الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
غَمَامَتَان (1) أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ (2) تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ " (3).
5 - المواظبة علي قراءة أية الكرسي بعد الصلوات سبباً لدخول الجنة
، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت"(4).
وتجدر اللإشارة بأن هناك عدة أحاديث منتشرة علي ألسنة العامة وهي ضعيفة لا تصح.
وأذكر منها هنا علي سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
- حديث "آيتان هما قرآن، وهما يشفعان، وهما مما يحبهما الله، الآيتان في آخر سورة البقرة"(5).
- وحديث "من قرأ سورة البقرة، توج بتاج في الجنة (6).
- وحديث "إن لكل شيء سناما، وإن سنام القرآن، سورة البقرة، من قرأها في بيته ليلا لم يدخله الشيطان ثلاث ليال، ومن قرأها في بيته نهارا لم يدخله الشيطان ثلاثة أيام"(7).
أسباب النزول:
إن سورة البقرة قد استمر نزولها في العهد المدني، لذا لا يتصور إمكانية حصر أسباب نزولها في سبب واحد لتعدد الأسباب في نزول الآيات، وسوف نذكر أسباب النزول إن وجدت في سياق تفسير الآيات ومرجعيتنا في ذلك، والله المستعان.
ووجه مناسبة سورة (البقرة) لسورة (الفاتحة) قبلها، أن الفاتحة مشتملة على بيان وصوف الربوبية أولا، وأحكام العبودية ثانيا، وطلب الهداية في الدنيا والآخرة لسبيل الفالحين وصراط المهتدين ثالثا. وكذلك سورة البقرة مشتملة على بيان معرفة الرب؛ وأدب المعاملة معه سبحانه؛ والأمر بتوحيده والتحذير من الكفر به، وتشتمل على العبادات وتفصيلها وما يتعلق بها، وعلى بيان ما يحتاج العبد إليه في الدنيا والآخرة لهدايته الصراط المستقيم الذي يطلبه المؤمنون في آخر سورة الفاتحة، وفي أول البقرة يومئ السياق القرآني الحكيم إلى ذلك في قوله تعالى:{ذلك الكتاب لا ريب فيه هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2].
ولما افتتح سبحانه الفاتحة بالأمر الظاهر المحكم الذي يلتبس " الحمد لله رب العالمين "؛ وكان وراء كل ظاهرٍ في عالم الشهادة غيب وباطنٌ يجب على المتقين الإيمان به. افتتح الله تعالى هذه السورة بما بطن سره وخفي أمره إلا على من شاء الله تعالى فقال سبحانه: " الم " وهى الحروف المقطعة التي يجب الايمان بحكمتها وتفويض معانيها للرب العلى إيمانا بالغيب الذي امتحن الله تعالى المتقين به ومدحهم على الإيمان به وبأمثاله من الغيب .. ولهذا قال الشعبي: " لكل كتاب سر، وسر القرآن: حروف التهجي في فواتح السور "(8)، وقال أيضا:"سر الله تعالى فلا تطلبوه"(9).
(1) قال أهل اللغة: الغمامة والغياية، كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه من سحابة وغبرة وغيرهما. قال العلماء: المراد أن ثوابهما يأتي كغمامتين.
(2)
قال النووي في شرح مسلم " ومعناهما واحد، وهما قطيعان وجماعتان، يقال في الواحد: فرق وحزق وحزيقة أي جماعة ".
(3)
أخرجه مسلم برقم/ 1337 - بَاب فَضْلِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَسُورَةِ الْبَقَرَةِ.
(4)
انظر حديث رقم: 6464 في صحيح الجامع للألباني- رحمه الله.
(5)
(ضعيف جدا) انظر حديث رقم: 18 في ضعيف الجامع للألباني- رحمه الله.
(6)
انظر حديث رقم: 1069 في ضعيف الجامع للألباني- رحمه الله.
(7)
أنظر: السلسلة الضعيفة والموضوعة " (3/ 524)، أخرجه ابن حبان في صحيحه (780)(ج 3 / ص 59)، والطبراني في الكبير (5864)(ج 6 / ص 163) وأبو يعلى في مسنده (7554)(ج 13 / ص 465)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (ج 2 / ص 87): حسن لغيره.
وهذا الحديث أيضاً فيه ضعف في الإسناد، ولكن الجملة الأولى:((إن لكل شيء سناماً، وإن سنام القرآن البقرة)) ورد فيه أيضاً روايات أخرى ضعيفة عن ابن مسعود وعن ثلاثة من الصحابة أو أربعة، وكلها لا يخلو من ضعف، ولكن بعض أهل العلم يري أن هذه الجملة تتقوى بغيرها من الروايات، وهذه الروايات الضعيفة يقوي بعضها بعضاً، فيرون أن هذه الجملة:((إن لكل شيء سناماً وإن سنام القرآن البقرة)) ترتقي إلى مرتبة الحسن.
(8)
ذكره السمعاني في تفسيره: 2/ 163، ونسبه إلى الشعبي، ونسبه البقاعي إلى أبي بكر الصديق، ولفظه:" لكل كتاب سر وسر القرآن هذه الحروف، ولا يعلم ما هي إلا واضعها سبحانه"، انظر: نظم الدرر: 20/ 274، وكذا الآلوسي نسبه إلى الصديق، انظر: روح المعاني: 1/ 103.وانظر: تفسير الطبري: 1/ 209، ولم ينسبه. وذكره القرطبي: 154/ 1، في تفسير سورة البقرة، عن أبي بكر وعلي-رضي الله عنها، وفي هذا النسب ضعف، وذكره من أقوال عامر الشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين فهو قول موقوف على هؤلاء العلماء إن صح عنهم.
(9)
انظر: تفسير الألوسي 1/ 103.
يقول ابن عاشور: " وَإِذا كَانَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ فِي أَوَّلِ عَهْدٍ بِإِقَامَةِ الدولة الْإِسْلَامِيَّةِ وَاسْتِقْلَالِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِمَدِينَتِهِمْ كَانَ مِنْ أَوَّلِ أَغْرَاضِ هَذِهِ السُّورَةِ تَصْفِيَةُ هذه الدولة الْإِسْلَامِيَّةِ مِنْ أَنْ تَخْتَلِطَ بِعَنَاصِرَ مُفْسِدَةٍ فاسدة حاسدة. تفسد مَا أَقَامَ اللَّهُ لَهَا مِنَ الصَّلَاحِ الذي تسعى فيه لِتَكْوِينِ الْمَدِينَةِ الْفَاضِلَةِ النَّقِيَّةِ مِنْ شَوَائِبِ الدَّجَلِ وَالدَّخَلِ"(1)، ولعل هذا يدلك دلالة صريحة على اهمية ومكانة سورة البقرة ما يجعلها السورة الثانية بعد الفاتحة.
بسم الله الرحمن الرحيم
{الم (1)} [البقرة: 1]
التفسير:
الله أعلم بمراده، والأسلم فيها السكوت عن التعرض لمعناها دون سند شرعي، واليقين بأن الله أنزلها لحكمة قد لا نعلمها.
وهذه الحروف التي في بداية السور، فيها إشارة إلى إعجاز القرآن الكريم، فقد تَحَدَّى اللهُ به المشركين، فعجزوا عن مُعارَضَتِه، مع أنه مُرَكَّب من هذه الحروف التي تتكون منها لُغَتُهُم، فدَلَّ عَجْزُ العرب عن الإتيان بمثله - مع أنهم أفصَحُ الناس - على أنّ القرآنَ وَحْيٌ من عند الله.
ولقد ذهب المفسرون مذاهب شتى في تفسير الأحرف المقطعة في السور الفواتح ولم يجزموا بوجه من الوجوه، إذا لم يصح في تفسيرها شيء عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
وتجدر الإشارة بأن هناك محل متفق عليه بين أهل العلم في هذه الحروف، وهو أن أهل الإسلام أجمعوا على أن لهذه الحروف معنى، وأنها ذُكِرت لحكمة. يقرر هذا ويوضحه ثلاثة أمور (2):
الأمر الأول: - أن الله أمرنا بتدبر كتابه وتفهمه دون استثناء، فدخلت الحروف المقطعة في هذا، قال الله - تعالى -:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، وقال - تعالى -:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]، وقال تعالى:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29]، وقال تعالى:{أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 68](3).
الأمر الثاني: أن الله تعالى قد تحدى عباده من الإنس والجن بأن يأتوا بسورة من مثل هذا القرآن، وأقصر سورة ثلاث آيات، وقراء الكوفة يعدون الحروف المقطعة آية في كل سورة، و:{حم (1) عسق} [الشورى: 1، 2] آيتان (4).
فلو أتوا بآيتين مكونتين من حروف مقطعة، ثم أتوا بآية من كلام آخر لأدوا ما تحداهم الله به، فلو لم يكن لها معنى لقالوا: كيف يتحدانا بكلام لا نفهمه؟ (5).
الأمر الثالث: أن الله تعالى حكيم، وهذا كلامه، فهو كلام حكيم، نزل من حكيم، :{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41، 42]، فإذا كان قائل هذا القرآن حكيماً حميداً، كيف يوجد في كلامه ما لا معنى له، ولم يُذْكَر لحكمة؟ ، :{كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1].
(1) انظر: التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور رحمه الله: 1/ 202، [بتصرف يسير].
(2)
ينظر: تفسير الحروف المقطعة في أوائل السور، د. محمد حسن أبو النجا (بحث منشور في شبكة الآلوكة).
(3)
انظر مفاتيح الغيب ـ أو التفسير الكبير ـ لفخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي 2/ 250، ط دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ، الأولى 1421 هـ.
(4)
انظر البيان في عد آي القرآن لأبي عمرو عثمان بن سعد الأموي الداني ص 59، ط مركز المخطوطات ـ الكويت ـ، الأولى 1414 هـ 1994 م، بتحقيق/غانم قدري الحمد.
(5)
انظر مفاتيح الغيب 2/ 251.
قال العلامة السعدي: " وأما الحروف المقطعة في أوائل السور فالأسلم فيها السكوت عن التعرض لمعناها من غير مستند شرعي، مع الجزم بأن الله ـ تعالى ـ لم ينزلها عبثاً، بل لحكمة لا نعلمها"(1).
وبعد هذا الاتفاق حدث اختلاف في شيء آخر، وهو: هل هذه الحروف المقطعة ـ التي لها معنى ونزلت لحكمة ـ هل يُدْرَك معناها من جميع الوجوه، ونقف على الحكمة منها؟
وينحصر الاختلاف بين أهل العلم في اتجاهين اثنين: -
الاتجاه الأول: أن تلك الحروف هي من من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، فنؤمن بها، ونقرأها كما جاءت، وممن قال ذلك:
الشعبي (2)، وسفيان الثوري (3)، ومن المفسرين كل من: أبو حيان (4) والآلوسي (5)، وقاله زكريا الأنصاري في كتابيه فتح الرحمن (6).
يرى أصحاب هذا الإتجاه بأن هذه الحروف لها معنى ونزلت لحكمة، غير أننا لا ندرك هذا المعنى ولا تلك الحكمة، وإنما يقال: هذه الحروف من حروف المعجم، ذكرها الله في أوائل بعض سور كتابه، واختص الله بعلم المراد منها (7).
رُوِي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: في كل كتاب سر، وسر الله في القرآن أوائل السور (8).
وعن علي بن أبي طالب تعالى أنه قال: إن لكل كتاب صفوة، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي (9).
وقد اعترض بعض العلماء على هذا الإتجاه وساقوا الأدلة على أنه: لا يجوز أن يرد في كتاب الله تعالى ما لا يكون مفهوماً للخلق، ومنهم الرازي، واحتج عليه بالآيات والأخبار والمعقول.
أما الآيات:
أحدها: قوله تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّروُنَ القُرآنَ أَمْ عَلى قُلوُب أقْفالها} [محمد: 24]، أمرهم بالتدبر في القرآن، ولو كان غير مفهوم فكيف يأمرهم بالتدبر فيه.
(1) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبدالرحمن بن ناصر السعدي ص 40، ط مؤسسة الرسالة ـ بيروت ـ 1421 هـ 2000 م.
(2)
عزاه إليه القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (1/ 154)، والشعبي هو عامر بن شراحيل الهمداني الكوفي من شعب همدان مولده في أثناء خلافة عمر كان إماماً حافظاً فقيهاً روى عن أبي هريرة وابن عباس وعائشة وعبد االله بن عمر وغيرهم. أنظر الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان، تذكرة الحفاظ، (ط 1/ 1419 هـ – 1998 م) (1: 63).
(3)
عزاه إليه ابن كثير في تفسير القرآن (1: 36 (وسفيان هو أبو عبد االله سفيان ابن سعيد بن مسروق بن حبيب الثوري الكوفي، كان إماما في علم الحديث وغيره من العلوم، ومولده في سنة سبع وتسعين للهجرة توفي بالبصرة سنة 161 هـ، أنظر ابن خلكان، أبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، 8 مج، تحقيق الدكتور إحسان عباس، دار صادر – بيروت، لم تذكر الطبعة وسنة الطبع (2: 386 - 389).
(4)
ينظر: البحر المحيط في التفسير، محمد بن يوسف أبو حيان، 11 مج، دار الفكر، بيروت – لبنان (1412 هـ - 1992 م) لم تذكر رقم الطبعة (1: 60).
(5)
ينظر: روح المعاني، الآلوسي: 1/ 100.
(6)
ينظر: فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن، أبو يحيى زكريا الأنصاري، 1 مج، تحقيق محمد علي الصابوني، عالم الكتب، بيروت (ط 1/ 1405 هـ – 1985 م) (ص 19
(7)
انظر جامع البيان في تفسير القرآن للإمام أبي جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري 1/ 68، ط دار الفكر ـ بيروت ـ 1405 هـ، وتفسير السمعاني للإمام أبي المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني 2/ 163، ط دار الوطن ـ الرياض ـ، الأولى 1418 هـ 1997 م، بتحقيق/ياسر بن إبراهيم، وغنيم بن عباس بن غنيم. ومعالم التنزيل للحسين بن مسعود بن محمد البغوي 1/ 44، ط دار المعرفة ـ بيروت ـ، الثانية 1407 هـ 1987 م، بتحقيق/خالد عبدالرحمن العك، والجامع لأحكام القرآن للإمام أبي عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي 1/ 154، ط دار الشعب ـ القاهرة ـ والبحر المحيط في التفسير للإمام أثير الدين أبي حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الأندلسي 1/ 157، ط دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ، الأولى 1422 هـ 2001 م، بتحقيق الشيخ/عادل أحمد عبدالموجود، والشيخ/علي محمد معوض.
(8)
لم أجد هذا الأثر عن أبي بكر مسنداً، ولكن ذكره أبوالفرج عبدالرحمن بن علي بن محمد ابن الجوزي في زاد المسير في علم التفسير 1/ 20، ط المكتب الإسلامي ـ بيروت ـ، الثانية 1404 هـ، والرازي في مفاتيح الغيب 2/ 249، وأبوحيان في البحر المحيط 1/ 157، وأبوالسعود محمد بن محمد العمادي في إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الحكيم 1/ 21، ط دار إحياء التراث ـ بيروت ـ.
(9)
انظر مفاتيح الغيب 2/ 249، والجامع لأحكام القرآن 1/ 154، وإرشاد العقل السليم 1/ 21.
ثانيها: قوله تعالى: {بِلِسانٍ عَرَبِيٍ مُبِين} [الشعراء: 95]، يدل على أنه نازل بلغة العرب، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يكون مفهوماً.
وأما الأخبار: فقوله عليه السلام: "إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن تبعتموهما كتاب الله وأهل بيتي عترتي"(1) فكيف يمكن التمسك به وهو غير معلوم!
ما المعقول، فمن وجوه:
أحدها: أنه لو ورد شيء لا سبيل إلى العلم به لكانت المخاطبة به تجري مجرى مخاطبة العربي باللغة الزنجية، ولما لم يجز ذاك فكذا هذا.
ثانيها: أن المقصود من الكلام الإفهام، فلو لم يكن مفهوماً لكانت المخاطبة به عبثاً وسفها، وأنه لا يليق بالحكيم.
وثالثها: أن التحدي وقع بالقرآن، وما لا يكون معلوماً لا يجوز وقوع التحدي به (2).
وفي صدد رده على الإتجاه السابق يقول الرازي: إن "الأفعال التي كلفنا بها قسمان: منها ما نعرف وجه الحكمة فيها على الجملة بعقولنا: كالصلاة والزكاة والصوم؛ فإن الصلاة تواضع محض وتضرع للخالق، والزكاة سعي في دفع حاجة الفقير، والصوم سعي في كسر الشهوة.
ومنها ما لا نعرف وجه الحكمة فيه: كأفعال الحج، فإننا لا نعرف بعقولنا وجه الحكمة في رمي الجمرات، والسعي بين الصفا والمروة، والاضطباع (3).
ثم اتفق المحققون على أنه كما يحسن من الله تعالى أن يأمر عباده بالنوع الأول فكذا يحسن الأمر منه بالنوع الثاني، لأن الطاعة في النوع الأول لا تدل على كمال الانقياد لاحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرف بعقله من وجه المصلحة فيه، أما الطاعة في النوع الثاني فإنه يدل على كمال الانقياد ونهاية التسليم، لأنه لما لم يعرف فيه وجه مصلحة البتة لم يكن إتيانه به إلا لمحض الانقياد والتسليم.
فإذا كان الأمر كذلك في الأفعال فلم لا يجوز - أيضاً- أن يكون الأمر كذلك في الأقوال؟ وهو أن يأمرنا الله - تعالى -تارة أن نتكلم بما نقف على معناه، وتارة بما لا نقف على معناه، ويكون المقصود من ذلك ظهور الانقياد والتسليم من المأمور للآمر.
بل فيه فائدة أخرى، وهي أن الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به سقط وقعه عن القلب، وإذا لم يقف على المقصود مع قطعه بأن المتكلم بذلك أحكم الحاكمين فإنه يبقى قلبه متلفتاً إليه أبداً، ومتفكراً فيه أبداً، ولباب التكليف إشغال السر بذكر الله تعالى والتفكر في كلامه، فلا يبعد أن يعلم الله ـ تعالى ـ أن في بقاء العبد ملتفت الذهن مشتغل الخاطر بذلك أبداً مصلحة عظيمة له، فيتعبده بذلك تحصيلاً لهذه المصلحة (4) ": اهـ
ثم أوضح ذلك في موضع آخر قائلاً: " وقد ذكرنا الحكمة فيه، وهي أن العبد إذا أتى بما أُمِر به من غير أن يعلم ما فيه من الفائدة لا يكون إلا آتياً بمحض العبادة، بخلاف ما لو علم الفائدة فربما يأتي به للفائدة وإن لم يؤمن، كما لو قال السيد لعبده: انقل هذه الحجارة من ههنا، ولم يعلمه بما في النقل، فنقلها؛ ولو قال: انقلها فإن تحتها كنزاً هو لك ينقلها وإن لم يؤمن.
(1) رواه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين أنظر الحاكم محمد بن عبد االله أبو عبد االله النيسابوري في المستدرك على الصحيحين، 4 مج، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية – بيروت (ط 1/ 1411 هـ- 1990 م) حديث رقم 4577) 3: 118 (وسأشير إليه فيما بعد: الحاكم، المستدرك ورواه الترمذي، سنن الترمذي، كتاب المناقب باب (31 (مناقب أهل بيت النبي صلى االله عليه وسلم حديث رقم (3811)(5: 433) وقال هذا حديث غريب حسنُ من هذا الوجه. وصححه الألباني أنظر الألباني صحيح الجامع الصغير حديث رقم (2748)(1: 533).
(2)
أنظر: الفخر الرازي المشتهر بالتفسير الكبير ومفاتيح الغيب، محمد الرازي فخر الدين، تفسير، 17 مج، دار الفكر، بيروت – لبنان (1415 هـ – 1995 م)(د. ط)(2/ 5).
(3)
الاضطباع في اللغة: افتعال من الضبع ، وهو وسط العضد ، وقيل: الإبط (للمجاورة). ومعنى الاضطباع المأمور به شرعاً: أن يُدْخَل الرجل رداءه الذي يلبسه تحت منكبه الأيمن فيلقيه على عاتقه الأيسر وتبقى كتفه اليمنى مكشوفة ، ويطلق عليه التأبط والتوشح. انظر لسان العرب لأبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي المصري 1/ 158، ط دار صادر ـ بيروت ـ، الأولى، والموسوعة الفقهية لوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت، 5/ 109.
(4)
مفاتيح الغيب 2/ 251 و 252، وانظر روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني لمحمود بن عبدالله الحسيني الآلوسي 1/ 99، ط دار إحياء التراث ـ بيروت ـ.
إذا عُلِم هذا فكذلك في العبادات اللسانية الذكرية وجب أن يكون منها ما لا يفهم معناه حتى إذا تكلم به العبد علم منه أنه لا يقصد غير الانقياد لأمر المعبود الآمر الناهي، فإذا قال:{حم} [غافر: 1]، {يس} [يس: 1]، {الم} [البقرة: 1]، {طس} [النمل: 1]. علم أنه لم يذكر ذلك لمعنى يفهمه أو لا يفهمه فهو يتلفظ به إقامة لما أُمِر به (1) ": اهـ
ومن ثم يُعْلَم أن في إيراد هذه الفواتح التي استأثر الله بعلمها امتحاناً واختباراً من الله لعباده، وقصاً لجناح العقل، وكبحاً لجماح غروره، ورداً لدعواه استكناه كل شئ:" فهذا يوضح أن حروفاً من القرآن سُتِرَت معانيها عن جميع العالم اختباراً من الله عز وجل، وامتحاناً، فمن آمن بها أُثِيب وسعد، ومن كفر وشك أثم وبعد (2) ".
يقول الزرقاني: "يقولون بهذا الرأي أنها من الأسرار التي استأثر االله بعلمها ولم يطلع عليها أحداً من خلقه وذلك لحكمة من حكمه تعالى السامية، وهي ابتلاؤه سبحانه وتمحيصه لعباده حتى يميز الخبيث من الطيب، وصادق الإيمان من المنافق، بعد أن أقام لهم أعلام بيانه، ودلائل هدايته، وشواهد رحمته في غير تلك الفواتح من كتابه بين آيات وسور كثيرة، لا تعتبر تلك الفواتح في جانبها إلا قطرة من بحر أو غيضاً من فيض"(3).
ويقول مكي بن أبي طالب: "وهذا يوضح أن حروفاً من القرآن سترت معانيها عن جميع العالم اختباراً من االله عز وجل وامتحاناً فمن آمن بها أثيب وسعد، ومن كفر وشك أثم وبعد"(4).
وممن ذهب هذا مذهب الإتجاه الأول الشوكاني حيث نصر هذا المذهب بشدة، وجعل هذه الأحرف متشابه المتشابه، وغلظ القول على من قال فيها برأيه فقال:"إن من تكلم في بيان معاني هذه الحروف جازماً بأن ذلك هو ما أراده االله عز وجل، فقد غلط أقبح الغلط، وركب في فهمه ودعواه أعظم الشطط .. ثم قال: فقد ثبت النهي عن طلب فهم المتشابه ومحاولة الوقوف على علمه مع كونه ألفاظاً عربية وتراكيب مفهومة، وقد جعل االله تتبع ذلك صنيع الذين في قلوبهم زيغ، فكيف بما نحن بصدده، فإنه ينبغي أن يقال فيه انه متشابه المتشابه على فرض أن للفهم إليه سبيلاً ولكلام العرب فيه مدخلاً فكيف وهو خارج عن ذلك على كل تقدير"(5).
الاتجاه الثاني: أن هذه الحروف لها معنى ولها حكمة، وتلك الحكمة وهذا المعنى ندركهما عن طريق الاستنباط والاجتهاد، فتكلموا في معاني هذه الحروف واستنبطوا لها وجوهاً من التأويل.
وقد تعددت أقوال المفسرين في تفسير هذه الحروف المفتتح بها أوائل السور حتى وصل بها الحافظ ابن حجر رحمه الله إلى ثلاثين قولاً (6).
وفيما يأتي نذكر أشهر تلك الأقوال مشفوعة بتوجيهها، والتدليل عليها:
القول الأول: أنها لبيان أعجاز القرآن
ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الحروف ذكرت في أوائل السور التي وردت فيها لبيان إعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته مع أنه مركب من هذه الحروف التي يتخاطبون بها ويؤلفون منها كلامهم.
فهم يرون بأنها حروف وردت بأسمائها مسرودة على نمط التعديد كالإيقاظ وقرع العصا لمن تُحِدِّى بالقرآن، وتنبيهاً على أن هذا المتلو عليهم - وقد عجزوا عنه عن آخرهم - كلام منظوم من عين ما ينظمون
(1) مفاتيح الغيب 26/ 252 و 253.
(2)
الجامع لأحكام القرآن 1/ 154.
(3)
مناهل العرفان: 1/ 227.
(4)
العمدة في غريب القرآن، أبو محمد بن أبي طالب القيسي مكي: 1 مج، تحقيق الدكتور يوسف عبد الرحمن المرعشيلي، مؤسسة الرسالة، بيروت (ط 2/ 1404 هـ – 1984 م)، (ص 69 (
(5)
فتح القدير، الشوكاني: 1/ 48 - 49.
(6)
انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني 8/ 554، ط دار المعرفة ـ بيروت ـ، بتحقيق/محب الدين الخطيب.
منه كلامهم، ليؤديهم النظر إلى أن يستيقنوا أنه لم تتساقط مقدرتهم دونه ولم يظهر عجزهم عن أن يأتوا بمثله - وهم أرباب الفصاحة وأمراء البيان - إلا لأنه ليس من كلام البشر، وأنه كلام خالق القوى والقُدَر (1).
وممن قال بذلك: الباقلاني (2) والزمخشري (3) والرازي (4) وابن كثير (5) وسيد قطب (6).
وقد رد بعضهم أمثال الشيخ محمد شلتوت هذا القول ولم يعد الفواتح من باب التحدي أو الإعجاز فقال: "إن القول بأنه للتنبيه على أن هذا القرآن من مادة الكلام الذي ألفوه وقد عجزوا مع ذلك عنه قول يعتمد على قضيتين يقصدهما القائلون به من الواقع التاريخي لموقف العرب من القرآن، ومن طبيعة هذه الحروف:
1 -
إحداهما: أن هذه من حروف التهجي المعروفة عند العرب التي يتركب منها كلامهم، وأن القرآن مؤلف منها.
2 -
والأخرى: انهم مع ذلك قد عجزوا عن الإتيان بمثله.
وما كان للعرب أن يجهلوا أو يغفلوا عن أن القرآن الذي يتلوه عليهم محمد صلى االله عليه وسلم هو من هذه الحروف، أما عجزهم عن الإتيان بمثله فهو أمر يعرفونه من أنفسهم، ويعرفه التاريخ عنهم وقد سجله القرآن عليهم بالعبارة الواضحة البينة، فليس الأمر في القضيتين بمحتاج إلى استخدام رمز كهذا الرمز البعيد الذي لا يستند إلى نقل صحيح ولا فهم واضح" (7).
وقيل أن هذا القول من القوة والخلافة بالقبول بمنزل ولا محذور فيه، وذلك من عدة وجوه منها (8):
الوجه الأول: استقراء القرآن الكريم يدل على أن هذه الحروف المقطعة ذُكِرَت للإشارة إلى إعجاز القرآن، وأنه من كلام الرحمن، وليس من كلام أحد من بني الإنسان.
فقد ذهب بعض العلماء إلى أن المقصود من هذه الأحرف بيان نبوة محمد صلى االله عليه وسلم وذلك من ناحية انه ينطق بأسامي الحروف مع أنه أمي لم يقرأ ولم يكتب، والمعروف أن النطق بأسامي الحروف من شأن القارئ وحده، لا سبيل للأمي إلى معرفتها ولا النطق بها، فإتيانه بها وترديده لها دليل مادي أمامهم على أنه لا يأتي بهذا القرآن من تلقاء نفسه، إنما يتلقاه من لدن حكيم عليم.
فالسور التي افتتحت بتلك الحروف المقطعة تسع وعشرون سورة، ذُكِر الانتصار للقرآن في خمس وعشرين منها، ففي سورة البقرة - مثلاً - يقول الله - تعالى -:{الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 1، 2]، فذلك الكتاب الذي ليس فيه ريب، وفيه هدى للمتقين مؤلف من الألف واللام والميم؛ وفي سورة يونس يقول تعالى:{الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} [يونس: 1]، وفي سورة طه يقول - تعالى -:{طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} [طه: 1، 2]، وفي سورة الشعراء يقول تعالى:{طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} [الشعراء: 1، 2]، وفي سورة ص يقول - تعالى -:{ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} [ص: 1، 2]، وفي سورة: ق يقول - تعالى -: {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [ق: 1].
وكون هذه الأحرف ذُكِرَت في السور المكية - إلا سورتي البقرة وآل عمران - مما يقرر أن المراد الإشارة إلى إعجاز القرآن، لأن المشركين كانوا يكثرون اللغط حول القرآن، فذُكِرَت هذه الأحرف في بداية
(1) انظر الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري 1/ 69، ط دار لإحياء التراث ـ بيروت ـ، بتحقيق/عبدالرزاق المهدي، والبحر المحيط 1/ 157، وتفسير القرآن العظيم للإمام أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير 1/ 39، ط دار الغد العربي ـ القاهرة ـ، الأولى 1411 هـ 1991 م، بتحقيق الدكتور/سعد عبد المقصود ظلام، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل لعبدالله بن عمر بن محمد بن علي البيضاوي 1/ 86، ط دار الفكر ـ بيروت ـ وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للعلامة محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي 3/ 6، ط دار الفكر ـ بيروت ـ، 1415 هـ، وانظر الإتقان في علوم القرآن لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي 3/ 26، ط دار الفكر ـ بيروت ـ، الأولى 1416 هـ 1996 م، بتحقيق/سعيد المندوب.
(2)
، إعجاز القرآن، أبوبكر محمد بن الطيب الباقلاني: 1 مج، تحقيق الشيخ عماد الدين احمد حيدر، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت – لبنان، (ط 4 (لم تذكر سنة الطبع (ص 68 - 69 (
(3)
ينرظ: الكشاف: 1/ 95 - 97.
(4)
ينظر: التفسير الكبير: 2/ 8.
(5)
ينظر: تفسير ابن كثير: 1/ 37 - 38.
(6)
ينظر: في ظلال القرآن، 6 مج، دار الشروق (ط 9/ 1400 هـ - 1980 م) (1: 38 (.
(7)
تفسير القرآن الكريم، شلتوت:56.
(8)
ينظر: تفسير الحروف المقطعة في أوائل السور، د. محمد حسن أبو النجا (بحث منشور في شبكة الآلوكة).
السور للصراخ عليهم بعجزهم عن أن يأتوا بمثله، مع أنه لم يأت إلا من تلك الحروف التي تتكون منها لغتهم التي ملكوا ناصيتها (1).
وقد ذهب بعضهم إلى رد هذا القول، لأن الأمي لا يصعب عليه أن يأتي بمثل هذه الحروف، إذ لا دلالة بها على تعلم الأمي، وانتقاله من الأمية إلى العلم، قال ابن عاشور:"وهذا بين البطلان لأن الأمي لا يتعسر عليه النطق بالحروف"(2).
الوجه الثاني: واقع هذه الأحرف يقرر هذه القضية، فهي قد ذُكِرَت على خمس صور، فجاءت على حرف واحد مثل:(ص) و (ق)، وجاءت على حرفين مثل:(طس) و (حم)، وجاءت على ثلاثة أحرف مثل:(الم)، وجاءت على أربعة أحرف مثل:(المص)، ثم هي قد جاءت على خمسة أحرف مثل:(كهيعص).
وكذلك كلام العرب لا يخرج عن هذه الأحوال الخمسة، فهو إما حرف أو اسم أو فعل.
فالحرف يأتي على حرفين مثل: (مِنْ)، أو ثلاثة مثل:(على).
والاسم إما ثلاثة أحرف مثل: (حسن) وإما أربعة مثل: (حسين) وإما خمسة مثل: (حسناء)، وما عدى هذا فهو مزيد ليس بأصلي.
وأفعال العرب إما ثلاثة أحرف مثل: (كتب) وإما أربعة مثل: (أكرم)، وما عدى هذا فهو مزيد ليس بأصلي.
فما خرجت الحروف المقطعة في جميع صورها عن استعمالات العرب، وكأن الله يقول: هذه الأحرف كُرِّرت على حسب استعمالاتكم في لغتكم، فإن قلتم: هذه الأحرف قد سبقنا محمد إليها فاستعمل حروفنا؛ قلنا لكم: قد استعملنا نصفها في أوائل السور وتركنا لكم النصف الآخر فافتروا منها قرآناً كما افترى محمد بزعمكم ـ حاشاه ـ (3).
القول الثاني: أنها أسماء لله تعالى
ذهب بعض العلماء أن هذه الحروف المقطعة التي في أوائل السور أسماء لله تعالى، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا:
ابن عباس (4) وابن مسعود (5) وسالم بن عبدالله (6)، والشعبي (7)، وروي نحوه عن اسماعيل بن عبدالرحمن السدي الكبير ونحوه عن عكرمة (8).
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: فواتح السور أسماء من أسماء الله (9).
وعن ابن عباس واين مسعود في قوله: " (ألم)، و (المص)، و (الر)، و (المر)، و (كهيعص)، و (طه)، و (طسم)، و (طس)، و (يس)، و (ص)، و (حم)، و (ق)، و (ن)، قال: هو قسم أقسمه الله، وهو من أسماء الله"(10).
وعن فاطمة ابنة علي بن أبي طالب، قالت:"كان علي يقول في دعائه: يا كهيعص اغفر لي"(11).
(1) انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/ 39، وأضواء البيان للشنقيطي 3/ 6 و 7.
(2)
التحرير والتنوير: 1/ 215.
(3)
انظر الكشاف 1/ 72، ومفاتيح الغيب 2/ 257 وأنوار التنزيل 1/ 86.
(4)
عزاه إليه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: 1/ 155 (والطبري في جامع البيان (1: 67. (
(5)
عزاه إليه النسفي في تفسير النسفي (1: 39)، وابن مسعود هو عبد االله بن مسعود بن غافل كان إسلامه قديما في أول الإسلام مات بالمدينة سنة 32 هـ ودفن بالبقيع، أنظر ابن عبد البر، أبا عمر يوسف بن عبد االله بن محمد، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، 4 مج، تحقيق الشيخ علي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان (ط 1/ 1415 هـ – 1995 م) (3/ 110 - 116 (.
(6)
عزاه إليه ابن كثير في تفسير القرآن العظيم (1: 36 (وسالم هو سالم بن عبد االله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي أحد فقهاء المدينة السبعة ومن سادات التابعين وعلمائهم وثقاتهم توفي في المدينة سنة 106 هـ أنظر: تاريخ الأعلام، الزركلي: 3/ 71.
(7)
عزاه إليه الطبري في جامع البيان: 1/ 67.
(8)
انظر المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لعبدالحق بن غالب بن عطية الأندلسي 4/ 3، ط دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ، الأولى 1413 هـ 1993 م، بتحقيق/عبدالسلام عبدالشافي محمد، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 11/ 73، وفتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني 2/ 424، ط دار الفكر ـ بيروت ـ.
(9)
ذكره السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور 4/ 339، ط دار الفكر ـ بيروت ـ 1993 م، وعزاه لابن مردويه، وانظر فتح القدير للشوكاني 2/ 424.
(10)
أخرجه ابن جرير الطبري في التفسير 1/ 67، وعبدالرحمن بن محمد بن إدريس بن أبي حاتم الرازي في تفسير القرآن العظيم 1/ 32، ط المكتبة العصرية ـ صيدا ـ، بتحقيق/أسعد محمد الطيب، وانظر الدر المنثور 1/ 54.
(11)
أخرجه ابن جرير الطبري 16/ 34، وانظر تفسير ابن عطية 4/ 3، وابن الجوزي 5/ 205، والقرطبي 11/ 73، وفتح الباري 8/ 427.
وهذا يدل على أن علياً رضي الله عنه-تعالى كان يميل إلى هذا القول، ويبعد أن يكون ذلك إلا بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم.
وعن أشهب (1) قال: "سالت مالك بن انس: أينبغي لأحد أن يتسمى بـ (يس)؟ فقال: ما أراه ينبغي لقوله: {يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} [يس: 1، 2]، يقول هذا اسمي تسميت به"(2).
وقد نقل القرطبي - بعد إيراد هذا الأثر - تعقيب أبي بكر بن العربي عليه حيث قال: "هذا كلام بديع، وذلك أن العبد يجوز له أن يتسمى باسم الرب إذا كان فيه معنى منه كقوله: عالم، وقادر، ومريد، ومتكلم، وإنما منع مالك من التسمية بـ (يس) لأنه أسم من أسماء الله لا يُدْرَى معناه، فربما كان معناه ينفرد به الرب، فلا يجوز أن يُقْدِم عليه العبد، فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ} [الصافات: 130] (3)، قلنا: ذلك مكتوب بهجاء فتجوز التسمية به، وهذا الذي ليس بمتهجي هو الذي تكلم مالك عليه، لما فيه من الإشكال، والله أعلم"(4).
ويفهم من كلام الآلوسي أنه يميل إلى هذا القول، فقد قال:"وعندي فيما نحن فيه لطائف، وسبحان من لا تتناهى أسرار كلامه، فقد أشار - سبحانه - بمفتتح الفاتحة حيث أتى به واضحاً إلى اسمه الظاهر، وبمبدأ سورة البقرة إلى اسمه الباطن فهو الأول والآخر والظاهر والباطن"(5).
وهذا قول فيه نظر، وذلك لأن أسماء الله توقيفية لا تؤخذ إلا بنص من الكتاب العزيز أو الرواية الصحيحة عن المعصوم عليه السلام وما سبق ذكره لا يعتمد عليه في إثبات أسماء االله تعالى.
وقد قال محيي الدين شيخ زاده مبيناً بطلان هذا القول "أن أسماء االله تعالى لا تخلو من أن تدل على تعظيم أو تنزيه أو على ما يرجع إليهما والفواتح ليست كذلك"(6).
القول الثالث: أنها فواتح لأسماء الله تعالى:
ويري البعض أن هذه الحروف المقطعة في أوائل السور فواتح لأسماء الله تبارك وتعالى، فكل حرف منها هو فاتحة لاسم محذوف من أسماء الله، جاء ذلك الحرف ليدل على ذلك الاسم المحذوف، فالألف من قوله تعالى:{الم} مثلاً ابتداء اسمه الله، واللام ابتداء اسمه لطيف، والميم ابتداء اسمه مجيد (7).
عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل: " {كهيعص} قال: كاف من كريم، وها من هاد، ويا من حكيم، وعين من عليم، وصاد من صادق"(8).
وفي رواية أخرى عن بن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل: " {كهيعص} قال: كاف هاد أمين عزيز صادق"(9).
(1) هو أشهب بن عبد العزيز ابن داود بن إبراهيم، الإمام العلامة مفتي مصر أبو عمرو القيسي العامري المصري الفقيه، يقال: اسمه مسكين، وأشهب لقب له، مولده سنة أربعين ومائة، ويكفيه قول الشافعي فيه: ما أخرجت مصر أفقه من أشهب. قال أبو عمر بن عبد البر: كان فقيهاً حسن الرأي والنظر. انظرالكاشف للإمام محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي 1/ 254، ط دار القبلة للثقافة ـ جدة ـ، الأولى، بتحقيق / محمد عوامة.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 10/ 3188، وانظر الدر المنثور 7/ 42، وتفسير القرطبي 15/ 4، والإتقان 3/ 25.
(3)
وهي على قراءة نافع وابن عامر، وهما من القراء السبعة. انظر إبراز المعاني من حرز الأماتي في القراءات السبع لأبي شامة عبدالرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم الدمشقي 2/ 666، ط مكتبة مصطفى الحلبي ـ القاهرة ـ، بتحقيق/إبراهيم عطوة عوض، وإتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر لشهاب الدين أحمد بن محمد بن عبدالغني الدمياطي 1/ 475، ط دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ، الأولى 1419 هـ 1998 م، بتحقيق/أنس مهرة.
(4)
الجامع لأحكام القرآن 15/ 4.
(5)
روح المعاني 1/ 100.
(6)
حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير البيضاوي، محمد بن مصلح الدين مصطفى القَوجَوي، ، 8 مج، تحقيق محمد عبد القادر شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان (ط 1/ 1419 هـ – 1999 م) (1:142. (
(7)
انظر تنوير المقباس من تفسير ابن عباس جمعه مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى ص 3، ط دار الكتب العلمية ـ لبنان ـ.
(8)
أخرجه الحاكم في المستدرك 2/ 403 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(9)
أخرجه الحاكم في المستدرك 2/ 403 وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وانظر تفسير البغوي 1/ 44.
ويدخل في هذا القول ما روي عن عبد الله بن عباس أيضاً وكذلك عبد الله بن مسعود أن هذه الأحرف هي اسم الله الأعظم (1).
ويقرر ذلك ابن عطية بأنه إذا أمكن تأليفه منها، إلا أنا لا نعرف تأليفه منها (2).
أو أن هذه الحروف أبعاض أسماء لله - تعالى -، بعضها يُعْلَم كيفية تركيبه منها، وبعضها لا يُعْلَم، فعن ابن عباس أنه قال:" (الر) و (حم) و (ن): الرحمن مُفَرَّقة"(3).
كما نقل الفخر الرازي وأبو حيان عن سعيد بن جبير تعالى أنه قال: قوله (آلر، حم، ن) مجموعها هو اسم الرحمن، ولكنا لا نقدر على كيفية تركيبها في البواقي (4).
أو هي حروف يدل بعضها على أسماء الذات، وبعضها على أسماء الصفات والأفعال، على نحو ما رُوِي عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير:(الم) من قوله: أنا الله أعلم، وقوله في:(الر): أنا الله أرى، وفي:(المص): أن الله أفصل (5).
أو هي حروف يدل بعضها على أسماء الله ـ تعالى ـ وبعضها على أسماء غيره سبحانه، فعن ابن عباس في قوله تعالى:" (الم) يقول: ألف الله، لام جبريل، ميم محمد"(6)، أي: أنزل الله هذا الكتاب الذي لا ريب فيه على لسان جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم (7).
وهذا القول له وجه، لأن العرب قد تُطْلِقُ الْحَرْفَ الواحد من الكلمة، وَتُرِيدُ به جميع الكلمة، كقول الراجز (8):
قلنا لها قفي فقالت: قاف
…
لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف.
فقوله: "قاف"، أي: وقفتُ (9)، فدلت بإظهار القاف من «وقفت» على مرادها من تمام الكلمة التي هي «وقفت». فصرفوا قوله:(الم) وما أشبه ذلك إلى نحو هذا المعنى.
وكقول القائل (10):
بالخير خيرات وإن شراً فا
…
ولا أريد الشر إلا أن تا
يعني: وإن شراً فشر، ولا أريد الشرّ إلا أن تشاء، وبذلك اكتفى بالتاء والفاء عن بقية الكلمتين جميعاً عن سائر حروفهما (11).
وقد ورد في السنة ما يشير إلى هذا، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله عز وجل مكتوب بين ـ عينيه: آيس من رحمة الله (12).
وعن بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أعان على دم امرئ مسلم بشطر كلمة كتب بين عينيه يوم القيامة: آيس من رحمة الله (13).
(1) انظر تفسير الطبري 1/ 67، وابن أبي حاتم 1/ 32 والدر المنثور 1/ 54، وانظر الإتقان 3/ 24 حيث حكم على الأثر بأنه صحيح.
(2)
انظر المحرر الوجيز 1/ 82.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 32، وانظر الإتقان للسيوطي 3/ 21.
(4)
انظر مفاتيح الغيب 2/ 252، والبحر المحيط 1/ 156.
(5)
انظر تفسير ابن جرير الطبري 1/ 67 و 68 وابن أبي حاتم 1/ 32، والرازي 2/ 253، والبحر المحيط 1/ 157.
(6)
انظر تنوير المقباس من تفسير ابن عباس ص 3.
(7)
انظر زاد المسير 1/ 22، ومفاتيح الغيب 2/ 253، والبحر المحيط 1/ 157، وإرشاد العقل السليم 1/ 21.
(8)
البيت غير منسوب لأحد في لسان 9/ 359، وتهذيب اللغة لمحمد بن أحمد الأزهري 15/ 679، ط دار المعارف ـ بيروت ـ 1422 هـ 2001 م، بتحقيق الدكتور/رياض زكي فاسم، وانظر المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية، إعداد الدكتور/إميل بديع يعقوب 4/ 215، ط دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ، الأولى 1417 هـ 1996 م.
(9)
انظر معالم التنزيل للبغوي 1/ 44، والمحرر الوجيز 1/ 82 و 83.
(10)
البيت نسبه ابن منظور في لسان العرب 15/ 288 إلى حكيم بن مَعْيَة التميمي، ونسبه بن عطية في المحرر الوجيز 1/ 83 والقرطبي في الجامع 1/ 155 إلى زهير بن أبي سلمى، وهو غير منسوب في شرح شواهد الشافية لعبدالقادر البغدادي ص 262، ط مطبعة حجازي ـ القاهرة ـ.
(11)
انظر جامع البيان 1/ 70، والمحرر الوجيز 1/ 83، والجامع لأحكام القرآن 1/ 155، والبحر المحيط 1/ 158.
(12)
أخرجه ابن ماجه في سننه 2/ 874، كتاب: الديات، باب: التغليظ في قتل مسلم ظلماً، برقم (3620)، والربيع بن حبيب بن عمر الأزدي في مسنده ص 292، وأبو يعلى في مسنده 10/ 306، والبيهقي في السنن الكبرى 8/ 22، وهو حديث حسن بجموع طرقه.
(13)
أخرجه البيهقي في شعب الإيمان 4/ 346، وأبو نعيم الأصبهاني في تاريخ أصبهان 1/ 188.
وعن بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شرك في دم حرام بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله"(1).
قال سفيان بن عيينة: "هو أن يقول: أق، يعني: لا يتم كلمة (اقتل) "(2).
فإن ثبت أن العرب كانت تأتي في كلامها بحرف وتريد به معنى كان في هذا القول قوة ووجاهة (3).
القول الرابع: أن هذه الأحرف أسماء للسور التي جاءت فيها (4)
وذهب بعضهم إلى أن فاتحة كل سورة اسم للسورة التي افتتحت بها، وذلك أن الأسماء وضعت للتمييز، فكذا هذه الحروف وضعت لتمييز هذه السور عن غيرها.
من الذين قالوا بذلك: الزمخشري (5)، والرازي (6) واختاره سيبويه (7).
فعن أُبَي بن كعب تعالى أنه قال لماسُئِل عن هذه الحروف: إنما هي أسماء السور (8).
وقد نسب الزمخشري والبيضاوي هذا الوجه إلى أكثر العلماء (9)، كما عزاه الفخر الرازي إلى أكثر المتكلمين والمحققين (10).
وإن أشكل ذلك على أحد فقال: كيف يكون ذلك كذلك وقد افتتحت سور كثيرة بـ {الم} {حم} والمقصود رفع الاشتباه، لأن الأسماء إنما تكون أمارات إذا كانت مميزة بين الأشخاص، فأما إذا كانت غير مميزة فليست أمارات؟ .
فالجواب: أن بعض الأسماء ـ وإن كانت مشتركة ـ إلا أنها تميز ببعض النعوت الأخرى، فيقول المخبر عن نفسه: قرأت {الم} البقرة، أو قرأت {الم} آل عمران؛ كما لو أراد الخبر عن رجلين اسم كل واحد منهما عمرو غير أن أحدهما عراقي والآخر مصري لزمه أن يقول: لقيت عمراً العراقي، أو عمراً المصري (11).
وقد استدل القائلون بهذا القول بأدلة منها:
أولاً: ما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة {الم * تنزيل، و {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ} [الإنسان: 1](12).
ثانياً: أن ذلك أمر فاش في العرب الذين نزل القرآن بلغتهم وعلى لسانهم، فقد سَمَّت العرب بهذه الحروف أشياء وأشخاص، فسموا بلام والد حارثة بن لام الطائي، وكقولهم للنحاس: صاد، وللنقد عين، وللسحاب غين، وقالوا: جبل قاف، وسموا الحوت نوناً (13).
ويعضد ذلك كون هذه الحروف واقعة في أوائل السور، فتكون هذه الحروف قد جعلت أسماءً بالعلامة على تلك السورة وسميت بها كما تقول الكراسة (ب) والرزمة (ج)(14).
ولقد اعترض بعضهم على هذا القول، وقالوا: إن هذه الألفاظ ليست أسماءً للسور وساقوا أدلة على ذلك وإليك أدلتهم:
(1) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 11/ 79.
(2)
انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/ 38.
(3)
انظر تفسير الطبري 1/ 70، والسمعاني 1/ 41، والبغوي 1/ 44، وابن عطية 1/ 82، وابن الجوزي 1/ 21، والقرطبي 1/ 155.
(4)
انظر جامع البيان 1/ 67، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/ 37، وإرشاد العقل السليم 1/ 21.
(5)
ينظر: الكشاف: 1/ 83.
(6)
التفسير الكبير: 2/ 7.
(7)
ينظر: الكتاب، أبو بشر عمر بن عثمان سيبويه، مؤسسة الأعلمي، بيروت، لبنان، ط 2، 1967: 2/ 34 - 35.
(8)
أخرجه الطبري في تفسيره 1/ 67.
(9)
انظر الكشاف 1/ 72، وأنوار التنزيل 1/ 86 و 87.
(10)
انظر مفاتيح الغيب 2/ 252 و 254.
(11)
انظر جامع البيان 1/ 70، وروح المعاني 1/ 98.
(12)
أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 303، كتاب: الجمعة، باب: ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة، برقم (851)، ومسلم في صحيحه 2/ 599، كتاب: الجمعة، باب: ما يقرأ في يوم الجمعة، برقم (880)، وابن ماجة في سننه 1/ 269، كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: القراءة في صلاة الفجر يوم الجمعة، برقم (823).
(13)
انظر مفاتيح الغيب 2/ 253، وروح المعاني 1/ 98.
(14)
انظر: التحرير والتنوير: 1/ 210.
أولاً: لو كانت هذه الألفاظ أسماءً للسور لوجب أن يعلم ذلك بالتواتر، لأن هذه الأسماء ليست على قوانين أسماء العرب، والأمور العجيبة تتوافر الدواعي على نقلها لا سيما فيما لا يتعلق بإخفائه رغبة أو رهبة، ولو توفرت الدواعي على نقلها لصار ذلك معلوماً بالتواتر، وارتفع الخلاف فيه فلما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنها ليست من أسماء السور (1).
ثانياً: ويرده اتحاد هذه الحروف في عدة سور مثل (الم) و (الر) و (حم) والمقصود ممن الاسم إزالة الاشتباه، والاشتباه حاصل.
ثالثاً: ويرده اشتهار السور بأسماء أخرى غير هذه الحروف، كسورة البقرة وسورة ال عمران وسورة الأعراف وسورة مريم وما إليها، ولو كانت أسماءً لاشتهرت بها.
قلت: أن هذه الحروف لا تعد أسماءً للسور وذلك لأن أسماء السور توفيقية (2)، ولا يجوز أن يطلق اسم على مسمى من غير أن يعرف المسمى به، وأما ما ورد في الحديث الشريف فإن جاز عدها اسماً للسورة فتكون أسماءً للسور التي نصت الروايات عليها دون غيرها.
القول الخامس: أن هذه الفواتح أسماء للقرآن الكريم (3)
قال ابن كثير: " ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه اسم، من أسماء السور، فإن كل سورة يُطْلَق عليها اسم القرآن، فإنه يبعد أن يكون: {المص} اسماً للقرآن كله، لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول: قرأت {المص} إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف، لا لمجموع القرآن، والله أعلم (4) ": اهـ
وحمل ابن جرير الطبري هذا القول على ظاهره فقال: "هي أسماء لكل القرآن، لا للسورة التي هي قطعة من القرآن، فـ {{الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 1، 2] على معنى القسم، كأنه قال: والقرآن هذا الكتاب لا ريب فيه"(5).
القول السادس: أنها نزلت ليستغربها المشركون فيسمعون القرآن
ذهب بعض العلماء إلى أن الحروف المقطعة نزلت لاستدراج نفوس المشركين ليستغربوها فيفتحوا لها أسماعهم فيسمعوا القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة، أي: أنها حروف لا معنى لها في الوضع، قُدِّمت على الكلام المقصود لحكمة تفريغ البال، ولفت الانتباه، وجذب الأذهان للإصغاء والسماع، ليحصل التدبر والفهم والاتعاظ بما بعد ذلك (6).
ممن قال بذلك: الرازي (7) والزرقاني (8).
وهذا التنبيه يكون للنبي صلى الله عليه وسلم، وللمؤمنين، وللمشركين:
أما للنبي صلى الله عليه وسلم: "فكان من الجائز أن يكون الله قد علم في بعض الأوقات كونه صلى الله عليه وسلم في عالم البشر مشغولاً، فأمر جبريل بأن يقول عند نزوله:(الم) و (الر) و (حم)، ليسمع النبي صوت جبريل فيقبل عليه ويصغي إليه.
وإنما لم تُسْتَعْمَل الكلمات المشهورة في التنبيه كـ (ألا) و (أما) لأنها من الألفاظ التي يتعارفها الناس في كلامهم، والقرآن كلام لا يشبه الكلام، فناسب أن يُؤْتَى فيه بألفاظ تنبيه لم تُعْهَد لتكون أبلغ في قرع سمعه (9) ":
وهي تنبيه للمؤمنين أيضاً لئلا يستمعوا هذا القرآن وهم في غفلة ولهو.
أما المشركون فقد حكى الله تعالى تنفير بعضهم لبعض عن القرآن في قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26]، فكان إذا تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) انظر: التحرير والتنوير: 1/ 210.
(2)
انظر: الإتقان: 1/ 75.
(3)
انظر جامع البيان 1/ 69، والبحر المحيط 1/ 156.
(4)
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/ 37.
(5)
جامع البيان 1/ 69.
(6)
انظر جامع البيان 1/ 69، والمحرر الوجيز 1/ 82، والبحر المحيط 1/ 157.
(7)
ينظر: التفسير الكبير: 2/ 8.
(8)
ينظر: مناهل العرفان: 1/ 230.
(9)
الإتقان في علوم القرآن للسيوطي 3/ 27.
في أول هذه السورة بهذه الألفاظ ما فهموا منها شيئاً، والإنسان حريص على ما مُنِع، فكانوا يصغون إلى القرآن ويتفكرون ويتدبرون في مقاطعه ومطالعه رجاء أنه ربما جاء كلام يفسر ذلك المبهم ويوضح ذلك المشكل، فصار ذلك وسيلة إلى أن يصيروا مستمعين للقرآن ومتدبرين في مطالعه ومقاطعه، فأنزل الله هذا النظم البديع ليعجبوا منه ويكون تعجبهم منه سبباً لاستماعهم، واستماعهم له سبباً لاستماع ما بعده، فترق القلوب وتلين الأفئدة، ويؤكد هذا أن هذه الحروف ما جاءت إلا في أوائل السور (1).
قال الفخر الرازي: "إن الحكيم إذا خاطب من يكون محل الغفلة أو من يكون مشغول البال يقدم على الكلام المقصود شيئاً غيره ليلتفت المخاطب بسببه إليه، ويقبل بقلبه عليه، ثم يشرع في المقصود، فقد يكون ذلك المقدم كلاماً له معنى مفهوم كقول القائل اسمع، وقد يكون ذلك المقدم على المقصود صوتاً غير مفهوم كمن يصفر خلف إنسان ليلتفت إليه وقد يكون ذلك الصوت بغير الفم كما يضفق الإنسان بيديه ليقبل السامع عليه، ثم إن موقع الغفلة كلما كان أتم والكلام المقصود كان أهم كان المقدم على المقصود اكثر، فاختار الحكيم أن يقدم على الكلام المقصود حروفاً هي كالمنبهات، ثم إن تلك الحروف إذا لم تكن بحيث يفهم معناها تكون أتم في إفادة المقصود الذي هو التنبيه من تقديم الحروف التي لها معنى لأن تقديم الحروف إذا كان لإقبال السامع على المتكلم إسماع ما بعد ذلك، فإذا كان ذلك المقدم كلاماً منظوماً وقولاً مفهوماً فإذا سمعه السامع ربما يظن أنه كل المقصود ولا كلام له بعد ذلك فيقطع الإلتفات عنه، أما إذا سمع منه صوتاً بلا معنى يقبل عليه ولا يقطع نظره عنه ما لم يسمع غيره لجزمه بأن ما سمعه ليس هو المقصود، فإذن تقديم الحروف التي لا معنى لها في الوضع على الكلام المقصود فيه حكمة بالغة"(2).
إذا ثبت هذا فنقول: ذلك المُقَدَّم على المقصود قد يكون كلاماً له معنى مفهوم كقول القائل: اسمع، واجعل بالك إلى، وكن لي. وقد يكون شيئاً هو في معنى الكلام المفهوم كقول القائل: أزيد، ويا زيد، وألا يا زيد. وقد يكون ذلك المقدم على المقصود صوتاً غير مفهوم كمن يصفر خلف إنسان ليلتفت إليه. وقد يكون ذلك الصوت بغير الفم كما يصفق الإنسان بيديه ليقبل السامع عليه، ثم إن موقع الغفلة كلما كان أتم والكلام المقصود كان أهم كان المقدم على المقصود أكثر، ولهذا ينادي القريب بالهمزة فيقال: أزيد. والبعيد بـ (يا) فيقال: يا زيد. والغافل يُنَبَّه أولاً فيقال: ألا يا زيد.
إذا ثبت هذا فنقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان يقظان الجَنَان (3) لكنه إنسان يشغله شأن عن شأن، فكان يحسن من الحكيم أن يقدم على الكلام المقصود حروفاً هي كالمنبهات، ثم إن تلك الحروف إذا لم تكن بحيث يُفْهَم معناها تكون أتم في إفادة المقصود الذي هو التنبيه من تقديم الحروف التي لها معنى، لأن تقديم الحروف إذا كان لإقبال السامع على المتكلم لسماع ما بعد ذلك، فإذا كان ذلك المُقَدَّم كلاماً منظوماً وقولاً مفهوماً فإذا سمعه السامع ربما يظن أنه كل المقصود ولا كلام له بعد ذلك فيقطع الالتفات عنه، أما إذا سمع منه صوتاً بلا معنى يقبل عليه ولا يقطع نظره عنه ما لم يسمع غيره لجزمه بأن ما سمعه ليس هو المقصود.
فإذن تقديم الحروف التي لا معنى لها في الوضع على الكلام المقصود فيه حكمة بالغة" (4).
وهذا القول -والله أعلم- ضعيف لا تسنده حجة ولا يقويه برهان، فلو كان المقصود من هذه الحروف تنبيه الغافل لكان من الأولى أن تفتتح بها كل سور القرآن إذ لا داعي لتخصيص بعضها دون بعض، ثم إن العرب لم يكونوا بحاجة لمن يوقظهم من غفلتهم، ذلك أن النبي صلى االله عليه وسلم أتاهم بكتاب قوض عبادتهم، وسفه أحلامهم، وكفى بذلك إثارة لأسماعهم لأن ينصتوا إلى ما جاءهم به مخالفهم، زد على ذلك أن أسلوب القرآن ونظمه فيه من جذب أسماعهم واستمالتهم ما يكفي، كيف لا وهم كانوا يستمعون للقرآن خلسة وقد كان يؤثر عليهم رغم كفرهم.
(1) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي 3/ 27، وانظر معاني القرآن لأحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي النحاس 1/ 76، ط جامعة أم القرى ـ مكة المكرمة ـ، الأولى 1409 هـ، بتحقيق/محمد علي الصابوني، ومفاتيح الغيب 2/ 254، وفتح القدير للشوكاني 1/ 29.
(2)
التفسير الكبير: 13/ 27.
(3)
الجَنَان: القلب. انظر لسان العرب 13/ 93.
(4)
مفاتيح الغيب 25/ 27.
وقال ابن كثير مبيناً بطلان هذا القول: "وهو ضعيف، لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور، لا يكون في بعضها، بل غالبها ليس كذلك، ولو كان كذلك ـ أيضاً ـ لانبغى الابتداء بها في أوائل الكلام معهم، سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك، ثم إن هذين ـ يعني سورة البقرة وآل عمران ـ مدنيتان ليستا خطاباً للمشركين، فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه"(1)(2).
القول السابع: ـ هذه الحروف أسماء، مسمياتها الحروف المبسوطة التي رُكِّبَت منها الكلمات، فقولك:(ضاد) اسم سُمِّي به الحرف (ضه) من كلمة (ضرب) إذا تهجيته، وكذلك (راء) و (باء) أسمان لقولك:(ره) و (به)(3).
قال الخليل يوماً وسأل أصحابه: كيف تقولون إذا أردتم أن تلفظوا بالكاف التي في (لك) والباء التي في (ضرب)؟ فقيل: نقول: باء، كاف. فقال: إنما جئتم بالاسم ولم تلفظوا بالحرف، وقال: أقول: (كه)(به)(4).
فإن قيل: وما الفائدة التي تترتب على ذلك؟
فالجواب: أن في ذلك فائدة عظيمة: " فالتكلم بهذه الحروف ـ وإن كان معتاداً لكل أحد إلا أن كونها مسماة بهذه الأسماء لا يعرفه إلا من اشتغل بالتعلم والاستفادة، فلما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عنها من غير سبق تعلم واستفادة كان ذلك إخباراً عن الغيب، فلهذا السبب قَدَّم الله ـ تعالى ـ ذكرها ليكون أول ما يُسْمَع من هذه السورة معجزة دالة على صدقه صلى الله عليه وسلم (5) ":
ويدخل في هذا القول ما رُوِي عن عكرمة أن هذه الحروف قسم (6).
أي أن الله تعالى أقسم بالحروف المعجمة لشرفها وفضلها، ولأنها مباني كتبه المنزلة بالألسنة المختلفة، ومباني أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وأصول كلام الأمم، بها يتعارفون ويذكرون الله ويوحدونه.
ثم إنه تعالى اقتصر على ذكر البعض وإن كان المراد هو الكل كما تقول: قرأت {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2].وتريد السورة كلها، فكأنه ـ تعالى ـ قال: أقسم بهذه الحروف، إن هذا الكتاب هو ذلك الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ (7).
القول الثامن: أن هذه الحروف أمارة قد كان الله تعالى جعلها لأهل الكتاب أنه سينزل على محمد صلى الله عليه وسلم كتاباً في أول سور منه حروف مقطعة (8).
قلت: وكل هذه الأقوال فيها وجه من الوجاهة والقبول ـ على تفاوت في ذلك ـ، وليس فيها محذور أو محظور يتعارض مع النقل الصريح أو العقل الصحيح، فلو قُبِلَت كلها لم يزد بعضها بعضاً إلا قوة ورجاحة.
قال أبو جعفر ابن جرير الطبري: "ولكل قول من الأقوال التي قالها الذين وصفنا قولهم في ذلك وجه معروف"(9).
(1) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/ 38 و 39.
(2)
كما وأن وجوه هذا التضعيف فيها نظر:
أما قوله: ينبغي ذكرها في جميع السور، فليس بلازم لأن هذه الأحرف لا يقتصر معناها ولا الحكمة منها على ما ذُكِر في هذا القول فقط، بل هو معنى من معانيها إلى جانب معان أخر.
وأما قوله: ينبغي الابتداء بها في أوائل الكلام معهم، سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك، فليس بلازم ـ أيضاً ـ لأن التنبيه قد حصل في أول السورة وحصل المقصود. هذا فضلاً عن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خاطبهم بالقرآن كانوا يعرضون، أما إذا خاطبهم هو فليس الأمر كذلك.
واعتراضه المتعلق بذكرها في البقرة وآل عمران المدنيتين فالجواب أن هذا التنبيه ليس للمشركين فقط، بل هو لهم ولغيرهم كما سبق تقريره آنفاً.
(3)
انظر الكشاف 1/ 63، وأنوار التنزيل للبيضاوي 1/ 85.
(4)
انظر الكشاف 1/ 64.
(5)
مفاتيح الغيب 2/ 254، وانظر أنوار التنزيل 1/ 85، وإرشاد العقل السليم 1/ 22.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 33، والنحاس في معاني القرآن 1/ 75.
(7)
انظر تفسير السمعاني 1/ 41، والبغوي 1/ 44، والرازي 2/ 254، وأبي حيان 1/ 156، وأبي السعود 1/ 21.
(8)
انظر المحرر الوجيز 1/ 82، والبحر المحيط 1/ 157، والإتقان 3/ 28.
(9)
جامع البيان 1/ 69.
ثم قال رحمه الله: "والصواب من القول عندي في تأويل مفاتح السور التي هي حروف المعجم أن الله ـ جل ثناؤه ـ جعلها حروفاً مقطعة ولم يصل بعضها ببعض فيجعلها كسائر الكلام المتصل الحروف لأنه ـ عز ذكره ـ أراد بلفظه الدلالة بكل حرف منه على معان كثيرة لا على معنى واحد، .. والصواب في تأويل ذلك عندي أن كل حرف منه يحوي ما قاله سائر المفسرين.
فإن قال لنا قائل: وكيف يجوز أن يكون حرف واحد شاملاً الدلالة على معان كثيرة مختلفة؟
قيل: كما جاز أن تكون كلمة واحدة تشتمل على معان كثيرة مختلفة، كقولهم للجماعة من الناس: أمة، وللحين من الزمان: أمة، وللرجل المتعبد المطيع لله: أمة، وللدين والملة أمة.
وكقولهم للجزاء والقصاص: دِيْن، وللسلطان والطاعة: دين، وللتذلل: دين، وللحساب: دين؛ في أشباه لذلك كثيرة يطول الكتاب بإحصائها مما يكون من الكلام بلفظ واحد وهو مشتمل على معان كثيرة.
وكذلك قول الله ـ جل ثناؤه ـ: (الم) و (المر) و (المص) وما أشبه ذلك من حروف المعجم التي هي فواتح أوائل السور، كل حرف منها دال على معان شتى شامل جميعها، من أسماء الله عز وجل وصفاته مما قاله المفسرون من الأقوال التي ذكرناها عنهم، وهن مع ذلك فواتح السور كما قاله من قال ذلك.
وليس كون ذلك من حروف أسماء الله ـ جل ثناؤه ـ وصفاته بمانعها أن تكون للسور فواتح، لأن الله ـ جل ثناؤه ـ قد افتتح كثيراً من سور القرآن بالحمد لنفسه والثناء عليها وكثيراً منها بتمجيدها وتعظيمها، فغير مستحيل أن يبتدئ بعض ذلك بالقسم بها.
فالتي ابتدئ أوائلها بحروف المعجم أحد معاني أوائلها أنهن فواتح ما افتتح بهن من سور القرآن، وهن مما أقسم بهن، لأن أحد معانيهن أنهن من حروف أسماء الله ـ تعالى ذكره ـ وصفاته ـ على ما قدمنا البيان عنها ـ.
فذلك يحوي معاني جميع ما وصفنا مما بينا من وجوهه، لأن الله ـ جل ثناؤه ـ لو أراد بذلك أو بشيء منه الدلالة على معنى واحد مما يحتمله ذلك دون سائر المعاني غيره لأبان ذلك لهم رسول الله إبانة غير مشكلة، إذ كان ـ جل ثناؤه ـ إنما أنزل كتابه على رسوله ليبين لهم ما اختلفوا فيه.
وفي تركه إبانة ذلك أنه مراد به من وجوه تأويله البعض دون البعض أوضح الدليل على أنه مراد به جميع وجوهه التي هو لها محتمل، إذ لم يكن مستحيلاً في العقل وجه منها أن يكون من تأويله ومعناه، كما كان غير مستحيل اجتماع المعاني الكثيرة للكلمة الواحدة باللفظ الواحد في كلام واحد" (1).
وإن كانت هذه الأقوال مقبولة إلا أن ثمة أقوالاً أخرى هزيلة مردودة وجب ذكر بعضها للتنبيه عليها.
القول التاسع: ما رُوِي عن الربيع بن أنس أنه قال: هذه الأحرف من التسعة والعشرين حرفاً دارت فيها الألسن كلها، ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو في آلائه وبلائه، وليس منها حرف إلا وهو مدة قوم وآجالهم (2).
وهذا يشبه ما ذكره القرطبي عن محمد بن علي الحكيم الترمذي أنه قال: إن الله تعالى أودع جميع ما في تلك السورة من الأحكام والقصص في الحروف التي ذكرها في أول السورة، ولا يعرف ذلك إلا نبي أو ولي، ثم بين ذلك في جميع السورة ليفقه الناس (3).
وهذا قول مردود، وتحميل لكلام الله ما لا يحتمل، إذ فيه ادعاء أن بعض آيات القرآن الكريم حكم الله ألا يعلمها إلا نبي أو ولي، فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد مات فقد بقي الأولياء الذين هم المؤمنون، فكل مؤمن ولي لله، وأعلى المؤمنين منزلة وأقربهم إلى الله تعالى هم العلماء، وما قاله العلماء بعيد كل البعد عن هذا القول، وهذا القول بعيد كل البعد عما قاله العلماء.
ثم أي فائدة في أن تكون هذه الأحرف دالة على مدة قوم وآجالهم، ومدد الأقوام وآجالهم غيب لم يطلع الله أحداً من خلقه عليه:{إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 34].
(1) جامع البيان 1/ 72 و 73، وانظر معاني القرآن للنحاس 1/ 76
(2)
أخرجه ابن جرير الطبري في التفسير 1/ 68 وابن أبي حاتم 1/ 33.
(3)
انظر تفسير القرطبي 1/ 156
وعن بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مفاتيح الغيب خمس، لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما تغيض الأرحام (1) إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله (2).
فإذا كانت كل نفس لا تدري مكان أجلها فهي ـ من باب أولى ـ لا تدري زمان أجلها ولا أجل غيرها.
القول العاشر: أنها أقسام أقسم الله بها:
قال بعض العلماء: إن االله أقسم بهذه الحروف لإظهار شرفها وفضلها، ممن قال ذلك ابن عباس (3)، وعكرمة (4) والأخفش (5) والزركشي (6).
قال الزركشي: "أن االله أقسم بهذه الحروف بأن هذا الكتاب الذي يقرؤه محمد هو الكتاب المنزل لا شك فيه، وذلك يدل على جلالة قدر هذه الحروف إذ كانت مادة البيان وما في كتب االله المنزلة باللغات المختلفة وهي أصول كلام الأمم بها يتعارفون، وقد أقسم االله تعالى بـ (الفجر، و (الطور) فكذلك شأن هذه الحروف في القسم بها"(7).
ومما استدل به بعضهم على هذا القول ما أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي االله عنهما انه قال في قوله تعالى: (كهيعص) و (طه) و (طسم) و (يس) و (ص) و (حم عسق) و (ق) ونحو ذلك قسم أقسمه االله تعالى وهي من أسماء الله عز وجل (8).
وهذ القول فيه نظر: إذ أن صيغة القسم معروفة وتأتي معتمدة على كلمات وحروف تفيد القسم نحو: اقسم أو الواو في (واالله) أو التاء وهكذا، أما أن تعد هذه الحروف قسماً فهذا ما لم يعهده العرب، ولم يجر على ألسنتهم، ويدل على بطلان هذا القول أيضاً أنه لا يوجد ما يعضده ويشهد لصحته في القرآن أو السنة الصحيحة، وما نقل عن ابن عباس فهو ضعيف (9)، قال القرطبي مبيناً فساد هذا القول:"لا يصح أن يكون قسماً لأن القسم معقود على حروف مثل: إن وقد ولقد وما، ولم يوجد ها هنا حرف من هذه الحروف فلا يجوز أن يكون يميناً"(10).
القول العادي عشر: أنها جاءت للدلالة على انقطاع كلام واستئناف كلام آخر:
(1) ما تغيض الأرحام. معناه: ما نقص الحمل فيه عن تسعة أشهر، وما زاد على التسعة. وقيل: ما نقص عن أن يتم حتى يموت، وما زاد حتى يتم الحمل. انظر لسان العرب 7/ 201، والمفردات في غريب القرآن لأبي القاسم الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني ص 368، ط دار المعرفة ـ بيروت ـ، بتحقيق/محمد سيد كيلاني.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه 4/ 1793، كتاب: التفسير، باب:{إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان: 34]، برقم (4500)، والنسائي في السنن الكبرى 6/ 370، كتاب: التفسير، باب: قوله ـ تعالى ـ: {مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى} [الرعد: 8] سورة الرعد (7)، برقم (11258)، وأحمد في المسند 2/ 24.
(3)
انظر: عزاه إليه النسفي في تفسيره (1: 39 (وابن عباس هو عبد االله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي ابن عم الرسول صلى االله عليه وسلم، ولد قبل الهجرة بثلاث سنوات توفي سنة 68 هـ_، أنظر ابن حجر، شهاب الدين أبو الفضل احمد بن علي، الإصابة في تمييز الصحابة، 7 مج، مكتبة الكليات بالأزهر (ط 1/ 1396 هـ – 1976 م)(5: 130 - 140).
(4)
انظر: عزاه إليه السيوطي في الدر المنثور (1: 54 (وهو عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام المخزومي القرشي من صناديد قريش في الجاهلية والإسلام أسلم بعد فتح مكة وحسن إسلامه فشهد الوقائع واستشهد في اليرموك سنة 13 هـ وعمره 62 سنة، أنظر الزركلي، الأعلام (4: 244).
(5)
انظر: لأخفش الأوسط، أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي معاني القرآن، 2 جزء، تحقيق الدكتور فائز مسعد دار البشير، ط 3/ 1401 هـ - 1981 م) (1: 20).
(6)
انظر: البرهان: 1/ 173.
(7)
انظر: البرهان: 1/ 173.
(8)
انظر: البحر المحيط: 1/ 58.
(9)
أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات، البيهقي، أبو بكر احمد بن الحسين، الأسماء والصفات، 2 مج، تحقيق عبد االله بن محمد الحاشدي، مكتبة السوادي، جدة (ط 1/ 1413 هـ – 1993 م) (1: 230 (وسأشير إليه فيما بعد: البيهقي، الأسماء والصفات والأثر إسناده ضعيف فهو من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وذكر ابن حجر أن علي بن أبي طلحة أرسل عن ابن عباس ولم يره أنظر ابن حجر، شهاب الدين أحمد بن علي، تقريب التهذيب، 1 مج، مؤسسة الرسالة – بيروت، (ط 1/ 1416 هـ - 1996 م)(ص 341).
(10)
انظر: الجامع لأحكام القرآن: 1/ 156.
ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الحروف تدل على انقطاع كلام واستئناف كلام آخر، ومعنى ذلك أنه افتتح بها ليعلم أن السورة التي قبلها قد انقضت وأنه قد أخذ في أخرى، فجعل هذا علامة انقطاع ما بينهما.
من الذين قالوا بذلك: مجاهد (1) وأبو عبيدة (2) والأخفش (3).
وهذا الكلام ليس بشيء، فلا تُعد هذه الحروف دالة على انقطاع كلام واستئناف كلام آخر، فإن هذه الحروف لم تعهد مزيدة لهذه الدلالة، فقد صح الفصل بغيرها، ثم إن هذا غير مضطرد في جميع السور، فلماذا ذكرت هذه الحروف في سور ولم تذكر في أخرى. قال ابن كثير مبيناً بطلان هذا القول:"وهذا ضعيف لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه، وفيما ذكرت فيه البسملة تلاوة وكتابة"(4).
القول الثاني عشر: أن هذه الحروف جاءت للدلالة على مدة بقاء هذه الأمة، وذلك بحساب الجمل ـ بضم الجيم وفتح الميم المشددة ـ ويُعْرَف بحساب (أبي جاد)(5).
وقد ورد في ذلك حديث ضعيف، وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته، وهو عن عبدالله بن عباس عن جابر بن عبد الله أنه قال: "مر أبو ياسر بن أخطب برسول الله وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 1، 2]، فأتى أخاه حُيَيّ بن أخطب في رجال من يهود، فقال: تعلمون والله لقد سمعت محمداً يتلو فيما أنزل الله عز وجل عليه: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة: 1، 2]. فقالوا: أنت سمعته؟ قال: نعم.
فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من يهود إلى رسول الله، فقالوا: يا محمد، ألم يُذْكَر لنا أنك تتلو فيما أنزل عليك:{الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة: 1، 2]؟ فقال رسول الله: بلى. فقالوا: أجاءك بهذا جبريل من عند الله؟ قال: نعم. قالوا: لقد بعث الله ـ جل ثناؤه ـ قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك. فقال حيي بن أخطب ـ وأقبل على من كان معه فقال لهم ـ: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة. قال: فقال لهم: أتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟ ! قال: ثم أقبل على رسول الله فقال: يا محمد، هل مع هذا غيره؟ قال: نعم. قال: ماذا؟ قال: {المص} قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحدة، وللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه مائة وإحدى وستون سنة، هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: نعم، قال: ماذا؟ قال: {الر} ، قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة، فقال: هل مع هذا غيره يا محمد؟ قال: نعم {الر} ، قال: فهذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنة.
ثم قال: لقد لُبِّس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلاً أُعْطِيت أم كثيراً. ثم قاموا عنه، فقال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ولمن معه من الأحبار: ما يدريكم لعله قد جُمِع هذا كله لمحمد، إحدى وسبعون، وإحدى وستون ومائة، ومائتان وإحدى وثلاثون، ومائتان وإحدى وسبعون، فذلك سبعمائة سنة وأربع وثلاثون. فقالوا: لقد تشابه علينا أمره" (6).
(1) عزاه إليه الطبري في جامع البيان (1: 67) وهو مجاهد بن جبير أبو الحجاج المكي مولى بني مخزوم تابعي مفسر من أهل مكة، شيخ القراء والمفسرين، أخذ التفسير عن ابن عباس ولد سنة 21 هـ وتوفي سنة 104 هـ أنظر الزركلي، الأعلام: . (278: 5)
(2)
انظر: مجاز القرآن، أبو عبيدة، معمر بن مثنى التيمي، ، 2 مج، مؤسسة الرسالة، بيروت (ط 2/ 1401 هـ-1981 م): 1/ 281.
(3)
انظر: معاني القرآن: 1/ 21.
(4)
تفسير ابن كثير: 1/ 37.
(5)
انظر تفسير الطبري 1/ 68، والرازي 2/ 253، والتسهيل لعلوم التنزيل لمحمد بن أحمد بن محمد بن جُزَيّ الغرناطي الكلبي 1/ 35، ط دار الكتاب العربي ـ لبنان ـ، الرابعة 1403 هـ 1983 م، والبحر المحيط 1/ 156، والإتقان 3/ 26.
(6)
هذا حديث باطل أخرجه البخاري في التاريخ الكبير 2/ 208، وأبو عمرو الداني في كتاب البيان في عد آي القرآن ص 330، وابن جرير الطبري في تفسيره 1/ 71 و 72، كلهم من طريق محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر .....
ومحمد بن السائب الكلبي متروك ومتهم بالكذب، كما في كتاب الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي 6/ 114، والضعفاء والمتروكين للنسائي ص 91، والتقريب لابن حجر ص 479.
وأبو صالح هو باذام مولى أم هانئ، وهو ضعيف جداً، ويُرْسِل، كما في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2/ 631، والتاريخ الكبير للبخاري 2/ 144، والتقريب ص 110. قال سفيان: قال لي الكلبي: قال لي أبو صالح: كل ما حدثتك به كذب. انظر سنن البيهقي الكبرى 8/ 123، والكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص 117.
وللحديث طريق أخرى في تاريخ البخاري الكبير 2/ 208 من طريق زياد بن عبد الله البكائي، وهو متروك الحديث كما في تهذيب الكمال 9/ 485، ولسان الميزان 7/ 505.
قلت: وهذا القول مردود مرذول، والحديث الدال عليه باطل ولا يصح الاحتجاج به، وكون هذه الحروف تدل على أجل هذه الأمة ومدتها، أو على معرفة الحوادث يحتاج إلى توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم أن حرف كذا يدل على حادثة كذا وكذا، أو أن حادثة كذا يدل عليها الحرف كذا.
ومن العجيب أن أبا جعفر الطبري ضرب عن هذا القول صفحاً أول الأمر فقال: "وقال بعضهم: هي حروف من حساب الجُمَّل، كرهنا ذكر الذي حُكِي ذلك عنه، إذ كان الذي رواه ممن لا يُعتمد على روايته ونقله"(1).
ثم هو بعد عدة صفحات ألمح إلى أن هذا القول مُعْتَبَر، ثم ذكر هذا الحديث السابق (2)، وهذا تناقض واضح.
قال ابن كثير: "وأما من زعم أنها دالة على معرفة المُدَد، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم، فقد ادعى ما ليس له، وطار في غير مطاره، وقد ورد في ذلك حديث ضعيف، وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته"(3).
وأما الأخذ بحساب الجمل أو (أبي جاد) فهو أمر لا يتعلق به فائدة لجاهلي ولا إسلامي، ولا يصح أن يكون مقصداً من مقاصد الرب ـ سبحانه ـ الذي أنزل كتابه للإرشاد إلى شرائعه والهداية به، وهو أقرب ما يكون إلى السحر والتنجيم.
قال الحافظ ابن حجر بعد ذكر هذا القول: "الحمل على ذلك من هذه الحيثية باطل، وقد ثبت عن ابن عباس الزجر عن عد (أبي جاد)، والإشارة إلى أن ذلك من جملة السحر، وليس ذلك ببعيد، فإنه لا أصل له في الشريعة"(4).
وابن حجر يشير إلى حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رب مُعَلِّم حروف أبي جاد، دارس في النجوم ليس له عند الله خَلاق (5) يوم القيامة (6).
أما سبب اختصاص كل سورة بالحروف التي افتتحت بها، فمرد ذلك أن هذه السور إنما جاء في أول كل سورة منها الحروف التي كثر تردادها فيما تركب من كلماتها.
ويوضح ذلك أننا إذا قارنا بين سورة من هذه السور التي افتتحت بهذه الحروف وبين سورة أخرى تماثلها أو تقاربها في الطول وعدد الكلمات لوجدنا أن الحروف المفتتح بها تلك السورة أكثر عدداً في كلماتها من السورة الأخرى.
قال الزركشي في البرهان: "ومن ذلك السور المفتتحة بالحروف المقطعة ووجه اختصاص كل واحدة بما بُدِئت به حتى لم تكن لترد {الم} في موضع {الر}، أو {حم} في موضع {طس}، وكذا وقع في كل سورة منها ما كثر ترداده فيما يتركب من كلمها، ويوضحه أنك إذا ناظرت سورة منها بما يماثلها في عدد كلماتها وحروفها وجدت الحروف المفتتح بها تلك السورة إفراداً وتركيباً أكثر عددً في كلماتها منها في نظيرتها ومماثلتها في عدد كلمها وحروفها، وقد اطرد هذا في أكثرها، فحق لكل سورة منها ألا يناسبها غير الوارد فيها، فلو وضع موضع {ق} من سورة {ن} لم يمكن، لعدم التناسب الواجب مراعاته في كلام الله - تعالى-"(7).
(1) جامع البيان 1/ 68.
(2)
انظر جامع البيان 1/ 71 و 72.
(3)
تفسير ابن كثير 1/ 39.
(4)
فتح الباري 11/ 351.
(5)
الخَلاق: الحظ والنصيب. انظر لسان العرب 10/ 92، والنهاية في غريب الأثر لأبي السعدات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري 2/ 70، ط دار الفكر ـ بيروت ـ 1399 هـ 1979 م، بتحقيق/طاهر أحمد الزاوي، ومحمود محمد الطناحي.
(6)
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 11/ 41، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 331 إلى ابن مردويه. وهو موقوف على ابن عباس في مصنف ابن أبي شيبة 5/ 240، والموقوف أصح إلا أن له حكم الرفع، والله أعلم.
(7)
البرهان في علوم القرآن لبدر الدين محمد بن بهادر بن عبدالله الزركشي 1/ 169، ط دار المعرفة ـ بيروت ـ 1391 هـ، بتحقيق/محمد أبوالفضل إبراهيم، وانظر الإتقان 2/ 334.
فحروف الافتتاح ظاهرة التكرار في سورها أو على الأقل في الآيات التالية مباشرة لتلك الحروف، وذلك لإحداث الجرس الصوتي الجميل والمشاركة في نقل المعنى ورسم الصورة.
ولقد كثرت الألف واللام والميم في الفواتح دون غيرهن من الحروف لكثرتهن في الكلام (1).
وسورة الأعراف زيد فيها الصاد على {الم} لما فيها من شرح القصص: قصة آدم فمن بعده من الأنبياء، ولما فيها من ذكر:{كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ} [الأعراف: 2](2).
وزيد في سورة الرعد (راء) فصارت {المر} لأجل قوله: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد: 2]، ولأجل ذكر الرعد والبرق وغيرها من الكلمات التي تردد فيها حرف الراء بكثرة (3).
هذا فضلاً عما ورد فيها من الجمل المجتمع في تراكيبها الألف واللام والميم والراء في مثل قوله: {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} [الرعد: 2]، وقوله:{يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} [يونس: 3]، وقوله:{اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ} [الرعد: 8]، وقوله:{وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} [الرعد: 30]، وقوله:{فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا} [الرعد: 42].
قال السيوطي: "وقد تكرر في سورة يونس من الكلم الواقع فيها الراء مائتا كلمة أو أكثر، فلهذا افتتحت بـ: {الم} (4) ".
وقد"اشتملت سورة (ص) على خصومات متعددة، فأولها خصومة النبي صلى الله عليه وسلم مع الكفار وقولهم: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5]، ثم اختصام الخصمين عند داود، ثم تخاصم أهل النار، ثم اختصام الملأ الأعلى، ثم تخاصم إبليس في شأن آدم، ثم في شأن بنيه وإغوائهم (5) ".
وتجدر الإشارة بأن تكرار حرف الصاد في سورة (ص) يفوق كثيراً معدل تكراره في السور الأخر المجاورة لها، سواء كانت في طولها أم أطول منها قليلاً، فقد تكرر حرف الصاد في سورة (ص) تسعاً وعشرين مرة ـ بما فيها حرف الافتتاح ـ، وتكرر في سورة الزمر التي تليها مباشرة اثنين وعشرين مرة، فإذا علمت أن سورة (ص) في المصحف خمس صفحات، في حين أن سورة الزمر ثمان صفحات، وإذا حسبنا الفارق بين تكرار الحرف في السورتين فوجدناه يزيد في سورة (ص) سبع مرات عن سورة الزمر، وإذا وضعنا هذا كله في الاعتبار قلنا: إن تكرار حرف الصاد في سورة (ص) يقارب ضعف تكراره في سورة الزمر، وهذا على وجه التقريب (6).
وإذا تأملنا سورة (ق) فسنجد حرف القاف مكرراً في أكثر آياتها مرة أو مرتين في كلمة قد تكون أهم كلمة في الآية.
قال الزركشي: "سورة (ق) بُدِئت به لما تكرر فيها من الكلمات بلفظ القاف، من ذكر القرآن، والخلق، وتكرير القول ومراجعته مراراً، والقرب من ابن آدم، وتلقي الملكين، وقول العتيد الرقيب، والسائق والإلقاء في جهنم، والتقدم بالوعد، وذكر المتقين، والقلب والقرون والتنقيب في البلاد، وتشقق الأرض، وحقوق الوعيد، وغير ذلك"(7).
(1) هكذا قال الزركشي في البرهان 1/ 168، وقال ـ أيضاً ـ:"واعلم أن الأسماء المتهجاة في أول السور ثمانية وسبعون حرفاً: فالكاف والنون كل واحد في مكان واحد، والعين والياء والهاء والقاف كل واحد في مكانين، والصاد في ثلاثة، والطاء في أربعة، والسين في خمسة، والراء في ستة، والحاء في سبعة، والألف واللام في ثلاثة عشر، والميم في سبعة عشر": اهـ البرهان 1/ 167.
(2)
انظر الإتقان 3/ 335.
(3)
انظر الإتقان 3/ 335.
(4)
الإتقان 3/ 334.
(5)
الإتقان 3/ 334.
(6)
تفسير الحروف المقطعة، د. محمد حسن أبو النجا (مصدر سابق).
(7)
البرهان للزركشي 1/ 169، وانظر الإتقان 3/ 334.
وقد اطرد هذا في السور المفتتحة بحروف التهجي، فحق لكل سورة منها ألا يناسبها غير الحروف المفتتحة بها، فلو وقع:{الم} في موضع {كهيعص} مثلاً، أو {طس} في موضع {حم} أو غير ذلك لم يصح لانعدام المناسبة التي يجب مراعاتها في كتاب الله - تعالى - (1).
وخلاصة القول أن عدم ورود النقل بأن لها معاني لا يدل على انتفاء ثبوت المعاني لها في نفس الأمر. فإن عدم الدليل في أذهاننا لا يلزم منه عدم المدلول في نفس الأمر، وهذا غاية في الوضوح؛ وأقرب دليل يذكر هو ما دل على أن كل ما في القرآن له معاني بالقطع واليقين، والحروف المقطعة من القرآن، فلها معاني قطعا ويقينا، والنقل يفتقر إليه في توضيح الغامضات، أما توضيح الجليات فلا يشترط في ذلك نقل، ومن الجليات أن جميع ما في القرآن له معاني في نفس الأمر.
ثم القول بأن للحروف المقطعة حكمة وسر، وبعد ذلك ننفي المعاني عنها كليا، ففيه من التناقض ما لا يخفى، إذ الحكمة والسر لا يكونان إلا في ضمن المعاني، فإثبات الحكمة والسر للحروف المقطعة هو عين إثبات المعاني لها، وجهلنا بالحكمة والسر هو جهل بالمعاني، والعكس صحيح.
فيمكن القول بأن الحروف المقطعة لها معاني خاصة، سميت أسرارا وحكما أو غير ذلك، ومن رحمة الله تعالى بنا أنه لم يكلفنا بإدراكها، بل نؤمن بتنزيلها وكونها كلام الله تعالى، ونفوض له سبحانه العلم بحقيقة ما أراد من معانيها، دون أن نزيغ بها إلى معاني باطلة كما وقع لبعض الإشراقيين والفلاسفة الإسلاميين، ودون أن نسلبها معانيها في نفس الأمر بحيث يلزم من ذلك ثبوت كلام لله تعالى لا مدلول له في نفس الأمر، تعالى كلام ربنا عن ذلك.
وهذا مرجع كلام الصحب الكرام رضوان الله تعالى عليهم (2).
ولاشك بأن هذه الحروف للإعجاز، وإننا عندما نقول بذلك لا يعني أننا نقتصر على هذا القول، فقد يكون لنزولها حكم أخرى -كما أشرت اليه سابقا -وقد ذكر الذين ردوا هذا القول كالشيخ محمد شلتوت أن العرب قد عرفوا عجزهم عن الإتيان بمثله وسجله القرآن عليهم فليسوا بحاجة إلى مثل هذه الحروف. نقول: حقاً انهم قد عرفوا عجزهم عن ذلك ولكن ما المانع من تكرار تسجيل ذلك عليهم مرة تلو المرة حتى يستدعي ذلك انتباههم، وحتى يذكرهم بعجزهم وضعفهم، ثم إنك تجد من مدلولات هذا التكرار استمرارية التحدي، ألم تر أن االله تحداهم أن يأتوا بمثل القرآن، وتحداهم أن يأتوا بعشر سور، وتحداهم أن يأتوا بسورة من مثله، وكل ذلك لإظهار عجزهم مع انهم يعلمون من أنفسهم ذلك العجز. وهنا ضربٌ آخر لتبكيتهم وإظهار عجزهم، وهو أن يذكر هذه الحروف احتجاجاً عليهم، فإن فيها تنبيه على أن القرآن ليس إلا من هذه الحروف، فهم قادرون عليها، فكان واجب عليهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فعجزهم دال على أنه من عند االله. والله أعلم، وله الحمد في الأولى والآخرة.
جدول توزيع الحروف المقطعة في أوائل سور القرآن الكريم:
1
…
حروف ذات الحرف الواحد والتي لم تتكرر
…
(ن)، (ق)، (ص).
2
…
حروف ذات الحرفين والتي لم تتكرر
…
(طس)، (يس)، (طه).
3
…
حروف ذات الحرفين والتي تكررت 7 مرات
…
(حم).
4
…
حروف ذات الثلاثة أحرف والتي تكررت مرتان فقط
…
(طسم)
5
…
حروف ذات الثلاثة أحرف والتي تكررت 6 مرات
…
(الم).
6
…
حروف ذات الثلاثة أحرف والتي تكررت 5 مرات
…
(الر).
(1) تفسير الحروف المقطعة، د. محمد حسن أبو النجا (مصدر سابق).
(2)
يقول الطبري: "هي حروف يشتمل كل حرف منها على معاني شتى مختلفة"(انظر: تفسيره: 1/ 209).
7
…
حروف ذات أربعة أحرف ولم تتكرر
…
(المر)، (المص).
8
…
حروف ذات الخمسة أحرف ولم تتكرر
…
(كهيعص)، (حمعسق)
الحروف بعد حذف المكرر منها (أربعة عشر حرفًا فقط)، وهي نصف عدد الحروف الأبجدية، وهي:
…
(ال م ص ر ك هـ ي ع ط س ح ق ن)
القرآن
[ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)]{البقرة: 2}
التفسير:
ذلك القرآن هو الكتاب العظيم الذي لا شَكَّ أنه من عند الله، فلا يصح أن يرتاب فيه أحد لوضوحه، ينتفع به المتقون بالعلم النافع والعمل الصالح وهم الذين يخافون الله، ويتبعون أحكامه.
قوله تعالى: [ذَلِكَ الْكِتَابُ]: أي "هذا الكتاب"(1)، وهو القرآن العظيم، قاله مجاهد (2)، وعكرمة (3)، والسدي (4)، وابن جريج (5)، وهذا قول عامة المفسرين (6).
قال السعدي: " أي: هذا الكتاب العظيم الذي هو الكتاب على الحقيقة، المشتمل على ما لم تشتمل عليه كتب المتقدمين والمتأخرين من العلم العظيم، والحق المبين"(7).
و"الكتاب" من أسماء القرآن الأربعة: "القرآن والكتاب، والذكر، والفرقان"(8)، وهذا هو التحقيق-وإن بقى اسم خامس ألا وهو التنزيل- لأن "كل من ذكر هذا العدد الكثير قد خلط بينما هو اسم وما هو صفة. وهذا العدد إنما هو من قبيل الأوصاف التي لا ينبغي نظمها في سلك الأسماء كمن يعد كلا من (قُرْآنٌ كَرِيمٌ)، (قُرْآنٌ مَّجِيدٌ)، (ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ) أسماء دون تفرقة بين ما هو موصوف، وما هو منها وصف، في نحو قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} [الواقعة: 77]، {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ} [البروج: 21]، {وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} [الأنبياء: 50] "(9).
وتجدر الإشارة بأن أصل (الكتاب) في اللغة هو: الجمع والضم، وسمي بذلك كما يقول الإمام الزركشي –رحمه الله:" لأنه يجمع أنواعا من القصص والآيات والأحكام والأخبار على أوجه مخصوصة"(10).
ويقول الإمام السيوطي – رحمه الله: "فأما تسميته كتابا فلجمعه أنواع العلوم والقصص والأخبار على أبلغ وجه والكتاب لغة الجمع"(11).
وفي وجه تسمية القرآن بالـ (القرآن والكتاب)، يقول أحد الباحثين: " وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، يعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعا، أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع
(1) تفسير الطبري: 1/ 225.
(2)
أنظر: تفسير الطبري (247): ص 1/ 225.
(3)
أنظر: تفسير الطبري (248): ص 1/ 225.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (249): ص 1/ 225.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (250): ص 1/ 225.
(6)
تفسير الطبري: 1/ 225، وتفسير ابن كثير: 1/ 70، والدر المنثور: 1/ 24، والشوكاني: 1/ 21.
(7)
تفسير السعدي: 1/ 40.
(8)
ذكر العلماء أسماء كثيرة للقرآن الكريم وصّلها البعض إلى نيّف وتسعين اسماً. ثم إن كلاً من الإمام الزركشي والإمام السيوطي ذكرا خمسة وخمسين اسما؛ بل إن الإمام الفيروزبادي ذكر مائة اسم، وهذا تساهل منهم -رحمهم الله تعالى وقد فصلنا القول فيه في مقدمة التفسير. (للاستزادة في هذا الموضوع يمكن الرجوع إلى: البرهان في علوم القرآن 1/ 273 الإتقان في علوم القرآن 1/ 143، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز 1/ 88 - 96).
(9)
ينظر: منة المنان في علوم القرآن، إبراهيم خليفة: 1/ 34.
(10)
البرهان في علوم القرآن: 1/ 276.
(11)
الإتقان في علوم القرآن: 1/ 143.
عليه من الأصحاب المنقول إلينا جيلا بعد جيل، على هيئته التي وضع عليها أول مرة، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر .. وبهذا بقي القرآن محفوظا في حرز حريز، إنجازا لوعد الله الذي تكفل بحفظه حيث يقول {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] " (1).
كما ودلت على هذه التسمية نصوص الكتاب كقوله تعالى:
- {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)} [البقرة: 1 - 2].
- {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1)} [الكهف: 1].
- {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17)} [الشورى: 17].
- {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} [آل عمران: 7](2).
قال الطاهر بن عاشور-رحمه الله: " وفي هذه التسمية -أي بالكتاب - معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم بأن ما أوحي إليه سيكتب في المصاحف"(3)، كما وأن أسلوب القرآن في استخدام كلمة (الكتاب)، تحددها السياق الذي وردت فيه الكلمة (4).
والخطاب في قوله تعالى: {ذلك} ، لكل مخاطب يصح أن يوجه إليه الخطاب؛ والمعنى: ذلك أيها الإنسان المخاطَب (5)، وقد اختلف في ذلك (الغائب) على عدة أقوال (6):
أحدها: يعني التوراة والإنجيل، ليكون إخباراً عن ماضٍ.
ومن ثم اختلفوا في المخاطب به على قولين (7):
(1) النبأ العظيم، د. محمد دراز:12.
(2)
يراد بكلمة الكتاب في المرة الأولى (القرآن الكريم)، لأنه الكتاب الذي أنزله الله على رسوله محمد عليه السلام.
(3)
التحرير والتنوير: 1/ 73.
(4)
نذكر منها على سبيل المثال:
- الكتاب أي (التوراة):
ومن ذلك قوله تعالى: "وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ"(البقرة: 53).
- الكتاب أي (أسفار العهدين القديم والجديد)
ومن ذلك قوله تعالى: " إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ"(آل عمران: 19).
فقوله: "الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ" معناه الذين أوتوا الأسفار الدينية من يهود ونصارى.
ومنه قوله تعالى لأهل الكتاب: "أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ"(البقرة: 44).
فالكتاب هنا مراد به الأسفار الدينية التي يؤمنون بها، وهي أسفار العهد القديم المتكون من 39 كتابا، وأسفار العهد الجديد المتكون من 27 كتابا.
- الكتاب أي الوحي المنزل على الأنبياء من ذرية نوح وإبراهيم-عليهما السلام:
وذلك في قوله تعالى: "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ? فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ"(الحديد: 26).
- الكتاب أي كتب (أهل الكتاب):
قال تعالى: "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ"(المائدة: 48).
ولا يخفى بأن ما قبْل القرآن من الكتاب هو كتب أهل الكتاب، من كتب قديمة يؤمن بها اليهود، وكتب جديدة يؤمن بها المسيحيون مع إيمانهم بالكتب القديمة. قال ابن عاشور (ت 1973 م):"والكتاب الأول القرآن، فتعريفه للعهد. والكتاب الثاني جنس يشمل الكتب المتقدمة، فتعريفه للجنس"(التحرير والتنوير: 6/ 221.)، فهيمنة القرآن على الكتاب معناها أنه مهيمن على الكتب الدينية السابقة.
- الكتاب أي (العدة)
ووردت كلمة (الكتاب) في القرآن مرادا بها العِدَّة، وهو استخدام مجازي بإطلاق الكتاب وإرادة العِدَّة المذكورة فيه، وذلك في قوله تعالى:"وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ"(البقرة: 235).
فبلوغ الكتاب أجله معناه بلوغ العِدَّة المكتوبةِ أجلَها. وعدة المتوفى عنها زوجها هي أربعة أشهر وعشرة أيام.
الكتاب أي (مجموع الواجبات)
قد وردت كلمة (الكتاب) بمعنى مجموع ما كتبه الله على عباده من الواجبات والمحرمات، وهو استخدام مجازي بإطلاق الكتاب وإرادة المكتوب فيه، ومن ذلك قوله تعالى:"هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ"(الجمعة: 2).
(5)
أنظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 25.
(6)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 67، والمحرر الوجيز: 1/ 83، وتفسير القرطبي: 1/ 156 وما بعدها بتصرف بسيط.
(7)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 67.
القول الأول: أن المخاطب به النبي-صلى الله عليه وسلم، أي ذلك الكتاب الذي ذكرته في
التوراة والإنجيل، هو الذي أنزلته عليك يا محمد.
والقول الثاني: أن المخاطب به اليهود والنصارى، وتقديره: أن ذلك الذي وعدتكم به هو هذا الكتاب، الذي أنزلته على محمد عليه وعلى آله السلام.
والثاني: يعني به ما نزل من القرآن قبل هذا بمكة والمدينة، وهذا قول الأصم.
والثالث: يعني هذا الكتاب، قاله الحسن (1) وابن عباس (2)، مجاهد (3)، وعكرمة (4)، والسدي (5)، وابن جريج (6)، وهكذا فسره سعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم (7).
وأصحّ الأقوال هو تفسير (ذلك الكتاب) بـ (هذا الكتاب)، وهو قول الطبري وعامة المفسرين، "لأن ذلك أظهرُ معاني قولهم الذي قالوه في (ذلك)، وقد وَجَّه معنى (ذلك) بعضُهم، إلى نظير معنى بيت خُفاف بن نُدبة السُّلميّ (8):
فَإن تَكُ خَيْلي قد أُصِيبَ صَمِيمُها
…
فَعَمْدًا على عَيْنٍ تَيَمَّمْتُ مَالِكَا
أقولُ له، والرُّمحُ يأطِرُ مَتْنَهُ:
…
تأمَّل خُفافًا، إنني أنا ذلِكَا (9)
كأنه أراد: تأملني أنا ذلك. فزعم أنّ " ذلك الكتاب " بمعنى " هذا "، نظيرُه، أظهر خفافٌ من اسمه على وجه الخبر عن الغائب، وهو مخبر عن نفسه. فكذلك أظهر (ذلك) بمعنى الخبر عن الغائب، والمعنى فيه الإشارة إلى الحاضر المشاهَد" (10).
وفي البخاريّ: "وقال معمر ذلك الكتاب: هذا القرآن"(11)، قد ورد (هذا) بمعنى (ذلك) في الحديث الشريف، قال عليه السلام في حديث أُمِّ حَرَام:"ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج البحر"(12).
قوله تعالى: {لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2]، أي:"لاشكّ فيه، ولا ارتياب به"(13).
قال أبو الدرداء: "الريب- يعني الشك- من الكفر"(14).
قال الثعلبي: أي" لا شكّ فيه، إنّه من عند الله"(15).
(1) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (54): ص 1/ 34.
(2)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 34.
(3)
أنظر: تفسير الطبري (247): ص 1/ 225.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (248): ص 1/ 225، وابن أبي حاتم (53): ص 1/ 33.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (249): ص 1/ 225.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (250): ص 1/ 225.
(7)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم 1/ 33.
(8)
الأغاني 2: 329/ 13: 134، 135/ 16: 134، والخزانة 2: 470، وغيرهما، ويأتي في الطبري 1: 314، 437. يقول الشعر في مقتل ابن عمه معاوية بن عمرو أخى الخنساء. ومالك، هو مالك بن حِمَار الشمخي الفزاري. والخيل هنا: هم فرسان الغارة، وكان معاوية وخفاف غزوَا بني مرة وفزارة. والصميم: الخالص المحض من كل شيء. وأراد معاوية ومقتله يومئذ. ويقال: " فعلت هذا الأمر عمد عين، وعمدًا على عين "، إذا تعمدته مواجهة بجد ويقين. وتيمم: قصد وأمَّ.
(9)
" أقول له "، يعني لمالك بن حِمَار. وأطر الشيء يأطره أطرًا: هو أن تقبض على أحد طرفي الشيء ثم تعوجه وتعطفه وتثنيه. وأراد أن حر الطعنة جعله يتثنى من ألمها، ثم ينحني ليهوى صريعًا إذ أصاب الرمح مقتله. وأرى أن الإشارة في هذا البيت إلى معنى غائب، كأنه قال:" أنا ذلك الذي سمعت به وببأسه ". وهذا المعنى يخرج البيت عن أن يكون شاهدًا على ما أراد الطبري. (تفسير الطبري: 1/ 227).
(10)
تفسير الطبري: 1/ 227.
(11)
فتح الباري، كتاب التوحيد: 13/ 503.
(12)
: أخرجه مسلم في "صحيحه"، كتاب الإمارة، باب فضل الغزو في البحر، 6/ 49، حديث رقم:(5043)، بلفظه مطولاً.
(13)
المحرر الوجيز: 1/ 83.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (55): ص 1/ 34. قال ابن أبي حاتم: " ولا أعلم في هذا الحرف [أي الريب]، اختلافا بين المفسرين، منهم: ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبو مالك، ونافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي رباح، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، ومقاتل بن حيان، والسدي، وإسماعيل بن أبي خالد". [تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 34].
(15)
تفسير الثعلبي: 1/ 142.
قال ابن كثير: أي: " لا شك فيه أنه نزل من عند الله، كما قال تعالى في السجدة: {الم * تَنزيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [السجدة: 1، 2] "(1).
قال البغوي: أي: " لا شك فيه أنه من عند الله عز وجل وأنه الحق والصدق"(2).
قال ابن عطية: " والمعنى: أنه في ذاته لا ريب فيه وإن وقع ريب للكفار"(3).
قال القاسمي: أي" لا شك أنه [أي القرآن] من عند الله تعالى"(4).
وقال الزمخشري: "الريبة: قلق النفس وااضطرابها"(5).
قال السعدي: "ونفي الريب عنه، يستلزم ضده، إذ ضد الريب والشك اليقين، فهذا الكتاب مشتمل على علم اليقين المزيل للشك والريب، وهذه قاعدة مفيدة، أن النفي المقصود به المدح، لا بد أن يكون متضمنا لضده، وهو الكمال، لأن النفي عدم، والعدم المحض، لا مدح فيه"(6).
قال ابن عثيمين: " و"الريب" هو الشك؛ ولكن ليس مطلق الشك؛ بل الشك المصحوب بقلق لقوة الداعي الموجب للشك؛ أو لأن النفس لا تطمئن لهذا الشك؛ فهي قلقة منه. بخلاف مطلق الشك.؛ ولهذا من فسّر الريب بالشك فهذا تفسير تقريبي؛ لأن بينهما فرقاً"(7).
وقرأ ابن كثير قوله تعالى: {فيه} [البقرة: 2]، "بالإشباع في الوصل، وكذلك كل (هاء) كناية قبلها ساكن يشبعها وصلا ما لم يلقها ساكن ثم إن كان الساكن قبل الهاء ياء يشبعها بالكسرة (ياء) وإن كان غير (ياء) يشبعها بالضم (واوا)، ووافقه حفص في قوله "فيه مهانا"} [الفرقان: 69]، فيشبعه"(8).
قال ابن كثير: "ومن القراء من يقف على قوله: {لا رَيْبَ}، ويبتدئ بقوله: {فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}، والوقف على قوله تعالى: {لا رَيْبَ فِيهِ}، أولى للآية التي ذكرنا، ولأنه يصير قوله: {هُدًى} صفة للقرآن، وذلك أبلغ من كون: {فِيهِ هُدًى} "(9).
وقد ذكر أهل العلم في قوله تعالى: {لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2] ثلاثة أوجه:
أحدها: أن (الريب)، هو الشك، وهو قول ابن عباس (10)، فـ (الريب)، مصدر من (راب)، وهو أن تتوهم في الشيء أمراً ما، ثم ينكشف عما توهمت فيه، والأرابة أن تتوهمه، فينكشف بخلاف ما توهمت، ولهذا قيل:" القرآن فيه أرابة وليس فيه ريب"(11)، ومن ذلك قول ساعدة بن جُؤَيَّة الهذليّ (12):
فقالوا: تَرَكْنَا الحَيَّ قد حَصِرُوا به
…
فلا رَيْبَ أنْ قد كان ثَمَّ لَحِيمُ
ومنه قول عبد الله بن الزِّبَعْرَى (13):
لَيْسَ في الْحَقِّ يَا أُمَيْمَةُ رَيْبٌ
…
إِنَّمَا الرَّيْبُ مَا يَقُولُ الْجَهُولُ
فالقرآن لا شك ولا ريب أنه موحى من عند الله، كما قال تعالى:{تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [السجدة: 2]، فهذا الكتاب "مشتمل على علم اليقين المزيل للشك والريب أن النفي المقصود به المدح، لا بد أن يكون متضمنا لضده، وهو الكمال، لأن النفي عدم، والعدم المحض، لا مدح فيه"(14)، وأن
(1) تفسير ابن كثير: 1/ 162.
(2)
تفسير البغوي: 1/ 59.
(3)
المحرر الوجيز: 1/ 83.
(4)
تفسير القاسمي: 1/ 242.
(5)
الكشاف: 1/ 34.
(6)
تفسير السعدي: 1/ 40.
(7)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 26.
(8)
تفسير البغوي: 1/ 59.
(9)
تفسير ابن كثير: 1/ 162.
(10)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 34.
(11)
تفسير الرابغ الأصفهاني: 1/ 115.
(12)
ديوان الهذليين 1: 232، واللسان (حصر)، ويروى:" حَصَرُوا " و " حَصِرُوا " والفتحُ أكثر، والكسر جائز. يعني بقوله " حصروا به ": أطافوا به. ويعني بقوله " لا ريب ". لا شك فيه. وبقوله " أن قد كان ثَمَّ لَحِيم "، يعني قتيلا يقال: قد لُحِم، إذا قُتل.
(13)
من شواهد تفسير القرطبي: 1/ 159، والدر المصون: 1/ 85، والبحر المحيط: 1/ 133، والنكت والعيون: 1/ 67.
(14)
تفسير السعدي: 1/ 41.
التنويه بهذا الكمال يستوجب حمد الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} [الكهف: 1].
قال ابن الأثير: "الريب هو بمعنى الشك .. يقال: رابني الشىء وأرابني، بمعنى: شككنى، وقيل: أرابني في كذا، أي: شككنى وأوهمني الريبة فيه، ومنه الحديث: "دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يُرِيبُكَ" (1)، أَي دع ما تشك فيه إلى ما لا تشك فيه"(2)، ومنه " ومنه: ريب الزمان، وهو ما يقلق النفوس ويشخص بالقلوب من نوائبه" (3).
وتجدر الإشارة بأن شيخ الاسلام ابن تيمية قد فرّق بين الشك والريب، بأن الريب يكون في علم القلب، وفي عمل القلب، بخلاف الشك، لايكون إلا في العلم (4).
والثاني: أن (الريب): التهمة، ومنه قول جميل (5):
بُثَيْنَةُ قالتْ: يا جَمِيلُ أَرَبْتَنِيُ
…
فَقُلْتُ: كِلانَا يَا بُثَيْنَ مُرِيب
والثالث: أن (الريب): هو الحاجة، قال ابن فارس:"يقال: إن الريب الحاجة. وهذا ليس ببعيد؛ لأن طالب الحاجة شاك، على ما به من خوف الفوت"(6)، ومنه قول كعب بن مالك (7):
قَضَيْنَا مِنْ تِهَامَةَ كُلَّ رَيْبٍ
…
وخيبَر ثمَّ أَجْمَمْنَا السّيُوفا
أي: انتهينا من الحاجات بالسيوف، ففتحنا نجد بالإسلام وفتحنا تهامة (8).
واختلف أهل العلم في الفرق بين (راب) و (أراب)، على قولين:
أحدهما: أن الكلمتين مختلفتين في المعنى، قال: سيبويه: " (أراب) الرجل أي: صار صاحب ريبة. كما قالوا: ألام، أي: استحق أن يلام، وأما (رابني) فمعناه: جعل في ريبة، كما تقول: قطعت النخل، أي: أوصلت إليه القطع، واستعملته فيه"(9).
وقال أبو زيد (10): "قد رابني من فلان أمر رأيته منه رَيْبًا، إذا كنت مستيقنا منه بالريبة، فإذا أسأت به الظن ولم تستيقن بالريبة منه قلت: قد أرابني من فلان أمر هو فيه، إذا ظننته من غير أن تستيقنه"(11).
والثاني: وقال آخرون (12) بأن: (راب) و (أراب) بمعنى واحد، وأنشدوا قول خالد بن زهير الهذلي (13):
(1) ابن حنبل في مسنده ج 1/ ص 200 حديث رقم: 1727، رواه الترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه وقال الترمذي حديث حسن صحيح وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم (1737).
(2)
النهاية في غريب الحديث: والأثر: 2/ 286، وانظر اللسان:(ريب).
(3)
الكشاف: 1/ 34.
(4)
أنظر: مجموع الفتاوى: 7/ 281.
(5)
ديوانه: 17، بتحقيق: فوزي عطوي، دار صعب، بيروت، ط 2، 1980.
(6)
معجم مقاييس اللغة: (ريب): 2/ 385.
(7)
أنظر: سيرة ابن هشام: 2/ 479، وأسد الغابة: 4/ 188، وروايته فيه:
قضينا من تهامة كل وتر
…
وخيبر ثُمَّ أغمدنا السيوفا
وأجممنا: أرحنا.
(8)
وقد ورد لفظ (الريب) باشتقاقاته في سبعة وثلاثين موضعا في القرآن الكريم، على ثلاثة أوجه:
أحدها: الشك: في قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2].
والثاني: الحوادث: ومنه قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} [الطور: 30].
والثالث: الحسرة: قال تعالى: {لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 110].
(9)
الكتاب: 4/ 60.
(10)
هو سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري، صاحب النحو واللغة، توفي سنة خمس عشرة ومائتين. انظر "طبقات النحويين واللغويين" ص 156، "تاريخ بغداد" 9/ 77، "إبناه الرواة" 2/ 30.
(11)
ذكره أبو علي في "الحجة" 1/ 179، ونحوه عند الأزهري قال: هذا قول أبي زيد (راب) 15/ 252، ولم أجده في "نوادر أبي زيد".
(12)
انظر: "تهذيب اللغة"(راب) 2/ 1306 - 1307، "الصحاح"(ريب) 1/ 141، "اللسان"(ريب) 3/ 1788 - 1789.
(13)
انظر: شرح أشعار الهذليين: 1/ 207، الحجة لأبي على: 1/ 180، وتهذيب اللغة (أتى) 1/ 116 - 117، "المخصص" 12/ 303، 14/ 24، 28، والصحاح: 1/ 141، واللسان:(ريب) 3/ 1788 - 1789، والخزانة: 5/ 84، وشرح أشعار الهذليين، للسكري 1/ 207، والخزانة، للبغدادي 5/ 76 - 86.
وخالد بن زهير الهذلي أحد شعراء الهذليين المشهورين عشق امرأة كان يأتيها أبو ذؤيب الهذلي خاله، وجرت بينهما أشعار في ذلك منها، "بيت الشاهد" وقتل خالد بسبب تلك المرأة في قصة طويلة، وفي البيت يخاطب أبا ذؤيب، والأبيات في أشعار الهذليين وتمامه:
يا قوم ما بال أبي ذؤيب
…
كنت إذا أتوته من غيب
يشم عطفي ويمس ثوبي
…
كأنني قد ربته بريب
انظر الهذليين 1/ 165. ورواية اللسان: (ريب):
يا قوم ما لي وأبا ذؤيب
…
كنت إذا أتيته من غيب
يشم عطفي ويبزّ ثوبي
…
كأنني أربته بريب
وأتوته: لغة في أتيته.
كأنّني أربته بريب
قال الواحدي: " والحذاق على الفرق بينهما"(1).
وقال الأزهري: "والقول في (راب وأراب) قول أبي زيد حسن"(2).
واختلف في قوله تعالى: {لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2]، على ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنها جملة خبرية تفيد النفي، والمعنى:"ليس فيه ريب أبداً"(3)،
والثاني: وقيل: أن الخبر هنا بمعنى النهي. أي "لا ترتابوا فيه"(4)، ومن ذلك قوله تعالى:{فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ} [البقرة: 197]، أي:"لا ترفثوا ولا تفسقوا"(5).
والذي أوجب أن يفسروا النفي بمعنى النهي قالوا: لأنه قد حصل فيه ريب من الكفار، والمنافقين؛ قال تعالى:{فهم في ريبهم يترددون} [التوبة: 45]؛ فلا يستقيم النفي حينئذ؛ وتكون هذه القرينة الواقعية من ارتياب بعض الناس في القرآن قرينةً موجبة لصرف الخبر إلى النهي (6).
والثالث: وقيل: أنه مخصوص والمعنى: لا ريب فيه عند المؤمنين (7). قال ابن عطية: "وهذا ضعيف"(8).
والقول الأول أبلغ، ويدل عليه الظاهر (9). والله أعلم.
قال الراغب: " إن قيل: كيف نفى الريب عنه، وقد علم تشكك كثير من الناس فيه؟ قيل: في ذلك أجوبة:
الأول: إن ذلك نفي على معنى النهي نحو قوله: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} ، بدلالة قوله:{فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} وقوله: {فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ}
فإن قيل: الشك لا يقصده الإنسان، فكيف ينهى عنه؟ قيل: اللفظ لذلك، والمعنى حث على التدبر والتفكر النافيين للشك.
(1) التفسير البسيط: 2/ 38.
(2)
التهذيب: 2/ 1306.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 27.
(4)
تفسير ابن كثير: 1/ 162.
(5)
تفسير البغوي: 1/ 59.
(6)
أنظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 27.
(7)
ينظر: المحرر الوجيز: 1/ 83.
(8)
المحرر الوجيز: 1/ 83.
(9)
قال الشيخ ابن عثيمين: "فإن قال قائل: ما وجه رجحانه؟
فالجواب: أن هذا ينبني على قاعدة هامة في فهم وتفسير القرآن: وهي أنه يجب علينا إجراء القرآن على ظاهره، وأن لا نصرفه عن الظاهر إلا بدليل، مثل قوله تعالى:{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228]، فهذه الآية ظاهرها خبر؛ لكن المراد بها الأمر؛ لأنه قد لا تتربص المطلقة؛ فما دمت تريد تفسير القرآن الكريم فيجب عليك أن تجريه على ظاهره إلا ما دلّ الدليل على خلافه؛ وذلك؛ لأن المفسر للقرآن شاهد على الله بأنه أراد به كذا، وكذا؛ وأنت لو فسّرت كلام بشر على خلاف ظاهره لَلامَكَ هذا المتكلم، وقال:"لماذا تحمل كلامي على خلاف ظاهره! ليس لك إلا الظاهر"؛ مع أنك لو فسرت كلام هذا الرجل على خلاف ظاهره لكان أهون لوماً مما لو فسرت كلام الله؛ لأن المتكلم. غير الله. ربما يخفى عليه المعنى، أو يعييه التعبير، أو يعبر بشيء ظاهره خلاف ما يريده، فتفسره أنت على ما تظن أنه يريده؛ أما كلام الله عز وجل فهو صادر عن علم، وبأبلغ كلام، وأفصحه؛ ولا يمكن أن يخفى على الله عز وجل ما يتضمنه كلامه؛ فيجب عليك أن تفسره بظاهره ..
فقوله تعالى: {لا ريب فيه} : ظاهرها أنها جملة خبرية تفيد النفي؛ والمعنى: ليس فيه ريب أبداً؛ وقيل: إن الخبر هنا بمعنى النهي؛ فمعنى: {لا ريب فيه} : لا ترتابوا فيه؛ والذي أوجب أن يفسروا النفي بمعنى النهي قالوا: لأنه قد حصل فيه ريب من الكفار، والمنافقين؛ قال تعالى:{فهم في ريبهم يترددون} [التوبة: 45]؛ فلا يستقيم النفي حينئذ؛ وتكون هذه القرينة الواقعية من ارتياب بعض الناس في القرآن قرينةً موجبة لصرف الخبر إلى النهي؛ ولكننا نقول: إن الله تعالى يتحدث عن القرآن من حيث هو قرآن. لا باعتبار من يتلى عليهم القرآن.؛ والقرآن من حيث هو قرآن لا ريب فيه". [تفسير ابن عثيمين: 1/ 27].
والثاني: أنه يقال: رابني كذا، إذا تحققت منه الريبة، وأرابني: أوهمني الريبة.
قال الشاعر (1):
أَخُوكَ الَّذِي إِنْ رِبْتَهُ قَالَ إِنَّمَا
…
أَرَبْتَ وَإِنْ عَاتَبْتَهُ لَانَ جَانِبُهُ
فالقرآن لا ريب فيه، وإن كان فيه ارتياب من بعض الكفار.
والثالث: أنه يقال: هذا لا ريب فيه، والقصد إلى أنه حق، تنبيهاً أن الريب يرتفع عن عند التدبير والتأمل.
والرابع: أنه لا ريب في كونه مؤلفاً من حروف التهجي وقد عجزتم عن معارضته.
والخامس: لا ريب فيه للمتقين، ويكون خبر {لا ريب فيه} قوله تعالى:{للمتقين} و {هدى} ، نصب على الحال أو خبر ابتداء مضمر في موضع الحال" (2).
قوله تعالى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2]، " أي هادٍ للمؤمنين المتقين"(3).
قال البغوي: " أي رشد وبيان لأهل التقوى"(4).
قال القاسمي: " أي: هاد لهم ودالّ على الدين القويم المفضي إلى سعادتي الدارين"(5).
قال الواحدي: " ومعنى الهدى: البيان، لأنه قد قوبل به الضلال في قوله عز وجل {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [البقرة: 198]، أي: من قبل هداه"(6).
وقال ابن عطية: "و {هُدىً}، معناه رشاد وبيان"(7).
وقال الآلوسي: " وخص المتقين بالذكر تشريفاً لهم"(8).
وقال ابن كثير: " وخصّت الهداية للمتَّقين، كما قال: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [فصلت: 44]. {وَنُنزلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا} [الإسراء: 82] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اختصاص المؤمنين بالنفع بالقرآن؛ لأنه هو في نفسه هدى، ولكن لا يناله إلا الأبرار، كما قال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57] "(9).
وقال الشنقيطي: " قوله تعالى {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} ، صرح في هذه الآية بأن هذا القرءان {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} ، ويفهم من مفهوم الآية أعني مفهوم المخالفة المعروف بدليل الخطاب أن غير المتقين ليس هذا القرءان هدى لهم وصرح بهذا المفهوم في آيات أخر كقوله:{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [فصلت: 44]، وقوله:{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82]،
(1) أَي إِن فعلت مَعَه مَا يُوجب شكه فِي مودتك رَاجع نَفسه. وَقَالَ: إِنَّمَا قربني من الشَّك وَلم أَشك فِيهِ. أَي التمس لَك الْعذر.
(2)
تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 76.
(3)
صفوة التفاسير: 1/ 26.
(4)
تفسير البغوي: 1/ 60.
(5)
محاسن التأويل: 1/ 243.
(6)
التفسير البسيط: 2/ 47، وانظر: الحجة للقراء السبعة: 1/ 186، وانظر: تفسير الطبري" 1/ 98، ومعاني القرآن للزجاج 1/ 33، وتفسير أبي الليث: 1/ 90.
ولـ (الهدى) معنايان:
- الهدى العام (هداية بيان): وهو هدى الدلالة والدعوة والإرشاد، قال قال الله تعالى:"ولكل قوم هاد"[الرعد: 7]. وقال: "وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم"[الشورى: 52].فأثبت لهم الهدى الذي معناه بيان الطريق المستقيم، ومنه قوله تعالى:(وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ) أي بيّنا لهم الطريق على لسان صالح.
- الهدى الخاص (هداية التوفيق): ومعناه التأييد والتوفيق الإلهي لهداية العبد إلى مرضاه، قال تعالى:{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56]، وقوله تعالى:{مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 178]، وقال "أولئك على هدى من ربهم" [البقرة: 5] وقوله: "ويهدي من يشاء"[فاطر: 8].
يتضح من المعنيين أن (هداية الدعوة والبيان) عامة للمؤمن والكافر، ويصح إسنادها إلى الله وغير الله، أما (هداية التوفيق) فهي خاصة فلا تسند إلا لله تعالى لأنها ليست من مقدور غير الله بل هي من مقدورات القادر سبحانه وتعالى.
(7)
المحرر الوجيز: 1/ 84.
(8)
روح المعاني: 1/ 23.
(9)
تفسير ابن كثير: 1/ 163.
وقوله: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125)} [التوبة: 124 - 125]، وقوله تعالى:{وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [المائدة: 64] الآيتين (1)، ومعلوم أن المراد بالهدى في هذه الآية الهدى الخاص الذي هو التفضل بالتوفيق إلى دين الحق لا الهدى العام الذي هو إيضاح الحق" (2).
وقال السعدي: " والهدى: ما تحصل به الهداية من الضلالة والشبه، وما به الهداية إلى سلوك الطرق النافعة، وقال {هُدًى} وحذف المعمول، فلم يقل هدى للمصلحة الفلانية، ولا للشيء الفلاني، لإرادة العموم، وأنه هدى لجميع مصالح الدارين، فهو مرشد للعباد في المسائل الأصولية والفروعية، ومبين للحق من الباطل، والصحيح من الضعيف، ومبين لهم كيف يسلكون الطرق النافعة لهم، في دنياهم وأخراهم، وقال في موضع آخر: {هُدًى لِلنَّاسِ} فعمم، وفي هذا الموضع وغيره {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} لأنه في نفسه هدى لجميع الخلق. فالأشقياء لم يرفعوا به رأسا، ولم يقبلوا هدى الله، فقامت عليهم به الحجة، ولم ينتفعوا به لشقائهم، وأما المتقون الذين أتوا بالسبب الأكبر، لحصول الهداية، وهو التقوى التي حقيقتها: اتخاذ ما يقي سخط الله وعذابه، بامتثال أوامره، واجتناب النواهي، فاهتدوا به، وانتفعوا غاية الانتفاع. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} فالمتقون هم المنتفعون بالآيات القرآنية، والآيات الكونية"(3).
قال الناصر في الانتصاف: الهدى يطلق في القرآن على معنيين:
أحدهما: الإرشاد وإيضاح سبيل الحق، ومنه قوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [فصلت: 17]. وعلى هذا يكون الهدى للضالّ باعتبار أنه رشد إلى الحق، سواء حصل له الاهتداء أو لا.
والآخر: خلق الله تعالى الاهتداء في قلب العبد، ومنه أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: 90]، فإذا ثبت وروده على المعنيين فهو في هذه الآية يحتمل أن يراد به المعنيان جميعا" (4).
وعلى القول الأول، فتخصيص الهدى بالمتقين للتنويه بمدحهم حتى يتبيّن أنهم هم الذين اهتدوا وانتفعوا به، كما قال تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها [النازعات: 45]، وقال إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ [يس: 11]، وقد كان، صلى الله عليه وآله وسلم، منذرا لكل الناس، فذكر هؤلاء لأجل أنهم هم الذين انتفعوا بإنذاره. وهذه الآية نظير آية: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى، أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [فصلت: 44]، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [الإسراء: 82]. وكقوله عالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: 57]، إلى غير ذلك، مما دلّ على أن النفع به لا يناله إلا الإبرار. والمراد بالمتقين- هنا- من نعتهم الله تعالى بقوله (5).
واختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2]، على وجوه:
أحدها: معناه: الهدى من الضلالة. قاله الشعبي (6).
والثاني: نور للمتقين. قاله السدي (7)، وابن مسعود (8).
والثالث: تبيانا للمتقين. قاله سعيد بن جبير (9).
كما وتعددت أقوال أهل التفسير في معنى قوله تعالى: {لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2]، وذكروا وجوها:
(1) الآيتين: 64 - 65 من سورة المائدة.
(2)
أضواء البيان: 1/ 10.
(3)
تفسير السعدي: 1/ 40.
(4)
الإنتصاف: 1/ 35.
(5)
أنظر محاسن التأويل: 1/ 243 - 244.
(6)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (57): ص 1/ 34، وتفسير الطبري (259): ص 1/ 229 - 230.
(7)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (58): ص 1/ 34.
(8)
تفسير الطبري (260): ص 1/ 230.
(9)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (59): ص 1/ 34.
أحدها: المتقون: " قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة". قاله معاذ بن جبل (1)، وري عن ابن عباس (2) مثل ذلك.
الثاني: التقوى ترك ما لا بأس فيه حذرا لما به البأس. رواه عطية بن السعدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (3).
والثالث: المتقون: " أي الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ويرجون رحمته بالتصديق بما جاء منه". قاله ابن عباس (4).
الرابع: المتقون: "هم المؤمنون". قاله السدي (5)، وابن مسعود (6)، وروي عن قتادة (7) مثل ذلك.
والخامس: هم الذين يجتنبون الكبائر. حكي ذلك عن الكلبي (8).
والسادس: هم الذين "اتَّقَوْا ما حُرِّم عليهم، وأدَّوا ما افتُرِض عليهم". قاله الحسن (9).
والسابع: وقيل معناه: هدى للمتقين والكافرين، فاكتفى بأحد الفريقين من الآخر، كقوله:{سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: ] وقوله: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} [آل عمران: 113] أراد وأخرى غير قائمة. وقال أبو ذؤيب (10):
عصاني إليها القلب إني لأمره
…
فَمَا أَدْرى أَرُشْدٌ طِلابُهَا
وأراد: أم غيّ (11).
والدليل على هذا: أنه قال في موضع آخر: {هُدًى لِّلنَّاسَ} [آل عمران: 4](12)، فجعله هدى للناس عاما، على أنه ليس في الإخبار أنه {هُدًى للِمُتَّقِينَ} ما يدل على أنه ليس هدى لغيرهم (13).
والراجح أن المراد عموم التقوى، فالمتقون هم "الذين يتقون الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب معاصيه، كان ذلك وقاية بينهم وبين عذاب الله"(14)، قال الطبري:"وأولى التأويلات بقول الله جل ثناؤه {هدى للمتقين}، تأويلُ من وصَف القومَ بأنهم الذين اتَّقوُا اللهَ تبارك وتعالى في ركوب ما نهاهم عن ركوبه، فتجنبوا معاصِيَه، واتَّقوْه فيما أمرهم به من فرائضِه، فأطاعوه بأدائها"(15).
قال ابن عاشور: " في بيان كون القرآن هدى وكيفية صفة المتقي معان ثلاثة:
الأول: أن القرآن هدى في زمن الحال لأن الوصف بالمصدر عوض عن الوصف باسم الفاعل وزمن الحال هو الأصل في اسم الفاعل والمراد حال النطق. والمتقون هم المتقون في الحال أيضا لأن اسم الفاعل حقيقة
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (61): ص 1/ 35.
(2)
أنظر: تفسير الطبري (266): ص 1/ 233.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (60): ص 1/ 35. والترمذي، كتاب صفة القيامة 4/ 547، رقم (2451)، وقال: هذا حديث حسن غريب.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (62): ص 1/ 35، وأخرجه الطبري في تفسيره (262): ص 1/ 232.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (63): ص 1/ 35.
(6)
أنظر: تفسير ال\بري (263): ص 1/ 233.
(7)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (64): ص 1/ 35، والطبري (265): ص 1/ 233. ولفظه: " الذين يؤمنون بالغيب".
(8)
أنظر: تفسير الطبري (264): ص 1/ 233.
(9)
أنظر: تفسير الطبري (261): ص 1/ 232.
(10)
ورد البيت عند الفراء في "معاني القرآن" 1/ 230، وابن قتيبة في "المشكل" ص 215، والسكري في "شرح أشعار الهذليين" 1/ 43، وابن هشام في "مغني اللبيب" 1/ 14، 43، 2/ 628، والبغدادي في "خزانة الأدب" 11/ 251.
وهو خويلد بن خالد الهذلي، شاعر مجيد مخضرم، أدرك الإسلام وقدم المدينة عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم، توفي في غزوة افريقية مع ابن الزبير، انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 435، "الاستيعاب" 4/ 65، "معجم الأدباء" 3/ 306، "الخزانة" 1/ 422.
قول: إن قلبه عصاه فلا يقبل منه، فيذهب إليها قلبه سفها، فأنا اتبع ما يأمرني به، فما أدرى أرشد أم غي.
(11)
القول لأبن الأنباري، أنظر: مغني اللبيب: 1/ 14، 43، 2/ 628، ونقله عنه الواحدي في التفسير البسيط: 2/ 54 - 55، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" ولم ينسبه لابن الأنباري 1/ 24.
(12)
كما ورد هذا في ذكر الكتاب الذي أنزل على موسى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ} [الأنعام: 91].
(13)
انظر: التفسير البسيط: 2/ 55.
(14)
المحرر الوجي: 1/ 84.
(15)
تفسير الطبري: 1/ 233 - 234.
في الحال كما قلنا، أي أن جميع من نزه نفسه وأعدها لقبول الكمال يهديه هذا الكتاب، أو يزيده هدى كقوله تعالى: والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم [محمد: 17].
الثاني: أنه هدى في الماضي أي حصل به هدى أي بما نزل من الكتاب، فيكون المراد من المتقين من كانت التقوى شعارهم أي أن الهدى ظهر أثره فيهم فاتقوا وعليه فيكون مدحا للكتاب بمشاهدة هديه وثناء على المؤمنين الذين اهتدوا به وإطلاق المتقين على المتصفين بالتقوى فيما مضى، وإن كان غير الغالب في الوصف باسم الفاعل إطلاق يعتمد على قرينة سياق الثناء على الكتاب.
الثالث: أنه هدى في المستقبل للذين سيتقون في المستقبل وتعين عليه هنا قرينة الوصف بالمصدر في هدى لأن المصدر لا يدل على زمان معين.
حصل من وصف الكتاب بالمصدر من وفرة المعاني ما لا يحصل، لو وصف باسم الفاعل فقيل هاد للمتقين، فهذا ثناء على القرآن وتنويه به وتخلص للثناء على المؤمنين الذين انتفعوا بهديه، فالقرآن لم يزل ولن يزال هدى للمتقين، فإن جميع أنواع هدايته نفعت المتقين في سائر مراتب التقوى، وفي سائر أزمانه وأزمانهم على حسب حرصهم ومبالغ علمهم واختلاف مطالبهم، فمن منتفع بهديه في الدين، ومن منتفع في السياسة وتدبير أمور الأمة، ومن منتفع به في الأخلاق والفضائل، ومن منتفع به في التشريع والتفقه في الدين، وكل أولئك من المتقين وانتفاعهم به على حسب مبالغ تقواهم. وقد جعل أئمة الأصول الاجتهاد في الفقه من التقوى، فاستدلوا على وجوب الاجتهاد بقوله تعالى: فاتقوا الله ما استطعتم [التغابن: 16] فإن قصر بأحد سعيه عن كمال الانتفاع به، فإنما ذلك لنقص فيه لا في الهداية، ولا يزال أهل العلم والصلاح يتسابقون في التحصيل على أوفر ما يستطيعون من الاهتداء بالقرآن" (1).
و(الهُدَى) في اللغة: "الرشاد والدلالة (2).
و(التقوى) لغة: قلة الكلام (3)، وهو مأخوذ من: اتقاء المكروه بما تجعله حاجزا بينك وبينه (4)، كما قال النابغة (5):
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه
…
فتناولته واتقتنا باليد
وقال آخر (6):
فألقت قناعا دونه الشمس واتقت
…
بأحسن موصولين كف ومعصم
ومنه قول خفاف بن ندبة (7):
(1) التحرير والتنوير: 1/ 226 - 227.
(2)
مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي، القاموس المحيط، طبعة دار الجبل، الجزء الرابع، مادة (الهدى) فصل الهاء باب الياء.
(3)
معجم مقاييس اللغة، ابن فارس: مادة (وقى)، والأصل في التقوى: وَقْوَى على وزن فعلى فقلبت الواو تاء من وقيته أقيه أي منعته، ورجل تقي أي خائف، أصله وقي، وكذلك تقاة كانت في الأصل وقاة، كما قالوا: تجاه وتراث، والأصل وجاه ووراث. (تفسير القرطبي: 1/ 162.
(4)
ينظر: تفسير القرطبي: 1/ 161.
(5)
ديوان النابغة الذبياني: 38. النابغة الذبيانى: هو زياد بن معاوية، ويكى أبا أمامة، وهو من الطبقة الأولى المقدمين. وإنما لقب النابغة لنبوغه فى الشعر بعد أن كبر. وكان يضرب له قبة من أدم بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها. وكان مقدما عند النعمان، ومن ندمائه. وانظر فى ترجمته إلى: طبقات الشعراء لابن سلام 45 - 50، والشعر والشعراء 108 - 128، والأغانى 9 - 156، وديوانه.
والنصيف: الخمار. وقال أبو سعيد: النصيف ثوب تتجلل به المرأة فوق ثيابها كلها. (لسان "نصف"، والعنم: شجر لين الأغصان لطيفها، الواحدة عنمة. (ابن فارس: معجم مقاييس اللغة: "عن".
والبيت ضمن قصيدة يصف زوجة النعمان فيها، مطلعها:
أمن آل مية رائح أو مغتد * عجلان ذا زاد وغير مزود
(6)
البيت لأبي حية النميري، واسمه الهيثم بن الربيع، أنظر البيت في: شرح أدب الكاتب: 1/ 94، وزهر الآداب وثمر الألباب: 1/ 263، وشرح ديوان الحماسة: 1/ 419، وأضواء البيان: 3/ 178.
(7)
ورد البيت في (إصلاح المنطق) ص 23، "تهذيب اللغة"(تقى) 1/ 444، "الصحاح"(وقى) 6/ 2527، "معجم مقاييس اللغة"(أثر) 1/ 56، "الخصائص" 2/ 286، "اللسان"(أثر) 1/ 26، (وقى) 8/ 4902.
والصيقلون: جمع صيقل وهو شحاذ السيوف، وجلاؤها، يقول: جلوا تلك السيوف حتى إذا انظر الناظر إليها اتصل شعاعها بعينه فلم يتمكن من النظر إليها، فكلها يستقبلك بفرنده، و (يتقى) مخفف (يتقى) وهذا مكان الشاهد من البيت.
جَلَاهَا الصَّيْقَلُونَ فَأخْلَصوهَا
…
خِفَافاً كُلُّهَا يَتَّقِي بِأَثْرِ
أي: كلها يستقبلك بفرنده (1).
ومنه قول أوس بن حجر (2):
تَقَاكَ بِكَعْب وَاحِدٍ وَتَلَذُّهُ
…
يَدَاكَ إذَا مَا هُزَّ بالكَفِّ يَعْسِلُ
أي اتقاك، ومعناه: جعل بينك وبينه كعبا واحدا، يصف رمحا، يقول: كأنه كعب واحد، إذا هززته اهتز كله (3).
ومنه قول البراء: " كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، يعني النبي صلى الله عليه وسلم"(4).
قال الواحدي: " الاتقاء في اللغة: الحجز بين الشيئين، يقال: اتقاه بترسه، أي: جعل الترس حاجزا بينه وبينه، واتقاه بحقه، إذا وفاه، فجعل الإعطاء وقاية بينه وبين خصمه عن نيله إياه بيده أو لسانه، ومنه (التقية في الدين) بجعل ما يظهره حاجزا بينه وبين ما يخشاه من المكروه"(5).
وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أُبيا عن التقوى، فقال:"هل أخذت طريقا ذا شوك؟ قال: نعم: قال فما عملت فيه؟ قال: تشمرت وحذرت، قال: فذاك التقوى"(6).
وأخذ هذا المعنى ابن المعتز فنظمه (7):
خل الذنوب صغيرها
…
وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماش فوق أر
…
ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة
…
إن الجبال من الحصى
و(التقوى) في اصطلاح الشرع هو: "اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه"(8)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"التقي مُلْجَم والمتقي فوق المؤمن والطائع"(9).
قال الراغب: الوقاية: هي حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره، وهي بهذا المعنى مصدر مثل الوِقَاء، وعلى ذلك قوله عز وجل:" ووقاهم عذاب السعير"، والتقوى: جعل النفس في وقاية مما يخاف، هذا تحقيقه، ثم يسمى الخوف تارة تقوى، والتقوى خوفاً، حسب تسمية مقتضى الشيء بمقتضيه، والمقتضي للشيء بمقتضاه" (10).
وقيل: التقوى في الطاعة، يراد بها الإخلاص، وفي المعصية يراد به الترك والحذر، وقيل: هي الإحتراز بطاعة الله عن عقوبته، وصيانة النفس عما تستحق به العقوبة من فعل أو ترك. وقيل: هي المحافظة على آداب الشريعة ومجانبة كل ما يبعد المرء عن الله تعالى، وقيل: ترك حظوظ النفس ومباينة الهوى (11).
(1) أنظر: إصلاح المنطق: 4، والتهذيب:(تقى) 1/ 444، وتفسير البسيط للواحدي: 2/ 52.
(2)
ورد البيت في "إصلاح المنطق" ص 24، "الخصائص" 2/ 286، "الصحاح"(عسل) 5/ 1765، (وقى) 5/ 2527، "المحكم" 1/ 170، "اللسان"(عسل) 5/ 2946، (وقى) 15/ 403، (أساس البلاغة)(كعب) 2/ 312، "الحجة" لأبي علي 3/ 28. والشاعر يصف رمحاً يقول: اتقاك برمح تلذه يداك: أي لا يثقلهما، إذا هز بالكف يعسل أي. يضطرب ويهتز.
(3)
أنظر: التفسير البسيط للواحدي: 2/ 52.
(4)
صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين، 3/ 1401، برقم 1776. وقوله:"إذا احمر البأس": كناية عن شدة الحرب، واستعير ذلك؛ لحمرة الدماء الحاصلة فيها في العادة. انظر: شرح النووي 12/ 364.
(5)
التفسير البسيط: 2/ 48، وانظر:"تهذيب اللغة"(تقي)، (وقى) 1/ 44، "الصحاح"(وقى) 6/ 2527، "اللسان"(وقى) 8/ 4902، (لباب التفاسير) للكرماني 1/ 111، (رسالة دكتوراه).
(6)
تفسير الثعلبي: 1/ 142، وتفسير القرطبي: 1/ 162.
(7)
ديوان عبدالله بن المعتو، تحقيق: د، عمر فاروق، دار الأرقم، يروت، لنان: ص 34.
يقول: لاتتقر صغيرا، لأن كل كبير يكون صغيرا، وقوله: إن الجبال من الحصى دليل صحة هذا المنطق، وهو منطق المعتزلة في عصره وفي هذا يقول الجاحظ"اعلم أن الجبل ليس أدل على الله من الحصاة .. وأن صغير- مايشتمل عليه عالمنا- ودقيقه، كعظميمه وجليله ولم تفترق الأمور في حقائقها وإنّما افترق المفكّرون فيها"(كتاب الحيوان: 1/ 254)
(8)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 28.
(9)
الفوائد: 65 - 66.
(10)
مفردات الراغب بتصرف (ص: 881).
(11)
التعريفات للجرجاني (ج 1/ص 90).
وقال المباركفوري -رحمه االله-: "المتقي: من يترك ما لا بأس به خوفًا مما فيه بأس"(1).
وقد يرد لفظ التقوى في القرآن الكريم على أوجه، منها:
1 -
الخوف والخشية، كما في قوله تعالى:{ياأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم} [الحج: 1].
2 -
ومنها: العبادة، كما في قوله تعالى:{ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لاإله إلا أنا فاتقون} [النحل: 2].
3 -
ومنها: ترك المعصية، كما في قوله تعالى:{وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون} [البقرة: 189]، أي لا تعصوه.
4 -
ومنها: التوحيد، كما في قوله تعالى:{أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} [الحجرات: 3]، أي للتوحيد.
5 -
ومنها: الإخلاص، كما في قوله سبحانه:{ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} [الحج: 32].
وعند ابن القيم، للتقوى ثلاثة مراتب (2):
إحداها: حميّة القلب والجوارح عن الآثام والمحرمات.
والثانية: حميّتها عن المكروهات.
والثالثة: الحمية عن الفضول وما لا يعني.
قال ابن القيم: "فالأولى تعطي العبد حياته، والثانية تفيده صحته وقوته، والثالثة تكسبه سروره وفرحه وبهجته"(3).
ولا شك بأن التقوى من أوجب الواجبات وقد دل على ذلك نصوص كثيرة من القرآن الكريم والسنة الصحيحة وكلام السلف الصالح، قال القرطبي:"الأمر بالتقوى كان عاما لجميع الأمم"(4).
قال ابن تيمية رحمه الله: "والتقوى واجبة على الخلق، وقد أمر االله بها ووصى بها في غير موضع، وذم من لا يتقي الله، ومن استغنى عن تقواه توعده"(5).
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بالتقوى، فعن أبي ذر-رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتَّقِ اللهَ حيثُ كنتَ "(6)، فاجتمع الكتاب والسنة على إيجاب التقوى والأمر بها.
وذكر أبو إسحاق، بأن قوله تعالى {هُدًى} ، موضعه النصب من وجهين (7):
أحدهما: أن يكون منصوبا على الحال من قولك: القرآن ذلك الكتاب هدى، فيكون حالا من الكتاب، كأنك قلت: هاديا؛ لأن (هدى) جاء بعد تمام الكلام، والعامل فيه يكون معنى الإشارة في ذلك.
والثاني: أن يكون منصوبا على الحال من (الهاء) في قوله: {لَا رَيْبَ فِيهِ} كأنك قلت: لا شك فيه هاديا، والعامل فيه معنى ريب.
وقوله تعالى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} "يدغم الغنة عند (اللام) و (الراء) أبو جعفر وابن كثير وحمزة والكسائي، زاد حمزة والكسائي عند (الياء)، وزاد حمزة عند (الواو)، والآخرون لا يدغمونها ويخفي أبو جعفر (النون) والتنوين عند (الخاء) و (الغين) "(8).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: بيان علوّ القرآن؛ لقوله تعالى: {ذلك} ؛ فالإشارة بالبعد تفيد علوّ مرتبته؛ وإذا كان القرآن عالي المكانة والمنزلة، فلا بد أن يعود ذلك على المتمسك به بالعلوّ والرفعة؛ لأن الله سبحانه وتعالى
(1) تحفة الأحوذي: 6/ 201.
(2)
أنظر: الفوائد: 45.
(3)
الفوائد: 45.
(4)
تفسير القرطبي: 5/ 389.
(5)
شرح العمدة: 3/ 627.
(6)
رواه الترمذي: (1987)، وقال: حسن صحيح.
(7)
أنظر: معاني القرآن: 1/ 70، وإعراب القرآن، للنحاس 1/ 180، وإملاء ما من به الرحمن، للعكبري 1/ 16، ومشكل إعراب القرآن، المكي: 1/ 17.
(8)
تفسير البغوي: 1/ 59 - 60.
يقول: {ليظهره على الدين كله} [التوبة: 33]؛ وكذلك ما وُصِف به القرآن من الكرم، والمدح، والعظمة فهو وصف أيضاً لمن تمسك به.
2 ومنها: رفعة القرآن من جهة أنه قرآن مكتوب معتنٍ به؛ لقوله تعالى: {ذلك الكتاب} ؛ وقد بيّنّا أنه مكتوب في ثلاثة مواضع: اللوح المحفوظ، والصحف التي بأيدي الملائكة، والمصاحف التي بأيدي الناس.
3 ومن فوائد الآية: أن هذا القرآن نزل من عند الله يقيناً؛ لقوله تعالى: (لا ريب فيه)
4 ومنها: أن المهتدي بهذا القرآن هم المتقون؛ فكل من كان أتقى لله كان أقوى اهتداءً بالقرآن الكريم؛ لأنه عُلِّق الهدى بوصف؛ والحكم إذا عُلق بوصف كانت قوة الحكم بحسب ذلك الوصف المعلَّق عليه؛ لأن الوصف عبارة عن علة؛ وكلما قويت العلة قوي المعلول.
5 ومن فوائد الآية: فضيلة التقوى، وأنها من أسباب الاهتداء بالقرآن، والاهتداء بالقرآن يشمل الهداية العلمية، والهداية العملية؛ أي هداية الإرشاد، والتوفيق.
فإن قيل: ما الجمع بين قوله تعالى: {هدًى للمتقين} ، وقوله تعالى:{شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدًى للناس وبينات من الهدى والفرقان} ؟ (البقرة: 185).
فالجواب: أن الهدى نوعان: عام، وخاص؛ أما العام فهو الشامل لجميع الناس وهو هداية العلم، والإرشاد؛ ومثاله قوله تعالى عن القرآن:{هدًى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان} [البقرة: 185]، وقوله تعالى عن ثمود:{وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} [فصلت: 17]؛ وأما الخاص فهو هداية التوفيق: أي أن يوفق الله المرء للعمل بما علم؛ مثاله: قوله تعالى {هدًى للمتقين} ، وقوله تعالى:{قل هو للذين آمنوا هدًى وشفاء} [فصلت: 44].
القرآن
قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)} [البقرة: 3]
التفسير:
وهم الذين يُصَدِّقون بالغيب الذي لا تدركه حواسُّهم ولا عقولهم وحدها؛ لأنه لا يُعْرف إلا بوحي الله إلى رسله، مثل الإيمان بالملائكة، والجنة، والنار، وغير ذلك مما أخبر الله به أو أخبر به رسوله، وهم مع تصديقهم بالغيب يحافظون على أداء الصلاة في مواقيتها أداءً صحيحًا وَفْق ما شرع الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ومما أعطيناهم من المال يخرجون صدقة أموالهم الواجبة والمستحبة.
واختلف المفسرون، فِيمَنْ نزلت هاتان الآيتان فيه، على ثلاثة أقوال (1):
أحدها: أنها نزلت في مؤمني العرب دون غيرهم، لأنه قال بعد هذا {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} ، يعني به أهْلَ الكتاب، وهذا قول ابن عباس (2)، وروي عن ابن مسعود (3)، مثل ذلك.
والثاني: أنها مع الآيتين اللتين من بعد أربع آيات نزلت في مؤمني أهل الكتاب خاصة، لأنه ذكرهم في بعضها.
والثالث: أن الآيات الأربع من أول السورة، نزلت في جميع المؤمنين، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال:"نزلت أربع آيات من سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثَلاث عَشْرَةَ في المُنافقين"(4). وروي عن الربيع (5) مثل ذلك.
قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3]، "أي يقرون بما غاب عنهم مما أخبر الله به عن نفسه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وغير ذلك مما أخبر الله به من أمور الغيب"(6).
(1) أنظر: أسباب النزول للواحدي: 21، والعجاب في بيان الأسباب: 1/ 228، والنكت والعيون: 1/ 70.
(2)
أنظر: تفسير الطبري (277): ص 1/ 238.
(3)
أنظر: تفسير الطبري (273): ص 1/ 236
(4)
أخرجه الطبري (278)، و (279)، و (280)، : ص 1/ 238 - 239. وانظر: أسباب النزول للواحدي: 21، والعجاب في بيان الأسباب: 1/ 228، والخبر إسناده منقطع لعدم سماع ابن أبي نجيح من مجاهد. [أنظر: تهذيب التهذيب: 6/ 54].
(5)
أنظر: تفسير الطبري (281): ص 1/ 240.
(6)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 30.
وروي " عن أبي العالية في قوله: {الذين يؤمنون بالغيب}، قال: يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه. ويؤمنون بالحياة بعد الموت، وبالبعث. فهذا غيب كله"(1).
وقال السدي: " أما الذين يؤمنون بالغيب فهم المؤمنون من العرب، أما الغيب: فما غاب عن العباد من أمر الجنة وأمر النار وما ذكر في القرآن، لم يكن تصديقهم بذلك من قبل أصل كتاب أو علم كان عندهم"(2).
وقوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبَ} [البقرة: 3]، فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يصدقون بالغيب، وهذا قول ابن عباس (3)، وعبدالله (4).
والثاني: يخشون بالغيب، وهذا قول الربيع بن أنس (5).
والثالث: وقيل: الإيمان: العمل. قاله الربيع (6).
وقد ذكر أهل العلم في الأصل (الإيمان)، ثلاثة أقوال (7):
أحدها: أن أصله التصديق، ومنه قوله تعالى:{وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} [يوسف: 17]، يعني:"وما أنت بمصدِّق لنا في قولنا"(8).
قال الأزهري: اتفق العلماء (9) من اللغويين وغيرهم أن الإيمان معناه: التصديق، وقال تعالى:{قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا} [يوسف: 17] " (10).
ثم قال: وإنما قلت: إن المؤمن معناه: المصدق، لأن الإيمان مآخوذ من الأمانة، والله يتولى علم السرائر ونية العقد، وجعل تصديقه أمانة ائتمن كل من أسلم على تلك الأمانة، فمن صدق بقلبه فقد أدى الأمانة، ومن كان قلبه على خلاف ما يظهره بلسانه فقد خان، والله حسيبه، وإنما قيل للمصدق: مؤمن، وقد آمن؛ لأنه دخل في أداء الأمانة التي ائتمنه الله عليها (11).
وأنشد ابن الأنباري على أن (آمن) معناه: صدّق (12) قول الشاعر (13):
وَمِنْ قَبْلُ آمنَّا وَقَدْ كَانَ قَوْمُنَا
…
يُصلُون للأوْثَانِ قَبْلُ مُحَمَّدَا
معناه: من قبل آمنا محمدا، [أي صدقنا محمدا] فمحمدا منصوب بمعنى التصديق (14).
والثاني: أن أصله: (الأمان)، فالمؤمن يؤمن نفسه من عذاب الله، والله المؤمِنُ لأوليائه من عقابه.
قال أبو علي الفارسي: "ويجوز من حيث قياس اللغة، أن يكون (آمن) [صار ذا أمن]، مثل: أجدب، وأعاه، أي: صار ذا عاهة في ماله، فكذلك (آمن) صار ذا (أمن) في نفسه وماله بإظهار الشهادتين، كقولهم: أسلم، أي: صار ذا سلم، وخرج عن أن يكون حربا مستحل المال والدم"(15).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (67)، و (65): ص 1/ 36.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (68): ص 1/ 36.
(3)
أنظر: تفسير الطبري (267)، و (268): ص 1/ 234 - 235.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (271): ص 1/ 235.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (269): ص 1/ 235.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (270): ص 1/ 235
(7)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 68 - 69.
(8)
تفسير الطبري: 1/ 235.
(9)
وقد اعترض بعض العلماء على دعوى الإجماع على أن الإيمان معناه في اللغة التصديق. قال ابن أبي العز في "شرح العقيدة الطحاوية": (وقد اعترض على استدلالهم بأن الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق، بمنع الترادف بين التصديق والإيمان، وهب أنه يصح في موضع فلم قلتم إنه يوجب الترادف مطلقا؟ )"شرح الطحاوية" ص 321. وقال ابن تيمية في معرض رده على من ادعى إجماع أهل اللغة على أن الإيمان معناه التصديق، قال: (
…
قوله إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل نزول القرآن هو التصديق، فيقال له: من نقل هذا الإجماع ومن أين يعلم هذا الإجماع؟ وفي أي كتاب ذكر هذا الإجماع؟
…
) ثم ذكر وجوها كثيرة في رد هذِه الدعوى. انظر كتاب الإيمان ضمن "مجموع الفتاوى" 7/ 123 - 130. وعلى فرض أن معنى الإيمان في اللغة (التصديق) فإن الشارع استعمله في معنى اصطلاحي خاص، كما استعمل الصلاة والزكاة في معان شرعية خاصة زائدة على المعنى اللغوي. انظر. "مجموع الفتاوى" 7/ 298.
(10)
تهذيب اللغة: (أمن): 1/ 210.
(11)
انظر: التهذيب (أمن): 1/ 211.
(12)
تهذيب اللغة: (أمن): 1/ 211، وانظر: الزاهر: 1/ 203.
(13)
البيت أنشده ابن الأنباري في "الزاهر" بدون عزو 1/ 203، وكذلك الأزهري في "التهذيب"، (أمن) 1/ 212، "اللسان"(أمن) 1/ 142.
(14)
انظر كلام ابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 202، 203.
(15)
"الحجة" لأبي علي 1/ 220، وانظر بقية كلام أبي علي ص 226 حيث أفاد أن الإيمان بمعنى التصديق ليس على إطلاقه في كل موضع.
والثالث: أن أصله (الطمأنينة)، فقيل للمصدق بالخبر مؤمن، لأنه مطمئن.
قال الواحدي: "وأصله [أي الإيمان] في اللغة: الطمأنينة إلى الشيء، من قولهم: أمن يأمن أمنا، إذا اطمأن وزال الخوف عنه، وآمنت فلانا، إذا جعلته يطمئن وتسكن نفسه. وآمن بالله ورسوله إذا صدقهما واثقا بذلك مطمئنا إليه"(1).
وقال البغوي: " وحقيقة الإيمان التصديق بالقلب. وهو في الشريعة: الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالأركان، فسمي الإقرار والعمل إيمانا؛ لوجه من المناسبة، لأنه من شرائعه، والإسلام: هو الخضوع والانقياد، فكل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيمانا، إذا لم يكن معه تصديق، قال الله تعالى "قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا" (14 - الحجرات) وذلك لأن الرجل قد يكون مستسلما في الظاهر غير مصدق في الباطن. وقد يكون مصدقا في الباطن غير منقاد في الظاهر"(2).
وفي (الإيمان) ثلاثة أقاويل (3):
أحدها: أنّ الإيمان اجتناب الكبائر.
والثاني: أن كل خصلة من الفرائض إيمان.
والثالث: أن كل طاعةٍ إيمان.
وذكر أهل التفسير في معنى {الغيب} [البقرة: 3]، ثلاثة أقوال:
أحدها: ما جاء من عند الله، وهو قول ابن عباس (4)، وروي نحوه عن عطاء (5)، واسماعيل بن أبي خالد (6).
والثاني: أنه القرآن، وهو قول زر بن حبيش (7).
والثالث: الإيمان بالجنة والنار والبعث والنشور. قاله قتادة (8)، والربيع (9)، وأبي العالية (10)، والسدي (11)، وروي عن زيد بن أسلم (12)، وإبراهيم بن جعفر بن محمود بن سلمة الأنصاري (13)، مثل ذلك.
قال ابن عطية: " وهذه الأقوال لا تتعارض، بل يقع الغيب على جميعها"(14).
قوله تعالى: {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} [البقرة: 3]، " أي يؤدونها على الوجه الأكمل بشروطها وأركانها، وخشوعها وآدابها"(15).
قال البغوي: " أي يديمونها ويحافظون عليها في مواقيتها بحدودها، وأركانها وهيئاتها"(16).
وروي عن ابن عباس، في قوله تعالى {ويقيمون الصلاة} ، قال:"الذين يقيمون الصلاةَ بفرُوضها"(17).
وأخرج الطبري بسنده " عن الضحاك في قوله: {الذين يقيمون الصلاة}: يعني الصلاة المفروضة"(18).
(1) التفسير البسيط: 2/ 59.
(2)
تفسير البغوي: 1/ 60 - 61.
(3)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 69.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (272): ص 1/ 236.
(5)
أخرجه ابن أبي (70): ص 1/ 36. ولفظه: "من آمن بالله، فقد آمن بالغيب".
(6)
أنظر تفسير ابن أبي حاتم (71): ص 1/ 36. ولفظه: " {يؤمنون بالغيب}: بغيب الإسلام".
(7)
أنظر: تفسير الطبري (274): ص 1/ 236، وابن أبي حاتم (69): ص 1/ 36.
(8)
أنظر: تفسير الطبري (275): ص 1/ 236.
(9)
أنظر: تفسير الطبري (276): ص 1/ 236 - 237.
(10)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (67): ص 1/ 36.
(11)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (68): ص 1/ 36.
(12)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (72): ص 1/ 36. ولفظه: " {الذين يؤمنون بالغيب}، قال: بالقدر".
(13)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (73): ص 1/ 37.
(14)
المحرر الوجيز: 1/ 84.
(15)
صفوة التفاسير: 1/ 26.
(16)
تفسير البغوي: 1/ 62.
(17)
أخرجه الطبري (282): ص 1/ 241، وابن أبي حاتم (74): ص 1/ 37.
(18)
تفسير الطبري (284): ص 1/ 242.
وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: {وَيُقِيمُون الصَّلاةَ} [البقرة: 3]، قولان (1):
أحدهما: يؤدونها بفروضها. قاله ابن عباس (2).
والثاني: أنه إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع فيها، قاله قتادة (3)، ومقاتل بن حيان (4)، وحكي عن ابن عباس مثل ذلك (5).
وقد اختلف في أصل (الصلاة)، على ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنها: الدُّعاءُ، كما قال الأعشى (6):
لَهَا حَارِسٌ لا يَبْرَحُ الدَّهْرَ بَيْتَهَا
…
وَإِنْ ذُبِحَتْ صَلَّى عَلَيْهَا وَزَمْزَمَا
يعني بذلك: دعا لها، وكقول الأعشى أيضًا (7):
وَقَابَلَهَا الرِّيحَ فِي دَنِّهَا
…
وصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمْ
قال الطبري: " وأرى أن الصلاة المفروضة سُمِّيت " صلاة "، لأنّ المصلِّي متعرِّض لاستنجاح طَلِبتَه من ثواب الله بعمله، مع ما يسأل رَبَّه من حاجاته، تعرُّضَ الداعي بدعائه ربَّه استنجاحَ حاجاته وسؤلَهُ"(8).
الثاني: أنها من الرحمة. قاله أبو عبية (9)، واحتجّ بقول الأعشى (10):
تقولُ بنتي وقد قَرّبْتُ مُرْتَحِلًا
…
يا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الأوصابَ والوجعا
عليكِ مِثْلُ الذي صلَّيتِ فاغتمضي
…
نومًا فإنّ لجنب المرء مضطجَعا
قال: عليك مثل دعائك، أي: ينالك من الخير مثل الذي أردت لي. فأبو عبيدة يجعل صليت بمعنى: ترحمت (11).
والقولان: الأول والثاني: قريبان من البعض، " لأن المترحم على الإنسان داعٍ له، والداعي للإنسان مترحّم عليه"(12).
والثالث: أنها: مأخوذة من: الصّلا، وهو عرق في وسط الظهر، ويفترق عند العجب فيكتنفه، ومنه أخذ المصلي في سبق الخيل، لأنه يأتي مع صلوي السابق، فاشتقّت الصلاة منه، إما لأنها جاءت ثانية للإيمان فشبهت بالمصلّي من الخيل، وإما لأن الراكع والساجد صلواه" (13).
قال ابن عطية: " والقول إنها من الدعاء أحسن (14).
واختُلف لِمَ سُمِّي فعل (الصلاة) على هذا الوجه إقامةً لها، على قولين (15):
أحدهما: من تقويم الشيء من قولهم قام بالأمر إذا أحكمه وحافظ عليه.
قال الطبري: وإقامة الصلاة: أداؤها بحدودها وفروضها والواجب فيها على ما فُرِضَتْ عليه، كما يقال: أقام القومُ سُوقَهم، إذا لم يُعَطِّلوها من البَيع والشراء فيها (16)، وكما قال الشاعر (17):
(1) أنظر: النكت والعيون: 1/ 69.
(2)
أنظر: تفسير الطبري (282): ص 1/ 241.
(3)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (75): ص 1/ 37.
(4)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (76): ص 1/ 37.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (283): ص 1/ 241 - 242.
(6)
ديوانه: 200، يذكر الخمر في دنها. وزمزم العلج من الفرس: إذا تكلف الكلام عند الأكل وهو مطبق فمه بصوت خفي لا يكاد يفهم. وفعلهم ذلك هو الزمزمة. " ذبحت " أي بزلت وأزيل ختمها. وعندئذ يدعو مخافة أن تكون فاسدة، فيخسر.
(7)
ديوان الأعشى: 29. وقوله " وقابلها الريح " أي جعلها قبالة مهب الريح، وذلك عند بزلها وإزالة ختمها. ويروى: " فأقبلها الريح " وهو مثله. وارتسم الرجل: كبر ودعا وتعوذ، مخافة أن يجدها قد فسدت، فتبور تجارته.
(8)
تفسير الطبري: 1/ 243.
(9)
انظر: مجاز القرآن: 61 - 62.
(10)
ديوانه: 106، وانظر: الخزانة: 1/ 359، ومراتب النحويين:194.
(11)
انظر: التفسير البسيط: 3/ 431.
(12)
التفسير البسيط: 3/ 431.
(13)
المحرر الوجيز: 1/ 85.
(14)
المحرر الوجيز: 1/ 85.
(15)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 69.
(16)
أنظر: تفسير الطبري: 1/ 341.
(17)
البيت من شواهد الطبري: 1/ 241، ولم أتعرف على قائله.
أَقَمْنَا لأَهْلِ الْعِرَاقَيْنِ سُوقَ الـ
…
ـضِّرَاب فَخَامُوا وَوَلَّوْا جَمِيعَا
والثاني: أنه فعل الصلاة سُمِّي إقامة لها، لما فيها من القيام فلذلك قيل: قد قامت الصلاة.
قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3]، " أي: مما أعطيناهم من المال يخرجون" (1).
قال الصابوني: "أي ومن الذي أعطيناهم من الأموال ينفقون ويتصدقون في وجوه البر والإِحسان"(2).
قال ابن عطية: " والرزق عند أهل السنة، ما صح الانتفاع به حلالا كان أو حراما، بخلاف قول المعتزلة إن الحرام ليس برزق"(3).
وقال البغوي: " والرزق اسم لكل ما ينتفع به حتى الولد والعبد وأصله في اللغة الحظ والنصيب"(4).
وفي قوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3]، ثلاثة تأويلات:
أحدها: إيتاء الزكاة احتساباً لها، وهذا قول ابن عباس (5).
والثاني: نفقة الرجل على أهلِهِ، وهذا قول ابن مسعود (6)، والسدي (7).
والثالث: التطوع بالنفقة فيما قرب من الله تعالى، وهذا قول الضحاك (8)، وري عن قتادة (9) مثل ذلك.
الثالث: وقيل: إنه الحقوق الواجبة العارضة في الأموال ما عدا الزكاة (10).
والراجح أن الآية تعمّ الجميع، "وهذه الأقوال تمثيل لا خلاف"(11)، فالله تعالى "لم يخصُصْ مدْحَهم ووصفَهم بنوع من النفقات المحمود عليها صاحبُها دونَ نوعٍ بخبر ولا غيره - أنهم موصوفون بجميع معاني النفقات المحمودِ عليها صاحبُها من طيِّب ما رزقهم رَبُّهم من أموالهم وأملاكهم، وذلك الحلالُ منه الذي لم يَشُبْهُ حرامٌ"(12).
ورجح هذا القول ابن جرير الطبري (13) وابن عطية (14)، والقرطبي (15) والسعدي (16).
وفي اعراب قوله تعالى {مِن} [البقرة: 3]، هنا وجهان (17):
أحدهما: ، أن تكون للبيان.
(1) تفسير ابن عثيمين: 1/ 30.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 26.
(3)
المحرر الوجيز: 1/ 85. وفي الموضوع نفسه قال ابن عاشور: " والرزق شرعا عند أهل السنة كالرزق لغة إذ الأصل عدم النقل إلا لدليل، فيصدق اسم الرزق على الحلال والحرام لأن صفة الحل والحرمة غير ملتفت إليها هنا فبيان الحلال من الحرام له مواقع أخرى ولا يقبل الله إلا طيبا وذلك يختلف باختلاف أحوال التشريع مثل الخمر والتجارة فيها قبل تحريمها، بل المقصود أنهم ينفقون مما في أيديهم.
وخالفت المعتزلة في ذلك في جملة فروع مسألة خلق المفاسد والشرور وتقديرهما، ومسألة الرزق من المسائل التي جرت فيها المناظرة بين الأشاعرة والمعتزلة كمسألة الآجال، ومسألة السعر، وتمسك المعتزلة في مسألة الرزق بأدلة لا تنتج المطلوب". [التحرير والتنوير: 1/ 235].
(4)
تفسير البغوي: 1/ 63.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (285)، و (286): ص 1/ 243، وابن أبي حاتم (77): ص 1/ 37.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (288): ص 1/ 243.
(7)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (78): ص 1/ 38.
(8)
أنظر: تفسير الطبري (287): ص 1/ 243.
(9)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (79): ص 1/ 38.
(10)
لأن الله تعالى لما قرنه بالصلاة كان فرضا، ولما عدل عن لفظها كان فرضا سواها، (ينظر: تفسير القرطبي: 1/ 179) ..
(11)
المحرر الوجيز: 1/ 85.
(12)
تفسير الطبري: 1/ 244.
(13)
ينظر: تفسير الطبري: 1/ 243.
(14)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 85.
(15)
ينظر: تفسير القرطبي: 1/ 179.
(16)
ينظر: تفسير السعدي: 1/ 40.
(17)
أنظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 30.
والثاني: أن تكون للتبعيض: وذلك لينبههم أنه لم يرد منهم إلا جزءاً يسيراً من أموالهم، غير ضار لهم ولا مثقل، بل ينتفعون هم بإنفاقه، وينتفع به إخوانهم (1).
وكثيراً ما يجمع تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال في القرآن الكريم، وذلك لأن "الصّلاة حقّ الله وعبادته، وهي مشتملةٌ على توحيده والثّناء عليه، وتمجيده والابتهال إليه، ودعائه والتّوكّل عليه؛ والإنفاق هو الإحسان إلى المخلوقين بالنّفع المتعدّي إليهم، وأولى النّاس بذلك القرابات والأهلون والمماليك، ثمّ الأجانب، فكلٌّ من النّفقات الواجبة والزّكاة المفروضة داخلٌ في قوله تعالى: {وممّا رزقناهم ينفقون} ولهذا ثبت في الصّحيحين عن ابن عمر: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بني الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلّا الله، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، وصوم رمضان، وحجّ البيت" (2)، والأحاديث في هذا كثيرةٌ"(3).
و(الرزق) لغة: قال ابن منظور: رزَق: الرازِق والرزَّاق: في صِفة الله -تعالى- لأنه يَرزُق الخَلق أجمَعين، وهو الذي خلق الأرزاق، وأعطى الخلائق أرزاقها وأوصَلها إليهم، وفَعَّال مِن أبنيَة المبالَغة، والرِّزْق: مَعروف، والأرزاق نوعان: ظاهِرة للأبدان؛ كالأقوات، وباطِنة للقلوب والنفوس؛ كالمَعارِف والعُلوم؛ قال الله -تعالى:{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6](4).
وقال الراغِب: "الرِّزْق يُقال للعَطاء الجاري تارةً، دُنيويًّا كان أم أُخرويًّا، وللنصيب تارةً، ولِما يَصِل إلى الجوف ويُتغذى به تارةً، يقال: أعطى السلطانُ رِزقَ الجند، ورُزقتُ عِلمًا"(5).
وجاء في "المعجم الوسيط: "(الرزْق) بالفتح مصدر، وبالكَسر اسم الشيء المرزوق، وهو كل ما يُنتفَع به، ويجوز أن يوضَع كل منهما مَوضِع الآخَر، وما يُنتفَع به مما يؤكَل ويُلبَس، وما يصل إلى الجوف ويُتغذَّى به، وفي التنزيل العزيز:{فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} [الكهف: 19]، والمطرُ؛ لأنه سبب الرزق، والعطاءُ أو العطاء الجاري؛ يُقال: كم رِزقك في الشهر؟ : كم راتبك؟ " (6).
(1) وقوله تعالى {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ينفقون} فيه إشارة إلى أن هذه الأموال التي بين أيديكم، ليست حاصلة بقوتكم وملككم، وإنما هي رزق الله الذي أنعم به عليكم، فكما أنعم عليكم وفضلكم على كثير من عباده فاشكروه بإخراج بعض ما أنعم الله به عليكم وواسوا إخوانكم المعدمين.
(2)
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ".
حديث صحيح: أخرجه البُخاريُّ في «صحيحه» (8، 4515)، وفي «التاريخ الكبير» (4/ 213)، (8/ 319، 322)، ومُسلِمٌ (16)، وفي «التمييز» (4)، والنَّسائِيُّ (8/ 107، 108)، والتِّرمِذِيُّ (2609)، وأحمد (2/ 26، 92، 93، 120)، والحميدي (703، 704)، وعبد ابن حميد (824)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في «الإيمان» (2) بتحقيقي، وفي «الناسخ والمنسوخ» (379)، وأبو الحسن الطوسي في «الأربعين» (14)، والعدني في «الإيمان» (18) بتحقيقي، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (411 - 417)، وابن خزيمة (308، 309، 1880، 1881، 2505)، وأبو يعلى (5788)، والخلال في «السنة» (1382، 1383، 1184)، وابن حبان (158، 1446)، والدولابي في «الكنى» (1/ 80)، وابن عدي في «الكامل» (2/ 243)، (4/ 100)، والآجري في «الشريعة (201 - 203)، وفي «الأربعين» (16)، وأبو بكر الشافعي في «الغيلانيات» (460)، والطَّبرانيُّ في «الكبير» (13203، 13518)، وفي «الأوسط» (2930، 6264، 6533)، وأبو الشيخ في «طبقات المحدثين» (849)، والدارقطني في «الأفراد» - كما في «الأطراف» - (1911، 2882، 2986)، وفي «المؤتلف والمختلف» (2/ 942)، (3/ 1176)، وفي «العلل» = (13/ 130)، وابن المقرئ في «معجمه» (577)، وأبو محمد الجوهري في «حديث أبي الفضل الزهري» (554)، وابن منده في «الإيمان» (40 - 43)، (148 - 150)، وفي «التوحيد» (165)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (1490)، وابن عبد البر في «التمهيد» (16/ 160)، وأبو نعيم في «المستخرج» (98 - 102)، وفي «الحلية» (3/ 62)، وفي «أخبار أصبهان» (1/ 182، 183)، والسهمي في «تاريخ جرجان» (735، 872)، والبَيهَقِيُّ في «الاعتقاد» (ص 287، 288)، وفي «السنن الكبرى» (1/ 358)، (4/ 81، 199)، وفي «الصغير» (249)، وفي «الشعب» (20، 21، 3291، 3567)، وفي «فضائل الأوقات» (31)، والخطيب في «الكفاية» (533 - 535)، وفي «الأسماء المبهمة» (ص 336، 337)، والبغوي في «شرح السنة» (6)، وفي «تفسيره» (1/ 512)، وابن بطة في «الإبانة» (422، 423)، والشجري في «أماليه» (130، 138)، والرافعي في «التدوين» (2/ 237)، وابن عساكر في «تاريخه» (7/ 161)، (15/ 214)، (43/ 86)، (54/ 53، 54)، (61/ 65)، (63/ 2289، (68/ 234)، وفي «معجمه» (12/ 423، 994)، وبيبي في «جزئها» (76)، والطحاوي في «أحكام القرآن» (1598)، والنسوي في «الأربعين» (40)، وغيرُهُم. من طرق عن ابن عمر به.
وانظر «العلل» للدَّارَقُطنيِّ (13/ 129، 130، 211، 212، 185، 221)، و «العلل» لابن أبي حاتم (1961)، و «إرواء الغليل» (3/ 249)، والله أعلم.
(3)
تفسير ابن كثير: 1/ 164 - 169.
(4)
لسان العرب: 10/ 115.
(5)
المفردات في غريب القرآن، الأصفهاني: 1/ 351.
(6)
المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، دار الدعوة:(1: 342).
وقال ابن فارس": فالرِّزق: عطاء الله - جل ثناؤه - ويُقال: رزقه الله رزقًا، والاسم: الرِّزْق. [والرِّزق] بلغة أزد شَنُوءة: الشُّكر، مِن قوله - جل ثناؤه: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ} [الواقعة: 82]، وفعلتُ ذلك لمَّا رزَقتَني؛ أي: لمَّا شَكرْتَني"(1).
نستنتج من المعنى اللغوي بأن معاني الرزق تدور ما بين العطاء وما يُنتفَع به مما يؤكَل.
والرزق اصطلاحا: لرزق: اسم لِما يَسوقه الله إلى الحيوان فيأكُله، فيكون متناولاً للحلال والحرام، وعند المعتزلة: عبارة عن مملوك يأكُله المالِك، فعلى هذا لا يكون الحَرام رزقًا.
والرِّزق الحسَن: هو ما يصل إلى صاحبه بلا كدٍّ في طلبه، وقيل: ما وُجد غير مُرتقَب، ولا محتسَب، ولا مُكتسَب (2)، والرِّزق: مُتناوِل للحلال والحرام؛ لأنه اسم لِما يَسوقه الله -تعالى- إلى الحيوان في أكله، أي: يَتناوله، فيشمل المأكولات والمشروبات (3).
ونلاحِظ ارتباط المعنى اللغوي والاصطلاحي للرِّزق؛ بحيث إنه في اللغة يكون بمعنى العطاء، وكذلك في الاصطِلاح هو الوصول، وكلاهما اسم لِما يَسوقه الله - تعالى.
ويكمن الفهم الخاطئ في قصر مفهوم الرزق على المعنى المادي المتمثل بالمال أو غيره، بينما الحقيقة التي تشير إليها النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، تؤكد شمول معنى الرزق في الإسلام الأمور المادية والمعنوية.
لقد ذكر لفظ «الرزق» في القرآن الكريم (123) مرة، وكما جاء بمعنى الرزق المادي من مال وطعام ومطر، جاء بمعنى معنوي في أكثر من موضع، كمعنى الثواب في قوله تعالى:{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169]، أي: يثابون على ما قدموا من أعمال وتضحيات.
كما فسر الشيخ السعدي مفهوم الرزق الوارد في قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (البقرة: 212)، برزق القلوب من العلم والإيمان وغير ذلك من الأمور المعنوية فقال في تفسير الآية:"فالرزق الدنيوي يحصل للمؤمن والكافر، وأما رزق القلوب من العلم والإيمان ومحبة الله وخشيته ورجائه، ونحو ذلك: فلا يعطيها إلا من يحب"(4).
وفي السنة النبوية ما يشير إلى أن مفهوم الرزق في الإسلام واسع ولا يقتصر على الأمور المادية فحسب، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعود قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ " "إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَمْ سَعِيدٍ؛ فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا. وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا". "(5).
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله معلقا على كلمة: «رِزْقه» في الحديث: "الرزق هنا: ما ينتفع به الإنسان وهو نوعان: رزق يقوم به البدن، ورزق يقوم به الدين، والرزق الذي يقوم به البدن: هو الأكل والشرب واللباس والمسكن والمركوب وما أشبه ذلك، والرزق الذي يقوم به الدين: هو العلم، والإيمان، وكلاهما مراد بهذا الحديث"(6).
(1) مقاييس اللغة: 2/ 388.
(2)
التعريفات، الباقلاني: 1/ 110.
(3)
القاضي عبدالنبي بن عبدالرسول الأحمد نكري، دستور العلماء:(2: 96).
(4)
تفسير السعدي: 1/ 95.
(5)
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رقم: 3208)، وَمُسْلِمٌ (رقم: 2643)
(6)
شرح الأربعين النووية ص 101 - 102.
وقال ابن عاشور: " والرزق ما يناله الإنسان من موجودات هذا العالم التي يسد بها ضروراته وحاجاته وينال بها ملائمه، فيطلق على كل ما يحصل به سد الحاجة في الحياة من الأطعمة والأنعام والحيوان والشجر المثمر والثياب وما يقتنى به ذلك من النقدين، قال تعالى: {وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه} [النساء: 8]، أي مما تركه الميت- وقال: {الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا} [الرعد: 26] وقال في قصة قارون: وآتيناه من الكنوز- إلى قوله- يكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر [القصص: 76 - 82] مرادا بالرزق كنوز قارون وقال: ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض [الشورى: 27] وأشهر استعماله بحسب ما رأيت من كلام العرب وموارد القرآن أنه ما يحصل من ذلك للإنسان، وأما إطلاقه على ما يتناوله الحيوان من المرعى والماء فهو على المجاز، كما في قوله تعالى: وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها [هود: 6] وقوله: وجد عندها رزقا [آل عمران: 37] وقوله: لا يأتيكما طعام ترزقانه [يوسف: 37] "(1).
إن المتبادر إلى ذهن كثير من المسلمين اليوم حين يسمعون عن توسعة الله تعالى على فلان أو غيره في الرزق، هو المعنى المادي فحسب، حيث لا يشكون لحظة أن المقصود هو كثرة المال والأمور المادية المشابهة، ولا يخطر ببال أحدهم غير هذا المعنى، إلا من رحم الله ممن آتاه الله علما وفهما وفقها في الدين، والحقيقة أنه قد يكون المقصود بهذه العبارة – بالإضافة لكثرة الرزق المادي - أمور أخرى معنوية هي أهم من المال والمتاع المادي، فقد يكون المقصود الإيمان الصحيح السليم من البدع والمنكرات والشبهات، والذي هو في الحقيقة سبيل النجاة يوم القيامة، أو العلم الذي يبصر الإنسان بحقائق الأشياء، ويرشده إلى ما فيه صلاحه في الدنيا وفلاحه في الآخرة، أو الزوجة الصالحة أو الولد الصالح .. أو غير ذلك من الأمور المعنوية.
وإن من أهم آثار قصر مفهوم الرزق على الأمور المادية - والمال بشكل خاص - هو غفلة كثير من المسلمين عن ما رزقهم الله تعالى من أرزاق معنوية ظنوا بسبب فهمهم الخاطئ أنها لا تدخل في مفهوم الرزق، فظنوا أن الله حرمهم الرزق ومنحه لآخرين، بينما الحقيقة أن ما منّ الله به عليهم من رزق في الإيمان والعلم وغير ذلك مما هو باقٍ، يفوق بأضعاف مضاعفة ما رزق غيرهم من مال ومتاع مادي زائل، وبالمقابل فإن إدراك المسلمين للمفهوم الإسلامي الشامل للرزق له نتائجه وآثاره الإيجابية، حيث يسود الرضى عن الله تعالى، وتلهج الألسنة والأفئدة بشكره على نعمه الظاهرة والباطنة، ورزقه الواسع في جميع المجالات المادية والمعنوية (2).
(1) التحرير والتنوير: 1/ 234 - 235.
(2)
إن الحديث عن الرزق حديث ذو أهمية بالغة، ولاسيما في هذا الوقت الذي ضعف فيه إيمان كثير من الناس بربهم، وأن الرزق بيده، وأنه المتكفّل بالأرزاق؛ ما جعل اعتمادهم وللأسف على خلق مثلهم، يرجونهم أو يخشونهم على أرزاقهم، وإن الإيمان بهذا الاسم سيحل الكثير من المشاكل كالقلق والخوف من المستقبل، والجرأة على أكل الحرام، والحسد، واستحلال الربا وتبرير الرشوة، وجرائم القتل والسرقة من أجل المال التي سببها عدم أو ضعف الإيمان باسم الله الرزاق.
ومعالجة قضية القلق على الرزق تكمن في الآتي:
أولا: رزق جميع الكائنات على الله:
فالله سبحانه تكفل للخلق بالرزق مهما كانوا وأينما كانوا، مسلمين وكافرين، إنسًا وجنا، طيرًا وحيوانا، وهو سبحانه كما يقول البلغاء يرزق النملة السمراء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء.
قال تعالى: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَاّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) هود 6.
وقال تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ) الذاريات 22، 23.
فالرزق ليس على فلان أو علان إنما هي أسباب هيأها الله في الكون لييسر على العباد معايشهم، فما يتحصله الناس من وظائف أو مهن؛ إنما هي أسباب لنيل رزق الله، بل إن ذكاء الإنسان لن يزيد في رزقه شيئا وقلة ذكائه لن تنقص من رزقه شيئا.
ثانيا: التوكل على الله في طلب الرزق:
إذا أيقنا أن الرزق بيد الله وحده فعلينا الأخذ بالأسباب قال تعالى: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور)(الملك: 15)، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:"لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا"()، وللأسف فما أكثر الذين تغيرت قلوبهم فأصبحوا يتوكلون ويؤملون في دنياهم وأرزاقهم على خلق مثلهم، ونسوا الخلاّق الرزاق مدبر الأمور ومصرّف الدهور سبحانه، وهذا عمر-رضي الله عنه-لما رأى أناساً يسألون الناس في الحج قال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض، ثم توكل على الله.
والحديث السابق ليس معناه أن الإنسان يقعد عن العمل والتسبب والاكتساب، ثم ينتظر من الله تبارك وتعالى أن يرزقه، فإن هذا ليس هو المراد، بل كما قال الإمام البيهقي رحمه الله: هو أن الإنسان يبذل السبب، فهذه الطيور لا تبقى في أوكارها تنتظر رزق الله تبارك وتعالى فتمتلئ بطونها منه، وإنما هي تخرج في الصباح وتتسبب وتتكسب، ثم بعد ذلك ترجع إلى أوكارها في آخر النهار إذا كان الظلام. [أنظر: شعب الإيمان: 1135].
فالإنسان الذي يتوكل على الله حق التوكل هو الإنسان الذي يرتبط قلبه بالله عز وجل، ويعلم أنه لا يكون في هذا الكون تحريكة أو تسكينة إلا بمشيئته وإرادته، وأن الاكتساب والغنى والتحصيل لا يكون بسبب ذكاء الإنسان، وما عنده من طاقة ومهارة وحرفة وصنعة، وما أشبه ذلك، كما قال قارون:{إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} [القصص: 78]، فهذا لا شك أنه انحراف في التصور والفهم والاعتقاد، وإنما يعتقد الإنسان أن الله
…
عز وجل هو مسبب الأسباب، وأن أزمّة الأمور في يده، وأن ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، والله قد أجرى سنته بأن يتوكل الإنسان، وأن يتسبب والله تبارك وتعالى يقدر لمن شاء ما شاء.
فالمقصود هو أن الإنسان يتوكل على الله، ويربط قلبه بالله، لكن يعلم أن ذلك ليس بمهارته ولا بذكائه، ثم لا يتهافت على الدنيا، فيتوجه قلبه إليها ويتعلق بها، ويركن إلى هذا الحطام الزائل، وإنما يعلم أن الأمور بيد الله جل جلاله، وأن ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وهذا يريح قلبه كثيراً، فلا يتأسف على ما فاته منها، وما خسر من حطامها، أو ما لم يحصله من هذا المتاع الزائل، فإن الله تبارك وتعالى هو الذي يرزق عباده وفق علمه، وحكمته وبصره التام النافذ، والإنسان لا يدري أين الخير له، فما عليه إلا أن يبذل السبب والله عز وجل يرزق من شاء ما شاء.
وها نحن نرى الناس، منهم مَن بعملٍ بسيط يحصّل أموالا طائلة بلحظات، ومنهم من يجلس طول العمر يشتغل ولا يحصل شيئاً يذكر، يتقلب بالفقر ظهراً لبطن، مع أنه مفتول العضلات، ولربما كان كامل الذكاء، وعنده من القُدَر والمهارات، ويقوم بدراسات، ومع ذلك هو من خسارة إلى خسارة، ومن خيبة إلى خيبة، فالله عز وجل هو الذي يرزق.
الفوائد:
1 من فوائد الآية: أن من أوصاف المتقين الإيمان بالغيب؛ لأن الإيمان بالمُشاهَد المحسوس ليس بإيمان؛ لأن المحسوس لا يمكن إنكاره.
2 ومنها: أن من أوصاف المتقين إقامة الصلاة؛ وهو عام لفرضها، ونفلها.
ويتفرع على ذلك: الترغيب في إقامة الصلاة؛ لأنها من صفات المتقين؛ وإقامتها أن يأتي بها مستقيمة على الوجه المطلوب في خشوعها، وقيامها، وقعودها، وركوعها، وسجودها، وغير ذلك.
3 ومن فوائد الآيات: أن من أوصاف المتقين الإنفاق مما رزقهم الله؛ وهذا يشمل الإنفاق الواجب كالزكاة، وإنفاقَ التطوع كالصدقات، والإنفاقِ في سبل الخير.
4 ومنها: أن صدقة الغاصب باطلة؛ لقوله تعالى: {ومما رزقناهم} ؛ لأن الغاصب لا يملك المال الذي تصدق به، فلا تقبل صدقته.
5 ومنها: أن الإنفاق غير الزكاة لا يتقدر بشيء معين؛ لإطلاق الآية، سواء قلنا: إن "مِن" للتبعيض؛ أو للبيان.
ويتفرع على هذا جواز إنفاق جميع المال في طرق الخير، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه حين تصدق بجميع ماله؛ لكن هذا مشروط بما إذا لم يترتب عليه ترك واجب من الإنفاق على الأهل، ونحوهم؛ فإن ترتب عليه ذلك فالواجب مقدم على التطوع.
6 ومن فوائد الآية: ذم البخل؛ ووجهه أن الله مدح المنفقين؛ فإذا لم يكن إنفاق فلا مدح؛ والبخل خلق ذميم حذر الله سبحانه وتعالى منه في عدة آيات.
تنبيه:
لم يذكر الله مصرف الإنفاق أين يكون؛ لكنه تعالى ذكر في آيات أخرى أن الإنفاق الممدوح ما كان في سبيل الله من غير إسراف، ولا تقتير، كما قال تعالى في وصف عباد الرحمن:{والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً} [الفرقان: 67].
القرآن
{وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)} [البقرة: 4].
التفسير:
ومن صفات هؤلاء المتقين أنهم يؤمنون بجميع الكتب المنزلة، فيؤمنون بالكتاب الذي أنزل إليك وهو القرآن، ويؤمنون إيماناً مجملاً بما جاءت به الرسل من قبلك بالكتب السابقة، كالتوراة والإنجيل والزبور
وصحف إبراهيم وموسى وغيرها .. ، لا يفرّقون بين كتب الله ولا بين رسله، و"بدأ بالقرآن مع أنه آخرها زمناً، لأنه مهيمن على الكتب السابقة ناسخ لها"(1).
اختلف العلماء في الموصوفين هنا، هل هم الموصوفون بما تقدم من قوله تعالى {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3] على قولين:
أحدهما: أن الموصوفين أولاً مؤمنوا العرب، والموصوفون ثانياً بقوله {والذين يؤمون بما أنزل إليك .. } ، لمؤمني أهل الكتاب (2)، ورجح هذا القول ابن جرير الطبري رحمه الله (3).
والثاني: وقيل: أن هؤلاء هم الموصوفون قبل هذه الآية، وهم مؤمنوا العرب ومؤمنوا أهل الكتاب، ورجح هذا ابن كثير (4).
ويدل لصحة هذا القول أن الله أمر بذلك فقال سبحانه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136]، وقال تعالى {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46] (5).
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [البقرة: 4]، " أي يصدقونه بكل ما جئت به عن الله تعالى"(6).
قال ابن عباس: " أي: يصدقونك بما جئت من الله"(7).
قوله تعالى: {وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} ، [البقرة: 4]، "أي وبما جاءت به الرسل من قبلك، لا يفرّقون بين كتب الله ولا بين رسله"(8).
(1) تفسير ابن عثيمين: 1/ 41.
(2)
وفيها فضل للكتابي الذي آمن بنبيه ثم آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين عَنْ أَبِي مُوسى رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:""ثَلاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكتاب آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ وَصَدَّقَهُ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَدَّى حَقَّ الله تَعَالَى وَحَقَّ سَيِّدِهِ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ فَغَذَاهَا فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا. ثُمَّ أَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا. ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ"، ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ لِلْخُرَاسَانِيِّ: خُذْ هذَا الْحَدِيثَ بِغَيْرِ شَيْءٍ. فَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِيمَا دُونَ هذَا إِلَى الْمَدِينَةِ". (أخرجه مسلم حديث (154)، وأخرجه البخاري في " كتاب العلم"" باب تعليم الرجل أمته وأهله" حديث (97)، وأخرجه الترمذي في " كتاب النكاح"" باب ما جاء في الفضل في ذلك " حديث (1116)، وأخرجه النسائي " كتاب النكاح" " باب عتق الرجل جاريته ثم يتزوجها " حديث (3344) وابن ماجه: كتاب النكاح " " باب الرجل يعشق أمته ثم يتزوجها" حديث (1956).
ومن من فوائد الحديث:
الفائدة الأولى: الحديث دليل على فضل من آمن من أهل الكتاب بنبيه ثم آمن بنبينا صلى الله عليه وسلم فإن له أجرين، وذهب بعض أهل العلم ومنهم الكرماني إلى أن هذا الفضل خاص بمن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم في زمن بعثته أما من آمن من أهل الكتاب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يدخل في الفضل؛ لأن نبيهم بعد البعثة هو محمد صلى الله عليه وسلم، والقول الثاني أنه يدخل لعدم المخصص واختاره ابن حجر رحمه الله. (انظر الفتح: 1/ 191).
والحكمة من المضاعفة: أن الأجر الأول ترتب على إيمانه بنبيه قبل النسخ، والأجر الثاني لإيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم.
قال النووي رحمه الله: " فيه فضيلة من آمن من أهل الكتاب بنبينا صلى الله عليه وسلم، وأن له أجرين، لإيمانه بنبيه قبل النسخ، والثاني لإيمانه بنبينا صلى الله عليه وسلم". (شرح النووي لصحيح مسلم: 2/ 365).
وظاهر الحديث أن من انتسب لأهل الكتاب ولم يكن انتماؤه للحق الذي جاء به نبيه وإنما على عقيدة محرمة فإنه لا يدخل في فضل الأجرين، وإن زعم أنه من أهل الكتاب، لقوله صلى الله عليه وسلم " رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكتاب آمَنَ بِنَبِيِّهِ " ومن لم يكن على ما جاء به نبيه فإنه لم يؤمن به.
قال القرطبي رحمه الله: " وأما من اعتقد الإلهية لغير الله تعالى كما تعتقده النصارى اليوم، أو مَن لم يكن على حق في ذلك الشرع الذي ينتمي إليه، فإذا أسلم جبَّ الإسلام ما كان عليه من الفساد والغلط، ولم يكن له حق يؤجر عليه إلا الإسلام خاصة والله أعلم". (المفهم: 1/ 369).
(3)
انظر تفسيره: 1/ 244 - 245، ذكرا خبرا عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، " والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ": هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب. (تفسير الطبري: 1/ 245).
(4)
انظر تفسيره: 1/ 170.
(5)
انظر تفسير ابن كثير: 1/ 171.
(6)
صفوة التفاسير: 1/ 126.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (80): ص 1/ 38.
(8)
صفوة التفاسير: 1/ 126.
قال ابن عباس: أي يصدقونك بما"جاء به من قبلك من المرسلين، لا يفرقون بينهم ولا يجحدون بما جاءوهم به من ربهم"(1).
وقال قتادة: " فآمنوا بالفرقان وبالكتب التي قد خلت قبله من التوراة والزبور والإنجيل"(2).
قوله تعالى: {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 4]، "أي وبالبعث والنشر هم عالمون"(3).
قال الثعلبي: أي: "يعلمون ويتيقنون أنها كائنة"(4).
قال الصابوني: " أي ويعتقدون اعتقاداً جازماً لا يلابسه شك أو ارتياب بالدار الآخرة التي تتلو الدنيا، بما فيها من بعثٍ وجزاءٍ، وجنةٍ، ونار، وحساب، وميزان"(5).
قال ابن عباس: " أي بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان"(6).
وقال أهل العلم: " ودخل (هُمْ) تأكيدا، يسمّيه الكوفيون عمادا والبصريون فصلا"(7).
وذكروا في تفسير قوله تعالى {وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} ، وجهين (8):
أحدهما: يعني الدار الآخرة.
والثاني: يعني النشأة الآخرة.
قال الماوردي: وقوله: {يُوقِنُونَ} ، أي يعلمون، فسمي العلم يقيناً لوقوعه عن دليل صار به يقيناً" (9).
و(اليقين): هو العِلم وإزاحة الشكِّ، وتحقيق الأمر (10). وربما عبروا باليقين عن الظن، ومنه قول علمائنا في اليمين اللغو: هو أن يحلف بالله على أمر يوقنه ثم يتبين له أنه خلاف ذلك فلا شي عليه، قال الشاعر (11):
تحسب هواس وأيقن أنني
…
بها مفتد من واحد لا أغامره
يقول: تشمم الأسد ناقتي، يظن أنني مفتد بها منه، وأستحمي نفسي فأتركها له ولا أقتحم المهالك بمقاتلته (12).
وعرفه الأصفهاني بقوله: "هو سكون الفهم مع ثبات الحكم"(13).
وقال ابن الجوزي: "اليقين ما حصلت به الثقة وثلج به الصدر وهو أبلغ علم مكتسب"(14).
قال الجرجاني في تعريف اليقين: هو" طُمأنينة القَلْب، على حقيقة الشيءِ وتحقيق التصديق بالغَيْب، بإزالة كلِّ شكٍّ ورَيْب"(15).
وفي اليقين لابن أبي الدُّنيا من طِريق العلاء بن عُتْبة: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اللهمَّ إني أسألك إيمانًا تباشِر به قلْبي، ويَقينًا حتى أعلمَ أنه لا يمنعني رِزقًا قسمتَه لي، ورِضًا من المعيشة بما قسمتَ لي"(16).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (80): ص 1/ 38.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (81): ص 1/ 38.
(3)
تفسير القرطبي: 1/ 180.
(4)
تفسير الثعلبي: 1/ 149.
(5)
صفوة التفاسير: 1/ 126.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (82): ص 1/ 38.
(7)
تفسير الثعلبي: 1/ 149.
(8)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 70 - 71.
(9)
النكت والعيون: 1/ 71.
(10)
أنظر: لسان العرب، وتاج العروس:(يقن).
(11)
أنظر: شرح الرضي على الكافية: 1/ 332، وتفسير القرطبي: 1/ 180، قال البغدادي نقلا عن الجرمي أنها لابي سدرة الاعرابي وهو شاعر اسلامي معاصر لجرير والفرزدق
وهواس من أسماء الاسد، ومعناه أن هذا الاسد حسب أو أيقن أنني أتركه يفترس الناقة وأفتدي نفسي بها وأني لا أغامره ولا أقاتله.
فاجبته داعيا عليه وقلت له انها ناقة انسان سيقربك ما تخشاه أي الموت.
(12)
أنظر: تفسير القرطبي: 1/ 180.
(13)
مفردات القرآن: 1/ 1632.
(14)
زاد المسير: 1/ 27.
(15)
التعريفات، باب الياء (اليقين) 1/ 85.
(16)
ابن أبي الدنيا، اليقين ص:25.
وقد وردتْ مادة (يَقِنَ) في القرآن الكريم في عِشرين آية باشتقاقات مختلِفة، موزَّعة على أرْبعَ عشرةَ سورة (1).
قال ابن عثيمين: " وإنما نص على الإيقان بالآخرة مع دخوله في الإيمان بالغيب لأهميته؛ لأن الإيمان بها يحمل على فعل المأمور، وترك المحظور؛ و "الإيقان" هو الإيمان الذي لا يتطرق إليه شك"(2).
وقوله تعالى: {اليوم الآخر} ، هو يوم القيامة، و"الآخرة اسم لما يكون بعد الموت، وخصه بالذكر بعد العموم، لأن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان، ولأنه أعظم باعث على الرغبة والرهبة والعمل، واليقين: هو العلم التام الذي ليس فيه أدنى شك، والموجب للعمل"(3).
وفي تسميتها بـ (اليوم الآخر)، أقوال:
أحدها: لأنه اليوم الذي لا يوم بعده (4)، قال الطبري: قال أبو جعفرٍ: أمّا الآخرة، فإنّها صفةٌ للدّار، كما قال جلّ ثناؤه:{وإنّ الدّار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون} وإنّما وصفت بذلك لمصيرها آخرةً لأولى كانت قبلها كما تقول للرّجل: أنعمت عليك مرّةً بعد أخرى فلم تشكر لي الأولى ولا الآخرة. وإنّما صارت الآخرة آخرةً للأولى، لتقدّم الأولى أمامها، فكذلك الدّار الآخرة سمّيت آخرةً لتقدّم الدّار الأولى أمامها، فصارت التّالية لها آخرةً. وقد يجوز أن تكون سمّيت آخرةً لتأخّرها عن الخلق، كما سمّيت الدّنيا دنيا لدنوّها من الخلق" (5).
والثاني: وقيل لتأخرها من الناس، قَالَ النحَّاسُ (ت: 338 هـ: ("ثم قال تعالى: {وبالآخرة هم يوقنون} سميت "آخرة" لأنها بعد "أولى"، وقيل: لتأخرها من الناس، وجمعها (أواخر) " (6).
والثالث: وقيل لأنها بعد الدنيا، قالَ ابن كثير (ت: 774 هـ: ("وإنّما سمّيت الآخرة لأنّها بعد الدّنيا" (7).
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: أن من أوصاف المتقين الإيمان بما أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم وما أنزل من قبله.
2 -
ومنها: أن من أوصاف المتقين الإيقان بالآخرة على ما سبق بيانه في التفسير.
3 -
ومنها: أهمية الإيمان بالآخرة؛ لأن الإيمان بها هو الذي يبعث على العمل؛ ولهذا يقرن الله تعالى دائماً الإيمان به عز وجل، وباليوم الآخر؛ أما من لم يؤمن بالآخرة فليس لديه باعث على العمل؛ إنما يعمل لدنياه فقط: يعتدي ما دام يرى أن ذلك مصلحة في دنياه: يسرق مثلاً؛ يتمتع بشهوته؛ يكذب؛ يغش .. ؛ لأنه لا يؤمن بالآخرة؛ فالإيمان بالآخرة حقيقة هو الباعث على العمل.
4 -
قال أهل العلم: و"اليقين ينتظم منه أمران: علم القلب وعمل القلب، فإن العبد قد يعلم علما جازما بأمر ومع هذا فيكون في قلبه حركة واختلاج من العمل الذي يقتضيه ذلك العلم كعلم العبد أن الله رب كل شيء ومليكه ولا خالق غيره، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن فهذا قد تصحبه الطمأنينة إلى الله والتوكل عليه وقد لا يصحبه العمل بذلك، إما لغفلة القلب عن هذا العلم والغفلة هي ضد العلم التام وإن لم يكن ضدا لأصل العلم، وأما للخواطر التي تسنح في القلب من الالتفات إلى الأسباب وإما لغير ذلك"(8).
وهذا اليقين يحصل بثلاثة أشياء كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله:
أحدها: تدبر القرآن الكريم.
(1) أنظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد صدقي العطار، (حرف الياء).
وعند التأمُّل في هذه الآيات نجد أنَّ مفهوم (اليقين) يختلِف معناه باختلاف مَظانِّه داخلَ النسق القرآني، فجاء اللفظ بمعنى:
اولا: لعِلم الجازم الذي لا يَقبل التشكيك؛ قال تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} [الواقعة: 95]، وقال أيضًا:{وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ} [الحاقة: 51].
ثانيا: اليقين: الموت؛ قال سبحانه: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99].
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 31.
(3)
تفسير السعدي: 1/ 37.
(4)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 245.
(5)
انظر: المصدر نفسه والصحيفة نفسها.
(6)
معاني القرآن: 1/ 85.
(7)
تفسير ابن كثير: 1/ 170 - 171.
(8)
مجموع الفتاوى: 3/ 329.
والثاني: تدبر الآيات التي يحدثها الله في الأنفس والآفاق التي تبين أنه حق.
والثالث العمل بموجب العلم قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53](1).
القرآن
{أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 5]
التفسير:
أولئك المتقون وهم "المتصفون بما تقدم من الإيمان بالغيب وإقام الصلاة والإنفاق من الذي رزقهم الله والإيمان بما أنزل إلى الرسول ومن قبله من الرسل والإيقان بالدار الاخرة وهو مستلزم الاستعداد لها من الأعمال الصالحة وترك المحرمات
قوله تعالى: {أُولَئِكَ} [البقرة: 5]، أي:"المشار إليه ما تقدم ممن اتصفوا بالصفات الخمس؛ وأشار إليهم بصيغة البعد لعلوّ مرتبتهم"(2).
قال الثعلبي: " {أُولئِكَ}: أهل هذه الصفة، و (أولاء): اسم مبني على الكسر، ولا واحد له من لفظه، والكاف خطاب"(3).
قوله تعالى: {عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} [البقرة: 4]، أي: على" نور وبيان وبصيرة من الله تعالى"(4).
قال ابن عباس: " أي على نور من ربهم، واستقامة على ما جاءهم"(5).
وقال سعيد بن جبير: أي: " على بينة من ربهم"(6).
وعن قتادة: " {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون}، قال: قوم استحقوا الهدى والفلاح بحق، فأحقه الله لهم، وهذا نعت أهل الإيمان"(7).
قال الطبري: أي" أنهم على نور من ربهم وبرهان واستقامة وسداد، بتسديد الله إياهم، وتوفيقه لهم"(8).
وقال الثعلبي: أي: على: رشد وبيان وصواب" (9).
قال ابن عثيمين: " أي على علم، وتوفيق من خالقهم المدبر لأمورهم"(10).
وقوله تعالى: {مِن رَّبِّهِمْ} أي: "أوتوه من عنده"(11).
قال الزمخشري: " والنون في: (من ربهم) أدغمت بغنة وبغير غنة. فالكسائى، وحمزة، ويزيد، وورش في رواية والهاشمي عن ابن كثير لم يغنوها. وقد أغنها الباقون إلا أبا عمرو، فقد روى عنه فيها روايتان"(12).
قال النسفي: " ويجعل اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضاً بأهل الكتاب الذين لا يؤمنون بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون أنهم ينالون الفلاح عند الله، ومعنى الاستعلاء في " على هدى " مثل لتمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه وتمسكهم به بحيث شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه نحوه " هو على الحق وعلى الباطل وقد صرحوا بذلك في قولهم: جعل الغواية مركباً، وامتطى الجهل، واقتعد غارب الهوى" (13).
(1) أنظر: مجموع الفتاوى: 3/ 331.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 31.
(3)
تفسير الثعلبي: 1/ 149.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 171.
(5)
أخرجه الطبري (293): ص 1/ 249 - 250، وابن أبي حاتم (84): ص 1/ 39.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (85): ص 1/ 39.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (90): ص 1/ 40.
(8)
تفسير الطبري: 1/ 249.
(9)
تفسير الثعلبي: 1/ 149.
(10)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 31.
(11)
تفسير النسفي: 1/ 38.
(12)
تفسير الكشاف: 1/ 45.
(13)
تفسير النسفي: 1/ 38.
وقوله تعالى: " {على} للاستعلاء؛ وتفيد علوهم على هذا الهدى، وسيرهم عليه، كأنهم يسيرون على طريق واضح بيّن؛ فليس عندهم شك؛ تجدهم يُقبلون على الأعمال الصالحة وكأن سراجاً أمامهم يهتدون به: تجدهم مثلاً ينظرون في أسرار شريعة الله، وحِكَمها، فيعلمون منها ما يخفى على كثير من الناس؛ وتجدهم أيضاً عندما ينظرون إلى القضاء والقدر كأنما يشاهدون الأمر في مصلحتهم حتى وإن أصيبوا بما يضرهم أو يسوءهم، يرون أن ذلك من مصلحتهم؛ لأن الله قد أنار لهم الطريق؛ فهم على هدًى من ربهم وكأن الهدى مركب ينجون به من الهلاك، أو سفينة ينجون بها من الغرق؛ فهم متمكنون غاية التمكن من الهدى؛ لأنهم عليه، والربوبية هنا خاصة متضمنة للتربية الخاصة التي فيها سعادة الدنيا، والآخرة"(1).
قوله تعالى: {وأولئك هُمُ المفلحون} [البقرة: 4]، "أي وأولئك هم الفائزون بالدرجات العالية في جنات النعيم"(2).
قال ابن عباس: " أي الذين أدْركوا ما طلبوا، ونجَوْا من شرّ ما منه هَرَبُوا"(3).
قال ابن كثير: " أي: في الدنيا والآخرة"(4).
قال الثعلبي: " وهم الناجون الفائزون فازوا بالجنّة ونجوا من النار"(5).
قال البغوي: أي: فهم الناجون والفائزون، فازوا بالجنة ونجوا من النار، ويكون الفلاح بمعنى البقاء أي باقون في النعيم المقيم (6).
قال الطبري: " أي أولئك هم المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله تعالى ذكره بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله، من الفوز بالثواب، والخلود في الجنان، والنجاة مما أعد الله تبارك وتعالى لأعدائه من العقاب"(7).
قال الزمخشري: " وفي تكرير أولئك تنبيه على أنهم كما ثبتت لهم الأثرة بالهدى، فهي ثابتة لهم بالفلاح فجعلت كل واحدة من الأثرتين في تمييزهم بالمثابة التي لو انفردت كفت مميزة على حيالها"(8).
وقال ابن عثيمين: " وأعيد اسم الإشارة تأكيداً لما يفيده اسم الإشارة الأول من علوّ المرتبة، والعناية التامة بهم كأنهم حضروا بين يدي المتكلم؛ وفيه الفصل بين الغاية، والوسيلة؛ فالغاية: الفلاح؛ ووسيلته: ما سبق، و "الفلاح" هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب؛ فهي كلمة جامعة لانتفاء جميع الشرور، وحصول جميع الخير"(9).
والفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، وحصر الفلاح فيهم؛ لأنه لا سبيل إلى الفلاح إلا بسلوك سبيلهم، وما عدا تلك السبل، فهي سبل الشقاء والهلاك والخسار التي تفضي بسالكها إلى الهلاك (10).
وأصل الفلاح: القطع والشق ومنه سمي الزراع فلاحا لأنه يشق الأرض، وقيل لأهل الجنة مفلحون لفوزهم ببقاء الأبد، وفلاح الدهر: بقاؤه، يقال: لا أفعل ذلك فلاح الدهر (11).
واختلف في تفسير (الفلاح) في قوله تعالى: {وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 5]، على ثلاثة أقوال (12):
أحدها: أن (الفلاح): هو الظفر بالبغية وإدراك الأمل، ومنه قول لبيد (13):
اعْقِلِي، إِنْ كُنْتِ لَمَّا تَعْقِلِي
…
وَلَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ عَقَلْ
(1) تفسير ابن عثيمين: 1/ 31.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 26.
(3)
أخرجه الطبري (294): ص 1/ 250، وابن أبي حاتم (88): ص 1/ 39.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 171.
(5)
تفسير الثعلبي: 1/ 149.
(6)
تفسير البغوي: 1/ 63.
(7)
تفسير الطبري: 1/ 250.
(8)
الكشاف: 1/ 45.
(9)
تفسير الطبري: 1/ 32.
(10)
تفسير السعدي: 1/ 40.
(11)
ينظر: لسان العرب: : مادة (ف ل ح).
(12)
أنظر: تفسير الطبري: 1/ 250، والمحرر الوجي: 1/ 86.
(13)
ديوانه 2: 12، والخطاب في البيت لصاحبته.
يعني ظَفِر بحاجته وأصابَ خيرًا.
ومنه قول الراجز (1):
عَدِمتُ أُمًّا ولَدتْ رِياحَا
…
جَاءَتْ بِهِ مُفَرْكَحًا فِرْكَاحَا
تَحْسِبُ أَنْ قَدْ وَلَدَتْ نَجَاحَا!
…
أَشْهَدُ لا يَزِيدُهَا فَلاحَا
يعني: "خيرًا وقربًا من حاجتها. والفلاحُ مصدر من قولك: أفلح فلان يُفلح إفلاحًا وفلاحًا وفَلَحًا"(2)، قال الزمخشري:" والمفلح: الفائز بالبغية كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه. والمفلج - بالجيم - مثله. ومنه قولهم المطلقة: استفلحى بأمرك بالحاء والجيم"(3).
والثاني: وقيل: الفلاح: هو البقاء، وقد ورد ذلك في كلام العرب أشعار، ومن ذلك قول لبيد (4):
نَحُلُّ بِلادًا، كُلُّهَا حُلَّ قَبْلَنَا
…
وَنَرْجُو الْفَلاحَ بَعْدَ عَادٍ وَحِمْيَرِ
يريد البقاء، ومنه أيضًا قول عَبيد (5):
أَفْلِحَ بِمَا شِئْتَ، فَقَدْ يُدْرَكُ بِالضَّـ
…
ـعْفِ، وَقَدْ يُخْدَعُ الأَرِيبُ
يريد: عش وابقَ بما شئت، وكذلك قول نابغة بني ذبيان (6):
وَكُلُّ فَتًى سَتَشْعَبُهُ شَعُوبٌ
…
وَإِنْ أَثْرَى، وَإِنْ لاقَى فَلاحًا
أي نجاحًا بحاجته وبَقاءً (7).
ومنه قول الأضبط (8):
لكلّ همّ من الهموم سعه
…
والصّبح والمسى لا فلاح معه
قال ابن عطية: "والبقاء يعمه إدراك الأمل والظفر بالبغية، إذ هو رأس ذلك وملاكه، وحكى الخليل (الفلاح) (9) على المعنيين"(10).
الثالث: وقيل: المفلح: هو المقطوع له بالخير (11)، لأن الفلح في كلامهم القطع (12)، وكذلك قيل للأكار فلاح، لأنه يشق الأرض، وقد قال الشاعر (13):
لَقَدْ عَلِمتَ يا ابنَ أُمِّ صحصحْ
…
أن الحديدَ بالحديدِ يُفلحْ
أَي: "يُشَقُّ ويُقطع"(14).
(1) البيت الثاني في اللسان (فركح)، والبيتين من شواهد الطبري في تفسيره: 1/ 250، والفركحة: تباعد ما بين الأليتين. والفركاح والمفركح منه، يعني به الذم وأنه لا يطيق حمل ما يحمَّل في حرب أو مأثرة تبقى.
(2)
تفسير الطبري: 1/ 250.
(3)
الكشاف: 1/ 46.
(4)
ديوانه القصيدة رقم: 14، يرثى من هلك من قومه.
(5)
ديوانه: 7، وفي المطبوعة والديوان " فقد يبلغ "، وهما روايتان مشهورتان.
(6)
البيت ذكره الطبري في تفسيره: 1/ 250، وهو من قصيدة ليست في زيادات ديوانه منها إلا أبيات ثلاثة، ليس هذا أحدها. وشعوب: اسم للمنية والموت، غير مصروف، لأنها تشعب الناس، أي تصدعهم وتفرقهم. وشعبته شعوب: أي حطمته من ألافه فذهبت به وهلك.
(7)
أنظر: تفسير الطبري: 1/ 250.
(8)
أنظر: البيان والتبيين للجاحظ: 3/ 341. لأضبط بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم"، فهو من "بني تميم". وقد عدّ في المعمرين، والبيت من أبيات له، أوردها القالي في أماليه عن ابن دريد عن ابن الأنباري عن ثعلب، قال: قال ثعلب: بلغني أنها قيلت قبل الإسلام بدهر طويل. أنظر: السجستاني: "8"، البيان والتبيين "3/ 341"، الأغاني "16/ 154 وما بعدها"، الأمالي "1/ 107"، الخزانة "4/ 589"، المثل السائر "1/ 26"، مجالس ثعلب "480".
(9)
قال الخليل: الفلاح والفلح لغة: البقاء في الخير، وفلاح الدهر: بقاؤه، وحيّ على الفلاح، أي: هلمّ على بقاء الخير، وفي الشعر فلح، قال [عمرو بن معد يكرب، ديوانه: 47، وأنظر: التهذيب: 15/ 581، واللسان (فيص)]:
أخبر المخبر عنكم أنكم يوم فيف الريح أبتم بالفلح
أريد به الفلاح فقصر". [العين: (فلح (: ص 3/ 336].
(10)
المحرر الوجيز: 1/ 86.
(11)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 71.
(12)
أنظر: اللسان، وتاج العروس، ومختار الصحاح (فلح).
(13)
لم أتعرف على قائله، والبيت في اللسان، والعين، وشمس العلوم، للحميري، مادة (فلح)، وأنظر: النكت والعيون: 1/ 71، والبيت في المحكم: 3/ 266، بلا نسبة.
(14)
أنظر: اللسان (فلح).
وتجدر الإشارة بأن الفلاح مرتب على الاتصاف بهذه الصفات، فإن اختلت صفة منها نقص من الفلاح بقدر ما اختل من تلك الصفات، لأن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص (1)، ولولا ذلك ما كان في الجنات درجات.
واختلف فيمن أُرِيدَ بهم، على أربعة أوجه (2):
أحدها: المؤمنون بالغيب من العرب، والمؤمنون بما أنزل على محمد، وعلى من قبله من
سائر الأنبياء هم مؤمنوا أهل الكتاب. قاله ابن مسعود (3).
والثاني: هم مؤمنو العرب وحدهم (4).
والثالث: جميع المؤمنين. قاله أبو العالية (5).
والرابع: وقيل: "هم مؤمنو أهل الكتاب الذين صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، وكانوا مؤمنين من قبل بسائر الأنبياء والكتب"(6).
والراجح هو قول ابن مسعود: " لأن الله جل ثناؤه نعت الفريقين بنعتهم المحمود، ثم أثنى عليهم، فلم يكن عز وجل ليخص أحد الفريقين بالثناء، مع تساويهما فيما استحقا به الثناء من الصفات. كما غير جائز في عدله أن يتساويا فيما يستحقان به الجزاء من الأعمال، فيخص أحدهما بالجزاء دون الآخر، ويحرم الآخر جزاء عمله. فكذلك سبيل الثناء بالأعمال، لأن الثناء أحد أقسام الجزاء"(7).
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: سلامة هؤلاء في منهجهم؛ لقوله تعالى: {أولئك على هدًى من ربهم} .
2 -
ومنها: أن ربوبية الله عز وجل تكون خاصة، وعامة؛ وقد اجتمعا في قوله تعالى عن سحرة فرعون:{آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون} {الأعراف: 121، 122} .
3 -
ومنها: أن مآل هؤلاء هو الفلاح؛ لقوله تعالى: {وأولئك هم المفلحون} .
4 -
ومنها: أن الفلاح مرتب على الاتصاف بما ذُكر؛ فإن اختلَّت صفة منها نقص من الفلاح بقدر ما اختل من تلك الصفات؛ لأن الصحيح من قول أهل السنة والجماعة، والذي دلّ عليه العقل والنقل، أن الإيمان يزيد، وينقص، ويتجزأ؛ ولولا ذلك ما كان في الجنات درجات: هناك رتب كما جاء في الحديث: "إن أهل الجنة ليتراءون أصحاب الغرف كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق؛ قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال صلى الله عليه وسلم لا؛ والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين"(8)، أي ليست خاصة بالأنبياء
القرآن
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)} [البقرة: 6].
التفسير:
(1) أجمع أهل السنة والجماعة على أن الإيمان يزيد وينقص، ومن النصوص الصريحة التي استند إليها الإجماع في الحكم بزيادة الإيمان؛ قوله تعالى:(أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا)(التوبة: 124)، فهذه الآية من جملة أدلة صريحة في زيادة الإيمان، وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا ينهب نُهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها بأبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن). متفق عليه: رواه البخاري: (2475)، ومسلم (57)، فنفى عنه كمال الإيمان الواجب بفعل هذه الكبائر مما دل على نقص الإيمان بفعلها وهكذا كل ما ورد من نفي كمال الإيمان الواجب أو المستحب تدل على زيادته ومن ثمَّ نقصانه.
(2)
أنظر: تفسير الطبري: 1/ 248 - 249، والنكت والعيون: 1/ 71.
(3)
أنظر: تفسير الطبري (262): ص 1/ 247.
(4)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 71.
(5)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (87): ص 1/ 39. ولفظه: " هذه الأربع الآيات من فاتحة السورة- في المؤمنين".
(6)
تفسير الطبري: 1/ 248.
(7)
تفسير الطبري: 1/ 249.
(8)
أخرجه البخاري ص 263، كتاب بدء الخلق، باب 8: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، حديث رقم 3256؛ وأخرجه مسلم ص 1170، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب 3: ترائي أهل الجنة أهل الغرف كما يرى الكوكب في السماء، حديث رقم 7144 [11]2831.
إن الذين جحدوا ما أُنزل إليك من ربك استكبارًا وطغيانًا، لن يقع منهم الإيمان، سواء أخوَّفتهم وحذرتهم من عذاب الله، أم تركت ذلك؛ لإصرارهم على باطلهم.
اختلف أهل التفسير في سبب نزول هذه الآية على أقوال (1):
أحدها: أنها "نزلت في أبي جهل وخمسة من أهل بيته". قاله الضحاك (2).
والثاني: وقيل نزلت في اليهود. قاله ابن عباس (3)، والكلبي (4)، واختاره الطبري (5).
والثالث: وقيل: "نزلت في أهل القليب (6) قليب بدر. منهم أبو جهل، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وعقبة بن أبي معيط والوليد بن المغيرة"(7)، حكي ذلك عن الربيع (8).
قال ابن حجر: "وكذا حكاه أبو حيان ولم ينسبه لقائل (9)، وأقره، وفيه خطأ لأن الوليد بن المغيرة مات بمكة قبل الهجرة (10)، وعقبة بن أبي معيط إنما قتل بعد رحيل المسلمين من بدر راجعين إلى المدينة قتل بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصفراء باتفاق أهل العلم بالمغازي"(11).
الرابع: وقال أبو العالية: "نزلت في قادة الأحزاب، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَار} "(12).
والخامس: وقيل: أنها "أنزلت في مشركي العرب من قريش وغيرهم"(13).
السادس: وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص أن يؤمن جميع الناس ويبايعوه على الهدى، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا مَنْ سبقت له السعادة في الذّكْر الأول، ولا
(1) نظر: أسباب النزول للواحدي: 21 - 22، والعجاب في بيان الأسباب لابن حجر: 1/ 230 - 232.
(2)
أخرج ابن إسحاق ومن طريقه ابن جرير (1/ 84) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن صدر سورة البقرة إلى المائة منها نزل في رجال سماهم بأعيانهم وأنسابهم من أحبار يهود ومن المنافقين من الأوس والخزرج. وإسناد ابن إسحاق حسن.
(3)
أنظر: تفسير الطبري (295)، و (296): ص 1/ 251، وابن أبي حاتم (94): ص 1/ 41، والخبر في سيرة ابن هشام القسم الأول: 531، في: فصل الأعداء من يهود، دون سند، وابن كثير في تفسيره: 1/ 45، والسيوطي في: الدر المنثور: 1/ 29، والشوكاني في "فتح الباري" في "فتح القدير: 1/ 28.
(4)
أنظر: اسباب النزول للواحدي: 21.
(5)
أنظر: تفسير الطبري: 1/ 252.
(6)
في "القاموس" مادة قلب" "ص 163": "القليب: البئر، أو العادية القديمة منها، ويؤنث".
(7)
أنظر: البحر المحيط: 1/ 50.، والعجاب في بيان الأسباب: 1/ 229 - 230.
(8)
أنظر: تفسير الطبري (298): ص 1/ 22.
(9)
أصل القول دون ذكر الأسماء مروي بالسند عن الربيع بن أنس كما فى تفسير الطبري "252/ 1" ونصه: "آيتان في قادة الأحزاب: إن الذين كفروا
…
فهم الذين قتلوا يوم بدر". قال ابن عطية في "152/ 1": هكذا حكي هذا القول، وهو خطأ؛ لأن قادة الأحزاب قد أسلم كثير منهم، وإنما نزلت ترتيب الآية في أصحاب القلب
…
" وعلة تخطئته لهذا القول انصراف ذهنه إلى غزوة الخندق -والله أعلم- وليس هذا بلازم، فالمقصود من الأحزاب هنا المشركون الذين تحزبوا على المسلمين في بدر، وهذا قول أبي العالية، ويرويه عنه الربيع كما في "تفسير ابن كثير" "1/ 45". [حاشية العجاب: 1/ 210].
(10)
قال ابن إسحاق في كلامه على كفاية الله نبيه أمر المستهزئين: "حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، أو غيره من العلماء: أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يطوفون بالبيت فقام وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه فمر به الأسود بن المطلب، فرمى في وجهه بورقة خضراء فعمي، ومر به الأسود بن عبد يغوث، فأشار إلى بطنه، فاستسقى بطنه فمات منه حبنا [هو انتفاخ البطن من داء]، ومر به الوليد بن المغيرة، فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله، كان أصابه قبل ذلك بسنين، وهو يجر سَبَله [أي: فضول ثيابه] وذلك أنه مر برجل من خزاعة وهو يريش نبلًا له، فتعلق سهم من نبله بإزاره فخدش في رجله ذلك الخدش، وليس بشيء، فانتقض به [أي: تجدد] فقتله
…
" انظر "سيرة ابن هشام" "1/ 410".
(11)
العجاب في بيان الأسباب: 1/ 230. والذي في سيرة ابن هشام "1/ 644" ما يلي: "قال ابن إسحاق: حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفراء قتل النضر بن الحارث، ثم خرج حتى إذا كان بعرق الظبية قتل عقبة بن أبي معيط. قال ابن هشام: عرق الظنية عن غير ابن إسحاق" ا. هـ باختصار.
ولا يمكن قبول هذا السبب لأن الآية تدل على أنها نزلت في كفار أحياء لا أموات!
(12)
ذكره أبو حيان في "البحر""1/ 50" وتسلسله عنده الثاني وهو نفس القول الماضي الذي ذكره برقم الرابع، وكل ما هنالك أنه قسمه إلى قسمين: قادة الأحزاب وأصحاب القليب، وفي هذا نظر. والآية من سورة إبراهيم "28".
(13)
البحر المحيط: 1/ 50، والعجاب: 1/ 231.
يضل إلا من سبق له من الله الشقاءُ في الذكر الأول" (1). قال ابن حجر: "وحاصله أنها خاصة بمن قدر الله تعالى أنه لا يؤمن" (2).
واختار القول الأخير القرطبي (3)، وإليه مال ابن عطية، فقد حكاه أولًا ثم قال:"والقول الأول مما حكيناه هو المعتمد عليه، وكل من عين أحدًا فإنما مثل بمن كشف الغيب -بموته على الكفر- أنه في ضمن الآية "(4)، وهذا يعني أن الآية هي عامة، ومعناها الخصوص فيمن سبقت عليه كلمة العذاب، وسبق في علم الله أنه يموت على كفره، أراد الله أن يعلم الناس أن فيهم من هذا حاله دون أن يعين أحداً.
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 6]، " أي: إن الذين جحدوا بآيات الله وكذبوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم" (5).
قال ابن عباس: " أي بما أنزل إليك، وإن قالوا إنا قد آمنا بما جاءنا قبلك"(6).
وأصْلُ (الكفر) عند العرب: تَغطيةُ الشيء، ولذلك سمَّوا الليل " كافرًا "، لتغطية ظُلمته ما لبِستْه، كما قال الشاعر (7):
فَتَذَكَّرَا ثَقَلا رًثِيدًا، بَعْدَ مَا
…
أَلْقَتْ ذُكاءُ يَمِينَهَا في كافِرِ
وقال لبيدُ بن ربيعة (8):
يَعْلُو طَريقةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرَا
…
فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومُ غَمَامُهَا
يعني غَطَّاها، فكذلك الذين جحدوا النبوّة من الأحبار من اليهود غَطَّوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكَتَمُوه الناسَ - مع علمهم بنبوّته، ووُجُودِهم صِفَتَه في كُتُبهم - فقال الله جل ثناؤه فيهم:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ} [سورة البقرة: 159]، وهم الذين أنزل الله عز وجل فيهم:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} (9).
قوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6]، "أي: سواءٌ أَحذرتهم يا محمد بن عذاب الله وخوفتهم منه أم لم تحذرهم، لا يصدقون بما جئتهم به" (10).
قال ابن عباس: " أي: أنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق فقد كفروا بما جاءك، وبما عندهم مما جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارا وتحذيرا، وقد كفروا بما عندهم من علمك"(11).
(1) أخرجه الطبري (297): ص 1/ 252، وهو عند ابن كثير "1/ 45" والسيوطي "1/ 28 - 29" والشوكاني "1/ 28" ونسباه إلى ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي ولم أجده في "تفسير ابن أبي حاتم"، هذا، وقد تصرف ابن حجر في النقل بالاختصار.
(2)
العجاب في بيان الأسباب: 1/ 232.
(3)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 184.
(4)
المحرر الوجيز: 1/ 87. قال ابن عطية: واختلف فيمن نزلت هذه الآية بعد الاتفاق على أنها غير عامة لوجود الكفار قد أسلموا بعدها.
- فقال قوم هي فيمن سبق في علم الله أنه لا يؤمن أراد الله تعالى أن يعلم أن في الناس من هذه حاله دون أن يعين أحد.
- وقال ابن عباس نزلت هذه الآية في حيي بن أخطب وأبي ياسر وابن الأشرف ونظرائهم.
- وقال الربيع بن أنس نزلت في قادة الأحزاب وهم أهل القليب ببدر قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه هكذا حكي هذا القول وهو خطأ لأن قادة الأحزاب قد أسلم كثير منهم وإنما ترتيب الآية في أصحاب القليب والقول الأول مما حكيناه هو المعتمد عليه وكل من عين أحدا فإنما مثل بمن كشف الغيب بموته على الكفر أنه في ضمن الآية. (المحرر الوجيز: 1/ 87).
(5)
صفوة التفاسير: 1/ 27.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (92): ص 1/ 40.
(7)
الشعر لثعلبة بن صعير المازني، شرح المفضليات:257. والضمير في قوله " فتذكرا " للنعامة والظليم. والثقل: بيض النعام المصون، والعرب تقول لكل شيء نفيس خطير مصون: ثقل. ورثد المتاع وغيره فهو مرثود ورثيد: وضع بعضه فوق بعض ونضده. وعنى بيض النعام، والنعام تنضده وتسويه بعضه إلى بعض. وذكاء: هي الشمس.
(8)
انظر: شرح المعلقات السبع للزوزني: 100، ويروى " ظلامها ". يعني البقرة الوحشية، قد ولجت كناسها في أصل شجرة، والرمل يتساقط على ظهرها.
(9)
تفسير الطبري: 1/ 255.
(10)
صفوة التفاسير: 1/ 27.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (92): ص 1/ 40.
قال القرطبي: أي: "معتدلٌ عندهم: الإنذار وتركه (1).
قال الصابوني: "أي يتساوى عندهم، فلا تطمع في إيمانهم، ولا تذهب نفسك تذهب نفسك عليهم حسرات، وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم َ عن تكذيب قوله له"(2).
قال الطبري: "أيّ الأمرين كان منك إليهم [سواء]، الإنذار أم ترك الإنذار (3)، ومن ذلك قول عبيد الله بن قيس الرُّقَيَّات (4):
تُغِذُّ بيَ الشّهبَاءُ نَحْوَ ابن جَعْفٍر
…
سَوَاءٌ عَلَيْهَا لَيْلُهَا ونَهَارُهَا
يعني بذلك: معتدلٌ عندها في السير الليلُ والنهارُ، لأنه لا فُتُورَ فيه. ومنه قول الآخر (5):
وَلَيْلٍ يَقُولُ المَرْءُ مِنْ ظُلُمَاتِه
…
سَوَاءٌ صَحِيحَاتُ العُيُونِ وَعُورُهَا
لأن الصحيح لا يبصر فيه إلا بصرًا ضعيفًا من ظُلْمته.
قال أبو حيان: " فإن قوله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ} إشارة إلى أن السواء الذي أضيف إليهم وباله ونكاله عليهم ومستعل فوقهم، لأنه لو أراد بيان أن ذلك من وصفهم فحسب لقال: سواء عندهم، فلما قال: سواء عليهم، نبه على أنه مستعل عليهم"(6).
واختلفت القراءة في قوله تعالى: {أَأَنذَرْتَهُمْ} [البقرة: 6]، على وجوه (7):
أحدها: قرأ الزهري، وابن محيصن:{أنذرتهم} ، بهمزة واحدة، حذف الهمزة الأولى لدلالة المعنى عليها، ولأجل ثبوت ما عادلها وهو {أم} ، وقرأ أبي أيضا بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى الميم.
والثاني: قرأ عاصم وحمزة والكسائي بهمزتين، وقرأ أهل الحجاز وأبو عمرو بالمد وتليين الهمزة الثانية.
والثالث: وقرأ ابن عامر بألف بين همزتين.
قال الثعلبي: " وهذه الآية خاصّة فيمن حقّت عليه كلمة العذاب في سابق علم الله، وظاهرها إنشاء ومعناها إخبار"(8).
قال أبو العالية: " آيتان في قادة الأحزاب: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}، قال: هم الذين ذكرهم الله في هذه الآية: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار} "(9).
وعن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"قيل يا رسول الله إنا نقرأ من القرآن فنرجو، ونقرأ فنكاد أن نأيس. فقال: ألا أخبركم؟ ثم قال: إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون هؤلاء أهل النار. قالوا: لسنا منهم يا رسول الله؟ قال: أجل"(10).
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم حين يردُّه الكفار، ولا يَقبلون دعوته.
2 -
ومنها: أن من حقت عليه كلمة العذاب فإنه لا يؤمن مهما كان المنذِر والداعي؛ لأنه لا يستفيد. قد ختم الله على قلبه.، كما قال تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا
(1) ينظر: تفسير القرطبي: 1/ 184.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 27.
(3)
ينظر: تفسير الطبري: 1/ 255 - 256.
(4)
ديوانه: 163، والكامل للمبرد 1: 398، 399. يمدح عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. أغذ السير وأغذ فيه: أسرع. ورواية ديوانه، والكامل " تقدت ". وتقدى به بعيره: أسرع على سنن الطريق. والشهباء: فرسه، للونها الأشهب، وهو أن يشق سوادها أو كمتتها شعرات بيض حتى تكاد تغلب السواد أو الكمتة.
(5)
البيت لمضرس بن ربعي الفقعسي. حماسة ابن الشجري: 204.
(6)
البرح المحيط: 1/ 34.
(7)
أنظر: السبعة في القراءات: 136 - 137، والحجة للقراء السبعة: 1/ 224، والبحر المحيط: 1/ 31.
(8)
تفسير الثعلبي: 1/ 150.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (93): ص 1/ 40.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (91): ص 1/ 40.
العذاب الأليم} [يونس: 96، 97]، وقال تعالى:{أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار} [الزمر: 19] يعني هؤلاء لهم النار؛ انتهى أمرهم، ولا يمكن أن تنقذهم.
3 -
ومنها: أن الإنسان إذا كان لا يشعر بالخوف عند الموعظة، ولا بالإقبال على الله تعالى فإن فيه شبهاً من الكفار الذين لا يتعظون بالمواعظ، ولا يؤمنون عند الدعوة إلى الله.
القرآن
{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)} [البقرة: 7].
التفسير:
طبع الله على قلوب هؤلاء وعلى سمعهم، وجعل على أبصارهم غطاء؛ بسبب كفرهم وجحودهم وعنادهم مِن بعد ما تبيَّن لهم الحق، فلم يوفقهم للهدى، ولهم عذاب شديد في نار جهنم.
قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة: 7]، " أي: طبع على قلوبهم فلا يدخل فيها نور، ولا يشرق فيها إيمان" (1).
قال ابن عباس: " أي: عن الهدى أن يصيبوه أبدا بغير ما كذبوك به من الحق الذي جاءك من ربك حتى يؤمنوا به وإن آمنوا بكل ما كان قبلك، ولهم بما هم عليه من خلافك عذاب عظيم. فهذا في الأحبار من يهود فيما كذبوا به من الحق بعد معرفته"(2).
قال الثعلبي: أي: " طبع الله على قلوبهم وأغلقها وأقفلها فليست تعي خبرا ولا تفهمه. يدل عليه قوله: {أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها} [محمد: 24] "(3).
قال الماوردي: " الختم الطبع، ومنه ختم الكتاب"(4).
قال ابن عثيمين: أي: " قلوبهم مختوم عليها لا يصدر منها خير، ولا يصل إليها خير"(5).
قال سعيد المقبري: "ختم الله على قلوبهم بالكفر"(6).
وروي "عن السدي: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم}، يقول: فلا يسمعون ولا يعقلون"(7).
وقال أبو مالك: " {ختم الله}، يعني: طبع الله"(8).
وعن مجاهد: " {ختم الله على قلوبهم}، قال: الطبع ثبتت الذنوب على القلب تحف به من كل نواحيه حتى تلتقي عليه. فالتقاؤها عليه الطبع. والطبع الختم"(9).
وعن مجاهد أيضا: "الرّانُ أيسَرُ من الطَّبْع، والطَّبع أيسر من الأقْفَال، والأقفال أشدُّ ذلك كله"(10).
وسُمِّي القلب قلباً لتقلُّبِهِ بالخواطر (11)، وقد قيل (12):
ما سُمِّيَ الْقَلْبُ إِلَاّ مِنْ تَقَلُّبِهِ
…
وَالرَّأْيُ يَصْرِفُ، بالإنْسَانُ أَطْوَارا
واختلف في قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة: 7]، على أقوال (13):
(1) صفوة التفاسير: 1/ 27.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (94): ص 1/ 41.
(3)
تفسير الثعلبي: 1/ 150.
(4)
النكت والعيون: 72.
(5)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 37.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (96): ص 1/ 41.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (95): ص 1/ 41.
(8)
أخرجه ابن أبي حااتم (97): ص 1/ 41.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (99): ص 1/ 41.
(10)
أخرجه الطبري (303): ص 1/ 259.
(11)
أنظر: التفسير البسيط: 2/ 114، والنكت والعيون: 1/ 73.
(12)
البيت في "التهذيب"(قلب) 3/ 3026، وكذا "اللسان"(قلب) 6/ 3714، بهذا النص، وورد في القرطبي 1/ 163، و"الدر المصون" 1/ 114، "روح المعاني" 1/ 135، شطره الثاني: فاحذر على القلب من قلب وتحويل
غير منسوب في جميع المصادر.
(13)
انظر: النكت والعيون: 1/ 72 - 73، وتفسير الطبري: 1/ 260 - 261.
أحدها: أن القلب مثل الكف، فإذا أذنب العبْدُ ذنباً ضُمَّ منه كالإصبع، فإذا أذنب ثانياً ضم منه كالإصبع الثانية، حتى يضمَّ جميعه ثم يطبع عليه بطابع. وهو قول مجاهد (1).
والثاني: أنها سمة تكون علامة فيهم، تعرفهم الملائكة بها من بين المؤمنين.
والثالث: أنه إخبار من الله تعالى عن كفرهم وإعراضهم عن سماع ما دعوا إليه من الحق، تشبيهاً بما قد انسدَّ وختم عليه، فلا يدخله خير.
والرابع: أنها شهادة من الله تعالى على قلوبهم، بأنها لا تعي الذكر ولا تقبل الحقَّ، وعلى أسماعهم بأنها لا تصغي إليه، والغشاوة: تعاميهم عن الحق.
والصحيح هو القول الأول، وذلك لما صحّ بنظيره عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم، أنه قال:" إنّ المؤمنَ إذا أذنب ذنبًا كانت نُكْتهٌ سوداءُ في قلبه، فإن تاب وَنزع واستغفر، صَقَلت قلبه، فإن زاد زادت حتى تُغْلق قلبه، فذلك " الرَّانُ " الذي قال الله جل ثناؤه: {كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [سورة المطففين: 14] "(2).
فيتبيّن لنا من الحديث: " أنّ الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلفتها أتاها حينئذ الخَتْم من قبل الله عز وجل والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مَسْلك، ولا للكفر منها مَخْلَص، فذلك هو الطَّبع. والختم الذي ذكره الله تبارك وتعالى في قوله: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ}، نظيرُ الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف، التي لا يوصَل إلى ما فيها إلا بفضِّ ذلك عنها ثم حلّها. فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وَصَف الله أنه ختم على قلوبهم، إلا بعد فضِّه خَاتمَه وحلِّه رباطَه عنها"(3).
وأصلُ الختم: الطَّبْع، والخاتَم هو الطَّابع. يقال منه: ختمتُ الكتابَ، إذا طبَعْتَه" (4).
قال أبو حيان: " وذهب بعض المتأولين من القدرية إلى أن معنى {ختم الله على قلوبهم}: وسمها سمة تدل على أن فيها الكفر، لتعرفهم الملائكة بتلك السمة، وتفرق بينهم وبين المؤمنين الذين في قلوبهم الشرع، قال: والختم والطبع واحد، وهما سمة وعلامة في قلب المطبوع لى قلبه (5)، وهذا باطل، لأن الختم في اللغة ليس هو الإعلام، ولا يقال: ختمت على الشيء بمعنى: أعلمت عليه ومن حمل الختم على الإعلام فقد تشهى على أهل اللغة، وجر كلامهم إلى موافقة عقيدته"(6).
وقد خص القلب بالختم لأنه محل الفهم والعلم، كما أنه ذكر الاعضاء (السمع والبصر القلب)، لأنها طرق العلم، فالقلب محل العلم وطريقه السماع أو الرؤية.
قوله تعالى: {وَعَلَى سَمْعِهِمْ} [البقرة: 7]، " أي: وختم على سمعهم" (7).
قال الثعلبي: " فلا يسمعون الحق ولا ينتفعون به"(8).
قال ابن عثيمين: " والختم على الأذن: أن لا تسمع خيراً تنتفع به"(9).
قال الواحدي: " وحد السمع، لأنه مصدر، والمصادر لا تثنى ولا تجمع، لأن المصدر ينبئ عن الفعل، فهو بمنزلة الفعل، والفعل لا يثنى ولا يجمع (10)، وقال ابن الأنباري: أراد: وعلى مواضع سمعهم، فحذف
(1) أنظر: تفسير الطبري (301): ص 1/ 258. ولفظه: " القلبُ مثلُ الكفّ، فإذا أذنب ذنبًا قبض أصبعًا حتى يقبض أصابعه كلها - وكان أصحابنا يُرون أنه الرَّان".
أي: إنّ الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلفتها أتاها حينئذ الخَتْم من قبل الله عز وجل والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مَسْلك، ولا للكفر منها مَخْلَص، فذلك هو الطَّبع، والختم الذي ذكره الله تبارك وتعالى في قوله:(خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ)، نظيرُ الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف، التي لا يوصَل إلى ما فيها إلا بفضِّ ذلك عنها ثم حلّها. فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وَصَف الله أنه ختم على قلوبهم، إلا بعد فضِّه خَاتمَه وحلِّه رباطَه عنها.
(2)
رواه أحمد في المسند 7939 (2: 297 حلبي)، ورواه الحاكم 2: 517، ورواه الترمذي 4: 210، وابن ماجه 2:291.
(3)
تفسير الطبري: 1/ 26 - 261.
(4)
ينظر: تفسير الطبري: 1/ 265، والقول لحجاج ساقه ساقه ابن كثير في تفسيره 1: 85، والشوكاني 1:28.
(5)
ذكره أبو علي الفارسي في "الحجة" عن قوم من المتأولين، 1/ 301.
(6)
التفسير البسيط: 2/ 114.
(7)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 37.
(8)
تفسير الثعلبي: 1/ 150.
(9)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 37.
(10)
انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 47، "تهذيب اللغة"(سمع) 2/ 1756، والثعلبي 1/ 48/ب، "تفسير أبي الليث" 1/ 93، "زاد المسير" 1/ 28، والقرطبي 1/ 165. وقيل: وحد السمع، لأن المسموع واحد وهو الصوت، وقرئ شاذا {وعلى أسماعهم} . انظر. "الفتوحات الإلهية" 1/ 15.
المضاف، كما تقول العرب: تكلم المجلس، وهم يريدون أهله، وحذف المضاف كثير في التنزيل والكلام (1)، وقيل: اكتفى من الجمع بالواحد (2)، كما قال الراعي (3):
بها جيف الحسرى فأما عظامها
…
فبيض وأما جلدها فصليب
وقال الله تعالى: {يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} [الشورى: 45]، وهو كثير جدًّا.
وقال سيبويه (4): توحيد السمع يدل على الجمع، لأنه توسط جمعين، كقوله:{يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257]، وقوله:{عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ} [النحل: 48] " (5).
وقوله تعالى {وَعَلى سَمْعِهِمْ} [البقرة: 7]، فيه قراءتان (6):
أحدهما: {وَعَلى سَمْعِهِمْ} ، وهي قراءة الجمهور.
والثاني: {وعلى أسماعهم} ، قرأ بها ابن أبي عبلة.
قوله تعالى: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [البقرة: 7]، أي:"وعلى أبصارهم غطاء، فلا يبصرون هدى"(7).
قال الثعلبي: " أي غطاء وحجاب، فلا يرون الحق"(8).
قال ابن عباس: " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم والغشاوة على أبصارهم"(9).
وقال السدي: "جعل على أبصارهم غشاوة، يقول: على أعينهم فهم لا يبصرون"(10).
قال ابن عثيمين: " أي: غطاء يحول بينها وبين النظر إلى الحق؛ ولو نظرت لم تنتفع"(11).
روي "عن قتادة قال: "استحوذ عليهم الشيطان إذ أطاعوه، ف ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، فهم لا يبصرون هدى، ولا يسمعون ولا يفقهون، ولا يعقلون" (12).
قال أبو حيان: " شبه قلوبهم لتأبيها عن الحق، وأسماعهم لإضرابها عن سماع داعي الفلاح، وأبصارهم لامتناعها عن تلمح نور الهداية بالوعاء المختوم عليه المسدود منافذة المغشي بغشاء يمنع أن يصل إليه ما يصلحه، لما كانت مع صحتها وقوة إدراكها ممنوعة عن قبول الخير وسماعه وتلمح نوره"(13).
والأبصار جمع البصر، والبصر العين، إلا أنه مذكر، ويقال: تبصرت الشيء بمعنى رمقته (14)، ومنه قول زهير (15):
تبصر خليلي هل ترى من ظعائن
…
تحملن بالعليا من فوق جرثم (16)
(1) لم أجده منسوبا لابن الأنباري. وورد بمعناه في "تفسير أبي الليث" 1/ 93، والقرطبي 1/ 166، "تهذيب اللغة"(سمع) 2/ 1757.
(2)
انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 47، والثعلبي 1/ 48 ب، و"تفسير أبي الليث" 1/ 93، و"تهذيب اللغة"(سمع) ص 1757.
(3)
كذا نسبه الثعلبي 1/ 48 ب، والبيت لعلقمة بن عبدة الفحل كما في "الكتاب" وغيره.
قاله يصف طريقاً شاقًّا، قطعه لممدوحه. الحسرى: جمع حسير، والحسير: البعير المعيب يتركه أصحابه فيموت، وابيضت عظامه لما أكلت السباع والطير ما عليه من لحم، صليب: يابس لم يدبغ. الشاهد (جلدها) مفرد أريد به الجمع، أي: جلودها. انظر: "الكتاب" 1/ 209، و"معاني القرآن" للزجاج 1/ 47، "تفسير الثعلبي" 1/ 48 ب، والقرطبي 1/ 165، "الخزانة" 7/ 559، وفيها:(به جيف الحسرى .. )، "الدر المصون" 1/ 114، والرازي 2/ 53، وفيه:(الحيدى) بدل (الحسرى).
(4)
انظر. "الكتاب" 1/ 209، والنص من الثعلبي 1/ 48/ب.
(5)
أنظر: التفسير البسيط: 2/ 115 - 116.
(6)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 88.
(7)
صفوة التفاسير: 1/ 27.
(8)
تفسير الثعلبي: 1/ 151.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (100): ص 1/ 42.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (101): ص 1/ 42.
(11)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 37.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (98): ص 1/ 41.
(13)
البحر المحيط: 1/ 34.
(14)
تهذيب اللغة" (بصر) 1/ 340.
(15)
ديوان زهير: 9. والظعائن: جمع ظعينة، وهي المرأة في الهودج تحمل على الإبل، بالعلياء: الأرض المرتفعة، جرثم: ماء معين.
(16)
أنظر: التفسير البسيط: 2/ 116.
والغشاوة: الغطاء على العين يمنعها من الرؤية، والغشاوة في كلام العرب: الغطاءُ، ومنه قول الحارث بن خالد بن العاص (1):
تَبِعْتُكَ إذْ عَيْني عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ
…
فَلَمَّا انْجَلَتْ قَطعْتُ نَفْسِي أَلُومُهَا
ومنه يقال: تغشَّاه الهم: إذا تجلَّله وركبه، ومنه قول نابغة بني ذبيان (2):
هَلا سَأَلْتِ بَنِي ذُبيَان مَا حَسَبي
…
إذَا الدُّخانُ تَغَشَّى الأشمَط البَرَمَا
يعني بذلك: تجلّله وَخالطه.
واختلفت القراءة في قوله تعالى: {غِشَاوَةٌ} [البقرة: 7]، على وجوه (3):
أحدها: قرأ عاصم فيما روى المفضل الضبي (4) عنه: {غشاوة} ، بالنصب (5)، وله وجهان (6):
الأول: أن تحمل على الفعل، كأنه قال: وختم على قلبه غشاوة، أي: بغشاوة فلما حذف الحرف وصل الفعل، ومعنى ختم عليه بغشاوة: مثل جعل على بصره غشاوة. ألا ترى أنه إذا ختمها بالغشاوة فقد جعلها فيها، والدليل على جواز حمل غشاوة على ختم هذا الظاهر قوله:{أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} [النحل: 108]، وطبع في المعنى كختم، وقد حملت الأبصار على (طبع)، فكذلك تحمل على (ختم).
والوجه الثاني: ما قاله الفراء، وهو أنه نصبها بإضمار (وجعل)، كقوله في الجاثية:{وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [الجاثية: 23](7).
والثاني: وقرأ الباقون {غشاوة} ، بالرفع.
قال أبو علي: والرفع أحسن والقراءة به أولى، لأن النصب إما أن تحمله على ختم الظاهر فيعترض في ذلك أنك حلت بين حرف العطف والمعطوف به، وهذا عندنا إنما يجوز في الشعر، وإما أن تحمله على فعل يدل عليه خَتَمَ تقديره وجعل على أبصارهم، فقراءة الرفع أحسن، وتكون الواو عاطفة جملة على جملة (8).
والثالث: وقرأ الحسن: «غشاوة» بضم الغين، وقرئت «غشاوة» بفتح الغين.
قال ابن عطية: " وأصوب هذه القراءات المقروء بها ما عليه السبعة من كسر الغين على وزن عمامة والأشياء التي هي أبدا مشتملة، فهكذا يجيء وزنها كالضمامة والعمامة والكنانة والعصابة والربابة وغير ذلك"(9).
قوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 7]، " أي ولهم في الآخِرة عذاب شديدٌ لا ينقطع، بسبب كفرهم وإجرامهم وتكذيبهم بآيات الله"(10).
(1) الشاعر هو الحارث بن خالد المخزومي، ويأتي البيت في تفسير آية سورة الأعراف: 18 (8: 103 بولاق)، وروايته هناك:" صحبتك إذ عيني. . أذيمها "، شاهدًا على " الذام "، وهو أبلغ في العيب من الذم، ثم قال أبو جعفر:" وأكثر الرواة على إنشاده: ألومها "، وخبر البيت: أن عبد الملك بن مروان لما ولى الخلافة حج البيت، فلما انصرف رحل معه الحارث إلى دمشق، فظهرت له منه جفوة، وأقام ببابه شهرًا لا يصل إليه، فانصرف عنه وقال البيت الشاهد وبعده: وما بِيَ إن أقصَيتنِي من ضَرَاعةٍ
…
وَلا افْتَقَرَتْ نَفْسِي إلى مَنْ يَضِيمُها (انظر الأغاني 3: 317)، وبلغ عبد الملك شعره، فأرسل إليه من رده إليه.
(2)
ديوانه: 52. والأشمط: الذي شاب رأسه من الكبر، والبرم: الذي لا يدخل مع القوم في الميسر. قال ابن قتيبة في المعاني الكبير 410، 1238:" وإنما خص الأشمط، لأنه قد كبر وضعف، فهو يأتي مواضع اللحم ".
(3)
أنظر: السبعة: 138، والحجة للقراء السبعة: 1/ 291 - 292.
(4)
هو المفضل بن محمد الضبي الكوفي، إمام مقرئ، نحوي، إخباري، أخذ القراءة عن عاصم، ومات سنة ثمان وستين ومائة. انظر ترجمته في:"تاريخ بغداد" 13/ 121، "الأنساب" 8/ 385، "إنباه الرواة" 3/ 298، "غاية النهاية" 2/ 307.
(5)
قال ابن مجاهد: "قرأوا كلهم (غشاوة) في (البقرة) رفعا وبالألف، إلا أن المفضل ابن محمد الضبي روى عن عاصم (وعلى أبصارهم غشاوة) نصبا"، "السبعة" ص 141، "معاني القرآن" للفراء 1/ 13، "الحجة" 1/ 291 "زاد المسير" 1/ 28.
(6)
أنظر: الحجة للقراء السبعة: 1/ 309 - 310. والتفسير البسيط: 118 - 119.
(7)
أنظر: معاني القرآن" 1/ 13، 14، ونقل الواحدي بتصرف يسير.
(8)
أنظر الحجة للقراء السبعة: 1/ 310 - 311. وقال الواحدي: "والأشهر في القراءة رفع الغشاوة، لأنها لم تحمل على (ختم)، ألا ترى أنه قد جاء في الأخرى {وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [الجاثية: 23]، فلما لم تحمل في هذه على (ختم) كذلك لا تحمل هاهنا، وبقطعها عن ختم فتكون مرفوعة بـ (على) ". [التفسير البسيط: 2/ 118].
(9)
المحرر الوجيز: 1/ 89.
(10)
صفوة التفاسير: 1/ 27.
وروي " عن ابن عباس في قوله: {عذاب}، يقول: نكال"(1).
وعن مقاتل بن حيان، "قوله:{ولهم عذاب عظيم} ، يعني عذاب وافر" (2).
قال ابن عطية: " معناه بمخالفتك يا محمد وكفرهم بالله استوجبوا ذلك"(3).
قال ابن عثيمين: " وعظمه الله تعالى؛ لأنه لا يوجد أشد من عذاب النار"(4).
قال أبو حيان: " فإنه لو اقتصر على قوله عذاب ولم يقل عظيم لاحتمل القليل والكثير، فلما وصفه بالعظيم تمم المعنى وعلم أن العذاب الذي وعدوا به عظيم، إما في المقدار وإما في الإيلام والدوام"(5).
قال ابن عباس: "ولهم بما هُمْ عليه من خلافك {عذابٌ عظيم}، قال: فهذا في الأحبار من يهود، فيما كذَّبوكِ به من الحق الذي جاءك من رّبك بعد معرفتهم"(6).
قال الزجاج في هذه الآية: "إنهم كانوا يسمعون ويبصرون ويعقلون، ولكن لم يستعملوا هذه الحواس استعمالاً يجدي عليهم، فصاروا كمن لا يعقل ولا يسمع ولا يبصر"(7).
قال الواحدي: "ومعنى العذاب الأليم: الذي يخلص وجعه إلى قلوبهم"(8).
وأصل (العذاب) في كلام العرب: من العذب، وهو المنع؛ يقال: عَذَبتَه عَذْبًا أي منعتَه مَنْعَا، فعَذَبَ عُذوبًا أي امتنع، ومنه يقال للفرس إذا قام في المِعْلف ولم يتناول العلف وامتنع عنه: عَذُوبٌ وعَاذِبٌ، ومنه الماء العَذْب؛ لأنه يمنع العطش (9)، فسمي العذاب عذابًا؛ لأنه يَعْذُبُ المعاقب عن معاودة ما عوقب عليه، ويعذب غيره من أرتكاب مثله (10).
وقوله تعالى: {أَلِيمٌ} : ، الأليم: بمعنى المؤلم (11)، كالسميع: بمعنى المسمع، وقال ذو الرمة (12):
وترفع من صدور شَمَرْدَلاتٍ
…
يصُكُّ وجوهَها وَهَجٌ أليمُ
وقال عمرو بن معد يكرب (13):
أَمِنْ ريحانة الدَّاعي السَّميع
…
يُؤْرِقُني وأَصْحابي هَجوع
أي: المسمع (14).
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: أن محل الوعي القلوب؛ لقوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم} يعني لا يصل إليها الخير.
2 -
ومنها: أن طرق الهدى إما بالسمع؛ وإما بالبصر: لأن الهدى قد يكون بالسمع، وقد يكون بالبصر؛ بالسمع فيما يقال؛ وبالبصر فيما يشاهد؛ وهكذا آيات الله عز وجل تكون مقروءة مسموعة؛ وتكون بيّنة مشهودة.
3 -
ومنها: وعيد هؤلاء الكفار بالعذاب العظيم.
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (102): ص 1/ 42.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (103): ص 1/ 42.
(3)
المحرر الوجيز: 1/ 89.
(4)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 37.
(5)
البحر المحيط: 1/ 34.
(6)
أخرجه الطبري (311): ص 1/ 268.
(7)
معاني القرآن: 1/ 82.
(8)
التفسير البسيط: 2/ 153.
(9)
انظر: "تهذيب اللغة"(عذب) 3/ 2364، "الصحاح"(عذب) 1/ 178، "تفسير الثعلبي" 1/ 48 ب، "الكشاف" 1/ 164.
(10)
أنظر: التفسير البسيط: 2/ 151 - 152.
(11)
انظر. "تفسير الطبري" 1/ 123، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 51، "تفسير أبي الليث" 1/ 95.
(12)
البيت في "ديوانه" 2/ 677، "مجاز القرآن" 1/ 32 و"تفسير الطبري" 1/ 123، وفيه (يصد) بدل (يصك)، "تفسير القرطبي" 1/ 198، و"الدر المصون" 1/ 130. قوله: الشمردلات الإبل الحسان الجميلة الخلق، يصك: يضرب، وهج أليم: شدة الحرارة
(13)
البيت في "الشعر والشعراء" ص 235، و"تفسير الطبري" 1/ 123، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 51، و"تفسير الثعلبي" 1/ 50 أ، و"تفسير ابن عطية" 1/ 165، "الأصمعيات" ص 172، "البحر المحيط" 1/ 59. وريحانة: أخت عمرو، وكان الصمة أبو دريد قد غزا بني زبيد وسباها، وغزاهم عمرو مرارًا ولم يقدر عليها، وقيل: ريحانة امرأة أراد أن يتزوجها فهو يشبب بها.
(14)
أنظر: التفسير البسيط: 2/ 152 - 153.
مسألة:
إذا قال قائل: هل هذا الختم له سبب من عند أنفسهم، أو مجرد ابتلاء وامتحان من الله عز وجل؟
فالجواب: أن له سبباً؛ كما قال تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5]، وقال تعالى:{فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية} [المائدة: 13].
القرآن
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)} [البقرة: 8]
التفسير:
ومن الناس فريق يتردد متحيِّرًا بين المؤمنين والكافرين، وهم المنافقون الذين يقولون بألسنتهم: صدَّقْنَا بالله وباليوم الآخر، وهم في باطنهم كاذبون لم يؤمنوا.
في سبب نزول الآية ثلاثة أقوال (1):
أحدها: أنها نزلت في قوم معينين، لأن الله تعالى حكى عنهم أقوالا معينة، قالوها، فلايكون صادرا إلا من معين. قاله أبو حيان (2)، والطبري (3).
والثاني: أنها نزلت في منافقي الأوس والخزرج ومن كان على صفتهم، قاله ابن عباس (4).
والثالث: أنها عامة في المنافقين، قاله مجاهد (5)، الربيع (6)، وابن جريج (7)، وروي عن أبي العالية (8) والحسن البصري، وقتادة والسدي مثل ذلك (9).
لما تقدم وصف المؤمنين في صدر السورة بأربع آيات (10)، ثم عرّف حال الكافرين بهاتين الآيتين {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)} [البقرة: 6 - 7]، شرع تعالى في بيان حال المنافقين في ثلاثة عشرة آية، وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ولما كان أمرهم يشتبه على كثير من الناس أطنب في ذكرهم بصفات متعددة، كل منها نفاق، كما أنزل سورة براءة فيهم، وسورة المنافقين فيهم، وذكرهم في سورة النور وغيرها من السور، تعريفا لأحوالهم لتجتنب، ويجتنب من تلبس بها أيضًا (11).
قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ} [البقرة: 8]، "أي: ومن الناس فريق" (12).
قال ابن عثيمين: " أي: وبعض الناس، ولم يصفهم الله تعالى بوصف. لا بإيمان، ولا بكفر.؛ لأنهم كما وصفهم الله تعالى في سورة النساء: {مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} [النساء: 143] "(13).
واختلف العلماء في أصل كلمة {الناس} ، وفيه وجهان (14):
(1) أنظر: العجاب في بيان الأسباب: 1/ 232 - 233.
(2)
أنظر: البحر المحيط: 1/ 54، وقال:" "وهم عبد الله بن أبي بن سلول، وأصحابه، ومن وافقه من غير أصحابه ممن أظهر الإسلام وأبطن الكفر
…
" وهو في هذا يرد على أبي البقاء إذا استضعف أن تكون "مَنْ" موصولة بمعنى الذي قال: لأن "الذي" يتناول قومًا بأعيانهم، والمعنى هنا على الإبهام.
(3)
أنظر: تفسيره: 1/ 268.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (312) و (317): ص 1/ 268 - 270، وأخرجه ابن أبي حاتم (104): ص 1/ 42، ولمعرفة أسماء المنافقين من الأوس والخرج، أنظر: سيرة ابن هشام: 355 - 361.
(5)
أخرجه الطبري (313)، و (314)، و (316): ص 1/ 269، ولفظه:" "هذه الآية إلى ثلاث عشرة، في نَعت المنافقين".
(6)
أنظر: تفسير الطبري (318): ص 1/ 270.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (319): ص 1/ 270.
(8)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (105): ص 1/ 42.
(9)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 42، وتفسير ابن كثير: 1/ 47، والعجاب في أسباب: 1/ 232.
(10)
(11)
أنظر: تفسير ابن كثير: 1/ 176.
(12)
صفوة التفاسير: 1/ 29.
(13)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 39.
(14)
أنظر: تفسير الطبري: 1/ 268، والتفسير البسيط: 2/ 123 - 124.
أحدهما: أن يكون جمعًا لا واحدَ له من لَفْظِه، كالقوم والرهط والجيش، واختلفوا في تصغيره، فقيل:(أنيس) و (نويس).
فمن قال: (أنيس) وهو قول أكثر النحويين (1)، دل على أن أصله (أناس) لثبوت الهمزة في التصغير. ومن قال: نويس، جعل اشتقاق الناس من (النوس) وهو الاضطراب والحركة يقال ناس ينوس إذا تذبذب وتحرك، وأناس إذا حرك. ومنه قول المرأة في حديث أم زرع:"أناس من حلي أذني"(2).
قال الأزهري: " وسمي الناس ناسًا، لأن من شأنهم الحركة على الاختيار العقلي، والواو في التصغير يدل على هذا الاشتقاق، وواحد الناس: إنسان، لا من لفظه"(3).
والثاني: أن يكون أصله (أُناس)(4)، أسقِطت الهمزة منها لكثرة الكلام بها، ثم دخلتها الألف واللام المعرِّفتان، فأدغِمت اللام - التي دخلت مع الألف فيها للتعريف - في النون، كما قيل في {لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي} [سورة الكهف: 38]، وقد استعمله الشاعر على الأصل فقال (5):
إن المنايا يَطّلعـ
…
ـنَ على الأناس الآمنينا
قال الأزهري: "وهذا قول حذاق النحويين"(6).
قال الأزهري: "وأصل الإنس، والإنسان، والناس، من آنس يؤنس إذا أبصر، لأنهم يؤنسون، أي: يبصرون، كما قيل للجن: جن، لأنهم مجتنّون، لا يؤنسون أي: لا يبصرون"(7)، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: عهد الله سبحانه إلى آدم فنسي فسمي إنساناً" (8)، قال الواحدي: "وإن صح هذا فالهمزة تكون زائدة" (9)، ومنه قول الشاعر (10):
لا تنسين تلك العهود فإنما
…
سميت إنسانا لأنك ناسي
وقال الآخر (11):
(1) قال سيبويه: (ليس من العرب أحد إلا ويقول: نويس)، انظر "الكتاب" 3/ 457، وانظر "المسائل الحلبيات" لأبي علي الفارسي ص 171، 172.
(2)
قطعة من حديث طويل، فقد أخرج البخاري بسنده عن عائشة، قالت (جلس إحدى عشرة امرأة، فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً
…
)، وفيه:(قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع فما أبو زرع أناس من حلي أذني ..... ). أخرجه البخاري (5189) كتاب النكاح، باب: حسن المعاشرة مع الأهل، ومسلم (2448) كتاب فضائل الصحابة، باب: فضائل عائشة، قال ابن حجر اختلف في رفعه ووقفه، ثم ذكر الخلاف في ذلك، وقال:(قلت: المرفوع منه في الصحيحين: (كنت لك كأبي زرع لأم زرع) وباقيه من قول عائشة، وجاء خارج الصحيحين مرفوعا كله
…
). (الفتح) 9/ 255 - 257. وقد ذكر علماء اللغة وغريب الحديث أجزاء من الحديث، لما فيه من الألفاظ، فذكره أبو عبيد في "غريب الحديث"، 1/ 364 - 376، وورد في "الفائق" 3/ 48، 49، وذكر قطعة منه الأزهري في "التهذيب" 3/ 2451، وذكره السيوطي من طرق كثيرة في "المزهر" 2/ 449.
(3)
الهذيب: 1/ 216.
(4)
أنظر: التهذيب: 1/ 217.
(5)
البيت لذي جدن الحميري، ورد في "مجالس العلماء" للزجاجي ص 70، "الخزانة" 2/ 280، "الخصائص" 3/ 151، "تفسير البيضاوي" 1/ 99، "الدر المصون" 1/ 119، "اللسان"(نوس) 8/ 4575.
(6)
التهذيب: 1/ 217.
(7)
التهذيب: 1/ 216 - 217.
(8)
ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 49 أ، والقرطبي 1/ 168.
(9)
التفسير البسيط: 2/ 126. قال الواحدي: "وذكر أبو علي في [المسائل الحلبية: 43] ": أن الكسائي قال: إن الأناس لغة، والناس لغة أخرى، كأنه يذهب إلى أن (الفاء) محذوف من الناس، كما يذهب إليه سيبويه [الكتاب: 2/ 196]، والدلالة على أنهما من لفظ واحد، وليسا من كلمتين مختلفتين أنهم قالوا: (الأناس) في المعنى الذي قالوا فيه (الناس) وقالوا: الإنس والأنس والإنسي والأناسي، وإذا كان كذلك ثبت أن الهمزة (فاء) الفعل، وأن الألف من (أناس) زائدة، وأن (فاء) الفعل من الناس هي الهمزة المحذوفة، وهذا من مبادئ التصريف وأوائله، ولو جاز لقائل أن يقول: إن (ناسا) لسقوط الهمزة منه ليس من لفظ أناس، للزمه أن يقول: [قولهم (ويل أمه) إذا حذفت الهمزة منه: ليست التي في (أمه) وأن يقول]: (عدة) ليس من الوعد، لسقوط الواو منه التي هي (فاء) ". التفسير البسيط: 2/ 126 - 127].
[ولم أجد هذا القول للكسائي في "المسائل الحلبيات". انظر: "المسائل الحلبيات" ص 168 - 173، وانظر "تهذيب اللغة" (أنس) 1/ 216 - 217].
(10)
هو أبو تمام: والبيت في ديوانه: 2/ 245.
(11)
ذكره الرازي في تفسيره: 2/ 61، ونسبه لأبي الفتح البستي، والشطر الاول عنده: نسيت عهدك والنسيان مغتفر. وأورده السمين الحلبي في الدر المصون: 1/ 120، وابن عادل الحنبلي في اللباب: 1/ 329.
فإن نسيت عهودا منك سالفة
…
فاغفر فأوّل ناس أوّل الناس
قوله تعالى: {مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة: 8]، أي:" يقولون بألسنتهم صدَّقنا بالله"(1).
قال الثعلبي: أي: صدّقنا" (2).
قال ابن عثيمين: "أي: يقول بلسانه"(3).
قوله تعالى: {وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 8]، "أي وصدَّقنا بالبعث والنشور"(4).
قال الثعلبي: أي: يوم القيامة" (5).
وذكروا في سبب تسميته باليوم الآخر وجهان (6):
أحدهما: قيل: لأنه بعد أيام الدنيا.
الثاني: وقيل: لأنه آخر يوم ليس بعده ليلة، والأيام إنما تتميز بالليالي، فإذا لم يكن بعده ليل لم يكن بعده يوم على الحقيقة.
قال الطبري: "وإنما سُمّى يومُ القيامة {اليومَ الآخر}، لأنه آخر يوم، لا يومَ بعده سواه، فإن قال قائل: وكيف لا يكون بعده يوم، ولا انقطاعَ للآخرة ولا فناء، ولا زوال؟ قيل: إن اليومَ عند العرب إنما سُمي يومًا بليلته التي قبله، فإذا لم يتقدم النهارَ ليلٌ لم يسمَّ يومًا. فيوم القيامة يوم لا ليلَ بعده، سوى الليلة التي قامت في صبيحتها القيامة، فذلك اليوم هو آخر الأيام. ولذلك سمّاه الله جل ثناؤه " اليوم الآخر "، ونعتَه بالعَقِيم. ووصفه بأنه يوم عَقيم، لأنه لا ليل بعده"(7).
قال الواحدي: و" (اليوم) مقداره من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، وجمعه: أيام، وكان الأصل (أيوام) واجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما الأخرى بالسكون، فأدغمت"(8).
قوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8]" أي: وما هم "بمصدِّقين، فيما يزعمون أنهم به مُصَدِّقون" (9).
روي عن سعيد بن جبير: " قوله: {وما هم بمؤمنين}، قال: مصدقين"(10).
قال الصابوني: "أي: وما هم على الحقيقة بمصدقين ولا مؤمنين"(11).
قال البيضاوي: "هذا هو القسم الثالث المذبذب بين القسمين، وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم تكميلاً للتقسيم، وهم أخبث الكفرة وأبغضهم إلى الله لأنهم موهوا الكفر وخلطوا به خداعاً واستهزاءً، ولذلك طول في بيان خبثهم وجهلهم واستهزأ بهم، وتهكم بأفعالهم وسجل على عمههم وطغيانهم، وضرب لهم الأمثال وأنزل فيهم إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وقصتهم عن آخرها معطوفة على قصة المُصِّرِّينَ"(12).
واختلف أهل اللغة في أصل (النفاق) على قولين:
أحدها: فقيل: مأخوذ من النفق، وهو السّرب في الأرض الذي يُستَتَر فيه، سمّي النفاق بذلك لأنّ المنافق يستر كفرَه. وبهذا قال أبو عبيد (13).
(1) صفوة التفاسير: 1/ 29.
(2)
تفسير الثعلبي: 1/ 152.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 39.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 29.
(5)
تفسير الثعلبي: 1/ 152.
(6)
أنظر: التفسير البسيط: 2/ 128.
(7)
تفسير الطبري: 1/ 271 - 272.
(8)
التفسير البسيط: 2/ 128.
(9)
تفسير الطبري: 1/ 272.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (106): ص 1/ 42.
(11)
صفوة التفاسير: 1/ 29.
(12)
تفسير البيضاوي: 1/ 43.
(13)
ينظر: لسان العرب (14/ 243)، مادة:(نفق).
والثاني: وقيل: إنه مأخوذ من نافقاء، والنافقاء موضع يرقِّقه اليربوع من جحره، فإذا أتى من قِبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق، أي: خرج، ومنه اشتقاق النفاق؛ لأنّ صاحبه يكتم خلافَ ما يُظهر، فكأنَّ الإيمان يخرج منه، أو يخرج هو من الإيمان في خفاء.
ويمكن أنَّ الأصل في الباب واحد، وهو الخروج، والنفق المسلك النافذ الذي يمكن الخروج منه (1)، قال ابن رجب:"والذي فسّره به أهل العلم المعتبرون أنّ النفاق في اللغة هو من جنس الخداع والمكر، وإظهار الخير وإبطان خلافه"(2)، قال تعالى:{إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} {الأنعام 35].
والنفاق في الاصطلاح الشرعي: هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر وهو بهذا المعنى لفظ إسلامي لم تكن العرب تعرفه قبل الإسلام. ولكن الصلة قائمة بين المعنيين اللغوي والاصطلاحي، فالمنافق هو الذي خرج من الإيمان باطنا بعد دخوله فيه ظاهراً، وقيد النفاق بأنه نفاق من الإيمان، ومن الناس من يسمي من خرج عن طاعة الملك نافقاً عليه، لكن النفاق الذي في القرآن هو النفاق على الرسول صلى الله عليه وسلم، فخطاب الله ورسوله للناس بهذه الأسماء كخطاب الناس لغيرها، وهو خطاب مقيِّد خاص لمطلق يحتمل أنواعا (3).
ويعرف ابن كثير النفاق قائلا: "النفاق: هو إظهار الخير، وإسرار الشرّ، وهو أنواع: اعتقاديٌّ، وهو الذي يخلّد صاحبه في النار، وعمليٌّ وهو أكبر من الذنوب، قال ابن جريج: المنافق يخالف قوله فعله، وسرّه علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مغيبه"(4).
وعن حذيفة قال: المنافقون الذين فيكم اليوم شر من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فقلنا يا أبا عبد الله وكيف ذلك؟ قال: إن أولائك كانوا يسرون نفاقهم وإن هؤلاء يعلنون (5)، وسئل حذيفة عن النفاق فقال:" أن تتكلم باللسان ولا تعمل به"(6).
والنفاق يطلق على النفاق الأكبر؛ الذي هو إضمار الكفر، وعلى النفاق الأصغر؛ الذي هو اختلاف السر والعلانية في الواجبات، وفي المحرمات ومثله أن النفاق الأكبر هو اختلاف السر والعلانية في الكفريات والشركيات (7)، وقد أطلق النفاق على إبطان الكفر وإبطان المعصية (8).
والنفاق على دروب؛ نفاق كفر ونفاق قلب ولسان وأفعال وما هو دون ذلك (9)، ورُوِي عن الحسن البصري وقتادة رضي الله عنهما: أن صاحب الكبيرة منافق (10)، وروى الترمذي عن الحسن البصري شيئاً من هذا أنه قال: النفاق نفاقان؛ نفاق عمل ونفاق التكذيب (11)، وإن النفاق قسمان: قسماً لمن يُظهر الكفر ويبطن الإيمان، وقسم لمن يظهر غير ما يسر فيما سوى الدين وهو بذلك كافراً، وقد قيل لابن عمر:"إنا ندخل على سلطاننا فنقول لهم خلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم قال كنا نعدها نفاقا"(12).
وعند ابن القيم: "النفاق نفاقان؛ نفاق اعتقاد ونفاق عمل"(13)، و"النفاق نوعان: أكبر وأصغر" (14):
أولاً: النفاق الأكبر:
(1) مقاييس اللغة لابن فارس (5/ 455)، مادة:(نفق).
(2)
جامع العلوم والحكم (2/ 481).
(3)
كتاب الإيمان لابن تيمية رحمه الله المجلد السابع (139/ 645)
(4)
تفسير ابن كثير، 1/ 48 عند تفسير قوله تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِالله وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8]، وانظر: تفسير ابن جرير الطبري، 1/ 268 - 272.
(5)
البخاري في كتاب الفتن /6580.
(6)
الفريابي: في كتابه التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع 1/ 156.
(7)
هامش بن تيمية في الفتاوى 11/ 140
(8)
الفتاوى 11/ 141
(9)
ابن منده كتاب الإيمان 2/ 603
(10)
الملل 33/ 128
(11)
سنن الترمذي 5/ 19
(12)
صحيح البخاري: (6756). وسنن ابن ماجة (3975)، ومسند احمد:5795.
(13)
فقه الصلاة ابن القيم 1/ 78.
(14)
المدارج ابن القيم 1/ 348.
وهو أن يُظهر الإنسان الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، ويُبطن ما يُناقض ذلك كلّه أو بعضه، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن بذمِّ أهله وتكفيرهم، وأخبر أنهم في الدرك الأسفل من النار (1).
قال ابن القيم: الحامل لهم على النفاق طلب العزّ والجاه بين الطائفتين، فيرضوا المؤمنين ليعزّوهم، ويرضوا الكفار ليعزّوهم أيضاً. ومن ها هنا دخل عليهم البلاء؛ فإنهم أرادوا العزّتين من الطائفتين، ولم يكن لهم غرض في الإيمان والإسلام ولا طاعة الله ورسوله، بل كان ميلهم وصَغْوُهم ووجهتهم إلى الكفار، فقوبلوا على ذلك بأعظم الذّل وهو أن جُعِلَ مستقرّهم في أسفل السافلين تحت الكفار. (2)
ثانيا: - النفاق الأكبر:
وهو كل ما جاء في النصوص تسمية فاعلها منافقاً مع إخراجه من الملة وتكفيره بذلك سواء كان قولاً أو عملاً أو اعتقاداً، فالنفاق: هو الذي أنكره الله على المنافقين في القرآن وأوجب لهم الدرك الأسفل من النار (3)، وهذا النوع من النفاق يوجب الخلود في النار في دركها الأسفل وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به لا يؤمن بأن الله أنزله على بشر وجعله رسولاً للناس يهديهم بإذنه وينذرهم بأسه ويخوفهم عقابه. وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين وكشف أسرارهم في القرآن وجلي لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر وذكر طوائف العالم الثلاثة في أول سورة البقرة: المؤمنين والكفار والمنافقين. فذكر في المؤمنين أربع آيات وفي الكفار آيتين وفي المنافقين ثلاث عشرة آية لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله فإن بلية الإسلام بهم شديدة جداً لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة (4).
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: بلاغة القرآن؛ بل فصاحة القرآن في التقسيم؛ لأن الله سبحانه وتعالى ابتدأ هذه السورة بالمؤمنين الخلَّص، ثم الكفار الخلَّص، ثم بالمنافقين؛ وذلك؛ لأن التقسيم مما يزيد الإنسان معرفة، وفهماً.
2 -
ومنها: أن القول باللسان لا ينفع الإنسان؛ لقوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين)
3 -
ومنها: أن المنافقين ليسوا بمؤمنين. وإن قالوا: إنهم مؤمنون.؛ لقوله تعالى: {وما هم بمؤمنين} ؛ ولكن هل هم مسلمون؟ إن أريد بالإسلام الاستسلام الظاهر فهم مسلمون؛ وإن أريد بالإسلام إسلام القلب والبدن فليسوا بمسلمين.
4 -
ومنها: أن الإيمان لا بد أن يتطابق عليه القلب، واللسان.
ووجه الدلالة: أن هؤلاء قالوا: "آمنا" بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم؛ فصح نفي الإيمان عنهم؛ لأن الإيمان باللسان ليس بشيء.
القرآن
{يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)} [البقرة: 9].
التفسير:
يعتقدون بجهلهم أنهم يخادعون الله والذين آمنوا بإظهارهم الإيمان وإضمارهم الكفر، وما يخدعون إلا أنفسهم؛ لأن عاقبة خداعهم تعود عليهم، ومِن فرط جهلهم لا يُحِسُّون بذلك؛ لفساد قلوبهم.
فإن المنافقين "من الغفلة بحيث لا يخدعون إلا أنفسهم في غير شعور! إن الله بخداعهم عليم والمؤمنون في كنف الله فهو حافظهم من هذا الخداع اللئيم. أما أولئك الأغفال فهم يخدعون أنفسهم ويغشونها. يخدعونها حين
(1) جامع العلوم والحكم للإمام ابن رجب رحمه الله تعالى، 2/ 480، وانظر: صفات المنافقين لابن القيم، ص 4.
(2)
طريق الهجرتين (ص 713).
(3)
ابن القيم في الصلاة 1/ 78
(4)
ابن القيم في المدارج 1/ 348
يظنون أنهم أربحوها وأكسبوها بهذا النفاق، وهم في الوقت ذاته يوردونها موارد التهلكة. وينتهون بها إلى شر مصير! " (1).
قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ الله} [البقرة: 9]، "أي يخالفون الله"(2).
قال ابن عثيمين: "أي: بإظهار إسلامهم الذي يعصمون به دماءهم، وأموالهم"(3).
قال ابن جُرَيْج: يظهرون "لا إله إلا الله" يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم، وفي أنفسهم غير ذلك" (4).
وقال قتادة: " نعت المنافق: خنع الأخلاق، يصدق بلسانه وينكر بقلبه، ويخالف بعلمه، ويصبح على حال ويسمى على غيره، ويسمى على حال ويصبح على غيره، يتكفأ تكفأ السفينة كلما هبت ريح هب معها"(5).
قوله تعالى: {والذين آمَنُوا} [البقرة: 9]، أي:"ويخادعون المؤمنين بقولهم إذا رأوهم آمنا"(6).
قال ابن عثيمين: " ويخدعون الذين آمنوا بإظهار الإسلام، وإبطان الكفر، فيظن المؤمنون أنهم صادقون"(7).
قال ابن زيد: " هؤلاء المنافِقُون، يخادعون الله ورسولَه والذين آمنوا، أنهم مؤمنون بما أظهروا"(8).
قال الزجاج: " يظهرون غير ما في نفوسهم، والتقية تسمى أيضا خداعا، فكأنهم لما أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر صارت تقيتهم خداعا"(9).
قال الطبري: " وخداعُ المنافق ربَّه والمؤمنينَ، إظهارُه من القول والتصديق، خلافَ الذي في قلبه من الشكّ والتكذيب، ليدْرَأ عن نفسه، بما أظهر بلسانه، حكمَ الله عز وجل اللازمَ مَن كان بمثل حاله من التكذيب، لو لم يُظْهِرْ بلسانه ما أظهرَ من التصديق والإقرار - من القَتْل والسِّباء. فذلك خِداعُه ربَّه وأهلَ الإيمان بالله"(10).
وقال أبو حيان: " والله تعالى هو العالم الذي لا يخفى عليه شيء. فمخادعة المنافقين الله هو من حيث الصورة لا من حيث المعنى من جهة تظاهرهم بالإيمان وهم مبطنون للكفر، قاله جماعة، أو من حيث عدم عرفانهم بالله وصفاته فظنوا أنه ممن يصح خداعه"(11).
وقال القاشاني: "المخادعة استعمال الخدع من الجانبين، وهو إظهار الخير، واستبطان الشر. ومخادعة الله مخادعة رسوله، لقوله من يطع الرسول فقد أطاع الله [النساء: 80]. فخداعهم لله وللمؤمنين إظهار الإيمان والمحبة، واستبطان لكفر والعداوة. وخداع الله والمؤمنين إياهم مسالمتهم، وإجراء أحكام الإسلام عليهم. بحقن الدماء وحصن الأمول وغير ذلك، وادخار العذاب الأليم، والمآل الوخيم، وسوء المغبة لهم، وخزيهم في الدنيا لافتضاحهم بإخباره تعالى وبالوحي عن حالهم. لكن الفرق بين الخداعين: أن خداعهم لا ينجح إلا في أنفسهم. بإهلاكها، وتحسيرها، وإيراثها الوبال والنكال- بازدياد الظلمة، والكفر، والنفاق، واجتماع أسباب الهلكة، والبعد والشقاء، عليها- وخداع الله يؤثر فيهم أبلغ تأثير، ويوبقهم أشد إيباق، كقوله تعالى: ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين [آل عمران: 54]، وهم- من غاية تعمقهم في جهلهم- لا يحسون بذلك الأمر الظاهر"(12).
(1) في ظلال القرآن (1/ 42 - 3)
(2)
تفسير البغوي: 1/ 65 - 66.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 40.
(4)
تفسير ابن أبي حاتم (1/ 46) ز وتفسير ابن كثير: 1/ 178.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (108): ص 1/ 43.
(6)
تفسير البغوي: 1/ 65 - 66.
(7)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 40.
(8)
أخرجه الطبري (320): ص 1/ 273 - 274.
(9)
معاني القرآن: 1/ 85.
(10)
تفسير الطبري: 1/ 272 - 273.
(11)
البحر المحيط: 1/ 39.
(12)
محاسن التأويل: 1/ 248 - 249.
قال الزمخشري: "فان قلت: عم كانوا يخادعون؟
قلت: كانوا يخادعونهم عن أغراض لهم ومقاصد منها متاركتهم وإعفاؤهم عن المحاربة وعما كانوا يطرقون به من سواهم من الكفار. ومنها اصطناعهم بما يصطنعون به المؤمنين من إكرامهم والإحسان إليهم وإعطائهم الحظوظ من المغانم ونحو ذلك من الفوائد، ومنها اطلاعهم - لاختلاطهم بهم - على الأسرار التي كانوا حراصا على إذاعتها إلى منابذيهم. فإن قلت: فلو أظهر عليهم حتى لا يصلوا إلى هذه الأغراض بخداعهم عنها" (1).
والخداع في اللغة فهو: "الإخفاء، جاء في معجم الأفعال: "أخدعت الشيء: أخفيته، ومنه المخدع: وهي الخزانة، والأخدعان: العرقان في العنق لخفائهما" (2).
وقال صاحب اللسان: " الخدع: إظهار خلاف ما تخفيه .. ، وخديعة وخدعة أي: أراد به المكروه وختله من حيث لا يعلم"(3).
وفي الاصطلاح ": الخداع: إنزال الغير عما هو بصدده بأمر يبديه على خلاف ما يخفيه"(4).
وذكر الخداع في القرآن الكريم في خمسة مواضع، في ثلاث سور، في ثلاث آيات، ومن الملاحظ أن هذه السور كلها مدنية، وفي هذا إشارة إلى ظهور النفاق وفشوه بعد الهجرة إلى المدينة المنور ة؛ لتحذير المسلمين من هذا الداء الخطير؛ ولتو هين كيد هؤلاء المنافقين، والتأكيد على أن مكرهم وخداعهم إلى البوار (5).
والخداع يلتقي مع المكر في إضمار الشر والمكروه إذا كان من البشر، باستثناء الخداع في الحرب، فهو من باب: التخطيط والتدبير الجائز؛ لقوله عليه السلام في الحديث الذي رواه جابر بن عبد االله رضي االله عنهما: "الحرب خدْعة"(6)، وهو من باب المقابلة والتدبير والجزاء، إذا كان من الله تعالى، قال تعالى:{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 142]، قال الشوكاني: ومعنى كون الله خادعهم: أنه صنع بهم صنع من يخادِع من خادعه، وذلك أنه تركهم على ما هم عليه من التظاهر بالإسلام في الدنيا فعصم به أموالهم ودماءهم، وأخَّر عقوبتهم إلى الدار الآخرة، فجازاهم على خداعِهم بالدرك الأسفل من النار" (7).
قوله تعالى: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَاّ أَنْفُسَهُم} [البقرة: 9]، "أي: وما يخدعون في الحقيقة إِلا أنفسهم لأن وبال فعلهم راجع عليهم" (8).
قال ابن عثيمين: " أي ما يخدع هؤلاء المنافقون إلا أنفسهم، حيث منَّوها الأماني الكاذبة"(9).
وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو (وما يخادعون) بالألف (10).
قوله تعالى: {وَمَا يَشْعُرُونَ} ، أي:"وما يَدْرُون"(11).
(1) الكشاف: 1/ 58.
(2)
الأفعال، أبو القاسم علي بن جعفر السعدي (ت 515 هـ)، عالم الكتب، بيروت، ط 1، 1983: 1/ 286.
(3)
لسان العرب: 8/ 63.
(4)
المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني:143.
(5)
ومن الآيات التي ورد فيها الخداع، قوله تعالى:
- {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 62].
- {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 9].
(6)
رواه البخاري في الجامع الصحيح المختصر (كتاب الجهاد والسير، باب: الحرب خدعة): (2866): 3/ 1102.
(7)
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، محمد بن علي بن محمد الشوكاني (1250 هـ)، دار الفكر، بيروت: 1/ 529.
(8)
صفوة التفاسير: 1/ 29.
(9)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 40.
(10)
أنظر: محاسن التأويل: 1/ 249.
(11)
تفسير الطبري: 1/ 277.
قال البغوي: " أي لا يعلمون أنهم يخدعون أنفسهم وأن وبال خداعهم يعود عليهم"(1).
قال الصابوني: أي: "ولا يُحسّون بذلك ولا يفطنون إِليه، لتمادي غفلتهم، وتكامل حماقتهم"(2).
قال ابن عثيمن: "أي ما يشعر هؤلاء أن خداعهم على أنفسهم مع أنهم يباشرونه؛ ولكن لا يُحِسُّون به، كما تقول: "مَرَّ بي فلان ولم أشعر به" (3).
يقال: ما شَعَرَ فلانٌ بهذا الأمر، وهو لا يشعر به - إذا لم يَدْرِ ولم يَعْلم - شِعرًا وشعورًا. ومنه قول الشاعر (4):
عَقَّوْا بِسَهمٍ وَلَمْ يَشْعُر بِهِ أَحَدٌ
…
ثُمَّ اسْتَفَاءُوا وَقَالُوا: حَبَّذَا الوَضَحُ
يعني بقوله: لم يَشعر به، لم يدر به أحد ولم يعلم (5).
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: مكر المنافقين، وأنهم أهل مكر، وخديعة؛ لقوله تعالى:{يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم} ؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة المنافقين: {هم العدو فاحذرهم} [المنافقون: 4]؛ فحصر العداوة فيهم؛ لأنهم مخادعون.
2 -
ومنها: التحفظ من المنافقين؛ لأنه إذا قيل لك: "فلان يخدع" فإنك تزداد تحفظاً منها؛ وأنه ينبغي للمؤمن أن يكون يقظاً حذراً، فلا ينخدع بمثل هؤلاء.
فإن قال قائل: كيف نعرف المنافق حتى نكون حذرين منه؟
فالجواب: نعرفه بأن نتتبع أقواله، وأفعاله: هل هي متطابقة، أو متناقضة؟ فإذا علمنا أن هذا الرجل يتملق لنا، ويظهر أنه يحب الإسلام، ويحب الدين، لكن إذا غاب عنا نسمع عنه بتأكد أنه يحارب الدين عرفنا أنه منافق؛ فيجب علينا أن نحذر منه.
3 -
ومن فوائد الآية: أن المكر السيئ لا يحيق إلّا بأهله؛ فهم يخادعون الله، ويظنون أنهم قد نجحوا، أو غلبوا؛ ولكن في الحقيقة أن الخداع عائد عليهم؛ لقوله تعالى:{وما يخدعون إلا أنفسهم} : فالحصر هنا يدل على أن خداعهم هذا لا يضر الله تعالى شيئاً، ولا رسوله، ولا المؤمنين.
4 -
ومنها: أن العمل السيئ قد يُعمي البصيرة؛ فلا يشعر الإنسان بالأمور الظاهرة؛ لقوله تعالى: {وما يشعرون} أي ما يشعرون أنهم يخدعون أنفسهم؛ و "الشعور" أخص من العلم؛ فهو العلم بأمور دقيقة خفية؛ ولهذا قيل: إنه مأخوذ من الشَّعر؛ والشعر دقيق؛ فهؤلاء الذين يخادعون الله، والرسول، والمؤمنين لو أنهم تأملوا حق التأمل لعرفوا أنهم يخدعون أنفسهم، لكن لا شعور عندهم في ذلك؛ لأن الله تعالى قد أعمى بصائرهم. والعياذ بالله.، فلا يشعرون بهذا الأمر.
القرآن
{فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)} [البقرة: 10]
التفسير:
في قلوبهم شكٌّ وفساد فابْتُلوا بالمعاصي الموجبة لعقوبتهم، فزادهم الله شكًا، ولهم عقوبة موجعة بسبب كذبهم ونفاقهم.
قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [البقرة: 10]، أي: في قلوبهم: "شك ونفاق"(6).
(1) تفسير البغوي: 1/ 66.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 29.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 40.
(4)
الشعر للمتنخل الهذلي، ديوان الهذليين 2: 31، وأمالي القالي 1: 248، وسمط اللآلئ 563. عقى بالسهم: رمى به في السماء لا يريد به شيئًا، وأصله في الثأر والدية، وذلك أنهم كانوا يجتمعون إلى أولياء المقتول بدية مكملة، ويسألونهم قبول الدية. فإن كانوا أقوياء أبوا ذلك، وإلا أخذوا سهمًا ورموا به في السماء، فإن عاد مضرجًا بدم، فقد زعموا أن ربهم نهاهم عن أخذ الدية. وإن رجع كما صعد، فقد زعموا أن ربهم أمرهم بالعفو وأخذ الدية. وكل ذلك أبطل الإسلام. وفاء واستفاء: رجع. والوضح: اللبن. يهجوهم بالذلة والدناءة، فأهدروا دم قتيلهم، ورموا بالسهم الذي يزعمونه يأمرهم وينهاهم، ورجعوا عن طلب الترة إلى قبول الدية، وآثروا إبل الدية وألبانها على دم قاتل صاحبهم، وقالوا في أنفسهم: اللبن أحب إلينا من القود وأنفع.
(5)
أنظر: تفسير الطبري: 1/ 277 - 278.
(6)
تفسير الثعلبي: 1/ 154، وانظر: تفسير البغوي: 1/ 66، وانظر: صفوة التفاسير: 1/ 29.
قال الثعلبي: "ومنه يقال: فلان يمرض في الوعد، إذا لم يصحّحه"(1).
و" المرض الذي وصَف الله جل ثناؤه أنه في قلوب المنافقين، هو الشكُّ في اعتقادات قلوبهم وأديانهم، وما هم عليه - في أمر محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر نبوته وما جاء به - مقيمون"(2).
وأصل المرَض: السَّقم، ثم يقال ذلك في الأجساد والأديان. فأخبر الله جلّ ثناؤه أن في قلوب المنافقين مَرَضًا، وإنما عنى تبارك وتعالى بخبره عن مرض قلوبهم، الخبرَ عن مرض ما في قلوبهم من الاعتقاد ولكن لمّا كان معلومًا بالخبَر عن مرض القلب، أنَّه معنىٌّ به مرضُ ما هم معتقدُوه من الاعتقاد - استغنى بالخبَر عن القلب بذلك والكفاية عن تصريح الخبَر عن ضمائرهم واعتقاداتهم كما قال عُمر بن لَجَأ (3):
وَسَبَّحَتِ الْمَدِينَةُ، لا تَلُمْهَا،
…
رَأَتْ قَمَرًا بِسُوقِهِمُ نَهَارَا
يريد: وسبَّح أهل المدينة، فاستغنى بمعرفة السامعين خَبَرَه بالخبَرِ عن المدينة، عن الخبر عن أهلها. ومثله قول عنترة العبسي (4):
هَلا سَأَلتِ الْخَيْلَ يَا ابْنَةَ مَالِكٍ
…
إنْ كُنْتِ جَاهِلَةً بِمَا لَمْ تَعْلَمِي
يريد: هلا سألتِ أصحاب الخيل؟ (5)
وقول مهلهل بن ربيعة (6):
أُبئتُ أنّ النارَ بعدكَ أُوقدتْ
…
واستبّ بعدكَ يا كُليبُ المجلسُ
يعني أهل المجلس.
واختلف في قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [البقرة: 10]، على وجوه:
أحدها: المرض: الزنا. قاله عكرمة (7) وروي عن طاوس مثل ذلك (8).
الثاني: أنه: النفاق. قاله ابن عباس (9).
الثالث: أنه: الشكّ. قاله أبو العالية (10)، وابن عباس (11)، وكذا روي عن مجاهد، والحسن، وعكرمة، والربيع بن أنس، والسدي، وقتادة (12).
قوله تعالى: {فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً} [البقرة: 10]، أي ": فزادهم الله رجساً فوق رجسهم، وضلالاً فوق ضلالهم" (13).
قال الثعلبي: أي: " شكّا ونفاقا وهلاكا"(14).
وذكر السادة أهل التفسير في قوله تعالى: {فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً} [البقرة: 10]، وجوها:
أحدها: {{فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً} : "أي: شكّا". قاله ابن عباس (15)، وري عن أبي العالية مثل ذلك (16).
والثاني: أن: " المرض مرضان: مرض زنا، ومرض نفاق"قاله زيد بن علي (17)، وري عن عكرمة مثل ذلك (18).
(1) تفسير الثعلبي: 1/ 154.
(2)
تفسير الطبري: 1/ 281.
(3)
البيت من شواهد الطبري في تفسيره: 1/ 279.
(4)
في معلقته المشهورة، أنظر: شرح المعلقات للنحاس: 2/ 30، وديوانه:25.
(5)
أنظر: تفسير الطبري: 1/ 278 - 279.
(6)
ديوانه: 280، وانظر: أمالي ابن الشجري: 1/ 52، وتفسير القرطبي: 1/ 32، و 239.
(7)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (109): ص 1/ 43.
(8)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (110): ص 1/ 43.
(9)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (111): ص 1/ 43.
(10)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (113): ص 1/ 43.
(11)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (112): ص 1/ 43.
(12)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم 1/ 43.
(13)
صفوة التفاسير: 1/ 29.
(14)
تفسير الثعلبي: 1/ 154.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم: (114): ص 1/ 43 - 44.
(16)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (115): ص 1/ 44.
(17)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (116): ص 1/ 44.
(18)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (117): ص 1/ 44.
والثالث: وقيل: " {فزادهم الله مرضا}، أي: نفاقا". قاله سعيد بن جبير (1).
قال الواحدي: "أى: شكًّا على شكٍّ وفسادَا على فساد. بما أنزل من القرآن، فشكّوا فيه كما شكّوا في الذي قبله كقوله تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ} الآية [التوبة: 124] "(2).
واختلف في قوله تعالى {فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً} [البقرة: 10]، على وجهين:
أحدهما: قيل هو خبر، والفاء للسبية، أي: أن الله قد فعل بهم ذلك وهذه الزيادة هي بما ينزل من الوحي ويظهر من البراهين، فهي على هؤلاء المنافقين عمى وكلما كذبوا زاد المرض (3).
والثاني: وقيل هو دعاء، والفاء هنا للتفريغ، وتكون الجملة بعدها دعائية، أي:" زادهم الله شكا ونفاقا جزاء على كفرهم وضعفا عن الانتصار وعجزا عن القدرة"(4).
كما قال الأخطل (5):
يا مرسل الريح جنوبا وصبا
…
إذ غضبت زيد فزدها غضبا
أي لا تهدها على الانتصار فيما غضبت منه.
قال القرطبي: " وعلى هذا يكون في الآية دليل على جواز الدعاء على المنافقين والطرد لهم ; لأنهم شر خلق الله "(6)، ولأن المنافقين يريدون الكفر، وهذه الإرادة مرض أدى بهم إلى زيادة المرض؛ لأن الإرادات التي في القلوب عبارة عن صلاح القلوب، أو فسادها؛ فإذا كان القلب يريد خيراً فهو دليل على سلامته، وصحته؛ وإذا كان يريد الشر فهو دليل على مرضه، وعلته. وهؤلاء قلوبهم تريد الكفر؛ لأنهم يقولون لشياطينهم إذا خلوا إليهم:{إنا معكم إنما نحن مستهزئون} [البقرة: 14]، أي بهؤلاء المؤمنين السذج. على زعمهم. ويرون أن المؤمنين ليسوا بشيء، وأن العِلْية من القوم هم الكفار؛ ولهذا جاء التعبير بـ {إنا معكم} [البقرة: 14] الذي يفيد المصاحبة، والملازمة، فهذا مرض زادهم الله به مرضاً إلى مرضهم حتى بلغوا إلى موت القلوب، وعدم إحساسها، وشعورها (7).
وقرأ حمزة: {فزادهم} ، بكسر (الزاي)، وكذلك ابن عامر. وكان نافع يشم (الزاي) إلى الكسر، وفتح الباقون (8).
وقوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 10]، "أي ولهم عذابٌ مؤلمٌ"(9).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده "عن أبي العالية، في قوله: {ولهم عذاب أليم}، قال: الأليم الموجع في القرآن كله"(10).
قال ابن أبي حاتم: " وكذلك فسره سعيد بن جعفر، والضحاك بن مزاحم، وقتادة وأبو مالك، وأبو عمران الجوني، ومقاتل بن حيان"(11).
قال الثعلبي: أي: "وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم، وهو بمعنى مؤلم"(12).
قال القرطبي: " (أليم)، في كلام العرب معناه مؤلم أي موجع، مثل السميع بمعنى المسمع، قال ذو الرمة يصف إبلا (13):
(1) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (118): ص 1/ 44.
(2)
البسيط: 2/ 150 - 151.
(3)
ينظر: المحرر الوجيز، أبو محمد عبدالحق بن غالب بن عطية الأندلسي، دار الكتب العلية، لبنان، ط 1، 1993: 1/ 93.
(4)
تفسير القرطبي: 1/ 197.
(5)
ديوانه: 319.
(6)
تفسير القرطبي: 1/ 197.
(7)
أنظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 47.
(8)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 92.
(9)
صفوة التفاسير: 1/ 29.
(10)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (119): ص 1/ 44.
(11)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ص 1/ 44.
(12)
تفسير الثعلبي: 1/ 154.
(13)
ديوانه: 2/ 677، قال الباهلي في شرحه: شمردلات: هي نوق طوال سراع، ويصكّ يضرب، ووهج، أي حرّ شديد.
ونرفع من صدور شمردلات
…
يصُك وجوهها وهج أليم (1)
كما قال تعالى وصف عذاب المنافقين: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 138]، وقال تعالى:{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145]، قال هنا في المنافقين (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، بينما قال في الكفار كما تقدم {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 7]، وذلك لأن الأليم هو البالغ في الإيلام الغاية العظمى.
قوله تعالى: {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 10]، أي:"بسبب كذبهم في دعوى الإيمان، واستهزائهم بآيات الرحمن"(2).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده "عن ابن عباس، في قوله: {بما كانوا يكذبون، يقول: يبدلون ويحرفون"(3).
قال الثعلبي: " أي بتكذيبهم على الله ورسوله في السرّ"(4).
وحقيقة الكذب: "الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو به، وقد يستعار لفظ الكذب فيما ليس بكذب في الحقيقة"(5)، كقول الأخطل (6):
ذَبتكَ عينُك أَمْ رَأَيتَ بواسطٍ
كأنها لما أوهمته خلاف الحقيقة كانت بمنزلة ما كذبته (7).
والكذب من أقبح الخصال؛ وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الكذب من خصال المنافقين، فقال صلى الله عليه وسلم "آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب .. " (8) الحديث.
ومرض القلب نوعان (9):
1 -
مرض شبهة وشك (10)، ومرض شهوة وغي، وكلاهما في القرآن، قال تعالى في مرض الشبهة {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} [البقرة: 10]، وقال تعالى:{وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} [المدثر: 31]، وقوله تعالى في حق من دعي
(1) تفسير القرطبي: 1/ 198.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 29.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (120): ص 1/ 44.
(4)
تفسير الثعلبي: 1/ 154.
(5)
التفسير البسيط: 2/ 153. قال أبو حيان: والكذب له محامل في لسان العرب، أحدها: الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه. والثاني: الإخبار بالذي يشبه الكذب ولا يقصد به إلا الحق. والثالث: الخطأ. الرابع: البطول. الخامس: الإغراء بلزوم المخاطب الشيء المذكور. "البحر المحيط" 1/ 60، وانظر:"الكشاف" 1/ 178، "الدر المصون" 1/ 132.
(6)
البيت مطلع قصيدة للأخطل يهجو بها جريرا وقوله (كذبتك عينك): أي خيل إليك، وواسط: مكان بين البصرة والكوفة. البيت من شواهد سيبويه 3/ 174. وورد في "المقتضب" 3/ 295، "تهذيب اللغة" (الكذب) 4/ 3114، "مغنى اللبيب" 1/ 45.
(7)
أنظر: التفسير البسيط: 2/ 154.
(8)
أخرجه البخاري ص 5، كتاب الإيمان، باب 24: علامات المنافق، حديث رقم 33؛ وأخرجه مسلم ص 690، كتاب الإيمان، باب 25: خصال المنافق، حديث رقم 211 [107]59.
(9)
ينظر: زاد المعاد، ابن القيم الجوزية، مؤسسة الرسالة، 1998: 5/ 4.
(10)
وهو كل داء يشتمل على شبهة وهو على أنواع كثيرة منها:
(1)
النفاق: وهو إظهار الخير وإبطان الشر وهو قسمان أكبر اعتقادي وأصغر عملي من التخلق بأخلاق المنافقين. وقد ذم الشارع التخلق بأخلاق المنافقين وأفعالهم لأنه يفضي بالإنسان إلى الوقوع في النفاق الأكبر.
(2)
الشك: وهو التردد في ثبوت الحق الذي دل عليه الشرع من تفرد الله ووحدانيته في الربوبية والأسماء والصفات والألوهية وغير ذلك من القطعيات.
(3)
سوء الظن: بأن يسيء العبد الظن بريه وأفعاله وأقداره وآياته ورسله وأولياءه.
(4)
الرياء: بأن يظهر العبد عمل الآخرة مراءاة للناس وطمعا في الدنيا.
(5)
الوساوس: بأن تستولي وساوس الكفر والشك والإلحاد على قلب العبد وفكره ويستجيب لها.
(6)
موالاة الكفار: بأن يؤثر العبد محبة الكفار وموالاتهم ونصرتهم وإحسان الظن بهم والعياذ بالله.
(7)
فتنة التكفير والتبديع: بأن يغلو العبد في تكفير المسلمين وتبديعهم لأدنى شبهة ويولع في الكلام في هذه المسائل.
إلى تحكيم القرآن والسنة فأبى وأعرض: {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [النور: 50].
2 -
مرض الشهوات (1)، وأما مرض الشهوات فقال تعالى {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [الأحزاب: 32]، فهذا مرض شهوة الزنا، وقال عن مرض الشبهات: هو أصعبهما وأقتلهما للقلب.
وإن مرض الشبهات أخطر بكثير على العبد من مرض الشهوات لأنه قد يفضي إلى الكفر وليس من السهولة التوبة منه والتخلص من تأثيره، ولذلك كثير من أصحابه ينافحون ويعتقدون أنهم على صواب خلافا لمرض الشهوة الذي يدرك العبد غالبا أنه مبتلى به وتنفع معه المواعظ والتذكير وقد يتخلص منه، والواجب على المؤمن أن يشخص قلبه ويطهر قلبه ويغسل باطنه من جميع هذه الأمراض بزيادة الإيمان والإكثار من العمل الصالح وطلب الهداية وصدق التوجه والبعد عن مواطن الفتنة وصحبة أرباب القلوب السليمة وإغلاق أبواب الشرور والفتنة عن قلبه. ومرض الشبهات شفاؤه يكون بالعلم والحجة ومرض الشهوات شفاؤه يكون بالمواعظ والإيمانيات.
ولا يكاد أحد يسلم من عارض وخاطر سوء ولكن المؤمن الحق هو الذي يكثر من تعاطي الدواء ويجتهد في التزكية والإصلاح لقلبه ويجاهد نفسه في ذلك بحيث لا يستقر فيه المرض ولا يكون ملازما له ومن كان كذلك كان حريا لنجاته وسلامته لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]، وأما من أهمل قلبه وأعرض عن طلب الدواء عاقبه الله بالحرمان وزيادة المرض وأبعده عن روضة اليقين وساحة الرضا والاطمئنان.
وقوله تعالى: {يَكْذِبُونَ} [البقرة: 10]، فيه قراءتان:
القراءة الأولى: قرأ أهل الكوفة (2){يَكْذِبُونَ} بالتخفيف من الكذب، وهو أشبه بما قبله وبما بعده؛ لأن قبله:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة: 8] وهذا كذب منهم، وبعده قوله:{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} [البقرة: 14] وهذا يدل على كذبهم في دعوى الإيمان" (3). ورجح الطبري هذه القراءة (4).
القراءة الثانية: {يُكْذِّبُونَ} ، بضم الياء وتشديد الذال، رجحه مكي (5)، قال الواحدي:"ومن شدد فلكثرة ما في القرآن مما يدل على التثقيل كقوله: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ} [الأنعام: 34] وقوله: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} [يونس: 39]، {وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي} [يونس: 41] ونحوها من الآيات"(6).
(1) وهو كل داء يشتمل على شهوة وهو على أنواع، منها:
(1)
حب الرئاسة: بأن يفتن العبد بحب الرئاسة والقيادة وتستشرف نفسه لذلك فيهلك.
(2)
حب الشهرة: بأن يفتن العبد ويسعى بكل ما يملك في نيل الشهرة في الأعمال الخيرية.
(3)
حب الدنيا: بأن يفتن العبد بحب الدنيا وتكون همه ومبلغ علمه وغاية مراده.
(4)
فتنة النساء: بأن تستولي على القلب الفتنة بحب النساء والجنس ويوظف العبد كل طاقاته في هذا السبيل من غير وقوف عند حدود الشرع.
(5)
حب الصور: بأن يفتن العبد بحب الصور الجميلة وعشقها والهيام بها.
(6)
شهوة الكبر: بأن يصاب القلب بشهوة الترفع والتكبر على عباد الله.
(7)
شهوة الحسد: بأن يمتلأ القلب بمرض تمني زوال النعمة من الغير وحب التفوق على الآخرين في الدنيا.
(8)
شهوة الظلم: بأن يستلذ القلب ويستمتع بإيقاع الظلم بجميع صوره على الآخرين من سب وشتم وغيبة ونميمة وإفساد واستباحة للأموال المعصومة.
(2)
عاصم وحمزة والكسائي انظر "السبعة" لابن مجاهد ص 143، "الحجة" لأبي علي 1/ 329، "الكشف" لمكي 1/ 227، و"تفسير الطبري" 1/ 121 - 123.
(3)
التفسير البسيط: 2/ 154. قال الواحدي: " وأيضا فإن قوله تعالى {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} لا يخلو إما أن يراد به المنافقون، أو المشركون، أو الفريقان جميعاً. فإن أراد المنافقين فقد قال فيهم: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1)} [المنافقون: 1]، وإن كانوا المشركين فقد قال:{وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ} [المؤمنون: 90 - 91]. وإن كانوا الفريقين فقد أخبر عنهم جميعا بالكذب الذي يلزم أن يكون فعله (يكذبون) بالتخفيف". [وانظر: الحجة: 1/ 337].
(4)
أنظر: تفسيره: 1/ 123.
(5)
انظر: الكشف: 1/ 228.
(6)
التفسير البسيط: 2/! 55، وانظر:"الحجة" لأبي علي: 1/ 337. وانظر "الكشف" لمكي: 1/ 228.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: أن الإنسان إذا لم يكن له إقبال على الحق، وكان قلبه مريضاً فإنه يعاقب بزيادة المرض؛ لقوله تعالى:{في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً} ؛ وهذا المرض الذي في قلوب المنافقين: شبهات، وشهوات؛ فمنهم من علم الحق، لكن لم يُرِده؛ ومنهم من اشتبه عليه؛ وقد قال الله تعالى في سورة النساء:{إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلًا} [النساء: 137]، وقال تعالى في سورة المنافقين:{ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون} [المنافقون: 3].
2 -
ومن فوائد الآية: أن أسباب إضلال اللَّهِ العبدَ هو من العبد؛ لقوله تعالى: {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً} ؛ ومثل ذلك قوله تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5]، وقوله تعالى:{ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} [الأنعام: 110]، وقوله تعالى:{فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم} [المائدة: 49].
3 -
ومنها: أن المعاصي والفسوق، تزيد وتنقص، كما أن الإيمان يزيد وينقص؛ لقوله تعالى:{فزادهم الله مرضاً} ؛ والزيادة لا تُعقل إلا في مقابلة النقص؛ فكما أن الإيمان يزيد وينقص، كذلك الفسق يزيد، وينقص؛ والمرض يزيد، وينقص.
4 -
ومنها: الوعيد الشديد للمنافقين؛ لقوله تعالى: {ولهم عذاب أليم} .
5 -
ومنها: أن العقوبات لا تكون إلا بأسباب. أي أن الله لا يعذب أحداً إلا بذنب.؛ لقوله تعالى: {بما كانوا يكذبون} .
6 -
ومنها: أن هؤلاء المنافقين جمعوا بين الكذب، والتكذيب؛ وهذا شر الأحوال.
7 -
ومنها: ذم الكذب، وأنه سبب للعقوبة؛ فإن الكذب من أقبح الخصال؛ وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الكذب من خصال المنافقين، فقال صلى الله عليه وسلم "آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب .. " (1) الحديث؛ والكذب مذموم شرعاً، ومذموم عادة، ومذموم فطرة أيضاً.
مسألة: -
إن قيل: كيف يكون خداعهم لله وهو يعلم ما في قلوبهم؟
فالجواب: أنهم إذا أظهروا إسلامهم فكأنما خادعوا الله؛ لأنهم حينئذ تُجرى عليهم أحكام الإسلام، فيلوذون بحكم الله. تبارك وتعالى. حيث عصموا دماءهم وأموالهم بذلك.
لقرآن
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)} [البقرة: 11]
التفسير:
وإذا نُصحوا ليكفُّوا عن الإفساد في الأرض بالكفر والمعاصي، وإفشاء أسرار المؤمنين، وموالاة الكافرين، قالوا كذبًا وجدالا إنما نحن أهل الإصلاح.
اختلف أهل التفسير فِيمَنْ أُريدَ بهذا القول على ثلاثة أوجه (2):
أحدها: أنها نزلت في قوم، لم يكونوا موجودين في ذلك الوقت، وإنما يجيئون بعد، وهو قول سلمان الفارسي (3).
والثاني: أنها نزلت في المنافقين، الذين كانوا موجودين، وهو قول ابن مسعود (4)، وابن عباس (5) ومجاهد (6)، وروي عن الربيع مثل ذلك (7).
(1) أخرجه البخاري ص 5، كتاب الإيمان، باب 24: علامات المنافق، حديث رقم 33؛ وأخرجه مسلم ص 690، كتاب الإيمان، باب 25: خصال المنافق، حديث رقم 211 [107]59.
(2)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 74.
(3)
أنظر: تفسير الطبري (337)، و (338): ص 1/ 287 - 288، وهذا الخبر نقله ابن كثير 1: 91، والسيوطي 1: 30، ونسبه أيضًا لوكيع وابن أبي حاتم، وذكره الشوكاني 1: 31 ونسبه لابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم، ولم أجد نسبته لابن إسحاق عند غيره.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (339): ص 1/ 288.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (339): ص 1/ 288.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (339): ص 1/ 288.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (340): ص 1/ 288.
والثالث: وقيل: أريد به "اليهود، أي: قال لهم المؤمنون {لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ} بالكفر وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآ، وقيل معناه لا تكفروا، والكفر أشد فسادا في الدين". حكاه البغوي (1).
والراجح-والله أعلم- أنها: "نزلت في المنافقين الذين كانوا على عَهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان معنيًّا بها كُلُّ من كان بمثل صفتهم من المنافقين بعدَهم إلى يوم القيامة، وقد يَحْتمِل قولُ سلمان عند تلاوة هذه الآية: " ما جاء هؤلاء بعدُ "، أن يكون قاله بعد فناء الذين كانوا بهذه الصِّفة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، خبرًا منه عمَّن هو جَاء منهم بَعدَهم ولَمَّا يجئ بعدُ، لا أنَّه عنَى أنه لم يمضِ ممّن هذه صفته أحدٌ"(2).
قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ} [البقرة: 11]، " أي: وإِذا قال لهم بعض المؤمنين" (3).
قال ابن عثيمين: " القائل هنا مبهم للعموم. أي ليعم أيَّ قائل كان"(4).
قوله تعالى: {لا تُفْسِدُوا في الأَرضِ} [البقرة: 22]، أي:" لا تسعوا في الأرض بالإِفساد بإِثارة الفتن، والكفر والصَدِّ عن سبيل الله"(5).
وقوله تعالى: {فِي الْأَرْضِ} [البقرة: 11]: المراد الأرض نفسها؛ أو أهلها؛ أو كلاهما. وهو الأولى؛ أما إفساد الأرض نفسها: فإن المعاصي سبب للقحط، ونزع البركات، وحلول الآفات في الثمار، وغيرها، كما قال تعالى عن آل فرعون لما عصوا رسوله موسى عليه السلام:{ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون} [الأعراف: 130]، فهذا فساد في الأرض، وأما الفساد في أهلها: فإن هؤلاء المنافقين يأتوا إلى اليهود، ويقولون لهم:{لئن أخرجتم لنخرجنَّ معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً وإن قوتلتم لننصرنكم} [الحشر: 11]: فيزدادوا استعداءً للرسول صلى الله عليه وسلم ومحاربة له؛ كذلك أيضاً من فسادهم في أهل الأرض: أنهم يعيشون بين المسلمين، ويأخذون أسرارهم، ويفشونها إلى أعدائهم؛ ومن فسادهم في أهل الأرض: أنهم يفتحون للناس باب الخيانة والتَقِيَّة، بحيث لا يكون الإنسان صريحاً واضحاً، وهذا من أخطر ما يكون في المجتمع (6).
وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا في الأَرضِ} ، ثلاثة تأويلات (7):
أحدها: أنه الكفر، والعمل بالمعصية. قاله أبو العالية (8) والسدي (9).
والثاني: فعل ما نهى الله عنه، وتضييع ما أمر بحفظه، قال ابن عثيمين:" أن "الإفساد في الأرض" هو أن يسعى الإنسان فيها بالمعاصي، كما فسره بذلك السلف؛ لقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41] "(10)، لأنه "من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصية الله، فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء بالطَّاعة"(11).
والثالث: أنه موالاة الكفار.
قيل: أن من الفساد في الأرض اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء، كما قال تعالى:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73] فقطع الله الموالاة بين المؤمنين والكافرين كما قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} [النساء: 144] ثم قال: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145](12).
قال الماوردي: "وكل هذه الثلاثة، فساد في الأرض، لأن الفساد العدول عن الاستقامة إلى ضدها"(13).
وأخرج ابن أبي حاتم عن سلمان: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} ، قال سلمان: لم يجئ أهل هذه الآية بعد" (14).
وفي قراءة قوله تعالى: {وَإِذا قِيلَ لَهُمْ} [البقرة: 11]، وجهان (15):
أحدهما: قرأ الكسائي: (قيل) و (غيض) و (جيء) و (حيل) و (سيق) و (سيئت)، بروم أوائلهن الضم، ووافق ابن عامر في:(سيق) و (حيل) و (سيء) و (سيئت) - ووافق أهل المدينة في: (سيء) و (سيئت).
قال ابن خالويه: فالحجة لمن ضمّ أوله: " أنه بقّى على فعل ما لم يسمّ فاعله دليلا في الضم، لئلا يزول بناؤه. وقد قرأ بعض القراء ذلك بكسر بعض، وضمّ بعض فالحجة له في ذلك: ما قدّمناه من إتيانه باللغتين معا"(16).
والثاني: وقرأ الباقون: {قِيلَ} ، وقرأ الباقون بكسر أوله.
قال ابن خالويه: فالحجة لمن كسر أوله: أنه استثقل الكسر على الواو التي كانت عين الفعل في الأصل، فنقلها إلى فاء الفعل بعد أن أزال حركة الفاء، فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها كما قالوا: ميزان وميعاد" (17).
وهؤلاء جمعوا في قولهم: {قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: 11]، بين أمرين كبيرين: العمل بالفساد في الأرض، وإظهار أنه ليس بإفساد بل هو صلاح، قلباً للحقائق وجمعاً بين فعل الباطل واعتقاده حقاً.
قوله تعالى: {قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: 11]؛ "أي ليس شأننا الإِفسادُ أبداً، وإنما نحن أناسٌ مصلحون، نسعى للخير والصلاح فلا يصح مخاطبتنا بذلك"(18).
قال ابن عباس: " أي إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب. يقول الله: ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون"(19).
وقوله تعالى: [إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: 11]، يحتمل تأويلين (20):
أحدهما: يظهرون أنهم مصلحون، كما أنهم يقولون: آمنا، وهم كاذبون. والثاني: أن الذي نحن عليه هو صلاح عند أنفسنا.
و(الأرض): الجرم المقابل للسماء، وجمعه أرضون، ولا تجيء مجموعة في القرآن ويعبر بها عن أسفل الشيء (21)، ويقال: أرض أريضة، أي: حسنة النبت (22)، وتأرض النبت: تمكن على الأرض فكثر، وتأرض الجدي: إذا تناول نبت الأرض، والأرضة: الدودة التي تقع في الخشب من الأرض (23).
(1) أنظر: تفسيره: 1/ 66.
(2)
تفسير الطبري: 1/ 288 - 289.
(3)
صفوة التفاسير: 1/ 30.
(4)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 46.
(5)
صفوة التفاسير: 1/ 30.
(6)
ينظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 50.
(7)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 74.
(8)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (121): ص 1/ 44 - 45.
(9)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (122): ص 1/ 45.
(10)
ينظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 49.
(11)
تفسير ابن كثير: 1/ 180.
(12)
تفسير ابن كثير: 1/ 181.
(13)
النكت والعيون: 1/ 74.
(14)
تفسير ابن أبي حاتم (123): ص 1/ 45.
(15)
أنظر: الحجة في القراءات السبع: ابن خالويه: 69.
(16)
الحجة في القراءات السبع: 69.
(17)
الحجة في القراءات السبع: 69.
(18)
صفوة التفاسير: 1/ 30.
(19)
أخرجه ابن أبي حاتم (124): ص 1/ 45.
(20)
أنظر: التفسير البسيط: 2/ 158، ومعاني القرآن للزجاج: 1/ 52، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 126 - 127، "زاد المسير" 1/ 32، "تفسير البغوي" 1/ 67.
(21)
انظر: المجمل 2/ 92.
(22)
انظر: انظر: المجمل 1/ 92؛ والعين 7/ 55.
(23)
اللسان (أرض): 7/ 113، والعين: 7/ 56. وانظر: مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني، دار القلم، دمشق: 1/ 22.
الفوائد:
1 من فوائد الآية: أن النفاق الذي هو إظهار الإسلام، وإبطان الكفر من الفساد في الأرض؛ لقوله تعالى:{وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض} ؛ والنفاق من أعظم الفساد في الأرض.
2 ومنها: أن من أعظم البلوى أن يُزَيَّن للإنسان الفساد حتى يَرى أنه مصلح؛ لقولهم: (إنما نحن مصلحون)
3 ومنها: أن غير المؤمن نظره قاصر، حيث يرى الإصلاح في الأمر المعيشي فقط؛ بل الإصلاح حقيقة أن يسير على شريعة الله واضحاً صريحاً.
4 ومنها: أنه ليس كل من ادعى شيئاً يصدق في دعواه؛ لأنهم قالوا: {إنما نحن مصلحون} ؛ فقال الله تعالى: {ألا إنهم هم المفسدون} ؛ وليس كل ما زينته النفس يكون حسناً، كما قال تعالى:{أفمن زُين له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} [فاطر: 8].
القرآن
{أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)} [البقرة: 12]
التفسير:
أَلا فانتبهوا أيها الناس، إن هذا الذي يعتمدونه ويزعمون أنه إصلاح هو عين الفساد (1)، وإِنهم هم المفسدون حقاً لا غيرهم، ولكنْ لا يفطنون ولا يحُسون، لانطماسِ نور الإِيمان في قلوبهم، ولجهلهم وبلادتهم وعدم فهمهم للأمور.
قوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} [البقرة: 12]، " أي: أَلا فانتبهوا أيها الناس، إِنهم هم المفسدون حقاً لا غيرهم" (2).
أخرج ابن أبي حاتم"عن أبي العالية في قوله: {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون}، قال: هم المنافقون"(3).
وهذا كقوله تعالى: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المنافقون: 4] أي هم لا غيرهم؛ فلا عداء أبلغ من عداء المنافقين للمؤمنين؛ ولا فساد أعظم من فساد المنافقين في الأرض (4).
قال الزجاج: " (ألا) كلمة يبتدأ بها، ينبه بها المخاطب توكيدا، يدل على صحة ما بعدها"(5).
قال الواحدي: "ودخلت الألف واللام في (المفسدين) للجنس، كأنه جعلهم جنس المفسدين تعظيماً لفسادهم، كأنه لا يعتد بفساد غيرهم مع فسادهم، وكل فساد يصغر في جنب فسادهم، حتى كان المفسد في الحقيقة هم دون غيرهم، وإن كان غيرهم قد يفسد"(6).
قوله تعالى: {وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 12]، أي:" ولكنْ لا يفطنون ولا يحُسون، لانطماسِ نور الإِيمان في قلوبهم"(7).
وقد ذكروا في قوله تعالى: {وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 12]، ثلاثة أوجه (8):
أحدها: "أي: لا يعلمون أنهم مفسدون، بل يحسبون أنهم مصلحون.
والثاني: ولكن لا يعلمون ما عقوبة فعلهم وما يحل بهم. قاله الثعلبي (9).
(1) ينظر: تفسير ابن كثير: 1/ 181.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 130.
(3)
تفسير ابن أبي حاتم (125): ص 1/ 45.
(4)
ينظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 50.
(5)
معاني القرآن: 4/ 392.
(6)
التفسير البسيط: 2/ 159 - 160. ولهذا جاء في هذِه الجملة عدة مؤكدات منها: الاستفتاح، والتنبيه والتأكيد بإنّ وبضمير الفصل، وتعريف الخبر. انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 168، "الكشاف" 1/ 181 "الدر المصون" 1/ 139.
(7)
صفوة التفاسير: 1/ 30.
(8)
انظر: التفسير البسيط: 2/ 161، و"تفسير ابن عطية" 1/ 168، "تفسير البغوي" 1/ 66، "زاد المسير" 1/ 33، "تفسير القرطبي" 1/ 177 - 178.
(9)
انظر: تفسيره: 1/ 154.
قال الواحدي: "وذلك أن مفعول العلم محذوف فيحتمل القولين"(1).
والثالث: أنهم يعلمون الفساد سرا ويظهرون الصلاح، وهم لا يشعرون أن أمرهم يظهر عند النبي صلى الله عليه وسلم (2).
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: أن الإنسان قد يبتلى بالإفساد في الأرض، ويخفى عليه فساده؛ لقوله تعالى: {ولكن لا يشعرون
2 -
ومنها: قوة الرد على هؤلاء الذين ادعوا أنهم مصلحون، حيث قال الله عز وجل:{ألا إنهم هم المفسدون} ؛ فأكد إفسادهم بثلاثة مؤكدات؛ وهي {ألا} و "إن"، و {هم} ؛ بل حصر الإفساد فيهم عن طريق ضمير الفصل.
القرآن
التفسير:
وإذا قيل للمنافقين آمنوا كما آمن الناس أي كإيمان الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجنة والنار وغير ذلك مما أخبر المؤمنين به وعنه وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر وترك الزواجر، قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء، يعنون ـ لعنهم الله ـ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا أنهم هم السفهاء ولكنهم من تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل، وذلك أردى لهم وأبلغ في العمى، والبعد عن الهدى (3).
قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا} [البقرة: 13]، أي "وإِذا قيل للمنافقين: آمنوا إِيماناً صادقاً لا يشوبه نفاقٌ ولا رياء" (4).
قال ابن عباس: " وإذا قيل لهم صدقوا"(5).
قوله تعالى: {كَمَآ آمَنَ الناس} [البقرة: 13]، أي " كما آمن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ُ، وأخلصوا في إيمانكم وطاعتكم لله"(6).
قال ابن عباس: " صدقوا كما صدق أصحاب محمد- صلى الله عليه وسلم أنه نبي ورسول، وأن ما أنزل الله حق، وصدقوا بالآخرة وأنكم تبعثون من بعد الموت"(7).
واختلف في {الناس} في هذه الآية على قولين:
أحدهما: أن الآية خطاب للمنافقين، والمراد بالناس، أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا هو المشهور. وهو قول أبي العالية (8) والسدي (9)، وروية الضحاك عن ابن عباس (10)،
والثاني: أن المراد بالآية اليهود، والناس: عبد الله بن سلام وأصحابه. ذكره أبو الليث من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (11).
(1) التفسير البسيط: 2/ 161.
(2)
انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 168، "تفسير البغوي" 1/ 66، "زاد المسير" 1/ 33، "تفسير القرطبي" 1/ 177 - 178.
(3)
ينظر: تفسير ابن كثير: 1/ 182، وتفسير القرطبي: 1/ 205.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 130.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (126): ص 1/ 45.
(6)
صفوة التفاسير: 1/ 130.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (126): ص 1/ 45.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (130): ص 1/ 46.
(9)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 46.
(10)
أخرجه الطبري (343): ص 1/ 292. وانظر: تفسير ابن أبي حاتم: (127)، و (128): ص 1/ 45 - 46، "تفسير ابن عطية" 1/ 168 - 169، "تفسير ابن كثير" 1/ 54
(11)
"تفسير أبي الليث" 1/ 96.
روي " عن ابن عباس في قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ}، يقول: وإذا قيل لهم صدِّقوا كما صدَّق أصحاب محمد، قولوا: إنَّه نبيٌّ ورسول، وإنّ ما أنزل عليه حقّ، وصدِّقوا بالآخرة، وأنَّكم مبعوثون من بعد الموت"(1).
قال ابن عثيمين: "والمراد بـ {الناس} هنا الصحابة الذين كانوا في المدينة، وإمامهم النبي صلى الله عليه وسلم"(2).
قال الآلوسي: "واستدل بالآية على أن الإقرار باللسان إيمان وإلا لم يفد التقييد، وكونه للترغيب يأباه إيرادهم التشبيه في الجواب، والجواب عنه بعد إمكان معارضته بقوله تعالى وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ أنه لا خلاف في جواز إطلاق الإيمان على التصديق اللساني لكن من حيث إنه ترجمة عما في القلب أقيم مقامه إنما النزاع في كونه مسمى الإيمان في نفسه ووضع الشارع إياه له مع قطع النظر عما في الضمير على ما بين لك في محله، ولما طلب من المنافق الإيمان دل ذلك على قبول توبة الزنديق.
فإن لا يكُنْهَا أَوَ تَكُنْهُ فَإنَّهُ
…
أخوهَا غذته أمه بِلِبَانها (3)
نعم إن كان معروفا بالزندقة داعيا إليها ولم يتب قبل الأخذ قتل كالساحر ولم تقبل توبته كما أفتى به جمع من المحققين" (4).
قوله تعالى: {قالوا أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ السفهآء} : "أي: قالوا أنؤمن كإِيمان هؤلاء الجهلة أمثال «صهيب، وعمار، وبلال» ناقصي العقل والتفكير؟ ! "(5).
قال الثعلبي: السفهاء: الجهّأل" (6).
قال ابن عثيمين: " الاستفهام هنا للنفي، والتحقير؛ والمعنى: لا نؤمن كما آمن السفهاء؛ وربما يكون أيضاً مضمناً معنى الإنكار. أي أنهم ينكرون على من قال: {آمنوا كما آمن الناس}؛ وهذا أبلغ من النفي المحض"(7).
قال البيضاوي: وإِنما سفَّهوهم، لاعتقادهم فسادَ رأيهم، أو لتحقير شأنهم، فإِن أكثر المؤمنين كانوا فقراء ومنهم موالي كصهيب وبلال، أو للتجلد وعدم المبالاة بمن آمن منهم إن فسر الناس بعبد الله بن سلام وأشياعه" (8).
وقال الآلوسي: " وإنما سفهوهم جهلا منهم حيث اشتغلوا بما لا يجدي في زعمهم ويحتمل أن يكون ذلك من باب التجلد حذرا من الشماتة إن فسر الناس بمن آمن منهم، واليهود قوم بهت"(9).
قوله تعالى: {ألا إِنَّهُمْ هُمُ السفهآء} [البقرة: 12]، " أي ألا إِنهم هم السفهاء حقاً"(10).
وعن ابن عباس، "يقول الله:{ألا إنهم هم السفهاء} ، يقول: الجهال" (11).
(1) أخرجه الطبري (343): ص 1/ 292.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 49.
(3)
البيت لأبي الأسود الدؤلي في ديوانه ص 162، 306؛ وانظر: أدب الكاتب ص 407؛ وإصلاح المنطق ص 297؛ وتخليص الشواهد ص 92؛ وخزانة الأدب 5/ 327، 331؛ والرد على النحاة ص 100؛ وشرح المفصل 3/ 107؛ والكتاب 1/ 46؛ ولسان العرب 13/ 371 "كنن"، 374 "لبن"؛ والمقاصد النحوية 1/ 310؛ وبلا نسبة في المقتضب 3/ 98؛ والمقرب 1/ 96.
وقبل البيت:
الخمر يشربها الغواة فإنني
…
رأيت أخاها مغنيا بمكانها
فإن لا يكنها: أي فإلا يكن أخو الخمر هو الخمر. أو تكنه: أي أو تكن الخمر هي أخاها. فاسم "يكن" الأولى ضمير مستتر يعود على الأخ، والضمير البارز المنصوب العائد إلى الأخ هو خبرها.
المعنى: دعك من هذا الإثم يرتكبه السفهاء من الناس؛ فإني وجدت أخا الخمر، أي العنب أو الزبيب، مغنيا عنها وصالحا لأن تحل محلها، فإن لم يكونا شيئا واحدا فهما أخوان رضعا من ثدي أم واحدة.
(4)
روح المعاني: 1/ 157.
(5)
صفوة التفاسير: 1/ 30.
(6)
تفسير الثعلبي: 1/ 155.
(7)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 49.
(8)
تفسير البيضاوي: 1/ 47.
(9)
روح المعاني: 1/ 157.
(10)
صفوة التفاسير: 1/ 30.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (131): ص 1/ 46.
وهذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: " {ألا}، و "إن"، وضمير الفصل: {هم}، وهو أيضاً مفيد للحصر"(1).
قوله تعالى: {ولكن لَاّ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 12]، أي:"ولكن لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل"(2).
قال ابن عباس: " ولكن لا يعقلون"(3).
قال الثعلبي: أي: لايعلمون"بأنهم كذلك"(4).
قال ابن عثيمين: " أي لا يعلمون سفههم"(5).
وإذا قيل: ما الفرق بين قوله تعالى هنا: {ولكن لا يعلمون} ، وقوله تعالى فيما سبق:{ولكن لا يشعرون} ؟
فالجواب: أن الإفساد في الأرض أمر حسي يدركه الإنسان بإحساسه، وشعوره؛ وأما السفه فأمر معنوي يدرك بآثاره، ولا يُحَسُّ به نفسِه (6).
و(السفه) لغة: خِفَّة الحِلْمِ أو نَقِيضُه أو الجَهْلُ، والسَّفَهُ نَقْصٌ في العَقل وأصله الخِفَّة، من سفه سفهًا من باب تعب، وسفه بالضم سفاهة وسَفاهًا، أي: صار سَفِيهًا، فهو سفيه، والأنثى سفيهة، والجمع سفهاء. وسفه الحق جهله، وسَفِهه تسفيهًا: نسبه إلى السَّفَه (7).
واصطلاحا: السَّفَه: نقيض الحِلْم وهو سرعة الغضب، والطَّيش مِن يسير الأمور، والمبادرة في البطش، والإيقاع بالمؤذي، والسَّرف في العقوبة، وإظهار الجزع مِن أدنى ضررٍ، والسَّبُّ الفاحش (8).
وقال الجرجاني: "السَّفَه: عبارة عن خِفَّة تعرض للإنسان مِن الفرح والغضب، فتحمله على العمل بخلاف طور العقل، وموجب الشَّرع"(9)، وقال ابن القيِّم:"السَّفَه غاية الجهل، وهو مركَّبٌ مِن عدم العلم بما يُصْلِح معاشه ومعاده، وإرادته بخلافه"(10).
وفي اصطلاح الفقهاء السفه: خِفة تبعث الإنسان على العمل في ماله بخلاف مقتضى العقل والشرع، مع قيام العقل حقيقة؛ قال الحنفية: فالسفه لا يوجب خللاً، ولا يمنع شيئًا من أحكام الشرع (11)، وقيل: السفه: صفة لا يكون الشخص معها مطلق التصرُّف، كأن يكون مبذرًا، يضيِّع المال في غير وجهه الجائز، وأما عُرفًا، فهو بذاءة اللسان، والنطق بما يُستحيى منه (12)، (13)، وفي جواهر الإكليل: السفيه: البالغ العاقل الذي لا يُحسن التصرف في المال، فهو خلاف الرشيد (14)، (15)، قال ابن كثير: " والسفيه: هو الجاهل الضعيف الرّأي القليل
(1) تفسير ابن عثيمين: 1/ 49.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 30.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (131): ص 1/ 46.
(4)
تفسير الثعلبي: 1/ 155.
(5)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 49.
(6)
أنظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 49.
(7)
انظر: لسان العرب: 13/ 497، والصحاح للجوهري: 6/ 2234 - 2235. والقاموس المحيط، الفيروزآبادي: 1609. والمصباح المنير، الفيومي: 1/ 280.
(8)
تهذيب الأخلاق/ الجاحظ: 29.
(9)
التعريفات: 119. وقال الراغب: "السفه خفة البدن، ومنه قيل: زمام سفيه: كثير الاضطراب، وثوب سفيه: رديء النسج. واستعمل في خفة النفس لنقصان العقل، وفي الأمور الدنوية والأخروية". (مفردات القرآن: 414).
والفرق بين السفيه والأحمق هو أن الحُمْق قلَّة العقل وفَسَادٌ فِيه، واصطلاحا هو:" وضع الشَّيء في غير موضعه مع العلم بقُبْحه"(النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير: 1/ 442) وقيل أن " حقيقة الأَحْمَق: مَن يعمل ما يضرُّه مع علمه بقُبْحه"(شرح النووي على مسلم: 18/ 136).
(10)
بدائع الفوائد: 5/ 183.
(11)
ابن عابدين (2/ 426 - 427)، ومجلة الأحكام، م (945).
(12)
ابن عابدين (2/ 423)، وكشف الأسرار (4/ 369)، والمصباح المنير مادة:(سفه).
(13)
القليوبي (3/ 364).
(14)
جواهر الإكليل (1/ 161)، ط دار المعرفة.
(15)
الموسوعة الفقهية الكويتية (16/ 100).
المعرفة بمواضع المصالح والمضار؛ ولهذا سمى الله النساء والصبيان سفهاء، في قوله تعالى:{وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: 5] قال عامة علماء السلف: هم النساء والصبيان" (1).
والسفيه مكلف رغم أنه يسيء التصرف، وقد يكون تصرفه:{سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142]، ولعدم إيمانهم برسالة محمد صلى الله عليه وسلم سماهم الله تعالى بالسفهاء؛ كما ردَّ الله تعالى اتهامهم المسلمين بالسفهاء بقوله:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 13].
وأما سفه المشركين وترْكهم اتباعَ ملَّة إبراهيم عليه السلام فقد قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [البقرة: 130]، قال الشيخ محمد جمال الدين القاسمي: هذا إنكار واستبعاد لأن يكون في العقلاء مَن يرغب عن الحق الواضح الذي هو ملَّة إبراهيم، وهو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وفي ذلك تعريض بمُعاندي أهل الكتاب والمشركين؛ أي: لا يرغب عن ملته الواضحة الغراء إلا مَن سَفِه نفسه؛ أي: حملها على السفه، وهو الجهل، وقال الراغب: وسفه نفسه أبلغ من جهلها؛ وذاك أن الجهل ضربان: جهل بسيط، وهو ألا يكون للإنسان اعتقاد في الشيء، وجهل مركَّب، وهو أن يعتقد في الحق أنه الباطل، وفي الباطل أنه حق، والسفه: أن يعتقد ذلك ويتحرَّى بالفعل مقتضى ما اعتقده، فبيَّن تعالى أن مَن رغب عن ملة إبراهيم، فإن ذلك لِسَفه نفسه، وذلك أعظم مذمة، فهو مبدأ كل نقيصة، وذاك أن من جهِل نفسه، جَهِل أنه مصنوع، وإذا جهِل كونه مصنوعًا، جهِل صانعه، وإذا لم يعلم أن له صانعًا، فكيف يعرف أمره ونهْيه، وما حُسنه وقُبحه! ولكون معرفتها ذريعةً إلى معرفة الخالق - جل ثناؤه، ، قال:{وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21]، وقال:{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ} [الحشر: 19](2).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: أن المنافق لا تنفعه الدعوة إلى الخير؛ لقوله تعالى: {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء} ؛ فهم لا ينتفعون إذا دعوا إلى الحق؛ بل يقولون: {أنؤمن كما آمن السفهاء)
2 ومنها: إعجاب المنافقين بأنفسهم؛ لقولهم: (أنؤمن كما آمن السفهاء)
3 ومنها: شدة طغيان المنافقين؛ لأنهم أنكروا على الذين عرضوا عليهم الإيمان: {قالوا أنؤمن} ؛ وهذا غاية ما يكون من الطغيان؛ ولهذا قال الله تعالى في آخر الآية: {في طغيانهم يعمهون} [البقرة: 15].
4 ومنها: أن أعداء الله يصفون أولياءه بما يوجب التنفير عنهم لقولهم: {أنؤمن كما آمن السفهاء} ؛ فأعداء الله في كل زمان، وفي كل مكان يصفون أولياء الله بما يوجب التنفير عنهم؛ فالرسل وصفهم قومهم بالجنون، والسحر، والكهانة، والشعر تنفيراً عنهم، كما قال تعالى:{كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون} [الذاريات: 52]، وقال تعالى:{وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين} [الفرقان: 31] وورثة الأنبياء مثلهم يجعل الله لهم أعداء من المجرمين، ولكن {وكفى بربك هادياً ونصيراً} [الفرقان: 31]؛ فمهما بلغوا من الأساليب فإن الله تعالى إذا أراد هداية أحد فلا يمنعه إضلال هؤلاء؛ لأن أعداء الأنبياء يسلكون في إبطال دعوة الأنبياء مَسْلكين؛ مسلك الإضلال، والدعاية الباطلة في كل زمان، ومكان؛ ثم مسلك السلاح. أي المجابهة المسلحة؛ ولهذا قال تعالى:{هادياً} [الفرقان: 31] في مقابل المسلك الأول الذي هو الإضلال. وهو الذي نسميه الآن بالأفكار المنحرفة، وتضليل الأمة، والتلبيس على عقول أبنائها؛ وقال تعالى:{ونصيراً} [الفرقان: 31] في مقابل المسلك الثاني. وهو المجابهة المسلحة.
5 ومن فوائد الآية: أن كل من لم يؤمن فهو سفيه، كما قال الله تعالى:{ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} [البقرة: 130].
(1) تفسير ابن كثير: 1/ 182.
(2)
ينظر: محاسن التأويل؛ محمد جمال الدين القاسمي: 1/ 156 ..
6 ومنها: أن الحكمة كل الحكمة إنما هي الإيمان بالله، واتباع شريعته؛ لأن الكافر المخالف للشريعة سفيه؛ فيقتضي أن ضده يكون حكيماً رشيداً.
7 ومنها: تحقيق ما وعد الله به من الدفاع عن المؤمنين، كما قال تعالى:{إن الله يدافع عن الذين آمنوا} [الحج: 38]؛ فإذا ذموا بالقول دافع الله عنهم بالقول؛ فهؤلاء قالوا: {أنؤمن كما آمن السفهاء} ، والله عز وجل هو الذي جادل عن المؤمنين، فقال:{ألا إنهم هم السفهاء} يعني هم السفهاء لا أنتم؛ فهذا من تحقيق دفاع الله تعالى عن المؤمنين؛ أما دفاعه عن المؤمنين إذا اعتُدي عليهم بالفعل فاستمع إلى قول الله تعالى: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان} [الأنفال: 12]: هذه مدافعة فعلية، حيث تنْزل جنود الله تعالى من السماء لتقتل أعداء المؤمنين؛ فهذا تحقيق لقول الله تعالى:{إن الله يدافع عن الذين آمنوا} [الحج: 38]؛ ولكن الحقيقة أن هذا الوعد العظيم من القادر جل وعلا الصادق في وعده يحتاج إلى إيمان حتى نؤمن بالله عز وجل، ولا نخشى أحداً سواه، فإذا ضعف الإيمان أصبحنا نخشى الناس كخشية الله، أو أشد خشية؛ لأننا إذا كنا نراعيهم دون أوامر الله فسنخشاهم أشد من خشية الله عز وجل؛ وإلا لكنا ننفذ أمر الله عز وجل، ولا نخشى إلا الله سبحانه وتعالى.
فنحن لو آمنا حقيقة الإيمان بهذا الوعد الصادق الذي لا يُخلَف لكنا منصورين في كل حال؛ لكن الإيمان ضعيف؛ ولهذا صرنا نخشى الناس أكثر مما نخشى الله عز وجل؛ وهذه هي المصيبة، والطامة العظيمة التي أصابت المسلمين اليوم؛ ولذلك تجد كثيراً من ولاة المسلمين. مع الأسف. لا يهتمون بأمر الله، ولا بشريعة الله؛ لكن يهتمون بمراعاة فلان، وفلان؛ أو الدولة الفلانية، والفلانية. ولو على حساب الشريعة الإسلامية التي من تمسك بها فهو المنصور، ومن خالفها فهو المخذول؛ وهم لا يعرفون أن هذا هو الذي يبعدهم من نصر الله؛ فبدلاً من أن يكونوا عبيداً لله أعزة صاروا عبيداً للمخلوقين أذلة؛ لأن الأمم الكافرة الكبرى لا ترحم أحداً في سبيل مصلحتها؛ لكن لو أننا ضربنا بذلك عُرض الحائط، وقلنا: لا نريد إلا رضى الله، ونريد أن نطبق شريعة الله سبحانه وتعالى على أنفسنا، وعلى أمتنا؛ لكانت تلك الأمم العظمى تهابنا؛ ولهذا يقال: من خاف الله خافه كل شيء، ومن خاف غير الله خاف من كل شيء.
8.
ومن فوائد الآية: الدلالة على جهل المنافقين؛ لأن الله عز وجل نفى العلم عنهم؛ لقوله تعالى: {ولكن لا يعلمون} ؛ فالحقيقة أنهم من أجهل الناس. إن لم يكونوا أجهل الناس؛ لأن طريقهم إنما هو خداع، وانخداع، وتضليل؛ وهؤلاء المنافقون من أجهل الناس؛ لأنهم لم يعلموا حقيقة أنفسهم، وأنهم هم السفهاء.
القرآن
التفسير:
وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا: آمنا وأظهروا لهم الإيمان والموالاة غروراً منهم للمؤمنين ونفاقاً ومصانعة وليشركوهم فيما أصابهم من خير ومغنم، وإذا خلوا إلى سادتهم وكبراؤهم من أحبار اليهود ورؤوس المشركين والمنافقين، قالوا: إنا نحن على دينكم وعلى مثل ما أنتم عليه من الإعتقاد، وإِنما نستهزئ بالقوم ونسخر منهم بإِظهار الإِيمان (1).
قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الذين آمَنُوا قالوا آمَنَّا} [البقرة: 14]، أي "وإِذا رأوا المؤمنين وصادفوهم أظهروا لهم الإِيمان والموالاة نفاقاً ومصانعة"(2).
قال ابن عباس: " كان رجال من اليهود إذا لقوا أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم أو بعضهم قالوا: إنا على دينكم"(3).
قال الثعلبي: "أي رأوا، يعني المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه"(4).
(1) ينظر: تفسير ابن كثير: 1/ 182.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 30.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (133): ص 1/ 46.
(4)
تفسير الثعلبي: 1/ 155.
قال السعدي: " إذا اجتمعوا بالمؤمنين، أظهروا أنهم على طريقتهم وأنهم معهم"(1).
وقرأ محمد بن السميقع: "وإذا لاقوا وهما بمعنى واحد"(2).
قوله تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا إلى شَيَاطِينِهِمْ} [البقرة: 14]، "أي: وإِذا انفردوا ورجعوا إِلى رؤسائهم وكبرائهم، أهلِ الضلالِ والنفاق" (3).
قال السعدي: أي: إلى"رؤسائهم وكبرائهم في الشر"(4).
قال أبو مالك: قوله: {خلوا} ، يعني: مضوا" (5).
واختلف في معنى {شَيَاطِينِهِمْ} [البقرة: 14]، على أقاويل (6):
أحدها: قالوا: {شَيَاطِينِهِمْ} : أي: سائر أهل الشرك الذين هم على مثل الذي هم عليه من الكُفر بالله وبكتابه ورسوله.
والثاني: وقيل: شياطينهم من اليهود. قاله ابن عباس (7)، وروي عن السدي (8)، وأبي العالية (9) والربيع (10) مثل ذلك.
والثالث: وقيل: رءوسهم في الكُفر. وهذا قول ابن مسعود (11).
والرابع: وقيل: أي رؤسائهم وقادتهم في الشرك والشرّ. قاله قتادة (12).
والخامس: وقيل: وهم المشركون. قاله قتادة (13).
والسادس: وقيل: أصحابِهم من المنافقين والمشركين. قاله مجاهد (14)، والربيع (15).
قلت: وجميع آراء السابقة صحيحة، والقول الأول يجمع جميع الأقوال وهو الأقرب، وبه قال الإمام الطبري (16).
وفي قوله: {إلى شَيَاطِينِهِمْ} [البقرة: 14]، ثلاثة أوجه (17):
أحدها: معناه: مع شياطينهم، فجعل (إلى) موضع (مع)، كما قال تعالى:{مَنْ أَنْصَارِي إلى اللهِ} [آل عمران: 52]، يريد: مع الله، وكما توضع (على) في موضع (من)، و (في) و (عن) و (الباء)، كما قال الشاعر (18):
إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ
…
لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا
فقوله (رضيتْ عليّ) أريد به: (رضيتْ عَنِّي).
والثاني: وهو قول بعض البصريين: أنه يقال خلوت إلى فلان، إذا جعلته غايتك في حاجتك، وخلوت به يحتمل معنيين: أحدهما الخلاء به في الحاجة، والآخَر في السخرية به.
وعلى القول الأخير: ايكون قوله: {وَإِذَا خَلَوْا إلى شَيَاطِينِهِمْ} ، أفصح، وهو على حقيقته مستعمل.
(1) تفسير السعدي: 1/ 43.
(2)
تفسير الثعلبي: 1/ 155.
(3)
صفوة التفاسير: 1/ 30.
(4)
تفسير السعدي: 1/ 43.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (135): ص 1/ 47.
(6)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 195 - 198.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (349)، و (350): ص 1/ 296 - 297، وابن أبي حاتم (137): ص 1/ 47.
(8)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (140): ص 1/ 48.
(9)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 48.
(10)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 48.
(11)
أنظر: تفسير الطبري (351): ص 1/ 297.
(12)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (138): ص 1/ 47، ونحوه في تفسير الطبري (352): ص 1/ 297.
(13)
أنظر: تفسير الطبري (353): ص 1/ 297.
(14)
أنظر: تفسير الطبري (354)، و (355)، و (358): ص 1/ 297 - 298، وابن أبي حاتم (139): ص 1/ 47.
(15)
أنظر: تفسير الطبري (356): ص 1/ 398.
(16)
أنظر: تفسير الطبري: 1/ 296.
(17)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 76، وتفسير الطبري: 1/ 198 - 199.
(18)
الشعر للعقيف العقيلي، يمدح حكيم بن المسيب القشيري. نوادر أبي زيد: 176، خزانة الأدب 4: 247، وغيرهما كثير.
والثالث: وهو قول بعض الكوفيين: أن معناه: إذا انصرفوا إلى شياطينهم فيكون قوله: {إلى} مستعملاً في موضع لا يصح الكلام إلا به.
قال الإمام الطبري: "وهذا القول-أي الأخير- عندي أولى بالصواب، لأن لكل حرف من حُرُوف المعاني وجهًا هو به أولى من غيره فلا يصلح تحويل ذلك عنه إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها. ولِـ (إلى) في كل موضع دخلت من الكلام حُكْم، وغيرُ جائز سلبُها معانِيَها في أماكنها"(1).
واختلف أهل اللغة في الأصل الذي يرجع إليه اشتقاق (الشيطان)، على قولين (2):
أحدهما: أنه مشتق من (شَطَنَ)، بمعنى: بَعُد عن الحقِّ، وشَطَنَتْ دارُه، أي بعدت، فسمي شيطاناً، إما لبعده عن الخير، وإما لبعد مذهبه في الشر، فعلى هذا النون أصلية (3).
والقول الثاني: أنه يرجع إلى الجذر (شَيَطَ)، مشتق من شاط يشيط، أي هلك يهلك، كما قال الأعشى (4):
قد نَخْضِبُ العَيْرَ من مَكْنُونِ فائلِه
…
وَقَدْ يَشِيطُ عَلَى أَرْمَاحِنَا البَطَلُ
أي يهلك، فعلى هذا يكون النون فيه زائدة (5).
والقول الأول هو الأرجح؛ أي: اشتقاقه من (شطن)؛ وذلك لأنَّها أقرب إلى وصف أعمال الشيطان التي تَهدف إلى إبعاد الناس عن عمَل الخير واتِّباع الحق؛ "لأنَّ اشتقاق الشيطان من شطن؛ بمعنى: بَعُد عن الخير ومال عن الحقِّ - أقرب إلى الحقيقة من اشتقاقه من شاط؛ بمعنى: احترق؛ ذلك أنَّ عمل الشيطان هو إبعاد الناس عن الحقِّ، والذي يبعد الناس عن الحقِّ والخير يكون هو بعيدًا عنه"(6).
قوله تعالى: {قالوا إِنَّا مَعَكُمْ} [البقرة: 14]، أي أي قالوا لهم نحن"على ما أنتم عليه من التكذيب والعداوة"(7).
قال ابن عباس: " أي إنا على مثل ما أنتم عليه"(8).
قال الثعلبي: "أي: على دينكم وأنصاركم"(9).
قوله تعالى: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 14]، أي:" وإِنما نستهزئ بالقوم ونسخر منهم بإِظهار الإِيمان"(10).
قال الطبري: أي: "إنما نحن ساخرون"(11).
قال الثعلبي: أي: "بمحمد وأصحابه"(12).
قال الماوردي: " أي ساخرون بما نظهره من التصديق والموافقة"(13).
(1) انظر: تفسير الطبري: 1/ 199.
(2)
أنظر: قاموس العين - الفراهيدي ج (6)، ص (236)، وأساس البلاغة، ص (329)، القاموس المحيط ج (1)، ص (870)، والمصباح المنير ج (1)، ص (313)، والمعجم الوسيط ج (1)، ص (483)، وتهذيب اللغة ج (11)، ص (213)، وجمهرة اللغة ج (2)، ص (867)، ومختار الصحاح، ص (142).
(3)
انظر المعاجم التالية:
* معجم العين – للخليل بن أحمد الفراهيدي – ص 479، 503.
* مجمل اللغة – لابن فارس – ج 2 – ص 502، 518.
* المحيط في اللغة – للصاحب بن عباد – ج 7 – ص 304، 358.
* لسان العرب – لابن منظور – ج 13 – ص 237، 337.، * مختار الصحاح – للفخر الرازي – ص 338
* المفردات في غريب القرآن – للراغب الاصفهاني – ص 261.، * المصباح المنير – للفيومي – ص 142
(4)
ديوانه ص 113؛ ولسان العرب 7/ 338 (شيط). نخضب: نصبغ بالخضاب وهو الحناء، وأراد به هنا الدماء. العير: الحمار الوحشي. الفائل: اللحم الذي على نقرة الورك، ومكنون فائله: دمه المستتر فيه. يشيط: يهلك، أو يذهب دمه هدرًا.
(5)
أنظر: قاييس اللغة ج (3)، ص (184 - 185)، ولسان العرب ج (17)، ص (105)، والمفردات - الراغب الأصفهاني، ص (261).
(6)
التطور الدلالي بين لغة الشعر الجاهلي ولغة القرآن - د. عودة خليل أبو عودة - مكتبة المنار - الأردن، ص (478).
(7)
النكت والعيون: 1/ 76.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (141): ص 1/ 48.
(9)
تفسير اثعلبي: 1/ 157.
(10)
صفوة التفاسير: 1/ 30.
(11)
تفسير الطبري: 1/ 200.
(12)
تفسير اثعلبي: 1/ 157.
(13)
النكت والعيون: 1/ 77.
روي "عن ابن عباس: قالوا: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}، ساخرون بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم"(1). وفي رواية أخرى له: " إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعبُ بهم"(2). وروي عن قتادة (3) والربيع (4) مثل ذلك.
الفوائد:
من فوائد الآية ذلّ المنافق؛ فالمنافق ذليل؛ لأنه خائن؛ فهم {إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} خوفاً من المؤمنين؛ و {إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم} خوفاً منهم؛ فهم أذلاء عند هؤلاء، وهؤلاء؛ لأن كون الإنسان يتخذ من دينه تَقيَّة فهذا دليل على ذله؛ وهذا نوع من النفاق؛ لأنه تستر بما يُظَن أنه خير وهو شر
القرآن
{اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)} [البقرة: 15]
التفسير:
الله يجازيهم على استهزائهم بالإِمهال ثم بالنكال، ويزيدهم -بطريق الإِمهال والترك -في ضلالهم وكفرهم وكذبهم يتخبطون ويتردّدون ويتحيرون (5).
قوله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة: 15]، " أي: الله يجازيهم على استهزائهم بالإِمهال ثم بالنكال" (6)
قال القرطبي: أي: الله "ينتقم منهم ويعاقبهم، ويسخر بهم ويجازيهم على استهزائهم"(7).
قال الثعلبي: " أي يجازيهم جزاء استهزائهم"(8).
وقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة: 15]، على وجوه (9):
أحدها: معناه أنه يحاربهم على استهزائهم (10)، فسمي الجزاء باسم المجازى عليه، كما قال تعالى:{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْه بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} ، وليس الجزاء اعتداءً، قال عمرو بن كلثوم (11):
أَلا لا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا
…
فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينا
فسمى انتصاره جهلا، والجهل لا يفتخر به ذو عقل، وإنما قال ليزدوج الكلام فيكون أخف على اللسان من المخالفة بينهما. وكانت العرب إذا وضعوا لفظا بإزاء لفظ جوابا له وجزاء ذكروه بمثل لفظه وإن كان مخالفا له في معناه، وعلى ذلك جاء القرآن والسنة (12).
والثاني: أن معناه أنه يجازيهم جزاء المستهزئين.
والثالث: أنه لما حسن أن يقال للمنافق: {ذُقْ إِنًّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [الدخان: 49]، صار القول كالاستهزاء به.
(1) أخرجه الطبري (359): ص 1/ 200.
(2)
أخرجه الطبري (360): ص 1/ 200، وابن أبي حاتم (142): ص 1/ 48.
(3)
أخرجه الطبري (361): ص 1/ 200، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 48.
(4)
أخرجه الطبري (362): ص 1/ 200، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 48.
(5)
ينظر: تفسير ابن كثير: 1/ 182.
(6)
صفوة التفاسير: 1/ 30.
(7)
تفسير القرطبي: 1/ 207.
(8)
تفسير الثعلبي: 1/ 157.
(9)
أنظر: النكت والعيون: 77 - 78.
(10)
ومنه قوله تعالى: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} وقوله {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142]، وقوله {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} [التوبة: 79] و {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67] وما أشبه ذلك، إخبار من الله تعالى أنه يجازيهم جَزَاءَ الاستهزاء، ويعاقبهم عقوبة الخداع فأخرج خبره عن جزائه إياهم وعقابه لهم مُخرج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقوا العقاب في اللفظ، وإن اختلف المعنيان كما قال تعالى:{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] وقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} [البقرة: 194]، فالأول ظلم، والثاني عدل، فهما وإن اتفق لفظاهما فقد اختلف معناهما، وإلى هذا المعنى وَجَّهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك.
(11)
المعلقات السبع للزوزني: 120.
(12)
أنظر: تفسير القرطبي: 1/ 207.
والرابع: ما حكي: أنهم يُفْتَح لهم باب الجحيم، فيرون أنهم يخرجون منها، فيزدحمون للخروج، فإذا انتهوا إلى الباب ضربهم الملائكة، بمقامع النيران، حتى يرجعوا، وهذا نوع من العذاب، وإن كان كالاستهزاء.
والخامس: : أنه لما كان ما أظهره من أحكام إسلامهم في الدنيا، خلاف ما أوجبه عليهم من عقاب الآخرة، وكانوا فيه اغترار به، صار كالاستهزاء [بهم](1).
وإلى هذا القول ذهب الطبري (2) والسعدي (3). وبنحو هذا المعنى روي الخبر عن ابن عباس، في قوله تعالى:{اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} قال: " يسخر منهم للنقمة منهم"(4)(5).
والراجح -والله أعلم- هو القول الأول، فسمى العقوبة باسم الذنب، هذا قول الجمهور من العلماء، والعرب تستعمل ذلك كثيرا في كلامهم.
قوله عز وجل: {وَيَمُدُّهُمْ في طُغْيانِهم يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15]، أي: أن الله يبقيهم ضالين في طغيانهم" (6).
قال القرطبي: " أي يطيل لهم المدة ويمهلهم ويملي لهم، كما قال: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً} [آل عمران: 178] "(7).
وفي {َيَمُدُّهُمْ} [البقرة: 15]، ثلاثة أقوال:
أحدهما: يملي لهم، وهو قول ابن مسعود (8)، والسدي (9).
والثاني: يزيدهم، وهو قول مجاهد (10).
والثالث: وقيل: يَمُدُّ لَهُم " (11).
والراجح هو ما قاله مجاهد، بأن معنى {وَيَمُدُّهُمْ}: يزيدهم، على وجه الإملاء والترك لهم في عُتوِّهم وتمردهم، كما وصف ربُّنا أنه فعل بنظرائهم في قوله {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [سورة الأنعام: 110]، يعني نذرُهم ونتركهم فيه، ونملي لهم ليزدادوا إثمًا إلى إثمهم، ولا وجه لقول من قال: ذلك بمعنى " يَمُدُّ لهم "، لأنه لا تدافُع بين العرب وأهل المعرفة بلغتها أن يستجيزوا قول القائل:" مدَّ النهرَ نهرٌ آخر "، بمعنى: اتصل به فصار زائدًا ماءُ المتَّصَل به بماء المتَّصِل -
(1) ينظر: تفسير الطبري: 1/ 302 - 303. وتفسير ابن كثير: 1/ 183 - 184.
(2)
أنظر: تفسيره: 1/ 304. يقول الطبري: " والصواب في ذلك أن معنى الاستهزاء في كلام العرب: إظهارُ المستهزِئ للمستهزَإ به من القول والفعل ما يُرضيه، ظاهرًا، وهو بذلك من قِيله وفِعْله به مُورِثه مَساءة باطنًا، وكذلك معنى الخداع والسخرية والمكر، لأن المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتف عن الله، عز وجل، بالإجماع، وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك، وبنحو هذا المعنى روي الخبر عن ابن عباس، في قوله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} قال: "يسخر بهم للنقمة منهم".
(3)
أنظر: تفسيره: 1/ 43. يقول السعدي: " وهذا جزاء لهم، على استهزائهم بعباده، فمن استهزائه بهم أن زين لهم ما كانوا فيه من الشقاء والحالة الخبيثة، حتى ظنوا أنهم مع المؤمنين، لما لم يسلط الله المؤمنين عليهم، ومن استهزائه بهم يوم القيامة، أنه يعطيهم مع المؤمنين نورا ظاهرا، فإذا مشى المؤمنون بنورهم، طفئ نور المنافقين، وبقوا في الظلمة بعد النور متحيرين، فما أعظم اليأس بعد الطمع، {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ} الآية".
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (143): ص 1/ 48، والخبر ساقه ابن كثير في تفسيره: 1/ 94، والسيوطي: 1/ 31، والشوكاني: 1/ 33.
(5)
ينظر: تفسير الطبري: 1/ 304.
(6)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 54.
(7)
تفسير القرطبي: 1/ 208.
(8)
أنظر: تفسير الطبري (364): ص 1/ 306 - 307، والخبر ساقه ابن كثير 1/ 31، والسيوطي 1/ 31، والشوكاني 1/ 33.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (144): ص 1/ 48.
(10)
أخرجه الطبري: (365)، ص 1/ 307، وابن أبي حاتم (145): ص 1/ 48، والخبر ساقه ابن كثير 1/ 31، والسيوطي 1/ 31، والشوكاني 1/ 33.
(11)
وهو قول بعض نحوييّ البصرة يتأوَّل ذلك أنه بمعنى: يَمُدُّ لَهُم، ويزعم أن ذلك نظيرُ قول العرب: الغلامُ يلعَب الكِعَابَ، يراد به يَلعب بالكعاب. قال: وذلك أنهم قد يقولون: " قد مَددت له وأمددتُ له " في غير هذا المعنى، وهو قول الله تعالى ذكره:(وَأَمْدَدْنَاهُمْ)[سورة الطور: 22]، وهذا من:" مددناهم ". قال: ويقال: قد " مَدَّ البحر فهو مادٌّ " و " أَمَدَّ الجرح فهو مُمِدّ ". وحكي عن يونس الجَرْمِيّ أنه كان يقول: ما كان من الشر فهو " مدَدْت "، وما كان من الخير فهو " أمْدَدت ". ثم قال: وهو كما فسرت لك، إذا أردت أنك تركته فهو " مَدَدت له "، وإذا أردت أنك أعطيته قلت:" أمْددت ". وأما بعضُ نحويي الكوفة فإنه كان يقول: كل زيادة حدثت في الشيء من نفسه فهو " مَدَدت " بغير ألف، كما تقول:" مدَّ النهر، ومدَّه نهرٌ آخر غيره "، إذا اتصل به فصار منه، وكلّ زيادة أحدِثتْ في الشيء من غيره فهو بألف، كقولك:" أمدَّ الجرحُ "، لأن المدّة من غير الجرح، وأمدَدتُ الجيش بمَدَدٍ. (تفسير الطبري: 1/ 307).
من غير تأوُّل منهم. ذلك أن معناه: مدّ النهرَ نهرٌ آخر. فكذلك ذلك في قول الله: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} (1).
وقوله تعالى: {طُغْيَانِهِمْ} [البقرة: 15]، يعني في:"كفرهم وضلالهم"(2).
قال ابن عباس: " في كفرهم يترددون"(3). وروي عن ابن مسعود (4) وقتادة (5) والربيع (6) وابن زيد (7) مثل ذلك.
و(الطُّغيان)، أصله مجاوزة الحد، من قولك: طَغَى فلان يطغَى طُغيانًا، إذا تجاوز في الأمر حده فبغى، ومنه قوله الله:{كَلا إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [سورة العلق: 6، 7]، أي يتجاوز حدّه، وقوله في فرعون:{إِنَّهُ طَغَى} [طه: 24] أي أسرف في الدعوى حيث قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات: 24](8)، ومنه قول أمية بن أبي الصَّلْت (9):
وَدَعَا اللهَ دَعْوَةً لاتَ هَنَّا
…
بَعْدَ طُغْيَانِه، فَظَلَّ مُشِيرَا
وقوله تعالى: {يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15]، فيه ثلاثة أقوال (10):
أحدها: يترددون، قاله ابن عباس (11)، ومجاهد (12)، والربيع (13)، ومنه قول ابن بري (14):
مَتى تَعْمَهْ إلى عُثْمانَ تَعْمَه
…
إلى ضَخْم السُّرادِقِ والقِبابِ
أَي تُرَدِّدُ النظرَ.
والثاني: معناه يتحيرون، قاله ابن عباس (15)، ومنه قول رؤية بن العجاج (16):
ومهمه أطرافه في مهمه
…
أعمى الهدى بالجاهلين العمه
والثالث: يعمهون عن رشدهم، فلا يبصرونه، لأن من عمه عن الشيء كمن كمه عنه، قال الأعشى (17):
أراني قد عمهت وشاب رأسي
…
وهذا اللعب شين للكبير
والرابع: يتمادَوْن. قاله ابن عباس (18).
قال الثعلبي: {يعمهون} ، أي:" يمضون، يترددون في الضلالة متحيرين، يقال: عمه يعمه عمها وعموها، وعمها فهو عمه، وعامه: إذا كان جائرا عن الحق"(19). ثم استشهد بقول رؤبة السابق.
الفوائد:
(1) ينظر: تفسير الطبري: 1/ 307 - 308.
(2)
تفسير القرطبي: 1/ 208.
(3)
أخرجه الطبري (366): ص 1/ 309.
(4)
أخرجه الطبري (367): ص 1/ 309.
(5)
أخرجه الطبري (368): ص 1/ 309.
(6)
أخرجه الطبري (369): ص 1/ 309.
(7)
أخرجه الطبري (370): ص 1/ 309.
(8)
أنظر: تفسير القرطبي: 1/ 208.
(9)
ديوانه: 34 مع اختلاف في الرواية. والضمير في قوله " ودعا الله " إلى فرعون حين أدركه الغرق. والهاء في قوله " طغيانه " إلى فرعون، أو إلى الماء لما طغا وأطبق عليه. وقوله " لات هنا "، كلمة تدور في كلامهم يريدون بها:" ليس هذا حين ذلك "، والتاء في قولهم " لات " صلة وصلت بها " لا "، أصلها " لا هنا " أي ليس هنا ما أردت، أي مضى حين ذلك. و " هنا " مفتوحة الهاء مشددة النون، مثل " هنا " مضمومة الهاء مخففة النون. وقوله:" مشيرًا "، أي مشيرًا بيده في دعاء ربه أن ينجيه من الغرق.
(10)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 79.
(11)
أنظر: تفسير الطبري (373): ص 1/ 310. ولفظه: " {يَعْمَهُونَ}، قال: يتردَّدون".
(12)
أنظر: تفسير الطبري (375)، و (376)، و (377)، و (378): ص 1/ 311.
(13)
أنظر: تفسير الطبري (379): ص 1/ 311.
(14)
البيت ورد في اللسان 189/ 10: مادة (ع م هـ).
(15)
أنظر: تفسير الطبري (374): ص 1/ 310. ولفظه: " يَعْمَهُونَ ": المتلدِّد".
تلدد للرجل فهو متلدد: إذا لبث في مكانه حائرًا متبلدًا يتلفت يمينًا وشمالا.
(16)
ديوانه ص 166 واللسان والتهذيب والصحاح: (عنه).
(17)
البيت من شواهد الماوردي في النكت والعيون: 1/ 79، والسيوطي في الإتقان: 1/ 174، والدر المنثور: 1/ 80.
(18)
أنظر: تفسير الطبري (372): ص 1/ 310.
(19)
تفسير الثعلبي: 1/ 158.
من فوائد الآية: أن الله يستهزئ بمن يستهزئ به، أو برسله، أو بشرعه جزاءً وفاقاً؛ واعلم أن ها هنا أربعة أقسام:
القسم الأول: قسم هو صفة كمال لكن قد ينتج عنه نقص: هذا لا يسمى الله تعالى به؛ ولكن يوصف الله به، مثل "المتكلم"، و"المريد"؛ فـ"المتكلم"، و"المريد" ليسا من أسماء الله؛ لكن يصح أن يوصف الله بأنه متكلم، ومريد على سبيل الإطلاق؛ ولم تكن من أسمائه؛ لأن الكلام قد يكون بخير، وقد يكون بشر؛ وقد يكون بصدق، وقد يكون بكذب؛ وقد يكون بعدل، وقد يكون بظلم؛ وكذلك الإرادة.
القسم الثاني: ما هو كمال على الإطلاق، ولا ينقسم: فهذا يسمى الله به، مثل: الرحمن، الرحيم، الغفور، السميع، البصير .. وما أشبه ذلك؛ وهو متضمن للصفة؛ وليس معنى قولنا:"يسمى الله به" أن نُحْدِث له اسماً بذلك؛ لأن الأسماء توقيفية؛ لكن معناه أن الله سبحانه وتعالى تَسَمَّى به.
القسم الثالث: ما لا يكون كمالاً عند الإطلاق؛ ولكن هو كمال عند التقييد؛ فهذا لا يجوز أن يوصف به إلا مقيداً، مثل: الخداع، والمكر، والاستهزاء، والكيد. فلا يصح أن تقول: إن الله ماكر على سبيل الإطلاق، ولكن قل: إن الله ماكر بمن يمكر به، وبرسله، ونحو ذلك.
مسألة: -
هل "المنتقم" من جنس الماكر، والمستهزئ؟
الجواب: مسألة "المنتقم" اختلف فيها العلماء؛ منهم من يقول: إن الله لا يوصف به على سبيل الإفراد، وإنما يوصف به إذا اقترن بـ"العفوّ"؛ فيقال:"العفوُّ المنتقم"؛ لأن "المنتقم" على سبيل الإطلاق ليس صفة مدح إلا إذا قُرِن بـ"العفوّ"؛ ومثله أيضاً المُذِل: قالوا: لا يوصف الله سبحانه وتعالى به على سبيل الإفراد إلا إذا قُرِن بـ"المُعِز"؛ فيقال: "المعزُّ المُذل"؛ ومثله أيضاً "الضار": قالوا: لا يوصف الله سبحانه وتعالى به على سبيل الإفراد إلا إذا قُرِن "النافع"؛ فيقال: "النافع الضار"؛ ويسمون هذه: الأسماء المزدوجة.
ويرى بعض العلماء أنه لا يوصف به على وجه الإطلاق. ولو مقروناً بما يقابله. أي إنك لا تقول: العفوّ المنتقم؛ لأنه لم يرد من أوصاف الله سبحانه وتعالى "المنتقم"؛ وليست صفة كمال بذاتها إلا إذا كانت مقيدة بمن يستحق الانتقام؛ ولهذا يقول عز وجل: {إنا من المجرمين منتقمون} [السجدة: 22]، وقال عز وجل:{والله عزيز ذو انتقام} [آل عمران: 4]؛ وهذا هو الذي يرجحه شيخ الإسلام ابن تيمية؛ والحديث الذي ورد في سرد أسماء الله الحسنى، وذُكر فيه المنتقم غير صحيح؛ بل هو مدرج؛ لأن هذا الحديث فيه أشياء لم تصح من أسماء الله؛ وحذف منها أشياء هي من أسماء الله. مما يدل على أنه ليس من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم.
القسم الرابع: ما يتضمن النقص على سبيل الإطلاق: فهذا لا يوصف الله سبحانه وتعالى به أبداً، ولا يسمى به، مثل: العاجز؛ الضعيف؛ الأعور .. وما أشبه ذلك؛ فلا يجوز أن يوصف الله سبحانه وتعالى بصفة عيب مطلقاً.
والاستهزاء هنا في الآية على حقيقته؛ لأن استهزاء الله بهؤلاء المستهزئين دال على كماله، وقوته، وعدم عجزه عن مقابلتهم؛ فهو صفة كمال هنا في مقابل المستهزئين مثل قوله تعالى:{إنهم يكيدون كيداً * وأكيد كيداً} [الطارق: 15، 16] أي أعظمَ منه كيداً؛ فالاستهزاء من الله تعالى حق على حقيقته، ولا يجوز أن يفسر بغير ظاهره؛ فتفسيره بغير ظاهره محرم؛ وكل من فسر شيئاً من القرآن على غير ظاهره بلا دليل صحيح فقد قال على الله ما لم يعلم؛ والقول على الله بلا علم حرام، كما قال تعالى:{قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 33]؛ فكل قول على الله بلا علم في شرعه، أو في فعله، أو في وصفه غير جائز؛ بل نحن نؤمن بأن الله جل وعلا يستهزئ بالمنافقين استهزاءً حقيقياً؛ لكن ليس كاستهزائنا؛ بل أعظم من استهزائنا، وأكبر، وليس كمثله شيء.
وهذه القاعدة يجب أن يسار عليها في كل ما وصف الله به نفسه؛ فكما أنك لا تتجاوز حكم الله فلا تقول لما حرم: "إنه حلال"، فكذلك لا تقول لما وصف به نفسه أن هذا ليس المراد؛ فكل ما وصف الله به نفسه يجب عليك أن تبقيه على ظاهره، لكن تعلم أن ظاهره ليس كالذي ينسب لك؛ فاستهزاء الله ليس كاستهزائنا؛ وقرب الله ليس كقربنا؛ واستواء الله على عرشه ليس كاستوائنا على السرير؛ وهكذا بقية الصفات نجريها على
ظاهرها، ولا نقول على الله ما لا نعلم؛ ولكن ننزه ربنا عما نزَّه نفسه عنه من مماثلة المخلوقين؛ لأن الله تعالى يقول:{ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11].
أما الخيانة فلا يوصف بها الله مطلقاً؛ لأن الخيانة صفة نقص مطلق؛ و"الخيانة" معناها: الخديعة في موضع الائتمان. وهذا نقص؛ ولهذا قال الله عز وجل: {وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم} [الأنفال: 71]، ولم يقل: فخانهم؛ لكن لما قال تعالى: {يخادعون الله} [النساء: 142] قال: {وهو خادعهم} [النساء: 142]؛ لأن الخديعة صفة مدح مقيدة؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "الحرب خدعة"(1)، وقال صلى الله عليه وسلم:"لا تخن من خانك"(2)؛ لأن الخيانة تكون في موضع الائتمان؛ أما الخداع فيكون في موضع ليس فيه ائتمان؛ والخيانة صفة نقص مطلق.
3 ومن فوائد الآيتين: أن الله سبحانه وتعالى قد يُملي للظالم حتى يستمر في طغيانه.
فيستفاد من هذه الفائدة فائدة أخرى: وهي تحذير الإنسان الطاغي أن يغتر بنعم الله عز وجل؛ فهذه النعم قد تكون استدراجاً من الله؛ فالله سبحانه وتعالى يملي، كما قال تعالى:{ويمدهم في طغيانهم يعمهون} ؛ ولو شاء لأخذهم، ولكنه سبحانه وتعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. كما جاء في الحديث (3).
فإن قال قائل: كيف يعرف الفرق بين النعم التي يجازى بها العبد، والنعم التي يستدرج بها العبد؟
فالجواب: أن الإنسان إذا كان مستقيماً على شرع الله فالنعم من باب الجزاء؛ وإذا كان مقيماً على معصية الله مع توالي النعم فهي استدراج.
4 ومن فوائد الآيتين: أن صاحب الطغيان يعميه هواه، وطغيانه عن معرفة الحق، وقبوله؛ ولهذا قال تعالى:{ويمدهم في طغيانهم يعمهون} ؛ ومن الطغيان أن يُقَدِّم المرء قوله على قول الله ورسوله؛ والله تعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدِّموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم} [الحجرات: 1].
القرآن
{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)} [البقرة: 16]
التفسير:
أولئك المنافقون باعوا أنفسهم في صفقة خاسرة، فأخذوا الكفر، وتركوا الإيمان، فما كسبوا شيئًا، بل خَسِروا الهداية، وهذا هو الخسران المبين.
قلت: إن المنافقين الموصوفبن بتلك الصفات، بذلوا الهدى ثمناً للضلالة، فاختاروا واستحبوا الضلالة وهي الكفر والنفاق بالهدى الذي هو الإيمان بالله تعالى، وما ربحت صفقتهم في هذه البيعة، وما كانوا راشدين في صنيعهم ذلك.
قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى} [البقرة: 16]، "أي استبدلوا الكفر بالإيمان، وأخذوا الضلالة ودفعوا ثمنها الهدى"(4).
وقوله {أُولَئِكَ} ، اسم إشارة؛ والمشار إليهم المنافقون"الموصوفون بتلك الصفات"(5)؛ وجاءت الإشارة بصيغة البُعد لبُعد منزلة المنافق سفولاً (6).
(1) أخرجه البخاري ص 243، كتاب الجها والسير، باب 157؛ الحرب خدعة، حديث رقم 3028؛ وأخرجه مسلم ص 986، كتاب الجهاد والسير، باب 5؛ جواز الخداع في الحرب، حديث رقم 4540 [18]1740.
(2)
أخرجه أحمد في مسنده 3/ 414؛ وأخرجه أبو داود في سننه ص 1485، كتاب البيوع، باب 79: في الرجل يأخذ حقه من تحت يده، حديث رقم 3534؛ وأخرجه الترمذي ص 1778، كتاب البيوع، باب 38: أد الأمانة إلى من ائتمنك، حديث رقم 1264؛ وأخرجه الدارمي في سننه 2/ 343، حديث رقم 2597، كتاب البيوع، باب 57: في أداء الأمانة واجتناب الخيانة، قال الألباني في صحيح الترمذي: صحيح 2/ 18، وقال عبد القادر الأرناؤوط في حاشية جامع الأصول: صحيح 6/ 323، حاشية رقم 1.
(3)
راجع البخاري ص 389، كتاب التفسيرن باب 5: قوله: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد)، حديث رقم 4686؛ ومسلماً ص 1130، كتاب البر والصلة والأدب، باب 15: تحريم الظلم، حديث رقم 6581 [61]2583.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 31.
(5)
تفسير السعدي: 1/ 43.
(6)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 60.
قال السعدي: " أي: رغبوا في الضلالة، رغبة المشتري بالسلعة، التي من رغبته فيها يبذل فيها الأثمان النفيسة، وهذا من أحسن الأمثلة، فإنه جعل الضلالة، التي هي غاية الشر، كالسلعة، وجعل الهدى الذي هو غاية الصلاح بمنزلة الثمن، فبذلوا الهدى رغبة عنه بالضلالة رغبة فيها، فهذه تجارتهم، فبئس التجارة، وبئس الصفقة صفقتهم، وإذا كان من بذل دينارا في مقابلة درهم خاسرا، فكيف من بذل جوهرة وأخذ عنها درهما؟ " فكيف من بذل الهدى في مقابلة الضلالة، واختار الشقاء على السعادة، ورغب في سافل الأمور عن عاليها" (1).
وقد اختلف أهل العلم في قوله تعالى: {اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى} [البقرة: 16]، على أربعة أوجه (2):
أحدها: أنه على حقيقة الشراء فكأنهم اشتروا الكفر بالإيمان. قاله ابن عباس (3).
والثاني: أنه بمعنى استحبوا الكفر على الإيمان. قاله قتادة (4).
إذ عّبر عنه بالشراء، لأن الشراء يكون فيما يستحبه مشتريه، فإما أن يكون على معنى شراء المعاوضة فعلاً، لأن المنافقين لم يكونوا قد آمنوا، فيبيعوا إيمانهم.
وهؤلاء وجَّهوا معنى قول الله جل ثناؤه {اشْتَرَوا} إلى معنى اختاروا، لأن العرب تقول: اشتريت كذا على كذا، واسْتَرَيتُه - يَعْنُون اخترتُه عليه (5).
ومن الاستراء قول أعشى بني ثعلبة (6):
فَقَدْ أُخْرِجُ الكَاعِبَ الْمُسْتَرَا
…
ةَ مِنْ خِدْرِهَا وَأُشِيعَ الْقِمَارَ
يعني بالمستراة: المختارة.
وقال ذو الرُّمة، في الاشتراء بمعنى الاختيار (7):
يَذُبُّ الْقَصَايَا عَنْ شَرَاةٍ كَأَنَّهَا
…
جَمَاهِيرُ تَحْتَ الْمُدْجِنَاتِ الْهَوَاضِبِ
يعني بالشَّراة: المختارة.
وقال آخر في مثل ذلك (8):
إِنَّ الشَّرَاةَ رُوقَةُ الأَمْوَالِ
…
وَحَزْرَةُ الْقَلْبِ خِيَارُ الْمَالِ
وضعّف الطبري هذا القول، وذلك" لأن الله جل ثناؤه قال:{فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} ، فدل بذلك على أن معنى قوله:{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى} ، معنى الشراء الذي يتعارفه الناس، من استبدال شيء مكان شيء، وأخذِ عِوَض على عوض" (9).
والثالث: أنه بمعنى أخذوا الكفر وتركوا الإيمان، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود (10)، واختاره الطبري (11).
(1) تفسير السعدي: 1/ 43.
(2)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 79.
(3)
أنظر: تفسير الطبري (380): ص 1/ 312.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (382): ص 1/ 312.
(5)
ينظر: تفسير الطبري: 1/ 313.
(6)
ديوانه: 35، وطبقات فحول الشعراء: 36، واللسان (سرا). وفي المطبوعة:" المشتراة " في الموضعين، والصواب ما أثبتناه. والكاعب: التي كعب ثديها، أي نهد، يعني أنها غريرة منعمة محجوبة. وخدر الجارية: سترها الذي يمد لها لتلزمه بعد البلوغ، وأشاع المال بين القوم: فرقه فيهم. وأراد بالقمار: لعب الميسر، وعنى نصيب الفائز في الميسر من لحم الجزور، يفرقه في الناس من كرمه.
(7)
ديوانه: 62. والضمير في قوله " يذب " لفحل الإبل. ويذب: يدفع ويطرد. والقصايا، جمع قصية: وهي من الإبل رذالتها، ضعفت فتخلفت. وجماهير، جمع جمهور: وهو رملة مشرفة على ما حولها، تراكم رملها وتعقد. والمدجنات، من قولهم " سحابة داجنة ومدجنة "، وهي: المطبقة الكثيفة المطر. والهواضب: التي دام مطرها وعظم قطرها. شبه الإبل في جلالة خلقها وضخامتها بجماهير الرمل المتلبدة في رأي العين من بعيد
(8)
البيت ورد في تفسير الطبري: 1/ 314.
(9)
تفسير الطبري: 1/ 314 - 315.
(10)
أنظر: تفسير الطبري (381): ص 1/ 312.
(11)
تفسير الطبري: 1/ 315. قال الطبري: " وذلك أن كل كافر بالله فإنه مستبدلٌ بالإيمان كفرًا، باكتسابه الكفرَ الذي وُجد منه، بدلا من الإيمان الذي أمر به. أوَمَا تسمعُ الله جل ثناؤه يقول فيمن اكتسب كفرًا به مكان الإيمان به وبرسوله: (وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ)[سورة البقرة: 108]؟ وذلك هو معنى الشراء، لأن كلّ مشترٍ شيئًا فإنما يستبدل مكانَ الذي يُؤخذ منه من البدل آخرَ بديلا منه. فكذلك المنافقُ والكافر، استبدلا بالهدى الضلالةَ والنفاق، فأضلهما الله، وسلبهما نورَ الهدى، فترك جميعَهم في ظلمات لا يبصرون".
والرابع: أنهم: آمنوا ثم كفروا. قاله مجاهد (1).
وقرأ يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق: {اشْتَرَوِا الضَّلالَةَ} ، بكسر الواو، لأنّ الجزم يحرّك الى الكسرة العدوى بفتحها حركة إلى أخف الحركات (2).
قوله تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ} [البقرة: 16]، "أي ما ربحت صفقتُهم في هذه المعارضةِ والبيع"(3).
قال قتادة: " قد وَالله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفُرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السُّنة إلى البدعة"(4).
قال الثعلبي: أي: فما ربحوا في تجارتهم" (5).
قال ابن عثيمين: " أي ما زادت تجارتهم، وهي اشتراؤهم الضلالة بالهدى"(6).
قال الطبري: " بشرائهم الضلالةَ بالهدى - خسروا ولم يربحوا، لأن الرابح من التجّار: المستبدِلُ من سلعته المملوكة عليه بدلا هو أنفسَ من سلعته المملوكة أو أفضلَ من ثمنها الذي يبتاعها به. فأما المستبدِلُ من سلعته بدلا دُونها ودونَ الثمن الذي ابتاعها به، فهو الخاسر في تجارته لا شكّ. فكذلك الكافر والمنافق، لأنهما اختارَا الحيرة والعمى على الرشاد والهدى، والخوفَ والرعبَ على الحفظ والأمن"(7).
وقرأ إبراهيم ابن أبي عبلة: {فما ربحت تجاراتهم} بالجمع (8).
قوله تعالى: {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} " أي وما كانوا راشدين في صنيعهم ذلك، لأنهم خسروا سعادة الدارين"(9).
قال الثعلبي: يعني" من الضلالة"(10).
قال الطبري: " ما كانوا رُشداءَ في اختيارهم الضلالةَ على الهدى، واستبدالهم الكفرَ بالإيمان، واشترائهم النفاقَ بالتصديق والإقرار"(11).
قال ابن عثيمين: " أي ما كانوا متصفين بالاهتداء حينما اشتروا الضلالة بالهدى؛ بل هم خاسرون في تجارتهم ضالون في منهجهم"(12).
قال السعدي: " وقوله: {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}، تحقيق لضلالهم، وأنهم لم يحصل لهم من الهداية شيء، فهذه أوصافهم القبيحة"(13).
وفي قوله تعالى: {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [البقرة: 16]، ثلاثة أوجه (14):
أحدها: وما كانوا مهتدين، في اشتراء الضلالة.
والثاني: وما كانوا مهتدين إلى التجارة التي اهتدى إليها المؤمنون.
والثالث: أنه لما كان التاجر قد لا يربح، ويكون على هدى في تجارته، نفى الله عنهم الأمرين من الربح والاهتداء، مبالغة في ذمهم.
(1) أنظر: تفسير الطبري (383)، و (384): ص 1/ 312.
(2)
أنظر: تفسير الثعلبي: 1/ 159.
(3)
صفوة التفاسير: 1/ 31.
(4)
أخرجه الطبري (385): ص 1: 316 - 317.
(5)
تفسير الثعلبي: 1/ 159.
(6)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 60.
(7)
تفسير الطبري: 1/ 315 - 316.
(8)
أنظر: تفسير الثعلبي: 1/ 159.
(9)
صفوة التفاسير: 1/ 31.
(10)
تفسير الثعلبي: 1/ 159.
(11)
تفسير الطبري: 1/ 317.
(12)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 60.
(13)
تفسير السعدي: 1/ 43.
(14)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 79.
الفوائد:
1 من فوائد الآية: بيان سفه هؤلاء المنافقين، حيث اشتروا الضلالة بالهدى.
2 ومنها: شغف المنافقين بالضلال؛ لأنه تبارك وتعالى عبر عن سلوكهم الضلال بأنهم اشتروه؛ والمشتري مشغوف بالسلعة محب لها.
3 ومنها: أن الإنسان قد يظن أنه أحسنَ عملاً وهو قد أساء؛ لأن هؤلاء اشتروا الضلالة بالهدى ظناً منهم أنهم على صواب، وأنهم رابحون، فقال الله تعالى:{فما ربحت تجارتهم} .
4 ومنها: خسران المنافقين فيما يطمعون فيه بالربح؛ لقوله تعالى: (فما ربحت تجارتهم).
5 ومنها: أن المدار في الربح، والخسران على اتباع الهدى؛ فمن اتبعه فهو الرابح؛ ومن خالفه فهو الخاسر؛ ويدل لذلك قوله تعالى:{والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [العصر: 1. 3]، وقوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} [الصف: 10، 11]: تقف على {خير لكم} ؛ لأن {إن كنتم تعلمون} إذا وصلناها بما قبلها صار الخير معلقاً بكوننا نعلم. وهو خير علمنا أم لم نعلم.
6.
ومن فوائد الآية: أن هؤلاء لن يهتدوا؛ لقوله تعالى: {وما كانوا مهتدين} ؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً؛ ولذلك لا يرجعون؛ وهكذا كل فاسق، أو مبتدع يظن أنه على حق فإنه لن يرجع؛ فالجاهل البسيط خير من هذا؛ لأن هذا جاهل مركب يظن أنه على صواب. وليس على صواب.
القرآن
{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17)} [البقرة: 17 - 18]
التفسير:
إن مثل المنافقين في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إلى العمى، كمثل رجل استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله وتأنس بها فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره وصار في ظلام شديد لا يُبصر ولا يهتدي.
قال ابن عباس: " هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يتعزون بالإسلام فينا المسلمين ويقاسمونهم الفيء فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العز كما سلب صاحب النار ضوءه"(1). وروي عن أبي العالية (2)، وعطاء الخراساني (3) مثل ذلك.
قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً} [البقرة: 17]، "أي مثالهم في نفاقهم وحالهم العجيبة فيه كحال شخص أوقد ناراً ليستدفئ بها ويستضيء"(4).
وذكروا في تفسير قوله تعالى: {اسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة: 17]، أربعة أوجه (5):
أحدها: أنه أراد كمثل الذي أوقد، فدخلت السين زائدة في الكلام (6)، وهو قول الأخفش (7).
ومن ذلك قال الشاعر (8):
وَدَاعٍ دَعَا: يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النَّدَى
…
فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ
فقوله: لم يستجبه، أي: لم يجبه.
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (158): ص 1/ 50.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (159): ص 1/ 50.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (160): ص 1/ 50 - 51.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 31.
(5)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 79 - 80.
(6)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 79 - 80.
(7)
انظر "معاني القرآن" للأخفش 1/ 208، "تأويل مشكل القرآن" ص 362، "تفسير الطبري" 1/ 143، "تفسير ابن عطية" 1/ 183، "زاد المسير" 1/ 39، "القرطبي" 1/ 183، "البحر" 1/ 75.
(8)
الشعر لكعب بن سعد الغنوي. الأصمعيات: 14، وأمالي القالي 2: 151، وهي من حسان قصائد الرثاء.
والثاني: أنه أراد استوقد مِنْ غيره ناراً للضياء (1).
والثالث: وقيل: المراد طلب من غيره أن يوقد له (2).
والرابع: وقيل: طلب الوقود وسعى في تحصيله، وهو سطوع النار وأرتفاع لهبها (3).
قال الواحدي: والأول الصحيح" (4). أي بمعنى (أوقد).
و(النار) مشتقة من النور وجمعها نيران، والنار تستعار لكل شدة، فيقال: أوقد نار الفتنة، وألقى بينهم نارا: إذا ألقى عداوة (5).
وقوله {الذي} في قوله: {الذي استوقد نارا} ، المراد به الجماعة، وهو مذهب ابن قتيبة وابن الأنباري، واحتج ابن قتيبة بقول الشاعر (6):
فَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ
…
هُمُ الْقَوْمُ كُلُّ الْقَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ (7)
وقال ابن الأنباري: " (الذي) في هذه الآية، واحد في معنى الجمع (8)، وليس على ما ذكره ابن قتيبة، لأن (الذي) في البيت الذي احتج به جمع واحد (اللذ)، والذي في الآية واحد في اللفظ لا واحد له، ولكن المراد منه الجمع (9).
قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ} [البقرة: 17]، "أي فلما أنارتْ المكان الذي حوله فأبصر وأمِن، واستأنس بتلك النار المشعة المضيئة"(10).
قال مجاهد: " أما إضاءة النار فإقبالهم إلى المؤمنين والهدى"(11).
وروي "عن السدي: {فلما أضاءت ما حوله}، : زعم أن أناسا دخلوا في الإسلام مقدم النبي- صلى الله عليه وسلم المدينة ثم إنهم نافقوا فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة فأوقد نارا فلما أضاءت ما حوله من قذى أو أذى فأبصره حتى عرف ما يتقي منها فبينما هو كذلك إذ أطفئت ناره، فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فذلك المنافق كان في ظلمة الشرك فأسلم فعرف الحلال والحرام، والخير من الشر، فبينما هو كذلك إذ كفر فصار لا يعرف الحلال من الحرام ولا الخير من الشر"(12).
قال أبو عبيد: "أضاءت النار، وأضاءها غيرها"(13).
قال الواحدي: "والنار تضيء في نفسها، وتضيء غيرها من الأشياء، قال الشاعر (14):
(1) أنظر: النكت والعيون: 1/ 79 - 80.
(2)
انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 184، "زاد المسير" 1/ 39.
(3)
انظر: انظر: "تفسير البيضاوي" 1/ 11، "تفسير أبي السعود" 1/ 50، وانظر. "البحر" 1/ 78.
(4)
التفسير البسيط: 2/ 187.
(5)
أنظر: التفسير البسيط: 2/ 187.
(6)
البيت للأشهب بن رميلة، وهو من "شواهد سيبويه"، استشهد به على حذف النون من (الذين) عند طول الصلة. "الكتاب" 1/ 187، وكذا في "المقتضب" 4/ 146، وفي "تأويل مشكل القرآن" ص 361، "تفسير الطبري" 1/ 141، "المنصف" 1/ 67، "زاد المسير" 1/ 40، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 129، (الخزانة) 6/ 25، (شرح المفصل) 3/ 154 - 155، (همع الهوامع) 1/ 68، 4/ 380، "الدر المصون" 1/ 157، "مغني اللبيب" 1/ 194، "البحر المحيط" 1/ 76، "معجم البلدان" 4/ 272، قال ياقوت: فلج: واد بين البصرة وحمى ضرية، وقيل: طريق تأخذ من طريق البصرة إلى اليمامة. وقعت فيه الوقعة التي يصفها الشاعر، هم القوم كل القوم: أي الكاملون في قوميتهم. فاعلمي ذلك وابكي عليهم يا أم خالد.
(7)
انظر "تأويل مشكل القرآن" ص 361، وانظر "الكشاف" 1/ 196، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 20.
(8)
ذكر نحوه الأخفش في "معاني القرآن" 1/ 209، وانظر "زاد المسير" 1/ 39، "الدر المصون" 1/ 156.
(9)
أنظر: التفسير البسيط: 2/ 193 - 194. وقد رد على ابن قتيبة "الطبري" حيث قال: (وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة: أن (الذي) في قوله: {كمثل الذي استوقد نارا} بمعنى (الذين) كما قال جل ثناؤه: {والذي جاء بالصدق وصدق به} [الزمر: 33]. وكما قال الشاعر: فإن الذي
…
البيت (ثم قال: (وقد أغفل قائل ذلك فرق ما بين (الذي) في الآيتين والبيت .... وغير جائز لأحد نقل الكلمة التي هي الأغلب في استعمال العرب على معنى، إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها). "تفسير الطبري" 1/ 141، وانظر "البحر" 1/ 77، "الدر المصون" 1/ 157.
(10)
صفوة التفاسير: 1/ 31.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (161): ص 1/ 51.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (162): ص 1/ 51.
(13)
"تهذيب اللغة"(ضاء) 3/ 2077.
(14)
البيت نسبه بعضهم لأبي الطمحان القيني، وبعضهم للقيط بن زرارة، يقول: إن أحسابهم طاهرة زكية، فدجى الليل تنكشف من نور أحسابهم، حتى إن ثاقب الضوء يسهل نظم الجزع لناظمه، ورد البيت في "الكامل" 3/ 129، "الحماسة بشرح المرزوقي" 4/ 1598، "أمالي المرتضى" 1/ 257، "الشعر والشعراء" ص 475، "الصناعتين" ص 360، "خزانة الأدب" 8/ 95، "اللسان"(خضض) 2/ 1186، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 185. [حاشية التفسير البسيط: 2/ 187 - 188].
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم
…
دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
ويقال: ضاءت النار، وأضاءت، لغتان (1)، وأضاء السبيل إذا وضح، وكل ما وضح فقد أضاء، وأضاءت الشمس وأضاء القمر (2)، والذي في الآية واقع" (3).
قوله تعالى: {ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17]، "أي أطفأهم الله بالكلية، فتلاشت النار وعُدم النور"(4).
قال مجاهد: "ذهاب نورهم: إقبالهم إلى الكفار والضلالة"(5).
وقوله عز وجل: {ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17]، فيه وجهان (6):
أحدهما: نور المستوقِد، لأنه في معنى الجمع، وهذا قول الأخفش.
والثاني: بنور المنافقين، لأن المثل مضروب فيهم، قاله الزجاج (7) والفراء (8)، وإليه ذهب الطبري (9)، وهو قول الجمهور.
وفي ذهاب نورهم، وجوه:
أحدها: إقبالهم إلى الكافرين والضلالة. قاله مجاهد (10)، والربيع (11)، وابن زيد (12)، وروي عن ابن عباس (13) مثل ذلك.
والثاني: ذهب الله بنورهم عند الموت، لأنه لم يكن لها أصل في قلبه. قاله قتادة (14)، وروي عن ابن عباس (15) مثلل ذلك.
وفي المراد بـ {نورهم} وجهان (16)
أحدهما: أنه عَنّى إيمانهم الذي تكلموا به وأظهروه للنبي صلى الله عليه وسلم. قاله الضحاك (17).
والثاني: ذهب الله بنورهم في الآخرة، حتى صار ذلك سمةً لهم يُعْرَفُونَ بها. وهو قول الأصم (18).
قوله تعالى: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَاّ يُبْصِرُونَ} "أي: وأبقارهم في ظلماتٍ كثيفة وخوف شديد، يتخبطون فلا يهتدون"(19).
روي عن ابن عباس: " {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ}، يقول: في عذاب (20) إذا ماتوا"(21).
(1) انظر "الصحاح"(ضوأ) 1/ 60، "تهذيب اللغة"(ضاء) 3/ 2077، "اللسان"(ضوأ) 5/ 2618.
(2)
انظر: "القرطبي" في: "تفسيره" 1/ 185، "زاد المسير" 1/ 39.
(3)
التفسير البسيط: 2/ 187 - 188، وقوله واقع: أي متعد، وقيل: لازم، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 184، "الكشاف" 1/ 198، "زاد المسير" 1/ 39، "البحر المحيط" 1/ 78، "الدر المصون" 1/ 160.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 31.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (163): ص 1/ 51.
(6)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 80.
(7)
أنظر: معاني القرآن: 1/ 59.
(8)
أنظر: معاني القرآن: 1/ 15.
(9)
أنظر: تفسيره: 1/ 342. والمعنى عند "الطبري": فلما أضاءت ما حوله: ذلك أن المنافق لم يزل مستضيئا بضوء القول الذي قاله منافقا في حياته، ثم في يوم القيامة أنطفأ ذلك النور، وقال: الهاء والميم في (بنورهم) عائد على (الهاء والميم) في قوله: (مثلهم) ". وبعضهم قال: (الهاء والميم) تعود على (الذي). انظر: "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 183.
(10)
أنظر: تفسير الطبري (393)، و (394)، و (395): ص 1/ 324، وابن أبي حاتم (163): ص 1/ 51.
(11)
أنظر: تفسير الطبري (396): ص 1/ 324.
(12)
أنظر: تفسير الطبري (397): ص 1/ 324.
(13)
أنظر: تفسير الطبري (386)، و (388): ص 1/ 321 - 322.
(14)
أنظر: تفسير الطبري (390)، و (391): ص 1/ 322 - 323، وابن أبي حاتم (164): ص 1/ 51.
(15)
أنظر: تفسير الطبري (387): 1/ 321.
(16)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 80.
(17)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (165): ص 1/ 51.
(18)
نقله عنه الماوردي في النكت والعيون: 1/ 80.
(19)
صفوة التفاسير: 1/ 31.
(20)
أخرجه الطبري (387): ص 1/ 321.
(21)
أخرجه ابن أبي حاتم (167): ص 1/ 52. بزيادة"إذا ماتوا".
وعنه كذلك: " {لا يُبْصِرُونَ}: أي لا يبصرون الحق يقولون"(1).
وفي قوله: {وَتَرَكَهُمْ في ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ} [البقرة: 17]، قولان (2):
أحدهما: معناه لم يأتهم بضياء يبصرون به.
والثاني: أنه لم يخرجهم منه، كما يقال تركته في الدار، إذا لم تَخرجْهُ منها، وكأنَّ ما حصلوا فيه من الظلمة بعد الضياء أسوأ حالاً، لأن من طُفِئَت عنه النار حتى صار في ظلمة، فهو أقل بصراً ممن لم يزل في الظلمة، وهذا مَثَل ضربه الله تعالى للمنافقين.
وفيما كانوا فيه من الضياء، وجعلوا فيه من الظلمة قولان (3):
أحدهما: أن ضياءهم دخولهم في الإسلام بعد كفرهم، والظلمة خروجهم منه بنفاقهم. روي نحوه عن ابن مسعود (4)، والضحاك (5).
والثاني: أن الضياء يعود للمنافقين بالدخول في جملة المسلمين، والظلمة زوالُهُ عنهم في الآخرة، وهذا قول ابنِ عباسٍ (6) وقتادةَ (7) وروي عن الحسن (8) مثل لك.
وقوله تعالى: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ} : إذ جمعها لتضمنها ظلمات عديدة (9):
1 -
ظلمة الليل؛ لأن استيقاد النار للإضاءة لا يكون إلا في الليل؛ لأنك إذا استوقدت ناراً بالنهار فإنها لا تضيء.
2 -
ظلمة الجو إذا كان غائماً.
3 -
الظلمة التي تحدث بعد فقد النور؛ فإنها تكون أشد من الظلمة الدائمة؛ و (لَا يُبْصِرُونَ) تأكيد من حيث المعنى لقوله تعالى: (فِي ظُلُمَاتٍ) دال على شدة الظلمة (10).
قال ابن كثير: ضرب الله للمنافقين هذا المثل، "فشبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إِلى العمى، بمن استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها، وتأنس بها وأبصر ما عن يمينه وشماله، فبينا هو كذلك إِذْ طفئت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يبصر ولا يهتدي، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضاً عن الهدى، واستحبابهم الغيَّ على الرشد، وفي هذا المثل دلالةً على أنهم آمنوا ثم كفروا"(11)، ولذلك ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات الشك والكفر والنفاق لا يهتدون إِلى سبيل خير، ولا يعرفون طريق النجاة (12).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: بلاغة القرآن، حيث يضرب للمعقولات أمثالاً محسوسات؛ لأن الشيء المحسوس أقرب إلى الفهم من الشيء المعقول؛ لكن من بلاغة القرآن أن الله تعالى يضرب الأمثال المحسوسة للمعاني المعقولة حتى يدركها الإنسان جيداً، كما قال تعالى:{وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} [العنكبوت: 43].
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (171): ص 1/ 52.
(2)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 80.
(3)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 80.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (388): ص 1/ 322.
(5)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (169): ص 1/ 52، ونحوه في تفسير الطبري (392): ص 1/ 323.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (378): ص 1/ 321.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (391): ص 1/ 323.
(8)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (170): ص 1/ 52.
(9)
ينظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 56.
(10)
ينظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 56.
(11)
تفسير ابن كثير: 1/ 187.
(12)
أنظر: صفوة التفاسير: 1/ 31.
2 ومنها: ثبوت القياس، وأنه دليل يؤخذ به؛ لأن الله أراد منا أن نقيس حالهم على حال من يستوقد؛ وكل مثل في القرآن فهو دليل على ثبوت القياس.
3 ومنها: أن هؤلاء المنافقين ليس في قلوبهم نور؛ لقوله تعالى: {كمثل الذي استوقد ناراً} ؛ فهؤلاء المنافقون يستطعمون الهدى، والعلم، والنور؛ فإذا وصل إلى قلوبهم. بمجرد ما يصل إليها. يتضاءل، ويزول؛ لأن هؤلاء المنافقين إخوان للمؤمنين من حيث النسب، وأعمام، وأخوال، وأقارب؛ فربما يجلس إلى المؤمن حقاً، فيتكلم له بإيمان حقيقي، ويدعوه، فينقدح في قلبه هذا الإيمان، ولكن سرعان ما يزول.
4 ومن فوائد الآيتين: أن الإيمان نور له تأثير حتى في قلب المنافق؛ لقوله تعالى: {فلما أضاءت ما حوله} : الإيمان أضاء بعض الشيء في قلوبهم؛ ولكن لما لم يكن على أسس لم يستقر؛ ولهذا قال تعالى في سورة المنافقين. وهي أوسع ما تحدَّث الله به عن المنافقين: {ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم} [المنافقون: 3].
5 ومنها: أنه بعد أن ذهب هذا الضياء حلت الظلمة الشديدة؛ بل الظلمات.
6 ومنها: أن الله تعالى جازاهم على حسب ما في قلوبهم: {ذهب الله بنورهم} ، كأنه أخذه قهراً.
فإن قال قائل: أليس في هذا دليل على مذهب الجبرية؟
فالجواب: لا؛ لأن هذا الذي حصل من رب العباد عز وجل بسببهم؛ وتذكَّر دائماً قول الله تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5]. حتى يتبين لك أن كل من وصفه الله بأنه أضله فإنما ذلك بسبب منه
7 ومن فوائد الآيتين: تخلي الله عن المنافقين؛ لقوله تعالى: [وتركهم]
ويتفرع على ذلك: أن من تخلى الله عنه فهو هالك. ليس عنده نور، ولا هدًى، ولا صلاح؛ لقوله تعالى:(وتركهم في ظلمات لا يبصرون)
القرآن
{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)} [البقرة: 18]
التفسير:
هم صُمٌّ عن سماع الحق سماع تدبر، بُكْم عن النطق به، عُمْي عن إبصار نور الهداية؛ لذلك لا يستطيعون الرجوع إلى الإيمان الذي تركوه، واستعاضوا عنه بالضلال.
قوله تعالى: {صُمٌّ} [البقرة: 18]، "أي هم كالصم لا يسمعون خيراً"(1).
قال ابن عباس: " لا يسمعون الهدى"(2). وروي نحوه عن السدي (3)، وقتادة (4)، وأبي مالك (5).
و(الصمم) في كلام العرب: الانسداد، يقال: قناة صماء إذا لم تكن مجوفة، وصممت القارورة إذا سددتها. فالأصم: من انسدت خروق مسامعه. والأبكم: الذي لا ينطق ولا يفهم، فإذا فهم فهو الأخرس. وقيل: الأخرس والأبكم واحد. ويقال: رجل أبكم وبكيم، أي أخرس بين الخرس والبكم، (6) قال الشاعر (7):
فليت لساني كان نصفين منهما
…
بكيم ونصف عند مجرى الكواكب
قوله تعالى: {بُكْمٌ} [البقرة: 18]، " أي" كالخرص لا يتكلمون بما ينفعهم" (8).
قال قتادة: " بكم عنه [أي الحق]، فهم لا ينطقون به"(9).
وقال أبو مالك: ، قوله:{بكم} ، يعني خرسا عن الكلام بالإيمان، فلا يستطيعون الكلام" (10).
(1) صفوة التفاسير: 1/ 31.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (172): ص 1/ 52.
(3)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (173): ص 1/ 53.
(4)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (174): ص 1/ 53.
(5)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (175): ص 1/ 53.
(6)
انظر: اللسان معجم مقاييس اللغة مادة (بكم).
(7)
البيت للحصين بن الحمام، ورد في معجم مقاييس اللغو: مادة (بكم)، وانظر: سيرة ابن هشام: 1/ 92، وبكيم: أخرس. ومجرى الكواكب: فلكها الذي تدور فيه.
(8)
صفوة التفاسير: 1/ 31.
(9)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (174): ص 1/ 52.
(10)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (175): ص 1/ 53.
قوله تعالى: {عُمْيٌ} [البقرة: 18]، "أي: كالعمي لا يبصرون الهدى ولا يتبعون سبيله" (1).
قال ابن عباس: "لا يبصرونه"(2). أي الهدى. وروي نحوه عن السدي (3)، وقتادة" (4).
والعمى: ذهاب البصر، وقد عمي فهو أعمى، وقوم عمي، وأعماه الله، وتعامى الرجل: أرى ذلك من نفسه. وعمي عليه الأمر إذا التبس، ومنه قوله تعالى:{فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ} [القصص: 66](5).
وليس الغرض مما ذكرناه نفي الإدراكات عن حواسهم جملة، وإنما الغرض نفيها من جهة ما، تقول: فلان أصم عن الخنا، كما قالوا (6):
أصم عما ساءه سميع
أي: لا يسمع ما ساءه مع كونه سميعا، يضرب مثلا للرجل يتغافل عما يكره.
وقال آخر (7):
وَعَوْرَاءُ اللِّئَامِ صَمَمْتُ عَنْهَا
…
وَإِنِّي لَوْ أَشَاءُ بِهَا سَمِيعُ
وقال مسكين الدارمي (8):
أَعْمَى إِذَا مَا جَارَتِي خَرَجَتْ
…
حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي السِّتْرُ
وَأَصَمُّ عَمَّا كَانَ بَيْنَهُمَا
…
سَمْعِي وَمَا بِالسَّمْعِ مِنْ وَقْرِ
فوصف نفسه لتركه النظر والاستماع بالعمى والصمم.
قوله تعالى: {فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ} [البقرة: 18]، "أي: لا يرجعون عما هم فيه من الغي والضلال" (9).
قال الثعلبي: أي: " عن الضلالة والكفر الى الهداية والإيمان"(10).
قال ابن عثيمين: " الفاء هذه عاطفة، لكنها تفيد السببية، أي: بسبب هذه الأوصاف الثلاثة لا يرجعون عن غيِّهم؛ فلا ينتفعون بسماع الحق، ولا بمشاهدته، ولا ينطقون به"(11).
وتعددت عبارات أهل التفسير في قوله تعالى: {فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ} [البقرة: 18] على وجوه:
أحدها: معناه: " لا يرجعون إلى هدى" قاله ابن عباس (12). وكذلك فسره الربيع بن أنس (13)، والسدي (14).
والثاني: معناه: " أي لا يتوبون ولا يذكرون"(15).
قال ابن كثير: " أي لا يرجعون الى الهدى والاسلام (16)، لأنهم تركوا الحق بعد أن عرفوه، فلا يرجعون، بخلاف من ترك الحق عن جهل وضلال كالنصارى ونحوهم، فإنه لا يعقل، وهو أقرب رجوعاً منهم (17).
(1) صفوة التفاسير: 1/ 31.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (172): ص 1/ 52.
(3)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (173): ص 1/ 52.
(4)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (174)، و (176): ص 1/ 52. ولفظه: " عمي عنه [أي الحق]، فهم لا يبصرونه".
(5)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 214.
(6)
انظر: مجمع الأمثال، أبو هلال العسكري:76.
(7)
حماسة البحترى: 172. (وعوراء الكلام)، وكانت في المخطوطة: و (عوراء اللام)، وكأن الصواب ما في الحماسة. و (العوراء)، الكلمة القبيحة، أو التي تهوى جهلا في غير عقل ولا رشد.
(8)
أمالي المرتضى 1: 43: 44 ثم 474، من قصيدة رواها وشرحها، وخزانة الأدب 1: 468، وصواب رواية البيت الأول:(جارتى الخدر)، لأن قبله: ما ضر جارى إذ أجاوره أن لا يكون لبيته ستر، ورواية الشطر الثاني:(سمعى، وما بى غيره وقر)، بغير إقواء.
(9)
صفوة التفاسير: 1/ 31.
(10)
تفسير الثعلبي: 1/ 161.
(11)
تفسير الثعلبي: 1/ 161.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (177): ص 1/ 53 ..
(13)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ص 1/ 53.
(14)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (178): ص 1/ 53. ولفظه: " فهم لا يرجعون إلى الإسلام".
(15)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (179): ص 1/ 53.
(16)
ينظر تفسير ابن كثير: 1/ 189.
(17)
تفسير السعدي: 1/ 44.
وفي قراءة عبد الله بن مسعود وحفصة: {صماً بكماً عمياً} ، فيجوز النصب على الذم، كما قال تعالى:{مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا} [الأحزاب: 61]، وكما قال:{وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} [المسد: 4]، ومن ذلك قول عروة بن الورد (1):
سقوني الخمر ثم تكنفوني
…
عداة الله من كذب وزور
فنصب "عداة الله" على الذم. فالوقف على "يبصرون" على هذا المذهب صواب حسن. ويجوز أن ينصب صما بـ {تركهم} ، كأنه قال: وتركهم صما بكما عميا، فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على "يبصرون"(2).
الفوائد:
1 -
ومن فوائد الآية: أن هؤلاء المنافقين أصم الله تعالى آذانهم، فلا يسمعون الحق؛ ولو سمعوا ما انتفعوا؛ ويجوز أن يُنفى الشيء لانتفاء الانتفاع به، كما في قوله تعالى:{ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} (الأنفال: 21)
2 -
ومنها: أن هؤلاء المنافقين لا ينطقون بالحق. كالأبكم.
3 -
ومنها: أنهم لا يبصرون الحق. كالأعمى.
4 -
ومنها: أنهم لا يرجعون عن غيِّهم؛ لأنهم يعتقدون أنهم محسنون، وأنهم صاروا أصحاباً للمؤمنين، وأصحاباً للكافرين: هم أصحاب للمؤمنين في الظاهر، وأصحاب للكافرين في الباطن؛ ومن استحسن شيئاً فإنه لا يكاد أن يرجع عنه.
القرآن
التفسير:
أو تُشْبه حالُ فريق آخر من المنافقين يظهر لهم الحق تارة، ويشكون فيه تارة أخرى، حالَ جماعة يمشون في العراء، فينصب عليهم مطر شديد، تصاحبه ظلمات بعضها فوق بعض، مع قصف الرعد، ولمعان البرق، والصواعق المحرقة، التي تجعلهم من شدة الهول يضعون أصابعهم في آذانهم؛ خوفًا من الهلاك، والله تعالى محيط بالكافرين لا يفوتونه ولا يعجزونه.
قوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} [البقرة: 19]، "أي أو مثلهم في حيرتهم وترددهم كمثل قومٍ أصابهم مطر شديد، أظلمت له الأرض، وأرعدت له السماء، مصحوبٍ بالبرق والرعد والصواعق"(3).
واختلف في قوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} [البقرة: 19]، على قولين:
أحدهما: أنه المطر: قاله ابن عباس (4). قال ابن أبي حاتم: "وكذلك فسره أبو العالية والحسن وسعيد بن جبير (5) ومجاهد (6)، وعطاء وعطية العوفي، وقتادة (7)، وعطاء الخراساني والسدي والربيع بن أنس"(8).
والثاني: أنه: السحاب. قاله الضحاك (9)، ومنه قول علقمة بن عبدة (10):
كَأَنَهَّمُ صَابَتْ عَلَيْهِمْ سَحَابَةٌ
…
صَوَاعِقُهَا لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ
فَلا تَعْدِلِي بَيْنِي وَبَيْنَ مُغَمِّرٍ
…
سُقِيتِ غَوَادِي الْمُزنِ حِينَ تَصُوبُ
(1) ديوانه ط بيروت ص 32 برواية: " سقوني النسء " يقال لكل مسكر نسء.
(2)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 214.
(3)
صفوة التفاسير: 1/ 31.
(4)
أنظر: ابن أبي حاتم (180): ص 1/ 54.
(5)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 54.
(6)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 54.
(7)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 54.
(8)
أنظر: تفسير ابن أبي حان: ص 1/ 54.
(9)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (181): ص 1/ 54.
(10)
ديوانه: 29، ط. دار صادر، 1996. أي أنّ الطير التي لم تستطع أن تطير فزعاً ورعباً دبّت دبيباً تطلب النجاة.
و (السماء): كل ما علاك فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت: سماء. والسماء: المطر، سمي به لنزوله من السماء. قال حسان بن ثابت:(1)
ديار من بني الحَسْحَاس قَفْر
…
تُعفِّيها الرَّوامِسُ والسماءُ
فقوله: السماء: أي المطر.
وقال معاوية بن مالك (2):
إذا سقط السماءُ بأرض قوم
…
رَعَيْناهُ وإن كانوا غِضابا
أراد للسماء المطر، لقربه من السماء (3).
ويسمى الطين والكلأ أيضا سماء، يقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم، يريدون الكلأ والطين، ويقال لظهر الفرس أيضا سماء لعلوه، وينسب لطفيل الغنوي (4):
وأحمرَ كالدِّيباج أما سماؤُه
…
فرَيَّا وأما أرضه فمُحُولُ
والسماء: ما علا. والأرض: ويعبر بها عن أسفل الشيء، كما يعبر بالسماء عن أعلاه.
قوله تعالى: {فِيهِ ظُلُمَاتٌ} [البقرة: 19]، "أي في ذلك السحاب ظلماتٌ داجية"(5).
واختلف في قوله تعالى: {فِيهِ ظُلُمَاتٌ} [البقرة: 19]، على أوجه:
أحدهما: فيه ابتلاء. قاله ابن عباس (6).
والثاني: "أي هم في ظلمة ما هم فيه من الكفر والحذر من القتل- على الذي هم عليه من الخلاف والتخوف لكم، على مثل ما وصف من الذي هو في ظلمة الصيب". قاله ابن عباس (7).
والثالث: الظلمة، والضلالة. قاله الضحاك (8).
قوله تعالى: {وَرَعْدٌ} [البقرة: 19]، أي:" ورعدٌ قاصف"(9).
وفي تفسير قوله تعالى {وَرَعْدٌ} [البقرة: 19] ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الرعد: التخويف. قاله. ابن عباس (10).
والثاني: إن الرعد ريح. قاله أبو الجلد (11).
(1) ديوان حسّان بن ثابت، وليد عرفات: 1/ 80. بنو الحسحاس: قوم من العرب ، أولاد الحسحاس بن مالك بن عدي بن النجار. قال ابن فارس: الحسحاس: الرجل الجواد ، والروامس: الرياح التي ترمس الآثار فتسوي بها الأرض ، والسماء: المطر.
(2)
المفضليات، المفضل الضبي، تحقيق: احمد شاكر وعبدالسلام محمد هارون، دار المعارف/ مصر، ط 6، 1979: ص 359.
(3)
تكررت لفظة (السماء) بالإفراد في القرآن الكريم (120) مرة:
1 -
منها ثمان وثلاثون (38) يفهم من مدلولها الغلاف الغازي للأرض بسحبه ورياحه وكسفه؛ كما في قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164]، علماً بأن السحاب يتحرك في نطاق المناخ الذي لا يتعدي سمكه (16) كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر عند خط الاستواء، والذي يحوي أغلب مادة الغلاف الغازي للأرض (75% بالكتلة) والقرآن الكريم يشير إلي إنزال الماء من السماء في أكثر من آية، وواضح أن المقصود بالسماء هنا هو السحاب أو النطاق المحتوي علي السحاب والمعروف علميا بنطاق المناخ.
2 -
واثنتان وثمانون (82) آية يفهم منها أن المراد السماء الدنيا غالباً، التي تحوي النجوم والكواكب، ومن ذلك قوله تعالى:{إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} [الصافات: 6]. [للاستزادة في الموضوع راجع: مقال ("والسماء ذات الرجع" في ضوء علوم الفضاء) للأستاذ الدكتور مسلم شلتوت أستاذ بحوث الشمس والفضاء بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية بحلوان، ومقال "والسماء ذات الرجع" أ. د زغلول النجار].
(4)
البيت لطفيل الغنوي، وهو في ملحقات شعره ص 62؛ وشمس العلوم 1/ 72. وعجزه في المجمل 2/ 92.
(5)
صفوة التفاسير: 1/ 31.
(6)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (182): ص 1/ 54.
(7)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (183): ص 1/ 54.
(8)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (184): ص 1/ 54.
(9)
صفوة التفاسير: 1/ 31.
(10)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (186): ص 1/ 55.
(11)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (187): ص 1/ 55، وتفسير الطبري (437)، و (438): ص 1/ 341 - 342.
والثالث: أنه مَلَكٌ ينعق بالغيث، كما ينعق الراعي بغنمه، فَسُمِّيَ الصوتُ رعداً باسم ذلك المَلك، قاله أبو خطاب البصري (1)، وابن عباس (2)، ومجاهد (3)، وعكرمة (4)، والخليل، وروي عن أبي صالح (5) وقتادة (6)، وعلي بن أبي طالب (7)، مثل ذلك.
و(الرعد)(8): هو الصوت الذي يسمع من السحاب، وروي "أنه ملك يسوق السّحاب"(9)، وقيل رَعَدَتِ السّماءُ وبرقت، وأَرْعَدَتْ وأبرقت، ويكنّى بهما عن التّهدّد. ويقال: صلف تحت رَاعِدَةٍ (10): لمن يقول ولا يحقّق. والرِّعْدِيدُ: المضطرب جبنا، وقيل: أُرْعِدَتْ فرائصه خوفا (11).
قوله تعالى: {وبرقٌ} [البقرة: 19]، أي:" وبرقٌ خاطف"(12).
قال ابن زيد: " هذا أيضًا مثلٌ ضربه الله للمنافقين، كانوا قد استناروا بالإسلام، كما استنارَ هذا بنور هذا البرق"(13).
وقال عطاء: " مثَل ضُرِبَ للكافر"(14).
قال الضحاك: "البرق فالإيمان. عني بذلك أهل الكتاب"(15).
وفي تفسير (البرق) أقوال:
أحدهما: أن البرق ماء. قاله ابن عباس (16).
والثاني: أن البرق مخاريق الملائكة. قاله. علي (17)، وابن عباس (18)، وروي عن أبي هريرة (19) والربيع (20)، وكعب (21) ومجاهد (22)، وابن جريج (23)، مثل ذلك.
والثالث: وقيل: هو سوطٌ من نور يُزجي به الملكُ السحابَ. قاله ابن عباس (24).
قال الطبري: " وقد يحتمل أن يكون ما قاله علي بن أبي طالب وابن عباس ومجاهد بمعنى واحد. وذلك أن تكون المخاريقُ التي ذكر عليّ رضي الله عنه أنها هي البرق، هي السياط التي هي من نور، التي يُزجي
(1) أنظر: تفسير الطبري (423): ص 1/ 339.
(2)
أنظر: تفسير الطبري (424)، (425)، و (426)، و (427)، و (434)، و (436): ص 1/ 339 - 341.
(3)
أنظر: تفسير الطبري (419)، و (420)، و (421)، و (429)، و (432): ص: 1/ 338 - 340.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (429)، و (431)، و (435): ص 1/ 340 - 341.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (422): ص 1/ 338.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (430): ص 1/ 340.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (433): ص 1/ 340.
(8)
ينظر: المفردات في غريب القرآن، الراغب:357.
(9)
أخرجه أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي وغيرهم عن ابن عباس قال: أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء
…
ثم قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: ملك من ملائكة الله موكّل بالسحاب، بيده مخراق من نار، يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمره الله
…
إلخ. انظر: الدر المنثور 4/ 621، وعارضة الأحوذي 11/ 284 وقال الترمذي حسن غريب، ومسند أحمد 1/ 274.
(10)
هذا مثل يقال للذي يكثر الكلام ولا خير عنده. انظر: المجمل 2/ 385، والمستقصى 2/ 96.
(11)
ينظر: المجمل 2/ 385.
(12)
صفوة التفاسير: 1/ 31.
(13)
أخرجه الطبري (462): ص 1/ 351.
(14)
أخرجه الطبري (464): ص 1/ 351.
(15)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (195): ص 1/ 55، وتفسير الطبري (460): ص 1/ 350.
(16)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (188): ص 1/ 55. وتفسير الطبري (443)، و (444): ص 1/ 343، وفي رواية اخرى عنه عند ابن أبي حاتم: (189): ص 1/ 55: " البرق من تلالؤ الماء".
(17)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (190): ص 1/ 55، وتفسير الطبري (439): ص 1/ 342 - 343.
(18)
تفسير الطبري (440): ص 1/ 343.
(19)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (191): ص: 1/ 56.
(20)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (192): ص: 1/ 56.
(21)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (193): ص: 1/ 56.
(22)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (194): ص: 1/ 56.
(23)
أنظر: تفسير الطبري (450): ص 1/ 344.
(24)
أنظر: تفسير الطبري (442): ص 1/ 343.
بها الملك السحاب، كما قال ابن عباس. ويكون إزجاء الملك بها السحاب، مَصْعَه إياه، وذلك أن المِصَاعَ عند العرب، أصله: المجالَدَةُ بالسيوف، ثم تستعمله في كل شيء جُولد به في حرب وغير حرب، كما قال أعشى بني ثعلبة، وهو يصف جَواريَ يلعبن بِحلْيهنَّ ويُجالدْن به (1):
إِذَا هُنَّ نَازَلْنَ أَقَرَانَهُنَّ
…
وَكَانَ الْمِصَاعُ بِمَا فِي الْجُوَنْ
يقال منه: ماصَعه مصاعًا. وكأن مجاهدًا إنما قال: " مَصْعُ ملك "، إذْ كان السحاب لا يماصع الملك، وإنما الرعد هو المماصع له، فجعله مصدرًا من مَصَعه يَمْصَعه مَصِْعًا" (2).
و(البرق): وهو الضوء اللامع المشاهد مع السحاب (كصيب) الصيب المطر، وبَرَقَ يقال في كل ما يلمع، نحو: سيف بَارِقٌ، وبَرَقَ وبَرِقَ يقال في العين إذا اضطربت وجالت من خوف قال عز وجل:(فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ)[القيامة/ 7]، وقرئ:(برق)(3)، وتصوّر منه تارة اختلاف اللون فقيل البُرْقَة للأرض ذات حجارة مختلفة الألوان، والأبرق: الجبل فيه سواد وبياض، وسمّوا العين بَرْقَاء لذلك، وناقة بَرُوق: تلمع بذنبها، والبَرُوقَة: شجرة تخضر إذا رأت السحاب، وهي التي يقال فيها: أشكر من بروقة (4).
وبَرَقَ طعامه بزيت: إذا جعل فيه قليلا يلمع منه، والبارقة والأُبَيْرِق: السيف، للمعانه، والبُرَاق، قيل: هو دابة ركبها النبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا عرج به، والله أعلم بكيفيته، والإِبْريق معروف، وتصوّر من البرق ما يظهر من تجويفه، وقيل: بَرَقَ فلان ورعد، وأَبْرَقَ وأرعد: إذا تهدّد (5).
قوله تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم مِّنَ الصواعق} [البقرة: 19]، "أي يضعون رءوس أصابعهم في آذانهم لدفع خطر الصواعق، وذلك من فرط الدهشة والفزع كأنهم يظنون أن ذلك ينجيهم"(6).
قال ابن مسعود: " وكان المنافقون إذا حضروا مجلسَ النبي صلى الله عليه وسلم جعلوا أصابعهم في آذانهم، فَرَقًا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، أن يَنزِل فيهم شيء أو يُذكَروا بشيء فيقتَلوا"(7).
قوله تعالى: {حَذَرَ الموت} [البقرة: 19]، أي خشية الموت من تلك الصواعق المدمرة" (8).
قال الثعلبي: أي: مخافة الموت" (9).
قال القاسمي: أي: خوف الموت من سماعها" (10).
قوله تعالى: {والله مُحِيطٌ بالكافرين} [البقرة: 19]، "أي والله تعالى محيط بهم بقدرته، وهم تحت إرادته ومشيئته لا يفوتونه، كما لا يفوتُ من أحاط به الأعداء من كل جانب"(11).
قال القاسمي: " علما وقدرة فلا يفوتونه"(12).
قال الواحدي: " والله مهلكهم وجامعهم في النار"(13).
(1) ديوانه: 15، قال المحقق:"وزعم الطبري كما ترى أنه أراد جواري يلعبن بحليهن ويجالدن بها. وقد أخطأ المعنى. وإنما أراد الأعشى ما هو أبلغ. وذلك أن الأقران جمع قرن: وهو الذي يقارنك في القوة والشجاعة، وأراد به الرجال، وينازلن: أراد ما يكون منهن من المداعبة والممارسة إرادة الغلبة على عقول الرجال وعزائمهم. والجون، جمع جونة: وهي سلة صغيرة مستديرة مغشاة بالأدم يكون فيها الطيب. ويقال أيضًا: " جؤنة وجؤن " بالهمز. وذكر الأعشى المعركة القديمة الدائرة بين الرجال والنساء، يتخذن الزينة والطيب سلاحًا، فيتصدين للرجال ابتغاء الظفر والغلبة، والفتنة التي تصرع الألباب والعزائم، فيقع الرجال أسرى في أيديهن ". [حاشية تفسير الطبري: 1/ 346].
(2)
تفسير الطبري: 1/ 345 - 346.
(3)
وهي قراءة نافع وأبي جعفر المدنيّين. انظر: الإتحاف ص 428.
(4)
انظر: المثل في المجمل 1/ 121، وأساس البلاغة ص 20، ومجمع الأمثال 1/ 388.
(5)
انظر: مفردات غريب القرآن، الراغب:119.
(6)
صفوة التفاسير: 1/ 31.
(7)
أخرجه الطبري (452): ص 1/ 346.
(8)
صفوة التفاسير: 1/ 31.
(9)
تفسير الثعلبي: 1/ 164.
(10)
محاسن التأويل: 1/ 259.
(11)
صفوة التفاسير: 1/ 31.
(12)
محاسن التأويل: 1/ 259.
(13)
التفسير البسيط: 2/ 209، وذكره "الطبري" عن مجاهد انظر "الطبري" في "تفسيره" 1/ 158، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 55 أ، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 193، في تفسيره والبغوي 1/ 70، (أضواء البيان) 1/ 114.
وقال الثعلبي: " أي عالم بهم، يدل عليه قوله: وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً} [الطلاق: 12] "(1).
و(الإحاطة)، تستعمل بمعان عديدة، منها (2):
أحدها: العلم، كقوله:{أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12] أي: لم يشذ عن علمه شيء (3).
والثاني: القدرة، كأن قدرته أحاطت بهم (4)، فلا محيص لهم عنه.
والثالث: الهلاك، أُحِيط بفلان، إذا دنا هلاكه، وهو محاط به، قال الله تعالى:{وَأُحِيطَ بثَمَرِهِ} [الكهف: 42]، أي: أصابه ما أهلكه وأفسده (5). ومنه قوله: وله: {إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} [يوسف: 66] أي تهلكوا جميعاً (6).
وفي تشبيه المثل في هذه الآية أقاويل (7):
أحدها: أنه مَثَلٌ للقرآن، شُبِّهَ المطرُ المُنَزَّلُ من السماء بالقرآن، وما فيه من الظلمات بما في القرآن من الابتلاء، وما فيه من الرعد بما في القرآن من الزجر، وما فيه من البرق بما في القرآن من البيان، وما فيه من الصواعق بما في القرآن من الوعيد الآجل، والدعاء إلى الجهاد في العاجل، وهذا المعنى عن ابن عباس (8).
والثاني: أنه مَثَلٌ، لما يخافونه من وعيد الآخرة لشكهم في دينهم، وما فيه من البرق بما في إظهار الإسلام من حقن دمائهم ومناكحهم ومواريثهم، وما فيه من الصواعق بما في الإسلام من الزواجر بالعقاب في العاجل والآجل.
والثالث: أنه ضَرَبَ الصيِّب مَثَلاً بظاهر إيمان المنافق، ومثل ما فيه من الظلمات بضلالته، وما فيه من البرق بنور إيمانه، وما فيه من الصواعق بهلاك نفاقه. قاله ابن عباس (9).
وقد اختلف العلماء في هذا المثل، هل هو لطائفتين من المنافقين أم لطائفة واحدة (10):
القول الأول: ذهب بعض العلماء إلى أن (أو) هنا بمعنى الواو، فالمعنى على هذا أن للمنافقين مثلين، مثل الذي استوقد ناراً، ومثل أصحاب الصيب، وكون (أو) تأتي بمعنى (الواو) صحيح كما في قوله تعالى:{فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} [الإنسان: 24].
الثول الثاني: وذهب البعض إلى أن (أو) هنا للتنويع، فمن المنافقين من مثله مثل الذي استوقد ناراً، ومنهم من مثله كمثل أصحاب الصيب، والذي يؤيد هذا القول أن المنافقين أصناف، والكفار أصناف.
وقوله تعالى: {فِيهِ ظُلُمَاتٌ} ، أي: ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة المطر (11).
الفوائد:
1.
من فوائد الآية: تهديد الكفار بأن الله محيط بهم؛ لقوله تعالى: {والله محيط بالكافرين} .
2.
إن عدم التفات الكفار للنفع الحقيقي، وهو منهج الله، لا يعطيهم قدرة الإفلات من قدرة الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة.
القرآن
التفسير:
(1) تفسير الثعلبي: 1/ 164.
(2)
أنظر: التفسير البسيط: 2/ 209 - 210.
(3)
انظر "الصحاح"(حوط) 3/ 1121، والبغوي في "تفسيره" 1/ 70.
(4)
انظر "تفسير الثعلبي" 1/ 55 أ، و"الطبري" في تفسيره 1/ 158.
(5)
"تهذيب اللغة"(حاط) 1/ 707.
(6)
أنظر: تفسير الثعلبي: 1/ 55.
(7)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 82 - 83.
(8)
أنظر: تفسير الطبري (454): ص 1/ 347، وانظر:"تفسير أبي الليث" 1/ 100، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 192.
(9)
أنظر: تفسير الطبري (453): ص 1/ 346.
(10)
تفسير الطبري: 1/ 336.
(11)
أنظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 66.
يقارب البرق -من شدة لمعانه- أن يسلب أبصارهم، ومع ذلك فكلَّما أضاء لهم مشَوْا في ضوئه، وإذا ذهب أظلم الطريق عليهم فيقفون في أماكنهم. ولولا إمهال الله لهم لسلب سمعهم وأبصارهم، وهو قادر على ذلك في كل وقتٍ، إنه على كل شيء قدير.
قوله تعالى: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} [البقرة: 20]، "أي يقارب البرقُ لشدته وقوته وكثرة لمعانه أن يذهب بأبصارهم فيأخذها بسرعة"(1).
قال ابن كثير: " أي: لشدته وقوته في نفسه، وضعف بصائرهم، وعدم ثباتها للإيمان"(2).
وقال ابن عطية: "كاد حجج القرآن وبراهينه وآياته الساطعة تبهرهم"(3).
قال ابن عباس: " يكاد الإيمان يدخل في قلوبهم"(4).
وعنه أيضا: ": "يكاد مُحْكَمُ القرآن يدل على عورات المنافقين" (5).
و(الخطف): الأخذ بسرعة، ومنه سمي الطير خطافا لسرعته، فمن جعل القرآن مثلا للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب أبصارهم. ومن جعله مثلا للبيان الذي في القرآن فالمعنى أنهم جاءهم من البيان ما بهرهم (6).
وقوله تعالى: {يَخْطَفُ} [البقرة: 20]، فيه وجهان من القراءة (7):
أحدهما: {يخْطَف} ، بفتح الطاء، قرأ بها علي بن الحسين ويحيى بن وثاب والحسن، وهي اللغة الجيدة.
والثاني: {يخْطِف} بكسر الطاء، قرأ بها يونس، قال الأخفش:" وهي قليلة رديئة لا تكاد تعرف"(8).
قال أبو علي: "حدثنا أحمد بن موسى: قال: اتفقوا على يَخْطَفُ [البقرة: 20]، أنّ طاءه مفتوحة"(9).
قوله تعالى: {كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْا فِيهِ} [البقرة: 20]، "أي كلما أنار لهم البرق الطريق مشوا في ضوئه"(10).
قال الراغب: كلما" رأوا لامعاً لهم إما راشدا تدركه بصائرهم وإما رفداً ينفعهم اهتزوا له، فمضوا بنوره"(11).
قال ابن كثير: " أي كلما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا به واتبعوه"(12).
قال الواحدي: كلما" كثرت الغنائم، وأصابوا الخير، رضوا به"(13).
قال ابن عباس: "إذا قرئ عليهم شيء من القرآن مما يحبون صدقوا"(14).
وعنه أيضا: " كلما أصابَ المنافقون من الإسلام عِزًّا اطمأنوا"(15).
وروي عن ابن مسعود: " فإذا كثرت أموالهم، ووُلد لهم الغلمان، وأصابوا غنيمةً أو فتحًا، مشوْا فيه، وقالوا: إن دين محمد صلى الله عليه وسلم دينُ صدق. فاستقاموا عليه"(16).
وقال قتادة: هو المنافق إذا كثر ماله وأصاب رخاء وعافية قال للمسلمين: أنا معكم وعلى دينكم، وإذا أصابته النوائب قام متحيرا؛ لأنه لا يحتسب أجرها" (17).
قال الواحدي: " كأصحاب الصيب إذا أضاء لهم البرق فأبصروا الطريق مشوا، فإذا عادت الظلمة وقفوا متحيرين"(18).
وقرأ ابن أبي عبلة: {كلما ضاء} ، بغير همز، وهي لغة (19)، وفي مصحف أُبيّ:{مرّوا فيه} ، وفي مصحف ابن مسعود:{مضوا فيه} (20).
قوله تعالى: {وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} [البقرة: 20]، "أي وإذا اختفى البرق وفتر لمعانه وقفوا عن السير وثبتوا في مكانهم"(21).
قال الراغب: "ثم بين أنه إن اعترض لهم شبهة أو عن لهم مصيبة تحيروا، فوقفوا"(22).
قال ابن كثير: " وتارة تعْرِض لهم الشكوك، أظلمت قلوبَهم، فوقفوا حائرين"(23).
قال ابن عباس: "وإذا سمعوا شيئاً من شرائع النبي صلى الله عليه وسلم مما يكرهون وقفوا عنه"(24).
وعنه أيضا: " وإن أصابَ الإسلام نكبةٌ قاموا ليرجعوا إلى الكفر"(25).
قال الواحدي: " {وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِم}: الغنيمة وكانت بدلها الهزيمة، اعتلوا وقعدوا عن نصرة الرسول"(26).
قال ابن عطية: " وقامُوا معناه ثبتوا، لأنهم كانوا قياما، ومنه قول الأعرابي: «وقد أقام الدهر صعري بعد أن أقمت صعره» يريد أثبت الدهر"(27).
وقرأ يزيد بن قطيب والضحاك: {وإذا أظلم} ، بضم الهمزة وكسر اللام، مبنياً للمفعول (28).
قال الراغب: "والآية تأولت على وجهين:
أحدهما: أنه شبه حال المتحرين الذين اشتروا الضلالة بالهدى بمن حصل في ليلة مطيرة ومظلمة راعدة بارقة يخاف من أهوالها وصاعقتها ويسد أذنه خوفاً من أن يصعق ويكون هذا في شغل الكلام بالمشبه به ووصفه بما يعظم من غير أن يكون في تفاصيل صفة المشبه به ما يرجع إلى المشبه طريقة العرب، على ذلك قول لبيد (29):
أَفَتِلْكَ أَمْ وَحْشِيَّةٌ مَسْبُوعَةٌ
…
خَذَلَتْ وَهَادِيَةُ الصِّوَارِ قِوَامُهَا
(1) صفوة التفاسير: 1/ 31.
(2)
تفسير ابن كثير: 1/ 190.
(3)
المحرر الوجيز: 1/ 104.
(4)
نقلا عن التفسير البسيط: 2/ 212، ولم أجد هذِه الرواية عن ابن عباس، وفي "الطبري" عن الضحاك عن ابن عباس. قال: يلتمع أبصارهم ولما يفعل 1/ 158، "وتفسير ابن أبي حاتم" 1/ 57، الدر" 1/ 73، وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 57.
(5)
أخرجه الطبري في تفسيره (454): ص 1/ 349.
(6)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 222.
(7)
انظر: السبعة في القراءات: 148، والحجة للقراء السبعة: 1/ 390، وتفسير القرطبي: 1/ 223.
(8)
معاني القرآن: 1/ 54.
(9)
الحجة للقراء السبعة: 1/ 390. وقد ذكر: في (يخطف) ستة أوجه موافقة للخط. أنظر: معاني القرآن للأخفش: 1/ 54 - 55، وتفسير القرطبي: 1/ 222.
(10)
صفوة التفاسير: 1/ 31.
(11)
تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 109.
(12)
تفسير ابن كثير: 1/ 190.
(13)
التفسير البسيط: 2/ 214. وذكر نحوه "الطبري"، إلا أنه قال: (جعل البرق لإيمانهم مثلا، وإنما أراد بذلك أنهم كلما أضاء لهم الإيمان، وإضاءته لهم: أن يروا ما يعجبهم في عاجل الدنيا .... )، "تفسير الطبري" 1/ 158، وانظر:"تفسير الخازن" 1/ 71، 72، "البحر" 1/ 91.
(14)
ذكره ابن الجوزي عن ابن عباس والسدي، "زاد المسير" 1/ 46، وأبو حيان في "البحر" 1/ 91، وذكر ابن عطية عن ابن عباس نحوه 1/ 195، وكذا "القرطبي" 1/ 193.
(15)
أخرجه الطبري (454): ص 1/ 347.
(16)
أخرجه الطبري (452): ص 1/ 346.
(17)
ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 56 أ، وأخرجه "الطبري" في "تفسيره" 1/ 155، وذكره السيوطي في "الدر" وعزاه إلى عبد بن حميد وابن جرير 1/ 72، وقد ورد نحوه عن ابن عباس. انظر:"تفسير الطبري" 1/ 154، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 59، "الدر" 1/ 72.
(18)
التفسير البسيط: 2/ 213.
(19)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 104، والبحر المحيط: 1/ 71.
(20)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 104، والبحر المحيط: 1/ 71.
(21)
صفوة التفاسير: 1/ 31.
(22)
تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 109.
(23)
تفسير ابن كثير: 1/ 190.
(24)
ذكره ابن الجوزي عن ابن عباس والسدي، "زاد المسير" 1/ 46، وأبو حيان في "البحر" 1/ 91، وذكر ابن عطية عن ابن عباس نحوه 1/ 195، وكذا "القرطبي" 1/ 193.
(25)
أخرجه الطبري (454): ص 1/ 347.
(26)
التفسير البسيط: 2/ 214. وذكر نحوه "الطبري"، إلا أنه قال: (جعل البرق لإيمانهم مثلا، وإنما أراد بذلك أنهم كلما أضاء لهم الإيمان، وإضاءته لهم: أن يروا ما يعجبهم في عاجل الدنيا .... )، "تفسير الطبري" 1/ 158، وانظر:"تفسير الخازن" 1/ 71، 72، "البحر" 1/ 91.
(27)
المحرر الوجيز: 1/ 104.
(28)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 104، والبحر المحيط: 1/ 71.
(29)
شرح المعلقات السبع: 97.
فشبه الناقة بالوحشية ثم ذكر أنها مسبوعة مخذولة، ولا اختصاص للناقة بهذا الوصف.
والثاني: أنه شبه ما أتى الله الإنسان من المعاون التي هي سبب الحياة الأبدية بالصيب الذي فيه خياة كل ذي حياة، وما فيه من المشاق المبهمة والعوارض المشكلة بظلمات، وجمع الظلمات تنبيهاً على كثرة العوارض، وشبه ما فيه من الوعيد بالرعد، وما فيه من الآيات الباهرة بالبرق، ثم ذكر كل واحد من هذه الأشياء فقال: إذا سمعوا وعيداً تصاموا عنه كحال من تهوله الرعد فيخاف من صواعقه، فيسد أذنه عنها مع أنه لا خلاص لهم منها وهذا معنى قوله:" {الله محيط بالكافرين} "(1).
قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} [البقرة: 20]، أي: لو أراد الله" لأذهب سَمعَهم وأبصارَهم"(2).
قال الشوكاني: ذهب بهما" بالزيادة في الرعد والبرق"(3).
قال ابن عثيمين: " دون أن تحدث الصواعق، ودون أن يحدث البرق"(4).
قال الصابوني: "أي: لو أراد الله لزاد في قصف الرعد فأصمهم وذهب بأسماعهم، وفي ضوء البرق فأعماهم وذهب بأبصارهم"(5).
قال الراغب: تنبيه" على أنهم يصرفون أسماعهم وأبصارهم عما فيه نجاتهم وتأمل ما فيه صلاحهم وإنما جعل الله لهم السمع والأبصار لينفعهم ولو شاء الله لجعلهم بالحالة التي أنفسهم عليها يسدهما وتعطيلهما، وذلك تنبيه على أنه إنما أعطاهم هذه الآلات لينتفعوا بها"(6).
قال أبو العالية: " ذكر أسماعهم وأبصارهم التي عاثوا بها في الناس"(7).
قال القرطبي: " ولو شاء الله لأطلع المؤمنين عليهم فذهب منهم عز الإسلام بالاستيلاء عليهم وقتلهم وإخراجهم من بينهم. وخص السمع والبصر لتقدم ذكرهما في الآية أولا، أو لأنهما أشرف ما في الإنسان"(8).
وقرى {بأسماعهم} ، على الجمع (9).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 20]، " أي: لا يعتريه عجز في كل شيء فعله" (10).
قال محمد بن إسحاق: " أي: إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قدير"(11).
قال ابن عباس: " أي لما تركوا من الحق بعد معرفته، إن الله على كل شيء قدير"(12).
قال ابن عثيمين: "فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب: فيذهب السمع بدون صواعق، والبصر بدون برق"(13).
قال القرطبي: " وأجمعت الأمة على تسمية الله تعالى بالقدير، فهو سبحانه قدير قادر مقتدر"(14).
قال الطبري: " وإنما وصف الله نفسه جل ذكره بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع، لأنه حذر المنافقين بأسه وسطوته وأخبرهم أنه بهم محيط وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير، ثم قال: فاتقوني أيها المنافقون واحذروا خداعي وخداع رسولي وأهل الإيمان بي لا أحل بكم نقمتي فإني على ذلك وعلى غيره من
(1) تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 108 - 109.
(2)
تفسير الطبري: 1/ 360.
(3)
الفتح القدير: 1/ 49.
(4)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 69.
(5)
صفوة التفاسير: 1/ 31.
(6)
تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 109.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (212): ص 1/ 59.
(8)
تفسير القرطبي: 1/ 224.
(9)
أنظر: تفسير القرطبي: 1/ 224.
(10)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 358.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (214): ص 1/ 59.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (213): ص 1/ 59.
(13)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 69.
(14)
تفسير القرطبي: 1/ 224.
الأشياء قدير. ومعنى قدير: قادر، كما معنى عليم: عالم، على ما وصفت فيما تقدم من نظائره من زيادة معنى فعيل على فاعل في المدح والذم" (1).
وقوله تعالى: {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِم قَامُوا} ، وهذا مَثَلٌ ضربه الله تعالى للمنافقين، وفيه تأويلان (2):
أحدهما: معناه كلما أضاء لهم الحق اتبعوه، وإذا أظلم عليهم بالهوى تركوه.
والثاني: معناه كلما غنموا وأصابوا من الإسلام خيراً، اتبعوا المسلمين، وإذا أظلم عليهم فلم يصيبوا خيراً، قعدوا عن الجهاد.
الفوائد:
1 -
ومنها: أن البرق الشديد يخطف البصر؛ ولهذا يُنهى الإنسان أن ينظر إلى البرق حال كون السماء تبرق؛ لئلا يُخطف بصره.
2 -
ومنها: أن من طبيعة الإنسان اجتناب ما يهلكه؛ لقوله تعالى: (وإذا أظلم عليهم قاموا)
3 -
ومنها: إثبات مشيئة الله؛ لقوله تعالى: (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم)
4 -
ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يلجأ إلى الله عز وجل أن يمتعه بسمعه، وبصره؛ لقوله تعالى:{ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم} ؛ وفي الدعاء المأثور: "متعنا بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا"(3).
6 -
ومنها: أن من أسماء الله أنه قدير على كل شيء.
7 -
ومنها: عموم قدرة الله تعالى على كل شيء؛ فهو جلّ وعلا قادر على إيجاد المعدوم، وإعدام الموجود، وعلى تغيير الصالح إلى فاسد، والفاسد إلى صالح، وغير ذلك
القرآن
التفسير:
أيها الناس (الكفار والمؤمنون) اخضعوا وذلوا لله سبحانه وتعالى، الذي أوجدكم من العدم، وأوجد من قبلكم من الأمم الماضية، إذا عبدتم الله وحده، اتقيتم بذلك سخطه وعذابه، صرتم من المتقين الموصوفين بالتقوى.
أخرج أبو الحسن الواحدي " عن علقمة قال: كل شيء نزل فيه: {يا أيها الناس} فهو مكي، و {يا أيها الذين آمنوا} فهو مدني يعني أن يا أيها الناس خطاب أهل مكة و {يا أيها الذين آمنوا} خطاب أهل المدينة قوله: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} خطاب لمشركي مكة إلى قوله: {وبشر الذين آمنوا}، وهذه الآية نازلة في المؤمنين وذلك أن الله تعالى لما ذكر جزاء الكافرين بقوله: {النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين} ذكر جزاء المؤمنين"(4).
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: 21]، أي: يا أيها الناس، تذللوا لربكم بالطاعة (5).
قال ابن عباس: "أي: وحدوا ربكم"(6).
قال ابن عثيمين: "وذلك بفعل الأوامر، واجتناب النواهي ذلاً تاماً ناشئاً عن المحبة، والتعظيم؛ و "الرب" هو الخالق المالك المدبر لشؤون خلقه"(7).
(1) تفسير الطبري: 1/ 383.
(2)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 83.
(3)
أخرجه الترمذي ص 2012، كتاب الدعوات، باب 79: اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك
…
، حديث رقم 3502، قال الألباني في صحيح الترمذي: حسن [3/ 168، حديث رقم 2783].
(4)
أسباب نزول القرآن: 23.
(5)
أنظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 73.
(6)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (216): ص 1/ 60.
(7)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 73.
وفي هذه الآية وجوب عبادة الله عز وجل، وقد جاءت النصوص الآمرة بذلك:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174)} [النساء: 174، 175]
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)} [الحج: 1]
{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (49)} [الحج: 49]
كانت هذه رسائل ونداءات ربانية عظيمة تنتظم النور الرباني للناس جميعا، ولكل الأمم في كل العصور، ترسم معالم الدين والحياة بالحقائق الكبرى عن هذا الوجود.
وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} [البقرة: 21] النداء هنا وجِّه لعموم الناس مع أن السورة مدنية؛ والغالب في السور المدنية أن النداء فيها يكون موجهاً للمؤمنين، والله أعلم بما أراد في كتابه؛ ولو قال قائل: لعل هذه آية مكية جعلت في السورة المدنية؟
فالجواب: أن الأصل عدم ذلك - أي عدم إدخال الآية المكية في السور المدنية، أو العكس؛ ولا يجوز العدول عن هذا الأصل إلا بدليل صحيح صريح؛ وعلى هذا فما نراه في عناوين بعض السور أنها مدنية إلا آية كذا، أو مكية إلا آية كذا غير مسلَّم حتى يثبت ذلك بدليل صحيح صريح؛ وإلا فالأصل أن السورة المدنية جميع آياتها مدنية، وأن السور المكية جميع آياتها مكية إلا بدليل ثابت (1).
واختلف في {الناس} ، في قوله تعالى {يا أيها الناسُ اعبدُوا رَبكم} [البقرة: 21]، على وجهين:
أحدهما: أنه: للفريقين جميعا من الكفار والمنافقين (2). قاله ابن عباس (3).
أي وَحِّدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم. قال الطبري: والذي أراد ابن عباس - إن شاء الله- وحِّدوه، أي أفردُوا ربكم بالطاعة والعبادة دون سائر خلقه .. وكذا أمر سائر خلقه المكلَّفين - بالاستكانة، والخضوع له بالطاعة، وإفراده بالربوبية والعبادة دون الأوثان والأصنام والآلهة وسائر ما يُعبد من دونه وهو الراجح في تفسير الطاغوت في قوله سبحانه {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
(1) تفسير ابن عثيمين: 1/ 73.
(2)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 364، وتفسير ابن كثير: 1/ 195.
(3)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (215): ص 1/ 60.
} [النحل: 36](1). يقول لهم: فالذي خلقكم وخلق آباءكم وأجدادَكم وسائرَ الخلق غيرَكم، وهو يقدرُ على ضرّكم ونَفعكم - أولى بالطاعة ممن لا يقدر لكم على نَفعٍ ولا ضرٍّ .. وإفراد الله تعالى بالعبادة من أجل تتقوا سَخَطه وغضَبه أن يَحلّ عليكم، وتكونُوا من المتقين الذين رضي الله عنهم. {لعلكم تتقون} (2).
والثاني: وقيل المراد بالناس الكفار الذين لم يعبدوه، يدل عليه قوله:{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ} [البقرة: 23](3).
والقول الأول أصح (4)، لأنه هذا أمر عام لكل الناس، بأمر عام، وهو العبادة الجامعة، لامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وتصديق خبره، فأمرهم تعالى بما خلقهم له، قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} (5).
قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَكُمْ} [البقرة: 21]، "أي الذي "أوجدكم من العدم" (6).
وتجدر الإشارة بأن قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَكُمْ} ، صفة كاشفة تبين بعض معنى الربوبية؛ وليست صفة احترازية؛ لأنه ليس لنا ربان أحدهما خالق، والثاني غير خالق؛ بل ربنا هو الخالق (7).
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 21]، " يعني: وخلق الذين من قبلكم" (8).
قال ابن عثيمين: " والمراد بـ "من قبلنا": سائر الأمم الماضية"(9).
قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21]، "أي لأجل أن تتقوا الله عز وجل"(10).
قال الضحاك: " لعلكم تتقون النار بالصلوات الخمس"(11).
واختلف في قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] على وجهين (12):
أحدهما: لعلكم تتقون بعبادتكم ربَّكم الذي خلقكم، وطاعتِكم إياه فيما أمركم به ونهاكم عنه، وإفرادكُم له العبادة، لتتقوا سَخَطه وغضَبه أن يَحلّ عليكم، وتكونُوا من المتقين الذين رضي عنهم ربهم. روي عن الضحاك (13) مثل ذلك.
والثاني: لغلكم تُطيعونه. قاله مجاهد (14).
وقوله {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21]، فيه ثلاثة تأويلات (15):
أحدها: أن العرب استعملت "لعل" مجردة من الشك بمعنى لام كي (16)، فالمعنى لتعقلوا ولتذكروا ولتتقوا، فـ (لعل) في هذه الآية قال فيها كثير من المفسرين هي بمعنى إيجاب التقوى وليست من الله تعالى بمعنى ترج وتوقع (17) والمعنى ذلك: اعبدُوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم، لتتقوه بطاعته وتوحيده وإفراده بالربوبية والعبادة، كما قال الشاعر (18):
وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الْحُرُوبَ، لَعَلَّنَا
…
نَكُفُّ! وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ
(1) قال السمرقندي في تفسيره: الشيطان والكاهن والصنم وكل من يدعو إلى ضلالة.
(2)
[قال العلامة أحمد شاكر: يريد الطبري أن العرب تستعمل "لعل" أحيانا بغير معنى الشك، بمعنى لام الغاية = كي، كما قال ابن الشجري في أماليه]
(3)
ينظر: تفسير القرطبي: 1/ 225.
(4)
وهو قول أكثر المفسرين: انظر تفسير الطبري: 1/ 364، وتفسير ابن كثير: 1/ 195.
(5)
ينظر: تفسير السعدي: 1/ 44.
(6)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 73.
(7)
أنظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 73.
(8)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 73.
(9)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 73.
(10)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 225.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (219): ص 1/ 60.
(12)
ينظر: تفسير الطبري: 1/ 364.
(13)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (219): ص 1/ 60.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (220): ص 1/ 60.
(15)
ينظر: تفسير القرطبي: 1/ 226 - 227.
(16)
كما قال ابن الشجري في أماليه 1: 51.
(17)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 105.
(18)
لم أعرف قائلهما، ورواهما ابن الشجري نقلا عن الطبري، فيما أرجح، في أماليه 1:51.
فَلَمَّا كَفَفْنَا الْحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُكُمْ
…
كَلَمْحِ سَرَابٍ فِي الْفَلا مُتَأَلِّقِ
يريد بذلك: قلتم لنا كُفُّوا لنكفّ. وذلك أن " لعل " في هذا الموضع لو كان شَكًّا، لم يكونوا وثقوا لهم كل مَوْثق. وبه قال أكثر المفسرين.
والثاني: أن "لعل" على بابها من الترجي والتوقع، والترجي والتوقع إنما هو في حيز البشر، فكأنه قيل لهم: افعلوا ذلك على الرجاء منكم والطمع أن تعقلوا وأن تذكروا وأن تتقوا.
والثالث: أن تكون "لعل" بمعنى التعرض للشيء، كأنه قيل: افعلوا متعرضين لأن تعقلوا، أو لأن تذكروا أو لأن تتقوا. والمعنى في قوله "لعلكم تتقون" أي لعلكم أن تجعلوا بقبول ما أمركم الله به وقاية بينكم وبين النار. وهذا من قول العرب: اتقاه بحقه إذا استقبله به، فكأنه جعل دفعه حقه إليه وقاية له من المطالبة، ومنه قول علي رضي الله عنه: كنا إذا احمر البأس اتقينا بالنبي صلى الله عليه وسلم، أي جعلناه وقاية لنا من العدو (1). وقال عنترة (2):
ولقد كررت المهر يدمى نحره
…
حتى اتقتني الخيل بابني حِذيم
قال ابن عثيمين: " "لعل" هنا للتعليل. أي لتصلوا إلى التقوى؛ ومعلوم أن التقوى مرتبة عالية، حتى قال الله عز وجل في الجنة: {أعدت للمتقين} [آل عمران: 133]، وقال تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: 128]، وقال تعالى: {واعلموا أن الله مع المتقين} [البقرة: 194] "(3).
وقد ذكر السمين الحلبي، إذا وردت (لعلّ)، في كلام الله فللناس فيها ثلاثة أقوال (4):
أحدها: أنها على بابها من الترجي والطمع، قاله سيبويه (5).
الثاني: للتعليل، قاله قطرب و"الطبري" وغيرهما (6).
والثالث. أنها للتعرض للشيء، وإليه مال المهدوي وأبو البقاء.
وقال البعض: إن (لعل) إذا جاءت من الله فهي واجبة (7).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: العناية بالعبادة؛ يستفاد هذا من وجهين؛ الوجه الأول: تصدير الأمر بها بالنداء؛ والوجه الثاني: تعميم النداء لجميع الناس مما يدل على أن العبادة أهم شيء؛ بل إنّ الناس ما خُلقوا إلا للعبادة، كما قال تعالى:{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (الذاريات: 56)
2 ومنها: أن الإقرار بتوحيد الربوبية مستلزم للإقرار بتوحيد الألوهية؛ لقوله تعالى: {اعبدوا ربكم} .
3 ومنها: وجوب عبادة الله عز وجل وحده. وهي التي خُلق لها الجن، والإنس؛ و"العبادة" تطلق على معنيين؛ أحدهما: التعبد. وهو فعل العابد؛ والثاني: المتعبَّد به. وهي كل قول، أو فعل ظاهر، أو باطن يقرب إلى الله عز وجل.
4 ومنها: أن وجوب العبادة علينا مما يقتضيه العقل بالإضافة إلى الشرع؛ لقوله تعالى: {اعبدوا ربكم} ؛ فإن الرب عز وجل يستحق أن يُعبد وحده، ولا يعبد غيره؛ والعجب أن هؤلاء المشركين الذين لم يمتثلوا هذا الأمر إذا أصابتهم ضراء، وتقطعت بهم الأسباب يتوجهون إلى الله، كما قال تعالى:{وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين} [لقمان: 32]؛ لأن فطرهم تحملهم على ذلك ولابد.
5.
ومن فوائد الآية: إثبات أن الله عز وجل هو الخالق وحده، وأنه خالق الأولين، والآخرين؛ لقوله تعالى:(الذي خلقكم والذين من قبلكم)
(1) انظر: تفسير القرطبي: 1/ 227.
(2)
البيت لعنترة بن الشداد، انظر: شرح الديوان: 221.يصف الشاعر حسن بلائه في ساحة القتال إذ يضرب بسيفه اعداءه وخيولهم وهم مضرجون بالدم لشدة ما فعل بهم.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 73.
(4)
أنظر: الدر المصون" 1/ 189، وانظر "تفسير الطبري: 1/ 161، (الإملاء) 1/ 23.
(5)
أنظر: الكتاب: 2/ 148، يقول:"فإذا قلت: (لعل) فأنت ترجوه أو تخافه في حال ذهابه". وقال: (لعل وعسى طمع واشفاق) 4/ 233. وانظر "تفسير الثعلبي" 1/ 56 ب.
(6)
قال أبو حيان لا تكون بمعنى (كي) خلافا لقطرب وابن كيسان. "البحر" 1/ 93.
(7)
انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 56 ب، "وتفسير ابن عطية" 1/ 179.
6 ومنها: أن من طريق القرآن أنه إذا ذَكر الحكم غالباً ذَكر العلة؛ الحكم: {اعبدوا ربكم} ؛ والعلة: كونه رباً خالقاً لنا، ولمن قبلنا.
7 ومنها: أن التقوى مرتبة عالية لا ينالها كل أحد إلا من أخلص العبادة لله عز وجل؛ لقوله تعالى: (لعلكم تتقون).
8 وربما يستفاد التحذير من البدع؛ وذلك؛ لأن عبادة الله لا تتحقق إلا بسلوك الطريق الذي شرعه للعباد؛ لأنه لا يمكن أن نعرف كيف نعبد الله إلا عن طريق الوحي والشرع: كيف نتوضأ، كيف نصلي .. يعني ما الذي أدرانا أن الإنسان إذا قام للصلاة يقرأ، ثم يركع، ثم يسجد .. إلخ، إلا بعد الوحي.
9 ومنها: الحث على طلب العلم؛ إذ لا تمكن العبادة إلا بالعلم؛ ولهذا ترجم البخاري. رحمه الله. على هذه المسألة بقوله: "باب: العلم قبل القول، والعمل.
القرآن
التفسير:
جعل الله الأرض فراشاً موطئاً يستقر عليها استقراراً كاملاً، وجعل السماء بمنزلة البناء وبمنزلة السقف، وأنزل من السماء مطراً عذباً فراتاً أنزله سبحانه بقدرته، فأخرج بذلك المطر أنواع الثمر والفواكه والخضار، فلا تجعلوا لله أشباهاً ونظراء من المخلوقين فتعبدونهم كما تعبدون الله، وتحبونهم كما تحبونه، وهم مثلكم مخلوقون مرزوقون مدبرون، وأنتم تعلمون أن الله ليس له شريك ولا نظير، لا في الخلق والرزق والتدبير، ولا في الألوهية والكمال.
قوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا} [البقرة: 22]، أي:" جعل لكم الأرض مهادًا مُوَطَّأً وقرارًا يُستقرّ عليها"(1).
عن قتادة: " {الذي جَعل لكم الأرض فراشًا}، قال: مهادًا لكم"(2). وروي عن الربيع بن أنس (3) مثل ذلك.
وقوله {الَّذِي جَعَلَ} معناه هنا (صير) لتعديه إلى مفعولين، ويأتي (جعل) بمعان أخرى منها (4):
1 -
(جعل) يأتي معنى (خلق)، ومنه قوله تعالى:{مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ} [المائدة: 103] وقوله: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: 1].
2 -
ويأتي بمعنى (سمى)، ومنه قوله تعالى:{حم. وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ. إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} [الزخرف: 1 - 3]. وقوله: {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً} [الزخرف: 15]. {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً} [الزخرف: 19] أي سموهم.
3 -
ويأتي بمعنى (أخذ)، كما قال غلِّس بن لقيط الأسدي (5):
(1) تفسير الطبري: 1/ 365.
(2)
أخرجه الطبري (476): ص 1/ 365.
(3)
أخرجه الطبري (477): ص 1/ 366.
(4)
أنظر: تفسير القرطبي: 1/ 228.
(5)
البيت للشاعر مغلّس بن لقيط (جاهلي)، انظر: لخزانة/ 5/ 301، وسيبويه/ 2/ 365، وشرح المفصل/ 3/ 105، والأشموني/ 1/ 141، والبيت من قصيدة يرثي بها أخاه، ويشتكي أخوين له وكان أخوه بارا به، واسمه أطيط، وكان الآخران يظهران له العداوة. والضغمة: العضة، يقول: جعلت نفسي تطيب لعضة أعضهما بها يقرع لها الناب العظم، والهاء في قوله: لضغمهماها عائدة على الضغمة. وجعل: فعل شروع، خبره جملة تطيب. والبيت استشهد به الرضي على أنّ الضمير الثاني إذا كان مساويا للأول شذّ وصله كما في البيت، فإنه جمع بين ضميري الغيبة في الاتصال، وكان القياس لضغمهما إياها. وقال سيبويه: إذا ذكرت مفعولين كلاهما غائب قلت: أعطاهوها وأعطاهاه، جاز وهو عربي، ولا عليك بأيهما بدأت .. وهذا ليس بالكثير في كلامهم والكثير في كلامهم أعطاه إياها. على أن الشاعر قال .. (البيت)، ولكن البيت يروى أيضا:
وقد جعلت نفسي تهمّ بضغمة
…
على علّ غيظ يقصم العظم نابها
وهذه الرواية أولى بالاتباع، لأن قصيدة البيت فيها شكوى وألم ورقّة تعبير .. والبيت نفسه يمثل ذروة الانفعال العاطفي، ورواية النحويين فيها صناعة، تمنع من تدافع المعاني، وتعقّد الكلام.
وقد جعلتْ نفسي تطيب لضَغْمَةٍ
…
لضَغْمِهِماها يقرَعُ العظمُ نابُها
ضغمة: عضة، أراد بها الشدة.
4 -
وقد تأتي زائدة، كما قال الآخر:
وقد جعلت أرى الاثنين أربعة
…
والواحد اثنين لما هدني الكبر
وقد قيل في قوله تعالى {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} : إنها زائدة، وجعل واجتعل بمعنى واحد، قال بشر بن أبي خازم (1):
ناط أمر الضعاف واجتعل الليـ
…
ـل كحبل العاديّة الممدود
أي: يسير الليل كله لا ينثني.
قال الواحدي: " الأرض فراش الأنام على معنى أنها فرشت لهم، أي: بسطت، وهذا كقوله: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا} [نوح: 19] والمعنى أنه لم يجعلها حزنة غليظة لا يمكن الاستقرار عليها"(2).
قال ابن عثيمين: " هذا من باب تعديد أنواع من مخلوقاته عز وجل؛ جعل الله لنا الأرض فراشاً مُوَطَّأة يستقر الإنسان عليها استقراراً كاملاً مهيأة له يستريح فيها. ليست نشَزاً؛ وليست مؤلمة عند النوم عليها، أو عند السكون عليها، أو ما أشبه ذلك؛ والله تعالى قد وصف الأرض بأوصاف متعددة: وصفها بأنها فراش، وبأنها ذلول، وبأنها مهاد"(3).
قوله تعالى: {والسماء بِنَآءً} [البقرة: 22]، " أي وسقفاً للأرض مرفوعاً فوقها كهيئة القبة"(4).
قال ابن مسعود: " فبناءُ السماء على الأرض كهيئة القبة، وهي سقف على الأرض"(5).
وقال قتادة: " جعل السماء سَقفًا لكَ"(6).
وإنما سُميت السماءُ سماءً لعلوها على الأرض وعلى سُكانها من خلقه، وكل شيء كان فوق شيء آخرَ فهو لما تحته سَمَاءٌ. ولذلك قيل لسقف البيت: سَمَاوةٌ (1)، لأنه فوقه مرتفعٌ عليه. ولذلك قيل: سَمَا فلان لفلان، إذا أشرف له وقَصَد نحوه عاليًا عليه، كما قال الفرزدق (7):
سَمَوْنَا لِنَجْرَانَ الْيَمَانِي وَأَهْلِهِ
…
وَنَجْرَانُ أَرْضٌ لَمْ تُدَيَّثْ مَقَاوِلُهْ
وكما قال نابغة بني ذُبيانَ (8):
سَمَتْ لِي نَظْرَةٌ، فَرَأيتُ مِنْهَا
…
تُحَيْتَ الْخِدْرِ وَاضِعَةَ الْقِرَامِ
يريد بذلك: أشرفتْ لي نظرةٌ وبدت، فكذلك السماء سُميت للأرض: سماءً، لعلوها وإشرافها عليها (9).
قوله تعالى: {وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً} [البقرة: 22]، أي:" أنزل من السماء مطرًا"(10).
قال الصابوني: "أي: مطراً عذباً فراتاً أنزله بقدرته من السحاب"(11).
(1) شرح المفضليات: 642. ناط: حمل وكفى، العادية: البئر القديمة.
(2)
التفسير البسيط: 2/ 224، وانظر:"تفسير الطبري" 1/ 161 - 162، "تفسير ابن عطية" 1/ 198، "تفسير القرطبي" 1/ 197.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 76.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 35.
(5)
أخرجه الطبري (478): ص 1/ 367.
(6)
أخرجه الطبري (479): ص 1/ 367.
(7)
ديوانه: 735، والنقائض:600. ونجران: أرض في مخاليف اليمن من ناحية مكة. وذكر نجران، على لفظه وأصل معناه، والنجران في كلام العرب: الخشبة التي يدور عليها رتاج الباب. وديث البعير: ذلله بعض الذل حتى تذهب صعوبته. والمقاول: جمع مقول. والمقول والقيل: الملك من ملوك حمير. يقول: هي أرض عز عزيز، لم يلق ملوكها ضيما يذلهم ويحني هاماتهم.
(8)
ديوانه: 86، وروايته:" صفحت بنظرة ". وقوله " صفحت "، أي تصفحت الوجوه بنظرة، أو رميت بنظرة متصفحًا. والقرام: ستر رقيق فيه رقم ونقوش. والخدر: خشبات تنصب فوق قتب البعير مستورة بثوب، وهو الهودج. ووضع الشيء: ألقاه. وتحيت: تصغير " تحت "، وصغر " تحت "، لأنه أراد أن ستر الخدر بعد وضع القرام لا يبدى منها إلا قليلا، وهذا البيت متعلق بما قبله وما بعده. وقبله: فَلَوْ كَانَتْ غَدَاةَ الْبَيْنِ مَنَّتْ
…
وَقَدْ رَفَعُوا الْخُدُورَ عَلَى الْخِيَامِ
صَفَحْتُ بنظرةٍ. . . .
…
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَرَائِبَ يستضئُ الحليُ فيها
…
كَجمْرِ النارِ بُذِّرَ فِي الظَّلامِ
(9)
أنظر: تفسير الطبري: 1/ 366.
(10)
تفسير الطبري: 1/ 367.
(11)
صفوة التفاسير: 1/ 35.
قال الواحدي: "فإن قيل: كيف قال: {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ} ، والماء ينزل من السحاب؟ قيل: هذا من باب حذف المضاف، والتقدير: من نحو السماء، كقول الشاعر (1):
أَمِنْكِ بَرْقٌ أَبِيتُ اللَّيْلَ أَرْقُبُهُ
…
كَأنَّه في عِرَاضِ الشَّأْمِ مِصْباحُ
أي: من نَاحِيَتِك، ومثله كثير. وإن جعلت السماء بمعنى (السحاب)(2) لم يكن من باب حذف المضاف" (3).
قوله تعالى: {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ} [البقرة: 22]، أي: أي: " فأخرج بذلك المطر مما أنبتوه في الأرض من زرعهم وغَرْسهم ثمرات"(4).
قال الصابوني: "أي: فأخرج بذلك المطر أنواع الثمار والفواكه والخضار "(5).
قوله تعالى: {رِزْقاً لَّكُمْ} [البقرة: 22]، أي:" عطاء لكم"(6).
قال الصابوني: أي: " غذاءً لكم"(7).
قال الطبري: "غذاءً وأقواتًا"(8).
فنبههم الله تعالى بذلك على قدرته وسُلطانه، وذكَّرهم به آلاءَه لديهم، وأنه هو الذي خلقهم، وهو الذي يَرزقهم ويكفُلُهم، دون من جعلوه له نِدًّا وعِدْلا من الأوثان والآلهة، ثم زَجَرهم عن أن يجعلوا له ندًّا، مع علمهم بأن ذلك كما أخبرهم، وأنه لا نِدَّ له ولا عِدْل، ولا لهم نافعٌ ولا ضارٌّ ولا خالقٌ ولا رازقٌ سِواه (9).
قوله تعالى: {فَلا تَجْعَلُوا للَّهِ أَندَاداً} [البقرة: 22]، أي: لا تُصَيِّروا لله نظراء ومشابهين في العبادة (10).
قال الصابوني: "أي فلا تتخذوا معه شركاء من الأصنام والبشر تشركونهم مع الله في العبادة"(11).
قال أبو إسحاق: "هذا احتجاج عليهم لإقرارهم بأن الله خالقهم، فقيل لهم: لا تجعلوا لله أمثالًا وأنتم تعلمون أنهم لا يخلقون والله الخالق"(12).
وقال ابن زيد: " الأنداد: الآلهة التي جعلوها معه، وجعلوا لها مثل ما جعلوا له"(13).
روي عن عكرمة: " {فلا تجعلوا لله أندادًا}، أن تقولوا: لولا كلبنا لَدَخل علينا اللصّ الدارَ، لولا كلبنا صَاح في الدار، ونحو ذلك"(14).
وعن ابن عباس في قوله: فلا تجعلوا لله أندادا قال: الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء، في ظلمة الليل. وهو أن يقول: والله، وحياتك يا فلانة، وحياتي. ويقول: لولا كلبه هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص. وقول الرجل لصاحبه:
ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها فلان، فإن هذا كله به شرك" (15).
وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: {فَلا تَجْعَلُوا للهِ أنْداداً} [البقرة: 22]، ثلاثة تأويلات (16):
أحدها: أنَّ الأنداد الأكْفَاءُ، وهذا قول ابن مسعود (17).
(1) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، قوله:(أمنك برق) أي: من نحو منزلك، من الشق الذي أنت به، (عراض الشأم) نواحيها. انظر "شرح أشعار الهذليين" للسكري 1/ 167، "شرح الأبيات المشكلة الإعراب" الفارسي ص 364.
(2)
انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 56 ب، "تفسير ابن عطية" 199، "تفسير البيضاوي" 1/ 14، والخازن 1/ 76، "تفسير أبي السعود" 1/ 61، "الفتوحات الإلهية" 1/ 26.
(3)
التفسير البسيط: 2/ 227.
(4)
تفسير الطبري: 1/ 367.
(5)
صفوة التفاسير: 1/ 35.
(6)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 76.
(7)
صفوة التفاسير: 1/ 35.
(8)
تفسير الطبري: 1/ 367.
(9)
أنظر: تفسير الطبري: 1/ 367 - 368.
(10)
أنظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 76.
(11)
صفوة التفاسير: 1/ 35.
(12)
معاني القرآن" للزجاج 1/ 65.
(13)
أخرجه الطبري (483): ص 1/ 369.
(14)
أخرجه الطبري (485): ص 1/ 369.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (229): ص 1/ 62.
(16)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 83.
(17)
أنظر: أنظر: تفسير الطبري (482): ص 1/ 386.
والثاني: الأشباه، وهو قول ابن عباس (1)، وروي عن أبي العالية (2)، والربيع بن أنس وقتادة والسدي وأبي مالك وإسماعيل بن أبي خالد نحو ذلك (3).
والثالث: الأضداد، وهو قول المفضل (4).
والأنداد جمع نِدّ، والنِّدّ: العِدْلُ والمِثل، كما قال حسان بن ثابت (5):
أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ؟
…
فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ
يعني بقوله: " ولستَ له بند "، لست له بمثْلٍ ولا عِدْلٍ. وكل شيء كان نظيرًا لشيء وله شبيهًا فهو له ند (6).
و(النِّد) المثل المناوئ، وأصله من قولهم:(ندّ) إذا نفر، ولهذا يقال للضد: ند، ثم استعمل في المثل وإن لم يكن هناك مخالفة (7)، قال جرير (8):
أتَيْماً يَجْعَلُونَ إليَّ نِدّاً
…
وَمَا تَيْمٌ لِذِي حَسَبٍ نَدِيدُ
أي مثل (9).
قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22]، أي:" وأنتم تعلمون أنها لا تَخْلُق شيئاً ولا تَرْزق، وأنَّ الله هو الخالق الرازق وحده، ذو القوة المتين"(10).
قال ابن عثيمين: " لأن المشركين يقرُّون بأن الخالق هو الله، والرازق هو الله، والمدبر للأمر هو الله إقراراً تاماً، ويعلمون أنه لا إله مع الله في هذا؛ لكن في العبادة ينكرون التوحيد: يشركون؛ يجعلون مع الله إلهاً آخر؛ وينكرون على من وحّد الله حتى قالوا في الرسول صلى الله عليه وسلم {أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب}؛ وإقرارهم بالخلق، والرزق أن الله منفرد به يستلزم أن يجعلوا العبادة لله وحده؛ فإن لم يفعلوا فهم متناقضون؛ ولهذا قال العلماء. رحمهم الله: توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية؛ وتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية؛ عني من أقر بتوحيد الربوبية لزمه أن يقر بتوحيد الألوهية؛ ومن أقر بتوحيد الألوهية فإنه لم يقرَّ بها حتى كان قد أقر بتوحيد الربوبية"(11).
وفي قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22]، ثلاثة تأويلات (12):
أحدها: وأنتم تعلمون أن الله خلقكم، وهذا قول ابن عباس وقتادة (13).
والثاني: معناه وأنتم تعلمون أنه لا ندَّ له ولا ضد، وهذا قول مجاهد (14).
والثالث: معناه وأنتم تعْقلون فعبر عن العقل بالعلم.
(1) أنظر: تفسير الطبري (484): ص 1/ 386.
(2)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (230): ص 1/ 62.
(3)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 62.
(4)
أنظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3540.
(5)
ديوانه: 76، والبيت من قصيدة يهجو بها سفيان بن الحارث قبل فتح مكة، وانظر:"تهذيب اللغة"(ند) 4/ 3540 "الأضداد" لابن الأنباري ص 24، "الأضداد" لأبي حاتم ص 74، "مجاز القرآن" ص 34، "تفسير الطبري" 1/ 1063 "تفسير القرطبي" 1/ 198، "اللسان"(ندد) 7/ 3482.
(6)
أنظر: تفسير الطبري: 1/ 368.
(7)
انظر: "الأضداد" لابن الأنباري ص 24، "مجاز القرآن" ص 34، "الأضداد" للصاغاني ص 246، قال أبو حاتم:(زعم قوم أن بعض العرب يجعل (الضد) مثل (الند) ويقول: هو يضادني، ولا أعرف أنا ذلك .. ) (الأضداد) لأبي حاتم السجستاني ص 75.
(8)
قاله يهجو تيما.
انظر: "ديوان جرير" ص 129، "الأضداد" لابن الأنباري ص 24، "الأضداد" لأبي حاتم ص 73، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 66، "ومجالس العلماء" للزجاجي ص 114، "تفسير الثعلبي" 1/ 56 ب.
(9)
أنظر: التفسير البسيط: 2/ 230.
(10)
صفوة التفاسير: 1/ 35.
(11)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 76.
(12)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 83.
(13)
أنظر: تفسير الطبري (487): ص 1/ 370.
(14)
أنظر: تفسير الطبري (488)، (489)، و (490): ص 1/ 371.
واختلف في الذين عُنُوا بهذه الآية، على قولين (1):
أحدهما: عَنَى بها جميع المشركين من مُشركي العرب وأهل الكتاب. قاله ابن عباس (2)، وقتادة (3).
وقال بعضهم: عنى بذَلك أهلَ الكتابين، أهلَ التوراة والإنجيل. قاله مجاهد (4).
وقال ابن الأنباري: قوله: {وَأَنتُم تَعلَمُونَ} ، لا تتنافى مع قوله:{قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} [الزمر: 64] لأن هذا العلم الذي وصفهم به في هذه الآية لا يزيل عنهم الجهل؛ لأنه أراد: وأنتم تعلمون أن الأنداد التي تعبدونها لم ترفع لكم السماء ولم تمهد تحتكم الأرض، ولم ترزقكم رزقا. فعبدة الأصنام وغيرهم يتساوى علمهم في هذا المعنى، وإنما وصفهم الله جل ذكره بهذا العلم لتتأكد الحجة عليهم إذا اشتغلوا بشىء يعلمون أن الحق فى سواه" (5).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: بيان رحمة الله تعالى، وحكمته في جعل الأرض فراشاً؛ إذ لو جعلها خشنة صلبة لا يمكن أن يستقر الإنسان عليها ما هدأ لأحد بال؛ لكن من رحمته، ولطفه، وإحسانه جعلها فراشاً.
2 ومنها: جعْل السماء بناءً؛ وفائدتنا من جعل السماء بناءً أن نعلم بذلك قدرة الله عز وجل؛ لأن هذه السماء المحيطة بالأرض من كل الجوانب نعلم أنها كبيرة جداً، وواسعة، كما قال تعالى:{والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون} (الذاريات: 47).
3 ومنها: بيان قدرة الله عز وجل بإنزال المطر من السماء؛ لقوله تعالى: {وأنزل من السماء ماء} ؛ لو اجتمعت الخلائق على أن يخلقوا نقطة من الماء ما استطاعوا؛ والله تعالى ينزل هذا المطر العظيم بلحظة؛ وقصة الرجل الذي دخل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة قال: ادع الله يغيثنا، فرفع صلى الله عليه وسلم يديه، وقال:"اللهم أغثنا"(6)، وما نزل من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته.
4 ومنها: حكمة الله سبحانه وتعالى، ورحمته بإنزال المطر من السماء؛ وجه ذلك: لو كان الماء الذي تحيى به الأرض يجري على الأرض لأضر الناس؛ ولو كان يجري على الأرض لحُرِم منه أراضٍ كثيرة. الأراضي المرتفعة لا يأتيها شيء؛ ولكن من نعمة الله أن ينزل من السماء؛ ثم هناك شيء آخر أيضاً: أنه ينزل رذاذاً. يعني قطرةً قطرةً؛ ولو نزل كأفواه القرب لأضر بالناس.
5 ومنها: إثبات الأسباب؛ لقوله تعالى: (فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم).
6 ومنها: أن الأسباب لا تكون مؤثرة إلا بإرادة الله عز وجل؛ لقوله تعالى: (فأخرج به).
7 ومنها: أنه ينبغي لمن أراد أن يضيف الشيء إلى سببه أن يضيفه إلى الله مقروناً بالسبب، مثل لو أن أحداً من الناس غرق، وجاء رجل فأخرجه. أنقذه من الغرق؛ فليقل: أنقذني الله بفلان؛ وله أن يقول: أنقذني فلان؛ لأنه فعلاً أنقذه؛ وله أن يقول: أنقذني الله ثم فلان؛ وليس له أن يقول: أنقذني الله وفلان؛ لأن هذا تشريك مع الله؛ ويدل لهذا. أي الاختيار أن يضيف الشيء إلى الله مقروناً بالسبب. أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعا الغلام اليهودي للإسلام وكان هذا الغلام في سياق الموت، فعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يسلم، فأسلم؛ لكنه أسلم بعد أن استشار أباه: التفت إليه ينظر إليه يستشيره؛ قال: "أطع أبا القاسم". أمر ولده أن يسلم، وهو لم يسلم في تلك الحال، أما بعد فلا ندري، والله أعلم؛ فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول:"الحمد لله الذي أنقذه بي من النار"(7)، وهكذا ينبغي لنا إذا حصل شيء بسبب أن نضيفه إلى الله تعالى مقروناً ببيان السبب؛ وذلك؛ لأن السبب موصل فقط.
(1) أنظر: تفسير الطبري: 1/ 370 - 371.
(2)
أنظر: تفسير الطبري (486): ص 1/ 370.
(3)
أنظر: تفسير الطبري (487): ص 1/ 370.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (488)، (489)، و (490): ص 1/ 371.
(5)
التفسير البسيط: 2/ 231، وانظر:"تفسير ابن عطية" 1/ 199، وزاد المسير: 1/ 49.
(6)
أخرجه البخاري ص 79، أبواب الاستسقاء، باب 7: الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة، حديث رقم 1014؛ وأخرجه مسلم ص 817، كتاب صلاة الاستسقاء، باب 2: الدعاء في الاستسقاء، حديث رقم 2078 [8]897.
(7)
أخرجه أبو داود ص 1456، كتاب الجنائز، باب 2: في عيادة الذمي، حديث رقم 3095؛ وأخرجه أحمد 3/ 175، رقم 12823.
8.
ومن فوائد الآية: بيان قدرة الله، وفضله بإخراج هذه الثمرات من الماء؛ أما القدرة فظاهر: تجد الأرض شهباء جدباء ليس فيها ورقة خضراء فينزل المطر، وفي مدة وجيزة يخرج هذا النبات من كل زوج بهيج بإذن الله عز وجل، كما قال تعالى:{ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءاً فتصبح الأرض مخضرَّة} [الحج: 63]؛ وأما الفضل فبما يمن الله به من الثمرات؛ ولذلك قال تعالى: {رزقاً لكم} .
9 ومنها: أن الله عز وجل منعم على الإنسان كافراً كان، أو مؤمناً؛ لقوله تعالى:{لكم} ، وهو يخاطب في الأول الناس عموماً؛ لكن فضل الله على المؤمن دائم متصل بفضل الآخرة؛ وفضل الله على الكافر منقطع بانقطاعه من الدنيا.
10 ومنها: تحريم اتخاذ الأنداد لله؛ لقوله تعالى: {فلا تجعلوا لله أنداداً} ؛ وهل الأنداد شرك أكبر، أو شرك أصغر؛ وهل هي شرك جلي، أو شرك خفي؛ هذا له تفصيل في علم التوحيد؛ خلاصته: إن اتخذ الأنداد في العبادة، أو جعلها شريكة لله في الخلق، والملك، والتدبير فهو شرك أكبر؛ وإن كان دون ذلك فهو شرك أصغر، كقول الرجل لصاحبه:"ما شاء الله وشئت".
11.
ومن فوائد الآية: أنه ينبغي لمن خاطب أحداً أن يبين له ما تقوم به عليه الحجة؛ لقوله تعالى: {فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون} ، ولقوله تعالى في صدر الآية الأولى:{اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم} [البقرة: 21]؛ فإن قوله تعالى: {الذي خلقكم والذين من قبلكم} [البقرة: 21] فيه إقامة الحجة على وجوب عبادته وحده؛ لأنه الخالق وحده.
القرآن
التفسير:
وإن كنتم -أيها الكافرون المعاندون- في شَكٍّ من القرآن الذي نَزَّلناه على عبدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتزعمون أنه ليس من عند الله، فهاتوا سورة تماثل سورة من القرآن، واستعينوا بمن تقدرون عليه مِن أعوانكم، إن كنتم صادقين في دعواكم.
قوله تعالى: {{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ} [البقرة: 23]، " أي: وإِذا كنتم أيها الناس في شك وارتياب" (1).
والخطاب لمن جعل لله أنداداً؛ لأنه تعالى قال: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22].
و(الريب)، يفسره كثير من الناس بالشك؛ ولا شك أنه قريب من معنى الشك، لكنه يختلف عنه بأن "الريب" يُشعر بقلق مع الشك، وأن الإنسان في قلق عظيم مما وقع فيه الشك؛ وذلك؛ لأن ما جاء به الرسول حق؛ والشاك فيه لا بد أن يعتريه قلق من أجل أنه شك في أمر لا بد من التصديق به؛ بخلاف الشك في الأمور الهينة، فلا يقال:"ريب"؛ وإنما يقال في الأمور العظيمة التي إذا شك فيها الإنسان وجد في داخل نفسه قلقاً، واضطراباً (2).
قال ابن كثير: " وقد تحداهم الله تعالى بهذا في غير موضع من القرآن، فقال في سورة القصص: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [القصص: 49] وقال في سورة سبحان: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] وقال في سورة هود: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [هود: 13]، وقال في سورة يونس: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [يونس: 37، 38] وكل هذه الآيات مكية، ثم تحداهم [الله تعالى] (4) بذلك - أيضًا - في المدينة، فقال في هذه الآية: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ}، أي: في شكّ"(3).
قوله تعالى: {مِمَّا نَزَّلْنَا} [البقرة: 23]، "أي: من صدق هذا القرآن، المعجز في بيانه، وتشريعه، ونظمه" (4).
قال ابن عثيمين: " المراد به القرآن؛ لأن الله أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم"(5).
قوله تعالى: {عَلَى عَبْدِنَا} [البقرة: 23]، أي:" على عبدنا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم "(6).
قال الحسن: "فهذا قول الله لمن شك من الكفار فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم"(7).
وقوله تعالى {عَلَى عَبْدِنَا} فيه عظيم منزلة العبودية، إذ وصف الله تبارك وتعالى نبيه بهذا الوصف في مقام التحدي، فسمى المملوك - من جنس ما يفعله - عبدا لتذلله لمولاه، قال طرفة (8):
إلَى أَنْ تَحَامَتْنِي العَشِيرَةُ كُلُّهَا
…
وَأُفْرِدْتُ إِفْرَادَ البَعِيرِ المُعَبَّدِ
المُعَبَّدُ: أي) المُذَلَّلُ)، يُقالُ: بَعِيرٌ مُعَبَّدٌ؛ أيْ: مُذَلَّلٌ قدْ طُلِيَ بالهِناءِ، وَبَعِيرٌ مُعَبَّدٌ؛ أيْ: مُكْرَمٌ، وهوَ مِن الأَضْدَاد.
قال بعضهم: لما كانت العبادة أشرف الخصال والتسمي بها أشرف الخطط، سمى نبيه عبدا، وأنشدوا (9):
يَا قَوْمِ قَلْبِي عِنْدَ زَهْرَاءَ
…
يَعْرِفُهُ السَّامِعُ وَالرَّائِي
لَا تَدْعُنِي إلَّا بِيَا عَبْدَهَا
…
فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِي.
وقد وصف الله نبيه بالعبودية في أعلى المقامات:
1 -
في مقام التحدي: كما في هذه الآية: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)} [البقرة: 23].
2 -
وفي مقام الإسراء والمعراج: قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1].
3 -
وفي مقام الإيحاء: قال تعالى: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 10].
4 -
وفي مقام الدعوة: قال تعالى: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} [الجن: 19].
وقد قال تعالى عن المسيح ابن مريم: {إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} [الزخرف: 59]، وقال صلى الله عليه وسلم "لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ"(10).
قوله تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} [البقرة: 23]، "أي فأتوا بسورةٍ واحدةٍ من مثل هذا القرآن، في البلاغة والفصاحة والبيان"(11).
قال قتادة: " يعني: من مثل هذا القرآن حقًّا وصدْقًا، لا باطل فيه ولا كذب"(12).
قال الفراء: " (الهاء)، كناية عن القرآن، فأتوا بسورة من مثل القرآن"(13).
واختلف في قوله تعالى {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23]، على قولين:
(1) صفوة التفاسير: 1/ 35.
(2)
أنظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 81.
(3)
تفسير ابن كثير: 1/ 199.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 35.
(5)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 81.
(6)
صفوة التفاسير: 1/ 35.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (236): ص 1/ 53.
(8)
ديوان طرفة بن العبد، دار صادر ودار بيروت، بيروت، 1961 ص 31 ـ 33.وانظر: شرح المعلقات السبع، لزوزني، 1405 هـ، 59. وهذا البيت لطرفة بن العبد البكري، من معلقته المشهورة التي مطلعها: لخولة أطلال ببرقة ثهمد تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد.
(9)
لم أتعرف على القائل، والبيتين وردا في: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، أحمد بن المقري التلمساني، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، لبنان، طبعة 1997: 2/ 192.
(10)
رواه البخاري (أحاديث الأنبياء / 3189)، والحديث يدل أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نهى عن الغلو في مدحه بما قد يفضي إلى عبادته.
(11)
صفوة التفاسير: 1/ 35.
(12)
أخرجه الطبري (491)، (392): ص 1/ 373 - 274.
(13)
معاني القرآن: 1/ 19.
أحدهما: يعني من مثل هذا القرآن، وهذا قول مجاهد (1) وقتادة (2)، واختاره الطبري (3)، وابن كثير (4)، ودليلهم على ذلك قوله تعالى:{فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} [هود: 13] وقوله: {لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} [الإسراء: 88].
والثاني: من مثل محمد صلى الله عليه وسلم، يعني: من رجل أمي مثله (5).
والقول الراجح هو الأول، لأن التحدي عام لهم كلهم، مع أنهم أفصح الأمم (6).
قال أبو الهيثم: والسورة من سور القرآن عندنا: قطعة من القرآن، سبق وُحْدانُها جَمْعَها، كما أن الغرفة سابقة للغرف، وأنزل الله القرآن على نبيه صلى الله عليه وسلم شيئاً بعد شيء، وجعله مفصلاً، وبيّن كل سورة بخاتمتها وبادئتها، وميزها من التي تليها" (7).
قوله تعالى: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ} [البقرة: 23]، أي: وادعوا "الذين تشهدون لهم بالألوهية، وتعبدونهم كما تعبدون الله، ادعوهم ليساعدوكم في الإتيان بمثله"(8).
قال الصابوني: " أي: وادعوا أعوانكم وأنصاركم الذين يساعدونكم على معارضة القرآن"(9).
قال ابن عثيمين: " وهذا غاية ما يكون من التحدي: أن يتحدى العابدَ والمعبودَ أن يأتوا بسورة مثله"(10).
قا أبو علي الجرجاني: معنى (ادعوا): استعينوا" (11).
قال الواحدي: " (الشهداء): جمع شهيد والشهيد يجوز أن يكون بمعنى: مشاهد كالجليس والشريب والأكيل والشريك، ويجوز أن يكون بمعنى: شاهد كالعليم والعالم، والقدير القادر، ويجوز أن يكون بمعنى: مشهود فعيل بمعنى مفعول، والشهود: الحضور، ومنه قوله تعالى {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ} [البقرة: 185] أي حضر، والمشاهد للشيء: الحاضر عنده، وسمي الشاهد شاهداً: لأنه يخبر عما شاهد"(12).
واختلفوا في {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [البقرة: 23]، على أقوال:
أحدها: يعني أعوانكم على ما أنتم عليه، وهذا قول ابن عباس (13).
قيل: "سمى أعوانهم شهداء، لأنهم يشاهدونهم عند المعاونة، وهذا القول اختيار أبي إسحاق (14) "(15).
كما أن (الدعاء) على هذا القول بمعنى: الاستعانة، والعرب كثيراً ما تستعمل (الدعاء) في معنى الاستعانة، وذلك أن الإنسان إذا إستعان بغيره دعاه، فلما كان في الاستعانة يحتاج إلى الدعاء، سمى الاستعانة دعاء.
من ذلك قول الشاعر (16):
دَعَوْتُ بني قَيْس إليَّ فَشَمَّرَتْ
…
خَنَاذِيذُ مِنْ سَعْدٍ طِوَالُ السَّواعِدِ
أي استعنت بهم. ألا تراه يقول: فَشَمَّرَتْ.
وقالت امرأة من طيء (17):
دَعَا دَعْوَةً يَوْمَ الشَّرى يَالَ مَالِكٍ
…
ومَنْ لا يُجِبْ عِنْدَ الحَفِيظَة يُكْلَمِ أي استعان بهم فلم ينصروه (18).
والثاني: ناساً يشهدون لكم، وهو قول مجاهد (19).
والثالث: شهداءكم عليها إذا أتيتم بها أنها مثلُه، مثل القرآن، وهو قول ابن جُريج (20).
والرابع: آلهتكم، لأنهم كانوا يعتقدون أنها تشهد لهم (21)، وهذا قول الفراء (22)، وأبو مالك (23)، وابن قتيبة (24).
قال الواحدي: "والدعاء هاهنا بمعنى الاستغاثة والاستعانة قريب من السواء، وعلى هذا (شهيد) بمعنى مشهود، وآلهتهم كانت مشهودة لهم، لأنهم كانوا يشهدونها ويحضرونها"(25).
والراجح هو القول الأول: أي شُهداءكم الذين يُشاهدونكم ويعاونونكم على تكذيبكم الله ورسوله، ويظاهرونكم على كفركم ونفاقكم (26).
قوله تعالى: {مِنْ دُونِ اللَّهِ} [البقرة: 23]، "أي: مما سوى الله" (27).
قال الصابوني: أي: "غير الله سبحانه"(28).
قال البيضاوي: " والمعنى وَادْعُوا للمعارضة من حضركم، أو رجوتم معونته من إنسكم وجنكم وآلهتكم غير الله سبحانه وتعالى، فإنه لا يقدر على أن يأتي بمثله إلا الله"(29).
(1) أخرجه الطبري (493)، و (394)، و (395): ص 1/ 374.
(2)
أخرجه الطبري (491)، (392): ص 1/ 373 - 274.
(3)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 374.
(4)
أنظر: تفسير ابن كثير: 1/ 199.
(5)
أنظر: تفسير ابن كثير: 1/ 199. وقال الماوردي: " فأتوا بسورة من مثل محمد- صلى الله عليه وسلم من البشر، لأن محمداً بشر مثلهم". [النكت والعيون: 83].
(6)
انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 199.
(7)
"تهذيب اللغة"(سار) 2/ 1594، "اللسان"(سور) 4/ 2148.
(8)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 82.
(9)
صفوة التفاسير: 1/ 35.
(10)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 82.
(11)
نقلا عن: التفسير البسيط: 2/ 251. وأبو علي الجرجاني صاحب "نظم القرآن"، وكتابه مفقود.
(12)
التفسير البسيط: 2/ 243، وانظر:"تهذيب اللغة"(شهد) 2/ 1942. "معجم مقاييس اللغة" (شهد) 3/ 221. "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي: ص 132. "مفردات الراغب" ص 268. "اللسان"(شهد) 4/ 2348.
(13)
أنظر: تفسير الطبري (496): ص 1/ 376.
(14)
أنظر: معاني القرآن" للزجاج 1/ 66.
(15)
التفسير البسيط: 2/ 244. وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 203، (غريب القرآن) لابن قتيبة: 1/ 26، "زاد المسير" 1/ 51.
(16)
ورد البيت في "ديوان الحماسة" بشرح المرزوقي، وعزاه لبعض بنى فقعس 2/ 498، وورد في "البيان والتبيين"، وقال: قال القيسي، 2/ 11، وفي "الحيوان" وقال: قول بعض القيسيين من قيس بن ثعلبة 1/ 134، ومعنى البيت: يقول استغثت بهؤلاء القوم، فهب رجال لنصرتي كأنهم فحول، و (الخناذيذ): الكرام من الخيل، استعارها للكرام من الرجال.
(17)
ورد البيت في "ديوان الحماسة" بشرح المرزوقي 1/ 211، "معجم ما استعجم من البلدان" 3/ 785، "معجم البلدان" 3/ 330، وكلهم نسبوه لامرأة من طيئ. قيل: هي بنت بهدل بن قرفة الطائي، أحد لصوص العرب في زمن عبد الملك بن مروان. و (الشرى): مكان وقعت فيه الوقعة المذكورة، و (الحفيظة) الخصلة التي يحفظ الإنسان عندها أي يغضب. و (يكلم): يقتل أو يغلب.
(18)
أنظر: التفسير البسيط: 2/ 244 - 245، وانظر:"تفسير الثعلبي" 1/ 57 أ، وأبي الليث في "تفسيره" 1/ 102. "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 200. "زاد المسير" 1/ 50.
(19)
أنظر: تفسير الطبري (497)، (498)، و (499): ص 1/ 376.
(20)
أنظر: تفسير الطبري (500): ص 1/ 377.
(21)
أي: استعينوا بآلهتكم في ذلك يمدونكم وينصرونكم.
(22)
أنظر: معاني القرآن: 1/ 19. قال الفراء: "يريد آلهتكم. يقول: استغيثوا بهم وهو كقولك للرجل: إذا لقيت العدو خاليا فادع المسلمين. ومعناه: فاستغث واستعن بالمسلمين".
(23)
انظر: تفسيرابن كثير: 1/ 199.
(24)
أنظر: غريب القرآن: 26.
(25)
التفسير البسيط: 2/ 246.
(26)
تفسير الطبري: 1/ 377 - 379، وانظر: تفسيرابن كثير: 1/ 199، قال الطبري:"وأما ما قاله مجاهد وابن جُريج في تأويل ذلك، فلا وجه له، لأن القوم كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أصنافًا ثلاثة: أهل إيمان صحيح، وأهل كفر صحيح، وأهلَ نفاق بين ذلك، فأهل الإيمان كانوا بالله وبرسوله مؤمنين، فكان من المحال أن يدّعي الكفار أن لهم شُهداء - على حقيقة ما كانوا يأتون به، لو أتوا باختلاق من الرسالة، ثم ادَّعوا أنه للقرآن نَظير - من المؤمنين، فأما أهلُ النفاق والكفر، فلا شكّ أنهم لو دُعُوا إلى تَحقيق الباطل وإبطال الحق لتتارعوا إليه مع كفرهم وضَلالهم، فمن أي الفريقين كانت تكون شُهداؤهم لو ادعوْا أنهم قد أتوْا بسورة من مثل القرآن؟ ولكنْ ذلك كما قال جل ثناؤه: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [سورة الإسراء: 88]، فأخبر جل ثناؤه في هذه الآية، أنّ مثل القرآن لا يأتي به الجنّ والإنس ولو تظاهروا وتعاونوا على الإتيان به، وقال في سورة هود: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [هود: 13]، وقال في سورة يونس: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [يونس: 37، 38] وكل هذه الآيات مكية، وتحدَّاهم بمعنى التوبيخ لهم في سورة البقرة فقال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)} [البقرة: 23]، يعني بذلك: إن كنتم في شَكّ في صدق محمد فيما جاءكم به من عندي أنه من عندي، فأتوا بسورة من مثله، وليستنصر بعضُكم بعضًا على ذلك إن كنتم صادقين في زعمكم، حتى تعلموا أنكم إذْ عَجزتم عن ذلك - أنّه لا يقدر على أن يأتي به محمد صلى الله عليه وسلم، ولا من البشر أحدٌ، ويَصحَّ عندكم أنه تنزيلي وَوحيي إلى عبدي". [تفسيره: 1/ 377 - 379].
(27)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 82.
(28)
صفوة التفاسير: 1/ 35.
(29)
تفسير البيضاوي: 1/ 58.
قال الواحدي: أي: "وادعوا من اتخذتموه معاونين من غير الله على تفسير ابن عباس (1) وعلى قول الفراء (2) يقول: ادعوا من اتخذتم إلها من دونه، وعلى قول القرظي (3) ومجاهد (4)، يقول: ادعوا من يشهد لكم دون الله، فإن الله تعالى لا يشهد لكم بالصدق، كما يشهد لمحمد، فاطلبوا غيره شهداء إن كنتم صادقين في أن هذا الكتاب يقوله محمد من نفسه، وأنه ليس من عند الله، وفي قولكم: لو أردنا لأتينا بمثله"(5).
وقوله {فادعوا} ، يعني: استنصروا واستغيثوا، كما قال الراعي النميري (6):
فَلَمَّا الْتَقَتْ فُرْسَانُنَا وَرِجَالُهُمْ
…
دَعَوْا: يَا لَكَعْبٍ! وَاعْتَزَيْنَا لِعَامِرِ
يعني بقوله: " دعوْا يالكعب "، استنصرُوا كعبًا واستغاثوا بهم (7).
قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 23]، "أي: أنه مختلق وأنه من كلام البشر" (8).
قال ابن عثيمين: "أي في أن هذا القرآن مفترًى على الله، والجواب على هذا: أنه لا يمكن أن يأتوا بسورة مثله مهما أتوا من المعاونين، والمساعدين"(9).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: دفاع الله سبحانه وتعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: {فأتوا بسورة من مثله} ؛ لأن الأمر هنا للتحدي؛ فالله عز وجل يتحدى هؤلاء بأن يأتوا بمعارضِ لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
2 ومنها: فضيلة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لوصفه بالعبودية؛ والعبودية لله عز وجل هي غاية الحرية؛ لأن من لم يعبد الله فلا بد أن يعبد غيره؛ فإذا لم يعبد الله عز وجل. الذي هو مستحق للعبادة. عَبَدَ الشيطان، كما قال ابن القيم. رحمه الله. في النونية: .
هربوا من الرق الذي خلقوا له وبلوا برق النفس والشيطان 3. ومنها: أن القرآن كلام الله؛ لقوله تعالى: {مما نزلنا}؛ ووجه كونه كلام الله أن القرآن كلام؛ والكلام صفة للمتكلم، وليس شيئاً بائناً منه؛ وبهذا نعرف بطلان قول من زعم أن القرآن مخلوق.
4 ومنها: إثبات علوّ الله عز وجل؛ لأنه إذا تقرر أن القرآن كلامه، وأنه منزل من عنده لزم من ذلك علوّ المتكلم به؛ وعلو الله عز وجل ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة؛ وتفاصيل هذه الأدلة في كتب العقائد؛ ولولا خوض أهل البدعة في ذلك ما احتيج إلى كبير عناء في إثباته؛ لأنه أمر فطري؛ ولكن علماء أهل السنة يضطرون إلى مثل هذا لدحض حجج أهل البدع.
5 ومن فوائد الآية: أن القرآن معجز حتى بسورة. ولو كانت قصيرة؛ لقوله تعالى: {فأتوا بسورة من مثله).
6 ومنها: تحدي هؤلاء العابدين للآلهة مع معبوديهم؛ وهذا أشد ذلًّا مما لو تُحدوا وحدهم.
القرآن
التفسير:
(1) أنظر: تفسير الطبري (496): ص 1/ 376.
(2)
أنظر: معاني القرآن: 1/ 19. قال الفراء: "يريد آلهتكم. يقول: استغيثوا بهم وهو كقولك للرجل: إذا لقيت العدو خاليا فادع المسلمين. ومعناه: فاستغث واستعن بالمسلمين".
(3)
نقلا عن: التفسير البسيط: 2/ 251.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (497)، (498)، و (499): ص 1/ 376.
(5)
التفسير البسيط: 2/ 250 - 251.
(6)
البيت في: اللسان (عزا)، تفسير الطبري: 1/ 377، واعتزى: انتسب، ودعا في الحرب بمثل قوله: يا لفلان، أو يا للمهاجرين، أو يا للأنصار، والاسم العزاء والعزوة، وهي دعوى المستغيث.
(7)
أنظر: تفسير الطبري: 1/ 377.
(8)
صفوة التفاسير: 1/ 35.
(9)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 82.
فإن عجَزتم الآن -وستعجزون مستقبلا لا محالة- فاتقوا النار بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وطاعة الله تعالى. هذه النار التي حَطَبُها الناس والحجارة، أُعِدَّتْ للكافرين بالله ورسله.
قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا} [البقرة: 24]، "أي فإِن لم تقدروا على الإِتيان بمثل سورةٍ من سوره، وعجزتم في الماضي عن الإِتيان بما يساويه أو يدانيه، مع استعانتكم بالفصحاء والعباقرة والبلغاء"(1).
قال قتادة: "فإن لم تطيقوه"(2).
قوله تعالى: {وَلَن تَفْعَلُوا} [البقرة: 24]، "أي ولن تقدروا في المستقبل أيضاً على الإِتيان بمثله"(3).
قال قتادة: " ولن تطيقوه"(4).
قال ابن كثير: تحداهم القرآن" مع أنهم أفصح الأمم، وقد تحداهم بهذا في مكة والمدينة مرات عديدة، مع شدة عداوتهم له وبغضهم لدينه، ومع هذا عجزوا عن ذلك"(5).
قوله تعالى: {فَاتَّقُوا النَّارَ} [البقرة: 24]، "أي فخافوا عذاب الله، واحذروا نار الجحيم التي جعلها الله جزاء المكذبين"(6).
قوله تعالى: {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [البقرة: 24]، "أي اتقوا النار التي مادتُها التي تُشعل بها وتُضرم لإِيقادها هي الكفار والأصنام التي عبدوها من دون الله"(7).
وقوله تعالى: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} الوَقود بالفتح الحطب، والوُقود بالضم التوقُّد، والحجارة من كبريتٍ أسود، وفيها قولان (8):
أحدهما: أنهم يعذبون فيها بالحجارة مع النار، التي وقودها الناس، وهذا قول ابن مسعود (9)، والسدي (10).
والثاني: أن الحجارة وقود النار مع الناس، ذكر ذلك تعظيماً للنار، كأنها تحرق الحجارة مع إحراقها الناس.
قوله تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 224]، "أي هُيّئت تلك النارُ وأُرصدت للكافرين الجاحدين، ينالون فيها ألوان العذاب المهين"(11).
قال الطبري: " أعدّت النارُ للجاحدين أنّ الله رَبُّهم المتوحِّدُ بخلقهم وخلق الذين من قبلهم"(12).
قال ابن عباس: " أي لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر"(13).
وقد ذكروا في قوله تعالى {أُعِدَّتْ للْكَافِرِينَ} [البقرة: 224]، وجهين (14):
أحدهما: أنها وإن أعدت للكافرين، فهي معدة لغيرهم من مستحقي العذاب من غير الكافرين، وهي نار واحدة، وإنما يتفاوت عقابهم فيها.
والثاني: أن هذه النار معدة للكافرين خاصة، ولغيرهم من مستحقي العذاب نارٌ غيرها.
(1) صفوة التفاسير: 1/ 35.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (243): ص 1/ 64.
(3)
صفوة التفاسير: 1/ 36.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (243): ص 1/ 64.
(5)
تفسير ابن كثير: 1/ 199.
(6)
صفوة التفاسير: 1/ 36.
(7)
صفوة التفاسير: 1/ 36.
(8)
النكت والعيون: 84 - 85.
(9)
أنظر: تفسير الطبري (505): ص 1/ 382.
(10)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (245): ص 1/ 64.
(11)
صفوة التفاسير: 1/ 36.
(12)
تفسير الطبري: 1/ 382.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (248): ص 1/ 65.
(14)
النكت والعيون: 85.
وقوله {أُعِدَّتْ} استدلّ به كثير من أئمة السنة على أن النار موجودة الآن، لأن:{أُعِدَّتْ} أي: أرصدت وهيئت وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك (1)، وقد خالفت المعتزلة بجهلهم في هذا ووافقهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي قاضي الأندلس (2).
وقد اتفق الجمهور أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان وهما باقيتان، وأن الله تعالى قد أعدهما وهيأهما ليكونا مستقراً لعباده، الجنة لأهل الطاعة والإيمان، والنار لأهل الكفر والعصيان، ولم يخالف ذلك إلا بعض ممن ضعف إيمانهم وتضاءلت عقولهم عن فهم النصوص القطعية الثابتة الدالة على وجود الجنة والنار وأنهما مخلوقتان وما تمسكوا به من أدلة لا ينظر إليه ولا يؤبه به لذلك أذكر هنا فقط الأدلة التي تمسك بها العلماء المحققون من أهل السنة والجماعة.
يقول ابن القيم: "لم يزل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون وتابعوهم وأهل السنة والحديث قاطبة وفقهاء الإسلام وأهل التصوف والزهد على اعتقاد ذلك وإثباته مستندين في ذلك إلى نصوص الكتاب والسنة وما علم بالضرورة من أخبار الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم فإنهم دعوا الأمم أليها وأخبروا بها، إلى أن نبغت نابغة من القدرية والمعتزلة فأنكرت أن تكون مخلوقة الآن وقالت بل الله ينشئها يوم القيامة وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة الله فيما يفعله (3)، ويقول ابن حزم (4): "ذهبت طائفة من المعتزلة والخوارج إلى أن الجنة والنار لم يخلقها بعد، وذهب جمهور المسلمين إلى أنهما قد خلقتا وما نعلم لمن قال أنهما لم يخلقا" (5).
وتجدر الإشارة بأنه لم يقع خلاف بين أهل السنة والجماعة والمعتزلة على حقية الجنة والنار وثبوتهما، لأنَّها من المسائل العقدية التي لا تحتمل الخلاف، لورودها بأدلة قطعية الثبوت قطعية الدلالة، بل الخلاف وقع في أنهما موجودتان أم ستوجدان في يوم الجزاء، فقد ذهب أهل السنة والجماعة إلى القول بثبوت خلق الجنة والنار ووجودهما، وذهب المعتزلة إلى القول بنفي خلق الجنة والنار وعدم وجودهما، بل ستوجدان يوم الجزاء، مع العلم بأنه لم يذهب المعتزلة إلى ذاك القول بسبب اتباع الهوى، بل أرادوا أنْ يدفعوا تعارضاً ظهر لهم بين النصوص الشرعية، فخذلهم فهمهم وعقلهم، وما أغنت عنهم فلسفتهم العوراء المتهافتة من الحق شيئاً.
والصحيح في هذه المسألة هو قول أهل السنة والجماعة، لأن ما ذهب إليه المعتزلة، فيه خرق لإجماع الأمة (6).
(1) تنظر: تفسير ابن كثير: 1/ 202. منها: حديث ابن مسعود: سمعنا وجبة فقلنا ما هذه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا حجر ألقي به من شفير جهنم منذ سبعين سنة الآن وصل إلى قعرها". [صحيح مسلم برقم (2844)].
(2)
تنظر: تفسير ابن كثير: 1/ 202.
(3)
حادي الأفراح إلى بلاد الأفراح، لابن القيم، بتحقيق: الدكتور السيد الجميلي، الباب الأول: في بيان وجود الجنة، ص: 37، الطبعة الرابعة 1409 هـ، 1988 م، دار الكتاب العربي.
(4)
هو الإمام أبو محمد علي بن أحمد الشهير بابن حزم الأندلسي الظاهري صاحب اللسان الشديد برع في فنون كثيرة ومن مؤلفاته: المحلى في الفقه، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ولد سنة 384 هـ وتوفي سنة 456 هـ انظر: سير أعلام النبلاء 18/ 187 – 211.
(5)
الفصل والملل والأهواء والنحل، لابن حزم، الكلام في خلق الجنة والنار، 4/ 81، دار الفكر، 1400 هـ، 1980 م.
(6)
وقد تضافرت نصوص القرآن والسنة على إثبات ما ذهب جمهور المسلمين من كون الجنة والنار مخلوقتين الآن فالله تعالى يقول في شأن الجنة: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]، ويقول تعالى:{سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [5]، وغير ذلك من الآيات التي تدل على أن الجنة مخلوقة موجودة الآن، وقد عبر القرآن بصيغة الماضي في قوله (أُعِدَّتْ) وهذا التعبير يفيد أنها مخلوقة موجودة-كما أشار أليه ابن كثير-، وفي قصة المعراج يقول تعالى:{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16)} [النجم: 13 - 16]، مما يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى سدرة المنتهى ورأى عندها جنة المأوى كما في حديث أبي رضي الله عنه في قصة الإسراء حيث يقول في آخره: «ثم أنطلق بي جبريل حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى وغشيها ألوان لا أدري ما هي؟ ثم دخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك". [أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب ذكر إدريس عليه السلام، ص: 556، رقم الحديث: 3342].
وأخبر الله تعالى أنها الجنة التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة فقال تعالى: {أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19)} [السجدة: 19] ويقول في شأن النار: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131)} [آل عمران: 131]، ويقول تعالى:{وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29)} [الكهف: 29]، وقال تعالى:{أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (102)} [الكهف: 102]، وقال تعالى:{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)} [غافر: 46].
وغير ذلك من الآيات الدالة على وجود النار. أما الأحاديث الدالة كذلك على وجود الجنة والنار وأنهما مخلوقتان فكثيرة تقتصر على ذكر حديثين فقط منها عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل النار يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة". [صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب الميت يعرض عليه بالغداة والعشي، ص: 221، رقم الحديث: 1379] ..
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فاقرؤوا إن شئتم {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} ". [صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، ص: 541، رقم الحديث: 3244]. وغير ذلك من الأحاديث التي تقرر وتؤكد أن الجنة والنار مخلوقتان وموجودتان الآن ومعدتان لاستقبال الخلق.
وقد نقد المعتزلة هذا الاستدلال لأهل اسنة والجماعة على خلق الجنة والنار، إذ بينوا أن التعبير بلفظ الماضي في هذه الآيات جاء لا ليدل على الوجود بل ليدل على تحقق الوقوع، وفي ذلك يقول الزمخشري المعتزلي في (كشافه):"كلها للمضى، والمراد بها الاستقبال، لأنَّ ما الله فاعله في المستقبل بمنزلة ما قد كان ووجد لتحققه". [الكشاف: 3/ 592].
ويبين الزمخشري عند تفسيره لسورة (غافر) للآيات [69 إلى 76]، والتي تتحدث عن النار وعذابها ما نصه:"إلا أن الأمور المستقبلة لما كانت في أخبار الله تعالى متيقنة مقطوعا بها: عبر عنها بلفظ ما كان ووجد، والمعنى على الاستقبال". [4/ 178].
ويقول العرياني: "قوله تعالى في حق الجنة: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (آل عمران: 133)، وفي حق النار: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} (البقرة: 24). {وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ} (الشعراء: 91)، وحملها على التعبير عمّا يقع في المستقبل بلفظ الماضي تنبيها على تحقق وقوعه". [خير القلائد شرح جواهر العقائد، العرياني: ص 182]، ، فالتعبير بالماضي لا يدل على وجودهما، بل هذا التعبير ليدل على تحقق هذا الوقوع.
واستدل أهل السنة والجماعة على وجود الجنة والنار، بقصة آدم عليه السلام وزوجه حواء، حيث أسكنهما الله تعالى الجنة، فلو لم تكن الجنة موجودة لما كان معنى لإدخال الله تعالى آدم وحواء بها.
فنقد المعتزلة هذا الوجه من وجوه الاستدلال لأهل السنة، بأن الله تعالى أدخل آدم وحواء بستان من بساتين الدنيا، ولم يدخلهما الجنة المعهودة، وفي ذلك يقول أبو مسلم الأصفهاني المعتزلي:"هي جنة من جنان الدنيا في الأرض". [جامع التأويل لمحكم التنزيل، محمد بن بحر الأصفهاني: 35].
، ويستدل المعتزلة على أن هذه الجنة لم تكن جنة الخلد بل بستان من بساتين الدنيا بجملة من الوجوه، نجملها في نقطتين، وهما:
1 -
أن الغرور لحق آدم في هذه الجنة، وجنة الخلد لا غرور فيها، وفي ذلك يقول البلخي المعتزلي:"لو كان آدم في جنة الخلد لما لحقه فيها الغرور من إبليس بقوله تعالى: {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى} (طه: 120) "[تفسير أبي القاسم الكعبي البلخي، ص 114].
2 -
أن جنة الخلد من دخلها لا يخرج منها أبداً، فلما أخرج آدم عليه السلام منها علمنا أنها لم تكن الجنة المقصودة، وفي ذلك يقول البلخي المعتزلي:"إن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها بقوله تعالى: {وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} (الحجر: 48) ". [تفسير أبي القاسم الكعبي البلخي، ص 114].
وحمل المعتزلة الإهباط الوارد في قوله تعالى: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} (البقرة: 36)، على "على الانتقال من بقعة إلى بقعة". [تفسير أبي القاسم الكعبي البلخي، ص 114].
ويوضح البزدوي وجه استدلالهم بالآية، فيقول:"لو كان في جنات عدن فما تصور الخروج؟ فإن من دخل الجنة لا يخرج منها". [أصول الدين، ص 170]، فآدم عليه السلام وحواء لو أدخلا الجنة المعهودة لما خرجا منها، لأن الله تعالى أخبر أن من يدخل الجنة المعهودة لا يخرج منها أبداً، فلما أدخلا وخرجا علمنا أنَّ إدخالهما ليس في الجنة المعهودة، فبطل بذلك دليل أهل السنة المشار إليه سابقاً.
وقد نفى أهل السنة وجود التناقض بين آية الهلاك وآية دوام الأكل، فلا يلزم المحال الذي ذكره المعتزلة، ووجه عدم التناقض بين الآيتين أن "المراد بدوام الأكل أنه إذا أفنى منه شيء جيء ببدله، لا أنه يبقى بعينه، وذلك لا ينافي الهلاك لحظة". [خير القلائد شرح جواهر العقائد، ص 183]، فأكل أهل الجنة دائم بمعنى التجدد، لا بمعنى عدم الفناء، ودوام التجدد لا يناقض عدم الهلاك.
أما بخصوص رد أهل السنة والجماعة لنقد المعتزلة للآية الأولى: قوله تعالى في حق الجنة: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (آل عمران: 133)، وقوله تعالى في حق النار:{أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} (البقرة: 24)، إذ أشار المعتزلة أن لفظة (أعدت)، وإن كانت تدل على الزمن الماضي، الذي يدل على الوجود والوقوع، إلا أن هذه اللفظة في هذا الموطن المراد منها غير ما وضعت له، بل المراد منها تأكيد الوقوع في المستقبل.
فنقد أهل السنة هذا الفهم بقولهم: "وهذه الصيغة موضوعة للمضي حقيقة فلا وجه للعدول عنها إلى المجاز إلا بصريح آية، أو صحيح دلالة". [القاري، شرح كتاب الفقه الأكبر، ص 165]، فنقل المعتزلة هذه اللفظة من الحقيقة التي وضعت لها إلى المجاز من غير دليل، كلام باطل، فسقط بذلك استدلالهم.
رد نقدهم للآية الثانية: قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} (البقرة: 35).
استدل أهل السنة على وجود الجنة، بأن الله تعالى أدخل بها آدم وحواء عليهما السلام، فنقد المعتزلة هذا الاستدلال بأنَّ الجنة التي أدخل بها آدم وحواء ليست الجنة المعهودة، بل بستان من بساتين الدنيا، فنقد أهل السنة هذا الاستدلال للمعتزلة بأن الجنة التي أخرج منها آدم عليه السلام هي جنة الخلد المعهودة، لأن الله تعالى ذكر لآدم عليه السلام أوصاف هذه الجنة، وهذه الأوصاف لا تكون إلا في الجنة المعهودة، يقول البزدوي:"وكذلك قال الله تعالى: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} (البقرة: 35)، وقال تعالى: {فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) إِنَّ لَكَ أَلَاّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى} (طه: 117 - 119)، أخبر أنه لو خرج من الجنة؛ يشقى، وأنه في الجنة لا يجوع ولا يعرى ولا يظمأ ولا يضحى، وهذا من صفات جنات عدن لا من صفات جنّات الدنيا، فدلتنا هذه الآية أن آدم عليه السلام كان في جنات عدن". [البزدوي، أصول الدين، ص 170].
الفوائد:
1 من فوائد الآية: أن من عارض القرآن فإن مأواه النار؛ لقوله تعالى: (فاتقوا النار)
2 ومنها: أن الناس وقود للنار كما توقد النار بالحطب؛ فهي في نفس الوقت تحرقهم، وهي أيضاً توقد بهم؛ فيجتمع العذاب عليهم من وجهين.
3 ومنها: إهانة هؤلاء الكفار بإذلال آلهتهم، وطرحها في النار. على أحد الاحتمالين في قوله تعالى:
{الحجارة} ؛ لأن من المعلوم أن الإنسان يغار على من كان يعبده، ولا يريد أن يصيبه أذًى؛ فإذا أحرق هؤلاء المعبودون أمام العابدين فإن ذلك من تمام إذلالهم، وخزيهم.
4 ومنها: أن النار موجودة الآن؛ لقوله تعالى: {أعدت} ؛ ومعلوم أن الفعل هنا فعل ماض؛ والماضي يدل على وجود الشيء؛ وهذا أمر دلت عليه السنة أيضاً؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم عُرضت عليه الجنة، والنار، ورأى أهلها يعذبون فيها: رأى عمرو بن لحيّ الخزاعي يجر قصبه. أي أمعاءه. في النار؛ ورأى المرأة التي حبست الهرة حتى ماتت جوعاً: فلم تكن أطعمتها، ولا أرسلتها تأكل من خشاش الأرض؛ ورأى فيها صاحب المحجن. الذي كان يسرق الحُجَّاج بمحجنه. يعذب: وهو رجل معه محجن. أي عصا محنية الرأس. كان يسرق الحُجاج بهذا المحجن؛ إذا مر به الحجاج جذب متاعهم؛ فإن تفطن صاحب الرحل لذلك ادعى أن الذي جذبه المحجن؛ وإن لم يتفطن أخذه؛ فكان يعذب. والعياذ بالله. بمحجنه في نار جهنم (1).
مسألة:
هل النار باقية؛ أو تفنى؟ ذكر بعض العلماء إجماع السلف على أنها تبقى، ولا تفنى؛ وذكر بعضهم خلافاً عن بعض السلف أنها تفنى؛ والصواب أنها تبقى أبد الآبدين؛ والدليل على هذا من كتاب الله عز وجل في ثلاث آيات من القرآن: في سورة النساء، وسورة الأحزاب، وسورة الجن؛ فأما الآية التي في النساء فهي قوله تعالى:{إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً * إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً} [النساء: 168، 169]؛ والتي في سورة الأحزاب قوله تعالى: {إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً * خالدين فيها أبداً} [الأحزاب: 64، 65]؛ والتي في سورة الجن قوله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً} [الجن: 23]؛ وليس بعد كلام الله كلام؛ حتى إني أذكر تعليقاً لشيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله على كتاب "شفاء العليل" لابن القيم؛ ذكر أن هذا من باب: "لكل جواد كبوة؛ ولكل صارم نبوة". وهو صحيح؛ كيف إن المؤلف رحمه الله يستدل بهذه الأدلة على القول بفناء النار مع أن الأمر فيها واضح؟ ! غريب على ابن القيم رحمه الله أنه يسوق الأدلة بهذه القوة للقول بأن النار تفنى! وعلى كل حال، كما قال شيخنا في هذه المسألة:"لكل جواد كبوة؛ ولكل صارم نبوة"؛ والصواب الذي لا شك فيه. وهو عندي مقطوع به. أن النار باقية أبد الآبدين؛ لأنه إذا كان يخلد فيها تخليداً أبدياً لزم أن تكون هي مؤبدة؛ لأن ساكن الدار إذا كان سكونه أبدياً لابد أن تكون الدار أيضاً أبدية.
وأما قوله تعالى في أصحاب النار: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك} [هود: 107] فهي كقوله تعالى في أصحاب الجنة: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك} [هود: 108] لكن لما كان أهل الجنة نعيمهم، وثوابهم فضلاً ومنَّة، بيَّن أن هذا الفضل غير منقطع، فقال تعالى:{عطاءً غير مجذوذ} [هود: 108]؛ ولما كان عذاب أهل النار من باب العدل، والسلطان المطلق للرب عز وجل قال تعالى في آخر الآية:{إن ربك فعال لما يريد} [هود: 107]؛ وليس المعنى: {إن ربك فعال لما يريد} [هود: 107] أنه سوف يخرجه من النار، أو سوف يُفني النار.
5 ومن فوائد الآية: أن النار دار للكافرين؛ لقوله تعالى: {أعدت للكافرين} ؛ وأما من دخلها من عصاة المؤمنين فإنهم لا يخلدون فيها؛ فهم فيها كالزوار؛ لا بد أن يَخرجوا منها؛ فلا تسمى النار داراً لهم؛ بل هي دار للكافر فقط؛ أما المؤمن العاصي. إذا لم يعف الله عنه. فإنه يعذب فيها ما شاء الله، ثم يخرج منها إما بشفاعة؛ أو بمنة من الله وفضل؛ أو بانتهاء العقوبة.
(1) راجع مسلم ص 819 – 820، كتاب الكسوف، باب 3: ما عرض على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، حديث رقم 2100 [9] 904؛ وراجع مسلم ص 1173، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب 13: النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، حديث رقم 7192 [50]2856.
مسألة:
إذا قال قائل: ما وجه الإعجاز في القرآن؟ وكيف أعجز البشر؟ .
الجواب: أنه معجز بجميع وجوه الإعجاز؛ لأنه كلام الله، وفيه من وجوه الإعجاز ما لا يدرك؛ فمن ذلك: .
أولاً: قوة الأسلوب، وجماله؛ والبلاغة، والفصاحة؛ وعدم الملل في قراءته؛ فالإنسان يقرأ القرآن صباحاً، ومساءً. وربما يختمه في اليومين، والثلاثة. ولا يمله إطلاقاً؛ لكن لو كرر متناً من المتون كما يكرر القرآن ملّ.
ثانياً: أنه معجز بحيث إن الإنسان كلما قرأه بتدبر ظهر له بالقراءة الثانية ما لم يظهر له بالقراءة الأولى.
ثالثاً: صدق أخباره بحيث يشهد لها الواقع؛ وكمال أحكامه التي تتضمن مصالح الدنيا، والآخرة؛ لقوله تعالى:{وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً} (الأنعام: 115)
رابعاً: تأثيره على القلوب، والمناهج؛ وآثاره، حيث ملك به السلف الصالح مشارق الأرض، ومغاربها.
وأما كيفية الإعجاز فهي تحدي الجن، والإنس على أن يأتوا بمثله، ولم يستطيعوا.
مسأل. ثانية:
حكى الله عز وجل عن الأنبياء، والرسل، ومن عاندهم أقوالاً؛ وهذه الحكاية تحكي قول من حُكيت عنه؛ فهل يكون قول هؤلاء معجزاً. يعني مثلاً: فرعون قال لموسى: {لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين} [الشعراء: 29]: هذا يحكيه الله عز وجل عن فرعون؛ فيكون القول قول فرعون؛ فكيف كان قول فرعون معجزاً والإعجاز إنما هو قول الله عز وجل؟
فالجواب: أن الله تعالى لم يحك كلامهم بلفظه؛ بل معناه؛ فصار المقروء في القرآن كلام الله عز وجل. وهو معجز.
القرآن
التفسير:
وبشر -أيها الرسول- الذين آمنوا بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من عند ربه، وصدقوا إيمانهم ذلك وإقرارهم بأعمالهم الصالحة من واجبات ومستحبات، أن لهم جنات تجري من تحت أشجارها أنهار، كلما أعطوا عطاء ورزقوا رزقاً من ثمار الجنة قالوا قد رَزَقَنا الله هذا النوع من قبل، فإذا ذاقوه وجدوه شيئًا جديدًا في طعمه ولذته، وإن تشابه مع سابقه في اللون والمنظر والاسم، ولهم في الجنَّات زوجات مطهَّرات.
قال ابن كثير: " لما ذكر تعالى ما أعده لأعدائه من الأشقياء الكافرين به وبرسله من العذاب والنكال، عَطف بذكر حال أوليائه من السعداء المؤمنين به وبرسله، الذين صَدَّقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة، وهذا معنى تسمية القرآن "مثاني" على أصح أقوال العلماء. وهو أن يذكر الإيمان ويتبعه بذكر الكفر، أو عكسه، أو حال السعداء ثم الأشقياء، أو عكسه. وحاصله ذكر الشيء ومقابله. وأما ذكر الشيء ونظيره فذاك التشابه"(1).
قال الزمخشري: " من عادته عز وجل في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب، ويشفع البشارة بالإنذار إرادة التنشيط، لاكتساب ما يزلف، والتثبيط عن اقتراف ما يتلف. فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب، قفاه ببشارة عباده الذين جمعوا بين التصديق والأعمال الصالحة من فعل الطاعات وترك المعاصي، وحموها من الإحباط بالكفر والكبائر بالثواب"(2).
قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 25]، أي:"وأخبر"(3) يا محمد الذين آمنوا.
قال الصابوني: " أي وبَشِّرْ يا محمد المؤمنين المتقين"(4).
(1) تفسير ابن كثير: 1/ 203.
(2)
تفسير الكشاف: 1/ 104.
(3)
تفسير الطبري: 1/ 384.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 36.
قال ابن عثمين: " أي [الذين آمنوا] بما يجب الإيمان به مما أخبر الله به، ورسوله؛ وقد بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم أصول الإيمان بأنها الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره؛ لكن ليس الإيمان بهذه الأشياء مجرد التصديق بها؛ بل لا بد من قبول، وإذعان؛ وإلا لما صح الإيمان"(1).
قال الطبري: " هذا أمر من الله تعالى نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بإبلاغ بشارته خلقَه الذين آمنوا به وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند ربه، وصدّقوا إيمانهم ذلك وإقرَارهم بأعمالهم الصالحة"(2).
والخطاب في قوله تعالى: {بشِّر} يحتمل وجهين (3):
أحدهما: أنه خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم. يعني بشِّر أيها النبي. وهو الظاهر.
والثاني: أو أنه لكل من يتوجه إليه الخطاب، ؛ يعني: بشِّر أيها المخاطَب، من اتصفوا بهذه الصفات بأن لهم جنات.
قال النسفي: " والمأمور بقوله " وبشر " الرسول عليه السلام أو كل أحد، وهذا أحسن لأنه يؤذن بأن الأمر لعظمة وفخامة شأنه محقوق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به"(4).
قال البغوي: " والبشارة كل خبر صدق تتغير به بشرة الوجه، ويستعمل في الخير والشر، وفي الخير أغلب"(5).
قال ابن عثيمين: " و "البشارة" هي الإخبار بما يسر؛ وسميت بذلك لتغير بَشَرة المخاطَب بالسرور؛ لأن الإنسان إذا أُخبر بما يُسِرُّه استنار وجهه، وطابت نفسه، وانشرح صدره؛ وقد تستعمل "البشارة" في الإخبار بما يسوء، كقوله تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم} [آل عمران: 21]: إمَّا تهكماً بهم؛ وإما لأنهم يحصل لهم من الإخبار بهذا ما تتغير به بشرتهم، وتَسودَّ به وجوههم، وتُظلِم، كقوله تعالى في عذابهم يوم القيامة: {ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم * ذق إنك أنت العزيز الكريم} [الدخان: 48، 49] "(6).
وقرئ {وَبَشّرِ} ، على البناء للمفعول عطفاً على: أعدت، فيكون استئنافاً (7).
قوله تعالى: {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة: 25]، أي:"وحقَّق تصديقَه ذلك قولا بأداء الصالح من الأعمال التي افترضتُها عليه "(8).
قال البغوي: " أي أخلصوا الأعمال"(9).
قال البيضاوي: {الصالحات]، "هي من الأعمال ما سوغه الشرع وحسنه. وعطف العمل على الإيمان مرتباً للحكم عليهما إشعاراً بأن السبب في استحقاق هذه البشارة مجموع الأمرين والجمع بين الوصفين، فإن الإيمان الذي هو عبارة عن التحقيق والتصديق أَسٌّ، والعمل الصالح كالبناء عليه، ولا غناءَ بأْسٍ لا بناء عليه، ولذلك قلما ذكرا منفردين. وفيه دليل على أنها خارجة عن مسمى الإيمان، إذ الأصل أن الشيء لا يعطفُ على نفسه ولا على ما هو داخل فيه"(10).
قال ابن عثيمين: " أي عملوا الأعمال الصالحات. وهي الصادرة عن محبة، وتعظيم لله عز وجل المتضمنة للإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله؛ فما لا إخلاص فيه فهو فاسد؛ لقول الله تعالى في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (11)؛ وما لم
(1) تفسير ابن عثيمين: 1/ 90.
(2)
تفسير الطبري: 1/ 384.
(3)
أنظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 90.
(4)
تفسير النسفي: 1/ 52.
(5)
تفسير البغوي: 1/ 74.
(6)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 89 - 90، وانظر: زاد المسير: 1/ 52.
(7)
تفسير: تفسير البيضاوي: 1/ 59 ..
(8)
تفسير الطبري: 1/ 384.
(9)
تفسير البغوي: 1/ 74.
(10)
تفسير: تفسير البيضاوي: 1/ 59 ..
(11)
أخرجه مسلم ص 1195، كتاب الزهد، باب 4: تحريم الرياء، حديث رقم 7475 [46]2985.
يكن على الاتِّباع فهو مردود لا يقبل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"(1) " (2).
قال الزمخشري: {الصَّالِحَاتِ} البقرة: 25]، "كل ما استقام من الأعمال بدليل العقل والكتاب والسنة، واللام للجنس"(3).
قوله تعالى: {أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ} [البقرة: 25]، " أي بأن لهم حدائق وبساتين ذاتِ أشجار ومساكن"(4).
قوله تعالى {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار} [البقرة: 25]، أي:" تجري من تحت قصورها ومساكنها أنهار الجنة"(5).
قال ابن كثير: " أي: من تحت أشجارها وغرفها"(6).
قال البغوي: "أي من تحت أشجارها ومساكنها"(7).
قال ابن عثيمين: "أي تسيح من تحتها الأنهار"(8).
و{الأنْهَار} أي "المياه في الأنهار لأن النهر لا يجري وقيل {من تحتها} أي بأمرهم لقوله تعالى حكاية عن فرعون "وهذه الأنهار تجري من تحتي" (51 - الزخرف) أي بأمري والأنهار جمع نهر سمي به لسعته وضيائه. ومنه النهار. وفي الحديث "أنهار الجنة تجري في غير أخدود" (9) "(10).
قوله تعالى {جتّات} جمع (جَنّة) وهي لغة: "كل بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض"(11)، وعرفها صاحب لسان العرب، بقوله:"والجنة: البستان، ومنه الجنات، والعرب تسمي النخيل جنة .. والجنة: الحديقة ذات الشجر والنخل، وجمعها جنان .. لاتكون الجنة في كلام العرب إلا وفيها نخل وعنب، فإن لم يكن فيها ذلك وكانت ذات شجر فهي حديقة وليست بجنة .. وقد ورد ذكر الجنة في القرآن العزيز والحديث الكريم في غير موضع .. وسميت بالجنة وهي المرة الواحدة من مصدر جنه جنا إذا ستره، فكأنما سَترةٌ واحدة لشدة التفافها وإظلالها"(12).
و(الجنة) اصطلاحا كما قال الرازي: "ذكر الجنة بلام التعريف، فينصرف إلى ما هو المعلوم عند المسلمين، وليس ذلك إلا دار الثواب"(13). ويقول الصاوي: "والمراد منها دار الثواب"(14).
وإن الجنة من المسائل الغيبية، ومنهج أهل السنة والجماعة في إثبات هذه المسائل، يبينه صاحب تبصرة الأدلة، فيقول:" إن الدلائل السمعية وردت بثبوت عذاب القبر، فلا بد من القول بثبوته، ثم هو من الممكنات"(15).
(1) أخرجه البخاري ص 214، كتاب الصلح، باب 5: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، حديث رقم 2697؛ وأخرجه مسلم ص 982 – 983، كتاب الأقضية، باب 8: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، حديث رقم 4493 [18] 1718، واللفظ لمسلم.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 90.
(3)
تفسير الكشاف: 1/ 105.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 36.
(5)
صفوة التفاسير: 1/ 36.
(6)
تفسير ابن كثير: 1/ 204.
(7)
تفسير البغوي: 1/ 74.
(8)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 91.
(9)
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 13/ 96، وهناد في الزهد: 1/ 171، والطبري في التفسير: 1/ 384. والمروزي في زوائد الزهد ص (524) وعزاه السيوطي أيضا لابن أبي حاتم وأبي الشيخ البيهقي في البعث وصححه عن ابن مسعود انظر: الدر المنثور: 1/ 94، تفسير ابن كثير: 4/ 177، والفتح السماوي 1/ 148.
(10)
تفسير البغوي: 1/ 74.
(11)
المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان داوودي، دمشق، دار القلم، ط 1، 1992 م، ص 204.
(12)
انظر: ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، القاهرة، دار الحديث، دون ذكر رقم الطبعة، 1423 هـ-2003 م، ج 2، ص 235 - 236.
(13)
الرازي، محمد بن عمر، الإشارة في أصول الكلام، تحقيق: محمد العايدي وربيع العايدي، عمان- الأردن، مركز نور العلوم، ط 1، 1428 هـ-2007 م، ص 352.
(14)
الصاوي، أحمد بن محمد، شرح الصاوي على جوهرة التوحيد، تحقيق: د. عبد الفتاح البزم، دمشق – بيروت، دار ابن كثير، ط 3، 1424 هـ-2003 م، ص 394.
(15)
النسفي، أبو المعين ميمون، تبصرة الأدلة في أصول الدين، تحقيق وتعليق الأستاذ الدكتور حسين أتاي والدكتور شعبان علي دوزكون، رئاسة الشؤون الدينية للجمهورية التركية – أنقرة، 1990 م، دون ذكر رقم الطبعة، ج 2، ص 365.
يفهم من الكلام السابق، أن المسائل الغيبية، والتي منها عذاب القبر والجنة والنار، المنهج في إثباتها يكون على نقطتين، وهما:
1 -
أن الدليل السمعي ورد بها.
2 -
أنها من جملة الممكنات عقلاً.
وكل ما هو كذلك وجب الثبوت له، وأنه حق لا مرية فيه ولا شك، وهذا ما فعله العلماء بالفعل عند إثباتهم لحقية الجنة، فعند حديثهم عن النقطة الأولى وهي ورود الدليل السمعي بالجنة، يقول اللقاني:"الجنة .. حق ثابتة بالكتاب والسنة واتفاق عظماء علماء الأمة، وكل ما هو كذلك فالإيمان به واجب"(1).
وعند حديثهم عن النقطة الثانية، بأن الجنة من جملة الممكنات العقلية، يقول صاحب تحرير المطالب:"أما الإمكان (2) فأمر ضروري من جهة العقل"(3)، فالجنة أمر ممكن، بل الإمكان ضروري، لا يتوقف على نظر أو استدلال، بل يعتبر الإمام السنوسي أن ثبوت حقية الجنة من المسائل التي تعلم من الدين بالضرورة، أي أن منكرها كافر، وفي ذلك يقول:"وأما الجنة .. فثبوتها مما علم من الدين ضرورة"(4).
ويقول القاضي عبد الجبار: "فإن الأمة أجمعت على أن لا دار غير الجنة والنار"(5)، فأهل السنة والمعتزلة لا خلاف بينهم في حقية الجنة والنار وثبوتهما.
وعند حديثنا عن مكان الجنة، نجد أن العلماء اختلفوا في مكانها، وفي هذا يقول الكومي:" اختلف العلماء في محلهما "(6)، ويمكن أن نحصر أقوال العلماء في مكان الجنة بأربعة أقوال، وهي:
1 -
إن الجنة في العلو، دون الخوض في تحديد مكان في ذاك العلو، فيقول البزدوي:"الجنة في العلو"(7).
2 -
إن الجنة فوق السماوات السبع وتحت العرش، وقد مال الأكثرون من العلماء إلى هذا القول، حيث يقول العرياني:"والأكثرون على أن الجنة فوق السبع وتحت العرش، تمسكاً بقوله تعالى: {عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} (النجم: 14 – 15)، وقوله عليه السلام: (سقف الجنة عرش الرحمن) (8) "(9).
3 -
ويرى بعض العلماء التوقف في هذه المسألة، وذلك بسبب تعارض ظواهر النصوص التي عينت مكاناً للجنة، فيقول القاري:"وقيل: بالوقف حيث لا يعلمه إلا الله تعالى"(10).
4 -
في حين يرى بعض العلماء أن الأسلم في مثل هذه المسألة أن نفوض علم ذلك إلى الله تعالى، وممن ذكر من العلماء التفويض في هذه المسألة الكومي، حيث يقول:"والحق في ذلك تفويض العلم إلى الله"(11).
بعد هذا العرض لأقوال العلماء في مكان الجنة، فالذي نراه أن الجنة لها مكان محدد بحدود علوية وسفلية، وذلك من خلال النقاط الثلاث الآتية:
(1) انظر: اللقاني، إبراهيم بن هارون، هداية المريد لجوهرة التوحيد، تحقيق: مروان حسين البجاوي، القاهرة، دار البصائر، ط 1، 1430 هـ-2009 م، ص 1102.
(2)
أي إمكان الجنة والنار.
(3)
الكومي، محمد بن أبي الفضل، تحرير المطالب لما تضمنته عقيدة ابن الحاجب، تحقيق: نزار حمادي، بيروت – لبنان، مؤسسة المعارف، ط 1، 1429 هـ- 2008 م، ص 282.
(4)
السنوسي، محمد بن يوسف، شرح العقيدة الكبرى، تحقيق: السيد يوسف أحمد، بيروت - لبنان، دار الكتب العلمية، ط 1، 1427 هـ - 2006 م، ص 440.
(5)
الهمذاني، عبد الجبار بن أحمد (ت 415 هـ)، شرح الأصول الخمسة، تحقيق: د. عبد الكريم عثمان، القاهرة، مكتبة وهبة، ط 4، 1427 هـ-2006 م، ص 623.
(6)
الكومي، تحرير المطالب لما تضمنته عقيدة ابن الحاجب، مرجع سابق، ص 283.
(7)
البزدوي، عبد الله بن محمد، أصول الدين، تحقيق: د. هانز بيتر لنس، القاهرة، المكتبة الأزهرية، 1424 هـ-2003 م، ص 170.
(8)
صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء 6/ 2700، حديث رقم:6987.
(9)
العرياني، خير القلائد شرح جواهر العقائد، ص 183.
(10)
القاري، علي بن سلطان، شرح كتاب الفقه الأكبر، علق عليه علي محمد دندل، بيروت - لبنان، دار الكتب العلمية، ط 2، 1428 هـ-2007 م، ص 165 - 166.
(11)
الكومي، تحرير المطالب لما تضمنته عقيدة ابن الحاجب، ص 283.
1 -
أن الجنة عبارة عن جسم، وكل جسم لابد أن يكون له حدود تحده، ينتج من ذلك أن الجنة لها حدود تحدها، وتلك الحدود بينها لنا القرآن والسنة المطهرة.
2 -
وعند بياننا لحد الجنة من العلو، فنقف عند حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه:(سقف الجنة عرش الرحمن)(1)، فنفهم من هذا الحديث الشريف أن حدود الجنة من جهة الأعلى هو عرش الرحمن، يعني ذلك أن مكان الجنة تحت العرش.
3 -
وأما عند ذكرنا لحد الجنة من جهة السفل، فنقف عند قول الله تعالى:{فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} (الحديد: 13)، فهذه الآية الكريمة أخذت على عاتقها بيان حد الجنة من جهة السفل، وفي ذلك يقول الإمام الطبري:"وقد قيل: إن ذلك السور ببيت المقدس عند وادي جهنم .. حدثنا ابن البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن عطية بن قيس، عن أبي العوّام مؤذّنِ بيت المقدس، قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: إن السور الذي ذكره الله في القرآن: (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ) هو السور الشرقيّ، باطنه المسجد، وظاهره وادي جهنم"(2).
ويقول القرطبي: "والسور حاجز بين الجنة والنار. وروي أن ذلك السور ببيت المقدس عند موضع يعرف بوادي جهنم. (باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ) يعني ما يلي منه المؤمنين (وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ) يعني ما يلي المنافقين. قال كعب الأحبار: هو الباب الذي ببيت المقدس المعروف بباب الرحمة. وقال عبد الله بن عمرو: إنه سور بيت المقدس الشرقي باطنه فيه المسجد (وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ) يعني جهنم. ونحوه عن ابن عباس. وقال زياد بن أبي سوادة: قام عبادة ابن الصامت على سور بيت المقدس الشرقي فبكى، وقال: من ها هنا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى جهنم"(3).
من خلال هذه المقدمات الثلاث يمكننا أن نحدد مكاناً للجنة، فالمقدمة الثانية بينت لنا أن سقف الجنة هو عرش الرحمن، فهذا حدها من جهة العلو الذي ثبت بالحديث الشريف، وحدها من جهة السفل عند سور ببيت المقدس عند موضع يعرف بوادي جهنم، كما ثبت ذلك بأقوال المفسرين للآية القرآنية السابقة.
وللجنة أسماء كثيرة مبثوثة الذكر في كتاب الله تعالى، وكثرة هذه الأسماء تدل على شرف المسمى في الغالب، وكانت على النحو الآتي:
- الجنة: وهو أشهر أسمائها، وقد ورد ذكره بقوله تعالى:{لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ} (الحشر: 20).
- دار السلام: وقد ورد ذكره بقوله تعالى: {لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ} (الأنعام: 127).
- دار المتقين: وقد ورد ذكره بقوله تعالى: {وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} (النحل: 30).
- دار الآخرة: وقد ورد ذكره بقوله تعالى: {وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ} (يوسف: 109).
- الحسنى: وقد ورد ذكره بقوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} (يونس: 26).
- دار المقامة: ورد ذكره بقوله تعالى: {الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ} (فاطر: 35).
ويذكر اللقاني بعض أسمائها، فيقول:"أوسطها وأفضلها الفردوس، وهو أعلاها، وفوقها عرش الرحمن، ومنها تنفجر أنهار الجنة - كما جاء في الحديث (4)، وجنة المأوى، وجنة الخلد، وجنة النعيم، وجنة عدن، ودار السلام، ودار الخلد"(5)، لقد ذكر اللقاني أسماء الجنة التي ترغب في طلبها، لما لهذه الأسماء من مزيد حب في نفس طلابها، لدلالة هذه الأسماء على الخلود والإقامة والراحة والدعة.
(1) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء 6/ 2700، حديث رقم:6987.
(2)
الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق: أحمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط 1، 1420 هـ-2000 م، ج 23 ص 183.
(3)
القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية – القاهرة، ط 2، 1384 هـ-1964 م، ج 17 ص 246.
(4)
صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء 6/ 2700، حديث رقم:6987.
(5)
انظر: اللقاني، هداية المريد لجوهرة التوحيد، ص 1102.
وقد ذكر الله تعالى أوصاف الجنة، وأنهارها وظلها، فيقول سبحانه:{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً} (النساء: 57).
ويصف لنا سبحانه الجنة بأن لها أبواباً، فيقول تعالى:{وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} (الزمر: 73).
ويصف لنا ربنا سبحانه وتعالى سعتها، فيقول تعالى:{سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} [الحديد: 21].
ويصف لنا الله تعالى الجنة بأنها ذات عيون كثيرة مختلفة الطعم واللذة، يقول تعالى:{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ} [الحجر: 45 - 46].
ويصف لنا الله تعالى شجر الجنة، فيقول تعالى:{فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} [الواقعة: 28 - 30].
ويصف الله تعالى فاكهة الجنة، فيقول:{وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ} (الواقعة: 32– 33).
ويصف لنا النبي صلى الله عليه وسلم الجنة، فيقول:"قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"(1).
وعن عبد الله بن قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "جنان الفردوس أربع: ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وليس بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم عز وجل إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن، وهذه الأنهار تشخب من جنة عدن ثم تصدع بعد ذلك أنهاراً"(2).
وقد أخبر الله تعالى أن للجنة أبوابًا في قوله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73].
كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن للجنة أبوابًا:
ـ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ"(3).
وأخبر أنها ثمانية أبواب:
ـ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ."(4).
- عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَىَ عَبْدُ اللهِ وَابْنُ أَمَتِهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ الله مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ"(5).
قوله تعالى: {كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً} [البقرة: 26]، "أي كلما أعطوا عطاءً ورُزقوا رزقاً من ثمار الجنة"(6).
(1) صحيح مسلم، كتاب الجنة، باب صفة الجنة، رقم 7063. (النووي، محي الدين، المنهاج شرح صحيح مسلم، بيروت - لبنان، دار المعرفة، ط 6، 1420 هـ-1999 م.
(2)
أخرجه أحمد (19682) مسند الكوفيين من حديث أبي موسى الأشعري. بهذا اللفظ. مسند الإمام أحمد، تحقيق: شعيب الأرناذؤوط – عادل مرشد، وآخرون، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1421 هـ- 2001 م. والبخاري نحوه، كتاب التوحيد، باب: قوله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة، برقم (7006).
(3)
أخرجه البخارى فى صحيحه – كتاب الصوم – باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان حديث رقم (1809)، وأخرجه مسلم فى صحيحه – كتاب الصيام – باب فضل شهر رمضان حديث رقم (1858).
(4)
رواه البخاري (3017).
(5)
أخرجه مسلم حديث (28)، وأخرجه البخاري في "كتاب الأنبياء""باب (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق) " حديث (3435).
(6)
صفوة التفاسير: 1/ 36.
قال القاسمي: أي كلما: "أطعموا من تلك الجنات"(1).
قال البغوي: "أي: متى ما أطعموا من الجنة ثمرة"(2).
قوله تعالى: {قَالُوا هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} [البقرة: 26]، "أي هذا مثلُ الطعام الي قُدِّم إلينا قبل هذه المرة"(3).
قال ابن كثير: " مثل الذي كان بالأمس"(4).
واختلفوا في قوله تعالى {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25] على ثلاثة أقوال (5):
القول الأول: أن معناه: أن هذا الذي رُزِقْنَاهُ من ثمار الجنة، مثلُ الذي رُزِقْنَاهُ من ثمار الدنيا، وهذا قول ابن مسعود (6) وابن عباس والسدي، ومجاهد (7) وقتادة (8)، وابن زيد (9)، ورجّحه الطبري (10).
وقولهم هذا على وجه التعجب، وليس في الدنيا شيء مما في الجنة سوى الأسماء، فكأنهم تعجبوا لما رأوه من حسن الثمرة وعظم خلقها (11).
وعلى هذا القول، يكون معنى:{مِنْ قَبْلُ} : أي: في الدنيا، وفيه وجهان (12):
أحدهما: أنهم قالوا هذا الذي وعدنا به في الدنيا.
والثاني: هذا الذي رزقنا في الدنيا ; لأن لونها يشبه لون ثمار الدنيا، فإذا أكلوا وجدوا طعمه غير ذلك (13).
والقول الثاني: أن ثمار الجنة إذا جنيت من أشجارها، استخلف مكانها مثلها، فإذا رأوا ما استخلف بعد الذي جُنِي، اشتُبِه عليهم، فقالوا:{هذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْل} ، وهو قول أبي عبيدة (14)، ويحيى بن أبي كثير (15).
وعلى هذا فإن قوله تعالى {من قبل} ، يعني في الجنة لأنهم يرزقون ثم يرزقون، فإذا أتوا بطعام وثمار في أول النهار فأكلوا منها، ثم أتوا منها في آخر النهار قالوا: هذا مثل الذي كان بالأمس، لشدة مشابهة بعضه بعضًا، لقوله تعالى:{وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} ، فإذا أكلوا منها وجدوا لها طعما غير طعم الأول، وكذا قال الربيع بن أنس وقال مجاهد: يقولون: ما أشبهه به! (16).
والقول الثالث: وقيل معناه: خيارا لا رذل فيه، كقوله تعالى:{كِتَاباً مُتَشَابِهاً} [الزمر: 23]، وليس كثمار الدنيا التي لا تتشابه، لأن فيها خيارا وغير خيار (17).
والراجح هو القول الأول، أي: أنهم كلما رزقوا من ثمارها رزقا قالوا: هذا كما رزقنا من قبل في الدنيا؛ وإنما اشتبه عليهم، لأن الله أجرى لهم ما يعرفون شكله، ولكن طعم ثمار الجنة فوق الوصوف حلاوةً. وذلك لكون الكلام لا يستقيم أن يقولوا ذلك عن ثمار الجنة وتشابهها شكلا ولونا مرةً بعد مرةً في أول دخولهم فيها ولم يذوقوا من ثمارها شئ (18)، وهكذا وجه الطبري رأيه وهو حسن في باب النظر في وجوه الكلام.
(1) محاسن التأويل: 1/ 227.
(2)
تفسير البغوي: 1/ 73.
(3)
صفوة التفاسير: 1/ 36.
(4)
تفسير ابن كثير: 1/ 204.
(5)
انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 204.
(6)
انظر: تفسير الطبري (512): ص 1/ 385 - 386.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (524)، و (515): ص 1/ 386.
(8)
انظر: تفسير الطبري (513): ص: 1/ 386.
(9)
انظر: تفسير الطبري (516): ص: 1/ 386.
(10)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 387 - 388.
(11)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 240.
(12)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 240.
(13)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 240.
(14)
انظر: تفسير الطبري (517): ص: 1/ 386.
(15)
أنظر: تفسير الطبري (518): ص 1/ 387.
(16)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 386، وتفسير القرطبي: 1/ 240.
(17)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 386، وتفسير القرطبي: 1/ 240.
(18)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 387 - 388.
قوله تعالى: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً} [البقرة: 26]، "أي متشابهاً في الشكل والمنظر، لا في الطعم والمَخْبر"(1).
قال الطبري: " وأتوا بالذي رُزقوا من ثمارها متشابهًا"(2).
وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً} ، أربعة أقوال (3):
أحدها: أن معنى التشابه أن كله خيار يشبه بعضه بعضاً وليس كثمار الدنيا، التي لا تتشابه لأن فيها خياراً وغير خيار، وهذا قول الحسن (4)، وقتادة (5)، وابن جريج (6).
والثاني: أن التشابه في اللون دون الطعم فكأن ثمار الجنة في ألوان ثمار الدنيا، وإن خالفتها في الطعم، وهذا قول ابن عباس (7)، ومجاهد (8)، وابن مسعود والربيع بن أنس (9)، وقتادة (10)، وعكرمة (11).
والثالث: أن التشابُه في اللون والطعم، قاله مجاهد (12)، وويحيى بن سعيد (13).
والرابع: أن التشابه في الأسماء دون الألوان والطعوم، فلا تشبه ثمار الجنة شيئاً من ثمار الدنيا في لون ولا طعم، وهذا قول ابن الأشجعي (14)، وابن عباس (15)، وعبدالرحمن بن زيد (16).
والراجح-والله أعلم- أن التشابه، في اللون والمنظر، والطعمُ مختلف، بدليل قوله تعالى:{كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25]، "كلما رُزقوا من الجِنان من ثمرة من ثمارها رزقًا قالوا: هذا الذي رُزقنا من قبل هذا في الدنيا: فأخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوا ذلك، ومن أجل أنهم أتُوا بما أتوا به من ذلك في الجنة متشابهًا، يعني بذلك تشابه ما أتوا به في الجنة منه، والذي كانوا رُزقوه في الدنيا، في اللون والمرأى والمنظر، وإن اختلفا في الطعم والذوق، فتباينا، فلم يكن لشيء مما في الجنة من ذلك نظير في الدنيا" (17).
قوله تعالى: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} [البقرة: 25]، "أي ولهم في الجنة زوجاتٌ من الحور العين مطهَّرات من الأقذار والأدناس الحسية والمعنوية"(18).
قال الطبري: قوله {مطهَّرة} ، أي " أنهن طُهِّرن من كل أذًى وقَذًى وريبةٍ، مما يكون في نساء أهل الدنيا، من الحيض والنفاس والغائط والبول والمخاط والبُصاق والمنيّ، وما أشبه ذلك من الأذى والأدناس والريب والمكاره"(19).
قال القاسمي: أي مطهرة" من الحيض والاستحاضة وما لا يختص بهنّ من الأقذار والأدناس، ويجوز لمجيئه مطلقاً، أن يدخل تحته الطهر من دنَس الطباع، وسوء الأخلاق وسائر مثالبهن وكيدهنّ"(20).
(1) صفوة التفاسير: 1/ 36.
(2)
تفسير الطبري: 1/ 389.
(3)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 86.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (519)، و (520)، و (521): ص 1/ 389.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (522): ص 1/ 389 - 390.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (523): ص 1/ 390.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (524): ص 1/ 390.
(8)
أنظر: تفسير الطبري (525)، و (526)، و (528)، و (529): ص 1/ 390 - 391.
(9)
أنظر: تفسير الطبري (527): ص 1/ 390.
(10)
أنظر: تفسير الطبري (532): ص 1/ 391.
(11)
أنظر: تفسير الطبري (533): ص 1/ 391.
(12)
أنظر: تفسير الطبري (530)، و (531): ص 1/ 391.
(13)
أنظر: تفسير الطبري (531): ص 1/ 391.
(14)
أنظر: تفسير الطبري (534): ص 1/ 391 - 392.
(15)
أنظر: تفسير الطبري (535): ص 1/ 392.
(16)
أنظر: تفسير الطبري (536): ص 1/ 392.
(17)
تفسير الطبري: 1/ 392.
(18)
صفوة التفاسير: 1/ 36.
(19)
تفسير الطبري: 1/ 395.
(20)
محاسن التأويل: 1/ 227.
وقوله {أزواج} : جمع زوج، والمرأة: زوج الرجل، والرجل زوج المرأة، قال الأصمعي: ولا تكاد العرب تقول زوجة، وحكى الفراء أنه يقال: زوجة (1)، ولم يسمع في فصيح الكلام، ولذلك عدّه بعض أهل اللغة لحناً، وكان الأصمعي ينكره أشد الإنكار، وكان يحتج بقوله تعالى:{أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} [الأحزاب: 37]، فقيل له: أنها وردت في شعر ذي الرمّة (2):
أذو زوجة بالمصِر أمْ ذو خصومة
…
أراك لها بالبصرة العام ثاويا
فقال: إنّ ذا الرّمة طالما أكل المالح والبقْل في حوانيت البقّالين (3)، يريد أنّه مولّد (4)، والصحيح أن الصيغتين كليهما فصيحة، وقد رواها ابن السكيت (5).
وأنشد الفرزدق (6):
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي
…
كساع إلى أسد الشرى يستبيلها
وشاع ذلك في كلام الفقهاء، قصدوا به التفرقة بين الرجل والمرأة عند ذكر الأحكام، وهي تفرقة حسنة.
وقال عمار بن ياسر في شأن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: "إنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ابْتَلاكُمْ لِتَتَّبِعُوهُ أَوْ إِيَّاهَا"(7).
واختلف في تأويل قوله تعالى: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} [البقرة: 25] على أقوال (8):
أحدها: مطهرة من القذر والأذى، وهو قول ابن عباس (9).
والثاني: وقيل: من الحيض والغائط والبول والنخام والبزاق والمني والولد، وهو قول مجاهد (10)، وروي نحوه عن عطاء (11).
والثالث: وقيل: مطهرة من الأذى والمأثم، وهو قول قتادة (12).
والرباع: وقيل: مطهرة من الحيض. وهو قول عبدالرحمن بن زيد (13)، والحسن (14).
والقول الراجح: أن قوله تعالى {مُطَهَّرَةٌ} ، يشمل طهارة الظاهر وطهارة الباطن، أي:"أنهن طُهِّرن من كل أذًى وقَذًى وريبةٍ، مما يكون في نساء أهل الدنيا، من الحيض والنفاس والغائط والبول والمخاط والبُصاق والمنيّ، وما أشبه ذلك من الأذى والأدناس والريب والمكاره"(15).
(1) انظر: تفسير الطبري: 1/ 386، وتفسير القرطبي: 1/ 240.
(2)
ديوانه: 102.
(3)
ينظر: المزهر، السيوطي: 1/ 14.
(4)
تفسير ابن عاشور: 3/ 314.
(5)
ينظر: النقد اللغوي بين التحررر والجمود، د. نعمة رحيم العزاوي:34. وقيل بأن ابن منظور رمىى الأصمعي بالتشدد (ينظر: لسان العرب مادة (زوج).
(6)
ديوانه: 2/ 61. وفي اللسان (زوع): «يستبيلها»، أي: يطلب بولها. وفيه (بول): «يفسد» بدل «يحرش» و «تستبيلها» أيضاً.
(7)
صحيح البخاري- الفتن - الفتنة التي تموج كموج البحر - رقم الحديث: (6571). وفي هذا الحديث فائدة عظيمة وكنز ثمين لمن أراد ذلك فعمار ابن ياسر وعلى الرغم من أنه كان في جيش علي بن ابي طالب كرم الله وجهه ولم يكن في هذا مع السيدة عائشة رضي الله عنها فلم يمنعه ذلك من أن يقول أنها زوجة رسول الله في الدنيا والاخرة وهذه والله وحدها تكفينا من هذا الحديث. أما قوله "ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه، " فهو خرج مع أمير المؤمنين مجتهداً في ذلك ويرى أنه على صواب والسيدة عائشة رضوان الله عليها ايضاً خرجت تطلب دم عثمان وايضاً اجتهدت في ذلك وترى أنها على صواب ونحن هنا لانقول أن الحق مع عائشة رضي الله عنها أو مع أمير المؤمنين كرم الله وجهه ولكن نقول كما قال أهل السنة والجماعة: ماحدث بين الصحابة عنه نسكت وأجر الاجتهاد لهم نثبت. وهؤلاء قوم عصم الله عنا دماءهم أفلا نعصم السنتنا عنهم.
(8)
انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 205.
(9)
أنظر: تفسير الطبري (538)، و (539): ص 1/ 395.
(10)
أنظر: تفسير الطبري (540)، و (541)، و (542)، و (543)، و (544)، و (549): ص 1/ 395 - 396.
(11)
أنظر: تفسير الطبري (553): ص 1/ 397.
(12)
أنظر: تفسير الطبري (546)، و (547)، و (548): ص 1/ 396.
(13)
أنظر: تفسير الطبري (550): ص 1/ 396.
(14)
أنظر: تفسير الطبري (551، و (552)): ص 1/ 397.
(15)
تفسير الطبري: 1/ 395.
قوله تعالى: {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 26]، "أي" دائمون لا يموتون فيها ولا يخرجون منها" (1).
قال ابن عثيمين: أي: " ماكثون لا يخرجون منها"(2).
قال ابن كثير: " هذا هو تمام السعادة، فإنهم مع هذا النعيم في مقام أمين من الموت والانقطاع فلا آخر له ولا انقضاء، بل في نعيم سرمدي أبدي على الدوام، والله المسؤول أن يحشرنا في زمرتهم، إنه جواد كريم، بر رحيم"(3).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: مشروعية تبشير الإنسان بما يسر؛ لقوله تعالى: {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات} ؛ ولقول الله تبارك وتعالى: {وبشرناه بإسحاق نبيًّا من الصالحين} [الصافات: 112]، وقوله تعالى:{وبشروه بغلام عليم} [الذاريات: 28]، وقوله تعالى:{فبشرناه بغلام حليم} [الصافات: 101]؛ فالبشارة بما يسر الإنسان من سنن المرسلين. عليهم الصلاة والسلام؛ وهل من ذلك أن تبشره بمواسم العبادة، كما لو أدرك رمضان، فقلت: هنّاك الله بهذا الشهر؟ الجواب: نعم؛ وكذلك أيضاً لو أتم الصوم، فقلت: هنّأك الله بهذا العيد، وتقبل منك عبادتك وما أشبه ذلك؛ فإنه لا بأس به، وقد كان من عادة السلف.
2 ومن فوائد الآية: أن الجنات لا تكون إلا لمن جمع هذين: الإيمان، والعمل الصالح.
فإن قال قائل: في القرآن الكريم ما يدل على أن الأوصاف أربعة: الإيمان؛ والعمل الصالح؛ والتواصي بالحق؛ والتواصي بالصبر؟
فالجواب: أن التواصي بالحق، والتواصي بالصبر من العمل الصالح، لكن أحياناً يُذكر بعض أفراد العام لعلة من العلل، وسبب من الأسباب.
3 ومنها: أن جزاء المؤمنين العاملين للصالحات أكبر بكثير مما عملوا، وأعظم؛ لأنهم مهما آمنوا، وعملوا فالعمر محدود، وينتهي؛ لكن الجزاء لا ينتهي أبداً؛ هم مخلدون فيه أبد الآباد؛ كذلك أيضاً الأعمال التي يقدمونها قد يشوبها كسل؛ قد يشوبها تعب؛ قد يشوبها أشياء تنقصها، لكن إذا منّ الله عليه، فدخل الجنة فالنعيم كامل.
4 ومنها: أن الجنات أنواع؛ لقوله تعالى: {جنات} ؛ وقد دل على ذلك القرآن، والسنة؛ فقال الله تعالى:{ولمن خاف مقام ربه جنتان} [الرحمن: 46]، ثم قال تعالى:{ومن دونهما جنتان} [الرحمن: 62]؛ وقال النبي صلى الله عليه وسلم "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما؛ وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما (4) ".
5 ومنها: تمام قدرة الله عز وجل بخلق هذه الأنهار بغير سبب معلوم، بخلاف أنهار الدنيا؛ لأن أنهار الماء في الدنيا معروفة أسبابها؛ وليس في الدنيا أنهار من لبن، ولا من عسل، ولا من خمر؛ وقد جاء في الأثر (5) أنها أنهار تجري من غير أخدود. يعني لم يحفر لها حفر، ولا يقام لها أعضاد تمنعها؛ بل النهر يجري، ويتصرف فيه الإنسان بما شاء. يوجهه حيث شاء؛ قال ابن القيم رحمه الله في النونية: .
أنهارها في غير أخدود جرت سبحان ممسكها عن الفيضان 6. ومن فوائد الآية: أن من تمام نعيم أهل الجنة أنهم يؤتون بالرزق متشابهاً؛ وكلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا: هذا الذي رُزقنا من قبل؛ وهذا من تمام النعيم، والتلذذ بما يأكلون.
7 ومنها: إثبات الأزواج في الآخرة، وأنه من كمال النعيم؛ وعلى هذا يكون جماع، ولكن بدون الأذى الذي يحصل بجماع نساء الدنيا؛ ولهذا ليس في الجنة مَنِيّ، ولا مَنِيَّة؛ والمنيّ الذي خلق في الدنيا إنما خُلق لبقاء النسل؛ لأن هذا المنيّ مشتمل على المادة التي يتكون منها الجنين، فيخرج بإذن الله تعالى ولداً؛ لكن في الآخرة لا يحتاجون إلى ذلك؛ لأنه لا حاجة لبقاء النسل؛ إذ إن الموجودين سوف يبقون أبد الآبدين لا يفنى
(1) تفسير الببغوي: 1/ 74.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 93.
(3)
تفسير ابن كثير: 1/ 206. وانظر: محاسن التأويل: 1/ 277.
(4)
أخرجه البخاري ص 417، كتاب التفسير، سورة الرحمن، باب 1: قوله: (ومن دونهما جنتان .. )، حديث رقم 4878؛ وأخرجه مسلم ص 709، كتاب الإيمان، باب 80: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى، حديث رقم 448 [296]180.
(5)
أخرج الطبري هذا الأثر في تفسيره عن مسروق 1/ 384، رقم 509 ن 510، 511؛ ورجاله ثقات.
منهم أحد؛ ثم هم ليسوا بحاجة إلى أحد يعينهم، ويخدمهم؛ الوِلدان تطوف عليهم بأكواب، وأباريق، وكأس من معين؛ ثم هم لا يحتاجون إلى أحد يصعد الشجرة ليجني ثمارها؛ بل الأمر فيها كما قال الله تعالى:{وجنى الجنتين دان} [الرحمن: 54]، وقال تعالى:{قطوفها دانية} [الحاقة: 23]؛ حتى ذكر العلماء أن الرجل ينظر إلى الثمرة في الشجرة، فيحسّ أنه يشتهيها، فيدنو منه الغصن حتى يأخذها؛ ولا تستغرب هذا؛ فنحن في الدنيا نشاهد أن الشيء يدنو من الشيء بغير سلطة محسوسة؛ وما في الآخرة أبلغ، وأبلغ.
8 ومن فوائد الآية: أن أهل الجنة خالدون فيها أبد الآباد؛ لا يمكن أن تفنى، ولا يمكن أن يفنى من فيها؛ وقد أجمع على ذلك أهل السنة والجماعة.
القرآن
التفسير:
إن الله لا يمنعه الحياء من أن يضرب مثلا كان بعوضة أم أدنى منها، لاشتمال الأمثال على الحكمة، وإيضاح الحق، والله لا يستحيي من الحق، فأما الذين آمنوا فيتفهمونها، ويتفكرون فيها، فإن علموا ما اشتملت عليه على وجه التفصيل، ازداد بذلك علمهم وإيمانهم، وإلا علموا أنها حق، وما اشتملت عليه حق، وإن خفي عليهم وجه الحق فيها لعلمهم بأن الله لم يضربها عبثا، بل لحكمة بالغة، ونعمة سابغة، فيعترضون ويتحيرون، فيزدادون كفرا إلى كفرهم، كما ازداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، الخارجين عن طاعة الله، وما يضل به إلا المعاندين لرسل الله; الذين صار الفسق وصفهم; فلا يبغون به بدلا فاقتضت حكمته تعالى إضلالهم لعدم صلاحيتهم للهدى، كما اقتضت حكمته وفضله هداية من اتصف بالإيمان وتحلى بالأعمال الصالحة.
اختلف في سبب نزول هذه الآية على أقوال (1):
أحدها: قال ابن عباس: "لَما ضرَب الله هذين المثلين للمنافقين - يعني قوله: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا}، وقوله: {أو كصيِّب من السماء}، الآيات الثلاث - قال المنافقون: الله أعلى وأجلّ من أنْ يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله: {إن الله لا يستحي أنْ يضرب مثَلا ما بعوضةً}، إلى قوله: {أولئك همُ الخاسرُون} ". قاله ابن عباس (2)، وابن مسعود (3).
والثاني: وقال قتادة: "لما ذكر الله العنكبوت والذباب، قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟ فأنزل الله: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها"(4). ونقل الواحدي عن الحسن (5) مثل ذلك.
والثالث: وقال الربيع: " هذا مثل ضربه الله للدنيا، إن البعوضة تحيا ما جاعتْ، فإذا سمنت ماتتْ. وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب الله لهم هذا المثل في القرآن: إذا امتلأوا من الدنيا رِيًّا أخذَهم الله عند ذلك. قال: ثم تلا (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) [سورة الأنعام: 44] "(6).
والرابع: أخرج الواحدي "عن ابن عباس في قوله: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا} قال: وذلك أن الله ذكر آلهة المشركين، فقال:{وإن يسلبهم الذباب شيئا} وذكر كيد الآلهة فجعله كبيت العنكبوت، فقالوا: أرأيت
(1) انظر: أسباب النزول للواحدي: 23 - 24، والعجاب في بيان الأسباب: 1/ 245 - 246، وتفسير ابن كثير: 1/ 106 - 207.
(2)
انظر: تفسير الطبري (554): ص 1/ 399.
(3)
انظر: تفسير الطبري (554): ص 1/ 399.
(4)
أخرجه الطبري (558): ص 1/ 400، وانظر (556): ص 1/ 399 - 400.
(5)
انظر: أسباب النزول للواحدي: 23، قال الواحدي:"وقال الحسن وقتادة: لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتاب وضرب للمشركين به المثل ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله. فأنزل الله هذه الآية". وانظر: تفسير عبد الرزاق (1/ 64).
(6)
أخرجه الطبري (555): ص 1/ 399. وفي رواية أخرى عنه بنحوه، " إلا أنه قال: فإذا خلتْ آجالهم وانقطعت مُدّتهم (2)، صاروا كالبعوضة تحيا ما جاعت، وتموت إذا رَويت، فكذلك هؤلاء الذين ضرب الله لهم هذا المثل، إذا امتلئوا من الدنيا ريًّا أخذهم الله فأهلكهم. فذلك قوله: (حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ)[سورة الأنعام: 44] ". [تفسير الطبري: (556): ص 1/ 399].
حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمد، أي شيء يصنع بهذا؟ فأنزل الله هذه الآية" (1).
والقول الأول هو الأقرب إلى الصواب، قال الماوردي، "وتأويل الربيع أحسن، والأولُ أشبَهُ"(2).
وقد اختار القول الأول، الإمام الطبري (3)، "لأنه أمس بالسورة، وهو مناسب، وذلك أنّ الله جلّ ذكره أخبر عباده أنه لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضةً فما فوقها، عَقِيب أمثالٍ قد تقدمت في هذه السورة، ضربها للمنافقين، دون الأمثال التي ضربها في سائر السور غيرها. فلأن يكون هذا القول - أعني قوله: " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما " - جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضرب لهم من الأمثال في هذه السورة، أحقّ وأولى من أن يكون ذلك جوابًا لنكيرهم ما ضرب لهم من الأمثال في غيرها من السور"(4).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا} [البقرة: 26]، "أي إن الله لا يستنكف ولا يمتنع عن أن يضرب أيُّ مثلٍ كان، بأي شيءٍ كان، صغيراً كان أو كبيرا"(5).
وقوله: {أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا} [البقرة: 26]، فهو أن يبيِّن ويصف، كما قال جل ثناؤه:{ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [سورة الروم: 28]، بمعنى وصف لكم (6)، وكما قال الكُمَيْت (7):
وَذَلِكَ ضَرْبُ أَخْمَاسٍ أُرِيدَتْ
…
لأَسْدَاسٍ، عَسَى أَنْ لا تَكُونَا
بمعنى: وصف أخماس.
و(المثَل): الشبه، يقال: هذا مَثَل هذا ومِثْله، كما يقال: شبَهُه وشِبْهه، ومنه قول كعب بن زهير (8):
كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلا
…
وَمَا مَوَاعِيدُهَا إِلا الأَبَاطِيلُ
يعني شَبَهًا.
قوله تعالى: {بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26]، " أي سواء كان هذا المثل بالبعوضة أو بما هو دونها في الحقارة والصغر، فكما لا يستنكف عن خلقها، كذلك لا يستنكف عن ضرب المثل بها"(9).
واختلف في قوله تعالى {فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26] على أوجه (10):
أحدها: دونها في الصغر، والقلة والحقارة (11):
(1) أخرجه الواحدي في أسباب النزول: 23، وهذا إسناد ضعيف جدا لضعف عبد الغني بن سعيد - وفي نسخة أحمد صقر: عبد العزيز بن سعيد - (لباب النقول: 9) وموسى بن عبد الرحمن (ميزان الاعتدال: 4/ 211) وعنعنة ابن جريج وهو ثقة يدلس (تهذيب التهذيب: 6/ 404، 405) لكن معناه صحيح، وهو أصح مما قبله، فقد أخرج ابن جرير (1/ 138) وابن أبي حاتم وابن المنذر وعبد بن حميد (فتح القدير: 1/ 58) عن قتادة بإسناد صحيح قال: لما ذكر الله العنكبوت والذباب، قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟ فأنزل الله الآية، وهذا مرسل أصح من المسند ويشهد له:
1 -
ما أخرجه ابن جرير أيضا (1/ 138) من طريق آخر عن قتادة نحوه بإسناد صحيح.
2 -
ما أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن نحوه (لباب النقول: 19).
(2)
النكت والعيون: 1/ 88.
(3)
أنظر: تفسيره: 1/ 400.
(4)
تفسير الطبري: 1/ 400.
(5)
صفوة التفاسير: 1/ 38.
(6)
انظر تفسير الطبري: 1/ 403.
(7)
هذا بيت استرقه الكميت استراقًا، على أنه مثل اجتلبه. وأصله: أن شيخًا كان في إبله، ومعه أولاده رحالا يرعونها، قد طالت غربتهم عن أهلهم. فقال لهم ذات يوم:" ارعوا إبلكم ربعا "(بكسر فسكون: وهو أن تحبس عن الماء ثلاثًا، وترد في اليوم الرابع)، فرعوا ربعًا نحو طريق أهلهم. فقالوا: لو رعيناها خمسًا! (بكسر فسكون: أن تحبس أربعًا وترد في الخامس) فزادوا يومًا قبل أهلهم. فقالوا: لو رعيناها سدسًا! (أن تحبس خمسًا وترد في السادس). ففطن الشيخ لما يريدون، فقال: ما أنتم إلا ضرب أخماس لأسداس، ما همتكم رعيها، إنما همتكم أهلكم! وأنشأ يقول: وَذَلِكَ ضَرْبُ أَخْمَاسٍ أُرَاهُ،
…
لأَسْدَاسٍ، عَسَى أَنْ لا تَكُونَا
فصار قولهم: " ضرب أخماس لأسداس " مثلا مضروبًا للذي يراوغ ويظهر أمرًا وهو يريد غيره.
وحقيقة قوله " ضرب: بمعنى وصف "، أنه من ضرب البعير أو الدابة ليصرف وجهها إلى الوجه الذي يريد، يسوقها إليه لتسلكه. فقولهم: ضرب له مثلا، أي ساقه إليه، وهو يشعر بمعنى الإبانة بالمثل المسوق. وهذا بين.
(8)
ديوانه: 8، وفي المخطوطة:" وما مواعيده "، وعرقوب - فيما يزعمون -: هو عرقوب ابن نصر، رجل من العمالقة، نزل المدينة قبل أن تنزلها يهود بعد عيسى ابن مريم عليه السلام. وكان يحتال في إخلاف المواعيد بالمماطلة، كما هو معروف في قصته.
(9)
صفوة التفاسير: 1/ 38.
(10)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 405 - 406. وتفسير ابن كثير: 1/ 207.
(11)
ذهب إلى أن فوق بمعنى دون في الآية هنا: أبو عبيدة في المجاز: 1/ 35، واليزيدي في غريب القرآن وتفسيره: 66، ونسبه القرطبي في تفسيره: 1/ 243، وأبو حيان في البحر المحيط: 1/ 123، وابن كثير في تفسيره: 1/ 85، وغيرهم للكسائي، ورجحه مكي في المشكل: 88، ومال إليه ابن كثير في تفسيره: 1/ 85، ورجحه الرازي في مفاتيح الغيب: 2/ 148 ونسبه لأكثر المحققين. ومن حججهم: أ-أن الغرض المقصود من التمثيل هنا هو الصغر لأن من نزلت بسببهم الآية-وهم اليهود أو المنافقون أو المشركون على خلاف في روايات سبب النزول-لما ضرب الله تعالى الأمثال في كتابه بالعنكبوت والذباب وغير ذلك مما يستحقر ويطرح قالوا: إن الله أعز وأعظم من أن يضرب الأمثال بمثل هذه المحقرات فأنزل الله-عز وجل-هذه الآية رداً عليهم. انظر في سبب النزول: تفسير عبد الرزاق: 1/ 41، تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 93، أسباب النزول للواحدي-تحقيق الحميدان-: 23، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 1/ 84، البحر المحيط لأبي حيان: 1/ 120 وغيرها. ب-أن هناك ما هو أصغر من البعوضة، ومن ذلك جناحها الذي ضرب به النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً للدنيا. وانظر في سوق الحجج لهذا القول: مفاتيح الغيب للرازي: 2/ 148، النكت والعيون للماوردي: 1/ 88، البحر المحيط لأبي حيان: 1/ 123، لباب التأويل للخازن: 1/ 33، إرشاد العقل السليم لأبي السعود: 1/ 73 وغيرها. وذهب آخرون إلى أن فوق في الآية بمعنى أعظم. ومنهم: ابن عباس وقتادة وابن جريج، انظر: زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 55، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 1/ 243، والنكت والعيون للماوردي: 1/ 88. واختار ذلك قطرب فيما نسبه إليه ابن الأنباري في الأضداد: 1/ 250، والفراء في معاني القرآن: 1/ 20، والطبري في جامع البيان: 1/ 405، والواحدي في الوجيز: 1/ 97، وأبو حيان في البحر المحيط: 1/ 123، والنهر الماد-بحاشية البحر المحيط-: 1/ 120، والسمين الحلبي في الدر المصون: 1/ 165، والغرناطي في التسهيل لعلوم التنزيل: 1/ 77. وحجتهم جريان فوق في هذا القول على مشهور ما استقر في اللغة. وقال آخرون: بأن فوق في الآية تدل على ما هو أصغر من البعوضة وما هو أكبر منها، ولذا كان اختياره في هذه الآية دون لفظ أقل أو دون أو أقوى، ولا يتأتى هذا القول إلا على قول من قال بأن اللفظ المشترك يحمل على جميع معانيه الجائزة في الآية. انظر: البحر المحيط لأبي حيان: 1/ 123 وهو اختيار ابن عاشور في التحرير والتنوير: 1/ 362. وقد عده ابن الأنباري في الأضداد: 250 - 251 من الأضداد، وقال عن رد قطرب لقول من قال إن فوق في الآية بمعنى دون: ورده هذا عندي غلط. وذكر كثير من المفسرين القولين في فوق من دون ترجيح. انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: 1/ 154، ومعالم التنزيل للبغوي: 1/ 77، وبحر العلوم للسمرقندي: 1/ 104، والنكت والعيون للماوردي: 1/ 88، والكشاف للزمخشري: 1/ 265، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 1/ 243، وإرشاد العقل السليم للبيضاوي: 1/ 73، وأنوار التنزيل للبيضاوي: 1/ 40، وروح المعاني للألوسي: 1/ 207، وغيرها.
كما إذا وصف رجل باللؤم والشح، فيقول السامع: نعم، وهو فوق ذلك، يعني فيما وصفت، وهذا قول الكسائي وأبي عبيدة، قال الرازي: وأكثر المحققين، وفي الحديث:"لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء"(1).
وهذا قولٌ فيه نظر، وخلافُ تأويل أهل العلم الذين تُرْتَضى معرفتهم بتأويل القرآن.
والثاني: {فَمَا فَوْقَهَا} : فما هو أكبر منها:
لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة، وهذا قول قتادة بن دعامة واختاره ابن جرير (2).
اختاره الطبري، فقال:"وأما تأويل قوله {فَمَا فَوْقَهَا}: فما هو أعظم منها - عندي - لما ذكرنا قبل من قول قتادة وابن جُريج: أن البعوضة أضعف خلق الله، فإذْ كانت أضعف خلق الله فهي نهايةٌ في القلة والضعف، وإذ كانت كذلك، فلا شك أن ما فوق أضعف الأشياء، لا يكون إلا أقوى منه فقد يجب أن يكون المعنى على ما قالاه - فما فوقها في العظم والكبر، إذ كانت البعوضة نهايةً في الضعف والقلة"(3).
والثالث: وقيل فما فوقها أي: الحشرة التي تعيش فوق البعوضة:
اكتشف العلم الحديث أن فوق ظهر البعوضة تعيش حشرة صغيرة جداً لا تفرى الا بالعين المجهرية وقالوا أن هذا مصداق لقوله تعالى: {انَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيي أَن يَضْربَ مَثَلاً مَّا بَعوضَةً فمَا فوْقَهَا} .
وقصر الآية على ما ظهر من الاكتشافات الحديثة مزلق وقع فيه البعض تحت اسم (الإعجاز العلمي)، وهذا الرأي فيه نظر، لأن قصر المراد بالفوقية على هذه الحشرة التي لم يظهر أمرها إلا في هذا العصر - لو صحَّ التفسير بها - فيه تجهيل للأمة بدأً بالصحابة وختمًا بعلماء هذا العصر، وهو يستلزم أن يكون في القرآن ما لم يُعلم معنها، ولا أُدرك المراد منه إلا في هذا العصر، وذلك أمر باطل بلا ريب.
وإن قيل إن هذه الحشرة تدخل في عموم قوله (فما فوقها) أي في الصِّغَرِ، لجاز، والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: {فَأَمَّا الذين آمَنُوا} [البقرة: 26]، أي:" فأما الذين صدّقوا الله ورسوله"(4).
(1) رواه الترمذي في السنن برقم (2320) من طريق عبد الحميد بن سليمان عن أبي حازم، عن سهل بن سعد رضي الله عنه به مرفوعا، وفيه عبد الحميد بن سليمان ضعيف.
(2)
تفسير الطبري: 1/ 405 - 406.
(3)
تفسير الطبري: 1/ 405 - 406.
(4)
تفسير الطبري: 1/ 406.
قوله تعالى: {فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ} [البقرة: 26]، أي:" فيعلمون أن الله حق، لا يقول غير الحق، وأن هذا المثل من عند الله"(1).
قال الطبري: " فيعرفون أن المثَل الذي ضرَبه الله، لِما ضرَبه له، مثَل"(2).
قال الربيع: أي" أنّ هذا المثلَ الحقُّ من ربهم، وأنه كلامُ الله ومن عنده"(3).
وقال قتادة: " أي يعلمون أنه كلامُ الرحمن، وأنه الحق من الله"(4).
قال مجاهد: " يؤمن بها المؤمنون، ويعلمون أنها الحق من ربهم، ويهديهم الله بها"(5).
قوله تعالى: {وَأَمَّا الذين كَفَرُوا} [البقرة: 26]، أي وأما" الذين جحدوا آيات الله، وأنكرُوا ما عرفوا، وستروا ما علموا أنه حق"(6).
قوله تعالى: {فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً} [البقرة: 26]، أي:" فيتعجبون ويقولون: ماذا أراد الله من ضرب الأمثال بمثل هذه الأشياء الحقيرة؟ "(7).
قال الطبري: "أي: ما الذي أراد الله بهذا المثل مثلا"(8).
قال مجاهد: "ويعرفه الفاسقون فيكفرون به"(9).
قوله تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً} [البقرة: 26]، " أي: يضل بهذا المثل كثيراً من الكافرين لكفرهم به" (10).
قال ابن مسعود: " يعني: المنافقين"(11).
قال الطبري: " فيزيد هؤلاء ضلالا إلى ضلالهم، لتكذيبهم بما قد علموه حقًّا يقينًا من المثل الذي ضربه الله لما ضرَبه له، وأنه لما ضرَبه له موافق. فذلك إضْلال الله إياهم به"(12).
قوله تعالى: {وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} [البقرة: 26]، " أي: ويهدي به كثيراً من المؤمنين لتصديقهم به، [فيزيد هم هدىً] " (13).
قال ابن مسعود: " {ويهدي به كثيرًا}، يعني المؤمنين"(14).
قال الطبري: " فيزيدهم هدى إلى هُداهم وإيمانًا إلى إيمانهم. لتصديقهم بما قد علموه حقًّا يقينًا أنه موافق ما ضرَبه الله له مثلا وإقرارُهم به. وذلك هدايةٌ من الله لهم به"(15).
وذكروا في تفسير قوله تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} [البقرة: 26]، ثلاثةُ أقوال (16):
أحدها: معناه بالتكذيب بأمثاله، التي ضربها لهم كثيراً، ويهدي بالتصديق بها كثيراً.
والثاني: أنه امتحنهم بأمثاله، فَضَلَّ قوم فجعل ذلك إضلالاً لهم، واهتدى قوم فجعله هدايةً لهم.
والثالث: أنه إخبار عمَّنْ ضلَّ ومن اهتدى.
قوله تعالى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَاّ الفاسقين} [البقرة: 26]، "أي ما يضل بهذا المثل أو بهذا القرآن إِلا الخارجين عن طاعة الله، الجاحدين بآياته"(17).
(1) صفوة التفاسير: 1/ 38.
(2)
تفسير الطبري: 1/ 406.
(3)
أخرجه الطبري (565): ص 1/ 407.
(4)
أخرجه الطبري (565): ص 1/ 407.
(5)
أخرجه الطبري (566): ص 1/ 407.
(6)
تفسير الطبري: 1/ 407.
(7)
صفوة التفاسير: 1/ 38.
(8)
تفسير الطبري: 1/ 407.
(9)
أخرجه الطبري (566): ص 1/ 407.
(10)
صفوة التفاسير: 1/ 38.
(11)
أخرجه الطبري (567): ص 1/ 408.
(12)
تفسير الطبري: 1/ 408.
(13)
صفوة التفاسير: 1/ 38.
(14)
أخرجه الطبري (567): ص 1/ 408.
(15)
تفسير الطبري: 1/ 408.
(16)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 86.
(17)
صفوة التفاسير: 1/ 38.
قال ابن مسعود: " هم المنافقون"(1). وروي عن الربيع مثل ذلك (2).
قال قتادة: " فسقوا فأضلَّهم الله على فِسقهم"(3).
وقال مجاهد: " يعرفه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به "(4).
قال الطبري: أي: " وما يضلّ الله بالمثل الذي يضربه لأهل الضلال والنفاق، إلا الخارجين عن طاعته، والتاركين اتباعَ أمره، من أهل الكفر به من أهل الكتاب، وأهل الضّلال من أهل النفاق"(5).
و«الفسق» لغة: الخروج عن الشيء، أو القصد، وهو الخروج عن الطاعة، والفسق: الفجور، والعرب تقول: إذا خرجت الرطبة من قشرها: قد فسقت الرطبة من قشرها، وفسق فلان في الدنيا فسقاً: إذا اتسع فيها، وهوّن على نفسه، واتسع بركونها لها، لم يضيّقها عليه، ورجل فاسق، وفسيق وفُسَق: دائم الفِسْق، والفويسقة الفأرة: تصغر فاسقة، لخروجها من جحرها على الناس وإفسادها، والتفسيق ضدّ التّعديل (6).
وأما المقصود بالفسق اصطلاحًا: فقد تنوعت عبارات العلماء في ذلك، على النحو الآتي:
أولا: - قال ابن عطية: 'الفسق في عرف الاستعمال الشرعي: الخروج من طاعة الله عز وجل فقد يقع على من خرج بكفر، وعلى من خرج بعصيان " (7). وكذا قاله الطبري (8)، والقرطبي (9).
وقد روي "عن ابن عباس في قوله: {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [سورة البقرة: 59]، أي بما بعُدوا عن أمري"(10).
قال الشوكاني: عن هذا التعريف: " وهذا هو أنسب بالمعنى اللغوي، ولا وجه لقصره على بعض الخارجين دون بعض "(11).
والثاني: - وقال ابن كثير: والفاسق: هو الخارج عن الطاعة. تقول العرب: فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرتها؛ ولهذا يقال للفأرة: فويسقة، لخروجها عن جُحْرها للفساد (12).
وثبت في الصحيحين، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"خمس فواسق يُقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور"(13).
والثالث: - وقال البيضاوي: " الفاسق الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة "(14).
والرابع: - وقال الألوسي: "الفسق شرعًا: خروج العقلاء عن الطاعة، فيشمل الكفر ودونه من الكبيرة والصغيرة، واختص في العرف والاستعمال بارتكاب الكبيرة، فلا يطلق على ارتكاب الآخرين إلا نادرًا بقرينة "(15).
(1) أخرجه الطبري (568): ص 1/ 409.
(2)
أخرجه الطبري (570): ص 1/ 409.
(3)
أخرجه الطبري (569): ص 1/ 409.
(4)
أخرجه الطبري (566): ص 1/ 407.
(5)
تفسير الطبري: 1/ 410.
(2)
تفسير ابن عطية (1/ 155).
(6)
انظر: اللسان (10/ 308) ومعجم مقاييس اللغة (2/ 502)، والمصباح المنير للفيومي ص (568)، وترتيب القاموس المحيط للزاوي (4/ 502)، ومفردات الراغب ص (572).
(2)
تفسير ابن عطية (1/ 155).
(7)
المحرر الوجيز: 1/ 112.
(8)
أنظر: تفسيره: 1/ 409 - 410.
(9)
تفسير القرطبي (1/ 245).
(10)
أخرجه الطبري (571): ص 1/ 409 - 410.
(11)
فتح القدير (1/ 57).
(12)
تفسير ابن كثير: 1/ 209.
(13)
صحيح البخاري برقم (3314) وصحيح مسلم برقم (1198).
(14)
- تفسر البيضاوي (1/ 41) وانظر: تفسير أبي السعود (1/ 131).
(15)
تفسير الألوسي (1/ 210).
ومن خلال التعريفات السابقة: ندرك عموم مصطلح الفسق، فهو في الأصل – أعمّ من الكفر - (1) حيث يشمل الكفر وما دونه من المعاصي، ولكن خصّه العرف بمرتكب الكبيرة، ولذا يقول الراغب الأصفهاني:" والفسق يقع بالقليل من الذنوب والكثير، ولكن تعورف فيما كان كثيراً"(2). وسوف نفصل القول فيه في الفوائد.
الفوائد:
1 من فوائد الآية: إثبات الحياء لله عز وجل؛ لقوله تعالى: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما).
ووجه الدلالة: أن نفي الاستحياء عن الله في هذه الحال دليل على ثبوته فيما يقابلها؛ وقد جاء ذلك صريحاً في السنة، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن ربكم حييّ كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صِفراً"(3)؛ والحياء الثابت لله ليس كحياء المخلوق؛ لأن حياء المخلوق انكسار لما يَدْهَمُ الإنسان ويعجز عن مقاومته؛ فتجده ينكسر، ولا يتكلم، أو لا يفعل الشيء الذي يُستحيا منه؛ وهو صفة ضعف ونقص إذا حصل في غير محله.
2 ومن فوائد الآية: أن الله تعالى يضرب الأمثال؛ لأن الأمثال أمور محسوسة يستدل بها على الأمور المعقولة؛ انظر إلى قوله تعالى: {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً} [العنكبوت: 41]؛ وهذا البيت لا يقيها من حَرّ، ولا برد، ولا مطر، ولا رياح {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت} [العنكبوت: 41]؛ وقال تعالى: {والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه} [الرعد: 14]: إنسان بسط كفيه إلى غدير مثلاً، أو نهر يريد أن يصل الماء إلى فمه! هذا لا يمكن؛ هؤلاء الذين يمدون أيديهم إلى الأصنام كالذي يمد يديه إلى النهر ليبلغ فاه؛ فالأمثال لا شك أنها تقرب المعاني إلى الإنسان إما لفهم المعنى؛ وإما لحكمتها، وبيان وجه هذا المثل.
3 ومن فوائد الآية: أن البعوضة من أحقر المخلوقات؛ لقوله تعالى: {بعوضة فما فوقها} ؛ ومع كونها من أحقر المخلوقات فإنها تقض مضاجع الجبابرة؛ وربما تهلك: لو سُلطت على الإنسان لأهلكته وهي هذه الحشرة الصغيرة المهينة.
4 ومنها: رحمة الله تعالى بعباده حيث يقرر لهم المعاني المعقولة بضرب الأمثال المحسوسة لتتقرر المعاني في عقولهم.
5 ومنها: أن القياس حجة؛ لأن كل مثل ضربه الله في القرآن، فهو دليل على ثبوت القياس.
6 ومنها: فضيلة الإيمان، وأن المؤمن لا يمكن أن يعارض ما أنزل الله عز وجل بعقله؛ لقوله تعالى:{فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم} ، ولا يعترضون، ولا يقولون: لِم؟ ، ولا: كيف؟ ؛ يقولون: سمعنا، وأطعنا، وصدقنا؛ لأنهم يؤمنون بأن الله عز وجل له الحكمة البالغة فيما شرع، وفيما قدر.
7 ومنها: إثبات الربوبية الخاصة؛ لقوله تعالى: {من ربهم} ؛ واعلم أن ربوبية الله تعالى تنقسم إلى قسمين: عامة؛ وخاصة؛ فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق، وتقتضي التصرف المطلق في العباد؛ والخاصة هي التي تختص بمن أضيفت له، وتقتضي عناية خاصة؛ وقد اجتمعتا في قوله تعالى:{قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون} [الأعراف: 121، 122]: فالأولى ربوبية عامة؛ والثانية خاصة بموسى، وهارون؛ كما أن مقابل ذلك "العبودية" تنقسم إلى عبودية عامة، كما في قوله تبارك وتعالى:{إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً} [مريم: 93]؛ وخاصة كما في قوله تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده} [الفرقان: 1]؛ والفرق بينهما أن العامة هي الخضوع للأمر الكوني؛ والخاصة هي الخضوع للأمر الشرعي؛ وعلى هذا فالكافر عبد لله بالعبودية العامة؛ والمؤمن عبد لله بالعبودية العامة، والخاصة.
8 ومن فوائد الآية: أن ديدن الكافرين الاعتراض على حكم الله، وعلى حكمة الله؛ لقوله تعالى:{وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلًا} ؛ وكل من اعترض ولو على جزء من الشريعة ففيه شبه بالكفار؛ فمثلاً لو قال قائل: لماذا ينتقض الوضوء بأكل لحم الإبل، ولا ينتقض بأكل لحم الخنزير إذا جاز أكله للضرورة مع أن الخنزير خبيث نجس؟
فالجواب: أن هذا اعتراض على حكم الله عز وجل؛ وهو دليل على نقص الإيمان؛ لأن لازم الإيمان التام التسليم التام لحكم الله عز وجل. إلا أن يقول ذلك على سبيل الاسترشاد، والاطلاع على الحكمة؛ فهذا لا بأس به.
9 ومن فوائد الآية: أن لفظ الكثير لا يدل على الأكثر؛ لقوله تعالى: {يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً} ؛ فلو أخذنا بظاهر الآية لكان الضالون، والمهتدون سواءً؛ وليس كذلك؛ لأن بني آدم تسعمائة وتسعة وتسعون من الألف ضالون؛ وواحد من الألف مهتدٍ؛ فكلمة:{كثيراً} لا تعني الأكثر؛ وعلى هذا لو قال إنسان: عندي لك دراهم كثيرة، وأعطاه ثلاثة لم يلزمه غيرها؛ لأن "كثير" يطلق على القليل، وعلى الأكثر.
10 ومن فوائد الآية: أن إضلال من ضل ليس لمجرد المشيئة؛ بل لوجود العلة التي كانت سبباً في إضلال الله العبد؛ لقوله تعالى: {وما يضل به إلا الفاسقين} ؛ وهذا كقوله تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين} [الصف: 5].
11 ومنها: الرد على القدرية الذين قالوا: إن العبد مستقل بعمله. لا علاقة لإرادة الله تعالى به؛ لقوله تعالى: {وما يضل به إلا الفاسقين} .
12.
وتجدر الإشارة بأن الفاسق يشمل الكافر والعاصي، ولكن فسْق الكافر أشد وأفحش، والمراد من الآية الفاسق الكافر، والله أعلم، بدليل أنه وصفهم بقوله:{الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} ، وهذه الصفات صفات الكفار المباينة لصفات المؤمنين، كما قال تعالى في سورة الرعد:{أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} الآيات، إلى أن قال:{وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد: 19 - 25](4).
والفسق له عدة أقسام باعتبارات مختلفة، فهو ينقسم إلى:
أولا: - فسق يخرج عن الإسلام، والثاني: - وفسق لا يخرج عن الإسلام
قال ابن عباس – رضي الله عنهما: " كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل خاسر، ومسرف، وظالم، وفاسق، فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به الذّنب "(5).
وقد روي عن ابن عباس وطاووس وعطاء وغير واحد من أهل العلم، قالوا:"كفر دون كفر، وفسوق دون فسوق "(6).
قال محمد بن نصر المروزي رحمه الله: " والفسق فسقان: فسق ينقل عن الملة، وفسق لا ينقل عن الملة، فيسمى الكافر فاسقًا، والفاسق من المسلمين فاسقًا"(7).
وها هنا أمر مهمّ لا بد من التنويه به، وهو أن الإيمان لما كان شعباً متعدّدة كما أخبر الصّادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في حديث شعب الإيمان (8)، فإن ما يقابله ويضاده كذلك، فالكفر شعب ومراتب، فمنه
(1) انظر: تفسير ابن كثير (1/ 63)، ومفردات الراغب ص (572)، ونزهة الأعين النواظر لابن الجوزي (2/ 72)، والكليّات للكفوي ص:(693).
(2)
المفردات ص (572).
(3)
أخرجه أبو داود ص 1333، كتاب الوتر، باب 23: الدعاء، حديث رقم 1488؛ وأخرجه الترمذي ص 2018، كتاب الدعوات، باب 104: "إن الله حيي كريم
…
"، حديث رقم 3556؛ وأخرجه ابن ماجة 2707، كتاب الدعاء، باب 13: رفع اليدين في الدعاء، حديث رقم 3865؛ وأخرجه عبد الرزاق 2/ 251، باب رفع اليدين في الصلاة، حديث رقم 3250، قال الألباني في صحيح أبي داود: صحيح [1/ 409، حديث رقم 1488].
(4)
تفسير ابن كثير: 1/ 210.
(5)
انظر: تفسير ابن جرير (1/ 142)، والدرر المنثور للسيوطي (1/ 105).
(6)
أخرجه الترمذي في السنن، كتاب الإيمان.
(7)
تعظيم قدر الصلاة (2/ 526).
(8)
وهو قوله صلى الله عليه وسلم: الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق .. )) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان ح (9). ومسلم، كتاب الإيمان ح (35).
ما يُخرج من الملّة، ومنه كفر دون كفر، وكذا النفاق، والشرك، والفسق، والظلم، وهذا أصل عظيم تميّز به أهل السنة عن المبتدعة من الوعيدية والمرجئة (1).
وفسق الكفر قد يكون اعتقادياً، وقد يكون عمليّاً، ومثال الاعتقادي: فسق المنافقين زمن النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: " قُلْ أَنفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ} [التوبة: 53]، فقوله:{إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ} [التوبة: 53]، تعليل لعدم قبول نفقاتهم (2)، وقال تعالى:{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67].
قال الشوكاني: " وهذا الترتيب يُفيد أنهم هم الكاملون في الفسق"(3).
ومثال الفسق العملي المخرج عن الملة: فسق إبليس، إذ قال الله تعالى – عز وجل:{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} [الكهف: 50].
ففسق إبليس إنما كان بتركه للسجود، وامتناعه عن اتباع أمر ربه – عز وجل – وهذا التّرك يعدّ فعلاً وعملاً – كما هو مقرّر في كتب الأصول - (4).
وفسق الكفر هو المذكور في غالب آيات القرآن الكريم، وكما قال ابن الوزير:" قد ورد في السمع ما يدل على أن الفاسق في زمان النبي، صلى الله عليه وسلم، يطلق على الكافر كثيرًا، كقوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ} [البقرة: 99]، وقوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ} [السجدة: 20]، وذكر آيات كثيرة ثم قال: " فهذه الآيات دالة على أن الفاسق في العرف الأول يطلق على الكافر، ويسبق إلى الفهم " (5).
وننبه إلى ضرورة عدم الخلط بين مفهوم الفسق عند أهل السنة، ومخالفيهم، وفيما يأتي بعض التنبيهات على ذلك:
1 -
إن مرتكب الكبيرة عند أهل السنة مع أنه فاسق بكبيرته، إلا أنه لا يخرج من الإيمان بالكلية، فيمكن اجتماع الإيمان مع هذا الفسق الأصغر ـ كما هو مقرر عند أهل السنة ـ، ومن ثم فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته (6)، وأمره إلى الله تعالى، إن شاء غفر له برحمته، وإن شاء عذبه بعدله، ومآله إلى الجنة فيما بعد؛ فأهل السنة متفقون على أن فساق أهل الملة ـ وإن دخلوا النار، أو استحقوا دخولها ـ فإنهم لابد أن يدخلوا الجنة (7).
يقول ابن تيمية ـ مقررًا هذه المسألة ـ " ومن أصول أهل السنة والجماعة: أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال سبحانه:{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 178]، وقال سبحانه:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [9] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 9، 10].
(1) انظر: كتاب الصلاة لابن القيم ص (53 - 58).
(2)
انظر: فتح القدير للشوكاني (2/ 369).
(3)
فتح القدير (2/ 379).
(4)
انظر: روضة الناظر لابن قدامة ص (54)، وإرشاد الفحول للشوكاني ص (52). والقواعد الأصولية لابن اللحام ص (62)، ويقول الشوكاني في تفسيره (2/ 158):" وإطلاق اسم الفسق على تارك ما فرضه الله عليه غير ممتنع شرعاً ".
(5)
العواصم والقواصم (2/ 160 - 161) باختصار، وانظر إيثار الحق على الخلق لابن الوزير ص (451)، وتفسير المنار لمحمد رشيد رضا (1/ 238).
(6)
هذا بالنسبة للحكم العام المطلق، فنطلق القول بنصوص الوعيد والتكفير والتفسيق، ولا نحكم للمعين بدخوله في ذلك العام حتى يقوم فيه المقتضي الذي لا معارض له. انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (10/ 332)، (4/ 484)، (28/ 499).
(7)
انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (4/ 486).
2 -
ولا يسلبون الفاسق الملّي الإسلام بالكلية، ولا يخلدونه في النار، كما تقول المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله:{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92].
3 -
وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} [الأنفال: 2]، وقوله صلى الله عليه وسلم: " لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذات شرف يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ" (1)، ونقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، فلا يعطي الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم (2).
فارتكاب الكبير يعدّ فسقاً ينافي كمال الإيمان الواجب، وهذا الفسق يمكن اجتماعه مع الإيمان، وصاحبه متعرّض للوعيد، فأهل السنة يقولون بجواز التبعض في الاسم والحكم، بمعنى أن يكون مع الرجل بعض الإيمان لا كله، ويثبت له من حكم أهل الإيمان وثوابهم بحسب ما معه، كما يثبت له من العقاب بحسب ما عليه (3).
وإذا تقرر مفهوم الفسق عند أهل السنة، فإننا نورد مفهومه عند المخالفين:
- فأما الأشاعرة: فنجد فيهم من يجعل الفاسق الملي مؤمنًا بإطلاق، ويعتبرونه مؤمنًا حقًا.
كما قال أحدهم – وهو الآمدي -: " فعلى هذا مهما كان مصدقاً بالجنان وإن أخلّ بشيء من الأركان، فهو مؤمن حقّاً، وانتفاء الكفر عنه واجب، وإن صح تسميته فاسقاً بالنسبة إلى ما أخلّ به من الطاعات، وارتكب من المنهيّات "(4)، وسمى الإيجي مرتكب الكبيرة مؤمناً بإطلاق (5).
وبجدر القول بأن مرتكب الكبيرة ـ عند أهل السنة ـ لا يعطي الإيمان المطلق، فلا يقال عن الزاني، أو شارب الخمر ـ مثلًا ـ: إنه مؤمن بإطلاق، ولكن نقيده، فنقول: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان.
وقد عاب إبراهيم النخعي – رحمه الله – تلك المقولة، فقال:" ما أعلم قوماً أحمق في رأيهم من هذه المرجئة؛ لأنهم يقولون: مؤمن ضالّ، ومؤمن فاسق"(6).
وعلى كلٍّ فإن مقالة أولئك الأشاعرة متفرعة من قول جمهورهم بأن الإيمان هو التصديق، حيث أخرجوا الأعمال عن مسمى الإيمان.
- أما المعتزلة: فمفهوم الفسق عندهم على عكس المقالة السابقة، فالفاسق عندهم ليس مؤمنًا، كما أنه ليس كافرًا، بل هو في منزلة بين المنزلتين، ولم يقل أحد من المعتزلة بإيمان مرتكب الكبيرة سوى الأصم (7).
يقول عبد الجبار الهمداني المعتزلي: " صاحب الكبيرة له اسم بين الاسمين، وحكم بين الحكمين، لا يكون اسمه اسم الكافر، ولا اسمه اسم المؤمن، وإنما يسمى فاسقاً، وكذلك فلا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن، بل يفرد له حكم ثالث، وهو المنزلة بين المنزليتن "(8) ولما كان مرتكب الكبيرة ـ عندهم ـ فاسقًا غير مؤمن، لذا حكموا عليه بالخلود في النار.
وكما قال عبد الجبار المعتزلي: " والذي يدل على أن الفاسق يُخلّد في النار، ويُعذّب فيها أبداً ما ذكرناه من عمومات الوعيد، فإنها كما تدل على أن الفاسق يفعل به ما يستحقه من العقوبة، تدل على أنه يُخلّد "(9).
- وقد تبع الزيديةُ المعتزلة في مفهوم الفسق، ووافقهوهم على ما سبق ذكره (10).
(1) أخرجه البخاري ومسلم، كتاب المظالم ح (2475) ومسلم، كتاب الإيمان، ح (76).
(2)
العقيدة الواسطية بشرح محمد خليل هراس ص (152 - 156).
(3)
انظر: شرح الأصفهانية: مخلوف ص (144).
(4)
غاية المرام في علم الكلام ص (312).
(5)
انظر: المواقف في علمِ الكلام ص (389).
(6)
السنة للإمام عبد الله بن الإمام أحمد حنبل (1/ 341).
(7)
انظر: مقالات الإسلاميين (1/ 333).
(8)
شرح الأصول الخمسة ص (697).
(9)
شرح الأصول الخمسة ص (666).
(10)
انظر: مثلاً العقد الثمين في معرفة رب العالمين للحسين بن بدر الدين ص (57) ومصباح العلوم في معرفة الحيّ القيوم للرصاص، ص (20).
القرآن
التفسير:
من صفات هؤلاء الكفار أنهم يتقضون العهد الذي بينهم وبين الله عز وجل؛ من بعد تغليظه وتأكيده، وهو الإيمان به، وبرسله، ويقطعون كل ما أمر الله به أن يوصل، كالأرحام، ونصرة الرسل، ونصرة الحق، والدفاع عن الحق، ويسعون لما به فساد الأرض فساداً معنوياً كالمعاصي؛ وفساداً حسياً كتخريب الديار، وقتل الأنفس، وألئك هم الناقصُون أنفسَهم حظوظَها - بمعصيتهم الله - من رحمته.
قوله تعالى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ} [البقرة: 27]، أي: الذين يتركون ويخالفون، أمر الله الذي عهد إليهم يوم الميثاق (1).
قال البغوي: أي: الذين يخالفون ويتركون أمر الله الذي عهد إليهم (2).
قال الصابوني: "أي: ينقضون ما عهده إِليهم في الكتب السماوية، من الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم.، أو ينقضون كل عهد وميثاق من الإِيمان بالله، والتصديق بالرسل، والعمل بالشرائع "(3).
النقض في اللغة: " الهدم، وإفساد ما أبرمته من حبل أو بناء، والمناقضة في الشعر، أن يقول الشاعر قصيدة، فينقض عليه شاعر آخر حتى يجيء بغير ما قال، والاسم النقيضة ويجمع على النقائض، ولهذا المعنى قالوا: نقائض جرير والفرزدق (4).
و(العهد) في اللغة يكون لأشياء مختلفة، والذي أريد به هاهنا الوصية والأمر من قولهم: عهد الخليفة إلى فلان كذا وكذا، أي: أمره. ومنه قوله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ} [يس: 60]، أي ألم آمركم، والعهد أيضًا العقد الذي يتوثق به لما بعد (5).
وقال الراغب: " النقض: فسخ المبرم، وأصله في طاقات الحبل، والنكث: مثله .. والعهد: كل أمرٍ شأنه أن يراعي كاليمين، والمشاركة، والمبايعة"(6).
قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [البقرة: 27]، أي:"بعد توَثُّق الله فيه، بأخذ عهوده بالوفاء له، بما عهد إليهم في ذلك"(7).
قال الثعلبي: من بعد" توكيده وتشديده"(8).
قال البغوي: من بعد" توكيده. والميثاق: العهد المؤكد"(9).
قال الصابوني: " من بعد توكيده عليهم"(10).
قال مقاتل بن حيان: " من بعد ميثاقه في التوراة، أن يؤمنوا بمحمد- صلى الله عليه وسلم ويصدقوه، فكفروا ونقضوا الميثاق الأول"(11).
قال الراغب: " والميثاق: اسم لما يقع به الوثاقة"(12).
(1) أنظر: تفسير الثعلبي: 1/ 173.
(2)
تفسير البغوي: 1/ 77.
(3)
صفوة التفاسير: 1/ 38.
(4)
أنظر: "تهذيب اللغة"(نقض) 4/ 3648، وانظر "اللسان"(نقض) 8/ 4524، والتفسير البسيط: 1/ 183.
(5)
أنظر: التفسير البسيط: 2/ 283 - 284، و"التهذيب"(عهد) 3/ 32607، ومفردات الراغب:350.
(6)
تفسير الرابغ الأصفهاني: 1/ 131.
(7)
تفسير الطبري: 1/ 414.
(8)
تفسير الثعلبي: 1/ 173.
(9)
تفسير البغوي: 1/ 77.
(10)
صفوة التفاسير: 1/ 38.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (291): ص 1/ 71 - 72.
(12)
تفسير الرابغ الأصفهاني: 1/ 131.
والميثاق: العهد، من غير خلاف بين أهل اللغة والتفسير (1).
وذكر أبو إسحاق للعهد المذكور في هذه الآية ثلاثة أوجه (2):
أحدهما: أنه: الوصيَّة، أي: ما أخذه على النبيين ومن اتبعهم ألا يكفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك قوله تعالى:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ} [آل عمران: 81]. قاله السدي (3).
والثاني: أنه الميثاق، أي: عهد الله الذي أخذه من بين آدم من ظهورهم يوم الميثاق حين قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] ثم جحدوا ونقضوا ذلك العهد في حال كمال عقولهم. قاله مقاتل بن حيان (4).
والثالث: أن عهد الله: هو الاستدلال على توحيده، وأن كل مميز يعلم أن الله خالق، فعليه الإيمان به.
قال أبو إسحاق: "والقولان الأولان في القرآن ما يصدق تفسيرهما"(5).
وقال الواحدي: "الوجه الأول أصحهما، من قبل أن الله لا يحتج عليهم بما لا يعرفون، لأنه بمنزلة ما لم يكن إذا كانوا لا يشعرون به، ولا لهم دلالة عليه. والثاني مع هذه صحيح، لأنهم عرفوا ذلك العهد بخبر الصادق، فكان كما لو كانوا يشعرون به"(6).
وفي هذه الكتابة التي في ميثاقه قولان (7):
أحدهما: أنها كناية ترجع إلى اسم الله وتقديره: من بعد ميثاق الله ذلك العهد، بما أكد من إيجابه عليهم.
والثاني: أنها كناية ترجع إلى العهد، وتقديره: من بعد ميثاق العهد وتوكيده.
وفيمن عَنَاهُ الله تعالى بهذا الخطاب، أربعة أقاويل (8):
أحدها: المنافقون. قاله أبو العالية (9)، وروي عن الربيع (10) نحو ذلك.
والثاني: أهل الكتاب.
والثالث: جميع الكفار.
والرابع: الحرورية. قاله سعد (11).
قوله تعالى: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} [البقرة: 27]، "أي: ويقطعون كل ما أمر الله به أن يوصل، كالأرحام، ونصرة الرسل، ونصرة الحق، والدفاع عن الحق" (12)
واختلفوا في قوله: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} [البقرة: 27]، على وجوه (13):
أحدها: قيل: أنَّه الرحمُ والقرابةُ، وهو قول السدي (14)، وقتادة (15).
والثاني: أن الذي أمر الله تعالى به أن يوصل، هو رسوله، فقطعوه بالتكذيب والعصيان، وهو قول الحسن البصري (16)، ومقاتل بن حيان (17).
(1) انظر: معاني القرآن للزجاج: 106، غريب القرآن وتفسيره لليزيدي: 75، جامع البيان للطبري: 1/ 410، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 1/ 247، معجم مقاييس اللغة لابن فارس: 6/ 185 ومجمل اللغة له أيضاً: 4/ 915، الصحاح للجوهري: 4/ 1563، القاموس المحيط للفيروزآبادي:834.
(2)
أنظر: معاني القرآن: 1/ 105 - 106.
(3)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (290): ص 1/ 71.
(4)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (289): ص 1/ 71.
(5)
معاني القرآن: 1/ 106.
(6)
التفسير البسيط: 2/ 284.
(7)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 89، وتفسير الطبري" 1/ 184، والمحرر الوجيز: 1/ 218، وزاد المسير" 1/ 56، والإملاء" 1/ 27، والكشاف" 1/ 268.
(8)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 89.
(9)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (288): ص 1/ 71.
(10)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 71.
(11)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (287): ص 1/ 71.
(12)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 417، وتفسير ابن كثير: 1/ 211.
(13)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 416، وتفسير ابن كثير: 1/ 211.
(14)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (293): ص 1/ 72.
(15)
انظر: تفسير الطبري (574): ص 1/ 416.
(16)
نقلا عن: النكت والعيون: 1/ 90.
(17)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (294): ص 1/ 72.
والثالث: أنه على العموم في كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل.
والقول الأول هو الأشبه بالصواب، "لأن فيه حمل اللفظ على مدلوله من العموم، ولا دليل واضح على الخصوص"(1)، وقد رحجه ابن جرير قائلا:" وقد بين ذلك في كتابه، فقال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [سورة محمد: 22]، وإنما عَنى بالرّحم، أهل الرّحم الذين جمعتهم وإياه رَحِمُ والدة واحدة، وقطعُ ذلك: ظلمه في ترك أداء ما ألزم الله من حقوقها، وأوجبَ من بِرِّها، وَوَصْلُها: أداءُ الواجب لها إليها من حقوق الله التي أوجبَ لها، والتعطفُ عليها بما يحقُّ التعطف به عليها"(2).
قوله تعالى: {وَيُفْسِدُونَ في الأَرْضِ} [البقرة: 27]، "أي: ويسعون لما به فساد الأرض فساداً معنوياً كالمعاصي؛ وفساداً حسياً كتخريب الديار، وقتل الأنفس" (3).
قال الواحدي: " بالمعاصي، وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم"(4).
قال المراغي: " بصدهم عن سبيل الله يبغونها عوجا، وبالاستهزاء بالحق بعد ما تبين، وبإهمالهم هداية العقل وهداية الدين، فوجودهم في الأرض مفسدة لأنفسهم ومفسدة لأهلها"(5).
قال الصابوني: " بالمعاصي، والفتن، والمنع عن الإيمان، وإثارة الشبهات حول القرآن"(6).
قال الطبري: بـ"معصيتهم ربّهم، وكفرهم به، وتكذيبهم رسوله، وجحدهم نبوته، وإنكارهم ما أتاهم به من عند الله أنه حقٌّ من عنده"(7).
وقال مصعب: "فكان سعد يسميهم الفاسفين"(8).
وذكروا في إفسادهم في الأرض ثلاثة أقوال (9):
أحدها: هو استدعاؤهم إلى الكفر.
والثاني: أنه إخافتهم السُّبُلَ وقطعهم الطريق.
والثالث: المعصية. قاله السدي (10) ومقاتل بن حيان (11).
قوله تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 27]، أي: أولئك المذكورون هم "المغبونون"(12).
قال الثعلبي: " أي المغبونون بالعقوبة وفوت المثوبة"(13).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده "عن مقاتل بن حيان: أولئك هم الخاسرون في الآخرة"(14). وفي رواية أخرى له: " هم أهل النار"(15).
قال ابن كثير: أي: "في الآخرة، وهذا كما قال تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد: 25] "(16).
قال الصابوني: "لأنهم استبدلوا الضلالة بالهدى، والعذاب بالمغفرة"(17).
(1) البحر المحيط: 1/ 105.
(2)
تفسير الطبري: 1/ 415.
(3)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 417، وتفسير ابن كثير: 1/ 211.
(4)
انظر: التفسير البسيط: 2/ 287، وانظر: تفسير الثعلبي: 1/ 173.
(5)
تفسير المراغي: 1/ 69.
(6)
صفوة التفاسير: 1/ 38 - 39.
(7)
تفسير الطبري: 1/ 416.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (295): ص 1/ 72.
(9)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 90.
(10)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (296): ص 1/ 72.
(11)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (297): ص 1/ 72.
(12)
تفسير البغوي: 1/ 77.
(13)
تفسير الثعلبي: 1/ 173.
(14)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (298): ص 1/ 72.
(15)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (299): ص 1/ 72.
(16)
تفسير ابن كثير: 1/ 211.
(17)
صفوة التفاسير: 1/ 39.
قال الواحدي: " والقوم نقصوا بكفرهم راحة أنفسهم التي كانت لهم لو آمنوا، فاستحقوا العقوبة وفاتتهم المثوبة"(1).
قال المراغي: "لأن إفسادهم لما عمّ العقائد والأخلاق بفقد هداية الفطرة وهداية الدين، استحقوا الخزي في الدنيا بحرمان السعادة الجسمية والعقلية والخلقية، والعذاب الأليم في الآخرة، ومن خسر السعادتين كان في خسران مبين"(2).
قال ابن عثيمين: " (الخاسر)، هو الذي فاته الربح؛ وذلك؛ لأن هؤلاء فاتهم الربح الذي ربحه من لم ينقض عهد الله من بعد ميثاقه، ولم يقطع ما أمر الله به أن يوصل"(3).
وفي تفسير قوله تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 27]، خمسة أوجه" (4).
أحدها: قيل: أولئك هم الهالكون (5).
والثاني: قيل: أنهم الخاسرون في الآخرة، وهذا كما قال تعالى:{أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد: 25].
والثالث: وقيل: أنهم الخاسرون في الدنيا والآخرة، فحصر الخسارة فيهم، لأن خسرانهم عام في كل أحوالهم، ليس لهم نوع من الربح، لأن كل عمل صالح شرطه الإيمان، فمن لا إيمان له لا عمل له، وهذا الخسار هو خسار الكفر (6).
والرابع: وقيل: أن كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل (خاسر)، فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام، فإنما يعني به الذنب (7). قاله ابن عباس (8).
والخامس: وقيل: هم الناقصون أنفسهم وحظوظهم بمعصيتهم الله من رحمته، كما يخسر الرجل في تجارته بأن يوضع من رأس ماله في بيعه، وكذلك الكافر والمنافق خسر بحرمان الله إياه رحمته التي خلقها لعباده في القيامة أحوج ما كانوا إلى رحمته، يقال منه: خسر الرجل يخسر خَسْرًا وخُسْرانًا وخَسارًا، كما قال جرير بن عطية (9):
إن سَلِيطًا في الخَسَارِ إنَّه
…
أولادُ قَومٍ خُلقُوا أقِنَّه
فقوله (في الخَسَارِ) أي فيما يوكسهم من حظوظهم من الشرف والكرم، فقيل للهالك: خاسر، لأنه خسر نفسه وأهله يوم القيامة ومنع منزله من الجنة (10).
وهذا القول الأخير أشيه بالصواب ورجّحه ابن جرير (11)، لأن أصل الخسران هو نقصان مال التاجر من ربح أو رأس مال، وأكبر الخسارة غبن الإنسان بحظوظه من خالقه جل وعلا، وقد أقسم الله أنه لا ينجو منه أحد إلا بشروط معينة منصوصة في كتاب الله فقال تعالى {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} [العصر: 1 - 3].
الفوائد:
(1) التفسير البسيط: 2/ 288.
(2)
تفسير المراغي: 1/ 69.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 103.
(4)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 417، وتفسير ابن كثير: 1/ 211.
(5)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 417.
(6)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 43.
(7)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 417.
(8)
تفسير الطبري (575): ص 1/ 417.
(9)
ديوانه: 598، والنقائض: 4، واللسان (قنن)، وروايته:" أبناء قوم ". وسليط: بطن من بني يربوع قوم جرير، واسم سليط: كعب بن الحارث بن يربوع. وكان غسان ابن ذهيل السليطي هجا بني الخطفي، فهجاه جرير بهذا الرجز. وأقنة جمع قن (بكسر القاف)، والقن: العبد الذي ملك هو وأبواه. والأنثى، قن أيضًا بغير هاء.
(10)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 248.
(11)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 417.
1 من فوائد الآية: أن نقض عهد الله من الفسق؛ لقوله تعالى: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} فكلما رأيت شخصاً قد فرط في واجب، أو فعل محرماً فإن هذا نقض للعهد من بعد الميثاق.
2 ومنها: التحذير من نقض عهد الله من بعد ميثاقه؛ لأن ذلك يكون سبباً للفسق.
3 ومنها: التحذير من قطع ما أمر الله به أن يوصل من الأرحام. أي الأقارب. وغيرهم؛ لأن الله ذكر ذلك في مقام الذم؛ وقطع الأرحام من كبائر الذنوب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة قاطع" (1)، يعني قاطع رحم.
4 ومنها: أن المعاصي والفسوق سبب للفساد في الأرض، كما قال تعالى:{ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} [الروم: 41]؛ ولهذا إذا قحط المطر، وأجدبت الأرض، ورجع الناس إلى ربهم، وأقاموا صلاة الاستسقاء، وتضرعوا إليه سبحانه وتعالى، وتابوا إليه، أغاثهم الله عز وجل؛ وقد قال نوح عليه السلام لقومه:{فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً * يرسل السماء عليكم مدراراً * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لهم أنهاراً} [نوح: 10. 12].
فإن قال قائل: أليس يوجد في الأرض من هم صلحاء قائمون بأمر الله مؤدون لحقوق عباد الله ومع ذلك نجد الفساد في الأرض؟
فالجواب: أن هذا الإيراد أوردته أم المؤمنين زينب رضي الله عنها على النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: "ويل للعرب من شر قد اقترب"؛ قالت: أنهلك وفينا الصالحون؟ ! قال صلى الله عليه وسلم: "نعم، إذا كثر الخبث"(2)؛ وقوله صلى الله عليه وسلم "إذا كثر الخبث" يشمل معنيين: .
أحدهما: أن يكثر الخبث في العاملين بحيث يكون عامة الناس على هذا الوصف.
والثاني: أن يكثر فعل الخبث بأنواعه من فئة قليلة، لكن لا تقوم الفئة الصالحة بإنكاره؛ فمثلاً إذا كثر الكفار في أرض كان ذلك سبباً للشر، والبلاء؛ لأن الكفار نجس؛ فكثرتهم كثرة خبث؛ وإذا كثرت أفعال المعاصي كان ذلك سبباً أيضاً للشر، والبلاء؛ لأن المعاصي خبث.
5 ومن فوائد الآية: أن هؤلاء الذين اعترضوا على الله فيما ضرب من الأمثال، ونقضوا عهده، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض هم الخاسرون. وإن ظنوا أنهم يحسنون صنعاً.
القرآن
التفسير:
كيف تجحدون وجود الله أو تعبدون معه غيره، وقد كنتم عدماً في أصلاب آبائكم لا تُعرفون ولا تُذكرون، فأخرجكم إلى الوجود وأنعم عليكم بأصناف النعم، ثم يميتكم عند استكمال آجالكم، ثم يحييكم حين يبعثكم، ثم اليه ترجعون فيجازيكم الجزاء الأوفى.
قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} [البقرة: 28]، أي:" كيف تجحدون الخالق، وتنكرون الصانع"(3).
قال السعدي: " أي: كيف يحصل منكم الكفر بالله"(4).
قوله تعالى {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله} [28]، في التعبير بـ (كيف) قولان (5):
أحدهما: أنه استفهام في معنى التعجب، وهذا التعجب للمؤمنين، أي: اعجبوا من هؤلاء كيف يكفرون، وقد ثبتت حجة الله عليهم، قاله ابن قتيبة (6)، والزجاج (7).
(1) أخرجه البخاري ص 507، كتاب الأدب، باب 11: إثم القاطع، حديث رقم 5984؛ وأخرجه مسلم ص 1126، كتاب البر والصلة، باب 6: صلة الرحمن وتحريم قطيعتها، حديث رقم 6520 [18]2556.
(2)
أخرجه البخاري ص 271، كتاب أحاديث الأنبياء، باب 7: قصة يأجوج ومأجوج، حديث رقم 3346؛ وأخرجه مسلم ص 1176 – 1177، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب 1: اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج، حديث رقم 7235 [1]2880.
(3)
صفوة التفاسير: 1/ 39.
(4)
تفسير السعدي: 1/ 48.
(5)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 427، وتفسير القرطبي: 1/ 248.
(6)
انظر: تأويل مشكل القرآن: 278.
(7)
أنظر: معاني القرآن: 1/ 107.
والثاني: أنه استفهام خارج مخرج التقرير والتوبيخ. تقديره: ويْحَكم كيف تكفرون بالله؟ كما قال: {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} [سورة التكوير: 26]. قاله الفراء (1) وابن الانباري (2).
والقول الأول هو الأشبه بالصواب، وهو قول عامة المفسرين، قال الواسطي:"وبخهم بهذا غاية التوبيخ، لأن الموات والجماد لا ينازع صانعه في شيء، وإنما المنازعة من الهياكل الروحانية"(3).
قال ابن عثيمين: " الاستفهام هنا للإنكار، والتعجيب؛ والكفر بالله هو الإنكار، والتكذيب مأخوذ من: كَفَر الشيء: إذا ستره؛ ومنه الكُفُرّى: لغلاف طلع النخل؛ والمعنى: كيف تجحدونه، وتكذبون به، وتستكبرون عن عبادته، وتنكرون البعث مع أنكم تعلمون نشأتكم؟ ! "(4).
قوله تعالى: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} ] البقرة: 28]، أي: وكنم "نطفا في أصلاب آبائكم"(5).
قال ابن عباس: " في أصلاب آبائكم لم تكونوا شيئا حتى خلقكم"(6). وعنه أيضا: " كنتم ترابا قبل أن يخلقكم، فهذه ميتة"(7).
وقال الصابوني: " أي وقد كنتم في العدم نُطفاً في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات"(8).
قال ابن عثيمين: " وذلك: قبل نفخ الروح في الإنسان هو ميت؛ جماد"(9).
قوله تعالى: {فَأَحْيَاكُمْ} [البقرة: 28]، " أي أخرجكم إِلى الدنيا"(10).
قال السعدي: "أي: "خلقكم من العدم; وأنعم عليكم بأصناف النعم" (11).
قال ابن عثيمين: أي بنفخ الروح" (12).
قال ابن عباس: " فخلقكم فهذه حياة"(13).
قال الثعلبي: أي: "في الأرحام في الدنيا"(14).
قوله تعالى: {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} [البقرة: 28]، أي:" عند انقضاء آجالكم"(15).
قال ابن عباس: " فترجعون إلى القبور فهذه ميتة أخرى"(16).
قال الحسن: "ذكر الموت مرتين هنا لأكثر الناس، وأما بعضهم فقد أماتهم ثلاث مرات، {أو كالذى مر على قرية}، {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم}، فخذ أربعة من الطير}، الآيات"(17).
قوله تعالى: {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة: 28]، " أي تردون [إليه] في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم"(18).
قال السعدي: أي: "بعد البعث والنشور"(19).
قال ابن عباس: " ثم يبعثكم يوم القيامة، فهذه حياة"(20).
(1) أنظر: معاني القرآن: 1/ 23، وانظر: التفسير البسيط: 2/ 289.
(2)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 427، وتفسير القرطبي: 1/ 248.
(3)
تفسير القرطبي: 1/ 247.
(4)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 105.
(5)
تفسير الثعلبي: 1/ 173.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (302): ص 1/ 73.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (301): ص 1/ 73.
(8)
صفوة التفاسير: 1/ 39.
(9)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 105.
(10)
صفوة التفاسير: 1/ 39.
(11)
تفسير السعدي: 1/ 48.
(12)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 105.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (301): ص 1/ 73.
(14)
تفسير الثعلبي: 1/ 173.
(15)
تفسير الثعلبي: 1/ 173.
(16)
أخرجه ابن أبي حاتم (301): ص 1/ 73.
(17)
نقلا عن: البحر المحيط: 1/ 108.
(18)
تفسير البغوي: 1/ 77.
(19)
تفسير السعدي: 1/ 48.
(20)
أخرجه ابن أبي حاتم (301): ص 1/ 73، وعنه أيضا:" حين يبعثكم". أخرجه ابن أبي حاتم (302): ص 1/ 73.
قوله تعالى: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28]، أي:"بعد الحشر- فيجازيكم بأعمالكم"(1).
قال أبو حيان: "أي إلى جزائه من ثواب أو عقاب"(2).
قال أبو العالية: " ترجعون إليه بعد الحياة"(3).
قال ابن عثيمين: " بعد الإحياء الثاني ترجعون إلى الله، فينبئكم بأعمالكم، ويجازيكم عليها"(4).
قال الصابوني: " للحساب والجزاء يوم النشور"(5).
قال النسفي: " تصيرون إلى الجزاء، أو ثم يحييكم في قبوركم ثم إليه ترجعون للنشور"(6).
قال أوبو حيان: " فعطف بثم التي تقتضي التراخي في الزمان. والرجوع إلى الله تعالى حاصل عقب الحياة التي للبعث، فدل ذلك على أن تلك الحياة المذكورة هي للمسألة"(7).
واستدلت المجسمة بقوله: " {ثم إليه ترجعون}، على أنه تعالى في مكان ولا حجة لهم في ذلك"(8).
قال الثعلبي: أي: " تأتون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم"(9).
قال السعدي: "فإذا كنتم في تصرفه، وتدبيره; وبره، وتحت أوامره الدينية، ومن بعد ذلك تحت دينه الجزائي، أفيليق بكم أن تكفروا به، وهل هذا إلا جهل عظيم وسفه وحماقة؟ بل الذي يليق بكم أن تؤمنوا به وتتقوه وتشكروه وتخافوا عذابه; وترجوا ثوابه"(10).
وفي قوله تعالى {تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28]، قراءتان (11):
الأولى: {تُرْجَعُونَ} ، مبنيا للمفعول من رجع المتعدي. وهي قراءة الجمهور.
والثانية: {تَرْجِعُونَ} ، مبنيا للفاعل. قرأ بها مجاهد، ويحيى بن يعمر، وابن أبي إسحاق، وابن محيصن، والفياض بن غزوان، وسلام، ويعقوب.، حيث وقع في القرآن من رجع اللازم، لأن رجع يكون لازما ومتعديا.
قال أبو حيان: " وقراءة الجمهور أفصح، لأن الإسناد في الأفعال السابقة هو إلى الله تعالى، {فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم}، فكان سياق هذا الإسناد أن يكون الفعل في الرجوع مسندا إليه، لكنه كان يفوت تناسب الفواصل والمقاطع، إذ كان يكون الترتيب: {ثم إليه مرجعكم}، فحذف الفاعل للعلم به وبنى الفعل للمفعول حتى لا يفوت التناسب اللفظي. وقد حصل التناسب المعنوي بحذف الفاعل، إذ هو وقبل البناء للمفعول مبني للفاعل. وأما قراءة مجاهد، ومن ذكر معه، فإنه يفوت التناسب المعنوي، إذ لا يلزم من رجوع الشخص إلى شيء أن غيره رجعه إليه، إذ قد يرجع بنفسه من غير راد. والمقصود هنا إظهار القدرة والتصرف التام بنسبة الإحياء والإماتة، والإحياء والرجوع إليه تعالى، وإن كنا نعلم أن الله تعالى هو فاعل الأشياء جميعها. وفي قوله تعالى: {ثم إليه ترجعون} من الترهيب والترغيب ما يزيد المسيء خشية ويرده عن بعض ما يرتكبه، ويزيد المحسن رغبة في الخير ويدعوه رجاؤه إلى الازدياد من الإحسان، وفيها رد على الدهرية والمعطلة ومنكري البعث، إذ هو بيده الإحياء والإماتة والبعث وإليه يرجع الأمر كله"(12).
وفي قوله تعالى: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ، وجهان (13):
(1) محاسن التأويل: 1/ 281.
(2)
نقلا عن: البحر المحيط: 1/ 108. وقيل أن (الهاء): "عائدة على الجزاء على الأعمال. وقيل: عائدة على الموضع الذي يتولى الله الحكم بينكم فيه. وقيل: عائدة على الإحياء المدلول عليه بقوله: فأحياكم". [أنظر: البحر المحيط: 1/ 108].
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (303): ص 1/ 73.
(4)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 105.
(5)
صفوة التفاسير: 1/ 39.
(6)
تفسير النسفي: 1/ 56.
(7)
البحر المحيط: 1/ 108.
(8)
البحر المحيط: 1/ 109.
(9)
تفسير الثعلبي: 1/ 173.
(10)
تفسير السعدي: 1/ 48.
(11)
تفسير الثعلبي: 1/ 173 ـ والبحر المحيط: 1/ 109.
(12)
البحر المحيط: 1/ 109.
(13)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 92.
أحدهما: إلى الموضع الذي يتولى الله الحكم بينكم.
والثاني: إلى المجازاة على الأعمال.
وقد ذكروا في قوله تعالى: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة: 28]، ستة تأويلات (1):
أحدها: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً} أي لم تكونوا شيئاً، {فَأَحْيَاكُمْ} أي خلقكم، {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} عند انقضاء آجالكم، {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} يوم القيامة، وهذا قول ابن عباس (2)، وابن مسعود (3)، أبي مالك (4)، ومجاهد (5)، وأبي العالية (6).
والثاني: أن قوله: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً} يعني في القبور {فَأَحْيَاكُمْ} للمساءلة، {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} في قبوركم بعد مساءلتكم، ثم يحييكم عند نفخ الصور للنشور، لأن حقيقة الموت ما كان عن حياةٍ، وهذا قول أبي صالح (7).
والثالث: أن قوله: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً} يعني في أصلاب آبائكم، {فَأَحْيَاكُمْ} أي أخرجكم من بطون أمهاتكم، {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} الموتة التي لا بد منها، {ثُم يُحْيِيكُمْ} للبعث يوم القيامة، وهذا قول قتادة (8).
والرابع: أن قوله: {وَكُنْتُمْ أَمْواتاً} يعني: أن الله عز وجل حين أخذ الميثاق على آدم وذريته، أحياهم في صلبه وأكسبهم العقل وأخذ عليهم الميثاق، ثم أماتهم بعد أخذ الميثاق عليهم، ثم أحياهم وأخرجهم من بطون أمهاتهم، وهو معنى قوله تعالى:{يَخْلُقْكُمْ في بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّنْ بَعْدِ خَلْقٍ} " [الزمر: 6] فقوله: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً} يعني بعد أخذ الميثاق، {فَأَحْيَاكُمْ} بأن خلقكم في بطون أمهاتكم ثم أخرجكم أحياء، {ثم يُمِيتُكُمْ} بعد أن تنقضي آجالكم في الدنيا، {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} بالنشور للبعث يوم القيامة، وهذا قول ابن زيدٍ (9).
والخامس: أن الموتة الأولى مفارقة نطفة الرجل جسده إلى رحم المرأة، فهي مَيِّتَةٌ من حين فراقها من جسده إلى أن ينفخ الروح فيها، ثم يحييها بنفخ الروح فيها، فيجعلها بشراً سويّاً، ثم يميته الموتة الثانية بقبض الروح منه، فهو ميت إلى يوم ينفخ في الصور، فيرُد في جسده روحه، فيعود حياً لبعث القيامة، فذلك موتتان وحياتان (10).
والسادس: أن قوله: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً} خاملي الذكر دارسي الأثر، {فَأَحْيَاكُمْ} بالظهور والذكر، {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} عند انقضاء آجَالكم، {ثُمَّ يُحييكُمْ} للبعث، واستشهد من قال هذا التأويل بقول أبي بُجَيْلَةَ السَّعْدِيِّ (11):
فَأَحْيَيْتَ لِي ذكْري، وَمَا كُنْتُ خَامِلا
…
وَلَكِنَّ بَعْضَ الذِّكْرِ أَنْبَهُ مِنْ بَعْضٍ
قوله: (فأحييتَ لي ذكري}، أي: رفعته وشهرته في الناس حتى نبه فصار مذكورًا حيًّا، بعد أن كان خاملا ميتًا (12).
ولكل من الأقوال السابقة وجه ومذهبٌ من التفسير، وأولى الأقوال بتفسير الآية هو قول ابن مسعود وابن عباس، أي:" وكنتم أمواتًا " أمواتَ الذكر، خمولا في أصلاب آبائكم نطفًا، لا تُعرفون ولا تُذكرون: فأحياكم بإنشائكم بشرًا سويًّا حتى ذُكِرتم وعُرِفتم وحَيِيتم، ثم يُميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم رُفاتًا لا تُعرفون ولا تُذكرون في البرزخ إلى يوم تبعثون، ثم يحييكم بعد ذلك بنفخ الأرواح فيكم لبعث الساعة وصَيحة القيامة، ثم إلى الله ترجعون بعد ذلك" (13). والله أعلم.
(1) أنظر: تفسير الطبري: 1/ 418 - 427، والنكت والعيون: 1/ 91 - 92.
(2)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (301): ص 1/ 73، وتفسير الطبري (583)، و (581): ص 1/ 419.
(3)
أنظر: تفسير الطبري (576): ص 1/ 418.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (578)، و (579): ص 1/ 418.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (580): ص 1/ 419.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (582): ص 1/ 419.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (584): ص 1/ 419.
(8)
أنظر: تفسير الطبري (585): ص 1/ 419 - 420.
(9)
أنظر: تفسير الطبري (586): ص 1/ 420 - 421.
(10)
أنظر: تفسير الطبري: 1/ 423.
(11)
الأغاني 18: 140، والمؤتلف والمختلف للآمدي: 193، وأبو نخيلة اسمه لا كنيته، كما قال أبو الفرج، ويقال اسمه: يعمر بن حزن بن زائدة، من بني سعد بن زيد مناة، وكان الأغلب عليه الرجز، وله قصيد قليل، وكان عاقًّا بأبيه، فنفاه أبوه عن نفسه. والبيت من أبيات، يمدح بها مسلمة بن عبد الملك.
(12)
أنظر: تفسير الطبري: 1/ 421.
(13)
تفسير الطبري: 1/ 424.
قال النسفي: "وإنما كان العطف الأول بالفاء والبواقي بثم لأن الإحياء الأول قد تعقب الموت بلا تراخٍ، وأما الموت فقد تراخى عن الحياة والحياة الثانية كذلك تتراخى عن الموت إن أريد النشور، وإن أريد إحياء القبر فمنه يكتسب العلم بتراخيه، والرجوع إلى الجزاء أيضاً متراخٍ عن النشور، وإنما أنكر اجتماع الكفر مع القصة التي ذكرها لأنها مشتملة على آيات بينات تصرفهم على الكفر، ولأنها تشتمل على نعمٍ جسام حقها أن تشكر ولا تكفر"(1).
وقال القاسمي: " فإن قيل: إن علموا أنهم كانوا أمواتا فأحياهم ثم يميتهم، لم يعلموا أنه يحييهم ثم إليه يرجعون، فيكف نظم ما ينكرونه، من الإحياء الأخير والرجع، في سلك ما يعترفون به من الإحياء الأول والإماتة .. ؟
قلت: تمكنهم من العلم بهما- لما نصب لهم من الدلائل- منزل منزلة علمهم في إزاحة العذر. سيما وفي الآية تنبيه على ما يدل على صحتهما. وهو أنه تعالى لما قدر على إحيائهم أولا، قدر على أن يحييهم ثانيا. فإن بدء الخلق ليس بأهون عليه من إعادته.! أو الخطاب، مع أهل الكتابين. وإنكار اجتماع الكفر- مع القصة التي ذكرها الله تعالى- إما لأنها مشتملة على آيات بينات تصرفهم عن الكفر، أو على نعم جسام حقها أن تشكر ولا تكفر. أو لإرادة الأمرين جميعا. فإن ما عدده آيات، وهي- مع كونها آيات- من أعظم النعم" (2).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: شدة الإنكار حتى يصل إلى حد التعجب ممن يكفر وهو يعلم حاله، ومآله.
2 ومنها: أن الموت يطلق على ما لا روح فيه. وإن لم تسبقه حياة.؛ يعني: لا يشترط للوصف بالموت تقدم الحياة؛ لقوله تعالى: {كنتم أمواتاً فأحياكم} ؛ أما ظن بعض الناس أنه لا يقال: "ميت" إلا لمن سبقت حياته؛ فهذا ليس بصحيح؛ بل إن الله تعالى أطلق وصف الموت على الجمادات؛ قال تعالى في الأصنام: {أموات غير أحياء} [النحل: 21].
3 ومنها: أن الجنين لو خرج قبل أن تنفخ فيه الروح فإنه لا يثبت له حكم الحي؛ ولهذا لا يُغَسَّل، ولا يكفن، ولا يصلي عليه، ولا يرث، ولا يورث؛ لأنه ميت جماد لا يستحق شيئاً مما يستحقه الأحياء؛ وإنما يدفن في أيّ مكان في المقبرة، أو غيرها.
4 ومنها: تمام قدرة الله عز وجل؛ فإن هذا الجسد الميت ينفخ الله فيه الروح، فيحيى، ويكون إنساناً يتحرك، ويتكلم، ويقوم، ويقعد، ويفعل ما أراد الله عز وجل.
5 ومنها: إثبات البعث؛ لقوله تعالى: {ثم يحييكم ثم إليه ترجعون} ؛ والبعث أنكره من أنكره من الناس، واستبعده، وقال:{من يحيي العظام وهي رميم} [يس: 78]؛ فأقام الله. تبارك وتعالى. على إمكان ذلك ثمانية أدلة في آخر سورة "يس": .
الدليل الأول: قوله تعالى: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة} [يس: 79]: هذا دليل على أنه يمكن أن يحيي العظام وهي رميم؛ وقوله تعالى: {أنشأها أول مرة} دليل قاطع، وبرهان جليّ على إمكان إعادته كما قال الله تعالى:{وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم: 27].
الدليل الثاني: قوله تعالى: {وهو بكل خلق عليم} [يس: 79] يعني: كيف يعجز عن إعادتها وهو سبحانه وتعالى بكل خلق عليم: يعلم كيف يخلق الأشياء، وكيف يكونها؛ فلا يعجز عن إعادة الخلق.
الدليل الثالث: قوله تعالى: {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون} [يس: 80]: الشجر الأخضر فيه البرودة، وفيه الرطوبة؛ والنار فيها الحرارة، واليبوسة؛ هذه النار الحارة اليابسة تخرج من شجر بارد رطب؛ وكان الناس فيما سبق يضربون أغصاناً من أشجار معينة بالزند؛ فإذا ضربوها انقدحت النار، ويكون عندهم شيء قابل للاشتعال بسرعة؛ ولهذا قال تعالى:{فإذا أنتم منه توقدون} [يس: 80] تحقيقاً لذلك.
(1) تفسير النسفي: 1/ 56.
(2)
محاسن التأويل: 1/ 281.
ووجه الدلالة: أن القادر على إخراج النار الحارة اليابسة من الشجر الأخضر مع ما بينهما من تضاد قادر على إحياء العظام وهي رميم.
الدليل الرابع: قوله تعالى: {أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى} (يس: 81)
ووجه الدلالة: أن خلْق السموات والأرض أكبر من خلق الناس؛ والقادر على الأكبر قادر على ما دونه.
الدليل الخامس: قوله تعالى: {وهو الخلَّاق العليم} [يس: 81]؛ فـ {الخلاق} صفته، ووصفه الدائم؛ وإذا كان خلَّاقاً، ووصفه الدائم هو الخلق فلن يعجز عن إحياء العظام وهي رميم.
الدليل السادس: قوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} [يس: 82]: إذا أراد شيئاً مهما كان؛ و {شيئاً} : نكرة في سياق الشرط، فتكون للعموم؛ {أمره} أي شأنه في ذلك أن يقول له كن فيكون؛ أو {أمره} الذي هو واحد "أوامر"؛ ويكون المعنى: إنما أمره أن يقول: "كن"، فيعيده مرة أخرى.
ووجه الدلالة: أن الله سبحانه وتعالى لا يستعصي عليه شيء أراده.
الدليل السابع: قوله تعالى: {فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء} : كل شيء فهو مملوك لله عز وجل: الموجود يعدمه؛ والمعدوم يوجده؛ لأنه رب كل شيء.
ووجه الدلالة: أن الله سبحانه وتعالى نزه نفسه؛ وهذا يشمل تنزيهه عن العجز عن إحياء العظام وهي رميم
الدليل الثامن: قوله تعالى: {وإليه ترجعون} .
ووجه الدلالة: أنه ليس من الحكمة أن يخلق الله هذه الخليقة، ويأمرها، وينهاها، ويرسل إليها الرسل، ويحصل ما يحصل من القتال بين المؤمن، والكافر، ثم يكون الأمر هكذا يذهب سدًى؛ بل لابد من الرجوع؛ وهذا دليل عقلي.
فهذه ثمانية أدلة على قدرة الله على إحياء العظام وهي رميم جمعها الله عز وجل في موضع واحد؛ وهناك أدلة أخرى في مواضع كثيرة في القرآن؛ وكذلك في السنة.
6 ومن فوائد الآية: أن الخلق مآلهم، ورجوعهم إلى الله عز وجل.
القرآن
التفسير:
هو الذي أوجد لكم - براً بكم ورحمة - جميع ما على الأرض من الأشجار، والزروع، والأنهار، والجبال .. للانتفاع والاستمتاع والاعتبار، ثم قصد إلى السماء، فجعلها سبع سماوات سوية طباقاً غير متناثرة قوية متينة، وهو لا يخفى عليه شيء سبحانه.
قال المفسرون: "لما استعظم المشركون أمر الإعادة عرفهم خلق السموات والأرض، ليدل بذلك على أن إعادة الحياة فيهم وقد خلقهم أولاً ليس بأكثر من خلقه السموات والأرض وما فيهما"(1).
قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ} [البقرة: 29]، "أي: أوجد عن علم وتقدير على ما اقتضته حكمته جلّ وعلا، وعلمه" (2).
قال السعدي: " أي: خلق لكم، برا بكم ورحمة"(3).
قوله تعالى: {مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29]، أي:"جميع ما على الأرض، للانتفاع والاستمتاع والاعتبار"(4).
قال قتادة: " أي سخر لكم ما في الأرض جميعا كرامة من الله، ونعمة لابن آدم"(5).
(1) التفسير البسيط: 2/ 294، وذكره أبو الليث عن الكلبي 1/ 309، والآية فيها دلائل نعمه عليهم مما يوجب عليهم شكره، ودلائل توحيده، وانظر: تفسير ابن كثير 1/ 72.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 109.
(3)
تفسير السعدي: 1/ 48.
(4)
تفسير السعدي: 1/ 48.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (307): ص 1/ 75.
قال البيضاوي: "بيان نعمة أخرى مرتبة على الأولى، فإنها خلقهم أحياء قادرين مرة بعد أخرى، وهذه خلق ما يتوقف عليه بقاؤهم وتم به معاشهم"(1).
قال السعدي: " وفي هذه الآية العظيمة دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة، لأنها سيقت في معرض الامتنان، يخرج بذلك الخبائث، فإن [تحريمها أيضا] يؤخذ من فحوى الآية، ومعرفة المقصود منها، وأنه خلقها لنفعنا، فما فيه ضرر، فهو خارج من ذلك، ومن تمام نعمته، منعنا من الخبائث، تنزيها لنا"(2).
روي "عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل"(3).
وقال مجاهد: " خلق الله الأرض قبل السماء، فلما خلق الأرض ثار منها دخان فذلك حين يقول: ثم استوى إلى السماء وهي دخان. قال بعضهن فوق بعض، وسبع أرضين بعضهن تحت بعض"(4).
وقوله تعالى {لَكُمْ} [البقرة: 29]، اللام هنا لها معنيان (5):
أحدهما: أنها تفيد التعليل: أي خلق لأجلكم، ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم.
قال النسفي: أما الأول فظاهر، وأما الثاني فالنظر فيه وما فيه من العجائب الدالة على صانع قادر حكيم عليم، وما فيه من التذكير بالآخرة لأن ملاذها تذكر ثوابها ومكارهها تذكر عقابها" (6).
وقال البيضاوي: " أي لأجلكم وانتفاعكم في دنياكم باستنفاعكم بها في مصالح أبدانكم بوسط أو بغير وسط، ودينكم بالاستدلال والاعتبار والتعرف لما يلائمها من لذات الآخرة وآلامها، لا على وجه الغرض"(7).
وقال الواحدي: "فما في الأرض مخلوق لهم بعضها للانتفاع، وبعضها للاعتبار، فإن السباع والعقارب والحيات، وكل ما يؤذي ويضر فيها منفعة للمكلفين وجهة ما فيها من العبرة والإرهاب؛ لأنه إذا رئي طرف من المتوعد به كان أبلغ في الزجر عن المعصية وأدعى إلى التمسك بالطاعة، كما أنه إذا قدم طرف من الموعود به كانت النفس إليه أشوق، وعليه أحرص، والأصل في ذلك أن الخبر لا يقوم مقام المشاهدة فيما يصل إلى القلب ويبلغ إلى النفس "(8).
والثاني: وقيل أنها تفيد الإباحة كما تقول: (أبحت لك).
والقول الأول هو الأشبه بالصواب، وهو قول عامة المفسرين.
واختلف في قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة: 29]ـ على أقوال (9):
القول الأول: أن الإستواء بمعنى العلو والارتفاع: أي علا إلى السماء، فسرها به أبو العالية (10) والحسن (11) والربيع (12)، وذكره البغوي في تفسيره:"عن ابن عباس وأكثر مفسري السلف"(13)، "وذلك تمسكا بظاهر لفظ استوى. وتفويضا لعلم كيفية هذا الارتفاع إلى الله عز وجل"(14).
(1) تفسير البيضاوي: 1/ 66.
(2)
تفسير السعدي: 1/ 48.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (304): ص 1/ 74، وأخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين، رقم (2789): ص 4/ 2149.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (305): ص 1/ 74.
(5)
انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 76.
(6)
تفسير النسفي: 1/ 56 - 57. قاتل النسفي: "وقد استدل الكرخي وأبو بكر الرازي والمعتزلة بقوله خلق لكم على أن الأشياء التي يصح أن ينتفع بها خلقت مباحة في الأصل".
(7)
تفسير البيضاوي: 1/ 66.
(8)
التفسير البسيط: 2/ 295، وفي خلق هذِه الأشياء التي ذكر حكم كثيرة، منها ما علم للبشر، ومنها ما لم يعلم، وما ذكره بعض هذِه الحكم. انظر:"تفسير ابن عطية" 1/ 223، "الكشاف" 1/ 170، "زاد المسير" 1/ 58، "القرطبي" 1/ 216.
(9)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 428 - 429.
(10)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (308): ص 1/ 75.
(11)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 75.
(12)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 75.
(13)
انظر: تفسير البغوي: 1/ 78.
(14)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين " (3/ 312).
واختاره ابن جرير قائلا: " وأوْلى المعاني بقول الله جل ثناؤه: {ثم استوى إلى السماء فسوَّاهن}، علا عليهن وارتفع، فدبرهنّ بقدرته، وخلقهنّ سبع سموات"(1)، قال شيخ الاسلام "وهو قول إجماع السلف"(2).
ثم اختلف متأوّلو الاستواء بمعنى (العلوّ والارتفاع)، في الذي استوى إلى السّماء (3):
أحدها: أن الذي استوى إلى السماء وعلا عليها، هو خالقُها ومنشئها.
والثاني: وقيل: بل العالي عليها: الدُّخَانُ الذي جعله الله للأرض سماء (4). قال ابن عطية: وهذا يأباه رصف الكلام" (5).
وقال الإمام الطبري: الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه (6):
أحدها: انتهاء شباب الرجل وقوّته، فيقال إذا صار كذلك: قد استوى الرجل.
والثاني: استقامة ما كان فيه أَوَدٌ من الأمور والأسباب، يقال منه: استوى لفلان أمره: إذا استقام له .. بعد أود، ومنه قول الطرماح بن حكيم (7):
طالَ على رَسْمٍ مَهْدَدٍ أبَدُهْ
…
وعَفا واسْتَوَى بِهِ بَلَدُهْ
يعني: استقام به.
والثالث: الإقبال على الشيء بالفعل، كما يقال: استوى فلان على فلان بما يكرهه ويسوءه بعد الإحسان إليه.
والثالث: الاحتياز والاستيلاء كقولهم: استوى فلان على المملكة، بمعنى احتوى عليها وحازها.
والرابع: العلوّ والارتفاع، كقول القائل: استوى فلان على سريره، يعني به علوّه عليه.
قال الإمام الطبري: "وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه: {ثُمَّ اسْتَوَى إلى السماءِ فَسَوَّاهُنْ}: علا عليهنّ وارتفع، فدبرهن بقدرته وخلقهنّ سبع سموات"(8).
القول الثاني: أن الإستواء بمعنى: قصد إليها وأقبل عليهما؛ وهذا ما اختاره ابن كثير (9)، والفراء (10)، والسعدي (11)، والبغوي في تفسير سورة فصلت (12)، فكما تقول: كان فلان مقبلا على فلان، ثم استوَى عليّ يشاتمني - واستوَى إليّ يشاتمني، بمعنى: أقبل عليّ وإليّ يشاتمني، واستُشْهِد على أنّ الاستواء بمعنى الإقبال بقول الشاعر (13):
أَقُولُ وَقَدْ قَطَعْنَ بِنَا شَرَوْرَى
…
سَوَامِدَ، وَاسْتَوَيْنَ مِنَ الضَّجُوعِ
(1) انظر: تفسير الطبري: 1/ 429، وتفسير ابن كثير: 1/ 213.
(2)
مجموع الفتاوى: 5/ 521.
(3)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 429.
(4)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 429.
(5)
المحرر الوجيز: 1/ 115.
(6)
تفسير الطبري: 1/ 429.
(7)
ديوانه: 110، واللسان (سوى) قال:" وهذا البيت مختلف الوزن، فالمصراع الأول من المنسرح، والثاني من الخفيف ". والرسم: آثار الديار اللاصقة بالأرض. ومهدد اسم امرأة. والأبد: الدهر الطويل، والهاء في " أبده " راجع إلى الرسم. وعفا: درس وذهب أثره. والبلد: الأثر يقول: انمحى رسمها حتى استوى بلا أثر.
(8)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 429.
(9)
انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 76.
(10)
انظر: معاني القرآن: 1/ 25.
(11)
انظر: تفسير السعدي: 745.
(12)
انظر: تفسيره: 4/ 126. ولفظه: " أي: عمد إلى خلق السماء".
(13)
البيت لتميم بن أبي بن مقبل (معجم ما استعجم: 795، 857)، وروايته " ثواني " مكان " سوامد ". وشرورى: جبل بين بني أسد وبني عامر، في طريق مكة إلى الكوفة. والضجوع - بفتح الضاد المعجمة -: موضع أيضًا بين بلاد هذيل وبني سليم. وقوله: " سوامد " جمع سامد. سمدت الإبل في سيرها: جدت وسارت سيرًا دائمًا، ولم تعرف الإعياء. وسوامد: دوائب لا يلحقهن كلال. والنون في " قطعن " للإبل
فزعم أنه عنى به أنهن خرجن من الضّجوع، وكان ذلك عنده بمعنى: أقبلن، وهذا من التأويل في هذا البيت خطأ، وإنما معنى قوله:" واستوين من الضجوع "، استوين على الطريق من الضجوع خارجات، بمعنى استقمن عليه (1).
قال ابن عثيمين: " وهذا القول ليس صرفا للكلام عن ظاهره، وذلك لأن الفعل استوى اقترن بحرف يدل على الغاية والانتهاء، فانتقل إلى معنى يناسب الحرف المقترن به، ألا ترى إلى قوله تعالى: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ)، حيث كان معناها يروى بها عباد الله، لأن الفعل يشرب اقترن بالباء فانتقل إلى معنى يناسبها وهو يروى، فالفعل يضمن معنى يناسب معنى الحرف المتعلق به ليلتئم الكلام "(2).
والقول الثالث: أن قوله {ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاءِ} ، يعني به: استوت، كما قال الشاعر (3):
أقُولُ لَهُ لَمَّا اسْتَوَى في تُرَابِهِ
…
على أيّ دِينٍ قَبَّلَ الرأسَ مُصْعَبُ
والقول الرابع: أنه لم يكن ذلك من الله جل ذكره بتحوّل، ولكنه بمعنى فعله، كما تقول: كان الخليفة في أهل العراق يواليهم ثم تحوّل إلى الشام، إنما يريد تحوّل فعله.
والقول الخامس: أن معنى قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّماءِ} : عمد إليها، وقال: بل كل تارك عملاً كان فيه إلى آخره فهو مستو لما عمد ومستو إليه.
وأقرب الأقوال الى الصواب هو أن {اسْتَوَى} معناه: قصد إلى خلقها، إذ ترد كلمة (استوى) في القرآن على ثلاثة معاني:
أحدها: لا تعدى بالحرف، فيكون معناها، (الكمال والتمام)، كما في قوله عن موسى:{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [القصص: 14].
والثاني: أن تكون بمعنى (علا) و (ارتفع)، وذلك إذا عديت بـ "على "كما في قوله تعالى:{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54]، وقوله:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، وقوله تعالى:{لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الزخرف: 13].
والثالث: أن تكون بمعنى (قصد) كما إذا عديت بـ "إلى "كما في هذه الآية: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29]، أي: لما خلق تعالى الأرض، قصد إلى خلق السماوات {فسواهن سبع سماوات} فخلقها وأحكمها، وأتقنها (4).
قال ابن عطية: " والقاعدة في هذه الآية ونحوها منع النقلة وحلول الحوادث، ويبقى استواء القدرة والسلطان"(5).
قوله تعالى: {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [البقرة: 29]، "أي صيّرهن وقضاهن سبع سماوات محكمة"(6).
قال البغوي: أي" خلقهن مستويات لا فطور فيها ولا صدع"(7).
قال ابن عثيمين: "أي جعلها سوية طباقاً غير متناثرة قوية متينة"(8).
قال الربيع بن أنس: " سوّى خلقهن"(9). وروي عن أبي العالية (10)، مثل ذلك.
قال قتادة: " بعضهن فوق بعض، بين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام"(11).
(1) انظر: تفسير الطبري: 1/ 428.
(2)
مجموع فتاوى ورسائل العثيمين: 3/ 312.
(3)
البيت ورد في تفسير الطبري: 1/ 428، ولم أجد قائله.
(4)
انظر: تفسير السعدي: 1/ 48.
(5)
المحرر الوجيز: 1/ 115.
(6)
صفوة التفاسير: 1/ 39.
(7)
تفسير البغوي: 1/ 78.
(8)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 110.
(9)
أخرجه الطبري (589): ص 1/ 431.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (310): ص 1/ 75.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (309): ص 1/ 75.
وقال مجاهد: " "بعضهن فوق بعض، وسبع أرضين بعضهن تحت بعض" (1).
قال الطبري: " يعني هيأهن وخلقهن ودبَّرهن وقوَّمهن. والتسوية في كلام العرب، التقويم والإصلاح والتوطئة، كما يقال: سوَّى فلان لفلان هذا الأمر. إذا قوّمه وأصلحه وَوَطَّأه له. فكذلك تسوية الله جل ثناؤه سمواته: تقويمه إياهن على مشيئته، وتدبيره لهنّ على إرادته، وتفتيقهنّ بعد ارتتاقهنّ"(2).
قوله تعالى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29]، "أي وهو عالم بكل ما خلق وذرأ"(3).
قال سعيد بن جبير: " يعني من أعمالكم عليم"(4).
قال الطبري: " وقوله: {عليم}، بمعنى عالم. ورُوي عن ابن عباس أنه كان يقول: "هو الذي قد كمَل في علمه" (5).
قال ابن عثيمين: ومن علمه عز وجل أنه علم كيف يخلق هذه السماء" (6).
قال الصابوني: " أفلا تعتبرون بأن القادر على خلق ذلك - وهي أعظم منكم - قادر على إعادتكم؟ ! بلى إنه على كل شيء قدير"(7).
قال ابن عطية: "وهذه الآية تقتضي أن الأرض وما فيها خلق قبل السماء، وذلك صحيح، ثم دحيت الأرض بعد خلق السماء، وبهذا تتفق معاني الآيات: هذه والتي في سورة المؤمن وفي النازعات"(8).
قال البغوي: " قرأ أبو جعفر وأبو عمرو والكسائي وقالون وهو وهي بسكون الهاء إذا كان قبل الهاء واو أو فاء أو لام، زاد الكسائي وقالون: ثم هو وقالون {أن يمل هو} [البقرة: 282] "(9).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: منّة الله تعالى على عباده بأن خلق لهم ما في الأرض جميعاً؛ فكل شيء في الأرض فإنه لنا. والحمد لله. والعجب أن من الناس من سخر نفسه لما سخره الله له؛ فخدم الدنيا، ولم تخدمه؛ وصار أكبر همه الدنيا: جمع المال، وتحصيل الجاه، وما أشبه ذلك.
2 ومنها: أن الأصل في كل ما في الأرض الحلّ. من أشجار، ومياه، وثمار، وحيوان، وغير ذلك؛ وهذه قاعدة عظيمة؛ وبناءً على هذا لو أن إنساناً أكل شيئاً من الأشجار، فقال له بعض الناس:"هذا حرام"؛ فالمحرِّم يطالَب بالدليل؛ ولو أن إنساناً وجد طائراً يطير، فرماه، وأصابه، ومات، وأكله، فقال له الآخر:"هذا حرام"؛ فالمحرِّم يطالب بالدليل؛ ولهذا لا يَحْرم شيء في الأرض إلا ما قام عليه الدليل.
3 ومن فوائد الآية: تأكيد هذا العموم بقوله تعالى: {جميعاً} مع أن {ما} موصولة تفيد العموم؛ لكنه سبحانه وتعالى أكده حتى لا يتوهم واهم بأن شيئاً من أفراد هذا العموم قد خرج من الأصل.
4 ومنها: إثبات الأفعال لله عز وجل. أي أنه يفعل ما يشاء؛ لقوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء} : و {استوى} فعل؛ فهو جلّ وعلا يفعل ما يشاء، ويقوم به من الأفعال ما لا يحصيه إلا الله، كما أنه يقوم به من الأقوال ما لا يحصيه إلا الله.
5 ومنها: أن السموات سبع؛ لقوله تعالى: (سبع سموات)
6 ومنها: كمال خلق السموات؛ لقوله تعالى: (فسواهن).
7 ومنها: إثبات عموم علم الله؛ لقوله تعالى: (وهو بكل شيء عليم)
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (311): ص 1/ 75.
(2)
تفسير الطبري: 1/ 431.
(3)
صفوة التفاسير: 1/ 39.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (312): ص 1/ 75.
(5)
انظر: تفسير الطبري (596): ص 1/ 438.
(6)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 110.
(7)
صفوة التفاسير: 1/ 39.
(8)
المحرر الوجيز: 1/ 115.
(9)
تفسير البغوي: 1/ 78.
8 ومنها: أن نشكر الله على هذه النعمة. وهي أنه تعالى خلق لنا ما في الأرض جميعاً؛ لأن الله لم يبينها لنا لمجرد الخبر؛ ولكن لنعرف نعمته بذلك، فنشكره عليها.
9 ومنها: أن نخشى، ونخاف؛ لأن الله تعالى بكل شيء عليم؛ فإذا كان الله عليماً بكل شيء. حتى ما نخفي في صدورنا. أوجب لنا ذلك أن نحترس مما يغضب الله عز وجل سواء في أفعالنا، أو في أقوالنا، أو في ضمائر قلوبنا.
القرآن
التفسير:
واذكر يا محمد إذ قال ربك للملائكة واقصص على قومك ذلك، حين قال ربك للملائكة، أني جاعل في الأرض قوماً يخلف بعضهم بعضاً قرناً بعد قرن وجيلاً بعد جيل، فقالت الملائلكة: يا ربنا، ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء، فإن كان المراد عبادتك، فنحن ننزهك التنزيه اللائق بحمدك وجلالك ونقدسك، فقال الله: إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم.
قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ} [البقرة: 30]، "أي اذكر يا محمد حين قال ربك للملائكة واقصص على قومك ذلك"(1).
قال ابن عثيمين: " و"الملائكة" جمع "مَلْئَك"، وأصله "مألك"؛ لأنه مشتق من الأَلُوكة. وهي الرسالة؛ لكن صار فيها إعلال بالنقل. أي نقل حرف مكان حرف آخر؛ مثل أشياء أصلها: "شيئاء"؛ و "الملائكة" عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور، وجعل لهم وظائف، وأعمالاً مختلفة؛ فمنهم الموكل بالوحي كجبريل؛ وبالقطر، والنبات كميكائيل؛ وبالنفخ في الصور كإسرافيل؛ وبأرواح بني أدم كملَك الموت .. إلى غير ذلك من الوظائف، والأعمال"(2).
وقد ذكر أهل العلم في قوله تعالى: {وَإِذْ} ، وجهين (3):
أحدهما: أنه صلة زائدة، وتقدير الكلام: وقال ربك للملائكة، وهذا قول أبي عبيدة (4)، واستشهد بقول الأسود بن يعفر (5):
فَإِذَا وَذلِكَ لا مَهَاةَ لذِكْرِهِ
…
وَالدَّهْرُ يَعْقُبُ صَالِحاً بِفَسَادِ
وببيت عبد مناف بن رِبْع الهُذَليِّ (6):
(1) صفوة التفاسير: 1/ 41.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 112.
(3)
أنظر: تفسير الطبري: 1/ 439 وما بعدها، والنكت والعيون: 1/ 93.
(4)
أنظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 108.
(5)
المفضليات، القصيدة رقم: 44، وليس البيت في رواية ابن الأنباري شارح المفضليات. وقوله " لامهاه "، يقال: ليس لعيشنا مهه (بفتحتين) ومهاه: أي ليس له حسن أو نضارة. وقد زعموا أن الواو في قوله " فإذا وذلك. . " زائدة مقحمة، كأنه قال: فإذا ذلك. . .، وقد قال الطبري في تفسير قوله تعالى:" حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين " ج 24 ص 24: " واختلف أهل العربية في موضع جواب " إذا " التي في قوله: (حتى إذا جاءوها)، فقال بعض نحويي البصرة، يقال إن قوله:(وقال لهم خزنتها) في معنى: قال لهم. كأنه يلغى الواو. وقد جاء في الشعر شيء يشبه أن تكون الواو زائدة، كما قال الشاعر: فَإِذَا وَذَلِكَ يَا كُبَيْشَةُ لَمْ يَكُنْ
…
إِلا تَوَهُّمَ حَالِمٍ بِخَيَالِ فيشبه أن يكون يريد: فإذا ذلك لم يكن ". وقال أبو سعيد السكري في شرح أشعار الهذليين 2: 100، في شرح بيت أبي كبير الهذلي:
فَإِذَا وَذَلِكَ لَيْسَ إِلا حِينَهُ
…
وَإِذَا مَضَى شَيْءٌ كَأَنْ لَمْ يُفْعَلِ
قال أبو سعيد: " الواو زائدة. قال: قلت لأبي عمرو: يقول الرجل: ربنا ولك الحمد. فقال: يقول الرجل: قد أخذت هذا بكذا وكذا. فيقول: وهو لك ". وقال ابن الشجري في أماليه 1: 358: " قيل في الآية إن الواو مقحمة، وليس ذلك بشيء، لأن زيادة الواو لم تثبت في شيء من الكلام الفصيح ". والذي ذهب إليه ابن الشجري هو الصواب، ولكل شاهد مما استشهدوا به وجه في البيان، ليس هذا موضع تفصيله. وكفى برد الطبري في هذا الموضع ما زعمه أبو عبيدة من زيادة " إذ " كما سيأتي:" وغير جائز إبطال حرف كان دليلا على معنى في الكلام " إلى آخر ما قال. وهو من سديد الفهم. وشرحه للبيت بعد، يدل على أنه لا يرى زيادة الواو، وذلك قوله في شرحه:" فإذا الذي نحن فيه، وما مضى من عيشنا ". [حاشية الطبري: 1/ 439].
(6)
ديوان الهذليين 2/ 42، وفي تفسير الطبري: 1/ 439، 14/ 8، 18/ 13، 24/ 25 (طبعة بولاق) والخزانة 3/ 170 - 174، وأمالى ابن الشجري 1/ 358، 2/ 289، وكثير غيرها. وسلك الرجل الطريق، وسلكه غيره فيه، وأسلكه الطريق: أدخله فيه أو اضطره إليه. وقتائدة: جبل بين المنصرف والروحاء، أي في الطريق بين مكة والمدينة. وشل السائق الإبل: طردها أمامه طردًا. ومر فلان يشل العدو بالسيف: يطردهم طردًا يفرون أمامه. والجمالة: أصحاب الجمال. وشرد البعير فهو شارد وشرود: نفر وذهب في الأرض، وجمع شارد شرد (بفتحتين) مثل خادم وخدم. وجمع شرود شرد (بضمتين). ويذكر عبد مناف قومًا أغاروا على عدو لهم، فأزعجوهم عن منازلهم، واضطروهم إلى " قتائدة " يطردونهم بالسيوف والرماح والنبال، كما تطرد الإبل الشوارد. وجواب " إذا " تقديره: شلوهم شلا، فعل محذوف دل عليه المصدر، كما سيأتي في كلام الطبري بعد.
حَتَّى إِذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَةٍ
…
شَلا كَمَا تَطْرُدُ الْجَمَّالَةُ الشُّرُدَا
وقال: معناه، حتى أسلكوهم.
قال الزجاج: " قال أبو عبيدة: (إذ) ههنا زائدة، وهذا إقْدَام مِنْ أبي عبيدة لأن القرآن، لا ينبغي أن يتكلم فيه إلا بغاية تجري إلى الحق و (إذ) معناها الوقت، وهي اسم فكيف يكون لغوا "(1)
والوجه الثاني: أن (إذ) كلمة مقصورة، وليست بصلة زائدة، وفيها لأهل التأويل قولان (2):
أحدهما: أن الله تعالى لما ذكَّر خلقه نِعَمَهُ عليهم بما خلقه لهم في الأرض، ذكّرهم نِعَمَهُ على أبيهم آدَمَ {إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} ، وهذا قول المفضَّل.
والثاني: أن الله تعالى ذكر ابتداء الخلق فكأنه قال: وابتدأ خلقكم {إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} ، وهذا من المحذوف الذي دَلَّ عليه الكلام، كما قال النمر بن تَوْلَبَ (3):
فَإِنَّ الْمَنَّيةَ مَنْ يَخْشَهَا
…
فَسَوفَ تُصَادِفُهُ أَيْنَمَا
يريد: أينما ذهب. وكما تقول العرب: " أتيتك من قبلُ ومن بعدُ ". تريد من قبل ذلك، ومن بعد ذلك. فكذلك ذلك في " إذا " كما يقول القائل:" إذا أكرمك أخوكَ فأكرمه، وإذا لا فلا ". يريد: وإذا لم يكرمك فلا تكرمه. ومن ذلك قول الآخر (4):
فَإِذَا وَذَلِكَ لا يَضُرُّكَ ضُرُّهُ
…
فِي يَوْم أسألُ نَائِلا أو أنْكَدُ
قال الطبري: " وكذلك معنى قول الله جل ثناؤه: {وإذ قالَ ربك للملائكة}، لو أبْطِلت (إذ) وحُذِفت من الكلام، لاستحال عن معناه الذي هو به، وفيه (إذ) "(5).
قال ابن عطية: "وقال الجمهور: ليست بزائدة وإنما هي معلقة بفعل مقدر تقديره واذكر إذ قال"(6).
و(الملائكة): واحدها ملك، وأصله (مَلْأَك)، مهموز، حذف همزه لكثرة الاستعمال، وأنشد (7):
فَلَسْتَ لإنْسِيٍّ ولكن لمَلْأَكٍ
…
تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السِّماء يَصُوبُ
وهذا قول سيبويه (8)، وتابعه على هذا القول أكثر أهل العلم" (9).
وأصل الملأك: الرسالة، كما قال عدي بن زيد العِبَادِيّ (10):
(1) أنظر: تفسير الطبري: 1/ 439 وما بعدها، والنكت والعيون: 1/ 93.
(2)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 93.
(3)
من قصيدة محكمة في مختارات ابن الشجري 1/ 16، والخزانة 4/ 438، وشرح شواهد المغني: 65، وبعده: وإنْ تتخطّاكَ أسْبابُها
…
فإن قُصَاراكَ أنْ تهرمَا
(4)
البيت من شواهد الطبري: 1/ 442، ولم أتعرف على قائله.
(5)
تفسير الطبري: 1/ 442.
(6)
المحرر الوجيز: 1/ 116.
(7)
نسبه بعضهم لعلقمة بن الفحل، يمدح الحارث بن جبلة، وقيل: لرجل من عبد القيس جاهلي، يمدح بعض الملوك، قاله أبو عبيدة، وقيل: لأبي وجزة السعدي يمدح عبد الله بن الزبير. ورد البيت في "الكتاب" 4/ 380، و"الطبري" في "تفسيره" 1/ 444 وما بعدها، "المفضليات" ص 394، "مجاز القرآن" ص 33، "المنصف" 2/ 102، "الجمل" للزجاجي ص 47، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 28، "تفسير ابن عطية" 1/ 189، "الاشتقاق" لابن دريد ص 26، "اللسان"(صوب) 1/ 2519، و (ألك) 1/ 111، "الدر المصون" 1/ 168.
(8)
أنظر: الكتاب: 2/ 308.
(9)
أنظر: التفسير البسيط: 2/ 308. أصلها (ملْأك)، يحذفون الهمزة منه، وينقلون حركتها إلى اللام وكانت مسكنة في حال همز الاسم. فإذا جمع الاسم ردوا الهمزة على الأصل فقالوا: (ملائكة)، انظر:"تفسير الطبري" 1/ 197، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 60 أ، "مجاز القرآن" 1/ 35، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 80، "تهذيب اللغة"(ملك) 4/ 3449.
(10)
الأغاني 2: 14، والعقد الفريد 5: 261، وفي المطبوعة " وانتظار "، وهي إحدى قصائد عدي، التي كان يكتبها إلى النعمان، لما حبسه في محبس لا يدخل عليه فيه أحد. وبعده البيت المشهور، وهو من تمامه: لَوْ بِغَيْرِ الْمَاءِ حَلْقِي شرِقٌ
…
كُنْت كالغَصَّانِ بالماء اعتصارِي.
أَبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنِّي مَلأَكًا
…
إِنَّهُ قَدْ طَالَ حَبْسِي وَانْتِظَارِي
وقد ينشد: مألَكًا، على اللغة الأخرى. فمن قال: ملأكًا فهو مَفْعل، من لأك إليه يَلأك إذا أرسل إليه رسالة مَلأكة؛ ومن قال: مَألَكًا فهو مَفْعَل من ألكت إليه آلك: إذا أرسلت إليه مألَكة وألُوكًا، كما قال لبيد بن ربيعة (1):
وَغُلامٍ أَرْسَلَتْه أُمُّه
…
بأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ
فهذا من " ألكت "، ومنه قول نابغة بني ذبيان (2):
أَلِكْنِي يَا عُيَيْنَ إِلَيْكَ قَوْلا
…
سَأَهْدِيه، إِلَيْكَ إِلَيْكَ عَنِّي
وقال عبدُ بني الحَسْحَاس (3):
أَلِكْنِي إِلَيْهَا عَمْرَكَ اللَّهُ يَا فَتًى
…
بِآيَةِ ما جاءتْ إِلَيْنَا تَهَادِيَا
يعني بذلك: أبلغها رسالتي. فسميت الملائكةُ ملائكةً بالرسالة، لأنها رُسُل الله بينه وبين أنبيائه، ومن أرسلت إليه من عباده (4).
قال الماوردي: " والملائكة أفضل الحيوان وأعقل الخلق، إلا أنهم لا يأكلون، ولا يشربون، ولا ينكحون، ولا يتناسلون، وهم رسل الله، لا يعصونه في صغير ولا كبير، ولهم أجسام لطيفة لا يُرَوْنَ إلا إذا قوَّى الله أبصارنا على رؤيتهم"(5).
قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، "أي: خالق في الأرض ومتخذ فيها خليفة يخلفني في تنفيذ أحكامي فيها" (6).
قال السدي: "فاستشار الملائكة في خلق آدم"(7). وكذا روي عن قتادة (8).
روي عن محمد بن إسحاق: "قوله {إني جاعل في الأرض خليفة}، يقول: ساكنا وعامرا يسكنها ويعمرها خلقا، ليس منكم"(9).
وروي "عن ابن سابط، أن النبي- صلى الله عليه وسلم قال: دحيت الأرض من مكة، وأول من طاف بالبيت الملائكة فقال: {إني جاعل في الأرض خليفة}، يعني مكة"(10).
وروي "عن ابن عباس قال: أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يسكنها إياه، ثم قرأ: {إني جاعل في الأرض خليفة} "(11).
قال ابن عطية: " وإن قال قائل ما الحكمة في قول الله تعالى للملائكة {إِنِّي جاعِلٌ} الآية، قيل: هذا منه امتحان لهم واختبار ليقع منهم ما وقع ويؤدبهم تعالى من تعليم آدم وتكريمه بما أدب"(12).
(1) ديوانه القصيدة رقم: 37، البيت: 16، وقوله " وغلام " مجرور بواو " رب ". أرسلت الغلام أمه تلتمس من معروف لبيد، فأعطاها ما سألت.
(2)
ديوانه: 85، وانظر: تفسير الطبري: 1/ 446.
(3)
الشعر لسحيم عبد بني الحسحاس، ديوانه: 19، ألكنى إليها: أبلغها رسالة مني، والرسالة: الألوك والمألكة. وتهادى في مشيه: تمايل دلالا أو ضعفًا.
(4)
أنظر: تفسير الطبري: 1/ 444 - 447. (بتصرف بسيط).
(5)
النكت والعيون: 1/ 94.
(6)
صفوة التفاسير: 1/ 41.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (314): ص 1/ 76.
(8)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (1/ 76.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (316): ص 1/ 76، والطبري (600): ص 1/ 449.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (317): ص 1/ 76، والطبري (599): ص 1/ 448.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (319): ص 1/ 76، وهو جزء من الخبر (322): ص 1/ 77، وأخرجه الحاكم: 2/ 361، قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقال الذهبي: صحيح.
(12)
المحرر الوجيز: 1/ 121.
قال الزجاج: " وفي ذكر هذه الآية احتجاج على أهل الكتاب بتَثْبيتِ نبوة النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ خَبَرَ آدم وما أمره اللَّه به من سجود الملائكة له معلوم عندهم، وليس هذا مِنْ علم العرب الذي كانت تعلمه، ففي إخبار النبي صلى الله عليه وسلم
دليل على تثبيت رسالته إذ آتاهم بما ليس من علم العرب، وإنما هو خبر لا يعلمه إلا من قرأ الكتاب أو أوحي إليه به" (1).
قال ابن عطية: " وقرأ زيد بن علي «خليفة» بالقاف"(2).
واختلفوا في معنى {جَاعِلٌ} ، في قوله تعالى:{إِنِّي جَاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، على وجهين (3):
أحدهما: أنه بمعنى خالق. قاله أبو روق (4).
والثاني: إني فاعل. قاله الحسن (5) وقتادة (6).
والراجح في تفسير قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً} : "أي مستخلف في الأرض خليفةً، ومُصَيِّر فيها خَلَفًا. وذلك أشبه بتأويل قول الحسن وقتادة"(7).
وقوله {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، اختلف العلماء في المراد بالخليفة هنا، وفي المسألة أربعة أقوال:
أحدها: أن الخليفة آدم-عليه الصلاة والسلام-لأنه خلف من سكن الأرض قبله من الجن أو الملائكة-على قولين لأهل العلم-وعليه فالخليفة فعيلة بمعنى فاعل والتاء للمبالغة عند قوم من النحاة، أو للعدل عن الوصف إلى الاسم فإن كلمة خليفة صفة في الأصل ثم أجريت مجرى الأسماء فألحقت التاء لذلك (8).
ويقوي هذا القول إفراد لفظ (خليفة) في الآية، وقد قال به الواحدي (9)، والقرطبي (10)، وابن القيم (11)، والخازن (12)، والغرناطي (13)، وحكوا الإجماع على ذلك.
وقد رد دعوى الإجماع ابن كثير (14)، والكوكباني (15)، والخلاف في المسألة قديم مشهور كما سيتضح في الأقوال التالية (16).
والثاني: أن الخليفة آدم وبنوه وأفرد لفظ (خليفة) استغناء بذكر آدم عن ذكر بنيه كما يستغنى بذكر أب القبيلة في قولنا مضر وتميم وقيس عن ذكر القبيلة. أو أريد بالخليفة من يخلفكم أو خلفاً يخلفكم أو خليفة منكم. والخليفة يصلح للواحد والجمع كما يصلح للذكر والأنثى (17).
(1) معاني القرآن: 1/ 108.
(2)
المحرر الوجيز: 1/ 117.
(3)
أنظر: تفسير الطبري: 1/ 447 - 448.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (598): ص 1/ 448.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (597): ص 1/ 447.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (597): ص 1/ 447.
(7)
تفسير الطبري: 1/ 448.
(8)
انظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم: 1/ 473، وأضواء البيان للشنقيطي: 1/ 57.
(9)
انظر: الوسيط: 1/ 131.
(10)
انظر: الجامع لأحكام القرآن: 1/ 263
(11)
انظر: مفتاح دار السعادة: 1/ 131 و 161.
(12)
انظر: لباب التأويل: 1/ 35.
(13)
انظر: التسهيل لعلوم التنزيل: 1/ 79.
(14)
انظر: تفسيره: : 1/ 90.
(15)
انظر: تيسير المنان تفسير القرآن: 2/ 842.
(16)
انظر: الإجماع في التفسير للخضيري: 174 - 175.
(17)
انظر: الكشاف للزمخشري: 1/ 271، مفاتيح الغيب للرازي: 2/ 180، البحر المحيط لأبي حيان: 1/ 140، محاسن التأويل للقاسمي: 2/ 95، وغيرها. وقد قال بهذا القول: السمين الحلبي في الدر المصون: 1/ 177، وابن جماعة في غرر التبيان: 199، والكوكباني في تيسير المنان تفسير القرآن: 841 - 842.
والثالث: أن المراد: أولو الأمر ابتداء بآدم-عليه السلام-ومروراً بمن قام مقامه في ذلك من ولده إلى انقضاء العالم (1).
وقد اختلفت عبارات أهل العلم في حكاية هذا القول:
فقال ابن عطية: "وقال ابن مسعود: إنما معناه خليفة مني في الحكم بين عبادي بالحق وبأوامري، يعني بذلك آدم-عليه السلام-ومن قام مقامه بعده من ذريته"(2).
وقال القرطبي: " وهو خليفة الله في إمضاء أحكامه وأوامره لأنه أول رسول في الأرض"(3).
وقال البيضاوي: "المراد به آدم لأنه كان خليفة الله في أرضه"(4).
وقال الشنقيطي: " لأنه خليفة الله في تنفيذ أوامره"(5).
وتجدر الإشارة بأن لفظ الخليفة يقال لمن استخلفه غيره، ولمن خلف غيره، فآدم-عليه السلام-وبنوه القائمون مقامه في ولاية الأمر ليسوا خلفاء ونواباً عن الله-عز وجل-وإنما الله-عز وجل-استخلفهم في ذلك عمن سبقهم تشريفاً وتكريماً لهم، فولي الأمر يقوم بما أوجبه الله-عز وجل-عليه من سياسة الأرض بالدين، فبالله تعالى يَخْلُفُ وهو-سبحانه-لا يُخْلَف ولا يُنَاب عنه لأنه-سبحانه-مشاهِد قريب بصير سميع مدبر فمحال أن يَخْلِفَه غيره، بل العبد هو الذي يحتاج إلى من يخلفه لغيبته أو موته أو عجزه ولذا جاء في صحيح مسلم:"اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل"(6).
وقد اختلف أهل العلم في جواز إطلاق لفظ خليفة الله على العبد بين مانع ومجيز، وفصل ابن القيم في مفتاح دار السعادة القول فقال بعد إيراده لأدلة الفريقين:"قلت: إن أريد بالإضافة إلى الله أنه خليفة عنه فالصواب قول الطائفة المانعة، وإن أريد بالإضافة أن الله استخلفه عن غيره ممن كان قبله فهذا لا يمتنع فيه الإضافة، وحقيقتها خليفة الله الذي جعله الله خلفاً عن غيره"(7).
والرابع: أن المراد: بنو آدم لأن كل قرن منهم يخلف القرن الذي سلفه (8).
ويدل لهذا القول: قول الله-عز وجل: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30] وقوله-عز وجل: {هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ} [فاطر: 39]، وغير ذلك من الآيات، و (خَلِيفَة) على هذا القول يجوز أن تكون بمعنى فاعل أو مفعول، فالقرن من البشر خالف لمن قبله وهو مخلوف بمن بعده (9)، ومال إلى هذا القول ابن جرير (10)، وكل هذه الأقوال محتملة، وأظهرها قول من قال المراد بالخليفة آدم وبنوه، وأفرد لفظ (خَلِيْفَة) استغناء بذكر آدم عن ذكر بنيه سواء أكانت الخلافة في سكنى الأرض أم في عمارتها وسياستها بالدين.
قوله تعالى: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} [البقرة: 30]، "أي قالوا على سبيل التعجب والاستعلام: كيف تستخلف هؤلاء، وفيهم من يفسد في الأرض بالمعاصي" (11).
قال ابن سابط: " يعنون الحرام"(12).
(1) ونسبه الماوردي في النكت والعيون: 1/ 95، وأبو حيان في البحر المحيط: 1/ 140 وبيان الحق النيسابوري في وضح البرهان: 1/ 135 لابن مسعود، وذهب إليه ابن عاشور في التحرير والتنوير: 1/ 399.
(2)
في المحرر الوجيز: 1/ 164.
(3)
في الجامع لأحكام القرآن: 1/ 263.
(4)
أنوار التنزيل: 1/ 45.
(5)
أضواء البيان: 1/ 57.
(6)
صحيح مسلم: 2/ 978 رقم: 1342.
(7)
مفتاح السعادة: 1/ 472، وانظر: منهاج السنة لابن تيمية: 1/ 507 - 510، المفردات للراغب: 156، معجم المناهي اللفظية لبكر أبو زيد: 156 - 157.
(8)
وهو قول الحسن البصري كما في جامع البيان للطبري: 1/ 451، والنكت والعيون للماوردي: 1/ 95 وغيرهما، وقال به ابن كثير في التفسير: 1/ 90، والقاسمي في محاسن التأويل: 2/ 94.
(9)
انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: 1/ 164.
(10)
انظر: جامع البيان: 1/ 448.
(11)
صفوة التفاسير: 1/ 41.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (320): ص 1/ 77.
قال ابن عثيمين: " واستفهام الملائكة للاستطلاع، والاستعلام، وليس للاعتراض"(1).
وتعددت الأقوال في الغرض من سؤال الملائكة، على وجوه (2):
أحدها: أن السؤال من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك. قاله الزجاج (3).
والثاني: أن سؤالهم على غير وجه الإنكار منهم على ربّهم، وإنما سألوه ليعلموا، وأخبروا عن أنفسهم أنهم يسبحون.
والثالث: أنه سألته الملائكة على وجه التعجب. قاله ابن جريج (4). قال الطبري: " وجه التعجب، فدعْوَى لا دلالة عليها في ظاهر التنزيل، ولا خبر بها من الحجة يقطعُ العذرَ"(5).
والراجح، إن ذلك منها "استخبار لربها، بمعنى: أعلمنا يا ربنا أجاعلٌ أنت في الأرض مَنْ هذه صفته، وتارك أن تجعل خلفاءَك منا، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك - لا إنكارٌ منها لما أعلمها ربها أنه فاعل. وإن كانت قد استعظمتْ لما أخبرت بذلك، أن يكون لله خلقٌ يعصيه"(6).
قوله تعالى: {وَيَسْفِكُ الدمآء} [البقرة: 30]، أي: يريق الدماء بالبغي والاعتداء! ! " (7).
قال البغوي: " أي كما فعل بنو الجان فقاسوا الشاهد على الغائب، وإلا فهم ما كانوا يعلمون الغيب"(8).
وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمآء} [البقرة: 30]، وجوها:
أحدها: أن الجن بنو الجان كانوا في الأرض قبل خلق آدم، فأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، ومعنى الآية:" أتجعل فيها من يفسد فيها كما أفسدت الجن، ويسفك الدماء، كما سفكوا".وهذا قول أبي العالية (9)، والحسن (10)، وابن عباس (11)، وروي عن عبدالله ابن عمر (12)، والربيع (13)، مثل ذلك.
قال الطبري: " فعلى هذا القول: {إني جاعل في الأرض خليفة}، من الجن، يخلفونهم فيها فيسكنونها ويعمرونها"(14).
والثاني: أن الله أعلم الملائكة، أنه إذا كان في الأرض خلق، أفسدوا فيها وسفكوا الدماء". قاله قتادة (15)، والسدي (16)، وابن سابط (17).
والثالث: وقيل: أبصر بعض الملائكة خلق آدم وبعض الأمور في أم الكتاب. قاله أبو جعفر محمد بن علي (18).
واختلفت القراءة في قوله تعالى: {وَيَسْفِكُ الدمآء} [البقرة: 30]، على وجوه (19):
(1) تفسير ابن عثيمين: 1/ 113.
(2)
أنظر: تفسير الطبري: 1/ 469 - 470.
(3)
أنظر: معاني القرآن: 1/ 109.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (616): ص 1/ 469.
(5)
تفسير الطبري: 1/ 471.
(6)
تفسير الطبري: 1/ 470.
(7)
صفوة التفاسير: 1/ 41.
(8)
تفسير البغوي: 1/ 79.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (322): ص 1/ 77.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (323): ص 1/ 77.
(11)
أنظر: تفسير الطبري (601): ص 1/ 450.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (321): ص 1/ 77، والحاكم: 2/ 261. قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (عن ابن عباس).
(13)
أنظر: تفسير الطبري (602): ص 1/ 450 - 451.
(14)
تفسير الطبري: 1/ 450.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (324): ص 1/ 77 - 78.
(16)
أخرجه ابن أبي حاتم (325): ص 1/ 78.
(17)
أخرجه ابن أبي حاتم (326): ص 1/ 78، والطبري (603): ص 1/ 451، و (608): ص 1/ 462.
(18)
أنظر تفسير ابن أبي حاتم (327): ص 1/ 78. قال ابن أبي حاتم: " حدثنا أبي ثنا هشام الرازي ثنا ابن المبارك عن معروف- يعني ابن خربؤ المكي عمن سمع أبا جعفر محمد بن علي يقول: السجل ملك، وكان هاروت وماروت من أعوانه، وكان له كل يوم ثلاث لمحات ينظرهن في أم الكتاب، فنظر نظرة لم تكن له فأبصر فيها خلق آدم وما فيه من الأمور، فأسر ذلك إلى هاروت وماروت وكانا من أعوانه، فلما قال إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء قالا ذلك استطالة على الملائكة".
(19)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 117 - 118.
أحدها: قراءة الجمهور بكسر الفاء: {وَيَسْفِكُ} .
والثاني: وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة: {ويسفُك} بضم الفاء.
والثالث: وقرأ ابن هرمز {ويسفكَ} ، بالنصب بواو الصرف كأنه قال: من يجمع أن يفسد وأن يسفك، وقال المهدوي: هو نصب في جواب الاستفهام.
قال ابن عطية: "والأول أحسن"(1).
قوله تعالى: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} [البقرة: 30]، ونحن" ننزهك عما لا يليق بك متلبسين بحمدك"(2).
قال الطبري: أي" إنا نعظِّمك بالحمد لك والشكر"(3).
قال ابن عطية: أي: " ننزهك عما لا يليق بك وبصفاتك"(4).
قال ابن عثيمين: "والذي يُنَزَّه الله عنه شيئان؛ أولاً: النقص؛ والثاني: النقص في كماله؛ وزد ثالثاً إن شئت: مماثلة المخلوقين؛ كل هذا يُنَزَّه الله عنه؛ النقص: مطلقاً؛ يعني أن كل صفة نقص لا يمكن أن يوصف الله بها أبداً. لا وصفاً دائماً، ولا خبراً؛ والنقص في كماله: فلا يمكن أن يكون في كماله نقص؛ قدرته: لا يمكن أن يعتريها عجز؛ قوته: لا يمكن أن يعتريها ضعف؛ علمه: لا يمكن أن يعتريه نسيان .. وهلم جراً؛ ولهذا قال عز وجل: {ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب} [ق: 38] أي تعب، وإعياء؛ فهو عز وجل كامل الصفات لا يمكن أن يعتري كماله نقص؛ ومماثلة المخلوقين: هذه إن شئنا أفردناها بالذكر؛ لأن الله تعالى أفردها بالذكر، فقال:{ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]. وقال تعالى: {وله المثل الأعلى} ، وقال تعالى:{فلا تضربوا لله الأمثال} [النحل: 74]؛ وإن شئنا جعلناها داخلة في القسم الأول. النقص. لأن تمثيل الخالق بالمخلوق يعني النقص؛ بل المفاضلة بين الكامل والناقص تجعل الكامل ناقصاً، كما قال القائل (5):
ألَمْ تَرَ أنَّ السَّيْفَ يَنقصُ قدْرُهُ
…
إذا قيل إنَّ السيفَ أمضى من العصا
لو قلت: فلان عنده سيف أمضى من العصا تبين أن السيف هذا رديء، وليس بشيء؛ فربما نفرد هذا القسم الثالث، وربما ندخله في القسم الأول؛ على كل حال التسبيح ينبغي لنا. عندما نقول:"سبحان الله"، أو:"أسبح الله"، أو ما أشبه ذلك. أن نستحضر هذه المعاني" (6).
وقولهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} [البقرة: 30]، ذكر فيه المفسرون وجوها (7):
أحدها: أنه هو على جهة الاستفهام، كأنهم أرادوا وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ الآية، أم نتغير عن هذه الحال.
قال ابن عطية: "وهذا يحسن مع القول بالاستفهام المحض في قولهم: {أَتَجْعَلُ}؟ "(8).
والثاني: أن معناه التمدح ووصف حالهم، وذلك جائز لهم كما قال يوسف عليه السلام: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: 55].
قال ابن عطية: "وهذا يحسن مع التعجب والاستعظام لأن يستخلف الله من يعصيه في قولهم أَتَجْعَلُ وعلى هذا أدبهم بقوله تعالى: {إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ} "(9).
والثالث: وقيل أن: معنى الآية: ونحن لو جعلتنا في الأرض واستخلفتنا نسبح بحمدك.
قال ابن عطية: "وهذا أيضا حسن مع التعجب والاستعظام في قولهم: {أَتَجْعَلُ} "(10).
(1) المحرر الوجيز: 1/ 118.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 41.
(3)
تفسير الطبري: 1/ 472.
(4)
المحرر الوجيز: 1/ 118.
(5)
البيت في يتيمة الدهر، للثعالبي: 5/ 299. قال الثعالبي: " أبو درهم البندنيجي
أنشدني الشيخ أبو بكر أيده الله تعالى له من نتفةٍ:
(متى ما أقل مولاي أفضل منهم
…
أكن للذي فضلته متنقصا)
(ألم تر أن السيف يزري به الفتى
…
إذا قال هذا السيف أمضى من العصا) "
(6)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 113 - 114.
(7)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 118.
(8)
المحرر الوجيز: 1/ 118.
(9)
المحرر الوجيز: 1/ 118.
(10)
المحرر الوجيز: 1/ 118.
وأصلُ التسبيح لله عند العرب: التنزيهُ له من إضافة ما ليس من صفاته إليه، والتبرئة له من ذلك، كما قال أعشى بني ثعلبة (1):
أَقُولُ - لمَّا جَاءَنِي فَخْرُه -
…
سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الْفَاخِرِ
يريد: سُبحان الله من فَخر علقمة، أي تنزيهًا لله مما أتى علقمة من الافتخار، على وجه النكير منه لذلك (2).
وقوله تعالى: {وبِحَمْدِكَ} ، معناه:"نخلط التسبيح بالحمد ونصله به، ويحتمل أن يكون قوله بِحَمْدِكَ اعتراضا بين الكلامين، كأنهم قالوا ونحن نسبح ونقدس، ثم اعترضوا على جهة التسليم، أي وأنت المحمود في الهداية إلى ذلك"(3).
واختلف في تسبيح الملائكة على أقوال (4):
أحدها: معناه: نصلي لك. وهذا قول السدي (5).
والثاني: أن تسبيحهم: رفع الصوت بالذكر.
والثالث: أن تسبيحهم: سبحان الله على عُرفه في اللغة، أي التسبيح المعلوم، قاله قتادة (6)، وروي عن الحسن (7) نحو ذلك، وهذا هو الصحيح، وهو قول عامة المفسرين (8).
قوله تعالى: {وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30]، " أي نثني عليك بالقدس والطهارة"(9).
قال الصابوني: "أي: نعظم أمرك ونطهرّ ذكرك مما نسبه إِليك الملحدون"(10).
قال البغوي: " وقيل: لم يكن هذا من الملائكة على طريق الاعتراض والعجب بالعمل بل على سبيل التعجب وطلب وجه الحكمة فيه"(11).
قال ابن عثيمين: "التقديس" معناه التطهير؛ وهو أمر زائد على "التنْزيه"؛ لأن "التنزيه" تبرئة، وتخلية؛ و"التطهير" أمر زائد؛ ولهذا نقول في دعاء الاستفتاح:"اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب؛ اللهم نقني من خطاياي كما ينقَّى الثوب الأبيض من الدنس؛ اللهم اغسلني من خطاياي بالماء، والثلج، والبَرد": فالأول: طلبُ المباعدة؛ والثاني: طلب التنقية. يعني: التخلية بعد المباعدة؛ والثالث: طلب الغسل بعد التنقية حتى يزول الأثر بالكلية؛ فيجمع الإنسان بين تنْزيه الله عز وجل عن كل عيب ونقص، وتطهيره، أنه لا أثر إطلاقاً لما يمكن أن يعلق بالذهن من نقص" (12).
واختلف في تقديس الملائكة، على أوجه (13):
أحدها: فقالوا: التقديس هو التطهير والتعظيم، قاله ابن عباس (14)، وروي عن الضحاك (15) نحو ذلك، وهو اختيار الطبري (16)، وابن عطية (17).
(1) ديوانه: 106، من قصيدته المشهورة، التي قالها في هجاء علقمة بن علاثة، في خبر منافرة علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل (الأغاني 15: 50 - 56). وذكر ابن الشجري في أماليه 1: 348 عن أبي الخطاب الأخفش، قال:" وإنما ترك التنوين في " سبحان " وترك صرفه، لأنه صار عندهم معرفة ". وقال في 2: 250: " لم يصرفه، لأن فيه الألف والنون زائدين، وأنه علم للتسبيح، فإن نكرته صرفته ". وانظر ص: 495 وتعليق رقم: 3.
(2)
أنظر: تفسير الطبري: 1/ 474.
(3)
المحرر الوجيز: 1/ 118.
(4)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 474. وتفسير ابن كثير: 1/ 220 - 221.
(5)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (330): ص 1/ 79، والطبري (619): ص 1/ 474.
(6)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (329): ص 1/ 79، والطبري (620): ص 1/ 474، وانظر: تفسير عبد الرزاق 1/ 65.
(7)
أنظر: تفسير البغوي: 1/ 79، قال:" قال الحسن: نقول سبحان الله وبحمده وهو صلاة الخلق، وصلاة البهائم وغيرهما، سوى الآدميين وعليها يرزقون ".
(8)
انظر مثلا: تفسير الطبري: 1/ 474. وتفسير ابن كثير: 1/ 220 - 221، والدر المنثور 1: 46، والشوكاني 1: 50.
(9)
تفسير البغوي: 1/ 79.
(10)
صفوة التفاسير: 1/ 41.
(11)
تفسير البغوي: 1/ 79.
(12)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 115.
(13)
انظر: تفسير الطبري: 474 - 475.
(14)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (331): ص 1/ 79.
(15)
أنظر: تفسير الطبري (625): ص 1/ 476.
(16)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 475.
(17)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 118. قال ابن عطية: " والتقديس التطهير بلا خلاف، ومنه الأرض المقدسة أي المطهرة، ومنه بيت المقدس، ومنه القدس الذي يتطهر به".
والثاني: قيل: إن تقديس الملائكة لربها صَلاتها له. قاله قتادة (1)، وكذا فسره السدي (2). قال ابن عطية:"وهذا ضعيف"(3).
والثالث: وقال بعضهم: " نقدس لك ": نعظمك ونمجدك. قاله أبو صالح (4) ومجاهد (5).
والرابع: أن التقديس معناه: لا نَعْصي ولا نأتي شيئًا تكرهُه. قاله ابن إسحاق (6).
والراجح هو قول ابن عباس، ومنه قولهم:" سُبُّوح قُدُّوس "، يعني بقولهم:" سُبوح "، تنزيهٌ لله، وبقولهم:" قُدوسٌ "، طهارةٌ له وتعظيم، ولذلك قيل للأرض:" أرض مُقدسة "، يعني بذلك المطهرة (7).
قوله تعالى: {قَالَ إني أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30]، أي:" أعلم من المصالح ما هو خفيٌ عليكم، ولي حكمة في خلق الخليقة لا تعلمونها"(8).
قال ابن عثيمين: " أي: من أمر هذه الخليفة التي سيكون منها النبيون، والصدِّيقون، والشهداء، والصالحون"(9).
واختلف أهل العلم في تفسير قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} ، وذكروا أربعة أوجه (10):
أحدها: إني أعلم أن فيكم من يعصيني وهو إبليس. قاله ابن عباس (11)، وابن مسعود (12)، وروي عن مجاهد (13)، والسدي (14) نحو ذلك.
وذلك مما اطلع عليه من إبليس، وإضماره المعصيةَ لله وإخفائه الكبر، مما اطلع عليه تبارك وتعالى منه وخفي على ملائكته.
والثاني: إني أعلم المصلحة فيه. قاله البغوي (15).
والثالث: "إني أعلم أنهم يذنبون وأنا أغفر لهم"(16).
والرابع: إني أعلم ما لا تعلمون، من أنه يكون من ذلك الخليفة أهلُ الطاعة والولايةِ لله. قاله قتادة (17)، وبه قال أكثر أهل العلم. والله أعلم.
وقرأ أهل الحجاز والبصرة {إني أعلم} بفتح (الياء) وكذلك كل ياء إضافة استقبلها ألف مفتوحة إلا في مواضع معدودة ويفتحون في بعض المواضع عند الألف المضمومة والمكسورة وعند غير الألف وبين القراء في تفصيله اختلاف (18).
(1) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (332): ص 1/ 79، والطبري (621): ص 6/ 474.
(2)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 79.
(3)
المحرر الوجيز: 1/ 118.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (622): ص 1/ 475.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (623): ص 1/ 475.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (624): ص 1/ 476.
(7)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 475.
(8)
صفوة التفاسير: 1/ 41.
(9)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 115.
(10)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 476 - 479.
(11)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (333): ص 1/ 79، والطبري (626): ص 1/ 476 - 477.
(12)
أنظر: تفسير الطبري (627): ص 1/ 477.
(13)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (334): ص 1/ 79، والطبري (628)، و (629)، و (630)، و (631)، و (632)، و (633)، و (634)، و (635)، و (636)، و (637): ص 1/ 477 - 479.
(14)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 79.
(15)
تفسير البغوي: 1/ 79.
(16)
تفسير البغوي: 1/ 79.
(17)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (335): ص 1/ 79، والطبري (639): ص 1/ 479.
(18)
أنظر: تفسير البغوي: 1/ 79.
الفوائد:
1 من فوائد الآية: إثبات القول لله عز وجل، وأنه بحرف، وصوت؛ وهذا مذهب السلف الصالح من الصحابة، والتابعين، وأئمة الهدى من بعدهم؛ يؤخذ كونه بحرف من قوله تعالى:{إني جاعل في الأرض خليفة} ؛ لأن هذه حروف؛ ويؤخذ كونه بصوت من أنه خاطب الملائكة بما يسمعونه؛ وإثبات القول لله على هذا الوجه من كماله سبحانه وتعالى؛ بل هو من أعظم صفات الكمال: أن يكون عز وجل متكلماً بما شاء كوناً، وشرعاً؛ متى شاء؛ وكيف شاء؛ فكل ما يحدث في الكون فهو كائن بكلمة {كن}؛ لقوله تعالى:{إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} [يس: 82]؛ وكل الكون مراد له قدراً؛ وأما قوله الشرعي: فهو وحيه الذي أوحاه إلى رسله، وأنبيائه.
2 ومن فوائد الآية: أن الملائكة ذوو عقول؛ وجهه أن الله تعالى وجه إليهم الخطاب، وأجابوا؛ ولا يمكن أن يوجه الخطاب إلا إلى من يعقله؛ ولا يمكن أن يجيبه إلا من يعقل الكلامَ، والجوابَ عليه؛ وإنما نبَّهْنا على ذلك؛ لأن بعض أهل الزيغ قالوا: إن الملائكة ليسوا عقلاء.
3 ومنها: إثبات الأفعال لله عز وجل أي أنه تعالى يفعل ما شاء متى شاء كيف شاء؛ ومن أهل البدع من ينكر ذلك زعماً منه أن الأفعال حوادث؛ والحوادث لا تقوم إلا بحادث فلا يجيء، ولا يستوي على العرش، ولا ينْزل، ولا يتكلم، ولا يضحك، ولا يفرح، ولا يعجب؛ وهذه دعوى فاسدة من وجوه: .
الأول: أنها في مقابلة نص؛ وما كان في مقابلة نص فهو مردود على صاحبه.
الثاني: أنها دعوى غير مسلَّمة؛ فإن الحوادث قد تقوم بالأول الذي ليس قبله شيء.
الثالث: أن كونه تعالى فعالاً لما يريد من كماله، وتمام صفاته؛ لأن من لا يفعل إما أن يكون غير عالم، ولا مريد؛ وإما أن يكون عاجزاً؛ وكلاهما وصفان ممتنعان عن الله سبحانه وتعالى.
فتَعَجَّبْ كيف أُتي هؤلاء من حيث ظنوا أنه تنزيه لله عن النقص؛ وهو في الحقيقة غاية النقص! ! ! فاحمد ربك على العافية، واسأله أن يعافي هؤلاء مما ابتلاهم به من سفه في العقول، وتحريف للمنقول.
4 ومن فوائد الآية: أن بني آدم يخلف بعضهم بعضاً. على أحد الأقوال في معنى {خليفة} ؛ وهذا هو الواقع؛ فتجد من له مائة مع من له سنة واحدة، وما بينهما؛ وهذا من حكمة الله عز وجل؛ لأن الناس لو من وُلِد بقي لضاقت الأرض بما رحبت، ولما استقامت الأحوال، ولا حصلت الرحمة للصغار، ولا الولاية عليهم إلى غير ذلك من المصالح العظيمة.
5 ومنها: قيام الملائكة بعبادة الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} .
6 ومنها: كراهة الملائكة للإفساد في الأرض؛ لقولهم: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} .
7 ومنها: أن وصف الإنسان نفسه بما فيه من الخير لا بأس به إذا كان المقصود مجرد الخبر دون الفخر؛ لقولهم: {ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} ؛ ويؤيد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر"(1)؛ وأما إذا كان المقصود الفخر، وتزكية النفس بهذا فلا يجوز؛ لقوله تعالى:{فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} [النجم: 32].
8 ومنها: شدة تعظيم الملائكة لله عز وجل، حيث قالوا:{ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} .
القرآن
التفسير:
وعلم الله آدم أسماء الأشياء، وما هو مسمى بها، ثم عرض المسميات على الملائكة قائلا لهم: أخبروني بأسماء من عرضته عليكم، إن كنتم صادقين بأنكم أَوْلى بالاستخلاف في الأرض منهم لكون بني آدم يفسدون في الأرض.
قال ابن كثير: " هذا مقام ذكر الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة، بما اختصه به من عِلم أسماء كلّ شيء دونهم، وهذا كان بعد سجودهم له، وإنما قدم هذا الفصل على ذاك، لمناسبة ما بين هذا المقام وعدم علمهم بحكمة خلق الخليفة، حين سألوا عن ذلك، فأخبرهم [الله] تعالى بأنه يعلم ما لا يعلمون؛ ولهذا ذكر تعالى هذا المقام عقيب هذا ليبين لهم شرف آدم بما فضل به عليهم في العلم"(2).
قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31]، أي: علّمه"أسماء المسمّيات كلها"(3).
قال السعدي: " أي: أسماء الأشياء، وما هو مسمى بها، فعلمه الاسم والمسمى، أي: الألفاظ والمعاني"(4).
قال النسفي: " ومعنى تعليمه أسماء المسميات أنه تعالى أراه الأجناس التي خلقها وعلمه أن هذا اسمه فرس وهذا اسمه بعير وهذا اسمه كذا وهذا اسمه كذا"(5).
وقوله تعالى: {وَعَلَّمَ} [البقرة: 31]، فيه وجهان (6):
أحدهما: أن تعليم آدم هنا إلهام علمه ضرورة.
والثاني: وقال قوم: "بل تعليم بقول، فإما بواسطة ملك، أو بتكليم قبل هبوطه الأرض، فلا يشارك موسى- عليه السلام في خاصته"(7).
قال أبو حيان: " أظهرها أن الباري تعالى هو المعلم، لا بواسطة ولا إلهام"(8).
قال ابن عطية: " وقرأ اليماني: «وعلّم» بضم العين على بناء الفعل للمفعول، «آدم» مرفوعا، قال أبو الفتح: «وهي قراءة يزيد البربري» "(9).
في تسميته بآدم قولان:
أحدهما: أنه سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض، وأديمها هو وجهها الظاهر، وهذا قول ابن عباس، واختيار البغوي (10)، والزمخشري (11)، والبيضاوي (12)، وغيرهم.
وقد رَوَى أبو موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن، والخبيث والطيب"(13).
والثاني: أنه مأخوذ من الأدمة، وهي اللون، فسمي بلك لسمرة لونه، يقال: رجل آدم نحو أسمر، قال ابن عطية:" وآدَمَ أفعل مشتق من الأدمة وهي حمرة تميل إلى السواد، وجمعه أدم وأوادم كحمر وأحامر، ولا ينصرف بوجه"(14).
(1) أخرجه أحمد 3/ 2، حديث رقم 11000؛ وأخرجه الترمذي ص 1970، كتاب تفسير القرآن، باب 17: ومن سورة بني إسرائيل، حديث رقم 3148؛ وأخرجه ابن ماجة ص 2739، كتاب الزهد، باب 37: ذكر الشفاعة، حديث رقم 4308؛ ومدار الحديث على عليّ بن زيد بن جدعان، وفيه ضعف، والحديث صحيح بطرقه وشواهده، منها ما أخرجه الدارمي في المقدمة بمعناه 1/ 39، حديث رقم 47؛ وما أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب السنة 2/ 355 – 356، وقال الألباني في تخريجه: صحيح الإسناد 2/ 356، وقال في صحيح الترمذي: صحيح 3/ 71، حديث رقم 2516 – 3369.
(2)
تفسير ابن كثير: 1/ 222.
(3)
صفوة التفاسير: 1/ 41.
(4)
تفسير السعدي: 1/ 48.
(5)
تفسير النسفي: 1/ 58.
(6)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 119.
(7)
المحرر الوجيز: 1/ 119.
(8)
البحر المحيط: 1/ 120.
(9)
المحرر الوجيز: 1/ 119.
(10)
تفسير البغوي: 1/ 79.
(11)
أنظر: الكشاف: 1/ 125.
(12)
أنظر: تفسيره: 1/ 69.
(13)
رواه أبو داود (4693)، والترمذي (2955)، وأحمد (19597): ص 4/ 400، قال الترمذي: حديث صحيح، وصححه الألباني: في صحيح الجامع (1759).
(14)
المحرر الوجيز: 1/ 119.
والثالث: وقيل: سمي بذلك لكونه من عناصر مختلفة وقوى متفرقة، كما قال تعالى:{من نطفة أمشاج نبتليه} [الإنسان: 2](1).
والرابع: أنه مأخوذ من سيد القوم، يقال: هو أدمة قومه: سيدهم ومقدمهم (2).
والخامس: وقيل: سمي بذلك لما طيب به من الروح المنفوخ فيه المذكور في قوله تعالى: {ونفخت فيه من روحي} [الحجر: 29]، وجعل له العقل والفهم والروية التي فضل بها على غيره، كما قال تعالى:{وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} [الإسراء: 70]، وذلك من قولهم: الإدام، وهو ما يطيب به الطعام (3)، وفي الحديث:"لو نظرت إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما"(4) أي: يؤلف ويطيب.
قال السمين الحلبي: " أرجحها [أنه] اسم أعجمي غير مشتق، ووزنه فاعل كنظائره نحو: آزر وشالح، وإنما منع من الصرف للعلمية والعجمة الشخصية"(5).
واختلف أهل التفسير، في قوله:{الْأَسْماءَ} [البقرة: 31]، على وجهين (6):
أحدهما: أن الله «علمه التسميات» . وهذا قول الجمهور.
والثاني: أنه تعالى «عرض عليه الأشخاص» .
قال ابن عطية: "والأول أبين، ولفظة- علمه- تعطي ذلك"(7).
واختلف العلماء في المراد في هذه الأسماء التي علمها الله آدم، على وجوه:
أحدها: أسماء الملائكة. قاله الربيع بن خثيم (8).
والثاني: أسماء الذرية. قاله عبدالرحمن بن زيد (9).
والثالث: أن الله علمه أسماء الملائكة وذريته، قاله الطبري، ورجحه بقوله تعالى:{ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ} ، وهذه عبارة من يعقل (10).
والرابع: علمه أسماء النجوم فقط. قاله حميد الشامي (11).
والخامس: وحكى النقاش عن ابن عباس، أنه تعالى علمه كلمة واحدة عرف منها جميع الأسماء (12).
والسادس: وقال بعضهم: "بل علمه الأسماء بكل لغة تكلمت بها ذريته"(13)، قال ابن عطية:"وقد غلا قوم في هذا المعنى حتى حكى ابن جني عن أبي علي الفارسي أنه قال: «علم الله تعالى آدم كل شيء، حتى إنه كان يحسن من النحو مثل ما أحسن سيبويه»، ونحو هذا من القول الذي هو بين الخطأ من جهات"(14).
والسابع: أنه تعالى علمه منافع كل شيء ولما يصلح (15).
والثامن: أسماء جميع الأشياء، وهذا قول ابن عباس (16)، وقتادة (17)، ومجاهد (18)، وسعيد بن جبير (19)، والحسن (20)، والربيع (21)، واختاره ابن كثير (22).
(1) انظر: مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني: 1/ 18 - 19.
(2)
انظر: المجمل 1/ 90، وأساس البلاغة ص 4.
(3)
انظر: المجمل 1/ 90.
(4)
الحديث عن المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "انظر إليهما فإنه أحرى أن يؤدم بينكما". أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن. انظر: عارضة الأحوذي 4/ 307؛ وأخرجه النسائي في سننه 6/ 70؛ وابن ماجه 1/ 599).
(5)
الدر المصون: 1/ 262.
(6)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 119.
(7)
المحرر الوجيز: 1/ 119.
(8)
أنظر: تفسير الطبري (659): ص 1/ 485.
(9)
أنظر: تفسير الطبري (660): ص 1/ 485.
(10)
أنظر: تفسير الطبري: 1/ 485.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (339): ص 1/ 80 ..
(12)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 120.
(13)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 120.
(14)
المحرر الوجيز: 1/ 120.
(15)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 120. قال ابن عطية: وهذا رأي أكثر العلماء.
(16)
أنظر: تفسير الطبري (646): ص 1/ 482، و (651): ص 1/ 483. ولفظه: " علمه اسم القصعة والفسوة والفُسَيَّة". وفي الخبر (652): ص 1/ 483 - 484. لفظه: " حتى الفسوة والفُسيَّة". وفي الخبر (653): ص 1/ 484. ولفظه: " علمه اسم كل شيء حتى الهَنة والهُنَيَّة والفسوة والضرطة". وفي الخبر (654): ص 1/ 484. ولفظه: " علمه القصعة من القُصيعة، والفسوة من الفسية".
(17)
أنظر: تفسير الطبري (655)، و (656) ـ و (657): ص 1/ 48 - 485 ..
(18)
أنظر: تفسير الطبري (647)، و (648)، و (649): ص 1/ 483.
(19)
أنظر: تفسير الطبري (650): ص 1/ 483.
(20)
أنظر: تفسير الطبري (657): ص 1/ 484 - 485.
(21)
أنظر: تفسير الطبري (658): ص 1/ 485.
(22)
أنظر: تفسيره: 1/ 223.
فقالوا: أنه تعالى علمه أسماء كل شيء، ذواتها وصفاتها وأفعالها، أسماء الملائكة وأسماء النبيين وأسماء ذرية آدم وأسماء البحار والأشجار والأحجار والأواني، واختار هذا القول ابن كثير رحمه الله، لعموم قوله تعالى {وعلم آدم الأسماء كلها} (1)، ولحديث الشفاعة الطويل لما يأتون الناس إليه " .. فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، وعلمك أسماء كل شيء" (2)(3).
قال ابن عطية: " وهذه كلها احتمالات، قال الناس بها"(4).
قلت: إن القول الثاني هو الأشبه بالصواب، وذلك لما روي عن "ابن عباس وعكرمة وقتادة ومجاهد وابن جبير: علمه أسماء جميع الأشياء كلها جليلها وحقيرها، وروى عاصم بن كليب عن سعد مولى الحسن بن علي قال: كنت جالسا عند ابن عباس فذكروا اسم الآنية واسم السوط، قال ابن عباس:"وعلم آدم الأسماء كلها"(5).
قوله تعالى: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ} [البقرة: 31]، أي: عرض المسميات" (6) على الملائكة.
قال السعدي: "امتحانا لهم، هل يعرفونها أم لا؟ "(7).
قال النسفي: "وإنما استنبأهم وقد علم عجزهم عن الإنباء على سبيل التبكيت"(8).
قال أبو حيان: " {ثم}: حرف تراخ، ومهلة علم آدم ثم أمهله من ذلك الوقت إلى أن قال: {أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} [البقرة: 33]، ليتقرر ذلك في قلبه ويتحقق المعلوم ثم أخبره عما تحقق به واستيقنه، وأما الملائكة فقال لهم على وجه التعقيب دون مهلة {أَنْبِئُونِي}، فلما لم يتقدم لهم تعريف لم يخبروا، ولما تقدم لآدم التعليم أجاب وأخبر ونطق إظهارا لعنايته السابقة به سبحانه"(9).
(1) انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 223.
(2)
صحيح البخاري برقم (4476)، وصحيح مسلم برقم (193) وسنن النسائي الكبرى برقم (11243) وسنن ابن ماجة برقم (4312).
(3)
قال البخاري في تفسير هذه الآية من كتاب التفسير من صحيحه: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا مسلم، حدثنا هشام، حدثنا قتادة، عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زُرَيع، حدثنا سعيد، عن قتادة عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال -:"يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا؟ فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ويذكر ذنبه فيستحي؛ ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتونه فيقول: لست هُنَاكُم. ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحي. فيقول: ائتوا خليل الرحمن، فيأتونه، فيقول: لست هُنَاكم؛ فيقول: ائتوا موسى عَبْدًا كَلمه الله، وأعطاه التوراة، فيأتونه، فيقول: لست هُنَاكُمْ، ويذكر قَتْلَ النفس بغير نفس، فيستحي من ربه؛ فيقول: ائتوا عيسى عَبْدَ الله ورسولَه وكَلِمةَ الله وروحه، فيأتونه، فيقول: لست هُنَاكُم، ائتوا محمدًا عبدًا غَفَر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأنطلق حتى أستأذن على ربي، فيُؤذن لي، فإذا رأيت ربي وقعتُ ساجدًا، فيدعني ما شاء الله، ثم يقال: ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل يُسْمَع، واشفع تُشَفَّع، فأرفع رأسي، فأحمده بتحميد يعلمُنيه، ثم أشفع فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه، وإذا رأيت ربي مثله، ثم أشفع فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة، ثم أعود الرابعة فأقول: ما بقي في النار إلا مَنْ حبسه القرآن ووجب عليه الخلود".
هكذا ساق البخاري هذا الحديث هاهنا. وقد رواه مسلم والنسائي من حديث هشام، وهو ابن أبي عبد الله الدَّسْتُوائي، عن قتادة، به. وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه من حديث سعيد، وهو ابن أبي عَرُوبَة، عن قتادة". [صحيح البخاري برقم (4476)، وصحيح مسلم برقم (193) وسنن النسائي الكبرى برقم (11243) وسنن ابن ماجة برقم (4312)].
(4)
المحرر الوجيز: 1/ 120.
(5)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 282.
(6)
تفسير السعدي: 1/ 48.
(7)
تفسير السعدي: 1/ 48.
(8)
تفسير النسفي: 1/ 58.
(9)
البحر المحيط: 1/ 121.
وقد قرأ عبد الله بن مسعود: {ثم عرضهن} ، وقرأ أبي بن كعب:{ثم عرضها} ، أي: السماوات" (1).
وفيما عرضه عليهم قولان (2):
أحدهما: أنه عرض عليهم الأسماء دون المسميات. روي عن ابن عباس (3)، وابن زيد (4)، وقتادة (5)، ومجاهد (6) -في أحد قوليه-، نحو ذلك.
والثاني: أنه عرض عليهم المُسَمَّيْنَ بها. قاله ابن مسعود (7)، ومجاهد (8)، وروي عن "الحسن، وقتادة"(9) مثل ذلك.
قال ابن عطية: " والذي يظهر أن الله تعالى علم آدم الأسماء وعرض مع ذلك عليه الأجناس أشخاصا، ثم عرض تلك على الملائكة وسألهم عن تسمياتها التي قد تعلمها آدم، ثم إن آدم قال لهم هذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا"(10).
وقال الشنقيطي: " قوله تعالى: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ}، يعني مسميات الأسماء لا الأسماء كما يتوهم من ظاهر الآية، وقد أشار إلى أنها المسميات بقوله: {أنبئونى بأسماء هؤلاء}، الآية، كما هو ظاهر"(11).
وفي زمان عرْضِهِم قولان (12):
أحدهما: أنه عرضهم بعد أن خلقهم.
والثاني: أنه صورهم لقلوب الملائكة، ثم عرضهم قبل خلقهم.
قال اببن عثيمين: "والأظهر أنها أسماء لمسميات حاضرة بدليل قوله تعالى: {ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء}؛ وهذه الأسماء. والله أعلم. ما يحتاج إليها آدم، وبنوه في ذلك الوقت"(13).
قوله تعالى: {فَقَالَ أَنْبِئُونِي} [البقرة: 31]، أي:"أخبروني"(14).
وقوله تعالى: {أَنْبِئُونِي} ، مأخوذ من الإنباء، وفيه قولان (15):
أَظْهَرُهُمَا: أنه الإخبار، قاله ابن عباس (16)، والنبأ الخبر، والنبيء بالهمز مشتق من هذا، ومنه قول النابغة (17):
(1) أنظر: تفسير ابن كثير: 1/ 223 ..
(2)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 100.
(3)
أنظر: تفسير الطبري (661): ص 1/ 487. ولفظه: " ثم عرض هذه الأسماء، يعني أسماء جميع الأشياء، التي علّمها آدم من أصناف جميع الخلق".
(4)
أنظر: تفسير الطبري (663): ص 1/ 487. ولفظه: " أسماء ذريته كلِّها، أخذهم من ظَهره. قال: ثم عرضهم على الملائكة".
(5)
أنظر: تفسير الطبري (664): ص 1/ 487. ولفظه: " علمه اسم كل شيء، ثم عرض تلك الأسماء على الملائكة".
(6)
أنظر: تفسير الطبري (666): ص 1/ 488. ولفظه: " يعني عرض الأسماء، الحمامةَ والغراب".
(7)
أنظر: تفسير الطبري (662): ص 1/ 487. ولفظه: "، ثم عرض الخلقَ على الملائكة".
(8)
أنظر: تفسير الطبري (665): ص 1/ 488. ولفظه: " عرض أصحاب الأسماء على الملائكة".
(9)
أنظر: تفسير الطبري (667): ص 1/ 488. ولفظهما: " علّمه اسم كل شيء: هذه الخيلَ، وهذه البغال، وما أشبه ذلك. وجعل يُسمي كل شيء باسمه، وعُرضت عليه أمة أمة".
(10)
المحرر الوجيز: 1/ 121.
(11)
أضواء البيان: 1/ 32.
(12)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 100.
(13)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 119.
(14)
تفسير البغوي: 1/ 80.
(15)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 100.
(16)
أنظر: تفسير الطبري (668): ص 1/ 488.
(17)
ديوانه: 87 من قصيدة له، في عمرو بن هند، وكان غزا الشام بعد قتل المنذر أبيه. وقال أبو عبيدة: هذه القصيدة لعمرو بن الحارث الغساني في غزوة العراق. ورواية الديوان: " أن حيًّا حلولا " بالنصب، صفة " حيًّا " وهي الرواية الجيدة. وخبر " أن " محذوف، كأنه يقول: قد تألبوا يترصدون لك. وحذفه للتهويل في شأن اجتماعهم وترصدهم. والبيت الذي يليه دال على ذلك، وهو قوله: وَأَنَّ الْقَوْمَ نَصْرُهُمُ جَمِيعٌ
…
فِئَامٌ مُجْلِبُونَ إِلَى فِئَامِ
ورواية الرفع، لا بأس بها، وإن كنت لا أستجيدها. وقوله:" حرام " كأنه يعني بني حرام ابن ضنة بن عبد بن كبير بن عذرة بن سعد هذيم. أو كأنه يعني بني حرام بن جذام بن عدي بن الحارث ابن مرة بن أدد بن زيد. ودار جذام جبال حسمى، وأرضها بين أيلة وجانب تيه بني إسرائيل الذي يلي أيلة، وبين أرض بني عذرة من ظهر حرة نهيل (معجم البلدان: حسمى).
وَأَنْبَأَهُ الْمُنَبِّئُ أَنَّ حَيًّا
…
حُلُولٌ مِنْ حَرَامٍ أَوْ جُذَامِ
يعني بقوله: " أنبأه ": أخبره وأعلمه (1).
والثاني: أن الإنباء الإعلام، وإنما يستعمل في الإخبار مجازاً.
قال الراغب: " الإنباء: إخبار فيه إعلام، وهو متضمن لهما ولذلك كل إنباء أخبار، وليس كل إخبار إنباء، وكل نبأ علماً وليس كل علم نبأ ولكونه متضمناً لهما، ومشتملاً عليهما أجري مجرى كل واحد منهما فقيل أنبأته بكذا كقولك أخبرته وأنبأته بكذا، كقولك أعلمته كذا، ولا يقال: " نبأ " إلا لكل خبر يقتضي العلم كالمتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر الأنبياء [عليهم السلام] وما جرى مجراها، وسمى النبي لكونه منبئاً بما تسكن نفسه إليه، ومنبأ بما سكن المؤمنون إليه"(2).
قوله تعالى: {بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ} [البقرة: 31]، "أي بأسماء هذه المخلوقات التي ترونها"(3).
قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 31]، "في قولكم وظنكم، أنكم أفضل من هذا الخليفة"(4).
قال البغوي: " في أني لا أخلق خلقا إلا وكنتم أفضل وأعلم منه"(5).
قال النسفي: "وفيه رد عليهم وبيان أن فيمن يستخلفه من الفوائد العلمية التي هي أصول الفوائد كلها ما يستأهلون لأجله أن يستخلفوا"(6).
وذكر أهل العلم في فوله تعالى {إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 31]، ستة أقاويل (7):
أحدها: إن كنتم صادقين أني لا أخلق خَلْقاً إلا كنتم أعلم منه؛ لأنه هجس في نفوسهم أنهم أعلم من غيرهم.
والثاني: إن كنتم صادقين فيما زعمتم أن بني آدم آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء. قاله ابن مسعود (8).
والثالث: إن كنتم صادقين أني إنِ استخلفتكم فيها سبَّحْتموني وقَدَّسْتُمُوني، فإن استخلفت غيركم فيها عصاني.
والرابع: إن كنتم صادقين فيما وقع في نفوسكم، أني لا أخلق خلقاً إلا كنتم أفضل منه. قاله "الحسن وقتادة"(9).
والخامس: إن كنتم عالمين لمَ أجعل في الأرض خليفة. قاله ابن عباس (10).
والسادس: أن معناه إن كنتم صادقين، في "جواب السؤال، عالمين بالأسماء.
قالُوا: ولذلك لم يسغ للملائكة الاجتهاد وقالوا: سُبْحانَكَ حكاه النقاش. قال: ولو لم يشترط عليهم الصدق في الإنباء لجاز لهم الاجتهاد كما جاز للذي أماته الله مائة عام حين قال له {كم لبثت؟ } ، ولم يشترط عليه الإصابة، فقال، ولم يصب فلم يعنف" (11).
قال ابن عطية: "وهذا كله محتمل"(12).
واختار الطبري قول ابن عباس، فقال: والمعني " إن كنتم صادقين في قيلكم أني إن جعلت خليفتي في الأرض من غيركم عَصَاني ذريته وأفسدوا فيها وسفكوا الدماء، وإن جعلتكم فيها أطعتموني، واتّبعتم أمري بالتعظيم لي والتقديس. فإنكم إن كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضتُهم عليكم من خلقي، وهم مخلوقون موجودون ترونهم وتعاينونهم، وعَلِمه غيركم بتعليمي إيّاه؛ فأنتم بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي
(1) أنظر: تفسير الطبري: 1/ 489.
(2)
تفسير الرابغ الأصفهاني: 1/ 142.
(3)
صفوة التفاسير: 1/ 41.
(4)
تفسير السعدي: 1/ 48.
(5)
تفسير البغوي: 1/ 80.
(6)
تفسير النسفي: 1/ 58.
(7)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 100.
(8)
أنظر: تفسير الطبري (672): ص 1/ 490.
(9)
أنظر: تفسير الطبري (673): ص 1/ 490.
(10)
أنظر: تفسير الطبري (671): ص 1/ 490.
(11)
المحرر الوجيز: 1/ 121.
(12)
المحرر الوجيز: 1/ 121.
لم توجد بَعدُ، وبما هو مستتر من الأمور - التي هي موجودة - عن أعينكم أحرى أن تكونوا غير عالمين، فلا تسألوني ما ليس لكم به علم، فإني أعلم بما يصلحكم ويصلح خلقي" (1).
قال البغوي: " علمه أسماء الأشياء وذلك أن الملائكة قالوا: لما قال الله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً} ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقا أكرم عليه منا وإن كان فنحن أعلم منه لأنا خلقنا قبله ورأينا ما لم يره. فأظهر الله تعالى فضله عليهم بالعلم وفيه دليل على أن الأنبياء أفضل من الملائكة وإن كانوا رسلا كما ذهب إليه أهل السنة والجماعة"(2).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: بيان أن الله تعالى قد يمنّ على بعض عباده بعلم لا يعلمه الآخرون؛ وجهه: أن الله علم آدم أسماء مسميات كانت حاضرة، والملائكة تجهل ذلك.
2 ومنها: أن اللغات توقيفية. وليست تجريبية؛ "توقيفية" بمعنى أن الله هو الذي علم الناس إياها؛ ولولا تعليم الله الناسَ إياها ما فهموها؛ وقيل: إنها "تجريبية" بمعنى أن الناس كوَّنوا هذه الحروف والأصوات من التجارب، فصار الإنسان أولاً أبكم لا يدري ماذا يتكلم، لكن يسمع صوت الرعد، يسمع حفيف الأشجار، يسمع صوت الماء وهو يسيح على الأرض، وما أشبه ذلك؛ فاتخذ مما يسمع أصواتاً تدل على مراده؛ ولكن هذا غير صحيح؛ والصواب أن اللغات مبدؤها توقيفي؛ وكثير منها كسبي تجريبي يعرفه الناس من مجريات الأحداث؛ ولذلك تجد أن أشياء تحدث ليس لها أسماء من قبل، ثم يحدث الناس لها أسماء؛ إما من التجارب، أو غير ذلك من الأشياء.
3 ومن فوائد الآيتين: جواز امتحان الإنسان بما يدعي أنه مُجيد فيه.
4 ومنها: جواز التحدي بالعبارات التي يكون فيها شيء من الشدة؛ لقوله تعالى: {أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين.
القرآن
{قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)} [البقرة: 32]
التفسير:
قالت الملائكة: سبحانك لا علم لنا بوجه من الوجوه إلا ما علمتنا إياه فضلا منك وجودا، إنك أنت العليم في شؤون خلقك، الحكيم في تدبيرك.
قوله تعالى: {قَالُوا سُبْحَانَكَ} [البقرة: 32]، أي: قالت الملائكة: " تنزيها لك"(3).
قال الثعلبي: أي: " تنزيها لك، عن الاعتراض لعلمك في حكمك وتدبيرك"(4).
قال ابن عطية: أي: " تنزيها لك وتبرئة، أن يعلم أحد من علمك إلا ما علمته"(5).
قوله تعالى {سُبحان} مصدر لا تصرُّف له، ومعناه: نسبِّحك، كأنهم قالوا: نسبحك تسبيحًا، وننزهك تنزيهًا، ونبرّئك من أن نعلم شيئًا غير ما علمتنا (6).
واختلف في انتصاب قوله {سُبْحانَكَ} [البقرة: 32]، على وجهين (7):
أحدهما: أنه منصوب على المصدر. قاله الخليل.
والثاني: أنه منصوب على أنه منادى مضاف. قاله الكسائي (8).
وقال أكثر أ÷ل العلم بأنه منصوب على المصدر، أي: نسبحك سبحانا. والله أعلم.
وتعددت عبارات أهل التفسير في معنى قوله {سُبْحَانَكَ} [البقرة: 32]، على وجوه:
(1) تفسير الطبري: 1/ 490 - 491.
(2)
تفسير البغوي: 1/ 80.
(3)
تفسير البغوي: 1/ 80.
(4)
تفسير الثعلبي: 1/ 178.
(5)
المحرر الوجيز: 1/ 121.
(6)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 495.
(7)
أنظر: تفسير الثعلبي: 1/ 178، والمحرر الوجيز: 1/ 121.
(8)
المحرر الوجيز: 1/ 121.
أحدها: أنها: " كلمة أحبها الله لنفسه ورضيها، وأحب أن تقال". قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه (1).
والثاني: " اسم يعظم الله به ويحاشى به من السوء". قاله ميمون بن مهران (2).
والثالث: أن (سبحان الله) اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه. قاله الحسن (3).
قوله تعالى: {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} [البقرة: 32]، أي:" نحن لا علم لنا إلا ما علمتنا إِياه"(4).
قال ابن إسحاق: " أي إنما أجبناك فيما علمتنا، فأما ما لم تعلمنا فإنك أعلم به منا"(5).
قال البغوي: " معناه فإنك أجل من أن نحيط بشيء من علمك إلا ما علمتنا"(6).
وقولهم هذا "اعتراف من الملائكة أنهم ليسوا يعلمون إلا ما علمهم الله، هذا مع أنهم ملائكة مقرَّبون إلى الله عز وجل"(7)، فكان في ذلك أوضحُ الدلالة وأبينُ الحجة، على كذب مقالة كلّ من ادعى شيئًا من علوم الغيب من الحُزاة والكهنة والعافَةِ والمنجِّمة (8).
قوله تعالى: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ} [البقرة: 32]، أي:" إنك ذو العلم الواسع الشامل المحيط بالماضي والحاضر، والمستقبل"(9).
قال الطبري: " إنك أنت يَا ربنا العليمُ من غير تعليم بجميع ما قد كان وما وهو كائن، والعالم للغيوب دون جميع خلقك"(10).
قال البغوي: أي إنك أنت" {العليم}، بخلقك"(11).
قال الماوردي: " {العليم}: هو العالم من غير تعليم"(12).
قال ابن عباس: " {العليم}، الذي قد كمل في علمه"(13).
قال محمد بن إسحاق: " {العليم}، أي: عليم بما تخفون"(14).
قوله تعالى: {الْحَكِيمُ} [البقرة: 32]، أي:"إنك أنت الحكيم في أمرك"" (15).
قال أبو العالية: " {الحكيم}: حكيم في أمره"(16).
وقال: محمد بن جعفر بن الزبير: " {الحكيم}: الحكيم في عذره وحجته إلى عباده"(17).
قال ابن عباس: " {الحكيم}، الذي قد كمل في حُكمه"(18).
قال ابن عطية: " والْعَلِيمُ معناه: العالم، ويزيد عليه معنى من المبالغة والتكثير من المعلومات في حق الله عز وجل، والْحَكِيمُ معناه الحاكم، وبينهما مزية المبالغة"(19).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (343): ص 1/ 81.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (344): ص 1/ 81.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (345): ص 1/ 81.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 41.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (346): ص 1/ 81.
(6)
تفسير البغوي: 1/ 80.
(7)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 81.
(8)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 494.
(9)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 121.
(10)
تفسير الطبري: 1/ 495.
(11)
تفسير البغوي: 1/ 80.
(12)
النكت والعيون: 1/ 100.
(13)
أخرجه الطبري (674): ص 1/ 495.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (347): ص 1/ 81.
(15)
تفسير الثعلبي: 1/ 178، وانظر: تفسير البغوي: 1/ 80.
(16)
أخرجه ابن أبي حاتم (348): ص 1/ 81.
(17)
أخرجه ابن أبي حاتم (349): ص 1/ 82.
(18)
أخرجه الطبري (674): ص 1/ 495.
(19)
المحرر الوجيز: 1/ 121.
وأصل الحكمة في كلام العرب: "المنع، يقال: أحكمت اليتيم عن الفساد وحكمته، أي منعته. ويقال للحديدة المعترضة في فم الدابة: حكمة لأنها تمنع الدابة من الاعوجاج، والحكمة تمنع من الباطل، ومالا يجمل فلا يحل في المحكم من الأمر بمنعه من الخلل"(1).
وذكر أهل العلم أن {الحكيم} ، له ثلاثة أوجه (2):
أحدها: الحاكم العالم، المُصِيبُ للحقِّ، ومنه سمي القاضي حاكماً، لأنه يصيب الحق في قضائه، وهذا قول أبي العباس المبرد، "وحينئذ يكون صفة ذات"(3).
والثاني: المانع من الفساد، يعني: المحكم للأمر، كي لا يتطرق إليه الفساد، ومنه سميت (حَكَمَةُ اللجام)، لأنها تمنع الفرس من الجري الشديد، و"الحكمة هذا قياسها، لأنها تمنع من الجهل"(4)، ومنه قول جرير (5):
أبَني حَنيفَة أحكِمُوا سُفهاءكُمْ
…
إني أخافُ عليكمُ أنْ أغْضَبَا
قوله (أَحْكِمُوا): أي امنعوهم.
والثالث: أنه المُحْكِمُ لأفعاله، كقوله {عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 10]، أي:" أي المؤلم والموجع"(6)، وكما قال عمرو بن معد يكرب (7):
أمِنْ رَيْحانة الدَّاعي السَّميعُ (8)
…
يُؤرِّقُنِي وأصحابي هُجوعُ
أي المسمع.
ويجيء {الْحَكِيمُ} على هذا من صفات الفعل (9).
قال الثعلبي: " وفي هذه الآية دليل على جواز تكليف ما لا يطاق (10)، حيث أمر الله تعالى الملائكة بإنباء ما لم يعلموا، وهو عالم بعجزهم عنه"(11).
(1) تفسير الثعلبي: 1/ 178 - 179، وانظر: تهذيب اللغة واللسان: (حكم).
(2)
أنظر: تفسير البغوي: 1/ 80، والمحرر الوجيز: 1/ 122، والنكت والعيون: 1/ 101.
(3)
تفسير الثعلبي: 1/ 178.
(4)
مقاييس اللغة: 2/ 91، وانظر: اللسان: (حكم).
(5)
ديوانه: 90، والبيت في اللسان:(حكم).
(6)
تفسير الثعلبي: 1/ 178.
(7)
الديوان: 140، الشعر والشعراء: 1/ 332، الخزانة: 3/ 460، والأغاني: 14/ 25، 33، واللسان: 10/ 28، والأصمعيات: 198، والصحاح: 3/ 1233، وتأويل مشكل القرآن: 229، وقد وجدت في الكتاب الذي حققه السيد أحمد صقر خطأ -مطبعيا- في الهامش رقم (1) صفحة: 17، إذ قال صدره: أمن ريحانة الداعي السميع"، والصحيح: وعجزه: يُؤرِّقُنِي وأصحابي هُجوعُ
(8)
ريحانة: امرأته المطلقة، وقيل أخته أم دريد بن الصمة. السميع: المسمع، وهو شاهد صيغة "فعيل" لمبالغة مفعل، تزوج عمرو امرأة من مراد يقال لها "ريحانة"، وذهب مغيرًا قبل أن يدخل بها، فلما قدم أخبر أنه قد ظهر بها وضح - وهو داء تحذره العرب - فطلقها وتزوجها رجل آخر من بني مازن بن ربيعة، وبلغ ذلك عمرًا وأن الذي قيل فيها باطل، فأخذ يشبب بها، وقيل إن "ريحانة" هي أخته، وكان الصمة والد دريد قد غزا بني زبيد فسباها، فغزا عمرو مرارًا ولم يقدر عليها.
فذكر عمرو ما كان من هذا أو ذاك، واستعاد ذكرى الشباب وما كان فيه من لهوه وصحبة الغيد. أما شيبه الذي تعجب له أمامة فليس مما يعيبه فإن له في ماضي زمانه ما يعده ذخيرة لفخره، فقد كان يغدو إلى الصيد على فرس سبوح في جريه، فتعن له حم رالوحش فيصرع منها ما يصرع، وهذا الشيب الذي نرى إنما هو خضاب الحوادث، وما أثرت فيه أهوال الحروب التي خاضها. ثم ساق بعض الحكم، وفخر باجتيازه الفلوات الموحشة، وشكا وجده، وفخر بمهره. ينظر: الخزانة: 3/ 460.
(9)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 121.
(10)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "تكليف ما لا يطاق وهو على ضربين: أحدهما: تكليف ما لا يطاق لوجود ضده من العجز، وذلك مثل أن يكلف المقعد القيام، والأعمى الخط ونقط الكتاب، وأمثال ذلك، فهذا مما لا يجوز تكليفه وهو مما انعقد الإجماع عليه، وذلك لأن عدم الطاقة فيه ملحقة بالممتنع والمستحيل، وذلك يوجب خروجه عن المقدور فامتنع تكليف مثله. والثاني: تكليف مالا يطاق لا لوجود ضده من العجز مثل أن يكلف الكافر الذي سبق في علمه أنه لا يستحب التكليف كفرعون وأبى جهل وأمثالهم، فهذا جائز، وذهبت المعتزلة إلى أن تكليف مالا يطاق غير جائز، قال: وهذه المسألة كالأصل لهذه. قلت: وهذا الإجماع هو إجماع الفقهاء وأهل العلم، فإنه قد ذهب طائفة من أهل الكلام إلى أن تكليف الممتنع لذاته واقع في الشريعة، وهذا قول الرازي وطائفة قبله، وزعموا أن تكليف أبي لهب وغيره من هذا الباب حيث كلف أن يصدق بالأخبار التي من جملتها الإخبار بأنه لا يؤمن، وهذا غلط، فإنه من أخبر الله أنه لا يؤمن وأنه يصلي النار بعد دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له إلى الإيمان فقد حقت عليه كلمة العذاب، كالذي يعاين الملائكة وقت الموت لم يبق بعد هذا مخاطباً من جهة الرسول بهذين الأمرين المتناقضين. وكذلك من قال: تكليف العاجز واقع محتماً بقوله: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم: 42]، فإنه يناقض هذا الإجماع، ومضمون الإجماع نفي وقوع ذلك في الشريعة، وأيضاً فإن مثل هذا الخطاب إنما هو خطاب تعجيز على وجه العقوبة لهم لتركهم السجود وهم سالمون يعاقبون على ترك العبادة في حال قدرتهم بأن أمروا بها حال عجزهم على سبيل العقوبة لهم، وخطاب العقوبة والجزاء من جنس خطاب التكوين، لا يشترط فيه قدرة المخاطب إذ ليس المطلوب فعله، وإذا تبينت الأنواع والأقسام زال الاشتباه والإبهام". [مجموع الفتاوى: 8/ 181 - 182].
(11)
تفسير الثعلبي: 1/ 179.
الفوائد:
1.
من فوائد الآية: أن الملائكة تتكلم؛ لقوله تعالى: {أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم} .
2 ومنها: اعتراف الملائكة. عليهم الصلاة والسلام. بأنهم لا علم لهم إلا ما علمهم الله عز وجل.
ويتفرع على ذلك أنه ينبغي للإنسان أن يعرف قدر نفسه، فلا يدَّعي علم ما لم يعلم.
3 ومنها: شدة تعظيم الملائكة لله عز وجل، حيث اعترفوا بكماله، وتنزيهه عن الجهل بقولهم:{سبحانك} ؛ واعترفوا لأنفسهم بأنهم لا علم عندهم؛ واعترفوا لله بالفضل في قولهم: {إلا ما علمتنا} .
4.
ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما {العليم} ، و {الحكيم}؛ فـ {العليم}: ذو العلم الواسع المحيط بكل شيء جملة وتفصيلاً لما كان، وما يكون من أفعاله، وأفعال خلقه.
و{الحكيم} : ذو الحكمة البالغة التي تعجز عن إدراكها عقول العقلاء وإن كانت قد تدرك شيئاً منها؛ و "الحكمة" هي وضع الشيء في موضعه اللائق به؛ وتكون في شرع الله، وفي قدر الله؛ أما الحكمة في شرعه فإن جميع الشرائع مطابقة للحكمة في زمانها، ومكانها، وأحوال أممها؛ فما أمر الله بشيء، فقال العقل الصريح:"ليته لم يأمر به"؛ وما نهى عن شيء، فقال:"ليته لم ينهَ عنه"؛ وأما الحكمة في قدره فما من شيء يقدره الله إلا وهو مشتمل على الحكمة إما عامة؛ وإما خاصة.
واعلم أن الحكمة تكون في نفس الشيء: فوقوعه على الوجه الذي حكم الله تعالى به في غاية الحكمة؛ وتكون في الغاية المقصودة منه: فأحكام الله الكونية، والشرعية كلها لغايات محمودة قد تكون معلومة لنا، وقد تكون مجهولة؛ والأمثلة على هذا كثيرة واضحة.
ولـ {الحكيم} معنًى آخر؛ وهو ذو الحكم، والسلطان التام؛ فلا معقب لحكمه؛ وحكمه تعالى نوعان: شرعي، وقدري؛ فأما الشرعي فوحيه الذي جاءت به رسله؛ ومنه قوله تعالى:{أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون} [المائدة: 50]، وقوله تعالى في سورة الممتحنة:{ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم} [الممتحنة: 10]؛ وأما حكمه القدري فهو ما قضى به قدراً على عباده من شدة، ورخاء، وحزن، وسرور، وغير ذلك؛ ومنه قوله تعالى عن أحد إخوة يوسف:{فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين} (يوسف: 80)
والفرق بين الحكم الشرعي، والكوني: أن الشرعي لا يلزم وقوعه ممن حُكِم عليه به؛ ولهذا يكون العصاة من بني آدم، وغيرهم المخالفون لحكم الله الشرعي؛ وأما الحكم القدري فلا معارض له، ولا يخرج أحد عنه؛ بل هو نافذ في عباده على كل حال.
القرآن
التفسير:
قال الله تعالى لآدم: أخبر الملائكة بأسماء هذه المسميات، وعندما أنبأهم باسمائها، تبيّن للملائكة فضل آدم عليهم، وحكمة الباري وعلمه في استخلاف هذه الخليفة، قال تعالى لهم: قلت لكم إني أعلم ما غاب في السماوات والأرض وأعلم ما تظهرون وما تخفون.
قوله تعالى: {قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} [البقرة: 33]، أي: قال الله تعالى لآدم: " أعلمهم بالأسماء التي عجزوا عن علمها"(1).
قال ابن عثيمين: " و {آدم} هو أبو البشر؛ والظاهر أن هذا اسم له، وليس وصفاً؛ وهو مشتق لغة من الأُدْمة؛ وهي لون بين البياض الخالص والسواد"(2).
(1) صفوة التفاسير: 1/ 41.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 123.
قوله: {يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ} [البقرة: 33]، النبأ أي الخبر، ومنه قول نابغة بني ذُبيان (1):
وَأَنْبَأَهُ الْمُنَبِّئُ أَنَّ حَيًّا
…
حُلُولٌ مِنْ حَرَامٍ أَوْ جُذَامِ
فقوله (أنبأه)، أي: أخبره وأعلمه (2).
قال محمد ابن أبان: "سألت زيد بن أسلم عن قوله: {أنبئهم بأسمائهم}، قال: أنت جبريل، أنت ميكائيل، أنت إسرافيل، حتى عدد الأسماء كلها، حتى بلغ الغراب"(3).
وروي "عن مجاهد في قول الله تعالى: {يا آدم أنبئهم بأسمائهم}، قال: اسم الحمامة والغراب، واسم كل شيء. وروي عن سعيد بن جبير والحسن وقتادة نحو ذلك"(4).
قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ} [البقرة: 33]، أي: فلما "أخبرهم بكل الأشياء، وسمَّى كل شيء باسمه"(5).
قال مجاهد: " {فلما أنبأهم}، أنبأ آدم الملائكة بأسمائهم، أسماء أصحاب الأسماء"(6).
قوله تعالى: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 33]، " أي: قال تعالى للملائكة: ألم أنبئكم بأني أعلم ما غاب في السماوات والأرض عنكم" (7).
قال البغوي: أي" ما كان منهما وما يكون لأنه قد قال لهم {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] "(8).
قال ابن عطية: " معناه: ما غاب عنكم، لأن الله لا غيب عنده من معلوماته"(9).
قال ابن كثير: " أي: ألم أتقدم إليكم أني أعلم الغيب الظاهر والخفي، كما قال [الله] تعالى: {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} وكما قال تعالى إخبارا عن الهدهد أنه قال لسليمان: {أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} "(10).
قال ابن عباس: " أخبرهم بأسمائهم - {فلما أنبأهم بأسمائهم قال: ألم أقلْ لكم}، أيها الملائكة خَاصة {إنّي أعلم غيبَ السموات والأرض}، ولا يعلمه غيري"(11).
وقال الحسن: " فجعل آدم ينبئهم بأسمائهم ويقول: هذا اسم كذا وكذا من خلق الله، وهذا اسم كذا وكذا فعلم الله آدم من ذلك ما لم يعلموا حتى علموا أنه أعلم منهم. قال: فلما أنبأهم بأسمائهم، قال: {ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض} "(12).
(1) ديوانه: 87 من قصيدة له، في عمرو بن هند، وكان غزا الشام بعد قتل المنذر أبيه. وقال أبو عبيدة: هذه القصيدة لعمرو بن الحارث الغساني في غزوة العراق. ورواية الديوان: " أن حيًّا حلولا " بالنصب، صفة " حيًّا " وهي الرواية الجيدة. وخبر " أن " محذوف، كأنه يقول: قد تألبوا يترصدون لك. وحذفه للتهويل في شأن اجتماعهم وترصدهم. والبيت الذي يليه دال على ذلك، وهو قوله:
وَأَنَّ الْقَوْمَ نَصْرُهُمُ جَمِيعٌ
…
فِئَامٌ مُجْلِبُونَ إِلَى فِئَامِ
ورواية الرفع، لا بأس بها، وإن كنت لا أستجيدها. وقوله:" حرام " كأنه يعني بني حرام ابن ضنة بن عبد بن كبير بن عذرة بن سعد هذيم. أو كأنه يعني بني حرام بن جذام بن عدي بن الحارث ابن مرة بن أدد بن زيد. ودار جذام جبال حسمى، وأرضها بين أيلة وجانب تيه بني إسرائيل الذي يلي أيلة، وبين أرض بني عذرة من ظهر حرة نهيل (معجم البلدان: حسمى). فمن أجل أن بنى عذرة هذه ديارهم قريبة من جذام، شككت فيمن عني النابغة ببني حرام في هذا البيت.
(2)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 489.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (350): ص 1/ 82.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (351): ص 1/ 82.
(5)
صفوة التفاسير: 1/ 41.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (352): ص 1/ 82.
(7)
صفوة التفاسير: 1/ 41.
(8)
تفسير البغوي: 1/ 80.
(9)
المحرر الوجيز: 1/ 123.
(10)
تفسير ابن كثير: 1/ 225 - 226.
(11)
أخرجه الطبري (676): ص 1/ 497.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (353): ص 1/ 82.
والاستفهام في قوله تعالى {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ} ، للتقرير؛ "والمعنى: قلت لكم، كقوله تعالى:{ألم نشرح لك صدرك} [الشرح: 1]: والمعنى: قد شرحنا لك صدرك" (1).
وقوله تعالى: {أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [البقرة: 33]، دليل على كذب مقالة كلّ من ادعى شيئًا من علوم الغيب من الحُزاة والكهنة والعافَةِ والمنجِّمة، وأن أحدا لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله كالأنبياء أو من أعلمه من أعلمه الله تعالى (2).
وقال بعض أهل العلم بأن غيب السماوات والأرض، نوعان (3):
أحدهما غيب نسبي: وهو ما غاب عن بعض الخلق دون بعض.
والثاني: غيب عام: وهو ما غاب عن الخلق عموماً.
قوله تعالى: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} [البقرة: 33]، أي: وأعلم "ما تظهرون"(4).
قال ابن عباس: " {وأعلم ما تبدون}، يقول: ما تظهرون"(5).
قوله تعالى: {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 33]، أي وما كنتم"تخفون في أنفسكم"(6).
قال ابن كثير: " يقول: أعلم السر كما أعلم العلانية، يعني: ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار"(7).
وذكروا في تفسير قوله تعالى: {ومَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 33]، وجهين (8):
أحدهما: ما أسرَّه إبليس من الكبر والعصيان في نفسه، وهذا قول ابن عباس (9)، وابن مسعود (10)، وسعيد بن جبير (11)، وسفيان (12)، والضحاك (13)، وروي عن عبدالله بن بريدة (14) نحو ذلك.
قال ابن عطية: " ويتوجه قوله {تَكْتُمُونَ}، للجماعة والكاتم واحد في هذا القول على تجوز العرب واتساعها، كما يقال لقوم قد جنى سفيه منهم: أنتم فعلتم كذا، أي منكم فاعله، وهذا مع قصد تعنيف، ومنه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [الحجرات: 4] وإنما ناداه منهم عيينة، وقيل الأقرع"(15).
والثاني: أن الذي كتموه: ما أضمروه في أنفسهم أن الله تعالى لا يخلق خلقاً إلَاّ كانوا أكرمَ عليه منه، وهو قول الحسن البصري (16)، وقتادة (17)، وأبي العالية (18)، والربيع بن أنس (19).
والراجح-والله أعلم- هو ما قاله ابن عباس، أي: الذي كانوا يكتمونه، ما كان منطويًا عليه إبليس من الخلاف على الله في أمره، والتكبُّر عن طاعته. واختاره الطبري (20).
(1) تفسير ابن عثيمين: 1/ 123.
(2)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 494، وتفسير القرطبي: 1/ 290.
(3)
أنظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 123.
(4)
تفسير ابن كثير: 1/ 228.
(5)
أخرجه الطبري (678): ص 1/ 498.
(6)
تفسير الثعلبي: 1/ 179.
(7)
تفسير ابن كثير: 1/ 228.
(8)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 100.
(9)
أنظر: تفسير الطبري (678): ص 1/ 498.
(10)
أنظر: تفسير الطبري (679): ص 1/ 498.
(11)
أنظر: تفسير الطبري (680): ص 1/ 498.
(12)
أنظر: تفسير الطبري (681): ص 1/ 499.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (354): ص 1/ 82.
(14)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (355): ص 1/ 83.
(15)
المحرر الوجيز: 1/ 123.
(16)
أخرجه الطبري (682): ص 1/ 499.
(17)
أخرجه الطبري (683): ص 1/ 499.
(18)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (356): ص 1/ 83.
(19)
أخرجه الطبري (684): ص 1/ 499 - 500، وتفسير ابن أبي حاتم (357): ص 1/ 83.
(20)
أنظر: تفسيره: 1/ 500.
الفوائد:
1 من فوائد الآية: إثبات القول لله عز وجل لقوله تعالى: {يا آدم} ؛ وأنه بحرف، وصوت مسموع؛ لأن آدم سمعه، وفهمه، فأنبأ الملائكة به؛ وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، والسلف الصالح. أن الله يتكلم بكلام مسموع مترتب بعضه سابق لبعض.
2 ومنها: أن آدم. عليه الصلاة والسلام. امتثل، وأطاع، ولم يتوقف؛ لقوله تعالى:{فلما أنبأهم} ؛ ولهذا طوى ذكر قوله: "فأنبأهم" إشارة إلى أنه بادر، وأنبأ الملائكة.
3 ومنها: جواز تقرير المخاطب بما لا يمكنه دفعه؛ والتقرير لا يكون إلا هكذا. أي بأمر لا يمكن دفعه؛ وذلك لقوله تعالى: {ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض} .
4 ومنها: بيان عموم علم الله عز وجل، وأنه يتعلق بالمشاهد، والغائب؛ لقوله تعالى:
(أعلم غيب السموات والأرض).
5 ومنها: أن السموات ذات عدد؛ لقوله تعالى: {السموات} ؛ و "الأرض" جاءت مفردة، والمراد بها الجنس؛ لأن الله تعالى قال:{الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن} [الطلاق: 12] أي في العدد.
6 ومنها: أن الملائكة لها إرادات تُبدى، وتكتم؛ لقوله تعالى:{وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} .
7 ومنها: أن الله تعالى عالم بما في القلوب سواء أُبدي أم أُخفي؛ لقوله تعالى: {ما تبدون وما كنتم تكتمون} .
فإن قال قائل: ما الدليل على أن الملائكة لها قلوب؟ .
فالجواب: قوله تعالى: {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} [سبأ: 23].
القرآن
التفسير:
اذكر إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم وتعظيما; وعبودية لله تعالى، فامتثلوا أمر الله وبادروا كلهم بالسجود، إلا إبليس امتنع عن السجود واستكبر عن أمر الله وعلى آدم، وكان في علم الله تعالى من الكافرين.
قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ} [البقرة: 34]، "أي اذكر يا محمد لقومك حين قلنا للملائكة"(1).
وقوله تعالى {وَإِذْ قُلْنَا} يعني: اذكر إذ قلنا؛ ومثل هذا التعبير يتكرر كثيراً في القرآن، والعلماء يقدرون لفظ:(اذكر)، وهم بحاجة إلى هذا التقدير؛ لأن (إذ) ظرفية؛ والظرف لا بد له من شيء يتعلق به إما مذكوراً؛ وإما محذوفاً (2)؛ وفي نظم الجُمل (3): لا بد للجار من التعلق بفعل أو معناه نحو مرتقي ومثله" (4).
وقد جاء الضمير في {قلنا} بصيغة الجمع من باب التعظيم. لا التعدد. كما هو معلوم (5).
قوله تعالى: {اسجدوا لأَدَمَ} [البقرة: 34]، "أي سجود تحية وتعظيم لا سجود عبادة"(6).
قال ابن عثيمين: "و (السجود)، هو السجود على الأرض بأن يضع الساجد جبهته على الأرض خضوعاً، وخشوعاً؛ وليس المراد به هنا الركوع؛ لأن الله تعالى فرَّق بين الركوع والسجود، كما في قوله تعالى: {تراهم ركعاً سجداً} [الفتح: 29]، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} [الحج: 77] "(7).
و(السجود)، معناه في كلام العرب التذلل والخضوع، قال الشاعر (8):
يجمع تضل البلق في حجراته
…
ترى الأكم فيها سجدا للحوافر
(1) صفوة التفاسير: 1/ 43.
(2)
أنظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 125.
(3)
شرح أليفة ابن مالك للحازمي: الدرس (12): ص 7.، وانظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب: 63.
(4)
شرح أليفة ابن مالك للحازمي: الدرس (12): ص 7.، وانظر: تمرين الطلاب في صناعة الإعراب: 63.
(5)
أنظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 125.
(6)
صفوة التفاسير: 1/ 43.
(7)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 125.
(8)
البيت ورد في اللسان: مادة (س ج د).
الأكم: الجبال الصغار، جعلها سجدا للحوافر لقهر الحوافر إياها وأنها لا تمتنع عليها. وعين ساجدة، أي فاترة عن النظر، وغايته وضع الوجه بالأرض (1).
والسجود أصله: الانحناء والتذلل، وجعل ذلك عبارة عن التذلل لله وعبادته، وهو عام في الإنسان، والحيوانات، والجمادات، وذلك ضربان: سجود باختيار، وليس ذلك إلا للإنسان، وبه يستحق الثواب، نحو قوله:{فاسجدوا لله واعبدوا} [النجم: 62]، أي: تذللوا له، وسجود تسخير، وهو للإنسان، والحيوانات، والنبات، وعلى ذلك قوله:{ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال} [الرعد: 15]، وقوله:{يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله} [النحل: 48]، فهذا سجود تسخير، وهو الدلالة الصامتة الناطقة المنبهة على كونها مخلوقة، وأنها خلق فاعل حكيم، وقوله:{ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون} [النحل: 49]، ينطوي على النوعين من السجود، التسخير والاختيار، وقوله:{والنجم والشجر يسجدان} [الرحمن: 6]، فذلك على سبيل التسخير، وقوله:{اسجدوا لآدم} [البقرة/34]، قيل: أمروا بأن يتخذوه قبلة، وقيل: أمروا بالتذلل له، والقيام بمصالحه، ومصالح أولاده، فائتمروا إلا إبليس، وقوله:{ادخلوا الباب سجدا} [النساء: 154]، أي: متذللين منقادين، وخص السجود في الشريعة بالركن المعروف من الصلاة، وما يجري مجرى ذلك من سجود القرآن، وسجود الشكر، وقد يعبر به عن الصلاة بقوله:{وأدبار السجود} [ق: 4]، أي: أدبار الصلاة، ويسمون صلاة الضحى: سبحة الضحى، وسجود الضحى، {وسبح بحمد ربك} [طه: 130] قيل: أريد به الصلاة (2)، والمسجد: موضع الصلاة اعتبارا بالسجود، وقوله:{وأن المساجد لله} [الجن: 18]، قيل: عني به الأرض، إذ قد جعلت الأرض كلها مسجدا وطهورا كما روي في الخبر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نصرت بالرعب، وأوتيت جوامع الكلم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتح خزائن الأرض فتلت في يدي"(3).
وقيل: المساجد: مواضع السجود: الجبهة والأنف واليدان والركبتان والرجلان، وقوله:{ألا يسجدوا لله} [النمل/25](4) أي: يا قوم اسجدوا، وقوله:{وخروا له سجدا} [يوسف/100]، أي: متذللين، وقيل: كان السجود على سبيل الخدمة في ذلك الوقت سائغا، ومنه قول الشاعر (5):
وافى بها لدراهم الإسجاد
…
من خمر ذي نطف أغن منطق
عنى بها دراهم عليها صورة ملك سجدوا له (6).
والإسجاد: إدامة النظر، قال أبو عمرو: وأسجد إذا طأطأ رأسه، قال (7):
فضول أزمتها أسجدت
…
سجود النصارى لأحبارها
يقول: لما ارتحلن ولوين فضول أَزمَّة جمالهن على معاصمهن أَسْجدت لهن.
قال أبو عبيدة: وأنشدني أعرابي من بني أسد (8):
وقلن له أسجد لليلى فأسجدا
يعني بعيرها أنه طأطأ رأسه لتركبه (9).
(1) انظر: تفسير القرطبي: 1/ 291.
(2)
(أخرج عبد الرزاق وغيره عن ابن عباس في الآية قال: هي الصلاة المكتوبة).
(3)
أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام 13/ 209؛ وانظر: شرح السنة 13/ 198).
(4)
(هي بتخفيف ألا، على أنها للاستفتاح، وبها قرأ الكسائي ورويس وأبو جعفر. الإتحاف 336).
(5)
البيت للأسود بن يعفر، ورد في المفضليات ص 218؛ والمجمل 2/ 486).
(6)
انظر: مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني: 1/ 358.
(7)
البيت لحميد بن ثور يصف النساء، انظر: اللسان: مادة (س ج د). قال ابن بري صواب إِنشاده:
فلما لَوَيْنَ على مِعْصَمٍ
…
وكَفٍّ خضيبٍ وأَسوارِها،
فُضولَ أَزِمَّتِها، أَسْجدت
…
سجودَ النصارى لأَحْبارِها
(8)
انظر: اللسان مادة (س ج د)، والمزهر: 1/ 238.
(9)
انظر: اللسان: مادة (س ج د)، وتفسير القرطبي: 1/ 291.
وقوله تعالى: {اسْجُدُوا لآدَمَ} [البقرة: 33]، أي: اسجدوا لي مستقبلين وجه آدم، وهو كقوله تعالى:{أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] أي عند دلوك الشمس وكقوله: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 72] أي فقعوا لي عند إتمام خلقه ومواجهتكم إياه ساجدين (1).
وأخرج الطبري: " عن قتادة، قوله: {وإذْ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم}، فكانت الطاعة لله، والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن أسْجَد له ملائكته"(2).
وقد استدل من فضل آدم وبنيه بقوله تعالى للملائكة: {اسْجُدُوا لآدَمَ} ، قالوا: وذلك يدل على أنه كان أفضل منهم، وهذا القول فيه نظر.
وحكى النقاش عن مقاتل: "أن الله إنما أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يخلقه"(3).قال ابن عطية: "والقرآن يرد على هذا القول"(4).
وقال قوم: "سجود الملائكة كان مرتين"(5). قال ابن عطية: "والإجماع يرد هذا"(6).
واختلف اهل العلم في كيفية سجود الملائكة لآدم بعد اتفاقهم على أنه لم يكن سجود عبادة، وذكروا وجوها في ذلك (7):
أحدها: كان هذا أمرا للملائكة بوضع الجباه على الأرض، كالسجود المعتاد في الصلاة، لأنه الظاهر من السجود في العرف والشرع، وعلى هذا قيل: كان ذلك السجود تكريما لآدم وإظهارا لفضله، وطاعة لله تعالى، وكان آدم كالقبلة لنا، ومعنى "لآدم": إلى آدم، كما يقال صلى للقبلة، أي إلى القبلة. وهذا قول الجمهور.
والثاني: لم يكن هذا السجود المعتاد اليوم الذي هو وضع الجبهة على الأرض، ولكنه مبقى على أصل اللغة، فهو من التذلل والانقياد، أي اخضعوا لآدم وأقروا له بالفضل، {فَسَجَدُوا} أي امتثلوا ما أمروا به.
قال ابن عطية: " وفي هذه الوجوه كلها كرامة لآدم عليه السلام"(8).
واختلف أيضا هل كان ذلك السجود خاصا بآدم عليه السلام أم كان مباحا إلى عصر الرسول-صلى الله عليه وسلم، وفيه قولين:
أحدهما: أن ذلك السجود كان خاصا بآدم فلا يجوز السجود لغيره من جميع العالم إلا لله تعالى.
والثاني: أن ذلك السجود كان جائزا بعد آدم إلى زمان يعقوب عليه السلام، لقوله تعالى:{وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً} [يوسف: 100] فكان آخر ما أبيح من السجود للمخلوقين.
والصحيح: أن سجود التحية والإكرام كان مباحا إلى عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مباحا في الشرائع السابقة إلى أن نسخ في شريعتنا، ومن المعلوم أن السجود لغير الله على وجه العبادة لم يكن مباحاً في أية شريعة فكل الأنبياء نهوا عن ذلك وبلغوا أقوامهم، روي عن عبدالله بن أبي أوفى أنه: لمَّا قدِمَ معاذٌ منَ الشَّامِ سجدَ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ ما هذا يا مُعاذُ قالَ أتيتُ الشَّامَ فوافقتُهُم يسجُدونَ لأساقفتِهِم وبطارقتِهِم فوَدِدْتُ في نَفسي أن نفعلَ ذلِكَ بِكَ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ "وسلَّمَ فلا تفعَلوا فإنِّي لو كُنتُ آمرًا أحدًا أن يسجُدَ لغيرِ اللَّهِ لأمَرتُ المرأةَ أن تسجُدَ لزوجِها والَّذي نَفسُ محمَّدٍ بيدِهِ لا تؤدِّي المرأةُ حقَّ ربِّها حتَّى تؤدِّيَ حقَّ زوجِها ولو سألَها نفسَها وَهيَ علَى قتَبٍ لم تمنعْهُ"(9).
(1) انظر: تفسير القرطبي: 1/ 292.
(2)
تفسير الطبري (707): ص 1/ 512.
(3)
نقلا عن: المحرر الوجيز: 1/ 124.
(4)
المحرر الوجيز: 1/ 124.
(5)
المحرر الوجيز: 1/ 124.
(6)
المحرر الوجيز: 1/ 124.
(7)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 293.
(8)
المحرر الوجيز: 1/ 124.
(9)
صحيح ابن ماجة: 1515. حديث حسن صحيح.
ورد من حديث جماعة من أصحاب النبي -صلي الله عليه وسلم -، منهم أبو هريرة، وأنس بن مالك، وعبد الله بن أبى أوفى، ومعاذ بن جبل، وقيس بن سعد، وعائشة بنت أبي بكر الصديق. 1 - حديث أبى هريرة، يرويه أبو سلمة عنه عن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال: فذكره. أخرجه الترمذي (1/ 2 1 7) وابن حبان (1291) والبيهقي (7/ 291) والواحدي في (الوسيط)(1/ 161 / 2) من طريق محمد بن عمرو عن أبى سلمة به وزادوا إلا الترمذي: (لما عظم الله من حقه عليها). وقال: (حسن غريب). وهو كما قال. ولفظ ابن حبان: (أن رسول الله (صلي الله عليه وسلم) دخل حائطا من حوائط الأنصار، فإذا فيه جملان يضربان ويرعدان، فاقترب رسول اللة (صلي الله عليه وسلم) منهما، فوضعا جرانهما بالارض، فقال من معه:(نسجد لك؟ فقال النبي (صلي الله عليه وسلم): ما ينبغى لأحد أن يسجد لأحد، ولو كان أحد ينبغى له أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لما عظم الله عليها من حقه). قلت: وإسناده حسن. / صفحة 55 / وأخرجه الحاكم (4/ 171 - 172) والبزار من طريق سليمان بن أبى سليمان عن يحيى بن أبى كثير عن أبي سلمة به نحوه دون قصة الجملين. وقال الحاكم: (صحيح الإسناد). ورده المنذري في (الترغيب)(3/ 75) والذهبي في (التلخيص) بأن سليمان وهو اليمامى ضعفوه. 2 - حديث أنس بن مالك. يرويه خلف بن خليفة عن حفص بن أخى أنس عن أنس قال: قال رسول الله (صلي الله عليه وسلم): (لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها). أخرجه النسائي (ق 85/ 2) وأحمد (3/ 158) وكذا البزار كما في (المجمع)(9/ 4) وقال: (ورجاله رجال الصحيح غير حفص بن أخى أنس، وهو ثقة). وقال المنذري: (رواه أحمد بإسناد جيد، رواته ثقات مشهورون، والبزار بنحوه). قلت: وهو كما قالا، لولا أن خلف بن خليفة - وهو من رجال مسلم، وشيخ أحمد فيه - كان اختلط في الآخر، فلعل أحمد سمعه منه قبل اختلاطه. وهو عنده مطول، فيه قصة الجمل وسجوده للنبى (صلي الله عليه وسلم)، فهو شاهد جيد لحديث أبي هريرة المتقدم. 3 - حديث عبداللة بن أبى أوفى، يرويه القاسم الشيباني عنه قال:(لما قدم معاذ من الشام، سجد للنبى (ص)، قال: ما هذا يا معاذ؟ ! * (هامش) * (1) كذا وقع في مسلم، وهو خطأ مطبعى، والصواب (عن) كما في) المسند) وهو ثقة). / صفحة 56 / قال: أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك، فقال رسول الله (صلي الله عليه وسلم): فلا تفعلوا، فإنى لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لغير الله، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهى على قتب لم تمنعه). أخرجة ابن ماجه (1853) وابن حبان (129 0) والبيهقي (7/ 292) من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن القاسم به. قلت: وهذا إسناد حسن رجاله ثقات رجال الشيخين غير القاسم هذا وهو ابن عوف الشيباني الكوفي، وهو صدوق يغرب كما في (التقريب) وروى له مسلم فرد حديث. وتابعه إسماعيل، وهو ابن علية ثنا أيوب به نحوه. أخرجه أحمد (4/ 381). وخالفه معاذ بن هشام الدستوائى حدثنى أبى حدثنى القاسم بن عوف الشيباني ثنا معاد بن جبل أنه أتى الشام فرأى النصارى. . . الحديث نحوه. أخرجه الحاكم (4/ 172) وقال:(صحيح على شرط الشيخين). ووافقه الذهبي. كذا قالا! والقاسم لم يخرج له البخاري، ثم إن معاذ بن هشام الدستوائى فيه كلام من قبل حفظه، وفي (التقريب):(صدوق ربما وهم). فأخشى أن يكون وهم في جعله من مسند معاذ نفسه، وفي تصريح القاسم بسماعه منه. والله أعلم. نعم قد روي عن معاذ نفسه إن صح عنه، وهو: / صفحة 57/ 4 - حديث معاذ. رواه أبو ظبيان عنه. (أنه لما رجع من اليمن قال: يا رسول الله. . .). فذكره مختصرا. أخرجه أحمد (227/ 5): ثنا وكيع ثنا الأعمش عن أبي ظبيان. وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، لكن أبو ظبيان لم يسمعه من معاذ، واسمه حصين بن جندب الجنبى الكوفي. ويدل على ذلك أمور: أولا: قال ابن حزم في أبي ظبيان هذا: (لم يلق معاذا، ولا أدركه). ثانيا: قال ابن أبى شيبة في (المصنف)(7/ 47 / 1): ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبى ظبيان قال: (لما قدم معاذ من اليمن. . .). قلت: فأرسله، وهو الصواب. ثالثا: قال أحمد وابن أبى شيبة: ثنا عبد الله بن نمير قال: نا الأعمش عن أبي ظبيان عن رجل من الأنصار عن معاذ بن جبل بمثل حديث أبي معاوية. فتأكدنا من انقطاع الحديث بين أبي ظبيان ومعاذ، أو أن الواسطة بينهما رجل مجهول لم يسمه. 5 - حديث قيس بن سعد. يرويه الشعبى عنه قال:(أتيت الحيرة، فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فقلت: رسول الله أحق أن يسجد له، قال: فأتيت النبي (صلي الله عليه وسلم)، فقلت: إنى أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فانت يا رسول الله أحق أن نسجد لك، قال: أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد له؟ قال: قلت: لا، قال: فلا تفعلوا، لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن، لما جعل الله لهم عليهن من الحق). / صفحة 58 / أخرجه أبو داود (2140) والحاكم (2/ 187) والبيهقي (7/ 291) من طريق شريك عن حصين عن الشعبى. وقال الحاكم:(صحيح الأسناد لما. ووافقه الذهبي. وأقول: شريك هو ابن عبد الله القاضي وهو سئ الحفظ. 6 - حديث عائشة. يرويه سعيد بن المسيب عنها مرفوعا بلفظ: (لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها. ولو أن رجلا أمر امرأة أن تنقل من جبل أحمر إلى جبل أسود، ومن جبل أسود إلى جبل أحمر، لكان نوطا أن تفعل). أخرجه ابن ماجه (1852) وابن أبي شيبة (7/ 47 / 2) وأحمد (6/ 76) من طريق على بن زيد عن سعيد به. وفيه عند أحمد قصة الجمل المتقدمة من حديث أبى هريرة وأنس. وعلي بن زيد هو ابن جدعان وهو ضعيف. وفي الباب عن ابن عباس عند الطبراني في (المعجم الكبير)(3/ 143 / 1) وفيه قصة الجمل. وفيه أبو عزة الدباغ وأسمه الحكم بن طهمان وهو ضعيف. وعن زيد بنرقم عند أبى إسحاق إبراهيم بن محمد بن أبى ثابت في (حديثه)(2/ 143 / 1). وفيه صدقة وهو ابن عبد الله السمين، ومن طريقه رواه الطبراني في (الكبير) والأوسط، والبزار كما في (المجمع) (4/ 310) وقال:(وثقه أبو حاتم وجماعة، وضعفه البخاري وجماعة).
ومعنى القتب أن العرب يعز عندهم وجود كرسي للولادة فيحملون نساءهم على القتب عند الولادة، وفي بعض طرق معاذ: ونهى عن السجود للبشر وأمر بالمصافحة (1).
والذي عليه جمهور أهل العلم بلا خلاف ولا نزاع بينهم أن هذا السجود من معاذ –رضي الله عنه كان سجود تحية لا عبادة إذ كيف يجهل هذا الصحابي الجليل أن سجود العبادة لا ينبغي إلا لله.
وتجدر الاشارة بأن السجود كان فيما مضى يستعمل تحية وإكراما كما فعل أبوا يوسف وإخوته وكما فعلت الملائكة لآدم هذا من باب التحية والإكرام وليس من باب العبادة، وأما في شريعة محمد عليه الصلاة
(1) انظر: تفسير القرطبي: 1/ 293.
والسلام فإن الله عز وجل منع من ذلك وجعل السجود لله وحده سبحانه وتعالى ولا يجوز أن يسجد لأحد لا للأنبياء ولا غيرهم، حتى محمد عليه الصلاة والسلام منع أن يسجد له أحد وأخبر أن السجود لله وحده سبحانه وتعالى، فعلم بهذا أن جميع أنواع العبادة كلها لله وحده سبحانه وتعالى، ومن أعظمها السجود فإنه ذلك وانكسار لله سبحانه وتعالى فهو من أفضل العبادات فلا يصرف لغيره من الناس لا للأنبياء ولا للجن ولا للإنس ولا لغيرهم، والله المستعان.
وذكروا في قوله تعالى: {لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا} [البقرة: 33]، قراءتين (1):
أحدهما: {لِلْمَلَائِكَةِ} ، بالكسر. وهي قراءة جمهور القراء.
والثاني: {للملائكةُ} ، بالضم، قرأ بها أبو جعفر المدني. قال أبو علي:"لم يكن مصيبا"(2).
وقال الزجاج: "وأبو جعفر، من جِلَّةِ أهل المدينة وأهلِ الثَّبتِ في القَراءَةِ إلا أنه غلط في هذا الحرف لأن الملائكة في موضع
خفض فلا يجوز أن يرفع المخفوض ولكنه شبَّه تاءَ التأنيث بكسر ألف الوصل لأنك إذا ابْتدأتَ قلت اسْجُدوا، وليس ينبغي أن يقرأ القرآن بتوهم غيرِ الصواب" (3).
قوله تعالى: {فَسَجَدُوا إِلَاّ إِبْلِيسَ} [البقرة: 33]، "أي: فسجدوا جميعاً له غير إبليس" (4).
قال ابن عثيمين: " {فسجدوا} أي من غير تأخير؛ فالفاء هنا للترتيب، والتعقيب"(5).
قوله تعالى: {أبى واستكبر} [البقرة: 33]، "أي: امتنع مما أمر به وتكبر عنه" (6).
أخرج ابن أبي حاتم "عن قتادة: قوله {أبى واستكبر وكان من الكافرين}، حسد عدو الله إبليس آدم على ما أعطاه الله من الكرامة، وقال: أنا ناري وهذا طيني. فكان بدء الذنوب الكبر، استكبر عدو الله أن يسجد لآدم"(7).
قال الشنقيطي: " لم يبين هنا موجب استكباره في زعمه، ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12] وقوله: {قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [الحجر: 33] "(8).
(1) الحجة للقراء السبعة: 1/ 65، ومعاني القرآن: 1/ 111 - 112، والمحرر الوجيز: 1/ 124.
(2)
الحجة للقراء السبعة: 1/ 65.
(3)
معاني القرآن: 1/ 111 - 112.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 43.
(5)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 125.
(6)
صفوة التفاسير: 1/ 43.
(7)
تفسير ابن أبي حاتم (364): ص 1/ 84.
(8)
أضواء البيان: 1/ 33. ثم قال الشنقيطي: "مثل قياس إبليس نفسه على عنصره الذي هو النار وقياسه ءادم على عنصره الذي هو الطين واستنتاجه من ذلك أنه خير من ءادم. ولا ينبغي أن يؤمر بالسجود لمن هو خير منه مع وجود النص الصريح الذي هو قوله تعالى: {اسجدوا لأدم} يسمى في اصطلاح الأصوليين فاسد الاعتبار. وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود: {اسجدوا لآدم} يسمى في اصطلاح الأصوليين فاسد الاعتبار وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود:
والخلف للنص أو إجماع دعا
…
فساد الاعتبار كل من وعى
فكل من رد نصوص الوحي بالأقيسة فسلفه في ذلك إبليس وقياس إبليس هذا لعنه الله باطل من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه فاسد الاعتبار؛ لمخالفة النص الصريح كما تقدم قريبا.
الثاني: أنا لا نسلم أن النار خير من الطين بل الطين خير من النار؛ لأن طبيعتها الخفة والطيش والإفساد والتفريق وطبيعته الرزانة والإصلاح فتودعه الحبة فيعطيكها سنبلة والنواة فيعطيكها نخلة.
وإذا أردت أن تعرف قدر الطين فانظر إلى الرياض الناضرة وما فيها من الثمار اللذيذة والأزهار الجميلة والروائح الطيبة. تعلم أن الطين خير من النار.
الثالث: أنا لو سلمنا تسليما جدليا أن النار خير من الطين فإنه لا يلزم من ذلك أن إبليس خير من ءادم؛ لأن شرف الأصل لا يقتضي شرف الفرع بل قد يكون الأصل رفيعا الفرع وضيعا كما قال الشاعر:
إذا افخرت بآباء لهم شرف قلنا صدقت ولكن بئس ما ولدوا
وقال الآخر:
وما ينفع الأصل من هاشم إذا كانت النفس من باهلة".
[أضواء البيان: 1/ 33 - 34].
قوله تعالى: {وَكَانَ مِنَ الكافرين} [البقرة: 33]، "أي: صار بإبائه واستكباره من الكافرين حيث استقبح أمر الله بالسجود لآدم" (1).
أخرج ابن أبي حاتم "عن عبد الله بن بريدة قوله: {وكان من الكافرين}، من الذين أبوا، فأحرقتهم النار"(2).
وذكر الطبري وابن أبي حاتم، عن أبي العالية أنه كان يقول:" {وكان من الكافرين}، يعني: من العاصين"(3).وروي عن الربيع (4) مثل ذلك.
قال ابن عطية: "وتلك معصية كفر لأنها عن معتقد فاسد صدرت"(5).
وذكروا في قوله تعالى {وَكَانَ مِنَ الكافرين} [البقرة: 33]، ثلاثة أقوال (6):
أحدهما: أن المراد: كان من الكافرين في علم الله بناءً على أن
{كان} فعل ماضٍ؛ والمضي يدل على شيء سابق.
قال ابن عطية: "وقال جمهور المتأولين: معنى وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ أي في علم الله تعالى أنه سيكفر، لأن الكافر حقيقة والمؤمن حقيقة هو الذي قد علم الله منه الموافاة"(7).
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن " السدي: {وكان من الكافرين}، قال: من الكافرين الذين لم يخلقهم الله يومئذ، يكونون بعد"(8).
والثاني: أن معناه: "وصار من الكافرين"(9). قال ابن فورك: "وهذا خطأ ترده الأصول"(10).
والثالث: انه كان من الكافرين، وليس قبله كافرا، كما كان من الجنِّ، وليس قبله جِنٌّ، وكما تقول: كان آدم من الإنس، وليس قبله إنسيٌّ. قاله الحسن (11).
والرابع: أنه قد كان قبله قوم كفار، كان إبليس منهم (12).
والخامس: أن (كان): تأتي أحياناً مسلوبة الزمان، ويراد بها تحقق اتصاف الموصوف بهذه الصفة؛ ومن ذلك قوله تعالى:{وكان الله غفوراً رحيماً} [النساء: 96]، وقوله تعالى:{وكان الله عزيزاً حكيماً} [النساء: 158]، وقوله تعالى:{وكان الله سميعاً بصيراً} [النساء: 134]، وما أشبهها؛ هذه ليس المعنى أنه كان فيما مضى؛ بل لا يزال؛ فتكون {كان} هنا مسلوبة الزمان، ويراد بها تحقيق اتصاف الموصوف بما دلت عليه الجملة.
قال ابن عثيمين: "وهذا هو الأقرب، وليس فيه تأويل؛ ويُجرى الكلام على ظاهره"(13).
ولفظة إبليس لغة: أبلس الرجل قُطِع به، وأبلس سكت، وأبلس من رحمة الله يئس وندم ومنه سُمِّي إبليس لأنه أبلس من رحمة الله وقيل: إبليس لا ينصرف لأنه أعجمي معرفة، والمبلس الساكت من الحزن أو الخوف، والإبلاس الحَيْرة (14).
(1) صفوة التفاسير: 1/ 43.
(2)
تفسير ابن أبي حاتم (366): ص 1/ 84.
(3)
تفسير الطبري (705): ص 1/ 511، وابن أبي حاتم (367): ص 1/ 85.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (706): ص 1/ 511.
(5)
المحرر الوجيز: 1/ 125.
(6)
أنظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 125 - 126.
(7)
المحرر الوجيز: 1/ 125.
(8)
تفسير ابن أبي حاتم (369): ص 1/ 85.
(9)
حكاه المهدوي عن جماعة، أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 125.
(10)
نقلا عن: المحرر الوجيز: 1/ 125.
(11)
نقلا عن: النكت والعيون: 1/ 103.
(12)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 103.
(13)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 126.
(14)
لسان العرب: 6/ 29 - 30.
فيمكن القول بأن (إبليس)(إفعِيل)، من الإبلاس، وهو الإياس من الخير والندمُ والحزن (1)، ومن ذلك قوله جل ثناؤه:(فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ)[سورة الأنعام: 44]، أي:" أنهم آيسون من الخير، نادمون حزنًا"(2)، كما قال العجَّاج (3):
يَا صَاحِ، هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا؟
…
قَالَ: نَعَمْ، أَعْرِفُهُ! وَأَبْلَسَا
وقال رؤبة (4):
وَحَضَرَتْ يَوْمَ الْخَمِيسِ الأَخْمَاسْ
…
وَفِي الْوُجُوهِ صُفْرَةٌ وَإِبْلاسْ
يعني به اكتئابًا وكسوفًا.
وأخرج الطبري " عن السُّدّيّ، قال: كان اسم إبليس (الحارث)، وإنما سمي إبليس حين أبلس متحيِّرًا"(5).
وقال ابن عباس: " إبليس، أبلسه الله من الخير كله، وجعله شيطانًا رجيمًا عقوبة لمعصيته"(6).
وفي مفهوم الشرع لا يُوجد تعريف اصطلاحي لإبليس في الشرع، إذ هو مخلوق معروف لدى الأديان الأخرى، وهو رمزُ الشرّ عند كل شعب من الشعوب ودين من الأديان وطائفة من الطوائف، وعليه نعرّف إبليس بأنه: الجانّ الذي أبى السجود لآدم حين خلقه الله، فاستحق لعنته، وطُرِد من جنته، ووجبت له النار بعد إنظار الله له إلى يوم القيامة، وأُوتِي من وسائل الإغواء ما لم يُؤتَ أحد من العالمين.
وقد اختلف العلماء هل إبليس من الجن أم من الملائكة، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه كان من الملائكة:
ذهب بعض أهل العلم إلى أن إبليس كان من الملائكة فلما عصى الله تعالى أخرجه من صف الملائكة، وقال به من العلماء: ابن عباس (7) في رواية عنه وابن مسعود (8)، وقتادة (9)، ومحمد بن إسحاق (10)، وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب (11)، ورجحه ابن جرير الطبري بل وانتصر له، ورجحه البغوي، ونسبه ابن عطية والقرطبي والشوكاني إلى أنه قول الجمهور (12).
واستدلوا أولئك بقول الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34]، فلو لم يكن إبليس من الملائكة لم يؤمر بالسجود ولم يؤاخذ بالعصيان.
وهذا الاستدلال ضعيف جداً، فتنوعت إجابات العلماء عن هذا الدليل:
- قال ابن تيمية عن إبليس: " كان منهم (أي من الملائكة) باعتبار صورته وليس منهم باعتبار أصله "(13).
- وقال ابن كثير: "وذلك أنه (أي إبليس) كان قد توسّم بأفعال الملائكة وتشبه بهم وتعبد وتنسك فلهذا دخل في خطابهم، وعصى بالمخالفة"(14).
(1) انظر: تفسير الطبري: 1/ 509.
(2)
تفسير الطبري: 1/ 509.
(3)
ديوانه 1: 31، والكامل 1: 352، واللسان:(بلس)، (كرس). المكرس: الذي صار فيه الكرس، وهو أبوال الإبل وأبعارها يتلبد بعضها على بعض في الدار. وأبلس الرجل: سكت غما وانكسر وتحير ولم ينطق.
(4)
ديوانه: 67، واللسان (بلس)، ورواية ديوانه " وعرفت يوم الخميس ". وبين البيتين بيت آخر هو:" وَقَدْ نَزَتْ بَيْنَ التَّرَاقِي الأَنْفَاسْ "
(5)
تفسير الطبري (704): ص 1/ 99
(6)
تفسير الطبري (703): ص 1/ 99
(7)
أنظر: تفسير الطبري (686): ص 1/ 502، وابن أبي حاتم (361): ص 1/ 84.
(8)
أنظر: تفسير الطبري (688): ص 1/ 503.
(9)
أنظر: تفسير الطبري (693): ص 1/ 504.
(10)
أنظر: تفسير الطبري (695): ص 1/ 505.
(11)
أنظر: تفسير الطبري (692): ص 1/ 504.
(12)
راجع في ذلك تفاسيرهم عند آية البقرة والكهف. مع كتاب الدر المنثور للسيوطي: 9/ 565.
(13)
مجموع الفتاوى: 4/ 346.
(14)
تفسير ابن كثير: 5/ 167.
- وقال ابن عثيمين: "وإنما استثناه الله من الملائكة لأنه كان معهم وليس منهم يبين ذلك آية الكهف (وكان من الجن) .. ثم قال: وهذا الاستثناء يسمى استثناء منقطعا، كما تقول: (جاء القوم إلا حمارا) وهو كلام عربي فصيح فاستثنى الحمار من القوم وإن لم يكن منهم"(1).
والثاني: أنه من الجن:
وقال به من العلماء: ابن عباس" (2) في رواية أخرى والحسن البصري"(3) - صححه عنه ابن كثير- وسعد بن مسعود (4) وشَهر بن حَوْشب (5) وابن زيد (6)، ورجحه ابن تيمية والسيوطي والزمخشري وابن كثير والشنقيطي ـ صاحب الأضواء ـ وابن عثيمين والشيخ أبو بكر الجزائري (7).
ولهذا ذهب عامة أهل العلم إلى أن إبليس وذريته لم يكونوا قط من الملائكة، ويدل على ذلك عدة أدلة:
أحدها: قول الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [الكهف: 50]، فبين الله أن سبب فسقه كونه من الجن، أي أنه من عنصر أو من جنس آخر غير الملائكة، أما الاستثناء في قوله تعلى:(فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ)، فإنه استثناء منقطع أي أن (إلا) هنا بمعنى (لكن)، وهو كقوله تعالى:{لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25)} [النبأ: 24 - 25]، هذا الاستثناء منقطع لأن الحميم والغساق ليس من البرد والشراب والمعنى: لكن يطعمون الحميم والغساق.
والثاني: وقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [الكهف: 50].
وهنا نص الله أن له ذرية يعني (نسل) وهم الجن، والملائكة لانسل لهم. فلو كان ملكا لم يكن له نسل.
والثالث: أن إبليس مخلوق من نار كما قال تعالى حاكيا عن إبليس: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12]، والملائكة مخلوقة من نور لما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" خلقت الملائكة من نور وخلق الجن من نار وخلق آدم مما وُصف لكم"(8). ففرق الرسول صلى الله عليه وسلم بين خلق الملائكة وخلق الجن.
والرابع: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]. فلو كان إبليس ملكا ماعصى الله.
والخامس: أن الجن الذين هم ذرية إبليس، لهم شهوة للطعام والشراب وغيره، وليس للملائكة شهوة دل على ذلك عدة نصوص منها:
ـ أن الجن سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم لما اجتمعو به عن طعامهم فقال: "كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر مايكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم .. فلاتستنجو بهما فإنهما طعام إخوانكم الجن "(9).
(1) الفتاوى لابن عثيمين: رقم الفتوى: (108).
(2)
أنظر: تفسير الطبري (696)، و (697): ص 1/ 506، و (700): ص 1/ 507.
(3)
مجموع الفتاوى: 4/ 346.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (699): ص 1/ 507.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (698): ص 1/ 506 - 507.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (701): ص 1/ 508.
(7)
راجع في ذلك تفاسيرهم عند آية البقرة والكهف كما سبق ويضاف إلى هذه المصادر كتاب السيوطي الدر المنثور وتفسير ابن جرير، أما شيخ الإسلام ابن تيمية فقد ذكر رأيه في مجموع الفتاوى 4/ 346 وابن عثيمين في كتابه الذي أفرده لسورة الكهف عند آيتها التي تحدثت عن قصة آدم وإبليس وكذا في فتاويه ورقم الفتوى 108، أما السيوطي فذكر رأيه في (تفسير الجلالين).
(8)
مسلم (2996)، وأحمد (6/ 153)، وابن حبان (6155).
(9)
أخرجه مسلم (2/ 36) وابن خزيمة في " صحيحه "(رقم 82) والبيهقي (1/ 108 - 109) من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن داود عن عامر قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أواغتيل، قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل (حراء)، قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. وسألوه الزاد، فقال: فذكره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم من الجن ". (وضعفه الألباني: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة " (3/ 133).
ـ قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [الكهف: 50]، والذرية لابد لها من شهوة.
ـ قوله تعالى: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: 56]
ـ حديث: "فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله"(1).
فالملائكة من صفتهم أنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويسبحون الليل ولا يفترون، وما فعله إبليس يعد معصية ولا يتناسب مع صفات الملائكة.
والقول الثالث: أن إبليس كان أصله من الملائكة فمسخه الله من الجن لما عصاه.
قال به من العلماء: ابن عباس في رواية (2)، ودليل هذا القول: أنه تفسير صحابي.
والقول الرابع: وهو قول أشار إليه الشيخ ابن تيمية- رحمه الله في هذه المسألة، فقال:" الشيطان كان من الملائكة باعتبار صورته وليس منهم باعتبار أصله ولا باعتبار مثاله"(3)، ولكن هذا القول ليس عليه دليل.
والراجح: أن إبليس لم يكن من الملائكة، وهو الصحيح، لقوة أدلته. وهو الذي عليه المحققون من أهل العلم.
الفوائد:
1 من فوائد الآية: بيان فضل آدم على الملائكة؛ وجهه أن الله أمر الملائكة أن يسجدوا له تعظيماً له.
2 ومنها: أن السجود لغير الله إذا كان بأمر الله فهو عبادة؛ لأن لله تعالى أن يحكم بما شاء؛ ولذلك لما امتنع إبليس عن هذا كان من الكافرين؛ وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على كفر تارك الصلاة؛ قال: لأنه إذا كان إبليس كفر بترك سجدة واحدة أُمر بها، فكيف عن ترك الصلاة كاملة؟ ! وهذا الاستدلال إن استقام فهو هو؛ وإن لم يستقم فقد دلت نصوص أخرى من الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة على كفر تارك الصلاة كفراً أكبر مخرجاً عن الملة.
ويدل على أن المحرَّم إذا أمر الله تعالى به كان عبادة قصة إبراهيم عليه السلام، حين أمره الله أن يذبح ابنه إسماعيل فامتثل أمر الله؛ ولكن الله رحمه، ورحم ابنه برفع ذلك عنهما، حيث قال تعالى:{فلما أسلما وتلَّه للجبين * وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين} [الصافات: 103. 105]؛ ومن المعلوم أن قتل الابن من كبائر الذنوب، لكن لما أمر الله عز وجل به كان امتثاله عبادة.
3 ومن فوائد الآية: أن إبليس. والعياذ بالله. جمع صفات الذم كلها: الإباء عن الأمر؛ والاستكبار عن الحق، وعلى الخلق؛ والكفر؛ إبليس استكبر عن الحق؛ لأنه لم يمتثل أمر الله؛ واستكبر على الخلق؛ لأنه قال:{أنا خير منه} [الأعراف: 12]؛ فاستكبر في نفسه، وحقر غيره؛ و"الكبر" بطر الحق، وغمط الناس.
تنبيه:
إن قال قائل: في الآية إشكال. وهو أن الله تعالى لما ذكر أمر الملائكة بالسجود، وذكر أنهم سجدوا إلا إبليس؛ كان ظاهرها أن إبليس منهم؛ والأمر ليس كذلك؟ .
والجواب: أن إبليس كان مشاركاً لهم في أعمالهم ظاهراً، فكان توجيه الأمر شاملاً له بحسب الظاهر؛ وقد يقال: إن الاستثناء منقطع؛ والاستثناء المنقطع لا يكون فيه المستثنى من جنس المستثنى منه.
القرآن
التفسير:
(1) رواه مسلم برقم 2020.
(2)
الدر المنثور للسيوطي: 9/ 565.
(3)
مجموع الفتاوى: 4/ 346.
وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك حواء -وكان خلقها من ضلعه الأيسر- الجنة وكلا منها أكلاً رغداً واسعا لاحجر فيه من أصناف الثمار والفواكه، ولا تقربا هذه الشجرة بالأكل منها وهى الحنطة أو الكرم أو غيرهما، فتصيرا من الظالمين العاصين.
قوله تعالى {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35]، قلنا يا آدم" أسكن في جنة الخلد مع زوجك حواء"(1).
و(الجنة): هي "البستان الكثير الأشجار، وسمي بذلك لأنه مستتر بأشجاره"(2).
وقد اختلف في الجنة التي أسكنها آدم على قولين (3):
أحدهما: قال الاكثرون: هي في السماء (4).
والثاني: وقيل أنها في الأرض، إذ حكى القرطبي عن المعتزلة والقدرية القول بأنها في الأرض (5).
قال ابن عثيمين: " ظاهر الكتاب، والسنة أنها جنة الخلد، وليست سواها؛ لأن "أل" هنا للعهد الذهني"(6).
وإن قيل: "كيف يكون القول الصحيح أنها جنة الخلد مع أن من دخلها لا يخرج منها. وهذه أُخرج منها آدم؟
فالجواب: أن من دخل جنة الخلد لا يخرج منها: بعد البعث؛ وفي هذا يقول ابن القيم في الميمية المشهورة" (7).
قال الماوردي وسُمِّيت [الأنثى]: امرأةً، لأنها خُلِقَتْ مِنَ المرءِ" (8).
فأما تسميتها حواء، ففيه قولان (9):
أحدهما: أنها سميت بذلك لأنها خلقت من حَيٍّ، وهذا قول ابن عباسٍ، وابن مسعود.
والثاني: أنها سميت بذلك، لأنها أم كل حيٍّ.
واختلف فيما خلقت منه حواء على قولين (10):
أحدهما: أنه خلقها من مثل ما خلق منه آدم وهذا قول تفرد به ابن بحر المعتزلي، وقد قال الربيع بن أنس حواء من طينة آدم واحتج بقوله تعالى {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ} [الأنعام: 2] (11).
القول الثاني: وهو ما عليه الجمهور أنه خلقها من ضلع آدم الأيسر بعد أن ألقى عليه النوم حتى لم يجد لها مسا قال ابن عباس: فلذلك تواصلا ولذلك سميت امرأة لأنها خلقت من المرء (12).
(1) صفوة التفاسير: 1/ 43.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 128.
(3)
انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 233.
(4)
انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 233.
(5)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 302 - 303.
(6)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 128 - 129.
(7)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 128 - 129.
(8)
النكت والعيون: 1/ 104.
(9)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 104.
(10)
انظر: أعلام النبوة، الماوردي: ص 38 - 39.
(11)
عمدة القاري شرح صحيح البخاري - (23/ 134). وقوله: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} فيها قولان:
الأول: أن المراد بالنفس الواحدة: العين الواحدة; أي: من شخص معين، وهو آدم عليه السلام، وقوله:{وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} أي: حواء; لأن حواء خلقت من ضلع آدم. (القول المفيد على كتاب التوحيد " للشيخ العثيمين).
الثاني: أن المراد بالنفس الجنس، وجعل من هذا الجنس زوجه، ولم يجعل زوجه من جنس آخر، والنفس قد يراد بها الجنس; كما في قوله تعالى:{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: من الآية 164] ; أي: من جنسهم.
(12)
ال الشيخ الألباني – رحمه الله: وقد روى ابن سعد (1/ 39) وغيره عن مجاهد في قوله تعالى: (وخلق منها زوجها)، قال:" خَلق " حواء " من قُصَيْرى آدم " - وهو أعلى الأضلاع وأسفلها، وهما " قٌصَيْريان " -.، وذكر ابن كثير في " البداية "(1/ 74) عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ أنها خُلقت من ضلعه الأقصر الأيسر وهو نائم، ولأمَ مكانه لحماً، وقال: " ومصداق هذا في قوله تعالى
…
" فذكر الآية، مع الآية الأخرى: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ اِلَيْهَا
…
) الآية، لكن الحافظ – أي: ابن حجر - أشار إلى تمريض هذا التفسير في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (استوصوا بالنساء خيراً فان المرأة خلقت من ضِلَع
…
)، فقال (6/ 368): قيل: فيه إشارة إلى أن " حواء " خلقت من ضلع آدم الأيسر ".
وقال الشيخ القاري في " شرح المشكاة "(3/ 460): " أي: خُلقن خلقاً فيه اعوجاج، فكأنهن خلقن من الأضلاع، وهو عظم معوج، واستعير للمعوج صورة، أو معنى، ونظيره في قوله تعالى: {خلق الإنسان من عجل. ".قلتأي الألباني-: وهذا هو الراجح عندي، أنه استعارة وتشبيه، لا حقيقة، وذلك لأمرين:
الأول: أنه لم يثبت حديث في خلق حواء من ضلع آدم - كما تقدم -.
والآخر: أنه جاء الحديث بصيغة التشبيه في رواية عن أبي هريرة بلفظ: (إن المرأة كالضِلَع " أخرجه البخاري (5184)، ومسلم (4/ 178)، وأحمد (2/ 428 و 449 و 530) وغيرهم من طرق عن أبي هريرة، وصححه ابن حبان (6/ 189/4168 – " الإحسان ". وأحمد أيضاً (5/ 164 و 6/ 279) وغيره من حديث أبي ذر، وحديث عائشة رضي الله عنهم." سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة "(13/ 1139، 1140).
كما اختلف في زمن خلق حواء على قولين (1):
أحدهما: أن آدم أُدْخِلَ الجنَّةَ وَحْدَهُ، فَلَمَّا استوحش خُلِقَتْ حواءُ من ضِلْعِهِ بعد دخوله في الجنة، وهذا قول ابن عباسٍ، وابن مسعود.
والثاني: أنها خلقت من ضلعه قبل دخوله الجنة، ثم أُدْخِلا معاً إلى الجنةِ، لقوله تعالى:{وَقُلْنَا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} ، وهذا قول أبي إسحاق.
والقول الثاني عليه أكثر أهل العلم (2).
ويقال لامرأة الرجل: زَوْجُه وزَوْجتُه، والزوجة بالهاء أكثر في كلام العرب منها بغير الهاء. والزوج بغير الهاء يقال إنه لغة لأزْد شَنوءة. فأما الزوج الذي لا اختلاف فيه بين العرب، فهو زوجُ المرأة (3).
قوله تعالى: {وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا} [البقرة: 35]، "أي كلا من ثمار الجنة أكلاً رغداً واسعاً "(4).
قال البغوي: أكلا " واسعا كثيرا"(5).
قال الطبري: أي" وكلا من الجنة رزقًا واسعًا هنيئًا"(6).
قال ابن عثيمين: " أي: أكلاً هنياً، ليس فيه تنغيص. والأمر بمعنى الإباحة، والإكرام"(7).
و(الرَّغَد): الواسع من العيش، الهنيء الذي لا يُعنِّي صاحبه. يقال: أرْغد فلان: إذا أصاب واسعًا من العيش الهنيء (8)، كما قال امرؤ القيس بن حُجْر (9):
بَيْنَمَا الْمَرْءُ تَرَاهُ نَاعِمَا
…
يَأْمَنُ الأَحْدَاثَ فِي عَيْشٍ رَغَدْ
وقد أخرج الطبري عن ابن مسعود أنه قال: " الرغد، الهنيء"(10).
وذكر أهل التفسير في (الرغدِ) ثلاثةُ تأويلاتٍ (11):
أحدها: أنه العيش الهني، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود (12).
والثاني: أنه العيش الواسع، وهذا قول الضحاك (13)، وأبي عبيدة (14).
(1) انظر: تفسير الطبري: 1/ 514، والنكت والعيون: 1/ 104.
(2)
انظر: تاريخ الطبري 1: 52 وابن كثير 1: 141 - 142. وقد ذكر معظم كتب التفسير قصة خلق حواء، عند تفسير هذه الآية، ويقول أبو حيان في البحر المحيط: 1/ 156 "وفي هذه القصة زيادات ذكرها المفسرون، لا نطول بذكرها، لأنها ليست مما يتوقف عليها مدلول الآية ولا تفسيرها". ونلحظ أن هذه الأمور الغيبية التي استأثر الله تعالى بعلمها وحجبها عنا، ليس بين أيدينا ما يدل عليها من النصوص الصحيحة .. فأين كان هذا الذي كان؟ وما الجنة التي عاش فيها آدم وزوجه حينا من الزمان؟ ومن هم الملائكة؟ ومن هو إبليس؟ كيف قال الله تعالى لهم ذلك؟ وكيف أجابوه؟ وكيف تم خلق حواء؟ .. إلخ .. إلخ هذا كله يحتاج إلى نص ثابت. وغالب ما يروى من آثار حولها لا يخلو من مقال أو هو من الإسرائيليات، فحسبنا ما جاءت به النصوص، ونكل علم ما رآها إلى الله سبحانه. وانظر: في ظلال القرآن: 1/ 59.
(3)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 514.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 43.
(5)
تفسير البغوي: 1/ 82.
(6)
تفسير الطبري: 1/ 516.
(7)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 128.
(8)
أنظر: تفسير الطبري: 1/ 515.
(9)
لم أجد في ديوانه، وهو من شواهد الطبري في تفسيره: 1/ 515.
(10)
تفسير الطبري (712): ص 1/ 515.
(11)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 104 - 105.
(12)
تفسير الطبري (712): ص 1/ 515.
(13)
تفسير الطبري (716): ص 1/ 515 - 516.
(14)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 104 - 105.
والثالث: أنه أراد الحلال الذي لا حساب فيه، وهو قول مجاهد (1).
قوله تعالى: {حَيْثُ شِئْتُمَا} [البقرة: 35]، "أي من أي مكان في الجنة أردتما الأكل فيه"(2).
قال البغوي: أي: " كيف شئتما ومتى شئتما وأين شئتما"(3).
قال ابن عثيمين: " أي في أيّ مكان من هذه الجنة، ونقول أيضاً: وفي أيّ زمان؛ لأن قوله تعالى: {كُلا} فعل مطلق لم يقيد بزمن"(4).
قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [البقرة: 35]، "أي ولا تأكلا من هذه الشجرة"(5).
قال الطبري: "والشجر في كلام العرب: كلّ ما قام على ساق، ومنه قول الله جل ثناؤه: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6]، يعني بالنجم ما نَجمَ من الأرض من نَبت، وبالشجر ما استقلّ على ساق"(6).
قال البغوي: " يعني للأكل"(7).
اختلف أهل التفسير في الشجرة التي نُهِيا عنها، على أقاويل (8):
أحدها: أنها البُرُّ، وهذا قول ابن عباس (9).
والثاني: أنها الكَرْمُ، وهذا قول السُّدِّيِّ (10)، وجعدة بن هبيرة (11).
والثالث: أنها التِّين، وهذا قول ابن جريجٍ (12)، ويحكيه عن بعض الصحابة.
والرابع: أنها شجرة الخلد التي تأكل منها الملائكة. قاله يعقوب بن عتبة (13).
والصواب: أن هذه الشجرة غير معلومة النوع، وأنه لا علم عندنا أي شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يَضَع لعباده دليلا على ذلك في القرآن، ولا في السنة الصحيحة (14)، فتبقى على إبهامها. والله أعلم.
قوله تعالى: {فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 35]، "أي فتصيروا من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله"(15).
قال ابن عثيمين: " أي من المعتدين لمخالفة الأمر"(16).
قال البغوي: أي: فتصيرا من الضارين بأنفسكما بالمعصية" (17).
وأصل " الظلم " في كلام العرب، وضعُ الشيء في غير موضعه، ومنه قول نابغة بني ذبيان (18):
إِلا أُوَارِيَّ لأيًا مَا أُبَيِّنُهَا
…
وَالنُّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ
(1) تفسير الطبري (713): ص 1/ 515.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 43.
(3)
تفسير البغوي: 1/ 82.
(4)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 128.
(5)
صفوة التفاسير: 1/ 43.
(6)
تفسير الطبري: 1/ 516.
(7)
تفسير البغوي: 1/ 82.
(8)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 516، والنكت والعيون: 1/ 105.
(9)
انظر: تفسير الطبري (724): ص 1/ 518.
(10)
انظر: تفسير الطبري (731): ص 1/ 519.
(11)
انظر: تفسير الطبري (733): ص 1/ 519.
(12)
انظر: تفسير الطبري (740): ص 1/ 520.
(13)
انظر: تفسير الطبري (727): ص 1/ 518.
(14)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 520 - 521.
(15)
صفوة التفاسير: 1/ 43.
(16)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 129.
(17)
تفسير البغوي: 1/ 83.
(18)
ديوانه: 23. يقال: لقيته أصيلالا وأصيلانًا، إذا لقيته بالعشي. وذلك أن الأصيل هو العشي، وجمعه أُصُل (بضمتين) وأصلان (بضم فسكون)، ثم صغروا الجمع فقالوا: أصيلان، ثم أبدلوا من النون لامًا. فعلوا ذلك اقتدارا على عربيتهم، ولكثرة استعمالهم له حتى قل من يجهل أصله ومعناه. وعى في منطقه: عجز عن الكلام.
فجعل الأرض مظلومة، لأن الذي حفر فيها النؤى حَفر في غير موضع الحفر، فجعلها مظلومة، لموضع الحفرة منها في غير موضعها، ومن ذلك قول ابن قَميئة في صفة غيث (1):
ظَلَمَ الْبِطَاحَ بِهَا انْهِلالُ حَرِيصَةٍ
…
فَصَفَا النِّطَافُ لَهُ بُعَيْدَ الْمُقْلَعِ
قوله ظلمه إياه: مجيئه في غير أوانه، وانصبابه في غير مصبِّه. ومنه: ظَلم الرجلُ جَزوره، وهو نحره إياه لغير علة. وذلك عند العرب وَضْع النحر في غير موضعه (2).
وذكروا في قوله تعالى {فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 35]، وجهان (3):
أحدهما: من المعتدين في أكل ما لم يُبَحْ لكما.
والثاني: من الظالمين لأنفسكما في أكلكما.
واختلفُوا في معصية آدم بأكله من الشجرة، على أي وجهٍ وقعت منه، على أربعة أقاويل (4):
أحدها: أنه أكل منها وهو ناسٍ للنهي لقولِهِ تعالى: {ولقد عَهِدْنَا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ} [طه: 115]، وزعم صاحب هذا القول، أن الأنبياء يلزمهم التحفظ والتيقُّظُ لكثرة معارفهم وعُلُوِّ منازلهم ما لا يلزم غيرهم، فيكون تشاغله عن تذكُّر النهي تضييعاً صار به عاصياً.
والقول الثاني: أنه أكل منها وهو سكران فصار مؤاخذاً بما فعله في السُّكْرِ، وإن كان غير قاصدٍ له، كما يؤاخَذُ به لو كان صاحياً، وهو قول سعيد بن المسيب (5).
والقول الثالث: أنه أكل منها عامداً عالماً بالنهي، وتأول قوله:{وَلَقَدْ عَهْدْنَا إلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ} [طه: 115] أي فَزَلَّ، ليكون العَمْدُ في معصيةٍ يستحق عليها الذمَّ.
والرابع: أنه أكل منها على جهة التأويل، فصار عاصياً بإغفال الدليل، لأن الأنبياء لا يجوز أن تقع منهم الكبائر، ولقوله تعالى في إبليس:{فَدَلَاّهُمَا بِغُرُورٍ} [الأعراف: 22] وهو ما صرفهما إليه من التأويل.
واختلف من قال بهذا في تأويله الذي استجاز به الأكل، على ثلاثةِ أقاويلَ (6):
أحدها: أنه تأويل على جهةِ التنزيه دون التحريم.
والثاني: أنه تأويل النهي عن عين الشجرة دون جنسها، وأنه إذا أكل من غيرها من الجنسِ لم يعصِ.
والثالث: أن التأويل ما حكاه الله تعالى عن إبليس في قوله: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} [الأعراف: 23].
الفوائد:
1 من فوائد الآية: إثبات القول لله عز وجل؛ لقوله تعالى: (وقلنا يا آدم).
2 ومنها: أن قول الله يكون بصوت مسموع، وحروف مرتبة؛ لقوله تعالى:{يا آدم اسكن .. } إلخ؛ ولولا أن آدم يسمعه لم يكن في ذلك فائدة؛ وأيضاً هو مرتب؛ لقوله تعالى: {يا آدم اسكن أنت وزوجك} : وهذه حروف مرتبة، كما هو ظاهر؛ وإنما قلنا ذلك لأن بعض أهل البدع يقول: إن كلام الله تعالى هو المعنى القائم بنفسه، وليس بصوت، ولا حروف مرتبة؛ ولهم في ذلك آراء مبتدعة أوصلها بعضهم إلى ثمانية أقوال
3 ومن فوائد الآية: منّة الله عز وجل على آدم، وحواء حيث أسكنهما الجنة.
4 ومنها: أن النكاح سنة قديمة منذ خلق الله آدم، وبقيت في بنيه من الرسل، والأنبياء، ومن دونهم، كما قوله تعالى:{ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية} (الرعد: 38)
(1) والبيت جاء في بعض كتب التفاسير منسوبًا لعمرو بن قميئة (انظر: تفسير القرطبي: 2/ 50). وصحة نسبته إلى الحادرة الذبياني، وهو في ديوان الحادرة، قصيدة: 4، البيت رقم: 7، وشرح المفضليات:54. والبطاح جمع بطحاء وأبطح: وهو بطن الوادي. وأنهل المطر انهلالا: اشتد صوبه ووقعه. والحريصة والحارصة: السحابة التي تحرص مطرتها وجه الأرض، أي تقشره من شدة وقعها. والنطاف جمع نطفة: وهي الماء القليل يبقى في الدلو وغيره. وقوله: " بعيد المقلع ": أي بعد أن أقلعت هذه السحابة. ورواية المفضليات: " ظلم البطاح له " وقوله: " له ": أي من أجله.
(2)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 524.
(3)
انظر: النكت والعيون: 1/ 105.
(4)
انظر: النكت والعيون: 1/ 105 - 106.
(5)
انظر: تفسير الطبري (749): 1/ 530.
(6)
انظر: النكت والعيون: 1/ 106.
فإن قال قائل: زوجته بنت من؟ .
فالجواب: أنها خلقت من ضلعه.
فإن قال: إذاً تكون بنتاً له، فكيف يتزوج ابنته؟ .
فالجواب: أن لله تعالى أن يحكم بما شاء؛ فكما أباح أن يتزوج الأخ أخته من بني آدم الأولين؛ فكذلك أباح أن يتزوج آدم من خلقها الله من ضلعه.
5 ومن فوائد الآية: أن الأمر يأتي للإباحة؛ لقوله تعالى: {وكُلا منها} ؛ فإن هذه للإباحة بدليل قوله تعالى: {حيث شئتما} : خيَّرهما أن يأكلا من أيّ مكان؛ ولا شك أن الأمر يأتي للإباحة؛ ولكن الأصل فيه أنه للطلب حتى يقوم دليل أنه للإباحة.
6 ومنها: أن ظاهر النص أن ثمار الجنة ليس له وقت محدود؛ بل هو موجود في كل وقت؛ لقوله تعالى: {حيث شئتما} ؛ فالتعميم في المكان يقتضي التعميم في الزمان؛ وقد قال الله تعالى في فاكهة الجنة: {وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة} (الواقعة: 32، 33)
7 ومنها: أن الله تعالى قد يمتحن العبد، فينهاه عن شيء قد تتعلق به نفسه؛ لقوله تعالى:{ولا تقربا هذه الشجرة} ؛ ووجه ذلك أنه لولا أن النفس تتعلق بها ما احتيج إلى النهي عن قربانها.
8 ومنها: أنه قد يُنهى عن قربان الشيء والمراد النهي عن فعله؛ للمبالغة في التحذير منه؛ فإن قوله تعالى: {ولا تقربا هذه الشجرة} : المراد: لا تأكلا منها، لكن لما كان القرب منها قد يؤدي إلى الأكل نُهي عن قربها.
9 ومنها: إثبات الأسباب؛ لقوله تعالى: {ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين.
10 ومنها: أن معصية الله تعالى ظلم للنفس، وعدوان عليها؛ لقوله تعالى:(ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين.)
القرآن
التفسير:
فأوقعهما الشيطان في الخطيئة: بأنْ وسوس لهما حتى أكلا من الشجرة، فتسبب في إخراجهما من الجنة ونعيمها، وقال الله لهم: اهبطوا إلى الأرض بما اشتملتما عليه من ذريتكما بعضكم لبعض عدوُّ من ظلم بعضكم بعضاً، ولكم في الأرض موضع قرار ومتاع ما تتمتعون به من نباتها إلى حين وقت انقضاء آجالكم.
قوله {فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا} [البقرة: 36]، أي: دعاهما إلى الزلة (1)، فزحزحهما (2) عن القصد المستقيم، بتزيينه ووسوسته وإغوائه (3).
(1) الزلة: الخطيئة، وهي في أصل اللغة: عثور القدم، انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس: 3/ 4، والمفردات للراغب: 214، والمحرر الوجيز لابن عطية: 1/ 186، والبحر المحيط لأبي حيان: 1/ 159، وقد جاءت آيات أخرى تبين كيفية دعاء الشيطان الأبوين إلى ذلك، منها قوله-عز وجل:{فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 20 - 21]، وقوله-عز وجل:{قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى} [طه: 120]. ولفظ ابن حجر هنا نص كلام البغوي في معالم التنزيل: 1/ 83 وهو من موارده في الفتح-كما في موارد ابن حجر العسقلاني في علوم القرآن من خلال كتابه فتح الباري لمحمد أنور صاحب: 230 - 231 - ، وانظر: جامع البيان للطبري: 1/ 524، والوسيط للواحدي: 1/ 122، وتيسير المنان تفسير القرآن للكوكباني: 2/ 883 - 884، والتحرير والتنوير لابن عاشور: 1/ 433. و (فَأزَلَّهُمَا) في الآية تحتمل معنيين: أ-بمعنى استزلهما، أي: دعاهما إلى الزلة مزيناً لهما الخطيئة حتى وقعا فيها، وقال به كثير من المفسرين وهو قول الحافظ هنا، انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 38، وغريب القرآن لليزيدي: 68، وجامع البيان للطبري: 1/ 524 وغيرها. ب-من زل عن المكان إذا تنحى عنه ولم يثبت فيه، والمعنى: نحاهما عن الجنة وأبعدهما عنها بسبب خطيئتهما بالأكل من الشجرة، والشيطان لا يستطيع تنحية العبد وزحزحته وإنما يقدر على الوسوسة التي هي سبب التنحية، وذلك مجاز كما في البحر المحيط لأبي حيان: 1/ 59، والدر المصون للسمين: 1/ 193، وغيرهما. وانظر: القولين في: شرح الهداية للمهدوي: 1/ 163، الحجة في علل القراءات السبع للفارسي: 2/ 13 - 14، الكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي بن أبي طالب: 1/ 236، الدر المصون للسمين الحلبي: 1/ 192 - 193، وغيرها.
(2)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 115، وتيسير الكريم الرحمن للسعدي:32.
(3)
أي: الطاعة-وهو في حق الأبوين ترك ارتكاب المحظور-والتي كانا بسببها متنعمَين في الجنة فأخرجهما إبليس منها بتزيينه لهما الأكل من الشجرة التي نهاهما الله تعالى عن الأكل منها.
قال الصابوني: " أي أوقعهما في الزلة بسببها وأغواهما بالأكل منها هذا إذا كان الضمير عائداً إلى الشجرة، أما إذا كان عائداً إلى الجنة فيكون المعنى أبعدهما وحوّلهما من الجنة"(1).
أخرج الطبري عن ابن عباس، أنه قال في تأويل قوله تعالى:{فأزلهما الشيطان} : "أغواهما"(2).
وقال عاصم: "فنحاهما"(3).
وأخرج ابن أبي حاتم "عن الحسن: {فأزلهما}، قال: من قبل الزلل"(4). وروي عن قتادة مثل ذلك (5).
وقوله: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا} [البقرة: 36]، فيه وجهان من القراءة:
أحدهما: قرأته عامة القراء {فأزلَّهما} بتشديد اللام، بمعنى: استزلَّهما، من قولك زلَّ الرجل في دينه: إذا هفا فيه وأخطأ، فأتى ما ليس له إتيانه فيه. وأزلَّه غيره: إذا سبب له ما يزلّ من أجله في دينه أو دنياه.
والثاني: قرأه آخرون: {فأزَالهما} ، بمعنى إزَالة الشيء عن الشيء، وذلك تنحيته عنه (6).
واختلف أهل التفسير، هل خلص إليهما الشيطان حتى باشرهما بالكلام وشافههما بالخطاب أم لا؟ فذكروا قولين:
أحدهما: أن الشيطان خلص إليهما. قاله عبد الله بن عباس (7)، وابن مسعود (8)، ووهب بن منبه (9)، وأبو العالية (10)، وأكثر المفسرين.
واستدلُّوا بقوله تعالى: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 21].
والثاني: أنه لم يخلص إليهما، وإنما أوقع الشهوة في أنفسهما، ووسوس لهما من غير مشاهدة، لقوله تعالى:{فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ} [الأعراف: 20]، وهو قول محمد بن إسحاق (11)، وابن زيد (12)، وروي عن محمد بن قيس (13) نحو ذلك.
والقول الأول أظهر وأشهر. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} [البقرة: 36]، "فأخرجهما الشيطان "من نعيم الجنة" (14).
قال ابن كثير: " أي: من اللباس والمنزل الرحب والرزق الهنيء والراحة"(15).
قوله تعالى: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا} [البقرة: 36]، "أي اهبطوا من الجنة إلى الأرض والخطاب لآدم وحواء وإبليس"(16).
قال الثعلبي: " أي أنزلوا الى الأرض"(17).
وذكر ابن أبي حاتم أخبارا حول مكان هبوطهم في الأرض (18). وهي روايات لا اعلم درجة صحتها، وقد قال ابن كثير:" لو كان في تعيين تلك البقاع فائدة تعود علي المكلفين، في أمر دينهم أو دنياهم، لذكرها الله تعالى في كتابه أو رسوله صلى الله عليه وسلم، وإن هذه الأخبار من الإسرائيليات"(19).
(1) صفوة التفاسير: 1/ 44.
(2)
تفسير الطبري (741): ص 1/ 525 ..
(3)
تفسير ابن أبي حاتم (383): ص 1/ 87.
(4)
تفسير ابن أبي حاتم (384): ص 1/ 87.
(5)
تفسير ابن أبي حاتم (385): ص 1/ 87.
(6)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 524.
(7)
تفسير الطبري (741): ص 1/ 525 ..
(8)
تفسير الطبري (743): ص 1/ 526 ..
(9)
أنظر: تفسير الطبري (742): ص 1/ 525 - 526.
(10)
تفسير الطبري (745): ص 1/ 527.
(11)
تفسير الطبري (746)، و (747): ص 1/ 528 - 529.
(12)
تفسير الطبري (748)، و (747): ص 1/ 529.
(13)
تفسير الطبري (752): ص 1/ 530 - 531.
(14)
صفوة التفاسير: 1/ 44.
(15)
تفسير ابن كثير: 1/ 236.
(16)
صفوة التفاسير: 1/ 44، وانظر: تفسير البغوي: 1/ 84.
(17)
تفسير الثعلبي: 1/ 183.
(18)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 88 - 89. من تلك الأماكن: الصفا والمروة، أرض هند، بين مكة وطائف
…
الخ.
(19)
أنظر: تفسيره: 3/ 395.
قوله تعالى: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: 36]، أي:" متعادين يبغى بعضكم على بعض بتضليله"(1).
قال البغوي: " أراد العداوة التي بين ذرية آدم والحية وبين المؤمنين من ذرية آدم وبين إبليس
قال ابن عثيمين: أي: " الشيطان عدو لآدم، وحواء"(2).
و(الهبوط): النزول من فوق إلى أسفل (3)، يقال هَبط فلان أرضَ كذا وواديَ كذا، إذا حلّ ذلك كما قال الشاعر (4):
مَا زِلْتُ أَرْمُقُهُمْ، حَتَّى إِذَا هَبَطَتْ
…
أَيْدِي الرِّكَابِ بِهِمْ مِنْ رَاكِسٍ فَلَقَا
وقد اختلف في المقصود بالخطاب في قوله تعالى: {اهْبِطُوا} [البقرة: 36]، على أقوال (5):
أحدها: أن المقصود: آدم وحواء وإبليس وذريتهم. اختاره ابن عطية واحتج بأن: " إبليس مخاطب بالإيمان بإجماع"(6).
والثاني: آدم وحواءُ وإبليس والحية. قاله أبو صالح مولى أم هانئ (7). واختاره البغوي (8)، ووروي عن السدي نحو ذلك- وزاد فيه إبليس (9).
والثالث: أن الخطاب، ظاهره العموم، ومعناه الخصوص في آدم وحواء، لأن إبليس لا يأتيه هدى، وخوطبا بلفظ الجمع تشريفا لهما (10).
والصحيح هو أن آدم وزوجته ممن عُني به في قوله {اهبطوا} ، وهو قول الجمهور (11).
قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ} [البقرة: 36]، "أي لكم في الدنيا موضع استقرار بالإقامة فيها"(12).
قال الزجاج: "أي مُقَام وثبوت"(13).
قال ابن عباس: "المستقر: القبور"(14). وعنه أيضا: "مستقر فوق الأرض، ومستقر تحت الأرض"(15).
قوله تعالى: {وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ} [البقرة: 36]، "أي تمتع بنعيمها إلى وقت انقضاء آجالكم"(16).
قال الثعلبي: " الى حين اقتضاء آجالكم ومنتهى أعماركم"(17).
قال ابن كثير: " أي: إلى وقت مؤقت ومقدار معين، ثم تقوم القيامة"(18).
قال أبو حيان: " لمتاع ما استمتع به من المنافع، أو الزاد، أو الزمان الطويل، أو التعمير"(19).
واختلف في قوله تعالى: {إِلَى حِينٍ} [البقرة: 36]، على أربعة أوجه (20):
(1) تفسير المراغي: 1/ 87.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 132.
(3)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 319.
(4)
البيت لزهير بن أبي سلمى، ديوانه: 37، أرمقهم: يعني أحبابه الراحلين، وينظر إليهم حزينًا كئيبًا، والركاب: الإبل التي يرحل عليها. وراكس: واد في ديار بني سعد بن ثعلبة، من بني أسد. وفلق وفالق: المطمئن من الأرض بين ربوتين أو جبلين أو هضبتين، وقالوا: فالق وفلق، كما قالوا: يابس ويبس (بفتحتين).
(5)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 535 - 536.
(6)
المحرر الوجيز: 1/ 131.
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (416): ص 1/ 92.
(8)
انظر: تفسير البغوي: 1/ 84.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 92.
(10)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 131.
(11)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 535.
(12)
صفوة التفاسير: 1/ 44.
(13)
معاني القرآن: 1/ 115.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (399): ص 1/ 89.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (400): ص 1/ 89.
(16)
صفوة التفاسير: 1/ 44.
(17)
تفسير الثعلبي: 1/ 183.
(18)
تفسير ابن كثير: 1/ 236.
(19)
البحر المحيط: 1/ 137.
(20)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 321 - 322.
أحدها: إلى الموت، وهذا قول من يقول المستقر هو المقام في الدنيا. قاله السدي (1).
والثاني: إلى قيام الساعة، وهذا قول من يقول المستقر هو القبور. قاله ابن عباس (2)، ومجاهد (3).
والثالث: إلى أجل. قاله الربيع (4).
والرابع: أن الحين: الوقت البعيد، قال خويلد (5):
كأبي الرماد عظيم القدر جفنته
…
حين الشتاء كحوض المنهل اللقف
لقف الحوض لقفا، أي تهور من أسفله واتسع.
وقال القرطبي: "والحين أيضا: المدة ومنه قوله تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} [الإنسان: 1]، والحين الساعة قال الله تعالى {أو تَقُولَ حِينَ تَرَى العَذَابَ} [الزمر: 58]، قال ابن عرفة الحين القطعة من الدهر كالساعة فما فوقها وقوله "فذرهم في غمرتهم حتى حين} [المؤمنون: 54] أي حتى تفنى آجالهم وقوله تعالى {تؤتي أكلها كل حين} [إبراهيم: 25] أي كل سنة وقيل بل كل ستة أشهر وقيل بل غدوة وعشيا، والحين الغدوة والعشية قال الله تعالى {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17] ويقال عاملته محاينة من الحين وأحينت بالمكان إذا أقمت به حينا وحان حين كذا أي قرب، قالت بثينة (6):
وإنَّ سُلُوِّي عن جميلٍ لَساعةٌ
…
من الدَّهْرِ ما حانتْ ولا حان حِينُها" (7)
وقد ذكر أهل التفسير أن لكلمة (حين) في القرآن الكريم دلالات (8):
1 -
حين بمعنى: ستة أشهر، ومنه قوله تعالى:{تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [إبراهيم: 25](9).
2 -
حين بمعنى: منتهى الآجال، ومنه قوله تعالى:{فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [البقرة: 36]، وقوله تعالى:{فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس: 98].
3 -
حين بمعنى: الساعات، ومنه قوله تعالى:{فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ} [الروم: 17 - 18].
4 -
حين بمعنى: وقت منكر، ومنه قوله تعالى:{وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} [ص: 88].
5 -
حين بمعنى: أربعون سنة، ومنه قوله تعالى:{هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان: 1].
6 -
حين بمعنى: ثلاثة أيام، ومنه قوله تعالى في الذاريات:{وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ} [الذاريات: 43].
7 -
حين بمعنى: نصف النهار، ومنه قوله تعالى:{وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ} [القصص: 15].
(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (402): ص 1/ 90.
(2)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (404): ص 1/ 90.
(3)
انظر: تفسير الطبري (772): ص 1/ 540.
(4)
انظر: تفسير الطبري (773): ص 1/ 540.
(5)
ديوان الهذليين 2/ 156 برواية: " عند الشتاء " وجاء في تفسيره: والحوض اللقف: الذي يتهدم من أسفله، وبهامشه عن الأغاني في تفسير اللقف: اللقف: الذي يضرب الماء أسفله فيتساقط وهو ملان.
(6)
ديوانه: 224، بثينة هي صاحبة جميل بن معمر الشاعر المعروف بحميل بثينة، والبيت في أمالي القالي: 1/ 201، والمجمل: 244، واللسان والتاج:(ح ي ن).
(7)
انظر: تفسير القطبي: 1/ 322 - 323.
(8)
انظر: نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر: ابن الجوزي: 255، ومعاني القرآن للزجاج: 1/ 116.
(9)
قال الزجاج: "وإنما {كل حين}، ههنا جُعِلَ لمدة معلومة، والحين يصلح للأوقات كلها، إلا أنه - في الاستعمال - في الكثير منها أكثر، يقال ما رأيتُكَ منذُ حين، تريد منذ حين طويل". [معاني القرآن: 1/ 116].
8 -
حين بمعنى: خمس سنين، ومنه قوله تعالى:{ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} [يوسف: 35](1). على أن نهاية سجن يوسف بوقت خروجه.
9 -
حين: ابتداء القتال يوم بدر، ومنه قوله تعالى:{فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ} [الصافات: 174]. على أن نهاية الاعراض عن المشركين بوقت الأمر بقتالهم.
الفوائد:
1 من فوائد الآية: الحذر من وقوع الزلل الذي يمليه الشيطان؛ لقوله تعالى: (فأزلهما الشيطان عنها).
2 ومنها: أن الشيطان يغرّ بني آدم كما غرّ أباهم حين وسوس لآدم، وحواء، وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين، وقال: يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى؛ فالشيطان قد يأتي الإنسان، فيوسوس له، فيصغر المعصية في عينه؛ ثم إن كانت كبيرة لم يتمكن من تصغيرها؛ منّاه أن يتوب منها، فيسهل عليه الإقدام؛ ولذلك احذر عدوك أن يغرك.
3 ومنها: إضافة الفعل إلى المتسبب له؛ لقوله تعالى: {فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه} ؛ وقد ذكر الفقهاء. رحمهم الله. أن المتسبب كالمباشر في الضمان، لكن إذا اجتمع متسبب ومباشر تمكن إحالة الضمان عليه فالضمان على المباشر؛ وإن لم تمكن فالضمان على المتسبب؛ مثال الأول؛ أن يحفر بئراً، فيأتي شخص، فيدفع فيها إنساناً، فيهلك: فالضمان على الدافع؛ ومثال الثاني: أن يلقي شخصاً بين يدي أسد، فيأكله: فالضمان على الملقي. لا على الأسد.
4 ومن فوائد الآية: أن الشيطان عدو للإنسان؛ لقوله تعالى: {بعضكم لبعض عدو} ؛ وقد صرح الله تعالى بذلك في قوله تعالى: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً} (فاطر: 6)
5 ومنها: أن قول الله تعالى يكون شرعياً، ويكون قدرياً؛ فقوله تعالى:{يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها} : هذا شرعي؛ وقوله تعالى: {وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو} : الظاهر أنه كوني؛ لأنه سبحانه وتعالى يعلم أنه لو عاد الأمر إليهما لما هبطا؛ ويحتمل أن يكون قولاً شرعياً؛ لكن الأقرب عندي أنه قول كوني. والله أعلم.
6 ومنها: أن الجنة في مكان عالٍ؛ لقوله تعالى: {اهبطوا} ؛ والهبوط يكون من أعلى إلى أسفل.
7 ومنها: أنه لا يمكن العيش إلا في الأرض لبني آدم؛ لقوله تعالى: {ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} ؛ ويؤيد هذا قوله تعالى: {فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون} [الأعراف: 25]؛ وبناءً على ذلك نعلم أن محاولة الكفار أن يعيشوا في غير الأرض إما في بعض الكواكب، أو في بعض المراكب محاولة يائسة؛ لأنه لابد أن يكون مستقرهم الأرض.
8 ومنها: أنه لا دوام لبني آدم في الدنيا؛ لقوله تعالى: {ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} .
القرآن
{فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)} [البقرة: 37]
التفسير:
استقبل آدم دعوات من ربه وألهمه إياها، وهي قوله تعالى:{رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [سورة الأعراف: 23]، فدعاه بها، فتاب الله عليه، وغفر له ذنبه إنه تعالى هو التواب لمن تاب مِن عباده، الرحيم بهم.
قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} [البقرة: 37]، " أي استقبل آدم دعوات من ربه ألهمه إياها فدعاه بها"(2).
قال الطبري: أي: " فلقَّى الله آدمَ كلمات توبة، فتلقَّاها آدم من ربه وأخذها عنه تائبًا"(3).
قال النسفي: " أي استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها. وفيه موعظة لذريتهما حيث عرفوا كيفية السبيل إلى التنصل من الذنوب"(4).
(1) وانظر: الأشباه والنظائر: 238، والوجوه والنظائر: 35، وجوه القرآن: 44، وإصلاح الوجوه: 149، وكشف السرائر:397.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 44.
(3)
تفسير الطبري: 1/ 541.
(4)
تفسير النسفي: 1/ 60.
قال ابن عثيمين: " يعني أخذ، وقَبِل، ورضي من الله كلمات حينما ألقى الله إليه هذه الكلمات. فالكلمات اعتراف آدم وحواء بأنهما أذنبا، وظلما أنفسهما، وتضرعهما إلى الله سبحانه وتعالى بأنه إن لم يغفر لهما ويرحمهما لكانا من الخاسرين"(1).
قال الشنقيطي: " لم يبين هنا ما هذه الكلمات، ولكنه بينها في سورة الأعراف بقوله: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] "(2).
قال البغوي: " التلقي: هو قبول عن فطنة وفهم، وقيل: هو التعلم"(3).
وقال ابن عطية: " والتلقي من آدم هو الإقبال عليها والقبول لها والفهم.
وحكى مكي قولا: أنه ألهمها فانتفع بها" (4).
واختلفت القراءة في قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ} [البقرة: 37]، على وجهين (5):
أحدهما: {فَتَلَقَّى آدَمَ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٌ} ، بنصب الاسم ورفع الكلمات. قرأ بها ابن كثير وحده.
والثاني: وقرأ الباقون: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ} ، برفع الاسم ونصب الكلمات.
وفي قراءة: {فتلقى آدمَ من ربه كلماتٌ} ، فجعل (الكلمات) هي المتلقية آدم، وقد اعترض الإمام الطبري عليها قائلا:" وذلك، وإن كان من وجهة العربية جائزًا - إذْ كان كل ما تلقاه الرجل فهو له مُتلقّ، وما لقيه فقد لَقيه، فصار للمتكلم أن يُوجه الفعل إلى أيهما شاء، ويخرج من الفعل أيهما أحب - فغير جائز عندي في القراءة إلا رفع " آدم " على أنه المتلقي الكلمات، لإجماع الحجة من القَرَأة وأهل التأويل من علماء السلف والخلف على توجيه التلقي إلى آدم دون الكلمات. وغيرُ جائز الاعتراض عليها فيما كانت عليه مجمعة، بقول من يجوز عليه السهو والخطأ"(6).
واختُلِفَ في الكلمات التي تلقَّاها آدم من ربِّه على أربعة أقاويل (7):
أحدها: قوله {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُوْنَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] وهذا قول الحسن، وقتادة (8)، ومجاهد (9)، وابن زيد (10).
والثاني: قول آدم: اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، ربِّ إني ظلمت نفسي، فاغفر لي، إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، إنِّي ظلمت نفسي، فتُب عليَّ، إِنَّك أنت التوابُ الرحيم، وهذا قول مجاهد (11)، وروي عن عبدالرحمن بن يزيد بن معاوية (12)، نحو ذلك.
والثالث: أن آدم قال لربِّه إذ عصاه: ربِّ أرأيت إن تبت وأصلحت؟ فقال ربُّه: إني راجعك إلى الجنَّةِ، وكانت هي الكلمات التي تلقاها من ربه، وهذا قول ابن عباسٍ (13) وقتادة (14)، وأبي العالية (15)، والسدي (16).
(1) تفسير ابن عثيمين: 1/ 134.
(2)
أضواء البيان: 34.
(3)
تفسير البغوي: 1/ 85.
(4)
المحرر الوجيز: 1/ 130.
(5)
انظر: السبعة: 153، والحجة للقراءة السبعة: 2/ 23.
(6)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 542، وكثير 1: 147، والدر المنثور 1: 59، والشوكاني 1:58.
(7)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 541 وما بعدها، والنكت والعيون: 1/ 109.
(8)
انظر: تفسير الطبري (791): ص 1/ 546.
(9)
انظر: تفسير الطبري (787): ص 1/ 545.
(10)
انظر: تفسير الطبري (774): ص 1/ 541 - 542.
(11)
انظر: تفسير الطبري (788): ص 1/ 545.
(12)
انظر: تفسير الطبري (786): ص 1/ 544 - 545.
(13)
انظر: تفسير الطبري (775)، و (776)، و (777): ص 1/ 542 - 543.
(14)
انظر: تفسير الطبري (778): ص 1/ 543.
(15)
انظر: تفسير الطبري (779): ص 1/ 543.
(16)
انظر: تفسير الطبري (780): ص 1/ 543.
والرابع: أن آدم قال لربه إذ عصاه: : يا رب، خطيئتي التي أخطأتها، أشيء كتبته علي قبل أن تخلقني، أو شيء ابتدعتُهُ من قبل نفسي؟ قال: بلى، شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك. قال: فكما كتبته عليّ فاغفره لي. قاله عبيد بن عمير (1).
وهذه الأقوال وإن كانت مختلفة الألفاظ، فإن معانيها متفقة في أن الله جل ثناؤه لقَّى آدمَ كلماتٍ، فتلقَّاهُنّ آدمُ من ربه فقبلهن وعمل بهن، وتاب بقِيله إياهنّ وعملِه بهنّ إلى الله من خطيئته (2)، والراجح هو قوله تعالى:{رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]، وهو قول عامة أهل العلم مثل ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والضحاك ومجاهد (3).
قال ابن عطية: "وسئل بعض سلف المسلمين عما ينبغي أن يقوله المذنب، فقال: يقول ما قال أبواه، رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا. وما قال موسى: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي. [القصص: 16]. وما قال يونس: لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. [الأنبياء: 87] "(4).
قوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْهِ} [البقرة: 37]، "أي وفقه للتوبة وقبلها منه، وعاد عليه بالمغفرة"(5).
قال الصابوني: "أي قبل ربه توبته"(6).
قال الواحدي: " أي عاد عليه بالمغفرة"(7).
قال أبو حيان: "أي تفضل عليه بقبول توبته"(8).
قال ابن عطية: أي: "رجع به، والتوبة من الله تعالى الرجوع على عبده بالرحمة والتوفيق، والتوبة من العبد الرجوع عن المعصية والندم على الذنب مع تركه فيما يستأنف"(9).
قال الماوردي: " أي قبل توبته، والتوبةُ الرجوع، فهي من العبد رجوعه عن الذنب بالندم عليه، والإقلاع عنه، وهي من الله تعالى على عبده، رجوع له إلى ما كان عليه"(10).
قال الراغب: " التوبة في الشرع: ترك الذنب، والندم على ما فات، والعزيمة على عدم العودة إليه، وتدارك ما أمكنه من عمل الصالحات، فهذه أركان التوبة وشرائطها"(11).
ومعنى (التوبة) في اللغة: الرجوع. وفي الشريعة: رجوع العبد من المعصية إلى الطاعة، فالعبد يتوب إلى الله والله يتوب عليه، أي يرجع عليه بالمغفرة، والعبد تواب إلى الله أي راجع إليه بالندم، والله تواب يعود عليه بالكرم، والعبد تواب إلى الله بالسؤال، والله تواب عليه بالنوال" (12).
وقوله: {فَتَابَ عَلَيْهِ} ، ولم يقل (عليهما) وحواء مشاركة لآدم في الذنب، وقد قال تعالى لهما: قال {وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [البقرة: 35] و {قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} [الأعراف: 23]، يجاب على هذه المسألة بما يأتي:
أولا: إن آدم عليه السلام لما خاطب في أول القصة بقوله (اسكن) خصه بالذكر في التلقي فلذلك كملت القصة بذكره وحده.
الثاني: لأن المرأة حرمة ومستورة فأراد الله الستر لها ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه: 121].
(1) انظر: تفسير الطبري (781)، و (782)، و (783)، و (784) و (785): ص 1/ 544.
(2)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 542 ومابعدها.
(3)
انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 324.
(4)
المحرر الوجيز: 1/ 131.
(5)
أنظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 131، "زاد المسير" 1/ 70، و"تفسير ابن كثير" 1/ 87.
(6)
صفوة التفاسير: 1/ 44.
(7)
التفسير البسيط: 2/ 409.
(8)
البحر المحيط: 1/ 137.
(9)
المحرر الوجيز: 1/ 131.
(10)
النكت والعيون: 1/ 109.
(11)
مفردات الراغب: 76. وانظر: "شرح أسماء الله" للزجاج ص 61، "تهذيب اللغة" (تاب) 1/ 416 - 417، "تفسير الطبري" 1/ 246، و"ابن عطية" 1/ 131 - 132، و"القرطبي" 1/ 277 - 278، "زاد المسير" 1/ 70، "البحر" 1/ 166.
(12)
التفسير البسيط: 2/ 409. وانظر: تهذيب اللغة" (تاب) 1/ 416 - 417.
الثالث: وأيضا لما كانت المرأة تابعة للرجل في غالب الأمر لم تذكر كما لم يذكر فتى موسى مع موسى في قوله {أَلَمْ أَقُلْ لَكَ} [الكهف: 75].
الرابع: وقيل: إنه دل بذكر التوبة عليه أنه تاب عليها إذ أمرهما سواء، قاله الحسن.
الخامس: وقيل: إنه مثل قوله تعالى {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا} [الجمعة: 11] أي التجارة لأنها كانت مقصود القوم فأعاد الضمير عليها ولم يقل إليهما والمعنى متقارب. وقال الشاعر (1):
رَماني بِأَمرٍ كُنتُ مِنهُ وَوالِدي بِرِيّاً وَمِن أَجلِ الطَوِيِّ رَماني
وفي التنزيل {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [التوبة: 62] فحذف إيجازا واختصارا (2).
قوله تعالى: {إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم} [البقرة: 37]، " أي إِن الله كثير القبول للتوبة، واسع الرحمة للعباد"(3).
قال محمد بن إسحاق: " {الرحيم}: يرحم العباد على ما فيهم"(4).
وقال سعيد بن جبير: "رحيم بهم بعد التوبة"(5).
قال الواحدي: " أي يتوب على عبده بفضله إذا تاب إليه من ذنبه"(6).
قال النسفي: " {التوّاب} الكثير القبول للتوبة، {الرحيم} على عباده"(7).
قال ابن عطية: " وبنية {التَّوَّابُ}، للمبالغة والتكثير، وفي قوله تعالى: {إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، تأكيد فائدته أن التوبة على العبد إنما هي نعمة من الله، لا من العبد وحده لئلا يعجب التائب، بل الواجب عليه شكر الله تعالى في توبته عليه"(8).
واختلفت القراءة في قوله تعالى {إنه} [البقرة: 37]، على وجهين (9):
أحدهما: {إنَّهُ} : بكسر الهمزة. وهي قرأءة الجمهور.
والثاني: {أَنَّهُ} : بفتح الهمزة، قرأ بها نوفل بن أبي عقرب، ووجهه أنه فتح على التعليل، على معنى (لأنه).
قال أبو حيان: فالمفتوحة مع ما بعدها فضلة، إذ هي في تقدير مفرد ثابت واقع مفروغ من ثبوته لا يمكن فيه نزاع منازع، وأما الكسر فهي جملة ثابتة تامة أخرجت مخرج الإخبار المستقل الثابت، ومع ذلك فلها ربط معنوي بما قبلها، كما جاءت في:{وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِى إِنَّ النَّفْسَ لامَّارَةُ} ، {اتَّقُوا رَبَّكُم إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ} ، {وَصَلِّ عَلَيْهِم إِنَّ} ، حتى لو وضعت الفاء التي تعطي الربط مكانها أغنت عنها، وقالوا: إن أن إنما تجيء لتثبيت ما يتردد المخاطب في ثبوته ونفيه، فإن قطع بأحد الأمرين، فليس من مظانها، فإن وجدت داخلة على ما قطع فيه بأحد الأمرين ظاهراً، فيكون ذلك لتنزيله منزلة المتردد فيه لأمر ما" (10).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: منة الله سبحانه وتعالى على أبينا آدم حين وفقه لهذه الكلمات التي كانت بها التوبة؛ لقوله تعالى: {فتلقى آدم من ربه كلمات} .
(1) وفي رواية: بأمر كنت منه ووالدي
…
بريئا ومن فوق الطوي رماني. اختلف في قائله، فقد نسبه سيبويه الى ابن أحمر، وقيل: للأزرق بن طرفة، كما نسبه الأفندي الى الفرزدق ولم نجده في ديوانه المطبوع، ومعناه واضح، وجول الطوي: جدار البئر من اعلاها الى أسفلها، وفي المثل: رماني من جول الطوي: أي رماني بما هو راجع إليه، انظر كتاب سيبويه: ج 1 ص 75، وشرح شواهد الكشاف: ص 549.
(2)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 324.
(3)
صفوة التفاسير: 1/ 44.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (414): ص 1/ 92.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (415): ص 1/ 92.
(6)
التفسير البسيط: 2/ 409.
(7)
تفسير النسفي: 1/ 60.
(8)
المحرر الوجيز: 1/ 131.
(9)
أنظر: البحر المحيط: 1/ 140، والمحرر الوجيز: 1/ 131.
(10)
أنظر: البحر المحيط: 1/ 140.
2 ومنها: أن منة الله على أبينا هي منة علينا في الحقيقة؛ لأن كل إنسان يشعر بأن الله إذا منَّ على أحد أجداده كان مانّاً عليه.
3 ومنها: أن قول الإنسان: "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" سبب لقبول توبة الله على عبده؛ لأنها اعتراف بالذنب؛ وفي قول الإنسان: "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" أربعة أنواع من التوسل؛ الأول: التوسل بالربوبية؛ الثاني: التوسل بحال العبد: {ظلمنا أنفسنا} ؛ الثالث: تفويض الأمر إلى الله؛ لقوله: {وإن لم تغفر لنا .. } إلخ؛ الرابع: ذكر حال العبد إذا لم تحصل له مغفرة الله ورحمته؛ لقوله تعالى: {لنكونن من الخاسرين} ، وهي تشبه التوسل بحال العبد؛ بل هي توسل بحال العبد؛ وعليه فيكون توسل العبد بحاله توسلاً بحاله قبل الدعاء، وبحاله بعد الدعاء إذا لم يحصل مقصوده.
4 ومن فوائد الآية: أن الله تعالى يتكلم بصوت مسموع؛ وجه ذلك أن آدم تلقى منه كلمات؛ وتلقي الكلمات لا يكون إلا بسماع الصوت؛ وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم بكلام بصوت مسموع، وحروف مرتبة.
5 ومنها: منة الله عز وجل على آدم بقبول التوبة؛ فيكون في ذلك منَّتان؛ الأولى: التوفيق للتوبة، حيث تلقَّى الكلمات من الله؛ والثانية: قبول التوبة، حيث قال تعالى:{فتاب عليه} .
واعلم أن لله تعالى على عبده توبتين؛ التوبة الأولى قبل توبة العبد؛ وهي التوفيق للتوبة؛ والتوبة الثانية بعد توبة العبد؛ وهي قبول التوبة؛ وكلاهما في القرآن؛ قال الله. تبارك وتعالى: {وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا} [التوبة: 118]: فقوله تعالى: {ثم تاب عليهم} أي وفقهم للتوبة، وقوله تعالى:{ليتوبوا} أي يقوموا بالتوبة إلى الله؛ وأما توبة القبول ففي قوله تعالى: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات} (الشورى: 25)
6 ومن فوائد الآية: أن الإنسان إذا صدق في تفويض الأمر إلى الله، ورجوعه إلى طاعة الله فإن الله تعالى يتوب عليه؛ وهذا له شواهد كثيرة أن الله أكرم من عبده؛ من تقرب إليه ذراعاً تقرب الله إليه باعاً، ومن أتاه يمشي أتاه الله هرولة؛ فكرم الله عز وجل أعلى، وأبلغ من كرم الإنسان.
7 ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين: {التواب} ، و {الرحيم} ؛ وما تضمناه من صفة، وفعل.
8 ومنها: اختصاص الله بالتوبة، والرحمة؛ بدليل ضمير الفصل؛ ولكن المراد اختصاصه بالتوبة التي لا يقدر عليها غيره؛ لأن الإنسان قد يتوب على ابنه، وأخيه، وصاحبه، وما أشبه ذلك؛ لكن التوبة التي لا يقدر عليها إلا الله. وهي المذكورة في قوله تعالى:{ومن يغفر الذنوب إلا الله} [آل عمران: 135]. هذه خاصة بالله.
كذلك الرحمة المراد بها الرحمة التي لا تكون إلا لله؛ أما رحمة الخلق بعضهم لبعض فهذا ثابت. لا يختص بالله عز وجل؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الراحمون يرحمهم الرحمن"(1).
القرآن
التفسير:
قال الله لهم: اهبطوا من الجنة جميعًا، وسيأتيكم أنتم وذرياتكم المتعاقبة ما فيه هدايتكم إلى الحق، فمن عمل بها فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة ولا هم يحزنون على ما فاتهم من أمور الدنيا.
قوله تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا} [البقرة: 38]، أي: قال الله لهم " اهبطوا من الجنة إلى الأرض"(2).
(1) أخرجه أحمد 2/ 160، حديث رقم 6494؛ وأخرجه أبو داود ص 1585، كتاب الأدب، باب 58: في الرحمة، حديث 4941؛ وأخرجه الترمذي ص 1846، كتاب البر والصلة، باب 16: ما جاء في رحمة الناس، حديث رقم 1924، وفي الحديث: أبو قابوس لم يوثقه غير ابن حبان، قال الألباني: حديث صحيح بالشواهد والمتابعات [السلسلة الصحيحة 2/ 630 – 631، حديث رقم 925] ،
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 44.
قال المراغي: " هذا الأمر لبيان أن طور النعيم والراحة قد انتهى وجاء طور العمل، وفيه طريقان: هدى وإيمان، وكفر وخسران"(1).
واختلف في سبب تكرار الأمر بالهبوط، على وجوه (2):
أحدها: قالوا: كرّره على جهة التغليظ وتأكيده؛ كما تقول لرجل: قُمْ قُمْ.
والثاني: وقيل: كرر الأمر لما علق بكل أمر منهما حكما غير حكم الآخر فعلق بالأول العداوة وبالثاني إتيان الهدى.
والثالث: وقيل: الهبوط الأول من الجنة إلى السماء والثاني من السماء إلى الأرض، وعلى هذا يكون فيه دليل على أن الجنة في السماء السابعة، ويضعف هذا الوجه قوله في الهبوط الأول {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [البقرة: 36] (3).
والقول الثاني هو الأقرب، لأن الهبوط الأول دل على أن هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون، والثاني أشعر بأنهم أهبطوا للتكليف، فمن اهتدى الهدى نجا ومن ضله هلك (4).
قوله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى} [البقرة: 38]، " أي: فإن يأتكم مني شريعة ورسول وبيان ودعوة" (5).
قال السعدي: " أي: أيَّ وقت وزمان جاءكم مني -يا معشر الثقلين- هدى، أي: رسول وكتاب يهديكم لما يقربكم مني، ويدنيكم مني، ويدنيكم من رضائي"(6).
وقال أبو العالية: " الهدى الأنبياء والرسل، والبيان"(7).
وقال مقاتل بن حيان: "يعني بالهدى محمدا- صلى الله عليه وسلم"(8).
وقال الحسن: "الهدى: القرآن"(9).
قال ابن عطية: " وفي قوله تعالى: {مِنِّي}، إشارة إلى أن أفعال العباد خلق الله تعالى"(10).
وقوله تعالى {َإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى} [البقرة: 38]، يحتمل ثلاثة أوجه (11):
أحدها: معناه: رسول، أبعثه إليكم. قال ابن عطية:"وقالت فرقة: الهدى الرسل، وهي إلى آدم من الملائكة وإلى بنيه من البشر: هو فمن بعده"(12).
والثاني: كتاب، أنزله عليكم بدليل قوله تعالى:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِاايَاتِنَآ} [البقرة: 39].
والثالث: وقيل: معنى قوله {هُدىً} : بيان وإرشاد. روي عن أبي العالية (13) مثل ذلك.
قال ابن عطية: "والصواب أن يقال: بيان ودعاء"(14).
قوله تعالى: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ} [البقرة: 38]، " أي: قبل أمري واتبع ما آمر به" (15).
(1) تفسير المراغي: 1/ 92.
(2)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 327، والتفسير البسيط: 2/ 410.
(3)
ضعف أبو حيان هذا الوجه: لأن الله قال في الهبوط الأول: {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} ولم يحصل الاستقرار على هذا القول إلا بالهبوط الثاني فكان يمبغي أن يذكر الاستقرار فيه، وقال في الهبوط الثاني:{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا} ، وظاهر الضمير أنه يعود إلى الجنة. [أنظر: البحر: 1/ 167].
(4)
انظر: تفسير البيضاوي: 1/ 71.
(5)
التفسير البسيط: 2/ 416.
(6)
تفسير السعدي: 50.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (419): ص 1/ 93.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (420): ص 1/ 93.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (421): ص 1/ 93.
(10)
المحرر الوجيز: 1/ 131.
(11)
أنظر: تفسير النسفي: 1/ 60.
(12)
المحرر الوجيز: 1/ 131.
(13)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (422): ص 1/ 93.
(14)
المحرر الوجيز: 1/ 131.
(15)
التفسير البسيط: 2/ 416.
قال ابن كثير: " أي: من أقبل على ما أنزلت به الكتب وأرسلت به الرسل"(1).
قال الصابوني: " أي من آمن بي وعمل بطاعتي"(2).
قال النسفي: " أي بالقبول والإيمان به"(3).
قال السعدي: " بأن آمن برسلي وكتبي، واهتدى بهم، وذلك بتصديق جميع أخبار الرسل والكتب، والامتثال للأمر والاجتناب للنهي"(4).
قال أبو خالد: " {فمن تبع هداي}، يعني كتابي"(5).
وقال مقاتل بن حيان: " فمن تبع محمدا- صلى الله عليه وسلم"(6).
قوله تعالى: {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38]، "أي لا ينالهم خوف ولا حزن في الآخرة"(7).
قال سعيد بن جبير: " {لا خوف عليهم}، يعني: في الآخرة"(8). وعنه كذلك: " {ولا هم يحزنون}، يعني: لا يحزنون للموت"(9).
قال الواحدي: " فلا خوف عليه في الآخرة ولا حزن"(10).
قال النسفي: أي " {فلا خوف عليهم}، في المستقبل، {ولا هم يحزنزن}، على ما خلفوا"(11).
قال ابن كثير: " {فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}، أي: فيما يستقبلونه من أمر الآخرة {وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} على ما فاتهم من أمور الدنيا، كما قال في سورة طه: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} [طه: 123] "(12).
قال المراغي: " أي إن المهتدين بهدى الله لا يخافون مما هو آت، ولا يحزنون على ما فات، فإن من سلك سبيل الهدى سهل عليه كل ما أصابه أو فقده، لأنه موقن بأن الصبر والتسليم مما يرضى ربه، ويوجب مثوبته، فيكون له من ذلك خير عوض عما فاته، وأحسن عزاء عما فقده، فمثله مثل التاجر الذي يكدّ ويسعى وتنسيه لذة الربح آلام التعب"(13).
وفي قراءة يعقوب: {فلا خوف} بالفتح في كل القرآن.
قال السعدي: " فرتب على اتباع هداه أربعة أشياء: نفي (الخوف والحزن)، والفرق بينهما، أن المكروه إن كان قد مضى، أحدث الحزن، وإن كان منتظرا، أحدث الخوف، فنفاهما عمن اتبع هداه وإذا انتفيا، حصل ضدهما، وهو الأمن التام.
وكذلك نفي (الضلال والشقاء) عمن اتبع هداه وإذا انتفيا ثبت ضدهما، وهو الهدى والسعادة، فمن اتبع هداه، حصل له الأمن والسعادة الدنيوية والأخروية والهدى، وانتفى عنه كل مكروه، من الخوف، والحزن، والضلال، والشقاء، فحصل له المرغوب، واندفع عنه المرهوب، وهذا عكس من لم يتبع هداه، فكفر به، وكذب بآياته" (14).
الفوائد:
(1) تفسير ابن كثير: 1/ 240.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 44.
(3)
تفسير النسفي: 1/ 60.
(4)
تفسير السعدي: 50.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (424): ص 1/ 93.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (423): ص 1/ 93.
(7)
صفوة التفاسير: 1/ 44.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (425): ص 1/ 93.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (426): ص 1/ 93.
(10)
التفسير البسيط: 2/ 416.
(11)
تفسير النسفي: 1/ 60.
(12)
تفسير ابن كثير: 1/ 240.
(13)
تفسير المراغي: 1/ 93.
(14)
تفسير السعدي: 50.
1 من فوائد الآية أن الجنة التي أُسكنها آدم أولاً كانت عالية؛ لقوله تعالى: {اهبطوا} ؛ والهبوط لا يكون إلا من أعلى.
2 ومنها: إثبات كلام الله؛ لقوله تعالى: (قلنا).
3.
ومنها: أن التوكيد في الأسلوب العربي فصيح، ومن البلاغة؛ لقوله تعالى:{جميعاً} ؛ وهو توكيد معنوي: لأنه حال من حيث الإعراب؛ لأن الشيء إذا كان هاماً فينبغي أن يؤكد؛ فتقول للرجل إذا أردت أن تحثه على الشيء: "يا فلان عجل عجل عجل" ثلاث مرات؛ والمقصود التوكيد، والحث.
4.
ومنها: أن الهدى من عند الله؛ لقوله تعالى: {فإما يأتينكم مني هدًى} .
فإن قال قائل: "إنْ" في قوله تعالى: {فإما} لا تدل على الوقوع؛ لأنها ليست كـ "إذا"؟ قلنا: نعم، هي لا تدل على الوقوع، لكنها لا تنافيه؛ والواقع يدل على الوقوع. أنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير؛ وممكن أن نقول: في هذه الصيغة. {فإما يأتينكم} . ما يدل على الوقوع؛ وهو توكيد الفعل.
ويتفرع على هذه الفائدة: أنك لا تسأل الهدى إلا من الله عز وجل؛ لأنه هو الذي يأتي به.
5.
ومن فوائد الآية: أن من اتبع هدى الله فإنه آمن من بين يديه، ومن خلفه؛ لقوله تعالى:
{فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} .
6.
ومنها: أنه لا يتعبد لله إلا بما شرع؛ لقوله تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} .
7.
ومنها: أن من تعبد لله بغير ما شرع فهو على غير هدى؛ فيكون ضالاً كما شهدت بذلك السنة؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة يقول: "وشر الأمور محدثاتها؛ وكل محدثة بدعة؛ وكل بدعة ضلالة (1).
8 -
وفي هذه الآيات وما أشبهها، انقسام الخلق من الجن والإنس، إلى أهل السعادة، وأهل الشقاوة، وفيها صفات الفريقين والأعمال الموجبة لذلك، وأن الجن كالإنس في الثواب والعقاب، كما أنهم مثلهم، في الأمر والنهي (2).
القرآن
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)} [البقرة: 39]
التفسير:
والذين جحدوا وكذبوا بآياتنا المتلوة ودلائل توحيدنا، أولئك الذين يلازمون النار، هم فيها ماكثون أبداً لا يفنون ولا يخرجون.
قوله تعالى: {{وَالَّذِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 40]، الذين كفروا بالله، فاستكبروا عن طاعته، ولم ينقادوا لها" (3).
قال الثعلبي: " أي جحدوا"(4).
قال المراغي: " أي وأما الذين لم يتبعوا هداى، وهم الذين كفروا بآياتنا اعتقادا"(5).
قال قتادة: {والذين كفروا} ، "المشركون من قريش"(6).
قوله تعالى: {وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} [البقرة: 39]، أي: وكذبوا"بالكتاب والرسول"(7).
قال الثعلبي: " يعني القرآن"(8).
(1) أخرجه النسائي ص 2193، كتاب صلاة العيدين، باب 22: كيف الخطبة، حديث رقم 1579 ن بزيادة:"وكل ضلالة في النار"، وقال الألباني في صحيح النسائي: صحيح [1/ 512، حديث رقم 1577]، وأصله في مسلم ص 813، كتاب الجمعة، باب 13: تخفيف الصلاة والخطبة، رقم الحديث 2005 [43] 867، بدون:"وكل محدثة بدعة" ولا "وكل صلالة في النار".
(2)
أنظر: تفسير السعدي: 50.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 141.
(4)
تفسير الثعلبي: 1/ 185.
(5)
تفسير المراغي: 1/ 93.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (427): ص 1/ 94.
(7)
محاسن التأويل: 1/ 295.
(8)
تفسير الثعلبي: 1/ 185.
قال الصابوني: "بما أنزلت وبما أرسلت"(1).
قال المراغي: "وكذّبوا بها لسانا"(2).
قال ابن عثيمين: "أي بالآيات الشرعية؛ وإن انضاف إلى ذلك الآيات الكونية زاد الأمر شدة؛ لكن المهم الآيات الشرعية؛ لأن من المكذبين الكافرين من آمنوا بالآيات الكونية دون الشرعية؛ فمثلاً كفار قريش مؤمنون بالآيات الكونية مقرون بأن الله خالق السموات، والأرض، وأنه المحيي، وأنه المميت، وأنه المدبر لجميع الأمور؛ لكنهم كافرون بالآيات الشرعية"(3).
وفي تفسير قوله تعالى: {بِآيَاتِنَا} [البقرة: 39]، قولان:
أحدهما: أن" آيات الله فمحمد صلى الله عليه وسلم". قاله السدي (4).
والثاني: أنها القرآن. قاله سعيد بن جبير (5).
قال ابن عطية: " وقال وَكَذَّبُوا وكان في الكفر كفاية لأن لفظة كفروا يشترك فيها كفر النعم وكفر المعاصي، ولا يجب بهذا خلود فبين أن الكفر هنا هو الشرك، بقوله وَكَذَّبُوا بِآياتِنا"(6).
قال المراغي: " والتكذيب كفر سواء كان عن اعتقاد بعدم صدق الرسول، أو مع اعتقاد صدقه وهو تكذيب الجحود والعناد، وفي مثلهم يقول الله تعالى لنبيه: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}، وقد يوجد الكفر بالقلب مع تصديق اللسان كما هى حال المنافقين"(7).
و{الآيات} جمع آية، ومعنى الآية في اللغة: العلامة (8)، ومنه قوله:{تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ} [المائدة: 114] أي علامة منك لإجابتك دعاءنا، فكل آية من الكتاب علامة ودلالة على المضمون فيها. وقال أبو عبيدة: معنى الآية: أنها علامة لانقطاع الكلام الذي قبلها، وانقطاعه من الذي بعدها (9)، وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: الآية العلامة (10).
وقال الليث: الآية العلامة، والآية من آيات القرآن، والجميع: الآي، ولم يزد على هذا (11). فالآية بمعنى العلامة في اللغة صحيحة.
قال الأحوص (12):
أَمِنْ رَسْمِ آيَاتٍ عَفَوْنَ وَمَنْزِلٍ
…
قَدِيمٍ تُعَفِّيهِ الأَعاصِيرُ مُحْوِلِ
قال ابن السكيت وحكاه أبو عمرو يقال: "خرج القوم بآيتهم، أي بجماعتهم، لم يدعوا وراءهم شيئا"(13)، وقال بُرْج بن مُسْهِر (14):
(1) صفوة التفاسير: 1/ 44.
(2)
تفسير المراغي: 1/ 93.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 141.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (428): ص 1/ 94.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (429): ص 1/ 94.
(6)
المحرر الوجيز: 1/ 132.
(7)
تفسير المراغي: 1/ 93.
(8)
أنظر: "معجم مقاييس اللغة"(أبي) 1/ 168، "الزاهر" 1/ 172، "مفردات الراغب" ص 33، "اللسان"(أيا) 1/ 185، و"فوائد في مشكل القرآن" ص 68، "البرهان في علوم القرآن" 1/ 266.
(9)
في "المجاز" لأبي عبيدة. (إنما سميت آية لأنها كلام متصل إلى انقطاعه، انقطاع معناه قصة ثم قصة (1/ 5) وانظر: "الزاهر" 1/ 172.
(10)
لم أجده عن ابن الأعرابي، ويظهر أن الواحدي نقل الكلام وما بعده من "تهذيب اللغة"، ولم أجد بحث (آية) في المطبوع من "تهذيب اللغة"، انظر:"الغربيين" للهروي 1/ 116، 117، "اللسان"(أيا) 1/ 185.
(11)
انظر: "الصحاح"(أيا) 6/ 2275، "مقاييس اللغة"(أي) 1/ 168، "مفردات الراغب" ص 33، "اللسان"(أيا) 1/ 185.
(12)
هو الأحوص بن محمد بن عبد الله بن عاصم بن ثابت، لشعره رونق وحلاوة أكثر في الغزل، وكان يشبب بنساء أشراف المدينة، فنفاه سليمان بن عبد الملك إلى (دهلك)، انظر:"الشعر والشعراء" ص 345، "الخزانة" 2/ 16.
(13)
إصلاح المنطق" ص 304، وانظر: "الزاهر" 1/ 173، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 34، "زاد المسير" 1/ 71.
(14)
قوله: نزجي: نسوق، واللقاح: النوق ذوات اللبن، والمطافل: النوق معها أولادها. ورد البيت في "إصلاح المنطق" ص 304، "الزاهر" 1/ 172، "مقاييس اللغة"(أي) 1/ 169، "تفسير القرطبي" 1/ 57، "زاد المسير" 1/ 71، (الخزانة) 6/ 515، "اللسان"(أيا) 1/ 185، "الدر المصون" 1/ 308.
خَرَجْنَا مِنَ النَّقْبَيْنِ لَا حَيَّ مْثِلُنَا
…
بآِيَتِنا نُزْجِي اللِّقَاحَ المطَافِلا
معناه: خرجنا بجماعتنا. فعلى هذا القول معنى الآية من كتاب الله جماعة حروف دالة على معنى مخصوص (1).
قوله تعالى: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ} [البقرة: 39]، " أي: الملازمون لها، ملازمة الصاحب لصاحبه، والغريم لغريمه" (2).
قال ابن عباس: " أي خالدون أبدا"(3).
قال البغوي: أي: " لا يخرجون منها ولا يموتون فيها"(4).
وقوله {أُولَئِكَ} ، "أي المذكورون؛ وأشار إليهم بإشارة البعيد لانحطاط رتبتهم لا ترفيعاً لهم، وتعلية لهم، و {أصحاب النار} أي الملازمون لها؛ ولهذا لا تأتي "أصحاب النار" إلا في الكفار؛ لا تأتي في المؤمنين أبداً؛ لأن المراد الذين هم مصاحبون لها؛ والمصاحب لابد أن يلازم من صاحبه"(5).
قوله تعالى: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 39]، أي:"لا يخرجون منها، ولا يفتر عنهم العذاب ولا هم ينصرون"(6).
قال ابن عثيمين: " أي ماكثون؛ والمراد بذلك المكث، الدائم الأبدي؛ ودليل ذلك ثلاث آيات في كتاب الله؛ آية في النساء، وآية في الأحزاب، وآية في الجن؛ أما آية النساء فقوله تعالى: {إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً * إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً} [النساء: 168، 169]؛ وأما آية الأحزاب فقوله تعالى: {إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً * خالدين فيها أبداً} [الأحزاب: 64، 65]؛ وأما آية الجن فقوله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً} [الجن: 23] "(7).
وروي عن أنس مرفوعا، أنه قال:"المخلدون في النار في توابيت من حديد مطبقة"(8).
قال ابن عطية: " والصحبة الاقتران بالشيء في حالة ما، في زمن ما، فإن كانت الملازمة والخلطة فهو كمال الصحبة، وهكذا هي صحبة أهل النار لها، وبهذا القول ينفك الخلاف في تسمية الصحابة رضي الله عنهم إذ مراتبهم متباينة، أقلها الاقتران في الإسلام والزمن، وأكثرها الخلطة والملازمة"(9).
وقوله تعالى: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} : حكم القرآن بالخلود الأبدي على الكفار، إذ يرى أهل السنة والجماعة بأنه لا يبقى في النار إلا من حكم عليه القرآن بالخلود الأبدي وهم الكفار، وقد استدل العلماء بآيات وأحاديث عديدة جدا على قولهم بخروج العصاة من أهل الإيمان من النار بعدما ردوا على معظم هذه الأدلة التي ساقوها بآيات كثيرة جدا منها قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48]، وكذلك بأحاديث الشفاعة الكثيرة التي تبين أن الله تعالى يخرج من النار من يشاء من العصاة المسلمين (10).
(1) أنظر: التفسير البسيط: 2/ 419 - 421.
(2)
تفسير السعدي: 50.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (431): ص 1/ 94.
(4)
تفسير البغوي: 1/ 86.
(5)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 141.
(6)
تفسير السعدي: 50.
(7)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 141.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (432): ص 1/ 94.
(9)
المحرر الوجيز: 1/ 132.
(10)
وسنعرض لبعض أدلة علماء أهل السنة من القران والأحاديث الشريفة.
1 -
قال الله عز وجل: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} [مريم: 71].
2 -
قال جل شأنه: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33)} [فاطر: 32 - 33]، فقد قال العلماء أن في هذه الآية حرف يستحق أن يكتب بماء العين لا بماء الذهب ألا وهو الواو في قوله تعالى (يدخلونها)، فهذا وعد من الكريم سبحانه الذي لا يخلف وعده بدخول كل هذه الأمة الجنة، بأصنافها الثلاث: الظالمون والمقتصدون والسابقون، الكل وعده الله بدخول جنته، وقدم الظالم كما قال العلماء حتى لا يقنط وأخر السابق حتى لا يغتر. والوعد لكل المسلمين بجنات عدن مع البدء بالظالم وهو الذي خلط الطاعات بالمعاصي، يؤكد بقوة على أن هذه الآية من أرجى آيات القرآن الحكيم حيث لم يبقى قسم من المسلمين خارج عن هذا الوعد فهو شامل لكل من دخل في زمرة المسلمين، فحق لهذه الآية أن تكون من أرجى آيات القرآن الحكيم، ولا ريب أن الظالم هو الذي أذنب وأتى بالمعاصي سواء كانت كبيرة أو صغيرة، وهذه من أقوى الآيات في الرد على القائلين بخلود أهل المعاصي في النار.
3 -
4 -
ويقول جلت قدرته: في "هود" عن أهل {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [هود: 107].
والآيات كثيرة ونورد بعضا من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم:
1 -
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
…
حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ الْقَضَاءِ بَيْنَ عِبَادِهِ وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ النَّارِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِمَّنْ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ أَمَرَ الْمَلائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوهُمْ فَيَعْرِفُونَهُ مْ بِعَلَامَةِ آثَارِ السُّجُودِ وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْ ابْنِ آدَمَ أَثَرَ السُّجُودِ فَيُخْرِجُونَهُ مْ قَدْ امْتُحِشُوا فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ مَاءُ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ". [رواه البخاري 6574 ومسلم 172].
2 -
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَإِنَّهُمْ لا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلا يَحْيَوْنَ وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمْ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ ثُمَّ قِيلَ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ". [رواه مسلم 185].
3 -
حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير" وفي رواية: "من إيمان" مكان "من خير". [رواه البخاري 44، ومسلم 193].
4 -
أحاديث شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر الذين دخلوا النار أن يخرجوا منها فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله، من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً". [رواه مسلم 199].
يوضح ذلك حديث الشفاعة المشهور وفيه
…
فيقول: "أي عيسى عليه السلام: ائتوا محمداً صلى الله عليه وسلم عبداً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأنطلق حتى أستأذن على ربي فيؤذن لي، فإذا رأيت ربي وقعت ساجداً، فيدعني ما شاء الله، ثم يقال: ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل يسمع، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حداً، فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه، فإذا رأيت ربي -وذكر مثله- ثم أشفع، فيحد لي حداً، فأدخلهم الجنة، ثم أعود الثالثة، ثم أعود الرابعة، فأقول: ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود" قال البخاري: إلا من حبسه القرآن يعني قول الله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا ". [رواه البخاري 4476، و 6565، ومسلم 193. من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه].
5 -
حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا -أو الحياة. [رواه البخاري 22، ومسلم 184].
قال النووي: "الحيا هنا مقصور وهو المطر سمي حياً لأنه تحيا به الأرض ولذلك هذا الماء يحيا به هؤلاء المحترقون وتحدث فيهم النضارة كما يحدث ذلك المطر في الأرض، – " فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية ". [في شرحه لـ"صحيح مسلم" 3/ 37].
وعلى هذا فعقيدة أهل السنة لا تحتمل اللبس ولا المواربة في عدم خلود أهل المعصية في النار، فيلخصها الصابوني في "عقيدة السلف وأصحاب الحديث " فيقول:" الخلود في النار خلودان: خلود مؤمد له أمد ونهاية، وهو خلود العصاة، وخلود مؤبد لا نهاية له، وهو خلود الكفار. نسأل الله السلامة والعافية. ولهذا قال المؤلف: ويعلمون حقاً يقيناً أن مذنبي الموحدين لا يخلدون في النار ولا يتركون فيها أبداً، فأما الكفار فإنهم يخلدون فيها ولا يخرجون منها أبداً، والدليل: قول الله تعالى: يُرِيدُونَ {يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [المائدة: 37]، وقوله سبحانه: {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة: 167]، هؤلاء هم الكفار نعوذ بالله، {لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} [النبأ: 23]، ثم قال المؤلف: ولا يترك الله فيها من عصاة أهل الإيمان أحداً، فعصاة أهل الإيمان لا بد أن يخرجوا من النار ولو طال مكثهم خلافاً للخوارج والمعتزلة الذين يقولون بخلود العصاة في النار، وهذا من أبطل الباطل وهو من اعتقاد أهل البدع، فهم يقولون: إن العصاة يخلدون في النار مثل الكفرة، وهذا من أبطل الباطل". [عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني شرح للشيخ: عبد العزيز بن عبد الله الراجحي. (موقع فضيلة الشيخ الراجحي: www.shrajhi.com.sa)].
وقد يسأل البعض كيف الجمع بين الآيتين: قال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء، وقال تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا.
نقول: بأنه لا اختلاف بين الآيتين مطلقا، فالآية الأولى فيها بيانه سبحانه لعباده أن ما دون الشرك تحت مشيئته قد يغفره فضلاً منه سبحانه، وقد يعاقب من مات على معصية بقدر معصيته لانتهاكه حرمات الله ولتعاطيه ما يوجب غضب الله، أما المشرك فإنه لا يغفر له بل له النار مخلداً فيها أبد الآباد إذا مات على ذلك - نعوذ بالله من ذلك - وأما الآية الثانية: ففيها الوعيد لمن قتل نفساً بغير حق وأنه يعذب وأن الله يغضب عليه بذلك، ولهذا قال تعالى:{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]، معنى ذلك: أن هذا هو جزاؤه إن جازاه سبحانه وهو مستحق لذلك وإن عفا سبحانه فهو أهل العفو وأهل المغفرة جل وعلا، وقد يعذب بما ذكر الله مدة من الزمن في النار ثم يخرجه الله من النار، وهذا الخلود خلود مؤقت، ليس كخلود الكفار، فإن الخلود خلودان: خلود دائم أبداً لا ينتهي، وهذا هو خلود الكفار في النار، كما قال الله سبحانه في شأنهم:{وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة: 167]، هكذا في سورة البقرة، وقال في سورة المائدة: ي {يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [المائدة: 37].
أما العصاة كقاتل النفس بغير حق والزاني والعاق لوالديه وآكل الربا وشارب المسكر إذا ماتوا على هذه المعاصي وهم مسلمون، وهكذا أشباههم هم تحت مشيئة الله؛ كما قال سبحانه:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48]، وفي موضع آخر:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 116]، فإن شاء جل وعلا عفا عنهم لأعمالهم الصالحة التي ماتوا عليها وهي توحيده وإخلاصهم لله وكونهم مسلمين، أو بشفاعة الشفعاء فيهم مع توحيدهم وإخلاصهم. وقد يعاقبهم سبحانه ولا يحصل لهم عفو فيعاقبون بإدخالهم النار وتعذيبهم فيها على قدر معاصيهم، ثم يخرجون منها، كما تواترت بذلك الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه يشفع للعصاة من أمته، وأن الله يحد له حداً في ذلك عدة مرات، يشفع ويخرج جماعة بإذن الله، ثم يعود فيشفع، ثم يعود فيشفع، ثم يعود فيشفع عليه الصلاة والسلام "أربع مرات". [انظر: مجموع فتاوى ومقالات ابن باز (9/ 380). وانظر: فتاوى ابن تيمية (7/ 498 - 501) / منهاج السنة (6/ 238) / فتح الباري (11/ 406) البحار الزاخرة 242].
قال البخاري رحمه الله[صحيح البخاري: (ج 13 ص 392)]: حدثني معاذ بن فضالة حدثنا هشام عن قتادة عن أنس أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: "يجمع الله المؤمنين يوم القيامة كذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيأتون آدم، فيقولون: يا آدم أما ترى الناس؟ خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، اشفع لنا إلى ربك، حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول: لست هناكم -ويذكر لهم خطيئته التي أصاب- ولكن ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتون نوحا، فيقول: لست هناك -ويذكر خطيئته التي أصاب- ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن. فيأتون إبراهيم، فيقول: لست هناكم -ويذكر لهم خطاياه التي أصابها- ولكن ائتوا موسى عبدا آتاه الله التوراة، وكلمه تكليما. فيأتون موسى، فيقول: لست هناكم -ويذكر لهم خطيئته التي أصاب- ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمته وروحه. فيأتون عيسى، فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدا -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عبدا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فيأتونني فأنطلق فأستأذن على ربي، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال لي: ارفع محمد، قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع محمد، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع محمد، قل يستمع، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فأقول: يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود"، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:"يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه ما يزن من الخير ذرة". [الحديث أعاده البخاري ص (422)، وأخرجه مسلم (ج 1 ص 180)، وأبوعوانة (ج 1 ص 178 - 179) وابن ماجة (ج 2 ص 1442)، وأحمد (ج 3 ص 116، 244، 247)، والطيالسي (ج 2 ص 227) من «ترتيب المسند» من رواية همام عن قتادة به].
وهكذا الملائكة وهكذا المؤمنون كلهم يشفعون ويخرج الله سبحانه من النار بشفاعتهم من شاء سبحانه وتعالى، ويبقي في النار بقية من العصاة من أهل التوحيد والإسلام فيخرجهم الرب سبحانه بفضله ورحمته بدون شفاعة أحد، ولا يبقى في النار إلا من حكم عليه القرآن بالخلود الأبدي وهم الكفار. وبهذا تعلم السائلة الجمع بين الآيتين وما جاء في معناهما من النصوص، وأن أحاديث الوعد بالجنة لمن مات على الإسلام على عمومها إلا من أراد الله تعذيبه بمعصيته، فهو سبحانه الحكيم العدل في ذلك يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد جل وعلا. ومنهم من لا يعذب فضلاً من الله لأسباب كثيرة من أعمال صالحة ومن شفاعة الشفعاء، وفوق ذلك رحمته وفضله سبحانه وتعالى. [انظر: مجموع فتاوى ومقالات ابن باز (9/ 380)].
الفوائد:
1 من فوائد الآية: أن الذين جمعوا بين هذين الوصفين. الكفر، والتكذيب. هم أصحاب النار مخلدون فيها أبداً. كما سبق؛ فإن اتصفوا بأحدهما فقد دل الدليل على أن المكذب خالد في النار؛ وأما الكافر فمن كان كفره مخرجاً عن الملة فهو خالد في النار؛ ومن كان كفره لا يخرج من الملة فإنه غير مخلد في النار.
2 ومنها: أن الله تعالى قد بين الحق بالآية التي تقطع الحجة، وتبين المحجة.
3 ومنها: انحطاط رتبة من اتصفوا بهذين الوصفين. الكفر، والتكذيب.
4 ومنها: إثبات النار؛ وقد ثبت بالدليل القطعي أنها موجودة الآن، كما في قوله تعالى:{واتقوا النار التي أعدت للكافرين} [آل عمران: 131].
القرآن
التفسير:
يا ذرية يعقوب اذكروا نعمي الكثيرة عليكم (1)، واشكروا لي، وأتموا وصيتي لكم: بأن تؤمنوا بكتبي ورسلي جميعًا، وتعملوا بشرائعي، فإن فعلتم ذلك أُتمم لكم ما وعدتكم به من الرحمة في الدنيا، والنجاة في الآخرة، وإيَّايَ -وحدي- فخافوني، واحذروا نقمتي إن نقضتم العهد، وكفرتم بي.
قوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [البقرة: 40]، "أي يا أولاد إسرائيل"(2).
قال ابن عباس: ": يا أهل الكتاب، للأحبار من يهود"(3).
قال البغوي: " يا أولاد يعقوب"(4).
والأصل في {بني} ، أن تكون للذكور، لكن إذا كانت لقبيلة، أو لأمة شملت الذكور، والإناث، كقوله تعالى:{يَا بَنِي آدَمَ قَدْ} [الأعراف: 26] " (5).
وقوله {إِسْرَائِيلَ} ، يقصد به: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام إذ كان يدعى (إسرائيل)(6).
وذكر أهل التفسير في اشتقاق كلمة (إِسْرَائِيلَ)، وجوها (7):
أحدها: أنه مركب من (إسرا) وهو العبد في اللغة العبرانية، و (إيل) اسم من أسماء الله تعالى، فكأنه عبد الله.
والثاني: أن معنى (إسرا) صفوة، و (إيل) الله تعالى، ومعناه صفوة الله.
وفيه وجوه أخرى ذكرها أبو حيان في البحر، وقال بعدها:"وهذه أقاويل ضعاف"(8).
قال الواحدي: "والأصح عند أهل اللغة: أنه أعجمي لا اشتقاق له"(9).
أخرج الطبري عن ابن عباس، " أن إسرائيل كقولك: عبد الله" (10).
وأخرج أيضا بسنده "عن عبد الله بن الحارث، قال: (إيل)، الله بالعبرانية"(11).
واختلفت القراءة في قوله تعالى {إِسْرائِيلَ} [البقرة: 40]، على وجوه (12):
أحدها: {إسراييل} ، بقلب الهمزة ياء. روي عن نافع والحسن والزهري وابن أبي إسحاق.
والثاني: {إسرائل} ، بحذف الياء.
والثالث: {إسرال} ، بحذف الهمزة والياء.
وقال ابن عباس: "حضرت عصابة من اليهود نبي الله- صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب؟ فقالوا: اللهم نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أشهد عليهم"(13).
واختلف في المخاطب في قوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [البقرة: 40]، على وجهين (14):
أحدهما: أن المخاطب من بني إسرائيل بهذا الخطاب هم المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم، لأن الكافر لا نعمة لله عليه. قاله مكي (15).
(1) قال الإمام الطبري: "ونعمته التي أنعم بها على بني إسرائيل جلّ ذكره، اصطفاؤه منهم الرسلَ، وإنزاله عليهم الكتب، واستنقاذُه إياهم مما كانوا فيه من البلاء والضَّرَّاء من فرعون وقومه، إلى التمكين لهم في الأرض، وتفجير عيون الماء من الحجر، وإطعام المنّ والسلوى. فأمر جل ثناؤه أعقابهم أن يكون ما سلَف منه إلى آبائهم على ذُكْر، وأن لا ينسوا صنيعه إلى أسلافهم وآبائهم، فيحلّ بهم من النقم ما أحلّ بمن نسي نعمَه عنده منهم وكفرها، وجحد صنائعه عنده"(انظر تفسيره: 1/ 555).
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 142.
(3)
تفسير الطبري (800): ص 1/ 555.
(4)
تفسير البغوي: 1/ 86.
(5)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 142.
(6)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 553. وتنفسير القرطبي: 1/ 330، والمحرر الوجيز: 1/ 185.
(7)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 553. وتنفسير القرطبي: 1/ 330، والمحرر الوجيز: 1/ 185، وتفسير الثعلبي: 1/ 185، والتعريف والأعلام للسهيلي: 20.
(8)
البحر المحيط: 1/ 144.
(9)
التفسير البسيط: 2/ 462.
(10)
تفسير الطبري (798): ص 1/ 552.
(11)
تفسير الطبري (799): ص 1/ 552.
(12)
المحرر الوجيز: 1/ 133، وتفسير البيضاوي: 1/ 75.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (433): ص 1/ 94.
(14)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 133.
(15)
نقلا عن: المحرر الوجيز: 1/ 133.
وعلى هذا القول، يستقيم الضمير في {عَلَيْكُمْ} ، ويجيء كل ما توالى من الأوامر على جهة الاستدامة.
والثاني: أن الخطاب لجميع بني إسرائيل في مدة النبي عليه السلام، مؤمنهم وكافرهم، والضمير في {عَلَيْكُمْ} ، يراد به على آبائكم كما تقول العرب ألم نهزمكم يوم كذا لوقعة كانت بين الآباء والأجداد. وهو قول ابن عباس (1)، وجمهور العلماء (2)، ومنه قول الفرزدق (3):
وَبَيْتَانِ: بَيْتُ اللهِ نَحْنُ وُلاتُهُ
…
وَبَيْتٌ بأعْلَى إِيلِيَاءَ مُشَرَّفُ
يريد أن آباءه في القديم كانوا يلونهما، لا أنه كان يليه.
وقال آخر (4):
إِذا افْتَخَرَتْ يَوْمًا تَمِيمٌ بِقَوْسِهَا
…
فَخَارًا عَلَى مَا أَطَّدَتْ مِنْ مَنَاقِبِ
فَأَنْتُم بِذِي قَارٍ أَمَالَتْ سُيُوفُكُم
…
عُرُوشَ الذِينَ اسْتَرْهَنُوا قَوْسَ حَاجِبِ
أراد آباؤكم فعلوا ذلك، لأن المخاطبين بهذا البيت كانوا بعد ذي قار بدهر طويل (5).
قوله تعالى: {اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 40]، أي:"اذكروا ما أنعمت به عليكم وعلى آبائكم"(6).
قال البيضاوي: " أي بالتفكر فيها والقيام بشكرها"(7).
قال البغوي: أي: احفظوا نعمي التي أنعمتها على أجدادكم وأسلافكم (8).
قال ابن عثيمين: " أي اذكروها بقلوبكم، واذكروها بألسنتكم، واذكروها بجوارحكم؛ وذلك؛ لأن الشكر يكون في الأمور الثلاثة: في القلب، واللسان، والجوارح"(9).
وقال السعدي: "وهو يشمل سائر النعم التي سيذكر في هذه السورة بعضها، والمراد بذكرها بالقلب اعترافا، وباللسان ثناء، وبالجوارح باستعمالها فيما يحبه ويرضيه"(10).
قال البغوي: " والذكر: يكون بالقلب ويكون باللسان وقيل: أراد به الشكر، وذكر بلفظ الذكر لأن في الشكر ذكرا وفي الكفران نسيانا، قال الحسن: "ذكر النعمة شكرها" (11) "(12).
وقال ابن عطية: " والذكر في كلام العرب على أنحاء، وهذا منها ذكر القلب الذي هو ضد النسيان"(13).
وقوله تعالى: {نِعْمَتِيَ} أي: "نعمي، لفظها واحد ومعناها جمع، كقوله تعالى {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 18] "(14).
وتحركت (الياء) من {نِعْمَتِيَ} ، لأنها لقيت الألف واللام، ويجوز تسكينها، وإذا سكنت حذفت للالتقاء (15).
قال الفراء: "وأما نصب الياء من {نِعْمَتِيَ} ، فإن كل ياء كانت من المتكلم ففيها لغتان: الإرسالُ والسكون، والفتح، فإذا لَقيتها ألفٌ ولام، اختارت العربُ اللغة التي حركت فيها الياء وكرِهوا الأخرى لأن
(1) تفسير الطبري (800): ص 1/ 555.
(2)
نقل قول الجمهور ابن عطية، أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 133.
(3)
البيت في "ديوان الفرزدق" 2/ 32، "معجم البلدان" 1/ 293، وإيلياء: بيت المقدس.
(4)
البيتان لأبي تمام، وقوله:"ذي قار" يوم من أيام العرب، كان لهم على الفرس، وحاجب: هو ابن زرارة بن عدس، كان أرهن سيفه لكسرى، انظر:"ديوان أبي تمام مع شرحه" 1/ 109، "معجم البلدن" 4/ 294.
(5)
أنظر: التفسير البسيط: 2/ 426 - 427.
(6)
صفوة التفاسير: 1/ 46.
(7)
تفسير البيضاوي: 1/ 75،
(8)
أنظر: تفسير البغوي: 1/ 86. (بتصرف بسيط).
(9)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 143.
(10)
تفسير السعدي: 50.
(11)
رواه ابن مبارك في الزهد (1434): ص 503، ومن طريقه ابن أبي دنيا في (الشكر):(33)، ومن طريقه البيهقي في الشعبي (4421): ص 4/ 102، و (4107): ص 8/ 365، واللفظ فيها:"أكثروا ذكر هذه النعم، فإن ذكرها شكر". وانظر: البغوي: في تفسيره: 1/ 86، وأبو حيان: 4/ 55.
(12)
تفسير البغوي: 1/ 86.
(13)
المحرر الوجيز: 1/ 133.
(14)
تفسير البغوي: 1/ 86.
(15)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 133.
اللام ساكنة فتسقط الياء عندها لسكونها، فاستقبحوا أن يقولوا:(نعمتي الّتي)، فتكون كأنها مخفوضة على غير إضافة، فأخذوا بأوثق الوجهين وأبينهما" (1).
قال ابن عطية: "وفتحها أحسن، لزيادة حرف في كتاب الله تعالى"(2).
وذكر أهل التفسر في (النعمة) التي أنعمها عليهم، قولين (3):
أحدهما: عموم نِعَمِهِ الَّتي أنعم بها على خلْقِهِ، كما قال تعالى:{وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا} [النحل: 18]. قاله ابن زيد (4).
والثاني: أنه أراد نِعَمَهُ عَلَى آبائهم، إذ نجَّاهم من آل فرعون، وجعل منهم الأنبياء، وأنزل عليهم الكتب، وفجَّر لهم الحَجَرَ، وأنزل عليهم المنَّ والسلوى، والنعم على الآباء، نعم على الأبناء، لأنهم يَشْرُفون بشرف آبائهم. وهو قول الحسن البصري، وروي عن ابن عباس (5) وأبي العالية (6)، ومجاهد (7)، نحو ذلك.
قال ابن عطية: " وهذه أقوال على جهة المثال، والعموم في اللفظة هو الحسن"(8).
قوله تعالى: {وَأَوْفُوا بعهدي} [البقرة: 40]، "أي أدّوا ما عاهدتموني عليه"(9).
قال البيضاوي: أي: " بالإيمان والطاعة"(10).
قال ابن عثيمين: "أي ائتوا به وافياً"(11).
قال السعدي: " وهو ما عهده إليهم من الإيمان به، وبرسله وإقامة شرعه"(12).
قوله تعالى: {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [البقرة: 40]، " أي أعطكم ما عهدت به إليكم وافياً"(13).
قال البيضاوي: أي: "بحسن الإثابة"(14).
قال السعدي: " وهو المجازاة على ذلك، والمراد بذلك: ما ذكره الله في قوله: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ [وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي]} إلى قوله: {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} "(15).
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: "قوله {أوف بعهدكم]، يقول: أرضى عنكم وأدخلكم الجنة"(16). قال ابن أبي حاتم ""وروي عن أبي العالية والضحاك والسدي والربيع بن أنس، نحو ما ذكرنا عن الضحاك عن ابن عباس" (17).
قال الصابوني: أي"بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب"(18).
(1) معاني القرآن: 1/ 29.
(2)
المحرر الوجيز: 1/ 133.
(3)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 111.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (804): ص 1/ 5556.
(5)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (434): ص 1/ 95، وتفسير الطبري (802): ص 1/ 555.
(6)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (435): ص 1/ 95، وتفسير الطبري (803): ص 1/ 555 - 556.
(7)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (436): ص 1/ 95، وتفسير الطبري (803): ص 1/ 556.
(8)
المحرر الوجيز: 1/ 133.
(9)
صفوة التفاسير: 1/ 46.
(10)
تفسير البيضاوي: 1/ 75.
(11)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 143.
(12)
تفسير السعدي: 50.
(13)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 143.
(14)
تفسير البيضاوي: 1/ 75.
(15)
تفسير السعدي: 50.
(16)
أخرجه ابن أبي حاتم (440): ص 1/ 96. وفي رواية أخرى أيضا عند أبن أبي حاتم: (441): ص 1/ 96، : " {أوف بعهدكم}، أنجز لكم ما وعدتكم عليه بتصديقه واتباعه، فوضع عنكم ما كان عليكم من الإصر والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من إحداثكم".
(17)
تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 96.
(18)
صفوة التفاسير: 1/ 46.
قال ابن عثيمين: " وهو الجزاء على أعمالهم، المذكور في قوله تعالى: {لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار} [المائدة: 12]؛ فلو وفوا بعهد الله لوفى الله بعهدهم"(1).
وقرأ الزهري: " {أوَفّ}، بفتح الواو وشد الفاء، للتكثير"(2).
وقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [البقرة: 40]، قال أبو عبيد عن الكسائي وأبي عبيدة:"وفيت بالعهد وأوفيت به سواء"(3).
وقال شمر: (وفى): يعني تمّ، وأوفى، معناه: أوفاني حقه، أي: أتمه ولم ينقص منه شيئا، وكذلك أوفى الكيل، أي: أتمه ولم ينقص منه شيئا (4).
وقال أبو الهيثم: فيما رد على شمر: "الذي قال شمر في (وَفَى) و (أَوْفَى): باطل، إنما يقال: أَوْفَيْت بالعهد ووفيت بالعهد، وكل شيء في كتاب الله من هذا فهو بالألف قال الله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [البقرة: 40]، وقال: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] "(5).
وقد قال طفيل الغنوي في الجمع بين اللغتين (6):
أَمَّا ابنُ طَوْقٍ فَقَدْ أَوْفَى بِذِمَّتِه
…
كَمَا وَفَى بِقِلاصِ النَّجْمِ حَادِيهَا
واختلف أهل المعرفة في معنى العهد الذي وصف الله هؤلاء بنقضه، وفيه أربعة (7):
أحدها: أنه وصية الله إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته، في كتبه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. ونقضُهم ذلك، تركُهم العمل به.
والثاني: أن عهدُ الله الذي نقضوه بعدَ ميثاقه، هو ما أخذه الله عليهم في التوراة - منَ العمل بما فيها، واتباع محمد صلى الله عليه وسلم إذا بُعث، والتصديق به وبما جاء به من عند ربهم، ونقضُهم ذلك، هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته، وإنكارهم ذلك، وكتمانهم علمَ ذلك الناسَ، بعد إعطائهم اللهَ من أنفسهم الميثاق لَيُبَيِّنُنَّه للناس ولا يكتمونه. فأخبر الله جل ثناؤه أنهم نبذوه ورَاء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلا. قاله ابن عباس (8)، وروي عن الربيع بن أنس (9)، وأبي العالية (10)، والضحاك (11)، والسدي (12)، وقتادة" (13)، نحو ذلك.
والثالث: أن عهدُه: توحيده، وهو موجه إلى جميعَ أهل الشرك والكفر والنفاق.
والرابع: أن العهدُ الذي ذكره الله جل ذكره، هو العهدُ الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صُلب آدم، الذي وصفه في قوله:{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} [سورة الأعراف: 172 - 173]. ونقضُهم ذلك، تركهم الوفاء به.
(1) تفسير ابن عثيمين: 1/ 143.
(2)
المحرر الوجيز: 1/ 134.
(3)
"تهذيب اللغة"(وفا) 4/ 3923 - 3924، وانظر:"اللسان"(وفي) 8/ 5885.
(4)
أنظر: تهذيب اللغة" (وفا) 4/ 3924، وانظر: "اللسان" (وفي) 8/ 5885.
(5)
أنظر كلامه في: تهذيب اللغة: (وفا) 15/ 886، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 91، و"اللسان"(وفى) 8/ 4884.
(6)
في "الكامل"(بيض) بدل (طوق) وعند الزجاج (عوف) وهو رجل شهر بالوفاء، وقلاص النجوم: هي كما تزعم العرب، أن الدبران جاء خاطبا للثريا وساق مهرها كواكبا صغارا تسمى القلاص، انظر (الكامل) 2/ 187، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 91، "الخصائص" 1/ 370، 3/ 316، "شرح المفصل" 1/ 42، "اللسان"(وفى) 8/ 4884، "زاد المسير" 1/ 73، "تفسير القرطبي" 6/ 32، "الدر المصون" 1/ 312.
(7)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 411 - 412. وتفسير القرطبي: 1/ 332.
(8)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (437)، و (438): ص 1/ 95، وتفسير الطبري (805): ص 1/ 558.
(9)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 95، من رواية حاتم ابن إسماعيل عن أبي جعفر.
(10)
أنظر: تفسير الطبري (806): ص 1/ 558.
(11)
أنظر: تفسير الطبري (809): ص 1/ 559.
(12)
أنظر: تفسير الطبري (807): ص 1/ 558.
(13)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 95.
والقول الثاني هو الأقرب إلى الصواب، أي: عهدُ الله ووصيته التي أخذ على بني إسرائيل في التوراة، أن يبيِّنوا للناس أمر محمد صلى الله عليه وسلم أنه رسولٌ، وأنهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة أنه نبيّ الله، وأن يؤمنوا به وبما جاء به من عند الله" (1).
قوله تعالى: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [البقرة: 40]، "أي لا ترهبوا إلا إياي"(2).
قال البيضاوي: أي: " فيما تأتون وتذرون وخصوصاً في نقض العهد"(3).
قال الثعلبي: "فخافوني في نقض العهد"(4).
قال أبو العالية: " {وإياي فارهبون}، فاخشون"(5).وكذا روي عن السدى والربيع ابن أنس وقتادة (6).
وأخرج ابن أبي حاتم "عن ابن عباس: {وإياي فارهبون}، أن أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد عرفتم من المسخ وغيره"(7).
قال ابن عطية: " والرهبة يتضمن الأمر بها معنى التهديد"(8).
ولا يحفى بأن مافي هذه الآية من الوعد والوعيد، دالة على وجوب الشكر والوفاء بالعهد، وأن المؤمن ينبغي أن لا يخاف أحداً إلا الله تعالى (9).
وقوله {فَارْهَبُونِ} ، قرأ ابن أبي إسحاق بالياء (10).
وسقطت الياء بعد النون في قوله {فَارْهَبُونِ} ، في هذه الآيات وفي كلّ القرآن على الأصل، وحذفها الباقون على الخط اتّباعا للمصحف (11).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: أن الله تعالى يوجه الخطاب للمخاطب إما لكونه أوعى من غيره؛ وإما لكونه أولى أن يمتثل؛ وهنا وجّهه لبني إسرائيل؛ لأنهم أولى أن يمتثلوا؛ لأن عندهم من العلم برسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها حق ما ليس عند غيرهم.
2 ومنها: أن تذكير العبد بنعمة الله عليه أدعى لقبوله الحق، وأقوم للحجة عليه؛ لقوله تعالى:{اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} ؛ فهل هذا من وسائل الدعوة إلى الله؛ بمعنى أننا إذا أردنا أن ندعو شخصاً نذكره بالنعم؟
فالجواب: نعم، نذكره بالنعم؛ لأن هذا أدعى لقبول الحق، وأدعى لكونه يحب الله عز وجل؛ ومحبة الله تحمل العبد على أن يقوم بطاعته.
3 ومن فوائد الآية: عظيم منة الله تعالى في إنعامه على هؤلاء؛ لقوله تعالى: {التي أنعمت عليكم} .
4 ومنها: أن من وفى لله بعهده وفى الله له؛ لقوله تعالى: {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} ؛ بل إن الله أكرم من عبده، حيث يجزيه الحسنة بعشر أمثالها؛ وفي الحديث القدسي:"إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَّ شِبْراً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً؛ وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعاً؛ وَإِذَا أَتَانِي مَشْياً أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً"(12).
(1) تفسير الطبري: 1/ 557.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 143.
(3)
تفسير البيضاوي: 1/ 75.
(4)
تفسير الثعلبي: 1/ 187، وانظر: التفسير البسيط: 2/ 432.
(5)
تفسير ابن أبي حاتم (443): ص 1/ 96.
(6)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 96.
(7)
تفسير ابن أبي حاتم (442): ص 1/ 96.
(8)
المحرر الوجيز: 1/ 134.
(9)
أنظر: تفسير البيضاوي: 1/ 76.
(10)
أنظر: المحر الوجيز: 1/ 134.
(11)
أنظر: تفسير الثعلبي: 1/ 187.
(12)
أخرجه البخاري بلفظه ص 629، كتاب التوحيد، باب 50: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وروايته عن ربه، حديث رقم 7536؛ وأخرجه مسلم ص 1144، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب 1: الحدث على ذكر الله تعالى، حديث رقم 6805 [2]2675.
5 ومن فوائد الآية: أن من نكث بعهد الله فإنه يعاقب بحرمانه ما رتب الله تعالى على الوفاء بالعهد؛ وذلك؛ لأن المنطوق في الآية أن من وفى لله وفّى الله له؛ فيكون المفهوم أن من لم يفِ فإنه يعاقب، ولا يعطى ما وُعِد به؛ وهذا مقتضى عدل الله عز وجل.
6 ومنها: وجوب الوفاء بالنذر؛ لأن الناذر معاهد لله، كما قال تعالى:{ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين} [التوبة: 75].
7 ومنها: وجوب إخلاص الرهبة لله عز وجل؛ لقوله تعالى: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} ] البقرة: من الآية 40].
8 ومنها: أن الرهبة عبادة؛ لأن الله تعالى أمر بها، وأمر بإخلاصها.
فإن قال قائل: هل ينافي التوحيد أن يخاف الإنسان من سبُع، أو من عدو؟
فالجواب: لا ينافي هذا التوحيد؛ ولهذا وقع من الرسل: إبراهيم. عليه الصلاة والسلام. لما جاءه الضيوف، ولم يأكلوا أوجس منهم خيفة؛ وموسى. عليه الصلاة والسلام. لما ألقى السحرة حبالهم، وعصيهم أوجس في نفسه خيفة؛ ولأن الخوف الطبيعي مما تقتضيه الطبيعة؛ ولو قلنا لإنسان:"إنك إذا خفت من أحد سوى الله خوفاً طبيعياً لكنت مشركاً"، لكان هذا من تكليف ما لا يطاق؛ لأن خوف الإنسان مما يخاف منه خوفٌ طبيعي غريزي لا يمكنه دفعه؛ كل إنسان يخاف مما يُخشى منه الضرر.
فإن قال قائل: لو منعه الخوف من واجب عليه هل يُنهى عنه، أو لا؟
فالجواب: نعم، يُنهى عنه؛ لأن الواجب عليه يستطيع أن يقوم به؛ إلا إذا جاء الشرع بالعفو عنه في هذه الحال فلا حرج عليه في هذا الخوف؛ قال الله تعالى:{إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 175]؛ لكن إذا كان في الشرع رخصة لك أن تخالف ما أمر الله به في هذه الحال فلا بأس؛ ولهذا لو كان إنسان يريد أن يصلي صلاة الفريضة، وحوله جدار قصير، ويخشى إن قام أن يتبين للعدو؛ فله أن يصلي قاعداً؛ وهذا لأن الله تعالى عفا عنه: قال الله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16]؛ ولو كان العدو أكثر من مثلَي المسلمين فلا يلزمهم أن يصابروهم، ويجوز أن يفروا.
القرآن
التفسير:
وآمنوا- يا بني إسرائيل- بالقرآن الذي أنزَلْتُه على محمد نبي الله ورسوله، موافقًا لما تعلمونه من صحيح التوراة، ولا تكونوا أول فريق من أهل الكتاب يكفر به، ولا تستبدلوا بآياتي ثمنًا قليلا من حطام الدنيا الزائل، وإياي وحدي خافوني في ذلك فاعملوا بطاعتي واتركوا معصيتي.
في سبب نزول الآية قولان:
أحدهما: "أنها أنلت في يهود يثرب"(1). قاله أبو سنان.
والثاني: أنها: "نزلت في قريظة، وكانوا أول من كفر من اليهود بمحمد، وتبعهم يهود فدك (2) وخيبر"(3). نقله الكلبي عن ابن عباس.
قوله تعالى: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ} [البقرة: 41]، أي: وصدّقوا بالذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن (4).
(1) تفسير ابن أبي حاتم (448): ص 1/ 97.
وقد ذكر السمهودي بأن قبائل اليهود في يثرب كانوا نيفاً وعشرين قبيلة، منهم بنو عكرمة وبنو ثعلبة وبنو محمر وبنو زعورا وبنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة وبنو هدل وبنو عوف وبنو القصيص وبنو ماسلة، سكن هؤلاء المدينة وأطرافها. [أنظر: وفاء الوفاء بأخبار، دار المصطفى: 1/ 142، والمفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: 12/ 95].
(2)
فدك: "معروفة بينها وبين المدينة يومان، وحصنها يقال له: الشمروخ، بقرب خبير". [الروض المعطار في خبر الأقطار: 437].
(3)
العجاب في بيان الأسباب: 1/ 251. لم أجد هذا في "تنوير المقباس من تفسير ابن عباس" للفيروزآبادي، مع أن المذكور أنه جمع فيه رواية الكلبي عن ابن عباس انظر "تاريخ التفسير" للشيخ قاسم القيسي "ص 135"، وكذلك فإن السند الذي ذكر في المقدمة ينتهي إليه انظر "ص 2"، وقد رجعت إليه في البحث عن عدد من النصوص المنقولة هنا عن الكلبي فلم أجدها أو لم يتطابق النصان فلن أشير إليه بعد. [حاشية العجاب: 1/ 251].
(4)
أنظر: تفسير الطبري: 1/ 560، وتفسير ابن كثير: 1/ 242.
قال ابن عثيمين: " هو القرآن أنزله الله سبحانه وتعالى على محمد صلى الله عليه وسلم"(1).
قال مجاهد: " {بما أنزلت}، القرآن"(2).
وقال الثعلبي: " يعني التوراة في التوحيد والنبوّة والأخبار، وبعض الشرائع نزلت في كعب وأصحابه من علماء اليهود ورؤسائهم"(3).
قال السعدي: " وهو القرآن الذي أنزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فأمرهم بالإيمان به، واتباعه، ويستلزم ذلك، الإيمان بمن أنزل عليه"(4).
قوله تعالى: {مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} [البقرة: 41]، أي:" مصدقاً لما ذُكر في التوراة"(5).
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية: في قوله: {وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم} ، يقول:"يا معشر أهل الكتاب، آمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم، يقول: لأنهم يجدون محمدا مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل"(6). وروي عن الربيع بن أنس، وقتادة، نحو ذلك (7).
وقال مجاهد: "لما معكم، الإنجيل"(8).
قال السعدي: " أي: موافقا له لا مخالفا ولا مناقضا، فإذا كان موافقا لما معكم من الكتب، غير مخالف لها; فلا مانع لكم من الإيمان به، لأنه جاء بما جاءت به المرسلون، فأنتم أولى من آمن به وصدق به، لكونكم أهل الكتب والعلم"(9).
وذكر أهل العلم بأن تصديق القرآن لما معهم، يكون من وجهين (10):
الوجه الأول: أنه وقع مطابقاً لما أخبرت التوراة، والإنجيل به.
والوجه الثاني: أنه قد شهد لهما بالصدق، فالقرآن يدل دلالة واضحة على أن الله أنزل التوراة، وأنزل الإنجيل.
قال ابن عثيمين: "وهذه شهادة لهما بأنهما صدق.؛ وكذلك التوراة، والإنجيل قد ذُكر فيهما من أوصاف القرآن، ومن أوصاف محمد صلى الله عليه وسلم حتى صاروا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم؛ فإذا وقع الأمر كما ذُكر فيهما صار ذلك تصديقاً لهما؛ ولهذا لو حدثتك بحديث، فقلت أنت: "صدقتَ"، ثم وقع ما حدثتك به مشهوداً تشاهده بعينك؛ صار الوقوع هذا تصديقاً أيضاً"(11).
قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} [البقرة: 41]، " أي أول من كفر به"(12).
قال بعض المفسرين: أي: "ولا تكونوا أول فريق كافر به"(13)، أو "أول حزب أو فوج كافر به، أو ولا يكن كل واحد منكم أول كافر به"(14).
قال ابن عباس: " {ولا تكونوا أول كافر به}، وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم"(15).
(1) تفسير ابن عثيمين: 1/! 47.
(2)
تفسير ابن أبي حاتم (445): ص 1/ 97.
(3)
تفسير الثعلبي: 1/ 187.
(4)
تفسير السعدي: 50.
(5)
تفسير ابن عثيمين: 1/! 47.
(6)
تفسير ابن أبي حاتم (444): ص 1/ 96.
(7)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 97.
(8)
تفسير ابن أبي حاتم (445): ص 1/ 97.
(9)
تفسير السعدي: 50.
(10)
أنظر: تفسير ابن عثيمين: 1/! 47.
(11)
تفسير ابن عثيمين: 1/! 47.
(12)
تفسير النسفي: 1/ 61.
(13)
تفسير ابن كثير: 1/ 243.
(14)
تفسير النسفي: 1/ 61.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (446): ص 1/ 97.
وقال أبو العالية: " لا تكونوا أول من كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم"(1). وروي عن الحسن والسدي والربيع بن أنس نحو ذلك (2).
قال الثعلبي: " يعني: أوّل من يكفر بالقرآن وقد بايعتنا اليهود على ذلك فتبوءوا بآثامكم وآثامهم"(3).
قال البغوي: " أي: بالقرآن يريد من أهل الكتاب، لأن قريشا كفرت قبل اليهود بمكة، معناه: ولا تكونوا أول من كفر بالقرآن فيتابعكم اليهود على ذلك فتبوؤا بآثامكم وآثامهم"(4).
قال المراغي: " أي: ولا تسارعوا إلى الكفر به، مع أن الأجدر بكم أن تكونوا أوّل من يؤمن به"(5).
قال ابن عثيمين: " يعني: لا يليق بكم وأنتم تعلمون أنه حق أن تكونوا أول كافر به؛ ولا يعني ذلك: كونوا ثاني كافر! "(6).
قال البيضاوي: " بأن الواجب أن يكونوا أول من آمن به، ولأنهم كانوا أهل النظر في معجزاته والعلم بشأنه والمستفتحين به والمبشرين بزمانه. وأَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وقع خبراً عن ضمير الجمع بتقدير: أول فريق أو فوج، أو بتأويل لا يكن كل واحد منكم أول كافر به"(7).
قال ابن عطية: " وقد كان كفر قبلهم كفار قريش، فإنما معناه من أهل الكتاب، إذ هم منظور إليهم في مثل هذا، لأنهم حجة مظنون بهم علم"(8).
قال الجصاص: " وإن كان الكفر قبيحا من الأول والآخر منهيا عنه الجميع أن السابق إلى الكفر يقتدي به غيره فيكون أعظم لمأثمه وجرمه كقوله تعالى {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: 13] وقوله {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32] "(9).
قال الواحدي: " وإنما قيل لهم: {وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} لأن الخطاب لعلماء اليهود، فإذا كفروا كفر معهم الأتباع، فإن قيل: ما في {أن تكونوا أول كافر به}، من العظم، على ثان كافر؟ قيل: إنهم إذا كانوا أئمة في الضلالة كانت ضلالتهم أعظم"(10).
قال السعدي: " وفي قوله: {أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} أبلغ من قوله: {ولا تكفروا به} لأنهم إذا كانوا أول كافر به، كان فيه مبادرتهم إلى الكفر به، عكس ما ينبغي منهم، وصار عليهم إثمهم وإثم من اقتدى بهم من بعدهم"(11).
وقوله: {وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} [البقرة: 41]، : اختلف في الضمير (به) على وجوه:
أحدها: أنه عائد إلى القرآن، والمعنى: ولا تكونوا أول من كفر بالقرآن وحقكم أن تؤمنوا به.
وهو اختيار الإمام الطبري، إذ يقول: والهاء التي في (به) من ذكر (ما) التي مع قوله: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ} " (12).
والثاني: أنه عائد على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو اختيار أبي العالية-رحمه الله (13).
والثالث: وقيل: يعني (بكتابكم) أي التوراة والإنجيل، "ويتأول أنّ في تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم تكذيبًا منهم بكتابهم، لأن في كتابهم الأمرَ باتباع محمد صلى الله عليه وسلم"(14).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (447): ص 1/ 97.
(2)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 97.
(3)
تفسير الثعلبي: 1/ 187.
(4)
تفسير الثعلبي: 1/ 187.
(5)
تفسير المراغي: 1/ 96.
(6)
تفسير ابن عثيمين: 1/! 47.
(7)
تفسير البيضاوي: 1/ 76.
(8)
المحرر الوجيز: 1/ 134.
(9)
أحكام القرآن: 1/ 38.
(10)
التفسير البسيط: 2/ 438، وانظر: معاني القرآن" للزجاج 1/ 92، وانظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 114، و"تفسير الثعلبي" 1/ 68 أ، و"تفسير البغوي" 1/ 87.
(11)
تفسير السعدي: 50.
(12)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 563.
(13)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 563.
(14)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 563.
قلت: كلا القولين الأول والثاني صحيحان، لأنهما متلازمان، فكل "من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، ومن كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد كفر بالقرآن"(1).
قوله تعالى: {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي} [البقرة: 41]، "أي لا تستبدلوا بآياتي البينات التي أنزلتها عليكم"(2).
قال سعيد بن جبير: " إن آياته: كتابه، الذي أنزل إليهم"(3).
قال السدي: " يقول: لا تأخذوا طمعا قليلا وتكتموا اسم الله، فذلك الطمع وهو الثمن"(4).
قال الثعلبي: " أي ببيان صفة محمد ونعته"(5).
قال ابن كثير: "أي: لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها، فإنها قليلة فانية"(6).
قال المراغي: " أي ولا تعرضوا عن التصديق بالنبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به وتستبدلوا بهدايته"(7).
قوله تعالى: {ثَمَنًا قَلِيلًا} [البقرة: 41]، أي:"شيئا يسيرا"(8).
قال سعيد بن جبير: " إن الثمن القليل، هو الدنيا وشهواتها"(9).
قال الصابوني: أي: " حطام الدنيا الفانية"(10).
وقال الحسن: " الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها"(11).
واختلف أهل التفسير في (الثمن) الذي نهوا أن يشتروه بالآيات، على أقوال (12):
أحدها: أن الأحبار كانوا يعلمون دينهم بالأجرة، فنهوا عن ذلك وفي كتبهم: علم مجانا كما علمت مجانا أي باطلا بغير أجرة. قاله أبو العالية (13).
والثاني: أنه كانت للأحبار مأكلة يأكلونها على العلم كالراتب، فنهوا عن ذلك. قاله الثعلبي (14).
والثالث: إن الأحبار أخذوا رشى على تغيير قصة محمد عليه السلام في التوراة، ففي ذلك قال تعالى: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا [البقرة: 41، المائدة: 44].
والرابع: معنى الآية ولا تشتروا بأوامري ونواهيّ وآياتي ثمنا قليلا، يعني الدنيا ومدتها والعيش الذي هو نزر لا خطر له.
قال السعدي: " {ثَمَنًا قَلِيلا}، وهو ما يحصل لهم من المناصب والمآكل، التي يتوهمون انقطاعها، إن آمنوا بالله ورسوله، فاشتروها بآيات الله واستحبوها، وآثروها"(15).
قوله تعالى: {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} [البقرة: 41]، " أي لا تتقوا إلا إياي"(16).
(1) انظر: تفسير الطبري: 1/ 563. وتفسير ابن كثير: 1/ 243.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 46.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (450): ص 1/ 97.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (451): ص 1/ 97.
(5)
تفسير الثعلبي: 1/ 187.
(6)
تفسير ابن كثير: 1/ 243.
(7)
تفسير المراغي: 1/ 97.
(8)
تفسير الثعلبي: 1/ 187.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (450): ص 1/ 97.
(10)
صفوة التفاسير: 1/ 46.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (452): ص 1/ 98.
(12)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 135.
(13)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (449): ص 1/ 97، ولفظه:"لا تأخذوا عليه أجرا"وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول: يا ابن آدم، علم مجانا كما علمت مجانا".
(14)
تفسير الثعلبي: 1/ 187. ولفظه "وذلك أنّ رؤساء اليهود كانت لهم مآكل يصيبونها من سفلتهم وعوامّهم يأخذون منهم شيئا معلوما كلّ عام من زروعهم [فخافوا أن تبينوا] صفة محمد صلى الله عليه وسلم وبايعوه أن تفوتهم تلك المآكل والرّياسة، فاختاروا الدنيا على الآخرة".
(15)
تفسير السعدي: 50.
(16)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 148.
قال الثعلبي: أي: " فاخشوني في أمر محمد لا فيما يفوتكم من الرياسة والمأكل"(1).
قال الصابوني: " أي خافون دون غيري"(2).
و(التقوى) هو: "اتخاذ وقاية من عذاب الله عز وجل، بفعل أوامره، واجتناب نواهيه"(3).
قال طلق بن حبيب: "التقوى، أن يعمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله، والتقوى أن يترك معصية الله مخافة عذاب الله على نور من الله"(4).
قال الراغب: " وإنما ذكر في الآية الأولى.
(فارهبون) وفي الآية الآخرى (فاتقون)، لأن الرهبة دون التقوى، فحينما خاطب الكافة عالمهم ومقلدهم، وحثهم على ذكر نعمة التي يشركون فيها، أمرهم بالرهبة التي هي مبادئ التقوى، وحينما خاطب العلماء منهم، وحثهم على مراعاة آياته والتنبه لما يأتي به أولوا العزم من الرسل، أمرهم بالتوقى التي هي منتهى الطاعة" (5).
وقال ابن عثيمين: " في الآية الأولى: {وإياي فارهبون} [البقرة: 40]، أمر بالتزام الشريعة، وألا يخالفوها عصياناً؛ وفي هذه الآية: {وإياي فاتقون} [البقرة: 41]، أمر بالتزام الشريعة، وألا يخالفوها لا في الأمر، ولا في النهي"(6).
قال ابن عطية: " وبين «اتقون» و «ارهبون» فرق، ان الرهبة مقرون بها وعيد بالغ"(7).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: أنه يجب على بني إسرائيل أن يؤمنوا بالقرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: {وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم} .
2 ومنها: أن الكافر مخاطب بالإسلام؛ وهذا مجمع عليه، لكن هل يخاطب بفروع الإسلام؟
الجواب: فيه تفصيل؛ إن أردت بالمخاطبة أنه مأمور أن يفعلها فلا؛ لأنه لا بد أن يُسلم أولاً، ثم يفعلها ثانياً؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل:"فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؛ فإن هم أطاعوا لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة"(8).
إذاً هم لا يخاطبون بالفعل. يعني لا يقال: افعلوا.؛ فلا نقول للكافر: تعال صلِّ؛ بل نأمره أولاً بالإسلام؛ وإن أردت بالمخاطبة أنهم يعاقبون عليها إذا ماتوا على الكفر فهذا صحيح؛ ولهذا يقال للمجرمين: {ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين} [المدثر: 72. 47] يعني هذا دأبهم حتى ماتوا؛ ووجه الدلالة من الآية أنه لولا أنهم كانوا مخاطبين بالفروع لكان قولهم: {لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين} [المدثر: 43. 44] عبثاً لا فائدة منه، ولا تأثير له.
3 ومن فوائد الآية: أن من اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً ففيه شبه من اليهود؛ فالذين يقرؤون العلم الشرعي من أجل الدنيا يكون فيهم شبه باليهود؛ لأن اليهود هم الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً؛ وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد
(1) تفسير الثعلبي: 1/ 187.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 46.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 148.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (453): ص 1/ 98.
(5)
تفسير الرابغ الأصفهاني: 1/ 171.
(6)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 148.
(7)
المحرر الوجيز: 1/ 134.
(8)
أخرجه البخاري ص 118، كتاب الزكاة، باب 63: أخذ الصدقة من الأغنياء
…
، حديث رقم 1496؛ وأخرجه مسلم ص 684، كتاب الإيمان، باب 7: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، حديث رقم 121 [29]19.
عَرْفَ الجنة يوم القيامة" (1) يعنى ريحها؛ وحينئذ يشكل على كثير من الطلبة من يدخل الجامعات لنيل الشهادة: هل يكون ممن اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً؟
والجواب: أن ذلك حسب النية؛ إذا كان الإنسان لا يريد الشهادة إلا أن يتوظف ويعيش، فهذا اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً؛ وأما إذا كان يريد أن يصل إلى المرتبة التي ينالها بالشهادة من أجل أن يتبوأ مكاناً ينفع به المسلمين فهذا لم يشتر بآيات الله ثمناً قليلاً؛ لأن المفاهيم الآن تغيرت، وصار الإنسان يوزن بما معه من بطاقة الشهادة.
4 ومن فوائد الآية: أن جميع ما في الدنيا قليل، ويشهد لهذا قوله تعالى:{قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلًا} [النساء: 77].
5 ومنها: أن شرائع الله من آياته لما تضمنته من العدل، والإصلاح. بخلاف ما يسنُّه البشر من الأنظمة والقوانين فإنه ناقص:
أولاً: لنقص علم البشر، وعدم إحاطتهم بما يُصلح الخلق.
ثانياً: لخفاء المصالح عليهم: فقد يظن ما ليس بمصلحة مصلحة؛ وبالعكس.
ثالثاً: أننا لو قدرنا أن هذا الرجل الذي سن النظام، أو القانون من أذكى الناس، وأعلم الناس بأحوال الناس فإن علمه هذا محدود في زمانه، وفي مكانه؛ أما في زمانه فظاهر؛ لأن الأمور تتغير: قد يكون المصلحة للبشر في هذا الزمن كذا، وكذا؛ وفي زمن آخر خلافه؛ وفي المكان أيضاً قد يكون هذا التشريع الذي سنه البشر مناسباً لأحوال هؤلاء الأمة في مكانهم؛ ولكن في أمة أخرى لا يصلح؛ ولهذا ضل كثير من المسلمين مع الأسف الشديد في أخذ القوانين الغربية، أو الشرقية، وتطبيقها على مجتمع إسلامي؛ لأن الواجب تحكيم الكتاب، والسنة؛ والعجب أن بعض الناس. نسأل الله العافية. تجدهم قد مشوا على قوانين شرعت من عشرات السنين، أو مئاتها، وأهلها الذين شرعوها قد عدلوا عنها، فصار هؤلاء كالذين يمشمشون العظام بعد أن ترمى في الزبالة؛ وهذا شيء واضح: هناك قوانين شرعت لقوم كفار، ثم تغيرت الحال، فغيروها، ثم جاء بعض المسلمين إلى هذه القوانين القشور الملفوظة، وصاروا يتمشمشونها.
6.
ومن فوائد الآية: وجوب تقوى الله عز وجل، وإفراده بالتقوى؛ لقوله تعالى:{وإياي فاتقون} .
فإن قال قائل: أليس الله يأمرنا أن نتقي أشياء أخرى، كقوله تعالى:{واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله} [البقرة: 281]، وقوله تعالى:{واتقوا النار التي أعدت للكافرين} [آل عمران: 131]، وقوله تعالى:{واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} [الأنفال: 25]؟
فالجواب: بلى، ولكن اتقاء هذه الأمور من تقوى الله عز وجل. فلا منافاة.
القرآن
{وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)} [البقرة: 42]
التفسير:
ولا تخلِطوا الحق الذي بيَّنته لكم بالباطل الذي افتريتموه، واحذروا كتمان الحق الصريح من صفة نبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم التي في كتبكم، وأنتم تعلمون أنه الحق وتجدونها مكتوبة عندكم، فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم.
قوله تعالى {وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 42]، " أي لا تخلطوا الحق المنزل من الله بالباطل الذي تخترعونه"(2).
قال الثعلبي: " أي خلطت وشبهت الحقّ الذي أنزل إليكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم"(3).
(1) أخرجه أبو داود ص 1494، كتاب العلم، باب 11: في طلب العلم لغير الله، حديث رقم 3664؛ وأخرجه ابن ماجة ص 2492، كتاب السنة، باب 23: الانتفاع بالعلم والعمل به، حديث رقم 252؛ وأخرجه أحمد 2/ 338، حديث رقم 8438؛ وأخرجه الحاكم في مستدركه 1/ 85، كتاب العلم، وقال: هذا حديث صحيح سنده ثقات رواته على الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، ومدار الحديث على فليح بن سليمان الخزاعي، قال الدارقطني: يختلفون فيه وليس به بأس، تهذيب التهذيب 8/ 273، وقال الحاكم فيه:"اتفاق الشيخين عليه يقوي أمره، ت. التهذيب، وقال عبد القادر الأرناوؤط في تخريج جامع الأصول 4/ 544، حاشية رقم 1: "توبع في جامع بيان العلم 1/ 90 فهو به حسن". أهـ.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 46.
(3)
تفسير الثعلبي: 1/ 187.
قال ابن عثيمين: " أي لا تمزجوا بينهما حتى يشتبه الحق بالباطل؛ فهم كانوا يأتون بشبهات تُشَبِّه على الناس؛ فيقولون مثلاً: محمد حق، لكنه رسول الأميين لا جميع الناس"(1).
وفي قوله: {الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 42]، ثلاثة أوجه:
أحدها: لا تخلطوا الصدق بالكذب، وهو قول ابن عباس (2).
والثاني: اليهودية والنصرانية بالإسلام، وهو قول مجاهد (3).
والثالث: الحقُّ: التوراةُ التي أُنْزِلَتْ على موسى، والباطلُ: الذي كتبوه بأيديهم. وهو قول ابن زيد (4).
و(اللبس): هو الخلط، لبست عليه الأمر ألبسه، إذا مزجت بينه بمشكله وحقه بباطله قال الله تعالى {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9] (5)، ومنه ومنه قول العجاج (6):
لَمَّا لَبَسْنَ الْحَقَّ بِالتَّجَنِّي
…
غَنِينَ وَاسْتَبْدَلْنَ زَيْدًا مِنِّي
فقوله (لبسن) أي: خلطْن.
ومن ذلك قول الخنساء (7):
ترى الجليس يقول الحق تحسبه
…
رشدا وهيهات فانظر ما به التبسا
صدق مقالته واحذر عداوته
…
والبس عليه أمورا مثل ما لبسا
وأما (اللُّبس) -بضم اللام- فإنه يقال منه: لبِسْته ألبَسُه لُبْسًا ومَلْبَسًا، وذلك الكسوةُ يكتسيها فيلبسها، ومنه قول الأخطل (8):
لَقَدْ لَبِسْتُ لِهَذَا الدَّهْرِ أَعْصُرَهُ
…
حَتَّى تَجَلَّلَ رَأْسِي الشَّيْبُ واشْتَعَلا
وتجدر الإشارة بأن كلمة (اللباس) جاءت في القرآن على ثلاثة أوجه هي:
الأول: اللباس المعروف، ومنه قوله تعالى:{يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 26]، وقوله:{إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج: 23]، وفي موضع آخر:{جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [فاطر: 33]، وقوله تعالى:{يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ} [الدخان: 53]، {أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف: 31].
والثاني: السكن: ومنه قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [البقرة: 187]، وقوله تعالى:{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا} [النبأ: 10].
والثالث: العمل الصالح: ومنه قوله تعالى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26].
و(الباطل) في كلام العرب: خلاف الحق (9)، ومعناه الزائل، قال لبيد (10):
(1) تفسير ابن عثيمين: 1/ 152.
(2)
أنظر: تفسير الطبري (823): ص 1/ 568.
(3)
أنظر: تفسير الطبري (825): ص 1/ 568.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (826): ص 1/ 568.
(5)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 567، وتفسير ابن القرطبي: 1/ 340.
(6)
ديوانه: 65. غني عن الشيء واستغنى: اطرحه ورمى به من عينه ولم يلتفت إليه.
(7)
البيتين ذكرهما القرطبي في تفسيره: 1/ 340.
(8)
ديوانه: 142، وفيه " وقد لبست ". وأعصر جمع عصر: وهو الدهر والزمان. وعني هنا اختلاف الأيام حلوها ومرها، فجمع. ولبس له أعصره: عاش وقاسى خيره وشره. وتجلل الشيب رأسه: علاه.
(9)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 341.
(10)
البيت للبيد بن ربيعة في ديوانه ص 256؛ وجواهر الأدب ص 382؛ وخزانة الأدب 2/ 255 - 257؛ والدرر 1/ 71؛ وديوان المعاني 1/ 18؛ وسمط اللآلي ص 253؛ وشرح التصريح 1/ 29؛ وشرح شواهد المغني 1/ 150، 153، 154، 392؛ وشرح المفصل 2/ 78؛ والعقد الفريد 5/ 273؛ ولسان العرب 5/ 351 "رجز"؛ والمقاصد النحوية 1/ 5، 7، 291؛ ومغني اللبيب 1/ 133؛ وهمع الهوامع 1/ 3؛ وبلا نسبة في أسرار العربية ص 211؛ وأوضح المسالك 2/ 289؛ والدرر 3/ 166؛ ورصف المباني ص 269؛ وشرح شواهد المغني 2/ 531؛ وشرح عمدة الحافظ ص 263؛ وشرح قطر الندى ص 248؛ واللمع ص 154؛ وهمع الهوامع 1/ 266. قوله: لا محالة: لا بد. زائل: فان.
يقول: كل شيء في هذا الوجود ماض إلى زوال إلا وجه ربك ذي الجلال والإكرام. وللنحويين في هذا البيت شاهدان أولهما قوله: "ما خلا الله" حيث ورد بنصب لفظ الجلالة بعد "خلا" فدل ذلك على أن الاسم الواقع بعد "ما خلا" يكون منصوبا، وذلك لأن "ما" هذه مصدرية، وما المصدرية لا يكون بعدها إلا فعل، ولذلك يجب نصب ما بعدها على أنه مفعول به، وإنما يجوز جره إذا كانت حرفا، وهي لا تكون حرفا متى سبقها الحرف المصدري. وثانيهما توسط المستثنى بين جزأي الكلام في قوله:"ألا كل شيء ما خلا الله باطل" يريد: ألا كل شيء باطل ما خلا الله. [(تنظر: شرح الأشموني لألفية ابن مالك: 1/ 26).
Bottom of Form
أَلا كُلُّ شَيْء مَا خَلا الله بَاطِلُ
…
وكل نعيم لا محالة زائل
قوله تعالى: {وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ} [البقرة: 42]، أي:"ولا تكتموا الحق الذي تعرفونه"(1).
قال ابن كثير: " أي: لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به"(2).
قال المراغي: " فالنهى الأوّل عن التغيير، والنهى الثاني عن الكتمان وقد أبانت الآية طريقهم في الغواية والإغواء (3).
وقيل: " ويجوز صرف الخطاب إلى المسلمين وإلى كل صنف منهم، وبيانه أن يقال: أيها السلاطين لا تخلطوا العدل بالجوز، ويا أيها القضاة لا تخلطوا الحكم بالرشوة، وهكذا كل فريق"(4).
قلت: هذا الوجه وإن كان معناه صحيحاً، إلا أنه بعيد عن ظاهر القرآن، وفيه تكلف لسنا بحاجة إليه، والله أعلم.
وقوله {وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ} [البقرة: 42]، فيه وجهان من التفسير (5):
أحدهما: يكون الله جل ثناؤه نهاهم عن أن يكتموا الحق، كما نهاهم أن يلبسوا الحق بالباطل، فيكون معنى الآية حينئذ: ولا تلبسوا الحق بالباطل ولا تكتموا الحق.
وهذا مذهب ابن عباس-رضي الله عنه (6).
والثاني: أن يكون النهي من الله جل ثناؤه لهم عن أن يلبسوا الحق بالباطل، ويكون قوله:" وتكتموا الحق " خبرًا منه عنهم بكتمانهم الحق الذي يعلمونه، ونظيرُ ذلك في المعنى والإعراب قول الشاعر (7):
(1) تفسير المراغي: 1/ 97.
(2)
تفسير ابن كثير: 1/ 1/245.
(3)
تفسير المراغي: 1/ 97 - 98. ثم قال: " فقد جاء في كتبهم:
(1)
التحذير من أنبياء كذبة يبعثون فيهم، وتكون لهم عجائب وأفاعيل تدهش الألباب.
(2)
أن الله يبعث فيهم نبيا من ولد إسماعيل يقيم به أمة، وأنه يكون من ولد الجارية (هاجر) وبين علامات واضحة له لا لبس فيها ولا اشتباه.
فأخذ الأحبار والرهبان يلبسون على العامة الحق بالباطل، ويوهمونهم أن النبي صلى الله عليه وسلم من أولئك الأنبياء الذين وصفوا في التوراة بالكذب، ويكتمون ما يعرفونه من أوصاف لا تنطبق إلا عليه، وما يعرفونه من نعوت الأنبياء الصادقين وسبيل دعوتهم إلى الله، إلى أنهم كانوا يصدونهم عن السبيل القويم بعدم الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم بزيادات يستحدثونها، وتقاليد يبتدعونها بضروب من التأويل والاستنباط من كلام بعض سلفهم وأفعالهم ويحكّمونها في الدين ويحتجون بأن الأقدمين كانوا أعلم بكلام الأنبياء وأشد اتباعا لهم، فعلى من بعدهم أن يأخذ بكلامهم دون كلام الأنبياء الذي يصعب علينا فهمه بزعمهم، لكن هذه المعذرة لم يتقبلها الله منهم، ونسب إليهم اللبس والكتمان للحق الذي في التوراة إلى يومنا هذا، كما لم يتقبل ممن بعدهم من العلماء في أي شريعة ودين أن يتركوا كتابه ويتبعوا كلام العلماء بتلك الحجة عينها، فكل ما يعلم من كتاب الله يجب علينا أن نعمل به، وما لا يعلم يسأل عنه أهل الذكر، ومتى فهمناه وعلمناه عملنا به".
(4)
تفسير المراغي: 1/ 98. نقله في التيسير.
(5)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 569 - 570.
(6)
انظر: تفسير الطبري (827)، و (828): ص 1/ 569 - 570.
(7)
هذا من الأبيات التي رويت في عدة قصائد. كما قال صاحب الخزانة 3: 617. نسبه سيبويه 1: 424 للأخطل، وهو في قصيدة للمتوكل الليثي، ونسب لسابق البربري، وللطرماح، ولأبي الأسود الدؤلي قصيدة ساقها صاحب الخزانة (3: 618)، وليست في ديوانه الذي نشره الأستاذ محمد حسن آل ياسين في (نفائس المخطوطات) طبع مطبعة المعارف ببغداد سنة 1373 هـ (1954 م)، وهذا الديوان من نسخة بخط أبي الفتح عثمان بن جنى. ولم يلحقها الأستاذ الناشر بأشتات شعر أبي الأسود التي جمعها.
لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ
…
عَارٌ عَلَيْكَ إَِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
وهذا مذهب أبي العالية (1)، ومجاهد (2).
و(الواو) في قوله تعالى: {وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ} [البقرة: 42] تحتمل وجهين (3):
أحدهما: أنها عاطفة. والمعنى: لا تلبسوا الحق بالباطل ولا تكتموا الحق؛ فتكون الجملتان منفرداً بعضهما عن بعض.
والثاني: أنها واو المعية. فيكون النهي عن الجمع بينهما؛ والمعنى: ولا تلبسوا الحق بالباطل مع كتمان الحق.
قال ابن عثيمين: "لكن على هذا التقدير [أي الواو المعية]، يبقى إشكال: وهو أن قوله تعالى: {لا تلبسوا الحق بالباطل} يقتضي أنهم يذكرون الحق، والباطل؛ فيقال: نعم، هم وإن ذكروا الحق والباطل فقد كتموا الحق في الحقيقة؛ لأنهم لبسوه بالباطل، فيبقى خفيا"(4).
وفي (الحق) الذي كتموه، ثلاثة أوجه (5):
أحدها: أنه أمر محمد-صلى الله عليه وسلم. قاله ابن عباس (6)، ومجاهد (7)، والسدي (8)، وأبو العالية (9)، وروي عن الربيع بن أنس (10)، مثل ذلك.
والثاني: أنه الإسلام. قاله الحسن (11)، وقتادة (12).
والثالث: أن يكون الحق عامًّا، فيندرج فيه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن، وما جاء به صلى الله عليه وسلم.
قال أبو حيان: " وكتمانه، أنهم كانوا يعلمون ذلك ويظهرون خلافه"(13).
وقرأ عبد الله: {وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ} (14)، وذلك في احتمال الجواب والعطف (15).
وقال الراغب: " {وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ} أخص من قوله: {تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ}، لأن اللبس هو الخلط بغيره، والكتمان إخفاؤه جملة"(16).
قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 42]، أي:" والحال أنكم تعلمون صنيعكم"(17).
قال ابن كثير: " وأنتم تجدونه مكتوبا عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم"(18).
قال أبو حيان: أي: "وأنتم من ذوي العلم، فلا يناسب من كان عالماً أن يكتم الحق ويلبسه بالباطل"(19).
وقال ابن عباس: " أي: أنتم تجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم"(20).
(1) انظر: تفسير الطبري (829): 1/ 570.
(2)
انظر: تفسير الطبري (830)، و (831): ص 1/ 570.
(3)
انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 152.
(4)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 152.
(5)
أنظر: تفسير الطبري: 1/ 571 - 572، والبحر المحيط: 1/ 151.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (832): ص 1/ 571.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (834): ص 1/ 571.
(8)
أنظر: تفسير الطبري (836): ص 1/ 571، وابن أبي حاتم (458): ص 1/ 99.
(9)
أنظر: تفسير الطبري (837): ص 1/ 571 - 572.
(10)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 99.
(11)
نقلا عن: البحر المحيط: 1/ 151.
(12)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (460): ص 1/ 99. ولفظه: " وكتموا الإسلام وهم يعلمون أنه دين الله".
(13)
البحر المحيط: 1/ 151.
(14)
البحر المحيط: 1/ 151.
(15)
أنظر: تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 172.
(16)
تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 171.
(17)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 152.
(18)
تفسير ابن كثير: 1/ 1/245.
(19)
البحر المحيط: 1/ 151.
(20)
أخرجه ابن أبي حاتم (459): ص 1/ 99.
وقال قتادة: " وهم يعلمون أنه رسول الله"(1).
قال الراغب: " وقوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} تعظيم لارتكاب الذنب، فإنه مع العلم بقبحة لأعظم عقوبة. وفي الآية حث على تجنب الشر والنهي عن كل تلبيس وتمويه وإن كانت الآية واردة فيمن آمنوا ببعض الكتاب، وكفروا بالبعض، وجحدوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم"(2).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: وجوب بيان الحق، وتمييزه عن الباطل؛ فيقال: هذا حق، وهذا باطل؛ لقوله تعالى:
{ولا تلبسوا الحق بالباطل} ؛ ومن لبْس الحق بالباطل: أولئك القوم الذين يوردون الشبهات إما على القرآن، أو على أحكام القرآن، ثم يزيلون الإشكال. مع أن إيراد الشبه إذا لم تكن قريبة لا ينبغي. ولو أزيلت هذه الشبهة؛ فإن الشيطان إذا أوقع الشبهة في القلب فقد تستقر فيه. وإن ذكِر ما يزيلها ..
2 ومن فوائد الآية: أنه ليس هناك إلا حق، وباطل؛ وإذا تأملت القرآن والسنة وجدت الأمر كذلك؛ قال تعالى:{ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل} [الحج: 62]، وقال تعالى:{وإنا أو إياكم لعلى هدًى أو في ضلال مبين} [سبأ: 24]، وقال تعالى:{فماذا بعد الحق إلا الضلال} [يونس: 32]، وقال تعالى:{فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} [الكهف: 29]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم "القرآن حجة لك أو عليك"(3).
فإن قال قائل: أليس هناك مرتبة بين الواجب، والمحرم؛ وبين المكروه، والمندوب. وهو المباح.؟ قلنا: بلى، لا شك في هذا؛ لكن المباح نفسه لا بد أن يكون وسيلة إلى شيء؛ فإن لم يكن وسيلة إلى شيء صار من قسم الباطل كما جاء في الحديث:"كل لهو يلهو به ابن آدم فهو باطل إلا لعبه في رمحه، ومع أهله، وفي فرسه"(4)؛ وهذه الأشياء الثلاثة إنما استثنيت؛ لأنها مصلحة. كلها تعود إلى مصلحة ..
3 ومن فوائد الآية: تحريم كتمان الحق؛ لقوله تعالى: {وتكتموا} ؛ ولكن هل يقال: إن الكتمان لا يكون إلا بعد طلب؟
الجواب: نعم، لكن الطلب نوعان: طلب بلسان المقال؛ وطلب بلسان الحال؛ فإذا جاءك شخص يقول: ما تقول في كذا، وكذا: فهذا طلب بلسان المقال؛ وإذا رأيت الناس قد انغمسوا في محرم: فبيانه مطلوب بلسان الحال؛ وعلى هذا فيجب على الإنسان أن يبين المنكر، ولا ينتظر حتى يُسأل؛ وإذا سئل ولم يُجب لكونه لا يعلم فلا إثم عليه؛ بل هذا هو الواجب؛ لقوله تعالى:{ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 23]. هذه واحدة.
ثانياً: إذا رأى من المصلحة ألا يبين فلا بأس أن يكتم كما جاء في حديث علي بن أبي طالب: "حدثوا الناس بما يعرفون؛ أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ ! "(5)؛ وقال ابن مسعود: "إنك لن تحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"(6)؛ فإذا رأيت من المصلحة ألا تبين فلا تبين ولا لوم عليك.
ثالثاً: إذا كان قصد السائل الامتحان، أو قصده تتبع الرخص، أو ضرب أقوال العلماء بعضها ببعض. وأنت تعلم هذا.: فلك أن تمتنع؛ الامتحان أن يأتي إليك، وتعرف أن الرجل يعرف المسألة، لكن سألك لأجل أن يمتحنك: هل أنت تعرفها، أو لا؛ أو يريد أن يأخذ منك كلاماً ليشي به إلى أحد، وينقله إلى أحد: فلك أن تمتنع؛ كذلك إذا علمت أن الرجل يتتبع الرخص، فيأتي يسألك يقول: سألت فلاناً، وقال: هذا حرام. وأنت تعرف أن المسؤول رجل عالم ليس جاهلاً: فحينئذٍ لك أن تمتنع عن إفتائه؛ أما إذا كان المسؤول رجلاً تعرف أنه ليس
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (460): ص 1/ 99.
(2)
تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 171.
(3)
أخرجه مسلم 718، كتاب الطهارة، باب 1: فضل الوضوء، حديث رقم 534 [1]223.
(4)
أخرجه أحمد 4/ 144، 148؛ وأخرجه أبو داود ص 1409، كتاب الجهاد، باب 23: في الرمي، حديث رقم 2513؛ وأخرجه الترمذي ص 1820، كتاب فضائل الجهاد، باب 11: ما جاء في فضل الرمي في سبيل الله، حديث رقم 1637؛ وأخرجه النسائي ص 2324، كتاب الخيل، باب 8؛ تأديب الرجل فرسه، حديث رقم 3608؛ وأخرجه الحاكم في مستدركه 2/ 95، كتاب الجهاد، ومدار إسناد بعضها على خالد بن زيد، قال الحافظ في التقريب: مقبول، وصحح الحاكم حديثه في المستدرك (2/ 95) ووافقه الذهبي، وقال: صحيح، ومدار بعضها على عبد الله بن زيد الأزرق، قال شعيب الأرناؤوط في تحرير التقريب 2/ 244: مجهول لم يرو عنه إلا أبو سلام.
(5)
سبق تخريجه ص 18، حاشية رقم 1.
(6)
سبق تخريجه ص 18، حاشية رقم 2.
عنده علم. إما من عامة الناس، أو من طلبة العلم الذين لم يبلغوا أن يكونوا من أهل الفتوى: فحينئذ يجب عليك أن تفتيه؛ لأنه لا حرمة لفتوى من أفتاه؛ أما لو قال لك: أنا سألت فلاناً، ولكني كنت أطلبك، ولم أجدك، وللضرورة سألت فلاناً؛ لكن لما جاء الله بك الآن أفتني: فحينئذ يجب عليك أن تفتيه؛ لأن حال هذا الرجل كأنه يقول: أنا لا أطمئن إلا لفتواك؛ وخلاصة القول أنه لا يجب عليك الإفتاء إلا إذا كان المستفتي مسترشداً؛ لأن كتمان الحق لا يتحقق إلا بعد الطلب بلسان الحال، أو بلسان المقال.
القرآن
{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} [البقرة: 43]
التفسير:
وادخلوا في دين الإسلام: بأن تقيموا الصلاة على الوجه الصحيح، كما جاء بها نبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وتؤدوا الزكاة المفروضة على الوجه المشروع، وتصلوا مع المصلين من أمته صلى الله عليه وسلم.
في سبب نزولها: "ذُكِر أن أحبارَ اليهود والمنافقين كانوا يأمرون الناس بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولا يفعلونه، فأمرهم الله بإقام الصلاة مع المسلمين المصدِّقين بمحمد وبما جاء به، وإيتاء زكاة أموالهم معهم، وأن يخضعوا لله ولرسوله كما خضعوا"(1).
وأخرج الطبري عن قتادة، في قوله:{وأقيموا الصلاةَ وآتُوا الزكاة} ، قال: فريضتان واجبتان، فأدُّوهما إلى الله" (2).
قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 43]، "أي ائتوا بها مستقيمة بشروطها، وأركانها، وواجباتها، ومكملاتها"(3).
قال مقاتل بن حيان: "قوله لأهل الكتاب {أقيموا الصلاة}، أمرهم أن يصلوا مع النبي- صلى الله عليه وسلم"(4). وكذا فسّره ابن كثير (5).
قال الثعلبي: " أي: "وحافظوا على الصلوات الخمس بمواقيتها [وأركانها] وركوعها وسجودها" (6).
قال ابن عطية: " معناه: أظهروا هيئتها وأديموها بشروطها"(7).
قال الزمخشري: " يعنى صلاة المسلمين. لأنّ اليهود لا ركوع في صلاتهم"(8).
قال ابن عثيمين: " وهذا كما أمر الله تعالى به بني إسرائيل، أمر به هذه الأمة، و {الصلاة} هنا تشمل الفريضة، والنافلة"(9).
وأخرج ابن أبي حاتم "عن الحسن في قوله: {وأقيموا الصلاة}، قال: فريضة واجبة لا تنفع الأعمال إلا بها وبالزكاة"(10). وروي عن عطاء بن أبي رباح وقتادة نحو ذلك (11).
وقال الزهري: "إقامتها أن تصلي الصلوات الخمس لوقتها"(12).
و(إقامة الصلاة): "أداؤها - بحدودها وفروضها والواجب فيها - على ما فُرِضَتْ عليه، كما يقال: أقام القومُ سُوقَهم، إذا لم يُعَطِّلوها من البَيع والشراء فيها"(13)، وكما قال الشاعر (14):
(1) تفسير الطبري: 1/ 572.
(2)
تفسير الطبري (839): 1/ 572.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 156.
(4)
تفسير ابن أبي حاتم (463): ص 1/ 99.
(5)
أنظر: تفسيره: 1/ 1/245.
(6)
تفسير الثعلبي: 1/ 188.
(7)
المحرر الوجيز: 1/ 136.
(8)
الكشاف: 1/ 133.
(9)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 156.
(10)
تفسير ابن أبي حاتم (461): ص 1/ 99.
(11)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ص 1/ 99.
(12)
تفسير ابن أبي حاتم (462): ص 1/ 99.
(13)
تفسير الطبري: 1/ 241.
(14)
البيت ذكره الطبري ولم أتعرف على قائله. انظر: تفسير الطبري: 1/ 241.
أَقَمْنَا لأَهْلِ الْعِرَاقَيْنِ سُوقَ الـ
…
ـضِّرَاب فَخَامُوا وَوَلَّوْا جَمِيعَا
قوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43]، "يعني: وأدّوا زكاة أموالكم المفروضة" (1).
قال الطبري: " وإيتاءُ الزكاة، هو أداء الصدقة المفروضة"(2).
قال ابن عثميمين: " أي أعطوا الزكاة"(3).
قال مقاتل بن حيان: " قوله لأهل الكتاب: {وآتوا الزكاة}، أمرهم أن يؤتوا الزكاة، يدفعونها إلى النبي صلى الله عليه وسلم"(4). وكذا فسّره ابن كثير (5).
وتعددت أقوال أهل التفسير في قوله تعالى {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43]، على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن المراد: هو أداء الصدقة المفروضة. وهذا قول الأكثرين، وهو الصحيح.
والثاني: وقيل: أن المراد: صدقة الفطر. قاله الحارث العكلي (6).
والثالث: أن المراد بـ"الزكاة طاعة لله والإخلاص". قاله ابن عباس (7).
والراجح- والله أعلم- هو القول الأول، وأما الوجهان الآخران، فلا يخفى ما فيهما من التكلف، مع تسليمنا بصدق ما يتضمنه من معان نفيسة. والله أعلم.
واختلف في أصل (الزَّكاة) على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها مأخوذة من: زكا الشيء، إذا نما وزاد، قال الراغب: أصل الزكاة: النمو الحاصل عن بركة الله تعالى (8).
قال ابن عطية: "وسمي الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه، من حيث ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثيب الله به المزكي"(9).
الثاني: أن (الزَّكاةَ) مأخوذة من التطهير، كما يقال زكا فلان أي طهر من دنس الجرحة أو الاغفال (10).
قال ابن عطية: فكأن الخارج من المال يطهره من تبعة الحق الذي جعل الله فيه للمساكين، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى في الموطأ ما يخرج في الزكاة أوساخ الناس (11) " (12).
واختار الطبري هذا الوجه، قائلا: " وقد يحتمل أن تكون سُمِّيت زكاة، لأنها تطهيرٌ لما بقي من مال الرجل، وتخليص له من أن تكون فيه مَظْلمة لأهل السُّهْمان (13)، كما قال جل ثناؤه مخبرًا عن نبيه موسى
(1) تفسير الثعلبي: 1/ 188.
(2)
تفسير الطبري: 1/ 572.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 156.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (469): ص 1/ 100.
(5)
أنظر: تفسيره: 1/ 1/245.
(6)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (468): ص 1/ 100.
(7)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (464): ص 1/ 100.
(8)
المفردات في غريب القرآن ص: 213 والمعجم الوسيط ص: 398.
(9)
المحرر الوجيز: 1/ 136.
(10)
انظر: تهذيب اللغة (زكا) 2/ 1542، واللسان:(زكا) 3/ 1849، والمصباح ج 1 ص: 272 والمختار من صحاح اللغة ص 218 والمطلع على أبواب المقنع ص: 222 والروض المربع ج 1 ص: 107 والمجموع شرح المهذب ج 5 ص: 291، والمحرر الوجيز: 1/ 136.
(11)
رواه مسلم (1072)، ولفظه:""إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس".
وإنما كانت الزكاة أوساخ الناس؛ لأن الناس يتطهرون بإخراجها، كما قال الله تعالى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} [التوبة: 103]، وليس لها علاقة بمستحقي الزكاة، بل هي مال طيب حلال بالنسبة لهم، لكن إخراجها تطييب وتطهير لما يمكن أن يشوب صاحبها أو عمله أو ماله من سوء، فلذلك منع منها النبي صلى الله عليه وسلم آل محمد، لكن ليس هذا فيه إزراء بالناس، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، يمنع آل النبي صلى الله عليه وسلم من أخذها صيانة لهم عن أن يقبلوا ما تطهر به الناس، وهذه مرتبة عليا، لكن هذا لا يعني أن من يأخذ الزكاة بحق فهو ناقص، فقد جعل الله من مصارف الزكاة الجهاد في سبيل الله، وهو من أفضل الأعمال، ومن مصارفها الغارم للإصلاح بين الناس ولو كان غنيًّا، وهو من خير الأعمال، قال الله تعالى:{لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} ، والمقصود أنه ليس صحيحًا أن إعطاء الزكاة لمن يستحقها تنقص له، ومن فهم بهذا المعنى فإنه لم يفهم مراد النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
(12)
المحرر الوجيز: 1/ 136.
(13)
السهمان جمع سهم، كالسهام: وهو النصيب والحظ.
صلوات الله عليه: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً)[سورة الكهف: 74]، يعني بريئة من الذنوب طاهرة. وكما يقال للرجل: هو عدل زَكِيٌّ - لذلك المعنى، وهذا الوجه أعجب إليّ - في تأويل زكاة المال - من الوجه الأوّل، وإن كان الأوّل مقبولا في تأويلها" (1).
وقال ابن الأثير: وأصل الزكاة في اللغة: الطهارة والنماء والبركة والمدح فالزكاة طهرة للأموال وزكاة الفطر طهرة للأبدان (2).
قلت: وكل ذلك صحيح في معنى التسمية فهي تزكي وتنمي المعطي والمعطى والمال الذي أخرجت منه.
والثالث: وقيل زكا الفَرْدُ، إذا صارَ زَوْجًا، بزيادة الزائد عليه حتى صار به شفْعًا.
قال الواحدي: "والعرب تقول للفرد: خسا، وللزوجين اثنين: زكا، قيل لهما: زكا، لأن الاثنين أكثر من الواحد"(3)، ثم استشهد بقول الشاعر (4):
إِذا نَحْنُ في تِعْدَادِ خَصْلِكَ لَمْ نَقُلْ
…
خَسَا وَزَكا أَعْيَيْن مِنَّا المُعَدِّدَا
ومنه قول الشاعر (5):
كَانُوا خَسًا أو زَكًا مِنْ دُونِ أَرْبَعَةٍ
…
لَمْ يُخْلَقُوا، وَجُدُودُ النَّاسِ تَعْتَلجُ
وقال آخر (6):
فَلا خَسًا عَدِيدُهُ وَلا زَكا
…
كَمَا شِرَارُ الْبَقْلِ أَطْرَافُ السَّفَا
والسفا شوك البُهْمَى، والبُهْمى الذي يكون مُدَوَّرًا في السُّلاء، ويعني بقوله:(ولا زكا)، لم يُصَيِّرْهم شَفعًا من وَترٍ، بحدوثه فيهم (7).
قال الواحدي: "والأظهر أن أصلها من الزيادة"(8)، ثم استشهد بقول النابغة (9):
وَمَا أَخَّرْتَ مِنْ دُنْيَاكَ نَقْصٌ
…
وَإِن قَدَّمْتَ عَادَ لَكَ الزَّكاءُ
أراد بالزكاء: الزيادة (10).
والزكاة شرعًا: حق واجب في مال مخصوص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص (11).
قوله تعالى: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43]، " أي صلوا مع المصلين"(12).
روي عن مجاهد في قوله تعالى: {واركعوا} ، قال:"صلوا"(13).
وقال مقاتل بن حيان: " أمرهم أن يركعوا مع الراكعين، مع أمة محمد يقول: كونوا منهم ومعهم"(14).
قال الثعلبي: "يعني وصلّوا مع المصلين محمّد وأصحابه"(15).
(1) تفسير الطبري: 1/ 574.
(2)
النهاية في غريب الحديث ج 2 ص: 307.
(3)
التفسير البسيط: 1/ 445 - 446.
(4)
البيت في "الزاهر" 2/ 187، وفي شعر الكميت جمع دواد سلوم 1/ 162، وفيه: (إذا نحن في تكرار وصفك
…
).
(5)
اللسان (خسا)، وفيه:" الفراء: العرب تقول للزوج زكا، وللفرد خسا. . . قال، وأنشدتني الدبيرية. . . " وأنشد البيت. وتعتلج: تصطرع ويمارس بعضها بعضا.
(6)
الرجل من بني سعد، ثم أحد بني الحارث في عمرو بن كعب بن سعد، وهذا الرجز في خبر للأغلب العجلي، (طبقات فحول الشعراء: 572 / ومعجم الشعراء: 490 / والأغاني 18: 164) ورواية الطبقات والأغاني: " كما شرار الرعى ". والرعى (بكسر فسكون): الكلأ نفسه، والمرعى أيضًا. والسفا: شوط البهمي والسنبل وكل شيء له شوك. يقول: أنت في قومك كالسفا في البهمي، هو شرها وأخبثها. والبيت الأول زيادة ليست في المراجع المذكورة.
(7)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 573.
(8)
التفسير البسيط: 2/ 445.
(9)
ورد البيت في "الزاهر" 2/ 187، "شمس العلوم" 2/ 223.
(10)
أنظر: التفسير البسيط: 2/ 445.
(11)
الإقناع في فقه الإمام ابن حنبل ج 1 ص: 242.
(12)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 156. قال ابن عثيمين: " وإنما قلنا ذلك، لأنه لا يُتعبد لله بركوع مجرد".
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (470): ص 1/ 100.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (471): ص 1/ 100.
(15)
تفسير الثعلبي: 1/ 188.
قال البيضاوي: " أي في جماعتهم، فإن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة لما فيها من تظاهر النفوس"(1).
قال ابن عطية: " وقالت فرقة: إنما قال {مَعَ}، لأن الأمر بالصلاة أولا لم يقتض شهود الجماعة، فأمرهم بقوله {مَعَ}، بشهود الجماعة"(2).
قال الواحدي: " عبّر بالركوع عن جميع الصلاة، إذ كان ركناً من أركانها، كما عبر باليد عن الجسد في قوله {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} [الحج: 10] "(3).
وذكر أهل العلم في أصل (الركوع) قولين (4):
أحدهما: أنه مأخوذ من المذلَّة والخضوع، وهو قول الأصمعي والمفضل، قال الأضبطُ بنُ قريع السَّعْدِيُّ (5):
لا تُذِلَّ الضَّعِيفَ عَلَّكَ أَنْ تَرْ
…
كَعَ يَوْماً وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ
و(الرُّكوع): هو الخضوع لله بالطاعة، يقال منه: ركع فلانٌ لكذا وكذا، إذا خضع له (6)، ومنه قول الشاعر (7):
بِيعَتْ بِكَسْرٍ لَئِيمٍ وَاسْتَغَاثَ بِهَا
…
مِنَ الْهُزَالِ أَبُوهَا بَعْدَ مَا رَكَعَا
قوله: (بعد ما ركعا) أي: بعد مَا خضَع من شِدَّة الجهْد والحاجة.
الثاني: أنه مأخوذ من التطامن والانحناء، وهو قول الخليل، وابن زيدٍ.
فقال أهل اللغة: "وكل شيء ينكب لوجهه وتمس ركبته الأرض أو لا تمسها بعد أن يخفض رأسه فهو راكع، ويقال للشيخ إذا انحنى من الكبر: قد ركع، قال لبيد (8):
أُخَبِّرُ أَخْبَارَ القُرُونِ التِي مَضَتْ
…
أَدِبُّ كَأَني كُلَّما قُمْتُ رَاكِعُ
فالراكع: المنحني في قول لبيد، وقال آخر (9):
(1) تفسير البيضاوي: 1/ 77.
(2)
المحرر الوجيز: 1/ 136.
(3)
التفسير البسيط: 2/ 447، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 68، انظر:"تفسير أبي الليث" 1/ 115، و"ابن عطية" 1/ 274، و"البغوي" 1/ 88، "زاد المسير" 1/ 75، و"القرطبي" 1/ 293.
(4)
انظر: التكت والعيون: 1/ 114، وتفسير الطبري: 1/ 574.
(5)
البيت من شواهد البيضاوي في تفسيره: 1/ 77، والماوردي: 1/ 114.
(6)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 574.
(7)
هذا البيت من أبيات لعصام بن عبيد الزماني (من بني زمان بن مالك بن صعب بن علي بن بكر بن وائل) رواها أبو تمام في الوحشيات رقم 130، ورواها الجاحظ في الحيوان 4: 281، وجاء فيه:" قال الزيادي " وهو تحريف وتصحيف كما ترى. وهذه الأبيات من مناقضة كانت بين الزماني ويحيى بن أبي حفصة. وذلك أن يحيى تزوج بنت طلبة بن قيس بن عاصم المنقري فهاجاه عصام الزماني وقال:
أَرَى حَجْرًا تغيَّر واقشعرَّا
…
وبُدِّل بعد حُلْو العيش مُرًّا
فأجابه يحيى بأبيات منها:
ألا مَنْ مُبلغٌ عنِّى عِصَامًا
…
بأَنِّي سَوْفَ أَنْقُضُ مَا أَمرَّا
هكذا روى المرزباني في معجم الشعراء: 270، وروى أبو الفرج في أغانيه 10: 75 أن يحيى خطب إلى مقاتل بن طلبة المنقري ابنته وأختيه، فأنعم له بذلك. فبعث يحيى إلى بنيه سليمان وعمر وجميل، فأتوه فزوجهن بنيه الثلاثة، ودخلوا بهن ثم حملوهن إلى حجر، (وهو مكان).
وأبيات عصام الزماني، ونقيضتها التي ناقضه بها يحيى، من جيد الشعر، فاقرأها في الوحشيات، والحيوان، والشعر والشعراء: 740، ورواية الحيوان والوحشيات " بِيعَتْ بوَكْسٍ قَليلٍ واسْتَقَلَّ بِهَا "
الوكس: اتضاع الثمن في البيع. وفي المخطوطة والمطبوعة " بكسر لئيم "، وهو تحريف لا معنى له، وأظن الصواب ما أثبت اجتهادًا. والكسر: أخس القليل. وقوله: " بيعت " الضمير لابنة مقاتل بن طلبة المنقري التي تزوجها يحيى أو أحد بنيه. يقول: باعها أبوها بثمن بخس دنئ خسيس، فزوجها مستغيثًا ببيعها مما نزل به من الجهد والفاقة، فزوجها هذا الغنى اللئيم الدنيء، ليستعين بمهرها.
(8)
انظر: البيت في: الزاهر: 1/ 140، وتهذيب اللغة:(ركع) 1/ 1462، وتفسير الثعلبي: 1/ 68 ب، "المجمل"(ركع) 2/ 397، "مقاييس اللغة" 2/ 435، و"تفسير ابن عطية" 1/ 275، و"القرطبي" 1/ 293، "ديوان لبيد" مع شرحه ص 171.
(9)
البيت للطرماح، ويروى:
وَلَكِنيِّ أَسِيرُ العَنْسَ يَدْمَى
…
أَظَلَاّها ................
العيس: الإبل، الأَظَل: باطن مَنْسم الناقة والبعير، ويدمى أظلاها من شدة السير، الحزون: جمع حزن، ما غلظ من الأرض في ارتفاع وخشونة، فهي تعثر وتقع في الحزون: فقال: تركع على التشبيه، انظر:"العين" 1/ 227، "الأضداد" لابن الأنباري ص 296، "ديوان الطرماح" ص 532. [حاشية التفسير البسيط: 2/ 447].
وَلَكِنِّي أَنُصُّ العِيَس تَدمَى
…
أَظلتها وَترْكَعُ بِالْحُزُون
أي تنكب لوجوهها" (1).
وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43]، وجهين (2):
أحدهما: أنه أراد جملة الصلاة، فعبر عنها بالركوع، كما يقول الإنسان: فَرَعْتُ من ركوعي، أي من صلاتي.
والثاني: أنه أراد الركوع الذي في الصلاة، لأنه لم يكن في صلاة أهل الكتاب ركوعٌ (3).، فأَمَرَهُم بما لا يفعلونه في صلاتهم.
وأجمَعوا على أن الركوع والسجود في الصلاة فرضان (4)، قال ابن المنذر:"وأجمَعوا على أن القادر لا تُجزئه الصلاة إلا أن يركع أو يسجد"(5).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: أن الصلاة واجبة على الأمم السابقة، وأن فيها ركوعاً كما أن في الصلاة التي في شريعتنا ركوعاً؛ وقد دلّ على ذلك أيضاً قول الله تعالى لمريم:{يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين} [آل عمران: 43]؛ فعلى الأمم السابقة صلاة فيها ركوع، وسجود.
2 ومنها: أن الأمم السابقة عليهم زكاة؛ لأنه لابد من الامتحان بالزكاة؛ فإن من الناس من يكون بخيلاً. بذل الدرهم عليه أشد من شيء كثير.؛ فيُمتحَن العباد بإيتاء الزكاة، وبذلِ شيء من أموالهم حتى يُعلم بذلك حقيقة إيمانهم؛ ولهذا سميت الزكاة صدقة؛ لأنها تدل على صدق إيمان صاحبها.
3 ومنها: الإجمال في موضع، وتبيينه في موضع آخر؛ لقوله تعالى:(وآتوا الزكاة) ولم يبين مقدار الواجب، ولا من يدفع إليه، ولا الأموال التي فيها الزكاة؛ لكن هذه الأشياء مبينة في موضع آخر؛ إذ لا يتم الامتثال إلا ببيانها.
4 ومنها: جواز التعبير عن الكل بالبعض إذا كان هذا البعض من مباني الكل التي لا يتم إلا بها؛ لقوله تعالى: (واركعوا مع الراكعين)
5 ومنها: وجوب صلاة الجماعة؛ لقوله تعالى: {واركعوا مع الراكعين} ؛ هكذا استدل بها بعض العلماء؛ ولكن في هذا الاستدلال شيء؛ لأنه لا يلزم من المعية المصاحبة في الفعل؛ ولهذا قيل لمريم: {اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين} : والنساء ليس عليهن جماعة؛ إذاً لا نسلم أن هذه الآية تدل على وجوب صلاة الجماعة؛ ولكن. الحمد لله. وجوب صلاة الجماعة ثابت بأدلة أخرى ظاهرة من الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة رضي الله عنهم.
القرآن
التفسير:
كيف يليق بكم يا معشر أهل الكتاب، وأنتم تأمرون الناس بالبر وهو جماع الخير، وتتركوا أنفسكم فلا تأتمروا بما تأمرون الناس به، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب وتعلمون ما فيه على من قصر في أوامر الله.
في سبب نزول الآية قولان (6):
(1) التفسير البسيط: 2/ 447، وانظر: تهذيب اللغة: (ركع) 1/ 1462، والزاهر: 1/ 140، ومقاييس اللغة:(ركع) 2/ 434، واللسان:(ركع) 3/ 1719.
(2)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 136، والنكت والعيون: 1/ 113 - 114.
(3)
الكشاف: 1/ 133.
(4)
انظر: اختلاف الأئمة العلماء؛ لابن هبيرة: 1/ 114.
(5)
الإجماع: 42.
(6)
انظر: أسباب النزول للواحدي: 24، ذكر رواية ابن عباس فقط، وانظر: اللباب: 19، والدر المنثور: 1/ 156، والعجاب في بيان الأسباب: 1/ 252 - 253، وتفسير الطبري: 2/ 8.
أحدهما: عن قتادة، أن الآية:{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44]، نزلت في بني اسرائيل، إذ "كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر ويخالفون، فعيرهم الله (1). وروي عن ابن عباس (2)، والسدي (3)، وابن جريج (4)، نحو ذلك.
والثاني: قال ابن زيد: " هؤلاء اليهود كان إذا جاء الرجل يسألهم ما ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء، أمروه بالحق. فقال الله لهم: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} "(5).
قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ} [البقرة: 44]، أي:" أتأمرون الناس بطاعة الله"(6).
قال الثعلبي: البر: "الطاعة والعمل الصالح"(7).
قال ابن عطية: البر: " يجمع وجوه الخير والطاعات ويقع على كل واحد منها اسم بر"(8).
قال السعدي: البر: " أي: بالإيمان والخير"(9).
قال أبو حيان: " الهمزة: للاستفهام وضعاً، وشابها هنا التوبيخ والتقريع لأن المعنى: الإنكار، وعليهم توبيخهم على أن يأمر الشخص بخير، ويترك نفسه ونظيره في النهي، قول أبي الأسود (10):
لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ
…
عَارٌ عَلَيْكَ إَِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
وقول الآخر (11):
وابدأ بِنَفسِكَ فانَهها عَن غِيِّها فَإن انتَهَت عَنهُ فَأَنتَ حَكيمُ
فيقبح في العقول أن يأمر الإنسان بخير وهو لا يأتيه، وأن ينهى عن سوء وهو يفعله" (12).
قوله تعالى: {وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 44]، أي:"وتتركون أنفسكم"(13).
قال ابن عباس: " أي: تتركون أنفسكم"(14).
قال ابن عطية: "بمعنى تتركون، كما قال الله تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: 67] "(15).
قال البيضاوي: أي: "وتتركونها من البر كالمنسيات"(16).
قال الطبري: " وتتركون أنفسكم تعصيه؟ . ومعنى " نسيانهم أنفسهم " في هذا الموضع نظير النسيان الذي قال جل ثناؤه: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]، بمعنى: تركوا طاعة الله فتركهم الله من ثوابه"(17).
قال السعدي: " أي: تتركونها عن أمرها بذلك"(18). أي الإيمان والخير.
(1) انظر: تفسير الطبري (843): 2/ 8.
(2)
انظر: تفسير الطبري (840)، و (841): ص 2/ 7.
(3)
انظر: تفسير الطبري (842): ص 2/ 8.
(4)
انظر: تفسير الطبري (844): ص 2/ 8.
(5)
انظر: تفسير الطبري (845): 2/ 8.
(6)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 9.
(7)
تفسير الثعلبي: 1/ 188.
(8)
المحرر الوجيز: 1/ 136.
(9)
تفسير السعدي: 51.
(10)
هذا من الأبيات التي رويت في عدة قصائد. كما قال صاحب الخزانة 3: 617. نسبه سيبويه 1: 424 للأخطل، وهو في قصيدة للمتوكل الليثي، ونسب لسابق البربري، وللطرماح، ولأبي الأسود الدؤلي قصيدة ساقها صاحب الخزانة (3: 618)، وليست في ديوانه الذي نشره الأستاذ محمد حسن آل ياسين في (نفائس المخطوطات) طبع مطبعة المعارف ببغداد سنة 1373 هـ (1954 م)، وهذا الديوان من نسخة بخط أبي الفتح عثمان بن جنى. ولم يلحقها الأستاذ الناشر بأشتات شعر أبي الأسود التي جمعها.
(11)
منسوب الى أبي الأسود الدؤلي، انظر: الخزانة: 3/ 618.
(12)
البحر المحيط: 1/ 153.
(13)
فتح القدير: 1/ 77.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (479): 1/ 102.
(15)
المحرر الوجيز: 1/ 136.
(16)
تفسير البيضاوي: 1/ 77.
(17)
تفسير الطبري: 2/ 9.
(18)
تفسير السعدي: 51.
واختلف أهل التفسير في معنى (البر) في هه الآية على ثلاثة أقوال (1):
أحدها: أن (البِرِّ)، هو عهد الله إلى بني اسرائيل في تصديق الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والدخول في الإسلام. إذ كان أهل الكتاب يأمرون الناس بالتمسك بكتاب ربهم، ويتركونه بجحود ما فيه من نبوَّة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وهو قول ابن عباس (2) رضي الله عنه.
والثاني: أن (البِرِّ)، هو طاعة الله وتقواه، إذ كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر والصوم والصلاة، وهم يعصونه. والسدي (3)، وقتادة (4)، وابن جريج (5).
والعرب قد يعبر بالبر عن الطاعة، قال الشاعِرُ:
لاهُمَّ إِنَّ آلَ بَكْرٍ دُونَكَا
…
يَبرُّكَ النَّاسُ وَيَفْجُرُونَكَا
أي يُطِيعونك.
والثالث: أن (البِرِّ)، هو الأمر بالحق لدى اليهود، إذ كان هؤلاء اليهود إذا جاء الرجل يسألهم ما ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء، أمروه بالحق، فنزلت الآية. روي ذلك عن ابن زيد (6).
قلت: وجميع هذه الأقوال صحيحة، وإن اختلف أهل التفسير في صفة (البر) الذي كان القوم يأمرون به غيرهم، لكنه لا خلاف بينهم على أن اليهود كانوا يأمرون الناس بما لله فيه رضا من القول أو العمل، "وهم لا يفعلونه"(7).
وتجدر الإشارة بأن كلمة (البر) وردت في القرآن على وجوه (8):
أحدها: (البَرّ) - بالفتح – خلاف البحر، قال تعالى:{وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96]، {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام: 59]، {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام: 63]، {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [يونس: 22]، {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} [الإسراء: 67]، {أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا} [الإسراء: 68]، {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الإسراء: 70]، {أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [النمل: 63]، {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65]، {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41]، {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} [لقمان: 32].
والثاني: (البِرّ) – بالكسر – الإحسان – ويظهر فيه التوسع في فعل الخير، وينسب ذلك إلى الله تعالى تارة نحو:{إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} [الطور: 28]، وإلى العبد تارة، فيقال: بر العبد ربه، أي: توسع في طاعته، فمن الله تعالى الثواب، ومن العبد الطاعة، والبر في الصدق، لكونه بعض الخير المتوسع فيه، يقال: بر في قوله، وبر في يمينه، وقول الشاعر (9):
أكون مكان البر منه ودونه
…
وأجعل مالي دونه وأوامره
قيل: أردا به الفؤاد، وليس كذلك، بل أراد ما تقدم، أي: يحبني محبة البر.
ويقال: بر أباه فهو بار وبر مثل: صائف وصيف، وطائف وطيف، وعلى ذلك قوله تعالى:{وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} [مريم: 32]. وبر في يمينه فهو بار، وأبررته، وبرت يميني، وحج مبرور أي: مقبول، وجمع البار: أبرار وبررة، قال تعالى:{إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} [الانفطار: 13]، وقال: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ
(1) تفسير الطبري: 2/ 8 ومابعدها.
(2)
انظر: تفسير الطبري (840)، و (841): ص 2/ 7.
(3)
انظر: تفسير الطبري (884243): ص 2/ 8.
(4)
انظر: تفسير الطبري (843): 2/ 8.
(5)
انظر: تفسير الطبري (844): ص 2/ 8.
(6)
انظر: تفسير الطبري (845): 2/ 8.
(7)
تفسير ابن كثير: 1/ 247.
(8)
انظر: مفردات ألفاظ القرآن، الأصفهاني:64.
(9)
البيت لخداش بن زهير وهو بتمامه وهو في تاج العروس (بر)؛ والمجمل 1/ 112؛ واللسان (برر)؛ وليس في شعره، وذكر جامع ديوانه بيتا له من نفس القافية والبحر؛ وهو في شمس العلوم 1/ 123)
لَفِي عِلِّيِّينَ} [المطففين: 18]، وقال في صفة الملائكة:{كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: 16]، فبررة خص بها الملائكة في القرآن من حيث إنه أبلغ من أبرار، فإنه جمع بر، وأبرار جمع بار، وبر أبلغ من بار، كما أن عدلا أبلغ من عادل (1).
والثالث: (البُرّ) – بالضم – الحب المعروف في الغذاء (القمح) لأنه أوسع ما يحتاج إليه في الغذا، والبرير خص بثمر الأراك ونحوه، وقولهم: لا يعرف الهر من البر (انظر مجمع الأمثال 2/ 269)، من هذا. وقيل: هما حكايتا الصوت. والصحيح أن معناه لا يعرف من يبره ومن يسيء إليه.
والرابع: (البَرُّ) – بالفتح – من أسماء الله تعالى، أي فاعل البر وهو المحسن، والبر الذي بصدد الحديث عنه هنا هو البِرّ: بكسر الباء – مصدر مأخوذ من (ب رر) وهو في الأصل اسم لما يحصل به للمبرور النفع كما يطلق البر على الصلاح، الخير، الإحسان، الصدق الطاعة، الصلة، التقوى، الجنة، صلة الأرحام، حسن الخلق.
وقد ذكر أهل التفسير أن (البر) في القرآن على ثلاثة أوجه:
أحدها: البر: الصلة قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].
والثالث: (البر): التقوى قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44]
ومما جاء في بيان أوجه البر في السنة قوله صلى الله عليه وسلم:
- "البر: حسن الخلق"(2).
- "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"(3) أي الذي لا يخالطه شيء من المآثم.
-"البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب"(4).
وبهذا نعلم أن (البر) في اللغة يطلق على كل اسم جامع للخير.
وقد اختلف العلماء في تعريف البر الاصطلاحي اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد فمنهم من قال: البر: الصلاح، ومنهم من قال: البر: الخير، ومنهم من قال: البر: خير الدنيا والآخرة، ومنهم من قال: البر: سعة الإحسان والخير الكامل، لكن أجمع تعريف له من قال البر كلمة جامعة لكل أصناف الخير، فالبر في الاصطلاح: هو كل ما يتقرب به إلى الله تعالى من صالح الأعمال وفاضل الأخلاق (5).
قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} [البقرة: 44]، أي وأنتم:"تقرؤون التوراة"(6).
قال الواحدي: " أي: تقرؤون التوراة، وفيها صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته"(7).
قال البيضاوي: " أي تتلون التوراة، وفيها الوعيد على العناد وترك البر ومخالفة القول العمل (8).
(1) انظر: الإتقان للسيوطي 1/ 253؛ والبرهان للزركشي 4/ 18.
(2)
أخرجه مسلم في البر والصلة باب تفسير البر والإثم، رقم 2553.
(3)
أخرجه البخاري في أبواب العمرة باب وجوب العمرة وفضلها، 2/ 629، رقم 1683، ومسلم في الحج، باب في فضل الحج والعمرة، 2/ 983 رقم 1349.
(4)
أخرجه الإمام أحمد في المسند 5/ 269، والدارمي في سننه 2/ 696.
(5)
انظر: البر في القرآن وأثره في حياة المكلفين، ادريس حامد محمد علي، مجلة جامعة الملك سعود، م 17، العلوم التربوية والدراسات الإسلامية (2)، ص: 997 - 1052.
(6)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 158.
(7)
التفسير الوسيط: 2/ 449.
(8)
تفسير البيضاوي: 1/ 77.
قال ابن عثيمين: " والجملة هنا حالية. أي والحال أنكم تتلون الكتاب.؛ فلم تأمروا بالبر إلا عن علم؛ ولكن مع ذلك {تنسون أنفسكم} أي تتركونها، فلا تأمرونها بالبر"(1).
وذكروا في قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} [البقرة: 44]، وجهين (2):
أحدهما: معناه: وأنتم تدرسون وتقرءون الكتاب وهو التوراة. قاله ابن عباس (3).
والثاني: ويحتمل أن يكون المعنى: وأنتم: تتبعون الكتاب، أي في الاقتداء به.
قال ابن عطية: والتوراة " تنهاهم عما هم عليه من هذه الصفة الذميمة"(4).
قوله تعالى: {أَفَلا تَعْقِلُونَ} [البقرة 44]، " يعني: أفلا يكون لكم عقول تدركون بها خطأكم، وضلالكم.؟ ! " (5).
قال ابن عباس: "يقول: أفلا تفهمون؟ فنهاهم عن هذا الخلق القبيح"(6).
قال الثعلبي: "أي أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المردية لكم"(7).
قال البيضاوي: {أفلا تعقلون} " قبحَ صنيعكم، فيصدكم عنه، أو أفلا عقل لكم يمنعكم عما تعلمون وخامة عاقبته"(8).
قال الزمخشري: "توبيخ عظيم بمعنى: أفلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه، وكأنكم في ذلك مسلوبو العقول، لأن العقول تأباه وتدفعه. ونحوه {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 67] "(9).
روي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه في قوله: {أفلا تعقلون} ، : قال: "أفلا تتفكرون"(10).
قال ابن عطية: " والعقل: الإدراك المانع من الخطأ مأخوذ منه عقال البعير، أي يمنعه من التصرف، ومنه المعقل أي موضع الامتناع"(11).
قال ابن عثيمين: " و "العقل" هنا عقل الرشد، وليس عقل الإدراك الذي يناط به التكليف؛ لأن العقل نوعان: عقل هو مناط التكليف. وهو إدراك الأشياء، وفهمها.؛ وهو الذي يتكلم عليه الفقهاء في العبادات، والمعاملات، وغيرها؛ وعقل الرشد. وهو أن يحسن الإنسان التصرف.؛ وسمي إحسان التصرف عقلاً؛ لأن الإنسان عَقَل تصرفه فيما ينفعه"(12).
قال الراغب: " وقد اتبع الله ذمهم بحكمين حقق غيهم أحدهما، قوله: {وانتم تتلون) أي: تتدبرون التوراة، والثاني: قوله: (أفلا تعلقون) - تنبيهاً - أن الجامع للعقل ومتبع الكتاب ليس من حقه أن يأمر الغير بما لا يفعله، فذلك منبئ عن الجهل"(13).
والعَقْل: "يقال للقوّة المتهيّئة لقبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوّة عَقْلٌ. وإلى الأوّل أشار صلى الله عليه وسلم بقوله:«ما خلق الله خلقا أكرم عليه من العقل» (14)، وإلى الثاني أشار بقوله: «ما
(1) تفسير ابن عثيمين: 1/ 158.
(2)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 137.
(3)
أنظر: تفسير الطبري (847): ص 2/ 9 - 10. ولفظه: " تدرسون الكتاب بذلك. ويعني بالكتاب: التوراة".
(4)
المحرر الوجيز: 1/ 137.
(5)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 158.
(6)
أخرجه الطبري (848): ص 2/ 10.
(7)
تفسير الثعلبي: 1/ 188. وانظر: المحرر الوجيز: 1/ 137. نقل كلام الثعلبي.
(8)
تفسير البيضاوي: 1/ 77.
(9)
الكشاف: 1/ 133.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (474): ص 1/ 101.
(11)
المحرر الوجيز: 1/ 137.
(12)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 158.
(13)
تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 176.
(14)
الحديث عن أبي هريرة عن النبي قال: «إنّ الله لما خلق العقل قال له: أقبل: فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أشرف منك، فبك آخذ وبك أعطي» .
قال ابن تيمية: إنه كذب موضوع باتفاق، وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط وأبو نعيم بإسنادين ضعيفين. انظر: الإحياء مع تخريجه 1/ 83، وحلية الأولياء 7/ 318، وكشف الخفاء 1/ 236.
كسب أحد شيئا أفضل من عقل يهديه إلى هدى أو يرّدّه عن ردى» (1)، وهذا العقل هو المعنيّ بقوله: وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [العنكبوت: 43]، وكلّ موضع ذمّ الله فيه الكفّار بعدم العقل فإشارة إلى الثاني دون الأوّل، نحو: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ} [البقرة: 171]، إلى قوله:{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171]، ونحو ذلك من الآيات، وكلّ موضع رفع فيه التّكليف عن العبد لعدم العقل فإشارة إلى الأوّل. وأصل العَقْل: الإمساك والاستمساك" (2).
والعقل أصله: المنع (3)، وعقل الإنسان هو "تمييزه الذي به فارق جميع الحيوان، سمي عقلاً لأنه يعقله أي يمنعه عن التورط في الهلكة، كما يعقل العقال البعير عن ركوب رأسه، ومن هذا سميت الدية عقلاً لأنها إذا وصلت إلى ولي المقتول عقلته عن قتل الجاني، أي منعته"(4).
وقال السعدي: " وهذه الآية، وإن كانت نزلت في سبب بني إسرائيل، فهي عامة لكل أحد لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} وليس في الآية أن الإنسان إذا لم يقم بما أمر به أنه يترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لأنها دلت على التوبيخ بالنسبة إلى الواجبين، وإلا فمن المعلوم أن على الإنسان واجبين: أمر غيره ونهيه، وأمر نفسه ونهيها، فترك أحدهما، لا يكون رخصة في ترك الآخر، فإن الكمال أن يقوم الإنسان بالواجبين، والنقص الكامل أن يتركهما، وأما قيامه بأحدهما دون الآخر، فليس في رتبة الأول، وهو دون الأخير، وأيضا فإن النفوس مجبولة على عدم الانقياد لمن يخالف قوله فعله، فاقتداؤهم بالأفعال أبلغ من اقتدائهم بالأقوال المجردة"(5).
وقد روى أحمد وغيره عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار قلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء خطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب "(6).
قال القرطبي: فقد دل الحديث الصحيح وألفاظ الآية على أن عقوبة من كان عالما بالمعروف وبالمنكر وبوجوب القيام بوظيفة كل واحد منهما أشد ممن لم يعلمه وإنما ذلك؛ لأنه كالمستهين بحرمات الله تعالى ومستخف بأحكامه وهو ممن لا ينتفع بعلمه ; قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه "(7) " (8).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: توبيخ هؤلاء الذين يأمرون بالبر، وينسون أنفسهم؛ لأن ذلك منافٍ للعقل؛ وقد ورد الوعيد الشديد على من كان هذا دأبه؛ فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم "أنه يؤتى بالرجل فيلقى في النار فتندلق أقتابه". و"الأقتاب" هي الأمعاء. "فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان، أليس كنت تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر، فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه"(9)؛ فهو من أشد الناس عذاباً. والعياذ بالله ..
فإن قال قائل: بناءً على أنه مخالف للعقل، وبناءً على شدة عقوبته أنقول لمن لا يفعل ما أَمَر به، ومن لا يترك ما نهى عنه:"لا تأمر، ولا تنهَ"؟
(1) الحديث عن عمر قال: قال رسول الله: «ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يهدي صاحبه إلى هدى، ويردّه عن ردى، وما تم إيمان عبد ولا استقام دينه حتى يكمل عقله» ا. هـ. قال العراقي: أخرجه ابن المحبّر في العقل، وعنه الحارث بن أبي أسامة. انظر: الإحياء 1/ 83. قلت: داود بن المحبّر كذّاب، وقال ابن حجر: وأكثر (كتاب العقل) الذي صنّفه موضوعات. مات سنة 206 هـ. انظر: تقريب التهذيب ص 200.
(2)
المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني: 577 - 578.
(3)
أنظر: مقاييس اللغة: 4/ 69.
(4)
التفسير البسيط: 2/ 450، وانظر:"تهذيب اللغة"(عقل) 1/ 2524، وانظر:"اللسان"(عقل) 5/ 3047.
(5)
تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 176.
(6)
رواه احمد وأبو يعلى بسند صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها: (1/ 585) برقم (291)
(7)
أخرجه ابن ماجه في سننه (قال الألباني في الضعيفة (4/ 138 برقم 1634): ضعيف الإسناد جدا.)
(8)
تفسير القرطبي: 1/ 366.
(9)
أخرجه البخاري ص 264، كتاب بدء الخلق، باب 10: صفة النار وأنها مخلوقة، حديث رقم 3267؛ وأخرجه مسلم ص 1195، كتاب الزهد والرقائق، باب 7: من يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويفعله، حديث رقم 7483 [51]2989.
فالجواب: نقول: لا، بل مُرْ، وافعل ما تأمر به؛ لأنه لو ترك الأمر مع تركه فِعلَه ارتكب جنايتين: الأولى: ترك الأمر بالمعروف؛ والثانية: عدم قيامه بما أمر به؛ وكذلك لو أنه ارتكب ما ينهى عنه، ولم يَنْهَ عنه فقد ارتكب مفسدتين: الأولى: ترك النهي عن المنكر؛ والثانية: ارتكابه للمنكر.
ثم نقول: أينا الذي لم يسلم من المنكر! لو قلنا: لا ينهى عن المنكر إلا من لم يأت منكراً لم يَنهَ أحد عن منكر؛ ولو قلنا: لا يأمر أحد بمعروف إلا من أتى المعروف لم يأمر أحد بمعروف؛ ولهذا نقول: مُرْ بالمعروف، وجاهد نفسك على فعله، وانْهَ عن المنكر، وجاهد نفسك على تركه.
2 ومن فوائد الآية: توبيخ العالم المخالف لما يأمر به، أو لما ينهى عنه؛ وأن العالم إذا خالف فهو أسوأ حالاً من الجاهل؛ لقوله تعالى:{وأنتم تتلون الكتاب} ؛ وهذا أمر فُطر الناس عليه. أن العالم إذا خالف صار أشد لوماً من الجاهل.؛ حتى العامة تجدهم إذا فعل العالم منكراً قالوا: كيف تفعل هذا وأنت رجل عالم؟ ! أو إذا ترك واجباً قالوا: كيف تترك هذا وأنت عالم؟ ! .
3 ومن فوائد الآية: توبيخ بني إسرائيل، وأنهم أمة جهلة حمقى ذوو غيٍّ؛ لقوله تعالى:{أفلا تعقلون} .
4 ومنها: أن من أمر بمعروف، ولم يفعله؛ أو نهى عن منكر وفعله من هذه الأمة، ففيه شبه باليهود؛ لأن هذا دأبهم. والعياذ بالله ..
القرآن
{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)} [البقرة: 45]
التفسير:
واستعينوا في أموركم كلها بالصبر، وكذلك الصلاة، وإنها لشاقة ثقيلة إلا على الخاشعين الذليلين لأمر الله.
قوله تعالى: {{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45]، "أي استعينوا على أموركم بالصبر، والصلاة"(1).
قال ابن جريج: " إنهما معونتان على رحمة الله"(2).
قال الطبري: أي: " استعينوا على الوفاء بعهدي الذي عاهدتموني في كتابكم - من طاعتي واتباع أمري، وترك ما تهوونه من الرياسة وحب الدنيا إلى ما تكرهونه من التسليم لأمري، واتباع رسولي محمد صلى الله عليه وسلم بالصبر عليه والصلاة"(3).
قال الواحدي: " استعينوا بالصبر على أداء الفرائض واجتناب المحارم واحتمال الأذى وجهاد العدو وعلى المصائب والصلاة"(4).
قال النسفي: أي: استعينوا على حوائجكم إلى الله، بالجمع بينهما، وأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة محتملين لمشاقها وما يجب فيها من إخلاص القلب ودفع الوساوس الشيطانية والهواجس النفسانية ومراعاة الآداب والخشوع واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبار السموات والأرض، أو استعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها" (5).
قال الجصاص: " ينصرف الأمر بالصبر على أداء الفرائض التي فرضها الله واجتناب معاصيه وفعل الصلاة المفروضة"(6).
قال الراغب: وخصها [أي الصلاة] برد الضمير إليها دون الصبر، وأما الصلاة التي تخفف على غير الخاشع، فإنها مسماة باسمها، وليس هي في حكمها، بدلالة قوله تعالى:{إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} ، ومثلها، وقل ما ترى صلاة غير الخاشع تنهاه عن الفحشاء والمنكر" (7).
(1) تفسير ابن عثيمين: 1/ 160.
(2)
أخرجه الطبري (854): ص 2/ 15.
(3)
تفسير الطبري: 2/ 10 - 11.
(4)
أنظر: التفسير البسيط: 2/ 452.
(5)
تفسير النسفي: 1/ 63.
(6)
أحكام القرآن: 1/ 39.
(7)
تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 177.
وقال المفسرون وأصحاب المعاني: "إن جميع العبادات داخلة تحت قوله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ} لأنه أراد الصبر عليها، ولكن خصت الصلاة بالذكر تخصيصا وتفضيلا، كقوله: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68]، وقوله {وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة: 98] "(1).
واختلف أهل التفسير في معنى (الصبر) في هذه الآية على قولين (2):
أحدهما: أن الصبر: هو حبس النفس على ما تكره، وهو المعنى المشهور للصبر، وكل من حبس شيئا فقد صبره، ومنه الحديث في رجل أمسك رجلا وقتله آخر، فقال:"اقتلوا القاتل، واصبروا الصابر"(3)، أي: احبسوا الذي حبسه حتى يموت، وكذلك لو حبسَ رجل نفسه على شيء يريده قال: صبرتُ نفسي (4)، قال عنترة (5):
فَصَبَرْتُ عَارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً
…
تَرْسُو إذَا نَفْسُ الجَبَانِ تَطَلَّعُ
والثاني: أن المراد به هنا: الصوم. قاله مجاهد (6)، والصوم بعض معاني الصبر، ولهذا سمي رمضان شهر الصبر كما نطق به الحديث (7).
والأول هو الصحيح، وعليه جمهور أهل العلم (8).
و(الصبر): "حبس النفس على ما تكره ومنعها محابّها وكفها عن هواها (9)، والصبر لغة: الحبس، يقال قتل فلان صبرا أي أمسك وحبس حتى أتلف، وصبرت نفسي على الشيء: حبستها، قال الحطيئة (10):
قُلْتُ لها أَصْبِرُها جاهِداً:
…
وَيْحَك، أَمْثالُ طَرِيفٍ قَلِيلْ
والمصبورة التي نهي عنها في الحديث هي المحبوسة على الموت، وهي المجثَّمة، قال عنترة يذكر حربا كان فيها (11):
فَصَبَرْتُ عارِفَةً لذلك حُرَّةً
…
تَرْسُو، إِذا نَفْسُ الجبان تَطَلَّعُ
يقول: حَبَست نفساً صابِرة. قال أَبو عبيد: يقول إِنه حَبَس نفسَه (12).
(1) التفسير البسيط: 2/ 456.
(2)
انظر تفسير الطبري: 2/ 11.
(3)
الحديث ذكره أبو عبيد في "غريب الحديث" بدون سند، وفي الهامش قال المحقق: زاد في (ر). قال سمعت عبد الله بن المبارك يحدثه عن إسماعيل بن أميه يرفعه. "غريب الحديث" 1/ 155، وذكره الثعلبي 1/ 69 أ، والأزهري في "تهذيب اللغة" عن أبي عبيد 2/ 1972، وهو في "الفائق" 2/ 276، "النهاية في غريب الحديث" 3/ 8، "غريب الحديث" لابن الجوزي 1/ 578، وذكره في "كنز العمال" عن أبي عبيدة عن إسماعيل بن أمية مرسلا، 15/ 10.
(4)
انظر التفسير البسيط: 2/ 451.
(5)
البيت في "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 155، "تهذيب اللغة"(صبر) 2/ 1972، "مقاييس اللغة"(صبر) 3/ 329، و"تفسير الثعلبي" 1/ 69 أ، "اللسان"(صبر) 4/ 2391، و (عرف) 5/ 2899، و"تفسير القرطبي" 1/ 317، "فتح القدير" 1/ 124، "ديوان عنترة" ص 264. يقول: : صبرت عارفة: أي حبست نفسًا عارفة لذلك، أي نفسه، والعارفة الصابرة، ترسو: أي تثبت وتستقر، تطلع: تطلع نفس الجبان إلى حلقه من الفزع والخوف.
(6)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (480): ص 1/ 102. ونقله ابن كثير في تفسيره: 1/ 251.
(7)
ما رواه الإمام أحمد ومسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ"(مسند أحمد (7567، 8965)، ومسلم (1162) واللفظ للإمام أحمد.)، وأخرج الإمام أحمد عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنِ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ وذكر الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ". (مسند الإمام أحمد (22965)، وروى النسائي عن الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صمْ شهرَ الصبرِ وثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهر". (سنن النسائي (2756)، انظر صحيح الجامع (3794).
(8)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 11. وتفسير ابن كثير: 1/ 251.
(9)
انظر تفسير الطبري: 2/ 11.
(10)
يوانه بشرح أبي سعيد السكري: 176. وهو في اللسان (صبر)، والجامع: 144. وفيه (ويلك) بدل (ويحك)، والإقناع: 54 وفيه (به) بدل (بها)، والعروض لابن جني: 80
(11)
ديوانه: 89 من أبيات، يقول قبله، يذكر الغراب، ويتشاءم به:
إنَّ الذينَ نعيْتَ لي بفِراقهمْ
…
قد أسْهرُوا لَيْلي التّمامَ فأَوْجعوا
وَعَرَفْتُ أنَّ مَنِيَّتِي إنْ تَأتِنِي
…
لا يُنْجِنِي مِنْهَا الفِرَارُ الأسْرَعُ
فصبرتُ عارفة ً لذلكَ حرَّة ً
…
ترسو إذا نفسُ الجبانِ تطلع
وقوله (نفس عارفة)، أي: حاملة الشدائد صبور، إذا حملت على أمر احتملته، من طول مكابدتها لأهوال هذه الحياة. و (ترسو)، تثبت. و (تطلع)، تنزو متلفتة إلى مهرب، أو ناصر، من الجزع والرعب.
(12)
انظر: اللسان: مادة (ص ب ر).
وقال الراغب، الصبر ضربان:"صبر عن المشتهى، وهو العفة، وصبر على المكروه وهو الشجاعة "(1).
وفي الآية قدّم الصبر على الصلاة "لأنها لا تكمل إلا به، أو لمناسبته لحال المخاطبين، ويجوز أن يراد بالصبر نوع منه وهو الصوم بقرينة ذكره مع الصلاة"(2).
و(الاستعانة) هي "طلب العون؛ و "الاستعانة بالصبر" أن يصبر الإنسان على ما أصابه من البلاء، أو حُمِّل إياه من الشريعة"(3).
وفي الصبر المأمور به، قولان (4):
أحدهما: أنه الصبرُ على طاعته ومرضاته، والكف عن معصيته. قاله أبو العالية (5).
والثاني: أنه الصوم، وهو قول مجاهد، وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا حَزَبَهُ أمرٌ استعان بالصلاة والصيام (6).
قوله تعالى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45]، "أي وإن الصلاة لشاقة صعبة الاحتمال إلا على المخبتين لله الخائفين من شديد عقابه"(7).
أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك، في تفسير قوله تعالى {لكبيرة} ، قال:"لثقيلة"(8).
وروي عن مجاهد في قوله: {وإنها لكبيرة} ، قال: الصلاة" (9).
واختلف في عود الضمير {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} [البقرة: 45]، على أقوال (10):
أحدها: أنه يعود على {الصلاة} ؛ وهذا قول ابن عباس والحسن ومجاهد (11) والجمهور، واختاره الطبري، وأبو حيان وابن كثير والعكبري والقاسمي وغيرهم (12).
واحتجوا بوجهين:
الوجه الأول: لأن (الصلاة) أقرب مذكور؛ والقاعدة في اللغة العربية أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور ما لم يمنع منه مانع.
والوجه الثاني: وقالوا: خصصت الصلاة بذلك لعظم شأنها واستجماعها ضروباً من الصبر.
قال الثعلبي: "لأنّ الصبر داخل في الصلاة كقوله: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [التوبة: 62]، ولم يقل يرضوهما لأنّ رضا الرسول داخل في رضا الله، فردّ الكناية إلى الله، وقال الشاعر وهو حسّان (13):
إنّ شرخ الشباب والشعر الأسود
…
ما لم يعاص كان جنونا
ولم يقل يعاصيا ردّه إلى الشباب، لأن الشعر الأسود داخل فيه" (14).
القول الثاني: أنه يعود على الصبر والصلاة، فأرادهما.
(1) تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 177.
(2)
تفسير الآلوسي: 1/ 248 - 249.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 97.
(4)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 115.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (853): ص 1/ 14.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (849): ص 1/ 12. أخرج عن حذيفة قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ".
(7)
تفسير المراغي: 1/ 102.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (487): ص 1/ 103.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (486): ص 1/ 103.
(10)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 97.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (486): ص 1/ 103.
(12)
انظر: جامع البيان للطبري: 2/ 15، والنكت والعيون للماوردي: 1/ 115، وزاد المسير لابن الجوزي: 1/ 76، والوسيط للواحدي: 1/ 131، والبحر المحيط لأبي حيان: 1/ 185، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير: 1/ 113، وإملاء ما من به الرحمن للعكبري: 1/ 34، ومحاسن التأويل للقاسمي: 2/ 219، وروح المعاني للألوسي: 1/ 249.
(13)
البيت في: الصحاح: 1/ 424، وتفسير الثعلبي: 1/ 189.
(14)
تفسير الثعلبي: 1/ 189.
واحتجوا بوجهين:
الوجه الأول: إنما عاد على الصلاة مع أن الصبر مراد معها، لأنها الأغلب والأعم، كما في قوله-عز وجل:{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 34]، حيث رد الكناية إلى الفضة لأنها كذلك. وقيل: لأنها الأفضل والأهم كما في قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا} [الجمعة: 11] حيث رد الكناية إلى التجارة لأنها كذلك (1).
قال الجصاص: " فيه رد الضمير على واحد، مع تقدم ذكر اثنين"(2).
الوجه الثاني: أراد بالضمير الصبر والصلاة، وإنما عادت الكناية إلى الصلاة، لكونها أقرب مذكور، ومنه قول الشاعر:
َمَنْ يَكُ أَمْسَى في الْمَدِينَةِ رَحْلُهُ
…
فَإِنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ
واعترض السمين الحلبي على هذا التعليل، إذ قال:"كذا قيل، وفيه نظر"(3).
القول الثالث: أنه يعود على الاستعانة المفهومة من قوله تعالى: {واستعينوا} ؛ لأن الفعل {استعينوا} يدل على زمن، ومصدر؛ فيجوز أن يعود الضمير على المصدر المفهوم من الفعل، كما في قوله تعالى:{اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]، أي العدل المفهوم من قوله تعالى:{اعدلوا} أقرب للتقوى.
قال الألوسي: أي: شموله للمذكورات قبل، وهي الصبر والصلاة (4).
وقد عبر ابن كثير، عن هذا القول فقال:"ويحتمل أن يكون عائداً-أي: الضمير-إلى ما دل عليه الكلام وهو الوصية بذلك كقوله تعالى في قصة قارون: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} [القصص: 80]، وقال تعالى: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35]، أي: وما يلقى هذه الوصية إلا الذين صبروا وما يلقاها أي: يؤتاها إلا ذو حظ عظيم"(5).
وهذا القول يفرق عن القول قبله؛ لأن الاستعانة بالصبر والصلاة على قضاء الحوائج وفعل الطاعات لاستجرارهما ذلك غير صبر العبد وأدائه للصلاة (6).
والرابع: أن الكناية تعود إلى جميع الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل ونهو عنها من قوله: {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ} [البقرة: 40]، إلى قوله:{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} [البقرة: 45] ومشقة تلك الأمور عليهم ظاهرة (7). ورجحه ابن عاشور قائلا بأنها: " أوضح الأقوال وأجمعها"(8).
والخامس: أن الكناية راجعة إلى إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم، ونُسِبَ هذا القول للأخفش ولم يذكره في معاني القرآن عند هذه الآية (9).
وهذا القول ضعيف كسابقه، لأنه لا دليل عليه في الآية، ولم يسبق للكعبة ذكر.
قال ابن عطية: "وفي هذا ضعف، لأنه لا دليل له من الآية عليه"(10). وقد ضعفه الطبري (11) كذلك.
قال ابن عطية: " وهذا أضعف من الذي قبله"(12). وقد ضعفه الآلوسي (13) كذلك.
(1) تفسير الثعلبي: 1/ 189.
(2)
أحكام القرآن: 1/ 39.
(3)
أنظر: الدر المصون: 1/ 212، وانظر: النكت والعيون للماوردي: 1/ 116، والبحر المحيط لأبي حيان 1/ 185.
(4)
روح المعاني: 1/ 249.
(5)
تفسير ابن كثير: 1/ 113.
(6)
انظر: الكشاف للزمخشري: 1/ 278، وزاد المسير لابن الجوزي: 1/ 76، وروح المعاني للألوسي: 1/ 249، وقد قال به السمرقندي في بحر العلوم: 1/ 116، والواحدي في الوجيز: 1/ 103، وعزاه أبو حيان في البحر المحيط: 1/ 185 للبجلي
(7)
انظر: الكشاف للزمخشري: 1/ 278، مفاتيح الغيب للرازي: 3/ 52، روح المعاني للألوسي: 1/ 249.
(8)
التحرير والتنوير: 1/ 479.
(9)
أنظر المحرر الوجيز: 1/ 137، والنكت والعيون للماوردي: 1/ 116، والبحر المحيط لأبي حيان: 1/ 185، وروح المعاني للألوسي: 1/ 249.
(10)
المحرر الوجيز: 1/ 137.
(11)
تفسير الطبري: 2/ 15.
(12)
المحرر الوجيز: 1/ 137.
(13)
أنظر: روح المعاني: 1/ 249.
والسادس: أن الكناية راجعة إلى الكعبة والقبلة المفهومة من ذكر الصلاة (1)، ذكره الضحاك عن ابن عباس وبه قال مقاتل (2).
والسابع: أن الكناية راجعة إلى العبادة التي يتضمنها بالمعنى ذكر الصبر والصلاة (3).
وهذه الأقوال السبعة متفاوتة في القوة والضعف وأظهرها قول الجمهور؛ لأن القاعدة في العربية أن ضمير الغائب لا يعود على غير الأقرب إلا بدليل، وقول من قال إن الكناية تعود على الاستعانة أو على جميع المذكورات قبل جائز، والأقوال الأخرى فيها نظر.
وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: {لَكَبِيرَةٌ} [البقرة: 45]، وجهان:
أحدهما: أن معناه: "لشاقة ثقيلة على النفس، من قولك: كبر علىّ هذا الأمر، {كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} [الشورى: 13] (4). وهذا قول الضحاك (5)، وابن زيد (6).
والثاني: أن معناه: "لكبيرة القدر"(7).
وقوله تعالى: {إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45]، أي:" إلا على الذليلين لأمر الله"(8).
قال الطبري: أي: " إلا على الخاضعين لطاعته، الخائفين سطواته، المصدقين بوعده ووعيده"(9).
وقال الخازن: "يعني المؤمنين، .. وإنما كانت الصلاة ثقيلة على غير الخاشعين، لأن من لا يرجو لها ثواباً، ولا يخاف على تركها عقاباً فهي ثقيلة عليه"(10).
قال النسفي: " لأنهم يتوقعون ما ادخر للصابرين على متاعبها فتهون عليهم"(11).
وقوله تعالى: {إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45]، : اختلف في المعني بـ (الخاشعين) على وجوه (12):
أحدها: المصدّقين بما أنزل الله. قاله ابن عباس (13).
والثاني: المؤمنين حقا. قاله مجاهد (14).
والثالث: الخائفين من الله. قال أبو العالية (15).
والرابع: المتواضعين. قاله مقاتل بن حيان (16).
والخامس: وقيل: الخاضعين لطاعته الخائفين سطواته، المصدقين بوعده ووعيده (17).
قلت وكل المعاني السابقة متداخلة وصحيحة، فيمكن القول بأن الخاشع لله هو: المتواضع لله والمستكين لطاعته والمتذلل من مخافته.
وأصل (الخشوع): التواضع والتذلل والاستكانة، والإخبات (18)، ومنه قول جرير (19):
(1) أنظر المحرر الوجيز: 1/ 137، وزاد المسير لابن الجوزي: 1/ 76،
(2)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (488): ص 1/ 103. ولفظه: " صرفك من بيت المقدس إلى الكعبة، كبير ذلك على المنافقين واليهود".
(3)
انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: 1/ 205، والبحر المحيط لأبي حيان: 1/ 185.
(4)
أنظر: الكشاف: 1/ 134، وتفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 178.
(5)
تفسير الطبري (856): ص 2/ 15.
(6)
تفسير الطبري (855): ص 2/ 15.
(7)
تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 178.
(8)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 161.
(9)
تفسير الطبري: 2/ 16.
(10)
تفسير الخازن: 1/ 47.
(11)
تفسير النسفي: 1/ 63.
(12)
انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 253، وتفسير الطبري: 2/ 16.
(13)
أنظر: تفسير الطبري (856): ص 1/ 16.
(14)
أنظر: تفسير الطبري (858): ص 1/ 16.
(15)
أنظر: تفسير الطبري (857): ص 1/ 16.
(16)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (492): ص 1/ 103.
(17)
انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 253.
(18)
تفسير الطبري: 2/ 17، وانظر: الكشاف: 1/ 135.
(19)
ديوان جرير: 345، والنقائض: 969، وقد جاء منسوبا له في تفسيره (1: 289/ 7: 157 بولاق)، وطبقات ابن سعد: 3/ 1/ 79، وسيبويه 1: 25، والأضداد لابن الأنباري: 258، والخزانة 2:166. استشهد به سيبويه على أن تاء التأنيث جاءت للفعل، لما أضاف " سور " إلى مؤنث وهو " المدينة "، وهو بعض منها. قال سيبويه: " وربما قالوا في بعض الكلام: " ذهبت بعض أصابعه "، وإنما أنث البعض، لأنه أضافه إلى مؤنث هو منه، ولو لم يكن منه لم يؤنثه. لأنه لو قال: " ذهبت عبد أمك " لم يحسن. (1: 25). وهذا البيت يعير به الفرزدق بالغدر ويهجوه، فإن الزبير بن العوام رضي الله عنه حين انصرف يوم الجمل، عرض له رجل من بني مجاشع رهط الفرزدق، فرماه فقتله غيلة. ووصف الجبال بأنها " خشع ". يريد عند موته، خشعت وطأطأت من هول المصيبة في حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن قبح ما لقي من غدر بني مجاشع.
لما أتى خبر الزبير تواضعت
…
سور المدينة والجبال الخشع
قوله (الجبال الخشع): أي: متذللة لعظم المصيبة بفقد الزبير.
قال الواحدي: " أصل الخشوع في اللغة: السكون، قال الله تعالى {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ} [طه: 108]، أي سكنت، ويقال: جدار خاشع، إذا تداعى واستوى مع الأرض، قال النابغة (1):
وَنُؤْيٌ كَجِذْمِ الحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ
ومنه الحديث "كانت الكعبة خُشعة على الماء"(2)، أي: ساكنة، وهذا أصله في اللغة. ثم استعمل في أشياء تعود إلى هذا الأصل، فقيل: خشعت الأرض، إذا لم تمطر، فلم تهتز بالنبات، قال الله تعالى:{تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ} [فصلت: 39]، وخشع السنام، إذا ذهب شحمه وتطأطأ شرفه. وخشعت الأبصار، إذا سكنت ونظرت في الأرض من غير التفات. وقيل: للمطيع المخبت: خاشع، لسكونه إلى الطاعة" (3).
قال الزمخشري: " فإن قلت: مالها لم تثقل على الخاشعين والخشوع في نفسه مما يثقل؟ قلت: لأنهم يتوقعون ما ادّخر للصابرين على متاعبها فتهون عليهم"(4).
وفي الآية إشارة إلى فضيلة الصلاة، إذ إنها مما يستعان بها على الأمور، وشؤون الحياة؛ لقوله تعالى:(والصلاة)؛ ونحن نعلم علم اليقين أن هذا خبر صدق لا مرية فيه؛ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا حزبه أمر صلى (5)؛ ويؤيد ذلك اشتغاله لله في العريش يوم بدر بالصلاة، ومناشدة ربه بالنصر (6).
والصلاة لا تكون عوناً للانسان، إلا إذا أتى بها على وجه كامل، وهي التي يكون فيها حضور القلب، والقيام بما يجب فيها أما صلاة غالب الناس اليوم فهي صلاة جوارح لا صلاة قلب؛ ولهذا تجد الإنسان من حين أن يكبِّر ينفتح عليه أبواب واسعة عظيمة من الهواجيس التي لا فائدة منها؛ ولذلك من حين أن يسلِّم تنجلي عنه، وتذهب؛ لكن الصلاة الحقيقية التي يشعر الإنسان فيها أنه قائم بين يدي الله، وأنها روضة فيها من كل ثمرات العبادة لا بد أن يَسلوَ بها عن كل همّ؛ لأنه اتصل بالله عز وجل الذي هو محبوبه، وأحب شيء
(1) البيت في "تفسير الثعلبي" 1/ 69 ب، "التهذيب"(خشع) 1/ 1034، "اللسان"(خشع) 2/ 1166، والقرطبي 1/ 320، "ديوان النابغة" ص 53.
من قصيدة للنابغة الذيباني يمدح النعمان وصدره:
رَمادٌ كَكُحِل العين لَأْياً أُبِينُه
يقول من الآيات التي عرف بها الدار (رماد ككحل العين، لَاياً أبينه (أي بصعوبة بطء أتبينه، و (النُّؤْيُّ): حاجز حول البيت لئلا يدخله الماء، و (الْجِذْم): أصل الشيء (أثلم): تثلم: تهدم، و (الخاشع): المطمئن اللاصق بالأرض.
(3)
التفسير البسيط: 2/ 454 - 455.
(4)
الكشاف: 1/ 134.
(5)
أخرجه أحمد 5/ 388، حديث رقم 23688؛ وأخرجه أبو داود ص 1321، كتاب الصلاة، باب 22: وقت قيام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل، حديث رقم 1319، ومدار الحديث على محمد بن عبد الله بن أبي قدامة الدؤلي، قال الذهبي:"ما أعلم روى عنه غير عكرمة بن عمار". ميزان الاعتدال (3/ 595) رقم 7747، وأقره الحافظ في تهذيب التهذيب 9/ 241، وقال شعيب الأرناؤوط في تحرير التقريب:"مجهور"، تفرد بالرواية عنه عكرمة بن عمار اليماني ولم يوثقه أحد 3/ 272، وقال الحافظ في الفتح: أخرجه أبو داود بإسناد حسن 3/ 172.
(6)
راجع البخاري ص 234، كتاب الجهاد، باب 89: ما قيل في درع النبي صلى الله عليه وسلم والقميص في الحرب، حديث رقم 2915؛ ومسلماً ص 990، كتاب الجهاد، باب 18: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم، حديث رقم 4588 [58] 1763؛ والسيرة النبوية لابن هشام 2/ 196.
إليه؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم "جعلت قرة عيني في الصلاة"(1)؛ أما الإنسان الذي يصلي ليتسلى بها، لكن قلبه مشغول بغيرها فهذا لا تكون الصلاة عوناً له؛ لأنها صلاة ناقصة؛ فيفوت من آثارها بقدر ما نقص فيها، كما قال الله تعالى:{اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45]؛ وكثير من الناس يدخل في الصلاة، ويخرج منها لا يجد أن قلبه تغير من حيث الفحشاء والمنكر. هو على ما هو عليه.؛ لا لانَ قلبه لذكر، ولا تحول إلى محبة العبادة (2).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: إرشاد الله تبارك وتعالى عباده إلى الاستعانة بهذين الأمرين: الصبر، والصلاة.
2 ومنها: جواز الاستعانة بغير الله؛ لكن فيما يثبت أن به العون؛ فمثلاً إذا استعنت إنساناً يحمل معك المتاع إلى البيت كان جائزاً؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم "وتعين الرجل في دابته، فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة (3) ".
أما الاستعانة بما لا عون فيه فهي سفه في العقل، وضلال في الدين، وقد تكون شركاً: كأن يستعين بميت، أو بغائب لا يستطيع أن يعينه لبعده عنه، وعدم تمكنه من الوصول إليه.
3 ومن فوائد الآية: فضيلة الصبر، وأن به العون على مكابدة الأمور؛ قال أهل العلم: والصبر ثلاثة أنواع؛ وأخذوا هذا التقسيم من الاستقراء؛ الأول: الصبر على طاعة الله؛ والثاني: الصبر عن معصية الله؛ والثالث: الصبر على أقدار الله؛ فالصبر على الطاعة هو أشقها، وأفضلها؛ لأن الصبر على الطاعة يتضمن فعلاً وكفاً اختيارياً: فعل الطاعة؛ وكفّ النفس عن التهاون بها، وعدم إقامته؛ فهو إيجادي إيجابي؛ والصبر عن المعصية ليس فيه إلا كف فقط؛ لكنه أحياناً يكون شديداً على النفس؛ ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم الشاب الذي دعته امرأة ذات منصب، وجمال، فقال:"إني أخاف الله"(4) في رتبة الإمام العادل من حيث إن الله يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وإن كان الإمام العادل أفضل.؛ لأن قوة الداعي في الشباب، وكون المرأة ذات منصب وجمال، وانتفاء المانع فيما إذا كان خالياً بها يوجب الوقوع في المحذور؛ لكن قال:"إني أخاف الله"؛ ربما يكون هذا الصبر أشق من كثير من الطاعات؛ لكن نحن لا نتكلم عن العوارض التي تعرض لبعض الناس؛ إنما نتكلم عن الشيء من حيث هو؛ فالصبر على الطاعة أفضل من الصبر عن المعصية؛ والصبر عن المعصية أفضل من الصبر على أقدار الله؛ لأنه لا اختيار للإنسان في دفع أقدار الله؛ لكن مع ذلك قد يجد الإنسان فيه مشقة عظيمة؛ ولكننا نتكلم ليس عن صبر معين في شخص معين؛ قد يكون بعض الناس يفقد حبيبه، أو ابنه، أو زوجته، أو ما أشبه ذلك، ويكون هذا أشق عليه من كثير من الطاعات من حيث الانفعال النفسي؛ والصبر على أقدار الله ليس من المكلف فيه عمل؛ لأن ما وقع لابد أن يقع. صبرت، أم لم تصبر: هل إذا جزعت، وندمت، واشتد حزنك يرتفع المقدور؟ ! .
الجواب: لا؛ إذاً كما قال بعض السلف: إما أن تصبر صبر الكرام؛ وإما أن تسلو سُلوّ البهائم.
4 ومن فوائد الآية: الحث على الصبر بأن يحبس الإنسان نفسه، ويُحمِّلها المشقة حتى يحصل المطلوب؛ وهذا مجرب. أن الإنسان إذا صبر أدرك مناله؛ وإذا ملّ كسل، وفاته خير كثير.؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:"احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز"(5)؛ وكثير من الناس يرى أن بداءته بهذا العمل مفيدة له، فيبدأ، ثم لا يحصل له مقصوده بسرعة، فيعجز، ويكِلّ، ويترك؛ إذاً ضاع عليه وقته الأول، وربما يكون زمناً كثيراً؛ ولا يأمن أنه إذا عدل عن الأول، ثم شرع في ثانٍ أن يصيبه مثل ما أصابه أولاً، ويتركه؛ ثم تمضي عليه حياته بلا فائدة؛ لكن إذا صبر مع كونه يعرف أنه ليس بينه وبين مراده إلا امتداد الأيام فقط، وليس هناك موجب لقطعه؛ فليصبر: لنفرض أن إنساناً من طلبة العلم همّ أن يحفظ: "بلوغ
(1) أخرجه أحمد 3/ 128، حديث رقم 12318؛ وأخرجه النسائي ص 2307، كتاب عشرة النساء، باب 1: حب النساء، حديث رقم 3391، وقال الألباني في صحيح النسائي: حسن صحيح 3/ 57، حديث رقم 3949.
(2)
انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 97.
(3)
سبق تخريجه ص 14.
(4)
أخرجه البخاري ص 567 – 568، كتاب الحدود، باب 19: فضل من ترك الفواحش، حديث رقم 6806؛ وأخرجه مسلم ص 840، كتاب الزكاة، باب 30: فضل إخفاء الصدقة، حديث رقم 2380 [91]1031.
(5)
أخرجه مسلم ص 1142، كتاب القدر، باب 8: الإيمان بالقدر والإذعان له، حديث رقم 6774 [34]2664.
المرام"، وشرع فيه، واستمر حتى حفظ نصفه؛ لكن لحقه الملل، فعجز، وترك: فالمدة التي مضت خسارة عليه إلا ما يبقى في ذاكرته مما حفظ فقط؛ لكن لو استمر، وأكمل حصل المقصود؛ وعلى هذا فقس.
5 ومن فوائد الآية: فضيلة الصلاة، حيث إنها مما يستعان بها على الأمور، وشؤون الحياة؛ لقوله تعالى:{والصلاة} ؛ ونحن نعلم علم اليقين أن هذا خبر صدق لا مرية فيه؛ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا حزبه أمر صلى (1)؛ ويؤيد ذلك اشتغاله لله في العريش يوم بدر بالصلاة، ومناشدة ربه بالنصر (2).
فإن قال قائل: كيف تكون الصلاة عوناً للإنسان؟
فالجواب: تكون عوناً إذا أتى بها على وجه كامل. وهي التي يكون فيها حضور القلب، والقيام بما يجب فيها أما صلاة غالب الناس اليوم فهي صلاة جوارح لا صلاة قلب؛ ولهذا تجد الإنسان من حين أن يكبِّر ينفتح عليه أبواب واسعة عظيمة من الهواجيس التي لا فائدة منها؛ ولذلك من حين أن يسلِّم تنجلي عنه، وتذهب؛ لكن الصلاة الحقيقية التي يشعر الإنسان فيها أنه قائم بين يدي الله، وأنها روضة فيها من كل ثمرات العبادة لا بد أن يَسلوَ بها عن كل همّ؛ لأنه اتصل بالله عز وجل الذي هو محبوبه، وأحب شيء إليه؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم "جعلت قرة عيني في الصلاة"(3)؛ أما الإنسان الذي يصلي ليتسلى بها، لكن قلبه مشغول بغيرها فهذا لا تكون الصلاة عوناً له؛ لأنها صلاة ناقصة؛ فيفوت من آثارها بقدر ما نقص فيها، كما قال الله تعالى:{اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45]؛ وكثير من الناس يدخل في الصلاة، ويخرج منها لا يجد أن قلبه تغير من حيث الفحشاء والمنكر. هو على ما هو عليه.؛ لا لانَ قلبه لذكر، ولا تحول إلى محبة العبادة.
6 ومن فوائد الآية: أنه إذا طالت أحزانك فعليك بالصبر، والصلاة.
7 ومنها: أن الأعمال الصالحة شاقة على غير الخاشعين. ولا سيما الصلاة ..
8 ومنها: أن تحقيق العبادة لله سبحانه وتعالى بالخشوع له مما يسهل العبادة على العبد؛ فكل من كان لله أخشع كان لله أطوع؛ لأن الخشوع خشوع القلب؛ والإخبات إلى الله تعالى، والإنابة إليه تدعو إلى طاعته.
القرآن
{الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)} [البقرة: 46]
التفسير:
الذين يوقنون أنهم ملاقو ربِّهم جلَّ وعلا بعد الموت، وأنهم إليه راجعون يوم القيامة للحساب والجزاء.
قوله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} [البقرة: 46]، "أي الذين يتيقنون بأنهم سيلاقون الله عز وجل؛ وذلك يوم القيامة"(4).
قال ابن كثير: " أي: يعلمون أنهم محشورون إليه يوم القيامة، معروضون عليه"(5).
قال النسفي: " أي يتوقعون لقاء ثوابه ونيل ما عنده ويطمعون فيه"(6).
(1) أخرجه أحمد 5/ 388، حديث رقم 23688؛ وأخرجه أبو داود ص 1321، كتاب الصلاة، باب 22: وقت قيام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل، حديث رقم 1319، ومدار الحديث على محمد بن عبد الله بن أبي قدامة الدؤلي، قال الذهبي:"ما أعلم روى عنه غير عكرمة بن عمار". ميزان الاعتدال (3/ 595) رقم 7747، وأقره الحافظ في تهذيب التهذيب 9/ 241، وقال شعيب الأرناؤوط في تحرير التقريب:"مجهور"، تفرد بالرواية عنه عكرمة بن عمار اليماني ولم يوثقه أحد 3/ 272، وقال الحافظ في الفتح: أخرجه أبو داود بإسناد حسن 3/ 172.
(2)
راجع البخاري ص 234، كتاب الجهاد، باب 89: ما قيل في درع النبي صلى الله عليه وسلم والقميص في الحرب، حديث رقم 2915؛ ومسلماً ص 990، كتاب الجهاد، باب 18: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم، حديث رقم 4588 [58] 1763؛ والسيرة النبوية لابن هشام 2/ 196.
(3)
أخرجه أحمد 3/ 128، حديث رقم 12318؛ وأخرجه النسائي ص 2307، كتاب عشرة النساء، باب 1: حب النساء، حديث رقم 3391، وقال الألباني في صحيح النسائي: حسن صحيح 3/ 57، حديث رقم 3949.
(4)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 166، وانظر: تفسير السعدي: 51.
(5)
تفسير ابن كثير: 1/ 254.
(6)
تفسير النسفي: 1/ 63.
قال أبو العالية: " الظن ها هنا يقين"(1). وروي عن مجاهد (2)، والسدي (3)، والربيع بن أنس (4)، وقتادة (5)، وابن جريج (6)، وابن زيد (7)، مثل ذلك (8).
وأخرج ابن أبي حاتم "عن سعيد في قوله: {الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم}، قال الذين شروا أنفسهم لله، ووطنوها على الموت"(9).
قال الثعلبي: {يَظُنُّونَ} أي: " يعلمون ويستيقنون، كقوله تعالى: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} [الحاقة: 20] أي أيقنت به"(10).
قال البغوي: أي: " يستيقنون أنهم مبعوثون وأنهم محاسبون"(11).
قال الزمخشري: " أى: يتوقعون لقاء ثوابه ونيل ما عنده، ويطمعون فيه"(12).
قال الراغب: " وتخصيص ذكر (الظن) ها هنا، إعلام بأنهم في كل حال لا يأمنون الموت، ولو كان بدله العلم، لم يصح على الوجه الذي يصح فيه الظن، لأنك تقول: " أظن أني أموت في كل حال، وأما قوله {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ} ، فهو نهاية في الذم، ومعناه: ألا تحصل لهم أمارة تنبههم على التفكر في ذلك - تنبيهاً أن هذا لا محالة مما تبين أمارته للإنسان إذا تأمل، أدني تأمل، وخاطب بالآيات عماء بني إسرائيل الآميرن غيرهم بالبر، الناسين أنفسهم بأن استعينوا في مدافعه هذه الحال بالصبر والتوصل به إلى الصلاة، فبها يصير الإنسان خاشغاً ملتزماً للحق ممن ظهر منه" (13).
وفي مصحف عبد اللَّه: " {يعلمون}، ومعناه: يعلمون أن لا بد من لقاء الجزاء فيعملون على حسب ذلك، ولذلك فسر «يظنون» بـ (يتيقنون) "(14)، وأما من لم يوقن بالجزاء ولم يرج الثواب كانت عليه مشقة خالصة.
قال الآلوسي: " والمراد من (ملاقاة الرب) سبحانه، إما ملاقاة ثوابه أو الرؤية عند من يجوزها، وكل منهما مظنون متوقع لأنه وإن علم الخاشع أنه لا بد من ثواب للعمل الصالح، وتحقق أن المؤمن يرى ربه يوم المآب- لكن من أين يعلم ما يختم به عمله- ففي وصف أولئك بالظن إشارة إلى خوفهم، وعدم أمنهم مكر ربهم فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ [الأعراف: 99] "(15).
وقال النسفي: " وفسر (اللقاء): بالرؤية، و {ملاقو ربهم}، بمعاينوه بلا كيف"(16).
وذكروا في معنى (ظن) في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ} [البقرة: 46]، قولان:
أحدهما: أن الظن هنا بمعنى اليقين، : فكأنه قال: الذين يَتَيَقَّنُون أنهم ملاقو ربهم. وهذا قول الجمهور، حكاه ابن عطية (17).
ومن ذلك قوله تعالى: {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا} [الجن: 12]، وقوله:{إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} [الحاقة: 20](18).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (493): ص 1/ 103، والطبري (861): ص 1/ 19.
(2)
أنظر: تفسير الطبري (862): ص 1/ 19.
(3)
أنظر: تفسير الطبري (864): ص 1/ 19.
(4)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 103.
(5)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 103.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (865): ص 1/ 19.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (866): ص 1/ 19.
(8)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 103.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (494): ص 1/ 104.
(10)
تفسير الثعلبي: 1/! 89.
(11)
تفسير البغوي: 1/ 90.
(12)
الكشاف: 1/ 134.
(13)
تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 179.
(14)
الكشاف: 1/ 134.
(15)
روح المعاني: 1/ 251.
(16)
تفسير النسفي: 1/ 63.
(17)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 137.
(18)
ومنه قوله تعالى: - {وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ} [القيامة: 28].
- {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا} [الكهف: 53].
في الآيات السابقة جاء الفعل (ظن) بمعنى الأعتقاد الجازم، وهو الأكثر استعمالا في الأسلوب القرآني وكلام العرب.
وهو كثير عند العرب، وقد وردت من أشعار العرب أمثلة كثيرة على هذا النحو، فمن ذلك قول دريد بن الصمة (1):
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج
…
سراتهم في الفارسي المسرد
يعني بذلك: تيقنوا ألفي مدجج تأتيكم.
وقول عميرة بن طارق (2):
بأن تغتزوا قومي وأقعد فيكم
…
وأجعل مني الظن غيبا مرجما
يعني: وأجعل مني اليقين غيبا مرجما.
قال الزجاج: " الظن ههنا في معنى اليقين، والمعنى: الذين يوقنون بذلك ولو كانوا شاكين، كانوا ضُلالاً كافرين، والظن: بمعنى اليقين موجود في اللغة"(3). ثم استشهد ببيت دريد السابق.
والثاني: وحكى المهدوي وغيره: أن {الظن} في هذه الآية، يصح أن يكون على بابه، والمعنى: يظنون أنهم ملاقو ربهم بذنوبهم، لإشفاقهم من المعاصي التي كانت منهم (4).
قال ابن عطية: " وهذا تعسف، والظن في كلام العرب قاعدته الشك مع ميل إلى أحد معتقديه"(5).
وقد قال: بعض أهل العلم من المتقدمين: "إن الظن يقع في معنى العلم الذي لم تشاهده، وإِن كان قام في نفسك حقيقتُه"(6).
قال الزجاج: "وهذا مذهب، إِلا أن أهل اللغة لم يذكروا هذا"(7).
قال ابن عطية: " وقد يوقع الظن موقع اليقين في الأمور المتحققة، لكنه لا يوقع فيما قد خرج إلى الحس، لا تقول العرب في رجل مرئي حاضر أظن هذا إنسانا وإنما تجد الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحس بعد"(8).
وقال بعض المفسرين: في قوله: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} : "إنما استعمل الظن بمعنى العلم في هذا الموضع لأمرين:
أحدهما: أنه تنبيه أن علم أكثر الناس بالله في الدنيا، بالإضافة إلى علمه به في الآخرة كالظن في جنب العلم.
(1) الأصمعيات: 23، وشرح الحماسة 2: 156، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 40، وسيأتي غير منسوب في 25: 83، وغير منسوب في 13: 58 برواية أخرى: " فظنوا بألفي فارس متلبب ". وهذا الشعر قاله في رثاء أخيه عبد الله بن الصمة، وهو عارض، المذكور في شعره. المدجج: الفارس الذي قد تدجج في شكته، أي دخل في سلاحه، كأنه تغطى به. والسراة جمع سري: وهم خيار القوم من فرسانهم. والفارسي المسرد: يعني الدروع الفارسية، قال عمرو بن امرئ القيس الخزرجي:
إذا مشينا في الفارسي كما
…
يمشى جمال مَصاعبٌ قُطُفُ
السرد: إدخال حلق الدرع بعضها في بعض. والمسرد: المحبوك النسج المتداخل الحلق. ينذر أخاه وقومه أنهم سوف يلقون عدوا من ذوى البأس قد استكمل أداة قتاله.
(2)
نقائض جرير والفرزدق: 53، 785، والأضداد لابن الأنباري. 12 وهو عميرة بن طارق بن ديسق اليربوعي، قالها في خبر له مع الحوفزان، ورواية النقائض:" وأجلس فيكم. . . "، و " أجعل علمي ظن غيب مرجما ". وقبل البيت:
فلا تأمرني يا ابن أسماء بالتي
…
تجر الفتى ذا الطعم أن يتكلما
ذو الطعم " ذو الحرم. وتجر، من الإجرار: وهو أن يشق لسان الفصيل، إذا أرادوا فطامه، لئلا يرضع. يعني يحول بينه وبين الكلام.
وغزا الأمر واغتزاه: قصده، ومنه الغزو: وهو السير إلى قتال العدو وانتهابه، والمرجم: الذي لا يوقف على حقيقة أمره، لأنه يقذف به على غير يقين، من الرجم: وهو القذف. هذا، والبيت، كما رواه في النقائض، ليس بشاهد على أن الظن هو اليقين. ورواية الطبري هي التي تصلح شاهدا على هذا المعنى.
(3)
معاني القرآن: 1/ 126.
(4)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 137.
(5)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 137.
(6)
معاني القرآن: 1/ 126. قال الزجاج: " وهذا سمعته من إِسماعيل بن إِسحاق القاضي رحمه الله رواه عن زيد بن أسلم".
(7)
معاني القرآن: 1/ 126.
(8)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 137.
والثاني. أن العلم الحقيقي في الدنيا بأمور الآخرة لا يكاد يحصل إلا للنبيين والصديقين" (1).
قوله تعالى: {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 46]، " أي معادهم إِليه يوم الدين"(2).
قال أبو العالية: " يستيقنون أنهم يرجعون إليه يوم القيامة"(3).
قال ابن عثيمين: " أي في جميع أمورهم، كما قال تعالى: {وإليه يرجع الأمر كله} [هود: 123]، وقال تعالى: {وإلى الله ترجع الأمور} [البقرة: 210] "(4).
قال النسفي: " لا يملك أمرهم في الآخرة أحد سواه"(5).
قال ابن كثير: " أي: أمورهم راجعة إلى مشيئته، يحكم فيها ما يشاء بعدله، فلهذا لما أيقنوا بالمعاد والجزاء سَهُل عليهم فعلُ الطاعات وترك المنكرات"(6).
قال السعدي: " فهذا الذي خفف عليهم العبادات وأوجب لهم التسلي في المصيبات، ونفس عنهم الكربات، وزجرهم عن فعل السيئات، فهؤلاء لهم النعيم المقيم في الغرفات العاليات، وأما من لم يؤمن بلقاء ربه، كانت الصلاة وغيرها من العبادات من أشق شيء عليه"(7).
واختلف في عود الضمير في قوله {إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 46]، على ثلاثة وجوه (8):
أحدها: أنه يعود على (الموت)، وأراد بالرجوع: الموت.
والثاني: أنه يعود على (الإعادة)، أي: أنهم راجعون بالإعادة في الآخرة، يعني: بالحشر والخروج إلى الحساب والعرض. وهو قول أبي العالية (9). واختاره الطبري (10).
قال ابن عطية: " وتقوي هذا القول الآية المتقدمة قوله تعالى: ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: 28، الحج: 66، الروم: 40] "(11).
والثالث: أنه يعود إلى (الرب)، فهم راجعون إليه، أي: لا يملك أحد لهم ضرّاً ولا نفعاً غيره كما كانوا في بدءِ الخلق.
والراجح هو القول الأخير، لأن "ظاهر الكلام والتركيب الفصيح أنه يعود إلى الرب، وأن المعنى: وأنهم إلى ربهم راجعون، وهو أقرب ملفوظ به"(12).
وقد اختلف في تفسير (الرجوع) الذي في قوله {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 46]، وذكروا فيه وجهين:
أحدهما: أن المراد: الرجوع إلى الله تعالى يوم القيامة. وهذا مذهب أبي العالية (13)، واختاره الطبري (14).
والثاني: أن المراد: الرجوع الى الله تعالى بالموت (15).
والراجح هو القول الأول، فالله تعالى أخبر في كتابه العزيز (16)، أن مرجعهم إليه بعد إحيائهم، وذلك يوم القيامة. والله تعالى أعلم.
(1) القول نسبه الواحدي إلى الأخفش، ولم اجده في معاني القرآن، كما ذكره الرازي، دون ذكر تحديد القائل، أنظر: التفسير البسيط: 2/ 462، ومفاتيح الغيب: 2/ 423.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 48.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (495): ص 1/ 104.
(4)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 166.
(5)
تفسير النسفي: 1/ 63.
(6)
تفسير ابن كثير: 1/ 254.
(7)
تفسير السعدي: 51.
(8)
أنظر: البحر المحيط: 1/ 157، والنكت والعيون: 1/ 116.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (495): ص 1/ 104، والطبري (867): ص 1/ 23.
(10)
انظر: تفسيره: 1/ 23.
(11)
المحرر الوجيز: 1/ 138.
(12)
البحر المحيط: 1/ 157.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (495): ص 1/ 104، والطبري (867): ص 1/ 23.
(14)
انظر: تفسيره: 1/ 23.
(15)
انظر: تفسيره: 1/ 23.
(16)
قال تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28].
قال أبو حيان: " وليس في قوله: وأنهم إليه راجعون دلالة للمجسمة والتناسخية على كون الأرواح قديمة، وإنما كانت موجودة في عالم الروحانيات. قالوا: لأن الرجوع إلى الشيء المسبوق بالكون عنده"(1).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: إثبات ملاقاة الله عز وجل؛ لأن الله مدح الذين يتيقنون بهذا اللقاء.
2 ومنها: إثبات رؤية الله عز وجل، كما ذهب إليه كثير من العلماء؛ لأن اللقاء لا يكون إلا مع المقابلة، وهذا يعني ثبوت الرؤية؛ فإن استقام الاستدلال بهذه الآية على رؤية الله فهذا مطلوب؛ وإن لم يستقم الاستدلال فَثَمّ أدلة أخرى كثيرة تدل على ثبوت رؤية الله عز وجل يوم القيامة.
3 ومنها: أن هؤلاء المؤمنين يوقنون أنهم راجعون إلى الله في جميع أمورهم؛ وهذا يستلزم أموراً:
أولاً: الخوف من الله؛ لأنك ما دمت تعلم أنك راجع إلى الله، فسوف تخاف منه.
ثانياً: مراقبة الله عز وجل. المراقبة في الجوارح.؛ والخوف في القلب؛ يعني أنهم إذا علموا أنهم سيرجعون إلى الله، فسوف يخشونه في السرّ، والعلانية.
ثالثاً: الحياء منه؛ فلا يفقدك حيث أمرك، ولا يجدك حيث نهاك.
القرآن
التفسير:
يا ذرية يعقوب تذكَّروا نعمي الكثيرة عليكم، واشكروا لي عليها، وتذكروا أني فَضَّلْتكم على عالَمي زمانكم بجعل النبوة والملك من أسلافكم، والكتب المنزَّلة كالتوراة والإنجيل.
قال ابن عطية: " قد تكرر هذا النداء والتذكير بالنعمة، وفائدة ذلك أن الخطاب الأول يصح أن يكون للمؤمنين، ويصح أن يكون للكافرين منهم، وهذا المتكرر إنما هو للكافرين، بدلالة ما بعده، وأيضا فإن فيه تقوية التوقيف وتأكيد الحض على ذكر أيادي الله وحسن خطابهم بقوله: فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ لأن تفضيل آبائهم وأسلافهم تفضيل لهم، وفي الكلام اتساع"(2).
قوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [البقرة: 47]، ]، "أي يا أولاد إسرائيل"(3).
و{إِسْرَائِيلَ} ، يقصد به: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، إذ كان يدعى (إسرائيل)(4).
قوله تعالى: {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 47]، أي:" اذكروا فعلي بكم إذ أنعمت عليكم"(5).
قال الصابوني: أي: "اذكروا ما أنعمت به عليكم وعلى آبائكم"(6).
قال ابن عثميمين: " والمراد بـ "النعمة"- وإن كانت مفردة- جميع النعم، كما قال الله تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} [إبراهيم: 34] "(7).
وقوله تعالى: {الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 47]، " أي على أجدادكم"(8).
قال الثعلبي: " وذلك أن الله تعالى فلق لهم البحر وأنجاهم من فرعون وأهلك عدوّهم فأورثهم ديارهم وأموالهم، وظلل عَلَيْهِمُ الْغَمامَ في التيه من حر الشمس، وجعل لهم عمودا من نور يضيء لهم بالليل إذا لم يكن ضوء القمر، وأنزل عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى، وفجّر لهم اثني عشرة عينا، وأنزل عليهم التوراة فيها بيان كلّ شيء يحتاجون إليه في نعم من الله كثيرة لا تحصى"(9).
(1) البحر المحيط: 1/ 157.
(2)
المحرر الوجيز: 1/ 138.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 142.
(4)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 553. وتنفسير القرطبي: 1/ 330، والمحرر الوجيز: 1/ 185.
(5)
تفسير الطبري: 1/ 501.
(6)
صفوة التفاسير: 1/ 46.
(7)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 167.
(8)
تفسير الثعلبي: 1/ 186.
(9)
تفسير الثعلبي: 1/ 186.
وروي "عن قتادة: أن عمر بن الخطاب، كان إذا تلا: {اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم}، قال: مضى القوم، وإنما يعني به أنتم"(1).
وقد ذكر القرآن الكريم عشر نِعم أنعم الله سبحانه وتعالى بها على بني إسرائيل وهي (2):
1 -
نَجاتهم من فرعون؛ فقد كان يُذيقهم العذاب الشديد؛ يُذبّح الذكور مِنهم ويُبقي الإناث أحياء.
2 -
عبور بَني إسرائيل للبحر الأحمر سالمين بعد تَهيئة الله سبحانه وتعالى للطّريقِ اليابس في البحر ليسلكوه، وغرق فِرعون وجنوده.
3 -
قبولُ الله سبحانه وتعالى لتوبة بني إسرائيل وعَفوه عنهم.
4 -
إنزال التّوراة على نبيّ الله موسى عليه الصلاة والسلام، ليَهتدوا بها، ويتدبّروها، ويسيروا على شرعها.
5 -
التخلّص بشكلٍ جماعي من المجرمين بعد أن اتّخذ بنو إسرائيل العجل إلها، فعَبدوه من دونِ الله.
6 -
إحياؤهم بعد موتهم الموت الحقيقي، ليستوفوا آجالهم المقدرة لهم.
7 -
وِقايتهم من حرّ الشّمس أثناء وجودهم في وادي التيه (الموجود بين الشام ومصر) مدّة أربعين سنة، وذلك من خلال سترهم بالسّحاب الأبيض الرقيق.
8 -
إنعام الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل بأنواع كثيرة من الطّعام والشّراب كالمنّ، والسلوى.
9 -
الإنعام عليهم بعد خروجهم من التّيه بدخول القرية، قال جمهور العلماء بأنها بيت المقدس، وقيل بأنّها أريحا من بيت المقدس.
10 -
الإنعام عليهم بسقياهم؛ حيث إنّهم طلبوا من نبيّ الله موسى عليه السلام السقيا، فأمره الله أن يضرب بعَصاه أي حجر فانفجرت منه المياه بقوة، وخرجت منه اثنتا عشرة عيناً، لكلّ جماعةٍ منهم عين يَشربون منها.
قوله تعالى: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ} [البقرة: 47]، " أي وأعطيتكم الفضل والزيادة على غيركم من الشعوب"(3).
قال الزمخشري: أي" على الجم الغفير من الناس"(4).
قال الثعلبي: " يعني عالمي زمانكم"(5).
قال قتادة: " فضلهم على عالم ذلك الزمان"(6). وروي عن مجاهد (7)، وابن زيد (8) مثل ذلك.
وقال أبو العالية: " بما أعطوا من الملك والرسل والكتب، على عالم من كان في ذلك الزمان، فإن لكل زمان عالما"(9).
قلت: ظاهر هذه الآية أن بني إسرائيل هم أفضل العالمين، بينما المعروف أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم هي أفضل الأمم على الإطلاق، والمقصود بالتفضيل الوارد في هذه الآية الكريمة ثلاثة وجوه، وهي:
أحدها: إنّ المقصود بالعالم في الآية الجمع الكثير من الناس، وعلى هذا يكون تفضيل بني إسرائيل على مجموعةٍ من الناس لا على جميع البشر، والدليل على ذلك مأخوذٌ من قولِ الله سبحانه وتعالى في سورة الأنبياء:{وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 71]، فالمُراد بالعَالمين الواردة في الآية لا يشمل جَميع الناس، إنّما هو مَخصوصٌ بفئةٍ مُعيّنة من الخلق، وكذلك الأمر بالنسبة للأرض لا يُراد بها كلّ بقاعها وإنّما إشارة إلى أرض مُعيّنة ومخصوصة.
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (496): ص 1/ 104.
(2)
انظر: التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، وهبة الزحيلي، دار الفكر المعاصر، سوريا، ط 2: 1/ 160 - 168.
(3)
تفسير المراغي: 1/ 104.
(4)
الكشاف: 1/ 135.
(5)
تفسير الثعلبي: 1/ 190.
(6)
أخرجه الطبري (868): ص 2/ 24.
(7)
أخرجه الطبري (870): ص 2/ 24.
(8)
أخرجه الطبري (872): ص 2/ 24.
(9)
أخرجه الطبري (869): ص 2/ 24.
والثاني: المقصود بالتفضيل هنا أي بما أفاض الله سبحانه وتعالى عليهم من النعم دون غيرهم، والتي خصَّهم بها عن الناس، بالإضافة إلى جعل النبوة والملك في أسلافهم، وذلك باعتبار أنّ الخطاب كان موجهاً لهم وقت نزول القرآن الكريم، ودليل ذلك قول الله سبحانه وتعالى:{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 20].
والثالث: المقصود بالتفضيل الوارد في الآية هو فقط في زمانهم، والدليل على ذلك قول الله سبحانه وتعالى:{وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الدخان: 32]. وبه قال قتادة (1)، ومجاهد (2)، وابن زيد (3)، وأبو العالية (4). وهذا مذهب الجمهور.
الفوائد:
1 من فوائد الآية: أنه يجب على بني إسرائيل أن يذكروا نعمة الله عليهم، فيقوموا بشكرها؛ ومن شكرها أن يتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم
2 ومنها: إظهار أن هذه النعمة لم تأت بكسبهم، ولا بكدِّهم، ولا بإرث عن آبائهم؛ وإنما هي بنعمة الله عليهم؛ لقوله تعالى:{أنعمت عليكم} .
3 ومنها: أن بني إسرائيل أفضل العالم في زمانهم؛ لقوله تعالى: {وأني فضلتكم على العالمين} ؛ لأنهم في ذلك الوقت هم أهل الإيمان؛ ولذلك كُتب لهم النصر على أعدائهم العمالقة، فقيل لهم:{ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم} [المائدة: 21]؛ و "الأرض المقدسة" هي فلسطين؛ وإنما كتب الله أرض فلسطين لبني إسرائيل في عهد موسى؛ لأنهم هم عباد الله الصالحون؛ والله سبحانه وتعالى يقول: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء: 105]، وقال موسى لقومه:{إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده} [الأعراف: 128]، ثم قال:{والعاقبة للمتقين} [الأعراف: 128]؛ إذاً المتقون هم الوارثون للأرض؛ لكن بني إسرائيل اليوم لا يستحقون هذه الأرض المقدسة؛ لأنهم ليسوا من عباد الله الصالحين؛ أما في وقت موسى فكانوا أولى بها من أهلها؛ وكانت مكتوبة لهم، وكانوا أحق بها؛ لكن لما جاء الإسلام الذي بُعث به النبي صلى الله عليه وسلم صار أحق الناس بهذه الأرض المسلمون. لا العرب.؛ ففلسطين ليس العرب بوصفهم عرباً هم أهلها؛ بل إن أهلها المسلمون بوصفهم مسلمين. لا غير وبوصفهم عباداً لله عز وجل صالحين؛ ولذلك لن ينجح العرب فيما أعتقد. والعلم عند الله. في استرداد أرض فلسطين باسم العروبة أبداً؛ ولا يمكن أن يستردوها إلا باسم الإسلام على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، كما قال تعالى:{إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} [الأعراف: 128]؛ ومهما حاول العرب، ومهما ملؤوا الدنيا من الأقوال والاحتجاجات، فإنهم لن يفلحوا أبداً حتى ينادوا بإخراج اليهود منها باسم دين الإسلام. بعد أن يطبقوه في أنفسهم.؛ فإن هم فعلوا ذلك فسوف يتحقق لهم ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ، وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ، أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ"(5)؛ فالشجر، والحجر يدل المسلمين على اليهود يقول:"يا عبد الله". باسم العبودية لله.، ويقول:"يا مسلم". باسم الإسلام.؛ والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "يقاتل المسلمون اليهود"، ولم يقل:"العرب".
ولهذا أقول: إننا لن نقضي على اليهود باسم العروبة أبداً؛ لن نقضي عليهم إلا باسم الإسلام؛ ومن شاء فليقرأ قوله تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء: 105]: فجعل الميراث لعباده الصالحين؛ وما عُلِّق بوصف فإنه يوجد بوجوده، وينتفي بانتفائه؛ فإذا كنا عبادَ الله الصالحين ورثناها بكل يسر وسهولة، وبدون هذه المشقات، والمتاعب، والمصاعب، والكلامِ الطويل العريض
(1) أخرجه الطبري (868): ص 2/ 24.
(2)
أخرجه الطبري (870): ص 2/ 24.
(3)
أخرجه الطبري (872): ص 2/ 24.
(4)
أخرجه الطبري (869): ص 2/ 24.
(5)
أخرجه البخاري ص 235، كتاب الجهاد والسير، باب 94: قتال اليهود، حديث رقم 2926؛ وأخرجه مسلم ص 1184، كتاب الفتن، باب 18: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، حديث رقم 7339 [82]2922.
الذي لا ينتهي أبداً! ! نستحلها بنصر الله عز وجل، وبكتابة الله لنا ذلك. وما أيسره على الله.! ونحن نعلم أن المسلمين ما ملكوا فلسطين في عهد الإسلام الزاهر إلا بإسلامهم؛ ولا استولوا على المدائن عاصمة الفرس، ولا على عاصمة الروم، ولا على عاصمة القبط إلا بالإسلام؛ ولذلك ليت شبابنا يعون وعياً صحيحاً بأنه لا يمكن الانتصار المطلق إلا بالإسلام الحقيقي. لا إسلام الهوية بالبطاقة الشخصية.! ولعل بعضنا سمع قصة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حينما كسرت الفُرس الجسور على نهر دجلة، وأغرقت السفن لئلا يعبر المسلمون إليهم؛ فسخَّر الله لهم البحر؛ فصاروا يمشون على ظهر الماء بخيلهم، ورجلهم، وإبلهم؛ يمشون على الماء كما يمشون على الأرض لا يغطي الماء خفاف الإبل؛ وإذا تعب فرس أحدهم قيض الله له صخرة تربو حتى يستريح عليها؛ وهذا من آيات الله. ولا شك.؛ والله تعالى على كل شيء قدير؛ فالذي فلق البحر لموسى. عليه الصلاة والسلام. ولقومه، وصار يبساً في لحظة، ومشوا عليه آمنين؛ قادر على ما هو أعظم من ذلك.
فالحاصل أن بني إسرائيل لا شك أفضل العالمين حينما كانوا عباد الله الصالحين؛ أما حين ضربت عليهم الذلة، واللعنة، والصَّغار فإنهم ليسوا أفضل العالمين؛ بل منهم القردة، والخنازير؛ وهم أذل عباد الله لقوله تعالى:{ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله} [آل عمران: 112]، وقوله تعالى:{لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} [الحشر: 14].
ويدل لذلك. أي أن المراد بقوله تعالى: {فضلتكم على العالمين} أي في وقتكم، أو فيمن سبقكم: قوله تعالى في هذه الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم} [آل عمران: 110]؛ فقوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} صريح في تفضيلهم على الناس؛ ولهذا قال تعالى: {ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم} ؛ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أننا نوفي سبعين أمة نحن أكرمها، وأفضلها عند الله عز وجل (1) ّ. وهذا أمر لا شك فيه، ولله الحمد.
4 ومن فوائد الآية: أن الله تعالى إذا فضل أحداً بعلم، أو مال، أو جاه فإن ذلك من النعم العظيمة؛ لقوله تعالى:{وأني فضلتكم على العالمين} ، خصها بالذكر لأهميتها.
5 ومنها: تفاضل الناس، وأن الناس درجات؛ وهذا أمر معلوم. حتى الرسل يفضل بعضهم بعضاً، كما قال تعالى:{تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} [البقرة: 253]، وقال تعالى:{ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض} [الإسراء: 55].
القرآن
التفسير:
وخافوا يوم القيامة، يوم لا يغني أحد عن أحد شيئًا، ولا يقبل الله شفاعة في الكافرين، ولا يقبل منهم فدية، ولو كانت أموال الأرض جميعًا، ولا يملك أحد في هذا اليوم أن يتقدم لنصرتهم وإنقاذهم من العذاب.
في سبب نزول الآية: قال الزجاج: " كانت إليهود تزعم أن آباءَها الأنبياء تشفع لها عند الله فأيئَسُهم اللَّه من ذلك"(2).
قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا} [البقرة: 48]، أي:" واخشوا عقاب يوم"(3).
قال الثعلبي: " أي واحذروا يوما واخشوا يوما"(4).
(1) أخرجه أحمد 5/ 2، حديث رقم 20264؛ وأخرجه الترمذي ص 1954، كتاب تفسير القرآن، باب 3: ومن سورة آل عمران، حديث رقم 3001؛ وأخرجه ابن ماجة ص 2737، كتاب الزهد، باب 34: صفة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، حديث رقم 4288، وقال الألباني في صحيح الترمذي: حسن 3/ 32، حديث رقم 2399.
(2)
معاني القرآن: 1/ 128، وانظر: العجاب: 1/ 255 - 256.
(3)
تفسير البغوي: 1/ 90.
(4)
تفسير الثعلبي: 1/ 190.
قال ابن عثيمين: " أي اتخذوا وقاية من هذا اليوم، بالاستعداد له بطاعة الله"(1).
قال الصابوني: " أي خافوا ذلك اليوم الرهيب الذي"(2).
قوله تعالى: {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} [البقرة: 48]، أي:" لا تقضي فيه نفسٌ عن أخرى شيئاً من الحقوق"(3).
قال أبو العالية: "يعني: لا تغني نفس مؤمنة عن نفس كافرة من المنفعة شيئا"(4).
قال الطبري: أي"لا تقضي نفس عن نفس حقا لزمها لله جل ثناؤه ولا لغيره"(5).
قال الثعلبي: " أي لا تقضي ولا تكفي ولا تغني"(6).
قال الواحدي: " أي لا يقابل مكروهها بشيء يدرؤه عنها. و {لا تجزي}، معناه: لا تقضي ولا يغني، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة بن نِيَار: "ولا تجزي عن أحد بعدك" (7)، معناه: ولا تقضي"(8).
قال القرطبي: "فمعنى لا تجزي: لا تقضي ولا تغني ولا تكفي إن لم يكن عليها شي فإن كان فإنها تجزي وتقضي وتغني بغير اختيارها من حسناتها ما عليها من الحقوق"(9).
قال ابن عثيمين: " و {نفس} نكرة في سياق النفي، فيكون عاماً؛ فلا تجزي، ولا تغني نفس عن نفس أبداً، حتى الرسول صلى الله عليه وسلم لا يغني شيئاً عن أبيه، ولا أمه (10)؛ وقد نادى صلى الله عليه وسلم
(1) تفسير ابن عثيمين: 1/ 172.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 48.
(3)
صفوة التفاسير: 1/ 48.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (499): ص 1/ 104.
(5)
تفسير الطبري: 2/ 32.
(6)
تفسير الثعلبي: 1/ 190.
(7)
قطعة من حديث في قصة أبي بردة بن نِيَار، حينما ذبح قبل صلاة العيد، فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم أن يضحي بالجذعة المعزى. أخرجه البخاري في عدة مواضع، فأورده (955) كتاب (العيدين) باب (الأكل يوم النحر). و (965) باب (الخطبة بعد العيد)، و (968) باب:(التبكير إلى العيد)، و (983) باب (كلام الإمام والناس في خطبة العيد). و (5545) كتاب (الأضاحي) باب (سنة الأضحية)، و (5556) باب (قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بردة ضح بالجذع من المعز)، و (5560) باب (الذبح بعد الصلاة). و (5563) باب (من ذبح قبل صلاة وأعاد). أخرجه مسلم من عدة طرق (1961) كتاب الأضاحي، وأخرجه أبو داود (2800) كتاب:(الأضاحي) باب (ما يجوز من السن في الضحايا)، وأحمد في "مسنده" 4/ 282، 298، 303 كلهم عن البراء.
(8)
التفسير البسيط: 2/ 467 - 468. وذكره أبو عبيد عن الأصمعي. "غريب الحديث" 1/ 43، وانظر:"تهذيب اللغة"(جزى) 1/ 601.
(9)
تفسير القرطبي: 1/ 378.
(10)
قلت إن الكلام في والدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرع عن الكلام في حكم أهل الفترة، والفترة معناها كما قال ابن كثير:"هي ما بين كل نبيين كانقطاع الرسالة بين عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم". [تفسير القرآن العظيم 2/ 35، وانظر: جمع الجوامع للسبكي 1/ 63 وروح المعاني للآلوسي 6/ 103].
وقد قسّمهم أهل العلم إلى قسمين: القسم الأول: من بلغته الدعوة، والقسم الثاني: من لم تبلغه الدعوة وبقي على حين غفلة، ويشمل القسم الأول نوعين:
أولا: من بلغته الدعوة ووحّد ولم يشرك كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل. (انظر: البداية والنهاية 2/ 230 وفتح الباري 7/ 147].
ثانيا: من بلغته الدعوة ولكنه غيّر وأشرك كعمرو بن لحي الذي غيّر دين إبراهيم، والذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم:" رأيت عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي يجرّ قصبه في النار ". [رواه البخاري (3521) ومسلم (2856)].
وقد جاء النص عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن والديه في النار، روى مسلم (203) أن رجلاً قال:"يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار، فلما قضى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار".
وفي شأن أمه قال عليه الصلاة والسلام: "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي ". [رواه مسلم (976)].
يقول النووي رحمه الله – شارحاً الحديث الأول: " فيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ". [شرح صحيح مسلم 3/ 79].
هذا وقد قال بعض أهل العلم منهم القرطبي، والحافظ جلال الدين السيوطي، القاضى أبو بكر ابن العربى أحد أئمة المالكية، والشيخ محمد بخيت، والدكتور محمد فؤاد شاكر، وآخرون، بأنهما ناجيان من النار. [أنظر: التذكرة للقرطبى 13 - 15، والدر المنثور للسيوطي: 2/ 294، ومسالك الحنفا، ضمن الحاوى، 2/ 131، وفتاوى الأزهر فى فتوى الشيخ محمد بخيت فى شأن أهل الفترة التى بتاريخ ربيع الأول 1338 هجرية - 25 نوفمبر 1919 م، ودراسات فى علوم القرآن والسنة لفضيلة الدكتور ص 115 - 119].
وقد ذكر الإمام السيوطي في رسالته السادسة (السبل الجلية فى الآباء العلية) بقوله: "إنى لم أدع أن المسألة إجماعية، بل هى مسألة ذات خلاف، غير أنى اخترت أقوال القائلين بالنجاة، لأنها أنسب بهذا المقام"[السبل الجلية، ضمن مجموعة رسائل الإمام الحافظ جلال الدين السيوطى، فى تحقيق نجاة أبوى المصطفى صلى الله عليه وسلم وأنهم من أهل الجنة فى الآخرة، تحقيق: حسين مخلوف: ص 190].
واحتجوا من وجوه:
أحدها: أن المراد بالأب، عمه أبو طالب والعرب تطلق الأب على العم، وجاء بذلك الاستعمال كتاب الله العزيز في موضعين:
أحدهما: قطعي المتن قطعي الدلالة، وهو قوله تعالى في البقرة:{قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} [البقرة: 133].
وإسماعيل عمه قطعاً؛ فهو يعقوب بن سحاق بن إبراهيم.
والموضع الثاني: قطعي المتن لكنه ظني الدلالة، وهو قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ (إلى أن قال: (وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً ([الأنعام: 84 - 86].
فهو نص قرآني على أن إبراهيم يطلق عليه أبٌ للوط، وهو عمه على ما وردت به الأخبار، إلا أن هذا النص ظني الدلالة لأنه يحتمل أن يكون الضمير من قوله تعالى: {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ (يرجع إلى نوح، لأنه قال في الآية من قبل ذلك: {وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ (، ولكنه احتمال مرجوح؛ لأن الكلام عن إبراهيم.
وعلى هذا القول: فإنه يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم، لما سأله الأعرابي بقوله: أين أبي؟ وقال له: إن أباك في النار وولّى والحزن باد عليه، فقالصلى الله عليه وسلم:" ردوه علي " فلما رجع قال له: " إن أبي وأباك في النار".
يحتمل أنه يعني بأبيه: أبا طالب؛ لأن العرب تسمي العم أبا لا سيما إذا انضمّ إلى العمومية التربية ، والعطف والدفاع عنه.
وبذلك: إن التحقيق في أبوي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهما من أهل الفترة؛ لأن تعريف أهل الفترة أنهم القوم الذين لم يدركوا النذارة قبلهم ، ولم تدركهم الرسالة التي من بعدهم. [من كتاب مجالس مع فضيلة الشيخ محمد الأمين الجنكي الشنقيطي: ص 40].
والثاني: احتجوا بأقوال أنكرها عامة أهل العلم، وحكموا بأن الأحاديث الواردة في ذلك موضوعة أو ضعيفة جداً. [انظر: الحاوي للفتاوى 2/ 202].
قلت: إن المسألة خلافية، وذلك لورود نصوص ظاهرها فيه شي من التعارض، كما أن هذه المسألة ليست من مسائل الاعتقاد ولا العمل، فلم ينشغل بها السلف، لكونها من فضول العلم، أريد أن أشير بأنه لا دليل ينص على أن كلمة (أبي)، تشير إلى والد الرسول (عبدالله) تحديدا، وذلك للاحتمالات المشار إليها، فالمسألة ظنية الدلالة، كما أن دعوى الإجماع في هذه المسألة دعوى عريضة ولا يخفى ما فيها، وكلام السيوطي ليس بالقوي، من التكلف. وأختم كلامي بقول الإمام الصنعاني-رحمه الله: "
"إن مسألة إيمان أبوي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم من مسائل الفضول، لا يخوض فيها من هو بمهمات دينه مشغول". [جموع رسائل الصنعاني: رقم 7].
والله تعالى أعلم.
عشيرته الأقربين؛ فجعل ينادي كل واحد باسمه، ويقول:"يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئاً؛ يا فاطمة بنت رسول الله، لا أغني عنك شيئاً .. "(1)، مع أن العادة أن الإنسان يدافع عن حريمه، وعن نسائه؛ لكن في يوم القيامة ليست هناك مدافعة؛ بل قال الله تعالى:{فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} [المؤمنون: 101]: تزول الأنساب" (2).
وقد ذكر أهل التفسير في تعالى: {لا تَجْزي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً} [البقرة: 47]، وجوها (3):
أحدها: معناه: لا تُغنِي، كما يقال: البقرة تَجْزِي عن سبعةٍ أي تُغِني، وهو قول السدي (4)، وسعيد بن جبير (5) وأبي مالك (6)، وقال به جماعة من أهل التفسير (7).
والثاني: معناه لا تقضي، ومنه قولهم: جزى الله فلاناً عني خيراً، أثابه عني وقضاه عني، وهو قول المفضل (8)، وجماعة من أهل التفسير (9).
(1) أخرجه البخاري ص 221، كتاب الوصايا، باب 11: هل يدخل النساء والولد في الأقارب؟ حديث رقم 2753؛ وأخرجه مسلم ص 716، كتاب الإيمان، باب 89: في قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين
…
)، حديث رقم 504 [351]206.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 172.
(3)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 116 - 117.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (874): ص 2/ 27.
(5)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 104.
(6)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (499): ص 1/ 104.
(7)
منهم: ابن جرير في جامع البيان: 2/ 27، وابن عطية في المحرر الوجيز: 1/ 208، والسمرقندي في بحر العلوم: 1/ 116، ومكي بن أبي طالب في المشكل: 91، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: 1/ 114، والغرناطي في التسهيل: 1/ 83، والعجيلي في الفتوحات الإلهية: 1/ 50، والسعدي في تيسير الكريم الرحمن:34.
(8)
نقلا عن: النكت والعيون: 1/ 116 - 117.
(9)
منهم: ابن قتيبة في غريب القرآن: 41، وابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 76، والزمخشري في الكشاف: 1/ 278 والبغوي في معالم التنزيل: 1/ 90، والبيضاوي في أنوار التنزيل: 1/ 55، والنسفي في تفسيره: 1/ 47، والخازن في لباب التأويل: 1/ 43، والكوكباني في تيسير المنان تفسير القرآن: 2/ 939، والشوكاني في فتح القدير: 1/ 121، والقاسمي في محاسن التأويل: 2/ 120، وابن عاشور في التحرير والتنوير: 1/ 484.
ويسند هذا القول أن أصل الجزاء في كلام العرب: القضاء والتعويض (1).
والثالث: وقال بعضهم: {لا تَجْزِي} أي: لا تكفي (2).
والرابع: وقيل: لا تُكافِئ (3).
والأقرب من حيث اللغة هو القول الثاني، والمعنى في كل متقارب، والمراد: أنه لا يتحمل أحد عن أحد شيئاً. والله أعلم.
وفي قوله تعالى: {لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} [البقرة: 48]، وجوه من القراءة:
أحدها: {لَا تَجْزِي} ، قرأ بها الجمهور.
والثاني: {لا تُجزئ} ، مضمومة (التّاء) مهموزة (الياء). قرأ بها أبو السماك العدوي، من (أجزأ، يجزي) إذا كفي (4)، ومن ذلك قول الشاعر (5):
وأجزأت أمر العالمين ولم يكن
…
ليجزي إلّا كامل وابن كامل
قال الزمخشري: "ومن قرأ (لا تجزئ) من أجزأ عنه إذا أغنى عنه، فلا يكون في قراءته إلا بمعنى شيئا من الإجزاء"(6).
والثالث: وقرأ أبو السرار الغنوي: "لا تجزى نسمة عن نسمة شيئا"(7).
قوله تعالى: {وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: 48]، "أي لا تقبل شفاعة في نفس كافرة بالله أبداً"(8).
أخرج ابن أبي حاتم "عن الحسن: في قوله: {ولا يقبل منها شفاعة}، فقال: يوم القيامة يوم لا ينفع فيه شفاعة شافع أحدا"(9). قال ابن أبي حاتم: "يعني من الكفار"(10).
قال الزمخشري: " وقيل: كانت اليهود تزعم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فأويسوا"(11).
وقال أهل العلم: "ليس معنى: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} أن هناك شفاعة لا تقبل، وإنما المعنى لا يكون شفاعة فيكون لها قبول، كما أن قوله:{لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273]، معناه: لا يكون منهم سؤال فيكون إلحاف، ويقول امرؤ القيس (12):
عَلَى لاحِبٍ لا يُهْتَدى لِمَنَارِه
…
إِذَا سَافَهُ العَوْدُ الدِّيَافِيُّ جَرْجَرَا
أي ليس هناك (منار) فيكون اهتداء، وكقوله أيضًا (13):
وَلا تَرى الضَّبَّ بهَا يَنْجَحِرْ
…
لا يُفْزِعُ الأَرْنَبَ أَهْوَالُهَا
أي ليس هناك (ضب) فيكون منه انجحار" (14).
(1) أنظر: تفسير الطبري: 2/ 27، وتهذيب اللغة للأزهري: 1/ 142 - 143، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس: 1/ 456، والصحاح للجوهري: 6/ 2302، ولسان العرب لابن منظور: 1/ 620، وتاج العروس للزبيدي: 19/ 284، والمفردات للراغب:93.
(2)
انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: 1/ 208، معالم التنزيل للبغوي: 1/ 90، وغريب القرآن لابن الملقن: 53، وغيرها.
(3)
انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: 1/ 208، معالم التنزيل للبغوي: 1/ 90، وغريب القرآن لابن الملقن: 53، وغيرها.
(4)
أنظر: تفسير الثعلبي: 1/ 190.
(5)
لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الثعلبي في تفسيره: 1/ 190، والسمين الحلبي في الدر المصون: 1/ 337.
(6)
الكشاف: 1/ 135.
(7)
الكشاف: 1/ 135.
(8)
صفوة التفاسير: 1/ 48.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (500): ص 1/ 105.
(10)
تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 105.
(11)
الكشاف: 1/ 136.
(12)
يروي البيت في جميع المصادر (بمناره) وفي "ديوان امرئ القيس"(النباطي) بدل (الديافي) قوله (على لاحِبٍ): اللاحب الطريق البين الذي لحبتته الحوافر، ثم يستعمل لكل طريق بين وخفي، و (لا يهتدي لمناره): ليس فيه علم ولا منار يهتدى به، (سافه العَوْد) أي شمه المسن النجائب، (جرجرا): صوت ورغاء الإبل. ورد البيت في "تهذيب اللغة"(لحف) 2/ 1598، (ساف) 2/ 1132، (داف)"الحجة" 2/ 47، "شرح أشعار الهذليين" 1/ 36، "الخصائص" 3/ 165، 321، "مقاييس اللغة" 2/ 318، "اللسان"(ديف) 3/ 1466، (سوف) 4/ 2153، "الخزانة" 10/ 258، "ديوان امرئ القيس" ص 64.
(13)
ورد البيت في "شرح أشعار الهذليين" 1/ 36، "الخصائص" 3/ 146، 321، "الحجة" لأبي علي 2/ 47، يقول ليس ثم هول تفزع منه الأرنب، وليس هناك ضب فيكون منه انجحار.
(14)
التفسير البسيط: 2/ 478.
قلت: ظاهر الآية عدم قبول الشفاعة مطلقاً يوم القيامة لكنه بين في مواضع أخرى أن الشفاعة المنفية هي الشفاعة للكفار" وأن قوله: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ}، إنما هي لمن مات على كفره غير تائب إلى الله عز وجل"(1)، والشفاعة لغيرهم بدون إذن رب السموات والأرض، أما الشفاعة للمؤمنين بإذنه فهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، والشفاعة لا تكون إلا بشرطين:
احدهما: أن يأذن الله بها.
والثاني: أن يكون راضياً عمن شفع وعمن شفع له.
كما قال تعالى:
- {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255].
- {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109].
- {لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} [مريم: 87].
- {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109].
وقد أجمع أهل السنة والجماعة، أن شفاعة الأنبياء والصالحين تقبل في العصاة من المؤمنين، خلافاً للمعتزلة، قالوا: الكبيرة تخلد صاحبها في النار، وأنكروا الشفاعة، وهم على ضربين: طائفة أنكرت الشفاعة إنكاراً كلياً وقالوا: لا تقبل شفاعة أحد في أحد، واستدلوا بظواهر آيات، وخص تلك الظواهر أصحابنا بالكفار لثبوت الأحاديث الصحيحة في الشفاعة (2).
فمن نقل الإجماع عن السلف في إثبات الشفاعة الإمام أبو الحسن الأشعري حيث قال عن السلف أنهم: «أجمعوا على أن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من أمته، وعلى أنه يخرج من النار قوماً من أمته بعد ما صاروا حمما ً .. » (3).
ونقل النووي عن القاضي عياض (4) أنه قال عن الشفاعة: أجمع السلف والخلف ومن بعدهم من أهل السنة عليها» (5).
والشفاعة في اللغة: "يدل على مقارنة الشيئين، والشفع خلاف الوتر» (6)، تقول: كان وترًا فشفعته شفعاً (7)، وشفع الوتر من العدد شَفْعاً: صيره زوجا. ويقال: ناقة شفوع، وهي التي تجمع بين مَحْلَبَيْن في حلبة واحدة.
وفي اللسان: : شفع لي يشفع شفاعة وتشفّع: طلب (8). ومعنى استشفعه طلب منه الشفاعة، أي قال له: كن لي شافعاً.
والشفاعة: كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره، والشافع: الطالب لغيره فيشفع به إلى المطلوب. يقال: تشفعت بفلان إلى فلان فشفعني فيه، واسم الطالب شفيع (9). والشفيع: الشافع، والجمع شفعاء (10).
(1) انظر: تفسير الطبري: 2/ 33.
(2)
انظر: البحر المحيط: 1/ 160.
(3)
أبو الحسن الأشعري- رسالة أصول أهل السنة والجماعة المسماة برسالة الثغر- ت د. محمد السيد الجليند (الرياض: دار اللواء، 1410 هـ) ط 2، ص 90.
(4)
عياض بن موسي اليحصبي، أبو الفضل، عالم المغرب، فقيه، محدث، نسابة، ولي قضاء سبتة ومولده فيها، ثم قضاء غرناطة، توفي بمراكش سنة 544 هـ. انظر: وفيات الأعيان ج 1، ص 392، والأعلام للزركلي ج 5، ص 99.
(5)
أبو زكريا يحيى بن شرف النووي -شرح صحيح مسلم- (القاهرة: المطبعة المصرية ومكتبتها) ج 3، ص 35.
(6)
أبو الحسين بن فارس- معجم مقاييس اللغة- ت عبد السلام هارون- (بيروت: دار الجيل، 1411 هـ) ط 1، ج 3 ص 201.
(7)
إسماعيل الجوهري- الصحاح- ت أحمد عبد الغفور- (بيروت: دار العلم للملايين، 1399 هـ- تحقيق أحمد عبد الغفور عطار) ط 2، ج 3، ص 1238.
(8)
جمال الدين بن منظور- لسان العرب- (بيروت: دار صادر) ج 8، ص 183.
(9)
أحمد بن فارس- معجم مقاييس اللغة ج 3، ص 201، الجوهري- الصحاح ج 3، ص 1238.
(10)
ابن منظور- لسان العرب ج 8، ص 184 بتصرف.
قال المبرد وثعلب: "الشفاعة: كلام الشفيع الملك في حاجة يسألها لغيره"(1)
وقال ابن الأثير (2)«يقال: شفع يشفع شفاعة، فهو شافع وشفيع، والمشفِّع: الذي يقبل الشفاعة، والمشفَّع: الذي تقبل شفاعته» (3).
وقال الراغب (4) افي تعريف الشفاعة: "أي من انضم إلى غيره وعاونه وصار شفعا ً له أو شفيعا ً في فعل الخير والشر، فعاونه وقوّاه، وشاركه في نفعه وضرّه» (5).
وقال: «الشفاعة: الانضمام إلي آخر ناصراً له وسائلا ً عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدني (6).
ويقول السفاريني (7) في توجيه ذلك: «فكأن الشافع ضم سؤاله إلى سؤال المشفوع له» (8).
والشفاعة في الإصطلاع الشرعي: «هي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم» (9).
وقال السفاريني: «هي سؤال الخير للغير» (10).
نستنتج من التعريفين أن الأول منهما يحصر الشفاعة في دفع المضرة، والثاني يجعلها مقتصرة على جلب الخير، والحق أنهما متلازمان، فهي سؤال لدفع مضرة أو جلب منفعة، ولهذا عرفها القاضي عبد الجبار (11) بأنها:«مسألة الغير أن ينفع غيره أو أن يدفع عنه مضرة» (12).
وهذا تعريف جامع مانع يشتمل على الأمرين معا، ولا يختص بواحد منهما، بل يتعلق بأحدهما تارة، وبالآخر تارة أخرى، ويطلق هذا التعريف على الشفاعة بصفة عامة سواء ً كانت في أمور الدنيا أو الآخرة.
فيمكن القول بأن الشفاعة: هي: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة (13).
واختلف في عود الضمير في قوله تعالى {وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ} [البقرة: 48]، على وجهين (14):
أحدهما: أنه يعود على (النفس) المتأخرة. أي: لا يقبل من النفس المستشفعة شفاعة شافع.
والثاني: أن يعود الضمير على (النفس) الأولى، أي: ولا يقبل من النفس التي لا تجزي عن نفس شيئاً شفاعة.
(1)"تهذيب اللغة"(شفع) 2/ 1897، وانظر:"اللسان"(شفع) 4/ 2289.
(2)
هو: على بن محمد الشيباني، أبو الحسن، عز الدين بن الأثير، المؤرخ، المحدث، الأديب، النسابة صاحب الكامل في التاريخ واللباب في تهذيب الأنساب وغيرها كثير، توفي رحمه الله سنة (630 هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ج 22، ص 353، وشذرات الذهب ج 5، ص 137، والأعلام – خير الدين الزركلي – دار العلم للملايين – بيروت، ج 5، ص 152.
(3)
النهاية في غريب الحديث: 2/ 485.
(4)
لقبه الراغب الأصفهاني، وكثر الخلاف في اسمه، والأشهر أن اسمه الحسين، وعليه مشى جل من ترجم له، العلامة الماهر، احد أعلام العلم، ومشاهير الفضل، خلف تراثاً كبيراً من المؤلفات، توفي سنة (425 هـ). انظر: بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة – للسيوطي – تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم – المكتبة العصرية – بيروت، ج 2، ص 297، تاريخ حكماء الإسلام - البيهقى – طبع بدمشق 1946، ج 2، ص 112، ونزهة الأرواح ج 2، ص 44.
(5)
مفردات ألفاظ القرآن: 457.
(6)
مفردات ألفاظ القرآن: 457.
(7)
هو محمد بن أحمد، أبو العون السفاريني النابلسي الحنبلي، محدث فقيه أصولي، ولد بسفارين من قرى نابلس، من تصانيفه الكثيرة:«البحور الزاخرة في علوم الآخرة» و «لوامع الأنوار البهية» وغيرها، توفي سنة 1188 هـ. انظر: الرسالة المستطرفة – محمد بن جعفر الكتاني – دار البشائر – بيروت، ص 98، ومعجم المؤلفين – عمر رضا كحالة – مكتبة المثنى – دار إحياء التراث العربي – بيروت، ج 7، ص 262.
(8)
لوامع الأنوار البهية، السفاريني الحنبلي: 2/ 204.
(9)
النهاية في غريب الحديث: 2/ 485.
(10)
لوامع الأنوار البهية: 2/ 204.
(11)
هو: القاضي عبد الجبار بن أحمد، أبو الحسن الهمذاني، شيخ المعتزلة، ومن كبار الشافعية، ولي القضاء بالري، وله تصانيف كثيرة، منها طبقات المعتزلة، ودلائل النبوة، وغيرها، توفي سنة (415 هـ). انظر: تاريخ بغداد – الخطيب البغدادي – مكتبة الخانجي – مصر، ج 11، ص 113، وطبقات الشافعية الكبري – تاج الدين السبكي – تحقيق الطناحي والحلو – القاهرة - 1424 هـ، ج 5، ص 97.
(12)
انظر: شرح الأصول الخمسة، القاضي عبد الجبار:688.
(13)
انظر: القول المفيد شرح كتاب التوحيد: 1/ 433.
(14)
انظر: البحر المحيط: 1/ 160.
والراجح أن الضمير في {منها} ـ عائد على نفس المتأخرة، لكونها أقرب مذكور. والله أعلم. وقال أبو حيان:" وقد يظهر ترجيح عودها إلى النفس الأولى، لأنها هي المحدث عنها في قوله: {لا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ}، والنفس الثانية هي مذكورة على سبيل الفضلة لا العمدة"(1).
واختلفت القراءة في قوله تعالى: {وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ} [البقرة: 48]، على ثلاثة أوجه (2):
أحدها: {وَلا يُقْبَلُ} ، بالياء، قرأ بها نافع وابن عامر وحمزة والكسائيّ، وروي يحيى بن آدم وابن أبي أميّة والكسائي وغيرهم عن أبي بكر وحفص عن عاصم بـ (الياء).
والثاني: {وَلا تُقْبَلُ} ، بالتاء. قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو، وروى الحسين الجعفيّ عن أبي بكر عن عاصم بـ (التاء).
والثالث: {ولا يقبلُ منها شفاعةً} ، على بناء الفعل للفاعل وهو (اللَّه) عز وجل، ونصب الشفاعة. قرأ بها قتادة (3).
والقراءة بالبناء للمفعول أبلغ، "لأنه في اللفظ أعم، وإن كان يعلم أن الذي لا يقبل هو الله تعالى"(4).
قوله تعالى: {وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} [البقرة: 48]، "أي لا يقبل منها فداء"(5).
قال الزمخشري: " أى فدية، لأنها معادلة للمفدى، ومنه الحديث: "لا يقبل منه صرف ولا عدل" (6)، أى: توبة ولا فدية"(7).
واختلف في قوله تعالى {وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} [البقرة: 48] على أوجه (8):
أحدها: أن (العدل): الفدية، " وسميت عدلاً لأن المفدي يعدل بها: أي يساويها" (9)، كما قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ} [آل عمران: 91] وقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 36] وقال تعالى: {وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا} [الأنعام: 70]، وقال:{فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية [الحديد: 15]. وهذا قول أبي العالية (10)، والسدي (11)، وقتادة (12)، وابن زيد (13).
والثاني: أنه: البدل، والبدل: الفدية، قاله ابن عباس (14).أي "رجل مكان رجل"(15).
والثالث: أنه: وروي عن ابن عباس: "أو حسنة مع الشرك"(16).
والرابع: وروي عن علي، رضي الله عنه، في حديث طويل، قال: والصرف والعدل: التطوع والفريضة. وهذا قول غريب (17).
(1) البحر المحيط: 1/ 160.
(2)
انظر: السبعة: 154، والحجة للقراء السبعة: 2/ 43.
(3)
أنظر: الكشاف: 1/ 136.
(4)
البحر المحيط: 1/ 168.
(5)
صفوة التفاسير: 1/ 48.
(6)
متفق عليه، أنظر: صحيح البخاري (1771): ص 2/ 662، وسنن الترمذي (2127): ص 4/ 382، والنسائي (4689): ص 8/ 40، وأبو داود (4539): ص 4/ 183، وابن ماجة (2635): 2/ 880، ومسند الإمام احمد (962): ص 1/ 119.
(7)
الكشاف: 1/ 136.
(8)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 34 - 35. وتفسير ابن كثير: 1/ 256 - 257.
(9)
البحر المحيط: 1/ 161.
(10)
انظر: تفسير الطبري (881): ص 2/ 34.
(11)
انظر: تفسير الطبري (882): ص 2/ 34.
(12)
انظر: تفسير الطبري (883): ص 2/ 34.
(13)
انظر: تفسير الطبري (885): ص 2/ 34.
(14)
انظر: تفسير الطبري (884): ص 2/ 34.
(15)
البحر المحيط: 1/ 161.
(16)
نقلا عن: البحر المحيط: 1/ 161.
(17)
ينظر: تفسير ابن كثير 1: 256، والسيوطي 1:68.
والقول الأول أظهر في تفسير هذه الآية، لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما سئل ما العدل؟ فقال صلى الله عليه وسلم:"العدل الفدية"(1).
قوله تعالى: {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 48]، " أي: ليس لهم من يمنعهم وينجيهم من عذاب الله" (2).
قال البغوي: ولا هم" يمنعون من عذاب الله"(3).
قال الطبري: " يعني أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر"(4).
وقد ذكروا في قوله تعالى: {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 48]، وجهين (5):
أحدهما: وليس لهم من الله يومئذ نصير ينتصر لهم من الله إذا عاقبهم.
والثاني: ولا هم ينصرون بالطلب فيهم والشفاعة والفدية.
والراجح هو القول الأول، وهو الأقرب الى سياق الآية، إذ "أن الله جل ثناؤه إنما أعلم المخاطبين بهذه الآية أن يوم القيامة يوم لا فدية - لمن استحق من خلقه عقوبته -، ولا شفاعة فيه، ولا ناصر له، وذلك أن ذلك قد كان لهم في الدنيا، فأخبر أن ذلك يوم القيامة معدوم لا سبيل لهم إليه"(6).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: التحذير من يوم القيامة؛ وهذا يقع في القرآن كثيراً؛ لقوله تعالى: {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله} ، وقوله تعالى:{يوماً يجعل الولدان شيباً} [المزمل: 17].
2 ومنها: أنه في يوم القيامة لا تجزي نفس عن نفس شيئاً. بخلاف الدنيا.: فإنه قد يجزي أحد عن أحد؛ لكن يوم القيامة: لا.
3 ومنها: أن الشفاعة لا تنفع يوم القيامة؛ والمراد لا تنفع من لا يستحق أن يشفع له؛ وأما من يستحق فقد دلت النصوص المتواترة على ثبوت الشفاعة. وهي معروفة في مظانها من كتب الحديث، والعقائد ..
4 ومنها: أن يوم القيامة ليس فيه فداء؛ لا يمكن أن يقدم الإنسان فداءً يعدل به؛ لقوله تعالى: (ولا عدل)
5 ومنها: أنه لا أحد يُنصر يوم القيامة إذا كان من العصاة؛ ولهذا قال الله تعالى: {ما لكم لا تناصرون * بل هم اليوم مستسلمون} [الصافات: 25، 26]؛ فلا أحد ينصر أحداً يوم القيامة. لا الآلهة، ولا الأسياد، ولا الأشراف، ولا غيرهم ..
القرآن
التفسير:
واذكروا نعمتنا عليكم حين أنقذناكم من بطش فرعون وأتباعه، وهم يُذيقونكم أشدَّ العذاب، فيُكثِرون مِن ذَبْح أبنائكم، وترك بناتكم للخدمة والامتهان، وفي ذلك اختبار لكم من ربكم، وفي إنجائكم منه نعمة عظيمة، تستوجب شكر الله تعالى في كل عصوركم وأجيالكم.
قوله تعالى {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} [البقرة: 49]، "أي: واذكروا إذ أنقذناكم من آل فرعون" (7).
قال ابن عطية: " أي خلصناكم"(8).
قال الطبري: أي: واذكروا إنعامنا عليكم، بإنجائناكم من آل فرعون (9).
(1) ضعيف، ولم أجده عن غير الطبري، نقله عنه ابن كثير 1: 257، والسيوطي 1:68.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 48.
(3)
تفسير البغوي: 1/ 90.
(4)
تفسير الطبري: 2/ 36.
(5)
أنظر: تفسير الطبري: 2/ 36.
(6)
تفسير الطبري: 2/ 36.
(7)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 75.
(8)
المحرر الوجيز: 1/ 139.
(9)
أنظر: تفسير الطبري: 2/ 36.
قال الثعلبي: " يعني أسلافكم وآباءكم فاعتدّها منّة عليهم لأنّهم نجوا بنجاتهم، ومآثر الآباء مفاخر الأبناء"(1).
قال البغوي: " يعني: أسلافكم وأجدادكم فاعتدها منة عليهم لأنهم نجوا بنجاتهم"(2).
قال الواحدي: " {نجيناكم}: أصله على النجوة، وهي ما ارتفع واتسع من الأرض، ثم يسمى كل فائز ناجيا، كأنه خرج من الضيق والشدة إلى الرخاء والراحة، ومنه قوله: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} [يونس: 92]، أي نلقيك على نجوة"(3).
وقال الراغب: "وأصل النجاء: طلب الخلاص، ويقال لمن عدا نجا، لكون العدو أحد أسباب التخلص، فإن الله تعالى جعل للحيوانات قوتين تزيل بهما الأذى، قوة بها تهرب مما يؤذيها، وقوة بها تدفع ما يؤذيها، فمن الحيوانات ما يختص بأحديهما، ومنها ما جعلتا جميعاً به، فإذاً: العدو أحد أسباب الخلاص، فصح أن يعبر عنه به"(4).
وقرأ إبراهيم النخعي: {وإذ نجّاكم} ، على الواحد (5).
وقوله تعالى {آل فرعون} يقصد به: أهل دينه وقومه وأشياعه (6)، وأتباعه وأسرته وعزته (7)، "ويدخل فيهم فرعون بالأولوية؛ لأنه هو المسلِّط لهم على بني إسرائيل"(8).
قال ابن عطية: " وإنما نسب الفعل إلى آلِ فِرْعَوْنَ وهم إنما كانوا يفعلونه بأمره وسلطانه لتوليهم ذلك بأنفسهم"(9).
واختلف أهل العربية في أصل كلمة (آل) على قولين (10):
أحدهما: أن أصلها من (أهل)، أبدلت الهاء همزة، كما قالوا (ماء) فأبدلوا الهاء همزة، فإذا صغروه قالوا:(مويه)، فردوا الهاء في التصغير وأخرجوه على أصله. وكذلك إذا صغروا آل، قالوا:(أهيل)، وقد حكي سماعا من العرب في تصغير (آل):(أويل)(11)، وقد يقال:" فلان من آل النساء " يراد به أنه منهن خلق، ويقال ذلك أيضا بمعنى أنه يريدهن ويهواهن (12)، كما قال الشاعر (13):
فإنك من آل النساء وإنما
…
يَكُنَّ لأدْنَى; لا وصال لغائب
والفرق بين الآل والأهل أن الآل يختص بالأشرف والأخص، دون الشائع الأعم، " حتى لا يقال إلا في نحو قولهم القراء آل الله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد (14)، {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} [غافر: 28]، وكذلك ما أنشده أبو العباس للفرزدق (15):
نَجَوْتَ وَلَمْ يَمْنُنْ عَلَيْكَ طَلاقَةً
…
سِوى رَبِذِ التَّقْرِيبِ مِنْ آلِ أَعْوَجَا
(1) تفسير الثعلبي: 1/ 191.
(2)
تفسير البغوي: 1/ 90.
(3)
التفسير البسيط: 2/ 489، وانظر: تهذيب اللغة: (نجا) 4/ 3510.
(4)
تفسير الرابغ الأصفهاني: 1/ 183.
(5)
أنظر: تفسير الثعلبي: 1/ 191.
(6)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 37.
(7)
تفسير الثعلبي: 1/ 191.
(8)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 75.
(9)
المحرر الوجيز: 1/ 139.
(10)
أنظر: تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 183.
(11)
انظر: مادة (أهل) و (أول) في لسان العرب.
(12)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 37.
(13)
لم أجد البيت ولم أعرف قائله، وقوله:" يكن لأدنى " يعني للداني القريب الحاضر، يصلن حباله بالمودة، أما الغائب فقد تقطعت حباله. وتلك شيمهن، أستغفر الله بل شيمة أبناء أبينا آدم.
(14)
قال الزجاج: " آلُ الأنبياءِ صلوات اللَّه عليهم من كان على دينهم، وكذلك قولنا: صلى اللَّه على محمد وآله: معنى آله من اتبعه من أهل بيته وغيرهم". [معاني القرآن: 1/ 130].
(15)
في "الديوان": (خرجت) بدل (نجوت) ومعنى (الرَّبِذ): المشي الخفيف، (التقريب): ضرب من السير يقارب فيه الخطو، (أعوج): فرس مشهور. ورد البيت في "سر صناعة الأعراب" 1/ 102، "ديوان الفرزدق" 1/ 117.
لأن أعوج فيهم فرس مشهوَر، فلذلك قال: آل أعوج" (1).
والثاني: أن أصلها من (الأول)، وهو الرجوع، كأنّه يؤول إليك، وكان في الأصل همزتان فعوّضت من إحداهما مدّ وتخفيف. قاله الثعلبي (2).
والراجح هو القول الأول، وبه قال الكسائي (3)، وجمهور المفسرين وأهل اللغة (4).
واختلف في قوله تعالى: {فِرْعَوْنَ} ، على وجهين (5):
أحدهما: أنه اسم ذلك الملك بعينه.
والثاني: أنه لقب، يطلق على كل ملك من ملوك العمالقة (6)، مثل كسرى للفرس وقيصر للروم والنجاشي للحبشة، وأن اسم فرعون موسى: قابوس في قول أهل الكتاب.
وقيل أن اسمه: "الوليد بن مصعب بن الريان"(7)، ويكنى أبا مرة وهو من بني عمليق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام (8)، وقال السهيلي: وكل من ولى القبط ومصر فهو فرعون وكان فارسيا من أهل اصطخر (9)، قال المسعودي لا يعرف لفرعون تفسير بالعربية (10)، وقال ابن سيده: وعندي أن فرعون هذا العلم أعجمي؛ ولذلك لم يصرف (11)، وقال الجوهري فرعون لقب الوليد بن مصعب ملك مصر وكل عات فرعون والعتاة الفراعنة وقد تفرعن وهو ذو فرعنة أي دهاء ونكر، والفرعنة (12):"الكِبْر والتجبُّر، والفرعنة مصدر فرعون، ويقال: فرعون أيضًا"(13)، وفي الحديث "أخذنا فرعون هذه الأمة"(14) و (فرعون) في موضع خفض إلا أنه لا ينصرف لعجمته (15).
(1) أنظر: التفسير البسيط: 2/ 492، ومعاني القرآن" للأخفش 1/ 265.
(2)
تفسير الثعلبي: 1/ 191. وانظر: "مقاييس اللغة" (أول) 1/ 161، "اللسان" (أول) 1/ 174 - 175.
(3)
انظر: مقاييس اللغة: (أول) 1/ 161، واللسان:(أول) 1/ 174 - 175، والتفسير البسيط: 2/ 491، وتفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 183.
(4)
أنظر: تفسير الثعلبي: 1/ 191، والمحرر الوجيز: 1/ 139، وتفسير القرطبي: 1/ 383 - 384، وتفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 183.
(5)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 383 - 384.
(6)
قال بعض أهل اللغة: "فرعون بلغة القبط، وهو التمساح، ويقال: تفرعن الرجل إذا تشبه بفرعون في سوء أفعاله". [التفسير البسيط: 2/ 494، وانظر: الصحاح (فرعن): 6/ 2177، والكشاف: 1/ 279].
(7)
قاله ابن إسحاق، انظر: تفسير الطبري (888): ص 2/ 38، وتفسير الثعلبي: 1/ 191.
(8)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 383، والقول لوهب.
(9)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 384.
(10)
نقلا عن: تفسير الطبري: 1/ 390، وفتح القدير الجامع: 1/ 188.
(11)
انظر: تفسير القرطبي: 1: 384.
(12)
انظر: مختار الصحاح: مادة (فرعن)، وانظر المعنى في: صحاح العربية والمحيط في اللغة، وتهذيب اللغة: مادة (فرعن).
(13)
انظر: فتح القدير: 1/ 188.
(14)
جاء في مسند احمد: دَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا جَهْلٍ وَقَدْ جُرِحَ، وَقُطِعَتْ رِجْلُهُ. قَالَ: فَجَعَلْتُ أَضْرِبُهُ بِسَيْفِي، فَلَا يَعْمَلُ فِيهِ شَيْئًا (1) - قِيلَ لِشَرِيكٍ: فِي الْحَدِيثِ: وَكَانَ يَذُبُّ بِسَيْفِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ -، قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ حَتَّى أَخَذْتُ سَيْفَهُ، فَضَرَبْتُهُ بِهِ، حَتَّى قَتَلْتُهُ. قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: قَدْ قُتِلَ أَبُو جَهْلٍ - وَرُبَّمَا قَالَ شَرِيكٌ: قَدْ قَتَلْتُ أَبَا جَهْلٍ -، قَالَ:" أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: " آللَّهِ " مَرَّتَيْنِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ (1). قَالَ: " فَاذْهَبْ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ ". فَذَهَبَ، فَأَتَاهُ، وَقَدْ غَيَّرَتِ الشَّمْسُ مِنْهُ شَيْئًا، فَأَمَرَ بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ، فَسُحِبُوا حَتَّى أُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ، قَالَ: وَأُتْبِعَ أَهْلُ الْقَلِيبِ لَعْنَةً. وَقَالَ: " كَانَ هَذَا فِرْعَوْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ ". إسناده ضعيف لانقطاعه، أبو عبيدة -وهو ابن عبد الله بن مسعود- لم يسمع من أبيه، ولضعف شريك، وهو ابن عبد الله النخعي، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين. أبو إسحاق: هو عمرو بن عبد الله السبيعي.
وأخرجه الطبراني في "الكبير"(8468) و (8469)، والبيهقي في "السنن" 9/ 62 من طرق عن شريك، بهذا الإسناد.
وأخرجه أبو داود (2709)، وأبو يعلى (5263)، والطبراني في "الكبير"(8470) و (8471)، والبيهقي في "الدلائل" 3/ 87، 88 من طرق عن أبي إسحاق، به.
وأخرجه الطيالسي (328)، والطبراني في "الكبير"(8475)، والبيهقي في "السنن" 9/ 92 من طريق الجراح بن مليح والد وكيع، والطبراني (8474) من طريق زيد بن أبي أنيسة، والبزار (1775)"زوائد" من طريق أبي الأحوص، ثلاثتهم عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود. قال البيهقي: كذا قال: عن عمرو بن ميمون، والمحفوظ: عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن أبيه. وقال الدارقطني قطني في "العلل" 5/ 295: وأبو عبيدة أصح.
وأخرجه البزار (1774)"زوائد"، والطبراني في "الكبير"(8476) من طريق أبي بكر الهذلي، عن أبي المليح، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن ابن مسعود. قال البزار: لا نعلم روى أبو المليح عن عبد الرحمن، عن أبيه إلا هذا.
وأورده الهيثمي في "المجمع" 6/ 78 - 79، وقال: رواه كله أحمد، والبزار باختصار، وهو من رواية أبي عبيدة، عن أبيه، ولم يسمع منه، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح.
وقال أيضاً: رواه الطبراني والبزار، وفيه أبو بكر الهذلي، وهو ضعيف. وقد أخرج البخاري (3961) من حديث ابن مسعود أنه أتى أبا جهل وبه رمق يوم بدر، فقال أبو جهل: هلْ أعْمد مِن رجل قتلتموه. وأخرج أيضاً (3962) و (3963) من حديث أنس أنه انطلق ابن مسعود فوجد أبا جهل قد ضربه ابنا عفراء حتى برد. قال: أأنت أبو جهل؟ قال: وهل فوق رجل قتله قومه. أو قال: قتلتموه. وقد تقدمت قصة مقتل أبي جهل من حديث عبد الرحمن بن عوف برقم (1673) وانظر الأحاديث الآتية بالأرقام (3825) و (3856) و (4008) و (4246) و (4247).
(15)
انظر: تفسير القرطبي: 383 - 384.
وقال الإمام الطبري في كتابه: تاريخ الأمم والملوك في سياق حديثه عن نسب موسى بن عمران عليه السلام وأخباره: وأما ابن إسحاق فإنه قال فيما حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: قبض الله يوسف، وهلك الملك الذي كان معه الريان بن الوليد، وتوارث الفراعنة من العماليق ملك مصر، فنشر الله بها بني إسرائيل، وقبر يوسف حين قبض كما ذكر لي في صندوق من مرمر في ناحية من النيل في جوف الماء، فلم يزل بنو إسرائيل تحت أيدي الفراعنة وهم على بقايا دينهم مما كان يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم شرعوا فيهم من الإسلام، متمسكين به، حتى كان فرعون موسى الذي بعثه الله إليه، ولم يكن منهم فرعون أعتى منه على الله ولا أعظم قولًا ولا أطول عمرًا في ملكه منه، وكان اسمه - فيما ذكروا لي - الوليد بن مصعب، ولم يكن من الفراعنة فرعون أشد غلظة، ولا أقسى قلبًا، ولا أسوأ ملكًا لبني إسرائيل منه، يعذبهم فيجعلهم خدمًا وخولًا، وصنَّفهم في أعماله؛ فصِنف يبنون، وصنف يحرثون، وصنف يزرعون له، فهم في أعماله، ومن لم يكن منهم في صنعة له من عمله فعليه الجزية، فسامَهم كما قال الله:{سُوءَ الْعَذَابِ} [البقرة: 49]. وفيهم مع ذلك بقايا من أمر دينهم لا يريدون فراقه، وقد استنكح منهم امرأة يقال لها: آسية بنت مزاحمٍ، من خيار النساء المعدودات، فعمر فيهم وهم تحت يديه عمرًا طويلًا يسومهم سوء العذاب، فلما أراد الله أن يفرج عنهم وبلغ موسى عليه السلام الأشد، أُعطِيَ الرسالة" (1).
قال ابن عاشور: "و (فرعون) علم جنس لملك مصر في القديم، أي: قبل أن يملكها اليونان، وهو اسم من لغة القبط، قيل: أصله في القبطية فاراه، ولعل الهاء فيه مبدلة عن العين، فإن رع اسم الشمس، فمعنى فاراه نور الشمس؛ لأنهم كانوا يعبدون الشمس، فجعلوا ملك مصر بمنزلة نور الشمس؛ لأنه يصلح الناس، نقل هذا الاسم عنهم في كتب اليهود، وانتقل عنهم إلى العربية، ولعله مما أدخله الإسلام، وهذا الاسم نظير كسرى لملك ملوك الفرس القدماء، وقيصر لملك الروم، ونمروذ لملك كنعان، والنجاشي لملك الحبشة، وتُبَّع لملك ملوك اليمن، وخان لملك الترك، واسم فرعون الذي أرسل موسى إليه: منفطاح الثاني، أحد ملوك العائلة التاسعة عشرة من العائلات التي ملكت مصر، على ترتيب المؤرخين من الإفرنج، وذلك في سنة 1491 قبل ميلاد المسيح"(2).
فيمكن القول: أن كلمة فرعون ربما قد أصبحت تستخدم استخدامًا شائعًا في العصور الحديثة كلقب للحاكم في مصر القديمة لأسباب ترجع إلى الميول العقائدية ومحاولات التفسير التوراتية من زاوية واحدة، على أن التحقيق اللغوي للفظة يظل بعيدًا كل البعد عن حقيقة تلقب الحكام المصريين بهذا اللقب.
قوله تعالى: قوله تعالى: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} [البقرة: 49]، يعني:"يكلّفونكم ويذيقونكم أشدّ العذاب وأسوأه"(3).
قال ابن عطية: "معناه: يأخذونكم به ويلزمونكم إياه"(4).
قال البغوي: أي" يكلفونكم ويذيقونكم أشد العذاب وأسوأه"(5).
(1) تاريخ الأمم والملوك، أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، اعتنى به: أبو صهيب الكرمي، بيت الأفكار الدولية، (دون رقم الطبعة وتاريخها مجلد واحد ضخم)، ص 130.
(2)
التحرير والتنوير: 9/ 35 و 11/ 247.
(3)
تفسير الثعلبي: 1/ 191.
(4)
المحرر الوجيز: 1/ 140
(5)
تفسير البغوي: 1/ 90.
قال ابن عثيمين: {سُوءَ الْعَذَابِ} : " أي: سيئه وقبيحه"(1).
قال الواحدي: " (السوم) أن تُجشّم إنساناً مشقةً وسوءاً أو ظلماً"(2).
والخطاب في قوله {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} ، لمن لم يدرك فرعون ولا المنجَّين منه، لأن المخاطبين بذلك كانوا أبناء من نجاهم من فرعون وقومه، فأضاف ما كان من نعمه على آبائهم إليهم، وكذلك ما كان من كفران آبائهم على وجه الإضافة، كما يقول القائل لآخر:" فعلنا بكم كذا، وفعلنا بكم كذا، وقتلناكم وسبيناكم "، والمخبِر إما أن يكون يعني قومه وعشيرته بذلك، أو أهل بلده ووطنه - كان المقولُ له ذلك أدرك ما فعل بهم من ذلك أو لم يدركه (3)، كما قال الأخطل يهاجي جرير بن عطية (4):
ولقد سما لكم الهذيل فنالكم
…
بإرَابَ، حيث يقسِّم الأنفالا
في فيلق يدعو الأراقم، لم تكن
…
فرسانه عُزلا ولا أكفالا (5)
ولم يلحق جرير هذيلا ولا أدركه، ولا أدرك إراب ولا شهده، ولكنه لما كان يوما من أيام قوم الأخطل على قوم جرير، أضاف الخطاب إليه وإلى قومه، فكذلك خطاب الله عز وجل من خاطبه بقوله:{وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} ، لما كان فعله ما فعل من ذلك بقوم من خاطبه بالآية وآبائهم، أضاف فعله ذلك الذي فعله بآبائهم إلى المخاطبين بالآية وقومهم (6).
واختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى: {يَسُومُونَكُمْ} [البقرة: 49]، على وجوه (7):
أحدها: قيل معناه: يذيقونكم ويلزمونكم إياه.
والثاني: يولونكم، قاله أبو عبيدة (8)، كما يقال سامه خطة خسف إذا أولاه إياها، قال عمرو بن كلثوم (9):
إِذَا مَا الْمَلْكُ سَامَ النَّاسُ خَسْفًا
…
أَبَيْنَا أَنْ نُقِرَّ الذُّلَّ فِينَا
والثالث: أن معناه: يديمون عذابكم، والسوم: الدوام، كما يقال: سائمة الغنم من إدامتها الرعي.
والرابع: يُجَشِّمُونَكُمُ الأعمال الشَّاقَّة. قاله الواحدي (10).
والخامس: يزيدونكم على سوء العذاب، ومنه مساومة البيع، إنما هو أن يزيد البائعُ المشتريَ على ثمنٍ، ويزيد المشتري على ثمنٍ، وهذا قول المفضل (11).
وجميع المعاني تحتمله اللفظ، إذ أن المراد بقوله {يسومونكم} ، أي: يوردونكم، ويذيقونكم، ويولونكم، يقال منه: سامه خطة ضيم، إذا أولاه ذلك وأذاقه (12)، كما قال الشاعر (13):
(1) تفسير ابن عثيمين: 1/ 175.
(2)
التفسير البسيط: 2/ 494.
(3)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 38.
(4)
ديوانه: 48، ونقائض جرير والأخطل: 77 - 78. قال الطبري فيما مضى 1: 366: " سما فلان لفلان ": إذا أشرف عليه وقصد نحوه عاليا عليه ". والهذيل، هو الهذيل بن هبيرة التغلبي غزا بني يربوع بإراب (وهو ماء لبنى رياح بن يربوع) فقتل منهم قتلا ذريعا. وأصاب نعما كثيرا، وسبى سببا كثيرا، منهم " الخطفى " جد جرير، فسمى الهذيل " مجدعا "، وصارت بنو تميم تفزع أولادها باسمه. (انظر خبر ذلك في النقائض 473، ونقائض جرير والأخطل: 78) نالكم: أدرككم وأصاب منكم ما أصاب. والأنفال جمع نفل (بفتحتين): وهي الغنائم. وفي المطبوعة: " تقسم " وهي صواب لا بأس بها.
(5)
الفيلق: الكتيبة العظيمة. وقوله: " يدعو " الضمير للهذيل. والأراقم: هم جشم ومالك والحارث وثعلبة ومعاوية وعمرو - أبناء بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، رهط الهذيل. وأنما سموا الأراقم لأن كاهنتهم نظرت إليهم وهم صبيان، وكانوا تحت دثار لهم، فكشفت الدثار، فلما رأتهم قالت:" كأنهم نظروا إلى بعيون الأراقم "، والأراقم جمع أرقم: وهو أخبث الحيات، وأشدها ترقدا وطلبا للناس. والعزل جمع أعزل: وهو الذي لا سلاح معه، والأكفال جمع كفل (بكسر فسكون): وهو الذي لا يثبت على متن فرسه، ولا يحسن الركوب.
(6)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 39.
(7)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 384. وتفسير ابن كثير: 1/ 258، والنكت والعيون: 1/ 118.
(8)
أنظر: مجاز القرآن" 1/ 40، "تفسير الغريب" لابن قتيبة ص 48.
(9)
شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات: 425، وشرح القصائد التسع 678 شرح القصائد العشر 365. الخسف: الظلم والنقصان.
(10)
التفسير البسيط: 2/ 494.
(11)
أنظر: تهذيب اللغة" (سام) 2/ 1600، "اللسان" (سوم) 4/ 2157.
(12)
أنظر: تفسير الطبري: 2/ 40.
(13)
لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الطبري في تفسيره: 2/ 40، الخسف: الظلم والإذلال والهوان، وهي شر ما ينزل بالإنسان، وأقبح ما ينزله أخ بأخيه الإنسان. وتربد وجهه: تلون من الغضب وتغير، كأنما تسود منه مواضع. وقوله:" وجهه " فاعل مقدم، أي تربد وجهه.
إن سيم خسفا، وجهه تربدا
وفي قوله تعالى: {سُوءَ الْعَذَابِ} [البقرة: 49]، وجهان (1):
أحدهما: ما ساءهم من العذاب.
والثاني: أشد العذاب. قاله الزجاج (2) وآخرون (3).
والأقرب هو القول الأول، لأنه لو كان الثاني صحيحا لقيل: أسوأ العذاب. والله تعالى أعلم.
وفي العذاب الذي كانوا يسومونهم قولان:
أحدهما: أن فرعون كان يعذبهم بجعلهم خدما وخولا، واستخدم بعضهم في أعماله، ومن لم يكن منهم في صنعة، فعليه الجزية. قاله ابن إسحاق (4). واختاره الثعلبي (5).
والثاني: وقيل أن فرعون: "جعلهم في الأعمال القذرة، وجعل يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم". قاله السدي (6).
قوله تعالى: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} [البقرة: 49]، "أي يقتلون الذكور"(7).
قال أبو العالية: "إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة فقالت له الكهنة: سيولد العام غلام بمصر يكون هلاكك على يديه، فبعث في أهل مصر نساء قوابل فإذا ولدت امرأة غلاما أتى به فرعون فقتله.
ويستحيي الجواري" (8). قال ابن أبي حاتم: "يعني البنات" (9). وروي عن ابن عباس (10)، ومجاهد (11)، والربيع (12)، والسدي (13)، وابن إسحاق (14)، مثل ذلك.
واختلف في قوله تعالى {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} [البقرة: 49]، على قولين (15):
أحدهما: قال أهل التفسير أي: يذبحون الأطفال الذكورمن أبنائكم دون البالغين.
والثاني: وقيل: يعني الرجال دون الأطفال، وسموا أبناء لما كانوا كذلك، واستدل هذا القائل بقوله {نِسَاءَكُم} ، فقالوا: بأن" المذبحين لو كانوا هم الأطفال، لوجب أن يكون المستحيون هم الصبايا"(16).
قال الطبري: " وقد أغفل قائلو هذه المقالة - مع خروجهم من تأويل أهل التأويل من الصحابة والتابعين - موضع الصواب. [و] لو كانوا إنما يقتلون الرجال ويتركون النساء، لم يكن بأم موسى حاجة إلى إلقاء موسى في اليم، أو لو أن موسى كان رجلا لم تجعله أمه في التابوت"(17).
(1) أنظر: تفسير الطبري: 2/ 40، والمحرر الوجيز: 1/! 40.
(2)
أنظر: معاني القرآن: 1/ 130. قال الزجاج: "وإن كان العذاب كله سوءًا، فإنما نُكرَ في هذا الموضع لأنه أبلغ ما يعامل به مَرْعِيٌّ، فلذلك قيل سوءَ العذاب، أي ما يبلغ في الإساءَة ما لا غاية بعده".
(3)
أنظر: معاني القرآن" للزجاج 1/ 130، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 70 أ، و"تفسير أبي الليث" 1/ 117، و"العمدة في غريب القرآن" لمكي ص 75.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (889): ص 2/ 40.
(5)
أنظر: تفسير الثعلبي: 1/ 191.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (890): ص 2/ 41.
(7)
تفسير المراغي: 110.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (505): ص 1/ 106، والطبري (893): ص 2/ 43.
(9)
تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 106.
(10)
انظر: تفسير الطبري (891)، و (892): ص 2/ 42 - 43.
(11)
أنظر: تفسير الطبري (897): ص 2/ 44 - 45.
(12)
أنظر: تفسير الطبري (894): ص 2/ 43.
(13)
أنظر: تفسير الطبري (895): ص 2/ 43 - 44.
(14)
أنظر: تفسير الطبري (896): ص 2/ 44.
(15)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 385.
(16)
تفسير الطبري: 2/ 47.
(17)
تفسير الطبري: 2/ 47.
والثالث: " وقيل: "كان ذبحهم للأبناء استخدامهم في الأعمال القذرة الجارية مجرى أعظم الذبحين القتل، والإهانة، قال: وعلى ذلك قوله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ} " (1). ولا يخفى على ما في هذا الوجه من التكلف، وإن كان المعنى صحيحا.
والقول الأول أصح، حملا للفظ (الأبناء) على ظاهره، ويدل على هذا المعنى، عملية إلقاء موسى عليه السلام في التابوت حال صغره، كما أنه كان يتعذر قتل جميع الرجال على كثرتهم، ومن جهة أخرى أنهم كانوا محتاجين إليهم في استعمالهم في الصنائع الشاقة، وهذا قول عامة أهل التفسير، والله أعلم.
قال ابن عطية: " والصحيح من التأويل أن الأبناء هم الأطفال الذكور، والنساء هم الأطفال الإناث، وعبر عنهن باسم النساء بالمئال"(2).
قال الواحدي: " وقيل: سمى البنات نساء على تقدير أنهن يكن نساء، وقيل: جمع الكبار والصغار بلفظ النساء، لأنهم كانوا يستبقون جميع الإناث، فجرى اللفظ على التغليب كما يطلق الرجال على الذكور وإن كان فيهم صغار"(3).
وقوله تعالى: {يُذَبِّحُونَ} [البقرة: 49] فيه وجهان من القراءة (4):
أحدهما: {يُذَبِّحُونَ} ، بالتشديد على المبالغة والتكثير، قرأ بها الجمهور.
والثاني: {يذبحون} ، بفتح الباء، قرأ بها ابن محيصن "يذبحون" بفتح الباء (5).
والقراءة الأولى أرجح، "إذ الذبح متكرر"(6)، وكان فرعون على ما روي قد رآه في منامه نارا خرجت من بيت المقدس فأحرقت بيوت مصر فأولت له رؤياه أن مولودا من بني إسرائيل ينشأ فيكون خراب ملكه على يديه (7)، وقيل غير هذا والمعنى متقارب (8).
قوله تعالى: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} [البقرة: 49]، أي:" يتركونهن أحياء"(9).
قال الصابوني: أي: " يستبقون الإناث على قيد الحياة للخدمة"(10).
قال الطبري: أي: " يستبقونهن فلا يقتلونهن"(11).
قال المراغي: أي: "ويستبقون البنات إذلالا لكم حتى ينقرض شعبكم من البلاد"(12).
قال الواحدي: " يَسْتَبْقُونهن، ولا يقتلونهن، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم" (13) "(14).
قال ابن عثيمين: " أي يستبقون نساءكم؛ لأنه إذا ذهب الرجال، وبقيت النساء ذلّ الشعب، وانكسرت شوكته؛ لأن النساء ليس عندهن من يدافع، ويبقين خدماً لآل فرعون؛ وهذا. والعياذ بالله. من أعظم ما يكون من الإذلال؛ ومع هذا أنجاهم الله تعالى من آل فرعون، وأورثهم ديار آل فرعون، كما قال تعالى:{فأخرجناهم من جنات وعيون * وكنوز ومقام كريم * كذلك وأورثناها بني إسرائيل} [الشعراء: 57. 59] وقال تعالى:
(1) تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 186.
(2)
المحرر الوجيز: 1/ 141.
(3)
التفسير البسيط: 2/ 505.
(4)
انظر: الثعلبي: 1/ 191، وتفسير القرطبي: 1/ 385.
(5)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 385.
(6)
المحرر الوجيز: 1/ 140.
(7)
الخبر رواه السدي في في تفسير ابن أبي حاتم (506): ص 1/ 106.
(8)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 386.
(9)
تفسير البغوي: 1/ 91.
(10)
صفوة التفاسير: 1/ 49.
(11)
تفسير الطبري: 2/ 46.
(12)
تفسير المراغي: 1/ 110.
(13)
أخرجه أبو داود عن سمرة بن جندب، وفيه (استبقوا) بدل (استحيوا) انظر:"سنن أبي داود" 2670 كتاب (الجهاد)، باب (في قتل النساء)، والترمذي (1583) أبواب (السير) باب (ما جاء في النزول عن الحكم) وفيه: الشرخ: الغلمان الذين لم ينبتوا. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. عارضه الأحوزي.
وأخرجه أحمد في "مسنده" 5/ 12، 20. ورمز السيوطي له بالصحة في "الجامع الصغير". انظر:"فيض القدير شرح الجامع" 2/ 76.
(14)
التفسير البسيط: 2/ 504.
{كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوماً آخرين} [الدخان: 25. 28]. وهم بنو إسرائيل" (1).
وقال ابن جريج: " يسترقون نساءكم"(2). قال الطبري: " وذلك تأويل غير موجود في لغة عربية ولا أعجمية"(3).
قال الواحدي: " فإن قيل: فما في استحياء النساء من سوء العذاب؟ قيل: إن استحياء النساء على ما كانوا يعملون بهن أشد في المحنة من قتلهن، لأنهن يستعبدن وينكحن على الاسترقاق، والاستبقاء للإذلال استبقاء محنة"(4).
قوله تعالى: {وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} [البقرة: 49]، أي: و"في إنجائكم منهم نعمة عظيمة"(5).
قال البغوي: " أي في سومهم إياكم سوء العذاب محنة عظيمة"(6).
قال ابن عثيمين: " أي وفي إنجائكم من آل فرعون ابتلاء من الله عز وجل عظيم. أي اختبار عظيم.؛ ليعلم من يشكر منكم، ومن لا يشكر"(7).
قال الصابوني: " أي فيما ذكر من العذاب المهين من الذبح والاستحياء، محنة واختبارٌ عظيم لكم من جهته تعالى بتسليطهم عليكم ليتميز البرُّ من الفاجر"(8).
قال المراغي: " أي وفي ذلكم العذاب والتنجية منه امتحان عظيم من ربكم كما قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ}، وقوله: {من ربكم}: أي من جهته تعالى بتسليطهم عليكم، وبعث موسى وتوفيقه لخلاصكم"(9).
قال أبو حيان: "وفي قوله: {مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} دليل على أن الخير والشرّ من الله تعالى، بمعنى أنه خالقهما، وفيه رد على النصارى ومن قال بقولهم: إن الخير من الله والشرّ من الشيطان .. وكونه عظيماً هو بالنسبة للمخاطب والسامع، لا بالنسبة إلى الله تعالى، لأنه يستحيل عليه اتصافه بالاستعظام"(10).
وفي قوله تعالى: {بَلاءٌ} [البقرة: 49]، وجهان (11):
أحدهما: أن معناه: البلاء والامتحان. وهذا قول جمهور أهل التفسير.
والثاني: أن معناه: نعمة، أي: نعمة من ربكم عظيمة. روي ذلك عن ابن عباس (12) وأبي مالك والسدي (13) ومجاهد (14) وابن جريج (15).
وكلا القولين صحيح، فقوله " {وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ}، راجع إلى الأمرين: إلى المنحة التي هي الإنجاء من آل فرعون المقتضية للشكر، وإلى المحنة التي هي ذبحهم واستحياؤهم للنساء المقتضية للصبر"(16).
(1) تفسير ابن عثيمين: 1/ 176.
(2)
أخرجه الطبري (898): ص 2/ 46.
(3)
تفسير الطبري: 2/ 47. ثم قال: " وذلك أن الاستحياء إنما هو استفعال من الحياة نظير " الاستبقاء " من " البقاء "، و " الاستسقاء " من " السقي ". وهو من معنى الاسترقاق بمعزل".
(4)
التفسير البسيط: 2/ 505.
(5)
تفسير الثعلبي: 1/ 192.
(6)
تفسير البغوي: 1/ 91.
(7)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 176.
(8)
صفوة التفاسير: 1/ 49.
(9)
تفسير المراغي: 1/ 110.
(10)
البحر المحيط: 1/ 164.
(11)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 48.
(12)
أنظر: تفسير الطبري (899): ص 2/ 48، وتفسير ابن أبي حاتم (507): ص 1/ 106.
(13)
أنظر: تفسير الطبري (900): ص 2/ 48.
(14)
أنظر: تفسير الطبري (901)، و (902): ص 2/ 48 - 49.
(15)
أنظر: تفسير الطبري (903): ص 2/ 49.
(16)
تفسير الرابغ الأصفهاني: 1/ 186.
وقال البغوي: "، فالبلاء يكون بمعنى النعمة وبمعنى الشدة، فالله تعالى قد يختبر على النعمة بالشكر، وعلى الشدة بالصبر وقال: الله تعالى: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة"} [الأنبياء: 35] " (1).
وقال ابن عطية: " ويكون الْبَلاءُ في الخير والشر"(2).
وقال الواحدي: " والذي في هذه الآية يحتمل الوجيهن، فإن حملته على الشدة، كان معناه: في أستحياء البنات للخدمة وذبح البنين بلاء ومحنة"(3).
وقال النسفي: في تفسير قوله {وَفِى ذَالِكُم بَلاءٌ} ، أي:"محنة إن أشير بذلكم إلى صنع فرعون، ونعمة إن أشير به إلى الانتجاء"(4).
واختلف أهل التفسير في مرجه الإشارة في قوله تعالى: {وَفِي ذلِكُمْ} [البقرة: 49]، على ثلاثة أوجه (5):
أحدهما: إشارة إلى جملة الأمر، إذ هو خبر فهو كمفرد حاضر، وبَلاءٌ معناه امتحان واختبار، ويكون الْبَلاءُ في الخير والشر.
والثاني: وقال قوم: الإشارة بـ {ذلِكُمْ} ، إلى التنجية من بني إسرائيل، فيكون الْبَلاءُ على هذا في الخير، أي وفي تنجيتكم نعمة من الله عليكم.
والثالث: وقال جمهور الناس: الإشارة إلى الذبح ونحوه، والْبَلاءُ هنا في الشر، والمعنى وفي الذبح مكروه وامتحان.
وقد رجح الجمهور القول الأول (6)، لأن (البلاء) يكون في الخير والشر. والله أعلم.
وأصل (البلاء) في كلام العرب: الاختبار والامتحان، ثم يستعمل في الخير والشر، لأن الامتحان والاختبار قد يكون بالخير كما يكون بالشر، كما قال ربنا جل ثناؤه:{وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 168]، يقول: اختبرناهم، وكما قال جل ذكره:{وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35]. ثم تسمي العرب الخير " بلاء " والشر " بلاء ". غير أن الأكثر في الشر أن يقال: " بلوته أبلوه بلاء "، وفي الخير:" أبليته أبليه إبلاء وبلاء "، ومن ذلك قول زهير بن أبي سلمى (7):
جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم
…
وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو
فجمع بين اللغتين، لأنه أراد: فأنعم الله عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده (8).
قال الراغب: وفي هذه الآية" حث لنا على تذكر نعمه ومراعاتها واحدة واحدة، وتجديد الشكر لكل منها"(9).
وقال البيضاوي: " وفي الآية تنبيه على أن ما يصيب العبد من خير أو شر إختبار من الله تعالى، فعليه أن يشكر على مساره ويصبر على مضاره ليكون من خير المختبرين"(10).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: تذكير الله تعالى لبني إسرائيل نعمته عليهم بإنجائهم من آل فرعون.
2 ومنها: أن الإنجاء من العدو نعمة كبيرة ينعم الله بها على العبد؛ ولهذا ذكرهم الله بها في قوله تعالى:
(نجيناكم)
(1) تفسير البغوي: 1/ 91.
(2)
المحرر الوجيز: 1/ 141.
(3)
التفسير البسيط: 2/ 507.
(4)
تفسير النسفي: 1/ 64.
(5)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 141.
(6)
انظر: البحر المحيط: 1/ 83.
(7)
ديوانه: 109، وروايته " رأى الله. . . فأبلاهما ". وهذا بيت من قصيدة من جيد شعر زهير وخالصه.
(8)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 49.
(9)
تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 186.
(10)
تفسير البيضاوي: 1/ 79.
3 ومنها: بيان حنق آل فرعون على بني إسرائيل؛ وقيل: إن هذا التقتيل كان بعد بعثة موسى؛ لأن فرعون لما جاءه موسى بالبينات قال: {اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم} [غافر: 25]، وقال في سورة الأعراف:{سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون} (الأعراف: 127)
وذكر بعض المؤرخين أن هذا التقتيل كان قبل بعثة موسى، أو قبل ولادته؛ لأن الكهنة ذكروا لفرعون أنه سيولد لبني إسرائيل ولد يكون هلاكك على يده؛ فجعل يقتلهم؛ وعضدوا هذا القول بما أوحى الله تعالى إلى أم موسى:{أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني} [القصص: 7]؛ لكن هذه الآية ليست صريحة فيما ذكروا؛ لأنها قد تخاف عليه إما من هذا الفعل العام الذي يقتَّل به الأبناء، أو بسبب آخر، وآية الأعراف:{قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا} [الأعراف: 129] لا دليل فيها صراحة على أن التقتيل كان قبل ولادة موسى عليه السلام؛ لأن الإيذاء لا يدل على القتل، ولأن فرعون لم يقل: سنقتل أبناءهم، ونستحيي نساءهم إلا بعد أن أُرسل إليه موسى عليه السلام، ولهذا قال موسى عليه السلام لقومه بعد ذلك:{استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده} (الأعراف: 128)
4 ومنها: أن الرب سبحانه وتعالى له مطلق التصرف في عباده بما يسوؤهم، أو يسرهم؛ لقوله تعالى:{من ربكم} يعني هذا العذاب الذي سامكم إياه آل فرعون، والإنقاذ منه؛ كله من الله عز وجل؛ فهو الذي بيده الخير، ومنه كل شيء، وبيده ملكوت كل شيء.
القرآن
{وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)} [البقرة: 50]
التفسير:
واذكروا نعمتنا عليكم، حين فَصَلْنا بسببكم البحر، وجعلنا فيه طرقًا يابسةً، فعبرتم، وأنقذناكم من فرعون وجنوده، ومن الهلاك في الماء، فلما دخل فرعون وجنوده طرقكم أهلكناهم في الماء أمام أعينكم.
قوله تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ} [البقرة: 50]، أي: اذكروا أيضاً إذ "فصلنا بكم البحر"(1).
قال النسفي: أي: " فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم"(2).
قال الصابوني: " أي: اذكروا أيضاً إِذ فلقنا لكم البحر حتى ظهرت لكم الأرض اليابسة فمشيتم عليها"(3).
قال الآلوسي: " أي: فلقناه وفصلنا بين بعضه وبعض لأجلكم، وبسبب إنجائكم"(4).
قال ابن عثيمين: اي: فلقناه لكم، وفصلنا بعضه عن بعض حتى عبرتم إلى الشاطئ" (5).
وقرأ الزهري: {فرّقنا} ، بتشديد الراء (6)، وهي "قراءة شاذة، أي: جعلناه فرقا وأقساما"(7)، يقال:"فرق بين الشيئين، وفرّق بين الأشياء، لأن المسالك كانت "اثني عشر" (8) على عدد الأسباط"(9).
قال الراغب: " الفرقُ، والفلقُ، لكن الفلق لا يكون إلا بين جسمين، والفرق: قد يكون في الأجسام والمعاني، وفي هذه القصة قد جاء اللفظان، قال تعالى: {فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 63]، أي كل قطعة من الماء، والفرقان: كل كتاب يفرق بين الأحكام"(10).
وقال السمين الحلبي: " والفرق والفلق واحد، وهو الفصل والتمييز، ومنه {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ} [الإسراء: 106] أي: فصلناه، وميزناه بالبيان، والقرآن فرقان لتمييزه بين الحق والباطل وفرق الرأس لوضوحه"(11).
(1) تفسير الطبري: 2/ 50.
(2)
تفسير النسفي: 1/ 64.
(3)
صفوة التفاسير: 1/ 49.
(4)
روح المعاني: 1/ 256.
(5)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 178.
(6)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 141، وفتح القدير: 1/ 83.
(7)
لسان العرب: (فرق): ص 10: 300.
(8)
أنظر: تفسير الطبري (904): ص 2/ 50.
(9)
تفسير النسفي: 1/ 64.
(10)
تفسير الرابغ الأصفهاني: 1/ 187.
(11)
الدر المصون: 1/ 350.
قال ابن إسحاق: "أوحى الله إلى البحر - فيما ذكر لي: إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له. قال: فبات البحر يضرب. بعضه بعضا فرقا من الله وانتظاره أمره، فأوحى الله جل وعز إلى موسى: أن اضرب بعصاك البحر، فضربه بها، وفيها سلطان الله الذي أعطاه، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، أي كالجبل على نشز من الأرض يقول الله لموسى: {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى} [طه: 77]، فلما استقر له البحر على طريق قائمة يَبَسٍ سلك فيه موسى ببني إسرائيل، وأتبعه فرعون بجنوده"(1).
وروي عن ابن عباس (2)، والسدي (3)، وابن زيد (4)، وعبدالله بن شداد بن الهاد (5)، وعمرو بن ميمون الأودي (6)، نحو قول ابن إسحاق.
وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ} [البقرة: 50]، وجهين (7):
أحدهما: وإذ فصلنا بكم البحر، لأن الفرق: الفصل بين الشيئين (8).
والثاني: أن معناه: وإذ فرقنا بينكم وبين البحر، يريد بذلك: فصلنا بينكم وبينه، وحجزناه حيث مررتم به، وهذا قول بعض نحويي البصرة.
واعترض الطبري على القول الثاني، فقال:"وذلك خلاف ما في ظاهر التلاوة، لأن الله جل ثناؤه إنما أخبر أنه فرق البحر بالقوم، ولم يخبر أنه فرق بين القوم وبين البحر، فيكون التأويل ما قاله قائلو هذه المقالة، وفرقه البحر بالقوم، إنما هو تفريقه البحر بهم، على ما وصفنا من افتراق سبيله بهم، على ما جاءت به الآثار"(9).
وقوله {بِكُمُ} [البقرة: 50]، اختلف فيه على وجوه (10):
أحدهما: أن (الباء) سببية، ومعنى {بِكُمُ}: بسببكم.
قال السمين الحلبي: " الظاهر أن (الباء) على بابها من كونها داخلة على الآلة، فكأنه فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما توسط بينهما"(11).
والثاني: أن تكون للتعدية.
قال أبو البقاء: "ويجوز أن تكون المعدية كقولك: ذهبت بزيد، فيكون التقدير: أفرقناكم البحر، ويكون بمعنى: {وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر} [الأعراف: 138] وهذا قريب من الأول"(12).
والثالث: وقيل (الباء) بمعنى (اللام)، ومعناه {لكم} ، اختاره ابن الجوزي (13)، قال ابن عطية:"وهذا ضعيف"(14).
والرابع: ويجوز أن تكون للحال من (البحر)، أي: فرقناه ملتبسا بكم، قال أبو البقاء:"أي: فرقنا البحر وأنتم به"(15)، ومنه قول المتنبي (16):
(1) أخرجه الطبري (906): ص 2/ 51 - 52.
(2)
أنظر: تفسير الطبري (909): ص 2/ 53.
(3)
أنظر: تفسير الطبري (910): ص 2/ 54.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (911): ص 2/ 54.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (905)، و (907): ص 2/ 51 - 52.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (908): ص 2/ 53، وابن أبي حاتم (508): ص 1/ 107.
(7)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 50.
(8)
أنظر: اللسان (فرق): ص 10/ 300، والدر المصون: 1/ 350، والبحر المحيط: 1/ 164.
(9)
تفسير الطبري: 2/ 50.
(10)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 141، وتفسير الكشاف: 1/ 138، وروح المعاني: 1/ 256.
(11)
الدر المصون: 1/ 349.
(12)
نقلا عن: الدر المصون: 1/ 349.
(13)
زاد المسير: 1/ 78.
(14)
المحرر الوجيز: 1/ 141.
(15)
نقلا عن الدر المصون: 1/ 349.
(16)
أنظر: ديوانه: 1/ 256، والبحر المحيط: 1/ 355، والدر المصون: 1/ 349، وتفسير الكشاف: 1/ 138، وتسقى: بالتضعيف، والقحوف: جمع قحف بالكسر، وقيل بالضم: وهو العظم الذي فوق الدماغ وإناء صغير من خشب. والحليب: اللبن المحلوب، أى كأنها كانت معتادة بهم فمرت عليهم مطمئنة. تدوس جماجمهم: أى رؤسهم ونحن على ظهورها. والتريب: لغة في التراب.
فَمَرَّت غَيرَ نافِرَةٍ عَلَيهِم
…
تَدُوسُ بِنَا الْجَمَاجِمَ وَالتَّرِيبا
أي: تدوسها ونحن راكبوها.
والراجح هو القول الأول، ومعنى {بِكُمُ}: بسببكم. إذ أن "فرق البحر كان بهم أي بسبب دخولهم فيه أي لما صاروا بين الماءين صار الفرق بهم"(1)، والله أعلم.
وقال الآلوسي: إن"العرب- على ما نقله الدامغاني- تقول: غضبت لزيد- إذا غضبت من أجله وهو حي- وغضبت بزيد- إذا غضبت من أجله وهو ميت- ففيه تلويح إلى أن الفرق كان من أجل أسلاف المخاطبين"(2).
وذكروا في قصة شق البحر قولان (3):
أحدهما: أن "الْبَحْرَ هو بحر (القلزم)، ولم يفرق البحر عرضا جزعا (4) من ضفة إلى ضفة، وإنما فرق من موضع إلى موضع آخر في ضفة واحدة، وكان ذلك الفرق بقرب موضع النجاة، ولا يلحق في البر إلا في أيام كثيرة بسبب جبال وأوعار حائلة، وذكر العامري أن موضع خروجهم من البحر كان قريبا من برية فلسطين وهي كانت طريقهم"(5).
والثاني: وقيل "انفلق البحر عرضا وانفرق البحر على اثني عشر طريقا، طريق لكل سبط فلما دخلوها قالت كل طائفة غرق أصحابنا وجزعوا، فقال موسى: اللهم أعني على أخلاقهم السيئة، فأوحى الله إليه أن أدر عصاك على البحر، فأدارها فصار في الماء فتوح كالطاق يرى بعضهم بعضا، وجازوا، وجبريل صلى الله عليه وسلم في ساقتهم على ماذيانة يحث بني إسرائيل ويقول لآل فرعون: مهلا حتى يلحق آخركم أولكم، فلما وصل فرعون إلى البحر أراد الدخول فنفر فرسه فتعرض له جبريل بالرمكة (6)، فاتبعها الفرس، ودخل آل فرعون وميكائيل يحثهم، فلما لم يبق إلا ميكائيل في ساقتهم على الضفة وحده انطبق البحر عليهم فغرقوا"(7).
وفي تسمية البحر ثلاثة أقوال (8):
أحدها: أنه سمي بحراً لاستبحاره، وهو سعته وانبساطه، ويقال: استبحر فلان في العلم، إذا اتسع فيه، وتبحر الراعي في رعي كثير، وتبحر فلان في المال (9).
والثاني: أنه سمي بذلك، لأنه شق في الأرض، والبحر: الشق، ومنه البحِيرَة (10).
والثالث: أن البحر هو الملح، يقال: أبحر الماء، أي صار ملحا، ومنه قول نُصَيْب (11):
وَقَدْ عَادَ مَاءُ الأَرْضِ بَحْراً فَرَدَّنِي
…
إِلَى مَرَضِى أَنْ أَبْحَرَ المَشْربُ العَذْبُ (12)
(1) فتح القدير: 1/ 83.
(2)
روح المعاني: 1/ 256.
(3)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 142.
(4)
المراد: أن الفرق كان طوالا لا عرضا. يقال: جزعت الوادي جزعا، من باب نفع: أي قطعته إلى الجانب الآخر.
(5)
المحرر الوجيز: 1/ 142.
(6)
وهي الأنثى من البراذين.
(7)
المحرر الوجيز: 1/ 142.
(8)
تهذيب اللغة" (بحر) 1/ 282، وانظر: "الغريبين" 1/ 134، "الصحاح" (بحر) 2/ 585، "مقاييس اللغة" (بحر) 1/ 215، "الغريبين" 1/ 134، "مفردات الراغب" ص 37، "اللسان" (بحر) 1/ 215، "فتح القدير" 1/ 132، والتفسير البسيط: 2/ 508 - 509.
(9)
أنظر: تهذيب اللغة: (بحر) 1/ 282، والتفسير البسيط: 2/ 508.
(10)
أنظر: تهذيب اللغة" (بحر) 1/ 282، قال الأزهري: "قال أبو إسحاق النحوي: وأثبت ما روينا عن أهل اللغة في البَحِيرَة: أنها الناقة، كانت إذا نتجت خمسة أبطن فكان آخرها ذكرا، بحروا أذنها، أي: شقوها، وأعفوا ظهرها من الركوب والحمل، والذبح، ولا تُحَلَّأ عن ماء ترده، ولا تمنع من مرعى، وإذا لقيها المُعْيي المنقطع به لم يركبها". [وانظر:"اللسان"(بحر) 1/ 215].
(11)
البيت في "تهذيب اللغة"(بحر) 1/ 282، "الصحاح"(بحر) 2/ 585، "مقاييس اللغة"(بحر) 1/ 215، "الغريبين" 1/ 134، "مفردات الراغب" ص 37، "اللسان"(بحر) 1/ 215، "فتح القدير" 1/ 132، وفي أكثر المصادر:(فزادني) بدل: (فردني).
وهو نُصَيب بن رباح مولى عبد العزيز بن مروان، شاعر من فحول الشعراء الإسلاميين، انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 260، "معجم الأدباء" 19/ 228.
(12)
أنظر: تهذيب اللغة" (بحر) 1/ 282، والصحاح"(بحر) 2/ 585، ومقاييس اللغة" (بحر) 1/ 215، "الغريبين" 1/ 134، "مفردات الراغب" ص 37، "اللسان" (بحر) 1/ 215.
قوله تعالى: {فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} [البقرة: 50]، " أي: نجيناكم من الغرق وأغرقنا فرعون وقومه" (1).
قال ابن كثير: " أي: خلصناكم منهم، وحجزنا بينكم وبينهم"(2).
قال الشوكاني: " أي أخرجناكم منه، {وأغرقنا آل فرعون} فيه"(3).
قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [البقرة: 50]، " أي: وأنتم تشاهدون ذلك" (4).
قال الطبري: " أي تنظرون إلى فرق الله لكم البحر، وإهلاكه آل فرعون في الموضع الذي نجاكم فيه، وإلى عظيم سلطانه - في الذي أراكم من طاعة البحر إياه"(5).
قال ابن عطية: أي: تنظرون "بأبصاركم، لقرب بعضهم من البعض"(6).
قال الشوكاني: " أي حال كونكم ناظرين إليهم بأبصاركم"(7).
قال ابن كثير: " ليكون ذلك أشفى لصدوركم، وأبلغ في إهانة عدوكم"(8).
قال الثعلبي: يعني " إلى مصارعهم"(9).
قال البغوي: " إلى مصارعهم، وقيل: إلى إهلاكهم"(10).
قال الواحدي: "ولم يذكر [هنا]، غرق فرعون نفسه، لأنه قد ذكره في مواضع كقوله:{فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا} [الإسراء: 103]. ويجوز أن يريد بآل فرعون نفسه (11).
وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَْ [البقرة: 50]، قولان (12):
أحدهما: أنه من نظر العين، معناه وأنتم ترونهم يغرقون.
وفي رؤيتهم هذا المشهد العظيم، وجهان (13):
الوجه الأول: أنه تعالى، أفرد لكل سبط طريق من الماء وجعل الحاجز الذي بينه وبين الآخذ مشفاً كالزجاج، ينظرون منها إلى الآخرين.
قال السمين الحلبي: " والنظر يحتمل أن يكون بالبصر، لأنهم كانوا يبصرون بعضهم بعضا لقربهم"(14).
والوجه الثاني: وقيل: إن آل فرعون طفوا على الماء فنظروا إليهم، وعلى ذلك حمل قوله:{فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} [يونس: 92](15).
والثاني: أنه بمعنى العلم، كقوله تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} [الفرقان: 45]. قاله الفراء (16).وضعّفه الطبري (17).
(1) صفوة التفاسير: 1/ 50.
(2)
تفسير ابن كثير: 1/ 259.
(3)
فتح القدير: 1/ 83.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 50.
(5)
تفسير الطبري: 2/ 57.
(6)
المحرر الوجيز: 1/ 142.
(7)
فتح القدير: 1/ 83.
(8)
تفسير ابن كثير: 1/ 259.
(9)
تفسير الثعلبي: 1/ 194.
(10)
تفسير البغوي: 1/ 94.
(11)
التفسير البسيط: 2/ 510. أي أنه يطلق (آل فرعون) ويراد به نفسه كما في (آل موسى).
(12)
انظر: زاد المسير: 1/ 79، وتفسير الطبري: 2/ 57 - 58، وتفسير القرطبي: 1/ 392، والمحرر الوجيز: 1/ 142، وفتح القدير: 1/ 83.
(13)
أنظر: الدر المصون: 1/ 351، وتفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 188.
(14)
الدر المصون: 1/ 351.
(15)
أنظر: الدر المصون: 1/ 351، وتفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 188.
(16)
أنظر: معاني القرآن: 1/ 36.
(17)
أنظر: تفسيره: 2/ 57. إذ يقول: " وليس التأويل الذي تأوله تأويل الكلام، إنما التأويل: وأنتم تنظرون إلى فرق الله البحر لكم - على ما قد وصفنا آنفا - والتطام أمواج البحر بآل فرعون، في الموضع الذي صير لكم في البحر طريقا يبسا. وذلك كان، لا شك نظر عيان لا نظر علم، كما ظنه قائل القول الذي حكينا قوله".
والراجح من تفسير هو القول الأول، أي: وأنتم تنظرون إلى فَرْقِ البحر، حتى سلكوا فيه، وانطباقه على آل فرعون، حتى غرقوا فيه.
الفوائد:
1 من فوائد الآية: مناسبة قوله تعالى: {وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون} لما قبله ظاهرة جداً، وذلك أنه لما ذكر الله سبحانه وتعالى تسلُّطَ آل فرعون عليهم ذكر مآل هؤلاء المتسلطين؛ وأن الله أغرقهم، وأنجى هؤلاء، وأورثهم أرضهم، كما قال الله تعالى:{وأورثناها بني إسرائيل} [الشعراء: 59].
2 ومنها: تذكير الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل بنعمه؛ وقد تضمن هذا التذكير حصول المطلوب، وزوال المكروه؛ حصول المطلوب: بنجاتهم؛ وزوال المكروه: بإهلاك عدوهم.
3 ومنها: بيان قدرة الله تعالى على كل شيء؛ فهذا الماء السيال أمره الله. تبارك وتعالى. أن يتمايز، وينفصل بعضه عن بعض؛ فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم. أي كالجبل العظيم؛ وثم وجه آخر من هذه القدرة: أن هذه الطرق صارت يبساً في الحال مع أنه قد مضى عليها سنون كثيرة لا يعلمها إلا الله عز وجل والماء من فوقها، ولكنها صارت في لحظة واحدة يبساً، كما قال تعالى:{ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً لا تخاف دركاً ولا تخشى} [طه: 77]؛ وقد ذكر بعض المفسرين أنه كانت في هذه الفرق فتحات ينظر بعضهم إلى بعض. حتى لا ينْزعجوا، ويقولوا: أين أصحابنا؟ ! وهذا ليس ببعيد على الله سبحانه وتعالى.
وقد وقع مثل ذلك لهذه الأمة؛ فقد ذكر ابن كثير. رحمه الله في "البداية والنهاية" أنه ما من آية سبقت لرسول إلا لرسولنا صلى الله عليه وسلم مثلها: إما له صلى الله عليه وسلم هو بنفسه، أو لأمته؛ ومعلوم أن الكرامات التي تقع لمتبع الرسول هي في الحقيقة آيات له؛ لأنها تصديق لطريق هذا الولي المتبع للرسول؛ فتكون آية على صدق الرسول، وصحة الشريعة؛ ولهذا من القواعد المعروفة أن كل كرامة لولي فهي آية لذلك النبي المتبع؛ وذكر ابن كثير رحمه الله في "البداية والنهاية" على ذلك أمثلة؛ ومنها أن من الصحابة من مشَوا على الماء؛ وهو أبلغ من فلق البحر لبني إسرائيل، ومشيهم على الأرض اليابسة.
4 من فوائد الآية: أن الآل يدخل فيهم من ينتسبون إليهم؛ فقد قال تعالى: {وأغرقنا آل فرعون} ؛ وفرعون قد غرق بلا شك، كما قال تعالى:{حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} [يونس: 90] الآيتين.
5 ومنها: أن إغراق عدو الإنسان وهو ينظر من نعمة الله عليه؛ فإغراقه، أو إهلاكه نعمة؛ وكون عدوه ينظر إليه نعمة أخرى؛ لأنه يشفي صدره؛ وإهلاك العدو بيد عدوه أشفى، كما قال تعالى:{قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين * ويذهب غيظ قلوبهم} [التوبة: 14، 15]؛ نعم، عند عجز الناس لا يبقى إلا فعل الله عز وجل؛ ولهذا في غزوة الأحزاب نُصروا بالريح التي أرسلها الله عز وجل، كما قال تعالى:{فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها} [الأحزاب: 9].
6 ومن فوائد الآية: عتوّ بني إسرائيل؛ فإن بني إسرائيل مع هذه النعم العظيمة كانوا من أشد الناس طغياناً، وتكذيباً للرسل، واستكباراً عن عبادة الله عز وجل.
7 ومنها: أن الله تعالى سخِر من فرعون، حيث أهلكه بجنس ما كان يفتخر به، وأورث أرضه موسى. عليه الصلاة والسلام؛ وقد كان فرعون يقول:{يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون * أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين} [الزخرف: 51. 52]؛ فأغرقه الله تعالى بالماء الذي كان يفتخر بجنسه، وأورث موسى أرضه الذي وصفه بأنه مهين، ولا يكاد يبين.
القرآن
{وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51)} [البقرة: 51]
التفسير:
واذكروا نعمتنا عليكم: حين واعدنا موسى أربعين ليلة لإنزال التوراة هدايةً ونورًا لكم، فإذا بكم تنتهزون فرصة غيابه هذه المدة القليلة، وتجعلون العجل الذي صنعتموه بأيديكم معبودًا لكم من دون الله - وهذا أشنع الكفر بالله- وأنتم ظالمون باتخاذكم العجل إلهًا.
قوله تعالى: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [البقرة: 51]، "أي واذكروا إذ واعدنا موسى أربعين ليلة"(1).
قال الصابوني: " أي وعدنا موسى أن نعطيه التوراة بعد أربعين ليلة، وكان ذلك بعد نجاتكم وإِهلاك فرعون"(2).
قال ابن عثيمين: " وعده الله تعالى لميقاته ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فصارت أربعين ليلة"(3).
و{مُوسى} ، اسم أعجمي لا ينصرف للعجمة والتعريف، والقبط على ما يروى يقولون للماء (مو)، وللشجر (سا)، فلما وجد موسى في التابوت عند ماء وشجر، فسمّي (موسى)(4). قاله السدي (5).
قال ابن إسحاق: "وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله"(6).
واختلفت القراءة في قوله تعالى: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى} [البقرة: 51]، على وجهين (7):
أحدهما: {وَاعَدْنَا} : بالألف، وهي قراءة ابن مسعود.
واستندوا بأنه، قد يجيء المفاعلة من واحد كقولهم: عاقبت اللص، وعافاك الله، وطارقت النعل.
والثاني: {وَعَدْنَا} : بغير ألف في جميع القرآن، قرأ بها أبو جعفر وأبو عمرو ويعقوب.
وقالوا: لأنّ الله عز وجل هو المتفرد بالوعد، يعني: المواعدة إنما تكون لغير الآدميين، واستدلوا في ذلك بقوله تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ} [النساء: 95]، وقوله:{إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ} [إبراهيم: 22].
قال ابن عطية: " وليس هذا بصحيح، لأن قبول موسى لوعد الله والتزامه وارتقابه يشبه المواعدة"(8).
قال الزجاج: وكلاهما جائز .. وواعدنا هنا جيد بالغ، لأن الطاعة في القبول بمنزلة المواعدة، فهو من اللَّه عز وجل وعدٌ ومن موسى قبول واتًبَاعٌ، فجرى مجرى المواعدة" (9).
قال أبو حيان: "يحتمل {واعدنا}، أن يكون بمعنى {وعدنا}، ويكون صادرا من واحد، ويحتمل أن يكون من اثنين على أصل المفاعلة، فيكون الله قد وعد موسى الوحي، ويكون موسى وعد الله المجيء للميقات، أو يكون الوعد من الله، وقبوله كان من موسى، وقبول الوعد يشبه الوعد، قال القفال: " ولا يبعد أن يكون الآدمي يعد الله، بمعنى يعاهده، وقيل: وعد إذا كان من غير طلب وواعد إذا كان من طلب .. ثم يقول: " وقد رجح أبو عبيد قراءة من قرأ {وعدنا} بغير ألف، وأنكر قراءة من قرأ {واعدنا} بالألف، ووافقه على معنى ما قال أبو حاتم ومكي. وقال أبو عبيد: المواعدة لا تكون إلا من البشر، وقال أبو حاتم: أكثر ما تكون المواعدة من المخلوقين المتكافئين، كل منهما يعد صاحبه. . ولا وجه لترجيح إحدى القراءتين على الأخرى؛ لأن كلا منهما متواترة، فهما في الصحة على حد سواء"(10).
وقرأ زيد بن علي: {أَرْبِعِينَ} ، بكسر الباء وهي لغة (11).
(1) تفسير ابن عثيمين: 1/ 181.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 50.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 180 - 181.
(4)
أنظر: تفسير الطبري: 2/ 60 - 61، والمحرر الوجيز: 1/ 152.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (912): ص 2/ 61.
(6)
أخرجه الطبري (913): ص 2/ 61.
(7)
أنظر الحجة للقراء السبعة: 2/ 66 - 67، ومعاني القرآم للزجاج: 1/ 133، وتفسير الثعلبي: 1/ 194.
(8)
المحرر الوجيز: 1/ 142.
(9)
معاني القرآن: 1/ 133.
(10)
البحر الميط: 1/ 195.
(11)
أنظر: تفسير الثعلبي: 1/ 195.
والأربعون: ذو القعدة وعشرة من ذي الحجة، قاله أبو العالية (1)، وهو قول أكثر المفسرين.
وقال ابن إسحاق قال: وعد الله موسى - حين أهلك فرعون وقومه، ونجاه وقومه ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فتم ميقات ربه أربعين ليلة، يلقاه ربه فيها ما شاء، واستخلف موسى هارون على بني إسرائيل، وقال: إني متعجل إلى ربي فاخلفني في قومي ولا تتبع سبيل المفسدين. فخرج موسى إلى ربه متعجلا للُقِيِّه شوقا إليه، وأقام هارون في بني إسرائيل ومعه السامري يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به" (2). وروي عن السدي (3) نحو ذلك.
وكان ذلك بعد أن جاوز موسى البحر وسأل قومه أن يأتيهم بكتاب من عند الله فخرج إلى الطور في سبعين من خيار بني إسرائيل وصعدوا الجبل وواعدهم إلى تمام أربعين ليلة فعدوا - فيما ذكر المفسرون - عشرين يوما وعشرين ليلة وقالوا قد أخلفنا موعده، فاتخذوا العجل وقال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى فاطمأنوا إلى قوله (4).
واختلفوا في قوله تعالى {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [البقرة: 51]، على قولين (5):
أحدهما: أن المراد: أربعين ليلة بتمامها، فالأربعون ليلة كلها داخلة في الميعاد. وهذا قول الجمهور.
والثاني: وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معناه: وإذ واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة، أي رأس الأربعين، ومثل ذلك بقوله:{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] وبقولهم: اليوم أربعون منذ خرج فلان، واليوم يومان، أي اليوم تمام يومين، وتمام أربعين.
والقول الثاني خلاف ما جاءت به الرواية عن أهل التأويل، وخلاف ظاهر التلاوة، فأما ظاهر التلاوة، فإن الله جل ثناؤه قد أخبر أنه واعد موسى أربعين ليلة، فليس لأحد إحالة ظاهر خبره إلى باطن، بغير برهان دال على صحته (6).
قوله تعالى: {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 51]، أي:"ثم اتخذتم في أيام مواعدة موسى العجل إلها"(7).
قال ابن عثيمين: أي "صيرتم العجل إلها"(8).
قال الصابوني: " أي عبدتم العجل"(9).
قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِهِ} [البقرة: 51]، أي:"من بعد أن فارقكم موسى متوجها إلى الموعد"(10).
قال الثعلبي: أي: "من بعد انطلاق موسى إلى الجبل للميعاد"(11).
قال ابن عثيمين: "من بعد موسى، حين ذهب لميقات الله"(12).
قال الصابوني: أي بعد غيبته عنكم، حين ذهب لميقات ربه" (13).
وأصل (اتخذتم)(ائتخذتم) من (الأخذ) ووزنه أفتعلتم سهلت الهمزة الثانية لامتناع همزتين فجاء إيتخذتم فاضطربت الياء في التصريف جاءت ألفا في ياتخذ وواوا في (موتخذ) فبدلت بحرف جلد ثابت من جنس ما
(1) أنظر: تفسير الطبري (914): ص 2/ 62.
(2)
أخرجه الطبري (916): ص 2/ 62.
(3)
أنظر: تفسير الطبري (917): ص 2/ 62 - 63.
(4)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 396.
(5)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 61.
(6)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 61.
(7)
تفسير الطبري: 2/ 63.
(8)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 181.
(9)
صفوة التفاسير: 1/ 50.
(10)
تفسير الطبري: 2/ 63.
(11)
تفسير الثعلبي: 1/ 195.
(12)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 181.
(13)
صفوة التفاسير: 1/ 50.
بعدها وهي التاء وأدغمت ثم اجتلبت ألف الوصل للنطق وقد يستغنى عنها إذا كان معنى الكلام التقرير كقوله تعالى {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً} [البقرة: 80] فاستغنى عن ألف الوصل بألف التقرير قال الشاعر (1):
أَسْتَحْدَثَ الرَّكْبُ عَنْ أَشْياعِهِمْ
…
خَبَراً، أَمْ رَاجَعَ الَقْلبَ مِنْ أَطْرَابِهِ طَرَبُ
ونحوه في القرآن {أَطَّلَعَ الْغَيْبَ} [مريم: 78]{أَصْطَفَى الْبَنَاتِ} [الصافات: 153]{أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ} [ص: 75] ومذهب أبي علي الفارسي أن (اتخذتم) من (تخذ) لا من (أخذ)(2).
و{العجل} ، "تمثال من ذهب صنعه السامري، وقال لبني إسرائيل: {هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ} [طه: 88] "(3)، "أي تركه هاهنا وخرج بطلبه"(4).
روي ذلك عن ابن عباس (5)، والسدي (6)، وابن إسحاق (7)، وابن زيد (8)، ومجاهد (9)، وأبي العالية (10)، نحو ذلك.
قال أبو العالية: "وإنما سمي العجل، لأنهم عجلوا فاتخذوه قبل أن يأتيهم موسى"(11).
وقال مجاهد: قوله: {العجل} ، حسيل البقرة، ولد البقرة" (12).
قال الثعلبي: " وكان بنو إسرائيل قد أخلفوا الوعد فعدّوا اليوم والليلة يومين، فلما مضت عشرون يوما ولم يرجع موسى عليه السلام ورأوا العجل وسمعوا قول السامري، أفتتن بالعجل ثمانية ألف رجل منهم، وعكفوا عليه يعبدونه من دون الله عز وجل"(13).
واختلف في الذين عبدوا العجل على أقوال (14):
أحدها: أنهم كلهم عبدوا العجل، إلا هارون. وها يدل عليه ظاهر قوله تعالى:{ثم اتخذتم} [البقرة: 51].
والثاني: وقيل: الذين عكفوا على عبادته من قوم موسى، ثمانية آلاف رجل.
والثالث: وقيل: كلهم عبدوه إلا هارون مع اثني عشر ألفاً.
والرابع: وقيل: إلا هارون والسبعين رجلاً الذين كانوا مع موسى.
قال أبو حيان: "وهذا هو الصحيح"(15)، أي القول الأخير.
والجمهور على إدغام الذال في التاء في قوله تعلى: {اتَّخَذْتُمُ} [البقرة: 51]، ، وقرأ ابن كثير وحفص من السبعة: بالإظهار (16).
قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ} [البقرة: 51]، "أي معتدون في تلك العبادة ظالمون لأنفسكم"(17).
أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد: "قوله: {ظالمون}، قال: أصحاب العجل"(18).
(1) البيت للشاعر الأموي ذو الرمة، انظر: ديوانه: 4. الركب ": أصحاب الإبل، جمع راكب كصحب جمع صاحب. و " الأشياع ": الأصحاب. و " أستحدث " بفتح الهمزة: استفهام. يقول: بكاؤك وحزنك ألخبر حدث، أم راجع قلبك طرب؟ و " الطرب ": استخفاف القلب في فرح كان أو حزن.
(2)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 397.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 181.
(4)
تفسير الثعلبي: 1/ 194.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (918): ص 2/ 63.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (919): ص 2/ 64 - 65.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (920): ص 2/ 65 - 66.
(8)
أنظر: تفسير الطبري (922): 2/ 67 - 68.
(9)
أنظر: تفسير الطبري (923): ص 2/ 68.
(10)
أنظر: تفسير الطبري (924): ص 2/ 68.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (512): ص 1/ 108.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (13): ص 1/ 108.
(13)
تفسير الثعلبي: 1/ 194.
(14)
أنظر: البحر المحيط: 1/! 69.
(15)
البحر المحيط: 1/ 169.
(16)
أنظر: البحر المحيط: 1/ 168.
(17)
صفوة التفاسير: 1/ 50.
(18)
تفسير ابن أبي حاتم (514): ص 1/ 108.
قال الزمخشري: "بإشراككم"(1).
قال الثعلبي: أي: وأنتم: "مشّاؤون لأنفسكم بالمعصية، وواضعون العبادة في غير موضعها"(2).
قال البغوي: أي وأنتم" ضارون لأنفسكم بالمعصية، واضعون العبادة في غير موضعها"(3).
قال الواحدي: " أي: ضارون لأنفسكم، وواضعون العبادة في غير موضعها"(4).
قال النسفي: " أي عبدتم العجل وأنتم واضعون العبادة غير موضعها، أو اعتراض أي وأنتم قوم عادتكم الظلم"(5).
قال المراغي: "أي: بإشراكهم ووضعهم للشىء في غير موضعه بعبادة العجل بدل عبادة خالقهم وخالقه"(6).
قال السعدي: وأنتم" عالمون بظلمكم، قد قامت عليكم الحجة، فهو أعظم جرما وأكبر إثما"(7).
قال الراغب: " عنى به الظلم المطلق وهو الكفر، وفي الآية حث على معرفة ما وعدنا الله تعالى به ومراعاته والمنع من الاشتغال عنه تعالى بشيء بغيره، وعلى هذا الوجه قال بعض الناس: كل ما شغلك عن الله فهو عجل متخذ وطاغوت متع وشيطان مطاع ومبدأ كل ذلك اتباع الهوى، ولذلك قال: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} وقال وهذا وإن لم يكن كفراً فهو شرك وبهذا الوجع قال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} "(8).
واختلف في تفسير قوله تعالى {وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ} [البقرة: 51]، على قولين (9):
القول الأول: أنه جملة حالية، ومتعلق الظلم، وفيه وجوه:
أحدها: ظالمون بوضع العبادة في غير موضعها.
والثاني: وأنتم ظالمون، بتعاطي أسباب هلاكها.
والثالث: وأنتم ظالمون، برضاكم فعل السامري في اتخاذه العجل، ولم تنكروا عليه.
والقول الثاني: أنه إخبار من الله، وفيه وجهان:
أحدهما: إنهم ظالمون: "أي سجيتهم الظلم، وهو وضع الأشياء في غير محلها، والمعنى: ثم اتخذتم العجل من بعده وكنتم ظالمين، كقوله تعالى: {اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} "(10).
والثاني: وقيل: "وأنتم ظالمون اليوم بمخالفة محمد صلى الله عليه وسلم"(11).
وقد نقل السادة المفسرون قصصاً كثيراً مختلفاً في سبب اتخاذ العجل، وكيفية اتخاذه، وانجر مع ذلك أخبار كثيرة، الله أعلم بصحتها، إذ لم يشهد بصحتها كتاب ولا حديث صحيح، فتركنا نقل ذلك على عادتنا في هذا الكتاب.
الفوائد:
1 من فوائد الآيتين: حكمة الله. تبارك وتعالى. في تقديره، حيث واعد موسى أربعين ليلة لينَزِّل عليه فيها التوراة. مع أنه سبحانه وتعالى قادر على أن يَنزِّلها في ليلة مرة واحدة؛ ولكن لحكمة. لا نعلم ما هي. وعده الله تعالى ثلاثين ليلة أولاً، ثم أتمها بعشر؛ فتم ميقات ربه أربعين ليلة.
(1) تفسير الكشاف: 1/ 139.
(2)
تفسير الثعلبي: 1/ 195.
(3)
تفسير البغوي: 1/ 95.
(4)
التفسير البسيط: 2/ 522.
(5)
تفسير النسفي: 1/ 76.
(6)
تفسير المراغي: 1/ 113.
(7)
تفسير السعدي: 52.
(8)
تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 189.
(9)
أنظر: البحر المحيط: 1/ 169.
(10)
البحر المحيط: 1/ 169.
(11)
التفسير البسيط: 2/ 522.
2 ومنها: بيان جهل بني إسرائيل الجهل التام؛ وجه ذلك أن هذا الحلي الذي جعلوه إلهاً هم الذين صنعوه بأنفسهم؛ فقد استعاروا حلياً من آل فرعون، وصنعوه على صورة الثور عجلاً جسداً. لا روح فيه؛ ثم قال السامري:{هذا إلهكم وإله موسى فنسي} [طه: 88]؛ وزعموا أن موسى ضلّ، ولم يهتد إلى ربه، وهذا ربه! والعياذ بالله؛ فكيف يكون المصنوع رباً لكم، ولموسى وأنتم الذين صنعتموه! وهذا دليل على جهلهم، وغباوتهم إلى أبعد الحدود؛ وقد قالوا لموسى. عليه الصلاة والسلام. حينما أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم:{اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة} [الأعراف: 138] قال لهم نبيهم موسى: {إنكم قوم تجهلون} [الأعراف: 138]، وصدق عليه الصلاة والسلام.
3 ومن فوائد الآيتين: أن اتخاذهم العجل كان عن ظلم؛ لقوله تعالى: {وأنتم ظالمون} ، وهذا أبلغ، وأشنع في توبيخهم، والإنكار عليهم.
القرآن
{ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52)} [البقرة: 52]
التفسير:
ثمَّ تجاوزنا عن هذه الفعلة المنكرة، وقَبِلْنَا توبتكم بعد عودة موسى؛ رجاءَ أن تشكروا الله على نعمه وأفضاله، ولا تتمادوا في الكفر والطغيان.
قوله تعالى: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ} [البقرة: 52]، أي:" محونا ذنوبكم"(1).
قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [البقرة: 52]، أي:" بعد عبادتكم العجل"(2).
قال أبو العالية: " يعني من بعد ما اتخذوا العجل"(3). وروي عن الربيع بن أنس مثل ذلك (4).
قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 52]، أي:"لكي تشكروا عفوي عنكم وصنيعي إليكم"(5).
قال عون بن عبدالله: "إن {لعل}، من الله واجب"(6).
و{لعل} هنا للتعليل، بمعنى (كي). قاله أبو مالك (7).
وقال سفيان بن عيينة: "على كل مسلم أن يشكر ربه عز وجل، لأن الله قال: {لعلكم تشكرون} "(8).
و"الشكر يكون بالقلب: وهو إيمان القلب بأن النعمة من الله عز وجل، وأن له المنة في ذلك؛ ويكون باللسان: وهو التحدث بنعمة الله اعترافاً، لا افتخاراً؛ ويكون بالجوارح: وهو القيام بطاعة المنعِم"(9).
وقال ابن منظور: "والحمد والشكر متقاربان والحمد أَعمهما لأَنك تحمد الإِنسان على صفاته الذاتية وعلى عطائه ولا تشكره على صفاته ومنه الحديث الحمد رأْس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده كما أَن كلمة الإِخلاص رأْس الإِيمان وإِنما كان رأْس الشكر لأَن فيه إِظهار النعمة والإِشادة بها ولأَنه أَعم منه فهو شكر وزيادة"(10).
وقال الراغب: "الشكر: تصور النعمة وإظهارها، قيل وهو مقلوب عن الكشر أي الكشف، ويضاده الكفر وهو نسيان النعمة وسترها، ودابة شكور مظهرة بسمنها إسداء صاحبها إليها، وقيل أصله من عين شكري أي ممتلئة، فالشكر على هذا هو الامتلاء من ذكر المنعم عليه، والشكر ثلاثة أضرب:
الأول: شكر القلب، وهو تصور النعمة.
والثاني: شكر اللسان، وهو الثناء على المنعم.
والثالث: شكر سائر الجوارح، وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقه" (11).
وقد اختلف أهل العلم في الحمد والشكر هل بينهما فرق؟ على قولين:
القول الأول: أن الحمد والشكر بمعنى واحد، وأنه ليس بينهما فرق، واختار هذا ابن جرير الطبري وغيره.
قال الطبري: " ومعنى (الْحَمْدُ لِلَّهِ): الشكر خالصًا لله جل ثناؤه، دون سائر ما يُعبد من دونه .. "، ثم قال رحمه الله بعد ذلك:" ولا تَمانُع [أي: اختلاف] بين أهل المعرفة بلغات العرب من الحُكْم لقول القائل: "الحمد لله شكرًا " بالصحة، فقد تبيّن - إذْ كان ذلك عند جميعهم صحيحًا - أنّ الحمد لله قد يُنطق به في موضع الشكر، وأن الشكر قد يوضع موضعَ الحمد؛ لأن ذلك لو لم يكن كذلك، لما جاز أن يُقال: " الحمد لله شكرًا " (12).
القول الثاني: أن الحمد والشكر ليسا بمعنى واحد، بل بينهما فروق، ومن تلك الفروق:
أولا: أن الحمد يختص باللسان، بخلاف الشكر، فهو باللسان والقلب والجوارح.
والثاني: أن الحمد يكون في مقابل نعمة، ويكون بدونها، بخلاف الشكر لا يكون، إلا في مقابل نعمة.
قال ابن كثير رحمه الله – في معرض رده على كلام ابن جرير السابق: "وهذا الذي ادعاه ابن جرير فيه نظر؛ لأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخرين: أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية، والشكر لا يكون إلا على المتعدية، ويكون بالجنان واللسان والأركان، كما قال الشاعر (13):
أفادتكم النعماءُ مني ثلاثةً
…
يدي ولساني والضميرَ المُحَجَّبا
ولكنهم اختلفوا أيهما أعمّ الحمد، أو الشكر على قولين، والتحقيق أن بينهما عموماً وخصوصاً، فالحمد أعم من الشكر من حيث ما يقعان عليه؛ لأنه يكون على الصفات اللازمة والمتعدية، تقول حمدته لفروسيته، وحمدته لكرمه. وهو أخص لأنه لا يكون إلا بالقول، والشكر أعم من حيث ما يقعان عليه؛ لأنه يكون بالقول والفعل والنية، كما تقدم. وهو أخص؛ لأنه لا يكون إلا على الصفات المتعدية: لا يقال شكرته لفروسيته، وتقول شكرته على كرمه وإحسانه إليّ، هذا حاصل ما حرره بعض المتأخرين والله أعلم " (14).
وعلى ذلك بنى أبو هلال العسكري تفريقه بين الأمرين، قال رحمه الله: " الفرق بين الحمد والشكر: الحمد هو الثناء باللسان على الجميل، سواء تعلق بالفضائل كالعلم، أم بالفواضل كالبر، والشكر: فعل ينبئ عن
(1) تفسير البغوي: 1/ 95.
(2)
تفسير البغوي: 1/ 95.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (515): ص 1/ 108.
(4)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 108.
: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 108.
(5)
تفسير البغوي: 1/ 95.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (516): ص 1/ 108.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (517): ص 1/ 108.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (518): ص 1/ 108.
(9)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 107.
(10)
لسان العرب: 3/ 155.
(11)
المفردات للراغب: 265.
(12)
تفسير الطبري: 1/ 135.
(13)
البيت للامام الشيباني الشافعي المولود (703 هـ) المتوفى (777 هـ)، والبيت ضمن القصيدة الكبيرة الالفية المطبوعة للامام ابي عبدالله محمد الشيباني الشافعي ذكرها له صاحب كشف الظنون: 2/ 1340، وشرحها جمع من اعلام الشافعية، منهم: نجم الدين محمد بن عبدالله الاذرعي العجلوني الشافعي: المتوفى (876)، والشيخ علوان علي بن عطية الحموي الشافعي: المتوفى (936)، سماه ببديع المعاني في شرح قصيدة الشيباني، ابوالبقاء الاحمدي الشافعي سماه المعتقد الايماني على عقيدة الشيباني، والشيخ محمد بن علي بن محمد علان: المتوفى (1057) سماه: بديع المعاني ايضا.
هو محمد بن احمد بن ابي بكر بن عرام بن ابراهيم بن ياسين بن ابي القاسم بن محمد الربعي الشيباني الاسواني الاسكندراني الشافعي تقي الدين ابو عبدالله الامام المحدت الفقيه المفتي، ولد في ثامن عشر شوال سنة (703) وسمع كما في الدرر الكامنة (3/ 373) من العلا مة رشيد الدين اسماعيل بن عثمان المعروف بابن المعلم الحنفي المتوفى (724)، والحسن بن عمر الكردي ابي علي نزيل الجيزة بمصر والمتوفى بها سنة (720)، والحجار شهاب الدين ابي العباس احمد بن ابي طالب المتوفى (730)، والشريف موسى بن ابي طالب عزالدين ابي القاسم الموسوي المتوف ى بمصر سنة (715)، والعلم بن درادة، وتاج الدين بن دقيق العيداحمد بن علي المتوفى بالقاهرة وقيل بقوص سنة (723)، واحمد بن محمد بن كمال الدين المتوفى (718)، والشريف علي الزينبي، وعمر العتبي ركن الدين بن محمد القرشي المتوفى (724)، وزينب بنت احمد بن عمربن ابي بكر بن شكر المقدسي المتوفاة سنة (722)، وغيرهم. واجاز له المطعم، وابن عبد الدائم، وابن النحاس، ويحيى بن سعد، ومن مكة رضي الدين ابو اسحاق ابراهيم الطبري المكي الشافعي المتوفى سنة (722) وغيرهم. قال ابن حجر في (الدرر الكامنة: 3/ 373 رقم 986): وحدث وافتى ودرس وصنف وخرج، وتفرد باءشياء من مسموعاته، وكانت وفاته في سنة (777)، وتوجد ترجمته في شذرات الذهب، (6/ 252) وعد ممن سمع من ابن مخلوف علي بن ناهض النويري المالكي القاضي المتوفى (718). والمترجم له وان لم يوصف بالشعر فيما وقفنا عليه من ترجمته، غير ان الامام ابا عبدالله محمد الشيباني الشافعي الذي نسبت اليه القصيدة بهذه الاوصاف في المعاجم لم ينطبق الا عليه، والله العالم.
(14)
تفسير ابن كثير: 1/ 32.
تعظيم المنعم لأجل النعمة، سواء أكان نعتا باللسان، أو اعتقادا، أو محبة بالجنان، أو عملا وخدمة بالأركان، وقد جمعها الشاعر في قوله. (فذكر البيت السابق)، فالحمد أعم مطلقا، لانه يعم النعمة وغيرها، وأخص موردا إذ هو باللسان فقط، والشكر بالعكس، إذ متعلقه النعمة فقط، ومورده اللسان وغيره، فبينهما عموم وخصوص من وجه، فهما يتصادقان في الثناء باللسان على الإحسان، ويتفارقان في صدق الحمد فقط على النعت بالعلم مثلا، وصدق الشكر فقط على المحبة بالجنان لأجل الإحسان " (1).
وقال ابن القيم رحمه الله: " والفرق بينهما: أن الشكر أعم من جهة أنواعه وأسبابه، وأخص من جهة متعلقاته، والحمد أعم من جهة المتعلقات، وأخص من جهة الأسباب، ومعنى هذا: أن الشكر يكون: بالقلب خضوعا واستكانة، وباللسان ثناء واعترافاً، وبالجوارح طاعة وانقيادا، ومتعلقه: النعم دون الأوصاف الذاتية، فلا يقال: شكرنا الله على حياته وسمعه وبصره وعلمه، وهو المحمود عليها كما هو محمود على إحسانه وعدله، والشكر يكون على الإحسان والنعم، فكل ما يتعلق به الشكر يتعلق به الحمد من غير عكس، وكل ما يقع به الحمد يقع به الشكر من غير عكس، فإن الشكر يقع بالجوارح والحمد يقع بالقلب واللسان"(2).
ويقارب كلام ابن القيم ما ذكره القرطبي في تفسيره بعد أن ذكر كلام أهل العلم في الفرق بين الحمد والشكر قال: "قلت: الصحيح أن الحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان، والشكر ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان، وعلى هذا الحد قال علماؤنا: الحمد أعم من الشكر، لان الحمد يقع على الثناء وعلى التحميد وعلى الشكر، والجزاء مخصوص إنما يكون مكافأة لمن أولاك معروفا، فصار الحمد أعم في الآية لأنه يزيد على الشكر"(3).
وللعلامة أبي السعادات ابن الأثير كلاما نفيسا في الموضوع قال: "والحمد والشكر مُتَقاربان، والحمد أعَمُّها لأنَّك تحمَد الإنسان على صِفاته الذَّاتيَّة وعلى عطائه ولا تَشْكُره على صِفاته، ومنه الحديث "الحمدُ رأس الشُّكر ما شَكَر اللهَ عبْدٌ لا يَحْمَده " (4)، كما أنّ كلمة الإخْلاص رأسُ الإيمان، وإنما كان رأسَ الشُّكر لأنّ فيه إظهار النّعْمة والإشادة بها ولأنه أعم منه فهو شُكْر وزيادة"(5).
الفوائد:
1.
من فوائد الآية: سعة حلم الله عز وجل، وأنه مهما بارز الإنسان ربه بالذنوب فإن حلم الله تعالى قد يشمله، فيوفق للتوبة؛ وهؤلاء وفِّقوا لها.
2.
ومنها: أن العفو موجب للشكر؛ لقوله تعالى: {لعلكم تشكرون} ؛ وإذا كان العفو. وهو زوال النقم. موجباً للشكر فحدوث النعم أيضاً موجب للشكر من باب أولى.
القرآن
{وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53)} [البقرة: 53]
التفسير:
واذكروا نعمتنا عليكم حين أعطينا موسى الكتاب الفارق بين الحق والباطل -وهو التوراة-؛ لكي تهتدوا من الضلالة.
قوله تعالى: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ} [البقرة: 53]، "أي واذكروا نعمتي أيضاً حين أعطيت موسى التوراة الفارقة بين الحق والباطل"(6).
قال ابن عثيمين: " أي واذكروا إذ أعطينا موسى التوراة الفارق بين الحق والباطل"(7).
(1) الفروق اللغوية: 201 - 202.
(2)
مدارج السالكين: 2/ 246.
(3)
الجامع لأحكام القرآن 1/ 134.
(4)
رواه البغوي في "شرح السنة" 144/ 2، والديلمي: 2/ 103، عن عبدالرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة: أن عبدالله بن عمرو قال:
…
فذكره مرفوعا. قال الألباني: وهذا سند ضعيف، رجاله ثقات؛ لكن قتادة لم يسمع من ابن عمرو؛ كما يقتضيه قول الحاكم فيه:"لم يسمع من صحابي غير أنس". [السلسلة الضعيفة والموضوعة: 8/ 23].
(5)
النهاية في غريب الحديث والأثر: 1/ 437.
(6)
صفوة التفاسير: 1/ 50.
(7)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 83.
روي " عن قتادة في قوله: {الكتاب}، قال التوراة"(1). وهو قول جمهور المفسرين (2).
وقال مجاهد: " {الكتاب}: هو الفرقان، فرقان بين الحق والباطل"(3). وروي عن أبي العالية (4)، والربيع بن أنس (5)، نحو ذلك.
واختلف في (الواو) في قوله تعالى: {الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ} [البقرة: 53]، على وجهين (6):
أحدهما: أن (الواو) فيه زائدة. وهذا مذهب الكسائي (7)، إذ يرى: أن الفرقان نعت للكتاب، والمعنى: وإذا آتينا موسى الكتاب الفرقان، أي: الفارق بين الحلال والحرام، ثم زيدت (الواو)، كما تزاد في النعوت فيقال: فلان حسن وطويل وسخي، وأنشد (8):
إِلَى المَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الهُمَامِ
…
وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ في المُزْدَحَم
وضعّف هذا القول أبو حيان (9) وابن كثير (10).
والثاني: أن (الواو) حرف عطف، فعطف عليه وإن كان المعنى واحدًا، كما في قول عدي العبادي (11):
وقدمت الأديم لراقشيه
…
فألفى قولها كذبًا ومينا
وقال الحطيئة (12):
ألا حبذا هند وأرض بها هند
…
وهند أتى من دونها النأي والبعد
فالكذب هو المين، والنأي: هو البعد، وقال عنترة (13):
حييت من طلل تقادم عهده
…
أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
قال الزجاج: " والقول الأول هو القول، لأن الفرقان قد ذكر لموسى في غير هذا الموضع - قال الله عز وجل: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ} [الأنبياء: 48] "(14).
وَ {الْفُرْقَانَ} : الفصل بين الحق والباطل، والهدى والضلال، وكان ذلك - أيضا - بعد خروجهم من البحر، كما دل عليه سياق الكلام في سورة الأعراف، ولقوله تعالى:{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 43](15).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (520): ص 1/ 109.
(2)
أنظر: روح المعاني: 1/ 260.
(3)
أنظر: تفسير الطبري (929)، و (930)، و (931): ص 2/ 70، وتفسير ابن أبي حاتم: 1/ 109.
(4)
أنظر: تفسير الطبر (928): ص 2/ 70، وتفسير ابن أبي حاتم (521): ص 1/ 109.
(5)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 109.
(6)
انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 261.
(7)
ذكره الثعلبي في تفسيره: 1/ 196، وانظر: تفسير البغوي: 1/ 73، والكشاف: 1/ 281، وذكر الفراء نحوه ولم يعزه للكسائي، "معاني القرآن: 1/ 37.
(8)
البيت بلا نسبة في"معاني القرآن للفراء: 1/ 105، والإنصاف: 376، والخزانة: 1/ 216. والقَرْم: السيد المعظم.
(9)
انظر: البحر المحيط: 1/ 202.
(10)
تفسير ابن كثير: 1/ 261.
(11)
ديوان عدي بن زيد العبادي، تحقيق: محمد جبار المعيبد، دار الجمهورية للنشر والطبع، بغداد، 1965 م، ص 183، ويروى (وقدّمت الأديم)، والبيت ذكر في اللسان:(مين)، وقدت أي قطعت، والضمير فيه يعود على الزباء، وهي امرأة ورثت الملك عن أبيها - والأديم الجلد، ولراهشيه، أي: إلى أن وصل القطع للراهشين، وهما عرقان في باطن الذراع يتدفق الدم منهما عند القطع - والضمير في ألفى يعود على المقطوع راهشاه، وهو جذيمة الابرش، والمراد الاخبار بأن جذيمة غدرت به الزباء، وقطعت راهشيه، وسأل منه الدم حتى مات، وأنه وجد ما وعدته من تزوجه بها كذبا ومينا - وهما بمعنى واحد، واحدى الكلمتين زائدة فلا يتغير المعنى باسقاط أيهما شئت وكقول الشاعر:
ألا حبذا هند وأرض بها هند
…
وهند أتى من دونها التأى والبعد
فالنأي والبعد بمعنى واحد، ولا يتعين أحدهما للزيادة.
(12)
ديوانه، طبعة بيروت:39. وفي اللسان والصحاح والتهذيب والمقاييس 5/ 378 والأساس، بدون نسبة. و (هند): هي المخصوص بالمديح، فاعل. ولم ير الشاعر في نفسه حاجةً إلى تمييز، فاطّرحه، ولو ذكره لقال مثلاً: حبذا هندٌ امرأةً. وتأنيث الفاعل لم يغيّر من [حبذا] شيئاً، لأنه يلزم صيغة الإفراد والتذكير أبداً في كل حال.
(13)
شرح المعلقات السبع، الزوزني:130. والإقواء والإقفار: الخلاء، جمع بينهما لضرب من التأكيد، وأم الهيثم: كنية عبلة. يقول: حييت من جملة الأطلال. أن خصصت بالتحية من بينها ثم أخبر أنه قدم عهده بأهله وقد خلا عن السكان بعد ارتحال حبيبته عنه.
(14)
معاني القرآن: 1/ 134.
(15)
انظر: الطبري: 2/ 70، وتفسير ابن كثير: 1/ 261.
و (الفرقان) لغة: مصدر فرَقت بين الشيئين: أفرُق فَرْقًا وفُرْقانًا، كالرجحان والنقصان، هذا هو الأصل، ثم يسمى كل فارق: فرقانًا، كتسميتهم الفاعل بالمصدر، كما سمى كتاب الله الفرقان لفصله بحججه وأدلته بين المحقّ والمبطل، وسمى الله تعالى يوم بدر: يوم الفرقان في قوله {يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [الأنفال: 41]، لأنه فرق في ذلك اليوم بين الحق والباطل، فكان ذلك اليوم يوم الفرقان، وقوله تعالى:{إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال: 29]، أي: يفرق بينكم وبين ذنوبكم، أو بينكم وبين ما تخافون" (1).
واختلف في تفسير {الْفُرْقَانَ} [البقرة: 53]، هنا، على أربعة أوجه:
أحدها: أن {الفُرْقَانَ} : ما في التوراة من فَرْقٍ بني الحقِّ والباطلِ، فيكون ذلك نعتاً للتوراة. قاله أبو العالية (2)، ومجاهد (3)، والربيع بن أنس (4)، واختاره الفراء (5)، وارتضاه الزجاج (6)، وهو قول جمهور أهل التفسير (7).
واحتجوا من وجهين:
الأول: أن العرب تكرر الشيء إذا اختلفت ألفاظه، ومنه قول عدي بن زيد (8):
وَقدَّدَت الأَدِيَم لِرَاهِشيْه
…
وأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَينَا
فقوله (كذبًا ومينًا)، عطف (المين) على (الكذب)، وهو بمعناه.
وقال عنترة (9):
حُيِّيتَ مِنْ طَلَلٍ تَقَادَمَ عَهْدُهُ
…
أَقْوَى وَأَقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ
والثاني: أن الله تعالى ذكر لموسى الفرقان في غير هذا الموضع، وهو قوله:{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ} [الأنبياء: 48]. فعلى هذا الفرقان هو الكتاب، والكتاب هو الفرقان، ولكن ذكر بلفظين مختلفين (10)، والعطف هنا من باب عطف الصفة على الموصوف؛ والعطف يقتضي المغايرة؛ والمغايرة يكتفى فيها بأدنى شيء؛ قد تكون المغايرة بين ذاتين؛ وقد تكون المغايرة بين صفتين؛ وقد تكون بين ذات وصفة؛ فمثلاً: قوله تعالى: {خلق السماوات والأرض} [الأنعام: 1]: المغايرة بين ذاتين؛ وقوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4)} [الأعلى: 1 - 4]: المغايرة بين صفتين؛ وقوله تعالى هنا: {الكتاب والفرقان} : المغايرة بين ذات وصفة؛ فـ {الكتاب} نفس التوراة؛ و {الفرقان} صفته؛ فالعطف هنا من باب عطف الصفة على الموصوف (11).
(1) التفسير البسيط: 2/ 525، وانظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 461، تهذيب اللغة" (فرق): 3/ 2779، والصحاح:(فرق) 4/ 1540، واللسان:(فرق) 6/ 3399.
(2)
أنظر: تفسير الطبر (928): ص 2/ 70، وتفسير ابن أبي حاتم (521): ص 1/ 109.
(3)
أنظر: تفسير الطبري (929)، و (930)، و (931): ص 2/ 70، وتفسير ابن أبي حاتم: 1/ 109.
(4)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 109.
(5)
ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73 أ، وذكر الفراء في المراد بالفرقان عدة أقوال، والقول المذكور هنا أحد الأقوال. انظر "معاني القرآن" 1/ 37.
(6)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 105.
(7)
رجحه الطبري: 2/ 70، 71، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 225، "تفسير الثعلبي" 1/ 73 أ، وتفسير ابن عطية" 1/ 216، والبغوي في "تفسيره" 1/ 73، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 81، وتفسير ابن كثير" 1/ 97، ومعاني القرآن للفراء: 1/ 37، ومعاني القرآن للزجاج: 1/ 105.
(8)
في "معاني القرآن" للفراء 1/ 37، "الشعر والشعراء" ص 132، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 175، "تفسير الثعلبي" 1/ 19 أ، 73 أ، "أمالي المرتضى" 2/ 258، "المستقصى" 1/ 243، "مغني اللبيب" 2/ 357، "الهمع" 5/ 226، "معاهد التنصيص" 1/ 310، "اللسان"(مين) 7/ 4311، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 399، "الدر المصون" 1/ 358.
والبيت ضمن قصيدة قالها عدي بن زيد، في قصة طويلة مشهورة بين الزَّباء وجذيمة وردت في كتب التاريخ والأدب.
ويروي (قدمت) و (الراهش) عرق في باطن الذراع و (المين) بمعنى: الكذب، ورد البيت.
(9)
ورد البيت في "تهذيب اللغة"(شرع) 2/ 1857، "اللسان"(شرع) 4/ 2238، "تفسير الثعلبي" 1/ 73 أ، "تفسير القرطبي" 1/ 341، "الدر المصون" 1/ 358، "فتح القدير" 1/ 135، و"ديوان عنترة" ص 189.
و(الطلل): ما شخص من الدار من وتد وغيره، (تقادم): طال عهده بأهله فتغير، (أقوى): خلا من أهله.
(10)
أنظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 105، والتفسير البسيط: 2/ 526.
(11)
أنظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 183.
القول الثاني: أن {الفرقان} : النصر، الذي فرَّق الله به بين موسى وفرعون، حتى أنجى موسى وقومَهُ، وأغرق فرعون وقومهُ. قاله ابن زيد (1)، وروي عن ابن عباس (2) نحو ذلك.
ومما يعضد هذا الوجه، قول عبدالله بن رواحة، وهو يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم (3):
فَثَبَّتَ اللهُ مَا آتاكَ مِنْ حَسَنٍ
…
تَثْبِيتَ مُوسَى وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا
فعلى هذا، سمى نصره على فرعون وقومه فرقانًا (4).
وعن يمان بن رباب: " {الفرقان}: انفراق البحر وهو من عظيم الآيات، يدلّ عليه قوله تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ} "(5). وهذا الوجه أيضا يدخل ضمن القول الثاني.
القول الثالث: أن {الفرقان} : هو "علم الكتاب وتبيانه وحكمته". قاله سعيد بن جبير (6).
القول الرابع: أن {الفرقان} ، هو القرآن، وهذا قول قطرب، حكاه الزجاج عنه (7)، وعلّلوا قولهم ذلك، من وجهين:
أحدهما: أن الفرقان القرآن وأن معنى إتيانه لموسى عليه السلام، نزول ذكره له حتى آمن به، حكاه ابن الأنباري (8). وضعّفه الآلوسي وقال:"وهو بعيد"(9).
والثاني: حكي "عن الفراء وقطرب، أن الفرقان هو القرآن، والكلام على حذف مفعول، أي: ومحمدا الفرقان، لعلكم تهتدون بهذين الكتابين، فترك أحد الاسمين كقول الشاعر (10):
تَرَاهُ كَأَنَّ اللهَ يَجْدَعُ أَنْفَهُ
…
وَعَيْنَيْهِ إِنْ مَوْلاهُ ثَابَ لَهُ وَفْرُ
أراد ويفقأ عينيه، فاكتفى بـ (يجدع) من يفقأ (11).
وضعّفه الأنباري قائلا: هذا البيت لا يشاكل ما احتج به؛ لأن الشاعر اكتفى بفعل من فعل، وعلى ما ذكر في الآية اكتفى من اسم باسم، ولكنه يصح قول قطرب عندي من وجه آخر، وهو أنه لما ذكر الفرقان وهو اسم للقرآن، دل على محمد صلى الله عليه وسلم فحذف اتكالًا على علم المخاطبين (12). وكذا اعترض عليه الآلوسي وبعّده (13).
والصحيح هو قول جمهور أهل التفسير، بأن {الفرقان} هو الكتاب الذي فرق به بين الحق والباطل، وهو نعت للتوراة وصفة لها. والله أعلم.
(1) انظر: تفسير الطبري (932): ص 2/ 71.
(2)
ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 73 أ، وابن الجوزي في "زاد المسير" عن عباس وابن زيد 1/ 81، وذكر الطبري نحوه عن ابن زيد 1/ 285، وذكره أبو الليث في "تفسيره" ولم يعزه 1/ 354، وكذا ابن عطية في "تفسيره" 1/ 295.
(3)
ديوانه: 159. وانظر: طبقات ابن سعد" 3/ 528، "سيرة ابن هشام" 3/ 428، "سير أعلام النبلاء" 1/ 234، و"الاستيعاب" 3/ 35، "الدر المصون" 1/ 591، "البحر المحيط" 2/ 311، 227، 6/ 84.
(4)
أنظر: التفسير البسيط: 2/ 527.
(5)
ذكره الثعلبي في تفسير: 1/ 197، والبغوي: في تفسيره: 1/ 73، وحكاه الواحدي عن الزجاج عن يمان بن رباب، ولم أجد هذا القول في "معاني القرآن" للزجاج، وممن نسبه للزجاج ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 81، وهذا القول ذكره الفراء في "المعاني" 1/ 37، وأبو الليث في "تفسيره" 1/ 354، انظر:"تفسير ابن عطية" ونسبه لابن زيد 1/ 295، "تفسير القرطبي" 1/ 341.
(6)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (522): ص 1/ 109.
(7)
أنظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 197، وهو قول للفراء كما في المعاني 1/ 37، وانظر:"أمالي المرتضى" 2/ 259، "تفسير ابن عطية" 1/ 296، "زاد المسير" 1/ 81، "البحر المحيط" 1/ 202.
(8)
قول ابن الأنباري ذكره المرتضى في "أماليه" 2/ 260.
(9)
روح المعاني: 1/ 260.
(10)
البيت ينسب إلى خالد بن الطيفان، ونسبه بعضهم إلى الزبرقان بن بدر، ورد البيت في "الزاهر" 1/ 119، و"أمالي المرتضى" 2/ 259، 375، "تفسير الثعلبي" 1/ 73 أ، "الخصائص" 2/ 431، "الإنصاف" 1/ 406، "اللسان" (جدع) 1/ 567. والوفر: المال الكثير الوافر.
(11)
أنظر: تفسير الثعلبي: 1/ 73، ووذكره الزجاج في "المعاني" 1/ 104، 105، وهو قول للفراء كما في المعاني 1/ 37، وانظر:"أمالي المرتضى" 2/ 259، "تفسير ابن عطية" 1/ 296، "زاد المسير" 1/ 81، "البحر المحيط" 1/ 202، والتفسير البسيط: 2/ 528، وروح المعاني: 1/ 260.
(12)
ذكره المرتضى في "أماليه" 2/ 260.
(13)
روح المعاني: 1/ 260.
قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} ، "أي لكي تهتدوا بالتدبر فيها والعمل بما فيها من أحكام"(1).
قال الطبري: " لتهتدوا بها، وتتبعوا الحق الذي فيها"(2).
روي "عن سعيد بن جبير في قول الله عز وجل: {لعلكم}، يعني (لكي) "(3).
قال ابن عثيمين: " أي لعلكم تهتدون بهذا الكتاب الذي هو الفرقان؛ لأن الفرقان هدى يهتدي به المرء من الضلالة، و {تهتدون} أي هداية العلم، والتوفيق؛ فهو نازل للهداية؛ ولكن من الناس من يهتدي، ومنهم من لا يهتدي "(4).
قال الثعلبي: أي: "لهذين الكتابين، فترك أحد الاسمين، كقول الشاعر (5):
تراه كأن الله يجدع أنفه
…
وعينيه إن مولاه بات له وفر" (6)
ويطلق لفظ التوراة (7): على الشريعة المكتوبة، كما يطلق لفظ التلمود: على الشريعة الشفهية. وأما لفظ العهد القديم: فيطلق على مجموعة الأسفار التي كتبت قبل عهد المسيح عليه السلام والتي تضم الأسفار التي جاء بها موسى وأنبياء بني إسرائيل وسميت كذلك -العهد القديم- للتميز بينها وبين العهد الجديد، الذي يزعمون أن الرب قطعه مع بني إسرائيل على يد المسيح عيسى عليه السلام (8).
وإن من المعلوم أن التوراة الموجودة الآن بين يدي اليهود والنصارى محرفة (9)، ومن خلال دراسة تاريخ التوراة يتبين لنا أن هذه الأسفار من صنع أجيال متعددة، وأن فترة التدوين بدأت من عهد عزرا
(1) صفوة التفاسير: 1/ 50.
(2)
تفسير الطبري: 2/ 72.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (523): ص 1/ 109.
(4)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 183.
(5)
لم أتعرف على قائله، والبيت في لسان العرب: 8/ 41، وتفسير الثعلبي: 1/ 197.
(6)
تفسير الثعلبي: 1/ 197.
(7)
التوراة التاء فيه مقلوب، وأصله من الورى، بناؤها عند الكوفيين: ووراة تفعلة (قال في اللسان: التوراة عند أبي العباس تفعلة، وعند الفارسي فوعلة، قال: لقلة تفعلة في الأسماء وكثرة فوعلة)، وقال بعضهم: هي تفعلة نحو تنفلة (انظر: معاني القرآن للزجاج 1/ 374. والتنفلة: أنثثى الثعلب)، وليس في كلامهم تفعلة اسما. وعند البصريين وورية، هي فوعلة نحو حوصلة. قال تعالى:{إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور} [المائدة/44]، {ذلك مثلهم في التوراة، ومثلهم في الإنجيل} [الفتح/29](انظر: مفردات ألفاظ القران، الراغب: 121).
(8)
المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم لمحمد البار ص (111).
(9)
وأما تحريف التوراة، فإليك الأدلة على ذلك:
1 -
أدلة من القرآن الكريم:
لقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز وعلى لسان رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، ما يدل على تحريف اليهود لكتابه الذي أنزله إليهم، وأنهم أضافوا وبدلوا منه الشيء الكثير، حتى لم يبقى في كتابهم المزعوم شيء مما أنزل الله على موسى عليه السلام ومن الآيات التي تخبرنا بذلك:
خاطب الله رسوله والصحابة رضوان الله عليهم بقوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 75].
وقال تعالى مخبراً عن تحريفهم للكتاب ومتوعداً لهم بالعقاب {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79].
وقال تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78].
وفي هذه الآيات دلالة على أنهم أدخلوا في كلام الله ما ليس منه، وافتروا على الله الكذب بأن نسبوا إليه سبحانه مالم يقله وهم يعلمون ذلك فجورا منهم وجراءة على الله تعالى.
كما أخبرنا تعالى بأنهم قد أخفوا وكتموا ما عندهم من الحق يقول تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 71]، وقال تعالى {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 46]، وغيرها من الآيات التي يخبرنا بها القرآن الكريم عن كتابهم وأنه لم يسلم من أيدي المحرفين.
2 -
أدلة من التوراة نفسها
والأمثلة على وقوع التحريف في التوراة كثيرة نذكر بعضاً منها:
أولاً- الاختلاف في عدد الأسفار:
مما هو معلوم أن بين يدي اليهود والنصارى ثلاث نسخ مشهورة من التوراة والعهد القديم، ومن هذه النسخ تتفرع سائر الترجمات تقريباً وهي:
النسخة العبرية: وهي المقبولة والمعتبرة لدى اليهود وجمهور علماء البروستانت وهي مأخوذة من الماسورية.
النسخة اليونانية: وهي المعتبرة لدى النصارى الكاثوليك، والأرثوذكس وهي التي تسمى السبعينية.
النسخة السامرية: وهي المعتبرة والمقبولة لدى اليهود السامريين.
وإذا عقدنا مقارنة بين هذه النسخ الثلاثه من ناحية عدد الأسفار نجد أن النسخة العبرية تسعة وثلاثون سفراً فقط.
أما النسخة اليونانية فهي ستة وأربعون سفراً حيث تزيد سبعة أسفار عن النسخة العبرية ويعتبرها النصارى الكاثوليك والأرذثوكس مقدسة.
أما النسخة السامرية فلا تضم إلا أسفار موسى الخمسة فقط وقد يضمون إليها سفر يوشع فقط وما عداه فلا يعترفون به ولا يعدونه مقدساً.
فهذا الاختلاف الهائل بين النسخ لكتاب واحد والكل يزعم أنه موحى به من الله، ويدعي أن كتابه هو الحق وما عداه هو الباطل! !
ثانيا- الاختلاف والتباين بين معلومات النسخ المدونة:
فإذا عقدنا مقارنة بين النسخ الثلاثة فيما اتفقت في ذكره من أخبار وقصص نجد يبنهما تبايناً شديداً واختلافاً كبيراً ومن ذلك:
1 -
أن اليهود ذكروا تاريخ مواليد بني آدم إلى نوح عليه السلام، ونصوا على عمر كل واحد منهم، وكذلك عمره حين ولد له أول مولود، وبعقد مقارنة بين أعمار من ذكروا حين ولد لهم أول مولود تتبين اختلافات واضحة بين النسخ الثلاثة:
فعمر آدم في نسخةِ العبرانية والسامرية 130 بينما عند النسخة اليونانية 230.
وعمر شيث في نسخةِ العبرانية والسامرية 105 بينما اليونانية 205.
وعمر آنوش في نسخةِ العبرانية والسامرية 90 بينما اليونانية 190.
فهذا دليل على تحريفهم لكلام الله إن ثبت أن ما سبق هو كلام الله المنزل حيث لا يمكن الجمع بين الروايات المتناقضة
2 -
ورد في سفر التكوين والتثنية والعدد ما يقرر أن الأبناء يؤخذون بذنب الآباء، بينما في سفر حزقيال ما يعارض هذا من أن الأبناء لا يحملون ذنب الآباء.
3 -
في نسخة العبرانية من الزبور وردت عبارة (لم يعصوا كلامه) بينما في النسخة اليونانية (وقد عصوا كلامه).
وعن تباين النسخ واختلافها يقول ابن القيم الجوزية رحمه الله: "وقولهم ان نسخ التوراة متفقة في شرق الأرض وغربها كذب ظاهر فهذه التوراة التي بأيدى النصارى تخالف التوراة التي بأيدي اليهود والتي بأيدي السامرة تخالف هذه وهذه وهذه نسخ الإنجيل يخالف بعضها بعضا ويناقضه فدعواهم أن نسخ التوراة والإنجيل متفقة شرقا وغربا من البهت والكذب الذي يرجونه على أشباه الأنعام حتى أن هذه التوراة التي بأيدي اليهود فيها من الزيادة والتحريف والنقصان ما لا يخفى على الراسخين في العلم وهم يعلمون قطعا ان ذلك ليس في التوراة التي أنزلها الله على موسى". [هداية الحيارى لابن القيم الجوزية (48)].
ثالثا- الاختلاف بالمقارنة مع ما ذكروه في مواضع أخرى من نفس السفر:
1 -
فنجد أنهم في سفر التكوين يذكرون أن سفينة نوح استقرت بعد الطوفان على جبال أراراط بعد سبعة أشهر وسبعة عشر يوما، ثم ذكروا أن رؤوس الجبال بعد الطوفان لم تظهر إلا في أول الشهر العاشر:"واستقر الفلك في الشهر السابع في اليوم االسابع عشر من الشهر على جبال أراراط وكانت المياه تنقص نقصاً مواليا إلى الشهر العاشر وفي الشهر العاشر في أول الشهر ظهرت رؤس الجبال". [الإصحاح 8 من سفر التكوين ص (6)].
ففي هذا تناقض ظاهر فكيف رست السفينة على الجبال بعد سبعة أشهر مع أن رؤوس الجبال لم تظهر ألا في أول الشهر العاشر! !
2 -
ذكروا في سفر الخروج أن موسى عليه السلام رأى الله "ويكلم الرب موسى وجها لوجه كما يكلم الرجل صاحبه". [الإصحاح 33 من سفر الخروج ص (72)].
فهم هنا يزعمون أن الكلام يتم مقابلة مما يوحي بأن موسى عليه السلام يرى وجه الله تعالى حين يكلمه، وفي نص آخر من نفس السفر بعد هذا يقولون إن الله قال لموسى لما طلب أن يراه (لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش". [الإصحاح 33 من سفر الخروج ص (72)]. وفي هذا تناقض واضح.
والحق كما جاء في القرآن الكريم أن موسى عليه السلام لم ير الله عز وجل قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143].
3 -
ذكروا في سفر التكوين أن الله تعالى قال لإبراهيم عليه السلام" خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق واذهب إلى أرض المريا وأصعده هناك محرقة على أح الجبال"[الإصحاح 22 من سفر التكوين ص (16).]، فلاشك أن هذا خطأ، لأن إسحاق عليه السلام لم يكن وحيد إبراهيم عليه السلام بل الذي كان وحيده هو بكره إسماعيل عليه السلام، حيث نص اليهود في كتابهم على أن إسماعيل عليه السلام ولد قبل إسحاق عليه السلام حيث ختن وعمره ثلاث عشرة سنة ولم يكن إسحاق ولد بعد وفي هذا قالوا (وكان إسماعيل ابن ثلاث عشرة سنة حين ختن في لحم غرلته، في ذلك اليوم عينه ختن إبراهيم وإسماعيل ابنه". [الإصحاح 17 من سفر التكوين ص (11).وأنظر: اليهودية ص (269 - 270) ،ودراسات في الأديان اليهودية والنصرانية للخلف ص (96 - 98 - 99 - 100 - 101)].
رابعاً- ذكر وفاة موسى عليه السلام:
فنجد أن سفر التثنية يخبرنا بوفاة موسى عليه السلام وعمره (فمات هنا موسى عبد الرب في أرض موآب حسب قول الرب ودفنه في الجواء في أرض موآب مقابل بيت فخور، ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم .. وكان موسى ابن مائة وعشرين سنة حين مات ولم تكل عينه ولا ذهبت نضارته .. ". [الإصحاح 34 من سفر التثنية ص (170)].
ويقول الإمام ابن حزم رحمه الله معلقاً على هذا النص: هذه آخر توراتهم وتمامها، وهذا الفصل شاهد عدل، وبرهان تام، ودليل قاطع، وحجة صادقة في أن توراتهم مبدلة، وأنها تاريخ مؤلف كتبه لهم من تخرص بجهله، أو تعمد بفكره، وأنها غير منزلة من عند الله تعالى، إذ لا يمكن أن يكون هذا الفصل منزلاً على موسى في حياته .. وبيان أنه تاريخ ألف بعد دهر طويل ولابد". [الفصل في الملل والأهواء لابن حزم (1/ 186) ،وأنظر: دراسات في اليهودية والمسيحية لمحمد الأعظمي ص (132).].
وغيرها من التحريفات التي أمتلئ بها كتابهم المقدس ذكرنا بعضاً منها هنا على سبيل الذكر لا الحصر.
وقد تعددت أنواع التحريف في التوراة، إذ يفصل بعض العلماء في أنواع التحريف الذي قام به أحبار اليهود في التوراة، ويستدلون على ذلك بما ورد في القرآن الكريم من آيات تخبر بذلك، وهذه الأنواع هي:
أولا: تحريف بالتبديل.
ثانيا: تحريف بالزيادة
ثالثا: تحريف بالنقصان
رابعا: تحريف بتغيير المعنى دون اللفظ
وهذه الأنواع تكون بعدة أمور منها:
أ- إلباس الحق بالباطل والباطل بالحق: وفي هذا قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 71].
يقول ابن عباس رضي الله عنه: (لا تخلطوا الحق بالباطل والصدق بالكذب)، ومن ذلك أنهم كانوا يكتبون في التوراة ما ليس فيها ومثاله اتهام هارون عليه السلام بأنه الذي صنع العجل وأمرهم بعبادتهم.
ب- كتمان الحق وإخفاءه: يقول تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 42]، ومن كتمانهم للحق إنكارهم لصفة الرسول صلى الله عليه وسلم في التوراة، وهم يعرفونه كما يعرفون أبنائهم {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146]
وقد كتموا حكم رجم الزاني والزانية ولكن الله فضحهم على يد حبرهم حين أسلم الصحابي الجليل عبد الله بن سلام رضي الله عنه وأظهر حكم التوراة وهو الرجم.
ج- تحريف الكلام عن مواضعه: بوضع كلمة مكان كلمة وهذا هو تحريف التبديل، وقد يكون بإسقاط كلمة وهو تحريف النقص، أو بزيادة كلمه وهو تحريف الزيادة، ومن قرأ كتابه وجده ملئ بذلك وفي هذا قال تعالى:{مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 46].
د- ليّ اللسان: وهو أن يقولوا كلمة ظاهرها حسن وباطنها سيئ، ومثاله قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم (واسمع غير مسمع) وقولهم (راعنا) وظاهر الكلام حسن وباطنه سيئ حيث يتهمونه صلى الله عليه وسلم بالرعونة وإنك تُسمع قوماً لا يسمعونك لتفاهة كلامك، ومن ذلك أيضاً أنهم إذا سلموا على الرسول لى الله عليه وسلم قالوا:"السام عليكم"[ينظر: المدخل لدراسة التوراة والعهدالقديم ص (120 - 121 - 122)]، قال تعالى:{وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78].
ومن ليهم باللسان أن الله أمرهم إذا دخلوا القرية أن يقولوا حطة، لكي يغفر الله لهم خطاياهم فقالوا حنطة، قال تعالى:{فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [البقرة: 59]. [انظر: العهد القديم عند اليهود، أ. د. سليمان بن قاسم العيد ورفعة العنزي، جامعة الملك سعود كلية التربية، قسم الثقافة الأسلامية، مسار العقيدة: (بحث منشور في الشبكة الألكترونية)].
واستمرت بعده، وأن الكهنة كانوا يعتمدون على ما سمعوه وما تلقاه الخلف عن السلف من أخبار وأساطير وأقوال، وكثيراً ما كان الكهنة يكتبون ما يجيش بصدورهم أو مايأملونه على أنه حقيقة واقعة، أو تاريخ سابق.
الفوائد:
1 من فوائد الآية: أن إنزال الله تعالى الكتب للناس من نعمه، وآلائه؛ بل هو من أكبر النعم؛ لأن الناس لا يمكن أن يستقلوا بمعرفة حق الخالق؛ بل ولا حق المخلوق؛ ولذلك نزلت الكتب تبياناً للناس.
2 ومنها: أن موسى صلى الله عليه وسلم نبي رسول، لأن الله تعالى آتاه الكتاب.
3 ومنها: فضيلة التوراة؛ لأنه أُطلق عليها اسم {الكتاب} ؛ و "أل" هذه للعهد الذهني؛ فدل هذا على أنها معروفة لدى بني إسرائيل، وأنه إذا أُطلق الكتاب عندهم فهو التوراة؛ أيضاً سماها الله تعالى الفرقان، كما سمى القرآن الفرقان؛ لأن كلا الكتابين أعظم الكتب، وأهداهما؛ لقوله تعالى:{قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما} [القصص: 49]. يعني التوراة، والإنجيل. {أتبعه إن كنتم صادقين} [القصص: 49]؛ ودل هذا على أن التوراة مشاركة للقرآن في كونها فرقاناً؛ ولهذا كانت عمدة الأنبياء من بني إسرائيل، كما قال تعالى:{إنا أنزلنا التوراة فيها هدًى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء} [المائدة: 44].
4 ومن فوائد الآية: بيان عتوّ بني إسرائيل، وطغيانهم؛ لأنه إذا كانت التوراة التي نزلت عليهم فرقاناً، ثم هم يكفرون هذا الكفر دلّ على زيادة عتوهم، وطغيانهم؛ إذ من نُزِّل عليه كتاب يكون فرقاناً كان يجب عليه بمقتضى ذلك أن يكون مؤمناً مذعناً.
5 ومنها: أن الله. تبارك وتعالى. يُنزل الكتب، ويجعلها فرقاناً لغاية حميدة حقاً. وهي الهداية؛ لقوله تعالى:(لعلكم تهتدون)
6 ومنها: أن من أراد الهداية فليطلبها من الكتب المنزلة من السماء. لا يطلبها من الأساطير، وقصص الرهبان، وقصص الزهاد، والعباد، وجعجعة المتكلمين، والفلاسفة، وما أشبه ذلك؛ بل من الكتب المنَزلة من السماء.
فعلى هذا ما يوجد في كتب الوعظ من القصص عن بعض الزهاد، والعباد، ونحوهم نقول لكاتبيها، وقارئيها: خير لكم أن تبدو للناس كتاب الله عز وجل، وما صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم وتبسطوا ذلك، وتشرحوه، وتفسروه بما ينبغي أن يفهم حتى يكون ذلك نافعاً للخلق؛ لأنه لا طريق للهداية إلى الله إلا ما جاء من عند الله عز وجل.
7 ومن فوائد الآية: إثبات الأسباب، وتأثيرها في مسبَّباتها؛ وبسط ذلك مذكور في كتب العقائد.
8 ومنها: أن الإيتاء المضاف إلى الله سبحانه وتعالى يكون كونياً، ويكون شرعياً؛ مثال الكوني قوله تعالى:{وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة} [القصص: 76]؛ ومثال الشرعي قوله تعالى: {وآتينا موسى الكتاب} [الإسراء: 2].
القرآن
التفسير:
واذكروا نعمتنا عليكم حين قال موسى لقومه: إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل إلهًا، فإنه أعظم الظلم، فتوبوا إلى الله الذي خلقكم وأبدعكم: وهذه التوبة بأن يَقْتل بعضكم بعضًا، فمن قتل فحي يرزق ومن بقي قبلت توبته وطهرهم الله بذلك، وهذا خير لكم عند خالقكم من الخلود الأبدي في النار، فامتثلتم ذلك، فمنَّ الله عليكم بقَبول توبتكم، إنه تعالى هو التواب لمن تاب مِن عباده، الرحيم بهم.
قال الآلوسي: وهذه " نعمة أخروية في حق المقتولين من بني إسرائيل، حيث نالوا درجة الشهداء، كما أن العفو نعمة دنيوية في حق الباقين، وإنما فصل بينهما بقوله: {وَإِذْ آتَيْنا} إلخ، لأن المقصود تعداد النعم- فلو اتصلا لصارا نعمة واحدة- وقيل: هذه الآية وما بعدها منقطعة عما تقدم من التذكير بالنعم- وليس بشيء-"(1).
قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ} [البقرة: 54]، " أي واذكروا إذ قال موسى لقومه (2).
قال الثعلبي: أي: " الذين اتخذوا العجل"(3) وكذا قاله البغوي (4)، والواحدي" (5).
قال الآلوسي: " و (اللام) في {لِقَوْمِهِ}، للتبليغ، وفائدة ذكره التنبيه على أن خطاب مُوسى لِقَوْمِهِ كان مشافهة لا بتوسط من يتلقى منه- كالخطابات المذكورة سابقا لبني إسرائيل"(6).
قوله تعالى: {يَا قَوْمِ} [البقرة: 54]، "أي يا أصحابي"(7).
قال ابن عثيمين: "وناداهم بوصف القومية تحبباً، وتودداً، وإظهاراً بأنه ناصح لهم؛ لأن الإنسان ينصح لقومه بمقتضى العادة"(8).
وسمي الرجال قوما، "لأنهم يقومون بما لا يقوم به النساء"(9).
(1) روح المعاني: 1/ 260.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 186.
(3)
تفسير الثعلبي: 1/ 197،
(4)
تفسير البغوي: 1/ 96.
(5)
التفسير البسيط: 2/ 528.
(6)
روح المعاني: 1/ 260.
(7)
تفسير ابن عثيمين: 1/! 86.
(8)
تفسير ابن عثيمين: 1/! 86.
(9)
روح المعاني: 1/ 260.
واختلف في اختصاص (القوم) بالرجال دون النساء، على قولين:
أحدهما: المشهور اختصاص (القوم) بالرجال: فالقوم: "اسم جمع لا واحد له من لفظه وإنما واحده أمريء وقياسه أن لا يجمع وشذ جمعه على أقاويم والمشهور إختصاصه بالرجال"(1) أي الجماعة من الرجال دون النساء، قال الله تعالى:{لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ} [الحجرات: 11]، ولما كان لفظ قوم مختصا بالرجال لأنهم القوم على النساء، أفرد النساء بالذكر فقال:{وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ} [الحجرات: 11] ومنه قول زهير (2):
وما أدري وسوف إخال أدري
…
أقوم آل حصن أم نساء
يعني: أرجال هم أم نساء؟ فعبر عن الرجال بالقوم، و (قوم) جمع (قائم) كصوم جمع صائم، والقائم بالأمور هم الرجال فعلى هذا الأقوام الرجال لا النساء، وسموا قوماً لأنهم هم الذين يقومون بالأمور:{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء: 34]، فهم يقومون بالأمور، ويتولون الحروب والقيادة. وغير ذلك (3)، وقال تعالى:{وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} [الأعراف: 80]، أراد الرجال دون النساء (4).
والثاني: وقيل: لا إختصاص له بهم بل يطلق على النساء أيضا، قال الله تعالى:{إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ} [نوح: 1] وكذا كل نبي مرسل إلى النساء والرجال جميعا (5).
والقول الأول أصوب، وإنما إندراج النساء يكون على سبيل "الإستتباع والتغليب"(6)، وإن الإناث قد يدخلن فيه بحكم التبع إذا اقترن بما يدل على ذلك.
وفي إقبال موسى على قومه بالنداء ونداؤه لهم بـ (ياقوم)، إيذان بالتحنن عليهم وأنه منهم وهم منه وهز لهم لقبولهم الأمر بالتوبة بعد تقريعهم بأنهم ظلموا أنفسهم بعبادة العجل (7).
قوله تعالى: {يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54]، أي:" ضررتم بأنفسكم"(8).
قال ابن عثيمين: أي" نقصتم أنفسكم حقها؛ لأن "الظلم" في الأصل بمعنى النقص، كما قال الله تعالى: {كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً} [الكهف: 33] أي لم تنقص"(9).
قوله تعالى: {بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 54]، "أي بسبب اتخاذكم العجل إلها تعبدونه من دون الله"(10).
وهذا العجل سبق أنه عجل من ذهب، وأن الذي فتن الناس به رجل يقال له: السامري (11).
و(العجل)، لفظة عربية، اسم لولد البقرة (12).
وقال قوم: "سمي عجلا لأنه استعجل قبل مجيء موسى عليه السلام"(13). قال ابن عطية: " وليس هذا القول بشيء"(14).
واختلف في (العجل) هل بقي من ذهب؟ ، فقال الجمهور بأنه بقي من ذهب (15)، وقال الحسن بن أبي الحسن:"صار لحما ودما"(16).
(1) تفسير الالوسي: 1/ 259.
(2)
ديوان زهير شرح الأعلم: 73، والبيت ورد في: اللسان والتهذيب والصحاح والمقاييس: 5/ 43، شرح المصنف: 2/ 377، مغني اللبيب: 41، 139، 398، وهمع الهوامع: 1/ 5454.
(3)
انظر: تفسير السمعاني: 5/ 221، وتفسير الرازي: 28/ 214.
(4)
أنظر: روح المعاني: 1/ 260.
(5)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 400، وتفسير الشوكاني: 1/ 86. وتفسير البيضاوي: 5/ 217.
(6)
أنظر: روح المعاني: 1/ 260.
(7)
انظر: روح المعاني: 1/ 260.
(8)
تفسير الثعلبي: 1/ 197، وانظر: تفسير البغوي: 1/ 96.
(9)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 186.
(10)
تفسير ابن عثيمين: 1/! 86.
(11)
أنظر: تفسير ابن عثيمين: 1/! 86.
(12)
أنظر: اللسان (عجل): ص 11/ 429، و (حشب): 1/ 317.
(13)
المحرر الوجيز: 1/! 45.
(14)
المحرر الوجيز: 1/! 45.
(15)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 145.
(16)
المحرر الوجيز: 1/ 145.
قال ابن عطية: والأول أصح" (1).
قوله تعالى: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُم} [البقرة: 54]، "أي ارجعوا إليه من معصيته إلى طاعته"(2).
قال أبو العالية: "أي: إلى خالقكم"(3).
وكذلك فسره سعيد بن جبير والربيع بن أنس (4).
قال الطبري: أي: " ارجعوا إلى طاعة خالقكم، وإلى ما يرضيه عنكم"(5).
قال البيضاوي: "فاعزموا على التوبة والرجوع إلى من خلقكم براءٍ من التفاوت، ومميزاً بعضكم عن بعض بصور وهيئات مختلفة"(6).
قال المراغي: "أي فاعزموا على التوبة إلى من خلقكم وميّز بعضكم من بعض بصور وهيئات مختلفة، وفي قوله {إلى بارئكم}، إيماء إلى أنهم بلغوا غاية الجهل، إذ تركوا عبادة البارئ وعبدوا أغبى الحيوان وهو البقر"(7).
قال أبو حيان: " {توبوا إلى بارئكم}، أي منشئكم وموجدكم من العدم، إذ موجد الأعيان هو الموجد حقيقة. وأما عمل العجل واتخاذه فليس فيه إبراز الذواب من العدم، إنما ذلك تأليف تركيبي لا خلق أعيان، فنبهوا بلفظ الباري على الصانع، أي الذي أوجدكم هو المستحق للعبادة، لا الذي صنعه، مصنوع مثله، فلذلك، والله أعلم، كان ذكر الباري هنا"(8).
و(الفاء) في قوله تعالى: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} [البقرة: 54]، "لأن الظلم سبب التوبة"(9).
و(البارئ): الخالق المعتني بخلقه؛ وهو من: برأ الله الخلق يبرؤه فهو بارئ، و (البرية): الخلق، وهي (فعيلة) بمعنى (مفعولة)، غير أنها لا تهمز، كما لا يهمز (ملك) وهو من (لأك)، لكنه جرى بترك الهمزة كذلك قال نابغة بني ذبيان (10):
إلا سليمان إذ قال المليك له
…
قم في البرية فاحدُدْها عن الفَنَد
وقد قيل: إن (البرية) إنما لم تهمز لأنها (فعيلة) من (البَرَى)، والبَرَى: التراب، فكأن تأويله على قول من تأوله كذلك أنه مخلوق من التراب، وقال بعضهم: إنما أخذت (البرية) من قولك: بريت العود، فلذلك لم يهمز (11).
وقد قال الزمخشري كلاما نفيسا في اختصاص ذكر البارئ هنا، فقال: " فإن قلت: من أين اختص هذا الموضع بذكر البارئ؟ قلت: البارئ هو الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت {ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ} [الملك: 3]، ومتميزا بعضه من بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة، فكان فيه تقريع بما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم بلطف حكمته على الأشكال المختلفة أبرياء من التفاوت والتنافر، إلى عباد البقرة التي هي مثل في الغباوة والبلادة. - في أمثال العرب: أبلد من ثور - حتى عرضوا أنفسهم لسخط
اللَّه ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم، وينثر ما نظم من صورهم وأشكالهم، حين لم يشكروا النعمة في ذلك، وغمطوها بعبادة من لا يقدر على شيء منها" (12).
(1) المحرر الوجيز: 1/ 145.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 186.
(3)
أخرجه الطبري (946): ص 2/ 78.
(4)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 110.
(5)
تفسير الطبري: 2/ 78.
(6)
تفسير البيضاوي: 1/ 81.
(7)
تفسير المراغي: 1/ 121.
(8)
البحر المحيط: 1/ 173.
(9)
الدر المصون: 1/ 367، وانظر: روح المعاني: 1/ 260.
(10)
ديوانه: 29، من قصيدته التي قالها يذكر النعمان ويعتذر إليه، وقبل البيت:
ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه
…
ولا أحاشي من الأقوام من أحد
حَدَدْتُ فلانا عن الشر: منعته وحبسته. والفند: الخطأ في الرأى وفي القول.
(11)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 78 - 79.
(12)
الكشاف: 1/ 140 - 141.
واختلفت القراءة في {بارِئِكُمْ} [البقرة: 54]، على ثلاثة وجوه (1):
أحدها: قرأ الجمهور: {بارئكم} ، بإظهار الهمزة وكسرها.
والثاني: وقرأ أبو عمرو: «بارئْكم» بإسكان الهمزة، وروي عنه الاختلاس.
ومنع المبرد التسكين في حركة الإعراب، وزعم أن قراءة أبي عمرو لحن (2).
قال أبو حيان: "وما ذهب إليه (3) ليس بشيء، لأن أبا عمرو لم يقرأ إلا بأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولغة العرب توافقه على ذلك، فإنكار المبرد لذلك منكر "(4)، ومن ذلك قول الشاعر (5):
فاليوم أشرب غير مستحقب
…
إثماً من الله ولا واغل
وقول جرير (6):
سيروا بني العمّ فالأهواز منزلكم
…
ونهر تيرا ولا تعرفكم العرب
ومن ذلك قول وضاح اليمن (7):
إنما شعري شهد
…
قد خلط بالجلجلان
والثالث: وقرأ الزهريّ: {باريكم} ، بكسر الياء من غير همز، وروي ذلك عن نافع (8).
قال أبو حيان: ولهذه القراءة تخريجان (9):
أحدهما: أن الأصل الهمزة، وأنه من برأ، فخففت الهمزة بالإبدال المحض على غير قياس، إذ قياس هذا التخفيف جعلها بين بين.
والثاني: أن يكون الأصل باريكم، بالياء من غير همز، ويكون مأخوذاً من قولهم: بريت القلم، إذا أصلحته، أو من البري: وهو التراب، ثم حرك حرف العلة، وإن كان قياسه تقديراً لحركة في مثل هذا رفعاً وجراً، وقال الشاعر (10):
ويوماً توافينا الهوى غير ماضي
وقال آخر (11):
ولم تختضب سمر العوالي بالدم
وقال آخر (12):
خبيث الثرى كأبي الأزيد
(1) أنظر: الحجة للقراء السبعة: 2/ 76 - 77.
(2)
أنظر: البحر المحيط: 1/ 173، وكذا الأخفش، اعترض على جزم الهمزة، فقال: " وقد زعم قوم انها تجزم ولا أرى ذلك الا غلطا منهم، سمعوا التخفيف فظنوا انه مجزوم والتخفيف لا يفهم الا بمشافهة* ولا يعرف في الكتاب
…
والاسكان في {بارئْكُم} على البدل لغة الذين قالوا: "أَخْطَيْت" وهذا لا يعرف". [معاني القرآن: 1/ 89].
(3)
أي المبرد في منعه التسكين في حركة الإعراب، وزعمه أن قراءة أبي عمرو لحن.
(4)
البحر المحيط: 1/! 74.
(5)
رجز لأبي نخيلة وبعده: بالدوّ أمثال السفين العوّم
انظر سيبويه 2/ 297 والخصائص 1/ 75 و 317 اللسان (عوم)، والحجة للقراء السبعة: 2/ 80.
(6)
ديوانه/ 48 - وفيه: فلم تعرفكم العرب.
نهر تيرى: نهر قديم نواحي الأهواز حفره أردشير ملك الفرس.
(7)
البيت في الضرائر لابن عصفور: ص/ 87 وعبث الوليد: ص/ 315 وفي اللسان (جلل) مع اختلاف في الرواية. وانظر شرح أبيات المغني: 8/ 37.
وهو وضاح بن إسماعيل بن عبد كلال أحد أبناء الفرس الّذين قدموا مع وهرز الفارسي فقتلوا الحبشة وأقاموا بصنعاء، وكان شاعرا ظريفا غزلا جميلا، فعشقته أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان زوجة الوليد بن عبد الملك، فقتله الوليد (انظر نوادر المخطوطات: أسماء المغتالين 2/ 273).
(8)
نقلا عن: البحر المحيط: 1/ 203.
(9)
أنظر: البحر المحيط: 1/ 203.
(10)
البيت لجرير، أنظر: ديوانه: 2/ 140، وصدره: ويوما ترى منهم غولا تغوّلُ. وانظر: الكتاب: 3/ 314، ونوادر أبي زيد: 203، والمقتضب: 3/ 354، والخصائص: 3/ 159.
(11)
عزاه السمين في الدر المصون: 1/ 365، لأبي طالب، وصدره: كذبتم وبيت الله نبزي محمدا.
(12)
البيت لجرير، في ديوانه: 2/ 834، وصدره: وعرق الفرزدق شر العروق، وانظر: همع الهوامع: 1/ 210، والدر اللوامع: 1/ 167.
قال أبو حيان: "وهذا كله تعليل شذوذ"(1).
قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54]، أي:"ليقتل البريء المجرم"(2).
قال ابن عباس ومجاهد: " قام بعضهم إلى بعض بالخناجر يقتل بعضهم بعضا لا يحن رجل على رجل قريب ولا بعيد"(3).
قال ابن عثيمين: أي: "ليقتل بعضكم بعضاً"(4).
واختلف في تفسير قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} (5)[البقرة: 54] على ثلاثة أوجه (6):
أحدها: قيل معناه: أنهم قاموا صفين، يقتل بعضهم بعضا (7)، قاله ابن عباس (8)، وسعيد بن جبير (9)، ومجاهد (10)، وقتادة (11)، والحسن (12)، وأبو عبدالرحمن (13).
وقالوا: إنما عبر بقتل النفس، لأن المؤمن أخو المؤمن فكأنه هو نفسه (14)، فقد روي عن أبي عبدالرحمن، أنهم " عمدوا إلى الخناجر، فجعل يطعن بعضهم بعضا"(15)، "حتى قيل لهم كُفوا. قال قتادة:"كانت شهادة للمقتول وتوبة للحي"(16).
واعترض القاضي عبدالجبار أن يكون الله قد أمر بني اسرائي بقتل أنفسهم، وقد ردّ الآلوسي على اعتراضه (17).
والثاني: وقيل معناه البخع، فقوله {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}: أى فابخعوها واجعلوها مطية ذلولا للعقل والإرادة، واقطعوا شهواتها، والتعبير عن ذلك بقتل النفس، لأن النفس الفاجرة الضالة إذا فطمت عن الشهوات كأنها
(1) البحر المحيط: 1/ 203.
(2)
تفسير الثعلبي: 1/ 198.
(3)
أنظر: تفسير الطبري (935): ص 2/ 72.
(4)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 178.
(5)
الفرق بين الفاءات الثلاثة في الآية: إن الفاء في قوله تعالى (فتوبوا) للسبب لأن الظلم سبب التوبة، في حين أن الفاء في قوله تعالى (فاقتلوا) للتعقيب، لأن القتل من تمام التوبة فمعنى قوله:[فتوبوا] أي فأتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم، والفاء في قوله تعالى (فتاب عليكم) فاء الفصيحة، أي: المفصحة عن محذوف تقديره: فامتثلتم فتاب عليكم. (انظر: تفسير النيسابوري: 1/ 412).
(6)
انظر: تفسير الكشاف: 1/ 140.
(7)
قاله أبو العالية، أنظر: تفسير الطبري (940): ص 2/ 75، وابن عباس، أنظر: تفسير الطبري (943): ص 2/ 76 - 77، ووري عن قتادة نحوه، انظر: تفسير الطبري (943): ص 2/ 76.
(8)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (527): ص 1/ 110.
(9)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (528): ص 1/ 110.
(10)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (529): ص 1/ 110.
(11)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (529): ص 1/ 110، والطبري (942): ص 2/ 76.
(12)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (530): ص 1/ 110.
(13)
تفسير الطبري (934): 2/ 73، وانظر: الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور: د. حكمت بن بشير بن ياسين: 1/ 162.
(14)
فالأمة الواحدة المجتمعة على شيء ينزلون منزلة النفس الواحدة، ومن ذلك:
- قوله تعالى (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: على من في البيت.
- وقوله تعالى (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) أي: لا يلمز بعضكم بعضاً.
- وقوله تعالى (لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً) أي: ظنوا بإخوانهِم خيراً.
- وقوله تعالى (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) أي: إخوانكم.
(15)
تفسير الطبري (934): 2/ 73، وانظر: الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور: د. حكمت بن بشير بن ياسين: 1/ 162.
(16)
أخرجه الطبري (942): ص 2/ 76. وانظر: تفسير ابن كثير: 1/ 262. وروى النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم، من حديث يزيد بن هارون، عن الأصبغ بن زيد الوراق عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال الله تعالى: إن توبتهم أن يقتل كل واحد منهم كل من لقي من ولد ووالد، فيقتله بالسيف، ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن. فتاب أولئك الذين كانوا خفي على موسى وهارون ما اطلع الله من ذنوبهم، فاعترفوا بها، وفعلوا ما أمروا به فغفر الله تعالى للقاتل والمقتول. (سنن النسائي الكبرى برقم: 11326).
(17)
أنظر: روح المعاني: 1/ 261، يقول الآلوسي: "وأنكر القاضي عبد الجبار أن يكون الله تعالى أمر بني إسرائيل- بقتل أنفسهم- وقال: لا يجوز ذلك عقلا- إذ الأمر لمصلحة المكلف- وليس بعد القتل حال تكليف ليكون فيه مصلحة، ولم يدر هذا القاضي بأن لنفوسنا خالقا- بأمره نستبقيها، وبأمره نفنيها- وأن لها بعد هذه الحياة التي هي لعب ولهو، حياة سرمدية وبهجة أبدية.
وإن الدار الآخرة لهي الحيوان، وأن قتلها بأمره يوصلها إلى حياة خير منها، ومن علم أن الإنسان في هذه الدنيا- كمجاهد أقيم في ثغر يحرسه، ووال في بلد يسوسه- وأنه مهما استرد فلا فرق بين أن يأمره الملك بخروجه بنفسه، أو يأمر غيره بإخراجه- وهذا واضح لمن تصور حالتي الدنيا والآخرة، وعرف قدر الحياتين والميتتين فيهما".
قتلت، وحلت محلها النفس الطاهرة اللوامة التى تقهر الشهوات قهرا، والشرور دائما من الأهواء والشهوات، واستعمال القتل والبخع بالنسبة للنفوس، وإرادة غير الظاهر كثير فى كلام العرب، وفى القرآن كقوله تعالى:{لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3]، وإن هذا النص الكريم يشير إلى أن التوبة النصوح التى يقبلها الله تعالى، ويغفر بها الذنوب توجب قهر الشهوات والأهواء وقتل منابعها فى النفس (1).
ومن ذلك قول حسان (2):
إن التي ناولتني فرددتها
…
قُتِلَتْ قُتِلْتَ فهاتها لم تقتل
ذكر الآلوسي هذا القول، وعقب عليه قائلا:"ولولا أن الروايات على خلاف ذلك لقلت به تفسيرا"(3).
والثالث: وقيل: أمر من لم يعبد العجل أن يقتلوا العبدة، أي يقتلُ البريءُ المجرمَ، "وكان السببُ في امتحانِهم بذلك: أنهُ كان فيهم من عَرَفَ بطلانَ عبادة العجلِ؛ إلا أنَّهم لم يَنْهَوا الآخرين لخشيةِ وقوع القتلِ فيما بينهم، فابتلاهم اللهُ بما تركُوا النهيَ عن المنكر لأجلهِ" (4).
وجمهور المفسرين أخذوا بظاهر اللفظ وهو (القتل)، إذ هو الأقرب إلى الصواب، وذلك لوجود الروايات التي تؤكد ذلك (5). والله أعلم.
قد واختلفوا فيمن خوطب بقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54]، على ثلاثة أوجه (6):
أحدها: أنه خطاب للكل. قاله السدي عن أشياخه (7).
والثاني: أنه خطاب لمن لم يعبد ليقتل من عبد. قاله مقاتل (8).
والثالث: أنه خطاب للعابدين فحسب، أمروا أن يقتل بعضهم بعضا. قاله أبو سليمان الدمشقي (9).
واختلف المفسرون: هل هذا القتل وقع في ظلمة، أم وقع جهاراً بدون ظلمة؟ ، فذكروا فيه وجهين (10):
الأول: أنهم لما أمروا بذلك قالوا: لا نستطيع أن يقتل بعضنا بعضاً وهو ينظر إليه: ينظر الإنسان إلى ابنه، فيقتله، وإلى أبيه، وإلى صديقه! هذا شيء لا يطاق؛ فألقى الله تعالى عليهم ظلمة، وصار يقتل بعضهم بعضاً، ولا يدري مَن قتل (11).
والثاني: وقيل: بل إنهم قتلوا أنفسهم جهراً بدون ظلمة.
والقول الثاني أقرب إلى الصواب، لأن ظاهر القرآن أنه لم تكن هناك ظلمة، وأنهم أمروا أن يقتل بعضهم بعضاً عِياناً، وهذا أبلغ في الدلالة على صدق توبتهم، ورجوعهم إلى الله سبحانه وتعالى.
(1) انظر: زهرة التفاسير، الإمام محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، بيروت- لبنان، : 1/ 243 - 235.
(2)
ديوانه: ص 75، 76، وانظر: خزانة الأدب: 4/ 385.
(3)
روح المعاني: 1/ 261.
(4)
تفسير الطبراني: 1/ 39.
(5)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 74 ومابعدها. ومن تلك الروايات، قال الطبري:" وحدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما رجع موسى إلى قومه قال: (يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا) إلى قوله: (فكذلك ألقى السامري) [طه: 86 - 87]. فألقى موسى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه (قَالَ يَاابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) [طه: 94]. فترك هارون ومال إلى السامري، ف (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ) إلى قوله: (ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا) [طه: 95 - 97] ثم أخذه فذبحه، ثم حرقه بالمبرد، ثم ذراه في اليم، فلم يبق بحر يجري يومئذ إلا وقع فيه شيء منه. ثم قال لهم موسى: اشربوا منه. فشربوا، فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب. فذلك حين يقول: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ) [البقرة: 93]. فلما سقط في أيدي بني إسرائيل حين جاء موسى، ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا: " لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ". فأبى الله أن يقبل توبة بني إسرائيل، إلا بالحال التي كرهوا أن يقاتلهم حين عبدوا العجل، فقال لهم موسى:(يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم). قال: فصفوا صفين، ثم اجتلدوا بالسيوف. فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قتل من الفريقين شهيدا، حتى كثر القتل، حتى كادوا أن يهلكوا حتى قتل بينهم سبعون ألفا، وحتى دعا موسى وهارون: ربنا هلكت بنو إسرائيل! ربنا البقية البقية! ! فأمرهم أن يضعوا السلاح، وتاب عليهم. فكان من قتل شهيدا، ومن بقي كان مكفرا عنه. فذلك قوله:(فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم). (انظر: تفسيره: 2/ 74 - 75).
(6)
أنظر: زاد المسير: 1/ 82.
(7)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (533): ص 1/ 111. ولفظه: " فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف .. ".
(8)
نقلا عن زاد المسير: 1/ 82، وأخرج الطبري نحوه عن ابن عباس، انظر: تفسير الطبري (936): ص 2/ 73.
(9)
نقلا عن زاد المسير: 1/ 82.
(10)
انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 109.
(11)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 74.
قال أبو حيان: " وفي ذلك من الاتعاظ والاعتبار ما يوجب مبادرة الازدجار عن مخالفة الملك القهار، وانظر إلى لطف الله بهذه الملة المحمدية، إذ جعل توبتها في الإقلاع عن الذنب، والندم عليه، والعزم على عدم المعاودة إليه"(1).
واختلف في نوع (الفاء) في قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [البقرة: 54]، على وجهين (2):
أحدهما: أنها سببية، وأن الله تعالى جعل توبتهم قتل أنفسهم.
والثاني: أنها للتعقيب، والمعنى فأتبعوا التوبة القتل، تتمة لتوبتكم.
قال أبو حيان: "وقد أنكر في المنتخب كون القتل يكون توبة وجعل القتل شرطاً في التوبة، فأطلق عليه مجازاً، كما يقال للغاصب إذا قصد التوبة: توبتك رد ما غصبت، يعني أنه لا تتم توبتك إلا به، فكذلك هنا"(3).
وقرأ قتادة: {فأقيلوا أنفسكم} ، من الإقالة، أي استقيلوا العثرة بالتوبة (4). قال الآلوسي:"والمعنى أن أَنْفُسَكُمْ قد تورطت في عذاب الله تعالى بهذا الفعل العظيم الذي تعاطيتموه، وقد هلكت- فأقيلوها- بالتوبة والتزام الطاعة، وأزيلوا آثار تلك المعاصي بإظهار الطاعات"(5).
قوله تعالى: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُم} [البقرة: 54]، "أي ما ذكر من التوبة والقتل أنفع لكم عند الله من العصيان والإصرار على الذنوب لما فيه من العذاب"(6).
قال سعيد بن جبير: {خَيْرٌ لَكُمْ} ، " يعني: أفضل" (7).
قال البيضاوي: " من حيث إنه طهرة من الشرك، ووصلة إلى الحياة الأبدية والبهجة السرمدية"(8).
قوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} } [البقرة: 54]، " أي قبل توبتكم"(9).
قال الطبري: أي"رَجَعَ لكم ربكم إلى ما أحببتم: من العفو عن ذنوبكم وعظيم ما ركبتم، والصفح عن جرمكم"(10).
قوله تعالى: {إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 54]، "أي عظيم المغفرة واسع التوبة"(11).
قال الطبري: أي" الراجع لمن أناب إليه بطاعته إلى ما يحب من العفو عنه. ويعني ب " الرحيم "، العائد إليه برحمته المنجية من عقوبته"(12).
قال المراغي: " أي إنه هو الذي يكثر توفيق المذنبين للتوبة ويقبلها منهم، وهو الرّحيم بمن ينيب إليه ويرجع، ولولا ذلك لعجل بإهلاككم على ما اجترحتم من عظيم الآثام"(13).
وقال ابن عثيمين: " {التواب} أي كثير التوبة: لكثرة توبته على العبد الواحد، وكثرة توبته على التائبين الذين لا يحصيهم إلا الله، فهو يتوب في المرات المتعددة على عبده، ويتوب على الأشخاص الكثيرين الذين تكثر توبتهم؛ و {الرحيم} أي ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء"(14).
(1) البحر المحيط: 1/ 175.
(2)
أنظر: الدر المصون: 1/ 367، والبحر المحيط: 1/ 175.
(3)
البحر المحيط: 1/ 175، وقال هـ 1 اأيضا الرازي في تفسيره: 3/ 80.
(4)
تفسير الثعلبي: 1/! 98.
(5)
روح المعاني: 1/ 261.
(6)
تفسير المراغي: 1/ 121.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (531): ص 1/ 110.
(8)
تفسير البيضاوي: 1/ 81.
(9)
صفوة التفاسير: 1/ 50.
(10)
تفسير الطبري: 2/ 79.
(11)
صفوة التفاسير: 1/ 50.
(12)
تفسير الطبري: 2/ 79.
(13)
تفسير المراغي: 1/ 121.
(14)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 188.
قال الآلوسي: قوله {إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} ، " تذييل لقوله تعالى:{فَتُوبُوا} ، فإن التوبة بالقتل- لما كانت شاقة على النفس هونها سبحانه بأنه هو الذي يوفق إليها ويسهلها ويبالغ في الإنعام على من أتى بها، أو تذييل لقوله تعالى:{فَتابَ عَلَيْكُمْ} " (1).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: أنه ينبغي للداعي إلى الله أن يستعمل الأسلوب الذي يجذب إليه الناس، ويعطفهم عليه؛ لقوله تعالى حكاية عن موسى:{يا قوم} ؛ فإن هذا لا شك فيه من التودد، والتلطف، والتحبب ما هو ظاهر.
2 ومنها: أن اتخاذ الأصنام مع الله ظلم؛ لقوله: {إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل} .
3 ومنها: أن المعاصي ظلم للنفوس؛ وجه ذلك: أن النفس أمانة عندك؛ فيجب عليك أن ترعاها بأحسن رعاية، وأن تجنبها سوء الرعاية؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص:"إن لنفسك عليك حقا (2) ً".
4 ومنها: أنه ينبغي التعبير بما يناسب المقام؛ لقوله: {فتوبوا إلى بارئكم} ؛ لأن ذكر "البارئ" هنا كإقامة الحجة عليهم في أن العجل لا يكون إلهاً؛ فإن الذي يستحق أن يكون إلهاً هو البارئ. أي الخالق سبحانه وتعالى.
5 ومنها: وجوب التوبة؛ لقوله: [فتوبوا إلى بارئكم].
6 ومنها: أن التوبة على الفور؛ لقوله: {فتوبوا} ؛ لأن الفاء للترتيب، والتعقيب.
7 ومنها: إثبات الأسباب، وتأثيرها في مسبباتها؛ لقوله {باتخاذكم}: فإن الباء هنا للسببية.
8 ومنها: أنه ينبغي للداعي إلى الله أن يبين الأسباب فيما يحكم به؛ لقوله: {إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل} .
9 ومنها: سفاهة بني إسرائيل، حيث عبدوا ما صنعوا وهم يعلمون أنه لا يرجع إليهم قولاً، ولا يملك لهم ضراً، ولا نفعاً.
10 ومنها: ما وضع الله تعالى على بني إسرائيل من الأغلال، والآصار، حيث كانت توبتهم من عبادة العجل أن يقتل بعضهم بعضاً؛ لقوله:{فاقتلوا أنفسكم} .
11 ومنها: أن الأمة كنفس واحدة؛ وذلك لقوله: {فاقتلوا أنفسكم} ؛ لأنهم ما أُمروا أن يقتل كل واحد منهم نفسه؛ بل يقتل بعضهم بعضاً؛ ونظير ذلك قوله تعالى: {ولا تلمزوا أنفسكم} [الحجرات: 11] أي لا يلمز بعضكم بعضاً؛ وعبر عن ذلك بـ "النفس"؛ لأن الأمة شيء واحد؛ فمن لمز أخاه فكمن لمز نفسه
12 ومنها: تفاضل الأعمال؛ لقوله: {ذلكم خير لكم عند بارئكم} .
13 ومنها: أن الله سبحانه وتعالى يتوب على التائبين مهما عظم ذنبهم؛ لقوله تعالى: {فتاب عليكم} .
14 ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله. وهما {التواب} ، و {الرحيم}؛ وإثبات ما تضمناه من صفة. وهي: التوبة، والرحمة؛ وإثبات ما تضمناه من صفة باقترانهما. لا تكون عند انفراد أحدهما؛ لأنه لما اقترنا حصل من اجتماعهما صفة ثالثة. وهي: الجمع بين التوبة التي بها زوال المكروه، والرحمة التي بها حصول المطلوب.
15 ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يتعرض لما يقتضيه هذان الاسمان من أسماء الله؛ فيتعرض لتوبة الله، ورحمته؛ فيتوب إلى ربه سبحانه وتعالى، ويرجو الرحمة؛ وهذا هو أحد المعاني التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أحصاها". أي أسماء الله التسعة والتسعين. "دخل الجنة"(3)؛ فإن من إحصائها أن يتعبد الإنسان بمقتضاها.
القرآن
(1) روح الماني: 1/ 262.
(2)
أخرجه البخاري ص 154، كتاب الصوم، باب 51: من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع
…
، حديث رقم 1968.
(3)
اخرجه البخاري ص 219، كتاب الشروط، باب 18: ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار
…
، حديث رقم 2736؛ وأخرجه مسلم ص 1144، كتاب الذكر والدعاء، باب 2: في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها، حديث رقم 6810 [6]2677.
التفسير:
واذكروا إذ قلتم: يا موسى لن نصدقك في أن الكلام الذي نسمعه منك هو كلام الله، حتى نرى الله عِيَانًا، فنزلت نار من السماء رأيتموها بأعينكم، فقَتَلَتْكم بسبب ذنوبكم، وجُرْأتكم على الله تعالى.
قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى} [البقرة: 55]، "أي: واذكروا أيضاً يا بني إسرائيل إذ قلتم يا موسى" (1).
قال ابن عثيمين: " والخطاب لمن كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن إنعامه على أول الأمة إنعام على آخرها؛ فصح توجيه الخطاب إلى المتأخرين مع أن هذه النعمة على من سبقهم"(2).
قوله تعالى: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ} [البقرة: 55]، "أي لن ننقاد، ولن نصدق، ولن نعترف لك بما جئت به"(3).
قوله تعالى: {حَتَّى نَرَى اللَّهَ} [البقرة: 55]" أي حتى نرى الله علانية"(4).
و(جَهْرَةً): أي "معاينة بلا ساتر بيننا وبينه، وأصل الجهر من الكشف"(5)، يقال "فلان يجاهر بالمعاصي أيْ لا يسْتتِر من الناس منها بشيءٍ"(6)، ويقال: قد جاهر فلان بهذا الأمر مجاهرة وجهارا، " إذا أظهره لرأي العين وأعلنه (7)، كما قال الفرزدق بن غالب (8):
من اللائي يظل الألف منهررر
…
منيخًا من مخافته جهارا
ومنه قول الشاعر (9):
يجهر أجواف المياه السّدم
…
وانتحابها على الحان
وقيل المعنى (جهرة) أنه صفة لقولهم، أي: جهروا بذلك القول.
وفي القائلين لموسى ذلك قولان (10):
القول الأول: أنهم السبعون المختارون، فلما صار يكلم موسى ربه ويكلمه الله، قالوا {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} (11).
(1) تفسير ابن عثيمين: 1/ 191.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 191.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 191.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 52.
(5)
تفسير الثعلبي: 1/ 199.
(6)
معاني القرآن للزجاج: 1/ 137.
(7)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 80.
(8)
ديوانه: 443، والنقائض: 255، يهجو جريرا، وقبل البيت:
عوى، فأثار أغلب ضيغميا
…
فويل ابن المراغة! ما استثارا
قوله " عوى " يعني جريرا. وقوله " من اللائي "، أصله: من اللائين. و " اللاؤون " جمع " الذي " من غير لفظه، بمعنى " الذين ". وفيه لغات: اللاؤون، في الرفع، واللائين، في الخفض والنصب. واللاؤو، بلانون، واللائي، بإثبات الياء في كل حال. يستوى فيه الرجال والنساء، ومنه قول عباد بن طهفة، وهو أبو الربيس، شاعر أموي:
من النفر اللائي الذين إذا همو
…
يهاب اللئام حلقة الباب قعقعوا
وأجاز أبو الربيس أن يجمع بين " اللائي " و " الذين "، لاختلاف اللفظين، أو على إلغاء أحدهما. قول الفرزدق:" من اللائي "، يعني: من الذين. ثم قطع القول وحذف، لدلالة الكلام على ما أراد، كأنه قال: هو من الذين عرفت يا جرير. ثم استأنف فقال: يظل الألف منه .. ، والضمير في " منه " عائد إلى قوله:" أغلب ضيغميا "، هو الأسد، ويعني نفسه. والألف: يعني ألف رجل. وقوله: " منيخا ": أي قد أناخ " الألف " ركابهم من مخافته، وقد قطع عليهم الطريق. هذا، ورواية النقائض والديوان:" نهارا " مكان " جهارا " جاء تفسيرها في النقائض: " قال: نهارا، ولم يقل: ليلا، لأن الأسد أكثر شجاعته وقوته بالليل. فيقول: هذا الأسد يظل الألف منه منيخا بالنهار، فكيف بالليل! ". رواية الطبري: " جهارا " قريبة المعنى من رواية من روى " نهارا ". وهم يقولون: لقيته جهارا نهارا. لأن النهار يكشف كل شيء ويعلنه ويجهره. أي أناخوا يرونه وهم يرونه رأى العين، وذلك في النهار.
(9)
سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ابن هشام الحميري-: 2/ 377، والسدم: الندم، والبيت من شواهد الثعلبي في تفسيره: 1/ 199.
(10)
انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 264.
(11)
وقد اختلف في وقت اختيارهم:
1 -
حكى أكثر المفسرين أن ذلك بعد عبادة العجل، اختارهم ليستغفروا لبني إسرائيل.
2 -
وحكى النقاش وغيره أنه اختارهم حين خرج من البحر وطلب بالميعاد.
والأول أصح.
القول الثاني: أنه لما رجع موسى من ميقات الله، وأنزل عليه التوراة، وجاء بها قالوا: ليست من عند الله {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} .
وقوله {جَهْرَةً} [البقرة: 55]، فيه وجهان من القراءة (1):
أحدهما: {جَهْرَةً} ، بجزم الهاء. قرأ بها الجمهور.
والثاني: {جَهَرَةً} ، بفتح الهاء، قرأ بها ابن عباس، قرأ سهل بن شعيب وحميد بن قيس، "وهي لغة مسموعة عند البصريين فيما فيه حرف الحلق ساكنا قد انفتح ما قبله، والكوفيون يجيزون فيه الفتح وإن لم يسمعوه"(2).
قال الثعلبي: : وهما لغتان، مثل زهره وزهره " (3).
قوله تعالى: {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ} [البقرة: 55]، أي فأهلكهم الله بالصاعقة، عقاباً (4).
قال الواحدي: " يعني ما تصعقون منه، أي: تموتون"(5).
قال البغوي: " أي الموت"(6).
قال الثعلبي: " وهي نار جاءت من السماء فأحرقتهم جميعا"(7).
قال ابن عثيمين: " يعني الموت الذي صعقوا به"(8).
قال الصابوني: "أي أرسل الله عليهم ناراً من السماء فأحرقهم"(9).
قال الزجاج: " معنى الصاعقة ما يُصْعقون منه، أيْ يموتون، فأخذتهم الصاعقة فماتوا"(10).
قال المراغي: " أي فأخذت الصاعقة من قال ذلك"(11).
واختلف في مُوسى هل أصابه ما أصابهم؟ ، وللعلماء فيه قولان:
الأول: أن الخطاب لم يتناول موسى-عليه السلام. قاله الجمهور، وهو الصحيح (12)، وذللك لوجهين (13):
أحدهما: أنه خطاب مشافهة فلا يحب أن يتناول موسى عليه السلام.
الثاني: أنه لو تناول موسى لوجب تخصيصه بقوله تعالى في حق موسى: فلما أفاق مع أن لفظة الإفاقة لا تستعمل في الموت.
والقول الثاني: إن موسى عليه السلام قد مات، قاله ابن قتيبة (14). وهو خطأ لما بيّناه في القول الأول. والله أعلم.
وفي قوله تعالى: {الصَّاعِقَةُ} [البقرة: 55}، وجهان من القراءة (15):
أحدهما: {الصعقة} ، بغير ألف، قرأ بها عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.
والثاني: وقرأ الباقون {الصَّاعِقَةُ} بالألف.
قال الثعلبي: "وهما لغتان"(16).
قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} [البقرة: 55]، "أي ما حلّ بكم"(17).
(1) أنظر: تفسير الثعلبي: 1/ 199، والمحرر الوجيز: 1/ 147.
(2)
المحرر الوجيز: 1/! 47.
(3)
تفسير الثعلبي: 1/ 199.
(4)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 404.
(5)
التفسير البسيط: 2/ 540.
(6)
تفسير البغوي: 1/ 97.
(7)
تفسير الثعلبي: 1/ 199.
(8)
تفقسير ابن عثيمين: 1/ 192.
(9)
صفوة التفاسير: 1/ 52.
(10)
معاني القرآن: 1/ 137.
(11)
تفسير المراغي: 1/ 122.
(12)
أنظر: مفاتيح الغيب: 3/ 521، وروح المعاني: 1/ 263.
(13)
أنظر: مفاتيح الغيب: 3/ 521.
(14)
نقلا عن: مفاتيح الغيب: 3/ 521.
(15)
أنظر: تفسير الثعلبي: 1/! 99.
(16)
تفسير الثعلبي: 1/ 199.
(17)
صفوة التفاسير: 1/ 52.
قال عروة بن رويم: "فصعق بعضكم وبعض ينظرون"(1).
قال الطبري: " وأنتم تنظرون إلى الصاعقة التي أصابتكم"(2).
قال البغوي: " أي ينظر بعضكم إلى بعض حين أخذكم الموت"(3).
قال ابن عطية: أي: "إلى حالكم .. حتى أحالهم العذاب وأزال نظرهم "(4).
قال الماوردي: أي: "ما نزل بكم من الموت"(5).
قال ابن عثيمين: " أي ينظر بعضكم إلى بعض حين تتساقطون"(6).
وقال المراغي: " والباقون ينظرون بأعينهم"(7) موت من طلب رؤية الله جهرة.
وللمفسرين في (الصاعقة) التي أخذتهم قولان (8):
أحدهما: أنها هي الموت. وهو قول الحسن (9) وقتادة (10)، والربيع (11).
واحتجوا عليه بقوله تعالى: {فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} [الزمر: 68][الزمر: 68].
قال الرازي: "وهذا ضعيف لوجوه (12):
أحدها: قوله تعالى: فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ولو كانت الصاعقة هي الموت لامتنع كونهم ناظرين إلى الصاعقة.
وثانيها: أنه تعالى قال في حق موسى: وخر موسى صعقا [الأعراف: 143] أثبت الصاعقة في حقه مع أنه لم يكن ميتا لأنه قال: فلما أفاق والإفاقة لا تكون عن الموت بل عن الغشي.
وثالثها: أن الصاعقة وهي التي تصعق وذلك إشارة إلى سبب الموت.
ورابعها: أن ورودها وهم مشاهدون لها أعظم في باب العقوبة منها إذا وردت بغتة وهم لا يعلمون. ولذلك قال: {وأنتم تنظرون} ، منبها على عظم العقوبة.
القول الثاني: أن الصاعقة هي سبب الموت، ولذلك قال تعالى في سورة الأعراف:{فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} [الأعراف: 155].
ومن ثم اختلفوا هؤلاء في سبب الموت أي شيء كان، على أربعة أوجه (13):
أحدها: أن نارا وقعت من السماء، فأحرقتهم. قاله السدي (14).
وثانيها: صيحة جاءت من السماء. قاله مروان بن الحكم (15).
وثالثها: أرسل الله تعالى جنودا سمعوا بخسها فخروا صعقين ميتين يوما وليلة.
ورابعها: أخذتهم الرجفة، وهي الصاعقة، فماتوا جميعا. قاله غبن إسحاق (16).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (542): ص 1/ 112.
(2)
تفسير الطبري: 2/ 84.
(3)
تفسير البغوي: 1/ 97.
(4)
المحرر الوجيز: 1/ 147.
(5)
النكت والعيون: 1/ 123.
(6)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 192.
(7)
تفسير المراغي: 1/ 122.
(8)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 82 - 83، ومفاتيح الغيب: 3/ 521.
(9)
نقلا عن: مفاتيح الغيب: 3/ 521.
(10)
أنظر: تفسير الطبري (951): ص 2/ 82، وابن أبي حاتم (538): ص 1/ 112.
(11)
أنظر: تفسير الطبري (952): ص 2/ 82، وتفسير ابن أبي حاتم (539): ص 1/ 112.
(12)
أنظر: مفاتيح الغيب: 3/ 521.
(13)
أنظر: تفسير الطبري: 2/ 82 - 83، ومفاتيح الغيب: 3/ 521.
(14)
أنظر: الطبري (953): ص 2/ 82 - 83. تفسير ابن أبي حاتم (540): ص 1/ 112.
(15)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (541): ص 1/ 112.
(16)
أنظر: تفسير الطبري (954): ص 2/ 83.
و (الصاعقة) هي "الصوت الشديد من الجو، ثم يكون منها نار فقط، أو عذاب، أو موت، وهي في ذاتها شيء واحد، وهذه الأشياء تأثيرات منها"(1)، و"الصاعة والصاقعة يتقاربان، وهما الهدة الكبيرة، إلا أن الصقع يقال في الأجسام الأرضية، والصعق في الأجسام العلوية.
وقال بعض أهل اللغة: الصاعقة على ثلاثة أوجه (2):
أحدها: الموت، كقوله:{فصعق من في السموات ومن في الأرض} [الزمر /68]، وقوله:{فأخذتهم الصاعقة} [النساء/153].
والثاني: العذاب، كقوله:{أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} [فصلت /13].
والثالث: النار، كقوله:{أنذرتكم الصواعق فيصيب بها من يشاء} [الرعد/13].
وقال الإمام الطبري: "وأصل (الصاعقة) كل أمر هائل رآه (المرء) أو عاينه أو أصابه، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب، وإلى ذهاب عقل وغمور فهم، أو فقد بعض آلات الجسم صوتا كان ذلك أو نارا، أو زلزلة، أو رجفا، ومما يدل على أنه قد يكون مصعوقا وهو حي غير ميت، قول الله عز وجل:{وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} [الأعراف: 143]، يعني مغشيا عليه، ومنه قول جرير بن عطية (3):
وهل كان الفرزدق غير قرد
…
أصابته الصواعق فاستدارا
فقد علم أن موسى لم يكن حين غشي عليه وصعق ميتا، لأن الله جل وعز أخبر عنه أنه لما أفاق قال:(تبت إليك)[الأعراف: 143]- ولا شبه جرير الفرزدق وهو حي بالقرد ميتا" (4).
وقد ذكر الطبري مجموعة من الروايات عن سبب قيلهم لموسى ما أخبر الله جل وعز عنهم أنهم قالوا له، من قولهم:{لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} ، وهي روايات غير صحيحة الإسناد (5)، والصواب من القول فيه أن يقال: "إن الله جل ثناؤه قد أخبر عن قوم موسى أنهم قالوا له: {يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} ، كما أخبر عنهم أنهم قالوه. وإنما أخبر الله عز وجل بذلك عنهم الذين خوطبوا بهذه الآيات، توبيخا لهم في كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد قامت حجته على من احتج به عليه، ولا حاجة لمن
(1) مفردات غريب القرآن، الراغب:449.
(2)
أنظر: مفردات غريب القرآن، الراغب:449.
(3)
ديوانه: 281، والنقائض: 251 وبعده في هجاء الفرزدق، وهو من أشده:
وكنت إذا حللت بدار قوم
…
رحلت بِخَزْيَةٍ وتركت عارا
وما أشد ما قال! وقال في النقائض في شرح البيت: " ولغته - يعني جريرا - الصواقع. فاستدار: أي استدار إنسانا بعد أن كان قردا ". وكأنه أخطأ المعنى، فإنه أراد أنه مسخ قردا على هيئته التي كان عليها قبل أن يكون إنسانا. فقوله:" استدار ": عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع:" إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض " أي عاد كما بدأ. فهو يقول: كان الفرزدق في أصل نشأته قردا، ثم تحول إنسانا، فلما أصابته صواعق شعري عاد كما كان في أصل نشأته قردا صريحا.
(4)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 82 - 83.
(5)
منها: ما رواه عن محمد بن إسحاق قال: " لما رجع موسى إلى قومه، ورأى ما هم فيه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحرق العجل وذراه في اليم، اختار موسى منهم سبعين رجلا الخيِّر فالخيِّر، وقال: انطلقوا إلى الله عز وجل، فتوبوا إليه مما صنعتم، وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم؛ صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم. فقال له السبعون - فيما ذكر لي - حين صنعوا ما أمرهم به، وخرجوا للقاء ربه: يا موسى، اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا، قال: أفعل. فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود غمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا. وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه. فضرب دونه الحجاب. ودنا القوم، حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل، ولا تفعل. فلما فرغ إليه من أمره، انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم، فقالوا لموسى:(لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة)، فأخذتهم الرجفة - وهي الصاعقة -[فافتلتت أرواحهم] فماتوا جميعا، وقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول: رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي! قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما تفعل السفهاء منا؟ أي: إن هذا لهم هلاك، اخترت منهم سبعين رجلا الخير فالخير، أرجع إليهم وليس معي منهم رجل واحد! فما الذي يصدقوني به أو يأمنوني عليه بعد هذا؟ (إنا هدنا إليك). فلم يزل موسى يناشد ربه عز وجل ويطلب إليه، حتى رد إليهم أرواحهم، فطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم. [انظر: تفسيره (957): ص 2/ 86 - 87].
قال الإمام الطبري بعد أن ذكر الروايات: " فهذا ما روي في السبب الذي من أجله قالوا لموسى: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} ولا خبر عندنا بصحة شيء مما قاله من ذكرنا قوله في سبب قيلهم ذلك لموسى، تقوم به حجة فيسلم له". [تفسيره: 2/ 89].
انتهت إليه إلى معرفة السبب الداعي لهم إلى قيل ذلك. وقد قال الذين أخبرنا عنهم الأقوال التي ذكرناها، وجائز أن يكون بعضها حقا كما قال" (1).
وتجدر الإشارة بأن أهل السنة والجماعة أجمعوا بأن رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة ممكنة وقد جاء الوعد بها صريحا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاويه ما نصه "نعم رؤية الله بالأبصار هي للمؤمنين في الجنة وهي أيضا للناس في عرصات القيامة كما تواترت بها الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: "إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب" (2) إلى أن قال: "وهذه الأحاديث وغيرها في الصحاح وقد تلقاها السلف والأئمة بالقبول واتفق عليها أهل السنة والجماعة وإنما يكذبها أو يحرفها الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة والرافضة ونحوهم الذين يكذبون بصفات الله تعالى وبرؤيته وغير ذلك وهم المعطلة شرار الخلق والخليقة" (3).
وقد اختلف الناس فى مسألة رؤية الله تعالى عياناً فى الآخرة على ثلاثة مذاهب: -
أولاً: مذهب نفات الرؤية:
ذهب المعتزلة والجهمية ومن تبعهم من الخوارج والإمامية وبعض الزيدية وبعض المرجئة، إلى نفي رؤية الله تعالى عياناً في الدنيا والآخرة، وقالوا: باستحالة ذلك عقلا؛ لأنهم يقولون إن البصر لا يدرك إلا الألوان والأشكال، أي ما هو مادي والله تعالى ذات غير مادية، فمن المستحيل إذن أن يقع عليه البصر، فالقول برؤية الله تعالى هدم للتنزيه وتشويه لذات الله وتشبيه له حيث إن الرؤية لا تحصل إلا بانطباع صورة المرئي في الحدقة، ومن شرط ذلك انحصار المرئي في جهة معينة من المكان حتى يمكن اتجاه الحدقة إليه، ومن المعلوم علم اليقين أن الله تعالى ليس بجسم ولا تحده جهة من الجهات ولو جاز أن يرى في الآخرة لجازت رؤيته الآن، فشروط الرؤية لا تتغير في الدنيا والآخرة (4)، واستدلوا على هذا بالسمع والعقل:
فمن جهة السمع:
الدليل الأول:
- قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، قالوا: أنه نفى أن يدرك بالأبصار، وقد علمنا أن الإدراك إذا قرن بالبصر أفاد ما تفيده رؤية البصر، لانه متى قرن به زال الاحتمال عنه، فاختص بفائدة واحدة وهي الرؤية بالبصر، وذلك بمنزلة قوله لو قال: لا تراه الأبصار، فثبت أنه نفى عن نفسه إدراك البصر فيتناول جميع الأبصار في جميع الأوقات (5).
وأجيب عليهم: بأنَّ هذا غلط كبير؛ لأنَّ نَفْيَ الإدراك لا يستلزم انتفاء الرؤية، فإنَّه قد ترى الشيء ولا تدركه؛ يعني لا تحيط به، فهذه السماء نراها ولا أحد يشك في أنه يرى السماء، ولو قلت لأي أحد يرى السماء: هل تدرك السماء رؤية وتحيط بها؟ فسيكون جواب كل أحد: لا، يعني لا يدركها رؤية، وإنما يرى منها ما يمكنه أن يرى وكما قال عز وجل:{فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)} [الشعراء: 61 - 62]، ووجه الدلالة أنَّهُ نفى الإدراك، ومع نَفْيِ الإدراك أثبت الله عز وجل الترائي وهو رؤية كل جمع لآخر فقال) فَلَمَّا تَرَاءَا الْجَمْعَانِ (هذا الجمع رأى الجمع وذاك الجمع رأى الجمع ومع ذلك {قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} فقال موسى {كَلَّا} يعني لن نُدْرَكْ يعني لن يُحاطَ بنا.
فنَفْيُ الإحاطة لا يستلزم أن تُنْفَى الرؤية؛ بل نَفْيُ الإحاطة يستلزم إثبات الرؤية نقيض ما قالوا، .. و .. الوجه الثاني من الاستدلال عليهم بهذه الآية أنَّ نفي الإدراك ليس كمالاً، والقاعدة المعروفة أنَّ كل نفي في القرآن فكماله بإثبات ضده، فربنا عز وجل قال {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} ، وذلك لكمال سعته سبحانه وتعالى وكمال علوه وكمال استغناه عن خلقه، إلى غير ذلك من أفراد صفات الجلال للرب عز وجل.
(1) تفسير الطبري: 2/ 89 - 90.
(2)
سنن الترمذي، صفة الجنة عن رسول الله، الحديث:(2477).
(3)
مجموع الفتاوى، شيخ الإسلام ابن تيمية: 3/ 390 – 391.
(4)
انظر: مقالات الإسلاميين 1/ 265، وشرح الطحاوية ص 153 ط الأوقاف، وموسوعة الفرق المنتسبة إلى الإسلام 3/ 443.
(5)
انظر: شرح الأصول الخمسة ص 232، والمغنى 4/ 144.
فلا يقال إنه لا يُدْرَك ويكون المراد كمالاً إلا وأَصْلُ ذلك ثابتاً، وهو أنه في محل من يُرَى أو في محل الرؤية .. لأنك متى ما قلت في شيء إنك تراه أو لا تدركه رؤيةً فإنما يكون كمالاً إذا كان في محل ما يمكن أن يُرَى، أما الأشياء التي لا تُرَى أصلاً فإنه ليس من الكمال أن تَنْفِي الرؤية عنها.
فكونك تنفي الرؤية عن الرحمة لا يعد هذا كمالا في الرحمة، وإنما هكذا وُجِدَتْ، كونك تنفي الرؤية عن الإبصار والإدراك لا يدل على كمال فيها.
فإذاً دَلَّ نَفْيُ الإدراك عن الرب عز وجل أنَّ نَفْيَ الإدراك لأجل أنه عظيم عز وجل فإنه يُرَى، ولكنه لا يُدْرَكْ.
والإدراك ينقسم إلى قسمين: إدراكٌ بِرُؤْيَةٍ، وإدراك بعلمه.
والإدراك بعلم: نَفَاهُ الله عز وجل في قوله سبحانه) وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا).
وإدراك الرؤية: نفاه الله عز وجل في هذه الآية.
وهذه الآية في إدراك الرؤية لا في إدراك العلم، دلَّ عليها قوله بعد النفي {وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} ، فكونه سبحانه {يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} يعني يراها، وخَصَّ الإدراك بإدراك الأبصار لأنَّ الأبصار هي محل نَفْيِ الإدراك السابق، فقال {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} ، فلما قال {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} دَلَّنَا على أَنَّ المنفي هو إدراك الرؤية لا إدراك العلم (1).
الدليل الثاني:
قالوا: ولَن موضوعة للتأبيد وإذا لم يره موسى أبدا لم يره غيره إجماعاً (2).
وقد أجابهم الإمام صدر الدين ابن أبى العز الحنفي فقال: وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى: {قَالَ لَن تَرَانِي} ، وبقوله تعالى:{لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} فالآيتان دليل عليهم.
الآية الأولى: فالاستدلال منها على ثبوت رؤيته من وجوه:
1 -
أنه لا يظن بكليم الله ورسوله الكريم وأعلم الناس بربه في وقته - أن يسأل ما لا يجوز عليه، بل هو عندهم من أعظم المحال.
2 -
أن الله لم ينكر عليه سؤاله، ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر سؤاله، وقال:{قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: 46].
3 -
أنه تعالى قال (لَن تَرَانِي)، ولم يقل: إني لا أرى، أو لا تجوز رؤيتي، أو لست بمرئي، والفرق بين الجوابين ظاهر. ألا ترى أن من كان في كمه حجر فظنه رجل طعاما فقال: أطعمنيه، فالجواب الصحيح: أنه لا يؤكل، أما إذا كان طعاما صح أن يقال: إنك لن تأكله. وهذا يدل على أنه سبحانه مرئي، ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار، لضعف قوى البشر فيها عن رؤيته تعالى.
4 -
وهو قوله (وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت للتجلي في هذه الدار، فكيف بالبشر الذي خلق من ضعف؟
5 -
أن الله سبحانه قادر على أن يجعل الجبل مستقرا، وذلك ممكن، وقد علق به الرؤية، ولو كانت محالا لكان نظير أن يقول: إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام، والكل عندهم سواء.
6 -
قوله تعالى (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا)، فإذا جاز أن يتجلى للجبل الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب، فكيف يمتنع أن يتجلى لرسله وأوليائه في دار كرامته؟ ولكن الله تعالى أعلم موسى عليه السلام أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار، فالبشر أضعف.
7 -
أن الله كلم موسى وناداه وناجاه، ومن جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع مخاطبه كلامه بغير واسطة - فرؤيته أولى بالجواز. ولهذا لا يتم إنكار رؤيته إلا بإنكار كلامه، وقد جمعوا بينهما.
وأما دعواهم تأييد النفي بـ (لن) وأن ذلك يدل على نفي الرؤية في الآخرة، ففاسد، فإنها لو قيدت بالتأبيد لا يدل على دوام النفي في الآخرة، فكيف إذا أطلقت؟ قال تعالى:{وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة: 95]، مع قوله {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} [الزخرف: 77]، ولأنها لو كانت للتأبيد المطلق لما جاز تحديد الفعل بعدها، وقد جاء ذلك، قال تعالى {فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [يوسف: 80]، فثبت أن " لن " لا تقتضي النفي المؤبد.
قال الشيخ جمال الدين بن مالك رحمه الله تعالى:
ومن رأى النفي بلن مؤبدا
…
فقوله اردد وسواه فاعضدا (3)
وقد استدل المعتزلة على نفى الرؤية فى الدنيا والآخرة مطلقاً بعدة أدلة أخرى من القرآن، وأضافوا إلى ذلك أدلةٍ عقلية منها الآتي: -
1 -
المقابلة: وتحريره كما قال عبد الجبار: إن الواحد منا راء بحاسة، والرائي بالحاسة لا يرى الشيء إلا إذا كان مقابلاً أو حالاً في المقابل أو في حكم المقابل. وقد ثبت أن الله تعالى لا يجوز أن يكون مقابلاً، ولا حالاً في المقابل، ولا في حكم المقابل (4).
وقد أجاب الرازى عن هذه الشبهة فى كتابه الأربعين، بعدة أجوبه ومنها نفى الحيز والجهة (5)، والحق أن الجواب عن دليل المعتزلة بتسليم نفي الجهة والمقابلة عن الله تعالى لا يستقيم حيث إن إثبات رؤية حقيقية بالعيان من غير مقابلة أو جهة مكابرة عقلية، لأن الجهة من لوازم الرؤية وإثبات الملزوم ونفي اللازم مغالطة ظاهرة. ثم إن الثابت بالنصوص الصحيحة إثبات الرؤية لله تعالى كرؤية الشمس والقمر .. ثم أن إثبات صفة العلو لله تبارك وتعالى ورد بالكتاب والسنة في مواضع كثيرة جدا فلا حرج في إثبات رؤية الله تعالى من هذا العلو الثابت له تبارك وتعالى ولا يقدح هذا في التنزيه، لأن من أثبت هذا أعلم البشر بما يستحق الله تعالى من صفات الكمال.
أما لفظ الجهة: فهو من الألفاظ المجملة التي لم يرد نفيها، ولا إثباتها بالنص، فتأخذ حكم مثل هذه الألفاظ (6).
2 -
من أدلة المعتزلة على نفي الرؤيا الانطباع: وتقريره كما ذكر الرازي: "أن كل ما يكون مرئيا فلا بد وأن تنطبع صورته ومثاله في العين، والله تعالى يتنزه عن الصورة والمثال، فوجب أن تمتنع رؤيته"(7).
3 -
وأيضاً قالوا: إن كل ما كان مرئياً فلا بد له من لون وشكل، ودليله الاستقراء والله تعالى منزه عن ذلك فوجب ألا يرى (8).
والجواب عن الدليلين، هو: منع كون الرؤية بالانطباع، ومنع كون المرئي ذا لون وشكل، إما مطلقاً أو في الغائب لعدم تماثل الرؤيتين، فرؤية الخالق ليس كرؤية المخلوق، فلا يجب هذا في حق الله تعالى حيث إن ذات الله مخالفة بالحقيقة والماهية لهذه الحوادث والمختلفات في الماهية لا يجب استواؤهما في اللوازم (9).
والحكم بأن المرئي لابد وأن تنطبع صورته ومثاله في العين، وأنه لا بد وأن يكون ذا لون وشكل مبني على أن هذه الأشياء المشاهدة المحسوسة لا ترى إلا كذلك، ثم قالوا لو صح أن يرى الله فلا يرى إلا كذلك وهو ممنوع في حقه تعالى، والحق أنه تحكم محض وقياس للخالق على المخلوق، وهو باطل قطعا لأنه قياس مع الفارق، فالله تعالى ليس كمثله شيء، ولا يشبهه شيء من خلقه، فلا يصح قياسه عليه (10)، قال تعالى {قُلْ
(1) انظر: الشروح الوافية على العقيدة الطحاوية 1/ 403 للسيد أبو سيف، مكتبة الإيمان – المنصورة.
(2)
انظر: تفسير الزمخشرى المسمى (بالكشاف) 2/ 154، الطبعة الثالثة، دار الكتاب العربي – بيروت.
(3)
شرح الطحاوية ص 156 وما بعدها، ط الأوقاف السعودية.
(4)
انظر: رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها، أحمد بن ناصر آل حمد:55.
(5)
انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي ص 190 – 213، 217، والمواقف للإيجى 8/ 139.
(6)
رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها ص 61.
(7)
الأربعين في أصول الدين: 213.
(8)
أنظر: المصدر نفسه: 215، والتمهيد للباقلاني:277.
(9)
شرح الجرجاني للمواقف: 8/ 139، واالأربعين في أصول الدين للرازي:217.
(10)
المصدر نفسه: 71 – 72.
هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} [الإخلاص: 1 - 4]، وقال تعالى:{فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11](1).
ثانياً: مذهب الأشاعرة ومن نحا نحوهم: -
وهؤلاء أثبتوا الرؤية ولكن قالوا: الرؤية ليست إلى جهة، وإنما تكون إدراكاً، فوافقوا السلف فى إثبات الرؤية، وردُّوا قول المعتزلة في أنَّ الرؤية ممتنعة، ووافقوا المعتزلة في أنَّ ليس على العرش رب وأنَّ الله سبحانه ليس في جهة - جهة العلو – خلافاً للسلف الصالح، فقالوا الرؤية لا إلى جهة.
واختلفت عبارات الأشاعرة فى هذه المسألة، فظاهر عبارات الأشعرى إثبات رؤية حقيقية بالأبصار، وذلك خلافاً لأكثر أصحابه.
قال رحمه الله: " لما قال تعالى: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 23]، علمنا أنه لم يرد الانتظار، وإنما أراد نظر الرؤية.، ولما قرن الله عز وجل النظر بذكر الوجه؛ أراد نظر العينين اللتين في الوجه"(2).
وقال أيضاً: "وأجمعوا على أن المؤمنين يرون الله عز وجل يوم القيامة بأعين وجوههم على ما أخبر به تعالى في قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)} [القيامة: 22 - 23] "(3).
وقال: مذهب أصحاب الحديث وأهل السنة .. أن الله سبحانه يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر .. (4).
هذا هو قول إمام المذهب، أما أتباعه فاختلفوا، فذهب بعضهم إلى قول الأشعري، بينما ذهب كثير منهم إلى أن حقيقة الرؤية مرجعها إلى العلم لا إلى الرؤية البصرية، وبعضهم قال إنه شيء أعطاه الله لعباده المؤمنين في الآخرة يسمى الرؤيا، ورغم تصريح أغلب الأشاعرة بإثبات الرؤية لكنهم يفسرونها بما يدل على عدم الإثبات.
يقول الآمدى: "فالعقل يجوز أن يخلق الله تعالى في الحاسة المبصرة بل وفى غيرها زيادة كشف بذاته وبصفاته على ما حصل منه بالعلم القائم في النفس من غير أن يوجب حدوثا ولا نقصا."(5).
وقد نقل الشهرستانى عن الأستاذ أبى إسحاق أن الرؤية حكمها حكم العلم بخلاف سائر الحواس .. إلى أن قال: "وصار المعنى كالعلم أو هو من جنس العلم وقد تقرر الاتفاق على جواز تعلق العلم به .. "(6).
فتفسير الرؤية بالعلم يعنى نفى الرؤية بالأبصار، وليس في إثباتها إلا إثبات لفظ لا حقيقة له، ولا ريب أن المعتزلة يثبتون العلم بالله يوم القيامة.
ولا شك أن كل من قال من الأشاعرة أن المراد بالرؤية هو العلم، لم يثبت إلا مجرد اللفظ ولا فرق بينه وبين من نفى الرؤية لأنه مراده الرؤية البصرية، فأي فرق بين القولين إذاً؟
بينما ذهبت طائفة من الأشاعرة إلى أن الرؤية هي قوة يجعلها الله في خلقه، وليست هى الرؤية البصرية.
قال البيجورى: الرؤية قوة يجعلها فى خلقه لا يشترط فيها مقابلة المرئى ولا كونه فى جهة ولا حيز ولا غير ذلك .. إلى أن قال: "والحاصل أنه تعالى يرى من غير تكيف بكيفية من الكيفيات المعتبرة في رؤية الأجسام ومن غير إحاطة، بل يحار العبد فى العظمة والجلال فلا يعرف اسمه ولا يشعر بما حوله من الخلائق، فإن العقل يعجز هنالك عن الفهم ويتلاشى"(7).
ومن المعاصرين الشيخ حسن أيوب يقول": فإن الحق أن الرؤية قوة يجعلها الله تعالى في خلقه، لا يشترط فيها الأشعة، ولا مقابلة المرئي ولا غير ذلك"(8).
(1) انظر: رؤية الله تعالى، وتحقيق الكلام فيها لأحمد بن ناصر آل حمد:55.
(2)
لإبانة عن أصول الديانة: 38.
(3)
رسالة إلى أهل الثغر ص 134.
(4)
مقالات الإسلاميين ص 292 ط ريتر.
(5)
غاية المرام ص 167.
(6)
انظر: نهاية الإقدام للشهرستانى ص 201.
(7)
تحفى المريد شرح جوهرة التوحيد ص 129.
(8)
تبسيط العقائد الإسلامية ص 236.
والحق أن هذا نفى للرؤية لا إثبات لها كما يزعمون، وإن المعتزلة لا تمنع مثل هذه الرؤية التى هى بمعنى الكشف أو زيادة الانكشاف والمعرفة كما نقله بعضهم.
ولنتأمل ما قاله الآمدى: "وذلك أن ما يخلقه الله من زيادة الكشف إن كان من ذات الشئ ووجوده بالنسبة إلى ما يحصل من تعلق علم النفس به شرحا سمى ذلك نظرا .. " إلى أن قال: "فإن البصر هو ما يخلقه الله من زيادة الكشف من كونه ذاتاً ووجوداً وذلك مما لا يستحيل تعلق العلم به حتى لا يسمى ما حصل من مزيد الكشف عليه بصرا .. "(1).
قال التفتازانى": ورؤية الله تعالى بمعني الانكشاف التام بالبصر، وهو معني إدراك الشيء كما هو بحاسة البصر"(2).
فالمقصود والظاهر من كلامهم أنه ليس نظراً بالأبصار كما أثبته الأشعرى والسلف الصالح، وإنما هو زيادة الكشف، كما أن بعضهم يرى أن الرؤية إدراك يخلقه الله لهم.
قال السنوسى: "إذ كما صح تفضله سبحانه بخلق إدراك لهم فى قلوبهم يسمى العلم يتعلق به على ما هو من غير جهة ولا مقابلة، كذلك يصح تفضله تعالى بخلق إدراك لهم فى أعينهم أو غيرهما يسمى ذلك الإدراك البصر"(3).
ويقول الدردير: "الرؤية عبارة عن نوع من الإدراك يخلقه الله تعالى متى شاء ولأى شىء شاء .. فكما أن العلم إدراك، وهم يعلمونه لا فى مكان ولا فى جهة .. فكذا الرؤية نوع من الإدراك فيدركونه كذلك، ومع ذلك هو انشكاف تام"(4).
أما الرازي فمال إلى استحالة الرؤية يوم القيامة فقال: "إن رؤية الله تعالى بالتفسير المذكور بتقدير أن تحصل فمحلها هو العين والحادقة أم جوهر النفس؟ والأول كالمستبعد جداً، وأما أن محل ذلك الإدراك الشريف هو جوهر النفس الناطقة، فهذا أقرب إلى العقل "(5).
هكذا تنوعت عبارات الأشاعرة فى حقيقة وماهية الرؤية، والحقيقة أنهم رغم اختلاف عباراتهم إلا أنهم اتفقوا على أن الله لا يرى بالأبصار، أنه لا مقابلة فى هذه الرؤية، ولا جهة.
وعند التحقيق لم يعدُ الأشاعرة عن إثبات اسم بلا مسمى، وقد أكثر الأشاعرة من الطعن والتشنيع على المعتزلة فى نفيهم الرؤية، علماً بأنه لا فرق بين الأشاعرة الذين يكون بأن الرؤية هى العلم، وبين خصومهم من المعتزلة.
والأشعرية فى هذا الباب بين نارين:
أولاً: النصوص الشرعية التي تثبت الرؤيا، مع تصريح علماء المذهب الأولين بإثباتها، وأنها أحد أبرز الخلافات مع المعتزلة النافين للرؤية.
ثانياً: الإلزامات التي تلزم عن إثبات الرؤية من قبل خصومهم وخاصةً المعتزلة.
فقالوا لهم: إذا كان الله يرى فلابد من المقابلة بين الرئى والمرئى، ولابد من مكان وجهة للرئى والمرئى، وبالتالي يوصف الله تعالى بأوصاف المحدثات.
وكقولهم: إذا كان يرى فهل يرى كله أم بعضه، ورؤيته كله أى الإحاطة به ممتنعة، ورؤية بعضه فيه تبعيض وتجزئة له، وهو من صفات المحدثات.
وكقولهم: هل إذا رأيناه وأدرنا وجوهنا فى الخلف هل نراه فيها؟ وهذا ما حدا ببعض الأشاعرة إلى القول بأنه يرى فى كل جهة.
وكان ينجى الأشاعرة من هذه الإلزامات أن يقولوا لخصومهم كما قال السلف الصالح من هذه الأمة: إن الله يرى بكيفية لا نعلمها نحن، ومادام الله تعالى أخبر عن نفسه أنه يرى وأخبر عنه رسوله أنه يرى
(1) غاية المرام ص 169 – 170.
(2)
شرح العقائد النسفية ص 51.
(3)
شرح الوسطى ص 372.
(4)
شرح الخريدة البهية ص 203.
(5)
المطالب العالية 2/ 55.
بالأبصار يوم القيامة فنحن نثبت هذه الرؤية، أما كيفيتها وصفتها فلا يعلمها إلا الله.، وليس من حقنا الخوض فيها لأنها من العلم الذى حجبه الله عنا (1).
مسألة نفى الجهة عند الأشاعرة:
إن الأشاعرة جعلوا يداً مع المعتزلة فأنكروا العلو، وجعلوا يداً مع أهل السنة فأثبتوا الرؤية، فقالوا: إن الله يرى لا في جهة، وهذا غير معقول وغير متصور، وقد لاحظت مما تقدم من كلامهم أن إثبات الأشاعرة للرؤية ونفي لازمها – أي الجهة - إنما هو نفي للرؤية نفسها حيث أثبتوا ما لا يمكن رؤيته، لأن نفي اللازم نفي للملزوم.، لذلك كان المعتزالة أكثر منطقية مع أنفسهم حين ذهبوا إلى نفي الأمرين فراراً من الوقوع في التناقض الذي وقع فيه الأشاعرة.
هذا وإن كان قول الأشاعرة بنفي الجهة فاسداً وممتنعاً، إلا أن مقالة المعتزلة والشيعة بنفي الرؤية والجهة أشد فساداً وأعظم امتناعاً من جهة النقل والعقل.
والذي عليه السلف الصالح أن تلك اللوازم - كالجهة والمقابلة ونحوها - ليست ممتنعة، فإذا كانت المقابلة لازمة للرؤية فهي حق، فما كان حقاً وصواباً فلازمه كذلك، لذا يقول الإمام ابن تيمية:" من ادّعى ثبوت الشيء فقد ادّعى ثبوت لوازمه، ولوازم لوازمه، وهلم جرّاً ضرورة عدم الانفكاك عنه"(2).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "تنازع الناس في الجهة والتحيز وغير ذلك.
فلفظ " الجهة " قد يراد به شيء موجود غير الله فيكون مخلوقا، كما إذا أريد بالجهة نفس العرش أو نفس السموات. وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى، كما إذا أريد بالجهة ما فوق العال.
ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ "الجهة" ولا نفيه، كما فيه إثبات "العلو" و "الاستواء" و "الفوقية" و "العروج إليه" ونحو ذلك.
وقد عُلم أن ما ثمّ موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق سبحانه وتعالى، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.
فيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق، فالله ليس داخلاً في المخلوقات؛ أم تريد بالجهة ما وراء العالم، فلا ريب أن الله فوق العالَم، بائن من المخلوقات.
وكذلك يقال لمن قال: إن الله في جهة: أتريد بذلك أن الله فوق العالم، أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات. فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل.
وكذلك لفظ "المتحيز"، إن أراد به أن الله تحوزه المخلوقات فالله أعظم وأكبر، بل قد وسع كرسيه السموات والأرض .. وإن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي مباين لها، منفصل عنها ليس حالاً فيها. فهو سبحانه كما قال أئمة السنة: فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه" (3).
فإن أراد الأشاعرة بنفي الجهة أنه ليس في السموات رب ولا فوق العرش إله، وأن محمداً لم يعرج به إلى ربه، وما فوق العالم إلا العدم المحض: فهذا باطل، مخالف لإجماع سلف الأمة وأئمتها.
ثم إن الثابت بالنصوص الصحيحة إثبات الرؤية لله تعالى كرؤية الشمس والقمر، قال:"إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته. ." الحديث. وهما في جهة، وقد شبه الرؤية بالرؤية، ثم قوله في الحديث الآخر:" إنكم سترون ربكم عيانا "(4)، إثبات للرؤية البصرية التي لا تتم إلا على ما كان في جهة.
(1) عقائد الأشاعرة ص 301 – 302 بتصرف يسير.
(2)
تنبيه الرجل العاقل 1/ 63، نقلاً عن مناظرات ابن تيمية لأهل الملل والنحل ص 79 جمع د/عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف، الطبعة الأولى – الناشر: مطابع أضواء المنتدى.
(3)
التدمرية تحقيق الإثبات ص 66 وما بعدها لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق د/ محمد عودة – الطبعة السادسة الناشر: مكتبة العبيكان – الرياض.
(4)
صحيح: رواه البخاري برقم 7435، والدارمى في الرد على الجهمية برقم 171، والسنة لابن أبى عاصم برقم 461، والتوحيد لابن خزيمة 2/ 413 وغيرهم.
ثم أن إثبات صفة العلو لله تبارك وتعالى ورد بالكتاب والسنة في مواضع كثيرة جدا فلا حرج في إثبات رؤية الله تعالى من هذا العلو الثابت له تبارك وتعالى ولا يقدح هذا في التنزيه، لأن من أثبت هذا أعلم البشر بما يستحق الله تعالى من صفات الكمال.
أما لفظ الجهة: فهو من الألفاظ المجملة التي لم يرد نفيها، ولا إثباتها بالنص.
هذا هو مذهب الأشاعرة في مسألة الرؤية، وما وقع لهم من تناقض واضطراب في هذا الباب ما هو إلا نتيجة حتمية لمن أقحم العقل في علم الغيب وحكمه فيما لا يصل إليه إدراكه.
وقد أغنى الله سلف هذه الأمة وأئمتها عن كل هذه الإشكالات والاعتراضات، فأثبتوا الرؤية لله تعالى بدلالة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والإجماع اليقينى، ومنعوا العقل من الخوض في تفصيلاتها، فآمنوا بالنقل ووضعوا العقل مكانه الذي يجب أن يكون فيه.
ثالثاً: مذهب السلف في إثبات الرؤية:
ذهب السلف الصالح وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان ومن تبعهم من الأئمة أن الله يُرى في الآخرة بالأبصار عيانًا مواجهة لهم، بغير إحاطة ولا كيفية.
وهذا مذهب الصحابة والتابعين والأئمة وتابعوهم وأئمة الدين كالأئمة الأربعة -أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد- وسفيان الثوري وأبي عمرو والأوزاعي والليث بن سعد وأبي يوسف وغيرهم من الأئمة والعلماء وكذلك أيضًا سائر الفقهاء وأهل الحديث كلهم على هذا الاعتقاد، يثبتون أن الله يرى في الآخرة بالأبصار عيانًا مواجهة، فهم يثبتون رؤية الله بالإبصار ويثبتون أيضًا الفوقية، وأنهم يرون ربهم من فوقهم فهم يثبتون الأمرين يثبتون الفوقية والعلو ويثبتون الرؤية.
وقد واستدلوا بالنصوص الكثيرة من كتاب الله وسنة رسوله، واستدلوا أيضاً بالإجماع والعقل الصريح.
1 -
الأدلة من كتاب الله تعالى:
- قول الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)} [القيامة: 22 - 23]، ووجه الدلالة من الآية على أن الله يرى في الآخرة أنه سبحانه وتعالى قد أضاف النظر إلى الوجه الذي هو محله وعداه بأداة إلى الصريحة في نظر العين وأخلى الكلام من قرينة تدل على خلاف موضوعه وحقيقته، فدل على أن المراد النظر بالعين التي في الوجه إلى الرب جل جلاله.
وليس يخلو النظر من وجوه نحن ذاكروها: إما أن يكون الله سبحانه عنى نظر الاعتبار، كقوله تعالى:{أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} [الغاشية: 17]، أو يكون عنى نظر الانتظار، كقوله تعالى:{مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} [يس: 49]، أو يكون عنى نظر التعطف، كقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 77]، ويكون عنى نظر الرؤية.
فلا يجوز أن يكون الله عز وجل عنى نظر التفكير والاعتبار؛ لأن الآخرة ليست بدار اعتبار.
ولا يجوز أن يكون عنى نظر الانتظار؛ لأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه
فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه، كما إذا ذكر أهل اللسان نظر القلب فقالوا:" انظر في هذا الأمر بقلبك "، لم يكن معناه نظر العينين، وكذلك إذا ذكر النظر مع الوجه لم يكن معناه نظر الانتظار؛ الذي يكون للقلب، وأيضا فإن نظر الانتظار لا يكون في الجنة؛ لأن الانتظار معه تنغيص وتكدير، وأهل الجنة في ما لا عين رأت ولا أذن سمعت من العيش السليم والنعيم المقيم.
وإذا كان هذا هكذا لم يجز أن يكونوا منتظرين؛ لأنهم كلما خطر ببالهم شيء أتوا به مع خطوره ببالهم، وإذا كان ذلك كذلك فلا يجوز أن يكون الله عز وجل أراد نظر التعطف؛ لأن الخلق لا يجوز أن يتعطفوا على خالقهم.
وإذا فسدت الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع من أقسام النظر، وهو أن معنى قوله:{إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 23]، أنها رائية ترى ربها عز وجل (1).
- قول الله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 26]، والحسنى المراد بها الجنة، والزيادة النظر وإلى وجه الله الكريم كما جاء تفسير ذلك في الحديث الصحيح عَنْ صُهَيْبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)، قَالَ:" إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، نَادَى مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ، فَيَقُولُونَ: وَمَا هُوَ؟ أَلَمْ يُثَقِّلْ مَوَازِينَنَا، وَيُبَيِّضْ وُجُوهَنَا، وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَيُجِرْنَا مِنَ النَّارِ " قَالَ: " فَيُكْشَفُ لَهُمُ الْحِجَابُ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ" قَالَ: "فَوَاللَّهِ مَا أَعْطَاهُمْ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ، وَلَا أَقَرَّ لِأَعْيُنِهِمْ "(2).
وقد أورد أبو عبد الله القرطبي في الزيادة أقوالا، إليك ذكرها:
1_
أن الزيادة أن تضاعف الحسنات الحسنة بعشر أمثالها إلى أكثر من ذلك
روى ذلك عن ابن عباس.
2_
وعن علي رضي الله عنه الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة آلاف
باب.
3_
وقال مجاهد: الحسنى حسنة مثل حسنة والزيادة مغفرة من الله ورضوان.
4_
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الحسنى الجنة والزيادة ما أعطاهم الله
في الدنيا من فضله لايحاسبهم به يوم القيامة.
5_
وقال يزيد بن شجرة. الزيادة أن تمر السحاب بأهل الجنة فتمطرهم
من كل النوادر التي لم يروها وتقول يا أهل الجنة ما تريدون أن أمطركم
فلا يريدون شيئا إلا مطرتهم (3).
- قول الله تعالى: {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق: 35]، المؤمنون لهم ما يشاءون فيها أي: الجنة ولدينا مزيد هي رؤية الله في الآخرة، فسرها العلماء بأن المزيد هو رؤية الله في الآخرة.
فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فِي قَوْلِهِ عز وجل {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} قَالَ:"يَظْهَرُ لَهُمُ الرَّبُّ عز وجل يَوْمَ الْقِيَامَةِ"(4).
قال العلامة الشنقيطى: قال بعض العلماء: المزيد النظر إلى وجه الله الكريم، ويستأنس لذلك بقوله تعالى: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة، لأن الحسنى الجنة، والزيادة النظر (5).
وقد تقدم الكلام على وجه الدلالة فى هذه الآية فى الرد على المعتزلة من كلام الإمام ابن أبى العز الحنفى.
- قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (16)} [المطففين: 15 - 16]، فلو كان المؤمنون كلهم والكافرون كلهم لا يرونه، كانوا جميعاً عنه محجوبين.
قال الإمام أحمد رحمه الله: فإذا كان الكافر يحجب عن الله، والمؤمن يحجب عن الله، فما فضل المؤمن على الكافر؟ (6) وقيل لسفيان بن عيينة: إن بشرا يقول: إن الله لا يرى يوم القيمة، فقال: قاتله الله، دويبة، ألم
(1) الإبانة 1/ 35 وما بعدها.
(2)
صحيح: رواه مسلم برقم 181، والترمذي برقم 2552، وابن ماجه برقم 187، وأحمد برقم 18941 وغيرهم.
(3)
انظر: تفسير القرطبي 8/ 331.
(4)
أخرجه اللالكائى فى شرح اعتقاد أهل السنة برقم 813، والبزار فى مسنده برقم 7528.
(5)
أضواء البيان 7/ 431، طبعة دار الفكر – بيروت لبنان.
(6)
الرد على الجهمية والزنادقة ص 133 ت/صبري بن سلامة شاهين.
يسمع الله يقول: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} ، فجعل احتجابه عنهم عقوبة لهم فإذا احتجب عن الأولياء والأعداء، فأي فضل للأولياء على الأعداء؟ (1)
- قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، قال شيخ الإسلام: نفى الإدراك الذي هو الإحاطة وذلك يقتضي كمال عظمته وأنه بحيث لا تدركه الأبصار فهو يدل على أنه إذا رئي لا تدركه الأبصار وهو يقتضي إمكان رؤيته ونفى إدراك الأبصار إياه لا نفي رؤيته فهو دليل على إثبات الرؤية ونفي إحاطة الأبصار به وهذا يناقض قول النفاة وأما مجرد الرؤية فليست صفة مدح فإن المعدوم لا يرى ولهذا نظائر في القرآن (2).
قال ابن القيم: والاستدلال بهذا أعجب فإنه من أدلة النفاة وقد قرر شيخنا وجه الاستدلال به أحسن تقرير وألطفه وقال لي أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله فمنها هذه الآية .. إلى أن قال: فلو كان المراد بقوله لا تدركه الأبصار أنه لا يرى بحال لم يكن في ذلك مدح ولا كمال لمشاركة المعدوم له في ذلك فان العدم الصرف لا يرى ولا تدركه الأبصار والرب جل جلاله يتعالى إن يمدح بما يشاركه فيه العدم المحض فإذا المعنى أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به .. (3).
- قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام في محاجة قومه في النجوم: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78)} [الأنعام: 76 - 78].
وجه الدلالة أن الخليل عليه السلام حاج قومه في النجوم وبين أنها تأفل وتغيب، في حين أن الرب لا يغيب ولا يأفل ثم قال في ذلك لا أحب الآفلين ولم يحاجهم بأنه لا يحب ربا يرى، ولكن حاجهم بأن لا يحب ربا يأفل وهذا هو دليل عدم الدوام وهو الذي يمتنع على الله تبارك وتعالى أما الرؤية فلا، حيث لم يجعلها الخليل من موانع الربوبية كالأفول والغيبة (4).
2 -
الأدلة من السنة: -
عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ إِذْ نَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ قَالَ: " إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ .. "(5).
وعنه رضى الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا"(6).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ:"هَلْ تُضَارُّونَ فِي القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ؟ "، قَالُوا: لا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:"فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ، لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ "، قَالُوا: لا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:"فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ"، يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ، .. الحديث" (7).
ليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر تشبيها لله بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي ولكن فيه دليل على علو الله على خلقه وإلا فهل تعقل رؤية بلا مقابلة؟ ومن قال: يرى لا في جهة. فليراجع عقله.
وإلا فإذا قال يرى لا أمام الرائي ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا فوقه ولا تحته، رد عليه كل من سمعه من أصحاب الفطرة السليمة.
(1) نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد 1/ 66.
(2)
الصدفية 2/ 65.
(3)
حادى الأرواح لابن القيم ص 294، الناشر: مطبعة المدني، القاهرة.
(4)
انظر: التوحيد للماتدريدى ص 78، طبعة دار الجامعات المصرية – الإسكندرية.
(5)
صحيح: رواه البخاري برقم 7434، ومسلم برقم 633، وأبو داود برقم 4729، والترمذي برقم 2551 وغيرهم.
(6)
صحيح: رواه البخاري برقم 7435، والدارمى في الرد على الجهمية برقم 171، والسنة لابن أبى عاصم برقم 461، والتوحيد لابن خزيمة 2/ 413 وغيرهم.
(7)
صحيح: تقدم تخريجه.
وعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:"جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا، وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا، وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ"(1).
وعَنْ صُهَيْبٍ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: " إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ تبارك وتعالى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عز وجل"(2).
وعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: " .. ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلا تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ: أَلَمْ أُوتِكَ مَالًا؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ أَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ رَسُولًا؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى، .. الحديث"(3).
والشاهد في الحديث قوله: (وليس بينه وبينه حجاب) هذا صريح في الرؤية.
هذه أمثلة من النصوص المتواترة، وهي كثيرة كما سبق رواها نحو ثلاثين صحابيًا في الصحاح والسنن والمسانيد، وهي صريحة في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة.
3 -
أما الإجماع:
قد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم يقول الإمام عبد الغنى المقدسى: وأجمع أهل الحق واتفق أهل التوحيد والصدق أن الله تعالى يرى في الآخرة كما جاء في كتابه وصح عن رسوله (4).
وقال الإمام ابن أبى العز الحنفي: وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين، وأهل الحديث، وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبون إلى السنة والجماعة (5).
وقال الإمام النووي: قد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة فمن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين (6).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما الجهمية من المعتزلة وغيرهم فيمتنع على أصلهم لقاء الله؛ لأنه يمتنع عندهم رؤية الله في الدنيا والآخرة وخالفوا بذلك ما تواترت به السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم وما اتفق عليه الصحابة وأئمة الإسلام من أن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة (7).
4 -
أقوال الأئمة في إثبات الرؤية:
قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله: والله تعالى يرى في الآخرة ويراه المؤمنون وهم في الجنة بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كيفية ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة (8).
وعن عبد الله بن وهب قال: قال مالك رحمه الله: "الناس ينظرون إلى الله تعالى يوم القيامة بأعينهم"(9).
قال الإمام الحسن: ينظرون إلى الله عز وجل كما شاء بلا إحاطة (10).
قال الإمام أبو بكر الخلال فى عقيدة الإمام أحمد رحمه الله: وكان يذهب إلى أن الله تعالى يرى في الآخرة بالأبصار وقرأ {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} ولو لم يرد النظر بالعين ما قرنه بالوجه وأنكر نظر التعطف والرحمة لأن الخلق لا يتعطفون على الله تعالى ولا يرحمونه وأنكر الانتظار من أجل ذكر الوجه ومن أجل أنه تبعيض وتكرير ولأنه أدخل فيه إلى وإذا دخلت إلى فسد الانتظار .. (11).
(1) صحيح: رواه البخاري برقم 7444، ومسلم برقم 180، والترمذي برقم 2528، وابن ماجه برقم 186 وغيرهم.
(2)
صحيح: رواه مسلم برقم 181، والترمذي برقم 2552، وابن ماجه برقم 187 وأحمد برقم 18936 وغيرهم.
(3)
. صحيح: رواه البخاري برقم 1413 وغيره.
(4)
عقيدة الحافظ عبد الغنى المقدسي ص 58
(5)
شرح الطحاوى ص 153 ط الأوقاف السعودية
(6)
شرح النووي على مسلم 3/ 15.
(7)
مجموع الفتاوى 6/ 469
(8)
الفقه الأكبر ص 55
(9)
أخرجه الآجرى في الشريعة برقم 574، واللالكائى فى شرح اعتقاد أهل السنة برقم 870، وابن بطة في الإبانة 7/ 52، والبغوى في شرح السنة – باب رؤية الله 15/ 229.
(10)
الإبانة الكبرى لابن بطة 7/ 51.
(11)
العقيدة للإمام أحمد رواية أبى بكر الخلال ص 111.
وعن الوليد بن مسلم، يقول: سألت الأوزاعي وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية ، فقالوا:"أمروها بلا كيف"(1).
وقال الإمام الطحاوى رحمه الله: والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية كما نطق به كتاب ربنا {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)} [القيامة: 22 - 23]، وتفسيره على ما أراده الله تعالى وعلمه وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول فهو كما قال ومعناه على ما أراد لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل ولرسوله ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه (2).
وقال الإمام الأصبهانى الملقب "بقوام السنة": مذهب أهل السنة أن الله عز وجل يكرم أولياءه بالرؤية، يرونه بأعينهم كما شاء فضلاً منه ومنة (3).
قال الإمام الأشعري: وأجمعوا على أن المؤمنين يرون الله عز وجل يوم القيامة بأعين وجوههم على ما أخبر به تعالى في قوله تعالى {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (4).
قال الإمام أبو بكر الإسماعيلى: ويعتقدون جواز الرؤية من العباد المتقين لله عز وجل في القيامة، دون الدنيا. (5).
قال الإمام ابن القيم: وأما الأحاديث عن النبي وأصحابه الدالة على الرؤية، فمتواترة رواها عنه أبو بكر الصدّيق، وأبو هريرة الدوسي، وأبو سعيدٍ الخدريُّ، .. ثم ساق نحواً من ثلاثين اسماً للصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
إلى أن قال رحمه الله: فصل: وأما التابعون، ونزل الإسلام، وعصابة الإيمان منهم أئمة الحديث والفقه والتفسير وأئمة التَّصوُّف، فأقوالهم أكثرُ من أن يُحيط بها إلَاّ الله عز وجل .. ثم ساق الآثار والأقوال عن سعيد بن المسيب، والحسن البصرى، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعكرمة ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك وطاووس، وعمر بن عبد العزيز، والأعمش وسعيد بن جبير، وكعب الأحبار، وأبي إسحاق السبيعي، وعلي بن المديني، وعبد الله بن المبارك، وشريك بن عبد الله، والأئمة الأربعة – أبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد -، والأوزاعي وسفيان الثوري والليث بن سعد وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجَّراح وقتيبة بن سعيدٍ، وأبي عبيدٍ القاسم بن سلام، وغيرهم، ثم ساق قول جميع أهل اللغة (6).
هذه كانت أهم الأقوال والمذاهب فى مسألة الرؤية إلا أن هناك مذهب رابع، وهو لبعض المتصوفة، يقولون بأن الله تعالى يرى في الدنيا عياناً كما يرى فى الآخرة عياناً.
ولايوجد أي دليل شرعي يستند عليه من زعم الرؤية لهم بالبصر، بل الأدلة على نقيضه تماماً، فهذا نبي الله موسى عليه السلام عندما سأل الله جل وعلا رؤيته {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي} [الأعراف: 143]، أي:" وليس لبشر أن يطيق أن ينظر إلي في الدنيا"(7)، أفهم خيرٌ من موسى عليه السلام، أم أشد من الجبل الذي قال تعالى فيه {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} [الأعراف: 143]، أي: مستويا بالأرض" (8)، {وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} [الأعراف: 143]، أي: " مغشيا عليه" (9)، كما يرد عليهم بحديث النبي " تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ " (10)، ففي هذا دلالة على أن الله جل وعلا لا يرى في الدنيا.
(1) أخرجه اللالكائى فى شرح السنة برقم 875.
(2)
متن الطحاوىة بتعليق الألباني ص 43.
(3)
الحجة فى بيان المحجة 2/ 524.
(4)
رسالة إلى أهل الثغر ص 134.
(5)
اعتقاد أئمة الحديث للجرجانى ص 63.
(6)
انظر: حادي الأرواح 296 وما بعدها – 333 وما بعدها.
(7)
أخرجه الطبري عن أبي بكر الهذلي: 10/ 419.
(8)
تفسير الطبري: 10/ 427.
(9)
تفسير الطبري: 10/ 427.
(10)
صحيح: أخرجه مسلم برقم 196، والترمذي برقم 2235، وأحمد برقم 23672 وغيرهم من حديث عمرو بن ثابت الأنصاري عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
يقول القشيري: " فإن قيل: فهل تجوز رؤية الله في الأبصار في الدنيا على جهة الكرامة؟ فالجواب عنه: أن الأقوى فيه أنه لا يجوز، لحصول الإجماع عليه"(1).
ويقول الكلاباذي: " ولا نعلم أحدا من مشايخ هذه العصبة المعروفين منهم والمتحققين به، ولم نر في كتبهم، ولا مصنفاتهم ولا رسائلهم، ولا في الحكايات الصحيحة عنهم، ولا سمعنا ممن أدركنا منهم زَعَمَ أن الله تعالى يرى في الدنيا .. وقد أطبق المشايخ كلهم على تضليل من قال ذلك، وتكذيب من ادعاه، وصنفوا في ذلك كتبا، منهم أبو سعيد الخراز، وللجنيد في تكذيب من ادعاه وتضليله رسائل وكلام كثير. وزعموا أن من ادعى ذلك لم يعرف الله عز وجل وهذه كتبهم تشهد على ذلك"(2).
وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أنه لا يرى أحد ربه فى الدنيا إلا ما كان من الخلاف فى رؤية النبي ربه فى المعراج، والله تعالى أعلم وبالله التوفيق.
الفوائد:
1 من فوائد الآية: تذكير الله تعالى بني إسرائيل بنعمته عليهم، حيث بعثهم من بعد موتهم.
2.
ومنها: سفاهة بني إسرائيل؛ وما أكثر ما يدل على سفاهتهم؛ فهم يؤمنون بموسى، ومع ذلك قالوا:{لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} .
3.
ومنها: أن من سأل ما لا يمكن فهو حري بالعقوبة؛ لقوله تعالى: {فأخذتكم الصاعقة} ؛ لأن الفاء تدل على السببية. ولا سيما في مثل حال هؤلاء الذين قالوا هذا عن تشكك؛ وفرْق بين قول موسى عليه السلام: {رب أرني أنظر إليك} [الأعراف: 143]، وبين قول هؤلاء:{لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} ؛ فموسى قال ذلك شوقاً إلى الله عز وجل، وليتلذذ بالرؤية إليه؛ أما هؤلاء فقالوه تشككاً. يعني: لسنا بمؤمنين إلا إذا رأيناه جهرة؛ ففرق بين الطلبين.
4.
ومنها: أن ألم العقوبة، ووقعها إذا كان الإنسان ينظر إليها أشد؛ لقوله تعالى:{وأنتم تنظرون} ؛ فإن الإنسان إذا رأى الناس يتساقطون في العقوبة يكون ذلك أشد وقعاً عليه.
القرآن
{ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)} [البقرة: 56]
التفسير:
ثم أحييناكم مِن بعد موتكم بالصاعقة؛ لتشكروا نعمة الله عليكم، فهذا الموت عقوبة لهم، ثم بعثهم الله لاستيفاء آجالهم.
قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ} [البقرة: 56]، أي " ثمّ أحييناكم"(3).
قال قتادة: " ثم بعثهم الله تعالى، ليكملوا بقية آجالهم"(4).
وقال الربيع بن أنس: " فبعثوا من بعد موتهم، لأن موتهم ذاك كان عقوبة لهم، فبعثوا لبقية آجالهم "(5).
واختلف أهل العلم في أصل (البعث) على أربعة أقوال (6):
الأول: أن أصله: إثارة الشيء من محله (7)، يقال: بعثت الناقة: أثرتها، أي حركتها، قال امرؤ القيس (8):
وفتيان صدق قد بعثت بسحرة
…
فقاموا جميعا بين ونشوان
وقال عنترة (9):
وصحابة شم الأنوف بعثتهم
…
ليلا وقد مال الكرى بطلاها
(1) الرسالة القشيرية: 360.
(2)
التعرف لمذهب أهل التصوف: 26.
(3)
تفسير الطبري: 2/ 85.
(4)
أخرجه الطبري (960): ص 2/ 89.
(5)
أخرجه الطبري (961): ص 2/ 89.
(6)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 404 - 405، وتفسير الثعلبي: 2/ 542 - 543.
(7)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 404 - 405.
(8)
ديوان امرؤ القيس، حسن السندوبي وآخرون، دار إحياء العلوم، بيروت، ط 1، 1990:230.
(9)
ديوانه: 75، وشم الأنوف: أعزاء لا يحتملون ضيماً. طلاها أعناقها.
ومنه قول الآخر (1):
فأبعثها وهيَّ صنيعُ حول
…
كركن الرَّعنِ، ذِعْلِبَةً وَقاحا
والثاني: أن البعث: الإرسال، ومنه قوله تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، وقوله:{ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى} [الأعراف: 103]، و [يونس: 75].
والثالث: وقيل: أن أصله: الإفاقة من الغشي أو النوم، قال تعالى:{وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} [الكهف: 19].
والرابع: وقد تأتي بمعنى: التعليم من بعد الجهل، قال تعالى:{ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} [البقرة: 56] أي: "علمناكم من بعد جهلكم"(2).
والقدر المشترك بين هذه المعاني هو إزالة ما يمنع عن التصرف (3).
والقول الأول أصح، وهو اختيار الإمام القرطبي، لأن الأصل الحقيقة، وكان موت عقوبة، ومنه قوله تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} على ما يأتي [البقرة: 243].
واختلف في قوله {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ} [البقرة: 56]، على قولين (4):
أحدهما: أن المراد: ثم أحييناكم. يعني: إحياؤهم بعد موتهم لاستكمال آجالهم، وهذا قول قتادة (5)، والربيع بن أنس (6).
والثاني: أن المراد: ثم بعثناكم أنبياء. يعني: أنهم بعد الإحياء سألوا أن يبعثوا أنبياء فبعثهم الله أنبياء، وهذا قول السُّدِّيِّ (7).
والصحيح هو الجمع بين القولين، فيكون تفسير الآية:{فأخذتكم الصاعقة} ، ثم أحييناكم {من بعد موتكم} ، {وأنتم تنظرون} ، إلى إحيائنا إياكم من بعد موتكم، {ثم بعثناكم} ، أنبياء {لعلكم تشكرون} " (8).
قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} [البقرة: 56]، أي:"من بعد موتكم بالصاعقة التي أهلكتكم"(9).
قال الثعلبي: "أي: "لتستوفوا بقيّة آجالكم وأرزاقكم" (10).
قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 56]، أي:"لتشكروا الله سبحانه وتعالى"(11).
قال النسفي: " نعمة البعث بعد الموت"(12).
قال الصابوني: " أي لتشكروا الله على إِنعامه عليكم بالبعث بعد الموت"(13).
قال النحاس: وهذا احتجاج على من لم يؤمن بالبعث من قريش، واحتجاج على أهل الكتاب إذ خبروا بهذا، والمعنى {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ما فعل بكم من البعث بعد الموت" (14).
وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 56]، وجهين (15):
(1) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الطبري في تفسيره: 2/ 84.
(2)
تفسير القرطبي: 1/ 405.
(3)
انظر: البحر المحيط في التفسير: 1/ 331.
(4)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 85، والنكت والعيون: 1/ 123.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (960): ص 2/ 89.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (961): ص 2/ 89.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (955): 2/ 85.
(8)
تفسير الطبري: 2/ 85.
(9)
تفسير الطبري: 2/ 85.
(10)
تفسير الثعلبي: 1/ 200.
(11)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 193. (بتصرف بسيط).
(12)
تفسير النسفي: 1/ 65.
(13)
صفوة التفاسير: 1/ 52.
(14)
تفسير القرطبي: 1/ 405، وانظر: تفسير الطبري: 2/ 84.
(15)
أنظر: الكشاف: 1/ 142، والبحر المحيط: 1/ 179.
أحدهما: أن الشكر خاص، لنعمة البعث بعد الموت.
والثاني: أن الشكر عام، على هذه النعمة وسائر نعمه التي أسداها إليهم (1).
والثالث: أن المعنى: لعلكم تشكرون نعمة الله بعدما كفرتموها إذا رأيتم بأس الله في رميكم بالصاعقة وإذاقتكم الموت.
والرابع: وقيل: الشكر على إنزال التوراة التي فيها ذكر توبته عليهم، وتفصيل شرائعه، بعد أن لم يكن شرائع. ضعّفه أبو حيان وقال:"وهذا بعيد"(2).
والصحيح أن لفظ الشكر عام، "يتناول جميع الطاعات لقوله تعالى:{اعْمَلُواءَالَ دَاوُادَ شُكْرًا} [سبأ: 13] " (3).
قال ابن كثير: "وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعد ما أحيوا"(4).
وقال الماوردي واختلف في بقاء تكليف من أعيد بعد موته ومعاينته الأحوال المضطرة إلى المعرفة، على قولين (5):
أحدهما: أنه سقط التكليف عنهم لمعاينتهم الأمر جهرة حتى صاروا مضطرين إلى التصديق.
والثاني: أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف.
قال القرطبي: "والأول أصح فإن بني إسرائيل قد رأوا الجبل في الهواء ساقطا عليهم والنار محيطة بهم وذلك مما اضطرهم إلى الإيمان وبقاء التكليف ثابت عليهم ومثلهم قوم يونس. ومحال أن يكونوا غير مكلفين. والله أعلم"(6).
قال الزجاج: " وفي هذه الآية ذكر البعث بعد موت وقع في الدنيا، مثل قوله تعالى: {فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} [البقرة: 259]، ومثل قوله عز وجل: {فَقَالَ لَهُم اللَّهُ مُوتوا ثم أحْيَأهُمْ} [البقرة: 243]، وذلك احتجاج على مشركي العرب الذين لمْ يكُونوا مُوقنين بالبعث، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بالأخبار عمن بعث بعد الموت في الدنيَا مما توافقه عليه إليهود والنصارى، وأرباب الكتب فاحتج- صلى الله عليه وسلم بحجة اللَّه التي يوافقه عليها جميع من خالفه من أهلِ الكتب"(7).
قال ابن عثيمين: " وهذه إحدى الآيات الخمس التي في سورة البقرة التي فيها إحياء الله تعالى الموتى؛ والثانية: في قصة صاحب البقرة؛ والثالثة: في الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فقال الله لهم: {موتوا ثم أحياهم} [البقرة: 243]؛ والرابعة: في قصة الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها، فقال: {أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه} [البقرة: 259]؛ والخامسة في قصة إبراهيم: {رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي .. } [البقرة: 260] الآية؛ والله تعالى على كل شيء قدير، ولا ينافي هذا ما ذكر الله في قوله تعالى: {ثم إنكم بعد ذلك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة تبعثون} [المؤمنون: 15، 16]؛ لأن هذه القصص الخمس، وغيرها. كإخراج عيسى الموتى من قبورهم. تعتبر أمراً عارضاً يؤتى به لآية من آيات الله سبحانه وتعالى؛ أما البعث العام فإنه لا يكون إلا يوم القيامة؛ ولهذا نقول في شبهة الذين أنكروا البعث من المشركين، ويقولون: {متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} [الأنبياء: 38]، ويقولون: {فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين} [الدخان: 36] نقول: إن هؤلاء مموهون؛ فالرسل لم تقل لهم: إنكم تبعثون الآن؛ بل يوم القيامة؛ ولينتظروا، فسيكون هذا بلا ريب"(8).
الفوائد:
(1) منها: إرسالهم أنبياء، أو إثارتهم من الغشي، أو تعليمهم بعد الجهل.
(2)
البحر المحيط: 1/ 179.
(3)
مفاتيح الغيب: 3/ 521، وقاله أبو الفضل السلمي صاحب المنتخب، نقلا عن البحر المحيط: 1/ 203.
(4)
تفسير ابن كثير: 1/ 266.
(5)
نقل عنه القرطبي في تفسيره: 1/ 405. ط 2، دار الكتب المصرية، ونقله كذلك عنه أبو حيان في البحر المحيط: 1/ 203. ولم أقف عليه في النمت والعيون.
(6)
تفسير القرطبي: 1/ 405.
(7)
معاني القرآن: 1/ 138.
(8)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 193.
1.
من فوائد الآبة: وجوب الشكر على من أنعم الله عليه بنعمة؛ لقوله تعالى: {لعلكم تشكرون} ؛ والشكر هو القيام بطاعة المنعم إقراراً بالقلب، واعترافاً باللسان، وعملاً بالأركان؛ فيعترف بقلبه أنها من الله، ولا يقول: إنما أوتيته على علم عندي؛ كذلك أيضاً يتحدث بها بلسانه اعترافاً. لا افتخاراً؛ وكذلك أيضاً يقوم بطاعة الله سبحانه وتعالى بجوارحه؛ وبهذه الأركان الثلاثة يكون الشكر؛ وعليه قول الشاعر (1):
أفادتكم النعماء مني ثلاثةً
…
يدي ولساني والضمير المحجبا
2 -
ومن فوائد الآية: إثبات الحكمة لله تعالى: لقوله: {لعلكم تشكرون} ؛ فإن "لعل" هنا للتعليل المفيد للحكمة.
القرآن
التفسير:
واذكروا نعمتنا عليكم حين كنتم تتيهون في الأرض؛ إذ جعلنا السحاب مظللا عليكم من حَرِّ الشمس، وأنزلنا عليكم المنَّ، وهو شيء يشبه الصَّمغ طعمه كالعسل، وأنزلنا عليكم السَّلوى وهو طير يشبه السُّمانَى، وقلنا لكم: كلوا من طيِّبات ما رزقناكم، ولا تخالفوا دينكم، فلم تمتثلوا. وما ظلمونا بكفران النعم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون؛ لأن عاقبة الظلم عائدة عليهم.
قوله تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ} [البقرة: 57]، "أي سترناكم بالسحاب من حر الشمس وجعلناه عليكم كالظُلَّة"(2).
قال الثعلبي: "في التيه تقيكم حرّ الشمس"(3).
قال ابن عثيمين: " أي جعلناه ظلاً عليكم؛ وكان ذلك في التيه حين تاهوا؛ وقد بقوا في التيه بين مصر والشام أربعين سنة يتيهون في الأرض؛ وما كان عندهم ماء، ولا مأوى؛ ولكن الله تعالى رحمهم، فظلل عليه الغمام"(4).
قال ابن عباس: "ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام"(5). وروي عن ابن عمر والربيع أنس وأبي مجلز والضحاك والسدي نحو ذلك (6).
و(الْغَمَامَ): جمع (غمامة)، كما السحاب جمع سحابة، (والغمام) هو ما غم السماء فألبسها من سحاب وقتام، وغير ذلك مما يسترها عن أعين الناظرين. وكل مغطى فالعرب تسميه مغموما (7)، وأصل الغمام من (الغم): ستر الشيء، ومنه: الغمام لكونه ساترا لضوء الشمس. قال تعالى: {يأتيهم الله في ظلل من الغمام} [البقرة: 210]. والغمى مثله، ومنه: غم الهلال، ويوم غم، وليلة غمة وغمى، قال الشاعر (8):
ليلة غمى طامس هلالها
…
أو غلتها ومكره إيغالها
وغمة الأمر أي كربة، ومنه قوله تعالى:{ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً} [يونس: 71]، يقال: غم وغمة. أي: كرب وكربة، والغمامة: خرقة تشد على أنف الناقة وعينها، وناصية غماء: تستر الوجه (9).
وفي {الْغَمَامَ} الذي ظلله الله عليهم أربعة أقوال (10):
(1) لم أتعرف على قائله، والبيت في الصحاح: 5/ 171، والمستطرف: 1/ 505، وشرح التسهيل: 1/ 56، وتفسير الكشاف:(1/ 109)، وتفسير ابن كثير:(1/ 128)، وتفسير البيضاوي:(1/ 77)، وتفسير أبي السعود:(1/ 18)، وتفسير النسفي:(1/ 5)، ونواهد الأبكار وشوارد الأفكار: 1/ 157.
والمعنى: أفادتكم أنعاماتكم علي ثلاثة أشياء: المكافأة باليد ونشر المحامد باللسان، ووقف الفؤاد على المحبة والاعتقاد.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 52.
(3)
تفسير الثعلبي: 1/ 200.
(4)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 195.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (547): ص 1/ 113.
(6)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 113.
(7)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 90. وتفسير القرطبي: 1/ 405 - 406.
(8)
الرجز في اللسان (غم)؛ والمجمل 3/ 680؛ والمشوف المعلم 2/ 553؛ وأساس البلاغة (غمم)، ولم ينسب. وإصلاح المنطق ص 282.
(9)
انظر مرفردات ألفاظ القرآن، الراغب: 579 - 580.
(10)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 90 - 91.
أحدها: أنهالسحابة، قاله ابن عباس، (1)، وري عن ابن عمر والربيع أنس وأبي مجلز والضحاك والسدي (2)، وقتادة (3)، مثل ذلك، وهو قول جمهور أهل التفسير.
والثاني: أنه الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، لم يكن إلا لهم، قال تعالى:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [البقرة: 210]. قاله مجاهد (4).
والثالث: أنه ما ابيض من السحاب، أي السحاب الرقيق الأبيض، " وفعل هذا بهم ليقيهم حر الشمس نهارا وينجلي في آخره ليستضيؤوا بالقمر ليلا وذكر المفسرون أن هذا جرى في التيه بين مصر والشام لما امتنعوا من دخول مدينة الجبارين وقتالهم وقالوا لموسى:{فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا} [المائدة: 24] فعوقبوا في ذلك الفحص أربعين سنة يتيهون في خمسة فراسخ أو ستة روي أنهم كانوا يمشون النهار كله وينزلون للمبيت فيصبحون حيت كانوا بكرة أمس. وإذا كانوا بأجمعهم في التيه قالوا لموسى: من لنا بالطعام فأنزل الله عليهم المن والسلوى قالوا من لنا من حر الشمس فظلل عليهم الغمام" (5).
والرابع: أنه السحاب البارد الذي يكون به الجو بارداً، ويتولد منه رطوبة، فيبرد الجو (6). قالهابن عباس (7)، وابن جريج (8).
والقول الأول أقرب الى الصواب، "إذ كان معنى الغمام ما وصفنا، مما غم السماء من شيء يغطى وجهها عن الناظر إليها، فليس الذي ظلله الله عز وجل على بني إسرائيل - فوصفه بأنه كان غماما - بأولى، بوصفه إياه بذلك أن يكون سحابا، منه بأن يكون غير ذلك مما ألبس وجه السماء من شيء"(9).
قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} [البقرة: 57]، أي و"أنعمنا عليكم"(10) بالمنّ والسلوى.
قال الصابوني: أي "بأنواعٍ من الطعام والشراب من غير كدٍّ ولا تعب"(11).
قال المراغي: " ما منحه الله لعباده يسمى إيجاده إنزالا كما جاء فى قوله: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ} [الحديد: 25] "(12).
واختلف في (المن) ما هو وتعيينه على أقوال (13):
الأول: أنه الترنجبين (14) - بتشديد الراء وتسكين النون ذكره النحاس، ويقال: الطرنجبين بالطاء - قاله ابن عباس (15)، وابن عامر (16)، والضحاك (17)، وعلى هذا أكثر المفسرين (18).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (547): ص 1/ 113.
(2)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 113.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (548): ص 1/ 113.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (962)، و (963): ص 2/ 90، وتفسير ابن أبي حاتم (549): ص 1/ 113.
(5)
تفسير القرطبي: 1/ 406.
(6)
وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين-رحمه الله، انظر تفسيره: 1/ 114.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (965): ص 2/ 91.
(8)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (550): ص 1/ 113.
(9)
تفسير الطبري: 2/ 91.
(10)
صفوة التفاسير: 1/ 52.
(11)
صفوة التفاسير: 1/ 52.
(12)
تفسير المراغي: 1/ 123.
(13)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 91 - 95، وتفسير القرطبي: 1/ 406 - 407.
(14)
ويصح بالتاء (الترنجبين) راجع لسان العرب: 10/ 96، وهو طل ينزل من الهواء ويجتمع على أطراف الشجر في بعض البلدان، وقيل: هو ندى شبيه العسل جامد متحبب ينزل من السماء، وقيل: يشبه الكمأة.
(15)
أنظر: تفسير الطبري (976): ص: 2/ 93.
(16)
أنظر: تفسير الطبري (977): ص: 2/ 93.
(17)
نقله الثعلبي عنه، انظر: تفسيره: 1/ 200، ونسبه في زاد المسير (1/ 71): الى ابن عباس ومقاتل، وذكر بقية الأقوال.
(18)
وكونه المراد بالمن في الآية قول الأكثر كما أفاده البغوي في معالم التنزيل: 1/ 97، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: 1/ 406، وأبو حيان في البحر المحيط: 1/ 214، والخازن في لباب التأويل: 471، والشوكاني في فتح القدير: 1/ 129. وقال به ابن عباس في رواية عنه ومقاتل كما في زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 84، وقال به أيضاً: ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 49، والسمرقندي في بحر العلوم: 1/ 121، والزمخشري في الكشاف: 1/ 282، والواحدي في كتابيه الوسيط: 1/ 142، والوجيز: 1/ 142، والرازي في مفاتيح الغيب: 1/ 93، والبيضاوي في أنوار التنزيل: 1/ 57، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم: 1/ 104.
والثاني: أنه صمغة حلوة. قاله مجاهد (1).
والثالث: أنه العسل. قاله ابن زيد (2)، وعامر (3)، ومنه قول أمية بن الصلت في وصف تيه بني اسرائيل وما رزقوا فيه (4):
فرأى الله أنهم بمَضِيعٍ
…
لا بذي مَزْرعٍ ولا معمورا
فَنَساها عليهم غاديات
…
ومرى مزنهم خلايا وخورا
عسلا ناطِفا وماء فراتا
…
وحليبا ذا بهجة مثمورا
المثمور: الصافي من اللبن، فجعل المن الذي كان ينزل عليهم عسلا ناطفا، والناطف: هو القاطر (5).
الرابع: أنه الذي يسقط على الثمام والعُشَر، وهو حلو كالعسل، وإياه عنى الأعشى - ميمون بن قيس - بقوله (6):
لو أُطعِموا المن والسلوى مكانَهمُ
…
ما أبصر الناس طُعما فيهمُ نجعا
الخامس: أنه خبز الرقاق. قاله وهب (7).
السادس: أنه الزنجبيل. قاله السدي (8).
السابع: أنه الكمأة. ومنه حديث الرسول-صلى الله عليه وسلم: " الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين "(9).
قال ابن عطية: " فقيل: أراد عليه السلام أن الكمأة نفسها مما أنزل نوعها على بني إسرائيل"(10).
(1) أنظر: تفسير الطبري (971): ص: 2/ 92.
(2)
أنظر: تفسير الطبري (970): ص: 2/ 92.
(3)
أنظر: تفسير الطبري (966)، و (967): ص: 2/ 91 - 92.
(4)
ديوانه: 34 - 35. في الأصول والديوان. " ولا مثمورا ". مضيع: بموضع ضياع وهوان وهلاك. يقال: هو بدار مضيعة (بفتح الميم وكسر الضاد)، كأنه فيها ضائع. وهو مفعلة، وطرح التاء منها كما يقولون: المنزل والمنزلة. ومزرع: مصدر ميمي من " زرع " يعني ليس بذي زرع، ومعمور: أي آهل ذهب خرابه. ونصب " ولا معمورا "، عطفا على محل " بذي مزرع "، وهو نصب. وآثرت هذه الكلمة، لأنها هي التي تتفق مع سياقه الشعر، ولأن التحريف في " معمور " و " مثمور " سهل، ولما سترى في شرح البيت الثالث.
(5)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 94 - 95. وقوله: ناطف، من نطف ينطف: قطر. وهو مشروح بعد - أي يقطر من السماء. والفرات: أشد الماء عذوبة. ووصف اللبن بأنه ذو بهجة. وهي الحسن والنضارة، لأنه لم يؤخذ زبده، فيرق، وتذهب لمعة الزبد منه، فاستعار البهجة لذلك. أما قوله:" مثمورا "، فهي في المطبوعة " ممرورا "، وفي المخطوطة في الصلب كانت تقرأ " مثمورا " ثم لعب فيها قلم الناسخ في الثاء والميم، ثم كتب هو نفسه في الهامش:" مزمورا "، ثم شرح في طرف الصفحة فقال:" المزمور: الصافي من اللبن ". وذلك شيء لا وجود له في كتب اللغة، وقد رأيت أنه كتب في البيت الأول " مثمورا "، ورجحت أن صوابها " معمورا "، ورجحت في هذا البيت أن يكون اختلط عليه حين كتب " مثمورا " فعاد فجعلها " مزمورا ".
ولم أجد " مثمورا " في كتب اللغة، ولكن يقال: الثمير والثميرة: اللبن الذي ظهر زبده وتحبب قال ابن شميل: إذا مخض رؤي عليه أمثال الحصف في الجلد، ثم يجتمع فيصير زبدا، وما دامت صغارا فهو ثمير. ويقولون: إن لبنك لحسن الثمر، وقد أثمر مخاضك. فكأنه قال:" مثمورا " ويعني " ثميرا "، لأن فعيلا بمعنى مفعول هنا.
(6)
ديوانه: 87 من قصيدة طويلة، يذكر فيها ذا التاج هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة، وكانت بنو تميم قد وثبت على مال وطرف كانت تساق إلى كسرى، فأوقع بهم المكعبر الفارسي، والي كسرى على البحرين، وأدخلهم المشقر - وهو حصن بالبحرين - بخديعة خدعهم بها، فقتل رجالهم واستبقى الغلمان. وكلم هوذة بن علي المكعبر يومئذ في مائة من أسرى بني تميم، فوهبهم له يوم الفصح، فأعتقهم، فقال الأعشى، يذكر ما كان من قبل هوذة في بني تميم:
سائل تميما به أيام صفقتهم
…
لما أتوه أسارى كلهم ضرعا
وسط المشقر في عيطاء مظلمة
…
لا يستطيعون فيها ثَمَّ ممتنعا
لو أُطعموا المن. . . . . . .
…
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوصف بني تميم بالكفر لنعمته (تاريخ الطبري 2: 132 - 134). والطعم: ما أكل من الطعام. ونجع الطعام في الإنسان: هنا أكله وتبينت تنميته، واستمرأه وصلح عليه.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (972): ص 2/ 92.
(8)
أنظر: تفسير الطبري (973): ص 2/ 93.
(9)
رواه أحمد والشيخان والترمذي، من حديث سعيد بن زيد. ورواه أيضًا أحمد والشيخان وابن ماجه، من حديث أبي سعيد وجابر. ورواه أبو نعيم في الطب، من حديث ابن عباس وعائشة. انظر مثلا، المسند: 1625، 1626. والجامع الصغير:6463. وزاد المعاد لابن القيم 3: 383. وتفسير ابن كثير 1: 174 - 176، وقد ساق كثيرا من طرقه.
(10)
المحرر الوجيز: 1/ 148.
الثامن: وقيل: أن {المن} ، مصدر يعم جميع ما من الله به على عباده من غير تعب ولا زرع (1)، ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل:" الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ تبارك وتعالى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ"(2) في رواية "الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَى مُوسَى، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ"(3).
(1) أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 148، ذهب إلى ذلك الزجاج في معاني القرآن: 1/ 138، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: 1/ 22.
(2)
رواه مسلم (2049)، الكمأةُ: نبات ينمو في الصحارى بريًّا تشبه البطاطا في شكلها ولونها بني بلون الأرض وتكون في الأرض من غير أن تُزرع.
(الكمأة) لغة: بفتح أوله وثالثه وسكون ثانيه مهموز (فتح الباري لابن حجر: 1/ 180)، والكَمْأَةُ واحدها كَمءٌ على غيرِ قياس وهو من النوادِرِ فإِنَّ القِياسَ العَكْسُ (لسان العرب 1/ 148)، وقيل: الكَمْأَةُ هي التي إِلى الغُبرة والسَّواد، والجِبَأَةُ إِلى الحُمْرةِ والفِقَعةُ البِيضُ، وأَكْمَأَتِ الأَرضُ فهي مُكْمِئةٌ كَثُرت كَمْأَتُها وأَرضٌ مَكْمُوؤَةٌ كثيرة الكَمْأَة وكَمَأَ القومَ، وأَكْمَأَهم الأَخيرةُ عن أَبي حنيفة أَطْعَمَهُم الكَمْأَةَ (لسان العرب 1/ 148).
وخَرجَ الناسُ يَتَكَمَّؤُون أَي يَجْتَنُون الكَمْأَةَ، ويقال: خرج المُتَكَمِّئُون وهم الذين يَطْلُبون الكَمْأَةَ، والكَمَّاءُ بَيَّاعُ الكَمْأَة وجانيها (لسان العرب 1/ 148)، وقيل: سميت بذلك لاستتارها، يقال: كمأ الشهادة إذا كتمها (فتح الباري لابن حجر: 10/ 163)
وسُميّت كمأة لاستتارها فهي مخفية تحت الأرض ولا ورق لها ولا ساق. تكثر في السنين الممطرة وخاصة إذا كان المطر غزيرًا في أوائل فصل الشتاء فتنمو في باطن الأرض على عمق حوالي 10 سم أو أكثر وحجمها يختلف ما بين ما يشبه الحمصة وما يصل إلى حجم البرتقالة، وهي مما يوجد في فصل الربيع ويؤكل نيئًا ومطبوخًا وتُسميها العرب نبات الرعد لأنها تكثر بكثرته وتنفطر عنها الأرض وهي من أطعمة أهل البوادي.
ويسمونها في بلاد الخليج والجزيرة العربية الفقع وفي بلاد الشام الكمأة وهو الاسم القديم لها كما سمّاها الرسول صلى الله عليه وسلم وتسمى أيضًا نبات الرعد وفي بعض البلاد بشجرة الأرض أو بيضة الأرض أو بيضة البلد من فصيلة الفطريات ولها عدة أنواع: الزبيدي والخلاسي والهبر.
تحتوي الكمأة على البروتين بنسبة 9 بالمائة، والمواد النشوية والتربة بنسبة 13 بالمائة، أما الدهن فهي فقيرة به أو لا يكاد يصل إلى 1 بالمائة لهذا فهي ذات مردود حراري متواضع، وأن ثلاثة أرباعها (75 بالمائة) من الماء.
وتحتوي الكمأة على معادن مشابهة لتلك التي يحتويها جسم الإنسان مثل الفوسفور والصوديوم والكالسيوم والبوتاسيوم وتحتوي الكمأة على الفيتامين" ب 1 وب 2" وهي غنية بهما، كما تحتوي الكمأة على كمية من النيتروجين إلى جانب الكربون والأوكسجين والهيدروجين وهي غنية بالفيتامين " أ " الذي يعالج هشاشة الأظافر وسرعة تقصّفها واضطراب الرؤية. (انظر: الكمأة من المن، الدكتور محمد نزار الدقر أخذا من موقع: http://www 55 a.net. ويسير أمارة الدعبول وطافر العطار في مقالتهما (العسل والكمأة وأمراض العيون). مجلة طبيبك، إيلول 1978. والمعتز بالله المرزوقي: في محاضرة له بعنوان (الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين). من مواد المؤتمر العالمي الأول عن الطب الإسلامي، الكويت ـ 1981).
أما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (شفاء للعين) فهذا من طبه صلى الله عليه وسلم ونحن نؤمن بذلك إيمان اليقين ولكن ينبغي الرجوع في ذلك إلى ذوي الاختصاص المؤمنين لأن وصفة الطبيب لا يجوز استعمال أي مريض لها بدون مانظرته، بل الذي يقرره الأطباء ضرورة رجوع المريض نفسه إلى الطبيب الذي أعطاه الوصفة ليقرر له هل يناسب استعمالها الآن مزاجه فيكررها أم لا (من تعليق صطفى ديب البغا على صحيح البخاري 4/ 1627).
وقوله صلى الله عليه وسلم: «من المن» قيل في المراد بالمن ثلاثة أقوال:
أحدها: أن المراد أنها من المن الذي أنزل على بني إسرائيل وهو الطل الذي يسقط على الشجر فيجمع ويؤكل حلواً ومنه الترنجبين فكأنه شبه به الكمأة بجامع ما بينهما من وجود كل منهما عفواً بغير علاج.
الثاني: أن المعنى أنها من المن الذي أمتن الله به على عباده عفواً بغير علاج قاله أبو عبيد وجماعة، وقال الخطابي ليس المراد أنها نوع من المن الذي أنزل على بني إسرائيل فإن الذي أنزل على بني إسرائيل كان الترنجبين الذي يسقط على الشجر وإنما المعنى أن الكمأة شيء ينبت من غير تكلف ببذر ولا سقي فهو من قبيل المن الذي كان ينزل على بني إسرائيل فيقع على الشجر فيتناولونه.
ثم أشار إلى أنه يحتمل أن يكون الذي أنزل على بني إسرائيل كان أنواعاً؛ منها ما يسقط على الشجر ومنها ما يخرج من الأرض فتكون الكمأة منه وهذا هو القول الثالث وبه جزم الموفق عبد اللطيف البغدادي ومن تبعه فقالوا أن المن الذي أنزل على بني إسرائيل ليس هو ما يسقط على الشجر فقط بل كان أنواعاً منّ الله عليهم بها من النبات الذي يوجد عفواً ومن الطير التي تسقط عليهم بغير اصطياد ومن الطل الذي يسقط على الشجر (فتح الباري 1/ 163).
والمن مصدر بمعنى المفعول؛ أي ممنون به فلما لم يكن للعبد فيه شائبة كسب كان منّاً محضاً وإن كانت جميع نعم الله تعالى على عبيده منّاً منه عليهم لكن خص هذا باسم المن لكونه لا صنع فيه لأحد فجعل سبحانه وتعالى قوتهم في التيه الكمأة، وهي تقوم مقام الخبز، وأدمهم السلوى وهي تقوم مقام اللحم، وحلواهم الطل الذي ينزل على الشجر، فكمل بذلك عيشهم، ويشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:«من المن» فأشار إلى أنها فرد من أفراده، فالترنجبين كذلك فرد من أفراد المن وإن غلب استعمال المن عليه عرفاً، ولا يعكر على هذا قولهم لن نصبر على طعام واحد لأن المراد بالوحدة دوام الأشياء المذكورة من غير تبدل وذلك يصدق على ما إذا كان المطعوم أصنافاً لكنها لا تتبدل أعيانها (فتح الباري 1/ 163).
وحديث (الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين) قد رواه جمع من الصحابة رضي الله عنه منهم:
1 -
سعيد بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» . رواه البخاري في تفسير سورة الأعراف، باب: المن والسلوى حديث رقم: (4639)، فتح الباري (8/ 203)، ورواه أيضاً في كتاب التفسير، باب:{وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى .. } ، فتح الباري (8/ 163)، ورواه الإمام أحمد في مسنده (1/ 187)، ورواه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الأشربة، وبوب له النووي: فضل الكمأة ومداواة العين بها، (14/ 423) من شرح صحيح مسلم.
- وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ تبارك وتعالى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» . مسلم (2049).
- وعنه رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَى مُوسَى، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» . السنن الكبرى للنسائي (6632).
- وعنه رضي الله عنه قال: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَفِي يَدِهِ كَمْأَةٌ، فَقَالَ:"تَدْرُونَ مَا هَذَا؟ هَذَا مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلعَيْنِ" مسند أحمد ط الرسالة (3/ 179)
1634 مسند الإمام أحمد (1/ 188).
2 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه، وهم يتنازعون في هذه الشجرة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار، فقالوا: نحسبها الكمأة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وهي شفاء من السم". مسند الإمام أحمد (2/ 421، 305).
(3، 4) - وعن جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وهي شفاء من الجنة". رواه ابن ماجه في كتاب الطب، باب: الكمأة والعجوة (2/ 1142).
5 -
عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "الْكَمْأَةُ دَوَاءُ لِلْعَيْنِ، وَإِنَّ الْعَجْوَةَ مِنْ فَاكِهَةِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ هَذِهِ الْحَبَّةَ السَّوْدَاءَ"، قَالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ: يَعْنِي الشُّونِيزَ الَّذِي يَكُونُ فِي الْمِلْحِ، "دَوَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا الْمَوْتَ". مسند أحمد ط الرسالة (38/ 21، رقم 22938) وضعف محققاه إسناده، وصححاه لغيره لشواهده.
6 -
عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَدَارَؤُوا فِي الشَّجَرَةِ الَّتِي {اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ} ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ:(نَحْسَبُهُ الْكَمْأَةَ). فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ، وَالْعَجْوَةُ من الجنَّة، وفيها شفاءٌ من السُّمِّ" رواه ابن مردويه. انظر: تفسير ابن كثير ت سلامة (1/ 270).
7 -
وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين". رواه النسائي في سننه الكبرى في الأطعمة، باب: الكمأة (4/ 156)، صحيح الجامع (4613).
8 -
عَنْ عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الْكَمَأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ". أمالي ابن سمعون الواعظ (ص: 234، 235). صحيح الجامع (4613).
9 -
عَن عَبد الله بن بريدة، عَن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "واعلموا أن الكمأة من المن". الطب النبوي لأبي نعيم الأصفهاني (2/ 619، رقم 664، 665).
فهذا الحديث كما ترى لم يتفرد به أبو هريرة بل رواه ستة من الصحابة غيره رضي الله تعالى عنه.
(3)
السنن الكبرى للنسائي: (6632).
فقيل: "أراد أنه لا تعب في الكمأة ولا جذاذ ولا حصاد، فهي منة دون تكلف، من جنس مَنِّ بني إسرائيل في أنه كان دون تكلف"(1).
والقول الأخير هو الأقرب إلى الصواب، أي: أن (المن) هو: "كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب، وغير ذلك، مما ليس لهم فيه عمل ولا كد، فالمن المشهور إن أكل وحده كان طعاما وحلاوة، وإن مزج مع الماء صار شرابا طيبا، وإن ركب مع غيره صار نوعا آخر، ولكن ليس هو المراد من الآية وحده"(2)؛ وهذا الرأي يعضده الحديث السابق (3).
كما يمكن إرجاع المن بأنه مادة صمغية جوية تنزل على شجر البادية تشبه الدقيق المبلول فيه حلاوة إلى حموضة، فإن أُكِل وحده كان طعاماً وحلاوة، وإن مزج معه الماء صار شراباً طيباً، وإن ركب مع غيره صار نوعاً آخر (4)، وعلى هذا القول يمكن حمل أكثر أقوال المفسرين أعلاه عليه، باعتبار كل قول منها ذكر وصفاً للمن سواء في كيفية النزول أم مكان وجوده أم طعمه أم طريقة تناوله. والله أعلم.
وكذا اختلف في المعني بقوله تعالى {السَّلْوَى} [البقرة: 57]، على أقوال (5):
(1) المحرر الوجيز: 1/ 148.
(2)
تفسير ابن كثير: 1/ 268.
(3)
وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ تبارك وتعالى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ"(رواه مسلم: 2049)، وفي رواية أخرى: في رواية "الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَى مُوسَى، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ (السنن الكبرى للنسائي: 6632).
(4)
انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 1/ 122، ومحاسن التأويل للقاسمي: 2/ 132، والتحرير والتنوير لابن عاشور: 1/ 509.
(5)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 407 - 408. وتفسير الطبري: 2/ 96 - 98.
الأول: أنه طائر ناعم يسمى (السُّمَانَى)، قاله ابن عباس (1)، وعامر (2)، والضحاك (3).
والثاني: أنه طائر شبيه بالسّماني. قاله ابن عباس (4)، والسدي (5)، والربيع (6).
قال ابن عثيمين: وهو "من أحسن ما يكون من الطيور، وألذه لحم"(7).
والثالث: أنه طائر سمين، يشبه الحمام. قاله وهب (8).
والرابع: أنه العسل (9)، بلغة كنانة، وسمي به لأنه يسلى به، ومنه عين السلوان. قاله المؤرج، أحد علماء اللغة والتفسير، وأنشد قول رؤبة (10):
لو أشرب السلوان ما سليت
…
ما بي غنى عنك وإن غنيت
واختاره أبو عبيد (11)، مستشهدا ببيت خالد بن زهير الهذلي (12):
وَقَاسَمَها بالله جَهْدًا لَأَنْتُمُ
…
أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إِذَا مَا نَشُورُهَا
قال أبو إسحاق: "السلوى طائر، وغلط خالد بن زهير، وظن أنه العسل"(13).
قال أبو علي: "والذي عندي في ذلك: أن السلوى كأنه ما يسلي عن غيره لفضيلة فيه، من فرط طيبه، أو قلة علاج ومعاناة، العسل لا يمتنع أن يسمى سلوى لجمعه الأمرين كما يسمى الطائر الذي كان يسقط مع المن به"(14).
قال الواحدي: "والسلوى بمعنى العسل صحيح في اللغة، وإن أنكره أبو إسحاق، ولكن الذي في الآية المراد به الطائر، لإجماع أهل التفسير عليه"(15).
وقال الجوهري: والسلوى العسل وذكر بيت رؤبة السابق (16)، وقال بعضهم السلوان دواء يسقاه الحزين فيسلو والأطباء يسمونه المفرح يقال: سليت وسلوت لغتان، وهو في سلوة من العيش أي في رغد (17).
قال ابن عطية، " {وَالسَّلْوى}، طير بإجماع من المفسرين"(18)، فقاله ابن عباس (19)، وعامر (20)، والضحاك (21)، وقتادة (22)، ومجاهد (23)، والسدي (24)، والربيع (25)، ووهب (26)، وابن زيد (27)، وعكرمة (28)، وهو طائر (السُّمَانَى) الذي فكان ينزل عليهم من المن والسلوى ما يكفيهم ويقيتهم، وبهذا قال أكثر أهل العلم (29).
وقد رد القرطبي على ابن عطية في تخطئته للهذلي، فقال: وما ادعاه من الإجماع لا يصح." (30)، ثم استشهد بقول "المؤرج، والجوهري" (31)، من أن (السلوى) يأتي بمعنى العسل في اللغة.
واختلف أهل اللغة في {السلوى} [البقرة: 57]، هل هو جمع أو مفرد:
القول الأول: أنه جمع لا واحد له من لفظه مثل الخير والشر، وهو يشبه أن يكون واحده سلوى مثل جماعته كما قالوا: دفلى للواحد والجماعة وسمانى وشكاعى في الواحد والجميع، وقال الخليل: واحده سلواة وأنشد (32):
وَإنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ هِزَّةٌ
…
كَمَا انْتَفَضَ السَّلْواةُ مِنْ بَلَلِ الْقَطْرِ
وهذا مذهب الأخفش (33)، والفراء (34).
القول الثاني: أن (السلوى) واحدة وجمعه سلاوى، وهذا مذهب الكسائي (35).
وقد اختلف الروايات في سبب تظليل الله جل ثناؤه الغمام، وإنزاله المن والسلوى على هؤلاء القوم؟
وأقرب الروايات أنه: "لما تاب الله على قوم موسى، وأحيا السبعين الذين اختارهم موسى بعد ما أماتهم، أمرهم الله بالسير إلى أريحا، وهي أرض بيت المقدس. فساروا حتى إذا كانوا قريبا منها بعث موسى اثني عشر نقيبا. فكان من أمرهم وأمر الجبارين وأمر قوم موسى، ما قد قص الله في كتابه، فقال قوم موسى لموسى:{قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]، فغضب موسى فدعا عليهم فقال:{قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 25]، فكانت عَجْلَةً من موسى عجلها، فقال الله تعالى:{قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 26]، فلما ضرب عليهم التيه، ندم موسى، وأتاه قومه الذين كانوا معه يطيعونه فقالوا له: ما صنعت بنا يا موسى؟ فلما ندم، أوحى الله إليه: أن لا تأس على القوم الفاسقين - أي لا تحزن على القوم الذين سميتهم فاسقين - فلم يحزن، فقالوا: يا موسى كيف لنا بماء ههنا؟ أين الطعام؟ فأنزل ألله عليهم المن - فكان يسقط على شجر الترنجبين - والسلوى وهو طير يشبه السمانى فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير، إن كان سمينا ذبحه وإلا أرسله، فإذا سمن أتاه. فقالوا: هذا الطعام، فأين الشراب؟ فأمر موسى فضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، فشرب كل سبط من عين. فقالوا: هذا الطعام والشراب؟ فأين الظل؟ فظلل عليهم الغمام. فقالوا: هذا الظل، فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان، ولا يتخرق لهم ثوب، فذلك قوله: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا
(1) انظر: تفسير الطبري (988): ص 2/ 97.
(2)
انظر: تفسير الطبري (987)، و (989): ص 2/ 96.
(3)
انظر: تفسير الطبري (990): ص 2/ 97.
(4)
انظر: تفسير الطبري (979): ص 2/ 97.
(5)
انظر: تفسير الطبري (980): ص 2/ 96.
(6)
انظر: تفسير الطبري (986): ص 2/ 97.
(7)
انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 114.
(8)
انظر: تفسير الطبري (984): ص 2/ 96.
(9)
ذكره الثعلبي في "تفسيره" عن المؤرج السدوسي 1/ 75 أ، وعن ابن الأعرابي: السلوى: طائر، وهو في غير القرآن: العسل، ونحوه عن ابن الأنباري "التهذيب"(سلا) 2/ 1726.
(10)
البيت لرؤبة: انظر ديوانه: 25. وانظر: اللسان: مادة (سلا)، والعين: مادة (سلو).
(11)
أنظر: "تهذيب اللغة"(سلا) 2/ 1726، وانظر "اللسان"(سلا) 4/ 2085.
(12)
ورد البيت في "شرح أشعار الهذليين" 1/ 215، "تهذيب اللغة"(سلا) 2/ 1726، "تفسير الطبري" 8/ 141، "الصحاح"(سلا) 6/ 2381، "تفسير الثعلبي" 1/ 75 أ، "المخصص" 5/ 15، 14/ 241، "اللسان"(سلا) 4/ 2086، "تفسير القرطبي" 1/ 347، "البحر المحيط" 1/ 205، 4/ 279، "الدر المصون" 1/ 370، "فتح القدير" 1/ 138، "الخزانة" 5/ 82، "زاد المسير" 1/ 84.
والبيت من قصيدة لخالد بن زهير يخاطب أبا ذؤيب الهذلي، في قصة حصلت بينهما حول امرأة كانا يترددان عليها، ذكرها السكري في "شرح أشعار الهذليين". و (السلوى) هاهنا: العسل، و (الشور): أخذ العسل من مكانه.
(13)
التفسير البسيط: 2/ 549، ، وعلى هذا فقد غلط كذلك ابن عطية في "تفسيره" 1/ 306، وانظر "تفسير القرطبي" 1/ 348.
(14)
نقلا عن: التفسير البسيط: 2/ 549.
(15)
التفسير البسيط: 2/ 550.
(16)
وهو قوله [انظر ديوانه: 25]:
لو أشرب السلوان ما سليت
…
ما بي غنى عنك وإن غنيت
(17)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 407 - 408.
(18)
المحرر الوجيز: 1/ 149.
(19)
انظر: تفسير الطبري (988): ص 2/ 97.
(20)
انظر: تفسير الطبري (987)، و (989): ص 2/ 96.
(21)
انظر: تفسير الطبري (990): ص 2/ 97.
(22)
انظر: تفسير الطبري (981): ص 2/ 96.
(23)
انظر: تفسير الطبري (983): ص 2/ 96.
(24)
انظر: تفسير الطبري (980): ص 2/ 96.
(25)
انظر: تفسير الطبري (986): ص 2/ 97.
(26)
انظر: تفسير الطبري (984): ص 2/ 96.
(27)
انظر: تفسير الطبري (985): ص 2/ 97.
(28)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: (564): ص 1/ 116.
(29)
انظر: تفسير السعدي: 1/ 52.
(30)
تفسير القرطبي: 1/ 407.
(31)
وقد مر قريبًا كلام المؤرج وأبي عبيد أنه بمعنى: العسل، انظر "الصحاح"(سلا) 6/ 2381.
(32)
البيت لأبي صخر الهذلي: انظر: الأمالي 1/ 148، وقد ورد البيت في "تهذيب اللغة"(سلا) 2/ 1726، "اللسان"(سلا) 4/ 2085، والوسيط للمؤلف 1/ 112، "تفسير القرطبي" 1/ 408، "البحر المحيط" 1/ 205، "الدر المصون" 1/ 307، وهو غير منسوب في هذه المصادر.
(33)
أنظر: معاني القرآن: 1/ 101.
(34)
أنظر: معاني القرآن للفراء: 1/ 38.
(35)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 407. وتفسير ابن كثير: 1/ 271 - 272.
عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} [البقرة: 57]، وقوله:{وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} [البقرة: 60] " (1).
قوله تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 57]، "أي وقلنا لهم كلوا من لذائذ نعم الله"(2).
قال الواحدي: " أي: وقلنا لهم: كلوا من طيبات، أي: حلالات، الطيب: الحلال، لأنه طاب، والحرام يكون خبيثًا، وأصل الطيب: الطاهر، فسمى الحلال طيبًا، لأنه طاهر لم يتدنس بكونه حرامًا"(3).
قال السعدي: " أي: رزقا لا يحصل نظيره لأهل المدن المترفهين، فلم يشكروا هذه النعمة، واستمروا على قساوة القلوب وكثرة الذنوب"(4).
وقد ذكروا في تفسير قوله تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 57]، ثلاثة تأويلات (5):
أحدها: يعني: كلوا من شهيات رزقنا الذي رزقناكموه.
والثاني: وكلوا من حلاله الذي أبحناه لكم فجعلناه لكم رزقا.
والثالث: أنها المباح (6).
والقول الأول أولى بالتفسير، وهو اختيار الإمام الطبري، لأنه "وصف ما كان القوم فيه من هنيء العيش الذي أعطاهم، فوصف ذلك ب (الطيب)، الذي هو بمعنى اللذة، أحرى من وصفه بأنه حلال مباح، و (ما) التي مع (رزقناكم)، بمعنى (الذي)، كأنه قيل: كلوا من طيبات الرزق الذي رزقناكموه"(7).
قوله تعالى: {وَمَا ظَلَمُونَا} [البقرة: 57]، " أي ما نقصونا شيئاً"(8).
قال الواحدي: " بإبائهم على موسى دخول هذه القرية، "(9).
قال ابن عثيمين: لأن الله لا تضره معصية العاصين ولا تنفعه طاعة الطائعين" (10).
قال السعدي: " يعني بتلك الأفعال المخالفة لأوامرنا لأن الله لا تضره معصية العاصين، كما لا تنفعه طاعات الطائعين"(11).
وأخرج ابن أبي حاتم" عن ابن عباس في قوله: {وما ظلمونا}، قال: نحن أعز من أن نظلم"(12).
قوله تعالى: {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: 57]، " أي لا يظلمون بهذا إلا أنفسهم"(13).
أخرج ابن أبي حاتم "عن ابن عباس في قوله: {أنفسهم يظلمون}، قال: يضرون"(14).
قال السعدي: " فيعود ضرره عليهم"(15).
قال القرطبي: " لمقابلتهم النعم بالمعاصي"(16).
قال الواحدي: ولكنهم ظلموا أنفسهم حين تركوا أمرنا فحبسناهم في التيه، فكانوا إذا أصبحوا وجدوا أنفسهم حيث ارتحلوا منذ أربعين سنة" (17).
(1) انظر الأخبار في: تفسير الطبري: 2/ 97 - 98.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 52.
(3)
التفسير البسيط: 2/ 550.
(4)
تفسير السعدي: 52.
(5)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 101، ومعاني القرآن للزجاج 1/ 110، "تفسير أبي الليث" 1/ 395، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 306، والبغوي في "تفسيره" 1/ 75.
(6)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 125.
(7)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 101.
(8)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 196.
(9)
التفسير البسيط: 2/ 550.
(10)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 196.
(11)
تفسير السعدي: 52.
(12)
تفسير ابن أبي حاتم (566): ص 1/ 116.
(13)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 196.
(14)
تفسير ابن أبي حاتم (567): ص 1/ 116.
(15)
تفسير السعدي: 52.
(16)
تفسير القرطبي: 1/ 409.
(17)
التفسير البسيط: 2/ 550.
وقد ذكروا في تفسير قوله تعالى: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: 57]، وجهين (1):
أحدهما: أنه يعني: ما نقصونا بالمعصية، ولكن نقصوا حظ أنفسهم باستيجابهم عذابي.
قيل: "أنهم نهوا أن يدخروا لغد، لأن الله تعالى كان يجدد لهم كل يوم من المن والسلوى إلا يوم السبت، فكانوا يأخذون يوم الجمعة ما يكفيهم، فتعدّوا وادخروا وقدّدوا وملّحوا، فعصوا فقال الله تعالى: {وَمَا ظَلَمُوَنا} "(2).
والثاني: أنه يعني: {وما ظلمونا} بإبائهم على موسى دخول هذه القرية، ولكنهم ظلموا أنفسهم حين تركوا أمرنا فحبسناهم في التيه، فكانوا إذا أصبحوا وجدوا أنفسهم حيث ارتحلوا منذ أربعين سنة.
وجمهور المفسرين على عموم المعنى، قالوا: وما ظلمونا بفعلهم المعصية وعدم شكرهم تلك النعم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (3).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: نعمة الله تبارك وتعالى بما هيأه لعباده من الظلِّ؛ فإن الظلّ عن الحرّ من نعم الله على العباد؛ ولهذا ذكره الله عز وجل هنا ممتناً به على بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: {وظللنا عليكم الغمام} ، وقوله تعالى:{والله جعل لكم مما خلق ظلالًا} [النحل: 81].
2 ومنها: أن الغمام يسير بأمر الله عز وجل، حيث جعل الغمام ظلاً على هؤلاء.
3.
ومنها: بيان نعمة الله على بني إسرائيل بما إنزل عليهم من المن، والسلوى. يأتيهم بدون تعب، ولا مشقة؛ ولهذا وصف بـ "المن".
4 ومنها: أن لحم الطيور من أفضل اللحوم؛ لأن الله تعالى هيأ لهم لحوم الطير. وهو أيضاً لحوم أهل الجنة، كما قال تعالى:{ولحم طير مما يشتهون} (الواقعة: 21)
5 ومنها: أن الإنسان إذا أنعم الله عليه بنعمة فينبغي أن يتبسط بها، ولا يحرم نفسه منها؛ لقوله تعالى:
{كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 57]؛ فإن الإنسان لا ينبغي أن يتعفف عن الشيء المباح؛ ولهذا قال شيخ الإسلام. رحمه الله: "من امتنع من أكل الطيبات لغير سبب شرعي فهو مذموم"؛ وهذا صحيح؛ لأنه ترك ما أباح الله له وكأنه يقول: إنه لا يريد أن يكون لله عليه منة؛ فالإنسان لا ينبغي أن يمتنع عن الطيبات إلا لسبب شرعي؛ والسبب الشرعي قد يكون لسبب يتعلق ببدنه؛ وقد يكون لسبب يتعلق بدينه؛ وقد يكون لسبب يتعلق بغيره؛ فقد يمتنع الإنسان عن اللحم؛ لأن بدنه لا يقبله، فيكون تركه له من باب الحمية؛ وقد يترك الإنسان اللحم، لأنه يخشى أن تتسلى به نفسه حتى يكون همه أن يُذهب طيباته في حياته الدنيا؛ وقد يترك الإنسان الطيب من الرزق مراعاة لغيره، مثل ما يذكر عن عمر رضي الله عنه في عام الرمادة. عام الجدب المشهور. أنه كان لا يأكل إلا الخبز والزيت، حتى اسود جلده، ويقول: بئس الوالي أنا إن شبعت والناس جياع (4)؛ فيكون تركه لذلك مراعاة لغيره؛ إذاً من امتنع من الطيبات لسبب شرعي فليس بمذموم.
6 ومنها: أن المباح من الزرق هو الطيب؛ لقوله تعالى: {كلوا من طيبات} .
7 ومنها: تحريم أكل الخبيث، والخبيث نوعان: خبيث لذاته؛ وخبيث لكسبه؛ فالخبيث لذاته كالميتة، والخنْزير، والخمر، وما أشبهها، كما قال الله تعالى:{قل لا أجد في ما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنْزير فإنه رجس} [الأنعام: 145] أي نجس خبيث؛ وهذا محرم لذاته؛ محرم على جميع الناس؛ وأما الخبيث لكسبه فمثل المأخوذ عن طريق الغش، أو عن طريق الربا، أو عن طريق الكذب، وما أشبه ذلك؛ وهذا محرم على مكتسبه، وليس محرماً على غيره إذا اكتسبه منه بطريق مباح؛ ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعامل اليهود مع أنهم كانوا يأكلون السحت، ويأخذون الربا، فدلّ ذلك على أنه لا يحرم على غير الكاسب.
(1) أنظر: التفسير البسيط: 2/ 550 - 551.
(2)
التفسير البسيط: 2/ 552.
(3)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 306، والكشاف: 1/ 283، وزاد المسير: 1/ 48، وتفسير القرطبي: 1/ 409، والبيضاوي: 1/ 26، والنسفي في "تفسيره" 1/ 129، "تفسير ابن كثير" 1/ 104.
(4)
البداية والنهاية 10/ 185.
8 ومن فوائد الآية: أن بني إسرائيل كفروا هذه النعمة؛ لقوله تعالى: (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)
9 ومنها: أن العاصي لا يضر الله شيئاً؛ وإنما يظلم نفسه.
القرآن
التفسير:
واذكروا نعمتنا عليكم حين قلنا: ادخلوا مدينة "بيت المقدس" فكلوا من طيباتها في أي مكان منها أكلا هنيئًا، وكونوا في دخولكم خاضعين لله، ذليلين له، وقولوا: ربَّنا ضَعْ عنَّا ذنوبنا، نستجب لكم ونعف ونسترها عليكم، وسنزيد المحسنين بأعمالهم خيرًا وثوابًا.
قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ} [البقرة: 58]، أي:" واذكروا يا بني إسرائيل إذ قلنا ادخلوا هذه القرية"(1).
قال الصابوني: أي واذكروا أيضاً نعمتي عليكم حين قلنا لكم بعد خروجكم من التيه، ادخلوا بيت المقدس" (2).
واختلف المفسرون في تعيين {القرية} على أقوال (3):
الأول: أنها بيت المقدس. قاله قتادة (4)، والسدي (5)، والربيع (6)، وهو قول الجمهور.
والثاني: أنها أريحا من بيت المقدس، إذ كانت قاعدة ومسكن ملوك. قاله ابن زيد (7).
والثالث: أنها: الرملة والأردن وفلسطين وتدمر، قاله الضحاك (8).
والراجح هو القول الأول، وهو قول الجمهور. والله أعلم.
وقوله تعالى {هَذِهِ الْقَرْيَةَ} [البقرة: 58]، أي "المدينة، سميت بذلك لأنها تقرت أي اجتمعت ومنه قريت الماء في الحوض أي جمعته"(9).
وقال أهل اللغة، أن "اشتقاق القرية من قريت، أي جمعت، والمقراة: الحوض يجمع فيه الماء، والقَرِيّ: مسيل يجتمع الماء إليه (10)، ويقال لبيت النمل: قرية، لأنه يجمع النمل (11)، قال (12):
كَأَنَّ قُرَى نَمْلٍ عَلَى سَرَوَاتِهَا
…
يُلَبِّدُهَا فِي لَيْلِ سَارِيَةٍ قَطْرُ
فالقرية تجمع أهلها، ومنه يقال للظهر: القرى، لأنه مجتمع القوى" (13).
قوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا} [البقرة: 58]، " أي كلوا منها أكلاً واسعاً هنيئاً"(14).
قال مجاهد: {رغدا} : " لا حساب عليهم"(15).
وقال السدي: " {رغدا}: الهنيء"(16).
(1) تفسير ابن عثيمين: 1/ 199.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 52.
(3)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 409.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (999): ص 2/ 102.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (1000): ص 2/ 102 - 103.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (1001): ص 2/ 103.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (1002): ص 2/ 103.
(8)
نقلا: عن تفسير الثعلبي: 1/ 201، وتفسير القرطبي: 1/ 409.
(9)
تفسير القرطبي: 1/ 409.
(10)
انظر "الزاهر" 2/ 107، "جمهرة أمثال العرب" 2/ 411، "تهذيب اللغة"(قرأ) 3/ 3911، "مقاييس اللغة"(قرى) 5/ 78، "المحكم" 6/ 307.
(11)
قال ابن سيده: قرية النمل: ما تجمعه من التراب، "المحكم" 6/ 307، وانظر "اللسان"(قرأ) 6/ 3617. والبيت الذي ذكره يؤيد قول ابن سيده.
(12)
البيت من شواهد الواحدي في التفسير البسيط: 2/ 552، ولم أتعرف على قائله.
(13)
التفسير البسيط: 2/ 552.
(14)
صفوة التفاسير: 1/ 52.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (570): ص 1/ 117.
(16)
أخرجه ابن أبي حاتم (571): ص 1/ 117.
قال الثعلبي: " موسعا عليكم"(1).
قال الطبري: أي"عيشا هنيا واسعا بغير حساب"(2).
قوله تعالى: {وَادْخُلُوا الْبابَ} [البقرة: 58]، " أي وادخلوا باب القرية"(3).
قال الثعلبي: "يعني بابا من أبواب القرية وكان لها سبعة أبواب"(4).
قوله تعالى: {سُجَّداً} [البقرة: 59]، أي:"منحنين متواضعين"(5).
قال الصابوني: " أي ساجدين لله شكراً على خلاصكم من التيه"(6).
عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"قيل لبني إسرائيل: {ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} فدخلوا يزحفون على أستاههم، فبدّلوا وقالوا: حطة: حبة في شعرة"" (7).
وروي عن عبد الله بن مسعود قال: "قيل لهم: {ادخلوا الباب سجدا}، فدخلوا مقنعي رؤسهم"(8).
واختلفوا في (الباب) في قوله {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً} [البقرة: 58]، على ثلاثة أوجه (9):
أحدها: أنه باب في بيت المقدس يعرف اليوم بـ (باب حِطَّةَ)، وهذا قول ابن عباس (10)، ومجاهد (11)، والسدي (12)، والضحاك (13)، واختاره الطبري (14)، وهو المشهور.
والثاني: أنه باب القبة التي كان يصلي إليها موسى وبنو إسرائيل.
والثالث: أنه باب القرية، التي أمروا بدخولها (15).
واختلفوا في قوله {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً} [البقرة: 58]، على وجهين (16):
أحدهما: أن معناه: رُكَّعاً، منحنين ركوعا. وهذا قول ابن عباس (17).
والثاني: أن معناه: متواضعين خشوعا، لا على هيئة متعينة.
والقول الأول أشبه بالصواب: وأصل (السجود) الانحناء لمن سُجد له معظَّما بذلك. فكل منحن لشيء تعظيما له فهو (ساجد) ومنه قول زيد الخيل بن مهلهل الطائي (18):
بَجَمْعٍ تَضَلُّ الْبَلْقُ في حُجُرَاتِهِ
…
تَرَى الأكْمَ فِيهِ سُجَّداً لِلْحَوافِرِ
(1) تفسير الثعلبي: 1/ 201.
(2)
تفسير الطبري: 2/ 103.
(3)
صفوة التفاسير: 1/ 52.
(4)
تفسير الثعلبي: 1/ 201.
(5)
تفسير الثعلبي: 1/ 201.
(6)
صفوة التفاسير: 1/ 52.
(7)
صحيح البخاري برقم (4479)، وسنن النسائي الكبرى برقم (10990).
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (579): ص 1/ 118.
(9)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 103، وتفسير القرطبي: 1/ 410.
(10)
أنظر: تفسير الطبري (1006): ص 2/ 104.
(11)
أنظر: تفسير الطبري (1003): ص 2/ 103، وتفسير ابن أبي حاتم (574): ص 1/ 117.
(12)
أنظر: تفسير الطبري (1005): ص 2/ 104.
(13)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 117.
(14)
أنظر: تفسير الطبري: 2/ 103.
(15)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 125.
(16)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 104، وتفسير القرطبي: 1/ 410.
(17)
أنظر: تفسير الطبري (1006)، و (1007)، و (1008): ص 2/ 104.
(18)
الكامل 1: 258، والمعاني الكبير: 890، والأضداد لابن الأنباري: 256، وحماسة ابن الشجري: 19، ومجموعة المعاني: 192، وغيرها. والباء في قوله " بجمع " متعلقة ببيت سالف هو:
بَنِي عَامِرٍ، هَلْ تَعْرِفُونَ إِذَا غَدَا
…
أَبُو مِكْنَفٍ قَدْ شَدَّ عَقْدَ الدَّوَابِرِ؟
والبلق جمع أبلق وبلقاء: الفرس يرتفع تحجيلها إلى الفخذين. والحجرات جمع حجرة (بفتح فسكون): الناحية. والأكم (بضم فسكون، وأصلها بضمتين) جمع إكام، جمع أكمة: وهي تل يكون أشد ارتفاعا مما حوله، دون الجبل، غليظ فيه حجارة. قال ابن قتيبة في المعاني الكبير:" يقول: إذا ضلت البلق فيه مع شهرتها فلم تعرف، فغيرها أحرى أن يضل. يصف كثرة الجيش، ويريد أن الأكم قد خشعت من وقع الحوافر ". وفي المطبوعة هنا " فيه " والجيد ما أثبته، والضمير في " منه " للجيش أو الجمع.
فقوله (سجدا)، أي: خاشعة خاضعة، ومن ذلك قول أعشى بني قيس بن ثعلبة (1):
يُرَاوِحُ مِنْ صَلَواتِ الْمِلَيـ
…
كِ طَوْراً سُجُوداً وَطَوْراً حِوَاراً
فذلك تأويل ابن عباس قوله: (سجدا) ركعا، لأن الراكع منحن، وإن كان الساجد أشد انحناء منه (2).
قوله تعالى: {وَقُولُوا حِطَّةٌ} [البقرة: 58]، "أي قولوا يا ربنا حطَّ عنا ذنوبنا واغفر لنا خطايانا"(3).
والـ {حِطَّةٌ} : من قول القائل: " حط الله عنك خطاياك فهو يحطها حطة "(4)، واختلف أهل العلم في تفسيره على أقوال (5):
الأول: أن معناه: حُطَّ عنا خطايانا، وهو قول الحسن (6)، وقتادة (7)، وابن زيدٍ (8)، وعطاء (9)، ورواية ابن جريج عن ابن عباس (10).
قال الماوردي: "وهو أشبهُ بظاهر اللفظ"(11). وهذا تفسير حسن، قال به كثير من أهل العلم (12).
والثاني: أن معناه: قولوا (لا إله إلا الله). روي ذلك عن عكرمة (13)، كأنهم وجهوا تأويله: قولوا الذي يحط عنكم خطاياكم، وهو قول لا إله إلا الله.
والثالث: أن {حِطَّة} المغفرة، فكأنه أمر بالاستغفار، وهو رواية سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ (14)، وروي عن عطاء والحسن وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك (15).
والرابع: أنه قولهم: "هذا الأمر حق كما قيل لكم"(16)، وهو رواية الضحاك، عن ابن عباسٍ (17).
الخامس: معناه: " أن أقروا بالذنب". حكاه الأوزاعي عن ابن عباس (18).
السادس: أن معنى (حِطَّةٌ): بسم الله، ذكره السمرقندي (19) عن بعضهم، فكأن المعنى عليه: ادخلوا الباب خاضعين لله مستعينين به على عدوكم، فإن فعلتم ذلك غفرنا لكم خطاياكم نتيجة امتثالكم، وهو محتمل.
والسابع: أن (حِطَّة) من ألفاظ أهل الكتاب لا يعرف المراد منها، قاله الأصم (20).
(1) ديوانه: 41. راوح يراوح مراوحة: عمل عملين في عمل، يعمل ذامرة وذا مرة، قال لبيد يصف فرسا:
وولّى عامدا لِطِيات فَلْج
…
يراوح بين صون وابتذال
وقوله: " من صلوات "" من " هنا لبيان الجنس، مثل قوله تعالى: يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس واستبرق ". وحذف " بين " التي تقتضيها " يراوح "، لدلالة ما يأتي عليها، وهو قوله: " طورا. . وطورا ". والجؤار: رفع الصوت بالدعاء مع تضرع واستغاثة وجزع. جأر إلى ربه يجأر جؤارا.
(2)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 105.
(3)
صفوة التفاسير: 1/ 52.
(4)
تفسير الطبري: 2/ 105.
(5)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 106، والنكت والعيون: 1/ 126.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (1009): ص 2/ 105، وابن أبي حاتم (584): ص 1/ 119.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (1009): ص 2/ 105، وابن أبي حاتم (584): ص 1/ 119.
(8)
أنظر: تفسير الطبري (1010): ص 2/ 105 - 106.
(9)
أنظر: تفسير الطبري (1014): ص 2/ 106.
(10)
أنظر: تفسير الطبري (1011): ص 2/ 106.
(11)
النكت والعيون: 1/ 126.
(12)
انظر: غريب القرآن وتفسيره لليزيدي: 70، معاني القرآن للأخفش: 1/ 269، تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 185، النكت والعيون للماوردي: 1/ 126، المفردات للراغب: 122، الكشاف للزمخشري: 1/ 283، أنوار التنزيل للبيضاوي: 1/ 58، إرشاد العقل السليم لأبي السعود: 1/ 104، محاسن التأويل للقاسمي: 2/ 134، وغيرها.
(13)
أنظر: تفسير الطبري (1015): ص 2/ 107، وابن أبي حاتم (582): ص 1/ 118.
(14)
أنظر: تفسير الطبري (1012): ص 2/ 106، وفيه:": (حطة)، مغفرة". وأنظر: الخبر (1016): ص 2/ 106. وفيه": أمروا أن يستغفروا".
(15)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 118.
(16)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 106 - 107.، ويقرب منه ما ذكره السيوطي في المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب: 84 من أن المعنى صواباً، فكأن المطلوب منهم: الإقرار بصدق الرسول فيما جاء به، والتسليم وعدم التكذيب، وهو محتمل.
(17)
أنظر: تفسير الطبري (1017): ص 2/ 107، وابن أبي حاتم (581): ص 1/ 118.
(18)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (583): ص 1/ 118.
(19)
أنظر: بحر العلوم: 1/ 121.
(20)
أنظر: مفاتيح الغيب للرازي: 3/ 95، وذكر ذلك السيوطي في المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب: 83 - 84، وهو قول بعيد إذ اللفظة معلومة الاشتقاق في العربية.
والثامن: أن (حِطَّة): كانت تعني في ذلك المكان الدلالة على العجز، وهي من أقوال أصحاب المسألة والشحاذين، أمروا بها كيلا يحسب لهم أهل القرية حساباً، ولا يأخذوا منهم حذراً، فيكون القول الذي أمروا به على ذلك قولاً يخاطبون به أهل القرية (1).
والتاسع: أن (حِطَّة) تعني إقامة من الحط بمعنى حط الرحال وإنزالها، أي: ادخلوا قائلين إنكم ناوون الإقامة والاستقرار بها، قاله أبو مسلم الأصفهاني (2).
وهذان القولان الأخيران كما ذكر الألوسي بعيدان لعدم ظهور تعلق الغفران بهما (3).
وأحسن هذه الوجوه وأقربها إلى التحقيق القول الأول، والله أعلم.
واختلف أهل العربية في المعنى الذي من أجله رفعت (الحطة)، على أقوال (4):
الأول: فقال بعض نحويي البصرة: رفعت (الحطة) بمعنى (قولوا) ليكن منك حطة لذنوبنا، كما تقول للرجل: سَمْعُك.
والثاني: وقال آخرون منهم: هي كلمة أمرهم الله أن يقولوها مرفوعة، وفرض عليهم قيلها كذلك.
والثالث: وقال بعض نحويي الكوفيين: رفعت (الحطة) بضمير (هذه)، كأنه قال: وقولوا: (هذه) حطة.
والرابع: وقال آخرون منهم: هي مرفوعة بضمير معناه الخبر، كأنه قال: قولوا ما هو حطة، فتكون (حطة) حينئذ خبرا لـ (ما).
والأقرب إلى الصواب: "أن يكون رفع (حطة) بنية خبر محذوف قد دل عليه ظاهر التلاوة، وهو دخولنا الباب سجدا حطة، فكفى من تكريره بهذا اللفظ، ما دل عليه الظاهر من التنزيل، وهو قوله: (وادخلوا الباب سجدا)، كما قال جل ثناؤه: {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ} [الأعراف: 164]، يعني: موعظتنا إياهم معذرة إلى ربكم. فكذلك عندي تأويل قوله: (وقولوا حطة)، يعني بذلك: وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية، وادخلوا الباب سجدا، وقولوا: دخولنا ذلك سجدا حطة لذنوبنا، وهذا القول على نحو تأويل الربيع بن أنس وابن جريج وابن زيد"(5).
وأما على تأويل قول عكرمة، "فإن الواجب أن تكون القراءة بالنصب في (حطة)، لأن القوم إن كانوا أمروا أن يقولوا: (لا إله إلا الله)، أو أن يقولوا: (نستغفر الله)، فقد قيل لهم: قولوا هذا القول، ف (قولوا) واقع حينئذ على (الحطة)، لأن (الحطة) على قول عكرمة - هي قول (لا إله إلا الله)، وإذا كانت هي قول (لا إله إلا الله)، فالقول عليها واقع، كما لو أمر رجل رجلا بقول الخير فقال له: " قل خيرا " نصبا، ولم يكن صوابا أن يقول له:(قل خير)، إلا على استكراه شديد، وفي إجماع القَرَأَةِ على رفع (الحطة) بيان واضح على خلاف الذي قاله عكرمة من التأويل في قوله:(وقولوا حطة)، وكذلك الواجب على التأويل الذي رويناه عن الحسن وقتادة في قوله:(وقولوا حطة)، أن تكون القراءة في (حطة) نصبا، لأن من شأن العرب - إذا وضعوا المصادر مواضع الأفعال، وحذفوا الأفعال - أن ينصبوا المصادر. كما قال الشاعر (6):
أبيدوا بأيدي عصبة وسيوفهم
…
على أمهات الهام ضربا شآميا
وكقول القائل للرجل: (سمعا وطاعة) بمعنى: أسمع سمعا وأطيع طاعة، وكما قال جل ثناؤه:(معاذ الله)[يوسف: 23] بمعنى: نعوذ بالله" (7).
(1) انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور: 1/ 515.
(2)
انظر: مفاتيح الغيب للرازي: 3/ 95، التحرير والتنوير لابن عاشور: 1/ 515.
(3)
أنظر: روح المعاني: 1/ 265.
(4)
انظر: تفسير الطبري: 1/ 107=108.
(5)
تفسير الطبري: 2/ 107 - 108.
(6)
ديوانه: 890 في قصيدة يمدح فيها يزيد عبد الملك، ويذكر إيقاعه بيزيد بن المهلب في سنة 102 (انظر خبره في تاريخ الطبري 8: 151 - 160). ورواية ديوانه. " أناخوا بأيدى طاعة، وسيوفهم " قوله: " أناخوا "، أي ذلوا وخضعوا، أو صرعوا فماتوا، كأنهم إبل أناخت واستقرت. وقوله:" أيدي طاعة "، أي أهل طاعة.
(7)
تفسير الطبري: 1/ 108 - 109.
واختلفت القراءة في قوله تعالى {حِطَّةٌ} [البقرة: 59]، على وجهين (1):
الأول: {حِطَّة} ، بالنصب (2)، وهي قراءة إبراهيم بن أبي عبلة (3)(4).
والثاني: {حِطَّةٌ} ، بالرفع، قرأ بها الجمهور (5)، على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: مسألتنا حطة (6)
قوله تعالى: {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} [البقرة: 58]، "أي نمح ذنوبكم ونكفّر سيئاتكم"(7).
قال قتادة: " من كان خاطئا غفرت له خطيئته"(8).
قال الماوردي: " أي نرحمْكم، ونسترها عليكم، فلا نفضحكم بالعقوبة عليها "(9).
قال الطبري: أي: "نتغمد لكم بالرحمة خطاياكم، ونسترها عليكم، فلا نفضحكم بالعقوبة عليها"(10).
وأصل (الغفر) التغطية والستر، فكل ساتر شيئا فهو غافره، ومن ذلك قيل للبيضة من الحديد التي تتخذ جُنة للرأس (مغفر)، لأنها تغطي الرأس وتجنه، ومنه (غمد السيف)، وهو ما تغمده فواراه ولذلك قيل لزئبر الثوب:(غفرة)، لتغطيته الثوب، وحوله بين الناظر والنظر إليه، ومنه قول أوس بن حجر (11):
فلا أعتب ابن العم إن كان جاهلا
…
وأغفر عنه الجهل إن كان أجهلا
فقوله: (وأغفر عنه الجهل): أي: أستر عليه جهله بحلمي عنه (12).
و(الخطايا)، جمع: خطية، بغير همز، كما (المطايا)، جمع: مطية، ولو كانت (الخطايا) مجموعة على (خطيئة)، بالهمز: لقيل خطائي على مثل قبيلة وقبائل، وقد تجمع " خطيئة " بالتاء، فيهمز فيقال " خطيئات ". و " الخطيئة " فعيلة، من " خَطِئَ الرجل يخطأ خِطْأ "، وذلك إذا عدل عن سبيل الحق. ومنه قول الشاعر (13):
(1) أنظر: شواذ القرآن لابن خالويه: 13، الكشاف للزمخشري: 1/ 283، المحرر الوجيز لابن عطية: 1/ 231، مفاتيح الغيب للرازي: 3/ 95، البحر المحيط لأبي حيان: أ/222، روح المعاني للألوسي: 1/ 266.،
(2)
ذكر الزمخشري في الكشاف: 1/ 283 أن النصب هو الأصل، واستحسنه أبو حيان في البحر المحيط: 1/ 222.
(3)
هو: إبراهيم بن أبي عبلة (شمر) بن يقظان الشامي المرتحل، ثقة فاضل له أدب ومعرفة، وكان يقول الشعر، توفي عام: 152 هـ. انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: 2/ 105، تاريخ بغداد للخطيب: 6/ 133، تهذيب التهذيب-المعرفة-لابن حجر: 1/ 154، تقريب التهذيب لابن حجر:111.
(4)
انظر في نسبة قراءة النصب له: شواذ القرآن لابن خالويه: 13، الكشاف للزمخشري: 1/ 283، المحرر الوجيز لابن عطية: 1/ 231، مفاتيح الغيب للرازي: 3/ 95، البحر المحيط لأبي حيان: أ/222، روح المعاني للألوسي: 1/ 266.،
(5)
هي قراءة العشرة المتواترة، إذ لم يذكر من صنف في قراءاتهم في الآية خلافاً، انظر: الغاية لابن مهران: 111، الإقناع لابن الباذش: 2/ 598، النشر لابن الجزري: 2/ 214، المهذب د. محيسن: 1/ 56. وقد نسبها للجمهور غير واحد، انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 1/ 410، وفتح القدير للشوكاني: 1/ 132، وقد ذكر النحاس في إعراب القرآن: 2/ 228 بأن الرفع أولى في اللغة.
(6)
والمعنى: سؤالنا إياك أن تحط ذنوبنا، ويمكن أن يكون التقدير: أمرك حطة، أي: استسلمنا لأمرك فحط عنا ذنوبنا، أو: شأنك حطة، أي: شأنك أن تحط ذنوب التائبين فحط ذنوبنا، أو إرادتنا حطة، أي: إرادتنا أن تحط ذنوبنا. والحطة على هذا القول يراد بها مطلق المصدر كالحط، والحط: الإزالة، يقال: حططت عنه الخراج أي: أزلته عنه. وانظر هذا الوجه في: إعراب القرآن للنحاس: 1/ 228، معاني القرآن للزجاج: 1/ 110، البسيط للواحدي-تحقيق الفوزان-: 3/ 932، إملاء ما من به الرحمن للعكبري: 1/ 38، البحر المحيط لأبي حيان: 1/ 222، الدر المصون للسمين: 1/ 232.
(7)
صفوة التفاسير: 1/ 52.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (585): ص 1/ 119.
(9)
النكت والعيون: 1/ 126.
(10)
تفسير الطبري: 2/ 109.
(11)
ديوانه، قصيدة " 31. وهذه الرواية جاءت في شرح شواهد المغني: 137، وأما في سائر الكتب:" إن كان ظالما "، وهي أجود. وقوله:" أجهل " بمعنى جاهل، كما قالوا " أوجل " بمعنى وجل، وأميل بمعنى مائل، وأوحد بمعنى واحد، وغيرها. ورواية صدر البيت على الصواب:" ألا أعتب " كما في المفضليات 590 وغيره، أو " وقد أعتب " كما في القرطين 2:69. ويروى " ولا أشتم ابن العم ". يقول: أبلغ رضاه إذا ظلم او جهل، فأترك له ما لا يحب إلى ما يرضاه.
(12)
تفسير الطبري: 2/ 109 - 110.
(13)
البيت لأمية بن الأسكر، أمالي القالي 3: 109، وكتاب المعمرين: 68 والخزانة 2: 405، ويروى صدره " أتاه مهاجران تكنفاه ". وأما عجزه فاختلفت رواياته:" بترك كبيرة خطئا. . " و " ليترك شيخه خطئا. . "، " ففارق شيخه، . . " وكان أمية قد أسن، عمر في الجاهلية عمرا طويلا، وألفاه الإسلام هرما. ثم جاء زمن عمر، فخرج ابنه كلاب غازيا، وتركه هامة اليوم أو غد. فقال أبياتا منها هذا للبيت، فلما سمعها عمر، كتب إلى سعد بن أبي وقاص: أن رحل كلاب بن أمية بن الأسكر، فرحله. وله مع عمر في هذه الحادثة قصة جيدة (في القالي 1: 109).
وإن مُهَاجِرَيْن تَكَنَّفاه
…
لعمر الله قد خطئا وخابا
يعني: أضلا الحق وأثما (1).
قال ابن عثيمين: " (المغفرة) هي ستر الذنب، والتجاوز عنه؛ ومعناه أن الله ستر ذنبك، ويتجاوز عنك، فلا يعاقبك؛ لأن "المغفرة" مأخوذة من المغفر. وهو ما يوقى به الرأس في الحرب؛ لأنه يستر، ويقي؛ ومن فسر "المغفرة" بمجرد الستر فقد قصَّر؛ لأن الله تعالى إذا خلا بعبده المؤمن يوم القيامة، وقرره بذنوبه قال: "قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم" (2) أي اليوم أسترها أيضاً، ثم أتجاوز عنها؛ و {خطاياكم} جمع خَطِيَّة، كـ"مطايا" جمع مطية؛ و "الخطية" ما يرتكبه الإنسان من المعاصي عن عمد؛ وأما ما يرتكبه عن غير عمد فيسمى "أخطاء"؛ ولهذا يفرق بين "مخطئ"، و"خاطئ"؛ الخاطئ ملوم؛ والمخطئ معذور، كما قال الله تعالى: {لنسفعاً بالناصية * ناصية كاذبة خاطئة} [العلق: 15، 16]، وقال تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] "(3).
قوله تعالى: {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 58]، "أي نزيد من أحسن إحساناً، بالثواب العظيم، والأجر الجزيل"(4).
قال الثعلبي: "إحسانا وثوابا"(5).
قال النسفي: " أي من كان محسناً منكم، كانت تلك الكلمة سبباً في زيادة ثوابه ومن كان مسيئاً كانت له توبة ومغفرة"(6).
قال ابن كثير: " أي: إذا فعلتم ما أمرناكم غفرنا لكم الخطيئات وضعفنا لكم الحسنات"(7).
قال ابن عباس: "من كان منكم محسنا زيد في إحسانه، ومن كان مخطئا نغفر له خطيئته"(8). وروي عن قتادة (9)، نحو ذلك.
قال ابن عطية: " المعنى: إذا غفرت الخطايا بدخولكم وقولكم زيد بعد ذلك لمن أحسن، وكان من بني إسرائيل من دخل كما أمر وقال لا إله إلا الله فقيل هم المراد بـ {الْمُحْسِنِينَ} هنا"(10).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: إثبات القول لله عز وجل؛ لقوله تعالى: {وإذ قلنا ادخلوا} ؛ وهو قول حقيقي بصوت، وبحرف؛ لكن صوته سبحانه وتعالى لا يشبهه صوت من أصوات المخلوقين؛ ولا يمكن للإنسان أن يدرك هذا الصوت؛ لقوله تعالى:{ولا يحيطون به علماً} [طه: 110]؛ وهكذا جميع صفات الله عز وجل لا يمكن إدراك حقائقها.
2 ومنها: وعد الله لهم بدخولها؛ ويؤخذ هذا الوعد من الأمر بالدخول؛ فكأنه يقول: فتحنا لكم الأبواب فادخلوا.
3 ومنها: جواز أكل بني إسرائيل من هذه القرية التي فتحوها؛ فإن قال قائل: أليس حِلّ الغنائم من خصائص هذه الأمة. أي أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟ فالجواب: بلى، والإذن لبني إسرائيل أن يأكلوا من القرية التي دخلوها ليس على سبيل التمليك؛ بل هو على سبيل الإباحة؛ وأما حِلّ الغنائم لهذه الأمة فهو على سبيل التمليك.
(1) أنظر: تفسير الطبري: 2/ 110.
(2)
أخرجه البخاري ص 192، كتاب المظالم، باب 2: قول الله تعالى: (ألا لعنة الله على الظالمين)، حديث رقم 2441؛ وأخرجه مسلم ص 1158، كتاب التوبة، باب 8: في سعة رحمة الله تعالى على المؤمنين وفداء كل مسلم بكافر من النار، حديث رقم 7015 [52]2768.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 200 - 201.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 52.
(5)
تفسير الثعلبي: 1/ 202.
(6)
تفسير النسفي: 1/ 66.
(7)
تفسير ابن كثير: 1/ 275.
(8)
أخرجه الطبري (1018): ص 2/ 111.
(9)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (586): ص 1/ 119.
(10)
المحرر الوجي: 1/ 151.
4 ومنها: أنه يجب على من نصره الله، وفتح له البلاد أن يدخلها على وجه الخضوع، والشكر لله؛ لقوله تعالى:{وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة} ؛ ولهذا لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة دخلها مطأطئاً رأسه (1) يقرأ قول الله تعالى: {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} [الفتح: 1].
القرآن
التفسير:
فبدَّل الجائرون الضالون من بني إسرائيل قول الله، وحرَّفوا القول والفعل جميعًا، إذ دخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا: حبة في شعرة، واستهزءوا بدين الله، فأنزل الله عليهم عذابًا من السماء؛ بسبب تمردهم وخروجهم عن طاعة الله.
قوله تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا} [البقرة: 59]، :" أي فاختار الذين ظلموا منهم على وجه التبديل والمخالفة"(2).
قال الصابوني: " أي غيَّر الظالمون أمر الله فقالوا"(3).
قال الثعلبي: {ظلموا} " أنفسهم بالمعصية، وقيل كفروا"(4).
قوله تعالى: {قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} [البقرة: 59]، أي:" قولا غير الذي أمروا أن يقولوه، فقالوا خلافه"(5).
قال النسفي: أي" فخالفوه إلى قول، ليس معناه معنى ما أمروا به ولم يمتثلوا أمر الله"(6).
واختلف في قوله تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} [البقرة: 59] على وجوه (7):
أحدها: أنهم: "دخلوا الباب يزحفون على أستاهم، وقالوا: حبة في شعيرة". روي ذلك عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم (8)، وعلى هذا القول عامة المفسرين، وقد روي عن ابن عباس (9)، وعطاء ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك والحسن والربيع ويحيى بن رافع نحو ذلك (10).
والثاني: أنهم قالوا: حنطة حمراء فيها شعيرة. قاله عكرمة (11)، وأبو الكنود (12).
والثالث: أنهم: فجعلوا يدخلون من قبل أستاههم ويقولون: حنطة. قاله ابن عباس (13).
(1) راجع البخاري ص 350، كتاب المغازي، باب 49: أين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح، حديث رقم 4281؛ ومسلماً ص 803، كتاب صلاة المسافرين، كتاب فضائل القرآن وما يتعلق به، باب 35: ذكر قراءة النبي صلى الله عليه وسلم سورة الفتح يوم فتح مكة، حديث رقم 1854 [238] 794؛ ولم أقف على من أخرجه بلفظ "مطأطئاً رأسه".
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 201.
(3)
صفوة التفاسير: 1/ 52.
(4)
تفسير الثعلبي: 1/ 202.
(5)
تفسير الطبري: 2/ 112.
(6)
تفسير النسفي: 1/ 66.
(7)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 112 - 115، والبسيط للواحدي-تحقيق الفائز-: 3/ 942، الكشاف للزمخشري: 1/ 283، المحرر الوجيز لابن عطية: 1/ 233، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 7/ 304، معالم التنزيل للبغوي: 1/ 99، زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 85 وغيرها.
(8)
عن أبي هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله لبني إسرائيل: " ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم "، فبدلوا ودخلوا الباب يزحفون على أستاهم، وقالوا: حبة في شعيرة. (رواه أحمد في المسند: 8213 (ج 2 ص 318 حلبي)، عن عبد الرزاق، بهذا الإسناد، ولكن بلفظ " حبة في شعرة ". وكذلك رواه البخاري 6: 312، و 8: 228 - 229 (فتح الباري)، من طريق عبد الرازق. وذكر الحافظ (8: 229) أن لفظ " شعرة " رواية أكثر رواة البخاري، وأن رواية الكشميهني " شعيرة ". وذكره ابن كثير 1: 180، ونسبه أيضًا لمسلم والترمذي، من رواية عبد الرزاق).
(9)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (590): ص 1/ 119 - 120، وتفسير الطبري (1034): ص 2/ 115.
(10)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 120.
(11)
أنظر: تفسير الطبري (1031): ص: 2/ 115.
(12)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (588): ص 1/ 119.
(13)
أنظر: تفسير الطبري (1024): ص 2/ 113.
والرابع: إنهم قالوا: " هطى سمقا يا ازبة هزبا "، وهو بالعربية: حبة حنطة حمراء مثقوبة فيها شعيرة سوداء. قاله ابن مسعود (1).
والخامس: وقال أبو مسلم: إن المراد بقوله تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا} [البقرة: 59]: أنهم لم يفعلوا ما أمرهم الله به، ولم يلتفتوا إليه، لا على أنهم أتوا له ببدل، ودلل على قوله ذلك بقوله-عز وجل:{سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ} [الفتح: 15]، ولم يكن تبديلهم إلا الخلاف في الفعل لا في القول فكذلك هنا (2).
وهذا قول بعيد؛ لأن ظاهر الآية والأحاديث الصحيحة تبطله، والله أعلم.
وحاصل ما ذكره المفسرون وما دل عليه السياق أنهم بدلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل، فأمروا أن يدخلوا سجدًا، فدخلوا يزحفون على أستاههم من قبل أستاههم رافعي رؤوسهم، وأمروا أن يقولوا: حطة، أي: احطط عنا ذنوبنا، فاستهزؤوا فقالوا: حنطة في شعرة، وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة؛ ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم، وهو خروجهم عن طاعته؛ ولهذا قال:{فَأَنزلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} " (3)، ومعنى السجود في قوله تعالى عند الدخول، أي: "الانحناء شكراً لله تعالى لا لأن بابها قصير كما قيل، إذ لا جدوى له، والظاهر أن المقصود من السجود مطلق الانحناء لإظهار العجز والضعف كيلا يفطن لهم أهل القرية وهذا من أحوال الجوسسة، ولم تتعرض لها التوراة ويبعد أن يكون السجود المأمور به سجود الشكر لأنهم داخلون متجسسين لا فاتحين وقد جاء في الحديث الصحيح أنهم بدلوا وصية موسى فدخلوا يزحفون على استاهم كأنهم أرادوا إظهار الزمانة فأفرطوا في التصنع بحيث يكاد أن يفتضح أمرهم لأن بعض التصنع لا يستطاع استمراره" (4).
وقوله تعالى: {رِجْزاً} [البقرة: 59]، فيه وجهان من القراءة (5):
الأول: {رِجْزاً} ، بكسر الراء. وهي قراءة الجماعة.
والثاني: {رُجْزاً} ، بضم الراء، قرأ بها ابن محيصن.
قال القرطبي: "والرجز: العذاب "بالزاي" و"بالسين": النتن والقذر، ومنه قوله تعالى {فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ} [التوبة: 125]، أي نتنا إلى نتنهم قاله الكسائي وقال الفراء الرجز هو الرجس، قال أبو عبيد: كما يقال السدغ والزدغ وكذا رجس ورجز بمعنى، قال الفراء: وذكر بعضهم أن الرجز "بالضم" اسم صنم كانوا يعبدونه وقرئ بذلك في قوله تعالى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} والرجز "بفتح الراء والجيم" نوع من الشعر وأنكر الخليل أن يكون شعرا وهو مشتق من الرجز وهو داء يصيب الإبل في أعجازها فإذا ثارت ارتعشت أفخاذها"(6).
وقال الراغب: "أصل الرجز: الاضطراب، ومنه قيل: رجز البعير رجزا، فهو أرجز، وناقة رجزاء: إذا تقارب خطوها واضطرب لضعف فيها، وشبه الرجز به لتقارب أجزائه وتصور رجز في اللسان عند إنشاده، ويقال لنحوه من الشعر أرجوزة وأراجيز، ورجز فلان وارتجز إذا عمل ذلك، أو أنشد، وهو راجز ورجاز ورجازة. وقوله: {عذاب من رجز أليم} [سبأ: 5]، فالرجز ههنا كالزلزلة، وقال تعالى: {إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء} [العنكبوت: 34]، وقوله: {الرجز فاهجر} [المدثر: 5]، قيل: هو صنم، وقيل: هو كناية عن الذنب، فسماه بالمآل كتسمية الندى شحما. وقوله: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان} [الأنفال: 11]، والشيطان عبارة عن الشهوة على ما بين في بابه. وقيل: بل أراد برجز الشيطان: ما يدعو إليه من الكفر والبهتان والفساد. والرجازة: كساء يجعل فيه أحجار فيعلق على أحد جانبي الهودج إذا مال (7)، وذلك لما يتصور فيه من حركته، واضطرابه"(8).
(1) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (589): ص 1/ 119، والتفسير الطبري (1029): ص 2/ 114، والدر المنثور: 1/ 71.
(2)
أنظر: مفاتيحِ الغيب للرازي: 3/ 97، وروح المعاني للألوسي: 1/ 266،
(3)
تفسير ابن كثير: 1/ 277.
(4)
انظر: تفسير ابن عاشور: 515.
(5)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 151.
(6)
تفسير القرطبي: 1/ 417.
(7)
انظر: المجمل 2/ 420
(8)
مفردات ألفاظ القرآن: 301
واختلف أهل التفسير في معنى (الرجز)، في قوله تعالى:{فَأَنزلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ} [البقرة: 59]، على أقوال (1):
الأول: أنه الطاعون، قاله ابن زيد (2)، وهو قول الجمهور (3).
والثاني: أنه الغضب. وهو قول أبي العالية (4).
والثالث: أنه العذاب. قاله ابن عباس (5)، وقتادة (6)، وابن زيد في أحد قوليه (7).
والرابع: وقيل: إما الطاعون أو البرد. قاله الشعبي (8).
والقول الأول هو الأقرب إلى الصواب، وذلك لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:"" الطَّاعُونُ رِجْزٌ أَوْ عَذَابٌ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ " (9)، وقد روى أنه مات منهم في ساعة بالطاعون أربعة وعشرون ألفاً، وقيل: سبعون ألفاً (10).
قوله تعالى: {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [البقرة: 59]، أي: بما كانوا "يعصون ويخرجون من أمر الله تعالى"(11).
قال قتادة: "بما كانوا يعصون"(12).
وقال ابن إسحاق: "أي بما تعدوا في أمري"(13).
قال الطبري: أي" بما كانوا يتركون طاعة الله عز وجل، فيخرجون عنها إلى معصيته وخلاف أمره"(14).
وقال الثعلبي: " يعني يلعبون ويخرجون من أمر الله عز وجل"(15).
وقرأ النخعي وابن وثاب: {يفسِقون} ، بكسر السين، يقال فسق يفسق ويفسق بضم السين وكسرها (16).
الفوائد:
1.
من فوائد الآية: لؤم بني إسرائيل، ومضادَتُهم لله، ورسله؛ لأنهم لم يدخلوا الباب سجداً؛ بل دخلوا يزحفون على أستاههم على الوراء استكباراً واستهزاءً.
2.
ومنها: بيان قبح التحريف سواء كان لفظياً، أو معنوياً؛ لأنه يغير المعنى المراد بالنصوص.
3.
ومنها: أن الجهاد مع الخضوع لله عز وجل، والاستغفار سبب للمغفرة؛ لقوله تعالى:{نغفر لكم خطاياكم} ، وسبب للاستزادة أيضاً من الفضل؛ لقوله تعالى:{وسنزيد المحسنين} .
(1) انظر: الطبري: 2/ 115 - 118، وتفسير ابن كثير: 1/ 277 - 278.
(2)
أنظر: تفسير الطبري (1040): ص 2/ 117.
(3)
انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 277 - 278. واختاره جماعة من أهل التفسير منهم ابن عاشور. (انظر: تفسيره: 1/ 516). والطاعون: قيل: هو مرض خاص معروف عن العلماء والأطباء، وقيل: بل هو كل مرض عام (وباء)، يؤدي إلى وفاة الكثيرين من الناس، وبذلك فإن كل مرض يسمى طاعونا ويكون سببه معلوما حسب قواعد الطب الحسي فإنه ليس طاعونا على الحقيقة، أي ليس بالطاعون الذي جاءت به الأحاديث، بل قد يكون وباء.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (1039): ص 2/ 117.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (1042): ص 2/ 118.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (1038): ص 2/ 117.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (1041): ص 2/ 117.
(8)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (594): ص 1/ 120، وانظر: تفسير ابن كثير: 1/ 277 - 278.
(9)
رواه البخاري (3473)، ومسلم (2218) عن أُسَامَةَ بْن زَيْدٍ رضي الله عنهما.
(10)
انظر: تفسير الكشاف: 1/ 143.
(11)
تفسير البغوي: 1/ 99.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (595): ص 1/ 120.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (596): ص 1/ 120.
(14)
تفسير الطبري: 2/ 119.
(15)
تفسير الثعلبي: 1/ 202.
(16)
المحرر الوجيز: 1/ 151.
4.
ومنها: أن الإحسان سبب للزيادة سواء كان إحساناً في عبادة الله، أو إحساناً إلى عباد الله؛ فإن الإحسان سبب للزيادة؛ وقد ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال:"الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"(1)؛ وقال: "ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته (2) ".
5.
ومنها: تحريم التبديل لكلمات الله وهو تحريفها؛ وأنه من الظلم، لقوله تعالى:{فبدل الذين ظلموا قولًا} .
6.
ومنها: بيان عقوبة هؤلاء الظالمين، وأن الله أنزل عليهم الرجز من السماء.
7.
ومنها: الإشارة إلى عدل الله عز وجل، وأنه لا يظلم أحداً، وأن الإنسان هو الظالم لنفسه.
8.
ومنها: إثبات فسوق هؤلاء بخروجهم عن طاعة الله؛ والفسق نوعان: فسق أكبر مخرج عن الملة، وضده "الإيمان"، كما في قوله تعالى:{وأمَّا الذين فسقوا فمأواهم النار} [السجدة: 20]؛ وفسق أصغر لا يخرج عن الملة، وضده "العدالة"، كما في قوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} [الحجرات: 6].
9.
ومنها: إثبات الأسباب، وتأثيرها في مسبَّباتها؛ لقوله تعالى:{بما كانوا يفسقون} .
10.
ومنها: الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الله سبحانه وتعالى مجبر العبد على عمله؛ ووجه الرد أن الله سبحانه وتعالى أضاف الفسق إليهم؛ والفسق هو الخروج عن الطاعة؛ والوجه الثاني: أنهم لو كانوا مجبرين على أعمالهم لكان تعذيبهم ظلماً، والله. تبارك وتعالى. يقول:{ولا يظلم ربك أحداً} [الكهف: 49].
11.
ومنها: أن الفسوق سبب لنُزول العذاب.
القرآن
التفسير:
واذكروا نعمتنا عليكم -وأنتم عطاش في التِّيْه- حين دعانا موسى -بضراعة- أن نسقي قومه، فقلنا: اضرب بعصاك الحجر، فضرب، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، بعدد القبائل، مع إعلام كل قبيلة بالعين الخاصة بها حتى لا يتنازعوا، وقلنا لهم: كلوا واشربوا من رزق الله، ولا تسعوا في الأرض مفسدين.
قوله تعالى: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ} [البقرة: 60]، "أي اذكروا يا بني إِسرائيل حين طلب موسى السقيا لقومه وقد عطشوا في التيه"(3).
قال الطبري: " أي سألنا أن نسقي قومه ماء"(4).
قال ابن كثير: " واذكروا نعمتي عليكم في إجابتي لنبيكم موسى، عليه السلام، حين استسقاني لكم"(5).
قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضرب بِّعَصَاكَ الحجر} [البقرة: 60]، "أي اضرب أيّ حجر كان تتفجر بقدرتنا العيون منه"(6).
واختلف أهل التفسير في نوع (الألف واللام) في قوله {الْحَجَر} [البقرة: 60]، على وجهين (7):
أحدهما: أن (الألف واللام) للجنس، "أى اضرب الشيء الذي يقال له الحجر"(8)، وعلى هذا أنه لم يكن حجرا معينا، بل كان موسى يضرب أي حجر كان من عرض الحجارة فينفجر عيونا لكل سبط عين، وكانوا اثني عشر سبطا ثم تسيل كل عين في جدول إلى السبط الذي أمر أن يسقيهم. وهذا قول وهب بن منبّه (9).
(1) أخرجه مسلم ص 1147، كتاب الذكر والدعاء، باب 11: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، حديث رقم 6853 [38]2699.
(2)
أخرجه البخاري ص 192، كتاب المظالم، باب 3: لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، حديث رقم 2442؛ وأخرجه مسلم ص 1129، كتاب البر والصلة، باب 15: تحريم الظلم، حديث رقم 6578 [58]2580.
(3)
صفوة التفاسير: 1/ 54.
(4)
تفسير الطبري: 2/! 19.
(5)
تفسير ابن كثير: 1/ 278.
(6)
صفوة التفاسير: 1/ 54.
(7)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 203، وتفسير البغوي: 1/ 100، والكشاف: 1/ 144.
(8)
الكشاف: 1/ 144.
(9)
نقله عنه الثعلبي في تفسيره: 1/ 203، وانظر: تفسير البغوي: 1/ 100.
قال الزمخشري: "وعن الحسن: لم يأمره أن يضرب حجراً بعينه قال: وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة"(1).
والثاني: أن (الألف اللام) للعهد، وعليه أنه كان حجرا مخصوصا بعينه، وقد روي عن قتادة (2)، بأنه كان حجرا من جبل الطور. واختار هذا القول البيضاوي (3).
ثم اختلفوا في تحديده على أقوال (4):
أحدها: كان حجرا خفيفا مربعا، قاله ابن عباس (5).
والثاني: أنه كان مثل رأس الثور. قاله عطية العوفي (6).
والثالث: أنها كانت رخاما. حكاه الثعلبي (7).
والرابع: كان الحجر من الكدان، قاله أبو روق (8).
والخامس: أنه الحجر الذي وضع موسى ثوبه عليه ليغتسل حين رموه بالأدرة (9). قاله سعيد بن جبير (10).
والخامس: وقيل أهبطه آدم من الجنة فتوارثوه، حتى وقع إلى شعيب، فدفعه إليه مع العصا (11).
قال ابن عطية: "ولا خلاف أنه كان حجرا منفصلا مربعا تطرد من كل جهة ثلاث عيون إذا ضربه موسى، وإذا استغنوا عن الماء ورحلوا جفت العيون"(12).
روي عن قتادة في قوله: {وإذ استسقى موسى لقومه} الآية، قال:" كان هذا إذْ هم في البرية اشتكوا إلى نبيهم الظمأ، فأمروا بحجر طوري - أي من الطور - أن يضربه موسى بعصاه. فكانوا يحملونه معهم، فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، لكل سبط عين معلومة مستفيض ماؤها لهم"(13).
قوله تعالى: {فانفجرت مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْناً} [البقرة: 60]، "أي فضرب فتدفق الماء منه بقوة وخرجت منه اثنتا عشرة عيناً بقدر قبائلهم"(14).
قال مجاهد: : "خافوا الظمأ في تيههم حين تاهوا، فانفجر لهم الحجر اثنتي عشرة عينا، ضربه موسى"(15).
واختلفت القراءة في قوله تعالى {اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً} [البقرة: 60]، على ثلاثة أوجه (16):
الأول: قرأ العامة: بسكون (الشّين) على التخفيف.
والثاني: قرأ العباس بن الفضل الأنصاري: بفتح (الشين) على الأصل.
والثالث: وقرئ بكسر (الشين)(17).
قوله تعالى: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} [البقرة: 60]، "أي علمت كل قبيلة مكان شربها لئلا يتنازعوا"(18).
(1) الكشاف: 1/ 144.
(2)
أنظر: تفسير الطبري (1043): ص 2/ 120.
(3)
تفسير البيضاوي: 1/ 83.
(4)
أنظر: تفسير الثعلبي: 1/ 203، وتفسير البيضاوي: 1/ 83.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (1044): ص 2/ 120.
(6)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (599): ص 1/ 121.
(7)
أنظر: تفسير الثعلبي: 1/ 203.
(8)
أنظر: تفسير الثعلبي: 1/ 203.
(9)
الأدرة: نفخ في الخصيتين.
(10)
أنظر: تفسير الثعلبي: 1/ 203.
(11)
أنظر: الكشاف: 1/ 144.
(12)
المحرر الوجيز: 1/ 152.
(13)
أخرجه الطبري (1043): ص 2/ 120.
(14)
صفوة التفاسير: 1/ 54.
(15)
أخرجه الطبري (1047): ص 2/ 120.
(16)
أنظر: تفسير الثعلبي: 1/ 204.
(17)
أنظر: تفسير الثعلبي: 1/ 204.
(18)
صفوة التفاسير: 1/ 54.
قال الثعلبي: أي: " موضع شربهم"(1).
قال البيضاوي: أي: " عينهم التي يشربون منها"(2).
قال مجاهد: " لكل سبط منهم عين، كل ذلك كان في تيههم حين تاهوا"(3)
وقال سعيد بن جبير: " كان موسى يضع الحجر ويقوم من كل سبط رجل، ويضرب موسى الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عينا، فينتضح من كل عين على رجل فيدعو ذلك الرجل سبطه إلى تلك العين"(4).
قال الطبري: " إن الله كان جعل لكل سبط من الأسباط الاثني عشر، عينا من الحجر الذي وصف صفته في هذه الآية، يشرب منها دون سائر الأسباط غيره، لا يدخل سبط منهم في شرب سبط غيره. وكان مع ذلك لكل عين من تلك العيون الاثنتي عشرة، موضع من الحجر قد عرفه السبط الذي منه شربه. فلذلك خص جل ثناؤه هؤلاء بالخبر عنهم: أن كل أناس منهم كانوا عالمين بمشربهم دون غيرهم من الناس. إذ كان غيرهم - في الماء الذي لا يملكه أحد - شركاء في منابعه ومسايله. وكان كل سبط من هؤلاء مفردا بشرب منبع من منابع الحجر - دون سائر منابعه - خاص لهم دون سائر الأسباط غيرهم، فلذلك خصوا بالخبر عنهم: أن كل أناس منهم قد علموا مشربهم"(5).
قوله تعالى: {كُلُوا واشربوا مِن رِّزْقِ الله} [البقرة: 60]، "أي قلنا لهم: كلوا من المنّ والسلوى، واشربوا من هذا الماء، من غير كدّ منكم ولا تعب، بل هو من خالص إِنعام الله" (6).
قال الثعلبي: " أي قلنا لهم: كلوا من المنّ، واشربوا من الماء فهذا كلّه من رزق الله الذي بلا مشقة ولا مؤنة ولا تبعة"(7).
قال المراغي: " أي وقلنا لهم كلوا مما رزقناكم من المنّ والسلوى واشربوا مما فجرنا لكم من الماء من الحجر الصّلد"(8).
قال أبو حيان: ولما كان مطعومهم ومشروبهم لا كلفة عليهم ولا تعب في تحصيله حسنت إضافته إلى الله تعالى، وإن كانت جميع الأرزاق منسوبة إلى الله تعالى، سواء كانت مما تسبب العبد في كسبها أم لا، واختص بالإضافة للفظ الله، إذ هو الاسم العلم الذي لا يشركه فيه أحد، الجامع لسائر الأسماء {اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ} ، {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالارْضِا قُلِ اللَّهُ} ، {اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُا} ، و {مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالارْضِ} ، {مَّعَ اللَّهِ بَلْ} ؟ " (9).
وقوله تعالى: {مِن رِّزْقِ الله} [البقرة: 60]، يحتمل وجهين من التفسير (10):
الأول: يريد به ما رزقهم الله من المن والسلوى وماء العيون، "فهذا كلّه من رزق الله الذي بلا مشقة ولا مؤنة ولا تبعة"(11).
والثاني: قيل الماء وحده، لأنه يشرب ويؤكل مما ينبت به.
قال أبو حيان: " وهذا القول يكون فيه من رزق الله، يجمع فيه بين الحقيقة والمجاز، لأن الشرب من الماء حقيقة، والأكل لا يكون إلا مما نشأ من الماء، لا أن الأكل من الماء حقيقة"(12).
قلت والوجه الأخير، وإن كان معناه صحيحاً، إلا أن فيه تكلف لسنا بحاجة إليه، والله أعلم.
(1) تفسير الثعلبي: 1/ 204.
(2)
تفسير البيضاوي: 1/ 83.
(3)
أخرجه الطبري (1046): ص 2/ 120.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (605): ص 1/ 122.
(5)
تفسير الطبري: 2/ 122.
(6)
صفوة التفاسير: 1/ 54.
(7)
تفسير الثلبي: 1/ 204.
(8)
تفسير المراغي: 1/ 130.
(9)
البحر الحيط: 1/ 195.
(10)
أنظر: البحر المحيط: 1/ 94، وتفسير البيضاوي: 1/ 83.
(11)
تفسير الثعلبي: 1/ 204.
(12)
البحر المحيط: 1/ 194.
قال أبو حيان: " و (الرزق) هنا هو المرزوق، وهو الطعام من المن والسلوى، والمشروب من ماء العيون .. وحمل الرزق على القدر المشترك بين الطعام والماء أولى من هذا القول"(1).
قوله تعالى: {وَلا تَعْثَوْا فِي الأرض مُفْسِدِينَ} [البقرة: 60]، "أي: ولا تطغوا في الأرض بأنواع البغي والفساد" (2).
قال أبو العالية: " يقول: لا تسعوا في الأرض فسادا"(3). وروي عن ابن عباس (4)، وقتادة (5)، وابن زيد (6)، نحو ذلك.
وقال أبو مالك: " يعني: لا تمشوا بالمعاصي"(7).
قال الطبري: أي" لا تطغوا، ولا تسعوا في الأرض مفسدين"(8).
قال ابن كثير: أي" ولا تقابلوا النعم بالعصيان فتسلبوها"(9).
قال البيضاوي: أي: " لا تعتدوا حال إفسادكم، وإنما قيده لأنه وإن غلب في الفساد قد يكون منه ما ليس بفساد، كمقابلة الظالم المعتدي بفعله، ومنه ما يتضمن صلاحاً راجحاً كقتل الخضر عليه السلام الغلام وخرقه السفينة، ويقرب منه العيث غير أنه يغلب فيما يدرك حساً، ومن أنكر أمثال هذه المعجزات فلغاية جهله بالله وقلة تدبره في عجائب صنعه، فإنه لما أمكن أن يكون من الأحجار ما يحلق الشعر وينفر عن الخل ويجذب الحديد، لم يمتنع أن يخلق الله حجراً يسخره لجذب الماء من تحت الأرض، أو لجذب الهواء من الجوانب ويصيره ماء بقوة التبريد ونحو ذلك"(10).
و(العيث): شدة الفساد، نهاهم عن ذلك، يقال: عث يعث عثيا وعثا يعثو عثوا، وعاث يعيث عيثا وعيوثا ومعاثا والأول لغة القرآن" (11)، ومنه رؤبة بن العجاج (12):
وعاث فينا مستحل عائث
…
مُصَدِّق أو تاجر مقاعث
يعني بقوله: " عاث فينا "، أفسد فينا، ويقال:"عث يعث في المضاعف أفسد ومنه العثة، وهي السوسة التي تلحس الصوف"(13).
ومنه قول ابن الرّقاع (14):
لولا الحياء وأنّ رأسي قد عثا
…
فيه المشيب لزرت أمّ القاسم
و"العِثي" معناه الإسراع في الإفساد؛ والإفساد في الأرض يكون بالمعاصي، كما قال الله تعالى:{ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} [الروم: 41] " (15).
(1) البحر المحيط: 1/ 194.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 54.
(3)
أخرجه الطبري (1050): ص 2/ 123.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (1053): ص 2/ 123.
(5)
أخرجه الطبري (1052): ص 2/ 123.
(6)
أخرجه الطبري (1051): ص 2/ 123.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (608): ص 1/ 122.
(8)
تفسير الطبري: 2/ 123.
(9)
تفسير ابن كثير: 1/ 278.
(10)
تفسير البيضاوي: 1/ 83.
(11)
تفسير القرطبي: 1/ 421.
(12)
ديوانه " 30. مستحل: قد استحل أموالهم واستباحها. والمصدق: هو العامل الذي يقبض زكاة أموال الناس، وهو وكيل الفقراء في القبض، وله أن يتصرف لهم بما يؤديه إليه اجتهاده، فربما جار إذا لم يكن من أهل الورع. قعث الشيء يقعثه: استأصله واستوعبه. وقعثه فانقعث: إذا قلعه من أصله فانقلع. ولم تذكر معاجم اللغة: " قاعث فهو مقاعث "، ولكنه لما أراد أن التاجر يأتي بظلمه وجوره وإغلائه السعر، فيستأصل أموال الناس ويقتلعها، والناس يدافعونه عن أموالهم - اشتق له من المفاعلة التي تكون بين اثنين: " قاعث فهو مقاعث "، أي يحاول استئصال أموال الناس، والناس يدافعونه عن أموالهم.
(13)
تفسير القرطبي: 1/ 421.
(14)
البيت من شواهد الثعلبي: 1/ 204، وزاد المسير: 2/ 155.
(15)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 118.
وقوله تعالى: {فِي الأرض مُفْسِدِينَ} [البقرة: 60]، " الجمهور على أنها أرض التيه، ويجوز أن يريدها وغيرها مما قدر أن يوصلوا إليها فينالها فسادهم، ويجوز أن يريد الأرضين كلها. وأل: لاستغراق الجنس. ويكون فسادهم فيها من جهة أن كثرة العصيان والإصرار على المخالفات والبطر يؤذن بانقطاع الغيث وقحط البلاد ونزع البركات، وذلك انتقام يعم الأرض بالفساد"(1).
وقد تعددت أقول أهل التفسير في معنى قوله تعالى: {وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ {[البقرة: 61]، على وجوه (2):
أحدها: ولا تسعوا في الأرض فسادا. قاله أبو العالية (3)، وروي عن ابن عباس (4)، نحو ذلك.
والثاني: لا تسيروا في الأرض مفسدين. قاله قتادة (5).
والثالث: ولا تطغوا. قاله ابن زيد (6).
والرابع: لا تتظالموا الشرب فيما بينكم، لأن كلّ سبط منكم قد جعل له شرب معلوم.
والخامس: لا تؤخروا الغذاء، فكانوا إذا أخروه فسد.
والسادس: وقيل: معناه لا تخالطوا المفسدين.
والسابع: وقيل: معناه لا تتمادوا في فسادكم.
وهذه الأقوال كلها قريب بعضها من بعض (7)، ضمن المعنى الصحيح، ألا وهو عدم نشر الفساد في الأرض، يقال" عَثَا، إِذَا نشر الشّرّ وَالْفَساد وَأَثَار الْخُبْث، فَهُو أَخَص مِنْ مُطْلَقِ الْإِفْسَاد وَذَلِك مَعَ كَوْن (مُفْسِدِينَ) حَالًا مِن ضمِير {تَعْثَوْا} "(8).
قال أبو حيان: " واحتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الرزق هو الحلال، لأن أقل درجات هذا الأمر أن يكون للإباحة، واقتضى أن يكون الرّزق مباحاً، فلو وجد رزق حرام لكان الرزق مباحاً وحراماً، وأنه غير جائز. والجواب: إن الرزق هنا ليس بعادم هذا أريد به المن والسلوى والماء المنفجر من الحجر، ولا يلزم من حلية معين مّا من أنواع الرّزق حلية جميع الرّزق، وفي هذه الآية دليل على جواز أكل الطيبات من الطعام، وشرب المستلذ من الشراب، والجمع بين اللونين والمطعومين، وكل ذلك بشرط الحل"(9).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: مشروعية الاستسقاء عند الحاجة إلى الماء؛ لأن موسى استسقى لقومه؛ وشرع من قبلنا شرع لنا إن لم يرد شرعنا بخلافه؛ فكيف وقد أتى بوفاقه؟ ! فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي في خطبة الجمعة (10)، ويستسقي في الصحراء على وجه معلوم (11).
2 ومنها: أن السقيا كما تكون بالمطر النازل من السماء تكون في النابع من الأرض.
3 ومنها: أن الله سبحانه وتعالى هو الملجأ للخلق؛ فهم إذا مسهم الضر يلجؤون إلى الله سبحانه وتعالى.
4 ومنها: أن الرسل. عليهم الصلاة والسلام. كغيرهم في الافتقار إلى الله سبحانه وتعالى؛ فلا يقال: إن الرسل قادرون على كل شيء، وأنهم لا يصيبهم السوء.
5 ومنها: رأفة موسى بقومه؛ لقوله تعالى: {وإذا استسقى موسى لقومه} .
(1) البحر المحيط: 1/ 195.
(2)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 123 - 124.
(3)
أنظر: تفسير الطبري (1050): ص 2/ 123.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (1053): ص 2/ 123.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (1052): ص 2/ 123.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (1051): ص 2/ 123.
(7)
أنظر: البحر المحيط: 1/ 195.
(8)
تفسير المنار: 1/ 271.
(9)
البحر المحيط: 1/ 195.
(10)
راجع البخاري ص 79، كتاب الاستسقاء، باب 7: الاستسقاء في خطبة الجمعةن حديث رقم 1014؛ وصحيح مسلم ص 817 – 818، كتاب صلاة الاستسقاء، باب 2: الدعاء في الاستسقاء، حديث رقم 2078 [8]897.
(11)
راجع البخاري ص 80، كتاب الاستسقاء، وراجع مسلماً ص 817، كتاب صلاة الاستسقاء، باب 1: كتاب صلاة الاستسقاء حديث رقم 2072 [3]894.
6 ومنها: أن الله سبحانه وتعالى قادر جواد؛ ولهذا أجاب الله تعالى دعاء موسى؛ لأن العاجز لا يسقي؛ والبخيل لا يعطي.
7 ومنها: إثبات سمع الله سبحانه وتعالى، لقوله تعالى:{فقلنا} ؛ لأن الفاء هنا للسببية؛ يعني: فلما استسقى موسى قلنا؛ فدل على أن الله سمع استسقاء موسى، فأجابه.
8.
ومنها: كمال قدرة الله عز وجل، حيث إن موسى صلى الله عليه وسلم يضرب الحجر اليابس بالعصا، فيتفجر عيوناً؛ وهذا شيء لم تجر العادة بمثله؛ فهو دليل على قدرة الله عز وجل، وأنه ليس كما يزعم الطبائعيون بأنه طبيعة؛ إذ لو كانت الأمور بالطبيعة ما تغيرت، وبقيت على ما هي عليه.
9 ومنها: الآية العظيمة في عصا موسى، حيث يضرب به الحجر، فيتفجر عيوناً مع أن الحجر صلب، ويابس؛ وقد وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو أعظم، حيث أُتي إليه بإناء فيه ماء، فوضع يده فيه، فصار يفور من بين أصابعه كالعيون (1)؛ ووجه كونه أعظم: أنه ليس من عادة الإناء أن يتفجر عيوناً بخلاف الحجارة؛ فقد قال الله تعالى: {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار} [البقرة: 74]؛ ووجه آخر: أن الإناء منفصل عن الأرض لا صلة له بها بخلاف الحجارة.
10 ومنها: حكمة الله سبحانه وتعالى بجعل هذا الماء المتفجر اثنتي عشرة عيناً؛ لفائدتين:
الفائدة الأولى: السعة على بني إسرائيل؛ لأنه لو كان عيناً واحدة لحصلت مشقة الزحام.
الفائدة الثانية: الابتعاد عن العداوة، والبغضاء بينهم؛ لأنهم كانوا اثنتي عشرة أسباطاً؛ فلو كانوا جُمعوا في مكان واحد مع الضيق، والحاجة إلى الماء لحصل بينهم نزاع شديد؛ وربما يؤدي إلى القتال؛ فهذا من رحمة الله. تبارك وتعالى. ببني إسرائيل، حيث فجره اثنتي عشرة عيناً، ولهذا أشار الله سبحانه وتعالى إلى هذه النعمة بقوله:{قد علم كل أناس مشربهم} : كل أناس من بني إسرائيل.
11 من فوائد الآية: أن الله سبحانه وتعالى يذكِّر بني إسرائيل بهذه النعم العظيمة لأجل أن يقوموا بالشكر؛ ولهذا قال تعالى: (كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين)
12 ومنها: أن ما خلق الله تعالى من المأكول، والمشروب للإنسان فالأصل فيه الإباحة، والحل؛ لأن الأمر للإباحة؛ فما أخرج الله تعالى لنا من الأرض، أو أنزل من السماء فالأصل فيه الحل؛ فمن نازع في حل شيء منه فعليه الدليل؛ فالعبادات الأصل فيها الحظر؛ وأما المعاملات، والانتفاعات بما خلق الله فالأصل فيها الحل، والإباحة.
13 ومنها: تحريم الإفساد في الأرض؛ لقوله تعالى: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} ؛ والأصل في النهي التحريم.
القرآن
التفسير:
واذكروا حين أنزلنا عليكم الطعام الحلو، والطير الشهي، فبطِرتم النعمة كعادتكم، وأصابكم الضيق والملل، فقلتم: يا موسى لن نصبر على طعام ثابت لا يتغير مع الأيام، فادع لنا ربك يخرج لنا من نبات الأرض طعامًا من البقول والخُضَر، والقثاء والحبوب التي تؤكل، والعدس، والبصل، قال موسى -مستنكرًا عليهم-: أتطلبون هذه الأطعمة التي هي أقل قدرًا، وتتركون هذا الرزق النافع الذي اختاره الله لكم؟ اهبطوا من هذه البادية إلى أي مدينة، تجدوا ما اشتهيتم كثيرًا في الحقول والأسواق، ولما هبطوا تبيَّن لهم أنهم يُقَدِّمون اختيارهم -في كل موطن- على اختيار الله، ويُؤْثِرون شهواتهم على ما اختاره الله لهم؛ لذلك لزمتهم صِفَةُ الذل وفقر النفوس،
(1) راجع البخاري ص 19، كتاب الطهارة، باب الوضوء في التور، حديث رقم 200.
وانصرفوا ورجعوا بغضب من الله؛ لإعراضهم عن دين الله، ولأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين ظلمًا وعدوانًا؛ وذلك بسبب عصيانهم وتجاوزهم حدود ربهم.
قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى} [البقرة: 61]، أي اذكروا يا بني إِسرائيل حين قلتم لنبيكم موسى وأنتم في الصحراء تأكلون من المن والسلوى" (1).
قال المراغي: " أي وإذ قال أسلافكم من قبل إعناتا لموسى وبطرا بما هم فيه"(2).
قوله تعالى: {لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} [البقرة: 61]، "أي على نواع واحدٍ من الطعام وهو المنُّ والسلوى"(3).
قال الثعلبي: " يريدون به ما رزقوا في التيه من المن والسلوى"(4).
قال قتادة: ملّوا طعامهم، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه قبل ذلك" (5).
وقال أبو العالية: "كان طعامهم السلوى وشرابهم المن، فسألوا ما ذكروا"(6).
قال المراغي: أي: " لن نصبر على أن يكون طعامنا الذي لا يتغير أبدا هو المنّ والسلوى"(7).
قال الراغب: " والطعام ما يغتذي به مأكولا كان أو مشروباً، وفي المشروب قالك {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي
…
فإن قيل: كيف قال: {لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} ، وكان لهم المن والسلوى؟ قيل: إن ذلك إشارة إلى مساواته في الأزمنة المختلفة، كقولك فلان يفعل فعلاً واحداً في كل يوم وإن كثرت أفعاله إذا تحرى طريقة واحدة وداوم عليها} [البقرة: 259] " (8).
وقال الزمخشري: "أرادوا بالواحد (9) ما لا يختلف ولا يتبدّل، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدّة يداوم عليها كل يوم لا يبدّلها، قيل: لا يأكل فلان إلا طعاما واحدا يراد بالوحدة نفى التبدّل والاختلاف. ويجوز أن يريدوا أنهما ضرب واحد، لأنهما معاً من طعام أهل التلذذ والتترف، ونحن قوم فلاحة أهل زراعات، فما نريد إلا ما ألفناه وضرينا به من الأشياء المتفاوتة كالحبوب والبقول ونحو ذلك"(10).
وقال ابن عطية: " وكنى عن (المن والسلوى) بـ {طَعامٍ واحِدٍ}، وهما طعامان، لأنهما كانا يؤكلان في وقت واحد، ولتكرارهما سواء أبدا قيل لهما {طَعامٍ واحِدٍ}، ولغة بني عامر «فادع» بكسر العين"(11).
قوله تعالى: {فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا} [البقرة: 61]، "أي سل ربك لأجلنا بدعائك إياه أن يخرج لنا"(12).
قال الزمخشري: أي: سل ربك"يظهر لنا ويوجد"(13).
قال المراغي: " أي سل ربك لأجلنا بدعائك إياه أن يخرج لنا"(14).
قال الراغب: " و (الدعاء) أعم من (النداء)، فإن النداء يقال فيمن يكون بعيداً أو في حكم البعيد والدعاء فيه وفي القريب"(15).
قوله تعالى: {مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ} [البقرة: 61]، " أي مما تخرجه"(16).
(1) صفوة التفاسير: 1/ 54.
(2)
تفسير المراغي: 1/ 132.
(3)
صفوة التفاسير: 1/ 54.
(4)
تفسير الثعلبي: 1/ 83.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (611): ص 1/ 123.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (609): ص 1/ 122.
(7)
تفسير المراغي: 1/ 132.
(8)
تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 210.
(9)
أي (المن والسلوى).
(10)
الكشاف: 1/ 145.
(11)
المحرر الوجيز: 1/ 153.
(12)
تفسير المراغي: 1/ 132.
(13)
الكشاف: 1/ 145، وانظر: تفسير الثعلبي: 1/ 84.
(14)
تفسير المراغي: 1/ 132.
(15)
تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 211.
(16)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 211.
قال ابن عثيمين: " هذا توسل منهم بموسى ليدعو الله عز وجل لهم"(1).
قال المراغي: " وإنما سألوه أن يدعولهم، لأن دعاء الأنبياء أقرب إلى الإجابة من دعاء غيرهم"(2).
وقد ذكر أهل العلم في بأن قوله تعالى: {فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ} [البقرة: 61]، يدل على وجهين:
أحدهما: أن قولهم {ربّك} ، تدل على جفاء عظيم منهم؛ فهم لم يقولوا:"ادع لنا ربنا"، أو "ادع الله"؛ بل قالوا:"ادع لنا ربك"، كأنهم بريئون منه، والعياذ بالله؛ وهذا من سفههم، وغطرستهم، وكبريائهم. قاله الشيخ ابن عثيمين (3).
والثاني: أنهم قالوا {ربك} ، ولم يقولوا (ربنا)، لأنه اختصه بما لم يعط مثله لهم، من مناجاته وتكليمه وإيتائه التوراة، فكأنهم قالوا ادع لنا من أحسن إليك بما لم يحسن به إلينا، فكما أحسن إليك من قبل، نرجو أن يحسن إليك بإجابة هذا الدعاء. قاله الشيخ أحمد مصطفى المراغي (4).
قوله تعالى: {مِنْ بَقْلِهَا} [البقرة: 61]، أي:" من خضرتها كالنعناع والكرفس والكراث"(5).
قال الزمخشري: "والبقل ما أنبتته الأرض من الخضر. والمراد به أطايب البقول التي يأكلها الناس كالنعناع والكرفس والكراث وأشباهها"(6).
قوله تعالى: {وَقِثَّائِهَا} [البقرة: 61]، "يعني القتَّة التي تشبه الخيار"(7).
قوله تعالى: {وَفُومِهَا} [البقرة: 61]، " أي الثوم"(8).
قال الزمخشري: " والفوم: الحنطة. ومنه فوّموا لنا، أى: اخبزوا"(9).
قوله تعالى: {وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} [البقرة: 61]، "أي العدس والبصل المعروفان"(10).
قال الطبري: "و (البقل) و (القثاء) و (العدس) و (البصل)، هو ما قد عرفه الناس بينهم من نبات الأرض وحبها (11).
وقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى: {وَفُومِهَا} [البقرة: 61]، على قولين (12):
أحدهما: أنه (الحنطة)، وهذا قول ابن عباس (13)، وقتادة (14)، والحسن (15)، وأبي مالك (16)، والسدي (17)، وابن زيد (18)، وأكثر المفسرين (19)، وهو اختيار النحاس (20)، ومن ذلك قول أُحَيْحة بن الجُلاح (21):
قد كنت أغنى الناس شخصا واحدا
…
وَرَد المدينة عن زراعة فوم
(1) تفسير ابن عثيمين: 1/ 211.
(2)
تفسير المراغي: 1/ 132.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 211.
(4)
تفسير المراغي: 1/ 132.
(5)
صفوة التفاسير: 1/ 54.
(6)
الكشاف: 1/ 145.
(7)
صفوة التفاسير: 1/ 54.
(8)
صفوة التفاسير: 1/ 54.
(9)
الكشاف: 1/ 145.
(10)
صفوة التفاسير: 1/ 54.
(11)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 127.
(12)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 128 - 129.
(13)
انظر: تفسير الطبري (1073)، و (1074)، و (1075)، و (1076): ص 2/ 128 - 129.
(14)
انظر: تفسير الطبري (1065)، و (1066): ص 2/ 128.
(15)
انظر: تفسير الطبري (1065)، و (1066): ص 2/ 128.
(16)
انظر: تفسير الطبري (1067): ص 2/ 128.
(17)
انظر: تفسير الطبري (1068): ص 2/ 128.
(18)
انظر: تفسير الطبري (1072): ص 2/ 128.
(19)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 153.
(20)
انظر: تفسير القرطبي: 1، 425، ومعاني القرآن للفراء: 1/ 41.
(21)
والبيت في اللسان (فوم)، ونسبه لأبي محجن الثقفي، أنشده الأخفش له، وروايته:
قد كنت أحسبني كأغنى واحد
…
نزل المدينة. . .
وفي الروض الأنف 2: 45 نسبه لأحيحة، أو لأبي محجن، ورواه " سكن المدينة ".
وقد ذكر أن تسمية الحنطة والخبز جميعا " فوما " من اللغة القديمة. حكي سماعا من أهل هذه اللغة: (فوموا لنا)، بمعنى اختبزوا لنا (1).
قال الفراء: " فإن (الفوم) فيما ذكر لغةٌ قديمة، وهي الحِنْطَة والخُبْز جميعا قد ذُكِرا. قال بعضهم: سمعنا العرب من أهل هذه اللغة يقولون: فَوِّموا لنا، بالتشديد لا غير، يريدون اختبزوا"(2).
وقال الزجاج: " محال أن يطلب القوم طعاماً لا بُرَّ فيه، والبرُّ أصل الغذاءِ كله، ويقال فوِّمُوا لنا، أي اخْبِزُوا لنا، ولا خلاف عند أهل اللغة أن الفُوم الحنطة، وسائر الحبوب التي تخبز يلحقها اسم الفوم"(3).
وقال الجوهري: الفوم الحنطة وأنشد الأخفش (4):
قد كنت أحسبني كأغنى واجد
…
نزل المدينة عن زراعة فوم
وقال ابن دريد: الفومة السنبلة، وأنشد (5):
وقال ربيئهم لما أتانا
…
بكفه فومة أو فومتان
والقول الثاني: أنه (الثوم)، قاله مجاهد (6)، والربيع (7)، وهو اختيار الكلبي والنضر بن شميل والكسائي والمعرّج (8)، واحتجوا عليه بوجوه (9):
أحدها: يدل عليه قراءة ابن مسعود: {وثومها} (10).
الثاني: أن الثوم للعدس والبصل أوفق من الحنطة، ومنه قول حسان (11):
وأنتم أناس لئام الأصول
…
طعامكم الفوم والحوقل
يعني الثوم والبصل.
الثالث: أن المراد لو كان هو الحنطة لما جاز أن يقال: أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير لأن الحنطة أشرف الأطعمة.
قال الفراء: وهي فِي قراءة عَبْد اللَّه {وَثُومِهَا} بالثاء، فكأنّه أشبهُ المعنيين بالصواب لأنه مع ما يشاكله: من العدس وَالْبَصَلِ وشِبْهه، والعرب تُبدل الفاء بالثاء فيقولون: جدث وجَدَفٌ، ووقعوا فِي عاثُور شَرٍّ وعافُور شرٍّ، والأثاثي والأثافيّ. وسمعت كثيرًا من بْني أسد يسمّى المغافير (12) المغاثير" (13)، وذلك لتقارب مخرج الفاء من مخرج الثاء.
والقول الأول هو الأقرب إلى الصواب، وذلك لأن (الفوم)، الحنطة بلسان بني هاشم" (14). والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى: {وَقِثَّائِها} [البقرة: 61]، فيه وجهان من القراءة (15):
الأول: قراءة العامة: {وَقِثَّائِها} ، بكسر القاف.
والثاني: وقرأ يحيى بن وثاب، وطلحة بن مصرف، والأشيب العقيلي:{وَقُثَّائِها} ، بضم القاف، وهي لغة تميم.
(1) أنظر: تفسير الطبري: 2/ 130.
(2)
معاني القرآن: 1/ 41.
(3)
معاني القرآن: 1/ 143.
(4)
البيت نسب في الأغاني: 19/ 2، واللسان (فوم) لأبي محجن، وهو في الصحاح (فوم) والمحتسب: 1/ 88، بلا نسبة.
(5)
انظر: جمهرة اللغة: 3/ 160، والصحاح (فوم). الربيئة: الطليعة التي ترقب العدو من مكان عال، لئلا يدهم قومه، انظر: المعجم الوسيط.
(6)
انظر: تفسير الطبري (1077): ص 2/ 129.
(7)
انظر: تفسير الطبري (1078): ص 2/ 129.
(8)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 205، والنكت والعيون: 1/ 129، ومفاتيح الغيب: 3/ 532.
(9)
انظر: الكشاف: 1/ 14، ومفاتيح الغيب: 3/ 532.
(10)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 205.
(11)
لم اجده في الديوان، وأورده ابن عادل الحنبلي في اللباب: 2/ 117، والقرطبي في تفسيره: 1/ 425.
(12)
المغافير: صمغ يسيل من شجر الرمث والعرفط وهو حلو يؤكل غير أن رائحته ليست بطيبة. [أنظر: تفسير الطبري: 2/ 130].
(13)
معاني القرآن: 1/ 41.
(14)
تفسير الطبري: 2/ 129.
(15)
أنظر: تفسير الثعلبي: 1/ 205.
قوله تعالى: {قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} [البقرة: 61]، " أي أتأخذون الذي هو أدنى بدلاً عن الذي هو خير"(1).
قال قتادة: "يقول: أتستبدلون الذي هو شر بالذي هو خير منه"(2).
قال الزمخشري: أي: أتستبدلون"الذي هو أقرب منزلة وأدون مقداراً"(3).
قال الطبري: أي" أتأخذون الذي هو أخس خطرا وقيمة وقدرا من العيش، بدلا بالذي هو خير منه خطرا وقيمة وقدرا؟ "(4).
قال ابن كثير: " فيه تقريع لهم وتوبيخ على ما سألوا من هذه الأطعمة الدنيّة مع ما هم فيه من العيش الرغيد، والطعام الهنيء الطيب النافع"(5).
قال المراغي: " أي: قال لهم موسى على سبيل التوبيخ والاستهجان: أتطلبون هذه الأنواع الخسيسة بدل ما هو خير منها وهو المنّ الذي فيه حلاوة تألفها الطباع، والسلوى الذي هو أطيب لحوم الطير، وهما غذاء كامل لذيذ وليس فيما طلبوا ما يساويهما؟ "(6).
وقال الزجاج: " يعني أن المنَّ والسلوى أرفع من الذي طلبتم"(7).
و(الاستبدال): "هو ترك شيء لآخر غيره مكان المتروك"(8).
قال الفراء: "وقد كان زُهير الفُرْقُبي (9) يَهْمِز: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الّذى هو أدنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} ، ولم نر العرب تهمزُ (أَدْنَى) إذا كان من الحسة، وهم فِي ذلك يقولون إنه لدانىء خَبِيثٌ، إذا كان ماجنا فيهمزون. وأنشدني بعض بني كلاب (10):
باسِلَةُ الْوَقْعِ سَرَابِيلُها
…
بيضٌ إلى دانئها الظّاهر
يعنى الدروع على خاصتها- يعني الكتيبة- إلى الخسيس منها، فقال: دانئها يريد الخسيس، وقد كُنَّا نسمع المشيخة يقولون: ما كنت دانِئًا ولقد دنات، والعرب تترك الهمزة. ولا أراهم رووه إلّا وقد سمعوه" (11).
قال الزجاج: " و (أدنى) القراءَة فيه بغير الهمز وقد قرأ بعضهم {أدْنأ بالذي هو خير}، وكلاهما له وجه في اللغة إلا أن ترك الهمزة أولى بالاتباع"(12).
واختلف في المراد بـ (الأدنى) في قوله تعالى: {قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} [البقرة: 61]، على قولين (13):
الأول: أن معناه: الذي أخس وأوضع وأصغر قدرا وخطرا، أي استبدال المن والسلوى بالبقل والقثاء والعدس والبصل والثوم، وهو يعني استبدال الوضيع من العيش الرفيع منه.
وقد روي عن مجاهد قوله: " {الذي هو أدنى}، قال: أردأ"(14).
والثاني: أن معناه: الذي هو أقرب، ووجه قوله:(أدنى)، إلى أنه أفعل من " الدنو " الذي هو بمعنى القرب.
والقول الأول أقرب إلى الصواب، وعليه الجمهور.
واختلف في الوجوه التي توجب فضل المن والسلوى على الشيء الذي طلبوه وهى خمسة (15):
الأول: أن البقول لما كانت لا خطر لها بالنسبة إلى المن والسلوى كانا أفضل، قاله الزجاج.
الثاني: لما كان المن والسلوى طعاما مّن الله به عليهم وأمرهم بأكله وكان في استدامة أمر الله وشكر نعمته أجر وذخر في الآخرة، والذي طلبوه عار من هذه الخصائل كان أدنى في هذا الوجه.
الثالث: لما كان ما مّن الله به عليهم أطيب وألذ من الذي سألوه، كان ما سألوه أدنى من هذا الوجه لا محالة.
الرابع: لما كان ما أعطوا لا كلفة فيه ولا تعب، والذي طلبوه لا يجيء إلا بالحرث والزراعة والتعب كان أدنى.
الخامس: لما كان ما ينزل عليهم لا مرية في حله وخلوصه لنزوله من عند الله، والحبوب والأرض يتخللها البيوع والغصوب وتدخلها الشبه، كانت أدنى من هذا الوجه.
قوله تعالى: {اهْبِطُوا مِصْرًا} [البقرة: 61]، أي"اهبطوا أيّ مصر من الأمصار تجدون ما سألتم"(16).
قال الثعلبي: " يعني فإن أبيتم إلّا ذلك، فاهبطوا مصرا من الأمصار"(17).
قال الصابوني: " أي ادخلوا مصراً من الأمصار وبلداً من البلدان أيّاً كان لتجدوا فيه مثل هذه الأشياء"(18).
وقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى {اهْبِطوا مِصْراً} [البقرة: 66]، نظير اختلاف القَرَأَة في قراءته، وذكروا فيه وجهين (19):
أحدهما: أنه مصر من الأمصار. قاله قتادة (20)، والسدي (21)، ومجاهد (22)، وابن زيد (23).
ومن حجتهم: أن الله جعل أرض الشام لبني إسرائيل مساكن بعد أن أخرجهم من مصر. وإنما ابتلاهم بالتيه بامتناعهم على موسى في حرب الجبابرة، إذ قال لهم:{يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 21 - 24]، فحرم الله جل وعز على قائلي ذلك دخولها حتى هلكوا في التيه. وابتلاهم بالتيهان في الأرض أربعين سنة، ثم أهبط ذريتهم الشأم، فأسكنهم الأرض المقدسة، وجعل هلاك الجبابرة على أيديهم مع يوشع بن نون - بعد وفاة موسى بن عمران. فرأينا الله جل وعز قد أخبر عنهم أنه كتب لهم الأرض المقدسة، ولم يخبرنا عنهم أنه ردهم إلى مصر بعد إخراجه إياهم منها، فيجوز لنا أن نقرأ:" اهبطوا مصر "، ونتأوله أنه ردهم إليها، قالوا: فإن احتج محتج بقول الله جل ثناؤه: {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 57 - 59]، قيل لهم: فإن الله جل ثناؤه إنما أورثهم ذلك، فملكهم إياها ولم يردهم إليها، وجعل مساكنهم الشأم (24).
(1) تفسير ابن عثيمين: 1/ 212.
(2)
أخرجه الطبري (1079): ص 2/ 131.
(3)
الكشاف: 1/ 145.
(4)
تفسير الطبري: 2/ 130.
(5)
تفسير ابن كثير: 1/ 281.
(6)
تفسير المراغي: 1/ 132.
(7)
معاني القرآن: 1/ 143.
(8)
تفسير الطبري: 2/ 130.
(9)
هو من القرّاء النحويين، وكان فى زمن عاصم، ويعرف بالكسائي. وانظر طبقات القراء لابن الجزري رقم 1301.
والفرقبىّ نسبة إلى فرقب، كقنفذ. وفى القاموس: فرقب موضع ومنه الثياب الفرقبية: ثياب بيض من كتان. وقال شارحه: وردت هذه النسبة فى الثياب والرجال، فيمكن أن تكون إلى موضع، أو يكون الرجل منسوبا إلى حمل الثياب.
(10)
البيت للأعشى، أنظر: ديوانه: 108، وروايته " إلى جانبه الظاهر ". يصف حصنا، وهو من قصيدة طويلة، قالها فى منافرة عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة العامرىّ مطلعها:
شأقتك من قتلة أطلالها
…
بالشط فالوتر إلى حاجر
وبسل الرجل بسولا فهو باسل وبسل إذا عبس غضبا أو شجاعة. والسربال: الدرع أو كل ما لبس والجمع سرابيل، والمراد هنا الدروع كما قال المؤلف.
(11)
معاني القرآن: 1/ 42.
(12)
معاني القرآن: 1/ 143.
(13)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 131.
(14)
أخرجه الطبري (1080): ص 2/ 131 - 132.
(15)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 428.
(16)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 212.
(17)
تفسير الثعلبي: 1/ 206.
(18)
صفوة التفاسير: 1/ 54.
(19)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 133 - 134.
(20)
أنظر: تفسير الطبري (1081): ص 2/ 133.
(21)
أنظر: تفسير الطبري (1082): ص 2/ 133.
(22)
أنظر: تفسير الطبري (1084): ص 2/ 133.
(23)
أنظر: تفسير الطبري (1085): ص 2/ 133.
(24)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 134 - 135.
والثاني: أنه مصر التي كان فيها فرعون. قاله أبو العالية (1)، والربيع (2). واختاره الأعمش (3).
قال الفراء: " وقال الأعمش وسئل عَنْهَا فقال: هِيَ مصر التي عليها صالح بْن عليّ (4) "(5).
واحتجوا في ذلك من وجهين:
الأول: قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 57 - 59]، وقوله تعالى:{كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الدخان: 25 - 28]، قالوا: فأخبر الله جل ثناؤه أنه قد ورثهم ذلك وجعلها لهم، فلم يكونوا يرثونها ثم لا ينتفعون بها. قالوا: ولا يكونون منتفعين بها إلا بمصير بعضهم إليها، وإلا فلا وجه للانتفاع بها، إن لم يصيروا، أو يصر بعضهم إليها.
والثاني: أنها في قراءة أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود: {اهبطوا مصر} ، بغير ألف، قالوا: ففي ذلك الدلالة البينة أنها (مصر) بعينها (6).
واعترض عليه الثعلبي قائلا: " وإنّما صرف على هذا القول لخفّته وقلّة حروفه مثل: دعد وهند وحمل ونحوها"(7).
وأما القراءة بغير التنوين، فهي قراءة مهجورة، وصرف لخفته (8).
قال الطبري: "ولا دلالة في كتاب الله على الصواب من هذين التأويلين، ولا خبر به عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقطع مجيئه العذر. وأهل التأويل متنازعون تأويله"(9).
و(المصر) أصله في اللغة: الحدّ والحاجز بين الشيئين، ومصر الدار: حدودها (10)، ويقال أن أهل هجر يكتبون في شروطهم: اشترى فلان الدار بمصورها، أي: حدودها (11)، قال عدي بن زيد (12):
وَجَعَلَ الشَمْسَ مِصْرًا لاخَفَاءَ بِهِ
…
بَيْنَ النَّهَارِ وَبَيْنَ اللَّيْل قَدْ فَصَلا
أي: حدًّا، ومُصُور الدار: حدودها، فالمصر: القطعة التي بانت بعمارتها عما سواها وانتهت إليه البرية (13).
وقد اختلف القَرَأَة في قراءة قوله {اهْبِطوا مِصْراً} [البقرة: 66]، على ثلاثة أوجه (14):
الأول: قرأه عامة القَرَأَة: {اهْبِطوا مصراً} ، بتنوين (المصر) وإجرائه.
والثاني: وقراءة عَبْد اللَّه {اهْبِطوا مِصْرَ} بغير ألف.
والثالث: وفي قراءة أُبَيٍّ: {اهْبِطُوا فَإِنّ لَكُمْ ما سَأَلْتُم وَاسْكُنُوا مِصْر} (15)، وتصديق ذلك أنها فِي سورة يوسف بغير ألف:{ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [يوسف: 99].
قال الطبري: "فأما الذين نونوه وأجروه، فإنهم عنوا به مصرا من الأمصار، لا مصرا بعينه. فتأويله - على قراءتهم -: اهبطوا مصرا من الأمصار، لأنكم في البدو، والذي طلبتم لا يكون في البوادي والفيافي، وإنما يكون في القرى والأمصار، فإن لكم - إذا هبطتموه - ما سألتم من العيش. وقد يجوز أن يكون بعض
(1) أنظر: تفسير الطبري (1086): ص 2/ 134.
(2)
أنظر: تفسير الطبري (1087): ص 2/ 134.
(3)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 206، ومعاني القرآن للفراء: 1/ 43.
(4)
صالح بن على بن عبد الله بن العباس أوّل من ولى مصر من قبل أبى العباس السفاح سنة 133 وتوفى بقنسرين وهو عامل على حمص سنة 154.
(5)
معاني القرآن للفراء: 1/ 43.
(6)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 135. وانظر: تفسير القرطبي: 1/ 429 وما بعدها.
(7)
تفسير الثعلبي: 1/ 206.
(8)
انظر: التفسير البسيط: 2/ 588.
(9)
تفسير الطبري: 2/ 135.
(10)
أنظر: مجمل اللغة: 3/ 833، وتهذيب اللغة (مصر)، وتفسير الثعلبي: 1/ 206، والتفسير البسيط: 2/ 588.
(11)
أنظر: وانظر: تفسير القرطبي: 1/ 429.
(12)
البيت لعديّ في ديوانه: 159، والصحاح (مصر)، والمجمل: 3/ 833، والسان: 5/ 175: والعبارة: (وجعل الشمس
…
إلخ)، وتفسير الثعلبي: 1/ 206، وتفسير القرطبي: 1/ 429، ومفردات الراغب" ص 469، "زاد المسير" 1/ 89.
(13)
أنظر: التفسير البسيط: 2/ 589.
(14)
أنظر: معاني القرآن للفراء: 1/ 43.
(15)
أنظر: معاني القرآن للفراء: 1/ 43، وهذه القراءة المنسوبة لأبى لم نقف عليها فى غير أصول الفرّاء مما بين أيدينا من المراجع.
من قرأ ذلك بالإجراء والتنوين، كان تأويل الكلام عنده:" اهبطوا مصرا " البلدة التي تعرف بهذا الاسم، وهي " مصر " التي خرجوا عنها. غير أنه أجراها ونونها اتباعا منه خط المصحف، لأن في المصحف ألفا ثابتة في " مصر "، فيكون سبيل قراءته ذلك بالإجراء والتنوين، سبيل من قرأ:{قواريرا قواريرا من فضة} [الإنسان: 15 - 16] منونة اتباعا منه خط المصحف، وأما الذي لم ينون " مصر " فإنه لا شك أنه عنى " مصر " التي تعرف بهذا الاسم بعينها دون سائر البلدان غيرها (1).
قوله تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} [البقرة: 61]، " أي لزمهم الذل والهوان وضرب عليهم الصغار والخزي الأبدي الذي لا يفارقهم مدى الحياة"(2).
قال الواحدي: " أي: ألزموها إلزامًا لا تبرح عنهم"(3).
قال ابن كثير: أي"وضعت عليهم وألزموا بها شَرْعًا وقدرًا، أي: لا يزالون مستذلين، من وجدهم استذلهم وأهانهم، وضرب عليهم الصغار، وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء متمسكنون"(4).
قال الراغب: "أي ألزمت وأوجبت، تشبيها بضرب الخيمة على من فيها والإحاطة به"(5).
يقال: ضرب عليه كذا، إذا ألزمه، وأصله من ضرب الشيء على الشيء، كما يضرب المسمار على الشيء فيلزمه، ومنه الضريبة، يقال: ضرب السلطان على التجار ضريبة أي ألزمهم، ضربة لازم ولازب (6)، ومنه قول النابغة (7):
وَلا يَحْسِبُونَ الْخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدَهُ
…
لا يَحْسِبُون الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازَبِ
و(الذلة): هي الصغار الذي أمر الله جل ثناؤه عباده المؤمنين أن لا يعطوهم أمانا على القرار على ما هم عليه من كفرهم به وبرسوله - إلا أن يبذلوا الجزية عليه لهم، فقال عز وجل:{قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِر ِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29](8).
أخرج الطبري: "عن الحسن وقتادة في قوله: {وضربت عليهم الذلة}، قالا: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون"(9).
وأما {المسكنة} في هذا الموضع، مسكنة الفاقة والحاجة، وهي خشوعها وذلها (10).
وأخرج الطبري: " عن أبي العالية في قوله: {والمسكنة} قال: الفاقة"(11).
وروي عن السدي: في "قوله: {وضربت عليهم الذلة والمسكنة}، قال: الفقر"(12).
وقال الزجاج: " (الذِّلَّةُ): الصغار، (الْمَسْكَنَةُ): الخضوع، واشتقاقه: من السكون، إِنما يقال مِسْكين للذي أسكنه الفقر، أي قللَ حركته"(13).
(1) انظر: تفسير الطبري: 2/ 132 - 133.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 54.
(3)
تفسير الثعلبي: 2/ 589.
(4)
تفسير ابن كثير: 1/ 282.
(5)
تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 212.
(6)
انظر: تهذيب اللغة" (لزب) 4/ 3258، "اللسان" (لزب) 7/ 4025 - 4026، والتفسير البسيط: 2/ 589.
(7)
ديوانه: 33، وانظر:"الزاهر" 1/ 609، "تهذيب اللغة"(لزب) 7/ 4026، "المخصص" 12/ 68، "مقاييس اللغة"(لزب) 5/ 245، "اللسان"(لزب) 7/ 4026.
(8)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 136 - 137.
(9)
تفسير الطبري (1088): ص 2/ 137.
(10)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 136 - 137.
(11)
تفسير الطبري (1089): ص 2/ 137.
(12)
أخرجه الطبري (1090): ص 2/ 137.
(13)
معاني القرآن: 1/ 144.
قال ابن الأنباري: "المسكنة الأمور التي تسكن صاحبها وتمنعه من الحركة ومن هذا أخذ المسكين، توهمًا أن الميم من أصل الكلمة، كما قالوا: تمكن من المكان، وهو مفعل من الكون، ويقال: تسكن الرجل وتمسكن إذا ظهرت عليه أمور المساكين وتشبه بهم"(1).
قال ابن عثيمين: " فلا توجد أمة أفقر قلوباً، ولا أبخل من اليهود، فالأموال كثيرة، لكن قلوبهم فقيرة، وأيديهم مغلولة"(2).
وفي قوله تعالى {عليهم} [البقرة: 66]، ثلاث قراءات:"كسر الهاء وضم الميم؛ وكسرها جميعاً؛ وضمهما جميعاً"(3).
قوله تعالى: {وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ الله} [البقرة: 66]، "أي انصرفوا ورجعوا بالغضب والسخط الشديد من الله"(4).
قال الربيع: " فحدث عليهم غضب من الله"(5).
وقال الضحاك"" استحقوا الغضب من الله" (6).
قال الطبري: أي" ورجعوا منصرفين متحملين غضب الله، قد صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم منه سخط"(7).
قوله تعالى {ذَلِكَ} [البقرة: 61]، أي:": فعلنا بهم من إحلال الذل والمسكنة والسخط بهم"(8).
قال الصابوني: "أي ما نالوه من الذل والهوان والسخط والغضب بسبب ما اقترفوه من الجرائم الشنيعة"(9).
قوله تعالى: {بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [البقرة: 61]، "أي بسبب كفرهم بآيات الله جحوداً واستكباراً"(10).
واختلفوا في نوع (الباء) في {بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [البقرة: 61]، على ثلاثة أقوال (11):
أحدها: أنها للسببية. والمعنى بسبب كفرهم.
والثاني: أنها بمعنى (اللام) والمعنى: لأنهم. قاله المهدوي (12).
والثالث: أنها بمعنى (من أجل). والمعنى: "من أجل أنهم كانوا يكفرون". قاله الطبري (13). واحتج بقول أعشى بني ثعلبة (14):
مليكيةٌ جَاوَرَتْ بالحجا
…
قوما عداة وأرضا شطيرا
بما قد تَرَبَّع روض القطا
…
وروض التناضِب حتى تصيرا
يعني بذلك: جاورت بهذا المكان، هذه المرأة، قوما عداة وأرضا بعيدة من أهله، لمكان قربها كان منه ومن قومه وبلده، من تربعها روض القطا وروض التناضب (15).
(1) انظر: الزاهر: 1/ 224، وتهذيب اللغة" (سكن) 2/ 1723 - 1725، و"الصحاح" (سكن) 5/ 2137، و"اللسان" (سكن) 4/ 2054 - 2057، والتفسير البسيط: 2/ 590.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 213.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 212.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 54.
(5)
أخرجه الطبري (1092): ص 2/ 138.
(6)
أخرجه الطبري (1093): ص 2/ 138.
(7)
تفسير الطبري: 2/ 138.
(8)
تفسير الطبري: 2/ 139.
(9)
صفوة التفاسير: 1/ 54.
(10)
صفوة التفاسير: 1/ 54.
(11)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 155.
(12)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 155.
(13)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 139.
(14)
ديوانه: 67. مليكية، منسوبة إلى " المليك ": وهو الملك، يعني من نبات الملوك. العداة، جمع عاد، وهو العدو. الشطير: البعيد، والغريب، أراد أنها في أرض مجهولة. وذكره الأرض في هذا البيت. يعني أنها نزلت ديار قوم نشبت العداوة بيننا وبينهم، في غربة بعيدة. فصرت لا أقدر عليها.
(15)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 139.
قوله تعالى: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [البقرة: 61]، أي:"وقتلهم رسل الله ظلماً وعدواناً"(1).
قال الطبري: يعني: " أنهم كانوا يقتلون رسل الله، بغير إذن الله لهم بقتلهم، منكرين رسالتهم، جاحدين نبوتهم"(2).
وفي قوله تعالى: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [البقرة: 61]، وجهان (3):
أحدهما: أن الله عز وجل؛ إنما جاز أن يُخَلِّيَ بين الكُفَّار وقتلِ الأنبياء، لينالوا من رفيع المنازل ما لا ينالونه بغيره، وليس ذلك بخذلان لهم، كما يفعل بالمؤمنين من أهل طاعته.
والثاني: وهو قول الحسن، أن الله عز وجل، ما أمر نبيّاً بالحرب إلا نَصَرَهُ فلم يُقتَلْ، وإنما خلَّى بين الكفار وبين قتل مَنْ لم يؤمر بالقتال مِنَ الأنبياء.
و(الأنبياء) جمعُ (نبيٍّ) وقد جاء في جمع (نبيٍّ): (نُبَّاء)(4)، قال العباس ابن مرداس السُّلمي، يمدح النبيَّ صلى الله عليه وسلم (5):
يَا خَاتَمَ النُّبِّاءِ إِنَّكَ مُرْسَلٌ
…
بِالْحَقِّ حَيْثُ هُدَى آلإْلهِ هَدَاكَا
فقال: (يا خاتم النبآء)، على أن واحدهم:(نبيء)، مهموز. وقد قال بعضهم (6): النبي والنبوة، غير مهموز، لأنهما مأخوذان من: النَّبْوَة، وهي مثل: النَّجْوَة، وهو المكان المرتفع (7).
وفيما أُخذ منه اسمُ (النبيِّ)، ثلاثة أقاويل (8):
أحدها: أنه مأخوذ من النبأ، وهو الخبر، لأنه يُنْبِئُ عن الله، أي يُخْبِرُ، ومنه قوله تعالى:{أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا في صُحُفِ مُوسَى} [النجم: 36].
والثاني: أن أصل النبيِّ هو الطريق، ويستشهد على ذلك ببيت القطامي (9):
لما وردن نَبِيَّا واستَتَبّ بها
…
مُسْحَنْفِر كخطوط السَّيْح مُنْسَحِل
فَسُمِّيَ رسُول الله-صلى الله عليه وسلم نبيّاً، لأنه الطريق إليه.
والثالث: أنه مأخوذ من النُّبُوَّةِ؛ لأن منزلة الأنبياء رفيعة.
واختلفت القراءة في قوله عز وجل: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [البقرة: 61]، على وجهين (10):
الأول: القراءَة المجمع عليها في النبيين والأنبياءِ والبرِئة طرح لهمزة.
والثاني: وجماعة من أهل المدينة يهمزون جَمِيعَ ما في القرآن من هذا فيقرأون، {النبيئين} .
قال الزجاج: " والأجود ترك الهمْزة، لأن الاستعمال يُوجبُ أن ما كان مهموزاً من فعيل فجمعه: فُعَلاء، مثل: ظريف وظرفاء ونبيء ونُبَآءَ"(11).
قوله تعالى: {ذَلِكَ} [البقرة: 61]، أي" المشار إليه ما سبق من كفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق"(12).
(1) صفوة التفاسير: 1/ 54.
(2)
تفسير الطبري: 2/ 142.
(3)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 130.
(4)
أنظر: تفسير الطبري: 2/ 141، والنكت والعيون: 1/ 131.
(5)
من أبيات له في سيرة ابن هشام 4: 103 وغيرها. والضمير الفاعل في قول " هداكا "، لله سبحانه وتعالى، دل عليه ما في قوله " إنك مرسل بالخير "، فإن الله هو الذي أرسله. وهو مضبوط في أكثر الكتب " كل " بالرفع، و " هدى "، و " هداكا " بضم الهاء.
(6)
كأنه يريد الكسائي، أنظر: البحر المحيط: 1/ 220 ..
(7)
أنظر: تفسير الطبري: 2/ 141 - 142.
(8)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 131.
(9)
ديوان: 4، في قصيدته الجيدة المشهورة، والضمير في " وردن " للإبل ذكرها قبل. وروايته " واستتب بنا ". نبي كثيب رمل مرتفع في ديار بني تغلب، ذكره القطامي في كثير من شعره. واستتب الأمر والطريق: استوى واستقام وتبين واطراد وامتد. مسحنفر، صفة للطريق: واسع ممتد ذاهب بين. والسبح: ضرب من البرود أو العباء مخطط، يلبس، أو يستتر به ويفرش. شبه آثار السير عليها بخطوط البرد. وسجلت الريح الأرض فانسحلت: كشطت ما عليها. ووصف الطريق بذلك، لأنه قد استتب بالسير وصار لاحبا واضحا.
(10)
أنظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 145.
(11)
معاني القرآن: 1/ 145.
(12)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 214.
قال الطبري: أي: "وضربت عليهم الذلة والمسكنة، وباؤوا بغضب من الله. ففعلت بهم ما فعلت من ذلك"(1).
قوله تعالى: {بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [البقرة: 61]، أي:" بسبب ارتكابهم أنواع المعاصي واعتدائهم حدود اللَّه"(2).
قال الطبري: أي" من أجل عصيانهم ربهم، واعتدائهم حدوده"(3).
واختلف في الإشارة بـ {ذلك} في قوله تعالى {ذلِكَ بِما عَصَوْا} [البقرة: 61]، على ثلاثة أقوال:
الأول: أن الإشارة بـ {ذلك} الأخير، إلى الشيء الذي أشير إليه بـ {ذلك} الأول، قاله الطبري (4) والزجّاج (5) وغيرهما.
والثاني: إن الإشارة بـ {ذلِكَ} الأخير، إنما هي إلى "كفرهم وقتلهم". وهذا مذهب ابن عطية (6).
إذ يقول: "وذلك أن الله تعالى، استدرجهم فعاقبهم على العصيان والاعتداء بالمصير إلى الكفر وقتل الأنبياء، وهو الذي يقول أهل العلم: إن الله تعالى يعاقب على المعصية بالإيقاع في معصية، ويجازي على الطاعة بالتوفيق إلى طاعة، وذلك موجود في الناس إذا تؤمل، وعصيان بني إسرائيل واعتداؤهم في السبت وغيره متقرر في غير ما موضع من كتاب الله، وقال قتادة رحمه الله عند ما فسر هذه الآية: "اجتنبوا المعصية والعدوان فإن بها أهلك من كان قبلكم من الناس" (7) "(8).
والثالث: أن المشار إليه، يشمل كل ما سبق. قاله ابن عثيمين (9).
والظاهر أن المشار إليه كل في قوله تعالى {ذلِكَ} الأخير، أنه يشمل كل ما سبق، ومن ضمنه سؤالهم الذي هو أدنى عن الذي هو خير" (10). والله تعالى أعلم.
ويحتمل قوله تعالى: {وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [البقرة: 61]، وجهان (11):
الأول: أن الاعتداء عام، والمراد: اعتدائهم في كل شيء.
والثاني: أن الإعتداء خاص، والمراد: اعتداؤهم في السبت.
قال الزجاج: " الاعتداءُ المجاوزةْ في كل شيءٍ، مجاوزة القدر"(12)، " وكل متجاوز حد شيء إلى غيره فقد تعداه إلى ما جاوز إليه"(13).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: لؤم بني إسرائيل، وسفههم؛ حيث إنهم طلبوا أن يغير لهم الله هذا الرزق الذي لا يوجد له نظير بقولهم:{لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يُخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثَّائها وفومها وعدسها وبصلها} .
2 ومنها: غطرسة بني إسرائيل، وجفاؤهم؛ لقولهم:{ادع لنا ربك} ؛ ولم يقولوا: "ادع لن ربنا"، أو:"ادع لنا الله"؛ كأن عندهم. والعياذ بالله. أنفة؛ مع أنهم كانوا مؤمنين بموسى ومع ذلك يقولون: {ادع لنا ربك} . كما قالوا: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} [المائدة: 24].
(1) تفسير الطبري: 2/ 142 (بتصرف بسيط).
(2)
الكشاف: 1/ 146.
(3)
تفسير الطبري: 2/ 142.
(4)
أنظر: تفسير الطبري: 2/ 142.
(5)
أنظر: معاني القرآن: 1/ 457.
(6)
المحرر الوجيز: 1/ 491.
(7)
أخرجه الطبري (7643): ص 7/ 117. ولفظه هناك: " اجتنِبُوا المعصية والعدوان، فإن بهما أهلِك مَنْ أُهْلك قبلكم من الناس".
(8)
المحرر الوجيز: 1/ 491.
(9)
أنظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 213.
(10)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 213.
(11)
أنظر: الكشاف: 1/ 146.
(12)
معاني القرآن: 1/ 548.
(13)
تفسير الطبري: 2/ 142.
3 ومنها: أن من اختار الأدنى على الأعلى ففيه شبه من اليهود؛ ومن ذلك هؤلاء الذين يختارون الشيء المحرم على الشيء الحلال.
4 ومنها: أن من علوّ همة المرء أن ينظر للأكمل، والأفضل في كل الأمور.
5 ومنها: أن التوسع في المآكل، والمشارب، واختيار الأفضل منها إذا لم يصل إلى حد الإسراف فلا ذم فيه؛ ولذلك لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه حين أتوه بتمر جيد بدلاً عن الرديء (1)؛ لكن لو ترك التوسع في ذلك لغرض شرعي فلا بأس كما فعله عمر رضي الله عنه عام الرمادة؛ وأما إذا تركها لغير غرض شرعي فهو مذموم؛ لأن الله تعالى يحب من عبده إذا أنعم عليه نعمة أن يرى أثر نعمته عليه (2).
6 ومن فوائد الآية: حِلّ البقول، والقثاء، والفوم، والعدس، والبصل؛ لقولهم:{ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض .. } إلى قوله: {اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم} أي من الأصناف المذكورة.
وهذه الأصناف مباحة في شريعة موسى؛ وكذلك في شريعتنا؛ فإنه لما قُدِّم للرسول صلى الله عليه وسلم قدر فيه بقول فكره أكلها؛ فلما رآه بعض أصحابه كره أكلها، قال الرسول صلى الله عليه وسلم "كل؛ فإني أناجي من لا تناجي"(3)؛ فأباحها لهم؛ وكذلك في خيبر لما وقع الناس في البصل، وعلموا كراهة النبي صلى الله عليه وسلم لها قالوا: حُرّمت؛ قال صلى الله عليه وسلم "إنه ليس بي تحريم ما أحل الله"(4)؛ فبين أنه حلال.
7 ومن فوائد الآية: جواز إسناد الشيء إلى مكانه لا إلى الفاعل الأول؛ لقولهم {مما تنبت الأرض} ؛ والذي ينبت حقيقة هو الله سبحانه وتعالى.
8 ومنها: جواز إسناد الشيء إلى سببه الحقيقي الذي ثبت أنه سبب شرعاً، أو حساً؛ مثال ذلك: لو أطعمت جائعاً يكاد يموت من الجوع فإنه يجوز أن تقول: "لولا أني أطعمته لهلك"؛ لأن الإطعام سبب لزوال الجوع؛ والهلاك معلوم بالحس؛ ومثال الشرعي: القراءة على المريض، فيبرأ، فتقول:"لولا القراءة عليه لم يبرأ"؛ أما المحظور فهو أن تثبت سبباً غير ثابت شرعاً، ولا حساً، أو تقرن مشيئة الله بالسبب بحرف يقتضي التسوية مع الله عز وجل؛ مثال الأول: أولئك الذين يعلقون التمائم البدعية، أو يلبسون حلقاً، أو خيوطاً لدفع البلاء، أو رفعه. كما زعموا؛ ومثال الثاني: ما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل: "ما شاء الله وشئت"، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"أجعلتني لله نداً، بل ما شاء الله وحده"(5)، لأنك إذا قلت:"ما شاء الله وشئت" جعلت المخاطَب ندًّا لله في المشيئة.
فإذا قال قائل: أليس الله قد ذم قارون حينما قال: {إنما أوتيته على علم عندي} [القصص: 78]؛ فنسب حصول هذا المال إلى العلم؛ وهذا قد يكون صحيحاً؟
فالجواب أن هذا الرجل أنكر أن يكون من الله ابتداءً؛ ومعلوم أن الإنسان إذا أضاف الشيء إلى سببه دون أن يعتقد أن الله هو المسبِّب فهو مشرك؛ وأيضاً فإن قارون أراد بقوله هذا أن يدفع وجوب الإنفاق عليه مبتغياً بذلك الدار الآخرة.
والخلاصة: أن الحادث بسبب معلوم له صور:
الصورة الأولى: أن يضيفه إلى الله وحده.
الثانية: أن يضيفه إلى الله تعالى مقروناً بسببه المعلوم؛ مثل أن يقول: "لولا أن الله أنجاني بفلان لغرقت".
(1) راجع البخاري ص 181، كتاب الوكالة، باب 11: إذا باع الوكيل شيئاً فاسداً فبيعه مردود، حديث رقم 2312؛ وصحيح مسلم ص 945، كتاب المساقاة، باب 18؛ بيع الطعام مثلاً بمثل، حديث رقم 4083 [96]1594.
(2)
انظر ص 197 الفائدة الخامسة.
(3)
اخرجه البخاري ص 67، كتاب الأذان، باب 160: ما جاء في الثوم النيء والبصل والكراث، حديث رقم 855؛ وأخرجه مسلم ص 764، كتاب المساجد، باب 17: نهي من أكل ثوماً
…
، حديث رقم 1253 [73]564.
(4)
أخرجه مسلم ص 764 – 765، كتاب المساجد، باب 17: نهي من أكل ثوماً
…
، حديث رقم 1256 [76]565.
(5)
أخرجه أحمد 1/ 214، حديث رقم 1839؛ وأخرجه البخاري في الأدب المفرد، راجع فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد 2/ 253، باب 339: قول الرجلك ما شاء الله وشئت، حديث رقم 783؛ وأخرجه ابن أبي شيبة 5/ 340، باب 231: في الرجل يقول: ما شاء الله وشاء فلان، حديث رقم 26282، قال الألباني في السلسلة الصحيحة: فالإسناد حسن 1/ 217، حديث رقم 139، وقال في صحيح الأدب المفرد: صحيح ص 292.
الثالثة: أن يضيفه إلى السبب المعلوم وحده مع اعتقاد أن الله هو المسبِّب؛ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في عمه أبي طالب لما ذكر عذابه: "لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار (1) ".
الرابعة: أن يضيفه إلى الله مقروناً بالسبب المعلوم بـ"ثم"، كقوله:"لولا الله ثم فلان"؛ "وهذه الأربع كلها جائزة".
الصورة الخامسة: أن يضيفه إلى الله، وإلى السبب المعلوم مقروناً بالواو؛ فهذا شرك، كقوله: "لولا الله وفلان
الصورة السادسة: أن يضيفه إلى الله، وإلى السبب المعلوم مقروناً بالفاء، مثل:"لولا الله ففلان"؛ فهذا محل نظر: يحتمل الجواز، ويحتمل المنع.
الصورة السابعة: أن يضيفه إلى سبب موهوم ليس بثابت شرعاً، ولا حساً، فهذا شرك. كما سبق
9 ومن فوائد الآية: توبيخ موسى عليه السلام لبني إسرائيل، وأن الذي يستبدل الأدنى بالذي هو خير يستحق التوبيخ؛ لأن موسى وبخهم، حيث قال:{أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير} .
10 ومنها: أنه يجوز للإنسان أن يعتذر عن الوساطة إذا لم يكن لها داعٍ؛ لأنه قال: {اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم} ؛ وكأنه قال: لا حاجة أن أدعو الله أن يخرج لكم مما تنبت الأرض.
11 ومنها: ضرب الذلة على بني إسرائيل؛ وقد ذكر الله تعالى أنهم ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله. وهو الإسلام؛ أو بحبل من الناس وهو المساعدات الخارجية؛ والمشاهد الآن أن اليهود أعزاء بما يساعدهم إخوانهم من النصارى.
12 ومنها: أن اليهود قد ضربت عليهم المسكنة وهي الفقر؛ ويشمل فقر القلوب الذي هو شدة الطمع بحيث أن اليهودي لا يشبع، ولا يتوقف عن طلب المال ولو كان من أكثر الناس مالاً؛ ويشمل أيضاً فقر المال وهو قلته.
13 ومنها: أن بني إسرائيل لا يقومون للمسلمين لو حاربوهم من قبل الإسلام؛ لأن ضرب الذلة بسبب المعصية؛ فإذا حوربوا بالطاعة والإسلام فلا شك أنه سيكون الوبال عليهم؛ وقد قال الله تعالى: {لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر} [الحشر: 14]؛ وما يشاهد اليوم من مقاتلة اليهود للعرب فإنما ذلك لسببين: .
الأول: قلة الإخلاص لله تعالى؛ فإن كثيراً من الذين يقاتلون اليهود. أو أكثرهم. لا يقاتلونهم باسم الإسلام، وأن تكون كلمة الله هي العليا؛ وإنما يقاتلونهم باسم العروبة؛ فهو قتال عصبي قَبَليّ؛ ولذلك لم يفلح العرب في مواجهة اليهود.
والسبب الثاني: كثرة المعاصي من كبيرة، وصغيرة؛ حتى إن بعضها ليؤدي إلى الكفر؛ وقد حصل للمسلمين في أُحُد ما حصل بمعصية واحدة مع ما انضم إليها من التنازع، والفشل، كما قال الله تعالى:{حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون} [آل عمران: 152].
14 ومن فوائد الآية: إثبات صفة الغضب لله تعالى؛ وغضب الله سبحانه وتعالى صفة من صفاته؛ لكنها لا تماثل صفات المخلوقين؛ فنحن عندما نغضب تنتفخ الأوداج منا، ويحمر الوجه، ويقفُّ الشعر، ويفقد الإنسان صوابه؛ وهذه العوارض لا تكون في غضب الله؛ لأن الله ليس كمثله شيء؛ بل هو غضب يليق بالله عز وجل دال على كمال عظمته، وسلطانه؛ وإذا قلنا بهذا، وسلَّمنا أن الغضب صفة حقيقية برئت بذلك ذمتنا، وصرنا حسب ما أمر الله به، ورسوله.
وفسر أهل التحريف "غضب الله" بانتقامه، ولا يثبتونه صفة لله عز وجل؛ وفسره آخرون بأنه إرادة الانتقام؛ فمعنى {غضب الله عليهم} عندهم: أراد أن ينتقم منهم؛ وتفصيل ذلك مذكور في كتب العقائد.
15 ومن فوائد الآية: أن بني إسرائيل جمعوا بين المعاصي، والعدوان.
16 ومنها: بيان حكمة الله عز وجل حيث ربط الأشياء بأسبابها؛ لقوله تعالى: {ذلك بأنهم} ، وقوله تعالى:{ذلك بما عصوا} ؛ وهذا من الحكمة أن يكون للأسباب تأثيراً في مسبَّباتها بما جعله الله رابطاً بين الأسباب
(1) أخرجه البخاري ص 315، كتاب مناقب الأنصارن باب 40: قصة أبي طالب، حديث 3883؛ وأخرجه مسلم ص 717، كتاب الإيمان، باب 90: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه، حديث رقم 510 [357]209.
والمسبَّبات، ولكن الأسباب قد يكون لها موانع؛ فقد توجد الأسباب، ولكن توجد موانع أقوى منها؛ فالنار لم تحرق إبراهيم صلى الله عليه وسلم. مع أنها سبب للإحراق. لوجود مانع؛ وهو قول الله تعالى لها:{كوني برداً وسلاماً على إبراهيم} [الأنبياء: 69].
القرآن
التفسير:
إن المؤمنين من هذه الأمة، الذين صدَّقوا بالله ورسله، وعملوا بشرعه، والذين كانوا قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم من الأمم السالفة من اليهود، والنصارى، والصابئين- وهم قوم باقون على فطرتهم، ولا دين مقرر لهم يتبعونه- هؤلاء جميعًا إذا صدَّقوا بالله تصديقًا صحيحًا خالصًا، وبيوم البعث والجزاء، وعملوا عملا مرضيًا عند الله، فثوابهم ثابت لهم عند ربهم، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من أمور الدنيا. وأما بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم خاتمًا للنبيين والمرسلين إلى الناس كافة، فلا يقبل الله من أحد دينًا غير ما جاء به، وهو الإسلام.
قال ابن كثير: " لما بين الله تعالى حال من خالف أوامره وارتكب زواجره، وتعدى في فعل ما لا إذن فيه وانتهك المحارم، وما أحلّ بهم من النكال، نبه تعالى على أن مَنْ أحسن من الأمم السالفة وأطاع، فإن له جزاء الحسنى، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة؛ كُلّ من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هُمْ يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه، كما قال تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62] وكما تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30] "(1).
وفي سببب نزول الآية: أخرج الواحدي بسند له صحيح عن مجاهد، قال:"لما قص سلمان على النبي صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الدير قال: "هم في النار" قال سلمان: فأظلمت علي الأرض فنزلت: {إن الذين آمنوا والذين هادوا} إلى قوله: {يحزنون} قال: فكأنما كشف عني جبل"(2). وروي عن ابن مسعود، والسدي (3)، نحو ذلك (4).
واختلف في هذه الآية هل نسخت أم لا؟ ، فذكروا وجهين:
أحدهما: أنها منسوخة، روي عن ابن عباس أن قوله:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} [الحج: 17] الآية، منسوخ بقوله تعالى:{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] الآية (5). فردت الشرائع كلها إلى شريعة محمد صلى الله عليه وسلم.
قال الطبري: " وهذا الخبر يدل على أن ابن عباس كان يرى أن الله جل ثناؤه كان قد وعد من عمل صالحا - من اليهود والنصارى والصابئين - على عمله، في الآخرة الجنة، ثم نسخ ذلك بقوله: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] "(6).
والثاني: أنها ليست بمنسوخة، وهى فيمن ثبت على إيمانه من المؤمنين بالنبي عليه السلام (7).
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 62]، أي:" المؤمنون أتباع محمد"(8).
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 284.
(2)
أسباب النزول للواحدي: 24، وانظر: العجاب في بيان الأسباب: 1/ 255 - 256، وتفسير الطبري (1113): ص 2/ 154 - 155.
(3)
انظر: تفسير الطبري (1112): ص 2/ 150 - 154.
(4)
أنظر: أسباب النزول: 25، والعجاب في بيان الأسباب: 1/ 255 - 256.
(5)
انظر: تفسير الطبري (1114): ص 2/ 155.
(6)
تفسير الطبري: 2/ 155.
(7)
أنظر: تفسير القرطبي: 1/ 436.
(8)
صفوة التفاسير: 1/ 54.
قال الطبري: أي: " هم المصدقون رسول الله فيما أتاهم به من الحق من عند الله، وإيمانهم بذلك، تصديقهم به "(1).
قال ابن عثيمين: " يعني أمة محمد –ص-لى الله عليه وسلم لأنهم هم الذين يستحقون الوصف بالإيمان المطلق، حيث آمنوا بجميع الكتب، والرسل"(2).
قال البيضاوي: "يريد به المتدينين بدين محمد صلى الله عليه وسلم المخلصين منهم والمنافقين، وقيل المنافقين لانخرطهم في سلك الكفرة"(3).
واختلف أهل التفسير في قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 62]، على ثلاثة أوجه (4):
الأول: فالذين آمنوا: هم المصدقون رسول الله فيما أتاهم به من الحق من عند الله، وقوله مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ يكون فيهم بمعنى من ثبت ودام، وفي سائر الفرق بمعنى من دخل فيه. وهذا قول الجمهور (5).
والثاني: أن المراد المنافقون، قاله سفيان الثوري (6)، كأنه قال: الذين أمنوا في ظاهر أمرهم، فلذلك قرنهم باليهود والنصارى والصابئين، ثم بين حكم من آمن بالله واليوم الآخر من جميعهم، فمعنى قوله مَنْ آمَنَ في المؤمنين المذكورين: من حقق وأخلص، وفي سائر الفرق المذكورة: من دخل في الإيمان (7).
والثالث: وقال السدي: هم أهل الحنيفية ممن لم يلحق محمدا صلى الله عليه وسلم، كزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وَالَّذِينَ هادُوا كذلك ممن لم يلحق محمدا صلى الله عليه وسلم، إلا من كفر بعيسى عليه السلام، وَالنَّصارى كذلك ممن لم يلحق محمدا صلى الله عليه وسلم، وَالصَّابِئِينَ كذلك (8).
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هَادُوا} [البقرة: 62]، "أي الذين انتسبوا إلى دين اليهود. وهي شريعة موسى"(9).
وقد اختلفت آراء اللغويين والمفسرين في أصل الكلمة التي اشتقت منها كلمة «يهود» ، وسبب تسمية اليهود بهذا الاسم، وذكروا وجوها (10):
أحدها: أنها من «هاد» بمعنى رجع، سموا بذلك حين تابوا عن عبادة العجل.
والثاني: أنهم سمّوا بذلك، لقولهم:{إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [سورة الأعراف: 156]، أي: تبنا، قاله ابن جريج (11)، والهائد (12): التائب، ومن ذلك قول الشاعر (13):
إنِّي امْرُؤٌ مِنْ حُبِّهِ هَائِدُ
أي: تائب.
والثالث: وقال ابن عرفة: {هدنا إليك} ، أي: سكنا إلى أمرك، والهوادة السكون والموادعة. قال: ومنه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} (14).
(1) تفسير الطبري: 2/ 143.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 221.
(3)
تفسير البيضاوي: 1/ 84.
(4)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 156، وتفسير القرطبي: 1/ 432.
(5)
حكاه القرطبي، أنظر: تفسيره: 1/ 432.
(6)
نقلا عن: المحرر الوجيز: 1/ 156.
(7)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 156، وتفسير القرطبي: 1/ 432.
(8)
نقلا عن: المحرر الوجيز: 1/ 156.
(9)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 221.
(10)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 143، وتفسير القرطبي: 1/ 432 - 433، والمحرر الوجيز: 1/ 157، والدر المصون: 1/ 405، واللباب في علوم الكتاب: 2/ 133، واللسان، مادة:"هود".
(11)
أنظر: تفسير الطبري (1094): ص 2/ 143.
(12)
قيل: (هود): جمع هائد كعوذ جمع عائذ وقيل: مصدر يستوي فيه الواحد وغيره وقيل: إنه مخفف يهود بحذف الياء وهو ضعيف وعلى القول بالجمعية يكون أسم كان مفردا عائدا على من بإعتبار لفظها وجمع الخبر بإعتبار معناها وهو كثير في الكلام خلافا لمن منعه. (انظر: التحرير والتنوير: 1/ 359).
(13)
البيت بلا نسبة في: درج الدرر في تفسير الآي والسور: 1/ 189، تفسير القرطبي: 1/ 433، والدر المصون: 1/ 405، واللباب في علوم الكتاب: 2/ 132، ولم أتعرف على قائله.
(14)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 432، وفتح القدير للشوكاني: 1/ 110، وعمدة الحفاظ في تفسير أشرف الالفاظ: 4/ 264.
والرابع: أنهم نُسِبُوا إلى «يهوذا» بالذال المعجمة، وهو أكبر ولد يعقوب-عليه الصلاة والسلام، فغيرته العرب بالدال المهملة، جريا على عادتها في التلاعب بالأسماء الأعجمية، فعرب ونسب الواحد إليه، فقيل يهودي، ثم حذف الياء في الجمع، فقيل يهود.
والخامس: أنها مشتقة من: هاد، يهود؛ فالهود: الميل والرجوع؛ لأن اليهود كانوا كلما جاءهم نبي أو رسول هادوا إلى ملكهم ودلوه عليه ليقتلوه.
والسادس: أنه من «التهويد» ، وهو النطق في سكون ووقار ولين، وسموا بذلك لأنهم يتهودون عند قراءة التوراة. حكاه ابن عطية عن الزهراوي (1)، وأنشد قول الراعي النميري (2):
وخودٌ من اللائي تَسَمَّعْنَ بالضُّحَى
…
قريضَ الرُّدَافَى بالغِنَاءِ المُهَوَّدِ
والسابع: أنه من الهوادة، وهي الخضوع، فـ {هدنا إليك} ، أي: خضعنا إليك.
والثامن: أن أصلها من: «هاد يهيد» ، أي: تحرك، ومنه سمي اليهود؛ لتحركهم في دراستهم، قاله أبو عمرو بن العلاء (3).
وفي أصل الألف في كلمة: «هادوا» ، وجهان (4):
أحدهما: أنه من «واو» ، والأصل:«هاد يهود» أي: تاب.
الثاني: أنها من «ياء» ، والأصل:«هاد يهيد» ، أي: تحرك.
وقد ورد بأن اليهود يرجعون إلى بقايا جماعة «يهوذا» الذين سباهم نبوخذ نصّر إلى بابل في القرن السادس (ق. م)، وهؤلاء سموا كذلك نسبة إلى مملكة ومنطقة يهوذا (139 - 685 ق. م)، ولم تستعمل هذه التسمية إلا في عهد مملكة يهوذا، لذلك فهي تسمية متأخرة ولا صلة لها بيهوذا ويعقوب، اللذين عاشا في القرن السابع عشر قبل الميلاد، ولعل -يهوذا- كانت اسم مدينة في فلسطين منذ عهد الكنعانيين، فبعد أن نزحت جماعة موسى عليه السلام إلى فلسطين تكونت مملكة يهوذا بعد عصر يعقوب وابنه -يهوذا- بحوالي ألف عام في منطقة يهوذا الكنعانية، فسميت باسمها، ثم انتشر استعمال اسم اليهود بعد السبي البابلي منذ القرن السادس للميلاد (5).
وقد ذكروا في القرآن بعبارات عدة، كما في قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62]، وقوله تعالى:{وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [البقرة: 135]، والآيات في ذكرهم باسم اليهود كثيرة، وذكر شيخ الاسلام:" أن هؤلاء المذكورين في الآية، الذين أثنى الله عليهم من الذين هادوا والنصارى كانوا مسلمين مؤمنين لم يبدلوا ما أنزل الله ولا كفروا بشيء مما أنزل الله؛ فاليهود والنصارى صاروا كفاراً من جهة تبديلهم لما أنزل الله، ومن جهة كفرهم بما أنزل على محمد"(6).
ولهذا فإن لفظ «اليهود» : هو اسم خاص بالمنحرفين من بني إسرائيل .. وهو لفظ أعم من لفظة "عبرانيين"(7) و"بني إسرائيل"(8) وذلك لأن لفظة يهود تطلق على العبرانيين وعلى غيرهم ممن دخل في دين
(1) انظر: المحرر الوجيز: 1/ 157.
(2)
انظر: تهذيب اللغة، باب ا"الهاء والدال"، و"خوط"، ومقاييس اللغة، مادة"ردف"، وأساس البلاغة، باب"ردف"، والعباب الزاخر، "ردف"، واللسان، مادة"ردف"، وتاج العروس، مادة"وخد"، "هود"، "ردف"، وغريب الحديث للقاسم بن سلام: 4/ 287، والمحرر الوجيز: 1/ 157، وواللباب: 63 ..
(3)
انظر: اللباب في علوم الكتاب: 2/ 133.
(4)
انظر: اللباب في علوم الكتاب: 2/ 131 - 132.
(5)
انظر: مفصل العرب واليهود في التاريخ: 925.
(6)
مجموع الفتاوى (21/ 91).
(7)
اختلفت الآراء في سبب تسميتهم بـ"العبريين" أو "العبرانيين"، قيل: إنهم سموا بذلك نسبة إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام نفسه، فقد ذكر في سفر التكوين باسم:"إبراهيم العبراني"، لأنه عبر نهر الفرات وأنهاراً أخرى، وقيل إنهم: سموا بالعبرانيين نسبة إلى "عِبْر "، وهو الجد الخامس لإبراهيم عليه الصلاة والسلام، والرأي الثالث يقول: إن سبب التسمية يرجع إلى الموطن الأصلي لبني إسرائيل، ذلك أنهم في الأصل كانوا من الأمم البدوية الصحراوية التي لا تستقر في مكان، بل ترحل من بقعة إلى أخرى بإبلها وماشيتها للبحث عن الماء والمرعى.، وغالب المؤرخين أجمعوا على أن التسمية ناتجة عن عبور إبراهيم عليه الصلاة والسلام نهر الفرات، ويؤكد هذا الرأي ما جاء في سفر يسوع:"وهكذا قال الرب إله إسرائيل في عبر النهر سكن آباؤكم منذ الدهر ".
ويرى البعض أن هذه اللفظة لم تظهر إلا بعد اجتياز إبراهيم نهر الفرات"، فضلا ً عن أن الأخذ بهذا الرأي أقرب إلى الصحة والصواب من الآراء الأخرى
وقيل: لفظ "العبري" أطلق تاريخياً على شراذم من الغجر الرحل كانوا يعيثون في الأرض فسادا، ويتبعون الجيوش الغازية، بوصفهم مرتزقة يستعان بهم في الأعمال الدنية، ووصفهم إبراهيم بأنه "عبري" غير صحيح، إلا إذا أخذنا من لفظ عبري معنى: الترحال والتنقل، وقد ألصق اليهود بإبراهيم وصف "العبري" ليصلوا إلى وصف لغتهم بأنها "العبرية" قديمة ترجع إلى زمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهذا كلام باطل لأن اللغة العبرية جاءت متأخرة جداً عن زمن إبراهيم، وهي لهجة آرامية عربية، ظهرت بعد عصر موسى بحوالي ست مئة سنة ولأن التوراة نزلت باللغة الهيروغلوفية، حيث تخاطب قوما في مصر أو أخرجوا من مصر.
وأرى أن الذي ذكره هو الصواب؛ فاللغة العبرية لغة متأخرة جداً عن زمن الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام. (انظر: العرب واليهود في التاريخ: الأستاذ شراب: 36).
(8)
تم إطلاق مصطلح إسرائيليين على شتات اليهود القادمين إلى فلسطين بعد إعلان اليهود قيام دولة أسموها "إسرائيل" في 51 مايو 8491 م؛ فأصبح كل من يعيش على أرض فلسطين من اليهود يأخذ مُسَمى "إسرائيلي"، وجنسية "إسرائيلية"، ومجموع شتاتهم على أرض فلسطين المغتصبة "إسرائيليين"! !
وشاعت تلك التسميات على ألسن الناس عموماً وفي بلاد المسلمين أيضاً، حيث أطلق على الكيان اليهودي والصهيوني "إسرائيل" واليهودي "بالإسرائيلي"، وشاع مصطلح "إسرائيليون" على اليهود الذين أتوا إلى فلسطين غزاة
…
وإسرائيل كلمة عبرانية مركبة من "إسرا" بمعنى: عبد، ومن "إيل" وهو الله، فيكون معنى الكلمة: عبد الله، وإسرائيل اسم لنبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام، وجاء في تسمية بني إسرائيل بهذا الاسم نسبة إلى أبيهم يعقوب عليه الصلاة والسلام، ويهود اليوم التصقوا بهذا الاسم، ليلبسوا على العامة بأنهم من نسل "إسرائيل" يعقوب عليه الصلاة السلام، ولإثبات عدم اختلاطهم بالشعوب الأخرى ليتحقق لهم الزعم بنقاء الجنس اليهودي، وأن يهود اليوم هم النسل المباشر ليهود التوراة، وذلك لتبرير العودة إلى أرض الميعاد! !
لذا فهذه التسمية منكرة، لما شاع على الألسن القول في سياق الذم فعلت إسرائيل كذا، وستفعل كذا؛ وإسرائيل هو رسول كريم من رسل الله تعالى، وهو "يعقوب" عليه الصلاة والسلام، وهو بريء من الكيان اليهودي الخبيث الماكر، إذ لا توارث بين الأنبياء والرسل وبين أعدائهم من الكافرين.
اليهود وهو ليس منهم، وفي الحقيقة أنه لا يستطيع أحد أن يجزم بتحديد التاريخ الذي أطلقت فيه هذه التسمية على بني إسرائيل وسبب إطلاقها، لعدم وجود دليل على ذلك لا من الكتاب ولا من السنة، وإنما بنيت الاجتهادات السابقة على تخمينات لغوية لا تقوم بها حجة؛ غير أننا نستطيع أن نستنتج من الاستعمال القرآني لكلمة «يهود» أن هذه التسمية إنما أطلقت عليهم بعد انحرافهم عن عبادة الله وعن الدين الصحيح، وذلك لأنه لم يرد في القرآن الكريم إطلاق اليهود على سبيل المدح، بل لم تذكر عنهم إلا في معرض الذم والتحقير، وإظهار صفاتهم وأخلاقهم الذميمة، والتنديد بكفرهم.
وذكروا في قوله تعالى: {هَادُوا} [البقرة: 62]، وجهان من القراءة (1):
أحدهما: {هَادُوا} ، بضم الدال. قرأ بها الجمهور.
والثاني: {هَادَوا} ـ بفتح الدال، من المهاداة، قرأ بها أبو السماك العدوي.
قوله تعالى: {وَالنَّصَارَى} [البقرة: 62]، "أي الذين انتسبوا إلى دين عيسى"(2).
قال الثعلبي: " الذين كانوا على دين عيسى عليه السلام ولم يبدّلوا وماتوا على ذلك"(3).
و{النَّصَارَى} جمع اختلف في مفرده على قولين (4):
الأول: واحده (نصراني)، وقيل:(نصران)، بإسقاط الياء، وهذا قول سيبويه (5).
وقد حكى عنهم سماعا (نصران)، بطرح الياء، ومنه قول الشاعر (6):
(1) أنظر: انظر: تفسير القرطبي: 1/ 432، والبحر المحيط: 1/ 204.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 221.
(3)
تفسير الثعلبي: 1/ 209.
(4)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 43.
(5)
أنظر: الكتاب: 3/ 256.
(6)
لم أعرف قائله. الأضداد لابن الأنباري: 155، ورواه:" تراه ويضحى وهو. . " ونقله أبو حيان في البحر المحيط 1: 238 عن الطبري، وفيهما " إذا دار العشى " وأخطأ القرطبي (تفسيره 1: 369) فقال: و " أنشد سيبويه " وذكر البيت، ولم ينشده سيبويه. وروى صدره. (تراه إذا دار العشا متحنفا)
والبيت في صفة الحرباء. و " محنفا ": قد تحنف، أو صار إلى الحنيفية. ويعني أنه مستقبل القبلة. وقوله:" لديه "، أي لدى العشى، ويريد قبل أن يستوى العشى أو لدى الضحى، ويكون قد ذكره في بيت قبله. وقوله:" شامس "، يريد مستقبل الشمس، قبل المشرق. يقول يستقبل الشمس كأنه نصراني، وهو كقول ذي الرمة في صفة الحرباء أيضًا: إذا حول الظل العشى رأيته
…
حنيفا، وفي قرن الضحى ينتصر
تراه إذا زار العشي مُحَنِّفًا
…
ويضحي لديه وهو نصران شامس
والأنثى (نصرانة)، قال الأخزر الحماني (1):
فَكِلْتَاهُمَا خَرَّتْ وَأَسْجَدَ رَأْسُهَا
…
كَمَا سَجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ
والثاني: واحده نصْرِي. قاله الخليل بن أحمد (2).
قال الماوردي: "والأول أظهر"(3).
وفي سبب تسميتهم بـ (النصارى)، ثلاثة أقوال (4):
أحدها: أنهم سُمُّوا بذلك، لقريةٍ تُسَمَّى (ناصرة)، كان ينزلها عيسى عليه السلام، فَنُسِبَ إليها، فقيل: عيسى الناصري، ثم نسب أصحابه إليه فقيل: النصارى، وهذا قول ابن عباس (5)، وقتادة (6)، وابن جريج (7).
والثاني: أنهم سُمُّوا بذلك، لنصرة بعضهم لبعضٍ، قال الشاعر (8):
لمَّا رأيتُ نَبَطاً أَنْصَارَا
…
شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِيَ الإْزَارَا
كُنْتُ لَهُمْ مِنَ النَّصَارَى جَارَا
والثالث: أنهم سُمُّوا بذلك، لقوله:{مَنْ أَنْصَارِي إلى الله} [الصف: 14](9).
ولفظة (النصرانية) و (نصارى) التي تطلق في العربية على أتباع المسيح، من الألفاط المعربة، يرى بعضى المستشرقين أنّها من أصل سرباني هو:(نصرويو) Nosroyo، (نصرايا) Nasraya (10)، ويرى بعضٌ آخر أنّها من Nazerenes التّسمية العبرانية التي أطلقها اليهود على من اتّبع ديانة المسيح، وقد وردت في العهد الجديد في (أعمال الرسل) حكاية على لسان يهود (11)، وبرى بعض المؤرخين أن لها صلةً (بالناصرة) التي كان منها (يسوع) حيث يُقال:(يسوع الناصري) أو أنّ لها صلة ب (الناصريين) Nasarenes = Nazarenes إحدى الفرق القديمة اليهودية المتنصرة. وقد بقي اليهود يطلقون على من اتّبع ديانة المسيح (النصارى)، وبهذا المعنى وردت الكلمة في القرآن الكريم، ومن هنا صارت النصرانية علماً لديانة المسيح عند المسلمين.
(1) البيت من شواهد سيبويه (411): ص 3/ 256، وانظر: شرح شواهده للنحاس ص 178، و"تفسير الطبري" 1/ 318، "الزاهر" 1/ 141، 2/ 225، "الإنصاف" ص 357، "المخصص" 17/ 44، "تهذيب اللغة"(نصر) 4/ 3584، "اللسان"(نصر) 5/ 211، "تفسير ابن عطية" 1/ 245، "تفسير القرطبي" 1/ 433، "البحر المحيط" 1/ 238، "الدر المصون" 1/ 406، "فتح القدير" 1/ 148، يصف ناقتين، طأطأتا رؤوسهما من الإعياء، فشبه رأس الناقة في طأطأتها، برأس النصرانية إذا طأطأته في صلاتها. وأسجد الرجل: طأطأ رأسه وخفضه وانحنى. قال حميد بن ثور، يصف نوقا:
فلما لوين على معصم
…
وكف خضيب وأسوارها
فضول أزمتها أسجدت
…
سجود النصاري لأحبارها
(2)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 43.
(3)
النكت والعيون: 1/ 133.
(4)
أنظر: تفسير الطبري: 2/ 144 - 145، والنكت والعيون: 1/ 133.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (1096): ص 2/ 145.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (1097)، و (1098): ص 2/ 145.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (1095): ص 2/ 145.
(8)
لم أعرف صاحب الرجز. والأبيات، في معاني القرآن للفراء 1/ 44 أمالي ابن الشجرى 1/ 79، 371. أنشده شاهدا على حذف واو العطف: أي " وكنت لهم من النصارى جارا "، ثم أنشده في الموضع الآخر شاهدا على حذف الفاء العاطفة أي " فكنت لهم. . ". والبيت من شواهد الطبري: 2/ 144.
(9)
أنظر: تفسير الطبري: 2/ 145.
(10)
غرائب اللغة (ص 207)، Ency. ، III، p. 848.
(11)
أعمال الرسل: الإصحاح 24، الآية 5 «فإننا إذْ وجدنا هذا الرجل مفسداً ومهيج فتنة بين جميع اليهود الذين في المسكونة ومقدام شيعة الناصريين» ، Ency. Relig. Ethic. ، III، p. 574.
ولعلماء اللغة الإسلاميين آراء في معنى هذه الكلمة وفي أصلها، هي من قبيل التفسيرات المألوفة المعروفة عنهم في الكلمات الغريبة التي لا يعرفون لها أصلاً، وقد ذهب بعضهم إلى أنها نسبة إلى الناصرة التي نُسب اليها المسيح (1)، وزعم بعض منهم أنها نسبة إلى قرية يُقال لها (نصران)، فقبل نصراني وجمعه نصارى (2)، وذُكر أن (النصرانة) هي مؤنث النصراني (3).
وقد وردت هذه التسمية في الشعر الجاهلي، فقد ذُكر ان أمية بن أبي الصلت ذكرهم في هذا البيت (4):
أيام يلقى نصاراهم مسيحهم
…
والكائنين له وداً وقربانا
وذكر أنّ شاعراً جاهلياً ذكر النصارى في شعر له، هو (5):
اليكَ تعدو قلقا وضينها معترضاً في بطنها جنينها
مخالفاً دين النصارى دينها
وذُكر أنّ جابر بن حُنىّ قال (6):
وقد زعمت بهراء أنّ رماحنا رماح نصارى لا تخوض إلى دم
وأنّ حاتماً الطّائي قال في شعر له (7):
ومازلت أسعى بين نابٍ ودارة
…
بلحيانَ حتى خفت أن أتنصرا
وأنّ (طخيم بن أبي الطخماء) قال في شعر له في مدح بني تميم (8):
وإنّي وإنْ كانوا نصارى أحبهّم ويرتاح قلبى نحوهم ويُتَوَّق
وأنّ حسان بن ثابت قال (9):
فرحت نصارى يثرب ويهودها لما توارى في الضريح الملحد
غير أنّ هذه الأبيات وأمثالها إنْ صح أنها لشعراء جاهليين حقاً، هي من الشعر المتأخر الذي قيل قبيل الإسلام. أما قبل ذلك، فليس لنا علم بما كان العرب يسمّون به النصارى من تسميات.
والذي نعرفه أن قدماء النصارى حينما كانوا يتحدثون عن أنفسهم كانوا يقولون (تلاميذ) Disciples، و (تلاميذ المسيح)، ذلك أنهم كانوا ينظرون إلى المسيح نظرتهم إلى معلم يعلمهم (10) وكذلك نظروا إلى حوارييه، فورد (تلاميذ يوحنا) وقصدوا بذلك النصارى (11)، وهذه التعابير من أقدم التعابير التي استعملها النصارى للتعبير عن أنفسهم.
كذلك دعا قدماء النصارى جماعتهم ب (الاخوة) وب (الاخوة في الله) Brethren in Lord للدلالة على الجماعة، وب (الأخ) للتعبير عن المفرد، ذلك لأن العقيدة قد آخت بينهم، فصار النصارى كلهم إخوة في الله وفي الدين (12)، ثم تخصصت كلمة (الأخ) برجل الدين (13)، ودعوا أنفسهم (القديسين) Saints (14)
(1) اللسان (7/ 68)، تاج العروس (3/ 568)، (نصر).
(2)
المفردات، للأصفهاني (ص 514).
(3)
ومنه قول الشاعر:
فكلتاهما خرت وأسجد رأسها
…
كما أسجدت نصرانة لم تحنف
اللسان (7/ 68)، (نصر)، «والنصرانية واحدة النصارى» ، تاج العروس (3/ 569)، (نصر).
(4)
النصرآنية وآدابها، القسم الثاني، الجزء الثاني، القسم الأول (ص 187).
(5)
البيت من شواهد اللسان (قلق)، (ودن)، (وضن)، وتاج العروس (قلق)، (وضن)، وهو بلا نسبة فيهما. والوضين: حزام الناقة.
(6)
النصرانية وآدابها، القسم الثاني، الجزء الثاني، القسم الأول (ص 171، 225)، شعراء النصرانية (190)، المشرق، السنة السابعة 1904، (620 وما بعدها).
(7)
الأغاني (16/ 104)، النصرانية وآدابها، القسم الثاني، الجزء الثاني، القسم الأول (171، 225).
(8)
المشرق، السنة السابعة: 1904 (620 وما بعدها).
(9)
ديوان حسان: 24.
(10)
Hastings، p. 192.
(11)
إنجيل مرقس: الإصحاح الثاني، الآية 18.
(12)
Hastings، p. 104.
(13)
أعمال الرسل، الإصحاح الأول، الآية 15 وما بعدها، Ency. Reli. Ethic. ، 3، p. 573.
(14)
رسالة بولس الرسول، الرسالة الأولى إلى أهل كورنتوس، الإصحاح الأول، الآية الأولى ما بعدها.
والمؤمنين (1) والمختارين الأصفياء والمدعوّين، ويظهر أنها لم تكن علمية، وإنما وردت للأشارة إلى التسمية التي تليها.
وقد كنى عن مجتمع النصارى ب (الكنيسة) Ecclesia وتعني (المجمع) في الإغريقية، بمعنى المحل الذي يجتمع فيه المواطنون. فكنى بها عن المؤمنين وعن الجماعة التابعة للمسيح. كما عبر عن النصارى ب (الفقراء) وب (الأصدقاء)(2).
وقد عرف النصارى ب Christians نسبةً إلى Christos اليونانية التي تعني (المسيح) Messiah، أيْ المنتظر المخلص الذي على يديه يتم خلاص الشعب المختار. ويسوع هو المسيح، أي المنتظر المخلص الذي جاء للخلاص كما جاء في عقيدة أتباعه، ولذلك قيل لهم أتباع المسيح. فأطلقت عليهم اللفظة اليونانية، وعُرفوا بها، تمييزاً لهم عن اليهود. وقد وردت الكلمة في أعمال الرسل وفي رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنتوس (3).
أما في القرآن الكريم وفي الأخبار، فلم ترد هذه اللفظة اليونانية الأصل. ولهذا نجد أن العربية اقتصرت على إطلاق (نصارى) و (نصراني) و (نصرانية) على النصارى تمييزاً لهم عن أهل الأديان الأخرى. أما مصطلح (عيسوي) و (مسيحي)، فلم يُعرفا في المؤلفات العربية القديمة وفي الشعر الجاهلي، فهما من المصطلحات المتأخرة التي أطلقت على النصارى (4)، وقد قصد في القرآن الكريم ب (أهل الإنجيل)(5) النصارى، إذ لا يعترف اليهود بالإنجيل، وقد أدخل علماء اللغة اللفظة في المعربات (6).
وأهم علامة فارقة ميزت نصارى عرب الجاهلية عن العرب الوثنيين، هي أكل النصارى للخنازير، وحملهم الصليب وتقديسه، ورد أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال لراهبيْن أتياه من نجران، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أسلما تسلما، فقالا: قد أسلمنا قبلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كذبتما منعكما من الإسلام ثلاث، سجودكما للصليب، وقولكما: إتخذ الله ولداً، وشربكما الخمر، فقالا: فما تقول في عيسى؟ ، قال: فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم إلى قوله: أبناءنا وأبناءكم قال: فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملاعنة قال: وجاء بالحسن والحسين وفاطمة أهله وولده، قال: فلما خرجا من عنده، قال أحدهما لصاحبه: أقرر بالجزية ولا تلاعنه، قال: فرجعا، فقالا: نقر بالجزية ولا نلاعنك، قال: فإقرأ بالجزية"(7).
وقد روي عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ:"أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ: "يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ"، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31]، قَالَ: "أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ""(8).
وورد في شعر ذي الرّمة (9):
ولكنَّ أصل امرىء القيس معشرٌ
…
يحل لهم أكل الخنازير والخمر
يريد أنّهم نصارى في الأصل، فهم يختلفون عن المسلمين في أكلهم لحم الخنزير وفي شربهم الخمر (10).
وفد أقسم النصارى بالصليب. هذا (عدي بن زيد) يحلف به في شعر ينسب اليه، فيقول (11):
(1) أعمال الرسل: الإصحاح الخامس، الآية 14، رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس، الإصحاح الأول، الآية الأولى وما بعدها.
(2)
Ency. Reli. Ethic. ، 3، p. 574.
(3)
أعمال الرسل: الإصحاح الحادي عشر: الآية 26، الإصحاح 26، الآية 28، رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنتس: الإصحاح الرابع، الآية 16، Hastings، p. 127.
(4)
Hughes، Dictionary of Islam، p. 431.
(5)
المائدة، الآية 47.
(6)
النهاية في غريب الحديث (4/ 136)، المعرب، للجوالقي (23).
(7)
أحمد بن حنبل - فضائل الصحابة - فضائل الحسن والحسين 1332، وانظر: البلاذري (71).
(8)
سنن الترمذي ت شاكر 5/ 278، وانظر: اللسان (13/ 443)، (وثن)، السيوطي، الدرر المنثور (10/ 75).
(9)
النصرانية وآادابها بين عرب الجاهلية: 57.
(10)
انظر: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي:4010.
(11)
الأغاني: 2/ 24، وانظر: شيخو، شعراء النصرانية (451).
سَعى الأَعداءُ لا يَألونَ شَرّاً
…
عَلَيكَ وَرَبِّ مَكَّةَ وَالصَليبِ
قوله تعالى: {وَالصَّابِئِينَ} [البقرة: 62]، أي:"والصابئين-وهم قوم باقون على فطرتهم، ولا دين مقرر لهم يتبعونه-"(1).
قال البيضاوي: " قوم بين النصارى والمجوس"(2).
قال النسفي: أي"الخارجين من دين مشهور إلى غيره، من صبأ إذا خرج من الدين، وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة"(3).
وقوله تعالى: {الصَّابِئِينَ} [البقرة: 62]، فيه قراءتان (4):
أحدهما: {الصَّابِينَ} و {والصّابون} ، بترك الهمزة، قرأ بها أهل المدينة في جميع القرآن.
والثاني: وقرأ الباقون: {الصَّابِئِينَ} و {والصَّابِئُونَ} ، بالهمزة وهو الأصل.
قال الثعلبي: يقال: صبا يصبوا صبوءا، إذا مال وخرج من دين إلى دين" (5).
وقد اختلف العلماء في {الصَّابِئِينَ} ، ولعل من أسباب الاختلاف حول حقيقة الصابئة مايلي:
1 -
ورود التعاليم الصابئية باللغة الآرامية؛ مما أدى إلى اقتصار جماعة محدودة من رجال الدين والمهتمين بأمره على فهم التعاليم الصابئية، بينما ظلت هذه التعاليم بالنسبة للآخرين – بما في ذلك اتباع الطائفة – رهن السماع والملاحظة، وهما لايغنيان شيئاً عن قراءة النصوص قراءة مباشرة (6).
2 -
انطواء الصابئين على أنفسهم، وعدم مخالطتهم بغيرهم، وكتمان عقيدتهم، وانغلاقهم عليها، لأنهم لايرون أن دينهم تبشيرياً يقومون بالدعوة إليه والتعريف به، بل على عكس ذلك (7).
3 -
اصطناع التقية حيث يبدون تعاطفاً مع أتباع جميع الملل والنحل معتمدين على أوجه التشابه بينهم وبين أتباع هذه الملل والنحل، مما جعل من الصعب كشف الستار عن بواطن معتقداتهم وشعائرهم (8).
4 -
كثرة الملل والأهواء والنحل التي ظهرت في العصر العباسي الذي يعد العهد الذهبي للتأليف والترجمة؛ مما سبب صعوبة في التمييز بين تلك الملل والنحل بشكل كبير، ساعد على ذلك انتحال فئات أخرى من غير الصابئين اسمهم والتشبه بهم (9).
كما اختلف العلماء في أصل كلمة (صابئة) مما أدى إلى اختلافهم في المراد من ذلك، ويمكن إجمال أقوالهم فيما يلي:
القول الأول (بالهمز): إن الكلمة عربية تفيد معنى الخروج والتحول والانتقال من دين إلى آخر، مأخوذة من قول العرب: صبأ ناب البعير إذا طلع حده وخرج، وتصبأ النجوم أي تخرج من مطالعها، والصابيء: المستحدث سوى دينه، وكل خارج من دين كان عليه إلى دين آخر، كالمرتد من أهل الإسلام عن دينه، وجمع الصابيء: صابئون، وصُبَّاء، وصابئة، صَبَأة، ويعرفون في العراق باسم الصُبَّة.
والفعل (صبأ) يأتي على فَعَلَ، كـ (منع)، ويأتي على وزن فَعُلَ، كـ (كَرُمَ).
وتقول: صبأ يصبأ، وصَبُؤَ، كلاهما يدل على الخروج والبروز، وهذا القول عليه جمهور أهل اللغة (10).
القول الثاني (بغير الهمز): إن الكلمة عربية تفيد معنى الميل والنزع، تقول أصبا إلى الشيء يصبو إذا مال قلبه إليه، ونزع واشتاق وفعل فعل الصبيان، وقد يقال صبا الرجل إذا عشق وهوى.
(1) التفسير الميسر: 329.
(2)
تفسير البيضاوي: 1/ 84.
(3)
تفسير النسفي: 1/ 95.
(4)
أنظر: تفسير الثعلبي: 1/ 208.
(5)
تفسير الثعلبي: 1/ 209.
(6)
الصابئون، د. عبدالله سمك، ص 4.
(7)
انظر: الصابئة، د. علي محمد عبدالوهاب، ص 17. وانظر الصابئون في حاضرهم وماضيهم، ص 4.
(8)
انظر: الصبئون المندائؤون، الليدي دراوور، ترجمة نعيم بدوي وغضبان رومي، ص 47، وانظر الصابئون، ، ص 5.
(9)
الصابئون، ص 5.
(10)
انظر: لسان العرب، مادة "صبأ"، 1/ 107 - 108. وانظر معجم مقاييس اللغة، 3/ 331 - 332. وانظر القاموس المحيط، 1/ 20 - 21
ومن هذا المعنى قوله تعالى عن يوسف – عليه السلام – {وإلا تصرف عني كيدهن أصبُ إليهن وأكن من الجاهلين} [يوسف: 33].
قال بعض العلماء: وسمى القوم بذلك؛ لأنهم مالوا عن كل دين إلى دين عبادة النجوم
…
أو مالوا عن سنن الحق وزاغوا عن نهج الأنبياء (1).
القول الثالث: ذهب (جسنيوس) العالم اللغوي الألماني إلى أن الكلمة صابئين مشتقة من (صباؤوث) العبرانية، أي جند السماء دلالة على أنهم يعبدون الكواكب. وذهب نولدكي إلى أنها مشتقة من صب الماء إشارة إلى اعتمادهم بالماء لأنهم يعتمدون كالنصارى، وقال غيره أن الديانة المسيحية اتصلت ببقية الكلدانيين فنشأ منهم مسيحيو " مار يوحنا) في البصرة وهم الصابئون (2).
القول الرابع: إن الكلمة لاتفيد معنى خاصاً وإنما هي منسوبة إلى أحد الأشخاص يسمى صبائاً، واختلف أصحاب هذا القول في تحديد هذا الشخص بين اثنين:
أ- صابيء متوشلخ (متوشالح) حفيد النبي إدريس – عليه الصلاة والسلام –.
ب- صابيء بن ماري، الذي ظهر في زمن الخليل عليه السلام (3).
وقد أنكر هذا القول المسعودي، ونسب هذه التسمية لرجل في الهند ظهر زمن الملك (طمهوث بن نويجهان) ودعى الناس إلى عبادة الكواكب لأنها المتصرفة في الكون.
هذه هي بعض الأقوال التي تحدثت عن أصل اشتقاق كلمة (الصابئة) ولعلنا نلحظ أن الأقوال السابقة بينها ترابط، وذلك من خلال أن الشخص الذي صبأ وخرج عن دينه إلى دين آخر، هو في الحقيقة لم يصنع ذلك إلا لما مال قلبه إلى ذلكم الدين الجديد، ثم اغتسل بالماء إعلاناً منه الخروج عن الدين الأول، وتمسكه بأبرز سماة الدين الجديد ألا وهو عبادة الكواكب.
وقد قص الله علينا في كتابه قصص السابقين، وأديان الأمم الماضية، ومما أشار إليه القرآن في هذا الشأن ذكر الصابئين، وقد ذكرهم الله تعالى في ثلاث مواضع من كتابه العزيز وهي على النحو التالي:
الموضع الأول: قوله تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62].
الموضع الثاني: قوله تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [المائدة: 69].
الموضع الثالث: قوله تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [الحج: 17].
وقد اختلفت عبارات المفسرون في تفسير معنى (الصابئة) على أقوال:
الأول: أنهم قوم بين المجوس واليهود والنصارى، وليس لهم دين. قاله مجاهد (4)، وعطاء (5).
والثاني: أنهم منزلة بين اليهود والنصارى. قاله سعيد بن جبير (6).
والثالث: قبيلة بين المجوس واليهود، ولاتؤكل ذبائحهم ولاتنكح نساؤهم. قاله الحسن (7)، ومجاهد (8)، وابن أبي نجيح (9).
(1) انظر: تفسير القرطبي، 1/ 473. وانظر تفسير البغوي، 1/ 94.
(2)
انظر: الصابئون في حاضرهم وماضيهم، السيد الحسني، ص 21، وموسوعة كنوز المعرفة، إشراف د/ إميل يعقوب، ط (الأولى)، بيروت: دار نظير عبود، 1998 م، 1/ 158، ودائرة معارف القرن العشرين، محمد فريد وجدي، ط (الثالثة)، بيروت: دار المعرفة، 1971 م، 5/ 426.
(3)
انظر: تاريخ الطبري، 1/ 174.
(4)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (638): ص 1/ 127.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (1106): ص 2/ 146.
(6)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (637): ص 1/ 127.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (1103): ص 2/ 146.
(8)
أنظر: تفسير الطبري (1102): ص 2/ 146.
(9)
أنظر: تفسير الطبري (1104): ص 2/ 146.
والرابع: هم فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور. قاله أبو العالية (1) والسدي، والربيع بن أنس، وأبو الشعشاء جابر بن زيد، والضحاك، وإسحاق بن راهويه (2).
والخامس: أنهم أهل دين من الأديان كانوا بجزيرة الموصل، يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي، إلا قول لا إله إلا الله، ولم يؤمنوا برسول الله. قاله ابن زيد (3).
والسادس: هم الذين لم تبلغهم دعوة نبي. ذكره ابن كثير (4).
والسابع: هم قوم يعيدون الملائكة ويصلون إلى القبلة. قاله قتادة (5)، وزياد بن أبيه (6)، وأبو جعفر الرازي (7).
والثامين: أنهم طائفة من أهل الكتاب. قاله السدي (8).
قال ابن كثير: "وأظهر الأقوال – والله أعلم – قول مجاهد ومتابعيه، ووهب بن منبه: أنهم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين وإنما هم باقون على فطرتهم، ولادين مقرر يتبعونه ويقتضونه"(9).
نستنتج مما سبق، بأن الصابئة أحد أمرين:
إما أن تكون فرقة واحدة لكن بعضهم انخرط مع المجوسية والبعض مع أهل الكتاب والبعض اعتزل جميع الأديان.
وإما أن تكون فرقة الصابئة، عبارة عن فرق متعددة ومذاهب متفرقة، كل فرقة لها طابع خاص تستقل به عن الفرقة الأخرى، فالجامع بينهم جميعاً المسمى – فقط – أما الحقيقة ففيه اختلاف فيما بينهم.
يقول ابن القيم – رحمه الله –: " وقد اختلف الناس فيهم اختلافاً كثيراً، بحسب ماوصل إليهم من معرفة دينهم، وهم منقسمون إلى مؤمن وكافر. قال الله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين
…
الآية} [البقرة: 62].
فذكرهم – جل وعلا – في الأمم الأربعة الذين تنقسم كل أمة منها إلى ناج وهالك كما في قوله تعالى {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة} [الحج: 17]، فذكر الأمتين اللتين لاكتاب لهم، ولاينقسمون إلى شقي وسعيد وهما: المجوس والمشركون، ولم يذكرهما في آية الوعد بالجنة، وذكر الصابئين فيهما فعلم أن فيهم الشقي والسعيد" (10).
وقد اختلف موقف العلماء في الصائبة، قال ابن القيم: "لقد اختلف الناس فيهم اختلافاً كثيراً، وأشكل أمرهم على الأئمة لعدم الإحاطة بمذهبهم ودينهم:
فقال الشافعي رحمه الله تعالى: هم صنف من النصارى، وقال في موضع: ينظر في أمرهم، فإن كانوا يوافقون النصارى في أصل الدين، ولكنهم يخالفونهم في الفروع، فتؤخذ منهم الجزية، وإن كانوا يخالفونهم في أصل الدين لم يقروا على دينهم ببذل الجزية، ثم اختلف أصحابه – وكذلك اختلف الأحناف والمالكية والحنابلة –" (11).
ويقول ابن القيم – رحمه الله –: "وبالجملة فالصابئة أحسن حالاً من المجوس، فأخذ الجزية من المجوس تنبيه على أخذها من الصابئة بطريق الأولى، فإن المجوس من أخبث الأمم ديناً ومذهباً، ولايتمسكون
(1) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (639): ص 1/ 127، وتفسير الطبري (1110): ص 2/ 147.
(2)
انظر تفسير الطبري، 1/ 252 - 253. وتفسير ابن أبي حاتم: 1/ 127، وتفسير القرطبي، 1/ 475 - 476.
(3)
أنظر: تفسير الطبري (1107): ص 2/ 147.
(4)
انظر: تفسير ابن كثير، 1/ 104.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (1109): ص 2/ 147.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (1108): ص 2/ 147. زياد بن أبيه: هو والى العراق في زمن معاوية رضي الله عنه.
(7)
أنظر: تفسير الطبري: 2/ 147، وزاد:"أنهم ويقرءون الزبور".
(8)
أنظر: تفسير الطبري (1111): ص 2/ 147.
(9)
تفسير ابن كثير، 1/ 104.
(10)
انظر: إغاثة اللهفان، 2/ 249 - 250.
(11)
أحكام أهل الذمة، ابن القيم الجوزية، تحقيق يوسف البكر وشاكر العاروري، ط (الأولى)، بيروت: دار ابن حزم، 1418 هـ، ص 231 وما بعدها.
بكتاب ولاينتمون إلى ملة ولايثبت لهم كتاب ولاشبهة كتاب أصلاً
…
وكل ماعليه المجوس من الشرك فشر الصابئة إن لم يكن أخف منه فليس بأعظم منه" (1).
قوله تعالى: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 62]، "أي من آمن من هذه الطوائف إِيماناً صادقاً فصدَّق بالله، وأيقن بالآخرة"(2).
قال النسفي: " من هؤلاء الكفرة إيماناً خالصاً"(3).
قال البيضاوي: أي" من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ. مصدقاً بقلبه بالمبدأ والمعاد"(4).
وأخرج ابن أبي حاتم "عن ابن عباس: قوله: {من آمن بالله}، يعني: من وحد الله"(5).
قوله تعالى: {وَعَمِلَ صَالِحًا} [البقرة: 62]، " أي عمل بطاعة الله في دار الدنيا"(6).
قال البيضاوي: أي: " عاملاً بمقتضى شرعه"(7).
قال أبو حيان: " هو عام في جميع أفعال الصلاح وأقوالها وأداء الفرائض، أو التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم"(8).
قوله تعالى: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [البقرة: 62]، " أي لهم ثوابهم عند الله"(9).
قال قتادة: " أجر كبير لحسناتهم، وهي الجنة"(10).
قال ابن عثيمين: " وسمى الله تعالى "الثواب" أجراً؛ لأنه سبحانه وتعالى التزم على نفسه أن يجزي به كالتزام المستأجر بدفع الأجرة للأجير؛ {عند ربهم}: أضاف ربوبيته إليهم على سبيل الخصوص تشريفاً، وتكريماً، وإظهاراً للعناية بهم؛ فهذه كفالة من الله عز وجل، وضمان، والتزام بهذا الأجر؛ فهو أجر غير ضائع"(11).
قوله تعالى: {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 62]، "أي: ليس على هؤلاء المؤمنين خوف في الآخرة، حين يخاف الكفار من العقاب" (12).
قال الثعلبي: " فيما قدّموا"(13).
قال البيضاوي: " حين يخاف الكفار من العقاب"(14).
قال الطبري: أي: "ولا خوف عليهم فيما قدموا عليه من أهوال القيامة"(15).
وقرأ الجمهور: {وَلا خَوْفٌ} ، بالرفع والتنوين. وقرأ الحسن:{ولا خوف} ، من غير تنوين (16).
قوله تعالى: {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62]، ولا يحزنون "على ما مضى من الدنيا"(17).
قال الثعلبي: " على ما خلّفوا"(18).
قال البيضاوي: حين "يحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب"(19).
(1) المصدر السابق، ص 242.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 55.
(3)
تفسير النسفي: 1/ 95.
(4)
تفسير البيضاوي: 1/ 85.
(5)
تفسير ابن أبي حاتم (646): ص 1/ 128.
(6)
صفوة التفاسير: 1/ 55.
(7)
تفسير البيضاوي: 1/ 85.
(8)
البحر المحيط: 1/ 205.
(9)
صفوة التفاسير: 1/ 55.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (648): ص 1/ 129.
(11)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 222.
(12)
صفوة التفاسير: 1/ 55.
(13)
تفسير الثعلبي: 1/ 210.
(14)
تفسير البيضاوي: 1/ 85.
(15)
تفسير الطبري: 2/ 150.
(16)
أنظر: البحر المحيط: 1/ 205.
(17)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 223.
(18)
تفسير الثعلبي: 1/ 210.
(19)
تفسير البيضاوي: 1/ 85.
قال الطبري: " ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من الدنيا وعيشها، عند معاينتهم ما أعد الله لهم من الثواب والنعيم المقيم عنده"(1).
قال ابن عثيمين: " لأنهم انتقلوا إلى خير منها؛ أما الكافر فيحزن على ما فرط في الحياة الدنيا، ويتحسر، كما قال تعالى: {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون * واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون * أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله} [الزمر: 54. 56]: هذا تحزُّن، وتحسُّر"(2).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: أن الله سبحانه وتعالى لا يظلم أحداً، فكل من آمن بالله واليوم الآخر، فإن له أجره من أيّ صنف كان.
2 ومنها: ثمرة الإيمان بالله، واليوم الآخر. وهو حصول الأجر، وانتفاء الخوف مما يستقبل، والحزن على ما مضى.
3 ومنها: أنه لا فرق في ذلك بين جنس وآخر؛ فالذين هادوا، والنصارى، والصابئون مثل المؤمنين إذا آمنوا بالله، واليوم الآخر. وإن كان المؤمنون من هذه الأمة يمتازون على غيرهم بأنهم أكثر أجراً.
4 ومنها: عظم أجر الذين آمنوا، وعملوا الصالحات؛ وذلك في قوله تعالى:{عند ربهم} .
5 ومنها: أنه إذا ذكر الثناء بالشر على طائفة، وكان منهم أهل خير فإنه ينبغي ذكر أولئك الذين اتصفوا بالخير حتى لا يكون قدحاً عاماً؛ لأنه تعالى بعدما قال:{ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق} [البقرة: 61] بيَّن أن منهم من آمن بالله تعالى واليوم الآخر، وأن من آمن بالله واليوم الآخر فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم، ولا هم يحزنون.
القرآن
التفسير:
واذكروا -يا بني إسرائيل- حين أَخَذْنا العهد المؤكَّد منكم بالإيمان بالله وإفراده بالعبادة، ورفعنا جبل الطور فوقكم، وقلنا لكم: خذوا الكتاب الذي أعطيناكم بجدٍ واجتهاد واحفظوه، وإلا أطبقنا عليكم الجبل، ولا تنسوا التوراة قولا وعملا كي تتقوني وتخافوا عقابي.
قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} [البقرة: 63]، أي:" اذكروا إذا أخذنا ميثاقكم"(3).
قال البغوي: أي" عهدكم يا معشر اليهود"(4).
قال القاسمي: " أي واذكروا وقت أخذنا لميثاقكم بالمحافظة على ما في التوراة"(5).
قال المراغي: " أي واذكروا يا بنى إسرائيل رفت أخذنا العهد على أسلافكم بالعمل بما في التوراة وقبولهم ذلك"(6).
قال السعدي: " وهو العهد الثقيل المؤكد بالتخويف لهم"(7).
قال النسفي: " بقبول ما في التوراة"(8).
قال البيضاوي: " باتباع موسى والعمل بالتوراة"(9).
(1) تفسير الطبري: 2/ 150.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 223.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 224.
(4)
تفسير البغوي: 1/ 103.
(5)
محاسن التأويل: 1/ 321.
(6)
تفسير المراغي: 1/ 137.
(7)
تفسير السعدي: 54.
(8)
تفسير النسفي: 1/ 68.
(9)
تفسير البيضاوي: 1/ 85.
قال أبو العالية: " أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له ولا يعبدوا غيره"(1).
وفي سبب أخذ ميثاقهم يقول أخرج الطبري بسنده عن ابن زيد: " لما رجع موسى من عند ربه بالألواح. قال لقومه بني إسرائيل: إن هذه الألواح فيها كتاب الله، فيه أمره الذي أمركم به ونهيه الذي نهاكم عنه. فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة، حتى يطلع الله إلينا فيقول: هذا كتابي فخذوه! فما له لا يكلمنا كما كلمك أنت يا موسى، فيقول: هذا كتابي فخذوه؟ قال: فجاءت غضبة من الله، فجاءتهم صاعقة فصعقتهم، فماتوا أجمعون. قال: ثم أحياهم الله بعد موتهم، فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله. فقالوا: لا. قال: أي شيء أصابكم؟ قالوا: متنا ثم حيينا! قال: خذوا هذا الطور، قال: خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم. قال: فأخذوه بالميثاق، وقرأ قول الله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} حتى بلغ: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 83 - 85]، قال: ولو كانوا أخذوه أول مرة، لأخذوه بغير ميثاق"(2).
قال المفسرون: "إن موسى لما أتاهم بالتوراة فرأوها وما فيها من التغليظ كبر ذلك عليهم وأبوا أن يقبلوا ذلك، فأمر الله جبلًا من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام على رؤوسهم مثل الظلة، وكان العسكر فرسخا في فرسخ والجبل كذلك، وأوحى الله إلى موسى إن قبلوا التوراة وإلا رضختهم بهذا الجبل، فلما رأوا ذلك وأن لا مهرب لهم، قبلوا ما فيها وسجدوا من الفزع، وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود، فمن أجل ذلك يسجد اليهود على أنصاف وجوههم، فهذا معنى أخذ الميثاق في حال رفع الجبل فوقهم، لأن في هذه الحالة قيل لهم: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} [وكان فيما آتاهم الله تعالى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم"(3).
قال الواحدي: " وهذه الآية خطاب لليهود وإن كان آباؤهم أخذ الميثاق عليهم. روى أبو صالح، عن ابن عباس أنه قال. هما ميثاقان: الأول: حين أخرجهم من صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم. والثاني: أن كل نبي بعث إلى قومه أخذ عليهم الميثاق بالطاعة لله والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم"(4).
وقد ذكر الزجاج قولين فيه (5):
الأول: حين أخرج الناس كالذر ورجحه.
ودليله قوله: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} [الأعراف: 171]، ثم قال من بعد تمامْ الآية:{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الأعراف: 172]، فهذه الآية كالآية التي في البقرة.
والثاني: ما أخذه على الرسل ومن تبعهم.
ودليله قوله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} [آل عمران: 81].
قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} [البقرة: 63]، أي: ورفعناه فوق رؤوسكم (6).
قال النسفي: " أي: الجبل حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق"(7).
قال القاسمي: " ترهيبا لكم لتقبلوا الميثاق"(8).
قال مجاهد: "رُفِعَ الجبل فوقهم كالسحابة، فقيل لهم: لتؤمِنُنَّ أو ليقعن عليكم، فآمنوا "(9). وروي عن عطاء مثل ذلك (10).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (649): ص 1/ 129.
(2)
أخرجه الطبري (1115): ص 2/ 156 - 157.
(3)
التفسير البسيط: 2/ 630.
(4)
التفسير البسيط: 2/ 628، ذكره أبو الليث عن ابن عباس: 1/ 376. وذكر ابن جرير أن المراد به الميثاق الذي أخذه منهم في قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [البقرة: 83 - 85]، وأخرجه بسنده عن ابن زيد. كما سبق، أنظر: تفسيره (1115): الطبري 2/ 156 - 157.
(5)
أنظر: معاني القرآن: 1/ 147.
(6)
أنظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 224.
(7)
تفسير النسفي: 1/ 68.
(8)
محاسن التأويل: 1/ 321.
(9)
أخرجه الطبري (1116): ص 2/ 158.
(10)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (653): ص 1/ 129.
قال مسلم البطين: " رفعته الملائكة"(1).
قال الصابوني: " أي: نتفناه حتى أصبح كالظلة فوقكم"(2).
قال الزجاج: " أي: جئناكم بآية عظيمة، وهي أن الطور -وهو الجبلُ- رُفع فوقَهم حتى أظلهم وظنوا أنه واقع بهم، فأخبر اللَّه بعظم الآية التي أروها بعد أخذ الميثاق"(3).
وذكر أهل التفسير في {الطُّورَ} [البقرة: 63]، أقاويل (4):
أحدها: إنه اسم جبل بعينه، ثم اختلفوا في تحديده على وجهين:
الأول: أنه اسم الجبل، الذي كلم الله عليه موسى، وأنزلت عليه التوراة دون غيره، وهذه رواية ابن جريج عن ابن عباس (5).
وقال الفراء في تفسير قوله تعالى: {وَالطُّورِ} [الطور: 1]، قال:" وهو الجبل الذي بمدين، الذي كلّم الله جلَّ وَعزَّ مُوسَى عليه السلام عنده نكليما"(6).
والثاني: إنه جبل بالشام (7)، قال ذو الرمة (8):
أَعاريبُ طُورِيُّونَ عن كُلِّ بلدة
…
يَحيدونَ عنها مِنْ حِذَارِ المَقادِرِ
قوله (طوريون)، أي:"وحشيون، يحيدون عن القرى حذار الوباء والتلف، كأنهم نسبوا إلى الطور وهو جبل بالشام"(9).
والثالث: أن الطور ما أَنْبَتَ من الجبال خاصة، دون ما لم ينبت (10)، وهذه رواية الضحاك عن ابن عباس (11).
والرابع: أن الطور اسم لكل جبل، وهو قول قتادة (12)، وورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس (13)، وعطاء (14)، وعكرمة (15) والحسن، والضحاك، والربيع بن أنس، وأبي صخر، ومجاهد (16)، وابن زيد (17).
واختلف في الأصل اللغوي لكملة (الطور)، على وجهين:
الأول: أنها كلمة عربية، قال العجاج (18):
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (650): ص 1/ 129.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 56.
(3)
معاني القرآن: 1/ 148.
(4)
أنظر: تفسير الطبري: 2/ 157 - 158، وتفسير ابن كثير: 1/ 287،والنكت والعيون: 1/ 134.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (1224): ص 2/ 159.
(6)
معاني القرآن: 3/ 91.
(7)
أنظر: تفسير البسيط: 2/ 629، والمحرر الوجيز: 1/ 330، و 15/ 502.
(8)
ورد البيت في "التهذيب"(طور) 3/ 2229، "اللسان"(طرأ) 5/ 2649، و (طور) 5/ 2718، "الخزانة" 7/ 355، و"ديوان ذي الرمة" 3/ 1698، وفي بعضها (قرية) بدل (بلدة).
(9)
التفسير البسيط: 2/ 630.
(10)
هذا قول لم نجده في كتب اللغة في مادته.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (651): ص 1/ 129، وتفسير الطبري (1125): ص 2/ 159.
(12)
أنظر: تفسير الطبري (1118): ص 2/ 158.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (652): ص 1/ 129.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (653): ص 1/ 129.
(15)
أنظر: تفسير الطبري (1121): ص 2/ 159.
(16)
أنظر: تفسير الطبري (1116)، و (1117): ص 2/ 158.
(17)
أنظر: تفسير الطبري (1123): ص 2/ 159.
(18)
ديوانه: 17، ومجاز القرآن: 2/ 300، وغريب الحديث: 180، وهو من قصيدة جيدة يذكر فيها مآثر عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، وقد ولي الولايات العظيمة، وفتح الفتوح الكثيرة، وقاتل الخوارج. والضمير في قوله:" دانى " يعود إلى متأخر، وهو " البازي " المذكور في البيت بعده. فإن قبله، ذكر عمر بن عبيد الله وكتائبه من حوله:
حول ابن غراء حصان إن وتر
…
فات، وإن طالب بالوغم اقتدر
إذا الكرام ابتدروا الباع ابتدر
…
دانى جناحيه من الطور فمر
يريد: " ابتدر منقضا انقضاض البازي من الطور، دانى جناحيه. . فمر " فقدم وأخر. وهو من جيد التقديم والتأخير. وقوله: " دانى " أي ضم جناحيه وقر بهما وضيق ما بينهما تأهبا للانقضاض من ذروة الجبل. ومر: أسرع إسراعا شديدا. وقوله: " تقضى " أصلها " تقضض "، فقلب الضاد الأخيرة ياء، استثقل ثلاث ضادات، كما فعلوا في " ظنن " " وتظنى " على التحويل. وتقضض الطائر: هوى في طيرانه يريد الوقوع. والبازي: ضرب من الصقور، شديد. وكسر الطائر جناحيه: ضم منهما شيئا - أي قليلا - وهو يريد السقوط.
داني جناحيه من الطور فمر
…
تقضّي البازي إذا البازيُّ كر
والثاني: أنها كلمة سريانية تعني (الجبل). قاله مجاهد (1)، وابن زيد (2).
والقول الأول أقرب إلى الصواب، لأنه جاء (الطور) بمعنى الجبل في كلام العرب، كما سبق الاستشهاد بقول العجاج، وبه قال الإمام الطبري (3)، ومنه قول جرير (4):
فإن ير سليمان الجنّ يستأنسوا بها
…
وإن ير سليمان أحب الطّور ينزل
قال القفال رحمه الله: إنما قال: «ميثاقكم» ، ولم يقل: مواثيقكم، لوجهين (5):
أحدهما: أراد به الدلالة على أن كل واحد منهم قد أخذ ذلك كما قال: {ثم يخرجكم طفلا} [غافر: 67] أي كل واحد منكم.
والثاني: أنه كان شيئا واحدا أخذ من كل واحد منهم كما أخذ على غيره فلا جرم كان كله ميثاقا واحدا ولو قيل مواثيقكم لأشبه أن يكون هناك مواثيق أخذت عليهم لا ميثاق واحد، والله أعلم.
قوله تعالى: {خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ} [البقرة: 63]، " أي: اقبلوا ما أعطيناكم من التوراة، واعملوا به بقوة" (6).
قال الزجاج: " أي خذوه بجد واتركوا الريب والشك لما بأن لكم من عظيم الآيات"(7).
قال الفراء: "يقول: بجدٍّ وبتأدية ما افترض عليكم فِيهِ"(8).
قال ابن كثير: أي" بقوة وحزم وهمة وامتثال"(9).
قال السعدي: " أي: بجد واجتهاد، وصبر على أوامر الله"(10).
قال الواحدي: أي: " اعملوا بما أمرتم فيه وانتهوا عما نهيتم عنه"(11).
قال الصابوني: " أي اعملوا بما في التوراة بجد وعزيمة"(12).
قال الزمخشري: " {خُذُوا} على إرادة القول {ما آتَيْناكُمْ}، من الكتاب، بحدّ وعزيمة"(13).
قال الطبري: " {ما آتيناكم} " ما أمرناكم به في التوراة" (14).
وأصل القوة: "الشدة، ومنه قوة الحبل، لأنها تقوي الحبل وتشد فتله"(15).
واختلف أهل العربية في قوله تعالى: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} [البقرة: 63]، على وجهين (16):
الأول: قال بعض نحويي أهل البصرة: هو مما استغني بدلالة الظاهر المذكور عما ترك ذكره له، وذلك أن معنى الكلام: ورفعنا فوقكم الطور، وقلنا لكم: خذوا ما آتيناكم بقوة، وإلا قذفناه عليكم.
(1) أنظر: تفسير الطبري (1116)، و (1117): ص 2/ 158.
(2)
أنظر: تفسير الطبري (1123): ص 2/ 159.
(3)
انظر: تفسيره: 2/ 157. وانظر: مفردات ألفاظ القرآن: 494.
(4)
البيت من شواهد الثعلبي في تفسيره: 1/ 212.
(5)
انظر: تفسير الرازي: 2/ 100.
(6)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 225.
(7)
معاني القرآن: 1/ 148.
(8)
معاني القرآن: 1/ 43.
(9)
تفسير ابن كثير: 1/ 287.
(10)
تفسير السعدي: 54.
(11)
التفسير البسيط: 2/ 631.
(12)
صفوة التفاسير: 1/ 56.
(13)
الكشاف: 1/ 147.
(14)
تفسير الطبري: 2/ 160.
(15)
التفسير البسيط: 2/ 631.
(16)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 160.
والثاني: ويقول بعض نحويي أهل الكوفة: أخذ الميثاق قول فلا حاجة بالكلام إلى إضمار قول فيه، فيكون من كلامين، غير أنه ينبغي لكل ما خالف القول من الكلام - الذي هو بمعنى القول - أن يكون معه (أن) كما قال الله جل ثناؤه {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ} [نوح: 1] قال: ويجوز أن تحذف (أن).
والصحيح: "أن كل كلام نطق به - مفهوم به معنى ما أريد - ففيه الكفاية من غيره"(1).
واختلف في قوله {بِقُوَّةٍ} [البقرة: 63]، على ثلاثة أوجه (2):
الأول: معناه: بجد واجتهاد. قاله قتادة (3)، والسدي (4)
والثاني: تعملوا بما فيه. قاله مجاهد (5).
والثالث: بطاعة. قاله أبو العالية (6)، وروي عن الربيع بن أنس نحو ذلك (7).
والقول الأول هو الأقرب إلى الصواب، وبه قال قتادة والسدي، وجمهور أهل التفسير (8).
قال ابن عثيمين: " والمراد بالـ "قوة" هنا الحزم، والتنفيذ؛ والتطبيق؛ وضده أن يأخذ الإنسان أخذاً ضعيفاً متساهلاً على كسل؛ والباء في قوله تعالى: {بقوة} للمصاحبة؛ أي خذوا هذا الكتاب. أي التوراة التي جاء بها موسى صلى الله عليه وسلم. أخذاً مصحوباً بقوة، فلا تهملوا شيئاً منه"(9).
قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ} [البقرة: 63]، " أي اذكروا كل ما فيه، واعملوا به"(10).
قال أبو العالية: " يقول أقروا ما في التوراة واعملوا به"(11). وروي عن الربيع (12) نحو ذلك.
وقال ابن وهب: سألت ابن زيد عن قول الله: {واذكروا ما فيه} ، قال: اعملوا بما فيه بطاعة لله وصدق. قال: وقال: اذكروا ما فيه، لا تنسوه ولا تغفلوه" (13).
قال الطبري: أي" واذكروا ما فيما آتيناكم من كتابنا من وعد ووعيد شديد، وترغيب وترهيب، فاتلوه، واعتبروا به، وتدبروه"(14).
قال الزجاج: " معناه ادْرُسُوا ما فيه"(15).
قال الزمخشري: "أي: " واحفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه" (16).
قال الواحدي: أي" احفظوا ما في التوراة من الحلال والحرام، واعملوا بما فيه"(17).
قال السعدي: " أي: ما في كتابكم بأن تتلوه وتتعلموه"(18).
قال الصابوني: " أي احفظوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه"(19).
قال المراغي: " أي وادّارسوه ولا تنسوا تدبر معانيه واعملوا بما فيه من الأحكام"(20).
(1) تفسير الطبري: 2/ 160.
(2)
انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 287، وانظر: تفسير الطبري: 2/ 160 - 161.
(3)
أنظر: تفسير الطبري (1129): ص 2/ 161.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (1130): ص 2/ 161.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (1126): ص 2/ 160.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (1128): ص 2/ 160 - 161.
(7)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 130.
(8)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 161، وتفسير ابن كثير: 1/ 437، وتفسير الرازي: 2/ 100.
(9)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 225.
(10)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 225.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (659): ص 1/ 130، وانظر: تفسير الطبري (1133): ص 2/ 162.
(12)
أنظر: تفسير الطبري (1134): ص 2/ 162، وتفسير ابن أبي حاتم: 1/ 130.
(13)
أخرجه الطبري (1135): ص 2/ 162.
(14)
تفسير الطبري: 2/ 161.
(15)
معاني القرآن: 1/! 48.
(16)
الكشاف: 1/ 147.
(17)
التفسير البسيط: 2/ 631.
(18)
تفسير السعدي: 54.
(19)
صفوة التفاسير: 1/ 56.
(20)
تفسير المراغي: 1/ 137.
قال الزمخشري: وقرئ: {وتذكّروا} ، {واذّكروا} " (1). أى بتشديد الذال والكاف، وأصله: وتذكروا.
قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 63]، أي لأجل أن تتقوا الله عز وجل" (2).
قال ابن عطية: " ترج في حق البشر"(3).
قال الطبري: "كي تتقوا وتخافوا عقابي"(4).
قال ابن عباس: " تنزعون عما أنتم عليه"(5).
قال الزمخشري: أي"رجاء منكم أن تكونوا متقين، أو قلنا خذوا واذكروا إرادة أن تتقوا"(6).
قال السعدي: أي تتقون" عذاب الله وسخطه، أو لتكونوا من أهل التقوى"(7).
قال ابن عثيمين: " فالأخذ بهذا الميثاق الذي آتاهم الله على وجه القوة، وذكر ما فيه وتطبيقه يوجب التقوى؛ لأن الطاعات يجر بعضها بعضاً، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 183]؛ فالطاعات يجر بعضها بعضاً، لأن الطاعة إذا ذاق الإنسان طعمها نشط، وابتغى طاعة أخرى، ويتغذى قلبه؛ وكلما تغذى من هذه الطاعة رغب في طاعة أخرى؛ وبالعكس المعاصي: فإنها توجب وحشة بين العبد وبين الله عز وجل، ونفوراً، والمعاصي يجر بعضها بعضاً؛ وسبق قوله تعالى: {ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} [البقرة: 61]؛ ثم بعد هذا الإنذار، وكون الجبل فوقهم في ذلك الوقت خضعوا، وخشعوا، قال الله تعالى: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة} [الأعراف: 171]؛ ففي تلك الساعة هرعوا إلى السجود؛ وسجدوا؛ ولكنهم مالوا في سجودهم ينظرون إلى الجبل خائفين منه؛ ولهذا يقال: إن سجود اليهود إلى الآن سجود مائل كأنما ينظرون إلى شيء فوقهم؛ وقالوا: إن هذا السجود سجدناه لله سبحانه وتعالى لإزالة الشدة؛ فلا نزال نسجد به؛ فهذا سجودهم إلى اليوم"(8).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: تذكير الله. تبارك وتعالى. لبني إسرائيل بما أخذ عليهم من عهد؛ لقوله تعالى: {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور} ؛ وهذا التذكير مقتضاه الإلزام. أي فالتزموا بالميثاق.
2 ومنها: عتوّ بني إسرائيل، حيث لم يؤمنوا إلا حين رفع فوقهم الطور كأنه ظلة، وظنوا أنه واقع بهم؛ فحينئذٍ آمنوا؛ وهذا الإيمان في الحقيقة يشبه إيمان المكره الذي قيل له: إما أن تؤمن؛ أو تُقْتَل.
3 ومنها: بيان قوة الله عز وجل، وقدرته؛ لقوله تعالى:{ورفعنا فوقكم الطور} ؛ وقد قال الله تعالى في آية أخرى: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة} [الأعراف: 171]؛ فلا أحد من الخلق يستطيع أن يحمل ذلك الجبل، ويجعله ظلة لا يسقط عليهم إلا الله عز وجل؛ فالأحجار العظيمة الثقيلة الكبيرة أمسكها الله تعالى بقدرته.
4 ومنها: أن الواجب على أهل الملة أن يأخذوا كتابهم بقوة لا بضعف، ولين، ومداهنة؛ بل لابد من قوة في التطبيق، والدعوة؛ التطبيق على أنفسهم؛ ودعوة غيرهم إلى ذلك بدون فتور، ولا تراخٍ على حدّ قوله تعالى:{ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} [النمل: 125]؛ لأنه لا يتم الأمر إلا بهذا.
5 ومنها: أن الأخذ بالكتاب المُنَزَّل يوجب التقوى؛ لقوله تعالى: لعلكم تتقون} أي لأجل أن تكونوا من المتقين لله عز وجل.
القرآن
(1) الكشاف: 1/ 147.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 225.
(3)
المحرر الوجيز: 1/! 59.
(4)
تفسير الطبري: 2/ 161.
(5)
أخرجه الطبري (1132): ص 2/ 161. أي: " وتنزعوا عما أنتم عليه من معصيتي". [تفسير الطبري: 2/ 161].
(6)
الكشاف: 1/ 147.
(7)
تفسير السعدي: 54.
(8)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 225 - 226.
التفسير:
ثم خالفتم وعصيتم مرة أخرى، بعد أَخْذِ الميثاق ورَفْع الجبل كشأنكم دائمًا. فلولا فَضْلُ الله عليكم ورحمته بالتوبة، والتجاوز عن خطاياكم، لصرتم من الخاسرين في الدنيا والآخرة.
قوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [البقرة: 64]، أي:"ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به"(1).
قال الثعلبي: " أعرضتم وعصيتم، من بعد أخذ الميثاق ورفع الجبل"(2).
قال الواحدي: " أي: أعرضتم عن أمر الله وطاعته"(3).
قال الطبري: " ثم أعرضتم. [و] تركتم العمل بما أخذنا ميثاقكم وعهودكم على العمل به بجد واجتهاد، بعد إعطائكم ربكم المواثيق على العمل به، والقيام بما أمركم به في كتابكم، فنبذتموه وراء ظهوركم"(4).
قال السعدي: " وكان ذلك موجبا لأن يحل بكم أعظم العقوبات"(5).
قال ابن عطية: " تولّى تفعّل، وأصله الإعراض والإدبار عن الشيء بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأمور والأديان والمعتقدات اتساعا ومجازا. وتوليهم من بعد ذلك: إما بالمعاصي، فكان فضل الله بالتوبة والإمهال إليها، وإما أن يكون توليهم بالكفر فكان فضل الله بأن لم يعاجلهم بالإهلاك ليكون من ذريتهم من يؤمن، أو يكون المراد من لحق محمدا صلى الله عليه وسلم"(6).
وذكر الواحدي بأن (التولي) في اللغة يستعمل على ثلاث معان (7):
أحدها: الإعراض، كالذي في هذه الآية، ومعناه: أعرضتم وعصيتم، ومثله:{وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} [محمد: 38]، أي تعرضوا عن الإسلام.
والثاني: الإتباع، ومنه قوله تعالى:{وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51]، معناه: من يتبعهم وينصرهم.
والثالث: ويقال: توليت الأمر توليا، إذا وليته بنفسك، قال الله تعالى:{وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ} [النور: 11]، أي: ولي وزر الإفك وإشاعته.
قوله تعالى: {فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 64]، أي:"فلولا أن الله تفضل عليكم بالتوبة "(8).
قال الزمخشري: بتوفيقكم للتوبة" (9).
قال الصابوني: أي بقبول التوبة" (10).
وقال الثعلبي: " بتأخير العذاب عنكم"(11).
قال أبو العالية: " {فضل الله}، الإسلام، {ورحمته}، القرآن"(12). وروي عن الربيع مثل ذلك (13).
قوله تعالى: {لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ} [البقرة: 64]، " أي لكنتم من الهالكين في الدنيا والآخرة"(14).
قال الثعلبي: أي: "لصرتم من المغلوبين بالعقوبة وذهاب الدّنيا والآخرة"(15).
(1) الكشاف: 1/! 47.
(2)
تفسير الثعلبي: 1/ 212.
(3)
التفسير البسيط: 2/ 632.
(4)
تفسير الطبري: 2/ 162.
(5)
تفسير السعدي: 54.
(6)
المحرر الوجيز: 1/ 159.
(7)
أنظر: التفسير البسيط: 2/ 632، أخذه عن "تهذيب اللغة"(ولى) 1/ 3957، وانظر:"إصلاح الوجوه والنظائر" ص 499، و"نزهة الأعين" النواظر ص 215، و"مفردات الراغب" ص 534.
(8)
تفسير الطبري: 2/ 164.
(9)
الكشاف: 1/ 147.
(10)
صفوة التفاسير: 1/ 56.
(11)
تفسير الثعلبي: 1/ 212، وانظر: التفسير البسيط: 2/ 632.
(12)
أخرجه الطبري (1136): ص 2/ 166.
(13)
أنظر: تفسير الطبري (1137): ص 2/ 166.
(14)
صفوة التفاسير: 1/ 56.
(15)
تفسير الثعلبي: 1/ 212.
قال الزجاج: " أي لولا أنْ منَّ اللَّه عليكم بالتوبة بعد أن كفرتم مع عظيم هذه الآيات، {لكنتم من الخاسرين} "(1).
قال الواحدي: الخسران): " ذهاب رأس المال، وهو هاهنا هلاك النفس، لأنها بمنزلة رأس المال"(2).
وذكر القفال في تفسير قوله تعالى: {فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [البقرة: 64]، وجهين (3):
الأول: لولا ما تفضل الله به عليكم من إمهالكم وتأخير العذاب عنكم لكنتم من الخاسرين أي من الهالكين الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم فدل هذا القول على أنهم إنما خرجوا عن هذا الخسران لأن الله تعالى تفضل عليهم بالإمهال حتى تابوا.
والثاني: أن يكون الخبر قد انتهى عند قوله تعالى: {ثم توليتم من بعد ذالك} ثم قيل: {فلولا فضل الله عليكم ورحمته} رجوعا بالكلام إلى أوله، أي لولا لطف الله بكم برفع الجبل فوقكم لدمتم على ردكم الكتاب ولكنه تفضل عليكم ورحمكم فلطف بكم بذلك حتى تبتم.
واختلف أهل العلم في مخرج الخطاب في الآية الكريمة على أقوال (4):
أحدها: قالوا: وإن كان خطابا لمن كان بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنما هو خبر عن أسلافهم، فأخرج الخبر مخرج المخبر عنهم - على نحو ما قد بينا فيما مضى، من أن القبيلة من العرب تخاطب القبيلة عند الفخار أو غيره، بما مضى من فعل أسلاف المخاطِب بأسلاف المخاطَب، فتضيف فعل أسلاف المخاطِب إلى نفسها، فتقول: فعلنا بكم، وفعلنا بكم.
قال ابن عطية: " الجمهور على أن المراد بالمعنى من سلف"(5).
والثاني: أن الخطاب في هذه الآيات، إنما أخرج بإضافة الفعل إلى المخاطبين به، والفعل لغيرهم، لأن المخاطبين بذلك كانوا يتولون من كان فعل ذلك من أوائل بني إسرائيل، فصيرهم الله منهم من أجل ولايتهم لهم.
والثالث: وقال بعضهم: إنما قيل ذلك كذلك، لأن سامعيه كانوا عالمين - وإن كان الخطاب خرج خطابا للأحياء من بني إسرائيل وأهل الكتاب - أن المعنى في ذلك إنما هو خبر عما قص الله من أنباء أسلافهم. فاستغنى بعلم السامعين بذلك، عن ذكر أسلافهم بأعيانهم. ومثل ذلك يقول الشاعر (6):
إذ ما انتسبنا لم تلدني لئيمة
…
ولم تجدي من أن تقري به بدا
فقال: (إذا ما انتسبنا)، و (إذا) تقتضي من الفعل مستقبلا ثم قال:(لم تلدني لئيمة)، فأخبر عن ماض من الفعل. وذلك أن الولادة قد مضت وتقدمت. وإنما فعل ذلك - عند المحتج به - لأن السامع قد فهم معناه. فجعل ما ذكرنا - من خطاب الله أهل الكتاب الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، بإضافة أفعال أسلافهم إليهم - نظير ذلك.
والقول الأول، هو الصحيح، وهو المستفيض من كلام العرب وخطابها (7). والله أعلم.
الفوائد:
(1) معاني القرآن: 1/ 148.
(2)
التفسير البسيط: 2/ 633.
قال أهل العلم: وأصل الخسران في التجارة أن يبتاع الرجل شيئًا فيوضع من رأس ماله، وهي الوضيعة فيه، والمصدر: الخسارة والخسر، وصفقة خاسرة غير مربحة، هذا هو الأصل، ثم قيل لكل صائر إلى مكروه: خاسر، لنقصان حظه من الخير، والقوم نقصوا بكفرهم راحة أنفسهم التي كانت لهم لو آمنوا، فاستحقوا العقوبة وفاتتهم المثوبة. [التفسير البسيط: 2/ 288، والتهذيب:(خسر) 1/ 1028، ومفردات الراغب: 147].
(3)
انظر: مفاتيح الغيب للرازي: 2/ 101.
(4)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 164 - 165.
(5)
المحرر الوجيز: 1/ 159.
(6)
في حاشية الأمير على مغنى اللبيب 1: 25 قال: " في حاشية السيوطي " قائله زائدة ابن صعصعة الفقعسي، يعرض بزوجته، وكانت أمها سرية "، ولم ينسبه السيوطي في شرحه على شواهد المغنى:33.
(7)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 165.
1.
من فوائد الآية: لؤم بني إسرائيل؛ لأنهم بعد أن رجع الجبل إلى مكانه تولوا، كما قال تعالى:{ثم توليتم من بعد ذلك} ؛ وهذا من اللؤم؛ لأن من الواجب أن يذكروا رفع الجبل فوقهم حتى يستقيموا، ويستمروا على الأخذ بقوة؛ لكنهم تولوا من بعد ما رأوا الآية.
2.
ومنها: بيان فضل الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: {فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين} .
3.
ومنها: أن الإنسان لا يستقل بنفسه في التوفيق؛ لقوله تعالى: {فلولا فضل الله عليكم ورحمته} .
4.
ومنها: إثبات فضل الله تعالى على بني إسرائيل بما أعطاهم من الآية الكونية، والشرعية.
5.
ومنها: إثبات الأسباب، وربطها بمسبباتها؛ لقوله تعالى:{فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين} ؛ فهذا صريح في إثبات الأسباب، وتأثيرها في مسبَّباتها.
القرآن
{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65)} [البقرة: 65]
التفسير:
ولقد علمتم -يا معشر اليهود- ما حلَّ من البأس بأسلافكم من أهل القرية التي عصت الله، فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت، فاحتالوا لاصطياد السمك في يوم السبت، بوضع الشِّباك وحفر البِرَك، ثم اصطادوا السمك يوم الأحد حيلة إلى المحرم، فلما فعلوا ذلك، مسخهم الله قردة منبوذين.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ} [البقرة: 65]، أي:"ولقد عرفتم"(1).
قال ابن عثيمين: " أي علمتم عِلم اليقين، وعرفتم معرفة تامة. الخطاب لبني إسرائيل"(2).
قال الزجاج: "معنى {علمتم} -هنا-: عرفتم، ومثله قوله عز وجل {لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال: 60]، ومعناه لا تعرفونهم اللَّه يعرفهم"(3).
قال ابن عباس: " يقول: ولقد عرفتم. وهذا تحذير لهم من المعصية، يقول: احذروا أن يصيبكم ما أصاب أصحاب السبت، إذ عصوني"(4).
قوله تعالى: {الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ} [البقرة: 65]، " أي الذين تجاوزوا حدي، وركبوا ما نهيتهم عنه في يوم السبت"(5).
قال ابن عباس: " يقول: اجترؤوا في السبت"(6).
قال الزجاج: " ظلموا وجاوزوا ما حُدَّ لهُم"(7).
قال الصابوني: " أي: الذين" خالفوا واصطادوا يوم السبت وقد نهيناهم عن ذلك" (8).
و(الاعتداء): أصله تجاوز الحد في كل شيء" (9).
وقوله تعالى {فِي السَّبْتِ} (10)، أي: في الحكم الذي حكم الله به عليهم يوم السبت؛ وذلك أن الله حرم عليهم العمل والصيد في ذلك اليوم ليتفرغوا للعبادة؛ فابتلاهم بكثرة الحيتان يوم السبت حتى تكون فوق الماء شُرَّعاً،
(1) تفسير الطبري: 2/ 166.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 229.
(3)
معاني القرآن: 1/ 148.
(4)
أخرجه الطبري (1138): ص 2/ 167.
(5)
تفسير الطبري: 2/ 166.
(6)
أخرجه الطبري (1138): ص 2/ 167.
(7)
معاني القرآن: 1/ 148.
(8)
صفوة التفاسير: 2/ 56.
(9)
تفسير الطبري: 2/ 167.
(10)
وهذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف، حيث يقول تعالى:{وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 163] القصة بكمالها.
ثم لا يرونها بعد ذلك؛ فتحيلوا على صيدها بحيلة، حيث وضعوا شباكاً يوم الجمعة، فتدخل فيه الحيتان إذا جاءت يوم السبت، ثم يأخذونها يوم الأحد، ويقولون: نحن لم نصدها يوم السبت (1).
وفي اعتدائهم في السبت قولان (2):
أحدهما: أنهم أخذوا فيه الحيتان على جهة الاستحلال، وهذا قول الحسن.
والثاني: أنهم حبسوها في يوم السبت وأخذوها يوم الأحد، والسبت هو اليوم المعروف.
وفي تسميته بـ (السبت) أربعة أقاويل (3):
أحدها: أن السبت هو اسم للقطعة من الدهر فسمي ذلك اليوم به، وهذا قول الزجاج.
والثاني: أنه سُمِّي بذلك لأنه سَبَت خَلْق كل شيء، أي قطع وفرغ منه، وهذا قول أبي عبيدة.
والثالث: أنه سُمِّي بذلك، لأن اليهود يَسْبِتُون فيه، أي يقطعون فيه الأعمال.
والرابع: أن أصل السبت، الهدوء والسكون في راحة ودعة، ولذلك قيل للنائم مسبوت لاستراحته وسكون جسده، كما قال تعالى: ) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُم سُبَاتَا (. فَسُمِّي به اليوم لاستراحة اليهود فيه.
قوله تعالى: {فَقُلْنَا لَهُمْ} [البقرة: 65]، " فقلنا للذين اعتدوا في السبت"(4)
قوله تعالى: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65]، " أي: صيروا كذلك" (5).
قال الصابوني: "أي مسخناهم قردة بعد أن كانوا بشراً مع الذلة والإِهانة"(6).
قال ابن عباس: " فمسخهم الله قردة بمعصيتهم"(7).
قال قتادة: " فصاروا قردة لها أذناب، تعاوى بعد ما كانوا رجالا ونساء"(8).
قال ابن كثير: "يعني أذلة صاغرين"(9).
واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65]، على وجهين (10):
الأول: أنهم مُسِخُوا قردةً، فصاروا لأجل اعتدائهم في السبت في صورة القردة المخلوقين من قبل، في الأيام الستة. قاله ابن عباس (11)، وقتادة (12)، والسدي (13).
قال ابن عباس: "لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل"(14).
والثاني: أنهم لم يمسخوا قردة، وإنما مسخت قلوبهم، وهو مَثلَ ضربه الله لهم، كما قال تعالى:{كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارَاً} [الجمعة: 5]. قاله مجاهد (15). واعترض عليه الطبري (16) وابن كثير (17).
وقال ابن كثير: "وهذا قول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره، قال الله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} الآية [المائدة: 60] "(18).
(1) انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 128. وانظر الأخبار حول ذلك في تفسير الطبري (1139)، و (1140)، و (1141) و (1142) 11: ص 2/ 168 - 172.
(2)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 134 - 135.
(3)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 135.
(4)
تفسير الطبري: 2/ 174.
(5)
تفسير الطبري: 2/ 174.
(6)
صفوة التفاسير: 1/ 56.
(7)
أخرجه الطبري (1138): ص 2/ 167 - 168. وهذا النص قطعة من الخبر.
(8)
أنظر: تفسير الطبري (1140): ص 2/ 170 - 171.
(9)
تفسير ابن كثير: 1/ 290.
(10)
انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 289 - 290.
(11)
أنظر: تفسير الطبري (1138)، و (1139): ص 2/ 167 - 170.
(12)
أنظر: تفسير الطبري (1140)، و (1141): ص 2/ 170 - 171.
(13)
أنظر: تفسير الطبري (1142): ص 2/ 172.
(14)
أخرجه الطبري (1138): ص 2/ 167 - 168. وهذا النص قطعة من الخبر.
(15)
أنظر: تفسير الطبري (1143)، و (1144): ص 2/ 172 - 173.
(16)
أنظر: تفسير الطبري: 2/ 173.
(17)
تفسير ابن كثير: 1/ 289.
(18)
تفسير ابن كثير: 1/ 289.
وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65]، فجعل الله منهم القردة والخنازير، فزعم أن شباب القوم صاروا قردة والمشيخة صاروا خنازير.
قلت: والصحيح في هذه المسألة: أن مسخهم قرودا، إنما كان معنويًا لا صوريًا خلاف ما ذهب إليه مجاهد (1)، رحمه الله. ورجحه ابن كثير (2).
وفي قوله تعالى: {خاسئين} [البقرة: 65]، أربعة أقوال:
أحدها: أن معناه: مبعدين. ومنه: خَسَأتُ الكلب أخسؤه خَسْئاً، أي بَاعدته وطردْته. قاله الزجاج (3).
والثاني: أن معناه: أذلة صاغرين، وهذا قول أبي العالية (4)، والربيع (5)، وروي عن مجاهد وقتادة وأبي مالك نحو ذلك (6).
والثالث: معناه: صاغرين. قاله مجاهد (7).
والرابع: : أن معنى: خاسئا، أي: ذليلاً. قاله ابن عباس (8).
قال الطبري: في معنى {الخاسئين): "أي: مبعدين من الخير أذلاء صغراء"(9)، وبالتالي إن جميع الأقوال الثلاثة ضمن المعنى الصحيح. والله تعالى أعلم.
و(الخاسئ): " المبعد المطرود، كما يخسأ الكلب يقال منه: " خسأته أخسؤه خسأ وخسوءا، وهو يخسأ خسوءا ". قال: ويقال: " خسأته فخسأ وانخسأ ". ومنه قول الراجز (10):
كالكلب إن قلت له اخسأ انخسأ
يعني: إن طردته انطرد ذليلا صاغرا" (11).
وأنشد الفراء (12):
وَإذا زَجَرْتُ الْكَلْبَ قُلْتُ اخْسَأ لَهُ
…
وَالْكَلْبُ مِثْلُكَ ياخُرَيْمُ سَوَاءُ
وأنشد ابن الأنباري لعمران بن حطان (13):
(1) إن المروي عن مجاهد أنه سبحانه وتعالى مسخ قلوبهم بمعنى الطبع والختم لا أنه مسخ صورهم وهو مثل قوله تعالى: {كمثل الحمار يحمل أسفارا} (الجمعة: 5) ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلم البليد الذي لا ينجح في تعليمه: كن حمارا، واحتج على امتناعه بأمرين:
الأول: أن الإنسان هو هذا الهيكل المشاهد والبنية المحسوسة فإذا أبطلها وخلق في تلك الأجسام تركيب القرد وشكله كان ذلك إعداما للإنسان وإيجادا للقرد فيرجع حاصل المسخ على هذا القول إلى أنه تعالى أعدم الأعراض التي باعتبارها كانت تلك الأجسام إنسانا وخلق فيها الأعراض التي باعتبارها كانت قردا فهذا يكون إعداما وإيجادا لا أنه يكون مسخا.
والثاني: إن جوزنا ذلك لما آمنا في كل ما نراه قردا وكلبا أنه كان إنسانا عاقلا، وذلك يفضي إلى الشك في المشاهدات.
وأجيب عن الأول بأن الإنسان ليس هو تمام هذا الهيكل، وذلك لأن هذا الإنسان قد يصير سمينا بعد أن كان هزيلا، وبالعكس فالأجزاء متبدلة والإنسان المعين هو الذي كان موجودا والباقي غير الزائل، فالإنسان أمر وراء هذا الهيكل المحسوس، وذلك الأمر إما أن يكون جسما ساريا في البدن أو جزءا في بعض جوانب البدن كقلب أو دماغ أو موجودا مجردا على ما يقوله الفلاسفة وعلى جميع التقديرات فلا امتناع في بقاء ذلك الشيء مع تطرق التغير إلى هذا الهيكل وهذا هو المسخ وبهذا التقدير يجوز في المالك الذي تكون جثته في غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول عليه السلام.
وعن الثاني أن الأمان يحصل بإجماع الأمة، ولما ثبت بما قررنا جواز المسخ أمكن إجراء الآية على ظاهرها، ولم يكن بنا حاجة إلى التأويل الذي ذكره مجاهد رحمه الله وإن كان ما ذكره غير مستبعد جدا، لأن الإنسان إذا أصر على جهالته بعد ظهور الآيات وجلاء البينات فقد يقال في العرف الظاهر إنه حمار وقرد، وإذا كان هذا المجاز من المجازات الظاهرة المشهورة لم يكن في المصير إليه محذور ألبتة. (انظر: تفسير الرازي: 2/ 104).
(2)
انظر: تفسيره: 1/ 191.
(3)
أنظر: معاني القرآن: 1/! 49.
(4)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (674): ص 1/ 133.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (1149): ص 2/ 175.
(6)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 133.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (1146)، و (1147): ص 2/ 175.
(8)
أنظر: تفسير الطبري (1150): ص 2/ 175.
(9)
تفسير الطبري: 2/ 174.
(10)
لسان العرب: (خسأ)، وروايته:" إن قيل له ".
(11)
تفسير الطبري: 2/ 174، وانظر:"تهذيب اللغة"(خسأ) 1/ 1028، "جمهرة أمثال العرب" 3/ 237، "الصحاح"(خسأ) 1/ 47.
(12)
لم أعثر على قائله، والبيت من شواهد الواحدي في التفسير البسيط: 1/ 638.
(13)
البيت ذكره الواحدي في تفسيره: 2/ 639، ولم أجده فيما اطلعت عليه من شعر عمران بن حطان ضمن "ديوان الخوارج" جمع نايف محمود معروف، ولا في "شعر الخوارج" لـ (إحسان عباس).
وهو عمران بن حطان من بني عمرو بن سيبان بن ذهل، كان رأس القَعدة من الصُّفْرية إحدى فرق الخوارج، وكان خطيبًا شاعرا، توفي سنة أربع وثمانين ذكر الجاحظ أخباره في "البيان والتبيين" 1/ 47، والمبرد في "الكامل" 3/ 167، وانظر:"تهذيب التهذيب" 3/ 317.
لا تَجْعَلَنْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْزِلِي
…
يَا رَبِّ مَنْزِلَ خَاسِئً مَدْحُورِ
الفوائد:
1 من فوائد الآية: توبيخ اليهود الموجودين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم على عدم الإيمان به؛ ووجه ذلك أنهم علموا ما حلّ بأسلافهم من النكال بسبب المخالفة؛ فكان عليهم أن يكون ذلك موعظة لهم يرتدعون به عن معصية الله ورسوله.
2 ومنها: تحريم الحيل، وأن المتحيل على المحارم لا يخرج عن العدوان؛ لقوله تعالى:{الذين اعتدوا منكم في السبت} ؛ بل الحيل على فعل محرم أعظم إثماً من إتيان المحرم على وجه صريح؛ لأنه جمع بين المعصية، والخداع؛ ولهذا كان المنافقون أشد جرماً وعداوة للمؤمنين من الكفار الصرحاء؛ قال أيوب السختياني. رحمه الله. في المتحيلين:"إنهم يخادعون الله كما يخادعون الصبيان؛ ولو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون"؛ وصدق رحمه الله؛ وللحيل مفاسد كثيرة. راجع إن شئت كتاب "إغاثة اللهفان" لابن القيم. رحمه الله. وغيره.
وأنت إذا تأملت حيل اليهود في السبت، وحيلهم في بيع شحوم الميتة وقد حرمت عليهم، ثم أذابوها، وباعوها، وأكلوا ثمنها؛ وتأملت حيل بعض المسلمين اليوم على الربا وغيره. وجدت أن حيل بعض المسلمين اليوم على ما ذُكر أشد حيلة من حيل اليهود. ومع ذلك أحل الله بهم نقمته، وقد نهانا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل"(1)؛ فالمتحيل على المحرَّم واقع فيه، ولا تنفعه الحيلة.
3 ومن فوائد الآيتين: بيان حكمة الله في مناسبة العقوبة للذنب؛ لأن عقوبة هؤلاء المتحيلين أنهم مسخوا قردة خاسئين؛ والذنب الذي فعلوه أنهم فعلوا شيئاً صورته صورة المباح؛ ولكن حقيقته غير مباح؛ فصورة القرد شبيهة بالآدمي، ولكنه ليس بآدمي؛ وهذا؛ لأن الجزاء من جنس العمل؛ ويدل لذلك أيضاً قوله تعالى:{فكلًّا أخذنا بذنبه} [العنكبوت: 40].
4 ومنها: بيان قدرة الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {كونوا قردة خاسئين} ؛ فكانوا في لحظة قردة.
القرآن
{فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66)} [البقرة: 66]
التفسير:
فجعلنا هذه القرية عبرة لمن بحضرتها من القرى، يبلغهم خبرها وما حلَّ بها، وعبرة لمن يعمل بعدها مثل تلك الذُّنوب، وجعلناها تذكرة للصالحين؛ ليعلموا أنهم على الحق، فيثبتوا عليه.
قوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهَا} [البقرة: 66]، أي "فجعلنا عقوبتنا ومسخنا إياهم"(2).
قال ابن عثيمين: أي: صيّرناها" (3).
واختلف المفسرون في مرجع الضمير في قوله تعالى {فَجَعَلْنَاهَا} [البقرة: 66] على ستة أقوال (4):
الأول: أنه يعود على القرية؛ لقوله تعالى في سورة الأعراف: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 163]؛ فيكون مرجع الضمير مفهوماً من السياق.
(1) قال ابن القيم: [رواه أبو عبد الله ابن بطة: "حدثنا أحمد بن سلام حدثنا الحسن بن صباح حدثنا يزيد بن هارون حدثنا محمد بن عمرو"، وهذا إسناد جيد يصحح مثله الترمذي]. أهـ. إغاثة اللهفان 1/ 513؛ عون المعبود مع شرح ابن القيم 9/ 340.
(2)
تفسير الطبري: 2/ 175.
(3)
انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 128.
(4)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 175 - 176، وتفسير ابن عثيمين: 1/ 128.
والثاني: أنه يعود على العقوبة-وهي المسخة-، أي فجعلنا العقوبة؛ لقوله تعالى:{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 65 - 66]؛ فيكون المعنى: فجعلنا هذه العقوبة نكالاً. وهذا في رواية الضحاك عن ابن عباس (1).
والثالث: أنه يعود على المسخة، لأن معنى:{كُونُوا قِرَدَةً} [البقرة: 65]، مسخناهم قردة، فوقعت الكناية عن الكلام المتقدم. قاله الفراء (2).
والرابع: وقال الأخفش: أي جعلنا القردة نكالا (3).
والخامس: أنه يعود على الأمة التي مسخت، لأن قوله:{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ} [البقرة: 65]، يدل على أنهم كانوا أمة وفرقة من الناس، فرجع العائد على المعنى. قاله الزجاج (4).
والسادس: أنه يعود على الحيتان. وذلك في رواية أبيّ عن ابن عباس (5).
أي: جعلنا هذه الأمة نكالا، لأن قوله تعالى:{ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فى السبت} يدل على الأمة والجماعة أو نحوها (6).
والصحيح أن الضمير عائد على القرية، أي: فجعل الله هذه القرية، والمراد أهلها بسبب اعتدائهم في سبتهم" (7). والله أعلم.
قوله تعالى: {نَكَالاً} [البقرة: 66]، "أي عقوبة زاجرة لمن يأتي بعدها من الأمم"(8).
قال الثعلبي: "أي: " عقوبة وعبرة وفضيحة شاهرة" (9).
قال ابن كثير: "أي: عاقبناهم عقوبة، فجعلناها، عبرة، كما قال الله عن فرعون: {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى} [النازعات: 25] "(10).
وأصل (النكال)، العقوبة (11)، كما قال عدي بن زيد العباد (12):
لا يسخط الضليل ما يسع العبـ
…
د ولا في نكاله تنكير
قال القفال: النكال: "العقوبة الغليظة الرادعة للناس عن الإقدام على مثل تلك المعصية وأصله من المنع والحبس"(13).
وفي قوله تعالى: {نَكَالاً} [البقرة: 66]، ثلاثة تأويلات (14):
أحدها: عقوبة، وهو قول ابن عباس (15)، وأبو العالية (16).
والثاني: عبرة ينكل بها من رآها.
والثالث: أن النكال الاشتهار بالفضيحة.
قوله تعالى: {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} [البقرة: 66]، "أي لمن يأتي بعدها من الأمم"(17).
قال سعيد بن جبير: " من بحضرتها يومئذ من الناس"(18).
(1) أنظر: تفسير الطبر (1151): ص 2/ 175.
(2)
أنظر: معاني القرآن: 1/ 43.
(3)
انظر: تفسير الرازي: 2/ 105.
(4)
أنظر: معاني القرآن: 1/ 149.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (1151): ص 2/ 176.
(6)
انظر: تفسير الرازي: 2/ 105.
(7)
انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 291.
(8)
صفوة التفاسير: 1/ 56.
(9)
تفسير الثعلبي: 1/ 213.
(10)
تفسير ابن كثير: 1/ 291.
(11)
أنظر: تهذيب اللغة: 4/ 3665، واللسان" 8/ 4544، تفسير الطبري: 2/ 177.
(12)
البيت في تفسير الطبري: 2/ 177، ولم اجده في الكراجع التي ذكرت قصيدة عدي بن ياد التي كتبها في النعمان من محبسه.
(13)
نقلا عن: مفاتيح الغيب: 2/ 105.
(14)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 137.
(15)
أنظر: تفسير الطبر (1151): ص 2/ 175.
(16)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (675): ص 1/ 133.
(17)
صفوة التفاسير: 1/ 56.
(18)
أخرجه ابن أبي حاتم (679): ص 1/ 134.
وقال إسماعيل بن أبي خالد: " ما كان قبلها من الماضين في شأن السبت"(1).
وروي عن قتادة وعطية نحو ذلك.
وقال أبو العالية: " أي عقوبة لما خلا من ذنوبهم"(2)، وروي عن الربيع بن أنس، ومجاهد والسدي وقتادة في رواية معمر والحسن وعكرمة نحو ذلك (3).
قوله تعالى: {وَمَا خَلْفَهَا} [البقرة: 66]، "أي جعلنا مسخهم قردة عبرة لمن شهدها وعاينها"(4).
قال عطية: " لما كان من بعدهم من بني إسرائيل، لا يعملوا فيها بمثل أعمالهم"(5).
وفي قوله تعالى: {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا] [البقرة: 66]، ثمانية تأويلات:
أحدها: ما بين يديها وما خلفها من القرى، وهذه رواية عكرمة عن ابن عباس (6). واختاره ابن كثير (7).
والثاني: ما بين يديها يعني من بعدهم من الأمم، وما خلفها، الذين كانوا معهم باقين، وهذه رواية الضحاك عن ابن عباس (8). واختاره الطبري (9).
والثالث: ما بين يديها، يعني من دونها، وما خلفها، يعني لمن يأتي بعدهم من الأمم، وهذا قول السدي (10).
والرابع: لما بين يديها من ذنوب القوم، وما خلفها للحيتان التي أصابوها، وهذا قول قتادة (11).
والخامس: ما بين يديها: ما مضى من خطاياهم، وما خلفها: خطاياهم التي أُهْلِكُوا بها، وهذا قول مجاهد (12).
والسادس: ما بين يديها: الذنوب التي عملوا قبل الحيتان، وما خلفها: ما عملوا بعد الحيتان. وهذه رواية أبي عن أبيه عن ابن عباس (13).
والسابع: ما بين يديها: عقوبة لما مضى من ذنوبهم، وما خلفهما: وعبرة لما بعدهم. قاله أبو العالية (14) والربيع (15).
والثامن: وقيل: " {لِما بَيْنَ يَدَيْها}، من عقوبة الآخرة {وَما خَلْفَها}، من نصيحتهم في دنياهم فيذكّرون بها إلى يوم قيام السّاعة"(16).
والقول الأول والثاني تحتملهما الآية، وإن كان الأول منهما هو الأشبه إلى الصواب، إذ أن "المراد بما بين يديها وما خلفها: من بحضرتها من القرى التي يبلغهم خبرها، وما حل بها، كما قال:{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأحقاف: 27] وقال تعالى: {وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ} [الرعد: 31]، وقال {أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} [الأنبياء: 44]، فجعلهم عبرة ونكالا لمن في زمانهم، وعبرة لمن يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم، ولهذا قال:{وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} " (17).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (678): ص 1/ 134.
(2)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (677): ص 1/ 134.
(3)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 134، وانظر: تفسير الثعلبي: 1/ 213.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 56.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (683): ص 1/ 135.
(6)
تفسير الطبري (1156): ص 2/ 178، وتفسير ابن أبي حاتم (680): ص 1/ 134.
(7)
أنظر: تفسير ابن كثير: 1/ 293.
(8)
أنظر: تفسير الطبري (1156): ص 2/ 178.
(9)
أنظر: تفسيره: 2/ 179.
(10)
أنظر: تفسير الطبري (1162): ص 2/ 178.
(11)
أنظر: تفسير الطبري (1157)، و (1158): ص 2/ 178.
(12)
أنظر: تفسير الطبري (1159)، و (1160)، و (1161): ص 2/ 178.
(13)
أنظر: تفسير الطبري (1163): ص 2/ 179.
(14)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (677) و (680): ص 1/ 134.
(15)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 134.
(16)
تفسير الثعلبي: 1/ 213.
(17)
تفسير ابن كثير: 1/ 293.
قوله تعالى: {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 66]، "أي عظةً وذكرى لكل عبدٍ صالحٍ متّقٍ لله سبحانه وتعالى"(1).
قال ابن عباس: " وتذكرة وعبرة للمتقين"(2).
وأخرج الطبري عن ابن عباس: {وموعظة للمتقين} ، يقول: للمؤمنين الذين يتقون الشرك ويعملون بطاعتي" (3).
وقال الربيع: " فكانت موعظة للمتقين خاصة"(4). وروي عن أبو العالية (5) مثل ذلك.
قال الطبري: أي: " وتذكرة للمتقين، ليتعظوا بها، ويعتبروا، ويتذكروا بها"(6).
قال الزجاج: " أي يتعظ بها أهل التقوى، فيلزمون ما هم عليه"(7).
واختلف في المعني بقوله تعالى: {وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 66]، على وجهين (8):
الأول: المراد بهم: الذين من بعدهم إلى يوم القيامة. قاله ابن عباس (9)، والحسن (10)، وقتادة (11)، وابن جريج (12)، وهو قول الجمهور.
والثاني: أن المراد بهم: أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قاله السدي (13)، وعطية (14)، واختاره الثعلبي (15).
والقول الأول هو الصحيح، لأنه أعم، وعليه الجمهور. والله أعلم.
و"المراد بالموعظة هاهنا الزاجر، أي: جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله، وما تحيلوا به من الحيل، فليحذر المتقون صنيعهم لئلا يصيبهم ما أصابهم، كما روي عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ، فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ" (16) "(17).
وقال الرازي: " أما قوله تعالى: {وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 66]، ، ففيه وجهان:
أحدهما: أن من عرف الأمر الذي نزل بهم يتعظ به ويخاف إن فعل مثل فعلهم أن ينزل به مثل ما نزل بهم، وإن لم ينزل عاجلا فلا بد من أن يخاف من العقاب الآجل الذي هو أعظم وأدوم، وأما تخصيصه المتقين بالذكر فكمثل ما بيناه في أول السورة عند قوله:{هدى للمتقين} لأنهم إذا اختصموا بالاتعاظ والانزجار والانتفاع بذلك صلح أن يخصوا به، لأنه ليس بمنفعة لغيرهم.
(1) صفوة التفاسير: 1/ 57.
(2)
أخرجه الطبري (1164): ص 2/ 180 - 181.
(3)
تفسير الطبري (1165): ص 2/ 181.
(4)
تفسير الطبري (1170): ص 2/ 181.
(5)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (685): ص 1/ 135.
(6)
تفسير الطبري: 2/! 80.
(7)
معاني القرآن: 1/ 149.
(8)
انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 293.
(9)
تفسير الطبري (1166): ص 2/ 181، وابن أبي حاتم (684): ص 1/ 135.
(10)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (686): ص 1/ 135.
(11)
تفسير الطبري (1167): ص 2/ 181.
(12)
تفسير الطبري (1171): ص 2/ 182.
(13)
تفسير الطبري (1169): ص 2/ 181، وابن أبي حاتم (688): ص 1/ 135.
(14)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (687): ص 1/ 135.
(15)
أنظر: تفسير الثعلبي: 1/ 213. ثم قال: " فلا يفعلون مثل فعلهم".
(16)
حديث مرفوع عن أبي هريرة، أخرجه الإمام ابن بطة العكبري في إبطال الحيل ـ رقم (56) ـ قال: حدثنا به أبو الحسن أحمد بن مسلم، حدثنا الحسن بن محمد الصبّاح الزعفراني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .. الحديث. وانظر: الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية " (ق 11/ 2 و 144 و 2). وقال ابن كثير في تفسيره (1/ 293): " هذا إسناد جيد، وأحمد بن محمد مسلم هذا وثّقه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، وباقي رجاله مشهورون على شرط الصحيح". وقال ابن القيم في تهذيب السنن (5/ 103):"إسناده حسن وإسناده مما يُصححه الترمذي". وقال الإلباني في (إرواء الغليل 5/ 375): "وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات معروفون من رجال التهذيب، غير أبي الحسن أحمد بن محمد بن مسلم وهو المخرمي، كما جاء منسوباً في أكثر من موضع في كتابه الآخر الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية".
(17)
تفسير ابن كثير: 1/ 293.
الثاني: أن يكون معنى قوله: {وموعظة للمتقين} أن يعظ المتقون بعضهم بعضا أي جعلناها نكالا وليعظ به بعض المتقين بعضا فتكون الموعظة مضافة إلى المتقين على معنى أنهم يتعظون بها، وهذا خاص لهم دون غير المتقين والله أعلم" (1).
الفوائد:
1.
من فوائد الآية: إثبات القول لله عز وجل؛ لقوله تعالى: {فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين} .
2.
ومنها: أن الذين مسخوا قردة من هذه القرية هم الذين اعتدوا في السبت؛ وأما الذين نَهَوا عن السوء فقد نجوا؛ وأما الذين سكتوا عن المعتدين، ولم يشاركوهم فقد سكت الله عنهم؛ فنسكت عنهم.
3.
ومنها: أن العقوبات فيها تنكيل لغير العامل؛ لقوله تعالى: {فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها} ؛ ولهذا يقص الله علينا من نبأ المكذبين للرسل ما يكون لنا فيه عبرة، كما قال عز وجل:{لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} [يوسف: 111].
4.
ومنها: أن الحدود الشرعية نكال للفاعل أن يعود مرة أخرى إلى هذا الذنب، ولغير الفاعل.
5.
ومنها: أن الذين ينتفعون بمثل هذه المواعظ هم المتقون.
6.
ومنها: أن المواعظ قسمان: كونية، وشرعية؛ فالموعظة هنا كونية قدرية؛ لأن الله أحل بهم العقوبة التي تكون نكالاً لما بين يديها، وما خلفها، وموعظة للمتقين؛ وأما الشرعية فمثل قوله تعالى:{يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور} [يونس: 57]؛ والمواعظ الكونية أشد تأثيراً لأصحاب القلوب القاسية؛ أما المواعظ الشرعية فهي أعظم تأثيراً في قلوب العارفين بالله اللينة قلوبهم؛ لأن انتفاع المؤمن بالشرائع أعظم من انتفاعه بالمقدورات.
7.
ومن فوائد الآيتين: أن الذين ينتفعون بالمواعظ هم المتقون؛ وأما غير المتقي فإنه لا ينتفع لا بالمواعظ الكونية، ولا بالمواعظ الشرعية؛ قد ينتفع بالمواعظ الكونية اضطراراً، وإكراهاً؛ وقد لا ينتفع؛ وقد يقول: هذه الأشياء ظواهر كونية طبيعية عادية، كما قال تعالى:{وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سحاب مركوم} [الطور: 44]؛ وقد ينتفع، ويرجع إلى الله تعالى، كما قال تعالى:{فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجَّاهم إلى البر إذا هم يشركون} [العنكبوت: 65]، وقال تعالى:{وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجَّاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختَّار كفور} [لقمان: 32].
8.
ومن فوائد الآيتين: أن من فوائد التقوى. وما أكثر فوائدها. أن المتقي يتعظ بآيات الله سبحانه وتعالى الكونية، والشرعية.
القرآن
التفسير:
واذكروا يا بني إسرائيل جناية أسلافكم، وكثرة تعنتهم وجدالهم لموسى عليه الصلاة والسلام، حين قال لهم: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، فقالوا -مستكبرين-: أتجعلنا موضعًا للسخرية والاستخفاف؟ فردَّ عليهم موسى بقوله: أستجير بالله أن أكون من المستهزئين.
قال ابن عطية: " "وسبب هذه الآية على ما روي، أن رجلا من بني إسرائيل أسنّ وكان له مال، فاستبطأ ابن أخيه موته، وقيل أخوه، وقيل ابنا عمه، وقيل ورثة كثير غير معينين، فقتله ليرثه وألقاه في سبط آخر غير سبطه، ليأخذ ديته ويلطخهم بدمه، وقيل: كانت بنو إسرائيل في قريتين متجاورتين، فألقاه إلى باب إحدى المدينتين، وهي التي لم يقتل فيها، ثم جعل يطلبه هو وسبطه حتى وجده قتيلا، فتعلق بالسبط أو بسكان المدينة التي وجد القتيل عندها، فأنكروا قتله، فوقع بين بني إسرائيل في ذلك لحاء حتى دخلوا في السلاح، فقال أهل النهي منهم: أنقتل ورسول الله معنا؟ فذهبوا إلى موسى عليه السلام فقصوا عليه القصة، وسألوه البيان، فأوحى الله إليه أن يذبحوا بقرة فيضرب القتيل ببعضها، فيحيى ويخبر بقاتله فقال لهم: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ
(1) تفسير الرازي: 2/ 106.
تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67] " (1). روي ذلك عن ابن عباس (2)، وعبيدة (3)، وأبي العالية (4)، والسدي (5)، وقتادة (6)، ومجاهد (7)، ووهب بن منبّه (8)، وابن زيد (9)، ومحمد بن كعب القرظي (10)، ومحمد بن قيس (11).
قال ابن كثير: " وهذه السياقات كلها عن عبيدة وأبي العالية والسدي وغيرهم، فيها اختلاف ما، والظاهر أنها مأخوذة من كتب بني إسرائيل وهي مما يجوز نقلها، ولكن لا نصدق ولا نكذب فلهذا لا نعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا، والله أعلم"(12).
قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ} [البقرة: 67]، " أي واذكروا يا بني إسرائيل إذ قال موسى لقومه"(13).
قال الليث (14): القوم الرجال دون النساء، ومنه قوله عز وجل:{لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ} [الحجرات: 11] أي رجال من رجال، ثم قال:{وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ} قال زهير (15):
وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إخَالُ أدْرِي
…
أَقَوْمٌ آل حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ
وقوم كل رجل: شيعته وعشيرته" (16).
وقال أبو العباس: "القوم والنفر والرهط معناه الجمع، ولا واحد لها من لفظها، وهم الرجال دون النساء"(17).
قال الواحدي: " والمراد بالقوم هاهنا شيعة موسى وأتباعه. وقد يذكر القوم فيدخل فيه النساء كقوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [نوح: 1] وكان مرسلاً إلى الإناث والذكور جميعاً، وجاز ذلك لأن الغالب من أمر النساء اتباع الأزواج فاكتفى بهم منهن لغلبتهم عليهن"(18).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67]،
و(البقرة) واحدة البقر.
قال الأصمعي: "يقال: رأيت لبني فلان بَقَرًا وبَقِيرًا وبَاقُورَةً وبَاقِرًا وبَوَاقِرَ، كله جمع البقر، وأنشد (19):
بَوَاقِرُ جُلْحٌ أسْكَنَتْها الْمَرَاتِعُ
(1) المحرر الوجيز: 1/ 161.
(2)
أنظر: تفسير الطبري (1180): ص 2/ 188.
(3)
أنظر: تفسير الطبري (1172): ص 2/ 183 - 185.
(4)
نقلا عن تفسير ابن كثير: 1/ 294، قال ابن كثير:"رواه آدم بن أبي إياس في تفسيره".
(5)
أنظر: تفسير الطبري (1174): ص 2/ 185 - 187.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (1175): ص 2/ 187.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (1176)، و (1177): ص 2/ 187.
(8)
أنظر: تفسير الطبري (1178): ص 2/ 187.
(9)
أنظر: تفسير الطبري (1181): ص 2/ 188 - 189.
(10)
أنظر: تفسير الطبري (1182): ص 2/ 189.
(11)
أنظر: تفسير الطبري (1182): ص 2/ 189.
(12)
تفسير ابن كثير: 1/ 298.
(13)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 234.
(14)
هو: الليث بن المظفر، وقيل: ابن، وقيل: ابن رافع بن يسار الخرساني، وكان بارعا في الأدب، بصيرًا بالشعر والغريب والنحو، وكان كاتبا للبرامكة. ينظر:"بغية الوعاة" 2/ 270، و"معجم الأدباء" 17/ 43.
(15)
البيت من قصيدة قالها زهير في هجاء بيت من كلب من بني عليم. ورد في "تهذيب اللغة"(قام) 3/ 2863، و"مجمل اللغة"(قوم) 2/ 738، "المقاييس"(قوم) 5/ 43، و"المعاني الكبير" 1/ 593، و"المخصص" 3/ 119، و"مغني اللبيب" 1/ 41، 139، 2/ 393، 398، و"الهمع" 2/ 230، 4/ 54، 376، و"معاهد التنصيص" 3/ 165، و"اللسان"(قوم) 6/ 3786، و"فتح القدير" 1/ 135.
(16)
تهذيب اللغة" (قام) 3/ 2863، وانظر: "الزاهر" 2/ 169، "اللسان" (قوم) 6/ 3786، والتفسير البسيط: 3/ 7.
(17)
ذكره الأزهري في تهذيب اللغة: عن المنذري عن أبي العباس (قام) 3/ 2863، وانظر:"اللسان"(قوم) 6/ 3786، والتفسير البسيط: 3/ 7.
(18)
التفسير البسيط: 3/ 8، ونظر: الزاهر: 2/ 170.
(19)
البيت لقيس بن العَيْزَارَة وشطره الأول:
فَسَكَّنْتُهُمْ بِالْقَوْلِ حَتَّى كَأَنَّهُمْ
و(الجُلْح): البقر لا قرون لها، (أسكنتها المراتع): طابت أنفسها بالمرعى فسكنت. ورد البيت في "شرح أشعار الهذليين" 2/ 590، "تهذيب اللغة"(بقر) 1/ 370، "مقاييس اللغة" 1/ 278، "اللسان"(بقر) 1/ 423، و (جلح) 2/ 651.
وقال آخر (1):
خَلَقًا كَحَوْضِ الْبَاقِرِ الْمُتَهَدِّمِ
ويقال لجماعة البقرة: بيْقُور أيضاً، وقال أمية (2):
وعَالَت الْبَيْقُورَا" (3).
وقيل في أصل (البقر) وجهين (4):
الأول: أن أصله من (الْبَقْر) الذي هو الشقّ، يقال: بقر بطنه إذا شقّه وفتحه، وكان يقال لمحمد بن علي بن الحسين (5) رضي الله عنهما "الباقر"، لأنه بقر العلم وعرف أصله، أي شقه وفتحه" (6).
والثاني: التوسع في الشيء وفتح الشيء، وفي حديث حذيفة: "فما بال هؤلاء الذين
يَبْقُرونَ بيوتنا" (7)، أَي يفتحونها ويوسعونها.
ومنه قوله عليه السلام: "فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ"(8)، والبقرة هنا هي القِدر الكبير الواسع.
قال الماوردي: "وإنما أمر -والله أعلم- بذبح البقرة دون غيرها، لأنها من جنس ما عبدوه من العجل، ليهون عندهم ما كانوا يرونه من تعظيمه، وليعلم بإجابتهم زوال ما كان في نفوسهم من عبادته "(9).
قوله تعالى: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} [البقرة: 67]، " أي قالوا: أتجعلنا موضع سخرية وتهزأ بنا؟ " (10).
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي، أنهم عندما سمعوا قول موسى بذبح البقرة، فقالوا:"نسألك عن القتيل ومن قتله، وتقول اذبحوا بقرة، أتهزأ بنا؟ "(11).
قال الثعلبي: "وإنّما قالوا ذلك لتباعد الأمرين في الظّاهر، ولم يدروا ما الحكمة فيه"(12).
(1) البيت للحارث بن خالد المخزومي، البيت بتمامه:
مَالِي رَأَيْتُكَ بَعْدَ أَهْلِكَ مُوحِشًا
…
قَفْرًا كَحَوْضِ البَاقِر المُتهَدمِ
ورد البيت في "جمهرة أمثال العرب" 1/ 270، و"تفسير الثعلبي" 1/ 84 أ، والسجاوندي في ص 53، و"البحر المحيط" 1/ 254.
(2)
وتمامه:
سَلْعٌ مَّا وَمِثْلُهُ عُشَرٌ مَّا
…
عَائِلٌ مَّا وَعَالَتِ الْبَيْقَورَا
و(السلع): نبت، و (عائل): من قولهم: عالني أثقلني، و (عالت البيقورا): أي أثقلت هذه السنة البيقور بالهزال. قال في مغني اللبيب: قال عيسى بن عمر: لا أدري ما معناه، ولا رأيت أحدا يعرفه، وقال غيره: كانوا إذا أرادوا الاستسقاء في سنة الجدب عقدوا في أذناب البقر وبين عراقيبها السَّلْع والعُشَر، وهما ضربان من الشجر، ثم أوقدوا فيها النار وصعدوا بها الجبال، ورفعوا أصواتهم بالدعاء. "مغني اللبيب" 1/ 314، وانظر:"جمهرة أمثال العرب" 1/ 270، "تهذيب اللغة"(بقر) 1/ 370، و (سلع) 2/ 1733، "الأزهية" ص 81، "اللسان"(بقر) 1/ 324، و (علا) 5/ 3090.
(3)
التفسير البسيط: 3/ 9. وانظر:
(4)
انظر: تهذيب اللغة" (بقر) 1/ 369، "الصحاح" (بقر) 2/ 595، ومقاييس اللغة" 1/ 277 - 280.
(5)
هو: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي، أبو جعفر، الباقر خامس الأئمة الاثني عشر عند الشيعة الإمامية، كان ناسكًا عابدًا، توفي سنة أربع عشرة ومائة ، وقيل: ثماني عشرة. انظر: "حلية الأولياء" 3/ 180، "تهذيب التهذيب" 5/ 3090.
(6)
التفسير البسيط: 3/ 9. وانظر:
(7)
أخرجه البخاري (4658).
(8)
أخرجه أحمد في مسنده (2817): ص 1/ 310. من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما كانت الليلة التي أسري بي فيها أتت عليّ رائحة طيبة فقلت: يا جبريل: ما هذه الرائحة الطيبة؟ فقال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها، قال: قلت: وما شأنها؟ قال: بينا هي تمشط ابنة فرعون ذات يوم إذ سقطت المدرى المشط من يديها فقالت: باسم الله، فقالت لها ابنة فرعون: أبي؟ قالت لا .. ولكن ربي ورب أبيك الله، قالت: أخبره بذلك؟ قالت: نعم، فأخبرته، فدعاها فقال: يا فلانة وإن لك رباً غيري؟ قالت: نعم ربي وربك الله، فأمر ببقرة من نحاس فأحميت ثم أمر بها أن تلقى هي وأولادها فيها، قالت له: إن لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك؟ قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا، قال: ذلك لك علينا من الحق، قال: فأمر بأولادها فألقوا بين يديها واحداً واحداً إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها مرضع وكأنها تقاعست من أجله، قال المرضع: يا أمه اقتحمي فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فاقتحمت".
(9)
النكت والعيون: 1/ 137.
(10)
تفسير المراغي: 1/ 143.
(11)
تفسير ابن أبي حاتم (691): ص 1/ 136.
(12)
تفسير الثعلبي: 1/ 214.
قال المراغي: " فهذا القول منهم دليل على السفه وخفّة الأحلام، وجفاء الطبع والجهل بقدرة الله تعالى"(1).
وقال ابن عطية: " وهذا القول من بني إسرائيل ظاهره فساد اعتقاد ممن قاله، ولا يصح الإيمان ممن يقول لنبي قد ظهرت معجزاته، وقال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، أَتَتَّخِذُنا هُزُواً، ولو قال ذلك اليوم أحد عن بعض أقوال النبي صلى الله عليه وسلم لوجب تكفيره، وذهب قوم إلى أن ذلك منهم على جهة غلظ الطبع والجفاء والمعصية، على نحو ما قال القائل للنبي صلى الله عليه وسلم في قسمة غنائم حنين: "إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله" (2)، وكما قال له الآخر: "اعدل يا محمد" (3)، وكلّ محتمل، والله أعلم"(4).
و(الهزؤ): اللعب والسخرية، كما قال الراجز (5):
قد هزئت مني أم طيسله
…
قالت أراه معدما لا شيء له
يعني بقوله: قد هزئت: قد سخرت ولعبت (6).
وقرأ ابن محيصن: {أيتّخذنا} ، بالياء قال:"يعنون الله، ولا يستبعد هذا من جهلهم لأنّهم الّذين قالوا: {اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138] "(7).
وفي قوله تعالى {هُزُوًا} [البقرة: 67]، ثلاثة لغات (8):
أحدها: بالتخفيف والهمز، ومثله {كفؤا} ، وهي قراءة الأعمش وحمزة وخلف وإسماعيل.
والثاني: {هزؤا} و {كفؤا} ، مثقلان مهموزان، وهي قراءة أبي عمرو وأهل الحجاز والشام واختيار الكسائي وأبي عبيد وأبي حاتم.
والثالث: و {هزوا} و {كفوا} ، مثقلان بغير همزة. في رواية حفص بن سليمان البزّاز عن عاصم.
قال الثعلبي: " وكلّها لغات صحيحة معناها الاستهزاء"(9).
قوله تعالى: {قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ} [البقرة: 67]، " أي ألتجئ إلى الله"(10).
قال البغوي: أي: "أمتنع بالله"(11).
قوله تعالى: {أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ} [البقرة: 67]، أي" أن أكون في زمرة المستهزئين الجاهلين"(12).
قال الثعلبي: " أي من المستهزئين بالمؤمنين"(13).
قال الطبري: " يعني من السفهاء الذين يروون عن الله الكذب والباطل"(14).
قال البغوي: "وقيل: من الجاهلين بالجواب لا على وفق السؤال لأن الجواب لا على وفق السؤال جهل"(15).
(1) تفسير المراغي: 1/ 143.
(2)
أخرجه البخاري (3224): ص 3/ 1449، وأحمد في مسنده (3597): ص 1/ 380، من حديث عبدالله.
(3)
رواه أحمد (14406): ص 3/ 355، وابن ماجة (172): ص 1/ 61. من حديث جابر بن عبدالله.
(4)
المحرر الوجيز: 1/ 162.
(5)
البيت لصخير بن عمير التميمي، ويقال إن القصيدة للأصمعي نفسه. أنظر: الأصمعيات: 58، وأمالي القالي 2: 284، وانظر تحقيق ما قيل فيها في تعليق سمط اللآلي للراجكوتي: 930 وروايتهم جميعا:
تهزأ مني أخت آل طيسله
…
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويروى " مملقا لا شيء له " و " مبلطا "، وكلها بمعنى واحد: فقيرا لا شيء له.
(6)
أنظر: تفسير الطبري: 2/ 182.
(7)
تفسير الثعلبي: 1/ 214.
(8)
أنظر: الحجة للقراء السبعة: 81 - 82، وتفسير الثعلبي: 1/ 214.
(9)
تفسير الثعلبي: 1/ 214. وفيه وجهان آخران من القراءة ذكرهما ابن عطية، أحدهما: ضم الهاء والزاي والهمزة بين بين، والثاني: بضم الهاء وتشديد الزاي «هزّا». قرأ بها أبو جعفر وشيبة". [المحرر الوجيز: 1/ 161 - 162].
(10)
تفسير المراغي: 1/ 143، وانظر: صفوة التفاسير: 1/ 59.
(11)
تفسير البغوي: 1/ 106.
(12)
صفوة التفاسير: 1/ 59.
(13)
تفسير الثعلبي: 1/ 214.
(14)
تفسير الطبري: 2/ 183.
(15)
تفسير البغوي: 1/ 106.
قال المراغي: "أي: من الهزؤ والسخرية بالناس"(1).
وقوله تعالى: {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ} [البقرة: 67]، يحتمل معنيين (2):
أحدهما: الاستعاذة من الجهل في أن يخبر عن الله تعالى مستهزئا.
والثاني: الإستعاذة من الجهل كما جهلوا في قولهم {أَتَتَّخِذُنا هُزُواً} ، لمن يخبرهم عن الله تعالى.
الفوائد:
1 من فوائد الآية: تعظيم الله عز وجل، حيث أسند الأمر إليه بصيغة الغائب، كقوله تعالى:{إن الله يأمر بالعدل والإحسان} [النحل: 90].
2 ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يسلك الأسباب التي تؤدي إلى قبول الأمر، أو الخبر؛ لقوله:{إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} .
3 ومنها: استهتار بني إسرائيل، حيث قالوا لنبيهم عليه الصلاة والسلام:{أتتخذنا هزواً} وقد أخبرهم أن الله تعالى أمرهم أن يذبحوا بقرة؛ فلم يحملوا هذا محمل الجدّ مع أن الواجب أن يحملوا هذا محمل الجدّ؛ لأنه أمر من الله عز وجل.
4 ومنها: أن الاستهزاء بالناس من الجهل وهو الحمق، والسفه؛ لقول موسى عليه الصلاة والسلام:{أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} .
5 ومنها: أن جميع الخلق محتاجون إلى الله تعالى، وإلى الاعتصام به عز وجل؛ فإن موسى صلى الله عليه وسلم كان من أولي العزم من الرسل؛ ومع ذلك فهو محتاج إلى ربه تبارك وتعالى؛ لقوله تعالى:{قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} ؛ والاستعاذة لا تكون إلا بالله عز وجل؛ وقد تكون بالمخلوق فيما يقدر عليه، مثل قوله صلى الله عليه وسلم:"فمن وجد معاذاً فليعذ به"(3).
القرآن
التفسير:
قالوا: ادع لنا ربَّك يوضح لنا صفة هذه البقرة، فأجابهم: إن الله يقول لكم: صفتها ألا تكون مسنَّة هَرِمة، ولا صغيرة فَتِيَّة، وإنما هي متوسطة بينهما، فسارِعوا إلى امتثال أمر ربكم.
قوله تعالى: {قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ} [البقرة: 68]، " أي سله لأجلنا أن يكشف لنا عن الصفات المميزة لها"(4).
قال الصابوني: " أي ما هي هذه البقرة وأي شيء صفتها؟ "(5).
قال السعدي: " أي: ما سنها؟ "(6).
قال البيضاوي: " تكرير للسؤال الأول واستكشاف زائد"(7).
قال الزجاج: " وإِنَّما سألوا ما هي، لأنهم لا يعلمون أن بقرةً يحيا بضرب بعضها ميت"(8).
قال النسفي: " وذلك أنهم تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا فسألوا عن صفة تلك البقرة العجيبة الشان"(9).
(1) تفسير المراغي: 1/ 143.
(2)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 162.
(3)
أخرجه البخاري ص 590 – 591، كتاب الفتن، باب 9: تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، حديث رقم 7081؛ وأخرجه مسلم ص 1177 – 1178، كتاب الفتن، باب 3: نزول الفتن كمواقع القطر، حديث رقم 7249 [12]2886.
(4)
تفسير المراغي: 1/ 143.
(5)
صفوة التفاسير: 1/ 59.
(6)
تفسير السعدي: 54.
(7)
تفسير البيضاوي: 1/ 87.
(8)
معاني القرآن: 1/ 150.
(9)
تفسير النسفي: 1/ 69.
ولغة بني عامر «ادع» بكسر العين (1).
قوله تعالى: {إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ} [البقرة: 68]، أي: إنها بقرة" لا مسنة ولا فتية"(2).
قال الزجاج: "أي ليست بكبيرة ولا صغيرة"(3).
قال الثعلبي: أي" لا كبيرة ولا صغيرة"(4).
واختلف في معنى {الفارض} [البقرة: 68]، على ثلاثة أوجه (5):
الأول: الفارض: المسنة (الهرمة)، قاله ابن عباس (6)، ومجاهد (7)، وأبو العالية (8)، والربيع (9)، وقتادة (10)، والسدي (11)، وابن زيد (12)، والضحاك (13)، ووهب بن منبّه (14)، وعطاء الخراساني (15)، وبه قال جمهور أهل التفسير.
يقال منه فرضت تفرض فروضا، أي أسنت، ويقال للشيء القديم فارض، قال الراجز (16):
شيب أصداغي فرأسي أبيض
…
محامل فيها رجال فرض
يعني هرمي، قال آخر (17):
لعمرك قد أعطيت جارك فارضا
…
تساق إليه ما تقوم على رجل
أي قديما، وقال آخر (18):
يا رب ذي ضغن علي فارض
…
له قروء كقروء الحائض
والثاني: أن الفارض: لا كبيرة ولا صغيرة، قد ولدت بطنا أو بطنين. قاله مجاهد (19)، وروي عن عطية (20) مثل ذلك.
والثالث: أن الفارض: التي قد ولدت بطونا كثيرة فيتسع جوفها لذلك، لأن معنى الفارض في اللغة الواسع، قاله بعض المتأخرين (21).
(1) انظر: المحرر الوجيز: 1/ 162.
(2)
تفسير البيضاوي: 1/ 86.
(3)
معاني القرآن: 1/ 150.
(4)
تفسير الثعلبي: 1/ 216.
(5)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 448 - 449.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (1185)، و (1186)، و (1186): ص 2/ 191.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (1184)، و (1188): ص 2/ 191.
(8)
أنظر: تفسير الطبري (1190): ص 2/ 192.
(9)
أنظر: تفسير الطبري (1191): ص 2/ 192.
(10)
أنظر: تفسير الطبري (1192): ص 2/ 192.
(11)
أنظر: تفسير الطبري (1194): ص 2/ 192.
(12)
أنظر: تفسير الطبري (1195): ص 2/ 192.
(13)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 137.
(14)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 137.
(15)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 137.
(16)
انظر: الصحاح للجوهري: (محافل) بالفاء وفيه رواية أخرى رواها ابن الاعرابي هي: (محامل بيض وقوم فرض) يريد أنهم ثقال كالمحامل. وانظر: اللسان مادة (فرض).
(17)
لبيت في تفسير القرطبي 1/ 448، ومجمع البيان 1/ 131، والرواية فيهما:(أعطيت جارك). وعزي مع آخر في البحر 1/ 248 إلى خفاف بن ندبة السلمي، انظر شعره:133. وعزي في اللسان والتاج (ف ر ض) إلى علقمة بن عوف. وهو بلا نسبة في الأفعال للسرقسطي 4/ 15، والدرّ المصون 1/ 420، والأضداد:376. وفي الإتقان في علوم القرآن: يساق
…
يقوم، وهو تصحيف
(18)
مجالس ثعلب: 364، والمعاني الكبير: 850، 1143، والحيوان 6: 66 - 67، والأضداد: 22، وكتاب القرطين 1: 44، 77، واللسان (فرض)، وغيرها، وصواب إنشاده:
يارب مولى حاسد مباغض عليّ ذي ضغن وضب فارض
والضب: الغيظ والحقد تضمره في القلب. قروء وأقراء جمع قرء (بضم فسكون): وهو وقت الحيض قال ابن قتيبة: "أي له أوقات تهيج فيها عداوته"، وقال الجاحظ:"كأنه ذهب إلى أن حقده يخبو ثم يستعر، ثم يخبو ثم يستعر".
(19)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (695): ص 1/ 137.
(20)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 137.
(21)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 448 - 449.
واختلف في معنى {البكر} [البقرة: 68]، على وجوه:
الأول: معناه: الصغيرة التي لم تحمل. قاله ابن عباس (1)، ومجاهد (2)، وقتادة (3)، وأبو العالية (4)، والربيع (5).
والثاني: لم تلد إلا ولدا واحدا. قاله السدي (6).
والثالث: الأول من الأولاد، قال الكميت (7):
يا بِكر بكرين ويا خلب الكبد
…
أصبحت مني كذراع من عضد
والرابع: البكر أيضا في إناث البهائم وبني آدم: ما لم يفتحله الفحل، وهي مكسورة الباء، وبفتحها الفتي من الإبل. قاله الطبري (8).
قوله تعالى: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: 68]، " أي وسط بين الكبيرة والصغيرة"(9).
قال الحسن: أي بين الهرمة والفتية" (10).
واختلف في معنى الـ {عوان} [البقرة: 68]، على أقوال (11):
أحدها: النصف التي قد ولدت بطنا أو بطنين، وهي أقوى ما تكون من البقر وأحسنه، بخلاف الخيل، وهذه الدلالة المعني بها في الآية أي: وسط قد ولدت بطنا أو بطنين.
وهذا مذهب ابن عباس (12)، وأبي العالية (13)، ومجاهد (14)، والسدي (15)، والربيع بن أنس (16)، وعطاء الخراساني (17)، وقتادة (18)، والضحاك (19)، وعكرمة (20)، وابن زيد (21).
ومن ذلك قول الشاعر يصف فرسا (22):
كميت بهيم اللون ليس بفارض
…
ولا بعوان ذات لون مخصف
فرس أخصف: إذا ارتفع البلق من بطنه إلى جنبه.
ومنه قول الأخطل (23):
(1) أنظر: تفسير الطبري (1199): ص 2/ 193، وابن أبي حاتم (696)، و (697): ص 1/! 37.
(2)
أنظر: تفسير الطبري (1196): ص 2/ 192.
(3)
أنظر: تفسير الطبري (1200): ص 2/ 193.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (1202): ص 2/ 193.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (1203): ص 2/ 193.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (1204): ص 2/ 193، وابن أبي حاتم (698): ص 1/ 137.
(7)
أنظر: اللسان (بكر)، والصحاح (بكر)، وأمالي القالي: 1/ 24، ولم ينسبه أحد منهم، والبيت للكميت في ديوانه: 1/ 166.
(8)
تفسير الطبري: 2/ 192.
(9)
صفوة التفاسير: 1/ 59.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (702): ص 1/ 138.
(11)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 193 - 194، والمحرر الوجيز: 1/ 162، وتفسير القرطبي: 1/ 448 - 449، وتهذيب اللغة للأزهري: 3/ 202 - 203، والصحاح للجوهري: 6/ 2168، وتفسير ابن أبي حاتم: 1/ 138، معاني القرآن للفراء: 1/ 44، ومعاني القرآن للزجاج: 1/ 122، والبسيط للواحدي-تحقيق الفوزان-: 3/ 1035 - 1037، ومعالم التنزيل للبغوي: 1/ 105، والكشاف للزمخشري: 1/ 276، والنكت والعيون للماوردي: 1/ 139، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير: 1/ 138 - 139، والبحر المحيط لأبي حيان: 1/ 251، والدر المصون للسمين الحلبي: 1/ 255، والمفردات للراغب الأصفهاني: 354، وروح المعاني للألوسي: 1/ 287، وغيرها.
(12)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (699): ص 1/ 138، وتفسير الطبري (1210): ص 2/ 195.
(13)
أنظر: تفسير الطبري (1212): ص 2/ 196.
(14)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (701): ص 1/ 138، وتفسير الطبري (1206): ص 2/ 195.
(15)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (700): ص 1/ 138.
(16)
أنظر: تفسير الطبري (1213): ص 2/ 196.
(17)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 138.
(18)
أنظر: تفسير الطبري (1214): ص 2/ 196.
(19)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 138.
(20)
أنظر: تفسير الطبري (1209): ص 2/ 195.
(21)
أنظر: تفسير الطبري (1216): ص 2/ 196.
(22)
تفسير القرطبي: 1/ 449، . لسان العرب: 7/ 204.
(23)
يوانه: 119، وهو يخالف ما رواه الطبري، وقبله:
إني حلفت برب الراقصات وما
…
أضحي بمكة من حجب وأستار
وبالهدي - إذا احمرت مذارعها
…
في يوم نسك وتشريق وتنحار
وما بزمزم من شمط محلقه
…
وما بيثرب من عون وأبكار
يعني: حلقوا رؤوسهم، وقد تحللوا من إحرامهم وقضوا حجتهم، والشمط جمع أشمط: وهو الذي خالط سواد شعره بياض الشيب. فإن صحت رواية الطبري"شمط مُحَفِّلَةٍ"، فكأنها من الحفيل والاحتفال: وهو الجد والاجتهاد، يقال منه: رجل ذو حفيل، وذو حفل وحفلة: له جد واجتهاد ومبالغة فيما أخذ فيه من الأمور. فكأنه عنى: مجتهدون في العبادة والنسك.
وما بمكة من شُمط مُحَفِّلة
…
وما بيثرب من عُونٍ وأبكار
وجمعها: (عون)، يقال: امرأة عوان من نسوة عون، ومنه قول تميم بن مقبل (1):
ومأتم كالدمي حورٍ مدامعها
…
لم تبأس العيش أبكارا ولا عونا
الثاني: العوان من البقرة هي التي قد ولدت مرة (2).
الثالث: إن العوان النخلة الطويلة، وهي فيما زعموا لغة يمانية (3).
الرابع: العوان: التي قد ولدت مرة بعد مرة، قاله مجاهد (4)، وحكاه أهل اللغة (5).
ومنه حرب عوان: قد قوتل فيها مرتين فما زاد، يمثل ذلك بالمرأة التي ولدت بطنا بعد بطن، قال زهير (6):
إذا لقحت حرب عوان مضرة
…
ضروس تهر الناس أنيابها عصل
وكذلك يقال: (حاجة عوان)، إذا كانت قد قضيت مرة بعد مرة، ومنه قول الفرزدق (7):
قعود لدى الأبواب طلاب حاجة
…
عوانٍ من الحاجات أو حاجةً بكرا
قوله تعالى: {فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ} [البقرة: 68]، " أي افعلوا ما أمركم به ربكم ولا تتعنتوا ولا تشدّدوا فيشدّد الله عليكم"(8).
قال الثعلبي: "أي: من ذبح البقرة ولا تكرّروا السؤال"(9).
قال السعدي: " واتركوا التشديد والتعنت"(10).
الفوائد:
1.
ومنها: استكبار بني إسرائيل، حيث قالوا لموسى. عليه الصلاة والسلام:{ادع لنا ربك} ؛ فأمروه أمراً، ثم أضافوا ربوبية الله عز وجل إلى موسى، كأنهم متبرئون من ذلك؛ فلم يقولوا:"ادع ربنا"، أو "ادع الله"؛ ومما
(1) جمهرة أشعار العرب: 162، من جيد شعر تميم بن أبي بن مقبل. والمأتم عند العرب: جماعة النساء - أو الرجال - في خير أو شر. قالوا: والعامة تغلط فتظن أن"المأتم" النوح والنياحة. والدمى جمع دمية: الصورة أو التمثال، يتنوق في صنعتها ويبالغ في تحسينها، والعرب تكثر من تشبيه النساء بالدمي. والحور جمع حوراء. والحور أن يشتد بياض بياض العين، وسواد سوادها، تستدير حدقتها، وترق جفونها، ويبيض ما حولها. وقوله:"لم تبأس" أي لم يلحقها بؤس عيش، أو لم تشك بؤس عيش بئس يبأس بؤسا، فهو بائس وبئيس، افتقر واشتد عليه البؤس. وفي الأصل المطبوع، وفي اللسان (أتم):"لم تيأس" بالياء المثناة، وهو خطأ.
(2)
أنظر: البحر المحيط: 1/ 210.
(3)
أنظر: تفسير الطبري: 1/ 449.
(4)
نقلا عن المحرر الوجيز: 1/ 162، والقرطبي: 1/ 449. قال المحقق: وأخرج قول المجاهد الطبري: 2/ 89. وهذا خطأ، لأن الطبري لم يخرج عنه بهذا المعنى ولا بنحوه، وإنما أخرج عنه معنى القول الأول، فقال (1206): ص 2/ 195: " ولدت بطنا أو بطنين"، وفي لفظ آخر (1207): ص 2/ 195: " العانس النصف"، ولفظه الآخر (1208): ص 2/ 195: "العوان: النصف"، وفي موضع آخر (1214): ص 2/ 195: " قد نتجت بكرة أو بكرتين".
(5)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 162.
(6)
شرح ديوان زهير لثعلب: 104.
(7)
ديوان الفرزدق: 227، وطبقات فحول الشعراء: 256، وتاريخ الطبري: 138، وغيرها، والشعر في زياد، وقبله:
دعاني زياد للعطاء ولم أكن
…
لأقربه ما ساق ذو حسب وفرا
وعند زياد، لو يريد عطاءهم،
…
رجال كثير قد يرى بهمُ فقرا
ويروى: قعودا، ورواية ابن سلام"طالب حاجة"، ونصب"أو حاجة بكرا" عطفا على محل"حاجة عوان"، فمحلها نصب بقوله:"طلاب".
(8)
صفوة التفاسير: 1/ 59.
(9)
تفسير الثعلبي: 1/ 217.
(10)
تفسير السعدي: 54.
يدل على استكبارهم كونهم طلبوا من موسى. عليه الصلاة والسلام. أن يبين لهم ما هذه البقرة مع أن البقرة معروفة؛ وهي عند الإطلاق تشمل أيّ واحدة.
2.
ومنها: تأكيد الأمر على بني إسرائيل أن يفعلوه؛ لقوله: {فافعلوا ما تؤمرون} ؛ ومع ذلك لم يمتثلوا؛ بل تعنتوا.
القرآن
التفسير:
فعادوا إلى جدالهم قائلين: ادع لنا ربك يوضح لنا لونها. قال: إنه يقول: إنها بقرة صفراء شديدة الصُّفْرة، تَسُرُّ مَن ينظر إليها.
قوله تعالى: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا} [البقرة: 69]، "أي: ادع لنا ربك يبين لنا ما لون البقرة التي أمرتنا بذبحها" (1).
قوله تعالى: {قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها} [البقرة: 69]، " أي إِنها بقرة صفراء، شديدة الصفرة"(2).
واختلف أهل التأويل في معنى قوله: {صَفْراءُ} [البقرة: 69]، على ثلاثة أقوال:(3):
أحدها: أن معناه: سوداء شديدة السواد. قاله الحسن (4).
قال ابن عطية: " وهذا شاذ لا يستعمل مجازا إلا في الإبل"(5).
والثاني: أن معناه: صفراء القرن والظلف. قاله سعيد بن جبير (6)، وفي رواية أشعث عن الحسن (7).
والثالث: أنها صفراء اللون. قاله ابن زيد (8).
قال الإمام الطبري: وأحسب أن الذي قال في قوله: (صفراء)، يعني به سوداء، ذهب إلى قوله في نعت الإبل السود: هذه إبل صفر، وهذه ناقة صفراء، يعني بها سوداء. وإنما قيل ذلك في الإبل لأن سوادها يضرب إلى الصفرة، ومنه قول الأعشى (9):
تلك خيلي منه وتلك ركابي
…
هن صفر أولادها كالزبيب
يعني بقوله: (هن صفر)، هن سود وذلك إن وصفت الإبل به، فليس مما توصف به البقر، مع أن العرب لا تصف السواد بالفقوع، وإنما تصف السواد إذا وصفته بالشدة بالحلوكة ونحوها، فتقول: هو أسود حالك وحانك وحُلكوك، وأسود غِربيب ودَجوجي، ولا تقول: هو أسود فاقع. وإنما تقول: هو أصفر فاقع، فوصفه إياه بالفقوع، من الدليل البين على خلاف التأويل الذي تأول قوله:(إنها بقرة صفراء فاقع) المتأول، بأن معناه سوداء شديدة السواد (10).
قوله تعالى: {فَاقِعٌ لَوْنُهَا} [البقرة: 69]، "يعني: خالص لونها" (11).
قال ابن عثيمين: " ليس فيه ما يشوبه، ويخرجه عن الصفرة"(12).
قال قتادة: " هي الصافي لونها"(13). وروي عن أبي العالية (14)، والربيع (15)، والسدي (16)، مثل ذلك.
(1) تفسير الطبري: 2/ 198.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 59.
(3)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 199 - 201.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (1218)، و (1219): ص 2/ 199. في رواية محمد بن يوسف، وأبي رجاء.
(5)
المحرر الوجيز: 1/ 163.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (1222): ص 2/ 199.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (1220): ص 2/ 199.
(8)
أنظر: تفسير الطبري (1223): ص 2/ 199.
(9)
: 219، والأضداد: 138، واللسان (صفر)، وغيرها. من قصيدة يمدح بها أبا الأشعث قيس بن معد يكرب الكندي.
(10)
تفسير الطبري: 2/ 201 - 201.
(11)
تفسير الطبري: 2/ 201.
(12)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 237.
(13)
أخرجه الطبري (1225): ص 2/ 201.
(14)
أخرجه الطبري (1226): ص 2/ 201.
(15)
أخرجه الطبري (1227): ص 2/ 201.
(16)
أخرجه الطبري (1228): ص 2/ 201.
وأخرج الطبري عن ابن عباس: " شديدة الصفرة، تكاد من صفرتها تَبْيَضُّ. وقال أبو جعفر: أُراه أبيض! "(1). وروي عن ابن زيد مثل قول ابن عباس (2).
و(الفقوع)، في الصفر، نظير النصوع في البياض، وهو شدته وصفاؤه، ومنه قول الشاعر (3):
حملت عليه الوَرد حتى تركته
…
ذليلا يسُف الترب واللون فاقع
وقرأ الضّحاك: " {لَوْنُها}، قال الثعلبي: "نصبا كانّه عمل فيه لسببين وجعل ما صلة" (4).
قوله: {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} [البقرة: 69]، " أي تعجب الناظرين"(5).
قال الطبري: أي: تعجب هذه البقرة - في حسن خلقها ومنظرها وهيئتها - الناظر إليها (6).
قال الصابوني: أي: من"حسن منظرها تسر كل من رآها"(7).
قال قتادة: " أي تعجب الناظرين"(8). وروي عن السدي (9) مثل ذلك.
وقال وهب: " إذا نظرت إليها، يخيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها"(10).
قال الثعلبي: " تعجبهم من حسنها وصفاء لونها لأنّ العين تسر وتولع بالنظر إلى الشيء، الحسن"(11).
قال ابن عثيمين: " يعني ليست صفرتها صفرة توجب الغم؛ أو صفرتها مستكرهة؛ بل هي صفرة تجلب السرور لمن نظر إليها؛ فصار التضييق من ثلاثة أوجه: صفراء؛ والثاني: فاقع لونها؛ والثالث: تسر الناظرين"(12).
قال السمين الحلبي: " و (السرورُ) لَذَّةٌ في القلب عند حصولِ نَفْعِ أو توقُّعِه، ومنه «السريرُ» الذي يُجْلَسُ عليه إذا كان لأولي النِّعمةِ، وسريرُ الميِّت تشبيهاً به في الصورة وتفاؤلاً بذلك"(13).
الفوائد:
1.
من فوائد الآية: أن بني إسرائيل أرادوا أن يتقهقروا عن تنفيذ أمر الله عز وجل بقولهم: {ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها} ؛ مرة أخرى.
2.
ومنها: أن الإنسان إذا لم يقبل هدى الله عز وجل من أول مرة فإنه يوشك أن يشدد الله عليه؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الدين يسر؛ ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه"(14).
القرآن
التفسير:
قال بنو إسرائيل لموسى: ادع لنا ربك يوضح لنا صفات أخرى غير ما سبق؛ لأن البقر -بهذه الصفات- كثير فاشْتَبَهَ علينا ماذا نختار؟ وإننا -إن شاء الله- لمهتدون إلى البقرة المأمور بذبحها.
(1) تفسير الطبري (1229): ص 2/ 201 - 202. أظنه اعترض على كلامه، أراد بأنه إذا خفت الصفرة ابيضت.
(2)
أنظر: تفسير الطبري (1230): ص 2/ 202.
(3)
البيت ورد في تفسير الطبري ص: 2/ 202، ولم أتعرف على قائله. والورد فرسه.
(4)
تفسير الثعلبي: 2/ 217.
(5)
معاني القرآن للزجاج: 1/ 152.
(6)
تفسير الطبري: 2/ 202.
(7)
صفوة التفاسير: 1/ 59.
(8)
أخرجه الطبري (1231): ص 2/ 202.
(9)
انظر: تفسير الطبري (1233): ص 2/ 202.
(10)
أخرجه الطبري (1232): ص 2/ 202.
(11)
تفسير الثعلبي: 1/ 217.
(12)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 237.
(13)
الدر المصون: 1/ 426، وانر: تفسير النسفي: 1/ 69.
(14)
أخرجه البخاري ص 5، كتاب الإيمان، باب 29: الدين يسر، حديث رقم 39.
قوله تعالى: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ} [البقرة: 70]، أي: سله لأجلنا أن يكشف لنا" أسائمة أم عاملة"(1).
قال ابن عثيمين: "أي من حيث العمل"(2).
قال البيضاوي: " تكرير للسؤال الأول واستكشاف زائد"(3).
قوله تعالى: {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} [البقرة: 70]، " أي اشتبه علينا البقرة المطلوبة"(4).
قال البيضاوي: " أي إن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا"(5).
قال السعدي: " فلم نهتد إلى ما تريد"(6).
قال الصابوني: " أي التبس الأمر علينا فلم ندر ما البقرة المأمور بذبحها"(7).
قال ابن عثيمين: " وفي الحقيقة أنه ليس في هذا اشتباه؛ إذ ذُكر لهم أنها بقرة، وذكر لهم سنها؛ وذكر لهم لونها؛ فأين التشابه؟ ! لكن هذا من عنادهم، وتعنتهم، وتباطئهم في تنفيذ أمر الله"(8).
و(البقر) جماع بقرة، وقد قرأ بعضهم:(إن الباقر)، وذلك - وإن كان في الكلام جائزا، لمجيئه في كلام العرب وأشعارها، كما قال الأعشى (9):
وما ذنبه أن عافت الماء باقر
…
وما إن تعاف الماء إلا ليضربا
واختلفت القراءة في قوله تعالى: {إِنَّ الْبَقَرَ} [البقرة: 70]، على وجهين (10):
الأول: : {إِنَّ الْبَقَرَ} ، وهذه قراءة العامة.
والثاني: {إن الباقر} ، قرأ بها محمد ذو الشامة الأموي. وهو جمع البقر.
وقوله تعالى: {تَشابَهَ عَلَيْنا} [البقرة: 70]، في {تَشابَهَ} ، سبع قراءات:
أحدها: {تَشابَهَ} : بفتح التاء والهاء وتخفيف الشّين، وهي قراءة العامة وهو فعل ماض ويذكر موحد.
والثاني: وقرأ الحسن: {تَشابهُ} ، بتاء مفتوحة وهاء مضمومة وتخفيف الشّين أراد تشابه.
والثالث: وقرأ الأعرج: {تَشّابهُ} : بفتح التاء وتشديد الشّين وضم الهاء، على معنى: يتشابه.
والرابع: وقرأ مجاهد: {تشبّه} ، كقراءة الأعرج إلّا إنّه بغير ألف لقولهم: تحمل وتحامل.
والخامس: وفي مصحف أبيّ: {تشابهت} ، على وزن تفاعلت [فالتاء] لتأنيث البقر.
والسادس: وقرأ ابن أبي إسحاق: {تشّابهت} ، بتشديد الشين قال أبو حاتم:"هذا غلط لأن التاء لا تدغم في هذا الباب إلّا في المضارعة"(11).
والسابع: وقرأ الأعمش: {متشابه علينا} ، - جعله اسما.
(1) تفسير الثعلبي: 1/ 217.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 227.
(3)
تفسير البيضاوي: 1/ 87.
(4)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 237.
(5)
تفسير البيضاوي: 1/ 87.
(6)
تفسير السعدي: 55.
(7)
صفوة التفاسير: 1/ 59.
(8)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 237.
(9)
ديوانه: 90، والحيوان 1: 19 (وانظر أيضًا 1: 301، 6: 174)، واللسان (ثور) وغيرها. من قصيدة يقولها لبني قيس بن سعد، وما كان بينه وبينهم من قطيعة بعد مواصلة ومودة، وقبل البيت: وإني وما كلفتموني - وربكم
…
ليعلم من أمسى أعق وأحربا
لكالثور، والجِنِّيّ يضرب ظهره
…
وما ذنبه إن عافت الماء مشربا
قال الجاحظ: " كانوا إذا أوردوا البقر فلم تشرب، إما لكدر الماء أو لقلة العطش، ضربوا الثور ليقتحم، لأن البقر تتبعه كما تتبع الشول الفحل، وكما تتبع أتن الوحش الحمار. . وكانوا يزعمون أن الجن هي التي تصد الثيران عن الماء، حتى تمسك البقر عن الشرب، حتى تهلك. . كأنه قال: إذا كان يضرب أبدا لأنها عافت الماء، فكأنها إنما عافت الماء ليضرب ".
(10)
أنظر: تفسير الثعلبي: 1/ 217.
(11)
تفسير الثعلبي: 1/ 218.
والصواب في ذلك من القراءة: {إن البقر تَشَابَهَ علينا} ، بتخفيف (شين): تشابه، ونصب (هائه)، بمعنى: تفاعل، لإجماع الحجة من القراء على تصويب ذلك، ودفعهم ما سواه من القراءات، ولا يعترض على الحجة بقول من يَجُوز عليه فيما نقل السهو والغفلة والخطأ (1).
قوله تعالى: {وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} [البقرة: 70]، "أي سنتهدي إِلى معرفتها إِن شاء الله"(2).
قال الثعلبي: " إلى وصفها"(3).
قال البيضاوي: "أي: إلى المراد ذبحها، أو إلى القاتل"(4).
قال بعض السلف: "لو لم يقولوا: {إن شاء الله} لم يهتدوا إليها أبداً"(5)، وهذا فيما إذا كان قصدهم تفويض الأمر إلى الله عز وجل؛ ويحتمل أن يكون قصدهم أنهم لو لم يهتدوا لاحتجوا بالمشيئة، وقالوا:"إن الله لم يشأ أن نهتدي"! وما هذا الاحتمال ببعيد عليهم" (6).
الفوائد:
1.
من فوئاد الآية: أن بني إسرائيل أرادوا أن يتقهقروا عن تنفيذ أمر الله عز وجل بقولهم: {ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} مرة أخرى.
2 -
ومنها: أهمية الاستثناء في تيسير الأمور وحصول مراد العبد، لذلك قيل "أنهم لما قرنوا بالمراجعة الأخيرة قولهما:{وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} وفقهم الله لمعرفة ما سالوا عنه ولترك التعنت" (7).
القرآن
التفسير:
قال لهم موسى: إن الله يقول: إنها بقرة غير مذللة للعمل في حراثة الأرض للزراعة، وغير معدة للسقي من الساقية، وخالية من العيوب جميعها، وليس فيها علامة من لون غير لون جلدها. قالوا: الآن جئت بحقيقة وصف البقرة، فاضطروا إلى ذبحها بعد طول المراوغة، وقد قاربوا ألا يفعلوا ذلك لعنادهم. وهكذا شددوا فشدَّد الله عليهم.
قوله تعالى: {قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ} [البقرة: 71]، "أي: إنها ليست مذللة بالحراثة" (8).
قال أبو السعود: " أي لم تُذلَّلْ للكِراب وسقى الحرث"(9).
قال الصابوني: "أي: ليست هذه البقرة مسخرة لحراثة الأرض"(10).
(1) انظر: تفسير الطبري: 2/ 211.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 59.
(3)
تفسير الثعلبي: 1/ 218.
(4)
تفسير البيضاوي: 1/ 87.
(5)
أخرج الطبري عن ابن جريج، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أمروا بأدنى بقرة، ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شُدد الله عليهم؛ وأيم الله لو أنهم لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد". [تفسير الطبري (1242): ص 2/ 205].
وهو حديث مرسل لا تقوم به حجة. وأخرجه الطبري في موضع آخر عن قتادة (1244) مرسلا. وذكر معناه ابن كثير: (1/ 300)، من تفسيرى ابن أبي حاتم وابن مردويه، بإسناديهما، من رواية الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، مرفوعا: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن بني إسرائيل قالوا: {وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} ما أعطوا أبدًا، ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوا لأجزأت عنهم، ولكنهم شددوا، فشدد الله عليهم".
قال ابن كثير: " وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة كما تقدم مثله عن السدي ". [تفسير ابن كثير: 1/ 300].
(6)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 237.
(7)
تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 227.
(8)
تفسير ابن كثير: 1/ 300.
(9)
تفسير أبي السعود: 1/ 112.
(10)
صفوة التفاسير: 1/ 59.
قال قتادة: " ليست بذلول تثير الأرض"(1).
قال مجاهد: " ليست بذلول فتفعل ذلك"(2).
قال الحسن: " كانت وحشية"(3).
قال الثعلبي: أي: لا" مذلّلة بالعمل"(4).
واختلفت اقراءة في قوله تعالى: {لا ذَلُولٌ} [البقرة: 71]، على وجهين (5):
الأول: قرأ الجمهور {لا ذَلُولٌ} ، بالرفع على، الصفة لبقرة.
قال الأخفش: "لا ذلول" نعته ولا يجوز نصبه" (6).
والثاني: وقرأ أبو عبدالرحمن السلمي {لا ذلولَ} بالنصب على النفي والخبر مضمر.
قال القرطبي: "ويجوز: لا هي ذلول، لا هي تسقى الحرث، هي مسلمة (7). بالنصب.
واختلف في قوله تعالى {تُثِيرُ الأَرْضَ} [البقرة: 71]، على وجهين:
الأول: قال الجمهور: بأن البقرة لا تثير الأرض، قال الحسن:"وكانت تلك البقرة وحشية ولهذا وصفها الله تعالى بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث"(8). قال الإمام القرطبي: "والوقف ههنا حسن"(9).
2 -
وقال قوم: "تثير" فعل مستأنف والمعنى إيجاب الحرث لها وأنها كانت تحرث ولا تسقي، والوقف على هذا التأويل {لا ذلول} .
والقول الأول أصح لوجهين (10):
أحدهما: ما ذكره النحاس، عن علي بن سليمان أنه قال:"لا يجوز أن يكون {تثير} مستأنفا، لأن بعده {ولا تسقي الحرث}، فلو كان مستأنفا لما جمع بين الواو و {لا} "(11).
الثاني: أنها لو كانت تثير الأرض لكانت الإثارة قد ذللتها، والله تعالى قد نفى عنها الذل بقوله:{لا ذَلُولٌ} .
قال الإمام القرطبي: ويحتمل أن تكون {تُثِيرُ الأَرْضَ} في غير العمل مرحا ونشاطا، كما قال امرؤ القيس (12):
يهيل ويذري تربه ويثيره
…
إثارة نباث الهواجر (13) مخمس
أي: تثير الأرض مرحا ونشاطا لا حرثا وعملا، فعلى هذا يكون {تثير} مستأنفا، {ولا تسقي} معطوف عليه، فتأمله (14).
و(إثارة الأرض): "تحريكها وبحثها، ومنه الحديث: "أثيروا القرآن فإنه علم الأولين والآخرين" وفي رواية أخرى: "من أراد العلم فليثور القرآن" وقد تقدم. وفي التنزيل: {وَأَثَارُوا الأَرْضَ} [الروم: 9] أي قلبوها للزراعة. والحرث: ما حرث وزرع"(15).
قوله تعالى: {وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ} [البقرة: 71]، "أي ليست بساقية"(16).
(1) أخرجه الطبري (1252): ص 2/ 213.
(2)
أخرجه الطبري (1252): ص 2/ 213.
(3)
أخرجه الطبري (1254): ص 2/ 213.
(4)
تفسير الثعلبي: 1/ 218.
(5)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 452.
(6)
نقل عنه القرطبي: 1/ 452، ولم أجده فلم معاني القرآن ولا الحجة للقراء السبة، ولا السبعة في القراءات.
(7)
تفسير القرطبي: 1/ 452.
(8)
تفسير القرطبي: 1/ 453.
(9)
تفسير القرطبي: 1/ 453.
(10)
أنظر: تفسير القرطبي: 1/ 453.
(11)
إعراب القرآن: 1/ 236.
(12)
ديوان امرىء القيس، دار الكتب العلمية، بيروت، 1986: ص 87، وجمهرة اللغة: 2/ 42، ونبات الهواجر: يعني رجل اشتد عليه حر الهاجرة، فجعل ينبت التراب، أي: يثيره ويستخرجه ليصل إلى برد الثرى، فيباشره، يدفع بذلك شدة الحر والعطش، والمخمس: الذي ترد إبله الخمس، فشبه الثور بهذا الرجل المخمس في فعله هكذا.
(13)
قوله (نبات الهواجر) يعني الرجل الذي إذا اشتد عليه الحر هال التراب ليصل إلى ثراه. والعسر: صاحب الابل التي ترد خمسا.
(14)
تفسير القرطبي: 1/ 453. وانظر: الدر المصون في علم الكتاب المكنون: 1/ 324.
(15)
تفسير القرطبي: 1/ 453.
(16)
تفسير البغوي: 1/ 108.
قال قتادة: " ولا تسقي الحرث"(1).
قال ابن كثير: أي"ولا معدة للسقي في السانية، بل هي مكرمة حسنة صبيحة"(2).
قوله تعالى: {مُسَلَّمَةٌ} [البقرة: 71]، "أي: صحيحة لا عيب فيها" (3).
قال أبو السعود: " أي سلَّمها الله تعالى من العيوب"(4).
واختلف أهل التفسير في المعنى الذي سلمت منه، فوصفها الله بالسلامة منه، وذكرو فيه وجهين (5):
احدهما: مسلمة من الشية، أي: لا بياض فيها ولا سواد. قاله مجاهد (6).
والثاني: مسلمة من العيوب. قاله ابن عباس (7)، وقتادة (8)، وأبو العالية (9)، والربيع (10).
والقول الثاني هو الصحيح، "لأن سلامتها لو كانت من سائر أنواع الألوان سوى لون جلدها، لكان في قوله: {مسلمة} مُكْتَفًى عن قوله: {لا شية فيها}، وفي قوله: {لا شية فيها}، ما يوضح عن أن معنى قوله: {مُسَلَّمة}، غير معنى قوله: {لا شية فيها} "(11).
قوله تعالى: {لا شِيَةَ فِيهَا} [البقرة: 71]، أي:" لا لون فيها يخالف لون جلدها"(12).
قال ابن كثير: "أي: ليس فيها لون غير لونها"(13).
قال أبو السعود: " أي لا لونَ فيها يخالف لونَ جلدِها حتى قَرْنُها وظِلْفُها"(14).
قال الزجاج: " أي ليس فيها لون يفارق لونها، والوَشى في اللغة خلطُ لون بلون"(15).
وأصله من: وشي الثوب، وهو تحسين عيوبه التي تكون فيه، بضروب مختلفة من ألوان سداه ولحمته، ومنه قيل للساعي بالرجل إلى السلطان أو غيره:(واش)، لكذبه عليه عنده، وتحسينه كذبه بالأباطيل، يقال منه: وشيت به إلى السلطان وشاية، ومنه قول كعب بن زهير (16):
تسعى الوشاة جَنَابَيْها وقولهُمُ
…
إنك يا ابن أبي سُلمى لمقتول
و(الوشاة) جمع (واش)، يعني أنهم يتقولون بالأباطيل، ويخبرونه أنه إن لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم قتله.
وقد زعم بعض أهل العربية أن (الوشي)، العلامة، وذلك لا معنى له، إلا أن يكون أراد بذلك تحسين الثوب بالأعلام، لأنه معلوم أن القائل: وشيت بفلان إلى فلان غير جائز أن يتوهم عليه أنه أراد: جعلت له عنده علامة، وإنما قيل:(لا شية فيها) وهي من " وشيت "، لأن (الواو) لما أسقطت من أولها أبدلت مكانها (الهاء) في آخرها، كما قيل: وزنته زنة ووسن سِنة ووعدته عِدة ووديته دِية (17).
(1) أخرجه الطبري (1252): ص 2/ 213.
(2)
تفسير ابن كثير: 1/ 300.
(3)
تفسير ابن كثير: 1/ 300.
(4)
تفسير أبو السعود: 1/ 112.
(5)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 212 - 213، وتفسير ابن كثير: 1/ 300.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (1255)، و (1256)، و (1257): ص 2/ 213 - 214.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (1262): ص 2/ 214.
(8)
أنظر: تفسير الطبري (1258): ص 2/ 214.
(9)
أنظر: تفسير الطبري (1260): ص 2/ 214.
(10)
أنظر: تفسير الطبري (1261): ص 2/ 214.
(11)
انظ: تفسير الطبري: 2/ 214.
(12)
تفسير الطبري: 2/ 215.
(13)
تفسير ابن كثير: 1/ 300.
(14)
تفسير أبي السعود: 1/ 112.
(15)
معاني القرآن: 1/ 152.
(16)
ديوانه: 19، وسيرة ابن هشام 4: 153، والروض الأنف 2: 314، والفائق (قحل) ورواية الديوان " بجنبيها " ورواية ابن هشام:" تسعى الغواة ". وقوله: " جنابيها ". والجناب: الناحية، ويريد ناحية الجنب. يقال:" جنبيه، وجانبيه، وجنابيه، . والضمير في قوله: " جنابيها " لناقته التي ذكرها قبل. وقوله: " وقولهم: إنك. . "، حال، أي: وهم يقولون، والمعنى يكثرون القول عليه: إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول، كأنهم لا يقولون غير ذلك، ترهيبا له وتخويفا.
(17)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 215 - 216.
قوله تعالى: {قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} [البقرة: 71]، "أى بحقيقة وصف البقرة، وما بقي إشكال في أمرها"(1).
قال أبو السعود: " أي بحقيقة وصفِ البقرةِ بحيث ميَّزْتها عن جميع ما عداها ولم يبقَ لنا في شأنها اشتباهٌ"(2).
واختلف في قوله تعالى: {قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} [البقرة: 71]، على ثلاثة أوجه (3):
أحدهما: الآن بينت لنا الحق، فتبيناه، وعرفنا أيّة بقرة عنيت. قاله قتادة (4).
والثاني: يعني: "الآن عرفنا أنك لست تستهزئ؛ وإنما أنت صادق". قاله الشيخ ابن عثيمين (5).
واستدل بأن " (الحق) هنا ضد الهزء، والباطل؛ يدل على ذلك أنهم صدروا هذه القصة بقولهم: {أتتخذنا هزواً}؛ فبعد هذه المناقشات مع موسى، والسؤالات، وطلب الله عز وجل قالوا: الآن جئت بالحق، وعرفنا أنك لست مستهزئاً بنا؛ بل إنك جادّ فيما تقول"(6).
الثالث: معناه: أنه حين بيّنها لهم، قالوا هذه بقرة فلان، الآن جئت بالحق فيها. قاله ابن زيد (7).
أي: "أنه ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن القوم أنهم نسبوا نبي الله موسى صلوات الله عليه، إلى أنه لم يكن يأتيهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك"(8).
والقولين الأول والثاني، تحتملهما الآية، والقول الأول هو الأقرب، أي: الآن بينت لنا الحق في أمر البقرة، فعرفنا أيها الواجب علينا ذبحها منها، لأن الله جل ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم قد أطاعوه فذبحوها، بعد قيلهم هذا. مع غلظ مؤونة ذبحها عليهم، وثقل أمرها، فقال:{فذبحوها وما كادوا يفعلون} .
قال الإمام الطبري: " وقد كان بعض من سلف يزعم أن القوم ارتدوا عن دينهم وكفروا بقولهم لموسى: {الآن جئت بالحق}، ويزعم أنهم نفوا أن يكون موسى أتاهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك، وأن ذلك من فعلهم وقيلهم كفر، وليس الذي قال من ذلك عندنا كما قال، لأنهم أذعنوا بالطاعة بذبحها، وإن كان قيلهم الذي قالوه لموسى جهلة منهم وهفوة من هفواتهم"(9).
قوله تعالى {فَذَبَحُوهَا} [البقرة: 71]، أي:"فذبح قوم موسى البقرة "(10).
قال الزمخشري: " أى: فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها، فذبحوها"(11).
قال أيو السعود: "أي فحصّلوا البقرةَ فذبحوها"(12).
قوله تعالى: {وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [البقرة: 71]، أي:" وقد قاربوا أن يَدَعوا ذبحها"(13).
وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله كادوا أن يضيعوا فرض الله عليهم، في ذبح ما أمرهم بذبحه من ذلك، وذكرا فيه ثلاثة أقوال (14):
أحدها: أنهم كادوا ألاّ يفعلوا لغلاء ثمنها.
قاله محمد بن كعب القرظي (15)، ومحمد بن قيس (16)، وروي نحوه عن مجاهد (17)، ووهب بن منبه (18)، ورواية أبي عن أبيه عن ابن عباس (19)، وأبي العالية (20)، وعبيدة، (21) وابن زيد (22).
(1) الكشاف: 1/ 152.
(2)
تفسير أبي السعود: 1/ 112.
(3)
انظر: تفسير الطبري: 217 - 218.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (1272): ص 2/ 217.
(5)
أنظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 238.
(6)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 238.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (1273): ص 2/ 217.
(8)
تفسير الطبري: 2/ 217.
(9)
تفسير الطبري: 2/ 218.
(10)
تفسير الطبري: 2/ 218.
(11)
الكشاف: 1/ 152.
(12)
تفسير أبي السعود: 1/ 112.
(13)
تفسير الطبري: 2/ 218.
(14)
انظر: تفسير الطبري: 219 - 220.
(15)
أنظر: تفسير الطبري (1274): ص 2/ 219.
(16)
أنظر: تفسير الطبري (1276): ص 2/ 219.
(17)
أنظر: تفسير الطبري (1280)، و (1281): ص 2/ 220.
(18)
أنظر: تفسير الطبري (1282): ص 2/ 220.
(19)
أنظر: تفسير الطبري (1283): ص 2/ 220 - 221.
(20)
أنظر: تفسير الطبري (1284): ص 2/ 221.
(21)
أنظر: تفسير الطبري (1285): ص 2/ 221.
(22)
أنظر: تفسير الطبري (1278): ص 2/ 221.
وروي عن السدي: قال "اشتروها بوزنها عشر مرات ذهبا، فباعهم صاحبها إياها وأخذ ثمنها"(1).
وعن محمد بن سيرين، عن عبيدة قال: اشتروها بملء جلدها دنانير" (2).
وهذا الوجه فيه نظر، "لأن كثرة ثمنها لم يثبت إلا من نقل بني إسرائيل. وفيه اختلاف، ، ثم قد قيل في ثمنها غير ذلك. عن عكرمة، قال: ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير وهذا إسناد جيد عن عكرمة، والظاهر أنه نقله عن أهل الكتاب أيضًا"(3).
والثاني: وقيل: لخوف الفضيحة في ظهور القاتل. وهذا قول وهب (4).
والثالث: وقيل: لصغر خطرها وقلة قيمتها، كما روي ذلك عن عكرمة (5).
وروي عن الحسن قال: " كانت وحشية"(6).
والرابع: أنهم لتطويلهم المفرط وكثرة استكشافهم، ما كادوا يذبحونها، وما كادت تنتهي سؤالاتهم، وما كاد ينقطع خيط إسهابهم فيها وتعمقهم. قاله الزمخشري (7).
قلت: هذا الذي ذهب إليه الزمخشري وجه حسن، يحتمله الآية. والله أعلم.
وعند الإمام الطبري: العلتان الأولى والثانية صحيحتان، إحداهما غلاء ثمنها، والأخرى خوف عظيم الفضيحة على أنفسهم، بإظهار الله نبيه موسى صلوات الله عليه وأتباعه - على قاتله (8).
واعترض ابن كثير على ترجيح الإمام الطبري، قائلا: "وفي هذا نظر، بل الصواب - والله أعلم - رواية الضحاك، عن ابن عباس: كادوا ألا يفعلوا، ولم يكن ذلك الذي أرادوا، لأنهم أرادوا ألا يذبحوها، يعني أنَّهم مع هذا البيان، وهذه الأسئلة، والأجوبة، والإيضاح ما ذبحوها إلا بعد الجهد، وفي هذا ذم لهم، وذلك أنه لم يكن غرضهم إلا التعنت، فلهذا ما كادوا يذبحونها (9).
وكان ابن عباس يقول: "إن القوم، بعد أن أحيا الله الميت فأخبرهم بقاتله، أنكرت قتلته قتله، فقالوا: والله ما قتلناه؛ بعد أن رأوا الآية والحق"(10).
يقول العلامة السعدي: " واعلم أن كثيرا من المفسرين رحمهم الله، قد أكثروا في حشو تفاسيرهم من قصص بني إسرائيل، ونزلوا عليها الآيات القرآنية، وجعلوها تفسيرا لكتاب الله، محتجين بقوله صلى الله عليه وسلم: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " (11)، والذي أرى أنه وإن جاز نقل أحاديثهم على وجه تكون مفردة غير مقرونة، ولا منزلة على كتاب الله، فإنه لا يجوز جعلها تفسيرا لكتاب الله قطعا إذا لم تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن مرتبتها كما قال صلى الله عليه وسلم: " لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا
(1) أخرجه الطبري (1278): ص 2/ 220.
(2)
أخرجه الطبري (1279): ص 2/ 220.
(3)
تفسير ابن كثير: 1/ 301.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (1289): ص 2/ 221.
(5)
أنظر: تفسير الطبري (1288): ص 2/ 221.
(6)
أخرجه الطبري (1254): ص 2/ 213.
(7)
الكشاف: 1/ 152.
(8)
انظ: تفسير الطبري: 2/ 220.
(9)
تفسير ابن كثير: 1/ 301.
(10)
أخرجه الطبري (1290): ص 2/ 221 - 222.
(11)
سنن أبي داود (3662): ص 3/ 322، ومصنف ابن أبي شيبة (182): ص 6/ 236.
تُكَذِّبُوهُمْ" (1)، فإذا كانت مرتبتها أن تكون مشكوكا فيها، وكان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن القرآن يجب الإيمان به والقطع بألفاظه ومعانيه، فلا يجوز أن تجعل تلك القصص المنقولة بالروايات المجهولة، التي يغلب على الظن كذبها أو كذب أكثرها، معاني لكتاب الله، مقطوعا بها ولا يستريب بهذا أحد، ولكن بسبب الغفلة عن هذا حصل ما حصل"(2).
الفوائد:
1.
من فوائد الآية: أن من شدد على نفسه شدد الله عليه. كما حصل لهؤلاء؛ فإنهم لو امتثلوا أول ما أُمِروا، فذبحوا أيّ بقرة لكفاهم؛ ولكنهم شددوا، وتعنتوا، فشدد الله عليهم؛ على أنه يمكن أن يكون تعنتهم هذا للتباطؤ في تنفيذ الأمر.
2.
ومنها: بيان ما يدل أيضاً على تعنتهم؛ وذلك أنهم طلبوا بيان هل البقرة عاملة، أو غير عاملة.
3.
ومنها: أن استعمال البقر في الحرث والسقي كان قديماً معروفاً بين الأمم، ولا يزال إلى وقتنا هذا قبل أن تظهر الآلات الحديدية.
4.
ومنها: تشديد الله عليهم، حيث أمرهم بذبح بقرة موصوفة بهذه الصفات التي يعز وجودها في بقرة واحدة؛ وذلك بأن تكون متوسطة في السن لا فارضاً ولا بكراً؛ وأن تكون صفراء فاقعاً لونها تسر الناظرين؛ وألا تكون ذلولاً تثير الأرض وتسقي الحرث؛ وأن تكون مسلَّمة ليس فيها شيء من العيوب.
وألا يخالط لونها لون آخر؛ لقوله: (لا شية فيها).
5.
ومنها: استهتار بني إسرائيل، حيث قالوا:{الآن جئت بالحق} ؛ فكأنهم يقولون: الآن رضينا بوصف هذه البقرة، ثم قاموا بذبحها على مضض؛ وكل هذا يدل على استهتارهم بأوامر الله عز وجل.
6.
ومنها: تذكير بني إسرائيل بهذه النعمة التي أنعم الله بها عليهم ببيان الأمر الواقع حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم.
7.
ومنها: تأخير ذكر السبب بعد القصة، والمبادرة بذكر النعمة قبل بيان سببها.
القرآن
{وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72)} [البقرة: 72]
التفسير:
واذكروا إذ قتلتم نفسًا فتنازعتم بشأنها، كلٌّ يدفع عن نفسه تهمة القتل، والله مخرج ما كنتم تخفون مِن قَتْل القتيل.
قوله تعالى: {وَإِذ قَتَلْتُمْ نَفْساً} [البقرة 72]، أي" واذكروا يا بني إسرائيل إذ قتلتم نفسا"(3).
قال الماوردي: " يعني من قتل الإسرائيلي؟ الذي قتله ابن أخيه"(4).
وهذا الكلام مقدم على أول القصة، التقدير: وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها، فقال موسى: إن الله يأمركم بكذا. وهذا الأسلوب كقوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا قِيَماً} [الكهف: 1 - 2] أي أنزل على عبده قيما ولم يجعل له عوجا، ومثله كثير في القرآن الكريم (5).
قوله تعالى: {فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} [البقرة 72]، أي: فاختلفتم فِيها (6).
قال الطبري: " يعني فاختلفتم وتنازعتم"(7).
قال الزجاج: " أي تدافعتم، أي ألقى بعضكم على بَعْض"(8).
(1) صحيح البخاري (2539): ص 2/ 954.
(2)
تفسير السعدي: 55 - 56.
(3)
تفسير الطبري: 2/ 222.
(4)
النكت والعيون: 1/ 142.
(5)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 455.
(6)
انظر: البخاري-فتح-: 6/ 507. وهذا القول قول ابن عباس ومجاهد والسدي، انظر تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 228، وجامع البيان للطبري: 2/ 222، وزاد المسير لابن الجوزي: 1/ 101، والنكت والعيون للماوردي: 1/ 142. كما قال به أبو عبيدة في مجاز القرآن: 1/ 45، وابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: 1/ 54، وابن جرير في جامع البيان: 2/ 222.
(7)
تفسير الطبري: 2/ 222.
(8)
معاني القرآن: 1/ 153.
قال مجاهد: " اختلفتم فيها"(1).
وقال عطاء الخراساني: " اختصمتم فيها"(2).وروي عن الضحاك مثل ذلك (3).
وروي عن ابن جريج: " قال بعضهم: أنتم قتلتموه. وقال الآخرون: أنتم قتلتموه"(4).
واختلف في الأصل اللغوي لقوله {فَادَّارَأْتُم} [البقرة: 72]، على ثلاثة أوجه (5):
الأول: أن (الَّدْرءَ): العوج (6)، ومنه قول أبي النجم العجلي (7):
خشية ضَغّام إذا هم جَسَر
…
يأكل ذا الدرء ويقصي من حقر
يعني: ذا العوج والعسر.
قال رؤبة بن العجاج (8):
أدركتها قدام كل مِدْرَهِ
…
بالدفع عني درء كل عُنْجُهِ
والثاني: الدفع (9)؛ والمعنى: دفع ذلك بعضهم عن بعض (10)، قال أبو عبيد:"وهي المشاغبة والمخالفة على صاحبك"(11).
ومنه حديث قيس بن السائب: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شريكي، فكان خير شريك لا يدارئ ولا يماري"(12). قال الواحدي: وكل من دفعته عنك فقد دارأته، قال أبو زبيد (13):
كانَ عَنِّي يردُّ دَرْؤُكَ بَعْدَ
…
اللهِ شَغْبَ المُستَصْعَبِ المِرِّيدِ
(1) أخرجه الطبري (1292): ص 2/ 225.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (747): ص 1/ 144.
(3)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/! 44.
(4)
أخرجه الطبري (1294): ص 2/ 225.
(5)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 224 - 225.
(6)
أنظر: تفسير الطبري: 2/ 222.
(7)
لم أجد البيت في مكان إلا تفسير الطبري: 2/ 222.
(8)
ديوانه: 166 من قصيدة يصف بها نفسه. والضمير في قوله: " أدركتها " إلى ما سبق في رجزه. وَحقّةٍ ليست بقول التره
وقوله: " حقة "، يعني خصومة أو منافرة أو مفاخرة، أو ما أشبه ذلك. والمدره: هو المدافع الذي يقدم عند الخصومة، بلسان أو يد. والعنجه والعنجهي: ذو الكبر والعظمة حتى كاد يبلغ الجهل والحمق ومنه العنجهية.
(9)
أنظر: لسان العرب: (درأ): ص 1/ 71.
(10)
وقال بعضهم معناه: تدافعتم، انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 153، والنكت والعيون للماوردي: 1/ 142، والدر المصون للسمين الحلبي: 1/ 262، ووضح البرهان للنيسابوري: 1/ 144 وغيرها، وقال الألوسي في روح المعاني: 1/ 293 (فَادَّارَأتُم فيهَا) أصله: تدارأتم من الدرء، وهو الدفع
…
والتدارؤ هنا إما مجازاً عن الاختلاف والاختصام أو كناية عنه؛ إذ المتخاصمان يدفع كل منهما الآخر، أو مستعمل في حقيقته، أعني التدافع بأن طرح قتلَها كلٌ عن نفسه إلى صاحبه، فكل منهما من حيث إنه مطروح عليه يدفع الآخر من حيث إنه طارح، وقيل: إن طرح القتل في نفسه نفس طرح الصاحب، وكل من الطارحين دافع فتطارحهما تدافع، وقيل: إن كلاً منهما يدفع الآخر عن البراءة إلى التهمة، فإذا قال أحدهما: أنا بريء وأنت متهم، والآخر: بل أنت المتهم وأنا البريء، ولا يخفى أن ما ذكر-على ما فيه-بالمجاز أليق).
(11)
غريب الحديث: 1/ 337، وانظر: تهذيب اللغة" (درى) 2/ 1181، والتفسير البسيط: 3/ 59.
(12)
لحديث أخرجه أحمد في "مسنده" عن قائد السائب عن السائب، وعن مجاهد عن السائب بن أبي السائب 3/ 425. وأبو داود عن قائد السائب عن السائب. "سنن أبي داود" كتاب الأدب، باب: كراهية المراء. وابن ماجه عن قائد السائب عن السائب (2287) كتاب: التجارة، باب: الشركة والمضاربة.
وأخرجه الطبري عن السائب، وقد تكلم شاكر في حاشية الطبري عن الحديث وبين ما في سنده من ضعف، وما في الحديث من اضطراب. "تفسير الطبري" مع "حاشية شاكر" 2/ 223.
والحديث أورده أبو عبيد في "الغريب" 1/ 336، 337. والأزهري في "تهذيب اللغة" (درى) 2/ 1181. وذكر الحديث ابن حجر في "الإصابة" وقال: (أخرجه البغوي والحسن بن سفيان وغيرهما من طريق محمد بن مسلم الطائفي عن إبراهيم بن ميسرة عن مجاهد، وأخرجه أبو بشر الدولابي في "الكنى" من هذا الوجه، لكنه قال: أبو قيس بن السائب كذا عنده، وقيس بن السائب أصح
…
).
"الإصابة" 3/ 238. [حاشية التفسير البسيط: 3/ 60].
(13)
البيت من قصيدة لأبي زبيد رثى بها ابن أخته، (الشغب): تهييج الشر، و (المرّيد): مبالغة في المارد، يقول: كان دفعك عني بعد الله يرد عني شر كل مريد. ورد البيت في "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 202، "اللسان"(درأ) 3/ 1347، و (شغب) 4/ 2283، "الخزانة" 9/ 76.
وأبو زبيد: هو حرملة بن المنذر الطائي، شاعر مشهور، أدرك الإسلام واختلف في إسلامه. انظر:"الشعر والشعراء" ص 185، و"الإصابة" 4/ 80، "الخزانة" 4/ 192.
يعني كان دفعك (1).
وأصله: (تدارأتم)، ثم أُدغمت التاءُ في الدال وأُدخلت الألفُ لِيسلَمَ سكونُ الحرف الأول" (2)، ومنه قول الشاعر (3):
تُولِي الضَّجِيعَ إذا مَا اسْتَافَهَا خَصِراً
…
عَذْبَ المَذَاقِ إِذَا مَا اتَّابَعَ القُبَلُ
ومنه قول الله جل ثناؤه: {حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا} [الأعراف: 38]، إنما هو: تداركوا، ولكن التاء منها أدغمت في الدال، فصارت دالا مشددة، وجعلت فيها ألف - إذ وصلت بكلام قبلها ليسلم الإدغام. وإذا لم يكن قبل ذلك ما يواصله، وابتدئ به، قيل: تداركوا وتثاقلوا، فأظهروا الإدغام. وقد قيل يقال: اداركوا، وادارءوا.
والثالث: التدافع، أي: فتدافعتم في القتل. من قول القائل: درأت هذا الأمر عني، ومن قول الله:{ويدرأ عنها العذاب} [النور: 8]، بمعنى يدفع عنها العذاب.
وهذا قول قريب المعنى من القول السابق، لأن القوم إنما تدافعوا قتل قتيل، فانتفى كل فريق منهم أن يكون قاتله (4).
وفي سبب قتله قولان (5):
أحدهما: لابنة له حسناء احب أن يتزوجها ابن عمها فمنعه عمه، فقتله وحمله من قريته إلى قرية أخرى فألقاه هناك، وقيل: ألقاه بين قريتين (6).
الثاني: قتله طلبا لميراثه، فإنه كان فقيرا وادعى قتله على بعض الأسباط. قاله قتادة (7)، وابن عباس (8)، ومجاهد (9)، محمد بن كعب القرظي (10)، ومحمد بن قيس (11)، وعبيدة (12).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 72]، " أي مظهر ما تخفونه"(13).
قال الواحدي: أي: " من أمر القتيل"(14).
قال الطبري: "، والله معلن ما كنتم تسرونه من قتل القتيل الذي قتلتم"(15).
قال الزمخشري: أي: " مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل، لا يتركه مكتوماً"(16).
وأخرج ابن أبي حاتم "عن مجاهد: {والله مخرج ما كنتم تكتمون}، قال: ما تغيبون"(17).
(1) أنظر: اللسان (درأ): ص 1/ 71.
(2)
التفسير البسيط: 3/ 61.
(3)
لم أعرف قائله. والبيت ورد في: معاني القرآن للفراء: 1/ 438، وتفسير الطبري" 2/ 224 - 225.، و 10/ 133، "تفسير القرطبي: 8/ 140.
وساف الشيء يسوفه سوفا واستافه: دنا منه وشمه. واستعاره للقبلة، كما استعاروا الشم للقبلة، لأن دنو الأنف يسبق ما أراد المريد، و (الخصر): البارد من كل شيء، ويريد الريق.
(4)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 224 - 225.
(5)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 455.
(6)
انظر: تفسير القرطبي: 1/ 455.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (1298): ص 2/ 226.
(8)
أنظر: تفسير الطبري (1299): ص 2/ 226.
(9)
أنظر: تفسير الطبري (1300): ص 2/ 227.
(10)
أنظر: تفسير الطبري (1300): ص 2/ 227.
(11)
أنظر: تفسير الطبري (1299): ص 2/ 226.
(12)
أنظر: تفسير الطبري (1301): ص 2/ 227 - 228.
(13)
صفوة التفاسير: 1/ 59.
(14)
التفسير البسيط: 3/ 63.
(15)
تفسير الطبري: 2/ 228.
(16)
الكشاف: 1/ 153.
(17)
تفسير ابن أبي حاتم (748): ص 1/ 144، وتفسير الطبري (1303)، و (1304): ص 2/ 229.
ومعنى (الإخراج)، -هنا-:"الإظهار والإعلان لمن خفي ذلك عنه، وإطلاعهم عليه، كما قال الله تعالى ذكره: {أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [النمل: 25] يعني بذلك: يظهره ويطلعه من مخبئه بعد خفائه .. والذي كانوا يكتمونه فأخرجه، هو قتل القاتل القتيل .. حتى أظهره الله وأخرجه، فأعلن أمره لمن لا يعلم أمره"(1).
الفوائد:
1.
من فوئاد الآية: أن بيان الأمور الخفية التي يحصل فيها الاختلاف، والنِّزاع، من نعمة الله عز وجل؛ يعني مثلاً إذا اختلفنا في أمور، وكاد الأمر يتفاقم، ويصل إلى الفتنة، ثم أظهر الله ما يبينه فإن هذا من نعمة الله سبحانه وتعالى علينا؛ لأنه يزيل بذلك هذا الخلاف، وهذا النِّزاع.
2.
ومنها: أن الله سبحانه وتعالى يخرج ما كان يكتمه أهل الباطل، ويبينه للناس؛ لقوله تعالى:{والله مخرج ما كنتم تكتمون} ؛ واذكروا قول الله تعالى: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيِّتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطاً} [النساء: 108].
3.
ومنها: التحذير من أن يكتم الإنسان شيئاً لا يرضاه الله عز وجل؛ فإنه مهما يكتم الإنسان شيئاً مما لا يُرضي الله عز وجل فإن الله سوف يطلع خلقه عليه. إلا أن يعفو الله عنه.
4.
ومنها: القاتل بغير حق لا يرث من المقتول شيئًا لحديث عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لَيْسَ لِقَاتِلٍ شَيْءٌ"(2) وفي السنن الكبرى للبيهقي "ليس للقاتل من الميراث شيء"(3)، والحكمة في ذلك تهمة استعجال موته والقاعدة: أن من تعجل شيء قبل أوانه عوقب بحرمانه 0
واختلف العلماء في القتل المانع من الميراث على أقوال:
القول الأول: لايرث القاتل مطلقاً ولو كان بحق كقاضٍ ومنفذ قصاص وشاهدٍ عليه ونحو ذلك وكذا لو قتله خطأً كنائمٍ ومجنون وطفلٍ أو ضربه لتأديب أو بط جرحه لمعالجة فمات فلا يرث، ومن باب أولى قاتل العمد، وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي (4).
القول الثاني: المانع من الإرث هو القتل بغير حق وهو المضمون بقودٍ أو ديةٍ أو كفارة كالعمد وشبه العمد والخطأ وما جرى مجرى الخطأ كقتل الصبي والمجنون والنائم فلا يرثون، وسواء كان القتل بمباشرة أو سبب مثل أن يلقي قشر موز أو بطيخ بطريق فيهلك به مورثه فلا يرثه لأنه قاتل كالمباشر أو يكون القتل بسبب جناية مضمونة من بهيمة لكونها ضارية أو لكون يده عليها، وسواء انفرد بالقتل أو شارك فيه غيره لأن شريك القاتل قاتل وكذا لو قتله بسحر فلا يرثه ولو شربت الحامل دواء فأسقطت جنينها لم ترث من الغرة شيئًا بجنايتها المضمونة، وأما القتل بحق كالقتل قصاصاً وحداً ودفعاً عن نفسه وقتل الباغي أو قصد مصلحته بسقيه دواءً أو قتل بشهادة حق من وارثه أو زكي الشاهد عليه بحق أو حكم بقتله بحق ونحو ذلك فهذا يرث وهذا مذهب الحنابلة (5).
القول الثالث: لا يرث القاتل عمداً وأما من قتل خطأً فيرث المال لأنه لم يتعجل قتله ولا يرث من الدية لأنها واجبةٌ عليه فكيف يرث شيئاً وجب عليه وهو مذهب المالكية (6).
القول الرابع: المانع من الإرث هو ما أوجب قصاصاً أو كفارة كالعمد وشبهه والخطأ الموجب للكفارة وهو ما باشره بنفسه كانقلاب نائم على شخصٍ فقتله أو سقط عليه من أعلى كسطح بيت فقتله فهنا لا يرث، وأما الخطأ الذي لا يوجب كفارة فلا يمنع من الميراث كقتل الصبي والمجنون أوكان القتل فيه بسببه دون مباشرته
(1) تفسير الطبري: 2/ 228.
(2)
رواه مالك في الموطأ وأحمد
(3)
تيسير فقه المواريث 49
(4)
انظر: حفة المحتاج 6/ 417، ونهاية المحتاج 6/ 28.
(5)
انظر: شرح منتهى الإرادات 4/ 663، وكشاف القناع 10/ 517.
(6)
الشرح الصغير 2/ 513، وحاشية الدسوقي 4/ 486.
كما لو حفر بئراً فسقط فيه مورثه فمات أو وضع حجراً في الطريق فعثرت فيه دابة مورثه فسقط فمات أو نحو ذلك فهذا لا يمنع من الميراث وهو مذهب الأحناف (1).
والراجح - والله أعلم- مذهب الحنابلة لأن الحكم بمنع من تسبب في القتل الخطأ من الميراث فيه سدٌ لذريعة القتل وطلبًا للتحرز عنه، وأما منع الشافعية للقاتل بحق من الميراث ففيه تعطيلٌ للحدود ومنعاً لإستيفاء الحقوق المشروعة كقتال الباغي ونحو ذلك (2).
القرآن
التفسير:
فقلنا: اضربوا القتيل بجزء من هذه البقرة المذبوحة، فإن الله سيبعثه حيًا، ويخبركم عن قاتله. فضربوه ببعضها فأحياه الله وأخبر بقاتله. كذلك يُحيي الله الموتى يوم القيامة، ويريكم- يا بني إسرائيل- معجزاته الدالة على كمال قدرته تعالى؛ لكي تتفكروا بعقولكم، فتمتنعوا عن معاصيه.
قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} [البقرة: 73]، "أي اضربوا هذا القتيل ببعض هذه البقرة"(3).
قال المراغي: " أي اضربوا المقتول ببعض البقرة .. وإنما أمرهم بالضرب ولم يضرب بنفسه نفيا للتهمة، كيلا ينسب إلى السحر والشعوذة"(4).
واختلفوا في ذلك البعض الذي ضربوا القتيل على أقوال (5):
أحدها: العضم الذي يلي الغضروف. قاله ابن عباس (6).
والثاني: فخذها. قاله مجاهد (7)، وعكرمة (8)، وقتادة (9).
والثالث: وقيل: البضعة بين الكتفين. قاله السدي (10).
والرابع: عضم من عضامها. قاله أبو العالية (11).
والخامس: وقيل: ببعض آرابها (12). قاله ابن زيد (13).
قلت: والأقرب أنهم كانوا مخيرين في أبعاض البقرة لأنهم أمروا بضرب القتيل ببعض البقرة وأي بعض من أبعاض البقرة ضربوا القتيل به، فإنهم كانوا ممتثلين لمقتضى قوله:{اضربوه ببعضها} والإتيان بالمأمور به يدل على الخروج عن العهدة على ما ثبت في أصول الفقه، وذلك يقتضي التخيير.
قال ابن عثيمين: " ولم يعين الله تعالى البعض: أهو الساق؛ أو الفخذ؛ أو الرقبة؛ أو الرأس، أو أيّ جزء من أجزائها، فليس لنا أن نعينه بجزء منها"(14).
وقال الطبري: "لا دلالة في الآية، ولا في خبر تقوم به حجة، على أي أبعاضها التي أمر القوم أن يضربوا القتيل به. وجائز أن يكون الذي أمروا أن يضربوه به هو الفخذ، وجائز أن يكون ذلك الذنب
(1) انظر: حاشية ابن عابدين 6/ 820 – 821. وانظر: التحقيقات المرضية في المباحث الفرضية، الشيخ صالح الفوزان: 54 والوجيز للهاشم، الشيخ صالح الفوزان: ص 48.
(2)
التحقيقات المرضية: 56.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 240.
(4)
تفسير المراغي: 1/ 145.
(5)
انظر: تفسير الرازي: 2/ 116. وتفسير الطبري: 2/ 230 - 231.
(6)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (751): ص 1/ 145.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (1305): ص 2/ 229، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 145.
(8)
أنظر: تفسير الطبري (1307): ص 2/ 230، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم (752): ص 1/ 145.
(9)
أنظر: تفسير الطبري (1310): ص 2/ 229، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 145.
(10)
أنظر: تفسير الطبري (1311): ص 2/ 230.
(11)
أنظر: تفسير الطبري (1312): ص 2/ 231.
(12)
آراب جمع إرب (بكسر فسكون): وهو العضو، يقال: قطعه إربا إربا، أي عضوا عضوا.
(13)
أنظر: تفسير الطبري (1313): ص 2/ 231.
(14)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 240.
وغضروف الكتف، وغير ذلك من أبعاضها. ولا يضر الجهل بأي ذلك ضربوا القتيل، ولا ينفع العلم به، مع الإقرار بأن القوم قد ضربوا القتيل ببعض البقرة بعد ذبحها فأحياه الله" (1).
قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى} [البقرة: 73]، "أي مثل إحياء هذا القتيل يحيي الله عز وجل الموتى"(2).
قال المراغي: " أي مثل ذلك الإحياء العجيب يحيى الله الموتى يوم القيامة"(3).
قال الحسن: "فضربوه ببعضها، فقام حيا، فقال: قتلني فلان، ثم مات، لم يزد على ذلك"(4).
والخطاب في قوله تعالى: : {كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى} [البقرة: 73]، يحتمل وجهين (5):
الأول: إما أن يكون خطابا للذين حضروا حياة القتيل بمعنى وقلنا لهم: كذلك يحيى اللَّه الموتى يوم القيامة وَيُرِيكُمْ آياتِهِ
ودلائله على أنه قادر على كل شيء {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ،
تعملون على قضية عقولكم. وأن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص حتى لا تنكروا البعث.
والثاني: وإما أن يكون خطابا للمنكرين في زمن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
قوله تعالى: {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} [البقرة: 73]، "أي يظهرها لكم حتى تروها"(6).
قال الطبري: ": ويريكم الله أيها الكافرون المكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من عند الله - من آياته وآياته: أعلامه وحججه الدالة على نبوته"(7).
قال ابن عثيمين: " والمراد بـ "الآيات" هنا الآيات الكونية؛ لأنها إحياء ميت بضربه بجزء من أجزاء هذه البقرة؛ ويحتمل أن يكون المراد آياته الشرعية أيضاً؛ لأن موسى- عليه الصلاة والسلام أمرهم بذلك؛ فضربوا الميت ببعض هذه البقرة؛ فصار ذلك مصداقاً لقول موسى. عليه الصلاة والسلام"(8).
قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 73]، أي لأجل أن تعقلوا عن الله تعالى آياته، وتفهموها" (9).
قال القاسمي: أي: " على رجاء من أن يحصل لكم عقل، فيرشدكم إلى اعتقاد البعث وغيره، مما تخبر به الرسل عن الله تعالى"(10).
قال الطبري: " لتعقلوا وتفهموا أنه محق صادق، فتؤمنوا به وتتبعوه"(11).
قال الصابوني: " لتتفكروا وتتدبروا وتعلموا أن الله على كل شيء قدير"(12).
قال المراغي: " أي لعلكم تفقهون أسرار الشريعة وفائدة الخضوع لها، وتمنعون أنفسكم من اتباع أهوائها، وتطيعون الله فيما يأمركم به"(13).
قال البغوي: "قيل: تمنعون أنفسكم من المعاصي"(14).
وقال الواحدي: " أي لعلكم تمتنعون من عصيانه"(15).
(1) تفسير الطبري: 2/ 231.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 240.
(3)
تفسير المراغي: 1/ 145.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (754): ص 1/ 145.
(5)
أنظر: تفسير الكشاف: 1/ 153.
(6)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 240.
(7)
تفسير الطبري: 2/ 233.
(8)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 240.
(9)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 240.
(10)
محاسن التأويل: 1/ 328.
(11)
تفسير الطبري: 2/ 233.
(12)
صفوة التفاسير: 1/ 59.
(13)
تفسير المراغي: 1/ 145.
(14)
تفسير البغوي: 1/ 109.
(15)
البحر المحيط: 1/ 222.
وذكر الآلوسي في قوله تعالى {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 73]: ثلاة أوجه (1):
الأول: لكي تعقلوا الحياة بعد الموت والبعث والحشر، فإن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها، لعدم الاختصاص، قال تعالى:{ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ} [لقمان: 28].
والثاني: لكي يكمل عقلكم.
والثالث: لعلكم تمتنعون من عصيانه وتعملون على قضية عقولكم.
قال ابن عثيمين: " والعقل هو ما يحجز الإنسان عن فعل ما لا ينبغي؛ وهو خلاف الذكاء؛ الذكاء هو سرعة البديهة، والفهم؛ وقد يكون الإنسان ذكياً، ولكنه ليس بعاقل"(2).
الفوائد:
1.
من فوائد الآية: أن قول الرسول قول لمرسله إذا كان بأمره؛ لقوله تعالى: {فقلنا اضربوه ببعضها} .
2.
منها: أن البعض الذي ضرب به هذا القتيل من البقرة غير معلوم؛ لقوله تعالى: {ببعضها} ؛ فقد أبهمه الله؛ ومحاولة بعض المفسرين أن يعينوه محاولة ليس لها داع؛ لأن المقصود الآية.
3.
ومنها: أنه ينبغي لطالب العلم أن يعتني بمعنى القصة، وغرضها دون من وقعت عليه؛ لقوله تعالى:{ببعضها} ؛ ولم يعين لهم ذلك توسعة عليهم؛ ليحصل المقصود بأيّ جزء منها؛ ولهذا نرى أنه من التكلف ما يفعله بعض الناس إذا سمع حديثاً أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله .. " كذا وكذا؛ تجد بعض الناس يتعب، ويتكلف في تعيين هذا الرجل؛ وهذا ليس بلازم؛ المهم معنى القصة، وموضوعها؛ أما أن تعرف من هذا الرجل؟ من هذا الأعرابي؟ ما هذه الناقة مثلاً؟ ما هذا البعير؟ فليس بلازم؛ إذ إن المقصود في الأمور معانيها، وأغراضها، وما توصل إليه؛ فلا يضر الإبهام. اللهم إلا أن يتوقف فهم المعنى على التعيين.
4.
ومن فوائد الآية: أن المبهم في أمور متعددة أيسر على المكلف من المعين؛ وذلك إذا كانوا قد أمروا أن يضربوه ببعضها فقط؛ فإذا قيل لك: "افعل بعض هذه الأشياء" يكون أسهل مما إذا قيل لك: "افعل هذا الشيء بعينه"؛ فيكون في هذا توسعة على العباد إذا خيروا في أمور متعددة. والله أعلم.
5.
ومنها: أن هذه الآية من آيات الله عز وجل. وهي أن تكون البقرة سبباً لحياة هذا القتيل؛ إذ لا رابطة في المعقول بين أن تُذبح البقرة، ويضرب القتيل ببعضها، فيحيى.
القرآن
التفسير:
ولكنكم لم تنتفعوا بذلك؛ إذ بعد كل هذه المعجزات الخارقة اشتدت قلوبكم وغلظت، فلم يَنْفُذ إليها خير، ولم تَلِنْ أمام الآيات الباهرة التي أريتكموها، حتى صارت قلوبكم مثل الحجارة الصمَّاء، بل هي أشد منها غلظة؛ لأن من الحجارة ما يتسع وينفرج حتى تنصبَّ منه المياه صبًا، فتصير أنهارًا جاريةً، ومن الحجارة ما يتصدع فينشق، فتخرج منه العيون والينابيع، ومن الحجارة ما يسقط من أعالي الجبال مِن خشية الله تعالى وتعظيمه. وما الله بغافل عما تعملون.
قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 74]، " أي: اشتدت وغلظت، فلم تؤثر فيها الموعظة" (3).
قال أبو العالية: " يعني به بني إسرائيل"(4). وروي عن ابن عباس (5) مثل ذلك.
قال الصابوني: "أي صلبت قلوبهم يا معشر اليهود فلا يؤثر فيها وعظٌ ولا تذكير"(6).
(1) أنظر: روح المعاني: 1/ 294.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 240.
(3)
تفسير السعدي: 55.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (755): ص 1/ 146.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (756): ص 1/ 146.
(6)
صفوة التفاسير: 1/ 59.
قال ابن عطية: " أي صلبت وجفت، وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى"(1).
قال البيضاوي: " القساوة عبارة عن الغلظ مع الصلابة، كما في الحجر. وقساوة القلب مثل في نبوه عن الاعتبار"(2).
قال الزمخشري: " وصفة القلوب بالقسوة والغلظ، مثل لنبوّها عن الاعتبار وأنّ المواعظ لا تؤثر فيها"(3).
وفي المشار إليهم بها في قوله تعالى: {قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 74]، قولان (4):
احدهما: جميع بني اسرائيل. وهو الظاهر.
والثاني: القاتل. قال ابن عباس: " أنكرت قتلته قتله، فقالوا: والله ما قتلناه؛ بعد أن رأوا الآية والحق"(5).
قوله تعالى: {مِّن بَعْدِ ذلك} [البقرة: 74]، "أي من بعد رؤية المعجزات الباهرة"(6).
قال قتادة: " من بعد ما أراهم ما أحيا من الموتى، ومن بعد ما أراهم من أمر القتيل ما أراهم"(7).
قال البيضاوي: " يعني إحياء القتيل، أو جميع ما عدد من الآيات فإنها مما توجب لين القلب"(8).
قال السعدي: " أي: من بعد ما أنعم عليكم بالنعم العظيمة وأراكم الآيات، ولم يكن ينبغي أن تقسو قلوبكم، لأن ما شاهدتم، مما يوجب رقة القلب وانقياده"(9).
وقوله تعالى: {مِّن بَعْدِ ذلك} [البقرة: 74]، يحتمل وجهين من التفسير (10):
الأول: أن {ذلِكَ} ، إشارة إلى إحياء القتيل. فيكون الخطاب لجميع بني اسرائيل. قاله قتادة (11).
والثاني: أنه اشارة الى كلام القتيل، فيكون الخطاب للقاتل.
والثاني: أنه اشارة إلى جميع ما تقدّم من الآيات المعدودة، من مسخ القردة والخنازير ورفع الجبل وانبجاس الماء وإحياء القتيل.
قوله تعالى: {فَهِيَ كالحجارة} [البقرة: 74]، أي:" فهي في قسوتها مثل الحجارة"(12).
قال البيضاوي: أي: " أنها في القساوة مثل الحجارة"(13).
قال الصابوني: "أي: بعضها كالحجارة"(14).
والحَجَر: "الجوهر الصلب المعروف، وجمعه:
أحجار وحِجَارَة" (15).
قوله تعالى: {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74]، أي:"وبعضها أشد قسوة من الحجارة"(16).
قال البيضاوي: " أو أزيد عليها"(17).
قال السعدي: " أي: إنها لا تقصر عن قساوة الأحجار"(18).
(1) المحرر الوجيز: 1/ 166.
(2)
تفسير البيضاوي: 1/ 88.
(3)
الكشاف: 1/ 155.
(4)
انظر: زاد المسير: 1/ 102.
(5)
أخرجه الطبري (1290): ص 2/ 222.
(6)
صفوة التفاسير: 1/ 59.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (757): ص 1/ 146.
(8)
تفسير البيضاوي: 1/ 88.
(9)
تفسير السعدي: 55.
(10)
أنظر: الكشاف: 1/ 155، وزاد المسير: 1/ 103.
(11)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (757)، و (758): ص 1/ 146.
(12)
الكشاف: 1/ 155.
(13)
تفسير البيضاوي: 1/ 88.
(14)
صفوة التفاسير: 1/ 59.
(15)
المفردات في غريب القرآن: الراغب الأصفهاني: 220.
(16)
صفوة التفاسير: 1/ 59.
(17)
تفسير البيضاوي: 1/ 88.
(18)
تفسير السعدي: 55.
قال ابن عباس: " وقست قلوبهم بعد ذلك، حتى كانت كالحجارة أو أشد قسوة"(1).
وقرأ أبو حياة: {أو أشد قساوة} (2)، وقال الكسائي:" القسوة والقساوة واحد كالشقوة والشّقاوة"(3).
وفي قراءة الأعمش {أشدَّ} ، بنصبِ (الدال)، عطفاً على الحجارة (4).
قوله تعالى {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74]، ذكروا في {أو} ، من التأويل الصحيح وجوه (5):
أحدها: أنها على جهة الإبهام على المخاطب.
فقالوا: إنما أراد الله جل ثناؤه بقوله: {فهي كالحجارة أو أشد قسوة} ، وما أشبه ذلك من الأخبار التي تأتي ب (أو)، كقوله:{وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147]، وكقول الله جل ذكره:{وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [سبأ: 24] الإبهام على من خاطبه، فهو عالم أي ذلك كان، قالوا: ونظير ذلك قول القائل: أكلت بسرة أو رطبة، وهو عالم أي ذلك أكل، ولكنه أبهم على المخاطب، كما قال أبو الأسود الدؤلي (6):
أُحِبُّ محمداً حُبَّاً شديداً
…
وعَبَّاساً وحمزةَ أو عَلِيَّا
فإن يك حبهم رشدا أصبه
…
ولست بمخطئ إن كان غيا
قالوا: ولم يشك أبو الأسود، وإنما قصد الإبهام على السامع، وقد ذكر عن أبي الأسود أنه لما قال هذه الأبيات قيل له: شككت! فقال: كلا والله! ثم انتزع بقول الله عز وجل: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [السبأ: 24](7)، فقال: أَوَ كان شاكا من أخبر بهذا في الهادي من الضلال.
قال السمين الحلبي: " وإنما قَصَد رحمه الله الإِبهامَ على المخاطب"(8).
والثاني: وقيل: إنما أراد الله تعالى أن فيهم من قلبه كالحجر، وفيهم من قلبه أشد من الحجر، فالمعنى فهي فرقتان كالحجارة أو أشد، ومثل هذا قولك: أطعمتك الحلو أو الحامض، تريد أنه لم يخرج ما أطعمته عن هذين (9).
والثالث: أن (أو) هنا تفيد معنى الإباحة. قاله الزجاج (10).
أي: "شبهوها بالحجارة تصيبوا، أو بأشد من الحجارة تصيبوا"(11).
والرابع: أنها بمعنى (الواو)، أي: وأشد قسوة، كما قال تبارك وتعالى:{ولا تطع منهم آثما أو كفورا} [الإنسان: 24] بمعنى: وكفورا.
ومنه قول جرير بن عطية (12):
نَالَ الْخِلافَةَ أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا
…
كَمَا أَتَى رَبَّه مُوسَى عَلَى قَدَرِ
يعني: نال الخلافة، وكانت له قدرا، وكما قال النابغة (13):
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (759): ص 1/ 146.
(2)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 221، والكشاف: 1/ 155.
(3)
تفسير الثعلبي: 1/ 221.
(4)
أنظر: الدر المصون: 1/ 437.
(5)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 235 - 238، والمحرر الوجيز: 1/ 166، ومفاتيح الغيب: 2/ 119.
(6)
(" ديوانه: 32 (من نفائس المخطوطات)، وفيه (ووصيا)، وانظر: الأغاني 11: 113، وإنباه الرواة 1:17.
(7)
قال ابن عطية: " وهذه الآية مفارقة لبيت أبي الأسود، ولا يتم معنى الآية إلا ب «أو» ". [المحرر الوجيز: 1/ 166].
(8)
الدر المصون: 1/ 436.
(9)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 166.
(10)
أنظر: معاني القرآن: 1/ 156، ثم قال: " تقول: الذين ينبغي أن يؤخذ عنهم العلم الحسن أو ابن سيرين.
فلست بشاك، وإِنما المعنى ههنا: هذان أهل أن يؤخذ عنهما العلم، فإن أخذته عن الحسن فأنت مصيب، وإن أخذته عن ابن سيرين فأنت مصيب، وإِن أخذته عنهما جميعاً
فأنت مصيب، فالتأويل اعلموا أن قلوب هُؤلاء إِن شبهتم قسوتها بالحجارة فأنتم مصيبون، أو بما هو أشد، فأنتم مصيبون، ومنه قوله تعالى:{مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً. . . أوكَصَيِّبٍ} ، أي إِن مثلْتَهمْ بالمستوقد فذلك مثلهم، وإِن مثلتهم بالصَيِّبِ فهو لهم مثلٌ".
(11)
المحرر الوجيز: 1/ 166.
(12)
ديوانه: 275، وأمالي الشجري 1: 317، يقولها في أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز. وروايته " إذ كانت "، وفي المطبوعة:" جاء الخلافة "، وهي رواية سقيمة.
(13)
(" ديوانه: 32، وروايته هناك " ونصفه ". وهو من قصيدته المشهورة التي يعتذر فيها إلى النعمان. والضمير في قوله: " قالت " إلى " فتاة الحي، المذكورة في شعر قبله، وهي زرقاء اليمامة. وهو خبر مشهور، لا نطيل بذكره.
قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا
…
إلى حمامتنا أو نصفه فقد
يريد ونصفه.
قال الزجاج: "ولا يصلح أن تكون (أو) ههنا بمعنى الواو"(1).
والخامس: أن (أو) في هذا الموضع بمعنى (بل) للإضراب، اختاره الثعلبي (2)، وابن عاشور (3).
فكان تأويله عندهم: فهي كالحجارة بل أشد قسوة، كما قال جل ثناؤه:{وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147]، بمعنى: بل يزيدون (4).
ومنه قول الشاعر (5):
فو الله ما أدري أسلمى تغولت
…
أم القوم أو كلٌ إلي حبيب
قالوا: أراد بل كل (6).
ومنه قول الآخر (7):
مثل قرن الشمس في رونق الضحى
…
وصورتها أو أنت في العين أملح
أي: بل أنت في العين أملح (8).
والسادس: أنها على بابها في الشك. ومعناه: عندكم أيها المخاطبون وفي نظركم، أن لو شاهدتم قسوتها لشككتم أهي كالحجارة أو أشد من الحجارة (9).
والسابع: أن (أو) للتنويع (10). اختاره الواحدي (11).
أي: "وكأن قلوبهم على قسمين: قلوب كالحجارة قسوة، وقلوب أشدّ قسوة من الحجارة"(12).
قلت: لكل ما قيل من الأقوال السابقة وجه ومخرج من كلام العرب، بعد الإجماع على استحالة كونها للشكّ. والله أعلم بما أراد في كتابه.
وأما الرفع في قوله: قوله تعالى {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74]، فمن وجهين (13):
أحدهما: أن يكون عطفا على معنى (الكاف) في قوله: {كالحجارة} ، لأن معناها الرفع، فيكون المعنى: فهي مثل الحجارة أو أشد قسوة من الحجارة.
والوجه الآخر: أن يكون مرفوعا، على معنى تكرير (هي) عليه، فيكون تأويل ذلك: فهي كالحجارة، أو هي أشد قسوة من الحجارة".
وقد ذكروا بأن وصف الله تعالى تلك القلوب بأنها أشد قسوة لوجوه (14):
أحدها: أن الحجارة لو كانت عاقلة ولقيتها هذه الآية لقبلنها، كما قال:{لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله} [الحشر: 21].
(1) معاني القرآن: 1/ 156.
(2)
أنظر: تفسير الثعلبي: 1/ 221.
(3)
أنظر: التحرير والتنوير: 1/ 563.
(4)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 237.
(5)
لم أعرف قائله، ورد البيت في: معاني القرآن للفراء 1: 72، واللسان (أمم)، والصاحبي: 98
(6)
انظر: مفاتيح الغيب: : 2/ 119.
(7)
لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الثعلبي في تفسيره: 1/ 221، ومجمع البيان: 1/ 281، ونسبه ابن عاشور في الحرير والتنوير: 1/ 564، لذي الرمة.
(8)
أنظر: تفسير الثعلبي: 1/ 221.
(9)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 166.
(10)
أنظر: البحر المحيط: 1/ 223.
(11)
أنظر: البحر المحيط: 1/ 223.
(12)
البحر المحيط: 1/ 223.
(13)
أنظر: تفسير الطبري: 2/ 237.
(14)
انظر: مفاتيح الغيب: 2/ 119.
وثانيها: أن الحجارة ليس فيها امتناع مما يحدث فيها بأمر الله تعالى، وإن كانت قاسية بل هي منصرفة على مراد الله غير ممتنعة من تسخيره، وهؤلاء اليهود مع ما وصفنا من أحوالهم في اتصال الآيات عندهم وتتابع النعم من الله عليهم يمتنعون من طاعته ولا تلين قلوبهم لمعرفة حقه وهو كقوله تعالى:{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ} (الأنعام: 38 - 39)؛ كأن المعنى أن الحيوانات من غير بني آدم أممٌ سُخِّر كل واحد منها لشيء وهو منقاد لما أريد منه وهؤلاء الكفار يمتنعون عما أراد الله منهم.
وثالثها: أو أشد قسوة، لأن الأحجار يُنتفع بها من بعض الوجوه، ويظهر منها الماء في بعض الأحوال، أما قلوب هؤلاء فلا نفع فيها البتة ولا تلين لطاعة الله بوجه من الوجوه.
وقال تعالى: {أشد قسوة} ولم يقل (أقسى)، لوجهين (1):
الأول: لأن ذلك أدل على فرط القسوة.
والثاني: ووجهٌ آخر وهو أن لا يقصد معنى الأقسى، ولكن قصد وصف القسوة بالشدة كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة.
وقد فضل الله سبحانه وتعالى الحجارة على قلوبهم، بأن بين أن الحجارة قد يحصل منها ثلاثة أنواع من المنافع، ولا يوجد في قلوب هؤلاء شيء من المنافع (2):
فأولها: قوله تعالى: {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الانهار} ، قرىء:"وإن" بالتخفيف وهي إن المخففة من الثقيلة التي تلزمها اللام الفارقة، ومنها قوله تعالى:{وإن كل لما جميع لدينا محضرون} [يس: 32].
وثانيها: قوله تعالى: {وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء} ، أي من الحجارة لما ينصدع فيخرج منه الماء فيكون عينا لا نهرا جاريا.
وثالثها: من المميزات الأخرى للحجارة على قلوب هؤلاء: {وإن منها لما يهبط من خشية الله} ، وقوله تعالى:{وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} .أي الهبوط من خشية الله (3).
قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ} [البقرة: 74]، " يعني إن بعض الحجارة تتفجر منها الأنهار"(4).
قال الطبري: أي"وإن من الحجارة حجارة يتفجر منها الماء الذي تكون منه الأنهار"(5).
قال الماوردي: " يعني: أن من الحجارة ما هو أنفع من قلوبكم القاسية، لِتَفَجِّرِ الأنهار منها"(6).
قال الزمخشري: " المعنى: إنّ من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير الغزير"(7).
قال أبو السعود: " بيانٌ لأشَدِّية قلوبِهم من الحجارة في القساوة وعدمِ التأثر واستحالةِ صدورِ الخيرِ منها يعني أن الحجارةَ ربما تتأثر حيث يكون منها ما يتفجر منه المياهُ العظيمة"(8).
وقال يحيى بن يعقوب في قوله تعالى: {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار} ، قال: هو كثرة البكاء" (9).
قلت: ولا يخفى ما في هذا الوجه من البعد والتكلف، مع تسليمنا بصدق ما يتضمنه من معان نفيسة. والله أعلم.
(1) أنظر: مفاتيح الغيب: 3/ 556.
(2)
انظر: مفاتيح الغيب: 3/ 556.
(3)
انظر: مفاتيح الغيب: 3/ 557 وما بعدها.
(4)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 246.
(5)
تفسير الطبري: 2/ 238.
(6)
النكت والعيون: 1/ 146.
(7)
الكشاف: 1/ 155.
(8)
تفسير أبو السعود: 1/ 115.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (760): ص 1/ 146.
و (التفجر): التفعل، من: تفجر الماء، وذلك إذا تنزل خارجا من منبعه، وكل سائل شخص خارجا من موضعه ومكانه، فقد انفجر، ماء كان ذلك أو دما أو صديدا أو غير ذلك، ومنه قوله عمر بن لجأ (1):
ولما أن قرنت إلى جرير
…
أبى ذو بطنه إلا انفجارا
يعني: إلا خروجا وسيلانا (2).
وقرأ قتادة: «وإن» مخففة من الثقيلة، وكذلك في الثانية والثالثة، وقرأ مالك بن دينار:{ينفجر} بالنون وياء من تحت قبلها وكسر الجيم، ووحد الضمير في {مِنْهُ} حملا على لفظ «ما» ، وقرأ أبي بن كعب والضحاك {منها الأنهار} ، حملا على الحجارة (3).
قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ} [البقرة: 74]، " أي من الحجارة ما يتصدع إِشفاقاً من عظمة الله فينبع منه الماء"(4).
قال أبو السعود: أي: " يتشقق فيخرج منه العيون"(5).
قال الزمخشري: "ومنها ما ينشق انشقاقا بالطول أو بالعرض فينبع منه الماء أيضا"(6).
وقرأ طلحة بن مصرف: «لمّا» بتشديد الميم في الموضعين، وهي قراءة غير متجهة، وقرأ ابن مصرف {ينشقق} بالنون (7).
قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: 74]، "أي: ومنها ما يتفتت ويتردّى من رءوس الجبال من خشية الله" (8).
قال الطبري: " أي يتردى من رأس الجبل إلى الأرض والسفح، من خوف الله وخشيته"(9).
قال ابن عباس: " أي وإن من الحجارة لألين من قلوبكم عما تدعون إليه من الحق"(10). وروي عن إسحاق (11) نحو ذلك.
وقال مجاهد: " كل حجر يتفجر منه الماء، أو يتشقق عن ماء، أو يتردى من رأس جبل، فهو من خشية الله عز وجل، نزل بذلك القرآن"(12). وروي عن ابن جريج (13) مثل ذلك.
وقرئ قوله {يَهْبُطُ} ، بضم الباء (14).
واختلفوا في ضمير الهاء في {وَإِنَّ مِنْهَا} [البقرة: 74]، إلى ماذا يرجع؟ على قولين (15):
أحدهما: إلى القلوب لا إلى الحجارة، فيكون معنى الكلام: وإن من القلوب لما يخضع من خشية الله، ذكره ابن بحر (16).
والقول الثاني: أنها ترجع إلى الحجارة، لأنها أقرب مذكور.
واختلفوا في هذه (الحجارة) على قولين (17):
(1) طبقات فحول الشعراء: 369، والأغاني 8: 72، وروايتهما " إلا انحدارا "، وراوية الطبري أعرق في الشعر. وفي المطبوعة " قربت "، وهو خطأ محض. قاله عمر بن لجأا حين أخذهما أبو بكر ابن حزم - بأمر الوليد بن عبد الملك - فقرنهما، وأقامهما على البلس يشهر بهما، فكان التميمي ينشد هذا البيت في هجاء جرير. وقوله:" ذو بطنه "، كناية جيدة عما يشمأز من ذكره.
(2)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 238.
(3)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 167، وتفسير الثعلبي: 1/ 221.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 60.
(5)
تفسير أبو السعود: 1/ 115.
(6)
الكشاف: 1/ 155.
(7)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 167.
(8)
صفوة التفاسير: 1/ 60.
(9)
تفسير الطبري: 2/ 239.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (765): ص 1/ 147.
(11)
انظر: تفسير الطبري (1316): ص 2/ 240.
(12)
أخرجه الطبري (1317): ص 2/ 240.
(13)
أخرجه الطبري (1322): ص 2/ 240 - 241.
(14)
أنظر: الكشاف: 1/ 155
(15)
انظر: النكت والعيون: 1/ 146.
(16)
نقلا عن: النكت والعيون: 1/ 146.
(17)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 146.
أحدهما: أنها البرد الهابط من السَّحاب، وهذا قول تفرد به بعض المتكلمين.
والثاني: وهو قول جمهور المفسرين: أنها حجارة الجبال الصلدة، لأنها أشد صلابة.
واختلف أهل التفسير في معنى هبوط ما هبط من الحجارة من خشية الله، على وجوه (1):
الأول: إن هبوط ما هبط منها من خشية الله تفيؤ ظلاله، قال تعالى:{أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} [النحل: 48].
والثاني: إنه الجبل الذي صار دكا حين تجلى له ربه. كما قال تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} [الأعراف: 143].
والثالث: أن الله جل ذكره أعطى بعض الحجارة المعرفة والفهم، فعقل طاعة الله فأطاعه، كالذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" إن حجرا كان يسلم علي في الجاهلية إني لأعرفه الآن "(2).
والرابع: وقيل: أن قوله: {يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} كقوله: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} ولا إرادة له. قالوا وإنما أريد بذلك أنه من عظم أمر الله، يرى كأنه هابط خاشع من ذل خشية الله، كما قال زيد الخيل (3):
بجمع تضل البلق في حَجَراته
…
ترى الأكْمَ منه سجدا للحوافر
وكما قال سويد بن أبي كاهل يصف عدوا له (4):
ساجد المنخر لا يرفعه
…
خاشع الطرف أصم المستمع
يريد أنه ذليل.
وكما قال جرير بن عطية (5):
لما أتى خبر الرسول تضعضعت
…
سور المدينة والجبال الخشع
أي: من رأى الحجر هابطا تخيل فيه الخشية.
قال ابن عطية: " وهذا قول ضعيف: لأن براعة معنى الآية تختل به، بل القوي أن الله تعالى يخلق للحجارة قدرا ما من الإدراك تقع به الخشية والحركة"(6).
(1) انظر: تفسير الطبري: 2/ 241 - 243.
(2)
روى مسلم في صحيحه 2: 203 - 204، عن جابر بن سمرة قال:" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأعرف حجرا بمكة، كان يسلم عليّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن ". وذكره ابن كثير في التاريخ 6: 134، من مسند أحمد، ثم نسبه لصحيح مسلم، ومسند الطيالسي.
(3)
انظر: الكامل 1: 258، والمعاني الكبير: 890، والأضداد لابن الأنباري: 256، وحماسة ابن الشجري: 19، ومجموعة المعاني: 192، وغيرها. والباء في قوله " بجمع " متعلقة ببيت سالف هو: بَنِي عَامِرٍ، هَلْ تَعْرِفُونَ إِذَا غَدَا
…
أَبُو مِكْنَفٍ قَدْ شَدَّ عَقْدَ الدَّوَابِرِ?
والبلق جمع أبلق وبلقاء: الفرس يرتفع تحجيلها إلى الفخذين. والحجرات جمع حجرة (بفتح فسكون): الناحية. والأكم (بضم فسكون، وأصلها بضمتين) جمع إكام، جمع أكمة: وهي تل يكون أشد ارتفاعا مما حوله، دون الجبل، غليظ فيه حجارة. قال ابن قتيبة في المعاني الكبير:" يقول: إذا ضلت البلق فيه مع شهرتها فلم تعرف، فغيرها أحرى أن يضل. يصف كثرة الجيش، ويريد أن الأكم قد خشعت من وقع الحوافر ". وفي المطبوعة هنا " فيه " والجيد ما أثبته، والضمير في " منه " للجيش أو الجمع.
(4)
المفضليات: 407، والأضداد لابن الأنباري:257. من قصيدته المحكمة. و " ساجد " منصوب إذ قبله، في ذكر عدوه هذا: ثم ولى وهو لا يحمى استه
…
طائر الإتراف عنه قد وقع
وفي الأصل المطبوع: " إذ يرفعه "، وهو خلل في الكلام. وأثبت ما في المفضليات، ورواية ابن الأنباري:" ما يرفعه ". . يقول أذله فطأطأ رأسه خزيا، وألزم الأرض بصره، وصار كأنه أصم لا يسمع ما يقال له، فهو لا حراك به، مات وهو حي قائم، لا يحير جوابا. ولذلك قال بعده: فر مني هاربا شيطانه
…
حيث لا يعطى، ولا شيئا منع
(5)
ديوان جرير: 345، والنقائض: 969، وطبقات ابن سعد: 3/ 1/ 79، وسيبويه 1: 25، والأضداد لابن الأنباري: 258، والخزانة 2:166. استشهد به سيبويه على أن تاء التأنيث جاءت للفعل، لما أضاف " سور " إلى مؤنث وهو " المدينة "، وهو بعض منها. قال سيبويه: " وربما قالوا في بعض الكلام: " ذهبت بعض أصابعه "، وإنما أنث البعض، لأنه أضافه إلى مؤنث هو منه، ولو لم يكن منه لم يؤنثه. لأنه لو قال: " ذهبت عبد أمك " لم يحسن. (1: 25).
وهذا البيت يعير به الفرزدق بالغدر ويهجوه، فإن الزبير بن العوام رضي الله عنه حين انصرف يوم الجمل، عرض له رجل من بني مجاشع رهط الفرزدق، فرماه فقتله غيلة. ووصف الجبال بأنها " خشع ". يريد عند موته، خشعت وطأطأت من هول المصيبة في حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن قبح ما لقي من غدر بني مجاشع.
(6)
المحرر الوجيز: 1/! 67.
السادس: وقيل: أن معنى قوله: {يهبط من خشية الله} ، أي: يوجب الخشية لغيره، بدلالته على صانعه، كما قيل:" ناقة تاجرة "، إذا كانت من نجابتها وفراهتها تدعو الناس إلى الرغبة فيها، كما قال جرير بن عطية (1):
وأعور من نبهان، أما نهاره
…
فأعمى، وأما ليله فبصير
فجعل الصفة لليل والنهار، وهو يريد بذلك صاحبه النبهاني الذي يهجوه، من أجل أنه فيهما كان ما وصفه به.
قال الطبري: " وهذه الأقوال، وإن كانت غير بعيدات المعنى مما تحتمله الآية من التأويل، فإن تأويل أهل التأويل من علماء سلف الأمة بخلافها، فلذلك لم نستجز صرف تأويل الآية إلى معنى منها (2).
قوله تعالى: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 74]، أي: وما الله" بتارك عقوبة ما تعملون، بل يجازيكم به"(3).
قال سعيد بن جبير: " يعني بما يكون عليم"(4).
قال الصابوني: " أي أنه تعالى رقيب على أعمالهم لا تخفى عليه خافية، وسيجازيهم عليها يوم القيامة، وفي هذا وعيد تهديد"(5).
قال الطبري: " فأخبرهم تعالى ذكره أنه غير غافل عن أفعالهم الخبيثة، ولا ساه عنها، بل هو لها محص، ولها حافظ"(6).
قال السعدي: " بل هو عالم بها حافظ لصغيرها وكبيرها، وسيجازيكم على ذلك أتم الجزاء وأوفاه"(7).
قال أبو السعود: " وعيدٌ شديد على ما هم عليه من قساوة القلوب وما يترتبُ عليها من الأعمال السيئة"(8).
وقال الآلوسي: " وعيد على ما ذكر كأنه قيل: إن الله تعالى لبالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم حافظ لأعمالهم محص لها، فهو مجازيهم بها في الدنيا والآخرة"(9).
وأصل (الغفلة) عن الشيء، "تركه على وجه السهو عنه، والنسيان له"(10).
وقرأ ابن كثير {يعملون} بالياء، والمخاطبة على هذا لمحمد صلى الله عليه وسلم (11).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: لؤم بني إسرائيل الذين جاءتهم هذه النعم ومع ذلك فهم لم يلينوا للحق؛ بل قست قلوبهم على ظهور هذه النعم.
2 ومنها: تشبيه المعقول بالمحسوس في قوله تعالى: {فهي كالحجارة} ؛ لأن الحجارة أمر محسوس؛ والقلب قسوته أمر معقول؛ إذ إنه ليس المعنى أن القلب الذي هو المضغة يقسو؛ القلب هو هو؛ لكن المراد: أنه يقسو قسوة معنوية بإعراضه عن الحق، واستكباره عليه؛ فهو أمر معنوي شبه بالأمر الحسي؛ وهذا من بلاغة القرآن تشبيه المعقول بالمحسوس حتى يتبين.
3 ومنها: أن الحجارة أقسى شيء يضرب به المثل.
(1) ديوانه: 206، والنقائض: 35، والمؤتلف والمختلف: 39، 161، ومعجم الشعراء 253، من شعر في هجاء الأعور النبهاني، وكان هجا جريرًا، فأكله جرير. قال أبو عبيدة:" أي هو أعور النهار عن الخيرات، بصير الليل بالسوءات، يسرق ويزني ".
(2)
تفسير الطبري: 2/ 243.
(3)
تفسير الثعلبي: 1/ 221.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (767): ص 1/ 147.
(5)
صفوة التفاسير: 1/ 60.
(6)
تفسير الطبري: 2/ 244.
(7)
تفسير السعدي: 55.
(8)
تفسير اأبو السعود: 1/ 115.
(9)
روح المعاني: 1/ 297.
(10)
تفسير الطبري: 2/ 244.
(11)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 167.
4 ومنها: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى، حيث جعل هذه الحجارة الصماء تتفجر منها الأنهار؛ وقد كان موسى. عليه الصلاة والسلام. يضرب بعصاه الحجر، فينبجس، ويتفجر عيوناً بقدرة الله. تبارك وتعالى
5 ومنها: أن الحجارة خير من قلوب هؤلاء بأن فيها خيراً؛ فإن من الحجارة ما يتفجر منه الأنهار؛ ومنها ما يشقق، فيخرج منه الماء؛ ومنها ما يهبط من خشية الله؛ وهذه كلها خير، وليس في قلوب هؤلاء خير.
6 ومنها: أن الجمادات تعرف الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {وإن منها لما يهبط من خشية الله} ؛ وهذا أمر معلوم من آيات أخرى، كقوله تعالى:{يسبح لله ما في السموات وما في الأرض} [الجمعة: 1]، وقوله تعالى:{تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} [الإسراء: 44]، وقوله تعالى:{ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين} [فصلت: 11]: ففهمتا الأمر، وانقادتا.
7 ومن فوائد الآية: عظمة الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {من خشية الله} ؛ والخشية هي الخوف المقرون بالعلم؛ لقوله تعالى: {إنما يخشى الله َ من عباده العلماء} [فاطر: 28]؛ فمن علم عظمة الله سبحانه وتعالى فلا بد أن يخشاه.
8 ومنها: سعة علم الله سبحانه وتعالى؛ لقوله تعالى: {وما الله بغافل عما تعملون} ؛ وهذه الصفة من صفات الله سبحانه وتعالى السلبية؛ والصفات السلبية هي التي ينفيها الله سبحانه وتعالى عن نفسه. وتتضمن أمرين هما: نفي هذه الصفة؛ وإثبات كمال ضدها.
القرآن
التفسير:
أيها المسلمون أنسيتم أفعال بني إسرائيل، فطمعت نفوسكم أن يصدِّق اليهودُ بدينكم؟ وقد كان علماؤهم يسمعون كلام الله من التوراة، ثم يحرفونه بِصَرْفِه إلى غير معناه الصحيح بعد ما عقلوا حقيقته، أو بتحريف ألفاظه، وهم يعلمون أنهم يحرفون كلام رب العالمين عمدًا وكذبًا.
اختلف في سبب نزول الآية، على قولين (1):
أحدهما: أنها: "نزلت في السبعين الذين اختارهم موسى ليذهبوا معه إلى الله تعالى، فلما ذهبوا معه إلى الميقات وسمعوا كلام الله تعالى وهو يأمره وينهاه، رجعوا إلى قومهم، فأما الصادقون فأدوا ما سمعوا، وقالت طائفة منهم: سمعنا الله في آخر كلامه يقول: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا ولا بأس"(2). حكاه الواحدي عن ابن عباس (3)، ومقاتل (4)، وروي عن ابن إسحاق (5)، والكلبي (6)، نحو ذلك.
والثاني: أنها: "نزلت في الذين غيروا آية الرجم وصفة محمد صلى الله عليه وسلم"(7). وهذا قول أكثر المفسرين (8).
قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ} [البقرة: 75]، " أي أترجون يا معشر المؤمنين أن يسلم اليهود ويدخلوا في دينكم"(9).
قال الثعلبي: أي"لن يصدّقكم اليهود"(10).
(1) انظر: أسباب النزول للواحدي: 28، والعجاب في بيان الأسباب: 1/ 262.
(2)
أسباب النزول للواحدي: 28.
(3)
انظر: أسباب النزول للواحدي: 28.
(4)
انظر: تفسير مقاتل بن حيان: 1/ 47 - 49. أورده مطولا.
(5)
انظر: تفسير الطبري (1333)، و (1334): ص 2/ 246 - 247.
(6)
أنظر: العجاب في تفسير الأسباب: 1/ 264. حكاه عنه يحيي بن سلام.
(7)
أسباب النزول للواحدي: 28.
(8)
نقل الأكثرية الواحدي، انظر: أسباب النزول: 28.
(9)
صفوة التفاسير: 1/ 62.
(10)
تفسير الثعلبي: 1/ 222.
قال الطبري: "، أي: أفترجون يا معشر المؤمنين .. أن يؤمن لكم يهود بني إسرائيل؟ "(1).
قال ابن كثير: " أي: ينقاد لكم بالطاعة، وهم الفرقة الضالة من اليهود، الذين شاهد آباؤهم من الآيات البينات ما شاهدوه، ثم قست قلوبهم من بعد ذلك "(2).
قال السعدي: " هذا قطع لأطماع المؤمنين من إيمان أهل الكتاب، أي: فلا تطمعوا في إيمانهم وحالتهم لا تقتضي الطمع فيهم"(3).
وقد اختلفوا في قوله: {أَفَتَطْمَعُونَ} [البقرة: 75]، على وجهين (4):
أحدهما: آيسهم الله تعالى من إيمان هذه الفرقة وهم جماعة بأعيانهم. قاله ابن عباس (5).
والثاني: أن الله لم يؤيسهم من ذلك إلا من جهة الاستبعاد له منهم، مع ما هم عليه من التحريف والتبديل والعناد، قالوا: وهو كما لا نطمع لعبيدنا وخدمنا أن يملكوا بلادنا، ثم إنا لا نقطع بأنهم لا يملكون بل نستبعد ذلك.
والراجح، أن الهمزة للاستفهام؛ "والمراد به الاستبعاد، والتيئيس. أي تيئيس المسلمين من أن يؤمن هؤلاء اليهود لهم"(6). والله أعلم.
واختلفوا في الخطاب الموجه في قوله تعالى [أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ} [البقرة: 75]، على أربعة أقوال (7):
أحدها: أنه خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم خاصة. قاله ابن عباس ومقاتل (8).
قال الرازي: "لأنه هو الداعي وهو المقصود بالاستجابة واللفظ وإن كان للعموم، لكنا حملناه على الخصوص لهذه القرينة، روي أنه عليه السلام حين دخل المدينة ودعا اليهود إلى كتاب الله وكذبوه فأنزل الله تعالى هذه الآية"(9).
والثاني: أنه خطاب مع المؤمنون، تقديره أفتطمعون أن تصدقوا نبيكم. قاله أبو العالية وقتادة (10).
والثالث: أنه مع الأنصار، إذ أنهم لما أسلموا أحبوا إسلام اليهود للرضاعة التي كانت بينهم. ذكره النقاش (11)، واختاره ابن عطية (12).
والرابع: أنه خطاب مع الرسول والمؤمنين. قاله ابن عباس (13)، وروي عن الربيع بن أنس (14) والحسن (15) نحو ذلك.
وهذا القول الأخير"أليق بالظاهر لأنه عليه السلام وإن كان الأصل في الدعاء فقد كان في الصحابة من يدعوهم إلى الإيمان ويظهر لهم الدلائل وينبههم عليها، فصح أن يقول تعالى: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم} ويريد به الرسول ومن هذا حاله من أصحابه وإذا كان ذلك صحيحا فلا وجه لترك الظاهر"(16).
(1) تفسير الطبري: 2/ 244.
(2)
تفسير ابن كثير: 1/ 308.
(3)
تفسير السعدي: 56.
(4)
انظر: مفاتيح الغيب: 3/ 561.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (768): ص 1/ 148.
(6)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 249.
(7)
انظر: زاد المسير: 1/ 103، وتفسير أبي الليث: 1/ 131، ومفاتيح الغيب: 3/ 559، والمحرر الوجيز: 1/ 167، وتفسير القرطبي: 2/ 1.
(8)
نقلا عن: زاد المسير: 1/ 103، وتفسير أبي الليث: 1/ 131، ومفاتيح الغيب: 3/ 559.
(9)
مفاتيح الغيب: 3/ 559.
(10)
نقلا عن: زاد المسير: 1/ 103
(11)
نقلا عن زاد المسير: 1/ 103. وقال ذكره الزجاج. ولم أجده في معاني القرآن، وانظر: المحرر الوجيز: 1/ 167، وتفسير القرطبي: 2/ 1.
(12)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 167.
(13)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (768): ص 1/ 148.
(14)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (769): ص 1/ 148.
(15)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 148.
(16)
مفاتيح الغيب: 3/ 560.
وقد ذكروا في سبب الاستبعاد وجوها (1):
أحدها: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم مع أنهم ما آمنوا بموسى عليه السلام، وكان هو السبب في أن الله خلصهم من الذل وفضلهم على الكل، ومع ظهور المعجزات المتوالية على يده وظهور أنواع العذاب على المتمردين.
الثاني: أفتطمعون أن يؤمنوا ويظهروا التصديق ومن علم منهم الحق لم يعترف بذلك، بل غيره وبدله.
الثالث: أفتطمعون أن يؤمن لكم هؤلاء من طريق النظر والاستدلال وكيف وقد كان فريق من أسلافهم يسمعون كلام الله ويعلمون أنه حق ثم يعاندونه.
قوله تعالى: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} [البقرة: 75]، "أي والحال قد كان طائفة من أحبارهم وعلمائهم"(2).
قال البيضاوي: أي" طائفة من أسلافهم"(3).
و(الفريق) فجمع، كالطائفة، لا واحد له من لفظه، وهو (فعيل) من (التفرق) سمي به الجماع، كما سميت الجماعة ب (الحزب)، من (التحزب)، وما أشبه ذلك، ومنه قول أعشى بني ثعلبة (4):
أجَدّوا فلما خفت أن يتفرقوا
…
فريقين، منهم مُصعِد ومُصوِّب
قوله تعالى: {يَسْمَعُونَ كَلامَ الله} [البقرة: 75]، أي:" يتلون كتاب الله ويسمعونه بيناً جلياً"(5).
قال الثعلبي: "يعني التوراة"(6).
قال السدي: " هي التوراة حرفوها"(7).
وقال أبو العالية: " عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نعت محمد- صلى الله عليه وسلم، فحرفوه عن مواضعه"" (8).
وقرأ الأعمش: {كلم الله} (9)، جمع كلمة، وقد يراد بالكلمة: الكلام، فتكون القراءتان بمعنى واحد (10).
قوله تعالى: {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} [البقرة: 75] أي: " ثم يبدلون معناه وتأويله ويغيرونه"(11).
قال الثعلبي: أي"يغيرون ما فيه من الأحكام"(12).
قال ابن كثير: " أي: يتأولونه على غير تأويله "(13).
قال البيضاوي: " كنعت محمد صلى الله عليه وسلم، وآية الرجم. أو تأويله فيفسرونه بما يشتهون"(14).
وتحريف الشيء: "إحالته من حال إلى حال"(15).
وفي كيفية تعريفهم لكلام الله وجهين:
أحدهما: أن تحريفهم وتبديلهم إنما هو بالتأويل، ولفظ التوراة باق. قاله ابن عباس (16).
والثاني: أنهم بدلوا ألفاظا من تلقائهم. وهذا قول الجمهور (17).
(1) انظر مفاتيح الغيب: 3/ 560.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 62.
(3)
تفسير البيضاوي: 1/ 89.
(4)
ديوانه: 137، أجد السير: انكمش فيه وأسرع مصعد: مبتدئ في صعوده إلى نجد والحجاز. ومُصَوِّب منحدر في رجوعه إلى العراق والشام وأشباه ذلك وبعد البيت من تمامه. طلبتهمُ، تَطوى بي البيد جَسْرَة
…
شُوَيْقَئةُ النابين وجَناء ذِعْلب
(5)
صفوة التفاسير: 1/ 62.
(6)
تفسير الثعلبي: 1/ 222. (بتصرف بسيط).
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (774): ص 1/ 149.
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (775): ص 1/ 149.
(9)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 168.
(10)
انظر: البحر المحيط: 1/ 232.
(11)
تفسير الطبري: 2/ 248.
(12)
تفسير الثعلبي: 1/ 222. (بتصرف بسيط).
(13)
تفسير ابن كثير: 1/ 308.
(14)
تفسير البيضاوي: 1/ 89.
(15)
المحرر الوجيز: 1/ 168.
(16)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 168.
(17)
انظر: البحر المحيط: 1/ 232.
قال ابن عطية: "وأن ذلك ممكن في التوراة لأنهم استحفظوها، وغير ممكن في القرآن لأن الله تعالى ضمن حفظه"(1).
وقد اختلف أهل التفسير في الذين عنى الله بقوله {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} [البقرة: 75]، على ثلاثة أقوال (2):
أحدهما: أنهم علماء اليهود والذين يحرفونه التوراة فيجعلون الحلال حراماً والحرام حلالاً ابتاعاً لأهوائهم وإعانة لراشيهم. وهذا قول مجاهد (3) والسدي (4)، وابن زيد (5).
والثاني: أنهم الذين اختارهم موسى من قومه، فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا أمره وحرفوا القول في إخبارهم لقومهم، وهذا قول الربيع بن أنس (6) وابن إسحاق (7)، واختاره الطبري (8).
واستنكره الحكيم الترمذي (9)، وابن عطية (10)، وابن الجوزي (11)، وقالوا: بأن التكليم، من فضائل موسى واختصاصه (12).
قلت: ولعل ترجيح الطبري لهذا القول، يكمن في كونه الأقرب إلى يدل عليه ظاهر الآية، إذ أخبر الله تعالى "عن خاص من اليهود، كانوا أعطوا من مباشرتهم سماعَ كلام الله ما لم يعطه أحد غير الأنبياء والرسل، ثم بدلوا وحرفوا ما سمعوا من ذلك"(13).
الثالث: وقيل: المراد بـ {كلام الله} : القرآن، والمراد بالفريق من كان في زمن محمد عليه الصلاة والسلام، قاله الرازي (14)، وشيخنا ابن عثيمين (15).
واستدلوا من وجهين:
الأول: لأن القرآن كلام الله؛ وقد قال الله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} [التوبة: 6] أي حتى يسمع القرآن (16).
والثاني: لأن الضمير في قوله تعالى: {وقد كان فريق منهم} راجع إلى ما تقدم وهم الذين عناهم الله تعالى بقوله: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم} ، والذين تعلق الطمع بإيمانهم هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام (17).
وذكر أهل التفسير في {كَلامَ اللَّهِ} [البقرة: 75]، الذي يسمعونه وجهين (18):
الأول: أنه الوحي، فكانوا يسمعون منه كما يسمع أهل النبوة، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون.
(1) المحرر الوجيز: 1/ 168.
(2)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 246 - 247، والنكت والعيون: 1/ 147 - 148.
(3)
انظر: تفسير الطبري (1328): ص 2/ 245.
(4)
انظر: تفسير الطبري (1330): ص 2/ 246.
(5)
انظر: تفسير الطبري (1330): ص 2/ 246.
(6)
انظر: تفسير الطبري (1332): ص 2/ 246، وابن أبي حاتم (771): ص 1/ 148.
(7)
انظر: تفسير الطبري (1333)، و (1334): ص 2/ 246 - 247.
(8)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 247.
(9)
نقلا عن: زاد المسير: 1/ 103 - 104، قال ابن الجوزي:"وقد أنكر بعض أهل العلم منهم الترمذي صاحب النوادر هذا القول إنكار شديد وقال إنما خص بالكلام موسى وحده".
(10)
أنظر: المحرر الوجيز: 1/ 168.
(11)
انظر: زاد المسير: 1/ 103.
(12)
انظر: زاد المسير: 1/ 103، والمحرر الوجيز: 1/ 168.
(13)
تفسير الطبري: 2/ 247.
(14)
انظر: مفاتيح الغيب: 3/ 560.
(15)
انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 250. قال ابن عثيمين: "وقد بحثت في كتب التفسير التي لدي فلم أجد احتمالاً ثالثاً. وهو أن المراد بـ {كلام الله} القرآن، وأنهم يسمعونه، ثم يحرفونه؛ لأن القرآن كلام الله؛ وقد قال الله تعالى:{وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} [التوبة: 6] أي حتى يسمع القرآن؛ فإن كان هذا الاحتمال صحيحاً فهو أقرب من القولين السابقين. والله أعلم بمراده". [قلت: يبدو أن شيخنا-رحمه الله-لم يصله كلام الرازي، الذي قال بهذا الإحتمال ورجّحه].
(16)
انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 250.
(17)
مفاتيح الغيب: 3/ 560.
(18)
أنظر: تفسير الطبري: 2/ 246، والنكت والعيون: 1/ 148.
والثاني: وقيل: أنها التوراة التي عَلِمَها علماء اليهود. قاله السدي (1).
قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلَوهُ} [البقرة: 75]، أي" من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم"(2).
قال الثعلبي: أي"علموه وفهموه"(3).
قال ابن الجوزي: أي: " سمعوه ووعوه "(4).
قال ابن كثير: " أي: فهموه على الجلية ومع هذا يخالفونه على بصيرة "(5).
قال الزمخشري: أي: "من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم، ولم تبق لهم شبهة في صحته"(6).
قوله تعالى: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 75]، " أنهم مفترون مبطلون"(7).
قال ابن كثير: أي"أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله"(8).
قال الزمخشري: "أي: "أنهم كاذبون مفترون" (9).
قال الصابوني: "أي: أنهم يخالفونه على بصيرة لا عن خطأ أو نسيان"(10).
قال السدي: " فيعلمون أنهم قد أذنبوا"(11).
وقوله تعالى: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 75]، يحتمل وجهين.
أحدهما: وهم يعلمون أنهم يحرفونه. قاله الطبري (12)
والثاني: وهم يعلمون عقاب تحريفه.
وكلا الوجهين تحتملهما الآية، وإن كان الأول منهما أشبه بظاهر القول، والمعنى: يعلمون أنهم يحرفون الكلم أي كلام الله عز وجل، ويعلمون أن التحريف محرم [وفيه من العقوبة ما فيه]، فتعدوا الحدود، وحرفوا كلام الله عز وجل، وارتكبوا الإثم عن بصيرة" (13).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: أن من كان لا يؤمن بما هو أظهر فإنه يبعد أن يؤمن بما هو أخفى؛ لأن من يسمع كلام الله، ثم يحرفه، أبْعَدُ قبولاً للحق ممن لم يسمعه.
2 ومنها: أن الله تعالى يسلي رسوله صلى الله عليه وسلم بما يذهب عنه الأسى، والحزن؛ حيث بين له حال هؤلاء، وأنهم قوم عتاة لا مطمع في إيمانهم.
3 ومنها: إثبات أن الله يتكلم، وأن كلامه بصوت مسموع؛ لقوله تعالى:{يسمعون كلام الله} ؛ وكلام الله. تبارك وتعالى. صفة حقيقية تتضمن اللفظ، والمعنى؛ فهو سبحانه وتعالى يتكلم بحروف، وأصوات مسموعة؛ وتفصيل ذلك والرد على من خالفه مذكور في كتب العقائد.
4 ومنها: أن كلام الله سبحانه وتعالى من صفاته الفعلية باعتبار آحاده؛ وأما باعتبار أصل الصفة فهو صفة ذاتية؛ والفرق بين الصفات الذاتية، والفعلية أن الصفات الذاتية لازمة لذات الله أزلاً، وأبداً. ومعنى "أزلاً" أي فيما مضى؛ و"أبداً" أي فيما يستقبل. مثل الحياة، والعلم، والقدرة، والقوة، والعزة، والسمع، والبصر إلى غير
(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (774): ص 1/! 49.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 62.
(3)
تفسير الثعلبي: 1/ 222.
(4)
زاد المسير: 1/ 104.
(5)
تفسير ابن كثير: 1/ 308.
(6)
الكشاف: 1/ 156، وانظر: البحر المحيط: 1/ 232.
(7)
تفسير البيضاوي: 1/ 89.
(8)
تفسير ابن كثير: 1/ 307.
(9)
الكشاف: 1/ 156.
(10)
صفوة التفاسير: 1/ 62.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (777): ص 1/ 149.
(12)
تفسير الطبري: 2/ 248.
(13)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 250.
ذلك، والصفات الفعلية هي التي تتعلق بمشيئته، فتحْدُث إذا شاء، كالاستواء على العرش، والنُّزول إلى سماء الدنيا، والمجيء يوم القيامة للفصل بين العباد، والفرح، والرضا، والغضب. عند وجود أسبابها.
5 ومن فوائد الآية: الرد على الأشعرية، وغيرهم ممن يرون أن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه؛ وأن الحروف، والأصوات عبارة عن كلام الله، وليست كلام الله؛ بل خلقها الله ليعبر بها عما في نفسه؛ والرد عليهم مفصلاً في كتب العقائد.
6 ومنها: أن هؤلاء اليهود قد حرفوا كلام الله، لقوله تعالى:{ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه} .
7 ومنها: بيان قبح تحريف هؤلاء اليهود، لأنهم حرفوا ما عقلوه؛ والتحريف بعد عقل المعنى أعظم؛ لأن الإنسان الجاهل قد يعذر بجهله؛ لكن الإنسان العالم الذي عقل الشيء يكون عمله أقبح؛ لأنه تجرأ على المعصية مع علمه بها. فيكون أعظم.
8 ومنها: قبح تحريف كلام الله، وأن ذلك من صفات اليهود؛ ومن هذه الأمة من ارتكبه، لكن القرآن محفوظ؛ فلا يمكن وقوع التحريف اللفظي فيه؛ لأنه يعلمه كل أحد؛ وأما التحريف المعنوي فواقع، لكن يقيض الله عز وجل من الأئمة، وأتباعهم من يبينه، ويكشف عوار فاعله.
القرآن
التفسير:
هؤلاء اليهود إذا لقوا الذين آمنوا قالوا بلسانهم: آمنَّا بدينكم ورسولكم المبشَّر به في التوراة، وإذا خلا بعض هؤلاء المنافقين من اليهود إلى بعض قالوا في إنكار: أتحدِّثون المؤمنين بما بيَّن الله لكم في التوراة من أمر محمد؛ لتكون لهم الحجة عليكم عند ربكم يوم القيامة؟ أفلا تفقهون فتحذروا؟
في سبب نزول الآية أقوال (1):
أحدها: روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن، فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنفاق: اذهبوا فقولوا آمنا، واكفروا إذا رجعتم. قال: فكانوا يأتون المدينة بالبُكَر ويرجعون إليهم بعد العصر وقرأ قول الله: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72]. وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة: نحن مسلمون. ليعلموا خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره، فإذا رجعوا رجعوا إلى الكفر. فلما أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بهم، قطع ذلك عنهم فلم يكونوا يدخلون. وكان المؤمنون الذين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يظنون أنهم مؤمنون، فيقولون لهم: أليس قد قال الله لكم كذا وكذا؟ فيقولون: بلى! فإذا رجعوا إلى قومهم [يعني الرؤساء]- قالوا: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم "، الآية" (2).
والثاني: فأخرج عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة قال: " كانوا يقولون إنه سيكون نبي (3)، فخلا بعضهم إلى بعض فقالوا: أتحدثونهم بهذا فيحتجون عليكم به"(4). وأخرج الطبري عن أبو العالية نحو ذلك (5).
والثالث: وأخرج ابن أبي حاتم " عن عكرمة: أن امرأة من اليهود أصابت فاحشة فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبتغون منه الحكم رجاء الرخصة، فدعا رسول الله- صلى الله عليه وسلم عالمهم وهو ابن صوريا، فقال له: احكم. قال فجبوه. قال عكرمة: التجبية يحملونه على حمار ويجعلون وجهه إلى ذنب الحمار- وذكر فيه كلاما- فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم: أبحكم الله حكمت؟ أو بما أنزل على
(1) انظر: العجاب في بيان الأسباب: 1/ 266 - 268.
(2)
أخرجه الطبري (1349): ص 2/ 253 - 254.
(3)
أي في آخر الزمن. انظر: العجاب في بيان الأسباب: 1/ 268.
(4)
تفسير عبدالرزاق: 8، وانظر: العجاب في بيان الأسباب: 1/ 268 - 269.
(5)
انظر: تفسير الطبري (1341): ص 2/ 251، من طريق أبي العالية ولفظه: يعني بما أنزل الله في كتابكم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم".
موسى؟ قال: لا. ولكن نساءنا كن حسانا فأسرع فيهن رجالنا فغيرنا الحكم، وفيه أنزلت:{وإذا خلا بعضهم إلى بعض} ، قال عكرمة: إنهم غيروا الحكم منذ ستمائة سنة" (1).
والقول الثاني أوفق بسياق الآية. والله أعلم.
قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 76]، "أي إذا قابلوا الذين صدّقوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم"(2).
واختلف في {الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 76]، في هذه الآبة على وجهين:
الأول: أنهم: أبو بكر وعمر وجماعة من المؤمنين، قاله جمهور المفسرين (3).
والثاني: أنهم: جماعة من اليهود آمنوا وأخلصوا في إيمانهم.
واختلف في عود الضمير في قوله تعالى: {لَقُوا} [البقرة: 76]، على أقوال (4):
الأول: أنها تعود على جماعة من اليهود غير معينة، باقين على دينهم.
والثاني: أنها تعود لجماعة منهم أسلموا ثم نافقوا.
والثالث: أنها لليهود الذين أمرهم رؤساؤهم من بني قريظة أن يدخلوا المدينة ويتجسسوا أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: ادخلوا المدينة وأظهروا الإيمان، فإنه "نهى أن يدخل المدينة إلا مؤمن"(5).
وقرأ ابن السميفع: لاقوا، قالوا: على التكثير (6).
قال أبو حيان: " ولا يظهر التكثير، إنما هو من فاعل الذي هو بمعنى الفعل المجرّد. فمعنى لاقوا، ومعنى لقوا واحد"(7).
قوله تعالى: {قَالُوا آمَنَّا} [البقر: 76]، أي قالوا:"صدقنا بمحمد وبما صدقتم به، وأقررنا بذلك"(8).
قال ابن عثيمين: "أي: قالوا بألسنتهم دخلنا في الإيمان كإيمانكم وآمنا بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم"(9).
قال ابن عباس: "، يعني المنافقين من اليهود، كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: آمنا"(10).
وقال السدي: " هؤلاء ناس من اليهود، آمنوا ثم نافقوا"(11).
قال ابن زيد: " فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنفاق: اذهبوا فقولوا آمنا، واكفروا إذا رجعتم. قال: فكانوا يأتون المدينة بالبُكَر ويرجعون إليهم بعد العصر"(12).
قوله تعالى: {وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} [البقرة: 76]، "أي إذا أوى بعضهم إلى بعض وانفرد به"(13).
قال الصابوني: " أي إذا انفرد واختلى بعضهم ببعض"(14).
(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (780): ص 1/ 150.
والخبر ضعيف. ففي السند حفص بن عمر العدني وهو متفق على ضعفه. انظر "الجرح والتعديل""3/ 182" و"المجروحين""1/ 257" و"تهذيب الكمال""7/ 42" و"الميزان""1/ 560" و"التهذيب""2/ 410" والحكم مختلف فيه انظر ترجمته في "الميزان""1/ 569". وفي ترجمته موسى بن عبد العزيز العدني الراوي عن الحكم في "الميزان""4/ 212 - 213" قال الذهبي أيضًا: "وحديثه في المنكرات لا سيما والحكم بن أبان ليس بالثبت أيضًا". [انظر: حاشية العجاب: 1/ 270].
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 252.
(3)
نقل الإجماع أبو حيان في البحر المحيط: 1/ 268.
(4)
انظر: البحر المحيط: 1/ 268.
(5)
الخبر رواه الطبري (1349): ص 2/ 253. ولفظه صلى الله عليه وسلم: " لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن". وقصبة القرية: وسطها وجوفها. وقصبة البلاد: مدينتها، لأنها تكون في أوسطها.
(6)
انظر: البحر المحيط: 1/ 272.
(7)
البحر المحيط: 1/ 272.
(8)
تفسير الطبري: 2/ 249.
(9)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 252.
(10)
أخرجه الطبري (1336): ص 2/ 249.
(11)
أخرجه الطبري (1338): ص 2/ 250.
(12)
أخرجه الطبري (1349): ص 2/ 253.
(13)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 252.
(14)
صفوة التفاسير: 1/ 62.
قال أبو حيان: " أي: وإذا انفرد بعضهم ببعض، أي الذين لم ينافقوا إلى من نافق"(1).
قال الحسن: " وإذا خلا بعضهم إلى بعضهم، قال بعضهم: لا تحدثوا أصحاب محمد بما فتح الله عليكم مما في كتابكم، ليحاجوكم به عند ربكم فيخصمونكم"(2).
وفي هؤلاء الذين ذكرهم الله في قوله تعالى: {وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} [البقرة: 76]، قولان (3):
أحدهما: أنهم اليهود، إذا خلوا مع المنافقين، قال لهم المنافقون: أتحدثون المسلمين، بما فتح الله عليكم.
والثاني: أنهم اليهود، قال بعضهم لبعض:{أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيكُم} . قاله ابن عباس (4).
قوله تعالى: {قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ} [البقرة: 76]، أي"كيف تحدثون المؤمنين بالله ورسوله"(5).
قال أبو حيان: أي قالوا عاتبين عليهم، أتحدّثون المؤمنين" (6).
قال ابن عثيمين: " الاستفهام هنا للإنكار، والتعجب (7).
ومعنى التحديث: "الإخبار عن حوادث الزمان"(8).
قوله تعالى: {بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 76]، أي" بما فتح الله عليكم من بعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى خلقه "(9)
قال ابن عثيمين: " أي من العلم بصحة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم"(10).
قال ابن عباس: " وذلك أن نفرا من اليهود كانوا إذا لقوا محمدا صلى الله عليه وسلم قالوا: آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم"(11).
واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: {بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 76]، على أقوال (12):
أحدها: بما فتح الله عليكم، أي بما أمركم الله به، رواه الضحاك عن ابن عباس (13).
والثاني: بما أنزل الله عليكم في التوراة، من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبعثه. {ليُحَآجُّوكم بَهِ عِنْدَ رَبِّكُم} ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس (14)، وهو قول أبي العالية (15) وقتادة (16).
والثالث: أنهم أرادوا قول يهود بني قريظة، حين شبههم النبي صلى الله عليه وسلم، بأنهم إخوة القردة، فقالوا: من حدثك بهذا؟ وذلك حين أرسل إليهم، علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وهذا قول مجاهد (17).
والرابع: أن ناساً من اليهود أسلموا، ثم نافقوا فكانوا يحدثون المسلمين من
العرب، بما عُذِّبَ به آباؤهم، فقال بعضهم لبعض، أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب، وهذا قول السدي (18).
وفي {فتح الله} ، وجهان:
(1) البحر المحيط: 1/ 268.
(2)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (785): ص 1/ 151.
(3)
انظر: النكت والعيون: 1/ 148.
(4)
أخرجه الطبري (1336): ص 2/ 250.
(5)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 253.
(6)
البحر المحيط: 1/ 268.
(7)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 253.
(8)
التفسير البسيط: 3/ 82.
(9)
تفسير الطبري: 2/ 255.
(10)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 253.
(11)
أخرجه الطبري (1336): ص 2/ 250.
(12)
انظر: تفسير البغوي: 1/ 114، والنكت والعيون: 1/ 148 - 149.
(13)
انظر: تفسير الطبري (1339): ص 2/ 250 - 251.
(14)
انظر: تفسير الطبري (1340): ص 2/ 251.
(15)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (781): ص 1/ 150، وتفسير الطبري (1341): ص 2/ 250.
(16)
انظر: تفسير الطبري (1342)، و (1343): ص 2/ 251 - 252.
(17)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (782): ص 1/ 150، وتفسير الطبري (1345)، و (1346)، و (1347): ص 2/ 252 - 253.
(18)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (783): ص 1/ 150، وتفسير الطبري (1348): ص 2/ 253.
أحدهما: بما علمكم الله.
والثاني: بما قضاه الله لكم وعليكم. قاله عطاء الخراساني (1).
والفتح عند العرب: النصر والقضاء، يقال منه: اللهم افتح بيني وبين فلان، أي احكم بيني وبينه، ومنه قول الشاعر (2):
ألا أبلغ بني عُصُم رسولاً
…
بأني عن فِتاحِكُم غنيُّ
ويُقَالُ للقاضي: الفتّاح، ومنه قوله تعالى {رَبَّنَا افْتَح بَيْنَنَا وَبَينَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89]، أي احكم بيننا وبينهم (3).
قوله تعالى: {لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} [البقرة: 76]، " أي لتكون الحجة للمؤمنين عليكم في الآخرة في ترك اتباع الرسول مع العلم بصدقه"(4).
قال قتادة: " ليحتجوا به عليكم"(5).
قال ابن عثيمين: " أي أن ما حدثتموهم به ستكون عاقبته أن يحاجوكم به عند ربكم"(6).
ويحتمل قوله تعالى: {عِندَ رَبِّكُمْ} [البقرة: 76]، وجهين (7):
أحدهما: أنه معمول لقوله: {ليحاجوكم} ، والمعنى: ليحاجوكم به في الآخرة.
والثاني: أن (عند) بمعنى (في)، أي: في ربكم، أي فيكونون أحق به.
والثالث: وقيل: أي ليحاجوكم به عند ذكر ربكم.
والرابع: وقيل معناه: إنه جعل المحاجة في كتابكم محاجة عند الله، ألا تراك تقول هو في كتاب الله كذا، وهو عند الله كذا، بمعنى واحد؟
والخامس: وقيل: هو معمول لقوله: {بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} ، أي من عند ربكم ليحاجوكم، وهو بعث النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ ميثاقهم بتصديقه.
قال ابن أبي الفضل: "وهذا القول هو الصحيح، لأن الاحتجاج عليهم هو بما كان في الدنيا"(8).
وضعّفه أبو حيان قائلا: " فبعيد جداً، لأن ليحاجوكم متعلق بقوله: أتحدثونهم، وعند ربكم متعلق بقوله: بما فتح الله عليكم، فتكون قد فصلت بين قوله: عند ربكم، وبين العامل فيه الذي هو: فتح الله عليكم، بقوله: ليحاجوكم، وهو أجنبي منهما، إذ هو متعلق بقوله: أتحدثونهم على الأظهر، ويبعد أن يجيء هذا التركيب هكذا في فصيح الكلام، فكيف يجيء في كلام الله الذي هو أفصح الكلام؟ "(9).
قال أبو حيان: والأولى حمل اللفظ على ظاهره من غير تقديم ولا تأخير، إذا أمكن ذلك، وقد أمكن بجعل قوله:{عِندَ رَبِّكُمْ} على بعض المعاني التي ذكرناها" (10).
قوله تعالى: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 76]، " أي أفليست لكم عقول تمنعكم من أن تحدثوهم بما يكون لهم في حجة عليكم؟ "(11).
قال الواحدي: أي: " أفليس لكم ذهن الإنسانية، هذا من كلام رؤسائهم لهم في لومهم إياهم"(12).
قال السعدي: " أي: أفلا يكون لكم عقل، فتتركون ما هو حجة عليكم؟ هذا يقوله بعضهم لبعض"(13).
(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (784): ص 1/ 150.
(2)
البيت ينسب للأسعر الجعفي، ومحمد بن حمران بن أبي حمران. انظر تعليق الراجكوتي في سمط اللآلئ:927.
(3)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 254، والنكت والعيون: 1/ 149.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 62.
(5)
أخرجه الطبري (1343): ص 2/ 252.
(6)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 253.
(7)
انظر: البحر المحيط: 1/ 268.
(8)
نقلا عن البحر المحيط: 1/ 268.
(9)
البحر المحيط: 1/ 268.
(10)
البحر المحيط: 1/ 268.
(11)
صفوة التفاسير: 1/ 62.
(12)
التفسير البسيط: 3/ 84.
(13)
تفسير السعدي: 56.
قال الطبري: أي" أفلا تفقهون أيها القوم وتعقلون، أن إخباركم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بما في كتبكم أنه نبي مبعوث، حجة لهم عليكم عند ربكم، يحتجون بها عليكم؟ أي: فلا تفعلوا ذلك، ولا تقولوا لهم مثل ما قلتم"(1).
قال ابن عثيمين: " والمراد به التوبيخ؛ يعني: أين عقولكم؟ ! أنتم إذا حدثتموهم بهذا، وقلتم: إن هذا الذي بُعث حق، وأنه نبي يحاجونكم به عند الله يوم القيامة"(2).
واختلف في الخطاب الموجه في قوله تعالى: {أَفَلا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 76]، على وجهين (3):
أحدهما: أنه من قول الأحبار للأتباع.
والثاني: أنه خطاب من الله تعالى للمؤمنين.
والقول الثاني هو الصحيح، فهو خطاب من الله تعالى للمؤمنين، أي أفلا تعقلون أن بني إسرائيل لا يؤمنون وهم بهذه الأحوال، ثم وبخهم توبيخا يتلى فقال:{أَوَلا يَعْلَمُونَ} الآية (4).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: أن في اليهود منافقين؛ لقوله تعالى: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا .. } إلخ.
2 ومنها: أن من سجايا اليهود وطبائعهم الغدر؛ لقوله تعالى: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض .. } إلخ؛ لأن هذا نوع من الغدر بالمؤمنين.
3 منها: أن بعضهم يلوم بعضاً على بيان الحقيقة حينما يرجعون إليهم؛ لقوله تعالى: {وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} .
4 ومنها: أن العلم من الفتح؛ لقولهم: {بما فتح الله عليكم} ؛ ولا شك أن العلم فتح يفتح الله به على المرء من أنواع العلوم والمعارف ما ينير به قلبه.
5 ومنها: أن المؤمن، والكافر يتحاجَّان عند الله يوم القيامة؛ لقولهم:{ليحاجُّوكم به عند ربكم} ؛ ويؤيده قوله تعالى: {ثم إنكم بعد ذلك لميِّتون * ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} [المؤمنون: 15].
6 ومنها: سفه اليهود الذين يتخذون من صنيعهم سلاحاً عليهم؛ لقولهم: {أفلا تعقلون} .
7 ومنها: الثناء على العقل، والحكمة؛ لأن قولهم:{أفلا تعقلون} توبيخ لهم على هذا الفعل؛ وأنه ينبغي للإنسان أن يكون عاقلاً؛ ما يخطو خطوة إلا وقد عرف أين يضع قدمه؛ ولا يتكلم إلا وينظر ما النتيجة من الكلام؛ ولا يفعل إلا وينظر ما النتيجة من الفعل: قال النبي صلى الله عليه وسلم "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً، أو ليصمت"(5).
8 ومنها: أن كفر اليهود بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم عن علم؛ ولهذا صاروا مغضوباً عليهم.
القرآن
{أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)} [البقرة: 77]
التفسير:
أيفعلون كلَّ هذه الجرائم، ولا يعلمون أن الله يعلم جميع ما يخفونه وما يظهرونه؟
قال الراغب: " هذا تبكيت لهم وإنكار لما يتعاطونه مع تكلمهم أن الله لا يخفى عليه خافية"(6).
قوله تعالى: {أَوَلَا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 77]، "أي ألا يعلم هؤلاء اليهود"(7).
وهو استفهام هنا هنا للتوبيخ، والإنكار عليهم لكونهم نزَّلوا أنفسهم منْزلة الجاهل (8)، والمعنى: إذا كان علم الله محيطاً بجميع أفعالهم، وهم عالمون بذلك، فكيف يسوغ لهم أن ينافقوا ويتظاهروا للمؤمنين بما يعلم
(1) تفسير الطبري: 2/ 255.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 253.
(3)
انظر: تفسير القرطبي: 2/ 4.
(4)
انظر: تفسير القرطبي: 2/ 4.
(5)
أخرجه البخاري ص 509، كتاب الأدب، باب 31؛ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، حديث رقم 6018؛ وأخرجه مسلم ص 688، كتاب الإيمان، باب 19: الحث على إكرام الجار
…
، حديث رقم 173 [74]47.
(6)
تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 138.
(7)
صفوة التفاسير: 1/ 63.
(8)
انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 254.
الله منهم خلافه، فلا يجامع حالة نفاقهم بحالة علمهم بأن الله عالم بذلك والأولى حمل ما يسرون وما يعلنون على العموم، إذ هو ظاهر اللفظ (1).
وقرأ الجمهور {يعلمون} بالياء، وابن محيصن {أولا تعلمون]، بالتاء، خطابا للمؤمنين (2)، وفيه تنبيه لهم على جهلهم بعالم السر والعلانية، وفائدته التنبيه على سماع ما يأتي بعده، ثم أعرض عن خطابهم وأعاد الضمير إلى الغيبة، إهمالاً لهم، فيكون ذلك من باب الالتفات (3).
قوله تعالى: {أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [البقرة: 77]، "أي ألا يعلم هؤلاء اليهود أن الله يعلم ما يخفون وما يظهرون"(4).
قال الزمخشري: " ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان"(5).
قال الشوكاني: " من جميع أنواع الأسرار وأنواع الإعلان ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان"(6).
قال القاسمي: أي: أن الله يعلم ما: يخفون من قولهم لأصحابهم، ومن غيره وَما يُعْلِنُونَ أي يظهرون من ذلك، فيخبر به أولياءه" (7).
قال السعدي: " فهم وإن أسروا ما يعتقدونه فيما بينهم، وزعموا أنهم بإسرارهم لا يتطرق عليهم حجة للمؤمنين، فإن هذا غلط منهم وجهل كبير، فإن الله يعلم سرهم وعلنهم، فيظهر لعباده ما أنتم عليه"(8).
واختلف في الذي أسروه هؤلاء، على وجوه (9):
أحدها: أن الذي أسرّوه كفرهم، والذي أعلنوه الإيمان. قاله قتادة (10)، وأبو العالية (11)، وروي عن الحسن والربيع نحو ذلك (12).
الثاني: وقيل: العداوة والصداقة.
والثالث: وقيل: قولهم لشياطينهم إنا معكم، وقولهم للمؤمنين آمنا.
والرابع: وقيل: صفة النبي صلى الله عليه وسلم، وتغيير صفته إلى صفة أخرى، حتى لا تقوم عليهم الحجة.
والرابع: كان ما أسرّوا أنهم إذا تولوا عن أصحاب محمد وخلا بعضهم إلى بعض تناهوا أن يخبر أحدهم منهم أصحاب محمد بما فتح الله عليهم في كتابهم خشية أن يحاجهم أصحاب محمد بما في كتابهم عند ربهم ليخاصموهم. قاله الحسن (13).
قال ابن عطية: " والذي أسروه كفرهم، والذي أعلنوه قولهم آمنا، هذا في سائر اليهود، والذي أسره الأحبار صفة محمد صلى الله عليه وسلم والمعرفة به، والذي أعلنوه الجحد به، ولفظ الآية يعم الجميع"(14).
(1) انظر: تفسير البحر المحيط: 1/ 441.
(2)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 223، والمحرر الوجيز: 1/ 169.
(3)
انظر: تفسير البحر المحيط: 1/ 441، وتفسير القرطبي: 2/ 4.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 63.
(5)
الكشاف: 1/ 157.
(6)
فتح القدير: 1/ 103.
(7)
محاسن التأويل: 1/ 337.
(8)
تفسير السعدي: 56.
(9)
انظر: تفسير البحر الميط: 1/ 441.
(10)
انظر: تفسير الطبري (1350): ص 2/ 256.
(11)
انظر: تفسير الطبري (1351): ص 2/ 256 - 257.
(12)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 151.
(13)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (787): ص 1/ 151.
(14)
المحرر الوجيز: 1/ 169.
وفي هذه الآية وما أشبهها دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغضي عن المنافقين، مع أن الله أظهره على نفاقهم، وذلك رجاء أن يؤمنوا، فأغضى عنهم، حتى قبل الله منهم من قبل، وأهلك من أهلك. واختلف، هل هذا الحكم باق، أو نسخ؟ (1):
أحدها: أنه نسخ، لأنه كان يفعل ذلك صلى الله عليه وسلم، تأليفاً للقلوب، وقد أعز الله الإسلام وأغنى عنهم، فلا حاجة إلى التأليف.
والثاني: أنه باق إلى الآن، لأن أهل الكفر أكثر من أهل الإيمان، فيحتاجون إلى زيادة الأنصار وكثرة عددهم.
والقول الأول هو الأشهر (2). والله أعلم.
قال أبو حيان: "وفي قوله: {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}، حجة على من زعم أن الله لا يعلم الجزئيات، بل يعلم الكليات"(3).
الفوائد:
1.
من فوئاد الآية: توبيخ اليهود على التحريف؛ لقوله تعالى: {أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون.
2.
ومنها: إثبات عموم علم الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {يعلم ما يسرون وما يعلنون}
3.
ومنها: الوعيد على مخالفة أمر الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {أولا يعلمون أن الله يعلم .. } الآية؛ لأن المقصود بذلك تهديد هؤلاء، وتحذيرهم.
القرآن
{وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78)} [البقرة: 78]
التفسير:
ومن اليهود جماعة يجهلون القراءة والكتابة، ولا يعلمون التوراة وما فيها من صفات نبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وما عندهم من ذلك إلا أكاذيبُ وظنون فاسدة.
قال القاسمي: " ولما ذكر العلماء من اليهود الذين عاندوا بالتحريف، مع العلم والاستيقان، ذكر العوامّ الذين قلدوهم، ونبّه على أنهم في الضلال سواء. لأن العالم عليه أن يعمل بعلمه، وعلى العامّيّ أن لا يرضى بالتقليد والظن، وهو متمكن من العلم"(4).
قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} [البقرة: 78]، أي" من اليهود أميون لا يحسنون القراءة والكتابة"(5).
قال السعدي: " أي: عوام، ليسوا من أهل العلم"(6).
واختلف في الذين نعتهم الله بالأمية في قوله {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} [البقرة: 78]، على قولين (7):
أحدهما: أي من اليهود. قاله أبو العالية (8)، والربيع (9)، ومجاهد (10). وهو الظاهر من الآية.
والثاني: من اليهود والمنافقين أميون (11).
قال ابن عطية: " وقول أبي العالية ومجاهد أوجه هذه الأقوال"(12).
وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة: {أميون} ، بتخفيف (الميم)(13).
(1) انظر: تفسير البحر المحيط: 1/ 441.
(2)
انظر: تفسير البحر المحيط: 1/ 441.
(3)
تفسير البحر المحيط: 1/ 441.
(4)
محاسن التأويل: 1/ 337.
(5)
تفسير البغوي: 1/ 114.
(6)
تفسير السعدي: 56.
(7)
انظر: تفسير القرطبي: 2/ 5.
(8)
انظر: تفسير الطبري (1352): ص 2/ 257.
(9)
انظر: تفسير الطبري (1353): ص 2/ 257.
(10)
انظر: تفسير الطبري (1354): ص 2/ 257.
(11)
انظر: تفسير القرطبي: 2/ 5.
(12)
المحرر الوجيز: 1/ 169.
(13)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 169.
والأمي: أي من لا يكتب ولا يقرأ، وهو المنسوب إلى ما عليه جبلته أمه (1)، واحدهم أمي، منسوب إلى الأمة الأمية التي هي على أصل ولادة أمهاتها لم تتعلم الكتابة ولا قراءتها، ومنه قوله عليه السلام:" إنَّا أمَّة أمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين "(2).
(1) انظر: معاني القرآن" 1/ 159. وفي "تهذيب اللغة" 1/ 204 مادة (أم).
(2)
رواه البخاري (1814) ومسلم (1080)، وقد ورد هذا الحديث في مسألة دخول الشهر الهلالي، وهو يدل على أنه لا يُلتفت في معرفة دخول الشهر إلى الحسابات الفلكية وإنما يُعتمد على الرؤية الظاهرة للقمر عند ولادته فنعرف دخول الشهر، فالحديث سيق لبيان أنّ الاعتماد على الرؤية لا على الحساب ولم يأت لحثّ الأمة الإسلامية للبقاء على الجهل وترك تعلّم الحساب العادي وسائر العلوم النافعة ولذلك فلا ينافي هذا الحديث ما يتعلمه المسلمون اليوم من العلوم المختلفة التي تفيدهم في دنياهم، والإسلام دين العلم، وهو يدعو إليه ويوجبه على كلّ مسلم أن يتعلّم ما افترضه الله عليه ويتعلم أحكام ما يحتاج إليه من العبادات والمعاملات وأما العلوم الدنيوية كالطبّ والهندسة والزراعة وغيرها فيجب على المسلمين أن يتعلّموا منها ما تحتاج إليه الأمّة ولو احتاج المسلمون لصنع إبرة لوجب عليهم أن يكون فيهم من يتعلّم صنعة تلك الإبرة.
قال الراغب الأصفهاني: "والأُمِّيُّ: هو الذي لا يكتب ولا يقرأ من كتاب، وعليه حمل:{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} قال قطرب: الأُمِّيَّة: الغفلة والجهالة، فالأميّ منه، وذلك هو قلة المعرفة، ومنه قوله تعالى:(وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ) أي: إلا أن يتلى عليهم، وقال الفرّاء: هم العرب الذين لم يكن لهم كتاب، (والنَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ) قيل: منسوب إلى الأمّة الذين لم يكتبوا، لكونه على عادتهم كقولك: عامّي، لكونه على عادة العامّة، وقيل: سمي بذلك لأنه لم يكن يكتب ولا يقرأ من كتاب، وذلك فضيلة له لاستغنائه بحفظه، واعتماده على ضمان الله منه بقوله:{سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى} .
وقيل: سمّي بذلك لنسبته إلى أمّ القرى [" (المفردات في غريب القرآن- كتاب الألف: 1/ 87].
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " «إنا أمة أمية» ليس هو طلبًا؛ فإنهم أميون قبل الشريعة كما قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ} وقال: "{وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ} ، فإذا كانت هذه صفة ثابتة لهم قبل المبعث لم يكونوا مأمورين بابتدائها. نعم قد يؤمرون بالبقاء على بعض أحكامها فإنا سنبين أنهم لم يؤمروا أن يبقوا على ما كانوا عليه مطلقًا" [مجموع الفتاوى:[25/ 166 - 167].
وقال أيضًا: "فالأمة التي بُعث فيها النبي صلى الله عليه وسلم أولاً هم العرب وبواسطتهم حصلت الدعوة لسائر الأمم؛ لأنه إنما بعث بلسانهم فكانوا أميين عامة ليست فيهم مزية علم ولا كتاب ولا غيره مع كون فطرهم كانت مستعدة للعلم أكمل من استعداد سائر الأمم. بمنزلة أرض الحرث القابلة للزرع؛ لكن ليس لها من يقوم عليها فلم يكن لهم كتاب يقرؤونه منزل من عند الله كما لأهل الكتاب ولا علوم قياسية مستنبطة كما للصابئة ونحوهم. وكان الخط فيهم قليلاً جدًّا، وكان لهم من العلم ما يُنال بالفطرة التي لا يخرج بها الإنسان عن الأُمُوَّة العامة. كالعلم بالصانع سبحانه وتعظيم مكارم الأخلاق وعلم الأنواء. والأنساب والشعر. فاستحقوا اسم الأمية من كل وجه. كما قال فيهم: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} [الجمعة: 2] وقال تعالى: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ} [آل عمران: 20] فجعل الأميين مقابلين لأهل الكتاب. فالكتابي غير الأمي. فلما بُعث فيهم ووجب عليهم اتباع ما جاء به من الكتاب وتدبره وعقله والعمل به -وقد جعله تفصيلًا لكل شيء وعلمهم نبيهم كل شيء حتى الخراءة- صاروا أهل كتاب وعلم. بل صاروا أعلم الخلق وأفضلهم في العلوم النافعة وزالت عنهم الأمية المذمومة الناقصة وهي عدم العلم والكتاب المنزل إلى أن علموا الكتاب والحكمة وأورثوا الكتاب"[انظر: مجموع الفتاوي: 25/ 167 - 169].
ويقول ابن خلدون: "ثم إن الصحابة كلهم لم يكونوا أهل فُتيا، ولا كان يؤخذ عن جميعهم وإنما كان ذلك للحاملين للقرآن، العارفين بناسخه ومنسوخه ومتشابهه ومحكمه، وسائر دلالاته مما تلقوه من النبي وممن سمعه منه من عليتهم، وكانوا يُسَمَّوْنَ لذلك القراء، أي: الذين يقرءون الكتاب؛ لأن العرب كانوا أمة أمية، فاختص من كان منهم قارئا للكتاب بهذا الاسم لغرابته يومئذ، وبقي الأمر كذلك صدر الملة، ثم عظمت الأمصار وذهبت الأمية من العرب بممارسة الكتاب وتمكن الاستنباط وكمل الفقه وأصبح صناعةً وعلماً، فبدلوا باسم الفقهاء والعلماء من القراء"[تاريخ ابن خلدون: 1/ 563 - 564].
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: "أما وصف الأمة بالأمية فليس المقصود منه ترغيبهم في البقاء عليها وإنما المقصود الإِخبار عن واقعهم وحالهم حين بعث الله إليهم محمداً صلى الله عليه وسلم وقد دل الكتاب والسنة على الترغيب في التعلم والكتابة والخروج من وصف الأمية فقال الله سبحانه: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَاب} [الزمر: 9] وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11]، وقال سبحانه:{إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].
…
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقا إلى الجنة» [رواه الإِمام مسلم في صحيحه (2699): ص 4: 2074]. وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» [صحيح البخاري (71): ص 1/ 39]، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وبالله التوفيق. فلاحظ كيف يُقيِّد العلماء "الأمية" بما ورد فيه نصُّها، وكيف أنها في الأساس هي "عدم العلم"، وقد زالت أمية هذه الأمة بما أنزل الله عليها من علم؛ فكيف يكون من مفاخرها -أو من مكبِّلاتها- أنها أمة "أمية" لا تعلم حتى ما يدور حولها من أفعال الناس وتصرفاتهم على الأرض وبين ظهرانيها، ومما يسمى بفقه الواقع؟ ! بل حتى في الآية التي تصف الأمة بالأميين، فيها إشارة واضحة إلى أن مصير هذه الأمية إلى زوال، فتدبَّر قولَه تعالى:{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2]، فوظيفة الرسول أن يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وذلك هو زوال الأمّيّة عن هذه الأمة. نعم هي أمية فيما ينبغي لها أن تكون كذلك، كالأمر الذي ورد فيه الحديث من علم التنجيم ونحوه، وينبغي لها أن تكون أعلم أهل الأرض في كل ما كان من شأن الخواص، فهي الأمة المهيَّئة للخيرية في كل شيء.
والأمِّية معجزة للنبي منقصة في غيره: لقد وُصِف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أميّ، ونحن نؤمن أنه أميّ، لكنَّ أُمِّيَّته ليست أكثر من أنها على الفطرة، وأنه لا يكتب بيده ولا يقرأ الخط، لكنه أعلم الناس على الإطلاق وأقرأ البشر، بما علمه ربُّنا سبحانه. أما ترى أن هذا النبي الأمي يحدِّث الناس عن دقائق العلوم التي يحار فيها المتخصصون، من علوم الأجنة والأفلاك وأعماق البحار أعالي الأفلاك والطبّ وغيرها مما حواه القرآن الكريم والسنة النبوية من معجزات؟ ! ولم يكتشفه أهل الاختصاص إلى بعد القرون المُقرَّنة؟ قال شيخ الإسلام:"كذلك إذا وُصف صلى الله عليه وسلم بأنه أمي كما وصفه الله بذلك فهي مدحة له وفضيلة ثابتة فيه وقاعدة معجزته، إذ معجزته العظيمة في القرآن العظيم إنما هي متعلقة بطريق المعارف والعلوم مع ما مُنح صلى الله عليه وسلم وفُضِّل به من ذلك كما قدمناه في القسم الأول. ووجود مثل ذلك من رجل لم يقرأ ولم يكتب ولم يدارس ولا لُقّن مقتضى العجب ومنتهى العبر ومعجزة البشر. وليس في ذلك نقيصة إذ المطلوب من القراءة والكتابة المعرفة، وإنما هي آلة لها وواسطة موصلة إليها غير مرادة في نفسها، فإذا حصلت الثمرة والمطلوب استغنى عن الواسطة والسبب؛ والأمية في غيره نقيصة لأنها سبب الجهالة وعنوان الغباوة"(ابن تيمية، الإخنائية (الرد على الإخنائي)، تحقيق أحمد بن مونس العنزي، دار الخراز، جدة، ط 1، 1420 هـ / 2000 م، ص: 226).
أهذا شأن الأمي الذي لا يعلم؟ ! حاشا أن يكون نبيُّا أميًّا لا يعلم
…
وإنما هو أُمِّيٌّ فطريٌّ لا يكتب بيده ولا يقرأ الخط، وثمَّ مكمن الإعجاز الرباني! وهي التي زلَّ فيها أقوام، ولم ينتبهوا إلى الفرق، حتى قال بعضهم:"نحن أمة أمية" وعلوم الآلة من أصول فقه وقواعده ونحو ذلك علوم دقائق، لا يجوز أن نتعلمها أو نشتغل بها! أمتنا تقرأ وتحفظ ولو لم تحسب وتكتب قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"فأمتنا ليست مثل أهل الكتاب الذين لا يحفظون كتبهم في قلوبهم بل لو عدمت المصاحف كلها كان القرآن محفوظاً في قلوب الأمة، وبهذا الاعتبار فالمسلمون أمة أمية بعد نزول القرآن وحفظه. كما في الصحيح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب الشهر هكذا وهكذا». فلم يقل إنا لا نقرأ كتاباً ولا نحفظ، بل قال «لا نكتب ولا نحسب»؛ فديننا لا يحتاج أن يكتب ويحسب كما عليه أهل الكتاب من أنهم يعلمون مواقيت صومهم وفطرهم بكتاب وحساب ودينهم معلق بالكتب لو عدمت لم يعرفوا دينهم" (مجموع الفتاوي، [17/ 436].
وهي فعلاً علوم دقائق، ولو طبَّقنا عليها قاعدة "علوم الخواص" امتنع تناولها والأخذ بها، ولكن الأمر ليس كذلك. فلا يصح -إذن- أن نتهم الشريعة بأنها لا تفقه الواقع السياسي، ولا أن علماءها لا يشترط لهم فقه الواقع السياسي أو أنهم عاجزون عن فهم الواقع وتنزيله على حكم الشارع، ثم نترك الفاسدين يعيثون في سياسة الأمة بأفكارهم العَلمانية، ثم إذا خرج عالم شرعي عن هذا التأصيل الخاطئ، ويحاول أن يوجه بوصلة السياسة وجهة شرعية، ويحاول أن يفقه الواقع ليحمله على الشرع، قام شرعيون آخرون فألجموه بفقه تجهيل الأمة وأمية الشريعة، فيتعلمن الواقع السياسي بتأصيلات هي هي الأُمِّية!
فيمكن القول بأن لفظ (الأمي) جاء في القرآن بالمعنيين اللذين ذكرهما أهل اللغة وأهل التفسير:
الأول: الذي لايكتب ولا يقرأ من كتاب.
والثاني: الذي ولد في أم القرى، وهي مكة، ونشأ فيها.
ولكن المعنى الظاهر المتبادر هو المعنى الذي كانوا فيه من الزاهدين، وذكره بعضهم، وقال: إنه ضعيف! فالقرآن كلما ذكر (الأميّ) أو (الأميين) نسبة إلى أم القرى، لم يأت له ببيان، لكونه واضحا في معناه، ولكن حينما جاء بهذا اللفظ في معنى قلة العلم أو عدم العلم جاء بعده بما يفسره، حيث قال تعالى:{وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [البقرة: 78]، فجاء {لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} ، بيانا لقوله تعالى:{ومنهم أميُّونَ} ، ولم يستعمل القرآن هذا اللفظ في سياق الذمّ، وبمعنى عدم العلم إلا لبني إسرائيل، وكلما استعمله للنبي صلى الله عليه وسلم، أو استعمله لأصحابه استعمله لبيان واقعهم، وهو كونهم من أمّ القرى.
وقد تعددت أقوال أهل العلم في تعريف (الأميين)، على وجوه (1):
أحدها: أن الأُمّي: الذي لا يكتب ولا يقرأ، وهو قول مجاهد (2).
والثاني: أنَّ الأُمّيين: قوم لم يصدقوا رسولاً أرسله الله، ولا كتاباً أنزله الله، وكتبوا كتاباً بأيديهم، وقال الجهال لقومهم: هذا من عند الله، وهذا قول ابن عباس (3).
والثالث: وقال أبو عبيدة: "إنما قيل لهم أميون لنزول الكتاب عليهم، كأنهم نسبوا إلى أم الكتاب، فكأنه قال: ومنهم أهل الكتاب لا يعلمون الكتاب"(4).
والرابع: وقيل: هم قوم من أهل الكتاب، رفع كتابهم لذنوب ارتكبوها فصاروا أميين (5).
والخامس: أنهم نصارى العرب. قاله عكرمة والضحاك (6).
السادس: أنهم المجوس. قاله علي رضي الله عنه (7).
(1) انظر: تفسير القرطبي: 2/ 5.
(2)
انظر: النكت واعيون: 1/ 149.
(3)
نقل عنه القرطبي: 2/ 5، وانظر نحوه في تفسير الطبري (1358): ص 2/ 258.
(4)
نقله عنه القرطبي: 2/ 5، والسمين الحلبي في الدر المصون: 2/ 445، وابن عادل الحنبلي في اللباب: 2/ 303، والذي في مجا القرآن لأبي عبيدة: 1/ 90: " أن الأميين هم الذين لم يأتهم الأنبياء بالكتب".
(5)
انظر: تفسير القرطبي: 2/ 5.
(6)
انظر: تفسير القرطبي: 2/ 5.
(7)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 169، وتفسير الطبري: 2/ 5.
والقول الأول أظهر مع تفسير الآية، والله تعالى أعلم. وقال به الماوردي (1) وابن عطية (2)، والقرطبي (3)، وغيرهم.
وفي الأصل اللغوي للأميّ، وتسميته به قولان (4):
أحدهما: أنه مأخوذ من الأمة، أي على أصل ما عليه الأمّة، لأنه باق على خلقته من أنه لا يكتب، قاله أبو إسحاق (5)، ومنه قول الأعشى (6):
وإنّ معاويةَ الأكرمين
…
حسانُ الوجوه طوال الأمَمْ
والثاني: أنه مأخوذ من الأُم. قاله ابن الأنباري (7).
وذكروا في سبب أخذ (الأمي) من (الأُم) قولين (8):
أحدهما: أنه مأخوذ منها، لأنه على ما ولدته أُمُّهُ من أنه لا يكتب.
والثاني: أنه نُسِبَ إلى أُمّهِ، لأن الكتاب في الرجال دون النساء، فنسب من لا يكتب من الرجال إلى أمه، لجهلها بالكتاب دونه أبيه (9). واختاره الطبري (10).
قوله تعالى: {لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ} [البقرة: 78]، "أي: ليس لهم حظ من كتاب الله" (11).
قال إبراهيم النخعي: " ومنهم من لا يحسن أن يكتب"(12).
وقال ابن زيد: " أميون، لا يقرءون الكتاب من اليهود"(13).
وقال قتادة: " لا يعلمون الكتاب ولا يدرون ما فيه"(14). وعنه أيضا: " إنما هم أمثال البهائم، لا يعلمون شيئا"(15).
وقال أبو العالية: " لا يدرون ما فيه"(16). أي من الكتباب، وروي عن ابن عباس مثل ذلك (17).
وقال ابن عباس: " لا يعرفون الكتاب الذي أنزله الله"(18).
وعني بـ {الكتاب} : "التوراة، ولذلك أدخلت فيه (الألف واللام)، لأنه قصد به كتاب معروف بعينه"(19).
قال الطبري: " لا يعلمون ما في الكتاب الذي أنزله الله، ولا يدرون ما أودعه الله من حدوده وأحكامه وفرائضه"(20).
قوله تعالى: {إِلَاّ أَمَانِيَّ} [البقرة: 78]، " أي إلا قراءة بدون فهم للمعنى"(21).
قال الصابوني: أي" إلا التلاوة فقط"(22).
و(الأماني) جمع أمنية، أصلها:"أمنوية، أفعولة، من منى إذا قدر، وهي في الأصل: ما يقدره في نفسه"(23).
وقوله {إِلَّا أَمانِيَّ} [البقرة: 78]، فيه وجهان من القراءة (24):
أحدهما: {إِلَّا أَمانِيَّ} ، بتشديد الياء. قرأ بها العامة.
والثاني: {أَمانِيَ} ، بتخفيف الياء في كلّ القرآن. قرأ بها الحسن وأبو جعفر وشيبة والأعرج، إذ حذفوا إحدى الياءين استحفافا وهي ياء الجمع مثل مفاتح ومفاتيح.
وقال أبو حاتم: "كل جمع من هذا الجنس واحد مشدّد فلك فيه التّضعيف والتشديد مثل فخاتي وأماني وأغاني وغيرها"(25).
واختلف أهل التفسير في قوله تعالى {لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَاّ أَمَانِيَّ} [البقرة: 78]، على أربعة أقوال:
أحدها: إِلَاّ أَمَانِيَّ: يعني: إلا كذباً. قاله ابن عباس (26)، وهو قول مجاهد (27)، واختيار الفراء (28)، والكلبي (29)، والزجاج (30) في احد قوليه، والطبري (31)، وابن كثير (32).
ومنه قول عثمان رضي الله عنه: " لا تغنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم "(33)، فقوله (ما تمنيت) أي ما كذبت.
ومنه قول الشاعر (34):
ولكنما ذاك الذي كان منكما
…
أمانّي ما لاقت سماء ولا أرضا
والثاني: {إِلَاّ أَمَانِيَّ} ، يعني، أنهم يَتَمَنَّونَ على الله ما ليس لهم.
(1) انظر: النكت واعيون: 1/ 149.
(2)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 169.
(3)
انظر: تفسير القرطبي: 2/ 5.
(4)
انظر: النكت والعيون: 1/ 150.
(5)
انظر: معاني القرآن" 1/ 159، وتهذيب اللغة" 1/ 204 مادة (أم).
(6)
انظر: معجم مقاييس اللغة (أم): 1/ 29، والنكت والعيون: 1/ 150.
(7)
انظر: معاني القرآن" 1/ 159. وفي "تهذيب اللغة" 1/ 204 مادة (أم)، واللسان: 1/ 123.
(8)
انظر: النكت والعيون: 1/ 150، والمحرر الوجيز: 1/ 169.
(9)
انظر: تهذيب اللغة: 1/ 204 - 205، والمحيط في اللغة، للصاحب بن عباد: 10/ 459، ، والتفسير البسيط: 3/ 84، وتفسير القرطبي" 2/ 4، و"اللسان" 1/ 123.
(10)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 259.
(11)
تفسير السعدي: 56.
(12)
أخرجه الطبري: (1356): ص 2/ 257 - 258.
(13)
أخرجه الطبري: (1357): ص 2/ 258.
(14)
أخرجه الطبري: (1360): ص 2/ 260.
(15)
أخرجه الطبري: (1359): ص 2/ 259 - 260.
(16)
أخرجه الطبري: (1361): ص 2/ 260.
(17)
أخرجه الطبري: (1362): ص 2/ 260.
(18)
أخرجه الطبري: (1364): ص 2/ 260.
(19)
تفسير الطبري: 2/ 260.
(20)
تفسير الطبري: 2/ 259.
(21)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 256.
(22)
تفسير السعدي: 56.
(23)
تفسير الطبري: 2/ 265.
(24)
نظر: تفسير الثعلبي: 1/ 223.
(25)
تفسير الثعلبي: 1/ 223.
(26)
انظر: تفسير الطبري (1365): ص 2/ 261. وبنحوه أخرجه ابن أبي حاتم (792): ص 1/ 152.
(27)
تفسير مجاهد: 1/ 81، وأخرجه الطبري (1366): ص 2/ 261، وابن أبي حاتم (794): ص 1/ 152.
(28)
انظر: معاني القرآن للفراء: 1/ 50.
(29)
ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 223، وينظر:"البغوي" 1/ 115، "الخازن" 1/ 77.
(30)
نقلا عن التفسير البسيط: 3/ 86.
(31)
انظر: تفسير الطبري 2/ 262.
(32)
انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 118،
(33)
أخرجه ابن ماجه في سنن (1/ 113) قال: حدثنا علي بن محمد حدثنا وكيع حدثنا الصلت بن دينار عن عقبة بن صهبان قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: وذكر الحديث،، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير - (ج 5 / ص 192) قال: حدثنا أحمد بن زهير التستري ثنا محمد بن عبيد بن ثعلبة ثنا أبو يحيى الحماني ثنا عبد الأعلى بن أبي المساور عن الشعبي عن زيد بن أرقم قال: أرسلني النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر رضي الله عنه فبشرته بالجنة ثم أرسلني إلى عمر رضي الله عنه فبشرته بالجنة ثم أرسلني إلى عثمان فبشرته بالجنة على بلوي تصيبه فأخذ عثمان بيدي فانطلق أو ذهب بي حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما هذه البلوى التي تصيبني؟ فوالله ما تغنيت ولا تمنيت ولا مسست فرجي بيميني منذ أسلمت أو منذ بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام فقال له: إن الله مقمصك قميصا فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه. وذكر ابن حجر في المطالب العالية (11/ 76) عن الصقر بن عبد الرحمن ابن بنت مالك بن مغول، ثنا عبد الله بن إدريس، عن المختار بن فلفل، عن أنس، قال:«جاء النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل إلى بستان، فجاء آت، فدق الباب، فقال: » يا أنس، «قم فافتح له، وبشره بالجنة، وبشره بالخلافة من بعدي» قال: قلت: يا رسول الله، أعلمه؟ قال:«أعلمه» فإذا أبو بكر، قلت: أبشر بالجنة، وأبشر بالخلافة من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاء آت، فدق الباب، فقال:«يا أنس» فذكر بمثله سواء، فإذا عمر، فقلت له: أبشر بالجنة، وبالخلافة من بعد أبي بكر قال: ثم جاء آت، فدق الباب، فقال:«يا أنس، قم فافتح له، وبشره الجنة، وبشره بالخلافة من بعد عمر، وأنه مقتول» قال: فخرجت، فإذا عثمان، فقلت له: أبشر بالجنة، وبالخلافة من بعد عمر، وأنك مقتول فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا رسول الله، والله ما تغنيت، ولا تمنيت، ولا مسست فرجي منذ بايعتك قال:«هو ذاك يا عثمان» هذا حديث موضوع، قد أخرجه ابن أبي خيثمة في تاريخه من طريق عبد الأعلى بن أبي المساور وأخرجه البزار من طريق بكر بن المختار وبكر، وعبد الأعلى واهيان، والصقر أوهى منهما، فلعله تحمله عن بكر، أو عبد الأعلى، فقلبه عن عبد الله بن إدريس ليروج، ولو كان هذا وقع، ما قال أبو بكر للأنصار: قد رضيت لكم أحد الرجلين: عمر، أو أبا عبيدة ولما قال عمر: الأمر شورى في ستة.
(34)
لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الماوردي في النكت والعيون: 1/ 150.
قاله قتادة (1)، ومجاهد (2)، وأبو العالي (3)، وابن زيد (4)، وابن عباس (5) في رواية علي بن أبي طلحة عنه.
والثالث: إِلَاّ أَمَانِيَّ، يعني: إلا تلاوة من غير فهم.
وهو اختيار البغوي (6) والراغب الأصفهاني (7) والواحدي (8)، والسعدي (9)، وأبو عبيدة (10)، وابن الأنباري (11)، وابن قتيبة (12)، والزجاج في أحد قوليه (13)، ونسبه الرازي إلى الأكثرين (14).
وأيدوا رأيهم بقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحج: 52]، أي إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته (15).
قال ابن القيم: "والسلف كلهم على أن المعنى: إذا تلى ألقى الشيطان في تلاوته"(16).
وقال ابن الأزهري: "والتلاوة سميت أمنية؛ لأن تالي القرآن إذا مر بآية رحمة تمنّاها، وإذا مرّ بآية عذاب تمنّى أن يُوَقّاه"(17).
لكن اعترض على هذا القول بأنه لا يتناسب مع قوله تعالى {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} ؛ لأن الأمي لا يقرأ.
وممن اعترض بهذا: البيضاوي (18) والشنقيطي (19).
إلا أن هذا الاعتراض مردود بأن المراد هو حصول التلاوة، وهي حاصلة من غير هؤلاء الأميين، بأن يسمعونه من غيرهم، كما فسره بهذا جمع من أهل العلم، بل، إن هذا الاعتراض أيضاً مردود، حتى على القول بأنهم هم الذين يقرأون؛ لأن معرفة القراءة لا ترفع وصف الأمي، فنحن نرى بعض كبار السن، وبعض الأعاجم لا يعرف من القراءة، إلا قراءة القرآن الكريم، وهذا لا يرفع وصف الأمية عنه. ولذا، يقول الراغب الأصفهاني:" وقال غيره-يعني غير مجاهد- إلا تلاوة مجردة عن المعرفة، من حيث إن التلاوة بلا معرفة المعنى تجري عند صاحبها مجرى أمنية تمنيتها على التخمين"(20).
ومن ذلك قال الشاعر (21):
ليس بيني وبين قيس عتاب
…
غير طعن الكُلَى وضرب الرقاب
وقال كعب بن مالك (22):
تمنّى كتابَ الله أولَ ليلِهِ
…
وآخرها لاقى حِمَام المقادر
أي: قرأ وتلا كتاب الله في أول الليل، وفى آخر الليل وافاه أجله.
قال الواحدي: "ويسمّى القراءة تمنِّيًا، لأنها تشبه التحدث، وما تمناه الإنسان فهو مما يحدث به نفسه؛ ولهذا فُسِّرت الأماني في هذه الآية بالأحاديث"(23).
وقال آخر (24):
تمنى كتاب الله آخر ليله
…
تمني داود الزبور على رسل
أي تلا كتاب الله مترسلا فيه كما تلا داود الزبور مترسّلا فيه (25).
والرابع: أنَّ الأَمَانِيَّ: التقدير، قاله ابن سكيت (26)، والفراء (27)، وأنشد قول الشاعر (28):
ولا تقولَنْ لشيء سوف أفعله
…
حتى تَبَيّنَ ما يَمْني لَكَ الماني
أي: ما يقدر لك القادر (29).
و(إلا): في هذا الموضع بمعنى (لكن) وهو عندهم من الاستثناء المنقطع، ومنه قوله تعالى:{مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَاّ اتِّبَاعَ الظَّنَّ} [النساء: 157] قال النابغة (30):
حلفت يميناً غير ذي مثنوية
…
ولا علم إلا حسن ظن بصاحب
قوله تعالى: {وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [البقرة: 78]، أي:" إلا يشكون، ولا يعلمون حقيقته وصحته"(31).
قال الواحدي: "أي: لا يعلمون، أراد: ما هُمْ إلا ظانّينَ ظنًّا وتوهمًا لا حقِيقَةً ويقينًا"(32).
قال ابن عباس: " أي لا يعلمون ولا يدرون ما فيه، وهم يجحدون نبوتك بالظن"(33). وروي عن أبي العالية (34)، والربيع (35)، نحو ذلك.
(1) انظر: تفسير الطبري (1371): ص 2/ 261.
(2)
انظر: تفسير الطبري (1368): ص 2/ 261.
(3)
انظر: تفسير الطبري (1372): ص 2/ 261.
(4)
انظر: تفسير الطبري (1373): ص 2/ 261.
(5)
انظر: تفسير الطبري (1370): ص 2/ 261.
(6)
انظر: تفسيره: 1/ 114.
(7)
انظر: تفسيره: 1/ 239.
(8)
انظر: التفسير البسيط: 3/ 86.
(9)
انظر: تفسيره: 56.
(10)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 223.
(11)
انظر: تهذيب اللغة" 4/ 3456.
(12)
انظر: تفسير غريب القرآن: 46.
(13)
انظر: معاني القرآن: 1/ 159.
(14)
انظر: مفاتيح الغيب: 3/ 564.
(15)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 159، وتفسير الثعلبي: 1/ 223.
(16)
((إغاثة اللهفان: 1/ 93. وانظر: تفسير البغوي: 3/ 293، والوسيط" للواحدي: 3/ 276، وزاد المسير: 5/ 443، وأضواء البيان: 5/ 284. ونسبوه للأكثرين من أهل العلم.
(17)
تهذيب اللغة: 15/ 534.
(18)
انظر: تفسير البيضاوي: 1/ 349.
(19)
انظر: أضواء البيان: 1/ 39، والعذب النمير: 1/ 153.
(20)
المفردات في غريب القرآن: 476.
(21)
سيبويه 1: 365، والوحشيات رقم: 55، ومعجم الشعراء: 242، وحماسة البحتري: 32، وانظر تحقيق الراجكوتي في سمط اللآلئ:184. والشعر يقوله في هجاء قيس عيلان يقول فيها:
قاتل الله قيس عيلان طرا
…
ما لهم دون غدرة من حجاب
ثم إن سيبويه أنشد البيت برفع " غير "، على البدل من " عتاب "، اتساعا ومجازا.
(22)
البيت في "ديوانه" ص 294 قاله في رثاء عثمان بن عفان، وينظر "تفسير ابن عطية" 1/ 169، "القرطبي" 2/ 5، وقيل: هو لحسان بن ثابت كما في "تفسير أبي حيان" 6/ 386، وليس في "ديوانه"، وبلا نسبة في: الزاهر في معاني كلمات الناس للأزهري (2/ 150)، مقاييس اللغة"لابن فارس (5/ 277)، المحكم والمحيط الأعظم: (10/ 511)، الفائق"للزمخشري (3/ 392)، لسان العرب (15/ 295)، و، وكتاب "العين" 8/ 390، المسائل والأجوبة لابن قتيبة: 234، تفسير غريب القرآن، لابن قتيبة: 53، وغريب الحديث لابن قتيبة: 2/ 73، وانظر: المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية، للدكتور أميل بديع يعقوب: 3/ 370. وحمام المقادر: الموت.
(23)
التفسير البسيط: 3/ 86، وانظر: القاموس" 1336: (مادة: المنا).
(24)
البيت ورد في اللسان: 15/ 294، مادة (منى)، وقد نسبه ابن منظور إلى حسان،
(25)
معاني القرآن: 3/ 435 - 433.
(26)
نقله عنه صاحب تهذيب اللغة" 4/ 3454، ولم أجده في كتابيه: "تهذيب الألفاظ"، و"إصلاح المنطق".
(27)
نقله عنه ابن الأزهري في: تهذيب اللغة: 4/ 3454. ولم أجده في معاني القرآن.
(28)
البيت لأبي قلابة الهذلي، في "شرح أشعار الهذليين" ص 713، ولسويد بن عامر "المصطلقي في لسان العرب" 7/ 4282، وذكره في "تهذيب اللغة" عن الفراء ولم ينسبه 4/ 3454.
(29)
انظر: التفسير البسيط: 3/ 85.
(30)
ديوانه: 42، وسيبويه 1: 365، وغيرهما، وروايتهم جميعا:" بصاحب "، وكان في الأصل المطبوع " بغائب "، وأظن أن ما كان في الطبري خطأ من النساخ، لأنه لا يتفق مع الشعر. فالنابغة يمدح بهذه الأبيات عمرو بن الحارث الأعرج الغساني، فيقول قبله:
على لعمرو نعمة بعد نعمة
…
لوالده، ليست، بذات عقارب
حلفت يمينا. . . .
…
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لئن كان للقبرين: قبر بجلق
…
وقبر بصيداء الذي عند حارب
وللحارث الجفني سيد قومه
…
ليلتمسن بالجيش دار المحارب
وقوله: " مثنوية " أي استثناء. فهو يقول لعمرو: حلفت يمينا لئن كان من هو - من ولد هؤلاء الملوك من آبائه، الذين عدد قبورهم ومآثرهم - ليغزون من حاربه في عقر داره وليهزمنه، ولم أقل هذا عن علم إلا ما عندي في صاحبي من حسن الظن. فرواية الطبري لا تستقيم، إن صحت عنه.
(31)
تفسير الطبري: 2/ 265.
(32)
التفسير البسيط: 3/ 90.
(33)
أخرجه الطبري (1377): ص 2/ 266.
(34)
انظر: تفسير الطبري (1379): ص 2/ 266 - 267.
(35)
انظر: تفسير الطبري (1380): ص 2/ 267.
وذكروا في قوله تعالى: {وَإِنْ هُم إِلَاّ يَظُنُّونَ} [البقرة: 78]، ثلاثة أوجه:
أحدها: يكذبون، قاله مجاهد (1).
والثاني: يحدثون، قاله البصريون (2).
والثالث: يظنون الظنون بغير الحق. قاله قتادة (3) وأبو العالية (4)، وعن الربيع (5) نحوه.
قال السعدي: " ذكر في هذه الآيات علماءهم، وعوامهم، ومنافقيهم، ومن لم ينافق منهم، فالعلماء منهم متمسكون بما هم عليه من الضلال، والعوام مقلدون لهم، لا بصيرة عندهم فلا مطمع لكم في الطائفتين"(6).
قالَ أصحاب المعاني: "ذمّ الله بهذه الآية قومًا من اليهود، لا يحسنون شيئًا وليسُوا على بصيرة إلّا ما يحدّثونَ به، أو إلّا ما يقرءون عن غَيْرِ عِلم به، ففيه حثٌّ علَى تعلّم العلم؛ حتّى لا يحتاج الإنسان إلى تقليد غيره، وأن يقرأ شيئًا لا يكون له به معرفة"(7).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: أن الأُمّية يوصف بها من لا يقرأ، ومن يقرأ ولا يفهم؛ لقوله تعالى:{ومنم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني} .
2 ومنها: ذم من لا يعتني بمعرفة معاني كتاب الله عز وجل.
3 ومنها: أن من لا يفهم المعنى فإنه لا يتكلم إلا بالظن؛ لقوله تعالى: {وإن هم إلا يظنون} ؛ العامي يقرأ القرآن من أوله إلى آخره، لكن لا يفهم معناه؛ فإذا تكلم في حكم من أحكام الله الشرعية التي دل عليها الكتاب فإنما كلامه عن ظن؛ لأنه في الحقيقة لا يعلم؛ ولا يمكن أن يعلم إلا إذا فهم المعنى.
4 ومنها: ذم الحكم بالظن، وأنه من صفات اليهود؛ وهذا موجود كثيراً عند بعض الناس الذين يحبون أن يقال عنهم:"إنهم علماء"؛ تجده يفتي بدون علم، وربما أفتى بما يخالف القرآن، والسنة وهو لا يعلم.
القرآن
التفسير:
فهلاك ووعيد شديد لأحبار السوء من اليهود الذين يكتبون الكتاب بأيديهم، ثم يقولون: هذا من عند الله وهو مخالف لما أنزل الله على نبيِّه موسى عليه الصلاة والسلام؛ ليأخذوا في مقابل هذا عرض الدنيا. فلهم عقوبة مهلكة بسبب كتابتهم هذا الباطل بأيديهم، ولهم عقوبة مهلكة بسبب ما يأخذونه في المقابل من المال الحرام، كالرشوة وغيرها.
في سبب نزول الآية قولان (8):
أحدهما: أنها نزلت في اليهود الذين "عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم فحرفوه عن مواضعه، يبتغون بذلك عرضا من عرض الدنيا". قاله أبو العالية (9)، وعثمان بن عفان (10).
(1) انظر: تفسير الطبري (1374): ص 2/ 266.
(2)
انظر: النكت والعيون: 1/ 151.
(3)
انظر: تفسير الطبري (1378): ص 2/ 266.
(4)
انظر: تفسير الطبري (1379): ص 2/ 266 - 267.
(5)
انظر: تفسير الطبري (1380): ص 2/ 267.
(6)
تفسير السعدي: 56.
(7)
التفسير البسيط: 3/ 90.
(8)
انظر: أسباب النزول للواحدي: 26، والعجاب في بيان الأسباب: 1/ 261 - 273. قال الواحدي: "نزلت في الذين غيروا صفة النبي صلى الله عليه وسلم وبدلوا نعته، قال الكلبي بالإسناد الذي ذكرنا: إنهم غيروا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابهم وجعلوه آدم سبطا طويلا، وكان ربعة أسمر، وقالوا لأصحابهم وأتباعهم: انظروا إلى صفة النبي، الذي يبعث في آخر الزمان، ليس يشبه نعت هذا، وكانت للأحبار والعلماء مأكلة من سائر اليهود، فخافوا أن يذهبوا مأكلتهم إن بينوا الصفة، فمن ثم غيروا".
(9)
انظر: تفسير الطبري (1394): ص 2/ 271.
(10)
انظر: تفسير الطبري (1395): ص 2/ 271.
والثاني: وقيل أنها نزلت في: "ناس من اليهود كتبوا كتابا من عندهم، يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله، ليأخذوا به ثمنا قليلا". قاله السدي (1)، وابن عباس (2)، ومجاهد (3)، وقتادة (4).
قوله تعالى: {فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} [البقرة: 79]، " أي هلاك وعذاب لأولئك الذين حرّفوا التوراة، وكتبوا تلك الآيات المحرفة بأيديهم"(5).
قال الثعلبي: أي: " من تغيير نعت محمّد"(6).
قال المراغي: " أي هلاك عظيم لأولئك العلماء الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون لعوامّهم: هذا المحرّف من عند الله في التوراة"(7).
قال ابن عطية: هذا" بيان لجرمهم وإثبات لمجاهرتهم الله، وفرق بين من كتب وبين من أمر، إذ المتولي للفعل أشد مواقعة ممن لم يتوله، وإن كان رأيا له"(8).
واختلف أهل التفسير في تحريف اليهود للكتاب على قولين:
أحدهما: أنه: "كان ناس من اليهود كتبوا كتابا من عندهم، يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله، ليأخذوا به ثمنا قليلا". قاله السدي (9)، وابن عباس (10)، ومجاهد (11)، وقتادة (12).
والثاني: أنه في اليهود، "عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم فحرفوه عن مواضعه، يبتغون بذلك عرضا من عرض الدنيا". قاله أبو العالية (13)، وعثمان بن عفان (14).
اختلف أهل التفسير في قوله {فَوَيلٌ} [البقرة: 79]، على أقاويل:
أحدها: أنه العذاب، قاله ابن عباس (15)، والزجاج (16).
والثاني: أنه ما يسيل من صديد في أصل جهنم. قاله أبو العياض (17)، وشقيق (18).
والثالث: أنه التقبيح، وهو قول الأصمعي (19)، ومنه قوله تعالى:{وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18]، ومنه قول الشاعر (20):
كسا اللؤم سهما خضرة في جلودها
…
فويل لسهم من سرابيلها الخُضْرِ
والثالث: أنه الحزن، قاله المفضل (21)، وابن كيسان (22).
(1) انظر: تفسير الطبري (1388): ص 2/ 271.
(2)
انظر: تفسير الطبري (1389): ص 2/ 270.
(3)
انظر: تفسير الطبري (1390): ص 2/ 270.
(4)
انظر: تفسير الطبري (1392): ص 2/ 271.
(5)
صفوة التفاسير: 1/ 63.
(6)
تفسير الثعلبي: 1/ 224.
(7)
تفسير المراغي: 1/ 152.
(8)
المحرر الوجيز: 1/ 170.
(9)
انظر: تفسير الطبري (1388): ص 2/ 271.
(10)
انظر: تفسير الطبري (1389): ص 2/ 270.
(11)
انظر: تفسير الطبري (1390): ص 2/ 270.
(12)
انظر: تفسير الطبري (1392): ص 2/ 271.
(13)
انظر: تفسير الطبري (1394): ص 2/ 271.
(14)
انظر: تفسير الطبري (1395): ص 2/ 271.
(15)
انظر: تفسير الطبري (1381): ص 2/ 267.
(16)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 160.
(17)
انظر: تفسير الطبري (1382)، و (1383)، و (1384): ص 2/ 267 - 268، وابن أبي حاتم (799): ص 1/ 153.
(18)
انظر: تفسير الطبري (1385): ص 2/ 268.
(19)
انظر: اللسان: 11/ 739.
(20)
لم أتعرف على قائله، وانظر البيت في لسان العرب: 11/ 738، وتفسير القرطبي: 5/ 254.
(21)
هو قول المفضل كما في النكت والعيون للماوردي: 1/ 151، وابن عرفة كما في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 2/ 8، إذ قال:(الويل: الحزن، يقال تويل الرجل إذا دعا بالويل) وعزاه لهما أبو حيان في البحر المحيط: 1/ 270، وانظر: انظر: تهذيب اللغة: 4/ 3969، وطرح التثريب: 1/ 154، والمصباح المنير:597.
(22)
انظر: الممتع في التصريف: 2/ 568، ولسان العرب: 8/ 4939، والمعجم المفصل: 6/ 587.
يقال: تويل الرجل إذا دعا بالويل، وإنما يقال ذلك عند الحزن والمكروه، ومنه قوله:{فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} [البقرة: 79]، ومنه قول الشاعر (1):
تَوَيّل إذ ملأتُ يدي وكانَتْ
…
يميني لا تعلّلُ بالقليل
والرابع: أنه الخزي والهوان.
والخامس: أن الويل وادٍ في جهنم، وهذا قول أبي سعيد الخدري (2)، وعطاء بن يسار (3).
والسادس: أنه جبل في النار، وهو قول عثمان بن عفان (4).
والسابع: وقيل: هي كلمة تقال لمن وقع في هلكة يستحقها (5)، وأصله الهلكة، وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، ومنه قوله تعالى:{يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ} [الكهف: 49].
قال سيبويه (6): (ويح) كلمة زجر لمن أشرف على هلكة، و (ويل) لمن وقع فيها (7).
والثامن: وقيل: ويل كلمة وعيد (8).
وهي الويل والويلة، وهما الهلكة، والجمع الويلات، قال الشاعر (9):
لَهُ الوَيْلُ إنْ أمْسَى وَلا أُمُّ هَاشِمٍ
…
قرِيبٌ وَلا البَسباسَةُ ابنةُ يَشكُرَا
وقال أيضا (10):
ويَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ
…
فَقَالَتْ: لَكَ الوَيْلاتُ! ، إنَّكَ مُرْجِلِي
والتاسع: أنه باب من أبواب جهنم. حكاه الزهراوي (11).
نستنتج مما سبق بأن (الْوَيْلُ): هو الْهَلَاكُ والحزن والعذاب والهوان في اللغة، وقيل: هو وادٍ في جهنم من عصارة أهل النار، والله أعلم (12).
(1) لم أتعرف على قائله، والبيت في: الممتع في التصريف" 2/ 568، وفي "لسان العرب" 8/ 4939، "المعجم المفصل" 6/ 587.
(2)
أخرجه أحمد 3/ 75، وعبد بن حميد 924، والترمذي في التفسير، سورة الأنبياء برقم (3164)، وتفسير الطبري (1387): ص 2/ 269، وابن أبي حاتم (798): ص 1/ 153، والحاكم 2/ 507 أبو يعلى في "مسنده" 2/ 523 والبيهقي في "البعث والنشور" برقم 537 من طريق دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري، ودراج ضعيف.
وقد اختلف أهل العلم في ثبوت هذا الحديث فصححه الحاكم ووافقه الذهبي في التلخيص، وصححه ابن حبان والشيخ أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث الطبري، وحسنه حمزة الزين في تخريجه لأحاديث المسند. وضعفه الترمذي في السنن إذ قال بعد تخريجه له:"هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث ابن لهيعة"، وتعقبه ابن كثير في دعوى تفرد ابن لهيعة به مع قوله بتضعيفه إذ قال في التفسير: 1/ 149 "قلت: لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى ولكن الآفة ممن بعده وهذا الحديث بهذا الإسناد-مرفوعاً-منكر، والله أعلم". كما ضعفه الألباني في ضعيف الجامع: 887 رقم: 6148، وشعيب الأرناؤوط في تخريجه لصحيح ابن حبان، وحسين سليم أسد في تخريجه لمسند أبي يعلى، ومدار ذلك على دراج بن سمعان السهمي وفيه خلاف كثير، فوثقه ابن معين وابن حبان، وضعفه الجمهور كأحمد والنسائي والدارقطني وابن عدي وغيرهم، انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: 3/ 441، وميزان الاعتدال للذهبي: 2/ 24، وتهذيب التهذيب لابن حجر: 3/ 208، وغيرها. والأظهر فيه الضعف، وبالتالي عدم ثبوت هذا الحديث.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (800): ص 1/ 253، والطبري (1396): ص 2/ 271 - 272.
(4)
انظر: تفسير الطبري (1386): ص 2/ 268. في الحديث راويان لم نجد لهما ذكرا ولا ترجمة، وهما إبراهيم بن عبدالسلام بن صالح التستري، وعلي بن جرير. عليه لا أظن يقوم إسناده، ووصفه ابن كثير بأنه "غريب جدا"، انظر تفسيره: 1/ 217، وقد ذكره السيوطي أيضًا 1/ 82، ولم ينسباه لغير الطبري. فالله أعلم.
(5)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 160، وزاد المسير لابن الجوزي: 1/ 106، وهذا القول على أن ويل مصدر لا فعل له يراد به الدعاء بشدة الشر والهلاك، انظر: البحر المحيط لأبي حيان: 1/ 277، ومبهمات القرآن للبلنسي: 1/ 163.
(6)
هو: الإمام أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، رأس البصريين في النحو، وسيبوبه لقبه، أخذ عن الخليل وأبي زيد وغيرهم، توفي عام: 180 هـ، ومن مصنفاته: الكتاب. انظر: أخبار النحويين للسيرافي: 63، وفيات الأعيان لابن خلكان: 3/ 463، بغية الوعاة للسيوطي: 2/ 229، المدارس النحوية لشوقي ضيف:57.
(7)
انظر: الكتاب لسيبويه: 1/ 331، وقد ذكر عن سيبويه التفريق غير واحد كابن منظور في لسان العرب: 6/ 4939، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: 2/ 8، والسمين في الدر المصون: 1/ 270.
(8)
قال الكوكباني في تيسير المنان تفسير القرآن: 2/ 1051 (فَوَيْلٌ): "كلمة وعيد"، وقال الرازي في مفاتيح الغيب: 3/ 150: "قال القاضي: (وَيْل) يتضمن نهاية الوعيد"، ووعيد القادر يلزم منه الخوف والردع.
(9)
البيت لامرىء القيس، انظر: ديوانه بتحقيق حنا الفاخوري، دار الجيل، بيروت، لبنان، ط 3، 1995: ص: 341.
(10)
ديوانه: 30.
(11)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 170.
(12)
جاء في فتح القدير للشوكاني (1/ 123): وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْأَصْلُ فِي الْوَيْلِ وَيْ: أَيْ حُزْنٌ، كَمَا تَقُولُ: وَيْ لِفُلَانٍ: أَيْ حُزْنٌ لَهُ، فَوَصَلَتْهُ الْعَرَبُ بِاللَّامِ، قَالَ الْخَلِيلُ: وَلَمْ نَسْمَعْ عَلَى بِنَائِهِ إِلَّا وَيْحَ، وَوَيْسَ، ووَيْهَ، وَوَيْكَ، وَوَيْبَ، وَكُلُّهُ مُتَقَارِبٌ فِي الْمَعْنَى، وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهَا قَوْمٌ وَهِيَ مَصَادِرُ لَمْ يَنْطِقِ الْعَرَبُ بِأَفْعَالِهَا، وَجَازَ الِابْتِدَاءُ به وإن كان نكرة لأن فِيهِ مَعْنَى الدُّعَاءِ. انتهى. وقال أبو السعود في تفسيره (إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (1/ 120): ومعنى الويلِ شدةُ الشر قاله الخليل. وقال الأصمعيُّ: الويلُ التفجُّع، والويحُ الترحُّم. وقال سيبويه: ويلٌ لمن وقع في الهَلَكة، وويحٌ زجرٌ لمن أشرف على الهلاك. وقيل الويلُ الحزن، وهل ويح وويب وويس بذلك المعنى أو بينه وبينها فرق؟ وقيل: ويل في الدعاء عليه، وويح وما بعده في الترحم عليه. وقالَ ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: الويلُ العذاب الأليم. وعن سفيان الثوري أنه صديدُ أهلِ جهنم. ورَوى أبو سعيدٍ الخدريُّ رضيَ الله تعالى عنه عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: الويلُ وادٍ في جهنمَ يهوي فيه الكافرُ أربعينَ خريفاً قبل أنْ يبلُغ قَعْرَه. (قال الألباني: ضعيف، التعليق الرغيب (4/ 229)، ضعيف الجامع الصغير (6148). وقال سعيد ابن المسيب: إنه وادٍ في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لماعت من شدة حرِّه. وقال ابن بريدة: جبلُ قيحٍ ودمٍ وقيل صهريج في جهنم وحكى الزهراوي أنه باب من أبواب جهنم. انتهى.
وفي قوله تعالى: {بِأَيدِيهِم} [البقرة: 79]، تأويلان (1):
أحدهما: أنه أراد بذلك تحقيق الإضافة، وإن كانت الكتابة لا تكون إلا باليد، وقد أُكدّت الإضافة بذكر اليد فيما لا يُرادُ باليد فيه الجارحة، كقوله تعالى:{لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] وقوله: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} [يس: 71]. ومعناه: مما تولينا عمله، ولما توليت خلقه.
والثاني: أن معنى {بِأَيْدِيهِم} ، أي من تلقاء أنفسهم، من غير أن يكون أُنزل عَلَيهم أو على من قبلهم. قاله ابن السراج (2).
قال الواحدي: " وهذا كما يقال للذي يُبدعُ قولًا لَم يُقَلْ قبله: هذا أنت تقوله، يراد بذلك: أنت ابتدعت هذا المذهب وهذا الحكم"(3).
وقال الراغب: وفيها وجهٌ آخر، وهو أن الفعل ضربان: ابتداء، واقتداء، فيُقال فيما كان ابتداء:(هذا مما عملته يدي فلان)، فقوله:{مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} أي مما اخترعوه من تلقائهم، وليس ما أُملى عليهم فكتبوه، وعلى هذا قد يحمل قوله تعالى:{يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} (4).
قوله تعالى: {ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [البقرة: 79]، "أي بعدما كتبوه بأيديهم، وعرفوا أنه من صُنْع أيديهم، يقولون هذا أنزل من عند الله"(5).
قال السعدي: " وهذا فيه إظهار الباطل وكتم الحق، وإنما فعلوا ذلك مع علمهم"(6).
قوله تعالى: {لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} [البقرة: 79]، " أي لينالوا به عرض الدنيا وحطامها الفاني"(7).
قال المراغي: " أي ليأخذوا لأنفسهم في مقابلة هذا المحرّف ثمنا، وهى الرّشى التي كانوا يأخذونها جزاء ما صنعوا"(8).
قال الآلوسي: " أي ليحصلوا- بما أشاروا إليه- غرضا من أغراض الدنيا الدنيئة، وهو- وإن جل- أقل قليل بالنسبة إلى ما استوجبوه من العذاب الدائم، وحرموه من الثواب المقيم"(9).
قال ابن عثيمين: أي ليأخذوا به عوضاً قليلاً وهذا العوض القليل هو الرئاسة، والجاه، والمال، وغير ذلك من أمور الدنيا، كما قال تعالى:{قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى} [النساء: 77]؛ فمهما حصل في الدنيا من رئاسة، وجاه، ومال، وولد، فهو قليل بالنسبة للآخرة؛ كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها"(10) " (11).
(1) انظر: النكت والعيون: 1/ 151، والتفسير البسيط: 3/ 93.
(2)
انظر المحرر الوجيز: 1/ 170، وتفسير القرطبي: 2/ 9، والتفسير البسيط: 3/ 93.
(3)
التفسير البسيط: 3/ 93.
(4)
تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 240. (بتصرف يسير).
(5)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 258. (بتصرف بسيط).
(6)
تفسير السعدي: 56.
(7)
صفوة التفاسير: 1/ 63.
(8)
تفسير المراغي: 1/ 152.
(9)
روح المعاني: 1/ 303
(10)
أخرجه أحمد 5/ 330، حديث رقم 23183؛ وأخرجه البخاري ص 232، كتاب الجهاد والسير، باب 73: فضل رباط يوم في سبيل الله، حديث رقم 2892.
(11)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 258.
وأخرج ابن أبي حاتم " عن إبراهيم، أنه كره كتابة المصاحف بالأجر وتلا هذه الآية: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم} "(1).
واختلف في سبب وصف (الثمن) بالقليل، في قوله تعالى:{لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنَاً قَلِيلاً} [البقرة: 79]، وذكروا فيه وجهين:
أحدهما: أن الثمن هو عرض الدنيا، ووصفه بالقلة لفنائه، كما قال تعالى:{قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} ، وهذا قول ابن عباس (2)، وأبي العالية (3).
وسئل الحسن عن قوله: {ثمنا قليلا} ، قال:"الثمن القليل الدنيا بحذافيرها"(4).
والثاني: أن الثمن القليل هو الرشا والمآكل التي كانت لهم، ووصفه بالقليل لكونه حراما. روي عن السدي (5) نحوه ذلك.
قال المراغي: " ووصف الثمن بالقلة وقد يكون كثيرا، لأن كل ما يباع به الحق ويترك لأجله فهو قليل، لأن الحق أثمن الأشياء وأغلاها"(6).
فيمكن القول بأن صف الله تعالى ما يأخذونه بالقلة، إما لفنائه وعدم ثباته، وإما لكونه حراما، لأن الحرام لا بركة فيه ولا يربو عند الله. قال ابن إسحاق والكلبي: كانت صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابهم ربعة أسمر، فجعلوه آدم سبطا طويلا، وقالوا لأصحابهم وأتباعهم: انظروا إلى صفة النبي صلى الله عليه وسلم الذي يبعث في آخر الزمان ليس يشبهه نعت هذا، وكانت للأحبار والعلماء رياسة ومكاسب، فخافوا إن بينوا أن تذهب مآكلهم ورياستهم، فمن ثم غيروا (7).
وقال السعدي: " والدنيا كلها من أولها إلى آخرها ثمن قليل، فجعلوا باطلهم شركا يصطادون به ما في أيدي الناس، فظلموهم من وجهين: من جهة تلبيس دينهم عليهم، ومن جهة أخذ أموالهم بغير حق، بل بأبطل الباطل، وذلك أعظم ممن يأخذها غصبا وسرقة ونحوهما"(8).
وقال الرازي: "أما قوله تعالى: {ليشتروا به ثمنا قليلا} فهو تنبيه على أمرين:
الأول: أنه تنبيه على نهاية شقاوتهم لأن العاقل يجب أن لا يرضى بالوزر القليل في الآخرة لأجل الأجر العظيم في الدنيا، فكيف يليق به أن يرضى بالعقاب العظيم في الآخرة لأجل النفع الحقير في الدنيا.
الثاني: أنه يدل على أنهم ما فعلوا ذلك التحريف ديانةً؛ بل إنما فعلوه طلبا للمال والجاه، وهذا يدل على أن أخذ المال على الباطل وإن كان بالتراضي فهو محرم، لأن الذي كانوا يعطونه من المال كان على محبةٍ ورضا، ومع ذلك فقد نبَّه تعالى على تحريمه" (9).
قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} [البقرة: 79]، "أي: من التحريف والباطل" (10).
قال الصابوني: " أي فشدة عذاب لهم على ما فعلوا من تحريف الكتاب"(11).
قال المراغي: " أي فلهم عقوبة عظيمة من أجل كتابتهم هذا المحرّف"(12).
قوله تعالى: {وَوَيلٌ لَّهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79]، " وويل لهم من أخذهم الرشوة وفعلهم للمعاصي"(13).
(1) تفسير ابن أبي حاتم (807): ص 1/ 154.
(2)
انظر: تفسير الطبري (1389): ص 2/ 270.
(3)
انظر: تفسير الطبري (1394): ص 2/ 271.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (810): ص 1/! 55.
(5)
انظر: تفسير الطبري (1388): ص 2/ 270.
(6)
تفسير المراغي: 1/ 152.
(7)
انظر: تفسير القرطبي: 2/ 9.
(8)
تفسير السعدي: 56.
(9)
تفسير الرازي: 3/ 565.
(10)
تفسير السعدي: 56.
(11)
صفوة التفاسير: 1/ 63.
(12)
تفسير المراغي: 1/ 152.
(13)
تفسير المراغي: 1/ 152.
قال الطبري: أي: " مما يعملون من الخطايا، ويجترحون من الآثام، ويكسبون من الحرام، بكتابهم الذي يكتبونه بأيديهم"(1).
قال ابن كثير: أي" وويل لهم مما أكلوا به من السحت"(2).
قال الثعلبي: يعني "من المأكول"(3).
قال البيضاوي: " يريد به الرشى"(4).
قال الصابوني: " أي وويل لهم مما يصيبون من الحرام والسحت"(5).
قال القرطبي: "وقد كرر الويل تغليظا لفعلهم"(6).
وفي قوله تعالى: {وَوَيلٌ لَّهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79]، وجهان:
أحدهما: من المعاصي والخطايا. وهذا قول أبي العالية (7).
والثاني: من المال الذي تضمنه ذكر الثمن. وهذا قول ابن عباس (8).
وأصل (الكسب): "العمل، فكل عامل عملا بمباشرة منه لما عمل ومعاناة باحتراف، فهو كاسب لما عمل"(9)، كما قال لبيد بن ربيعة (10):
لِمعَفَّرٍ قَهْدٍ تَنَازَعَ شِلْوَهُ
…
غُبْسٌ كَوَاسِبُ لا يُمَنَّ طَعَامُهَا
قال الراغب: "إن قيل: لم ذكر {يَكْسِبُونَ} بلفظ المستقبل و {كَتَبَتْ} بلفظ الماضي؟ قيل: تنبيها على ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" (11)، فنبَّه
(1) تفسير الطبري: 2/ 273.
(2)
تفسير ابن كثير: 1/ 313.
(3)
تفسير الثعلبي: 1/ 225.
(4)
تفسير البيضاوي: 1/ 90.
(5)
صفوة التفاسير: 1/ 63.
(6)
تفسير القرطبي: 2/ 9.
(7)
انظر: تفسير الطبري (1398): ص 2/ 273.
(8)
انظر: تفسير الطبري (1398): ص 2/ 273.
(9)
تفسير الطبري: 2/ 273.
(10)
انظر: شرح المعلقات السبع للزوزني: 100، والبيت من معلقته النبيلة. واللام في قوله " لمعفر "، ترده إلى البيت قبله: خنساء ضيعت الفَرِيرَ، فلم يَرِم
…
عُرض الشقائق طوفها وبُغَامها
والخنساء: البقرة الوحشية، والفرير: ولدها. والشقائق: أرض غليظة بين رملتين، أودعت هناك فيه ولدها. وطوفها طوافها حائرة. بغامها: صوتها صائحة باكية. ظلت تطوف وتنادي ولدها. وقوله: " لمعفر "، أي طوفها وبغامها من أجل " معفر ". والمعفر: الذي ألقي في العفر، وهو التراب، صادت ولدها الذئاب. قهد: هو ولد البقر، لطيف الجسم أبيض اللون. والشلو: العضو من اللحم، أو الجسد كله. وغبس: غبر، وهي الذئاب. لا يمن طعامها: تكسب طعامها بنفسها، فلا يمن عليها أحد.
(11)
رواه مسلم (1017)، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ. وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ.
وفي الحديث "التحذير من السنن السيئة، وأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، حتى لو كانت في أول الأمر سهلة ثم توسعت فإن عليه وزر هذا التوسع، مثل لو أن أحدا من الناس رخص لأحد في شيء من المباح الذي يكون ذريعة واضحة إلى المحرم وقريبا، فإنه إذا توسع الأمر بسبب ما أفتى به الناس فإن عليه الوزر، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ". شرح رياض الصالحين" (ص 199).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ) رواه البخاري (3336) ومسلم (1677)
قال النووي: وَهَذَا الْحَدِيث مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام ، وَهُوَ: أَنَّ كُلّ مَنْ اِبْتَدَعَ شَيْئًا مِنْ الشَّرّ كَانَ عَلَيْهِ مِثْل وِزْر كُلّ مَنْ اِقْتَدَى بِهِ فِي ذَلِكَ الْعَمَل إِلَى يَوْم الْقِيَامَة" انتهى.
فالأب الذي أساء تربية أولاده، وكان قدوة سيئة لهم، واقتدوا به في سلوكياته في المنحرفة، يتحمل وزر أولاده، لأنه هو السبب في انحرافهم، وعلى الأولاد أيضاً وزر أفعالهم كاملاً، لا ينتقص منها شيء، وقد كان الواجب على هذا الأب أن يحسن تربية أولاده، ويقوم بالمسؤولية التي أوجبها الله عليه خير قيام، وقد قال رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ
…
وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) رواه البخاري (7138) ومسلم (1829).
قال الشيخ ابن عثيمين: "الرجل راع في أهل بيته، في زوجته، في ابنه، في بنته، في أخته، في عمته، في خالته، كل من في بيته، هو راع في أهل بيته، ومسؤول عن رعيته، يجب عليه أن يرعاهم أحسن رعاية، لأنه مسؤول عنهم ". شرح رياض الصالحين" (ص 337). والله أعلم.
بالآية أن ما أضلّوه وأثبتوه من التأويلات الفاسدة، التي يعتمدها الجهلة، هو اكتساب وزر يكتسبونه باستمرار وكل وقتٍ ومع كل مَن يضله هذا الي صنعوه، فقد صنعوا عملية مستمرة من الضلال والإضلال عبر العصور، و (إن قيل) لم ذكر الكتابة دون القول؟ (قيل) لمّا كانت الكتابة متضمنة للقول وزائدة عليه، إذ هو كذب باللسان واليد، صار أبلغ. ولأن كلام اليد يبقى رسمه وأثره في الهداية أو الإضلال، والقول ربما يضمحل أثره" (1).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: الوعيد على الذين يكتبون الكتاب بأيديهم، ثم يقولون هذا من عند الله وهم كاذبون.
2 ومنها: أنهم يفعلون ذلك من أجل الرئاسة، والمال، والجاه؛ لقوله تعالى:{ليشتروا به ثمناً قليلاً} ؛ وقد ورد الوعيد على من طلب علماً يبتغى به وجه الله لينال عرضاً من الدنيا.
3 ومنها: أن الدنيا كلها مهما بلغت فهي قليل، كما قال تعالى:{قل متاع الدنيا قليل} [النساء: 77].
4 ومنها: أن الجزاء بحسب العمل؛ لقوله تعالى: {فويل لهم مما كتبت أيديهم} .
5 ومنها: إثبات العلل، والأسباب؛ لقوله تعالى:{مما كتبت أيديهم} ؛ فإن هذا بيان لعلة الوعيد؛ وهذه غير الفائدة السابقة؛ لأن الفائدة السابقة جزاؤهم بقدر ما كتبوا؛ وهذه بيان السبب.
6 ومنها: أن عقوبة القول على الله بغير علم تشمل الفعل، وما ينتج عنه من كسب محرم؛ لقوله تعالى:{فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} ؛ فما نتج عن المحرم من الكسب فإنه يأثم به الإنسان؛ مثلاً: إنسان عمل عملاً محرماً. كالغش. فإنه آثم بالغش؛ وهذا الكسب الذي حصل به هو أيضاً آثم به.
7.
ومن الفوائد أيضا، ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، قال شيخ الإسلام:"فإن الله ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، وهو متناول لمن حمل الكتاب والسنة، على ما أصله من البدع الباطلة، وذم الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، وهو متناول لمن ترك تدبر القرآن ولم يعلم إلا مجرد تلاوة حروفه، ومتناول لمن كتب كتابا بيده مخالفا لكتاب الله، لينال به دنيا وقال: إنه من عند الله، مثل أن يقول: هذا هو الشرع والدين، وهذا معنى الكتاب والسنة، وهذا معقول السلف والأئمة، وهذا هو أصول الدين، الذي يجب اعتقاده على الأعيان والكفاية، ومتناول لمن كتم ما عنده من الكتاب والسنة، لئلا يحتج به مخالفه في الحق الذي يقوله. وهذه الأمور كثيرة جدا في أهل الأهواء جملة، كالرافضة، وتفصيلا مثل كثير من المنتسبين إلى الفقهاء مع شعبة من حال الأهواء"(2).
والحقيقة أن القرآن بمثل هذا الحديث المتكرر والموثق عن بني إسرائيل وفظائعهم ينبه على أمرين:
أحدهما: أن تاريخ اليهود والنصارى كفرع عنهم هو تاريخ متصل، وما أشبه الليلة بالبارحة.
والثاني: أن الله تعالى يمُنُّ على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ببيان زلات ومهالك ومهاوي الذين من قبلهم حتى يعلوا ما نشأ من شرٍ فيهم فيتداركوه. والحمد لله رب العالمين.
القرآن
التفسير:
وقال بنو إسرائيل: لن تصيبنا النار في الآخرة إلا أيامًا قليلة العدد. قل لهم -أيها الرسول مبطلا دعواهم-: أعندكم عهد من الله بهذا، فإن الله لا يخلف عهده؟ بل إنكم تقولون على الله ما لا تعلمون بافترائكم الكذب.
(1) تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 241.
(2)
درء تعارض العقل والنقل، شيخ الاسلام ابن تيمية (ت 728 هـ)، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية، المملكة العربية السعودية، ط 2، 1411 هـ، 1991 م: 1/ 77 - 78.
اختلف في سبب نزول الآية على أقوال (1):
أحدها: قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود: "من أهل النار". قالوا: نحن، ثم تخلفونا أنتم، فقال:"كذبتم لقد علمتم أنا لا نخلفكم"، فنزلت هذه الآية (2).
والثاني: روي عن ابن عباس: " كانت يهود يقولون: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الله الناس يوم القيامة بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوما واحدا من أيام الآخرة، وإنها سبعة أيام. فأنزل الله في ذلك من قولهم: {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} الآية"(3)، وروي عن مجاهد (4) وابن زيد (5)، نحو ذلك.
والثالث: وقيل: أن اليهود قالت إن الله أقسم أن يدخلهم النار أربعين يوما عدد عبادتهم العجل، فأكذبهم الله، كما تقدم. قاله ابن عباس (6)، وقتادة (7)، وعن السدي (8)، وأبي العالية (9)، والضحاك (10)، نحو ذلك
والرابع: وقيل: زعم اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبا أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم. وقالوا: إنما نعذب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتهلك. قاله ابن عباس (11)، وري عن الضحاك (12) مثل ذلك.
قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} [البقرة: 80]، أي قال اليهود"لن ندخل النار إِلا أياماً قلائل"(13).
قال الزمخشري: "أربعين يوما عدد أيام عبادة العجل"(14).
قال السعدي: " ذكر أفعالهم القبيحة، ثم ذكر مع هذا أنهم يزكون أنفسهم، ويشهدون لها بالنجاة من عذاب الله، والفوز بثوابه، وأنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودة، أي: قليلة تعد بالأصابع، فجمعوا بين الإساءة والأمن"(15).
وفي (الأيام المعدودة)، قولان (16):
أحدهما: أنها أربعون يوماً، وهذا قول قتادة (17)، والسدي (18)، وعكرمة (19)، وأبي العالية (20)، ورواه الضحاك عن ابن عباس (21).
ومن قال بهذا اختلفوا في تقديرهم لها بالأربعين على وجهين:
الأول: قال بعضهم: لأنها عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل. روي ذلك عن ابن عباس (22)، وقتادة (23).
والآخر: وقيل: أن اليهود يزعمون أنهم، وجدوا في التوراة مكتوباً، أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة، وهم يقطعون مسيرة كل سنة في يوم، فإذا انقطع المسير انقضى العذاب، وهلكت النار. روي ذلك عن ابن عباس (24)، وهذا قول من قدر (المعدودة) بالأربعين.
والقول الثاني: أن المعدودة التي تمسهم فيها النار سبعة أيام، لأنهم زعموا، أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة، وأنهم يُعَذَّبُون عن كل ألف سنة يوماً، وهذا قول مجاهد (25)، ورواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس (26)، وروي عن ابن زيد (27)، نحو ذلك.
قوله تعالى: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا} [البقرة: 80]، أي: قل با محمد"هل أعطاكم الله الميثاق والعهد بذلك؟ "(28).
قال مجاهد: " موثقا من الله بذلك أنه كما تقولون؟ "(29).
قال قتادة: " فقال الله: أتخذتم عند الله عهدا بهذا الذي تقولون؟ ألكم بهذا حجة وبرهان"(30). وروي عن الربيع بن أنس (31) نحو ذلك.
قال الحسن: " أي هل عندكم من الله من عهد أنه ليس معذبكم؟ أم هل أرضيتم الله بأعمالكم فعملتم بما افترض عليكم وعهد إليكم"(32).
قال ابن عثيمين: " أي أأخذتم عند الله عهداً أن لا تمسكم النار إلا أياماً معدودة"(33).
قال النسفي: " أي عهد إليكم أنه لا يعذبكم إلا هذا المقدار"(34).
قال أبو السعود: أي هل عندكم من الله" خبَراً أو وعداً بما تزعمون فإن ما تدّعون لا يكون إلا بناءً على وعدٍ قوي ولذلك عَبَّر عنه بالعهد"(35).
واختلف في تفسير (العهد) هنا، على قولين (36):
الأول: أن العهد من الله تعالى في هذه الآية الميثاق والوعد، والمعنى: هل عاهدكم الله على هذا الذي تدعون؟
والثاني: وقال ابن عباس وغيره: "معناه هل قلتم لا إله إلا الله وآمنتم وأطعتم فتدلون بذلك وتعلمون أنكم خارجون من النار؟ "(37). والمعنى: هل أسلفتم عند الله أعمالا توجب ما تدعون؟
(1) انظر: أسباب النزول للواحدي: 26، والعجاب في بيان الأسباب: 1/ 273 - 276، وانظر: الطبري: 2/ 274 - 275، وتفسير القرطبي: 2/ 10 - 11. وتفسير ابن كثير: 1/ 313 - 314.
(2)
قال الحافظ أبو بكر بن مردويه رحمه الله: حدثنا عبد الرحمن بن جعفر، حدثنا محمد بن محمد بن صخر، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا ليث بن سعد، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اجمعوا لي من كان من اليهود هاهنا" فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أبوكم؟ " قالوا: فلان. قال: "كذبتم، بل أبوكم فلان". فقالوا: صدقت وبَرِرْت، ثم قال لهم:"هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ ". قالوا: نعم، يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أهل النار؟ " فقالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلفونا فيها. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اخسأوا، والله لا نخلفكم فيها أبدًا". ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ ". قالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال: "هل جعلتم في هذه الشاة سمًّا؟ ". فقالوا: نعم. قال: "فما حملكم على ذلك؟ ". فقالوا: أردنا إن كنت كاذبًا أن نستريح منك، وإن كنت نبيًا لم يضرك. [مسند أحمد (2/ 451) وصحيح البخاري برقم (3161، 4249) وسنن النسائي الكبرى برقم (11355)، وأخرج نحوه الطبري (1406)، و (1407): 2/ 276 - 277، ونحوه أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة (815): ص 1/ 156، وانظر: تفسير ابن كثير: 1/ 314].
(3)
أخرجه الطبري (1410)، و (1411): ص 2/ 277 - 278، وابن أبي حاتم (813): ص 1/ 155.
(4)
أخرجه الطبري (1412)، و (1413)، و (1414): ص: 2/ 278.
(5)
انظر: تفسير الطبري (1409): ص 2/ 277.
(6)
انظر: تفسير الطبري (1399): ص 2/ 274 - 275
(7)
انظر: تفسير الطبري (1400): ص 2/ 275.
(8)
انظر: تفسير الطبري (1401): ص 2/ 275.
(9)
انظر: تفسير الطبري (1402): ص 2/ 275.
(10)
انظر: تفسير الطبري (1408): ص 2/ 277.
(11)
انظر: تفسير الطبري (1404): ص 2/ 275.
(12)
انظر: تفسير الطبري (814): ص 1/ 156.
(13)
صفوة التفاسير: 1/ 63.
(14)
الكشاف: 1/ 158.
(15)
تفسير السعدي: 57.
(16)
انظر: النكت والعيون: 1/ 153 - 154.
(17)
انظر: تفسير الطبري (1403): ص 2/ 275.
(18)
انظر: تفسير الطبري (1401): ص 2/ 275.
(19)
انظر: تفسير الطبري (1406)، و (1407): ص 2/ 276 - 277.
(20)
انظر: تفسير الطبري (1402): ص 2/ 275.
(21)
انظر: تفسير الطبري (1399): ص 2/ 274 - 275.
(22)
انظر: تفسير الطبري (1399): ص 2/ 274.
(23)
انظر: تفسير الطبري (1340): ص 2/ 275، وابن أبي حاتم (816): ص 1/ 156.
(24)
انظر: تفسير الطبري (1404): ص 2/ 275.
(25)
أخرجه الطبري (1412)، و (1413)، و (1414): ص: 2/ 278.
(26)
أخرجه الطبري (1410)، و (1411): ص 2/ 277 - 278.
(27)
انظر: تفسير الطبري (1409): ص 2/ 277.
(28)
صفوة التفاسير: 1/ 63.
(29)
أخرجه ابن أبي حاتم (819): ص 1/ 157.
(30)
أخرجه ابن أبي حاتم (818): ص 1/ 157.
(31)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 157.
(32)
أخرجه ابن أبي حاتم (820): ص 1/ 157.
(33)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 260.
(34)
تفسير النسفي: 1/ 73.
(35)
تفسير أبي السعود: 1/ 121. (بتصرف بسيط).
(36)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 171.
(37)
نقلا عن: المحرر الوجيز: 1/ 171.
قوله تعالى: {فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ} [البقرة: 80]، أي:" إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده"(1).
قال أبو السعود: " أي إن كان الأمر كذلك فلن يُخلِفَه"(2).
قال ابن عثيمين: "أي إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلفه؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد"(3).
قوله تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله مَا لا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 80]، "أي أم تكذبون على الله فتقولون عليه ما لم يقله"(4).
قال قتادة: " قال القوم الكذب والباطل، وقالوا على الله ما لا يعلمون"(5).
وفي إعراب {أم} [البقرة: 80]، قولان (6):
أحدهما: أن تكون معادلة بمعنى أى الأمرين كائن على سبيل التقرير، لأن العلم واقع بكون أحدهما.
قال أبو السعود: " وام متصلةٌ والاستفهام للتقرير المؤدي إلى التبكيت لتحقق العلمِ بالشق الأخيرِ كأنه قيل أم لم تتخذوه بل تتقوّلون عليه تعالى"(7).
والثاني: أن تكون منقطعة بمعنى (بَلى)، وإثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله:{لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ} ، أى بلى تمسكم أبدا، بدليل قوله: {هُمْ فِيها خالِدُونَ، والاستفهام لإنكار الاتخاذِ ونفيِه.
قال السعدي: " فأخبر تعالى أن صدق دعواهم متوقفة على أحد هذين الأمرين اللذين لا ثالث لهما:
الأول: إما أن يكونوا قد اتخذوا عند الله عهدا، فتكون دعواهم صحيحة.
والثاني: وإما أن يكونوا متقولين عليه فتكون كاذبة، فيكون أبلغ لخزيهم وعذابهم.
وقد علم من حالهم أنهم لم يتخذوا عند الله عهدا، لتكذيبهم كثيرا من الأنبياء، حتى وصلت بهم الحال إلى أن قتلوا طائفة منهم، ولنكولهم عن طاعة الله ونقضهم المواثيق، فتعين بذلك أنهم متقولون مختلقون، قائلون عليه ما لا يعلمون، والقول عليه بلا علم، من أعظم المحرمات، وأشنع القبيحات" (8).
الفوائد:
1 من فوائد الآية: أن اليهود يقرون بالآخرة، وأن هناك ناراً، لقوله تعالى:{وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة} ؛ لكن هذا الإقرار لا ينفعهم؛ لأنهم كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم؛ وعلى هذا ليسوا بمؤمنين.
2 ومنها: أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون، إما كذباً، وإما جهلاً؛ والأول أقرب؛ لقوله تعالى: {أم تقولون على الله ما تعلمون.
3 ومنها: حسن مجادلة القرآن؛ لأنه حصر هذه الدعوى في واحد من أمرين، وكلاهما منتفٍ:{أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون} ؛ وهذا على القول بأن {أم} هنا متصلة؛ أما على القول بأنها منقطعة فإنه ليس فيها إلا إلزام واحد.
4 ومنها: أن الله سبحانه وتعالى لن يخلف وعده؛ وكونه لا يخلف الوعد يتضمن صفتين عظيمتين هما: الصدق، والقدرة، لأن إخلاف الوعد إما لكَذِب، وإما لعجز؛ فكون الله. جلَّ وعلا. لا يخلف الميعاد يقتضي كمال صدقه، وكمال قدرته.
5 ومنها: أن من دأب اليهود القول على الله بلا علم؛ لقوله تعالى: {أم تقولون على الله ما لا تعلمون} ؛ والقول على الله يتضمن القول عليه في أحكامه، وفي ذاته، وصفاته؛ من قال عليه ما لا يعلم بأنه حلَّل، أو حرَّم، أو أوجب، فقد قال على الله بلا علم؛ ومن أثبت له شيئاً من أسماء، أو صفات لم يثبته الله لنفسه فقد قال على الله بلا علم؛ ومن نفى شيئاً من أسمائه وصفاته فقد قال على الله بلا علم؛ ومن صرف شيئاً عن ظاهره من نصوص الكتاب والسنة بلا دليل فقد قال على الله بلا علم.
(1) الكشاف: 1/ 158، وانظر: تفسير النسفي: 1/ 73.
(2)
تفسير أبي السعود: 1/ 121.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 260.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 63.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (821): ص 1/ 157.
(6)
انظر: الكشاف: 1/ 158، وتفسير النسفي: 1/ 73.
(7)
تفسير أبي السعود: 1/ 121.
(8)
تفسير السعدي: 57.
6 ومن فوائد الآية: تحريم الإفتاء بلا علم؛ وعلى هذا يجب على المفتي أن يتقي الله عز وجل، وألا يتسرع في الإفتاء؛ لأن الأمر خطير.
7.
ومن فوائد الآية: أن كثيرا من الناس يعتمدون على صحبة الأولياء، ويطلقون عنان أنفسهم فى المعاصي والشهوات، ويقولون: سمعنا من سيدى فلان يقول: من رآنا لا تمسه النار. وهذا غلط وغرور، وقد قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا" (1) وقد روي عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته بوَضوئه وحاجته، فقال لي:"سل"، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال:"أَوْ غيرَ ذلك؟ ! "، قلت: هو ذاك، قال:"فأعني على نفسك بكثرة السجود"(2).
(1) رواه البخاري (2753) ومسلم (206). فهذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم لأقاربه الأقربين: عمه، وعمته، وابنته؛ فما بالك بمن هم أبعد؟ فعدم إغنائه عنهم شيئا من باب أولى، فهؤلاء الذين يتعلقون بالرسول صلى الله عليه وسلم، ويلوذون به، ويستجيرون به الموجودون في هذا الزمن وقبله: قد غرهم الشيطان واجتالهم عن طريق الحق؛ لأنهم تعلقوا بما ليس بمتعلق؛ إذ الذي ينفع بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم هو الإيمان به واتباعه.
ففي الحديث امتثال النبي صلى الله عليه وسلم لأمر ربه في قوله تعالى: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ) الشعراء/214، فإنه قام بهذا الأمر أتم القيام؛ فدعا وعم وخصص، وبين أنه لا ينجي أحدا من عذاب الله بأي وسيلة، بل الذي ينجي هو الإيمان به واتباع ما جاء به، وإذا كان القرب من النبي صلى الله عليه وسلم لا يغني عن القريب شيئا؛ دل ذلك على منع التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن جاه النبي صلى الله عليه وسلم لا ينتفع به إلا النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا كان أصح قولي أهل العلم تحريم التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم " انتهى مختصرا ". (مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين " (9/ 285 - 288).
ويقول الشيخ ابن باز رحمه الله: " المعيار الحقيقي هو اتباع ما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة قولا وعملا واعتقادا، أما الأنساب فإنها لا تنفع ولا تجدي، كما قال صلى الله عليه وسلم: "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" – رواه مسلم - وقال: "يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئا"، وهكذا قال لعمه العباس وعمته صفية وابنته فاطمة، ولو كان النسب ينفع أحدا لنفع هؤلاء " انتهى. مجموع فتاوى ابن باز " (3/ 98).والله أعلم.
(2)
رواه مسلم في كتاب الصلاة، باب فضل السجود والحث عليه 1/ 353 (489).
ويتعلق بهذا الحديث فوائد:
الفائدة الأولى: لقد كان ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ويبيت معه، ويأتيه بوَضوئه وحاجته، وكانت نفسه تواقة بذلك إلى الجنة؛ ولذلك سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له أن يكون رفيقًا له في الجنة، وهذا يدل على علو همته؛ إذ كان بإمكانه أن يسأل الدنيا بأسرها، يسأل المال والمتاع الزائل، إلا إنه لما خيره الرسول صلى الله عليه وسلم بشيء يشفع له فيه عند ربه لم تَتُقْ نفسُه إلا إلى أعلى المعالي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينظر إلى خيرة أخرى:"أَوْ غيرَ ذلك"، فتمسك بما اختاره أولًا، وهكذا المؤمن ينبغي أن يكون ذا همة عالية مترفعة عن الدنايا، تواقة إلى ما عند الله تعالى.
الفائدة الثانية: دل الحديث على استحباب شكر الإنسان لمن يقدم له خدمة أو عملًا؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم أحب أن يكافئ ربيعة على خدمته له؛ فلذلك خيره فيما يريد، وقد جاء في حديث الأشعث بن قيس الكندي وأبي هريرة رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يشكر اللهَ مَن لا يشكر الناسَ"؛ رواه أحمد: 5/ 211، 212، ومن طريقه الضياء في الأحاديث المختارة 4/ 307، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (971)، وحديث أبي هريرة نحوه: رواه أحمد 2/ 258، 295، 302، 388، 461، 492، وأبو داود في كتاب الأدب، باب في شكر المعروف 4/ 255 (4811)، والترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الشكر لمن أحسن إليك 4/ 339 (1954)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والبخاري في الأدب المفرد ص 85 (218)، والطيالسي ص 326، وصححه ابن حبان 8/ 198 (3407)، والألباني في صحيح الجامع (6601) وصحيح الترغيب والترهيب (973)، فالإحسان للمحسن وشكره من محاسن الأخلاق التي دعا إليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله، وجحود ذلك وإهماله من مساوئ الأخلاق التي ينبغي أن يترفع عنها المؤمن.
الفائدة الثالثة: لما كانت الجنة لا تنال إلا بالعمل الصالح أمر النبي صلى الله عليه وسلم ربيعة رضي الله عنه أن يكثر من الصلاة، وفي هذا دليل على مشروعية الإكثار من صلاة النوافل، وقد شرع الله تعالى لنا في اليوم والليلة صلوات كثيرة، وصلاة النفل مشروعةٌ في كل وقت، إلا أوقات النهي عن الصلاة (وهي ثلاثة على الإجمال، وخمسة على التفصيل، وهي إجمالًا: من صلاة الفجر حتى ارتفاع الشمس قِيدَ رمح، ومن استواء الشمس في وسط السماء حتى تزول، ومن صلاة العصر حتى تغيب الشمس.)، وأفضلها صلاة الليل، وفي حديث ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استقيموا ولن تُحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة"؛ رواه أحمد وابن ماجه وهو صحيح (رواه أحمد 5/ 276، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب المحافظة على الوضوء 1/ 101 (277)، والدارمي 1/ 174 (655)، وصححه ابن حبان 3/ 311 (1037)، وقال الحاكم في المستدرك على الصحيحين 1/ 221: صحيح على شرط الشيخين، وقال العقيلي في الضعفاء 4/ 168: إسناده ثابت عن ثوبان، وقال المنذري (الترغيب والترهيب 1/ 97): رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، وقال ابن عبدالهادي (تنقيح تحقيق أحاديث التعليق 3/ 142): هو حديث صحيح، وقال الحافظ (فتح الباري 4/ 108): الحديث صحيح، وصححه الألباني في إرواء الغليل 2/ 135 (412) وصحيح الجامع (952)، فينبغي للمسلم ألا يغفل عن نوافل اليوم. والليلة؛ كالسنن الرواتب، وصلاة الضحى، وقيام الليل، وصلاة الوتر، فهي مما يقربه من الله تعالى، ويدنيه من الجنة التي لأجلها شمر الصالحون، واجتهد المجتهدون. (انظر: حديث: أعني على نفسك بكثرة السجود، الشيخ عبدالرحمن بن فهد الودعان الدوسري، شبكة الآلوكة).
القرآن
{بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)} [البقرة: 81]
التفسير:
فحُكْمُ الله ثابت: أن من ارتكب الآثام حتى جَرَّته إلى الكفر، واستولت عليه ذنوبه مِن جميع جوانبه وهذا لا يكون إلا فيمن أشرك بالله، فالمشركون والكفار هم الذين يلازمون نار جهنم ملازمة دائمةً لا تنقطع.
قوله تعالى: {بَلَى} [البقرة: 81]، " أي: بلى تمسكم النار وتخلدون فيها" (1).
قال الزمخشري: " أى بلى تمسكم أبدا، بدليل قوله: {هُمْ فِيها خالِدُونَ} "(2).
قا السعدي: " أي: ليس الأمر كما ذكرتم، فإنه قول لا حقيقة له"(3).
قال المراغي: " أي ليس الأمر كما ذكرتم، بل تمسّكم النار وتمسّ غيركم دهرا طويلا"(4).
قال ابن كثير: "يقول تعالى: ليس الأمر كما تمنيتم، ولا كما تشتهون"(5).
قال الواحدي: " ومعنى الآية: أنه ردّ على اليهود قولَهم: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ} فقال: (بلى) أُعذِّبُ من كَسَبَ سَيّئةً"(6).
قال الطبري: " تكذيب من الله القائلين من اليهود: {لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} "(7).
وقال الزجاج: " فألحق في هذه الآية، والإجماع أن هذا لليهود خاصة لأنه عز وجل في ذكرهم .. والذي جرى في هذه الأقاصيص إِنما هو إِخبار عن إليهود"(8).
وقوله: {بَلى} ، إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ} ، أي بلى تمسكم أبدا، بدليل قوله {هُمْ فِيها خالِدُونَ} " (9).
وقوله {بَلَى} : حرف جواب كنعم، والفرق بينهما أن (بلى) لا يقع إلا فى جواب النفي ويصير إثباتا، تقول: ألم يأت زيد؟ فتقول بلى. أي: أتى، قال تعالى:{أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بلى .. } [الأعراف: 172]، ومثله: قالُوا {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ} فقال تعالى: (بلى) أي تمسكم، أى تدخلوها بذنوبكم، ويخلد فيها كل كافر بالله معاند لحكمه (10)، بخلاف (نعم) فإنها لتقرير ما قبلها نفيا أو إثباتا، فإذا قيل: ألم يأت زيد؟ فقلت: نعم، أي لم يأت، وإذا قيل: هل أتى زيد فقلت: نعم، أي أتى، وقد نظم ذلك بعضهم فقال:«بلى» جواب النفي لكنه يصير إثباتا، كذا حرّروا (11).
قوله تعالى: {مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً} [البقرة: 81]، أي" من عمل سيئة"(12).
(1) محاسن التأويل: 1/ 63.
(2)
الكشاف: 1/ 158.
(3)
تفسير السعدي: 57.
(4)
تفسير المراغي: 1/ 154.
(5)
تفسير ابن كثير: 1/ 315.
(6)
التفسير البسيط: 3/ 96.
(7)
تفسير الطبري: 2/ 280.
(8)
معاني القرآن: 1/ 162.
(9)
محاسن التأويل: 1/ 341.
(10)
جاء في الدر المصون في علوم الكتاب المكنون للحلبي (1/ 455): أي بلى تَمَسُّكم أبداً، بدليلِ قولِه:{هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} قاله الزمخشري، يريد أن «أبداً» في مقابَلَةِ قولهم:{إِلَاّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} وهو تقديرٌ حَسَنٌ. قلتُ: وإن كنت أشم في تقدير الزمخشري رائحة نصرة عقيدته في الاعتزال، والتي فيها تخليد أصحاب الكبائر في جهنم.
(11)
انظر: تفسير البحر المديد: 1/ 125 - 126.
(12)
تفسير ابن كثير: 1/ 315.
قال ابن عباس: " أي: من عمل مثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به"(1).
قال الثعلبي: "يعني الشرك"(2).
قال أبو السعود: " والكسبُ استجلابُ النفعِ وتعليقُه بالسيئة على طريقة {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم} [آل عمران: 21، التوبة: 34، الانشقاق: 24] "(3).
واختلف في تفسير {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً} [البقرة: 81]، على وجهين (4):
أحدهما: أنها الشرك، وهذا قول ابن عباس (5)، وروي عن أبي وائل (6)، وأبي العالية (7)، ومجاهد (8)، وعكرمة (9)، وعطاء (10)، والحسن (11) في أحد قوليه، وقتادة (12)، والربيع بن أنس (13)، مثل ذلك.
قال الواحدي: " وإجماع أهل التفسير: أن السيئةَ هاهُنا الشرك، وأنّ الآية وردت في اليهود"(14).
قلت: والصحيح: أن هذا قول أكثر السلف (15)، ولعل الذي دفع الواحدي لحكاية الإجماع، الرد على من حمل الآية على عصاة المؤمنين، كالمعتزلة والخوارج. والله أعلم.
والثاني: أن (السيئة) كبائر الذنوب التي وعد الله تعالى عليها النار، وأن (الخطيئة) هي الكفر، وهذا قول السدي (16) والحسن (17)، وقواه ابن عطية: فقال: "ولفظ الإحاطة تقوي هذا القول"(18).
والراجح هو أن (السيئة) التي ذكر الله في هذا المكان، فإنها الشرك بالله، وهو اختيار الإمام الطبري إذ تعضده مجموعة من الروايات حسنة الإسناد (19).
وأصحاب القولين على أن الآية إنما هي في الكفار لا في العصاة؛ لأن الله توعد أهل هذه الآية بالخلود في النار، وهذا إنما يكون في حق الكفار فقط، قال الواحدي:" والمؤمنون لا يدخلون في حكم هذه الآية، لأن الله تعالى أوعد بالخلود في النار من أحاطت به خطيئته، وتقدمت منه سيئة هي الشرك، والمؤمن ومن عمل الكبائر فلم يوجد منه شرك"(20).
قال القاسمي: " ذهب أهل السنة والجماعة إلى أنّ الخلود في النار إنما هو للكفار والمشركين لما ثبت في السنة، تواترا، من خروج عصاة الموحدين من النار، فيتعين تفسير السيئة والخطيئة، في هذه الآية، بالكفر والشرك. ويؤيد ذلك كونها نازلة في اليهود"(21).
(1) أخرجه الطبري (1420): ص 2/ 280.
(2)
تفسير الثعلبي: 1/ 226.
(3)
تفسير أبي السعود: 1/ 122.
(4)
انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 315.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (823): ص 1/ 157.
(6)
انظر: تفسير الطبري (1421): ص 2/ 281.
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 158.
(8)
انظر: تفسير الطبري (1422): ص 2/ 281.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 158.
(10)
انظر: تفسير الطبري (1427): ص 2/ 282.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 158.
(12)
انظر: تفسير الطبري (1424): ص 2/ 281.
(13)
انظر: تفسير الطبري (1428): ص 2/ 282.
(14)
التفسير البسيط: 3/ 98.
(15)
انظر: "مجموع فتاوي ابن تيمية" 14/ 48 وما بعدها، و"البحر المحيط" 1/ 279، و"تفسير ابن كثير" 1/ 119، وكتاب "الإجماع في التفسير" ص 177.
(16)
انظر: تفسير الطبري (1426): ص 2/ 281 - 282.
(17)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (824): ص 1/ 158.
(18)
المحرر الوجيز: 1/ 171.
(19)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 281.
(20)
الوسيط: 1/ 165.
(21)
محاسن التأويل: 1/ 341.
قوله تعالى: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} [البقرة: 81]، أي" اجتمعت عليه فمات عليها، قبل الإنابة والتوبة منها"(1).
قال ابن عباس: " حتى يحيط كفره بما له من حسنة"(2).
وقال الضحاك: " قال: مات بذنبه"(3).
قال الصابوني: " أي غمرته من جميع جوانبه، وسدّت عليه مسالك النجاة، بأن فعل مثل فعلكم أيها اليهود"(4).
قال أبو السعود: أي" من جميع جوانبِه بحيثُ لم يبقَ له جانبٌ من قلبه ولسانه وجوارحِه إلا وقد اشتملت واستولت عليه"(5).
قال السعدي: " أي: أحاطت بعاملها، فلم تدع له منفذا، وهذا لا يكون إلا الشرك، فإن من معه الإيمان لا تحيط به خطيئته"(6).
قال الزمخشري: أي"استولت عليه، كما يحيط العدوّ"(7).
قال الأخفَش: "الخطأ: الإثم وهو ما أصابه متعمدًا، والخِطء غير المتعمد"(8).
وقال اللّيث: "الخطيئة: الذنب على عمد"(9).
وقال أبو علي: "والخطيئة تقع على الصغير والكبير، فمن وقوعها على الصغير قوله: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء: 82]. ووقوعها على الكبير قوله: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} "(10).
وأصل (الإحاطة بالشيء)، الإحداق به، بمنزلة (الحائط) الذي تحاط به الدار فتحدق به، ومنه قول الله جل ثناؤه:{نارا أحاط بهم سرادقها} [الكهف: 29](11).
واختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} [البقرة: 81]، وذكروا فيه وجوها:
أحدها: أنه مات عليها، وهذا قول ابن جبير، وروي عن السدي (12)، والربيع بن خُثَيم (13)، والضحاك (14)، وأبي رزين (15)، والأعمش، (16) نحو ذلك. وهو اختيار الطبري (17).
والثاني: أن معناه: سَدَّتْ عليه مسالك النجاة، وهذا قول ابن السراج (18).
والثالث: وقال مجاهد: " {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} قال: بقلبه"(19).
والرابع: وقيل: أحاط به شركه. قاله أبو هريرة (20)، وابن عباس (21)، وأبو وائل (22)، وعطاء (23)، والحسن في رواية عباد بن منصور (24).
(1) تفسير الطبري: 2/ 284.
(2)
أخرجه الطبري (1420): ص 2/ 280.
(3)
أخرجه الطبري (1429): ص 2/ 284.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 63.
(5)
تفسير أبي السعود: 1/ 122.
(6)
تفسير السعدي: 57.
(7)
الكشاف: 1/ 158. وتمام قوله: " ولم ينقص عنها بالتوبة. انتهى كلامه. قال الواحدي: "وهذا من دسائسه التي ضمنها كتابه، إذ اعتقاد المعتزلة أن من أتى كبيرة، ولم يتب منها، ومات، كان خالداً في النار". [البحر المحيط: 1/ 239].
(8)
الحجة: 1/ 115. وبنحوه في: معاني القرآن: 2/ 422،
(9)
التفسير البسيط: 3/ 99، وذكره في "تهذيب اللغة" 1/ 1060، "اللسان" 2/ 1205 ولم ينسبه لليث.
(10)
"الحجة" لأبي علي 1/ 116.
(11)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 284.
(12)
انظر: تفسير الطبري (1441): ص 2/ 286.
(13)
انظر: تفسير الطبري (1430): ص 2/ 284، وابن أبي حاتم (828): ص 1/ 158.
(14)
انظر: تفسير الطبري (1429): ص 2/ 284.
(15)
انظر: تفسير الطبري (1437): ص 2/ 285.
(16)
انظر: تفسير الطبري (1439): ص 2/ 285.
(17)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 284.
(18)
انظر: النكت والعيون: 1/ 153، والتفسير البسيط: 3/ 99.
(19)
أخرجه ابن أبي حاتم (825): ص 1/ 158.
(20)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (827): ص 1/ 158.
(21)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (826): ص 1/ 158.
(22)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 158.
(23)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 158.
(24)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 158.
والخامس: أن الخطيئة: الكبيرة الموجبة. قاله أبو العالية (1)، ومجاهد (2)، والحسن (3)، وقتادة (4)، والربيع بن أنس (5).
السادس: وقال الكلبي: أوبقته ذنوبه، ودليله قوله تعالى:{إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ} [يوسف: 66]، أي تهلكوا جميعا (6).
وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، والله أعلم. ويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عمرو بن قتادة عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن عبد الله بن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إيَّاكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه". وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهُنَّ مثلا كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادًا، وأججوا نارًا، فأنضجوا ما قذفوا فيها (7)(8).
وذكر الواحدي في تفسير قوله تعالى: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُه} [البقرة: 81]، ثلاثة أوجه (9):
الأول: أحاطت بحسنته خطيئته، أي: أحبطتها من حيثُ كان المحِيط أكبر مِنَ المحاط به، فيكون كقوله:{وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 54]، وقوله:{أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف: 29].
والثاني: أهلكته، من ذلك قوله:{لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} [يوسف: 66]، وقوله:{وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} [يونس: 22]، وقوله:{وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} [الكهف: 42] وهذا كله في معنى البوار.
والثالث: العلم، ومن ذلك قوله:{وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا} [الكهف: 91]. وقال: {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ} [البروج: 20]، أي: عالم.
وقرأ أهل المدينة {خطيّاته} ، بالجمع، وقرأ الباقون {خَطِيئَتُهُ} ، على الواحدة، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم (10).
قال أبو السعود: وفي القراءة بصيغة الجمع، "إيذانٌ بكثرة فنون كفرهم"(11).
قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81]، " أي فالنار ملازمة لهم لا يخرجون منها أبداً"(12).
قال ابن عباس: " أي خالدون أبدا"(13).
وقال السدي: " لا يخرجون منها أبدا"(14).
قال البيضاوي: " ملازموها في الآخرة كما أنهم ملازمون أسبابها في الدنيا"(15).
(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (829): ص 1/! 59.
(2)
انظر: تفسير الطبري (1432): ص 2/ 284 - 285.
(3)
انظر: تفسير الطبري (1435): ص 2/ 285.
(4)
انظر: تفسير الطبري (1433): ص 2/ 285.
(5)
انظر: تفسير الطبري (1440): ص 2/ 285.
(6)
اظر: تفسير الثعلبي: 1/ 227.
(7)
المسند (1/ 402) الرقم (3803). حسنه الألباني في صحيح الجامع (2687).
(8)
انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 315 - 316.
(9)
انظر: التفسير البسيط: 3/ 98، والحجة للقراء السبعة" 2/ 114 - 115.
(10)
انظر: السبعة: 162، وتفسير الثعلبي: 1/ 226.
(11)
تفسير أبي السعود: 1/ 122.
(12)
صفوة التفاسير: 1/ 63.
(13)
أخرجه الطبري (1443): ص 2/ 286.
(14)
أخرجه الطبري (1444): ص 2/ 287.
(15)
تفسير البيضاوي: 1/ 90.
قال أبو حيان: " ويعني بـ {أصحاب النار}: الذين هم أهلها حقيقة، لا من دخلها ثم خرج منها"(1).
قال السعدي: " وقد احتج بها الخوارج على كفر صاحب المعصية، وهي حجة عليهم كما ترى، فإنها ظاهرة في الشرك، وهكذا كل مبطل يحتج بآية، أو حديث صحيح على قوله الباطل فلا بد أن يكون فيما احتج به حجة عليه"(2).
وقال أبو السعود: " فلا حجةَ في الآيةِ الكريمةِ على خلود صاحبِ الكبيرة لما عرفت من اختصاصها بالكافر ولا حاجة إلى حمل الخلودِ على اللُبْث الطويل على أن فيه تهوينَ الخطب في مقام التهويل"(3).
قال ابن عطية: " والخلود في هذه الآية على الإطلاق والتأبيد في المشركين، ومستعار بمعنى الطول والدوام في العصاة وإن علم انقطاعه، كما يقال ملك خالد ويدعى للملك بالخلد"(4).
الفوائد:
1.
من فوئاد الآية: أن الثواب والعقاب لا يترتب على الأشخاص بحسب النسب، أو الانتماء؛ وإنما هو بحسب العمل.
8 ومنها: أن من أحاطت به خطيئته فلم يكن له حسنة فإنه من أصحاب النار الذين لا يخرجون منها.
9 ومنها: أن من كسب سيئة لكن لم تحط به الخطيئة فإنه ليس من أصحاب النار؛ لكن إن كان عليه سيئات فإنه يعذب بقدرها. ما لم يعف الله سبحانه وتعالى عنه.
10 ومنها: إثبات النار، وأنها دار الكافرين
11 ومنها: خلود أهل النار فيها؛ وهو خلود مؤبد لا يخفف عنهم فيه العذاب، وقد صرح الله عز وجل بتأبيد الخلود فيها في ثلاثة مواضع من القرآن؛ الأول: في سورة النساء في قوله تعالى: {إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديدهم طريقاً * إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً وكان ذلك على الله يسيراً} [النساء: 168، 169]؛ الموضع الثاني: في سورة الأحزاب في قوله تعالى: {إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً * خالدين فيها أبداً لا يجدون ولياً ولا نصيراً} [الأحزاب: 64، 65]؛ الموضع الثالث: في سورة الجن في قوله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً} [الجن: 23].
12 ومن فوائد الآية: أن أهل الجنة هم الذين قاموا بالإيمان، والعمل الصالح؛ ولا يكون العمل صالحاً إلا بأمرين: الإخلاص لله عز وجل، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، والدليل على ذلك قول الله تعالى في الحديث القدسي:"أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه"(5). وهذا فُقِدَ فيه الإخلاص؛ وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ"(6). وهذا فُقِدَ فيه المتابعة؛ وكذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم "فأيما شرط كان ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مِائة شرط (7).
القرآن
{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)} [البقرة: 82]
التفسير:
وحكم الله الثابتُ في مقابل هذا: أنَّ الذين صدَّقوا بالله ورسله تصديقًا خالصًا، وعملوا الأعمال المتفقة مع شريعة الله التي أوحاها إلى رسله، هؤلاء يلازمون الجنة في الآخرة ملازمةً دائمةً لا تنقطع.
(1) البحر المحيط: 1/ 240.
(2)
تفسير السعدي: 57.
(3)
تفسير أبي السع
(4)
المحرر الوجيز: 1/ 171.
(5)
سبق تخريجه ص 90.
(6)
سبق تخريجه ص 91.
(7)
أخرجه البخاري ص 201 – 202، كتاب المكاتب، باب 3: استعانة المكاتب وسؤاله الناس، حديث رقم 2563؛ وأخرجه مسلم ص 937، كتاب العتق، باب 1: ذكر سعاية العبد، حديث رقم 3779 [8]1504.
قال أبو حيان: " لما ذكر أهل النار، وما أعد لهم من الهلاك: أتبع ذلك بذكر أهل الإيمان، وما أعد لهم في الخلود في الجنان. وقلّ ما ذكر في القرآن آية في الوعيد، إلا وذكرت آية في الوعد. وفائدة ذلك ظهور عدله تعالى، واعتدال رجاء المؤمن وخوفه، وكمال رحمته بوعده وحكمته بوعيده"(1).
قوله تعالى: {والذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحات} [البقرة: 82]، "أي وأما المؤمنون الذين جمعوا بين الإِيمان، والعمل الصالح"(2).
قال ابن عباس: " أي من آمن بما كفرتم وعمل ما تركتم من دينه"(3).
قال الطبري: أي: والذين "صدقوا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وأطاعوا الله فأقاموا حدوده، وأدوا فرائضه، واجتنبوا محارمه"(4).
قال ابن عثيمين: " أي الذين صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول، والإذعان؛ فلا يكون الإيمان مجرد تصديق؛ بل لا بد من قبول للشيء، واعتراف به، ثم إذعان، وتسليم لما يقتضيه ذلك الإيمان، وعملوا الأعمال الصالحات؛ والعمل يصدق على القول، والفعل؛ وليس العمل مقابل القول؛ بل الذي يقابل القول: الفعل؛ وإلا فالقول، والفعل كلاهما عمل؛ لأن القول عمل اللسان، والفعل عمل الجوارح"(5).
قال السعدي: "ولا تكون الأعمال صالحة إلا بشرطين: أن تكون خالصة لوجه الله، متبعا بها سنة رسوله، فحاصل هاتين الآيتين، أن أهل النجاة والفوز، هم أهل الإيمان والعمل الصالح، والهالكون أهل النار المشركون بالله، الكافرون به"(6).
وأخرج الطبري عن ابن زيد، أنه:" {والذين آمنوا وعملوا الصلحات}، محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه"(7).
واختلف في قوله تعالى: {وَالَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة: 82]، على قولين (8):
أحدهما: أن المراد بـ {الذين آمنوا} ، أمّة محمد صلى الله عليه وسلم، ومؤمنوا الأمم قبله، قاله ابن عباس (9) وغيره.
والثاني: أنه خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وأمّته. قاله ابن زيد (10).
قوله تعالى: {أولئك أَصْحَابُ الجنة} [البقرة: 82]، "أي أهلها الملازمون لها"(11).
قال ابن عثيمين: "لأن الصحبة ملازمة"(12).
و{الجنة} : الدار التي أعدها الله تعالى للمتقين؛ وفيها كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم "ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"(13)، كقوله تعالى:{فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون} [السجدة: 17] " (14).
قوله تعالى: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 82]، "أي مخلدون في الجنان لا يخرجون منها أبداً"(15).
(1) البحر المحيط: 1/ 240.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 63.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (832): ص 1/ 159.
(4)
تفسير الطبري: 2/ 287.
(5)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 262.
(6)
تفسير السعدي: 57.
(7)
انظر: تفسير الطبري (1446): ص 2/ 287 - 288، وابن أبي حاتم (831): ص 1/ 159.
(8)
انظر: البحر المحيط: 1/ 240.
(9)
انظر: البحر المحيط: 1/ 240.
(10)
انظر: تفسير الطبري (1446): ص 2/ 287 - 288، وابن أبي حاتم (831): ص 1/ 159.
(11)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 263.
(12)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 263.
(13)
اخرجه البخاري ص 263، كتاب بدء الخلق، باب 8: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، حديث رقم 3244؛ وأخرجه مسلم ص 1169، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب 1: صفة الجنة، حديث رقم 7130 [2]2824.
(14)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 263.
(15)
صفوة التفاسير: 1/ 63.
قال ابن عثيمين: "أي ماكثون لا يخرجون منها"(1).
قال ابن عباس: "فلهم الجنة خالدين فيها، يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله لا انقطاع له"(2).
من فوائد الآية:
1.
أن أهل الجنة هم الذين قاموا بالإيمان، والعمل الصالح؛ ولا يكون العمل صالحاً إلا بأمرين: الإخلاص لله عز وجل، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، والدليل على ذلك قول الله تعالى في الحديث القدسي:"أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه"(3). وهذا فُقِدَ فيه الإخلاص؛ وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ"(4). وهذا فُقِدَ فيه المتابعة؛ وكذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم "فأيما شرط كان ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مِائة شرط (5) ".
2.
ومن فوائد الآية: أن الإيمان وحده لا يكفي لدخول الجنة؛ بل لا بد من عمل صالح.
3.
ومنها: أن العمل وحده لا يكفي حتى يكون صادراً عن إيمان؛ لقوله تعالى: {آمنوا وعملوا الصالحات {، ولذلك لم ينفع المنافقين عملهم؛ لفقد الإيمان في قلوبهم.
4.
ومنها: بلاغة القرآن، وحسن تعليمه؛ حيث إنه لما ذكر أصحاب النار ذكر أصحاب الجنة؛ وهذا من معنى قول الله تعالى:{الله نزَّل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني} [الزمر: 23]؛ فإن من معاني المثاني أن تثنى فيه الأمور؛ فيذكر الترغيب والترهيب؛ والمؤمن والكافر؛ والضار والنافع؛ وما أشبه ذلك.
5.
ومنها: إثبات الجنة.
6.
ومنها: أن أصحاب الجنة مخلدون فيها؛ وتأبيد الخلود في الجنة صرح الله سبحانه وتعالى به في آيات عديدة (6).
القرآن
التفسير:
واذكروا يا بني إسرائيل حين أخَذْنا عليكم عهدًا مؤكدًا: بأن تعبدوا الله وحده لا شريك له، وأن تحسنوا للوالدين، وللأقربين، وللأولاد الذين مات آباؤهم وهم دون بلوغ الحلم، وللمساكين، وأن تقولوا للناس أطيب الكلام، مع أداء الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم أَعْرَضْتم ونقضتم العهد -إلا قليلا منكم ثبت عليه- وأنتم مستمرون في إعراضكم.
قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [البقرة: 83]، " أي اذكروا إذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل"(7).
قال الصابوني: " أي اذكروا حين أخذنا على أسلافكم يا معشر اليهود العهد المؤكد غاية التأكيد"(8).
واختلف أهل العلم في الميثاق على قولين (9):
(1) تفسير ابن عثيمين: 1/ 93.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (832): ص 1/ 159.
(3)
أخرجه مسلم ص 1195، كتاب الزهد، باب 4: تحريم الرياء، حديث رقم 7475 [46]2985.
(4)
أخرجه البخاري ص 214، كتاب الصلح، باب 5: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، حديث رقم 2697؛ وأخرجه مسلم ص 982 – 983، كتاب الأقضية، باب 8: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، حديث رقم 4493 [18] 1718، واللفظ لمسلم.
(5)
أخرجه البخاري ص 201 – 202، كتاب المكاتب، باب 3: استعانة المكاتب وسؤاله الناس، حديث رقم 2563؛ وأخرجه مسلم ص 937، كتاب العتق، باب 1: ذكر سعاية العبد، حديث رقم 3779 [8]1504.
(6)
قال ابن عطية: " يدل هذا التقسيم على أن قوله {مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً}، الآية في الكفار لا في العصاة، ويدل على ذلك أيضا قوله: {أَحاطَتْ}، لأن العاصي مؤمن فلم تحط به خطيئته، ويدل على ذلك أيضا أن الرد كان على كفار ادعوا أن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة فهم المراد بالخلود، والله أعلم". [المحرر الوجيز: 1/ 171].
(7)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 266.
(8)
صفوة التفاسير: 1/ 65.
(9)
انظر: تفسير القرطبي: 2/ 12.
الأول: أنه "الميثاق الذي أخذ عليهم حين أخرجوا من صلب آدم كالذر". قاله مكي (1).
وضعّفه ابن عطية (2).
والثاني: وقيل: هو ميثاق أخذ عليهم وهم عقلاء في حياتهم على ألسنة أنبيائهم، وهو قوله:{لا تعبدون إلا الله} وعبادة الله إثبات توحيده، وتصديق رسله، والعمل بما أنزل في كتبه.
قال ابن جريج: " الميثاق الذي أخذ عليهم في سورة المائدة (3) "(4). وروي عن أبي العالية نحوه (5).
والراجح -والله أعلم- هو القول الثاني، " وإنما هو ميثاق أخذ عليهم وهم عقلاء في حياتهم، على لسان موسى عليه السلام وغيره من أنبيائهم عليهم السلام"(6).
قوله تعالى: {لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} [البقرة: 83]، أي:" بأن لا تعبدوا غير الله"(7).
قال أبو العالية: " أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له ولا يعبدوا غيره"(8).
واختلف في موضع {لَا تَعْبُدُونَ} [البقرة: 83]، من الأعراب على خمسة أقوال (9):
القول الأول: قال الكسائي (10): رفعه على: أن لا يعبدوا، كأنه قيل: أخذنا ميثاقهم بأن لا يعبدوا، إلا أنه لما أسقطت (أن) رفع الفعل كما قال طرفة (11):
ألا أيهذا اللاثمي أحضر الوغى
…
وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
أراد أن أحضر ولذلك عطف عليه (أن)، وأجاز هذا الوجه الأخفش (12) والفراء (13) والزجاج (14) وقطرب وعلي بن عيسى وأبو مسلم.
وأنكر المبرد هذا القول، وقال: هو خطأ من وجهين (15):
أحدهما: أن كل ما أضمر في العربية فهو يعمل عمله مُظْهَرًا، كقولهم: وبلدٍ قطعت، يراد: ورُبَّ بلد قطعت، وكقوله تعالى:{نَاقَةَ الله} [الشمس: 13] أي: احذروا، وكقوله:{قَالُوا مَعْذِرَةً} [الأعراف: 164] أي: موعظتنا معذرة.
والثاني: أنه لا يجوز حذف الموصول في شيء من الكلام.
(1) المحرر الوجيز: 1/ 172.
(2)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 172.
(3)
ذكره في الآية (7){وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [المائدة: 7].
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (835): ص 1/ 160.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (834): ص 1/ 160.
(6)
المحرر الوجيز: 1/ 172.
(7)
صفوة التفاسير: 1/ 65.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (834): 1/ 160.
(9)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 1013، والتفسير البسيط: 3/ 103 - 105، ومعاني القرآن" للأخفش 1/ 133، "تفسير الطبري" 1/ 388 - 389، اولبيان لابن الأنباري 1/ 101، والبحر المحيط" 1/ 283، ومفاتيح الغيب: 2/ 150.
(10)
نقله عن الكسائي الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1013، وينظر:"معاني القرآن" للأخفش 1/ 133، "تفسير الطبري" 1/ 388 - 389، "البيان" لابن الأنباري 1/ 101، "البحر المحيط" 1/ 283.
(11)
البيت لطرفة بن العبد في ديوانه ص 32؛ والإنصات 2/ 560؛ وخزانة الأدب 1/ 119، 8/ 579؛ والدرر 1/ 74؛ وسر صناعة الإعراب 1/ 285؛ وشرح شواهد المغني 2/ 800؛ والكتاب 3/ 99، 100، ولسان العرب 13/ 32 (أنن)، 14/ 272 (دنا)؛ والمقاصد النحوية 4/ 402؛ والمقتضب 2/ 85؛ وبلا نسبة في خزانة الأدب 1/ 463، 8/ 507، 580، 585؛ والدرر 3/ 33، 9/ 94؛ ورصف المباني ص 113؛ وشرح ابن عقيل ص 597؛ ومجالس ثعلب ص 383؛ ومغني اللبيب 2/ 383، 641؛ وهمع الهوامع 2/ 17.
اللغة والمعنى: الوغى: الحرب. مخلدي: ضامن بقائي خالدا.
(12)
انظر: معاني القرآن للأخفش 1/ 126.
(13)
انظر: معاني القرآن للفراء: 1/ 53.
(14)
انظر: معاني القرآن: 1/ 163.
(15)
مقولة المبرد نقلها الواحدي في التفسير البسيط: 3/ 103، والقرطبي في تفسيره: 2/ 13.
واعترض الواحدي على قول المبرد فقال: "وليس الأمر على ما قاله المبرد، فقد أجاز قولَ الكسائي: الأخفشُ والفراءُ وقطرب والزجّاج وعلي بن عيسى (1)(2)، ودعواه أن كل ما أضمر في العربيّة فهو يعمل عمله مظهرًا ليس كذلك، وهو على ضربين: منه ما هو على ما ذكر، ومنه ما ليس كذلك (3)، كحروف الجر إذا حذفت وهي تزاد، كقوله (3):
أمرتُك الخيرَ فافعل ما أُمِرتَ به
…
فقد تركتُك ذا مالٍ وذا نَشَبِ
يريد بالخير، وقال الله تعالى:{وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ} [الأعراف: 155] فلما حَذف مِنْ وصل الفعل فنصب. كذلك هاهُنا لمّا حذف (أن) وصل عامل الرفع فرفع الفعل، وقوله: لا يحذف الموصول في شيء من الكلام ليس كذلك؛ لأن الموصول مع صلته بمنزلة اسم واحد، والاسم الواحد قد يحذف بعضه بالترخيم" (4).
القول الثاني: موضعه رفع على أنه جواب القسم، كأنه قيل: وإذا أقسمنا عليهم لا يعبدون، وأجاز هذا الوجه المبرد (5) والكسائي (6) والفراء (7) والزجاج (8) وهو أحد قولي الأخفش (9).
والدليل على ذلك قوله: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ} [آل عمران: 81]، القسم بـ (لام)، فكذلك هو في النفي بـ (لا)، وكان المعنى: استحلَفناهم وقلنا لهم: والله لا تعبدون (10).
القول الثالث: وقيل: هو في موضع الحال، أي أخذنا ميثاقهم موحدين، أو غير عابدين إلا الله، أو غير معاندين، قاله قطرب والمبرد أيضا (11).
القول الرابع: قول الفراء (12) أن موضع {لا تعبدون} على النهي، إلا أنه جاء على لفظ الخبر كقوله تعالى:{لا تضار والدة بولدها} [البقرة: 233] بالرفع والمعنى على النهي، والذي يؤكد كونه نهيا أمور:
أحدها: قوله: {أقيموا} ، وثانيها؛ أنه ينصره قراءة عبد الله وأبي:{لا تعبدوا} . وثالثها: أن الإخبار في معنى الأمر والنهي آكد وأبلغ من صريح الأمر والنهي، لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء فهو يخبر عنه.
القول الخامس: التقدير أن لا تعبدوا تكون "أن" مع الفعل بدلا عن الميثاق، كأنه قيل: أخذنا ميثاق بني إسرائيل بتوحيدهم.
واختلفت القراءة في قوله تعالى: {لَا تَعْبُدُونَ} [البقرة: 83]، على وجوه (13):
أحدها: {لا يعبدون} ، بالياء. قرأ بها ابن كثير وحمزة والكسائي.
والثاني: {لَا تَعْبُدُونَ} ، بالتاء من فوق، قرأ بها أبو عمرو ونافع وعاصم وابن عامر، حكاية ما قيل لهم.
والثالث: {لا تعبدوا} ، على النهي، قرأ بها أبيّ بن كعب وابن مسعود.
قوله تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [البقرة: 83]، " أي "وأمرناهم بالوالدين إحسانا" (14).
(1) ينظر في الأقوال في المسألة: "معاني القرآن" للفراء 1/ 53 - 54، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 126، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 162، "البحر المحيط" 1/ 282 - 283.
(2)
هو: علي بن عيسى بن الفرج بن صالح، أبو الحسن الربعي النحوي، صاحب أبي علي الفارسي، درس النحو وتفنن فيه حتى ما بقي له شيء يحتاج أن يسأل عنه، من مؤلفاته:"شرح مختصر الجرمي"، توفي سنة هـ 420 ص. وينظر "إنباه الرواة" 2/ 297، و"تاريخ بغداد" 12/ 17 - 18.
(3)
البيت: لعمرو بن معد يكرب، وتتمته:
أمرتُك الخيرَ فافعل ما أُمِرتَ به
…
فقد تركتُك ذا مالٍ وذا نَشَبِ
"مغني اللبيب" 1/ 315، وقد عزاه في "الكتاب" 1/ 37 لعمرو بن معدي كرب الزبيدي، واختلف في قائله كما في "الخزانة" 1/ 164 - 166، والنشب: المال الثابت كالضياع ونحوها، من نشب الشيء، والمال: الإبل أو هو عام، والشاهد فيه: أمرتك الخير أراد: أمرتك بالخير.
(4)
التفسير البسيط: 3/ 104 - 105. والترخيم: ما حذف من آخره حرف واحد أو أكثر للتخفيف، نحو: يا فاطم.
(5)
انظر: التفسير البسيط: 3/ 105، والبحر المحيط 1/ 28، وتفسير القرطبي: 2/ 11.
(6)
انظر: التفسير البسيط: 3/ 105، والبحر المحيط 1/ 28، وتفسير القرطبي: 2/ 11.
(7)
انظر: معاني القرآن: 1/ 54.
(8)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 163.
(9)
انظر: معاني القرآن للأخفش: 1/ 126.
(10)
انظر: معاني القرآن" للفراء 1/ 54، والبحر المحيط 1/ 28، والتفسير البسيط: 3/ 105، وتفسير القرطبي: 2/ 11.
(11)
انظر: التفسير البسيط: 3/ 103، والبحر المحيط: 1/ 282، تفسير القرطبي: 2/ 13.
(12)
انظر: معانيا لقرآت للفراء: 1/ 53.
(13)
انظر: السبعة في القراءات: 163، والمحرر الوجيز: 1/ 172.
(14)
تفسير القرطبي: 2/ 13.
قال مقاتل بن حيان: " فيما أمركم به من حق الوالدين"(1).
قال الصابوني: "أي وأمرناهم بأن يحسنوا إِلى الوالدين إِحساناً"(2).
قال القرطبي: "وقرن الله عز وجل في هذه الآية حق الوالدين بالتوحيد، لأن النشأة الأولى من عند الله، والنشء الثاني - وهو التربية - من جهة الوالدين، ولهذا قرن تعالى الشكر لهما بشكره فقال: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: 14]. والإحسان إلى الوالدين: معاشرتهما بالمعروف، والتواضع لهما، وامتثال أمرهما، والدعاء بالمغفرة بعد مماتهما، وصلة أهل ودهما"(3).
واختلف في اتصال (الباء) وانتصابه، في قوله تعالى {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [البقرة: 83]، على أقوال (4):
الأول: قال الزجاج: انتصب على معنى أحسنوا بالوالدين إحسانا، فجعل (الباء) التي في {الوالدين} من صلة الإحسان، مقدمة عليه (5).
وقد اعترض الإمام الطبري على هذا الوجه (6).
والثاني: قيل: على معنى وصيناهم بالوالدين إحسانا، لأن اتصال الباء به أحسن على هذا الوجه ولو كان على الأول لكان، وإلى الوالدين كأنه قيل: وأحسنوا إلى الوالدين (7).
والثالث: وقيل: بل هو على الخبر المعطوف على المعنى الأول يعني أن تعبدوا وتحسنوا.
قال الإمام الطبري: : وقوله جل ثناؤه: {وبالوالدين إحسانا} عطف على موضع (أن) المحذوفة في (لا تعبدون إلا الله)، فكان معنى الكلام: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بأن لا تعبدوا إلا الله وبالوالدين إحسانا. فرفع (لا تعبدون) لما حذف (أن)، ثم عطف بالوالدين على موضعها، كما قال الشاعر (8):
معاوي إننا بشر فأسجح
…
فلسنا بالجبال ولا الحديدا
فنصب (الحديد) على العطف به على موضع (الجبال)، لأنها لو لم تكن فيها (باء) خافضة كانت نصبا، فعطف بـ (الحديد) على معنى (الجبال)، لا على لفظها. فكذلك ما وصفت من قوله:(وبالوالدين إحسانا) " (9).
قلت: وهذا الذي ذكره القرطبي وجه حسن.
وأما (الإحسان) الذي أخذ عليهم وبالوالدين الميثاق، فيشمل:"فعل المعروف لهما، والقول الجميل، وخفض جناح الذل رحمة بهما، والتحنن عليهما، والرأفة بهما، والدعاء بالخير لهما، وما أشبه ذلك من الأفعال التي ندب الله عباده أن يفعلوا بهما"(10).
قوله تعالى: {وَذِي الْقُرْبَى} [البقرة: 83]، أي "وإحساناً بذي القربى"(11).
قال مقاتل بن حيان: " يعني القرابة"(12).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (837): ص 1/! 60.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 65.
(3)
تفسير القرطبي: 2/ 13.
(4)
انظر: تفسير الرازي: 2/ 151.
(5)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 163، وانظر: معاني القرآن للأخفش: 1/ 127.
(6)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 291.
(7)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 1014، والتفسير البسيط: 3/ 107، والبحر المحيط: 1/ 283 - 284.
(8)
البيت للشاعر عقيبة بن هبيرة الأسدي، جاهلي إسلامي، انظر: سيبويه 1: 34، 375، 448، والخزانة 1: 343، وسمط اللآلئ: 149 وفيه تحقيق جيد. وهذا البيت مما أخطأ فيه سيبويه، وكان عقيبة وفد على معاوية، ودفع إليه رقعة فيها هذه الأبيات:
معاوي إننا بشر فأسجح
…
فلسنا بالجبال ولا الحديد
فهبها أمة ذهبت ضياعا
…
يزيد أميرها وأبو يزيد
أكلتم أرضنا فجردتموها
…
فهل من قائم أو من حصيد?
ذروا خَوْنَ الخلافة واستقيموا
…
وتأمير الأراذل والعبيد
وأعطونا السوية، لا تزركم
…
جنود مردفات بالجنود
فدعاه معاوية فقال له: ما أجرأك علي؟ قال: نصحتك إذ غشوك، وصدقتك إذ كذبوك. فقال معاوية: ما أظنك إلا صادقا.
(9)
تفسير الطبري: 2/ 290 - 291.
(10)
تفسير الطبري: 2/ 292.
(11)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 267.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (838): ص 1/ 160.
قال القرطبي: "أي وأمرناهم بالإحسان إلى القرابات بصلة أرحامهم"(1).
قال أبو حيان: " القربى: مصدر كالرجعى، والألف فيه للتأنيث، وهي قرابة الرحم والصلب"(2)، ومنه قول طرفة (3):
وَقَرّبْتُ بالقُرْبَى وَجدَّ كَإِنَّني
…
متى يَكُ أَمْرٌ لِلنّكيثَةِ أَشْهَدِ
قال ابن عثيمين: ويشمل القرابة من "قِبَل الأم، ومن قِبَل الأب، لأن {القربى} جاءت بعد {الوالدين} (4).
قوله تعالى: {وَالْيَتَامَى} [البقرة: 83]، أي يحسنوا أيضا إلى" اليتامى، الذين مات آباؤهم وهم صغار"(5).
و{اليتامى} : "جمع يتيم، مثل: نديم وندَامى، ويجمع أيتامًا أيضًا، واليُتمْ في الناس فُقْدان الأب، وفي غير الإنسان من قبل الأم"(6).
واختلف في أصل (اليتيم) في اللغة على ثلاثة أوجه (7):
أحدها: أن (اليتيم) في كلام العرب: الإنفراد. قاله أحمد بن يحيى (8).
والثاني: أن أصله (الغفلة)، وبه سُمي اليتيم؛ لأنه يُتَغَافل عن بره. قاله المفضل (9).
والثالث: أن (اليتيم)، من الإبطاء. يقال: ما في سَيرِه أتَمٌ ويتم أي: إبطاء، ومنه أُخِذَ اليتيم؛ لأن البرّ يبطيء عنه. قاله أبو عمرو (10).
وقال ابن العربي: " اليتيم: هو في اللغة عبارة عن المفرد من أبيه، وقد يطلق على المفرد من أمه، والأول أظهر لغة، وعليه وردت الأخبار والآثار، ولأن الذي فقد أباه عدم النصرة، والذي فقد أمه عدم الحضانة، وقد تنصر الأم لكن نصرة الأب أكثر، وقد يحضن الأب لكن الأم أرفق حضانة"(11).
قوله تعالى: {وَالْمَسَاكِينِ} [البقرة: 83]، أي يحسنوا أيضا إلى"المساكين الذين عجزوا عن الكسب"(12).
قال الثعلبي: " يعني الفقراء"(13).
(1) انظر: تفسير القرطبي: 2/ 14.
(2)
البحر المحيط: 1/ 281، وانظر: التفسير البسيط: 3/ 107.
(3)
شرح المعلقات السبع للزوزني: 62.
(4)
انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 268.
(5)
صفوة التفاسير: 1/ 65.
(6)
التفسير البسيط: 3/ 108، وانظر: معاني القرآن" للزجاج 1/ 163، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 452 "تهذيب اللغة" 4/ 3974، "اللسان" 12/ 645.
(7)
انظر: تهذيب اللغة" 4/ 3974، "البحر المحيط" 1/ 281، "اللسان" 8/ 4948، "القاموس" 1172، والتفسير البسيط: 3/ 109،
(8)
انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3974، "البحر المحيط" 1/ 281، "اللسان" 8/ 4948، "القاموس"1172.
وقال أحمد بن يحيى: " قال: وأنشدنا ابن الأعرابي بيتًا، قال: فقلت له: زدنا، فقال: البيتُ يتيمٌ، أي: هو منفرد ليس قبله ولا بعده شيء، ومنه قولهم: درة يتيمة، إذا لم يوجد لها نظير".
وقال الأصمعي: "اليتيمة: الرملة المنفردة، قال: وكل منفرد ومنفردة عند العرب يتيم ويتيمة". [انظر: تهذيب اللغة" 4/ 3974، "البحر المحيط" 1/ 281، "اللسان" 8/ 4948].
(9)
انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3974، "البحر المحيط" 1/ 281، "اللسان" 8/ 4948، "القاموس"1172.
وقال أحمد بن يحيى: " قال: وأنشدنا ابن الأعرابي بيتًا، قال: فقلت له: زدنا، فقال: البيتُ يتيمٌ، أي: هو منفرد ليس قبله ولا بعده شيء، ومنه قولهم: درة يتيمة، إذا لم يوجد لها نظير".
وقال الأصمعي: "اليتيمة: الرملة المنفردة، قال: وكل منفرد ومنفردة عند العرب يتيم ويتيمة". [انظر: تهذيب اللغة" 4/ 3974، "البحر المحيط" 1/ 281، "اللسان" 8/ 4948].
(10)
انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3974، "البحر المحيط" 1/ 281، "اللسان" 8/ 4948، "القاموس"1172.
وقال أحمد بن يحيى: " قال: وأنشدنا ابن الأعرابي بيتًا، قال: فقلت له: زدنا، فقال: البيتُ يتيمٌ، أي: هو منفرد ليس قبله ولا بعده شيء، ومنه قولهم: درة يتيمة، إذا لم يوجد لها نظير".
وقال الأصمعي: "اليتيمة: الرملة المنفردة، قال: وكل منفرد ومنفردة عند العرب يتيم ويتيمة". [انظر: تهذيب اللغة" 4/ 3974، "البحر المحيط" 1/ 281، "اللسان" 8/ 4948].
(11)
أحكام القرآن 1/ 215.
(12)
صفوة التفاسير: 1/ 65.
(13)
تفسير الثعلبي: 1/ 228.
قال شيخنا ابن عثيمين: " {المساكين}، جمع مسكين، وهو الفقير الذي أسكنه الفقر؛ لأن الإنسان إذا اغتنى فإنه يطغى، ويزداد، ويرتفع، ويعلو؛ وإذا كان فقيراً فإنه بالعكس، وهنا يدخل الفقراء مع {المساكين}؛ لأن "الفقراء"، و"المساكين" من الأسماء التي إذا قرنت افترقت؛ وإذا افترقت اجتمعت؛ فكلمة "الفقراء" إذا كانت وحدها شملت الفقراء، والمساكين؛ و"المساكين" إذا كانت وحدها شملت الفقراء، والمساكين؛ وإذا قيل: فقراء ومساكين. مثل آية الزكاة: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: 60]. صار "الفقراء" لها معنى؛ و"المساكين" لها معنى؛ لما اجتمعت الآن افترقت: فـ"الفقير": من لا يجد شيئاً من الكفاية، أو يجد دون النصف؛ و"المسكين": من يجد نصف الكفاية دون كمالها"(1).
قوله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]، " أي قولاً حسناً بخفض الجناح، ولين الجانب، مع الكلام الطيّب"(2).
قال ابن عثيمين: "والقول الحسن يشمل: الحسن في هيئته؛ وفي معناه، ففي هيئته: أن يكون باللطف، واللين، وعدم الغلظة، والشدة، وفي معناه: بأن يكون خيراً؛ لأن كل قولٍ حسنٍ فهو خير؛ وكل قول خير فهو حسن"(3).
قال السعدي: " ومن القول الحسن أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وتعليمهم العلم، وبذل السلام، والبشاشة وغير ذلك من كل كلام طيب، ولما كان الإنسان لا يسع الناس بماله، أمر بأمر يقدر به على الإحسان إلى كل مخلوق، وهو الإحسان بالقول، فيكون في ضمن ذلك النهي عن الكلام القبيح للناس حتى للكفار، ولهذا قال تعالى: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، ومن أدب الإنسان الذي أدب الله به عباده، أن يكون الإنسان نزيها في أقواله وأفعاله، غير فاحش ولا بذيء، ولا شاتم، ولا مخاصم، بل يكون حسن الخلق، واسع الحلم، مجاملا لكل أحد، صبورا على ما يناله من أذى الخلق، امتثالا لأمر الله، ورجاء لثوابه"(4).
وقد اختلف أهل التفسير في قوله تعالى {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} [البقرة: 83]، على أقوال (5):
الأول: أن المعنى قولوا لهم: لا إله إلا الله، ومروهم بها. قاله ابن عباس (6).
والثاني: قولوا: صدقا في شأن محمد صلى الله عليه وسلم، ولا تكتموا أمره، ولا تغيروا نعته. قاله ابن جريج (7). ومقاتل بن حيان (8).
والثالث: يعني: مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر. قاله سفيان الثوري (9).
والرابع: قولوا للناس معروفا. قاله أبو العالية (10)، وروي عن الحسن (11) نحوه.
والخامس: قولوا: الحسن من القول. قاله عطاء بن أبي رباح (12)، وجعفر (13).
وكل الأقوال متشابهة فما بينها، وحثت على مكارم الأخلاق. والله أعلم.
ويحتمل {الناس} ، في قوله تعالى {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} [البقرة: 83]، وجهين:
أحدهما: الناس عامة. قاله عطاء بن أبي رباح (14)، وعكرمة (15)، وهو المشهور.
(1) تفسير ابن عثيمين: 1/ 268.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 66.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 269.
(4)
تفسير السعدي: 57 - 58.
(5)
تفسير القرطبي: 2/ 16.
(6)
انظر: تفسير الطبري (1451): ص 2/ 296.
(7)
انظر: تفسير الطبري (1453): ص 2/ 296.
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (845): ص 1/ 161.
(9)
انظر: تفسير الطبري (1454): ص 2/ 296.
(10)
انظر: تفسير الطبري (1452): ص 2/ 296.
(11)
انظر: تفسير الطبري (1451): ص 2/ 296، وتفسير ابن أبي حاتم (846): ص 1/ 161 - 162.
(12)
انظر: تفسير الطبري (1455): ص 2/ 296.
(13)
انظر: تفسير الطبري (1455): ص 2/ 296.
(14)
انظر: تفسير الطبري (1456): ص 2/ 296 - 297.
(15)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 161.
والثاني. وقيل: "أراد بالناس محمدا صلى الله عليه وسلم، كقوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 54]. فكأنه قال: قولوا للنبي صلى الله عليه وسلم حسنا "(1).
قال القرطبي: "فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينا ووجهه منبسطا طلقا مع البر والفاجر، والسني والمبتدع، من غير مداهنة، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه، لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً} [طه: 44]. فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه"(2).
واختلف في نسخ قوله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} [البقرة: 83]، على ثلاثة أقوال (3):
الأول: حكى المهدوي عن قتادة أن قوله: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} منسوخ بآية السيف (4)، وحكاه أبو نصر عبدالرحيم عن ابن عباس بأنه قال:"نزلت هذه الآية في الابتداء ثم نسختها آية السيف"(5).
وأخرج ابن أبي حاتم " عن إسماعيل بن أبي خالد: {وقولوا للناس حسنا}، قال: هذه الآية أمر بها قبل أن يؤمر بالجهاد"(6).
والثاني: أن الآبة محكمة، وقولوا جميع الناس حسنا، وحسن القول للكافر أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر (7)، وهذا قول عطاء بن أبي رباح (8)، وأبي جعفر المدني (9).
والثالث: وقال آخرون أن هذا خبر من الله تعالى عما خاطب به بني إسرائيل، وعليه فإنه خبر عن الماضي لا يدخل عليه النسخ (10).
قال ابن عطية: "وهذا يدل على أن هذه الأمة خوطبت بمثل هذا اللفظ في صدر الإسلام، وأما الخبر عن بني إسرائيل وما أمروا به فلا نسخ فيه"(11).
والراجح -والله أعلم- هو القول الأخير، لأنه أليق بسياق الآية، فالله أخبرنا بما أخذه من الميثاق على بني إسرائيل، وأما المسلمون فليسوا مخاطبين بهذه الآية.
واختلفت القراءة في قوله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]، على وجهين (12):
الأول: {حُسْنًا} ، بالضم والتخفيف، قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو ونافع وعاصم وابن عامر.
والثاني: {حسنا} ، بالفتح والتثقيل، قرأ بها حمزة والكسائي (13).
واختلف أهل العربية في الفرق بين معنى قوله: {حُسْنا} و {حَسَنا} على وجهين (14):
الأول: قال بعض البصريين: هو على أحد وجهين: إما أن يكون يراد بـ (الحَسَن)(الحُسن)، وكلاهما لغة، كما يقال:(البُخل والبَخَل)، وإما أن يكون جعل (الحُسن) هو (الحَسن) في التشبيه. وذلك أن الحُسن (مصدر) و (الحَسن) هو الشيء الحسن، ويكون ذلك حينئذ كقولك:(إنما أنت أكل وشرب)، وكما قال الشاعر (15):
(1) ذكره الواحدي في الوسيط: 1/ 167، وانظر: تفسير القرطبي: 2/ 16.
(2)
تفسير القرطبي: 2/ 16.
(3)
انظر: الناسخ والمنسوخ، للبغدادي:170.
(4)
المحرر الوجيز: 1/! 73.
(5)
انظر: مجمع البيان: 1/ 336.
(6)
تفسير ابن أبي حاتم (847): ص 1/ 162.
(7)
انظر: الناسخ والمنسوخ، لأبي منصور البغدادي:170.
(8)
انظر: تفسير الطبري (1456): ص 2/ 296 - 297.
(9)
انظر: الناسخ والمنسوخ، للبغدادي:170.
(10)
انظر: الناسخ والمنسوخ لأبي منصور البغدادي: 170.
(11)
المحرر الوجيز: 1/ 173.
(12)
انظر: السبعة في القراءات: 163.
(13)
قال ابن مجاهد: "وقرأ الكوفيون عاصم وحمزة والكسائي في سورة الأحقاف {إحسانا} [15] بألف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ونافع {حسنا} ". [السبعة في القراءات: 163].
(14)
تفسير الطبري: 2/ 294 - 295.
(15)
يقال هو: عمرو بن معد يكرب الزبيدي. (الخزانة 4: 56)، وليس في قصيدته التي على هذا الوزن في الأصمعيات: 43، ولكنه أتى في نوادر أبي زيد: 149 - 150 أنه لعمرو بن معد يكرب. فكأنه له، وكأنه سقط من رواية الأصمعي، وهو في رواية غيره. انظر: نوادر أبي زيد: 150، وسيبويه 1: 365، 429 والخزانة 4:53. وغيرها.
وخيل قد دلفت لها بخيل
…
تحية بينهم ضرب وجيع
فجعل " التحية " ضربا.
والثاني: وقال آخر: بل (الحُسن) هو الاسم العام الجامع جميع معاني الحسن. و (الحسن) هو البعض من معاني (الحُسن)، ولذلك قال جل ثناؤه إذ أوصى بالوالدين:{وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} [العنكبوت: 8] يعني بذلك أنه وصاه فيهما بجميع معاني الحُسن، وأمر في سائر الناس ببعض الذي أمره به في والديه، فقال:(وقولوا للناس حسنا)، يعني بذلك بعض معاني الحُسن.
قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 83]، أي:" أدوها بحقوقها الواجبة عليكم فيها"(1).
قال الصابوني: أي: صلّوها كما فرض الله عليكم (2).
قال شيخنا ابن عثيمين: " أي ائتوا بها قائمة. أي قويمة ليس فيها نقص؛ وذلك بأن يأتوا بها بشروطها، وأركانها، وواجباتها؛ وكمال ذلك أن يأتوا بمستحباتها؛ و {الصلاة} تشمل الفريضة، والنافلة"(3).
وروي عن ابن مسعود قال: " {وأقيموا الصلاة}، هذه و (إقامة الصلاة): تمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع، والإقبال عليها فيها"(4).
قوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 83]، " أي أعطوها مستحقها"(5).
قال ابن عثيمين: "و (الزكاة) هي النصيب الذي أوجبه الله لمستحقه في الأموال الزكوية"(6).
قال ابن عباس: " إيتاء الزكاة، ما كان الله فرض عليهم في أموالهم من الزكاة، وهي سنة كانت لهم غير سنة محمد صلى الله عليه وسلم. كانت زكاة أموالهم قربانا تهبط إليه نار فتحملها، فكان ذلك تقبله. ومن لم تفعل النار به ذلك كان غير متقبل، وكان الذي قرب من مكسب لا يحل: من ظلم أو غشم، أو أخذ بغير ما أمره الله به وبينه له"(7).
وذكروا في تفسير قوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 83]، وجهين:
أحدهما: أنه ما فرض عليهم في أموالهم من الزكاة. وذلك في رواية الضحاك عن ابن عباس (8).
والثاني: يعني بـ {الزكاة} : طاعة الله والإخلاص. وهذا في روياة علي بن طلحة عن ابن عباس (9).
قوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ} [البقرة: 83]، " أي ثم رفضتم وأسلافكم الميثاق رفضاً باتاً، إِلاّ قليلاً منكم ثبتوا عليه"(10).
قال السعدي: "هذا استثناء، لئلا يوهم أنهم تولوا كلهم، فأخبر أن قليلا منهم، عصمهم الله وثبتهم"(11).
قال ابن عطية: " تولّى تفعّل، وأصله الإعراض والإدبار عن الشيء بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأمور والأديان والمعتقدات اتساعا ومجازا .. والمراد بـ (القليل): جميع مؤمنيهم قديما من أسلافهم وحديثا كابن سلام وغيره، و (القلة) على هذه هي في عدد الأشخاص، ويحتمل أن تكون القلة في الإيمان أي لم يبق حين عصوا وكفر آخرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا إيمان قليل، إذ لا ينفعهم، والأول أقوى"(12).
(1) تفسير الطبري: 2/ 297.
(2)
انظر: صفوة التفاسير: 1/ 65.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 269.
(4)
أخرجه الطبري (1458): ص 2/ 296.
(5)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 269.
(6)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 269.
(7)
أخرجه الطبري (1459): ص 2/ 297 - 298.
(8)
انظر: تفسير الطبري (1459): ص 2/ 297 - 298.
(9)
انظر: تفسير الطبري (1460): ص 2/ 298.
(10)
صفوة التفاسير: 1/ 66.
(11)
تفسير السعدي: 57 - 58.
(12)
المحرر الوجيز: 1/ 159.
وقرأ قوم {إلا قليلٌ} بالرفع، ، ورويت عن أبي عمرو (1).
قال ابن عباس: لما فرض الله جل وعز عليهم - يعني: على هؤلاء الذين وصف الله أمرهم في كتابه من بني إسرائيل - هذا الذي ذكر أنه أخذ ميثاقهم به، أعرضوا عنه استثقالا له وكراهية، وطلبوا ما خف عليهم إلا قليلا منهم، وهم الذين استثنى الله فقال:{ثم توليتم} ، يقول: أعرضتم عن طاعتي، {إلا قليلا منكم} ، قال: القليل الذين اخترتهم لطاعتي، وسيحل عقابي بمن تولى وأعرض عنها يقول: تركها استخفافا بها" (2).
وذكروا في قوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} [البقرة: 83]، وجهين من التفسير:
الأول: ثم: أعرضتم عن طاعتي. في رواية الضحاك عن ابن عباس (3).
والثاني: أي: تركتم ذلك كله. في رواية عكرمة عن ابن عباس أيضا (4).
قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} [البقرة: 83]، " أي: وأنتم أيضًا كأوائلكم في الإعراض عما عُهِد إليكم فيه" (5).
قال ابن عثيمين: "أي توليتم في إعراض"(6).
قال الطبري: أي "وأنتم يا معشر بقاياهم [اليهود]، معرضون أيضا عن الميثاق الذي أخذ عليكم بذلك، وتاركوه ترك أوائلكم"(7).
قال المراغي: " وأنتم في حال الإعراض عنه وعدم الاهتمام بشأنه"(8).
قال الواحدي: " ومعنى (الإعراض): الذهَاب عن المواجهة، إلى جهة العرض"(9).
وفي قوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} [البقرة: 83]، "التفات من الغيبة إلى الخطاب؛ وفائدته: إدخال الموجودين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحكم. أعني التولي؛ و "التولي" ترك الشيء وراء الظهر؛ وهذا أبلغ من الإعراض؛ لأن الإعراض قد يكون بالقلب، أو بالبدن مع عدم استدبار" (10).
قال المراغي: " وفي قوله: {وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ}، مبالغة في الترك المستفاد من التولي، لأن الإنسان قد يتولى عن شىء وهو عازم على أن يعود إليه ويؤدى ما يجب له، فليس كل من تولّى عن شىء يكون معرضا عنه، وقد كان من توليهم وإعراضهم أن اتخذوا الأحبار والرهبان أربابا مشرّعين يحلّون ويحرّمون، ويبيحون ويحظرون، ويزيدون ما شاءوا من الشعائر والمناسك الدينية، فكأنهم شركاء لله يشرّعون لهم ما لم يأذن به الله، كما كان من توليهم أن بخلوا بالمال في الواجبات الدينية كالنفقة على ذوى القربي وأداء الزكاة، وتركوا النهى عن المنكر إلى نحو ذلك مما يدل على الاستهتار بأمور الدين"(11).
واختلف في الخطاب في قوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} [البقرة: 83]، على وجوه (12):
الأول: أنه خبر من الله جل ثناؤه عن يهود بني إسرائيل، بأنهم نكثوا عهده ونقضوا ميثاقه، بعدما أخذ الله ميثاقهم على الوفاء له. قاله الطبري (13).
(1) انظر: المحرر الوجي: 1/ 173. قال ابن عطية: " وهذا على بدل {قليل} من الضمير في {تَوَلَّيْتُمْ}، وجاز ذلك مع أن الكلام لم يتقدم فيه نفي لأن {تَوَلَّيْتُمْ}، معناه النفي كأنه قال ثم لم تفوا بالميثاق إلا قليل".
(2)
أخرجه الطبري (1461): ص 2/ 298 - 299.
(3)
انظر: تفسير الطبري (1461): ص 2/ 298 - 299.
(4)
انظر: تفسير الطبري (1462): ص 2/ 299.
(5)
التفسير البسيط: 3/ 112.
(6)
انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 269.
(7)
تفسير الطبري: 2/ 299.
(8)
تفسير المراغي: 1/ 159.
(9)
التفسير البسيط: 3/ 112.
(10)
انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 269.
(11)
تفسير المراغي: 1/! 59.
(12)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 298 - 299.
(13)
تفسير الطبري: 2/ 298.
والثاني: وقيل: عنى الله جل ثناؤه بقوله: {وأنتم معرضون} ، اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنى بسائر الآية أسلافهم. كأنه ذهب إلى أن معنى الكلام:{ثم توليتم إلا قليلا منكم} : ثم تولى سلفكم إلا قليلا منهم، ولكنه جعل خطابا لبقايا نسلهم، ثم قال: وأنتم يا معشر بقاياهم معرضون أيضا عن الميثاق الذي أخذ عليكم بذلك، وتاركوه ترك أوائلكم.
والثالث: أن "الآية خطاب لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم أسند إليهم تولي أسلافهم، إذ هم كلهم بتلك السبيل. قاله ابن عطية (1)، وروي نحوه ابن عباس (2).
والقول الأول هو الاقرب إلى الصواب، وهو اختيار الجمهور، ومنهم الامام الطبري (3). والله أعلم.
الفوائد:
1 ن فوائد الآية: بيان عظمة الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {وإذ أخذنا} ؛ لأن الضمير هنا للتعظيم؛ وهو سبحانه وتعالى العظيم الذي لا أعظم منه.
2 ومنها: أن التوحيد جاءت به الرسل جميعاً؛ لقوله تعالى: (لا تعبدون إلا الله).
3 ومنها: أن العبادة خاصة بالله. تبارك وتعالى؛ فلا يعبد غيره؛ لقوله تعالى: {لا تعبدون إلا الله} ؛ لأن هذا يفيد الحصر.
4 ومنها: وجوب الإحسان إلى الوالدين؛ لقوله تعالى: {وبالوالدين إحساناً} ؛ وإنما أوجب ذلك؛ لأن نعمة الوالدين على ولدهما هي التي تلي نعمة الله عز وجل؛ ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في سورة لقمان: {أن اشكر لي ولوالديك} [لقمان: 14]؛ فهما سبب وجودك، وإمدادك، وإعدادك. وإن كان أصل ذلك من الله؛ فلولا الوالدان ما كنت شيئاً؛ والإحسان إلى الوالدين شامل للإحسان بالقول، والفعل، والمال، والجاه، وغير ذلك من أنواع الإحسان؛ وضده أمران؛ أحدهما أن يسيء إليهما؛ والثاني: أن لا يحسن، ولا يسيء؛ وكلاهما تقصير في حق الوالدين مناف لبرهما؛ وفي الإساءة زيادة الاعتداء.
5 ومن فوائد الآية: وجوب الإحسان إلى ذوي القربى. أي قرابة الإنسان. وهم من يجتمعون به بالأب الرابع، فما دون؛ ولكن يجب أن نعلم أن الإحسان يتفاوت؛ فكل من كان أقرب فهو أولى بالإحسان؛ لأن الحكم إذا عُلِّق بوصف قوي بحسب قوة ذلك الوصف؛ فمثلاً يجب عليك من صلة العم أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد العم؛ ويجب عليك من صلة الخال أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد الخال.
وقد اتفق العلماء أن حكم صلة الرحم المؤمنة الصالحة المضرة دنيوياً غير واجبة، قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر:"أجمعوا على أنه يجوز الهجر فوق ثلاث، لمن كانت مكالمته تجلب نقصاً على المخاطب في دينه، أو مضرة تحصل عليه في نفسه، أو دنياه، فرب هجر جميل خير من مخالطة مؤذية"(4).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا ضرر ولا ضرار"(5)، وأما حكم صلة الرحم المؤمنة الصالحة المؤذية دنيوياً فغير واجبة على مذهب بعض أهل العلم طبعاً باستثناء الوالدين ، وقالوا عن حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلا قَالَ: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلُم عنهم ويجهلون عليّ، فقال: : " لئن كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهم المَلّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك"(6)، أن الحديث محمول على استحباب صلة الرحم المؤذية لا وجوب ذلك، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والورع يا عبدالله يقتضي صلة الرحم المؤمنة الصالحة المؤذية مالم تصل إلى حد الضرر ، والفرق بين الضرر والأذى ـ والله أعلم ـ أن الأذى هو الضرر اليسير، قال ابن عطية: قوله تعالى: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً ـ معناه: لن يصيبكم منهم ضرر في الأبدان ولا في الأموال، وإنما هو أذى بالألسنة. وقال القرطبي:"وَالْمَعْنَى لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا ضَرًّا يَسِيرًا"(7).
(1) انظر: المحرر الوجيز: 1/ 173.
(2)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (833): ص 1/ 159. ولفظه: " يؤنبهم وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل أي ميثاقكم لا تعبدون إلا الله".
(3)
تفسير الطبري: 2/ 298.
(4)
سبل السلام، الإمام الصنعاني: 4/ 228.
(5)
حديث حسن، رواه ابن ماجه [انظر رق: 2341] والدارقطني [رقم: 4/ 228] وغيرهما مسندا.
(6)
أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، (4/ 1982)، برقم:(2558).
(7)
تفسير القرطبي: 4/ 173.
ولكن لا يلزم أن يكون هذا التفريق الثابت هنا ثابتا أيضا في لفظي المضرة والأذى المذكور في كلام ابن عبد البر، علما بأن الصلة تبدأ من السلام عند اللقاء، أو بمكالمة هاتفية أثناء الغيبة، وبهذا يخرج المرء من إثم الهجرة، ثم تمتد لتشمل كل أنواع البر الأخرى، فمن عجز عن درجة معينة من درجاتها فلا ينبغي أن يعجز عما تتحقق به الصلة في حدودها الدنيا.
أما كيفية التوفيق بين قول النبي صلى الله عليه وسلم: " مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إمَّا أن يحذيك، وإمَّا أن تبتاع منه، وإمَّا أن تجد منه ريحًا طيِّبة، ونافخ الكير إمَّا أن يحرق ثيابك، وإمَّا أن تجد ريحًا خبيثة"(1)، وفيه التنفير من مجالسة رفيق السوء وكذلك قوله: لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم وآكلوهم وشاربوهم فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم ببعض ثم لعنهم الحديث، وفيه التنفير من الفساق وكذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: لا تصاحب إلا مؤمنا ـ وبين قول النبي عليه الصلاة والسلام: صل من قطعك ـ وقوله: ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها ـ ومن المعلوم بأن القاطع للرحم فاسق؟ الصلة لا تستلزم مصاحبة، فالصلة تحصل بكل ما اعتبره العرف صلة كالزيارة والإهداء والاتصال ونحو ذلك، ثم إن قول النبي صلى الله عليه وسلم:" (لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان متكئاً فقال: لا، والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرًا"(2)، حديث ضعيف الإسناد وضعفه الألباني ، وبالتالي لا يُحتج به في الأحكام (3).
6 ومنها: وجوب الإحسان إلى اليتامى؛ وهو يشمل الإحسان إليهم أنفسهم؛ والإحسان في أموالهم؛ لقوله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الأنعام: 152].
7 ومنها: وجوب الإحسان إلى المساكين؛ وذلك بإعطائهم ما يستحقون من الزكاة، ودفع الضرورة، وما أشبه ذلك.
8 ومنها: وجوب القول الحسن؛ لقوله تعالى: {وقولوا للناس حسناً} ؛ وضد القول الحسن قولان؛ قول سوء؛ وقول ليس بسوء، ولا حسن؛ أما قول السوء فإنه منهي عنه؛ وأما القول الذي ليس بسوء، ولا حسن فليس مأموراً به، ولا منهياً عنه؛ لكن تركه أفضل؛ ولهذا وصف الله عباد الرحمن بأنهم:{لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مرُّوا كراماً} [الفرقان: 72]؛ وقال الرسول صلى الله عليه وسلم "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً؛ أو ليصمت"(4).
9 ومنها: الأمر بإقامة الصلاة على وجه الوجوب فيما لا تصح الصلاة إلا به؛ وعلى وجه الاستحباب فيما تصح الصلاة بدونه وهو من كمالها.
10 ومنها: أن الصلوات مفروضة على من كان قبلنا.
11 ومنها: وجوب إيتاء الزكاة؛ لقوله تعالى: {وآتوا الزكاة} .
12 ومنها: وجوب الزكاة على من كان قبلنا؛ ولكن لا يلزم أن يكونوا مساوين لنا في الأموال التي تجب فيها الزكاة، ولا في مقدار الزكاة، ولا في أهلها الذين تدفع إليهم.
13 ومنها: أن بني إسرائيل مع هذا الميثاق الذي أخذه الله عليهم لم يقوموا به إلا القليل منهم.
14 ومنها: أن تولي بني إسرائيل كان تولياً كبيراً، حيث كان تولياً بإعراض.
15 ومنها: أن المتولي المعرض أشد من المتولي غير المعرض.
16 ومنها: أن التولي قد يكون بإعراض، وقد يكون بغير إعراض؛ لأنه لو كان بإعراض مطلقاً لم يستقم قوله:{وأنتم معرضون} .
(1) رواه البخاري (5534)، ومسلم (2628)، واللفظ للبخاري.
(2)
أخرجه الترمذي، باب: ومن سورة المائدة، (5/ 252)، رقم:(3047)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، رقم:(4773).
(3)
انظر: المسلم وحقوق الآخرين، أبو فيصل البدراني:37.
(4)
سبق تخريجه ص 255.
القرآن
التفسير:
واذكروا -يا بني إسرائيل- حين أَخَذْنا عليكم عهدًا مؤكدًا في التوراة: يحرم سفك بعضكم دم بعض، وإخراج بعضكم بعضًا من دياركم، ثم اعترفتم بذلك، وأنتم تشهدون على صحته.
قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} [البقرة: 84]، "إذ أخذنا عليكم العهد"(1).
قال الرازي: أي: "أمرناكم وأكدنا الأمر وقبلتم وأقررتم بلزومه ووجوبه"(2).
واختلف أهل التفسير في الخطاب في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} [البقرة: 84]، على ثلاثة أوجه (3):
أحدها: أنه خطاب لعلماء اليهود في عصر النبي صلى الله عليه وسلم.
وثانيها: أنه خطاب مع أسلافهم، وتقديره وإذ أخذنا ميثاق آبائكم.
وثالثها: أنه خطاب للأسلاف وتقريع للأخلاف.
قوله تعالى: {لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} [البقرة: 84]، " أي:"لا يريق بعضكم دم بعض"(4).
قال الثعلبي: " لا تريقون دِماءَكُمْ"(5).
و(السفك) في اللغة: "الصب (6).
و{دماء} : جمع دم، واختلف في أصله على أقوال (7):
الأول: قال الزجاج: وأصل دم: (دَماء) في قول أكثر النحويين، ومنه قول الشاعر (8):
فلو أنا على حجر ذبحنا
…
جرى الدميان بالخبر اليقين
وأنشد أبو زيد (9):
غفَلَتْ ثم أتت ترقبه
…
فإذا هي بعظام ودَمَا
والثاني: أن أصله: (دمْي)، إلا أنه لما حذف ورد إليه ما حذف منه، حركت الميم لتدل الحركة على أنه استعمل محذوفا. وهذا مذهب سيبويه (10).
والثالث: وقال الليْث: أصله (دَمَيٌ)؛ لأنك تقول: دَمِيَتْ يده (11).واختاره ابن عطية (12).
قال الواحدي: "والأجود: ما حكاه الزجاج في أصل الدم. و (الدُّميَةُ) من الدم، كأنها الحَيَوان ذُو الدم"(13).
قال ابن عثيمين: و (السفك)، و"السفح" بمعنى واحد؛ والمراد بسفك الدم: القتل، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة:"لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً"(14) أي يقتل نفساً بغير حق؛
(1) تفسير المراغي: 1/ 161.
(2)
مفاتيح الغيب: 2/ 156.
(3)
انظر: مفاتيح الغيب: 2/ 156 - 157.
(4)
تفسير المراغي: 1/ 161.
(5)
تفسير الثعلبي: 1/ 229.
(6)
انظر: اللسان: 4/ 2030، والقاموس: 9425، والتفسير البسيط: 3/ 113.
(7)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 165.
(8)
البيت من شواهد الزجاج في معاني القرآن: 1/ 165.
(9)
ورد البيت هكذا:
غفلت ثم أتت تطلبه
ينظر: "الخزانة" 7/ 491، و"التنبيه" لابن بري 2/ 235، و"شرح التسهيل" 1/ 250، و"تلخيص الشواهد" ص 77، وينظر:"البحر المحيط" 2/ 1231 ولم ينسبوه.
(10)
انظر: اللسان: 4/ 268.
(11)
انظر: تهذيب اللغة: 14/ 216، واللسان: 4/ 268.
(12)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 173.
(13)
التفسير البسيط: 3/ 114.
(14)
أخرجه البخاري ص 12، كتاب العلم، باب 37: ليبلغ العلم الشاهد الغائب، حديث رقم 104؛ وأخرجه مسلم ص 903 – 904، كتاب الحج، باب 82: تحريم مكة وتحريم صيدها وخلاها
…
، حديث رقم 3304 [446]1354.
و {دماءكم} أي دماء بعضكم؛ لكن الأمة الواحدة كالجسد الواحد؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم"(1)، وقال:"ويجير عليهم أقصاهم (2) "" (3).
وفي قوله تعالى: {تَسْفِكُونَ} [البقرة: 84]، ثلاثة أوجه من القراءة:
الأول: {تُسْفِكُونَ} ، بكسر الفاء. قراءة الجماعة.
والثاني: وقرأ طلحة بن مصرف {تُسْفِكُونَ} ، بضم (الفاء)(4).
قال الثعلبي: " وهما لغتان، مثل: يعرُشون، ويعكُفون"(5).
والثالث: وقرأ أبو مجلز: {تُسَفِّكُونَ} ، بالتشديد على التكثير (6).
قال الثعلبي: وإنّما قال {دِماءَكُمْ} [البقرة: 84]، لمعنيين:
أحدهما: إن كلّ قوم اجتمعوا على دين واحد فهم كنفس واحدة.
والآخر: هو أنّ الرجل إذا قتل غيره كأنّما قتل نفسه لأنّه يقاد ويقتصّ منه" (7).
وقوله تعالى: {لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُم} [البقرة: 84]، فيه إشكال، وهو أن الإنسان ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه، وإذا كان كذلك فلا فائدة في النهي عنه، والجواب عنه من أوجه وهي (8):
الأول: لا يقتل الإنسان نفسه، ولا يخرج من داره سفها، كما ثبت في أهل بعض دول العالم، أنهم يقدرون في قتل النفس التخلص من عالم الفساد واللحوق بعالم النور والصلاح، أو كثير ممن صعب عليه الزمان، وثقل عليه أمر من الأمور، فيقتل نفسه، من جهد وبلاء يصيبه، أو يهيم في الصحراء ولا يأوي البيوت جهلا في ديانته وسفها في حلمه، فهو عموم في جميع ذلك، فإذا انتفى كون الإنسان ملجأ إلى ترك قتله نفسه صح كونه مكلفا به (9).
والثاني: المراد لا يقتل بعضكم بعضا، وجعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به نسبا ودينا وهو كقوله تعالى:{فاقتلوا أنفسكم} [البقرة: 54]. وهذا قول أبي العالية (10) والسدي (11). وروي عن قتادة (12)، والربيع بن أنس نحو ذلك (13). واختاره ابن عطية (14).
(1) أخرجه البخاري ص 257، كتاب الجزية والموادعة، باب 17: إثم من عاهد ثم غدر، حديث رقم 3179؛ وأخرجه مسلم ص 905، كتاب الحج، باب 85: فضل المدينة ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم فيها بالبركة
…
، حديث رقم 3327 [467]1370.
(2)
اخرجه أبو داود ص 1428، كتاب الجهاد، باب 147: في السرية ترد على أهل العسكر، حديث رقم 2751؛ وأخرجه ابن ماجه ص 2638، كتاب الديات، باب 31: المسلمون تتكافأ دماؤهم، حديث رقم 2685، قال الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح 2/ 170.
(3)
انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 146 ..
(4)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 229.
(5)
تفسير الثعلبي: 1/ 229.
(6)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 229.
(7)
تفسير الثعلبي: 1/ 229.
(8)
انظر: تفسير الرازي: 2/ 156 - 157، وتفسير القرطبي: 2/ 18 - 19.
(9)
عن أنس رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهطٍ إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فأنا أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكني: أصوم وأفطر، وأُصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"، ولفظ مسلم:"أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فحمد الله، وأثنى عليه فقال: "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني: أصلّي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني". [متفق عليه: البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، برقم 5063، ومسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، برقم 1401].
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (851): ص 1/ 162.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (852): ص 1/ 163.
(12)
انظر: تفسير الطبري (1464): 2/ 300.
(13)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 163.
(14)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 173.
والثالث: وقيل: المراد القصاص، أي لا يقتل أحد فيقتل قصاصا، فكأنه سفك دمه. أجازه الطبري (1). وقال ابن عطية: " وهذا تأويل فيه تكلف (2)،
والرابع: لا تتعرضوا لمقاتلة من يقتلكم فتكونوا قد قتلتم أنفسكم.
والخامس: لا تسفكون دماءكم من قوامكم في مصالح الدنيا بهم فتكونون مهلكين لأنفسكم.
والصحيح "إنما كان الأمر أن الله تعالى قد أخذ على بني إسرائيل في التوراة ميثاقا أن لا يقتل بعضهم بعضا ولا ينفيه ولا يسترقه ولا يدعه يسترق إلى غير ذلك من الطاعات"(3). والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: {وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} [البقرة: 84]، أي " ولا يخرج بعضكم بعضا من داره"(4).
قال الواحدي: " أي: لا يخرج بَعضكُم بعضًا مِن دَاره ويغلبه عَليها"(5).
قال ابن عطية: أي: " ولا ينفي بعضكم بعضا بالفتنة والبغي"(6).
وقد ذكروا في قوله تعالى: {وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} [البقرة: 84]، ثلاثة أوجه من التفسير:
الأول: لا تفعلوا ما تستحقون بسببه أن تخرجوا من دياركم.
الثاني: المراد النهي عن إخراج بعضهم بعضا من ديارهم لأن ذلك مما يعظم فيه المحنة والشدة حتى يقرب من الهلاك (7). وهذا قول أبي العالية (8). وروي عن الحسن (9) والسدي (10) ومقاتل بن حيان (11) نحو ذلك.
والثالث: ولا تسبوا من جاوركم فتلجئوهم إلى الخروج بسوء جواركم. قاله الثعلبي (12).
قال ابن عثيمين: "ولا شك أن الإخراج من الوطن شاق على النفوس؛ وربما يكون أشق من القتل"(13).
قوله تعالى: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ} [البقرة: 84]، " أي: قبلتم ذلك وأقررتم به" (14).
قال أبو العالية: "يقول: : أقررتم بهذا الميثاق"(15). وروي عن الربيع مثله (16).
قال الزجاج: " أي اعترفتم بأن هذا أخذ عليكم في العهد وأخذ على آبائكم"(17).
قال الثعلبي: اي: "بهذا العهد إنّه حقّ"(18).
قال الزمخشري: أي" بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه"(19).
قال ابن عطية: " أي خلفا بعد سلف أن هذا الميثاق أخذ عليكم والتزمتموه فيتجه في هذه اللفظة أن تكون من الإقرار الذي هو ضد الجحد وتتعدى بالباء، وأن تكون من الإقرار الذي هو إبقاء الأمر على حاله، أي أقررتم هذا الميثاق ملتزما"(20).
قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} [البقرة: 84]، أي:" وأنتم أيها الباقون المخاطبون تشهدون أن هذا حق"(21).
قال الثعلبي: أي: تشهدون "اليوم على ذلك يا معشر اليهود"(22).
واختلف في الخطاب في قوله تعالى {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} [البقرة: 84]، على وجهين:
الأول: أنه خطاب لليهود المعاصرين للرسول-صلى الله عليه وسلم، والمعنى "وأنتم شهداء أي بينة أن هذا الميثاق أخذ على أسلافكم فمن بعدهم"(23). وهذا مذهب ابن عباس (24).
والثاني: أنه خبر من الله جل ثناؤه عن أوائلهم، أخرجه بذلك عنهم مُخرج المخاطبة. قاله أبو العالية (25).
والراجح أنه خبر عن أسلافهم، ويدخل فيه المخاطبون منهم، "الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما كان قوله: {وإذ أخذنا ميثاقكم} خبرا عن أسلافهم، وإن كان خطابا للذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم"(26). وهذا اختيار الطبري (27).
وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} [البقرة: 84]، وجوها (28):
الأول: أي: ثم أقررتم بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه وأنتم تشهدون عليها كقولك فلان مقر على نفسه بكذا أي شاهد عليها. قاله الزمخشري (29). وقواه القرطبي (30).
والثاني: اعترفتم بقبوله وشهد بعضكم على بعض بذلك، لأنه كان شائعا فيما بينهم مشهورا.
والثالث: وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق.
والرابع: الإقرار الذي هو الرضاء بالأمر والصبر عليه كأن يقال: فلان لا يقر على الضيم، فيكون المعنى أنه تعالى يأمركم بذلك ورضيتم به فأقمتم عليه وشهدتم بوجوبه وصحته.
قال الرازي: "وإن قيل: لم قال: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} والمعنى واحد، قلنا فيه ثلاثة أقوال: الأول: أقررتم يعني أسلافكم وأنتم تشهدون الآن يعني على إقرارهم، الثاني: أقررتم في وقت الميثاق الذي مضى وأنتم بعد ذلك تشهدون، الثالث: أنه للتأكيد"(31).
الفوائد:
1.
من فوائد الآية: أن بني إسرائيل أُخذ عليهم تحريم قتال بعضهم بعضاً؛ لقوله تعالى: {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم} .
2 ومنها: تحريم إخراج بعضهم بعضاً من ديارهم.
3 ومنها: أن الأمة كالنفس الواحدة؛ لقوله تعالى: {لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم} .
4 ومنها: الأسلوب البليغ في قوله تعالى: {لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} ؛ وذلك أن مثل هذا التعبير فيه الحث البليغ على اجتناب ما نُهي عنه، وكأن الذي اعتدى على غيره قد اعتدى على نفسه
5 ومنها: أن بني إسرائيل قد أقروا على أنفسهم بهذا الميثاق، وشهد بعضهم على بعض؛ لقوله تعالى:{ثم أقررتم وأنتم تشهدون.} .
القرآن
(1) انظر: تفسيره: 2/ 300.
(2)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 173.
(3)
المحرر الوجيز: 1/ 173، وانظر: تفسير القرطبي: 2/ 18.
(4)
تفسير الثعلبي: 1/ 229، وانظر: تفسير المراغي: 1/ 161.
(5)
التفسير البسيط: 3/ 115.
(6)
المحرر الوجيز: 1/ 173.
(7)
تفسير الرازي: 2/ 157.
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (853): ص 1/ 163.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 163.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 163.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 163.
(12)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 229. قال المحقق وجدته عن هامش المخطوط.
(13)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 147.
(14)
التفسير البسيط: 3/ 115.
(15)
أخرجه الطبري (1467): ص 2/ 301.
(16)
انظر: تفسير الطبري (1468): ص 2/ 301.
(17)
معاني القرآن للزجاج: 1/ 165.
(18)
تفسير الثعلبي: 1/ 229.
(19)
الكشاف: 1/ 160، وانظر: تفسير البيضاوي: 1/ 91.
(20)
المحرر الوجيز: 1/ 174.
(21)
معاني القرآن للزجاج: 1/ 165.
(22)
تفسير الثعلبي: 1/ 229.
(23)
المحرر الوجيز: 1/ 174.
(24)
انظر: تفسير الطبري (1469): ص 2/ 302.
(25)
انظر: تفسير الطبري (1470): ص 2/ 302.
(26)
تفسير الطبري: 2/ 302.
(27)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 302.
(28)
انظر: الكشاف: 1/ 160، ومفاتيح الغيب: 2/ 156 - 157، وتفسير القرطبي: 2/ 18.
(29)
انظر: الكشاف: 1/ 160، تفسير القرطبي: 2/ 18.
(30)
انظر: تفسير القرطبي: 2/ 18.
(31)
تفسير الرازي: 2/ 157.
التفسير:
ثم أنتم يا هؤلاء يقتل بعضكم بعضًا، ويُخرج بعضكم بعضًا من ديارهم، ويَتَقَوَّى كل فريق منكم على إخوانه بالأعداء بغيًا وعدوانًا. وأن يأتوكم أسارى في يد الأعداء سعيتم في تحريرهم من الأسر، بدفع الفدية، مع أنه محرم عليكم إخراجهم من ديارهم. ما أقبح ما تفعلون حين تؤمنون ببعض أحكام التوراة وتكفرون ببعضها! فليس جزاء مَن يفعل ذلك منكم إلا ذُلا وفضيحة في الدنيا، ويوم القيامة يردُّهم الله إلى أفظع العذاب في النار، وما الله بغافل عما تعملون.
في سبب نزول الآية: قال ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس: " كانوا فريقين: طائفة منهم من بني قينقاع حلفاء الخزرج (1)، والنضير وقريظة (2) حلفاء الأوس (3)، فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر كل من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة، يعرفون منها ما عليهم وما لهم. والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، لا يعرفون جنة ولا نارا، ولا بعثا ولا قيامة، ولا كتابا، ولا حراما ولا حلالا فإذا وضعت الحرب أوزارها، افتدوا أسراهم، تصديقا لما في التوراة، وأخذا به، بعضهم من بعض. يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، وتفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، ويطلون ما أصابوا من الدماء، وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لأهل الشرك عليهم. يقول الله تعالى ذكره، حين أنبهم بذلك: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض}، أي تفادونه بحكم التوراة وتقتلونه - وفي حكم التوراة أن لا يقتل، ولا يخرج من داره، ولا يظاهر عليه من يشرك بالله ويعبد الأوثان من دونه - ابتغاء عرض من عرض الدنيا". قال ابن اسحاق: "ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج - فيما بلغني - نزلت هذه القصة"(4).
أخرجه الطبري (5)، وروي عن السدي (6)، وابن زيد نحو ذلك (7).
قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 85]، "أي ثم أنتم بعد ذلك التوكيد في الميثاق تنقضون العهد فتقتلون أنفسكم"(8).
قال ابن عباس: " أي أهل الشرك حتى يسفكوا دماءهم معهم"(9).
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس: " {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم}، يقول: يقتل بعضكم بعضا"(10).
وروي عن الحسن وقتادة نحو ذلك (11).
(1) هم الخزرج بن حارثة بطن من الأزد من القحطانية، كانوا يقطنون المدينة مع الأوس، وكانت العرب جميعًا في الجاهلية يسمون الأوس والخزرج جميعًا الخزرج، وكانوا هم والأوس يحجون ويقفون مع الناس. ينظر:"معجم قبائل العرب" 1/ 342.
(2)
قريظة والنضير: قبيلتان من اليهود في المدينة، وهما من بني الخزرج الصريح بن التوءمان بن السبط بن اليسع بن سعد بن لاوي بن خير بن النحام بن تنحوم بن عازر بن عذري بن هارون بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب. ينظر "السيرة النبوية" لابن هشام 1/ 61.
(3)
هم بنو الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف، من أعظم بطون الأزد من القحطانية، أهل عز ومنعة، فيهم عدة أفخار، كان موطنهم الأصلي بلاد اليمن، فهاجروا إلى يثرب، وعاشوا مع الخزرج والقبائل اليهودية، ونشبت حروب طويلة بينهم وبين الخزرج كيوم بعاث والدرك وغيرها. ينظر:"معجم قبائل العرب القديمة والحديثة" 1/ 50.
(4)
تفسير الطبري (1474): ص 2/ 307.
(5)
انظر: تفسير الطبري (1471): ص 2/ 304 - 405.
(6)
انظر: تفسير الطبري (1472): ص 2/ 307 - 308.
(7)
أخرجه الطبري (1474): ص 2/ 307.
(8)
تفسير المراغي: 1/ 161.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (856): ص 1/ 163 - 164.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (858): ص 1/ 164.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (858): ص 1/ 164.
قال المراغي: " أي يقتل بعضكم بعضا كما كان يفعل من قبلكم، مع أنكم معترفون بأن الميثاق أخذ عليكم كما أخذ عليهم"(1).
قال الصابوني: "أي ثم نقضتم أيضاً الميثاق يا معشر اليهود بعد إقراركم به، فقتلتم إِخوانكم في الدين، وارتكبتم ما نهيتم عنه من القتل"(2).
وروي عن السدي أنه قال: "كانت قريظة حلفاء الأوس، وكانت النضير حلفاء الخزرج، فكانوا يقتتلون في حرب سمير فتقاتل بنو قريظة مع حلفائها. النضير وحلفائهم. وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها ويغلبون فيخربون ديارهم ويخرجونهم منها فإذا أسر رجل من الفريقين ليهما جمعوا له حتى يفدوه فتعيرهم العرب بذلك، ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم، قالوا: أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم، قالوا: إنا نستحي أن يستدل بحلفائنا. فذلك حين عيرهم الله فقال: ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم"(3).
قال ابن عطية: " {هؤُلاءِ} دالة على أن المخاطبة للحاضرين لا تحتمل ردا إلى الأسلاف"(4). وكذا قاله الواحدي (5).
قال ابن عثيمين: " والخطاب لمن كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وإنما وجه إليهم؛ لأنهم من الأمة التي فعلت ذلك، ورضوا به"(6).
وقوله تعالى {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ} [البقرة: 85]، يحتمل وجهين (7):
الأول: أن يكون أريد به: ثم أنتم يا هؤلاء، فترك (يا)، استغناء بدلالة الكلام عليه، كما قال:{يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} [يوسف: 29]، أي: يا يوسف أعرض عن هذا. ااختاره الثعلبي (8).
والثاني: أن يكون معناه: ثم أنتم قوم تقتلون أنفسكم، فيرجع إلى الخبر عن (أنتم). وقد اعترض بينهم وبين الخبر عنهم بـ {هؤلاء} ، كما تقول العرب: أنا ذا أقوم، وأنا هذا أجلس، وإذْ قيل: أنا هذا أجلس، كان صحيحا جائزا كذلك: أنت ذاك تقوم.
قال الإمام الطبري: "وقد زعم بعض البصريين أن قوله {هؤلاء} في قوله: {ثم أنتم هؤلاء} ، تنبيه وتوكيد لـ {أنتم} ، . وزعم أن {أنتم} وإن كانت كناية أسماء جماع المخاطبين، فإنما جاز أن يؤكدوا بـ {هؤلاء} و (أولاء)، لأنها كناية عن المخاطبين، كما قال خفاف بن ندبة (9):
أقولُ له، والرُّمحُ يأطِرُ مَتْنَهُ:
…
تأمَّل خُفافًا، إنني أنا ذلِكَا
يريد: أنا هذا، وكما قال جل ثناؤه:{حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} [يونس: 22].
وقد اختلف أهل التأويل فيمن عُني بهذه الآية، نحو اختلافهم فيمن عَني بقوله: {وأنتم تشهدون {(10):
الأول: أن الآية خطاب لقريظة والنضير وبني قينقاع، وذلك أن النضير وقريظة حالفت الأوس، وبني قينقاع حالفت الخزرج، فكانوا إذا وقعت الحرب بين بني قيلة ذهبت كل طائفة من بني إسرائيل مع أحلافها فقتل بعضهم بعضا وأخرج بعضهم بعضا من ديارهم، وكانوا مع ذلك يفدي بعضهم أسرى بعض اتباعا لحكم التوراة وهم قد خالفوها بالقتال والإخراج (11). قاله ابن عباس (12)، وروي عن السدي (13)، وابن زيد نحو ذلك (14).
قال ابن إسحاق: "ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج - فيما بلغني - نزلت هذه القصة"(15).
والثاني: قال أبو العالية: "كان في بني إسرائيل: إذا استضعفوا قوما أخرجوهم من ديارهم. وقد أخذ عليهم الميثاق أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم"(16).
وقوله {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} ، قراءة العامّة بالتخفيف، من القتل، وقرأ الحسن:{تُقَتِّلُونَ} ، بالتثقيل من التقتيل (17).
قوله تعالى: {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ} [البقرة: 85]، "أي كما طردتموهم من ديارهم من غير التفات إِلى العهد الوثيق"(18).
روي عن ابن عباس: {وتخرجون فريقا منكم من ديارهم} ، قال: يخرجونهم من ديارهم معهم" (19). وروي عن الحسن، وقتادة نحو ذلك (20).
قوله تعالى: {تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بالإثم وَالْعُدْوَانِ} [البقرة: 85]، أي تتعاونون عليهم بالمعصية والظلم" (21).
قال الواحدي: " أي: تعاونون على أهل ملتكم بالمعصية والظلم"(22).
قال ابن عثيمين: أي بالمعصية والإعتداء على الغير بغير حق، فكل عدوان معصية؛ وليست كل معصية عدواناً. إلا على النفس: فالرجل الذي يشرب الخمر عاصٍ، وآثم؛ والرجل الذي يقتل معصوماً هذا آثم، ومعتد؛ والذي يخرجه من بلده آثم، ومعتد؛ ولهذا قال تعالى:{تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان} ؛ فهؤلاء بعد ما أخذ عليهم الميثاق مع الإقرار، والشهادة لم يقوموا به؛ أخرجوا أنفسهم من ديارهم، وتظاهروا عليهم بالإثم، والعدوان" (23).
قال ابن عباس: " كانوا إذا كان بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى يتسافكوا دماءهم بينهم"(24).
وقوله تعالى: {تَظَاهَرُونَ} ] البقرة: 85]، أي: تتعاونون، مشتق من الظهر، لأن بعضهم يقوي بعضا فيكون له كالظهر (25)، ومنه قول الشاعر (26):
تظاهرتم أستاه بيت تجمعت
…
على واحد لا زلتم قرن واحد
(1) تفسير المراغي: 1/ 161.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 66.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (857): ص 1/ 164.
(4)
المحرر الوجيز: 1/ 174.
(5)
التفسير البسيط: 3/ 116.
(6)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 274.
(7)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 304.
(8)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 229.
(9)
الأغاني 2: 329/ 13: 134، 135/ 16: 134، والخزانة 2: 470، وغيرهما، ويأتي في الطبري 1: 314، 437. يقول الشعر في مقتل ابن عمه معاوية بن عمرو أخى الخنساء. ومالك، هو مالك بن حِمَار الشمخي الفزاري. والبيت الذي قبله:
فَإن تَكُ خَيْلي قد أُصِيبَ صَمِيمُها
…
فَعَمْدًا على عَيْنٍ تَيَمَّمْتُ مَالِكَا
والخيل هنا: هم فرسان الغارة، وكان معاوية وخفاف غزوَا بني مرة وفزارة. والصميم: الخالص المحض من كل شيء. وأراد معاوية ومقتله يومئذ. ويقال: " فعلت هذا الأمر عمد عين، وعمدًا على عين "، إذا تعمدته مواجهة بجد ويقين. وتيمم: قصد وأمَّ
" أقول له "، يعني لمالك بن حِمَار. وأطر الشيء يأطره أطرًا: هو أن تقبض على أحد طرفي الشيء ثم تعوجه وتعطفه وتثنيه. وأراد أن حر الطعنة جعله يتثنى من ألمها، ثم ينحني ليهوى صريعًا إذ أصاب الرمح مقتله. وأرى أن الإشارة في هذا البيت إلى معنى غائب، كأنه قال:" أنا ذلك الذي سمعت به وببأسه ".
(10)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 305 - 307.
(11)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 174، وتفسير الطبري: 2/ 306.
(12)
انظر: تفسير الطبري (1471): ص 2/ 304 - 405.
(13)
انظر: تفسير الطبري (1472): ص 2/ 307 - 308.
(14)
أخرجه الطبري (1474): ص 2/ 307.
(15)
انظر: تفسير الطبري (1471): ص 2/ 304 - 405.
(16)
أخرجه الطبري (1474): ص 2/ 307.
(17)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 229.
(18)
صفوة التفاسير: 1/ 66.
(19)
أخرجه ابن أبي حاتم (859): ص 1/ 164.
(20)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 164.
(21)
صفوة التفاسير: 1/ 66.
(22)
التفسير البسيط: 3/ 119.
(23)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 275.
(24)
أخرجه ابن أبي حاتم (860): ص 1/ 164.
(25)
انظر: تفسير القرطبي: 2/ 20.
(26)
لم أتعرف على قائله، والبيت ورد في تفسير القرطبي: 2/ 20، والشوكاني رواية البيت في تفسير الشوكاني هكذا: تظاهرتم من كل أوب ووجهة، انظر: تفسير الشوكاني: 18/ 189، و 18/ 191، و 13/ 61.
و (الإثم): "الفعل الذي يستحق عليه صاحبه الذم والعدوان: الإفراط في الظلم والتجاوز فيه"(1).
قال سعيد بن جبير: " بالإثم بعد المعصية"(2). وروي عن مقاتل بن حيان مثل ذلك (3).
وفي تفسير (العدوان) قولان (4):
أحدهما: أنه مجاوزة الحق.
والثاني: أنه في الإفراط في الظلم (5). روي نحوه عن سعيد بن جبير (6).
وقد اختلف الْقَرَأَة في قراءة: {تظاهرون} [البقرة: 85]، على وجوه (7):
الأول: قرأها بعضهم: {تظاهرون} على مثال (تفاعلون)، واختاره أبو عبيد ووجه هذه القراءة: إنّهم حذفوا تاء الفاعل وأبقوا تاء الخطاب كقوله {وَلا تَعاوَنُوا} [المائدة: 2]، وقوله:{ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ} [الصافات: 25](8).
والثاني: وقرأها أهل المدينة وأهل مكة: {تظَّاهرون} ، فشدد، بتأويل:{تتظاهرون} ، غير أنهم أدغموا التاء الثانية في الظاء، لتقارب مخرجيهما، فصيروهما ظاء مشددة. واختاره أبو حاتم (9).
والثالث: وقرأ الكوفيون {تظاهرون} مخففا، حذفوا التاء الثانية لدلالة الأولى عليها، وكذا {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ} [التحريم: 4].
والرابع: وقرأ قتادة وابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر {تظهرون عليهم} ، وشددة الظاء، وكله راجع إلى معنى التعاون، ومنه:{وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيراً} [الفرقان: 55] وقوله: {وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: 4](10).
والقراءة الأولى والثانية، وإن اختلفت ألفاظهما، فإنهما متفقتا المعنى. فسواء بأي ذلك قرأ القارئ، لأنهما جميعا لغتان معروفتان، وقراءتان مستفيضتان في أمصار الإسلام بمعنى واحد، ليس في إحداهما معنى تستحق به اختيارها على الأخرى، إلا أن يختار مختار {تظاهرون} ، المشددة طلبا منه تتمة الكلمة (11).
قوله تعالى: {وَإِن يَأتُوكُمْ أسارى تُفَادُوهُمْ} [البقرة: 85]، "أي إذا وقعوا في الأسر فاديتموهم، ودفعتم المال لتخليصهم من الأسر"(12).
قال ابن عباس: " وقد عرفتم أن ذلك عليكم في دينكم"(13).
قال الواحدي: "إن أتوكم مأسورين يطلبون الفداء فديتموهم"(14).
قال ابن عثيمين: " يعني: تفدون المأسورين وهو محرم عليكم إخراجهم من ديارهم؛ فأنتم لم تقوموا بالإيمان بالكتاب كله"(15).
واختلفت القراءة في قوله {أسارى تُفَادُوهُمْ} [البقرة: 85]، على وجوه (16):
الأول: فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر {أسرى تفدوهم} .
(1) انظر: تفسير القرطبي: 2/ 20.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (862): ص 1/ 165.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 165.
(4)
انظر: النكت والعيون: 1/ 155.
(5)
معاني القرآن للزجاج: 1/ 166، وتفسير الثعلبي: 1/ 229.
(6)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (863): ص 1/ 165.
(7)
انظر: السبعة في القراءات: 63، والمحرر الوجيز: 1/ 174، وتفسير الطبري: 2/ 307 - 308، وتفسير القرطبي: 2/ 20.
(8)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 229.
(9)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 229.
(10)
وروى علي بن نصر عن أبي عمرو أنه يخفف {تظهرون عليهم} ، وفارقهما عاصم في التي في سورة الأحزاب فقرأ {تظاهرون منهن أمهاتكم} برفع التاء مع التخفيف، وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء مع التخفيف مثل التي في سورة البقرة. [انظر: السبعة: 163].
(11)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 307 - 308.
(12)
صفوة التفاسير: 1/ 66.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (864): ص 1/ 165.
(14)
التفسير البسيط: 3/ 119.
(15)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 275.
(16)
انظر: السبعة في القراءات: 164.
والثاني: وقرأ نافع وعاصم والكسائي {أسارى تفادوهم} (1) بألف فيهما.
والثالث: وقرأ حمزة {أسرى تفدوهم} ، بغير ألف فيهما.
والرابع: وكان أبو عمرو وحمزة والكسائي يكسرون الراء.
والخامس: وكان عاصم وابن كثير يفتحان الراء.
والخامس: وكان نافع يقرأ بين الفتح والكسر.
وقد رجّح الإمام الطبري قراءة {وإن يأتوكم أسرى} ، "لأن (فعالى) في جمع (فعيل)، غير مستفيض في كلام العرب "(2).
وأصل الأسر في اللغة: الشدّ (3)، و (الأسير) مشتق من الإسار، وهو القد الذي يشد به المحمل فسمي أسيرا، لأنه يشد وثاقه، والعرب تقول: قد أسر قتبه، أي شده، ثم سمي كل أخيذ أسيرا وإن لم يؤسر، وقال الأعشى (4):
وقيدني الشعر في بيته
…
كما قيد الآسرات الحمارا
أي أنا في بيته، يريد ذلك بلوغه النهاية فيه، فأما الأسر في قوله عز وجل:{وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ} [الإنسان: 28] فهو الخلق. وأسرة الرجل رهطه، لأنه يتقوى بهم (5).
وفي الفرق بين (أَسْرَى) و (أُسَارَى) ثلاثة أقوال:
أحدها: أن (أَسْرَى)، جمع (أسير)، و (أُسَارَى) جمع (أَسْرَى)(6).
والثاني: أنه ما صار في اليد فهم (أسارى)، وما جاء مستأسرا فهو (أسرى). وهذا قول أبي عمرو بن العلاء (7).
قال أبو بكر النقاش: "سمعت أحمد بن يحيى ثعلب وقد قيل له هذا الكلام عن أبي عمرو فقال: هذا كلام المجانين. يعني لا فرق بينهما"(8).
والثالث: وحكي عن أبي سعيد الضرير إنّه قال: " (الأسارى): هم المقيّدون المشدّدون، و (الأسرى): هم المأسورون غير المقيدين"(9).
و(الفداء): طلب الفدية في الأسير الذي في أيديهم، قال الجوهري:" الفداء إذا كُسر أوّله يُمدُّ ويُقصر، وإذا فُتح فهو مقصور. يقال: قم فدًى لك أبي. ومن العرب مَن يكسر فداء للتنوين إذا جاور لام الجرّ خاصّة، فيقول: فِداءٍ لك؛ لأنّه نكرة، يريدون به معنى الدعاء .. ويقال: فداه وفاداه، إذا أعطى فداءه فأنقذه. وفداه بنفسه، وفداه تفديةً، إذا قال له: جُعلت فداءك"(10)، وبذلك فإن (الفداء) يأتي بمعنى التخليص، وفكاك الأسير، نقول: فَدَتْ وَافْتَدَتْ وَفَادَتِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مِنْ زَوْجِهَا: بَذَلَتْ لَهُ مَالاً لِيُطَلِّقَهَا، وَقَال الْوَزِيرِ بْنِ الْمَعَرِّيِّ:" يُقَال: فَدَى: إِذَا أَعْطَى مَالاً وَأَخَذَ رَجُلاً، وَأَفْدَى: إِذَا أَعْطَى رَجُلاً وَأَخَذَ مَالاً، وَفَادَى: إِذَا أَعْطَى رَجُلاً وَأَخَذَ رَجُلاً "، وَالْفِدَاءُ وَالْفِدْيَةُ وَالْفَدَى كُلُّهُ بِمَعْنًى واحد، وَالْفِدْيَةُ اسْمٌ لِلْمَال الَّذِي يُفْتَدَى بِهِ الأسِيرُ (11).
(1) قال الطبري: "وكان بعضهم يزعم أن معنى " الأسرى " مخالف معنى " الأسارى "، ويزعم أن معنى " الأسرى " استئسار القوم بغير أسر من المستأسِر لهم، وأن معنى " الأسارى " معنى مصير القوم المأسورين في أيدي الآسرين بأسرهم وأخذهم قهرا وغلبة
…
وذلك ما لا وجه له يفهم في لغة أحد من العرب. ولكن ذلك على ما وصفت من جمع " الأسير " مرة على " فَعلى " لما بينت من العلة، ومرة على " فُعالى "، لما ذكرت: من تشبيههم جمعه بجمع " سكران وكسلان " وما أشبه ذلك". (انظر: تفسير الطبري: 2/ 311).
(2)
تفسير الطبري: 2/ 311 - 312.
(3)
انظر: تهذيب اللغة (أسر): ص 1/ 159، واللسان (أسر): 4/ 78.
(4)
ديوانه: 53. وأسرت السرج والرحل: ضممت بعضه إلى بعض بسيور، والسيور تسمى: تآسير. (انظر معجم العين: مادة (اسر).
(5)
تفسير القرطبي: 2/ 21.
(6)
انظر: النكت والعيون: 1/ 155.
(7)
تفسير الثعلبي: 1/ 230.
(8)
تفسير الثعلبي: 1/ 230.
(9)
تفسير الثعلبي: 1/ 230.
(10)
الصحاح: 6/ 2453.
(11)
انظر: لسان العرب، ابن منظور (ج 15، ص 149)، والقاموس المحيط، الفيروز آبادي (ص 1188).
أما في الاصطلاح الشرعي، فإن الفداء لا يخرج عن معناه اللغوي، وعليه فيمكن القول: إن الفداء اصطلاحاً هو: " بذل المال ونحوه من سلاح وغيره مقابل افتكاك الأسير من قبضة عدوه"(1).
وأنشد الأصمعي للنابغة (2):
مهلا فداء لك الأقوام كلهم
…
وما أثمر من مال ومن ولد
وقد اتفق الفقهاء على مشروعية مفاداة أسرى المسلمين بالمال؛ بل تجب المفاداة إذا تعينت وسيلة لذلك؛ لأنَّ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإن لم يفد الإمام والمسلمون أثموا جميعا، لأنها من فروض الكفاية التي تسقط بقيام البعض بها (3).
وقوله تعالى {تُفَادُوهُم} قرئ بوجهين (4):
الأول: قرأ المدنيان نافع وأبو جعفر، وعاصم والكسائي ويعقوب (تفادوهم) بضم التاء وألف بعد الفاء.
والثاني: قرأ الباقون {تَفْدُوهم} ، بفتح التاء وسكون الفاء من غير ألف.
قوله تعالى: {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} [البقرة: 85]، "أي فكيف تستبيحون القتل والإِخراج من الديار، ولا تستبيحون ترك الأسرى في أيدي عدوهم؟ "(5).
أخرج ابن أبي حاتم: " عن ابن عباس: {وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم}، في كتابكم: إخراجهم"(6).
قال ابن عثيمين: أي: " "تفدون المأسورين وهو محرم عليكم إخراجهم من ديارهم" (7).
وقال قتادة: " والله إن فداءهم لإيمان، وإن إخراجهم لكفر"(8).
وقوله تعالى {هُوَ} ، يحتمل وجهين من الإعراب (9):
الأول: مبتدأ وهو كناية عن الإخراج الذي تقدم ذكره، كأنه قال: وتخرجون فريقا منكم من ديارهم، وإخراجهم محرم عليكم. ثم كرر (الإخراج) الذي بعد {وهو محرم عليكم} ، تكريرا على {هو} ، لما حال بين (الإخراج) و (هو) كلام، ويقرأ {وهو} بسكون الهاء لثقل الضمة، كما قال الشاعر (10):
فهْو لا تنمي رميته
…
ماله لا عد من نفره (11)
الثاني: أن يكون عمادا، لمّا كانت (الواو) التي مع {هو} تقتضي اسما يليها دون الفعل، فلما قدم الفعل قبل الاسم - الذي تقتضيه (الواو) أن يليها - أُولِيَتْ (هو)، لأنه اسم، كما تقول: أتيتك وهو قائم أبوك، بمعنى: وأبوك قائم، إذ كانت (الواو) تقتضي اسما، فعمدت بـ (هو)، إذ سبق الفعل الاسم ليصلح الكلام، كما قال الشاعر (12):
(1) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (ج 32، ص 59).
(2)
هذه البيت من البسيط قاله النابغة الذبياني من قصيدة مدح بها النعمان وتبرأ مما رماه به الوشاة عنده ومطلعها:
يا دار مية بالعلياء فالسند
…
أقوت وطال عليها سالف الأمد
«مهلا» : بمعنى أمهل وتأنّ والفداء: ما يفتدى به الشيء و «أثمر» أي: أجمع وأصلح، يقال: ثمّر فلان ماله إذا جمعه وأصلحه. والمعنى: لا تعجل عليّ بالانتقام فداك الأقوام وما أجمع من مال وولد.
والشاهد فيه: أن «فداء» مما التزم فيه التنكير من أسماء الأفعال. انظر البيت في المفصل (ص 164) وابن يعيش (4/ 70)، والتذييل (6/ 213) والخزانة (3/ 7)، واللسان (فدى). وديوان النابغة (ص 26).
(3)
انظر: تفسير القرطبي (ج 5، ص 279)، الموسوعة الفقهية الكويتية (ج 32، ص 60).
(4)
انظر: السبعة: ص 162 - 163، والتيسير للداني ص 64، والنشر: 2/ 218.
(5)
صفوة التفاسير: 1/ 66.
(6)
تفسير ابن أبي حاتم (867): ص 1/ 165.
(7)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 147.
(8)
تفسير ابن أبي حاتم (868): ص 1/ 166.
(9)
تفسير الطبري: 2: 312 - 313، وتفسير القرطبي: 2/ 22.
(10)
البيت لامرئ القيس في ديوانه 153، واللسان (نمى)، والرواية فيهما:"فهو لا تنمى".
(11)
تفسير القرطبي: 2/ 22.
(12)
لم أتعرف على قائل الأبيات، وهي وردت في معاني القرآن للفراء 1:52. . والعيس: إبل بيض يخالطها شقرة يسيرة، وهي من كرائم الإبل. ويبس يابس. قد يبس العرق في آباطها من طول الرحلة.
السلامي: يعني رجلا كان - فيما أرجح - مصدقا وعاملا على الزكاة، وأميرا على حمى ضرية، ولست أعرف نسبته، أهي قبيلة أم إلى بلد. وحمى ضرية: في نجد، على طريق البصرة إلى مكة، وهي إلى مكة أقرب، وهي أرض طيبة مذكورة في شعرهم. وفي البيت إقواء، " بثوب "، متعلق بقوله آنفًا " باع ". يقول: أخذ هذه الرشى التي عددها من بني عبس، فأسلم إليهم حقي. وقوله:" فهل هو مرفوع بما هاهنا رأس " يقوله لأبي يحيى الذي ذكره، ويقول: فهل نجد ناصرا ينصرنا وياخذ لناحقنا، فنرفع رؤوسنا بعد ما نزل بنا من الضيم. وهذه كلمة يقولونها في مثل ذلك. قال الراعي (طبقات فحول الشعراء: 442):
فإن رفعت بهم رأسا نَعَشْتُهم
…
وإن لَقُوا مثلها في قابل فسدوا
وقال أعرابي:
فتى مثل ضوء الشمس، ليس بباخل
…
بخير، ولا مهد ملاما لباخل
ولا ناطق عوراء تؤذى جليسه
…
ولا رافع رأسا بعوراء قائل
وجاءت هذه الكلمة في (باب فضل من علم وعلم) من حديث أبي موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (البخاري 1: 23): " فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ". (انظر: تفسير الطبري: 2/ 312 - 313).
فأبلغ أبا يحيى إذا ما لقيته
…
على العيس في آباطها عَرَق يَبْسُ
بأن السُّلامِيَّ الذي بِضَرِيَّة
…
أميرَ الحمى، قد باع حَقِّي بني عبسِ
بثوب ودينار وشاة ودرهم
…
فهل هو مرفوع بما ههنا رَأْسُ
فأوليت (هل)(هو) لطلبها الاسم العماد.
و(المحرم): الممنوعٌ منه، والحرامُ: كلُّ ممنوع من فعله، ومن ذلك: البلد الحرام، والبيت الحرام؛ لأنه كان يمنع فيه ما هو مُبَاح في غيره، ورَجل مُحْرِم وحرام: إذا مَنَع نفسه ممّا يحظره الإحرام، والحُرُمات: كُلّ ما مُنِعَ ارتكابُه، وتقول: قد تَحَرَّمت بطعامك، أي: حَرُم عليك بهذا السبَب ما كان لك أخذه، والمحروم: الممنوع ما ناله سواه. وقول زُهَير (1):
يقول لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ
…
وإن أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ
أي: ليس بممنوع (2).
قوله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 85]، "أي: أفتؤمنون ببعض أحكام التوراة وتكفرون ببعض؟ " (3).
قال السدي: " كان إيمانهم ببعض الكتاب حين فدوا الأسارى"(4).
قال ابن عباس: " أي تفاديه بحكم التوراة، وتقتله. وفي حكم التوراة ألا تفعل"(5).
وقال أبو العالية: " آمنوا بالفدية ففدوا وكفروا بالإخراج من الديار فأخرجوا"(6).
وقال عطاء الخراساني: " فكفرهم أنهم كانوا يقتلون أبناءهم وأنفسهم. وإيمانهم أنهم كانوا يرون حقا عليهم أن يفادوا من وجدوا منهم أسيرا"(7).
وقال الثعلبي: " فأيمانهم بالفداء وكفرهم بالقتل والإخراج والمظاهرة"(8).
قال ابن عثيمين: "والاستفهام هنا للإنكار، والتوبيخ؛ والفاء في قوله تعالى:{أفتؤمنون} عاطفة؛ وسبق الكلام على مثل ذلك؛ أعني وقوع العاطف بعد همزة الاستفهام (9)؛ ووجه كونهم يؤمنون ببعض الكتاب،
(1) ديوانه: 79.
(2)
انظر: هذيب اللغة: 1/ 793 - 797، ولسان العرب: 2/ 844، مادة (حرم)، والتفسير البسيط: 3/ 126.
(3)
صفوة التفاسير: 1/ 66.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (869): ص 1/ 166، وعنه أيضا (871): ص 1/ 166: " كان إيمانهم ببعض الكتاب حين فدوا الأسارى وكفرهم حين قتل بعضهم بعضا".
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (870): ص 1/ 166.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (872): ص 1/ 166.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (873): ص 1/ 166.
(8)
تفسير الثعلبي: 1/ 231.
(9)
يقصد به الفاء واقعة بعد همزة الاستفهام؛ وهذا يكثر في القرآن: {أفلا تعقلون} ؛ {أفلا تذكرون} ؛ {أفلم يسيروا} ؛ {أو لم يسيروا} ؛ {أثم إذا ما وقع آمنتم به} ؛ وأشباه ذلك؛ يعني أنه يأتي حرف العطف بعد همزة الاستفهام؛ وهمزة الاستفهام لها الصدارة في جملتها؛ ولا صدارة مع وجود العاطف؛ لأن الفاء عاطفة؛ فقال بعض النحويين: إن بين الهمزة وحرف العطف جملة محذوفة عُطفت عليها الجملة التي بعد حرف العطف، وهذه الجملة تقدر بما يناسب المقام؛ وقال آخرون: بل إن الهمزة مقدمة؛ وإن حرف العطف هو الذي تأخر. يعني زُحلق حرف العطف عن مكانه، وجعلت الهمزة مكانه؛ وعلى هذا فيكون التقدير: فألا تعقلون؛ أما على الأول فيكون التقدير: أجهلتم فلا تعقلون؛ أو: أسفهتم فلا تعقلون
…
المهم يقدر شيء مناسب حسب السياق؛ فالقول الأول أدق؛ والثانية أسهل؛ لأن الثاني لا يحتاج عناءً وتكلفاً فيما تقدره بين الهمزة والعاطف. (انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 138).
ويكفرون ببعض: أنهم كفروا بما نهوا عنه من سفك الدماء، وإخراج أنفسهم من ديارهم؛ وآمنوا بفدائهم الأسرى؛ والذي يعبد الله على هذه الطريق لم يعبد الله حقيقة؛ وإنما عبد هواه؛ فإذا صار الحكم الشرعي يناسبه قال: آخذ به؛ وإذا كان لا يناسبه راوغ عنه بأنواع التحريف، والتماس الأعذار" (1).
وقد قال علماؤنا: كان الله تعالى قد أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، وفداء أساراهم، فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء، فوبخهم الله على ذلك توبيخا يتلى فقال:{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ} [البقرة: 85] وهو التوراة {وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 85]! ! (2).
وقال الواحدي: " ولم يذمّهم على الفداء، بل على المناقضة، إذ أتوا ببعض الواجب، وتركوا بعضاً. وتكون المناقضة آكد في الذمّ، ولا يقال الإخراج معصية. فلم سماها كفراً؟ لأنا نقول: لعلهم صرّحوا بأن ترك الإخراج غير واجب، مع أن صريح التوراة كان دالاً على وجوبه. والبعض الذي آمنوا به، إن كان المراد بالكتاب التوراة، فيكون عامًّا فيما آمنوا به من أحكامها، وفداء الأسير من جملته. والبعض الذي كفروا به: هو قتل بعضهم بعضاً، وإخراج بعضهم من ديارهم، والمظاهرة بالإثم والعدوان، من جملة ما كفروا به من التوراة. وقيل: معناه يستعملون البعض ويتركون البعض، تفادون أسرى قبيلتكم، وتتركون أسرى أهل ملتكم ولا تفادونهم"(3).
قال السعدي: " وهذا الفعل المذكور في هذه الآية، فعل للذين كانوا في زمن الوحي بالمدينة، وذلك أن الأوس والخزرج - وهم الأنصار - كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم مشركين، وكانوا يقتتلون على عادة الجاهلية، فنزلت عليهم الفرق الثلاث من فرق اليهود، بنو قريظة، وبنو النضير، وبنو قينقاع، فكل فرقة منهم حالفت فرقة من أهل المدينة، فكانوا إذا اقتتلوا أعان اليهودي حليفه على مقاتليه الذين تعينهم الفرقة الأخرى من اليهود، فيقتل اليهودي اليهودي، ويخرجه من دياره إذا حصل جلاء ونهب، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها، وكان قد حصل أسارى بين الطائفتين فدى بعضهم بعضا، والأمور الثلاثة كلها قد فرضت عليهم، ففرض عليهم أن لا يسفك بعضهم دم بعض، ولا يخرج بعضهم بعضا، وإذا وجدوا أسيرا منهم، وجب عليهم فداؤه، فعملوا بالأخير وتركوا الأولين، فأنكر الله عليهم ذلك فقال: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ} وهو فداء الأسير {وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} وهو القتل والإخراج، وفيها أكبر دليل على أن الإيمان يقتضي فعل الأوامر واجتناب النواهي، وأن المأمورات من الإيمان"(4).
قوله تعالى: {فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ إِلَاّ خِزْيٌ فِي الحياة الدنيا} [البقرة: 85]، "أي ما عقوبة من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض إِلا ذلٌ وهوان، ومقتٌ وغضب في الدنيا"(5).
قال ابن عباس: " فأنبأهم بذلك من فعلهم، وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فداء أسراهم"(6).
قال السعدي: " وقد وقع ذلك فأخزاهم الله، وسلط رسوله عليهم، فقتل من قتل، وسبى من سبى منهم، وأجلى من أجلى"(7).
قال الطبري: " (الجزاء): الثواب، وهو العوض مما فعل من ذلك والأجر عليه .. و (الخزي): الذل والصغار، يقال منه: " خزي الرجل يخزى خزيا" (8).
(1) تفسير ابن عثيمين: 1/ 147.
(2)
تفسير القرطبي: 2/ 22.
(3)
البحر المحيط: 1/ 251.
(4)
تفسير السعدي: 58.
(5)
صفوة التفاسير: 1/ 66.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (874): ص 1/ 167.
(7)
تفسير السعدي: 58.
(8)
تفسير الطبري: 2/ 314.
والخزي: "الهوان والفضيحة، وقد أخزاه الله: أي: أهانه (1)، قال شمر (2): أخزاه الله: فضحه، وفي القرآن: {وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِي} [هود: 230] أي: لا تفضحوني (3)، قال أبو عبيد: "يُقال: خزِي يخزى خِزيًا: إذا هلك" (4).
وقال ابن السراج: "معنى أخزاه الله، أي: أوقفه موقفا يُسْتحيَا منه، مِن قولهم: خزي يخزَى خِزَايَةً: إذا استحيا"(5).
ثم اختلف في الخزي الذي أخزاهم الله بما سلف من معصيتهم إياه، على وجوه (6):
الأول: فقال بعضهم: ذلك هو حكم الله الذي أنزله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: من أخذ القاتل بمن قتل، والقود به قصاصا، والانتقام للمظلوم من الظالم (7).
والثاني: أن ذلك، هو أخذ الجزية منهم ما أقاموا على دينهم، ذلة لهم وصغارا (8).
والثالث: أنه كان خزي قريظة القتل والسّبي، وخزي بني النضير الجلاء والنفي عن منازلهم وجنانهم إلى أذرعات وريحا من الشّام، فكان ذلك خزيا في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم (9).
قوله تعالى: {وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ العذاب} [البقرة: 85]، "أي وهم صائرون في الآخرة إِلى عذاب أشدّ منه"(10).
قال السعدي: "أي أعظمه"(11).
قال الثعلبي: " وهو عذاب النّار"(12).
و{َيَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي يوم البعث؛ وسمي بذلك؛ لأن الناس يقومون فيه من قبورهم لرب العالمين؛ ولأنه يقوم فيه الأشهاد؛ ولأنه يقام فيه العدل؛ و (يوم القيامة) ظرف متعلق بـ (يردون) أي يرجعون من ذلّ الدنيا، وخزيها؛ (إلى أشد العذاب) أي أعظمه؛ و (العذاب): العقوبة (13).
وفي قوله تعالى {أشد العذاب} ثلاثة أقوال (14):
أحدها: أنه عذاب لا رَوْح فيه (15) تتصل أجزاؤه، فلا يفتر أبدا عنهم.
والثاني: عذابٌ أشدّ من عذاب الدنيا، بتضعيف الألم فيه.
والثالث: أن {أشد العذاب} ، الخلود في جهنم. قاله ابن عطية (16).
و(الردُّ): "الرجع. يقال: ردّه إلى كذا، ويقال للمُجبّر: ردّاد؛ لأنه يردّ العُضْو إلى ما كان. والرِّدّة: الرجوع عن الشيء، ومنه الردّة عن الإسلام"(17).
(1) انظر: تهذيب اللغة" 1/ 1027، "اللسان" 2/ 1155 مادة (خزا)، "تفسير الثعلبي" 1/ 1023.
(2)
هو: شمر أبو عمرو بن حمدويه الهروي اللغوي الأديب الفاضل الكامل، إليه الرحلة في هذا الفن من كل مكان، كانت له عناية بعلم اللغة، توفي سنة 255 هـ. ينظر:"إنباه الرواة" 2/ 77 - 78، و"بغية الوعاة" 2/ 4 - 5.
(3)
تهذيب اللغة" 1/ 1027، اللسان" 2/ 1155 (مادة: خزي).
(4)
غريب الحديث: 2/ 381.
(5)
انظر: غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 381، "تهذيب اللغة" 1/ 10274، (مادة: خزى)، "تفسير القرطبي" 2/ 23.
(6)
تفسير الطبري: 2/ 314.
(7)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 314.
(8)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 314.
(9)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 231، وتفسير الطبري: 2/ 314.
(10)
صفوة التفاسير: 1/ 66.
(11)
تفسير السعدي: 58.
(12)
تفسير الثعلبي: 1/ 231.
(13)
انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 148. قال الامام الطبري: " يعني بقوله: (ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب): ويوم تقوم الساعة يرد من يفعل ذلك منكم - بعد الخزي الذي يحل به في الدنيا جزاء على معصية الله - إلى أشد العذاب الذي أعد الله لأعدائه. وقد قال بعضهم: معنى ذلك: ويوم القيامة يردون إلى أشد من عذاب الدنيا. ولا معنى لقول قائل ذلك، ذلك بأن الله جل ثناؤه إنما أخبر أنهم يردون إلى أشد معاني العذاب، ولذلك أدخل فيه " الألف واللام "، لأنه عنى به جنس العذاب كله، دون نوع منه. (تفسير الطبري: 2/ 315).
(14)
انظر التفسير البسيط للواحدي (3/ 127) نقلت عنه بتلخيص وتصرف يسير.
(15)
لا روح فيه: أي لا راحة فيه.
(16)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 175.
(17)
انظر: هذيب اللغة" 2/ 1390 مادة (ردد)، والتفسير البسيط: 3/ 127.
وقرأ الحسن وابن هرمز: {تردون} بتاء، على الخطاب لقوله {مِنْكُمْ} ، وقال:{يُردّون} ، بلفظ الجمع لمعنى {مَنْ} (1).
قوله تعالى: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 85]، "أي الله سبحانه وتعالى بالمرصاد لا يغفل عن أفعالهم"(2).
قال ابن عثيمين: "نفى الله سبحانه وتعالى عن نفسه صفة الغفلة؛ وذلك لكمال علمه، ومراقبته"(3).
واختلفت القراءة في قوله تعالى: {تَعْمَلُونَ} [البقرة: 85]، على وجهين (4):
الأوزل: قرأ نافع وابن كثير {يعملون} ، بـ (ياء) على ذكر الغائب، فالخطاب بالآية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، والآية واعظة لهم بالمعنى إن الله تعالى بالمرصاد لكل كافر وعاص.
والثاني: وقرأ الباقون {تَعْمَلُونَ} ، بـ (تاء) على الخطاب المحتمل أن يكون في سرد الآية. قال ابن عطية:"وهو الأظهر"(5).
ويحتمل أن يكون الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، لما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال: "إن بني إسرائيل قد مضوا، وإنكم أنتم تعنون بهذا الحديث (6)، يريد: وبما يجري مجراه (7).
الفوائد:
1.
ومنها: بيان تمرد بني إسرائيل؛ حيث إنهم نقضوا العهد الذي أخذه الله عليهم، فصار بعضهم يقتل بعضاً، ويخرج بعضهم بعضاً من ديارهم.
2.
ومنها: أن بعضهم يتعالى على بعض بالإثم، والعدوان.
3.
ومنها: تحريم التظاهر على الغير بغير حق؛ لقوله تعالى: {تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان} ؛ وأما إذا علا عليه بحق فإن هذا لا بأس به؛ فإن الله سبحانه وتعالى فضل العباد بعضهم على بعض، كما قال تعالى:{إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13]، وقال تعالى:{فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم} [محمد: 35].
4.
ومنها: تناقض بني إسرائيل في دينهم، وقبولهم للشريعة؛ حيث إنه يقتل بعضهم بعضاً، ويخرج فريقاً من ديارهم؛ ثم إذ أتى بعضهم أسيراً فاداه. أي دفع فدية لفك أسره؛ لأنه واجب عليهم في شريعتهم أن يفدي بعضهم بعضاً؛ وهذا من الإيمان ببعض الكتاب، والكفر ببعضه؛ ولهذا قال الله تعالى:{أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} .
5.
ومنها: أن الكفر ببعض الشريعة كفر بجميعها؛ وجه ذلك أن الله توعد هؤلاء الذين يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض؛ ومثل ذلك إذا آمن ببعض الرسل دون بعض فإنه كفر بالجميع؛ ودليل ذلك قوله تبارك وتعالى:{كذبت قوم نوح المرسلين} [الشعراء: 105]. ونوح هو أول الرسل لم يسبقه رسول؛ ومع ذلك جعل الله المكذبين له مكذبين لجميع الرسل؛ ولقوله تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلًا * أولئك هم الكافرون حقاً وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً} [النساء: 150، 151].
6.
ومن فوائد الآية: مضاعفة العقوبة على بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: {فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب} .
7.
ومنها: إثبات يوم القيامة؛ وهو اليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين مبعوثين من قبورهم.
8.
ومنها: تهديد الذين نقضوا العهد؛ لقوله تعالى: {وما الله بغافل عما تعملون} .
9.
ومنها: كمال علم الله سبحانه وتعالى، ومراقبته لخلقه.
(1) انظر: المحرر الوجيز: 1/ 175.
(2)
تفسير البيضاوي: 1/ 92.
(3)
انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 148.
(4)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 175 - 176.
(5)
المحرر الوجيز: 1/ 176.
(6)
أخرجه الطبري (1481): ص 2/ 310.
(7)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 176.
10.
ومنها: إثبات أن صفات الله تعالى ثبوتية، ومنفية؛ لكن يجب أن نعلم أن النفي المحض لا يوجد في صفات الله تعالى؛ وإنما النفي الواقع في صفاته لبيان كمال ضد ذلك المنفي؛ ففي قوله تبارك وتعالى:{ولا يظلم ربك أحداً} [الكهف: 49] إثبات كمال العدل مع نفي الظلم عنه؛ وفي قوله تعالى: {وما مسَّنا من لغوب} [ق: 38] إثبات كمال القوة مع نفي اللغوب عنه؛ وعلى هذا فقس؛ فالضابط في الصفات التي نفاها الله تعالى عن نفسه أنها تدل على نفي تلك الصفة، وعلى ثبوت كمال ضدها.
القرآن
التفسير:
أولئك هم الذين آثروا الحياة الدنيا على الآخرة، فلا يخفف عنهم العذاب، وليس لهم ناصر ينصرهم مِن عذاب الله.
قال ابن عباس: "نزلت في اليهود، الذين تقدّم ذكرهم أنهم آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض"(1).
قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ} [البقرة: 86]، أي:" هؤلاء اليهود الذين نقضوا العهد، اختاروا الدنيا على الآخرة"(2).
قال الثعلبي: أي: " استبدلوا"(3).
قال النسفي: " اختاروها على الآخرة اختيار المشتري"(4).
قال ابن كثير: " أي: استحبوها على الآخرة واختاروها"(5).
قال القاسمي: " أي آثروا الْحَياةَ الدُّنْيا على خساستها. واستبدلوها بِالْآخِرَةِ مع نفاستها"(6).
قال الآلوسي: " أي آثروا الحياة الدنيا واستبدلوها بالآخرة وأعرضوا عنها مع تمكنهم من تحصيلها"(7).
قال الشوكاني: أي: " استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة"(8).
قال قتادة: " استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة"(9).
وقال ابن مسعود: " أخذوا الضلالة وتركوا الهدى"(10).
قال ابن عطية: " جعل الله ترك الآخرة وأخذ الدنيا مع قدرتهم على التمسك بالآخرة بمنزلة من أخذها ثم باعها بالدنيا"(11).
وقال الطبري: " وإنما وصفهم الله جل ثناؤه ببأنهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، لأنهم رضوا بالدنيا بكفرهم بالله فيها، عوضا من نعيم الآخرة الذي أعده الله للمؤمنين. فجعل حظوظهم من نعيم الآخرة بكفرهم بالله، ثمنا لما ابتاعوه به من خسيس الدنيا"(12).
قال القرطبي: " والشراء هنا مستعار، والمعنى استحبوا الكفر على الإيمان، كما قال: " فاستحبوا العمى على الهدى " [فصلت: 17] فعبر عنه بالشراء، لأن الشراء إنما يكون فيما يحبه مشتريه"(13).
قوله تعالى: {فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ} [البقرة: 86]، "أي لا يهوَّن عنهم، لا زمناً، ولا شدة، ولا قوة"(14).
(1) انظر: زاد المسير: 1/ 112.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 276.
(3)
تفسير الثعلبي: 1/ 231.
(4)
تفسير النسفي: 1/ 105.
(5)
تفسير ابن كثير: 1/ 320 - 321.
(6)
محاسن التأويل: 1/ 346.
(7)
روح المعاني: 1/ 315.
(8)
فتح القدير: 1/ 110.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (877): ص 1/ 167.
(10)
أخرجه الطبري (381): ص 1/ 312.
(11)
المحرر الوجيز: 1/ 176.
(12)
تفسير الطبري: 2/ 316 - 317.
(13)
تفسير القرطبي: 1/ 210.
(14)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 277.
قال أبو العالية: " هو كقوله: {هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون} [المرسلات: 35] "(1).
قال ابن كثير: " أي: لا يفتر عنهم ساعة واحدة"(2).
وقال الثعلبي: لا" يهون"(3).
وقال القاسمي: " في واحدة من الدارين"(4).
قال الآلوسي: أي العذاب الموعود به "يوم القيامة، أو مطلق الْعَذابُ دنيويا كان أو أخرويا"(5).
وفي دخول الفاء في قوله: {فَلا يُخَفَّفُ} [البقرة: 86]، قولان (6):
أحدهما: العطف على (اشتروا) والقول الآخر بمعنى جواب الأمر، كقولك أولئك الضلال انتبه فلا خير فيهم، والأول أوجه، لأنه لا حاجة فيه إلى الإضمار.
والثاني: أن بعضهم حمل التخفيف على أنه لا ينقطع بل يدوم، لأنه لو انقطع لكان قد خف، وحمله آخرون على شدته لا على دوامه، والأولى أن يقال: إن العذاب قد يخف بالانقطاع وقد يخف بالقلة في كل وقت أو في بعض الأوقات، فإذا وصف تعالى عذابهم بأنه لا يخفف اقتضى ذلك نفي جميع ما ذكرناه.
قوله تعالى: {وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 86]، " أي ولا أحد يمنع عنهم عذاب الله"(7).
قال ابن كثير: " أي: وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي، ولا يجيرهم منه"(8).
قال الثعلبي: أي ولا هم" يمنعون من عذاب الله"(9).
قال النسفي: " ولا ينصرهم أحد بالدفع عنهم"(10).
واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: {وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 86]، على وجهين (11):
الأول: الأكثرون حملوه على نفي النصرة في الآخرة، يعني أن أحدا لا يدفع هذا العذاب عنهم ولا هم ينصرون على من يريد عذابهم. واختاره الرازي (12).
والثاني: ومنهم من حمله على نفي النصرة في الدنيا.
والثالث: أنهم لا ينصرون لا في الدنيا ولا في الآخرة. قاله ابن عطية (13).
والراجح هو القول الأخير، لأنه أشمل، ويجمع بين القولين.
فهم لا ينصرون بدفع الخزي إلى آخر الدنيا أو بدفع الجزية في الدنيا، والتعذيب في العقبى (14). والله أعلم.
الفوائد:
1.
من فوائد الآية: توبيخ من اختار الدنيا على الآخرة؛ وهو مع كونه ضلالاً في الدين سفه في العقل؛ إذ إن الدنيا متاع قليل، ثم يزول؛ والآخرة خير، وأبقى.
2.
ومنها: أن هؤلاء القوم خالدون في العذاب أبد الآبدين؛ لقوله تعالى: {فلا يخفف عنهم العذاب} .
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (878): ص 1/ 167.
(2)
تفسير ابن كثير: 1/ 320 - 321.
(3)
تفسير الثعلبي: 1/ 232، وانظر: تفسير البغوي: 1/ 119.
(4)
محاسن التأويل: 1/ 346.
(5)
روح المعاني: 1/ 315. (بتصرف بسيط).
(6)
انظر: مفاتيح الغيب: 2/ 160.
(7)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 277.
(8)
تفسير ابن كثير: 1/ 320 - 321.
(9)
تفسير الثعلبي: 1/ 232، وانظر: تفسير البغوي: 1/ 119.
(10)
تفسير النسفي: 1/ 105.
(11)
انظر: مفاتيح الغيب: 2/ 160.
(12)
مفاتيح الغيب: 2/ 160. قال الرازي: ""لأنه تعالى جعل ذلك جزاء على صنيعهم، ولذلك قال: {فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ}، وهذه الصفة لا تليق إلا بالآخرة، لأن عذاب الدنيا وإن حصل فيصير كالحدود التي تقام على المقصر ولأن الكفار قد يصيرون غالبين للمؤمنين في بعض الأوقات".
(13)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 167.
(14)
انظر: روح المعاني: 1/ 315.
3.
ومنها: أن المجرم لا يجد ناصراً له يمنعه من عذاب الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {ولا هم ينصرون} .
القرآن
التفسير:
ولقد أعطينا موسى التوراة، وأتبعناه برسل من بني إسرائيل، وأعطينا عيسى ابن مريم المعجزات الواضحات، وقوَّيناه بجبريل عليه السلام. أفكلما جاءكم رسول بوحي من عند الله لا يوافق أهواءكم، استعليتم عليه، فكذَّبتم فريقًا وتقتلون فريقًا؟
قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} [البقرة: 87]، " أي أعطينا موسى التوراة"(1).
قال البيضاوي: أي التوراة" (2).
قال الثعلبي: أي: " التوراة جملة واحدة"(3).
قوله تعالى: {وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} [البقرة: 87]، " أي أتبعنا من بعده بالرسل (4).
قال الثعلبي: أي: " أردفنا واتبعنا من بعده رسولا بعد رسول"(5).
قال البيضاوي: " أي أرسلنا على أثره الرسل، كقوله سبحانه وتعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا} "(6).
قال الصابوني: " أي أتبعنا وأرسلنا على أثره الكثير من الرسل"(7).
قال الواحدي: " أي: أرسلنا رسولًا يقفو رَسُولًا في الدعاء إلى توحيد الله والقيام بشرائع دينه"(8).
قال الطبري: " أتبعنا بعضهم بعضا على منهاج واحد، وشريعة واحدة لأن كل من بعثه الله نبيا بعد موسى عليه السلام إلى زمان عيسى بن مريم فإنما بعثه بأمر بني إسرائيل بإقامة التوراة والعمل بما فيها والدعاء إلى ما فيها"(9).
قال أبو السعود: " أي: أرسلناهم على أَثَرِه كقوله تعالى ثُمَّ {أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تترا} وهم يوشَعُ وأشمَويلُ وشمعونُ وداودُ وسليمانُ وشَعْيا وأرميا وعُزيرٌ وحزْقيل وإلياسُ واليسعُ ويونسُ وزكريا ويحيى وغيرُهم عليهم الصلاة والسلام"(10).
يقال: قفّى أثره، وقفّى غيرَه على أثره، أي: اتبعه إياه، والقفا: مُؤَخَّرُ العُنُق، ويقال للشيخ إذا هرم: رُدّ على قَفَاه، ورُدّ قَفًا، قال الشاعر (11):
إِن تَلْقَ رَيْبَ المنايا أو تُرَدُّ قفًا
…
لا أَبْكِ مِنك على دينٍ ولا حَسَب
ومنه: قافية الشعر (12).
قوله تعالى: {عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ} [البقرة: 87]، " أي أعطينا عيسى الآيات البينات والمعجزات الواضحات الدالة على نبوته"(13).
قال الواحدي: يعني: الآياتِ التي ذكرها في سورة آل عمران (14) والمائدة (15) " (16).
(1) صفوة التفاسير: 1/ 68.
(2)
تفسير البيضاوي: 1/ 92.
(3)
تفسير الثعلبي: 1/ 232.
(4)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 281.
(5)
تفسير الثعلبي: 1/ 232. (بتصرف بسيط).
(6)
تفسير البيضاوي: 1/ 92.
(7)
صفوة التفاسير: 1/ 68.
(8)
التفسير البسيط: 3/ 128.
(9)
تفسير الطبري: 2/ 318.
(10)
تفسير أبي السعود: 1/! 27.
(11)
البيت بلا نسبة في: "لسان العرب" 6/ 3708، و"أساس البلاغة" ص 2/ 269، والتفسير البسيط: 3/ 128.
(12)
انظر: تهذيب اللغة" 3/ 3013، "المحرر الوجيز" 1/ 385، والتفسير البسيط: 3/ 128، واللسان" 6/ 3708 مادة (قفا).
(13)
صفوة التفاسير: 1/ 68.
(14)
في قوله تعالى: {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ} [آل عمران: 49].
(15)
في قوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ} الآية: 110 من سورة المائدة انظر: تفسير الثعلبي" 1/ 1024.
(16)
التفسير البسيط: 3/ 128.
قال البيضاوي: " المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص، والإِخبار بالمغيبات. أو الإنجيل"(1).
قال ابن عثيمين: " وهذه الآية البينات، تشمل الآيات الشرعية، كالشريعة التي جاء بها؛ والآيات القدرية الكونية، كإحياء الموتى، وإخراجهم من قبورهم بإذن الله"(2).
وفي تفسير: {الْبَيِّنَاتِ} [البقرة: 87]، وجوه (3):
أحدها: أن البينات التي أوتيها عيسى إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير، فيكون طيراً بإذن الله، وإبراء الأسْقَام. قاله ابن عباس (4).
وثانيها: أنها الإنجيل.
وثالثها: وهو الأقوى أن الكل يدخل فيه، لأن المعجز يبين صحة نبوته كما أن الإنجيل يبين كيفية شريعته فلا يكون للتخصيص معنى.
و(عيسى) بالسرناية: إيشوُعُ، ومعناه المبارك، ومريم بمعنى الخادم، وهو بالعبرية من النساء كالزير من الرجال، وبه فُسر قولُ رؤبة (5):
قلتُ لزيرٍ لم تصِلْه مَرْيمُه
…
ضليلِ أهواءِ الصِّبا تندّمُهْ (6)
وعيسى عليه السلام: "هو ابن مريم، كونه الله في بطنها بدون مس رجل، وأمه مريم ابنة عمران من سبط يهوذا"(7).
قوله تعالى: {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس} [البقرة: 87]، "أي قويناه وشددنا أزره بجبريل عليه السلام"(8).
قال الضحاك" يقول: نصرناه"(9).
قال الواحدي: " أي: قويناه"(10).
قال الثعلبي: " قويناه وأعناه (11).
والأيد والآد: القوة، ويقال: أَيَّدَه وآيده: إذا قواه، وآدَ يَئِيدُ أَيْدًا: إذا قوي، قال امرؤ القيس (12):
فَأَثَّتْ أَعَاليه وآدَتْ أُصولُه
…
ومال بقُنْيَانٍ من البُسْرِ أحمرا
(1) تفسير البيضاوي: 1/ 92.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 281.
(3)
انظر: النكت والعيون: 1/ 156، ومفاتيح الغيب: 2/ 162.
(4)
انظر: تفسير الطبري (1483): ص 2/ 318 - 319.
(5)
اللسان (زور): ص 4/ 336، والبيت من شواهد البيضاوي في تفسيره: 1/ 92، وأبي السعود في تفسيره: 1/ 127، وفي شرح الشافية: 4/ 177، أنه لرؤبة، وقبله:
أرسل فيها بازلا يقرّمه
…
وهو بها ينحو طريقا يعلمه
و(الزير): بكسر الزاي هو الرجل الذي يميل لمحادثة النساء ومجالستهن، وياؤه منقلبة عن الواو ووزنه فعل بكسر الفاء من زار يزور. وقوله (مريمه): أي المرأة التي ترغب في محادثته وهذا البيت من قصيدة مدح بها أبا جعفر المنصور.
(6)
انظر: تفسير البيضاوي: 1/ 92، وتفسير أبي السعود: 1/ 127.
(7)
التحرير والتنوير: 1/ 595. ولد عيسى في مدة سلطنة أغسطس ملك رومية وفي مدة حكم هيرودس على القدس من جهة سلطان الرومان وذلك في سنة (430) عشرين وستمائة قبل الهجرية المحمدية، وكانت ولادته بقرية تعرف ببيت لحم اليهودية، ولما بلغ ثلاثين سنة بعث رسولا إلى بني إسرائيل وبقي في الدنيا إلى أن بلغ سنه ثلاثا وثلاثين سنة.
وأما مريم أمه فهي مريم ابنة عمران بن ماثان من سبط يهوذا ولدت عيسى وهي ابنة ثلاث عشرة سنة فتكون ولادتها في سنة ثلاث عشرة قبل ميلاد عيسى وتوفيت بعد أن شاخت ولا تعرف سنة وفاتها، وكان أبوها مات قبل ولادتها فكفلها زكرياء من بني أبيا وهو زوج اليصابات خالة مريم وكان كاهنا من أحبار اليهود. [انظر: التحرير والتنوير: 1/ 595].
(8)
صفوة التفاسير: 1/ 68.
(9)
أخرجه الطبري (1484): ص 2/ 319.
(10)
التفسير البسيط: 3/ 129، وانظر:"معاني القرآن" للزجاج 1/ 168، "تفسير الثعلبي" 1/ 1024 و"المحرر الوجيز" 1/ 385.
(11)
تفسير الثعلبي: 1/ 232.
(12)
يصف نخيلًا، انظر "ديوانه" ص 60، "لسان العرب" 1/ 189 (مادة أيد). "المعجم المفصل" 3/ 140.
(4)
ينظر "تهذيب اللغة" 1/ 96، "اللسان" 1/ 189، وفيه: وإياد كل شيء: ما يقوى به من جانبيه، وهما إياداه.
أي: قويت وإياد كل شيء: ما يَقْوَى به (1)، يقال منه: أيدك الله، أي قواك، وهو رجل ذو أَيْد، وذو آد، يراد: ذو قوة، ومنه قول العجاج (2):
من أن تبدلت بآدي آدا
يعني: بشبابي قوة المشيب، ومنه قول الآخر (3):
إن القداح إذا اجتمعن فرامها
…
بالكسر ذو جَلَد وبطش أيِّد
يعني بالأيد: القوي (4).
وقرأ مجاهد وابن محيصن {آيدناه} ، بالمد، وهما لغتان (5).
وقرأ ابن كثير في تفسيره {القُدْس} ، بإسكان الدال حيث جاء، والباقون بضمها (6)، "وهُما حسنان"(7)، قال الثعلبي:"وهما لغتان مثل الرّعب والسّحت ونحوهما"(8).
واختلف أهل التفسير في معنى {ِرُوحِ الْقُدُسِ} [البقرة: 87]، على وجوه:
القول الأول: أنه جبريل عليه السلام (9) والقدس: الطهارة، هو قول قتادة (10)، والربيع بن أنس (11)، والسدي (12)، والضحاك (13)، ومحمد ابن كعب القرظي (14)، وعطية العوفي (15)، وإسماعيل بن أبي خالد (16)، وشهر بن حوشب الأشعري (17). واختاره الزجاج (18)، والطبري (19)، والشنقيطي (20)، وغيرهم.
ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك"(21).
ومنه قول حسان (22):
(1) تهذيب اللغة" 1/ 96، "اللسان" 1/ 189.
(2)
زيادة ديوانه: 76، واللسان (آود) (أيد) ومجاز القرآن: 46، وأمالي الزجاجي: 39 في خبر، ورواه: فإن تبدلت بآدي آدا
…
لم يك ينآد فأمسى انآدا
والقعاد: القواعد من النساء، جمع على جمع المذكر، كما قال القطامي: أبصارهن إلى الشبان مائلة
…
وقد أراهن عني غير صداد
يعني: غير صواد.
(3)
ينسب البيت - من أبيات - لعبد الملك بن مروان، والصواب أنه لعبد الله بن عبد الأعلى ابن أبي عمرة الشيباني. مولى بني شيبان (تاريخ الطبري 4: 22 / وسمط اللآلئ: 963 ترجمته)
(4)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 319 - 320.
(5)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 232، تفسير القرطبي: 2/ 23، والتفسير البسيط: 3/ 131.
(6)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 232، تفسير القرطبي: 2/ 23، والتفسير البسيط: 3/ 131.
(7)
التفسير البسيط: 3/ 131.
(8)
تفسير الثعلبي: 1/ 232، وانظر: تفسير القرطبي: 2/ 23.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 269 - 270، جامع البيان للطبري: 2/ 320، النكت والعيون للماوردي: 1/ 156، زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 112. وذهب إليه: الزجاج في معاني القرآن: 1/ 168، والطبري في جامع البيان: 2/ 321، والماوردي في النكت والعيون: 1/ 156، وابن عطية في المحرر الوجيز: 1/ 287، والرازي في مفاتيح الغيب: 1/ 191، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: 2/ 24، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: 1/ 155، والسمين الحلبي في الدر المصون: 1/ 294، وغيرهم.
(10)
انظر: تفسير الطبري (1485): ص 2/ 320
(11)
انظر: تفسير الطبري (1488): ص 2/ 320
(12)
انظر: تفسير الطبري (1486): ص 2/ 320
(13)
انظر: تفسير الطبري (1487): ص 2/ 320
(14)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (884): ص 1/ 168.
(15)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 168.
(16)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (883): ص 1/ 168.
(17)
انظر: تفسير الطبري (1489): ص 2/ 320
(18)
انظر: معاني القرآن: للزجاج: 1/ 168.
(19)
انظر: تفسير الطبري: ص 2/ 320
(20)
انظر: أضواء البيان: 2/ 453.
(21)
وكذا عزاه المزي في تحفة الأشراف (12/ 10) للبخاري، وقال الحافظ ابن حجر في "النكت الظراف":"لم أر هذا الموضع في صحيح البخاري، وقد وصله أحمد والطبراني وصححه الحاكم".
(22)
ديوانه: 1/ 17، 18، و " سيرة ابن هشام " 2/ 421، 424، والسهيلي 2/ 280، وابن سيد الناس 2/ 181، و " تهذيب ابن عساكر " 4/ 130، 131.
ونص الحديث: (حديث مرفوع)"أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ الصَّيْدَلانِيُّ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِأَصْبَهَانَ، قُلْتُ لَهُ: أَخْبَرَتْكُمْ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ، قِرَاءَةً عَلَيْهَا، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِيذَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلالٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: " اهْجُوا قُرَيْشًا فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ رَشْقِ النَّبْلِ "، فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ، فَقَالَ: اهْجُهُمْ فَهَجَاهُمْ، فَلَمْ يَرْضَ، فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ، فَلَمَّا دَخَلَ حَسَّانٌ، قَالَ: قَدْ آنَ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ، دَلَعَ لِسَانَهُ فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأَفْرِيَنَّهُمْ فَرْيَ الأَدِيمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " لا تَعْجَلْ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا، وَإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا حَتَّى يَخْلُصَ لَكَ نَسَبِي "، فَأَتَاهُ حَسَّانٌ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ خَلَصَ لِي نَسَبُكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِينِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لِحَسَّانٍ: " إِنَّ رُوحَ الْقُدْسِ لا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ "، قَالَ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " هَجَاهُمْ حَسَّانٌ فَشَفَى وَاشْتَفَى ". قَالَ حَسَّانٌ: هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ هَجَوْتَ مُحَمَّدًا بَرًّا حَنِيفًا رَسُولَ اللَّهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي لِعْرِضْ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ ثَكَلْتُ بُنَيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفِي كَدَاءُ تُنَازِعُنِي الأَعِنَّةَ مُصْعِدَاتٍ عَلَى أَكْتَافِهَا الأَسَلُ الظِّمَاءُ تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ تُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ فَإِنْ أَعَرَضْتُمُ عَنَّا اعْتَمَرْنَا وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ وَإِلا فَاصْبِرُوا لِضِرَابِ يَوْمٌ يُعِزُّ اللَّهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَقَالَ اللَّهُ قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا يَقُولُ الْحَقَّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءُ وَقَالَ اللَّهُ قَدْ يَسَّرْتُ جُنْدًا هُمُ الأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ تَلاقِي مِنْ مَعَدٍّ كُلَّ يَوْمٍ سِبَابٌ أَوْ قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ وَجِبْرِيلُ رَسُولُ اللَّهِ فِينَا وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، بِإِسْنَادِهِ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: يُبَارِينَ الأَعِنَّةَ".
وجبريل رسول الله ينادي
…
وروح القدس ليس به خفاء
وعن شهر بن حوشب الأشعري: أن نفرًا من اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أخبرنا عن الروح. فقال: "أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل؟ وهو الذي يأتيني؟ " قالوا: نعم" (1).
وفي صحيح ابن حبان أظنه عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن روح القدس نفخ في روعي: إن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب"(2).
واختلفوا في سبب تسمية (جبريل)، بروح القدس، على ثلاثة أقاويل (3):
أحدها: أنه سُمِّيَ رُوحاً، لأَنَّه بمنزلة الأرواح للأبدان، يحيي بما يأتي به من البينات من الله عز وجل، كما قال عز وجل:{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام: 122]، أي:"كان كافرًا فهديناه"(4).
والثاني: أنه سمي روحاً، لأن الغالب على جسمه الروحانية، لرقته، وكذلك سائر الملائكة، وإنما يختص به جبريل تشريفاً.
والثالث: أنه سمي روحاً، لأنه كان بتكوين الله تعالى له روحاً من عنده من غير ولادة.
القول الثاني: أن المراد بروح القدس: الإنجيل، كما قال في القرآن:{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52]، وسمي به، لأن الدين يحيا به ومصالح الدنيا تنتظم لأجله (5). وهذا قول ابن زيد (6).
والقول الثالث: أن روح القدس: اسم الله الأعظم الذي كان عيسى يُحيِي به الموتى (7)، قاله: ابن عباس في رواية الضحاك عنه (8)، وروي نحوه عن سعيد بن جبير (9).
والقول الرابع: أن روح القدس عيسى-عليه السلام، وإنما كان ذلك تأييداً له لأن تكوينه في ذلك الروح اللدني هو الذي هيأه لأن يأتي بالمعجزات العظيمة (10).
وقالوا " وسمى روحَه قُدُسًا؛ لأنه لم تتضمنه أصلاب الفحولة، ولم تشتمل عليه أرحام الطوامث"(11).
(1) أخرجه الطبري في تفسيره (1489): ص 2/ 320، من طريق سلمة عن ابن إسحاق به.
(2)
ورواه البغوي في شرح السنة (14/ 304) من طريق أبي عبيد عن هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن زبيد اليامي، عمن أخبره، عن ابن مسعود به مرفوعًا.
(3)
انظر: النكت والعيون: 1/ 156.
(4)
التفسير البسيط: 3/ 130.
(5)
زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي (1/ 86).
(6)
انظر: تفسير الطبري: (1490): ص 2/ 321، وزاد المسير لابن الجوزي: 1/ 113، وغيرهما،
(7)
انظر: تفسير للطبري: 2/ 321، وتفسير ابن أبي حاتم: 1/ 270 - 271، وغيرهما.
(8)
انظر: تفسير الطبري (1491): ص 2/ 421، وابن أبي حاتم (886): ص 1/ 169.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 169.
(10)
انظر: الكشاف للزمخشري: 1/ 294، مفاتيح الغيب للرازي: 3/ 190.
(11)
التفسير البسيط: 3/ 131، وتفسير الثعلبي: 1/ 232.
والقول الأول أظهر، وهو قول الجمهور، لأن التسمية فيه أظهر مما عداه (1)، ولأن التأييد به على الحقيقة، ولأن الله-جل ثناؤه-أخبر أنه أيد عسى به في قوله تعالى:{إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ} [المائدة: 110] وهي تدل من جهتين على أن (روح القدس) غير الإنجيل:
الأولى: قوله-عز وجل: {تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} [المائدة: 110] ونزول الإنجيل على عيسى كان في مرحلة الرجولة لا المهد.
والثانية: أنه لو كان المراد به الإنجيل لكان ذكر الإنجيل مرة أخرى لا معنى له، "وذلك خلف من الكلام والله-تعالى ذكره-يتعالى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به فائدة"(2)، لكن قد يقال: إن الكلام في معرض الامتنان فإعادة ذكر الإنجيل مرة أخرى لا تخلو من فائدة؛ لأنه في الأول امتنان بالتأييد وفي الثاني امتنان بالتعليم وهما شيئان مختلفان لكن الجهة الأولى لا جواب عنها. وكونه اسم الله الأعظم الذي كان عيسى يحي به الموتى يحتاج إلى نقل صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. أما كون المراد روح عيسى-عليه السلام-فوجه تأييد عيسى به متكلف. والله أعلم.
و(القُدُس)، فيه ثلاثة أقاويل (3):
أحدها: هو الله تعالى، ولذلك سُمِّي عيسى عليه السلام روح القدس، لأن الله تعالى كوَّنه من
غير أب، وهذا قول الحسن (4)، والربيع (5)، وجعفر (6)، وابن زيد (7).
والثاني: أن القدس: المطهر، قاله ابن عباس (8)، كأنه دل به على التطهر من الذنوب، قال العَجّاج (9):
قد عَلِمَ القُدُّوس رَبُّ القُدْس
والثالث: أن القدس البركة، وهو قول السدي (10).
قال الواحدي: " وتأييد عيسى بجبريل عليهما السلام هو أنه كان قرينه، يسير معه حيثما سار، وأيضًا فإنه صَعِد به إلى السماء، ودليل هذا التأويل: قوله عز وجل: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} [النحل: 102]، يعني: جبريل"(11).
وقد وذكر ابن الجوزي في تأييد عيسى بروح القدس الذي هو جبريل ثلاثة أقوال (12):
أحدها: أنه أُيد به لإظهار حجته وأمر دينه.
والثاني: لدفع بني إسرائيل عنه إذ أرادوا قتله.
والثالث: أنه أيد به في جميع أحواله.
قوله تعالى: {أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تهوى أَنْفُسُكُمْ} [البقرة: 87]، " أي أفكلما جاءكم يا بني إِسرائيل رسول بما لا يوافق هواكم"(13).
قال القرطبي: "أي بما لا يوافقها ويلائمها (14).
(1) انظر: تفسير الرازي: 2/ 163.
(2)
تفسير الطبري: 2/ 322.
(3)
انظر: النكت والعيون: 1/ 156.
(4)
انظر: النكت والعيون: 1/ 156.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (887): ص 1/ 169.
(6)
انظر: تفسير الطبري (1493): ص 2/ 322.
(7)
انظر: تفسير الطبري (1494): ص 2/ 323.
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (889): ص 1/ 169.
(9)
انظر: التفسير البسيط: 3/ 131، واللسان" 6/ 3550 (مادة: قدس)، وفيه:(مولى) بدل (رب). وبعده:
إن أبا العباس أولى نفس
…
بمعدن الملك القديم الكِرسِ
(10)
انظر: تفسير الطبري (1492): ص 2/ 322، وتفسير ابن أبي حاتم (888): ص 1/ 169.
(11)
التفسير البسيط: 3/ 130.
(12)
انظر: زاد المسير: 1/ 112 - 113.
(13)
صفوة التفاسير: 1/ 68.
(14)
انظر: تفسير القرطبي: 2/ 24.
والخطاب لليهود من بني إسرائيل. قاله مجاهد (1).
وهذا القول: هو "نهاية الذم لهم، لأن اليهود من بني إسرائيل كانوا إذا أتاهم الرسول بخلاف ما يهوون كذبوه، وإن تهيأ لهم قتله قتلوه، وإنما كانوا كذلك لإرادتهم الرفعة في الدنيا وطلبهم لذاتها والترؤس على عامتهم وأخذ أموالهم بغير حق، وكانت الرسل تبطل عليهم ذلك فيكذبونهم لأجل ذلك ويوهمون عوامهم كونهم كاذبين ويحتجون في ذلك بالتحريف وسوء التأويل، ومنهم من كان يستكبر على الأنبياء استكبار إبليس على آدم"(2).
قال ابن عاشور: المرادب بـ (الهوى)، " ما تميل إليه أنفسهم من الانخلاع عن القيود الشرعية والانغماس في أنواع الملذات والتصميم على العقائد الضالة"(3).
وأصل (الهوى): الميل إلى الشيء، ويجمع أهواء، كما جاء في التنزيل، ولا يجمع أهوية، على أنهم قد قالوا في ندى أندية، قال الشاعر (4):
في ليلة من جمادى ذات أندية
…
لا يبصر الكلب في ظلمائها الطنبا
قال الجوهري: وهو شاذ وسمي الهوى لأنه يهوي بصاحبه إلى النار، ولذلك لا يستعمل في الغالب إلا فيما ليس بحق وفيما لا خير فيه، وهذه الآية من ذلك. وقد يستعمل في الحق، ومنه قول عمر رضي الله عنه في أسارى بدر:"فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت"(5)، وقالت عائشة
(1) انظر: تفسير الطبري (1496): ص 2/ 323.
(2)
انظر: تفسير الرازي: 2/ 163.
(3)
التحرير والتنوير: 1/ 598.
(4)
البيت لمرّة بن محكان في الأغاني 3/ 318؛ والخصائص 3/ 52، 3/ 237؛ وسر صناعة الإعراب ص 620؛ وشرح التصريح 2/ 293؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 1563؛ ولسان العرب 15/ 318 (ندى)؛ والمقاصد النحوية 4/ 510؛ والمقتضب 3/ 81؛ وبلا نسبة في شرح الأشموني 3/ 656؛ وشرح شافية ابن الحاجب ص 329؛ وشرح المفصل 10/ 17؛ ولسان العرب 11/ 268 (رجل)، ومرة بن محكان وهو من شعراء الحماسة وقد اختار أبو تمام منها ابياتا في باب الاضياف والمديح وقبل البيت الشاهد قوله: يا ربة البيت قومي غير صاغرة * ضمى اليك رحال القوم والقربا وبعده بيت الشاهد وبعده قوله لا ينبح الكلب فيها غير واحدة * حتى يلف على خرطمه الذنبا ربة البيت: المراد منها امرأته وقوله (غير صاغرة) اراد غير مستهان بك وذلك لان اكرام الضيف عنده من اقدس الواجبات والرحال: جمع رحل يريد به متاع الضيفان. والقرب: جمع قراب مثل كتاب وكتب وهو جفن السيف وانما امرها ان تضم إليها قرب سيوفهم لانهم إذا نزلوا عنده امنوا ان يصيبهم مكروه وقوله (في ليلة من جمادى) اراد في ليلة من ليالى الشتاء وذلك لان الشتاء عندهم زمان الجدب والحاجة والاندية: جمع ندى والندى: البلل. وقيل ما سقط آخر الليل والطنب: الحبل الذى تشد به الخيمة. والاستشهاد بالبيت في قوله (اندية).
(5)
رواه مسلم في كتاب الجهاد والسير من الصحيح، باب (18): رقم الحديث (4687). قال الامام: حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ حَدَّثَنِى سِمَاكٌ الْحَنَفِىُّ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ حَدَّثَنِى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِىُّ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنِى أَبُو زُمَيْلٍ - هُوَ سِمَاكٌ الْحَنَفِىُّ - حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ حَدَّثَنِى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلاثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً فَاسْتَقْبَلَ نَبِىُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِى مَا وَعَدْتَنِى اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِى اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلامِ لا تُعْبَدْ فِى الأَرْضِ» . فَمَازَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ. وَقَالَ يَا نَبِىَّ اللَّهِ كَذَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ فَإِنَهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُمْ بَأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلائِكَةِ. قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ فَحَدَّثَنِى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِى أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ أَقْدِمْ حَيْزُومُ. فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِياً فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ. فَجَاءَ الأَنْصَارِىُّ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ «صَدَقْتَ ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ» . فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ. قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَلَمَّا أَسَرُوا الأُسَارَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ «مَا تَرَوْنَ فِى هَؤُلاءِ الأُسَارَى» . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا نَبِىَّ اللَّهِ هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلإِسْلامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ» . قُلْتُ لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَرَى الَّذِى رَأَى أَبُو بَكْرٍ وَلَكِنِّى أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ وَتُمَكِّنِّى مِنْ فُلانٍ - نَسِيباً لِعُمَرَ - فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ فَإِنَّ هَؤُلاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا فَهَوِىَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِى مِنْ أَىِّ شَىْءٍ تَبْكِى أَنْتَ وَصَاحِبُكَ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «أَبْكِى لِلَّذِى عَرَضَ عَلَىَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ لَقَدْ عُرِضَ عَلَىَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ» . شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِىِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل (مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِى الأَرْضِ) إِلَى قَوْلِهِ (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً) فَأَحَلَّ اللَّهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ. تحفة 5675، 10496 - 1763/ 58.
للنبي صلى الله عليه وسلم في صحيح الحديث: "والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك"(1)، أخرجهما مسلم (2).
قوله تعالى: {اسْتَكْبَرْتُمْ} [البقرة: 87]، " أي تكبرتم عن اتباعه"(3).
قال الواحدي: أي: " تعظمتم عن الإيمان به؛ لأنهم كانت لهم الرئاسة، وكانوا متبوعين، فآثروا الدنيا على الآخرة"(4).
قال القرطبي: أي تكبرتم" عن إجابته احتقارا للرسل، واستبعادا للرسالة (5).
قال البيضاوي: أي تكبرتم: " عن الإيمان واتباع الرسل"(6).
قال أبو السعود: أي تكبرتم" عن الاتباع له والإيمانِ بما جآء به من عند الله تعالى"(7).
قال ابن عاشور: " والاستكبار الاتصاف بالكبر وهو هنا الترفع عن اتباع الرسل وإعجاب المتكبرين بأنفسهم واعتقاد أنهم أعلى من أن يطيعوا الرسل ويكونوا أتباعا لهم، فالسين والتاء في استكبرتم للمبالغة"(8).
وقال الراغب: " ثم زاد في ذمهم بوصفهم بالاستكبار إذ هو مقر النقائص، فإنه نتيجة الإعجاب، والإعجاب نتيجة الجهل بالنفس والجهل بالنفس مقارن للجهل بخالقها، ولذلك قال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} [الحشر: 19] "(9).
قوله تعالى: {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ} [البقرة: 87]، أي:"فطائفة منهم كذبتموهم"(10).
قال سعيد بن جبير: " فريقا يعني طائفة"(11).
قال أبو السعود: أي كذبتم" منْ غيرِ أنْ تتعرضُوا لهم بشيء آخر من المضارِّ"(12).
قال الواحدي: " مثل: عيسى ومحمد"(13).
قال البيضاوي: " كموسى وعيسى عليهما السلام، والفاء للسببية أو للتفصيل"(14).
(1) رواه مسلم، في كتاب الرضاع، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها، حديث رقم (1464)، قال الامام مسلم:"حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: " كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَقُولُ: وَتَهَبُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ عز وجل:{تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ} [الأحزاب: 51]" قَالَتْ: قُلْتُ: «وَاللهِ، مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ لَكَ فِي هَوَاكَ".
ومعنى الحديث: أن الله سبحانه وتعالى خص نبيه من بين سائر المؤمنين بأن أي امرأة وهبت نفسها له فله أن ينكحها. فعند نزول الآية المذكورة قالت عائشة: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. ومعناه كما قال ابن حجر: (أي ما أرى الله إلا موجداً لما تريد بلا تأخير، منزلا لما تحب وتختار. وقال القرطبي: هذا قول أبرزه الدلال والغيرة، وهو من نوع قولها: ما أحمدكما ولا أحمد إلا الله. وإضافة الهوى إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يحمل على ظاهره لأنه لا ينطق عن الهوى، ولا يفعل بالهوى، ولو قالت إلى مرضاتك لكان أليق، ولكن الغيرة يغتفر لأجلها إطلاق مثل ذلك.
وهذا الحديث دليل على عفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم شهوانيته، لأن الله أباح له أي امرأة تهب نفسها له، وجاءه كثير من النساء وعرضن أنفسهن عليه وردهن، فقد أخرج الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له. (انظر: تفسير الطبري: 20/ 285/ في صدد تفسيره الاية (50 من سورة الاحزاب)، قال ابن حجر في الفتح: وإسناده حسن، والمراد أنه لم يدخل بواحدة ممن وهبت نفسها له، وإن كان مباحاً له، لأنه انظر إلى إرادته لقوله تعالى (إن أراد النبي أن يستنكحها). والله أعلم. (انظر: صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة الأحزاب، الحديث رقم (4506): 8/ 378).
(2)
انظر: تفسير القرطبي: 2/ 25.
(3)
صفوة التفاسير: 1/ 68.
(4)
التفسير البسيط: 3/ 132 - 133.
(5)
انظر: تفسير القرطبي: 2/ 25.
(6)
تفسير البيضاوي: 1/ 93.
(7)
تفسير أبي السعود: 1/ 127.
(8)
التحرير والتنوير: 1/ 598.
(9)
تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 256.
(10)
صفوة التفاسير: 1/ 68.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (891): ص 1/ 170.
(12)
تفسير أبي السعود: 1/ 127.
(13)
التفسير البسيط: 3/ 133.
(14)
تفسير البيضاوي: 1/ 93.
قال ابن عاشور: " فإنهم لما استكبروا بلغ بهم العصيان إلى حد أن كذبوا فريقا أي صرحوا بتكذيبهم أو عاملوهم معاملة الكاذب"(1).
قوله تعالى: {وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87]، أي:" وطائفة قتلتموهم"(2).
قال أبو السعود أي: " غيرَ مكتفين بتكذيبهم، كزكريا ويحيى وغيرهما عليهم السلام"(3).
قال الواحدي: " مثل: يحيى وزكريا"(4).
قال القرطبي: "فكان ممن كذبوه عيسى ومحمد عليهما السلام، وممن قتلوه يحيى وزكريا عليهما السلام"(5).
قال ابن عاشور: " وهذا كقوله تعالى عن أهل مدين {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} [هود: 91] "(6).
قال الراغب: " فإن قيل: لم قال: {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87]، وهلا جعلا ماضيين أو مستقبلين؟
قيل: أما من حيث اللفظ، فلأنه لما لم يكن يفسد المعنى روعي فيه المجانسة بين الفواصل ليكون اللفظ أحسن، وأما من حيث المعنى: فللتنبيه أنهم لم يتوقفوا في تكذيب من جاءهم من الأنبياء، فذكره بلفظ الماضي، إذ لا مزاولة فيه، وذكر القتل بلفظ الاستقبال تنبيهاً أنهم يزاولون قتله قدروا عليه أم لم يقدروا" (7).
وقال ابن عاشور: " وجاء في {تقتلون}، بالمضارع عوضا عن الماضي، لاستحضار الحالة الفظيعة وهي حالة قتلهم رسلهم، كقوله: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ} [فاطر: 9]، مع ما في صيغة {تقتلون}، من مراعاة الفواصل، فاكتمل بذلك بلاغة المعنى وحسن النظم"(8).
وذكر البيضاوي في صيغة {تقتلون} [البقرة: 87]، ثلاثة أوجه (9):
أحدها: أنه ذكر بلفظ المضارع على حكاية الحال الماضية، استحضاراً لها في النفوس، فإن الأمر فظيع.
والثاني: مراعاة للفواصل.
والثالث: للدلالة على أنكم بعد فيه، فإنكم تحومون حول قتل محمد صلى الله عليه وسلم، لولا أني أعصمه منكم، ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة.
الفوائد:
1 من فوائد الآية: إثبات رسالة موسى؛ لقوله تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب} .
2 ومنها: تأكيد الخبر ذي الشأن. وإن لم ينكر المخاطب؛ لقوله تعالى: {ولقد آتينا} ؛ فإنها مؤكدة بثلاث مؤكدات مع أنه لم يخاطب بها من ينكر؛ وتأكيد الكلام يكون في ثلاثة مواضع:
أولاً: إذا خوطب به المنكِر، وقد قال علماء البلاغة: إنه في هذه الحال يؤكد وجوباً.
ثانياً: إذا خوطب به المتردد؛ وقد قال علماء البلاغة: إنه في هذه الحال يؤكد استحساناً.
ثالثاً: إذا كان الخبر ذا أهمية بالغة فإنه يحسن توكيده. وإن خوطب به من لم ينكر، أو يتردد.
(1) التحرير والتنوير: 1/ 598.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 68.
(3)
تفسير أبي السعود: 1/ 127.
(4)
التفسير البسيط: 3/ 133.
(5)
انظر: تفسير القرطبي: 2/ 25.
(6)
التحرير والتنوير: 1/ 598.
(7)
تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 256.
(8)
التحرير والتنوير: 1/ 598.
(9)
تفسير البيضاوي: 1/ 93.
3.
ومن فوائد الآية: أن من بعد موسى من الرسل من بني إسرائيل تبع له؛ لقوله تعالى: {وقفينا من بعده بالرسل} ؛ ويشهد لهذا قوله تعالى: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدًى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار} [المائدة: 44].
4 ومنها: ثبوت رسالة عيسى؛ لقوله تعالى: {وآتينا عيسى بن مريم البينات} .
5 ومنها: أن من ليس له أب فإنه ينسب إلى أمه؛ لأن عيسى عليه السلام نسب إلى أمه.
وبهذا نعرف أن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن أم من ليس له أب شرعاً هي عصبته؛ فإن عدمت فعصبتها. خلافاً لمن قال: إن أمه ليس لها تعصيب؛ ويظهر أثر ذلك بالمثال: فلو مات من ليس له أب عن أمه، وخاله: فلأمه الثلث والباقي لخاله. على قول من يقول: إن الأم لا تعصيب لها؛ أما على القول الراجح: فلأمه الثلث فرضاً، والباقي تعصيباً.
6 ومن فوائد الآية: أن عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم أعطاه الله سبحانه وتعالى آيات كونية، وشرعية؛ مثال الشرعية: الإنجيل؛ ومثال الكونية: إحياء الموتى، وإخراجهم من القبور، وإبراء الأكمه، والأبرص، وأنه يخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه، فيكون طيراً يطير بإذن الله؛ وكذلك أيضاً يخبرهم بما يأكلون، وما يدخرون في بيوتهم؛ قال العلماء: إنما أعطي هذه الآية الكونية؛ لأن الطب في عهده ارتقى إلى درجة عالية، فأتاهم بآيات لا يقدر الأطباء على مثلها؛ كما أن محمداً صلى الله عليه وسلم ترقى في عهده الكلام إلى منْزلة عالية في البلاغة، والفصاحة؛ فآتاه الله سبحانه وتعالى القرآن العظيم الذي عجزوا أن يأتوا بمثله.
7 ومن فوائد الآية: أن الله سبحانه وتعالى أيد عيسى بجبرائيل؛ لقوله تعالى: {وأيدناه بروح القدس.
8 ومنها: أن الملائكة من جملة تسخيرهم للخلق أنهم يؤيدون من أمَرَهم الله بتأييده؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: "اللهم أيده بروح القدس"(1).
9 ومنها: بيان عتوّ بني إسرائيل، وأنهم لا يريدون الحق؛ لقوله تعالى:{أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون} .
10 ومنها: أن بني إسرائيل يبادرون بالاستكبار عند مجيء الرسل إليهم، ولا يتأنون؛ لقوله تعالى:{أفكلما جاءكم} ، ثم قال تعالى:{استكبرتم} ؛ لأن مقتضى ترتب الجزاء على الشرط أن يكون الجزاء عقيباً للشرط: كلما وجد الشرط وجد الجزاء فوراً.
11 ومنها: توبيخ ولوم بني إسرائيل، وبيان مناهجهم بالنسبة للشرائع، وبالنسبة لمن جاء بالشرائع؛ ففي الشرائع: لا يقبلون إلا ما وافق أهواءهم، وبالنسبة لمن جاء بالشرائع بما لا تهوى أنفسهم: انقسموا إلى قسمين: فريقاً يكذبون؛ وفريقاً يقتلون مع التكذيب.
12 ومنها: أن من استكبر عن الحق إذا كان لا يوافق هواه من هذه الأمة فهو شبيه ببني إسرائيل؛ فإذا استكبر عن الحق. سواء تحيل على ذلك بالتحريف؛ أو أقر بأن هذا الحق، ولكنه استكبر عنه. فإنه مشابه ببني إسرائيل.
والخارجون عن الحق ينقسمون إلى قسمين: قسم يقرُّ به، ويعترف بأنه عاصٍ؛ وهذا أمره واضح، وسبيله بين، وقسم آخر يستكبر عن الحق، ويحاول أن يحرف النصوص إلى هواه؛ وهذا الأخير أشد على الإسلام من الأول؛ لأنه يتظاهر بالاتباع وهو ليس من أهله.
13 ومن فوائد الآية: أن بعض الناس يستكبر عن الحق؛ لأنه مخالف لهواه.
14 ومنها: أن بني إسرائيل انقسموا في الرسل الذين جاءوا بما لا تهوى أنفسهم إلى قسمين: قسم كذبوهم؛ وقسم آخر قتلوهم مع التكذيب.
القرآن
{وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88)} [البقرة: 88]
التفسير:
(1) أخرجه البخاري ص 38، كتاب الصلاة، باب 68: الشعر في المسجد، حديث رقم 453؛ وأخرجه مسلم ص 1114 - 1115، كتاب فضائل الصحابة، باب 34: فضائل حسان بن ثابت رضي الله عنه، حديث رقم 6384 [151]2485.
وقال بنو إسرائيل لنبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم: قلوبنا مغطاة، لا يَنْفُذ إليها قولك. وليس الأمر كما ادَّعَوْا، بل قلوبهم ملعونة، مطبوع عليها، وهم مطرودون من رحمة الله بسبب جحودهم، فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلا لا ينفعهم.
قوله تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} [البقرة: 88]، "أي في أكنة لا تفقه ولا تعي ما تقوله يا محمد"(1).
قال ابن عثيمين: " يعني مغلفة لا تصل إليها دعوة الرسل؛ وهذه حجة باطلة"(2).
قال النسفي: " أي هي خلقة مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ما جاء به محمد عليه السلام ولا تفقهه، مستعار من الأغلف الذي لا يختن"(3).
قال الصابوني: " والغرض إِقناطه عليه السلام من إِيمانهم"(4).
قال السعدي: " أي: اعتذروا عن الإيمان لما دعوتهم إليه، يا أيها الرسول، بأن قلوبهم غلف، أي: عليها غلاف وأغطية، فلا تفقه ما تقول، يعني فيكون لهم - بزعمهم - عذر لعدم العلم، وهذا كذب منهم"(5).
روي عن ابن عباس (6) ومجاهد (7) وقتادة (8) في هذه الآية: إنهم قالوا استهزاءً وإنكارًا وجحدًا لما أتى به محمد: قلوبنا عليها غشاوة، فهي في أوعية، فلا تعي ولا تفقه ما تقول يا محمد (9).
قال أبو عبيدة: "كل شيء في غلاف فهو أَغْلَف، قالوا: سيفٌ أَغْلَف، وقوس غلفاء، ورجل أغلف: لم يُختن"(10).
قال الواحدي: " وما يدرك به المعلومات من الحواس وغيرها من الأعضاء إذا ذُكِر بأنه لا يعلم وُصِفَ بأن عليه مانعًا من ذلك ودونه حائلًا، فمن ذلك قوله: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]، كأن القُفْل لما كان حاجزًا بين المُقْفَل عليه وحائلًا من أن يدخله ما يدخل إذا لم يَكن مُقفلًا جُعِل مَثَلًا للقلوب في أنها لا تعي ولا تفقَه، وكذلك قوله {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي} [الكهف: 101] (1)، ومثل هذه الآية في المعنى قوله: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} [فصلت: 5] "(11).
وفي قوله تعالى: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} [البقر: 88]، ثلاثة أقوال (12):
أحدها: يعني في أَغْطِيَةٍ وَأَكِنَّةٍ لا تفقه، وهذا قول ابن عباس (13)، ومجاهد (14)، وقتادة (15)، والسدي (16)، والأعمش (17)، وأبو العالية (18)، وابن زيد (19)، وسعيد بن جبير (20)، وعكرمة (21).
وقد روي عن حذيفة قال: "القلوب أربعة - ثم ذكرها - فقال فيما ذكر: وقلب أغلف، معصوب عليه، فذلك قلب الكافر"(22).
(1) صفوة التفاسير: 1/ 68.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 284.
(3)
تفسير النسفي: 1/ 75.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 68.
(5)
تفسير السعدي: 58.
(6)
انظر: تفسير الطبري (1498)، و (1499): ص 2/ 325 - 326.
(7)
انظر: تفسير الطبري (1500)، و (1501)، و (1502): ص 2/ 326.
(8)
انظر: تفسير الطبري (1504): ص 2/ 326.
(9)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 325 - 326.
(10)
مجاز القرآن، لأبي عبيدة: 1/ 46، ونقله عنه أبو علي في: الحجة: 2/ 155، والواحدي في التفسير البسيط: 3/ 133.
(11)
التفسير البيسط: 3/ 134، وانظر: الحجة للقراء السبعة: 2/ 154.
(12)
انظر: النكت والعيون: 1/ 157.
(13)
انظر: تفسير الطبري (1498)، و (1499): ص 2/ 325 - 326.
(14)
انظر: تفسير الطبري (1500)، و (1501)، و (1502): ص 2/ 326.
(15)
انظر: تفسير الطبري (1504): ص 2/ 326.
(16)
انظر: تفسير الطبري (1508): ص 2/ 327.
(17)
انظر: تفسير الطبري (1503): ص 2/ 326.
(18)
انظر: تفسير الطبري (1507): ص 2/ 326.
(19)
انظر: تفسير الطبري (1509): ص 2/ 327.
(20)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 170.
(21)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (899): ص 1/ 171.
(22)
أخرجه الطبري (1497): ص 2/ 327، والخبر هذا موقوف على حذيفة، وإسناده جيد، إلا أنه منقطع.
والثاني: يعني أوعية للعلم (1)، وهذا قول عطية (2)، ورواية الضحاك عن ابن عباس (3)، وعطاء الخراساني (4).
وقال الكلبي: "يريدون أوعية لكلّ علم، فهي لا تسمع حديثا إلّا وعته إلّا حديثك، لا تفقهه ولا تعيه، ولو كان فيه خيرا لفهمته ووعته"(5).
الثالث: وقيل: غلف أي كالغلاف الخالي لا شيء فيه مما يدل على صحة قولك (6).
واختلفت القراءة في قوله تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} [البقرة: 88]، على وجهين (7):
الأول: {وقالوا قلوبنا غُلْف} مخففة اللام ساكنة. وهي قراءة عامة الأمصار في جميع الأقطار. والثاني: وقرأه بعضهم: {وقالوا قلوبنا غُلُف} ، مثقلة اللام مضمومة.
قوله تعالى: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} [البقرة: 88]، " أي طردهم وأبعدهم من رحمته بسبب كفرهم وضلالهم"(8).
قال السمين الحلبي: " فردَّ الله عليهم ذلك بأنَّ سببَه لَعْنُهم بكفرهم السابق"(9).
قال الواحدي: " أي: أبعدهم من رحمته وطردهم"(10).
قال الطبري: " يعني: بل أقصاهم الله، أبعدهم وطردهم وأخزاهم وأهلكهم بكفرهم، وجحودهم آيات الله وبيناته، وما ابتعث به رسله، وتكذيبهم أنبياءه. فأخبر تعالى ذكره أنه أبعدهم منه ومن رحمته بما كانوا يفعلون من ذلك (11).
وقال الثعلبي: " طردهم وأبعدهم من كل خير"(12).
قال السعدي: " أي: أنهم مطرودون ملعونون، بسبب كفرهم"(13).
قال النسفي: " فرد الله أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق، وإنما طردهم بكفرهم وزيغهم"(14).
قال النضر بن شميل: "الملعون المخزي المهلك"(15).
وفي أصل (اللعن) أقوال:
الأول: الطرد والإبعاد والإقصاء، قال الشَّمَّاخ (16):
(1) قال ابن القيم: " وأما قول من قال: هي أوعية للحكمة، فليس في اللفظ ما يدل عليه البتة. وليس له في القرآن نظير يحمل عليه، ولا يقال مثل هذا اللفظ في مدح الإنسان نفسه بالعلم والحكمة، فأين وجدتم في الاستعمال قول القائل: قلبي غلاف، وقلوب المؤمنين العالمين غلف، أي أوعية للعلم.
والغلاف قد يكون وعاء للجيد والرديء. فلا يلزم من كون القلب غلافا أن يكون داخله العلم والحكمة. وهذا ظاهر جدا". [تفسير القرآن الكريم لابن القيم: ص: 138].
(2)
انظر: تفسير الطبري (1510)، و (1510)، و (1512): ص 2/ 327.
(3)
أخرجه الطبري (1513): ص 2/ 327.
(4)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (893): ص 1/ 170.
(5)
تفسير الثعلبي: 1/ 234.
(6)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 324 ومابعدها، وتفسير ابن كثير: 1/ 324 - 325. وتفسير الرازي: 2/ 163 - 164.
(7)
انظر: السبعة في القراءات: 164، وتفسير الطبري: 2/ 324.
(8)
صفوة التفاسير: 1/ 68.
(9)
الدر المصون: 1/ 501.
(10)
التفسير البسيط: 3/ 135.
(11)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 328.
(12)
تفسير الثعلبي: 1/ 234.
(13)
تفسير السعدي: 58.
(14)
تفسير النسفي: 1/ 75.
(15)
تفسير الثعلبي: 1/ 234.
(16)
ديوانه: 321، ومجاز القرآن: 1/ 46، ومعاني القرآن، للزجاج 1/ 170، وتفسير الثعلبي، 1/ 234، "لسان العرب" 7/ 4044، وتفسير القرطبي" 2/ 23، وذكره الطبري في "تفسيره" 2/ 328، برواية: مكان الذئب. وقبله:
وماء قد وردت لوصل أروى
…
عليه الطير كالورق اللجين
وأراد في البيت: مقام الذئب الطريد اللعين كالرجل. والرجل اللعين المطرود لا يزال منتبذا عن الناس، شبه الذئب به، يعني في ذله وشدة مخافته وذعره.
انظر: تفسير الطبري: 2/ 328.
ذَعَرْتُ به القَطَا وَنَفَيتُ عنه
…
مقام الذئبِ كالرجُلِ اللعينِ
والثاني: التعذيب، قال الليث:"ولعنه الله، أي: عذبه، واللعنة في القرآن: العذاب، واللعن: السب والشتم"(1).
والثالث: الخزي، قال شمر: أقرأنا ابن الأعرابي لعنترة (2):
لُعِنَتْ بمحرومِ الشَّرابِ مُصَرّم
وفسّره، فقال: سُبَّت بذلك، أي: قيل: أخزاها الله فما لها در ولا لبن (3).
والرابع: المسخ، قاله الفراء (4). قال لله تعالى:{أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ} [النساء: 47] أي: نمسخهم (5).
قلت: وكل هذه الأقوال ضمن معنى الطرد والإبعاد. والله أعلم.
وقوله: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} ، تسجيل عليهم وفضح لهم بأنهم صمموا على الكفر والتمسك بدينهم من غير التفاتٍ لحجة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما صمموا على ذلك عاقبهم الله باللعن والإبعاد عن الرحمة والخير فحرمهم التوفيق والتبصر في دلائل صدق الرسول، فاللعنة حصلت لهم عقابا على التصميم على الكفر وعلى الإعراض عن الحق (6).
وفي ذلك رد لما أوهموه من أن قلوبهم خُلقت بعيدة عن الفهم لأن الله خلقهم كسائر العقلاء مستطيعين لإدراك الحق لو توجهوا إليه بالنظر وترك المكابرة. وهذا معتقد أهل الحق من المؤمنين عدا الجبرية. (7)
وإن أعظم الذنوب ما تكون عقوبة الله تعالى عليها الإلزام بذنوب أشد منها، فأعقب استكبار اليهود على الأنبياء وتكذيبهم وقتلهم أن الله لعنهم وطبع على قلوبهم، فلا يفقهون الحق ولا يقبلونه (8).
ويقول علماء السلف: إن من بركة الحسنة وعلامة قبولها الحسنةُ تتبعها. وإن من شؤم المعصية وعقابها المعصية تتبعها.
قوله تعالى: {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88]، "أي فقليلٌ من يؤمن منهم (9).
قال الواحدي: أي" فما يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا"(10).
(1) انظر: تهذيب اللغة: 2/ 396، واللسان: 13/ 388، وتفسير القرطبي: 2/ 25.
(2)
والبيت من معلقة عنترة بن شداد التي مطلعها:
هل غادر الشعراء من متردم
(3)
انظر: تهذيب اللغة: 4/ 3274، ونقله في "لسان العرب" 7/ 4045 وفيه: ولا بها لبن، وانظر: التفسير البسيط: 3/ 136.
(4)
نقله عنه الواحدي في التفسير البسيط: 3/ 136، ولم أجده في معاني القرآن.
(5)
انظر: التفسير البسيط: 3/ 136، ولم اجده في معاني القرآن.
(6)
يقول العلامة ابن قيم الجوزية: " فإن قيل: فما معنى الإضراب: ب «بل» على هذا القول الذي قويتموه؟ .
أما على القول الآخر فظاهر، أي ليست قلوبكم محلا للعلم والحكمة، بل مطبوع عليها.
قيل: وجه الإضراب هنا في غاية الظهور. وهو انهم احتجوا بأن الله لم يفتح لهم الطريق إلى فهم ما جاء به الرسول ومعرفته، بل جعل قلوبهم داخلة في غلف فلا تفقهه. فكيف تقوم به عليهم الحجة؟ وكأنهم ادعوا أنّ قلوبهم خلقت في غلف، فهم معذورون في عدم الإيمان. فأكذبهم الله وقال:{بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} وفي الآية الأخرى: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ} فأخبر سبحانه أن الطبع والإبعاد عن توفيقه وفضله إنما كان بكفرهم الذي اختاروه لأنفسهم، وآثروه على الإيمان. فعاقبهم عليه بالطبع واللعنة.
والمعنى: ان الله تعالى لم يخلق قلوبهم غلفا لا تعي ولا تفقه، ثم أمرهم بالإيمان، وهم لا يفقهونه، بل اكتسبوا أعمالا عاقبناهم عليها بالطبع على القلوب والختم عليها". [تفسير القرآن الكريم لابن القيم: ص: 138].
(7)
التحرير والتنوير لابن عاشور: 1/ 600.
(8)
مستفاد من كلام الحرالي رحمه الله نقلا عن نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي (2/ 34). قال: كما كان في حق إبليس مع آدم عليه السلام، فانتظم صدر هذه السورة إظهار الشيطنتين من الجن (إبليس) ومن الإنس (اليهود) وهو الذي انختم به القرآن في قوله:{من الجِنَّة والناس} (الناس: 6) ليتصل طرفاه، فيكون لا أول له ولا آخر، والفاتحة محيطة به لا يقال: هي أوله ولا آخره، ولذلك ختم بعض القراء بوصله (= قرأ الناس ثم (ألم) البقرة) حتى لا يتبين له طرف، كما قالت المراة العربية لما سُئلت عن بنيها: هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها. انتهى كلامه. فسبحان مَنْ جعل كلام متصلاً ككلمةٍ واحدةٍ لا أول لها ولا آخر.
(9)
صفوة التفاسير: 1/ 68.
(10)
التفسير البسيط: 3/ 136.
قال الزمخشري: أي" فإيمانا قليلا يؤمنون"(1).
وقد اختلفوا في معنى قوله: {فَقَلِيلا مَّا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88]، على ثلاثة أقوال (2):
الأول: معنها: فقليل من يؤمن منهم، وهذا قول قتادة (3)، لأن مَن آمن من أهل الشرك أكثر ممن آمن مِنْ أهل الكتاب، واختاره الامام الطبري (4) وفخر الدين الرازي (5).
والثاني: معناه فلا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم، ويكفرون بأكثره، قاله أبو عبيدة (6)، بمعنى أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب، ولكنه إيمان لا ينفعهم، لأنه مغمور بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم.
والثالث: أن {ما} ، تفيد النفي، والمعنى:"لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا، وهذا كقول الرّجل لآخر: ما قل ما تفعل وكذا يريد لا تفعله البتة"(7). قاله الواقدي، وأجازه المخشري (8)، واعترض عليه أبو حيان (9).
وقد روى الفراء عن الكسائي: "مررنا بأرض قلّ ما ينبت الكراث والبصل، يريدون لا ينبت شيئا"(10).
والمعنى إنهم كانوا غير مؤمنين بشيء، وإنما قال:{فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ} وهم بالجميع كافرون (11).
والراجح هو القول الأول، وذلك لعلتين (12):
أحدهما: لأنه نظير قوله: {بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا} [النساء: 155].
والثاني: ولأن الجملة الأولى إذا كان المصرح فيها ذكر القوم فيجب أن يتناول الاستثناء بعض هؤلاء القوم. والله أعلم (13).
واختلف أهل العربية في معنى {ما} التي في قوله: {فَقَلِيلا مَّا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88]، على ثلاثة أوجه (14):
الأول: أنها زائدة لا معنى لها، وهذا قول الأخفش (15)، والمعنى: فقليلا يؤمنون، كما قال جل ذكره:{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159]، والمعنى: فبرحمة من الله لنت لهم، وأنشدوا بيت مهلهل (16):
(1) انظر: الكشاف: 1/ 164.
(2)
انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 325، وانظر: تفسير الطبري: 2/ 328.
(3)
انظر: تفسير الطبري (1514): ص 2/ 329، وابن أبي حاتم (900): ص 1/ 171.
(4)
انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 325، وانظر: تفسير الطبري: 2/ 328.
(5)
انظر: مفاتيح الغيب: 3/ 598.
(6)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 234، والبحر المحيط" 1/ 302.
(7)
تفسير الثعلبي: 1/ 234.
(8)
انظر: الكشاف: 1/ 164.
(9)
انظر: البحر المحيط: 1/ 296. قال أبو حيان: " وما ذهبوا إليه من أن قليلاً يراد به النفي صحيح، لكن في غير هذا التركيب، أعني قوله تعالى: {فَقَلِيلا مَّا يُؤْمِنُونَ}، لأن قليلاً انتصب بالفعل المثبت، فصار نظير: قمت قليلاً، أي قياماً قليلاً".
(10)
نقله عنه الثعلبي: 1/ 234، وانظر: تفسير ابن كثير: 1/ 325، وتفسير القرطبي" 2/ 23، و"البحر المحيط" 1/ 302.
(11)
انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 325.
(12)
انظر: مفاتيح الغيب: 3/ 598.
(13)
وذكر ابن الأنباري في هذه الآية ثلاثة أوجه سوى ما ذكرنا:
أحدها: فيؤمنون إيمانًا قليلًا، وذلك أنهم يؤمنون بأن الله خالقهم ورازقهم، ويكفرون بمحمد والقرآن، فيقلل ذلك إيمانهم، ودليل هذا التأويل: قوله: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106]، معناه: أنهم يعترفون بأن الله ربهم، ويكفرون بمحمد فيقلّ إيمانهم. وانتصب قليلًا على هذا الوجه لأنه نعتُ مصدرٍ محذوف.
الوجه الثاني: أن يكون المعنى: فيؤمنون قليلًا من الزَمَانِ ويكفرون أكثره، ودليل هذا التأويل: قوله: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72]. فخّبر الله تعالى بقلة إيمانهم على معنى الوقت القصير الذي أظهروا فيه موافقة المسلمين ثم باينوهم بعده، وانتصب (قليلًا) في هذا الوجه؛ لأنه أقيم مقام الظرف، و (ما) في هذين الوجهين صلة.
الوجه الثالث: أن يكون (ما) مع الفعل مصدرًا، ويرتفع بـ "قليل"، وهو مقدم، ومعناه: فقليلًا إيمانهم، كما قالوا: راكبًا لقَائِيك ومُجَرَّدًا ضَرْبِيكَ. [انظر: التفسير البسيط: 3/ 138].
(14)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 330 - 331.
(15)
انظر: معاني القرآن للأخفش: 1/ 142.
(16)
الكامل 2: 68، ومعجم ما استعجم: 96، وشرح شواهد المغني: 247 وغيرها قال أبو العباس: " أبان جبل: وهما أبانان: أبان الأسود، وأبان الأبيض قال مهلهل، وكان نزل في آخر حربهم - حرب البسوس - في جنب بن عمرو بن علة بن جلد بن مالك، وهو مذحج، وجنب حي من أحيائهم وضيع، وخطبت ابنته ومهرت أدما فزوجها وقال قبله:
أنكحها فقدها الأراقم في
…
جنب وكان الحباء من أدم
لو بأبانين جاء يخطبها
…
خضب ما أنف خاطب بدم
يعني: خضب أنف خاطب بدم، وأن (ما) زائدة (1).
قال النسفي: و {ما} مزيدة، وهو إيمانهم ببعض الكتاب" (2).
وأنكر آخرون على احتجاج القول الأول ببيت المهلهل، وقالوا: إنما ذلك من المتكلم على ابتداء الكلام بالخبر عن عموم جميع الأشياء، إذ كانت (ما) كلمة تجمع كل الأشياء، ثم تخص وتعم ما عمته بما تذكره بعدها.
والثاني: أنها نافية (3)، أي: فما يؤمنون قليلاً ولا كثيراً، ومثلُه:{قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [الأعراف: 10]، {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3].
قال السمين الحلبي: "وهذا قويٌ من جهة المعنى، وإنما يَضْعُفُ شيئاً من جهةٍ تقدُّم ما في حَيِّزها عليها، قاله أبو البقاء، وإليه ذهب ابن الأنبار إلا أنَّ تقديمَ ما في حَيِّزها عليها لم يُجْزِه البصريون، وأجازه الكوفيون"(4).
والثالث: أنها زائدة لتوكيد (القلة)، قاله ابن عطية (5)، وابن عثيمين (6)، وأكثر المفسرين.
والقول الأخير أولى بالصواب، أي أنها مزيدة أفادت معنى التوكيد، وذلك "لأن زيادة {ما}، لا يفيد من الكلام معنى في الكلام، غير جائز إضافته إلى الله جل ثناؤه"(7).
قال الواحدي: " "والآيه رَدٌّ على القدرية؛ لأن الله تعالى بيّن أن كفرهم بسبب لعنه آباءهم، فالله تعالى لما لعنهم وطردهم وأراد كفرهم وشقاوتهم منعهم الإيمان" (8).
الفوائد:
1.
من فائد الآية: أن هؤلاء الذين لم يقبلوا الحق احتجوا بما ليس بحجة؛ فقالوا: قلوبنا غلف.
2.
ومنها: أن من صنع مثل صنيعهم فهو شبيه بهم؛ يوجد أناس نسمع عنهم أنهم إذا نُصِحوا، ودُعوا إلى الحق قالوا:"ما هدانا الله"؛ وهؤلاء مشابهون لليهود الذين قالوا: {قلوبنا غلف} .
3.
ومنها: أن القلوب بفطرتها ليست غلفاء؛ لقوله تعالى: {بل لعنهم الله} ؛ وهذا الإضراب للإبطال. يعني ليست القلوب غَلفاء لا تقبل الحق، لكن هناك شيء آخر هو الذي منع من وصل الحق؛ وهو لَعْن الله إياهم بسبب كفرهم.
4.
ومنها: أن الفطرة من حيث هي فطرة تقبل الحق، ولكن يوجد لها موانع.
5.
منها: بيان أن الأسباب مهما قويت إذا غلب عليها المانع لم تؤثر شيئاً؛ فالقلوب وإن كانت مفطورة على الدين القيم لكن إذا وجد موانع لم تتمكن من الهدى؛ وقد قيل: إن الأمور لا تتم إلا بوجود أسبابها، وانتفاء موانعها.
6.
ومنها: إثبات الأسباب، وأن لها تأثيراً في مسبباتها بإذن الله؛ لقوله تعالى:{بل لعنهم الله بكفرهم} .
7.
ومنها: أن الإيمان في هؤلاء اليهود قليل، أو معدوم؛ لقوله تعالى:{فقليلاً ما يؤمنون} .
القرآن
(1) انظر: معاني القرآن للأخفش: 1/ 142.
(2)
تفسير النسفي: 1/ 75.
(3)
انظر: الدر المصون: 1/ 502.
(4)
الدر المصون: 1/ 502 - 503.
(5)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 177.
(6)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 284.
(7)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 331.
(8)
التفسير البسيط: 3/ 138.
التفسير:
وحين جاءهم القرأن من عند الله مصدقا لما معهم من التوراة جحدوه، وأنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وكانوا قبل بعثته يستنصرون به على مشركي العرب، ويقولون: قَرُبَ مبعث نبيِّ آخرِ الزمان، وسنتبعه ونقاتلكم معه. فلمَّا جاءهم الرسول الذي عرفوا صفاتِه وصِدْقَه كفروا به وكذبوه. فلعنةُ الله على كل مَن كفر بنبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وكتابه الذي أوحاه الله إليه.
في سبب نزول الآية وجوه (1):
أحدها: أخرج الطبري عن ابن عباس: "أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه. فلما بعثه الله من العرب، كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه. فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور أخو بني سلمة: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك، وتخبروننا أنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته! فقال سَلام بن مِشْكَم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم! فأنزل الله جل ثناؤه في ذلك من قوله: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89] "(2).
والثاني: قال السدي: "كانت العرب تمر بيهود فيلقون منهم أذى، وكانت اليهود تجد نعت محمد في التوراة، ويسألون الله أن يبعثه فيقاتلون معه العرب، فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم كفروا به حسدا، وقالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل، فما بال هذا من بني إسماعيل"(3).
والثالث: قال أبو العالية: "كانت اليهود تستنصر بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب، يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى يعذب المشركين ويقتلهم! فلما بعث الله محمدا، ورأوا أنه من غيرهم، كفروا به حسدا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال الله: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} "(4). وروي عن ابن عباس (5)، وقتادة (6)، والسدي (7)، وعطاء (8)، وابن زيد (9)، نحو ذلك.
الرابع: أن اليهود كانوا يقولون لمخالفيهم عند القتال: هذا نبي قد أظل زمانه ينصرنا عليكم، فلما بعث الله تعالى ذكره رسوله من قريش واتبعناه، كفروا به. يقول الله تعالى:{فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} ، قاله ابن عباس (10)، وقتادة الأنصاري (11) وروي عن مجاهد (12) نحوه.
الخامس: أن اليهود من قبل مبعث محمد عليه السلام ونزول القرآن، كانوا يستفتحون به على الناس. قاله علي الأزدي (13).
(1) انظر أساب النزول للواحدي: 28 - 29، والعجاب في بيان الأسباب: 1/ 280 - 281.
(2)
تفسير الطبري (1520): ص 2/ 333 - 334، وابن أبي حاتم (لباب النقول: 21) وأبو نعيم في "الدلائل "(1/ 19) من طريق ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما وإسناده حسن، ويشهد له: ما أخرجه ابن المنذر وأبو نعيم (فتح القدير: 1/ 113) والبيهقي في "الدلائل"(2/ 75) من طريق إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من الأنصار بمعناه. وحسنه الوادعي (الصحيح المسند: 2)، والخبر في سيرة ابن هشام: 2/ 196. وانظر: تفسير ابن كثير: 1/ 326.
(3)
أسباب النزول للواحدي: 29، وأخرجه الطبري (1527): ص 2/ 335.
(4)
انظر: تفسير الطبري (1526): ص 2/ 335.
(5)
انظر: تفسير الطبري (1522): ص 2/ 334.
(6)
انظر: تفسير الطبري (1525): ص 2/ 334 - 335.
(7)
انظر: تفسير الطبري (1527): ص 2/ 335.
(8)
انظر: تفسير الطبري (1528): ص 2/ 335.
(9)
انظر: تفسير الطبري (1532): ص 2/ 336.
(10)
انظر: تفسير الطبري (1520): ص 2/ 333.
(11)
انظر: تفسير الطبري (1519): ص 2/ 332 - 333.
(12)
انظر: تفسير الطبري (1530): ص 2/ 336.
(13)
انظر: تفسير الطبري (1523): ص 2/ 334.
قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [البقرة: 89]، " أي: ولما جاءهم كتاب من عند الله وهو القرآن (1).
قال ابن عثيمين: " هو القرآن؛ ونكَّره هنا للتعظيم؛ وأكد تعظيمه بقوله تعالى: {من عند الله}، وأضافه الله تعالى إليه؛ لأنه كلامه"(2).
قال قتادة: " وهو القرآن الذي أنزل على محمد، مصدق لما معهم من التوراة والإنجيل"(3). وروي عن الربيع مثل ذلك (4).
وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة {مصدقا} ، بالنّصب على الحال (5)، قيل: كيف جاز نصبها عن النكرة؟ قلنا: إذا وصفت النكرة تخصصت فصح انتصاب الحال عنها وقد وصف {كتاب} بقوله: {من عند الله} (6).
وقال الزجاج: " تقرأ {جاءَهم}، بفتح الجيم والتفخيم، وهي لغة أهل الحجاز، وهي اللغة العليا القُدمى، والإِمالةُ إلى الكسر لغة بني تميم وكثير من العرب"(7).
و(الكتاب): "اشتقاقه من (الكَتْبِ)، وهي جمع (كَتْبة)، وهي الخرزة، وكل ما ضممت بعضه إلى بعض على جهة التقارب والاجتماع فقد كتبته، و (الكَتِيبَة): الفرقةُ التي تحارب من هذا اشتقاقها، لأن بعضَها منضم إلى بعض، وسمى كلام الله عز وجل الذي أنزل على نبيه: كِتَاباً، وقُرآنأ وفُرقاناً"(8).
قوله تعالى: {مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} [البقرة: 89]، أي:"المشتمل على تصديق ما معهم من التوراة"(9).
قال الثعلبي: "موافق لِما مَعَهُمْ"(10).
قال الزجاج: " أيْ يصدقُ بالتوراة والإنجيل ويخبرهم بما في كتبهم مما لا يعلم إلا بوحي أو قراءَة كُتُبٍ، وقد علموا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أمياً لا يكتب"(11).
وقد ذكروا في قوله تعالى: {مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} [البقرة: 89]، معنيين:(12)
الأول: مصدق بأن التوراة والإنجيل من عند الله عز وجل.
يعني: "أنه حكم بصدقها، كما قال في قوله تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله} [البقرة: 285]؛ فهو يقول عن التوراة: إنه حق، وعن الإنجيل: إنه حق؛ وعن الزبور: إنه حق؛ فهو يصدقها، كما لو أخبرك إنسان بخبر، فقلت: "صدقت" تكون مصدقاً له"(13).
أحدهما: مصدق لما في التوراة والإنجيل من الأخبار التي فيهما.
يعني: أنه جاء مطابقاً لما أخبرت الكتب السابقة، التوراة، والإنجيل؛ فعيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم بشرهم بمجيء الرسول محمد صلى الله عليه وسلم:{وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الصف: 6]؛ فجاء هذا الكتاب مصدقاً لهذه البشارة" (14).
وقد أختلف أهل اللغة في جواب (لما)، على ثلاثة أوجه (15):
أحدها: أنه محذوف، قال الإمام الطبري:"هو مما ترك جوابه، استغناء بمعرفة المخاطبين به بمعناه، وبما قد ذكر من أمثاله في سائر القرآن، وقد تفعل العرب ذلك إذا طال الكلام، فتأتي بأشياء لها أجوبة، فتحذف أجوبتها، لاستغناء سامعيها - بمعرفتهم بمعناها - عن ذكر الأجوبة، كما قال جل ثناؤه: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا} [سورة الرعد: 31]، فترك جوابه والمعنى: " ولو أن قرآنا سوى هذا القرآن سيرت به الجبال لسيرت بهذا القرآن - استغناء بعلم السامعين بمعناه، قالوا: فكذلك قوله: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم) " وهذا قول الأخفش والزجاج (16).
والثاني: "أن تكون الفاء جوابا للما الأولى {كفروا به} جوابا ل (لما) الثانية وهو كقوله: {فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم} [البقرة: 38] [طه: 133] الآية"(17)، أي: فإن الجواب قوله: (ولما جاءهم كتاب من عند الله) في " الفاء " التي في قوله: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به)، وجواب الجزاءين في " كفروا به "، كقولك:" لما قمت، فلما جئتنا أحسنت "، بمعنى: لما جئتنا إذْ قمت أحسنت، حكي ذلك عن الفراء (18).
والثالث: وقيل: أنه على التكرير لطول الكلام والجواب: كفروا به كقوله تعالى: {أيعدكم أنكم} إلى قوله تعالى: {أنكم مخرجون} [المؤمنون: 35]، حكي ذلك عن المبرد (19).
قوله تعالى: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 89]، أي وقد كانوا قبل مجيئه" (20).
قال ابن كثير: " أي: وقد كانوا من قبل مجيء هذا الرسول بهذا الكتاب"(21).
قال الزجاج: " وكانوا من قبل هذا"(22).
قوله تعالى: {يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 89]، أي:" يستنصرون به على أعدائهم"(23).
قال ابن كثير: أي"يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم"(24).
قال الطبري: أي " يستنصرون الله بمحمد-صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب من قبل مبعثه"(25).
قال أبو حيان: " أي يستنصرون على المشركين إذا قاتلوهم"(26).
قال الصابوني: أي"يقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث آخر الزمان، الذي نجد نعته في التوراة"(27).
قال ابن عثيمين: " أي يستنصرون، ويقولون سيكون لنا الفتح، والنصر، من المشركين الذين هم الأوس، والخزرج، لأنهم كانوا على الكفر، ولم يكونوا من أهل الكتاب"(28).
قال السعدي: " وقد علموا به، وتيقنوه حتى إنهم كانوا إذا وقع بينهم وبين المشركين في الجاهلية حروب، استنصروا بهذا النبي، وتوعدوهم بخروجه، وأنهم يقاتلون المشركين معه"(29).
(1) انظر: تفسير السعدي: 58، وتفسير ابن عثيمين: 1/ 289.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 289.
(3)
أخرجه الطبري (1518): ص 2/ 332.
(4)
انظر: تفسير الطبري (1519): ص 2/ 332.
(5)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 234.
(6)
انظر: مفاتيح الغيب: 3/ 598.
(7)
معاني القرآن: 1/ 170.
(8)
معاني القرآن للزجاج: 1/ 170.
(9)
تفسير السعدي: 58.
(10)
تفسير الثعلبي: 1/ 234.
(11)
معاني القرآن: 1/ 171.
(12)
انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 153.
(13)
انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 153.
(14)
انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 153.
(15)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 336 - 337. ومفاتيح الغيب: 3/ 598.
(16)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 336.
(17)
انظر: تفسير الرازي: 2/ 165.
(18)
انظر: معاني القرآن للفراء 1: 59.
(19)
انظر: تفسير الرازي: 2/ 165.
(20)
صفوة التفاسير: 1/ 68.
(21)
تفسير ابن كثير: 1/ 325.
(22)
معاني القرآن: 1/ 171.
(23)
صفوة التفاسير: 1/ 68.
(24)
تفسير ابن كثير: 1/ 325.
(25)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 332. (بتصرف بسيط).
(26)
البحر المحيط: 1/ 260.
(27)
صفوة التفاسير: 1/ 68.
(28)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 290.
(29)
تفسير السعدي: 58.
وقال المراغي: " أي وكانوا يستنصرون به على مشركى العرب وكفار مكة ويقولون إن كتابه سينصر التوحيد الذي جاء به موسى، ويخذل الوثنية التي تنتحلونها"(1).
قال الراغب: " الاستفتاح: طلب الفتح، والفتح ضربان، فتح إلاهي، وهو النصرة بالوصول إلى العلوم والهدايات التي هي ذريعة إلى الثواب والمقامات المحمودة، وفتح دنيوي، وهو النصرة في الوصول إلى اللذات البدنية وعلى الأول قوله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا}، وقوله {فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ} وعلى الثاني قوله: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} "(2).
وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: {يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} [البقرة: 89]، ثلاثة أوجه (3):
أحدها: "معنى يستفتحون: أي يعلمون خبره من الناس مرّة، ويستنبطون ذكره من الكتب مرة"(4).
فـ"كانوا يخبرون بصحة أمر النبي صلى الله عليه وسلم"(5)، روي نحوه عن قتادة (6).
والثاني: أنهم: كانوا يقولون إنا ننصر بمحمد صلى الله عليه وسلم على عبدة الأوثان. روي نحوه عن أبي العالية (7)، والسدي (8)، وعطاء (9)، وابن زيد (10)، ومجاهد (11)، وابن عباس (12).
والثالث: أنهم كانوا بطلبون من الله بذكره الظفر (13).
قال الراغب: " وكل ذلك داخل في عموم الاستفتاح"(14).
قلت: إن القول الثالث، لا تسنده روايات صحيحة، بل أكثرها ضعيفة، لم يعرِّج ابن كثير على شيء منها، وكذلك فعل الإمام الطبري. والله أعلم.
قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} [البقرة: 89]، "أي فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم َ الذي عرفوه حق المعرفة، كفروا برسالته"(15).
قال سعيد بن جبير: "هم اليهود، عرفوا محمدا أنه نبي وكفروا به"(16).
قال ابن عباس: فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ورأوه من غيرهم، كفروا به وحسدوه" (17).
قال البغوي: "يعني محمدا صلى الله عليه وسلم من غير بني إسرائيل، وعرفوا نعته وصفته، كفروا به بغيا وحسدا "(18).
قال الزجاج: " أي ما كانوا يستنصرون وبصحته يخبرون، كفروا وهم يوقنون أنهم معْتَمِدُون للشقاق عداوة للَّهِ"(19).
قال الراغب: " فلما جاءهم كتاب لا منافاة بينه وبين التوراة في الأصول، وعرفوا عيانا ما كانوا عرفوه من قبل إخباراً كفروا به"(20).
(1) تفسير المراغي: 1/ 167.
(2)
تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 257.
(3)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 171، وتفسير البيضاوي: 1/ 93، والكشاف: 1/ 164، وتفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 257 - 258.
(4)
تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 258.، وانظر: البحر المحيط: 1/ 260.
(5)
معاني القرآن: 1/ 171.
(6)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (904): ص 1/ 171 - 172.
(7)
انظر: تفسير الطبري (1526): ص 2/ 335.
(8)
انظر: تفسير الطبري (1527): ص 2/ 335.
(9)
انظر: تفسير الطبري (1528): ص 2/ 335.
(10)
انظر: تفسير الطبري (1533): ص 2/ 336.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (907): ص 1/ 172.
(12)
انظر: تفسير الطبري (1532): ص 2/ 336.
(13)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 171.
(14)
تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 258.
(15)
صفوة التفاسير: 1/ 68.
(16)
أخجره الطبري (1531): ص 2/ 336.
(17)
أخرجه الطبري (1522): ص 2/ 334.
(18)
تفسير البغوي: 1/ 121. (بتصرف بسيط).
(19)
معاني القرآن: 1/! 71.
(20)
تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 258.
قال أبو حيان: أي" ستروه وجحدوه، وهذا أبلغ في ذمهم، إذ يكون الشيء المعورف لهم، المستقر في قلوبهم وقلوب من أعلموهم به كيانه ونعته يعمدون إلى ستره وجحده، قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} "(1).
قال السعدي: " فلما جاءهم هذا الكتاب والنبي الذي عرفوا، كفروا به، بغيا وحسدا، أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده"(2).
قال المراغي: " وسبب هذا أنهم حسدوا العرب على أن بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم من بينهم فحملهم ذلك على الكفر به جحودا وعنادا"(3).
ويحتمل {ما} ، في قوله تعالى:{مَّا عَرَفُوا} [البقرة: 89]، ثلاثة أوجه (4):
الأول: أنه الكتاب، وهو الظاهر.، لأنه أتى بلفظ {ما} .
والثاني: ويحتمل أنه يراد به النبي صلى الله عليه وسلم، لأن {ما} ، قد يعبر بها عن صفات من يعقل.
والثالث: ويجوز أن يكون المعنى: ما عرفوه من الحق، فيندرج فيه معرفة نبوّته وشريعته وكتابه، وما تضمنه. قاله أبو حيان (5).
قوله تعالى: {فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين} [البقرة: 89]، :" أي لعنة الله على اليهود الذين كفروا بخاتم المرسلين"(6).
قال الطبري: أي: " فخزي الله وإبعاده على الجاحدين ما قد عرفوا من الحق عليهم لله ولأنبيائه "(7).
قال المراغي: " فسجّل الله عليهم الطرد والإبعاد من رحمته، لجحودهم بالحق بعد أن تبين لهم"(8).
قال الراغب: " (اللعن): هو إفضاء على وجه الإهانة، ومن قال: هو العذاب، فمن حيث أنه لا تنفك لعنة الله عن العذاب"(9).
قال أبو حيان: " لما كان الكتاب جائياً من عند الله إليهم، فكذبوه وستروا ما سبق لهم عرفانه، فكان ذلك استهانة بالمرسل والمرسل به. قابلهم الله بالاستهانة والطرد، وأضاف اللعنة إلى الله تعالى على سبيل المبالغة، لأن من لعنه الله تعالى هو الملعون حقيقة. {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَالِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ}؟ {وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَه نَصِيرًا}. ثم إنه لم يكتف باللعنة حتى جعلها مستعلية عليهم، كأنه شيء جاءهم من أعلاهم، فجللهم بها، ثم نبه على علة اللعنة وسببها، وهي الكفر، كما قال قبل: {بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ}، وأقام الظاهر مقام المضمر لهذا المعنى، فتكون الألف واللام للعهد، أو تكون للعموم، فيكون هؤلاء فرداً من أفراد العموم"(10).
وفي سبب كفرهم أقوال (11):
أحدها: أنهم كانوا يظنون أن المبعوث يكون من بني إسرائيل لكثرة من جاء من الأنبياء من بني إسرائيل وكانوا يرغبون الناس في دينه ويدعونهم إليه، فلما بعث الله تعالى محمدا من العرب من نسل إسماعيل صلوات الله عليه، عظم ذلك عليهم فأظهروا التكذيب وخالفوا طريقهم الأول.
وثانيها: اعترافهم بنبوته كان يوجب عليهم زوال رياساتهم وأموالهم فأبوا وأصروا على الإنكار.
وثالثها: لعلهم ظنوا أنه مبعوث إلى العرب خاصة فلا جرم كفروا به.
(1) البحر المحيط: 1/ 260.
(2)
تفسير السعدي: 58.
(3)
تفسير المراغي: 1/ 168.
(4)
انظر: البحر المحيط: 1/ 260.
(5)
انظر: البحر المحيط: 1/ 260.
(6)
صفوة التفاسير: 1/ 68.
(7)
تفسير الطبري: 2/ 337.
(8)
تفسير المراغي: 1/ 168.
(9)
تفسير الراغب الأصفهاني: 1/ 258.
(10)
البحر المحيط: 1/ 260.
(11)
انظر: مفاتيح الغيب: 1/ 599.
الفوائد:
1 من فوائد الآية: أن القرآن من عند الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {كتاب من عند الله} .
2 ومنها: أن القرآن كلامه سبحانه وتعالى تكلم به حقيقة؛ لقوله تعالى: {كتاب من عند الله} ؛ ومعلوم أن الكلام ليس جسماً يقوم بنفسه حتى نقول: إنه مخلوق.
3.
ومنها: التنويه بفضل القرآن؛ لقوله تعالى: {مصدق لما معهم} ، ولقوله تعالى:{من عند الله} .
4 ومنها: أن اليهود كانوا يعرفون أن النبي صلى الله عليه وسلم سيبعث، وتكون له الغلبة؛ لقوله تعالى:
{وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} يعني يستنصرون. أي يطلبون النصر؛ أو يَعِدون به؛ فقبل نزول القرآن، وقبل مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم يقولون للعرب: إنه سيبعث نبي، وينْزل عليه كتاب، وننتصر به عليكم، ولما جاءهم الرسول الذي كانوا يستفتحون به كفروا به.
5 ومنها: أن اليهود لم يخضعوا للحق؛ حتى الذي يقرون به لم يخضعوا له؛ لأنهم كفروا به؛ فيدل على عتوهم، وعنادهم.
6 ومنها: أن الكافر مستحق للعنة الله، وواجبة عليه؛ لقوله تعالى:{فلعنة الله على الكافرين} .
7 استدل بعض العلماء بهذه الآية على جواز لعن الكافر المعين؛ ولكن لا دليل فيها؛ لأن اللعن الوارد في الآية على سبيل العموم؛ ثم هو خبر من الله عز وجل، ولا يلزم منه جواز الدعاء به؛ ويدل على منع لعن المعين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول:"اللهم العن فلاناً، وفلاناً"(1). لأئمة الكفر، فنهاه الله عن ذلك؛ ولأن الكافر المعين قد يهديه الله للإسلام إن كان حياً؛ وإن كان ميتاً فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا"(2).
القرآن
التفسير:
قَبُحَ ما اختاره بنو إسرائيل لأنفسهم؛ إذ استبدلوا الكفر بالإيمان ظلمًا وحسدًا لإنزال الله من فضله القرآن على نبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فرجعوا بغضب من الله عليهم بسبب جحودهم بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، بعد غضبه عليهم بسبب تحريفهم التوراة. وللجاحدين نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم عذابٌ يذلُّهم ويخزيهم.
قوله تعالى: {{بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} [البقرة: 90]، " أي بئس الشيء التافه الذي باع به هؤلاء اليهود أنفسهم"(3).
قال السدي: " باعوا به أنفسهم"(4).
قال مجاهد: "شروا الحق بالباطل، وكتمان ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بأن بينوه"(5).
قال الزجاج: "المعنى: ذلك الشيءُ المذموم"(6).
قال الواحدي: " بئس شيئًا اشتروا به أنفسهم"(7).
قال القرطبي: " بئس الشيء الذي اختاروا لأنفسهم"(8).
وذكر الثعلبي في قوله تعالى: {{بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} [البقرة: 90]، وجهين (9):
(1) أخرجه البخاري ص 333، كتاب المغازي، باب 22:(ليس لك من الأمر شيء)، حديث رقم 4069.
(2)
أخرجه البخاري ص 109، كتاب الجنائز، باب 97: ما ينهى من سب الأموات، حديث رقم 1393.
(3)
صفوة التفاسير: 1/ 68.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (908): ص 1/ 172.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (909): ص 1/ 172.
(6)
معاني القرآن: 1/ 172
(7)
التفسير البسيط: 3/ 145.
(8)
تفسير القرطبي: 2/ 28.
(9)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 235.
الأول: معناه: بئس الذي اختاروا لأنفسهم.
والثاني: وقيل: معناه بئس ما باعوا به حظ أنفسهم.
واختلف أهل العلم في معنى (الاشتراء) في قوله {اشْتَرَوْا} [البقرة: 90]، على قولين:
الأول: أن معنى الاشتراء هاهُنَا: (البيع). قاله الفراء (1) وأبو حيان (2)، والطبري (3)، وغيرهم.
قال الآلوسي: " فالأنفس بمنزلة المثمن، والكفر بمنزلة الثمن لأن أنفسهم الخبيثة لا تشترى بل تباع وهو على الاستعارة أي إنهم اختاروا الكفر على الإيمان وبذلوا أنفسهم فيه"(4).
يقال: اشتريته، أي: بعته، واشتريته، أي: ابتعته، وكذلك: شريته في المعنيين، وكذلك: بعته، قال الله تعالى:{وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} [يوسف: 20]، أي: باعوه، ومنه قول يزيد بن المُفَرِّغ (5):
وشُرَيْتُ بُردًا لَيْتَنِي
…
مِنْ بَعْدِ بردٍ صِرتُ هامة
يعني به: بعت بردا. وربما استعمل (اشتريت) بمعنى: بعت، و (شريت) في معنى:(ابتعت)، والكلام المستفيض فيهم هو ما وصفت (6).
ومنه قول المسيب بن علس (7):
يعطى بها ثمنا فيمنعها
…
ويقول صاحبها ألا تشري
قال الفراء: وتقول" بع لي بدرهم تَمرًا، أي: اشتر لي"(8)، وأنشد قول طرفة بن العبد (9):
ويأتيك بالأخبار مَن لم تَبعْ له
…
بَتَاتًا ولم تضربْ له وقتَ موعِدِ
المعنى: لم تشتر له بتاتا، قال الفراء: والبتات الزاد (10).
ومعنى الآية: "بئس الشيء بَاعوا به أنفسهم الكفر؛ يريد: أنهم اختاروا الكُفر وأخذوه، وبذلوا أنفسهم للنار؛ لأن اليهود خصوصًا علموا صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وأن من كذبه فالنار عاقبته، فاختاروا الكفر، وسلموا أنفسهم للنار، فكان ذلك كالبيع منهم"(11).
وقال المفسرون: في الآية إضمار، معناه: بئسما باعوا حظ أنفسهم بالكفر، وعلى هذا تكون الآية من باب حذف المضاف (12).
وعلى الوجه السابق، تصح الآية من غير إضمار.
والثاني: أن (الإشتراء) على بابه بمعناه المشهور (13)، والمعنى:"اشتروا بحسب ظنهم، فإنهم ظنوا أنهم خلصوا أنفسهم من العقاب بما فعلوا"(14)، فقالوا بأن "المكلف إذا كان يخاف على نفسه من عقاب الله يأتي بأعمال يظن أنها تخلصه من العقاب فكأنه قد اشترى نفسه بتلك الأعمال، فهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا
(1) انظر: معاني القرآن: 1/ 56.
(2)
انظر: التفسير البسيط: 3/ 148. ومعاني القرآن" للفراء 1/ 56، "اللسان" 4/ 2253 (شرى)
(3)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 341.
(4)
روح المعاني: 1/ 321.
(5)
البيت ليزيد بن مفرغ الحميري، في ديوانه ص 213، و"لسان العرب" 4/ 2252 مادة (شرى).
(6)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 341.
(7)
ديوانه: 352 (من ملحق ديوان الأعشى - والمسيب خال الأعشى، والأعشى راويته)، ورواية الديوان " ويقول صاحبه "، وهي الصواب. والبيت من أبيات آية في الجودة، يصف الغواص الفقير، قد ظفر بدرة لا شبيه لها، فضن بها على البيع، وقد أعطى فيها ما يغنى من الثمن، فأبى، وصاحبه يحضضه على بيعها، وبعده:
وترى الصراري يسجدون لها
…
ويضمها بيديه للنحر
والصراري: الملاحون، من أصحاب الغواصين. انظر: تفسير الطبري: 2/ 340 - 341.
(8)
معاني القرآن: 1/ 56.
(9)
ديوانه: 41.
(10)
انظر: معاني القرآن: 1/ 56.
(11)
التفسير البيسط: 3/ 149، وانظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 172.
(12)
انظر: التفسير البسيط: 3/ 149، ومعاني القرآن للزجاج: 1/ 172.
(13)
اختاره الرازي في مفاتيح الغيب: 3/ 601.
(14)
تفسير البيضاوي: 1/ 93.
به أنها تخلصهم من العقاب، وتوصلهم إلى الثواب فقد ظنوا أنهم اشتروا أنفسهم بها، فذمهم الله تعالى، وقال: بئسما اشتروا به أنفسهم" (1)، ذكره أبو حيان عن صاحب المنتخب (2).
واختاره الفخر الرازي قائلا: وهذا الوجه أقرب إلى المعنى واللفظ من الأول (3).
قال أبو حيان: و"يرد عليه، {بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}، حيث فعلوا ذلك على سبيل البغي والحسد"(4).
والراجح -والله أعلم- هو القول الأول، بأن (اشتروا) هنا، بمعنى (باعوا)، وذلك قول الأكثرين (5).
قال الإمام الطبري: " فإن قال قائل: وكيف باعت اليهود أنفسها بالكفر، فقيل: {بئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله}؟ وهل يشتري بالكفر شيء؟ قيل: إن معنى: الشراء والبيع عند العرب، هو إزالة مالك ملكه إلى غيره، بعوض يعتاضه منه. ثم تستعمل العرب ذلك في كل معتاض من عمله عوضا، شرا أو خيرا، فتقول: نعم ما باع به فلان نفسه وبئس ما باع به فلان نفسه، بمعنى: نعم الكسب أكسبها، وبئس الكسب أكسبها - إذا أورثها بسعيه عليها خيرا أو شرا. فكذلك معنى قوله جل ثناؤه: {بئس ما اشتروا به أنفسهم} - لما أوبقوا أنفسهم بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فأهلكوها، خاطبهم الله والعرب بالذي يعرفونه في كلامهم، فقال: {بئس ما اشتروا به أنفسهم}، يعني بذلك: بئس ما أكسبوا أنفسهم بسعيهم، وبئس العوض اعتاضوا، من كفرهم بالله في تكذيبهم محمدا، إذْ كانوا قد رضوا عوضا من ثواب الله وما أعد لهم - لو كانوا آمنوا بالله وما أنزل على أنبيائه - بالنار وما أعد لهم بكفرهم بذلك"(6).
قوله تعالى: {أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [البقرة: 90]، " أي كفرهم بالقرآن الذي أنزله الله"(7).
قال الثعلبي: أي" حين استبدلوا الباطل بالحق، والكفر بالأيمان"(8).
قال أبو العالية: " اليهود، كفروا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم"(9).
وقوله تعالى: {وبِما أَنْزَلَ اللَّهُ} [البقرة: 90]، يحتمل ثلاثة أوجه (10):
الأول: القرآن. قاله أبو العالية (11)، واختاره الثعلبي (12)، والواحدي (13)، والقرطبي (14)، وغيره.
والثاني: التوراة، "لأنهم إذ كفروا بعيسى ومحمد عليهما السلام فقد كفروا بالتوراة"(15).
الثالث: ويحتمل أن يراد به: الجميع من توراة وإنجيل وقرآن، "لأن الكفر بالبعض يلزم الكفر بالكل"(16).
والوجه الأول أظهر مع سياق الآية. وبه قائل أكثر أهل التفسير، والله أعلم.
وأصل نعم وبئس: " نَعِمَ وبَئِسَ"(17)، يخبر بأحدهما عن الشيء المذموم، وبالثاني عن الممدوح.
(1) مفاتيح الغيب: 3/ 601.
(2)
انظر: البحر المحيط: 1/ 305.
(3)
مفاتيح الغيب: 3/ 601.
(4)
البحر المحيط: 1/ 305. وقال الآلوسي: " واعترض بأنه كيف يدعي أنهم ظنوا ذلك مع قوله تعالى: {فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ}، فإذا علموا مخالفة الحق كيف يظنون نجاتهم بما فعلوا وإرادة العقاب الدنيوي كترك الرياسة غير صحيح لأن لا يشترى به الأنفس؟ ويمكن الجواب بأن المراد أنهم ظنوا على ما هو ظاهر حالهم من التصلب في اليهودية والخوف فيما يأتون ويذرون وادعاء الحقية فيه فلا ينافي عدم ظنهم في الواقع على ما تدل عليه الآية". [روح المعاني: 1/ 321].
(5)
انظر: التفسير البسيط: 3/ 147 - 148، ومعاني القرآن للزجاج: 1/ 58، والبحر المحيط: 1/ 305.
(6)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 343.
(7)
صفوة التفاسير: 1/ 68.
(8)
تفسير الثعلبي: 1/ 235، ونقله القرطبي في تفسيره: 2/ 28.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (910): 1/ 173.
(10)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 178.
(11)
انظر: تفسير الطبري (1538): ص 2/ 342.
(12)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 235.
(13)
انظر: التفسير البسيط: 3/ 150.
(14)
انظر: تفسير القرطبي: 2/ 29.
(15)
المحرر الوجيز: 1/ 178.
(16)
المحرر الوجيز: 1/ 178.
(17)
انظر: المقتضب للمبرد: 2/ 140 - 152، وتهذيب اللغة: 1/ 412، واللسان: 1/ 201 (بئس).
قال الواحدي: {بئس} ذمٌّ بشدة الفساد، وأصل الكلمة من الشدة، ومنه (البأساء): وهو اسم للحرب والمشقة والضرر والشدة، ومنه {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} [الأعرف: 165] أي: شديد" (1).
ويجوز في (بئس) أربع لغات (2):
الأول: على الأصل، بفتح الأول وكسر الثاني.
والثاني: اتباع الأول للثاني وهو أن يكون بكسر النون والعين، .
الثالث: إسكان الحرف الحلقي المكسور وترك ما قبله على ما كان فيقال: نعم وبئس بفتح الأول وإسكان الثاني.
الرابع: أن يسكن الحرف الحلقي وتنقل كسرته إلى ما قبله فيقال: نعم، بكسر النون وإسكان العين.
كما أن هذا التغيير الأخير وإن كان في حد الجواز عند إطلاق هاتين الكلمتين إلا أنهم جعلوه لازما لهما لخروجهما عما وضعت له الأفعال الماضية من الإخبار عن وجود المصدر في الزمان الماضي وصيرورتهما كلمتي مدح وذم ويراد بهما المبالغة في المدح والذم، ليدل هذا التغيير اللازم في اللفظ على التغيير عن الأصل في المعنى فيقولون: نعم الرجل زيد ولا يذكرونه على الأصل إلا في ضرورة الشعر كما أنشد المبرد (3):
ففداء لبني قيس على
…
ما أصاب الناس من شر وضر
ما أقلت قدماي إنهم
…
نعم الساعون في الأمر المبر
كما أنهما (نعم وبئس) فعلان من نعم ينعم وبئس ويبأس، والدليل عليه دخول التاء التي هي علامة التأنيث فيهما، فيقال: نعمت وبئست، والفراء يجعلهما بمنزلة الأسماء ويحتج بقول حسان ابن ثابت رضي الله عنه (4):
ألسنا بنعم الجار يؤلف بيته
…
من الناس ذا مال كثير ومعدما
وبما روي أن أعرابيا بشر بمولودة فقيل له: نعم المولود مولودتك، فقال: والله ما هي بنعم المولودة، والبصريون يجيبون عنه بأن ذلك بطريق الحكاية (5).
وقد اختلف أهل العربية في معنى (ما) التي مع (بئسما) على قولين (6):
الأول: قال بعض نحويي البصرة: هي وحدها اسم، و {أن يكفروا} تفسير له، نحو: نعم رجلا زيد، و {أن ينزل الله} بدل من {أنزل الله} .
والثاني: وهو قول بعض نحويي الكوفة: أن معنى ذلك: بئس الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا، ف (ما) اسم (بئس)، و (أن يكفروا) الاسم الثاني، وزعم أن:(أن يكفروا) إن شئت جعلت (أن) في موضع رفع، وإن شئت في موضع خفض، أما الرفع: فبئس الشيء هذا أن يفعلوه. وأما الخفض: فبئس الشيء اشتروا به
(1) التفسير البسيط: 3/ 143.
(2)
انظر: مفاتيح الغيب: 3/ 599 - 600، والدر المصون: 1/ 507.
(3)
وفي رواية " فداء " بالرفع، أي نفسي فداء أو أنا فداء. وفي ديوان طرفة 82 والخزانة (4: 101 بولاق)، وفي الديوان والخزانة:" من سر وضر " وهما بضم أولهما السراء والضراء.
(4)
الرواية الصحيحة للبيت:
ألستُ بِنِعْمَ الجارُ يُؤْلِفُ بَيْتَهُ
…
أخَا قِلَّةٍ أو مُعْدِمَ المال مُصْرِمَا،
هذا البيت نسب إلى حسان بن ثابت الأنصاري، والجار: أراد به هنا الذي يستجير به الناس من الفقر والحاجة فينزلون في حماه ويستظلون بظله ويجعلون عليه قضاء حاجاتهم، ويؤلف بيته ببناء الفعل للمعلوم: أي يجعل المقل يألف بيته، وذلك ببسط الكف وبذل العرف وبشاشة الوجه ونحو ذلك، وأخو القلة: الفقير الذي لا يجد كفايته، والمصرم: أراد به المعدم الذي لا يجد شيئًا، وأصله من الصرم الذي هو القطع، ومنه قالوا: ناقة صرماء، وناقة مصرمة، للتي انقطع لبنها وجفَّ، وذلك أن يصيب الضرع شيء فيكوى بالنار فلا يخرج منه لبن أبدًا والاستشهاد بالبيت في قوله "بنعم الجار" فإن الكوفيين استندوا إلى ظاهر هذه العبارة فزعموا أن "نعم" اسم بمعنى الممدوح بدليل دخول حرف الجر عليه. (انظر: الانصاف في مسائل الخلاف: 1/ 81) وانظر: تفسير اللباب، ابن عادل: 1/ 454، وانظر في هذه المسألة: التصريح للشيخ خالد "2/ 117 بولاق" وشرح الأشموني "4/ 192" وما بعده، وحاشية الصبان "3/ 23 بولاق" وشرح رضي الدين على الكافية "2/ 289 وما بعدها" وشرح موفق الدين بن يعيش على المفصل "ص 1028 أوروبة" وأسرار العربية للمؤلف "ص 41 ط ليدن" وشرح قطر الندى لابن هشام "ص 27 ط سنة 1959" وشرح ابن عقيل على الألفية "2/ 127.
(5)
انظر: تفسير الرازي: 2/ 167.
(6)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 340.
أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا، ومن ذلك: قوله: {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [سورة المائدة: 80].
والعرب تجعل (ما) وحدها في هذا الباب، بمنزلة الاسم التام، كقوله:{فنعما هي} [البقرة: 271]، و (بئسما أنت)، واستشهد لقوله ذلك برجز بعض الشاعر (1):
لا تعجلا في السير وادْلُوها
…
لبئسما بطءٌ ولا نرعاها
قال الإمام الطبري: "وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول من جعل (بئسما) مرفوعا بالراجع من (الهاء) في قوله: {اشتروا به}، كما رفعوا ذلك بـ (عبد الله) إذ قالوا: (بئسما عبد الله)، وجعل (أن يكفروا) مترجمة عن (بئسما)، فيكون معنى الكلام حينئذ: بئس الشيء باع اليهود به أنفسهم، كفرهم بما أنزل الله بغيا وحسدا أن ينزل الله من فضله. وتكون (أن) التي في قوله: {أن ينزل الله}، في موضع نصب. لأنه يعني به {أن يكفروا بما أنزل الله}: من أجل أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، موضع (أن) جزاء، وكان بعض أهل العربية من الكوفيين يزعم أن (أن) في موضع خفض بنية (الباء)، وإنما اخترنا فيها النصب لتمام الخبر قبلها، ولا خافض معها يخفضها. والحرف الخافض لا يخفض مضمرا"(2).
قوله تعالى: {بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [البقرة: 90]، " أي حسداً منهم لأجل أن ينزل الله وحياً من فضله على من يشاء ويصطفيه من خلقه"(3).
قال الزجاج: " معناه أنهم كفروا بغياً وعداوة للنبي صلى الله عليه وسلم لأنهم لمْ يُشكَّوا في نبوته صلى الله عليه وسلم وإنما حَسَدوه على ما أعطاه الله من الفضل"(4).
قال ابن عطية: " {مِنْ فَضْلِهِ}، يعني من النبوة والرسالة"(5).
ويحتمل قوله تعالى: {ومَنْ يَشاءُ} [البقرة: 90]، وجهان (6):
الأول: يعني به محمدا صلى الله عليه وسلم، لأنهم حسدوه لما لم يكن منهم وكان من العرب.
والثاني: ويدخل في المعنى: عيسى عليه السلام لأنهم قد كفروا به بغيا، والله قد تفضل عليه.
نستنتج بأن كفر اليهود، لم يكن شكًا ولا شيئًا اشتبه عليهم، وإنما كان ذلك سبب حسدهم:"أن الله جعل النبوة في غيرهم". قاله ابن عباس (7).
وقرأ أبو عمرو وابن كثير {أن ينزل} ، بالتخفيف في النون والزاي (8).
والبغي: "الحسد". قاله أبو العالية" (9). وعليه جمهور المفسرين (10).
قال اللحياني (11): "بغيت على أخيك بغيًا، أي: حسدته، وقال الله تعالى: {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ} [الحج: 60]، وقال: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى: 39] فالبغي أصله الحَسَد، ثم سمي الظلم بغيًا؛ لأن الحاسِد يظلم المحسودَ جَهْدَه إرادة زوال نعمة الله عليه عنه"(12).
واختلف في أَصْل (البغي) على قولين (13):
(1) لم أعرف قائله، والبيتان في اللسان (دلو). دلوت الناقة دلوا: سقتها سوقا رفيقا رويدا ورعى الماشية وأرعاها: أطلقها في المرعى.
(2)
تفسير الطبري: 2/ 340.
(3)
صفوة التفاسير: 1/ 68.
(4)
معاني القرآن: 1/ 173.
(5)
المحرر الوجيز: 1/ 179.
(6)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 179.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (912): ص 1/ 173.
(8)
انظر: المحرر الوجي: 1/ 179.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (911): ص 1/ 173.
(10)
انظر: معاني القرآن" للزجاج 1/ 173، "زاد المسير" 1/ 114، "تفسير القرطبي" 2/ 25.
(11)
هو علي بن حازم اللحياني، لغوي معروف، عاصر الفراء وتصدر في أيامه. انظر ترجمته في "طبقات النحويين واللغويين" ص 195، "إنباه الرواة" 2/ 255، "معجم الأدباء" 14/ 106.
(12)
تهذيب اللغة: 1/ 367، وانظر: التفسير البسيط: 3/ 151.
(13)
انظر في معاني البغي: تهذيب اللغة" 1/ 367، "مقاييس اللغة" 1/ 271 - 272، "المفردات" للراغب ص 65، "اللسان" 1/ 323.
الأول: الظلم والخروج عن النَّصَفَة والحدّ، يقال: بَغَى الفرس في عدوه، إذا اختال ومرح، وبَغَتِ السماء، إذا كثر مطرها حتى تجاوز الحدّ.
والثاني: أن أصله: الطلب (1)، يقال: بغى الشيءَ، إذا طلبه، وأَبْغَاه، أعانه على الطلب. والبَغيّ: التي تطلب الزنا، ومنه قيل للأمة: بَغِيٌّ. وما ينبغي كذا، أي: ليس بصواب طلبه، والبَغْيُ: شدة الطلَب للتطاول.
قال الراغب: (البغى): هو التجاوز في الطلب. يقال: بَغَيْتُ الشيء: إذا طلبت أكثر ما يجب، وابْتَغَيْتُ كذلك، قال الله عز وجل:{لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ} [التوبة: 48]، وقال تعالى:{يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} [التوبة: 47]. فإذا كان طلبا في الحق فمحمود، وإن كان طلبا للباطل فمذموم كما قال تعالى:{إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الشورى: 42]، فخصّ العقوبة ببغيه بغير الحق" (2).
واختلف في انتصاب قوله {بَغْيًا} [البقرة: 90]، على وجهين:
الأول: أنه منصوب على المصدر؛ لأن ما قبله من الكلام يدلّ على بَغَوا، فكأنه قيل: بَغَوا بغيًا (3).
والثاني: أنه انتصب؛ لأنه مفعول له، كما تقول: فعلت ذلك حِذارَ الشرّ، أي: لحذر الشر. قاله الزجاج (4)، ومنه قول حاتم (5) (6):
وأغفر عَورَاءَ الكريم ادّخارَه
…
وأُعْرِضُ عن شَتْم اللئيم تَكَرُّما
المعنى: لادخاره، وللتَّكرّم (7).
قوله تعالى: {فَبَآءُو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ} [البقرة: 90]، " أي رجعوا بغضب من الله زيادة على سابق غضبه عليهم"(8).
قال سعيد بن جبير: " {فباؤ بغضب على غضب}، يقول: استوجبوا"(9).
قال الآلوسي: " أي فرجعوا متلبسين بِغَضَبٍ كائن عَلى غَضَبٍ مستحقين له حسبما اقترفوا من الكفر والحسد"(10).
قال الزجاج: "معنى {باءُوا} في اللغة احتملوا، يقال قد بْؤت بهذا الذنْبِ أيَ تحملته"(11).
واختلف في تفسير قوله تعالى: {فَبَآءُو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ} [البقرة: 90]، على ثلاثة أوجه (12):
أحدها: أن الغضب الأوّل: بكفرهم بعيسى عليه السلام والإنجيل، والثاني: كفرهم بمحمّد صلى الله عليه وسلم والقرآن. قاله أبو العالية (13)، وروي عن عكرمة (14) وقتادة (15) والشعبي (16)، ومجاهد (17)، وعبيد بن عمير (18)، نحو ذلك.
(1) انظر: مقاييس اللفة (بغي): ص 1/ 272.
(2)
المفردات في غريب القرآن، للراغب:65.
(3)
انظر: التبيان للعكبري: 75.
(4)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 173.
(5)
هو: حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي القحطاني، فارس شاعر جواد، جاهلي يضرب المثل بجوده، كان من أهل نجد، شعره كثير ضاع معظمه. ينظر:"الشعر والشعراء" ص 143، و"الأعلام" 2/ 151.
(6)
"ديوانه"(ن: دار مكتبة الهلال): 72، وورد منسوبًا له، في "كتاب سيبويه" 1/ 368، "الإفصاح" 279، "شرح المفصل" 2/ 54، "اللسان" 5/ 3165 (عور)، "التصريح بمضمون التوضيح" للأزهري: 1/ 392، "شرح شواهد المغنى" 2/ 952، "الخزانة" 3/ 115، 122. "الجمل" للخليل: 95، "معاني القرآن" للفرَّاء: 2/ 5، "معاني القرآن" للأخفش: 1/ 167، "الكامل" 1/ 291، "المقتضب" 2/ 348، "المحلى"(وجوه النصب)، لابن شقير: 69، "وأسرار العربية" للأنباري: 187، "الاقتضاب"109.
وورد في بعض المصادر بالروايات التالية: ( .. اصطناعه وأعرض عن ذات .. ) و ( .. اصطناعه وأصفح عن ذات .. ) و ( .. وأصفح عن شتم .. ). ومعنى (أغفر): استُر. و (العَوْراء): الكلمة، أو الفعلة القبيحة، و (الادِّخار)، افتعال من (الذُّخر)، بمعنى: الاتخاذ والحفظ، وأصلها:(اذتخار)، فقلبت التاء ذالًا، وأدْغِمَت فيها الذالُ الأصليةُ، فصارت ذالًا مشدوةً، ثم أبدِلَت الذالُ دالًا. انظر:"اللسان" 3/ 1490 (ذخر)، 5/ 3165 (عور)، 6/ 3274 (غفر). ومعنى البيت: إذا جهل علي الكريمُ بكلمة أو فعلةٍ قبيحة، سترتها عليه، وسامحته، واحتملتها منه؛ للإبقاء على صداقته، ولادِّخاره ليوم احتاج إليه فيه. وإن شتمني اللئيمُ أعرضت عن شتمه والرد عليه؛ إكرامًا لنفسي.
(7)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 173. ونقله الواحدي في التفسير البسيط: 3/ 151 - 152.
(8)
صفوة التفاسير: 1/ 68.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (913): ص 1/ 173.
(10)
روح المعاني: 1/ 322.
(11)
معاني القرآن: 1/ 174.
(12)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 345 - 348، وتفسير ابن كثير: 1/ 327، وتفسير روح المعاني: 1/ 323.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (914): ص 1/ 173، وتفسير الطبري (1553): ص 2/ 346.
(14)
انظر: تفسير الطبري (1547)، و (1548): ص 2/ 345 - 348.
(15)
انظر: تفسير الطبري (1551): ص 2/ 346.
(16)
انظر: تفسير الطبري (1550): ص 2/ 346.
(17)
انظر: تفسير الطبري (1552): ص 2/ 346.
(18)
انظر: تفسير الطبري (1555): ص 2/ 347.
والثاني: الغضب الأوّل: بعبادتهم العجل، والثاني: بكفرهم بمحمّد صلى الله عليه وسلم وتبديل نعته. قاله السدي (1).
والثالث: الغضب الأوّل بتضييعهم التوراة، والغضب الثاني بكفرهم بهذا النبيّ الذي اتخذه الله تعالى. قاله ابن عباس (2).
والخامس: أن معناه: "بإثم استحقوا به النار على إثم تقدم استحقوا به النار". قاله الزجاج (3). وروي نحوه عن سعيد بن جبير (4).
والرابع: أنه لما كان الغضب لازماً لهم، كان ذلك توكيداً. قاله الماوردي (5)، وحكاه الرازي عن أبي مسلم (6)، وذكره ابن عطية عن طائفة (7)، ونقله القرطبي (8).
وتجدر الإشارة بأن: "الغضب صفة وصف الله تعالى نفسه بها، وليس غضبه كغضبنا، كما أن ذاته ليست مثل ذواتنا، فليس هو مماثلا لأبداننا ولا لأرواحنا، وصفاته كذاته سبحانه، وما قيل: إن الغضب من الانفعالات النفسانية، فيُقال: نحن وذواتنا منفعلة، فكونها انفعالات فينا لا يجب أن يكون الله منفعلا بها. كما أن نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين. فصفاته كذلك ليست كصفات المخلوقين، ونسبة صفة المخلوق إليه كنسبة صفة الخالق إليه. وليس المنسوب كالمنسوب، والمنسوب إليه كالمنسوب إليه. كما قال صلى الله عليه وسلم: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته" (9)، فشبه الرؤية بالرؤية لا المرئيّ بالمرئيّ"(10).
وهذا يتبيّن بقاعدة: "هي أن كثيرًا من الناس يتوهم في بعض الصفات، أو في كثير منها، أو أكثرها، أو كلها، أنها تماثل صفات المخلوقين؛ ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه فيقع في أربعة أنواع من المحاذير (11):
الأول: كونه مثَّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل.
الثاني: أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطّله بقيت النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله، فيبقى مع جنايته على النصوص، وظنه السيئ الذي ظنه بالله ورسوله - حيث ظن أن الذي يفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل - قد عطل ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله، والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله سبحانه.
الثالث: أنه ينفي تلك الصفات عن الله بغير علم، فيكون معطلا لما يستحقه الرب تعالى.
الرابع: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الأموات والجمادات، أو صفات المعدومات.
(1) انظر: تفسير الطبري (1554): ص 2/ 346، وابن أبي حاتم (917): ص 1/ 174.
(2)
انظر: تفسير الطبري (1546): ص 2/ 345، وابن أبي حاتم (915): ص 1/ 173.
(3)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 174، ونقله الواحدي في التفسير البسيط: 3/ 153، وانظر: البحر المحيط: 1/ 306.
(4)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (916): ص 1/ 174، ولفظه:" استوجبوا سخطا على سخط".
(5)
انظر: النكت والعيون: 1/ 159.
(6)
انظر: مفاتيح الغيب: 4/ 604، قال:" أن المراد به تأكيد الغضب وتكثيره لأجل أن هذا الكفر وإن كان واحدا إلا أنه عظم، وهو قول أبي مسلم".
(7)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 179.
(8)
انظر: تفسير القرطبي: 2/ 28 - 29، قال:" وقيل: أن المراد التأبيد وشدة الحال عليهم، لا أنه أراد غضبين معللين بمعصيتين"، وانظر: تفسير روح المعاني: 1/ 323.
(9)
رواه البخاري في كتاب التوحي: (7434): 13/ 429، وابن خزيمة: التوحيد: 178 ومابعدها، وابن أبي عاصم: / السنة: 193.
(10)
تفسير القاسمي (محاسن التأويل): 1/ 350.
(11)
انظر: التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع، ابن تيمية: 79 - 81. ونقله القاسمي في محاسن التأويل: 1/ 350.
فيكون قد عطَّل صفات الكمال التي يستحقها الرب تعالى، ومثَّله بالمنقوصات والمعدومات، وعطَّل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل" (1). سبحانه وتعالى عما يقول الظّالمون علوّا كبيرا. أفاده الإمام ابن تيمية. عليه الرحمة، في القاعدة التدمرية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [البقرة: 90]، " أي: ولهم عذاب شديد مع الإِهانة والإِذلال" (2).
قال البيضاوي: " يراد به إذلالهم، بخلاف عذاب العاصي فإنه طهرة لذنوبه"(3).
قال الثعلبي: أي" وللجاحدين [لدين] محمّد صلى الله عليه وسلم من النّاس كلهم، {عَذابٌ مُهِينٌ}، يهانون فلا يعزون"(4).
قال مقاتل بن حيان: " يعني بالمهين الهوان"(5).
قال السعدي: أي: عذاب "مؤلم موجع، وهو صلي الجحيم، وفوت النعيم المقيم، فبئس الحال حالهم، وبئس ما استعاضوا واستبدلوا من الإيمان بالله وكتبه ورسله، الكفر به، وبكتبه، وبرسله، مع علمهم وتيقنهم، فيكون أعظم لعذابهم"(6).
وقيل أن (العذاب) على ضربين (7):
أحدهما: عذاب مهين: وهو عذاب الكافرين، لأنه لا يمحص عنهم ذنوبهم.
والثاني: عذاب غير مهين: وهو ما كان فيه تمحيص عن صاحبه، كقطع يد السارق من المسلمين، وحد الزاني.
قال شيخنا ابن عثيمين: "وقوله تعالى: {عذاب} أي عقوبة؛ و {مهين}، أي ذو إهانة وإذلال؛ ولو لم يكن من إذلالهم، حين يقولون: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} [المؤمنون: 107]، إلا قول الله عز وجل لهم: {قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108]، لكفى"(8).
وقال ابن كثير: " لما كان كفرهم سببه البغي والحسد، ومنشأ ذلك التكبر، قوبلوا بالإهانة والصغار في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60]، [أي: صاغرين حقيرين ذليلين راغمين] "(9).
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنًا في جهنم، يقال له: بُولَس فيعلوهم نار الأنيار يسقون من طينة الخبال: عصارة أهل النار"(10).
وقوله تعالى: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} [البقرة: 90]، فهذا إظهار في موضع الإضمار فيما يظهر؛ لأن ظاهر السياق أن يكون بلفظ الضمير، أي ولهم عذاب مهين؛ والإظهار في موضع الإضمار له فوائد كثيرة، تظهر بحسب السياق منها (11):
أولا: الحكم على مرجعه بما يقتضيه الاسم الظاهر.
ثانيا: بيان علة الحكم.
ثالثا: عموم الحكم لكل متصف بما يقتضيه الاسم الظاهر (12).
(1) التدمرية: 79 - 81.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 68.
(3)
تفسير البيضاوي: 1/ 94.
(4)
تفسير الثعلبي: 1/ 235.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (918): ص 1/ 174.
(6)
تفسير السعدي: 1/ 58.
(7)
انظر: النكت والعيون: 1/ 159، والمحرر الوجيز: 1/ 179.
(8)
انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 155.
(9)
تفسير ابن كثير: 1/ 328.
(10)
مسند الإمام أحمد (6639): ص 2/ 179.
(11)
انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 28.
(12)
وهذا الأسلوب-أعني الإظهار في موضع الإضمار- كثير في القرآن الكريم، فمن ذلك قوله تعالى:{مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 98]، ولم يقل فإن الله عدو له، فأفاد هذا الإظهارُ:
أولا: الحكم بالكفر على من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال.
ثانيا: أن الله عدو لهم لكفرهم.
ثالثا: أن كل كافر فالله عدو له.
ومنه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} [الأعراف: 170]، ولم يقل إنا لا نضيع أجرهم؛ فأفاد ثلاثة أمور:
أولا: الحكم بالإِصلاح للذين يمسكون الكتاب، ويقيمون الصلاة.
ثانيا: أن الله آجرهم لإصلاحهم.
ثالثا: أن كل مصلح فله أجر غير مضاع عند الله تعالى. [انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 67].
وقيل: أن قوله تعالى: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} [البقرة: 90]، يدل على أنه لا عذاب إلا للكافرين، ثم احتجوا بهذه الآية، فريقان (1):
أحدهما: الخوارج قالوا: ثبت بسائر الآيات أن الفاسق يعذب، وثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر، فيلزم أن يقال الفاسق كافر.
وثانيها: المرجئة قالوا: ثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر، وثبت أن الفاسق ليس بكافر، فوجب القطع بأنه لا يعذب.
قال الفخر الرازي: "وفساد هذين القولين لا يخفى"(2)(3).
ولا يخفى على كل ذي لبّ، بأن (الاختصاص) الذي يفهمه تقديم الخبر {لِلْكافِرِينَ} ، بالنسبة إليه، فغير الكافرين إذا عذب فإنما يعذب للتطهير- لا للإهانة والإذلال- ولذا لم يوصف عذاب غيرهم به في القرآن، فلا تمسك للخوارج بأنه خص العذاب بـ {الكافرين} ، فيكون الفاسق كافرا، لأنه معذب ولا للمرجئة أيضا. هذا ما أفاده الآلوسي-رحمه الله (4).
الفوائد:
1.
من فوائد الآية: أن كفر بني إسرائيل ما هو إلا بغي، وحسد؛ لقوله تعالى:{بغياً أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده} .
2.
ومنها: أن من رد الحق من هذه الأمة لأن فلاناً الذي يرى أنه أقل منه هو الذي جاء به؛ فقد شابه اليهود
3.
ومنها: أنه يجب على الإنسان أن يعرف الحق بالحق لا بالرجال؛ فما دام أن هذا الذي قيل حق فاتْبَعْه من أيٍّ كان مصدره؛ فاقبل الحق للحق؛ لا لأنه جاء به فلان، وفلان.
4.
ومنها: أن العلم من أعظم فضل الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {أن ينَزِّل الله من فضله على من يشاء} ؛ ولا شك أن العلم أفضل من المال؛ وإذا أردت أن تعرف الفرق بين فضل العلم، وفضل المال فانظر إلى العلماء في زمن الخلفاء السابقين؛ الخلفاء السابقون قَلّ ذكرهم؛ والعلماء في وقتهم بقي ذكرهم: هم يُدَرِّسون الناس وهم في قبورهم؛ وأولئك الخلفاء نُسوا؛ اللهم إلا من كان خليفة له مآثر موجودة، أو محمودة؛ فدل هذا على أن فضل العلم أعظم من فضل المال.
5.
ومن فوائد الآية: إثبات مشيئة الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {على من يشاء} ؛ وهي عامة فيما يحبه الله، وما لا يحب؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن؛ وكل شيء عُلِّق بالمشيئة فهو مقرون بالحكمة؛ لقوله تعالى:
(1) انظر: مفاتيح الغيب: 3/ 602.
(2)
مفاتيح الغيب: 3/ 602.
(3)
لابطال هذه الشبهة وغيرها لتلك الفرق، انظر: كتب شيخ الإسلام ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل، والإيمان الكبري، والإيمان الأوسط، ومنهاج السنة النبوية، ومجموع الفتاوى، وانظر: ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي، لسفر بن عبد الرحمن الحوالي، والخوارج عقيدة ومكراً وفلسفة: د. عامر النجار، ص 191، والمذاهب الإسلامية: محمد أحمد أبو زهرة 107، والمباحث العقدية المتعلقة بالكبائر ومرتكبها في الدنيا عند أهل السنة، د. سعود بن عبدالعزيز الخلف (بحث منشور في مجلة الجامعة الاسلامية ع 123)، والتأويل وعلاقته بالإيمان والكفر عند الفرق الإسلامية في ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة، د. هيا إسماعيل عبدالعزيز آل الشيخ، ويمكن الرجوع للاستزادة إلى الكتب التي جمعت الكبائر مثل: كتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر للهيثمي، والكبائر للذهبي والذخائر شرح منظومة الكبائر للسفاريني.
(4)
انظر: روح المعاني: 1/ 322.
{وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً} [الإنسان: 30]؛ فليست أفعال الله وأحكامه لمجرد المشيئة؛ بل هي لحكمة بالغة اقتضت المشيئة.
6.
ومن فوائد الآية: أن هذا الفضل الذي نزله الله لا يجعل المفضَّل به رباً يُعْبد؛ بل هو من العباد. حتى ولو تميز بالفضل؛ لقوله تعالى: {على من يشاء من عباده} .
وهذه الفائدة لها فروع نوضحها، فنقول: إن من آتاه الله فضلاً من العلم والنبوة لم يخرج به عن أن يكون عبداً؛ إذاً لا يرتقي إلى منْزلة الربوبية؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم عبد من عباد الله؛ فلا نقول لمن نزل عليه الوحي: إنه يرتفع حتى يكون رباً يملك النفع، والضرر، ويعلم الغيب.
ويتفرع عنها أن من آتاه الله من فضله من العلم، وغيره ينبغي أن يكون أعبد لله من غيره؛ لأن الله تعالى أعطاه من فضله؛ فكان حقه عليه أعظم من حقه على غيره؛ فكلما عظم الإحسان من الله عز وجل استوجب الشكر أكثر؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم في الليل حتى تتورم قدماه؛ فقيل له في ذلك؛ فقال:"أفلا أكون عبداً شكوراً (1) ".
ويتفرع عنها فرع ثالث: أن بعض الناس اغتر بما آتاه الله من العلم، فيتعالى في نفسه، ويتعاظم حتى إنه ربما لا يقبل الحق؛ فحُرِم فضل العلم في الحقيقة.
7.
من فوائد الآية: أن العقوبات تتراكم بحسب الذنوب جزاءً وفاقاً؛ لقوله تعالى: {فباءوا بغضب على غضب} .
8.
ومنها: أن المستكبر يعاقب بنقيض حاله؛ لقوله تعالى: {عذاب مهين} بعد أن ترفعوا؛ فعوقبوا بما يليق بذنوبهم؛ وعلى هذا جرت سنة الله سبحانه وتعالى في خلقه؛ قال الله تعالى: {فكلًّا أخذنا بذنبه} [العنكبوت: 40]، وقال تعالى:{جزءًا وفاقاً} [النبأ: 26].
9.
ومنها: أن الإظهار في موضع الإضمار من أساليب البلاغة، وفيه من الفوائد ما سبق ذكره قريباً.
10.
ومنها: إثبات الغضب من الله سبحانه وتعالى، لقوله تعالى:{فباءوا بغضب على غضب} ؛ والغضب من صفات الله الفعلية المتعلقة بمشيئته؛ وهكذا كل صفة من صفات الله تكون على سبب.
11.
كما وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على جواز لعن الكافر المعين؛ ولكن لا دليل فيها؛ لأن اللعن الوارد في الآية على سبيل العموم؛ ثم هو خبر من الله عز وجل، ولا يلزم منه جواز الدعاء به؛ ويدل على منع لعن المعين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول:"اللهم العن فلاناً، وفلاناً"(2)، لأئمة الكفر، فنهاه الله عن ذلك؛ ولأن الكافر المعين قد يهديه الله للإسلام إن كان حياً؛ وإن كان ميتاً فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا"(3)(4).
----------------------------------------------
انتهى الجزء الثاني من التفسير، ويليه الجزء الثالث بإذن الله، وبدايته تفسير الآية (91) من سورة البقرة.
(1) أخرجه البخاري ص 88، كتاب التهجد، باب 6: قيام النبي صلى الله عليه وسلم الليل، حديث رقم 1130؛ وأخرجه مسلم ص 1169، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب 18: إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، حديث رقم 7124 [79]2819.
(2)
أخرجه البخاري ص 333، كتاب المغازي، باب 22:(ليس لك من الأمر شيء)، حديث رقم 4069.
(3)
أخرجه البخاري ص 109، كتاب الجنائز، باب 97: ما ينهى من سب الأموات، حديث رقم 1393.
(4)
انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 155.
فهرست الجزء الثاني
الموضوع
…
الصفحة
تفسير سورة البقرة
[الم (1)]
[ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)]
[الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)]
[وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)]
{أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)}
{أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)}
{اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)}
{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17)
{فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)}
{وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)}
{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)}
{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)}
{الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)}
{وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51)} [البقرة: 51]
{ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52)} [البقرة: 52]
{وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53)} [البقرة: 53]
{ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)} [البقرة: 56]
{ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ
(64)
} [البقرة: 64]
{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65)} [البقرة: 65]
{فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66)} [البقرة: 66]
{وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72)} [البقرة: 72]
{أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)} [البقرة: 77]
{وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78)} [البقرة: 78]
{بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)} [البقرة: 81]
{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)} [البقرة: 82]