مَحَلِّهِ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ شَرْعِيٍّ فَيَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَوَصْفُ الْقُرْبَةِ وَهُوَ كَوْنُهُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ زِيَادَةٌ فَلَا يَخْتَلُّ الْعِتْقُ بِعَدَمِهِ فِي اللَّفْظَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ يَعْنِي الشَّيْطَانَ وَالصَّنَمَ.
وَقَوْلُهُ (وَعِتْقُ الْمُكْرَهِ) وَاضِحٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الطَّلَاقِ.
(وَإِنْ أَضَافَ الْعِتْقَ إلَى مِلْكٍ) بِأَنْ يَقُولَ لِعَبْدِ الْغَيْرِ إنْ اشْتَرَيْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ (صَحَّ كَمَا فِي الطَّلَاقِ) وَإِنْ عَلَّقَ بِشَرْطٍ كَقَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَكَذَلِكَ.
فَيُجْرَى فِيهِ التَّعْلِيقُ بِخِلَافِ التَّمْلِيكَاتِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ.
(وَإِذَا خَرَجَ عَبْدُ الْحَرْبِيِّ إلَيْنَا مُسْلِمًا عَتَقَ)«لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي عَبِيدِ الطَّائِفِ حِينَ خَرَجُوا إلَيْهِ مُسْلِمِينَ هُمْ عُتَقَاءُ اللَّهِ تَعَالَى»
أَمَّا الْإِضَافَةُ فَفِيهِ خِلَافٌ لِلشَّافِعِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَأَمَّا التَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ فَلِأَنَّ الْإِعْتَاقَ إسْقَاطٌ وَالْإِسْقَاطُ (يَجْرِي فِيهِ التَّعْلِيقُ) بِالِاتِّفَاقِ بِخِلَافِ التَّمْلِيكَاتِ. وَالْخِلَافُ فِيهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ بِوَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ زَوَالَ الْمِلْكِ عِنْدَهُ يُبْطِلُ الْيَمِينَ وَعِنْدَنَا لَا يُبْطِلُهُ، فَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَبَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ فَدَخَلَ الدَّارَ عَتَقَ عِنْدَنَا خِلَافًا لَهُ. وَقَدْ عُرِفَ فِي الْأُصُولِ
(وَإِذَا خَرَجَ عَبْدُ الْحَرْبِيِّ إلَيْنَا مُسْلِمًا عَتَقَ «لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي عَبِيدِ الطَّائِفِ حِينَ خَرَجُوا إلَيْهِ مُسْلِمِينَ هُمْ عُتَقَاءُ اللَّهِ») رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: «أَنَّ عَبْدَيْنِ مِنْ الطَّائِفِ خَرَجَا فَأَسْلَمَا
وَلِأَنَّهُ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ وَلَا اسْتِرْقَاقَ عَلَى الْمُسْلِمِ ابْتِدَاءً.
(وَإِنْ أَعْتَقَ حَامِلًا عَتَقَ حَمْلُهَا تَبَعًا لَهَا) إذْ هُوَ مُتَّصِلٌ بِهَا (وَلَوْ أَعْتَقَ الْحَمْلَ خَاصَّةً عَتَقَ دُونَهَا) لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَى إعْتَاقِهَا مَقْصُودًا لِعَدَمِ الْإِضَافَةِ إلَيْهَا وَلَا إلَيْهِ تَبَعًا لِمَا فِيهِ مِنْ قَلْبِ الْمَوْضُوعِ، ثُمَّ إعْتَاقُ الْحَمْلِ صَحِيحٌ وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ نَفْسَهُ شَرْطٌ فِي الْهِبَةِ وَالْقُدْرَةُ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْجَنِينِ وَشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْإِعْتَاقِ فَافْتَرَقَا.
(وَلَوْ أَعْتَقَ الْحَمْلَ عَلَى مَالٍ صَحَّ) وَلَا يَجِبُ الْمَالُ إذْ لَا وَجْهَ إلَى إلْزَامِ الْمَالِ عَلَى الْجَنِينِ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ، وَلَا إلَى إلْزَامِهِ الْأُمَّ لِأَنَّهُ فِي حَقِّ الْعِتْقِ نَفْسٌ عَلَى حِدَةٍ، وَاشْتِرَاطُ بَدَلِ الْعِتْقِ عَلَى غَيْرِ الْمُعْتِقِ لَا يَجُوزُ
فَأَعْتَقَهُمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم» (وَلِأَنَّهُ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ وَلَا اسْتِرْقَاقَ عَلَى الْمُسْلِمِ ابْتِدَاءً) وَقَيَّدَ بِالِابْتِدَاءِ لِجَوَازِهِ عَلَيْهِ بَقَاءً لِأَنَّهُ فِي الْبَقَاءِ مِنْ الْأُمُورِ الْحُكْمِيَّةِ دُونَ الْجُزْئِيَّةِ فَيَجُوزُ بَقَاؤُهُ كَبَقَاءِ الْأَمْلَاكِ بَعْدَ وُجُودِ أَسْبَابِهَا.
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ أَعْتَقَ حَامِلًا) ظَاهِرٌ. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تُعْتَقْ أُمُّهُ لَجَازَ بَيْعُهَا وَهُوَ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ الْهِبَةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا أَعْتَقَ مَا فِي بَطْنِهَا لَمْ يَبْقَ الْجَنِينُ عَلَى مِلْكِهِ فَهِبَةُ الْأُمِّ بَعْدَ ذَلِكَ صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ هِبَةِ الْأَمَةِ، وَاسْتِثْنَاءُ الْحَمْلِ فِي الْهِبَةِ شَرْطٌ فَاسِدٌ، وَالْهِبَةُ لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَفْسُدُ بِالشَّرْطِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ.
وَقَوْلُهُ (وَاشْتِرَاطُ بَدَلِ الْعِتْقِ عَلَى غَيْرِ الْمُعْتَقِ لَا يَجُوزُ) قِيلَ عَلَيْهِ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّفَ الْعِتْقُ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الْحَمْلُ إلَى حَدٍّ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْقَبُولِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا يَعْقِلُ الْعَقْدَ كَمَا مَرَّ فِي خُلْعِ الصَّغِيرَةِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: وَإِنْ شَرَطَ الْأَلْفَ عَلَيْهَا تَوَقَّفَ عَلَى قَبُولِهَا إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْقَبُولِ بِأَنْ كَانَتْ عَاقِلَةً تَعْقِلُ الْعَقْدَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ
عَلَى مَا مَرَّ فِي الْخُلْعِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ قِيَامُ الْحَبَلِ وَقْتَ الْعِتْقِ إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْهُ، لِأَنَّهُ أَدْنَى مُدَّةِ الْحَمْلِ.
قَالَ (وَوَلَدُ الْأَمَةِ مِنْ مَوْلَاهَا حُرٌّ) لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِ فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ، هَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَلَا مُعَارِضَ لَهُ فِيهِ لِأَنَّ وَلَدَ الْأَمَةِ لِمَوْلَاهَا.
(وَوَلَدُهَا مِنْ زَوْجِهَا مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا) لِتَرَجُّحِ جَانِبِ الْأُمِّ بِاعْتِبَارِ الْحَضَانَةِ
ذَلِكَ فِي صَرِيحِ الشَّرْطِ، وَأَمَّا هَاهُنَا فَالْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ بِكَلِمَةِ عَلَى وَكَانَ ذِكْرُ الْمَالِ هَاهُنَا وَصْفًا لِلْإِعْتَاقِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ الْوَصْفِ بُطْلَانُ الْأَصْلِ فَيَثْبُتُ الْعِتْقُ وَلَا يَجِبُ الْمَالُ كَمَا فِي طَلَاقِ الصَّغِيرَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إنْ ذُكِرَ بِكَلِمَةِ الشَّرْطِ تَوَقَّفَ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ رِوَايَةٍ، وَاعْتِبَارُهُ بِخُلْعِ الصَّغِيرَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: وَإِنْ شَرَطَ الْأَلْفَ عَلَيْهَا تَوَقَّفَ عَلَى قَبُولِهَا إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْقَبُولِ، فَالتَّوَقُّفُ فِيهِ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِهَا مِنْ أَهْلِ الْقَبُولِ وَالْحَمْلُ لَيْسَ مِنْهُ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: لَمَّا عَلِمَ الْمُعْتَقُ عَدَمَ كَوْنِ الْحَمْلِ أَهْلًا لِلْخِطَابِ وَقَبُولَ الشَّرْطِ وَأَقْدَمَ عَلَى الْعِتْقِ كَانَ قَاصِدًا لِلْإِعْتَاقِ بِلَا مَالٍ أَوْ يُحْمَلُ حَالُهُ عَلَى ذَلِكَ صَوْنًا لِكَلَامِهِ عَنْ الْإِلْغَاءِ. وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا مَرَّ فِي الْخُلْعِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هَذِهِ حَوَالَةٌ غَيْرُ رَائِجَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ مَسْأَلَةَ الْخُلْعِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، فَإِنَّ فِي شُرُوحِهِ فَرَّقَ بَيْنَ الْخُلْعِ وَالْإِعْتَاقِ لِجَوَازِ وُجُوبِ بَدَلِ الْخُلْعِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ دُونَ الْإِعْتَاقِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْخُلْعِ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ فِي مَعْنَى الْمَرْأَةِ فِي عَدَمِ حُصُولِ شَيْءٍ لَهُمَا بِمُقَابَلَةِ الْمَالِ، فَكَمَا جَازَ عَلَيْهَا جَازَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ، وَالْإِعْتَاقُ يُثْبِتُ الْقُوَّةَ الْحُكْمِيَّةَ الَّتِي لَمْ تَكُنْ لِلْعَبْدِ قَبْلَهُ، وَكَانَ فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ يَحْصُلُ لَهُ، وَالْأَجْنَبِيُّ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ فَيَكُونُ اشْتِرَاطُ الْمَالِ عَلَيْهِ كَاشْتِرَاطِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ عَلَى غَيْرِ الْمُشْتَرِي. وَقَوْلُهُ (وَإِنَّمَا يُعْرَفُ قِيَامُ الْحَبَلِ) وَاضِحٌ لِأَنَّ التَّيَقُّنَ بِوُجُودِ الْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ. وَقَوْلُهُ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ وَقْتِ الْعِتْقِ.
قَالَ (وَوَلَدُ الْأَمَةِ مِنْ مَوْلَاهَا حُرٌّ لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِ فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ) يَعْنِي أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يُخْلَقَ الْوَلَدُ مِنْ مَاءِ صَاحِبِ الْمَاءِ (وَلَا مُعَارِضَ لَهُ فِيهِ).
أَوْ لِاسْتِهْلَاكِ مَائِهِ بِمَائِهَا وَالْمُنَافَاةُ مُتَحَقِّقَةٌ وَالزَّوْجُ قَدْ رَضِيَ بِهِ، بِخِلَافِ وَلَدِ الْمَغْرُورِ لِأَنَّ الْوَالِدَ مَا رَضِيَ بِهِ.
(وَوَلَدُ الْحُرَّةِ حُرٌّ عَلَى كُلِّ حَالٍ) لِأَنَّ جَانِبَهَا رَاجِحٌ فَيَتَّبِعُهَا فِي وَصْفِ الْحُرِّيَّةِ كَمَا يَتَّبِعُهَا فِي الْمَمْلُوكِيَّةِ والمرقوقية
أَيْ فِي الْوَلَدِ لِأَنَّ مَاءَ الْأَمَةِ لَا يُعَارِضُ مَاءَهُ لِأَنَّ مَاءَهَا مَمْلُوكٌ لَهُ فَيَكُونُ الْمَاءَانِ لَهُ، بِخِلَافِ أَمَةِ الْغَيْرِ لِأَنَّ مَاءَهَا مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا فَتَحَقَّقَتْ الْمُعَارَضَةُ، وَوَلَدُهَا مِنْ زَوْجِهَا مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا لِتَعَارُضِ الْمَاءَيْنِ. وَيُرَجَّحُ جَانِبُ الْأُمِّ بِأُمُورٍ: مِنْهَا الْحَضَانَةُ، وَفِيهِ نَظَرُ لِأَنَّ حَقَّ الْحَضَانَةِ إنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَجِّحًا لِمَا هُوَ قَبْلَهَا. وَمِنْهَا اسْتِهْلَاكُ مَائِهِ بِمَائِهَا لِكَوْنِ مَائِهَا فِي مَوْضِعِهِ. وَمِنْهَا تَيَقُّنُ كَوْنِهِ مَخْلُوقًا مِنْ مَائِهَا بِخِلَافِ مَاءِ الزَّوْجِ وَكَانَ الْفِرَاشُ مِنْ جَانِبِهَا حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَمِنْ جَانِبِهِ حُكْمًا فَقَطْ وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لَا مَحَالَةَ. وَمِنْهَا أَنَّ الْوَلَدَ مَا دَامَ جَنِينًا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا كَيَدِهَا وَرِجْلِهَا إلَى أَنْ يَنْفَصِلَ حِسًّا وَشَرْعًا، أَمَّا حِسًّا فَإِنَّهُ يَتَنَفَّسُ بِنَفَسِهَا وَيَنْتَقِلُ بِانْتِقَالِهَا حَتَّى يُقْرَضَ بِالْمِقْرَاضِ عِنْدَ انْفِصَالِهِ مِنْهَا، وَأَمَّا شَرْعًا فَلِأَنَّهُ يَعْتِقُ بِعِتْقِهَا وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي إثْبَاتِهِ فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ (وَالْمُنَافَاةُ مُتَحَقِّقَةٌ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ التَّرْجِيحُ يُحْتَاجُ إلَيْهِ بَعْدَ التَّعَارُضِ وَتَقْرِيرُهُ: التَّعَارُضُ مَوْجُودٌ لِأَنَّ الْمُنَافَاةَ مُتَحَقِّقَةٌ، فَإِنَّهُ لَوْ اعْتَبَرَ جَانِبَ الْأُمِّ كَانَ مَمْلُوكًا لِسَيِّدِهَا، وَلَوْ اعْتَبَرَ جَانِبَ الْأَبِ لَا يَكُونُ مَمْلُوكًا لِسَيِّدِهَا فَثَبَتَتْ الْمُنَافَاةُ بِخِلَافِ الْوَلَدِ مِنْ الْمَوْلَى فَإِنَّهُ لِلْمَوْلَى: أَيُّ جَانِبٍ اُعْتُبِرَ.
وَقَوْلُهُ (وَالزَّوْجُ قَدْ رَضِيَ بِهِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إذَا اُعْتُبِرَ جَانِبُ الْأَمَةِ حَتَّى يَكُونَ الْوَلَدُ مَمْلُوكًا لِمَوْلَاهَا يَتَضَرَّرُ الْأَبُ وَالضَّرَرُ مَدْفُوعٌ شَرْعًا. وَتَقْرِيرُهُ: الزَّوْجُ قَدْ رَضِيَ بِرِقِّ الْوَلَدِ حَيْثُ أَقْدَمَ عَلَى تَزَوُّجِ الْأَمَةِ عَالِمًا بِأَنَّ الْوَلَدَ يُرَقُّ بِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِ الْوَلَدِ رَقِيقًا بِتَزَوُّجِ الْأَمَةِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ ثُبُوتِ هَذَا الْحُكْمِ فِي الشَّرْعِ وَكَلَامُنَا فِي شَرْعِيَّتِهِ. وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ وَلَدِ الْمَغْرُورِ) ظَاهِرٌ
(وَوَلَدُ الْحُرَّةِ حُرٌّ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِأَنَّ جَانِبَهَا رَاجِحٌ) عَلَى مَا ذَكَرْنَا (فَيَتْبَعُهَا فِي وَصْفِ الْحُرِّيَّةِ) كَمَا يَتْبَعُهَا فِي الْمَمْلُوكِيَّةِ والمرقوقية
وَالتَّدْبِيرِ وَأُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ وَالْكِتَابَةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
بَابُ الْعَبْدِ يَعْتِقُ بَعْضُهُ
(وَإِذَا أَعْتَقَ الْمَوْلَى بَعْضَ عَبْدِهِ) عَتَقَ ذَلِكَ الْقَدْرُ وَيَسْعَى فِي بَقِيَّةِ قِيمَتِهِ لِمَوْلَاهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله، وَقَالَا:
وَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ لِتَغَايُرِهِمَا مِنْ حَيْثُ الْكَمَالُ وَالنُّقْصَانُ، فَإِنَّ فِي الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ الْمِلْكَ كَامِلٌ وَالرِّقَّ نَاقِصٌ وَفِي الْمُكَاتَبِ عَلَى عَكْسِهِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ (وَالتَّدْبِيرُ وَأُمِّيَّةُ الْوَلَدِ وَالْكِتَابَةُ كَالتَّفْسِيرِ لِذَلِكَ) وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(بَابُ الْعَبْدِ يَعْتِقُ بَعْضُهُ):
أَخَّرَ إعْتَاقَ الْبَعْضِ عَنْ إعْتَاقِ الْكُلِّ لِكَوْنِهِ مُخْتَلَفًا فِيهِ وَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ (وَإِذَا أَعْتَقَ الْمَوْلَى بَعْضَ عَبْدِهِ عَتَقَ ذَلِكَ الْقَدْرُ وَيَسْعَى فِي بَقِيَّةِ قِيمَتِهِ لِمَوْلَاهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ
(يَعْتِقُ كُلُّهُ) وَأَصْلُهُ أَنَّ الْإِعْتَاقَ يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَا أَعْتَقَ وَعِنْدَهُمَا لَا يَتَجَزَّأُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله، فَإِضَافَتُهُ إلَى الْبَعْضِ كَإِضَافَتِهِ إلَى الْكُلِّ فَلِهَذَا يَعْتِقُ كُلُّهُ. لَهُمْ أَنَّ الْإِعْتَاقَ إثْبَاتُ الْعِتْقِ وَهُوَ قُوَّةٌ حُكْمِيَّةٌ، وَإِثْبَاتُهَا بِإِزَالَةِ ضِدِّهَا وَهُوَ الرِّقُّ الَّذِي هُوَ ضَعْفٌ حُكْمِيٌّ وَهُمَا لَا يَتَجَزَّآنِ فَصَارَ كَالطَّلَاقِ وَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ وَالِاسْتِيلَادِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ الْإِعْتَاقَ إثْبَاتُ الْعِتْقِ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ، أَوْ هُوَ إزَالَةُ الْمِلْكِ لِأَنَّ الْمِلْكَ حَقُّهُ وَالرِّقَّ حَقُّ الشَّرْعِ أَوْ حَقُّ الْعَامَّةِ. وَحُكْمُ التَّصَرُّفِ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ وِلَايَةِ الْمُتَصَرِّفِ وَهُوَ إزَالَةُ حَقِّهِ لَا حَقِّ غَيْرِهِ. وَالْأَصْلُ أَنَّ التَّصَرُّفَ
وَقَالَا: يَعْتِقُ كُلُّهُ. وَأَصْلُهُ أَنَّ الْإِعْتَاقَ يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَا أَعْتَقَ وَعِنْدَهُمَا لَا يَتَجَزَّأُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ) يَعْنِي إذَا كَانَ الْمُعْتِقُ وَاحِدًا أَوْ مُوسِرًا إنْ كَانَ الْعَبْدُ مُشْتَرَكًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ مُعْسِرًا فَمِلْكُ السَّاكِتِ بَاقٍ كَمَا كَانَ حَتَّى جَازَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ وَيَهَبَ عَلَى مَا يَجِيءُ، وَكُلُّ مَا لَا يَتَجَزَّأُ (فَإِضَافَتُهُ إلَى الْبَعْضِ كَإِضَافَتِهِ إلَى الْكُلِّ فَلِهَذَا يَعْتِقُ كُلُّهُ) قَالَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ: الْمَعْنَى مِنْ قَوْلِنَا الْإِعْتَاقُ يَتَجَزَّأُ لَيْسَ هُوَ أَنَّ ذَاتِ الْقَوْلِ يَتَجَزَّأُ أَوْ حُكْمَهُ يَتَجَزَّأُ لِأَنَّهُ مُحَالٌ بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَحَلَّ فِي قَبُولِ حُكْمِ الْإِعْتَاقِ يَتَجَزَّأُ فَيُتَصَوَّرُ ثُبُوتُهُ فِي النِّصْفِ دُونَ النِّصْفِ. وَحَاصِلُ الْخِلَافِ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ إعْتَاقَ النِّصْفِ هَلْ يُوجِبُ زَوَالَ الرِّقِّ عَنْ الْمَحَلِّ كُلِّهِ أَمْ لَا؟ عِنْدَهُ لَا يُوجِبُ بَلْ يَبْقَى كُلُّ الْمَحَلِّ رَقِيقًا وَلَكِنْ زَالَ الْمِلْكُ بِقَدْرِهِ.
وَعِنْدَهُمَا يُوجِبُ زَوَالَ الرِّقِّ عَنْ الْكُلِّ (لَهُمْ أَنَّ الْإِعْتَاقَ إثْبَاتُ الْعِتْقِ الَّذِي هُوَ قُوَّةٌ حُكْمِيَّةٌ وَإِثْبَاتُهَا بِإِزَالَةِ ضِدِّهَا الَّذِي هُوَ الرِّقُّ) لِأَنَّ الْمَحَلَّ لَا يَخْلُو عَنْ أَحَدِهِمَا، فَإِزَالَةُ أَحَدِهِمَا تُوجِبُ إثْبَاتَ الْآخَرِ وَهُمَا لَا يَتَجَزَّآنِ بِالِاتِّفَاقِ، فَكَذَلِكَ الْإِعْتَاقُ وَإِلَّا لَزِمَ تَخَلُّفُ الْمَعْلُولِ عَنْ الْعِلَّةِ أَوْ تَجَزِّي الْعِتْقِ، لِأَنَّهُ إذَا تَجَزَّأَ فَإِمَّا أَنْ يَثْبُتَ بِإِعْتَاقِ الْبَعْضِ عِتْقُ كُلِّ الرَّقَبَةِ أَوْ لَا يَثْبُتَ شَيْءٌ أَوْ يَثْبُتَ بَعْضُهُ، وَعَلَى كُلٍّ مِنْ الْأَوَّلَيْنِ يَلْزَمُ تَخَلُّفُ الْمَعْلُولِ عَنْ الْعِلَّةِ وَعَلَى الْأَخِيرِ يَلْزَمُ تَجَزِّي الْعِتْقِ (فَصَارَ) الْإِعْتَاقُ (كَالطَّلَاقِ وَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ وَالِاسْتِيلَادِ) فِي عَدَمِ التَّجَزُّؤِ. فَإِنْ قُلْت: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِعْتَاقَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إسْقَاطٌ كَالطَّلَاقِ فَكَيْفَ جَعَلَهُ هَاهُنَا إثْبَاتًا لِلْعِتْقِ.
قُلْت: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ غَلَّبَ جِهَتَهُمَا عَلَى جِهَتِهِ فَقَالَ لَهُمْ إنَّ الْإِعْتَاقَ إلَخْ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِعْتَاقَ إثْبَاتُ الْعِتْقِ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ) وَهُوَ الْوَصْفُ الشَّرْعِيُّ الْمُطْلَقُ لِلتَّصَرُّفِ (أَوْ هُوَ) أَيْ الْإِعْتَاقُ (إزَالَةُ الْمِلْكِ) لَا إثْبَاتُ الْعِتْقِ بِإِزَالَةِ ضِدِّهِ الَّذِي هُوَ الرِّقُّ وَلَا هُوَ إزَالَةُ الرِّقِّ لِيَلْزَمَ عَدَمُ التَّجَزُّؤِ (لِأَنَّ الْمِلْكَ حَقُّهُ) أَيْ حَقُّ الْمُعْتِقِ (وَالرِّقَّ حَقُّ الشَّرْعِ) لِأَنَّ الْكَافِرَ لَمَّا اسْتَنْكَفَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ جَازَاهُ اللَّهُ فَصَيَّرَهُ عَبْدَ عَبْدِهِ (أَوْ حَقُّ الْعَامَّةِ) لِأَنَّ الْغَانِمِينَ كَمَا يَقْتَسِمُونَ غَيْرَ الرَّقِيقِ يَقْتَسِمُونَهُ (وَحُكْمُ التَّصَرُّفِ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ وِلَايَةِ الْمُتَصَرِّفِ وَهُوَ إزَالَةُ حَقِّهِ لَا حَقِّ غَيْرِهِ) وَهَذَا كَمَا تَرَى بِنَاءً لِكَلَامِهِ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا مُسْتَقِلٌّ بِإِفَادَةِ الْمَطْلُوبِ، وَتَقْرِيرُهُ الْإِعْتَاقَ إثْبَاتُ الْعِتْقِ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ وَالْمِلْكُ مُتَجَزٍّ فَالْإِعْتَاقُ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِأَنَّهُ إثْبَاتُ الْعِتْقِ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ لَا بِإِزَالَةِ الرِّقِّ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ تَصَرُّفٌ، وَكُلُّ مَا هُوَ تَصَرُّفٌ لَا يَتَعَدَّى وِلَايَةَ الْمُتَصَرِّفِ فَالْإِعْتَاقُ لَا يَتَعَدَّى وِلَايَةَ الْمُتَصَرِّفِ، وَوِلَايَةُ الْمُتَصَرِّفِ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى مَا هُوَ حَقُّهُ وَحَقُّهُ الْمِلْكُ فَوِلَايَتُهُ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى الْمِلْكِ، وَأَمَّا أَنَّ الْمِلْكَ مُتَجَزٍّ فَذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ
يَقْتَصِرُ عَلَى مَوْضِعِ الْإِضَافَةِ وَالتَّعَدِّي إلَى مَا وَرَاءَهُ ضَرُورَةَ عَدَمِ التَّجْزِيءِ، وَالْمِلْكُ مُتَجَزِّئٌ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ، وَتَجِبُ السِّعَايَةُ لِاحْتِبَاسِ مَالِيَّةِ الْبَعْضِ عِنْدَ الْعَبْدِ، وَالْمُسْتَسْعَى بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ عِنْدَهُ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ إلَى الْبَعْضِ تُوجِبُ ثُبُوتَ الْمِلْكِيَّةِ فِي كُلِّهِ، وَبَقَاءُ الْمِلْكِ فِي بَعْضِهِ يَمْنَعُهُ، فَعَمِلْنَا بِالدَّلِيلَيْنِ بِإِنْزَالِهِ مُكَاتَبًا إذْ هُوَ مَالِكُ يَدٍ إلَّا رَقَبَةً، وَالسِّعَايَةُ كَبَدَلِ الْكِتَابَةِ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَسْعِيَهُ. وَلَهُ خِيَارُ أَنْ يُعْتِقَهُ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ قَابِلٌ لِلْإِعْتَاقِ، غَيْرَ أَنَّهُ إذَا عَجَزَ لَا يُرَدُّ إلَى الرِّقِّ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ لَا إلَى أَحَدٍ فَلَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ، بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ الْمَقْصُودَةِ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يُقَالُ
لَكِنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ أَمْرٌ غَيْرُ مُتَجَزٍّ وَهُوَ الْعِتْقُ وَتَعَلُّقُهُ بِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَجْزِئَتَهُ وَلَا تَجْزِئَةَ عِلَّتِهِ كَجَوَازِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ غَيْرُ مُتَجَزٍّ تَعَلَّقَ بِمُتَجَزٍّ وَهُوَ الْأَرْكَانُ، وَكَذَلِكَ الطَّهَارَةُ أَمْرٌ غَيْرُ مُتَجَزٍّ تَعَلَّقَ بِمُتَجَزٍّ وَهُوَ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ الْمَفْرُوضَةِ وَلَمْ يَسْتَلْزِمْ تَجْزِئَتَهَا وَلَا عِلَّتَهَا وَهِيَ إرَادَةُ الصَّلَاةِ.
هَذَا تَقْرِيرُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ. وَتَقْرِيرُ الْآخَرِ: الْإِعْتَاقُ إزَالَةُ الْمِلْكِ وَالْمِلْكُ مُتَجَزٍّ، فَالْإِعْتَاقُ إزَالَةُ مُتَجَزٍّ وَإِزَالَةُ الْمُتَجَزِّئِ مُتَجَزٍّ. وَبَيَانُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَهَذَا أَسْهَلُ مَأْخَذًا، ثُمَّ إذَا تَجَزَّى الْإِعْتَاقُ بِزَوَالِ بَعْضِ الْمِلْكِ احْتَبَسَ مَالِيَّةُ نِصْفِ الْعَبْدِ عِنْدَهُ فَتَجِبُ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ (وَالْمُسْتَسْعَى بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (لِأَنَّ الْإِضَافَةَ) أَيْ إضَافَةَ الْإِعْتَاقِ (إلَى الْبَعْضِ تُوجِبُ ثُبُوتَ الْمَالِكِيَّةِ) لِلْعَبْدِ (فِي الْكُلِّ) بِاعْتِبَارِ الْعِتْقِ لِأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ (وَبَقَاءُ الْمِلْكِ فِي بَعْضِهِ يَمْنَعُهُ) عَنْ ثُبُوتِ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْكُلِّ بِاعْتِبَارِ الرِّقِّ فَإِنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ، فَقَدْ اجْتَمَعَ فِي الْعَبْدِ مَا يُوجِبُ ثُبُوتَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْكُلِّ وَمَا يُوجِبُ بَقَاءَ الْمِلْكِ فِي الْكُلِّ، وَالْعَمَلُ بِالدَّلِيلَيْنِ مُمْكِنٌ بِإِنْزَالِهِ مُكَاتَبًا فَعَمِلْنَا بِهِمَا وَجَعَلْنَاهُ مُكَاتَبًا لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ مَالِكٌ يَدًا وَمَمْلُوكٌ رَقَبَةً كَالْمُسْتَسْعَى، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إذْ هُوَ أَيْ مُعْتَقُ الْبَعْضِ مَالِكٌ يَدًا لِأَجْلِ السِّعَايَةِ مَمْلُوكٌ رَقَبَةً كَالْمُكَاتَبِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: إضَافَةُ الْعِتْقِ إلَى الْبَعْضِ تُوجِبُ ثُبُوتَ مَالِكِيَّتِهِ فِي الْكُلِّ كَمَا هُوَ قَوْلُهُمَا، وَبَقَاءُ الْمِلْكِ فِي بَعْضِهِ يَمْنَعُهُ كَمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، فَقُلْنَا إنَّهُ حُرٌّ يَدًا مَمْلُوكٌ رَقَبَةً كَالْمُكَاتَبِ عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ.
وَإِذَا كَانَ الْمُسْتَسْعَى كَالْمُكَاتَبِ كَانَتْ السِّعَايَةُ كَبَدَلِ الْكِتَابَةِ (فَلَهُ أَنْ يَسْتَسْعِيَهُ وَلَهُ خِيَارُ أَنْ يُعْتِقَهُ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ قَابِلٌ لِلْإِعْتَاقِ) فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ لَعَادَ رَقِيقًا إذَا عَجَزَ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (غَيْرَ أَنَّهُ إذَا عَجَزَ لَا يُرَدُّ رَقِيقًا لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ لَا إلَى أَحَدٍ) وَالْإِسْقَاطُ لَا إلَى أَحَدٍ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ لَا أَنَّهَا إنَّمَا تَتَحَقَّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ (بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ الْمَقْصُودَةِ) فَإِنَّهَا إسْقَاطٌ مِنْ الْمَوْلَى إلَى الْمُكَاتَبِ إقْدَارًا عَلَى تَحْصِيلِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فَكَانَ فِيهَا مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ فَيُقَالُ وَيُفْسَخُ، وَفِي بَعْضِ
وَيُفْسَخُ، وَلَيْسَ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ حَالَةً مُتَوَسِّطَةً، فَأَثْبَتْنَاهُ فِي الْكُلِّ تَرْجِيحًا لِلْمُحَرَّمِ، وَالِاسْتِيلَادُ مُتَجَزِّئٌ عِنْدَهُ، حَتَّى لَوْ اسْتَوْلَدَ نَصِيبَهُ مِنْ مُدَبَّرَةٍ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ. وَفِي الْقِنَّةِ لَمَّا ضَمِنَ نَصِيبَ صَاحِبِهِ بِالْإِفْسَادِ مَلَكَهُ
النُّسَخِ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ لَا إلَى أَجَلٍ: يَعْنِي بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ الْمَقْصُودَةِ فَإِنَّ الْإِسْقَاطَ فِيهَا إلَى أَجَلٍ وَهُوَ وَقْتُ أَدَاءِ الْبَدَلِ. وَقَوْلُهُ (وَلَيْسَ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ حَالَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ فَصَارَ كَالطَّلَاقِ وَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ.
وَوَجْهُهُ أَنَّا لَمْ نُثْبِتْ الْعِتْقَ فِي الْكُلِّ لِإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِالدَّلِيلَيْنِ بِوُجُودِ حَالَةٍ مُتَوَسِّطَةٍ بَيْنَ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ وَهِيَ الْكِتَابَةُ يُصَارُ إلَيْهَا، وَلَيْسَ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَفْوِ ذَلِكَ (فَأَثْبَتْنَاهُ فِي الْكُلِّ تَرْجِيحًا لِلْمَحْرَمِ، وَأَمَّا الِاسْتِيلَادُ فَهُوَ مُتَجَزٍّ عِنْدَهُ حَتَّى لَوْ اسْتَوْلَدَ نَصِيبَهُ مِنْ مُدَبَّرَةٍ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ) حَتَّى لَوْ مَاتَ الْمُسْتَوْلَدُ عَتَقَ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ الِاسْتِيلَادُ مُتَجَزِّئًا لَاطَّرَدَ فِي الْقِنَّةِ أَيْضًا. أَجَابَ بِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَتَجَزَّأْ فِي الْقِنَّةِ لِأَنَّ الْمُسْتَوْلِدَ لَمَّا ضَمِنَ نَصِيبَ صَاحِبِهِ بِالْإِفْسَادِ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ فَكَمَّلَ الِاسْتِيلَادَ وَصَارَ كَأَنَّهُ اسْتَوْلَدَ جَارِيَةَ نَفْسِهِ لَا أَنَّ الِاسْتِيلَادَ عِنْدَهُ غَيْرُ مُتَجَزٍّ
.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِالضَّمَانِ فَكَمُلَ الِاسْتِيلَادُ.
(وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ عَتَقَ)، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَشَرِيكُهُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ أَعْتَقَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ شَرِيكَهُ قِيمَةَ نَصِيبِهِ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى الْعَبْدَ،.
فَإِنْ ضَمِنَ رَجَعَ الْمُعْتِقُ عَلَى الْعَبْدِ (وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ، وَإِنْ أَعْتَقَ أَوْ اسْتَسْعَى فَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا فَالشَّرِيكُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَعْتَقَ وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى الْعَبْدَ) وَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا فِي الْوَجْهَيْنِ. وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله. .
قَالَ (وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ عَتَقَ) وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ. وَنُوقِشَ مُنَاقَشَةً لَفْظِيَّةً، وَهِيَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يَثْبُتُ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ الْعِتْقِ فَمَا وَجْهُ صِحَّةِ قَوْلِهِ عَتَقَ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ ثَبَتَ اسْتِحْقَاقُ الْعِتْقِ أَوْ زَالَ مِلْكُ الشَّرِيكِ مَعَ بَقَاءِ الرِّقِّ فِي كُلِّ الْعَبْدِ.
وَقَوْلُهُ (فَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا) يُشِيرُ إلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي صِفَةِ السَّبَبِ بِأَنْ يَكُونَ إعْتَاقُ أَحَدِهِمَا بِمَالٍ وَإِعْتَاقُ الْآخَرِ بِدُونِهِ لَا يُنَافِي ثُبُوتَ الْوَلَاءِ بَيْنَهُمَا جَمِيعًا.
.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(وَقَالَا: لَيْسَ لَهُ إلَّا الضَّمَانُ مَعَ الْيَسَارِ وَالسِّعَايَةُ مَعَ الْإِعْسَارِ، وَلَا يَرْجِعُ الْمُعْتِقُ عَلَى الْعَبْدِ وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ) وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُبْتَنَى عَلَى حَرْفَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَجْزِيءُ الْإِعْتَاقِ وَعَدَمُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَالثَّانِي: أَنَّ يَسَارَ الْمُعْتِقِ لَا يَمْنَعُ سِعَايَةَ الْعَبْدِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يَمْنَعُ. لَهُمَا فِي الثَّانِي قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم فِي الرَّجُلِ يُعْتِقُ نَصِيبَهُ، إنْ كَانَ غَنِيًّا ضَمِنَ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا سَعَى فِي حِصَّةِ الْآخَرِ،
وَقَوْلُهُ (لَهُمَا فِي الثَّانِي) يَعْنِي أَنَّ يَسَارَ الْمُعْتِقِ يَمْنَعُ السِّعَايَةَ «قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم فِي الرَّجُلِ يَعْتِقُ نَصِيبَهُ إنْ كَانَ غَنِيًّا ضَمِنَ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا سَعَى فِي حِصَّةِ الْآخَرِ» وَالْقِيَاسُ فِيهِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ، إمَّا وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى الْمُعْتِقِ
قُسِّمَ وَالْقِسْمَةُ تُنَافِي الشَّرِكَةَ.
وَلَهُ أَنَّهُ احْتَبَسَتْ مَالِيَّةُ نَصِيبِهِ عِنْدَ الْعَبْدِ فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ كَمَا إذَا هَبَّتْ الرِّيحُ فِي ثَوْبِ إنْسَانٍ وَأَلْقَتْهُ فِي صَبْغِ غَيْرِهِ حَتَّى انْصَبَغَ بِهِ فَعَلَى صَاحِبِ الثَّوْبِ قِيمَةُ صَبْغِ الْآخَرِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا لِمَا قُلْنَا فَكَذَا هَهُنَا، إلَّا أَنَّ الْعَبْدَ فَقِيرٌ فَيَسْتَسْعِيهِ.
مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا لِأَنَّهُ بِإِعْتَاقِ نَصِيبِهِ مُفْسِدٌ عَلَى الشَّرِيكِ نَصِيبَهُ بِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ اسْتِدَامَةُ مِلْكِهِ وَالتَّصَرُّفُ فِي نَصِيبِهِ وَضَمَانُ الْإِفْسَادِ لَا يَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، وَإِمَّا عَدَمُ وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى الْمُعْتِقِ بِحَالٍ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي نَصِيبِ نَفْسِهِ وَالْمُتَصَرِّفُ فِي مِلْكِهِ لَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا وَلَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ، وَإِنْ تَعَدَّى ضَرَرُ تَصَرُّفِهِ إلَى مِلْكِ الْغَيْرِ كَمَنْ سَقَى أَرْضَهُ فَنَزَّتْ أَرْضُ جَارِهِ أَوْ أَحْرَقَ الْحَصَائِدَ فِي أَرْضِهِ فَاحْتَرَقَ شَيْءٌ مِنْ مِلْكِ جَارِهِ، وَلَكِنَّهُمَا تَرَكَا الْقِيَاسَ بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ، رَوَاهُ نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَمِثْلُهُ رَوَى عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ (قَسْمٌ وَالْقِسْمَةُ تُنَافِي الشَّرِكَةَ) وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (لِمَا قُلْنَا) يُرِيدُ بِهِ قَوْلَهُ وَلَهُ أَنَّهُ احْتَبَسَتْ مَالِيَّةُ نَصِيبِهِ. وَقَوْلُهُ (إلَّا أَنَّ الْعَبْدَ فَقِيرٌ فَيَسْتَسْعِيهِ) قِيلَ عَلَيْهِ إذَا سَعَى، فَالْقِيَاسُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُعْتِقِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَرَّطَهُ وَصَارَ كَالْعَبْدِ الْمَرْهُونِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ بِمَا سَعَى. وَأُجِيبَ بِأَنَّ عُسْرَةَ الْمُعْتِقِ تَمْنَعُ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ لِلسَّاكِتِ فَكَذَلِكَ تَمْنَعُهُ لِلْعَبْدِ، وَالْعَبْدُ إنَّمَا سَعَى فِي بَدَلِ رَقَبَتِهِ وَمَالِيَّتِهِ وَقَدْ سَلِمَ لَهُ ذَلِكَ فَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ، بِخِلَافِ الْمَرْهُونِ فَإِنَّ سِعَايَتَهُ لَيْسَتْ فِي بَدَلِ رَقَبَتِهِ بَلْ فِي الدَّيْنِ الثَّابِتِ فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ، وَمَنْ كَانَ مُجْبَرًا عَلَى قَضَاءِ دَيْنٍ فِي ذِمَّةِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامٍ مِنْ جِهَتِهِ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ بِهِ عَلَيْهِ كَمَا فِي مُعِيرِ الرَّهْنِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذُكِرَ مِنْ وَجْهِ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّمَا هُوَ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَهُوَ بَاطِلٌ. أُجِيبَ بِأَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام قَسَمَ عَلَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَجْهِ الشَّرْطِ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم عَلَّقَ الِاسْتِسْعَاءَ بِفَقْرِ الْمُعْتِقِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي الِاسْتِسْعَاءَ عِنْدَ عَدَمِهِ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ
ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ يَسَارُ التَّيْسِيرِ، وَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ مِنْ الْمَالِ قَدْرَ قِيمَةِ نَصِيبِ الْآخَرِ لَا يَسَارُ الْغِنَى، لِأَنَّ بِهِ يَعْتَدِلُ النَّظَرُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِتَحْقِيقِ مَا قَصَدَهُ الْمُعْتِقُ مِنْ الْقُرْبَةِ وَإِيصَالِ بَدَلِ حَقِّ السَّاكِتِ إلَيْهِ،
بِالشَّرْطِ يَقْتَضِي الْوُجُودَ عِنْدَ الْوُجُودِ وَلَا يَقْتَضِي الْعَدَمَ عِنْدَ الْعَدَمِ، فَجَازَ أَنْ تَثْبُتَ السِّعَايَةُ عِنْدَ وُجُودِ الدَّلِيلِ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ وَجْهِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَوْلُهُ (ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ يَسَارُ التَّيْسِيرِ وَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ مِنْ الْمَالِ قَدْرَ قِيمَةِ نَصِيبِ الْآخَرِ لَا يَسَارَ الْغَنِيِّ وَهُوَ مِلْكُ النِّصَابِ) هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْكَفَافَ وَهُوَ الْمَنْزِلُ وَالْخَادِمُ وَثِيَابُ الْبَدَنِ، وَالْحَسَنُ قَدْ رَوَى اسْتِثْنَاءَهُ. وَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْعَبْدِ فِي الضَّمَانِ وَالسِّعَايَةِ يَوْمَ الْعِتْقِ، وَكَذَا حَالُ الْمُعْتِقِ فِي يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ، فَإِنْ قَالَ الْمُعْتِقُ أَعْتَقْت وَأَنَا مُعْسِرٌ وَقَالَ السَّاكِتُ بِخِلَافِهِ نَظَرَ إلَيْهِ يَوْمَ ظَهَرَ الْعِتْقُ كَمَا فِي الْإِجَارَةِ إذَا اخْتَلَفَا فِي انْقِطَاعِ الْمَاءِ وَجَرَيَانِهِ. وَقَوْلُهُ لَا يَسَارُ الْغَنِيِّ إشَارَةٌ إلَى نَفْيِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الشَّرْطَ يَسَارُ الْغَنِيِّ، حَتَّى لَوْ مَلَكَ قَدْرَ نَصِيبِ الشَّرِيكِ وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ النِّصَابِ كَانَ مُعْسِرًا اعْتِبَارًا لِلْيَسَارِ الْمَعْهُودِ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ بِهِ) أَيْ بِيَسَارِ التَّيْسِيرِ (يَعْتَدِلُ النَّظَرُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ) جَانِبِ الْمُعْتِقِ وَالسَّاكِتِ (بِتَحْقِيقِ مَا قَصَدَهُ الْمُعْتِقُ مِنْ الْقُرْبَةِ وَإِيصَالِ بَدَلِ حَقِّ السَّاكِتِ إلَيْهِ) وَهَذَا لِأَنَّ قَصْدَ الْمُعْتِقِ بِالْإِعْتَاقِ الْقُرْبَةُ، وَتَمَامُ ذَلِكَ بِعِتْقِ مَا بَقِيَ وَذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِإِيصَالِ حَقِّ السَّاكِتِ إلَيْهِ، وَإِذَا مَلَكَ مِقْدَارَ حَقِّهِ مِنْ الْمَالِ تَمَكَّنَ مِنْ إتْمَامِ قَصْدِهِ
ثُمَّ التَّخْرِيجُ عَلَى قَوْلِهِمَا ظَاهِرٌ، فَعَدَمُ رُجُوعِ الْمُعْتِقِ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْعَبْدِ لِعَدَمِ السِّعَايَةِ عَلَيْهِ فِي حَالَةِ الْيَسَارِ وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ لِأَنَّ الْعِتْقَ كُلَّهُ مِنْ جِهَتِهِ لِعَدَمِ التَّجْزِيءِ. وَأَمَّا التَّخْرِيجُ عَلَى قَوْلِهِ فَخِيَارُ الْإِعْتَاقِ لِقِيَامِ مِلْكِهِ فِي الْبَاقِي إذْ الْإِعْتَاقُ يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ، وَالتَّضْمِينُ لِأَنَّ الْمُعْتِقَ جَانٍ عَلَيْهِ بِإِفْسَادِهِ نَصِيبَهُ حَيْثُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا سِوَى الْإِعْتَاقِ وَتَوَابِعِهِ، وَالِاسْتِسْعَاءُ لِمَا بَيَّنَّا.
وَإِيصَالِ بَدَلِ حَقِّ السَّاكِتِ إلَيْهِ فَلَا مَعْنَى لِلْعُدُولِ إلَى غَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُ (ثُمَّ التَّخْرِيجُ عَلَى قَوْلِهِمَا ظَاهِرٌ) يَعْنِي إذَا عَلِمَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى حَرْفَيْنِ: أَيْ أَصْلَيْنِ. بَقِيَ الْكَلَامُ فِي التَّخْرِيجِ وَهُوَ عَلَى قَوْلِهِمَا ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَجَزِّئًا كَانَ الْمُعْتِقُ مُوقِعًا لِلْعِتْقِ فِي النَّصِيبَيْنِ جَمِيعًا وَيَسَارُهُ مَانِعٌ عَنْ السِّعَايَةِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ وَانْتَفَتْ السِّعَايَةُ فَلَا يَرْجِعُ الْمُعْتِقُ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْعَبْدِ لِعَدَمِ السِّعَايَةِ عَلَيْهِ فِي حَالِ الْيَسَارِ لِلْأَصْلِ الثَّانِي، فَلَوْ رَجَعَ لَكَانَ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ (وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ لِأَنَّ الْعِتْقَ كُلَّهُ مِنْ جِهَتِهِ) لِلْأَصْلِ الْأَوَّلِ (وَأَمَّا التَّخْرِيجُ عَلَى قَوْلِهِ فَخِيَارُ الْإِعْتَاقِ) لِلشَّرِيكِ بِنَاءً عَلَى الْحَرْفِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ إذَا كَانَ مُتَجَزِّئًا كَانَ مِلْكُهُ فِي الْبَاقِي قَائِمًا فَجَازَ إعْتَاقُهُ، وَأَمَّا التَّضْمِينُ فَلِأَنَّ الْمُعْتِقَ جَانٍ عَلَيْهِ بِإِفْسَادِ نَصِيبِهِ حَيْثُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا سِوَى الْإِعْتَاقِ وَتَوَابِعِهِ مِنْ التَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: التَّضْمِينُ عَلَى مَذْهَبِهِ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى أَحَدِ الْأَصْلَيْنِ. أَمَّا عَلَى الْأَصْلِ الثَّانِي فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى الْأَصْلِ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ التَّجَزُّؤَ إنْ لَمْ يَكُنْ مَانِعًا عَنْ الضَّمَانِ فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لَهُ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحَرْفَيْنِ مَبْنَى الْمَسْأَلَةِ مِنْ حَيْثُ الْمَذْهَبَانِ لَا مِنْ حَيْثُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالضَّمَانُ فِي مَذْهَبِهِمَا مُعْتَمِدٌ عَلَى عَدَمِ التَّجَزُّؤِ لَا مَحَالَةَ. عَلَى أَنَّا نَقُولُ: إنَّ التَّجَزُّؤَ إنْ لَمْ يُوجِبْ الضَّمَانَ مِنْ حَيْثُ هُوَ تَجَزٍّ يُوجِبُهُ مِنْ حَيْثِيَّةٍ أُخْرَى وَهُوَ إفْسَادُ النَّصِيبِ فَكَانَ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ. وَقَوْلُهُ (وَالِاسْتِسْعَاءُ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَالتَّضْمِينُ. وَقَوْلُهُ (لِمَا بَيَّنَّا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ وَلَهُ
وَيَرْجِعُ الْمُعْتِقُ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْعَبْدِ لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ السَّاكِتِ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ وَقَدْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ بِالِاسْتِسْعَاءِ فَكَذَلِكَ لِلْمُعْتِقِ وَلِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ ضِمْنًا فَيَصِيرُ كَأَنَّ الْكُلَّ لَهُ وَقَدْ عَتَقَ بَعْضُهُ فَلَهُ أَنْ يُعْتِقَ الْبَاقِيَ أَوْ يَسْتَسْعِيَ إنْ شَاءَ، وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ فِي هَذَا الْوَجْهِ لِأَنَّ الْعِتْقَ كُلَّهُ مِنْ جِهَتِهِ حَيْثُ مَلَكَهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ. وَفِي حَالِ إعْسَارِ الْمُعْتِقِ إنْ شَاءَ أَعْتَقَ لِبَقَاءِ مِلْكِهِ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى لِمَا بَيَّنَّا، وَالْوَلَاءُ لَهُ فِي الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ الْعِتْقَ مِنْ جِهَتِهِ، وَلَا يَرْجِعُ الْمُسْتَسْعِي عَلَى الْمُعْتِقِ بِمَا أَدَّى بِإِجْمَاعٍ بَيْنَنَا لِأَنَّهُ يَسْعَى لِفِكَاكِ رَقَبَتِهِ أَوْ لَا يَقْضِي دَيْنًا عَلَى الْمُعْتَقِ إذْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِعُسْرَتِهِ، بِخِلَافِ الْمَرْهُونِ إذَا أَعْتَقَهُ الرَّاهِنُ الْمُعْسِرُ لِأَنَّهُ يَسْعَى فِي رَقَبَةٍ قَدْ فُكَّتْ أَوْ يَقْضِي دَيْنًا عَلَى الرَّاهِنِ فَلِهَذَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ. وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله فِي الْمُوسِرِ كَقَوْلِهِمَا. وَقَالَ فِي الْمُعْسِرِ: يَبْقَى نَصِيبُ السَّاكِتِ عَلَى مِلْكِهِ يُبَاعُ وَيُوهَبُ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَى تَضْمِينِ
أَنَّهُ اُحْتُبِسَتْ مَالِيَّةُ نَصِيبِهِ عِنْدَ الْعَبْدِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَصْلِ الثَّانِي.
(وَيَرْجِعُ الْمُعْتِقُ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْعَبْدِ لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ السَّاكِتِ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ وَقَدْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ) أَيْ أَخْذُ الْقِيمَةِ (بِالِاسْتِسْعَاءِ) بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الثَّانِي، فَكَذَا مَنْ قَامَ مَقَامَهُ كَالْمُدَبَّرِ إذَا قُتِلَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ وَضَمِنَ الْقِيمَةَ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْقَاتِلِ (وَلِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ ضِمْنًا فَصَارَ كَأَنَّ الْكُلَّ لَهُ وَقَدْ أَعْتَقَ بَعْضَهُ فَلَهُ أَنْ يُعْتِقَ الْبَاقِيَ أَوْ يَسْتَسْعِي إنْ شَاءَ) وَقَوْلُهُ ضِمْنًا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الْمُكَاتَبُ لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ وَالْمُسْتَسْعَى كَالْمُكَاتَبِ فَكَيْفَ قِيلَ ذَلِكَ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ ذَلِكَ ضِمْنِيٌّ وَالضِّمْنِيَّاتُ لَا تُعْتَبَرُ.
وَقَوْلُهُ (وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ فِي هَذَا الْوَجْهِ) يَعْنِي إذَا ضَمِنَ الْمُعْتِقُ وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (لِمَا بَيَّنَّا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ احْتَبَسَتْ مَالِيَّةُ نَصِيبِهِ. وَقَوْلُهُ (وَلَا يَرْجِعُ الْمُسْتَسْعَى عَلَى الْمُعْتِقِ) ظَاهِرٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ جَوَابًا لِسُؤَالٍ. قَوْلُهُ (وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُوسِرِ) بَيَانٌ لِمَوْضِعِ خِلَافِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ ذُكِرَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ مُطْلَقًا فَاحْتَاجَ إلَى أَنْ يُبَيِّنَهُ هَاهُنَا. وَقَوْلُهُ
الشَّرِيكِ لِإِعْسَارِهِ وَلَا إلَى السِّعَايَةِ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِجَانٍ وَلَا رَاضٍ بِهِ، وَلَا إلَى إعْتَاقِ الْكُلِّ لِلْإِضْرَارِ بِالسَّاكِتِ فَتَعَيَّنَ مَا عَيَّنَاهُ. قُلْنَا: إلَى الِاسْتِسْعَاءِ سَبِيلٌ لِأَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْجِنَايَةِ بَلْ تُبْتَنَى السِّعَايَةُ عَلَى احْتِبَاسِ الْمَالِيَّةِ فَلَا يُصَارُ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْقُوَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالضَّعْفِ السَّالِبِ لَهَا فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ.
قَالَ (وَلَوْ شَهِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ بِالْعِتْقِ سَعَى الْعَبْدُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَصِيبِهِ مُوسِرَيْنِ كَانَا أَوْ مُعْسِرَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله) وَكَذَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَزْعُمُ أَنَّ صَاحِبَهُ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ فَصَارَ مُكَاتِبًا فِي زَعْمِهِ عِنْدَهُ وَحَرُمَ عَلَيْهِ الِاسْتِرْقَاقُ فَيَصْدُقُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَيُمْنَعُ مِنْ اسْتِرْقَاقِهِ
وَلَا رَاضٍ بِهِ) أَيْ بِالْإِعْتَاقِ لِأَنَّ الرِّضَا إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بَعْدَ الْعِلْمِ وَالْمَوْلَى مُنْفَرِدٌ بِالْإِعْتَاقِ وَلَا يَكُونُ الْعَبْدُ عَالِمًا بِهِ فَلَا يَكُونُ رَاضِيًا.
وَقَوْلُهُ (فَتَعَيَّنَ مَا عَيَّنَّاهُ) يَعْنِي عِتْقَ مَا عَتَقَ وَرِقَّ مَا رُقَّ (وَقُلْنَا إلَى الِاسْتِسْعَاءِ سَبِيلٌ لِأَنَّ الِاسْتِسْعَاءَ لَا يَفْتَقِرُ فِي وُجُودِهِ إلَى الْجِنَايَةِ) كَمَا فِي إعْتَاقِ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ إذَا كَانَ الرَّاهِنُ مُعْسِرًا (بَلْ يَنْبَنِي عَلَى احْتِبَاسِ الْمَالِيَّةِ) وَهُوَ مَوْجُودٌ كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَإِذَا كَانَ إلَى الِاسْتِسْعَاءِ سَبِيلٌ لَا يُصَارُ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْقُوَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِكِيَّةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ إعْتَاقِ الْبَعْضِ وَالضَّعْفِ السَّالِبِ لَهَا بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَأَمْثَالِهِ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ.
قَالَ (وَلَوْ شَهِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ) كَلَامُهُ وَاضِحٌ إلَّا مَا نُنَبِّهُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ (بِالْعِتْقِ) أَيْ بِالْإِعْتَاقِ. وَقَوْلُهُ (فِي زَعْمِهِ) أَيْ فِي زَعْمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَقَوْلُهُ (فَيُصَدَّقُ) يَعْنِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ.
وَيَسْتَسْعِيه لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِحَقِّ الِاسْتِسْعَاءِ كَاذِبًا كَانَ أَوْ صَادِقًا لِأَنَّهُ مُكَاتَبُهُ أَوْ مَمْلُوكُهُ فَلِهَذَا يَسْتَسْعِيَانِهِ، وَلَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْحَالَيْنِ فِي أَحَدِ شَيْئَيْنِ، لِأَنَّ يَسَارَ الْمُعْتِقِ لَا يَمْنَعُ السِّعَايَةَ عِنْدَهُ، وَقَدْ تَعَذَّرَ التَّضْمِينُ لِإِنْكَارِ الشَّرِيكِ
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ مُكَاتَبُهُ) أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ الصِّدْقِ.
وَقَوْلُهُ (أَوْ مَمْلُوكُهُ) يَعْنِي عَلَى تَقْدِيرِ الْكَذِبِ فَهُوَ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُشَوَّشٌ، وَإِنَّمَا تَيَقَّنَّا بِحَقِّ الِاسْتِسْعَاءِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لِأَنَّ الْمَوْلَى إذَا كَانَ كَاذِبًا فِي قَوْلِهِ أَعْتَقَ شَرِيكِي نَصِيبَهُ يَكُونُ الْكَسْبُ لِلْمَوْلَى، وَالْمُرَادُ بِالِاسْتِسْعَاءِ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْكَسْبُ لِلْمَوْلَى، وَإِذَا كَانَ صَادِقًا فِي قَوْلِهِ أَعْتَقَ الشَّرِيكُ يَكُونُ مُقِرًّا بِأَنَّ الْعَبْدَ صَارَ مُكَاتَبًا بِاعْتِبَارِ تَجَزِّي الْإِعْتَاقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَكَانَ الِاسْتِسْعَاءُ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ أَخْذِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ وَذَلِكَ أَيْضًا جَائِزٌ. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْحَالَيْنِ) أَيْ لِأَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى فِي حَالِ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ (فِي أَحَدِ شَيْئَيْنِ) أَيْ التَّضْمِينِ أَوْ الِاسْتِسْعَاءِ.
وَقَوْلُهُ (وَقَدْ تَعَذَّرَ التَّضْمِينُ لِإِنْكَارِ الشَّرِيكِ) اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَذَّرْ التَّضْمِينُ عَلَى تَقْدِيرِ التَّحْلِيفِ فَإِنَّهُ لَمَّا أَنْكَرَ يَحْلِفُ، فَإِذَا نَكَلَ وَجَبَ الضَّمَانُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ اعْتِقَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ أَعْتَقَهُ صَاحِبُهُ يَحْلِفُ وَلَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ عَلَى تَقْدِيرِ الْحَلِفِ فَتَتَعَيَّنُ السِّعَايَةُ فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّحْلِيفِ بَلْ تَتَعَيَّنُ السِّعَايَةُ بِلَا تَحْلِيفٍ لِأَنَّ
فَتَعَيَّنَ الْآخَرُ وَهُوَ السِّعَايَةُ، وَالْوَلَاءُ لَهُمَا لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَقُولُ عَتَقَ نَصِيبُ صَاحِبِي عَلَيْهِ بِإِعْتَاقِهِ وَوَلَاؤُهُ لَهُ، وَعَتَقَ نَصِيبِي بِالسِّعَايَةِ وَوَلَاؤُهُ لِي.
(وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: إنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ فَلَا سِعَايَةَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَبْرَأُ عَنْ سِعَايَتِهِ بِدَعْوَى الْعَتَاقِ عَلَى صَاحِبِهِ لِأَنَّ يَسَارَ الْمُعْتِقِ يَمْنَعُ السِّعَايَةَ عِنْدَهُمَا، إلَّا أَنَّ الدَّعْوَى لَمْ تَثْبُتْ لِإِنْكَارِ الْآخَرِ وَالْبَرَاءَةُ عَنْ السِّعَايَةِ قَدْ ثَبَتَتْ لِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ (وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ سَعَى لَهُمَا) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي السِّعَايَةَ عَلَيْهِ صَادِقًا كَانَ أَوْ كَاذِبًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ إذْ الْمُعْتِقُ مُعْسِرٌ (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا سَعَى لِلْمُوسِرِ مِنْهُمَا) لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي الضَّمَانَ عَلَى صَاحِبِهِ لِإِعْسَارِهِ، وَإِنَّمَا يَدَّعِي عَلَيْهِ السِّعَايَةَ فَلَا يَتَبَرَّأُ عَنْهُ (وَلَا يَسْعَى لِلْمُعْسِرِ مِنْهُمَا) لِأَنَّهُ يَدَّعِي الضَّمَانَ عَلَى صَاحِبِهِ لِيَسَارِهِ فَيَكُونُ مُبَرِّئًا لِلْعَبْدِ عَنْ السِّعَايَةِ، وَالْوَلَاءُ مَوْقُوفٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُحِيلُهُ عَلَى
مَآلُهُ إلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ) يُرِيدُ بِهِ قَوْلَهُ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِحَقِّ الِاسْتِسْعَاءِ كَاذِبًا كَانَ أَوْ صَادِقًا، كَذَا فِي النِّهَايَةِ.
صَاحِبِهِ وَهُوَ يَتَبَرَّأُ عَنْهُ فَيَبْقَى مَوْقُوفًا إلَى أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى إعْتَاقِ أَحَدِهِمَا.
(وَلَوْ قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ إنْ لَمْ يَدْخُلْ فُلَانٌ هَذِهِ الدَّارَ غَدًا فَهُوَ حُرٌّ، وَقَالَ الْآخَرُ: إنْ دَخَلَ فَهُوَ حُرٌّ فَمَضَى الْغَدُ وَلَا يُدْرَى أَدَخَلَ أَمْ لَا عَتَقَ النِّصْفُ وَسَعَى لَهُمَا فِي النِّصْفِ الْآخَرِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَسْعَى فِي جَمِيعِ قِيمَتِهِ) لِأَنَّ الْمُقْضَى عَلَيْهِ بِسُقُوطِ السِّعَايَةِ مَجْهُولٌ، وَلَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ عَلَى الْمَجْهُولِ
وَقِيلَ هُوَ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ مُكَاتَبُهُ أَوْ مَمْلُوكُهُ.
(وَلَوْ قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ إنْ لَمْ يَدْخُلْ فُلَانٌ هَذِهِ الدَّارَ غَدًا فَهُوَ حُرٌّ وَقَالَ الْآخَرُ إنْ دَخَلَ فَهُوَ حُرٌّ فَمَضَى الْغَدُ وَلَا يَدْرِي أَدَخَلَ أَمْ لَا عَتَقَ النِّصْفُ وَسَعَى لَهُمَا فِي النِّصْفِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ) لَكِنْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَا مُوسِرَيْنِ أَوْ مُعْسِرَيْنِ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا لِأَنَّ يَسَارَ الْمُعْتِقِ عِنْدَهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ السِّعَايَةِ عَلَى الْعَبْدِ، فَحَالُهُمَا فِي اسْتِحْقَاقِ النِّصْفِ الْبَاقِي عَلَى السَّوَاءِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: إنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ لَمْ يَسْعَ الْوَاحِدُ مِنْهُمَا فِي شَيْءٍ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتَبَرَّأُ عَنْ السِّعَايَةِ وَيَدَّعِي الضَّمَانَ عَلَى شَرِيكِهِ لِأَنَّ يَسَارَ الْمُعْتِقِ يَمْنَعُ السِّعَايَةَ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا يَسْعَى فِي رُبُعِ قِيمَتِهِ الْمُوسِرُ مِنْهُمَا لِأَنَّ الْمُعْسِرَ يَدَّعِي الضَّمَانَ عَلَى شَرِيكِهِ وَيَتَبَرَّأُ عَنْ سِعَايَةِ الْعَبْدِ فَتَسْقُطُ حِصَّتُهُ عَنْهُ، وَالْمُوسِرُ يَدَّعِي السِّعَايَةَ عَلَى الْعَبْدِ فَيَسْعَى لَهُ فِي حِصَّتِهِ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله: يَسْعَى فِي جَمِيعِ قِيمَتِهِ) بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ إنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ وَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ لَمْ يَسْعَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي شَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا
فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ لَك عَلَى أَحَدِنَا أَلْفُ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي بِشَيْءٍ لِلْجَهَالَةِ، كَذَا هَذَا. وَلَهُمَا أَنَّا تَيَقَّنَّا بِسُقُوطِ نِصْفِ السِّعَايَةِ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا حَانِثٌ بِيَقِينٍ، وَمَعَ التَّيَقُّنِ بِسُقُوطِ النِّصْفِ كَيْفَ يُقْضَى بِوُجُوبِ الْكُلِّ، وَالْجَهَالَةُ تَرْتَفِعُ بِالشُّيُوعِ وَالتَّوْزِيعِ، كَمَا إذَا أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ لَا بِعَيْنِهِ أَوْ بِعَيْنِهِ وَنَسِيَهُ وَمَاتَ قَبْلَ التَّذَكُّرِ أَوْ الْبَيَانِ، وَيَتَأَتَّى التَّفْرِيعُ فِيهِ عَلَى أَنَّ الْيَسَارَ يَمْنَعُ السِّعَايَةَ أَوْ لَا يَمْنَعُهَا عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي سَبَقَ.
(وَلَوْ حَلَفَا عَلَى عَبْدَيْنِ كُلِّ وَاحِدٍ
وَالْآخَرُ مُعْسِرًا سَعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ لِلْمُوسِرِ مِنْهُمَا لِأَنَّ الْمُعْسِرَ يَتَبَرَّأُ عَنْ السِّعَايَةِ وَالْمُوسِرُ يَدَّعِيهَا، فَإِنَّ يَسَارَ الْمُعْتِقِ عِنْدَهُ أَيْضًا يَمْنَعُ وُجُوبَ السِّعَايَةِ. وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِيمَا إذَا كَانَا مُعْسِرَيْنِ وَأَنَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ بِسُقُوطِ حَقِّهِ فِي السِّعَايَةِ وَهُوَ الْحَانِثُ مِنْهُمَا مَجْهُولٌ. وَالْمَجْهُولُ لَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ (فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ لَك عَلَى أَحَدِنَا أَلْفُ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِشَيْءٍ لِلْجَهَالَةِ كَذَا هَذَا. وَلَهُمَا أَنَّا تَيَقَّنَّا بِسُقُوطِ نِصْفِ السِّعَايَةِ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا حَانِثٌ بِيَقِينٍ، وَمَعَ التَّيَقُّنِ بِسُقُوطِ النِّصْفِ كَيْفَ يُقْضَى بِوُجُوبِ الْكُلِّ، وَالْجَهَالَةُ تَرْتَفِعُ بِالشُّيُوعِ وَالتَّوْزِيعِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ مَجْهُولٌ. فَإِنْ قِيلَ: فِي التَّوْزِيعِ فَسَادٌ وَهُوَ إسْقَاطُ السِّعَايَةِ عَنْ غَيْرِ الْمُعْتِقِ وَإِيجَابُهُ لِلْمُعْتَقِ. أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ مُتَحَمِّلٌ ضَرُورَةَ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْعَبْدِ، وَذَلِكَ لِأَنَّا لَوْ لَمْ نَقُلْ بِالتَّوْزِيعِ وَقُلْنَا بِوُجُوبِ كُلِّ السِّعَايَةِ كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ كَانَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّ الْعَبْدِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَأَمَّا إذَا قُلْنَا بِالتَّوْزِيعِ فَقَدْ كَانَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّ غَيْرِ الْمُعْتِقِ مِنْ وَجْهٍ فَكَانَ التَّوْزِيعُ أَوْلَى. وَقَوْلُهُ (وَيَتَأَتَّى التَّفْرِيعُ فِيهِ) قَدْ أَمْضَيْنَاهُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ حَلَفَا عَلَى عَبْدَيْنِ) ظَاهِرٌ،
مِنْهُمَا لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ لَمْ يَعْتِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا) لِأَنَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ مَجْهُولٌ، وَكَذَلِكَ الْمَقْضِيَّ لَهُ فَتَفَاحَشَتْ الْجَهَالَةُ فَامْتَنَعَ الْقَضَاءُ، وَفِي الْعَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَقْضِيَّ لَهُ وَالْمَقْضِيِّ بِهِ مَعْلُومٌ فَغَلَبَ الْمَعْلُومُ الْمَجْهُولَ.
(وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلَانِ ابْنَ أَحَدِهِمَا عَتَقَ نَصِيبُ الْأَبِ) لِأَنَّهُ مَلَكَ شِقْصَ قَرِيبِهِ وَشِرَاؤُهُ إعْتَاقٌ عَلَى مَا مَرَّ (وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) عَلِمَ الْآخَرُ أَنَّهُ ابْنُ شَرِيكِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ (وَكَذَا إذَا وَرِثَاهُ، وَالشَّرِيكُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى الْعَبْدَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله. وَقَالَا: فِي الشِّرَاءِ يَضْمَنُ الْأَبُ نِصْفَ قِيمَتِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا سَعَى الِابْنُ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ لِشَرِيكِ أَبِيهِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافُ إذَا مَلَكَا، بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، وَعَلَى هَذَا إذَا اشْتَرَاهُ رَجُلَانِ وَأَحَدُهُمَا قَدْ حَلَفَ بِعِتْقِهِ إنْ اشْتَرَى نِصْفَهُ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلَانِ إلَّا مَا نَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ (وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْأَبِ. وَقَوْلُهُ (وَكَذَا لَوْ وَرِثَاهُ) يَعْنِي بِالِاتِّفَاقِ. وَصُورَتُهُ امْرَأَةٌ اشْتَرَتْ ابْنَ زَوْجِهَا فَمَاتَتْ عَنْ أَخٍ وَزَوْجٍ كَانَ النِّصْفُ لِلزَّوْجِ وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ، أَوْ امْرَأَةٌ لَهَا زَوْجٌ وَأَبٌ وَلَهَا غُلَامٌ وَهُوَ أَبُو زَوْجِهَا فَمَاتَتْ الْمَرْأَةُ صَارَ غُلَامُهَا مِيرَاثًا بَيْنَ زَوْجِهَا وَأَبِيهَا. وَقَوْلُهُ (وَقَالَا فِي الشِّرَاءِ) إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الِاتِّفَاقِ فِي صُورَةِ الْإِرْثِ. وَقَوْلُهُ (قَدْ حَلَفَ بِعِتْقِهِ إنْ اشْتَرَى نِصْفَهُ) إنَّمَا قَيَّدَ
لَهُمَا أَنَّهُ أَبْطَلَ نَصِيبَ صَاحِبِهِ بِالْإِعْتَاقِ لِأَنَّ شِرَاءَ الْقَرِيبِ إعْتَاقٌ، وَصَارَ هَذَا كَمَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ أَجْنَبِيَّيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، وَلَهُ أَنَّهُ رَضِيَ بِإِفْسَادِ نَصِيبِهِ فَلَا يُضَمِّنُهُ، كَمَا إذَا أَذِنَ لَهُ بِإِعْتَاقِ نَصِيبِهِ صَرِيحًا، وَدَلَالَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ شَارَكَهُ فِيمَا هُوَ عِلَّةُ الْعِتْقِ وَهُوَ الشِّرَاءُ لِأَنَّ شِرَاءَ الْقَرِيبِ إعْتَاقٌ حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ عَنْ عُهْدَةِ الْكَفَّارَةِ عِنْدَنَا،
بِالنِّصْفِ، لِأَنَّهُ إذَا حَلَفَ بِعِتْقِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِشَرِكَةِ الْآخَرِ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الشَّرْطَ شِرَاءُ كُلِّ الْعَبْدِ وَلَمْ يُوجَدْ.
وَوَجْهُ قَوْلِهِمَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ ظَاهِرٌ. وَوَجْهُ قَوْلِهِ مَا ذَكَرَهُ فِيهِ. وَتَقْرِيرُهُ: الشَّرِيكُ الْآخَرَ رَضِيَ بِإِفْسَادِ نَصِيبِهِ وَمَنْ رَضِيَ بِذَلِكَ لَا يَضْمَنُ الْمُفْسَدَ (كَمَا إذَا أَذِنَ لَهُ بِإِعْتَاقِ نَصِيبِهِ صَرِيحًا وَدَلَالَةُ ذَلِكَ) أَيْ الدَّلِيلُ عَلَى رِضَاهُ بِإِفْسَادِ نَصِيبِهِ (أَنَّهُ شَارَكَهُ فِيمَا هُوَ عِلَّةُ الْعِتْقِ، وَهُوَ الشِّرَاءُ لِأَنَّ شِرَاءَ الْقَرِيبِ إعْتَاقٌ حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ عَنْ عُهْدَةِ الْكَفَّارَةِ عِنْدَنَا) وَالْمُشَارَكَةُ فِي عِلَّةِ الْعِتْقِ رِضًا بِالْعِتْقِ لَا مَحَالَةَ.
وَالْمُرَادُ بِالْعِلَّةِ عِلَّةُ الْعِلَّةِ لِأَنَّ الشِّرَاءَ عِلَّةُ التَّمَلُّكِ وَالتَّمَلُّكُ فِي الْقَرِيبِ عِلَّةُ الْعِتْقِ، وَالْحُكْمُ يُضَافُ إلَى عِلَّةِ الْعِلَّةِ إذَا لَمْ تَصْلُحْ الْعِلَّةُ لِلْإِضَافَةِ إلَيْهَا، وَهَاهُنَا كَذَلِكَ لِأَنَّ التَّمَلُّكَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ
وَهَذَا ضَمَانُ إفْسَادٍ فِي ظَاهِرِ قَوْلِهِمَا حَتَّى يَخْتَلِفَ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ فَيَسْقُطَ بِالرِّضَا، وَلَا يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَعَدَمِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُ لِأَنَّ الْحُكْمَ يُدَارُ عَلَى السَّبَبِ، كَمَا إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ: كُلْ هَذَا الطَّعَامَ وَهُوَ مَمْلُوكٌ لِلْآمِرِ وَلَا يَعْلَمُ الْآمِرُ بِمِلْكِهِ. .
يَثْبُتُ بَعْدَ مُبَاشَرَةِ عِلَّتِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ، بِخِلَافِ الْإِرْثِ فَإِنَّهُ لَا إعْتَاقَ هُنَاكَ وَلِهَذَا لَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْكَفَّارَةِ. وَقَوْلُهُ (وَهَذَا ضَمَانُ إفْسَادٍ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا عَمَّا يُقَالُ إنَّمَا كَانَ الرِّضَا مُسْقِطًا لِلضَّمَانِ أَنْ لَوْ كَانَ ضَمَانَ إفْسَادٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ ضَمَانَ تَمَلُّكٍ فَلَا يَسْقُطُ بِهِ كَمَا إذَا اسْتَوْلَدَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْجَارِيَةَ بِإِذْنِهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِهِ الضَّمَانُ لِأَنَّهُ ضَمَانُ تَمَلُّكٍ إذْ الِاسْتِيلَادُ مَوْضُوعٌ لِطَلَبِ الْوَلَدِ لَا لِلْعِتْقِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْوَاجِبُ بِهِ ضَمَانَ عِتْقٍ وَهُوَ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لَهُ فَكَانَ ضَمَانَ تَمَلُّكٍ.
وَوَجْهُ الْجَوَابِ أَنَّهُ ضَمَانُ إفْسَادٍ فِي ظَاهِرِ قَوْلِهِمَا حَتَّى يَخْتَلِفَ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ فَيَسْقُطَ بِالرِّضَا، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ فِي ظَاهِرِ قَوْلِهِمَا لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ هَذَا ضَمَانُ تَمَلُّكٍ فَلَا يَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ فَلَا يَسْقُطُ بِهِ الضَّمَانُ. وَقَوْلُهُ (وَلَا يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ بَيْنَ الْعِلْمِ) أَيْ بِالْقَرَابَةِ (وَعَدَمِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله لِأَنَّ الْحُكْمَ يُدَارُ عَلَى السَّبَبِ) أَيْ الْعِلَّةِ (كَمَا إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ كُلْ هَذَا الطَّعَامَ وَهُوَ مَمْلُوكٌ لِلْآمِرِ وَلَا يَعْلَمُ الْآمِرُ بِمِلْكِهِ) وَالسَّبَبُ قَدْ وُجِدَ بِمَا مَرَّ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ عَالِمًا بِالْقَرَابَةِ وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا
(وَإِنْ بَدَأَ الْأَجْنَبِيُّ فَاشْتَرَى نِصْفَهُ ثُمَّ اشْتَرَى الْأَبُ نِصْفَهُ الْآخَرَ وَهُوَ مُوسِرٌ فَالْأَجْنَبِيُّ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْأَبَ) لِأَنَّهُ مَا رَضِيَ بِإِفْسَادِ نَصِيبِهِ (وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى الِابْنَ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ) لِاحْتِبَاسِ مَالِيَّتِهِ عِنْدَهُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله لِأَنَّ يَسَارَ الْمُعْتِقِ لَا يَمْنَعُ السِّعَايَةَ عِنْدَهُ. وَقَالَا: لَا خِيَارَ لَهُ وَيَضْمَنُ الْأَبُ نِصْفَ قِيمَتِهِ لِأَنَّ يَسَارَ الْمُعْتِقِ يَمْنَعُ السِّعَايَةَ عِنْدَهُمَا.
(وَمَنْ اشْتَرَى نِصْفَ ابْنِهِ وَهُوَ مُوسِرٌ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله، وَقَالَا: يَضْمَنُ إذَا كَانَ مُوسِرًا) وَمَعْنَاهُ إذَا اشْتَرَى نِصْفَهُ مِمَّنْ يَمْلِكُ كُلَّهُ فَلَا يَضْمَنُ لِبَائِعِهِ شَيْئًا عِنْدَهُ، وَالْوَجْهُ قَدْ ذَكَرْنَاهُ.
(وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ فَدَبَّرَهُ أَحَدُهُمْ وَهُوَ مُوسِرٌ ثُمَّ أَعْتَقَهُ الْآخَرُ وَهُوَ مُوسِرٌ) فَأَرَادُوا الضَّمَانَ فَلِلسَّاكِتِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُدَبِّرَ ثُلُثَ قِيمَتِهِ قِنًّا وَلَا يُضَمِّنَ الْمُعْتِقَ.
بِهَا فِي حُكْمِ الضَّمَانِ لِأَنَّ الرِّضَا لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا إذَا كَانَ عَالِمًا بِهَا.
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ بَدَأَ الْأَجْنَبِيُّ) ظَاهِرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ (وَمَنْ اشْتَرَى نِصْفَ ابْنِهِ وَهُوَ مُوسِرٌ) وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ مِمَّنْ يَمْلِكُ كُلَّهُ لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَى نَصِيبَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْهُ ضَمِنَ لِلسَّاكِتِ بِالْإِجْمَاعِ. وَقَوْلُهُ (وَالْوَجْهُ قَدْ ذَكَرْنَاهُ) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لَهُمَا أَنَّهُ أَبْطَلَ وَلَهُ أَنَّهُ رَضِيَ.
قَالَ (وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ دَبَّرَهُ أَحَدُهُمْ وَهُوَ مُوسِرٌ ثُمَّ أَعْتَقَهُ الْآخَرُ وَهُوَ مُوسِرٌ فَأَرَادُوا الضَّمَانَ) أَيْ أَرَادَا، لِأَنَّ مُرِيدَ الضَّمَانِ إنَّمَا هُوَ السَّاكِتُ وَالْمُدَبَّرُ دُونَ الْمُعْتَقِ، فَكَانَ الْمُرَادُ بِالْجَمْعِ التَّثْنِيَةَ، أَوْ أَطْلَقَ الْجَمْعَ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ (فَلِلسَّاكِتِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُدَبَّرَ وَلَا يُضَمِّنَ الْمُعْتَقَ).
(وَلِلْمُدَبِّرِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُعْتِقَ ثُلُثَ قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا وَلَا يُضَمِّنَهُ الثُّلُثَ الَّذِي ضَمِنَ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله، وَقَالَا الْعَبْدُ كُلُّهُ لِلَّذِي دَبَّرَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَيَضْمَنُ ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ لِشَرِيكَيْهِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا) وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ التَّدْبِيرَ يَتَجَزَّأُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله خِلَافًا لَهُمَا كَالْإِعْتَاقِ لِأَنَّهُ شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِهِ فَيَكُونُ مُعْتَبَرًا بِهِ، وَلَمَّا كَانَ مُتَجَزِّئًا عِنْدَهُ اقْتَصَرَ عَلَى نَصِيبِهِ، وَقَدْ أَفْسَدَ بِالتَّدْبِيرِ نَصِيبَ الْآخَرَيْنِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُدَبِّرَ نَصِيبَهُ أَوْ يُعْتِقَ أَوْ يُكَاتِبَ أَوْ يُضَمِّنَ الْمُدَبِّرَ أَوْ يَسْتَسْعِيَ الْعَبْدَ أَوْ يَتْرُكَهُ عَلَى حَالِهِ لِأَنَّ نَصِيبَهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ فَاسِدٌ بِإِفْسَادِ شَرِيكِهِ حَيْثُ سَدَّ عَلَيْهِ طُرُقَ الِانْتِفَاعِ بِهِ بَيْعًا وَهِبَةً عَلَى مَا مَرَّ، فَإِذَا اخْتَارَ أَحَدُهُمَا الْعِتْقَ تَعَيَّنَ حَقُّهُ فِيهِ وَسَقَطَ اخْتِيَارُهُ غَيْرَهُ فَتَوَجَّهَ لِلسَّاكِتِ سَبَبُ ضَمَانِ تَدْبِيرِ الْمُدَبَّرِ وَإِعْتَاقِ هَذَا الْمُعْتَقِ، غَيْرَ أَنَّ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُدَبِّرَ لِيَكُونَ الضَّمَانُ ضَمَانَ مُعَاوَضَةٍ إذْ هُوَ الْأَصْلُ
وَلِلْمُدَبَّرِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُعْتِقَ ثُلُثَ قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا وَلَا يُضَمِّنَهُ الثُّلُثَ الَّذِي ضَمِنَ) وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ قِيمَةَ الْعَبْدِ إنْ كَانَتْ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ دِينَارًا مَثَلًا فَإِنَّ السَّاكِتَ يُضَمِّنُ الْمُدَبَّرَ تِسْعَةً وَالْمُدَبَّرَ يُضَمِّنُ الْمُعْتَقَ سِتَّةً، وَذَلِكَ لِأَنَّ قِيمَةَ الْمُدَبَّرِ ثُلُثَا قِيمَةِ الْقِنِّ لِمَا نَذْكُرُ، فَبِالتَّدْبِيرِ تَلِفَتْ مِنْهُ تِسْعَةٌ فَكَانَ الْإِتْلَافُ بِالْإِعْتَاقِ وَاقِعًا عَلَى قِيمَةِ الْمُدَبَّرِ وَهِيَ ثُلُثَا قِيمَةِ الْقِنِّ وَهِيَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَثُلُثُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سِتَّةٌ، فَيُضَمِّنُ الْمُدَبَّرُ الْمُعْتِقَ تِلْكَ السِّتَّةَ فَقَطْ وَلَا يُضَمِّنُهُ التِّسْعَةَ الَّتِي هِيَ نَصِيبُ السَّاكِتِ مَعَ تِلْكَ السِّتَّةِ الَّتِي يُضَمِّنُهُ إيَّاهَا (وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله، وَقَالَا: الْعَبْدُ لِلْمُدَبَّرِ وَيَضْمَنُ ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ لِشَرِيكَيْهِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا) قَوْلُهُ (وَأَصْلُ هَذَا) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا مَرَّ) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّ الْمُعْتِقَ جَانٍ عَلَيْهِ بِإِفْسَادِ نَصِيبِهِ حَيْثُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ (غَيْرَ أَنَّ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُدَبَّرَ) بَيَانُ حَصْرِ الضَّمَانِ عَلَى الْمُدَبَّرِ بَعْدَمَا كَانَ الْإِعْتَاقُ أَيْضًا سَبَبَ ضَمَانٍ، وَتَقْرِيرُ ذَلِكَ أَنَّ ضَمَانَ الْمُدَبَّرِ ضَمَانُ مُعَاوَضَةٍ
حَتَّى جُعِلَ الْغَصْبُ ضَمَانَ مُعَاوَضَةٍ عَلَى أَصْلِنَا، وَأَمْكَنَ ذَلِكَ فِي التَّدْبِيرِ لِكَوْنِهِ قَابِلًا لِلنَّقْلِ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ وَقْتَ التَّدْبِيرِ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي الْإِعْتَاقِ لِأَنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ مُكَاتَبٌ أَوْ حُرٌّ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَصْلَيْنِ، وَلَا بُدَّ مِنْ رِضَا الْمَكَاتِبِ بِفَسْخِهِ حَتَّى يَقْبَلَ الِانْتِقَالَ
وَضَمَانَ الْمُعْتِقِ ضَمَانُ جِنَايَةٍ وَإِتْلَافٍ، وَالْأَصْلُ فِي الضَّمَانِ هُوَ ضَمَانُ الْمُعَاوَضَةِ فَلَا يُعْدَلُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ؛ أَمَّا أَنَّ ضَمَانَ الْمُدَبَّرِ ضَمَانُ مُعَاوَضَةٍ فَلِأَنَّهُ يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ بِالتَّدْبِيرِ وَهُوَ كَانَ قَابِلًا لِلنَّقْلِ فَكَانَ ضَمَانُهُ مُقَابَلًا بِذَلِكَ فَانْعَقَدَ سَبَبُ الضَّمَانِ مُوجِبًا لِمِلْكِ الْمَضْمُونِ، بِخِلَافِ ضَمَانِ الْإِعْتَاقِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ، وَمَا أَتْلَفَهُ كَانَ بَعْدَ تَدْبِيرِ الْمُدَبَّرِ وَذَلِكَ غَيْرُ قَابِلٍ لِلنَّقْلِ فَكَانَ ضَمَانُهُ ضَمَانًا مِنْ غَيْرِ تَمَلُّكِ الْمَضْمُونِ وَذَلِكَ خَالِصُ ضَمَانِ الْجِنَايَةِ، وَأَمَّا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الضَّمَانِ ضَمَانُ الْمُعَاوَضَةِ فَوَاضِحٌ (وَلِهَذَا جَعَلَ الْغَصْبَ ضَمَانَ مُعَاوَضَةٍ عَلَى أَصْلِنَا) وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ضَمَانَ الْمُدَبَّرِ ضَمَانُ مُعَاوَضَةٍ أَنَّ مَنْ غَصَبَ مُدَبَّرًا فَاكْتَسَبَ عِنْدَ الْغَاصِبِ كَسْبًا ثُمَّ أَبَقَ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ إبَاقِهِ حَتَّى مَاتَ كَانَ ذَلِكَ الْكَسْبُ لِلْغَاصِبِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ، وَالْمَسْأَلَةُ فِي آخِرِ بَابِ النَّهْيِ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْكَسْبُ لَهُ إذَا كَانَ الْمُدَبَّرُ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ عِنْدَ أَدَاءِ الضَّمَانِ، فَلَمَّا اُعْتُبِرَ ضَمَانُ الْمُدَبَّرِ وَهُوَ غَيْرُ قَابِلٍ لِلنَّقْلِ ضَمَانَ مُعَاوَضَةٍ فَلَأَنْ يُعْتَبَرَ ضَمَانُ الْمُدَبَّرِ وَمَا أَتْلَفَهُ بِتَدْبِيرِهِ قَابِلٌ لِلنَّقْلِ ضَمَانَ مُعَاوَضَةٍ كَانَ أَوْلَى.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ مُكَاتَبٌ أَوْ حُرٌّ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَصْلَيْنِ) قَالَ الْإِمَامُ جَلَالُ الدِّينِ بْنُ الْمُصَنِّفِ: هَذَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ
فَلِهَذَا يَضْمَنُ الْمُدَبِّرُ، ثُمَّ لِلْمُدَبِّرِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُعْتِقَ ثُلُثَ قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا لِأَنَّهُ أَفْسَدَ عَلَيْهِ نَصِيبَهُ مُدَبَّرًا، وَالضَّمَانُ يَتَقَدَّرُ بِقِيمَةِ الْمُتْلَفِ، وَقِيمَةُ الْمُدَبَّرِ ثُلُثَا قِيمَتِهِ قِنًّا عَلَى مَا قَالُوا.
وَكَذَا قَوْلُهُ لَا بُدَّ مِنْ رِضَا الْمُكَاتَبِ بِفَسْخِهِ لِأَنَّهُ عِنْدَ الْإِعْتَاقِ لَيْسَ بِمُكَاتَبٍ وَلَا حُرٍّ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ كَذَلِكَ بَعْدَ الْإِعْتَاقِ، وَالْمُسْتَسْعَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَفْسَخُ بِالْعَجْزِ وَلَا بِالتَّفَاسُخِ، وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ أَنْ يُقَالَ لِأَنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ مُدَبَّرٌ. وَأَقُولُ: لِلسَّاكِتِ حَقُّ الِاسْتِسْعَاءِ وَكُلُّ مَنْ فِيهِ حَقُّ الِاسْتِسْعَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ، كَمَا أَنَّ مَنْ فِيهِ حَقُّ الْبَيَانِ كَذَلِكَ عَلَى مَا سَيَجِيءُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي مَسْأَلَةِ الثَّابِتِ وَالْخَارِجِ وَالدَّاخِلِ أَنَّ لِلْمَوْلَى بَيَانَ حَقِّ الْإِيجَابِ الْأَوَّلِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّابِتِ وَالْخَارِجِ، فَمَا دَامَ لَهُ حَقُّ الْبَيَانِ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا حُرًّا مِنْ وَجْهٍ عَبْدًا مِنْ وَجْهٍ، فَكَانَ الثَّابِتُ كَالْمُكَاتَبِ، فَكَذَا هَاهُنَا مَا دَامَ لَهُ حَقُّ السِّعَايَةِ فِي الْمُدَبَّرِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ، وَأَمَّا أَنَّ الْكِتَابَةَ تَقْبَلُ الْفَسْخَ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَصْلِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَنَّهَا تَنْفَسِخُ بِمُقْتَضَى الْإِعْتَاقِ فَكَذَلِكَ تَنْفَسِخُ بِالتَّرَاضِي وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا قَالُوا) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا. قَالَ بَعْضُهُمْ: نِصْفُ قِيمَةِ الْقِنِّ لِأَنَّ قَبْلَ التَّدْبِيرِ كَانَ لَهُ فِيهِ نَوْعُ مَنْفَعَةِ الْبَيْعِ وَمَا شَاكَلَهُ وَمَنْفَعَةُ الْإِجَارَةِ وَمَا شَاكَلَهَا وَقَدْ زَالَ أَحَدُهُمَا وَهُوَ الْبَيْعُ وَبَقِيَ الْآخَرُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قِيمَتُهُ قِيمَةُ الْخِدْمَةِ يَنْظُرُ بِكَمْ يُسْتَخْدَمُ وَهُوَ مُدَّةُ عُمُرِهِ مِنْ حَيْثُ الْحَزْرُ وَالظَّنُّ. وَالْأَصَحُّ مَا قَالَهُ فِي الْكِتَابِ لِأَنَّ
وَلَا يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ مَا مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ مِنْ جِهَةِ السَّاكِتِ لِأَنَّ مِلْكَهُ يَثْبُتُ مُسْتَنِدًا وَهُوَ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ التَّضْمِينِ.
مَنْفَعَةَ الْوَطْءِ وَالسِّعَايَةِ بَاقِيَةٌ وَمَنْفَعَةَ الْبَيْعِ زَائِلَةٌ، وَقِيلَ الْفَتْوَى عَلَى الْأَوَّلِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَا يُضَمِّنُهُ قِيمَةَ مَا مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ) يَعْنِي أَنَّ الْمُدَبَّرَ لَمَّا أَدَّى ضَمَانَ نَصِيبِ السَّاكِتِ وَهُوَ ثُلُثُ قِيمَتِهِ قِنًّا مَلَكَ الْمُدَبَّرُ نَصِيبَ السَّاكِتِ وَاجْتَمَعَ فِي مِلْكِ الْمُدَبَّرِ ثُلُثَا الْعَبْدِ، وَلَهُ أَنْ يَضْمَنَ قِيمَةَ مَا كَانَ لَهُ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الثُّلُثُ مُدَبَّرًا، فَإِنَّ نَصِيبَهُ بَعْدَ تَدْبِيرِهِ كَانَ مُنْتَفَعًا بِهِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَفَسَدَ بِالْإِعْتَاقِ فَيُضْمَنُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُعْتِقَ قِيمَةَ الثُّلُثِ الَّذِي تَمَلَّكَ عَلَى السَّاكِتِ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَلَكَ الْمَضْمُونَ مُسْتَنِدًا وَالْمُسْتَنِدُ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ التَّضْمِينِ. وَالثَّانِي أَنَّهُ لَمَّا انْتَقَلَ نَصِيبُ السَّاكِتِ إلَى الْمُدَبَّرِ قَامَ الْمُدَبَّرُ مَقَامَ السَّاكِتِ فِي ذَلِكَ الثُّلُثِ، وَالسَّاكِتُ لَا يَمْلِكُ تَضْمِينَ الْمُعْتِقِ فَكَذَلِكَ مَنْ قَامَ مَقَامَهُ. وَبِالْوَجْهِ الثَّانِي يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ أَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ إذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ وَهُوَ مُوسِرٌ يَضْمَنُ لِلسَّاكِتِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ وَيَرْجِعُ الْمُعْتِقُ عَلَى الْعَبْدِ وَإِنْ ثَبَتَ لَهُ الْمِلْكُ مُسْتَنِدًا وَهُوَ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُدَبَّرَ قَامَ مَقَامَ السَّاكِتِ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ، وَلَيْسَ لِلسَّاكِتِ تَضْمِينُ الْمُعْتِقِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَعَيُّنِ تَضْمِينِ الْمُدَبَّرِ لِيَكُونَ الضَّمَانُ ضَمَانَ مُعَاوَضَةٍ لِكَوْنِهِ الْأَصْلَ، فَكَذَلِكَ مَنْ قَامَ مَقَامَهُ. وَأَمَّا الْمُعْتِقُ فَلَمَّا قَامَ مَقَامَ السَّاكِتِ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ وَكَانَ لِلسَّاكِتِ وِلَايَةُ الِاسْتِسْعَاءِ كَانَ لِلْمُعْتِقِ أَيْضًا تِلْكَ
وَالْوَلَاءُ بَيْنَ الْمُعْتِقِ وَالْمُدَبِّرِ أَثْلَاثًا ثُلُثَاهُ لِلْمُدَبِّرِ وَالثُّلُثُ لِلْمُعْتِقِ لِأَنَّ الْعَبْدَ عَتَقَ عَلَى مِلْكِهِمَا عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ.
الْوِلَايَةُ.
وَقَوْلُهُ (وَالْوَلَاءُ بَيْنَ الْمُعْتَقِ وَالْمُدَبَّرِ) أَيْ بَيْنَ عَصَبَةِ الْمُدَبَّرِ (أَثْلَاثًا ثُلُثَاهُ لِلْمُدَبَّرِ وَالثُّلُثُ لِلْمُعْتَقِ لِأَنَّ الْعَبْدَ عَتَقَ عَلَى مِلْكِهِمَا عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ) فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ أَدَاءُ الضَّمَانِ يُثْبِتُ مِلْكَ نَصِيبِ الْآخَرِ كَانَ لِلْمُعْتِقِ ثُلُثَا الْوَلَاءِ أَيْضًا لِأَنَّهُ أَدَّى إلَى الْمُدَبَّرِ ثُلُثَ قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا.
أُجِيبَ بِأَنَّ ضَمَانَ الْمُعْتِقِ إلَى الْمُدَبَّرِ ضَمَانَ إتْلَافٍ لَا ضَمَانَ مُعَاوَضَةٍ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُدَبَّرَ غَيْرُ قَابِلٍ لِلنَّقْلِ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ فَلَمْ يَمْلِكْ الْمُعْتِقُ شَيْئًا بِمُقَابَلَةِ مَا ضَمِنَ، وَأَمَّا الْمُدَبَّرُ فَقَدْ مَلَكَ نَصِيبَ السَّاكِتِ عِنْدَ أَدَاءِ الضَّمَانِ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ التَّدْبِيرِ عَلَى مَا مَرَّ فَصَارَ كَأَنَّهُ دَبَّرَ ثُلُثَيْهِ مِنْ الِابْتِدَاءِ مُسْتَنِدًا فَثَبَتَ لَهُ ثُلُثَا
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ التَّدْبِيرُ مُتَجَزِّئًا عِنْدَهُمَا صَارَ كُلُّهُ مُدَبَّرًا لِلْمُدَبِّرِ وَقَدْ أَفْسَدَ نَصِيبَ شَرِيكَيْهِ لِمَا بَيَّنَّا فَيَضْمَنُهُ، وَلَا يَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ لِأَنَّهُ ضَمَانُ تَمَلُّكٍ فَأَشْبَهَ الِاسْتِيلَادَ، بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ لِأَنَّهُ ضَمَانُ جِنَايَةٍ، وَالْوَلَاءُ كُلُّهُ لِلْمُدَبِّرِ وَهَذَا ظَاهِرٌ.
قَالَ (وَإِذَا كَانَتْ جَارِيَةٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ زَعَمَ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لِصَاحِبِهِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْآخَرُ فَهِيَ مَوْقُوفَةٌ يَوْمًا وَيَوْمًا تَخْدُمُ الْمُنْكِرَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله، وَقَالَا: إنْ شَاءَ الْمُنْكِرُ اسْتَسْعَى الْجَارِيَةَ فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا ثُمَّ تَكُونُ حُرَّةً لَا سَبِيلَ عَلَيْهَا)
الْوَلَاءِ وَلِلْمُعْتَقِ الثُّلُثُ لِمَا أَنَّ نَصِيبَ السَّاكِتِ بَعْدَمَا انْتَقَلَ إلَى الْمُدَبَّرِ لَا يَنْتَقِلُ إلَى الْمُعْتَقِ. .
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ ضَمَانُ تَمَلُّكٍ) أَيْ لِأَنَّ ضَمَانَ التَّدْبِيرِ ضَمَانُ تَمَلُّكٍ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ كَسْبَهُ وَخِدْمَتَهُ فَلَا يَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ كَضَمَانِ الِاسْتِيلَادِ (بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ لِأَنَّهُ ضَمَانُ جِنَايَةٍ) وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ قَوْلَكُمْ ضَمَانُ الْجِنَايَةِ يَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ أَرَدْتُمْ بِهِ مُطْلَقَ ضَمَانِ الْجِنَايَةِ أَوْ الْجِنَايَةَ بِالْإِعْتَاقِ، وَالْأَوَّلُ مَرْدُودٌ بِأَنَّ مَنْ كَسَرَ جَرَّةَ إنْسَانٍ مَثَلًا أَوْ أَتْلَفَ مِلْكًا مِنْ أَمْلَاكِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا، وَالثَّانِي تَحَكُّمٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ الثَّانِي، وَالتَّحَكُّمُ مَدْفُوعٌ لِثُبُوتِهِ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «فِي الرَّجُلِ يُعْتِقُ نَصِيبَهُ: إنْ كَانَ غَنِيًّا ضَمِنَ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا سَعَى الْعَبْدُ فِي حِصَّةِ الْآخَرِ» فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ لِكَوْنِهِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ.
قَالَ (وَإِنْ كَانَ جَارِيَةٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ) إذَا كَانَتْ الْجَارِيَةُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ (زَعَمَ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لِصَاحِبِهِ وَأَنْكَرَ صَاحِبُهُ فَهِيَ مَوْقُوفَةٌ يَوْمًا) أَيْ تُرْفَعُ عَنْهَا الْخِدْمَةُ يَوْمًا (وَتَخْدُمُ الْمُنْكِرَ يَوْمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله. وَقَالَا: إنْ شَاءَ الْمُنْكِرُ اسْتَسْعَى الْجَارِيَةَ فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا ثُمَّ تَكُونُ حُرَّةً) كُلَّهَا (لَا سَبِيلَ عَلَيْهَا) يَعْنِي لِلْمُقِرِّ بِالِاسْتِسْعَاءِ
لَهُمَا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُصَدِّقْهُ صَاحِبُهُ انْقَلَبَ إقْرَارُ الْمُقِرِّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ اسْتَوْلَدَهَا فَصَارَ كَمَا إذَا أَقَرَّ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ أَنَّهُ أَعْتَقَ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْبَيْعِ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ أَعْتَقَ كَذَا هَذَا فَتَمْتَنِعُ الْخِدْمَةُ وَنَصِيبُ الْمُنْكِرِ عَلَى مِلْكِهِ فِي الْحُكْمِ فَتَخْرُجُ إلَى الْعَتَاقِ بِالسِّعَايَةِ كَأُمِّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ إذَا أَسْلَمَتْ.
لَهُمَا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُصَدِّقْهُ) وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْمُقِرَّ لَوْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالِاسْتِيلَادِ صَحَّ، فَإِذَا أَضَافَهُ إلَى مَنْ يَمْلِكُهُ وَلَمْ يُصَدِّقْهُ ذَلِكَ انْقَلَبَ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ، وَإِذَا انْقَلَبَ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ صَارَ كَأَنَّهُ اسْتَوْلَدَهَا فَصَارَ كَمَا إذَا أَقَرَّ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ أَنَّهُ أَعْتَقَ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ أَعْتَقَهُ، وَإِذَا انْقَلَبَ إقْرَارُ الْمُقِرِّ عَلَى نَفْسِهِ امْتَنَعَ الْخِدْمَةُ لِلْمُنْكِرِ لِأَنَّ الْمُقِرَّ صَارَ بِإِقْرَارِهِ كَالْمُسْتَوْلِدِ لَهَا، وَلَا يُمْكِنُ لِلْمُنْكِرِ تَضْمِينُ الْمُقِرِّ، لِأَنَّهُ مَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالِاسْتِيلَادِ فَكَانَ نَصِيبُ الْمُنْكِرِ عَلَى مِلْكِهِ فِي الْحُكْمِ مُحْتَبَسًا عِنْدَ الْجَارِيَةِ (فَتَخْرُجُ إلَى الْعَتَاقِ بِالسِّعَايَةِ كَأُمِّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ إذَا أَسْلَمَتْ) تَخْرُجُ إلَى الْعِتْقِ بِالسِّعَايَةِ لِتَعَذُّرِ إبْقَائِهَا فِي يَدِ الْمَوْلَى وَمِلْكِهِ بَعْدَ إسْلَامِهَا وَإِصْرَارِهِ عَلَى الْكُفْرِ
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ الْمُقِرَّ لَوْ صَدَقَ كَانَتْ الْخِدْمَةُ كُلُّهَا لِلْمُنْكِرِ، وَلَوْ كَذَبَ كَانَ لَهُ نِصْفُ الْخِدْمَةِ فَيَثْبُتُ مَا هُوَ الْمُتَيَقَّنُ بِهِ وَهُوَ النِّصْفُ، وَلَا خِدْمَةَ لِلشَّرِيكِ الشَّاهِدِ وَلَا اسْتِسْعَاءَ لِأَنَّهُ يَتَبَرَّأُ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ بِدَعْوَى الِاسْتِيلَادِ وَالضَّمَانِ، وَالْإِقْرَارُ بِأُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ يَتَضَمَّنُ الْإِقْرَارَ بِالنَّسَبِ وَهُوَ أَمْرٌ لَازِمٌ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْمُقِرُّ كَالْمُسْتَوْلِدِ.
(وَإِنْ كَانَتْ أُمُّ وَلَدٍ بَيْنَهُمَا فَأَعْتَقَهَا أَحَدُهُمَا وَهُوَ مُوسِرٌ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله، وَقَالَا: يَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهَا) لِأَنَّ مَالِيَّةَ أُمِّ الْوَلَدِ غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ عِنْدَهُ وَمُتَقَوِّمَةٌ عِنْدَهُمَا، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ تُبْتَنَى عِدَّةٌ مِنْ الْمَسَائِلِ أَوْرَدْنَاهَا فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُقِرَّ لَوْ صُدِّقَ) تَقْرِيرُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى مُقَدِّمَةٍ هِيَ أَنَّ الْخَبَرَ يَنْقَسِمُ إلَى صَادِقٍ وَكَاذِبٍ قِسْمَةً حَقِيقِيَّةً لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يَرْتَفِعَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ صِدْقَ الْخَبَرِ وَكَذِبَهُ رَاجِعَانِ إلَى مُطَابَقَةِ الْوَاقِعِ وَعَدَمِهَا، فَالْمُقِرُّ إمَّا أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فِي إقْرَارِهِ أَوْ كَاذِبًا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ (كَانَتْ الْخِدْمَةُ كُلُّهَا لِلْمُنْكِرِ) وَإِنْ كَانَ الثَّانِي (كَانَ لَهُ نِصْفُ الْخِدْمَةِ فَيَثْبُتُ مَا هُوَ الْمُتَيَقَّنُ بِهِ وَهُوَ النِّصْفُ، وَلَا خِدْمَةَ لِلشَّرِيكِ الشَّاهِدِ وَلَا اسْتِسْعَاءَ لِأَنَّهُ يَتَبَرَّأُ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ) أَمَّا عَنْ الْخِدْمَةِ فَبِدَعْوَى الِاسْتِيلَادِ، وَأَمَّا عَنْ الِاسْتِسْعَاءِ فَبِدَعْوَى الضَّمَانِ فَفِي كَلَامِهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ عَلَى مَا تَرَى.
وَقَوْلُهُ (وَالْإِقْرَارُ بِأُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ يَتَضَمَّنُ الْإِقْرَارَ بِالنَّسَبِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا كَأَنَّهُ اسْتَوْلَدَهَا: يَعْنِي أَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ بِأُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ وَالْإِقْرَارُ بِهَا يَتَضَمَّنُ الْإِقْرَارَ بِالنَّسَبِ وَالْإِقْرَارُ بِالنَّسَبِ أَمْرٌ لَازِمٌ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا أَقَرَّ بِنَسَبِ صَغِيرٍ لِرَجُلٍ فَكَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ ثُمَّ أَقَرَّ الْمُقِرُّ بِنَسَبِ ذَلِكَ الصَّغِيرِ لِنَفْسِهِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ (فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْمُقِرُّ كَالْمُسْتَوْلِدِ).
(وَإِنْ كَانَتْ أُمُّ وَلَدٍ بَيْنَهُمَا) بِأَنْ وَلَدَتْ جَارِيَةٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَلَدًا فَادَّعَيَاهُ (فَأَعْتَقَهَا أَحَدُهُمَا وَهُوَ مُوسِرٌ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهَا لِأَنَّ مَالِيَّةَ أُمِّ الْوَلَدِ غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ عِنْدَهُ) خِلَافًا لَهُمَا، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ عِدَّةُ مَسَائِلَ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى: مِنْهَا أَنَّهُ إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا حَتَّى عَتَقَتْ
وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّهَا مُنْتَفَعٌ بِهَا وَطْئًا وَإِجَارَةً وَاسْتِخْدَامًا، وَهَذَا هُوَ دَلَالَةُ التَّقَوُّمِ، وَبِامْتِنَاعِ بَيْعِهَا لَا يَسْقُطُ تَقَوُّمُهَا كَمَا فِي الْمُدَبَّرِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ أُمَّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ إذَا أَسْلَمَتْ عَلَيْهَا السِّعَايَةُ، وَهَذَا آيَةُ التَّقَوُّمِ.
لَمْ تَسْعَ لِلْآخَرِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا تَسْعَى. وَمِنْهَا أَنَّهَا إذَا وَلَدَتْ فَادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِشَرِيكِهِ مِنْ الضَّمَانِ وَلَا سِعَايَةَ عَلَى الْوَلَدِ عِنْدَهُ. وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ لِشَرِيكِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَيَسْتَسْعِي الْوَلَدُ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ إنْ كَانَ مُعْسِرًا. وَمِنْهَا أَنَّهُ إذَا غَصَبَ أُمَّ وَلَدٍ فَهَلَكَتْ عِنْدَهُ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا (وَجْهُ قَوْلِهِمَا) فِي تَقَوُّمِ أُمِّ الْوَلَدِ (أَنَّهَا مُنْتَفَعٌ بِهَا وَطْئًا وَإِجَارَةً وَاسْتِخْدَامًا) بِالِاتِّفَاقِ، وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُتَقَوِّمٌ لِأَنَّ حِلَّ الْوَطْءِ لَا يَكُونُ إلَّا بِمِلْكِ الْيَمِينِ عِنْدَ عَدَمِ النِّكَاحِ (أَلَا تَرَى أَنَّ أُمَّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ إذَا أَسْلَمَتْ عَلَيْهَا السِّعَايَةُ) وَلَوْلَا تَقَوُّمُهَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَإِنْ عُورِضَ بِأَنَّ بَيْعَهَا مُمْتَنِعٌ وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ التَّقَوُّمِ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ وَبِامْتِنَاعِ بَيْعِهَا لَا يَسْقُطُ تَقَوُّمُهَا كَمَا فِي الْمُدَبَّرِ.
وَقَوْلُهُ (غَيْرَ أَنَّ قِيمَتَهَا) بَيَانٌ لِمِقْدَارِ الْقِيمَةِ وَهُوَ وَاضِحٌ
غَيْرَ أَنَّ قِيمَتَهَا ثُلُثُ قِيمَتِهَا قِنَّةً عَلَى مَا قَالُوا لِفَوَاتِ مَنْفَعَةِ الْبَيْعِ وَالسِّعَايَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ، بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ لِأَنَّ الْفَائِتَ مَنْفَعَةُ الْبَيْعِ، أَمَّا السِّعَايَةُ وَالِاسْتِخْدَامُ بَاقِيَانِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ التَّقَوُّمَ بِالْإِحْرَازِ وَهِيَ مُحْرَزَةٌ لِلنَّسَبِ لَا لِلتَّقَوُّمِ وَالْإِحْرَازُ لِلتَّقَوُّمِ تَابِعٌ، وَلِهَذَا لَا تَسْعَى لِغَرِيمٍ وَلَا لِوَارِثٍ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ،
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ التَّقَوُّمَ بِالْإِحْرَازِ) لِلتَّمَوُّلِ وَلَا إحْرَازَ لِلتَّمَوُّلِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ لِأَنَّهَا مُحْرَزَةٌ لِلنَّسَبِ لَا لِلتَّمَوُّلِ. وَقَوْلُهُ (لَا لِلتَّقَوُّمِ) مَعْنَاهُ لِلتَّمَوُّلِ وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ (وَالْإِحْرَازُ لِلتَّقَوُّمِ تَابِعٌ) أَيْ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ لِأَنَّهُ إذَا حَصَّنَهَا وَاسْتَوْلَدَهَا ظَهَرَ أَنَّ إحْرَازَهَا لِلِاسْتِمْتَاعِ بِمِلْكِ الْمُتْعَةِ لَا لِقَصْدِ التَّمَوُّلِ. وَقَوْلُهُ (وَلِهَذَا لَا تَسْعَى لِغَرِيمٍ) جَازَ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا وَتَوْضِيحًا لِقَوْلِهِ وَالْإِحْرَازُ لِلتَّقَوُّمِ تَابِعٌ، يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَقْصُودًا لَسَعَتْ لِغَرِيمٍ أَوْ وَارِثٍ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لَكِنْ اللَّازِمُ بَاطِلٌ فَكَذَلِكَ الْمَلْزُومُ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِقَوْلِهِ وَهِيَ مُحْرَزَةٌ لِلنَّسَبِ لَا لِلتَّقَوُّمِ.
وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا كَمَا فِي الْمُدَبَّرِ: يَعْنِي بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُحْرِزٍ لِلنَّسَبِ وَلِهَذَا تَتَعَلَّقُ بِهِ
وَهَذَا لِأَنَّ السَّبَبَ فِيهَا مُتَحَقِّقٌ فِي الْحَالِ وَهُوَ الْجُزْئِيَّةُ الثَّابِتَةُ بِوَاسِطَةِ الْوَلَدِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ عَمَلُهُ فِي حَقِّ الْمِلْكِ ضَرُورَةَ الِانْتِفَاعِ فَعَمِلَ السَّبَبُ فِي إسْقَاطِ التَّقَوُّمِ، وَفِي الْمُدَبَّرِ يَنْعَقِدُ السَّبَبُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَامْتِنَاعُ الْبَيْعِ فِيهِ لِتَحْقِيقِ مَقْصُودِهِ فَافْتَرَقَا. وَفِي أُمِّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ قَضَيْنَا بِتَكَاتُبِهَا عَلَيْهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْجَانِبَيْنِ، وَبَدَلُ الْكِتَابَةِ لَا يَفْتَقِرُ وُجُوبُهُ إلَى التَّقَوُّمِ.
حَقُّ الْغُرَمَاءِ.
وَقَوْلُهُ (وَهَذَا) إشَارَةٌ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ أُمِّ الْوَلَدِ وَبَيْنَ الْمُدَبَّرِ وَبَيَانُهُ (أَنَّ السَّبَبَ فِيهَا) أَيْ فِي أُمِّ الْوَلَدِ (مُتَحَقِّقٌ فِي الْحَالِ) وَهُوَ الْجُزْئِيَّةُ الثَّابِتَةُ بِوَاسِطَةِ الْوَلَدِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ وَكَانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي سُقُوطَ الْمِلْكِ وَالتَّقَوُّمِ جَمِيعًا (إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ عَمَلُهُ فِي حَقِّ) زَوَالِ (الْمِلْكِ ضَرُورَةَ الِانْتِفَاعِ) كَمَا لَمْ يُظْهِرْ فِي زَوَالِ مِلْكِ النِّكَاحِ لِذَلِكَ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي إسْقَاطِ التَّقَوُّمِ فَعَمِلَ فِيهِ السَّبَبُ، وَأَمَّا فِي الْمُدَبَّرِ فَإِنَّ السَّبَبَ يَنْعَقِدُ بَعْدَ الْمَوْتِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ إنْ مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ تَعْلِيقٌ مَحْضٌ، وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ لَا يَنْعَقِدُ سَبَبًا عِنْدَنَا قَبْلَ وُجُودِهِ عَلَى مَا عُرِفَ.
وَقَوْلُهُ (وَامْتِنَاعُ الْبَيْعِ فِيهِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا وَبِامْتِنَاعِ بَيْعِهَا لَا يَسْقُطُ تَقَوُّمُهَا. وَتَقْرِيرُهُ: كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَمْتَنِعَ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ، إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا امْتَنَعَ تَحْقِيقًا لِمَقْصُودِهِ، إذْ لَوْ جَازَ الْبَيْعُ لَامْتَنَعَ مَقْصُودُ الْمُدَبَّرِ وَهُوَ الْعِتْقُ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَقَوْلُهُ (وَفِي أُمِّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ) جَوَابٌ عَمَّا قَاسَا عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ (قَضَيْنَا بِتَكَاتُبِهَا عَلَيْهِ) لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ حَقِيقَةَ التَّكَاتُبِ، وَلَكِنْ لَمَّا حَكَمْنَا بِأَنَّهَا تَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ كَانَتْ فِي مَعْنَى الْمُكَاتَبَةِ، وَإِنَّمَا فَعَلْنَا هَكَذَا (دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْجَانِبَيْنِ) أَمَّا فِي حَقِّ أُمِّ الْوَلَدِ فَلِئَلَّا تَبْقَى تَحْتَ يَدِ نَصْرَانِيٍّ وَهِيَ مُسْلِمَةٌ، وَأَمَّا فِي حَقِّ النَّصْرَانِيِّ فَلِئَلَّا يَبْطُلَ مِلْكُهُ مَجَّانًا فَلَمَّا كَانَتْ هِيَ فِي مَعْنَى الْمُكَاتَبَةِ كَانَ مَا أَدَّتْهُ فِي مَعْنَى بَدَلِ الْكِتَابَةِ، وَبَدَلُ الْكِتَابَةِ لَا يَفْتَقِرُ وُجُوبُهُ إلَى تَقَوُّمِ مَا يُقَابِلُهُ لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ مُقَابَلٌ بِفَكِّ الْحَجْرِ وَفَكُّ الْحَجْرِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ، فَلِذَلِكَ قُلْنَا إنَّ تَكَاتُبَهَا لَمْ يَقْتَضِ تَقَوُّمَ أُمِّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ فَاطَّرَدَ مَا قُلْنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ عِتْقِ أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ:
بَابُ عِتْقِ أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ
(وَمَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَعْبُدٍ دَخَلَ عَلَيْهِ اثْنَانِ فَقَالَ: أَحَدُكُمَا حُرٌّ ثُمَّ خَرَجَ وَاحِدٌ وَدَخَلَ آخَرُ فَقَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ عِتْقَ مَنْ الَّذِي أُعِيدَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَنِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله كَذَلِكَ إلَّا فِي الْعَبْدِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ رُبُعُهُ)
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ عِتْقِ بَعْضِ الْعَبْدَيْنِ عِتْقَ أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ لِأَنَّ الْوَاحِدَ قَبْلَ الِاثْنَيْنِ (وَمَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَعْبُدٍ دَخَلَ عَلَيْهِ اثْنَانِ فَقَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ ثُمَّ خَرَجَ وَاحِدٌ وَدَخَلَ آخَرُ فَقَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ) وَلَمْ يُسَمِّ كُلًّا مِنْهُمْ بِاسْمِ الْفِعْلِ الَّذِي اتَّصَفَ بِهِ مِنْ كَوْنِهِ خَارِجًا وَدَاخِلًا وَثَابِتًا يُؤْمَرُ الْمَوْلَى بِالْبَيَانِ مَا دَامَ حَيًّا لِأَنَّهُ هُوَ الْمُجْمِلُ فَيَرْجِعُ فِي الْبَيَانِ إلَيْهِ وَيَعْتِقُ الَّذِي عَيَّنَهُ، فَإِنْ بَيَّنَ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ فِي الْخَارِجِ عَتَقَ الْخَارِجُ، وَيُؤْمَرُ بِالْبَيَانِ فِي الْكَلَامِ الثَّانِي وَيَعْتِقُ مَنْ عَيَّنَهُ، وَإِنْ بَيَّنَ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ فِي الثَّابِتِ عَتَقَ الثَّابِتُ وَبَطَلَ الْكَلَامُ الثَّانِي لِأَنَّهُ صَارَ خَبَرًا فَلَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعِتْقَ، كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ وَقَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ لَا يَعْتِقُ الْعَبْدُ.
وَإِنْ بَدَأَ بِبَيَانِ الْكَلَامِ الثَّانِي وَقَالَ عَنَيْت بِالْكَلَامِ الثَّانِي الدَّاخِلَ عَتَقَ الدَّاخِلُ وَيُؤْمَرُ بِبَيَانِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ قَالَ عَنَيْت بِالْكَلَامِ الثَّانِي الثَّابِتَ عَتَقَ الثَّابِتُ بِالْكَلَامِ الثَّانِي وَتَعَيَّنَ الْخَارِجُ لِلْكَلَامِ الْأَوَّلِ فَيَعْتِقُ الْخَارِجُ أَيْضًا (وَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ عَتَقَ مِنْ الَّذِي أُعِيدَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) يَعْنِي الثَّابِتَ أُعِيدَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ أَحَدُكُمَا حُرٌّ (ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَنِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرَيْنِ) يَعْنِي الْخَارِجَ وَالدَّاخِلَ (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ كَذَلِكَ) يَعْنِي يَعْتِقُ مِنْ الثَّابِتِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَمِنْ الْخَارِجِ نِصْفُهُ (إلَّا فِي الْعَبْدِ الْآخَرِ) وَهُوَ الدَّاخِلُ (فَإِنَّهُ يَعْتِقُ رُبُعُهُ) بِاعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ. وَالْأَصْلُ فِي اعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ فِي حَالَةِ الِاشْتِبَاهِ مَا رُوِيَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ أُنَاسًا إلَى بَنِي خَثْعَمَ لِلْقِتَالِ، فَاعْتَصَمَ نَاسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ فَقَتَلَهُمْ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَضَى بِنِصْفِ الْعَقْلِ» بِاعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ السُّجُودَ مِنْهُمْ كَانَ مُحْتَمَلًا أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعَالَى فَكَانَ إسْلَامًا. وَيَجِبُ بِقَتْلِهِمْ جَمِيعُ الدِّيَةِ، وَأَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَقِيَّةً مِنْ الْقَتْلِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ عَادَتُهُمْ مِنْ السُّجُودِ لِتَعْظِيمِ عُظَمَائِهِمْ تَوَقِّيًا مِنْ شَرِّهِمْ فَلَا تَجِبُ بِقَتْلِهِمْ
أَمَّا الْخَارِجُ فَلِأَنَّ الْإِيجَابَ الْأَوَّلَ دَائِرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّابِتِ، وَهُوَ الَّذِي أُعِيدَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ فَأَوْجَبَ عِتْقَ رَقَبَةٍ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فَيُصِيبُ كُلًّا مِنْهُمَا النِّصْفُ، غَيْرَ أَنَّ الثَّابِتَ اسْتَفَادَ بِالْإِيجَابِ الثَّانِي رُبُعًا آخَرَ لِأَنَّ الثَّانِيَ دَائِرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّاخِلِ، وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ فِي الْكِتَابِ آخِرًا فَيَتَنَصَّفُ بَيْنَهُمَا، غَيْرَ أَنَّ الثَّابِتَ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْحُرِّيَّةِ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ فَشَاعَ النِّصْفُ الْمُسْتَحَقُّ بِالثَّانِي فِي نِصْفَيْهِ، فَمَا أَصَابَ الْمُسْتَحِقَّ بِالْأَوَّلِ لَغَا، وَمَا أَصَابَ الْفَارِغَ بَقِيَ فَيَكُونُ لَهُ الرُّبُعُ فَتَمَّتْ لَهُ ثَلَاثَةُ الْأَرْبَاعِ وَلِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ هُوَ بِالثَّانِي يَعْتِقُ نِصْفُهُ، وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ الدَّاخِلُ لَا يَعْتِقُ هَذَا النِّصْفُ فَيَنْتَصِفُ فَيَعْتِقُ مِنْهُ الرُّبُعُ بِالثَّانِي وَالنِّصْفُ بِالْأَوَّلِ، وَأَمَّا الدَّاخِلُ فَمُحَمَّدٌ رحمه الله يَقُولُ: لَمَّا دَارَ الْإِيجَابُ الثَّانِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّابِتِ وَقَدْ أَصَابَ الثَّابِتَ مِنْهُ الرُّبُعُ فَكَذَلِكَ يُصِيبُ الدَّاخِلَ وَهُمَا يَقُولَانِ إنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَهُمَا، وَقَضِيَّتُهُ التَّنْصِيفُ وَإِنَّمَا نَزَلَ إلَى الرُّبُعِ فِي حَقِّ الثَّابِتِ لِاسْتِحْقَاقِهِ النِّصْفَ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَا اسْتِحْقَاقَ لِلدَّاخِلِ مِنْ قَبْلُ
الدِّيَةُ، فَلَمَّا وَجَبَتْ مِنْ وَجْهٍ وَلَمْ تَجِبْ مِنْ وَجْهٍ أَوْجَبَ النِّصْفَ وَأَسْقَطَ النِّصْفَ، وَعَلَى هَذَا مَسَائِلُ أَصْحَابِنَا.
فَإِنْ قِيلَ: مَا بَالُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْخُنْثَى يُعْطِيهِ أَقَلَّ النَّصِيبَيْنِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَى
.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فَيَثْبُتُ فِيهِ النِّصْفُ. قَالَ (فَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ مِنْهُ فِي الْمَرَضِ قُسِمَ الثُّلُثُ عَلَى هَذَا) وَشَرْحُ ذَلِكَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ سِهَامِ الْعِتْقِ وَهِيَ سَبْعَةٌ عَلَى قَوْلِهِمَا لِأَنَّا نَجْعَلُ كُلَّ رَقَبَةٍ عَلَى أَرْبَعَةٍ لِحَاجَتِنَا إلَى ثَلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ فَنَقُولُ: يَعْتِقُ مِنْ الثَّابِتِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَمِنْ الْآخَرَيْنِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَهْمَانِ فَيَبْلُغُ سِهَامُ الْعِتْقِ سَبْعَةً، وَالْعِتْقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَصِيَّةٌ وَمَحَلُّ نَفَاذِهَا الثُّلُثُ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُجْعَلَ سِهَامُ الْوَرَثَةِ ضِعْفَ ذَلِكَ فَيُجْعَلَ كُلُّ رَقَبَةٍ عَلَى سَبْعَةٍ وَجَمِيعُ الْمَالِ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ فَيَعْتِقُ مِنْ الثَّابِتِ ثَلَاثَةٌ وَيَسْعَى فِي أَرْبَعَةٍ وَيَعْتِقُ مِنْ الْبَاقِيَيْنِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا سَهْمَانِ وَيَسْعَى فِي خَمْسَةٍ، فَإِذَا تَأَمَّلْت وَجَمَعْت اسْتَقَامَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رحمه الله يُجْعَلُ كُلُّ رَقَبَةٍ عَلَى سِتَّةٍ لِأَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْ الدَّاخِلِ عِنْدَهُ سَهْمٌ فَنَقَصَتْ سِهَامُ الْعِتْقِ بِسَهْمٍ وَصَارَ جَمِيعُ الْمَالِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَبَاقِي التَّخْرِيجِ مَا مَرَّ.
اعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ فِي مَوْضِعٍ يَتَحَقَّقُ فِيهِ الِاشْتِبَاهُ بِصِفَةِ الِاسْتِمْرَارِ كَاَلَّذِي نَحْنُ فِيهِ، وَالْخُنْثَى لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا بَلَغَ مَبْلَغَ الرِّجَالِ أَوْ النِّسَاءِ لَا بُدَّ أَنْ يَتَفَلَّكَ لَهَا ثَدْيٌ أَوْ تَنْبُتَ لَهُ لِحْيَةٌ وَحِينَئِذٍ يَرْتَفِعُ الِاشْتِبَاهُ، وَالْوَجْهُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ. هَذَا إذَا كَانَ فِي الصِّحَّةِ (فَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ مِنْهُ فِي الْمَرَضِ) فَإِنْ كَانُوا يَخْرُجُونَ مِنْ الثُّلُثِ فَالْجَوَابُ كَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجُوا كَانَ الثُّلُثَ وَهُوَ عِتْقُ رَقَبَةٍ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ سِهَامِ وَصَايَاهُمْ لِأَنَّ الْعِتْقَ حِينَئِذٍ وَصِيَّةٌ وَالْوَصِيَّةُ تَنْفُذُ مِنْ الثُّلُثِ فَيَضْرِبُ كُلٌّ بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ، فَيَجْعَلُ أَوَّلًا كُلَّ رَقَبَةٍ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ (لِحَاجَتِنَا إلَى ثَلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ) فَالْخَارِجُ يَضْرِبُ بِنِصْفِ الرَّقَبَةِ وَهُوَ سَهْمَانِ، فَكَذَا الدَّاخِلُ وَيَضْرِبُ الثَّابِتُ بِثَلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ فَمَجْمُوعُ سِهَامِ الْوَصَايَا سَبْعَةٌ فَإِذَا كَانَ الثُّلُثُ سَبْعَةً كَانَ الْجَمِيعُ أَحَدًا وَعِشْرِينَ وَثُلُثَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ لَا مَحَالَةَ فَيَعْتِقُ مِنْ الْخَارِجِ سَهْمَانِ وَيَسْعَى فِي خَمْسَةٍ، وَكَذَلِكَ الدَّاخِلُ، وَيَعْتِقُ مِنْ الثَّابِتِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَيَسْعَى فِي الْأَرْبَعَةِ.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَيَضْرِبُ الْخَارِجَ بِسَهْمَيْنِ وَالثَّابِتِ بِثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ وَالدَّاخِلِ بِسَهْمٍ، فَكَانَتْ
(وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي الطَّلَاقِ وَهُنَّ غَيْرُ مَدْخُولَاتٍ وَمَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ الْبَيَانِ سَقَطَ مِنْ مَهْرِ الْخَارِجَةِ رُبُعُهُ وَمِنْ مَهْرِ الثَّابِتَةِ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِهِ وَمِنْ مَهْرِ الدَّاخِلَةِ ثُمُنُهُ)
سِهَامُ الْوَصَايَا سِتَّةً، فَإِذَا كَانَ الثُّلُثُ سِتَّةً كَانَ جَمِيعُ الْمَالِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَالْخَارِجُ يَعْتِقُ مِنْهُ سَهْمَانِ وَيَسْعَى فِي أَرْبَعَةٍ وَالثَّابِتُ يَعْتِقُ مِنْهُ ثَلَاثَةٌ وَيَسْعَى فِي ثَلَاثَةٍ، وَالدَّاخِلُ يَعْتِقُ مِنْهُ سَهْمٌ وَيَسْعَى فِي خَمْسَةٍ، فَكَانَ نَصِيبُ السِّعَايَةِ وَهُوَ نَصِيبُ الْوَرَثَةِ اثْنَيْ عَشَرَ وَسِهَامُ الْوَصَايَا سِتَّةً. فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يَعْتِقُوا وَلَا سِعَايَةَ عَلَيْهِمْ أَصْلًا أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ أَوْ لَمْ يُجِيزُوا عِنْدَهُمَا لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ لَا يَتَجَزَّأُ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْإِعْتَاقَ عِنْدَهُمَا لَا يَتَجَزَّأُ إذَا صَادَفَ مَحَلًّا مَعْلُومًا، أَمَّا إذَا كَانَ بِطَرِيقِ التَّوْزِيعِ وَالِانْقِسَامِ بِاعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ فَلَا لِأَنَّ ثُبُوتَهُ حِينَئِذٍ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَتَعَدَّى مَوْضِعَهَا.
(قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ هَذَا) أَيْ وَلَوْ كَانَ هَذَا الْكَلَامُ (فِي الطَّلَاقِ وَهُنَّ غَيْرُ مَدْخُولَاتٍ وَمَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ الْبَيَانِ سَقَطَ مِنْ مَهْرِ الْخَارِجَةِ رُبُعُهُ. وَمِنْ مَهْرِ الثَّابِتَةِ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِهِ وَمِنْ مَهْرِ الدَّاخِلَةِ ثُمُنُهُ) وَهِيَ مَسْأَلَةُ الزِّيَادَاتِ يَحْتَجُّ بِهَا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِمَا حَيْثُ اخْتَلَفَ فِيهَا نَصِيبُ الدَّاخِلَةِ وَالْخَارِجَةِ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ وَاحِدَةٌ وَالثُّمُنُ فِي الصَّدَاقِ بِمَنْزِلَةِ الرُّبُعِ مِنْ الْعَتَاقِ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِالطَّلَاقِ سُقُوطًا عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعِتْقِ ثُبُوتًا فِي الْإِيجَابِ
قِيلَ هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ رحمه الله خَاصَّةً، وَعِنْدَهُمَا يَسْقُطُ رُبُعُهُ، وَقِيلَ هُوَ قَوْلُهُمَا أَيْضًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْفَرْقَ وَتَمَامَ تَفْرِيعَاتِهَا فِي الزِّيَادَاتِ.
الثَّانِي (فَقِيلَ هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ) فَلَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِمَا لِأَنَّ عِنْدَهُمَا يَسْقُطُ رُبُعُهُ (وَقِيلَ هُوَ قَوْلُهُمَا أَيْضًا) فَلَا بُدَّ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ، وَفُرِّقَ بِأَنَّ الثَّابِتَ فِي الْعِتْقِ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ لِأَنَّهُ حِينَ تَكَلَّمَ كَانَ لَهُ حَقُّ الْبَيَانِ وَصَرْفُ الْعِتْقِ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ مِنْ الثَّابِتِ وَالْخَارِجِ، فَمَا دَامَ لَهُ حَقُّ الْبَيَانِ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَبْدَيْنِ حُرًّا مِنْ وَجْهٍ عَبْدًا مِنْ وَجْهٍ، فَإِذَا كَانَ الثَّابِتُ كَالْمُكَاتَبِ كَانَ الْكَلَامُ الثَّانِي صَحِيحًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِأَنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَالْعَبْدِ إلَّا أَنَّهُ أَصَابَ الثَّابِتُ مِنْهُ الرُّبُعَ وَالدَّاخِلُ النِّصْفَ لِمَا قُلْنَا: فَأَمَّا الثَّابِتَةُ فِي الطَّلَاقِ فَمُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مَنْكُوحَةً وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ أَجْنَبِيَّةً لِأَنَّ الْخَارِجَةَ إذَا كَانَتْ مُرَادَةً بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ كَانَتْ الثَّابِتَةُ مَنْكُوحَةً فَيَصِحُّ الْإِيجَابُ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَتْ الثَّابِتَةُ هِيَ الْمُرَادَةُ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً فَيَلْغُو الْإِيجَابُ الثَّانِي، فَجُعِلَتْ أَجْنَبِيَّةً مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَيَصِحُّ الْإِيجَابُ الثَّانِي مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَيَسْقُطُ نِصْفُ النِّصْفِ وَهُوَ الرُّبُعُ مُوَزَّعًا بَيْنَ مَهْرِ الدَّاخِلَةِ وَالثَّابِتَةِ فَيُصِيبُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الثُّمُنَ.
وَأَمَّا التَّفْرِيعَاتُ فَمِنْهَا مَا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْبَحْثِ إذَا كَانَ الْمَوْلَى وَالْعَبِيدُ أَحْيَاءً. وَمِنْهَا إذَا كَانَ الْمَوْلَى حَيًّا وَمَاتَ أَحَدُ الْعَبِيدِ، فَإِنْ مَاتَ الثَّابِتُ عَتَقَ الْخَارِجُ وَالدَّاخِلُ، أَمَّا الْخَارِجُ فَلِأَنَّ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ أَوْجَبَ عِتْقَ رَقَبَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّابِتِ فَبَطَلَتْ بِمَوْتِهِ مُزَاحَمَتُهُ، وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ الثَّانِي أَوْجَبَ عِتْقَ رَقَبَةٍ بَيْنَ الثَّابِتِ وَالدَّاخِلِ، وَبَطَلَتْ مُزَاحَمَةُ الثَّابِتِ هَذَا عِنْدَهُمَا، وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَإِنَّمَا يَعْتِقُ الْخَارِجُ لِمَا قُلْنَا، وَأَمَّا الدَّاخِلُ فَلِأَنَّ الثَّابِتَ لَمَّا تَعَيَّنَ لِلرِّقِّ بِمَوْتِهِ ظَهَرَ أَنَّ الْكَلَامَ الثَّانِيَ صَحِيحٌ بِكُلِّ حَالٍ فَصَارَ قَوْلُهُ كَقَوْلِهِمَا وَإِنْ مَاتَ الدَّاخِلُ قِيلَ لِلْمَوْلَى أَوْقِعْ الْعِتْقَ عَلَى أَيِّهِمَا شِئْت مِنْ الْخَارِجِ وَالثَّابِتِ، فَإِنْ أَوْقَعَهُ عَلَى الْخَارِجِ عَتَقَ الثَّابِتُ أَيْضًا لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا عِنْدَ الْإِيجَابِ الثَّانِي وَبَطَلَ مُزَاحَمَةُ الدَّاخِلِ بِمَوْتِهِ، وَإِنْ أَوْقَعَهُ عَلَى الثَّابِتِ لَمْ يَعْتِقْ الْخَارِجُ بِلَا شُبْهَةٍ، وَكَذَا الدَّاخِلُ لِأَنَّ الْمَضْمُومَ إلَيْهِ حُرٌّ. قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ: هَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ، فَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَيَجِبُ أَنْ يُعْتِقَ الْخَارِجَ وَالثَّابِتَ لِأَنَّ الْكَلَامَ الثَّانِيَ صَحِيحٌ تَعَيَّنَ لَهُ الثَّابِتُ بِمَوْتِ الدَّاخِلِ فَأَوْجَبَ تَعْيِينُهُ تَعَيُّنَ الْخَارِجِ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ مَاتَ الْخَارِجُ تَعَيَّنَ الثَّابِتُ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ وَبَطَلَ الْكَلَامُ الثَّانِي لِأَنَّ الْمَضْمُومَ إلَيْهِ حُرٌّ، هَذِهِ تَفْرِيعَاتُ الْعَتَاقِ.
وَأَمَّا تَفْرِيعَاتُ الطَّلَاقِ: فَمِنْهَا أَنَّ الزَّوْجَ إذَا كَانَ حَيًّا وَالنِّسْوَةُ أَحْيَاءً وَأَوْقَعَ الطَّلَاقَ الْأَوَّلَ عَلَى الْخَارِجَةِ صَحَّ الْكَلَامُ الثَّانِي، وَلَهُ الْخِيَارُ فِي تَعْيِينِ الثَّابِتَةِ أَوْ الدَّاخِلَةِ بِالثَّانِي، وَإِنْ أَوْقَعَهُ عَلَى الثَّابِتَةِ لَغَا الْكَلَامُ الثَّانِي، وَإِنْ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ الثَّانِيَ عَلَى الدَّاخِلَةِ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي تَعْيِينِ الْخَارِجَةِ أَوْ الثَّابِتَةِ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ. وَمِنْهَا أَنَّ الثَّابِتَةَ لَوْ مَاتَتْ وَالزَّوْجُ حَيٌّ طَلُقَتْ الْخَارِجَةُ وَالدَّاخِلَةُ لِمَا قُلْنَا مِنْ بُطْلَانِ الْمُزَاحَمَةِ بِمَوْتِهَا وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَهْرِ، وَإِنْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَاتَتْ الدَّاخِلَةُ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الْأُخْرَيَيْنِ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ أَوْقَعَهُ عَلَى الْخَارِجَةِ طَلُقَتْ الثَّابِتَةُ أَيْضًا لِانْعِدَامِ مُزَاحَمَةِ الدَّاخِلَةِ بِالْمَوْتِ، وَإِنْ أَوْقَعَهُ عَلَى الثَّابِتَةِ لَمْ تَطْلُقْ الْخَارِجَةُ، فَإِنْ مَاتَتْ الْخَارِجَةُ طَلُقَتْ الثَّابِتَةُ وَلَمْ تَطْلُقْ الدَّاخِلَةُ لِمَا مَرَّ فِي مَسْأَلَة الْعَتَاقِ. وَمِنْهَا أَنَّ مِيرَاثَ النِّسَاءِ وَهُوَ الرُّبُعُ أَوْ الثُّمُنُ يَنْقَسِمُ بَيْنَ الدَّاخِلَةِ وَالْأُولَيَيْنِ نِصْفَيْنِ، نِصْفُهُ لِلدَّاخِلَةِ لِأَنَّهُ لَا يُزَاحِمُهَا إلَّا إحْدَى الْأُولَيَيْنِ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ بَيْنَ الْأُولَيَيْنِ لِأَنَّ إحْدَاهُمَا لَيْسَتْ بِأَوْلَى بِهِ.
قَالَ
(وَمَنْ قَالَ لِعَبْدَيْهِ أَحَدُكُمَا حُرٌّ فَبَاعَ أَحَدَهُمَا أَوْ مَاتَ أَوْ قَالَ لَهُ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي عَتَقَ الْآخَرُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلْعِتْقِ أَصْلًا بِالْمَوْتِ وَلِلْعِتْقِ مِنْ جِهَتِهِ بِالْبَيْعِ وَلِلْعِتْقِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِالتَّدْبِيرِ فَتَعَيَّنَ لَهُ الْآخَرُ، وَلِأَنَّهُ بِالْبَيْعِ قَصَدَ الْوُصُولَ إلَى الثَّمَنِ وَبِالتَّدْبِيرِ إبْقَاءَ الِانْتِفَاعِ إلَى مَوْتِهِ، وَالْمَقْصُودَانِ
وَمَنْ قَالَ لِعَبْدَيْهِ أَحَدُكُمَا حُرٌّ) كَلَامُهُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَاضِحٌ، خَلَا أَنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلْعِتْقِ أَصْلًا بِالْمَوْتِ. أَوْرَدَ عَلَيْهِ مَا لَوْ قَالَ لِأَمَتَيْهِ إحْدَى هَاتَيْنِ ابْنَتِي أَوْ أُمُّ وَلَدِي وَمَاتَتْ إحْدَاهُمَا لَمْ تَتَعَيَّنْ الْحُرِّيَّةُ وَالِاسْتِيلَادُ
يُنَافِيَانِ الْعِتْقَ الْمُلْتَزَمَ فَتَعَيَّنَ لَهُ الْآخَرُ دَلَالَةً وَكَذَا إذَا اسْتَوْلَدَ إحْدَاهُمَا لِلْمَعْنَيَيْنِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ مَعَ الْقَبْضِ وَبِدُونِهِ وَالْمُطْلَقِ وَبِشَرْطِ الْخِيَارِ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لِإِطْلَاقِ جَوَابِ الْكِتَابِ وَالْمَعْنَى مَا قُلْنَا، وَالْعَرْضُ عَلَى الْبَيْعِ مُلْحَقٌ بِهِ فِي الْمَحْفُوظِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَالْهِبَةُ وَالتَّسْلِيمُ وَالصَّدَقَةُ وَالتَّسْلِيمُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ؛.
فِي الْحَيَّةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَيْسَ بِإِيقَاعٍ بِصِيغَتِهِ بَلْ هُوَ إخْبَارٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ بِهَذَا عَنْ الْمَيِّتِ وَالْحَيِّ فَيَرْجِعَ إلَى بَيَانِ الْمَوْلَى وَأَمَّا الْإِنْشَاءُ فَلَا يَصِحُّ إلَّا فِي الْحَيِّ، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا لِلْحُرِّيَّةِ إذَا مَاتَ الْآخَرُ لِأَنَّ الْبَيَانَ قَائِمٌ بِوَصْفَيْنِ، بِوَصْفِ الْإِنْشَاءِ، وَبِوَصْفِ الْإِظْهَارِ، وَهَذَا لِأَنَّ قَوْلَهُ أَحَدُكُمَا حُرٌّ لَا يُثْبِتُ الْعِتْقَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ، وَلِهَذَا قِيلَ فِيهِ الْعِتْقُ غَيْرُ ثَابِتٍ، فَبِالنَّظَرِ إلَى هَذَا يَكُونُ الْبَيَانُ إنْشَاءً، وَمِنْ حَيْثُ إنَّ الْعِتْقَ لَا يَعْدُوهُمَا كَانَ الْبَيَانُ إظْهَارًا، وَلِهَذَا يُعْتَبَرُ الْبَيَانُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ إنْ كَانَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ لِوُجُودِ الْعِتْقِ الْمُبْهَمِ فِي الصِّحَّةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّمَا يَصِحُّ الْبَيَانُ فِي مَحَلٍّ يَحْتَمِلُ الْإِنْشَاءَ وَالْمَيِّتُ لَا يَحْتَمِلُ الْإِنْشَاءَ فَتَعَيَّنَ الْآخَرُ لِلْعِتْقِ ضَرُورَةً.
وَقَوْلُهُ (وَكَذَا إذَا اسْتَوْلَدَ إحْدَاهُمَا) يَعْنِي إذَا وَطِئَ إحْدَاهُمَا فَعَلِقَتْ مِنْهُ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، فَمِنْ ضَرُورَةِ صِحَّةِ أُمَيَّةِ الْوَلَدِ وَاسْتِحْقَاقِ الْعِتْقِ بِهَا انْتِفَاءُ الْعِتْقِ الْمُنَجَّزِ عَنْهَا، وَإِذَا انْتَفَى عَنْ إحْدَاهُمَا تَعَيَّنَ فِي الْأُخْرَى لِزَوَالِ الْمُزَاحَمَةِ. وَقَوْلُهُ (لِلْمَعْنَيَيْنِ) يَعْنِي عَدَمَ مَحَلِّيَّةِ الْعِتْقِ بِالِاسْتِيلَادِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَإِبْقَاءَ الِانْتِفَاعِ إلَى مَوْتِهِ (وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ مَعَ الْقَبْضِ وَبِدُونِهِ وَ) (الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ) عَنْ الْخِيَارِ (وَ) الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ (لِإِطْلَاقِ جَوَابِ الْكِتَابِ) يَعْنِي الْجَامِعَ الصَّغِيرَ حَيْثُ قَالَ فِيهِ بَاعَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِشَيْءٍ (وَالْمَعْنَى مَا قُلْنَا) وَهُوَ أَنَّهُ قَصَدَ الْوُصُولَ إلَى الثَّمَنِ وَالْوُصُولُ إلَيْهِ يُنَافِي الْعِتْقَ فَتَعَيَّنَ الْآخَرُ لَهُ (وَالْعَرْضُ عَلَى الْبَيْعِ مُلْحَقٌ بِالْبَيْعِ فِي الْمَحْفُوظِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ) رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: إذَا سَاوَمَ أَحَدَهُمَا كَانَ بَيَانًا: يَعْنِي لِتَعَيُّنِ الْعِتْقِ فِي الْآخَرِ قِيلَ مِثْلُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا سُمِعَ وَحُفِظَ وَلَمْ تَثْبُتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ مَكْتُوبَةً.
وَقَوْلُهُ (وَالْهِبَةُ وَالتَّسْلِيمُ وَالصَّدَقَةُ وَالتَّسْلِيمُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ) قِيلَ التَّسْلِيمُ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ تَأْكِيدًا لِأَنَّ مُحَمَّدًا رحمه الله ذَكَرَ فِي الْإِمْلَاءِ: إذَا وَهَبَ أَحَدَهُمَا وَأَقْبَضَهُ أَوْ تَصَدَّقَ وَأَقْبَضَ
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ ثُمَّ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا لِمَا قُلْنَا، وَكَذَلِكَ لَوْ وَطِئَ إحْدَاهُمَا لِمَا نُبَيِّنُ (وَلَوْ قَالَ لِأَمَتَيْهِ إحْدَاكُمَا حُرَّةٌ ثُمَّ جَامَعَ إحْدَاهُمَا) لَمْ تَعْتِقْ الْأُخْرَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله. وَقَالَا تَعْتِقُ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَحِلُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ وَإِحْدَاهُمَا حُرَّةٌ فَكَانَ بِالْوَطْءِ مُسْتَبْقِيًا الْمِلْكَ فِي الْمَوْطُوءَةِ فَتَعَيَّنَتْ الْأُخْرَى لِزَوَالِهِ بِالْعِتْقِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَلَهُ أَنَّ الْمِلْكَ قَائِمٌ فِي الْمَوْطُوءَةِ لِأَنَّ الْإِيقَاعَ فِي الْمُنَكَّرَةِ وَهِيَ مُعَيَّنَةٌ فَكَانَ وَطْؤُهَا حَلَالًا فَلَا يُجْعَلُ بَيَانًا وَلِهَذَا حَلَّ وَطْؤُهُمَا عَلَى مَذْهَبِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُفْتِي بِهِ،
عَتَقَ الْآخَرُ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ يُعَيِّنُ الْآخَرَ لِلْعِتْقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَ، فَكَذَلِكَ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ بِدُونِ الْقَبْضِ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّعْيِينَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِوُجُودِ تَصَرُّفٍ يَخْتَصُّ بِالْمِلْكِ وَقَدْ وُجِدَ.
(وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ ثُمَّ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا لِمَا بَيَّنَّا) أَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلْعِتْقِ فَكَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ فَتُعَيَّنُ الْأُخْرَى لَهُ (وَكَذَا لَوْ وَطِئَ إحْدَاهُمَا لِمَا نُبَيِّنُ) فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ (وَلَوْ قَالَ لِأَمَتَيْهِ إحْدَاكُمَا حُرَّةٌ ثُمَّ جَامَعَ إحْدَاهُمَا لَمْ تَعْتِقْ الْأُخْرَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: تَعْتِقُ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَحِلُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ وَإِحْدَاهُمَا حُرَّةٌ) لَا مِلْكَ فِيهَا فَالْوَطْءُ لَا يَحِلُّ فِيهَا، فَإِذَا وَطِئَ إحْدَاهُمَا جُعِلَ مُسْتَبْقِيًا لِلْمِلْكِ فِيهَا لِيَقَعَ الْوَطْءُ حَلَالًا حَمْلًا لِأَمْرِهِ عَلَى الصَّلَاحِ، فَإِذَا تَعَيَّنَتْ تِلْكَ لِلْمِلْكِ تَعَيَّنَتْ الْأُخْرَى لِزَوَالِهِ بِالْعِتْقِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ الْمِلْكَ قَائِمٌ فِي الْمَوْطُوءَةِ) أَيْ فِي الَّتِي تُوطَأُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَإِذَا كَانَ الْمِلْكُ قَائِمًا كَانَ وَطْؤُهَا حَلَالًا، أَمَّا أَنَّ الْمِلْكَ قَائِمٌ فَلِأَنَّ إيقَاعَ الْعِتْقِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُنْكِرَةِ (وَهِيَ) أَيْ الْمَوْطُوءَةُ غَيْرُ مُنْكِرَةٍ بَلْ هِيَ (مَعْنِيَّةٌ) فَلَا يَكُونُ الْإِيقَاعُ فِيهَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْإِيقَاعُ فِيهَا لَا يَكُونُ الْمِلْكُ عَنْهَا زَائِلًا، وَأَمَّا أَنَّ الْمِلْكَ إذَا كَانَ قَائِمًا كَانَ الْوَطْءُ حَلَالًا فَظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانٍ، وَإِذَا كَانَ الْوَطْءُ حَلَالًا لَمْ يَكُنْ بَيَانًا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ (وَلِهَذَا حَلَّ وَطْؤُهُمَا عَلَى مَذْهَبِهِ) وَهَذَا فِي غَايَةِ الدِّقَّةِ وَيَلُوحُ مِنْهُ سِيَّمَا التَّحْقِيقُ (إلَّا أَنَّهُ لَا يُفْتَى بِهِ) قِيلَ لِأَنَّ الْمُنْكِرَةَ الَّتِي يَثْبُتُ فِيهَا الْعِتْقُ لَا تَخْلُو عَنْهُمَا، وَمَبْنَى الْحِلِّ
ثُمَّ يُقَالُ الْعِتْقُ غَيْرُ نَازِلٍ قَبْلَ الْبَيَانِ لِتَعَلُّقِهِ بِهِ أَوْ يُقَالُ نَازِلٌ فِي الْمُنَكَّرَةِ فَيَظْهَرُ فِي حَقِّ حُكْمِ تَقَبُّلِهِ وَالْوَطْءُ يُصَادِفُ الْمُعَيَّنَةَ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ مِنْ النِّكَاحِ الْوَلَدُ، وَقَصْدُ الْوَلَدِ بِالْوَطْءِ يَدُلُّ عَلَى اسْتِبْقَاءِ الْمِلْكِ فِي الْمَوْطُوءَةِ صِيَانَةً لِلْوَلَدِ، أَمَّا الْأَمَةُ فَالْمَقْصُودُ مِنْ وَطْئِهَا قَضَاءُ الشَّهْوَةِ دُونَ الْوَلَدِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِبْقَاءِ
وَالْحُرْمَةِ عَلَى الِاحْتِيَاطِ، وَهُوَ فَاسِدٌ لِأَنَّ فِيهِ تَلْوِيحًا إلَى تَرْكِ أَبِي حَنِيفَةَ الِاحْتِيَاطَ، وَأَرَى أَنَّهُ لَا يُفْتَى بِهِ لِئَلَّا يُتَّخَذَ مَغْمَزًا لِأَبِي حَنِيفَةَ بِتَرْكِ الِاحْتِيَاطِ. فَإِنْ قِيلَ: الْعِتْقُ إمَّا أَنْ يَكُونَ نَازِلًا أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ نَازِلٍ كَانَ إهْمَالًا لِلَّفْظِ عَنْ مَدْلُولِهِ، وَإِنْ كَانَ نَازِلًا لَا يَجُوزُ وَطْؤُهُمَا. أَجَابَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشِّقَّيْنِ فَقَالَ عَلَى الشِّقِّ الثَّانِي (ثُمَّ يُقَالُ الْعِتْقُ غَيْرُ نَازِلٍ قِيلَ الْبَيَانُ لِتَعَلُّقِهِ بِهِ) أَيْ لِتَعَلُّقِ الْعِتْقِ بِالْبَيَانِ فَكَانَ كَالْعِتْقِ الْمُعَلَّقِ بِدُخُولِ الدَّارِ وَهُوَ غَيْرُ نَازِلٍ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَكَذَا هَذَا، وَقَالَ عَلَى الشِّقِّ الْأَوَّلِ (أَوْ يُقَالُ نَازِلٌ) أَيْ الْعِتْقُ نَازِلٌ (فِي الْمُنْكِرَةِ فَيَظْهَرُ فِي حَقِّ حُكْمٍ تَقْبَلُهُ) كَالْبَيْعِ فَإِنَّ الْمُنْكِرَ يَقْبَلُهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَ أَحَدَ الْعَبْدَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ فِيهِمَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ (وَالْوَطْءُ) لَا تَقْبَلُهُ الْمُنْكِرَةُ لِأَنَّهُ (يُصَادِفُ الْمُعَيَّنَةَ) إذْ هُوَ أَمْرٌ حِسِّيٌّ لَا يَقَعُ إلَّا فِي الْمُعَيَّنِ، وَوَطْءُ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلَا يَكُونُ الْوَطْءُ بَيَانًا فِي الْأُخْرَى. فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ وَقَعَ بَيَانًا فِي الطَّلَاقِ؟ أَجَابَ بِقَوْلِهِ (بِخِلَافِ الطَّلَاقِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ مِنْ النِّكَاحِ الْوَلَدُ، وَقَصْدُ الْوَلَدِ بِالْوَطْءِ يَدُلُّ عَلَى اسْتِبْقَاءِ الْمِلْكِ فِي الْمَوْطُوءَةِ صِيَانَةً لِلْوَلَدِ أَمَّا الْأَمَةُ فَالْمَقْصُودُ مِنْ وَطْئِهَا قَضَاءُ الشَّهْوَةِ دُونَ الْوَلَدِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِبْقَاءِ) وَهَذَا عَلَى طَرِيقَةِ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ اخْتَارَ جِوَارَهُ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الْمَخْلَصِ الْمَعْرُوفِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي التَّقْرِيرِ أَوْ فِي تَقْرِيرٍ.
(وَمَنْ قَالَ لِأَمَتِهِ إنْ كَانَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ غُلَامًا فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَوَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً وَلَا يَدْرِي أَيَّهمَا وُلِدَ أَوَّلًا عَتَقَ نِصْفُ الْأُمِّ وَنِصْفُ الْجَارِيَةِ وَالْغُلَامُ عَبْدٌ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَعْتِقُ فِي حَالٍ وَهُوَ مَا إذَا وَلَدَتْ الْغُلَامَ أَوَّلَ مَرَّةٍ
قَالَ (وَمَنْ قَالَ لِأَمَتِهِ إنْ كَانَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ غُلَامًا فَأَنْتِ حُرَّةٌ) كَلَامُهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ وَاضِحٌ. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ
الْأُمُّ بِشَرْطٍ وَالْجَارِيَةُ لِكَوْنِهَا تَبَعًا لَهَا، إذْ الْأُمُّ حُرَّةٌ حِينَ وَلَدَتْهَا، وَتَرِقُّ فِي حَالٍ وَهُوَ مَا إذَا وَلَدَتْ الْجَارِيَةَ أَوَّلًا لِعَدَمِ الشَّرْطِ فَيَعْتِقُ نِصْفُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَتَسْعَى فِي النِّصْفِ، أَمَّا الْغُلَامُ يَرِقُّ فِي الْحَالَيْنِ فَلِهَذَا يَكُونُ عَبْدًا،
فِي الْمَبْسُوطِ وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ رحمه الله فِي الْكَيْسَانِيَّاتِ هَذَا الْجَوَابُ الَّذِي ذُكِرَ لَيْسَ جَوَابَ هَذَا الْفَصْلِ، بَلْ فِي هَذَا الْفَصْلِ لَا يُحْكَمُ بِعِتْقِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ يَحْلِفُ الْمَوْلَى بِاَللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا وَلَدَتْ الْغُلَامَ أَوَّلًا، فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فَنُكُولُهُ كَإِقْرَارِهِ، وَإِنْ حَلَفَ فَهُمْ أَرِقَّاءٌ. وَأَمَّا جَوَابُ الْكِتَابِ فَفِي فَصْلٍ آخَرَ، وَهُوَ مَا إذَا قَالَ الْمَوْلَى لِأَمَتِهِ إنْ كَانَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ غُلَامًا فَأَنْتِ حُرَّةٌ، وَإِنْ كَانَ جَارِيَةً فَهِيَ حُرَّةٌ، فَوَلَدَتْهُمَا جَمِيعًا وَلَا يَدْرِي أَيُّهُمَا أَوَّلُ فَالْغُلَامُ رَقِيقٌ وَالِابْنَةُ حُرَّةٌ، وَيَعْتِقُ نِصْفُ الْأُمِّ لِأَنَّهَا إنْ وَلَدَتْ الْغُلَامَ أَوَّلًا فَهِيَ حُرَّةٌ وَالْغُلَامُ رَقِيقٌ، وَإِنْ وَلَدَتْ الْجَارِيَةَ أَوَّلًا فَالْجَارِيَةُ حُرَّةٌ وَالْغُلَامُ وَالْأُمُّ رَقِيقَانِ، فَالْأُمُّ تَعْتِقُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ، فَيَعْتِقُ نِصْفُهَا وَالْغُلَامُ عَبْدٌ بِيَقِينٍ وَالْجَارِيَةُ حُرَّةٌ بِيَقِينٍ إمَّا بِعِتْقِ نَفْسِهَا وَإِمَّا بِعِتْقِ الْأُمِّ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكَيْسَانِيَّاتِ هُوَ الصَّحِيحُ لِمَا أَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي لَمْ يَتَيَقَّنْ بِوُجُودِهِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ فِي طَرَفٍ وَاحِدٍ كَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ مَنْ يُنْكِرُ وُجُودَهُ بِالْيَمِينِ، كَمَا إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ غَدًا فَأَنْتَ حُرٌّ فَمَضَى الْغَدُ وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ دَخَلَ الدَّارَ أَمْ لَا لَا يَعْتِقُ لِأَنَّهُ وَقَعَ الشَّكُّ فِي شَرْطِ الْعِتْقِ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي شَرْطِ الْعِتْقِ وَهُوَ وِلَادَةُ الْغُلَامِ أَوَّلًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ الشَّرْطُ مَذْكُورًا فِي طَرَفَيْ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ كَانَ أَحَدُهُمَا مَوْجُودًا لَا مَحَالَةَ فَحِينَئِذٍ يَحْتَاجُ إلَى اعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ كَمَا
وَإِنْ ادَّعَتْ الْأُمُّ أَنَّ الْغُلَامَ هُوَ الْمَوْلُودُ أَوَّلًا وَأَنْكَرَ الْمَوْلَى وَالْجَارِيَةُ صَغِيرَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ الْيَمِينِ لِإِنْكَارِهِ شَرْطَ الْعِتْقِ، فَإِنْ حَلَفَ يَعْتِقُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ نَكَلَ عَتَقَتْ الْأُمُّ وَالْجَارِيَةُ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْأُمِّ حُرِّيَّةَ الصَّغِيرَةِ مُعْتَبَرَةٌ لِكَوْنِهَا نَفْعًا مَحْضًا فَاعْتُبِرَ النُّكُولُ فِي حَقِّ حُرِّيَّتِهِمَا فَعَتَقَتَا، وَلَوْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ كَبِيرَةً وَلَمْ تَدَّعِ شَيْئًا وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا عَتَقَتْ الْأُمُّ بِنُكُولِ الْمَوْلَى خَاصَّةً دُونَ الْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْأُمِّ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي حَقِّ الْجَارِيَةِ الْكَبِيرَةِ، وَصِحَّةُ النُّكُولِ تُبْتَنَى عَلَى الدَّعْوَى فَلَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِّ الْجَارِيَةِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَلَوْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ الْكَبِيرَةُ هِيَ الْمُدَّعِيَةُ لِسَبْقِ وِلَادَةِ الْغُلَامِ وَالْأُمُّ سَاكِتَةٌ يَثْبُتُ عِتْقُ الْجَارِيَةِ بِنُكُولِ الْمَوْلَى دُونَ الْأُمِّ لِمَا قُلْنَا، وَالتَّحْلِيفُ عَلَى الْعِلْمِ فِيمَا ذَكَرْنَا لِأَنَّهُ اسْتِحْلَافٌ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ، وَبِهَذَا الْقَدْرِ يُعْرَفُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ
فِي مَسْأَلَةِ الْكَيْسَانِيَّاتِ. وَقَوْلُهُ (وَبِهَذَا الْقَدْرِ يُعْرَفُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْوُجُوهِ فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى) قِيلَ هِيَ سِتَّةُ أَوْجُهٍ فَصَّلُوهَا فِي شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ:
أَحَدُهَا أَنْ يَتَصَادَقُوا أَنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ أَيُّهُمَا وُلِدَ أَوَّلًا وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ أَوَّلًا، وَجَوَابُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِيهِ أَنْ يَعْتِقَ نِصْفُ الْأُمِّ وَالْجَارِيَةِ وَيُسْتَسْعَيَانِ فِي النِّصْفِ وَالْغُلَامُ رَقِيقٌ لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.
وَالثَّانِي أَنْ تَدَّعِيَ الْأُمُّ أَنَّ الْغُلَامَ هُوَ الْمَوْلُودُ أَوَّلًا وَيُنْكِرُ الْمَوْلَى ذَلِكَ وَالْجَارِيَةُ صَغِيرَةٌ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ ثَانِيًا؛ وَجَوَابُهُ وَوَجْهُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ.
وَالثَّالِثُ أَنْ تَدَّعِيَ الْأُمُّ أَنَّ الْغُلَامَ أَوَّلٌ وَالْجَارِيَةَ كَبِيرَةٌ وَلَمْ تَدَّعِ شَيْئًا وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ ثَالِثًا؛ وَجَوَابُهُ وَوَجْهُهُ مَا ذَكَرَهُ أَيْضًا فِيهِ.
وَالرَّابِعُ أَنْ تَدَّعِيَ الْجَارِيَةُ وَهِيَ كَبِيرَةٌ وَالْأُمُّ سَاكِتَةٌ أَنَّ الْغُلَامَ وُلِدَ أَوَّلًا وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ رَابِعًا بِجَوَابِهِ وَوَجْهِهِ.
وَالْخَامِسُ أَنْ يَتَصَادَقُوا أَنَّ الْجَارِيَةَ هِيَ الَّتِي وُلِدَتْ أَوَّلًا وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لِعَدَمِ شَرْطِ الْعِتْقِ.
وَالسَّادِسُ أَنْ يَتَصَادَقُوا أَنَّ الْغُلَامَ وُلِدَ أَوَّلًا، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْأُمَّ تَعْتِقُ لِوُجُودِ شَرْطِ الْعِتْقِ وَكَذَلِكَ الْجَارِيَةُ تَبَعًا لِلْأُمِّ، وَالْغُلَامُ عَبْدًا لِأَنَّهُ قَدْ انْفَصَلَ عَنْ الْأُمِّ فِي حَالِ الرِّقِّ لِكَوْنِ وِلَادَتِهِ شَرْطَ عِتْقِهَا وَالشَّرْطُ يَسْبِقُ الْمَشْرُوطَ فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ تَابِعًا لَهَا
الْوَجْهِ فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى
قَالَ (وَإِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي وَصِيَّةٍ) اسْتِحْسَانًا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْعَتَاقِ (وَإِنْ شُهِدَ أَنَّهُ طَلَّقَ إحْدَى نِسَائِهِ جَازَتْ الشَّهَادَةُ وَيُجْبَرُ الزَّوْجُ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ إحْدَاهُنَّ) وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: الشَّهَادَةُ فِي الْعِتْقِ مِثْلُ ذَلِكَ) وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى عِتْقِ الْعَبْدِ لَا تُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى الْعَبْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله، وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى عِتْقِ الْأَمَةِ وَطَلَاقِ الْمَنْكُوحَةِ مَقْبُولَةٌ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى بِالِاتِّفَاقِ وَالْمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ.
فِيهِ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَذْكُرْهُمَا فِي الْكِتَابِ لِظُهُورِهِمَا.
قَالَ (وَإِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ) الشَّهَادَةُ عَلَى طَلَاقِ إحْدَى نِسَائِهِ جَائِزَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَيُجْبَرُ عَلَى الْبَيَانِ وَعَلَى إعْتَاقِ أَحَدِ عَبْدَيْهِ، كَذَلِكَ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هِيَ بَاطِلَةٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ فِي وَصِيَّةٍ اسْتِحْسَانًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ (وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى عِتْقِ الْعَبْدِ لَا تُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى عِتْقِ الْأَمَةِ وَطَلَاقِ الْمَنْكُوحَةِ مَقْبُولَةٌ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى بِالِاتِّفَاقِ) وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْحُكْمُ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ عِنْدَهُ وَمِنْ حُقُوقِ الشَّرْعِ عِنْدَهُمَا. وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى قَبُولِ الْعَبْدِ وَلَا يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ بِهِ وَيَصِحُّ إيجَابُهُ فِي الْمَجْهُولِ وَكُلُّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ حَقُّ الشَّرْعِ.
وَوَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الْإِعْتَاقَ إثْبَاتُ قُوَّةِ الْمَالِكِيَّةِ وَفِيهِ انْتِفَاءُ ذُلِّ الرِّقِّ وَالْمَمْلُوكِيَّة وَكُلُّ ذَلِكَ حَقُّ الْعَبْدِ لَا مَحَالَةَ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُودُ بِهِ وَلَا يُعْتَبَرُ بِغَيْرِهِ لِكَوْنِهِ مِنْ ثَمَرَاتِهِ، فَمَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ فِيهِ بِدُونِ الدَّعْوَى، وَمَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الشَّرْعِ تُقْبَلُ بِدُونِهَا، وَعِتْقُ الْأَمَةِ مِنْ حُقُوقِهِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِالِاتِّفَاقِ فَلِذَلِكَ تُقْبَلُ بِدُونِهَا وَذَلِكَ لِأَنَّ عِتْقَهَا يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَ فَرْجِهَا عَلَى مَوْلَاهَا، وَذَلِكَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الشَّرْعِ فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ فِيهِ كَالشَّهَادَةِ بِهِلَالِ رَمَضَانَ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَاكْتَفَى بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ لِكَوْنِ خَبَرِ الْوَاحِدِ حُجَّةً فِي الْأَمْرِ الدِّينِيِّ وَلَمَا قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى عِتْقِ أَمَةٍ وَهِيَ أُخْتُ مَوْلَاهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ إذَا جَحَدَتْهُ، إذْ لَيْسَ فِيهَا تَحْرِيمُ الْفَرْجِ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ ثَابِتٌ بِحُكْمِ الرَّضَاعِ قَبْلَ شَهَادَتِهِمَا بِالْإِعْتَاقِ.
أُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ فِي الْأَمْرِ الدِّينِيِّ إذَا لَمْ تَقَعْ الْحَاجَةُ إلَى إلْزَامِ الْمُنْكِرِ، وَهَاهُنَا وَقَعَتْ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الزِّنَا لِأَنَّ فِعْلَ الْمَوْلَى بِهَا قَبْلَ الْعِتْقِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَبَعْدَهُ يُوجِبُهُ لِكَوْنِ بُضْعِهَا مَمْلُوكًا لِلْمَوْلَى وَإِنْ كَانَ هُوَ مَمْنُوعًا عَنْ وَطْئِهَا بِالْمَحْرَمِيَّةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَازَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَبَدَلُ بُضْعِهَا يَكُونُ لَهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ فِيهِ تَحْرِيمُ الْفَرْجِ، وَإِذَا ثَبَتَ الْأَصْلُ
وَإِذَا كَانَ دَعْوَى الْعَبْدِ شَرْطًا عِنْدَهُ لَمْ تَتَحَقَّقْ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى مِنْ الْمَجْهُولِ لَا تَتَحَقَّقُ فَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ. وَعِنْدَهُمَا لَيْسَ بِشَرْطٍ فَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ وَإِنْ انْعَدَمَ الدَّعْوَى.
أَمَّا فِي الطَّلَاقِ فَعَدَمُ الدَّعْوَى لَا يُوجِبُ خَلَلًا فِي الشَّهَادَةِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِيهَا. وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ إحْدَى أَمَتَيْهِ لَا تُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الدَّعْوَى شَرْطًا فِيهَا لِأَنَّهُ إنَّمَا لَا تُشْتَرَطُ الدَّعْوَى لِمَا أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَ الْفَرْجِ فَشَابَهُ الطَّلَاقَ، وَالْعِتْقُ الْمُبْهَمُ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ الْفَرْجِ عِنْدَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَصَارَ كَالشَّهَادَةِ عَلَى عِتْقِ أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ.
تَبَيَّنَ وَجْهُ الِاخْتِلَافِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَإِذَا كَانَ دَعْوَى الْعَبْدِ شَرْطًا عِنْدَهُ) إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ الدَّعْوَى مِنْ الْمَجْهُولِ لَا تَتَحَقَّقُ) قِيلَ عَلَيْهِ إذَا ادَّعَيَا ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ تُقْبَلَ الْبَيِّنَةُ لِأَنَّ الدَّعْوَى حَصَلَتْ مِنْ مُعَيَّنٍ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ، فَدَعْوَاهُمَا دَعْوَى غَيْرِ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَبِأَنَّ الدَّعْوَى حِينَئِذٍ لَا تَكُونُ مُطَابِقَةً لِلشَّهَادَةِ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ لَا عَلَى الْعَبْدَيْنِ. قَوْلُهُ (وَلَوْ شَهِدَ أَنَّهُ أَعْتَقَ إحْدَى أَمَتَيْهِ) كَصُورَةِ نَقْضٍ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الدَّعْوَى لَيْسَتْ شَرْطًا فِي حَقِّ الْأَمَةِ وَلَمْ تُسْمَعْ الْبَيِّنَةُ هَاهُنَا. وَوَجْهُ دَفْعِهِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّهُ إنَّمَا لَا تُشْتَرَطُ الدَّعْوَى لِمَا أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَ الْفَرْجِ فَشَابَهَ الطَّلَاقَ، وَالْعِتْقُ الْمُبْهَمُ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ الْفَرْجِ عِنْدَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ) يَعْنِي قَوْلَهُ لَهُ أَنَّ الْمِلْكَ قَائِمٌ فِي الْمَوْطُوءَةِ إلَى قَوْلِهِ وَلِهَذَا حَلَّ وَطْؤُهُمَا، وَمَعْنَى قَوْلِهِ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَ الْفَرْجِ أَنَّ الْعِتْقَ إذَا حَصَلَ اسْتَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ بَعْدَهُ زِنًا.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ عِتْقَ الْعَبْدِ الْمُعَيَّنِ يَسْتَلْزِمُ تَحْرِيمَ اسْتِرْقَاقِهِ، وَذَلِكَ أَيْضًا حَقُّ اللَّهِ فَوَجَبَ أَنْ تُسْتَغْنَى الشَّهَادَةُ فِيهِ عَنْ الدَّعْوَى. وَالْجَوَابُ أَنَّ لَازِمَ عِتْقِهَا مِنْ أَعْظَمِ الْكَبَائِرِ وَلَازَمَ عِتْقِهِ حُرْمَةٌ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهَا الشَّرْعُ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْكَبَائِرِ فَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا خَطَأٌ.
وَهَذَا كُلُّهُ إذَا شَهِدَا فِي صِحَّتِهِ عَلَى أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ.
أَمَّا إذَا شَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَوْ شَهِدَا عَلَى تَدْبِيرِهِ فِي صِحَّتِهِ أَوْ فِي مَرَضِهِ وَأَدَاءُ الشَّهَادَةِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَوْ بَعْدَ الْوَفَاةِ تُقْبَلُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ حَيْثُمَا وَقَعَ وَصِيَّةً، وَكَذَا الْعِتْقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَصِيَّةٌ، وَالْخَصْمُ فِي الْوَصِيَّةِ إنَّمَا هُوَ الْمُوصِي وَهُوَ مَعْلُومٌ. وَعَنْهُ خَلَفٌ وَهُوَ الْوَصِيُّ أَوْ الْوَارِثُ، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ يَشِيعُ بِالْمَوْتِ فِيهِمَا فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَصْمًا مُتَعَيَّنًا.
وَقَوْلُهُ (أَمَّا إذَا شَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ) بَيَانُ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ فِي وَصِيَّةٍ اسْتِحْسَانًا. وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ التَّدْبِيرَ حَيْثُمَا وَقَعَ وَقَعَ وَصِيَّةً) يَعْنِي سَوَاءٌ وَقَعَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ أَوْ فِي حَالِ الْمَرَضِ. وَلِلِاسْتِحْسَانِ وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ: أَحَدُهُمَا أَنَّ التَّدْبِيرَ مُطْلَقًا وَالْعِتْقَ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ (وَالْخَصْمُ فِي الْوَصِيَّةِ إنَّمَا هُوَ الْمُوصِي) لِأَنَّ تَنْفِيذَ الْوَصَايَا حَقُّ الْمَيِّتِ فَكَانَ الْمَيِّتُ مُدَّعِيًا تَقْدِيرًا (وَعَنْهُ خَلَفٌ وَهُوَ الْوَصِيُّ أَوْ الْوَارِثُ) فَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ وَالثَّانِي أَنَّ الْعِتْقَ يَشِيعُ بِالْمَوْتِ فِيهِمَا لِأَنَّهُ أَوْجَبَ الْعِتْقَ فِي أَحَدِهِمَا فِي حَالِ عَجْزِهِ عَنْ الْبَيَانِ فَكَانَ إيجَابًا لَهُمَا وَلِهَذَا يَعْتِقُ نِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَصْمًا مُتَعَيِّنًا) وَلَمْ يَذْكُرْ وَجْهَ الْقِيَاسِ، وَهُوَ أَنَّ الْمَقْضِيَّ لَهُ مَجْهُولٌ وَالدَّعْوَى مِنْ الْمَجْهُولِ لِظُهُورِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ.
وَلَوْ شَهِدَا بَعْدَ مَوْتِهِ أَنَّهُ قَالَ فِي صِحَّتِهِ أَحَدُكُمَا حُرٌّ فَقَدْ قِيلَ: لَا تُقْبَلُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَصِيَّةٍ. وَقِيلَ تُقْبَلُ لِلشُّيُوعِ هُوَ الصَّحِيحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ شَهِدَا بَعْدَ مَوْتِهِ أَنَّهُ قَالَ فِي صِحَّتِهِ أَحَدُكُمَا حُرٌّ) قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: لَا نَصَّ فِيهِ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ مَشَايِخُنَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ (لَا تُقْبَلُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَصِيَّةٍ) حَتَّى يَكُونَ الْخَصْمُ هُوَ الْمُوصِي وَهُوَ مَعْلُومٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُقْبَلُ لِشُيُوعِ الْعِتْقِ فِيهِمَا، فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَصْمًا مُتَعَيَّنًا فَكَانَتْ دَعْوَاهُمَا صَحِيحَةً وَهُوَ يَقْتَضِي قَبُولَ الشَّهَادَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بَابُ الْحَلِفِ بِالْعِتْقِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(وَمَنْ قَالَ إذَا دَخَلْت الدَّارَ فَكُلُّ مَمْلُوكٍ لِي يَوْمَئِذٍ فَهُوَ حُرٌّ وَلَيْسَ لَهُ مَمْلُوكٌ فَاشْتَرَى مَمْلُوكًا ثُمَّ دَخَلَ عَتَقَ) لِأَنَّ قَوْلَهُ يَوْمَئِذٍ تَقْدِيرُهُ يَوْمَ إذْ دَخَلْت، إلَّا أَنَّهُ أَسْقَطَ الْفِعْلَ وَعَوَّضَهُ بِالتَّنْوِينِ فَكَانَ الْمُعْتَبَرُ قِيَامَ الْمِلْكِ وَقْتَ الدُّخُولِ وَكَذَا لَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ يَوْمَ حَلَفَ عَبْدٌ فَبَقِيَ عَلَى مِلْكِهِ حَتَّى دَخَلَ عَتَقَ لِمَا قُلْنَا.
قَالَ (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَالَ فِي يَمِينِهِ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَعْتِقْ)
بَابُ الْحَلِفِ بِالْعِتْقِ:
الْحَلِفُ بِالْعِتْقِ هُوَ أَنْ يَجْعَلَ الْعِتْقَ جُزْءَ الشَّرْطِ وَلَمَّا كَانَ الْمُعَلَّقُ قَاصِرًا فِي السَّبَبِيَّةِ أَخَّرَ التَّعْلِيقَ عَنْ التَّنْجِيزِ. قَوْلُهُ (وَمَنْ قَالَ إذَا دَخَلْت الدَّارَ) ظَاهِرٌ. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ لَا يَعْتِقَ عَلَيْهِ مَا يَشْتَرِيهِ بَعْدَ الْيَمِينِ وَإِنْ قَالَ يَوْمئِذٍ لِأَنَّهُ مَا أَضَافَ الْعِتْقَ إلَى الْمِلْكِ وَلَا إلَى سَبَبِهِ فَكَانَ كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِ الْغَيْرِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَاشْتَرَاهُ ثُمَّ دَخَلَ الدَّارَ فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ لِذَلِكَ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ وُجِدَتْ الْإِضَافَةُ إلَى الْمِلْكِ دَلَالَةً لِأَنَّ قَوْلَهُ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي يَوْمئِذٍ مَعْنَاهُ إنْ مَلَكْت مَمْلُوكًا وَقْتَ دُخُولِي الدَّارَ فَهُوَ حُرٌّ، بِخِلَافِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ الْإِضَافَةُ فِيهَا لَا صَرِيحًا وَلَا دَلَالَةً. وَقَوْلُهُ (لِمَا قُلْنَا) يُرِيدُ بِهِ قَوْلَهُ فَكَانَ الْمُعْتَبَرُ قِيَامَ الْمِلْكِ وَقْتَ الدُّخُولِ.
لِأَنَّ قَوْلَهُ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي لِلْحَالِ وَالْجَزَاءُ حُرِّيَّةُ الْمَمْلُوكِ فِي الْحَالِ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ الشَّرْطُ عَلَى الْجَزَاءِ تَأَخَّرَ إلَى وُجُودٍ فَيَعْتِقُ إذَا بَقِيَ عَلَى مِلْكِهِ إلَى وَقْتِ الدُّخُولِ وَلَا يَتَنَاوَلُ مَنْ اشْتَرَاهُ بَعْدَ الْيَمِينِ.
(وَمَنْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي ذَكَرٍ فَهُوَ حُرٌّ وَلَهُ جَارِيَةٌ حَامِلٌ فَوَلَدَتْ ذَكَرًا لَمْ يَعْتِقْ) وَهَذَا إذَا وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا ظَاهِرٌ، لِأَنَّ اللَّفْظَ لِلْحَالِ، وَفِي قِيَامِ الْحَمْلِ وَقْتَ الْيَمِينِ احْتِمَالٌ لِوُجُودِ أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ بَعْدَهُ، وَكَذَا إذَا وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُ الْمَمْلُوكَ الْمُطْلَقَ، وَالْجَنِينُ مَمْلُوكٌ تَبَعًا لِلْأُمِّ لَا مَقْصُودًا، وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ مِنْ وَجْهٍ وَاسْمُ الْمَمْلُوكِ يَتَنَاوَلُ الْأَنْفُسَ دُونَ الْأَعْضَاءِ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ مُنْفَرِدًا.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ قَوْلَهُ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي لِلْحَالِ) قِيلَ لِأَنَّ اللَّامَ لِلِاخْتِصَاصِ، وَالِاخْتِصَاصُ إنَّمَا يَكُونُ بِمَمْلُوكٍ لَهُ فِي الْحَالِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمِلْكُ لَهُ فِي الْحَالِ كَانَ هُوَ وَغَيْرُهُ سَوَاءً.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي ذَكَرٍ فَهُوَ حُرٌّ) ظَاهِرٌ، وَمَعْنَاهُ
قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ: وَفَائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِوَصْفِ الذُّكُورَةِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي تَدْخُلُ الْحَامِلُ فَيَدْخُلُ الْحَمْلُ تَبَعًا لَهَا.
(وَإِنْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ حُرٌّ بَعْدَ غَدٍ، أَوْ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي فَهُوَ حُرٌّ بَعْدَ غَدٍ وَلَهُ مَمْلُوكٌ فَاشْتَرَى آخَرَ ثُمَّ جَاءَ بَعْدُ غَدٍ عَتَقَ الَّذِي فِي مِلْكِهِ يَوْمَ حَلَفَ) لِأَنَّ قَوْلَهُ أَمْلِكُهُ لِلْحَالِ حَقِيقَةً يُقَالُ: أَنَا أَمْلِكُ كَذَا وَكَذَا وَيُرَادُ بِهِ الْحَالُ، وَكَذَا يُسْتَعْمَلُ لَهُ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ وَالِاسْتِقْبَالُ بِقَرِينَةِ السِّينِ أَوْ سَوْفَ فَيَكُونُ مُطْلَقُهُ لِلْحَالِ فَكَانَ الْجَزَاءُ حُرِّيَّةَ الْمَمْلُوكِ فِي الْحَالِ مُضَافًا إلَى مَا بَعْدَ الْغَدِ فَلَا يَتَنَاوَلُ مَا يَشْتَرِيهِ بَعْدَ الْيَمِينِ.
أَنَّ الْمَمْلُوكَ مُطْلَقٌ وَالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ وَالْجَنِينُ لَيْسَ بِكَامِلٍ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ. وَقَوْلُهُ (وَفَائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِوَصْفِ الذُّكُورَةِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي تَدْخُلُ الْحَامِلُ) فَيَدْخُلُ الْحَمْلُ تَبَعًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يَتَنَاوَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ حَتَّى الْمُدَبَّرِينَ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ. حَتَّى لَوْ قَالَ نَوَيْت الرِّجَالَ دُونَ النِّسَاءِ لَمْ يَصْدُقْ قَضَاءً
(وَإِنْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي أَمْلِكُهُ حُرٌّ بَعْدَ غَدٍ أَوْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي فَهُوَ حُرٌّ بَعْدَ غَدٍ وَلَهُ مَمْلُوكٌ فَاشْتَرَى مَمْلُوكًا آخَرَ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ غَدٍ عَتَقَ الَّذِي فِي مِلْكِهِ يَوْمَ حَلَفَ) لَا الَّذِي اشْتَرَاهُ بَعْدَهُ. وَقَوْلُهُ بَعْدَ غَدٍ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ حُرٌّ لَا لِقَوْلِهِ أَمْلِكُهُ فَإِنَّ أَمْلِكُهُ لِلْحَالِ، وَقَوْلُهُ ثُمَّ جَاءَ بَعْدُ غَدٍ بِالرَّفْعِ لِيَكُونَ فَاعِلُ جَاءَ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، وَقَوْلُهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَمْلِكُهُ لِلْحَالِ حَقِيقَةً بِالرَّفْعِ لِيَكُونَ خَبَرَانِ وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى التَّمْيِيزِ قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَهَذَا التَّقْرِيرُ يُخَالِفُ رِوَايَةَ النَّحْوِ وَهِيَ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْحَالِ وَالْمُسْتَقْبَلِ، وَظَاهِرُ تَقْرِيرِ الْمُصَنِّفِ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ لَا نُسَلِّمُ الْمُخَالَفَةَ لِأَنَّ كَوْنَهُ لِلْحَالِ حَقِيقَةً لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَوْنَهُ لِلِاسْتِقْبَالِ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ حَقِيقَةً وَيَدُلُّ عَلَيْهِمَا عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ وَيُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا بِالدَّلِيلِ إذَا وُجِدَ وَقَدْ وُجِدَ هُنَا دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ الْحَالِ لِأَنَّ الْحَالَ مَوْجُودٌ فَلَا يُعَارِضُهُ الْمُسْتَقْبَلُ الْمَعْدُومُ. وَأَقُولُ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَكَذَا يُسْتَعْمَلُ لَهُ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ يَأْبَى قَوْلَ هَذَا الشَّارِحِ لِأَنَّ
(وَلَوْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ، أَوْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي وَلَهُ مَمْلُوكٌ فَاشْتَرَى مَمْلُوكًا آخَرَ فَاَلَّذِي كَانَ عِنْدَ وَقْتَ الْيَمِينِ مُدَبَّرٌ وَالْآخَرُ لَيْسَ بِمُدَبَّرٍ، وَإِنْ مَاتَ عَتَقَا مِنْ الثُّلُثِ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله فِي النَّوَادِرِ: يَعْتِقُ مَا كَانَ فِي مِلْكِهِ يَوْمَ حَلَفَ وَلَا يَعْتِقُ مَا اسْتَفَادَ بَعْدَ يَمِينِهِ، وَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي إذَا مِتّ فَهُوَ حُرٌّ. لَهُ أَنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةً لِلْحَالِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فَلَا يَعْتِقُ بِهِ مَا سَيَمْلِكُهُ وَلِهَذَا صَارَ هُوَ مُدَبَّرًا دُونَ الْآخَرِ.
الْمُشْتَرَكَ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ بِعَيْنِهِ إلَّا بِقَرِينَةٍ وَلَيْسَ النَّحْوِيُّونَ مُجْمِعِينَ عَلَى أَنَّ الْمُضَارِعَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا بَلْ مِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الِاسْتِقْبَالِ مَجَازٌ فِي الْحَالِ وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى عَكْسِ ذَلِكَ وَلَعَلَّهُ مُخْتَارُ الْمُصَنِّفِ لِتَبَادُرِ الْفَهْمِ إلَيْهِ وَعَلَى هَذَا كَانَ الْجَزَاءُ حُرِّيَّةَ الْمَمْلُوكِ فِي الْحَالِ مُضَافًا إلَى مَا بَعْدَ الْغَدِ فَلَا يَتَنَاوَلُ مَا يَشْتَرِيهِ بَعْدَ الْيَمِينِ.
(وَلَوْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ أَوْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي فَهُوَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي وَلَهُ مَمْلُوكٌ فَاشْتَرَى آخَرَ فَاَلَّذِي كَانَ عِنْدَهُ مُدَبَّرٌ) مُطْلَقٌ (وَالْآخَرُ لَيْسَ بِمُدَبَّرٍ) مُطْلَقٍ بَلْ هُوَ مُدَبَّرٌ مُقَيَّدٌ جَازَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ (وَإِنْ مَاتَ عَتَقَا مِنْ الثُّلُثِ) مُشْتَرَكَيْنِ فِيهِ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي النَّوَادِرِ: يَعْتِقُ مَا كَانَ فِي مِلْكِهِ يَوْمَ حَلَفَ) بِطَرِيقِ التَّدْبِيرِ (وَلَا يَعْتِقُ مَا اسْتَفَادَ بَعْدَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ لِلْحَالِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَهُوَ مُرَادٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مُرَادًا عَلَى أَصْلِنَا
وَلَهُمَا أَنَّ هَذَا إيجَابُ عِتْقٍ وَإِيصَاءٌ حَتَّى اُعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ وَفِي الْوَصَايَا تُعْتَبَرُ الْحَالَةُ الْمُنْتَظَرَةُ وَالْحَالَةُ الرَّاهِنَةُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ مَا يَسْتَفِيدُهُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ وَفِي الْوَصِيَّةِ لِأَوْلَادِ فُلَانٍ مَنْ يُولَدُ لَهُ بَعْدَهَا.
وَلَهُمَا أَنَّ هَذَا إيجَابُ عِتْقٍ وَإِيصَاءٍ) أَمَّا إنَّهُ إيجَابُ عِتْقٍ فَبِقَوْلِهِ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ أَوْلَى فَهُوَ حُرٌّ، وَأَمَّا إنَّهُ إيصَاءٌ فَبِقَوْلِهِ بَعْدَ مَوْتِي، وَلِهَذَا اُعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ (فَفِي الْوَصَايَا تُعْتَبَرُ الْحَالَةُ الْمُنْتَظَرَةُ أَيْ الْمُتَرَبِّصَةُ) وَالْحَالَةُ الرَّاهِنَةُ أَيْ الْحَاضِرَةُ؛ سُمِّيَتْ بِالرَّاهِنَةِ لِأَنَّ الرَّهْنَ هُوَ الْحَبْسُ وَالْمُرْتَهِنُ مَحْبُوسٌ فِيهَا لَا فِيمَا قَبْلَهَا وَلَا فِيمَا بَعْدَهَا، كَذَا فِي الشُّرُوحِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ مَا يَسْتَفِيدُهُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ وَفِي الْوَصِيَّةِ لِأَوْلَادِ فُلَانٍ دَخَلَ فِيهَا الْمَوْجُودُ عِنْدَهَا، وَمَنْ يُولَدُ بَعْدَهَا إذَا عَاشَ إلَى وَقْتِ مَوْتِ الْمُوصِي.
وَالْإِيجَابُ إنَّمَا يَصِحُّ مُضَافًا إلَى الْمِلْكِ أَوْ إلَى سَبَبِهِ، فَهَذَا الْكَلَامُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إيجَابُ الْعِتْقِ يَتَنَاوَلُ الْعَبْدَ الْمَمْلُوكَ اعْتِبَارًا لِلْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ لِيَصِيرَ الْإِيجَابُ مُضَافًا إلَى الْمِلْكِ فَيَصِيرُ مُدَبَّرًا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ إيصَاءٌ يَتَنَاوَلُ الَّذِي يَشْتَرِيهِ اعْتِبَارًا لِلْحَالَةِ الْمُتَرَبِّصَةِ
وَالْإِيجَابُ إنَّمَا يَصِحُّ مُضَافًا إلَى الْمِلْكِ أَوْ إلَى سَبَبِهِ، فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ إيجَابُ الْعِتْقِ يَتَنَاوَلُ الْعَبْدَ الْمَمْلُوكَ اعْتِبَارًا لِلْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ فَيَصِيرُ مُدَبَّرًا حَتَّى لَا يَجُوزَ بَيْعُهُ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ إيصَاءٌ يَتَنَاوَلُ الَّذِي يَشْتَرِيهِ اعْتِبَارًا لِلْحَالَةِ الْمُتَرَبِّصَةِ وَهِيَ حَالَةُ الْمَوْتِ، وَقَبْلَ الْمَوْتِ حَالَةُ التَّمَلُّكِ اسْتِقْبَالٌ مَحْضٌ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ اللَّفْظِ، وَعِنْدَ الْمَوْتِ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي أَوْ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ بَعْدَ غَدٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ وَاحِدٌ وَهُوَ إيجَابُ الْعِتْقِ وَلَيْسَ فِيهِ إيصَاءٌ وَالْحَالَةُ مَحْضُ اسْتِقْبَالٍ فَافْتَرَقَا. وَلَا يُقَالُ: إنَّكُمْ جَمَعْتُمْ بَيْنَ الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ. لِأَنَّا نَقُولُ: نَعَمْ لَكِنْ
وَهِيَ حَالَةُ الْمَوْتِ وَيَصِيرُ مُدَبَّرًا بَعْدَهُ وَلَا يَصِيرُ مُدَبَّرًا قَبْلَهُ كَاَلَّذِي كَانَ فِي مِلْكِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْكَلَامُ حَالَةَ التَّمَلُّكِ لَا مِنْ حَيْثُ الْإِيجَابُ لِعَدَمِ الْإِضَافَةِ إلَى الْمِلْكِ وَإِلَى سَبَبِهِ، وَلَا مِنْ حَيْثُ الْإِيصَاءُ لِأَنَّهُ يَكُونُ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَكَانَ حَالُ التَّمَلُّكِ اسْتِقْبَالًا مَحْضًا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ اللَّفْظُ فَلَا يَصِيرُ مُدَبَّرًا حَالَ التَّمَلُّكِ، وَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَ الْمَوْتِ إذَا كَانَ مَوْجُودًا فِي مِلْكِهِ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي أَوْ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ لِدُخُولِهِ حِينَئِذٍ تَحْتَ الْحَالِ الْمُتَرَبِّصَةِ فَيَصِيرُ مُدَبَّرًا لِكَوْنِ الْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةً، بِخِلَافِ قَوْلِهِ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي أَمْلِكُهُ أَوْ لِي حُرٌّ بَعْدَ غَدٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ وَاحِدٌ وَهُوَ إيجَابُ الْعِتْقِ وَلَيْسَ فِيهِ إيصَاءٌ، وَالْحَالَةُ مَحْضُ اسْتِقْبَالٍ لَا يَتَنَاوَلُهَا الْإِيجَابُ لِعَدَمِ الْإِضَافَةِ إلَى الْمِلْكِ وَإِلَى سَبَبِهِ فَافْتَرَقَا، وَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ (وَالْإِيجَابُ إنَّمَا يَصِحُّ مُضَافًا إلَى الْمِلْكِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَفِي الْوَصَايَا مَعْنَى لَا أَنْ يَكُونَ جَوَابَ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الشَّارِحِينَ. قَالَ. وَهُوَ أَنْ يُقَالَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَنَاوَلَ الْإِيجَابُ الْمُشْتَرِيَ أَصْلًا فِي الْحَالِ وَلَا فِي الْمَآلِ، لِأَنَّ التَّنَاوُلَ إنَّمَا يَكُونُ مُضَافًا إلَى الْمِلْكِ أَوْ إلَى سَبَبِهِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا فِي حَقِّهِ بِمَوْجُودٍ. فَأَجَابَ بِأَنَّ تَنَاوُلَهُ بِاعْتِبَارِ الْإِيصَاءِ لَا الْإِيجَابِ الْحَالِيِّ.
وَقَوْلُهُ (وَلَا يُقَالُ إنَّكُمْ جَمَعْتُمْ بَيْنَ الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ) إشَارَةٌ إلَى جَوَابِ أَبِي يُوسُفَ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ إيجَابَ عِتْقٍ وَوَصِيَّةَ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ فِي طَرَفَيْ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ مِنْ صِفَاتِ اللَّفْظِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ التَّنَافِيَ بَيْنَ طَرَفَيْ كَلَامٍ وَاحِدٍ إنْ كَانَ الْمُرَادُ إيجَابَ عِتْقٍ فِي الْحَالِ أَوْ كَوْنَهُ إيصَاءً فَقَطْ إنْ كَانَ الْمُرَادُ إيجَابَ عِتْقٍ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَوْ قَالَ هَذَا الْكَلَامُ تَدْبِيرٌ وَالتَّدْبِيرُ حَيْثُمَا وَقَعَ وَقَعَ وَصِيَّةً وَالْوَصِيَّةُ تُعْتَبَرُ فِيهَا الْحَالَةُ الرَّاهِنَةُ وَالْمُنْتَظَرَةُ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ مَا كَانَ فِي مِلْكِهِ وَمَا يُوجَدُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَمَّا مَا بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ بِدَاخِلٍ تَحْتَهُ فَلَا يَصِيرُ الْمُسْتَحْدَثُ مُدَبَّرًا حَتَّى يَمُوتَ لَعَلَّهُ كَانَ أَسْهَلَ تَأَتِّيًا
بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ إيجَابِ عِتْقٍ وَوَصِيَّةٍ، وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ.
وَأَسْلَمَ مِنْ الِاعْتِرَاضِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .