الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير سورة آل عمران
وهي مدنية: مائتا آية، أو إلا آية، ولهذه السورة عدة تسميات (1):
أحداها: آل عمران، سميت بذلك لأن اصطفاء آل عمران، وهم عيسى ويحيى ومريم وأمها، نزل فيه منها ما لم ينزل في غيره. إذ هو بضع وثمانون آية، وقد جعل هذا الاصطفاء دليلا على اصطفاء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وجعله متبوعا لكل محب لله ومحبوب له.
والثاني: الزهراء: وتسمى بذلك، لأنها كشفت عما التبس على أهل الكتابين من شأن عيسى عليه السلام.
والثالث: الأمان، لأن من تمسك بما فيها أمن من الغلط في شأنه.
الرابع: الكنز، لتضمنها الأسرار العيسوية.
الخامس: المجادلة، لنزول نيّف وثمانين آية منها في مجادلة رسول الله صلى الله عليه وسلم نصارى نجران.
السادس: سورة الاستغفار، لما فيها من قوله: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ [آل عمران: 17].
السابع: طيبة، لجمعها من أصناف الطيبين في قوله: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ
…
[آل عمران: 17]. إلى آخره، والمراد بعمران هو والد مريم، أم عيسى عليهما السلام، كما يأتي التنويه به في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ [آل عمران: 33](2).
سبب النزول:
أخرج الطبري وابن أبي حاتم (3) عن الربيع: أن "النصارى أتو النبي صلى الله عليه وسلم، فخاصموه في عيسى ابن مريم، وقالوا: من أبوه؟ فقالوا على الله الكذب والبهتان، لا إله إلا الله لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلأه ويحفظه ويرزقه؟ قالوا: بلى. قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيء؟ قالوا: لا، قال: أفلستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ قالوا بلى: قال: فهل يعلم عيسى من ذلك شيء إلا ما علم؟ قالوا لا: قال: فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف يشاء، ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غذي كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم الطعام، ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟ قالوا: بلى، قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ فعرفوا ثم أبوا إلا جحودا، فأنزل الله: {الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم} "(4).
القرآن
{الم (1)} [آل عمران: 1]
التفسير:
الله أعلم بمراده، والأسلم فيها السكوت عن التعرض لمعناها دون سند شرعي، واليقين بأن الله أنزلها لحكمة قد لا نعلمها.
القرآن
(1) انظر: تفسير المهايمي، طبعة بولاق، مصر:101.
(2)
انظر: محاسن التأويل: 2/ 253.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3124): ص 2/ 585.
(4)
انظر: تفسير الطبري (6544): ص 6/ 154، واخرجه الطبري بنحوه عن جعفر بن الزبير، وفيه تسمية رؤساء وفد نجران، انظر: تفسير الطبري (6543): ص 6/ 151 - 154، وانظر: النكت والعيون: 1/ 367، وأسباب النزول، الواحدي: 97 - 98، والعجاب في بيان الاسباب: 2/ 657 - 658.
{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2)} [آل عمران: 2]
التفسير:
هو الله، لا معبود بحق إلا هو، المتصف بالحياة الكاملة كما يليق بجلاله، القائم على كل شيء.
قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [آل عمران: 2]، " أي لا ربَّ سواه ولا معبود بحقٍ غيره"(1).
قال أبو السعود: "أي هو المستحقُّ للعبودية لا غير"(2).
قال الطبري: " خبرٌ من الله جل وعز، أخبرَ عبادَه أن الألوهية خاصةٌ به دون ما سواه من الآلهة والأنداد"(3).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عن جابر بن زيد أنه قال: "اسم الله الأعظم هو الله"(4).
قوله تعالى: {الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [آل عمران: 2]، " أي: الباقي الدائم الذي لا يموت، القائم على تدبير شئون عباده" (5).
قال مقاتل بن سليمان: " يعني الحي الَّذِي لا يموت، القيوم يعني القائم عَلَى كُلّ نفس بما كسبت"(6).
قال قتادة: "الحي: الذي لا يموت"(7). وروي عن الربيع بن أنس نحو ذلك (8).
قال أبو السعود: " معنى "الحى": الباقي الذي لا سبيل عليه للموت والفناء، ومعنى "القيوم": الدائمُ القيام بتدبير الخلق وحفظِه، ومن ضرورة اختصاصِ ذينك الوصفين به تعالى اختصاصُ استحقاقِ المعبودية به تعالى لاستحالة تحققِه بدونهما"(9).
واختلف في تفسير قوله تعالى: {الْقَيُّومُ} [آل عمران: 2] على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يعني: " القائم على كل شيء". قاله مجاهد (10).
والثاني: القيم على الخلق بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم، وهذا قول قتادة (11)، وروي عن الربيع بن أنس (12) مثله.
الثالث: أن المعنى: " القائم على مكانته الذي لا يزول، وعيسى لحم ودم، وقد قضى عليه بالموت زال عن مكانه الذي يحدث به". وهذا قول محمد بن إسحاق (13)، وروي عن الحسن (14) نحو ذلك.
واختلفت القراءة في قوله تعالى {الم اللَّهُ} [آل عمران 1 - 2]، على قولين (15):
أحدهما: {الم الله} الميم مفتوحة والألف ساقطة. وهو القول المشهور.
واختلف النحويون في علة فتح الميم، على قولين (16):
الأول: أنها فتحت لالتقاء الساكنين. حركت إلى أخف الحركات. وهذا قول البصريين.
والثاني: جائِز أن يكون طرحت عليها فتحة الهمزة لأن نيةَ حروف الهجاءِ الوقف، وهذا قول الكوفيين.
(1) صفوة التفاسير: 1/ 167.
(2)
تفسير أبي السعود: 2/ 2.
(3)
تفسير الطبري: 6/ 148.
(4)
تفسير ابن أبي حاتم (3122): 2/ 587.
(5)
صفوة التفاسير: 1/ 167.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 262.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (3126): 2/ 586.
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 2/ 586.
(9)
تفسير أبي السعود: 2/ 2 - 3.
(10)
تفسير ابن أبي حاتم (3127): 2/ 586.
(11)
تفسير ابن أبي حاتم (3128): 2/ 586.
(12)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3128): 2/ 586.
(13)
تفسير ابن أبي حاتم (3130): 2/ 586.
(14)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3130): 2/ 586.
(15)
انظر: السبعة في القراءات: 200، وتفسير البيضاوي: 2/ 5.
(16)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 373، وتفسير الكشاف: 3/ 7.
قال البيضاوي: " إنما فتح "الميم" في المشهور وكان حقها أن يوقف عليها لإِلقاء حركة "الهمزة" عليها ليدل على أنها في حكم الثابت، لأنها أسقطت للتخفيف لا للدرج، فإن "الميم" في حكم الوقف كقولهم واحد اثنان بإلقاء حركة "الهمزة" على "الدال" لا لالتقاء الساكنين، فإنه غير محذور في باب الوقف، ولذلك لم تحرك الميم في لام"(1).
والثاني: {الم الله} بتسكين الميم وقطع الألف. رواه أبوبكر عن عاصم (2)، ورويت هذه القراءة عن الحسن، وعمرو بن عبيد، والرؤاسي، والأعمش، والبرجمي، وابن القعقاع (3).
ومن قطع "الألف" فله وجهان (4):
أحدهما: نية الوقف ثم قطع الهمزة للابتداء، كقول الشاعر (5):
لتسمعن وشيكا في ديارهم
…
الله أكبر يا ثارات عثمانا
والثاني: أن يكون أجراه على لغة من يقطع ألف الوصل.
كقول الشاعر (6):
إذا جاوز الاثنين سر
…
فإنه بنت وتكثير الوشاة قمين
قال الزمخشري: " ومن فصل وقطع فللتفخيم والتعظيم تعالى الله ابتداء وما بعده خبر"(7).
والثالث: {الم الله} ، بكسر الميم، على توهم التحريك لالتقاء الساكنين (8)، قرأ بها أبو حيوة، ونسبها ابن عطية إلى الرؤاسي (9)، ونسبها الزمخشري إلى عمرو بن عبيد (10)، وأجازه الأخفش (11).
وضعّفه الزجاج وقال: وهذا غلط
…
لأن قبل الميم ياءً مكسوراً ما قبلها، فحقها الفتح لالتقاءِ السَّاكنين، وذلك لثقل الكسرة مع الياءِ" (12).
والصواب: الفتح قراءة الجمهور. واختاره أبو حيان (13). والله أعلم.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية الكريمة: إثبات ألوهية الله تعالى عز وجل، لقوله:{اللَّهُ} .
2 -
إنفراده بهذه الألوهية، لقوله:{لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} .
3 -
إثبات اسمين من اسماء الله {الْحَيُّ الْقَيُّوم} ، وقد ورد أنهما اسم الله الأعظم، لاشتمالهما على كمال الذات والصفات والأفعال.
4 -
إثبات حياته وقيوميته، لأن كل اسم فإنه متضمن للصفة، وقد يتضمن امرا زائدا وهو الحكم الذي يسمى الأثر.
5 -
أن كل شيء مفتقر إلى الله وأن الله غني عما سواه، لأن كمال حياته يستلزم غناه عن كل أحد، وكمال قيوميته يستلزم افتقار كل شيء إليه، وهو كذلك، قال تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ} [الروم: 25]، وقال:{أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [الرعد: 33].
القرآن
{نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3)} [آل عمران: 3]
(1) تفسير البيضاوي: 2/ 5.
(2)
انظر: تفسير البيضاوي: 2/ 5، والبحر المحيط: 2/ 283.
(3)
انظر: البحر المحيط: 2/ 283.
(4)
انظر: الكشاف: 3/ 7.
(5)
انظر: البداية والنهاية: 7/ 219 وتاج العروس: 3/ 70.
(6)
انظر: الصحاح: 1/ 294.
(7)
تفسير الكشاف: 3/ 7.
(8)
انظر: تفسير البيضاوي: 2/ 5.
(9)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 397.
(10)
حكاه أبو حيان في البحر: 2/ 283، ولم اجده في تفسير الكشاف للزمخشري.
(11)
حكاه عنه الزجاج في معاني القرآن للزجاج: 1/ 373، ولم اجده في معاني القرآن للأخفش.
(12)
معاني القرآن للزجاج: 1/ 373.
(13)
انظر: البحر المحيط: 1/ 283.
التفسير:
نَزَّل عيك القرآن بالحق الذي لا ريب فيه، مصدِّقًا لما قبله من كتب ورسل، وأنزل التوراة على موسى عليه السلام، والإنجيل على عيسى عليه السلام.
قوله تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [آل عمران: 3]، "أي نزّل عليك يا محمد القرآن بالحجج والبراهين القاطعة"(1).
قال مقاتل: "لَمْ ينزله باطلا يعني القرآن"(2).
وفي معنى {الْكِتَابَ} [آل عمران: 3]، قولان:
أحدهما: أنه خواتيم البقرة من كنز تحت العرش. قاله سعيد بن جبير (3).
والثاني: أنه القرآن. وهذا قول قتادة (4).
وفي قوله تعالى: {بِالْحَقِّ} [آل عمران: 3]، وجوه:
إحداها: بالفصل في الذي ادعوا من الباطل. قاله محمد بن إسحاق (5).
والثاني: بتصدق فيما اختلفوا فيه. عنن محمد بن إسحاق في قوله الآخر (6).
والثالث: بالصدق فيما تضمنه من أخبار القرون الخالية والأمم السالفة. ذكره الماوردي (7).
والرابع: بالصدق فيما تضمنه من الوعد بالثواب على طاعته، والوعيد بالعقاب على معصيته. ذكره الماوردي (8).
الخامس: بالعدل مما استحقه عليك من أثقال النبوة. ذكره الماوردي (9).
والسادس: بالعدل فيما اختصك به من شرف الرسالة. ذكره الماوردي (10).
قال الزمخشري: " فإن قلت: لم قيل {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ} {وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ}؟ قلت: لأن القرآن نزل منجماً، ونزل الكتابان جملة"(11).
وفي قوله تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [آل عمران: 3]، قراءتان (12):
إحداهما: {نَزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} ، بتخفيف "الزاي"، ونصب "الباء" في {الكتاب} ، وهي قراءة إبراهيم بن أبي عبلة.
والثانية: : {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَاب} ، بتشديد"الزاي"، ورفع "الباء" في {الكتاب} ، وهي قراءة الباقون. ووجه هذه القراءة على معنى التكثير، " لأن القرآن كان ينزل نجوما شيئا بعد شيء والتنزيل يكون مرة بعد مرة، وقال: (وأنزل التوراة والإنجيل) لأنهما نزلتا"(13).
قوله تعالى: {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} [آل عمران: 3]، أي: مصدقا لما قبله من الكتب المنزلة (14).
قال مقاتل: " مصدق للكتب التي كَانَتْ قبله"(15).
(1) صفوة التفاسير: 1/ 167.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 262.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3131): ص 2/ 586 - 587.
(4)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3132): ص 2/ 587.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3133): ص 2/ 587.
(6)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3134): ص 2/ 587.
(7)
انظر: النكت والعيون: 1/ 268.
(8)
انظر: النكت والعيون: 1/ 268.
(9)
انظر: النكت والعيون: 1/ 267 - 268.
(10)
انظر: النكت والعيون: 1/ 267 - 268.
(11)
الكشاف: 1/ 336.
(12)
انظر: الكشاف: 3/ 7.
(13)
الكشاف: 3/ 7.
(14)
انظر: محاسن التأويل: 2/ 254.
(15)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 262.
قال الطبري: " يعني بذلك القرآن، أنه مصدّق لما كان قبله من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه ورسله، ومحقق ما جاءت به رُسل الله من عنده، لأن منزل جميع ذلك واحد، فلا يكون فيه اختلاف، ولو كان من عند غيره كان فيه اختلاف كثير"(1).
قال السعدي: أي: " من الكتب السابقة، فهو المزكي لها، فما شهد له فهو المقبول، وما رده فهو المردود، وهو المطابق لها في جميع المطالب التي اتفق عليها المرسلون، وهي شاهدة له بالصدق، فأهل الكتاب لا يمكنهم التصديق بكتبهم إن لم يؤمنوا به، فإن كفرهم به ينقض إيمانهم بكتبهم"(2).
وفي قوله تعالى: {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} [آل عمران: 3]، وجوه:
أحدها: أن المعنى: مصدّقًا لما قبله من كتاب ورسول. وهذا قول مجاهد (3)، وقتادة (4)، والربيع (5)، وجعفر بن الزبير (6)، وري عن الحسن مثل ذلك (7)، واختاره الطبري (8).
والثاني: معناه مخبراً بما بين يديه إخبار صدق دل على إعجازه. قاله الماوردي (9).
والثالث: معناه أنه يخبر بصدق الأنبياء فيما أتوا به على خلاف من يؤمن ببعض ويكفر ببعض قاله الماوردي (10).
والراجح هو القول الأول، لما يسنده من الروايات. والله أعلم.
قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} [آل عمران: 3]، أي:"وأنزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى"(11).
قال قتادة: " هما كتابان أنزلهما الله: التوراة والإنجيل"(12).
قال محمد بن إسحاق: "وأنزل التوراة التي جاء بها موسى، والإنجيل الذي جاء به عيسى عليهما الصلاة والسلام"(13).
قال الصابوني: "أي: وأنزل الكتابين العظيمين «التوراة» و «الإِنجيل» "(14).
قال القاسمي: " والتوراة اسم عبرانيّ معناه (الشريعة). والإنجيل لفظة يونانية معناها (البشرى) أي الخبر الحسن. هذا هو الصواب كما نص عليه علماء الكتابين في مصنفاتهم. وقد حاول بعض الأدباء تطبيقهما على أوزان لغة العرب واشتقاقهما منها. وهو خبط. بغير ضبط"(15).
أخرج ابن أبي حاتم " عن واثلة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشر خلت من رمضان" (16).
وقرأ الحسن: {الإنجيل} ، بفتح "الهمزة"(17)، قال الزمخشري:" وهو دليل على العجمة، لأن "أفعي"ل - بفتح الهمزة - عديم في أوزان العرب"(18).
(1) تفسير الطبري: 6/ 160.
(2)
تفسير السعدي: 121.
(3)
انظر: تفسير الطبري (6554)، و (6555): ص 6/ 160 - 161.
(4)
انظر: تفسير الطبري (6557): ص 6/ 161.
(5)
انظر: تفسير الطبري (6558): ص 6/ 161.
(6)
انظر: تفسير الطبري (6556): ص 6/ 161.
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3136): ص 2/ 587.
(8)
انظر: تفسير الطبري: 6/ 160.
(9)
انظر: النكت والعيون: 1/ 268.
(10)
انظر: النكت والعيون: 1/ 268.
(11)
تفسير الطبري: 6/ 161.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (3138): ص 2/ 588.
(13)
أخرجه ابن أبي 9 حاتم (313): ص 2/ 588.
(14)
صفوة التفاسير: 1/ 167.
(15)
محاسن التأويل: 2/ 254.
(16)
تفسير ابن أبي حاتم (3137): ص 2/ 587، ومسند احمد: 4/ 107.
(17)
انظر: الكشاف: 1/ 335.
(18)
الكشاف: 1/ 335 - 336.
الفوائد:
1 -
إثبات علو الله، لقوله تعالى:{نزّل} ، و {أنزل} ، والنزول لايكون إلا من الأعلى.
2 -
ومنها: أن القرآن الكريم منزل، قال تعالى:{نزّل عليك} ، ومجرد كونه منزلا لايستلزم ألا يكون مخلوقا، لأن الله قد ينزل المخلوق، قال تعالى:{وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا} [ق: 9]، وقال:{أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ} [الرعد: 17]، والماء مخلوق، لكن بالنظر لكون القرآن كلاما يستلزم ألا يكون مخلوقا، لأن الكلام صفة المتكلم، وصفة الخالق غير مخلوقة.
نستنتج بأن القرآن غير مخلوق لكونه نزل من عند الله وهو كلام، والكلام صفة المتكلم، والصفة تابعة للموصوف.
3 -
فضل رسول الله –صلى الله عليه وسلم وميزته، لقوله تعالى:{نزّل عليك الكتاب بالحق} ، فأنزل القران الى الرسول مباشرة وبواسطته الينا، إذ بلّغه الينا، ومعلوم أن الأصل أشرف من الفرع.
4 -
أن القرآن مشتمل على الحق، لقوله:{بالحق} ، فقد جاء بالحق ونزل به، قال تعالى:{وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الإسراء: 105]، فالحق في الأخبار الصدق، والحق في الأحكام العدل، كما قال تعالى:{وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام: 115].
5 -
فضيلة القرآن لوصفه بالحق نزولا وتضمنا، ولوصفه بالتصديق لما بين يديه.
6 -
جواز التعبير بالمجاز، لقوله تعالى {لما بين يديه} ، لأن الكلمة دلت على معناها في سياقها.
7 -
أن التوراة النازلة على موسى، والإنجيل النازل على عيسى عليهما الصلاة والسلام حق، لقوله: : {وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} ، والإشارة أنهما نسخا بالقرآن، كما قال في سورة المائدة:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48].
القرآن
التفسير:
من قبل نزول القرآن; لإرشاد المتقين إلى الإيمان، وصلاح دينهم ودنياهم، وأنزل ما يفرق بين الحق والباطل. والذين كفروا بآيات الله المنزلة، لهم عذاب عظيم. والله عزيز لا يُغَالَب، ذو انتقام بمن جحد حججه وأدلته، وتفرُّده بالألوهية.
قوله تعالى: {مِنْ قَبْلُ} [آل عمران: 4]، أي:"من قبل هذا القرآن"(1).
قال الطبري: " من قبل الكتاب الذي نزله عليك"(2).
قال الصابوني: " من قبل إِنزال هذا القرآن "(3).
وقوله {مِنْ قَبْلُ} متعلق بـ {أَنْزَلَ} ، والمعنى: وأنزل التوراة والإنجيل من قبل تنزيل القرآن (4).
قوله تعالى: {هُدًى لِلنَّاسِ} [آل عمران: 4]، أي:"هدى للناس من الضلال"(5).
قال الشعبي: " هدى من الضلالة"(6).
قال قتادة: " بيان من الله"(7).
وعن قتادة ايضا: " عصمة لمن أخذ به، وصدق به، وعمل بما فيه"(8).
قال الثعلبي: " هاد لمن تبعه"(9).
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 5، وانظر: تفسير النسفي: 1/ 148.
(2)
تفسير الطبري: 6/ 161.
(3)
صفوة التفاسير: 1/ 167.
(4)
انظر: محاسن التأويل: 2/ 255.
(5)
تفسير السعدي: 121.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (3140): ص 2/ 588.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (3141): ص 2/ 588.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (3142): ص 2/ 588.
(9)
تفسير الثعلبي: 3/ 9.
قال ابن كثير: " أي: في زمانهما"(1).
قال الصابوني: أي: " هداية لبني إِسرائيل"(2).
قال الطبري: أي: "بيانًا للناس من الله فيما اختلفوا فيه من توحيد الله وتصديق رسله، ونَعْتِيك يا محمد بأنك نبيّى ورسولى، وفي غير ذلك من شرائع دين الله"(3).
قال ابن عطية: "وقال ابن فورك: التقدير هنا: هدى للناس المتقين، ويرد هذا العام إلى ذلك الخاص، وفي هذا نظر"(4).
قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} [آل عمران: 5]، أي: وأنزل ما فرق بين الحق والباطل (5).
قال مقاتل: " يعني القرآن بعد التوراة والإنجيل، والفرقان: يعني به المخرج في الدين من الشبهة والضلالة، فيه بيان كل شيء يكون إلى يوم القيامة نظيرها في الأنبياء ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان (6) يعنى المخرج من الشبهات وفى البقرة"(7).
قال الطبري: " وأنزل الفصْل بين الحق والباطل فيما اختلفت فيه الأحزابُ وأهلُ الملل في أمر عيسى وغيره"(8).
قال النسفي: " أي جنس الكتب لأن الكل يفرق بين الحق والباطل"(9).
قال ابن كثير: "وهو الفارق بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والغي والرشاد، بما يذكره الله تعالى من الحجج والبينات، والدلائل الواضحات، والبراهين القاطعات، ويبينه ويوضحه ويفسره ويقرره، ويرشد إليه وينبه عليه من ذلك"(10).
قال السعدي: " أي: الحجج والبينات والبراهين القاطعات الدالة على جميع المقاصد والمطالب، وكذلك فصل وفسر ما يحتاج إليه الخلق حتى بقيت الأحكام جلية ظاهرة، فلم يبق لأحد عذر ولا حجة لمن لم يؤمن به وبآياته"(11).
وفي تفسير {الْفُرْقَانَ} في هذه الآية وجوه:
أحدها: أنه القرآن. فرق بين الحق والباطل، قاله الربيع (12). وروي عن عطاء ومجاهد ومقسم وقتادة ومقاتل بن حيان ومقاتل بن سليمان (13) نحو ذلك (14)، وهو قول الجمهور.
قال أهل العلم: وإنما كرر ذكر "القرآن" بما هو نعت له، ومدح له، من كونه فارقا بين الحق والباطل، بعد ما ذكره باسم الجنس، تعظيما لشأنه، وإظهارا لفضله" (15).
وقال الرازيّ: "أو يقال إنه تعالى أعاد ذكره ليبيّن أنه أنزله بعد التوراة والإنجيل، ليجعله فرقا بين ما اختلف فيه اليهود والنصارى من الحق والباطل"(16). وعلى هذا التقدير فلا تكرار.
والثاني: أنه خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش. قاله سعيد بن جبير (17).
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 5.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 167.
(3)
تفسير الطبري: 6/ 161 - 162.
(4)
المحرر الوجيز: 1/ 399.
(5)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 375، ومعاني القرآن للنحاس: 1/ 343، وتفسير البغوي: 2/ 6.
(6)
سورة الأنبياء: 48 وتمامها: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ} .
(7)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 262.
(8)
تفسير الطبري: 6/ 162.
(9)
تفسير النسفي: 1/ 148.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 5.
(11)
تفسير السعدي: 121.
(12)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3145): ص 2/ 588.
(13)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 226.
(14)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3145)، و (3146): ص 2/ 588 - 589. قاله دون ذكر السند.
(15)
انظر: محاسن التأويل: 2/ 255.
(16)
مفاتيح الغيب: 7/ 133.
(17)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3144): ص 2/ 588.
والثالث: أنه التوراة. قاله أبو صالح (1). ورده ابن كثير؛ نظرا لتقدم ذكر التوراة (2).
والرابع: أنه كتاب بحق. قاله الحسن (3).
والخامس: أنه الزبور. كما قال تعالى: {وَءَاتَيْنَا دَاوُادَ زَبُورًا} [النساء: 163](4).
والسادس: أن في الآية تقديم وتأخير تقديره: "وأنزل التوراة والانجيل والفرقان فيه هدى للناس". قاله السدي (5).
السابع: يريد به جميع الكتب، لأنه فرّق فيها بين الحق والباطل. قاله ابن باس في رواية عطاء عنه (6).
قال الزمخشري: أنه "جنس الكتب السماوية، لأن كلها فرقان يفرق بين الحق والباطل"(7).
واختلف في سبب تسمية القرآن بـ {الفرقان} على أقوال (8):
أحدها: أنه سمي بذلك، لأنه فرق بين الحق والباطل في أمر عيسى عليه السلام، الذي جادل فيه الوفد. قاله محمد بن جعفر (9)، وأبو سليمان الدمشقي (10).
الثاني: أنه فرق بين الحق والباطل في أحكام الشرائع، وفي الحلال والحرام ونحوه. قاله قتادة والربيع وغيرهما (11).
الثالث: "أن الْفُرْقانَ هنا كل أمر فرق بين الحق والباطل، فيما قدم وحدث، فيدخل في هذا التأويل طوفان نوح، وفرق البحر لغرق فرعون، ويوم بدر، وسائر أفعال الله تعالى المفرقة بين الحق والباطل، فكأنه تعالى ذكر الكتاب العزيز، ثم التوراة والإنجيل، ثم كل أفعاله ومخلوقاته التي فرقت بين الحق والباطل، كما فعلت هذه الكتب. حكاه ابن عطية عن بعض المفسرين (12).
قال ابن عطية: " والْفُرْقانَ يعم هذا كله"(13).
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [آل عمران: 5]، أي: إن الذين جحدوا بها وأنكروها، وردّوها بالباطل، لهم عذاب شديد يوم القيامة (14).
قال الربيع بن أنس: " يعني: النصارى"(15).
قال السدي: " قوله: {بآيات الله}، بمحمد صلى الله عليه وسلم"(16).
قال الطبري: " إنّ الذين جحدوا أعلام الله وأدلته على توحيده وألوهته، وأن عيسى عبدٌ له، واتخذوا المسيح إلهًا وربًّا، أو ادَّعوه لله ولدًا، لهم عذاب من الله شديدٌ يوم القيامة"(17).
قال الصابوني: أي: "جحدوا بها وأنكروها وردّوها بالباطل، لهم عذاب عظيم أليم في الآخرة"(18).
قال القاسمي: " وهذا الوعيد. جيء به إثر ما تقدم حملا على الإذعان، وزجرا عن العصيان"(19).
(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3148): ص 2/ 589.
(2)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 6.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3147): ص 2/ 589.
(4)
انظر: المحرر الوجيز: 2/ 287، والكشاف: 1/ 336.
(5)
انظر: زاد المسير: 1/ 350.
(6)
انظر: التفسير البسيط، الواحدي: 5/ 29، ولم لأقف على مصدر هذه الرواية فيما توفرت عندي من المصادر.
(7)
الكشاف: 1/ 336.
(8)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 339.
(9)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 339.
(10)
انظر: زاد المسير: 1/ 350.
(11)
نظر: المحرر الوجيز: 1/ 399.
(12)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 339.
(13)
المحرر الوجيز: 1/ 339.
(14)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 6.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (3149): ص 2/ 589.
(16)
أخرجه ابن أبي حاتم (3150): ص 2/ 589.
(17)
تفسير الطبري: 6/ 164.
(18)
صفوة التفاسير: 1/ 167. [بتصرف بسيط].
(19)
محاسن التأويل: 2/ 255.
وفي قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ} [آل عمران: 4]، وجهان من التفسير (1):
أحدهما: بدلائله وحججه.
والثاني: بآيات القرآن، قال ابن عباس:"يريد وفد نجران حين قَدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم – لمحاجّته"(2).
والراجح أنه"عام داخل فيه من نزلت الآيات بسببهم، وهم نصارى وفد نجران"(3).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [آل عمران: 5]، " أي غالب على أمره لا يُغلب، منتقم ممن عصاه"(4).
قال الواحدي: " أي: [ينتقم] ممن كفر به، لأن ذكر الكافرين جرى ههنا"(5).
قال القاسمي: " وَاللَّهُ عَزِيزٌ لا يغالب يفعل ما يشاء ذُو انْتِقامٍ أي معاقبة"(6).
قال محمد بن جعفر: " أي: إن الله منتقم ممن كفرَ بآياته بعد علمه بها، ومعرفته بما جاء منه فيها"(7).
قال ابن عطية: " والنقمة والانتقام، معاقبة المذنب بمبالغة في ذلك"(8).
قال البيضاوي: " وَاللَّهُ عَزِيزٌ غالب لا يمنع من التعذيب. ذُو انْتِقامٍ لا يقدر على مثله منتقم، والنقمة عقوبة المجرم
…
وهو وعيد جيء به بعد تقرير التوحيد والإشارة إلى ما هو العمدة في إثبات النبوة تعظيماً للأمر، وزجراً عن الإعراض عنه" (9).
قال الزمخشري: " انتقام شديد لا يقدر على مثله منتقم"(10).
وفي قوله تعالى: {وَاللهُ عَزِيزٌ} [آل عمران: 4] وجهان (11):
أحدهما: في امتناعه.
الثاني: في قدرته.
الفوائد:
1 -
إثبات الحكمة لله تعالى في احكامه الشرعية كما تثبت في احكامه الكونية، لقوله:{هدى للناس} .
2 -
أن هداية القرآن نوعان: عامة بمعنى الدلالة عامة، مثل قوله تعالى:{هدى للناس} ، وهداية خاصة بمعنى التوفيق والاهتداء، مثل قوله تعالى:{هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2].
3 -
أن الكتب كلها فرقان تتضمن الفرق بين الحق والباطل، وبين الصدق والكذب، وبين المرمن والكافر، وبين الضار والنافع، فإن الكتب تفرقه.
4 -
بيان عقوبة الكافر وهي العذاب الشديد، وذكر عقوبة الكافر تستلزم التحذير من الكفر.
5 -
الإشارة إلى أن الناس ينقسمون إلى قسمين: كافر له العذاب الشديد، ومؤمن له الثواب الجزيل، لأنه إذا ذكر عقوبة الضد، فإن ضده تثبت له ضد تلك العقوبة.
6 -
إثبات اسم من أسماء الله، وهو {العزيز} ، أي ذو عزة، وهي ثلاثة أصناف:
أ-عزة القدر، بمعنى أن الله ذو قدر شريف عظيم، قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم"السيد الله"(12)، فهذه عزة القدر.
(1) انظر: النكت والعيون: 1/ 369.
(2)
حكاه عنه الماوردي، انظر: النكت والعيون: 1/ 369.
(3)
البحر المحيط: 2/ 287.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 167. [بتصرف بسيط].
(5)
التفسير البسيط: 5/ 29.
(6)
محاسن التأويل: 2/ 255.
(7)
أخرجه الطبري (6564): ص 6/ 165.
(8)
المحرر الوجيز: 1/ 339.
(9)
تفسير البيضاوي: 2/ 5.
(10)
الكشاف: 1/ 336.
(11)
انظر: النكت والعيون: 1/ 369.
(12)
أخرجه احمد: 4/ 24 - 25، والبخاري في الأدب المفرد:211.
ب-عزة القهر: بمعنى أنه القاهر لكل شيء، لا يغلب، بل هو الغالب، قال تعالى:{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 61].
ت-عزة الامتناع: أنه عز وجل يمتنع أن يناله سوء أو نقص، ومن هذا قولهم: هذا ارض عزاز، أي: صلب قوية لاتؤثر فيها المعاول.
7 -
إن صفة الامنتقام لله تعالى ليست على سبيل الإطلاق، بل هو منتقم ممن يستحق ذلك، وهم المجرمون كما قال تعالى:{إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [السجدة: 22].
القرآن
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5)} [آل عمران: 5]
التفسير:
إن الله محيط علمه بالخلائق، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، قلَّ أو كثر.
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ} [آل عمران: 5]، " إن الله لا يخفى عليه شيء هو في الأرض ولا شيء هو في السماء"(1).
قال الزمخشري: عيّر عن [العالم] بالسماء والأرض، فهو مطلع على كفر من كفر وإيمان من آمن وهو مجازيهم عليه" (2).
قال محمد بن جعفر بن الزبير: " أي: قد علم ما يريدون وما يَكيدون وما يُضَاهون بقولهم في عيسى، إذ جعلوه ربًّا وإلهًا، وعندهم من علمه غيرُ ذلك، غِرّةً بالله وكفرًا به"(3).
قال ابن كثير: " يخبر تعالى أنه يعلم غيب السماوات والأرض، ولا يخفى عليه شيء من ذلك"(4).
قال ابن عطية: " هذه الآية خبر عن علم الله تعالى بالأشياء على التفصيل، وهذه صفة لم تكن لعيسى ولا لأحد من المخلوقين"(5).
قال القاسمي: " أي هو مطلع على كفر من كفر وإيمان من آمن، وهو مجازيهم عليه"(6).
قال البيضاوي: " وإنما قدم الأرض ترقياً من الأدنى إلى الأعلى، ولأن المقصود بالذكر ما اقترف فيها. وهو كالدليل على كونه حياً"(7).
الفوائد:
1 -
التحذير من مخالفة الله، لأن الله يعلم بمخالفتك إياه.
2 -
الرد على غلاة القدرية الذين يقولون: إن الله لا يعلم الشيء الذي يفعله العبد إلا بعد وقوعه.
3 -
إن الله عالم بالكليات والجزئيات، لقوله تعالى:{شيء} ، لأن النكرة في سياق النفي تعم كل شيء.
4 -
إن صفات الله إما مثبتة أو منفية، فالمثبتة يسمونها: ثبوتية، والمنفية يسمونها سلبية، والسلبية متضمنة لثبوت كمال الضد، فلكمال علمه لايخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
القرآن
{هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)} [آل عمران: 6]
التفسير:
هو وحده الذي يخلقكم في أرحام أمهاتكم كما يشاء، من ذكر وأنثى، وحسن وقبيح، وشقي وسعيد، لا معبود بحق سواه، العزيز الذي لا يُغالَب، الحكيم في أمره وتدبيره.
(1) تفسير الطبري: 6/ 166،
(2)
الكشاف: 1/ 336.
(3)
أخرجه الطبري (6566): ص: 6/ 166.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 6.
(5)
المحرر الوجيز: 1/ 400 - 401.
(6)
محاسن التأويل: 2/ 255.
(7)
تفسير البيضاوي: 2/ 6.
قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} [آل عمران: 6]، أي:" الله الذي يصوّركم فيجعلكم صورًا أشباحًا في أرحام أمهاتكم كيف شاء وأحب"(1).
قال ابن كثير: "أي: يخلقكم كما يشاء في الأرحام من ذكر وأنثى، وحسن وقبيح، وشقي وسعيد"(2).
قال محمد بن جعفر: "أي: قد كان عيسى ممن صُوّر في الأرحام، لا يدفعون ذلك ولا ينكرونه، كما صُوّر غيره من بني آدم، فكيفَ يكون إلهًا وقد كان بذلك المنزل؟ "(3). وروي عن الربيع نحو ذلك (4).
وأخرج ابن أبي حاتم والطبري عن السدي في قوله: {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} قال: "إذا وقعت النطفة في الرحم [طارت في الجسد أربعون يوما] (5) ثم تكون علقة أربعين يوما، ثم تكون مضغة أربعون يوما، فإذا بلغ أن يخلق، بعث الله ملكا يصورها، فيأتي الملك بتراب بين أصبعيه فيخلط في المضخة، ثم يعجنه بها، ثم يصورها كما يؤمر فيقول: أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ وما رزقه؟ وما عمره؟ وما أثره؟ وما مصائبه؟ فيقول الله تعالى، ويكتب الملك، فإذا مات ذلك الجسد، دفن حيث أخذ ذلك التراب"(6).
وعن قتادة قوله: {كيف يشاء} ، قال: من ذكر أو أنثى، وأحمر وأسود وتام وغير تام الخلق" (7).
قوله تعالى: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 6]، "أي: لا ربّ سواه، متفردٌ بالوحدانية والألوهية، العزيز في ملكه الحكيم في صنعه" (8).
عن ابن عباس قوله: {لا إله إلا هو} ، قال: توحيد" (9).
وعن محمد بن إسحاق، قوله:{العزيز} : في نصرته مم كفر به إذا شاء" (10)، [و] "قوله: {الحكيم} : في عذره وحجته إلى عباده" (11).
وعن أبي العالية قوله تعالى: {العزيز} ، يقول: عزيز في نعمته إذا انتقم" (12)، [وقوله] "{الحكيم} ، قال: حكيم في أمره" (13).
قال الطبري: " وهذا القول تنزيه من الله تعالى ذكره نفسَه أن يكون له في ربوبيته ندّ أو مِثل، أو أن تَجوز الألوهة لغيره وتكذيبٌ منه للذين قالوا في عيسى ما قالوا، من وفد نجران الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسائر من كان على مثل الذي كانوا عليه من قولهم في عيسى، ولجميع من ادّعى مع الله معبودًا، أو أقرّ بربوبية غيره"(14).
قال ابن كثير: " وهذه الآية فيها تعريض بل تصريح بأن عيسى ابن مريم عبد مخلوق، كما خلق الله سائر البشر؛ لأن الله تعالى صوره في الرحم وخلقه، كما يشاء، فكيف يكون إلها كما زعمته النصارى - عليهم لعائن الله - وقد تقلب في الأحشاء، وتنقل من حال إلى حال، كما قال تعالى: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [الزمر: 6] "(15).
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية بيان قدرة الله عز وجل إذ يصور المخلوقات في الأرحام.
(1) تفسير الطبري: 6/ 166.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 6.
(3)
أخرجه الطبري (6567): ص 6/ 167.
(4)
انظر: الطبري (6568): ص 6/ 167.
(5)
إضافة عن الطبري (6569): ص 6/ 167.
(6)
تفسير ابن ابي حاتم (3157): ص 2/ 590، وتفسير الطبري (6569): 6/ 167.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (3159): ص 2/ 591، والطبري (6570): ص 6/ 168.
(8)
صفوة التفاسير: 1/ 167.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (3160): ص 2/ 591.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (3161): ص 2/ 591.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (3163): ص 2/ 591.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (3162): ص 2/ 591.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (3164): ص 2/ 591.
(14)
تفسير الطبري: 6/ 168.
(15)
تفسير ابن كثير: 2/ 6.
2 -
يكون تصوير المخلوقات في الأرحام بأمر الله وإذنه كيف يشاء.
3 -
بيان رحمة الله تعالى إذ يتولى شؤون الجنين ويصوره، ويستفاد منها ان هذا التصوير لا يرجع إلى فعل العبد وإنما يرجع لمشيئة الله تعالى.
4 -
إثبات المشيئة لله تعالى، لقوله:{كيف يشاء} ، والمشيئة إذا اطلقت فهي مقرونة بالحكمة، فما من شيء يشاؤه الله إلا لحكمة.
5 -
إثبات انفراد الله عز وجل بالألوهية، لقوله:{لا إله إلا هو} .
6 -
إثبات الاسمين الكريمين: "العزيز الحكيم"، وما تضمناه من صفة، وكل اسم من أسماء الله دال على الذات وعلى الوصف المشتق منهـ فإن كان متعديا ففيه دلالة ثالثة وعي الأثر المترتب على ذلك.
القرآن
التفسير:
هو وحده الذي أنزل عليك القرآن: منه آيات واضحات الدلالة، هن أصل الكتاب الذي يُرجع إليه عند الاشتباه، ويُرَدُّ ما خالفه إليه، ومنه آيات أخر متشابهات تحتمل بعض المعاني، لا يتعيَّن المراد منها إلا بضمها إلى المحكم، فأصحاب القلوب المريضة الزائغة، لسوء قصدهم يتبعون هذه الآيات المتشابهات وحدها; ليثيروا الشبهات عند الناس، كي يضلوهم، ولتأويلهم لها على مذاهبهم الباطلة. ولا يعلم حقيقة معاني هذه الآيات إلا الله. والمتمكنون في العلم يقولون: آمنا بهذا القرآن، كله قد جاءنا من عند ربنا على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ويردُّون متشابهه إلى محكمه، وإنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها الصحيح أولو العقول السليمة.
قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} [آل عمران: 7]، أي: الله الذي أنزل عليك يا محمد القرآن (1).
قال سعيد بن جبير: " يعني: القرآن"(2).
قوله تعالى: {الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} [آل عمران: 7]، " أي فيه آيات بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها ولا غموض كآيات الحلال والحرام، هنَّ أصل الكتاب وأساسه"(3).
قال القاسمي: أي: "واضحات الدلالة هُنَّ أصل الكتاب المعتمد عليه في الأحكام"(4).
قال الطبري: "وإنما سماهن {أمّ الكتاب}، لأنهن معظم الكتاب، وموضع مَفزَع أهله عند الحاجة إليه، وكذلك تفعل العرب، تسمي الجامعَ معظم الشيء " أمًّا " له، فتسمى راية القوم التي تجمعهم في العساكر: " أمّهم "، والمدبر معظم أمر القرية والبلدة: " أمها""(5).
قوله تعالى: {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7]، أي:" وآيات أخر محتمِلاتٌ لمعانٍ متشابهة"(6).
قال الطبري: " فإن معناه: متشابهات في التلاوة، مختلفات في المعنى، كما قال جل ثناؤه: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [سورة البقرة: 25]، يعني في المنظر، مختلفًا في المطعم، وكما قال مخبرًا عمن أخبر عنه من بني إسرائيل أنه قال: {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} [سورة البقرة: 70]، يعنون بذلك: تشابه علينا في الصفة، وإن اختلفت أنواعه"(7).
واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: {مِنْهُءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7] على أقاويل (8):
(1) انظر: تفسير الطبري: 6/ 170، وصفوة التفاسير: 1/ 167.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (3165): ص 2/ 591.
(3)
صفوة التفاسير: 1/ 167.
(4)
محاسن التأويل: 2/ 256.
(5)
تفسير الطبري: 6/ 170.
(6)
تفسير أبي السعود: 2/ 7.
(7)
تفسير الطبري: 6/ 173.
(8)
انظر: تفسير الطبري: 6/ 174 ومابعدها، والنكت والعيون: 1/ 369.
أحدها: أن المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ، قاله ابن عباس (1)، وابن مسعود (2)، وقتادة (3)، والربيع (4) والضحاك (5).
والثاني: أن المحكم ما أحكم الله بيان حلاله وحرامه فلم تشتبه معانيه، قاله مجاهد (6).
والثالث: أن المحكم ما لم يحتمل من التأويل إلا وجهاً واحداً، والمتشابه ما احتمل أوجهاً، قاله الشافعي (7) ومحمد بن جعفر بن الزبير (8).
والرابع: أن المحكم الذي لم تتكرر ألفاظه، والمتشابه الذي تكررت ألفاظه، قاله ابن زيد (9).
والخامس: أن المحكم الفرائض والوعد والوعيد، والمتشابه القصص والأمثال (10).
والسادس: أن المحكم ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه وتفسيره، والمتشابه ما لم يكن إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه، كقيام الساعة، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج عيسى ونحوه، وهذا قول جابر بن عبد الله (11)، واختاره الطبري (12).
والسابع: أن المحكم ما قام بنفسه ولم يحتج إلى استدلال (13).
والثامن: أن المحكم ما كانت معاني أحكامه معقولة، والمتشابه ما كانت معاني أحكامه غير معقولة، كأعداد الصلوات، واختصاص الصيام بشهر رمضان دون شعبان. قاله الماوردي (14).
وفي قوله تعالى: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَاِب} [آل عمران: 7] وجهان:
أحدهما: أصل الكتاب. قاله سعيد بن جبير (15).
والثاني: معلوم الكتاب (16).
وفي سبب تسميته بأم الكتاب قولان:
الأول: وإنما سماهن أم الكتاب لأنهن مكتوبات في جميع الكتب. قاله سعيد بن جبير (17).
والثاني: وإنما قال: هن أم الكتاب، لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهن (18).
وفي المراد بقوله تعالى: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَاِب} [آل عمران: 7] ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه أراد الآي التي فيها الفرائض والحدود (الأمر والنهي والحلال)، قاله يحيى بن يعمر (19).
والثاني: أنه أراد فواتح السُّوَر التي يستخرج منها القرآن، وهو قول أبي فاختة (20).
والثالث: أن يريد به أنه معقول المعاني لأنه يتفرع عنه ما شاركه في معناه، فيصير الأصل لفروعه كالأم لحدوثها عنه، فلذلك سماه أم الكتاب (21).
(1) انظر: تفسير الطبري (6573): ص 6/ 174.
(2)
انظر: تفسير الطبري (6576): ص 6/ 1754.
(3)
انظر: تفسير الطبري (6577): ص 6/ 175.
(4)
انظر: تفسير الطبري (6579): ص 6/ 175 - 176.
(5)
انظر: تفسير الطبري (6580) - (6584): ص 6/ 176.
(6)
انظر: تفسير الطبري (6585)، (6586): ص 6/ 177.
(7)
حكاه عنه الماوردي في النكت والعيون: 1/ 369، ولم اجده في تفسير الشافعي.
(8)
نظر: تفسير الطبري (6587): ص 6/ 177.
(9)
انظر: تفسير الطبري (6588): ص 7/ 178.
(10)
انظر: النكت والعيون: 1/ 369.
(11)
انظر: تفسير الطبري (246): ص 1/ 215 - 216.
(12)
انظر: تفسير الطبري: 6/ 180.
(13)
انظر: النكت والعيون: 1/ 369.
(14)
انظر: النكت والعيون: 1/ 369.
(15)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3173): ص 2/ 593.
(16)
انظر: النكت والعيون: 1/ 370.
(17)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3173): ص 2/ 593.
(18)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3173): ص 2/ 593.
(19)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3172): ص 2/ 593.
(20)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3172): ص 2/ 593.
(21)
انظر: النكت والعيون: 1/ 370.
قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} [آل عمران: 7]، أي:"فأما الذين في قلوبهم ميل عن الحق وانحرافٌ عنه"(1).
قال الزمخشري: " هم أهل البدع"(2).
وفي تفسيرالـ {ـزيغ} في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} [آل عمران: 7] وجهان من التفسير:
أحدهما: أنه ميل عن الهدى. قاله محمد بن إسحاق (3).
والثاني: أن المعنى: شكّ، قاله ابن مسعود (4)، ومجاهد (5) والسدي (6).
واختلف فيمن عني بهذه الآية على أقوال:
أحدها: أنهم أهل الشك. قاله ابن عباس (7).
والثاني: أنهم المنافقون. قاله ابن جريج (8).
والثالث: أنه يعني: حيي بن أخطب، وأصحابه من اليهود. قاله مقاتل بن حيان (9).
والرابع: أنهم الخوارج. رواه أبو أمامة عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم (10).
والخامس: أنه عُني به الوفدُ من نصارى نجران الذين قَدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحاجُّوه بما حاجُّوه به، وخاصموه بأن قالوا: ألست تزعم أنّ عيسى روح الله وكلمته؟ وتأولوا في ذلك ما يقولون فيه من الكفر. وهذا قول الربيع (11).
قوله تعالى: {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} [آل عمران: 7]، أي:" فيتبع المتشابه منه ويفسّره على حسب هواه"(12).
قال ابن كثير: "أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها، لاحتمال لفظه لما يصرفونه فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه؛ لأنه دامغ لهم وحجة عليهم"(13).
قال الزمخشري: " فيتعلقون بالمتشابه الذي يحتمل ما يذهب إليه المبتدع مما لا يطابق المحكم ويحتمل ما يطابقه من قول أهل الحق"(14).
وفي قوله تعالى: {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} [آل عمران: 7] ثلاثة تأويلات (15):
أحدها: أنه الأجل الذي أرادت اليهود أن تعرفه من الحروف المقطعة من حساب الجُمّل في انقضاء مدة النبي صلى الله عليه وسلم.
والثاني: أنه معرفة عواقب القرآن في العلم بورود النسخ قبل وقته.
والثالث: أن ذلك نزل في وفد نجران لمَّا حاجّوا النبي صلى الله عليه وسلم في المسيح، فقالوا: أليس كلمة الله وروحه؟ قال: " بلى " فقالوا: حسبنا، فأنزل الله تعالى:{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وابْتَغَآءَ تَأْوِيلِهِ} وهو قول الربيع.
(1) تفسير الطبري: 6/ 183.
(2)
الكشاف: 1/ 338.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3183): ص 2/ 595.
(4)
انظر: تفسير الطبري (6596): ص 6/ 184.
(5)
انظر: تفسير الطبري (6593): ص 6/ 184.
(6)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3181): ص 2/ 595.
(7)
انظر: تفسير الطبري (6595): ص 6/ 184.
(8)
انظر: تفسير الطبري (6597): ص 6/ 184.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (31821): ص 2/ 595.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3179): ص 2/ 594، وانظر:(3189): ص 2/ 594 - 595.
(11)
انظر: تفسير الطبري (6602): ص 6/ 186 - 187.
(12)
صفوة التفاسير: 1/ 167.
(13)
تفسير ابن كثير: 2/ 8.
(14)
الكشاف: 1/ 338.
(15)
انظر: النكت والعيون: 1/ 370 - 371.
قوله تعالى: {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} [آل عمران: 7]، أي:"إرادة الفتنة"(1).
قال الزمخشري: " طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم"(2).
قال الصابوني: " أي طلباً لفتنة الناس في دينهم"(3).
قال ابن كثير: " أي: الإضلال لأتباعهم، إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهذا حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى هو روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وتركوا الاحتجاج بقوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} [الزخرف: 59] وبقوله: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59] وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله، وعبد، ورسول من رسل الله"(4).
وفي قوله تعالى: {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} [آل عمران: 7] خمسة تأويلات:
أحدها: الشرك، قاله السدي (5)، والربيع (6).
والثاني: اللّبْس. قاله محمد بن إسحاق (7)، ومحمد بن جعفر (8).
والثالث: ابتغاء الشبهات، قاله مجاهد (9).
الرابع: الشبهات التي حاجّ بها وفد نجران (10).
الخامس: إفساد ذات البَيْن (11).
قوله تعالى: {وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7]، "وإِيهاماً للأتباع بأنهم يبتغون تفسير كلام الله"(12).
قال ابن كثير: "أي: تحريفه على ما يريدون"(13).
قال الزمخشري: " وطلب أن يأوّلوه التأويل الذي يشتهونه"(14).
وفي قوله تعالى: {وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7] في التأويل وجهان:
أحدهما: أنه التفسير.
والثاني: أنه العاقبة المنتظرة.
قوله تعالى: قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَاّ اللهُ} [آل عمران: 7]، " أي لا يعلم تفسير المتشابه ومعناه الحقيقي إِلا الله وحده"(15).
قال الزمخشري: " أي لا يهتدى (16) إلى تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا اللَّه"(17).
(1) تفسير ابن أبي حاتم (3189): ص 2/ 596. قاله السدي.
(2)
الكشاف: 1/ 338.
(3)
تفسير الصابوني: 1/ 167.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 8.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3190): ص 2/ 596.
(6)
انظر: تفسير الطبري (6617): ص 6/ 196.
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3190): ص 2/ 596.
(8)
انظر: تفسير الطبري (6621): ص 6/ 197.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3192): ص 2/ 597.
(10)
انظر: النكت والعيون: 1/ 371.
(11)
انظر: النكت والعيون: 1/ 371.
(12)
صفوة التفاسير: 1/ 167.
(13)
تفسير ابن كثير: 2/ 8.
(14)
الكشاف: 1/ 338.
(15)
صفوة التفاسير: 1/ 168.
(16)
قال المحقق رحمه الله: وقوله «لا يهتدى إليه إلا اللَّه» عبارة قلقة، ولم يرد إطلاق الاهتداء على علم اللَّه تعالى، مع أن في هذه اللفظة إيهاما إذ الاهتداء لا يكون في الإطلاق إلا عن جبل وضلال - جل اللَّه وعز - حتى إن الكافر إذا أسلم أطلق أهل العرف عليه: فلان المهتدى، ذلك مقتضى اللغة فيه فانه مطاوع هدى. يقال: هديته فاهتدى، والإجماع منعقد على أن ما لم يرد إطلاقه وكان موهما لا يجوز إطلاقه على اللَّه عز وجل. ولذا أنكر على القاضي إطلاقه المعرفة على علم اللَّه تعالى حيث حد مطلق العلم بأنه معرفة المعلوم على ما هو عليه. فلأن ينكر على الزمخشري إطلاق الاهتداء على علم اللَّه تعالى أجدر. وما أراها صدرت منه إلا وهما حيث أضاف العلم إلى اللَّه تعالى وإلى الراسخين في العلم، فأطلق الاهتداء على الراسخين، أو عقل عن كونه ذكرهم مضائين إلى اللَّه تعالى في الفعل المذكور واللَّه أعلم. [حاشية الكشاف: 1/ 338].
(17)
الكشاف: 1/ 338.
وفي قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَاّ اللهُ} [آل عمران: 7] ثلاثة أقاويل:
أحدها: تأويل جميع المتشابه، لأن فيه ما يعلمه الناس، وفيه ما لا يعلمه إلا الله، قاله الحسن (1).
والثاني: أن تأويله يوم القيامة لما فيه من الوعد والوعيد، كما قال الله تعالى:{هَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ تَأْوِيلَهُ يَومَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} [الأعراف: 53] يعني يوم القيامة، قاله ابن عباس (2).
والثالث: تأويله وقت حلوله، قاله بعض المتأخرين (3).
وقرأ عبد اللَّه: "إن تأويله إلا عند اللَّه"(4).
قوله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} [آل عمران: 7]، " أي والثابتون المتمكنون من العلم يؤمنون بالمتشابه وأنه من عند الله"(5).
قال الطبري: أي: "صدقنا بما تشابه من آي الكتاب، وأنه حقّ وإن لم نَعلم تأويله"(6).
قال ابن عباس: " يعني: ما نسخ وما لم ينسخ"(7)، وروي عن عائشة والسدي نحو ذلك (8).
روي عن الضحاك: " {والراسخون في العلم يقولون آمنا به}، قال: المحكم والمتشابه"(9).
وعنه أيضا: " {والراسخون في العلم يقولون آمنا به}، نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه: ولا نعمل به، يعني: بمتشابهه"(10).
قال قتادة: " آمنوا بمتشابهه وعملوا بمحكمه، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه"(11).
قال الطبري: " العلماء الذين قد أتقنوا علمهم ووَعَوْه فحفظوه حفظًا، لا يدخلهم في معرفتهم وعلمهم بما علموه شَكّ ولا لبس"(12).
وري عن أبي الدرداء وأبي أمامة قالا سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَن الراسخ في العلم؟ قال: " من بَرَّت يمينهُ، وصَدقَ لسانه، واستقام به قلبه، وعفّ بطنه، فذلك الراسخُ في العلم"(13).
وفي قوله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7] وجهان (14):
أحدهما: يعني الثابتين فيه، العاملين به.
والثاني: يعني المستنبطين للعلم والعاملين، وفيهم وجهان (15):
أحدهما: أنهم داخلون في الاستثناء، وتقديره: أن الذي يعلم تأويله الله والراسخون في العلم جميعاً.
روى ابن أبي نجيح عن ابن عباس أنه قال: "أنا ممن يعلم تأويله"(16).
الثاني: أنهم خارجون من الاستثناء، ويكون معنى الكلام: ما يعلم تأويله إلا الله وحده، ثم استأنف فقال {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} .
وقرأ أبىّ: "ويقول الراسخون"(17).
قوله تعالى: {كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7]، "أي كلّ من المتشابه والمحكم حقٌ وصدق لأنه كلام الله"(18).
قال الزمخشري: " أي كل واحد منه ومن المحكم من عنده، أو بالكتاب كل من متشابهه ومحكمه من عند اللَّه الحكيم الذي لا يتناقض كلامه ولا يختلف كتابه"(19).
ويحتمل قوله تعالى: {كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] جهين (20):
أحدهما: علم ذلك عند ربنا.
والثاني: ما فصله من المحكم والمتشابه، فنزل من عند ربنا.
قوله تعالى: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]، "أي ما يتعظ ويتدبر إِلا أصحاب العقول السليمة المستنيرة"(21).
قال مقاتل بن حيان: " إلا كل ذي لبّ"(22).
قال السعدي: " أي: يتعظ بمواعظ الله ويقبل نصحه وتعليمه إلا أهل العقول الرزينة لب العالم وخلاصة بني آدم يصل التذكير إلى عقولهم، فيتذكرون ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرهم فيتركونه، وأما من عداهم فهم القشور الذي لا حاصل له ولا نتيجة تحته، لا ينفعهم الزجر والتذكير لخلوهم من العقول النافعة"(23).
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية الكريمة أن القرآن كلام الله، لقوله تعالى {هو الذي أنزل عليم الكتاب} ، وكلام الله ليس مخلوقا بل صفته عز وجل.
2 -
إثبات علو الله تعالى، لقول:{أنزل} ، والإنزال لا يكون إلا من أعلى إلى أسفل، فالله فوق كل شيء.
3 -
إن القرآن ينقسم إلى محكم ومتشابه، لقوله تعالى {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} .
4 -
وحوب الرجوع إلى المحكم لإزالة الشبهة، لقوله:{هنّ أمّ الكتاب} ، يعني مرجعه، وهذا لايختص بالقرآن، بل حتى في السنة، إذا وحت احاديث متشابهة واحاديث محكمة واضحة، فالواجب رد المتشابه إلى المحكم ليكون الجميع محكما.
5 -
حكمة الله في جعل القرآن ينقسم إلى قسمين: ووجه الحكمة انه بهذا يحصل الابتلاء والامتحان، فلامؤمن لايضل بهذا الانقسام، والذي في قلبه زيغ يضل.
6 -
الابتعاد عن إيراد الآيات المتشابهات دون بيان إشكالها، لأنه يؤدي إلى الحيرة والشك.
7 -
ومن الفوائد: فضيلة الرسوخ في العلم، وهو الثبات فيه والتعمق فيه حتى تصل إلى جذوره، لقوله تعالى:{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} .
8 -
ومنها: أن مقتضى الربوبية أن الله ينزل على عباده كتابا لا كون فيه اختلاف يوقعهم في الشك والاشتباه، لقوله:{كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} ، وما كان من عند الرب المعتني بعباده بربوبيته، فلن يكون فيه شيء يتناقض ويختلف.
9 -
ومنها: أنه لا يتذكر بهذا القرآن ولا بغيره إلا أصحاب العقول، لقوله:{وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} .
10 -
ومن الفوائد ان العقل غير الذكاء، لأننا نجد كثيرا من الناس أذكياء، ولكن لايتذكرون بالقرآن، وهؤلاء عقلاء لكن الذي انتفى عنهم العقل هو عقل التصرف والرشد، أما عقل الإدراك فهم يدركون، ولهذا تقوم عليهم الحجة.
11 -
إن من القرآن ما لايعلم تأويله إلا اللهـ لقوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} على قراءة الوقف، والفائدة: امتحان العباد بتأدبهم مع الله عز وجل.
القرآن
(1) انظر: النكت والعيون: 1/ 371.
(2)
انظر: تفسير الطبري (6623): ص 6/ 199.
(3)
انظر: النكت والعيون: 1/ 371.
(4)
الكشاف: 1/ 339.
(5)
صفوة التفاسير: 1/ 168.
(6)
تفسير الطبري: 6/ 208.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (3214): ص 2/ 600.
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3214): ص 2/ 600.
(9)
أخرجه الطبري (6642): ص 6/ 208.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (3216): ص 2/ 600 - 601.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (3215): ص 2/ 600.
(12)
تفسير الطبري: 6/ 206.
(13)
أخرجه الطبري (6637): ص 6/ 206.
(14)
نظر: النكت والعيون: 1/ 372.
(15)
نظر: النكت والعيون: 1/ 372.
(16)
أخرجه الطبري (6632): ص 6/ 203.
(17)
الكشاف: 1/ 339.
(18)
صفوة التفاسير: 1/ 168.
(19)
الكشاف: 1/ 339.
(20)
نظر: النكت والعيون: 1/ 372.
(21)
صفوة التفاسير: 1/ 168.
(22)
أخرجه ابن أبي حاتم (3220): ص 2/ 601.
(23)
تفسير السعدي: 122.
{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8)} [آل عمران: 8]
التفسير:
ويقولون: يا ربنا لا تَصْرِف قلوبنا عن الإيمان بك بعد أن مننت علينا بالهداية لدينك، وامنحنا من فضلك رحمة واسعة، إنك أنت الوهاب: كثير الفضل والعطاء، تعطي مَن تشاء بغير حساب.
قوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} [آل عمران: 8]، " أي: لا تملها عن الهدى بعد إذ أقمتها عليه" (1).
قال محمد بن إسحاق: " أي: لا تمل قلوبنا وإن ملنا بأحداثنا"(2)، "بعد ما بصرتنا من الهدى فيما جاء به أهل البدعة والضلالة"(3).
قال مقاتل: " يعني: لا تحول قلوبنا عن الهدى بعد ما هديتنا كما أزغت اليهود عن الهدى"(4).
قال الزجاج: " أي لا تمِلْها عن الهدى والقَصْد، أي لا تضلَّنَا بعد إذ هديتنا، وقيل أيضاً: {لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا}: لا تَتَعبَّدْنا بما يكون سبباً لزيغ قلوبنا وكلاهما جيد"(5).
قال الزمخشري: " لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا (6) [بعد إذ] أرشدتنا لدينك، أو لا تمنعنا ألطافك بعد إذ لطفت بنا"(7).
قال السعدي: " أي: لا تملها عن الحق جهلا وعنادا منا، بل اجعلنا مستقيمين هادين مهتدين، فثبتنا على هدايتك وعافنا مما ابتليت به الزائغين"(8).
قال القاسمي: أي: " ولا تجعلها كالذين في قلوبهم زيغ، الذين يتبعون ما تشابه من القرآن، ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم"(9).
وقرئ: " {لا تزغ قلوبنا}، بالتاء والياء ورفع {القلوب} "(10).
عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: " "يا مُقَلِّبَ القلوب ثَبِّتْ قلبي على دينك" ثم قرأ: {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} "(11).
قوله تعالى: {وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} [آل عمران: 8]، أي: امنحنا من فضلك وكرمك رحمةً تثبتنا بها على دينك الحق" (12).
قال ابن كثير: " أي: من عندك {رَحْمَةً} تثبت بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وتزيدنا بها إيمانًا وإيقانًا"(13).
قال السعدي: " أي: عظيمة توفقنا بها للخيرات وتعصمنا بها من المنكرات"(14).
قوله تعالى: {إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8]، أي:" كثير النعم والإفضال، جزيل العطايا والنوال"(15).
قال السعدي: " أي: واسع العطايا والهبات، كثير الإحسان الذي عم جودك جميع البريات"(16).
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 13.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (3221): ص 2/ 601.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (3224): ص 2/ 602.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 264.
(5)
معاني القرآن: 1/ 379.
(6)
وقال المقق-رحمه الله" أما أهل السنة فيدعون اللَّه بهذه الدعوة غير محرفة، لأنهم يوحدون حق التوحيد، فيعتقدون أن كل حادث من هدى وزيغ مخلوق للَّه تعالى. وأما القدرية فعندهم أن الزيغ لا يخلقه اللَّه تعالى وإنما يخلقه العبد لنفسه، فلا يدعون اللَّه تعالى بهذه الدعوة إلا محرفة إلى غير المراد بها كما أولها المصنف به، وإن كنا ندعو اللَّه تعالى مضافا إلى هذه الدعوة بأن لا يبتلينا ولا يمنعنا لطفه آمين، لأن الكل فعله وخلقه، ولا موجود إلا هو وأفعاله، التي نحن وأفعالنا منها". [الكشاف: 1/ 339].
(7)
الكشاف: 1/ 339.
(8)
تفسير السعدي: 122.
(9)
محاسن التأويل: 2/ 286.
(10)
الكشاف: 1/ 339.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (3222): ص 2/ 601 - 602، والطبري (6650): ص 6/ 213. اسناده صحيح.
(12)
صفوة التفاسير: 1/ 168.
(13)
تفسير ابن كثير: 2/ 13.
(14)
تفسير السعدي: 122.
(15)
محاسن التأويل: 2/ 286.
(16)
تفسير السعدي: 122.
قال القاسمي: " وفيه دلالة على أن الهدى والضلال من قبله تعالى"(1).
الفوائد:
1 -
مشروعي تصدير الدعاء باسم الرب، لقوله:{ربنا} .
2 -
الهداية يكون من عند الله وحده.
3 -
ومنها: ان الانسان لا يملك قلبه، فكم من انسان مؤمن زلّ والعياذ بالله.
4 -
الدلالة أن في صلاح القلب صلاح جميع الجسد، لقوله:{ربنا لاتزغ قلوبنا} .
2 -
الثناء على الله بهدايته فهو من باب التحدث بنعم الله عز وجل، قال تعالى:{بعد إذ هديتنا} .
3 -
ان الانسان مضطر إلى ربه في الدفع والرفع.
3 -
الإخلاص، وذلك من خلال طلب الرحمة التي من لدن الله، وأن العطاء يكون على قدر المعطيـ لقوله:{وهب لنا من لدنك رحمة} .
4 -
التوسل بأسماء الله تعالى، لقوله {إنك انت الوهاب]، فمن اسماءه تعالى {الوهاب} ، وهو للمبالغة لكثرة من يهب له فإن الموهوب لهم لا يحصيهم إلا الله عز وجل.
القرآن
{رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9)} [آل عمران: 9]
التفسير
يا ربنا إنا نُقِرُّ ونشهد بأنك ستجمع الناس في يوم لا شَكَّ فيه، وهو يوم القيامة، إنَّك لا تُخلف ما وعَدْتَ به عبادك.
قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ} [آل عمران: 9]، " ربنا إنك إنك جامع الخلائق في يوم الحساب الذي لاشك فيه"(2).
قال ابن كثير: " أي: يقولون في دعائهم: إنك - يا ربنا - ستجمع بين خلقك يوم معادهم، وتفصل بينهم وتحكم فيهم فيما اختلفوا فيه، وتجزي كلا بعمله، وما كان عليه في الدنيا من خير وشر"(3).
قال القرطبي: " أي باعثهم ومحييهم بعد تفرقهم، وفي هذا إقرار بالبعث ليوم القيامة"(4).
قال الزجاج: " إِقرار بالبعث ودليل أنهم خالفوا من يتبع المتشابه لأن الذين ابتغوا المتشابه هم الذين أنكروا البعث"(5).
عن أم هاني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد يوم القيامة"(6).
وعن أبي الدرداء قال: "الريب: يعني الشك من الكفر"(7).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9]، أي:" وأنت يا رب لا تخلف الموعد"(8).
قال ابن عباس: " ميعاد من قال لا إله إلا الله"(9).
قال الزمخشري: "معناه أنّ الإلهية تنافى خلف الميعاد كقولك: إن الجواد لا يخيب سائله والميعاد: الموعد"(10).
(1) محاسن التأويل: 2/ 286.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 168. [بتصرف].
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 15.
(4)
تفسير القرطبي: 4/ 21.
(5)
معاني القرآن: 1/ 379.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (3225): ص 2/ 602، ورواه مسلم في كتاب الإيمان برقم (327).
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (3226): ص 2/ 602.
(8)
صفوة التفاسير: 1/ 168.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (3227): ص 2/ 602.
(10)
الكشاف: 1/ 339.
قال الزجاج: " جائز أن يكون حكاية عن الموحدين، وجائز أن يكون إخباراً عن اللَّه، وجائز فتح {أن اللَّه لا يخلف الميعاد}، فيكون المعنى" جامع الناس لأنك لا تخلف الميعاد، أي: قد أعلمتنا ذلك ونحن غير شَاكِّين فيه" (1).
قال الواحدي: " ولا يدل هذا على تخليد مرتكبي الكبائر من المسلمين في النار، وإن وعد ذلك بقوله:{ومن يعص الله ورسوله} [النساء: 14]. الآية؛ لأن المراد بالميعاد ههنا يوم القيامة، لأن الآية وردت في ذكره. أو يحمل هذا على ميعاد الأولياء دون وعيد الأعداء؛ لأن خلف الوعيد كرم عند العرب، والدليل: أنهم يمدحون بذلك، ومنه قول الشاعر (2):
إذا وعد السراء أنجز وعده
…
وإن وعد الضراء فالعفو مانعه
قال الأصمعي: جمعنا بين أبي عمرو بن العلاء، وبين محمد بن مسعود الفدكي، فقال أبو عمرو: ما تقول؟ قال: أقول: إن الله وعد وعدا، وأوعد إيعادا، فهو منجز إيعاده، كما هو منجز وعده. فقال أبو عمرو: إنك رجل أعجم، لا أقول: أعجم اللسان، ولكن أعجم القلب. إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤما، وعن الإيعاد كرما، وأنشد (3):
وإني وإن أوعدته أو وعدته
…
ليكذب إيعادي ويصدق موعدي
أو تقول: هذا عام في وعيد الأولياء، ووعيد الكفار، فأما مرتكبو الكبائر، فهم مخصوصون بقوله تعالى:{ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] " (4).
الفوائد:
1 -
أن يوم القيمة آت لاريب فيه؛ لقوله: {ليوم لاريب فيه} ، وقوله:{إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9].
2 -
ومنها: تمام قدرة الله سبحانه وتعالى بجمع الناس كلهم في هذا اليوم؛ ومع هذا فإن هذا الجمع لا يحتاج إلى مدة {فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة} [النازعات: 13 - 14].
3 -
ومنها: حكمة الله عزوجل في جمع الناس لهذا اليوم؛ لأن هذا الجمع له ما بعده وهو جزاء كل عامل بما عمل كما قال تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التغابن: 9 - 1 - ]، إذا فهذا الجمع لحكمة وهو: جزاء العامل بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
(1) معاني القرآن: 1/ 379.
(2)
البيت، لأبي الحسن، السري بن أحمد بن السري الكندي الرفاء الموصلي. وهو في:"ديوانه" 2/ 368. وورد منسوبا له، في "يتيمة الدهر" 2/ 156. وروايته في "الديوان""واليتيمة": ( .. وإن أوعد الضراء .. ).
(3)
البيت لعامر بن الطفيل، وهو في "ديوانه"58. وقد ورد منسوبا له، في "العقد الفريد" لابن عبد ربه: 1/ 284، وأورده بنفس رواية المؤلف: "يتيمة الدهر" للثعالبي: 2/ 157، "لسان العرب" 2/ 1098 (ختأ)، 8/ 4871 (وعد)، 2/ 1103 (ختا)، "تاج العروس" 1/ 143 (ختأ)، 19/ 369 (ختا). كما ورد غير معزو، في "عيون الأخبار" لابن قتيبة: 2/ 142، "ضرورة الشعر" للسيرافي، تحقيق د. رمضان عبد التواب: 138، "مجالس العلماء" للزجاجي: 62، "تهذيب اللغة" 4/ 3915 (وعد)، "الصحاح" 2/ 551 (وعد) "طبقات النحويين واللغويين" للزبيدي: 39، "العمدة" لابن رشيق: 1/ 589، "الحماسة البصرية" لصدر الدين البصري: 2/ 30. وروايته في "الديوان":
وإني إن أوعدته أو وعدته
…
لأخلف إيعادي وأنجز موعدي
وبرواية أخرى:
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
كما ورد في "اللسان" 1/ 63 كالآتي:
ليأمن ميعادي ومنجز موعدي
وانظر الفرق بين (وعد) و (أوعد) في: "ما تلحن فيه العامة" للكسائي: 110، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة: 2/ 189، "أدب الكاتب" لابن قتيبة: 1/ 272، "مجالس ثعلب" 1/ 227، "والخاطريات" لابن جني: 198، "خزانة الأدب" للبغدادي: 5/ 189، 190. وانظر مادة (وعد) في "تهذيب اللغة" "الصحاح" "اللسان". وقد وردت هذه المحاورة في "عيون الأخبار" 2/ 142، "مجالس العلماء" 62، "طبقات النحويين واللغويين" 39، "إنباه الرواة" 4/ 133، "مدارج السالكين" لابن القيم: 1/ 396، "ميزان الاعتدال" للذهبي: 4/ 198، 199، "لوامع الأنوار" للسفاريني: 1/ 371.
(4)
التفسير البسيط: 5/ 65 - 67.
4 -
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب علينا أن نؤمن إيمانا لاشك فيه بهذا اليوم؛ فإن شك أحد أو أنكر فليس بمؤمن فهو كافر؛ والناس في هذا المقام ثلاثة أقسام وإن شئت فقل: أربعة: مؤمن إيمانا لاريب فيه؛ وشاك؛ وكافر منكر؛ وكافر مجادل؛ يعني مع كونه منكرا يجادل ويخاصم؛ كفار قريش من أي الأنواع؟ من النوع الرابع، المنكر المجادل؛ ومن الناس من هو منكر لا يجادل لكنه في نفسه منكر ما صدق؛ ومن الناس من هو متردد شاك؛ ومن الناس من هو مؤمن إيمانا يقينيا كأنه رأي العين في قلبه.
5 -
ومن فوائد الآية الكريمة: انتفاء صفة خلف الوعد عن الله عز وجل؛ لقوله: : {إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9]، وانتفاء هذه الصفة يتضمن كماله في شيئين وهما: الصدق والقدرة؛ فلكمال صدق الله عزوجل ولكمال قدرته لا يخلف الميعاد بل لابد أن يقع ما وعد به
5 -
الفرق بين الشك والريب، أن"الريب" شك مع قلق، وأما "الشك": فشك بدون قلق؛ يعني يكون متردد لكن ما يكون معه قلق نفسي؛ لكن هذا لأن الأمر فيه هام يكون فيه قلق للمشك فيه، لكن المؤمنين لا يشكون فيه لا يرتابون فيه.
6 -
أفاد الالتفات في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9]، تنبيه المخاطب، كما أن مجيئه بصيغة الغائب أبلغ في التعظيم.
القرآن
التفسير:
إن الذين جحدوا الدين الحق وأنكروه، لن تنفعهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئًا إن وقع بهم في الدنيا، ولن تدفعه عنهم في الآخرة، وهؤلاء هم حطب النار يوم القيامة.
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران: 10]، " أي إن الذين جحدوا بآيات الله وكذبوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم"(1).
قال الطبري: " إن الذين جحدوا الحق الذي قد عرفوه من نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل ومنافقيهم ومنافقي العرب وكفارهم"(2).
وأصْلُ (الكفر) عند العرب: تَغطيةُ الشيء، ولذلك سمَّوا الليل " كافرًا "، لتغطية ظُلمته ما لبِستْه، كما قال الشاعر (3):
فَتَذَكَّرَا ثَقَلا رًثِيدًا، بَعْدَ مَا
…
أَلْقَتْ ذُكاءُ يَمِينَهَا في كافِرِ
وقال لبيدُ بن ربيعة (4):
يَعْلُو طَريقةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرَا
…
فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومُ غَمَامُهَا
يعني غَطَّاها، فكذلك الذين جحدوا النبوّة من الأحبار من اليهود غَطَّوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكَتَمُوه الناسَ - مع علمهم بنبوّته، ووُجُودِهم صِفَتَه في كُتُبهم - فقال الله جل ثناؤه فيهم:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ} [سورة البقرة: 159](5).
(1) صفوة التفاسير: 1/ 27.
(2)
تفسير الطبري: 6/ 223.
(3)
الشعر لثعلبة بن صعير المازني، شرح المفضليات:257. والضمير في قوله " فتذكرا " للنعامة والظليم. والثقل: بيض النعام المصون، والعرب تقول لكل شيء نفيس خطير مصون: ثقل. ورثد المتاع وغيره فهو مرثود ورثيد: وضع بعضه فوق بعض ونضده. وعنى بيض النعام، والنعام تنضده وتسويه بعضه إلى بعض. وذكاء: هي الشمس.
(4)
انظر: شرح المعلقات السبع للزوزني: 100، ويروى " ظلامها ". يعني البقرة الوحشية، قد ولجت كناسها في أصل شجرة، والرمل يتساقط على ظهرها.
(5)
تفسير الطبري: 1/ 255.
قوله تعالى: {لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} [آل عمران: 10]، " أي لن تفيدهم الأموال والأولاد في الآخرة، من عذاب الله وأليم عقابه "(1).
قال الطبري: "، يعني بذلك أنّ أموالهم وأولادهم لن تُنجيهم من عقوبة الله إن أحلَّها بهم - عاجلا في الدنيا على تكذيبهم بالحق بعد تبيُّنهم"(2).
قال الثعلبي: " أي لن ينفع، ولن يدفع وإنما سمى المال غنى لأنه ينفع الناس ويدفع عنهم الفقر والنوائب"(3).
قال أبو السعود: " وتأخيرُ الأولاد عن الأموال مع توسيط حرف النفي بينهما إما لعراقة الأولادِ في كشف الكروب أو لأن الأموال أولُ عُدّة يُفزع إليها عند نزول الخطوب"(4).
وفي قوله تعالى: {لَنْ تُغْنِيَ} [آل عمران: 10]، وجوه من القراءة:
أحداها: {لن تغنى} بسكون الياء، قرأ بها قرأ على -رضى اللَّه عنه-"وهذا من الجدّ في استثقال الحركة على حروف اللين"(5).
والثاني: {يغني} ، بالياء المتقدمة من الفعل ودخول [الحائل] بين الاسم والفعل. قرأ بها السلمي (6).
قوله تعالى: {وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ} [آل عمران: 10]، أي أولئك "هم حطب جهنم الذي تُسْجر وتوقد به النار"" (7).
قال الطبري: " يعني بذلك: حَطبُها"(8).
عن أم الفضل أم عبد الله بن عباس قالت: "بينما نحن بمكة، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل فنادى: اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، ثلاثا، فقام عمر بن الخطاب فقال: نعم، ثم أصبح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليظهرن الإسلام حتى يرد الكفر إلى موطنه، وليخوضن البحار بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يتعلمون القرآن ويقرءونه ثم يقولون: قد قرأنا القرآن، وعلمنا فمن هذا الذي هو خير منا، فهل في أولئك من خير؟ قالوا: يا رسول الله: فمن أولئك؟ . قال أولئك منكم (9)، وأولئك هم وقود النار"(10).
الفوائد:
1 -
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار لا ينتفعون بأموالهم ولا أولادهم.
2 -
ومن الفوائد أيضا: إن الكفار لا تنفعهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا.
3 -
ومن فوائدها: أن المؤمنين قد ينتفعون بأموالهم وأولادهم وهو كذلك؛ فالمؤمن يتصدق بماله فينتفع، ويدعوا له ولده في حياته وبعد موته فينتفع؛ أما الكافر فلا ينتفع ولو دعا له ولده، كما لا يحل لولده أن يدعوا له، إلا إذا كان حيا فيحل أن يدعوا له بالهداية، وأما أن يدعوا له بعد موته فلا يمكن أن يدعوا له.
4 -
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافر يملك؛ وجهه قوله: {أموالهم} ، فأضاف المال إليه وهو دليل على أن الكافر يملك ماله.
5 -
ومن فوائد الآية: تشجيع قلوب المؤمنين على الكافرين؛ وجهه أن أموالهم وأولادهم لا تغني من الله شيئا؛ فإذا انتصرنا بالله فإن ما عندهم من الأسلحة، والذخائر، والأموال، والأولاد لا يغنيهم من الله شيئا، ولهذا لو شاء الله عزوجل أن يبطل جميع ما فعلوه لأبطله.
القرآن
(1) صفوة التفاسير: 1/ 171.
(2)
تفسير الطبري: 6/ 223.
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 18.
(4)
تفسير أبي السعود: 2/ 10.
(5)
الكشاف: 1/ 339.
(6)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 18.
(7)
صفوة التفاسير: 1/ 171.
(8)
تفسير الطبري: 6/ 223.
(9)
إضافة عن ابن كثير 2/ 11 وقال: وكذا رأيته بهذا اللفظ.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (3229): ص 2/ 603.
التفسير:
شأن الكافرين في تكذيبهم وما ينزل بهم، شأن آل فرعون والذين من قبلهم من الكافرين، أنكروا آيات الله الواضحة، فعاجلهم بالعقوبة بسبب تكذيبهم وعنادهم. والله شديد العقاب لمن كفر به وكذَّب رسله.
قوله تعالى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} [آل عمران: 11]، "أي حال هؤلاء الكفار وشأنهم كحال وشأن آل فرعون، وصنيعُهم مثلُ صنيعهم"(1).
قال الطبري: " كسُنَّة آل فرعون وعادتهم"(2).
قال القاسمي: " أي دأب هؤلاء في الكفر كدأب آل فرعون"(3).
قال الزمخشري: " تقول: إنك لتظلم الناس كدأب أبيك تريد كظلم أبيك ومثل ما كان يظلمهم "(4).
وفي قوله تعالى: {كَدَأْبِءَالِ فِرْعَوْنَ} [آل عمران: 11] وجوه من التفسير (5):
أحدها: أن معناه: كسُنَّتهم. قاله الربيع (6).
والثاني: أن معناه: كصنعهم وعملهم. قاله ابن عباس (7)، والضحاك (8)، وابن زيد (9)، وعكرمة (10)، ومجاهد (11).
والثالث: أن المعنى: كشبيه آل فرعون. قاله الربيع (12).
والرابع: أن معنى ذلك: كتكذيب آل فرعون. وهذا قول السدي (13).
والخامس: أن الدأب: العادة، أي: كعادة آل فرعون والذين من قبلهم (14).
فإذا قيل إنه "العادة"، ففيما أشار إليه من عادتهم وجهان (15):
أحدهما: كعادتهم في التكذيب بالحق.
والثاني: كعادتهم من عقابهم على ذنوبهم.
والخامس: أن الدأب هنا: الاجتهاد، مأخوذ من قولهم: دأبت في الأمر، إذا اجتهدت فيه (16).
وإذا قيل إنه الاجتهاد، احتمل ما أشار إليه من اجتهادهم وجهين (17):
أحدهما: كاجتهادهم في نصرة الكفر على الإِيمان.
والثاني: كاجتهادهم في الجحود والبهتان.
قال الطبري: " وأصل " الدأب " من: " دأبت في الأمر دأْبًا "، إذا أدمنت العمل والتعب فيه. ثم إن العرب نقلت معناه إلى: الشأن، والأمر، والعادة، كما قال امرؤ القيس بن حجر (18):
وَإنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَة
…
فَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ
(1) صفوة التفاسير: 1/ 171.
(2)
تفسير الطبري: 6/ 223.
(3)
محاسن التأويل: 2/ 289.
(4)
الكشاف: 1/ 340.
(5)
انظر: النكت والعيون: 1/ 372.
(6)
انظر: تفسير الطبري (6659): ص 6/ 223.
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3230): ص 2/ 603، وتفسير الطبري (6664): ص 6/ 224.
(8)
انظر: تفسير الطبري (6660)، (6661): ص 6/ 223 - 224.
(9)
انظر: تفسير الطبري (6662): ص 6/ 224.
(10)
انظر: تفسير الطبري (6663): ص 6/ 224.
(11)
انظر: تفسير الطبري (6663): ص 6/ 224.
(12)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3230): ص 2/ 603.
(13)
انظر: تفسير الطبري (6665): ص 6/ 224.
(14)
انظر: النكت والعيون: 1/ 372.
(15)
انظر: النكت والعيون: 1/ 372.
(16)
انظر: النكت والعيون: 1/ 372.
(17)
انظر: النكت والعيون: 1/ 373.
(18)
ديوانه: 125 من معلقته المشهورة
كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الْحُوَيْرِث قَبْلَهَا
…
وَجَارَتِهَا أُمِّ الرَّبَابِ بِمَأْسَلِ
يعني بقوله: " كدأبك "، كشأنك وأمرك وفعلك" (1).
وفيمن أشار إليهم أنهم {كدأب آل فرعون} قولان (2):
أحدهما: أنهم مشركو قريش يوم بدر، كانوا في انتقام الله منهم لرسله والمؤمنين، كآل فرعون في انتقامه منهم لموسى وبني إسرائيل، فيكون هذا على القول الأول تذكيراً للرسول والمؤمنين بنعمة سبقت، لأن هذه الآية نزلت بعد بدر استدعاء لشكرهم عليها.
وعلى القول الثاني: وعداً بنعمة مستقبلة لأنها نزلت قبل قتل يهود بني قينقاع، فحقق وعده وجعله معجزاً لرسوله.
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [آل عمران: 11]، أي والذين "من قبل آل فرعون من الأمم الكافرة"(3).
قال الصابوني: " أي من قبل آل فرعون من الأمم الكافرة كقوم هود وصالح وشعيب"(4).
قوله تعالى: {كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} [آل عمران: 11]، أي:" حين كذبوا بآياتنا"(5).
قوله تعالى: {فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 11]، " أي عاقبهم وأهلكهم بسببها"(6).
قال الثعلبي: " فعاقبهم، بذنوبهم: نظيره قوله: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} [العنكبوت: 40] "(7).
قال النسفي: " بسبب ذنوبهم"(8).
قال السعدي: " عدلا منه لا ظلما"(9).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ} [آل عمران: 11]، " أي أليم العذاب شديد البطش"(10).
قال الطبري: " والله شديد عقابه لمن كفر به وكذّب رسله بعد قيام الحجة عليه"(11).
قال البيضاوي: "تهويل للمؤاخذة وزيادة تخويف الكفرة"(12).
الفوائد:
1 -
فوائدها: أن الكفار المتأخرين كالكفار السابقين؛ لأن سنة الله تعالى بالخلق واحدة؛ لأنه عزوجل ليس بينه وبين الحلق نسب يراعيه ويحابي من يتصل به؛ فالناس عند الله تعالى سواء؛ أكرمهم عند الله أتقاهم؛ لقوله: {كدأب آل فرعون
…
}.
2 -
ومنها: أن فرعون وآله قد عذبوا في الدنيا كما سيعذبون في الآخرة؛ لقوله: {فأخذهم الله بذنوبهم} .
3 -
ومن فوائدها: الرد على من زعم أن فرعون أسلم فنفعه إسلامه؛ لأن الله تعالى ذكر ذلك على وجه المؤاخذة والمعاقبة؛ ولو كان تائبا توبة تنفعه ما ذكر ذنبه بدون ذكر توبته؛ لأن الله تعالى عدل لا يذكر أحدا بذنب تاب منه إلا أن يبين توبته.
4 -
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الآية لله وهي العلامات الدالة على الله عزوجل على وجوده وعلى ما تتضمنه هذه الآيات من صفاته؛ فمثلا نزول الرحمة نزول الغيب دليل على الرحمة، آية على رحمة الله على وجوده وعلى رحمته؛ نزول العقوبات دليل على وجود الله وعلى غضبه؛ وهكذا كل آية تدل على وجود الله سبحانه وتعالى وعلى ما تقتضيه تلك الآية من الصفات سواء كانت آية رحمة أو آية عذاب.
(1) تفسير الطبري: 6/ 225.
(2)
انظر: النكت والعيون: 1/ 373.
(3)
محاسن التأويل: 2/ 289.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 171.
(5)
تفسير الطبري: 6/ 223.
(6)
محاسن التأويل: 2/ 289.
(7)
تفسير الثعلبي: 3/ 19.
(8)
تفسير النسفي: 1/ 149.
(9)
تفسير السعدي: 123.
(10)
صفوة التفاسير: 1/ 171.
(11)
تفسير الطبري: 6/ 225.
(12)
تفسير البيضاوي: 2/ 7.
5 -
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله لا يظلم الناس شيئا وإنما يؤاخذهم بالذنوب؛ {فأخذهم الله بذنوبهم} ؛ ونظير ذلك قوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30].
6 -
ومنها: الرد على الجبرية الذين لا ينسبون فعل العبد إليه؛ لقوله: {بذنوبهم} ، فأضاف الذنوب إليهم؛ والفعل لا ينسب إلا لمن قام به حقيقة؛ والجبرية يقولون: إن الفعل لا ينسب إلى الإنسان على وجه الحقيقة. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات صفة شدة العقاب لله؛ لقوله: {والله شديد العقاب} .
القرآن
{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12)} [آل عمران: 12]
التفسير:
قل -أيها الرسول-، للذين كفروا من اليهود وغيرهم والذين استهانوا بنصرك في "بَدْر": إنكم ستُهْزَمون في الدنيا وستموتون على الكفر، وتحشرون إلى نار جهنم; لتكون فراشًا دائمًا لكم، وبئس الفراش
في سبب نزول هذه الآية أقوال:
أحدها: أنها نزلت في قريش قبل بدر بسنة، فحقق الله قوله، وصدق رسوله، وأنجز وعده بمن قتل منهم يوم بدر، قاله ابن عباس (1)، والضحاك (2).
والثاني: أنها نزلت في بني قينقاع لمَّا هلكت قريش يوم بدر، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، وحذرهم مثل ما نزل بقريش، فأبوا وقالوا: لسنا كقريش الأغمار الذين لا يعرفون الناس، فأنزل الله فيهم هذه الآية، قاله قتادة (3)، وابن إسحاق (4).
والثالث: أن أبا سفيان في جماعة من قومه جمعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وقعة بدر فنزلت هذه الآية قاله ابن السائب (5).
والرابع: أنها نزلت في عامة الكفار.
والخامس: أنه لما شمت اليهود بالمسلمين يوم أحد، قيل لهم {ستغلبون وتحشرون إلى جهنم} ، يعني على القراءة بالياء المثناة التحتانية فيهما. وهذا قول ابن المظفر (6).
قوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ} [آل عمران: 12]، " أي قل يا محمد لليهود ولجميع الكفار: ستهزمون في الدنيا" (7).
وفي الغلبة هنا قولان (8):
أحدهما: بالقهر والاستيلاء، إن قيل إنها خاصة.
والثاني: بظهور الحجة، إن قيل إنها عامة.
واختلفت القراءة في قوله: {سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ} [آل عمران: 12]، على وجهين (9):
احدهما: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ} بالتاء، على وجه الخطاب للذين كفروا بأنهم سيغلبون. قراءة نافع، وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامرـ
والثاني: {سَيُغْلَبُونَ وَيُحْشَرُونَ} ، على معنى: قل لليهود: سيغلب مشركو العرب ويحشرون إلى جهنم. قرأت ذلك وحمزة والكسائي.
قوله تعالى: {وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ} [آل عمران: 12]، "أي تُجمعون وتساقون إِلى جهنم"(10).
(1) انظر: تفسير الطبري: (6666): ص 6/ 227، والأسباب للواحدي: 91 - 92، والعجاب في بيان الأساب: 2/ 665، وسيرة ابن هشام: 2/ 47، وقد عزاه السيوطي في "اللباب: ص 51، إلى أبي داود في "سننه" والبيهقي في "الدلائل".
(2)
انظر: النكت والعيون: 1/ 373، وزاد المسير: 1/ 356.
(3)
انظر: تفسير الطبري (6667): ص 6/ 227،
و(4) انظر: تفسير الطبري (6668): ص 6/ 227،
و(5) انظر: زاد المسير: 1/ 356.
(6)
انظر: العجاب في بيان الأسباب: 2/ 666.
(7)
صفوة التفاسير: 1/ 171.
(8)
انظر: النكت والعيون: 1/ 374 - 375.
(9)
انظر: السبعة في القراءات: 202.
(10)
صفوة التفاسير: 1/ 171.
قوله تعالى: {وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 12]، أي بئس المهاد والفراش الذي تمتهدونه نار جهنم" (1).
قال الطبري: أي: "وبئس الفراش جهنم التي تحشرون إليها"(2).
وفي تفسير: قوله تعالى: {وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 12]، وجهان:
أحدهما: بئس ما مهدوا لأنفسهم، قاله مجاهد (3).
والثاني: معناه بئس القرار، قاله الحسن (4).
وفي {بِئْسَ} وجهان (5):
أحدهما: أنه مأخوذ من البأس، وهو الشدة.
والثاني: أنه مأخوذ من البأساء وهو الشر.
الفوائد:
1 -
أن الله يجمع للكفار بين عقوبتين: عقوبة في الدنيا وأخرى في القيامة.
2 -
إثبات عذاب النار، لقوله:{وتحشرون إلى جهنك} .
3 -
إنشاء الذم للنار، لقوله:{وبئس المهاد} .
القرآن
التفسير:
قد كان لكم -أيها اليهود المتكبرون المعاندون- دلالة عظيمة في جماعتين تقابلتا في معركة "بَدْر": جماعة تقاتل من أجل دين الله، وهم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وجماعة أخرى كافرة بالله، تقاتل من أجل الباطل، ترى المؤمنين في العدد مثليهم رأي العين، وقد جعل الله ذلك سببًا لنصر المسلمين علبهم. والله يؤيِّد بنصره من يشاء من عباده. إن في هذا الذي حدث لَعِظة عظيمة لأصحاب البصائر الذين يهتدون إلى حكم الله وأفعاله.
قوله تعالى: {{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا} [آل عمران: 13]، أي قد كان لكم يا معشر اليهود عظة وعبرة في طائفتين التقتا للقتال يوم بدر" (6).
قال ابن عباس: " أي أصحاب بدر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم"(7).
قال الربيع: " كان ذلك يوم بدر، كان المشركون تسعمائة وخمسين رجلا. وكان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا"(8).
قال الواحدي: " وأراد بالـ {آية}: علامة تدل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم –"(9).
قال ابن عطية: " والفئة: الجماعة من الناس سميت بذلك لأنها يفاء إليها، أي يرجع في وقت الشدة"(10).
وقال الزجاج: الفئة الفرقة، مأخوذة من فأوت رأسه بالسيف، ويقال: فأيته إذا فلقته" (11).
قوله تعالى: {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [آل عمران: 13]، " أي طائفةٌ مؤمنة تقاتل لإِعلاء دين الله "(12).
(1) صفوة التفاسير: 1/ 171.
(2)
تفسير الطبري: 6/ 229.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3235): ص 2/ 604، وتفسير الطبري (6671)، و (6672): ص 6/ 229، وتفسير مجاهد: 1/ 122.
(4)
انظر: النكت والعيون: 1/ 375.
(5)
انظر: النكت والعيون: 1/ 375.
(6)
صفوة التفاسير: 1/ 171.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (3237): ص 2/ 605.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (3238): ص 2/ 605.
(9)
التفسير البسيط: 5/ 79.
(10)
المحرر الوجيز: 1/ 407.
(11)
معاني القرآن: 1/ 381.
(12)
صفوة التفاسير: 1/ 171.
قال مجاهد: " محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه"(1).
قال سعيد بن جبير: " {في سبيل الله}، يعني: في طاعة الله"(2).
قال القاسمي: " وهم النبيّ وأصحابه وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا. معهم فرسان وست أدرع وثمانية سيوف وأكثرهم رجالة"(3).
وفي قوله تعالى: {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [آل عمران: 13]، وجوه من القراءة (4):
إحداها: {فئة تقاتل} ، برفع {فئة} على خبر ابتداء، تقديره إحداهما فئة، وهي قراءة الجمهور.
والثانية: {فئة} ، بالخفض على البدل، قرأ بها مجاهد والحسن والزهري وحميد.
والثالثة: {فئة} ، بالنصب، وهي قراءة ابن أبي عبلة.
قوله تعالى: {وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} [آل عمران: 13]، " أي: وطائفة أخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت وهم كفار قريش" (5).
قال مجاهد: " مشركي قريش يوم بدر"(6).
قال القاسمي: " وهم مشركو قريش وكانوا قريبا من ألف"(7).
وقرأ ابن أبي عبلة: {كافرة} ، بالنصب (8)، اجازه الزجاج، وقال:"المعنى: التقتا مؤمنة وكافرة، ويجوز نصبها على: أعني فئة تقاتل .. "(9).
قوله تعالى: {يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ} [آل عمران: 13]، أي يرى الكافرون المؤمنين أكثر منهم مرتين" (10).
قال قتادة: " يضعفون عليهم، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين يوم بدر"(11).
قال السدي: " هذا يوم بدر. قال عبد الله بن مسعود: قد نظرنا إلى المشركين، فرأيناهم يُضْعِفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدًا، وذلك قول الله عز وجل: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) [سورة الأنفال: 44] "(12).
قوله تعالى: {رَأْيَ العين} [آل عمران: 13]، أي: رؤية حقيقية لا بالخيال" (13).
قال الزمخشري: " يعنى رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها، معاينة كسائر المعاينات"(14).
وفي تفسير {مِّثْلَيْهِمْ} [آل عمران: 13]، قولان:
أحدهما: أنهم مثلان زائدان على العدد المُتَحَقِّق، فيصير العدد ثلاثة أمثال، قاله الفراء (15).
والثاني: هو المزيد في الرؤية، قاله الزجاج (16).
واختلفوا في المخاطب بهذه الرؤية على قولين:
أحدهما: أنها الفئة المؤمنة التي تقاتل في سبيل الله، بأن أراهم الله مشركي قريش يوم بدر مثلي عدد أنفسهم، لأن عدة المسلمين كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وعدة المشركين في رواية عليٍّ (17) وابن مسعود (18) ألف،
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (3240): ص 2/ 605.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (3241): ص 2/ 605.
(3)
محاسن التأويل: 2/ 290.
(4)
المحرر الوجيز: 1/ 408.
(5)
صفوة التفاسير: 1/ 171.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (3242): ص 2/ 605.
(7)
محاسن التأويل: 2/ 290.
(8)
المحرر الوجيز: 1/ 408.
(9)
معاني القرآن: 1/ 382.
(10)
صفوة التفاسير: 1/ 171.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (3243): ص 2/ 606.
(12)
أخرجه الطبري (6681): ص 6/ 234، وابن أبي حاتم (3243): ص 2/ 606.
(13)
صفوة التفاسير: 1/ 171.
(14)
الكشاف: 1/ 341.
(15)
انظر: معاني القرآن: 1/ 194.
(16)
انظر: معاني القرآن: 1/ 381 - 382.
(17)
انظر: تفسير الطبري (6683): ص 6/ 235 - 236.
(18)
انظر: تفسير الطبري (6684): ص 6/ 236.
وفي رواية عروة (1)، وقتادة (2)، والربيع (3) ما بين تسعمائة إلى ألف، فقلَّلهم الله في أعينهم تقوية لنفوسهم، قاله ابن مسعود (4)، والحسن (5)، وابن جريج (6).
والثاني: أن الفئة التي أراها الله ذلك هي الفئة الكافرة، أراهم الله المسلمين مثلي عددهم مكثراً لهم، لتضعف به قلوبهم (7).
قال الماوردي: "والآية في الفئتين هي تقليل الكثير في أعين المسلمين، وتكثير القليل في أعين المشركين، وما تقدم من الوعد بالغلبة، فتحقق، قتلاً، وأسراً، وسبياً "(8).
قوله تعالى: {والله يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ} [آل عمران: 13]، أي: والله"يقوي بنصره من يشاء"(9).
قال الماوردي: " يعني من أهل طاعته"(10).
قال ابن عباس: " فأيد الله المؤمنين بنصره قال: كان هذا في التخفيف على المؤمنين"(11).
وفي معنى التأييد في هذا الموضع وجهان (12):
أحدهما: أنه المعونة.
والثاني: القوة.
قال ابن عطية: " {يُؤَيِّدُ} ، معناه: يقوي من الأيد وهو القوة (13).
قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً} [آل عمران: 13]، أي:" لقد كان لهم في هؤلاء عبرة وتفكر"(14).
قال الربيع: " لقد كان في هؤلاء عبرة ومتفكر"(15).
قال النسفي: أي: "في تكثير القليل لعظة "(16).
قال ابن كثير: " أي: إن في ذلك لمعتبرًا لمن له بصيرة وفهم يهتدي به إلى حكم الله وأفعاله، وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد"(17).
قوله تعالى: {لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [آل عمران: 13]، أي:"لذوي العقول السليمة والأفكار المستقيمة"(18).
قال النسفي: أي: " لذوي البصائر"(19).
قال الصابوني: " ومغزى الآية أن القوة المادية ليست كل شيء، وأن النصر لا يكون بكثرة العَدد والعتاد، وإِنما يكون بمعونة الله وتأييده كقوله: {إِن يَنصُرْكُمُ الله فَلا غَالِبَ لَكُمْ} [آل عمران: 160] "(20).
الفوائد:
(1) انظر: تفسير الطبري (6685): ص 6/ 236 - 237.
(2)
انظر: تفسير الطبري (6686): ص 6/ 237.
(3)
انظر: تفسير الطبري (6688): ص 6/ 236، وتفسير ابن أبي حاتم (3238): ص 2/ 605.
(4)
انظر: تفسير الطبري (6690): ص 6/ 240.
(5)
انظر: النكت والعيون: 1/ 374.
(6)
انظر: تفسير الطبري (6689): ص 6/ 237.
(7)
انظر: النكت والعيون: 1/ 374.
(8)
النكت والعيون: 1/ 374.
(9)
تفسير الطبري: 6/ 242.
(10)
النكت والعيون: 1/ 375.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (3245): ص 2/ 606.
(12)
انظر: النكت والعيون: 1/ 375.
(13)
المحرر الوجيز: 1/ 408.
(14)
قاله قتادة، انظر: تفسير الطبري: (6692): ص 6/ 243.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (3246): ص 2/ 606.
(16)
تفسير النسفي: 1/ 150.
(17)
تفسير ابن كثير: 2/ 18.
(18)
صفوة التفاسير: 171.
(19)
تفسير النسفي: 1/ 150.
(20)
صفوة التفاسير: 1/ 171.
1 -
ضرب الأمثال بالأمور الواقعة، لأن ذلك أبلغ في التصديق والطمأنينة.
2 -
إن النصر ليس بكثرة العدد، ولا بقوة العُدد، ولكنه من الله.
3 -
ومن فوائد الآية: أن القتال لايكون سببا للنصر إلا إذا كان في سبيل الله، إخلاصا، وموافقة للشرع، واجتنابا للمحارم.
4 -
إثبات أفعال الله، لقوله:{والله يؤيد بنصره من يش وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ} .
5 -
الرد على الجبرية في قوله: {تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ، فأضاف الفعل إليها، والجبرية تقول: لا يضاف الفعل إلى الفاعل إلا على سبيل المجاز، كما تقول: أكلت النار الحطب.
6 -
إثبات المشيئة لله، لقوله:{مَنْ يَشَاءُ} .
7 -
ومن الفوائد انه لا يعتبر بالأمور إلا أولو الأبصار، لقوله:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} .
8 -
الثناء على أهل البصيرة، لأن السياق فيهم، ويتضمن القدح في عُمي القلوب.
القرآن
التفسير:
حُسِّن للناس حبُّ الشهوات من النساء والبنين، والأموال الكثيرة من الذهب والفضة، والخيل الحسان، والأنعام من الإبل والبقر والغنم، والأرض المتَّخَذة للغراس والزراعة. ذلك زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية. والله عنده حسن المرجع والثواب، وهو الجنَّة.
قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ} [آل عمران: 14]، " أي حُسِّن إِليهم وحُبّب إِلى نفوسهم الميل نحو الشهوات"(1).
قال الطبري: " زُيِّن للناس محبة ما يشتهون"(2).
قال الثعلبي: " الشهوات: جمع شهوة وهي نزوع عن النفس إليه"(3).
وفي تفسير الناس في هذه الآية قولان:
أحدهما: أن المراد: الناس عامة. وهو قول الجمهور. وهو الصحيح.
والثاني: يعني الكفار. قاله مقاتل بن سليمان (4).
وفي المُزّيِّن لحب الشهوات ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه الشيطان، لأنه لا أحد أشد ذَمًّا لها من الله تعالى الذي خَلَقَها، قاله الحسن (5).
الثاني: أن الله زيّن ذلك. وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب-رضي الله عنه (6).
وتأويله: أن الله زين حب الشهوات لِمَا جعله في الطبائع من المنازعة كما قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَّهَا} [الكهف: 7]، قاله الزجاج (7).
والثالث: أن الله زين من حبها ما حَسُن، وزين الشيطان من حبها ما قَبُح (8).
قال ابن عطية: " وإذا قيل زين الله، فمعناه بالإيجاد والتهيئة لانتفاع وإنشاء الجبلة عن الميل إلى هذه الأشياء، وإذا قيل زين الشيطان فمعناه بالوسوسة والخديعة وتحسين أخذها من غير وجوهها. والآية تحتمل هذين النوعين من التزيين ولا يختلف مع هذا النظر. وهذه الآية على كلا الوجهين ابتداء وعظ لجميع الناس، وفي ضمن ذلك توضيح لمعاصري محمد عليه السلام من اليهود وغيرهم، والشَّهَواتِ ذميمة واتباعها مرد وطاعتها مهلكة، وقد
(1) صفوة التفاسير: 1/ 171.
(2)
تفسير الطبري: 6/ 343.
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 22.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 266.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3249)، و (3250): ص 2/ 607.
(6)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3248): ص 2/ 606 - 607.
(7)
انظر: معاني القرآن: 1/ 383.
(8)
انظر: النكت والعيون: 1/ 375.
قال عليه السلام: "حفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره"(1) فحسبك أن النار حفت بها، فمن واقعها خلص إلى النار" (2).
قوله تعالى: {مِنَ النِّسَاءِ} [آل عمران: 14]، أي: شهوة الجنس.
قال النسفي: " والإماء داخلة فيها "(3).
قال الثعلبي: " بدأ بهن [أي النساء] لأنهن حبائل الشيطان وأقرب إلى الفتان"(4).
قال ابن كثير: " فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد، كما ثبت في الصحيح أنه، عليه السلام، قال مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّساء". فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد، فهذا مطلوب مرغوب فيه مندوب إليه، كما وردت الأحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه، "وإنَّ خَيْرَ هَذه الأمَّةِ كَانَ أكْثرهَا نسَاءً"(5) وقوله، عليه السلام الدُّنْيَا مَتَاع، وخَيْرُ مَتَاعِهَا المرْأةُ الصَّالحةُ، إنْ نَظَرَ إلَيْها سَرَّتْهُ، وإنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْه، وإنْ غَابَ عَنْها حَفِظْتُه في نَفْسهَا وَمَالِهِ" (6) وقوله في الحديث الآخر:"حُبِّبَ إلَيَّ النِّسَاءُ والطِّيبُ وجُعلَتْ قُرة عَيْني فِي الصَّلاةِ"(7) وقالت عائشة، رضي الله عنها: لم يكن شيء أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النساء إلا الخيل، وفي رواية: من الخيل إلا النساء (8) " (9).
قوله تعالى: {وَالْبَنِينَ} [آل عمران: 14]، أي: ومن البنين.
قال النسفي: " جمع "ابن" وقد يقع في غير هذا الموضع على الذكور والإناث، وهنا أريد به الذكور فهم المشتهون في الطباع والمعدون للدفاع"(10).
قال ابن كثير: "وحب البنين تارة يكون للتفاخر والزينة فهو داخل في هذا، وتارة يكون لتكثير النسل، وتكثير أمة محمد صلى الله عليه وسلم ممن يعبد الله وحده لا شريك له، فهذا محمود ممدوح، كما ثبت في الحديث: "تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ، فَإنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأمَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ" (11) "(12).
قوله تعالى: {وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ} [آل عمران: 14]، " أي: الأموال الكثيرة المكدَّسة من الذهب والفضة" (13).
قال الواحدي: " الذهب: التبر. والقطعة ذهبة، والفضة: الفض في اللغة معناه: التفريق، والكسر، ومنه: لا يفضض الله فاك، فالفضة سميت؛ لأن من شأنها أن تفرق بضرب الدراهم"(14).
واختلفوا في مقدار القنطار على سبعة أقاويل:
أحدها: أنه ألف ومائتا أوقية، وهو قول معاذ بن جبل (15)، وأبي هريرة (16)، وعاصم بن أبي النجود (17)، ورواه زر بن حبيش عن أُبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " القنطار ألف أوقية ومئتا أوقية"(18).
(1) أخرجه مسلم 4/ 2174، كتاب الجنة وصفة نعيمها، رقم: 2823، والترمذي 4/ 598، كتاب صفة الجنة، رقم:2559.
(2)
المحرر الوجيز: 1/ 408.
(3)
تفسير النسفي: 1/ 150.
(4)
تفسير الثعلبي: 3/ 23، وانظر: تفسير البغوي: 1/ 417.
(5)
رواه البخاري في صحيحه برقم (5069) موقوفا على ابن عباس.
(6)
رواه مسلم في صحيحه برقم (1467) والنسائي في السنن (6/ 69) وابن ماجه في السنن برقم (1855) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه.
(7)
رواه أحمد في المسند (3/ 128) والنسائي في السنن (7/ 61) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(8)
رواه النسائي في الكبرى (4404) من طريق سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك، به. وله شاهد من حديث معقل بن يسار، رواه أحمد في مسنده (5/ 27).
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 19.
(10)
تفسير النسفي: 1/ 150.
(11)
رواه أبو داود في السنن برقم (2050) والنسائي في السنن (6/ 65) وابن حبان في صحيحه برقم (1229)"موارد" والحاكم في المستدرك (2/ 162) وصححه وأقره الذهبي من حديث معقل بن يسار.
(12)
تفسير ابن كثير: 2/ 19.
(13)
صفوة التفاسير: 1/ 171.
(14)
التفسير البسيط: 5/ 97، وانظر: العين: 7/ 13، وتهذيب اللغة: 3/ 2799.
(15)
انظر: تفسير الطبري (6696): ص 6/ 244.
(16)
انظر: تفسير الطبري (6700): ص 6/ 244.
(17)
انظر: تفسير الطبري (6699): ص 6/ 244.
(18)
أخرجه الطبري (6701): ص 6/ 245.
والثاني: أنه ألف ومائتا دينار، وهو قول ابن عباس (1)، والضحاك (2)، والحسن (3)، وقد رواه الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم (4).
والثالث: أنه اثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار، وهو قول ابن عباس (5)، والضحاك (6)، والحسن (7).
والرابع: أنه ثمانون ألفاً من الدراهم، أو مائة رطل من الذهب، وهو قول سعيد بن المسيب (8)، وقتادة (9)، وأبي صالح (10)، والسدي (11).
والخامس: أنه سبعون ألفاً، قاله ابن عمر (12)، ومجاهد (13).
والسادس: أنه ملء مسك ثور ذهباً، قاله أبو نضرة (14)، والكلبي (15).
والسابع: أنه المال الكثير، وهو قول الربيع (16).
والراجح أن القنطار: هو المال الكثير، كما قال الربيع بن أنس، ولا يحدُّ قدرُ وزنه بحدٍّ على تَعسُّف (17).
وفي تفسير {المُقَنْطَرَةِ} [آل عمران: 14] ستة أقاويل:
أحدها: أنها المضاعفة، وهو قول قتادة (18) والضحاك (19).
والثاني: أنها الكاملة المجتمعة (20).
والثالث: هي تسعة قناطير، قاله الفراء (21).
والرابع: هي المضروبة دراهم أو دنانير، وهو قول السدي (22).
والخامس: أنها المجعولة كذلك، كقولهم دراهم مدرهمة (23).
والسادس: أن القناطير المذكورة مأخوذة من قنطرة الوادي، إما لأنها بتركها مُعَدَّة كالقناطر المعبورة، وإما لأنها معدة لوقت الحاجة، والقناطير مأخوذة من عقد الشيء وإحكامه كالقنطرة. قاله الماوردي (24).
(1) انظر: تفسير الطبري (6704): ص 6/ 246.
(2)
انظر: تفسير الطبري (6705): ص 6/ 246.
(3)
انظر: تفسير الطبري (6703): ص 6/ 246.
(4)
انظر: تفسير الطبري (6702): ص 6/ 245.
(5)
انظر: تفسير الطبري (6706): ص 6/ 246.
(6)
انظر: تفسير الطبري (6707): ص 6/ 246.
(7)
انظر: تفسير الطبري (6708) - (6712): ص 6/ 246 - 247.
(8)
انظر: تفسير الطبري (6713): ص 6/ 2467.
(9)
انظر: تفسير الطبري (6715): ص 6/ 247.
(10)
انظر: تفسير الطبري (6717): ص 6/ 246.
(11)
انظر: تفسير الطبري (6718): ص 6/ 246 - 247.
(12)
انظر: تفسير الطبري (6721): ص 6/ 248، وتفسير ابن أبي حاتم (3261): ص 2/ 609.
(13)
انظر: تفسير الطبري (6719): ص 6/ 248، وابن أبي حاتم (3262): ص 2/ 609.
(14)
انظر: تفسير الطبري (6722): ص 6/ 248.
(15)
أورد قوله: أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 89، وأورده نقلا عن النقاش ابن عطية، في "المحرر الوجيز" 3/ 42، والقرطبي في "تفسيره" 4/ 31، وفي "الزاهر" 1/ 432، ينقل عن الكلبي، أن القنطار: ألف مثقال، ذهب أو فضة، وكذا في "زاد المسير" 1/ 359.
(16)
انظر: تفسير الطبري (6724): ص 6/ 249.
(17)
انظر: تفسير الطبري: 6/ 249.
(18)
انظر: تفسير الطبري (6725): ص 6/ 249.
(19)
انظر: تفسير الطبري (6726): ص 6/ 250.
(20)
انظر: النكت والعيون: 1/ 375.
(21)
انظر: معاني القرآن: 1/ 195.
(22)
انظر: تفسير الطبري (6727): ص 6/ 250.
(23)
انظر: النكت والعيون: 1/ 375، والتفسير السيط: 5/ 96.
(24)
انظر: النكت والعيون: 1/ 375.
قال ابن عطية: " والذي أقول: إنها إشارة إلى حضور المال وكونه عتيدا، فذلك أشهى في أمره وذلك أنك تقول في رجل غني من الحيوان والأملاك: فلان صاحب قناطير مال أي لو قومت أملاكه لاجتمع من ذلك ما يعدل قناطير، وتقول في صاحب المال الحاضر العتيد هو صاحب قناطير مقنطرة أي قد حصلت كذلك بالفعل بها، أي قنطرت فهي مقنطرة، وذلك أشهى للنفوس وأقرب للانتفاع وبلوغ الآمال"(1).
قوله تعالى: {وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} [آل عمران: 14]، أي: الأصيلة الحسان" (2).
وفي قوله تعالى: {وَالْخَيلِ الْمُسَوَّمَةِ} [آل عمران: 14] أقوال:
أحدها: أنها الراعية، قاله سعيد بن جبير (3)، والربيع (4)، وعبدالرحمن بن أبزى (5)، وابن عباس (6)، والحسن (7) ومجاهد (8)، ومنه قوله تعالى:{فِيهِ تُسِيمُونَ} [النحل: 10]} أي ترعون.
والثاني: أن المسومة الحسنة، قاله مجاهد (9)، وعكرمة (10)، والسدي (11).
والثالث: أنها المعلَّمة، قاله ابن عباس (12)، وقتادة (13).
والرابع: أنها المعدة للجهاد، قاله ابن زيد (14).
والخامس: أنها: الغرة والتحجيل. قاله مكحول (15).
والسادس: أن المسومة: منطقة بحمرة. قاله مطر (16).
والسابع: أنها من السيما مقصورة وممدود، قاله الحسن (17)، ومنه قال الشاعر (18):
غلامٌ رماه اللهُ بالحُسْن يافعاً
…
له سيمياء لا تَشُقُّ على البصر
والصواب ان {الخيل المسوّمة} ، هي "المعلَمة بالشِّيات، الحسان، الرائعة حسنًا من رآها. لأن " التسويم " في كلام العرب: هو الإعلام"(19). والله أعلم.
قوله تعالى: {وَالْأَنْعَامِ} [آل عمران: 14]، أي: الإبل والبقر والغنم فمنها المركب والمطعم والزينة" (20).
قال السدي: " الأنعام الراعية"(21).
قوله تعالى: : {والْحَرْثِ} [آل عمران: 14]، " أي الأرض المتخذة للغراس والزراعة"(22).
قال الصابوني: " أي: الزرع والغراس لأن فيه تحصيل أقواتهم"(23).
(1) المحرر الوجيز: 1/ 409.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 171.
(3)
انظر: تفسير الطبري (6720): ص 6/ 251 - 252.
(4)
انظر: تفسير الطبري (6736): ص 6/ 252.
(5)
انظر: تفسير الطبري (6733): ص 6/ 252.
(6)
انظر: تفسير الطبري (6734): ص 6/ 252.
(7)
انظر: تفسير الطبري (6735): ص 6/ 252.
(8)
انظر: تفسير الطبري (6737): ص 6/ 252.
(9)
انظر: تفسير الطبري (6738) - (6742): ص 6/ 252 - 253.
(10)
انظر: تفسير الطبري (6743): ص 6/ 253.
(11)
انظر: تفسير الطبري (6745): ص 6/ 253.
(12)
انظر: تفسير الطبري (6746): ص 6/ 254.
(13)
انظر: تفسير الطبري (6747): ص 6/ 254.
(14)
انظر: تفسير الطبري (6749): ص 6/ 254.
(15)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3275): ص 2/ 611.
(16)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3274): ص 2/ 611.
(17)
انظر: النكت والعيون: 1/ 377، وتفسير ابن أبي حاتم (3273): ص 2/ 611.
(18)
البيت لأسيد بن عنقاء الفزاري، انظر: الأغاني: 19/ 208، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: 1586، وللتبريزي: 4/ 268، وزهر الآداب: 959، وسمط الآلي: 543، واللسان، مادة"سوم"، وتهذيب اللغة: 13/ 112، والمخصص: 16/ 16.
(19)
تفسير الطبري: 6/ 254.
(20)
صفوة التفاسير: 1/ 171 - 172.
(21)
أخرجه ابن أبي حاتم (4376): ص 2/ 611.
(22)
محاسن التأويل: 2/ 291.
(23)
صفوة التفاسير: 172.
وفي قوله تعالى: {والْحَرْثِ} [آل عمران: 14]، تفسيران:
أحدهما: أنه الزرع.
والثاني: أنه أرض الحرث، لأنها أصل، ويكون الحرث بمعنى المحروث. أفاده الماوردي (1).
قوله تعالى: {ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا} [آل عمران: 14]، " أي إِنما هذه الشهوات زهرة الحياة الدنيا وزينتُها الفانية الزائلة"(2).
قال البيضاوي: " إشارة إلى ما ذكر"(3).
قال الآلوسي: " أي ما يتمتع به أياما قلائل ثم يزول عن صاحبه"(4).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14]، أي: وعند الله حسن المرجع والثواب" (5).
قال السدي: " يقول: حسن المنقلب، وهي الجنة"(6).
قال البيضاوي: " أي المرجع، وهو تحريض على استبدال ما عنده من اللذات الحقيقية الأبدية بالشهوات المخدجة الفانية (7).
قال الطبري: " وإنما أراد بذلك توبيخ اليهود الذين آثرُوا الدنيا وحبَّ الرياسة فيها، على اتباع محمد صلى الله عليه وسلم بعد علمهم بصدقه"(8).
قال السعدي: " فلما زينت لهم هذه المذكورات بما فيها من الدواعي المثيرات، تعلقت بها نفوسهم ومالت إليها قلوبهم، وانقسموا بحسب الواقع إلى قسمين:
قسم: جعلوها هي المقصود، فصارت أفكارهم وخواطرهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة لها، فشغلتهم عما خلقوا لأجله، وصحبوها صحبة البهائم السائمة، يتمتعون بلذاتها ويتناولون شهواتها، ولا يبالون على أي: وجه حصلوها، ولا فيما أنفقوها وصرفوها، فهؤلاء كانت زادا لهم إلى دار الشقاء والعناء والعذاب.
والقسم الثاني: عرفوا المقصود منها وأن الله جعلها ابتلاء وامتحانا لعباده، ليعلم من يقدم طاعته ومرضاته على لذاته وشهواته، فجعلوها وسيلة لهم وطريقا يتزودون منها لآخرتهم ويتمتعون بما يتمتعون به على وجه الاستعانة به على مرضاته، قد صحبوها بأبدانهم وفارقوها بقلوبهم، وعلموا أنها كما قال الله فيها {ذلك متاع الحياة الدنيا} فجعلوها معبرا إلى الدار الآخرة ومتجرا يرجون بها الفوائد الفاخرة، فهؤلاء صارت لهم زادا إلى ربهم.
وفي هذه الآية تسلية للفقراء الذين لا قدرة لهم على هذه الشهوات التي يقدر عليها الأغنياء، وتحذير للمغترين بها وتزهيد لأهل العقول النيرة بها، وتمام ذلك أن الله تعالى أخبر بعدها عن دار القرار ومصير المتقين الأبرار، وأخبر أنها خير من ذلكم المذكور، ألا وهي الجنات العاليات ذات المنازل الأنيقة والغرف العالية، والأشجار المتنوعة المثمرة بأنواع الثمار، والأنهار الجارية على حسب مرادهم والأزواج المطهرة من كل قذر ودنس وعيب ظاهر وباطن، مع الخلود الدائم الذي به تمام النعيم، مع الرضوان من الله الذي هو أكبر نعيم، فقس هذه الدار الجليلة بتلك الدار الحقيرة، ثم اختر لنفسك أحسنهما واعرض على قلبك المفاضلة بينهما" (9).
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: حكمة الله عز وجل في ابتلاء الناس بتزيين حب الشهوات لهم في هذه الأمور السبعة، ووجه الحكمة أنه لولا هذه الشهوات التي تنازع الإنسان في اتجاهه إلى ربه لم يكن للاختبار في الدين فائدة.
2 -
ومنها: انه لا يذم من احب هذه الامور على غير هذا الوجه، وهو محبة الشهوة، لأنه إذا زينت له محبة هذه الأمور لا لأجل الشهوة لم يكن ذلك سببا لصده عن دين الله.
(1) انظر: النكت والعيون: 1/ 377.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 172.
(3)
تفسير البيضاوي: 2/ 8.
(4)
روح المعاني: 2/ 97.
(5)
انظر: تفسير الطبري: 6/ 258، وصفوة التفاسير:172.
(6)
أخرجه الطبري (6750): ص 6/ 342.
(7)
تفسير البيضاوي: 2/ 8.
(8)
تفسير الطبري: 6/ 343.
(9)
تفسير السعدي: 1/ 123.
3 -
ومنها: تقديم الأشد فالأشد، ولهذا قدّم النساء، لكونها اعظم فتنة.
4 -
انه كلما كثرة المال ازدادت الفتنة في شهوته، لقوله:{وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ} ، لذلك نرى أن بعض الأغنياء كلما كثر مالهم اشتد بخلهم ومنعهم.
5 -
ومن الفوائد ان هذه الأشياء كلها لاتعدو ان تكون متاع الحياة الديناـ لقوله: {ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} .
6 -
التزهيد في التعليق بهذه الأشياء، أن ماعند الله خير من هذه الدنيا، لقوله:{وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} .
7 -
تنقيص هذه الحياة الدنياـ لقوله: {الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} .
القرآن
التفسير:
قل -أيها الرسول-: أأخبركم بخير مما زُيِّن للنَّاس في هذه الحياة الدنيا، لمن راقب الله وخاف عقابه جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، خالدين فيها، ولهم فيها أزواج مطهرات من الحيض والنفاس وسوء الخلق، ولهم أعظم من ذلك: رضوان من الله. والله مطَّلِع على سرائر خلقه، عالم بأحوالهم، وسيجازيهم على ذلك.
في سبب نزول الآية أخرج ابن أبي حاتم من طريق عطاء بن السائب عن أبي بكر بن حفص قال: " لما نزلت: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ} إلى آخر الآية، قال عمر: الآن يا رب حين زينتها لنا، فنزلت: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ} الآية كلها"(1).
قوله تعالى: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ} [آل عمران: 15]، " أي قل يا محمد أأخبركم بخيرٍ ممّا زُيِّن للناس من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها الزائل؟ "(2).
قال ابن كثير: " أي: قل يا محمد للناس: أأخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها، الذي هو زائل لا محالة"(3).
قوله تعالى: {لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ} [آل عمران: 15]، " أي للمتقين يوم القيامة"(4).
قال الطبري: أي: " للذين خافوا الله فأطاعوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه عند ربهم"(5).
قال قتادة: " أن عمر بن الخطاب كان يقول: اللهم زينت لنا الدنيا، وأنبأتنا أن ما بعدها خير منها، فاجعل حظنا في الذي هو خير وأبقى"(6).
قوله تعالى: {جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [آل عمران: 15]، "أي: جناتٌ فسيحات تجري من خلال جوانبها وأرجائها الأنهار" (7).
قال أبو مالك" يعني المساكن تجري أسفلها أنهار"(8).
قال عبدالله: " أنهار الجنة تفجر من جبل مسك"(9).
قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا} [آل عمران: 15]، أي: ماكثين فيها أبد الآباد" (10).
قال ابن عباس: " يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له"(11).
(1) تفسير ابن أبي حاتم (3247): ص 2/ 606، وانظر: العجاب في بيان الأسباب (182): ص 2/ 667.
(2)
صفوة التفاسير: 172.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 22.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 22.
(5)
تفسير الطبري: 6/ 261.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (3279): ص 2/ 612.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 22.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (3282): ص 2/ 612.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (3281): ص 2/ 612.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 22.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (3284): ص 2/ 612 - 613.
قوله تعالى: {وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} [آل عمران: 15]، أي منزهةٌ عن الدنس والخبث، الحسي والمعنوي، لا يتغوَّطن ولا يتبولن ولا يحضن ولا ينفسن، ولا يعتريهن نساء الدنيا" (1).
قال ابن عباس: " مطهرة من القذر والأذى"(2).
قال مجاهد: " مطهرة من الحيض، والغائط والبول، والنخام، والبزاق، والمني، والولد"(3).
قوله تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله} [آل عمران: 15]، "أي ولهم مع ذلك النعيم رضوانٌ من الله"(4).
قال ابن كثير: " أي: يحل عليهم رضوانه، فلا يَسْخَط عليهم بعده أبدا؛ ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى التي في براءة: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} [التوبة: 72] أي: أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم "(5).
عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله عز وجل: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك. فيقول: هل رضيتم؟
فيقولون: ومالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك. قالوا: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم أبدا" (6).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 15]، أي والله "عليم بأحوال العباد"(7).
قال عامر: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية: {سميع بصير} .
يقول: بكل شيء بصير" (8).
قال ابن كثير: " أي: يعطي كلا بحسب ما يستحقه من العطاء"(9).
الفوائد:
1 -
أهمية هذا النبأ وذلك من وجهين: الأول تصديره بالأمر والثاني إتيانه بصيغة الاستفهام التقريري الدال على التشويق.
2 -
العناية الإلهية بخلقه، إذ أنه لما ذكر ما زيّن لهم من الشهوات، أنبأهم بما هو خير من ذلك.
3 -
تكريم المتقين والعناية بهم بان لهم هذا الخير بجوار رب العالمين، لقوله:{عند ربهم جنات} .
4 -
ومن الفوائد: أن تمام نعيم المتقين يكون برضوان الله، وهو اكبر نعيم، لقوله:{ورضوان من الله} .
5 -
إثبات صفة الرضا لله تعالى، وهو من الصفات الفعلية، لأنه يتعلق بمشيئته، فمتى وجب سبب الرضا وجد الرضا، وكل سبب تكون متعلقة بسبب فغنها من الصفات الفعلية.
6 -
إحاطته جلّ وعلا بالعباد علما ورؤية، لقوله:{والله بصير بالعباد} .
7 -
أن عامة الخلق هم عباد الله، المتقي منهم وغير المتقي، لقوله:{والله بصير بالعباد} .
8 -
التحذير من مخالفة امره تعالى، لأنه متى علم الانسان أن الله بصير به، فسوف يردع نفسه عن مخالفة ربه.
القرآن
{الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16)} [آل عمران: 16]
التفسير:
هؤلاء العباد المتقون يقولون: إننا آمنا بك، واتبعنا رسولك محمدًا صلى الله عليه وسلم، فامْحُ عنا ما اقترفناه من ذنوب، ونجنا من عذاب النار.
(1) صفوة التفاسير: 1/ 172.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (3285): ص 2/ 613.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (3286): ص 2/ 613.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 172.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 22 - 23.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (3288): ص 2/ 613، ومسلم في كتاب الجنة: رقم (2829): ص 4/ 2176.
(7)
صفوة التفاسير: 1/ 172.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (3290): ص 2/ 613 - 614.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 23.
قوله تعالى: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا} [آل عمران: 16]، " الذين يقولون: ربنا إننا صدّقنا بك وبنبيك وما جاء به من عندك" (1).
قال ابن كثير: " أي: [صدّقنا] بك وبكتابك وبرسولك"(2).
قال الراغب الأصفهاني: " {الَّذِينَ} جرّ صفة للعباد، أو رفع على تقدير: هم الذين، أو نصب على المدح، وقوله: (يَقُولُونَ) ليس يعني أن ذلك منهم بالقول فقط، بل باعتقادهم وفعلهم"(3).
قوله تعالى: {فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} [آل عمران: 16]، أي:" فاستر علينا ذنوبنا، بعفوك عنها، وتركك عقوبتنا عليها"(4).
قال ابن كثير: " أي: بإيماننا بك وبما شرعته لنا فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا من أمرنا بفضلك ورحمتك"(5).
قوله تعالى: {وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 16]، أي:" ونجنا من عذاب النار"(6).
قال الحاكم: "في الآية دلالة على أنه يجوز للداعي أن يذكر طاعاته وما تقرب به إلى الله، ثم يدعو ويؤيده ما في الصحيحين من حديث أصحاب الغار (7)، وتوسل كل منهم بصالح عمله، ثم تفريج الباري تعالى عنهم"(8).
قال السعدي: " توسلوا بمنة الله عليهم بتوفيقهم للإيمان أن يغفر لهم ذنوبهم ويقيهم شر آثارها وهو عذاب النار"(9).
الفوائد:
1 -
إن من صفات المؤمنين إعلانهم الإيمان بالله، واعترافهم بالعبودية له، والقول هنا باللسان ويكون بالقلب، ويصدقه العمل.
2 -
جواز التوسل بالإيمان، لقوله:{رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} ، فإن الفاء هنا سببية، أي ان مابعدها سبب عما قبلها.
3 -
ومن الفوائد: الشعور بالتقصير وعدم الإعجاب بالنفس، لأن التقوى لاتعصم العبد من الذنوب، بل قد يكون له ذنوب، لكن المتقي يبادر بالتوبة إلى الله تعالى.
4 -
ومن الفوائد: إثبات عذاب النار، لقوله:{وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} .
القرآن
{الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17)} [آل عمران: 17]
التفسير:
هم الذين اتصفوا بالصبر على الطاعات، وعن المعاصي، وعلى ما يصيبهم من أقدار الله المؤلمة، وبالصدق في الأقوال والأفعال وبالطاعة التامة، وبالإنفاق سرا وعلانية، وبالاستغفار في آخر الليل; لأنه مَظِنَّة القبول وإجابة الدعاء.
قوله تعالى: {الصَّابِرِين} [آل عمران: 17]، أي: الصابرين " في البأساء والضراء وحين البأس"(10).
قال قتادة: "، قوم صبروا على طاعة الله، وصَبروا عن محارمه"(11).
قال ابن كثير: " أي: في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرمات"(12).
(1) تفسير الطبري: 6/ 263.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 23.
(3)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 458.
(4)
تفسير الطبري: 6/ 263.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 23.
(6)
صفوة التفاسير: 172.
(7)
أخرجه البخاري في: البيوع، 98 - باب إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه فرضي.
(8)
محاسن التأويل: 2/ 293.
(9)
تفسير السعدي: 124.
(10)
تفسير الطبري: 6/ 264.
(11)
أخرجه الطبري (6752): ص 6/ 264 - 265.
(12)
تفسير ابن كثير: 2/ 23.
وفي تفسير {الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 17] أربعة تأويلات (1):
أحدها: الصابرين عما نهوا عنه من المعاصي.
والثاني: يعني في المصائب.
والثالث: الصائمين.
الرابع: الصابرين عما زُيِّن للناس من حب الشهوات. أفاده الماوردي (2).
قوله تعالى: {وَالصَّادِقِينَ} [آل عمران: 17]، "أي الصادقين في إيمانهم وأقوالهم ونياتهم"(3).
قال قتادة: ": قوم صدَقت أفواههم واستقامت قُلوبهم وألسنتهم، وصَدقوا في السرّ والعلانية"(4).
قال سعيد بن جبير: " يقول: على أمر الله"(5).
قال الطبري: أي: " الذين صدقوا الله في قولهم بتحقيقهم الإقرارَ به وبرسوله وما جاء به من عنده، بالعمل بما أمره به والانتهاء عما نهاه عنه"(6).
قال ابن كثير: "فيما أخبروا به من إيمانهم بما يلتزمونه من الأعمال الشاقة"(7).
وفي قوله: {وَالصَّادِقِينَ} [آل عمران: 17] أربعة اوجه:
أحدها: في قولهم (8).
والثاني: في إيمانهم. قاله سعيد (9).
والثالث: أنهم العابدون. قاله عباد بن منصور (10).
والرابع: في القول والفعل والنيَّة، وهذا معنى قول قتادة (11).
قال الماوردي: "والصدق في القول: الإخبار بالحق، والصدق في الفعل: إتمام العمل، والصدق في النية: إمضاء العزم (12).
قوله تعالى: {وَالقَانِتِينَ} [آل عمران: 17]، أي:" المطيعين لله الخاضعين له"(13).
قال ابن كثير: "والقنوت: الطاعة والخضوع "(14).
وفي قوله {وَالْقَانِتِينَ} [آل عمران: 17] ثلاثة اقوال:
أحدها: يعني المطيعين، قاله سعيد بن جبير (15)، وروي عن قتادة والربيع بن أنس نحو ذلك (16).
والثاني: أنهم المصلون. قاله عطاء (17).
والثالث: معناه القائمون على بادة الله، قاله الزجاج (18).
قوله تعالى: {والْمُنفِقِينَ} [آل عمران: 17]، "أي الذين يبذلون أموالهم في وجوه الخير"(19).
(1) انظر: النكت والعيون: 1/ 377 - 378.
(2)
انظر: النكت والعيون: 1/ 378.
(3)
محاسن التأويل: 2/ 293.
(4)
أخرجه الطبري (6752): ص 6/ 264 - 265.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (3291): ص 2/ 614.
(6)
تفسير الطبري: 6/ 264.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 23.
(8)
انظر: النكت والعيون: 1/ 378.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3293): ص 2/ 614.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3295): ص 2/ 615.
(11)
انظر: تفسير الطبري (6752): ص 6/ 264 - 265.
(12)
النكت والعيون: 1/ 378.
(13)
محاسن التأويل: 2/ 294.
(14)
تفسير ابن كثير: 2/ 23.
(15)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3297): ص 2/ 615.
(16)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3297): ص 2/ 615.
(17)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3296): ص 2/ 615.
(18)
انظر: معاني القرآن: 1/ 385.
(19)
صفوة التفاسير: 172.
قال القاسمي: " أموالهم في سبيل الله تعالى من الأرحام والقرابات، وسد الخلات، ومواساة ذوي الحاجات"(1).
قال الطبري: " فهم المؤتون زكوات أموالهم، وواضعوها على ما أمرهم الله بإتيانها، والمنفقون أموالهم في الوجوه التي أذن الله لهم جل ثناؤه بإنفاقها فيها"(2).
قال ابن كثر: "أي: من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات، وصلة الأرحام والقرابات، وسد الخَلات، ومواساة ذوي الحاجات"(3).
ويحتمل قوله {والْمُنفِقِينَ} [آل عمران: 17] تأويلان (4):
أحدهما: في الجهاد.
والثاني: في جميع البِرِّ.
قوله تعالى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ} [آل عمران: 17]، أي: والمستغفرين "وقت السحر فبيل طلوع الشمس"(5).
قال الزجاج: " فالله عز وجل وصف هؤلاء بالتصديق والإنفاق في سبيله والقيام بعبادته، ثم وصفهم بأنهم مع ذلك لشدة خوفهم ووجلهم يستغفرون بالأسحار"(6).
قال الرازيّ: واعلم أن المراد منه من يصلي بالليل ثم يتبعه بالاستغفار والدعاء، لأن الإنسان لا يشتغل بالدعاء والاستغفار إلا أن يكون قد صلّى قبل ذلك، فقوله: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ يدل على أنهم كانوا قد صلوا بالليل" (7).
قال ابن كثير: "دل على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار، وقد قيل: إن يعقوب، عليه السلام، لما قال لبنيه: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} [يوسف: 98] أنه أخرهم إلى وقت السحر"(8).
وذكر أهل العلم في تفسير قوله تعالى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بالأْسْحَار} [آل عمران: 17]، ثلاثة تأويلات:
أحدها يعني المصلين بالأسحار، قاله قتادة (9).
والثاني: أنهم المستغفرون قولاً بالأسحار يسألون الله تعالى المغفرة، قاله ابن مسعود (10)، وابن عمر (11)، وأنس بن مالك (12)، وجعفر بن محمد (13).
والثالث: أنهم يشهدون الصبح في جماعة، قاله زيد بن أسلم (14).
قال الزجاج: " السحر: الوقت الذي قبل طلوع الفجر، العرب تقول جئتك بأعلى السحر تريد في أول السحر، وهو أول إدبار الليل إلى طلوع الفجر الظاهر البين"(15).
الفوائد:
1 -
فضيلة هذه الصفات التي أثنى الله عليها، وهي: الصبر، والصدق، والقنوت، والإنفاق، والاستغفار، في الأسحار، والحث على الاتصاف بها.
(1) محاسن التأويل: 2/ 294.
(2)
تفسير الطبري: 6/ 265.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 23.
(4)
انظر: النكت والعيون: 1/ 378.
(5)
صفوة التفاسير: 172.
(6)
معاني القرآن: 1/ 385، وانظر: النكت والعيون: 1/ 378.
(7)
مفاتيح الغيب: 7/ 167.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 23.
(9)
انظر: تفسير الطبري (6753): ص 6/ 265.
(10)
انظر: تفسير الطبري (6755): ص 6/ 266.
(11)
انظر: تفسير الطبري (6756): ص 6/ 266.
(12)
انظر: تفسير الطبري (6757): ص 6/ 266.
(13)
انظر: تفسير الطبري (6758): ص 6/ 266.
(14)
انظر: تفسير الطبري (6759): ص 6/ 267.
(15)
معاني القرآن: 1/ 385، وانظر: النكت والعيون: 1/ 378.
2 -
إن الصبر أفضل هذه الصفات، لأن الانسان إذا حقق الصبر، حقق جميع هذه الصفات، فمن أقسام الصبر: السبر على طاعة الله وعن معصيته.
3 -
ذم الاتصاف بضدّ هذه الصفات، وهي: الجزع، والذب، وقلة الطاعة، والبخل، والشح، والاستكبار عن الاستغفار.
القرآن
التفسير:
شهد الله أنه المتفرد بالإلهية، وقَرَنَ شهادته بشهادة الملائكة وأهل العلم، على أجلِّ مشهود عليه، وهو توحيده تعالى وقيامه بالعدل، لا إله إلا هو العزيز الذي لا يمتنع عليه شيء أراده، الحكيم في أقواله وأفعاله.
في سبب نزول الآية:
قال الواحدي: "قال الكلبي: لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام، فلما أبصرا المدينة، قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان، فلما دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة والنعت، فقالا له: أنت محمد؟ قال: "نعم"، قالا: وأنت أحمد؟ قال: "نعم"، قالا: إنا نسألك عن شهادة، فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم "سلاني"، فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله فأنزل الله تعالى على نبيه: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم} فأسلم الرجلان وصدقا برسول الله صلى الله عليه وسلم –"(1). وذكره الثعلبي عن الكلبي (2).
قوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [آل عمران: 18]، "أي بيّن وأعلم تعالى عباده بانفراده بالوحدانية"(3).
قال ابن كثير: " شهد تعالى - وكفى به شهيدا، وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم، وأصدق القائلين - {أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ} أي: المتفَرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه، والفقراء إليه، وهو الغني عما سواه كما قال تعالى: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزلَ إِلَيْكَ أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ (3) شَهِيدًا} الآية [النساء: 166] "(4).
واختلف القراء في قوله: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [آل عمران: 18]، على ثلاثة اوجه (5):
أحدها: {شهد الله} ، بالرفع والمد على معنى: هم شهداء يعني: الذين مر ذكرهم. قراءة أبي نهيك وأبي الشعثاء.
والثاني: {شهد الله} ، منصوبة على الحال والمدح. رواه المهلب عن محارب بن دثار.
والثالث: {شهد الله} ، على الفعل، أي: بيّن لأن الشهادة تبيين، قراءة الباقين.
قوله تعالى: {وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ} [آل عمران: 18]، أي وشهدت الملائكة وأهل العلم بوحدانيته بدلائل خلقه وبديع صنعه" (6).
قال ابن كثير: " وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام"(7).
قوله تعالى: {قائِماً بِالْقِسْطِ} [آل عمران: 18]، " أي مقيماً للعدل في جميع أمورِه"(8).
قال القاسمي: "أي بالعدل في أحكامه"(9).
(1) أسباب النزول للواحدي: 99.
(2)
تفسير الثعلبي: 3/ 32.
(3)
صفوة التفاسير: 174.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 24.
(5)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 32.
(6)
صفوة التفاسير: 174.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 24.
(8)
تفسير أبي السعود: 2/ 17.
(9)
محاسن التأويل: 2/ 295.
قال أبو السعود: " بيان لكماله تعالى في أفعاله إثرَ بيانِ كماله في ذاته"(1).
قوله تعالى: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ} [آل عمران: 18]، " أي: لا معبود في الوجود بحق إِلا هو (2).
قوله تعالى: {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18]، " أي: العزيز في ملكه الحكيم في صنعه" (3).
قال ابن كثير: " {العزيز}: الذي لا يرام جنابه عظمةً وكبرياء، {الحكيم} في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره"(4).
الفوائد:
1 -
بيان فضيلة التوحيد، إذ أخبر الله به عباده بلفظ الشهادة.
2 -
ومن الفوئاد: بيان فضيلة الملائكة، إذ جعلهم الله تعالى في المرتبة الأولى في الشهادة بالتوحيد بعدع سبحانه وتعالى.
3 -
فضيلة العلم وأهله، لقوله:{وأولوا العلم} .
4 -
وصف الله تعالى بتمام العدل، لقوله:{قائما بالقسط} .
5 -
إثبات العزة والحكمة لله، لقوله:{العزيز الحكيم} ، وأن عزة الله مبنية على الحكمة، وتنزيل الأشياء في منازلها، وهذا مأخوذ من ضم الاسمين الكريمين بعضهما إلى البعض، لأن العزيز من المخلوقين قد تأخذه العزة بالإثم فلا يقول الحق، أما الله تعالى فإنه يقول الحق مع كمال عزته.
القرآن
التفسير:
إن الدين الذي ارتضاه الله لخلقه وأرسل به رسله، ولا يَقْبَل غيره هو الإسلام، وهو الانقياد لله وحده بالطاعة والاستسلام له بالعبودية، واتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين حتى خُتموا بمحمد صلى الله عليه وسلم، الذي لا يقبل الله مِن أحد بعد بعثته دينًا سوى الإسلام الذي أُرسل به. وما وقع الخلاف بين أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فتفرقوا شيعًا وأحزابًا إلا من بعد ما قامت الحجة عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب; بغيًا وحسدًا طلبًا للدنيا. ومن يجحد آيات الله المنزلة وآياته الدالة على ربوبيته وألوهيته، فإن الله سريع الحساب، وسيجزيهم بما كانوا يعملون.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: أخرج الطبري من طريق الربيع بن أنس في هذه الآية قال: قال أبو العالية: {بَغْيًا بينهم} ، يقول: بغيًا على الدنيا، وطلبَ ملكها وسلطانها، فقتل بعضهم بعضًا على الدنيا، من بعد ما كانوا علماءَ الناس" (5)، قال الربيع: "إن موسى لما حضره الموتُ دعا سبعين حَبرا من أحبار بني إسرائيل، فاستودعهم التوراة، وجعلهم أمناء عليه، كلّ حبر جُزءًا منه، واستخلف موسى يوشع بن نون. فلما مضى القرن الأول ومضى الثاني ومضى الثالث، وقعت الفرقة بينهم - وهم الذين أوتوا العلم من أبناء أولئك السبعين – حتى أهَرقوا بينهم الدماء، ووقع الشرّ والاختلاف. وكان ذلك كله من قبل الذين أتوا العلم، بغيًا بينهم على الدنيا، طلبًا لسلطانها وملكها وخزائنها وزخرفها، فسلَّط الله عليهم جبابرتهم، فقال الله:{إن الدّين عند الله الإسلام} إلى قوله: {والله بصير بالعباد} " (6).
والثاني: أخرج الطبري من طريق ابن إسحاق عن محمد بن جعفر ابن الزبير في هذه الآية، قال:"يعني بذلك النصارى"(7).
والثالث: نقل الثعلبي عن الكلبي قال: " نزلت في يهوديين تركوا اسم الإسلام وتسموا باليهودية والنصرانية، قال الله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ} قال: دين الله هو الإسلام بغيا منهم، فلما وجدا نظيره قوله: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} [البينة: 4]، فقالت اليهود والنصارى: لسنا على ما سميتنا به يا محمد إن اليهودية والنصرانية سب هو الشرك، والدين هو الإسلام ونحن عليه"(8).
قوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]، أي: إن "الشرع المقبول عند الله هو الإِسلام"(9).
قال البيضاوي: " أي لا دين مرضي عند الله سوى الإسلام، وهو التوحيد والتدرع بالشرع الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم"(10).
قال أبو الرباب القشيري: "يأمرهم بالإسلام وينهاهم عما سواه"(11).
قال أبو العالية: " الإسلام: الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر الفرائض لها تبع"(12).
قال الطبري: " ومعنى " الدين "، في هذا الموضع: الطاعة والذّلة، من قول الشاعر (13):
وَيَوْمُ الحَزْنِ إِذْ حُشِدَتْ مَعَدٌّ
…
وَكَانَ النَّاسُ، إِلا نَحْنُ دِينَا
يعني بذلك: مطيعين على وجه الذل، ومنه قول القطامي (14):
كانَتْ نَوَارُ تَدِينُك الأدْيانا
يعني: تُذلك، وقول الأعشى ميمون بن قيس (15):
هُوَ دَانَ الرِّبَابَ إذْ كَرِهُوا الدِّ
…
ينَ دِرَاكًا بِغَزْوَةٍ وَصِيَالِ
يعني بقوله: " دان " ذلل وبقوله: " كرهوا الدين "، الطاعة" (16).
وفي أصل "الاسلام"، قولان (17):
أحدهما: أن أصله مأخوذ من السلام وهو السلامة، لأنه يعود إلى السلامة.
والثاني: أن أصله التسليم لأمر الله في العمل بطاعته.
قوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [آل عمران: 19]، " أي: وما اختلف اليهود والنصارى في أمر الإِسلام ونبوة محمد عليه السلام" (18).
قال سعيد: يعني: "بنو اسرائيل"(19).
وفي أهل الكتاب الذين اختلفوا ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنهم أهل التوراة من اليهود، قاله الربيع (20).
والثاني: أنهم أهل الإِنجيل من النصارى، قاله محمد بن جعفر بن الزبير (21)، ورجحه الطبري (22).
(1) تفسير أبي السعود: 2/ 17.
(2)
صفوة التفاسير: 174.
(3)
صفوة التفاسير: 174.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 24.
(5)
تفسير الطبري (6767): ص 6/ 277.
(6)
تفسير الطبري (6769): ص 6/ 277 - 278.
(7)
تفسير الطبري (6770): ص 6/ 278، ورواه ابن هشام في سيرته عن ابن إسحاق 2/ 227، وقوله:" يعني بذلك النصارى "، ليس في ابن هشام، وكأنه من تفسير الطبري للخبر.
(8)
تفسير الثعلبي: ، وانظر: العجاب: 2/ 669.
(9)
صفوة التفاسير: 174.
(10)
تفسير البيضاوي: 2/ 9.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (3312): ص 2/ 617.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (3313): ص 2/ 617 - 618.
(13)
البيت من شواهد الطبري في تفسيره: 6/ 274، ولم أتعرف على قائله.
(14)
ديوانه: 15، وتمامه: "رَمَتِ المَقَاتِلَ مِنْ فُؤَادِكَ، بَعْدَ ما
…
كانَتْ جَنُوبُ تَدِينُكَ الأدْيانَا".
(15)
ديوانه: 12،
(16)
تفسير الطبري: 6/ 274.
(17)
انظر: النكت والعيون: 1/ 379 - 380.
(18)
صفوة التفاسير: 174.
(19)
أخرجه ابن أبي حاتم (3315): ص 2/ 618.
(20)
انظر: تفسير الطبري (6769): ص 6/ 277 - 278.
(21)
انظر: تفسير الطبري (6770): ص 6/ 278.
(22)
انظر: تفسير الطبري: 6/ 276.
والثالث: أنهم أهل الكتب كلها، والمراد بالكتاب الجنس من غير تخصيص، وهو قول بعض المتأخرين (1).
وفيما اختلفوا فيه ثلاثة أقاويل (2):
أحدها: في أديانهم بعد العلم بصحتها.
والثاني: في عيسى وما قالوه فيه من غلو وإسراف.
والثالث: في دين الإِسلام.
قوله تعالى: {إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ} [آل عمران: 19]، " أي: إِلا بعد أن علموا بالحجج النيرّة والآيات الباهرة حقيقة الأمر" (3).
قال أبو العالية: " إلا من بعد ما جاءهم الكتاب"(4).
قوله تعالى: {بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [آل عمران: 19]، " أي حسداً كائناً بينهم حملهم عليه حب الرئاسة"(5).
قال أبيّ بن كعب: " بغيا على الدنيا، وطلب ملكها وزخرفها وزينتها، أيهم يكون له الملك والمهابة في الناس، فبغى بعضهم على بعض، وضرب بعضهم رقاب بعضهم"(6).
قال أبو العالية: " بغيا على الدنيا، وطلب ملكها وسلطانها، فقتل بعضهم بعضا على الدنيا بعد ما كانوا علماء الناس"(7).
وروي عن سعيد بن جبير في قوله: {بغيا بينهم} ، قال:"كثرت أموالهم، فتنازعوا فيها"(8).
قال ابن كثير: " أي: بغى بعضهم على بعض، فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بُغْض البَعْض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله، وإن كانت حقا"(9).
قوله تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [آل عمران: 19]، " أي:[و] من جحد بما أنزل الله في كتابه، فإن الله سيجازيه على ذلك، ويحاسبه على تكذيبه، ويعاقبه على مخالفته كتابه" (10).
قال ابن عطية: " توعد عز وجل الكفار"(11).
قال الصابوني: " أي من يكفر بآياته تعالى فإِنه سيصير إلى الله سريعاً فيجازيه على كفره"(12).
وفي قوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [آل عمران: 19]، وجهان:
أحدهما: أنه يحتمل أن يراد بها سرعة مجيء القيامة والحساب إذ هي متيقنة الوقوع، فكل آت قريب. أفاده ابن عطية (13).
والثاني: أن المعنى: إحصاؤه عليهم، فيحتمل أن يراد بسرعة الحساب أن الله تعالى بإحاطته بكل شيء علما لا يحتاج إلى عد ولا فكرة، وهذا معنى قول مجاهد (14).
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية الكريمة: ان الدين الذي يعتد به ويكون مقبولا عند الله هو الاسلام، وكل دين يخالف الاسلام في اي زمان فليس بمقبول مرضي عند الله.
(1) انظر: النكت والعيون: 1/ 380.
(2)
انظر: النكت والعيون: 1/ 381.
(3)
صفوة التفاسير: 174.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (3316): ص 2/ 618.
(5)
صفوة التفاسير: 174.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (3318): ص 2/ 618.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (3319): ص 2/ 618.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (3319): ص 2/ 618.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 25.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 25 - 26.
(11)
المحرر الوجيز: 1/ 413.
(12)
صفوة التفاسير: 174.
(13)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 413.
(14)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3220): ص 2/ 619.
2 -
ومنها: أن اختلاف اليهود والنصارى كان عن علم، وأن اختلافهم ليس لقصد الحق، وإنما لقصد البغي والعدوان بعضهم على بعض، حتى ليضل بعضهم بعضا.
3 -
ومنها: الإشارة إلى التحذير مما وقع هؤلاء الكفار الذين أوتوا الكتاب، ومعلوم أن البغي محذر منه، غير مرغوب فيه.
4 -
ومنها: التحذير من الكفر بآيات الله، وبالتالي الحثّ على الايمان بآيات الله، لأن القدح في الشيء مدح لضده.
5 -
بيان قدرة الله عز وجل بكونه سريع الحساب.
6 -
يستفاد من الآية الرد على الجبرية، ووجه ذلك أن الله تعالى أسند هذه الأفعال إلى فاعليها {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} ، {بَغْيًا بَيْنَهُمْ} ، {وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ} ، وما اشبه ذلك، كل ذلك يفيد أن للإنسان إرادة وفعلا اختياريا، خلافا للجبرية الذين قالوا: إن أفعال العباد يجبر عليها الانسان.
القرآن
التفسير:
فإن جادلك -أيها الرسول- أهل الكتاب في التوحيد بعد أن أقمت الحجة عليهم فقل لهم: إنني أخلصت لله وحده فلا أشرك به أحدًا، وكذلك من اتبعني من المؤمنين، أخلصوا لله وانقادوا له. وقل لهم ولمشركي العرب وغيرهم: إن أسلمتم فأنتم على الطريق المستقيم والهدى والحق، وإن توليتم فحسابكم على الله، وليس عليَّ إلا البلاغ، وقد أبلغتكم وأقمت عليكم الحجة. والله بصير بالعباد، لا يخفى عليه من أمرهم شيء.
في سبب نزول الآية: قال ابن حجر: "قال ابن الكلبي: لما نزلت: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} قالت اليهود والنصارى: لسنا على ما تسمينا به يا محمد إنما اليهودية والنصرانية ليست لنا، والدين هو الإسلام ونحن عليه، فأنزل الله تعالى: {فَإِنْ حَاجُّوكَ} أي: خاصموك في الدين: {فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ} قال: فقالوا: أسلمنا، فقال لليهود: "أتشهدون أن عيسى عبد الله ورسوله، فقالوا: لا فنزلت: {وَإِنْ 1 تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ} " (1).
قوله تعالى: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ} [آل عمران: 20]، "أي إِن جادلوك يا محمد في شأن الدِّين فقل لهم: أنا عبدٌ لله قد استسلمتُ بكليتي لله، وأخلصت عبادتي له وحده" (2).
قال محمد بن جعفر بن الزبير: "أي: بما يأتونك به من الباطل، من قولهم: " خَلقنا، وفعلنا، وجعلنا، وأمرنا "، فإنما هي شبه باطلة قد عرفوا ما فيها من الحق {فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ} "(3).
قال الحسن: " إن حاجك اليهود والنصارى فقل: {أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ} "(4).
قال ابن كثير: " أي: جادلوك في التوحيد فقل أخلصت عبادتي لله وحده، لا شريك له ولا ند له، ولا ولد ولا صاحبة له"(5).
قال الزمخشري: "فإن جادلوك في الدين، فقل: أخلصت نفسي وجملتي للَّه وحده لم أجعل فيها لغيره شركا بأن أعبده وأدعوه إلها معه يعنى أن دينى التوحيد وهو الدين القديم الذي ثبتت عندكم صحته كما ثبتت عندي، وما جئت بشيء بديع حتى تجادلونى فيه. ونحوه (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً} [آل عمران: 64]، فهو دفع للمحاجة بأن ما هو عليه ومن معه من المؤمنين هو حق اليقين الذي لا لبس فيه فما معنى المحاجة فيه"(6).
(1) العجاب: 2/ 670. وهذا القول غريب جدا.
(2)
صفوة التفاسير: 174.
(3)
أخرجه الطبري (6773): ص 6/ 280.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (3321): ص 2/ 619.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 26.
(6)
الكشاف: 1/ 347.
قال القاسمي: " {فإن حاجوك} في الدين وجادلوك فيه بعد إقامة تلك الآيات فَقُلْ: انقدت لآيات الله المنزلة، وأخلصت نفسي وعبادتي له، لا أشرك فيها غيره"(1).
قال ابن عطية: " الضمير في حَاجُّوكَ لليهود ولنصارى نجران والمعنى: إن جادلوك وتعنتوا بالأقاويل المزورة، والمغالطات فاسند إلى ما كلفت من الإيمان والتبليغ وعلى الله نصرك، [وقل]: جعلت مقصدي لله أو أسلمت شخصي وذاتي وكليتي وجعلت ذلك لله"(2).
قال الطبري: " وإنما خَصّ جل ذكره بأمره بأن يقول: {أسلمت وجهي لله}، لأن الوجه أكرمُ جوارح ابن آدم عليه، وفيه بهاؤه وتعظيمه، فإذا خضع وجهه لشيء، فقد خضع له الذي هو دونه في الكرامة عليه من جوارح بدنه"(3).
قال أبو السعود: " وإنما عبر عنها بالوجه لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة ومظهرُ القُوى والمشاعر ومجمع معظم ما يقع به العبادةُ من السجودِ والقراءة وبه يحصل التوجُّه إلى كل شيء"(4).
قال الماوردي: " فإن قيل: في أمره تعالى عند حِجَاجِهمْ بأن يقول {أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ} عدول عن جوابهم وتسليم لحِجَاجِهم، فعنه جوابان:
أحدهما: ليس يقتضي أمره بهذا القول النهي عن جوابهم والتسليم بحِجَاجِهم، وإنما أمره أن يخبرهم بما يقتضيه معتقده، ثم هو في الجواب لهم والاحْتِجَاج على ما يقتضيه السؤال.
والثاني: أنهم ما حاجُّوه طلباً للحق فيلزمه جوابهم، وإنما حاجُّوه إظهاراً للعناد، فجاز له الإِعراض عنهم بما أمره أن يقول لهم " (5).
قوله تعالى: {وَمَنِ اتَّبَعَنِ} [آل عمران: 20]، " أي: وأسلم من اتبعني أيضًا وجهه لله" (6).
قال ابن كثير: أي: " على ديني، يقول كمقالتي، كما قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] "(7).
أخرج ابن أبي حاتم عن " عباد بن منصور قال: سألت عن قوله: {ومن اتبعن}، قال: ليقل من اتبعك مثل ذلك، وبها تخاصم اليهود والنصارى"(8).
قوله تعالى: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ} [آل عمران: 20]، " وقل "، يا محمد، للذين أوتوا الكتاب " من اليهود والنصارى " والأميين " الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب"(9).
وفي تفسير قوله: {وَالأُمِّيِّينَ} [آل عمران: 20]، وجهان من التفسير:
أحدهما: انهم الذين لا كتاب لهم، قاله محمد بن إسحاق (10).
والثاني: أنهم الذين لايكتبون، وهم مشركو العرب. قاله ابن عباس (11).
قوله تعالى: {أَأَسْلَمْتُمْ} [آل عمران: 20]، أي:" هل أفردتم التوحيد وأخلصتم العبادة والألوهة لرب العالمين"(12).
قوله تعالى: {فَإِنْ أَسْلَمُوا} [آل عمران: 20]، " أي فإِن أسلموا كما أسلمتم"(13).
(1) محاسن التأويل: 2/ 279.
(2)
المحرر الوجيز: 1/ 414.
(3)
تفسير الطبري: 6/ 280.
(4)
تفسير أبي السعود: 2/ 18.
(5)
النكت والعيون: 1/ 381.
(6)
تفسير الطبري: 6/ 280.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 26.
(8)
تفسير ابن أبي حاتم (3324): ص 2/ 619.
(9)
تفسير الطبري: 6/ 281.
(10)
تفسير ابن أبي حاتم (3326): ص 2/ 619.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3327): ص 2/ 620.
(12)
تفسير الطبري: 6/ 281.
(13)
صفوة التفاسير: 174.
قال أبو السعود: " أي كما أسلمتم وإنما لم يصرح به كما في قوله تعالى {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم بِهِ} حسماً لباب إطلاق اسم الإسلام على شئ آخر بالكلية "(1).
قوله تعالى: {فَقَدِ اهْتَدَوْا} [آل عمران: 20]، أي:" فقد نفعوا أنفسهم بخروجهم من الضلال إِلى الهدى ومن الظلمة إِلى النور"(2).
قال الربيع: " من تكلم بهذا صدقا من قلبه، يعني: الإيمان، فقد اهتدى"(3).
قال البيضاوي: أي: " فقد نفعوا أنفسهم بأن أخرجوها من الضلال"(4).
قال أبو السعود: " أي فازوا بالحظ الأوفر ونجَوْا عن مهاوي الضلال"(5).
قوله تعالى: {وَإِنْ تَوَلَّوْا} [آل عمران: 20]، أي: وإن "أعرضوا عن الاتباع وقَبول الإسلام"(6).
قال محمد ابن إسحاق: "وإن تولوا على كفرهم"(7).
وعن الربيع بن أنس قوله: " {وإن تولوا} عنه يعني: عن الإيمان"(8).
قوله تعالى: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ} [آل عمران: 20]، أي:"فلم يضرّوك شيئاً إذْ ما عَلَيْكَ إِلَاّ البلاغُ"(9).
قال ابن كثير: " أي: والله عليه حسابهم وإليه مرجعهم ومآبهم، وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وله الحكمة في ذلك، والحجة البالغة"(10).
قال البيضاوي: " أي فلم يضروك إذ ما عليك إلا أن تبلغ وقد بلغت"(11).
قال ابن عطية: " ذكر بعض الناس أنها آية موادعة وأنها مما نسخته آية السيف، وهذا يحتاج أن يقترن به معرفة تاريخ نزولها، وأما على ظاهر نزول هذه الآية في وقت وفد نجران فإنما المعنى فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ بما فيه قتال وغيره"(12).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 20]، " أي عالم بجميع أحوالهم فيجازيهم عليها"(13).
قال ابن عطية: " وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين"(14).
قال ابن كثير: " أي: هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، وهو الذي {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 33] وما ذاك إلا لحكمته ورحمته، وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته، صَلوات الله وسلامه عليه، إلى جميع الخلق"(15).
قال ابن الجوزي في قوله: {وإن تولوا فإنما عليك البلاغ} : " قد ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا الكلام اقتضى الاقتصار على التبليغ دون القتال ثم نسخ بآية السيف (16)، وقال بعضهم لما كان صلى الله عليه وسلم
(1) تفسير أبي السعود: 2/ 19.
(2)
صفوة التفاسير: 174.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (3328): ص 2/ 620.
(4)
تفسير البيضاوي: 2/ 10.
(5)
تفسير أبي السعود: 2/ 19.
(6)
تفسير أبي السعود: 2/ 19.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (3329): ص 2/ 620.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (3330): ص 2/ 620.
(9)
تفسير أبي السعود: 2/ 19.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 26.
(11)
تفسير البيضاوي: 2/ 10.
(12)
المحرر الوجيز: 1/ 414.
(13)
صفوة التفاسير: 174.
(14)
المحرر الوجيز: 1/ 414.
(15)
تفسير ابن كثير: 2/ 26.
(16)
ذكر دعوى النسخ في هذه الآية ابن حزم في معرفة الناسخ والمنسوخ ص: 326، وهبة الله في الناسخ والمنسوخ ص: 28 وأبو هلال في الإيجاز لمعرفة الناسخ والمنسوخ، المخطوط ورقة 21.
حريصا على إيمانهم مزعجا نفسه في الاجتهاد في ذلك سكن جأشه بقوله: {إنما أنت نذير} (1) و {فإنما عليك البلاغ} والمعنى: لا تقدر على سوق قلوبهم إلى الصلاح فعلى هذا لا نسخ" (2).
الفوائد:
1 -
التسليم لله وتفويض الأمر إليه.
2 -
أن الوجه أشرف الأعضاء، وهو الذي يكون به الانقياد وعدمه، ولهذا اقرب مايكون العبد من ربه إذا كان ساجدا، لأنه يضع اشرف الأعضاء على موطئ الأقدام.
2 -
أن النبي-صلى الله عليه وسلم متبع لا تابع، لقوله:{ومن اتبعن} ، عليه الواجب على من تبين له الحق ان يأخذ به.
3 -
لا يون قول أحد أهل العلم حجة على الىخرين، لأن الكل تابعون لا متبوعون.
4 -
بيان عظيم منة الله تعالى على العرب ببعثة الرسول-صلى الله عليه وسلم، ووجه ذلك أنه قال:{للذين اوتوا الكتاب والأميين} ، وفرق بين الوصفين، بين من اوتي الكتاب وبين الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، لكنهم ببعثة الرسول-صلى الله عليه وسلم كانوا هم اهل الكتاب حقا.
5 -
وجوب الاسلام والاستسلام لله تعالى، وأن أهل الهدى هم المسلمون، قال تعالى:{فإن أسلموا فقد اهتدوا} .
6 -
إن من لم يسلم فهو ضال، وإن كان علم الحق فكان من الضالين المغضوب عليهم، لأن كل من علم الحق ولم يتبعه فهو مغضوب عليه، قال تعالى:{وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)} [آل عمران: 20]
7 -
ومن الفوائد: أنه لايجب على الداعية إلا البلاغة، أما الهداية فإلى الله، لقوله:{فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ} .
8 -
ومن الفوائد أيضا: أن الانسان لايسأل عن عمل غيره، فيقوم بما يجب عليه، وأما غيره فامره إلى الله تعالى، لقوله:{وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ} .
9 -
ومنها: عموم علم الله تعالى، لقوله:{وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} ، أي: بجميع أحوالهم، ويتضمن التحذير من مخالفة الله.
القرآن
التفسير:
إن الذين يجحدون بالدلائل الواضحة وما جاء به المرسلون، ويقتلون أنبياء الله ظلمًا بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالعدل واتباع طريق الأنبياء، فبشِّرهم بعذاب موجع.
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [آل عمران: 21]، " أي يكذبون بما أنزل الله"(3).
قوله تعالى: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} [آل عمران: 21]، " أي يقتلون أنبياء الله بغير سبب ولا جريمة"(4).
قال الزمخشري: " وهم أهل الكتاب. قتل أولوهم الأنبياء وقتلوا أتباعهم وهم راضون بما فعلوا، وكانوا حول قتل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لولا عصمة اللَّه"(5).
أخرج ابن المنذر عن عبد الله، " إن بني إسرائيل كانوا يقتلون في اليوم ثلاثمائة نبي، ثم تقوم سوقهم من آخر النهار "(6).
أخرج الطبري عن أبي عبيدة بن الجراح قال: "قلت: يا رسول الله، أىّ الناس أشدّ عذابًا يوم القيامة؟ قال: " رجل قتل نبيًّا، أو رجل أمر بالمنكر ونهى عن المعروف. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنّ الذين
(1) الآية: 12، من سورة هود.
(2)
نواسخ القرآن: 323.
(3)
صفوة التفاسير: 174.
(4)
صفوة التفاسير: 174.
(5)
الكشاف: 1/ 347.
(6)
تفسير ابن المنذر (317): ص 1/ 152.
يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس " إلى أن انتهى إلى " وما لهم من ناصرين "، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا عبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيًّا من أول النهار في ساعة واحدة! فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عُبَّاد بني إسرائيل، فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعًا من آخر النهار في ذلك اليوم، وهم الذين ذكر الله عز وجل"(1).
واختلفت القراءة في قوله تعالى {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ} [آل عمران: 21]، على وجوه (2):
أحدها: {يقتلون النبيين} ، قراءة الحسن.
والثاني: {ويقاتلون الذين يأمرون} . قراءة حمزة.
والثالث: {وقاتلوا} ، قراءة عبدالله.
والرابع: {يقتلون النبيين والذين يأمرون} ، قرأ بها أبىّ.
قوله تعالى: {وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ} [آل عمران: 21]، أي:" ويقتلون أيضا الذين يأمرون الناس بالعدل، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"(3).
قال مقاتل: " يعني بالعدل بين الناس من مؤمني بني إسرائيل من بعد موسى"(4).
أخرج ابن المنذر عن معقل بن أبي مسكين، قال " كان الوحي يأتي بني إسرائيل، فيذكرون قومهم فيقتلون فيهم الذين يأمرون بالقسط من الناس"(5).
وأخرج ابن المنذرأيضا عن سعيد، قال:" أقحط الناس في زمان ملك من ملوك بني إسرائيل سنين، فقال الملك: ليرسلن علينا السماء أو لنؤذينه، فقال له جلساؤه: كيف تقدر على أن تؤذيه أو تغيظه، وهو في السماء، قال: أقتل أولياءه من أهل الأرض، فيكون ذلك إيذاء له، قال: فأرسل الله عليهم السماء "(6).
واختلف في الذين أمروا بالقسط من الناس، على أقوال:
احدها: أن" هؤلاء أهل الكتاب، كان أتباع الأنبياء ينهونهم ويذكرونهم بالله، فيقتلونهم". قاله قتادة (7)، وري عن مجاهد نحو ذلك (8).
والثاني: أن الذين أمروا بالقسط من الناس: هم خلفاء الأنبياء. وهذا قول سفيان (9).
والثالث: أنهم النبيون الذين يأمرون بالقسط من الناس. قاله الحسن (10).
قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم} [آل عمران: 21]، "، فأخبرهم يا محمد وأعلمهم: أنّ لهم عند الله عذابًا موجعا"(11).
قال الربيع بن أنس: " الأليم الموجع"(12)، وروي عن أبي مالك نحو ذلك" (13).
قال مقاتل: "فبشرهم يا محمد بعذاب وجيع، يعني اليهود لأن هؤلاء على دين أوائلهم الذين قتلوا الأنبياء والآمرين بالقسط"(14).
(1) تفسير الطبري (6780): ص 6/ 285 - 286، وأخرجه ابن أبي جاتم (3332): ص 2/ 620 - 621، والثعلبي في تفسيره: 3/ 36 - 37.
(2)
انظر: الكشاف: 1/ 347، والسبعة في القراءات:203.
(3)
تفسير السعدي: 1/ 126.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 268.
(5)
تفسير ابن المنذر (319): ص 1/ 153.
(6)
تفسير ابن المنذر (329): ص 1/ 153 - 154.
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3333): ص 2/ 621.
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3334): ص 2/ 621.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3335): ص 2/ 621.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3334): ص 2/ 621.
(11)
تفسير الطبري: 6/ 287.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (3337): ص 2/ 622.
(13)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3337): ص 2/ 622.
(14)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 268.
قال السعدي: " فاستحقوا بهذه الجنايات المنكرات أشد العقوبات، وهو العذاب المؤلم البالغ في الشدة إلى غاية لا يمكن وصفها، ولا يقدر قدرها المؤلم للأبدان والقلوب والأرواح"(1).
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: وجوب الإيمان بآيات الله الشرعية والكونية، لأن الله تعالى توعد هؤلاء الكافرين بالعذاب الأليم.
2 -
تحريم قتل النبيين، وأنه بغير حق وهو من جملة الكفر، لكن نصّ عليه لشدة شناعته.
3 -
شناعة كل من يقتل أو يقاتل من يامر بالقسط من الناس.
4 -
ثبوت العذاب على هؤلاء المتصفين بهذه الصفات، لقوله:{فبشرهم بعذاب أليم} ، وأن هذا العذاب ليس هينا وإنما هو عذاب موجع.
القرآن
{أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22)} [آل عمران: 22]
التفسير:
أولئك الذين بطلت أعمالهم في الدنيا والآخرة، فلا يُقبل لهم عمل، وما لهم من ناصرٍ ينصرهم من عذاب الله.
قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [آل عمران: 22]، أي: أولئك "بطلت أعمالهم التي عملوها من البر والحسنات، ولم يبق لها أثر في الدارين"(2).
قال أبو مالك: " يعني: بطلت أعمالهم"(3).
قال أبو السعود: " أي أولئك المتصفون بتلك الصفات القبيحة أو المبتلون بأسوأ الحال الذين بطلت أعمالُهم التي عمِلوها من البر والحسنات ولم يبق لها أثر في الدارين بل بقي لهم اللعنة والخزيُ في الدنيا وعذاب أليم في الآخرة"(4).
قال الثعلبي: " حبطت: ذهبت وبطلت، وأصله من «الحبط» وهو أن ترعى الماشية [بلا دليل ورديع] «4» فتنتفخ من ذلك بطونها، وربما ماتت منه، ثم جعل كل شيء يهلك حبطا، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا إذ يلم» (5) "(6).
قال القرطبي: " الحبط: هو فساد يلحق المواشي في بطونها من كثرة أكلها الكلأ فتنتفخ أجوافها وربما تموت من ذلك"(7).
قال الراغب: "يعني بقوله {أُولَئِكَ}: هم الذين يكفرون ويقتلون، بطلت في الدنيا والآخرة أعمالهم، أما في الدنيا فلأنهم لم يحصِّلوا منها محمدةَ، وأما في الآخرة فلم يحصِّلوا منها مثوبة، وذلك، نحو قوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23] "(8).
قال ابن عطية: " و {حَبِطَتْ} معناه: بطلت وسقط حكمها، وحبطها في الدنيا بقاء الذم واللعنة عليهم، وحبطها في الآخرة كونها هباء منبثا وتعذيبهم عليها"(9).
وقرأ ابن عباس وأبو السمال العدوي: " {حبطت} بفتح "الباء"، وهي لغة"(10).
(1) تفسير السعدي: 1/ 126.
(2)
صفوة التفاسير: 175.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (3338): ص 2/ 622.
(4)
تفسير أبي السعود: 2/ 20.
(5)
صحيح ابن حبان: 8/ 23، كنز العمال: 3/ 204.
(6)
تفسير الثعلبي: 3/ 37.
(7)
تفسير القرطبي: 3/ 46.
(8)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 479.
(9)
المحرر الوجيز: 1/ 415.
(10)
المحرر الوجيز: 1/ 415.
قوله تعالى: {وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [آل عمران: 22]، " أي ليس لهم من ينصرهم من عذاب الله أو يدفع عنهم عقابه"(1).
قال ابن عطية: " نفى النصر عنهم في كلا الحالين"(2).
قال أبو السعود: {من ناصرين} ، "ينصرونهم من بأس الله وعذابِه في إحدى الدارين وصيغةُ الجميع لرعاية ما وقع في مقابلته لا لنفي تعددِ الأنصار من كل واحدٍ منهم كما في قوله تعالى {وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ} [البقرة: 270] " (3).
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: حبوط عمل هؤلاء الذين كفروا بآيات الله وقتلوا انبياءه، وقتلوا الآمرين بالقسط من الناس.
2 -
ومنها ان الكفر محبط للأعمال، لقوله:{أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} .
3 -
أن هؤلاء الكفار ليس لهم ناصر في الآخرة، اما في الدنيا فقد ينصرهم من كان على شاكلتهم، ولكن هم ومن نصرهم مآلهم إلى الذل والخذلان، لأن الله تعالى يقول:{كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة: 21].
القرآن
التفسير:
أرأيت -أيها الرسول- أعجب من حال هؤلاء اليهود الذين أتاهم الله حظا من الكتاب فعلموا أن ما جئت به هو الحق، يُدْعون إلى ما جاء في كتاب الله -وهو القرآن- ليفصل بينهم فيما اختلفوا فيه، فإن لم يوافق أهواءهم يَأْبَ كثير منهم حكم الله; لأن من عادتهم الإعراض عن الحق؟
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: قال مقاتل: نزل في"اليهود: كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، ومالك ابن الضيف، ويحيى بن عمرو، ونعمان بن أوفى، وأبو ياسر بن أخطب، وأبو نافع بن قيس، وذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم قال لهم: أسلموا تهتدوا ولا تكفروا. فقال للنبي- صلى الله عليه وسلم: نحن أهدى وأحق بالهدى منكم، ما أرسل الله نبيا بعد موسى. فقال النبي- صلى الله عليه وسلم: لم تكذبون، وأنتم تعلمون أن الذي أقول حق، فأخرجوا التوراة نتبع نحن، وأنتم ما فيها، وهي بينكم فإني مكتوب فيها أني نبي ورسول. فأبوا ذلك فأنزل الله- عز وجل فيهم: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب} "(4).
والثاني: قال ابن عباس: " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المِدْرَاس على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله، فقال له نعيم بن عمرو، والحارث ابن زيد: على أيّ دين أنت يا محمد؟ فقال: " على ملة إبراهيم ودينه. فقالا فإنّ إبراهيم كان يهوديًّا! فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلمُّوا إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم! فأبيا عليه، فأنزل الله عز وجل:{ألم تَر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يُدْعونَ إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يَتولى فريق منهم وهم معرضون} إلى قوله: {ما كانوا يفترون} " (5).
والثالث: نقل الواحدي عن السدي: "دعا النبي صلى الله عليه وسلم اليهود إلى الإسلام فقال له النعمان ابن أوفى: هلم يا محمد نخاصمك إلى الأحبار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بل إلى كتاب الله"، فقال: بل إلى الأحبار، فأنزل الله تعالى هذه الآية"(6).
(1) صفوة التفاسير: 175.
(2)
المحرر الوجيز: 1/ 415.
(3)
تفسير أبي السعود: 2/ 20.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 269.
(5)
اخرجه الطبري (5781): ص 6/ 288 - 289، وانظر: سيرة ابن هشام: 1/ 552 - 553، وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم (286): ص 2/ 1/ 165 وابن المنذر انظر "اللباب: 51.
(6)
أسباب النزول: 99، ولم يذكر المصدر.
والرابع: قال ابن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: "إن رجلا وامرأة من أهل خيبر زنيا، فذكر القصة الآتية في سورة المائدة، وفيها: فحكم عليهما بالرجم، فقال له نعمان بن أبي أوفى وبحري بن عمرو: جرت علينا يا محمد، فقال: بيني وبينكم التوراة، القصة، وفيها ذكر ابن صوريا، وفي آخرها فأنزل الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} إلى قوله: {وَهُمْ مُعْرِضُونَ} "(1).
قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} [آل عمران: 23]، "أي: ألم يا محمد إلى الذين أعطوا حظًّا من الكتاب" (2).
قال مقاتل: "يعني: أعطوا حظا من التوراة"(3). وروي عن السدي مثله (4).
قال الزمخشري: " يريد أحبار اليهود، وأنهم حصلوا نصيبا وافرا من التوراة"(5).
قال الصابوني: " أي ألا تعجب يا محمد من أمر هؤلاء الذين أوتوا نصيباً من الكتاب"(6).
وفي الكتاب الذي دعوا إليه قولان:
أحدهما: أنه التوراة، دعي إليها اليهود فأبوا، قاله ابن عباس (7)، ورجّحه الطبري (8).
والثاني: القرآن، لأن ما فيه موافق لما في التوراة من أصول الدين، قاله الحسن وقتادة (9)، وابن جريج (10).
قوله تعالى: {يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} [آل عمران: 23]، أي:"يدعون إلى التوراة ليقضي بينهم فيما تنازعوا فيه"(11).
قال مقاتل: " يعني التوراة ليقضي بينهم "(12).
قال الزمخشري: " وهو التوراة"(13).
قال ابن كثير: أي: " وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما، من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم"(14).
قوله تعالى: {ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [آل عمران: 23]، أي:" ثم يعرض فريق منهم عن قبول حكم الله، وهم قوم طبيعتهم الإِعراض عن الحق"(15).
قال سعيد بن جبير: " فريق يعني: طائفة"(16).
قال الطبري: أي: " ثم يستدبر عن كتاب الله الذي دعا إلى حكمه، معرضًا عنه منصرفًا، وهو بحقيقته وحجته عالم"(17).
قال ابن كثير: " وهذا في غاية ما يكون من ذمهم، والتنويه بذكرهم بالمخالفة والعناد"(18).
الفوائد:
(1) العجاب في بيان الأسباب: 2/ 674.
(2)
تفسير الطبري: 6/ 288.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 269.
(4)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3339): ص 2/ 622.
(5)
الكشاف: 1/ 438.
(6)
صفوة التفاسير: 1/ 175.
(7)
انظر: تفسير الطبري (6781): ص 6/ 288 - 289.
(8)
انظر: تفسير الطبري: 6/ 290.
(9)
انظر: تفسير الطبري (6783): ص 6/ 289 - 290.
(10)
انظر: تفسير الطبري (6785): ص 6/ 290.
(11)
انظر: صفوة التفاسير: 1/ 175.
(12)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 269.
(13)
الكشاف: 1/ 438.
(14)
تفسير ابن كثير: 2/ 28.
(15)
صفوة التفاسير: 175.
(16)
أخرجه ابن ابي حاتم (3341): ص 2/ 622.
(17)
تفسير الطبري: 6/ 291.
(18)
تفسير ابن كثير: 2/ 28.
1 -
من فوائد الآية: أنه ليس كل من اعطى علما يوفق للعمل به، لقوله:{يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ} .
2 -
أن هؤلاء المعرضون قد قامت عليهم الحجة، لكونهم دعوا، وهذا هو محط الذم، أما لو لم يدعوا، ولم يعلموا الحق، فإنهم لا يذمون على ذلك إذا لم يفرطوا بطلب الحق.
3 -
إن الواجب التحاكم إلى كتاب الله، وأن يكون الحكم فيه كتاب الله في كل شيء، العبادات والمعاملات والأخلاق والاعمال، لأنه لم يخصص منها شيء، لقوله:{يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} .
4 -
إن الذين دعوا الى كتاب الله ممن اوتوا نصيبا من الكتاب لم يتولوا جميعا، والأمر كذلك فإن كثيرا من اليهود والنصارى اسلموا وحسن اسلامهم.
5 -
ذم من يتولى بإعراض، لقوله:{ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ} ، فالتولي إذا كان بإعراض وعدم المبالاة كان اشد، والتولي مذموم كله.
القرآن
التفسير:
ذلك الانصراف عن الحق سببه اعتقاد فاسد لدى أهل الكتاب; بأنهم لن يعذَّبوا إلا أيامًا قليلة، وهذا الاعتقاد أدى إلى جرأتهم على الله واستهانتهم بدينه، واستمرارهم على دينهم الباطل الذي خَدَعوا به أنفسهم.
قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} [آل عمران: 24]، " أي ذلك التولي والإِعراض بسبب افترائهم على الله وزعمهم أن النار لن تصيبهم إلا مدةً يسيرة"(1).
قال ابن كثير: "أي: إنما حملهم وجَرّأهم على مخالفة الحق افتراؤهم على الله فيما ادعوه لأنفسهم أنهم إنما يعذبون في النار سبعة أيام، عن كل ألف سنة في الدنيا يوما"(2).
واختلفوا في قوله اليهود {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} [آل عمران: 24] على أربعة أقاويل:
أحدها: أنها الأيام التي عبدوا فيها العجل وهي أربعون يوماً، قاله قتادة (3)، والربيع (4).
والثاني: أنها سبعة أيام، وهذا قول الحسن (5).
والثالث: أنهم يعنون الأيام التي خلق فيهم آدم. قاله مجاهد (6).
والرابع: أنها متقطعة لانقضاء العذاب فيها، نسبه الماوردي إلى بعض المتأخرين (7).
قوله تعالى: {وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [آل عمران: 24]، " أي غرهم كذبهم على الله"(8).
قال أبو عبيدة: يعني: " يختلقون الكذب"(9).
قال ابن كثير: " أي: ثَبَّتهم على دينهم الباطل ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أياما معدودات، وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم وافتعلوه، ولم ينزل الله به سلطانا"(10).
ويحتمل قوله تعالى: {وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [آل عمرام: 24]، وجهين:
أحدهما: حين قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. قاله الربيع، وقتادة (11).
(1) صفوة التفاسير: 175.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 28.
(3)
انظر: تفسير الطبري (6786): ص 6/ 293.
(4)
انظر: تفسير الطبري (6787): ص 6/ 293.
(5)
انظر: النكت والعيون: 1/ 383.
(6)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3345): ص 2/ 623.
(7)
انظر: النكت والعيون: 1/ 383.
(8)
صفوة التفاسير: 175.
(9)
أخرجه ابن المنذر (328): ص 1/ 157.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 28.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3346): ص 2/ 623.
والثاني: أنهم غرهم قولهم: {لن تمسنا النار إلا أياما معدودات} . قاله مجاهد (1).
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: بطلان الأماني، وأن النفس قد تُمني الإنسان ما لا يكون.
2 -
التحذير من الاتكال على الأماني، لأن هذا من صنع اليهود والنصارى، وكثير من العامة يقعون في المعاصي ويمنون انفسهم بالمغفرة إذا وقعوا في المعصية.
3 -
إن هؤلاء يؤمنون بالبعث، ولكن لم ينفعهم الإيمان، لقوله:{لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} ، ويتفرغ من هذا أنه لا يكفي في الإيمان أن يؤمن الانسان بوجود الله، وباليوم الىخر، دون أن يستلزم هذا الإيمان قبولا وإذعانا، فمجرد التصديق لايعد إيمانا.
4 -
أن الانسان قد يغره ما هو عليه من الدين، لقوله:{وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} ، فقد يغتر الانسان بعباداته، فيقول بأنه لن يعذب، وهذا قصور في النظر، لأنه ليس الشأن أن تصلي وتزكي وتصوم أو تحج، وإنما الشان كل الشأن أن يقبل منك هذا العمل، فكم من عامل ليس له من عمله إلا التعب لوجود مبطل سابق كعدم الإخلاص او مبطل لاحق كالإعجاب مثلا، وقد يبتلى الإنسان بالبدعة، فكم من اناس يحبون الخير ولجهلهم يبتدعون في دين الله ما ليس منه، فيكون عملهم مردودا، لأن من شط قبول العمل أن يكون موافقا لما جاء بع الرسول-صلى الله عليه وسلم لقوله:"من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو ردّ"(2).
القرآن
{فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25)} [آل عمران: 25]
التفسير:
فكيف يكون حالهم إذا جمعهم الله ليحاسَبوا في يوم لا شك في وقوعه -وهو يوم القيامة-، وأخذ كل واحد جزاءَ ما اكتسب، وهم لا يظلمون شيئا؟
قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ} [آل عمران: 25]، " أي كيف يكون حالهم يوم القيامة حين يجمعهم الله للحساب"(3).
قال الثعلبي: " أي فكيف يصنعون ليوم لا ريب فيه: وهو يوم القيامة"(4).
قال الزمخشري: أي: " فكيف يصنعون فكيف تكون حالهم، وهو استعظام لما أعد لهم وتهويل لهم، وأنهم يقعون فيما لا حيلة لهم في دفعه والمخلص منه، وأن ما حدثوا به أنفسهم وسهلوه عليها تعلل بباطل وتطمع بما لا يكون"(5).
قال ابن عثيمين: والاستفهام للتعظيم، أي: ما أعظم ما تكون حالهم في ذلك اليوم، وما اشد حسرتهم" (6).
نقل الثعلبي عن الضحاك عن ابن عباس، قال:"أول راية ترفع لأهل الموقف ذلك اليوم من رايات الكفار راية اليهود، فيقمعهم الله على رؤوس الاشهاد ثم يأمر بهم الى النار"(7).
قوله تعالى: {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ} [آل عمران: 25]، " أي نالت كل نفسٍ جزاءها العادل"(8).
قال سعيد بن جبير: يعني: توفى كل نفس أو فاجر ما عملت من خير أو شر" (9).
قوله تعالى: {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 25]، وهم "لا يظلمون بزيادة العذاب أو نقص الثواب"(10).
قال الثعلبي: أي: " لا ينقصون من حسناتهم ولا يزداد على سيئاتهم"(11).
(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3347): ص 2/ 623.
(2)
أخرجه مسلم (1718).
(3)
صفوة التفاسير: 175.
(4)
تفسير الثعلبي: 3/ 39.
(5)
الكشاف: 1/ 349.
(6)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 151.
(7)
تفسير الثعلبي: 3/ 39.
(8)
صفوة التفاسير: 175.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (3348): ص 2/ 623 - 624.
(10)
صفوة التفاسير: 175.
(11)
تفسير الثعلبي: 3/ 39.
قال سعيد بن جبير: " يعني: من أعمالهم"(1).
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: عظم يوم القيامة، لقوله:{فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ} .
2 -
ومنها: النداء بالنعي على هؤلاء الذين ليس لهم في ذلك اليوم إلا الخيبة والخسران، إذ خسروا الدنيا والآخرة.
3 -
إثبات يوم القيامة، وأن من شكّ فيه فهو كافر، لقوله:{لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ} .
4 -
أن يوم القيامة هو يوم التوفية الكاملة، لقوله:{وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ} ، والانسان قد يوفى شيئا من عمله في الدنيا مثل المخرج من الضيق وسعة الرزق، قال تعالى {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2]، فهذا جزاء في الدنيا، واجر الآخرة أعظم.
5 -
انتفاء الظلم عن الله تعالى، لقوله:{وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} ، ويكون نفي الظلم لكمال العدل، فكل صفة نفاها الله عن نفسه فإنما يراد بها ثبوت كما الضد" (2).
القرآن
التفسير:
قل -أيها النبي متوجها إلى ربك بالدعاء-: يا مَن لك الملك كلُّه، أنت الذي تمنح الملك والمال والتمكين في الأرض مَن تشاء مِن خلقك، وتسلب الملك ممن تشاء، وتهب العزة في الدنيا والآخرة مَن تشاء، وتجعل الذلَّة على من تشاء، بيدك الخير، إنك -وحدك- على كل شيء قدير. وفي الآية إثبات لصفة اليد لله تعالى على ما يليق به سبحانه.
في تفسير الآية أقوال:
أحدها: قال قتادة: " وذكر لنا: أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه جل ثناؤه أن يجعل له ملك فارسَ والروم في أمته، فأنزل الله عز وجل: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ} إلى {إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} "(3). وهكذا ذكره مقاتل (4).
الثاني: ونقل الثعلبي عن ابن عباس، وأنس بن مالك:"لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ووعد أمته ملك فارس والروم. قالت: المنافقين واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس، هم أعز وأمنع من ذلك، ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم. فأنزل الله تعالى هذه الآية"(5).
الثالث: وذكر الثعلبي هنا حديث عمرو بن عوف المزني في قصة ضرب الصخرة بالخندق وفي آخره: "فأنزل القرآن: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا}، وأنزل الله في هذه القصة قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ} في ذلك"(6).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (3349): ص 2/ 624.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 154.
(3)
أخرجه الطبري (6790): ص 6/ 300، وابن أبي حاتم (3352): ص 2/ 624.
(4)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 269.
(5)
تفسير الثعلبي: 3/ 40.
(6)
تفسير الثعلبي: 3/ 40 - 41. ونص الرواية: " روي كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده، قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق في عام الأحزاب. ثم قطع أربعين ذراعا بين كل عشرة، قال: فاحتج المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي، وكان رجلا قويا، فقال المهاجرون: سلمان منا. وقال الأنصار: سلمان منا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سلمان منا أهل البيت» [رواه الطبراني، وفيه: كثيرَ بن عبد اللَّه المزني، وقد ضعفه الجمهور، وحسن الترمذي حديثه، وبقية رجاله ثقات. مجمع الزوائد: 6/ 189]. .
قال عمرو بن عوف: كنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن المزني وستة من الأنصار في أربعين ذراعا، فحفرنا حتى بلغنا الصدى أخرج الله من بطن الخندق صخرة مروة كسرت حديدنا وشقت علينا. فقلنا يا سلمان: آت إلى رسول الله وأخبره خبر هذه الصخرة. فإما أن نعدل عنها فإن المعدل قريب، وإما أن يأمرنا فيها بأمر، فإنا لا نحب أن نجاوز خطة.
قال: فرقى سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ضارب عليه قبة تركية. فقال: يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء مروة من بطن الخندق، وكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يجيء منها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمرك فإنا لا نحب أن نجاوز خطك، قال: فهبط رسول الله مع سلمان الخندق وبقينا نحن التسعة على شفة الخندق. فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المعول من سلمان فضربها ضربة صدعها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها، يعني المدينة، حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح، وكبر المسلمون، ثم ضربها صلى الله عليه وسلم فكسرها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح، وكبر المسلمون معه. فأخذ بيد سلمان ورقى. فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئا ما رأيت مثله قط! فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القوم فقال: رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا: نعم يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا وقد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج، فرأيناك تكبر فنكبر ولا نرى شيئا غير ذلك، قال: ضربت ضربتي الأولى، فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور بصرى من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها. ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا. فاستبشر المسلمون، وقالوا: الحمد لله موعود صدق بأن وعدنا النصر بعد الحصر. فطبقت الأحزاب فقال: المسلمون: {هذا ما وعدنا الله ورسوله} الآية [الأحزاب: 22].
وقال المنافقون: ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل، ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا، قال: فأنزل القرآن: {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} [الأحزاب: 12]، وأنزل الله في هذه القصة قوله تعالى:{قل اللهم مالك الملك} ".
قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ} [آل عمران: 26]، " أي قل: يا ألله يا مالك كل شيء" (1).
قال محمد بن إسحاق: يعني: " ملك النبوة الذي أعز به من اتبعه، وأذل به من خالفه"(2).
ولأهل العلم في تفسير قوله تعالى {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ} [آل عمران: 26]، ثلاثة اقوال:
أحدها: : يريد به ملك أمر الدنيا والآخرة (3).
والثاني: مالك العباد وما ملكوه، قاله الزجاج (4)، وروي عن محمد بن إسحاق مثله (5).
والثالث: مالك النبوة، قاله مجاهد وروي عن محمد بن إسحاق مثله (6).
قوله تعالى: {تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ} [آل عمران: 26]، "أي تهب الملك لمن تشاء وتخلع الملك ممن تشاء"(7).
وفي قوله تعالى: قوله تعالى: {تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ} [آل عمران: 26]، وجوه:
أحدها: أن المُلك هنا النبوة، قاله ابن عباس (8) ومجاهد (9)، والحسن (10).
والثاني: أنه الإيمان. أفاده الماوردي (11).
والثالث: أنه السلطان، وهو معنى قول قتادة (12).
قال ابن عباس: " اسم الله الأعظم: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ، إلى قوله: {وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} "(13).
(1) صفوة التفاسير: 177.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (3349): ص 2/ 624.
(3)
انظر: النكت والعيون: 1/ 384.
(4)
نقله عنه الماوردي في النكت: 1/ 384، ولم اجده في معاني القرآن للزجاج.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3350): ص 2/ 624.
(6)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3349): ص 2/ 624.
(7)
صفوة التفاسير: 177.
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3351): ص 2/ 624.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3351): ص 2/ 624.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3351)، و (3354): ص 2/ 624 - 625.
(11)
انظر: النكت والعيون: 1/ 384.
(12)
انظر: تفسير الطبري (6790): ص 6/ 300، وتفسير ابن أبي حاتم (3352): ص 2/ 624.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (3353): ص 2/ 624.
قوله تعالى: {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ} [آل عمران: 26]، "أي تعطي العزة لمن تشاء والذلة لمن تشاء"(1).
قوله تعالى: {بِيَدِكَ الخير إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26]، " أي: بيدك وحدك خزائن كل خير وأنت كل على كل شيء قدير" (2).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن محمد بن إسحاق: قوله" {بِيَدِكَ الخير}، أي: لا إلى غيرك"(3)، {إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، أي:" أي: لا يقدر على هذا غيرك بسلطانك وقدرتك"(4).
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية الكريمة: تفويض الأمر إلى الله، لقوله:{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْك} ، والخطاب الموجه للرسول-صلى الله عليه وسلم موجه لأمته إما عن طريق التأسي، وإما لأنه الإمام، والخطاب للإمام خطاب له ولمن اتبعه.
2 -
ومنها: بيان تمام ملك الله وسلطانه، لقوله:{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْك} ، ولكونه يعطي الملك من يشاءه، وينزعه بعد ثبوته ممن يشاء، لقوله:{تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} ، ولكون العزة من عنده، لقوله:{وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ} ، عليه فإن الإعزاز والإذلال بيد الله وحده، ولا تطلب العزة إلا منه تعالى، ومن ابتغى العزة من غير الله فهو ذليل.
3 -
أنه تعالى يؤتي الملك من يشاء، لقوله {تُؤْتِي الملك من تشاء} .
4 -
ومنها: أن ملك المخلوقين ليس ملكا استقلاليا وإنما هو ملك بإعطاء، لقوله:{تُؤْتِي الملك} ، والملك بإعطاء لاشك بأنه ناقص عن ملك المعطي.
5 -
إثبات المشيئة لله تعالى في قوله {تُؤْتِي الملك} ، وكل أمر قرنه الله بالمشيئة، فإنه مبني على الحكمة، متى اقتضته شاءه الله، ودليل ذلك قوله تعالى:{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الإنسان: 30].
6 -
ومنها: أن الخير بيد الله، لقوله:{بِيَدِكَ الْخَيْرُ} ، فلا يطلب الخير إلا منه تعالى.
7 -
ومنها: ان الشر لا يضاف إلى الله، وإن كان تعالى هو الذي خلق كل شيء، لأن أفعاله كلها خير، والشر في المفعولات، ثم ان هذا الشر في المفعولات قد يكون خيرا فكم من مرض صار سببا لصحة الجسم، وكم من آفات في الزروع وغيرها صارت اسبابا للنمو الاقتصادي من جهة اخرى.
8 -
ومنها: عموم قدرة الله، لقوله:{إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، وهذا يشمل ما كان من أفعاله وما كان من افعال الخلق، فيكون في ذلك الرد على القدرية الذين يرون بان الله لا يخلق أعمال العباد ولا يريدها، وأن الانسان مستقبل بإرادته وعمله، فإذا كانت بقدرة الله، قلنا: يلزم أن يكون مرادا ومخلوقا لله، لأنه مادام الأمر بقدرته، فلابد أن يكون مخلوقا له، ومرادا له.
القرآن
التفسير:
ومن دلائل قدرتك أنك تُدخل الليل في النهار، وتُدخل النهار في الليل، فيطول هذا ويقصر ذاك، وتُخرج الحي من الميت الذي لا حياة فيه، كإخراج الزرع من الحب، والمؤمن من الكافر، وتُخرج الميت من الحي كإخراج البيض من الدجاج، وترزق من تشاء مَن خلقك بغير حساب.
قوله تعالى: {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} [آل عمران: 27]، أي:" أي تدخل الليل في النهار كما تدخل النهار في الليل، فتزيد في هذا وتنقص في ذاك والعكس"(5).
(1) صفوة التفاسير: 177.
(2)
صفوة التفاسير: 177.
(3)
تفسير ابن أبي حاتم (3355): ص 2/ 625.
(4)
تفسير ابن أبي حاتم (3356): ص 2/ 625.
(5)
صفوة التفاسير: 177.
قال مجاهد: " ما نقص من أحدهما دخل في الآخر"(1). وروي عن عبدالله نحو ذلك (2).
قال السدي: " تولج الليل في النهار حتى يكون الليل خمس عشرة ساعة، والنهار تسع ساعات. وتولج النهار في الليل حتى يكون النهار خمس عشرة ساعة، والليل تسع ساعات"(3).
قال مقاتل: " يعني ما تنقص في الليل داخل في النهار حتى يصير الليل تسع ساعات والنهار خمس عشرة ساعة. فذلك قوله- سبحانه- {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ} [الزمر: 5]، و"يكور" يعنى: يسلط النهار على الليل، وهما هكذا إلى أن تقوم الساعة (4).
قال الطبري: أي: " تدخل ما نقصتَ من ساعات الليل في ساعات النهار، فتزيد من نقصان هذا في زيادة هذا، وتدخل ما نقصتَ من ساعات النهار في ساعات الليل، فتزيد في ساعات الليل ما نقصت من ساعات النهار "(5).
قال الزجاج: " المعنى: تدخل أحدهما في الآخر يقال: ولج الشيءُ إذا دخل يلج وُلُوجاً وَوَلْجَة، وَالْوَلْج والوَلْجَةُ شيء يكون بين يدي فناء، فمعنى: {تولج الليل في النهار}، أي: تنقص من الليل فتدخل ذلك النقصان زيادة في النهار، وتنقص من النهار فتدخل ذلك النقصان زيادة في الليل"(6).
قال الراغب: " الولوج: الدخول في مضيق، فهو أخص من الدخول"(7).
وفي قوله تعالى: {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} [آل عمران: 27] وجهان من التفسير (8):
أحدهما: معناه تدخل نقصان الليل في زيادة النهار، ونقصان النهار في زيادة الليل، وهو قول جمهور المفسرين.
والثاني: أن معناه تجعل الليل بدلاً من النهار، وتجعل النهار بدلاً من الليل، وهو قول بعض المتأخرين.
قوله تعالى: {وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} [آل عمران: 27]، أي: و"تخرج الإنسان الحيّ والأنعام والبهائم الأحياءَ من النُّطف الميتة"(9).
قال مقاتل: "فهو الناس والدواب والطير خلقهم من نطفة وهي ميتة وخلق الطير من البيضة وهي ميتة"(10).
قال الزجاج: " أي تخرج الإنسان من النطْفَةِ، والطائِر من البَيضةِ، وتخرج للناس
الحب الذي يعيشون به من الأرض الميتة" (11).
قال ابن كثير: " أي: وتخرج الحبَّة من الزرع، والنخلة من النواة، والمؤمن من الكافر، والدجاجة من البيضة، وما جرى هذا المجرى من جميع الأشياء"(12).
وفي تفسير إخراج الحي من الميت ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يخرج الحيوان الحي في النطفة الميتة، ويخرج النطفة الميتة من الحيوان الحي، وهذا قول ابن مسعود (13)، وابن عباس (14)، ومجاهد (15)، وسعيد بن جبير (16)، والضحاك (17)، وقتادة (18)، والسدي (19)، والنخعي (20)، وابن زيد (21).
(1) تفسير مجاهد: 250.
(2)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3357): ص 2/ 625.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (3359): ص 2/ 625.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 269.
(5)
تفسير الطبري: 6/ 302.
(6)
معاني القرآن: 1/ 395.
(7)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 498.
(8)
انظر: النكت والعيون: 1/ 384.
(9)
تفسير الطبري: 6/ 309.
(10)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 269 - 270.
(11)
معاني القرآن: 1/ 395.
(12)
تفسير ابن كثير: 2/ 92.
(13)
انظر: تفسير الطبري (6804): ص 6/ 304.
(14)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3368): ص 2/ 627.
(15)
انظر: تفسير الطبري (6805): ص 6/ 304.
(16)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3368): ص 2/ 627.
(17)
انظر: تفسير الطبري (6807): ص 6/ 305.
(18)
انظر: تفسير الطبري (6810): ص 6/ 305.
(19)
انظر: تفسير الطبري (6808): ص 6/ 305.
(20)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3368): ص 2/ 627.
(21)
انظر: تفسير الطبري (6812): ص 6/ 306.
والثاني: أنه يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن، وهذا قول سلمان (1)، والحسن (2)، وقتادة (3).
قال قتادة: " إنما سمي يحيى، لأن الله أحياه بالإيمان"(4).
والثالث: أنه يخرج النخلة من النواة، والنواةَ من النخلة، والسنبل من الحب، والحبّ من السنبل، والبيض من الدجاج، والدجاج من البيض. قاله عكرمة (5)، وروي عن أبي مالك نجو ذلك (6).
قوله تعالى: {وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} [آل عمران: 27]، أي:" وتخرج النطفة الميتة من الإنسان الحي والأنعام والبهائم الأحياء"(7).
قال مقاتل: " يعني يخرج الله- عز وجل هذه النطفة من الحي وهم الناس والدواب والطير"(8).
قال ابن كثير: " أي: وتخرج الزرع من الحبة، والنواة من النخلة، والكافر من المؤمن، والبيضة من الدجاجة، وما جرى هذا المجرى من جميع الأشياء"(9).
قال المراغي: "كالجاهل من العالم، والكافر من المؤمن، والنواة من النخلة، والبيضة من الطائر، وقد أثبت علماء الطب أن في النطفة والبيضة والنواة حياة، ولكن هذه حياة اصطلاحية لأهل هذا الفن، لا في العرف العام الذي جاء به التنزيل"(10).
وفي قوله تعالى: {وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} [آل عمران: 27]، وجهان من القراءة (11):
أحدهما: {الميّت} ، بالتشديد، قراءة نافع وحمزة والكسائي.
والثاني: {الميت} ، بالتخفيف، قراءة الباقين.
واختلفوا في معنى كلمة "الميت" بالتخفيف والتشديد، على قولين (12):
أحدهما: أن الميْت بالتخفيف الذي قد مات، وبالتشديد الذي لم يمت بعد. قاله الكوفيون.
والثاني: أنهما سواء، حكاه أبو العباس عن البصريين، وأنشد لابن الرعلاء القلابي (13):
لَيْسَ مَنْ ماتَ فاستراحَ بِمَيْتٍ
…
إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحْياءِ
قوله تعالى: {وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 27]، " أي: وتعطي من تشاء عطاءً واسعاً بلا عدٍّ ولا تضييق" (14).
(1) انظر: تفسير الطبري (6820): ص 6/ 307. مع شكّ في الرواية.
(2)
انظر: تفسير الطبري (6815): ص 6/ 306.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3367): ص 2/ 627.
(4)
أخرجه الطبري (6950): ص 6/ 370 - 371.
(5)
انظر: تفسير الطبري (6813): ص 6/ 306.
(6)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3370): ص 2/ 628.
(7)
تفسير الطبري: 6/ 309.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 269 - 270.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 92.
(10)
تفسير المراغي: 3/ 144.
(11)
انظر: السبعة في القراءات: 203.
(12)
انظر: النكت والعيون: 1/ 384 - 385.
(13)
انظر: الأصمعيات: 5، ومعجم الشعراء: 252، وتهذيب الألفاظ: 448، واللسان (موت) وحماسة ابن الشجرى: 51، والخزانة 4: 187، وشرح شواهد المغني:138.
(14)
صفوة التفاسير: 177.
قال ميمون بن مهران: أي: "غدقا"(1)، وروي عن الوليد بن قيس نحو هذا (2).
قال الربيع: "يخرج الرزق من عنده بغير حساب، لا يخاف أن ينقُص ما عنده تبارك وتعالى"(3).
قال محمد ابن إسحاق: " لا يقدر على ذلك غيرك ولا يصنعه إلا أنت، وترزق من تشاء برا وفاجرا حي بغير حساب"(4).
قال مقاتل: " يقول- سبحانه- ليس فوقي ملك يحاسبني، أنا الملك أعطي من شئت بغير حساب، لا أخاف من أحد يحاسبني"(5).
قال الطبري: ": أنه يُعطى من يشاء من خلقه فيجود عليه، بغير محاسبة منه لمن أعطاه، لأنه لا يخاف دخولَ انتقاص في خزائنه، ولا الفناءَ على ما بيده"(6).
قال ابن كثير: " أي: تعطي من شئت من المال ما لا يَعده ولا يقدر على إحصائه، وتقتر على آخرين، لما لك في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة والعدل"(7).
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: تمام قدرة الله تعالى وسلطانه في كونه يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، فلا أحد يستطيع أن يزيد دقيقة من الليل في النهار أو بالعكس.
2 -
إثبات حكمة الله، لأن هذا الإيلاج له حكم عظيمة لاتقوم مصالح الخلق إلا بها، لما يترتب على هذا الايلاج اختلاف فصول السنة التي يترتب على اختلافها نمو الاجساد والنبات، فمن النبات ما يكون شتويا ومنه ما يكون صيفيا.
3 -
ومنها ما يترتب على هذا الإيلاج من اختلاف درجة حرارة الجو، فيعرف الإنسان ضعفه وافتقاره الى ربه، إذ هو محتاج إلى ربه في الحالين، لما يتطلب ما يدفئه في البرد، أو مايبرده في حر الصيف.
4 -
ومن حكمته تعالى المترتبة على إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل، أن هناك جراثيم مؤذية لا يقتلها إلا شدة البرد، ومنها لا يقتلها إلا شدة الحر.
5 -
تمام قدرة الله وسلطانه بإخراج الحي من المين، وإخراج الميت من الحي، إذ أن إخراج الشيء من ضده دليل على أن قدرته تامة، وسلطانه نافذ سبحانه وتعالى.
6 -
ومنها: أن الرزق بيد الله، لقوله:{وترزق من تشاء} ، عليه فلا ينبغي لعقل أن يطلب الرزق من ايدي الناس.
7 -
ومنها: أن عطاء الله بلا عوض، لقوله:{بغير حساب} .
8 -
ومنها: إثبات المشيئة لله عز وجل، لقوله:{من يشاء} .
القرآن
التفسير:
ينهى الله المؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء بالمحبة والنصرة من دون المؤمنين، ومَن يتولهم فقد برِئ من الله، والله برِيء منه، إلا أن تكونوا ضعافًا خائفين فقد رخَّص الله لكم في مهادنتهم اتقاء لشرهم، حتى تقوى شوكتكم، ويحذركم الله نفسه، فاتقوه وخافوه. وإلى الله وحده رجوع الخلائق للحساب والجزاء.
في سبب نزول الآية أقوال:
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (3372): ص 2/ 628.
(2)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3372): ص 2/ 628.
(3)
أخرجه الطبري (6823): ص 6/ 310 - 311.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (3374): ص 2/ 628.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 270.
(6)
تفسير الطبري: 6/ 311.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 29 - 30.
أحدها: قال مقاتل: " نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره كانوا يظهرون المودة لكفار مكة فنهاهم الله- عز وجل عن ذلك"(1).
والثاني: قال محمد بن إسحاق: " قال محمد بن أبي محمد وكان الحجاج بن عمرو، وابن أبي الحقيق، وقيس بن زيد، قد بطنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر، وعبد الله بن جبير وسعد ابن خثيمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء النفر من اليهود واحذروا مباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر، فأنزل الله عز وجل فيهم لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين إلى قوله: والله على كل شيء قدير"(2). ونقله الثعلبي عن ابن عباس (3).
والثالث: روي الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، قال:"نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه، كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار، ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم"(4).
والرابع: وروي جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: "نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري، وكان بدريا تقيا، وكان له حلفاء من اليهود، فلمّا خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب، قال عبادة: يا نبي الله إنّ معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي فاستظهرتهم على العدوّ، فأنزل الله تعالى: {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ} الآية"(5).
قوله تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 28]، أي:" لا تتخذوا، أيها المؤمنون، الكفارَ ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين"(6).
قال السدي: " أما أولياء فيواليهم في دينهم، ويظهرهم على عورة المؤمنين"(7).
قال الزمخشري: " نهوا أن يوالوا الكافرين لقرابة بينهم أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك من الأسباب التي يتصادق بها ويتعاشر"(8).
قوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} [آل عمران: 28]، أي: و"من يرتكب نهى الله في هذا فقد برئ من الله"(9).
قال السدي: " ومن يفعل هذا فهو مشرك"(10)، "فقد برىء الله منه"(11).
قال الثعلبي: " أي موالاة الكفار في نقل الأخبار إليهم، وإظهارهم على عدّة المسلمين"(12).
ويحتمل قوله تعالى: {فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} [آل عمران: 28]، وجهان:
أحدهما: أي ليس من دين الله في شيء. أفاده الثعلبي (13).
والثاني: أن المعنى: ليس من الولاية في شيء، فقد بريء الله منه. قاله الحسن (14) والسدي (15).
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 270.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (3377): ص 2/ 629.
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 46.
(4)
تفسير الثعلبي: 3/ 47.
(5)
تفسير الثعلبي: 3/ 47، وأسباب النزول للواحدي: 102 - 103، والعجاب: 2/ 677، وزاد "في تفسيره" أي جوبير، وهذه الرواية ضعيفة جدًا بسبب جويبر، ومنقطعة أيضًا؛ لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.
(6)
تفسير الطبري: 6/ 313.
(7)
أخرجه ابن ابي حاتم (3376): ص 2/ 629.
(8)
الكشاف: 1/ 351.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 30.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (3378): ص 2/ 629.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (3379): ص 2/ 629.
(12)
تفسير الثعلبي: 3/ 47.
(13)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 47.
(14)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 47.
(15)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3379): ص 2/ 629.
قوله تعالى: {إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران: 28]، "أي: إِلا أن تخافوا منهم محذوراً أو تخافوا أذاهم وشرهم، فأظهروا موالاتهم باللسان دون للقلب" (1).
قال ابن عباس: " فالتقية باللسان من حمل على أمر يتكلم به وهو معصية لله، فيتكلم به مخافة الناس وقلبه مطمئن بالإيمان فإن ذلك لا يضره إنما التقية باللسان"(2).
قال مجاهد: " يعني: إلا مصانعة في الدنيا "(3).
قال ابن كثير: "أي: إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته"(4).
قال الثعلبي: " يعني: إلّا أن تخافوا منهم مخافة"(5)، "وأنكر قوم التقيّة اليوم: فقال معاذ بن جبل عن مجاهد: كانت التقيّة في جدة الإسلام قبل استحكام الدين وقوة المسلمين، فأمّا اليوم فقد أعزّ الله عز وجل الإسلام، فليس ينبغي لأهل الإسلام أن يتّقوا من عدوهم" (6).
وقال يحيى البكاء: "قلت لسعيد بن جبير في أيام الحجّاج: إنّ الحسن كان يقول لكم: التقيّة باللسان والقلب مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ. قال سعيد: ليس في الإسلام تقيّة إنّما التقيّة في أهل الحرب"(7).
ولأهل العلم في تفسير "التقية" في قوله تعالى: {إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران: 28]، وجوها:
أحدها: أن التقية باللسان وليست بالعمل. قاله ابن عباس (8)، وعكرمة (9)، وأبو العالية (10)، وعطاء بن أبي رباح (11)، والضحاك (12) وجابر بن زيد (13).
والثاني: أن معناه: إلا أن يكون بينك وبينه قرابة فتصله لذلك. قاله قتادة (14).
الثالث: أن المعنى: إلا مصانعة في الدنيا ومخالقة. وهذا قول مجاهد (15).
واختلفوا في قراءة قوله تعالى: {تُقَاةً} [آل عمران: 28]، على وجوه (16):
أحدها: {تقية} ، على وزن "نقية"، قرأ بها أبو العالية عن الحسن، والضحاك وأبو رجاء وجابر بن زيد وحميد بن مجاهد.
والثاني: {تقية} ، بالاحتجاج فكان الياء. قرأ بها حمزة والكسائي وخلف.
والثالث: {تُقاةً} ، بالتضميم. قرأ بها الباقون وأختاره أبو عبيدة.
والرابع: {تقاءة} ، مثل تكأة ويؤده ونحوها، وهي مصدر "أتقى". قرأ بها الأخفش.
قوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 28]، أي: و"يخوفّكم الله عقابه الصادر منه تعالى"(17).
قال ابن كثير: " أي: يحذركم نقمته، أي مخالفته وسطوته في عذابه لمن والى أعداءه وعادى أولياءه"(18).
(1) صفوة التفاسير: 178.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (3381): ص 2/ 629.
(3)
تفسير مجاهد: 251.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 30.
(5)
تفسير الثعلبي: 3/ 47.
(6)
تفسير الثعلبي: 3/ 48.
(7)
تفسير الثعلبي: 3/ 48.
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3381)، و (3382): ص 2/ 629.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3380): ص 2/ 629.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3383): ص 2/ 630.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3384): ص 2/ 630.
(12)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3384): ص 2/ 630.
(13)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3384): ص 2/ 630.
(14)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3385): ص 2/ 630.
(15)
انظر: تفسير مجاهد: 251، وتفسير ابن ابي حاتم (3386): ص 2/ 630، وفيه زيادة"مخالقة".
(16)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 47، والسبعة في القراءات:204.
(17)
صفوة التفاسير: 178.
(18)
تفسير ابن كثير: 2/ 30.
قال الثعلبي: " أي يخوّفكم الله على موالاة الكفار وارتكاب المنهي ومخالفة المأمور، {من نفسه}: قال المفسرون: من عذاب نفسه وعقوبته وبطشه"(1).
قوله قال تعالى: {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 28]، أي:"إليه المرجع والمنقلب، فيجازي كل عامل بعمله"(2).
قال ابن الجوزي: " قوله تعالى: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} ، قد ذهب قوم إلى أن المراد بالآية اتقاء المشركين أن يوقعوا فتنة أو ما يوجب القتل والفرقة ثم نسخ ذلك بآية السيف (3)، وليس هذا بشيء، وإنما المراد من الآية جواز اتقائهم إذا أكرهوا المؤمن على الكفر بالقول الذي لا يعتقده وهذا الحكم باق غير منسوخ، وهو المراد بقوله تعالى:{إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} (4)
…
وقد زعم إسماعيل السدي، أن قوله:{لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} منسوخة بقوله: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} ، ومثل هذا ينبغي تنزيه الكتب عن ذكره فضلا عن رده فإنه قول من لا يفهم ما يقول" (5).
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: تحريم اتخاذ الكفار أولياء، لقوله {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ} ، عليه فإن اتخاذ الكافرين أولياء من الكبائر وينافي اصل الإيمان، او كمال الإيمان، لأن الحكم إذا عُلّق بوصف، فإنه يتبع ذلك الوصف قوة وضعفا، فكلما كمل الإيمان كملت المعاداة وانتفت الموالاة، والعكس صحيح.
2 -
ومنها: اتخاذ المؤمنون اولياء من المؤمنين وهو مقتضى الإيمان، قال تعالى:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة: 71]
3 -
سهولة الاسلام ويسره إذ رفع الحرج عن الأمة، وذلك بما اباح من اتخاذ التقاة عنج الضرورة، لقوله: : {إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} ، شريطة ان ينوي اللإنسان أنها وقاية مما يخاف منهم، لا رضى بما فعلوا، او اطمئنانا إليه.
4 -
إن من اعظم الأشياء أن يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين، لقوله:{وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} . {نفسه} ، أي: ذاته، والتعبير بالنفس اولا من التعبير بالذات وإن كان التعبير بالذات هو المشهور عند العلماء، لكن التعبير بالذات عن النفس ليس من اللغة العربية الفصحى، وإنما هو متلقي من اصطلاح عرفي.
5 -
وجوب رد الأشياء إلى الله تعالى، لقوله:{وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} .
القرآن
قل -أيها النبي- للمؤمنين: إن تكتموا ما استقر في قلوبكم من موالاة الكافرين ونصرتهم أو تظهروا ذلك لا يَخْفَ على الله منه شيء، فإنَّ علمه محيط بكل ما في السماوات وما في الأرض، وله القدرة التامة على كل شيء.
قوله تعالى: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} [آل عمران: 29]، أي: قل يا محمد "إِن أخفيتم ما في قلوبكم من موالاة الكفار أو أظهرتموه فإِن الله مطلع عليه لا يخفى عليه خافية"(6).
قال السدي: "أخبرهم أنه يعلم ما أسرّوا من ذلك وما أعلنوا، فقال: {إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ} "(7).
قال الزمخشري: أي: " إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه من ولاية الكفار أو غيرها مما لا يرضى الله يعلمه ولم يخف عليه"(8).
(1) تفسير الثعلبي: 3/ 49.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 30.
(3)
ذكر هبة الله هذه الآية من الآيات المنسوخة بآية السيف. انظر: الناسخ والمنسوخ ص: 26.
(4)
الآية (106) من سورة النحل.
(5)
نواسخ القرآن: 324 - 325. ويجدر القول بأن ابن الجوزي لم يعترض لدعوى النسخ في هذه الآية في زاد المسير أصلا، وإنما رد ذلك واختار النسخ في مختصر عمدة الراسخ المخطوط ورقة (4) وقد أعرض عن ذكر دعوى النسخ في هذه الآية أمهات كتب النسخ المتقدمة.
(6)
صفوة التفاسير: 178.
(7)
أخرجه الطبري (6839): ص 6/ 318.
(8)
الكشاف: 1/ 352.
وفي قوله تعالى: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} [آل عمران: 29]، وجوه من التفسير:
أحدها: أن المراد ما يخفون من مودة الكفار، وموالاتهم. هذا قول أكثر المفسرين (1).
والثاني: أنه يعني: تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم، يقول: إن أخفيتموه أو أظهرتم تكذيبه، بحربه وقتاله، يعلمه الله.
والثالث: أنه يريد: الضمير، وهذا يعم كل ما في قلب الإنسان. قاله عطاء (2).
والراجح أنه لما نهى الله في الآية الأولى عن موالاة الكفار، خوف وحذر في هذه الآية عن إبطان موالاتهم؛ بأنه يعلم الإسرار، كما يعلم الإعلان (3).
قوله تعالى: {وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [آل عمران: 29]، أي: و"يعلم كل ما هو حادث في السماوات والأرض"(4).
قال الطبري: " يعني: أنه إذ كان لا يخفى عليه شيء هو في سماء أو أرض أو حيث كان، فكيف يخفى عليه - أيها القوم الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين - ما في صدوركم من الميْل إليهم بالمودة والمحبة، أو ما تبدونه لهم بالمعونة فعلا وقولا"(5).
قال ابن عباس: " خلق الله اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام، فقال للقلم قبل أن يخلق الخلق وهو على العرش: اكتب، فقال القلم: وما أكتب؟ قال: علمي في خلقي إلى يوم القيامة الساعة، فجرى القلم بما هو كائن في علم الله إلى يوم القيامة فذلك يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يعلم ما في السماوات والأرض"(6).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 29]، " أي وهو سبحانه قادر على الانتقام ممن خالف حكمه وعصى أمره"(7).
قال محمد بن إسحاق: " أي إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قدير"(8).
قال البيضاوي: أي: " فيقدر على عقوبتكم إن لم تنتهوا عما نهيتم عنه. والآية بيان لقوله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وكأنه قال ويحذركم نفسه لأنها متصفة بعلم ذاتي محيط بالمعلومات كلها، وقدرة ذاتية تعم المقدورات بأسرها، فلا تجسروا على عصيانه إذ ما من معصية إلا وهو مطلع عليها قادر على العقاب بها"(9).
قال ابن كثير: " أي: قدرته نافذة في جميع ذلك، وهذا تنبيه منه لعباده على خوفه وخشيته، وألا يرتكبوا ما نهى عنه وما يَبْغضه منهم، فإنه عالم بجميع أمورهم، وهو قادر على معاجلتهم بالعقوبة، وإنْ أنظر من أنظر منهم، فإنه يمهل ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر"(10).
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: وجوب إبلاغ الناس بعلم الله تعالى بما في صدورهم، لقوله:{قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} .
2 -
ومنها: عموم علم الله تعالى بما افاه الإنسان وما أبداه.
3 -
ومنها: أن العقل في القلب، والتدبير في القلب، والإرادة في القلب، لأنه قال:{قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ} ، وهي مسالة اختلف فيه اهل الكلام، هل العقل في القلب أو في الدماغ، ولكن تشير آيات القران والحديث الشريف بأن العقل في القلب، قال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا
(1) انظر: التفسير البسيط، للواحدي: 5/ 175.
(2)
حكاه عنه الواحدي ولم اهتد إلى مصدر قوله، انظر: التفسير البسيط: 5/ 176.
(3)
انظر: التفسير البسيط، للواحدي: 5/ 176.
(4)
صفوة التفاسير: 178.
(5)
تفسير الطبري: 6/ 318.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (3390): ص 2/ 631.
(7)
صفوة التفاسير: 178.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (3391): ص 2/ 631.
(9)
تفسير البيضاوي: 2/ 12.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 31.
أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]، وقال الرسول-صلى الله عليه وسلم:"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب"(1).
4 -
ومن فوائد الآية: الرد على الجبرية الذين يوقولن بان الإنسان مجبر على عمله وليس له فيه إرادة، ووجه الرد عليهم: ان الله اضاف الفعل إلى الإنسان فقال: {إن تخفوا} .
5 -
ومنها: ان الله محيط بكل شيء علما، حتى ما بين جوانح الإنسان، لقوله:{قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} ، وبالتالي التحذير من أن يسرّ الإنسان في نفسه ما لا يرضى الله.
6 -
ومنها: عموم علم الله، لقوله:{وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} .ومنها: إثبات السماوات، وأنها جمع، وقد صرّح الله تعالى في كتابه بانها سبع سماوات، فقال:{تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44]، في حين لم تأتي كلمة "الأرض" في القرآن مجموعة، وإنما جاءت في السنة مجموعة، وقد دلّت عليه النص القرآن بانه ايضا سبع طبقات، فقال:{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12].
7 -
ومنها: إثبات قدرة الله تعالى، لقوله:{وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، وعموم هذه القدرة لقوله:{كُلِّ شَيْءٍ} .
8 -
ومنها: إرشاد الانسان أن يتعلق بربه، لأنه متى ما عرف الانسان بأن ربه على كل شيء قدير فإنه لن يمنعه مانع من ان يلتجئ إليه سبحانه وتعالى بسؤال ما يريد.
القرآن
التفسير:
وفي يوم القيامة يوم الجزاء تجد كل نفس ما عملت من خير ينتظرها موفرًا لتُجزَى به، وما عملت من عمل سيِّئ تجده في انتظارها أيضًا، فتتمنى لو أن بينها وبين هذا العمل زمنًا بعيدًا. فاستعدوا لهذا اليوم، وخافوا بطش الإله الجبار. ومع شدَّة عقابه فإنه سبحانه المتصف بكمال الرحمة بالعباد.
قوله تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} [آل عمران: 30]، " أي: يوم القيامة يجد كل إِنسان جزاء عمله حاضراً لا يغيب عنه" (2).
قوله {محضرا} ، يعني:"موفرا"، قاله قتادة (3).
وقال مطر: يعني: " موفرا مكنزا"(4).
قال ابن كثير: " يعني: يوم القيامة يحضر للعبد جميع أعماله من خير وشر، كما قال تعالى: {يُنَبَّأُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} [القيامة: 13] "(5).
قوله تعالى: {وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} [آل عمران: 30]، " أي وإِن كان عمله سيئاً تمنّى أن لا يرى عمله، وأحبَّ أن يكون بينه وبين عمله القبيح غايةً في نهاية البعد"(6).
قال مقاتل: " يعني أجلا بعيدا بين المشرق والمغرب"(7).
قال الثعلبي: " الأمد: الأجل والغاية التي ينتهي إليها، قال الله:{أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا} [الجن: 25]، وقال:{فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ} [الحديد: 16]، قال النابغة (8):
(1) أخرجه البخاري (52)، ومسلم (4094).
(2)
صفوة التفاسير: 178.
(3)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3392): ص 2/ 631.
(4)
أخرجه ابن ابي حاتم (3393): ص 2/ 631.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 31.
(6)
صفوة التفاسير: 178.
(7)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 270.
(8)
ديوانه: 13.
ألا لمثلك أو من أنت سابقة
…
بسبق الجواد إذا ستويا على الأمد" (1).
وفي قوله تعالى: {وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} [آل عمران: 30]، وجوه من التفسير:
أحدها: أن المعنى: " يسر أحدهم أن لا يلقى عمله ذلك أبدا يكون ذلك مناه، وأما في الدنيا فقد كانت خطيئته يستلذها". قاله الحسن (2)، وروي عن مجاهد نحو ذلك (3).
والثاني: أن قوله {أمدا بعيدا} ، معناه: مكانا بعيدا. قاله السدي (4).
والثالث: أن معناه أجلا وغاية بعيدا. قاله مقاتل بن سليمان (5)، وابن جريج (6)، وأبو عبيدة (7).
قوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 30]، أي: والله "يخوفكم عقابه"(8).
قال مقاتل: " يعني: عقوبته في عمل السوء"(9).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 30]، أي: والله رحيم بخلقه" (10).
قال الحسن: " من رأفته بهم أن حذَّرهم نفسه"(11).
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: التحذير والتذكير لهذا اليوم العظيم الذي يجد فيه الانسان جزاء عمله خيره وشره.
2 -
ومنها: ثبوت الجزاء لكل نفس، وانه جزاء شامل وان غير المكلف يكتب له ولا يكتب عليه، ولا شك بأنه ليس على عمومه فيما يتعلق بالبهائم، فإنها لا تجد هذا.
3 -
ومنها: كمال قدرة الله تعالى بإحضار ما عمله الإنسان من قليل وكثير، لقول:{ما} الموصولة التي تفيد العموم.
4 -
ومنها: كمال رقابته عز وجل، وانه لا يفوته شيء، فما عمل الإنسان فسوف يجده.
5 -
إثبات يوم الآخر، الذي هو يوم الجزاء.
6 -
ومنها: ان الشر يسوء صاحبه، لقوله:{وما عملت من سوء} .
7 -
إثبات الشعور في ذلك اليوم لقوله: {تودّ} ، لأن المودة خالص المحبة، وهي فرع من الشعور بالشيء.
8 -
ومنها: كراهة المسيء لما عمله في ذلك اليوم، لقوله:{تود لو ان بينها وبينه امدا بعيدا} ، وأنه يحب ان يكون بينه وبين عمله السيء امدا بعيدا.
9 -
رحمة الله بعباده بتحذيرهم من عقوبته، لقوله:{ويحذركم الله نفسه} .
10 -
إثبات الرأفة لله عز وجل، لقوله {رءوف} ، والرأفة أسد الرحمة وأرقها.
القرآن
التفسير:
قل -أيها الرسول-: إن كنتم تحبون الله حقا فاتبعوني وآمنوا بي ظاهرًا وباطنًا، يحببكم الله، ويمحُ ذنوبكم، فإنه غفور لذنوب عباده المؤمنين، رحيم بهم.
اختلف في سبب نزول الآية على أقوال:
أحدها: قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: "إن اليهود لما قالت: نحن أبناء الله وأحباؤه، أنزل الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ} الآية، فلما نزلت عرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبوا أن يقبلوها"(12).
وقال مقاتل بن سليمان: "لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن الأشرف وأصحابه إلى الإسلام قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه ولنحن أشد حبا لله مما تدعونا إليه، فقال الله- عز وجل لنبيه- صلى الله عليه وسلم {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} "(13).
والثاني: قال الحسن: " قال قومٌ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، إنا نحبّ ربنا! فأنزل الله عز وجل: " قُل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم "، فجعل اتباع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عَلَمًا لحبه، وعذاب من خالفه"(14). وروي عن ابن جريج مثل ذلك (15).
والثالث: وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: "وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قريش وهم في المسجد الحرام، وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام، وجعلوا في آذانها الشنوف والقرطة، وهم يسجدون لها، فقال: "يا معشر قريش لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل، ولقد كانا على الإسلام"، فقالت قريش: يا محمد إنما نعبد هذه حبا لله ليقربونا إلى الله زلفى، فأنزل الله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله} وتعبدون الأصنام لتقربكم إليه {فاتبعوني يحببكم الله} "فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم، وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم" (16).
قال ابن حجر: " وهذا من منكرات جويبر فإن آل عمران مدنية، وهذه القصة إنما كانت بمكة قبل الهجرة، ولعل الذي نزل فيهما في أوائل الزمر"(17).
والرابع: ونقل الواحدي عن محمد بن جعفر بن الزبير: " نزلت في نصارى نجران، وذلك أنهم قالوا: إنما نعظم المسيح ونعبده حبا لله وتعظيما له، فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا عليهم (18).
قوله تعالى {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31]، أي قل لهم يا محمد إِن كنتم حقاً تحبون الله فاتبعوني يحبكم الله" (19).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده "عن أبي الدرداء في قوله {إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} على البر، والتقوى، والتواضع، وذلة النفس"(20).
وقال الحسن: " فكان علامة حبه إياهم اتباع سنة رسوله"(21).
قال ابن كثير: " أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء العلماء: ليس الشأن أن تُحِبّ، إنما الشأن أن تُحَبّ"(22).
قوله تعالى: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 32]، أي:" ويغفر لكم ما سلف من الذنوب"(23).
قال محمد بن إسحاق: " أي: ما مضى من كفركم"(24).
(1) تفسير الثعلي: 3/ 50.
(2)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3394): ص 2/ 631.
(3)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3395): ص 2/ 631 - 632.
(4)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3397): ص 2/ 632.
(5)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 270.
(6)
انظر: تفسير ابن المنذر (359): ص 1/ 168.
(7)
انظر: تفسير ابن المنذر (360): ص 1/ 168.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 31.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 270.
(10)
صفوة التفاسير: 178.
(11)
أخرجه الطبري (6844): ص 6/ 321.
(12)
أسباب النزول للواحدي: 103.
(13)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 270 - 271.
(14)
أخرجه الطبري (6845): ص 6/ 323.
(15)
أخرجه الطبري (6847): ص 6/ 323، وابن المنذر (362): ص 1/ 169، وابن أبي حاتم (3402): ص 2/ 633، من طريق بكر بن الأسود عن الحسن به، ونقله الواحدي في أساب النزول: 103، وإسناده ضعيف جدا بسبب بكر، انظر: ميزان الاعتدال: 1/ 342 - رقم: 1271، وضعف الإمام ابن جرير هذا السبب، انظر: تفسيرالطبري: 6/ 324.
(16)
اسباب النزول: 103.
(17)
العجاب: 2/ 678.
(18)
اسباب النزول: 103، والعجاب: 2/ 677، وانظر: سيرة ابن هشام: 1/ 578 - 579 في قصة وفد نجران.
(19)
صفوة التفاسير: 178.
(20)
تفسير ابن أبي حاتم (3400): ص 2/ 632.
(21)
أخرجه ابن أبي حاتم (3401): ص 2/ 632 - 633.
(22)
تفسير ابن كثير: 2/ 32.
(23)
صفوة التفاسير: 178.
(24)
أخرجه ابن أبي حاتم (3404): ص 2/ 632 - 633.
قال الطبري: أي: " فإنه إن اتبعتموني وصدّقتموني على ما أتيتكم به من عند الله يغفرُ لكم ذنوبكم، فيصفح لكم عن العقوبة عليها، ويعفو لكم عما مضى منها"(1).
قال ابن كثير: " أي: باتباعكم للرسول صلى الله عليه وسلم يحصل لكم هذا كله ببركة سفارته"(2).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 32]، أي: والله غفور لذنوب عباده المؤمنين، رحيمٌ بهم" (3).
قال محمد ابن إسحاق: " والله {غفور}: يغفر الذنب، {رحيم}: يرحم العباد على ما فيهم"(4).
قال ابن كثير: " هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عليه أمْرُنَا فَهُوَ رَدُّ" (5) "(6).
الفوائد:
1 -
إن الله تعالى أمر نبيه محمدا-صلى الله عليه وسلم أن يتحدى هؤلاء المدعين لمحبته بهذا الميزان القسط، وهو اتباعهم للرسول-عليه الصلاة والسلام.
2 -
إن محبة الله تعالى غاية لكل الناس حتى من غير المسلمين، لقوله:{إن كنتم تحبون الله فاتبعوني} .
3 -
قد جعل الله اتباع رسوله سببا لمحبة الله للعبد، وكلما قوي اتباع الإنسان للرسول-عليه الصلاة والسلام كان أقوى برهانا على صدق محبته لله.
4 -
ومن الفوائد: إثبات المحبة بين العبد والرب من الجانبين، لقوله:{تحبون الله} ، وقوله:{يحببكم الله} ، وهذه المحبة هي حقيقية خلافا لمن أوّلها، فقال: تحبون الله: أي: تحبون ثوابه، يحببكم الله: أي: يثيبكم الله، فهذا وأيم الله تحريف، وأن محبة الله غير محبة الثواب.
5 -
إن اتباع الرسول-عليه الصلاة والسلام برهان لصدق دعوى محبة الله، وسبب لمغفرة الله للذنب.
6 -
ومنها: كمال إحسان الله تعالى، لجزائه على العمل أكثر منه، لأن المتبع للرسول يحصل محبة الله ومغفرة الذنوب.
7 -
اثبات هذين الاسمين وما تضمناه من صفة في قوله: {والله غفور رحيم} .
القرآن
{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)} [آل عمران: 32]
التفسير:
قل -أيها الرسول-: أطيعوا الله باتباع كتابه، وأطيعوا الرسول باتباع سنته في حياته وبعد مماته، فإن هم أعرضوا عنك، وأصروا على ما هم عليه مِن كفر وضلال، فليسوا أهلا لمحبة الله; فإن الله لا يحب الكافرين.
في سبب نزول الآية قولان:
أحدهما: قال الثعلبي: " فلما نزلت هذه الآية (7) قال عبد الله بن أبي لأصحابه: إنّ محمّدا يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبّه كما أحبت النصارى عيسى ابن مريم، فنزل: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} "(8).
الثاني: وقال مقاتل بن سليمان: يعني: "قل لليهود"(9). ورجحه ابن حجر (10).
(1) تفسير الطبري: 6/ 324.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 32.
(3)
تفسير الطبري: 6/ 324.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (34045): ص 2/ 632 - 633.
(5)
أخرجه مسلم (1718).
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 32.
(7)
وهو قوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
(8)
تفسير الثعلبي: 3/ 51.
(9)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 271.
(10)
انظر: العجاب: 2/ 679.
قوله تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} [آل عمران: 32]، أي: قل يا محمد: "أطيعوا أمر الله وأمر رسوله"(1).
قال محمد ابن إسحاق: "أطيعوا الله والرسول وأنتم تعرفونه وتجدونه في كتابكم"(2).
قال الطبري: أي: " قل، يا محمد، لهؤلاء الوفد من نصارى نجران: أطيعوا الله والرسول محمدًا، فإنكم قد علمتم يقينًا أنه رسولي إلى خلقي، ابتعثتُه بالحق، تجدونه مكتوبًا عندكم في الإنجيل"(3).
قوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا} [آل عمران: 32]، أي: فإن" استدبروا عما دعوتهم إليه من ذلك، وأعرضوا عنه"(4).
قال ابن عباس: " يعني: الكفار تولوا عن النبي صلى الله عليه وسلم"(5).
قال محمد بن إسحاق: "فإن تولوا على كفرهم"(6).
قال الثعلبي: أي: " أعرضوا عن طاعتهما"(7).
قال ابن كثير: أي فإن" أي: خالفوا عن أمره"(8).
قوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32]، أي: فإن الله "لا يحب من كفر بآياته"(9).
قال الثعلبي: أي: " لا يرضى فعلهم ولا شيء لهم ولا يغفر لهم"(10).
أخرج ابن أبي حاتم "عن سفيان بن عيينة قوله: {فإن الله لا يحب}، قال: لا يقرب"(11).
قال ابن كثير: " فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحب من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه يحب لله ويتقرب إليه، حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل، ورسول الله إلى جميع الثقلين الجن والإنس الذي لو كان الأنبياء - بل المرسلون، بل أولو العزم منهم - في زمانه لما وسعهم إلا اتباعه، والدخول في طاعته، واتباع شريعته"(12).
الفوائد:
1 -
عناية الله تعالى بطاعته وطاعة الرسول، وذلك لتصدر الأمر بـ {قل} ، والقرآن كله قد أمر الرسول-صلى الله عليه وسلم أن يقوله.
2 -
من فوائد الآية وجوب طاعة رسوله-صلى الله عليه وسلم، وأن طاعته من طاعة الله.
3 -
إثبات رسالته –صلى الله عليه وسلم، لقوله:{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} .
القرآن
{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)} [آل عمران: 33]
التفسير:
إن الله اختار آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران، وجعلهم أفضل أهل زمانهم.
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ} [آل عمران: 33]، أي: إن الله "اختار للنبوة صفوة خلقه منهم آدم أبو البشر"(13).
قال أبو مالك: " {اصطفى}، يعني: اختار"(14).
(1) صفوة التفاسير: 178.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (3406): ص 2/ 633.
(3)
تفسير الطبري: 6/ 325.
(4)
تفسير الطبري: 6/ 325.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (3407): ص 2/ 634.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (3409): ص 2/ 634.
(7)
تفسير الثعلبي: 3/ 51.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 32.
(9)
صفوة التفاسير: /1/ 178.
(10)
تفسير الثعلبي: 3/ 51.
(11)
تفسير ابن أبي حاتم (3408): ص 2/ 634.
(12)
تفسير ابن كثير: 2/ 32.
(13)
صفوة التفاسير: 180.
(14)
أخرجه ابن ابي حاتم (3410): ص 2/ 634.
قال الحسن: " فضلهم الله على العالمين بالنبوة على الناس كلهم، كانوا هم الأنبياء والأتقياء المطيعين لربهم"(1).
قال مقاتل: " يعني: اختار من الناس لرسالته آدم"(2).
قال ابن كثير: " فاصطفى آدم، عليه السلام، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه الجنة ثم أهبطه منها، لما له في ذلك من الحكمة"(3).
قال الزجاج: " معنى اصطفاهم في اللغة: اختارهم أي جعلهم صفوة خلقه، وهذا تمثيل بما يُرى، لأن العرب تمثل المعلوم بالشيءِ المرئي، وإذا سمع السامع ذلك المعلوم كان عنده بمنزلة ما يشاهده عِياناً، فنحن نعين الشيء الصافي أنه النقى من الكدر، فكذلك صفوة اللَّه من خلقه"(4).
وفي معنى الإصطفاء في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىَ} [آل عمران: 33]، ثلاثة أوجه:
أحدها: اصطفى دينهم أي اختاره على سائر الأديان. والتقدير: إن الله اصطفى دينهم وهو دين الإسلام، فحذف المضاف. وهذا قول الفراء (5).
والثاني: أن المعنى: اختارهم للنبوة على عالمي زمانهم، فاصطفى آدمَ بالرسالة إلَى الملاتكة وإلى ولده، واصطفى نوحاً وإبراهيم وآله بالرِّسالة. أفاده الزجاج (6).
والثالث: أنه اصطفاهم بتفضيلهم في الأمور التي ميزهم بها على أهل زمانهم. أفاده الماوردي (7).
قوله تعالى: {وَنُوحًا} [آل عمران: 33]، أي: واختار نوحا"شيخ المرسلين"(8).
قال ابن كثير: " واصطفى نوحا، عليه السلام، وجعله أول رسول بعثه إلى أهل الأرض، لما عبد الناس الأوثان، وأشركوا في دين الله ما لم ينزل به سلطانا، وانتقم له لما طالت مدته بين ظَهْرَاني قومه، يدعوهم إلى الله ليلا ونهارًا، سرا وجهارًا، فلم يزدهم ذلك إلا فرارًا، فدعا عليهم، فأغرقهم الله عن آخرهم، ولم يَنْجُ منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله به"(9).
قوله تعالى: {وَآلَ إِبْرَاهِيمَ} [آل عمران: 33]، " أي عشيرته وذوي قرباه"(10).
قال مقاتل: " يعني إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب والأسباط"(11).
قال ابن عباس: " هم المؤمنون من آل إبراهيم، وآل عمران، وآل ياسين، وآل محمد صلى الله عليه وسلم"(12).
وقال أيضا: " إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمدا بالرؤية "(13).
قال ابن كثير: " واصطفى آل إبراهيم، ومنهم: سيد البشر وخاتم الأنبياء على الإطلاق محمد صلى الله عليه وسلم"(14).
قال قتادة: " ذكر الله تعالى أهل بيتين صالحين، ففضلهما على العالمين، فكان محمد صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم"(15).
(1) أخرجه ابن ابي حاتم (3410): ص 2/ 634.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 271.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 33.
(4)
معاني القرآن: 1/ 399.
(5)
انظر: معاني القرآن للفراء: 1/ 297، ومعاني القرآن للزجاج: 1/ 399، وتفسير القرطبي: 4/ 62.
(6)
انظر: معاني القرآن: 1/ 399.
(7)
انظر: النكت والعيون: 1/ 386.
(8)
تفسير البيضاوي: 1/ 249.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 33.
(10)
صفوة التفاسير: 180.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 271.
(12)
أخرجه ابن ابي حاتم (3414): ص 2/ 635.
(13)
تفسير ابن المنذر: (368): ص 1/ 171.
(14)
تفسير ابن كثير: 2/ 33.
(15)
تفسير عبدالرزاق (388): ص 1/ 386.
قوله تعالى: {وَآلَ عِمْرَانَ} [آل عمران: 33]، أي: أهل عمران" (1).
قال مقاتل: " يعني موسى، وهارون، ذرية آل عمران اختارهم للنبوة والرسالة"(2).
قال ابن كثير: " المراد بعمران هذا: هو والد مريم بنت عمران، أم عيسى ابن مريم، عليهم السلام"(3).
قال الزمخشري: " وآل عمران موسى وهرون ابنا عمران ابن يصهر. وقيل عيسى ومريم بنت عمران بن ماثان، وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة"(4).
وفي: {وَآلَ عِمْرَانَ} [آل عمران: 33]، قولان:
أحدهما: أنه موسى وهارون ابنا عمران. قاله مقاتل (5). وآخرون.
والثاني: أنه المسيح، لأن مريم بنت عمران، وهذا قول الحسن (6).
قوله تعالى: {عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 33]، "أي: على عالمي زمانهم" (7).
قال الحسن: "على الناس كلهم"(8).
قال مقاتل: " يعني عالمي ذلك الزمان"(9).
قال ابن كثير: " يخبر تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض "(10).
الفوائد:
1 -
إن الله يختار من خلقه ما يشاء، كما قال:{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص: 68].
2 -
إن التفاضل يكون في الأعمال والأعيان والأشخاص، ولهذا فإن جنس العرب أفضل من غيرهم، ومحمد-عليه الصلاة والسلام أشرفهم.
3 -
ومنها ما ذكره بعض أهل العلم من أن الصالحين من البشر أفضل من الملائكة، لقوله:{على العالمين} ، والملائكة عالم.
القرآن
{ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)} [آل عمران: 34]
التفسير:
هؤلاء الأنبياء والرسل سلسلة طُهْر متواصلة في الإخلاص لله وتوحيده والعمل بوحيه. والله سميع لأقوال عباده، عليم بأفعالهم، وسيجازيهم على ذلك.
قوله تعالى: {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران: 34]، "أي: اصطفاهم متجانسين في الدين والتُّقى والصلاح" (11).
قال قتادة: "يقول: في النية والعمل والإخلاص والتوحيد له"(12).
قال محمد بن إسحاق: " فمن تلك الذرية كان ينسب عيسى إذ لم يكن له أب من غيرهم، فدعي إلى نسبه"(13).
وقال أبو روق: " بعضها على دين بعض"(14).
(1) صفوة التفاسير: 180.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 271.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 33.
(4)
الكشاف: 1/ 354.
(5)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 271.
(6)
انظر: النكت والعيون: 1/ 386.
(7)
تفسير البيضاوي: 1/ 249، وانظر: صفوة التفاسير: 180.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (3415): ص 2/ 635.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 271.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 33.
(11)
صفوة التفاسير: 180.
(12)
أخرجه الطبري (6855): ص 6/ 328.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (3419): ص 2/ 636.
(14)
مجمع البيان: 5/ 84، وانظر: تفسير الثعلبي: 3/ 53.
قال الطبري: أي: " ذرية دينُ بعضها دينُ بعض، وكلمتهم واحدةٌ، وملتهم واحدة في توحيد الله وطاعته"(1).
قال الراغب: " يعني في الموالاة الدينية، لقوله: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71] وقوله: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} [التوبة: 67] وقوله لنوح: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46] ردا عليه لما قال في الكناية عن هذا العدو"(2).
وفي قوله تعالى: {ذُرِّيَّةَ بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ} [آل عمران: 34] وجهان:
أحدهما: أنهم صاروا ذرية بالتناصر لا بالنسب، كما قال تعالى:{المُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ} [التوبة: 67] يعني في الاجتماع على الضلال، وهذا قول الحسن (3)، وقتادة (4).
والثاني: أنهم في التناسل والنسب، إذ جميعهم من ذرية آدم، ثم من ذرية نوح، ثم من ذرية إبراهيم، وهذا قول بعض المتأخرين (5).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 34] أي: والله " سميع لأقوال العباد عليم بضمائرهم"(6).
قال محمد بن إسحاق: " أي: سميع لما يقولون، عليم بما يخفون"(7).
قال مقاتل: {سميع} : "لقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه ونحن أشد حبا لله، {عليم} بما قالوا، يعنى اليهود"(8).
قال الطبري: أي: " والله ذُو سمع لقول امرأة عمران، وذو علم بما تضمره في نفسها، إذ نذَرت له ما في بطنها مُحرَّرًا"(9).
الفوائد:
1 -
بيان أن البشر جنس بعضه من بعض، لقوله:{ذرية بعضها من بعض} .
2 -
الرد على من زعم بأن البشر تطور من جنس لآخر، من القردة إلى الآدميين إلى البشر، والصحيح أن أصل البشر من آدم، الذي خلقه الله من تراب.
3 -
إثبات اسمين من أسماء الله تعالى، وهما: السميع، والعليم، فالسميع يتعلق بالأصوات، والعليم يتعلق بكل شيء بالأصوات والأحوال والأعيان.
القرآن
التفسير:
اذكر -أيها الرسول- ما كان من أمر مريم وأمها وابنها عيسى عليه السلام; لتردَّ بذلك على من ادعوا أُلوهية عيسى أو بنوَّته لله سبحانه، إذ قالت امرأة عمران حين حملت: يا ربِّ إني جعلت لك ما في بطني خالصا لك، لخدمة «بيت المقدس» ، فتقبَّل مني; إنك أنت وحدك السميع لدعائي، العليم بنيتي.
قوله تعالى: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ} [آل عمران: 35]، " أي اذكر لهم وقت قول امرأة عمران"(10).
قال البيضاوي: " وهذه حنة بنت فاقوذ جدة عيسى، وكانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم أكبر من موسى وهارون فظن أن المراد زوجته ويرده كفالة زكريا فإنه كان معاصراً لابن ماثان وتزوج بنته ايشاع، وكان يحيى وعيسى عليهما السلام ابني خالة من الأب روي أنها كانت عاقراً عجوزاً، فبينما هي في ظل شجرة إذ رأت طائراً يطعم فرخه فحنت إلى الولد وتمنته فقالت: اللهم إن لك علي نذراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من خدمه، فحملت بمريم وهلك عمران وكان هذا النذر مشروعاً في عهدهم للغلمان فلعلها بنت الأمر على التقدير أو طلبت ذكراً"(11).
قوله تعالى: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي} [آل عمران: 35]، أي: ربّي إني "نذرت لعبادتك وطاعتك ما أحمله في بطني"(12).
قال عكرمة: " أن امرأة عمران كانتْ عجوزًا عاقرًا تسمى حَنَّة، وكانت لا تلد، فجعلت تغبطُ النساء لأولادهن، فقالت: اللهمّ إنّ عليّ نذرًا شكرًا إن رزقتني ولدًا أن أتصدّق به على بيت المقدس، فيكون من سَدَنته وُخدَّامه"(13).
قال الحسن: " نذرت ما في بطنها، ثم سيَّبَتْها"(14).
قوله تعالى: {مُحَرَّراً} [آل عمران: 35]، " أي: مخلصاً للعبادة والخدمة" (15).
قال سعيد بن جبير: "للبيعة والكنيسة"(16).
قال عكرمة: " قوله: {نذرتُ لك ما في بطني محرّرًا}، إنها للحرّة ابنة الحرائر {محررًا} للكنيسة يخدمها"(17).
قال محمد بن جعفر بن الزبير: "تقول: جعلته عتيقًا لعبادة الله، لا ينتفع به بشيء من أمور الدنيا"(18).
قال مجاهد: " خالصًا، لا يخالطه شيء من أمر الدنيا"(19)،
قال قتادة: " كانت امرأة عمران حَرّرت لله ما في بطنها، وكانوا إنما يحرّرُون الذكور، وكان المحرَّر إذا حُرِّر جعل في الكنيسة لا يبرَحها، يقوم عليها ويكنُسها"(20).
قال السدي: " وذلك أن امرأة عمران حملت، فظنت أن ما في بطنها غلام، فوهبته لله محرّرًا لا يعمل في الدنيا"(21).
قال الربيع: " كانت امرأة عمران حرّرَت لله ما في بطنها. قال: وكانوا إنما يحرّرون الذكور، فكان المحرَّر إذا حُرِّر جعل في الكنيسة لا يبرحها، يقوم عليها ويكنسها"(22).
قال الضحاك: " جعلت ولدها لله، وللذين يدرُسون الكتاب ويتعلَّمونه"(23).
قال التستري: " أي حررته وأعتقته من رق الدنيا من متابعة هواه ومرادات نفسه، وجعلته خادماً لعباد بيت المقدس خالصا لله تعالى"(24).
قال البيضاوي: " معتقاً لخدمته لا أشغله بشيء، أو مخلصاً للعبادة"(25).
قال الطبري: " يعني بذلك: حبستُه على خدمتك وخدمة قُدْسك في الكنيسة، عتيقةً من خدمة كلّ شيء سواك، مفرّغة لك خاصة"(26).
ولأهل العلم في تفسير قوله تعالى: {مُحَرَّراً} [آل عمران: 35]، " ثلاثة أقاويل:
(1) تفسير الطبري: 6/ 327.
(2)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 527.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3416)، و (3417): ص 2/ 635.
(4)
أخرجه الطبري (6855): ص 6/ 328.
(5)
انظر: النكت والعيون: 1/ 386.
(6)
صفوة التفاسير: 180.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (3420): ص 2/ 636.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 271.
(9)
تفسير الطبري: 6/ 328.
(10)
صفوة التفاسير: 180.
(11)
تفسير البيضاوي: 2/ 14.
(12)
صفوة التفاسير: 180.
(13)
أخرجه الطبري (6875): ص 6/ 332 - 333.
(14)
أخرجه الطبري (6876): ص 6/ 333.
(15)
صفوة التفاسير: 180.
(16)
أخرجه الطبري (6868): ص 6/ 331.
(17)
أخرجه الطبري (6875): ص 6/ 332 - 333.
(18)
أخرجه الطبري (6858): ص 6/ 330.
(19)
أخرجه الطبري (6867): ص 6/ 331.
(20)
أخرجه الطبري (6870): ص 6/ 332.
(21)
أخرجه الطبري (6872): ص 6/ 332.
(22)
أخرجه الطبري (6873): ص 6/ 332.
(23)
أخرجه الطبري (6874): ص 6/ 332.
(24)
تفسير التستري: 48.
(25)
تفسير البيضاوي: 2/ 14.
(26)
تفسير الطبري: 6/ 329.
أحدها: أن معناه: فرّغته للعبادة، وهذا قول الشعبي (1).
والثاني: أنه: يعني: خادماً للبيعة، وهذا قول مجاهد (2)، وروي عن الربيع بن أنس وشرحبيل بن سعد نحو ذلك (3).
والثالث: معناه: عتيقاً من الدنيا لطاعة الله، وهذا قول محمد بن جعفر بن الزبير (4).
قوله تعالى: {فَتَقَبَّلْ مِنِّي} [آل عمران: 35]، " أي: فتقبل مني ما نذرت لك يا ربّ" (5).
قوله تعالى: {إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [آل عمران: 35]، أي إنك أنت "السميع لدعائي العليم بنيتي"(6).
قال الطبري: " إنك أنتَ يا رب {السميع} لما أقول وأدعو، {العليمُ} لما أنوي في نفسي وأريد، لا يخفى عليك سرّ أمري وعلانيته"(7).
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية الكريمة جواز النذر في الأمر المجهول.
2 -
جواز تصدق المراة بدون إذن زوجها، ووجهه: انها نذرت تحرير هذا الولد بدون إذن الزوج.
3 -
ومنها: ان الولد يخدم والده من أم أو أب، لأنها قالت:{محررا} ، يعني محررا من الخدمة بحيث لا أستخدمه ولا أستغل حياته.
4 -
ومن الفوائد ايضا: الافتقار إلى الله، لقولها:{فتقبّل منّي} .
5 -
إثبات اسمين من اسماء الله تعالى وهما: السميع، والعليم، والسميع يكون بمعنى استجابة الدعاء وبمعنى إدراك المسموع، والعليم هو: إدراك الشيء على ما هو عليه.
القرآن
التفسير:
فلما تمَّ حملها ووضعت مولودها قالت: ربِّ إني وضعتها أنثى لا تصلح للخدمة في «بيت المقدس» -والله أعلم بما وضَعَتْ، وسوف يجعل الله لها شأنًا- وقالت: وليس الذكر الذي أردت للخدمة كالأنثى في ذلك; لأن الذكر أقوى على الخدمة وأقْوَم بها، وإني سمَّيتها مريم، وإني حصَّنتها بك هي وذريَّتها من الشيطان المطرود من رحمتك.
قوله تعالى: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا} [آل عمران: 36]، "أي: لمَّا ولدتها" (8).
قال الثعلبي: " أي ولدتها وإذا هي جارية"(9).
قال الطبري: أي: "فلما وضعت حَنَّة النذيرةَ"(10).
قال ابن عباس: "فلما وضعتها أنثى ضنت بها، قالت: {رب إني وضعتها أنثى} "(11).
قوله تعالى: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} [آل عمران: 36]، أي: يا ربي إني "ولدت النذيرة أنثى"(12).
قال ابن عباس: " وكانت ترجو أن يكون ذكرا"(13).
(1) انظر: تفسير الطبري (6862) - (6864): ص 6/ 331.
(2)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3423): ص 2/ 636.
(3)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3423): ص 2/ 636.
(4)
انظر: تفسير الطبري (6858): ص 6/ 330.
(5)
تفسير الطبري: 6/ 329.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 33، وانظر: صفوة التفاسير: 180.
(7)
تفسير الطبري: 6/ 329.
(8)
صفوة التفاسير: 181.
(9)
تفسير الثعلبي: 3/ 55.
(10)
تفسير الطبري: 6/ 333.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (3424): ص 2/ 636.
(12)
تفسير الطبري: 6/ 334.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (3425): ص 2/ 637.
قال السدي: " فلما وضعت إذا هي جارية، فقالت تعتذر إلى الله: {رب إني وضعتها أنثى} "(1).
قال الربيع: " يعني أن المرأة لا تستطيع ذلك"(2).
قال عكرمة: " قالت: ليس في الكنيسة إلا الرجل، فلا ينبغي لإمرأة أن تكون مع الرجال، أمها تقوله، فذلك الذي منعها أن يجعلها في الكنيسة وينفذ نذرها بتحريرها في الكنيسة"(3).
قال البيضاوي: " وإنما قالته تحسراً وتحزناً إلى ربها لأنها كانت ترجو أن تلد ذكراً ولذلك نذرت تحريره"(4).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} [آل عمران: 36]، أي والله أعلم بالشيء الذي وضعت" (5).
قال الطبري: أي: " والله أعلم من كل خلقه بما وضعت"(6).
قال البيضاوي: يعني: " أي بالشيء الذي وضعت. هو استئناف من الله تعالى تعظيماً لموضوعها وتجهيلاً لها بشأنها"(7).
وفي قوله تعالى: {وَضَعَتْ} [آل عمران: 36]، قراءتان (8):
إحداهما: {بما وضعتْ} ، بتسكين التاء، على أنه من قول الله عز وجل، قرأ بها ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي، ورواية حفص والمفضل عن عاصم.
والثانية: {بما وضعتُ} ، بضم التاء، على أنها تاء المتكلم، وأن ذلك من تمام قولها، وهي قراءة عاصم في رواية أبي بكر وابن عامر.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن الضحاك فلما وضعتها فرأتها أنثى قالت: إني وضعتها أنثى وأنت أعلم بما وضعت، يعني: برفع التاء" (9).
قوله تعالى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأنْثَى} [آل عمران: 36]، "أي ليس الذكر الذي طَلَبْته كالأنثى التي وُهبِتها"(10).
قال عكرمة: "يعني: في المحيض، ولا ينبغي لامرأة أن تكون مع الرجال أمها تقول ذلك"(11).
قال الضحاك: " أي لما جعلها له نذيرة، والنذيرة أن تعبد الله لأن الذكر هو أقوى على ذلك من الأنثى"(12).
قال ابن كثير: "أي: في القوة والجَلَد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى"(13).
قال الطبري: " قالت [ذلك] اعتذارًا إلى ربها مما كانت نذرتْ في حملها فحررته لخدمة ربها، لأن الذكر أقوى على الخدمة وأقوم بها، وأن الأنثى لا تصلح في بعض الأحوال لدخول القدْس والقيام بخدمة الكنيسة، لما يعتريها من الحيض والنفاس"(14).
قال قتادة: " كانت المرأة لا يستطاع أن يصنع بها ذلك يعني أن تحرر للكنيسة، فتجعل فيها، تقوم عليها وتكنسها فلا تبرحها مما يصيبها من الحيض والأذى، فعند ذلك قالت: {ليس الذكر كالأنثى} "(15).
قال الربيع: "كانت امرأة عمران حرّرت لله ما في بطنها، وكانت على رَجاء أن يهبَ لها غلامًا، لأن المرأة لا تستطيع ذلك يعني القيامَ على الكنيسة لا تَبرحها، وتكنُسها لما يصيبها من الأذى"(16).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (3426): ص 2/ 637.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (3427): ص 2/ 637.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (3428): ص 2/ 637.
(4)
تفسير البيضاوي: 2/ 14.
(5)
صفوة التفاسير: 181.
(6)
تفسير الطبري: 6/ 334.
(7)
تفسير البيضاوي: 2/ 14.
(8)
انظر: السبعة: 204، وتفسير ابن كثير: 2/ 33.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (3430): ص 2/ 637.
(10)
صفوة التفاسير: 181.
(11)
أخرجه الطبري (6883): ص 6/ 336.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (3431): ص 2/ 637.
(13)
تفسير ابن كثير: 2/ 33.
(14)
تفسير الطبري: 6/ 334.
(15)
أخرجه الطبري (6879): ص 6/ 335.
(16)
أخرجه الطبري (6881): ص 6/ 335.
قال السدي: " أن امرأة عمران ظنتّ أن ما في بطنها غلامٌ، فوهبته لله. فلما وضعت إذا هي جارية، فقالت تعتذر إلى الله: {رب إني وضعتها أنثى وليس الذكر كالأنثى}، تقول: إنما يحرّر الغلمان"(1).
قوله تعالى: {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} [آل عمران: 36]، " أي: وإني "أسميت هذه الأنثى مريم"(2).
قال الثعلبي: " وهي بلغتهم: الخادمة والعبادة، وكانت أجمل النساء في وقتها وأفضلها"(3).
قال ابن كثير: " فيه دلالة على جواز التسمية يوم الولادة كما هو الظاهر من السياق؛ لأنه شرع من قبلنا "(4).
قوله تعالى: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36]، أي: وإني "أُجيرها بحفظك وأولادها من شر الشيطان الرجيم"(5).
عن أبي مالك قوله: {الرجيم} ، يعني: ملعون" (6).
قال ابن كثير: " أي: عَوَّذتها بالله، عز وجل، من شر الشيطان، وعوذت ذريتها، وهو ولدها عيسى، عليه السلام"(7).
عن أبي هريرة قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من نَفْس مولود يُولد إلا والشيطان ينال منه تلك الطعنة، ولها يَستهلّ الصبي، إلا ما كان من مريم ابنة عمران، فإنها لما وضعتها قالت: {رب إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم}، فضُرب دُونها حجاب، فطعَن فيه"(8).وفي رواية أخرى عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد من بني آدم يمسُّه الشيطان بإصبعه، إلا مريم وابنها"(9).
وعن ابن عباس، قال:"ما ولد مولود إلا وقد استهلّ، غير المسيح ابن مريم، لم يسلَّط عليه الشيطان ولم يَنْهَزْه"(10).
وقال وهب بن منبه: "لما وُلد عيسى أتت الشياطينُ إبليس، فقالوا: أصبحت الأصنام قد نكست رؤوسها! فقال: هذا في حادث حدث! وقال: مكانَكم! فطارَ حتى جاء خَافقي الأرض، فلم يجد شيئًا، ثم جاء البحار فلم يجد شيئًا، ثم طار أيضًا فوجد عيسى قد ولد عند مِذْوَد حمار، وإذا الملائكة قد حفَّت حوله، فرجع إليهم فقال: إن نبيًّا قد ولد البارحة، ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا أنا بحضرتها، إلا هذه! فَأيِسوا أن تُعبد الأصنام بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم من قبل الخفَّة والعجَلة"(11).
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: ان الأم تتكلف الطفل، لقوله:{وضتها} ، ومنه قوله تعالى:{حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} [الأحقاف: 15].
2 -
ومنها: عظم حق الأم على ولدها.
3 -
ومنها: اعتذار الانسان إلى ربه إذا وقع الأمر خلاف ما أراد.
4 -
التوسل إلى الله تعالى بربوبيته.
5 -
أنه من تمام البلاغة الاحتراز عن كل موهم لأمر خطأ، سواء كان في المقال أو في الفعل، لقوله:{والله أعلم بما وضعت} على قراءة الضم.
(1) أخرجه الطبري (6882): ص 6/ 335.
(2)
صفوة التفاسير: 181.
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 55، وانظر: قصص الأنبياء للثعلبي: 371 - 374.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 33 - 34.
(5)
صفوة التفاسير: 181.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (3434): ص 2/ 638.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 33 - 34.
(8)
أخرجه الطبري (6884): ص 6/ 336، ورواه الحاكم في المستدرك 2/ 594.
(9)
أخرجه الطبري (6889): ص 6/ 338، ورواه أحمد في المسند:(7866).
(10)
أخرجه الطبري (6893): ص 6/ 340. اسناده صحيح.
(11)
أخرجه الطبري (6894): ص 6/ 341.
6 -
إثبات التفضيل في اوصاف الله من قوله: {أعلم بما وضعت} .
7 -
أنه لا يستوي الذكور والإناث في الطبيعة ولا في المعاملة، بل ولا في الأحكام في بعض الأحيان.
8 -
ومن الفوائد: جواز تسمية المولود حين يولد.
9 -
مشروعية إعاذة الانسان أبناءه بالله عز وجل من الشيطان الذي هو عد الانسان ومن شر الخلق.
10 -
جواز الدعاء للمعدوم، من قوله:{وذريتها} .
القرآن
التفسير:
فاستجاب الله دعاءها وقبل منها نَذْرها أحسن قَبول، وتولَّى ابنتها مريم بالرعاية فأنبتها نباتًا حسنًا، ويسَّر الله لها زكريا عليه السلام كافلا فأسكنها في مكان عبادته، وكان كلَّما دخل عليها هذا المكان وجد عندها رزقًا هنيئًا معدّاً قال: يا مريم من أين لكِ هذا الرزق الطيب؟ قالت: هو رزق من عند الله. إن الله -بفضله- يرزق مَن يشاء مِن خلقه بغير حساب.
قوله تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} [آل عمران: 37]، أي: قبلها الله قبولاً حسناً" (1).
قال شرحبيل بن سعد: " وقبل الله أنثاهم أن يجعلوها في البيعة"(2).
قال الماوردي: " معناه أنه رضيها في النذر الذي نذرته بإخلاص العبادة في بيت المقدس"(3).
قال ابن كثير: " يخبر ربنا أنه تقبلها من أمها نذيرة"(4).
قال البيضاوي: أي: " فرضي بها في النذر مكان الذكر بوجه حسن يقبل به النذائر، وهو إقامتها مقام الذكر، أو تسلمها عقيب ولادتها قبل أن تكبر وتصلح للسدانة"(5).
قوله تعالى: {وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} [آل عمران: 37]، " أي: ربّاها تربية كاملة ونشأها تنشئة صالحة" (6).
قال الماوردي: " يعني: أنشأها إنشاءً حسناً في غذائها وحسن تربيتها"(7).
قال ابن كثير: " أي: جعلها شكلا مليحا ومنظرا بهيجا، ويَسر لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم الخير والعلم والدين"(8).
قال عباد بن منصور: "سألت الحسن فقال: {تقبلها ربها بقبول حسن، وأنبتها نباتا حسنا}، وتقارعها القوم فقرع زكريا"(9).
قوله تعالى: {وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا} [آل عمران: 37]، " أي: جعل زكريا كافلاً لها ومتعهداً للقيام بمصالحها" (10).
قال الربيع: " يقول: ضمها إليه"(11).
قال مجاهد: " ساهمهم بقلمه"(12).
قال قتادة: "تساهموا على مريم أيهم يكفلها"(13).
(1) صفوة التفاسير: 181.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (3435): ص 2/ 638.
(3)
النكت والعيون: 1/ 388.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 35.
(5)
تفسير البيضاوي: 2/ 14.
(6)
صفوة التفاسير: 181.
(7)
النكت والعيون: 1/ 388.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 35.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (3437): ص 2/ 638.
(10)
صفوة التفاسير: 181.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (3439): ص 2/ 639.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (3438): ص 2/ 639.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (3438): ص 2/ 639.
قال السدي: " كان زكريا أفضلهم يومئذ، وكان نبيهم، وكانت أخت مريم تحته، فلما أتوا بها اقترعوا عليها، وقال لهم زكريا: أنا أحقكم بها تحتي أختها، فأبوا فخرجوا إلى نهر الأردن، فألقوا أقلامهم التي يكتبون بها، أيهم يقوم قلمه فيكفلها، فجرت الأقلام وقام قلم زكريا على هيئته كأنه في طين، وأخذ الجارية فذلك قوله تعالى: : {وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا} "(1).
وفي قوله تعالى: {وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا} [آل عمران: 37]، قراءتان (2):
إحداهما: {وكفلها} ، مفتوحة الفاء خفيفة، و {زكرياء} ، رفع ممدود، قرأ بها ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر.
والثانية: {وكفّلها} مشددة الفاء، و {زكريآء} ، نصبا، قرأ بها عاصم في رواية أبي بكر، وكان يمد {زكرياء} في كل القرآن.
قوله تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ} [آل عمران: 37]، "أي كلما دخل عليها زكريا حجرتها ومكان عبادتها"(3).
قال السعدي: "وهو [أي المحراب] محل العبادة، وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها"(4).
قال الطبري: " وأما " المحراب "، فهو مقدم كل مجلس ومصلًّى، وهو سيد المجالس وأشرفُها وأكرمُها، وكذلك هو من المساجد، ومنه قول عديّ بن زيد (5):
كَدُمَى العَاجِ فِي المَحَارِيبِ أَوْ
…
كالبَيْضِ فِي الرَّوْضِ زَهْرُهُ مُسْتَنِيرُ
و" المحاريب " جمع " محراب "، وقد يجمع على " محارب "(6).
قوله تعالى: {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً} [آل عمران: 37]، أي:"وجد عندها فاكهة وطعاماً"(7).
قال الخطيب: " أي رزقا متجددا، ما يراه اليوم غير ما رآه أمس، وغير ما سيراه غدا"(8).
قال ابن عباس: " وجد عندها عنبا في مكتل في غير حينه"(9).
وقال عكرمة: " فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء"(10).
وقال مجاهد: " الرمان والعنب في غير حينه"(11). وروي عن سعيد بن جبير وجابر بن زيد، والضحاك وإبراهيم النخعي، وقتادة والربيع بن أنس والسدي، وعطية العوفي نحو ذلك (12).
وفي قوله تعالى: {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً} [آل عمران: 37]، ثلاثة اوجه:
أحدهما: أن الرزق الذي أتاها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، وهذا قول ابن عباس (13)، ومجاهد (14)، والضحاك (15)، وقتادة (16)، والسدي (17)، وسعيد (18)، وإبراهيم (19)، والربيع (20).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (3440): ص 2/ 639.
(2)
انظر: السبعة: 204.
(3)
صفوة التفاسير: 181.
(4)
تفسير السعدي: 966.
(5)
ديوانه: 455.
(6)
تفسير الطبري: 6/ 357 - 358.
(7)
صفوة التفاسير: 181.
(8)
التفسير القرآن للقرآن، عبد الكريم يونس الخطيب: 2/ 437.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (3444): ص 2/ 640.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (3445): ص 2/ 640.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (3446): ص 2/ 640.
(12)
انظر: ابن أبي حاتم (3446): ص 2/ 640.
(13)
انظر: تفسير الطبري (6917): ص 6/ 354، و (6933): ص 6/ 356.
(14)
انظر: تفسير الطبري (6924): ص 6/ 354.
(15)
انظر: تفسير الطبري (6920): ص 6/ 354.
(16)
انظر: تفسير الطبري (6928): ص 6/ 355.
(17)
انظر: تفسير الطبري (6931): ص 6/ 355.
(18)
انظر: تفسير الطبري (6918): ص 6/ 354.
(19)
انظر: تفسير الطبري (6919): ص 6/ 354.
(20)
انظر: تفسير الطبري (6930): ص 6/ 355.
والثاني: أنها لم تطعم ثدياً قط حتى تكلمت في المهد، وإنما كان يأتيها رزقها من الجنة، وهذا قول الحسن (1).
والثالث: أن المعنى: وجد عندها "عرما أو صحفا فيها علم. قاله مجاهد (2).
واختلف في السبب الذي يأتيها هذا الرزق لأجله على قولين:
أحدهما: أنه كان يأتيها بدعوة زكريا لها.
والثاني: أنه كان ذلك يأتيها لنبوة المسيح عليه السلام.
قوله تعالى: {قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا} [آل عمران: 37]، أي: قال يا مريم "من أين لك هذا؟ "(3).
قال الضحاك: " يقول: من أتاك بهذا؟ "(4).
قال أبو مالك قوله: {أنى} ، يعني: من أين؟ " (5).
قال البيضاوي: أي: " من أين لك هذا الرزق الآتي في غير أوانه والأبواب مغلقة عليك، وهو دليل جواز الكرامة للأولياء. جعل ذلك معجزة زكريا يدفعه اشتباه الأمر عليه"(6).
قال الزجاج: " وإِنما سأل زكريا عن الرزق لأنه خاف أن يأتيها - من غير جهته فتبين عنده أنه من عند اللَّه، وذلك من آيات مريم، قال اللَّه تبارك وتعالى: {وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 91] فمن آياتها أنها أول امرأة قُبلت في نذر في المتعبد، ومنها أن اللَّه أنشأ فيها عيسى عليه السلام من كلمة ألقاها إليها، ومنها أن اللَّه عز وجل غذاها برزق من عنده لم يجْرِهِ على يد عبد من عبيده، وقد قيل في التفسير أنَّها لم تُلْقَمْ ثدياً قط"(7).
قوله تعالى: {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آل عمران: 37]، " أى: قالت له: إن هذا الرزق من عند الله- تعالى-" (8).
قال البغوي"أي: من قطف الجنة"(9).
قال أبو السعود: أي: " فلا تعجبْ ولا تستبعد"(10).
قال ابن عباس: " فإنه وجد عندها الفاكهة الغضة حين لا توجد الفاكهة عند أحد، وكان زكريا يقول: يا مريم أنى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب"(11).
وفي قوله تعالى: {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ} ، وجهان (12):
أحدهما: أن الله تعالى كان يأتيها بالرزق.
والثاني: أن بعض الصالحين من عباده سخره الله تعالى لها لطفاً منه بها حتى يأتيها رزقها.
قال الماوردي: "والأول أشبه"(13).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37]، أي: إن الله يرزق من يشاء "رزقاً واسعاً بغير جهد ولا تعب"(14).
قال الزجاج: " أي بغير تقتير"(15)."
(1) انظر: النكت والعيون: 1/ 388.
(2)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4446): ص 2/ 640.
(3)
معاني القرآن للزجاج: 1/ 403، وانظر: تفسير ابن كثير: 2/ 36.
(4)
تفسير ابن أبي حاتم (4447): ص 2/ 640.
(5)
تفسير ابن أبي حاتم (4448): ص 2/ 640.
(6)
تفسير البيضاوي: 2/ 15.
(7)
معاني القرآن: 1/ 404.
(8)
التفسير الوسيط لطنطاوي: 2/ 91.
(9)
تفسير البغوي: 2/ 32.
(10)
تفسير أبي السعود: 2/ 30.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (3449): ص 2/ 640.
(12)
انظر: النكت والعيون: 1/ 388.
(13)
النكت والعيون: 1/ 388.
(14)
صفوة التفاسير: 181.
(15)
معاني القرآن: 1/ 404.
قال البيضاوي: أي: " بغير تقدير لكثرته، أو بغير استحقاق تفضلاً به. وهو يحتمل أن يكون من كلامهما وأن يكون من كلام الله تعالى"(1).
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى سميع قريب مجيب، لأنها دعت فسمعها، ولأنها دعت فأجابها، وفي القرآن الكريم:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186].
2 -
أن الله تعالى منّ على هذه الطفلة بشيئين: بالقبول الحسن والنبات الحسن، فصار في ذلك تنمية لأخلاقها ولجسمها وبدنها.
3 -
أن الله تعالى هو المسبب وهو المكوّن للإنسان والمنبت له.
4 -
إثبات الحضانة للطفل، لقوله:{وكفّلها زكريا} .
5 -
إن الله قد ييسر للإنسان من الرزق ما لايكون في حسبانه.
6 -
أن الأشياء تضاف إلى الله تعالى، وإن كان لها سبب، لقوله:{هو من عند الله} .
7 -
أن الانبياء لا يعلوم الغيب، لقوه:{يا مريم أنى لك هذه} .
8 -
إثبات أن الله تعالى يرزق بغير مكافأة ولا انتظار لمكافأة، لقوله:{إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} .
القرآن
{هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38)} [آل عمران: 38]
التفسير:
عندما رأى زكريا ما أكرم الله به مريم مِن رزقه وفضله توجه إلى ربه قائلا: يا ربِّ أعطني من عندك ولدًا صالحًا مباركًا، إنك سميع الدعاء لمن دعاك.
قوله تعالى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} [آل عمران: 38]، أي:" في ذلك الوقت دعا زكريا ربه متوسلاً ومتضرعاً"(2).
قال البيضاوي: أي: " في ذلك المكان، أو الوقت إذ يستعار هنا وثم وحيث للزمان، لما رأى كرامة مريم ومنزلتها من الله تعالى
…
وقيل لما رأى الفواكه في غير أَوَانِهَا انتبه على جواز ولادة العاقر من الشيخ" (3).
قال ابن كثير: " لما رأى زكريا، عليه السلام، أن الله تعالى يرزق مريم، عليها السلام، فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، طمع حينئذ في الولد، وإن كان شيخا كبيرا قد ضعف ووَهَن منه العظم، واشتعل رأسه شيبا، وإن كانت امرأته مع ذلك كبيرة وعاقرًا، لكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه نداء خَفيا"(4).
قال الزمخشري: أي: " في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب أو في ذلك الوقت، فقد يستعار هنا وثم وحيث للزمان. لما رأى حال مريم في كرامتها على الله ومنزلتها، رغب في أن يكون له من ايشاع ولد مثل ولد أختها حنة في النجابة والكرامة على الله، وإن كانت عاقرا عجوزا فقد كانت أختها كذلك. وقيل لما رأى الفاكهة في غير وقتها انتبه على جواز ولادة العاقر ذرية ولدا. والذرية يقع على الواحد والجمع"(5).
(1) تفسير البيضاوي: 2/ 15.
(2)
انظر: صفوة التفاسير: 181.
(3)
تفسير البيضاوي: 2/ 15.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 37.
(5)
الكشاف: 1/ 359. قال المحقق: " لا يليق بالنبي أن يقف علمه بجواز ولادة العاقر على مشاهدة مثله، فان العقل يقضى بجواز ذلك في قدرة الله تعالى وإن لم يقع نظيره. وأحسن من هذه العبارة وأسلم أن يقال: لما شاهد وقوع هذا الحادث كرامة لمريم امتد أمله إلى حادث يناسبه كرامة له، والله أعلم".
وفيه يقول الرازي: " فإن قيل: إن قلتم إن زكريا عليه السلام ما كان يعلم قدرة الله تعالى على خرق العادات إلا عند ما شاهد تلك الكرامات عند مريم عليها السلام كان في هذا نسبة الشك في قدرة الله تعالى إلى زكريا عليه السلام.
فإن قلنا: إنه كان عالما بقدرة الله على ذلك لمن تكن مشاهدة تلك الأشياء سببا لزيادة علمه بقدرة الله تعالى، فلم يكن لمشاهدة تلك الكرامات أثر في ذلك، فلا يبقى لقوله هنالك أثر.
والجواب: أنه كان قبل ذلك عالما بالجواز، فأما أنه هل يقع أم لا فلم يكن عالما به، فلما شاهد علم أنه إذا وقع كرامة لولي، فبأن يجوز وقوع معجزة لنبي كان أولى، فلا جرم قوي طمعه عند مشاهدة تلك الكرامات". [مفاتيح الغيب: 8/ 209].
قال المراغي: " أي في هذا المكان الذي خاطبته فيه مريم بما ذكر دعا ربه بهذا الدعاء، فإنه حين رأى حسن حالها ومعرفتها بالله تمنى أن يكون له ولد صالح مثلها هبة وفضلا من عنده فرؤية الأولاد النجباء مما تشوّق نفوس الناظرين إليهم وتجعلهم يتمنون أن يكون لهم مثلهم"(1).
قال ابن عباس: " فلما رأى ذلك زكريا - يعني فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف - عند مريم قال: إنّ الذي يأتي بهذا مريمَ في غير زمانه، قادرٌ أن يرزقني ولدًا، قال الله عز وجل: {هنالك دعا زكريا ربه}، قال: فذلك حين دعا"(2).
قال السدي: " فلما رأى زكريا من حالها ذلك يعني: فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف قال: إنّ ربًّا أعطاها هذا في غير حينه، لقادرٌ على أن يرزقني ذرية طيبة! ورغب في الولد، فقام فصلَّى، ثم دعا ربه سرًّا فقال: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} [سورة مريم: 4 - 6]، وقوله: {رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} وقال: {رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} [سورة الأنبياء: 89] "(3).
قال محمد بن إسحاق: " حدثني بعض أهل العلم قال: فدعا زكريا عند ذلك بعد ما أسنّ ولا ولد له، وقد انقرض أهل بيته فقال: " ربّ هب لي من لدنك ذرية طيبه إنك سميع الدعاء "، ثم شكا إلى ربه فقال: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} إلى {وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ} الآية"(4).
واختلف في سبب دعاء زكريا-عليه السلم- على قولين:
أحدهما: أن الله تعالى أذن له في المسألة، لأن سؤال ما خالف العادة يُمْنَع منه إلا عن إذن لتكون الإجابة إعجازاً. أفاده الماوردي (5).
والثاني: أنه لما رآى فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف طمع في رزق الولد من عاقر. وهذا قول ابن عباس (6)، والسدي (7).
قال الماتريدي: " قيل: فعند ذلك دعا زكريا ربه لما كانت نفسه الخاشية تحدث بالولدان تهب له، لكنه لم يدعو لما رأى نفسه متغيرة عن الحال التي يطمع منها الولد، فرأى أن السؤال في مثل ذلك لا يصلح؛ فلما رأى عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف غير متغيرة عن حالها - علم عند ذلك أن السؤال يصلح، وأنه يجاب للدعاء في غير حينه، فذلك معنى قوله:(هنالك دعا زكريا ربه)، والله أعلم.
ويحتمل أنه لما رأى ما أكرمت امرأة عمران في قبول دعوتها وتبليغ ابنتها في الكرامة المبلغ الذي رأى فيها مما لعل أطماع الأنفس لا تبلغ ذلك - دعا الله جل جلاله أن يكرمه ممن يبقى له الأثر فيه والذكر، وإن كانت تلك الحال حال لا تطمع الأنفس فيما رغب عليه السلام مع ما كان يعلم قدرة الله - تعالى - على ما يشاء من غير أن كان يحس على طلب الإكرام بكل ما يبلغه قدره، حتى رأى ما هو في الأعجوبة قريب مما كانت نفسه تتمنى، والله أعلم بالمعنى الذي سأل" (8).
قال أبو حيان: " أصل: {هنالك} ، أن يكون إشارة للمكان، وقد يستعمل للزمان وقيل بهما في هذه الآية، أي في ذلك المكان دعا زكريا، أو: في ذلك الوقت لما رأى هذا الخارق العظيم لمريم، وأنها ممن اصطفاها الله، ارتاح
(1) تفسير المراغي: 3/ 147.
(2)
أخرجه الطبري (6941): ص 6/ 360 - 361.
(3)
أخرجه الطبري (6940): ص 6/ 360.
(4)
أخرجه الطبري (6943): ص 6/ 361.
(5)
نظر: النكت والعيون: 1/ 389.
(6)
أخرجه الطبري (6941): ص 6/ 360 - 361.
(7)
أخرجه الطبري (6940): ص 6/ 360.
(8)
تفسير الماتريدي: 2/ 360.
إلى طلب الولد واحتاج إليه لكبر سنه، ولأن يرث منه ومن آل يعقوب، كما قصه تعالى في سورة مريم، ولم يمنعه من طلب كون امرأته عاقرا، إذ رأى من حال مريم أمرا خارجا عن العادة، فلا يبعد أن يرزقه الله ولدا مع كون امرأته كانت عاقرا، إذ كانت حنة قد رزقت مريم بعد ما أيست من الولد" (1).
قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} [آل عمران: 38]، أي: قال: ربي "أعطني من عندك ولداً صالحاً"(2).
قال السدي: " {ذرية طيبة}، يقول: مباركة"(3).
قال الطبري: أي: " رب هب لي من عندك ولدًا مباركًا"(4).
قوله تعالى: {إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [آل عمران: 38]، أي:"إنك مجيب الدعاء"(5).
قال الماوردي: " أي تجيب الدعاء، لأن إجابة الدعاء بعد سماعه"(6).
الفوائد:
1 -
أن جميع الخلق حتى الأنبياء مفتقرون إلى الله تعالى، لقوله:{دعا زكريا ربه} .
2 -
إثبات القياس، لأن زكريا-عليه السلام لما هذه الكرامة لمريم، أخذ هذا الموقف عبرة وهو أن يسأل الله امرا وإن كان الأمر مستبعدا.
3 -
أن الصيغة التي يتوسل بها غالبا في الدعاء هي اسم "الرب"، لقوله:{ربّه} .
4 -
عدم جواز سؤال مطلق الذرية، لقوله:{ذرية طيبة} . أي صالحة.
5 -
الأخذ بالأسباب للحصول على الذرية الطيبة، ومنها الدعاء، بل وهو من اكبر الأسباب.
6 -
التوسل إلى الله تعالى باسمائه المناسبة للحاجة، لقوله:{إنك سميع الدعاء} ، أي: مجيبه.
7 -
ومن فوائد الآية: إثبات سمع الله وكرم الله وقدرته.
القرآن
التفسير:
فنادته الملائكة وهو واقف بين يدي الله في مكان صلاته يدعوه: أن الله يخبرك بخبر يسرُّك، وهو أنك سترزق بولد اسمه يحيى، يُصَدِّق بكلمة من الله -وهو عيسى بن مريم عليه السلام، ويكون يحيى سيدًا في قومه، له المكانة والمنزلة العالية، وحصورًا لا يأتي الذنوب والشهوات الضارة، ويكون نبيّاً من الصالحين الذين بلغوا في الصَّلاح ذروته.
قوله تعالى: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ} [آل عرمان: 39]، " أي ناداه جبريل حال كون زكريا قائماً في الصلاة"(7).
قال ابن كثير: " أي: خاطبته الملائكة شفاها خطابًا أسمعته، وهو قائم يصلي في محراب عبادته، ومحل خَلْوَته، ومجلس مناجاته، وصلاته"(8).
قال مقاتل: " فبينما هو يصلي في المحراب حيث يذبح القربان إذا برجل عليه بياض حياله وهو جبريل- عليه السلام فقال: أن الله يبشرك بيحيى اشتق يحيى من أسماء الله- عز وجل"(9).
(1) البحر المحيط: 3/ 125.
(2)
صفوة التفاسير: 181.
(3)
أخرجه الطبري (6944): ص 6/ 361.
(4)
تفسير الطبري: 6/ 363.
(5)
تفسير البيضاوي: 2/ 15.
(6)
النكت والعيون: 1/ 389.
(7)
صفوة التفاسير: 181.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 38.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 274.
أخرج ابن المنذر عن جعفر، قال: سمعت ثابتا، يقول:" الصلاة خدمة الله في الأرض، ولو علم الله شيئا أفضل من الصلاة ما قال: {فنادته الملائكة وهو قائم يصلي} "(1).
قال أبو عبيدة: "المحراب سيد المجالس وأشرفها، وأكرمها، وكذلك هو من المساجد"(2).
وفي قوله تعالى: {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ} [آل عمران: 39]، وجهان من القراءة (3):
أحدهما: {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ} ، بالتاء، قرأ به ابن كثير ونافع وعاصم وألو عمرو وابن عامر.
والثاني: {فَنَادَاه الْمَلآئِكَةُ} ، قرأ به حمزة، والكسائي.
قال الزجاج: " الوجهان جميعاً جائزان، لأن الجماعة يلحقها اسم التأنيث، لأن معناها معنى جماعة، ويجوز أن يعبر عنها بلفظ التذكير. كما يقال جمع الملائكة"(4).
قال بن مجاهد البغدادي: " وكلهم فتح الراء من {المحراب} إلا ابن عامر فإنه أمالها"(5).
قوله تعالى: {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى} [آل عمران: 39]، أي: إن الله يبشرك: "بولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى"(6).
قال قتادة: " إن الملائكة شافهته بذلك مشافهة، وبشرته بيحيى"(7).
قال السدي: " لم يسمها أحد قبله"(8).
وقوله {بِيَحْيَى} ، أي:"أحياه الله بالإيمان". قاله قتادة (9).
واختلفت القراءة في قوله تعالى: {يُبَشِّرُكَ} [آل عمران: 39]، على وجوه (10):
أحدها: {يُبَشِّرُكَ} ، بضم الياء وفتح الباء والتشديد، قرأ به ابن كثير وأبو عمرو.
والثاني: {يبشر} ، بالتخفيف، قرأ به حمزة والكسائي.
وفي قوله تعالى: {أَنَّ اللَّهَ} [آل عرمان: 39]، قراءتان (11):
إحداهما: {إنّ اللَّهَ} ، بالكسر، وهي قراءة ابن عامر وحمزة.
والثانية: {أَنَّ اللَّهَ} ، بالفتح، وهي قراءة الباقين.
قوله تعالى: {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} [آل عمران: 39]، "أي مصدقاً بعيسى مؤمناً برسالته"(12).
قال ابن عباس: " عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم هو الكلمة"(13).
قال الضحاك: " وأما قوله جل وعز في يحيى: {مصدقا بكلمة من الله} " مصدق بعيسى، وكان يحيى أو من صدق بعيسى، وشهد أنه كلمة من الله، وكان يحيى بن خالة عيسى، وكان اكبر من عيسى" (14).
قال قتادة: " مصدقا بعيسى ابن مريم على منهاجه"(15).
وقال أبو عبيدة: " أي: بكتاب من الله، تقول العرب للرجل: أنشدني كلمة كذا أي قصيدة فلان إن طالت"(16). وهو قول أهل البصرة (17).
(1) تفسير ابن المنذر (408): ص 1/ 185.
(2)
تفسير ابن المنذر (409): ص 1/ 185.
(3)
انظر: السبعة: 205.
(4)
معاني القرآن: 1/ 405.
(5)
السبعة: 205.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 38.
(7)
أخرجه ابن المنذر (410): ص 1/ 186.
(8)
أخرجه ابن المنذر (413): ص 1/ 186.
(9)
انظر: تفسير ابن المنذر (411): ص 1/ 186.
(10)
انظر: السبعة: 205 - 206.
(11)
انظر: السبعة: 205.
(12)
صفوة التفاسير: 181.
(13)
أخرجه ابن المنذر (415): ص 1/ 187.
(14)
أخرجه ابن المنذر (416): ص 1/ 187.
(15)
أخرجه ابن المنذر (417): ص 1/ 187.
(16)
أخرجه ابن المنذر (418): ص 1/ 188.
(17)
انظر: النكت والعيون: 1/ 390.
قال مقاتل: " وكان يحيى أول من صدق بعيسى- عليهما السلام وهو ابن ثلاث سنين، قوله الأول وهو ابن ستة أشهر (1) فلما شهد يحيى أن عيسى من الله- عز وجل عجبت بنو إسرائيل لصغره، فلما سمع زكريا شهادته قام إلى عيسى فضمه إليه، وهو في خرقة وكان يحيى أكبر من عيسى بثلاث سنين، يحيى وعيسى ابنا خالة"(2).
قوله تعالى: {وَسَيِّدًا} [آل عمران: 39]، "أي: ويسود قومه" (3).
قال مقاتل: " يعني حليما"(4).
قال الزجاج: " السيِّد: الذي يفوق في الخير قومه"(5).
وفي معنى قوله تعالى: {وَسَيِّداً} [آل عمران: 39]، أقاويل:
أحدها: أنه الحليم. قاله أبو العالية (6)، وسعيد بن جبير (7)، والربيع بن أنس (8)، وقتادة (9)، ومطر (10).
والثاني: أنه السيد في العبادة والحلم والعلِم والوَرَع. قاله قتادة-في احد قوليه- (11).
والثالث: أنه التقي، وهو قول أبي صالح (12)، وقال سعيد بن جبير: السيد التقي (13).
والرابع: أنه الحليم التقي. قاله ابن عباس (14)، وسفيان (15)، والضحاك-في أحد قوليه- (16).
والخامس: أنه الشريف، وهو قول ابن زيد (17).
والسادس: أنه الفقيه العالم، وهو قول سعيد بن المسيب (18).
والسابع: أن السيد: الذي لا يغلبه غضبه. قاله عكرمة (19).
والثامن: أن المعنى: السيد في خلقه ودينه. قاله عطية (20)، وروي عن الضحاك-في أحد قوليه: قال: "حسن الخلق"(21).
والتاسع: أنه الخليفة، وهو قول قتادة (22).
والعاشر: أن السيد: الكريم على الله. حكاه ابن أبي نجيح عن مجاهد (23)، والرقاشي (24).
والحادي عشر: أن السيد: ليس له شرك. قاله مجاهد (25).
والثاني عشر: سيد المؤمنين، يعني بالرياسة عليهم، وهذا قول بعض المتكلمين (26).
(1) المراد: أن عيسى حين نطق فى المهد كان ابن ستة أشهر (أي: أشهر الحمل) وقد صدقه يحيى وكان عمر يحيى حينئذ ثلاث سنوات.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 274.
(3)
صفوة التفاسير: 181.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 274.
(5)
معاني القرآن: 1/ 406.
(6)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3459): ص 2/ 642.
(7)
انظر: تفسير الطبري (6969): ص 6/ 375.
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3459): ص 2/ 642.
(9)
انظر: تفسير الطبري (6968): ص 6/ 375.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3459): ص 2/ 642.
(11)
انظر: تفسير الطبري (6967): ص 6/ 374.
(12)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3459): ص 2/ 642.
(13)
انظر: تفسير الطبري (6970): ص 6/ 375.
(14)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3459): ص 2/ 642.
(15)
انظر: تفسير الطبري (6975): ص 6/ 375.
(16)
انظر: تفسير الطبري (6973): ص 6/ 375، وتفسير ابن أبي حاتم (3459): ص 2/ 642.
(17)
انظر: تفسير الطبري (6976): ص 6/ 375.
(18)
انظر: تفسير الطبري (6977): ص 6/ 375 - 376.
(19)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3460): ص 2/ 642.
(20)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3461): ص 2/ 642.
(21)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3461): ص 2/ 642.
(22)
انظر: النكت والعيون: 1/ 390.
(23)
انظر: تفسير الطبري (6971): ص 6/ 375.
(24)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3462): ص 2/ 643، وتفسير الطبري (6972): ص 6/ 375.
(25)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3463): ص 2/ 643.
(26)
انظر: النكت والعيون: 1/ 390.
قوله تعالى: {وَحَصُورًا} [آل عمران: 39]، "أي: ويحبس نفسه عن الشهوات عفةَ وزهداً " (1).
قال مقاتل: " والحصور الذي لا حاجة له في النساء"(2).
قال الطبري: " يعني بذلك: ممتنعًا من جماع النساء"(3).
قال الزجاج: أي لا يأتي النَساءَ، وإنما قيل للذي لا يأتي النَساءَ حصور لأنه حُبِسَ عما يكون من الرجال، كما يقال في الذي لا يتيسر له الكلام قد حُصِرَ في منطقه" (4).
قال الفراء: " يقال: إن الحصور: الذي لا يأتي النساء"(5).
قال الشافعي: " وذكر - اللَّه - عبداً كرمه، فقال: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} الآية، والحصور: الذي لا يأتي النساء، ولم يندبه إلى النكاحْ، فدلَّ ذلك - واللَّه أعلم - على أن المندوب إليه من يحتاج إليه، ممن يكون مُحصناً له عن المحارم والمعاني التي في النكاح"(6).
قال المبرد" الحصور الذي لا يدخل في اللعب والعبث والأباطيل، وأصله من قول العرب الذي لا يدخل في الميسر: حصور"(7)، ومنه قول الأخطل (8):
وَشَارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكَأْسِ نَادَمَنِي
…
لا بِالَحصُورِ وَلا فِيهَا بِسَوَّارِ
ويقال أيضًا للذي لا يخرج سره ويكتمه "حصور"، لأنه يمنع سره أن يظهر، كما قال جرير (9):
وَلَقَدْ تَسَاقَطَنِي الوُشَاةُ، فَصَادَفُوا
…
حَصِرًا بِسِرِّكِ يَا أُمَيْمَ ضَنِينَا
فاستعير لمن لا يدخل في اللعب واللهو.
قال الزمخشري: " والحصور: الذي لا يقرب النساء حصرا لنفسه أي منعا لها من الشهوات، وقيل هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر
…
فاستعير لمن لا يدخل في اللعب واللهو. وقد روى أنه مر وهو طفل بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت" (10).
قال الزجاج: "والحصير هذا المرمُول الذي يُجلس عليه، إنما سمي حصيراً، لأنه دوخل بعضه في بعض في النسيج أي حبس بعضه على بعض، ويقال للسجْن الحصير لأنَّ الناس يُحصرون فيه، ويقال حصرت الرجلَ إذا حبسته، وأحصره المرض إِذا منعه من السير، (والحصير الملك)، وقول اللَّه - جل وعلا: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} [الإسراء: 8]، أي حبسا، ويقال أصاب فلاناً حَصَرٌ، إِذا احتبس عليه بطنه، ويقال في البول أصابه أسر إذا احتبس عليه بوله"(11).
وفي قوله: {وَحَصُوراً} [آل عمران: 39] ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن الحصور هو الذي لا ينزل الماء، وهو قول ابن عباس (12).
وقال الضحاك ومقاتل: "الذي لا ماء له"(13)، وفي لفظ آخر للضحاك:"الذي لايولد له ولا ماء له"(14).
وروي عن أبي العالية والربيع قالا: " الذي لايولد له"(15).
(1) صفوة التفاسير: 181.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 274 - 275.
(3)
تفسير الطبري: 6/ 376.
(4)
معاني القرآن: 1/ 407.
(5)
معاني القرآن: 1/ 213.
(6)
تفسير الإمام الشافعي: 1/ 469.
(7)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 65.
(8)
ديوانه: 116، ومجاز القرآن 1: 92، وطبقات فحول الشعراء: 432، واللسان (حصر)(سأر)(سور).
(9)
ديوانه: 578، ومجاز القرآن 1: 92 واللسان (حصر)(سقط)
(10)
الكشاف: 1/ 360.
(11)
معاني القرآن: 1/ 407.
(12)
انظر: تفسير الطبري (6997): ص 6/ 379.
(13)
تفسير الطبري (6992): ص 6/ 379، وتفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 274.
(14)
تفسير ابن ابي حاتم (3468): ص 2/ 644.
(15)
تفسير ابن ابي حاتم (3468): ص 2/ 644.
والثاني: أنه كان لا يأتي النساء، وهو قول وعبدالله بن مسعود (1)، وابن عباس- في احد قوليه- (2)، والحسن (3)، ومجاهد (4)، وقتادة (5)، والسدي (6)، وعكرمة (7)، وعطية (8)، وجابر بن زيد (9)، وابن زيد (10)، وسعيد بن جبير (11)، والرقاشي (12).
والثالث: أنه لم يكن له ما يأتي به النساء، لأنه كان معه مثل الهْدبة، وهو قول سعيد بن المسيب (13).
قال ابن عطية: " وأجمع من يعتدّ بقوله من المفسرين على أن هذه الصفة ليحيى عليه السلام إنما هي الامتناع من وطء النساء"(14).
قال ابن كثير: " المقصود أنه مدح يحيى بأنه حصور ليس أنه لا يأتي النساء، بل معناه: أنه معصوم عن الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال:{هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} كأنه قال: ولدًا له ذرية ونسل وعَقِب، والله سبحانه وتعالى أعلم
…
وقد قال القاضي عياض في كتابه الشفاء: اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى أنه كان {حَصُورًا} ليس كما قاله بعضهم: إنه كان هيوبا، أو لا ذكر له، بل قد أنكر هذا حُذَّاقُ المفسرين ونقاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصة وعيب ولا تليق بالأنبياء، عليهم السلام، وإنما معناه: أنه معصوم من الذنوب، أي لا يأتيها كأنه حصر عنها" (15).
قوله تعالى {وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 30]، " أي: ويكون نبياً من الأنبياء الصالحين" (16).
قال الزجاج: " الصالح الذي يؤَدي إِلى اللَّه ما عليه ويؤَدي إلى الناس حقوقهم"(17).
قال ابن كثير: " هذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى كقوله تعالى لأم موسى: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7] "(18).
الفوائد:
1 -
إثبات الملائكة، وأنهم عالم غيبي مخلوقون من نور، خلقهم الله تعالى لما أعدّ لهم، فقاموا به على حسب ما اراد خالقهم عز وجل.
2 -
إن الملائكة تتكلم بصوت مسموع، لقوله:{فنادته الملائكة} .
3 -
جواز تكليم المصلي من قوله: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ} ، لكن المكلَّم لا يخاطب الآخر، وإنما يجيبه بالاشارة، والأفضل تركه إلا لحاجة، لأن ذلك يشوش على المصلي.
4 -
مشروعية تبشير الانسان بما يسره.
5 -
جواز تقديم التسمية على اليوم السابع، في حال كان الاسم مهيئا.
6 -
الثناء على من صدّق المرسلين، لقوله:{مصدقا لكلمة من الله} .
(1) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3466): ص 2/ 643، وتفسير الطبري (6980): ص 6/ 377.
(2)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3466): ص 2/ 643.
(3)
انظر: تفسير الطبري (7000): ص 6/ 380.
(4)
انظر: تفسير الطبري (6988): ص 6/ 378 - 379، وتفسيره:251.
(5)
انظر: تفسير الطبري (6993): ص 6/ 379.
(6)
انظر: تفسير الطبري (6999): ص 6/ 380.
(7)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3466): ص 2/ 643.
(8)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3466): ص 2/ 643.
(9)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3466): ص 2/ 643.
(10)
انظر: تفسير الطبري (6998): ص 6/ 379.
(11)
انظر: تفسير الطبري (6985): ص 6/ 378.
(12)
انظر: تفسير الطبري (6990): ص 6/ 379.
(13)
انظر: تفسير الطبري (6982)، و (6983)، و (6984): ص 6/ 378.
(14)
المحرر الوجيز: 1/ 430.
(15)
تفسير ابن كثير: 2/ 38 - 39.
(16)
صفوة التفاسير: 181.
(17)
معاني القرآن: 1/ 407.
(18)
تفسير ابن كثير: 2/ 39.
7 -
ومن الفوائد: أن يحيى-عليه السلام سيكون سيدا ونبيا وممنوعا من مساوئ الأخلاق.
8 -
أن الأنبياء من الصالحين، بل هم في أعلى مراتب الصلاح التي هي أربعة: النبوة، الصديقية، الشهادة، الصلاح.
القرآن
التفسير:
قال زكريا فرحًا متعجبًا: ربِّ أنَّى يكون لي غلام مع أن الشيخوخة قد بلغت مني مبلغها، وامرأتي عقيم لا تلد؟ قال: كذلك يفعل الله ما يشاء من الأفعال العجيبة المخالفة للعادة.
قوله تعالى: الكبر {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ} [آل عمران: 40]، أي: يا ربّي"من أين يكون لي غلام"(1).
قال السدي: " يقول: من أين"(2).
وقال الربيع بن انس: " كيف يكون لي"(3).
قال يحيى بن سلام: قال الحسن: " أراد زكرياء أن يعلم كيف ذلك "(4).
قال البيضاوي: " استبعاداً من حيث العادة، أو استعظاماً أو تعجبا أو استفهاماً عن كيفية حدوثه"(5).
قوله تعالى: {وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ} [آل عمران: 40]، أي: وقد "أدركتني الشيخوخة"(6).
قال مقاتل: " وكان زكريا يومئذ ابن خمس وسبعين سنة"(7).
قال البيضاوي: أي وقد" دركني كبر السن وأثر فيّ، وكان له تسع وتسعون ولامرأته ثمان وتسعون سنة"(8).
قال أبو عبيدة: " أي: بلغت الكبر، والعرب تصنع مثل هذا تقول: هذا القميص لا يقطعني"(9).
قوله تعالى: {وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} [آل عمران: 40]، أي: وامرأتي عقيم "لا تلد"(10).
والعاقر من النساء، هي التي لا تلد، وهو القطع، لأنها ذات عقر من الأولاد، يقال منه: امرأة عاقر، ورجلٌ عاقرٌ (11)، ومنه قول عامر بن الطفيل (12):
لَبِئْسَ الفَتَى! إنْ كُنْتُ أَعْوَرَ عَاقِرًا
…
جَبَانًا، فَمَا عُذْرِي لَدَى كُلِّ مَحْضَرِ! !
وقد ذكر أهل العلم في سبب قول زكريا-عليه السلام: {رَبِّ أَنَّى يِكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} [آل عمران: 40]، وجوها:
أحدها: أنه راجع ليعلم على أي حال يكون منه الولد، بأن يُرّدّ هو وامرأته إلى حال الشباب، أم على حال الكبر، فقيل له: كذلك الله يفعل ما يشاء، أي على هذه الحال، وهذا قول الحسن (13).
قال ابن عطية: " وهذا تأويل حسن يليق بزكرياء عليه السلام "(14).
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: 2/ 621.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (3471): 2/ 644.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (3472): 2/ 644.
(4)
تفسير يحيى بن سلام: 1/ 215.
(5)
تفسير البيضاوي: 2/ 16.
(6)
صفوة التفاسير: 181.
(7)
تفسير مقاتل بن سليمان: 2/ 621.
(8)
تفسير البيضاوي: 2/ 16.
(9)
تفسير ابن المنذر (434): ص 1/ 192.
(10)
تفسير البيضاوي: 2/ 16.
(11)
انظر: تفسير الطبري: 6/ 381، وتفسير البيضاوي: 2/ 16.
(12)
ديوانه 119، ومجاز القرآن 1: 92، وحماسة الشجري: 7 وغيرها.
(13)
انظر: النكت والعيون: 1/ 392، وتفسير يحيى بن سلام: 1/ 215.
(14)
المحرر الوجيز: 1/ 431.
والثاني: أنه: "لما سمع النداء - يعني زكريا، لما سمع نداء الملائكة بالبشارة بيحيى - جاءه الشيطان فقال له: يا زكريا، إن الصوت الذي سمعت ليس هو من الله، إنما هو من الشيطان يسخرُ بك! ولو كان من الله أوحاه إليك كما يُوحى إليك في غيره من الأمر! فشكّ مَكانه، وقال: {أنَّي يكون لي غلام}، ذكرٌ؟ يقول: من أين؟ {وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر} ". وهذا قول السدي (1)، وروي عن عكرمة مثله (2).
والثالث: أنه قال ذلك استعظاماً لمقدور الله وتعجباً (3).
والرابع: أنه إنما سأل لأنه نسي دعاءه لطول المدة بين الدعاء والبشارة وذلك أربعون سنة. قاله مكي (4).
قال ابن عطية: " وهذا قول ضعيف المعنى"(5).
قوله تعالى: {كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [آل عمران: 40]، أي: قال الملك: "هكذا أمْرُ الله عظيم، لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه أمر"(6).
قال أبو مالك: " قوله: {كذلك}، يعني هكذا"(7).
قال البيضاوي: " أي يَفْعَلُ مَا يَشَاء من العجائب مثل ذلك الفعل، وهو إنشاء الولد من شيخ فان وعجوز عاقر، أو كما أنت عليه وزوجك من الكبر والعقر يَفْعَلُ مَا يَشَاء من خلق الولد أو كذلك الله مبتدأ وخبر أي الله على مثل هذه الصفة"(8).
الفوائد:
1 -
من فوئاد الآية الكريمة: أنه لا حرج على الإنسان في طلب ما تطمئن به نفسه، فزكريا-عليه السلام لم يشكّ في خبر الله، لكن أراد أن يتقدم إليه الفرح والاستبشار بقوة البراهين، وخبر الله لاشك أنه برهان، لكن كلما ازدادت البراهين ازدادت قوة اليقين.
2 -
جواز وصف الانسان بما يكره لغرض البيان لا القدح والعيب، لقوله:{وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} .
3 -
إثبات فعل الله، لقوله:{قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} ، ومذهب اهل السنة إثبات أفعال الله الاختيارية المتعلقة به والمتعدية إلى غيره.
4 -
إثبات المشيئة لله تعالى، لقوله:{مَا يَشَاءُ} ، وهي مقرونة بالحكمة، لقوله:{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الإنسان: 30].
القرآن
التفسير:
قال زكريَّا: رب اجعل لي علامةً أستدلُّ بها على وجود الولد مني; ليحصل لي السرور والاستبشار، قال: علامتك التي طلبتها: ألا تستطيع التحدث إلى الناس ثلاثة أيام إلا بإشارة إليهم، مع أنك سويٌّ صحيح، وفي هذه المدة أكثِرْ من ذكر ربك، وصلِّ له أواخر النهار وأوائله.
قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً} [آل عمران: 41]، أي: ربّي اجعل لي "علامة على حمل امرأتي"(9).
قال ابن كثير: "أي: علامة أستدل بها على وجود الولد مني"(10).
(1) انظر: تفسير الطبري (7001): ص 6/ 382.
(2)
انظر: تفسير الطبري (7002): ص 6/ 382.
(3)
انظر: النكت والعيون: 1/ 392.
(4)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 431.
(5)
المحرر الوجيز: 1/ 431.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 39.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (3474): ص 2/ 645.
(8)
تفسير البيضاوي: 2/ 16.
(9)
صفوة التفاسير: 182.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 39.
قال السدي: " قال زكريا: رب فإن كان هذا الصوت منك فـ {اجعل لي آية}، قال: {آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا} "(1).
قوله تعالى: {قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا} [آل عمران: 41]، " أي: علامتك عليه أن لا تقدر على كلام الناس إِلا بالإِشارة ثلاثة أيام" (2).
قال الطبري: يعني: "يا زكريا، {آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا}، بغير خرس ولا عاهة ولا مرض"(3).
قال ابن كثير: "أي: إشارة لا تستطيع النطق، مع أنك سوي صحيح"(4).
قال عبدالرحمن السلمي: " اعتقل لسانه من غير مرض"(5).
قال السدي: " اعتقل لسانه ثلاثة أيام وثلاث ليال"(6).
قال قتادة: "إنما عوقب بذلك، لأن الملائكة شافهته مشافهة بذلك، فبشَّرته بيحيى، فسأل الآية بعد كلام الملائكة إياه. فأخِذَ عليه بلسانه، فجعل لا يقدر على الكلام إلا ما أومأ وأشار، فقال الله تعالى ذكره، كما تسمعون: {آيتك ألا تكلم الناس ثلاثةَ أيام إلا رمزًا} "(7).
قال الربيع: ": ذكر لنا، والله أعلم، أنه عوقب، لأن الملائكة شافهته مشافهة، فبشرته بيحيى، فسأل الآية بعدُ، فأخِذَ بلسانه"(8).
وفي قوله تعالى: {آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا} [آل عمران: 41]، ثلاثة أوجه من التفسير:
أحدها: الرمز بالشفتين، وهو قول ابن عباس-في احد قوليه- (9).
وقال مجاهد: "تحريك الشفتين"(10)، وفي رواية أخرى له:"كلام بالشفتين"" (11)، وروي عن عكرمة وخصيف نحو ذلك (12).
والثاني: الإماءة والإشارة، وهو قول ابن عباس (13)، والحسن (14)، والسدي (15)، وقتادة (16)، ومحمد بن إسحاق (17)، وابن زيد (18)، والضحاك (19)، والربيع (20)، وعبدالله بن كثير (21)، وأبي عبدالرحمن السلمي (22)، ومحمد بن كعب (23)، وزيد بن أسلم (24).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (3475): ص 2/ 645.
(2)
صفوة التفاسير: 182.
(3)
تفسير الطبري: 6/ 390.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 39.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (3476): ص 2/ 645.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (3477): ص 2/ 645.
(7)
أخرجه الطبري (7005): ص 6/ 386.
(8)
أخرجه الطبري (7007): ص 6/ 386 - 387.
(9)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3479): ص 2/ 645.
(10)
أخرجه الطبري (7010): ص 6/ 389.
(11)
أخرجه ابن ابي حاتم (3480): ص 2/ 645.
(12)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3480): ص 2/ 645.
(13)
انظر: تفسير الطبري (7015): ص 6/ 389.
(14)
انظر: تفسير الطبري (7022): ص 6/ 390.
(15)
انظر: تفسير الطبري (7020): ص 6/ 390.
(16)
انظر: تفسير الطبري (7018): ص 6/ 390.
(17)
انظر: تفسير الطبري (7016): ص 6/ 389.
(18)
انظر: تفسير الطبري (7017): ص 6/ 389 - 390.
(19)
انظر: تفسير الطبري (7013): ص 6/ 389.
(20)
انظر: تفسير الطبري (7019): ص 6/ 390.
(21)
انظر: تفسير الطبري (7021): ص 6/ 390.
(22)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3481): ص 2/ 645.
(23)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3481): ص 2/ 645.
(24)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3481): ص 2/ 645.
والثالث: أنه: "ربَا لسانه في فيه حتى ملأه، ثم أطلقه الله بعد ثلاثٍ". قاله جبير بن نفير (1).
قوله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا} [آل عمران: 41]، "أي: وأذكر الله ذكرا كثيرا" (2).
قال الطبري: أي: " فإنك لا تمنع ذكرَه، ولا يحالُ بينك وبين تسبيحه وغير ذلك"(3).
قال الماوردي: " لم يمنع من ذكر الله تعالى، وذلك هي الآية"(4).
قال محمد بن كعب: "لو كان الله رخص لأحد في ترك الذكر، لرخَّص لزكريا حيث قال: {آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا واذكر ربك كثيرًا}، أيضًا"(5).
قال مجاهد: " لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله قائما ومضطجعا"(6).
قوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ} [آل عمران: 41]، أي: و"نزّه الله عن صفات النقص بقولك سبحان الله في آخر النهار وأوله"(7).
قال الطبري: أي: " عَظِّم ربك بعبادته بالعشي"(8).
قال مجاهد: " الإبكار أوّل الفجر، والعشيّ مَيْل الشمس حتى تغيب"(9).
واخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد عن في قوله: {وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ} ، قال:"صلاة المكتوبة"(10).
و"العشي": من حين زوال الشمس إلى أن تغيب، ومنه قول حميد بن ثور الهلالي (11):
فَلا الظِّلَّ مِنْ بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطِيعَهُ،
…
وَلا الفَيْءَ مِنْ بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ
فالفيء، إنما تبتدئ أوْبته عند زوال الشمس، وَيتناهى بمغيبها.
وأصل العشي الظلمة، ولذلك كان العشى ضعف البصر، فَسُمَّي ما بعد الزوال عِشاءً لا تصاله بالظلمة (12).
وأما "الإبكار": فمن حين طلوع الفجر إلى وقت الضحى، وأصله التعجيل، لأنه تعجيل الضياء، يقال فيه: أبكر فلان، وبكر يَبكُر بُكورًا، فمن "الإبكار"، قول عمر بن أبي ربيعة (13):
أَمِنْ آلِ نُعَمٍ أَنْتَ غَادٍ فَمُبْكِرُ
…
غَدَاةَ غَدٍ؟ أمْ رَائحٌ فَمُهَجِّر؟
ومن " البكور"، قول جرير (14):
أَلا بَكَرَتْ سَلْمَى فَجَدَّ بُكُورُهَا
…
وَشَقَّ العَصَا بَعْدَ اجْتِمَاعٍ أَمِيرُهَا
ويقال من ذلك: بكر النخلُ يَبْكُر بُكورًا وأبكر يُبكر إبكارًا، والباكور من الفواكه: أوّلها إدراكًا (15).
الفوائد:
1 -
جواز البحث عما يزيد به الإيمان، وإن كان الإيمان موجودا، والانسان مطلوب منه ان يقوي إيمانه بكل وسيلة.
2 -
تمام قدرة الله سبحانه وتعالى بخوارق العادات، فإن كون زكريا –عليه السلام لايكلم الناس إلا رمزا، لكن في باب التسبيح ينطلق لسانه.
(1) أخرجه الطبري (7009): ص 6/ 387.
(2)
صفوة التفاسير: 182.
(3)
تفسير الطبري: 6/ 390.
(4)
النكت والعيون: 1/ 391.
(5)
أخرجه الطبري (7023): ص 6/ 391.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (3483): ص 2/ 646.
(7)
صفوة التفاسير: 182.
(8)
تفسير الطبري: 6/ 391.
(9)
أخرجه الطبري (7024): ص 6/ 392 - 393، وتفسير ابن أبي حاتم (3486)، و (3487): ص 2/ 646—647.
(10)
تفسير ابن أبي حاتم (3484): ص 2/ 646.
(11)
ديوانه: 40.
(12)
انظر: تفسير الطبري: 6/ 391، والنكت والعيون: 1/ 391.
(13)
ديوانه: 1.
(14)
ديوانه: 293، والنقائض:7.
(15)
انظر: تفسير الطبري: 6/ 392، والنكت والعيون: 1/ 391.
3 -
أن الإشارة تقوم مقام العبارة، لقوله:{أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} ، ولاسيما عند العجز عن التعبير.
4 -
ومنها: أن الانسان ينبغي إذا انقطع عن الناس أن يشغل وقته بذكر الله عز وجل.
5 -
ومنها: فضيلة التسبيح والذكر في هذين الوقتين: العشي والإبكار.
6 -
الذكر يكون اكثر من التسبيح، والجمع بينهما ايضا فيه فائدة، وهي الجمع بين الثناء على الله وتنزيهه من النقائض.
القرآن
{وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42)} [آل عمران: 42]
التفسير:
واذكر -أيها الرسول- حين قالت الملائكة: يا مريم إن الله اختاركِ لطاعته وطهَّركِ من الأخلاق الرذيلة، واختاركِ على نساء العالمين في زمانك.
قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ} [آل عمران: 42]، "أي اذكر وقت قول الملائكة: يا مريم إِن الله اختارك بين سائر النساء" (1).
قال الطبري: " اختارك واجتباك لطاعته وما خصّك به من كرامته"(2).
قال ابن أبي زمنين: "أي: اختارك لدينه"(3).
قال الثعلبي: أي: " بولادة عيسى من غير أب"(4).
قال ابن كثير: " أي: اختارها لكثرة عبادتها وزهادتها وشرفها"(5).
وفي قوله تعالى: {يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصطفاك} [آل عمران: 42]، وجهان:
أحدهما: اصطفاها على عالمي زمانها، وهذا قول الحسن (6)، وابن جريج (7).
والثاني: أنه اصطفاها لولادة المسيح، وهو قول مقاتل (8)، والزجاج (9).
قال الراغب: " وقول الملائكة لها قيل: كان بالإلهام، فإنه ما أوحى الله إلى امرأة وحي النبوة فلذلك قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ} [النحل: 43]، وقيل: بل قد أوحي إليهن ولكن لم يبعثن رسلا"(10).
قوله تعالى: {وَطَهَّرَكِ} [آل عمران: 42]، " أي جعلك طاهرة من سائر الأدناس"(11).
قال مجاهد: " جعلك طيبةً إيمانًا"(12).
قال السدي: " {وطهرك} من الحيض"(13). وروي عن عرمة نحو ذلك (14).
قال مقاتل: " من الفاحشة والألم"(15).
(1) صفوة التفاسير: 183.
(2)
تفسير الطبري: 6/ 393.
(3)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 288.
(4)
تفسير الثعلبي: 3/ 67.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 39.
(6)
انظر: النكت والعيون: 1/ 291.
(7)
أخرجه الطبري (7036): ص 6/ 400.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 275.
(9)
انظر: معاني القرآن: 1/ 410.
(10)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 553 - 554.
(11)
معاني القرآن للزجاج: 1/ 410.
(12)
أخرجه الطبري (7034): ص 6/ 400.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (3490): ص 2/ 647.
(14)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3490): ص 2/ 647.
(15)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 275.
قال ابن أبي زمنين: وطهرك من الكفر" (1). كقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]
قال الثعلبي: "من مسيس الرجل"(2).
قال الطبري: أي: " وطهَّر دينك من الرّيب والأدناس التي في أديان نساء بني آدم"(3).
قال ابن كثير: " أي: وطهرها من الأكدار والوسواس"(4).
قال أبو السعود: أي مما يُستقذر من الأحوال والأفعال ومما قذفك به اليهودُ بإنطاق الطفلِ" (5).
قوله تعالى: {وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 42]، أي: و"اختارك على نساء العالمين في زمانك"(6).
قال مقاتل: " يعنى: واختارك على {نساء العالمين} بالولد من غير بشر"(7).
قال السدي: " على نساء ذلك الزمان الذي هم فيه"(8).
قال ابن جريح: "ذلك للعالمين يومئذ"(9).
قال الزجاج: " أي اختارك لعيسى على نساءِ العالمين كلهم، فلم يجعل مثل عيسى من امرأة من نساءِ العالمين (10).
قال الثعلبي: " بالتحرير في المسجد"(11).
قال ابن كثير: أي "واصطفاها ثانيًا مرة بعد مرة لجلالتها على نساء العالمين"(12).
قال الراغب: " تكرير الاصطفاء قيل لمعنيين: الأول فرغها لعبادته وأغناها عن الكسب، والثاني أن جعلها أما لعيسى وآية له، وقيل الأول الاصطفاء الذي هو الاجتباء. والثاني الاصطفاء الذي هو على سبيل الهداية"(13).
قال أبو السعود: " بأن وهبَ لك عيسى عليه الصلاة والسلام من غير أب ولم يكُنْ ذلكَ لأحدٍ من النساء وجعلكما آيةً للعالمين فعلى هذا ينبغي أنْ يكونَ تقديمُ حكاية هذه المقاولة على حكاية بشارتِها بعيسى عليه الصلاة والسلام لما مر مرارا من التَّنبيه على أنَّ كلاً منهما مستحِقٌّ للاستقلال بالتذكير ولو روعيَ الترتيبُ الخارجيُّ لتبادر كونُ الكل شيئاً واحداً وقيل المرادُ بالاصطفاءين واحدٌ والتكريرُ للتأكيد وتبيينِ مَن اصطفاها عليهن فحينئذ لا إشكالَ في ترتيب النظم الكريم إذ يُحمل حينئذ الاصطفاءُ على ما ذُكر أولاً وتُجعل هذه المقاولةُ قبل بشارتها بعيسى عليه الصلاة والسلام إيذاناً بكونها قبل ذلك متوفرةً على الطاعات والعبادات حسبما أُمِرت بها مجتهدةً فيها مُقْبِلةً على الله تعالى مُتبتِّلةً إليه تعالى منسلخةً عن أحكام البشرية مستعدةً لفيضان الروح عليها"(14).
قال محمد بن إسحاق: " كانت مريم حبيسًا في الكنيسة، ومعها في الكنيسة غُلام اسمه يُوسف، وقد كانَ أمه وأبوه جعلاه نذيرًا حبيسًا، فكانا في الكنيسة جميعًا، وكانت مريم، إذا نَفِدَ ماؤها وماء يوسف، أخذا قُلَّتيهما فانطلقا إلى المفازة التي فيها الماء الذي يستعذِبان منه، فيملآن قلتيهما، ثم يرجعان إلى الكنيسة، والملائكة في
(1) تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 288.
(2)
تفسير الثعلبي: 3/ 67.
(3)
تفسير الطبري: 6/ 393.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 39.
(5)
تفسير أبي السعود: 2/ 35.
(6)
تفسير الطبري: 6/ 393.
(7)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 275.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (3491): ص 2/ 647.
(9)
أخرجه الطبري (7036): ص 6/ 400.
(10)
انظر: معاني القرآن: 1/ 410.
(11)
تفسير الثعلبي: 3/ 67.
(12)
تفسير ابن كثير: 2/ 39.
(13)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 552.
(14)
تفسير أبي السعود: 2/ 35.
ذلك مقبلة على مريم: {يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين} ، فإذا سمع ذلك زكريا قال: إنّ لابنة عمرانَ لشأنًا" (1).
عن عبد الله بن جعفر قال: "سمعت عليًّا بالعراق يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خيرُ نسائها مريم بنت عمران، وخيرُ نسائها خديجة"(2).
عن موسى الأشعريّ قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كمل من الرّجال كثيرٌ، ولم يكمل من النساء إلا مريم، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد"(3).
الفوائد:
1 -
تعظيم شأن مريم-عليها الصلاة والسلام- إذ أمر الله نبيه بأن يذكر قصتها لهذه الأمة.
2 -
فضيلة مريم-عليها السلام إذ خاطبتها الملائمة.
3 -
استدل بعض أهل العلم على نبوة مريم بمخاطة الملائكة إياها، ولكن في هذا الاستدلال نظر، لأن مجرد المخاطبة لها لا يثبت نبوتها، لكون النبوة إنما هي لمن أوحي إليه بشرع لا لمن أوحي إليه بثناء أو بتهيئته لما سيكون.
4 -
إن الله يصطفي من الناس من يشاء.
5 -
براءة مريم-عليها السلام مما ادعاه اليهود من كونها بغيا، لقوله تعالى:{وطهرك} .
6 -
إن مريم مفضلة ومصطفاة على نساء العالمين، كما ثبت في الحديث الشريف.
7 -
ومنها: جواز تكرار المناقب، لأن اوصاف الكمال كلما كررت ظهر من كمال الموصوف ما لم يكن معلوما من قبل.
القرآن
{يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)} [آل عمران: 43]
التفسير:
يا مريم داومي على الطاعة لربك، وقومي في خشوع وتواضع، واسجدي واركعي مع الراكعين; شكرًا لله على ما أولاكِ من نعمه.
قوله تعالى: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ} [آل عمران: 43]، أي: يا مريم: " إِلزمي عبادة ربك وطاعته"(4).
قال الحسن: يقول: اعبدي لربك" (5).
قال الطبري: أي: " أخلصي الطاعة لربك وحده"(6).
قال الزجاج: " أيْ اعبديه بالقول والعمل"(7).
قال الثعلبي: أي: " أطيعي وأطيلي الصلاة، لربك: كلمت به الملائكة شفاها، قال [الأوزاعي: لما قالت لها الملائكة ذلك، قامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسالتا دما وقيحا"(8).
قال مجاهد: " كانت تقوم حتى يتورم كعباها"(9).
(1) أخرجه الطبري (7037): ص 6/ 400 - 401.
(2)
أخرجه الطبري (7026): ص 6/ 393، والحديث رواه أحمد في المسند، عن عبد الله بن نمير: 640، وعن وكيع: 1109، وعن محمد ابن بشر: 1211، ورواه البخاري 6/ 339، و 7/ 100 - 110، ومسلم 2/ 243، والترمذي 4/ 365، ورواه الحاكم في المستدرك 3/ 184، عن طريق ابن نمير، ثم من طرق المسند عن وكيع وابن نمير، وذكره ابن كثير في التفسير 2/ 138، وفي التاريخ 2/ 59، عن رواية الصحيحين.
(3)
أخرجه الطبري (7031): ص 6/ 396 - 397.
(4)
صفوة التفاسير: 183.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (3495): ص 2/ 648.
(6)
تفسير الطبري: 6/ 401.
(7)
معاني القرآن: 1/ 410.
(8)
تفسير الثعلبي: 3/ 67.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (3494): ص 2/ 648.
قال ابن كثير: " أما القنوت: فهو الطاعة في خشوع، كما قال تعالى: {بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [البقرة: 116] "(1).
قال الراغب: " القنوت: إدامة الطاعة صلاة كانت أو غيرها من العبادات، ولهذا قال: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا} [الزمر: 9] فجعل من جملة القنوت"(2).
وفي قوله تعالى: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي} [آل عمران: 43]، ثلاثة أقاويل:
أحدها: يعني أخلصي لربك، وهو قول سعيد (3).
والثاني: أن معناه: أطيعي ربك، وهو قول السدي (4)، وقتادة (5)، والحسن (6).
والثالث: أطيلي القيام في الصلاة، وهو قول مجاهد (7)، والربيع (8)، والأوزاعي (9).
قوله تعالى: {وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران: 43]، أي: و"صلي مع المصلين"(10).
قال مقاتل: " يعني مع المصلين في بيت المقدس"(11).
قال العز بن عبدالسلام: أي: "افعلي كفعلهم، أو صلي في جماعة"(12).
قال الزمخشري: أي: " ولتكن صلاتك مع المصلين في الجماعة"(13).
قال الطبري: أي: " واخشعي لطاعته وعبادته مع من خشع له من خلقه، شكرًا له على ما أكرمك به من الاصطفاء والتَّطهير من الأدناس، والتفضيل على نساء عالم دَهرك"(14).
قال الأوزاعي: " ركدت في محرابها قائمة وراكعة وساجدة حتى نزل الماء الأصفر في قدميها"(15).
قال البيضاوي: " أمرت بالصلاة في الجماعة بذكر أركانها مبالغة في المحافظة عليها، وقدم السجود على الركوع إما لكونه كذلك في شريعتهم أو للتنبيه على أن الواو لا توجب الترتيب"(16).
قال الراغب: " ويحتمل أن يكون في زمانها من كان يقوم ويسجد في صلاته ولا يركع وفيه من يركع، فأمرت بأن تركع مع الراكعين ولا تكون مع من لا يركع"(17).
قال الزجاج: " معنى الركوع قيل: السُّجود، المعنى: اركعي واسجدي، إلا أن الواو إذا ذكرت فمعناها الاجتماع، وليس فيها دليل أن أحد الشَيئين قبل الآخر. لأنها تْؤذن بالاجتماع، والعمل، والحال تدل على تقدم المتقدِّم من الإثنين"(18).
قال الراغب: " وتقديم السجود على الركوع، قيل: لكونه كذلك في شريعتهم، وقيل: تنبيها أن الواو لا تقتضي الترتيب، وقيل: عنى بالسجود الصلاة، لقوله:{وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق: 40]، وعنى بالركوع الشكر، لقوله تعالى
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 41.
(2)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 556.
(3)
انظر: تفسير الطبري (7047): ص 6/ 403.
(4)
انظر: تفسير الطبري (7049): ص 6/ 403.
(5)
انظر: تفسير الطبري (7048): ص 6/ 403.
(6)
انظر: تفسير الطبري (7051): ص 6/ 403.
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3494): ص 2/ 648، وتفسير الطبري (7038) - (7043): ص 6/ 401 - 402.
(8)
انظر: تفسير الطبري (7044): ص 6/ 402.
(9)
انظر: تفسير الطبري (7046): ص 6/ 403.
(10)
تفسير الجلالين: 72.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 276.
(12)
تفسير العز بن عبدالسلام: 1/ 262.
(13)
الكشاف: 1/ 362.
(14)
تفسير الطبري: 6/ 404.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (3496): ص 2/ 648.
(16)
تفسير البيضاوي: 2/ 16.
(17)
الكشاف: 1/ 362.
(18)
معاني القرآن: 1/ 410.
في قصة داود: {رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص: 24] أي شاكرا، وهذا تخصيص للركوع بحال مقترنة به، وقيل: نبه بقوله: {وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} أي كوني مع العابدين والمصلين" (1).
الفوائد:
1 -
بيان أنه كلما منّ الله سبحانه وتعالى على انسان بشيء كانت مطالبته بالعبادة اكثر، لقوله:{{يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} . إذ أمرتها بالقنوت والسجود والركوع.
2 -
فضيلة القنوت لله، وهو دوام الطاعة والخشوع، والاشتغال بالطاعة عما سواها.
3 -
فضيلة السجود والركوع، لقوله:{وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} .
4 -
جواز ترك الترتيب لمصلحة، لقوله:{وَاسْجُدِي وَارْكَعِي} ، إذ نصّ على السجود قبل الركوع، لأن السجود أبلغ في القنوت من الركوع.
5 -
فضيلة صلاة الجماعة، لقوله:{وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} .
القرآن
التفسير:
ذلك الذي قصصناه عليك -أيها الرسول- من أخبار الغيب التي أوحاها الله إليك، إذ لم تكن معهم حين اختلفوا في كفالة مريم أيُّهم أحق بها وأولى، ووقع بينهم الخصام، فأجْرَوْا القرعة بإلقاء أقلامهم، فأصابت زكريا عليه السلام، ففاز بكفالتها.
قوله تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 44]، " أي: ذلك من أخبار الغيب ننزلّه إليك يا محمد" (2).
قال الثعلبي: " ذلك: الذي ذكرت من حديث زكريا ومن حديث ويحيى ومريم وعيسى، من أخبار، الغيب نوحيه إليك"(3).
قال الزمخشري: " ذلك إشارة إلى ما سبق من نبإ زكريا ويحيى ومريم وعيسى عليهم السلام، يعنى أن ذلك من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي"(4).
قال الصابوني: " أي هذا الذي قصصناه عليك من قصة امرأة عمران وابنتها مريم البتول ومن قصة زكريا يحيى إِنما هو من الانبياء المغيبة والأخبار الهامة التي أوحينا بها إِليك يا محمد"(5).
قال الماوردي: " يعني ما كان من البشرى بالمسيح"(6).
قال الزجاج: " أي: الأخبار التي قصصناها عليك في زكريا ويحيى ومريم وعيسى من أنباء
الغيب، أي من أخبار ما غاب عنك، وفي هذا دليل على تثبيت نبوة النَبي صلى الله عليه وسلم لأنه أنبأ بما لا يعلم إلا من كتاب أو وحي وقد أجمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أمياً، فإنباؤه إياهم بالأخبار التي في كتبهم علي حقيقتها من غير قراءَة الكتب دليل على أنه نبى وأن اللَّه أوحى إليه بها" (7).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن محمد بن إسحاق قوله: {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك} ، ثم قد جئتهم به ذليلا علي نبوتك والحجة لك عليهم" (8).
(1) تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 557.
(2)
انظر: تفسير الطبري: 6/ 404. [بتصرف].
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 67.
(4)
الكشاف: 1/ 362.
(5)
صفوة التفاسير: 184.
(6)
النكت والعيون: 1/ 393.
(7)
معاني القرآن: 1/ 410.
(8)
تفسير ابن أبي حاتم (3499): ص 2/ 649.
وأصل "الوحي": إلقاء المعنى إلى صاحبه، والوحي إلى الرسل الإلقاء بالإنزال، وإلى النحل بالإلهام، ومن بعض إلى بعض بالإشارة، كما قال تعالى:{فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم: 11]. قال العجاج (1):
بِإذْنِهِ الأَرْضُ وما تَعَتَّتِ
…
وَحَى لَهَا القرارَ فَاسْتَقَرَّتِ
بمعنى ألقى إليها ذلك أمرًا (2).
قوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَم} [آل عمران: 44]، " أي وما كنت حاضرا لديهم حين يضربون بسهامهم القرعة، وينظرون ليعلموا أيهم يكون كافلا لمريم"(3).
قال الصابوني: " أي ما كنت عندهم إِذ يختصمون ويتنافسون على كفالة مريم حين ألقوا سهامهم للقرعة كلٌ يريدها في كنفه ورعايته"(4).
قال الزجاج: " أي هذا أيضاً مما لم تحضره [إذ يلقون أقداحهم] لينظروا أيهم تجب له كفالة مريم، وهو الضمان للقيام بأمرها"(5).
قال ابن كثير: " أي: ما كنت عندهم يا محمد فَتُخْبرهم عنهم معاينة عما جرى، بل أطلعك الله على ذلك كأنك كنت حاضرا وشاهدًا لما كان من أمرهم حين اقترعوا في شأن مريم أيهم يكفلها، وذلك لرغبتهم في الأجر"(6).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن محمد بن إسحاق: " {وما كنت لديهم}، يقول: ما حضرت ولا عنيت"(7).
وقال قتادة: " تساهموا على مريم أيهم يكفلها فقرعهم زكريا"(8).
وروي عن مجاهد والضحاك قالا: "استهموا بأقلامهم"(9).
وقال عكرمة: " ألقوا أقلامهم في الماء فذهبت مع الجرية، وصعد قلم زكريا يغلب الجرية فكفلها زكريا"(10).
وفي تفسير قوله: {أَقْلامَهُمْ} [آل عمران: 44]، وجوه:
أحدها: أن المراد: أقلامهم التي يكتبون بها الوحي. قاله سفيان (11)، ونقله ابن جريج عن آخرين (12). ورجّحه القرطبي فقال:" وهو أجود، لأن الأزلام قد نهى الله عنها فقال" ذلكم فسق" [المائدة: 3]، إلا أنه يجوز أن يكونوا فعلوا ذلك على غير الجهة التي كانت عليها الجاهلية تفعلها"(13).
والثاني: أن أقلامهم: عصيّهم. قاله الربيع (14).
والثالث: أن أقلامهم: قداحهم وسهامهم. قاله عطاء (15)، والزجاج (16)، وأبو عبيدة (17).
قال الزجاج: "وإنما قيل للسهم: القلم لأنه يقْلَمَ أي يبْرَى، وكل ما قطعت منه شيئاً بعد شيء فقد قَلَمْتَه، من ذلك القلم الذي يكتب به، إنما سمي لأنه قلم مرة بعد مرة، ومن هذا قلمت أظافري"(18).
(1) ديوانه: 5.
(2)
انظر: النكت والعيون: 1/ 393، وتفسير الطبري: 6/ 405.
(3)
تفسير المراغي: 3/ 151.
(4)
صفوة التفاسير: 184.
(5)
معاني القرآن: 1/ 410 - 411.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 42.
(7)
تفسير ابن أبي حاتم (3500): ص 2/ 649.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (3502): ص 2/ 649.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (3502): ص 2/ 649.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (3503): ص 2/ 649.
(11)
انظر: تفسير ابن المنذر (459): ص 1/ 199.
(12)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3505): ص 2/ 649، وتفسير ابن المنذر (460): ص 1/ 199.
(13)
تفسير القرطبي: 4/ 86.
(14)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3506): ص 2/ 650.
(15)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3504): ص 2/ 649. وتفسير ابن المنذر (460): ص 1/ 199.
(16)
معاني القرآن: 1/ 411.
(17)
انظر: تفسير ابن المنذر (460): ص 1/ 199.
(18)
معاني القرآن: 1/ 411.
والظاهر ان المراد الأقلام حقيقة التي يكتب بها، ولا نعدل عن ظاهر القرآن إلا بدليل. والله أعلم.
قال الثعالبي: " وجمهور العلماء على أنه استهام لأخذها والمنافسة فيها، فروي أنهم ألقوا أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة في النهر، فروي أن قلم زكريا صاعد الجرية، ومضت أقلام الآخرين، وقيل غير هذا، قلت: ولفظ ابن العربي في «الأحكام» قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فجرت الأقلام وعلا قلم زكريا» (1) اهـ، وإذا ثبت الحديث، فلا نظر لأحد معه"(2).
قوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44]، أي: وما كنت عندهم إذ "يتنازعون فيمن يكفلها منهم"(3).
الفوائد:
1 -
إن الوحي من أخبار الأمم السابقة التي لم تكن تعلمها الرسول-صلى الله عليه وسلم ولا امته، دليل على أنه-صلى الله عليه وسلم رسول الله حقا، وأن الوحي يأتيه من الله تعالى.
2 -
ومن الفوائد: جواز الاقتراع والقرعة، قال ابن عطية:" وفي هذه الآية استعمال القرعة والقرعة سنة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر أقرع بين نسائه"(4).
3 -
الإشارة إلى أن الذي أنبئ به كأنما يراه بعينه، وكانه حاضر وهو كذلك، لأن أخبار الله تعالى أشد ثبوتا وحقيقة مما يرى في العين.
القرآن
التفسير:
وما كنت -يا نبي الله- هناك حين قالت الملائكة: يا مريم إن الله يُبَشِّرْكِ بولد يكون وجوده بكلمة من الله، أي يقول له:«كن» ، فيكون، اسمه المسيح عيسى ابن مريم، له الجاه العظيم في الدنيا والآخرة، ومن المقربين عند الله يوم القيامة.
{إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
قوله تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ} [آل عمران: 45]، أي وما كنت، يا محمد، عند القوم حين قالت الملائكة: يا مريم إن الله يبشرك "برسالة منه وخبر من عنده"(5).
قال ابن عباس: " {بِكَلِمَةٍ مِنْهُ}، قال: عيسى، وهو الكلمة من الله "(6).
وقال أبو عبيدة: " {إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ}، أي: الرسالة هو ما أوحى الله به إلى الملائكة في أن يجعل لمريم ولدا"(7).
قال ابن كثير: " أي: بولد يكون وجوده بكلمة من الله، أي: بقوله له: "كن" فيكون، وهذا تفسير قوله: {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} [آل عمران: 39] كما ذكره الجمهور"(8).
قال الطبري: " والتبشير: إخبار المرء بما يسره من خبر"(9).
(1) تفسير القرطبي: 4/ 86. ولك نقف عليه مرفوعا، وعلقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم عن ابن عباس-رضي الله عنهما في الشهادات، باب القرعة في المشكلات (الفتح: 292)، ووصله البيهقي في السنن: 10/ 286 - 287، وأخرجه الطبري مطولا عن السدي. (6904): ص 6/ 348 - 349، وكذلك عن عكرمة (6902): ص 6/ 348 - 349.
(2)
تفسير الثعالبي: 2/ 45.
(3)
صفوة التفاسير: 184
(4)
المحرر الوجيز: 1/ 435.
(5)
تفسير الطبري: 6/ 411.
(6)
أخرجه ابن المنذر في تفسيره (463): ص 1/ 200.
(7)
أخرجه ابن المنذر في تفسيره (464): ص 1/ 200.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 43.
(9)
تفسير الطبري: 6/ 410.
قال الزجاج: " سمى الله عز وجل عيسى المسيح، وسماه عيسى، وسمي ابتداء أمره كلمة منه فهو صلى الله عليه وسلم كلمة من الله ألقاها إلى مريم، ثم كون تلك الكلمة بشرا"(1).
قوله تعالى: {اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 45]، " أي اسمه عيسى ولقبه المسيح"(2).
قال ابن كثير: "أي يكون مشهورًا بهذا في الدنيا، يعرفه المؤمنون بذلك"(3).
وفي تسميته بالمسيح أقوال:
أحدها: أنه سمّي بذلك لكثرة سياحته. حكاه ابن كثير عن بعض السلف (4).
والثاني: لأنه مُسِحَ بالبركة، وهذا قول الحسن (5) وسعيد (6).
والثالث: أنه مُسِحَ بالتطهر من الذنوب. وأن المسيح: الصدّيق. قاله إبراهيم (7) وهو اختيار الإمام الطبري (8).
والرابع: وقيل: لأنه كان مسيح القدمين: أي لا أخْمَص لهما (9).
والخامس: وقيل: المسيح بمعنى الماسح، لأنه كان إذا مسح أحدًا من ذوي العاهات برئ بإذن الله تعالى، فيمسح عين الأعمى والأعور فيبصر (10).
والسادس. ان المسيح: الملك. قاله الكلبي (11)، وأبو عمرو بن علاء (12).
والسابع: وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن. قاله أبو سليمان الدمشقي (13).
والثامن: أن المسيح ضد المسيخ، يقال: مسحه الله أي خلقه خلقا حسنا مباركا، ومسخه أي خلقه خلقا ملعونا قبيحا. قاله أبو الهيثم (14).
والتاسع: وقيل: أن المسيح أصله بالعبرانية "مشيحا" بالشين، فعرّب كما عرّب: موشى بموسى. قاله أبو عبيدة (15).
والقول الأول أشهر، وعليه الأكثر، فـ"سمي به، لأنه يسيح في الأرض أي يطوفها ويدخل جميع بلدانها إلا مكة والمدينة وبئت المقدس، فهو فعيل بمعنى فاعل، فالدجال يمسح الأرض محنة، وابن مريم يمسحها منحة، وعلى أنه ممسوح العين فعيل بمعنى مفعول (16). ومنه قول الشاعر (17):
إن المسيح يقتل المسيحا
قال الثعلبي: " قرأ أبو السماك وهب بن يزيد العدوي: {بكلمة}، مكسورة الكاف مجزومة اللام في جميع القرآن، وهي لغة فصيحة"(18).
(1) معاني القرآن: 1/ 411.
(2)
صفوة التفاسير: 184.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 43.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 43.
(5)
انظر: تفسير الطبري (7064)، و (7065): ص 6/ 414.
(6)
انظر: تفسير الطبري (7066): ص 6/ 414.
(7)
انظر: النكت والعيون: 1/ 394.
(8)
انظر: تفسير الطبري: 6/ 414.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 43.
(10)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 43، وتفسير الماتريدي: 2/ 371، وتفسير السمرقندي: 1/ 312.
(11)
انظر: تفسير السمرقندي: 1/ 312.
(12)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 68.
(13)
انظر: زاد المسير: 1/ 331، وتفسير الثعلبي: 3/ 68. لم ينسبه الثعلبي.
(14)
انظر: تفسير القرطبي: 4/ 89.
(15)
انظر: تفسير القرطبي: 4/ 89.
(16)
انظر: تفسير القرطبي: 4/ 89.
(17)
البيت من شواهد الثعلبي في تفسيره: 3/ 69، والقرطبي في تفسيره: 4/ 89، ولم اتعرف على قائله فيما توفرت لديّ من المصادر.
(18)
تفسير الثعلبي: 3/ 68.
قال الماتريدي: " يحتمل: {بكلمة منه}: أن قال: " كن " - فكان من غير أب ولا سبب، وسائر البشر لم يكونوا إلا بالآباء والأسباب: من النطفة، ثم من العلقة، ثم من مضغة مخلقة على ما وصف عز وجل في كتابه، وكان أمر عيسى عليه السلام على خلاف ذلك.
ويحتمل {بكلمة منه} : ما ذكر أنه كلم الناس في المهد: (إني عبد الله آتاني الكتاب) وذلك مما خص به عيسى، وهو بكلمة من الله قال ذلك" (1).
قوله تعالى: {وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [آل عمران: 45]، أي:"ذا جاه وقدر في الدنيا والآخرة"(2).
قال النحاس: " الوجية الذي له القدر والمنزلة الرفيعة يقال لفلان جاه وجاهة وقد وجه يوجه وجاهة"(3).
قوله تعالى: {وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [آل عمران: 45]، أي:"ومن المقربين عندالله يوم القيامة"(4).
قال الطبري: " أنه ممن يقرِّبه الله يوم القيامة، فيسكنه في جواره ويدنيه منه"(5).
قال قتادة: ": من المقربين عند الله يوم القيامة"(6). وروي عن الربيع مثله (7).
قال الهرري: أي: " إلى الله في جنة عدن، وهذا الوصف كالتنبيه على أن عيسى سيرفع إلى السماء، وتصاحبه الملائكة"(8).
الفوائد:
1 -
البشارة بالأخبار التي تسر. لقوله: {إن الله يبشرك} .
2 -
بيان نسبة عيسى-عليه السلام إلى أمه، لكي لا يقول قائل إنه نسب إلى كافله كان زكريا-عليه السلام.
3 -
من فوائد الآية وجاهة عيسى-عليه السلام عند الله، لقوله:{وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} .
القرآن
{وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46)} [آل عمران: 46]
التفسير:
ويكلم الناس وهو رضيع قبل أوان الكلام، ويدعوهم إلى الله وهو كبير قد اجتمعت قوته وكمل شبابه بما أوحاه الله إليه. وهذا تكليم النبوَّة والدعوة والإرشاد، وهو معدود من أهل الصلاح والفضل في قوله وعمله.
قوله تعالى: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا} [آل عمران: 46]، "أي: يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، في حال صغره، معجزة وآية، وفي حال كهوليته حين يوحي الله إليه بذلك" (9).
قال محمد بن إسحاق: " يخبرهم بحالاته التي يتقلب فيها عمره كتقلب بني في آدم أعمارهم صغارا أو كبارا، لأن الله تعالى جده خصه بالكلام في مهده، آية لنبوته، وتعريفا للعباد مواقع قدرته"(10).
قال الزمخشري: أي: " يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء، من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء"(11).
قال الماوردي: " والمهد: مضجع الصبي، مأخوذ من التمهيد"(12).
(1) تفسير الماتريدي: 2/ 371.
(2)
تفسير الثعلبي: 3/ 69.
(3)
معاني القرآن: 1/ 401.
(4)
تفسير ابن أبي حاتم (3520): ص 2/ 652. وهو قول الربيع بن أنس.
(5)
تفسير الطبري: 6/ 415.
(6)
أخرجه الطبري (7068): ص 6/ 416.
(7)
انظر: تفسير الطبري (7069)، و (7070): ص 6/ 416.
(8)
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن: 4/ 304.
(9)
نظر: تفسير ابن كثير: 2/ 43.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (3527): ص 2/ 653.
(11)
الكشاف: 1/ 364.
(12)
انظر: النكت والعيون: 1/ 394.
قال ابن عباس: " {ويكلم الناس في المهد}، قال: مضجع الصبي في رَضَاعه"(1).
واختلفوا في تفسير قوله تعالى: {وَكَهْلاً} [آل عمران: 46]، وفيه أقوال:
أحدهما: أن المراد بالكهل الحليم، وهذا قول مجاهد (2)، وعكرمة (3)، وقال يزيد بن أبي حبيب:"الكهل: منتهى الحلم"(4).
والثاني: أنه أراد الكهل في السنّ، وهو قول ابن عباس (5). قال الناحس:" يقال اكتهل النبت إذا تم، والكهل ابن الاربعين أو ما قاربها"(6).
والثالث: يعني: إذا اجتمع قبل أن يرفع إلى السماء. قاله مقاتل (7).
والرابع: أن (كهلا) بعد نزوله من السماء. قاله الحسن بن الفضل (8).
والخامس: المراد: أنه تعالى أخبرهما أنه يبقى حتى يكتهل. قاله ابن كيسان (9).
والسادس: وقيل: يكلم الناس في المهد: صبيا وكهلا نبيا، ولم يتكلم في المهد من الأنبياء، إلا عيسى عليه السلام، فكلامه في المهد معجزة وفي الكهولة دعوة (10).
والسابع: {وكهلا} : أي عظيما، والعرب تمدح بالكهولة لأنها أعظم؟ على في احتناك السن، واستحكام العقل، وجودة الرأي والتجربة. وهذا احد قولي مجاهد (11).
واختلفوا في تحديد سن الكهل على ثلاثة اقوال:
أحدها: أنه بلوغ أربع وثلاثين سنة (12).
والثاني: أن الكهل ابن أربعين إلى الخمسين سنة. حكاه الهرري عن ثابن بن أبي ثابت (13).
والثالث: أنه فوق حال الغلام ودون حال الشيخ، مأخوذ من القوة من قولهم اكتهل البيت إذ طال وقوي (14).
قال الطبري: " وأما قوله: {وكهلا} ، فإنه: وُمحتَنِكًا فوق الغُلومة، ودُون الشيخوخة، يقال منه: رجل كهل وامرأة كهلة، كما قال الراجز (15):
وَلا أَعُودُ بَعْدَهَا كَرِيَّا
…
أُمَارِسُ الكَهْلَةَ وَالصَّبِيَّا
وإنما عنى جل ثناؤه بقوله: {ويكلم الناسَ في المهد وكهلا} ، ويكلم الناس طفلا في المهد دلالةً على براءَة أمه مما قَرَفها به المفترون عليها، وحجة له على نبوّته وبالغًا كبيرًا بعد احتناكه، بوحي الله الذي يوحيه إليه، وأمره ونهيه، وما ينزل عليه من كتابه" (16).
قال الماوردي: "فإن قيل فما المعنى في الإخبار بكلامه كهلاً وذلك لا يستنكر؟ ففيه قولان:
أحدها: أنه يكلمهم كهلاً بالوحي الذي يأتيه من الله تعالى.
والثاني: انه يتكلم صغيراً في المهد كلام الكهل في السنّ " (17).
(1) أخرجه الطبري (7071): ص 6/ 417.
(2)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3525): ص 2/ 652.
(3)
انظر: تفسير ابن المنذر (473): ص 1/ 203.
(4)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3526): ص 2/ 653.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3524): ص 2/ 652، والنكت والعيون: 1/ 394.
(6)
معاني القرآن للنحاس: 1/ 401.
(7)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 69.
(8)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 69.
(9)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 69.
(10)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 69.
(11)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 69.
(12)
انظر: النكت والعيون: 1/ 394، وتفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القران: 8/ 159.
(13)
انظر: تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القران: 8/ 159.
(14)
انظر: النكت والعيون: 1/ 394.
(15)
انظر: الجمهرة 3: 339، المخصص 1: 40 أمالي، القالي 2: 215، والسمط: 836، شرح أدب الكاتب لابن السيد: 217، 389، وللجواليقي: 295، واللسان (كهل)(كرا)(شعفر)(أمم).
(16)
تفسير الطبري: 6/ 417 - 418.
(17)
النكت والعيون: 1/ 394.
قال الماتريدي: "فإن قيل: ما معنى قوله: {ويكلم الناس في المهد وكهلا} والكهل: مما يكلم الناس؟ قيل: لأن كلامه في المهد آية، والآية لا تدوم؛ كقوله:{يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ} [النور: 24] الآية، وإنما يكون ذلك مرة لا أنها تشهد وتنطق أبدا، فأخبر أن تكليمه الناس في المهد - وإن كانت آية - فإنه ليس بالذي لا يدوم، ولا يكون إلا مرة.
والثاني: أمن من الله لمريم، وبشارة لها عن وفاته إلى وقت كهولته، والله أعلم" (1).
والتحقيق في هذا الإخبار من قبل الله تعالى من أمر المسيح "وإن كان الغالب من أمر الناس أنهم يتكلمون كهولا وشيوخًا احتجاجًا به على القائلين فيه من أهل الكفر بالله من النصارى الباطلَ، وأنه كان منذ أنشأه مولودًا طفلا ثم كهلا يتقلب في الأحداث، ويتغير بمرُور الأزمنة عليه والأيام، من صِغر إلى كبر، ومن حال إلى حال وأنه لو كان، كما قال الملحدون فيه، كان ذلك غيرَ جائز عليه. فكذّب بذلك ما قاله الوفدُ من أهل نجران الذين حاجُّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، واحتج به عليهم لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأعلمهم أنه كان كسائر بني آدم، إلا ما خصه الله به من الكرامة التي أبانه بها منهم"(2).
قوله تعالى: {وَمِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 46]، أي: وهو من العباد الصالحين" (3).
قال الصابوني: " أي وهو من الكاملين في التقى والصلاح"(4).
قال ابن كثير: "أي: في قوله وعمله، له علم صحيح وعمل صالح"(5).
قال عطاء: " يريد: مثل: موسى، وإسرائيل (6)، وإسحاق، وإبراهيم "(7).
قال الهرري: أي: " وحالة كونه كائنًا من العباد {الصَّالِحِينَ} ومعدودًا منهم، الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين، الذين تعرف مريم سيرتهم؛ مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى، وغيرهم من الأنبياء"(8).
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: "أنه أعلمهم أن عيسى عليه السلام يكلمهم في المهد ويعيش إلى أن يكلمهم كهلا، إذ كانت العادة أن من تكلم في المهد لم يعش"(9). قاله المهدوي.
2 -
نزول عيسى قبل القيامة، وذلك لقوله:{وكهلا} ، على تفسير الحسن بن الفضل (10). وقد تواترت الأخبار في نزوله عليه السلام قبل يوم القيامة، روي عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد"(11).
3 -
ومنها: أنه تعالى" ختم أوصاف عيسى عليه السلام بكونه من الصالحين، بعدما وصفه بالأوصاف العظيمة؛ لأن الصلاح من أعظم المراتب وأشرف المقامات؛ لأنه لا يسمى المرء صالحًا حتى يكون مواظبًا على النهج الأصلح والطريق الأكمل في جميع أقواله وأفعاله، فلما وصفه الله تعالى بكونه وجيهًا في الدنيا والآخرة، ومن المقربين، وأنه يكلم الناس في المهد وكهلًا .. أردفه بقوله: {وَمِنَ الصَّالِحِينَ}؛ ليكمل له أعلى الدرجات وأشرف المقامات"(12).
القرآن
(1) تفسير الماتريدي: 2/ 371.
(2)
تفسير الطبري: 6/ 418 - 419.
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 69.
(4)
صفوة التفاسير: 184.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 43.
(6)
إسرائيل، هو: يعقوب عليه السلام. انظر: "تفسير الطبري" 1/ 248، "فتح القدير" 1/ 117.
(7)
نقله الواحدي في التفسير البسيط: 5/ 264، ولم أقف على مصدر قوله.
(8)
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القران: 4/ 304.
(9)
تفسير القرطبي: 4/ 90.
(10)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 69.
(11)
صحيح البخاري (2222): ص 3/ 82، وانظر: مسند أحمد (7269).
(12)
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القران، للهرري: 4/ 304.
التفسير:
قالت مريم متعجبة من هذا الأمر: أنَّى يكون لي ولد وأنا لست بذات زوج ولا بَغِيٍّ؟ قال لها المَلَك: هذا الذي يحدث لكِ ليس بمستبعد على الإله القادر، الذي يوجِد ما يشاء من العدم، فإذا أراد إيجاد شيء فإنما يقول له:«كُن» فيكون.
قوله تعالى: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} [آل عمران: 47]، " أي قالت: ياربي: كيف يأتيني الولد وأنا لست بذات زوج؟ " (1).
قال السدي: "تقول: من أين لي"(2).
قال مقاتل: "يعني الزوج"(3).
قال الطبري: " من أيِّ وجه يكون لي ولد؟ أمِن قبل زوج أتزوجه وبعل أنكحه، أمْ تبتدئ فيَّ خلقه من غير بعل ولا فحل، ومن غير أن يمسَّني بشر"(4).
قال السمرقندي: " وهو كناية عن الجماع"(5).
قال الهرري: " أي قالت: كيف يكون لي ولد وليس لي زوج؟ أي: لم يصبني رجل بالحلال ولا بالحرام؟ ؛ لأن المحررة لا تتزوج أبدًا كالذكر المحرر.
وقد يكون مرادها: أيحدث ذلك بزواج أم يحصل بقدرتك؟ وقد يكون قصدها: التعجب من قدرة الله واستعظام شأنه" (6).
قال السمعاني: " قالت ذلك تعجبا؛ إذ لم تكن جرت العادة بأن يولد ولد بلا أب"(7).
قوله تعالى: {قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} [آل عمران: 47]، أي:" إن الأمر كذلك، أن الله يخلق ما يشاء"(8).
قال الصابوني: " أي هكذا أمر الله عظيم لا يعجزه شيء يخلق بسببٍ من الوالدين وبغير سبب"(9).
قال محمد بن إسحاق: " أي يضع ما أراد ويخلق ما يشاء من بشر أو غير بشر"(10).
قال السمعاني: " أي: لا يعسر عليه شيء، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد"(11).
قال الهرري: " أي: كما قلت لكِ من خلق ولد منك بلا أب {اللَّهُ} سبحانه وتعالى {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} كيف شاء بسبب، وبلا سبب، مثل هذا الخلق العجيب، والإحداث البديع - وهو خلق الولد بغير أبٍ - يخلق الله ما يشاء، فإن قلت: لِمَ عبَّر هنا بالخلق، وفي قصة يحيى بالفعل [يفعل ما يشاء}؟
قلت: لأن ولادة العذراء من غير أن يمسها بشر، أبدع وأغرب من ولادة عجوز عاقر من شيخ كبير، فكأن الخلق المنبىء عن الاختراع أنسب بهذا المقام من مطلق الفعل كما سبق" (12).
قوله تعالى: {إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا} [آل عمران: 48]، " أي إِذا أراد شيئاً"(13).
قال القشيري: أي: إذا" أراد إمضاء حكم"(14).
(1) صفوة التفاسير: 184.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (3528): ص 2/ 653.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 276.
(4)
تفسير الطبري: 6/ 420.
(5)
تفسير السمرقندي: 1/ 214.
(6)
تفسير حدائق الروح والريحان: 4/ 305.
(7)
تفسير السمعاني: 1/ 320.
(8)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 272.
(9)
صفوة التفاسير: 184.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (3529): ص 2/ 653.
(11)
تفسير السمعاني: 1/ 320.
(12)
تفسير حدائق الروح والريحان: 4/ 305.
(13)
صفوة التفاسير: 184.
(14)
تفسير القشيري: 1/ 244.
قال الهرري: " أي: إذا أراد خلق شيء من الكائنات"(1).
قال الراغب: " القضاء: الفصل، وذلك إما بالتدبير، وإما بالقول، وإما بالفعل، فالأول لا يصح على الله عز وجل إلا بمعنى الحكم إذ كان التدبير: التفكر في الشيء وارتياد الصلاح فيه، وذلك لمن كان ناقص العلم، فقوله: قضى، ها هنا إما للقول، وإما للفعل، أو لهما جميعا"(2).
قوله تعالى: {يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 48]، أي:" إنما فيقول له كن فيكون من غير تأخر ولا حاجة إلى سبب"(3).
قال محمد بن إسحاق: " مما يشاء وكيف يشاء فيكون كما أراد"(4).
قال الهرري: أي يقول له: " أحدث وأخرج من العدم، فذلك الأمر يوجد بسرعة من غير تباطؤ"(5).
قال التستري: " إذا كان في علمه السابق الأزلي أمر فأراد إظهاره قال له كن فيكون"(6).
الفوائد:
1 -
من فوائد الأية: الإشارة إلى أنه تعالى كما يقدر أن يخلق الأشياء مدرجًا بأسباب ومواد .. يقدر أن يخلقها دفعة من غير ذلك، وهذا تمثيل لكمال قدرته، ونفوذ مشيئته وتصوير لسرعة حصول ما يريد بلا إبطاء بصورة آمر مطاع لمأمور قادر على العمل مطيع يفعل ما يطلب منه على الفور، وهذا الأمر يسمى أمر تكوين، وهناك أمر آخر هو أمر تكليف، يعرف بوحي الله لأنبيائه، والجاحدون لآيات الله ينكرون الحمل بعيسى من غير أب وقوفًا عند العادة، وذهولًا عن كيفية بدء العالم، ولكن ليس لهم دليل عقلي ينبيء بالاستحالة، وإنا نشاهد كل يوم حدوث شيء في الكون لم يكن معتادًا من قبل، بعضه له أسباب معروفة، فيسمونه: استكشافًا أو اختراعًا، وبعضه ليس بمعروف له سببٌ، ويسمونه: فلتات الطبيعة (7).
2 -
إن من البشر من خلق بلا أب، كعيسى-عليه السلام، ومنهم من خلق من غير أم ولا أب كآدم-عليه السلام، ومن البشر من خلق بلا أم، كحواء امرأة آدم، وسائر الناس من أب وأم.
3 -
إن الله يخلق ما يشاء كمّا وكيفا ونوعا، وبسبب معتاد وبسبب غير معتاد، لا حجر على الله عز وجل، يخلق ما يشاء ويفعل ما يشاء.
4 -
إثبات مشيئة الله تعالى لقوله: {الله يخلق ما يشاء} .
القرآن
{وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48)} [آل عمران: 48]
التفسير:
ويعلمه الكتابة، والسداد في القول والفعل، والتوراة التي أوحاها الله إلى موسى عليه السلام، والإنجيل الذي أنزل الله عليه.
قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ} [آل عمران: 49]، أي: ويعلمه "الكتابة"(8).
قال ابن عباس: "الكتاب: الخط بالقلم"(9). وروي عن يحيى بن أبي كثير، ومقاتل بن حيان، وعثمان بن عطاء مثل ذلك (10).
وقال الحسن: "الكتاب: القرآن"(11).
(1) تفسير حدائق الروح والريحان: 4/ 305.
(2)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 567.
(3)
صفوة التفاسير: 184.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (3530): ص 2/ 653.
(5)
تفسير حدائق الروح والريحان: 4/ 305.
(6)
تفسير التستري: 48.
(7)
انظر: تفسير حدائق الروح والريحان: 4/ 305 - 306.
(8)
صفوة التفاسير: 184.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (3531): ص 2/ 653.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3531): ص 2/ 653.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (3532): ص 2/ 653.
قال ابن كثير: " الظاهر أن المراد بالكتاب هاهنا الكتابة"(1).
قال الطبري: أي: " فيعلمه الكتاب، وهو الخطّ الذي يخطه بيده"(2).
قال البغوي: " أي الكتابة والخط"(3).
وقال القرطبي: " وقيل: هو كتاب غير التوراة والإنجيل علمه الله عيسى عليه السلام"(4).
قال الماتريدي: " بشارة منه لها -أيضا-: أنه يعلمه الكتاب
…
ويحتمل {الكتاب} الكتاب نفسه: التوراة والإنجيل، ويحتمل {الكتاب}: كتب النبيين" (5).
والظاهر-والله أعلم- أن {الكتاب} : " أي: الكتابة، لأن الكتابة من أعظم نعم الله على عباده ولهذا امتن تعالى على عباده بتعليمهم بالقلم في أول سورة أنزلها فقال {اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم} "(6).
وفي قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ} [آل عمران: 49]، وجهان من القراءة (7):
أحدهما: {وَيُعلِّمُهُ} بالياء، ردًّا على قوله:{كذلك الله يخلق ما يشاء} ، {ويعلمه الكتاب} . قرا بهذا الوجه نافع وعاصم.
والثاني: {وَنُعَلِّمُهُ} بالنون، عطفًا به على قوله:{نوحيه إليك} ، كأنه قال: ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، ونعلمه الكتاب. قرأ به ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي.
قال الطبري: و"قراءتان مختلفتان، غير مختلفتي المعاني، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب الصوابَ في ذلك، لاتفاق معنى القراءتين، في أنه خبر عن الله بأنّه يعلم عيسى الكتاب، وما ذكر أنه يعلمه"(8).
قوله تعالى: {وَالْحِكْمَةَ} [آل عمران: 49]، أي: ويعلمه الحكمة.
قال ابن عباس: " {والحكمة}: الفقه وقضاء النبيين"(9).
قال قتادة: " الحكمة: السنة"(10). وروي عن الحسن (11)، وأبي مالك (12)، ومقاتل بن حيان (13)، وابن جريج (14) مثله.
وقال السدي: " {والحكمة}، يعني: النبوة"(15).
وقال زيد بن أسلم: " الحكمة: العقل في الدين"(16).
قال الطبري: " وهي السنة التي يُوحيها إليه في غير كتاب"(17).
قال البغوي: أي: " العلم والفقه"(18).
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 44.
(2)
تفسير الطبري: 6/ 422.
(3)
تفسير البغوي: 2/ 39.
(4)
تفسير القرطبي: 4/ 93.
(5)
تفسير الماتريدي: 2/ 373.
(6)
تفسير السعدي: 131.
(7)
انظر: السبعة: 206، وتفسير الطبري: 6/ 421 - 422.
(8)
تفسير الطبري: 6/ 422.
(9)
زاد المسير: 1/ 284.
(10)
أخرجه الطبري (7081): ص 6/ 423.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3533): ص 2/ 654.
(12)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3533): ص 2/ 654.
(13)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3533): ص 2/ 654.
(14)
انظر: تفسير الطبري (7083): ص 6/ 423.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (3534): ص 2/ 654.
(16)
أخرجه ابن أبي حاتم (3535): ص 2/ 654.
(17)
تفسير الطبري: 6/ 422.
(18)
تفسير البغوي: 2/ 39.
قال الماتريدي: " {والحكمة}: قيل: الحكم بين الخلق، وقيل: الفقه، وقيل: الحلال والحرام، وقيل: السنة، {والحكمة}: هي الإصابة "(1).
قال ابن عثيمين: " {الحكمة}: يعني الشريعة، لأن الشريعة من الله، وكل ما كان من الله فهو متضمن للحكمة، قال تعالى لنبينا محمد-صلى الله عليه وسلم: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113] "(2).
قال السعدي: " والمراد بالحكمة معرفة أسرار الشرع، ووضع الأشياء مواضعها، فيكون ذلك امتنانا على عيسى عليه السلام بتعليمه الكتابة والعلم والحكمة، وهذا هو الكمال للإنسان في نفسه"(3).
قوله تعالى: {وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} [آل عمران: 49]، أي:"ويعلمه التوراة والإنجيل"(4).
قال الزجاج: " أي يعلمه ذلك وحيا وإلهاما"(5).
قال محمد بن إسحاق: " أي: كتاب لم يسمعوا به جاءهم به، وكتاب قد سمعوا به مضى ودرس علمه من بين أظهرهم فرده به عليهم"(6).
قال قتادة: " كان عيسى يقرأ التوراةَ والإنجيل"(7).
قال محمد بن جعفر بن الزبير: " يعني أخبر الله مريم - ما يريد به فقال: {ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة} التي كانت فيهم من عهد موسى {والإنجيل}، كتابًا آخر أحدثه إليه لم يكن عندهم علمه، إلا ذِكرُه أنه كائن من الأنبياء قبله"(8).
قال ابن كثير: " فالتوراة: هو الكتاب الذي أنزله الله على موسى بن عمران. والإنجيل: الذي أنزله الله على عيسى عليهما السلام، وقد كان عيسى عليه السلام، يحفظ هذا وهذا"(9).
الفوائد:
1 -
بيان فضيلة العلم، لقوله:{ويعلمه الكتاب} .أي علمه الكتابة.
2 -
إن عيسى –عليه السلام كغيره من البشر لايعلم إلا ما علمه اللهـ قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} [الجن: 26 - 27]
3 -
أن الانجيل هو الكتاب الذي أنزله تعالى على عيسى كمكمل للتوراة، كما قال تعالى:{وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [آل عمران: 50].
4 -
أن السنة هي شرع النبي الذي جاء به من الله، فعلمه الله عز وجل الحكمة، لقوله:{والحكمة} .
القرآن
التفسير:
ويجعله رسولا إلى بني إسرائيل، ويقول لهم: إني قد جئتكم بعلامة من ربكم تدلُّ على أني مرسل من الله، وهي أني أصنع لكم من الطين مثل شكل الطير، فأنفخ فيه فيكون طيرًا حقيقيا بإذن الله، وأَشفي مَن وُلِد أعمى، ومَن به برص، وأُحيي من كان ميتًا بإذن الله، وأخبركم بما تأكلون وتدَّخرون في بيوتكم من طعامكم. إن في هذه
(1) تفسير الماتريدي: 2/ 373.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 277.
(3)
تفسير السعدي: 131.
(4)
انظر: تفسير البغوي: 2/ 39. [بتصرف].
(5)
معاني القرآن: 1/ 413.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (3537): ص 2/ 654.
(7)
أخرجه الطبري (7082): ص 6/ 423.
(8)
أخرجه الطبري (7084): ص 6/ 423.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 44.
الأمور العظيمة التي ليست في قدرة البشر لدليلا على أني نبي الله ورسوله، إن كنتم مصدِّقين حجج الله وآياته، مقرِّين بتوحيده.
قوله تعالى: {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [آل عمران: 49]، "أي: ويجعله رسولا إلى بني إسرائيل قائلا لهم: " (1).
قال محمد بن إسحاق: " أي: رسول منه إليكم"(2).
قال الزمخشري: " وقرأ اليزيدي: {ورسول}: عطفا على كلمة "أني قد جئتكم" أصله: أرسلت بأنى قد جئتكم، فحذف الجار وانتصب بالفعل"(3).
قوله تعالى: {أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 49]، "أي بأني قد جئتكم بعلامةٍ من ربكم تدل على صدقي"(4).
قال مقاتل: " يعني بعلامة"(5).
قال محمد بن إسحاق: " أي: يُحقق بها نبوّتي، أني رسولٌ منه إليكم"(6).
قال الطبري: "يعني: بعلامة من ربكم تحقق قولي، وتصدق خبري أني رسول من ربكم إليكم"(7).
قوله تعالى: {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} [آل عمران: 49]، أي: إني"أصوّر لكم من الطين مثل صورة الطير"(8).
قال الزمخشري: " أى: أقدر لكم شيئا مثل صورة الطير"(9).
قال مقاتل: " فخلق الخفاش بإذن الله لأنه أشد الخلق إنما هو لحم وشيء يطير بغير ريش فطار بإذن الله"(10).
قال ابن جريج: "قوله: {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير}، قال: أيّ الطير أشدّ خلقًا؟ قالوا: الخفاش، إنما هو لحم. قال ففعل"(11).
قال ابن إسحاق: "إنّ عيسى صلوات الله عليه جلسَ يومًا مع غلمان من الكُتّاب، فأخذ طينًا، ثم قال: أجعل لكم من هذا الطين طائرًا؟ قالوا: وتستطيع ذلك! قال: نعم! بإذن ربي. ثم هيّأه، حتى إذا جعله في هيئة الطائر نفخ فيه، ثم قال: " كن طائرًا بإذن الله "، فخرج يطيرُ بين كفيه. فخرج الغلمان بذلك من أمره، فذكروه لمعلّمهم فأفشوه في الناس. وترعرع، فهمَّت به بنو إسرائيل، فلما خافت أمه عليه حملته على حُمَيرِّ لها، ثم خرجت به هاربة"(12).
وعن ابن إسحاق أيضا: " ثم جعل الله على يديه يعني: عيسى أمورا تدل به على قدرته في بعثه، بعث من يريد أن يبعث بعد الموت، وخلقه ما يشاء أن يخلق من شيء، يرى أو لا يرى فجعله ينفخ في الطين فيكون طيرا بإذن الله"(13).
وقرأ نافع: {أني أخلق} ، بكسر الألف، على الاستئناف (14)
قوله تعالى: {فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: 49]، " أي أنفخ في تلك الصورة فتصبح طيراً بإِذن الله"(15).
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 276، وتفسير ابن كثير: 2/ 44.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (3538): ص 2/ 654.
(3)
الكشاف: 1/ 364.
(4)
صفوة التفاسير: 184.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 276.
(6)
أخرجه الطبري (7085): ص 6/ 424.
(7)
تفسير الطبري: 6/ 424.
(8)
صفوة التفاسير: 184.
(9)
الكشاف: 1/ 364.
(10)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 276.
(11)
أخرجه الطبري (7087): ص 6/ 426.
(12)
أخرجه الطبري (7086): ص 6/ 425 - 426.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (3541): ص 2/ 655.
(14)
انظر: السبعة: 206.
(15)
صفوة التفاسير: 184.
قال الزمخشري: " وقيل: لم يخلق غير الخفاش"(1).
وقرأ عبد الله: {فأنفخها} (2).
وقرأ نافع: {فَيَكُونُ طَائِرًا بِإِذْنِ اللَّهِ} ، على التوحيد (3)، وهي قراءة مخالفة لخط المصحف استبعدها الطبري (4).
قوله تعالى: {وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ} [آل عمران: 49]، " أي وأشفي الذي ولد أعمى كما أشفي المصاب بالبرص"(5).
قال مقاتل: {الْأَكْمَهَ} : " الذي ولدته أمه أعمى الذي لم ير النور قط فيرد الله بصره (6).
قال الثعلبي: " أي أشفيهما وأصححهما
…
والأبرص الذي به وضح، وإنمّا خصّ هذين لأنهما عميان وكان الغالب على زمن عيسى الطبّ فأراهم الله المعجزة من جنس ذلك داعيا لا دواء له" (7).
وقد اختلف أهل التفسير في معنى {الأكمه} على أقوال:
أحدها: أنه الذي يُبصر بالنهار، ولايبصر بالليل. قاله مجاهد (8).
والثاني: أنه الأعمى الذي ولدته أمه كذلك ولم يبصر ضوءا قط. قاله ابن عباس (9)، وقتادة (10)، ومقاتل بن سليمان (11)، وأبو عبيدة (12)، والزجاج (13).
ورجّحه ابن كثير، وقال:" وهو أشبه؛ لأنه أبلغ في المعجزة وأقوى في التحدي"(14).
والثالث: أنه الأعمى على الإطلاق. وهذا قول الحسن (15)، والسدي (16)، وكذلك روي عن ابن عباس-في أحد قوليه- (17)، وقتادة-في أحد قوليه- (18)، وعكرمة- في أحد قوليه- (19).
والرابع: أنه الأعمش. قاله عكرمة (20).
والراجح –والله أعلم- هو القول الثاني، أي: الذي يولد أعمى، وعليه الجمهور، كما يقول ابن حجر في فتح الباري؛ لأن إبراء الذي يولد أعمى هو الذي فيه المعجزة، أما من يصيب عينيه مرض عارض، فهذا قد يعالجه الطب البشري (21).
والمشهور في كلام العرب، أن الأكمه، هو الأعمى، قال سويد بن أبي كاهل (22):
كَمَّهَتْ عَيْنَيْهِ حَتَّى ابْيَضّتَا
…
فَهْوَ يَلْحَى نَفْسَهُ لَمَّا نزعْ
ومنه قول رؤبة (23):
هَرَّجْتُ فَارْتَدَّ ارْتِدَادَ الأكْمَهِ
…
فِي غَائِلاتِ الحَائِرِ المُتَهْتِهِ
قوله تعالى: {وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: 49]، " أي وأحيي بعض الموتى بمشيئة الله وقدرته"(24).
قال مقاتل: " ففعل ذلك وهم ينظرون وكان صنيعه هذا آية من الله- عز وجل بأنه نبي ورسول إلى بني إسرائيل، فأحيا سام بن نوح بن ملك من الموت بإذن الله، فقالوا له: إن هذا سحر فأرنا آية نعلم أنك صادق"(25).
روي عن عبدالصمد بن معفل، أنه سمع وهب بن منبه، قال:"لما صار عيسى ابن اثنتي عشرة سنة، أوحى الله إلى أمه وهي بأرض مصر، وكانت هربت من قومها حين ولدته إلى أرض مصر: أنِ اطْلُعي به إلى الشام. ففعلت الذي أمرت به. فلم تزل بالشام حتى كان ابن ثلاثين سنة، وكانت نبوّته ثلاث سنين، ثم رفعه الله إليه قال: وزعم وهب أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى في الجماعة الواحدة خمسون ألفًا، من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق منهم ذلك أتاه عيسى يمشي إليه، وإنما كان يداويهم بالدعاء إلى الله"(26).
قال الزمخشري: " وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده. وكرر بإذن الله دفعا لوهم من توهم فيه اللاهوتية"(27).
قال الكلبي: "كان عيسى عليه السلام يحيي الأموات بـ: يا حى يا قيوم"(28).
قال الثعلبي: " قيل: أحيا أربعة أنفس: عازر، وكان صدّيقا فأرسل أخته إلى عيسى أنّ أخاك عازر يموت فأته وكان بينه وبين داره ثلاثة أيّام فأتاه هو وأصحابه فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيّام، فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، فانطلقت معهم إلى قبره وهو في صخرة مطبقة. فقال عيسى: اللهم ربّ السموات السّبع والأرضين السّبع، إنّك أرسلتني إلى بني إسرائيل أدعوهم إلى دينك وأخبرهم أنّي أحيي الموتى بإذنك فأحيي عازر. قال: فقام عازر وودكه تقطر، فخرج من قبره وبقي وولد له.
وابن العجوز مرّ به ميّتا على عيسى عليه السلام على سرير يحمل فدعا الله عيسى عليه السلام فجلس على سريره ونزّل عن أعناق الرجال ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله فبقي وولد له.
والبنت العاقر، قيل له: أتحييها وقد ماتت أمس؟ فدعا الله فعاشت فبقيت وولد لها.
وسام بن نوح دعا عيسى عليه السلام باسم الله الأعظم فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه. فقال: قد قامت القيامة؟ قال: لا ولكني دعوتك باسم الله الأعظم. قال: ولم يكونوا يشيبون في ذلك الزّمان. وكان سام قد عاش خمسمائة سنة وهو شاب" (29)، "فكلمه؛ ومات من ساعته، وأما الثلاثة الذين أحياهم عاشوا، وولد لهم" (30).
وهذه الأخبار بصرف النظر عن إمكان وقوع ما ورد فيها، فإنها لا تعدو أن تكون من الإسرائيليات، التي وإن لم يكن عندنا ما ينفيها، فليس عندنا ما يصدقها من خبر صحيح عن الصادق المعصوم صلى الله عليه وسلم. والاكتفاء بإجمال القرآن في مثل هذه المواطن، أولى من السير وراء تفصيلات أخبار، الله أعلم بصحتها ووقوعها.
قال ابن كثير: " قال كثير من العلماء: بعث الله كل نبي من الأنبياء بمعجزة تناسب أهل زمانه، فكان الغالب على زمان موسى، عليه السلام، السحر وتعظيم السحرة. فبعثه الله بمعجزة بَهَرَت الأبصار وحيرت كل سحار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام، وصاروا من الأبرار. وأما عيسى، عليه السلام، فبُعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه، إلا أن يكون مؤيدًا من الذي شرع الشريعة. فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه، والأبرص، وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد؟ وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم بعثه الله في زمن الفصحاء والبلغاء ونحارير
(1) الكشاف: 1/ 364.
(2)
انظر: الكشاف: 1/ 364.
(3)
انظر: السبعة: 206.
(4)
انظر: تفسيرالطبري: 6/ 425.
(5)
صفوة التفاسير: 184.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 277.
(7)
تفسير الثعلبي: 3/ 71.
(8)
انظر: تفسير مجاهد: 252، وتفسير الطبري (7088): ص 6/ 428.
(9)
انظر: تفسير الطبري (7092): ص 6/ 429.
(10)
انظر: تفسير الطبري (7090): ص 6/ 428.
(11)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 277.
(12)
تفسير ابن المنذر (493): ص 1/ 185.
(13)
معاني القرآن: 1/ 414.
(14)
تفسير ابن كثير: 2/ 44.
(15)
انظر: تفسير الطبري (7096): ص 6/ 429.
(16)
انظر: تفسير الطبري (7093): ص 6/ 429.
(17)
انظر: تفسير الطبري (70964): ص 6/ 429.
(18)
انظر: تفسير الطبري (7095): ص 6/ 429.
(19)
انظر: تفسير ابن المنذر (495): ص 1/ 210.
(20)
انظر: تفسير الطبري (7097): ص 6/ 429.
(21)
انظر: فتح الباري: 6/ 472.
(22)
انظر: المفضليات: 405، اللسان (كمه).
(23)
ديوانه: 166، واللسان (كمه)(هرج)(تهته)، ومجاز القرآن 1/ 93، وسيرة ابن هشام 2/ 230.
(24)
صفوة التفاسير: 184.
(25)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 277.
(26)
أخرجه الطبري (7098): ص 6/ 431 - 432.
(27)
الكشاف: 1/ 365.
(28)
تفسير الثعلبي: 3/ 73.
(29)
تفسير الثعلبي: 3/ 72 - 73.
(30)
تفسير السمعاني: 1/ 321.
الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله، عز وجل، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله لم يستطيعوا أبدًا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وما ذاك إلا لأن كلام الرب لا يشبهه كلام الخلق أبدًا" (1).
قوله تعالى: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} [آل عمران: 49]، أي: و"أخبركم بما أكل أحدكم الآن، وما هو مدخر له في بيته لغده"(2).
قال مجاهد: " يعني: ما أكلتم البارحة، [و] ما خبأتم منه"(3).
قال قتادة: " قال: أنبئكم بما تأكلون من المائدة ، وما تدخرون منها ، قال: وكان أخذ عليهم في المائدة حين نزلت أن يأكلوا ولا يدخروا ، فادخروا وخانوا ، فجعلوا خنازير حين ادخروا ، فذلك قوله تعالى: {فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين} [المائدة: 115] "(4).
قال سعيد بن جبير: " لما ترعرع عيسى جاءت به أمه إلى الكتاب، فدفعته إليه فقعد مع الصبيان، وكان يخبر الصبيان بما يأكلون، وما تدخر لهم أمهاتهم في بيوتهم"(5).
وفي رواية ابن ابي حاتم عن سعيد بن جبير: " أن عيسى كان يقول للغلام في الكتاب: إن أهلك قد خبأوا لك من الطعام كذا وكذا، فهل تطعمني منه، فهو قوله: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} "(6).
قال مقاتل: " وقال عيسى- صلى الله عليه وسلم: أرأيتم إن أنا أخبرتكم وأنبئكم بما تأكلون في بيوتكم من الطعام فيها تقديم وما تدخرون في بيوتكم يعني وما ترفعون في غد تعلمون أني صادق. قالوا: نعم قال عيسى- صلى الله عليه وسلم: فلان أكلت كذا وكذا، وشربت كذا وكذا، وأنت يا فلان أكلت كذا وكذا، وأنت يا فلان. فمنهم من آمن ومنهم من كفر"(7).
وقال الكلبي: " فلما أبرأ عيسى الأكمه والأبرص وأحيى الموتى قالوا: هذا سحر، ولكن أخبرنا بما نأكل وما ندخر وكان يخبر الرجل بما أكل من غدائه وبما يأكل في عشائه"(8).
قال الثعلبي: "وقرأ مجاهد وأيوب السختياني: {تذخرون}، بالذال المعجمة وسكونها وفتح الخاء من ذخر يذخر ذخرا"(9).
قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ} [آل عمران: 49]، " أي: في ذلك كله لعلامة على صدْقي فيما جئتكم به" (10).
قال مقاتل: " يعني لعلامة لكم فيما أخبرتكم به"(11).
قال محمد بن إسحاق: " أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله إليكم"(12).
قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 49]، أي:" إِن كنتم مصدّقين بآيات الله"(13).
قال سعيد بن جبير: "يعني: مصدقين"(14).
قال مقاتل: " يعني مصدقين بعيسى بأنه رسول"(15).
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 45.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 45.
(3)
تفسير مجاهد: 253.
(4)
تفسير عبدالرزاق (406): ص 1/ 395.
(5)
أخرجه ابن المنذر في تفسيره (497): ص 1/ 210.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (3550): ص 2/ 656.
(7)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 277.
(8)
تفسير الثعلبي: 3/ 73.
(9)
تفسير الثعلبي: 3/ 73.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 45. [بتصرف].
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 277.
(12)
أخرجه ابن المنذر في تفسيره (499): ص 1/ 211.
(13)
صفوة التفاسير: 185.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (3554): ص 2/ 657.
(15)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 277.
الفوائد:
1 -
أن عيسى-عليه السلام قد جاء بالبينة من الله، فكل رسول الى البشر لابد أن يأتي بآية.
2 -
تقييد فعل عيسى بإذن الله، فيدل أن الرسل-عليهم الصلام والسلام- لايملكون شيئا من الربوبية، لأن الربوبية حق الله الخالص الذي لايشركه فيه أحد، وفي ذلك ردّ على النصارى في زعمهم ان عيسى-عليه السلام له حق في الربوبية، وكذبوا في ذلك فعيسى عبدالله ورسوله.
3 -
إن الإيمان يحمل صاحبه على قبول الآيات التي جاءت بها الرسل، لقوله: : {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .
القرآن
التفسير:
وجئتكم مصدقًا بما في التوراة، ولأحلَّ لكم بوحي من الله بعض ما حرَّمه الله عليكم تخفيفًا من الله ورحمة، وجئتكم بحجة من ربكم على صدق ما أقول لكم، فاتقوا الله ولا تخالفوا أمره، وأطيعوني فيما أبلغكم به عن الله.
قوله تعالى: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ} [آل عمران: 50]، "أي وجيئتكم مصدقاً لرسالة موسى، مؤيداً لما جاء به في التوراة"(1).
قال محمد بن إسحاق: " أي لما سبقني منها"(2).
قال ابن كثير: "} أي: مقرر لهم ومُثَبّت"(3).
روي عن عبد الصمد بن معقل: "أنه سمع وهب بن منبه يقول: إن عيسى كان على شريعة موسى صلى الله عليه وسلم، وكانَ يسبِت، ويستقبل بيت المقدس، فقال لبني إسرائيل: إني لم أدعكم إلى خلاف حرف مما في التوراة، إلا لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم، وأضع عنكم من الآصار"(4).
قوله تعالى: {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 50]، "أي ولأحلّ لكم بعض ما كان محرماً عليكم في شريعة موسى"(5).
قال محمد بن جعفر بن الزبير: " أي: أخبركم أنه كان حرامًا عليكم فتركتموه، ثم أحله لكم تخفيفًا عنكم، فتصيبون يُسْرَه، وتخرجون من تِباعَته"(6).
قال مقاتل: " من اللحوم والشحوم وكل ذي ظفر والسمك فهذا البعض الذي أحل لهم غير السبت فإنهم يقومون عليه فوضع عنهم في الإنجيل ذلك"(7).
قال ابن كثير: " فيه دلالة على أن عيسى، عليه السلام، نسَخ بعض شريعة التوراة، وهو الصحيح من القولين، ومن العلماء من قال: لم ينسخ منها شيئًا، وإنما أحَلّ لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه فأخطؤوا، فكشف لهم عن المغطى في ذلك، كما قال في الآية الأخرى: {وَلأبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} [الزخرف: 63] "(8).
قال الحسن: ": كان حرّم عليهم أشياء، فجاءهم عيسى ليحلّ لهم الذي حرّم عليهم، يبتغي بذلك شُكْرهم"(9).
قال قتادة: " كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى، وكان قد حُرّم عليهم فيما جاء به موسى لحومُ الإبل والثُّروب (10)، وأشياء من الطير والحيتان"(11).
(1) صفوة التفاسير: 185.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (3555): ص 2/ 657.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 45.
(4)
أخرجه الطبري (7111): ص 6/ 438.
(5)
صفوة التفاسير: 185.
(6)
أخرجه الطبري (7115): ص 6/ 440.
(7)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 277.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 45.
(9)
أخرجه الطبري (7116): ص 6/ 440.
(10)
أي الشحم الرقيق.
(11)
أخرجه الطبري (7112): ص 6/ 438.
قال الربيع: " كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى. قال: كان حرم عليهم فيما جاء به موسى من التوراة: لحوم الإبل، والثروب، فأحلها لهم على لسان عيسى، وحرمت عليهم أشياء من الطير مالا صيصة له، في الإنجيل، فكان الذي جاء به عيسى ألين مما جاءهم به موسى"(1).
قال ابن جريج: ": لحوم الإبل والشحوم. لما بُعث عيسى أحلَّها لهم، وبُعث إلى اليهود فاختلفوا وتفرّقوا"(2).
قال الزجاج: " قال أبو عبيدة: معنى: {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}، قال معناه: كل الذي حرم عليكم، وهذا مستحيل في اللغة وفي التفسير"(3).
قوله تعالى: {وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [آل عمران: 50]، "أي وجئتكم بعلامة من عند ربكم، شاهدة على صحة رسالتي"(4).
قال ابن كثير: " أي: بحجة ودلالة على صدقي فيما أقوله لكم"(5).
قال مقاتل: أي: " بعلامة من ربكم يعني العجائب التي كان يصنعها الله"(6).
قال مجاهد: " ما بيَّن لهم عيسى من الأشياء كلها، وما أعطاه ربه"(7).
قال الطبري: أي: " وجئتكم بحجة وعبرة من ربكم، تعلمون بها حقيقةَ ما أقول لكم"(8).
قال الزجاج: " أي لم احل لكم شيئا بغير برهان، فهو حق عليكم اتباعي لأني أنبئكم ببرهان، وتحليل طيبات كانت حرمت عليكم"(9).
قال البغوي: " يعني: ما ذكر من الآيات، وإنما وحدها لأنها كلها جنس واحد في الدلالة على رسالته"(10).
قال الزمخشري: " وقرأ عبد الله. وجئتكم بآيات من ربكم"(11).
قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [آل عمران: 50]، " أي خافوا الله وأطيعوا أمري"(12).
قال ابن عطية: " تحذير ودعاء إلى الله تعالى"(13).
قال مقاتل: "يعني: فوحدوا الله وأطيعون فيما آمركم به من النصيحة فإنه لا شريك له"(14).
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، في قوله:{فاتقوا الله} ، قال:"يعني: المؤمنين، يحذرهم"(15).
قال الزمخشري: أي: " فاتقوا الله لما جئتكم به من الآيات، وأطيعونى فيما أدعوكم إليه"(16).
الفوائد:
1 -
أن عيسى ابن مريم جاء بما يصدق به التوراة، فشاهد صدق التوراة بأنه حق، كما انه مطابق لما أخبر به عيسى-عليه السلام.
2 -
جواز النسخ في الشرائع، لقوله: : {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} .
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (3557): ص 2/ 657 - 658.
(2)
أخرجه الطبري (7114): ص 6/ 439.
(3)
معاني القرآن: 1/ 415.
(4)
صفوة التفاسير: 185، وتفسير الطبري: 6/ 441.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 45.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 277.
(7)
أخرجه الطبري (7117): ص 6/ 440.
(8)
تفسير الطبري: 6/ 440.
(9)
معاني القرآن: 1/ 415.
(10)
تفسير البغوي: 1/ 443.
(11)
الكشاف: 1/ 365.
(12)
صفوة التفاسير: 185.
(13)
المحرر الوجيز: 1/ 441.
(14)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 277.
(15)
تفسير ابن أبي حاتم (3559): ص 2/ 658.
(16)
الكشاف: 1/ 365.
3 -
تكرار الأمور الهامة لقوله: {وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} .
4 -
إن الطاعة مشترك بين الرسل وبين الله عز وجل، وأما التقوى فهي خاصة بالله، لقوله: : {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} .
5 -
أن التقوى واجبة في كل شريعة ولكن المتقى به قد يختلف باختلاف الشرائع، قال:{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48]
القرآن
{إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51)} [آل عمران: 51]
التفسير:
إن الله الذي أدعوكم إليه هو وحده ربي وربكم فاعبدوه، فأنا وأنتم سواء في العبودية والخضوع له، وهذا هو الطريق الذي لا اعوجاج فيه.
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ} [آل عمران: 50]، أي: إن الله ربي وربكم "فاجعلوا عبادتكم له وحده"(1).
قال النسفي: " إقرار بالعبودية ونفي للربوبية عن نفسه بخلاف ما يزعم النصارى"(2).
قال المراغي: " وهذا أمر لهم بالاعتقاد الحق وهو التوحيد، ثم بملازمة الطاعة بالقيام بأداء ما أمرهم به وترك ما نهاهم عنه"(3).
قال ابن كثير: " أي: أنا وأنتم سواء في العبودية له والخضوع والاستكانة إليه"(4).
قال أبو زهرة: " أي أن الله تعالى خلقني وهو الذي يربني ويكلؤني ويحييني، وهو أيضا الذي خلقكم وينميكم ويكلؤكم ويحييكم، وإذا كان كذلك فحق علينا أن نعبده وحده ولا نشرك به أحدا سواه، فإن العبادة تكون شكرا لهذه النعمة، وقياما بحقها، وصلاحا لأمر الناس في هذه الدنيا"(5).
قال الراغب: " لما وصف عيسى نفسه بأفعال إلهية، وأتى على ما ذكر، وكان قد قال: {وأطيعون} خطر له ما فعلته جماعة من النصارى، وهو اتخاذهم إياه معبودهم، فقال: {إن الله ربي وربكم}، ولم يقل: ربنا، ليكون أبعد من التأويل فيما ادعوه، وأمر بأن يعبد الله وحده"(6).
وقرئ {أَنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ} ، بفتح الالف، قال الطبري:«إن» بدل من «آية» ، في قوله {جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ} (7)، وضعفه ابن عطية (8).
قوله تعالى: {هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [آل عمران: 50]، " أي: هذا طريق الدين مستويا" (9).
قال السمعاني: " أي: طريق واضح"(10).
قال المراغي: " أي هذا الذي أمرتكم به هو الطريق السوىّ الذي أجمع عليه الرسل قاطبة، وهو الموصل إلى خيرى الدنيا والآخرة"(11).
قال الصابوني: " أي فإِن تقوى الله وعبادته، والإِقرار بوحدانيته هو الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه"(12).
(1) التفسير الوسيط: 1/ 573.
(2)
تفسير النسفي: 1/ 257.
(3)
تفسير المراغي: 3/ 165.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 45.
(5)
زهرة التفاسير: 3/ 1234.
(6)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 581.
(7)
انظر: تفسير الطبري: 6/ 441 - 442.
(8)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 441.
(9)
معاني القرآن للزجاج: 1/ 416.
(10)
تفسير السمعاني: 1/ 322.
(11)
تفسير المراغي: 3/ 165.
(12)
صفوة التفاسير: 185.
قال الراغب: "وقال: {هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ}، تنبيها أن العدول عن ذلك ليس بالمستقيم"(1).
الفوائد:
1 -
عموم ربوبية الله للبشر، لقوله:{ربي وربكم} ، وربوبية الله ثابتة لكل السماوات والأرض ومن فيهن، قال:{قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ} [الرعد: 16].
2 -
أن عيسى مربوب وليس ربّا، لقوله:{ربي وربكم} .
3 -
الرد على النصارى في دعواهم أن الله ثالث ثلاثة، قال تعالى:{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 73].
4 -
وجوب العبادة لله تعالى وحده، وأن الإقرار بالربوبية مستلزم للإقرار بالعبودية، لقوله:{فاعبدوه} .
5 -
أن الصراط المستقيم عبادة الله، لقوله:{هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} ، وعبادة الله هي اتباع شرعه المرسل سبحانه وتعالى.
القرآن
التفسير:
فلما استشعر عيسى منهم التصميم على الكفر نادى في أصحابه الخُلَّص: مَن يكون معي في نصرة دين الله؟ قال أصفياء عيسى: نحن أنصار دين الله والداعون إليه، صدَّقنا بالله واتبعناك، واشهد أنت يا عيسى بأنا مستسلمون لله بالتوحيد والطاعة.
قوله تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ} [آل عمران: 52]، "أي استشعر عيسى من اليهود التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال"(2).
قال الطبري: أي: ": فلما وَجد عيسى - من بني إسرائيل الذين أرسله الله إليهم - جحودًا لنبوّته، وتكذيبًا لقوله، وصدًّا عما دعاهم إليه من أمر الله "(3).
قال ابن كثير: " أي: استشعر منهم التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال"(4).
قال ابن جريج: " كفروا وأرادوا قتله فذلك حين استنصر قومه فذلك حين يقول: {فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ} [الصف: 14]} (5) "(6).
قال الزجاج: " معنى أحس فى اللغة علم ووجد، ويقال هل أحست في معنى هل
أحسست ويقال حسيت بالشيء إذا علمته وعرفته" (7).
و"الإحساس"، هو الوجود، ومنه قول الله عز وجل:{هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ} [سورة مريم: 98].
فأما "الحَسُّ"، بغير"ألف"، فهو الإفناء والقتل، ومنه قوله:{إذ تحسونهم بإذنه} [سورة آل عمران: 152].
و"الحَسُّ" أيضًا العطف والرقة، ومنه قول الكميت (8):
هَلْ مَنْ بَكَى الدَّارَ رَاجٍ أَنْ تَحِسَّ لَهُ،
…
أَوْ يُبْكِيَ الدَّارَ مَاءُ العَبْرَةِ الخَضِلُ؟
يعني بقوله: أن تحس له، أن ترقّ له (9).
قوله تعالى: {قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} [آل عمران: 52]، "أي: قال: من أنصاري في الدعوة إِلى الله" (10).
(1) تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 581.
(2)
صفوة التفاسير: 187.
(3)
تفسير الطبري: 6/ 443.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 46.
(5)
سورة الصف: 14.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (3564): ص 2/ 659.
(7)
معاني القرآن: 1/ 416.
(8)
معاني القرآن للفراء 1: 217، ومجالس ثعلب: 486، وإصلاح المنطق: 240، واللسان (حسس). والخضل: المتتابع الدائم الكثير الهمول.
(9)
انظر: تفسير الطبري: 6/ 442 - 443.
(10)
صفوة التفاسير: 187.
وفي قوله تعالى: {قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} [آل عمران: 52]، أربعة أقوال:
أحدها: أنه: يعني من أنصاري مع الله. قاله السدي (1)، وابن جريج (2)، وسفيان الثوري (3).
قال الزجاج: " و (إلى) ههنا إنما قاربت (مع) معنى بأن صار اللفظ لو عبر عنه بـ " مع " أفاد مثل هذا المعنى، لا أن (إلى) في معنى " مع ""(4).
والثاني: أن المعنى: من أنصاري في السبيل إلى الله. وهذا قول الحسن (5).
والثالث: أن معناه: من يتبعني إلى الله. قاله مجاهد (6).
والرابع: أن معناه: من ينصرني إلى نصر الله. قاله الماوردي (7).
قال ابن كثير: " وقول مجاهد أقربُ، والظاهر أنه أراد من أنصاري في الدعوة إلى الله؟ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مواسم الحج، قبل أن يهاجر: "مَنْ رَجُل يُؤْوِيني عَلى أن أبلغ كلامَ رَبِّي، فإنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أنْ أُبَلِّغَ كَلامَ رَبِّي" (8)، حتى وجد الأنصار فآووه ونصروه، وهاجر إليهم فآسوه ومنعوه من الأسود والأحمر. وهكذا عيسى ابن مريم، انْتدَبَ له طائفة من بني إسرائيل فآمنوا به وآزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه"(9).
قوله تعالى: {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} [آل عمران: 52]، "أي قال المؤمنون الأصفياء من أَتباعه نحن أنصار دين الله"(10).
قال محمد بن إسحاق: " هذا قولهم الذي أصابوا الفضل من ربهم"(11).
قال الماوردي: "وأصل الحواري: الحَوَر وهو شدة البياض، ومنه الحواري من الطعام لشدة بياضه، والحَوَر نقاء بياض العين "(12).
واخْتُلِف في تسميتهم بالحواريين على أقاويل:
أحدها: انهم سُمُّوا بذلك لبياض ثيابهم، وهذا قول ابن عباس (13)، وسعيد بن جبير (14)، ومسلم البطين (15).
والثاني: أنهم كانوا قَصَّارين يبيضون الثياب، وهذا قول ابن أبي نجيح (16)، والضحاك (17) في -أحد قوليه-.
والثالث: أنهم خاصة الأنبياء وصفوتهم، سموا بذلك لنقاء قلوبهم، وهذا قول قتادة (18) -في أحد قوليه-، والضحاك (19)، ورجّحه الزجاج (20).
والرابع: ان الحواري: الناصر. قاله سفيان بن عيينة (21).
(1) انظر: تفسير الطبري (7120): ص 6/ 444.
(2)
انظر: تفسير الطبري (7121): ص 6/ 444.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3566): ص 2/ 659.
(4)
كعاني القرآن: 1/ 416.
(5)
انظر: النكت والعيون: 1/ 396.
(6)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3565): ص 2/ 659.
(7)
انظر: النكت والعيون: 1/ 396.
(8)
رواه أحمد في المسند (3/ 322) من حديث جابر رضي الله عنه.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 46.
(10)
صفوة التفاسير: 187.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (3574): ص 2/ 660.
(12)
النكت والعيون: 1/ 396.
(13)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3568): ص 2/ 659.
(14)
انظر: تفسير الطبري (7124): ص 6/ 445.
(15)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3568): ص 2/ 659.
(16)
انظر: تفسير الطبري (7125): ص 6/ 446.
(17)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3569): ص 2/ 659.
(18)
انظر: تفسير الطبري (7126): ص 6/ 446.
(19)
انظر: تفسير الطبري (7127): ص 6/ 446.
(20)
انظر: معاني القرآن: 1/ 416.
(21)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3571): ص 2/ 660.
والخامس: أن الحواري: الوزير. قاله قتادة (1).
قال الطبري: " وأشبه الأقوال في معنى "الحواريين"، قولُ من قال: " سموا بذلك لبياض ثيابهم، ولأنهم كانوا غسّالين" (2).
قال ابن كثير: "والصحيح أن الحواري الناصر، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نَدبَ الناس يوم الأحزاب، فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدَبَ الزبير ثم ندبهم فانتدب الزبير، فقال: "إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَاريًا وَحَوَارِيي الزُّبَيْرُ""(3) " (4).
واختلفوا في سبب استنصار المسيح بالحواريين على ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه استنصر بهم طلباً للحماية من الكفار الذين أرادوا قتله حين أظهر دعوته. وهذا قول مجاهد (5).
والثاني: أنه استنصر بهم ليتمكن من إقامة الحجة وإظهار الحق. وهذا معنى قول السدي (6)، والحسن (7).
والثالث: لتمييز المؤمن الموافق من الكافر المخالف. أفاده الماوردي (8).
قوله تعالى: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 52]، أي:" صدقنا بالله، واشهد أنتَ يا عيسى بأننا مسلمون"(9).
قال محمد بن إسحاق: " {واشهد بأنا مسلمون}، لا ما يقول هؤلاء الذين يحاجونك فيه"(10).
الفوائد:
1 -
عتو بني إسرائيل، واهم مع هذه الآيات العظيمة التي جاء بها عيسى-عليه السلام لم يؤمنوا منهم احد.
2 -
فضيلة الإخلاص، والصفوة المخلصين في الدعوة الى الدين.
3 -
ينبغي للانسان أن يعلن اتباعه للرسول بين أئمة الكفر حتى لا يداهن في دين الله، لأن المداهنة في دين الله والتقية نفاق في الواقع.
4 -
من فوائد الآية: أن النصارى مسلمون لقوله: {واشهد بأنا مسلمون} ، إلا أنهم مسلمون بالمعنى العام، وذلك ان كل انسان متبع لرسول شرعه قائم فهو مسلم، وأما إذا وجد ما ينسخه فلايسمى مسلما إلا إذا اتبع الشرع الجديد.
القرآن
{رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53)} [آل عمران: 53]
التفسير:
ربنا صدَّقنا بما أنزلت من الإنجيل، واتبعنا رسولك عيسى عليه السلام، فاجعلنا ممن شهدوا لك بالوحدانية ولأنبيائك بالرسالة، وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يشهدون للرسل بأنهم بلَّغوا أممهم.
قوله تعالى: {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ} [آل عمران: 53]، أي: ربنا صدّقنا بما أنزلت على نبيّك عيسى من كتابك" (11).
قال الماتريدي: " يعني - والله أعلم -: بما أنزلت من الكتب السماوية التي أنزلها على الرسل جميعا، فإن أرادوا بما أنزلت على عيسى عليه السلام فالإيمان بواحد من الكتب أو بواحد من الرسل: إيمان بالكتب كلها وبالرسل جميعا"(12).
(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3573): ص 2/ 660.
(2)
تفسير الطبري: 6/ 446.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 46.
(4)
صحيح البخاري برقم (3719) وصحيح مسلم برقم (2415) من حديث جابر رضي الله عنه.
(5)
انظر: تفسير الطبري (7123): ص 6/ 445.
(6)
انظر: تفسير الطبري (7122): ص 6/ 444 - 445.
(7)
انظر: تفسير الطبري (7122): ص 6/ 445.
(8)
انظر: النكت والعيون: 1/ 396.
(9)
تفسير الطبري: 6/ 451.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (3575): ص 2/ 660.
(11)
تفسير الطبري: 6/ 453.
(12)
تفسير الماتريدي: 2/ 381.
قوله تعالى: {وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ} [آل عمران: 53]، : أي: "صرنا أتباع عيسى على دينك الذي ابتعثته به"(1).
قال مجمد بن إسحاق: " أي هكذا كان قولهم وإيمانهم"(2).
قوله تعالى: {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 53]، " أي: فاكتبنا مع الذين شهدوا للأنبياء بالتصديق" (3).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس: " {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}: أمة محمد صلى الله عليه وسلم"(4).
وفي رواية ابن المنذر عن ابن عباس: " مع محمد وأمته إنهم شهدوا له أنه بلغ، وشهدوا للرسل أنهم بلغوا "(5).
ونقل الكلبي عن ابي صالح عن ابن عباس: " {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}: مع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم"(6).
قال الطبري: أي: " فأثبت أسماءنا مع أسماء الذين شهدوا بالحق، وأقرُّوا لك بالتوحيد، وصدّقوا رسلك، واتبعوا أمرك ونهيك، فاجعلنا في عدادهم ومعهم فيما تكرمهم به من كرامتك، وأحِلَّنا محلهم، ولا تجعلنا ممن كفر بك، وصدَّ عن سبيلك، وخالف أمرك ونهيك"(7).
قال الزجاج: " وحقيقة الشاهد أنه الذي يبين تصحيح دعوى المدعي، فالمعنى صدقنا بالله واعترفنا بصحة ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وثبتنا، فاكتبنا مع من فعل فعلنا"(8).
الفوائد:
1 -
فضيلة الحواريين في لجوئهم إلى الله تعالى، إذ قالوا:{ربنا آمنا بما انزلت} .
2 -
التوسل الى الله تعالى بربوبيته، لأن الربوبية تدور على ثلاثة اشياء، وهي: الخلق، والملك، والتدبير، وإجابة الدعاء داخل في هذه الثلاثة.
3 -
شمولية الإيمان لكل ما انزل الله، لقوله:{ربنا آمنا بما انزلت} .
4 -
الإشارة الى تحريف التوراة، يتبيّن ذلك من احتراز الحواريين في قولهم:{بما أنزلت} ، إذ لم يطلقوا الإيمان مثلا بالتوراة، وذلك لتحريفها بيد اليهود.
5 -
ان الإيمان لابدّ له من اتباع، لقوله:{واتبعنا الرسول} ، ولذلك يقرن الله تعالى بين الإيمان والعمل الصالح في آيات كثيرة في القران الكريم.
6 -
فضيلة صحبة الأخيار لقوله، {فاكتبنا مع الشاهدين} ، لذلك يجب على الانسان أن يختار من الجلساء أصلهم، لأن الجليس الصالح كله خير، والجليس السوء كله شر.
القرآن
{وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)} [آل عمران: 54]
التفسير:
ومكر الذين كفروا من بني إسرائيل بعيسى عليه السلام، بأن وكَّلوا به من يقتله غِيْلة، فألقى الله شَبَه عيسى على رجل دلَّهم عليه فأمسكوا به، وقتلوه وصلبوه ظناً منهم أنه عيسى عليه السلام، والله خير الماكرين. وفي هذا إثبات صفة المكر لله -تعالى- على ما يليق بجلاله وكماله; لأنه مكر بحق، وفي مقابلة مكر الماكرين.
قوله تعالى: {وَمَكَرُوا} [آل عمران: 54]، أي:" ومكر الذين كفروا من بني إسرائيل"(9).
قال ابن أبي زمنين: أي: " مكروا بقتل عيسى"(10).
(1) تفسير الطبري: 6/ 453.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (3576): ص 2/ 660.
(3)
معاني القرآن للزجاج: 1/ 418.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (3577): ص 2/ 660. قال ابن كثير وهذا إسناد جيد: 2/ 46.
(5)
تفسير ابن المنذر (521): ص 1/ 218.
(6)
أخرجه ابن المنذر (522): ص 1/ 218.
(7)
تفسير الطبري: 6/ 453.
(8)
معاني القرآن: 1/ 418.
(9)
تفسير الطبري: 6/ 453.
(10)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 290.
قال الطبري: " وكان مكرهم الذي وصفهم الله به، مُواطأة بعضهم بعضًا على الفتك بعيسى وقَتْله"(1).
قال ابن عباس: " يريد: أن عامة بني إسرائيل كفروا به، وهموا بقتله، وتواطئوا على الفتك به، فذلك مكرهم به"(2).
قال الماتريدي: أي: " مكروا بنبي الله عيسى عليه السلام حيث كذبوه وهموا بقتله"(3).
قال الواحدي: " أصل "المكر" في اللغة: السعي في الفساد في خفية، ومداجاة"(4).
قال الزجاج: يقال: "مكر الليل، وأمكر": إذا أظلم" (5).
قوله تعالى: {وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران: 54]، أي:" ومكر الله بهم فأهلكهم، ورفع عيسى إليه"(6).
قال أبو عبيدة: يعني"أهلكهم الله"(7).
قال السمرقندي: " أي جازاهم جزاء المكر"(8).
قال الزمخشري: وذلك" أن رفع عيسى إلى السماء وألفى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل"(9).
قال عبدالقاهر الجرجاني: أي: " صونه عيسى عن بأسهم وصرفه الشرّ إليهم في الدنيا والآخرة من حيث لا يشعرون، وإنما قيل: {خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} لأن إيصال الشر ما يمدح وذلك إذا كان مع العدو من غير غدر وخيانة، فالله متصف به خير الماكرين"(10).
قال مقاتل: " وذلك أن كفار بني إسرائيل عمدوا إلى رجل فجعلوه رقيبا على عيسى ليقتلوه فجعل الله شبه عيسى على الرقيب فأخذوا الرقيب فقتلوه وصلبوه، وظنوا أنه عيسى، ورفع الله- عز وجل عيسى إلى سماء الدنيا من بيت المقدس، ليلة القدر في رمضان، فذلك قوله- سبحانه-: {ومكروا} بعيسى ليقتلوه يعني اليهود {ومكر الله} بهم حين قتل رقيبهم وصاحبهم"(11).
قال السدي: " ثم إن بني إسرائيل حَصروا عيسى وتسعةَ عشر رجلا من الحواريِّين في بيت، فقال عيسى لأصحابه: من يأخذ صورتي فيقتل وله الجنة؟ فأخذها رجل منهم، وصُعِد بعيسى إلى السماء، فذلك قوله: {ومكرُوا ومكر الله والله خير الماكرين}، فلما خرج الحواريون أبصرُوهم تسعةَ عشر، فأخبروهم أن عيسى قد صُعد به إلى السماء، فجعلوا يعدّون القوم فيجدُونهم ينقصون رجلا من العِدّة، ويرون صورةَ عيسى فيهم، فشكُّوا فيه. وعلى ذلك قتلوا الرجل وهم يُرَوْن أنه عيسى وصَلبوه، فذلك قول الله عز وجل: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [سورة النساء: 157] "(12).
ونقل الثعلبي عن ابن عباس: "إنّ ملك بني إسرائيل أراد قتل عيسى، وقصده أعوانه. فدخل خوخة فيها كوّة، فرفعه جبرئيل من الكوّة إلى السماء. فقال الملك: لرجل منهم خبيث أدخل عليه فاقتله فدخل الخوخة فألقى الله عليه شبه عيسى فخرج إلى النّاس فخبرّهم أنّه ليس في البيت فقتلوه وصلبوه وظنّوا أنّه عيسى"(13).
(1) تفسير الطبري: 6/ 453.
(2)
نقله عنه الواحدي في التفسير البسيط: 5/ 298، وأورد معناه ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 395، ولم اقف على مصدر القول.
(3)
تفسير الماتريدي: 3/ 381.
(4)
التفسير البسيط: 5/ 298، وانظر: مادة: "مكر" في: كتاب العين: 5/ 370، وتهذيب اللغة: 4/ 3434، واللسان: 7/ 4247، والتاج: 7/ 493 - 494، و"المداجاة": من: داجى الرجل: ساتره بالعداوة، وأخفاها عنه، فكأنه أتاه في الظلمة. والمداجاة: المداراة، و"داجيتة: داريته، وكأنك ساترته العداوة، انظر: اللسان، مادة:"دجا": ص 3/ 1332.
(5)
نقله عنه الواحدي والسمين الحلبي، انظر: التفسير البسيط: 5/ 298، والدر المصون: 3/ 212، ولم أقف على مصدره.
(6)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 290.
(7)
أخرجه ابن المنذر (525): ص 1/ 220.
(8)
تفسير السمرقندي: 1/ 217.
(9)
الكشاف: 1/ 366.
(10)
درج الدرر في تفسير الآي والسور: 2/ 492.
(11)
تفسير مقاتل بن سليان: 1/ 278.
(12)
أخرجه الطبري (7132): ص 6/ 454.
(13)
تفسير الثعلبي: 3/ 79.
وفي المعنى نفسه نقل الواحدي عن ابن عباس: " وذلك أن أحد الإنجيلية ممن آمن به، نافق، فدل عليه، فجعله الله تعالى في سورة عيسى، فأخذ فصلب"(1).
قال أهل التواريخ: "حملت مريم بعيسى ولها ثلاثة عشر سنة ودارت بعيسى بيت اللحم من أرض أورشليم لمضي خمسة وستين سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل، ولإحدى وخمسين سنة مضت من ملك الكلدانيين وأوحى الله عز وجل لأمّه على رأس ثلاثين سنة، ورفعه إليه من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان وهو ابن ثلاثين سنة وكانت نبوّته ثلاث سنين، وعاشت أمّه مريم بعد رفعه ستّ سنين"(2).
قال ابن الجوزي: " قال سعيد بن المسيب: رفع عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وقال مقاتل: رفع من بيت المقدس ليلة القدر في رمضان. وقيل: عاشت أمه مريم بعد رفعه ست سنين. ويقال: ماتت قبل رفعه"(3).
وفي قوله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران: 54]، ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنهم مكروا بالمسيح عليه السلام بالحيلة عليه في قتله، ومكر الله في ردهم بالخيبة لإلقاء شبه المسيح على غيره، وهو معنى قول السدي (4)، ومحمد بن إسحاق (5).
والثاني: مكروا بإضمار الكفر، ومكر الله بمجازاتهم بالعقوبة. وهذا معنى قول الفراء (6).
والثالث: أن مكره بهم أن سلط عليهم فارس، فقتلوهم، وسبوا ذراريهم، لقوله:{بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا} [الإسراء: 5]. قاله الأصم (7).
قال الزجاج: " المكر من الخلائق خب وخداع، والمكر من الله المجازاة على ذلك فسمي باسم ذلك لأنه مجازاة عليه كما قال عز وجل:{الله يستهزئ بهم} ، فجعل مجازاتهم على الاستهزاء بالعذاب، لفظه لفظ الاستهزاء، وكما قال جل وعز:{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] فالأولى سيئة والمجازاة عليها سميت باسمها، وليست في الحقيقة سيئة.
وجائز أن يكون مكر الله استدراجهم من حيث لا يعلمون لأن الله سلط عليهم فارس فغلبتهم وقتلتهم، والدليل على ذلك قوله عز وجل:{الم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض (3)} [الروم: 1 - 3].
وقيل في التفسير أيضا إن مكر الله بهم كان في أمر عيسى أنه صلى الله عليه وسلم كان في بيت فيه كوة فدخل رجل ليقتله، ورفع عيسى من البيت وخرج الرجل في شبهه يخبرهم أنه ليس في البيت فقتلوه.
وجملة المكر من الله مجازاتهم على ما فعلوا" (8).
قال الواحدي: " قال أهل المعاني: المكر من المخلوقين: خب وخداع، وهو من الله: استدراجه العباد، قال الله تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 182] و [القلم: 44]، قال ابن عباس في تفسيره: كلما أحدثوا خطيئة، جددنا لهم نعمة، وليس المراد بـ {مكر الله} في هذه الآية، هذا الوجه. ووجه {مكر الله} بهم في هذه القصة، ما قال الزجاج"(9).
قال الماوردي: وإنما جاز قوله: {وَمَكَرَ اللَّهُ} على مزواجة الكلام وإن خرج عن حكمه، نحو قوله:{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، وليس الثاني اعتداءً، وأصل المكر: الالتفاف، ولذلك سمي الشجر الملتف مكراً، والمكر هو الاحتيال على الإنسان لالتفاف المكروه به، والفرق بين
(1) التفسير البسيط: 5/ 300.
(2)
تفسير الثعلبي: 3/ 80.
(3)
زاد المسير: 1/ 287.
(4)
انظر: تفسير الطبري (7132): ص 6/ 454.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3574): ص 2/ 661.
(6)
انظر: تفسير ابن المنذر (526): ص 1/ 221، فقال:" والله أعلم: إن المكر من الله، إنما هو استدراجه العباد، وليس على مكر المخلوقين، يعني الخديعة والخبء ".
(7)
انظر: تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 590.
(8)
معاني القرآن: 1/ 419.
(9)
التفسير البسيط: 5/ 299.
المكر والحيلة أن الحيلة قد تكون لإظهار ما يعسر من غير قصد إلى الإضرار، والمكر: التوصل إلى إيقاع المكروه به" (1).
قال الراغب: " المكر في الأصل: حيلة يجلب بها الإنسان إلى مفسدة. وحيلة قد تقال فيما يجلب به إلى مصلحة، وقد يقال في ذلك المكر والخديعة اعتبارا بظاهر الفعل دون المقصد، والحكيم قد يفعل ما صورته صورة المكر، ولكن قصده المصلحة لا المفسدة هذا سئل بعض المحققين عن مكر الله فأنشد (2):
وَيُقَبِّحُ مِنْ سِوَاك الْفِعْل عِنْدِي
…
وَتَفْعَلُهُ فَيُحْسِنُ مِنْك ذاكا
فإذن مكر الله قد يكون تارة فعلا يقصد به مصلحة، ويكون تارة جزاء المكر، ويكون تارة بأن لا يقبح مكرهم في عينهم، وذاك بانقطاع التوفيق عنهم وتزيين ذلك في أعينهم، حتى كأنه زينه في أعينهم ومكر بهم، ويكون تارة بإعطائهم ما يريدون من دنياهم. فإذا أعطاهم واستعملوه على غير ما يحب، فكأنه مكر بهم، واستدرجهم من حيث لا يعلمون" (3).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران: 54]، أي: والله: " أقواهم مكرا وأنفذهم كيدا وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب"(4).
قال مقاتل: " يعني: أفضل مكرا منهم"(5).
قال الثعلبي: " أي أفضل المعاقبين"(6).
قال الواحدي: " أي: أفضل المجازين بالسيئة العقوبة"(7).
قال ابن عثيمين: أي: " ما من أحد يمكر إلا ومكر الله فوقه وخير منه"(8).
قال الماتريدي: " أي: خير الجازين أهل الجور بالعدل، وأهل الخير بالفضل .. والمكر: هو الأخذ بالغفلة، والله يأخذهم بالحق من حيث لا يعلمون؛ فسمي مكرا لذلك؛ كما يقال: امتحنه الله وهو الاستظهار، ولكن لا يراد به هذا في حق الله"(9).
الفوائد:
1 -
كيد ومكر أعداء الرسل للرسل وأتباعهم، لقوله:{ومكروا} .
2 -
لايوصف الله بالمكر على سبيل الاطلاق، بل يقال: إن الله يمكر بمن يمكر به، ليعود المكر صفة كمال، لأن المكر إذا ذكر مطلقا صار محتملا للنقص، فإذا ذكر مقيدا بأن قيل: إن الله يمكر بمن يمكر به وبأوليائه، صار صفة كمال تدل على قوة الله عز وجل وإحاطة علمه، وأن علمه ادق من علم هؤلاء الماكرين على عباد الله بالأسباب الخفية والطرق الملتوية.
القرآن
التفسير:
ومكر الله بهم حين قال الله لعيسى: إني قابضك من الأرض من غير أن ينالك سوء، ورافعك إليَّ ببدنك وروحك، ومخلصك من الذين كفروا بك، وجاعل الذين اتبعوك -أي على دينك وما جئت به عن الله من الدين
(1) النكت والعيون: 1/ 396.
(2)
لم اتعرف على قائله، وانظر البيت في إفحام المخاصم لشيث بن إبراهيم: 39، وتفسير الثعلبي: 3/ 79، ومحاضرات الادباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، للراغب الأصفهاني: 1/ 531، وتفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 588، ومصادر أخرى، والبيت منسوب لسمنون في شرح المشكاة للطيبي: 6/ 1789.
(3)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 587 - 589.
(4)
الكشاف: 1/ 366.
(5)
تفسير مقاتل بن سليان: 1/ 278.
(6)
تفسير الثعلبي: 3/ 80.
(7)
التفسير البسيط: 5/ 301.
(8)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 321.
(9)
تفسير الماتريدي: 3/ 382.
والبشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وآمَنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، بعد بعثته، والتزموا شريعته- ظاهرين على الذين جحدوا نبوتك إلى يوم القيامة، ثم إليّ مصيركم جميعًا يوم الحساب، فأفصِل بينكم فيما كنتم فيه تختلفون من أمر عيسى عليه السلام.
قوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55]، أي:" إني قابضك من الأرض ورافعك إليّ"(1).
قال الحسن: " رفعه إليه وهو عنده في السماء"(2).
وقد اختلف المفسرون في معنى "التوفي" في قوله: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} [آل عمران: 55]، على أقوال:
أحدها: أن معناه: إني قابضك برفعك إلى السماء من غير وفاة بموت، وهذا قول الحسن (3)، وابن جريج (4)، وابن زيد (5)، والكلبي (6)، ومطر الورّاق (7)، ومحمد بن جعفر بن الزبير (8).
قال الثعلبي: " يدل عليه قوله فلما {تَوَفَّيْتَنِي} [المائدة: 117]، أي: قبضتني إلى السماء وأنا حي، لأن قومه إنما تنصروا بعد رفعه لا بعد موته. وعلى هذا القول للتوفي تأويلان:
أحدهما: إني رافعك إلي وافيا لن ينالوا منك. من قولهم: توفيت كذا واستوفيته أي أخذته تاما (9).
والآخر: إني مسلمك، من قولهم: توفيت منه كذا أي سلمته" (10).
والثاني: متوفيك وفاة نوم للرفع إلى السماء، وهذا قول الربيع (11).
والمعنى: " ورافعك وأنت نائم، حتى لا يلحقك خوف، وتستيقظ وأنت في السماء آمن مقرب"(12).
ورجّحه ابن كثير، فقال:" وقال الأكثرون: المراد بالوفاة هاهنا: النوم، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} [الأنعام: 60] وقال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الزمر: 42] وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول - إذا قام من النوم -: "الْحَمْدُ لله الَّذِي أحْيَانَا بَعْدَمَا أمَاتَنَا وإلَيْهِ النُّشُورُ" (13)، وقال الله تعالى: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا. وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ} إلى قوله تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا. وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} [النساء: 156 - 159] والضمير في قوله: {قَبْلَ مَوْتِهِ} عائد على عيسى، عليه السلام، أي: وإن من أهل الكتاب إلا يؤمن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، على ما سيأتي بيانه، فحينئذ يؤمن به أهل الكتاب كلّهم؛ لأنه يضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام"(14).
قال الثعلبي: " يدل عليه قوله: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ} [الأنعام: 60]، أي: ينيمكم، لأن النوم أخو الموت، وقوله الله: {يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر: 42] "(15).
والثالث: متوفيك وفاة بموت، وهذا قول ابن عباس (16)، ووهب بن منبه (17)، وضعّفه الطبري (18)، والواحدي (19).
ومعنى الآية على هذا الوجه: " قال الله لعيسى: إني متوفيك حين يأتي أجلك. ولن أسلطهم عليك ليقتلوك. وقد حقق الله وعده إذ ألقى شبهه على يهوذا فقتلوه، وأنجى عيسى ورفعه إليه. وسيبقى إلى آخر الزمان ليبلغ شريعة محمد صلى الله عليه وسلم للناس. ثم يتوفاه بعد ذلك
…
فالآية على هذا كناية عن عصمته من الأعداء، مشفوعة بالبشارة برفعته" (20).
قال الثعلبي: " يدل عليه: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ} [السجدة: 11]، وقوله:{وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} [يونس: 46]، وله على هذا القول تأويلان:
أحدهما: ما قال وهب: «توفى الله عيسى ثلاث ساعات من النهار ثم أحياه ورفعه» (21)(22).
والآخر: ما قاله الضحاك وجماعة من أهل المعاني: إن في الكلام تقديما وتأخيرا، معناه إني رافعك إلي
…
ومطهرك من الذين كفروا: ومتوفيك بعد إنزالك من السماء كقوله عز وجل: {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى} [طه: 129].
وقال الشاعر (23):
ألا يا نخلة من ذات عرق
…
عليك ورحمة الله السلام
أي عليك السلام ورحمة الله.
وقال آخر (24):
جمعت وعيبا نخوة ونميمة
…
ثلاث خصال لسن من ترعوي
أي جمعت نخوة ونميمة وعيبا.
وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأنبياء إخوة لعلات شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى بن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه عامل على أمتي وخليفتي عليهم، إذا رأيتموه فاعرفوه
(1) تفسير الطبري: 6/ 458، وانظر: تفسير الطبري (7144) -7145): ص 6/ 458 - 459.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (3584): ص 2/ 661.
(3)
انظر: تفسير الطبري (7135): ص 6/ 456، و (7140): ص 6/ 457.
(4)
انظر: تفسير الطبري (7136): ص 6/ 457.
(5)
انظر: تفسير الطبري (7139): ص 6/ 457.
(6)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 81.
(7)
انظر: تفسير الطبري (7134): ص 6/ 456، وتفسير الثعلبي: 3/ 81.
(8)
انظر: تفسير الطبري (7139): ص 6/ 457، وتفسير الثعلبي: 3/ 81.
(9)
نقل ابن الجوزي عن ابن قتيبة: " التوفي، من استيفاء العدد يقال:
توفيت، واستوفيت، كما يقال: تيقنت الخبر، واستيقنته، ثم قيل للموت: وفاة، وتوف. وأنشد أبو عبيدة:
إن بني الأدرد ليسوا من أحد
…
ليسوا إلى قيس وليسوا من أسد
ولا توفاهم قريش في العدد أي: لا تجعلهم وفاء لعددها، والوفاء: التمام" [زاد المسير: 1/ 287، الرجز لمنظور الوبري. انظر «اللسان» مادة (وفي)].
(10)
تفسير الثعلبي: 3/ 81.
(11)
انظر: تفسير الطبري (7133): ص 6/ 455.
(12)
البحر المحيط: 3/ 176.
(13)
أخرجه الإِمام البخاري في الدعوات، باب ما يقول إذا نام، رقم 6312، وفي باب ما يقول إذا أصبح، رقم 6324، وابن أبي شيبة في المصنف [9/ 71، 10/ 247]، والإِمام أحمد في المسند [5/ 385، 397، 399، 407]، والبخاري في الأدب المفرد برقم 1205، وأبو داود في الأدب، باب ما يقال عند النوم، رقم 5049، والنسائي في اليوم والليلة برقم 747، 856، 857، وابن ماجه في الدعاء، باب ما يدعو إذا انتبه من الليل، رقم 3880.
وأخرجه الإِمام البخاري في الدعوات، باب وضع اليد اليمنى تحت الخد، رقم 6314، وفي التوحيد، باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها، رقم 7394، والترمذي في الدعوات باب ما يدعو به عند النوم، رقم 3417، وفي الشمائل برقم 253، من طرق عن عبد الملك بن عمير به.
وأخرجه النسائي في اليوم والليلة برقم 749، 750، 860.
(14)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 47.
(15)
تفسير الثعلبي: 3/ 81.
(16)
انظر: تفسير الطبري (7141): ص 6/ 457، وتفسير ابن أبي حاتم (3580): ص 2/ 661، اسنادهما حسن.
(17)
انظر: تفسير الطبري (7142): ص 6/ 457.
(18)
انظر: تفسير الطبري: 6/ 460، إذ يقول:" ومعلوم أنه لو كان قد أماته الله عز وجل، لم يكن بالذي يميته مِيتةً أخرى، فيجمع عليه ميتتين، لأن الله عز وجل إنما أخبر عباده أنه يخلقهم ثم يُميتهم ثم يُحييهم، كما قال جلّ ثناؤه: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ} [سورة الروم: 40] ".
(19)
انظر: التفسير البسيط: 1/ 578، إذ قال: " ولكن هذا النقل معارض بما سنذكره من الأحاديث الدالة على بقائه إلى آخر الزمان، وبقوله تعالى:{وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: 159]، وهذا الوعد لم يتحقق إلى الآن، فإن اليهود - وأكثر الناس - لم يؤمنوا به. وذلك يدل على أنه لا يزال حيًا. وسيظل كذلك. حتى يؤمن به جميع الناس قبل موته، تحقيقًا لوعد الله تعالى. وسيكون ذلك آخر الزمان.
كما أنه معارض بما صح نقله عن ابن عباس من أنه رفع من غير وفاة، وعلى هذا يكون قوله تعالى:{وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} مرادا منه: رافعك حيًّا بدون وفاة يشهد له نزوله آخر الزمان".
(20)
التفسير البسيط: 1/ 578.
(21)
أخرجه الطبري (7142): ص 6/ 457. بتفاوت: " توفى الله عيسى ابن مريم ثلاثَ ساعات من النهار حتى رفعه إليه".
(22)
أو سبع ساعات، كما رواه الطبري عن ابن إسحاق:" والنصارى يزعمون أنه توفاه سبع ساعات من النهار، ثم أحياهُ الله". أخرجه الطبري (7143): 6/ 458. قال البيضاوي: " وقيل أماته الله سبع ساعات ثم رفعه إلى السماء وإليه ذهبت النصارى". [تفسير البيضاوي: 2/ 19].
(23)
لم أتعرف على قائله، وانظر البيت في تفسير الثعلبي: 3/ 81، ومعاني القرآن للنحاس: 1/ 400، تفسير القرطبي: 4/ 100.
(24)
لم أتعرف على قائله، وانظر البيت في تفسير الثعلبي: 3/ 82.
فإنه رجل مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الشعر كأن شعره ممطر وإن لم يصبه بلل، بين ممصرتين يدق الصليب ويقتل الخنزير ويفيض المال، وليسلكن الروحاء حاجا أو معتمرا أو كلتيهما جميعا، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله في زمانه الملك كلها ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الكذاب الدجال، ويقع في الأرض الأمنة حتى يرتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الأغنام، ويلعب الصبيان بالحيات لا يضر بعضهم بعضا، ويلبث في الأرض أربعين سنة» (1).
وفي رواية كعب: «أربعا وعشرين سنة، ثم يتزوج ويولد، ثم يتوفى ويصلي المسلمون عليه ويدفنونه في حجرة النبي صلى الله عليه وسلم» (2).
وقيل للحسن بن الفضل: «هل تجد نزول عيسى عليه السلام في القرآن. فقال: نعم. قوله: {وَكَهْلًا} [آل عمران: 46]، وهو لم يكتهل في الدنيا، وإنما معناه: وكهلا بعد نزوله من السماء» (3).
وعن محمد بن إبراهيم أن أمير المؤمنين أبا جعفر حدثه عن الآية عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها والمهدي من أهل بيتي في أوسطها» (4) " (5).
والرابع: أنه من المقدم والمؤخر، بمعنى: رافعك ومتوفيك بعده، وهذا قول الفراء (6).
والخامس: وقيل: أن معناه: إني متوفيك عن شهواتك وحظوظ نفسك، قاله أبو بكر محمد بن موسى الواسطي (7).
قال البيضاوي: " أو مميتك عن الشهوات العائقة عن العروج إلى عالم الملكوت"(8).
وحسّنه الثعلبي قائلا: "ولقد أحسن فيما قال، لأن عيسى لما رفع إلى السماء صار حاله كحال الملائكة"(9).
والسادس. وقيل: أجعلك كالمتوفى، لأنه بالرفع يشبهه (10).
والسابع: وقيل: آخذك وافيا بروحك وبدنك (11).
والثامن: وقيل: متوفيك: متقبل عملك (12). قال أبو حيان: "ويضعف هذا من جهة اللفظ"(13).
والتاسع: وقيل: {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} : " معناه: رافعك إلى كرامتي"(14).
قال الثعلبي: " وقيل: معناه رافعك بالدرجة في الجنة ومقربك إلى الإكرام"(15).
(1) انظر: تفسير الطبري (7145): ص 6/ 458 - 459. بتفاوت، ونص رواية الطبري: " عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأنبياء إخوَةٌ لعَلاتٍ، أمَّهاتهم شتى، ودينهم واحد. وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وأنه خليفتي على أمتي. وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه: فإنه رجل مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سَبط الشعر، كأن شَعرَه يقطُر، وإن لم يصبه بَللٌ، بين مُمصَّرَتين، يدق الصّليبَ، ويقتل الخنزير، ويُفيضُ المال، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله في زمانه المِللَ كلها، ويهلك الله في زمانه مسيحَ الضّلالة الكذّاب الدجال وتقعُ في الأرض الأمَنَةُ حتى ترتع الأسُود مع الإبل، والنمر مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الغلمانُ بالحيات، لا يَضرُّ بعضُهم بعضًا، فيثبت في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى، ويصلي المسلمون عليه ويدفنونه".
(2)
انظر: تفسير الطبري (7137): ص: 6/ 456، بتفاوت، ونص رواية الطبري:": ما كان الله عز وجل ليميت عيسى ابن مريم، إنما بعثه الله داعيًا ومبشرًا يدعو إليه وحده، فلما رأى عيسى قِلة من اتبعه وكثرة من كذّبه، شكا ذلك إلى الله عز وجل، فأوحى الله إليه: " إني متوفيك ورافعك إليّ "، وليس مَنْ رفعته عندي ميتًا، وإني سأبعثك على الأعوَر الدجّال فتقتله، ثم تعيش بعد ذلك أربعًا وعشرين سنة، ثم أميتك ميتة الحيّ.
قال كعب الأحبار: وذلك يصدّق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: كيف تهلك أمة أنا في أوّلها، وعيسى في آخرها".
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 81.
(4)
كنز العمال: 14/ 269 ح 38682.
(5)
تفسير الثعلبي: 3/ 81.
(6)
انظر: معاني القرآن للفراء: 1/ 219.
(7)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 82.
(8)
تفسير البيضاوي: 2/ 19.
(9)
تفسير الثعلبي: 3/ 82.
(10)
انظر: البحر المحيط: 3/ 177.
(11)
انظر: البحر المحيط: 3/ 177.
(12)
انظر: البحر المحيط: 3/ 177.
(13)
البحر المحيط: 3/ 177.
(14)
النكت والعيون: 1/ 397.
(15)
تفسير الثعلبي: 3/ 83.
والراجح-والله أعلم- ان المعنى: "إني قابضك من الأرض ورافعك إليّ، لتواتر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجال، ثم يمكث في الأرض مدة ذكَرها، اختلفت الرواية في مبلغها، ثم يموت فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه"(1).
قال ابن عطية: وأجمعت الأمة على ما تضمنه الحديث المتواتر من: "أن عيسى في السماء حي، وأنه ينزل في آخر الزمان، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويقتل الدجال، ويفيض العدل، وتظهر به الملة، ملة محمد صلى الله عليه وسلم، ويحج البيت، ويعتمر، ويبقى في الأرض أربعا وعشرين سنة، وقيل: أربعين سنة ثم يميته الله تعالى"(2).
قال البشالي والشيباني: كان عيسى على [ .... ](3) فهبت ريح فهرول عيسى عليه السلام فرفعه الله عز وجل في هرولته، وعليه مدرعة من الشعر" (4).
قال ابن عباس: "ما لبس موسى إلا الصوف وما لبس عيسى إلا الشعر حتى رفع"(5).
قوله تعالى: {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران: 55]، أي:"ومخلّصك من الذين جحدوا بما جئتهم به من الحق"(6).
قال الحسن: ": طهَّره من اليهود والنصارى والمجوس ومن كفار قومه"(7).
قال الثعلبي: " أي مخرجك من بينهم ومنجيك منهم"(8).
قال ابن كثير: " أي: برفعي إياك إلى السماء"(9).
قال البيضاوي: أي: " من سوء جوارهم أو قصدهم"(10).
قال سعيد حوى: " أي: من سوء جوارهم، وخبث صحبتهم؛ برفعي إياك إلى السماء"(11).
وقيل: " أن تطهيره منهم هو منعهم من قتله"(12).
قوله تعالى: {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 55]، أي:" وجاعل الذين اتبعوك على منهاجِك وملَّتك من الإسلام وفطرته، فوق الذين جحدوا نبوّتك وخالفوا سبيلهم"(13) إلى يوم القيامة.
قال النسفي: " أي المسلمين، لأنهم متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى"(14).
قال قتادة: " هم أهلُ الإسلام الذين اتبعوه على فطرته وملته وسُنته، فلا يزالون ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة"(15).
قال ابن جريج: ": ناصرُ من اتبعك على الإسلام، على الذين كفروا إلى يوم القيامة"(16).
قال السدي: " أما {الذين اتبعوك}، فيقال: هم المؤمنون، ويقال: بل هم الرّوم"(17).
(1) تفسير الطبري: 6/ 458، وانظر: تفسير الطبري (7144) -7145): ص 6/ 458 - 459.
(2)
المحرر الوجيز: 1/ 444.
(3)
هكذا في الأصل. قال المحقق: كلمة غير مقروءة في المخطوط.
(4)
تفسير الثعلبي: 3/ 82.
(5)
تفسير الثعلبي: 3/ 82.
(6)
تفسير الطبري: 6/ 461. [بتصرف].
(7)
أخرجه الطبري (7148): ص 6/ 461 - 462.
(8)
تفسير الثعلبي: 3/ 83.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 47.
(10)
تفسير البيضاوي: 2/ 19.
(11)
الأساس في التفسير: 2/ 770.
(12)
النكت والعيون: 1/ 397.
(13)
تفسير الطبري: 6/ 462.
(14)
تفسير النسفي: 1/ 259.
(15)
أخرجه الطبري (7149): ص 6/ 462.
(16)
أخرجه الطبري (7152): ص 6/ 463.
(17)
أخرجه الطبري (7153): ص 6/ 463.
قال الحسن: " جعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة. قال: المسلمون من فوقهم، وجعلهم أعلى ممن ترك الإسلام إلى يوم القيامة"(1).
وفي رواية أخرى عن الحسن: " هم أهل الإسلام الذين اتبعوه على فطرته وملته وسنته، لا يزالون ظاهرين على أهل الشرك إلى يوم القيامة"(2).
قال الربيع: هم أهل الإسلام الذين اتبعوه على فطرته، وملته، وسنته لا يزالون ظاهرين على أهل الشرك إلى يوم القيامة" (3).
وقال ابن زيد في قول الله: {ومطهرك من الذين كفروا} : قال: الذين كفروا من بني إسرائيل، {وجاعل الذين اتبعوك}: قال: الذين آمنوا به من بني إسرائيل وغيرهم، {فوق الذين كفروا}: النصارى فوقَ اليهود إلى يوم القيامة. قال: فليس بلدٌ فيه أحدٌ من النصارى، إلا وهم فوق يهودَ، في شرقٍ ولا غرب، هم في البلدان كلِّها مستذلون" (4).
قال ابن كثير: " وهكذا وقع؛ فإن المسيح، عليه السلام، لما رفعه الله إلى السماء تَفَرَّقت أصحابه شيَعًا بعده؛ فمنهم من آمن بما بعثه الله به على أنه عبد الله ورسوله وابن أمته، ومنهم من غلا فيه فجعله ابن الله، وآخرون قالوا: هو الله. وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة. وقد حكى الله مقالاتهم في القرآن، ورَد على كل فريق، فاستمروا كذلك قريبا من ثلاثمائة سنة، ثم نَبَع لهم ملك من ملوك اليونان، يقال له: قسطنطين، فدخل في دين النصرانية، قيل: حيلة ليفسده، فإنه كان فيلسوفا، وقيل: جهلا منه، إلا أنه بَدل لهم دين المسيح وحرفه، وزاد فيه ونقص منه، ووضعت له القوانين والأمانة الكبيرة - التي هي الخيانة الحقيرة - وأحل في زمانه لحم الخنزير، وصَلّوا له إلى المشرق وصوروا له الكنائس، وزادوا في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه، فيما يزعمون. وصار دين المسيح دين قسطنطين إلا أنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارت ما يزيد على اثنى عشر ألف معبد، وبنى المدينة المنسوبة إليه، واتبعه الطائفة المَلْكِيَّة منهم. وهم في هذا كله قاهرون لليهود، أيَّدهم الله عليهم لأنهم أقرب إلى الحق منهم، وإن كان الجميع كفار، عليهم لعائن الله فلما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم، فكان من آمن به يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق - كانوا هم أتباع كُل نبي على وجه الأرض - إذ قد صدقوا الرسول النبي الأمي، خاتم الرسل، وسيد ولد آدم، الذي دعاهم إلى التصديق بجميع الحق، فكانوا أولى بكل نبي من أمته، الذين يزعمون أنهم على ملّته وطريقته، مع ما قد حَرّفوا وبدلوا "(5).
وذكر أهل العلم في معنى "الفوقية" في قوله تعالى: {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 55]، ثلاثة أوجه من التفسير (6):
أحدها: أنهم فوقهم بالبرهان والحجة. رجّحه الراغب (7).
والثاني: أنهم فوقهم في اليد والبسطة والعز والغلبة. قاله ابن زيد (8).
والثالث: أنهم فوقهم يوم القيامة في الجنة، إذ هم في الغرفات آمنون، والذين كفروا في أسفل السافلين! (9)
قال النسفي: " يعلونهم بالحجة وفي أكثر الأحوال بها وبالسيف"(10).
وفي تفسير قوله تعالى: {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 55] وجوه:
(1) أخرجه الطبري (7154): ص 6/ 463.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (3593): ص 2/ 663.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (3589): ص 2/ 662.
(4)
أخرجه الطبري (7155): ص 6/ 463.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 47 - 48.
(6)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 420، وتفسير الثعلبي: 3/ 83، والنكت والعيون: 1/ 397.
(7)
انظر: تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 593.
(8)
انظر: الطبري (7155): ص 6/ 463.
(9)
انظر: تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 595.
(10)
تفسير النسفي: 1/ 259.
أحدها: أنهم المسلمون من أمة محمد عليه السلام، لأنهم صدقوا بنبوته، وأنه روح الله وكلمته، فو الله ما اتبعه من دعاه ربا (1)، ومعنى الآية: أن الذين آمنوا به فوق الذين كذّبوه وكذَبوا عليه، وهذا قول السدي (2)، الحسن (3)، وقتادة (4)، والربيع (5)، وابن جريج (6)، والشعبي (7)، ومقاتل (8)، والكلبي (9)، ورجّحه الزجاج (10).
والثاني: أنهم النصارى فوق اليهود، لأن النصارى أعز واليهود أذل. وهذا معنى قول ابن زيد (11).
قال الماوردي: " وفي هذا دليل على أنه لا يكون مملكة إلى يوم القيامة بخلاف الروم "(12).
والثالث: أنهم الحواريون فوق الذين كفروا. قاله الضحاك (13) ومحمد بن ابان (14).
والرابع: وقيل: هم الروم. حكاه السدي (15).
وعلى القول بأنهم: النصارى أو الحواريون، "يكون معنى الاتباع الادعاء والمحبة لا اتباع الدين والملة"(16).
والراجح أن متبعوه " هم المسلمون، لأنهم متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع، دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى"(17). والله أعلم.
قوله تعالى: {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} [آل عمران: 55]، : أي "ثم مصيركم إليّ يوم البعث"(18).
قال أبو العالية: " يرجعون إليه بعد الحياة"(19).
قال السمرقندي: " يعني الذين اتبعوك، والذين كفروا كلهم مرجعهم إليّ "(20).
قوله تعالى: {فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [آل عمران: 55]، أي:" فأقضي حينئذ بين جميعكم بالحق فيما كنتم تختلفون فيه من أمر عيسى"(21).
قال الثعلبي: يعني: "من الدين وأمر عيسى عليه السلام"(22).
قال السمرقندي: أي: " بين المؤمنين والكفار من الدين"(23).
قال أبو حيان: " هذا إخبار بالحشر والبعث، والمعنى ثم إلى حكمي، وهذا عندي من الالتفات"(24).
قال المراغي: " وهذا شامل للمسيح والمختلفين معه، وشامل للاختلاف بين أتباعه والكافرين به"(25).
(1) انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 83، وزاد المسير: 1/ 287.
(2)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3590): ص 2/ 662.
(3)
انظر: الطبري (7154): ص 6/ 463، وتفسير ابن أبي حاتم (3593): ص 2/ 663.
(4)
انظر: الطبري (7149): ص 6/ 462.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3589): ص 2/ 662.
(6)
انظر: الطبري (7152): ص 6/ 463.
(7)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 83.
(8)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 83.
(9)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 83.
(10)
انظر: معاني القرآن: 1/ 420.
(11)
انظر: الطبري (7155): ص 6/ 463.
(12)
النكت والعيون: 1/ 397.
(13)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 83.
(14)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 83.
(15)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3590): ص 2/ 662.
(16)
تفسير الثعلبي: 3/ 83.
(17)
الكشاف: 1/ 367.
(18)
تفسير المراغي: 3/ 170.
(19)
أخرجه ابن أبي حاتم: 2/ 663.
(20)
تفسير السمرقندي: 1/ 218.
(21)
تفسير الطبري: 6/ 464. [بتصرف].
(22)
تفسير الثعلبي: 3/ 83.
(23)
تفسير السمرقندي: 1/ 218.
(24)
البحر المحيط: 3/ 180.
(25)
تفسير المراغي: 3/ 170.
قال ابن عطية: " الخطاب لعيسى، والمراد الإخبار بالقيامة والحشر فلذلك جاء اللفظ عاما من حيث الأمر في نفسه لا يخص عيسى وحده فكأنه قال له: ثُمَّ إِلَيَّ، أي إلى حكمي وعدلي، يرجع الناس، فخاطبه كما تخاطب الجماعة إذ هو أحدها، وإذ هي مرادة في المعنى، وفي قوله تعالى: فَأَحْكُمُ إلى آخر الآية وعد لعيسى والمؤمنين ووعيد للكافرين"(1).
الفوائد:
1 -
في هذه الآية دليل على علو الله تعالى واستوائه على عرشه حقيقة، كما دلت على ذلك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تلقاها أهل السنة بالقبول والإيمان والتسليم (2).
2 -
تذكرة احوال الأنبياء السابقين لما فيها من محبتهم والثناء عليهم ومعرفة أحوالهم وإبقاء ذكراهم.
3 -
الرد على من قال: إن كلام الله هو المعنى النفسي القائم بنفسه، لأن ذلك لايسمى قولا، وإن اطلق عليه القول فلابد ان يقيد كما في قوله:{وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ} [المجادلة: 8]، وأما إذا جاء القول غير مقيد فالمراد به ما يسمع.
4 -
فضيلة عيسى ومنقبته بخطاب الله إياه.
5 -
أن الله تعالى رفع عيسى بجسمه، لقوله:{ورافعك} ، والخطاب لعيسى المون من بدن وروح فيكون رفعه ببدنه.
6 -
ومنها: إثبات منقبة لرسولنا الكريم-صلى الله عليه وسلم إذ رفعه الله في الاسراء والمعراج وهو يقظان، وعيسى لم يرفع إلا وهو نائم، وذلك على قول من قال أن معنى:{متوفيك} أي منيمك.
7 -
أن أتباع عيسى منصورون إلى يوم القيامة، لقوله:{وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} ، وأتباعه هم امة محمد-صلى الله عليه وسلم، واما من كفر بمحمد-عليه السلام فهو لم يتبع عيسى.
8 -
ومنها: إثبات يوم القيامة، لقوله:{إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} ، وأنه يوم الجزاء، فقال:{فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} .
9 -
إن مرجع الخلائق إلى ربهم عز وجل غذ تكون النهاية إليه وحده، لقوله:{ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} .
10 -
إثبات حكم الله تعالى في الدنيا والآخرة، قال:{فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} ، هذا في الآخرة، وقال:{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: 10]، فهو تعالى الحكم في الدنيا والآخرة.
11 -
بشارة المؤمنين بأن خلافهم مع الكفار سوف يجري فيه الحكم على يد الواحد القهار الحكم العدل الذي يظلم مثال ذكرة، وقد أخبرنا تعالى ان الخاصم الغالب هم المؤمنون، فقال:{فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141].
12 -
إثبات علم الله تعالى، لأنه لا حكم إلا بعد علم.
القرآن
{فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56)} [آل عمران: 56]
التفسير:
فأمَّا الذين كفروا بالمسيح من اليهود أو غَلَوا فيه من النصارى، فأعذبهم عذابًا شديدًا في الدنيا: بالقتل وسلْبِ الأموال وإزالة الملك، وفي الآخرة بالنار، وما لهم مِن ناصر ينصرهم ويدفع عنهم عذاب الله.
قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران: 56]، أي:" فأما الذين جَحدوا نبوّتك يا عيسى وخالفوا ملتك"(3).
قوله تعالى: {فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} [آل عمران: 56]، أي:" فإني أعذبهم عذابًا شديدًا، أما في الدنيا فبالقتل والسباء والذلة والمسكنة، وأما في الآخرة فبنار جهنم"(4).
قال أبو مالك: " فهم أصحاب النار يعذبون فيها"(5).
(1) المحرر الوجيز: 1/ 445.
(2)
انظر: تفسير السعدي: 1/ 132.
(3)
تفسير الطبري: 6/ 465.
(4)
تفسير الطبري: 6/ 465.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (3595): ص 2/ 663.
قوله تعالى: {وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [آل عمران: 56]، " أي ليس لهم ناصر يمنع عنهم عذاب الله"(1).
قال الطبري: " وما لهم من عذاب الله مانعٌ، ولا عن أليم عقابه لهم دافع بقوة ولا شفاعة، لأنه العزيز ذُو الانتقام"(2).
الفوائد:
1 -
إثبات العذاب للكافرين، لقوله:{فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} .
2 -
ومن الفوائد: أن العذاب في الدنيا قد لايغني عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار، بل لهم الهزيمة والخزي في الدنيا، وهم لاينجون من عذاب النار يوم القيامة.
3 -
إثبات الجزاء، وأن الجزاء من جنس العمل، لقوله:{فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} .
4 -
أن الكفار لا ناصر لهم من عذاب الله، فلا تنفعهم الشفاعة في الآخرة. القرآن
القرآن
{وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57)} [آل عمران: 57]
التفسير:
وأما الذين آمنوا بالله ورسله وعملوا الأعمال الصالحة، فيعطيهم الله ثواب أعمالهم كاملا غير منقوص. والله لا يحب الظالمين بالشرك والكفر.
قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [آل عمران: 57]، أي: وأما "الذين آمنوا بقلوبهم بما يجب الإيمان به، وعملوا الأعمال الصالحات"(3).
قال ابن عباس: "يقول: أدوا فرائضي"(4).
وعنه أيضا: "الأعمال الصالحة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر"(5).
قال زيد بن أسلم: " رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم"(6).
قال الطبري: أي: " وأما الذين صدّقوك يا عيسى وأقرّوا بنبوتك وبما جئتهم من الحق وعملوا بما فرضت من فرائضي على لسانك"(7).
قوله تعالى: {فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ} [آل عمران: 57]، أي:": فيعطيهم جزاءَ أعمالهم الصالحة كاملا لا يُبخسون منه شيئًا ولا يُنقصونه"(8).
قال مقاتل: " يعني فيوفوا أجورهم في الآخرة"(9).
قال ابن كثير: " أي: في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة بالجنات العاليات"(10).
وقرأ الحسن وحفص ويونس: {فَيُوَفِّيهِمْ} بالياء، والباقون بالنون (11).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 57]، "أي: والله لا يحبُّ من ظلم غيرَه حقًا له، فكيف يظلم عباده" (12).
قال سفيان بن عيينة: " لا يقرب الظالمين"(13).
(1) صفوة التفاسير: 187.
(2)
تفسير الطبري: 6/ 465.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 3/ 380.
(4)
أخرجه الطبري (7156): ص 6/ 465.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (3597): ص 2/ 664.
(6)
أخرجه ابن ابي حاتم (3596): ص 2/ 663 - 664.
(7)
تفسير الطبري: 6/ 465.
(8)
تفسير الطبري: 6/ 465.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 279.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 48.
(11)
انظر: السبعة: 206.
(12)
تفسير الطبري: 6/ 366.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (3599): ص 2/ 664.
قال ابن عباس: "قوله: {الظالمين}، يقول: الكافرين"(1).
قال أبو عبيدة: " أي: الكافرين"(2).
قال محمد ابن إسحاق: " {الظالمين}: أي المنافقين الذين يظهرون بألسنتهم الطاعة وقلوبهم مصرة على المعصية"(3).
قال السمعاني: " أي: لا يرحم الكافرين، ولا يثني عليهم بالجميل"(4).
قال ابن أبي زمنين: يعني: المشركين" (5).
قال الزجاج: " أي لا يرحمهم، ويعذبهم ولا يثني عليهم خيرا، هذا معنى البغض من الله، ومعنى المحبة منه الرحمة والمغفرة والثناء والجميل"(6).
قال الماتريدي: " لأنه لا يحب الظلم"(7).
قال السمرقندي: " أي لا يرضى دين الكافرين"(8).
قال الراغب: " تنبيه أنه لا يظلم خلقه، فمن لا يحب شيئا لا يتعاطاه مع استغنائه عنه"(9).
الفوائد:
1 -
أن وفاء الأجر مرتبط بوصفين، هما: الإيمان والعمل الصالح، عليه فإن الإيمان وحده لا يكفي، بل لابد من عمل صالح ينمي هذا الإيمان ويشهد صحته.
2 -
أن العمل لاينفع إلا إذا كان صالحا، وأن العمل الصالح ما جمع بين وصفين: الإخلاص واتباع الرسول-صلى الله عليه وسلم.
3 -
منة الله سبحانه وتعالى على عباده إذ جعل هذا الجزا كالاجور اللازم وفاؤها، لقوله:{فيوفيهم أجورهم} .
4 -
إثبات المحبة لله تعالى، لقوله:{والله لايحب الظالمين} ، إذ أن نفي المحبة عن الظالمين دليل على ثبوتها لغيرهم. والله أعلم.
5 -
شؤم الظلم على الانسان وأنه من الذنوب التي تكون سببا لانتفاء محبة الله له، وبالتالي هلاك العبد.
القرآن
{ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58)} [آل عمران: 58]
التفسير:
ذلك الذي نقصُّه عليك في شأن عيسى، من الدلائل الواضحة على صحة رسالتك، وصحة القرآن الحكيم الذي يفصل بين الحق والباطل، فلا شك فيه ولا امتراء.
في سبب نزول الآية: قال الحسن: " أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم راهبا من نجران فقال أحدهما: من أبو عيسى؟ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعجل حتى يأمره ربه، فنزل عليه: {ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم} إلى قوله: {من الممترين} "(10).
قوله تعالى: {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ} [آل عمران: 58]، "أي هذه الأنباء التي نقصها عليك يا محمد"(11).
قال محمد ابن إسحاق: " {ذلك نتلوه عليك} يا محمد من الآيات"(12).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (3600): ص 2/ 664.
(2)
أخرجه ابن المنذر (536): ص 1/ 224.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (3601): ص 2/ 664.
(4)
تفسير السمعاني: 1/ 326.
(5)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 291.
(6)
معاني القرآن: 1/ 421.
(7)
تفسير الماتريدي: 2/ 388.
(8)
تفسير السمرقندي: 1/ 219.
(9)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 597.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (3602): ص 2/ 664.
(11)
صفوة التفاسير: 187.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (3603): ص 2/ 665.
قال ابن كثير: " أي: هذا الذي قَصَصْنَاه عليك يا محمد في أمر عيسى ومبدأ ميلاده وكيفية أمره"(1).
قوله تعالى: {مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 58]، " أي من آيات القرآن الكريم المحكم"(2).
قال ابن كثير: أي: " هو مما قاله الله تعالى، وأوحاه إليك ونزله عليك من اللوح المحفوظ، فلا مرية فيه ولا شك"(3).
قال محمد بن إسحاق: {والذكر الحكيم} : القاطع الفاصل الحق الذي لم يخلطه الباطل من الخبر عن عيسى وعن ما اختلفوا فيه من أمره، فلا تقبلن خبرا غيره" (4).
عن علي-رضي الله عنه قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ستكون فتن- قلت: فما المخرج منها؟ قال: كتاب الله هو الذكر الحكيم والصراط المستقيم"(5).
الفوائد:
1 -
أن الله تعالى تكلّم في القرآن فقال: {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ} ، إذ كانت التلاوة لله حقيقة، ونقلها جبريل إلى الرسول-صلى الله عليه وسلم.
2 -
أن القرآن الكريم آيات عظيمة لايحصيها البشر، يجدها ويتدبرها من فتح الله قلبه بالإيمان والعمل الصالح.
3 -
أن القرآن ذكر، ذكر يتقرب إلى الله به وذكر يتذكر به الإنسان، فهو شامل لهذا وهذا.
4 -
ومنها: وصف القرآن العظيم بهذا الوصف العظيم وهو الحكمة والذكر الحكيم، والحكيم هنا بمعنى الحاكم والمحكم، لأن القرآن حكم بين الناس، فقال:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59]، أي إلى كتابه، فهو حكم، وهو أيضا محكم متقن ليس فيه اختلاف ولا اضطراب ولا تناقض.
5 -
فضيلة الرسول-صلى الله عليه وسلم 0 لقوله: {نتلوه عليك} ، فخصه –صلى الله عليه وسلم بالتلاوة لأنه-صلى الله عليه وسلم أشرف من يتلقى القرآن، وأقوم الناس عملا به، فكأنه هو المخصوص بالتلاوة عليه.
القرآن
{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)} [آل عمران: 59]
التفسير:
إنَّ خَلْقَ الله لعيسى من غير أب مثَلُه كمثل خلق الله لآدم من غير أب ولا أم، إذ خلقه من تراب الأرض، ثم قال له:«كن بشرًا» فكان. فدعوى إلهية عيسى لكونه خلق من غير أب دعوى باطلة; فآدم عليه السلام خلق من غير أب ولا أم، واتفق الجميع على أنه عَبْد من عباد الله.
سبب النزول:
قال ابن عباس: " وذلك أن رهطًا من أهل نجران قدموا على محمد صلى الله عليه وسلم وكان فيهم السيّد والعاقب فقالوا لمحمد: ما شأنك تذكر صاحبنا؟ فقال: من هو؟ قالوا: عيسَى، تزعم أنه عبدُ الله! فقال محمد: أجل، إنه عبد الله. قالوا له: فهل رأيت مثلَ عيسى، أو أنبئت به؟ ثم خرجوا من عنده، فجاءه جبريل صلى الله عليه وسلم بأمر ربِّنا السميع العليم فقال: قل لهم إذا أتوك: {إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم}، إلى آخر الآية"(6).
وروي عن قتادة (7)، والسدي (8)، وابن جريج (9)، وابن زيد (10)، والحسن (11)، والأزرق بن قيس (12)، مثل ذلك.
قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ} [آل عمران: 59]، " أي: إِن شأن عيسى إِذ خلقه بلا أب - وهو في بابه غريب - كشأن آدم" (13).
قوله تعالى: {خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59]، أي: خلقه من تراب من غير أب ولا أم، ثم قال له كن فكان" (14).
قال محمد بن جعفر بن الزبير: " فإن قالوا: خُلق عيسى من غير ذكر، فقد خلقت آدمَ من تراب بتلك القدرة من غير أنثى ولا ذكر، فكان كما كانَ عيسى لحمًا ودمًا وشعرًا وبَشرًا، فليس خلقُ عيسى من غير ذكر بأعجبَ من هذا"(15).
قال ابن كثير: " والذي خلق آدم قادر على خلق عيسى بطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى بكونه مخلوقا من غير أب، فجواز ذلك في آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل، فدعواها في عيسى أشد بطلانا وأظهر فسادًا. ولكن الرب، عز وجل، أراد أن يظهر قدرته لخلقه، حين خَلَق آدم لا من ذكر ولا من أنثى؛ وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى، ولهذا قال تعالى في سورة مريم: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ} [مريم: 21] "(16).
الفوائد:
1 -
من الفوائد: بيان إقامة الحجة بمثل ما يحتج به الخصم، لأنه أقام الحجة على النصارى بمثل ما احتجوا به، فقال: إذا قلتم: إن عيسى ابن الله، لأنه خلقة بلا أب، فقولوا: إن آدم ابن الله، وإلا فأنتم متناقضون.
2 -
ومنها: بيان قدرة الله تعالى إذ خلق ىدم من غير أم ولا أب، وخلق عيسى من أم بلا أب.
3 -
إثبات القياس، وذلك في قوله:{كمثل آدم} ، وكل مثل مضروب في القرآن فإنه دليل على ثبوت القياس، لأنه إلحاق المورد بالمضروب، يعني: أنك ألحقت الممثل بالممثل به.
4 -
إثبات القول للرب عز وجل، لقوله:{ثم قال له} .
5 -
إثبات صفة الخلق لله، وهي صفة فعلية، وجنس الصفات الفعلية ذاتية، لأن الله لم يزل ولايزل فعّالا.
القرآن
{الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60)} [آل عمران: 60]
التفسير:
الحق الذي لا شك فيه في أمر عيسى هو الذي جاءك -أيها الرسول- من ربك، فدم على يقينك، وعلى ما أنت عليه من ترك الافتراء، ولا تكن من الشاكِّين، وفي هذا تثبيت وطمأنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 49.
(2)
صفوة التفاسير: 187.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 49.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (3605): ص 2/ 665.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (3604): ص 2/ 665. والترمذي- فضائل القرآن رقم 2906 5/ 158 في حديث طويل.
(6)
انظر: تفسير الطبري (7161): ص 6/ 468 - 469.
(7)
انظر: تفسير الطبري (7162): ص 6/ 469.
(8)
انظر: تفسير الطبري (7163): ص 6/ 469 - 470.
(9)
انظر: تفسير الطبري (7164): ص 6/ 470.
(10)
انظر: تفسير الطبري (7166): ص 6/ 471.
(11)
انظر: أسباب النزول: 104. اسناده ضعيف.
(12)
انظر: العجاب في بيان الأسباب: 2/ 679.
(13)
صفوة التفاسير: 188.
(14)
صفوة التفاسير: 188.
(15)
أخرجه الطبري (7165): ص 6/ 470 - 471.
(16)
تفسير ابن كثير: 2/ 50.
قوله تعالى: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} [آل عمران: 60]، أي:" هذا الذي قصّ عليك هو الحق"(1).
قال محمد بن جعفر بن الزبير: " ما جاءك من الخبر عن عيسى"(2).
قال مقاتل: "يعني: من هذا الذي قال الله في عيسى "(3).
قال ابن كثير: " أي: هذا القول هو الحق في عيسى، الذي لا محيد عنه ولا صحيح سواه "(4).
قال الزجاج: أي: " الذي أنبأناك به في قصة عيسى عليه السلام هو الحق من ربك"(5).
قوله تعالى: {فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [آل عمران: 60]، أي:"فلا تكن من الشاكين"(6).
قال ابن عباس: " قال الحسن: يقول: يا محمد فلا تكن في شك مما قالا"(7).
قال قتادة: "يعني: فلا تكن في شكّ من عيسى أنه كمثل آدم، عبدُ الله ورسوله، وكلمةُ الله ورُوحه"(8).
قال الربيع: "، يقول: فلا تكن في شكّ مما قصصنا عليك أنّ عيسى عبدُ الله ورسوله، وكلمةٌ منه ورُوحٌ، وأنّ مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تُراب ثم قال له كن فيكون"(9).
قال محمد بن جعفر بن الزبير: " أي: قد جاءك الحق من ربك فلا تمتَرِ فيه"(10).
قال الثعلبي: " الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته لأنه لم يكن ينهاه في أمر عيسى"(11).
الفوائد:
1 -
أن الله لايصدر عنه إلا الحق.
2 -
فضيلة رسول الله-صلى الله عليه وسلم بإضافة الربوبية إليه، وهي ربوبية خاصة تفيد معنى أخص من الربوبية العامة.
3 -
النهي عن الشك فيما اخبر الله به.
4 -
ومنها: أن الممترين كثيرون لقوله {من الممترين} ، وإن كان يحتمل أن يراد به الجنس فيصدق بواحد، ولكن الظاهر الأول.
5 -
جواز المخاطبة بالتعريض، لأن قوله:{فلا تكن من الممترين} ، لا يعني أن الرسول يمكن أن يكون منهم، بل هو تعريض بهؤلاء وأنهم ذوو خلق سيء فلا تكن منهم وإن كان هو ليس منهم لا باعتبار الواقع ولا المستقبل.
القرآن
التفسير:
فمَن جادلك -أيها الرسول- في المسيح عيسى ابن مريم من بعد ما جاءك من العلم في أمر عيسى عليه السلام، فقل لهم: تعالوا نُحْضِر أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم، ثم نتجه إلى الله بالدعاء أن يُنزل عقوبته ولعنته على الكاذبين في قولهم، المصرِّين على عنادهم.
قوله تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ} [آل عمران: 61]، أي:"فمن خاصمك وجادلك في أمر عيسى"(12).
قال الربيع: " يقول: من حاجك في عيسى"(13).
(1) تفسير ابن عثيمين: 1/ 353.
(2)
أخرجه الطبري (7169): ص 6/ 473.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 281.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 49.
(5)
معاني القرآن: 1/ 422.
(6)
تفسير الطبري: 6/ 472.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (3611): ص 2/ 666.
(8)
أخرجه الطبري (7267): ص 6/ 472.
(9)
أخرجه الطبري (7268): ص 6/ 472.
(10)
أخرجه الطبري (7170): ص 6/ 473.
(11)
تفسير الثعلبي: 3/ 84.
(12)
تفسير الثعلبي: 3/ 84.
(13)
أخرجه الطبري (7173): ص 6/ 474.
قال قتادة: " أي: في عيسى: أنه عبدُ الله ورسوله، من كلمة الله وروحه"(1).
قال الطبري: أي: " فمن جادلك، يا محمد، في المسيح عيسى ابن مريم"(2).
قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} [آل عمران: 61]، أي:"بعدما وضح لك الحق واستبان"(3).
قال الطبري: " من بعد ما جاءك من العلم الذي قد بيَّنته لك في عيسى أنه عبد الله"(4).
قال محمد بن جعفر بن الزبير: " أي: من بعد ما قصصت عليك من خبره، وكيف كان أمره"(5).
قوله تعالى: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ} [آل عمران: 62]، أي: فقل لهم: هلمّوا نجتمع ويدعو كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إِلى المباهلة" (6).
قال ابن كثير: "أي: نحضرهم في حال المباهلة"(7).
قال الربيع: " فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: هلم أداعيكم فأتيا كان الكاذب أصابته اللعنة والعقوبة من الله عاجلا. قالوا: نعم"(8).
قال الشعبي: "لما نزلت: {فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم}، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين ثم انطلق"(9).
روي عن الحسن في قوله: " {تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} قرأها النبي صلى الله عليه وسلم عليهما ودعاهما إلى المباهلة وأخذ بيد فاطمة والحسن والحسين وقال أحدهما لصاحبه: اصعد الجبل ولا تباهله فإنك إن باهلته بؤت باللعن قال: فما ترى؟ قال: أرى أن تعطيه الخراج ولا نباهله"(10).
وقال السدي: " فأخذ بيد الحسن والحسين وفاطمة وقال لعلي: اتبعنا، فخرج معهم ولم يخرج يومئذ النصارى قالوا: إنا نخاف أن يكون هذا هو النبي وليس دعوة الأنبياء كغيرهم فتخلفوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو خرجوا إلا احترقوا، فصالحوه على صلح على أن له عليهم ثمانين ألفا"(11).
وعن أبي جعفر: {وأنفسنا وأنفسكم} ، قال: النبي وعلي" (12).
قوله تعالى: {ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 62]، أي: ثم "نتضرع إلى الله فنقول: اللهم العن الكاذب منا في شأن عيسى"(13).
قال ابن عباس: {ثم نبتهل} : نجتهد" (14).
قال ابن كثير: أي: ثم "نلتعن"(15).
قال التستري: " أي يدعو بعضنا على بعض باللعنة"(16).
قال ابن زيد: " {ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}، قال: منا ومنكم"(17).
قال الزجاج: " قيل له هذا بعد أن أوحيت إليه البراهين والحجج القاطعة في تثبيت أمر
(1) أخرجه الطبري (7171): ص 6/ 474.
(2)
تفسير الطبري: 6/ 473.
(3)
صفوة التفاسير: 188.
(4)
تفسير الطبري: 6/ 474.
(5)
أخرجه الطبري (7172): ص 6/ 474.
(6)
صفوة التفاسير: 188.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 49.
(8)
أخرجه ابن ابي حاتم (3615): ص 2/ 667.
(9)
أخرجه ابن ابي حاتم (3616): ص 2/ 667.
(10)
أخرجه ابن ابي حاتم (3617): ص 2/ 667.
(11)
أخرجه ابن ابي حاتم (3618): ص 2/ 667.
(12)
أخرجه ابن ابي حاتم (3619): ص 2/ 668، ومسلم كتاب فضائل الصحابة (3724).
(13)
صفوة التفاسير: 188.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (3623): ص 2/ 668، وأخرج ابن أبي حاتم (3622): ص 2/ 668، عن أنس بن مالك قال:"كان النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات وهو يدعو، ورفع يديه فانفلت زمام الناقة من يده، فتناوله فرفع يده، فقال أصحاب محمد: هذا الابتهال وهذا التضرع".
(15)
تفسير ابن كثير: 2/ 49.
(16)
تفسير التستري: 48.
(17)
أخرجه الطبري (7173): ص 6/ 474.
عيسى إنه عبد، فأمر بالمباهلة بعد إقامة الحجة، لأن الحجة قد بلغت النهاية في البيان فأمر الله أن يجتمع هو والنساء والأبناء من المؤمنين، وأن يدعوهم إلى أن يتجمعوا هم وآباؤهم ونساؤهم، ثم يبتهلون ومعنى الابتهال في اللغة المبالغة في الدعاء، وأصله الالتعان ويقال بهله الله أي لعنه الله، ومعنى لعنة الله باعده الله من رحمته، يقال: ناقة باهل وباهلة إذا لم يكن عليها صرار، وقد أبهل الرجل ناقته إذا تركها بغير صرار ورجل باهل إذا لم يكن معه عصا. فتأويل البهل في اللغة المباعدة والمفارقة للشيء" (1).
قال ابن عباس: " لو خرج الذين يباهلون النبي صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا"(2).
قال ابن جريج: "قال لي ابن كثير: أما الذين دعوا إلى الابتهال فالنصارى"(3).
أخرج الطبري عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ليتَ بيني وبيني أهل نجرانَ حجابًا فلا أراهم ولا يروني! من شْدّة ما كانوا يمارون النبي صلى الله عليه وسلم"(4).
الفوائد:
1 -
إثبات أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم حق، لأن الله أمره أن يلتعن مع هؤلاء.
2 -
ومن الفوائد: أنه لاتجوز المباهلة إلا بعلم يقيني.
3 -
جواز طلب المباهلة عند عناد الخصم، لكن بشرطين: أولهما: العلم، والثاني أن تكون في امر هام.
4 -
أن من آداب الالتعان احضار النساء والاولاد، لأنه أشد خوفا للنسا في المباهلة.
5 -
جواز الدعاء بالله على من خالف الحق لكن بالوصف لا بالشخص، لأن الكاذبين وصف، أما الشخص فلايجوز الدعاء عليه حتى لو كان كافرا، لأن النبي-صلى الله عليه وسلم لما دعا على أبي جهل وغيره من كبار قريش، نهاه الله عن ذلك.
القرآن
{إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62)} [آل عمران: 62]
التفسير:
إن هذا الذي أنبأتك به -أيها الرسول- من أمر عيسى لهو النبأ الحق الذي لا شك فيه، وما من معبود يستحق العبادة إلا الله وحده، وإن الله لهو العزيز في ملكه، الحكيم في تدبيره وفعله.
قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} [آل عمران: 62]، " أي: إن هذا الذي أوحينا إليك من هذه البينات والحجج التي آتيناك لهو القصص الحق" (5).
قال ابن كثير: " أي: هذا الذي قصصناه عليك يا محمد في شأن عيسى هو الحق الذي لا مَعْدل عنه ولا محيد"(6).
قال ابن عباس: " يقول: إن هذا الذي قلنا في عيسى هو الحق"(7).
قال الطبري: " إن هذا الذي أنبأتك به، يا محمد، من أمر عيسى فقصصته عليك من أنبائه، وأنه عبدي ورسولي وكلمتي ألقيتها إلى مريم وروح منّي، لهو القصَص والنبأ الحق، فاعلم ذلك"(8).
قوله تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 62]، " أي: ولا يوجد إله غير الله" (9).
قال الطبري: أي: " واعلم أنه ليس للخلق معبودٌ يستوجبُ عليهم العبادةَ بملكه إياهم إلا معبودك الذي تعبُدُه"(10).
(1) معاني القرآن: 1/ 423.
(2)
أخرجه ابن ابي حاتم (3620): ص 2/ 668.
(3)
أخرجه ابن ابي حاتم (3621): ص 2/ 668.
(4)
تفسير الطبري (7175): ص 6/ 475.
(5)
معاني القرآن للزجاج: 1/ 424.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 55.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (3624): ص 2/ 668.
(8)
تفسير الطبري: 6/ 476.
(9)
صفوة التفاسير: 188.
(10)
تفسير الطبري: 6/ 476.
قال السعدي: أي: " فهو المألوه المعبود حقا الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ولا يستحق غيره مثقال ذرة من العبادة"(1).
قال الزجاج: " «من» دخلت توكيدا. ودليلا على نفي جميع من ادعى المشركون أنهم آلهة، أي إن عيسى ليس بإله، لأنهم زعموا إنه إله، فأعلم الله عز وجل أن لا إله إلا هو، وأن من آتاه الله آيات يعجز عنها المخلوقون فذلك غير مخرج له من العبودية لله، وتسميته إلها كفر بالله"(2).
قوله تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 62]، أي هو جل شأنه "العزيز في ملكه الحكيم في صنعه"(3).
قال الطبري: أي "العزيز في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره، الحكيم في تدبيره، لا يدخل ما دبره وَهَنٌ، ولا يلحقه خللٌ"(4).
الفوائد:
1 -
تأكيد أن ما اخبر الله به عيسى ابن مريم هو الحق، ويفرغ من هذه القاعدة ان كل ما خالفه مما تكلمت به النصارى في شأن عيسى فهو كذب باطل لايوافق الواقع.
2 -
أنه لا إله في الوجود إلا الله، فهو وحدة المستحق بالعبادة، وفيه رد على إدعاء ألوهية المسيح.
3 -
إثبات تمام العزة لله تعالى، قال:{لهو العزيز} ، و «أل» هنا تفيد الاستغراق، أي: جميع انواع العزة ثابتة لله سبحانه وتعالى.
4 -
إثبات تمام الحكمة لله تعالى، فقال:{الحكيم} ، فيتفرغ أنه لا حاكم إلا الله.
القرآن
{فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63)} [آل عمران: 63]
التفسير:
فإن أعرضوا عن تصديقك واتباعك فهم المفسدون، والله عليم بهم، وسيجازيهم على ذلك.
قوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا} [آل عمران: 63]، "أي: فإن أعرضوا عما أتيت به من البيان" (5).
قال أبو عبيدة: " فإن كفروا، وتركوا أمر الله "(6).
قال محمد بن إسحاق: " فإن تولوا على كفرهم"(7).
قال البغوي: أي: " أعرضوا عن الإيمان"(8).
قال الطبري: أي: "فإن أدبر هؤلاء الذين حاجُّوك في عيسى، عما جاءك من الحق من عند ربك في عيسى وغيره من سائر ما آتاك الله من الهدى والبيان"(9).
قال الراغب: " أي إن أعرضوا عن الإصغاء إلى الحق والتزامه، وعن الإجابة إلى
المباهلة" (10).
قال الصابوني: " أي: إِن أعرضوا عن الإِقرار بالتوحيد"(11).
قوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ} [آل عمران: 63]، أي:" فإن الله يعلم من يفسد من خلقه فيجازيه على إفساده"(12).
(1) تفسير السعدي: 133.
(2)
معاني القرآن: 1/ 424.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 282، وصفوة التفاسير:188.
(4)
تفسير الطبري: 6/ 476.
(5)
معاني القرآن: 1/ 424.
(6)
أخرجه ابن المنذر (560): ص 1/ 224.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (3625): ص 2/ 669.
(8)
تفسير البغوي: 2/ 49.
(9)
تفسير الطبري: 6/ 476.
(10)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 610.
(11)
صفوة التفاسير: 188.
(12)
تفسير الطبري: 6/ 476.
قال الطبري: أي: ": فإن الله ذو علم بالذين يعصون ربهم، ويعملون في أرضه وبلاده بما نهاهم عنه، وذلك هو إفسادهم، فهو عالم بهم وبأعمالهم، يحصيها عليهم ويحفظها، حتى يجازيهم عليها جزاءَهم"(1).
قال ابن كثير: " أي: من عدل عن الحق إلى الباطل فهو المفسد والله عليم به، وسيجزيه على ذلك شر الجزاء، وهو القادر، الذي لا يفوته شيء"(2).
قال الراغب: أي" فإن حالهم في كونهم مفسدين ظاهرة، وعقوبتهم واجبة، فهو تعالى معاقبهم"(3).
قال الصابوني: أي: "فإِنهم مفسدون والله عليم بهم وسيجازيهم على ذلك شر الجزاء"(4).
قال البغوي: {بالمفسدين} : أي: " الذين يعبدون غير الله، ويدعون الناس إلى عبادة غير الله"(5).
قال البيضاوي: " وعيد لهم ووضع المظهر موضع المضمر ليدل على أن التولي عن الحجج والإعراض عن التوحيد، إفساد للدين والاعتقاد المؤدي إلى فساد النفس بل وإلى فساد العالم"(6).
الفوائد:
1 -
تهديد من تولى عن دين الله تعالى، فقال:{فإن الله عليم بالمفسدين} ، لأن المقصود من ذكر علمه بهم تهديدهم، وأنه لا يخفى عليه حالهم، وسيعاقبهم بما تفتضيه حالهم.
2 -
أن التولي عن دين الله فساد، قال تعالى:{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41].
3 -
أن كل من تولّى عن دين الله فهو مفسد، ولو زعم أنه مصلح، لقوله:{فإن الله عليم بالمفسدين} ، ولهذا قال أهل التفسير في قوله:{وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف: 56]، أي: لا تفسدوها بالمعاصي، فكل عاص مفسد شاء ام أبى، وكل مطيع هو مصلح، لأن بضدها تتبيّن الأشياء.
القرآن
التفسير:
قل -أيها الرسول- لأهل الكتاب من اليهود والنصارى: تعالَوْا إلى كلمة عدل وحق نلتزم بها جميعًا: وهي أن نَخُص الله وحده بالعبادة، ولا نتخذ أي شريك معه، من وثن أو صنم أو صليب أو طاغوت أو غير ذلك، ولا يدين بعضنا لبعض بالطاعة من دون الله. فإن أعرضوا عن هذه الدعوة الطيبة فقولوا لهم -أيها المؤمنون-: اشهدوا علينا بأنا مسلمون منقادون لربنا بالعبودية والإخلاص. والدعوة إلى كلمة سواء، كما تُوجَّه إلى اليهود والنصارى، توجَّه إلى من جرى مجراهم.
في سبب نزول الآية ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها نزلت في الوفد من نصارى نجران. قاله السدي (7)، وابن زيد (8)، ومحمد بن جعفر بن الزبير (9)، والحسن (10).
(1) تفسير الطبري: 6/ 477.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 55.
(3)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 610.
(4)
صفوة التفاسير: 188.
(5)
تفسير البغوي: 2/ 49.
(6)
تفسير البيضاوي: 2/ 21.
(7)
انظر: تفسير الطبري (7195): ص 6/ 484. إلا أنه لم يذكر مكان اجتماعهم.
(8)
انظر: تفسير الطبري (7196): ص 6/ 484 - 485.
(9)
انظر: تفسير الطبري (7194): ص 6/ 484.
(10)
انظر: النكت والعيون: 1/ 399.
والثاني: أنها: نزلت في يهود بني إسرائيل الذين كانوا حَوالى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا قول قتادة (1)، والربيع (2)، وابن جريح (3).
والثالث: أنها نزلت في قصة وفد نجران مع يهود المدينة وذلك حين اختصموا في إبراهيم.
قال الثعلبي: " قال المفسرون: قدم وفد نجران المدينة فالتقوا مع اليهود فاختصموا في إبراهيم فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد إنّا اختلفنا في إبراهيم ودينه فزعمت النصارى أنّه كان نصرانيا وهم على دينه وأولى النّاس به. وقالت اليهود: بل كان يهوديا وأنّهم على دينه وأولى النّاس به. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا الفريقين بريء من إبراهيم ودينه بل كان إبراهيم حنيفا وأنا على دينه فأتبعوا دينه الإسلام. فقالت اليهود: يا محمد ما تريد إلا أن نتّخذك ربا كما اتخذت النصارى عيسى ربا. وقالت النصارى: والله يا محمد ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير. فأنزل الله تعالى: {قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ عدل بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ} "(4).
قال ابن حجر: " أنزلها الله في قصة وفد نجران قبل أن يقع اجتماعهم باليهود، فلما أبوا وبذلوا الجزية واطمأنوا اجتمعوا بيهود المدينة عند النبي صلى الله عليه وسلم أو فيما بينهم، فتجادلوا إلى أن ذكروا إبراهيم ونزلت الآيات التي بعدها في إبراهيم"(5).
قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران: 64]، أي:"قل يا محمد لأهل الكتاب: هلمّوا إلى كلمة عدل بيننا وبينكم"(6).
قال الربيع: أي" عدل بيننا وبينكم"(7).
قال مقاتل: يعني: " كلمة العدل وهي الإخلاص"(8).
قال ابن كثير: " هذا الخطاب يعم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ومن جرى مجراهم"(9).
وفي تفسير: {كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران: 64]، ثلاثة أقوال:
أحدها: أن كلمة السواء: لا إله إلا الله. قاله أبو العالية (10).
والثاني: أنها: الدعوة إلى الإسلام. قاله الحسن (11).
والثالث: أن الرسول-صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى النصف وقطع عنهم الحجة. وهذا قول محمد بن إسحاق (12)، ومحمد بن جعفر بن الزبير (13).
وفي الذين عناهم الله في الآية الكريمة قولان:
أحدهما: أنهم الوفد من نصارى نجران، وهذا قول الحسن والسدي (14)، وابن زيد (15)، ومحمد بن جعفر بن الزبير (16).
والثاني: انهم يهود المدينة، وهذا قول قتادة (17)، والربيع (18)، وابن جريح (19).
(1) انظر: تفسير الطبري (7191): ص 6/ 483.
(2)
انظر: تفسير الطبري (7192): ص 6/ 484.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3628): ص 2/ 669.
(4)
تفسير الثعلبي: 3/ 85 - 86. ونقله ابن حجر، ثم علّق عليه قائلا: " وإطلاقه على قائل هذا -مع ضعفه- أنه قول المفسرين مما ينكر عليه". [العجاب: 2/ 688].
(5)
العجاب: 2/ 688.
(6)
تفسير الطبري: 6/ 483.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (3632): ص 2/ 670.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 281.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 55.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3629): ص 2/ 669.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3630): ص 2/ 670.
(12)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3631): ص 2/ 670.
(13)
انظر: تفسير الطبري (7194): ص 6/ 484.
(14)
انظر: تفسير الطبري (7195): ص 6/ 484.
(15)
انظر: تفسير الطبري (7196): ص 6/ 484 - 485.
(16)
انظر: تفسير الطبري (7194): ص 6/ 484.
(17)
انظر: تفسير الطبري (7191): ص 6/ 483.
(18)
انظر: تفسير الطبري (7192): ص 6/ 484.
(19)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3628): ص 2/ 669.
والراجح-والله أعلم- " أن يكون كل كتابيّ معنيًّا به. لأن إفرادَ العبادة لله وحدَه، وإخلاصَ التوحيد له، واجبٌ على كل مأمور منهيٍّ من خلق الله"(1).
قوله تعالى: {أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا} [آل عمران: 64]، " أي: أن نفرد الله وحده بالعبادة ولا نجعل له شريكاً" (2).
قال الطبري: " والكلمة العدل، هي أن نوحِّد الله فلا نعبد غيره، ونبرأ من كل معبود سواه، فلا نشرك به شيئًا"(3).
قال التستري: " وأصل العبادة: التوحيد مع أكل الحلال وكف الأذى، ولا يحصل الأكل الحلال إلَاّ بكف الأذى، ولا كف الأذى إلَاّ بأكل الحلال، وأن تعلموا أكل الحلال وترك أذى الخلق والنية في الأعمال كما تعلموا فاتحة الكتاب، ليصفوا إيمانكم وقلوبكم وجوارحكم، فإنما هي الأصول"(4).
قوله تعالى: {وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [آل عمران: 64]، أي: ولا يعبد بعضنا بعضا من دون الله (5).
قال ابن جريج: " يقال: إن الربوبية أن يطيع الناس سادتهم وقادتهم في غير عبادة"(6).
قال عكرمة: " سجود بعضهم لبعض"(7)، " قوله:{أربابا} : يعني الأصنام" (8).
قال مقاتل: " لأنهم اتخذوا عيسى ربا"(9).
قال الطبري: أي: " ولا يدين بعضُنا لبعض بالطاعة فيما أمر به من معاصي الله، ويعظِّمه بالسجود له كما يسجدُ لربه"(10).
وفي تفسير قوله تعالى: {وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ} [آل عمران: 64] وجهان:
أحدهما: هو طاعة الاتباع لرؤسائهم في أوامرهم بمعاصي الله، وهذا قول ابن جريح (11).
والثاني: سجود بعضهم لبعض، هذا قول عكرمة (12).
قوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا} [آل عمران: 64]، أي:" فإن أعرضوا عما دعوتَهم إليه"(13).
قال ابن كثير: " أي: فإن تولوا عن هذا النَّصَف"(14).
قوله تعالى: {فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]، " أي: فأشْهدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم" (15).
قال مقاتل: " يعني فإن أبوا التوحيد فقولوا لهم أنتم: اشهدوا باننا مخلصون بالتوحيد"(16).
قال الزجاج: " أي مقرون بالتوحيد مستسلمون لما أتتنا به الأنبياء من قبل الله عز وجل"(17).
(1) تفسير الطبري: 6/ 485.
(2)
صفوة التفاسير: 190.
(3)
تفسير الطبري: 6/ 483.
(4)
تفسير التستري: 48.
(5)
انظر: صفوة التفاسير: 190.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (3634): ص 2/ 670.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (3635): ص 2/ 670.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (3633): ص 2/ 670.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 281.
(10)
تفسير الطبري: 6/ 483.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3634): ص 2/ 670.
(12)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3635): ص 2/ 670.
(13)
تفسير الطبري: 6/ 483.
(14)
تفسير ابن كثير: 2/ 56.
(15)
تفسير ابن كثير: 2/ 56.
(16)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 281.
(17)
معاني القرآن: 1/ 426.
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية: التنزّل مع الخصم لالتزامه الحق، لقوله:{سواء بيننا وبينكم} ، ولاشك بان الحق مع الرسول-صلى الله عليه وسلم، لكن من تنزّل معه من أجل إلزام الخصم وإقامة الحجة عليه.
2 -
وجود استعمال العدل في المناظرة حتى مع العدو.
3 -
إتفاق الرسل على هذه الكلمة: {ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا} ، لكونها كلمة سواء.
4 -
أن الحكم لله بين الناس، وأنه ليس لأحد أن يشرع من دون الله.
5 -
أن الحكم بين الناس والعبادة مقترنان، لأن عبادة الله تكون في شريعته.
6 -
التزام الحق والبراءة من الخصم، وذلك إذا تولى وأعرض بعد إقامة الحجة عليه.
7 -
الاعتزاز بالدين، لقوله:{فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} .
القرآن
التفسير:
يا أصحاب الكتب المنزلة من اليهود والنصارى، كيف يجادل كل منكم في أن إبراهيم عليه السلام كان على ملَّته، وما أُنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده؟ أفلا تفقهون خطأ قولكم: إن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً، وقد علمتم أن اليهودية والنصرانية حدثت بعد وفاته بحين؟
في سبب نزول الآيات [65 - 67] أقوال:
أحدها: أنها نزلت في اختصام اليهود والنصارى في إبراهيم، وادعاء كل فريق منهم أنه كان منهم. وهذا قول ابن عباس (1)، والسدي (2)، وقتادة (3)، والشعبي (4).
والثاني: أنها نزلت في دعوى اليهود إبراهيم أنه منهم. قاله مجاهد (5)، وقتادة (6)، والربيع (7).
والثالث: وقال مقاتل: "وذلك أن رؤساء اليهود كعب بن الأشرف، وأبا ياسر، وأبا الحقيق وزيد بن التابوه، ونصارى نجران، يقولون: إبراهيم أولى بنا والأنبياء منا كانوا على ديننا، وما تريد إلا أن نتخذك ربا كما اتخذت النصارى عيسى ربا، وقالت النصارى: ما تريد بأمرك إلا أن نتخذك ربا كما اتخذت اليهود عزيرا ربا. قال النبي- صلى الله عليه وسلم: معاذ الله من ذلك، ولكني أدعوكم إلى أن تعبدوا الله جميعا، ولا تشركوا به شيئا، فأنزل الله- عز وجل: {يا أهل الكتاب لم تحاجون} "(8).
(1) انظر: تفسير الطبري (7202): ص 6/ 490.
(2)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3637): ص 2/ 671.
(3)
انظر: تفسير الطبري (7203): ص 6/ 491.
(4)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3637): ص 2/ 671.
(5)
انظر: تفسير الطبري (7206): ص 6/ 491.
(6)
انظر: تفسير الطبري (7204): ص 6/ 491.
(7)
انظر: تفسير الطبري (7205): ص 6/ 491.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 282 - 283.
قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ} [آل عمران: 65]، " أي يا معشر اليهود والنصارى لم تجادلون وتنازعون في إِبراهيم وتزعمون أنه على دينكم"(1).
قال مجاهد: يعني: " اليهود والنصارى، برأه الله منهم حين ادعت كل أمة أنه منهم، وألحق به المؤمنين من كان من أهل الكتاب الحنيفية"(2). وروي عن أبي العالية والسدي نحو ذلك (3).
قوله تعالى: {وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ} [آل عمران: 65]، " أي: والحال أنه ما حدثت هذه الأديان إِلا من بعده" (4).
قال مقاتل: " أى: بعد موت إبراهيم"(5).
قال الثعلبي: أي: " بعد مهلك إبراهيم بزمان طويل، وكان بين إبراهيم وموسى ألف سنة وبين موسى وعيسى ألفا سنة"(6).
قال ابن عباس: " فأخبرهم الله أنّ التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعده، وبعده كانت اليهودية والنصرانية"(7).
قال الحسن: " والله ما أنزلت التوراة والإنجيل إلا على ملة إبراهيم، فلم تحاجون في إبراهيم"(8).
قال قتادة: " كانت اليهودية بعد التوراة، وكانت النصرانية بعد الإنجيل"(9).
قوله تعالى: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 65]، أي: أفلا" تفقَهون خطأ قيلكم"(10).
قال ابن زيد: " أفلا تتفكرون"(11).
قا المراغي: أي: " أن المتقدم على الشيء لا يمكن أن يكون تابعا له"(12).
قال السعدي: " أي: فلو عقلتم ما تقولون لم تقولوا ذلك"(13).
الفوائد:
1 -
توبيخ أهل الكتاب بسبب مجادلتهم في إبراهيم –عليه الصلاة والسلام.
2 -
علو شأن إبراهيم-عليه السلام بين جميع الطوائف: اليهود والنصارى والمسلمين.
3 -
بيان الاحتجاج بالعقل، ولاينبغي إهمال العقل في الاستدلال.
4 -
إثبات أن التوراة والانجيل منزلة من عندالله.
5 -
إثبات علو الله، لأن النزول لايكون إلا من أعلى.
6 -
النداء على بني إسرائيل بالسفه.
7 -
الإشادة بالعقل، وأنه يحمل صاحبه على السداد والصواب.
القرآن
التفسير:
(1) صفوة التفاسير: 190.
(2)
أخرجه ابن ابي حاتم (3638): ص 2/ 671.
(3)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3638): ص 2/ 671.
(4)
صفوة التفاسير: 190.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 283.
(6)
تفسير الثعلبي: 3/ 87.
(7)
أخرجه الطري (7202): ص 6/ 490.
(8)
تفسير ابن ابي حاتم (3639): ص 2/ 671.
(9)
أخرجه ابن ابي حاتم (3640): ص 2/ 671.
(10)
تفسير الطبري: 6/ 492.
(11)
أخرجه ابن ابي حاتم (3641): ص 2/ 671.
(12)
تفسير المراغي: 3/ 181.
(13)
تفسير السعدي: 134.
ها أنتم يا هؤلاء جادلتم رسول الله محمدًا صلى الله عليه وسلم فيما لكم به علم مِن أمر دينكم، مما تعتقدون صحته في كتبكم، فلِمَ تجادلون فيما ليس لكم به علم من أمر إبراهيم؟ والله يعلم الأمور على خفائها، وأنتم لا تعلمون.
قوله تعالى: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} [آل عمران: 66]، أي: ها انتم جادلتم وخاصمتم "بما كان في زمانكم وأدركتموه"(1).
قال الثعلبي: " يعني: في أمر محمد، لأنهم كانوا يعلمونه مما يجدون من نعته في كتابهم فحاجوا به بالباطل"(2).
قال الصابوني: "أي: ها أنتم يا معشر اليهود والنصارى جادلتم وخاصمتم في شأن عيسى وقد عشتم زمانه فزعمتم ما زعمتموه"(3).
قال قتادة: "يقول: فيما شهدتم ورأيتم وعاينتم"(4). وروي عن أبي العالية (5) نحو ذلك.
قال السدي: " أما {الذي لهم به علم}، فما حرّم عليهم وما أمروا به"(6).
قال الحسن: " يعذر من حاج بعلم، ولا يعذر من حاج بالجهل"(7).
قال ابن كثير: " هذا إنكار على من يحاج فيما لا علم له به، فإنَّ اليهود والنصارى تَحَاجوا في إبراهيم بلا علم، ولو تحاجوا فيما بأيديهم منه علْم مما يتعلق بأديانهم التي شرعت لهم إلى حين بعثة محمد صلى الله عليه وسلم لكان أولى بهم، وإنما تكلموا فيما لم يعلموا به، فأنكر الله عليهم ذلك، وأمرهم بردّ ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة، الذي يعلم الأمور على حقائقها وجلياتها"(8).
واختلفت القراءة في قوله: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ} [آل عمران: 66]، فقرأه أهل المدينة بغير همز ولا مد إلا بقدر خروج الألف الساكنة، وقرأ أهل مكة مهموزا مقصورا على وزن "هعنتم"، وقرأ أهل الكوفة بالمد والهمز، وقرأ الباقون بالمد دون الهمز (9).
قوله تعالى: {فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} [آل عمران: 66]، أي:"فلم تجادلون وتخاصمون في الذي لا علم لكم به من أمر إبراهيم ودينه"(10).
قال الثعلبي: أي: " من حديث إبراهيم فليس في كتابكم أنه كان يهوديا أو نصرانيا"(11).
قال البغوي: يقول: " وليس في كتابكم أنه كان يهوديا أو نصرانيا، وقيل حاججتم فيما لكم به علم يعني في أمر محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم وجدوا نعته في كتابهم، فجادلوا فيه بالباطل"(12).
قال قتادة: يعني: " فيما لم تشاهدوا ولم تروا ولم تعاينوا"(13). وروي عن أبي العالية (14) نحو ذلك
قال السدي: " وأما {الذي ليس لهم به علم}، فشأن إبراهيم"(15).
قال الحسن: " لا يعذر من حاج بالجهل"(16).
(1) تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 294.
(2)
تفسير الثعلبي: 3/ 87.
(3)
صفوة التفاسير: 190.
(4)
أخرجه الطبري (7209): ص 6/ 493.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3642): ص 2/ 672.
(6)
أخرجه الطبري (7208): ص 6/ 492 - 493.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (3644): ص 2/ 672.
(8)
تفسير ابن كثير: 1/ 57.
(9)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 87، والسبعة:207.
(10)
تفسير الطبري: 6/ 492.
(11)
تفسير الثعلبي: 3/ 87.
(12)
تفسير البغوي: 2/ 51.
(13)
أخرجه الطبري (7209): ص 6/ 493.
(14)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3645): ص 2/ 672.
(15)
أخرجه الطبري (7208): ص 6/ 492 - 493.
(16)
أخرجه ابن أبي حاتم (3647): ص 2/ 672.
قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 66]، أي:" والله يعلم ما حاججتم فيه، وأنتم جاهلون به"(1).
قال الزمخشري: " والله يعلم علم ما حاججتم فيه وأنتم جاهلون به"(2).
قال الصابوني: "أي: والله يعلم الحقَّ من أمر إِبراهيم وأنتم لا تعلمون ذلك"(3).
الفوائد:
1 -
ذم المحاجة بغير علم.
2 -
إقرار الإنسان على المحاجة بالعلم شريطة القصد الحسن والوصول إلى الحق.
3 -
إثبات العلم لله عز وجل.
4 -
أن المحاج فيما ليس له به علم، ليس عنده علم، لأن المحاجة فرع من العلم.
5 -
إثبات علم الله في الحاضر والمستقبل دائما، لقوله:{يعلم} .
القرآن
{مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67)} [آل عمران: 67]
التفسير:
ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً، فلم تكن اليهودية ولا النصرانية إلا من بعده، ولكن كان متبعًا لأمر الله وطاعته، مستسلمًا لربه، وما كان من المشركين.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: قال عامر: ": قالت اليهود: إبراهيم على ديننا. وقالت النصارى: هو على ديننا. فأنزل الله عز وجل: {ما كان إبراهيم يهوديًّا ولا نصرانيًّا} الآية، فأكذبهم الله، وأدحض حجتهم - يعني: اليهودَ الذين ادّعوا أن إبراهيم ماتَ يهوديًّا"(4). وروي عن الربيع (5) مثله.
والثاني: قال مقاتل: " قال كعب وأصحابه ونفر من النصارى: إن إبراهيم منا وموسى منا والأنبياء منا، فقال الله عز وجل: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا} "(6).
قوله تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا} [آل عمران: 67]، " أي ما كان إِبراهيم على دين اليهودية ولا على دين النصرانية"(7).
قوله تعالى: {وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا} [آل عمران: 67]، أي: ولكن كان"مائلاً عن الأديان كلها إِلى الدين القيم"(8).
قال ابن كثير: " أي: مُتَحَنفًا عن الشرك قَصْدًا إلى الإيمان"(9).
قال الطبري: " {حنيفا}: يعني: متبعًا أمرَ الله وطاعته، مستقيمًا على محجَّة الهدى التي أمر بلزومها، {مسلما}: يعني: خاشعًا لله بقلبه، متذللا له بجوارحه، مذعنًا لما فَرَض عليه وألزمه من أحكامه "(10).
وقوله تعالى: {حَنِيفًا} [آل عمران: 67]، لأهل اللغة فيه قولان:(11):
(1) تفسير البيضاوي: 2/ 22.
(2)
الكشاف: 1/ 371.
(3)
صفوة التفاسير: 190.
(4)
أخرجه الطبري (7211): ص 6/ 494. وانظر: سبب نزول الآية: 65.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3649): ص 2/ 673، وتفسير الطبري (7212): ص 6/ 494.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (3648): ص 2/ 673.
(7)
صفوة التفاسير: 190.
(8)
صفوة التفاسير: 190.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 58.
(10)
تفسير الطبري: 6/ 494.
(11)
انظر: مفاتيح الغيب: 4/ 71.
الأول: أن الحنيف هو المستقيم.
قال الطبري: " (الحنيف)، فإنه المستقيم من كل شيء"(1).
ومنه قيل للأعرج: أحنف، تفاؤلا بالسلامة، كما قالوا للديغ: سليم، والمهلكة: مفازة، قالوا: فكل من أسلم لله ولم ينحرف عنه في شيء فهو حنيف (2).
الثاني: أن الحنيف المائل، لأن الأحنف هو الذي يميل كل واحد من قدميه إلى الأخرى بأصابعها، وتحنف إذا مال، فالمعنى أن إبراهيم عليه السلام حنف إلى دين الله، أي مال إليه، فقوله:{بل ملة إبراهيم حنيفا} ، أي: مخالفا لليهود والنصارى منحرفا عنهما.
واختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى: {حَنِيفًا} [آل عمران: 67]، على أقوال (3):
أحدها: أن الحنيفية حج البيت، والحنيف هو الحاج. وهذا قول ابن عباس (4)، والحسن (5)، ومجاهد (6)، وعطية (7)، وكثير بن زياد (8)، وعبدالله بن قاسم (9)، والضحاك (10)، والسدي (11).
وقالوا: "إنما سمي دين إبراهيم الإسلام (الحنيفية)، لأنه أول إمام لزم العباد - الذين كانوا في عصره، والذين جاءوا بعده إلى يوم القيامة - اتباعه في مناسك الحج، والائتمام به فيه. قالوا: فكل من حج البيت فنسك مناسك إبراهيم على ملته، فهو (حنيف)، مسلم على دين إبراهيم"(12).
والثاني: أنها اتباع الحق، قاله مجاهد (13)، والربيع بن أنس (14).
والثالث: أنها: اتباع إبراهيم في شرائعه التي هي شرائع الإسلام.
فقالوا: "إنما سمي دين إبراهيم (الحنيفية)، لأنه أول إمام سن للعباد الختان، فاتبعه من بعده عليه. قالوا: فكل من اختثن على سبيل اختتان إبراهيم، فهو على ما كان عليه إبراهيم من الإسلام، فهو " حنيف " على ملة إبراهيم"(15).
والرابع: أن "الحنيف": هو المخلص دينه لله وحده (16)، قاله السدي (17)، ومقاتل بن سليمان (18)، وخصيف (19).
(1) تفسير الطبري: 3/ 104.
(2)
انظر: تفسير الطبري: 3/ 104.
(3)
انظر: مفاتيح الغيب: 4/ 71.
(4)
انظر: تفسير الطبري (2097): ص 3/ 106، وابن أبي حاتم (1291): ص 1/ 241، و (3650): ص 2/ 673.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3650): ص 2/ 673، وتفسير الطبري (2091): ص 3/ 104.
(6)
انظر: تفسير الطبري (2094): ص 3/ 106.
(7)
انظر: تفسير الطبري (2092)، و (2093): ص 3/ 104 - 105.
(8)
انظر: تفسير الطبري (2095): ص 3/ 106.
(9)
انظر: تفسير الطبري (2098): ص 3/ 106.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: (1291): ص 1/ 241، و (3650): ص 2/ 673.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: (1291): ص 1/ 241، و (3650): ص 2/ 673.
(12)
تفسير الطبري: 3/ 104.
(13)
انظر: تفسير الطبري (2099): ص 3/ 106، وابن أبي حاتم (1292): ص 1/ 241.
(14)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: (1292): ص 1/ 241.
(15)
تفسير الطبري: 3/ 106.
(16)
انظر: تفسير الطبري: 3/ 106.
(17)
انظر: تفسير الطبري (2100): ص 3/ 107.
(18)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 141.
(19)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1295): ص 1/ 242.
والخامس: وقيل: (الحنيفية) الإسلام. فكل من ائتم بإبراهيم في ملته فاستقام عليها، فهو (حنيف).
قال القفال: "وبالجملة فالحنيف لقب لمن دان بالإسلام كسائر ألقاب الديانات، وأصله من إبراهيم عليه السلام"(1).
والسادس: أن الحنيف: المستقيم. قاله محمد بن كعب (2)، وروي عن عيسى بن جارية (3) مثله.
السابع: أن الحنيف: الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم. قاله أبو قلابة (4).
الثامن: أن الحنيف: الذي يستقبل البيت بصلاته، ويرى أن حجه عليه إن استطاع إليه سبيلا. قاله أبو العالية (5).
التاسع: أن الحنيفية: شهادة أن لا إله إلا الله. يدخل فيها تحريم الأمهات والبنات والخالات، والعمات، وما حرم الله عز وجل، والختان. وكانت حنيفة في الشرك: كانوا أهل الشرك، وكانوا يحرمون في شركهم الأمهات والبنات والخالات والعمات، وكانوا يحجون البيت، وينسكون المناسك. قاله قتادة (6).
والصواب: أن (الحنيفية) هو الإستقامة على دين إبراهيم واتباعه على ملته.
قال الثعلبي: "فالحنيف الذي يوحد ويحج ويضحي ويختن ويستقبل القبلة وهو أسهل الأديان وأحبها إلى الله وأهله أكرم الخلق على الله"(7).
قال الإمام الطبري: "لو كانت الحنيفية حج البيت، لوجب أن يكون الذين كانوا يحجونه في الجاهلية من أهل الشرك كانوا حنفاء. وقد نفى الله أن يكون ذلك تحنفا بقوله: {ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين} [سورة آل عمران: 67]، فكذلك القول في الختان. لأن " الحنيفية " لو كانت هي الختان، لوجب أن يكون اليهود حُنفاء. وقد أخرجهم الله من ذلك بقوله:{مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا} [سورة آل عمران: 67].
فقد صحّ إذًا أن " الحنيفية " ليست الختانَ وحدَه، ولا حجَّ البيت وحده، ولكنه هو ما وصفنا: من الاستقامة على ملة إبراهيم، واتباعه عليها، والائتمام به فيها. فإن قال قائل: أوَ ما كان مَنْ كان من قبل إبراهيم صلى الله عليه وسلم، من الأنبياء وأتباعهم، مستقيمين على ما أمروا به من طاعة الله استقامةَ إبراهيم وأتباعه؟
قيل: بَلى. فإن قال: فكيف أضيف " الحنيفية " إلى إبراهيم وأتباعه على ملته خاصة، دون سائر الأنبياء قبله وأتباعهم؟ قيل: إنّ كل من كان قبل إبراهيم من الأنبياء كان حنيفًا متّبعًا طاعة الله، ولكن الله تعالى ذكره لم يجعل أحدًا منهم إمامًا لمن بعده من عباده إلى قيام الساعة، كالذي فعل من ذلك بإبراهيم، فجعله إمامًا فيما بيّنه من مناسك الحج والختان، وغير ذلك من شرائع الإسلام، تعبُّدًا به أبدًا إلى قيام الساعة. وجعل ما سنّ من ذلك عَلَمًا مميّزًا بين مؤمني عباده وكفارهم، والمطيعِ منهم له والعاصي. فسمِّي الحنيفُ من الناس " حنيفًا " باتباعه ملته، واستقامته على هديه ومنهاجه، وسُمِّي الضالُّ من ملته بسائر أسماء الملل، فقيل:" يهودي، ونصرانيّ، ومجوسيّ "، وغير ذلك من صنوف الملل" (8).
قوله تعالى: {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67]، "أي: كان مسلماً ولم يكن مشركاً" (9).
قال الطبري: "وهذا تكذيبٌ من الله عز وجل دعوَى الذين جادلوا في إبراهيم وملته من اليهود والنصارى، وادَّعوا أنه كان على ملتهم وتبرئة لهم منه، وأنهم لدينه مخالفون وقضاءٌ منه عز وجل لأهل الإسلام ولأمة محمد صلى الله عليه وسلم أنهم هم أهل دينه، وعلى منهاجه وشرائعه، دون سائر أهل الملل والأديان غيرهم"(10).
الفوائد:
1 -
تبرئة إبراهيم-عليه الصلاة والسلام من دين اليهود والنصارى.
2 -
الثناء على إبراهيم-عليه السلام لقوله: " {وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا} ، إذ وصفه بالتوحيد الخالص الذي لايشوبه أي نوع من الشرك.
3 -
أنه لابد في التوحيد من شيئين: نفي وإثبات، النفي في قوله:{وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا} ، والإثبات في قوله:{مُسْلِمًا} ، لأن الحنيف هو المائل عن الشرك وعن كل دين يخالف الاسلام.
4 -
الثناء على إبراهيم بأنه لم يكن فيه صفة من صفات المشركين، فقال:{وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} .
القرآن
التفسير:
إنَّ أحق الناس بإبراهيم وأخصهم به، الذين آمنوا به وصدقوا برسالته واتبعوه على دينه، وهذا النبي محمد صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا به. والله وليُّ المؤمنين به المتبعين شرعه.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: نقل الثعلبي (11) والواحدي عن ابن عباس: "قال رؤساء اليهود: والله يا محمد لقد علمت أنا أولى بدين إبراهيم منك ومن غيرك، وأنه كان يهوديا، وما بك إلا الحسد، فأنزل الله تعالى هذه الآية"(12).
والثاني: نقل السيوطي (13) وابن حجر عن عبد بن حميد من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم (14): "أنه لما أن خرج أصحاب رسول الله صلة الله عليه وسلم إلى النجاشي انتدب لهم عمرو بن العاص وعمارة بن أبي معيط -كذا قال وإنما هو عمارة بن الوليد بن المغيرة (15) - أرادوا عنتهم والبغي عليهم، فقدموا على النجاشي فأخبروه أن هؤلاء الرهط الذين قدموا عليك من أهل مكة، إنما يريدون أن يخبلوا عليك ملكك، ويفسدوا عليك أرضك، ويشتموا ربك، فأرسل إليهم، فذكر القصة مطولة، وفيها: إن الذي خاطبهم من المسلمين حمزة وعثمان بن مظعون فقال النجاشي لما سمع كلامهم: لا دهوره -أي: لا خوف- على حزب إبراهيم فقال
(1) مفاتيح الغيب: 4/ 71.
(2)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1293): ص 1/ 242.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 242.
(4)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1294): ص 1/ 242.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1296): ص 1/ 242.
(6)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1297): ص 1/ 242.
(7)
تفسير الثعلبي: 3/ 88.
(8)
تفسير الطبري: 3/ 107 - 108.
(9)
صفوة التفاسير: 190.
(10)
تفسير الطبري: 6/ 493.
(11)
تفسير الثعلبي: 3/ 88.
(12)
أسباب النزول: 106.
(13)
انظر الدر المنثور: 2/ 237 - 238.
(14)
قال في "التقريب""ص 348": "مختلف في صحبته، وذكره العجلي في كبار ثقات التابعين مات سنة "78".
(15)
قال الحافظ في "الإصابة" القسم الرابع "3/ 171": "مات كافرا؛ لأن قريشا بعثوه إلى النجاشي فجرت له معه قصة فأصيب بعقله وخام مع الوحش وقد بينت أنه ممن دعا النبي صلى الله عليه وسلم عليهم من قريش لما وضع عقبة بن أبي معيط سلا الجزور على ظهره وهو يصلي". وأما ابن أبي معيط فقد أسلم في "الفتح" انظر "الإصابة""2/ 516".
عمرو: من هم حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاؤوا من عنده، ومن اتبعه، فأنزلت ذلك اليوم يوم خصومتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيّ} الآية" (1).
قوله تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} [آل عمران: 68]، أي: إن "أحق الناس بمتابعة إبراهيم الخليل الذين اتبعوه على دينه"(2).
قال ابن عباس: " وهم المؤمنون"(3).
قال قتادة: " يقول: الذين اتبعوه على ملّته وسنَّته ومنهاجه وفطرته"(4).
قال الطبري: أي" إنّ أحقّ الناس بإبراهيم ونصرته وولايته، هم: الذين سلكوا طريقَه ومنهاجه، فوحَّدوا الله مخلصين له الدين، وسنُّوا سُنته، وشرَعوا شرائعه، وكانوا لله حنفاء مسلمين غير مشركين به"(5).
قوله تعالى: {وَهَذَا النَّبِيُّ} [آل عمران: 68]، أي:" محمد صلى الله عليه وسلم –"(6).
قال قتادة: " وهو نبي الله محمد"(7).
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا} [آل عمران: 68]، أي:"والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين والأنصار ومَنْ بعدهم"(8).
قال الطبري: " يعني: والذين صدّقوا محمدًا، وبما جاءهم به من عند الله"(9).
قال قتادة: " وهم المؤمنون الذين صدّقوا نبيّ الله واتبعوه. كان محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين معه من المؤمنين، أولى الناس بإبراهيم"(10).
قال الحسن: " كل مؤمن ولي لإبراهيم ممن مضى وممن بقي"(11).
عن أبي الحويرث سمع الحكم بن ميناء يقول: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا معشر قريش إن أولى الناس بالنبي المتقون فكونوا أنتم بسبيل ذلك فانظروا أن لا يلقاني الناس يحملون الأعمال، وتلقوني بالدنيا تحملونها فأصد عنكم بوجهي، ثم قرأ عليهم هذه الآية: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين} "(12).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 68]، أي:" والله ناصرُ المؤمنين"(13).
قال ابن كثير: " أي: ولي جميع المؤمنين برسله"(14).
عن عبد الله بن مسعود قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لكل نبيّ ولاةً من النبيين، وإن وليِّي منهم أبِي وخليل رَبّي، ثم قرأ: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين} "(15).
(1) العجاب: 2/ 690. وانظر: قصة عمرو بن العاص وجعفر بن ابي طالب عند النجاشي في سيرة ابن هشام: 1/ 334، والمعجم الكبير للطبراني: {1478): ص 2/ 110 - 111، و (1479): 2/ 111 - 112.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 58.
(3)
أخرجه الطبري (7218): ص 6/ 499.
(4)
أخرجه الطبري (7214): ص 6/ 497.
(5)
تفسير الطبري: 6/ 497.
(6)
تفسير الطبري: 6/ 497، انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 58.
(7)
أخرجه الطبري (7214): ص 6/ 497.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 58.
(9)
تفسير الطبري: 6/ 497.
(10)
أخرجه الطبري (7214): ص 6/ 497.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (3662): ص 2/ 675.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (3660): ص 2/ 675.
(13)
تفسير الطبري: 6/ 497.
(14)
تفسير ابن كثير: 2/ 58.
(15)
أخرجه الطبري (7216): ص 6/ 498.
وقال قتادة: " لقد أعظم على الله الفرية من قال: يكون مؤمنا فاسقا، ومؤمنا جاهلا، ومؤمنا خائنا قال الله تعالى في كتابه: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين}، فالمؤمن ولي الله والمؤمن حبيب الله"(1).
الفوائد:
1 -
إن الولاية درجات، وأحق الناس بالولاية لإبراهيم من اتبعوه في عهده، لكونهم متبعين لابراهيم في أصل الدين وفروع الدين.
2 -
شرف النبي-صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه لكونهم أولى الناس بإبراهيم الذي تتنازعه الأمم.
3 -
بيان كذبة اليهود والنصارى بانهم اولى الناس بإبراهيم.
4 -
تشريف النبي-صلى الله عليه وسلم بالإشارة إليه من رب العالمين.
5 -
إثبات نبوة الرسول محمد-صلى الله عليه وسلم، وهذا امر لا شك فيه، وكل من وصف بالنبوة في القرآن فهو رسول.
6 -
إثبات ولاية الله تعالى للمؤمنين، وهي ولاية خاصة تقتضي عناية تامة.
7 -
كل من كان أكمل إيمانا فولاية الله له أكمل.
8 -
ان الله جعل الإيمان سببا لولايته.
القرآن
{وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69)} [آل عمران: 69]
التفسير:
تمنَّت جماعة من اليهود والنصارى لو يضلونكم -أيها المسلمون- عن الإسلام، وما يضلون إلا أنفسهم وأتباعهم، وما يدرون ذلك ولا يعلمونه.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: تقدم في قوله تعالى في سورة البقرة {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا} البقرة: 109]. وذلك على النحو الآتي:
أأنها أنزلت في عامة اليهود والمشركين. قاله الطبري (2).
ب أخرج الواحدي وابن أبي حاتم، عن عبدالله بن كعب بن مالك:"أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرا، وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أشد الأذى، فأمر الله تعالى نبيه بالصبر على ذلك والعفو عنهم وفيهم أنزلت: {ود كثير من أهل الكتاب} إلى قوله: {فاعفوا واصفحوا} "(3). وروي نحوه عن الزهري (4) وقتادة (5).
ت وأخرج الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس: " كان حُيَيّ بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسدا، إذ خصهم الله برسوله صلى الله عليه وسلم، وكانا جاهِدَين في رد الناس عن الإسلام بما استطاعا، فأنزل الله فيهما: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم} الآية"(6).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (3663): ص 2/ 675.
(2)
تفسير الطبري: 2/ 498 - 499.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1083): ص 1/ 204 - 205، واخرجه أبو داود في سننه كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب كيف كان إخراج اليهود من المدينة: 154/ 3 (3000).
(4)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1082): ص 1/ 204، وتفسير الطبري (1786)، و (1787): ص 2/ 499.
(5)
انظر: تفسير الطبري (1786): ص 2/ 499.
(6)
أخرجه الطبري (1788): ص 2/ 499، وابن أبي حاتم (1081): ص 1/ 204.
ث وقال الواحدي "قال ابن عباس: نزلت في نفر من اليهود قالوا للمسلمين بعد وقعة بدر ألم تروا إلى ما أصابكم ولو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم"(1).
والثاني: وقال مقاتل بن سليمان: " نزلت في عمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان وذلك أن اليهود جادلوهما ودعوهما إلى دينهم. وقالوا: إن ديننا أفضل من دينكم ونحن أهدى منكم سبيلا فنزلت: {ودت طائفة من أهل الكتاب
…
} إلى آخر الآية" (2).
قوله تعالى: {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ} [آل عمران: 69]، أي:" تمنّت جماعة من اهل الكتاب لو يصدّونكم عن الاسلام"(3).
قال سفيان: " كل شيء في آل عمران من ذكر أهل الكتاب فهو في النصارى"(4).
قال الطبري: " و " الإضلال " في هذا الموضع، الإهلاكُ، من قول الله عز وجل:{وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [السجدة: 10]، يعني: إذا هلكنا، ومنه قول الأخطل في هجاء جرير (5):
كُنْتَ القَذَى فِي مَوْجِ أَكْدَرَ مُزْبِدٍ
…
قَذَفَ الأتِيُّ بِهِ فَضَلّ ضلالا
يعنى: هلك هلاكًا، وقول نابغة بني ذبيان (6):
فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ
…
وَغُودِرَ بِالجَوْلانِ حَزْمٌ ونَائِلُ
يعني مهلكوه" (7).
قوله تعالى: {وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} [آل عمران: 69]، "أي: وما يهلكون غير أنفسهم" (8).
قال الطبري: " يعني بـ {أنفسهم}: أتباعهم وأشياعَهم على ملَّتِهم وأديانهم، وإنما أهلكوا أنفسَهم وأتباعهم بما حاولوا من ذلك لاستيجابهم من الله بفعلهم ذلك سخَطه، واستحقاقهم به غَضَبه ولعنته، لكفرهم بالله، ونقضِهم الميثاقَ الذي أخذ الله عليهم في كتابهم، في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه، والإقرار بنبوّته"(9).
قوله تعالى: {وَمَا يَشْعُرُونَ} [آل عمران: 69]، أي: وما يفطنون لذلك" (10).
قال الطبري: " {وما يشعرون}، بأنهم لا يضلون إلا أنفسهم، بمحاولتهم إضلالكم أيها المؤمنون"(11).
الفوائد:
1 -
بيان عداوة أهل الكتاب للمسلمين إذ يودون الإضلال.
2 -
التحذير من أهل الكتاب وأنهم يحاولون صد المسلمين عند دينهم.
3 -
أن المعتدي يجازي بمثل عدوانه، ويبتلى ما ابتلى غيره به، لقوله:{وما يضلون إلا أنفسهم} .
4 -
إحاطة علم الله تعالى في قلوب الخلق، لقوله:{ودت طائفة} ، فإن الود محله القلب، ولا يعلم ما في القلوب إلا الله.
القرآن
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70)} [آل عمران: 70]
التفسير:
يا أهل التوراة والإنجيل لم تجحدون آيات الله التي أنزلها على رسله في كتبهم، وفيها أن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو الرسول المنتظر، وأن ما جاءكم به هو الحق، وأنتم تشهدون بذلك؟ ولكنكم تنكرونه.
(1) أسباب النول للواحدي: 35.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 283.
(3)
تفسير الطبري: 6/ 400.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (3664): ص 2/ 676.
(5)
ديوانه: 50، ونقائض جرير والأخطل:83.
(6)
ديوانه: 83، واللسان (ضلل)(جلا).
(7)
تفسير الطبري: 6/ 500.
(8)
تفسير الطبري: 6/ 501.
(9)
تفسير الطبري: 6/ 501.
(10)
صفوة التفاسير: 190.
(11)
تفسير الطبري: 6/ 502.
قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [آل عمران: 70] أي: يا أهل الكتاب "لم تجحدون بالقرآن"(1).
قال السدي: " أما {آيات الله}، فمحمد صلى الله عليه وسلم"(2).
وقال مقاتل بن حيان: " {لم تكفرون بآيات الله}، يقول: لم تكفرون بالحجج"(3).
قال مقاتل بن سليمان: {آيات الله} ، "يعني القرآن"(4).
قال الثعلبي: {أهل الكتاب} : "يعني: اليهود والنصارى، {آيات الله}: يعني القرآن وبيان نعت محمد صلى الله عليه وسلم"(5).
قال عباد بن منصور: "سألت الحسن عن قوله: {لم تكفرون}، قال: تجحدون"(6).
قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} [آل عمران: 70]، أي:"وأنتم تعلمون انه حق"(7).
قال الحسن: يعني: " تعرفون وتجحدون وتعلمون أنه الحق"(8).
قال ابن جريج: يعني: " على أن الدين الإسلام ليس لله دين غيره"(9).
قال السدي: " أما {تشهدون}، فتشهدون أنه الحق يجدونه عندهم مكتوبا"(10).
قال الربيع بن أنس: " تشهدون أن نعت نبي الله صلى الله عليه وسلم في كتابكم، ثم تكفرون به ولا تؤمنون به وأنتم تجدونه عندكم في التوراة والإنجيل: النبي الأمي"(11). وروي عن قتادة نحو ذلك (12).
وعن مقاتل بن حيان: " قوله: {لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون}، أن القرآن حق وأن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل"(13).
وقال مقاتل بن سليمان: أي: " أن محمدا رسول الله ونعته معكم فى التوراة"(14).
قال الثعلبي: " إن نعته مذكور في التوراة والإنجيل"(15).
قال ابن كثير: " أي: تعلمون صدقها وتتحققون حقها"(16).
قال السمرقندي: {وأنتم تشهدون} "بأنه نبي، لأنهم كانوا يخبرون بأمره قبل مبعثه ويقال: بآيات الله، يعني بعجائبه ودلائله. ويقال: بآية الرجم"(17).
قال ابن أبي زمنين: " يعني به خاصة علمائهم؛ لأنهم يجدون نعت محمد في كتابهم، ثم كفروا به وأنكروه"(18).
قال الطبري: " وإنما هذا من الله عز وجل، توبيخٌ لأهل الكتابين على كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وجحودهم نبوّته، وهم يجدونه في كتبهم، مع شَهادتهم أن ما في كتبهم حقٌّ، وأنه من عند الله"(19).
(1) تفسير السمرقندي: 1/ 222.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (3666): ص 2/ 676.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (3667): ص 2/ 676.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 283.
(5)
تفسير الثعلبي: 3/ 90.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (3665): ص 2/ 676.
(7)
صفوة التفاسير: 190.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (3671): ص 2/ 677.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (3672): ص 2/ 677.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (3668): ص 2/ 676.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (3669): ص 2/ 676 - 677.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (3669): ص 2/ 676 - 677.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (3670): ص 2/ 677.
(14)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 283.
(15)
تفسير الثعلبي: 3/ 90.
(16)
تفسير ابن كثير: 2/ 59.
(17)
تفسير السمرقندي: 1/ 222.
(18)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 295.
(19)
تفسير الطبري: 6/ 502.
قال الراغب: " لشهادة: الإخبار بالشيء عن مشاهدة: إما ببصر، أو ببصيرة، ثم يعبر بها عن المعرفة القطعية لصحة ما يدعي، وإن كان المدعى عليه منكرا بلسانه كقولك لخصمك: أنت تشهد أن الأمر بخلاف ما تذكره"(1).
الفوائد:
1 -
توبيخ اهل الكتاب على كفرهم بآيات الله عز وجل، وهم يشهدون صدقها.
2 -
الحكم الصريح على أهل الكتاب ممن لم يؤمنوا بمحمد-صلى الله عليه وسلم بالكفر، فقال:{لم تكفرون بآيات الله} ، والكفر بآيات الله كفر بالله.
3 -
أن هؤلاء الكفار كفروا عن علم وشهادة، لقوله:{وأنتم تشهدون} .
القرآن
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71)} [آل عمران: 71]
التفسير:
يا أهل التوراة والإنجيل لِمَ تخلطون الحق في كتبكم بما حرفتموه وكتبتموه من الباطل بأيديكم، وتُخْفون ما فيهما من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن دينه هو الحق، وأنتم تعلمون ذلك؟
في سبب نزول الآية قال ابن عباس: " قال عبد الله بن الصيِّف، وعدي بن زيد، والحارث بن عوف، بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غُدْوةً ونكفُر به عشيةً، حتى نلبس عليهم دينهم، لعلهم يصنعون كما نصنعُ، فيرجعوا عن دينهم! فأنزل الله عز وجل فيهم: {يا أهل الكتاب لم تلبسون الحقّ بالباطل} إلى قوله: {والله واسع عليم} "(2).
قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} [آل عمران: 71]، أي:" يا أهل التوراة والإنجيل لم تخلطون الحق بالباطل"(3).
قال قتادة: " يقول: لم تلبسون اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أنّ دين الله الذي لا يقبل غيرَه، الإسلام، ولا يجزي إلا به؟ "(4). وري عن الربيع (5)، وابن جريج (6) نحو ذلك.
وقال ابن زيد: " {الحقّ}: التوراة التي أنزل الله على موسى، و {الباطل}، الذي كتبوه بأيديهم"(7) ،
قال الطبري: " وكان خلطهم الحقّ بالباطل، إظهارهم بألسنتهم من التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله، غيرَ الذي في قلوبهم من اليهودية والنصرانية"(8).
قوله تعالى: {وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 71]، أي: و" تكتمون ما في كتبكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأنتم تعلمون ذلك"(9).
قال الطبري: " و {الحق} الذي كتموه: ما في كتُبهم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم ومبعثه ونبوّته"(10).
قال قتادة: "، كتموا شأنَ محمد، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وَينهاهم عن المنكر"(11). وروي عن الربيع (12) مثل ذلك.
قال مقاتل بن سليمان: " وذلك أن اليهود أقروا ببعض أمر محمد- صلى الله عليه وسلم وكتموا بعضا"(13).
(1) تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 629.
(2)
أخرجه الطبري (7223): ص 6/ 504.
(3)
تفسير الطبري: 6/ 503.
(4)
أخرجه الطبري (7224): ص 6/ 504.
(5)
انظر: تفسير الطبري (7225): ص 6/ 504.
(6)
انظر: تفسير الطبري (7226): ص 6/ 504.
(7)
أخرجه الطبري (7227): ص 6/ 505.
(8)
تفسير الطبري: 6/ 504.
(9)
صفوة تلفاسير: 1/ 190 - 191.
(10)
تفسير الطبري: 6/ 505.
(11)
أخرجه الطبري (7228): ص 6/ 505.
(12)
انظر: تفسير الطبري (7229): ص 6/ 505.
(13)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 284.
وقال ابن جريج: {تكتمون الحق} ، الإسلام، وأمرَ محمد صلى الله عليه وسلم {وأنتم تعلمون} أنّ محمدًا رسولُ الله، وأنّ الدين الإسلامُ" (1).
الفوائد:
1 -
أن هؤلاء الكفار من اهل الكتاب كانوا يخادعون ويمكرون بلبس الحق بالباطل.
2 -
الحذر وعدم الاغترار من اهل الباطل إذا لبسوا الحق بالباطل.
3 -
التوبيخ لمن سلك هذ المسلك، فكل من كان على شاكلتهم يستحق هذا التوبيخ.
4 -
وجوب بيان الحق على من علمه، لقوله:{وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .
القرآن
التفسير:
وقالت جماعة من أهل الكتاب من اليهود: صدِّقوا بالذي أُنزل على الذين آمنوا أول النهار واكفروا آخره; لعلهم يتشككون في دينهم، ويرجعون عنه.
في سبب نزول الآية قولان:
أحدهما: قال السدي: "كان أحبارُ قُرَى عربيةَ اثني عشر حبرًا، فقالوا لبعضهم: ادخلوا في دين محمد أول النهار، وقولوا: نشهد أن محمدًا حقّ صادقٌ، فإذا كان آخر النهار فاكفروا وقولوا: إنا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا فسألناهم، فحدَّثونا أن محمدًا كاذب، وأنكم لستم على شيء، وقد رجعنا إلى ديننا فهو أعجب إلينا من دينكم، لعلهم يشكّون، يقولون: هؤلاء كانوا معنا أوّل النهار، فما بالهم؟ فأخبر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك"(2). وروي عن ابن عباس (3)، وأبي مالك الغفاري، والحسن (4) نحو ذلك (5).
والثاني: نقل الواحدي عن مجاهد ومقاتل والكلبي: "هذا في شأن القبلة لما صرفت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود لمخالفتهم، قال كعب بن الأشرف وأصحابه: آمنوا بالذي أنزل على محمد من أمر الكعبة، وصلوا إليها أول النهار، ثم اكفروا بالكعبة آخر النهار، وارجعوا إلى قبلتكم الصخرة، لعلهم يقولون هؤلاء أهل كتاب وهم أعلم منا، فربما يرجعون إلى قبلتنا فحذر الله تعالى نبيه مكر هؤلاء، وأطلعه على سرهم، وأنزل: {وقالت طائفة من أهل الكتاب} الآية"(6).
قوله تعالى: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} [آل عمران: 72]، أي: وقالت جماعة من اليهود (7).
قال الزجاج: " الطائفة الجماعة، وهم إليهود"(8).
وقد اختلف أهل التفسير في صفة المعنى الذي أمرت به هذه الطائفة من الإيمان وجه النهار وكفر آخره، وفيه قولان:
أحدهما: أن ذلك كان أمرًا منهم إياهم بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم في نبوّته وما جاء به من عند الله، وأنه حق، في الظاهر من غير تصديقه في ذلك بالعزم واعتقاد القلوب على ذلك وبالكفر به وجحود ذلك كله في آخره. وهذا قول قتادة (9)، وأبي مالك (10)، والسدي (11).
(1) أخرجه الطبري (7230): ص 6/ 505 - 506.
(2)
أخرجه الطبري (7233): ص 6/ 507.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3683)، و (3685): ص 2/ 679. في اسناده قابوس، وهو ضعيف.
(4)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 91، وأسباب النزول:109.
(5)
انظر: تفسير الطبري (7234): ص 6/ 507 - 508.
(6)
اسباب النزول: 109 - 110.
(7)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 429.
(8)
معاني القرآن: 1/ 429.
(9)
انظر: تفسير الطبري (7231): ص 6/ 506.
(10)
انظر: تفسير الطبري (7232): ص 6/ 507.
(11)
انظر: تفسير الطبري (7233): ص 6/ 507.
والثاني: بل الذي أمرَت به من الإيمان: الصلاةُ، وحضورها معهم أول النهار، وتركُ ذلك آخرَه. وهذا قول ابن عباس (1)، ومجاهد (2).
قوله تعالى: {آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ} [آل عمران: 72]، " أي: ادخلوا في دينهم على وجه المكر والكيد أول النهار، فإذا كان آخر النهار فاخرجوا منه" (3).
قال مجاهد: " قال: صلوا معهم الصبح، ولا تصلّوا معهم آخرَ النهار، لعلكم تستزلُّونهم بذلك"(4).
قال قتادة: " {وجه النهار}: اول النهار"(5).
قال الربيع: " {وجه النهار}: أول النهار، {واكفروا آخره}، يقول: آخر النهار"(6).
وسمَّى أوّل النهار: وجه النهار، لأنه أحسنه، وأوّلُ ما يواجه الناظرَ فيراه منه، كما يقال لأول الثوب: وجهه (7)، ومن ذلك قول ربيع بن زياد (8):
مَنْ كَانَ مَسْرُورًا بمَقْتَلِ مَالِكٍ
…
فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ
قوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72]، أي:"لعلهم يرجعون عن دينهم معكم ويَدَعونه"(9).
قال ابن عباس: " لعلهم ينقلبون عن دينهم"(10).
قال السدي: " لعلهم يشكّون"(11).
قال مجاهد: "لعلهم يرجعون عن دينهم"(12).
قتادة: " يقول: لعلهم يدَعون دينهم، ويرجعون إلى الذي أنتم عليه"(13).
قال مقاتل بن سليمان: " يعني: لكي يرجعوا عن دينهم إلى دينكم"(14).
قال ابن كثير: " هذه مكيدة أرادوها ليلْبسُوا على الضعفاء من الناس أمْر دينهم، وهو أنهم اشْتَوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار ويُصَلّوا مع المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس: إنما رَدّهم إلى دينهم اطّلاعهُم على نقيصة وعيب في دين المسلمين"(15).
الفوائد:
1 -
بيان كيد الكافرين للمسلمين، وذلك بسلوك طرق الحيل المتنوعة.
2 -
قد يكون في أهل الكتاب منافقون، لقوله:{آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ} ، لأن المؤمن حقا لابد أن يستقر الايمان في قلبه ولا يكفر ولايرجع.
3 -
أن المؤمن قد يخدع بمثل هذه الخديعة، فيتظاهر عدوه بانه موافق له ثم يبرأ منه في النهاية.
القرآن
التفسير:
(1) انظر: تفسير الطبري (7237): ص 6/ 508.
(2)
انظر: تفسير الطبري (7235): ص 6/ 508.
(3)
تفسير السعدي: 134.
(4)
أخرجه الطبري (7240): ص 6/ 509 - 510.
(5)
أخرجه الطبري (7238): ص 6/ 509.
(6)
أخرجه الطبري (7239): ص 6/ 509.
(7)
انظر: تفسير الطبري: 6/ 508 - 509.
(8)
انظر البيت في: مجاز القرآن 1/ 97، حماسة أبي تمام 3/ 26، والأغاني 16/ 27، والخزانة 3/ 538، واللسان (وجه).
(9)
تفسير الطبري: 6/ 510.
(10)
أخرجه الطبري (7243): ص 6/ 510.
(11)
أخرجه الطبري (7244): ص 6/ 510.
(12)
أخرجه الطبري (7245): ص 6/ 510.
(13)
أخرجه الطبري (7241): ص 6/ 510.
(14)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 284.
(15)
تفسير ابن كثير: 2/ 59.
ولا تصدِّقوا تصديقًا صحيحًا إلا لمَن تبع دينكم فكان يهودياً، قل لهم -أيها الرسول-: إن الهدى والتوفيق هدى الله وتوفيقه للإيمان الصحيح. وقالوا: لا تظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين فيتعلمون منكم فيساووكم في العلم به، وتكون لهم الأفضلية عليكم، أو أن يتخذوه حجة عند ربكم يغلبونكم بها. قل لهم -أيها الرسول-: إن الفضل والعطاء والأمور كلها بيد الله وتحت تصرفه، يؤتيها من يشاء ممن آمن به وبرسوله. والله واسع عليم، يَسَعُ بعلمه وعطائه جميع مخلوقاته، ممن يستحق فضله ونعمه.
في سبب نزول قولان:
أحدهما: قال السدي: "قال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم: {قل إنّ الهدى هُدَى الله أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم}، يقول، مثل ما أوتيتم يا أمة محمد {أو يحاجوكم عند ربكم}، تقول اليهود: فعل الله بنا كذا وكذا من الكرامة، حتى أنزل علينا المن والسلوى، فإن الذي أعطيتكم أفضلُ، فقولوا: {إن الفضْل بيد الله يؤتيه من يشاء}، الآية"(1).
والثاني: قال أبو مالك: " كان اليهود يقول أحبارهم للذين من دونهم لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، فأنزل الله تعالى: {قل إن الهدى هدى الله} "(2).
قوله تعالى: {وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} [آل عمران: 73]، أي:" لا تصدقوا ولا تظهروا سرّكم وتطمئنوا لأحدٍ إِلا إِذا كان على دينكم"(3).
قال أبو عبيدة: أي: " لا تقرّوا: لا تصدّقوا"(4).
قال الفراء: " فإنه يقال: إنها من قول اليهود. يقول: ولا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم"(5).
قال الطبري: أي: " لا تؤمنوا إلا لمن آمن بدينكم، ومَنْ خالفه فلا تؤمنوا له"(6).
قال الثعلبي: أي: " ولا تصدقوا إلا من وافق ملتكم وصلى إلى قبلتكم"(7).
قال الزجاج: " قيل: المعنى: لا تجعلوا تصديقكم النبي في شيء مما جاءكم به إلا لليهود، فإنكم إن قلتم ذلك للمشركين كان عونا لهم على تصديقه، وقال أهل اللغة وغيرهم من أهل التفسير: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، أي لا تصدقوا أن يعطى أحد من علم النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطيتم "(8).
وقال الزمخشري: أي: " ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار، إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم لأن رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع من سواهم، ولأن إسلامهم كان أغيظ لهم"(9).
وفي تفسير قوله تعالى: {وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} [آل عمران: 73]، وجهان (10):
أحدهما: معناه لا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم. قاله الكلبي (11)، وهو قول الجمهور.
والثاني: أن المعنى: لا تعترفوا بالحق إلا لمن تبع دينكم.
واخْتُلِفَ في الذين قالوا ذلك على قولين:
أحدهما: أنهم كافة اليهود ، قال ذلك بعضهم لبعض ، وهذا قول قتادة (12)، والربيع (13)، والسدي (14) ، وابن زيد (15).
(1) تفسير الطبري (7251): ص 6/ 513.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (3691): ص 2/ 680، وانظر:(3693): ص 2/ 681.
(3)
صفوة التفاسير: 191.
(4)
مجاز القرآن: 1/ 97.
(5)
معاني القرآن: 1/ 222.
(6)
تفسير الطبري: 6/ 512.
(7)
تفسير الثعلبي: 3/ 91.
(8)
معاني القرآن: 1/ 430.
(9)
الكشاف: 1/ 374.
(10)
انظر: النكت والعيون: 1/ 401.
(11)
انظر: تفسير السمرقندي: 1/ 223.
(12)
انظر: تفسير الطبري (7246): ص 6/ 511.
(13)
انظر: تفسير الطبري (7247): ص 6/ 511.
(14)
انظر: تفسير الطبري (7247): ص 6/ 511. [أعطاه المحقق –رحمه الله-رقم الخبر السابق نفسه، لعله سهو].
(15)
انظر: تفسير الطبري (7248): ص 6/ 511 - 512
والثاني: أنهم يهود خبير قالوا ذلك ليهود المدينة ، وهذا قول الحسن (1).
واختلف في سبب نهيهم أن يؤمنوا إلا لِمَنْ تَبعَ دينهم على قولين (2):
أحدهما: أنهم نُهُوا عن ذلك لِئَلاً يكون طريقاً لعبدة الأوثان إلى تصديقه، وهذا قول الزجاج (3).
والثاني: أنهم نُهُوا عن ذلك لِئَلَاّ يعترفوا به فيلزمهم العمل بدينه لإقرارهم بصحته.
وقد ذكر الماتريدي في تفسير قوله تعالى: {وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} [آل عمران: 73]، وجوها (4):
أحدها: يحتمل أن يكون في السر، أي لاتصدقوهم في السرّ، وإن أعطيتم لهم الظاهر.
والثاني: أن يكون بعد ما أظهرتم، اكفروا آخره.
والثالث: أن المعنى: لا تؤمنوا بما جاء به، إلا لأجل من تبع دينكم؛ فيكون عندهم قدوة، يتقرر عندهم -بالذي فعلتم- أنكم أهل الحق؛ فيتبعكم كيفما تصيرون إليه.
والرابع: ويحتمل: {لا تؤمنوا} : لا تصدقوا فيما يخبركم عن أوائلكم، {إلا لمن تبع دينكم} على المنع عن تصديق الرسول فيما يخبرهم من التحريف والتبديل.
وفي قوله تعالى: {وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} [آل عمران: 73]، وجهان (5):
أحدهما: البيان هو ما بين الله؛ إذ هو الحق، وكل ما فيه الصرف عنه فهو تلبيس وتمويه.
والثاني: ويحتمل: أن يكون الدين هو الذي دعا إليه بما أوضحه وأنار برهانه، لا الدين الذي دعا إليه أولئك المنحرفون.
قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} [آل عمران: 73]، أي:" قل لهم يا محمد: الهدى ليس بأيديكم وإِنما الهدى هدى الله، يهدي من يشاء إِلى الإِيمان ويثبته عليه"(6).
قال الكلبي: "يقول: دين الله هو الإسلام"(7).
قال الزمخشري: " معناه أن الهدى هدى الله، من شاء أن يلطف به حتى يسلم، أو يزيد ثباته على الإسلام، كان ذلك، ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم تصديقكم عن المسلمين والمشركين"(8).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن جريج: " قوله: {إن الهدى هدى الله}، قال: هذا الأمر الذي أنتم عليه"(9).
قوله تعالى: {أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} [آل عمران: 73]، أي:" خشية أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم"(10).
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم (11)، عن أبي مالك، وسعيد بن جبير:{أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} قالا: " أمة محمد"(12).
وعن السدي: " يقول: ما أوتي أحد مثل ما أوتيتم يا أمة محمد"(13).
قال مجاهد: " حسدا من يهود أن تكون النبوة في غيرهم، وأرادو أن يتابعوا على دينهم "(14).
(1) انظر: النكت والعيون: 1/ 401.
(2)
انظر: النكت والعيون: 1/ 401.
(3)
انظر: معاني القرآن: 1/ 430.
(4)
انظر: تفسير الماتريدي: 2/ 406.
(5)
انظر: تفسير الماتريدي: 2/ 406.
(6)
صفوة التفاسير: 191.
(7)
تفسير السمرقندي: 1/ 223.
(8)
الكشاف: 1/ 374.
(9)
تفسير ابن أبي حاتم (3694): ص 2/ 681.
(10)
صفوة التفاسير: 191.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3695): ص 2/ 681.
(12)
تفسير ابن المنذر (602): ص 1/ 253.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (3696): ص 2/ 681.
(14)
أخرجه ابن المنذر (605): ص 1/ 254، وابن أبي حاتم (3697): ص 2/ 681.
وقال قتادة: " يقول: " لما أنزل الله عز وجل كتابا مثل كتابكم، وبعث نبيا كنبيكم حسدتموهم على ذلك" (1). وروي عن الربيع بن انس مثل ذلك (2).
قال الأخفش: أي: " لا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم"(3).
قال السمرقندي: أي: " لن يعطى أحد مثل ما أوتيتم من دين الإسلام، والقرآن الذي فيه الحلال والحرام"(4).
قال ابن أي زمنين: أي: " فإنه لن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم"(5).
قال الزجاج: " قيل في المعنى: {قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم}، أي: الهدى هو هذا الهدى، لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم"(6).
قال الزمخشري: " يعنى أن ما بكم من الحسد والبغي- أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب- دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم، والدليل عليه قراءة ابن كثير: {أأن يؤتى أحد}، بزيادة همزة الاستفهام للتقرير والتوبيخ، بمعنى: إلا أن يؤتى أحد"(7).
قال الفراء: أي: " لا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أوقعت {تؤمنوا} ، على {أن يؤتى} ، كأنه قال: ولا تؤمنوا أن يعطى أحد مثل ما أعطيتم، فهذا وجه.
ويقال: قد انقطع كلام اليهود عند قوله {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} ، ثم صار الكلام من قوله: قل يا محمد إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتى أهل الإسلام، وجاءت {أن} ، لأن في قوله:{قل إن الهدى} مثل قوله: إن البيان بيان الله، فقد بين أنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتى أهل الإسلام" (8).
قال الماتريدي: " أي: لن يؤتى - والله أعلم - من الكتاب والحجج، ويحتمل أن يكون صلة قوله: {إن الهدى هدى الله}، وهو دينه، أو ما دعا إليه، ثم يقول: {أن يؤتى} بمعنى: لن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أهل الإسلام من الحجج والبينات، التي توضح أن الحق في أيديكم"(9).
قال النّحّاس: " هذه الآية من أشكل ما في السورة وقد ذكرناه، والإعراب يبيّنها. فيها أقوال:
فمن قال: إنّ في الكلام تقديما وتأخيرا فإنّ المعنى: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلّا من اتّبع دينكم وجعل اللام زائدة فهو عنده استثناء ليس من الأول وإلّا لم يجز التقديم.
ومن قال: المعنى على غير تقديم ولا تأخير جعل اللام أيضا زائدة أو متعلقة بمصدر، أي: لا تجعلوا تصديقكم إلّا لمن اتّبع دينكم بأن يؤتى أحد من العلم برسالة النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما أوتيتم.
وتقدير ثالث: أي: كراهة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم" (10).
فنستنتج أن في قوله تعالى: {أَنْ يُؤْتَى} [آل عمران: 73]، وجهان (11):
أحدهما: أن يتصل بقو له: {ولا تؤمنو} ، تقديره: ولا تؤمنوا بأن يؤتى أحد، لكن حذف الجار لكثرة حذفه مع "أن".
والثاني: أن يتصل بقوله: {قل إن الهدى هدى الله} ، ويكون كلام اليهود قد انقطع عند قوله:{ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} .
قوله تعالى: {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 73]، أي:" أو خشية أن يحاجوكم به عند ربكم"(12).
(1) أخرجه ابن المنذر (606): ص 1/ 254.
(2)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3700): ص 2/ 682.
(3)
معاني القرآن: 1/ 223.
(4)
تفسير السمرقندي: 1/ 223.
(5)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 296.
(6)
معاني القرآن: 1/ 430.
(7)
الكشاف: 1/ 374.
(8)
معاني القرآن: 1/ 222.
(9)
تفسير الماتريدي: 2/ 406.
(10)
معاني القرآن للنحاس: 1/ 165.
(11)
انظر: تفسير الراغب الصفهاني: 2/ 639 - 642.
(12)
صفوة التفاسير: 191.
قال ابن جريج: "قال بعضهم لبعض: لا تخبرونهم بما بين الله لكم في كتابه، فيخاصموكم عند ربكم، فتكون لهم حجة عليكم "(1).
قال الزجاج: " ومعنى: {أو يحاجوكم عند ربكم}: أي: ليس يكون لأحد حجة عند الله في الإيمان به لعلم من عنده. إلا من كان مثلكم"(2).
قال الأخفش: أي: " ولا تؤمنوا أن يحاجوكم [{عند ربكم}] "(3).
قال ابن أبي زمنين: أي: " ولن يحاجكم بمثل دينكم أحد عند ربكم"(4).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن السدي: " {أو يحاجوكم عند ربكم}، يقول اليهود: فعل الله بنا كذا وكذا من الكرامة حتى أنزل علينا المن والسلوى"(5).
قال الماتريدي: " قوله: {أو يحاجوكم عند ربكم}: راجع إلى قوله: {وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} [آل عمران: 73]، فـ {يحاجوكم عند ربكم} أنهم قد آمنوا به مرة وأقروا له؛ وهو كقوله: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} [البقرة: 76]: أنهم كانوا يظهرون لهم الإسلام والإيمان، ثم إذا خلوا قالوا: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 14]؛ فقال بعضهم لبعض: لا تظهروا لهم الإسلام؛ فيحاجوكم عند ربكم في الآخرة؟ ! "(6).
نستنتج بأن في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} [آل عمران: 73]، وجهان (7):
أحدهما: أن في الكلام حذفاً ، وتقديره: قل إن الهدى هدى الله ألَاّ يُؤْتَى أحدٌ مثل ما أوتيتم أُّيها المسلمون ، ثم حذف (لا) من الكلام لدليل الخطاب عليها مثل قوله تعالى:{يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا} [النساء: 176] أي لا تضلوا ، وهذا معنى قول السدى (8) ، وابن جريج (9).
والثاني: أن معنى الكلام: قل إن الهدى هدى الله فلا تجحدوا أن يُؤْتى أحد مثل ما أوتيتم.
وقرأ ابن كثير: «أان يؤتى» بهمزتين: الأولى مخففة، والثانية ملينة على الاستفهام، مثل: أانتم أعلم، أي لا يعطى أحد مثل ما أعطيتم وهو متصل بقوله {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} {أن يؤتى أحد} ويكون قوله {إن الهدى هدى الله} خبرا اعترض في وسط الكلام ولم يغير من المعنى شيئا وإذا حمل الكلام على هذا كان قوله أن يؤتى بعد من الحكاية عن اليهود يقول لا تصدقوا أن يعطى أحد مثل ما أعطيتم.
وقرأ الباقون: {أن يؤتى} ، بلا استفهام، وتأويله ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وقد بينا في كتاب التفسير (10).
وفي قوله تعالى: {أَوْ يُحَآجُّوكُم عِندَ رَبِّكُم} } [آل عمران: 73]، وجهان:
أحدهما: يعني ولا تؤمنوا أن يُحَاجّوكم عند ربكم، لأنه لا حجة لهم ، وهذا قول الحسن (11) ، وقتادة (12).
والثاني: إن معناه حتى يُحَاجُّوكم عند ربكم ، على طريق التبعيد ، كما يقال: لا تلقاه أو تقوم الساعة ، وهذا قول الكسائي (13) ، والفراء (14).
(1) أخرجه ابن المنذر (607): ص 1/ 254، وابن أبي حاتم (3699): ص 2/ 682.
(2)
معاني القرآن: 1/ 430.
(3)
معاني القرآن: 1/ 223.
(4)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 296.
(5)
تفسير ابن أبي حاتم (3698): ص 2/ 682.
(6)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 296.
(7)
انظر: النكت والعيون: 1/ 401 - 402.
(8)
انظر: تفسير الطبري (7251): ص 6/ 513، وتفسير ابن أبي حاتم (3696): ص 2/ 681.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3694): ص 2/ 681.
(10)
انظر: الحجة للقراء السبعة: 3/ 55، وحجة القراءات: 165 - 166، وزاد المسير: 1/ 294.
(11)
انظر: النكت والعيون: 1/ 402.
(12)
انظر: النكت والعيون: 1/ 402.
(13)
انظر: تفسير ابن المنذر (603): ص 1/ 253.
(14)
انظر: تفسير ابن المنذر (603): ص 1/ 253.
قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} [آل عمران: 73]، أي:" قل لهم -أيها الرسول-: إن الفضل والعطاء والأمور كلها بيد الله وتحت تصرفه"(1).
قال ابن جريج: " {قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء}، يعني: "الإسلام " (2).
قال مقاتل: " قل يا محمد: {إن الفضل} يعني: الإسلام والنبوة"(3).
قال الزجاج: " أي نبوته وهداه يؤتيه من يشاء"(4).
قال السمرقندي: " يعني النبوة، والكتاب والهدى، بتوفيق الله، يوفق من يشآء"(5).
قال ابن أبي زمنين: " وفضل الله: الإسلام"(6).
قال الزمخشري: " يريد الهداية والتوفيق"(7).
قال السدي: " قال: يا أمة محمد فإن الذي أعطيتكم أفضل، فقولوا: {إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء} "(8).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 73]، أي: والله " كثير العطاء واسع الإِنعام يعلم من هو أهل له"(9).
قال التستري: " أي كثير العطاء يقدر بقدرته الأزلية أن يعطى جميع ما يسأل، وهو المحيط بكل شيء، كما قال: وسع كل شيء علما [طه: 98] "(10).
قال مقاتل: أي: {عليم} "بمن يؤتيه الفضل"(11).
قال السمرقندي: أي: والله" واسع الفضل، عليم بمن يؤتيه الفضل"(12).
الفوائد:
1 -
تعصب أهل الكتاب لدينهم على ضلالهم.
2 -
أن المسلم يرد كيد هؤلاء بإعلان أن الهدى هدى الله، ومن ثم الاعتماد على الرب في طلب الهدى، دون الاعتماد على النفس.
3 -
أن الحسد كان سبب صنيعتهم لهذه الخديعة، لقوله:{أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} .
4 -
أن أهل الكتاب يؤمنون بالبعث والحساب، لقوله:{أو يحاجوكم عند ربكم} ، ولكن ليس كل من آمن بالبعث يعمل له، وذلك كاليهود والنثارى إذ لو عملوا لهذا البعث لآمنوا بالرسول-صلى الله عليه وسلم.
5 -
إثبات أن العطاء عطاء الله، وأنه إذا منّ على أحدا من خلقه فلن يستطيع أحد منعه.
6 -
إثبات المشيئة لله، لقوله:{من يشاء} .
7 -
قال الماتريدي: " هذه الآية على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الفضل ليس بيد الله؛ وكذلك الاختصاص؛ إنما ذلك بيد الخلق؛ لأن من قولهم: إنه ليس على الله أن يفعل بالخلق إلا ما هو أصلح لهم في الدين، ليس له أن يؤتى أحدا فضلا، ولا له أن يختص أحدا برسالة، إلا من هو مستحق لذلك مستوجب له؛ فذلك الفضل والاختصاص إنما استوجبوا بأنفسهم لا بالله، على قولهم، ففي الحقيقة الفضل عندهم كان بيدهم لا بيد الله، فأكذبهم الله بذلك؛ إذ الفضل عند الخلق هو فعل ما ليس عليه لا ما عليه؛ فنعوذ بالله من السرف في القول، والزيغ عن الرشد"(13).
القرآن
(1) التفسير الميسر: 59.
(2)
أخرجه ابن المنذر (608): ص 1/ 256.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 285.
(4)
معاني القرآن: 1/ 431.
(5)
تفسير السمرقندي: 1/ 223.
(6)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 296.
(7)
الكشاف: 1/ 374.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (3701): ص 2/ 682.
(9)
صفوة التفاسير: 191.
(10)
تفسير التستري: 49.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 285.
(12)
تفسير السمرقندي: 1/ 223.
(13)
تفسير الماتريدي: 2/ 405 - 406.
{يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74)} [آل عمران: 74]
التفسير:
إن الله يختص مِن خلقه مَن يشاء بالنبوة والهداية إلى أكمل الشرائع، والله ذو الإحسان والعطاء الكثير الواسع.
في سبب نزول الآية: قال السدي: "قال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم: {قل إنّ الهدى هُدَى الله أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم}، يقول، مثل ما أوتيتم يا أمة محمد {أو يحاجوكم عند ربكم}، تقول اليهود: فعل الله بنا كذا وكذا من الكرامة، حتى أنزل علينا المن والسلوى فإن الذي أعطيتكم أفضلُ فقولوا: {إن الفضْل بيد الله يؤتيه من يشاء}، الآية"(1).
قوله تعالى: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} [آل عمران: 74]، أي:"يخص بالرحمة من يشاء"(2).
قال الحسن: " رحمته الإسلام يختص بها من يشاء"(3).
وقال مجاهد: "النبوّة، يخصُّ بها من يشاء"(4). وروي عن الربيع (5)، وابن جريج (6) مثل ذلك.
قال الطنطاوي: " أى يختص بالنبوة وما يترتب عليها من الهداية والنعم من يشاء من عباده"(7).
قال السمرقندي: " يعني: بدينه يعطيه من يشاء من عباده"(8).
قال ابن أبي زمنين: " أي: بدينه؛ وهو الإسلام، {من يشاء} يعني: المؤمنين"(9).
قال المراغي: " أي إن فضله الواسع ورحمته العامة يعطيهما بحسب مشيئته، لا كما يزعم أهل الكتاب من قصرها على الشعب المختار من بنى إسرائيل، فهو يبعث من يشاء نبيا ويبعثه رسولا"(10).
قال ابن كثير: "أي: اختصكم - أيها المؤمنون - من الفضل بما لا يُحَد ولا يُوصَف، بما شرف به نبيكم محمدًا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء وهداكم به لأحمد الشرائع"(11).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [آل عمران: 74]، أي: والله صاحب الفضل الواسع الكثير" (12).
قال السمرقندي: " أي ذو المن العظيم، لمن اختصه بالإسلام"(13).
قال سعيد بن جبير: " العظيم يعني: وافر"(14).
الفوائد:
1 -
أن الله قد يرحم بعض العباد رحمة خاصة، وقد بيّن في آية أخرى أن الله يرحم من يستحق ذلك، وهو الذي تعرض لأسباب الرحمة، فقال:{يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ} [المائدة: 16]، وقال:{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 156].
2 -
أنه لا اعتراض على الله في كونه يختص برحمته من يشاء من الناس، لأن الامر إليه وهو فضل إن شاء منعه وإن شاء أعطاه.
3 -
جواز وصف غير الله بالعظين، لقوله:{ذو الفضل العظيم} .
4 -
قال الماتريدي: " وقوله: {يختص برحمته من يشاء} ، ينقض على المعتزلة قولهم بوجهين:
(1) أخرجه الطبري (7251): ص 6/ 513.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 410.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (3703): ص 2/ 683.
(4)
أخرجه الطبري (7256): ص 6/ 517.
(5)
انظر: تفسير الطبري (7258): ص 6/ 518.
(6)
انظر: تفسير الطبري (7259): ص 6/ 518.
(7)
التفسير الوسيط للطنطاوي: 2/ 147.
(8)
تفسير السمرقندي: 1/ 223.
(9)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 296.
(10)
تفسير المراغي: 3/ 187.
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 60.
(12)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 410.
(13)
تفسير السمرقندي: 1/ 223.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (3704): ص 2/ 683.
أحدهما: أنهم لا يرون لله أن يختص أحدا -بشيء فيه صلاح- غيره صرفه عن ذلك الغير، بل إن فعل ذلك كان محابيا عندهم بخيلا، بل في الابتداء لم يكن له ذلك؛ وإنما يعطى بالاستحقاق، وذلك حق يلزمه، وقد ذكر بحرف الامتنان.
وعندهم -أيضا-: ليس له ألا يشاء أو لا يعطى؛ فلا معنى لذكره الذي ذكر مع ما صار ذلك، بيد غيره إذ يلزم ذلك، والله أعلم.
والثاني: أن الذي يحق عليه - أن يبذل كلا الأصلح في الدين، وأنه إن قصر أحدا عن ذلك كان جائزا، ثم الأفضل للعبد شيء مما أعطى حتى يعطيه فيما أمره؛ فيكون الفضل في الحقيقة في يد العبد: يؤتى نفسه إن شاء ويمنع إن شاء" (1).
القرآن
التفسير:
ومن أهل الكتاب من اليهود مَن إنْ تأمنه على كثير من المال يؤدِّه إليك من غير خيانة، ومنهم مَن إنْ تأمنه على دينار واحد لا يؤدِّه اليك، إلا إذا بذلت غاية الجهد في مطالبته. وسبب ذلك عقيدة فاسدة تجعلهم يستحلُّون أموال العرب بالباطل، ويقولون: ليس علينا في أكل أموالهم إثم ولا حرج; لأن الله أحلَّها لنا. وهذا كذب على الله، يقولونه بألسنتهم، وهم يعلمون أنهم كاذبون.
في سبب نزول الآية أقوال:
أ- اختلف أهل العلم في سبب نزول قوله: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [الآية: 75]، على وجوه:
أحدها: قال مقاتل بن سليمان: " يعني عبد الله بن سلام وأصحابه ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك
يعني كفار اليهود يعني كعب بن الأشرف وأصحابه، يقول منهم من يؤدي الأمانة ولو كثرت، ومنهم من لا يؤديها ولو ائتمنته على دينار لا يؤده إليك" (2).
والثاني: نقل ابن حجر عن ابن عباس: أن "الأول عبد الله بن سلام أودعه رجل ألفا ومائتي أوقية من ذهب فأداه إليه فمدحه الله، والثاني فنحاص بن عازورا أودعه رجل من قريش دينارا فخانه فيه"(3).
والثالث: قال الثعلبي: " قال أكثر المفسّرين: نزلت هذه الآية في اليهود كلّهم، أخبر الله تعالى إنّ فيهم أمانة وخيانة، والقنطار عبارة عن المال الكثير، والدينار عبارة عن المال القليل"(4).
والرابع: قال السيوطي: " أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْك} قال: هذا من النصارى: {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْك} قال: هذا من اليهود: {إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} قال: إلا ما طلبته واتبعته"(5).
ب-كما اختلف أهل العلم في سبب نزول قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الآية: 75]، على وجهين:
أحدهما: قال ابن عباس: " {ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل}، وذلك أن أهل الكتاب كانوا يقولون: ليس علينا جناح فيما أصبنا من هؤلاء، لأنهم أمِّيُّون. فذلك قوله: {ليس علينا في الأميين سبيل}، إلى آخر الآية"(6).
(1) تفسير الماتريدي: 2/ 407.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 285.
(3)
العجاب في بيان الأسباب: 2/ 696.
(4)
تفسير الثعلبي: 2/ 94.
(5)
الدر المنثور: 2/ 234، وانظر: العجاب: 2/ 696.
(6)
أخرجه الطبري (7271): ص 6/ 523.
والثاني: قال ابن جريج: " {ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل}، قال: بايع اليهودَ رجالٌ من المسلمين في الجاهلية، فلما أسلموا تقاضوهم ثمنَ بُيوعهم، فقالوا: ليس لكم علينا أمانةٌ، ولا قضاءَ لكم عندنا، لأنكم تركتم دينكم الذي كنتم عليه! قال: وادّعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم، فقال الله عز وجل: {ويقولون على الله الكذبَ وهم يعلمون} "(1). وروي عن قتادة (2)، والسدي (3) ومقاتل (4) نحو ذلك.
قوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75]، أي:" ومن أهل الكتاب الذي إنْ تأمنه، يا محمد، على عظيم من المال كثير، يؤدِّه إليك ولا يخنْك فيه"(5).
واختلفوا في مقدار القنطار على سبعة أقاويل:
أحدها: أنه ألف ومائتا أوقية، وهو قول معاذ بن جبل (6)، وأبي هريرة (7)، وعاصم بن أبي النجود (8)، ورواه زر بن حبيش عن أُبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " القنطار ألف أوقية ومئتا أوقية"(9).
والثاني: أنه ألف ومائتا دينار، وهو قول ابن عباس (10)، والضحاك (11)، والحسن (12)، وقد رواه الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم (13).
والثالث: أنه اثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار، وهو قول ابن عباس (14)، والضحاك (15)، والحسن (16).
والرابع: أنه ثمانون ألفاً من الدراهم، أو مائة رطل من الذهب، وهو قول سعيد بن المسيب (17)، وقتادة (18)، وأبي صالح (19)، والسدي (20).
والخامس: أنه سبعون ألفاً، قاله ابن عمر (21)، ومجاهد (22).
والسادس: أنه ملء مسك ثور ذهباً، قاله أبو نضرة (23)، والكلبي (24).
والسابع: أنه المال الكثير، وهو قول الربيع (25).
والراجح أن القنطار: هو المال الكثير، كما قال الربيع بن أنس، ولا يحدُّ قدرُ وزنه بحدٍّ على تَعسُّف (26).
(1) أخرجه الطبري (7272): ص 6/ 523.
(2)
انظر: تفسير الطبري (7266): ص 6/ 522.
(3)
انظر: تفسير الطبري (7268): ص 6/ 522.
(4)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 285.
(5)
تفسير الطبري: 6/ 519.
(6)
انظر: تفسير الطبري (6696): ص 6/ 244.
(7)
انظر: تفسير الطبري (6700): ص 6/ 244.
(8)
انظر: تفسير الطبري (6699): ص 6/ 244.
(9)
أخرجه الطبري (6701): ص 6/ 245.
(10)
انظر: تفسير الطبري (6704): ص 6/ 246.
(11)
انظر: تفسير الطبري (6705): ص 6/ 246.
(12)
انظر: تفسير الطبري (6703): ص 6/ 246.
(13)
انظر: تفسير الطبري (6702): ص 6/ 245.
(14)
انظر: تفسير الطبري (6706): ص 6/ 246.
(15)
انظر: تفسير الطبري (6707): ص 6/ 246.
(16)
انظر: تفسير الطبري (6708) - (6712): ص 6/ 246 - 247.
(17)
انظر: تفسير الطبري (6713): ص 6/ 2467.
(18)
انظر: تفسير الطبري (6715): ص 6/ 247.
(19)
انظر: تفسير الطبري (6717): ص 6/ 246.
(20)
انظر: تفسير الطبري (6718): ص 6/ 246 - 247.
(21)
انظر: تفسير الطبري (6721): ص 6/ 248، وتفسير ابن أبي حاتم (3261): ص 2/ 609.
(22)
انظر: تفسير الطبري (6719): ص 6/ 248، وابن أبي حاتم (3262): ص 2/ 609.
(23)
انظر: تفسير الطبري (6722): ص 6/ 248.
(24)
أورد قوله: أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 89، وأورده نقلا عن النقاش ابن عطية، في "المحرر الوجيز" 3/ 42، والقرطبي في "تفسيره" 4/ 31، وفي "الزاهر" 1/ 432، ينقل عن الكلبي، أن القنطار: ألف مثقال، ذهب أو فضة، وكذا في "زاد المسير" 1/ 359.
(25)
انظر: تفسير الطبري (6724): ص 6/ 249.
(26)
انظر: تفسير الطبري: 6/ 249.
وقرأ أبو عمرو وحمزة: {يُؤَدِّهْ} ، بجزم الهاء، وهي لغة لبعض العرب، واللغة المعروفة هي بإظهار الكسرة (1).
قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75]، أي:" ومنهم الذي إن تأمنه على دينار يخنْك فيه فلا يؤدِّه إليك"(2).
قال مالك بن دينار قال: "إنما سمي الدينار لأنه دين ونار، معناه: إن من أخذه بحقه فهو دينه، ومن أخذه بغير حقه فله النار"(3).
قوله تعالى: {إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ} [آل عمران: 75]، أي:" إلا أن تلح عليه بالتقاضي والمطالبة"(4).
قال ابن كثير: " أي: بالمطالبة والملازمة والإلحاح في استخلاص حقك، وإذا كان هذا صنيعه في الدينار فما فوقه أولى ألا يؤديه
…
يخبر تعالى عن اليهود بأن فيهم الخونة، ويحذر المؤمنين من الاغترار بهم" (5).
وفي قوله تعالى: {إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ} [آل عمران: 75]، وجوه:
أحدها: أن المعنى: إلا ما دمت عليه قائماً بالمطالبة والإقتضاء، وهذا قول مجاهد (6)، وعطاء (7)، وقتادة (8)، والربيع بن أنس (9).
والثاني: بالبينة. قاله نمير بن اوس (10).
والثالث: قائماً على رأسه، وهو قول السدي (11).
الرابع: بالملازمة. أفاده الماوردي (12).
قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} [آل عمران: 75]، " أي إِنما حملهم على الخيانة زعمهم أن الله أباح لهم أموال الأميين-يعني العرب"(13).
قال الطبري: " من أجل أنه يقول: لا حرَج علينا فيما أصبنا من أموال العرب"(14).
قال ابن كثير: "أي: إنَّمَا حَمَلهم على جُحود الحق أنهم يقولون: ليس علينا في ديننا حَرَج في أكل أموال الأمييّن، وهم العرب؛ فإن الله قد أحلها لنا"(15).
قال سعيد بن جبير: " لما قال أهل الكتاب: ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل قال نبي الله: كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر"(16).
ولأهل التفسير في سبب استباحتهم له قولان:
أحدهما: لأنهم مشركون من غير أهل الكتاب، وهو قول قتادة (17)، والسدي (18).
والثاني: لأنهم تحولوا عن دينهم الذي عاملناهم عليه، وهذا قول الحسن (19) وابن جريج (20).
(1) انظر: السبعة: 207.
(2)
تفسير الطبري: 6/ 519.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (3706): ص 2/ 683.
(4)
تفسير الطبري: 6/ 519.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 60.
(6)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3707): ص 2/ 683.
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3707): ص 2/ 683.
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3708): ص 2/ 683.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3708): ص 2/ 683.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3710): ص 2/ 684.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3709): ص 2/ 683.
(12)
انظر: النكت والعيون: 1/ 403.
(13)
صفوة التفاسير: 193.
(14)
تفسير الطبري: 6/ 521.
(15)
تفسير ابن كثير: 2/ 61.
(16)
أخرجه ابن أبي حاتم (3712): ص 2/ 684.
(17)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3715): ص 2/ 685.
(18)
انظر: تفسير الطبري (7268): ص 6/ 522.
(19)
انظر: النكت والعيون: 1/ 403.
(20)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3714): ص 2/ 684.
قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 75]، " أي: يكذبون على الله بادعائهم ذلك وهم يعلمون أنهم كاذبون مفترون " (1).
قال ابن جريج: " يعني: ادّعاءهم أنهم وجدُوا في كتابهم قولهم: {ليس علينا في الأميين سبيل} "(2).
قال السدي: " فيقول على الله الكذب وهو يعلم يعني الذي يقول منهم - إذا قيل له: ما لك لا تؤدي أمانتك؟ -: ليس علينا حرج في أموال العرب، قد أحلها الله لنا! "(3).
قال ابن كثير: " أي: وقد اختلقوا هذه المقالة، وائتفكوا بهذه الضلالة، فَإن الله حَرم عليهم أكل الأموال إلا بحقها، وإنما هم قوم بُهْت"(4).
الفوائد:
1 -
بيان انقسام أهل الكتاب إلى قسمين: أمين وخائن، كما انقسموا إلى قسمين: مؤمن وكافر، وبالتالي يجب الحذر منهم عند التعامل.
2 -
جواز الاقتصار على المثال ليقاس عليه ما يشبهه، لأنه قال قنطار ودينار على سبيل التمثيل.
3 -
اعجاب أهل الكتاب بأنفسهم واحتقارهم لغيرهم، لقولهم:{ليس علينا في الأميين سبيل} .
4 -
قولهم على الله الكذب وذلك بنسبتهم الظلم والعدوان إلى شريعة الله.
5 -
إن من افترى على الله الكذب وهو يعلم، أشد إثما وعدوانا ممن لايعلم، وإن كان كل منهم على خطأ.
6 -
إن الجهل المركب أقبح من الجهل البسيط، لأن الذي يكذب وهو يعلم أقبح من الذي يرى أن هذا هو العلم.
القرآن
{بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)} [آل عمران: 76]
التفسير:
ليس الأمر كما زعم هؤلاء الكاذبون، فإن المتقي حقاً هو من أوفى بما عاهد الله عليه من أداء الأمانة والإيمان به وبرسله والتزم هديه وشرعه، وخاف الله عز وجل فامتثل أمره وانتهى عما نهى عنه. والله يحب المتقين الذين يتقون الشرك والمعاصي.
قوله تعالى: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى} [آل عمران: 76]، " أي ليس كما زعموا بل عليهم فيه إِثم لكنْ من أدّى الأمانة منهم وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم َ واتقى الله واجتنب محارمه"(5).
قال الحسن: " أمروا أن يؤدوا إلى كل مسلم عهده"(6).
قال ابن كثير: " أي: لكن من أوفى بعهده منكم يا أهل الكتاب الذي عاهدكم الله عليه، من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم إذا بعث، كما أخذ العهد والميثاق على الأنبياء وأممهم بذلك، واتقى محارم الله تعالى واتبع طاعته وشريعته التي بعث بها خاتم رسله وسيد البشر"(7).
قال الزمخشري: " والضمير في {بعهده} ، راجع إلى {من أوفى} ، على أن كل من أوفى بما عاهد عليه واتقى الله في ترك الخيانة والغدر، فإن الله يحبه.
فإن قلت، فهذا عام يخيل أنه لو وفي أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخيانة لكسبوا محبة الله.
(1) صفوة التفاسير: 193.
(2)
أخرجه الطبري (7276): ص 6/ 525.
(3)
أخرجه الطبري (7275): ص 6/ 525.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 61.
(5)
صفوة التفاسير: 193.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (3717): ص 2/ 685.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 62.
قلت: أجل، لأنهم إذا وفوا بالعهود وفوا أول شيء بالعهد الأعظم، وهو ما أخذ عليهم في كتابهم من الإيمان برسول مصدق لما معهم، ولو اتقوا الله في ترك الخيانة لاتقوه في ترك الكذب على الله وتحريف كلمه.
ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله تعالى، على أن كل من وفى بعهد الله واتقاه فإن الله يحبه، ويدخل في ذلك الإيمان وغيره من الصالحات وما وجب اتقاؤه من الكفر وأعمال السوء" (1).
قال المراغي: " أي: بلى عليكم في الأميين سبيل، وعليكم الوفاء بعقودكم المؤجلة والأمانات، فمن أقرضك مالا إلى أجل، أو باعك بثمن مؤجل أو ائتمنك على شىء وجب عليك الوفاء به، وأداء الحق له فى حينه دون حاجة إلى الإلحاف في الطلب أو إلى التقاضي، وبذلك قضت الفطرة وحتّمت الشريعة.
وفي هذا إيماء إلى أن اليهود لم يجعلوا الوفاء بالعهد حقا واجبا لذاته، بل العبرة عندهم بالمعاهد، فإن كان إسرائيليا وجب الوفاء له، ولا يجب الوفاء لغيره، والعهد ضربان:
أحدهما: عهد المرء لأخيه في العقود والأمانات كما تقدم.
والثاني: عهد الله تعالى، وهو ما يلتزم به المؤمن لربه من اتباع دينه والعمل بما شرعه على لسان رسوله.
واليهود لم يفوا بشىء منهما، إذ لو وفّوا بعهد الله لآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم واتبعوا النور الذي أنزل معه، كما وصاهم بذلك كتابهم على لسان رسولهم موسى صلوات الله عليه" (2).
قوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 76]، أي:"فإن الله يحب الذين يتقونه فيخافون عقابه ويحذرون عذابه "(3).
قال أبو حيان: " وأتى بلفظ: المتقين، عاما تشريفا للتقوى دحضا عليها"(4).
قال البيضاوي: "أشْعَرَ بأن التقوى ملاك الأمر وهو يعم الوفاء وغيره من أداء الواجبات والاجتناب عن المناهي "(5).
قال المراغي: " وقد جعل الله جزاء الموفين بالعهد المتقين الإخلاف والغدر- محبته تعالى ورحمته لهم في الدنيا والآخرة، وفي هذا إيماء إلى أن الوفاء بالعهود، واتقاء الإخلاف فيها وفي سائر المعاصي والخطايا هو الذي يقرب العبد من ربه، ويجعله أهلا لمحبته. أما الانتساب إلى شعب بعينه فلا قيمة له عند الله، وفي هذا تعريض بأن أصحاب هذا الرأى من اليهود ليسوا على حظ من التقوى، وهى الدعامة الأساسية في كل دين قويم"(6).
قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم: "لا يكون الرجل من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به البأس"(7).
وعن ميمون أبي حمزة قال: كنت جالسا عند أبي وائل، فدخل رجل يقال له أبو عفيف من أصحاب معاذ، فقال له شقيق بن سلمة: ألا تحدثنا عن معاذ بن جبل؟ قال: بلى، سمعته يقول: يحبس الناس يوم القيامة في بقيع واحد فينادي مناد: أين المتقون؟ فيقومون في كنف الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر. قلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة" (8).
الفوائد:
1 -
الثناء على الموفين بالعهد.
2 -
أن الوفاء بالعهد من اسباب محبة الله.
3 -
الحث على التقوى، وأن التقوى عموما سبب لمحبته.
4 -
الرد على أهل التعطيل الذي انكروا محبة الله، لقوله:{والله يحب المتقين} .
القرآن
(1) الكشاف: 1/ 375.
(2)
تفسير المراغي: 3/ 190 - 191.
(3)
تفسير الطبري: 6/ 526.
(4)
البحر المحيط: 3/ 225.
(5)
تفسير البيضاوي: 2/ 24، وانظر: تفسير أبي السعود: 2/ 51.
(6)
تفسير المراغي: 1/ 190.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (3718): ص 2/ 685، والترمذي (4215).
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (3719): ص 2/ 686.
التفسير:
إن الذين يستبدلون بعهد الله ووصيته التي أوصى بها في الكتب التي أنزلها على أنبيانهم، عوضًا وبدلا خسيسًا من عرض الدنيا وحطامها، أولئك لا نصيب لهم من الثواب في الآخرة، ولا يكلمهم الله بما يسرهم، ولا ينظر إليهم يوم القيامة بعين الرحمة، ولا يطهرهم من دنس الذنوب والكفر، ولهم عذاب موجع.
اختلف في سبب نزول الآية على أقوال:
أحدها: أنها نزلت في أحبار من اليهود وهم: أبو رافع، وكنانة بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف، وحُييّ بن أخطب. قاله عكرمة (1)، وقال مقاتل:" يعني رءوس اليهود"(2).
والثاني: أنها نزلت في الأشعث بن قيس وخصم له، إذ روي عن أبي وائل، عن عبد الله قال:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حَلف على يمين هو فيها فاجرٌ ليقتطع بها مالَ امرئ مسلم، لقيَ اللهَ وهو عليه غضبان فقال الأشعث بن قيس: فيّ والله كان ذلك: كان بيني وبين رجل من اليهود أرضٌ فجحدني، فقدّمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألك بيِّنة؟ قلت: لا! فقال لليهودي: " احلفْ. قلت: يا رسول الله، إذًا يحلف فيذهبَ مالي! فأنزل الله عز وجل:" إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا " الآية" (3).
والثالث: وروى بادان عن ابن عباس قال: "نزلت في امرئ القيس بن عابس الكندي استعدى عليه عبدان بن أشرع فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحلف، فلمّا همّ أن يحلف نزلت هذه الآية. فامتنع امرئ القيس أن يحلف وأقرّ لعبدان بحقّه ودفعه إليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لك عليها الجنّة"(4).
والرابع: " وقال الثعلبي: " وروى منصور بن أبي وائل قال: قال عبد الله: من حلف على عين يستحقّ بها مالا وهو فيها فاجر لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان. فأنزل الله تعالى تصديق ذلك: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا} الآية" (5).
والخامس: وقال عامر: " أنّ رجلا أقام سِلعته أوّل النهار، فلما كان آخرُه جاء رجل يساومه، فحلفَ لقد منعها أوّل النهار من كذا وكذا، ولولا المساء ما باعها به، فأنزل الله عز وجل: {إن الذي يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلا} "(6). وروي عن مجاهد (7) نحوه.
والسادس: وقال الثعلبي: "قال الكلبي: إنّ ناسا من علماء اليهود أولي فاقة كانوا ذوي حظ من علم التوراة فأصابهم سنة. فأتوا كعب بن الأشرف يستميرونه فسألهم كعب: هل تعلمون أنّ هذا الرّجل رسول الله في كتابكم؟ فقالوا: نعم، وما تعلمه أنت؟ قال: لا. قالوا: فإنّا نشهد إنّه عبد الله ورسوله، قال كعب: قد كذبتم عليّ فأنا أريد أن أميركم وأكسوكم فحرمكم الله خيرا كثيرا. قالوا: فإنّه شبّه لنا. فرويدا حتى نلقاه. قال: فانطلقوا فكتبوا صفة سوى صفته، ثم أتوا نبي الله صلى الله عليه وسلم فكتموه ثم رجعوا إلى كعب، فقالوا: قد كنّا نرى رسول الله فأتيناه، فإذا هو ليس بالنعت الّذي نعت لنا وأخرجوا الّذي كتبوه. ففرح بذلك كعب، ومكرهم فأنزل الله عز وجل هذه الآية، نظيرها قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا} [البقرة: 174] الآية"(8).
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} [آل عمران: 77]، أي: إن الذين"يستبدلون بالعهد الذي عاهدوا عليه من التصديق بمحمد وبأيمانهم الكاذبة حطام الدنيا وعرضها الخسيس الزائل"(9).
(1) أخرجه الطبري (7278): ص 6/ 528 - 529.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 285.
(3)
أخرجه الطبري (7279): ص 6/ 529.
(4)
تفسير الثعلبي: 3/ 99.
(5)
تفسير الثعلبي: 3/ 98.
(6)
أخرجه الطبري (7283): ص 6/ 533.
(7)
انظر: تفسير الطبري (7284): ص 6/ 533.
(8)
تفسير الثعلبي: 3/ 97 - 98.
(9)
صفوة التفاسير: 193.
قوله تعالى: {أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ} [آل عمران: 77]، أي: أولئك" لا حظ لهم في خيرات الآخرة"(1).
عن ابن عباس: "يعني قوله: {لا خلاق لهم في الآخرة}: يقول: نصيب"(2). وروي عن مجاهد والسدي نحو ذلك (3).
وقال قتادة: " ليس لهم في الآخرة جهة عند الله"(4).
وقال الحسن: "ليس له دين"(5).
قوله تعالى: {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 77]، أي:" ولا يكلمهم الله بما يسرُّهم"(6).
قال الثعلبي: أي: " كلاما ينفعهم ويسرّهم، قاله المفسرون، وقال المفضل: {وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ}: بقبول حجّة يحتجّون بها"(7).
قال أبو السعود: " أي بما يسُرّهم أو بشيء أصلاً وإنما يقع ما يقع من السؤال والتوبيخِ والتقريعِ في أثناء الحساب من الملائكةِ عليهم السلام أولا ينتفعون بكلماتِ الله تعالى وآياتِه والظاهرُ أنه كنايةٌ عن شدة غضبِه وسَخَطِه نعوذ بالله من ذلك"(8).
وذكر الزجاج في قوله تعالى: : {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 77]، وجهان (9):
أحدهما: أن يكون إسماع الله أولياءه كلامه بغير سفير، خصوصية يخص الله بها أولياءه كما كلم موسى فكان ذلك خصوصية له دون البشر أجمعين.
والثاني: وجائز أن يكون {ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم} تأويله الغضب عليهم، والإعراض عنهم كما تقول: " فلان لا ينظر إلى فلان ولا يكلمه، وتأويله أنه غضبان عليه، وإن كلمه بكلام سوء لم ينقض ذلك.
قوله تعالى: {وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 77]، أي:" ولا يعطف عليهم بخير، مقتًا من الله لهم"(10).
قال الأخفش: " فهذا مثل قولك للرجل: ما تنظر إلي، اذا كان لا ينيلك شيئا"(11).
قال الثعلبي: " أي لا يرحمهم ولا يعطف عليهم ولا يحسن إليهم ولا يكلمهم خيرا. يقال نظر فلان لفلان، ونظر إليه إذا رحمه وأحسن إليه"(12).
قوله تعالى: {وَلَا يُزَكِّيهِمْ} [آل عمران: 77]، أي:" ولا يطهرهم من دَنس ذنوبهم وكفرهم"(13).
قال الزجاج: أي: " لا يجعلهم طاهرين ولا يثني عليهم خيرا"(14).
قال ابن عطية: " يحتمل معنيين، أحدهما يطهرهم من الذنوب وأدرانها، والآخر ينمي أعمالهم، فهي تنمية لهم، والوجهان منفيان عنهم في الآخرة"(15).
قوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 77]، أي:" ولهم عذاب موجع"(16).
(1) تفسير الطبري: 6/ 527.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (3723): ص 2/ 687.
(3)
انظر: ابن أبي حاتم (3723): ص 2/ 687.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (3724): ص 2/ 687.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (3724): ص 2/ 687.
(6)
تفسير الطبري: 6/ 527.
(7)
تفسير الثعلبي: 3/ 99.
(8)
تفسير أبي السعود: 2/ 51.
(9)
انظر: معاني القرآن: 1/ 434.
(10)
تفسير الطبري: 6/ 527.
(11)
معاني القرآن: 1/ 224.
(12)
تفسير الثعلبي: 3/ 99.
(13)
تفسير الطبري: 6/ 528.
(14)
معاني القرآن: 1/ 434.
(15)
المحرر الوجيز: 1/ 460.
(16)
تفسير الطبري: 6/ 528.
قال ابن عباس: أي: " نكال موجع"(1).
قال الشَّافِعِي رحمه الله تعالى: من ادعى مالاً، فأقام عليه شاهداً، أو ادعي عليه مال، فكانت عليه يمين، ئظِرَ في قيمة المال، فإن كان عشرين ديناراً فصاعداً، وكان الحكم بمكة: أحْلِف بين المقام والبيت على ما يَدّعى، ويُدعى عليه، وإن كان بالمدينة حُلف على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن كان ببلد غير مكة والمدينة، أخلِفَ على عشرين ديناراً، أو على العظيم من الدم والجراح، بعد العصر في مسجد ذلك البلد ويتلى عليه:{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} الآية" (2).
عن عباد بن منصور قال: "سألت الحسن عن قوله: {أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم}، فقال: هؤلاء أقوام باعوا خلاقهم بالدنيا فقال: أنبأكم الله كيف يصنع بهم"(3).
الفوائد:
1 -
تهديد هؤلاء الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا، وينصب هذا على العلماء الذين يكتمون ما انزل الله مداهنة أو مراعاة أو من اجل مال، وقد عهد الله إلى العلما أن يبيّنوا العلم، والعلماء ثلاثة أصناف: عالم امة، وعالم دولة، وعالم ملة. فعالم الملة: هو الي لا يشتري بعهد الله ثمنا قليلا، بل يبين للملة ولايبالي. وأمت عالم الدولة فيشتري بآيات الله ثمنا قليلا ليكون له جاه عند الدولة، وربما ليعطي مالا، واما عالم الأمة: فهو ال 1 ي يراعي الامة، فينظر ماذا تشتهي عامة الناس (أي الأمة)، فيفتي به أو يقول به، وما لا تشتهيه الأمة يسكت عنه.
2 -
تحريم اليمين الغموس، وهو من كبائر الذنوب.
3 -
أن من وفى بعهده وحلف على صدق، فإنه لا يحرم نصيبه من خيرات الآخرة.
4 -
إثبات الآخرة.
5 -
ينبغي للإنسان أن تكون الآخرة هي هدفه، ومغزاه، ومراده، فقد يكون للانسان نصيب في الدنيا ولكن لا خير فيه.
6 -
إن من أعظم العقوبات في الآخرة: أن الله لا يكلم هؤلاء عقوبة لهم، ولهذا كان النظر إلى وجه الله من أفضل الثواب واعظمه وأعلاه بل هو غاية الثواب والفضل.
7 -
أن هؤلاء الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا لاينظر اليهم الله يوم القيامة، والمراد به النظر الخاص، اما النظر العام فإن الله لا يحجب عن بصره شيء.
8 -
إثبات العذاب، وقد يكون العذاب في الدنيا وقد يكون في الآخرة، فالكائن في الدنيا قد يكون بفعل الله وقدي يكون بفعل عباد الله.
القرآن
التفسير:
وإن مِن اليهود لَجماعةً يحرفون الكلام عن مواضعه، ويبدلون كلام الله; ليوهموا غيرهم أن هذا من الكلام المنزل، وهو التوراة، وما هو منها في شيء، ويقولون: هذا من عند الله أوحاه الله إلى نبيه موسى، وما هو من عند الله، وهم لأجل دنياهم يقولون على الله الكذب وهم يعلمون أنهم كاذبون.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: نقل الثعلبي عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: "إنّ الآية نزلت في اليهود والنّصارى جميعا والذين هم حرّفوا التوراة والإنجيل، وضربوا كتاب الله بعضه ببعض وألحقوا به ما ليس منه فأسقطوا منه الدين الحنفي، فبيّن الله تعالى كذبهم للمؤمنين"(4).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (3730): ص 2/ 688.
(2)
تفسير الشافعي: 1/ 475.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (3728): ص 2/ 688.
(4)
تفسير الثعلبي: 3/ 100.
والثاني: ونقل الثعلبي عن الضحّاك ومقاتل: " {ما كانَ لِبَشَرٍ} يعني عيسى عليه السلام {أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ} يؤتى الحكمة. نزلت في نصارى أهل نجران"(1).
والثاني: وأخرج الطبري عن ابن عباس قال: "قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك، كما تعبد النصارَى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرِّبِّيس: أوَ ذاك تريد منا يا محمد، وإليه تدعونا! أو كما قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: معاذَ الله أن نَعبُد غيرَ الله، أو نأمر بعبادة غيره! ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني أو كما قال. فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة}، الآية إلى قوله: {بعد إذ أنتم مسلمون} "(2).
والثالث: وقال قتادة: "، هم أعداء الله اليهود، حرَّفوا كتابَ الله، وابتدعوا فيه، وزعموا أنه من عند الله"(3). وروي عن ابن عباس (4)، والربيع (5) نحو ذلك.
والرابع: وقال مقاتل: "يعني من اليهود، {لفريقا}: يعني طائفة منهم، يعنى: كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وأبو ياسر، جدي ابن أخطب، وشعبة بن عمرو"(6).
والخامس: وقال الحسن: " بلغني أن رجلا قال: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟ قال: "لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله"، فأنزل الله تعالى هذه الآية"(7).
قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ} [آل عمران: 78]، أي وإِن من اليهود طائفة يفتلون ألسنتهم في حال قراءة الكتاب لتحريف معانيه وتبديل كلام الله عن المراد" (8).
قال ابن عباس: " وهم اليهود"(9) / " وروي عن الربيع وقتادة نحو ذلك (10).
وقال الحسن: "هم أهل التاب كلهم"(11).
قال مقاتل: " يعني باللي التحريف بالألسن في أمر محمد- صلى الله عليه وسلم"(12).
قال ابن كثير: " يخبر تعالى عن اليهود، عَليهم لعائن الله، أن منهم فريقا يُحَرِّفون الكلم عن مواضعه ويُبَدِّلون كلام الله، ويزيلونه عن المراد به"(13).
وفي تفسير قوله تعالى: {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ} [آل عمران: 78]، قولان:
أحدهما: أن المعنى زيدون في كتاب الله ما لم ينزل الله. قاله ابن عباس (14).
والثاني: أن المعنى: يحرفونه. وهذا قول مجاهد (15)، وروي عن الشعبي والحسن، وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك (16).
(1) تفسير الثعلبي: 3/ 100.
(2)
تفسير الطبري (7296): ص 6/ 539، وانظر: تفسير الثعلبي: 3/ 100.
(3)
أخرجه الطبري (7292): ص 6/ 536.
(4)
انظر: تفسير الطبري (7294): ص 6/ 536.
(5)
انظر: تفسير الطبري (7293): ص 6/ 536.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 286.
(7)
أخرجه عبد الرزاق في لباب النقول: 54، وعبد بن حميد في فتح القدير: 1/ 356)، وانظر: تفسير الثعلبي: 3/ 101، وأسباب النزول: 113، ومجمع البيان: 2/ 331،
(8)
صفوة التفاسير: 193.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (3731): ص 2/ 688.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3731): ص 2/ 688.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (3732): ص 2/ 689.
(12)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 286.
(13)
تفسير ابن كثير: 2/ 65.
(14)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3733): ص 2/ 689.
(15)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3734): ص 2/ 689.
(16)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3734): ص 2/ 689.
قوله تعالى: {لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ} [آل عمران: 78]، "أي: لتظنوا أن هذا المحرّف من كلام الله وما هو إِلا تضليل وبهتان" (1).
قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آل عمران: 78]، " أي: وينسبونه إِلى الله وهو كذبٌ على الله، وهم يعلمون أنهم كذبوا وافتروا على الله" (2).
قال الربيع بن أنس: " هم أعداء الله اليهود حرفوا كتاب الله، وابتدعوا فيه، وزعموا أنه من عند الله"(3).
قال وهب بن مُنَبِّه: " إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله لم يغير منهما حرف ولكنهم يضلون بالتحريف والتأويل، وكتب كانوا يكتبونها من عند أنفسهم، ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله فأما كتب الله فإنها محفوظة لا تحول"(4).
قال ابن كثير: " فإن عَنَى وَهْب ما بأيديهم من ذلك، فلا شك أنه قد دخلها التبديل والتحريف والزيادة والنقص، وأما تعريب ذلك المشاهد بالعربية ففيه خطأ كبير، وزيادات كثيرة ونقصان، ووَهْم فاحش. وهو من باب تفسير المعبر المعرب، وفَهْم كثير منهم بل أكثرهم، بل جميعهم فاسد. وأما إن عَنَى كتب الله التي هي كتبه من عنده، فتلك كما قال محفوظة لم يدخلها شيء"(5).
قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78]، " أي: يكذبون على الله بادعائهم ذلك وهم يعلمون أنهم كاذبون مفترون" (6).
قال الحسن: " هم أهل الكتاب كلهم قد كذبوا على الله، وحرفوا الكلم عن مواضعه"(7).
قال الزجاج: " أي وهم يعلمون أئهم يكذبون"(8).
قال الطبري: أي: "ويتعمّدون قيل الكذب على الله والشهادة عليه بالباطل، والإلحاقَ بكتاب الله ما ليس منه، طلبًا للرياسة والخسيس من حُطام الدنيا"(9).
قال ابن كثير: " وهم يعلمون من أنفسهم أنهم قد كذبوا وافتروا في ذلك كله"(10).
قال المراغي: " أي وهم يعلمون كذبهم في ذلك لأن ما جاء من عند الله فهو في كتابه، والتوراة التي بين أيديهم ليس فيها خيانة الأميين، ولا أكل أموالهم بالباطل، وهم يعلمون ذلك حق العلم، لكنهم لما لم يكتفوا بالكتاب ولجأوا إلى التقليد وعدّوا كلام أحبارهم دينا، وهؤلاء قالوا في الدين بالرأى والهوى، وحرفوا الكلم عن مواضعه ليؤيدوا آراءهم، وجدوا من هذه الأقوال ما يساعدهم على ما يدّعون"(11).
قال السعدي: " وهذا أعظم جرما ممن يقول على الله بلا علم، هؤلاء يقولون على الله الكذب فيجمعون بين نفي المعنى الحق، وإثبات المعنى الباطل، وتنزيل اللفظ الدال على الحق على المعنى الفاسد، مع علمهم بذلك"(12).
قال الشافعي: " والناس صنفان:
أحدهما: أهل الكتاب، بدلّوا من أحكامه، وكفروا بالله، فافتعلوا كذباً صاغوه بألسنتهم، فخلطوه بحق الله الذي أنزل إليهم، فذكر تبارك وتعالى لنبيه من كفرهم فقال:{وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78
(1) صفوة التفاسير: 193.
(2)
صفوة التفاسير: 193.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (3736): ص 2/ 689.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (3735): ص 2/ 689.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 65.
(6)
صفوة التفاسير: 193.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (3636): ص 2/ 690.
(8)
معاني القرآن: 1/ 434.
(9)
تفسير الطبري: 6/ 535 - 536.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 65.
(11)
تفسير المراغي: 3/ 190.
(12)
تفسير السعدي: 136.
] الآية، ثم قال:{فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [آل عمران: 79].
ثانيهما: وصنف كفروا بالله فابتدعوا ما لم يأذن به اللَّه، ونصبوا بأيديهم حجارة وخُشُباً، وصوراً استحسنوها، ونبذوا أسماء افتعلوها، ودعوها آلهة عبدوها، فإذا استحسنوا غير ما عبدوا منها ألفوه ونصبوا بأيديهم غيره فعبدوه: فأولئك العرب.
وسلكت طائفة من العجم سبيلهم في هذا، وفي عبادة ما استحسنوا من حوت ودابة ونجم ونار وغيره" (1).
الفوائد:
1 -
بيان مكر اليهود وتضليلهم وخداعهم لهم باسم الدين والعلم.
2 -
جرأة اليهود على الكذب على الناس وعلى الله مع علمهم بأنهم يكذبون وهو قبح أشد وظلم أعظم.
3 -
التحذير للمسلم من سلوك اليهود في التضليل والقول على الله والرسول لأجل الأغراض الدنيوية الفاسدة.
القرآن
التفسير:
ما ينبغي لأحد من البشر أن يُنزِّل الله عليه كتابه ويجعله حكمًا بين خلقه ويختاره نبياً، ثم يقول للناس: اعبدوني من دون الله، ولكن يقول: كونوا حكماء فقهاء علماء بما كنتم تُعَلِّمونه غيركم من وحي الله تعالى، وبما تدرسونه منه حفظًا وعلمًا وفقهًا.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: قال ابن عباس: "قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك، كما تعبد النصارَى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرِّبِّيس: أوَ ذاك تريد منا يا محمد، وإليه تدعونا! أو كما قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: معاذَ الله أن نَعبُد غيرَ الله، أو نأمر بعبادة غيره! ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني أو كما قال. فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة}، الآية إلى قوله: {بعد إذ أنتم مسلمون} "(2). وروي عن قتادة (3)، والربيع (4)، نحوه.
والثاني: نقل الثعلبي والواحدي عن الضحاك ومقاتل (5): " {ما كانَ لِبَشَرٍ}، يعني: عيسى عليه السلام، {أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ}، يؤتى الحكمة (6). نزلت في نصارى أهل نجران"(7).
والثالث: قال ابن جريج: " كان ناس من يهود يتعبَّدون الناسَ من دون ربهم، بتحريفهم كتابَ الله عن موضعه، فقال الله عز وجل: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقولَ للناس كونوا عبادًا لي من دون الله}، ثم يأمر الناس بغير ما أنزل الله في كتابه"(8).
والرابع: أخرج عبد بن حميد عن روح عن عوف عن الحسن: "بلغني أن رجلًا قال: يا رسول الله: نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟ قال: "لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله"، فأنزل الله عز وجل هذه الآية إلى قوله: {بِأَنَّا مُسْلِمُون} "(9).
(1) تفسير الإمام الشافعي: 1/ 212.
(2)
أخرجه الطبري (7296): ص 6/ 539.
(3)
انظر: تفسير الطبري (7298): ص 6/ 539 - 540.
(4)
انظر: تفسير الطبري (7299): ص 6/ 540.
(5)
نظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 286.
(6)
وفي أسباب النزول: " يعني الإنجيل".
(7)
تفسير الثعلبي: 3/ 101، وانظر: أسباب النزول: 112.
(8)
أخرجه الطبري (7300): ص 6/ 540.
(9)
العجاب: 2/ 705، لم ينسبه السيوطي في الدر: 2/ 250، إلى غيره واقتصر في اللباب: 54، على عزوه إلى عبد الرزاق في تفسيره، والثعلبي: 3/ 101، وأورده الواحدي: 113، معزوا إلى الحسن وسياقه سياق الحافظ ابن حجر.
قوله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ} [آل عمران: 79]، " أي: ما ينبغي لبشر آتاه الله الكتاب والحُكْم والنبوة أن يقول للناس: اعبدوني مع الله" (1).
وفي قوله تعالى: {وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ} [آلأ عمران: 79]، وجهان:
أحدهما: أن الحكم: العلم. قاله ابن عباس (2).
والثاني: أن الحكم: اللب. قاله مجاهد (3).
قوله تعالى: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} [آل عمران: 79]، " أي: ولكن يقول الرسول للناسِ: كونوا رَبَّانيين" (4).
واختلف في تفسير قوله تعالى: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} [آل عمران: 79]، على تسعة وجوه:
أحدها: فقهاء. قاله مجاهد (5).
والثاني: حكماء علماء. قاله أبو رزين (6).
والثالث: فقهاء علماء ، وهو قول ابن عباس (7)، الحسن (8)، ومجاهد- في رواية أخرى- (9)، والضحاك (10)، وقتادة (11)، وسعيد بن جبير -في رواية عنه- (12)، وعطاء الخراساني (13)، والربيع بن أنس (14)، وعطية (15)، ويحيى بن عقيل (16).
والرابع: الفقهاء المعلمون. قاله ابن عباس أيضا (17).
والخامس: حكماء فقهاء. قاله ابن عباس-في رواية اخرى- (18)، والسدي (19).
والسادس: حكماء أتقياء ، وهو قول سعيد بن جبير (20).
والسابع: حلماء علماء حكماء. وهذا مروي عن ابن عباس أيضا (21).
والثامن: أن المراد: كونوا أهل عبادة، وأهل تقوى لله. قاله الحسن –في رواية أخرى- (22).
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 66.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (3740): ص 2/ 690.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (3741): ص 2/ 690.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 66.
(5)
انظر: تفسير الطبري (7306) - (8308): ص 6/ 541.
(6)
انظر: تفسير الطبري (7301) - (7304): ص 6/ 540 - 541، وتفسير ابن أبي حاتم (3747): ص 2/ 691
(7)
انظر: تفسير الطبري (7315): ص 6/ 542.
(8)
انظر: تفسير الطبري (7305): ص 6/ 541.
(9)
انظر: تفسير الطبري (7312): ص 6/ 541 - 542.
(10)
انظر: تفسير الطبري (7317): ص 6/ 542.
(11)
انظر: تفسير الطبري (7309): ص 6/ 541.
(12)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3749): ص 2/ 692، ذكره دون إسناد.
(13)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3749): ص 2/ 692، ذكره دون إسناد.
(14)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3749): ص 2/ 692، ذكره دون إسناد.
(15)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3749): ص 2/ 692، ذكره دون إسناد.
(16)
انظر: تفسير الطبري (7314): ص 6/ 542.
(17)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3746): ص 2/ 691.
(18)
انظر: تفسير الطبري (7313)، و (7316): ص 6/ 542.
(19)
انظر: تفسير الطبري (7311): ص 6/ 541.
(20)
انظر: تفسير الطبري (7318): ص 6/ 542.
(21)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3747): ص 2/ 691.
(22)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3748): ص 2/ 691.
والتاسع: أنهم الولاة الذين يربّون أمور الناس ، وهذا قول ابن زيد (1).
قال الطبري: " وأولى الأقوال عندي بالصواب في «الربانيين»: أنهم جمع: «رباني»، وأن «الرباني» المنسوب إلى «الرَّبَّان»، الذي يربُّ الناسَ، وهو الذي يُصْلح أمورهم، ويربّها، ويقوم بها"(2).
وفي أصل «الرباني» ، قولان:
أحدها: أنه الذي يربُّ أمور الناس بتدبيره، يُصْلح أمورهم، ويقوم بها، ومنه قول علقمة بن عبدة (3):
وَكُنْتُ امْرَأً أَفْضَتْ إلَيْكَ رِبَابَتي
…
وَقَبْلَكَ رَبَّتْني، فَضِعْتُ، رُبُوبُ
فسمي العالم ربّانياً لأنه بالعلم يدبر الأمور، بتعليمه إياهم الخيرَ ودعائهم إلى ما فيه مصلحتهم.
ولذلك قال مجاهد: "وهم فوق الأحبار"(4)، لأن "الأحبارَ" هم العلماء، و"الرباني" الجامعُ إلى العلم والفقه، البصرَ بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دُنياهم ودينهم (5).
والثاني: أنه مضاف إلى عالم الرب ، وهو علم الدين ، فقيل لصاحب العلم الذي أمر به الرب ربّاني (6).
قوله تعالى: {بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79]، " أي: بتعليمكم الناس الكتاب ودراستكم إيّاه" (7).
قال الطبري: يعني: " بعلمكم الكتابَ ودراستكم إياه وقراءتكم، ودراستهم إياه: تلاوته، وقيل: دراستهم: الفقه"(8).
وقرئ: {تُعَلِّمُون} ، بالتشديد، من التعليم (9).
الفوائد:
1 -
لم يكن من الممكن لمن آتاه الله الكتاب والحكمة وشرفه بالنبوة أن يدعو الناس لعبادة نفسه فضلاً عن عبادة غيره.
2 -
سادات الناس هم الربانيون الذين يربون الناس بالعلم والحكمة فيصلحونهم ويهدونهم.
3 -
عظماء الناس من يعلمون الناس الخير ويهدونهم إليه.
4 -
الرد عى منكري الأسباب، لقوله:{بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ} ، ولا شك بان الأسباب ثابتة، ولكنها مؤثرة بما اودعه الله فيها من قوة التأثير.
6 -
جواز تسمية المعلم بالرباني، لذلك نجد كثيرا ما يصفون العالم بأنه العالم الرباني.
القرآن
التفسير:
وما كان لأحد منهم أن يأمركم باتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا تعبدونهم من دون الله. أَيُعْقَلُ -أيها الناس- أن يأمركم بالكفر بالله بعد انقيادكم لأمره؟
في سبب نزول الآية قولان:
(1) انظر: تفسير الطبري (7319): ص 6/ 543.
(2)
تفسير الطبري: 6/ 543.
(3)
البيت في ديوانه: 132 والمفضليات: 2/ 194، واللسان (ربب) ومقاييس اللغة: 2/ 383، وتفسير الطبري: 1/ 142، و 6/ 543، والصحاح (ربب) والمخصص: 17/ 154.
(4)
انظر: تفسير الطبري (7312): ص 6/ 541 - 542.
(5)
انظر: تفسير الطبري: 6/ 544.
(6)
انظر: النكت والعيون: 1/ 406.
(7)
صفوة التفاسير: 193.
(8)
تفسير الطبري: 6/ 545 - 546.
(9)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 66.
أحدهما: أخرج ابن أبي حاتم عن أبي نافع القرظي: "حين اجتمعت الأحبار من يهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام: أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ قال: فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له: الرئيس: أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعوا وكما قال. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: معاذ الله أن نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غيره، ما بذلك بعثني وألا أمرني أو كما قال عليه السلام، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهما: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} "(1).
والثاني: ونقل ابن حجر عن مقاتل أنها "نزلت ردًا على كردم بن قيس والأصبغ بن زيد"(2).
قوله تعالى: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا} [آل عمران: 80]، " أي: وما كان له أن يأمركم بعبادة غير الله - ملائكة أو أنبياء" (3).
قال ابن كثير: " أي: ولا يأمركم بعبادة أحد غير الله، لا نبي مرسل ولا ملك مُقَرَّب"(4).
وقرئ: {وَلا يَأْمُرُكُمْ} ، برفع الراء، على وجه الابتداء من الله بالخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأمرك (5).
قوله تعالى: {أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 80]، " أي: أيأمركم نبيكم بالكفر وجحود وحدانية الله، بعد أن أسلمتم ودخلتم في دين الله؟ " (6).
قال الطبري: أي: " أيأمُركم أيها الناس، نبيُّكم، بجحود وحدانية الله بعد إذ أنتم له منقادون بالطاعة، متذللون له بالعبودة، أي أن ذلك غير كائن منه أبدًا"(7).
قال ابن كثير: " أي: لا يَفْعَل ذلك؛ لأنَّ من دعا إلى عبادة غير الله فقد دعا إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} الآية، [النحل: 36] وقال تعالى {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45] وقال تعالى إخبارًا عن الملائكة: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 29] "(8).
الفوائد:
1 -
إثبات الملائكة، وأن الإيمان بهم احد أركان الإيمان الستة.
2 -
أن الذي منّ الله عليه بالكتاب والحكم والنبوة لايمكن ان يأمر غيره باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا، كما انه لايدعو الناس إلى عبادة نفسه.
3 -
أن السجود لله وحده، لما ورد أن الآية نزلت ردا على من أرادوا السجود لرسول الله-صلى الله عليه وسلم.
القرآن
(1) تفسير ابن أبي حاتم (3756): ص 2/ 693.
(2)
العجاب: 2/ 706، أخذ الحافظ هذا من مقاتل ولكن نصه: 1/ 286 - 287: " {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا المَلَائِكَةَ وَالنَّبِيّينَ أَرْبَابًا} -يعني عيسى والعزيز، ولو أمركم بذلك لكان كافرا فذلك قوله: {أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْر} يعني بعبادة الملائكة والنبيين: {بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} يعني مخلصين له بالتوحيد. فقال الأصبغ بن زيد وكردم بن قيس: أيأمرنا بالكفر بعد الإيمان فأنزل الله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ} ".
والظاهر من هذا أن الآية (81) هي التي نزلت ترد على المذكورين لا الآية (80). والله أعلم.
(3)
صفوة التفاسير: 194.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 66.
(5)
انظر: تفسير الطبري: 6/ 547.
(6)
صفوة التفاسير: 194.
(7)
تفسير الطبري: 6/ 549.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 66.
التفسير:
واذكر -أيها الرسول- إذ أخذ الله سبحانه العهد المؤكد على جميع الأنبياء: لَئِنْ آتيتكم من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول من عندي، مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنَّه. فهل أقررتم واعترفتم بذلك وأخذتم على ذلك عهدي الموثق؟ قالوا: أقررنا بذلك، قال: فليشهدْ بعضكم على بعض، واشهدوا على أممكم بذلك، وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعليهم. وفي هذا أن الله أخذ الميثاق على كل نبي أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأخذ الميثاق على أمم الأنبياء بذلك.
في سبب نزول الآية قال مقاتل: " {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا المَلَائِكَةَ وَالنَّبِيّينَ أَرْبَابًا} -يعني عيسى والعزيز، ولو أمركم بذلك لكان كافرا فذلك قوله: {أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْر} يعني بعبادة الملائكة والنبيين: {بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} يعني مخلصين له بالتوحيد. فقال الأصبغ بن زيد وكردم بن قيس: أيأمرنا بالكفر بعد الإيمان فأنزل الله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ} "(1).
قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ} [آل عمران: 81]، " أي اذكروا يا أهل الكتاب حين أخذ الله العهد المؤكد على النبيّين"(2).
قال الحسن: ": أخذ الله ميثاق النبيين: ليبلِّغن آخرُكم أولكم، ولا تختلفوا"(3).
قال السدي: " لم يبعث الله عز وجل نبيًّا قطُّ من لدُنْ نوح، إلا أخذ ميثاقه ليؤمننّ بمحمد ولينصرنَّه إن خَرَج وهو حيّ، وإلا أخذ على قومه أن يؤمنوا به ولينصرُنَّه إن خَرَج وهم أحياء"(4).
ولأهل العلم في تفسير الميثاق قولان:
أحدهما: أنه أخذ ميثاق النبيين أن يأخذوا على قومهم بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول علي (5)، وابن عباس (6)، وقتادة (7)، والسدي (8).
والثاني: أنه أخذ ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضا. وهذا قول طاووس (9)، وقتادة (10).
قوله تعالى: {لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} [آل عمران: 81]، " أي: لمهما أعطيتكم من كتاب وحكمة" (11).
وقرأ سعيد بن جبير: {لَمَّا} بتشديد الميم، وقرأ يحيى بن رئاب والأعمش وحمزة والكسائي {لِمَا} ، بجرّ اللام وتخفيف الميم، وأما الباقون:{لما} ، بفتح اللام وتخفيف الميم وقرئ (12).
وقرئ: {آتيتكم} على التفريد وهو المختار لموافقة الخط، وقرأه آخرون:{آتينَاكم} على الجمع (13).
قوله تعالى: {ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ} [آل عمران: 81]، " أي: ثم جاءكم رسول من عندي بكتاب مصدق لما بين أيديكم" (14).
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 286 - 287.
(2)
صفوة التفاسير: 195.
(3)
أخرجه الطبري (7332): ص 6/ 556.
(4)
أخرجه الطبري (7331): ص 6/ 556.
(5)
انظر: تفسير الطبري (7329): ص 6/ 555.
(6)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3757): ص 2/ 693.
(7)
انظر: تفسير الطبري (7330): ص 6/ 555.
(8)
انظر: تفسير الطبري (7337): ص 6/ 559.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3758): ص 2/ 693.
(10)
انظر: تفسير الطبري (7336): ص 6/ 558.
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 67.
(12)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 103، وتفسير الطبري: 6/ 550 - 552.
(13)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 104.
(14)
صفوة التفاسير: 195.
قال يحيى بن سلام: " أخذ الله على النبيين أن يعلموا أمر محمد، ما خلا محمدا من النبيين فإنه لا نبي بعده، ولكنه قد أخذ عليه أن يصدق بالأنبياء كلهم، ففعل صلى الله عليه وسلم"(1).
قال طاوس: " هذه الآية لأهل الكتاب ، أخذ الله ميثاقهم أن يؤمنوا لمحمد ويصدقوه"(2).
قال السدي: " فيقول اليهود: أخذت ميثاق الناس لمحمد وهو الذي ذكر في الكتاب عندكم"(3).
قال عطاء: " أخذ ميثاق أهل الكتاب لئن جاءهم رسول مصدق بكتبهم التي عندهم التي جاء بها الأنبياء ليؤمنن به ولينصرنه، فأقروا بذلك، وأشهدوا الله على أنفسهم فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم صدق بكتبهم الأنبياء التي كانت قبله، {فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} "(4).
قوله تعالى: {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} [آل عمران: 81]، " أي لتصدقنه ولتنصرنه"(5).
قال مقاتل: " يعني لتصدقن به إن بعث ولتنصرنه إذا خرج"(6).
قوله تعالى: {قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي} [آل عمران: 81]، " أي أأقررتم واعترفتم بهذا الميثاق وأخذتم عليه عهدي؟ "(7).
قال محمد بن إسحاق: " أي ثقل ما حملتم من عهدي"(8).
والإصر: العهد. قاله ابن عباس (9)، ومجاهد (10) والربيع بن أنس (11) والسدي (12)، وقتادة (13).
وقرئ: {أصرى} ، بالضم (14).
قوله تعالى: {قَالُوا أَقْرَرْنَا} [آل عمران: 81]، أي:"قالوا: اعترفنا"(15).
قوله تعالى: {قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 81]، أي: قال الله لهم: " اشهدوا على أنفسكم وأتباعكم وأنا من الشاهدين عليكم وعليهم"(16).
قال الزمخشري: " وهذا توكيد عليهم وتحذير من الرجوع إذا علموا بشهادة الله وشهادة بعضهم على بعض. وقيل: الخطاب للملائكة"(17).
الفوائد:
1 -
بيان سنة الله تعالى في الأنبياء السابقين وهي أن يؤمن بعضهم ببعض وينصر بعضهم بعضاً.
2 -
أن الله منّ على النبيين بالكتاب والحكمة، ويتفرغ على ذلك أن من ورث هذا الكتاب والحكمة فإنه قد أخذ بحظ وافر مما انعم الله به على النبيين.
3 -
فضيلة النبي محمد-صلى الله عليه وسلم لكون الله أخذ على جميع الأنبيا الميثاق والعهد ان يؤمنوا به.
4 -
أن رسالة النبي-صلى الله عليه وسلم جامعة للتصديق بجميع الرسالات، وكذلك أن هذه الامة هي المصدقة تماما بجميع الرسل، وهذه ميزة ليست لغيرها.
(1) تفسير يحيى بن سلام: 2/ 702.
(2)
أخرجه عبدالرزاق (421): ص 1/ 399.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (3859): ص 2/ 694.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4760): ص 2/ 694.
(5)
صفوة التفاسير: 195.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 287.
(7)
صفوة التفاسير: 195.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (3766): ص 2/ 695.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3765): ص 2/ 695.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3766): ص 2/ 695.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3766): ص 2/ 695.
(12)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3766): ص 2/ 695.
(13)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3766): ص 2/ 695.
(14)
انظر: الكشاف: 1/ 380.
(15)
صفوة التفاسير: 195.
(16)
صفوة التفاسير: 195.
(17)
الكشاف: 1/ 380.
5 -
تقوية هذا العهد بهذه التقريرات والإشهادات المختومة بقوله: {وأنا معكم من الشاهدين} ، وما أعظم شهادة الله عز وجل في امر من الأمور.
6 -
أنه إذا كان واجبا على الأنبياء والأمم السابقين أن يؤمنوا برسول الله-صلى الله عليه وسلم، كان إيماننا نحن ونصرته من باب أولى، لأننا ننتسب إليه ونعتقده إماما-صلى الله عليه وسلم.
القرآن
{فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82)} [آل عمران: 82]
التفسير:
فمن أعرض عن دعوة الإسلام بعد هذا البيان وهذا العهد الذي أخذه الله على أنبيائه، فأولئك هم الخارجون عن دين الله وطاعة ربهم.
قوله تعالى: {فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ} [آل عمران: 82]، أي: فمن "أعرض ونكث عهده"(1).
قال ابن كثير: " أي: عن هذا العهد والميثاق"(2).
قال الطبري: أي: " فمن أعرَض عن الإيمان برسلي الذين أرسلتهم بتصديق ما كان مع أنبيائي من الكتب والحكمة، وعن نصرتهم، فأدبر ولم يؤمن بذلك، ولم ينصر، ونكث عهدَه وميثاقه، بعد العهد والميثاق الذي أخذَه الله عليه"(3).
قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 82]، أي: أولئك هم "الخارجون من دين الله وطاعة ربهم"(4).
قال علي بن أبي طالب-كرّم الله وجهه-: "فمن تولى عنك، يا محمد، بعد هذا العهد من جميع الأمم " فأولئك هم الفاسقون "، هم العاصون في الكفر"(5).
الفوائد:
1 -
أن الفسق يطلق على الكفر.
2 -
أن من تولى قبل قيام الحجة عليه، لم يحكم عليه بالفسق، وهذا يعني أن الشرائع لا تلزم قبل العلم، وهي مسألة اختلف فيها العلماء.
القرآن
{أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83)} [آل عمران: 83]
التفسير:
أيريد هؤلاء الفاسقون من أهل الكتاب غير دين الله -وهو الإسلام الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم، مع أن كل مَن في السموات والأرض استسلم وانقاد وخضع لله طواعية -كالمؤمنين- ورغمًا عنهم عند الشدائد، حين لا ينفعهم ذلك وهم الكفار، كما خضع له سائر الكائنات، وإليه يُرجَعون يوم المعاد، فيجازي كلا بعمله. وهذا تحذير من الله تعالى لخلقه أن يرجع إليه أحد منهم على غير ملة الإسلام.
في سبب نزول الآية: نقل الثعلبي عن ابن عباس: "اختصم أهل الكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اختلفوا بينهم من دين إبراهيم عليه السلام كل فرقة زعمت أنّه أولى بدينه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم، فغضبوا وقالوا: والله ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك، فأنزل الله: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ} "(6).
(1) صفوة التفاسير: 195.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 67.
(3)
تفسير الطبري: 6/ 562.
(4)
تفسير الطبري: 6/ 562.
(5)
أخرجه الطبري (7339): ص 6/ 562.
(6)
تفسير الثعلبي: 3/ 105.
قوله تعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ} [آل عمران: 83]، أي: : أفغير طاعة الله تلتمسون وتريدون" (1).
وقرئ: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ} ، على وجه الخطاب (2).
قوله تعالى: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [آل عمران: 83]، أي:"ولله أسلم وانقاد وخضع أهل السماوات والأرض طائعين ومكرهين "(3).
قال الطبري: أي: " وله خَشع من في السموات والأرض فخضع له بالعبودة، وأقرّ له بإفراد الربوبية، وانقاد له بإخلاص التوحيد والألوهية"(4).
قال المراغي: أي: " وقد خضع لله تعالى وانقاد لحكمه أهل السموات والأرض، ورضوا طائعين مختارين لما يحل بهم من تصاريف أقداره"(5).
قال أبو السعود: " أي طائعين بالنظر واتباعِ الحجةِ وكارهين بالسيف ومعاينةِ ما يلجىء الى الإسلام كنَتْق الجبلِ وإدراكِ الغرقِ والإشرافِ على الموت أو مختارين كالملائكة والمؤمنين ومسخَّرين كالكفرة فإنهم لايقدرون على الامتناع عما قُضيَ عليهم"(6).
وفي تفسير قوله تعالى: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [آل عمران: 83]، ستة أوجه:
أحدها: أن المؤمن أسلم طوعاً والكافر أسلم عند الموت كَرْهاً، وهذا قول قتادة (7).
والثاني: أنه الإقرار بالعبودية وإن كان فيه من أشرك في العبادة، وهذا قول مجاهد (8).
والثالث: أنه سجود المؤمن طائعاً وسجود ظل الكافر كرهاً، وهو مروي عن مجاهد أيضاً (9).
والرابع: طوعاً بالرغبة والثواب. وكرهاً بالخوف من السيف، اوهو قول الحسن (10)، ومطر (11).
والخامس: أن إسلام الكاره حين أخذ منه الميثاق فأقر به، وهذا قول ابن عباس (12).
والسادس: معناه أنه أسلم بالانقياد والذلة وإن أنكر ألوهته بلسانه، وهو قول عامر الشعبي (13)، والزجاج (14).
قوله تعالى: {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: 83]" أي: إليه وحده مرجع الخلائق يوم القيامة، فيجازي كل عاملٍ بعمله"(15).
قال أبو العالية: " يرجعون إليه بعد الحياة"(16).
قال السعدي: أي: " وإليه مرجع الخلائق كلها، فيحكم بينهم ويجازيهم بحكمه الدائر بين الفضل والعدل"(17).
قال المراغي: " أي وإليه يرجع من اتخذ غير الإسلام دينا من اليهود والنصارى وسائر الخلق، وحينئذ يجازون بإساءتهم وترك الدين الحق، وفي هذا وعيد وتهديد لهم"(18).
وقرئ: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ، على وجه الخطاب (19).
(1) تفسير الطبري: 6/ 564.
(2)
انظر: تفسير الطبري: 6/ 563.
(3)
صفوة التفاسير: 195 - 196.
(4)
تفسير الطبري: 6/ 564.
(5)
تفسير المراغي: 3/ 201.
(6)
تفسير أبي السعود: 2/ 54.
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3778): ص 2/ 697.
(8)
انظر: تفسير الطبري (7342)، و (7343): ص 6/ 565.
(9)
انظر: تفسير الطبري (7346) - (7349): ص 6/ 566، وتفسير ابن أبي حاتم (3777): ص 2/ 697.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3771): ص 2/ 696، وتفسير الطبري (73521): ص 6/ 567.
(11)
انظر: تفسير الطبري (7352): ص 6/ 567.
(12)
انظر: تفسير الطبري (7345): ص 6/ 565.
(13)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3772): ص 2/ 696.
(14)
انظر: معاني القرآن: 1/ 438 - 439.
(15)
صفوة التفاسير: 2/ 406.
(16)
أخرجه ابن أبي حاتم (3780): ص 2/ 697.
(17)
تفسير السعدي: 137.
(18)
تفسير المراغي: 3/ 201.
(19)
انظر: تفسير الطبري: 6/ 563.
الفوائد:
1 -
أن من ابتغى غير دين الله، فإنه يستحق هذا التوبيخ العظيم.
2 -
أن من شرط صحة العمل وقبوله أن يكون موافقا لشرع الله، وجهه أن الله انكر على من بغى دينا غير دين الله، ولهذا كان شرط العبادة الإخلاص لله، وموافقة شريعة الله.
3 -
تشريف هذا الدين، لأن الله أضافه إلى نفسه:{دين الله} .
4 -
إقامة الحجة على أنه لايليق بالإنسان أن يبتغي دينا غير دين الله وهو مربوب مملوك لله.
5 -
عموم ملك الله وسلطانه.
6 -
إثبات السماوات، وأنها عدد، وقد جاءت الادلة بأنها سبع، والأرضين هي سبع، إذ جا الإفصاح بها في السنة.
7 -
أن المرجع إلى الله، سواء كان في الدنيا وذلك في الاحكام، او في الآخرة وذلك للمحاسبة.
8 -
إثبات البقاء لله، لأنه إذا كان مرجع كل الخلق لزم من ذلك أنه سيبقى عز وجل ليكون مرجعا لجميع الخلق.
القرآن
التفسير:
قل لهم -أيها الرسول-: صدَّقنا بالله وأطعنا، فلا رب لنا غيره، ولا معبود لنا سواه، وآمنَّا بالوحي الذي أنزله الله علينا، والذي أنزله على إبراهيم خليل الله، وابنيه إسماعيل وإسحاق، وابن ابنه يعقوب بن إسحاق، والذي أنزله على الأسباط -وهم الأنبياء الذين كانوا في قبائل بني إسرائيل الاثنتي عشرة مِن ولد يعقوب- وما أوتي موسى وعيسى من التوراة والإنجيل، وما أنزله الله على أنبيائه، نؤمن بذلك كله، ولا نفرق بين أحد منهم، ونحن لله وحده منقادون بالطاعة، مُقِرُّون له بالربوبية والألوهية والعبادة.
في سبب نزول الآية قال ابن ظفر: "لما تكلم اليهود بما قالوه، والنصارى بما ليس لهم، أمر الله نبيه أن يقول للمسلمين: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} الآية، فأخبر أنهم يؤمنون بجميع الأنبياء ولا يفرقون بين أحد منهم"(1).
والظاهر أنه إعلان للجميع بما في ذلك اليهود والنصارى الذين فرقوا بين أنبياء الله. والله أعلم.
قوله تعالى: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} [آل عمران: 84]، أي:" قل لهم، يا محمد صدقنا بالله أنه ربنا وإلهنا، وصدَّقنا أيضًا بما أنزل علينا من وَحيه وتنزيله"(2).
قال ابن كثير: " يعني: القرآن"(3).
قال عطاء بن يسار: "كان اليهود يجيئون إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فيحدثونهم فيسبحون، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله"(4).
قوله تعالى: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ} [آل عمران: 84]، أي:" وصدقنا أيضًا بما أنزل على إبراهيم خليل الله، وعلى ابنيه إسماعيل وإسحاق، وابن ابنه يعقوب وبما أنزل على الأسباط، وهم ولد يعقوب الاثنا عشر"(5).
قال ابن كثير: " أي: من الصحف والوحي"(6).
{وَالأسْبَاطِ} : "هم بطون بني إسرائيل المتشعبة من أولاد إسرائيل - هو يعقوب - الاثنى عشر"(7).
(1) العجاب: 2/ 707.
(2)
تفسير الطبري: 6/ 569.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 70.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (3781): ص 2/ 698.
(5)
تفسير الطبري: 6/ 569.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 70.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 70.
قال أبو العالية: " {الأسباط}: هو يوسف وإخوته بنوا يعقوب اثنا عشر رجلا، ولد كل رجل منهم أمة من الناس فسموا الأسباط"(1). وروي عن قتادة، والربيع بن أنس نحو ذلك (2).
وقال السدي: " وأما الأسباط فهم بنو يعقوب: يوسف، وبنيامين وروبيل، ويهوذا وشمعون، ولاوي، ودان وقهاث"(3).
قوله تعالى: {وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى} [آل عمران: 84]، أي:" وصدّقنا أيضًا مع ذلك بالذي أنزل الله على موسى وعيسى من الكتب والوَحْي"(4).
قال ابن كثير: " يعني: بذلك التوراة والإنجيل"(5).
قوله تعالى: {وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ} [آل عمران: 84] أي: " وصدقنا أيضا "بما أنزل على النبيين من عنده" (6).
قال ابن كثير: " وهذا يَعُم جميعَ الأنبياء جملة"(7).
قال قتادة: " أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا به، ويصدقوا بكتبه كلها وبرسله"(8).
قال سليمان بن حبيب المحاربي: إنما أمرنا أن نؤمن بالتوراة ولا نعمل بما فيها" (9).
عن معقل بن يسار قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آمنوا بالتوراة والزبور والإنجيل وليسعكم القرآن"(10).
قوله تعالى: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} [آل عمران: 84] أي: " لا نكفر ببعض ونؤمن ببعض"(11).
قال قتادة: " أمر الله المؤمنين أن لا يفرقوا بين أحد منهم"(12).
قال ابن كثير: " يعني: بل نؤمن بجميعهم"(13).
قال الطبري: أي: "لا نصدّق بعضهم ونكذّب بعضَهم، ولا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم، كما كفرت اليهود والنصارى ببعض أنبياء الله وصدّقت بعضًا، ولكنا نؤمن بجميعهم، ونصدّقهم"(14).
قوله تعالى: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 84]، "أي مخلصون في العبادة مقرّون له بالألوهية والربوبية لا نشرك معه أحداً أبداً"(15).
قال مقاتل: يعني: مخلصين" (16).
قال الطبري: أي: " ونحن ندين لله بالإسلام لا ندين غيره، ونحن له منقادون بالطاعة، متذللون بالعبودة، مقرّون لهُ بالألوهة والربوبية، وأنه لا إله غيره"(17).
قال ابن كثير: " فالمؤمنون من هذه الأمة يؤمنون بكل نبي أرسل، وبكل كتاب أنزل، لا يكفرون بشيء من ذلك بل هم مُصَدِّقون بما أنزل من عند الله، وبكل نبي بعثه الله"(18).
الفوائد:
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (3782): ص 2/ 698.
(2)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3782): ص 2/ 698.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (3783): ص 2/ 698.
(4)
تفسير الطبري: 6/ 569.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 70.
(6)
تفسير الطبري: 6/ 569.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 70.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (3785): ص 2/ 698.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (3786): ص 2/ 698.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (3784): ص 2/ 698.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 288.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (3787): ص 2/ 698.
(13)
تفسير ابن كثير: 2/ 70.
(14)
تفسير الطبري: 6/ 569.
(15)
صفوة التفاسير: 196.
(16)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 288.
(17)
تفسير الطبري: 6/ 570.
(18)
تفسير ابن كثير: 2/ 70.
1 -
وجوب الإقرار بالإيمان باللسان، كما هو واجب بالقلب.
2 -
أن الإيمان بالله هو اصل كل شيء، مقدم على كل شيء، لقوله:{آمنا بالله} ، وجعل ما بعده معطوفا عليه.
3 -
وجوب الإيمان بما انزل علينا، وهو القرآن، لأنه شريعة ومنهاج.
4 -
لا يصح إيمان عبد يؤمن ببعض الرسل ويكفر ببعض، كما لا يصح إيمان عبد يؤمن ببعض ما أنزل الله تعالى على رسله ويكفر ببعض.
5 -
ثبوت نبوة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب.
6 -
وجوب الإيمان بالأسباط، والراجح أن المراد بهم شعوب بني إسرائيل، أي: ما أنزل عليهم بواسطة رسلهم.
7 -
ثبوت نبوة موس وعيسى.
8 -
وجوب الإيمان بما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم من الآيات الكونية (المعجزات)، ومن الآيات الشرعية التي هي الشريعة التي يمشي عليها هؤلاء.
9 -
الإسلام: هو الانقياد والخضوع لله تعالى، وهو يتنافى مع التخيير بين رسل الله ووحيه إليهم.
10 -
أن الإسلام ليس فيه العصبية، لقوله:{لا نفرق بين احد منهم} ، بخلاف ما يسلكه بنو اسرائيل إذ لايؤمنون إلا بما جاء عن انبيائهم فقط.
11 -
وجوب الاستسلام لله عز وجل وحده.
القرآن
{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)} [آل عمران: 85]
التفسير:
ومن يطلب دينًا غير دين الإسلام الذي هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، والعبودية، ولرسوله النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم بالإيمان به وبمتابعته ومحبته ظاهرًا وباطنًا، فلن يُقبل منه ذلك، وهو في الآخرة من الخاسرين الذين بخسوا أنفسهم حظوظها.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: قال الثعلبي: "نزلت في اثني عشر رجلا ارتدوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة ولحقوا بمكة كفارا منهم: الحرث بن سويد الأنصاري أخو الحلاس بن سويد، وطعمة بن أشرف الأنصاري، ومقيس بن صبابة الليثي، وعبد الله بن أنس بن خطل من بني تميم بن مرة، ووجوج بن الأسلت، وأبو عاصم بن النعمان، فأنزل الله فيهم: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} "(1).
والثاني: وقال مقاتل بن سليمان: " نزلت في طعمة بن أبيرق الأنصاري من الأوس من بني صقر، ارتد عن الإسلام ولحق بكفار مكة "(2).
والثالث: أخرج الطبري عن ابن عباس: "قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} إلى قوله: {وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [سورة البقرة: 62]، فأنزل الله عز وجل بعد هذا: {ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه} "(3).
قوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85]، أي:" ومن يطلب دينا غيرَ دين الإسلام ليدين به، فلن يقبل الله منه"(4).
قال ابن كثير: " أي: من سلك طريقًا سوى ما شَرَعَه الله فلن يُقْبل منه"(5).
وفي الاسلام في هذه الآية قولان (6):
(1) تفسير الثعلبي: 3/ 107.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 288.
(3)
تفسير الطبري (7359): ص 6/ 571 - 572.
(4)
تفسير الطبري: 6/ 570.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 70.
(6)
انظر: تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 691 - 692.
أحدهما: أن الأسلام هاهنا الاستسلام إلى الله، وتفويض الأمر إليه، وذلك أمر مراد من الناس في كل زمان ومن كل أمة وفي كل شريعة.
قال الراغب: " الدين في اللغة الطاعة وفي التعارف: وضع إلهي ينساق به الناس إلى النعيم الدائم، فبين تعالى أن من تحرى طاعة وانسياقا إلى النعيم من غير الاستسلام له على ما يأمره به. ويصرفه فيه فلن يقبل منه دنيء من أعماله، وهو في الآخرة من الذين خسروا أنفسهم"(1).
والثاني: أن المراد بالإسلام شريعة محمد عليه الصلاة والسلام، فبين أن من تحرى بعد بعثته شريعة أو طاعة لله من غير متابعته في شريعته فغير مقبول منه.
قال الراغب: " وهذا الوجه داخل في الأول، فمعلوم أن من الاستسلام الانقياد لأوامر من
صحت نبوته وظهر صدقه" (2).
قوله تعالى: {وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، أي: وهو في الآخرة من "الباخسين أنفسَهم حظوظَها من رحمة الله عز وجل"(3).
قال السمعاني: " وحق لمن يبتغي غير دين الإسلام أن يصبح غدا من الخاسرين"(4).
قال عكرمة: " قوله: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا}، فقالت الملل: نحن مسلمون، فأنزل الله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا}، فحج المسلمون وقعد الكفار"(5).
الفوائد:
1 -
بطلان كل عمل ليس على دين الإسلام، لقوله:{فلن يقبل منه} .
2 -
أن جميع الأديان غير دين الإسلام غير مقبولة عند الله ولا نافعة للمتدين بها، لعموم قوله:{غير الإسلام} ، فيشمل دين المسيحية واليهودية والبوذية والمجوسية، وكل دين، فإن الله لايقبل غير الإسلام.
3 -
الثناء على دين الاسلام، وأنه هو المقبول المحبوب إلى الله.
4 -
إثبات الآخرة، وأن فيها خسارة وربح أعظم من خسارة الدنيا وربحها.
القرآن
التفسير:
كيف يوفق الله للإيمان به وبرسوله قومًا جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم به، وشهدوا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم حق وما جاء به هو الحق، وجاءهم الحجج من عند الله والدلائل بصحة ذلك؟ والله لا يوفق للحق والصواب الجماعة الظلمة، وهم الذين عدلوا عن الحق إلى الباطل، فاختاروا الكفر على الإيمان.
في سبب نزول الآيات (86 - 89) اقوال:
أحدها: أخرج النسائي (6)، والطبري (7)، وابن أبي حاتم (8)، وصححه ابن حبان (9)، والحاكم (10)، من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: "كان رجل (11) من الأنصار أسلم، ثم ارتد ولحق بالمشركين، ثم
(1) تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 692.
(2)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 692.
(3)
تفسير الطبري: 6/ 570.
(4)
تفسير السمعاني: 1/ 338.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (3788): ص 2/ 699.
(6)
في "تحريم الدم": باب "توبة المرتد""7/ 107""4068" وفي التفسير "ص 33" الرقم "85" عزاه إليه في "تحفة الأشراف""5/ 133" ورجال سنده ثقات
(7)
انظر: تفسير الطبري (7360): ص 6/ 572 - 573.
(8)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3789): ص 2/ 699.
(9)
انظر "الإحسان"، كتاب "الحدود"، "باب الردة" "10/ 329" "4477" وقال محققه الأستاذ شعيب:"إسناده صحيح، رجاله ثقات على شرط مسلم غير بشر بن معاذ العقدي، فقد روى له أصحاب "السنن" وهو ثقة".
(10)
انظر "المستدرك"، كتاب "قسم الفيء" "2/ 142" وكتاب "الحدود" "4/ 366" وقال في المكانين:
"صحيح الإسناد ولم يخرجا" ووافقه الذهبي، وأخرجه كذلك أحمد في "المسند" وانظر "مرويات الإمام أحمد في التفسير""1/ 280" والبيهقي في "الكبرى""8/ 195" وانظر "الإصابة""1/ 280".
(11)
هذه الرواية، ورواية أخرى بعدها تذكر:"رجلا" والآية تقول "قوما" فتأمل
ندم فأرسل إلى قومه سلوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة فسألوا فقالوا: إن صاحبنا قد ندم، وإنه قد أمرنا أن نسأل هل له توبة فنزلت:{كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} إلى قوله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم} فأرسل إليه فأسلم.
وفي رواية الواحدي: " فلما قرئت عليه قال: والله ما كذبني قومي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كذب رسول الله، والله تعالى أصدق الثلاثة فرجع تائبًا فقبل منه"(1).
وأخرجه البزار عن ابن بزيع هذا فقال في أوله: "إن قوما أسلموا ثم ارتدوا ثم أسلموا ثم ارتدوا فأرسلوا إلى قومهم يسألون" فذكره (2).
والثاني: أخرج الطبري (3)، والواحدي (4)، وعبدالرزاق (5)، وابن المنذر (6)، عن مجاهد:"جاء الحارث بن سُوَيد فأسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه، فأنزل الله عز وجل فيه القرآن: {كيف يَهدي الله قومًا كفروا بعدَ إيمانهم} إلى {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإنّ الله غفورٌ رحيمٌ}، قال: فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه، فقال الحارث: إنك والله ما علمتُ لصَدُوقٌ، وإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدقُ منك، وإنّ الله عز وجل لأصدق الثلاثة. قال: فرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه"(7).
وذكر ابن إسحاق في السيرة الكبرى: "إن الحارث بن سويد بن صامت كان منافقا، فخرج يوم أحد مع المسلمين، فلما التقى الناس غدا على مسلمين فقتلهما، ثم لحق بمكة بقريش، ثم بعث إلى أخيه الجلاس يطلب التوبة، فأنزل الله فيه هذه الآيات"(8).
وذكر إن المقتول هو المجذر بن زياد وقيس بن زيد من بني ضبيعة، وتعقب ابن هشام فذكر أن قيس بن زيد لم يعد في قتلى أحد (9).
والثالث: أخرج الطبري عن مجاهد: " هو رجل من بني عمرو بن عوف، كفر بعد إيمانه، لحق بأرض الرّوم فتنصَّر، ثم كتب إلى قومه: " أرسلوا، هل لي من توبة؟ " قال: فحسبتُ أنه آمن، ثم رَجع" (10).
والرابع: وأخرج الطبري عن عكرمة: " نزلت في أبي عامر الرّاهب، والحارث بن سويد بن الصامت، ووَحْوَح بن الأسلت في اثني عشر رجلا رَجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش، ثم كتبوا إلى أهلهم: هل لنا من توبة؟ فنزلت: {إلا الذي تابوا من بعد ذلك}، الآيات"(11).
والخامس: قال مقاتل: " نزلت في اثني عشر رجلا ارتدوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة كهيئة البداة ثم انصرفوا إلى طريق مكة، فلحقوا بكفار مكة منهم طعمة بن أبيرق الأنصاري، ومقيس بن ضبابة الليثي، وعبد الله بن أنس بن خطل من بنى ثيم ابن مرة القرشي. ووجوج بن الأسلت الأنصاري، وأبو عامر بن النعمان الراهب، والحارث بن سويد بن الصامت الأنصاري من بني عمرو بن عوف، أخو الجلاس بن سويد بن الصامت، ثم أن الحارث ندم فرجع تائبا من ضرار ثم أرسل إلى أخيه الجلاس إني قد رجعت تائبا فسل النبي- صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة وإلا لحقت بالشام فانطلق الجلاس إلى النبي- صلى الله عليه وسلم فأخبره فلم يرد عليه
(1) أسباب النزول: 113 - 114.
(2)
نقلا عن العجاب: 2/ 709، ولم يصل المطبوع من مسنده إلى مسند ابن عباس.
(3)
انظر: تفسير الطبري (7263): ص 6/ 573.
(4)
أسباب النزول: 114، من طريق مسدد بن مسرهد.
(5)
انظر: لباب النقول: 55.
(6)
انظر: فتح القدير: 1/ 359.
(7)
تفسير الطبري (7263): ص 6/ 573.
(8)
سيرة ابن هشام: 1/ 520، و 2/ 89.
(9)
وعن مصير الحارث بن سويد بعد قتله المجذر والخلاف فيه انظر "سيرة ابن هشام""2/ 89" و"الإصابة" في ترجمته "1/ 280" وترجمة المجذر "3/ 364" و"الباهر في حكم النبي صلى الله عليه وسلم بالباطن والظاهر" للسيوطي "ص 56 - 57".
(10)
تفسير الطبري (7367): ص 6/ 574.
(11)
تفسير الطبري (7367): ص 6/ 574.
شيئا فأنزل الله- عز وجل في الحارث فاستثنى {إلا الذين تابوا} فلا يعذبون {من بعد ذلك} يعني من بعد الكفر {وأصلحوا} في العمل فيما بقي {فإن الله غفور} لكفره {رحيم} " (1).
والسادس: أخرج الطبري عن ابن عباس: " {كيف يهدي الله قومًا كفرُوا بعد إيمانهم}، فهم أهلُ الكتاب، عرَفوا محمدًا صلى الله عليه وسلم ثم كفروا به"(2). وروي عن الحسن مثل ذلك (3).
قوله تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} [آل عمران: 86]، "أي: كيف يستحق الهْداية قوم كفروا بعد إِيمانهم" (4).
قال الطبري: أي: " كيف يُرشد الله للصواب ويوفّق للإيمان، قومًا جحدُوا نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، بعد تصديقهم إياه وإقرارهم بما جاءَهم به من عند ربه"(5).
قوله تعالى: {وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ} [آل عمران: 86]،
قوله تعالى: {وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران: 86]، أي:" وجاءهم الحجج من عند الله والدلائلُ بصحة ذلك"(6).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 86]، أي:" والله لا يوفّق للحق والصّواب الجماعة الظَّلمة"(7).
قال ابن الجوزي: " وقوله: {كيف يهدي الله قوما كفروا} استفهام في معنى الجحد، أي: لا يهديهم الله. وفيه طرف من التوبيخ، كما يقول الرجل لعبده: كيف أحسن إلى من لا يطيعني. أي: لست أفعل ذلك والمعنى: أنه لا يهدي من عاند بعد أن بان له الصواب. وهذا محكم لا وجه لدخول النسخ عليه وقد زعم قوم منهم السدي أن هذه الآيات منسوخات بقوله: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك} "(8).
ثم ذكر ابن الجوزي عن السدي: " {كيف يهدي الله قوما كفروا} قال: نزلت في الحارث ثم أسلم فنسخها الله عزوجل فقال: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا} (9).
قال ابن الجوزي: "وقد بينا فيما تقدم أن الاستثناء ليس بنسخ وإنما هو مبين، أن اللفظ الأول لم يرد به العموم وإنما المراد به من عاند ولم يرجع إلى الحق بعد وضوحه، ويؤكد هذا أن الآيات خبر، والنسخ لا يدخل في الأخبار بحال"(10).
الفوائد:
1 -
أن من أضل الله عن بصيرة فإنه يبعد أن يُهدى-نعوذ بالله-.
2 -
أن من فسق عن بصيرة فإنه يبعد ان يكون من العدول.
3 -
أن الهداية والإضلال بيد الله، فمن كان اهلا للهداية هداه، ومن كان اهلا للضلال أضله الله.
4 -
أن الإنسان قد يعاند ويستكبر بعد أن تبين له الحق.
5 -
أن الكفر بعد الإيمان أغلظ من الكفر الأصلي، لأن الله تعالى استبعد ان يهتدي هؤلاء، في حين ذكر في موضع آخر ان الله تعالى قد يهدي الكافرين، فقال:{عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الممتحنة: 7].
6 -
أن النبي-صلى الله عليه وسلم حق، لأن الله لام هؤلاء على الكفر بعد أن شهدوا أن الرسول حق.
7 -
أن الله لم يدع الخلق هملا، بل أقام لهم الحجج والبينات.
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 288 - 289.
(2)
تفسير الطبري (7368): ص 6/ 574.
(3)
انظر: تفسير الطبري (7369) - (7371): ص 6/ 575.
(4)
صفوة التفاسير: 196.
(5)
تفسير الطبري: 6/ 576.
(6)
تفسير الطبري: 6/ 576.
(7)
تفسير الطبري: 6/ 576.
(8)
نواسخ القرآن: 327.
(9)
الآية (81) من سورة آل عمران.
(10)
نواسخ القرآن: 327.
8 -
أن من أضله الله فإنما ذلك لظلم منه، لقوله:{وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} .
القرآن
{أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87)} [آل عمران: 87]
التفسير:
أولئك الظالمون جزاؤهم أنَّ عليهم لعنة الله والملائكة والناسِ أجمعين، فهم مطرودون من رحمة الله.
قوله تعالى: {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ} [آل عمران: 87]، أي: أولئك" جزاؤهم على كفرهم"(1).
قوله تعالى: {أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [آل عمران: 87]، أي:" اللعنة من الله والملائكة والخلق أجمعين"(2).
قال ابن كثير: "أي: يلعنهم الله ويلعنهم خلقه"(3).
قال الطبري: أي: " أن يحلّ بهم من الله الإقصاء والبعد، ومن الملائكة والناس الدعاءُ بما يسوؤهم من العقاب من جميعهم
…
وإنما جعل ذلك جل ثناؤه ثواب عملهم، لأن عملهم كان بالله كفرًا" (4).
قال أبو العالية: " يعني {الناس أجمعين}: المؤمنين، إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون"(5).
وقال السدي: " أما: {لعنة الله والملائكة والناس أجمعين}، فإنه لا يتلاعن اثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما: لعن الله الظالم، إلا وجبت تلك اللعنة على الكافر لأنه ظالم، فكل أحد من الخلق يلعنه"(6)
الفوائد:
1 -
إثبات الجزاء، وفيها أن الجزاء من جنس العمل، فإن هؤلاء لما ارتكبوا ثلاث جرائم: كان عليهم لعنة الله والملائكة والناس ثلا بثلاث.
2 -
أن الملائكة ذو عقول يفهمون ويفعلون.
3 -
أن أمثال هؤلاء يلعنهم الناس جميعا.
القرآن
{خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88)} [آل عمران: 88]
التفسير:
ماكثين في النار، لا يُرفع عنهم العذاب قليلا ليستريحوا، ولا يُؤخر عنهم لمعذرة يعتذرون بها.
قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا} [آلأ عمران: 88]، أي: ماكثين في عقوبة الله" (7).
قال أبو العالية: " يعني في النار، في اللعنة"(8).
قال مقاتل: " في اللعنة مقيمين فيها"(9).
قال ابن كثير: أي: في اللعنة" (10).
قوله تعالى: {لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ} [آلأ عمران: 88]، " أي: لا يُفتَّر عنهم العذاب ولا يُخَفَّف عنهم" (11).
قال الطبري: " لا ينقصون من العذاب شيئًا في حال من الأحوال، ولا ينفَّسون فيه"(12).
(1) صفوة التفاسير: 196.
(2)
صفوة التفاسير: 196.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 71.
(4)
تفسير الطبري: 6/ 576 - 577.
(5)
أخرجه ابن ابي حاتم (3791): ص 2/ 699.
(6)
أخرجه ابن ابي حاتم (3792): ص 2/ 700.
(7)
تفسير الطبري: 6/ 577.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (3793): ص 2/ 700.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 288.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 71.
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 71.
(12)
تفسير الطبري: 6/ 577.
قوله تعالى: {وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} [آلأ عمران: 88]، أي:" ولا هم ينظرون لمعذرة يعتذرون"(1).
قال مقاتل: " يعني لا يناظر بهم العذاب"(2).
قال الطبري: " وذلك كله عَينُ الخلود في العقوبة في الآخرة"(3).
قال أبو العالية: " هو كقوله: {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} [المرسلات: 35 - 36] "(4).
الفوائد:
1 -
إثبات ان هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، وشهدوا ان الرسول حق، وجاءهم البينات خالدون في لعنة الله، أي في الطرد والإبعاد عن رحمته.
2 -
ومنها: أنهم دائما في عذاب، لا يخفف أبدا ولا ينتظرون الفرج، لا بالتخلص منه، ولا بتخفيفه.
القرآن
{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89)} [آل عمران: 89]
التفسير:
إلا الذين رجعوا إلى ربهم بالتوبة النصوح من بعد كفرهم وظلمهم، وأصلحوا ما أفسدوه بتوبتهم فإن الله يقبلها، فهو غفور لذنوب عباده، رحيم بهم.
قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ٌ} [آل عمران: 89]، أي:"إلا الذين تابوا من بعد ارتدادهم عن إيمانهم"(5).
قال الطبري: " فراجعوا الإيمان بالله وبرسوله، وصدّقوا بما جاءهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم من عند ربهم"(6).
قوله تعالى: {وَأَصْلَحُوا ٌ} [آل عمران: 89]، أي:" وأصلح ما أفسد من عمله"(7).
قال مقاتل: " {وأصلحوا} في العمل فيما بقي"(8).
قال الطبري: أي: " وعملوا الصالحات من الأعمال"(9).
قوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 89]، أي: فإن الله" متفضل عليه بالرحمة والغفران"(10).
قال الطبري: أي: إن الله" {غفور}: ساتر عليه ذنبه الذي كان منه من الرّدّة، فتاركٌ عقوبته عليه، وفضيحته به يوم القيامة، غيرُ مؤاخذه به إذا مَات على التوبة منه، {رحيم}: متعطِّف عليه بالرحمة"(11).
الفوائد:
1 -
أن التوبة تجبّ ما قبلها.
2 -
أنه لابد مع التوبة من الإصلاح.
3 -
إثبات اسمين من أسماء الله تعالى، وهما: الغفور الرحيم، وإثبات ما تضمناه من الصفة وهي المغفرة والرحمة.
4 -
الثناء على المصلحين، ويستلزم الإصلاح أن يكون المصلح صالحا.
القرآن
(1) تفسير الطبري: 6/ 577.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 288.
(3)
تفسير الطبري: 6/ 577.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (3793): ص 2/ 700.
(5)
تفسير الطبري: 6/ 577 - 578.
(6)
تفسير الطبري: 6/ 578.
(7)
صفوة التفاسير: 196.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 289.
(9)
تفسير الطبري: 6/ 578.
(10)
صفوة التفاسير: 196.
(11)
تفسير الطبري: 6/ 578.
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90)} [آل عمران: 90]
التفسير:
إن الذين كفروا بعد إيمانهم واستمروا على الكفر إلى الممات لن تُقبل لهم توبة عند حضور الموت، وأولئك هم الذين ضلُّوا السبيل، فأخطَؤُوا منهجه.
في سبب نزول الآية اقوال:
أحدها: قال الحسن (1) وقتادة (2) وعطاء الخراساني (3): نزلت هذه الآية في اليهود، كفروا بعيسى عليه السلام والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم وكتبهم، ثم ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن.
والثاني: وقال أبو العالية (4): نزلت في اليهود والنصارى، كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم لما رأوه وعرفوه بعد إيمانهم بنعته وصفته في كتبهم، ثم ازدادوا ذنوبا في حال كفرهم.
والثالث: وقال مجاهد (5): نزلت في الكفار كلهم، أشركوا بعد إقرارهم بأن الله خالقهم، {ثم ازدادوا كفرا} ، أي أقاموا على كفرهم حتى هلكوا عليه.
والرابع: ونقل ابن حجر عن ابن الكلبي أنها: "نزلت في الأحد عشر رفقة الحارث بن سويد لما رجع الحارث قالوا: نقيم بمكة ما بدا لنا فمتى أردنا رجعنا فنزل فينا ما نزل في الحارث، فلما افتتحت مكة دخل في الإسلام من دخل منهم فقبلت توبته ونزلت فيمن مات منهم كافرا هذه الآية"(6). ونقل مقاتل نحو ذلك (7).
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} [آل عمران: 90]، أي: إن الذين ارتدوا عن الإسلام إلى الكفر" (8).
قال الطبري: أي: "إن الذين كفروا من اليهود بمحمد صلى الله عليه وسلم عند مَبعثه، بعد إيمانهم به قبل مبعثه"(9).
قوله تعالى: {ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا} [آل عمران: 90]، " أي: استمروا على الكفر إلى الممات" (10).
قال ابن أبي زمنين: " أي: ماتوا على كفرهم"(11).
قال السمرقندي: " أي ثبتوا على كفرهم بقولهم: نقيم بمكة ما بدا لنا"(12).
قال السعدي: أي: " ثم ازداد كفرا إلى كفره بتماديه في الغي والضلال، واستمراره على ترك الرشد والهدى"(13).
قوله تعالى: {لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} [آل عمران: 90]، " أي: لا تقبل منهم توبة ما أقاموا على الكفر" (14).
قال السعدي: " أي: لا يوفقون لتوبة تقبل بل يمدهم الله في طغيانهم يعمهون، قال تعالى {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} فالسيئات ينتج بعضها بعضا، وخصوصا لمن أقدم على الكفر العظيم وترك الصراط المستقيم، وقد قامت عليه الحجة ووضح الله له الآيات والبراهين، فهذا هو الذي سعى في قطع أسباب رحمة ربه عنه، وهو الذي سد على نفسه باب التوبة"(15).
(1) انظر: تفسير الطبري (7372): ص 6/ 578.
(2)
انظر: تفسير الطبري (7373): ص 6/ 578 - 579.
(3)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 108.
(4)
انظر: تفسير الطبري (7377) - (7381): ص 6/ 579 - 580، وتفسير ابن أبي حاتم (3799): ص 2/ 701.
(5)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 108.
(6)
العجاب: 2/ 713 - 714. وعلى هذا أن الآية تأخر نزولها إلى ما بعد فتح مكة! مثل هذا يحتاج إلى دليل صحيح.
(7)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 288 - 289.
(8)
أيسر التفاسير، للجزائري: 1/ 344.
(9)
تفسير الطبري: 6/ 581.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 71.
(11)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 302.
(12)
تفسير السمرقندي: 1/ 230.
(13)
تفسير السعدي: 1/ 137.
(14)
صفوة التفاسير: 196.
(15)
تفسير السعدي: 1/ 137.
ولأهل التفسير في قوله تعالى: {لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} [آل عمران: 90]، وجهان:
احدهما: لأنهم: تابوا من بعض ولم يتوبوا من الأصل. وهذا قول أبي العالية (1).
والثاني: أنهم ازدادوا كفرا حين حضرهم الموت، فـ {لن تقبل توبتهم} حين حضرهم الموت. وهذا قول قتادة (2)، وعطاء (3)، والحسن (4).
قال القاسمي: " وقد أشكل على كثير قوله تعالى لن تقبل توبتهم مع أن التوبة عند الجمهور مقبولة كما في الآية قبلها، وقوله سبحانه:{وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} [الشورى: 25]، وغير ذلك.
فأجابوا: بأن المراد عند حضور الموت. قال الواحدي في (الوجيز): «لن تقبل توبتهم لأنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت، وتلك التوبة لا تقبل» (5) - انتهى-، أي كما قال تعالى:{وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت} [النساء: 18]، الآية. وقيل عدم قبول توبتهم كناية عن عدم توبتهم أي لا يتوبون، كقوله:{أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} [البقرة: 6]. وإنما كنى بذلك تغليظا في شأنهم وإبرازا لحالهم في صورة حال الآيسين من الرحمة، وقيل: لأنهم توبتهم لا تكون إلا نفاقا لارتدادهم وازديادهم كفرا. وبقي للمفسرين وجوه أخرى، هي في لتأويل أبعد مما ذكر. ولا أرى هذه الآية إلا كآية النساء:{إن الذين آمنوا ثم كفروا} إلخ. وكلاهما مما يدل صراحة على أن من تكررت ردته لا تقبل توبته، وإلى هذا ذهب إسحاق وأحمد كما قدمنا، وذلك لرسوخه في الكفر" (6).
قوله تعالى: {وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} [آل عمران: 90]، أي: وأولئك هم" الخارجون عن منهج الحق إِلى طريق الغي"(7).
قال الطبري: أي: " هم الذين ضلوا سبيل الحقّ فأخطأوا منهجه، وتركوا نِصْف السبيل وهُدَى الدين، حَيرةً منهم، وعَمىً عنه"(8).
وقد اختلف أهل العلم في تفسير هذه الآية على اقوال:
أحدها: أن المراد: {إن الذين كفروا} ببعض أنبيائه الذين بعثوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم، {بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا} بكفرهم بمحمد، {لن تقبل توبتهم} ، عند حُضور الموت وحَشرجته بنفسه. وهذا قول الحسن (9)، وقتادة (10).
والثاني: أن المعنى: إن الذين كفروا من أهل الكتاب بمحمد، بعد إيمانهم بأنبيائهم، {ثم ازدادوا كفرًا} ، يعني: ذنوبًا، {لن تقبل توبتهم} ، من ذنوبهم، وهم على الكفر مقيمون. قاله أبو العالية (11).
والثالث: أن معنى ذلك: إن الذين كفروا بعد إيمانهم بأنبيائهم، {ثم ازدادوا كفرًا} ، يعني: بزيادتهم الكفر: تمامُهم عليه، حتى هلكوا وهم عليه مقيمون، {لن تقبل توبتهم} ، لن تنفعهم توبتهم الأولى وإيمانهم، لكفرهم الآخِر وموتهم. وهذا قول عكرمة (12).
والرابع: أن معنى قوله: {ثم ازدادوا كفرًا} ، ماتوا كفارًا، فكان ذلك هو زيادتهم من كفرهم. وقالوا: معنى {لن تقبل توبتهم} ، لن تقبل توبتهم عند موتهم. وهذا قول السدي (13).
(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3803): ص 2/ 702.
(2)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3804): ص 2/ 702.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3804): ص 2/ 702.
(4)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3804): ص 2/ 702.
(5)
الوجيز: 222.
(6)
محاسن التأويل: 2/ 348 - 349.
(7)
صفوة التفاسير: 196.
(8)
تفسير الطبري: 6/ 583.
(9)
انظر: تفسير الطبري (7372): ص 6/ 578.
(10)
انظر: تفسير الطبري (7373) - (7375): ص 6/ 578 - 579.
(11)
انظر: تفسير الطبري (7376) - (7379): ص 6/ 579 - 581.
(12)
انظر: تفسير الطبري (7382): ص 6/ 581.
(13)
انظر: تفسير الطبري (7383): ص 6/ 581.
والراجح: أنه عنى بها اليهود، لأن الآيات قبلها وبعدها فيهم نزلت، فأولى أن تكون هي في معنى ما قبلها وبعدها، إذ كانت في سياق واحد، ومعنى الآية:"إن الذين كفروا من اليهود بمحمد صلى الله عليه وسلم عند مَبعثه، بعد إيمانهم به قبل مبعثه، ثم ازدادوا كفرًا بما أصَابوا من الذنوب في كفرهم ومُقامهم على ضلالتهم، لن تقبل توبتهم من ذنوبهم التي أصابوها في كفرهم، حتى يتوبوا من كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويراجعوا التوبة منه بتصديقه بما جاء به من عند الله"(1).
الفوائد:
1 -
إن الذي يرتد عن الاسلام فإنه إذا بقي على حاله، فإنه لا تقبل توبته عند الموت.
2 -
أنه كلما مادى الإنسان في الكفر، ولم يتب، فإنه يزداد، لأن كل وقت يمر يزداد وزرا إلى وزره، كما ان المؤمن يزداد لأيضا بزيادة الأيام إيمانا.
3 -
أن من تاب قبل أن يحضر اجله فإن الله يتوب عليه.
4 -
إن من استمر على كفره، فإنه ضال، لأنه اجتنب طريق الحق، قال تعالى:{فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [يونس: 32]
القرآن
التفسير:
إن الذين جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وماتوا على الكفر بالله ورسوله، فلن يُقبل من أحدهم يوم القيامة ملء الأرض ذهبًا، ليفتدي به نفسه من عذاب الله، ولو افتدى به نفسه فِعْلا. أولئك لهم عذاب موجع، وما لهم من أحد ينقذهم من عذاب الله.
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ} [آل عمران: 91]، أي: إن الذين" كفروا ثم ماتوا على الكفر ولم يتوبوا"(2).
قال الحسن: " هو كل كافر"(3).
قال ابن كثير: " أي: من مات على الكفر"(4).
قال الطبري: "أي: جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يصدقوا به وبما جاء به من عند الله من أهل كل ملة، يهودها ونصاراها ومجوسها وغيرهم، : وماتوا على ذلك من جحود نبوته وجحود ما جاء به "(5).
قوله تعالى: {فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ} [آل عمران: 91]، " أي: لن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً" (6).
قال ابن كثير: " أي: من مات على الكفر فلن يقبل منه خير أبدًا، ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهبا فيما يراه قُرْبة، كما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن جُدْعان - وكان يُقْرِي الضيفَ، ويَفُكُّ العاني، ويُطعم الطعام -: هل ينفعه ذلك؟ فقال: "لا إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا مِن الدَّهْرِ: رَبِّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتِي يوم الدِّينِ" (7) "(8).
قال الطبري: ": فلن يقبل ممن كان بهذه الصفة في الآخرة جَزَاءٌ ولا رِشْوةٌ على ترك عقوبته على كفره، ولا جُعْلٌ على العفو عنه ولو كان له من الذهب قدرُ ما يملأ الأرضَ من مشرقها إلى مغربها، فرَشَا وَجزَى على ترك عقوبته وفي العفو عنه على كفره عوضًا مما الله مُحلٌّ به من عذابه. لأنّ الرُّشا إنما يقبلها من كان ذَا حاجة
(1) تفسير الطبري: 6/ 581.
(2)
صفوة التفاسير: 196.
(3)
أخرجه الطبري (7385): ص 6/ 585.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 72.
(5)
تفسير الطبري: 5/ 584.
(6)
صفوة التفاسير: 196.
(7)
رواه مسلم في صحيحه برقم (214) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 72.
إلى ما رُشى. فأما من له الدنيا والآخرة، فكيف يقبل الفدية، وهو خلاق كل فدية افتدَى بها مفتدٍ منْ نفسه أو غيره؟ " (1).
روي عن أنس بن مالك: "أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: يُجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيتَ لو كان لك ملءُ الأرض ذهبًا، أكنت مفتديًا به؟ فيقول: نعم! قال فيقال: لقد سُئلت ما هو أيسرُ من ذلك! فذلك قوله: {إنّ الذين كفروا وماتوا وهم كفارٌ فلن يُقبل من أحدهم ملءُ الأرض ذهبًا ولو افتدى به} "(2).
قوله تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 91]، أي: هؤلاء لهم عند الله في الآخرة عذابٌ موجع" (3).
قوله تعالى: {وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [آل عمران: 91]، " أي ما لهم من أحد ينقذهم من عذاب الله ولا يجيرهم من أليم عقابه"(4).
قال الطبري: " وما لهم من قريب ولا حميم ولا صديق ينصره، فيستنقذه من الله ومن عذابه كما كانوا ينصرونه في الدنيا على من حاول أذَاه ومكروهه"(5).
قال ابن كثير: " أي: وما لهم من أحد يُنْقِذهم من عذاب الله، ولا يجيرهم من أليم عقابه"(6).
الفوائد:
1 -
أن من مات على الكفر فلن يقبل منه شيء يمنعه من عذاب الله.
2 -
أن الأمر يسير على المؤمن لأنه يفتدي من عذاب الله بما هو أقل من ملء الأرض ذهبا، فإنه إذا آمن وقام بالعمل الصالح، وادى الواجبات نجا من هذا العذاب مع أقل بكثير من ملء الأرض ذهبا.
3 -
إثبات العذاب لهؤلاء الكفار، وأن هذا العذاب عذاب شديد مؤلم.
4 -
أن هذا الألم ألم بدني وألم نفسي، لأنهم مع العذاب الشديد العظيم على البدن يعذبون عذابا نفسيا، وذلك بالتوبيخ والإهانة.
5 -
أنه لا ناصر لهؤلاء الكفار، حتى آلهتهم التي يعبدونها من دون الله تلقى في نار جهنم إهانة لها وإذلالا لها وإهانة لعابديها وإذلالا لهم.
القرآن
{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)} [آل عمران: 92]
التفسير:
لن تدركوا الجنة حتى تتصدقوا مما تحبون، وأي شيء تتصدقوا به مهما كان قليلا أو كثيرًا فإن الله به عليم، وسيجازي كل منفق بحسب عمله.
قوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]، " أي: لن تكونوا من الأبرار ولن تدركوا الجنة حتى تنفقوا من أفضل أموالكم" (7).
قال الطبري: أي: "لن تنالوا –أيها المؤمنون- جنة ربكم، حتّى تتصدقوا مما تحبون من نفيس أموالكم"(8).
قال الحسن: يعني: "من المال"(9).
قال قتادة: " يقول: لن تنالوا برَّ ربكم حتى تنفقوا مما يعجبكم، ومما تهوَوْن من أموالكم"(10).
وفي تفسير {البرّ} [آل عمران: 92]، أقوال:
أحدها: أنه الجنة. قاله ابن عباس (11)، ومجاهد (12)، وعمر بن ميمون (13)، والسدّي (14).
(1) تفسير الطبري: 5/ 584 - 585.
(2)
أخرجه الطبري (7384): ص 6/ 585.
(3)
تفسير الطبري: 6/ 585.
(4)
صفوة التفاسير: 196.
(5)
تفسير الطبري: 6/ 585.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 73.
(7)
صفوة التفاسير: 198.
(8)
تفسير الطبري: 6/ 587.
(9)
أخرجه الطبري (7390): ص 6/ 588.
(10)
أخرجه الطبري (7389): ص 6/ 587 - 588.
(11)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 109.
(12)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 109.
(13)
انظر: تفسير الطبري (7386): ص 6/ 587.
(14)
انظر: تفسير الطبري (7388): ص 6/ 587.
والثاني: انه الطاعة. قاله عطاء (1).
والثالث: أنه الخير. قاله أبو روق (2).
والرابع: انه التقوى. قاله مقاتل بن سليمان (3).
والخامس: ان المعنى: لن تكونوا أبرارا. قاله الحسن (4).
قال الطبري: " قال كثير من أهل التأويل {البر}: الجنة (5)، لأن بر الربّ بعبده في الآخرة، إكرامه إياه بإدخاله الجنة"(6).
قال مجاهد: " كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أنْ يبتاع له جارية من جَلولاء يوم فُتحت مدائن كسرى في قتال سَعد بن أبي وقاص، فدعا بها عمر بن الخطاب فقال: إن الله يقول: {لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون}، فأعتقها عمر وهي مثْل قول الله عز وجل: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [سورة الإنسان: 8]، و {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [سورة الحشر: 9] "(7).
وقال أنس بن مالك: "لما نزلت هذه الآية: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}، أو هذه الآية: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [سورة البقرة: 245\ الحديد: 11]، قال أبو طلحة، يا رسول الله، حائطي الذي بكذا وكذا صَدَقة، ولو استطعت أن أجعله سرًّا لم أجعله علانية! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلها في فقراء أهلك"(8).
وعن عمرو بن دينار قال: "لما نزلت هذه الآية: {لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون}، جاء زيدٌ بفرس له يقال له: " سَبَل " إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: تصدَّق بهذه يا رسول الله. فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنه أسامة بن زيد بن حارثة، فقال: يا رسول الله، إنما أردت أن أتصدّق به! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد قُبلتْ صَدَقتك"(9).
قوله تعالى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران: 92]، أي:" ومهما تنفقوا من شيء فتتصدقوا به من أموالكم، فإن الله ذو علم بذلك كله، فيجازي صاحبه عليه في الآخرة"(10).
قال قتادة: " يقول: محفوظٌ لكم ذلك، اللهُ به عليمٌ شاكرٌ له"(11).
قال مقاتل بن سليمان: " يعنى: عالم به، يعنى: بنياتكم"(12).
قال الثعلبي: " أي فإنّ الله يجازي عليه لأنّه إذا علمه جازى عليه"(13).
الفوائد:
1 -
الحث على الإنفاق مما يحبه الإنسان.
2 -
إثبات الأسباب، لأن الله أثبت للبر سببا وهو الانفاق مما نحب.
3 -
عموم علم الله عز وجل، لقوله:{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} .
(1) انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 109.
(2)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 109.
(3)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 290.
(4)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 109.
(5)
قاله السدي وعمرو بن ميمون. انظر: تفسير الطبري (7386) - (7388): ص 6/ 587.
(6)
تفسير الطبري: 6/ 587.
(7)
أخرجه الطبري (7392): ص 6/ 588.
(8)
أخرجه الطبري (7394): ص 6/ 589. والحديث رواه أحمد في المسند: (12170).
(9)
أخرجه الطبري (7397): ص 6/ 592.
(10)
تفسير الطبري: 6/ 588.
(11)
أخرجه الطبري (7391): ص 6/ 588.
(12)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 290.
(13)
تفسير الثعلبي: 3/ 111.
4 -
إثبات الجزاء، وأن كل انسان سيجازي بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
5 -
جواز إنفاق المرء جميع ماله، بناء على أن {من} للجنس، وهي مسألة اختلف فيه العلماء، والأفضل أن لاتتصدق بجميع المال، لقول النبي-صلى الله عليه وسلم:"إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من ان تذرهم عالة يتكففون الناس"(1).
القرآن
التفسير:
كل الأطعمة الطيِّبة كانت حلالا لأبناء يعقوب عليه السلام إلا ما حرَّم يعقوب على نفسه لمرض نزل به، وذلك مِن قبل أن تُنَزَّل التوراة. فلما نُزِّلت التوراة حرَّم الله على بني إسرائيل بعض الأطعمة التي كانت حلالا لهم; وذلك لظلمهم وبغيهم. قل لهم -أيها الرسول-: هاتوا التوراة، واقرؤوا ما فيها إن كنتم محقين في دعواكم أن الله أنزل فيها تحريم ما حرَّمه يعقوب على نفسه، حتى تعلموا صدق ما جاء في القرآن من أن الله لم يحرم على بني إسرائيل شيئًا من قبل نزول التوراة، إلا ما حرَّمه يعقوب على نفسه.
في سبب نزول الآية أقوال:
احدها: قال السدي: " " قالت اليهود: إنما نحرِّم ما حرّم إسرائيل على نفسه، وإنما حرّم إسرائيل العرُوق (2)، كان يأخذه عِرق النَّسا، كان يأخذه بالليل ويتركه بالنهار، فحلف لئْن الله عافاه منه لا يأكل عِرْقًا أبدًا، فحرّمه الله عليهم ثم قال:{قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} ، ما حرَّم هذا عليكم غيري ببغيكم، فذلك قوله:{فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [سورة النساء: 160] " (3).
والثاني: وقال الضحاك: " إسرائيل هو يعقوب، أخذه عرق النسا فكان لا يَبيتُ الليل من وجعه، وكان لا يؤذيه بالنهار، فحلف لئن شفاهُ الله لا يأكل عِرْقًا أبدًا، وذلك قبل نزول التوراة على موسى، فسأل نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم اليهود: ما هذا الذي حرم إسرائيل على نفسه؟ فقالوا: نزلت التوراة بتحريم الذي حرَّم إسرائيل. فقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: {قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} إلى قوله: {فأولئك هم الظالمون}، وكذبوا وافتروا، لم تنزل التوراة بذلك"(4). وروي عن ابن عباس نحو ذلك (5)، ونقل مقاتل نحوه (6).
والثالث: نقل الثعلبي والواحدي (7) عن أبي روق والكلبي: "كان هذا حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا على ملة إبراهيم». فقالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كان ذلك حلالا لإبراهيم فنحن نحلّه». فقالت اليهود: كل شيء أصبحنا اليوم نحرّمه فإنّه كان محرّما على نوح وإبراهيم هاجرا حتى انتهى إلينا، فأنزل الله تعالى تكذيبا لهم: {كُلُّ الطَّعامِ المحلل لكم اليوم كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ وهو يعقوب عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ} "(8).
(1) رواه البخاري (1295).
(2)
العروق جمع العرق وهو كما في "القاموس""ص 1172": "العظم بلحمه، فإذا أكل لحمه فعراق، أو كلاهما لكليهما". وانظر "النهاية" لابن الأثير "3/ 220".
(3)
أخرجه الطبري (7399): ص 7/ 7 - 8.
(4)
أخرجه الطبري (7400): ص 7/ 9.
(5)
انظر: تفسير الطبري (7401)، و (7402): ص 7/ 10.
(6)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 290، إذ يقول: " وذلك أن يعقوب بن إسحاق خرج ذات ليلة، ليرسل الماء في أرضه، فاستقبله ملك فظن أنه لص يريد أن يقطع عليه الطريق فعالجه في المكان الذي كان يقرب فيه القربان يدعى شانير فكان أول قربان قربه بأرض المقدس. فلما أراد الملك أن يفارقه، غمز فخذ يعقوب برجليه ليريه أنه لو شاء لصرعه، فهاج به عرق النساء، وصعد الملك إلى السماء، ويعقوب ينظر إليه فلقي منها البلاء، حتى لم ينم الليل من وجعه، ولا يؤذيه بالنهار، فجعل يعقوب لله- عز وجل تحريم لحم الإبل وألبانها- وكان من أحب الطعام والشراب إليه- لئن شفاه الله. قالت اليهود جاء هذا التحريم من الله- عز وجل «في التوراة قالوا:
حرم الله على يعقوب وذريته» لحوم الإبل وألبانها. قال الله- عز وجل لنبيه- صلى الله عليه وسلم قل لليهود {فأتوا بالتوراة فاتلوها} فاقرءوها {إن كنتم صادقين} بأن تحريم لحوم الإبل في التوراة، فلم يفعلوا".
(7)
انظر: أسباب النزول: 115.
(8)
تفسير الثعلبي: 3/ 112.
قوله تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} [آل عمران: 93]، " أي كل الأطعمة كانت حلالاً لبني إِسرائيل"(1).
قوله تعالى: {إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} [آل عمران: 93]، أي إلا ما حرّمه يعقوب على نفسه قبل نزول التوراة " (2).
قال الطبري: أي: "إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من غير تحريم الله ذلك عليه، فإنه كان حرامًا عليهم بتحريم أبيهم إسرائيل ذلك عليهم، من غير أن يحرمه الله عليهم في تنزيل ولا وحي"(3).
أخرج عبدالرزاق من طريق الثوري عن ابن عباس: " كان إسرائيل أخذه عرق النسا ، فكان يبيت له زقاء ، فجعل لله عليه إن شفاه ألا يأكل العروق" فأنزل الله تعالى: {كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه} [آل عمران: 93]، قال سفيان:«له زقاء» قال: «صياح» " (4).
واختلفوا في تحريم إسرائيل على نفسه هل كان بإذن الله تعالى أم لا - على اختلافهم في اجتهاد الأنبياء- على قولين (5):
أحدهما: لم يكن إلا بإذنه وهو قول من زعم أن ليس لنبي أن يجتهد.
والثاني: باجتهاده من غير إذن، وهو قول من زعم أن للنبي أن يجتهد.
واختلف أهل التفسير في الذي كان إسرائيل حرَّمه على نفسه على أقوال:
أحدها: أن الذي حرّمه إسرائيل على نفسه العُرُوق. قاله ابن عباس (6)، ومجاهد (7)، وأبي مجلز (8)، وقتادة (9).
والثاني: أن الذي حرمه لحوم الإبل وألبانُها. وهذا قول الحسن (10)، وعبدالله بن كثير (11)، وعطاء بن ابي رباح (12).
والثالث: أن الذي حرم: زائدة الكبد والكليتين والشحم إلا ما على الظهور. وهذا قول عكرمة (13).
قوله تعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 93]، " أي: قل لهم يا محمد ائتوني بالتوراة واقرءوها عليَّ إن كنتم صادقين في دعواكم أنها لم تحرم عليكم بسبب بغيكم وظلمكم" (14).
قال الزمخشري: " أمر بأن يحاجهم بكتابهم ويبكتهم مما هو ناطق به من أن تحريم ما حرم عليهم تحريم حادث بسبب ظلمهم وبغيهم، لا تحريم قديم كما يدعونه، فروى أنهم لم يجسروا على إخراج التوراة وبهتوا وانقلبوا صاغرين، وفي ذلك الحجة البينة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى جواز النسخ الذي ينكرونه"(15).
واختلفوا في تحريم اليهود ذلك على أنفسهم على أقوال:
أحدها: أنهم حرموه على أنفسهم اتباعاً لإسرائيل. وهذا قول الضحاك (16).
(1) صفوة التفاسير: 199.
(2)
صفوة التفاسير: 199.
(3)
تفسير الطبري: 8/ 9.
(4)
تفسير عبدالرزاق (431): ص 1/ 403.
(5)
انظر: النكت والعيون: 1/ 410.
(6)
انظر: تفسير الطبري (7405): ص 7/ 11.
(7)
انظر: تفسير الطبري (7412): ص 7/ 13.
(8)
انظر: تفسير الطبري (7407): ص 7/ 12.
(9)
انظر: تفسير الطبري (7408) - (7410): ص 7/ 12 - 13.
(10)
انظر: تفسير الطبري (7416): ص 6/ 14.
(11)
انظر: تفسير الطبري (7415): ص 6/ 13 - 14.
(12)
انظر: تفسير الطبري (7415): ص 6/ 13 - 14.
(13)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 113.
(14)
صفوة التفاسير: 199.
(15)
الكشاف: 1/ 386.
(16)
انظر: تفسير الطبري (7400): ص 7/ 9.
والثاني: أن اسرائيل حرّمه على نفسه وولده، وذلك حين اصابه عرق النساء. ولم يكن ذلك محرما عليهم في التوراة. قاله عطية (1).
والثالث: أن التوراة نزلت بتحريمها فحرموها بعد نزولها. وهذا معنى قول السدي (2).
والرابع: أن الله لم يحرّمه عليهم في التوراة، وإنّما حرّم عليهم بعد التوراة لظلمهم وكفرهم، وكان بنو إسرائيل كلما أصابوا ذنبا عظيما حرّم الله عليهم طعاما طيبا، أو صبّ عليهم رجزا وهو الموت، وذلك قوله تعالى:{فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160]، وقوله:{وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ إلى قوله وَإِنَّا لَصادِقُونَ} [الأنعام: 146]. قاله الكلبي (3).
قال الماوردي: " الأول أصح"(4).
الفوائد:
1 -
أن لله أن يحلّ ما يشاء ويحرّم ما يشاء.
2 -
الرد على اليهود الذين زعموا أنه لا نسخ في الشرائع.
3 -
أن التوراة منزلة كالقرآن، وهذا يدل على علو الله جل وعلا، وأنه فوق كل شيء، وهذا هو عقيدة أهل السنة والجماعة.
4 -
أنه ينبغي للإنسان أن يقابل الخصم بشيء يقطع نزاعه.
5 -
ومن هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في علاج عرق النسا، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك؛ "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصف من عرق النسا ألية كبش عربي، أسود، ليس بالعظيم، ولا بالصغير، يجزأ ثلاثة أجزاء، فيذاب، فيشرب كل يوم جزءا"(5). قال أنس: "فوصفته لأكثر من مائة فشفاهم الله"(6).
وقال الثعلبي: " روى شعبة أنّه رأى شيخا في زمن الحجاج بن يوسف يقول لعرق النساء: أقسم عليك بالله الأعلى لئن لم تنته لأكوينّك بنار أو لألحقنك بموسى، قال شعبة: فإنّه يقول ذلك ويمسح على ذلك الموضع فيبرأ بإذن الله"(7).
القرآن
{فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94)} [آل عمران: 94]
التفسير:
فمَن كذب على الله من بعد قراءة التوراة ووضوح الحقيقة، فأولئك هم الظالمون القائلون على الله بالباطل.
قوله تعالى: {فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [آل عمران: 94]، أي:" فمن كذَب على الله منا ومنكم"(8).
قال مقاتل: "بأن الله حرمه في التوراة"(9).
قال الزمخشري: أي: " بزعمه أن ذلك كان محرما على بنى إسرائيل قبل إنزال التوراة"(10).
قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [آل عمران: 94]، أي:" من بعد مجيئكم بالتوراة وتلاوتها إياها"(11).
قال مقاتل: أي: "من بعد ذلك البيان"" (12).
(1) انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 113.
(2)
انظر: تفسير الطبري (7399): ص 7/ 7 - 8.
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 113 - 114.
(4)
النكت والعيون: 1/ 410.
(5)
المسند الجامع (966): ص 2/ 155.
(6)
المستدرك على الصحيحين: 2/ 292.
(7)
تفسير الثعلبي: 3/ 114.
(8)
تفسير الطبري: 7/ 17.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 290.
(10)
الكشاف: 1/ 386.
(11)
تفسير الطبري: 7/ 17.
(12)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 290.
قال البيضاوي: أي: " ابتدعه على الله بزعمه أنه حرم ذلك قبل نزول التوراة على بني إسرائيل ومن قبلهم"(1).
قال الزمخشري: أي: " من بعد ما لزمهم من الحجة القاطعة"(2).
قال الصابوني: أي: " من بعد قيام الحجة ظهور البينة"(3).
وتحتمل الإشارة بـ {ذلك} في الآية الكريمة أن تكون إلى ثلاثة أشياء (4):
أحدها: أن تكون إلى التلاوة إذ مضمنها بيان المذهب وقيام الحجة، أي فمن كذب منا على الله تعالى أو نسب إلى كتب الله ما ليس فيها فهو ظالم واضع الشيء غير موضعه.
والثاني: أن تكون الإشارة إلى استقرار التحريم في التوراة، لأن معنى الآية:{كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ} [آل عمران: 93]، ثم حرمته التوراة عليهم عقوبة لهم، {فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} ، وزاد في المحرمات فهو الظالم.
والثالث: أن تكون الإشارة إلى الحال بعد تحريم إسرائيل على نفسه، وقبل نزول التوراة، أي من تسنن بيعقوب وشرع ذلك دون إذن من الله، ومن حرم شيئا ونسبه إلى ملة إبراهيم فهو الظالم، ويؤيد هذا الاحتمال الأخير، قوله تعالى:{فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160] فنص على أنه كان لهم ظلم في معنى التحليل والتحريم، وكانوا يشددون فشدد الله عليهم، كما فعلوا في أمر البقرة.
قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [آل عمران: 94]، أي: فأولئك هم" المعتدون المكابرون بالباطل"(5).
قال الطبري: " يعني: فهم الكافرون، القائلون على الله الباطل"(6).
قال الزمخشري: أي: "المكابرون الذين لا ينصفون من أنفسهم ولا يلتفتون إلى البينات"(7).
قال السعدي: " وأي ظلم أعظم من ظلم من يدعى إلى تحكيم كتابه فيمتنع من ذلك عنادا وتكبرا وتجبرا، وهذا من أعظم الأدلة على صحة نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقيام الآيات البينات المتنوعات على صدقه وصدق من نبأه وأخبره بما أخبره به من الأمور التي لا يعلمها إلا بإخبار ربه له بها"(8).
أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك انه قال في تفسير هذه الآية: "وكذبوا وافتروا ولم ينزل التوراة بذلك"(9). قال ابن بأبي حاتم: "يعني بتحريم العروق"(10).
الفوائد:
1 -
أنه متى ظهر الحق فحاد الانسان عنه، صار أشد ظلما.
2 -
أنه لا إثم مع الجهل، لقوله:{من بعد ذلك} .
القرآن
{قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95)} [آل عمران: 95]
التفسير:
قل لهم -أيها الرسول- صَدَق الله فيما أخبر به وفيما شرعه. فإن كنتم صادقين في محبتكم وانتسابكم لخليل الله إبراهيم عليه السلام فاتبعوا ملَّته التي شرعها الله على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فإنها الحق الذي لا شك فيه. وما كان إبراهيم عليه السلام من المشركين بالله في توحيده وعبادته أحدًا.
(1) تفسير البيضاوي: 2/ 28.
(2)
الكشاف: 1/ 386.
(3)
صفوة التفاسير: 199.
(4)
المحرر الوجيز: 1/ 473 - 474.
(5)
صفوة التفاسير: 199.
(6)
تفسير الطبري: 7/ 17.
(7)
الكشاف: 1/ 386.
(8)
تفسير السعدي: 138.
(9)
تفسير ابن أبي حاتم (3825): ص 3/ 706 - 707.
(10)
تفسير ابن أبي حاتم: 3/ 707.
قوله تعالى: {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ} [آل عمران: 95]، " أي: قل يا محمد: صدق الله فيما أخبر به وفيما شرعه في القرآن" (1).
قال الواحدي: " في هذا وفي جميع ما أخبر به"(2).
قال السمعاني: " يعني: فيما أخبر وأنزل"(3).
قال مقاتل: " حين قال الله- سبحانه- {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا} (4)
…
إلى آخر الآية، وقالت اليهود والنصارى: كان إبراهيم والأنبياء على ديننا، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم فقد كان إبراهيم يحج البيت وأنتم تعلمون ذلك فلم تكفرون بآيات الله يعني بالحج، فذلك قوله- سبحانه- {قل صدق الله} " (5).
قال الراغب: " معنى قوله: قل اعتقد وأخبر أن ذلك من قول الله تعالى، وهو صادق، وحقيقة قوله: {صدق الله} إقرار بأن الله قد أخبر، فإنه إذا ثبت كونه من خبره ثبت. كونه صدقا، ونبه أن ما أخبر من قوله: {كل الطعام كان حلا} وسائر ما تقدم صدق، وأنه ملة إبراهيم، وأوجب عليهم اتباعه في تحنفه أي في استقامته"(6).
قوله تعالى: {فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} [آل عمران: 95]، أي:"فاتبعوا ملة الإسلام التي هي ملة إبراهيم "(7).
قال الطبري: أي: " فاتبعوا ما قد أجمع جميعُكم على تصويبه من ملته الحنيفية، ودعوا ما اختلفتم فيه من سائر الملل غيرها، أيها الأحزاب، فإنها بدَع ابتدعتموها إلى ما قد أجمعتم عليه أنه حق، فإن الذي أجمعتم عليه أنه صوابٌ وحق من ملة إبراهيم، هو الحق الذي ارتضيتُه وابتعثتُ به أنبيائي ورسلي، وسائرُ ذلك هو الباطل الذي لا أقبله من أحد من خلقي جاءَني به يوم القيامة"(8).
قال ابن كثير: " أي: اتبعوا ملة إبراهيم التي شرعها الله في القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه الحق الذي لا شك فيه ولا مِرْية، وهي الطريقة التي لم يأت نبي بأكمل منها ولا أبين ولا أوضح ولا أتم، كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 161] وقال تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 123] "(9).
قوله تعالى: {حَنِيفًا} [آل عمران: 95]، أي:"مائلاً عن الأديان الزائفة كلها"(10).
قوله تعالى: {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 95]، أي: و"لم يكن إبراهيم يشرك في عبادته أحدًا من خلقه"(11).
قال مقاتل: " يقول: لم يكن يهوديا ولا نصرانيا"(12).
قال الطبري: " وإنما عنى جل ثناؤه بالمشركين، اليهودَ والنصارَى وسائر الأديان، غير الحنيفية. قال: لم يكن إبراهيم من أهل هذه الأديان المشركة، ولكنه كان حنيفًا مسلمًا"(13).
قال الراغب: " وفي قوله: {وما كان من المشركين} تعريض بهم، كأنه قيل: أنتم مشركون في اتخاذ بعضكم بعضا أربابا، وإبراهيم لم يكن مشركا، فإذن ليس دينكم دين إبراهيم، وكما نفى في قوله: {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا} أنه منهم نفى في هذه الآية كونه مشركا"(14).
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 77.
(2)
الوجيز: 224.
(3)
تفسير السمعاني: 1/ 241.
(4)
آل عمران: 67، وتمامها:{مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} .
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 290 - 291.
(6)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 724.
(7)
صفوة التفاسير: 199.
(8)
تفسير الطبري: 7/ 18.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 77.
(10)
صفوة التفاسير: 199.
(11)
تفسير الطبري: 7/ 18.
(12)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 291.
(13)
تفسير الطبري: 7/ 18.
(14)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 724.
عن عبد الله بن عمرو قال: "أفاض جبريل بإبراهيم صلى الله عليهما، فصلى به بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم غدا من منى إلى عرفة فصلى به الصلاتين: الظهر والعصر، ثم وقف له حتى غابت الشمس، ثم دفع حتى أتى المزدلفة، فنزل بها، فبات وصلى، ثم صلى كأعجل ما يصلي أحد من المسلمين، ثم وقف به كأبطأ ما يصلي أحد من المسلمين، ثم دفع منه إلى منى، فرمى وذبح، ثم أوحى الله تعالى إلى محمد أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين"(1).
الفوائد:
1 -
وجود تصديق الله عز وجل في جميع ما اخبر به.
2 -
وجوب الإيمان بما اخبر الله به عن نفسه من الأسماء والصفات.
3 -
وجوب إتباع ملة إبراهيم، لكن في أصل الشرائع، قال تعالى:{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48]، إذ أن الشرائع تختلف بحسب حاجات الناس ومصالحهم، اما اصلها وهو التوحيد فإن جميع الشرائع تتفق فيه، قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].
4 -
الثناء على إبراهيم-صلى الله عليه وسلم بأنه حنيف وإمام، ولهذا أمرنا باتباعه.
5 -
انتقاء الشرك عن إبراهيم-صلى الله عليه وسلم انتقاءا كاملا، لقوله: : {حنيفا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ، ويؤخذ من هذا ذم الشرك والنهي عن اتباعه.
القرآن
{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96)} [آل عمران: 96]
التفسير:
إن أول بيت بُني لعبادة الله في الأرض لهو بيت الله الحرام الذي في «مكة» ، وهذا البيت مبارك تضاعف فيه الحسنات، وتتنزل فيه الرحمات، وفي استقباله في الصلاة، وقصده لأداء الحج والعمرة، صلاح وهداية للناس أجمعين.
في سبب نزول الآية وجهان:
أحدهما: ذكر الثعلبي وتبعه الواحدي (2) وابن ظفر (3) عن مجاهد (4): "تفاخر المسلمون واليهود، فقال اليهود: بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة لأنّها مهاجر الأنبياء في الأرض المقدسة، وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} "(5).
والثاني: قال مقاتل بن سليمان: " وذلك أن المسلمين واليهود اختصموا في أمر القبلة. فقال المسلمون: القبلة الكعبة. وقالت اليهود: القبلة بيت المقدس. فأنزل الله- عز وجل أن الكعبة أول مسجد كان في الأرض، والبيت قبلة لأهل المسجد الحرام، والحرم كله قبلة الأرض"(6).
قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} [آل عمران: 96]"أي إن أول مسجد بني في الأرض لعبادة الله: المسجد الحرام الذي هو بمكة"(7).
قال القاسمي: أي لنسكهم وعباداتهم، للبيت الذي في البكة، وفي ترك الموصوف من التفخيم ما لايخفى" (8).
قال ابن كثير: " يُخْبر تعالى أن أول بيت وُضع للناس، أي: لعموم الناس، لعبادتهم ونُسُكهم، يَطُوفون به ويُصلُّون إليه ويَعتكِفُون عنده، {لَلَّذِي بِبَكَّةَ} يعني: الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل عليه السلام-الذي يَزْعم كل
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (3826): ص 3/ 707.
(2)
أسباب النزول: 115.
(3)
انظر: العجاب: 3/ 717.
(4)
قال السيوطي: 2/ 266: "أخرج ابن المنذر والأزرقي عن ابن جريج قال: بلغنا" وذكره. ولم يرفعه إلى مجاهد! .
(5)
تفسير الثعلبي: 3/ 114.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 291.
(7)
صفوة التفاسير: 199.
(8)
محاسن التأويل: 1/ 355.
من طائفتي النصارى واليهود أنهم على دينه ومنهجِه، ولا يَحجُّون إلى البيت الذي بناه عن أمر الله له في ذلك ونادى الناس إلى حجه" (1).
قال البيضاوي: " والواضع هو الله عزوجل ومعنى وضع الله بيتاً للناس أنه جعله متعبداً لهم فكأنه قال إن أول متعبد للناس الكعبة"(2).
واختلف في قوله تعالى: : {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} [آلأ عمران: 96]، على أقوال:
أحدها: أنه أول بيت ظهر على وجه الماء عندما خلق الله السماء والأرض فخلقه الله قبل الأرض بألفي عام، وكان زبدة بيضاء على الأرض فدحيت الأرض من تحتها، هذا قول عبد الله بن عمرو ومجاهد وقتادة والسدي (3).
والثاني: أنه أوّل بيت وضع: بني في الأرض. قاله علي بن الحسين (4).
والثالث: أنه أول بيت بناه آدم في الأرض، قاله ابن عباس (5).
والرابع: أنه أول بيت مبارك، أي: وضع فيه البركة. قاله علي (6)، والضحاك (7).
والخامس: انه اول بيت وضع للناس يحج إليه لله. قاله ابن عباس أيضا (8).
والسادس: أنه أول بيت جعل قبلة للناس (9).
والسابع: أن معناه: إن أول مسجد ومتعبد وضع للناس يعبد الله فيه، يدل عليه قوله:{أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً} [يونس: 87]، يعني: مساجدهم وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً}، وقوله:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور: 36] يعني: المساجد. وهذا قول علي (10)، والحسن، والكلبي والفراء (11)، ورجحه ابن كثير (12).
وفي تفسير قوله تعالى: {بَكَّة} [آل عمران: 96]، أربعة أقاويل:
أحدها: أن بكة البيت والمسجد، ومكة: الحرم كله، وهذا قول ابن شهاب (13)، وضمرة بن ربيعة (14)، وإبراهيم (15).
والثاني: أن بكة هي مكة، وهو الضحاك (16)، وأبي عبيدة (17).
والثالث: أن بكة موضع البيت والمطاف، ومكة غيره في الموضع، يريد القرية، قاله أبو مالك (18)، وروي عن عطية وإبراهيم النخعي، وأبي صالح، ومقاتل بن حيان نحو ذلك (19).
والرابع: أن مكة من الفج إلى التنعيم، وبكة من البيت إلى البطحاء. قاله ابن عباس (20).
والخامس: أن البيت وما حوله بكة، وما وراء ذلك مكة. وهذا قول عكرمة (21)، وميمون بن مهران (22).
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 77.
(2)
تفسير البيضاوي: 1/ 275.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3828): ص 3/ 707.
(4)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 115.
(5)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 115.
(6)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3829): ص 3/ 708، وتفسير الثعلبي: 3/ 115.
(7)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 115.
(8)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 115.
(9)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 115.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3827): ص 3/ 707.
(11)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 115.
(12)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 64.
(13)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3838): ص 3/ 709، وتفسير الثعلبي: 3/ 115، والنكت والعيون: 1/ 410.
(14)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 115، والنكت والعيون: 1/ 410.
(15)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3838): ص 3/ 709.
(16)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 115.
(17)
انظر: النكت والعيون: 1/ 410.
(18)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3839): ص 3/ 709، وتفسير الثعلبي: 3/ 115، والنكت والعيون: 1/ 410.
(19)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3839): ص 3/ 709.
(20)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3835): ص 3/ 709.
(21)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3837): ص 3/ 709.
(22)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3837): ص 3/ 709.
وفي المأخوذ منه بكة أقوال (1):
أحدها: أنه مأخوذ من الزحمة، يقال تَبَاّك القوم بعضهم بعضاً إذا ازدحموا، فبكة مُزْدَحَمُ الناس للطواف. وهذا معنى قول عطاء (2)، وأبو جعفر (3).
والثاني: أنها سميت بكة، لأنها تَبُكُّ الظلمة، وأعناق الجبابرة، إذ ألحدوا فيها بظلم لم يمهلوا. وهذا قول عبدالرحمن بن الزبير (4)، ومحمد بن زيد بن مهاجر (5).
والثالث: أن بكة بكت بكا، الذكر فيها كالأنثى. رواه عتبة بن قيس عن ابن عمر (6).
والرابع: إنما سميت بكة لأن الناس يجيئون من كل جانب حجاجا. قاله عبدالله بن الزبير (7)، ومقاتل بن حيان (8).
والخامس: إن الله بك به الناس جميعا، فيصلي النساء أمام الرجال، ولا يفعل ذلك ببلد غيره. وهذا قول قتادة (9)، وروي عن مجاهد وسعيد بن جبير، وعكرمة، وعمرو بن شعيب، ومقاتل بن حيان نحو ذلك (10).
وقرأ ابن السميقع: " {وَضَعَ}، بفتح الواو والضاد، يعني: وضعه الله"(11).
قوله تعالى: {مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96]، " أي: وضع ذلك البيت ذا بركة وهدى للعالمين" (12).
قال مقاتل بن حيان: " قوله: {مباركا}، جعلناه آمنا وجعل فيه الخير والبركة"(13)، "يعني بالهدى: قبلتهم" (14).
قال البيضاوي: " {مباركا}: كثير الخير لما يحصل للحجاج والمعتمرين من الثواب وتكفير السيآت {وهدى للعالمين} لأنه قبلتهم ومتعبدهم"(15).
قال المراغي: " تطلق البركة على معنيين: أحدهما النموّ والزيادة، وثانيهما البقاء والدوام كما يقال تبارك الله، والبركة والهداية من فضائله الحسية والمعنوية.
أما الأولى: فهى أنه قد أفيض عليه من بركات الأرض وثمرات كل شىء مع كونه بواد غير ذى زرع كما قال الله تعالى: {يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ} فترى الأقوات والثمار في مكة كثيرة جيدة، وأقل ثمنا من كثير من البلاد ذوات الخيرات الوفيرة كمصر والشام.
وأما الثانية: فلأن القلوب تهوى إليه، فتأتى الناس مشاة وركبانا من كل فج عميق لأداء المناسك الدينية من الحج والعمرة، ويولّون وجوههم شطره في صلاتهم وربما لا تمضى ساعة من ليل أو نهار إلا وهناك ناس يتوجهون إليه، ولا شك أن هذه الهداية من أشرف أنواع الهدايات.
وكل هذا ببركة دعوة إبراهيم صلوات الله عليه {رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} " (16).
(1) انظر: النكت والعيون: 1/ 410.
(2)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 116.
(3)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3832): ص 3/ 708.
(4)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 116.
(5)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3834): ص 3/ 709.
(6)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3831): ص 3/ 708.
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3830): ص 3/ 708.
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3830): ص 3/ 708.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3833): ص 3/ 709.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3833): ص 3/ 709.
(11)
تفسير الثعلبي: 3/ 114.
(12)
تفسير السمعاني: 1/ 342.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (3840): ص 3/ 710.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (3841): ص 3/ 710.
(15)
تفسير البيضاوي: 1/ 275.
(16)
تفسير المراغي: 4/ 7 - 8.
قال السعدي: " {مباركا} أي: فيه البركة الكثيرة في المنافع الدينية والدنيوية كما قال تعالى {ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} {وهدى للعالمين} والهدى نوعان: هدى في المعرفة، وهدى في العمل، فالهدى في العمل ظاهر، وهو ما جعل الله فيه من أنواع التعبدات المختصة به، وأما هدى العلم فبما يحصل لهم بسببه من العلم بالحق بسبب الآيات البينات التي ذكر الله تعالى في قوله {فيه آيات بينات} "(1).
وفي تفسير العالمين قولان:
أحدهما: أن الإنس عالم، والجن عالم، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف عالم، أو أربعة عشر ألف عالم من الملائكة على الأرض، والأرض أربع زوايا في كل زاوية ثلاثة آلاف عالم وخمسمائة عالم خلقهم لعبادته. قاله أبو العالية (2).
والثاني: أن العالمين ألف أمة ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر. وهذا قول تبيع (3).
الفوائد:
1 -
ان أول بيت وضع للعبادة هو الكعبة التي في مكة، فيكون سابقا على بيت المقدس، وآخر بيت وضع للعبادة: المسجد النبوي، وهذه هي المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال كما ورد في الحديث (4).
2 -
أن تقدم المكان في العبادة له أثر في تفضيله، لذلك قال أهل العلم أن المسجد القديم لإقامة الجماعة أفضل من المسجد الحديث.
3 -
فضيلة هذا البيت لكونه اول بيت وضع للناس للعبادة.
4 -
أن هذا البيت مبار قدرا وشرعا، وأنه هدى ومنار للعالمين، يهتدون به ويهتدون إليه، ويؤمونه في عباداتهم.
القرآن
التفسير:
في هذا البيت دلالات ظاهرات أنه من بناء إبراهيم، وأن الله عظَّمه وشرَّفه، منها: مقام إبراهيم عليه السلام، وهو الحَجَر الذي كان يقف عليه حين كان يرفع القواعد من البيت هو وابنه إسماعيل، ومن دخل هذا البيت أَمِنَ على نفسه فلا يناله أحد بسوء. وقد أوجب الله على المستطيع من الناس في أي مكان قَصْدَ هذا البيت لأداء مناسك الحج. ومن جحد فريضة الحج فقد كفر، والله غني عنه وعن حجِّه وعمله، وعن سائر خَلْقه.
في سبب نزول الآية وجوه:
أحدها: أخرج الطبري عن عكرمة: " {ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه}، قالت اليهود: فنحن المسلمون! فأنزلَ الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم يحُجُّهم أنْ: {لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} "(5).
والثاني: ونقل ابن حجر من طريق ليث بن اسلم عن مجاهد: "آية فرقت بين المسلمين وأهل الكتاب لما نزلت: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} قالت اليهود: [قد أسلمنا] (6) فنزلت: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} الآية فقالوا: لا نحجه أبدًا"(7).
والثالث: ونقل ابن حجر عن سعيد بن المسيب: "نزلت في اليهود حيث قالوا: الحج إلى مكة غير واجب فأنزل الله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} "(8).
(1) تفسير السعدي: 138.
(2)
أخرجه ابن ابي حاتم (3843): ص 3/ 710.
(3)
أخرجه ابن ابي حاتم (3844): ص 3/ 710.
(4)
انظر: صحيح البخاري (1189)، وصحيح مسلم (1397).
(5)
تفسير الطبري (7357): ص 6/ 571.وانظر: (7356)، و (7358): ص 6/ 571.
(6)
ما بين المعقوفين هو ما ترجح عند المحقق، وفي "الدر المنثور" "2/ 276":"فنحن مسلمون".
(7)
العجاب: 2/ 719.
(8)
العجاب: 2/ 720. ولم اجد هذه الرواية في تفسير سفيان المطبوع.
والرابع: أخرج الطبري عن الضحاك: " لما نزلت آية الحج، جَمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلَ الأديان كلَّهم فقال: يا أيها الناس، إن الله عز وجل كتب عليكم الحج فحجُّوا، فآمنتْ به ملة واحدة، وهي من صدّق النبيّ صلى الله عليه وسلم، وآمن به، وكفرَتْ به خمس ملل، قالوا: لا نؤمن به، ولا نصلي إليه، ولا نستقبله. فأنزل الله عز وجل: {ومن كفر فإنّ الله غني عن العالمين} "(1).
قوله تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} [آل عمران: 97]، أي:" في المسجد الحرام دلائل واضحات منها: مقام إبراهيم"(2).
قال ابن كثير: " أي: دلالات ظاهرة أنه من بناء إبراهيم، وأن الله تعالى عَظَّمه وشرفه، قوله تعالى: {مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ}، يعني: الذي لَمَّا ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران، حيث كان يقف عليه ويناوله ولده إسماعيل، وقد كان ملتصقا بجدار البيت، حتى أخّره عُمَر بن الخطاب، رضي الله عنه، في إمارته إلى ناحية الشرق بحيث يتمكن الطُّوَّاف، ولا يُشَوِّشون على المصلين عنده بعد الطواف؛ لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] "" (3).
قال الماوردي: " الآية في مقام إبراهيم أثر قدميه وهو حجر صلد؟ والآية في غير المقام: أمن الخائف، وهيبة البيت وامتناعه من العلو عليه، وتعجيل العقوبة لمن عتا فيه، وما كان في الجاهلية من أصحاب الفيل "(4).
وقرأ ابن عباس: " {فِيهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ}، يعني بها: مقام إبراهيم، يراد بها: علامة واحدةٌ"(5).
واختلف في تفسير قوله تعالى: {مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ} [آل عمران: 97]، على أقوال:
أحدها: أن {مقام إبراهيم} ، هو الحج كله. وهو قول ابن عباس (6)، ومجاهد (7)، وعطاء (8)، والشعبي (9).
الثاني: أنه عرفة والمزدلفة والجمار. وهو قول عطاء بن أبي رياح (10)، وروي عن ابن عباس (11)، مجاهد (12)، والشعبي (13)، نحو ذلك.
الثالث: أنه الحرم كله (14). وهو قول مجاهد (15)، والنخعي (16)، وكذا رواه الكلبي عن أبي صالح (17) عن ابن عباس (18).
(1) تفسير الطبري (7515): 7/ 49 - 50. قال المناوي في "الفتح السماوي" "1/ 389": "وهو معضل وجويبر متروك الحديث ساقط. قاله الحافظ بن حجر" في "الكافي الشافي" "ص 29" كما بينه المحقق و"1/ 391" من طبعته مع "الكشاف" نشر دار الكتاب العربي.
(2)
أيسر التفاسير: 1/ 349.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 79.
(4)
النكت والعيون: 1/ 411.
(5)
تفسير الطبري 7/ 26.
(6)
انظر: تفسير الطبري (1990): ص 2/ 33.
(7)
انظر: تفسير الطبري (1991): ص 2/ 33.
(8)
انظر: تفسير الطبري (1992): ص 2/ 33.
(9)
انظر: العيون للماوردي: 1/ 187.
(10)
انظر: تفسير الطبري (1993): ص 2/ 33.
(11)
انظر: تفسير الطبري (1995): ص 2/ 33.
(12)
انظر: تفسير الطبري (1994): ص 2/ 33.
(13)
انظر: تفسير الطبري (1996): ص 2/ 33.
(14)
الكشف والبيان للثعلبي: 1/ 148 ب، البسيط للواحدي: 1/ 86 أ، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 2/ 113، البحر المحيط لأبي حيان: 1/ 381.
(15)
انظر: تفسير الطبري (1998): ص 2/ 34.
(16)
هو: أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، ثقة فقيه، ورع عابد، كان يرسل ويدلس، توفي عام: 96 هـ. انظر: تهذيب الكمال للمزي: 2/ 233، المراسيل لابن أبي حاتم: 8، جامع التحصيل للعلائي: 168، تهذيب التهذيب لابن حجر: 1/ 177.
(17)
هو: أبو صالح باذان، ويقال: باذام مولئ أم هانئ، تابعي صاحب تفسير، متكلم فيه: وثقه العجلي، وقال ابن معين: لا بأس به، وأبى رد حديثه يحمى القطان، وروى عنه شعبة وروايته عنه تعديل كما يقول ابن تيمية. وترك حديثه ابن مهدي والجوزجاني وأبو حاتم والنسائي، واتهمه الأزدي بالكذب، وقال الحافظ: ضعيف يدلس. انظر: الضعفاء للنسائي: 23، الضعفاء للبخاري: 23، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: 1/ 437، مجموع الفتاوى لابن تيمية: 24/ 350، تهذيب الكمال للمزي: 4/ 6، تهذيب التهذيب لابن حجر: 1/ 416.
(18)
لم أهتدِ إلى من ذكر قول ابن عباس هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح. وقد عزاه لابن عباس القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: 2/ 113، وابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 241، والكوكباني في تفسير المنان: 2/ 1292، وأورده السيوطي في الدر المنثور: 1/ 223 عن ابن عباس، وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم، لكن الذي عند ابن أبي حاتم في التفسير: 1/ 371 رقم: 1207 عن مجاهد عن ابن عباس، وهو الذي أورده ابن كثير في التفسير: 1/ 211، والعيني في عمدة القاري: 9/ 212.
الرابع: إن المراد بالمقام إنما هو (الحَجَرُ) الذي كان إبراهيم عليه السلام، يقوم عليه لبناء الكعبة، وهذا قول ابن عباس (1)، وسعيد بن جبير (2).
ثم هؤلاء ذكروا وجهين (3):
أحدهما: هو الحجر الذي قام عليه حين رفع بناء البيت (4)، وهو قول ابن عباس في رواية سعيد ابن جبير عنه (5)، وروي عن جابر وقتادة وسعيد بن جبير. نحو ذلك (6).
إذ لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل، عليه السلام، به ليقومَ فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار، كلَّما كَمَّل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى، يطوف حول الكعبة، وهو واقف عليه، كلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها هكذا، حتى تم جدارات الكعبة، بيانه في قصة إبراهيم وإسماعيل في بناء البيت، وكانت آثار قدميه ظاهرة فيه، ولم يزل هذا معروفًا تعرفه العرب في جاهليتها؛ ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية (7):
ومَوطئُ إبراهيم في الصخر رطبة
…
على قدميه حافيًا غير ناعل
وقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضا (8).
(1) انظر: تفسير الطبري (1999): ص 2/ 35.
(2)
تفسير ابن أبي حاتم (1199): ص: 1/ 226.
(3)
انظر: تفسير الرازي: 4/ 45 - 46.
(4)
هو قول ابن عباس في رواية سعيد ابن جبير عنه في البخاري-فتح-: 6/ 456 - 458 رقم: 3364، وقول جابر وقتادة وسعيد بن جبير. انظر: زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 142، مفاتيح الغيب للرازي: 4/ 53، تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 373، البحر المحيط لأبي حيان: 1/ 381، جامع البيان للطبري: 3/ 34 - 35.
(5)
انظر: البخاري-فتح-: 6/ 456 - 458 رقم: 3364.
(6)
انظر: زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 142، مفاتيح الغيب للرازي: 4/ 53، تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 226 - 227، والبحر المحيط لأبي حيان: 1/ 381، وتفسير للطبري: 3/ 34 - 35.
(7)
البيت في السيرة النبوية لابن هشام (1/ 273). وانظر: تفسير ابن كثير: 1/ 417.
(8)
انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 417 - 418).
قال الشيخ ابن عثيمين: " اختلف المؤرخون: هل كان الحجر الذي كان يرفع عليه إبراهيم (ص) بناءَ الكعبة لاصقاً بالكعبة، أو كان منفصلاً عنها في مكانه الآن؛ فأكثر المؤرخين على أنه كان ملصقاً بالكعبة، وأن الذي أخره إلى هذا الموضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ وبناءً على ذلك يكون للخليفة حق النظر في إزاحته عن مكانه إذا رأى في ذلك المصلحة؛ أما إذا قلنا: إن هذا مكانه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فالظاهر أنه لا يجوز أن يغير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقره؛ وإذا أقره النبي صلى الله عليه وسلم فليس لنا أن نؤخره عنه؛ وقد كتب أحد طلبة العلم رسالة في هذا الموضوع، وقرَّظها الشيخ عبد العزيز بن باز، ورأى أنه يجوز إزاحته عن مكانه من أجل المصلحة والتوسعة بناءً على المشهور عند المؤرخين أنه كان لاصقاً بالكعبة، ثم أُخِّر؛ وهذا لا شك أنه لو أُخِّر عن مكانه فيه دفع مفسدة وهي مفسدة هؤلاء الذين يتجمعون عنده في المواسم؛ وفيه نوع مفسدة وهي أنه يبعد عن الطائفين في غير أيام المواسم؛ فهذه المصالح متعارضة هنا: هل الأولى بقاؤه في مكانه؟ أو الأولى تأخيره عن مكانه؟ فإذا كانت المصالح متكافئة فالأولى أن يبقى ما كان على ما كان، وحذراً من التشويش واختلاف الآراء في هذه المسألة؛ ومسألة تضييق المصلين على الطائفين هذا يمكن زواله بالتوعية إذا أفادت؛ أو بالمنع بالقهر إذا لم تفد؛ وفي ظني أنها قلّت في السنوات الأخيرة بعض الشيء؛ لأن الناس صار عندهم وعي". (انظر: تفسيره: 2/ 22).
وثانيهما: وقيل: بل هو الذي وضعته زوج إسماعيل لإِبراهيم حيث غسلت رأسه وهو راكب. وهو قول السدي (1)، وحكاه الرازي في تفسيره عن الحسن البصري وقتادة والربيع بن أنس (2).
وقال ابن جبير ناقداً هذا القول: "ولو غسل رأسه كما يقولون لاختلف رجلاه"(3).
خامسا: وقال آخرون: بل {مقام إبراهيم} ، هو مقامه الذي هو في المسجد الحرام. قاله قتادة (4)، والربيع (5)، والسدي (6).
والراجح: أن المقام هو (الحجر)(7) لما يعضده هذا القول من الأخبار، إذ ثبت بالأخبار أنه قام على هذا الحجر عند المغتسل ولم يثبت قيامه على غيره فحمل هذا اللفظ وعليه أكثر أهل العلم. وقد ثبت دليله عند مسلم (8)(9) من حديث جابر (10)، وعند البخاري أيضاً (11).
كما اختلفوا في قوله: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} [آل عمران: 97]، على وجوه:
أحدها: أن الآيات، هي: مقام إبراهيم والمشعر الحرام ونحو ذلك. قاله ابن عباس (12)، ومجاهد (13).
والثاني: أن الآيات البينات، هي: مقام إبراهيم، ومن دخله كانَ آمنا. وهذا قول الحسن (14).
والثالث: أن الآيات البينات، هي: مقام إبراهيم. وهذا قول السدي (15)، ومجاهد (16) –في إحدى الروايات عنه- على قراءة التوحيد (17).
والراجح-والله أعلم- أن الآيات البينات، منهنّ مقام إبراهيم، ومنهن الحجرُ، ومنهن الحطيمُ (18).
(1) انظر: تفسير الطبري (2002): ص 2/ 35 - 36، وتفسير القرطبي: 2/ 113، وقال ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 142: ذكره السدي عن ابن مسعود وابن عباس.
(2)
تفسير ابن كثير: 1/ 414.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (1199): ص 1/ 226.
(4)
انظر: تفسير الطبري (2000): ص 2/ 35.
(5)
انظر: تفسير الطبري (2001): ص 2/ 35.
(6)
انظر: تفسير الطبري (2002): ص 2/ 35.
(7)
وقد اختار ذلك أيضاً وصوبه: الطبري في جامع البيان: 3/ 38، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: 2/ 112، والماوردي في النكت والعيون: 1/ 187، وابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 141، وابن العربي في أحكام القرآن: 1/ 40، والشوكاني في فتح القدير: 1/ 205، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: 1/ 213، وقد حكى اتفاق المحققين عليه الرازي في مفاتيح الغيب: 4/ 53، وأبو حيان في البحر المحيط: 1/ 381.
(8)
هو: أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، إمام حافظ، ثقة حجة، عالم بالفقه، صاحب الصحيح، توفي عام: 261 هـ. انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان: 5/ 194، سير أعلام النبلاء: 12/ 557، تذكرة الحفاظ: 2/ 588، وكلاهما للذهبي، تقريب التهذيب لابن حجر:938.
(9)
أخرجه مسلم في صحيحه: 1/ 886 - 887 رقم: 1218 وفيه: (حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً ثم نفذ إلى مقام إبرا هيم-عليه السلام-فقرأ {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} فجعل المقام بينه وبين البيت).
(10)
هو: أبو عبد الله جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السَّلَمي-بفتحتين-صحابي ابن صحابي، أحد المكثرين من الرواية، شهد العقبة وتسعة عشر غزوة، ولم يشهد بدراً واحداً، منعه أبوه، توفي عام: 78 هـ، وقيل غير ذلك. انظر: أسد الغابة لابن الأثير: 1/ 307، الاستيعاب لابن عبد البر: 1/ 219، تهذيب الكمال للمزي: 4/ 443، الإصابة لابن حجر: 1/ 434.
(11)
انظر: البخاري في جامعه-فتح-: 1/ 601 رقم: 402 من حديث أنس عن عمر قال: (وافقت ربي في ثلاث: فقلت يا رسول الله: لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت (وَاتَّخذُوا من مَّقَام إبرَاهيمَ مُصَلَّى)
…
الحديث).
(12)
انظر: تفسير الطبري (7448): ص 7/ 26 - 27.
(13)
انظر: تفسير الطبري (7449): ص 7/ 27.
(14)
انظر: تفسير الطبري (7450): ص 7/ 27.
(15)
انظر: تفسير الطبري (7451): ص 7/ 27.
(16)
انظر: تفسير الطبري (7452)، و (7453): ص 7/ 27 - 28.
(17)
أي: {فيه آية بينة} .
(18)
انظر: تفسير الطبري: 7/ 28.
قوله تعالى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97]، أي:" ومن يدخله من الناس مستجيرًا به، يكن آمنًا حتى يخرج منه"(1). وهذه آية أخرى.
قال ابن كثير: " يعني: حَرَمُ مكة إذا دخله الخائف يأمنُ من كل سوء، وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية"(2).
قال الماوردي: " معناه أنه عطَّف عليه قلوب العرب في الجاهلية فكان الجاني إذا دخله أمِنَ"(3).
وأما في "الأمن" ففيه قولان:
أحدهما: أنه من النار، وهذا قول يحيى بن جعدة (4).
والثاني: من القتال بحظر الإيجال على داخليه، وأما الحدود فتقام على من جنى فيه. وهو قول قتادة (5)، ومجاهد (6)، والحسن (7)، والسدي (8)، وعطاء (9)، وعبيد بن عمير (10)، وعامر (11)، والشعبي (12).
واختلفوا في الجاني إذ دخله في إقامة الحد عليه فيه قولان (13):
أحدهما: تقام عليه، وهو مذهب الشافعي.
والثاني: لا تقاوم حتى يُلجأ إلى الخروج منه، وهذا قول ابن عباس (14)، وابن عمر (15)، ومجاهد (16)، وهو مذهب أبي حنيفة.
قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97]، " أي فرضٌ لازم على المستطيع حج بيت الله العتيق"(17).
قال الطبري: أي: " وفرضٌ واجبٌ لله على من استطاع من أهل التكليف السبيلَ إلى حجّ بيته الحرام الحج إليه"(18).
قال ابن كثير: " هذه آية وُجُوب الحج عند الجمهور. وقيل: بل هي قوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] والأول أظهر، وقد وَرَدَت الأحاديثُ المتعددة بأنه أحدُ أركان الإسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعا ضروريا، وإنما يجب على المكلَّف في العُمْر مَرّة واحدة بالنص والإجماع"(19).
وفي الاستطاعة إلى الحج أربعة أقاويل:
أحدها: أنها بالمال، وهي الزاد والراحلة، قاله عمر بن الخطاب (20)، وابن عباس (21)، والحسن (22)، وعمرو بن دينار (23)، وعطاء (24)، والسدي (25)، وسعيد بن جبير (26)، وهو قول الشافعي (27).
(1) تفسير الطبري: 7/ 34.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 79.
(3)
النكت والعيون: 1/ 411.
(4)
انظر: تفسير الطبري (7472): ص 7/ 33.
(5)
انظر: تفسير الطبري (7454): ص 7/ 29.
(6)
انظر: تفسير الطبري (7456): ص 7/ 30.
(7)
انظر: تفسير الطبري (7458): ص 7/ 30.
(8)
انظر: تفسير الطبري (7471): ص 7/ 33.
(9)
انظر: تفسير الطبري (7458): ص 7/ 30.
(10)
انظر: تفسير الطبري (7464): ص 7/ 32.
(11)
انظر: تفسير الطبري (7465): ص 7/ 32.
(12)
انظر: تفسير الطبري (7466): ص 7/ 32.
(13)
انظر: النكت والعيون: 1/ 411.
(14)
انظر: تفسير الطبري (7459)، و (7460)، و (7461)، و (7462): ص 7/ 31 - 32.
(15)
انظر: تفسير الطبري (7463): ص 7/ 32.
(16)
انظر: تفسير الطبري (7459): ص 7/ 31.
(17)
صفوة التفاسير: 199.
(18)
تفسير الطبري: 7/ 37.
(19)
تفسير ابن كثير: 2/ 81.
(20)
انظر: تفسير الطبري (7474): ص 7/ 37.
(21)
انظر: تفسير الطبري (7476): ص 7/ 38.
(22)
انظر: تفسير الطبري (7482): ص 7/ 39.
(23)
انظر: تفسير الطبري (7475): ص 7/ 37 - 38.
(24)
انظر: تفسير الطبري (7479): ص 7/ 38.
(25)
انظر: تفسير الطبري (7480): ص 7/ 38.
(26)
انظر: تفسير الطبري (7481): ص 7/ 38.
(27)
انظر: النكت والعيون: 1/ 411.
واستندوا على قولهم بما رواه ابن عمر: "قام رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما السبيل؟ قال: «الزاد والراحلة» "(1).
والثاني: أنها بالبدن، وهي الصحة، قاله عكرمة (2)، وهو قول مالك (3).
والثالث: أنها بالمال والبدن، وهذا معنى قول ابن زيد (4)، وهو قول أبي حنيفة (5).
والرابع: أن السبيل التي إذا استطاعها المرء كان عليه الحج: الطاقةُ للوصول إليه بغير مانع ولا حائل. وهذا قول ابن الزبير (6)، والضحاك (7)، وعطاء (8)، وعامر (9)، والحسن (10) -في إحدى الروايات عنهم،
والراجح-والله أعلم- إنّ أداء الحج على قدر الطاقة، "لأن " السبيل " في كلام العرب: الطريقُ، فمن كان واجدًا طريقًا إلى الحج لا مانعَ له منه من زَمانة، أو عَجز، أو عدوّ، أو قلة ماء في طريقه، أو زاد، أو ضعف عن المشي، فعليه فرضُ الحج، لا يجزيه إلا أداؤه. فإن لم يكن واجدًا سبيلا أعني بذلك: فإن لم يكن مطيقًا الحجَّ، بتعذُّر بعض هذه المعاني التي وصفناها عليه فهو ممن لا يجدُ إليه طريقًا ولا يستطيعه. لأن الاستطاعة إلى ذلك، هو القدرة عليه" (11).
قوله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97]، "أي: من ترك الحج فإن الله مستغنٍ عن عبادته وعن الخلق أجمعين" (12).
قال الطبري: أي: " ومن جَحد ما ألزمه الله من فرض حَجّ بيته، فأنكره وكفر به، فإن الله غنيّ عنه وعن حجه وعمله، وعن سائر خَلقه من الجن والإنس"(13).
قال الجزائري: أي: و"من كفر بالله ورسوله وحج بيته بعد ما ذكر من الآيات والدلائل الواضحات فإنه لا يضر إلا نفسه، أما الله تعالى فلا يضره شيء وكيف وهو القاهر فوق عباده والغني عنهم أجمعين"(14).
قال أبو صالح: " فرض الله الحج على الناس، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين"(15).
وفي تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97]، وجوه:
أحدها: يعني: من كفر بزعمه أن الحج ليس بفرض عليه، وهو قول ابن عباس (16)، والحسن (17)، ومجاهد (18)،
(1) أخرجه الطبري (7484): ص 7/ 39. قال الطبري: " فأما الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك بأنه: " الزاد والراحلة "، فإنها أخبار: في أسانيدها نظر، لا يجوز الاحتجاج بمثلها في الدّين". [تفسير الطبري: 7/ 45].
(2)
انظر: تفسير الطبري (7497): ص 7/ 44.
(3)
انظر: النكت والعيون: 1/ 411.
(4)
انظر: تفسير الطبري (7498): ص 7/ 44 - 45.
(5)
انظر: النكت والعيون: 1/ 411.
(6)
انظر: تفسير الطبري (7492): ص 7/ 43.
(7)
انظر: تفسير الطبري (7493): ص 7/ 43.
(8)
انظر: تفسير الطبري (7494): ص 7/ 44.
(9)
انظر: تفسير الطبري (7495): ص 7/ 44.
(10)
انظر: تفسير الطبري (7496): ص 7/ 44.
(11)
تفسير الطبري: 7/ 45.
(12)
صفوة التفاسير: 199.
(13)
تفسير الطبري: 7/ 47.
(14)
أيسر التفاسير: 1/ 350.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (3877): ص 3/ 716.
(16)
انظر: تفسير الطبري (7500): ص 7/ 47.
(17)
انظر: تفسير الطبري (7504)، و (7507): ص 7/ 47، 48.
(18)
انظر: تفسير الطبري (7505): ص 7/ 47.
والضحاك (1)، وعطاء (2)، وعطية العوفي (3)، وعمران القطان (4).
والثاني: هو لا يرى حَجَّهُ براً ولا تركه مأثماً، وهو أحد قولي ابن عباس (5)، ومجاهد –في إحدى الروايات (6)، والحسن (7)، وسعيد بن جبير (8)، وزيد بن أسلم (9).
والثالث: أن المعنى: ومن كفر بالله واليوم الآخر. وفي المعنيين قولان:
القول الأول: أنهم اليهود، لأنه لما نزل قوله تعالى:{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنهُ} ، فقالوا نحن مسلمون فأُمِرُوا بالحج فلم يحجوا، فأنزل الله هذه الآية. وهذا معنى قول عكرمة (10)، وسعيد بن المسيب (11).
القول الثاني: أنهم الملل الكافرة من أهل الأديان كلها، ممن لم يؤمنوا بالحج ولم يصلوا ولم يستقبلوا البيت، وهذا قول الضحاك (12)، وروي عن مجاهد (13)، وعامر (14)، وابن عباس (15)، وعكرمة (16) -في إحدى الروايات عنهما، نحو ذلك.
والرابع: أن المعنى: ومن كفر بهذه الآيات التي في مقام إبراهيم. وهذا قول ابن زيد (17).
والخامس: أن المعنى: ومن كفر بالبيت. وهذا قول عطاء بن ابي رباح (18)، والضحاك في إحدى الروايات (19).
والسادس: أن كفره بالبيت: تركه إياه حتى يموت. وهذا قول السدي (20).
والراجح أن معنى قوله: {ومن كفر} ، أي:" ومن جحد فرضَ ذلك وأنكرَ وُجوبه، فإن الله غني عنه وعن حَجه وعن العالمين جميعًا"(21). والله أعلم.
قال ابن الجوزي: " قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} ، قال السدي:«هذا الكلام تضمن وجوب الحج على جميع الخلق الغني والفقير والقادر والعاجز، ثم نسخ في حق عادم الاستطاعة بقوله: {من استطاع إليه سبيلا}» ، قلت: وهذا قوله قبيح، وإقدام بالرأي الذي لا يستند إلى معرفة اللغة العربية التي نزل بها القرآن على الحكم بنسخ القرآن، وإنما الصحيح ما قاله النحويون كافة في هذه الآية، فإنهم قالوا:(من) بدل من (الناس) وهذا
(1) انظر: تفسير الطبري (7501): ص 7/ 47.
(2)
انظر: تفسير الطبري (7502): ص 7/ 47.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3873): ص 3/ 715.
(4)
انظر: تفسير الطبري (7503): ص 7/ 47.
(5)
انظر: تفسير الطبري (7512): ص 7/ 49.
(6)
انظر: تفسير الطبري (7509): ص 7/ 48.
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3872): ص 3/ 715.
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3872): ص 3/ 715.
(9)
انظر: النكت والعيون: 1/ 411.
(10)
انظر: تفسير الطبري (7357): ص 6/ 571.وانظر: (7356)، و (7358): ص 6/ 571.
(11)
انظر: العجاب: 2/ 720.
(12)
تفسير الطبري (7515): 7/ 49 - 50. قال المناوي في "الفتح السماوي" "1/ 389": "وهو معضل وجويبر متروك الحديث ساقط. قاله الحافظ بن حجر" في "الكافي الشافي" "ص 29" كما بينه المحقق و"1/ 391" من طبعته مع "الكشاف" نشر دار الكتاب العربي.
(13)
انظر: تفسير الطبري (7514): ص 7/ 49، والعجاب: 2/ 719.
(14)
انظر: تفسير الطبري (7516): ص 7/ 50.
(15)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3876): ص 3/ 716.
(16)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3875): ص 3/ 716.
(17)
انظر: تفسير الطبري (7519): ص 7/ 50.
(18)
انظر: تفسير الطبري (7520): ص 7/ 51.
(19)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3874): ص 3/ 716.
(20)
انظر: تفسير الطبري (7521): ص 7/ 51.
(21)
تفسير الطبري: 7/ 51.
بدل البعض (1)، كما يقول: ضربت زيدا برأسه، فيصير تقدير الآية: ولله على من استطاع من الناس الحج أن يحج" (2).
الفوائد:
1 -
أن في هذا البيت آيات ظاهرة لكل احد، منها {مقام إبراهيم} ، ومنها: أن من دخله كان آمنا، ومنها فريضة حجه على جميع الناس، فإنها آيات تدل بأن هذا البيت أشرف البيوت.
2 -
أن الآيات كما تكون شرعية، تكون كذلك حسية كونية.
3 -
التنويه بفضل إبراهيم في قوله: {مقام إبراهيم} .
4 -
وجوب تأمين من دخل المسجد الحرام.
5 -
أن حرمة المسلم أعظم من حرمة البيت عند الله، ودليله أن القتال في مكة محرم، لكنهم إذا أرادوا الاعتداء على حرمة المسلم أبيحت دماؤهم، فقال:{فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 191].
6 -
وجوب حج البيت من استطاع إليه سبيلا، وأن الحج لا يجب على غير المستطيع، والاستطاعة تكون بالمال أو البدن أو بهما جميعا.
7 -
بيان غنى الله عز وجل عن كل احد، وأن العالمين مفتقرون إليه، وليس بهم غنى عن الله.
القرآن
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98)} [آل عمران: 98]
التفسير:
قل -أيها الرسول- لأهل الكتاب من اليهود والنصارى: لِمَ تجحدون حجج الله التي دلَّتْ على أن دين الله هو الإسلام، وتنكرون ما في كتبهم من دلائل وبراهين على ذلك، وأنتم تعلمون؟ والله شهيد على صنيعكم. وفي ذلك تهديد ووعيد لهم.
في سبب نزول [الآيات: 98 - 101]:
قال محمد بن إسحاق: "وحدثني الثقة، عن زيد بن أسلم قال: وأنزل الله في شاس بن قيس وما صنع: {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله} "(3).
(1) انظر تفسير الكشاف للزمخشري 1/ 448.
(2)
نواسخ القرآن: 328.ولم يتعرض لدعوى النسخ المؤلف في زاد المسير كما لم يذكره أصلا أمهات كتب النسخ، إنما نقل هذا القول الضعيف عن السدي، هبة الله بن سلامة في ناسخه ص: 39، بقوله: ثم استثنى فصار ناسخا.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (3878): ص 3/ 716. وأخرجه الطبري (7524): ص 7/ 56 - 56 مطولا، ونص الرواية: " عن محمد بن إسحاق، قال، حدثني الثقة عن زيد بن أسلم، قال: مرّ شأسُ بن قيس وكان شيخًا قد عَسَا في الجاهلية، عظيمَ الكفر، شديد الضِّغن على المسلمين، شديدَ الحسد لهم على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج، في مجلس قد جمعهم يتحدّثون فيه. فغاظه ما رأى من جَماعتهم وألفتهم وصَلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع مَلأ بني قَيْلة بهذه البلاد! لا والله ما لنا معهم، إذا اجتمع ملأهم بها، من قرار! فأمر فَتى شابًّا من يهودَ وكان معه، فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، وذَكّرهم يَوْم بعاث وما كان قبله، وأنشدْهم بعض ما كانوا تقاوَلوا فيه من الأشعار وكان يوم بُعَاث يومًا اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفرُ فيه للأوس على الخزرج ففعل. فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا، حتى تواثب رجُلان من الحيَّين على الرُّكَب: أوسُ بن قَيْظي، أحد بني حارثة بن الحارث من الأوس - وجبّار بن صخر، أحد بني سَلمة من الخزرج. فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رَدَدْناها الآن جَذَعَةً! وغضب الفريقان، وقالوا: قد فعلنا، السلاحَ السلاحَ! ! موعدُكم الظاهرة والظاهرةُ: الحَرَّة فخرجوا إليها. وتحاوز الناس. فانضمت الأوس بعضها إلى بعض، والخزرج بعضها إلى بعض، على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية. فبلغَ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم، فقال:" يا معشرَ المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهُرِكم بعد إذْ هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمرَ الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألَّف به بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارًا؟ فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيدٌ من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم، وبكَوْا، وعانقَ الرجال من الأوس والخزرج بعضُهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رَسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيدَ عدوِّ الله شَأس بن قيس وما صنع. فأنزل الله في شأس بن قيس وما صنع: {قل يا أهل الكتاب لم تكفرُون بآيات الله والله شهيدٌ على ما تعملون قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا} الآية. وأنزل الله عز وجل في أوس بن قَيْظيّ وجبّار بن صخر ومَنْ كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا عما أدخل عليهم شأس بن قيس من أمر الجاهلية: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردُّوكم بعد إيمانكم كافرين} إلى قوله: {أولئك لهم عذابٌ عظيم} ".
قال الواحدي في أسباب النزول: ص 117: " قال جابر بن عبد الله: ما كان من طالع أكره إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ إلينا بيده، فكففنا وأصلح الله تعالى ما بيننا، فما كان شخص أحب إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيت قط يوما أقبح ولا أوحش أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم".
قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [آل عمران: 98]، أي:" يا معشر يهود بني إسرائيل وغيرهم، لم تجحدونُ حجج الله التي آتاها محمدًا في كتبكم وغيرها، التي قد ثبتت عليكم بصدقه ونبوَّته وحُجته"(1).
قال السدي: " أما {آيات الله}، فمحمد صلى الله عليه وسلم"(2).
وفي إحدى الروايات عن السدي: " {لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ}، يقول: لما تكفرون بالحج"(3).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 98]، " أي: والله مطلع على جميع أعمالكم فيجازيكم عليها" (4).
قال الحسن: " هم اليهودُ والنصارى"(5).
الفوائد:
1 -
أمر النبي-صلى الله عليه وسلم أن يوبخ أهل الكتاب على كفرهم بآيات الله، فيتفرغ أن كل من يكفر بآيات الله فهو مستحق للتوبيخ.
2 -
إثبات شهادة الله تعالى على كل ما يعمل بنو آدم، لقوله:{والله شهيد على ما تعملون} ، لأن {ما} ، اسم موصول يفيد العموم.
3 -
تهديد من يكفر بآيات الله، لأن الله سوف يحصي عمله ثم يجازيه على ذلك.
4 -
إحاطة الله تعالى بكل شيء، وأنه وسع كل شيء، ولا يخفى عليه شيء من اعمال بني آدم.
5 -
ومن الفوائد أن الله لايؤاخذ العبد بحديث النفس، لقوله:{شهيد على ما تعملون} ، كما صح ذلك عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم:"إن الله تجاوز عن امتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم"(6).
القرآن
التفسير:
قل -أيها الرسول- لليهود والنصارى: لِمَ تمنعون من الإسلام من يريد الدخول فيه تطلبون له زيغًا وميلا عن القصد والاستقامة، وأنتم تعلمون أن ما جئتُ به هو الحق؟ وما الله بغافل عما تعملون، وسوف يجازيكم على ذلك.
في سبب تزول الآية:
إن هذه الآية من فصل كامل يعالج حدث الإغراء بين الأوس والخزرج يمتد من الآية (98) إلى (105) من سورة آل عمران.
قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه مَنْ آمَنَ} [آل عمران: 99] ِ، أي: يا أهل الكتاب" لمَ تصرفون الناس عن دين الله الحق، وتمنعون من أراد الإِيمان به؟ "(7).
قال الطبري: أي: يا أهل الكتاب" لم تضِلُّون عن طريق الله ومحجَّته التي شرَعها لأنبيائه وأوليائه وأهل الإيمان"(8).
قال الربيع: " لم تصدون عن الإسلام وعن نبي الله صلى الله عليه وسلم"(9).
(1) تفسير الطبري: 7/ 52.
(2)
أخرجه الطبري (7522): ص 7/ 52.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (3879): ص 3/ 716.
(4)
صفوة التفاسير: 199.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (3880): ص 3/ 716، والطبري (7523): ص 7/ 52.
(6)
رواه البخاري (5269)، ومسلم (127).
(7)
صفوة التفاسير: 199.
(8)
تفسير الطبري: 7/ 52.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (3883): ص 3/ 717.
قال الحسن: "هم اليهود والنصارى"(1).
عن ابن عباس: " قوله: {تصدون عن سبيل الله} قال: عن دين الله"(2).
وقرأ الحسن: {تصدون} ، بضم التاء وكسر الصاد وهما لغتان (3).
قوله تعالى: {تَبْغُونَهَا عِوَجًا} [آل عمران: 99]، " أي: تطلبون أن تكون الطريق المستقيمة معوجّة" (4).
وفي قوله تعالى: {تَبْغُونَهَا عِوَجًا} [آل عمران: 99]، وجهان من التفسير:
أحدهما: أنهم (أي اليهود والنصاراى) كانوا إذا سألهم أحد: هل تجدون محمدا؟ قالوا: لا. فصدوا الناس عنه وبغوا محمدا عوجا: هلاكا. قاله السدي (5).
والثاني: أنه يعني: ترجون بمكة غير الإسلام. وهذا قول أبي مالك (6).
قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ} [آل عمران: 99]، " أي: وأنتم عالمون بأن الإِسلام هو الحق والدين المستقيم" (7).
قال أبو جعفر: " وأنتم شهداء على ذلك فيما تقرأون من كتاب الله أن محمدا رسول الله وأن الإسلام دين الله، تجدون ذلك في التوراة والإنجيل"(8).
قال الطبري: " يعني: شهداء على أنّ الذي تصدّون عنه من السبيل حقٌّ، تعلمونه وتجدونه في كتبكم"(9).
قوله تعالى: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 99]، أي:" وليس الله بغافل عن أعمالكم"(10).
قال ابن كثير: " أخبر تعالى أنه ليس بغافل عما يعملون، أي: وسيجزيهم على ذلك يوم لا ينفعهم مال ولا بنون"(11).
الفوائد:
1 -
امر رسول الله-صلى الله عليه وسلم ان يوبخ أهل الكتاب على عداوتهم على الغير، وذلك بالصد عن سبيل الله.
2 -
أن من صدّ عن سبيل الله من المسلمين ففيه شبه من اهل الكتاب (اليهود والنصارى).
3 -
سوء القصد من اهل الكتاب، إذ يبغون أن تكون سبيل الله عوجا، وهم يعلمون بأنهم على باطل وان الحق في خلافهم، لكن الذي يمنعهم هو الاستكبار.
4 -
إثبات إحاطة الله تعالى بكل شيء علما ورقابة.
القرآن
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100)} [آل عمران: 100]
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، إن تطيعوا جماعة من اليهود والنصارى ممن آتاهم الله التوراة والإنجيل، يضلوكم، ويلقوا إليكم الشُّبَه في دينكم; لترجعوا جاحدين للحق بعد أن كنتم مؤمنين به، فلا تأمنوهم على دينكم، ولا تقبلوا لهم رأيًا أو مشورة.
اختلف في سبب نزول الآية على قولين:
أحدهما: قال محمد ابن إسحاق: " حدثني الثقة، عن زيد بن أسلم قال: وأنزل في أويس ابن قيظي وجبار بن صخر، ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا مما أدخل عليهم شاس بن قيس من أمر الجاهلية: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب} "(12). وري عن مجاهد نحو ذلك (13).
والثاني: وقال السدي: " نزلت في ثعلبة بن عَنمة الأنصاري، كان بينه وبين أناس من الأنصار كلام، فمشى بينهم يهوديٌّ من قَيْنُقاع، فحمَل بعضَهم على بعضٍ، حتى همت الطائفتان من الأوس والخزرج أن يحملوا السلاحَ فيقاتلوا، فأنزل الله عز وجل: {إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين}، يقول: إن حملتم السلاحَ فاقتتلتم، كفرتم"(14).
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [آل عمران: 100]، أي:" يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم من عند الله"(15).
قال ابن عباس: " ما في القرآن آية {يا أيها الذين آمنوا}، إلا أن عليا شريفها وأميرها وسيدها، وما من أصحاب محمد إلا قد عوتب في القرآن إلا علي بن أبي طالب فإنه لم يعاتب في شيء منه"(16).
وقال الأعمش عن خيثمة: " ما تقرأون من القرآن {يا أيها الذين آمنوا}، فإن في التوراة "يا أيها المساكين" (17).
وروي أن "رجلا أتى عبد الله ابن مسعود فقال: أعهد إلي، فقال: إذا سمعت الله تعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا}، فأرعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه"(18).
قوله تعالى: {إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [آل عمران: 100]، أي:" إن تطيعوا جماعة ممن ينتحل الكتابَ من أهل التوراة والإنجيل، فتقبلوا منهم ما يأمرونكم به"(19).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (3881): ص 3/ 717.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (3882): ص 3/ 717.
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 158.
(4)
صفوة التفاسير: 199.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3884): ص 3/ 717.
(6)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3885): ص 3/ 717.
(7)
صفوة التفاسير: 199.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (3887): ص 3/ 718.
(9)
تفسير الطبري: 7/ 54.
(10)
تفسير الطبري: 7/ 54.
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 85.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (3893): ص 3/ 718، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم (3878): ص 3/ 716. وأخرجه الطبري (7524): ص 7/ 56 - 56 مطولا، ونص الرواية: " عن محمد بن إسحاق، قال، حدثني الثقة عن زيد بن أسلم، قال: مرّ شأسُ بن قيس وكان شيخًا قد عَسَا في الجاهلية، عظيمَ الكفر، شديد الضِّغن على المسلمين، شديدَ الحسد لهم على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج، في مجلس قد جمعهم يتحدّثون فيه. فغاظه ما رأى من جَماعتهم وألفتهم وصَلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع مَلأ بني قَيْلة بهذه البلاد! لا والله ما لنا معهم، إذا اجتمع ملأهم بها، من قرار! فأمر فَتى شابًّا من يهودَ وكان معه، فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، وذَكّرهم يَوْم بعاث وما كان قبله، وأنشدْهم بعض ما كانوا تقاوَلوا فيه من الأشعار وكان يوم بُعَاث يومًا اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفرُ فيه للأوس على الخزرج ففعل. فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا، حتى تواثب رجُلان من الحيَّين على الرُّكَب: أوسُ بن قَيْظي، أحد بني حارثة بن الحارث من الأوس - وجبّار بن صخر، أحد بني سَلمة من الخزرج. فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رَدَدْناها الآن جَذَعَةً! وغضب الفريقان، وقالوا: قد فعلنا، السلاحَ السلاحَ! ! موعدُكم الظاهرة والظاهرةُ: الحَرَّة فخرجوا إليها. وتحاوز الناس. فانضمت الأوس بعضها إلى بعض، والخزرج بعضها إلى بعض، على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية. فبلغَ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم، فقال:" يا معشرَ المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهُرِكم بعد إذْ هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمرَ الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألَّف به بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارًا؟ فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيدٌ من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم، وبكَوْا، وعانقَ الرجال من الأوس والخزرج بعضُهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رَسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيدَ عدوِّ الله شَأس بن قيس وما صنع. فأنزل الله في شأس بن قيس وما صنع: {قل يا أهل الكتاب لم تكفرُون بآيات الله والله شهيدٌ على ما تعملون قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا} الآية. وأنزل الله عز وجل في أوس بن قَيْظيّ وجبّار بن صخر ومَنْ كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا عما أدخل عليهم شأس بن قيس من أمر الجاهلية: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردُّوكم بعد إيمانكم كافرين} إلى قوله: {أولئك لهم عذابٌ عظيم} ".
قال الواحدي في أسباب النزول: ص 117: " قال جابر بن عبد الله: ما كان من طالع أكره إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ إلينا بيده، فكففنا وأصلح الله تعالى ما بيننا، فما كان شخص أحب إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيت قط يوما أقبح ولا أوحش أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم".
(13)
انظر: تفسير الطبري (7530): ص 7/ 59، وابن ابي حاتم (3894): ص 3/ 719.
(14)
أخرجه الطبري (7529): ص 7/ 58 - 59. وأخرجه ابن أبي حاتم (3892): ص 3/ 718. مختصرا.
(15)
تفسير الطبري: 7/ 59.
(16)
أخرجه ابن أبي حاتم (3889): ص 3/ 718.
(17)
أخرجه ابن أبي حاتم (3890): ص 3/ 718.
(18)
أخرجه ابن أبي حاتم (3891): ص 3/ 718.
(19)
تفسير الطبري: 7/ 59.
قال مقاتل بن سليمان: " يعني طائفة من الذين أوتوا الكتاب يعني أعطوا التوراة"(1).
قال سعيد بن جبير: " {فريقا}: يعني طائفة"(2).
قال الزجاج: " يعني بالفريق الصنف"(3).
قوله تعالى: {يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} [آل عمران: 100]، أي:"يضلّوكم فيردّوكم بعد إيمانكم جاحدين" " (4).
قال السدي: "يقول: إن حملتم السلاح فاقتتلتم كفرتم"(5).
قال الزجاج: " أي: إن قلدتموهم ردوكم كافرين، أي: وإن كنتم على غير دينهم وكنتم في عقدكم ذلك كافرين فكذلك إن أطعتموهم او اتبعتوهم فأنتم كافرون"(6).
قال السمعاني: " يعني: يردونكم إلى اليهودية والنصرانية"(7).
قال الطبري: " فنهاهم جَلّ ثناؤه أن ينتصحوهم، ويقبلوا منهم رأيًا أو مشورةً، ويعلِّمهم تعالى ذكره أنهم لهم منطوُون على غِلٍّ وغِش وحسد وبغض"(8).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن الربيع بن أنس في قوله: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين} : قال: " فقد تقدم فيهم كما تسمعون، وقد حذركموهم، وأنبأكم بضلالتكم، فلا تأتمنوهم على دينكم، ولا تنتصحوهم على أنفسكم، فإنهم الأعداء والحسدة والضلال، كيف تأتمنون قوما كفروا بكتابهم وقتلوا رسلهم؟ أولئك هم أهل التهمة والعداوة"(9).
الفوائد:
1 -
تحذير المؤمنين من طاعة الكفار.
2 -
أن الكفار ولو كان أهل كتاب يحاولون غاية المحاولة أن يردّوا المؤمنين عن إيمانهم إلى الكفر، فهم لايرضون منا بما دون الكفر، إلا أن يكون وسيلة إلى الكفر، لأن الغاية: قال {يردّوكم بعد إيمانكم كافرين} . ومن ابرز وسائلهم في ذلك: فتح باب الشهوات والشبهات.
3 -
أن طاعة الكفار مخالفة للإيمان.
4 -
أنه كلما ازداد المؤمنون تمسكا بالدين ستزداد شراسة الكفار في صدهم عن دينهم.
5 -
أن من أهل الكتاب من لايحاول إضلال المؤمنين عن الدين، وذلك لقوله:{فريقا} .
القرآن
وكيف تكفرون بالله -أيها المؤمنون-، وآيات القرآن تتلى عليكم، وفيكم رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم يبلغها لكم؟ ومَن يتوكل على الله ويستمسك بالقرآن والسنة فقد وُفِّق لطريق واضح، ومنهاج مستقيم.
في سبب نزول الآية: قال ابن عباس: " كانت بين الأوس والخزرج حرب في الجاهلية كل شيء، فبينما هم يوما جلوس إذ ذكروا ما بينهم حتى غضبوا، فقام بعضهم إلى بعض بالسلاح فنزلت: {وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله} الآية كلها"(10).
قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} [آل عمران: 101]، " أي: كيف يتطرق إليكم الكفر والحال أن آيات الله لا تزال تتنزّل عليكم والوحي لم ينقطع ورسول الله حيٌ بين أظهركم؟ " (11).
عن قتادة: "قوله: {وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله}، قال: علمان بينان: نبي الله وكتاب الله، فأما نبي الله فمضى عليه الصلاة والسلام، وأما كتاب الله فأبقاه الله بين أظهركم رحمة من الله، ونعمة فيه حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته"(12).
قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101]، "أي: من يتمسك بدينه الحق الذي بيَّنه بآياته على لسان رسوله فقد اهتدى إلى أقوم طريق، وهي الطريق الموصلة إلى جنات النعيم" (13).
قال الربيع بن أنس: " والاعتصام هو: الثقة بالله"(14).
وقال ابن جريج: " {ومن يعتصم بالله}: يؤمن بالله"(15).
أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله قضى على نفسه أنه من آمن به هداه، ومن وثق به أنجاه. قال الربيع: وتصديق ذلك في كتاب الله: {ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم} "(16).
وفي: {صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101]، أربعة اقوال:
أحدها: أن"الصراط المستقيم: كتاب الله عز وجل". رواه علي بن أبي طالب عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم (17).
والثاني: أن" الصراط: الإسلام". رواه النواس بن سمعان الأنصاري عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم (18).
والثالث: أن "الصراط المستقيم: هو النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه بعده رضي الله عنهما". قاله أبو العالية (19). قال الحسن: "صدق أبو العالية ونصح"(20).
والرابع: أن الصراط المستقيم: الحق. وهذا قول مجاهد (21).
الفوائد:
1 -
إستبعاد أن يرتد المؤمن كافرا، وهو يتلى عليه كتاب الله وفيهم رسوله-صلى الله عليه وسلم، ورسول الله-صلى الله عليه وسلم فينا بسنته.
2 -
أن كتاب الله وسنة رسوله-صلى الله عليه وسلم والإقبال عليهما أعظم مانع يمنع من الكفر.
3 -
إثبات أن القرآن الكريم آية من آيات الله، لقوله:{آيات الله} . وبذلك لا يمكن أن يأتي احد بمثله.
4 -
الحث على الاعتصام بالله.
5 -
بشارة من وفق للاعتصام بالله بأنه مهدي إلى الطريق القويم.
6 -
أن دين الله عز وجل دين مستقيم.
القرآن
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)} [آل عمران: 102]
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 292.
(2)
تفسير ابن ألبي حاتم (3896): ص 3/ 719.
(3)
معاني القرآن: 1/ 448.
(4)
تفسير الطبري: 7/ 59 - 60.
(5)
أخرجه ابن ألبي حاتم (3897): ص 3/ 719.
(6)
معاني القرآن: 1/ 448.
(7)
تفسير السمعاني: 1/ 344.
(8)
تفسير الطبري: 7/ 60.
(9)
تفسير ابن ألبي حاتم (3895): ص 3/ 719.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (3898): ص 3/ 720.
(11)
صفوة التفاسير: 200.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (3899): ص 3/ 720.
(13)
صفوة التفاسير: 200.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (3900): ص 3/ 720.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (3901): ص 3/ 720.
(16)
أخرجه ابن أبي حاتم (39012): ص 3/ 720.
(17)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3903): ص 3/ 721.
(18)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3904): ص 3/ 721.
(19)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3905): ص 3/ 721.
(20)
أخرجه ابن أبي حاتم (3905): ص 3/ 721.
(21)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3906): ص 3/ 721.
التفسير:
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله، وعملوا بشرعه، خافوا الله حق خوفه: وذلك بأن يطاع فلا يُعصى، ويُشكَر فلا يكفر، ويُذكَر فلا ينسى، وداوموا على تمسككم بإسلامكم إلى آخر حياتكم; لتلقوا الله وأنتم عليه.
في سبب نزول الآية قولان:
أحدها: قال عكرمة: " إن هذه الآية نزلت في الأوس والخزرج وكان بينهم قتال يوم بعاث قبيل مخرج النبي صلى الله عليه وسلم: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} "(1).
والثاني: نقل الثعلبي عن عطاء: " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر وقال: «يا معشر المسلمين ما لي أوذى في أهلي» . يعني الطعن في قصة الإفك، وقال:«ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت منه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي» .
فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله وأكفيك أمره وأنصرك عليه، إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك.
فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحا ولكنه احتملته الحمية فقال لسعد ابن معاذ: كذبت لعمر الله. فقال سعد: والله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ودعوا بالسلاح، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا، فأنزل الله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} " (2).
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [آل عمران: 102]، أي:" يا معشر من صدّق الله ورسوله"(3).
قال مقاتل بن سليمان: "يعني الأنصار"(4).
قوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] أي: اتقوا الله تقوى حقة" (5).
قال الطبري: أي: "خافوا الله ورَاقبوه بطاعته واجتناب معاصيه، حقّ خوفه، وهو أن يُطاع فلا يُعصى، ويُشكر فلا يكفر، ويُذكر فلا يُنسى"(6).
قال الزجاج: " أي اتقوه فيما يحق عليكم أن تتقوه فيه"(7).
وفي قوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] وجوه:
أحدها: معناه: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر. قاله عبدالله ابن مسعود (8)، وروي عن "مرة الهمداني والربيع بن خثيم، وعمرو بن ميمون، والحسن، وطاوس، وقتادة، وإبراهيم النخعي وأبي سنان، والسدي"(9)، ومقاتل بن سليمان (10) نحو ذلك.
والثاني: المعنى: أن يجاهد في سبيل الله حق جهاده، ولا يأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم. وهذا قول ابن عباس (11)، ومجاهد (12).
والثالث: هو أن يعترفوا بالحق في الأمن والخوف (13).
والرابع: هو أن يُطَاع، ولا يُتَّقى في ترك طاعته أحدٌ سواه (14).
(1) أخرجه ابن ابي حاتم (3907): ص 3/ 721.
(2)
تفسير الثعلبي: 3/ 160 - 161.
(3)
تفسير الطبري: 7/ 64.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 292.
(5)
صفوة التفاسير: 200.
(6)
تفسير الطبري: 7/ 64.
(7)
معاني القرآن: 1/ 448.
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3908): ص 2/ 722.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3908): ص 2/ 722، وتفسير الثعلبي: 3/ 161.
(10)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 292.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3910): ص 2/ 722.
(12)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 161.
(13)
انظر: النكت والعيون: 1/ 413.
(14)
انظر: النكت والعيون: 1/ 413.
والخامس: أنه لا يتق الله العبد حق تقاته، حتى يخزن من لسانه. وهذا قول أنس (1).
قوله تعالى: {وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، "أي: تمسكوا بالإِسلام حتى يدرككم الموت وأنتم على تلك الحالة فتموتون على الإِسلام" (2).
قال طاوس: أي: " على الإسلام، وعلى حُرْمة الإسلام"(3).
وقال المفضل: "المحسنون الظن بالله"(4).
قال الزجاج: أي: " كونوا على الإسلام فإذا ورد عليكم الموت صادفكم على ذلك"(5).
قال ابن كثير: " أي: حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه، فعياذًا بالله من خلاف ذلك"(6).
واختلفوا في نسخ الآية على قولين:
أحدهما: أنها محكمة، وهو قول ابن عباس (7)، وطاووس (8).
والثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم} [التغابن: 16]، وهو قول قتادة (9)، وسعيد بن جبير (10)، وزيد بن أسلم (11)، وأبي العالية (12)، ومقاتل بن حيان (13)، والربيع بن أنس (14)، والسدي (15)، وابن زيد (16)، ومقاتل بن سليمان (17).
قال سعيد بن جبير: " لما نزلت هذه الآية اشتد على القوم العمل، فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم، فأنزل الله تخفيفا على المسلمين: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، فنسخت الآية الأولى"(18). وروي عن زيد بن أسلم نحو هذا التفسير (19).
وروي عن أبي العالية وقتادة ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس، والسدي:" إنها نسختها {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] "(20).
وقال مقاتل: "وليس في آل عمران من المنسوخ إلا هذا"(21).
الفوائد:
1 -
وجوب تقوى الله حق تقاته للأمر بذلك.
2 -
العناية والاهتمام بالتقوى، يؤخذ من تصديره بالنداء.
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (3909): ص 3/ 722.
(2)
صفوة التفاسير: 200.
(3)
أخرجه الطبري (7561): ص 7/ 70.
(4)
تفسير الثعلبي: 3/ 161.
(5)
معاني القرآن: 1/ 448.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 87.
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3910): ص 2/ 722، وتفسير الطبري (7553): ص 7/ 68.
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3913): ص 2/ 723، وتفسير الطبري (7554): ص 7/ 68.
(9)
انظر: تفسير الطبري (7556): ص 7/ 68.
(10)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3911): ص 3/ 722.
(11)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3911): ص 3/ 722.
(12)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3911): ص 3/ 722.
(13)
أانظر: تفسير ابن ابي حاتم (3911): ص 3/ 722.
(14)
انظر: تفسير الطبري (7558): ص 7/ 69.
(15)
نظر: تفسير الطبري (7559): ص 7/ 69، وتفسير ابن ابي حاتم (3911): ص 3/ 722.
(16)
انظر: تفسير الطبري (7560): ص 7/ 69.
(17)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 292.
(18)
أخرجه ابن ابي حاتم (3911): ص 3/ 722.
(19)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3911): ص 3/ 722.
(20)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (3911): ص 3/ 722.
(21)
تفسير الثعلبي: 3/ 161.
3 -
أن ترك التقوى من نواقص الإيمان.
4 -
وجوب البقاء على الاسلام والمبادرة به.
5 -
أن المدار على الخاتمة، لقوله:{ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ، لذلك يجب علينا أن نطهر قلوبنا دائما لكي يختم لنا بحسن الخاتمة، لأنه ليست العبرة بكثرة الصلاة والصوم إذا كان قلبه خربا، لأن الصلاة من أعمال الجوارح فكل انسان يستطيع أن يصلي أحسن صلاة، ولكن الكلام على عمل القلب، فيجب الحرص على اصلاح القلوب.
القرآن
التفسير:
وتمسَّكوا جميعًا بكتاب ربكم وهدي نبيكم، ولا تفعلوا ما يؤدي إلى فرقتكم. واذكروا نعمة جليلة أنعم الله بها عليكم: إذ كنتم –أيها المؤمنون- قبل الإسلام أعداء، فجمع الله قلوبكم على محبته ومحبة رسوله، وألقى في قلوبكم محبة بعضكم لبعض، فأصبحتم بفضله إخوانا متحابين، وكنتم على حافة نار جهنم، فهداكم الله بالإسلام ونجَّاكم من النار. وكما بيَّن الله لكم معالم الإيمان الصحيح فكذلك يبيِّن لكم كل ما فيه صلاحكم; لتهتدوا إلى سبيل الرشاد، وتسلكوها، فلا تضلوا عنها.
قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} [آل عمران: 103]، "أي: وتمسكوا بدين الله وكتابه جميعاً" (1).
قال الطبري: أي: " وتمسَّكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عَهده إليكم في كتابه إليكم، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله"(2).
وفي تفسير قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْل اللَّهِ جَمِيعاً} [آل عمران: 103] ستة أقوال:
أحدها: الحبل: القرآن، وهو قول ابن مسعود (3)، وقتادة (4)، والسدي (5)، والضحاك (6).
روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كِتَابُ اللهِ هُوَ حَبْلُ اللهِ المَمْدُودُ مِنَ السَّماءِ إَلى الأرْضِ"(7).
والثاني: أنه دين الله وهو الإسلام، وهذا قول ابن زيد (8).
والثالث: أنه عهد الله، وهو قول مجاهد (9)، وعطاء (10). وهو مروي عن قتادة أيضا (11).
كما قال في الآية بعدها: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} [آل عمران: 112] أي بعهد وذمة (12).
والرابع: هو الإخلاص لله والتوحيد، وهو قول أبي العالية (13).
والخامس: هو الجماعة، وهو مروي عن ابن مسعود (14).
(1) صفوة التفاسير: 200.
(2)
تفسير الطبري: 7/ 70.
(3)
انظر: تفسير الطبري (7566): ص 7/ 72.
(4)
انظر: تفسير الطبري (7564): ص 7/ 71.
(5)
انظر: تفسير الطبري (7567): ص 7/ 72.
(6)
انظر: تفسير الطبري (7571): ص 7/ 72.
(7)
أخرجه الطبري (7572): ص 7/ 72. وفي اسناده عطية العوفي، وهو ضعيف.
(8)
انظر: تفسير الطبري (7574): ص 7/ 73.
(9)
انظر: تفسير الطبري (7568): ص 7/ 72.
(10)
انظر: تفسير الطبري (7569): ص 7/ 72.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3919): ص 3/ 724.
(12)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 89.
(13)
انظر: تفسير الطبري (7573): ص 7/ 73.
(14)
انظر: تفسير الطبري (7562)، و (7563): ص 7/ 71.
والسادس: أنه طاعة الله. قاله الحسن (1).
و"الحبل"، يطلق على السبب الذي يوصَل به إلى البُغية والحاجة، ولذلك سمي الأمان "حبلا"، لأنه سبب يُوصَل به إلى زوال الخوف، والنجاة من الجزَع والذّعر، ومنه قول أعشى بني ثعلبة (2):
وَإذَا تُجَوِّزُهَا حِبَالُ قَبِيلَةٍ
…
أَخَذَتْ مِنَ الأخْرَى إلَيْكَ حِبَالَها
ومنه قول الله عز وجل: {إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} [سورة آل عمران: 112](3).
قال الماوردي: "وسُمَّي ذلك حبلاً لأن المُمْسِكَ به ينجو مثل المتمسك بالحبل ينجو من بئر أو غيرها"(4).
قوله تعالى: {وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، أي:" ولا تتفرقوا عن دين الله"(5).
وفي قوله تعالى: {وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، وجهان:
أحدهما: عن دين الله الذي أمر فيه بلزوم الجماعة، وهذا قول ابن مسعود (6)، وقتادة (7).
والثاني: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (8).
قال ابن كثير: " أمَرَهُم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة وقد وردت الأحاديثُ المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف كما في صحيح مسلم من حديث سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا، يَرْضى لَكُمْ: أنْ تَعْبدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وأنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا، وأنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلاهُ اللهُ أمْرَكُمْ؛ وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا: قيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وإِضَاعَةَ الْمَالِ" (9) "(10).
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "افترقت بنوا إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة قالوا: يا رسول الله: ومن هذه الواحدة؟ قال: الجماعة. قال: فقبض يده ثم قال: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا"(11).
قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 103]، "أي: اذكروا إنعامه عليكم يا معشر العرب" (12).
عن ابن عباس قوله: " {نعمت الله}، يقول: عافية الله"(13).
قوله تعالى: {إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} [آل عمران: 103]، " أي حين كنتم قبل الإسلام أعداء الداءً فألف بين قلوبكم بالإِسلام وجمعكم على الإِيمان"(14).
قال السدي: أما: {إذ كنتم أعداء} ، ففي حرب ابن سُمَير (15)، {فألف بين قلوبكم} ، بالإسلام" (16).
قال قتادة: "، كنتم تذابحون فيها، يأكل شديدكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام، فآخى به بينكم، وألَّف به بينكم. أما والله الذي لا إله إلا هو، إنّ الألفة لرحمة، وإن الفرقة لعذابٌ"(17).
(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3917): ص 3/ 724.
(2)
ديوانه: 24، ومشكل القرآن: 358، والمعاني الكبير: 1120، واللسان (حبل) وغيرها.
(3)
انظر: تفسير الطبري: 7/ 70 - 71.
(4)
النكت والعيون: 1/ 414.
(5)
تفسير الطبري: 7/ 74.
(6)
انظر: تفسير الطبري (7562)، و (7563): ص 7/ 71.
(7)
انظر: تفسير الطبري (7575): ص 7/ 74.
(8)
انظر: النكت والعيون: 1/ 414.
(9)
صحيح مسلم برقم (1715).
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 89.
(11)
أ×رجه ابن أبي حاتم (3915): ص 3/ 723.
(12)
صفوة التفاسير: 200.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (3921): ص 3/ 724.
(14)
صفوة التفاسير: 200.
(15)
قال الطبري: " أنّ مبدأ العداوة التي هيَّجت الحروب التي كانت بين قبيلتَيها الأوسِ والخزرجِ وأوَّلها، كان بسبب قتل مَولى لمالك بن العجلان الخزرجيّ، يقال له: " الحرُّ بن سُمَير " من مزينة، وكان حليفًا لمالك بن العجلان، ثم اتصلت تلك العداوة بينهم إلى أن أطفأها الله بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم". [تفسير الطبري: 7/ 84].
(16)
أخرجه الطبري (7588): ص 7/ 82.
(17)
أخرجه الطبري (7582): ص 7/ 77.
واختلف فيمن أريد بهذه الآية على قولين:
أحدهما: أنهم مشركو العرب لِمَا كان بينهم من الصوائل، وهذا قول الحسن (1).
والثاني: أنهم الأوس والخزرج لِمَا كان بينهم من الحروب في الجاهلية حتى تطاولت مائة وعشرين سنة إلى أن ألَّفَ الله بين قلوبهم بالإسلام فتركت تلك الأحقاد، وهذا قول ابن إسحاق (2).
قوله تعالى: {فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103]، أي:": فأصبحتم بتأليف الله عز وجل بينكم بالإسلام إخوانا متصادقين"(3).
قال قتادة: " وذكر لنا أن رجلا قال لابن مسعود: كيف أصبحتم؟ قال: أصبحنا بنعمة الله إخوانًا"(4).
قوله تعالى: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} [آل عمران: 103]، " أي: وكنتم مشرفين على الوقوع في نارجهنم فأنقذكم الله منها بالإِسلام" (5).
قال الربيع بن أنس: " يقول: كنتم على الكفر بالله، " فأنقذكم منها "، من ذلك، وهداكم إلى الإسلام"(6).
قال السدي: " يقول: كنتم على طرَف النار، من مات منكم أوبِقَ في النار، فبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فاستنقذكم به من تلك الحفرة"(7).
قال مقاتل بن حيان: " أنقذكم الله من الشرك إلى الإيمان"(8).
قال الحسن: أي: "العصبية"(9).
قال الطبري: أي: " على حرف حُفرةٍ من النار. وإنما ذلك مثَلٌ لكفرهم الذي كانوا عليه قبل أن يهديهم الله للإسلام. يقول تعالى ذكره: وكنتم على طرَف جهنم بكفركم الذي كنتم عليه قبل أن يُنعم الله عليكم بالإسلام، فتصيروا بائتلافكم عليه إخوانًا، ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا على ذلك من كفركم، فتكونوا من الخالدين فيها، فأنقذكم الله منها بالإيمان الذي هداكم له"(10).
قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} [آل عمران: 103]، " أي: مثل ذلك البيان الواضح يبين الله لكم سائر الآيات" (11).
قال السدي: " {كذلك}، يعني: هكذا"(12).
قال سعيد بن جبير: "يعني ما بيّن في هذه الآية"(13).
قال الطبري: أي: "كما بيَّن لكم ربكم في هذه الآيات، فكذلك يبين لكم سائر حججه"(14).
قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103]، أي: لأجل أن تهتدوا" (15).
قال الزجاج: " أي: لتكونوا على رجاء هدايته"(16).
قال الطبري: أي: " لتهتدوا إلى سبيل الرشاد وتسلكوها، فلا تضِلوا عنها"(17).
(1) انظر: النكت والعيون: 1/ 414.
(2)
انظر: تفسير الطبري (7584): ص 7/ 78.
(3)
تفسير الطبري: 7/ 84.
(4)
أخرجه الطبري (7590): ص 7/ 84 - 85.
(5)
صفوة التفاسير: 200.
(6)
أخرجه الطبري (7592): ص 7/ 88.
(7)
أخرجه الطبري (7593): ص 7/ 88.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (3932): ص 3/ 726.
(9)
أخرجه الطبري (7594): ص 7/ 89.
(10)
تفسير الطبري: 7/ 85.
(11)
صفوة التفاسير: 200.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (3933): ص 3/ 726.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (3934): ص 3/ 726.
(14)
تفسير الطبري: 7/ 89.
(15)
تفسير ابن عثيمين: 1/ 600.
(16)
معاني القرآن: 1/ 451.
(17)
تفسير الطبري: 7/ 89.
قال أبو مالك: "لعلّ: أي: كي"(1).
الفوائد:
1 -
وجوب الاجتماع على شرع الله، لقوله:{جميعا} .
2 -
وجوب التحاكم إلى شرع الله، لأن الاعتصام به يقتضي أن يكون هو المحكّم.
3 -
أن الإجتماع عصمة.
4 -
تحريم التفرق بين القلوب.
5 -
وجوب تذكر نعمة الله، لأن الغفلة عن تذكر النعمة يسلتزم الغفلة عن الشكر، والشكر واجب.
6 -
إن من اكبر نعم الله على الأمة أن يؤلف بين قلوبها، وبالنتيجة يصبح الناس إخوانا، لأن الروابط الدينية أقوى من الروابط النسبية.
7 -
أن التفرقة علامة على الشقاء وسلب النعمة.
8 -
أن الله تعالى خالق لعمل العبد، لقوله:{فأنقذكم} ، لأن الله أنقذهم بعملهم فأضاق هذا الانقاذ إلى المبني على العمل إلى نفسه، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة أن الله خالق العبد وخالق عمل العبد، فالعبد مخلوق في ذاتع وإرادته وعمله، قال تعالى:{والله خلقكم وما تعملون} [الصافات: 96].
9 -
إثبات العقوبة بالنار.
القرآن
التفسير:
ولتكن منكم -أيها المؤمنون- جماعة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف، وهو ما عُرف حسنه شرعًا وعقلا وتنهى عن المنكر، وهو ما عُرف قبحه شرعًا وعقلا وأولئك هم الفائزون بجنات النعيم.
قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ} [آل عمران: 104]، أي:" لتكن منكم جماعة"(2).
قال الكلبي: "يعني: جماعة"(3).
وقال مقاتل: " يعني: عصبة"(4).
قال الزجاج: يعني: " ولتكونوا كلكم أمة"(5).
قال الضحاك: " قال " هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة وهم الرواة " (6).
قال مقاتل بن حيان: " ليكن منكم قوم، يعني: واحد أو اثنين أو ثلاث نفر فما فوق ذلك"(7). وفي رواية أخرى له: " قوله: {أمة}، يقول: إماما يقتدى به كما قال لإبراهيم كان أمة قانتا يقول: إماما مطيعا لربه يقتدى به"(8).
قال الأخفش: " و"أمة" في اللفظ واحد وفي المعنى جمع فلذلك قال {يدعون} "(9).
قال أبو عبيدة: " قال " الأمة هاهنا الجماعة، والأمة في أشياء سوى هاهنا: الإمام الذي يؤتم به " وقوله {وادكر بعد أمة} معناه: " بعد قرن" (10).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (3935): ص 3/ 726.
(2)
تفسير السعدي: 142.
(3)
تفسير السمرقندي: 1/ 236.
(4)
تفسير السمرقندي: 1/ 236.
(5)
معاني القرآن: 1/ 452.
(6)
أخرجه ابن المنذر (784): ص 1/ 325.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (3936): ص 3/ 726.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (3937): ص 3/ 727.
(9)
معاني القرآن: 1/ 228.
(10)
أخرجه ابن المنذر (783): ص 1/ 324.
قال الماتريدي: قوله: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ} ، " يحتمل أن يكون هذا خبرا في الحقيقة، وإن كان في الظاهر أمرا؛ فإن كان خبرا ففيه دلالة أن جماعة منهم إذا قاموا على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر - سقط ذلك عن الآخرين؛ لأنه ذكر فيه حرف التبعيض، وهو قوله:{منكم أمة. . .} الآية.
ويحتمل أن يكون على الأمر في الظاهر والحقيقة جميعا، ويكون قوله:{منكم} - صلة، فإن كان على هذا ففيه أن على كل أحد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وذلك واجب؛ كأنه قال: كونوا أمة {وينهون عن المنكر} الآية؛ لأنه ذكر - جل وعز - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آي كثيرة من كتابه، منها هذا: رولتكن منكم أمة. . .} الآية، ومنها قوله:{كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} ، وذم من تركهما بقوله:{كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} .
وروي عن عكرمة أن ابن عباس رضي الله عنهما قال له: " قد أعياني أن أعلم ما يفعل بمن أمسك عن الوعظ، فقلت: أنا أعلمك ذلك، اقرأ الآية الثانية: {أنجينا الذين ينهون عن السوء. . .}، فقال لي: أصبت"(1).
فاستدل ابن عباس رضي الله عنه بهذه الآية على أن الله أهلك من عمل السوء، ومن لم ينه عنه من يعمله، فجعل - والله أعلم - الممسكين عن نهي الظالمين مع الظالمين في العذاب" (2).
قوله تعالى: {يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} [آل عمران: 104]، أي:"يدعون الناس إلى الإسلام وشرائعه"(3).
قال مقاتل بن حيان: " إلى الإسلام"(4).
قال السمرقندي: " ويقال: إلى جميع الخيرات"(5).
قوله تعالى: {وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} [آل عمران: 104]، أي: ويأمرون "بكل معروف"(6).
قال المظهري: " اى ما عرف من الشرع حسنه واجبا كان او مندوبا"(7).
قال الكلبي: يعني باتباع محمد صلى الله عليه وسلم" (8).
قال مقاتل بن حيان: " يأمرون بطاعة ربهم"(9).
قال أبو العالية: " كل آية يذكرها الله في القرآن، فذكر الأمر بالمعروف، فالأمر بالمعروف أنهم دعوا إلى الله وحده وعبادته لا شريك له، دعاء من الشرك إلى الإسلام"(10).
قال الراغب: " المعروف: ما يستحسنه العقل ويرد به الشرع"(11).
قال الطبري: أي: " يأمرون الناس باتباع محمد صلى الله عليه وسلم ودينه الذي جاء به من عند الله"(12).
قوله تعالى: {وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 104] أي: وينهون "عن كل منكر"(13).
قال المظهري: " يعنى: ما أنكره الشرع من المحرمات والمكروهات"(14).
وقال ابن أبي زمنين: " يعني: الشرك بالله"(15).
قال السمرقندي: " يعني: الجبت والطاغوت. ويقال: المنكر، يعني العمل الذي بخلاف الكتاب والسنة. ويقال: ما لا يصلح في العقل"(16).
(1) تفسير الماتريدي: 2/ 448 - 339، وأحكام القرآن للجصاص: 2/ 41.
(2)
تفسير الماتريدي: 2/ 448 - 449.
(3)
تفسير الطبري: 7/ 90.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (3938): ص 3/ 727.
(5)
تفسير السرمقندي: 1/ 236.
(6)
محاسن التأويل: 2/ 374.
(7)
تفسير المظهري: 2 ق 1/ 114.
(8)
تفسير السرمقندي: 1/ 236.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (3940): ص 3/ 727.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (3939): ص 3/ 727.
(11)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 770.
(12)
تفسير الطبري: 7/ 91.
(13)
محاسن التأويل: 2/ 374.
(14)
تفسير المظهري: 2 ق 1/ 114.
(15)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 308.
(16)
تفسير السرمقندي: 1/ 236.
قال الطبري: ": يعني وينهون عن الكفر بالله والتكذيب بمحمد وبما جاء به من عند الله، بجهادهم بالأيدي والجوارح، حتى ينقادوا لكم بالطاعة"(1).
قال مقاتل بن حيان: " وينهون عن معصيته، يعني: معصية ربهم"(2).
قال أبو العالية: " كل آية ذكر الله في القرآن، فذكر النهي عن المنكر، النهي عن عبادة الأوثان والشيطان"(3).
وروي عن سفيان الثوري أنه قال: " إنما يجب النهي عن المنكر إذا فعل فعلاً يخرج عن الاختلاف، أي اختلاف العلماء"(4).
قال بعض أهل العلم: " إنما أمر بعض الناس بقوله، {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ} ، ولم يأمر جميع الناس، لأن كل واحد من الناس لا يحسن الأمر بالمعروف، وإنما يجب على من يعلم. ويقال: إن الأمراء، يجب عليهم الأمر والنهي باليد، والعلماء باللسان، والعوام بالقلب، وهنا كما قال عليه الصلاة والسلام:«إذا رَأَى أَحَدٌ مُنْكَراً، فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذلك أَضْعَفُ الإيمانِ» (5).
وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "بحسب امرئ إذا رأى منكراً، لا يستطيع النكير أن يعلم الله من قلبه أنه كاره. "(6).
وروي عن بعض الصحابة أنه قال: "أن الرجل إذا رأى منكراً، لا يستطيع النكير عليه، فليقل ثلاث مرات: اللهم إِنَّ هذا منكر، فإذا قال ذلك فقد فعل ما عليه"(7).
وقال الزمخشري: قوله {ولتكن منكم أمة} ، "من للتبعيض، لأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من فروض الكفايات، ولأنه لا يصلح له إلا من علم المعروف والمنكر، وعلم كيف يرتب الأمر في إقامته وكيف يباشر، فإن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر، وقد يغلظ في موضع اللين، ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تماديا، أو على من الإنكار عليه عبث، كالإنكار على أصحاب المآصر (8) والجلادين وأضرابهم. وقيل «من» للتبيين، بمعنى: وكونوا أمة تأمرون، كقوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون} "(9).
قال الراغب: " المنكر: ما يستقبحه العقل ويحظره الشرع، وعلى ذلك يقال للسخاء المعروف في نحو قول الشاعر (10):
ولم أر كالمعروف أما مذاقه
…
فحلو وأما وجهه فجميل" (11).
وقرأ ابن الزبير: «يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويستعينون بالله على ما أصابهم» ، (12). ورويت أيضا عن عثمان بن عفان وابن مسعود (13).
قال ابن الأنباري: "هذه الزيادة تفسير من ابن الزبير، وكلام من كلامه، غلط فيه بعض الناقلين، فألحقه بألفاظ القرآن، يدل على ذلك أن عثمان بن عفان قرأ: "ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله
(1) تفسير الطبري: 7/ 91.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (3942): ص 3/ 727.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (3941): ص 3/ 727.
(4)
تفسير السرمقندي: 1/ 236.
(5)
أخرجه مسلم 1/ 69، كتاب الإيمان، حديث رقم: 49، والبيهقي في "الكبرى" 10/ 90.
(6)
تفسير السرمقندي: 1/ 236.
(7)
تفسير السرمقندي: 1/ 236.
(8)
جمع مأصر، وهو المحبس أى السجن.
(9)
الكشاف: 1/ 396 - 397.
(10)
البيت من شواهد الراغب في تفسيره: 2/ 770، ولم أتعرف على قائله.
(11)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 770.
(12)
سنن سعيد بن منصور (521): ص 3/ 1084.
(13)
انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية: 2/ 1089، والمحرر الوجيز: 1/ 486.
على ما أصابهم"، فما يشك عاقل في أن عثمان لا يعتد هذه الزيادة من القرآن؛ إذْ لم يكتبها في مصحفه الذي هو إمام المسلمين"(1).
قال ابن عطية: "فهذا [الوجه من القراءة]، وإن كان لم يثبت في المصحف، ففيه إشارة إلى التعرض لما يصيب عقب الأمر والنهي"(2).
قوله تعالى: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، أي: أولئك "هم الفائزون"(3).
قال الزجاج: " أي: والذين ذكرناهم المفلحون، والمفلح الفائز بما يغتبط به"(4).
قال ابن عباس: " أي الذين أدركوا ما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا"(5).
قال الطبري: أي: " المنجحون عند الله الباقون في جناته ونعيمه"(6).
قال السعدي: أي: " الفائزون بالمطلوب، الناجون من المرهوب"(7).
الفوائد:
1 -
وجوب الدعوة إلى الخير، وأن ذلك على الكفاية.
2 -
الإخلاص في الدعوة، لقوله:{يدعون إلى الخير} ، لا لأنفسهم.
3 -
وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى وإن كان بالقلب كما ورد في الحديث، عن أبي سهيد الخدري:"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من رأى منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " (8).
4 -
الحث على العلم، لأنه يمكن الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا العالم بالخير والمعروف والمنكر.
5 -
فضيلة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لقوله:{وأولئك هم المفلحون} .
القرآن
{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)} [آل عمران: 105]
التفسير:
ولا تكونوا -أيها المؤمنون- كأهل الكتاب الذين وقعت بينهم العداوة والبغضاء فتفرَّقوا شيعًا وأحزابًا، واختلفوا في أصول دينهم من بعد أن اتضح لهم الحق، وأولئك مستحقون لعذابٍ عظيم موجع.
قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران: 105]، "أي: ولا تكونوا كاليهود والنصارى الذين تفرقوا في الدين واختلفوا فيه، من بعد ما جاءتهم الآيات الواضحات" (9).
قال الحسن: " هم اليهود والنصارى "(10).
قال الثعلبي: " قال أكثر المفسرين: هم اليهود والنصارى. وقال بعضهم: هم المبتدعة من هذه الأمة"(11).
قال الربيع: " هم أهل الكتاب، نهى الله أهل الإسلام أن يتفرقوا ويختلفوا، كما تفرق واختلف أهل الكتاب"(12).
قال مقاتل بن حيان: " يقول للمؤمنين: لا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا يعني اليهود "{من بعد ما جاءهم البينات} يقول: " تفرقوا واختلفوا من بعد موسى، فنهى الله المؤمنين أن يتفرقوا بعد نبيهم كفعل اليهود"(13).
قال ابن عباس: " ونحو هذا في القرآن أمر الله جل ثناؤه المؤمنين بالجماعة، فنهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله"(14).
قال مقاتل بن سليمان: " فوعظ الله المؤمنين لكي لا يتفرقوا، ولا يختلفوا كفعل أهل الكتاب"(15).
قال الزجاج: " أي لا تكونوا كأهل الكتاب، يعني به إليهود والنصارى وكتابهم جميعا التوراة، وهم مختلفون، كل فرقة منهم - وإن اتفقت في باب النصرانية أو اليهودية - مختلفة أيضا، كالنصارى الذين هم نسطورية ويعقوبية وملكانية، فأمر الله بالاجتماع على كتابه، وأعلم أن التفرق فيه يخرج أهله إلى مثل ما خرج إليه أهل الكتاب في كفرهم"(16).
قال ابن كثير: " ينهى هذه الأمة أن تكون كالأمم الماضية في تفرقهم واختلافهم، وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قيام الحجة عليهم"(17).
قال الماتريدي: " و {البينات}: هي الحجج التي أتى بها، ويحتمل: بيان ما في كتابهم من صفة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ونعته الشريف، ويحتمل: تفرقوا عما نهج لهم الله، وأوضح لهم الرسل؛ فأبدعوا لأنفسهم الأديان بالأهواء، فحذرنا ذلك، وعرفنا أن الخير كله في اتباع من جعله الله حجة له، ودليلا عليه، وداعيا إليه، ولا قوة إلا بالله"(18).
قال الراغب: " التفرق على ثلاثة أضرب: تفرق بالأبدان، وتفرق بالأقو ال والأفعال، وتفرق بالاعتقادات، وكذلك الاختلاف؛ إلا أن الأظهر في الاختلاف أن يكون بالأقوال والأفعال والاعتقادات، وفي التفرق أن يكون بالأبدان، وذكر تعالى اللفظين، ليبين أن أهل الكتاب تجادلوا بكل ذلك"(19).
قال الشافعي: " الاختلاف وجهان:
أحدهما: فما كان لله فيه نص حكم، أو لرسوله سنة، أو للمسلمين فيه إجماع، لم يسع أحداً علم من هذا واحداً أن يخالفه.
والثاني: وما لم يكن فيه من هذا واحد، كان لأهل العلم الاجتهاد فيه بطلب الشبهة بأحد هذه الوجوه الثلاثة، فإذا اجتهد من له أن يجتهد، وسِعهُ أن يقول بما وجد الدلالة عليه، بأن يكون في معنى كتاب، أو سنة، أو إجماع، فإن ورد أمر مشتبه يحتمل حكمين مختلفين، فاجتهد فخالف اجتهاده اجتهاد غيره، وَسِعَه أن يقول بشيء، وغيره بخلافه، وهذا قليل إذا نظر فيه" (20).
قوله تعالى: {وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105]، أي:" وأولئك لهم عذاب عظيم يوم القيامة"(21).
قال البيضاوي: " وعيد للذين تفرقوا وتهديد على التشبه بهم"(22).
الفوائد:
1 -
النهي عن التفرق، والمراد تفرق القلوب، لأن تفرق الآراء أمر لابد منه، فالناس يتفاوتون في العلم والحفظ والفهم والإيمان والعمل، وهي أسباب اختلاف الناس، عليه فإن الواجب اتفاق القلوب.
(1) اللباب في علوم الكتاب: 5/ 451.
(2)
المحرر الوجيز: 1/ 486.
(3)
صفوة التفاسير: 202.
(4)
معاني القرآن: 1/ 453.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (3943): ص 3/ 727.
(6)
تفسير الطبري: 7/ 91.
(7)
تفسير السعدي: 142.
(8)
صحيح مسلم (11150): ص 17/ 239.
(9)
صفوة التفاسير: 202.
(10)
أخرجه الطبري (7600): ص 7/ 93 ..
(11)
تفسير الثعلبي: 3/ 123.
(12)
أخرجه الطبري (7598): ص 7/ 92 - 93.
(13)
أخرجه ابن المنذر (785): ص 1/ 325.
(14)
أخرجه الطبري (7599): ص 7/ 93.
(15)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 293.
(16)
معاني القرآن: 1/ 453.
(17)
تفسير ابن كثير: 2/ 91.
(18)
تفسير الماتريدي: 2/ 451.
(19)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 778.
(20)
تفسير الإمام الشافعي: 1/ 489.
(21)
تفسير السمعاني: 1/ 374.
(22)
تفسير البيضاوي: 2/ 32.
2 -
إن ترك الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للتفرق، لأنه أعقب الآية السابقة بهذه الآية.
3 -
إن التفرق بعد تبيّن الحق، أشد قبحا من التفرق حين خفاء الحق.
4 -
الوعيد الشديد على الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءه البينات.
5 -
إن العقاب يختلف باختلاف الجرم، لأنه لمات ان جرم هؤلاء عظيما كان عذابهم عظيما.
القرآن
التفسير:
يوم القيامة تَبْيَضُّ وجوه أهل السعادة الذين آمنوا بالله ورسوله، وامتثلوا أمره، وتَسْوَدُّ وجوه أهل الشقاوة ممن كذبوا رسوله، وعصوا أمره. فأما الذين اسودَّت وجوههم، فيقال لهم توبيخًا: أكفرتم بعد إيمانكم، فاخترتم الكفر على الإيمان؟ فذوقوا العذاب بسبب كفركم.
قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106]، " أي: يوم القيامة تبيض وجوه المؤمنين بالإِيمان والطاعة، وتسود وجوه الكافرين بالكفر والمعاصي" (1).
قال السدي: "بالأعمال والأحداث"(2).
قال ابن عباس: " تبيض وجوه أهل السنة والجماعة"(3)، "تسود أهل البدع والضلالة"(4).
قال التستري: " يعني: تبيض وجوه المؤمنين بنور إيمانهم"(5).
قال الواحدي: " {يَوْمَ تَبْيَضُّ} أَيْ: وجوه المهاجرين والأنصار ومَنْ آمنَ بمحمدٍ عليه السلام، {وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} اليهود والنَّصارى ومَنْ كفر به "(6).
قال الماوردي: " يعني به يوم القيامة، لأن الناس فيه بين مُثَابٌ بالجنة ومُعاقَبٌ بالنار فوصِف وجه المُثَاب بالبياض لإسفاره بالسرور، ووصف وجه المُعَاقَب بالسواد لإنكسافه بالحزن "(7).
قال السمعاني: " {يوم تبيض وجوه} يعني: بالتوحيد {وتسود وجوه} بالشرك. وقيل: تبيض وجوه بالسنة، وتسود وجوه بالبدعة. وقيل: أراد به: في الدنيا تبيض وجوه بالقناعة، وتسود وجوه بالطمع. والأول أصح، ويشهد لذلك قوله تعالى: {وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة} الآية"(8).
قال الطبري: أي: " أولئك لهم عذاب عظيمٌ في يوم تبيضُّ وجوه قوم وتسودُّ وجوه آخرين"(9).
قال الراغب: " ابيضاض الوجه عبارة عن المسرة، واسودادها عن الغم، وعلى ذلك {ظل وجهه مسودا}، ثم قال: {من سوء ما بشر به}، وعلى ذلك قوله: {ووجوه يومئذ عليها غبرة}، وهذا الابيضاض والاسوداد أبلغ من المحسوسين، وقال بعض المتكلمين: يحمل ذلك على المحسوس، لكونه حقيقة فيه، وهذا خطأ، وذلك لأنه لم يعلم أن ذلك حقيقة فيهما جميعا، فليس الاسوداد والابيضاض أكثر من كيفية عارضة في الوجه، قل ذلك أم كثر، ومعلوم أن من ناله غم شديد يعرض لوجهه - لتبرمه وتكدره -اسوداد في وجهه، وليس قلة السواد والبياض مما يخرج اللفظ عن الحقيقة، ثم حمل الآية على هذا أولى، لأن ذلك حاصل لأهل القيامة باتفاق، سواء كانوا في الدنيا سودانا أو بيضانا، وعلى ذلك {وجوه يومئذ ناضرة} وقوله: {وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة} "(10).
(1) صفوة التفاسير: 202.
(2)
أخرجه ابن المنذر (786): ص 1/ 325.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (3950): ص 3/ 729.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (3951): ص 3/ 729.
(5)
تفسير التستري: 50.
(6)
الوجيز: 226.
(7)
النكت والعيون: 1/ 415.
(8)
تفسير السمعاني: 1/ 347.
(9)
تفسير الطبري: 7/ 96.
(10)
تفسير الراغب الأصفهامي: 2/ 781 - 783.
قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [آل عمران: 106]، أي:" وأما أهل النار الذين اسودت وجوههم فيقال لهم: أجحتّم بعد إيمانكم"(1).
قال التستري: " الكافرين بظلم كفرهم"(2).
قال الواحدي: " لأنَّهم شهدوا لمحمدٍ عليه السلام بالنُّبوَّة فلمَّا قدم عليهم كذَّبوه وكفروا به"(3).
وفي هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم أقاويل:
الأول: أنهم المنافقون، كفروا بعد إظهار الإيمان بالنفاق، وهو قول الحسن (4).
والثاني: أنهم الذين كفروا بالارتداد بعد إسلامهم، وهو قول مجاهد، والسدي (5)، وقتادة (6).
والثالث: هم الذين كفروا من أهل الكتاب بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بِنَعْتِهِ ووصفه، وهو قول الزجاج.
والرابع: أنهم اليهود. قاله الضحاك (7).
والخامس: هم جميع الكفار لإعراضهم عما يوجبه الإقرار بالتوحيد حين أَشْهَدَهُم الله تعالى على أنفسهم: {أَلسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} [الأعراف: 172]. وهو قول أبي بن كعب (8)، وابن جريج (9)، ورجّحه الطري (10).
والسادس: انهم الخوارج. قاله أبو أمامة (11).
قوله تعالى: {فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [آل عمران: 106]، " أي: فذوقوا العذاب الشديد بسبب كفركم" (12).
الفوائد:
1 -
وجوب التذكير بهذا اليوم العظيم الذي ينقسم فيه الناس إلى قسمين: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} ، فقسم مبيضة وجوههم: وهم اهل الإيمان والطاعة، وقسم مسودة وجوههم: وهم أهل الكفر والعصيان.
2 -
إثبات البعث والجزاء، وهو احد أركان الإيمان.
3 -
أنه يجمع لهؤلاء الكافرين بين العذاب البدني والنفسي، وذلك بتوبيخهم:{أكفرتم} ، وقوله:{فذوقوا العذاب} .
4 -
إثبات الأسباب، من قوله:{بما كنتم تعملون} ، لأن الباء سببية.
القرآن
{وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107)} [آل عمران: 107]
التفسير:
وأما الذين ابيضَّتْ وجوهم بنضرة النعيم، وما بُشِّروا به من الخير، فهم في جنة الله ونعيمها، وهم باقون فيها، لا يخرجون منها أبدًا.
قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ} [آل عمران: 107]، "أي: وأما السعداء الأبرار الذين ابيضت وجوههم " (13).
قال قتادة: " هؤلاء أهل طاعة الله، والوفاء بعهد الله"(14).
(1) انظر: صفوة التفاسير: 202.
(2)
تفسير التستري: 50.
(3)
الوجيز: 226.
(4)
انظر: تفسير الطبري (7605): ص 7/ 95.
(5)
انظر: تفسير الطبري (7602): ص 7/ 94.
(6)
انظر: تفسير الطبري (7601): ص 7/ 94.
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3954): ص 3/ 729.
(8)
انظر: تفسير الطبري (7604): ص 7/ 94.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3957): ص 3/ 730.
(10)
انظر: تفسير الطبري: 7/ 95.
(11)
انظر: تفسير الطبري (7603): ص 7/ 94.
(12)
صفوة التفاسير: 202.
(13)
صفوة التفاسير: 202.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (3960): ص 3/ 730.
قال أبي بن كعب: " الذين استقاموا على إيمانهم ذلك وأخصلوا له الدين فبيض وجوههم وأدخلهم في رضوانه وجنته"(1).
قال الطبري: أي: " ممن ثبتَ على عهد الله وميثاقه، فلم يبدِّل دينه، ولم ينقلب على عَقِبيه بعد الإقرار بالتوحيد، والشهادة لربه بالألوهة، وأنه لا إله غيره"(2).
قوله تعالى: {فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران: 107]، "أي فهم في الجنة مخلدون لا يخرجون منها أبداً"(3).
قال الطبري: أي: "فهم في رحمة الله، يعني: في جنته ونعيمها باقون فيها أبدًا بغير نهاية ولا غاية"(4).
قال ابن عباس: " {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، أي: خالدا أبدا يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له"(5).
قال سعيد بن جبير: " {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، يعني: لا يموتون"(6).
الفوائد:
1 -
أن الذين ابيضت وجوهه في الجنة.
2 -
أن الرحمة تطلق على غير صفة الله بل على مخلوقاته، والمراد بالرحمة هنا: الجنة.
3 -
أن أهل الجنة مخلدون فيها، والخلود فيها أبدي لأنه جاء بالصيغة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار.
القرآن
{تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108)} [آل عمران: 108]
التفسير:
هذه آيات الله وبراهينه الساطعة، نتلوها ونقصُّها عليك -أيها الرسول- بالصدق واليقين. وما الله بظالم أحدًا من خلقه، ولا بمنقص شيئًا من أعمالهم; لأنه الحاكم العدل الذي لا يجور.
قوله تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} [آل عمران: 108]، أي:" هذه مواعظ الله وعبره وحججه نقرؤها عليك-يا محمد-، بالصدق واليقين"(7).
قال الزمخشري: أي: " تلك آيات الله الواردة في الوعد والوعيد نتلوها عليك ملتبسة بالحق والعدل من جزاء المحسن والمسيء بما يستوجبانه"(8).
قال الواحدي: أي: "القرآن نبيّنها بالصدق"(9).
قال قتادة: " {آيات الله}: القرآن"(10).
قال محمد بن إسحاق: " {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ}: يقول: بالفضل"(11).
قال الطبري: " يعني بقوله: {تلك آيات الله: هذه الآيات التي ذكر فيها أمورَ المؤمنين من أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمور يهود بني إسرائيل وأهل الكتاب، وما هو فاعل بأهل الوفاء بعهده، وبالمبدِّلين دينه، والناقضين عهدَه بعد الإقرار به. ثم أخبر عز وجل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنه يتلو ذلك عليه بالحق، وأعلمه أن من عاقبَ من خلقه بما أخبر أنه معاقبه به: من تسويد وجهه، وتخليده في أليم عذابه وعظيم عقابه
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (3959): ص 3/ 730.
(2)
تفسير الطبري: 7/ 97.
(3)
صفوة التفاسير: 202.
(4)
تفسير الطبري: 7/ 97.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (3961): ص 3/ 731.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (3962): ص 3/ 731.
(7)
تفسير الطبري: 7/ 97.
(8)
الكشاف: 1/ 400.
(9)
الوجيز: 226.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (3964): ص 3/ 731.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (3965): ص 3/ 731.
ومن جازاه منهم بما جازاه: من تبييض وجهه وتكريمه وتشريف منزلته لديه، بتخليده في دائم نعيمه، فبغير ظلم منه لفريق منهم، بل بحق استوجبوه، وأعمال لهم سلفت، جازاهم عليها" (1).
قوله تعالى: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 108]، " أي: وما كان الله ليظلم أحداً من العالمين" (2).
قال الزجاج: " أي: من أعلم الله أنه يعذبه فباستحقاق يعذبه"(3).
قال السمرقندي: " يعني لا يعذبهم بغير ذنب"(4).
قال الماتريدي: " أي: لا يريد أن يظلمهم، وإن شئت قلت: قلت الإرادة صفة لكل فاعل في الحقيقة؛ فكأنه قال: لا يظلمهم، وكيف يظلم؟ ! وإنما يظلم بنفع تسره إليه النفس، أو ضرر يدفع به، فالغني بذاته متعال عن ذلك"(5).
قال ابن كثير: " أي: ليس بظالم لهم بل هو الحَكَم العدل الذي لا يجور؛ لأنه القادر على كل شيء، العالم بكل شيء، فلا يحتاج مع ذلك إلى أن يظلم أحدا من خلقه"(6).
قال الزمخشري: " ونكر ظلما وقال للعالمين على معنى ما يريد شيئا من الظلم لأحد من خلقه"(7).
قال أبو السعود: " تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه فإن تنكيرَ الظلم وتوجيهَ النفي إلى إرادته بصيغة المضارعِ دون نفسِه وتعليقَ الحكمِ بآحاد الجمع المعرف والالتفاتُ إلى الإسم الجليل إشعارا بعلة الحكم بيان لكمال نزاهتة عز وجل عن الظلم بما لا مزيدَ عليهِ أي ما يريد فرداً من أفراد الظلم لفرد من أفراد العالمين في وقتٍ من الأوقاتِ فضلاً عن أن يظلِمَهم فإن المضارعَ كما يفيد الاستمرارَ في الإثبات يفيده في النَّفي بحسبِ المقامِ كما أن الجملةَ الاسمية تدل بمعونة المقام على دوام الثبوتِ وعند دخولِ حرفِ النفي تدل على دوام الانتفاءِ لا على انتفاء الدوامِ وفي سبك الجملةِ نوعُ إيماءٍ إلى التعريض بأن الكفرَةَ هم الظالمون ظلُموا أنفسَهم بتعريضِها للعذابِ الخالد كما في قوله تعالى {إِنَّ الله لا يَظْلِمُ الناس شَيْئًا ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} "(8).
الفوائد:
1 -
إن القرآن كلام الله تعالى، لأنه تعالى أضافه إلى نفسه، فقال:{آيات الله} .
2 -
أن من كان وكيلا عن الغير، فله حكم ذلك الذي وكله، لأن الله أضاف التلاوة إليه مع ان التالي رسوله.
3 -
أن كتاب الله تعالى كله حق ليس فيه باطل، فجميع أحكامه حق، وجميع اخباره حق، وليس فيه تناقض ولا اختلاف.
4 -
إثبات رسالة النبي-صلى الله عليه وسلم إ 1 قال: {نتلوها عليك} ، فيكون المتلو عليه هذه الآيات قطعا رسولا لله رب العالمين.
5 -
إثبات إرادة الله، لقوله:{وما الله يريد ظلما للعالمين} ، وهو نفي لإرادة الظلم، إذن فغير الظلم يريده.
6 -
أنه إذا انتفت إرادة الظلم انتفى الظلم.
القرآن
{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109)} [آل عمران: 109]
التفسير:
ولله ما في السموات وما في الأرض، ملكٌ له وحده خلقًا وتدبيرًا، ومصير جميع الخلائق إليه وحده، فيجازي كلا على قدر استحقاقه.
في سبب نزول الآية:
(1) تفسير الطبري: 7/ 97.
(2)
انظر: صفوة التفاسير: 202. [بتصرف].
(3)
معاني القرآن: 1/ 455.
(4)
تفسير السمرقندي: 1/ 237.
(5)
تفسير الماتريدي: 2/ 454.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 93 - 94.
(7)
الكشاف: 1/ 400.
(8)
تفسير أبي السعود: 2/ 70.
قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [آل عمران: 109]، أي: ولله تعالى وحده "ملك السموات والأرض خلقاً وتصرفاً وتدبيراً"(1).
قال أبو السعود: " أي: له تعالى وحده من غير شركة أصلا ما فيهما من المخلوقات الفائنة للحصر ملكا وخلقا إحياء وإماتة وإثابة وتعذيبا وإيراد كلمة ما إما لتغليب غير العقلاء على العقلاء وإما لتنزيلهم منزلة غيرهم إظهارا لحقارتهم في مقام بيان عظمته تعالى"(2).
قال القاسمي: " أي له تعالى وحده، من غير شركة، ما فيهما من المخلوقات ملكا وخلقا إحياء وإماتة وإثابة وتعذيبا"(3).
قال ابن عباس: " ثم قال يا محمد لله الخلق كله السموات كلهن ومن فيهن، والأرضون كلهن، ومن فيهن وما بينهن مما يعلم ومما لا يعلم"(4).
قوله تعالى: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [آل عمران: 109]، أي:"إلى الله مصير أمر جميع خلقه فيجازي كلا على قدر استحقاقهم منه"(5).
قال السمرقندي: " يقول: تصير أمور العباد إلى الله في الآخرة"(6).
قال أبو السعود: " أي إلى حكمه وقضائه لا إلى غيره شركة أو استقلالا ترجع أمور الخلق، فيجازي كلا منهم بما وعد له وأوعده من غير دخل في ذلك لأحد قط فالجملة مقررة لمضمون ما ورد في جزاء الفريقين وقيل هي معطوفة على ما قبلها مقررة لمضمونه فإن كون العالمين عبيده تعالى ومخلوقه ومرزوقه يستدعي إرادة الخير بهم"(7).
الفوائد:
1 -
عموم ملك الله تعالى، لقوله:{ولله ملك السماوات والأرض} ، و {ما} ، موصولة تفيد العموم.
2 -
انفراد ملك الله تعالى بلك، أي أن الله وحده هو المالك لها، وهذا يؤخذ من تقديم الخبر الذي أفاد الحصر.
3 -
إثبات السماوات والأرض، وبيان عظمة الله تعالى بخلق هذه المخلوقات العزيمة.
4 -
أن مرجع الأمور إلى الله وحده.
5 -
بيان سعة الله تعالى إذ كانت جميع الامور ترجع إليه الدقيقة والجليلة.
القرآن
التفسير:
أنتم - يا أمة محمد - خير الأمم وأنفع الناس للناس، تأمرون بالمعروف، وهو ما عُرف حسنه شرعًا وعقلا وتنهون عن المنكر، وهو ما عُرف قبحه شرعًا وعقلا وتصدقون بالله تصديقًا جازمًا يؤيده العمل. ولو آمن أهل الكتاب من اليهود والنصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عند الله كما آمنتم، لكان خيرا لهم في الدنيا والآخرة، منهم المؤمنون المصدقون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم العاملون بها، وهم قليل، وأكثرهم الخارجون عن دين الله وطاعته.
في سبب نزول الآية:
(1) أيسر التفاسير: 1/ 191.
(2)
تفسير أبي السعود: 2/ 70.
(3)
محاسن التأويل: 2/ 384.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (3966): ص 3/ 731.
(5)
تفسير الطبري: 7/ 100.
(6)
تفسير السمرقندي: 1/ 138.
(7)
تفسير أبي السعود: 2/ 70.
نقل الثعلبي عن عكرمة ومقاتل: "نزلت في ابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ وسالم مولى أبي حذيفة، وذلك أن ابن الصيف ووهب بن يهود اليهوديين قالا لهم: إن ديننا خير مما تدعوننا إليه ونحن خير وأفضل منكم. فأنزل الله تعالى هذه الآية"(1). ونقله الطبري عن عكرمة (2).
قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]، أي:"أنتم يا أمة محمد خير الأمم أخرجت لأجل الناس"(3).
قال مجاهد: " أنتم خير الناس للناس"(4).
قال مقاتل بن سليمان: "يعني خير الناس للناس في زمانكم كما فضل بني اسرائيل في زمانهم"(5).
قال الشافعي: " ففضيلتهم بكينونتهم من أمته دون أمم الأنبياء قبله"(6).
وفيمن أريد بهذه الآية، أقوال:
أحدها: أنهم أهل بدر (7).
والثاني: أنهم المهاجرون. قاله ابن عباس (8)، وسعيد بن جبير (9)، وقتادة (10)، والسدي (11)، عكرمة (12)، والضحاك (13).
والثالث: أنهم الصحابة. قاله الضحاك (14)، وهو معنى قول عمر بن الخطاب (15).
والرابع: أنهم خير أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. قاله أبو جعفر (16).
والخامس: أنهم جمع المؤمنين من هذه الأمة (17).
قال أبو السعود: " وظاهر أن المراد بكل أمة أوائلهم وأواخرهم لاأوائلهم فقط فلا بد أن تكون أعقاب هذه الأمة أيضا داخلة في الحكم"(18).
قال ابن كثير: " والصحيح أن هذه الآية عامةٌ في جميع الأمة، كل قَرْن بحسبه، وخير قرونهم الذين بُعثَ فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الذين يَلونهم، ثم الذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} أي: خيارا {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} الآية، وفي مسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي، وسنن ابن ماجة، ومستدرك الحاكم، من رواية حكيم بن مُعَاوية بن حَيْدَة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أنْتُمْ خَيْرُهَا، وأنْتُمْ أكْرَمُ عَلَى اللهِ عز وجل» (19) "(20).
وفي قوله تعالى: {كُنْتُمْ} [آل عمران: 110]، ، قولان:
(1) تفسير الثعلبي: 3/ 126.
(2)
انظر: تفسير الطبري (7609): ص 7/ 101.
(3)
صفوة التفاسير: 202. [بتصرف].
(4)
تفسير مجاهد: 257.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 295.
(6)
تفسير الإمام الشافعي: 1/ 491.
(7)
انظر: زاد المسير: 1/ 314.
(8)
انظر: تفسير الطبري (7607): ص 7/ 101.
(9)
انظر: تفسير الطبري (7606): ص 7/ 101.
(10)
انظر: تفسير الطبري (7612): ص 7/ 102.
(11)
انظر: تفسير الطبري (7608): ص 7/ 101.
(12)
انظر: تفسير الطبري (7609): ص 7/ 101.
(13)
انظر: تفسير الطبري (7613): ص 7/ 102.
(14)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 126.
(15)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3969)، و (3970): ص 3/ 732.
(16)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3974): ص 3/ 733.
(17)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 126، وزاد المسير: 1/ 314.
(18)
تفسير أبي السعود: 2/ 71.
(19)
المسند (4/ 447) وسنن الترمذي برقم (3001) وسنن ابن ماجة برقم (4287) والمستدرك (4/ 84).
(20)
تفسير ابن كثير: 2/ 94.
أحدهما: أنها على أصلها، والمراد بها الماضي، ثم فيه ثلاثة أقوال:
الأول: أن معناه: كنتم في اللوح المحفوظ.
والثاني: أن معناه: خلقتم وجدتم. ذكرهما الطبري (1) وغيره (2).
والثالث: أن المعنى: كنتم مذ كنتم، ذكره ابن الأنباري (3).
والثاني: أن معنى كنتم: أنتم، كقوله تعالى:{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 96]. وهذا قول الكلبي (4)، وذكره الفراء (5)، والزجاج (6)، والثعلبي (7).
قال ابن قتيبة: وقد "يأتي الفعل على بنية الماضي وهو دائم، أو مستقبل: كقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]، أي أنتم خير أمّة، وقوله: {وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [المائدة: 116]، أي: وإذ يقول الله يوم القيامة، يدلك على ذلك قوله سبحانه: {هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} [المائدة: 119]، وقوله: {أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: 1]، يريد يوم القيامة. أي سيأتي قريبا فلا تستعجلوه، وقوله: {قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} [مريم: 29]، أي من هو صبيّ في المهد، وكذلك قوله: {وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً} [النساء: 134]، وكذلك قوله: {وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} [الأحزاب: 27]، إنما هو: الله سميع بصير، والله على كل شيء قدير، وقوله: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ} [فاطر: 9]، أي فنسوقه"(8).
وفي قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]، قولان:
أحدهما: أن معناه: كنتم خير الناس للناس. قاله أبو هريرة (9)، وابن عباس (10)، وعكرمة (11)، ومجاهد (12)، والربيع بن أنس (13)، وعطاء (14)، وعطية (15).
والثاني: أن معناه: كنتم خير الأمم التي أخرجت (16).
قوله تعالى: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} [آل عمران: 110]، أي:" تأمرون بالإيمان بالله ورسوله، والعمل بشرائعه "(17).
قال ابن عباس: " تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، والا قرار بما أنزل الله ويقاتلونهم عليه، ولا إله إلا لله أعظم المعروف"(18).
وروي عن أبي العالية قال: "التوحيد"(19).
قوله تعالى: {وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110]، أي:" وتنهون عن الشرك بالله وتكذيب رسوله، وعن العمل بما نهى عنه"(20).
(1) انظر: تفسير الطبري: 7/ 106.
(2)
انظر: زاد المسير: 1/ 314.
(3)
انظر: زاد المسير: 1/ 314.
(4)
أخرجه ابن المنذر (796): ص 1/ 330.
(5)
انظر: زاد المسير: 1/ 314.
(6)
انظر: زاد المسير: 1/ 314.
(7)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 126.
(8)
تأويل مشكل القرآن: 180، وانظر: زاد المسير: 1/ 314 - 315.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3971): ص 3/ 732.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3972): ص 3/ 733.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3972): ص 3/ 732.
(12)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3972): ص 3/ 733.
(13)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3972): ص 3/ 733.
(14)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3972): ص 3/ 733.
(15)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3972): ص 3/ 733.
(16)
انظر: زاد المسير: 1/ 314.
(17)
تفسير الطبري: 7/ 105.
(18)
أخرجه ابن أبي حاتم (3977): ص 3/ 733.
(19)
أخرجه ابن أبي حاتم (3977): ص 3/ 733.
(20)
تفسير الطبري: 7/ 105.
قال ابن عباس: " هو التكذيب وهو أنكر المنكر"(1).
وفي قوله تعالى: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110]، قولان:
أحدهما: أنه شرط في الخيرية، وهذا المعنى مروي عن عمر بن الخطاب، ومجاهد، والزجاج. والثاني: أنه ثناء من الله عليهم، قاله الربيع بن أنس (2).
قوله تعالى: {وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]، أي:"وتصدّقون بالله، فتخلصون له التوحيد والعبادة"(3).
قال سعيد بن جبير: " يعني: تصدقون توحيد الله"(4).
قال المراغي: " وهذا الوصف يصدق على الذين خوطبوا به أوّلا، وهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين كانوا معه وقت التنزيل، فهم الذين كانوا أعداء، فألف بين قلوبهم، واعتصموا بحبل الله جميعا، وكانوا يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ولا يخاف ضعيفهم قويّهم، ولا يهاب صغيرهم كبيرهم، وملك الإيمان قلوبهم ومشاعرهم، فكانوا مسخرين لأغراضه فى جميع أحوالهم، وهذا الإيمان هو الذي قال الله فى أهله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} وقال فيهم أيضا {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}، وما فتئت هذه الأمة خير الأمم حتى تركت الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وما تركتهما إلا باستبداد الملوك والأمراء من بنى أمية ومن حذا حذوهم، وأول من اجترأ منهم على إعلان هذه المعصية عبد الملك بن مروان حين قال على المنبر: من قال لى اتق الله ضربت عنقه وما زال الشر يزداد، والأمر يتفاقم حتى سلبت هذه الأمة أفضل مالها من مزية فى دينها ودنياها بعد الإيمان، وهى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر"(5).
قوله تعالى: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} [آل عمران: 110]، "أي: ولو آمن أهل الكتاب بما أنزل على محمد وصدّقوا بما جاء به، لكان ذلك خيراً لهم في الدنيا والآخرة" (6).
قال النيسابوري: " يعني علماء السوء"(7).
قوله تعالى: {مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 110]، " أي: منهم فئة قليلة مؤمنة" (8).
قال ابن الجوزي: " {منهم المؤمنون}: من أسلم، كعبد الله بن سلام وأصحابه"(9).
قال قتادة: " استثنى الله منهم ثلاثة كانوا على الهدى والحق"(10).
قوله تعالى: {وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110]، أي: والكثرة الكثيرة منهم خارجة عن طاعة الله" (11).
قال ابن الجوزي: " يعني: الكافرين، وهم الذين لم يسلموا"(12).
قال قتادة: " ذم الله أكثر الناس"(13).
قال سعيد بن جبير: " الفاسقون يعني هم العاصون"(14).
قال مقاتل بن سليمان: " يعني العاصين يعني اليهود"(15).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (3978): ص 3/ 734.
(2)
انظر: زاد المسير: 1/ 314.
(3)
تفسير الطبري: 7/ 105.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (3979): ص 3/ 734.
(5)
تفسير المراغي: 4/ 29.
(6)
صفوة التفاسير: 202.
(7)
تفسير النيسابوري: 2/ 236.
(8)
صفوة التفاسير: 202.
(9)
زاد المسير: 1/ 315.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (3981): ص 3/ 734.
(11)
صفوة التفاسير: 202.
(12)
زاد المسير: 1/ 315.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (3982): ص 3/ 734.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (3983): ص 3/ 734.
(15)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 295.
قال الزجاج: " والفاسق الذي خرج عن أمر الله"(1).
الفوائد:
1 -
أن هذه الأمة خير الأمم، لقوله {كنتم خير أمة أخرجت للناس} ، فـ"الناس" عامة تشمل جميع الأمم.
2 -
أن هذه الأمة فضلت غيرها بالخيرية لوصف ليس في غيرها، وهي أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
3 -
أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن ترتب الخيرية عليه.
4 -
التنديد بأهل الكتاب إذ كفروا بالرسول-صلى الله عليه وسلم مع أنهم يدّعون أنهم يريدون الخير.
5 -
أن من أهل الكتاب من هو مؤمن ومنهم من هو فاسق، وهم الاكثرون"أل" في قوله {الممنون} للعهد الذهني، يعني الإيمان المعروف عندكم، وهو الإيمان بمحمد-صلى الله عليه وسلم.
القرآن
{لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111)} [آل عمران: 111]
التفسير:
لن يضركم هؤلاء الفاسقون من أهل الكتاب إلا ما يؤذي أسماعكم من ألفاظ الشرك والكفر وغير ذلك، وإن يقاتلوكم يُهْزَموا، ويهربوا مولِّين الأدبار، ثم لا ينصرون عليكم بأي حال.
في سبب نزول الآية:
قال مقاتل بن سليمان: " وذلك أن رؤساء اليهود كعب بن مالك، وشعبة، وبحري، ونعمان، وأبا ياسر، وأبا نافع، وكنانة بن أبي الحقيق، وابن صوريا. عمدوا إلى مؤمنيهم فآذوهم لإسلامهم وهم عبد الله بن سلام وأصحابه. فأنزل الله- عز وجل {لن يضروكم} "(2).
قوله تعالى: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} [آل عمران: 111]، أي:" لن يضركم أيها المؤمنون هؤلاء اليهود إلا أذى باللسان"(3).
قال الثعلبي: " يعني وعيدا وطعنا. وقيل: دعاء إلى الضلالة. وقيل: كلمة الكفر إن يسمعوها منهم يتأذوا بها"(4).
قال السمرقندي: " يعني باللسان بالسب وغيره، وليس لهم قوة القتال"(5).
قال قتادة: " لن يضروكم إلا أذى تسمعونه منهم"(6).
قال ابن جريج: " إشراكهم في عُزير وعيسى والصَّليب"(7).
قال الحسن: " تسمعون منهم كذبًا على الله، يدعونكم إلى الضلالة"(8).
قال الزجاج: " أي يؤذونكم بالبهت والتحريف، فأما العاقبة فتكون للمؤمنين"(9).
قال الطبري: أي: ": لن يضركم، يا أهل الإيمان بالله ورسوله، هؤلاء الفاسقون من أهل الكتاب بكفرهم وتكذيبهم نبيَّكم محمدًا صلى الله عليه وسلم شيئا، ولكنهم يؤذونكم بشركهم، وإسماعكم كفرهم، وقولهم في عيسى وأمه وعزير، ودعائهم إياكم إلى الضلالة، ولن يضروكم بذلك"(10).
(1) معاني القرآن: 1/ 456.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 295.
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 129.
(4)
تفسير الثعلبي: 3/ 129.
(5)
تفسير السمرقندي: 1/ 138.
(6)
أخرجه الطبري (7626): ص 7/ 108.
(7)
أخرجه الطبري (7627): ص 7/ 108 - 109.
(8)
أخرجه الطبري 7629): ص 7/ 109.
(9)
معاني القرآن: 1/ 457.
(10)
تفسير الطبري: 7/ 108.
قال الماتريدي: " فيه بشارة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، بالأمن لهم عن أذى المشركين وضررهم، إلا أذى باللسان"(1).
قوله تعالى: {وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ} [آل عمران: 111]، أي:" وإن يقاتلكم أهلُ الكتاب من اليهود والنصارى يهزَموا عنكم، فيولوكم أدبارهم"(2).
قال الزجاج: " يعني به أهل الكتاب؛ وأعلمهم في هذه الآية أنهم إن قاتلوهم ولوهم الأدبار وسلبوا النصر وكذلك كان أمر إليهود"(3).
قال السمرقندي: " يعني إن أعانوكم في القتال، فلا منفعة لكم منهم لأنهم {يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ} وينهزمون، ويقال: إن خرجوا إلى قتالكم، وأرادوا قتالكم يولون الأدبار، أي ينهزمون منكم"(4).
قوله تعالى: {ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} [آل عمران: 111]، أي:" ثم لا ينصرهم الله"(5).
قال البيضاوي: أي: " ثم لا يكون أحد ينصرهم عليكم أو يدفع بأسكم عنهم، نفي إضرارهم سوى ما يكون بقول وقرر ذلك بأنهم لو قاموا إلى القتال كانت الدبرة عليهم، ثم أخبر بأنه تكون عاقبتهم العجز والخذلان"(6).
قال السمرقنديأي: : " لا يُمْنَعون من الهزيمة، فكأنه يحكي ضعفهم عن القتال، يقول: لو كانوا عليكم لا يضرونكم، ولو كانوا معكم لا ينفعونكم، وهذا حالهم إلى يوم القيامة وَهُمْ اليهود ليس لهم شوكة، ولا قوة القتال في موضع من المواضع"(7).
وقرئ: {لا ينصروا} ، عطفا على يولوا على أن ثم للتراخي في الرتبة، فيكون عدم النصر مقيدا بقتالهم (8).
قال ابن الجوزي: " قال جمهور المفسرين: معنى الكلام: لن يضروكم ضرا باقيا في جسد أو مال، إنما هو شيء يسير سريع الزوال، وتثابون عليه. وهذا لا ينافي الأمر بقتالهم فالآية محكمة على هذا، ويؤكده أنها خبر، والأخبار لا تنسخ.
وقال السدي: الإشارة إلى أهل الكتاب وذلك قبل أن يؤمر بقتالهم فنسخت بقوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} (9)، والأول أصح" (10).
الفوائد:
1 -
أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى لن يضروا المسلمين، وهذا الضمان الإلهي لما كان المؤمنون على الإيمان حقا.
2 -
أن هؤلاء لاينصرهم الله على المؤمنين، وهو أيضا مشروط بأن نتمسك بديننا عقيدة وقولا وعملا.
القرآن
التفسير:
(1) تفسير الماتريدي: 2/ 456.
(2)
تفسير الطبري: 7/ 109.
(3)
معاني القرآن: 1/ 457.
(4)
تفسير السمرقندي: 1/ 238.
(5)
تفسير الطبري: 7/ 109.
(6)
تفسير البيضاوي: 2/ 33.
(7)
تفسير السمرقندي: 1/ 238.
(8)
انظر: تفسير البيضاوي: 2/ 33.
(9)
الآية (26) من سورة التوبة.
(10)
نواسخ القرآن: 333.وقد ذكر دعوى النسخ في هذه الآية هبة الله بن سلامة في ناسخه ص: 29، ولم يتعرض له غيره من أصحاب أمهات كتب النسخ كما لم يذكر النسخ أحد من الطبري وابن الجوزي، وابن كثير في تفاسيرهم.
جعل الله الهوان والصغار أمرًا لازمًا لا يفارق اليهود، فهم أذلاء محتقرون أينما وُجِدوا، إلا بعهد من الله وعهد من الناس يأمنون به على أنفسهم وأموالهم، وذلك هو عقد الذمة لهم وإلزامهم أحكام الإسلام، ورجعوا بغضب من الله مستحقين له، وضُربت عليهم الذلَّة والمسكنة، فلا ترى اليهوديَّ إلا وعليه الخوف والرعب من أهل الإيمان; ذلك الذي جعله الله عليهم بسبب كفرهم بالله، وتجاوزهم حدوده، وقَتْلهم الأنبياء ظلمًا واعتداء، وما جرَّأهم على هذا إلا ارتكابهم للمعاصي، وتجاوزهم حدود الله.
قوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا} [آل عمران: 112]، "أي: ألزمهم الله الذلة والصَّغَار أينما كانوا، فلا يأمنون" (1).
قال الطبري: أي: " ألزِم اليهود المكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم الذلة أينما كانوا من الأرض، وبأي مكان كانوا من بقاعها، من بلاد المسلمين والمشركين"(2).
قال الحسن: " أذلهم الله فلا مَنْعة لهم، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين"(3).
وعن الحسن أيضا: " أدركتهم هذه الأمة وإن المجوس لتجبيهم الجزية"(4).
قال ابن عباس: " هم أصحاب القبالات كفروا بالله العظيم"(5).
قوله تعالى: {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} [آل عمران: 112]، " أي: إِلا إذا اعتصموا بذمة الله وذمة المسلمين" (6).
قال ابن كثير: " أي: إلا بذمة من الله، وهو عَقْد الذمة لهم وضَرْب الجزية عليهم، وإلزامهم أحكام الملة، و {وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ}: أي: أمان منهم ولهم، كما في المُهَادَن والمعاهَد والأسير إذا أمَّنَه واحد من المسلمين ولو امرأة، وكذَا عَبْد، على أحد قولي العلماء"(7).
قال قتادة: " إلا بعهد من الله وعهد من الناس"(8). وروي عن ابن عباس (9)، ومجاهد (10)، والسدي (11)، والضحاك (12)، وعكرمة (13)، وابن زيد (14)، مثل ذلك.
قال الطبري: " وأما {الحبل} الذي ذكره الله في هذا الموضع، فإنه السبب الذي يأمنون به على أنفسهم من المؤمنين وعلى أموالهم وذراريهم، من عهد وأمان تقدم لهم عقده قبل أن يُثْقَفوا في بلاد الإسلام"(15).
قال الزجاج: " والحبل العهد، فأعلم الله أنهم بعد عز كانوا فيه يبلغون في الذلة ما لا
يبلغه أهل مكة، وكانوا ذوي منعة ويسار، فأعلم الله أنهم يذلون أبدا إلا أن يعزوا بالذمة التي يعطونها في الإسلام. وما بعد الاستثناء، ليس من الأول أنهم أذلاء إلا أنهم يعتصمون بالعهد إذا أعطوه" (16).
أخرج الطبري عن ابن زيد: " في قوله: {أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس} ، قال: إلا بعهد، وهم يهود. قال: والحبل العهد. قال: وذلك قول أبي الهيثم بن التَّيَّهان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتته الأنصار في العقبة: أيها الرجل، إنا قاطعون فيك حبالا بيننا وبين الناس، يقول: عهودًا، قال: واليهود لا يأمنون
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 104.
(2)
تفسير الطبري: 7/ 110.
(3)
أخرجه الطبري (7631): ص 7/ 111.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (3987): ص 3/ 735.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (3986): ص 3/ 735.
(6)
صفوة التفاسير: 202.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 104.
(8)
أخرجه الطبري (7633): ص 7/ 111.
(9)
انظر: تفسير الطبري (7636): ص 7/ 112.
(10)
انظر: تفسير الطبري (76382): ص 7/ 111.
(11)
انظر: تفسير الطبري (7636): ص 7/ 112.
(12)
انظر: تفسير الطبري (7641): ص 7/ 113.
(13)
انظر: تفسير الطبري (76325): ص 7/ 111.
(14)
انظر: تفسير الطبري (7640): ص 7/ 112.
(15)
تفسير الطبري: 7/ 111.
(16)
معاني القرآن: 1/ 457.
في أرضٍ من أرض الله إلا بهذا الحبل الذي قال الله عز وجل. وقرأ: {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [سورة آل عمران: 55]، قال: فليس بلد فيه أحد من النصارى إلا وهم فوق يهود في شرق ولا غرب، هم في البلدان كلها مستذَلُّون، قال الله:{وَقَطَّعْنَاهُم فِي الأرْضِ أُمَمًا} [سورة الأعراف: 168]، يهود" (1).
قوله تعالى: {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} [آل عمران: 112]، " أي: رجعوا مستوجبين للغضب الشديد من الله" (2).
قال الربيع بن أنس: " فحدث عليهم من الله غضب"(3).
قال الطبري: أي: " وتحمَّلوا غضب الله فانصرفوا به مستحقِّيه"(4).
قال السمرقندي: " استوجبوا الغضب من الله تعالى. ويقال: رجعوا بغضب من الله"(5).
قال ابن كثير: " أي: أُلزموا فالتزَمُوا بغضب من الله، وهم يستحقونه"(6).
قال الثعلبي: " ذمه لهم وتوعده إياهم في الدنيا، وإنزال العقوبة عليهم في العقبى، وكذلك بغضه وسخطه"(7).
وفي تفسير: {بَاءُوا} [آل عمران: 112]، ثلاثة أقوال:
أحدها: أن معناه: "استوجبوا". قاله سعيد بن جبير (8). وروي عن الضحاك نحو ذلك (9).
والثاني: أي: رجعوا". وهذا قول الكسائي (10).
والثالث: أن المعنى: أنهم احتملوا وأقروا به، ومنه الدعاء المأثور:"أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". وهذا قول أبي عبيدة (11).
قوله تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ} [آل عمران: 112]، " أي: لزمتهم الفاقة والخشوع فهي محيطة بهم من جميع جوانبهم" (12).
قال ابن كثير: "أي: أُلزِموا المسكنة قَدرًا وشَرْعًا"(13).
قال الطبري: " ومعنى {المسكنة}: ذل الفاقة والفقر وخُشوعهما"(14).
قال الثعلبي: أي: " جعلت عليهم وألزموا الذلة الذل والهوان، و {المسكنة}: يعني ذي فقر، ومنه سمي الفقير مسكينا لسكونه وقلة حركاته. يقال: ما في بني فلان أسكن من فلان، أي أفقر"(15).
وفي تفسير: {الْمَسْكَنَةُ} [آل عمران: 112]، قولان:
أحدهما: أنها الفاقة. قاله أبو العالية (16)، وروي عن السدي والربيع بن أنس نحو ذلك (17).
والثاني: انها الخراج (الجزية). وهذا قول عطية (18)، والضحاك (19). ويدل عليه قوله:{حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29].
(1) أخرجه الطبري (7640): ص 7/ 112 - 113.
(2)
صفوة التفاسير: 202.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (3993): ص 3/ 736
(4)
تفسير الطبري: 7/ 116.
(5)
تفسير السمرقندي: 1/ 239.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 104.
(7)
تفسير الثعلبي: 1/ 206.
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3992): ص 3/ 736
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3992): ص 3/ 736.
(10)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 206.
(11)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 206.
(12)
صفوة التفاسير: 202.
(13)
تفسير ابن كثير: 2/ 104.
(14)
تفسير الطبري: 7/ 116.
(15)
تفسير الثعلبي: 1/ 206.
(16)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3995): ص 3/ 736.
(17)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3995): ص 3/ 736.
(18)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3996): ص 3/ 736.
(19)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3996): ص 3/ 736.
قال الكلبي: " قال الكلبي: فترى الرجل منهم غنياً، وعليه من البؤس والفقر والمسكنة"(1).
قال السمرقندي: "ويقال: إنهم يظهرون من أنفسهم الفقر، لكيلا تضاعف عليهم الجزية"(2).
قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} [آل عمران: 112]، " أي: ذلك الذل والصغار، بسبب جحودهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء ظلماً وطغياناً" (3).
قال ابن كثير: " أي: وإنما حملهم على ذلك الكبْر والبَغْي وَالْحسَد، فأعْقَبَهم ذلك الذِّلة والصَّغَار والمسكنة أبدا، متصلا بذلة الآخرة"(4).
قال الطبري: أي: " بدلا مما كانوا يجحدون بآيات الله وأدلته وحججه، ويقتلون أنبياءه بغير حق ظلمًا واعتداء"(5).
قال الزجاج: أي: " أمرهم ذلك وحقهم ذلك بكفرهم، فأعلم الله أنهم جعلت عقوبتهم هذه العقوبة الغليظة في الدنيا والآخرة لتغليظ ما ركبوه"(6).
قال الثعلبي: " {يكفرون بآيات الله}، يعني: بصفة محمد صلى الله عليه وسلم وإنه الرحيم في التوراة والإنجيل والفرقان"(7).
قال ابن مسعود: " كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي ثم تقوم بقلهم من آخر النهار"(8).
قال الثعلبي: "ومعنى: {ويقتلون الأنبياء بعير الحق}: مثل أشعيا وزكريا ويحيى وسائر من قتل اليهود من الأنبياء، وفي الخبر: إن اليهود قتلوا سبعين نبيا من أول النهار [في ساعة واحدة، فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار في ذلك اليوم"(9).
وقال السمرقندي: المعنى: " ذلِكَ الذي يصيبهم بسبب كفرهم بمحمد-صلى الله عليه وسلم وبالقرآن، {وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ}، يعني: رضوا بما فعل آباؤهم، فكأنهم قتلوهم "(10).
وقوله: {ويقتلون} ، قراءة العامة بالتخفيف من "القتل"، وقرأ السلمي بالتشديد من التقتيل (11).
وقوله: {النبيين} ، القراءة المشهورة بالتشديد من غيرهم، وتفرد نافع بهمز النبيئين، [ومده] فمن همز معناه: المخبر، من قول العرب: أنبأ النبي إنباءا، ونبأ ينبئ تنبئة بمعنى واحد، فقال الله عز وجل:{فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا} [التحريم: 3](12).
ومن حذف الهمز فله وجهان (13):
أحدهما: إنه أراد الهمز فحذفه طلبا للخفة لكثرة استعمالها.
والوجه الآخر: أن يكون بمعنى الرفيع مأخوذ من النبؤة وهي المكان المرتفع، يقال: نبيء الشيء عن المكان، أي ارتفع (14).
(1) تفسير السمرقندي: 1/ 239.
(2)
تفسير السمرقندي: 1/ 239.
(3)
صفوة التفاسير: 202.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 104.
(5)
تفسير الطبري: 7/ 117.
(6)
معاني القرآن: 1/ 457.
(7)
تفسير الثعلبي: 1/ 207.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (632): ص 1/ 126.
(9)
تفسير الثعلبي: 1/ 207.
(10)
تفسير السمرقندي: 1/ 239.
(11)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 207.
(12)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 207.
(13)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 207، وتفسير القرطبي: 1/ 431.
(14)
انظر: كتاب العين: 6/ 190، والصحاج: 6/ 250.
قال الشاعر (1):
إن جنبي عن الفراش لناب
…
كتجافي الأسر فوق الظراب
وفيه وجه آخر: قال الكسائي: النبي بغير همز: الطريق، فسمي الرسول نبيا، وإنما دقائق الحصا لأنه طريق إلى الهدى (2)، ومنه قول الشاعر (3):
لأصبح رتما دقاق الحصى
…
مكان النبي من الكاثب
قوله تعالى: {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [آل عمران: 112]، أي: إنما حَمَلهم على الكفر بآيات الله وقَتْل رُسُل الله" بسبب تمردهم وعصيانهم أوامر الله تعالى"(4).
قال الطبري: أي: " فعلنا بهم ذلك بكفرهم، وقتلهم الأنبياء، ومعصيتهم ربَّهم، واعتدائهم أمرَ ربهم"(5).
قال السمرقندي: استحقوا ذلك"الغضب، بأفعالهم، كلما ذكر الله عقوبة قوم في كتابه بيّن المعنى الذي يعاقبهم لذلك، لكيلا يظن أحد أنه عذَّبهم بغير جُرْم"(6).
قال ابن كثير: " أي: إنما حَمَلهم على الكفر بآيات الله وقَتْل رُسُل الله وقُيِّضوا لذلك أنّهم كانوا يكثرون العصيان لأوامر الله، عز وجل، والغشيان لمعاصي الله، والاعتداء في شرع الله"(7).
قال قتادة: " اجتنبوا المعصية والعدوان فإن بهما هلك من هلك قبلك من الناس"(8).
الفوائد:
1 -
أن هؤلاء الذين ينتسبون للكتاب ولاسيما اليهود منهم، قد ضربت عليهم الذلة، فهم أرذل الناس.
2 -
أن هؤلاء قد يكون لهم عزة بحبل من الله وحبل من الناس، وهو إما الاسلام او الذمة، وإن كان هو الاسلام فإن الاستثناء منقطع، لأنهم إذا أسلموا لم يكونوا من أهل الكتاب، بل صاروا من المسلمين، وعلى معنى الذمة، فإن الاستثاء متصل.
3 -
أن الناس قد ينصر بعضهم بعضا بالباطل، يتضح من قوله:{وحبل من الناس} .
4 -
إثبات الغضب لله تعالى، ومذهب أهل السنة والجماعة في مثل هذه الصفة إثباتها على الوجه اللائق.
5 -
إثبات العلة، أي أن أفعال الله تعالى معللة، أي مقرونة بالحكمة، لقوله:{ذلك بأنهم} .
6 -
أن الكفر بآيات الله سبب للعقوبات.
7 -
عتو بني اسرائيل بالكفر وقتل الأنبياء والمعصية والعدوان.
القرآن
{لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113)} [آل عمران: 113]
ليس أهل الكتاب متساوين: فمنهم جماعة مستقيمة على أمر الله مؤمنة برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، يقومون الليل مرتلين آيات القرآن الكريم، مقبلين على مناجاة الله في صلواتهم.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: أخرج الطبري عن ابن عباس: " لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سَعْية، وأسَيْد بن سعية، وأسد بن عُبيد، ومن أسلم من يهود معهم، فآمنوا وصدَّقوا ورغبوا في الإسلام، ورسخوا فيه، قالت: أحبار يهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد ولا تبعه إلا أشرارنا! ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم، وذهبوا
(1) انظر: كتاب العين: 6/ 190.
(2)
انظر: تفسير الثعلبي: 1/ 207.
(3)
انظر: كتاب العين: 6/ 190، والصحاج: 6/ 250.
(4)
صفوة التفاسير: 202.
(5)
تفسير الطبري: 7/ 117.
(6)
تفسير السمرقندي: 1/ 239.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 104.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (633): ص 1/ 126.
إلى غيره، فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم:{ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله} إلى قوله: {وأولئك من الصالحين} " (1).
والثاني: وقال مقاتل بن سليمان: " وذلك أن اليهود قالوا لابن سلام وأصحابه: لقد خسرتم حين استبدلتم بدينكم دينا غيره وقد عاهدتم الله بعهد ألا تدينوا إلا بدينكم، فقال الله- عز وجل: {ليسوا سواء} "(2).
والثالث: أخرج الطبري عن عبد الله بن مسعود قال: احتبس علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، كان عند بعض أهله ونسائه: فلم يأتنا لصلاة العشاء حتى ذهب ليلٌ، فجاء ومنا المصلي ومنا المضطجع، فبشَّرنا وقال: إنه لا يصلي هذه الصلاة أحدٌ من أهل الكتاب! فأنزل الله: {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} " (3).
والرابع: وأخرج الطبري عن منصور، قال:"، بلغني أنها نزلت: {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون}، فيما بين المغرب والعشاء"(4).
والخامس: نقل الثعلبي: " عن عطاء في قوله: {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة}. الآية. تزيد أربعين رجلا من أهل نجران من العرب، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى عليه السلام وصدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وكان من الأنصار منهم عدة قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم، منهم أسعد ابن زرارة والبراء بن معرور ومحمد بن مسلمة وأبو قيس هرمة بن أنس، وكانوا موحدين يغتسلون من الجنابة ويقرون بما عرفوا من شرائع الحنيفية حتى جاءهم الله عز وجل بالنبي صلى الله عليه وسلم فصدقوه ونصروه"(5).
قوله تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً} [آل عمران: 113]، " أي: ليس أهل الكتاب مستوين في المساوئ" (6).
قال مقاتل: " يقول ليس كفار اليهود، والذين في الضلالة بمنزلة ابن سلام وأصحابه الذين هم على دين الله"(7).
قال ابن كثير: " أي: لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب وهؤلاء الذين أسلموا"(8).
قال الماتريدي: " أي: لا سواء بين من آمن منهم -يعني: من أهل الكتاب- ومن لم يؤمن منهم؛ لأن منهم من قد آمن"(9).
وفي تفسير قوله تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً} [آل عمران: 113]، وجهان:
أحدهما: أن المعنى: لا يستوي أهل الكتاب وأمة محمد صلى الله عليه وسلم". قاله ابن مسعود (10)، السدي (11).
والثاني: أن المعنى: أن أهل الكتاب ليسوا متساوين في الصلاح والفاسد والخير والشر، وهذا معنى قول ابن عباس (12)، وقتادة (13)، وابن جريج (14).
قوله تعالى: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} [آل عمران: 113]، " أي: منهم طائفة مستقيمة على دين الله" (15).
(1) تفسير الطبري (7644): ص 7/ 120 - 121.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 296.
(3)
تفسير الطبري (7661): ص 7/ 127.
(4)
تفسير الطبري (7663): ص 7/ 129.
(5)
تفسير الثعلبي: 3/ 123.
(6)
صفوة التفاسير: 204.
(7)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 296.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 105.
(9)
تفسير الماتريدي: 2/ 459.
(10)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (4000): ص 3/ 737.
(11)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (4001): ص 3/ 737.
(12)
انظر: تفسير الطبري (7645): ص 7/ 121.
(13)
انظر: تفسير الطبري (7646): ص 7/ 121.
(14)
انظر: تفسير الطبري (7647): ص 7/ 121.
(15)
صفوة التفاسير: 204.
قال ابن كثير: " أي: قائمة بأمر الله، مطيعة لشَرْعه مُتَّبِعة نبيَّ الله، فهي: {قَائِمَةٌ} يعني مستقيمة"(1).
وفي تفسير قوله تعالى: {أمةٌ قَائِمَةٌ} } [آل عمران: 113]، أقاويل:
أحدها: أنها أمة مستقيمة عادلة، من قولك: أقمت العود فقام، بمعنى استقام، وهو معنى قول الحسن (2)، ومجاهد (3)، وابن جريج (4)، ومقاتل بن سليمان (5).
والثاني: أن المعنى: أنها أمة مطيعة، قائمة بطاعة الله، وهو قول السدي (6).
والثالث: أنها قائمة على كتاب الله وما أمر به فيه، وهو قول ابن عباس (7)، وقتادة (8)، والربيع (9).
والرابع: أنها قائمة في الصلاة، وعبر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل كقوله تعالى:{والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما} [الفرقان: 64]. وقوله: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل} [المزمل: 20]. وقوله: {قم الليل} [المزمل: 2]. وقوله: {وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238](10).
والخامس: أنها ثابتة على التمسك بالدين الحق، ملازمة له، غير مضطربة في التمسك به، كقوله:{إلا ما دمت عليه قائما} [آل عمران: 75] أي ملازما للاقتضاء، ثابتا على المطالبة. ومنه قوله تعالى:{قائما بالقسط} [آل عمران: 18](11).
والظاهر هو القول الأخير، وإن كانت الأقوال الأخرى متقاربة المعنى مع ما قاله ابن عباس وقتادة، " مستقيمة على الهدى وكتاب الله وفرائضه وشرائع دينه، والعدلُ والطاعةُ وغير ذلك من أسباب الخير، من صفة أهل الاستقامة على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونظير ذلك، الخبرُ الذي رواه النعمان بن بشير، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم ركبوا سفينة " (12)، ثم ضرب لهم مثلا، فالقائم على حدود الله: هو الثابت على التمسك بما أمره الله به، واجتناب ما نهاهُ الله عنه"(13).
قوله تعالى: {يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران: 113]، " أي: يتهجدون في الليل بتلاوة آيات الله حال الصلاة" (14).
قال ابن كثير: " أي: يقومون الليل، ويكثرون التهجد، ويتلون القرآن في صلواتهم"(15).
قال الطبري: أي: " يتلون آيات الله آناء الليل في صلاتهم، وهم مع ذلك يسجدون فيها"(16).
وفي قوله تعالى: {يَتْلُونَءَايَاتِ اللهِءَانآءَ اللَّيْلِ} [آل عمران: 113]، قولان:
أحدهما: ساعات الليل، وهو قول الحسن (17)، وقتادة (18)، والربيع (19)، وابن جريج (20)، وأبي عبيدة (21)، ومنه قول المتنخل الهذلي (22):
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 105.
(2)
انظر: النكت والعيون: 1/ 417.
(3)
انظر: تفسير الطبري (7650): ص 7/ 123.
(4)
انظر: النكت والعيون: 1/ 417.
(5)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 296.
(6)
انظر: تفسير الطبري (7654): ص 7/ 123.
(7)
انظر: تفسير الطبري (7653): ص 7/ 123.
(8)
انظر: تفسير الطبري (7651): ص 7/ 123.
(9)
انظر: تفسير الطبري (7652): ص 7/ 123.
(10)
انظر: محاسن التأويل: 2/ 389.
(11)
انظر: محاسن التأويل: 2/ 389.
(12)
أخرجه الطبري (7655): ص/7/ 124.
(13)
تفسير الطبري: 7/ 123 - 124.
(14)
صفوة التفاسير: 204.
(15)
تفسير ابن كثير: 2/ 105.
(16)
تفسير الطبري: 7/ 129.
(17)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4013): ص 3/ 739. النكت والعيون: 1/ 418.
(18)
انظر: تفسير الطبري (7656): ص 7/ 126.
(19)
انظر: تفسير الطبري (7657): ص 7/ 126.
(20)
انظر: تفسير الطبري (7658): ص 7/ 126.
(21)
انظر: تفسير ابن المنذر (833): ص 1/ 342.
(22)
ديوان الهذليين 2: 35، ومجاز القرآن 1: 102، وسيرة ابن هشام 2: 206، واللسان " أنى ".
حُلْوٌ وَمُرٌّ كَعَطْفِ القِدْحِ مِرَّتُهُ
…
فِي كُلِّ إِنْيٍ حذَاه اللَّيْلُ يَنْتَعِلُ
والثاني: جوف الليل، وهو قول ابن عباس (1)، والسدي (2).
واختلف في المراد بالتلاوة في هذا الوقت على قولين:
أحدهما: صلاة العَتْمَة، وهو قول عبد الله بن مسعود (3).
والثاني: صلاة المغرب والعشاء، رواه الثوري عن منصور (4).
وفي تفسير قوله: {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران: 113]، ثلاثة أقوال:
أحدها: يعني سجود الصلاة (5).
والثاني: يريد الصلاة، لأن القراءة لا تكون في السجود ولا في الركوع، وهذا قول الزجاج (6)، والفراء (7).
ونظيره قوله: {وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 206]، أي: يصلون، وفي القرآن:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ} [الفرقان: 60]، أي: صلوا، وقوله:{فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} [النجم: 62](8).
والثالث: معناه يتلون آيات الله أناء الليل وهم مع ذلك يسجدون (9).
الفوائد:
1 -
الثناء على القيام بطاعة الله والثبات عليها.
2 -
الثناء على من يتلون كتاب الله قراءة وعملا.
3 -
فضيلة السجود.
القرآن
التفسير:
يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالخير كله، وينهون عن الشر كلِّه، ويبادرون إلى فعل الخيرات، وأولئك مِن عباد الله الصالحين.
قوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [آل عمران: 114]، أي:"، يصدِّقون بالله وبالبعث بعد الممات"(10).
قال سعيد بن جبير: " يصدقون بتوحيد الله واليوم الآخر، ويصدقون بالغيب الذي فيه جزاء الأعمال"(11).
قال مقاتل بن سليمان: " يعني: يصدقون بتوحيد الله والبعث الذي فيه جزاء الأعمال"(12).
قال أبو السعود: " صفة أخرى لأمة مبينة لمباينتهم اليهود من جهة أخرى أي يؤمنون بها على الوجه الذي نطق به الشرع والإطلاق للإيذان بالغنى عن التقييد لظهور أنه الذي يطلق عليه الإيمان بهما لا يذهب الوهم إلى
(1) انظر: تفسير ابن المنذر (830): ص 1/ 341.
(2)
انظر: تفسير الطبري (7659): ص 7/ 126.
(3)
انظر: تفسير الطبري (7662): ص 7/ 128.
(4)
انظر: تفسير الطبري (7663): ص 7/ 129.
(5)
انظر: النكت والعيون: 1/ 418.
(6)
انظر: معاني القرآن: 1/ 459.
(7)
انظر: النكت والعيون: 1/ 418.
(8)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 131.
(9)
انظر: النكت والعيون: 1/ 418.
(10)
تفسير الطبري: 7/ 130.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (4015): ص 3/ 739.
(12)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 296.
غيره وللتعريض بأن إيمان اليهود بهما مع قولهم عزير ابن الله وكفرهم ببعض الكتب والرسل ووصفهم اليوم الآخر بخلاف صفته ليس من الإيمان بهما في شئ أصلا ولو قيد بما ذكر لربما توهم أن المنتفي عنهم هو القيد المذكور مع جواز إطلاق الإيمان على إيمانهم بالأصل وهيهات" (1).
قوله تعالى: {وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 130]، أي:" يأمرون الناس بالإيمان بالله ورسوله، وتصديق محمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به، وينهون الناس عن الكفر بالله، وتكذيب محمد وما جاءهم به من عند الله"(2).
قال مقاتل بن سليمان: " يعني: إيمانا بمحمد- صلى الله عليه وسلم وينهون عن المنكر، يعني: عن تكذيب بمحمد- صلى الله عليه وسلم"(3).
قال الزجاج: "ومعنى: {ويأمرون بالمعروف} ههنا أي يأمرون باتباع النبي صلى الله عليه وسلم – {وينهون عن المنكر}: عن الإقامة على مشاقته صلى الله عليه وسلم –"(4).
قال أبو السعود: " صفتان أخريان لأمة أجريتا عليهم تحقيقا لمخالفتهم اليهود في الفضائل المتعلقة بتكميل الغير إثر بيان مباينتهم لهم في الخصائص المتعلقة بتكميل النفس وتعريضا بمداهنتهم في الاحتساب بل بتعكيسهم في الأمر بإضلال الناس وصدهم عن سبيل الله فإنه أمر بالمنكر ونهي عن بالمعروف"(5).
قوله تعالى: {وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [آل عمران: 114]، أي:" ويبتدرون فعل الخيرات"(6).
قال مقاتل بن سليمان: " يعنى شرائع الإسلام"(7).
قال أبو السعود: " صفة أخرى لأمة جامعة لفنون المحاسن المتعلقة بالنفس وبالغير والمسارعة في الخير فرط الرغبة فيه لأن من رغب في الأمر سارع في توليته والقيام به وآثر الفور على التراخي أي يبادرون مع كمال الرغبة في فعل أصناف الخيرات اللازمة والمتعدية وفيه تعريض بتباطؤ اليهود فيها بل بمبادتهم إلى الشرور وإيثار كلمة فى على ما وقع في قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ} [آل عمران: 133] .. الخ، للإيذان بأنهم مستقرون في أصل الخير متقلبون في فنونه المترتبة في طبقات الفضل لا أنهم خارجون عنها منتهون إليها"(8).
قوله تعالى: {وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 114]، أي: أولئك" هم من عداد الصالحين"(9).
قال أبو السعود: " أي: من جملة من صلحت أحوالهم عند الله عز وجل واستحقوا رضاه وثناءه"(10).
قال الماتريدي: " أي: ومن ذلك فعله - فهو صالح"(11).
قال السمعاني: " وصفهم الله تعالى وشكرهم"(12).
قال المراغي: " أي وهؤلاء الذين اتصفوا بجليل الصفات من الذين صلحت أحوالهم، وحسنت أعمالهم، فرضيهم ربهم، وفى هذا رد على اليهود الذين قالوا فيمن أسلم منهم: ما آمن بمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره.
(1) تفسير أبي السعود: 2/ 74.
(2)
تفسير الطبري: 7/ 130.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 296.
(4)
معاني القرآن: 1/ 460.
(5)
تفسير أبي السعود: 2/ 74.
(6)
تفسير الطبري: 7/ 130.
(7)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 296.
(8)
تفسير أبي السعود: 2/ 74.
(9)
تفسير الطبري: 7/ 130.
(10)
تفسير أبي السعود: 2/ 74.
(11)
تفسير الماتريدي: 2/ 460.
(12)
تفسير السمعاني: 1/ 350.
والوصف بالصلاح هو غاية المدح، ونهاية الشرف والفضل، فقد مدح الله به أكابر الأنبياء كإسماعيل وإدريس وذى الكفل فقال:{وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ} ، وقال حكاية عن سليمان:{وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ} .
ولأنه ضد الفساد، وهو ما لا ينبغى فى العقائد والأفعال، فهو حصول ما ينبغي فى كل منهما، وذلك منتهى الكمال، ورفعة القدر، وعلوّ الشأن" (1).
قال الراغب: " وبيّن تعالى في آخر الآية أن فاعل ذلك من الصالحين، والأقرب في {من} أن تكون للتبيين وأنهم هم الصالحون، ولذلك قال في الأول {وأولئك هم المفلحون} "(2).
ويجدر القول بأن "المسارعة والمبادرة والعجلة تتقارب، لكن السرعة أعمها
والمبادرة لا تكاد تستعمل إلا في البدن، والعجلة أكثر ما تستعمل فيما يتحرى عن غير فكر وروية، أو في إمضاء العزيمة قبل استكمال الروية، ولهذا يقال:"العجلة من الشيطان "، وقال تعالى:(ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه)، فإن قيل: لو كانت مذمومة لما قال موسى: (وعجلت إليك رب لترضى).
قيل: موسى عليه السلام أورد ذلك على سبيل الاعتذار إبانة أنه قصد فعلا محمودا، وإن تحرى العجلة فيه، ومن قصد فعلا محمودا فقد يعذر في وقوع ما يكره منه، والمسارعة في الخير هي أن يتدرج الإنسان في ازدياد العرفة بفضله، واختياره والسرور بتعاطيه، وتقديمه على الأمور الدنيوية، وأن لا تؤخره عن أول وقت إمكان فعله وعلى ذلك قوله تعالى:{سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [الحديد: 21]، ومدح تعالى قوما فقال:{وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} [الواقعة: 10]، أي يسابقون بهممهم وأبدانهم، فلذلك كرره، ولمراعاة المسارعة وكون بعض المسارعين أعلى منزلة من بعض قال تعالى:{هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ} [آل عمران: 163] " (3).
قال الزمخشري في تفسير هذه الآية: " وصفهم بخصائص ما كانت في اليهود من تلاوة آيات الله بالليل ساجدين، ومن الإيمان بالله، لأن إيمانهم به كلا إيمان لإشراكهم به عزيرا، وكفرهم ببعض الكتب والرسل دون بعض. ومن الإيمان باليوم الآخر، لأنهم يصفونه بخلاف صفته. ومن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، لأنهم كانوا مداهنين. ومن المسارعة في الخيرات، لأنهم كانوا متباطئين عنها غير راغبين فيها. والمسارعة في الخير: فرط الرغبة فيه لأن من رغب في الأمر سارع في توليه والقيام به وآثر الفور على التراخي وأولئك الموصوفون بما وصفوا به من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم واستحقوا ثناءه عليهم. ويجوز أن يريد بالصالحين المسلمين فلن يكفروه لما جاء وصف الله عز وعلا بالشكر في قوله: {وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ} [التغابن: 17] في معنى توفيه الثواب نفى عنه نقيض ذلك"(4).
الفوائد:
1 -
الثناء على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
2 -
الثناء على المسارعة في الخيرات.
3 -
الثناء على من تلك صفته بالصلاح.
القرآن
{وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)} [آل عمران: 115]
التفسير:
وأيُّ عمل قلَّ أو كَثُر من أعمال الخير تعمله هذه الطائفة المؤمنة فلن يضيع عند الله، بل يُشكر لهم، ويجازون عليه. والله عليم بالمتقين الذين فعلوا الخيرات وابتعدوا عن المحرمات; ابتغاء رضوان الله، وطلبًا لثوابه.
(1) تفسير المراغي: 4/ 37.
(2)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 810.
(3)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 810.
(4)
الكشاف: 1/ 403.
قوله تعالى: {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ} [آل عمران: 115]، "أي ما عملوا من عمل صالح فلن يضيع عند الله"(1).
قال الربيع بن أنس: أي: "لن يضل عنكم"(2).
قال مقاتل: " فلن يضل عنهم بل يشكر ذلك لهم"(3).
قال الماتريدي: " أي: كيف يكفره، وهو الشكور الذي يقبل اليسير، ويعطي الجزيل"(4).
قال المراغي: " أي وما يفعلوا من الطاعات فلن يحرموا ثوابه ولن يستر عنهم كأنه غير موجود"(5).
قال السعدي: أي: " وأنهم مهما فعلوا {من خير} قليلا كان أو كثيرا {فلن يكفروه} أي: لن يحرموه ويفوتوا أجره، بل يثيبهم الله على ذلك أكمل ثواب، ولكن الأعمال ثوابها تبع لما يقوم بقلب صاحبها من الإيمان والتقوى"(6).
وقوله تعالى: {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ} [آل عمران: 115]، قرئت بالياء والتاء، قال الزجاج" وكلاهما صواب - كما قال الله عز وجل:(فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) - فالخطاب لسائر الخلق، ومن قال (فلن تكفروه) فهو لهؤلاء المذكورين وسائر الخلق داخل معهم في ذلك" (7).
وفي حرف حفصة: " فلن تتركوه ": أي: لن تتركوه دون أن تجزوا عليه (8).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 115]، أي لا يخفى عليه عمل عامل، ولا يضيع لديه أجر المتقين" (9).
قال الثعلبي: أي: المؤمنين" (10).
قال السمرقندي: " أي عليم بثوابهم، وهم مؤمنو أهل الكتاب، ومن كان بمثل حالهم"(11).
عن ابن عباس: " {المتقين}، أي الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته بالتصديق بما جاء منه"(12).
وقال السدي: " {المتقين}، هم المؤمنون"(13).
وقيل لمعاذ بن جبل: "من المتقون؟ قال: " قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة" (14).
الفوائد:
1 -
أن من فعل خيرا أثيب عليه، لأأن المراد هنا تمام الإثبات، أي أنهم يعطون أجرهم كاملا بلا نقص.
2 -
كمال عدل الله عز وجل لكون العامل إذا عمل عملا أثيب عليه، ولو حوسب على ما أعطاه من النعم لهلك، لكن يثاب وتكون نعم الله عليه مجرد فضل من الله.
3 -
ثبوت الثواب على العمل الخير قليلا أم كثيرا، لقوله:{من خير} ، وهي في سياق الشرط فتكون عامة.
4 -
إثبات علم الله تعالى.
5 -
الثناء على أهل التقوى.
(1) صفوة التفاسير: 204.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4020): ص 3/ 740.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 296.
(4)
تفسير الماتريدي: 2/ 461.
(5)
تفسير المراغي: 4/ 37.
(6)
تفسير السعدي: 143.
(7)
معاني القرآن للزجاج: 1/ 460.
(8)
انظر: تفسير الماتريدي: 2/ 461.
(9)
صفوة التفاسير: 204.
(10)
تفسير الثعلبي: 3/ 132.
(11)
تفسير السمرقندي: 1/ 240.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (4022): ص 3/ 740 - 741.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (4023): ص 3/ 741.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (4021): ص 3/ 740.
القرآن
التفسير:
إن الذين كفروا بآيات الله، وكذبوا رسله، لن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئًا من عذاب الله في الدنيا ولا في الآخرة، وأولئك أصحاب النار الملازمون لها، لا يخرجون منها.
في سبب نزول الآيتان (116 - 117) وجوه:
أحدها: قال مقاتل: " ثم ذكر نفقة سفلة اليهود من الطعام والثمار على رءوس اليهود كعب بن الأشرف وأصحابه يريدون بها الآخرة"(1).
والثاني: نقل ابن حجر عن ابن ظفر: "لما تضمن قوله تعالى فيما قبله وصف المؤمنين، ذكر بعدها ما اعتمده الكفار وأهل الكتاب من إنفاق أموالهم في الصد عن سبيل الله وإن ذلك لا يغني عنهم شيئا"(2).
والثالث: أخرج الطبري عن مجاهد، أن المراد:" نفقة الكافر في الدنيا"(3).
والرابع: نقل الثعلبي وتبعه ابن حجر (4) عن يمان بن المغيرة: أنه" يعني: نفقات أبي سفيان وأصحابه ببدر وأُحُد على عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم"(5).
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران: 116]، " أي: إن الذين جحدوا بآيات الله وكذبوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم" (6).
قال الطبري: أي: " الذين جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وكذبوا به وبما جاءهم به من عند الله"(7).
قال ابن عثيمين: يشمل كل من كفر بالله، فهذا حكمه" (8).
وأصْلُ (الكفر) عند العرب: تَغطيةُ الشيء، ولذلك سمَّوا الليل " كافرًا "، لتغطية ظُلمته ما لبِستْه، كما قال الشاعر (9):
فَتَذَكَّرَا ثَقَلا رًثِيدًا، بَعْدَ مَا
…
أَلْقَتْ ذُكاءُ يَمِينَهَا في كافِرِ
وقال لبيدُ بن ربيعة (10):
يَعْلُو طَريقةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرَا
…
فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومُ غَمَامُهَا
يعني غَطَّاها، فكذلك الذين جحدوا النبوّة من الأحبار من اليهود غَطَّوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكَتَمُوه الناسَ - مع علمهم بنبوّته، ووُجُودِهم صِفَتَه في كُتُبهم (11).
قوله تعالى: {لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} [آل عمران: 116]، " أي: لن تفيدهم الأموال والأولاد في الآخرة، من عذاب الله وأليم عقابه " (12).
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: 2/ 737.
(2)
العجاب: 2/ 739.
(3)
تفسير الطبري (6776): ص 7/ 135، وابن أبي حاتم (4024): ص 3/ 741، وإسنادهما حسن.
(4)
انظر: العجاب: 2/ 739.
(5)
تفسير الثعلبي: 3/ 133، ولم أجد هذا القول في تفسير الطبري وابن أبي حاتم، وأسباب النزول للواحدي، وتفسير ابن كثيرـ ولباب النقول للسيوطي.
(6)
صفوة التفاسير: 1/ 27.
(7)
تفسير الطبري: 7/ 133.
(8)
تفسير ابن عثيمين: 2/ 86 ..
(9)
الشعر لثعلبة بن صعير المازني، شرح المفضليات:257. والضمير في قوله " فتذكرا " للنعامة والظليم. والثقل: بيض النعام المصون، والعرب تقول لكل شيء نفيس خطير مصون: ثقل. ورثد المتاع وغيره فهو مرثود ورثيد: وضع بعضه فوق بعض ونضده. وعنى بيض النعام، والنعام تنضده وتسويه بعضه إلى بعض. وذكاء: هي الشمس.
(10)
انظر: شرح المعلقات السبع للزوزني: 100، ويروى " ظلامها ". يعني البقرة الوحشية، قد ولجت كناسها في أصل شجرة، والرمل يتساقط على ظهرها.
(11)
تفسير الطبري: 1/ 255.
(12)
صفوة التفاسير: 1/ 171.
قال الطبري: " لن تدفع أمواله التي جمعها في الدنيا، وأولاده الذين ربَّاهم فيها، شيئًا من عقوبة الله يوم القيامة إن أخرها لهم إلى يوم القيامة، ولا في الدنيا إنْ عجَّلها لهم فيها"(1).
قال السمعاني: " أي: لا تدفع أموالهم بالفدية، ولا أولادهم بالنصرة من عذاب الله؛ وذلك أن الإنسان يدفع عن نفسه بفداء المال، وتارة بالاستعانة بالأولاد"(2).
قال الزجاج: " أي لا تمنعهم أولادهم مما هو نازل بهم، لأنهم مالوا إلى الأموال في معاندتهم النبي صلى الله عليه وسلم لأن الرياسة إنما قامت لهم - أعني - رؤساء إليهود - بمعاندتهم النبي صلى الله عليه وسلم –"(3).
قال الصابوني: " أي لن تدفع عنهم أموالهم التي تهالكوا على اقتنائها ولا أولادهم الذين تفانوا في حبهم من عذاب الله شيئاً"(4).
قال أبو السعود: " وتأخيرُ الأولاد عن الأموال مع توسيط حرف النفي بينهما إما لعراقة الأولادِ في كشف الكروب أو لأن الأموال أولُ عُدّة يُفزع إليها عند نزول الخطوب"(5).
قال الثعلبي: " وإنما خص الأولاد لأنهم أقرب الأنساب إليه"(6)، وإنما سمى المال غنى لأنه ينفع الناس ويدفع عنهم الفقر والنوائب" (7).
قال الراغب: " ولما ذكر في الآية الأولى أن ما يفعله الإنسان من الخير لن يكفر، بين أن ما يعدونه خيرا إنما ينفع بعد الإيمان، فأما مع افتقاده فلا نفع، وذكر أجل ما هو عندهم خير، وهو الأموال والأولاد، وأنها لا تغني عنهم، وعلى ذلك ما حكى عن الكفار: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ} [الحاقة: 28] "(8).
قوله تعالى: {وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران: 116]، " أي: أولئك الملازمون للنار" (9) "لا يخرجون منها أبدا" (10).
قال المراغي: " لأن ظلمة أرواحهم، وفساد عقائدهم، وسوء أعمالهم، اقتضت خلودهم فى تلك الهاوية المظلمة المستعرة التي وقودها الناس والحجارة، قد أعدت لكل من جحد بآيات ربه، وأعرض عن دعوة أنبيائه ورسله، ولم يصغ إلا لداعى الهوى والشهوات"(11).
قال الطبري: " وإنما جعلهم أصحابها، لأنهم أهلها الذين لا يخرجون منها ولا يفارقونها، كصاحب الرجل الذي لا يفارقه، وقرينه الذي لا يزايله، ثم أكد ذلك بإخباره عنهم إنهم " فيها خالدون "، أنّ صحبتهم إياها صحبة لا انقطاع لها، إذْ كان من الأشياء ما يفارق صاحبه في بعض الأحوال، ويزايله في بعض الأوقات، وليس كذلك صحبة الذين كفروا النارَ التي أصْلوها، ولكنها صحبة دائمة لا نهاية لها ولا انقطاع"(12).
الفوائد:
1 -
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار لا ينتفعون بأموالهم ولا أولادهم.
2 -
ومن الفوائد أيضا: إن الكفار مهما كثرت قوتهم عددا ومددا، فإنها لن تغني عنهم من الله شيئا.
3 -
ومن فوائدها: تمام قدرة الله وسلطته على العباد إذ إن الكفار العتاة لا يستطيعون أن يدفعوا شيئا بأموالهم وأولادهم مما قضاه الله عز وجل.
(1) تفسير الطبري: 7/ 133.
(2)
تفسير السمعاني: 1/ 350.
(3)
معاني القرآن: 1/ 460.
(4)
صفوة التفاسير: 204.
(5)
تفسير أبي السعود: 2/ 10.
(6)
تفسير الثعلبي: 3/ 133.
(7)
تفسير الثعلبي: 3/ 18.
(8)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 813 - 814.
(9)
تفسير المراغي: 4/ 40.
(10)
تفسير السعدي: 413.
(11)
تفسير المراغي: 4/ 40.
(12)
تفسير الطبري: 7/ 133 - 134.
4 -
أن الكفار في النار مخلدون فيها، خلدوا أبديا ليس له غاية.
القرآن
التفسير:
مَثَلُ ما ينفق الكافرون في وجوه الخير في هذه الحياة الدنيا وما يؤملونه من ثواب، كمثل ريح فيها برد شديد هَبَّتْ على زرع قوم كانوا يرجون خيره، وبسبب ذنوبهم لم تُبْقِ الريح منه شيئًا. وهؤلاء الكافرون لا يجدون في الآخرة ثوابًا، وما ظلمهم الله بذلك، ولكنهم ظلموا أنفسهم بكفرهم وعصيانهم.
في سبب نزولها أقوال:
أحدهما: أنها نزلت في أبي سفيان وأصحابه يوم بدر عند تظاهرهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا قول يمان بن المغيرة (1).
والثاني: أن المراد نفقات الكفار وصدقاتهم. وهذا معنى قول مجاهد (2).
والثالث: أنه نزلت في نفقة المنافقين مع المؤمنين في حرب المشركين على جهة النفاق (3).
والرابع: وقال مقاتل: يعني نفقة "سفلة اليهود"(4)، "على علمائهم ورؤسائهم كعب بن الأشرف وأصحابه"(5).
والخامس: وقال الضحاك: "مثل نفقة الكفار من أموالهم في أعيادهم وعلى أضيافهم وما يعطي بعضهم بعضا على الضلالة"(6).
قوله تعالى: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} [آل عمران: 117]، " أي: شَبَهُ ما يتصدق به الكافر، كشبه ريح فيها برد شديد" (7).
واختلف أهل التأويل في معنى " النفقة " التي ذكرها في هذه الآية على قولين:
أحدهما: أنها النفقة المعروفة في الناس. قاله مجاهد (8)، ورجحه الطبري (9)، وهو الظاهر.
والثاني: أن ذلك قوله الذي يقوله بلسانه، مما لا يصدِّقه بقلبه. وهذا قول السدي (10).
قال الماتريدي: " ضرب مثل نفقة الكفار التي أنفقوها بريح فيها صر أصابت حرث قوم، وذلك - والله أعلم - أنهم كانوا ينفقون ويعملون جميع الأعمال: من عبادة الأصنام والأوثان، ويقولون: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}، ظنوا أن تلك الأعمال والنفقات التي أنفقوها في صد الناس - تنفعهم في الآخرة، وتقربهم إلى الله، فأخبر أنها لا تنفع، فكان كالريح التي فيها صر وبرد، ظنوا أن فيها رحمة، وشيئا ينفع زروعهم، وينمو بها، فإذا فيها نار أحرقت حرثهم؛ كما طمعوا من أعمالهم ونفقاتهم التي في الدنيا - بالآخرة؛ قربة وزلفة إليه، فإذا هي مهلكة لأبدانهم؛ كالريح التي فيها صر كانت مهلكة؛ محرقة لزروعهم وحرثهم"(11).
وفي تفسير "الصّرِّ" أقوال:
أحدها: هو البرد الشديد، وهو قول ابن عباس (12)، والحسن، وقتادة (13)، والربيع (14)، والسدي (15)، وعكرمة (16)،
(1) انظر: العجاب: 2/ 739، وذكره الماوردي دون نسبته، انظر: النكت والعيون: 1/ 418.
(2)
انظر: تفسير الطبري (7667): ص 7/ 135.
(3)
انظر: النكت والعيون: 1/ 418.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 297.
(5)
هذه الزيادة من تصرف ابن حجر في العجاب: 3/ 738.
(6)
تفسير السمرقندي: 1/ 241.
(7)
تفسير الطبري: 7/ 134.
(8)
انظر: تفسير الطبري (7667): ص 7/ 135.
(9)
انظر: تفسير الطبري: 7/ 135 - 136.
(10)
انظر: تفسير الطبري (7668): ص 7/ 135 - 136.
(11)
تفسير الماتريدي: 2/ 461 - 462.
(12)
انظر: تفسير الطبري (7670): ص 7/ 136.
(13)
انظر: تفسير الطبري (7673): ص 7/ 136.
(14)
انظر: تفسير الطبري (7674): ص 7/ 136.
(15)
انظر: تفسير الطبري (7675): ص 7/ 136.
(16)
انظر: تفسير الطبري (7669): ص 7/ 136.
وابن زيد (1)، والضحاك (2)، وشرحبيل بن سعد (3).
والثاني: برد وجليد. قاله عطاء (4).
والثالث: أنه نار. وهذا قول ابن عباس (5) أيضا ومجاهد (6).
قال ابن كثير: " وهو يرجع إلى الأول، فإن البرد الشديد - سيّما الجليد - يحرق الزروع والثمار، كما يحرق الشيء بالنار"(7).
والرابع: أنه صوت لهب النار التي تكون في الريح، وهو قول الزجاج (8).
قال الماوردي: " وأصل الصّر: صوت من الصرير"(9)، ومنه قوله تعالى:{فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا} [الذاريات: 29]. قيل: "هي: الصوت"(10).
قوله تعالى: {أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ} [آل عمران: 117]، " أي: أصابت هذه الريح زرع قوم عصوا الله، وتعدَّوا حدوده، فأفسدته وأهلكته" (11).
قال مقاتل: " فلم يبق منه شيئا كما أهلكت الريح الباردة حرث الظلمة فلم ينفعهم حرثهم، فكذلك أهلك الله «نفقات» سفلة اليهود ومنهم كفار مكة التي أرادوا بها الآخرة فلم تنفعهم نفقاتهم"(12).
قال الزجاج: أي: " فعاقبهم الله بإذهاب زرعهم – فأهلكته، فأعلم أن ضرر نفقتهم عليهم كضرر هذه الريح في هذا الزرع وقيل إنه يعني: به أهل مكة حين تعاونوا وأنفقوا الأموال على التظاهر على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم:{مثل ما ينفقون} ، أي: مثل أعمالهم في شركهم كمثل هذه الريح
…
وجملته أن ما أنفق في التظاهر على عداوة الدين مضر مهلك أهله في العاجل والأجل" (13).
قال الماتريدي: " ي: يتأسفون على ما أنفقوا تأسف صاحب الزرع على ما كان أنفق فيه"(14).
قال ابن كثير: " أي: أحرقته، يعني بذلك السَّفْعة إذا نزلت على حَرْث قد آن جدَادُه أو حَصَاده فدمَّرَتْه وأعدَمَتْ ما فيه من ثمر أو زرع، فذهبت به وأفسدته، فعَدمَه صاحبه أحوج ما كان إليه. فكذلك الكفار يمحق الله ثوابَ أعمالهم في هذه الدنيا وثمرتها كما أذهب ثمرةَ هذا الحرث بذنوب صاحبه، وكذلك هؤلاء بَنَوْهَا على غير أصْل وعلى غير أساس"(15).
قوله تعالى: {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [آل عمران: 117]، " أي: وما ظلمهم الله بإهلاك حرثهم ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما يستوجب العقاب" (16).
أخرج ابن أبي حاتم "عن عباس في قوله: {لكن أنفسهم يظلمون}، قال: يضرون"(17).
(1) انظر: تفسير الطبري (7677): ص 7/ 137.
(2)
انظر: تفسير الطبري (7678): ص 7/ 137.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4025): ص 3/ 741.
(4)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4028): ص 3/ 741.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4026): ص 3/ 741.
(6)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4027): ص 3/ 741.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 106.
(8)
انظر: معاني القرآن: 1/ 461.
(9)
النكت والعيون: 1/ 418.
(10)
تفسير الماتريدي: 2/ 462.
(11)
تفسير الطبري: 7/ 134. [بتصرف].
(12)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 297.
(13)
معاني القرآن: 1/ 461.
(14)
تفسير الماتريدي: 2/ 462.
(15)
تفسير ابن كثير: 2/ 106.
(16)
صفوة التفاسير: 205.
(17)
تفسير ابن أبي حاتم (4031): ص 3/ 742.
وقال الحسن: "ينقصون"(1).
قال السمرقندي: " يعني أصحاب الزرع هم ظلموا أنفسهم بمنع حق الله تعالى، فكذلك الكفار أبطلوا ثواب أعمالهم بالشرك بالله تعالى"(2).
قال الماتريدي: " والظلم: ما ذكرنا: هو وضع الشيء في غير موضعه، فهو - والله أعلم - قال: هم الذين وضعوا أنفسهم في غير موضعها، لا أن وضع الله أنفسهم ذلك الموضع؛ لأنهم عبدوا غير الله، ولم يجعلوا أنفسهم خالصين سالمين لله، فهم الذين ظلموا أنفسهم؛ حيث أسلموها لغير الله، وعبدوا دونه، فذلك وضعها في غير موضعها؛ لأن وضعها موضعها هو أن يجعلوها خالصة لله، سالمة له"(3).
وقيل: ما ضروا الله بعبادتهم غيره وبكفرهم به، إنما ضروا أنفسهم؛ إذ لا حاجة له إلى عبادتهم" (4).
الفوائد:
1 -
إثبات القياس، لقوله:{{مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ} ، لأن المثل إلحاق للأصل بالفرع، إلحاق للمشبه بالمشبه به، وهذا هو اصل القياس.
2 -
حسن او تمام بلاغة القرآن، وذلك بقياس الغائب على الشاهد، ووجهه أن الريح التي فيها صرّ وأصابت حرث قوم ظلموا انفسهم كل يعرف أنها مدمرة ومهلكة، فكذلك أعما الكافرين هالكة لاخير فيها، لأن الكفر مدمر لها.
3 -
أن الكافر لن ينتفع بما عمل في الآخرة، لأنه إذا هلك عمله وزال فإنه لن ينفعه، لكن قد ينفعه في الدنيا، فيدفع عنه به من البلاء ما يدفع، أو يحصل من الخير الذي يرجوه ما يحصل بسبب الإنفاق الذي أنفقه من ماله.
4 -
انتفاء الظلم عن الله.
القرآن
التفسير:
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، تُطْلعونهم على أسراركم، فهؤلاء لا يَفْتُرون عن إفساد حالكم، وهم يفرحون بما يصيبكم من ضرر ومكروه، وقد ظهرت شدة البغض في كلامهم، وما تخفي صدورهم من العداوة لكم أكبر وأعظم. قد بيَّنَّا لكم البراهين والحجج، لتتعظوا وتحذروا، إن كنتم تعقلون عن الله مواعظه وأمره ونهيه.
في سبب نزول الآية وجوه:
أحدها: قال ابن عباس: ": كان رجال من المسلمين يواصلون رجالا من اليهود، لما كان بينهم من الجوار والحِلْف في الجاهلية، فأنزل الله عز وجل فيهم، ينهاهم عن مباطنتهم تخوُّف الفتنة عليهم منهم: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم} إلى قوله: {وتؤمنون بالكتاب كله} "(5).
والثاني: وأخرج الطبري عن مجاهد في قول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا} ، في المنافقين من أهل المدينة. نهى الله عز وجل المؤمنين أن يتولَّوهم" (6). وري عن ابن عباس (7) أيضا، والسدي (8)، وقتادة (9)، والربيع (10)، وابن جريج (11)، وابن زيد (12)، نحو ذلك.
(1) تفسير يحيى بن سلام: 1/ 62.
(2)
تفسير السمرقندي: 1/ 241.
(3)
تفسير الماتريدي: 2/ 462.
(4)
تفسير الماتريدي: 2/ 462.
(5)
أخرجه الطبري (7680): ص 7/ 141.
(6)
تفسير الطبري (7681): ص 7/ 141.
(7)
انظر: تفسير الطبري (7683): ص 7/ 141.
(8)
انظر: تفسير الطبري (7686): ص 7/ 143.
(9)
انظر: تفسير الطبري (7682): ص 7/ 141.
(10)
انظر: تفسير الطبري (7684): ص 7/ 141 - 142.
(11)
انظر: تفسير الطبري (7687): ص 7/ 143.
(12)
انظر: تفسير الطبري (7688): ص 7/ 143.
والثالث: وقال مقاتل: " يعني المنافقين عبد الله بن أبي، ومالك بن دخشم الأنصاري، وأصحابه دعاهم اليهود إلى دينهم منهم إصبغ ورافع ابني حرملة وهما رءوس اليهود فزينوا لهما ترك الإسلام حتى أرادوا أن يظهروا الكفر فأنزل الله- عز وجل يحذرهما ولاية اليهود {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة} "(1).
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} [آل عمران: 118]، أي:" يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، وأقروا بما جاءهم به نبيهم من عند ربهم، لا تتخذوا أولياء وأصدقاء لأنفسكم من دون أهل دينكم وملَّتكم"(2).
قال ابن كثير: يقول تبارك وتعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن اتخاذ المنافقين بطانة، أي: يُطْلعونهم على سرائرهم وما يضمرونه لأعدائهم، قوله:{مِنْ دُونِكُمْ} ، أي: من غيركم من أهل الأديان، وبطانة الرجل: هم خاصّة أهله الذين يطلعون على داخل أمره" (3).
قال الزجاج: " الدخلاء الذين يستبطنون ويتبسط إليهم، يقال فلان بطانة لفلان أي مداخل له ومؤانس، فالمعنى أن المؤمنين أمروا ألا يداخلوا المنافقين ولا إليهود، وذلك أنهم كانوا لا يبقون غاية في التلبيس على المؤمنين. فأمروا بألا يداخلوهم لئلا يفسدوا عليهم دينهم"(4).
قال الطبري: " وإنما جعل " البطانة " مثلا لخليل الرجل، فشبهه بما ولي بطنه من ثيابه، لحلوله منه - في اطِّلاعه على أسراره وما يطويه عن أباعده وكثير من أقاربه - محلَّ ما وَلِيَ جَسده من ثيابه"(5).
قوله تعالى: {لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} [آل عمران: 118]، " أي لا يقصرون لكم في الفساد"(6).
قال ابن كثير: " أي: يَسْعَوْنَ في مخالفتهم وما يضرهم بكل ممكن، وبما يستطيعونه من المكر والخديعة"(7).
قال الزجاج: " أي لا يبقون غاية في إلقائهم فيما يضرهم، وأصل «الخبال» في اللغة: ذهاب الشيء، قال الشاعر (8):
ابني سليمي لستم ليد
…
إلايدا مخبولة العضد
أي قد ذهبت عضدها" (9).
قال الثعلبي: " أي لا يقصرون ولا يتركون عهدهم وطاقتهم فيما يورثكم فوق الشر والفساد. يقال: ما ألوته خيرا أو شرا أي ما قصرت في فعل ذلك. ومنه قول ابن مسعود في عثمان: ولم تأل عن خير لأخرى باديه، وقال امرؤ القيس (10):
وما المرء مادامت حشاشة نفسه
…
بمدرك أطراف الخطوب ولا آل
أي مقصر في الطلب، والخبال: الشر والفساد، قال الله تعالى:{لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا} [التوبة: 47] " (11).
قوله تعالى: {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ} [آل عمران: 118]، " أي: تمنوا مشقتكم وما يوقعكم في الضرر الشديد" (12).
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 297.
(2)
تفسير الطبري: 7/ 138.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 106.
(4)
معاني القرآن: 1/ 461 - 462.
(5)
تفسير الطبري: 7/ 138.
(6)
صفوة التفاسير: 205.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 106.
(8)
في ديوانه ص 21 (1)؛ ولسان العرب 11/ 198 (خبل)؛ ومقاييس اللغة 2/ 243؛ ومجمل اللغة 2/ 256؛ وتهذيب اللغة 7/ 427؛ وتاج العروس (خبل)؛ وأساس البلاغة ص 103 (خبل)؛ وينسب إلى طرفة بن العبد؛ انظر ديوان أوس ص 149، وفيه: " أبَنِي لُبَيْنَي لَسْتُمَ بِيَدٍ
…
إلا يَدٍا لَيْسَتْ لَهَا عَضُدُ".
(9)
معاني القرآن: 1/ 462.
(10)
انظر: لسان العرب: 6/ 284.
(11)
تفسير الثعلبي: 3/ 134.
(12)
صفوة التفاسير: 205.
قال الطبري: أي: " يتمنون لكم العنَت والشر في دينكم وما يسوءكم ولا يسرُّكم"(1).
قال الثعلبي: " أي تمنوا ضركم وشركم وإثمكم وهلاككم"(2).
قال الواحدي: أي: " تمنَّوا ضلالكم عن دينكم"(3).
قال ابن كثير: أي: " ويودون ما يُعْنتُ المؤمنين ويخرجهم ويَشُقّ عليهم"(4).
وفي قوله تعالى: {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ} [آل عمران: 118]، تأويلان:
أحدهما: ودوا إضلالكم عن دينكم، وهو قول السدي (5).
والثاني: ودوا أن تعنتوا في دينكم، أي: تحملون على المشقة فيه، وهو قول ابن جريج (6).
قال الزجاج: " ومعنى العنت: إدخال المشقة على الإنسان، يقال فلان متعنت فلانا، أي يقصد إدخال المشقة والأذى عليه، ويقال قد عنت العظم يعنت عنتا إذا أصابه شيء بعد الجبر، وأصل هذا كله مرق قولهم: (اكمة عنوت) إذا كانت طويلة شاقة المسلك، فتأويل أعنت فلانا، حملته على المشقة"(7).
قوله تعالى: {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} [آل عمران: 118]، " أي: ظهرت أمارات العداوة لكم على ألسنتهم" (8).
قال مقاتل: " قد ظهرت العداوة بألسنتهم"(9).
قال الثعلبي: "أي: " قد ظهرت امارة العداوة من أفواههم بالشتيمة والوقيعة في المسلمين. وقيل: باطلاع المشركين على أسرار المؤمنين. وقيل: هو مثل قوله: {ولتعرفنهم في لحن القول} [محمد: 30] " (10).
قال الطبري: " والذي بدا لهم منهم بألسنتهم، إقامتهم على كفرهم، وعداوتهم من خالف ما هم عليه مقيمونَ من الضلالة. فذلك من أوكد الأسباب في معاداتهم أهل الإيمان، لأن ذلك عداوة على الدين، والعداوة على الدين العداوة التي لا زوال لها إلا بانتقال أحد المتعاديين إلى ملة الآخر منهما، وذلك انتقال من هدى إلا ضلالة كانت عند المنتقل إليها ضلالة قبل ذلك. فكان في إبدائهم ذلك للمؤمنين، ومقامهم عليه، أبينُ الدلالة لأهل الإيمان على ما هم عليه من البغضاء والعداوة"(11).
وفي قراءة عبد الله: " {قد بدأ البغضاء} "(12).
قوله تعالى: {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} [آل عمران: 118]، " اي: وما يبطنونه لكم من البغضاء أكثر مما يظهرونه" (13).
قال قتادة: " وما تخفي صدورهم أكبر مما قد أبدوا بألسنتهم"(14). وروي عن الربيع مثل ذلك (15).
قال مقاتل: " يعنى ما تسر قلوبهم من الغش أكبر مما بدت بألسنتهم"(16).
قوله تعالى: {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ} [آل عمران: 118]، أي:" قد بينا لكم الآيات الدالة على وجوب الإخلاص في الدين وموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه"(17).
(1) تفسير الطبري: 7/ 140.
(2)
تفسير الثعلبي: 3/ 134.
(3)
الوجيز: 228.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 106.
(5)
انظر: تفسير الطبري (7689): ص 7/ 143.
(6)
انظر: تفسير الطبري (7690): ص 7/ 144.
(7)
معاني القرآن: 1/ 462.
(8)
صفوة التفاسير: 205.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 297.
(10)
تفسير الثعلبي: 3/ 134.
(11)
تفسير الطبري: 7/ 145.
(12)
الكشاف: 1/ 406.
(13)
صفوة التفاسير: 205.
(14)
أخرجه الطبري (7693): ص 7/ 147.
(15)
انظر: تفسير الطبري (7694): ص 7/ 147.
(16)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 297 - 298.
(17)
الكشاف: 1/ 406.
قال الصابوني: " أي: وضحنا لكم الآيات الدالة على وجوب الإِخلاص في الدين، وموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين"(1).
قال مقاتل: " يقول ففي هذا بيان لكم منهم"(2)
قال الواحدي" أَيْ: علامات اليهود في عداوتهم"(3).
قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118]، " أي: إن كنتم عقلاء" (4).
قال الطبري: " إن كنتم تعقلون عن الله مواعظه وأمره ونهيه، وتعرفون مواقع نفع ذلك منكم، ومبلغ عائدته عليكم"(5).
قال أبو السعود: " أي إن كنتم من أهل العقل أو إن كنتم تعقلون ما بين لكم من الآيات والجواب محذوف لدلالة المذكور عليه"(6).
الفوائد:
1 -
تحريم اتخاذ البطانة التي ليست منّا، لأن الأصل في النهي: التحريم، عليه فإن تجنب البطانة السيئة من مقتضيات الإيمان.
2 -
بيان عنياة الله تعالى بعباده المؤمنين إذ حذرهم إى أمور قد تخفى عليهم وذلك باتخاذا لبطانات السيئة.
3 -
أن أعداء الاسلام يودّون لنا ما يشق علينا في الدنيا والدين.
4 -
أن في قلوب أعداء الاسلام من العداوة والبغضاء أكثر مما يبدو.
5 -
منّة الله تعالى علينا ببيان آياته.
6 -
أنه كلما كان الإنسان أشد عقلا أو أقوى عقلا كان أفهم لآيات الله.
القرآن
التفسير:
ها هو ذا الدليل على خطئكم في محبتهم، فأنتم تحبونهم وتحسنون إليهم، وهم لا يحبونكم ويحملون لكم العداوة والبغضاء، وأنتم تؤمنون بالكتب المنزلة كلها ومنها كتابهم، وهم لا يؤمنون بكتابكم، فكيف تحبونهم؟ وإذا لقوكم قالوا -نفاقًا-: آمنَّا وصدَّقْنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض بدا عليهم الغم والحزن، فعَضُّوا أطراف أصابعهم من شدة الغضب، لما يرون من ألفة المسلمين واجتماع كلمتهم، وإعزاز الإسلام، وإذلالهم به. قل لهم -أيها الرسول-: موتوا بشدة غضبكم. إن الله مطَّلِع على ما تخفي الصدور، وسيجازي كلا على ما قدَّم مِن خير أو شر.
في سبب نزول الآية ثلاثة أقوال:
أحدها: أخرج الطبري عن مجاهد: "نزلت هذه الآية في المنافقين"(7).
والثاني: أنها نزلت في الإباضية. وهذا قول أبي الجوزاء (8).
(1) صفوة التفاسير: 205.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 297 - 298.
(3)
الوجيز: 228.
(4)
صفوة التفاسير: 205.
(5)
تفسير الطبري: 7/ 148.
(6)
تفسير أبي السعود: 2/ 76.
(7)
تفسير الطبري (7698): ص 7/ 151.
(8)
انظر: تفسير الطبري (7701): ص 7/ 152. وابن أبي حاتم (4051): ص 3/ 745، و" الإباضية "، فرقة من الحرورية، وهم أصحاب عبد الله بن إباض التميمي، الخارج في أيام مروان بن محمد. ومن قولهم: إن مخالفينا من أهل القبلة كفار غير مشركين، ومناكحتهم جائزة، وموارثتهم حلال، وغنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب حلال، وما سواه حرام، وإن دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد. وقالوا: إن مرتكب الكبيرة موحد، لا مؤمن.
والثالث: أنها نزلت في اليهود. . وهذا قول مقاتل بن حيان (1).
قوله تعالى: {هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ} [آل عمران: 119]، "أي: ها أنتم يا معشر المؤمنين خاطئون في موالاتكم إذ تحبونهم ولا يحبونكم" (2).
قال مقاتل بن حيان: " ها أنتم أولاء معشر الأنصار"(3).
قال الطبري: أي: "ها أنتم، أيها المؤمنون، الذين تحبونهم، تحبون هؤلاء الكفار، فتودونهم وتواصلونهم وهم لا يحبونكم بل يبطنون لكم العداوة والغش"(4).
قال ابن قتيبة: "أي: ها أنتم يا هؤلاء تحبونهم"(5).
قال ابن كثير: " أي: أنتم - أيها المؤمنون - تحبون المنافقين مما يظهرون لكم من الإيمان، فتحبونهم على ذلك وهم لا يحبونكم، لا باطنا ولا ظاهرا"(6).
قال ابن أبي زمنين: " يقول للمؤمنين: أنتم تحبون المنافقين؛ لأنهم أظهروا الإيمان، فأحبوهم على ما أظهروا، ولم يعلموا ما في قلوبهم"(7).
قال الزجاج: " خطاب للمؤمنين، أعلموا فيه أن منافقي أهل الكتاب لا يحبونهم وأنهم هم يصحبون هؤلاء المنافقين بالبر والنصيحة التي يفعلها المحب وأن المنافقين على ضد ذلك، فأعلم الله جل وعز المؤمنين ما يسره المنافقون وهذا من آيات النبي صلى الله عليه وسلم –"(8).
قال قتادة: " فوالله إن المؤمن ليحب المنافق ويأوى له ويرحمه. ولو أن المنافق يقدر على ما يقدر عليه المؤمن منه، لأباد خضراءه"(9).
وقال ابن جريج: " المؤمن خير للمنافق من المنافق للمؤمن، يرحمه. ولو يقدر المنافق من المؤمن على مثل ما يقدر المؤمن عليه منه، لأباد خضراءه"(10).
ولأهل العلم في قوله تعالى: {هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ} [آل عمران: 119]، ثلاثة اوجه من التفسير:
أحدهما: أنهم المنافقون يجامعون المؤمنين بألسنتهم على الإيمان، فيحبونهم المؤمنون على ذلك. قاله الحسن (11)، وروي عن قتادة (12) نحوه.
والثاني: انهم الإباضية، وهذا قول أبي الجوزاء (13).
والثالث: أنهم اليهود، والمعنى: تحبونهم يعني اليهود ولا يحبونكم. وهذا قول مقاتل بن حيان (14).
قوله تعالى: {وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ} [آل عمران: 119]، أي: وأنتم "تصدقون بكتب الله كلها"(15).
(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4049): ص 3/ 744.
(2)
صفوة التفاسير: 205.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4045): ص 3/ 744.
(4)
تفسير الطبري: 7/ 148.
(5)
غريب القرآن لابن قتيبة: 109.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 108.
(7)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 314.
(8)
معاني القرآن: 1/ 462.
(9)
أخرجه الطبري (7696): ص 7/ 151.
(10)
أخرجه الطبري (7697): ص 7/ 151.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4046): ص 3/ 744.
(12)
انظر: تفسير الطبري (7696): ص 7/ 151.
(13)
انظر: تفسير الطبري (7701): ص 7/ 152. و" الإباضية "، فرقة من الحرورية، وهم أصحاب عبد الله بن إباض التميمي، الخارج في أيام مروان بن محمد. ومن قولهم: إن مخالفينا من أهل القبلة كفار غير مشركين، ومناكحتهم جائزة، وموارثتهم حلال، وغنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب حلال، وما سواه حرام، وإن دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد. وقالوا: إن مرتكب الكبيرة موحد، لا مؤمن.
(14)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4049): ص 3/ 744.
(15)
معاني القرآن: 1/ 463.
قال مقاتل: " كتاب محمد- صلى الله عليه وسلم والكتب كلها التي كانت قبله"(1).
قال ابن كثير: " أي: ليس عندكم في شيء منه شك ولا رَيْب، وهم عندهم الشك والرِّيَب والحِيرة"(2).
قال الصابوني: " أي: وأنتم تؤمنون بالكتب المنزلة كلها"(3).
قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا} [آل عمران: 119]، أي:" إذا لقوا المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطوهم بألسنتهم تقيةً حذرًا على أنفسهم منهم فقالوا لهم: قد آمنا وصدقنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم "(4).
قال مقاتل بن حيان: " يعني: المنافقين إذا لقوا المؤمنين أظهروا الإيمان فيحبونهم على ما أظهروا لهم، ويرون أنهم صادقون بما يقولون ولا يعلمون بما في قلوبهم من الشك والكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم"(5).
قال الربيع بن أنس: "قوله: {وإذا لقوكم}، يعني: أهل النفاق إذا لقوا المؤمنين قالوا: آمنا ليس بهم إلا مخافة على دمائهم وأموالهم"(6).
قال مقاتل بن سليمان: " يعني صدقنا بمحمد- صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، وهم كذبة يعني اليهود مثلها فى المائدة- {وإذا جاؤكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر
…
} إلى آخر الآية (7) " (8).
قال الزجاج: " أي نافقوكم"(9).
قوله تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} [آل عمران: 119]، "أي: وإذا خلت مجالسهم منكم عضواً أطراف الأصابع من شدة الحنق والغضب لما يرون من ائتلافكم" (10).
قال المراغي: أي: " وإذا هم صاروا فى خلاء حيث لايراهم المؤمنون أظهروا شدة العداوة والغيظ منهم، حتى ليبلغ الأمر إلى عضّ الأنامل كما يفعل أحدنا إذا اشتد غيظه، وعظم حزنه على فوات مطلوبه، وإنما فعلوا ذلك لما رأوا من ائتلاف المؤمنين، واجتماع كلمتهم، وصلاح ذات بينهم، ونصر الله إياهم حتى عجز أعداؤهم أن يجدوا سبيلا إلى التشفي منهم، فاضطروا إلى مداراتهم"(11).
قال قتادة: " إذا لقوا المؤمنين قالوا: " آمنا "، ليس بهم إلا مخافة على دمائهم وأموالهم، فصانعوهم بذلك " وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ "، يقول: مما يجدون في قلوبهم من الغيظ والكراهة لما هم عليه. لو يجدون ريحًا لكانوا على المؤمنين، فهم كما نعت الله عز وجل"(12).
قال الطبري: أي: " وإذا هم خلوا فصاروا في خلاء حيث لا يراهم المؤمنون، عضوا - على ما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم وصلاح ذات بينهم - أناملَهم، وهي أطراف أصابعهم، تغيُّظًا مما بهم من الموجدة عليهم، وأسىً على ظهرٍ يسنِدون إليه لمكاشفتهم العداوة ومناجزتهم المحاربة"(13).
قال أبيّ: " كان أبو الجوزاء إذا تلا هذه الآية: {وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ}، قال: هم الإباضية"(14).
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 298.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 108.
(3)
صفوة التفاسير: 205.
(4)
تفسير الطبري: 7/ 151.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4052): ص 3/ 745.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (4052): ص 3/ 745.
(7)
المائدة: 61.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 298.
(9)
معاني القرآن: 1/ 463.
(10)
صفوة التفاسير: 205.
(11)
تفسير المراغي: 4/ 36 - 47.
(12)
أخرجه الطبري (7699): ص 7/ 152.
(13)
تفسير الطبري: 7/ 151 - 152.
(14)
أخرجه الطبري (7701): ص 7/ 152.
وفي الأنامل قولان:
أحدهما: أنها أطراف الأصابع. قاله قتادة (1)، والربيع (2)، والزجاج (3).
والثاني: أنها الأصابع. وهذا قول عبدالله (4)، والسدي (5)، والضحاك (6).
قال الراغب: " والغيظ هو الغضب والغم، فإن الغضب يقال فيما معه القدرة، على الانتقام، والغم فيما ليس معه قدرة الانتقام، والغيظ فيما ليس معه تمام القدرة على الانتقام، ولذلك يستعمل في صفات الله الغضب دون الغيظ"(7).
قوله تعالى: {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ} [آل عمران: 119]، " أي: قل يا محمد: أدام الله غيظكم إلى أن تموتوا" (8).
قال الحجازي: أي: " أخبرهم يا محمد، أنهم لا يدركون ما يؤملون، فإن الموت دون ذلك"(9).
قال الثعلبي: " إن قيل: كيف لا يموتون والله تعالى إذا قال لشيء كن فيكون؟
فالجواب: أن المراد ابقوا بغيضكم إلى الممات فإن مناكم عن الاسعاف محجوبة" (10).
قال الطبري: " وخرَج هذا الكلام مخرج الأمر، وهو دعاء من الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بأن يدعو عليهم بأن يهلكهم الله، كمَدًا مما بهم من الغيظ على المؤمنين، قبل أن يروا فيهم ما يتمنون لهم من العنت في دينهم، والضلالة بعد هداهم، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد: أهلكوا بغيظكم "(11).
قال ابن كثير: " أي: مهما كنتم تحسدون عليه المؤمنين ويغيظكم ذلك منهم، فاعلموا أن الله مُتمّ نعمته على عباده المؤمنين ومُكَملٌ دينه، ومُعْلٍ كلمتَه ومظهر دينَه، فموتوا أنتم بغيظكم"(12).
قال الماتريدي: " إنما كان يغيظهم ما كان للمسلمين من السعة، والنصر، والتكثر، والعز؛ فيكون في ذلك دعاء لهم بتمام ذلك، حتى لا يروا فيهم الغير"(13).
قال السعدي: " ي: سترون من عز الإسلام وذل الكفر ما يسوؤكم، وتموتون بغيظكم، فلن تدركوا شفاء ذلك بما تقصدون"(14).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 119]، " أي: إن الله علام بما تكنة سرائركم من البغضاء والحسد للمؤمنين" (15).
قال الطبري: أي: " إن الله ذو علم بالذي في صدور جميع خلقه"(16).
قال مقاتل: " يعني: يعلم ما في قلوبهم من العداوة والغش للمؤمنين "(17).
قال الثعلبي: أي: " بما في القلوب من خير وشر"(18).
(1) انظر: تفسير الطبري (7702): ص 7/ 153.
(2)
انظر: تفسير الطبري (7703): ص 7/ 153.
(3)
انظر: معاين القرآن: 1/ 464.
(4)
انظر: تفسير الطبري (7704): ص 7/ 153 - 154.
(5)
انظر: تفسير الطبري (7703): ص 7/ 153.
(6)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4054): ص 3/ 746.
(7)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 827.
(8)
صفوة التفاسير: 205.
(9)
التفسير الواضح، للحجازي: 1/ 272. [بتصرف].
(10)
تفسير الثعلبي: 3/ 136.
(11)
تفسير الطبري: 7/ 154.
(12)
تفسير ابن كثير: 2/ 108.
(13)
تفسير الماتريدي: 2/ 465.
(14)
تفسير السعدي: 973.
(15)
صفوة التفاسير: 205.
(16)
تفسير الطبري: 7/ 155. [بتصرف].
(17)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 298.
(18)
تفسير الثعلبي: 3/ 136.
قال ابن كثير: " أي: هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم، وتُكنُّه سَرَائرُكُم من البغضاء والحسد والغل للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تؤمّلون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها، فلا خروج لكم منها"(1).
وفي حرف حفصة: " {قل موتوا بغيظكم لن تضرونا شيئا} "(2).
الفوائد:
1 -
بيان علم الله تعالى بما في القلوب، لأن المحبة والكراهية من أعمال القلوب، ولايطلع عليها إلا الله تعالى، لكن لها آثار تدل عليها.
2 -
التحذير ممن يبدي أنه ناصح لك وقلبه كاره لك، وعليه يجب عدم الاغترار بمن ظاهر حاله النصح، بل يجب القياس على الأفعال، لأن العبرة بالأفعال لا بالأقوال.
3 -
أن هذه الأمة الاسلامية تؤمن بجميع الكتب المنزلة من عند الله.
4 -
إثبات الأسباب، لقوله:{من الغيظ} ، لأن {من} سببية، أي بسبب الغيظ، فكل مسبب له سبب قطعا.
5 -
ينبغي للمسلم أن يكون قويا أمام أعدائه، لقوله:{قل موتوا بغيظكم} .
6 -
إثبات علم الله لما في القلوب على وجه صريح، لقوله:{إن الله عليم بذات الصدور} ، ودلالة هذه الجملة على علم الله بما في القلوب دلالة مطابقة، ودلالة قوله:{ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم} دلالة التزام.
القرآن
التفسير:
ومن عداوة هؤلاء أنكم -أيها المؤمنون- إن نزل بكم أمرٌ حسن مِن نصر وغنيمة ظهرت عليهم الكآبة والحزن، وإن وقع بكم مكروه من هزيمة أو نقص في الأموال والأنفس والثمرات فرحوا بذلك، وإن تصبروا على ما أصابكم، وتتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، لا يضركم أذى مكرهم. والله بجميع ما يعمل هؤلاء الكفار من الفساد محيط، وسيجازيهم على ذلك.
قوله تعالى: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} [آل عمران: 120]، " أي: إن أصابكم ما يسركم من رخاءٍ وخصبٍ ونصرة وغنيمة ونحو ذلك ساءتهم" (3).
قال قتادة: " فإذا رأوا من أهل الإسلام ألفة وجماعة وظهورًا على عدوهم، غاظهم ذلك وساءهم"(4).
قال الربيع: "، قال: هم المنافقون، إذا رأوا من أهل الإسلام جماعة وظهورًا على عدوهم، غاظهم ذلك غيظًا شديدًا وساءهم"(5).
قال ابن كثير: " وهذه الحال دالة على شدة العداوة منهم للمؤمنين وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصب، ونصر وتأييد، وكثروا وعزّ أنصارهم، ساء ذلك المنافقين"(6).
قال الراغب: " الحسنة: عبارة عن كل ما يستحسنه الإنسان مما يسره من نعمة ينالها في بدنه وماله، وجاهه، والسيئة تضادها، والمس والإصابة يستعملان في الخير والشر، إلا أن المصيبة اختصت، بما يسوء"(7).
وقرأ السلمي: {يمسسكم} ، بالياء (8).
قوله تعالى: {وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا} [آل عمران: 120]، "أي: وإن أصابكم ما يضركم
من شدةٍ وجدبٍ وهزيمةٍ وأمثال ذلك سرتهم" (9).
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 108.
(2)
تفسير الماتريدي: 2/ 465.
(3)
صفوة التفاسير: 205.
(4)
أخرجه الطبري (7705): ص 7/ 155.
(5)
أخرجه الطبري (7706): ص 7/ 156.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 108 - 109.
(7)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 830 - 831.
(8)
تفسير الثعلبي: 3/ 136.
(9)
صفوة التفاسير: 205.
قال قتادة: " وإذا رأوا من أهل الإسلام فُرقة واختلافًا، أو أصيب طرف من أطراف المسلمين، سرَّهم ذلك وأعجبوا به وابتهجوا به. فهم كلما خرج منهم قَرْنٌ أكذبَ الله أحدوثته، وأوطأ محلَّته، وأبطل حجته، وأظهر عورته، فذاك قضاء الله فيمن مضى منهم وفيمن بقى إلى يوم القيامة"(1).
قال الربيع: " وإذا رأوا من أهل الإسلام فرقة واختلافًا، أو أصيب طرفٌ من أطراف المسلمين، سرَّهم ذلك وأعجبوا به"(2).
قال ابن كثير: " وإن أصاب المسلمين سيئة إما: جَدْب أو أُديل عليهم الأعداء، لما لله في ذلك من الحكمة، كما جرى يوم أُحُد، فَرح المنافقون بذلك"(3).
قوله تعالى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران: 120]، " أي: وإن صبرتم على أذاهم واتقيتم الله في أقوالكم وأعمالكم لا يضركم مكرهم وكيدهم" (4).
قال ابن كثير: " يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكَيْدِ الفُجّار، باستعمال الصبر والتقوى، والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم، فلا حول ولا قوة لهم إلا به، وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته، ومن توكل عليه كفاه"(5).
قال الزمخشري: أي: " وإن تصبروا على عداوتهم وتتقوا ما نهيتم عنه من موالاتهم. أو وإن تصبروا على تكاليف الدين ومشاقه وتنقوا الله في اجتنابكم محارمه كنتم في كنف الله فلا يضركم كيدهم.
…
وهذا تعليم من الله وإرشاد إلى أن يستعان على كيد العدو بالصبر والتقوى. وقد قال الحكماء: إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلا في نفسك" (6).
قال الطبري: " ويعني بـ {كيدهم}، غوائلهم التي يبتغونها للمسلمين، ومكرهم بهم ليصدّوهم عن الهدى وسبيل الحق"(7).
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: {لا يَضُرُّكُمْ} مخففة بكسر الضاد، وقرأ الضحاك بضم الضاد وجزم الراء خفيفة (8).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120]، أي:"إن الله عالم بما يعمل هؤلاء الكفار"(9).
قال الواحدي: يعني: " عالمٌ به فلن تعدموا جزاءه"(10).
قال الزمخشري: "بمعنى أنه عالم بما يعملون في عداوتكم فمعاقبهم عليه"(11).
وقرأ الأعمش والحسن: {تعملون} ، بالتاء (12)، والمعنى:"إن الله بما تعملون من الصبر والتقوى وغيرهما محيط، ففاعل بكم ما أنتم أهله"(13).
الفوائد:
1 -
أن العدو لا تقبل شهادته على عدوه، لأن العدو إذا اصابت عدوه حسنة ساءته، وإذا أصابته سيئة فرح بها.
2 -
أن العدوّ مهما أظهر لك من الصداقة فإنه كاذب.
(1) أخرجه الطبري (7705): ص 7/ 155 - 156.
(2)
أخرجه الطبري (7706): ص 7/ 156.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 109.
(4)
صفوة التفاسير: 205.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 109.
(6)
الكشاف: 1/ 408.
(7)
تفسير الطبري: 7/ 156.
(8)
انظر: تفسير الطبري: 7/ 156، وتفسير الثعلبي: 3/ 137.
(9)
تفسير الطبري: 7/ 158، وتفسير الثعلبي: 3/ 137.
(10)
الوجيز: 229.
(11)
الكشاف: 1/ 408.
(12)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 137.
(13)
الكشاف: 1/ 408.
3 -
التحذير من تولية اليهود والنصارى لأمور المسلمين لأنهم لا يألوننا خبالا ويسرون بما يسوؤنا ويساؤون بما يسرنا.
4 -
الاستعانة بالصبر والتقوى أمام كيد أعداء الاسلام، لأن الصبر والتقوى يدفع الأعداء، لقوله:{وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم} .
5 -
إحاطة الله سبحانه وتعالى بعمل هؤلاء في كل شيء، في العلم والتدبير وإحباط أعمالهم وتدميرهم، فالله محيط بهم من كل وجه، ولكن قد يتأذى المسلم بكيد هؤلاء ابتلاءا من الله، فيجب الوثوق بوعد الله تعالى وانتظار الفرج منه تعالى.
القرآن
{وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121)} [آل عمران: 121]
التفسير:
واذكر -أيها الرسول- حين خَرَجْتَ من بيتك لابسًا عُدَّة الحرب، تنظم صفوف أصحابك، وتُنْزِل كل واحد في منزله للقاء المشركين في غزوة «أُحُد» . والله سميع لأقوالكم، عليم بأفعالكم.
في سبب نزول الآية: أخرج ابن أبي حاتم عن المسور بن مخرمة قال: "قلت لعبد الرحمن بن عوف: يا خالي أخبرني عن قصتكم يوم أحد فقال: اقرأ بعد العشرين ومائة من آل عمران تجد قصتنا: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} إلى قوله: {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا}، قال: هم الذين طلبوا الأمان من المشركين"(1).
قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} [آل عمران: 121]، " أي: اذكر يا محمد حين خرجت إلى أحد من عند أهلك" (2).
قال مجاهد: " النبي صلى الله عليه وسلم مشى يومئذ على رجليه يبوئ المؤمنين"(3).
قال قتادة: " يوم أحد، غدا نبي الله صلى الله عليه وسلم من أهله إلى أحد"(4).
قال الزمخشري: " واذكر إذ غدوت من أهلك بالمدينة وهو غدوه إلى أحد من حجرة عائشة رضى الله عنها"(5).
قوله تعالى: {تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [آل عمران: 121]، أي:" تتخذ للمؤمنين معسكرًا وموضعًا لقتال عدوهم"(6).
قال مقاتل: " يعني: توطن لهم مقاعد للقتال في الخندق قبل أن يستبقوا إليه ويستعدوا للقتال"(7).
قال الزجاج: " روى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في منامه كان عليه درعا حصينة. فأولها المدينة، فأمر صلى الله عليه وسلم المسلمين - حين أقبل إليهم المشركون بالإقامة بها إلى أن يوافيهم المشركون فتكون الحرب بها فذلك تبوئة المقاعد للقتال، وقال بعضهم معناه: مواطن للقتال، والمعنى واحد"(8).
قال الماتريدي: " قيل: تهيئ للمؤمنين أمكنة القتال، وقيل: {تبوئ}: تنزل المؤمنين، وقيل: {تبوئ المؤمنين}: تتخذ للمؤمنين مقاعد لقتال المشركين، وقيل: {تبوئ}: توطن، وقيل: تستعد للقتال، كله يرجع إلى واحد"(9).
وفي قراءة عَبْد اللَّه: {تبويء للمؤمنين مقاعد للقتال} ، قال الفراء:" والعرب تفعل ذلك، فيقولون: ردفك وردف لك"(10).
(1) تفسير ابن أبي حاتم (4074): ص 3/ 749.
(2)
صفوة التفاسير: 207.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4067): ص 3/ 748.
(4)
أخرجه ابن المنذر (862): ص 1/ 357.
(5)
الكشاف: 1/ 408.
(6)
تفسير الطبري: 7/ 165.
(7)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 298.
(8)
معاني القرآن: 1/ 465.
(9)
تفسير الماتريدي: 2/ 466.
(10)
معاني القرآن: 1/ 233.
وقرأ يحيى بن ثاب: {تبوي المؤمنين} ، خفيفة غير مهموزة، قال الثعلبي:" والتشديد أفصح وأشهر، وتصديقه قوله تعالى: ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق «1»، وقال لنبوئنهم من الجنة غرفا"(1).
واختلف في أي حرب كان قوله تعالى: {تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [آل عمران: 121]، وفيه وجوه:
أحدها: أنه يوم أحد. قاله ابن عباس (2)، وهو معنى قول عبدالرحمن بن عوف (3)، وهو قول الأكثرين (4).
والثاني: أنه يوم الأحزاب. وهذا قول الحسن (5).
والثالث: وقيل: أنه كان يوم الخندق (6).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 121]، " أي: والله سميع لأقوالكم عليمٌ بأحوالكم" (7).
قال محمد بن إسحاق: " أي: سميع لما يقولون، عليم بما يخفون"(8).
قال الماتريدي: " يحتمل. سميع لمقالتكم؛ عليم بسرائركم، ويحتمل: سميع بذكركم الله والدعاء له؛ لأنهم أمروا بالذكر لله، والثبات للعدو بقوله عز وجل: (فاثبتوا واذكروا الله كثيرا)، وعليم بثوابكم، ويحتمل قوله: {سميع عليم {: البشارة من الله عز وجل بالنصر لهم، والأمن من ضرر يلحقهم؛ كقوله - تعالى - لموسى وهارون: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (44) قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى (45)} [طه: 44 - 45]، ثم قال عز وجل: {قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى} [طه: 46]، أمنهما من عدوهما بقوله عز وجل: {أسمع وأرى}، فعلى ذلك يحتمل ذا في قوله عز وجل: {سميع عليم}، ويكون سميع: أي: أسمع دعاءكم؛ بمعنى: أجيب، وأعلم ما به نصركم وظفركم"(9).
الفوائد:
1 -
حسن تدبير رسول الله-صلى الله عليه وسلم في الحرب.
2 -
أنه ينبغي للقائد أن يبوئ أمكنة المقاتلين يعرّف كل واحد منهم مكانه وعمله، لأن للنظام فوائد كبيرة ولاسيما في هذه الأعمال.
3 -
شهادة الله تعالى للذين خرجوا في احد بأنهم مؤمنون، لأن المنافقين رجعوا قبل أن يصلوا إلى مكان القتال في أثناء السير.
4 -
إثبات هذين الإسمين لله، وهما: السميع والعليم، فالسميع يتعلق بالأصوات، والعليم يتعلق بما هو اعم، بما يدرك بالسمع وماما يدرك بالبصر وغير ذلك، فالعليم هو من اوسع الأسماء دلالة.
القرآن
{إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122)} [آل عمران: 122]
التفسير:
اذكر -أيها الرسول- ما كان من أمر بني سَلِمة وبني حارثة حين حدثتهم أنفسهم بالرجوع مع زعيمهم المنافق عبد الله بن أُبيٍّ; خوفًا من لقاء العدو، ولكن الله عصمهم وحفظهم، فساروا معك متوكلين على الله. وعلى الله وحده فليتوكل المؤمنون.
في سبب نزول الآية: أخرج البخاري (10) ومسلم (11) وغيرهما (12)، من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو ابن دينار:" سمعت جابر بن عبد الله يقول: فينا نزلت: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} قال: نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل لقول الله {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} "(13).
(1) تفسير الثعلبي: 3/ 139.
(2)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4069): ص 3/ 748.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4074): ص 3/ 749.
(4)
انظر: تفسير الماتريدي: 2/ 466.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4070): ص 3/ 748.
(6)
انظر: تفسير الماتريدي: 2/ 466.
(7)
صفوة التفاسير: 207.
(8)
أخرجه الطبري (7719): ص 7/ 165.
(9)
تفسير الماتريدي: 2/ 467.
(10)
في "صحيحه" كتاب "المغازي" باب غزوة أحد "الفتح""7/ 357" وكتاب التفسير "الفتح""8/ 225".
(11)
في "صحيحه"، كتاب "فضائل الصحابة"، باب من فضائل الأنصار "4/ 1948".
(12)
كالطبري "7/ 167""7728" وابن حاتم "2/ 1/ 511""1320" و"514""1330".
وزاد السيوطي "2/ 305" نسبته إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في "الدلائل".
(13)
العجاب: 2/ 740 - 741.
قوله تعالى: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا} [آل عمران: 122]، "أي: حين كادت طائفتان من جيش المسلمين أن تجبنا وتضعفا وهمتا بالرجوع" (1).
قال الواحدي: أي: " أَنْ تجبنا، وذلك أنَّ هؤلاء همُّوا بالانصراف عن الحرب فعصمهم الله"(2).
قال الطبري: " همَّا أن يضعفا ويجبنا عن لقاء عدوّهما"(3).
قال ابن عباس: " الفشل: الجبن"(4).
وقال محمد بن إسحاق: " {أن تفشلا}: أي أن يتخاذلا"(5).
قال عكرمة: ": نزلت في بني سلِمة من الخزرج، وبني حارثة من الأوس، ورأسهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول"(6).
قال قتادة: " وذلك يوم أحد، والطائفتان: بنو سلِمة وبنو حارثة، حيان من الأنصار، همُّوا بأمر فعصمهم الله من ذلك، وقد ذكر لنا أنه لما أنزلت هذه الآية قالوا: ما يسرُّنا أنَّا لم نَهُمَّ بالذي هممنا به، وقد أخبرنا الله أنه ولينا"(7).
أي: "لفرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله تعالى وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية. وإن تلك الهمة ما أخرجتهم عن ولاية الله تعالى"(8).
وقال السدي: " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد في ألف رجل، وقد وعدهم الفتحَ إن صبروا. فلما رجع عبد الله بن أبي ابن سلول في ثلاثمائة فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم، فلما غلبوه وقالوا له: ما نعلم قتالا ولئن أطعتنا لترجعنَّ معنا وقال [الله عز وجل]: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا "، وهم بنو سلمة وبنو حارثة هموا بالرجوع حين رجع عبد الله بن أبي، فعصمهم الله، وبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعمئة"(9).
وقال الحسن: " هما طائفتان من الأنصار همتا أن تفشلا فعصمهما الله، فهزم الله عدوهم"(10).
أخرج الطبري عن مجاهد في قول الله: " {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا}، قال: بنو حارثة، كانوا نحو أحُد، وبنو سلِمة نحو سَلْع، وذلك يوم الخندق"(11).
قال الثعلبي: " {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} : تجبنا وتضعفا وتتخلفا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم بنو أسامة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانا جناحي العسكر، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد في ألف رجل، وقيل: تسعمائة وتسعين رجلا، وقال الزجاج: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد وقت القتال ثلاثة آلاف، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد وقد وعد أصحابه الفتح إن صبروا، فلما بلغوا الشوط انخزل عبد الله بن أبي الخزرجي ثلث الناس فرجع في ثلاثمائة، وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم أبو جابر السلمي فقال: أنشدكم الله في نبيكم وفي أنفسكم. فقال عبد الله بن أبي: لو نعلم قتالا لاتبعناكم. وهمت بنو سلمة وبنو حارثة بالانصراف مع عبد الله بن أبي فعصمهم الله فلم ينصرفوا،
(1) صفوة التفاسير: 207.
(2)
الوجيز: 229.
(3)
تفسير الطبري: 7/ 168.
(4)
أخرجه الطبري (7731): ص 7/ 168.
(5)
أخرجه ابن ابي حاتم (4076): ص 3/ 749.
(6)
أخرجه الطبري (7724): ص 7/ 166 - 167.
(7)
أخرجه الطبري (7721): ص 7/ 166.
(8)
محاسن التأويل: 2/ 402.
(9)
أخرجه الطبري (7723): ص 7/ 166 - 167.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (4075): ص 3/ 749.
(11)
تفسير الطبري (7720): ص 7/ 166.
ومضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرهم الله عظيم نعمته بعصمته فقال: إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما" (1).
قال الزمخشري: " وعن ابن عباس رضى الله عنه: «أضمروا أن يرجعوا، فعزم الله لهم على الرشد فثبتوا» ، والظاهر أنها ما كانت إلا همة وحديث نفس، وكما لا تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع، ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر ويوطنها على احتمال المكروه، كما قال عمرو بن الأطنابة:
أقول لها إذا جشأت وجاشت
…
مكانك تحمدى أو تستريحى
حتى قال معاوية: عليكم بحفظ الشعر، فقد كدت أضع رجلي في الركاب يوم صفين، فما ثبت منى إلا قول عمرو بن الأطنابة. ولو كانت عزيمة لما ثبتت معها الولاية" (2).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} [آل عمران: 122]، أي:"والله ناصرهما ومتولي امرهما"(3).
قال الثعلبي: أي"ناصرهما وحافظهما"(4).
قال البيضاوي: " ي عاصمهما من اتباع تلك الخطرة، ويجوز أن يراد والله ناصرهما فما لهما يفشلان ولا يتوكلان على الله"(5).
قال محمد بن إسحاق: " أي: المدافع عنهما ما همَّتا به من فشلهما، وذلك أنه إنما كان ذلك منهما عن ضعف ووهن أصابهما، من غير شك أصابهما في دينهما، فتولى دفع ذلك عنهما برحمته وعائدته حتى سلمتا من وهنهما وضعفهما، ولحقتا بنبِّيهما صلى الله عليه وسلم"(6).
وقرأ ابن مسعود: {وَاللهُ وَليُّهُمْ} ، قال الطبري: "وإنما جاز أن يقرأ ذلك كذلك، لأن الطائفتين، وإن كانتا في لفظ اثنين، فإنهما في معنى جماع، بمنزلة: الخصمين والحزبين (7).
قوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 122]، أي:" وعلى الله فليتوكل في أمورهم أهل الإيمان به"(8).
قال مقاتل: " يعني فليثق المؤمنون به "(9).
قال البيضاوي: " أي فليتوكلوا عليه ولا يتوكلوا على غيره لينصرهم كما نصرهم ببدر"(10).
قال أبو السعود: أي: " في جميع أمورهم فإنه حسبهم وإظهار الاسم الجليل للتبرك والتعليل فإن الألوهية من موجبات التوكل عليه تعالى واللام في المؤمنين للجنس فيدخل فيه الطائفتان دخولا أوليا وفيه إشعار بأن وصف الإيمان من دواعي التوكل وموجباته"(11).
قال محمد بن إسحاق: " أي: من كان به ضعف من المؤمنين أو وهَن، فليتوكل عليّ، وليستعن بي أعنِه على أمره، وأدفع عنه، حتى أبلغ به وأقوّيه على نيته"(12).
قال ابن عطية: " أمر في ضمنه التغبيط للمؤمنين بمثل ما فعله بنو حارثة وبنو سلمة من المسير مع النبي صلى الله عليه وسلم"(13).
الفوائد:
1 -
أن الدعاية ولو كانت باطلة ربما تؤثر على المؤمن.
(1) تفسير الثعلبي: 3/ 139.
(2)
الكشاف: 1/ 409 - 410.
(3)
صفوة التفاسير: 207.
(4)
تفسير الثعلبي: 3/ 139.
(5)
تفسير البيضاوي: 2/ 36.
(6)
أخرجه الطبري (7732): ص 7/ 168.
(7)
تفسير الطبري: 7/ 169.
(8)
تفسير الطبري: 23/ 243.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 299.
(10)
تفسير البيضاوي: 2/ 36.
(11)
تفسير أبي السعود: 2/ 78.
(12)
أخرجه الطبري (7732): ص 7/ 168 - 169.
(13)
المحرر الوجيز: 1/ 501.
2 -
أن الله تعالى قد يلطف بالمؤمن حتى يثبته على الحق.
3 -
منّة الله تعالى على هاتين الطائفتين، إذ إن الله كان وليا لهما، ولهذا فرحت الطائفتان بهذه الولاية.
4 -
وجوب التوكل على الله وأنه من مقتضى الإيمان، وأنه إذا قوي الإيمان قوي التوكل.
القرآن
{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)} [آل عمران: 123]
التفسير:
ولقد نصركم الله -أيها المؤمنون- بـ «بدر» على أعدائكم المشركين مع قلة عَدَدكم وعُدَدكم، فخافوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه; لعلكم تشكرون له نعمه.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} [آل عمران: 123]، أي:"ولقد نصركم الله يوم بدر وأنتم يومئذ قليلون"(1).
قال ابن إسحاق: " يقول: وأنتم أقل عددًا وأضعف قوة"(2).
قال الحسن: ": يقول: " وأنتم أذلة "، قليل، وهم يومئذ بضعة عشر وثلثمئة"(3).
قال ابن عباس: " عدد أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر وكان المهاجرون منهم سبعة وسبعين، وكان الأنصار مائتين وستة وثلاثين"(4).
قال ابن كثير: " أي: قليل عددكم ليعلموا أن النصر إنما هو من عند الله، لا بكثرة العَدَد والعُدَد؛ ولهذا قال في الآية الأخرى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 25 - 27] "(5).
قال الراغب: " وجعلهم أذلة لا على الحقيقة والمصدوقة، - فمن نصره الله فغير ذليل، ولكن على اعتبار العامة لقلتهم وقلة عدتهم، وهذه أيام تابع الله ذكرها وذكر المسلمين بعظم ما
أولاهم فيها تثبيتا لقلوبهم، وتذكيرا بنعمه عليهم" (6).
قال الضحاك: " «بدر»، ماء عن يمين طريق مكة، بين مكة والمدينة"(7).
قال قتادة: " وبدر ماء بين مكة والمدينة، التقى عليه نبي الله صلى الله عليه وسلم والمشركون، وكان أول قتال قاتله نبي الله صلى الله عليه وسلم وذكر لنا أنه قال لأصحابه يومئذ: " أنتم اليوم بعدَّة أصحاب طالوت يوم لقى جالوت ": فكانوا ثلثمئة وبضعة عشر رجلا والمشركون يومئذ ألفٌ، أو راهقوا ذلك"(8).
واختلف في المعنى الذي من أجله سمي بدر " بدرًا " على قولين:
أحدهما: أنه سمي بذلك، لأنه كان ماء لرجل يسمى " بدرًا "(9)، فسمي باسم صاحبه. قاله الشعبي (10)، ورجّحه الراغب (11)، والبيضاوي (12) وغيرهما.
والثاني: أن ذلك اسم سميت به البقعة، كما سمى سائر البلدان بأسمائها من غير إضافة إلى اسم صاحب. وهذا قول عبدالله بن جعفر (13)، ومحمد بن صالح (14)، ويحيى بن النعمان الغفاري (15).
(1) تفسير الطبري: 7/ 169.
(2)
أخرجه الطبري (7733): ص 7/ 170.
(3)
أخرجه الطبري (7739): ص 7/ 172.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4089): ص 3/ 751.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 111.
(6)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 839.
(7)
أخرجه الطبري (7737): ص 7/ 171.
(8)
أخرجه الطبري (7738): ص 7/ 171.
(9)
قال العز بن عبدالسلام: " {بِبَدْرٍ} اسم ماء سمي باسم صاحبه: بدر بن مخلد بن النضر بن كنانة". [تفسير العزبن عبدالسلام: 1/ 281]
(10)
انظر: تفسير الطبري (7734): ص 7/ 170.
(11)
انظر: تفسير راغب الأصفهاني: 2/ 838 - 839.
(12)
انظر: تفسير البيضاوي: 2/ 36.
(13)
انظر: تفسير الطبري (7736): ص 7/ 170.
(14)
انظر: تفسير الطبري (7736): ص 7/ 170.
(15)
انظر: تفسير الطبري (7734): ص 7/ 170 - 171.
قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123]، أي:" فاتقوا ربكم بطاعته واجتناب محارمه، لتشكروه على ما منَّ به عليكم من النصر"(1).
قال ابن إسحاق: " أي: فاتقون، فإنه شكر نعمتي"(2).
قال ابن الجوزي: " أي لتكونوا من الشاكرين."(3).
قال الرغب: " أمرهم بالتقوى المؤدية إلى شكرهم لها"(4).
قال سفيان يعني ابن عيينة: على كل مسلم أن يشكر الله في نصره ببدر، يقول الله:{ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون} " (5).
قال الثعلبي: " جميع ما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ست وعشرون غزوة، فأول غزوة غزاها غزوة ودان، وهي غزوة الأبواء، ثم غزوة بواط إلى ناحية رضوى، ثم غزوة العشيرة من بطن ينبع، ثم غزوة بدر الأولى بطلب كرز بن جابر، ثم غزوة بدر الكبرى التي قتل الله فيها صناديد قريش، ثم غزوة بني سليم حتى بلغ الكدر ماء لبني سليم، ثم غزوة السويق يطلب أبا سفيان بن حرب حتى بلغ قرقرة الكدر، ثم غزوة ذي أمر وهي غزوة غطفان إلى نجد، ثم غزوة نجران: موضع بالحجاز فوق الفرع، ثم غزوة أحد ثم غزوة الأسد، ثم غزوة بني النضير، ثم غزوة ذات الرقاع من نجد، ثم غزوة بدر الأخيرة، ثم غزوة دومة الجندل، ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بني قريظة، ثم غزوة بني لحيان، ثم غزوة بني قردة، ثم غزوة بني المصطلق من بني خزاعة لقي فيها، ثم غزوة الحديبية لا يريد قتالا فصده المشركون، ثم غزوة خيبر، ثم غزوة الفتح: فتح مكة، ثم غزوة حنين لقي فيها، ثم غزوة الطائف حاصر فيها، ثم غزوة تبوك.
قاتل منها في تسع غزوات: غزوة بدر الكبرى، وهو يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة، وأحد في شوال سنة ثلاث، والخندق، وبني قريظة في شوال سنة أربع، وبني المصطلق، وبني لحيان في شعبان سنة خمس، وخيبر سنة ست، والفتح في رمضان سنة ثمان، وحنين في شوال سنة ثمان. فأول غزوة غزاها بنفسه وقاتل فيها بدر وآخرها تبوك" (6).
الفوائد:
1 -
امتنان الله سبحانه وتعالى على رسول الله-صلى الله عليه وسلم وأصحابه بنصرهم في بدر، والنصر لهم للأمة إلى يوم القيامة.
2 -
أنه النصر لايكون بكثرة العدد وقوة العُدد، وإنما يكون من عند الله وحده.
3 -
أنه كلما كان الإنسان أذلّ كان أقرب إلى نصر الله.، والعكس صحيح.
4 -
أنه من منّ الله عليه بنعمة كان ذلك موجبا لتقوى الله، لأن تقوى الله من الشكر لله.
القرآن
{إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124)} [آل عمران: 124]
التفسير:
اذكر -أيها النبي- ما كان من أمر أصحابك في «بدر» حين شقَّ عليهم أن يأتي مَدَد للمشركين، فأوحينا إليك أن تقول لهم: ألن تكفيكم معونة ربكم بأن يمدكم بثلاثة آلاف من الملائكة مُنْزَلين من السماء إلى أرض المعركة، يثبتونكم، ويقاتلون معكم؟
في سبب نزول الآية أقوال:
(1) تفسير الطبري: 7/ 169.
(2)
أخرجه الطبري (7733): ص 7/ 170.
(3)
زاد المسير: 1/ 320.
(4)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 839.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4091): ص 3/ 751.
(6)
تفسير الثعلبي: 3/ 140.
أحدها: أخرج الطبري عن الشعبي قال: "حُدِّث المسلمون أن كرزَ بن جابر المحاربي يريد أن يمدّ المشركين ببدر، قال: فشق ذلك على المسلمين؛ فأنزل الله عز وجل: {ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم} إلى قوله: {من الملائكة مسومِّين}، قال: فبلغته هزيمة المشركين، فلم يمدّ أصحابه، ولم يمدُّوا بالخمسة"(1)، وروي نحو ذلك المعنى عن مالك بن ربيعة (2)، وابن عباس (3)، والحسن (4)، وقتادة (5)، والربيع (6)، ومجاهد (7).
والثاني: أن ذلك الإمداد كان يوم الاحزاب. وهذا قول عبد الله بن أبي أوفى (8).
والثالث: أن الآية في سياق معركة أحد، إذ وعدهم الله عز وجل المدد إن صبروا، فلم يصبروا فلم يمدوا. وهذا قول عكرمة (9)، والضحاك (10)، وابن زيد (11).
والرابع: ونقل الثعلبي وجها آخر، فقال:" وكان هذا يوم أحد حين انصرف أبو سفيان وأصحابه وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخاف أن يدخل المشركون المدينة، فبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: «اخرج على آثار القوم فانظر ما يصنعون وما يريدون، فإن كانوا قد أجبنوا الخيل وركبوا وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة، فو الذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ثم لأناجزنهم». قال علي رضي الله عنه: «فخرجت في آثارهم أنظر ما يصنعون، فإذا هم قد أجبنوا الخيل وامتطوا الإبل وتوجهوا إلى مكة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أي ذلك كان فأخفه حتى تأتيني، فلما رأيتهم قد توجهوا إلى مكة أقبلت أصيح ما أستطيع أن أكتم لما بي من الفرح، وانصرفوا إلى مكة وانصرفنا إلى المدينة، فأنزل الله تعالى في ذلك: {ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم}، يعني: أن انصرفوا إليكم ودخلوا المدينة"(12).
قوله تعالى: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 124]، أي:" إذ تقول يامحمد للمؤمنين بك من أصحابك"(13).
قوله تعالى: {أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ} [آل عمران: 124]، أي:" أما يكفيكم أن يعينكم الله بإمداده لكم بثلاثة آلاف من الملائكة"(14).
قال الماوردي: " والكفاية مقدار سد الخلة، والاكتفاء الاقتصار عليه، والإمداد إعطاء الشيء حالاً بعد حال، والأصل في الإمداد هو الزيادة ومنه مد الماء وهو زيادته "(15).
وفي الفرق بين أمدّه ويمده، قولان:
أحدهما: أن كل ما كان على جهة القوة والإعانة، قيل فيه: أمده يمده إمدادا، وكل ما كان على جهة الزيادة قيل: مده يمده مدا، ومنه قوله:{وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ} [لقمان: 27]. وهذا قول المفضل (16).
والثاني: وقيل: أن المد في الشر، والإمداد في الخير. يدل عليه قوله تعالى:{وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15]، وقوله:{وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا} [مريم: 79].
(2) انظر: تفسير الطبري (7747): ص 7/ 175.
(3)
انظر: تفسير الطبري (7750): ص 7/ 175.
(4)
انظر: تفسير الطبري (7745): ص 7/ 174.
(5)
انظر: تفسير الطبري (7754): ص 7/ 177 - 178.
(6)
انظر: تفسير الطبري (7755): ص 7/ 178.
(7)
انظر: تفسير الطبري (7757): ص 7/ 178.
(8)
انظر: تفسير الطبري (7758): ص 7/ 178 - 179.
(9)
انظر: تفسير الطبري (7759): ص 7/ 179 - 180.
(10)
انظر: تفسير الطبري (7761): ص 7/ 180.
(11)
انظر: تفسير الطبري (7762): ص 7/ 180.
(12)
تفسير الثعلبي: 3/ 142 - 143.
(13)
تفسير الطبري: 7/ 173.
(14)
صفوة التفاسير: 207.
(15)
النكت والعيون: 1/ 421.
(16)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 143.
وقال في الخير {أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ} [الأنفال: 9]، وقال:{يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ} [آل عمران: 125]، وقال:{وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} [الإسراء: 6](1).
وفي قراءة أبي: " {ألا يكفيكم أن يمدكم ربكم}، أي: يعطيكم ويعينكم"(2).
قوله تعالى: {مُنْزَلِينَ} [آل عمران: 124]، أي:" منزلين لنصرتكم"(3).
قال ابن عباس: " لم تُقاتل الملائكة في يوم من الأيام سوى يوم بدر، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عَددًا ومَددًا لا يضربون"(4).
وأخرج الطبري عن أبي داود المازني، وكان شهد بدرًا، قال:"إني لأتبعُ رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أن قد قتله غيري"(5).
أخرج الطبري عن عن محمد بن إسحاق قال: "حدثني عبد الله بن أبي بكر: أنه حُدِّث عن ابن عباس: أن ابن عباس قال: حدثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عمّ لي حتى أصعدنا في جبل يُشرف بنا على بدر، ونحن مشركان، ننتظر الوقعة، على من تكون الدَّبْرة فننتهِبُ مع من ينتهب. قال: فبينا نحن في الجبل، إذ دنت منا سحابة، فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم (6). قال: فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه، وأما أنا فكدت أهلك، ثم تماسكت"(7).
وأخرج الطبري بسنده عن عكرمة مولى ابن عباس قال: "قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت غلامًا للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهلَ البيت، فأسلم العباس وأسلمتْ أم الفضل وأسلمتُ. وكان العباس يهاب قومه ويكرَهُ أن يخالفهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه. وكان أبو لهب عدوّ الله قد تخلَّف عن بدر وبعث مكانه العاصى بن هشام بن المغيرة. وكذلك صنعوا، لم يتخلَّف رجل إلا بعث مكانه رجلا. فلما جاء الخبرُ عن مُصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعِزًّا. قال: وكنت رجلا ضعيفًا، وكنت أعمل القِداح أنحتها في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس فيها أنحت القداح، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرَّنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجرُّ رجليه بشرٍّ حتى جلس على طُنُب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري. فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم! قال: قال أبو لهب: هلُمّ إليّ يا ابن أخي، فعندك الخبر! قال: فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال: يا ابن أخي أخبرني، كيف كان أمرُ الناس؟ قال: لا شيء والله، إن كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا ويأسروننا كيف شاؤوا! وايم الله، مع ذلك ما لمتُ الناس، لقينا رجالا بيضًا على خيل بلق ما بين السماء والأرض ما تلِيق شيئًا، ولا يقوم لها شيء. قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت: تلك الملائكة! "(8).
وعن ابن عباس قال: "كان الذي أسر العباس أبا اليَسَر كعب بن عمرو أخو بني سلِمة، وكان أبو اليسر رَجلا مجموعًا، وكان العباس رجلا جسيما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي اليسر: " كيف أسرت العباس أبا اليسر؟ ! قال: يا رسول الله، لقد أعانني عليه رجلٌ ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لقد أعانك عليه ملك كريم "(9).
واختلف المفسرون في هذا الوعد: هل كان يوم بَدْر أو يوم أُحُد؟ على أقوال:
(1) انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 143.
(2)
تفسير الثعلبي: 3/ 143.
(3)
صفوة التفاسير: 207.
(4)
أخرجه الطبري (7750): ص 7/ 175.
(5)
أخرجه الطبري (7751): ص 7/ 175 - 176.
(6)
قوله: " أقدم " هي كلمة زجر تزجر بها الخيل، وأمر لها بالتقدم. وحيزوم: اسم فرس من خيل الملائكة يومئذ. ويقال هو فرس جبريل عليه السلام.
(7)
تفسير الطبري (7749): ص 7/ 175.
(8)
أخرجه الطبري (7753): ص 7/ 176 - 177.
(9)
أخرجه الطبري (7754): ص 7/ 177.
أحدها: إن الله عز وجل كان وعد المؤمنين يوم بدر أن يمدَّهم بملائكته، إن أتاهم العدو من فورهم، فلم يأتوهم، ولم يُمَدُّوا. وهذا عامر الشعبي (1).
والثاني: كان هذا الوعد من الله لهم يوم بدر، فصبر المؤمنون واتقوا الله، فأمدهم بملائكته على ما وعدهم. وهذا قول مالك بن ربيعة (2)، وابن عباس (3)، والحسن (4)، وقتادة (5)، والربيع (6)، ومجاهد (7).
والثالث: أن ذلك الإمداد كان يوم الاحزاب، وإنما وعدهم يوم بدر أن يمدَّهم إن صبروا عند طاعته وجهاد أعدائه، واتقوه باجتناب محارمه، أن يمدهم في حروبهم كلها، فلم يصبروا ولم يتقوا إلا في يوم الأحزاب، فأمدَّهم حين حاصروا قريظة. وهذا قول عبد الله بن أبي أوفى (8).
والرابع: وقال آخرون بنحو معنى القول الثالث، غير أنهم قالوا: لم يصبر القوم ولم يتقوا ولم يُمدوا بشيء في أحُد. وهذا قول عكرمة (9)، والضحاك (10)، وابن زيد (11).
قال الطبري: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبرَ عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال للمؤمنين: ألن يكفيَكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة؟ فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة مددًا لهم، ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف، خمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله. ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة الآف، ولا بالخمسة آلاف، ولا على أنهم لم يمدوا بهم، وقد يجوز أن يكون الله عز وجل أمدهم، على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدهم وقد يجوز أن يكون لم يمدهم على نحو الذي ذكره من أنكر ذلك، ولا خبر عندنا صحَّ من الوجه الذي يثبت أنهم أمِدوا بالثلاثة الآلاف ولا بالخمسة الآلاف. وغير جائز أن يقال في ذلك قولٌ إلا بخبر تقوم الحجة به. ولا خبر به كذلك، فنسلم لأحد الفريقين قوله. غير أنّ في القرآن دلالةً على أنهم قد أمدوا يوم بدر بألف من الملائكة، وذلك قوله: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [سورة الأنفال: 9] فأما في يوم أحُد، فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبينُ منها في أنهم أمدوا. وذلك أنهم لو أمدوا لم يهزموا، ويُنالَ منهم ما نيل منهم، فالصواب فيه من القول أن يقال كما قال تعالى ذكره"(12).
وفي قوله تعالى: {مُنْزلِينَ} [آل عمران: 124] قراءتان (13):
إحداهما: {مُنْزلِينَ} : بكسر الزاي، مخففا، يعني منزلين النصر. وهي قراءة أبو حيوة.
والثانية: {مُنْزَلِينَ} ، مشددة مفتوحة الزاي على التكثير، وتصديقه قوله:{وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ} [الأنعام: 111]. وهي قراءة الحسن ومجاهد وطلحة بن مصرف وعمر ابن ميمون وابن عامر.
الفوائد:
1 -
إدخال الأمل في قلوب الناس عند اشتداد الازمات.
2 -
إثبات الربوبية الخاصة، لقوله:{أن يمدكم ربكم} ، والربوبية نوعان: خاص، مثل هذه الآية الكريمة، وعام: مثل قوله: {الحمد لله ربا عالمين} [الفاتحة: 2].
3 -
أن الملائكة اجسام يحصون بالعدد.
4 -
أن موطن الملائكة هو السماء، هذا هو الأصلـ لقوله:{منزلين} .
القرآن
(1) انظر: تفسير الطبري (7743): ص 7/ 173.
(2)
انظر: تفسير الطبري (7747): ص 7/ 175.
(3)
انظر: تفسير الطبري (7750): ص 7/ 175.
(4)
انظر: تفسير الطبري (7745): ص 7/ 174.
(5)
انظر: تفسير الطبري (7754): ص 7/ 177 - 178.
(6)
انظر: تفسير الطبري (7755): ص 7/ 178.
(7)
انظر: تفسير الطبري (7757): ص 7/ 178.
(8)
انظر: تفسير الطبري (7758): ص 7/ 178 - 179.
(9)
انظر: تفسير الطبري (7759): ص 7/ 179 - 180.
(10)
انظر: تفسير الطبري (7761): ص 7/ 180.
(11)
انظر: تفسير الطبري (7762): ص 7/ 180.
(12)
تفسير الطبري: 7/ 180 - 181.
(13)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 143.
التفسير:
بلى يكفيكم هذا المَدَد. وبشارة أخرى لكم: إن تصبروا على لقاء العدو وتتقوا الله بفِعْل ما أمركم به واجتناب ما نهاكم عنه، ويأت كفار «مكة» على الفور مسرعين لقتالكم، يظنون أنهم يستأصلونكم، فإن الله يمدكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوِّمين أي: قد أعلموا أنفسهم وخيولهم بعلامات واضحات.
قوله تعالى: {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا} [آل عمران: 125]، " أي: بلى يمدكم بالملائكة إن صبرتم في المعركة واتقيتم الله وأطعتم أمره" (1).
قوله تعالى: {وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا} [آل عمران: 125]، " أي: يأتيكم المشركون من ساعتهم هذه" (2).
وفي قوله: {وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا} [آل عمران: 125]، وجهان:
أحدهما: يعني: من وجههم هذا، وهو قول ابن عباس (3)، والحسن (4)، وقتادة (5)، وعكرمة (6)، والربيع (7)، والسدي (8)، وابن زيد (9).
والثاني: أن المعنى: من غضبهم هذا، وهو قول مجاهد (10)، والضحاك (11)، وأبي صالح (12)، وعكرمة في إحدى الروايات عنه (13).
قال الماوردي: " وأصل الفور فور القِدْر، وهو غليانها عند شدة الحمى، ومنه فَوْرُ الغضب لأنه كَفَوْرِ القِدْر"(14).
قوله تعالى: {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ} [آل عمران: 125]، " أي: يزدكم الله مدداً من الملائكة" (15).
قوله تعالى: {مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: 125]، أي:" معلَّمين على السلاح ومدربين على القتال"(16).
عن السدي: " {مسومين}: معلمين"(17).
قال مقاتل: " يعني معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الخيل، وأذنابها عليها البياض معتمين بالبياض وقد أرخوا أطراف العمائم بين أكتافهم"(18).
قال ابن كثير: " أي: معلمين بالسِّيما"(19).
(1) صفوة التفاسير: 207.
(2)
صفوة التفاسير: 207.
(3)
انظر: تفسير الطبري (7769): ص 7/ 182.
(4)
انظر: تفسير الطبري (7766): ص 7/ 181.
(5)
انظر: تفسير الطبري (7764): ص 7/ 181.
(6)
انظر: تفسير الطبري (7763): ص 7/ 181.
(7)
انظر: تفسير الطبري (7767): ص 7/ 182.
(8)
انظر: تفسير الطبري (7768): ص 7/ 182.
(9)
انظر: تفسير الطبري (7770): ص 7/ 182.
(10)
انظر: تفسير الطبري (7773): ص 7/ 182.
(11)
انظر: تفسير الطبري (7775): ص 7/ 183.
(12)
انظر: تفسير الطبري (7772): ص 7/ 182.
(13)
انظر: تفسير الطبري (7771): ص 7/ 182.
(14)
النكت والعيون: 1/ 421.
(15)
صفوة التفاسير: 207.
(16)
صفوة التفاسير: 207.
(17)
أخرجه الطبري (7785): ص 7/ 188.
(18)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 299.
(19)
تفسير ابن كثير: 2/ 113.
قال الماتريدي: " وقوله: {مسومين} قيل: {منزلين}؛ و {مسومين} سواء، وهو من الإرسال؛ ومن التسويم، وقيل: معلمين بعلامة، وذلك - وألله أعلم - ليعلم المؤمنين حاجتهم إلى العلامة، لا أن الملائكة يحتاجون إلى العلامة"(1).
قال الثعلبي: " والسومة: العلامة التي يعلم بها الفارس نفسه في الحرب"(2).
أخرج الطبري بسنده عن الزبير بن المنذر، عن جده أبي أسيد - وكان بدريًا - فكان يقول:"لو أن بصري فُرِّج منه، ثم ذهبتم معي إلى أحد، لأخبرتكم بالشِّعب الذي خرجت منه الملائكة في عمائم صُفر قد طرحوها بين أكتافهم"(3).
وقال علي-كرّم الله وجهه-: " كان سيما الملائكة أهل بدر الصوف الأبيض، وكان سيما الملائكة أيضا في نواصي خيولهم"(4).
وعن أبي هريرة في هذه الآية: " {مسومين}، قال: بالعهن الأحمر"(5).
واختلفوا في التسويم على قولين:
أحدهما: أنه كان بالصوف في نواصي الخيل وآذانها، وهو قول علي-كرّم الله وجهه- (6)، وابن عباس (7)، والحسن (8)، وقتادة (9)، ومجاهد (10)، والضحاك (11).
الثاني: أن الملائكة نزلت يوم بدر على خيل بلق وعليهم عمائم صفر، وهو قول هشام بن عروة (12)، وعبدالله بن الزبير (13)، والربيع (14).
قال الزجاج: " ومعنى {مسومين} : أخذ من السومة، وهي العلامة، كانوا يعلمون بصوفة أو بعمامة أو ما أشبه ذلك، و {مسومين}: معلمين. وجائز أن يكون مسومين: قد سوموا خيلهم
وجعلوها سائمة" (15).
واختلفت القراءة في قوله تعالى: {مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: 125]، على وجهين (16):
أحدهما: {مسومين} بكسر الواو، في قرأءة ابن كثير وأبو عمرو وعاصم، بمعنى أن الملائكة سوَّمتْ لنفسها.
والثاني: وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي {مسومين} مفتوحة، بمعنى أن الله سوَّمها.
الفوائد:
1 -
أن الصبر والتقوى من اسباب النصر.
2 -
أن الله زادهم على ما بشّرهم به الرسول-صلى الله عليه وسلم ألفين إذا صبروا واتقوا.
3 -
أن من نعمة الله على العبد أن يكون الذي يولاه الملاة، لأن الملائكة تثبت على الخير، بخلاف الشياطين فإنها تثبت على الشر.
(1) تفسير الماتريدي: 2/ 471.
(2)
تفسير الثعلبي: 3/ 144.
(3)
تفسير الطبري (7777): ص 7/ 185.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4107): ص 3/ 754.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4108): ص 3/ 754.
(6)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4107): ص 3/ 754، وزاد المسير: 1/ 321.
(7)
انظر: تفسير الطبري (7786): ص 7/ 188.
(8)
انظر: النكت والعيون: 1/ 422.
(9)
انظر: تفسير الطبري (7780): ص 7/ 187.
(10)
انظر: تفسير الطبري (7778): ص 7/ 187.
(11)
انظر: تفسير الطبري (7788): ص 7/ 188.
(12)
انظر: تفسير الطبري (7789): ص 7/ 188.
(13)
انظر: تفسير الطبري (7790): ص 7/ 188.
(14)
انظر: تفسير الطبري (7783): ص 7/ 187.
(15)
معاني القرآن: 1/ 467.
(16)
انظر: السبعة: 216، وتفسير الطبري: 7/ 184.
القرآن
التفسير:
وما جعل الله هذا الإمداد بالملائكة إلا بشرى لكم يبشركم بها ولتطمئن قلوبكم، وتطيب بوعد الله لكم. وما النصر إلا من عند الله العزيز الذي لا يغالَب، الحكيم في تدبيره وفعله.
قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ} [آل عمران: 126]، "} أي: وما أنزل الله الملائكة وأعلمكم بإنزالها إلا بشارةً لكم" (1).
قال مجاهد: " إنما جعلهم الله ليستبشروا بهم"(2).
قال مقاتل: " يعني مدد الملائكة"(3).
قال الزجاج: " وما جعل ذكر المدد إلا بشرى لكم ولتمكنوا في حربكم"(4).
قوله تعالى: {وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ} [آل عمران: 126]، أي:" وتطييبا لقلوبكم وتطمينا"(5).
قال مقاتل: " يعني لتسكن إليه قلوبكم"(6).
قال الزمخشري: أي: " وتطمئن به قلوبكم وتروا حفاية الله بكم، وإلا فالكثرة لا تغني شيئا إلا أن ينصر الله"(7).
قوله تعالى: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آل عمران: 126]، أي: وما النصر في الحقيقة إلا بعون الله وحده" (8).
قال محمد بن إسحاق: " الأمر عندي إلا بسلطاني وقدرتي، وذلك أن العز والحكم إلي، لا إلى أحد من خلقي"(9).
قال مقاتل: " وليس النصر بقلة العدد ولا بكثرته، ولكن النصر من عند الله"(10).
قال ابن كثير: أي: "وإلا فإنما النصر من عند الله، الذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم، ومن غير احتياج إلى قتالكم لهم، كما قال تعالى بعد أمره المؤمنين بالقتال: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ. وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ.} [محمد: 4 - 6] "(11).
قوله تعالى: {الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 126]، " أي: الغالب الذي لا يغلب في أمره الحكيم الذي يفعل ما تقتضيه حكمته الباهرة" (12).
قال مقاتل: " {عزيز}، يعني: منيع، {حكيم} في أمره حكم النصر"(13).
قال ابن كثير: "أي: هو ذو العزة التي لا تُرام، والحكمة في قَدره والإحكام"(14).
الفوائد:
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 114.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4116): ص 3/ 755.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 2/ 103.
(4)
معاني القرآن: 1/ 467.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 114.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 2/ 103.
(7)
الكشاف: 1/ 505.
(8)
صفوة التفاسير: 208.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (4118): ص 3/ 755.
(10)
تفسير مقاتل بن سليمان: 2/ 103.
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 114.
(12)
صفوة التفاسير: 208.
(13)
تفسير مقاتل بن سليمان: 2/ 103.
(14)
تفسير ابن كثير: 2/ 114.
1 -
أن إمداد الشخص بما يعينه سبب لسروره وبشارته.
2 -
أنه مهما عظمت الأسباب إذا لم يؤيد الله الإنسان بنصر فإنه لن ينتصر.
3 -
يجب على المرء مع أخذ الأسباب أن يعتمد على ربه، وأن يؤمل النصر منه سبحانه وتعالى.
4 -
أن النصر من مقتضى اسمه: العزيز الحكيم.
5 -
أن الله لن ينصر إلا من اقتضت الحكمة نصره.
القرآن
{لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127)} [آل عمران: 127]
التفسير:
وكان نصر الله لكم بـ «بدْر» ليهلك فريقًا من الكفار بالقتل، ومن نجا منهم من القتل رجع حزينًا قد ضاقت عليه نفسه، يَظْهر عليه الخزي والعار.
قوله تعالى: {لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران: 127]، " أي: ذلك التدبير الإِلهي ليهلك طائفة منهم بالقتل والأسر" (1).
قال ابن قتيبة: يعني: " بأسْر وقتل"(2).
قال الثعلبي: " أي: ليهلك طائفة من الذين كفروا، نظيره قوله: {فقطع دابر القوم الذين ظلموا} [الأنعام: 45]، أي: أهلك، وفي الأنفال: {ويقطع دابر الكافرين} [الأنفال: 7]، وفي الحجر: {أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين} [الحجر: 66] "(3).
قال السدي: " معناه: ليهدم ركنا من أركان الشرك بالقتل والأسر، فقتل من سادتهم وقادتهم يوم بدر سبعين، وأسر منهم سبعين"(4).
قال الماوردي: " ولم يقل وسطاً لأن الطرف أقرب للمؤمنين من الوسط، فاختص القطع بما هو إليهم أقرب كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّار} [التوبة: 123] "(5).
قال الحسن: " هذا يوم بدر، قطع الله طائفة منهم وبقيت طائفة"(6).
قال محمد بن إسحاق: ": ليقطع طرفًا من المشركين بقتل ينتقم به منهم"(7).
قال قتادة: "فقطع الله يوم بدر طرفًا من الكفار، وقتل صناديدهم ورؤساءهم، وقادتهم في الشر"(8).
وقال السدي: " أنه كان يوم أحد، كان الذي قتل منهم ثمانية عشر رجلاً"(9).
قوله تعالى: {أَوْ يَكْبِتَهُمْ} [آل عمران: 127]، أي:" أو يخزيهم بالخيبة مما رجوا من الظفر بكم"(10).
قال قتادة: "يخزيهم"(11).
قال السدي: "يلعنهم"(12)
قال الزجاج: "أي: يهزمهم"(13).
وقال الخليل: " الكبت: الصرع على الوجه"(14).
(1) صفوة التفاسير: 208.
(2)
غريب القرآن: 110.
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 145.
(4)
تفسير الثعلبي: 3/ 145.
(5)
النكت والعيون: 1/ 422.
(6)
أخرجه الطبري (7798): ص 7/ 192.
(7)
أخرجه الطبري (7799): ص 7/ 192.
(8)
أخرجه الطبري (7796): ص 7/ 192.
(9)
النكت والعيون: 1/ 422.
(10)
تفسير الطبري: 7/ 193.
(11)
أخرجه الطبري (7802): ص 7/ 194.
(12)
تفسير الثعلبي: 3/ 145.
(13)
معاني القرآن: 1/ 467.
(14)
النكت والعيون: 1/ 422.
قال النضر بن شميل: "يغيظهم"(1)
قال المبرد: "يظفر عليهم"(2)
وقال أبو عبيدة: "الكَبْت: الإهلاك، تقول العرب: كبته الله لوجهه، أي صرعه الله"(3).
وقيل: معنى {يَكْبِتَهُمْ} : " هو أن يغيظهم ويحزنهم، وكذلك قال في قوله في سورة المجادلة: {كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [المجادلة: 5] ويقال: كبت الله عدوّك، وهو بما قال أبو عبيدة أشبه. واعتبارُها قوله: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ} [الأحزاب: 25]، لأن أهل النظر يرون أن "التاء" فيه منقلبة عن "دال"، كأن الأصل فيه: يَكْبدُهُم أي يصيبهم في أكبادهم بالحزن والغيظ وشدة العداوة. ومنه يقال: فلان قد أحرق الحزن كبدَه. وأحرقت العداوة كبده. والعرب تقول للعدو: أسود الكبد. قال الأعْشَى (4):
فما أُجْشِمْتُ من إتيان قَوْمٍ
…
هُمُ الأعداءُ والأكبادُ سُودُ
كأن الأكباد لما احترقت بشدة العداوة اسودت. ومنه يقال للعدو: كاشح؛ لأنه يخبأ العداوة في كَشْحِه. والكَشْحُ: الخاصرةُ وإنما يريدون الكبد لأن الكبد هناك" (5).
قوله تعالى: {فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ} [آل عمران: 127]، أي:": فيرجعوا عنكم خائبين، لم يصيبوا منكم شيئًا مما رجوا أن ينالوه منكم"(6).
قال محمد بن إسحاق: " أي ويرجع من بقى منهم فلا خائبين لم ينالوا شيئا مما كانوا يأملون"(7).
قال الزجاج: " الخائب الذي لم ينل ما أمل"(8).
قال الماوردي: " والفرق بين الخائب والآيس أن الخيبة لا تكون إلا بعد أمل، واليأس قد يكون قبل أمل "(9).
الفوائد:
1 -
إثبات الحكمة لله تعالى في أفعاله وتشريعاته، وذلك لأن اللام للتعليل والتعليل هو الحكمة.
2 -
أن الله يسلط المؤمنين على الكفار ليقطع طرفا من الذين كفروا، وليس كل الذين كفروا، لأن حكمة الله أن يبقى الإيمان والكفر متصارعين دائما حتى يتبين المؤمن الخالص من غيره.
3 -
أن مآل الكفار واحد من هذه الأمور: إهلاكهم أو خذلانهم.
القرآن
{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128)} [آل عمران: 128]
التفسير:
ليس لك -أيها الرسول- من أمر العباد شيء، بل الأمر كله لله تعالى وحده لا شريك له، ولعل بعض هؤلاء الذين قاتلوك تنشرح صدورهم للإسلام فيسلموا، فيتوب الله عليهم. ومن بقي على كفره يعذبه الله في الدنيا والآخرة بسبب ظلمه وبغيه.
اختلف في سبب نزول الآية على أقوال:
أحدها: ذكر أن الله عز وجل إنما أنزل هذه الآية على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه لما أصابه بأحُد ما أصابه من المشركين، قال، كالآيس لهم من الهدى أو من الإنابة إلى الحق: " كيف يفلح قومٌ فعلوا هذا
(1) تفسير الثعلبي: 3/ 145.
(2)
تفسير الثعلبي: 3/ 145.
(3)
مجاز القرآن: 102.
(4)
ديوانه 215، واللسان 4/ 378.
(5)
غريب القلاآن لابن قتيبة: 110 - 111.
(6)
تفسير الطبري: 7/ 193.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (4123): ص 3/ 756.
(8)
معاني القرآن: 1/ 467.
(9)
النكت والعيون: 1/ 422.
بنبيهم! ! وهذا قول ابن عباس (1)، وأنس بن مالك (2)، والحسن (3)، وقتادة (4)، وأبو جعفر (5)، ومقسم (6).، والربيع (7)، والكلبي (8).
والثاني: أنها نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه دعا على قوم، فأنزل الله عز وجل: ليس الأمر إليك فيهم. وهذا قول أبي هريرة (9)، وابن عمر (10)، والحارث بن هشام (11)، وعكرمة (12)، وقتادة (13).
والثالث: نقل الثعلبي عن عبد الله بن مسعود: "أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعوا على المدبرين عنه من أصحابه يوم أحد، وكان عثمان منهم، فنهاه الله عز وجل عن ذلك وتاب عليهم، فأنزل هذه الآية"(14).
والرابع: ونقل الثعلبي عن عبد الله بن الحسن، قال:" قال حمزة (15): اللهم إن لقينا هؤلاء غدا فإني أسألك أن يقتلوني ويبقروا بطني ويجدعوا أنفي وأذني، فتقول لي يوم القيامة: فيم فعل بك هذا؟ فأقول: فيك. فلما كان يوم أحد قتل فبقر بطنه وجدعت أذنه وأنفه، فقال رجل سمعه: أما هذا فقد أعطي في نفسه ما سأل في الدنيا، والله يعطيه ما سأل في الآخرة، قالوا: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ما بأصحابهم من جدع الآذان والأنوف وقطع المذاكير، قالوا: لئن أدالنا الله عليهم لنفعلن بهم مثل ما فعلوا، ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط، فأنزل الله تعالى هذه الآية"(16).
والخامس: ونقل الثعلبي عن مقاتل: "نزلت هذه الآية في بئر معونة وهم سبعون رجلا من قراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أميرهم المنذر بن عمرو، وبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد، ليعلموا الناس القرآن والعلم، فقتلهم جميعا، عامر بن الطفيل، وكان فيهم عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق فلما قتل رفع بين السماء والأرض، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجدا شديدا وحزن عليهم شهرا فنزلت ليس لك من الأمر شيء"(17).
قال ابن حجر: "الجمهور على أنها نزلت في الدعاء على المشركين"(18).
قوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128]، " أي ليس لك يا محمد من أمر تدبير العباد شيء وإنما أمرهم إلى الله"(19).
قال محمد بن إسحاق: " أي: ليس لك من الحكم شيء في عبادي، إلا ما أمرتك به فيهم"(20).
قال الطبري: " ليس إليك، يا محمد، من أمر خلقي إلا أن تنفذ فيهم أمري، وتنتهيَ فيهم إلى طاعتي، وإنما أمرهم إليّ والقضاء فيهم بيدي دون غيري، أقضى فيهم وأحكمُ بالذي أشاء"(21).
(1) انظر: تفسير الطبري (7817): ص 7/ 199.
(2)
انظر: تفسير الطبري (7805) - (7808): ص 7/ 195 - 196.
(3)
انظر: تفسير الطبري (7809): ص 7/ 196 - 197.
(4)
انظر: تفسير الطبري (7811): ص 7/ 197.
(5)
انظر: تفسير الطبري (7813): ص 7/ 197 - 198.
(6)
انظر: تفسير الطبري (7816): ص 7/ 198 - 199.
(7)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 145.
(8)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 145.
(9)
انظر: تفسير الطبري (7821): ص 7/ 202.
(10)
انظر: تفسير الطبري (7818): ص 7/ 199.
(11)
انظر: تفسير الطبري (7820): ص 7/ 201.
(12)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 145.
(13)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 145.
(14)
تفسير الثعلبي: 3/ 145.
(15)
أي قبل حرب أحد.
(16)
تفسير الثعلبي: 3/ 146.
(17)
تفسير الثعلبي: 3/ 147.
(18)
العجاب: 2/ 746.
(19)
صفوة التفاسير: 208.
(20)
أخرجه الطبري (7804): ص 7/ 195.
(21)
تفسير الطبري: 7/ 194.
قال ابن كثير: " أي: بل الأمر كلّه إلي، كما قال: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} [الرعد: 40] وقال {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 272]. وقال {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56] "(1).
قال الماتريدي: أي: " إنما أنت عبد مأمور؛ فليس لك من الأمر؛ إنما ذلك إلى الواحد القهار، الذي لا شريك له ولا ند؛ كقوله: {يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران: 154] "(2).
قال المراغي: " أي ليس إليك أيها الرسول من أمر خلقى إلا أن تنفذ فيهم أمرى، وتنتهى فيهم إلى طاعتى، ثم أمرهم بعد ذلك، والقضاء فيهم بيدي دون غيرى، أقضى فيهم وأحكم بالذي أشاء من التوبة، أو عاجل العذاب بالقتل والنقم، أو آجله بما أعددت لأهل الكفر بي من العذاب فى الآخرة"(3).
قوله تعالى: {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128] أي: " أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم إن أصرّوا على الكفر فإنهم ظالمون يستحقون العذاب"(4).
قال محمد بن إسحاق: " أو أتوب عليهم برحمتي، فإن شئتُ فعلتُ، أو أعذبهم بذنوبهم {فإنهم ظالمون}، أي قد استحقوا ذلك بمعصيتهم إياي"(5).
قال العز بن عبدالسلام: أي: "بل إلى الله - تعالى - التوبة عليهم، أو الانتقام منهم"(6).
قال الثعلبي: " وقال بعضهم: (أو) بمعنى (حتى) يعني: ليس لك من الأمر شيء حتى يتوب عليهم أو يعذبهم"(7).
أخرج البخاري (8) والنسائي (9)"من طريق معمر عن الزهري حدثني سالم -هو ابن عبد الله- ابن عمر عن أبيه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية من الفجر: "اللهم العن فلانا وفلانا" بعد ما يقول: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد"، فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} الآية"صلى الله عليه وسلم" (10).
وقال أحمد: " حدثنا هشيم نا حميد عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد وشج في جبهته حتى سال الدم على وجهه فقال: "كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم؟ " فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} "(11).
وعن أنس بن مالك قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين شُجَّ في جبهته وكسِرت رباعيته: لا يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم! فأوحى الله إليه: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} "(12).
وعن الحسن: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم أحُد: كيف يفلح قوم دمَّوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الله عز وجل! ! فنزلت: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} " (13).
وقال قتادة: " ذكر لنا أن هذه الآية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد، وقد جُرح نبي الله صلى الله عليه وسلم في وجهه وأصيبَ بعضُ رباعيته، فقال وسالم مولى أبي حذيفة يغسل عن وجهه الدم: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم! فأنزل الله عز وجل: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون " (14).
الفوائد:
1 -
أن النبي-صلى الله عليه وسلم لايملك شيئا من الأمر الكوني.
2 -
أن النبي-صلى الله عليه وسلم مكلف يأمره الله تعالى وينهاه.
3 -
أن الله تعالى قد يتوب على أعتى الناس وأشدهم كفرا لعموم قوله: {أو يتوب عليهم} .
4 -
أنه تعالى قد يعذب الكافرين عذابا ليس للمسلمين فيه يد، بل هو من عند الله وحده.
5 -
انه تعالى لايعذب إلا بذنب، لقوله:{فإنهم ظالمون} ، والظالم مستحق العذاب لأنه ينكل بالله، والله لايحب الظلم.
القرآن
{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)} [آل عمران: 129]
التفسير:
ولله وحده ما في السموات وما في الأرض، يغفر لمن يشاء من عباده برحمته، ويعذب من يشاء بعدله. والله غفور لذنوب عباده، رحيم بهم.
قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [آل عمران: 129]، أي: ولله " ملك السماوات والأرض"(15).
قال السمرقندي: أي: " إن جميع الخلق في ملكه وعبيده"(16).
قال البيضاوي: يعني: " خلقا وملكا فله الأمر كله لا لك"(17).
قال ابن كثير: " أي: الجميع ملك له، وأهلهما عبيد بين يديه"(18).
قال الطبري: أي: " ليس لك يا محمد، من الأمر شيء، ولله جميع ما بين أقطار السموات والأرض من مشرق الشمس إلى مغربها، دونك ودونهم، يحكم فيهم بما يشاء، ويقضي فيهم ما أحب"(19).
قال ابن عباس: " قال جبريل عليه السلام: يا محمد لله الخلق كله، والسموات كلهن ومن فيهن، والأرضون كلهن ومن فيهن، ومن بينهن مما يعلم ومما لا يعلم"(20).
قوله تعالى: {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} [آل عمران: 129]، " فيتوب على من أحب من خلقه العاصين، ثم يغفر له"(21).
قال مجاهد: " يغفر لمن يشاء الكثير من الذنوب"(22).
وقال الضحاك: " يغفر لمن يشاء الذنب العظيم"(23).
قوله تعالى: {وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} [آل عمران: 129]، أي:" ويعاقب من شاء منهم على جرمه فينتقم منه"(24)
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 114.
(2)
تفسير الماتريدي: 2/ 473.
(3)
تفسير المراغي: 4/ 60.
(4)
صفوة التفاسير: 208.
(5)
أخرجه الطبري (7804): ص 7/ 195.
(6)
تفسير العز بن عبدالسلام: 1/ 282.
(7)
تفسير الثعلبي: 3/ 147.
(8)
في كتاب "المغازي والتفسير والاعتصام" كما في "التحفة""5/ 394"، وانظر "الفتح "8/ 225 - 226". زاد البخاري:"وعن حنظلة بن أبي سفيان عن سالم بن عبد الله: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام. فنزلت". [كتاب "المغازي"، باب غزوة أحد "الفتح" "7/ 365"].
(9)
في كتاب "الصلاة" باب لعن المنافقين في القنوت "2/ 203" وفيه: "يدعو على أناس من المنافقين" وفي "التفسير""ص 36" الرقم "96" عزاه إليه في "التحفة""5/ 394 - 395". وأخرجه الواحدي من هذا الطريق، وفيه هذه الجملة انظر "ص 117".
(10)
العجاب: 2/ 747.
(11)
في "مسنده""3/ 99" ورواه الواحدي "ص 116" من طريق عبيدة بن حميد عن حميد.
(12)
أخرجه الطبري (7808): ص 7/ 196.
(13)
أخرجه الطبري (7809): ص 7/ 196 - 197.
(14)
أخرجه الطبري (7811): ص 7/ 197 ..
(15)
صفوة التفاسير: 208.
(16)
تفسير السمرقندي: 1/ 245.
(17)
تفسير البيضاوي: 2/ 38.
(18)
تفسير ابن كثير: 2/ 116.
(19)
تفسير الطبري: 7/ 203.
(20)
أخرجه ابن أبي حاتم (4132): ص 3/ 758.
(21)
تفسير الطبري: 7/ 203.
(22)
أخرجه ابن أبي حاتم (4133): ص 3/ 758.
(23)
تفسير السمرقندي: 1/ 245.
(24)
تفسير الطبري: 7/ 203.
روي عن مجاهد: " قوله: {ويعذب من يشاء} على الصغيرة"(1).
وروي عن الضحاك: " {وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ}، على الذنب الصغير إذا أصرَّ على ذلك"(2).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 129]، أي:" والله غفور لذنوب عباده، رحيم بهم"(3).
قال البيضاوي: يعني: " لعباده فلا تبادر إلى الدعاء عليهم"(4).
قال ابن إسحاق: " أي يغفر الذنوب، ويرحم العباد، على ما فيهم"(5).
قال الطبري: أي: " وهو الغفور الذي يستر ذنوب من أحب أن يستر عليه ذنوبه من خلقه بفضله عليهم بالعفو والصفح، والرحيم بهم في تركه عقوبتهم عاجلا على عظيم ما يأتون من المآثم"(6).
قال الراغب: " بين بهذه الآية تحقيق ما قدمه بأنه هو المالك للكل، وله المشيئة في غفران من شاء وتعذيب من شاء"(7).
الفوائد:
1 -
بيان عموم ملك الله سبحانه وتعالى، لقوله:{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} ، لأن {ما} من صيغ العموم.
2 -
أفاد تقديم الخبر في قوله: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} ، انفراد الله تعالى بملك السماوات والأرض.
3 -
إثبات تعدد السماوات، بأنها سبع سماوات، وأما الأرض فقد ذكر بصيغة الافراد والمراد الجنس فيشمل جميع الأرضين، وقد بينت السنة انها سبع.
4 -
إثبات المغفرة لله، وإثبات التعذيب، ويتفرغ من ذلك إثبات تمام سلطانه في ملكه، وأن الأمر له في التعذيب والمغفرة.
5 -
إثبات المشيئة، وهي مقرونة بالحكمة الإلهية في المغفرة والتعذيب.
6 -
إثبات الاسمين الكريمين من اسماء الله تعالى: الغفور الرحيم، وإثبات ما تضمناه من صفة وهي المغفرة والرحمة.
القرآن
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130)} [آل عمران: 130]
التفسير:
يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه احذروا الربا بجميع أنواعه، ولا تأخذوا في القرض زيادة على رؤوس أموالكم وإن قلَّت، فكيف إذا كانت هذه الزيادة تتضاعف كلما حان موعد سداد الدين؟ واتقوا الله بالتزام شرعه; لتفوزوا في الدنيا والآخرة.
في سبب نزول الآية:
أخرج الطبري عن عطاء: " كانت ثقيف تدَّاين في بني المغيرة في الجاهلية، فإذا حلّ الأجل قالوا: نزيدكم وتؤخِّرون؟ فنزلت: {لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة} "(8). وروي عن مجاهد نحو ذلك (9).
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [آل عمران: 130]، أي:" يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله"(10).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (4135): ص 3/ 758.
(2)
تفسير السمرقندي: 1/ 245.
(3)
التفسير الميسر: 66.
(4)
تفسير البيضاوي: 2/ 38.
(5)
أخرجه الطبري (7822): ص 7/ 203.
(6)
تفسير الطبري: 7/ 203.
(7)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 849.
(8)
تفسير الطبري (7823): ص 7/ 204.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4138): ص 3/ 759.
(10)
تفسير الطبري: 7/ 204.
قوله تعالى: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130]، أي:"، لا تأكلوا الربا في إسلامكم بعد إذ هداكم له، كما كنتم تأكلونه في جاهليتكم"(1).
قال ابن إسحاق: " أي: لا تأكلوا في الإسلام إذ هداكم الله له، ما كنتم تأكلون إذ أنتم على غيره، مما لا يحل لكم في دينكم"(2).
قال الطبري: " وكان أكلهم ذلك في جاهليتهم: أنّ الرجل منهم كان يكون له على الرجل مال إلى أجل، فإذا حلّ الأجل طلبه من صاحبه، فيقول له الذي عليه المال: أخِّر عنى ديْنك وأزيدك على مالك. فيفعلان ذلك. فذلك هو " الربا أضعافًا مضاعفة "، فنهاهم الله عز وجل في إسلامهم عنه"(3).
قال سعيد بن جبير: " وذلك أن الرجل كان يكون له على الرجل مال فإذا حل لأجل طلبه من صاحبه، فيقول المطلوب أخر عني وأزيدك في مالك، فيفعلان ذلك فذلك الربا أضعافا مضاعفة، فوعظهم الله تعالى"(4). وروي عن مقاتل بن حيان نحو ذلك (5).
قال ابن وهب: " سمعت ابن زيد يقول في قوله: " لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة "، قال: كان أبي يقول: إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السن. يكون للرجل فضل دين، فيأتيه إذا حل الأجل فيقول له: تقضيني أو تزيدني؟ فإن كان عنده شيء يقضيه قضى، وإلا حوَّله إلى السن التي فوق ذلك إن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون في السنة الثانية، ثم حِقَّة، ثم جَذَعة، ثم رباعيًا، ثم هكذا إلى فوق وفي العين يأتيه، فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضًا، فتكون مئة فيجعلها إلى قابل مئتين، فإن لم يكن عنده جعلها أربعمئة، يضعفها له كل سنة أو يقضيه. قال: فهذا قوله: {لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة} "(6).
أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس: " نهى الله تعالى عن الربا كأشد النهي، فاتقوا الربا والريبة، وكان يقول: الربا من الكبائر"(7).
وقال قتادة: " إياكم وما خالط هذه البيوع من الربا فإن الله قد أوسع الحلال وأكثره وأطابه، ولا يلجئنكم إلى المعصية فاقة"(8).
وقرأ أبو جعفر وشيبة: {مضعفة} (9).
قال الراغب: " إن قيل: لم قال: (أضعافا مضاعفة) فجمع بين اللفظتين؟
قيل: قال بعضهم ذلك للتأكيد.
وقيل مضاعفة من الضعف لا من الضعف، ومعناه ما تعدونه ضعفا هو ضعف، أي نقص، كقوله:{وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو} [الروم: 39]، وقوله:{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} [البقرة: 276]، ومن هذا أخذ بعض المحدثين (10):
زيادة شيب وهي نقص زيادتي
…
وقوة جسم وهي من قوتي ضعف" (11).
قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} [آل عمران: 130]، " أي: اتقوا عذابه بترك ما نهى عنه" (12).
(1) تفسير الطبري: 7/ 204.
(2)
أخرجه الطبري (7824): ص 7/ 204.
(3)
تفسير الطبري: 7/ 204.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4142): ص 3/ 759.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4142): ص 3/ 759.
(6)
أخرجه الطبري (7826): ص 7/ 204 - 205.
(7)
تفسير ابن أبي حاتم (4140): ص 3/ 759.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (4141): ص 3/ 759.
(9)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 147.
(10)
البيت من شواهد الراغب في تفسيره: 3/ 851، ولم أتعرف على قائله.
(11)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 850 - 851.
(12)
صفوة التفاسير: 208.
قال ابن إسحاق: " أي: فأطيعوا"(1).
قال سعيد بن جبير: " واتقوا الله في أمر الربا فلا تأكلوا"(2).
قال الطبري: أي: " واتقوا الله أيها المؤمنون، في أمر الربا فلا تأكلوه، وفي غيره مما أمركم به أو نهاكم عنه، وأطيعوه فيه"(3).
قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 130]، "أي: لتكونوا من الفائزين" (4).
قال سعيد: " يعني: لكي تفلحون"(5).
قال الطبري: أي: " لتنجحوا فتنجوا من عقابه، وتدركوا ما رغَّبكم فيه من ثوابه والخلود في جنانه"(6).
قال ابن إسحاق: " أي: لعلكم أن تنجوا مما حذركم من عذابه، وتدركوا ما رغبكم فيه من ثوابه"(7).
قال الراغب: " إن قيل: ما اتصال هذه الآية بما قبلها؟
قيل: إنه لما نهى عن الكفر فيما تقدم، وقبح صورته، وحذر منه، وبين قدرته عليهم حث قال:(ولله ما في السماوات) نهى هاهنا عن تعاطي أفعال الكفرة" (8).
الفوائد:
1 -
تعظيم شأن الربا وخطره، ووجهه أنه صدر الخطاب في شأنه بالنداء.
2 -
أن اجتناب الربا من مقتضيات الإيمان، وأن أكله منقص للإيمان، لأنه من كبائر الذنوب.
3 -
تحريم أكل الربا، لقوله:{لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا} ، والأصل في النهي التحريم.
القرآن
{وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131)} [آل عمران: 131]
التفسير:
واجعلوا لأنفسكم وقاية بينكم وبين النار التي هُيِّئت للكافرين.
قوله تعالى: {وَاتَّقُوا النَّارَ} [آل عمران: 131]، "أي احذروا نار جهنم"(9).
قال الطبري: أي: " واتقوا، أيها المؤمنون، النارَ أن تصلوْها بأكلكم الربا بعد نهيي إياكم عنه"(10).
قوله تعالى: {الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 131]، أي:" التي هيئت للكافرين"(11).
قال محمد بن إسحاق: " أي: التي جعلت دارا لمن كفر بي"(12).
قال السمرقندي: " يعني: خُلقت وهيئت للكافرين"(13).
قال مقاتل بن حيان: " من أكل الربا فلم ينته فله النار"(14).
قال الطبري: أي: " التي أعددتها لمن كفر بي، فتدخلوا مَدْخَلَهم بعد إيمانكم بي، بخلافكم أمري، وترككم طاعتي"(15).
(1) أخرجه الطبري (7827): ص 7/ 205، وابن أبي حاتم (4144): ص 3/ 760.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4143): ص 3/ 759.
(3)
تفسير الطبري: 7/ 205.
(4)
صفوة التفاسير: 208.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4145): ص 3/ 760 ..
(6)
تفسير الطبري: 7/ 205.
(7)
أخرجه الطبري (7827): ص 7/ 205، وابن أبي حاتم (4146): ص 3/ 760.
(8)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 849.
(9)
صفوة التفاسير: 208.
(10)
تفسير الطبري: 7/ 206.
(11)
صفوة التفاسير: 208.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (4150): ص 3/ 760.
(13)
تفسير السمرقندي: 1/ 246.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (4149): ص 3/ 760.
(15)
تفسير الطبري: 7/ 206.
قال سعيد بن جبير: " فخوف آكل الربا من المؤمنين بالنار التي أعدت للكافرين"(1).
عن معاوية بن قرة: "كان الناس يتأولون هذه الآية: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين}: اتقوا أن لا أعذبكم بذنوبكم في النار التي أعددتها للكافرين"(2).
قال الثعلبي: " ثم خوفهم فقال: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين}، وفيه دليل على أن النار مخلوقة ردا على الجهمية، لأن المعدوم لا يكون معدا"(3).
قال الراغب: " إعداد الشيء تهيئته قبل الحاجة إليه، وإنما أراد تقديره وإيجاده، فلا حاجة به تعالى إلى الإعداد، وأصله من: العد، وقولك: أعددت كذا لكذا، أي اعتبرت قدره بقدره"(4).
ويجدر القول بأن المعتزلة يرون: أنه "من أتى بالكبيرة ومات عليها فإنه يخلد في النار كالكافر، فإنه وعد لأكل الربا النار كما وعد الكفار. وقال أكثر أهل العلم والتفسير: هذا الوعيد لمن استحل الربا ومن استحل الربا فإنه يكفر ويصير إلى النار. ويقال: معناه اتقوا العمل الذي ينزع منكم الإيمان فتستوجبوا النار، لأن من الذنوب ما يستوجب به نزع الإيمان ويخاف عليه، فمن ذلك عقوق الوالدين"(5).
وإن قيل: "ما وجه ذكر: {اتقوا النار} ، بعد قوله:{اتقوا الله} ؟
قيل: قد تقدم أن قوله: {اتقوا الله} يقال باعتبار ذاته، واتقوا النار باعتبار عقابه، فالأول للأولياء الأصفياء، ولذلك وصله بالفلاح الذي هو أعلى درجة الثواب، والثاني للمذنبين، فلذلك وصله بالرحمة، ولما كانت المنزلة الأولى لا تحصل إلا لمن حصلت له المنزلة الثانية، حث كافة الناس على الاستعانة بتقوى عقوبته، والطاعة له ولرسوله في ترك الربا وغيره من المعاصي؛ ليصلوا إلى الرحمة ذريعة إلى الفلاح" (6).
وإن قيل: "الفلاح لا يخرج من أن يكون رحمة؟
قيل: صحيح، ولكن الرحمة أعم من الفلاح، فكل فلاح رحمة، وليس كل رحمة فلاحا، ومن قال في قوله:{أعدت للكافرين} دلالة أن لا فاسق فيها، فليس باستدلال يوجب الركون إليه، لأن ما يصح أن يشترك فيه أقوام إذا قيل: أعد لفلان. فليس فيه أنه لم يعد لغيره. ثم قد ثبت أن النار دركات، فأكثر ما في ذلك أن النار المعدة للكافر ليست للفاسق" (7).
الفوائد:
1 -
وجوب اتخاذ ما يقي من النار، لقوله:{وَاتَّقُوا النَّارَ} ، والأصل في الأمر الوجوب.
2 -
أن النار موجودة الآن، لقوله:{الَّتِي أُعِدَّتْ} .
3 -
أن أهل النار هم الكافرون، لقوله:{أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} ، وأما الفساق الذين يعذبون بالنار على قدر أعمالهم ثم يخرجون منها، فإن النار لم تعدّ لهم، فعذاب النار يخفف ويثقل بحسب عمل الإنسان.
القرآن
{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132)} [آل عمران: 132]
التفسير:
وأطيعوا الله -أيها المؤمنون- فيما أمركم به من الطاعات وفيما نهاكم عنه من أكل الربا وغيره من الأشياء، وأطيعوا الرسول; لترحموا، فلا تعذبوا.
قوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} [آل عمران: 132]، "أي اطيعوا الله ورسوله"(8).
قال سعيد بن جبير: "يعني: في تحريم الربا"(9).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (4148): ص 3/ 760.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4147): ص 3/ 760.
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 148.
(4)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 853.
(5)
تفسير السمرقندي: 1/ 246.
(6)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 853 - 854.
(7)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 854.
(8)
صفوة التفاسير: 208.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (4151): ص 3/ 760.
قال الطبري: أي: " وأطيعوا الله، أيها المؤمنون، فيما نهاكم عنه من أكل الربا وغيره من الأشياء، وفيما أمركم به الرسول. يقول: وأطيعوا الرسول أيضًا كذلك"(1).
قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 132]، أي:" لتكونوا من الأبرار الذين تنالهم رحمة الله"(2).
قال سعيد بن جبير: " يعني: لكي ترحمون فلا تعذبون"(3).
قال الطبري: " لترحموا فلا تعذبوا"(4).
وقد أخرج الطبري: عن ابن إسحاق: {وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون} ، معاتبة للذين عصوْا رسوله حين أمرهم بالذي أمرهم به في ذلك اليوم وفي غيره - يعني: في يوم أحُد" (5).
الفوائد:
1 -
وجوب طاعة الله ورسوله، لقوله:{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} ، لأن الأصل في الأمر الوجوب.
2 -
جواز اقتران اسم الرسول باسم الله في الأمر الذي يكون مشتركا بينهما، لقوله:{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} .
3 -
أن طاعة الله ورسوله سبب للرحمة، لقوله: : {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} .
القرآن
{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)} [آل عمران: 133]
التفسير:
وبادروا بطاعتكم لله ورسوله لاغتنام مغفرة عظيمة من ربكم وجنة واسعة، عرضها السموات والأرض، أعدها الله للمتقين.
في سبب نزول الآية:
أخرج الطبري بسنده عن عطاء بن أبى رباح: "أنهم قالوا: يا نبي الله، بنو إسرائيل أكرم على الله منا! كانوا إذا أذنب أحدهم أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه: اجدع أذنك، اجدع أنفك، افعل! فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين}، إلى قوله: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم}، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أخبركم بخير من ذلك "؟ فقرأ هؤلاء الآيات"(6).
ونقله الثعلبي عن عطاء" (7)، وروي عن ابن مسعود نحو ذلك (8).
قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 133]، " أي: بادروا إِلى ما يوجب المغفرة بطاعة الله وامتثال أوامره" (9).
قال الطبري: أي: " وبادروا وسابقوا إلى ما يستر عليكم ذنوبكم من رحمته، وما يغطيها عليكم من عفوه عن عقوبتكم عليها "(10).
عن سعيد: " {وسارعوا}، يقول: سارعوا بالأعمال الصالحة"(11)، " {إلى مغفرة من ربكم}، قال: لذنوبكم"(12).
(1) تفسير الطبري: 7/ 206.
(2)
صفوة التفاسير: 208.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4153): ص 3/ 761.
(4)
تفسير الطبري: 7/ 206.
(5)
تفسير الطبري (7829): ص 7/ 206 - 207.
(6)
تفسير الطبري (7849): ص 7/ 219.
(7)
تفسير الثعلبي: 3/ 148.
(8)
انظر: تفسير الطبري (7850): ص 7/ 219 - 220.
(9)
صفوة التفاسير: 210.
(10)
تفسير الطبري: 7/ 108.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (4154): ص 3/ 761.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (4155): ص 3/ 761.
قوله تعالى: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} [آل عمران: 133]، " أي: وإِلى جنة واسعة عرضها السماء والأرض" (1).
قال سعيد بن جبير: " يعني عرض سبع سموات وسبع أرضين لو لصق بعضهن إلى بعض فالجنة في عرضهن"(2).
قال ابن عباس: " تُقرن السموات السبع والأرضون السبع، كما تُقرن الثياب بعضها إلى بعض، فذاك عرض الجنة"(3).
وفي رواية ابن أبي حاتم عن كريب قال: "أرسلني ابن عباس إلى رجل من أهل الكتاب أسأله عن هذه الآية جنة عرضها السماوات والأرض قال: فأخرج أسفار موسى فجعل ينظر قال: تلفق كما يلفق الثوب، وأما طولها فلا يقدر قدره إلا الله"(4)، وروي عن يزيد بن أبي مالك نحو ذلك (5).
والله تعالى وصف عرض الجنة بالسموات والأرضين، أي: عرضها بعرض السموات والأرض، تشبيها به في السعة والعظم، كما قيل:{مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [سورة لقمان: 28]، يعني: إلا كبعث نفس واحدة، وكما قال شقيق بن جزء بن رياح الباهلي (6):
كأَنَّ عَذِيرَهُمْ بِجَنُوب سِلَّى
…
نَعَامٌ قَاقَ فِي بَلَدٍ قِفَارِ
أي: عذيرُ نعام، وكما قال ذوالخرق الطهوي (7):
حَسِبتَ بُغَامَ رَاحِلَتِي عَنَاقًا
…
وَمَا هي، وَيْبَ غَيْرِكَ بالعَنَاقِ
يريد صوت عناق (8).
عن يعلى بن مرة قال: لقيت التنوخيّ رسول هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص، شيخًا كبيرًا قد فُنِّد. قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب هرقل، فناول الصحيفة رجلا عن يساره. قال قلت: من صاحبكم الذي يقرأ؟ قالوا: معاوية. فإذا كتاب صاحبي: " إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، فأين النار؟ " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله! فأين الليل إذا جاء النهار؟ " (9).
وعن طارق بن شهاب قال: "جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال: تقولون: {جنة عرضها السموات والأرض}، أين تكون النار؟ فقال له عمر: أرأيت النهار إذا جاء أين يكون الليل؟ أرأيت الليل إذا جاء، أين يكون النهار؟ فقال: إنه لمثلها في التوراة، فقال له صاحبه: لم أخبرته؟ فقال له صاحبه: دعه، إنه بكلٍّ موقنٌ"(10). وروي عن ابن عباس نحو ذلك (11).
قال ابن عثيمين: "الآية لا تدل على أن الجنة ملأت السماوات والأرض وصارت في محلها، بل تدل على أن عرضها عرض السماوات والأرض وإن كانت هي فوقهم، ولذلك نقول أن الجنة فوق السماوات والأرض كلها، كما ثبت عن النبي-صلى الله عليه وسلم «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقها أو وفوقُها-روي بالوجهين- عرش الرحمن» (12)، وهذا يدل أن الجنة فوق السماوات، وأما النار فهي أسفل السافلين، وعلى هذا فلايكون في الآية إشكالا اطلاقا، ويحتمل أن تقول: إن هذا اليهودي أراد أن يلبس
(1) صفوة التفاسير: 210.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4158): ص 3/ 762.
(3)
أخرجه الطبري (7830): ص 7/ 207.
(4)
تفسير ابن أبي حاتم (4157): ص 3/ 762.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4157): ص 3/ 762.
(6)
انظر: الكامل 2/ 196، معجم البلدان (سلى)، واللسان (فوق)(سلل). وينسب لأعشى باهلة، وللنابغة خطأ.
(7)
انظر: نوادر أبي زيد: 116، ومعاني القرآن للفراء 1/ 61 - 62، واللسان (ويب)(عنق)(عقا)(بغم) وغيرها.
(8)
انظر: تفسير الطبري: 7/ 208.
(9)
أخرجه الطبري (7831): ص 7/ 209.
(10)
أخرجه الطبري (7835): ص 7/ 212.
(11)
انظر: تفسير الطبري (7836): ص 7/ 212.
(12)
رواه البخاري (2790).
ويشبّه في القرآن ويتبع ما تشابه، وإن النبي-صلى الله عليه وسلم -إذا صحّ الحديث- أجابه على وجه يبهت فيه ولا يتكلم على مقتضى عقله، فقال:«أين الليل إذا جاء النهار» " (1).
قوله تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]، "أي هيئت للمتقين لله "(2).
قال ابن إسحاق: " أي: دارًا لمن أطاعني وأطاع رسولي"(3).
قال ابن كثير: " أي: كما أعدّت النار للكافرين"(4).
قال الطبري: أي: " أعدها الله للمتقين، الذين اتقوا الله فأطاعوه فيما أمرهم ونهاهم، فلم يتعدوا حدوده، ولم يقصِّروا في واجب حقه عليهم فيضيِّعوه"(5).
قال الزجاج: " أي لمن اتقى المحارم، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن بين مصراعي باب الجنة مسيرة أربعين عاما» (6)، وليأتين عليه يوم يزدحم عليه الناس؛ كما تزدحم الإبل وردت خمصا. ظماء"(7).
قال سعيد بن جبير: " {أعدت للمتقين}، يعني: الذين يتقون الشرك"(8).
الفوائد:
1 -
الأمر بالمسارع إلى المغفرة والرحمة والجنة.
2 -
أن التخلية قبل التحلية، لأنه قال:{إلى مغفرة من ربكم وجنة} ، فبالمغفرة الزحزحة عن النار التي أوجبتها الذنوب، وبالجنة دخول الجنة.
3 -
أن المغفرة لاتكون إلا من الله.
4 -
بيان سعة الجنة.
5 -
أن الجنة موجودة الآن، لقوله:{أعدت} ، والإعداد: التهيئة.
القرآن
التفسير:
الذين ينفقون أموالهم في اليسر والعسر، والذين يمسكون ما في أنفسهم من الغيظ بالصبر، وإذا قَدَروا عَفَوا عمَّن ظلمهم. وهذا هو الإحسان الذي يحب الله أصحابه.
قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ} [آل عمران: 134]، "أي: الذين يبذلون أموالهم في اليسر والعسر، وفي الشدة والرخاء" (9).
قال ابن عباس: " يقول: في العسر واليسر"(10). وروي عن سعيد بن جبير مثل ذلك (11).
(1) تفسير ابن عثيمين: 2/ 169.
(2)
صفوة التفاسير: 210.
(3)
أخرجه الطبري (7837): ص 7/ 213.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 117.
(5)
تفسير الطبري: 7/ 213.
(6)
أخرجه أحمد 4/ 174، ومسلم "2967""14" في الزهد والرقائق في أوله، والنسائي في "الكبرى" كما في "التحفة" 7/ 234، والطبراني في "الكبير" 17/ 280، والمزي في "تهذيب الكمال" 8/ 145 - 146 في ترجمة خالد بن عمير، من طريق سليمان بن المغيرة.
وأخرجه أحمد 4/ 174 و 5/ 61، ومسلم "2967""15"، والطبراني 17/"281" و "282"، والحاكم 3/ 261 من طرق عن حميد بن هلال، به مختصراً ومطولاً.
وأخرجه ابن ماجة "4156" في الزهد: باب معيشة أصحاب، وابن حبان في حصيحه:(7121): ص 16/ 59.
(7)
معاني القرآن: 1/ 469.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (4159): ص 3/ 762.
(9)
صفوة التفاسير: 210.
(10)
أخرجه الطبري (7838): ص 7/ 214.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4163) - (4164): ص 3/ 762 - 763.
قال ابن كثير: " أي: في الشدة والرخاء، والمَنْشَط والمَكْرَه، والصحة والمرض، وفي جميع الأحوال، كما قال: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً} [البقرة: 274]، والمعنى: أنهم لا يشغلهم أمْر عن طاعة الله تعالى والإنفاق في مَرَاضِيه، والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر"(1).
قال الطبري: أي: " أعدت الجنة التي عرضها السموات والأرض للمتقين، وهم المنفقون أموالهم في سبيل الله، إما في صرفه على محتاج، وإما في تقوية مُضعِف على النهوض لجهاده في سبيل الله"(2).
قوله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} [آل عمران: 134]، أي: والذين "يمسكون غيظهم مع قدرتهم على الانتقام"(3).
قال مقاتل بن سليمان: " وهو الرجل يغضب في أمر فإذا فعله وقع في معصية، فيكظم الغيظ ويغفر"(4).
قال ابن كثير: " أي: إذا ثار بهم الغيظ كظموه، بمعنى: كتموه فلم يعملوه"(5).
قال الطبري: أي: " والجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه يقال منه: كظم فلان غيظه، إذا تجرَّعه، فحفظ نفسه من أن تمضي ما هي قادرةٌ على إمضائه، باستمكانها ممن غاظها، وانتصارها ممن ظلمها، وأصل ذلك من: كظم القربة، يقال منه: كظمتُ القربة، إذا ملأتها ماء، وفلان كظيمٌ ومكظومٌ، إذا كان ممتلئًا غمٌّا وحزنًا. ومنه قول الله عز وجل، {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [سورة يوسف: 84] يعني: ممتلئ من الحزن"(6).
عن أبي هريرة في قوله: {والكاظمين الغيظ} : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كظم غيظًا وهو يقدر على إنفاذه، ملأه الله أمنًا وإيمانًا"(7).
قال ابن عباس: " فـ {الكاظمين الغيظ}، كقوله: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [سورة الشورى: 37]، يغضبون في الأمر لو وقعوا به كان حرامًا، فيغفرون ويعفون، يلتمسون بذلك وجه الله"(8).
قوله تعالى: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} [آل عمران: 134]، أي:" والصافحين عن الناس عقوبَةَ ذنوبهم إليهم وهم على الانتقام منهم قادرون"(9).
قال ابن كثير: أي: " وعَفَوْا مع ذلك عمن أساء إليهم
…
أي: مع كف الشر يعفون عمن ظلمهم في أنفسهم، فلا يبقى في أنفسهم مَوجدة على أحد، وهذا أكمل الأحوال، ولهذا قال:{وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} فهذا من مقامات الإحسان" (10).
قال ابن عباس: " و {العافين عن الناس}، كقوله: {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} إلى (أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) [سورة النور: 22]، يقول: لا تقسموا على أن لا تعطوهم من النفقة شيئًا واعفوا واصفحوا"(11).
وروي عن الربيع بن أنس (12)، وأبي العالية (13)، ومكحول (14):{والعافين عن الناس} ، قال:"عن المملوكين".
وقال زيد بن أسلم (15)، ومقاتل:"عمن ظلمهم وأساء إليهم"(16).
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 119.
(2)
تفسير الطبري: 7/ 213.
(3)
صفوة التفاسير: 210.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 301.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 119.
(6)
تفسير الطبري: 7/ 214.
(7)
أخرجه الطبري (7842): ص 7/ 216.
(8)
أخرجه الطبري (7843): ص 7/ 216 - 217.
(9)
تفسير الطبري: 7/ 215.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 119 - 121.
(11)
أخرجه الطبري (7843): ص 7/ 217.
(12)
أخرجه ابن المنذر (928): ص 1/ 284.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (4167): ص 3/ 763.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (4167): ص 3/ 763.
(15)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 167.
(16)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 301.
ورد في بعض الآثار: "يقول الله تعالى: ابنَ آدَمَ، اذْكُرْنِي إذَا غَضِبْتَ، أَذْكُرُكَ إذَا غَضِبْتُ، فلا أمحقك فيمن أمحق"(1).
وفي الحديث: "ثلاث أُقْسِمُ عليهن: ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عِزا، ومن تواضع لله رفعه الله "(2).
وروى الحاكم في مستدركه من حديث موسى بن عُقبة، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة القُرشي، عن عُبَادة بن الصامت، عن أبي بن كعب؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من سره أن يُشْرَف له البنيان، وترفع له الدرجات فَلْيَعْفُ عمن ظلمه، ويعط من حرمه، ويَصِلْ من قطعه"(3).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134]، أي: والله" يحب المتصفين بتلك الأوصاف الجليلة وغيرها"(4).
قال ابن إسحاق: " أي: وذلك الإحسان، وأنا أحب من عمل به"(5).
روي عن إسحاق، قال:"وحدثت عن ابن حيان، في قوله عز وجل: {الذين ينفقون} قرأ حتى {والله يحب المحسنين} قال: يغيظون في الأمر، فيغفرون، ويعفون عن الناس، ومن يفعل ذلك فهو محسن، {والله يحب المحسنين} "(6).
قال الطبري: أي: " فإن الله يحب من عمل بهذه الأمور التي وصف أنه أعدَّ للعاملين بها الجنة التي عرضُها السموات والأرض، والعاملون بها هم احسنون، وإحسانهم، هو عملهم بها"(7).
عن أبي رجاء، عن الحسن قال:"يقال يوم القيامة: ليقم من كان له على الله أجر. فما يقوم إلا إنسان عفا، ثم قرأ هذه الآية: {والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} "(8).
نقل الثعلبي عن السقطي: "الإحسان أن يحسن وقت الإمكان، فليس في كل وقت يمكنك الإحسان"(9).
وأخرج ابن أبي حاتم بسنده "عن مقاتل بن حيان: {والعافين عن الناس}، ومن فعل ذلك وهو محسن {والله يحب المحسنين}، بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند ذلك: إن هؤلاء في أمتي قليل إلا من عصمه الله، وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت"(10).
وقال مقاتل بن سليمان: " ومن يفعل هذا فقد أحسن فذلك قوله: {والله يحب المحسنين}، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم: إني أرى هؤلاء في أمتي قليلا، وكانوا أكثر في الأمم الخالية"(11).
الفوائد:
1 -
فضيلة الإنفاق على كل حال.
2 -
الثناء على من انفق في السراء والضراء، وذلك لأن الإنفاق في السراء ليس بغريب، فكل انسان يهون عليه ان ينفق إذا كان في السراء، لكن الإنفاق في الضراء هو الذي يدل على كون الإنسان ينفق طلبا للأجر لا زهدا في المال.
3 -
أنه ينبغي للإنسان أن يكظم الغيظ، لأن ذلك من صفات أهل الجنة.
4 -
الحث على العفو عن الناس، لكنه مقيد بما إذا كان أصلح.
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (5388): ص 3/ 965.
(2)
رواه الترمذي في السنن برقم (2325) من حديث أبي كبشة الأنماري.
(3)
المستدرك (2/ 295) وتعقبه الذهبي فقال: "فيه أبي أمية بن يعلى ضعفه الدارقطني وإسحاق بن يحيى بن طلحة عن عبادة عن أبي، وإسحاق لم يدرك عبادة". ورواه الطبراني في الكبير (1/ 167) من طريق أبي أمية بن يعلى عن موسى بن عقبة.
(4)
صفوة التفاسير: 210.
(5)
أخرجه الطبري (7839): ص 7/ 215.
(6)
أخرجه ابن المنذر (930): ص 1/ 384.
(7)
تفسير الطبري: 7/ 215.
(8)
أخرجه الطبري (7841): ص 7/ 215.
(9)
تفسير الثعلبي: 3/ 167.
(10)
تفسير ابن أبي حاتم (4168): ص 3/ 763.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 301.
5 -
إثبات المحبة لله تعالى.
6 -
الحث على الإحسان، لأن الله يحب الإحسان والمحسنين، والشأن كل الشأن ان يحبك الله، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أحبابه.
القرآن
التفسير:
والذين إذا ارتكبوا ذنبًا كبيرًا أو ظلموا أنفسهم بارتكاب ما دونه، ذكروا وعد الله ووعيده فلجأوا إلى ربهم تائبين، يطلبون منه أن يغفر لهم ذنوبهم، وهم موقنون أنه لا يغفر الذنوب إلا الله، فهم لذلك لا يقيمون على معصية، وهم يعلمون أنهم إن تابوا تاب الله عليهم.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: نقل الثعلبي عن عطاء: " نزلت هذه الآية في نبهان التمار وكنيته أبو مقبل أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمرا فقال لها: إن هذا التمر ليس بجيد وفي البيت أجود منه فهل لك فيه؟ قالت: نعم، فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبلها، فقالت له: اتق الله، فتركها وندم على ذلك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له ذلك فنزلت هذه الآية"(1).
والثاني: ونقل الثعلبي أيضا عن مقاتل والكلبي: "آخا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجلين أحدهما من الأنصار والآخر من ثقيف، فخرج الثقفي في غزاة واستخلف الأنصاري على أهله، فاشترى لهم اللحم ذات يوم، فلما أرادت المرأة أن تأخذه منه دخل على أثرها فدخلت المرأة بيتا فتبعها فاتقته بيدها، فقبل يدها ثم ندم وانصرف، فقالت له: والله ما حفظت غيبة أخيك ولا نلت حاجتك، فخرج الأنصاري ووضع التراب على رأسه وهام على وجهه، فلما رجع الثقفي لم يستقبله الأنصاري فسأل امرأته عن حاله.
فقالت: لا أكثر الله في الاخوان مثله ووصفت له الحال، والأنصاري يسيح في الجبال تائبا مستغفرا، وطلبه الثقفي حتى وجده، فأتى به أبا بكر رضي الله عنه رجاء أن يجدا راحة عنده فخرجا، وقال الأنصاري: هلكت، قال: وما أهلكك؟ فذكر له القصة، فقال أبو بكر:
ويحك أما علمت أن الله تعالى يغار للغازي ما لا يغار للمقيم، ثم لقى عمر رضي الله عنه فقال: مثل ذلك، فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال له مثل مقالتهما، فأنزل الله تعالى:{والذين إذا فعلوا فاحشة} " (2).
ونقله الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وفي الأخير:" فقال عمر: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخاص هذا به أم للناس عامة؟ قال: «بل للناس عامة في التوبة» "(3).
والثالث: وقال مقاتل: " وذلك أن رجلا خرج غازيا وخلف رجلا في أهله وولده، فعرض له الشيطان في أهله، فهوى المرأة فكان منه ما ندم، فأتى أبا بكر الصديق- رضي الله عنه فقال: هلكت. قال: وما هلاك. قال: ما من شيء يناله الرجل من المرأة إلا وقد نلته غير الجماع فقال أبو بكر- رضى الله عنه-: ويحك أما علمت أن الله- عز وجل يغار للغازي ما لا يغار للقاعد، ثم لقي عمر- رضي الله عنه فأخبره. فقال له مثل مقالة أبي بكر- رضي الله عنه ثم أتى النبي- صلى الله عليه وسلم فقال له، مثل مقالتهما فأنزل الله- عز وجل فيه {والذين إذا فعلوا فاحشة} "(4).
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً} [آل عمران: 135]، أي: والذين إذا ارتكبوا ذنباً قبيحاً كالكبائر" (5).
قال الزمخشري: أي: " فعلة متزايدة القبح"(6).
(1) تفسير الثعلبي: 3/ 168. قال ابن حجر: " وهو من رواية موسى بن عبد الرحمن الصنعاني وهو كذاب، المشهور في هذه القصة نزول {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} وسيأتي في تفسير هود". [العجاب: 3/ 755 - 756].
(2)
تفسير الثعلبي: 3/ 168.
(3)
انظر: العجاب: 2/ 757.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 301 - 302.
(5)
صفوة التفاسير: 210.
(6)
الكشاف: 1/ 416.
قال ابن كثير: أي: "والذين إذا صدر منهم ذنب"(1).
قال الثعلبي: " يعني قبيحة خارجة عما أذن الله فيه، وأصل الفحش: القبيح والخروج عن الحد"(2).
قال المراغي: " أي والذين إذا فعلوا من القبيح ما يتعدى أثره إلى غيره كالغيبة ونحوها"(3).
وفي معنى "الفاحشة" ها هنا أقوال:
أحدهما: أنها الزنا، قاله جابر (4)، والسدي (5)، ومقاتل (6).
والثاني: الكبائر من المعاصي (7).
والثالث: أنها الظلم. قاله إبراهيم النخعي (8).
والرابع: أنها طوافهم بالبيت عراة. وهذا قول زيد بن اسلم (9).
قال الطبري: " ومعنى الفاحشة، الفعلة القبيحة الخارجة عما أذِن الله عز وجل فيه. وأصل الفحش: القبح، والخروج عن الحد والمقدار في كل شيء. ومنه قيل للطويل المفرط الطول: إنه لفاحش الطول، يراد به: قبيح الطول، خارج عن المقدار المستحسن. ومنه قيل للكلام القبيح غير القصد: كلام فاحش، وقيل للمتكلم به: أفحش في كلامه، إذا نطق بفُحش"(10).
روي عن عمران بن حصين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أرأيتم الزاني، والسارق، وشارب الخمر ما تقولون فيهم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هي فواحش وفيهن عقوبة"(11).
قوله تعالى: {أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} [آل عمران: 135]، أي:" أو ظلموا انفسهم بارتكاب المعاصي وتعريضها للعقاب"(12).
قال محمد بن إسحاق: "أي: بمعصية"(13).
قال مقاتل بن حيان: أي: " أصابوا ذنوبا"(14).
قال مقاتل بن سليمان: " ما كان نال منها دون الزنا"(15).
قال الأصم: " {فعلوا فاحشة}: الكبائر {أو ظلموا أنفسهم}: بالصغائر"(16).
قال الثعلبي: " وقيل: فعلوا فاحشة فعلا وظلموا أنفسهم قولا"(17).
قال الزمخشري: أي: " أو أذنبوا أى ذنب كان مما يؤاخذون به"(18).
قال الواحدي: " يعني: ما دون الزِّنا من قُبلةٍ أو لمسةٍ أو نظرٍ"(19).
قال إبراهيم النخعي: " الظلم من الفاحشة، والفاحشة من الظلم"(20).
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 121 - 122.
(2)
تفسير الثعلبي: 3/ 168.
(3)
تفسير المراغي: 4/ 72.
(4)
انظر: تفسير الطبري (7846): ص 7/ 218.
(5)
انظر: تفسير الطبري (7847): ص 7/ 218.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 302.
(7)
انظر: النكت والعيون: 1/ 424.
(8)
انظر: تفسير الطبري (7848): ص 7/ 218.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4174): ص 3/ 764.
(10)
تفسير الطبري: 7/ 218.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (4171): ص 3/ 764.
(12)
أوضح التفاسير: 1/ 78.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (4177): ص 3/ 764.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (4176): ص 3/ 764.
(15)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 302.
(16)
تفسير الثعلبي: 3/ 169.
(17)
تفسير الثعلبي: 3/ 169.
(18)
الكشاف: 1/ 416.
(19)
الوجيز: 232.
(20)
أخرجه الطبري (7848): ص 7/ 218.
قال الطبري: " يعني به: فعلوا بأنفسهم غير الذي كان ينبغي لهم أن يفعلوا بها. والذي فعلوا من ذلك، ركوبهم من معصية الله ما أوجبوا لها به عقوبته"(1).
قال البيضاوي: " بأن أذنبوا أي ذنب كان وقيل الفاحشة الكبيرة وظلم النفس الصغيرة، ولعل الفاحشة ما يتعدى وظلم النفس ما ليس كذلك"(2).
قال المراغي: يعني: " أو فعلوا ذنبا يكون مقصورا عليهم كشرب الخمر ونحوه"(3).
قال الماتريدي: "ظلموا انفسهم، حيث لم يسلموا أنفسهم لله خالصين، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، فإذا لم يسلموا له - وضعوا أنفسهم في غير موضعها، لذلك صاروا ظلمة أنفسهم"(4).
قوله تعالى: {ذَكَرُوا اللَّهَ} [آل عمران: 135]، أي:" ذكروا وعيد الله على ما أتوا من معصيتهم إياه "(5).
قال مقاتل بن حيان: " ذكروا الله عند تلك الذنوب والفاحشة"(6).
قال محمد بن إسحاق: " ذكروا نهي الله عنها وما حرم عليهم منها"(7).
قال الواحدي: " أيْ: ذكروا عقاب الله"(8).
قوله تعالى: {فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 135]، أي:"طلبوا الغفران لأجل ذنوبهم"(9).
قال الطبري: أي: " فسألوا ربهم أن يستُر عليهم ذنوبهم بصفحه لهم عن العقوبة عليها"(10).
قال ابن كثير: " أي: تابوا من ذنوبهم، ورجعوا إلى الله عن قريب، ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها غير مقْلِعِين عنها، ولو تكرر منهم الذنب تابوا عنه"(11).
قوله تعالى: {وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 135]، أي:" وأي أحد يغفر الذنوب؛ ما يغفرها إلا الله"(12).
قال محمد بن إسحاق: "وعرفوا أنه لا يغفر الذنوب إلا هو"(13).
قال الصابوني: أي: "لا يغفر الذنوب إِلا الله"(14).
عن الأسود بن سَرِيع؛ "أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بأسير فقال: اللهمُ إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عَرَفَ الْحقَّ لأهْلِهِ» "(15).
قوله تعالى: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا} [آل عمران: 135]، أي:" ولم يقيموا على ذنوبهم عامدين للمقام عليها"(16).
قال مجاهد: " لم يمضوا على المعصية"(17).
قال مقاتل: لم"يقيموا "(18).
(1) تفسير الطبري: 7/ 218.
(2)
تفسير البيضاوي: 2/ 38.
(3)
تفسير المراغي: 4/ 72.
(4)
تفسير الماتريدي: 2/ 487.
(5)
تفسير الطبري: 7/ 219.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (4178): ص 3/ 764.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (4179): ص 3/ 764.
(8)
الوجيز: 232.
(9)
الكشاف: 1/ 510.
(10)
تفسير الطبري: 7/ 219.
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 125.
(12)
معاني القرآن للزجاج: 1/ 469.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (4183): ص 3/ 766.
(14)
صفوة التفاسير: 211.
(15)
المسند (3/ 345).
(16)
تفسير الطبري: 7/ 219.
(17)
أخرجه ابن أبي حاتم (4185): ص 3/ 766.
(18)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 302.
قال الحسن: " إتيان الذنب عمدا إصرار حتى يتوب"(1).
وقال السدي: " فيسكتوا ولا يستغفروا"(2).
وقال عطاء: "يغمضوا"(3).
قال محمد بن إسحاق: " أي لم يقيموا على معصيتي، كفعل من أشرك بي فيما عملوا به من كفر بي"(4)
قال الواحدي: " أَيْ: لم يقيموا ولم يدوموا، بل أقرُّوا واستغفروا"(5).
قال الزجاج: " الإصرار الإقامة على الشيء"(6).
قال القرطبي: " الإصرار هو العزم بالقلب على الأمر وترك الإقلاع عنه"(7).
قال الزمخشري: " الإصرار معناه: اعتزام الدوام على الأمر، وترك الإقلاع عنه، ومنه صر الدنانير: أي الربط عليها، ومنه قول أبي السمال قعنب العدوي: «علم الله أنها مني صرى» "(8).
وقال سهل بن عبدالله: " والإصرار هو التسويف، والتسويف أن يقول: أتوب غدا، وهذا دعوى النفس، كيف يتوب غدا وغدا لا يملكه! "(9).
وأصل "الإصرار": " الثبات على الشيء، قال الحطيئة: يصف الخيل (10):
عوابِسُ بالشُّعْثِ الكُماةِ إذا ابْتَغَوْا
…
عُلالَتَها بالمُحْصَداتِ أَصَرَّتِ
أي ثبتت على عدوها" (11).
روي عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم، أنه قال:" لم يصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة"(12).
وفي رواية اخرى عن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس كبيرة بكبيرة مع الاستغفار وليس صغيرة بصغيرة مع الإصرار» "(13).
وقال قتادة: " إياكم والإصرار، فإنما هلك المصرون الماضون قدما قدما في معاصي الله، لا تنهاهم مخافة الله عن حرام حرمه الله، ولا يتوبون من ذنب أصابوه، حتى أتاهم الموت وهم على ذلك"(14).
قوله تعالى: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135]، أي: وهم يعلمون "أن الذي أتوه حرام ومعصية"(15).
قال مقاتل: " أنها معصية"(16).
قال السدي: " فيعلمون أنهم قد أذنبوا ثم أقاموا ولم يستغفروا"(17).
قال عبدالله بن عبيد بن عمير: " وهم يعلمون إن تابوا، تاب الله عليهم"(18).
قال ابن أبي نجيح: " {وهم يعلمون} أنه يغفر لمن استغفر ويتوب على من تاب"(19).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (4186): ص 3/ 766.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4187): ص 3/ 766.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4187): ص 3/ 766.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4188): ص 3/ 766.
(5)
الوجيز: 232.
(6)
معاني القرآن: 1/ 469.
(7)
تفسير القرطبي: 4/ 211.
(8)
الطشاف: 1/ 510.
(9)
تفسير القرطبي: 4/ 211.
(10)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 169، وتفسير القرطبي: 4/ 211.
(11)
تفسير الثعلبي: 3/ 169.
(12)
أخرجه وابن أبي حاتم (4184): ص 3/ 766، والترمذي كتاب الدعوات رقم 3559 قال:"هذا حديث غريب": 5/ 521.
(13)
مسند الشهاب: 2/ 204، وتفسير الثعلبي: 3/ 169.
(14)
تفسير الثعلبي: 3/ 169.
(15)
الوجيز: 232.
(16)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 302.
(17)
أخرجه ابن أبي حاتم (4192): ص 3/ 767.
(18)
أخرجه ابن أبي حاتم (4190): ص 3/ 767.
(19)
أخرجه ابن أبي حاتم (4191): ص 3/ 767.
قال محمد بن إسحاق: " {وهم يعلمون} ما حرمت عليهم من عبادة غيري"(1).
قال الصابوني: أي: "وهم عالمون بقبحه"(2).
قال الطبري: أي: " وهم يعلمون أنّ الله قد تقدم بالنهي عنها، وأوعد عليها العقوبةَ من ركبها"(3).
الفوائد:
1 -
أن المتقي لايكون محصوما من فعل الفاحشة أو ظلم النفس، عليه فإن فعل الفاحشة لايخدش التقوى إذا استغفر الإنسان وتاب، فليس الشأن في ان لا يفعل الإنسان المعصية، كل إنسان لابد أن يعصى، لكن الشأن في أنه إذا فعل المعصية رجع إلى الله وتاب.
2 -
أن الذنوب على قسمين: فواحش ودونها، أي: الكبائر والصغائر.
3 -
أن المبادرة بالتوبة من صفات المتقين، لأن التوبة واجب، والتسويف في التوبة من الشيطان.
4 -
أن ذكر الله تعالى سبب للتوبة والرجوع إلى الله.
5 -
أنه لا احد يغفر الذنوب إلا الله.
6 -
أن الرجل إذا أذنب فاستغفر، ثم اذنب فاستغفر، ثم اذنب فاستغفر، فإنه يغفر له وإن تكرر الذنب منه، لأن الله قال هنا: : {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ، ولم يقل: ولم يعيدوا ما فعلوا، كما يجب أن لايكون استغفاره بلسانه فقط وقلبه منطو على الرجوع، فإن كان كذلك فإن الاستغفار لايفيده.
7 -
توبيخ من أصرّ على الذنب وهو عالم به، ولهذا قال العلماء أن الاصرار على المعصية الصغيرة يجعلها كبيرة، لأن إصراره عليها يل على تهاونه بمن عصاه.
القرآن
التفسير:
أولئك الموصوفون بتلك الصفات العظيمة جزاؤهم أن يستر الله ذنوبهم، ولهم جنات تجري من تحت أشجارها وقصورها المياه العذبة، خالدين فيها لا يخرجون منها أبدًا. ونِعْمَ أجر العاملين المغفرة والجنة.
قوله تعالى: {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ} [آل عمران: 136]، " أي: الموصوفون بتلك الصفات الحميدة جزاؤهم وثوابهم العفو عما سلف من الذنوب" (4).
قال ميمون بن مهران: " وجبت لهم المغفرة"(5).
قال ابن كثير: " أي: جزاؤهم على هذه الصفات مغفرة من الله"(6).
عن سعيد بن جبير: في قول الله تعالى: {أولئك} ، يعني: الذين فعلوا ما ذكر الله في هذه الآية" (7).
أخرج ابن أبي حاتم عن عاصم، عن أبي عثمان:" أنه كان إذا تتلى هذه الآية: والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم إلى قوله: جزاؤهم مغفرة من ربهم قال: نعم ما جازاك على الذنب"(8).
قوله تعالى: {وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [آل عمران: 136]، " أي: ولهم جنات تجري خلال أشجارها الأنهار" (9).
قال مقاتل بن حيان: " جعل جزاؤهم جنات تجري من تحتها الأنهار"(10).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (4193): ص 3/ 767.
(2)
صفوة التفاسير: 211.
(3)
تفسير الطبري: 7/ 219.
(4)
صفوة التفاسير: 211.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4196): ص 3/ 767.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 126.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (4194): ص 3/ 767.
(8)
تفسير ابن أبي حاتم (4195): ص 3/ 767.
(9)
صفوة التفاسير: 211.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (4197): ص 3/ 767.
قال الطبري: أي: " تجري خلال أشجارها الأنهار وفي أسافلها، جزاء لهم على صالح أعمالهم"(1).
نقل الثعلبي عن شهر بن حوشب: "طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب"(2).
قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا} [آل عمران: 136]، أي:"ماكثين فيها أبدا"(3).
قال الطبري: أي: " دائمي المقام في هذه الجنات التي وصفها"(4).
قوله تعالى: {وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 136]، "أي: نعمت الجنة جزاءً لمن أطاع الله" (5).
قال ابن إسحاق: " أي: ثواب المطيعين"(6).
قال مقاتل بن حيان: " أجر العاملين بطاعة الله الجنة"(7).
قال الطبري: " يعني: ونعم جزاء العاملين لله، الجنات التي وصفها"(8).
قال ابن كثير: " يمدح تعالى الجنة"(9).
الفوائد:
1 -
بيان جزاء المتقين وأنه جزاء لايدركه الإنسان بتصوره، لأنه أعظم مما يتصور.
2 -
أن جزاءهم متضمن لحصول المطلوب ودرء المكروه، يؤخذ من قوله"مغفرة" و"جنة"، فبالمغفرة درء المكروه، وبالجنة حصول المطلوب.
3 -
أن مغفرة الله عز وجل للمرء من أعظم الثواب.
4 -
بيان حال الجنات التي وعدها المتقون وما يصوره قوله: {تجري من تحتها الأنهار} ، من النعيم العظيم.
5 -
أن أهل الجنة خالدون فيها، وقد دلّت النصوص أن هذا التخليد أبدي.
6 -
عظم هذا الأجر، والله تعالى هو العظيم جل وعلا وقد أثنى على هذا النعيم.
7 -
بيان فضل الله تعالى على عباده إذ جعل هذا الجزاء أجرا بمنزلة الأجر المحتم الذي لابد من ان يناله العبد.
القرآن
{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137)} [آل عمران: 137]
التفسير:
يخاطب الله المؤمنين لمَّا أُصيبوا يوم «أُحد» تعزية لهم بأنه قد مضت من قبلكم أمم، ابتُلي المؤمنون منهم بقتال الكافرين فكانت العاقبة لهم، فسيروا في الأرض معتبرين بما آل إليه أمر أولئك المكذبين بالله ورسله.
قوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} [آل عمران: 137]، أي:"قد مضت من قبلكم وقائع من أنواع المؤاخذات والبلايا للأمم المكذبين"(10).
عن مجاهد: "قوله: {قد خلت من قبلكم سنن} من الكفار والمؤمنين في الخير والشر"(11).
قال مقاتل: " يعني عذاب الأمم الخالية فخوف هذه الأمم بعذاب الأمم ليعتبروا فيوحدوه"(12).
(1) تفسير الطبري: 7/ 227.
(2)
تفسير الثعلبي: 3/ 170.
(3)
صفوة التفاسير: 211.
(4)
تفسير الطبري: 7/ 227.
(5)
صفوة التفاسير: 211.
(6)
أخرجه الطبري (7866): ص 7/ 227.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (4198): ص 3/ 767.
(8)
تفسير الطبري: 7/ 227.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 126.
(10)
محاسن التأويل: 2/ 416.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (4201): ص 3/ 768.
(12)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 303.
قال محمد بن إسحاق: " أي: قد مضت مني وقائع نقمة، في أهل التكذيب لرسلي والشرك بي، في عاد، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب مدين، فرأوا مثلات قد مضت مني فيهم، ولمن كان على مثل ما هم عليه، مثل ذلك مني، وإن أمليت لهم، أي: لا تظنوا أن نقمتي انقطعت عن عدوكم وعدوي، للدولة التي أدلتهم بها عليكم، لأبتليكم بذلك، لأعلم ما عندكم"(1).
قال ابن كثير: " يقول تعالى مخاطبا عباده المؤمنين الذين أُصِيبوا يومَ أُحُد، وقُتِل منهم سبعون: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} أي: قد جرى نحو هذا على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء، ثم كانت العاقبة لهم والدائرة على الكافرين"(2).
قال الطبري: أي: قد" مضت وسلفت منى فيمن كان قبلكم، يا معشر أصحاب محمد وأهل الإيمان به، من نحو قوم عاد وثمود وقوم هود وقوم لوط، وغيرهم من سُلاف الأمم قبلكم سنن، يعني: مثُلات سيرَ بها فيهم وفيمن كذَّبوا به من أنبيائهم الذين أرسلوا إليهم، بإمهالي أهلَ التكذيب بهم، واستدراجي إياهم، حتى بلغ الكتاب فيهم أجله الذي أجَّلته لإدالة أنبيائهم وأهل الإيمان بهم عليهم، ثم أحللت بهم عقوبتي، وأنزلتُ بساحتهم نِقَمي، فتركتهم لمن بعدهم أمثالا وعبرًا "(3).
قال الزجاج: " معنى قد خلت قد مضت، ومعنى سنن أهل سنن أي أهل طرائق.
والسنة الطريقة، وقول الناس: فلان على السنة معناه على الطريقة، ولم يحتاجوا " أن يقولوا على السنة المستقيمة لأن في الكلام دليلا على ذلك، وهذا كقولنا " مؤمن " معناه مصدق وفي الكلام دليل على أنه مؤمن بأمور الله- عز وجل التي أمر بالإيمان بها"(4).
قوله تعالى: {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137]، " أي: فسيروا في الأرض، فانظروا الحال التي قد انتهى بها الكاذبون " (5).
قال قتادة: " يقول: " بما متعهم في الدنيا قليلا، ثم صيرهم إلى النار" (6).
قال الحسن: " فينظروا كيف عذب الله قوم نوح، وقوم لوط، وقوم صالح، والأمم التي عذب الله"(7).
قال الزجاج: " المعنى: إنكم إذا سرتم في أسفاركم عرفتم أخبار قوم اهلكوا بتكذيبهم"(8).
قال ابن أبي زمنين: " أي: كان عاقبتهم أن دمر الله عليهم، ثم صيرهم إلى النار؛ يحذرهم بذلك"(9).
قال السمرقندي: " أي اقرءوا القرآن فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ لأن من لم يسافر فإنه لا يعرف ذلك، وأما من قرأ القرآن فإنه يعرف ذلك"(10).
قال الطبري: أي: " فسيروا - أيها الظانّون، أنّ إدالتي مَنْ أدلت من أهل الشرك يوم أحُد على محمد وأصحابه، لغير استدراج مني لمن أشرك بي، وكفرَ برسلي، وخالف أمري - في ديار الأمم الذين كانوا قبلكم، ممن كان على مثل الذي عليه هؤلاء المكذبون برسولي والجاحدون وحدانيتي، فانظروا كيف كان عاقبة تكذيبهم أنبيائي، وما الذي آل إليه غِبُّ خلافهم أمري، وإنكارهم وحدانيتي، فتعلموا عند ذلك أنّ إدالتي من أدلت من المشركين على نبيي محمد وأصحابه بأحد، إنما هي استدراج وإمهال ليبلغ الكتاب أجله الذي أجلت لهم، ثم إما أن يؤول حالهم إلى مثل ما آل إليه حال الأمم الذين سلفوا قبلهم: من تعجيل العقوبة عليهم، أو ينيبوا إلى طاعتي واتباع رسولي"(11).
(1) أخرجه ابن المنذر (949): ص 1/ 391.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 126.
(3)
تفسير الطبري: 7/ 228.
(4)
معاني القرآن: 1/ 470.
(5)
زهرة التفاسير 3/ 1419 ..
(6)
أخرجه ابن المنذر (944): ص 1/ 390.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (4204): ص 3/ 769.
(8)
معاني القرآن: 1/ 470.
(9)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 320.
(10)
تفسير السمرقندي: 1/ 248.
(11)
تفسير الطبري: 7/ 228 - 229.
قال المراغي: " أي فسيروا فى الأرض وتأملوا فيما حل بالأمم قبلكم ليحصل لكم العلم الصحيح المبنى على المشاهدة والاختبار، وتسترشدوا بذلك إلى أن المصارعة قد وقعت بين الحق والباطل فى الأمم السالفة، وانتهى أمرها إلى غلبة أهل الحق لأهل الباطل، وانتصارهم عليهم ما تمسكوا بالصبر والتقوى، ويدخل فى ذلك اتباع ما أمر الله به من الاستعداد للحرب وإعداد العدة لقتال العدو كما أمر الله به فى قوله:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} ، وجرى ذلك على سنن مستقيمة وأسباب مطردة لا تغيير فيها ولا تبديل.
والسير فى الأرض والبحث عن أحوال الماضين وتعرف ما حل بهم- نعم العون على معرفة تلك السنن والاعتبار بها، وقد نستفيد هذه الفائدة بالنظر فى كتب التاريخ التي دونها من ساروا فى الأرض، ورأوا آثار الذين خلوا، فتحصل لنا العظة والعبرة، ولكنها تكون دون اعتبار الذين يسيرون فى الأرض بأنفسهم، ويرون الآثار بأعينهم" (1).
قال ابن عثيمين: "والمراد بالسير هنا، سير القلوب وسير الأقدام، أما سير القلوب فهو بالتفكر في عاقبة الأمم السابقة زمنا ومكانا"(2).
والأمر في قوله: {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} ، للإرشاد، للوقوف على ديار الهالكين الغابرين لتعتبروا (3).
قال القاسمي: " والأمر بالسير والنظر. لما أن لمشاهدة آثار المتقدمين أثرا في الاعتبار والروعة، أقوى من أثر السماع"(4).
عن عباد بن منصور قال: "سألت الحسن عن قوله: فسيروا في الأرض قال: ألم تسيروا في الأرض؟ "(5).
الفوائد:
1 -
أن الله تعالى قد أهلك أمما قبل الأمة، و {سنن} جمع كثرة لا جمع قلة.
2 -
تسلية هذه الأمة من وجه، وتحذيرها من وجه آخر.
3 -
إثبات القياس، لأن المقصود بقوله:{فسيروا في الأرض} ، النظر والاعتبار، وأن يقاس ما حضر على ما مضى وسلف.
4 -
أن عاقبة المكذبين بالله ورسله وخيمة.
القرآن
{هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138)} [آل عمران: 138]
التفسير:
هذا القرآن بيان وإرشاد إلى طريق الحق، وتذكير تخشع له قلوب المتقين، وهم الذين يخشون الله، وخُصُّوا بذلك; لأنهم هم المنتفعون به دون غيرهم.
قوله تعالى: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 138]، " أي هذا الذي تقدم بيان للناس كافة"(6).
قال عامر الشعبي: " بيان من العمى"(7).
قال محمد بن إسحاق: " هذا تفسير للناس إن قبلوه "(8).
وقال قتادة: " وهو هذا القرآن، جعله الله بيانا للناس عامة، وهدى وموعظة للمتقين خاصة"(9).
قال الجزائري: " أي: ما ذكر في الآيات بيان للناس به يتبينون الهدى من الضلال وما لازمهما من الفلاح، والخسران"(10).
(1) تفسير المراغي: 4/ 77 - 78.
(2)
تفسير ابن عثيمين: 2/ 199.
(3)
انظر: أيسر التفاسير، للجزائري: 1/ 381.
(4)
محاسن التأويل: 2/ 416.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4203): ص 3/ 768.
(6)
تفسير المراغي: 4/ 77.
(7)
أخرجه ابن المنذر (945): ص 1/ 390.
(8)
أخرجه ابن المنذر (946): ص 1/ 390.
(9)
أخرجه ابن المنذر (947): ص 1/ 390.
(10)
أيسر التفاسير: 1/ 381.
قال السعدي: " أي: دلالة ظاهرة، تبين للناس الحق من الباطل، وأهل السعادة من أهل الشقاوة، وهو الإشارة إلى ما أوقع الله بالمكذبين"(1).
قال المراغي: " وذلك يدحض ما وقع للمشركين والمنافقين من الشبهة بنحو قولهم لو كان محمد رسولا حقا لما غلب فى وقعة أحد، فهذا الهدى والبيان يرشد إلى أن سنن الله حاكمة على الأنبياء والرسل كما هى حاكمة على سائر خلقه، فما من قائد يخالفه جنده، ويتركون حماية الثّغر الذي يؤتون من قبله، ويخلون بين عدوهم وبين ظهورهم، والعدو مشرف عليهم، إلا كان جيشه عرضة للانكسار إذا كر العدو عليه- قطع خط الرجعة- ولا سيما إذا كان بعد فشل وتنازع، ومن ثم كان هذا البيان لجميع الناس، كلّ على قدر استعداده للفهم وقبول الحجة"(2).
قوله تعالى: {وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 138]، أي:" وهدى وموعظة للمتقين منهم خاصة"(3).
قال الصابوني: " أي وهداية لطريق الرشاد وموعظة وذكرى للمتقين خاصة، وإِنما خصّ المتقين بالذكر لأنهم هم المنتفعون به دون سائر الناس"(4).
قال عامر الشعبي: " هدى من الضلالة، وموعظة من الجهل "(5).
قال محمد بن إسحاق: " أي " نور وأدب للمتقين "، {للمتقين} " لمن أطاعني، وعرف أمري" (6).
عن عباد بن منصور قال: "سألت الحسن عن قوله: {وهدى}، قال: هو القرآن"(7).
وعن السدي: " قوله: {هدى}، قال: نور"(8).
وعن سعيد بن جبير: {وهدى} ، يعني: تبيان" (9).
وعن ابن عباس: {وموعظة للمتقين} ، الذين من بعدهم إلى يوم القيامة" (10).
وقال أبو العالية وقتادة: " موعظة للمتقين خاصة"(11).
وعن الحسن: {وموعظة للمتقين} ، يعدهم فيتقوا نعمة الله ويحذونها" (12).
وروي عن عطية والسدي قالا: "لأمة محمد صلى الله عليه وسلم (13).
قال المراغي: " وأما كونه هدى وموعظة للمتقين خاصة، فلأنهم هم الذين يهتدون بمثل هذه الحقائق، ويتعظون بما ينطبق عليها من الوقائع، فيستقيمون ويسيرون على النهج السوىّ، ويتجنبون نتائج الإهمال التي تظهر لهم مضرة عاقبتها، فالمؤمن حقا هو الذي يهتدى بهدى الكتاب ويسترشد بمواعظه كما قال: «ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» فالقرآن يهدينا فى مسائل الحرب والتنازع مع غيرنا إلى أن نروز أنفسنا ونعرف كنه استعدادنا لنكون على بصيرة من حقنا فنسير على سنن الله فى طلبه وفى حفظه، وأن نعرف كذلك حال خصمنا ونضع الميزان بيننا وبينه، وإلا كنا غير مهتدين ولا متعظين"(14).
الفوائد:
1 -
أن القرآن بيان للناس في كل شيء، فهو عام من حيث التبيين وعام من حيث المبيّن له.
2 -
أن القرآن صالح لهداية المؤمن والكافر، لقوله:{للناس} .
(1) تفسير السعدي: 149.
(2)
أيسر التفاسير: 1/ 381.
(3)
تفسير المراغي: 4/ 77.
(4)
صفوة التفاسير: 211.
(5)
أخرجه ابن المنذر (945): ص 1/ 390.
(6)
أخرجه ابن المنذر (948): ص 1/ 390.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (4211): ص 3/ 769.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (4212): ص 3/ 770.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (4213): ص 3/ 770.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (4215): ص 3/ 770.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (4216): ص 3/ 770.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (4218): ص 3/ 770.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (4218): ص 3/ 770.
(14)
تفسير المراغي: 4/ 78.
3 -
أنه علم للمتقين، يعني لا ينتفع به إلا المتقون.
4 -
أن من لم يتعظ بالقرآن فليتهم نفسه، لقوله:{وموعظة للمتقين} .
5 -
فضيلة التقوى، وأنها سبب للاهتداء والاتعاظ بالقرآن، وكلما ازداد الإنسان تقوى ازداد هدى وموعظة.
القرآن
{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)} [آل عمران: 139]
التفسير:
ولا تضْعُفوا -أيها المؤمنون- عن قتال عدوكم، ولا تحزنوا لما أصابكم في «أُحد» ، وأنتم الغالبون والعاقبة لكم، إن كنتم مصدقين بالله ورسوله متَّبعين شرعه.
في سبب نزول الآية وجهان:
أحدهما: أخرج الطبري عن الزهري قال: كثر في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم القتلُ والجراح، حتى خلص إلى كل امرئ منهم البأسُ، فأنزل الله عز وجل القرآن، فآسَى فيه المؤمنين بأحسن ما آسى به قومًا من المسلمين كانوا قبلهم من الأمم الماضية، فقال:{ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنم مؤمنين} إلى قوله: {لبرز الذين كُتب عليهم القتلُ إلى مضاجعهم} (1) " (2).
والثاني: أخرج الطبري عن ابن جريج: ": انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشِّعب، فقالوا: ما فعل فلان؟ ما فعل فلان؟ فنعى بعضهم بعضًا، وتحدَّثوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، فكانوا في همّ وحزَن. فبينما هم كذلك، إذ علا خالد بن الوليد الجبلَ بخيل المشركين فوقهم، وهم أسفلُ في الشِّعب. فلما رأوا النبيّ صلى الله عليه وسلم فرحوا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم لا قوة لنا إلا بك، وليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر! . قال: وثاب نفرٌ من المسلمين رُماة، فصعدوا فرموا خيل المشركين حتى هزمهم الله، وعلا المسلمون الجبلَ. فذلك قوله: {وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} "(3).
والثالث: أخرج الطبري عن ابن عباس قال: "أقبل خالد بن الوليد يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم لا يعلُون علينا. فأنزل الله عز وجل: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} "(4).
قوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا} [آل عمران: 139]، أي:" ولا تضعفوا بالذي نالكم من عدوكم بأحد، من القتل والقروح"(5).
قال مجاهد (6)، والربيع بن أنس (7)، ومحمد بن إسحاق (8)، ومقاتل بن حيان (9):" ولا تضعفوا"(10).
قال ابن جريج: " ولا تضعفوا في أمر عدوكم"(11).
قال الحسن: " يأمر محمدًا، يقول: ولا تهنوا، أن تمضوا في سبيل الله"(12).
قال ابن كثير: " ثم قال مسليا للمؤمنين: {وَلا تَهِنُوا}، أي: لا تَضعفوا بسبب ما جرى"(13).
قوله تعالى: {وَلَا تَحْزَنُوا} [آل عمران: 139]، أي:" ولا تأسوْا فتجزعوا على ما أصابكم من المصيبة يومئذ"(14).
(1) لآية: (154)، يعني: نزل خمس عشرة آية.
(2)
تفسير الطبري (7884): ص 7/ 234.
(3)
تفسير الطبري (7890): ص 7/ 235.
(4)
تفسير الطبري (7892): ص 7/ 236.
(5)
تفسير الطبري: 7/ 233.
(6)
أخرجه الطبري (7887): 7/ 234، وابن أبي حاتم (4219): ص 3/ 770.
(7)
أخرجه الطبري (7889): 7/ 235، وابن أبي حاتم (4219): ص 3/ 770.
(8)
أخرجه الطبري (7891): 7/ 235.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (4219): ص 3/ 770.
(10)
أخرجه الطبري (7887)، و (7889)، و (7891): ص 7/ 234 - 235.
(11)
أخرجه الطبري (7890): ص 7/ 235.
(12)
أخرجه الطبري (7886): ص 7/ 234.
(13)
تفسير ابن كثير: 2/ 126.
(14)
تفسير الطبري: 7/ 233.
قال محمد بن إسحاق: " ولا تأسوا على ما أصابكم"(1).
قال قتادة: يعني [يعزّي](2) أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كما تسمعون، ويحثهم على قتال عدوهم، وينهاهم عن العجز والوَهن في طلب عدوهم في سبيل الله" (3).
قوله تعالى: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} [آل عمران: 139]، أي: فإنكم أنتم " الظاهرُون عليهم، ولكم العُقبَى في الظفر والنُّصرة عليهم"(4).
قال الضحاك: "وأنتم الظاهرون"(5).
قال ابن كثير: " أي: العاقبة والنّصرة لكم أيها المؤمنون"(6).
قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]، أي:" إن كنتم مصدِّقي نبيي محمد صلى الله عليه وسلم فيما يَعدكم، وفيما ينبئكم من الخبر عما يؤول إليه أمركم وأمرهم"(7).
قال محمد بن إسحاق: " أي: لكم تكون العاقبة والظهور، إن كنتم صدَّقتم نبيي بما جاءكم به عني"(8).
الفوائد:
1 -
ينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن الوهن عن العمل في المستقبل، وعن الحزن ععلى ما مضى، لأن الحزن على ما فات لايرد الفائت.
2 -
ينبغي ان يكون الإنسان قوي العزيمة لايضعف ولايجبن، لكي لايفوته الخير الكثير، فالمستقبل لاتدري ما النتيجة فيه.
3 -
أن هذه الأمة هي العليا بشرط أن تؤمن.
4 -
التلميح بالتوبيخ إذا حصل الوهن والحزن، لاسيما إذا قلنا ان "الواو" حالية، يعني: كيف يليق بكم أن تهنوا وتحزنوا وأنتم الأعلون؟
5 -
أنه كلما ازداد إيمان الأمة ازدادت علوّا، لأنه رتّب العلوّ على الإيمان، والمرتب على شيء يزيد بزيادته وينقص بنقسه.
القرآن
التفسير:
إن أصابتكم -أيها المؤمنون- جراح أو قتل في غزوة «أُحد» فحزنتم لذلك، فقد أصاب المشركين جراح وقتل مثل ذلك في غزوة «بدر» . وتلك الأيام يُصَرِّفها الله بين الناس، نصر مرة وهزيمة أخرى، لما في ذلك من الحكمة، حتى يظهر ما علمه الله في الأزل ليميز الله المؤمن الصادق مِن غيره، ويُكْرِمَ أقوامًا منكم بالشهادة. والله لا يحب الذين ظلموا أنفسهم، وقعدوا عن القتال في سبيله.
في سبب نزول الآية وجوه:
أحدها: أخرج الطبري عن عكرمة عن ابن عباس قال: "لما كان قتال أحد وأصاب المسلمين ما أصابَ، صعد النبي صلى الله عليه وسلم الجبل، فجاء أبو سفيان فقال: يا محمد! يا محمد! ألا تخرج؟ ألا تخرج؟ الحربُ سجال: يوم لنا ويوم لكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أجيبوه، فقالوا: لا سواء، لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار! فقال أبو سفيان: لنا عُزَّى ولا عُزَّى لكم! فقال رَسول الله صلى الله
(1) أخرجه الطبري (7891): ص 7/ 235.
(2)
بدلا من"يعني". في رواية الطبري.
(3)
أخرجه الطبري (7884): ص 7/ 234، وابن أبي حاتم (4220): ص 3/ 771.
(4)
تفسير الطبري: 7/ 233.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4221): ص 3/ 771.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 127.
(7)
تفسير الطبري: 7/ 233.
(8)
أخرجه الطبري (7892): ص 7/ 236.
عليه وسلم: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. فقال أبو سفيان: اعْلُ هُبَل! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا: الله أعلى وأجل! فقال أبو سفيان: موعدكم وموعدنا بدرٌ الصغرى قال عكرمة: وفيهم أنزلت {وتلك الأيام نداولها بين الناس} " (1). وأخرجه ابن أبي حاتم عن عكرمة (2).
والثاني: نقل الثعلبي عن " راشد بن سعد: لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم كئيبا حزينا جعلت المرأة تجيء بزوجها وابنها وأبيها مقتولين وهي تلدم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أهكذا يفعل برسولك؟ » «5» [154] فأنزل الله تعالى: {إن يمسسكم قرح} "(3).
والثالث: أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عكرمة قال: لما أبطأ على النساء الخبر خرجن يستخبرن، فإذا رجلان مقتولان على دابة، أو على بعير، فقالت امرأة من الأنصار: من هذان؟ قالوا: فلان وفلان أخوها وزوجها، أو زوجها وابنها. فقالت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: حي. قالت: فلا أبالي، يتخذ الله من عباده الشهداء، ونزل القرآن على ما قالت:{ويتخذ منكم شهداء} " (4).
قوله تعالى: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ} [آل عمران: 140]، " أي: إن كنتم قد أصابتكم جراحٌ وقُتل منكم طائفةٌ، فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من قتل وجراح" (5).
قال الزمخشري: "المعنى: إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال، فأنتم أولى أن لا تضعفوا. ونحوه:{فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} [النساء: 104].
وقيل: كان ذلك يوم أحد، فقد نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإن قلت: كيف قيل {قرح مثله} وما كان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين؟
قلت: بلى كان مثله، ولقد قتل يومئذ خلق من الكفار. ألا ترى إلى قوله تعالى:{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 152] " (6).
قال الراغب: " الفرق بين المس واللمس: أن اللمس أخص، فإنه بالحاسة، والمس به وبغيره، وهو ههنا عبارة عن الإصابة والقرح أعم من الجرح، فإن الجرح إصابة الجارحة في الأصل، والقرح يقال له ولما يحدث من ذاته، نحو: قرح البعير، إذا خرج به قرحة، وهي شبه جرب"(7).
وقرئ: " {قرح}، بفتح القاف وضمها، وهما لغتان كالضعف والضعف. وقيل: هو بالفتح الجراح، وبالضم ألمها. وقرأ أبو السمال {قرح}، بفتحتين. وقيل القرح والقرح كالطرد والطرد"(8).
قال الفراء: " وقد قرأ أصحابُ عبد الله: {قُرْح}، وكأن القُرْح: ألم الجراحات، وكأن القَرْحَ الجراحاتُ بأعيانها "(9).
قوله تعالى: {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140]، أي:" وتلك الأيام يُصَرِّفها الله بين الناس"(10).
قال محمد بن إسحاق: " أي نصرِّفها للناس، للبلاء والتمحيص"(11).
قال مقاتل: " يوم لكم ببدر ويوم عليكم بأحد مرة للمؤمنين ومرة للكافرين"(12).
(1) تفسير الطبري (7908): ص 7/ 240.
(2)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (42253): ص 3/ 771 - 772.
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 172.
(4)
تفسير ابن أبي حاتم (4239): ص 3/ 774.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 127.
(6)
الكشاف: 1/ 418.
(7)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 876 - 877.
(8)
الكشاف: 1/ 418.
(9)
معاني القرآن: 1/ 234.
(10)
التفسير الميسر: 67.
(11)
أخرجه الطبري (7910): ص 7/ 241.
(12)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 304.
قال الزجاج: " أي: نجعل الدولة في وقت من الأوقات للكافرين على المؤمنين إذا عصوا فيما يؤمرون به، من محاربة الكفار، فأما إذا أطاعوا فهم منصورون أبدا، كما قال الله عز وجل: {أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22] "(1).
قال ابن كثير: "أي: نُديل عليكم الأعداء تارة، وإن كانت العاقبة لكم لما لنا في ذلك من الحكم"(2).
قال الطبري: أي: " أيام بدر وأحُد، ويعني بقوله: {نداولها بين الناس}، نجعلها دُوَلا بين الناس مصرَّفة. ويعني بـ {الناس}، المسلمين والمشركين، وذلك أن الله عز وجل أدال المسلمين من المشركين ببدر، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين. وأدال المشركين من المسلمين بأحُد، فقتلوا منهم سبعين، سوى من جرحوا منهم"(3).
قال المراغي: " أي إن مداولة الأيام سنة من سنن الله فى المجتمع البشرى، فمرة تكون الدولة للمبطل، وأخرى للمحق، ولكن العاقبة دائما لمن اتبع الحق، وإنما تكون الدولة لمن عرف أسباب النجاح ورعاها حق رعايتها كالاتفاق وعدم التنازع والثبات وصحة النظر وقوة العزيمة، وأخذ الأهبة وإعداد ما يستطاع من القوة"(4).
قال الزمخشري: " والمراد بالأيام: أوقات الظفر والغلبة، نداولها: نصرفها بين الناس نديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء، كقوله وهو من أبيات الكتاب (5):
فيوما علينا ويوما لنا
…
ويوما نساء ويوما نسر
ومن أمثال العرب: الحرب سجال" (6).
قال ابن عباس: " أدال المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد"(7). وفي رواية أخرى له: " فإنه كان يوم أحُد بيوم بدر، قُتل المؤمنون يومَ أحد، اتخذ الله منهم شهداء، وغلب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر المشركين، فجعل له الدولة عليهم"(8)
قال الحسن: " جعل الله الأيام دولا أدال الكفار يوم أحُد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم"(9).
قال قتادة: " إنه والله لولا الدُّوَل ما أوذي المؤمنون، ولكن قد يُدال للكافر من المؤمن، ويبتلى المؤمن بالكافر"(10).
قال الربيع: " فأظهر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه على المشركين يوم بدر، وأظهر عليهم عدوَّهم يوم أحُد. وقد يدال الكافر من المؤمن، ويبتلى المؤمن بالكافر
…
وأما من ابتلى منهم من المسلمين يوم أحد، فكان عقوبة بمعصيتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم" (11).
قال السدي: " {وتلك الأيام نداولها بين الناس}، يومًا لكم، ويومًا عليكم"(12).
قال الماتريدي: " تحتمل الآية وجوها: يوما للمؤمنين ويوما عليهم، وذلك أن الأمر بمجاهدة العدو والقتال معهم محنة من الله - تعالى - إياهم يمتحنهم ويبتليهم؛ مرة بالظفر لهم والنصر على عدوهم، ومرة بالظفر للعدو عليهم؛ كقوله عز وجل:(ونبلوكم بالشر والخير فتنة)، وكقوله:(وبلوناهم بالحسنات والسيئات)، يمتحن عباده، بجميع أنواع المحن، بالخير مرة، وبالشر ثانيا.
(1) معاني القرآن: 1/ 470.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 127.
(3)
تفسير الطبري (7/ 239.
(4)
تفسير المراغي: 4/ 79.
(5)
البيت لنمر بن تولب، انظر: نهاية الارب في فنون الأدب: 3/ 67.
(6)
الكشاف: 1/ 419.
(7)
أخرجه الطبري (7906): ص 7/ 240.
(8)
أخرجه الطبري (7907): ص 7/ 240.
(9)
أخرجه الطبري (7902): ص 7/ 239.
(10)
أخرجه الطبري (7903): ص 7/ 239.
(11)
أخرجه الطبري (7904): ص 7/ 239 - 240.
(12)
أ×رجه الطبري (7905): ص 7/ 240.
ويحتمل المداولة -أيضا وجها آخر: وهو أن الظفر والنصر لو كان أبدا للمؤمنين- لكان الكفار إذا أسلموا لم يسلموا إسلام اختيار؛ ولكن إنما آمنوا إيمان قهر وكره وجبر؛ لما يخافون على أنفسهم من الهلاك إذا رأوا الدولة والظفر للمؤمنين، وإن كان الظفر والنصر أبدا للكفار؛ فلعلهم يظنون أنهم المحقون فيمنعهم ذلك عن الإسلام.
ويحتمل أن ما يصيب بمعصية المؤمنين إنما يصيب بمعصية سبقت منهم، أو خلاف كان منهم؛ من ترك أمر أو ارتكاب نهي" (1).
قال الراغب: " والدول والدور يتقاربان، لكن الدور أعم، فإن الدولة لا تقال إلا في الحظ الدنيوي، وكذلك الجد، ولهذا قيل: "لا ينفع ذا الجد منك الجد"، أي: الحظوظ الدنيوية غير نافعة في القيامة، ، نحو: (يوم لا ينفع مال ولا بنون} "(2).
قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} [آل عمران: 140]، " أي: فعل ذلك ليمتحنكم فيرى من يصبر عند الشدائد ويميز بين المؤمنين والمنافقين" (3).
قال قتادة والربيع: " ليعلم الله من يطيعه ممن يعصيه، ويعلم الصادق من الكاذب"(4).
قال محمد بن إسحاق: " أي: ليميِّز بين المؤمنين والمنافقين"(5).
قال مقاتل: " يعني: وليرى إيمان الذين آمنوا منكم عند البلاء فيتبين إيمانهم أيشكوا في دينهم أم لا"(6).
قال الطبري: أي: " وليعلم الله الذين آمنوا منكم، أيها القوم، من الذين نافقوا منكم"(7).
قال الماتريدي: " ي: ليعلم ما قد علم بالغيب أنه يؤمن بالامتحان مؤمنا شاهدا، وليعلم ما قد علم أنه يكون كائنا، وجائز أن يراد بالعلم: المعلوم؛ كقوله: الصلاة أمر الله، أي: بأمر الله"(8).
قوله تعالى: {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} [آل عمران: 140]، " أي: وليكرم منكم بالشهادة من أراد أن يكرمه بها" (9).
قال محمد بن إسحاق: " وليكرم من أكرَم من أهل الإيمان بالشهادة"(10).
قال ابن كثير: " يعني: يُقْتَلُون في سبيله، ويَبْذُلون مُهَجهم في مرضاته"(11).
قال ابن عباس: " كانوا يسألون الشهادة، فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ منهم شهداء"(12).
قال ابن جريج: " فإن المسلمين كانوا يسألون ربهم: ربنا أرنا يومًا كيوم بدر نقاتل فيه المشركين، ونُبليك فيه خيرًا، ونلتمس فيه الشهادة! فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ منهم شهداء"(13).
قال الضحاك: " كان المسلمون يسألون ربهم أن يُريهم يومًا كيوم بدر، يبلون فيه خيرًا، ويرزقون فيه الشهادة، ويرزقون الجنة والحياة والرزق، فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ الله منهم شهداء، وهم الذين ذكرهم الله عز وجل فقال: {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ} الآية، [سورة البقرة: 154] "(14).
قال قتادة: "، فكرَّم الله أولياءه بالشهادة بأيدي عدوِّهم، ثم تصير حواصل الأمور وعواقبها لأهل طاعة الله"(15).
(1) تفسير الماتريدي: 2/ 492.
(2)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 877 - 878.
(3)
صفوة التفاسير: 211.
(4)
أخرجه الطبري (7903)، و (7904): ص 7/ 239 - 240.
(5)
أخرجه الطبري (7912): ص 7/ 243.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 304.
(7)
تفسير الطبري: 7/ 242.
(8)
تفسير الماتريدي: 2/ 493.
(9)
تفسير الطبري: 7/ 243.
(10)
أخرجه الطبري (7912): ص 7/ 243.
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 127.
(12)
أخرجه الطبري (7915): ص 7/ 243.
(13)
أخرجه الطبري (7913): ص 7/ 243.
(14)
أخرجه الطبري (7916): ص 7/ 243 - 244.
(15)
أخرجه الطبري (7914): ص 7/ 243.
عن أبي الضحى قال: نزلت: {ويتخذ منكم شهداء} ، فقتل منهم يومئذ سبعون، منهم أربعة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، أخو بني عبد الدار، والشماس بن عثمان المخزومي، وعبد الله بن جحش الأسدي، وسائرهم من الأنصار" (1).
أخرج الحاكم عن جابر-صحيحا-: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا ذكر أصحاب أحد والله لوددت أني غودرت مع أصحابي بحصن (2) الجبل» "(3).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 140]، "أي: والله لايحب المعتدين" (4).
عن ابن عباس: {الظالمين} ، يقول: الكافرين" (5).
قال محمد بن إسحاق: " أي: المنافقين الذي يظهرون بألسنتهم الطاعة، وقلوبهم مصرَّة على المعصية"(6).
قال السمعاني: " يعني: أنه ما جعل اليد للكفار يوم أحد لحبه إياهم؛ ولكن ليبتليكم، ويجعلكم شهداء"(7).
قال النسفي: قوله: " {والله لا يُحِبُّ الظالمين} اعتراض بين بعض التعليل وبعض ومعناه والله لا يحب من لبس من هؤلاء الثابتين على الإيمان المجاهدين في سبيله وهم المنافقون والكافرون"(8).
قال السعدي: " {الظالمين}: الذين ظلموا أنفسهم، وتقاعدوا عن القتال في سبيله، وكأن في هذا تعريضا بذم المنافقين، وأنهم مبغضون لله، ولهذا ثبطهم عن القتال في سبيله"(9).
الفوائد:
1 -
بيان رأفة الله سبحانه وتعالى برسول الله-صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام-رضوان الله عليهم- بهذه التسلية العظيمة: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ} .
2 -
أنه ينبغي للإنسان ان يعزي المصاب بمثل هذه التعزية، وذلك بذكر النظائراو ما هو أعظم، كأن يقول له مثلا: يا اخي أنت لست أول من أصيب
…
الخ.
3 -
أن الله تعالى جعل هذه الدنيا دولا تتقلب لئلا يركن الإنسان إليها.
4 -
تمام سلان الله تعالى في خلقه، وأن له التدبير المطلق، ليظهر أو يتبيّن بذلك تمام سلطان الله تعالى.
5 -
أن الله قد يبتلي العبد بالمصائب ليعلم إيمانه من عدمه.
6 -
أن الله قد يقدر المكروه لحكم بالغة كثيرة.
7 -
أن علم الله تعالى بالاشياء على قسمين: علم بنها ستوجد وهذا أزلي، وعلم بأنها وجدت، وهذا يكون عند الوجود، ولهذا قال:{وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} .
8 -
فضيلة الشهادة، لكونها اصطفاء من الله تعالى لخواص عباده.
9 -
فضيلة شهداء أحد، لقوله:{وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} .
10 -
إثبات المحبة لله، وجهه نفيه عن الظالمين يدل على ثبوتها لغيرهم أو لضدهم.
11 -
التحذير من الظلم، لأنه مؤدي إلى عدم محبة الله له.
القرآن
{وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141)} [آل عمران: 141]
التفسير:
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (4237): ص 3/ 773 - 774.
(2)
وفي رواية "بحضن الجبل، وفي مجمع الزوائد (10119): ص 6/ 123: "بجص الجبل" قال: يعني سفح الجبل، وثبته ابن الملقن: "بنحص الجبل"، بالضم، أي: أجل الجبل، معنى أن يكون استشهد معهم. وقال ابن أبي الزناد: نحص الجبل أسفله. [انظر: مغازي الواقدي: 1/ 256].
(3)
المستدرك (2407): ص 2/ 86، وقال:" هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وانظر: الدر المنثور: الدر المنثور: 2/ 376.
(4)
صفوة التفاسير: 211.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4242): ص 3/ 774.
(6)
أخرجه الطبري (7917): ص 7/ 244.
(7)
تفسير السمعاني: 1/ 361.
(8)
تفسير النسفي: 1/ 269.
(9)
تفسير السعدي: 149.
وهذه الهزيمة التي وقعت في «أُحد» كانت اختبارًا وتصفية للمؤمنين، وتخليصًا لهم من المنافقين وهلاكًا للكافرين.
قوله تعالى: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 141]، أي:" وليختبرَ الله الذين صدَّقوا الله ورسوله"(1).
قال محمد بن إسحاق: " أي " يختبر الذين آمنوا، حتى يخلصهم من البلاء الذي نزل بهم، وكيف صبرهم ويقينهم" (2).
قال الماتريدي: " أي: يمحص ذنوبهم وسيئاتهم"(3).
قال الطبري: أي: " فيبتليهم بإدالة المشركين منهم، حتى يتبين المؤمن منهم المخلصَ الصحيحَ الإيمان، من المنافق"(4).
قال ابن كثير: " أي: يكفر عنهم من ذنوبهم، إن كان لهم ذنوب وإلا رُفعَ لهم في درجاتهم بحسب ما أصيبوا به"(5).
قال التستري: " يعني تخليصهم من عيوب الذنوب، كما أخلصوا له بالعمل، وهو الجهاد في سبيل الله"(6).
قوله تعالى: {وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 141]، أي:"ويهلك الكافرين ويستأصلهم"(7).
قال محمد بن إسحاق: " أي: " يبطل أمر المنافقين، قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، حتى يظهر منهم كفرهم الذي يستترون به منكم " (8).
قال الفراء: أي: " ينقصهم ويفنيهم"(9).
قال الزجاج: أي: " ليستأصلهم، وجائز أن يكون يمحقهم يحبط أعمالهم، وتأويل المحص في اللغة: التنقية والتخليص، قال محمد بن يزيد رحمه الله: يقال محص الحبل محصا، إذا ذهب منه الوبر حتى يملص وحبل محص أو ملص بمعنى واحد، قال وتأويل قول الناس: محص عنا ذنوبنا: أي أذهب عنا ما تعلق بنا من الذنوب
…
قال أبو إسحاق: وقرأت عليه أيضا عن الخليل: المحص التخليص يقال: محصت الشيء أمحصه محصا إذا خلصته، وقال بعض أهل اللغة:{وليمحص الله الذين آمنوا} ، أي: وليمحص الله ذنوب الذين آمنوا - ولم يخبروا بحقيقة المحص ما هو" (10).
قال ابن كثير: " أي: فإنهم إذا ظفروا بَغَوا وبَطروا فيكون ذلك سَبَبَ دمارهم وهلاكهم ومَحْقهم وفنائهم"(11).
قال التستري: " أي: وليهلك الكافرين بالذنوب عن الابتلاء"(12).
1 -
أن الله تعالى قد يبتلي مؤمن من اجل تمحيصه، وذلك من وجهين:
الأول: بيان منْ إيمانه صادق يصبر على الضراء، ومنْ إيمانه مهتز لايصبر.
والثاني: أن هذه المصائب فيها تمحيص للمؤمنين بتكفير السيئات.
2 -
محق الكافرين، ويستفاد من هذا أن النعمة قد تكون سببا للنقمة، فإن انتصار الكفار يوجب فرحهم وبطرهم حتى إذا بطروا محقوا.
(1) تفسير الطبري: 7/ 245.
(2)
أخرجه ابن المنذر (969): ص 1/ 398.
(3)
تفسير الماتريدي: 2/ 496.
(4)
تفسير الطبري: 7/ 245.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 127.
(6)
تفسير التستري: 50.
(7)
تفسير الماتريدي: 2/ 496.
(8)
أخرجه ابن المنذر (969): ص 1/ 398.
(9)
معاني القرآن: 1/ 135.
(10)
معاني القرآن: 1/ 471 - 472.
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 127.
(12)
تفسير التستري: 50.
3 -
أن الكافر مآله المحق.
4 -
أن الله تعالى له التدبير الكامل في عباده، لقوله:{وليمحّص} ، فإن هذا الفعل كان فيه خير للمؤمنين وشر للكافرين.
القرآن
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)} [آل عمران: 142]
التفسير:
يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أظننتم أن تدخلوا الجنة، ولم تُبْتَلوا بالقتال والشدائد؟ لا يحصل لكم دخولها حتى تُبْتلوا، ويعلم الله علما ظاهرا للخلق المجاهدين منكم في سبيله، والصابرين على مقاومة الأعداء.
في سبب نزول الآية:
قال مقاتل بن سليمان: " وذلك أن المنافقين قالوا للمؤمنين يوم أحد بعد الهزيمة: لم تقتلون أنفسكم، وتهلكون أموالكم، فإن محمدا لو كان نبيا لم يسلط عليه القتل. قال المؤمنون: بلى من قتل منا دخل الجنة. فقال المنافقون: لم تمنون أنفسكم الباطل، فأنزل الله- تعالى-: {أم حسبتم}، معشر المؤمنين {أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله} "(1). وأخرج الطبري نحوه عن الضحاك (2).
قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} [آل عمران: 142]، "} أي: أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تُبْتَلوا بالقتال والشدائد" (3).
قال محمد بن إسحاق: " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة وتصيبوا من ثواب الكرامة"(4).
قوله تعالى: {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142]، " أي: ولما تجاهدوا في سبيله فيعلم الله جهادكم وصبركم على الشدائد؟ " (5).
قال محمد بن إسحاق: " يقول: لم أختبركم بالشدة وأبتليكم بالمكاره، حتى أعلم صدق ذلك منكم الإيمان بي، والصبر على ما أصابكم في"(6).
قال ابن كثير: " أي: لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تُبْتَلَوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله والصابرين على مقارنة الأعداء"(7).
قال الزجاج: " المعنى ولما يقع العلم بالجهاد والعلم بصبر الصابرين، ولما يعلم الله ذلك واقعا منهم. لأنه - جل وعز -يعلمه غيبا، وإنما يجازيهم على عملهم"(8).
قال الأخفش: " فان قال قائل: "ولما يعلم الله الصابرين" {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} فهو لم يعلمهم؟ قلت بل قد علم، ولكن هذا فيما يذكر أهل التأويل ليبين للناس، كأنه قال "ليعلمه الناس" كما قال {لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا} وهو قد علم ولكن ليبين ذلك"(9).
وقرأ الحسن: {ويعلم الصابرين} ، بالكسر على العطف، ومن، قرأ {ويعلم الصابرين} فعلى النصب بالواو (10).
الفوائد:
1 -
بيان أن التمني رأس مال المفاليس.
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 304.
(2)
انظر: تفسير الطبري (7916): ص 7/ 243 - 244.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 127.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4250): ص 3/ 775.
(5)
صفوة التفاسير: 211.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (4251)، و (4252): ص 3/ 775 - 776.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 127.
(8)
معاني القرآن: 1/ 472.
(9)
معاني القرآن: 1/ 70.
(10)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 472.
2 -
أن الجنة لاتدرك بالتمني.
3 -
أن الجنة غالية لكون ثمنها غاليا، وذلك ببذل النفوس في طاعة الله والجهاد لإعلاء كلمته.، والجنة رخيصة لأن هذا الأمر يسير جدا على من سهل له الله ووفقه.
4 -
ان الله تعالى يمتحن العبد بما يدل على صبره أو ضجره.
5 -
أن جزاء الله سواء كان عقوبة أو مثوبة لابد أن يسبقه ما يمتحن فيه العبد.
6 -
أن علم الله عز وجل الأزلي لايترتب عليه الثواب والعقاب، وإنما يترتب الثواب والعقاب على علم الله المقرون بالفعل، الذي يكون علما بالشيء بعد وجوده.
7 -
أن الجهاد سبب لدخول الجنة، ولافرق بين الجهاد بالسلام والجهاد بالعلم.
8 -
أن الصبر درجة عالية وأنه سبب لدخول الجنة.
القرآن
{وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143)} [آل عمران: 143]
التفسير:
ولقد كنتم -أيها المؤمنون- قبل غزوة «أُحد» تتمنون لقاء العدو; لتنالوا شرف الجهاد والاستشهاد في سبيل الله الذي حَظِي به إخوانكم في غزوة «بدر» ، فها هو ذا قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه، فدونكم فقاتلوا وصابروا.
في سبب نزول الآية وجهان:
أحدهما: أخرج الطبري عن عكرمة: " إن أناسًا من المؤمنين لم يشهدوا يوم بدر والذي أعطاهم الله من الفضل، فكانوا يتمنون أن يروا قتالا فيقاتلوا، فسيق إليهم القتال حتى كان بناحية المدينة يوم أحد، فأنزل الله عز وجل: ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه، الآية"(1).
والثاني: قال مقاتل: " وذلك حين أخبر الله- عز وجل عن قتلى بدر وما هم فيه من الخير. قالوا: يا نبي الله أرنا يوما كيوم بدر. فأراهم الله- عز وجل يوم أحد فانهزموا فعاتبهم الله- عز وجل فقال- سبحانه-: {ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه} "(2).
والثالث: قال الحسن: " بلغني أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: لئن لقينا مع النبي صلى الله عليه وسلم لنفعلن ولنفعلن، فابتلوا بذلك، فلا والله ما كلُّهم صَدق الله، فأنزل الله عز وجل: {ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون} "(3).
والرابع: وقيل: سببه أن قوما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن لهم أن يأتوا المشركين في رحالهم ويقاتلوهم، فقال صلى الله عليه وسلم:"لم أؤمر بذلك "(4).
قوله تعالى: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ} [آل عمران: 143]، " أي: ولقد كنتم تتمنون لقاء الأعداء لتحظوا بالشهادة، من قبل أن تذوقوا شدّته" (5).
قال الطبري: أي: " ولقد كنتم، يا معشر أصحاب محمد تمنون القتال"(6).
قال محمد بن إسحاق: " أي: لقد كنتم تمنون الشهادة على الذي أنتم عليه من الحق قبل أن تلقوا عدوكم يعني الذين استنهضوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على خروجه بهم إلى عدوهم، لما فاتهم من الحضور في اليوم الذي كان قبله ببدر، رغبة في الشهادة التي قد فاتتهم به "(7).
قال قتادة: ": كانوا يتمنون أن يلقوا المشركين فيقاتلوهم، فلما لقوهم يوم أحد ولّوا"(8).
(1) تفسير الطبري (7934): ص 7/ 249.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 304.
(3)
أخرجه الطبري (7935): ص 7/ 249 - 250.
(4)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 889.
(5)
صفوة التفاسير: 211 - 212.
(6)
تفسير الطبري: 7/ 248.
(7)
أخرجه الطبري (7937): ص 7/ 250.
(8)
أخرجه الطبري (7933): ص 7/ 249.
قوله تعالى: {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [آل عمران: 143]، أي:"فقد رأيتموه بأعينكم"(1).
قال محمد بن إسحاق: " أي: الموتَ بالسيوف في أيدي الرجال، قد خلَّى بينكم وبينهم، وأنتم تنظرون إليهم، فصددتُم عنهم"(2).
قال الطبري: " يعني: قد رأيتموه بمرأى منكم ومنظر، أي بقرب منكم"(3).
قال الواحدي: " أي: رأيتم أسباب الموت وما يتولد منه الموت كالسيف والأسنة وأنتم بصراء تتأملون الحال في ذلك كيف هي، فلم انهزمتم؟ ! وهذا محذوف، وهو مراد، لأنه موضع العتاب"(4).
قال الراغب: " أراد أنكم تمنيتم الحرب فلم تحيرتم؟ "(5).
قال البيضاوي: " أي فقد رأيتموه معاينين له حين قتل دونكم من قتل من إخوانكم، وهو توبيخ لهم على أنهم تمنوا الحرب وتسببوا لها ثم جبنوا وانهزموا عنها، أو على تمني الشهادة فإن في تمنيها تمني غلبة الكفار"(6).
وفي قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [آل عمران: 143]، وجوه:
أحدها: ان معناه التوكيد. قاله الأخفش (7).
والثاني: أن المعنى: وأنتم تنظرون إلى محمد صلى الله عليه وسلم.
والثالث: معناه: وأنتم تنظرون إلى السيوف. قاله ابن عباس (8).
والرابع: أن المعنى: وأنتم بصراء كما تقول: قد رأيت كذا وكذا، وليس في عينيك عمة، أي قد رأيته رؤية حقيقية، وهو راجع إلى معنى التوكيد. أفاده الزجاج (9).
الفوائد:
1 -
إقامة الحجة على من كانوا يتمنون الموت وقد رأوه، ومع ذلك حصل منهم تخاذل.
2 -
لاينبغي للإنسان أن يتمنى المكروه، لأنه ربما ينكص ولايصبر.
القرآن
التفسير:
وما محمد صلى الله عليه وسلم إلا رسول من جنس الرسل الذين قبله يبلغ رسالة ربه. أفإن مات بانقضاء أجله أو قُتِل كما أشاعه الأعداء رجعتم عن دينكم، ، تركتم ما جاءكم به نبيكم؟ ومن يرجِعُ منكم عن دينه فلن يضر الله شيئًا، إنما يضر نفسه ضررًا عظيمًا. أما مَن ثبت على الإيمان وشكر ربه على نعمة الإسلام، فإن الله يجزيه أحسن الجزاء.
في سبب نزول الآية وجوه:
أحدها: أخرج الطبري عن قتادة: : " ذاكم يوم أحُد، حين أصابهم القَرْح والقتل، ثم تناعوا نبي الله صلى الله عليه وسلم تَفِئة ذلك، فقال أناسٌ: لو كان نبيًّا ما قتل! وقال أناس من عِليْة أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم: قاتلوا على ما قاتل عليه محمدٌ نبيكم حتى يفتح الله لكم أو تلحقوا به! فقال الله عز وجل: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفائن ماتَ أو قتل انقلبتم على أعقابكم} "(10).
(1) صفوة التفاسير: 121.
(2)
أخرجه الطبري (7937): ص 7/ 250.
(3)
تفسير الطبري: 7/ 248
(4)
الوجيز: 1/ 498 - 499.
(5)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 889.
(6)
تفسير البيضاوي: 2/ 40.
(7)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 473.
(8)
انظر: زاد المسير: 1/ 330.
(9)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 473.
(10)
تفسير الطبري (7941): ص 7/ 253.
والثاني: قال الربيع: " وذكر لنا والله أعلم، أنّ رجلا من المهاجرين مرّ على رجل من الأنصار وهو يتشحَّط في دمه، فقال: يا فلان، أشعرت أنّ محمدًا قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل، فقد بلَّغ، فقاتلوا عن دينكم. فأنزل الله عز وجل: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفائن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} "(1).
والثالث: وقال الضحاك: " نادى منادٍ يوم أحد حين هزم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: ألا إنّ محمدًا قد قتل، فارجعوا إلى دينكم الأول! فأنزل الله عز وجل: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل}، الآية "(2).
والرابع: وقال مجاهد: " القى في أفواه المسلمين يومَ أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل، فنزلت هذه الآية: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} الآية"(3).
والخامس: قال ابن عباس: " أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتزل هو وعصابة معه يومئذ على أكمة، والناس يفرُّون، ورجل قائم على الطريق يسألهم: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وجعل كلما مروا عليه يسألهم، فيقولون: والله ما ندري ما فعل! فقال: والذي نفسي بيده، لئن كان النبي صلى الله عليه وسلم قُتل، لنعطينَّهم بأيدينا، إنهم لعشائرنا وإخواننا! وقالوا: إن محمدًا إن كان حيًّا لم يهزم، ولكنه قُتل! فترخَّصوا في الفرار حينئذ. فأنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل}، الآية كلها"(4).
والسادس: قال ابن جريج: " قال: أهل المرض والارتياب والنفاق، حين فرّ الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم: قد قتل محمد، فألحقوا بدينكم الأول! فنزلت هذه الآية"(5)
قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [آل عمران: 144]، "أي: ليس محمد إِلا رسول الله مضت قبله رسل" (6).
قال الزجاج: " المعنى: إنه يموت كما ماتت الرسل قبله"(7).
قوله تعالى: {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران: 144]، أي:" أفإِن أماته الله أو قتله الكفار ارتددتم كفاراً بعد إِيمانكم؟ "(8).
قال قتادة: " يقول: " إن مات نبيكم أو قتل، ارتددتم كفارا بعد إيمانكم " (9).
قال الزجاج: " أي: ارتددتم عن دينكم - وروي أن بعض من كان في يوم أحد ارتد، وبعضهم مضى مسافة ثلاثة أيام، فأعلم الله جل وعز أن الرسل ليست باقية في أممها أبدا وأنه يجب التمسك بما أتت به، وإن فقد الرسول بموت أو قتل"(10).
قال سعيد بن جبير: " ما سمعنا أن نبيا قط قتل في القتال"(11).
قوله تعالى: {وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا} [آل عمران: 144]، " أي: ومن يرتد عن دينه فلا يضر الله شيئا" (12).
(1) أخرجه الطبري (7942): ص 7/ 253.
(2)
أخرجه الطبري (7947): ص 7/ 257.
(3)
أخرجه الطبري (7948): ص 7/ 257.
(4)
أخرجه الطبري (7949): ص 7/ 257.
(5)
أخرجه الطبري (7953): ص 7/ 258.
(6)
صفوة التفاسير: 212.
(7)
معاني القرآن: 1/ 473.
(8)
صفوة التفاسير: 212.
(9)
أخرجه ابن المنذر (1002): ص 1/ 417.
(10)
معاني القرآن: 1/ 473 - 474.
(11)
أخرجه ابن المنذر (1001): ص 1/ 417.
(12)
صفوة التفاسير: 212.
قال مقاتل: " يقول: ومن يرجع إلى الشرك بعد الإيمان {فلن يضر الله شيئا} بارتداده من الإيمان إلى الشرك إنما يضر بذلك نفسه"(1).
قال محمد بن إسحاق: " أي [ومن] يرجع عن دينه، [فـ] لن ينقص ذلك عن الله، ولا ملكه، ولا سلطانه، ولا قدرته"(2).
قال المراغي: " أي: ومن يرجع عن جهاده ومكافحته الأعداء فلن يضر الله شيئا بما فعل، بل يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب، وحرمانها من الثواب، فالله قد وعد بنصر من ينصره ويعزّ دينه، ويجعل كلمته هى العليا، وهو لا محالة منجز وعده"(3).
قوله تعالى: {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144]، "أي: وسيثيب الله المطيعين، وهم الذين ثبتوا ولم ينقلبوا" (4).
قال محمد بن إسحاق: " أي: من أطاعه، وعمل بأمره"(5).
قال مقاتل: " يعني: الموحدين لله في الآخرة"(6).
قال ابن أبي زمنين: " يعني: المؤمنين يجزيهم بالجنة"(7).
قال الواحدي: أي: " الطَّائعين لله من المهاجرين والأنصار"(8).
قال البيضاوي: أي: الشاكرين" على نعمة الإسلام بالثبات عليه كأنس وأضرابه"(9).
قال ابن كثير: "أي: الذين قاموا بطاعته وقاتلوا عن دينه، واتبعوا رسوله حيا وميتا"(10).
قال أبو السعود: أي: " وسيجزي الله "الثابتين على دين الإسلام، سموا بـ {الشاكرين} ، لأن الثبات عليه شكر له وعرفان لحقه وفيه إيماء إلى كفران المنقلبين" (11).
قال المراغي: " وفى الآية إرشاد إلى أن المصايب التي تحل بالإنسان لا مدخل لها فى كونه على حق أو باطل، فكثيرا ما يبتلى صاحب الحق بالمصائب والرزايا، وصاحب الباطل بالنعم والعطايا.
وفيها إيماء إلى أنا لا نعتمد فى معرفة الحق والخير على وجود المعلّم بحيث نتركهما عند موته، بل نسير على منهاجهما حين وجوده وبعد موته.
والخلاصة- إن الله أوجب علينا أن نستضىء بالنور الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، أما ما يصيب جسمه من جرح أو ألم، وما يعرض له من حياة أو موت، فلا مدخل له فى صحة دعوته، ولا فى إضعاف النور الذي جاء به، فإنما هو بشر مثلكم خاضع لسنن الله كخضوعكم" (12).
أخرج البخاري بسنده عن عن عُقيل عن ابن شهاب، عن أبي سَلَمة؛ "أن عائشة، رضي الله عنها، أخبرته أن أبا بكر، رضي الله عنه، أقبل على فَرَس من مَسْكنه بالسَّنْح حتى نزل فدخل المسجد، فلم يُكلم الناس حتى دخل على عائشة فتيمَّم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وهو مُغَشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه صلى الله عليه وسلم ثم أكب عليه وقَبَّله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي. والله لا يجمع الله عليك موْتَتَين؛ أما الموتة التي كُتبت عليك فقد مُتَّها.
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 305.
(2)
أخرجه ابن المنذر (1004): ص 1/ 417.
(3)
تفسير المراغي: 4/ 88.
(4)
صفوة التفاسير: 212.
(5)
أخرجه ابن المنذر (1004): ص 1/ 417.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 305.
(7)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 322.
(8)
الوجيز: 235.
(9)
تفسير البيضاوي: 2/ 41.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 128.
(11)
تفسير أبي السعود: 2/ 94.
(12)
تفسير المراغي: 4/ 89.
وقال الزهري: وحدثني أبو سَلمة عن ابن عباس، أن أبا بكر خرج وعمر يُحَدِّث (2) الناس فقال: اجلس يا عمر فأبى عمرُ أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عُمَرَ، فقال أبو بكر: أما بعد، مَنْ كانَ يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حَيّ لا يموت، قال الله تعالى:{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} إلى قوله: {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} قال: فوالله لكَأنّ الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها الناس منه كلهم، فما سمعها بشر من الناس إلا تلاها.
وأخبرني سعيد بن المُسَيَّب أن عُمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فَعقرتُ حتى ما تقلني رجلاي وحتى هَوَيتُ إلى الأرض" (1).
الفوائد:
1 -
بيان أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم ليس ربّا فيدعي ولا إلها فيعبد، فهو صلى الله عليه وسلم-بشر يلحقه الموت كما يحلق جميع الرسل.
2 -
أنه ينبغي الدليل بذكر النظائر لغرض الاقناع، لقوله:{قد خلت من قبله الرسل} ، فإن من سمع هذا يقول: مادام الرسل السابقون ماتوا، فيكون ذلك تسلية له.
3 -
إثبات ان محمدا-صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل، لقوله:{قد خلت من قبله الرسل} ، لأن "الـ" هنا للعموم ولم يقل:"رسل"، بل قال:"الرسل"، وإذا كان الرسل كلهم قد خلوا من قبله لزم من ذلك أن يكون هو-صلى الله عليه وسلم آخرهم.
4 -
أن الارتداد عن الإسلام انقلاب على العقب، ومن تمسك بالاسلام فإنه التقدمي، لأن الاسلام يحث على التقدم لكل فضيلة.
5 -
أ، الله تعالى غنيّ عن طاعة الطائعين.
6 -
انتفاء الضرر عن الله تعالى، وأنه لن يضره شيء.
7 -
الحثّ على الشكر.
القرآن
التفسير:
لن يموت أحد إلا بإذن الله وقدره وحتى يستوفي المدة التي قدرها الله له كتابًا مؤجَّلا. ومن يطلب بعمله عَرَض الدنيا، نعطه ما قسمناه له من رزق، ولا حظَّ له في الآخرة، ومن يطلب بعمله الجزاء من الله في الآخرة نمنحه ما طلبه، ونؤته جزاءه وافرًا مع ما لَه في الدنيا من رزق مقسوم، فهذا قد شَكَرَنا بطاعته وجهاده، وسنجزي الشاكرين خيرًا.
في سبب نزول الآية:
قال الثعلبي: " نزلت في الذين تركوا المركز يوم أحد طلبا للغنيمة"(2).
قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: 145]، أي:" وما ينبغي لنفس أن تموت إلا بقدر الله"(3) ..
قال مقاتل: " يعنى: أن تقتل حتى يأذن الله فى موته"(4).
قال محمد بن إسحاق: " أي: أن لمحمد أجلا هو بالغه، إذا أذن الله له في ذلك كان"(5).
قال الطبري: يعني: " وما يموت محمد ولا غيره من خلق الله إلا بعد بلوغ أجله الذي جعله الله غاية لحياته وبقائه، فإذا بلغ ذلك من الأجل الذي كتبه الله له، وأذن له بالموت، فحينئذ يموت. فأما قبل ذلك، فلن يموت بكيد كائد ولا بحيلة محتال، وقد قيل إنّ معنى ذلك: وما كانت نفسٌ لتموت إلا بإذن الله"(6).
قال المراغي: "أي: ليس من شأن النفوس ولا من سنة الله فيها أن تموت بغير إذنه تعالى ومشيئته"(7).
قوله تعالى: {كِتَابًا مُؤَجَّلًا} [آل عمران: 145]، أي:" كتب الله ذلك كتابا ذا أجل"(8).
قال مقاتل: " في اللوح المحفوظ"(9).
قال الثعلبي: " يعني: أن لكل نفس أجلا هو بالغه ورزقا مستوفيه، لا يقدر أحد على تقديمه وتأخيره"(10).
قال الزجاج: " الأجل هو الوقت المعلوم"(11).
قال عمر بن عبدالعزيز: " لا تموت نفس ولها في الدنيا عمر ساعة إلا بلغته"(12).
قال المراغي: " أي أثبته الله مقرونا بأجل معين لا يتغير، ومؤقتا بوقت لا يتقدم ولا يتأخر، فكثير من الناس يتعرضون لأسباب المنايا بخوض غمرات الحروب، أو يتعرضون لعدوى الأمراض، أو يتصدون لأفاعيل الطبيعة، وهم مع ذلك لا يصابون بالأذى فالشجاع المقدام قد يسلم فى الحرب، ويقتل الجبان المتخلف ويفتك المرض بالشاب القوى، ويترك الضعيف الهزيل، وتغتال عوامل الأجواء الكهل المستوي وتتجاوز الشيخ الضعيف، فللأعمار آجال، وللآجال أقدار لا تخطوها، والأقدار هى السنن التي عليها تقوم نظم العالم وإن خفيت على بعض الناس، وإذا كان محيانا ومماتنا بإذن الله فلا محل للخوف والجبن، ولا عذر فى الوهن والضعف.
وفى الآية تحريض على الجهاد وتشجيع على لقاء العدو، فإنه إذا كان الأجل محتوما ومؤقتا بميقات، وأن أحدا لا يموت قبل بلوغ أجله وإن خاض المعارك واقتحم المهالك فلا محل إذا للخوف والحذر- إلى ما فيها من الإشارة إلى كلاءة الله وحفظه لرسوله مع غلبة العدوّ له والتفافهم عليه وإسلام قومه له نهزة للمختلس، فلم يبق سبب من أسباب الهلاك إلا قد حصل، ولكن لما كان الله حافظا وناصرا له لم يضرّه شىء، وفيها إشارة إلى أن قومه قد قصّروا فى الذبّ عنه" (13).
قوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} [آل عمران: 145]، "أي: ومن قصد بعمله حظ الدنيا أعطاه الله شيئا من ثوابها" (14).
قال مقاتل: " يعني الذين تركوا المركز يوم أحد وطلبوا الغنيمة"(15).
قال محمد بن إسحاق: " أي: فمن كان منكم يريد الدنيا، ليست له رغبة في الآخرة، نؤته ما قسم له منها من رزق، ولا حظ له في الآخرة"(16).
قال الثعلبي: " يعني ومن يرد بطاعته الدنيا ويعمل لها نؤته منها ما يكون جزاء لعمله"(17).
قال ابن كثير: "أي: من كان عمله للدنيا فقد نال منها ما قدّرَه الله له، ولم يكن له في الآخرة من نصيب"(18).
(1) صحيح البخاري برقم (4452، 4453، 4454).
(2)
تفسير الثعلبي: 3/ 179.
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 178. [بتصرف].
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 305.
(5)
أخرجه الطبري (7954): ص 7/ 260.
(6)
تفسير الطبري: 7/ 260.
(7)
تفسير المراغي: 4/ 89.
(8)
معاني القرآن للزجاج: 1/ 474.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 305.
(10)
تفسير الثعلبي: 3/ 179.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 305.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (4270): ص 3/ 779.
(13)
تفسير المراغي: 4/ 89.
(14)
تفسير المراغي: 4/ 90.
(15)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 305.
(16)
أخرجه الطبري (7955): ص 7/ 262 - 263.
(17)
تفسير الثعلبي: 3/ 179.
(18)
تفسير ابن كثير: 2/ 130.
قال الطبري: أي: " من يرد منكم، أيها المؤمنون، بعمله جزاءً منه بعضَ أعراض الدنيا، دون ما عند الله من الكرامة لمن ابتغى بعمله ما عنده نعطه منها ما قُسم له فيها من رزق أيام حياته، ثم لا نصيب له في كرامة الله التي أعدها لمن أطاعه وطلب ما عنده في الآخرة"(1).
قوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} [آل عمران: 145]، أي:" ومن قصد الآخرة أعطاه الله حظا من ثوابها"(2).
قال محمد بن إسحاق: " ومن يرد ثواب الآخرة نوته منها ما وعده، مع ما يُجرى عليه من رزقه في دنياه"(3).
قال مقاتل: " الذين ثبتوا مع أميرهم عبد الله بن جبير الأنصاري من بني عمرو حتى قتلوا"(4).
قال ابن كثير: أي: "ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله منها مع ما قسم له في الدنيا"(5).
قال الزجاج: " وليس في هذا دليل أنه يحرمه خير الدنيا، لأنه لم يقل: ومن يرد ثواب الآخرة
لم نؤته إلا منها، والله عز وجل ذو الفضل العظيم" (6).
قال المراغي: " وفيها تعريض بالذين شغلتهم الغنائم يوم أحد، فتركوا موقعهم الذي أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بلزومه، وكأنه يقول لهم إن كنتم تريدون ثواب الدنيا فالله لا يمنعكم ذلك، وما عليكم إلا أن تسلكوا سبيله، ولكن ليس هذا هو الذي يدعوكم إليه محمد صلى الله عليه وسلم، بل يدعوكم إلى خير ترون حظا منه فى الدنيا، والمعوّل عليه ما فى الآخرة.
فأنتم بين أمرين: إما إرادة الدنيا، وإما إرادة الآخرة، ولكل منهما سنن تتبع، وطرق تسلك، وفى معنى الآية قوله تعالى:{مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} .
ومن هدى الإسلام أن يطلب المرء بعمله خيرى الدنيا والآخرة معا، ويقول:{رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} والله يعطيه كل ما يطلب أو بعضه يحسب سنن الله وتدبيره لنظم الحياة.
وعلى الإنسان أن يعلم أن له طورين:
أحدهما: طور عاجل قصير، وهو طور الحياء الدنيا.
والثاني: طور آجل أبدىّ، وهو طور الحياة الآخرة.
وسعادته فى كل من الطورين مرتبطة بإرادته وما توجهه إليه من العمل، فالناس إنما يتفاضلون بالإرادات والمقاصد: فقوم يحاربون حبا فى الربح والكسب، أو ضراوة بالفتك والقتل، فإذا غلبوا أفسدوا فى الأرض وأهلكوا الحرث والنسل، وقوم يحاربون دفاعا عن الحق وإقامة لقوانين العدل، فإذا غلبوا عمروا الأرض وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، فهل يستوى الفريقان، وهما فى المقصد مفترقان؟
كذلك يطلب الرجل الربح والكسب أحيانا بكل وسيلة مستطاعة طلبا للذاته، والحصول على شهواته، فيغلو فى الطمع، ويمعن فى الحيل، ولا يبالى أمن الحرام أكل أم من الحلال؟ يأكل الربا أضعافا مضاعفة، فيجمع القناطير المقنطرة، وهو مع ذلك يمنع الماعون، ولا يحضّ على طعام المسكين، ولو سئل البذل فى المصالح العامة كان أشد الناس بخلا وأقبضهم كفا، بينا يطلب آخر الكسب طلبا للتجمل وحبا للكرامة فى قومه وعشيرته، فيقتصد فى الطلب، ويتحرى الربح الحلال، ويلتزم الصدق والأمانة، ويبتعد عن الفسوق والخيانة، وهو مع هذا ينفق مما أفاء الله به عليه، فيواسى البائسين، ويساعد المعوزين، وتكون له اليد الطّولى فى الأعمال النافعة لأمته، فيشيد لها المدارس والمعابد، والملاجئ والمستشفيات، فهل ينظر الناس إلى هذين نظرة متساوية، وهل هما فى
(1) تفسير الطبري: 7/ 262.
(2)
تفسير المراغي: 4/ 90.
(3)
أخرجه الطبري (7955): ص 7/ 263.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 305.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 130.
(6)
معاني القرآن: 1/ 475.
القرب عند الله بمنزلة واحدة، أو يفضل أحدهما الآخر بحسن القصد والإرادة والميل إلى الخير وحب المصلحة العامة.
وقصارى القول- إن أقدار الرجال تتفاوت وتختلف باختلاف إرادتهم، فبينما تتسع دائرة وجود الشخص بحسب كبر إرادته وسعة مقصده، فتحيط بالكرة الأرضية، بل فوق ذلك بما يكون له من الكرامة فى العالم العلوي- إذا بآخر تضيق دائرة وجوده إذا هو أخلد إلى الشهوات، وركن إلى اللذات، فيكون حظه من عمله كحظ الحشرات، يأكل ويشرب ويبغى على الضعيف ويخاف من القوى.
والله قد جعل عطاءه للناس معلقا على إرادتهم، ولا يقدر مثل هذا إلا القليل منهم" (1).
قوله تعالى: {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 145]، أي: وسيثيب الله "الموحدين في الآخرة"(2).
قال الثعلبي: " أي الموحدين المطيعين"(3).
قال السمعاني: " يعني: المؤمنين"(4).
قال ابن كثير: " أي: سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا في الدنيا والآخرة بحسب شُكْرهم وعملهم"(5).
قال أبو السعودي: أي {الشاكرين} نعمة الإسلام الثابتين عليه الصارفين لما آتاهم الله تعالى من القوى والقدر إلى ما خلقت هي لأجله من طاعة الله تعالى لا يلويهم" (6).
قال البيضاوي: أي: " وسنجزي الشاكرين الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم شيء عن الجهاد"(7).
قال النسفي: أي: " وسنجزي الجزاء المبهم الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم شيء عن الجهاد"(8).
قال محمد بن إسحاق: " أي: ذلك جزاء الشاكرين، يعني بذلك، إعطاء الله إياه ما وعده في الآخرة، مع ما يجري عليه من الرزق في الدنيا"(9).
قال عباد بن منصور: " سألت الحسن عن قوله: {وسنجزي الشاكرين}، قال: يعطي الله العبد بنيته الدنيا والآخرة"(10).
وقرأ الأعمش: " {وسيجزي}، بالياء، يعني الله سبحانه"(11).
قال ابن الجوزي: " قوله تعالى: {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها} ، جمهور العلماء على أن هذا الكلام محكم واستدلوا عليه بشيئين:
أحدهما: أنه خبر والخبر لا يدخله النسخ.
والثاني: أنهم قالوا: ما أحد إلا وله من الدنيا نصيب مقدر، ولا يفوته ما قسم له. فمن كانت همته ثواب الدنيا أعطاه الله منها ما قدر له وذلك هو الذي يشاؤه الله، وهو المراد بقوله:{عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} (12)، ولم يقل يؤته منها ما يشاء هو، ويمكن أن يكون المعنى: لمن يريد أن يفتنه أو يعاقبه.
وذهب السدي إلى أنه منسوخ (13) بقوله: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} وليس هذا بقول من يفهم الناسخ والمنسوخ، فلا يعول عليه" (14).
(1) تفسير المراغي: 4/ 90.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 305.
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 179.
(4)
تفسير السمعاني: 1/ 363.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 130.
(6)
تفسير أبي السعود: 2/ 94.
(7)
تفسير البيضاوي: 2/ 41.
(8)
تفسير النسفي: 1/ 298.
(9)
أخرجه الطبري (7956): ص 7/ 263.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (4274): ص 3/ 780.
(11)
تفسير الثعلبي: 3/ 179.
(12)
الآية (18) من سورة الإسراء.
(13)
ورد هبة الله في ناسخه (30) هذه الآية مع الآيات المنسوخة، وأعرض غيره من علماء النسخ والتفسير عن إدخالها ضمن الآيات المنسوخة. وأما ابن الجوزي- رحمه الله فقد أورد في تفسيره شبيها لما ذكر هنا مناقشة وردا. انظر: زاد المسير 1/ 470.
(14)
نواسخ القرآن: 333 - 334.
الفوائد:
1 -
أن آجال الأنفس محددة، وأنه لايمكن ان يتقدم الإنسان أو يتأخر عن الأجل الذي قدّره الله له.
2 -
تسلية أصحاب الرسول-صلى الله عليه وسلم حين قيل لهم أن محمدا-صلى الله عليه وسلم قتل.
3 -
إثبات أن كل شيء حتى الموت مخلوق، لقوله:{إلا بإذن الله} ، وما كان صادرا عن إذن فهو مخلوق، ويدل عليه قوله:{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} [الملك: 2].
4 -
أن الناس لهم مشارب ولكل مسلك.
5 -
الردّ على الجبرية، لقوله:{ومن يرد} ، إذ اثبت للإنسان إرادة، والجبرية يقولون أن الانسان ليس له إرادة.
6 -
أن الذي يريد بالعمل الصالح الأمور الدنيوية، فليس له حظ في الآخرة.
7 -
إيثار إرادة الآخرة على الدنيا.
8 -
إثبات الجزاء على العمل.
9 -
الحث على الشكر، لأن الإخبار بأن الله سيجزي الشاكرين يراد به الحص على الشكر.
القرآن
التفسير:
كثير من الأنبياء السابقين قاتل معهم جموع كثيرة من أصحابهم، فما ضعفوا لِمَا نزل بهم من جروح أو قتل; لأن ذلك في سبيل ربهم، وما عَجَزوا، ولا خضعوا لعدوهم، إنما صبروا على ما أصابهم. والله يحب الصابرين.
قوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} [آل عمران: 146]، " أي: وكم من الأنبياء قاتل لإِعلاء كلمة الله وقاتل معه علماء ربانيون وعُبَّاد صالحون كثير" (1).
قال الزجاج: أي: " وكأين من نبي قتل ومعه {رِبِّيُّونَ} الجماعات الكثيرة، وقال بعضهم الربوة عشرة آلاف"(2).
قال محمد بن إسحاق: " وكأين من نبي أصابه القتل ومعه جماعات"(3).
قال الحسن: " قد كانت أنبياء الله قبل محمد قاتل معها علماء"(4)، وروي عنه أيضا أن:"الربيون من العلماء مأخوذ من الرب؛ لأنهم على دين الرب وطريقه"(5).
قال الضحاك: "الربيون: الربوة الواحدة ألف "(6).
وقال عطاء الخراساني: "الربوة: عشرة آلاف في العدد"(7).
أخرج سفيان عن عبد الله في قوله: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير} ، قال:"الوف"(8).
وفي قوله تعالى: {رِبِّيُّونَ} [آل عمران: 146]، أربعة أقاويل:
أحدها: أنهم الذين يعبدون الرب وأحدهم رِبّيُّ، قاله الأخفش (9)، لأن "العرب تنسب الشيء إلى الشيء فيغير حركته كما يقول بصري منسوب إلى بصرة، فكذلك {ربيون}، منسوب إلى «الرب» "(10).
الثاني: أنهم الجماعات الكثيرة، و"الربيون" جمع "الربية"، وهي الفرقة، وهو قول ابن مسعود (11)، وابن عباس (12)، والحسن (13)، والسدي (14)، وقتادة (15)، وعكرمة (16)، ومجاهد (17)، والربيع (18)، والضحاك (19)، وابن إسحاق (20).
ومنه قوله حسان (21):
وإذا معشر تجافوا عن الحق
…
حملنا عليهم ربيا
والثالث: انهم العلماء الكثيرون، وهو قول ابن عباس أيضا (22)، والحسن (23) أيضا.
والرابع: أن "الربيون": الأتباع. والربانيون: الولاة، والربيون الرعية، وهو قول أبن زيد (24).
واختلفت القراءة في قوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ} [آل عمران: 146]، ثلاثة اوجه من القراءة (25):
أحدها: قرأ ابن كثير وحده: {وكآئن} ، الهمزة بين الألف والنون على وزن:"فاعل".
والثاني: وقرأ الباقون: {وكأين} ، الهمزة بين الكاف والياء مشددة على وزن:"كعين".
والثالث: وقرأ ابن محيصن: (كأي) ممدودا بغير نون (26).
واختلفت القراءة في قوله تعالى: {قَاتَلَ مَعَهُ} [آل عمران: 146]، على قراءتين (27):
إحداهما: {قتل معه} ، قرأ بها ابن كثير ونافع وأبو عمرو، وهي قراءة ابن عباس واختيار أبي حاتم، وحسّنه الأخفش (28).
ومن قرأ {قتل} فله ثلاثة أوجه (29):
أحدها: أن يكون القتل واقعا على النبي وحده، وحينئذ يكون تمام الكلام عند قراءة (قتل) فيكون في الآية إضمار معناه ومعه ربيون كثير كما يقال: قتل الأمير معه جيش عظيم، أي ومعه، ويقول: خرجت معي تجارة، أي ومعي.
والوجه الثاني: أن يكون القتل نال النبي ومعه من الربيين، ويكون وجه الكلام: قتل بعض من كان معه، تقول العرب: قتلنا بني تميم وبني فلان، وإنما قتلوا بعضهم ويكون قوله: فما وهنوا راجعا إلى الباقين الذين لم يقتلوا.
والوجه الثالث: أن يكون القتل للربيين لا غير.
والقراءة الثانية: {قاتل} بالألف، قرأ بها عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي، وهي قراءة ابن مسعود واختيار أبي عبيد.
(1) صفوة التفاسير: 212.
(2)
معاني القرآن: 1/ 476.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4275): ص 3/ 780.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4275): ص 3/ 780.
(5)
تفسير السمعاني: 1/ 363.
(6)
أخرجه ابن المنذر (1009): ص 1/ 419.
(7)
أخرجه ابن المنذر (1010): ص 1/ 419.
(8)
تفسير سفيان الثوري: 81.
(9)
انظر: معاني القرآن: 1/ 235.
(10)
تفسير الثعلبي: 3/ 181.
(11)
انظر: تفسير الطبري (7957) - (7960): ص 7/ 265 - 266.
(12)
انظر: تفسير الطبري (7961): ص 7/ 266، و (7979): ص 7/ 268.
(13)
انظر: تفسير الطبري (7966): ص 7/ 267.
(14)
انظر: تفسير الطبري (7977): ص 7/ 268.
(15)
انظر: تفسير الطبري (7967): ص 7/ 267.
(16)
انظر: تفسير الطبري (7969): ص 7/ 267.
(17)
انظر: تفسير الطبري (7971): ص 7/ 267.
(18)
انظر: تفسير الطبري (7973): ص 7/ 268.
(19)
انظر: تفسير الطبري (7974): ص 7/ 268.
(20)
انظر: تفسير الطبري (7978): ص 7/ 268.
(21)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 181، والقرطبي: 4/ 230، والدر المنثور: 2/ 82.
(22)
انظر: تفسير الطبري (7964): ص 7/ 266.
(23)
انظر: تفسير الطبري (7965)، و (7968): ص 7/ 267.
(24)
انظر: تفسير الطبري (7980): ص 7/ 269.
(25)
انظر: السبعة في القراءات: 217.
(26)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 180.
(27)
انظر: السبعة في القراءات: 217.
(28)
انظر: معاني القرآن: 1/ 235.
(29)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 181.
قال الثعلبي: " فمن قرأ (قاتل) فلقوله: {فما وهنوا}، ويستحيل وصفهم بأنهم لم يهنوا بعد ما قتلوا، ولقول سعيد بن جبير: «ما سمعنا أن نبيا قط قتل في القتال» "(1).
وقال أبو عبيد: "إن الله تعالى إذا حمد من قاتل كان من قتل داخلا فيه، وإذا حمد من قتل خاصة لم يدخل فيه غيرهم، فقاتل أعم"(2).
وتقرأ {رِبِّيُّونَ} ، بكسر الراء، وهو الأكثر، وبعضهم قرأ {ربيون} بضم الراء، وهي لغة بني تميم (3).
قوله تعالى: {فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [آل عمران: 146]، "أي: ما جبنوا ولا ضعفت هممهم لما أصابهم من القتل والجراح" (4).
قال الزجاج: أي: " فما فتروا"(5).
قال الماوردي: " الوهن: الانكسار بالخوف، والمعنى: فلم يهنوا بالخوف"(6).
عن ابن عباس: " {فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله}، قال: لقتل أنبيائهم "(7).
قال أبو مالك: " يعني: فما عجزوا عن عدوهم"(8).
قال محمد بن إسحاق: " {فما وهنوا} لفقد نبيهم"(9).
قال السدي: " فما وهن الربيون لما أصابهم في سبيل الله من قتل النبي"(10).
قال الحسن: " لكي لا يهن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم"(11).
قوله تعالى: {وَمَا ضَعُفُوا} [آل عمران: 146]، : أي: وما ضعفوا عن الجهاد " (12).
قال الزجاج: أي: " وما جبنوا عن قتال عدوهم"(13).
قال الماوردي: " الضعف نقصان القوة، والمعنى: ولا ضعفوا بنقصان القوة"(14).
قال محمد بن إسحاق: " {وما ضعفوا} عن عدوهم "(15).
قال قتادة: " يقول: ما عجزوا وما تضعضعوا لقتل نبيهم"(16).
عن الضحاك: {ربيون كثير} قال: " فالربيون: الجموع، قتل نبيهم في قتالهم، فلم يهنوا لذلك، ولم يضعفوا لإيمانهم "(17).
قال السدي: " ما ضعفوا في سبيل الله لقتل النبي"(18).
قوله تعالى: {وَمَا اسْتَكَانُوا} [آل عمران: 146]، " أي ما ذلّوا ولا خضعوا لعدوهم"(19).
قال الزجاج: أي: " ما خضعوا لعدوهم"(20).
(1) تفسير الثعلبي: 3/ 181.
(2)
تفسير الثعلبي: 3/ 181.
(3)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 476، وتفسير الثعلبي: 3/ 181.
(4)
صفوة التفاسير: 212.
(5)
معاني القرآن: 1/ 476.
(6)
النكت والعيون: 1/ 428.
(7)
أخرجه ابن المنذر (1016): ص 1/ 420 - 421.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (4284): ص 3/ 781.
(9)
أخرجه ابن المنذر (1018): ص 1/ 421.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (4285): ص 3/ 781.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (4287): ص 3/ 781.
(12)
صفوة التفاسير: 212.
(13)
معاني القرآن: 1/ 476.
(14)
النكت والعيون: 1/ 428.
(15)
أخرجه ابن المنذر (1018): ص 1/ 421.
(16)
أخرجه ابن المنذر (1019): ص 1/ 421.
(17)
أخرجه ابن المنذر (1017): ص 1/ 421.
(18)
أخرجه ابن أبي حاتم (4288): ص 3/ 781.
(19)
صفوة التفاسير: 212.
(20)
معاني القرآن: 1/ 476.
قال الماوردي: " الاستكانة: الخضوع، والمعنى: ولا استكانوا بالخضوع"(1).
قال الراغب: "الاستكانة: الخشوع والتضرع للمخافة"(2).
قال الماتريدي: " قيل: لم يذلوا في عدو لهم، ولم يخضعوا لقتل نبيهم؛ بل قاتلوا بعده على ما قاتلوا معه؛ فهلا قاتلتم أنتم على ما قاتل عليه نبيكم؛ كما قاتلت القرون من قبلكم إذا أصيب أنبياؤهم"(3).
قال زيد بن أسلم: " وما استكانوا لعدوهم"(4).
عن ابن جريح قال: "بلغني عن ابن عباس أنه قال في قوله: {وما استكانوا} ، قال:
تخشعوا" (5).
قال قتادة: " يقول: " ما ارتدوا عن بصيرتهم، ولا عن دينهم، أن قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله، حتى لحقوا بالله" (6).
قال محمد بن إسحاق: " {وما استكانوا} لما أصابهم في الجهاد، عن الله وعن دينهم، وذلك الصبر "(7).
قال السدي: " يقول: ما ذلوا حين قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس لهم أن يعلونا لا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون"(8).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146]، "أي: والله يحب الصابرين على مقاساة الشدائد والأهوال في سبيل الله" (9).
قال الماتريدي: يعني: " على قتال عدوهم، وعلى كل مصيبة تصيبهم"(10).
قال محمد ابن إسحاق: " {والله يحب الصابرين} لما أصابهم في الجهاد عن الله، وعن دينهم وذلك الصبر"(11).
الفوائد:
1 -
العناية الربانية الخاصة لهذه الأمة، إذ يسليهم بما حصل للأمم السابقة.
2 -
أن الجهاد مشروع في غير هذه الأمة، لأن القتال من الأنبياء وأتباعهم لا يكون إلا عن جهاد، وهو كذلك.
3 -
الثناء على من سبق ممن يستحق الثناء.
4 -
الإشارة إلى انحطاط مرتبة الذين يذلون لأعداء الله.
5 -
إثبات المحبة لله تعالى.
6 -
الحث على الصبر، لقوله:{وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} .
القرآن
التفسير:
وما كان قول هؤلاء الصابرين إلا أن قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وما وقع منا مِن تجاوزٍ في أمر ديننا، وثبِّت أقدامنا حتى لا نفرَّ من قتال عدونا، وانصرنا على مَن جحد وحدانيتك ونبوة أنبيائك.
(1) النكت والعيون: 1/ 428.
(2)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 898.
(3)
تفسير الماتريدي: 2/ 502.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4293): ص 3/ 782.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4295): ص 3/ 782.
(6)
أخرجه ابن المنذر (2119): ص 1/ 422.
(7)
أخرجه ابن المنذر (1018): ص 1/ 421.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (4291): ص 3/ 782.
(9)
صفوة التفاسير: 212.
(10)
تفسير الماتريدي: 2/ 502.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (4296): ص 3/ 782.
قوله تعالى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} [آل عمران: 147]، أي:" وما كان قول هؤلاء الصابرين إلا أن قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا"(1).
قال الطبري: أي: " لم يعتصموا، إذ قتل نبيهم، إلا بالصبر على ما أصابهم، ومجاهدة عدوهم، وبمسألة ربهم المغفرة والنصر على عدوهم"(2).
قال ابن إسحاق: " أي: فقولوا كما قالوا، واعلموا أنما ذلك بذنوب منكم، واستغفروا كما استغفروا، وامضوا على دينكم كما مضوا على دينهم، ولا ترتدُّوا على أعقابكم راجعين"(3).
قال الماتريدي: " قيل: وما كان قول الأمم السالفة عند قتل نبيهم - إلا أن قالوا: (ربنا اغفر لنا ذنوبنا) الآية، يقول: يعلم الله هذه الأمة ويعاتبهم: هلا قلتم أنتم حين نعي إليكم نبيكم كما قالوا القوم في الأمم السالفة؟ ! "(4).
قال الزمخشري: " هذا القول وهو إضافة الذنوب والإسراف إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين، هضما لها واستقصارا"(5).
قوله تعالى: {وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} [آل عمران: 147]، "أي: وتفريطنا وتقصيرنا في واجب طاعتك وعبادتك" (6).
عن ابن عباس: " قوله: {وإسرافنا في أمرنا}، يقول: خطايانا"(7).
وعن مجاهد: " {إسرافنا في أمرنا}، خطايانا وظلمنا أنفسنا"(8).
ون الضحاك: "قوله: {وإسرافنا في أمرنا}، فهي: الخطايا الكبائر"(9).
قال الزمخشري: "والدعاء بالاستغفار منها مقدما على طلب تثبيت الأقدام في مواطن الحرب والنصرة على العدو، ليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاء وطهارة وخضوع، وأقرب إلى الاستجابة"(10).
قال المراغي: " وفى هذا إيماء إلى أن الذنوب والإسراف فى الأمور من عوامل الخذلان، والطاعة والثبات والاستقامة من أسباب النصر والفلاح، ومن ثم سألوا ربهم أن يمحو من نفوسهم أثر الذنوب وأن يوفقهم إلى دوام الثبات حين تزلّ الأقدام. وقد قدموا طلب المغفرة من الذنوب على طلب النصر ليكون الدعاء فى حيز القبول، فإن الدعاء المقرون بالخضوع والطاعة الصادر عن زكاء وطهارة أقرب إلى الاستجابة.
وفى طلبهم النصر من الله مع كثرة عددهم التي دل عليها قوله: (رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) إعلام بأنهم لا يعوّلون على كثرة العدد بل يطلبون العون والمدد الروحاني من الله بثبات الأقدام والتمسك بأهداب الحق" (11).
قال الراغب: " الفرق بين الدنب والإسراف من وجهين:
أحدهما: أن الإسراف نجاوز الحد فى فعل ما يجب، والذنب عام فيه وفي التقصير، فإذا كل إسراف ذنب، وليس كل ذنب إسرافا.
والثاني: أن حقيقة الذنب: التقصير وترك الأمر حتى يفوت، ثم يؤخذ بالذنب. والذنب إذن في الأصل مقابل الإسراف، وكلاهما مذمومان، أحدهما: من جهة التفريط. والآخر: من جهة الإفراط" (12).
قوله تعالى: {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} [آل عمران: 147]، أي:"وثبّت اقدامنا في مواطن الحرب"(13).
قال ابن إسحاق: "واسألوه كما سألوه أن يثبِّت أقدامكم"(14).
(1) التفسير الميسر: 68.
(2)
تفسير الطبري: 7/ 271 - 272.
(3)
أخرجه الطبري (7993): ص 7/ 273، وابن أبي حاتم (4397): ص 3/ 782 - 783.
(4)
تفسير الماتريدي: 2/ 502 ..
(5)
الكشاف: 1/ 424.
(6)
صفوة التفاسير: 212.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (4298): ص 3/ 783.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (4299): ص 3/ 783.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (4300): ص 3/ 783.
(10)
الكشاف: 1/ 424.
(11)
تفسير المراغي: 4/ 93.
(12)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 900.
(13)
صفوة التفاسير: 212. [بتصرف].
(14)
أخرجه الطبري (7993): ص 7/ 273، وابن أبي حاتم (4301): ص 3/ 783.
قال الزجاج: " أي ثبتنا على دينك. وإذا ثبتهم على دينهم ثبتوا في حربهم - قال الله عز وجل – {فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا} [النحل: 94]، المعنى: تزل عن الدين"(1).
قوله تعالى: {وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 147]، أي:" وانصرنا على مَن جحد وحدانيتك ونبوة أنبيائك"(2).
قال ابن إسحاق: "واستنصروه كما استنصروه على القوم الكافرين. فكل هذا من قولهم قد كان وقد قُتل نبيهم، فلم يفعلوا كما فعلتم"(3).
قال الماتريدي: " يحتمل: النصر عليهم بالحجج والبراهين. ويحتمل: النصر بالغلبة والهزيمة عليهم"(4).
الفوائد:
1 -
أن هؤلاء الربيين كملت منهم الأفعال والأقوال، إذ ما وهنوا لما اصابهم، بل لجأوا إلى الله تعالى بسؤال المغفرة، لأن ما أصابهم إنما هو بسبب الذنوب.
2 -
أن الإنسان مفتقر إلى مغفرة الله غا الإفتقار.
3 -
أن الإنسان لايخلو من الإسراف على نفسه، إما في غلو أو تقصير.
4 -
أن الإنسان مفتقر إلى تقبيت القدم من الله عز وجل.
5 -
أن النصر من عند الله وحده.
القرآن
{فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)} [آل عمران: 148]
التفسير:
فأعطى الله أولئك الصابرين جزاءهم في الدنيا بالنصر على أعدائهم، وبالتمكين لهم في الأرض، وبالجزاء الحسن العظيم في الآخرة، وهو جنات النعيم. والله يحب كلَّ مَن أحسن عبادته لربه ومعاملته لخلقه.
قوله تعالى: {فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا} [آل عمران: 148]، " أي: فأعطاهم الله ثواب الدنيا بالغنيمة والنصرة" (5).
قال مقاتل: " يقول أعطاهم النصر والغنيمة في الدنيا"(6).
قال الحسن: "الفتح والنصر"(7).
قال ابن إسحاق: " الظهورَ على عدوهم"(8).
قال ابن جريج: " النصر والغنيمة "(9).
قال قتادة: " أي والله، لآتاهم الله الفتح، والظهور، والتمكين والنصر على عدوهم في الدنيا"(10).
قال الماتريدي: " يحتمل ثواب الدنيا: الذكر والثناء الحسن، وهم كذلك اليوم نتبعهم ونقتدي آثارهم وهم موتى"(11).
قوله تعالى: {وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ} [آل عمران: 148] أي: "وخير جزاء الآخرة وهو الجنة ونعيمها"(12).
قال ابن إسحاق: "الجنةَ وما أعدَّ فيها "(13).
(1) معاني القرآن: 1/ 477.
(2)
التفسير الميسر: 68.
(3)
أخرجه الطبري (7993): ص 7/ 273، وابن أبي حاتم (4302): ص 3/ 783.
(4)
تفسير الماتريدي: 2/ 503.
(5)
تفسير السمرقندي: 1/ 255.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 306.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (4304): ص 3/ 783.
(8)
أخرجه الطبري (7997): ص 7/ 276.
(9)
أخرجه الطبري (7996): ص 7/ 275.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (4305): ص 3/ 784.
(11)
تفسير الماتريدي: 2/ 503.
(12)
تفسير الطبري: 7/ 275. [بتصرف].
(13)
أخرجه الطبري (7997): ص 7/ 276.
قال قتادة: " حسن الثواب في الآخرة هي الجنة"(1).
قال ابن جريج: " رضوانَ الله ورحمته"(2).
قال الماتريدي: " وذكر في ثواب الآخرة " الحسن "، ولم يذكر في ثواب الدنيا الحسن؛ لأن ثواب الآخرة دائم لا يزول أبدا، وثواب الدنيا قد يزول، أو أن يشوب في ثواب الدنيا آفات وأحزان؛ فينقص ذلك، وليس ثواب الآخرة كذلك"(3).
قال الزمخشري: " وخص ثواب الآخرة بالحسن دلالة على فضله وتقدمه، وأنه هو المعتد به عنده {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} [الأنفال: 67] "(4).
قال الراغب: " ذكر في ثواب الآخرة الحسن تنبيها أن ثواب الدنيا بالإضافة إليها غير
مستحسن لانقطاعه، ونبه بالآية أن من أراد ثواب الدنيا لم يحصل له ثواب الآخرة، وأن من أراد الآخرة حصلت له الدنيا والآخرة معا" (5).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 148]، أي:" والله يحب كلَّ مَن أحسن عبادته لربه ومعاملته لخلقه"(6).
قال السمرقندي: أي: " المؤمنين المجاهدين"(7).
قال ابن إسحاق: "يقول تعالى ذكره: فعل الله ذلك بهم بإحسانهم، فإنه يحب المحسنين، وهم الذين يفعلون مثل الذي وصف عنهم تعالى ذكره أنهم فعلوه حين قتل نبيُّهم"(8).
قال مكي بن أبي طالب: " أثنى عليهم أنهم محسنون وأن الله يحبهم"(9).
والإحسان يحتمل وجوها ثلاثة (10):
أحدها: أن المحسن: العارف، كما يقال: فلان يحسن ولا يحسن.
والثاني: أنه المعروف من الفعل -مما ليس عليه- يصنع إلى آخر؛ تفضلا منه وإحسانا.
والثالث: اختيار الحسن من الفعل على القبيح من الفعل والسوء؛ وكان كقوله: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56]: هذا يختار المحاسن من الأفعال على المساوئ.
الفوائد:
1 -
أن الله اثاب هؤلاء الربيّون الذين احسنوا في مقالهم وفعالهم بثواب الدنيا وثواب الآخرة.
2 -
أن رحمة الله سبقت غضبه، فهو يثيب الطائع بثوابين: ثواب في الدنيا وثواب في الآخرة، بخلاف العقوبة: فإن الله تعالى لايجمع بين عقوبتين، فإذا شرع عقوبة في الدنيا على ذنب فإنه لايعاقب به في الآخرة، كما قال-صلى الله عليه وسلم:"أن الحدود كفارة"(11).
3 -
الإشارة إلى خفة شأن الدنيا بالنسبة للآخرة، تؤخذ من قوله:{ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة} ، كأن الدنيا ليست بشيء حتى يكون فيها حسن.
4 -
إثبات البعث والجزاء.
5 -
إثبات المحبة لله.
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (4307): ص 3/ 784.
(2)
أخرجه الطبري (7996): ص 7/ 275.
(3)
تفسير الماتريدي: 2/ 503 - 504.
(4)
الكشاف: 1/ 425.
(5)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 903.
(6)
التفسير الميسر: 68.
(7)
تفسير السمرقندي: 1/ 255.
(8)
أخرجه الطبري (7997): ص 7/ 276.
(9)
الهداية إلى بلوغ النهاية: 2/ 1150.
(10)
انظر: تفسير الماتريدي: 2/ 504.
(11)
رواه البخاري (4894).
القرآن
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149)} [آل عمران: 149]
التفسير:
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، إن تطيعوا الذين جحدوا ألوهيتي، ولم يؤمنوا برسلي من اليهود والنصارى والمنافقين والمشركين فيما يأمرونكم به وينهونكم عنه، يضلوكم عن طريق الحق، وترتدُّوا عن دينكم، فتعودوا بالخسران المبين والهلاك المحقق.
في سبب نزول الآية وجهان:
أحدهما: قال مقاتل بن سليمان: " وأنزل الله- عز وجل في قول المنافقين للمؤمنين، عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم فادخلوا فى دينهم. فقال- سبحانه-: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا}، يعني: المنافقين في الرجوع إلى أبي سفيان، {يردوكم على أعقابكم} كفارا بعد الإيمان {فتنقلبوا خاسرين} "(1). ونقله الثعلبي والزمخشري وغيرهما عن علي-كرّم الله وجهه (2). وأخرج ابن ابي حاتم عن السدي فيما معناه (3).
والثاني: وروي عن الحسن رضى الله عنه: "إن تستنصحوا اليهود والنصارى وتقبلوا منهم، لأنهم كانوا يستغوونهم ويوقعون لهم الشبه في الدين، ويقولون: لو كان نبيا حقا لما غلب ولما أصابه وأصحابه ما أصابهم، وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس يوما له ويوما عليه"(4).
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [آل عمران: 149]، أي:" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه"(5).
قال الطبري: أي: " يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله في وعد الله ووعيده وأمره ونهيه"(6).
قوله تعالى: {إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران: 149]، "أي: إِن أطعتم الكفار والمنافقين فيما يأمرونكم به" (7).
قال الطبري: أي: " إن تطيعوا الذين جحدوا نبوة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى - فيما يأمرونكم به وفيما ينهونكم عنه - فتقبلوا رأيهم في ذلك وتنتصحوهم فيما يزعمون أنهم لكم فيه ناصحون"(8).
قال الواحدي: " أَيْ: اليهود والمشركين حيث قالوا لكم يوم أُحدٍ: ارجعوا إلى دين آبائكم"(9).
قال ابن جريج: " يقول: لا تنتصحوا اليهود والنصارى على دينكم، ولا تصدِّقوهم بشيء في دينكم"(10).
قال السدي: " يقول: إن تطيعوا أبا سفيان"(11).
قوله تعالى: {يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران: 149]، "ي يردوكم إِلى الكفر"(12).
قال السدي: "يقول: يردَّكم كفارًا"(13).
قال الطبري: أي: " يحملوكم على الرِّدة بعد الإيمان، والكفر بالله وآياته وبرسوله بعد الإسلام"(14).
قال الثعلبي: أي: " يرجعوكم إلى أول أمركم الشرك بالله تعالى"(15).
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 306.
(2)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 183، والكشاف: 1/ 425.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4308): ص 3/ 784.
(4)
الكشاف: 1/ 425.
(5)
التفسير الميسر: 68.
(6)
تفسير الطبري: 7/ 277.
(7)
صفوة التفاسير: 215.
(8)
تفسير الطبري: 7/ 277.
(9)
الوجيز: 236.
(10)
أخرجه الطبري (7999): ص 7/ 277.
(11)
أخرجه الطبري (8000): ص 7/ 277.
(12)
صفوة التفاسير: 215.
(13)
أخرجه الطبري (8000): ص 7/ 277، وانب أبي حاتم (4310): ص 3/ 784.
(14)
تفسير الطبري: 7/ 277.
(15)
تفسير الثعلبي: 3/ 183.
قوله تعالى: {فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [آل عمران: 149]، أي: فترجعوا إلى الخسران" (1).
قال ابن إسحاق: " فتذهب دنياكم وآخرتكم"(2).
قال الطبري: أي: ": فترجعوا عن إيمانكم ودينكم الذي هداكم الله له هالكين، قد خسرتم أنفسكم، وضللتم عن دينكم، وذهبت دنياكم وآخرتكم"(3).
الفوائد:
1 -
فضيلة الإيمان إذ يوجه الخطاب إلى الناس بوصف الإيمان في مقام الإرشاد والتنبيه، وأن الإيمان مقتض للامتثال.
2 -
وجوب الحذر من الكفار وأنه لايجوز إطاعة الكافرين، لأنها وسيلة إلى الكفر والخسران، كما انهم لن يدبروا امرا فيه مصلحة للمسلمين والاسلام أبدا.
3 -
أن الكفر خسارة، لقوله:{فتنقلبوا خاسرين} ، وإذا كان الكفر خسارة فإن الإيمان ربح، ولهذا لانجد أحدا اربح من المؤمن في هذه الدنيا حتى لو كان فقيرا وحيدا.
القرآن
{بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150)} [آل عمران: 150]
التفسير:
إنهم لن ينصروكم، بل الله ناصركم، وهو خير ناصر، فلا يحتاج معه إلى نصرة أحد.
قوله تعالى: {بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ} [آل عمران: 150]، "أي: ليسوا أنصاراً لكم حتى تطيعوهم بل الله ناصركم فأطيعوا أمره" (4).
قال الزمخشري: " أى ناصركم، لا تحتاجون معه إلى نصرة أحد وولايته"(5).
قال الواحدي: " أَيْ: فاستغنوا عن موالاة الكفَّار"(6).
قال الطبري: يعني: " أن الله مسدِّدكم، أيها المؤمنون، فمنقذكم من طاعة الذين كفروا"(7).
قال ابن إسحاق: " {بل الله مولاكم}، إن كان ما تقولون بألسنتكم صدقا في قلوبكم"(8).
وقرئ: " {بَلِ اللَّهَ} بالنصب على: بل أطيعوا اللهَ مولاكم"(9).
قوله تعالى: {وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ} [آل عمران: 150]، "أي هو سبحانه خير ناصر وخير معين فلا تستنصروا بغيره"(10).
قال الواحدي: أي: فأنا ناصركم فلا تستنصروهم" (11).
قال ابن أبي زمنين: يعني: " ينصركم ويعصمكم من أن ترجعوا كافرين"(12).
قال ابن إسحاق: "أي: فاعتصموا به ولا تستنصروا بغيره، ولا ترجعوا على أعقابكم مرتدِّين عن دينكم"(13).
الفوائد:
(1) صفوة التفاسير: 215.
(2)
أخرجه الطبري (7998): ص 7/ 277.
(3)
تفسير الطبري: 7/ 277.
(4)
صفوة التفاسير: 215.
(5)
الكشاف: 1/ 425.
(6)
الوجيز: 236.
(7)
تفسير الطبري: 7/ 277.
(8)
أخرجه الطبري (8001): ص 7/ 278، وابن أبي حاتم (4314): ص 3/ 785.
(9)
الكشاف: 1/ 425.
(10)
صفوة التفاسير: 215.
(11)
الوجيز: 236.
(12)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 324.
(13)
أخرجه الطبري (8001): ص 7/ 278، وابن أبي حاتم (4315): ص 3/ 785.
1 -
التحذير الشديد من طاعة الكفار وولايتهم، فهم أعداء الإسلام مهما ألانوا القول وزخرفوه.
2 -
إثبات الولاية لله عز وجل للمؤمنين، وهي ولاية خاصة بالمؤمنين، ومنه قوله:{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257].
3 -
أن الله تعالى ناصر لأوليائه.
القرآن
التفسير:
سنقذف في قلوب الذين كفروا أشدَّ الفزع والخوف بسبب إشراكهم بالله آلهة مزعومة، ليس لهم دليل أو برهان على استحقاقها للعبادة مع الله، فحالتهم في الدنيا: رعب وهلع من المؤمنين، أما مكانهم في الآخرة الذي يأوون إليه فهو النار; وذلك بسبب ظلمهم وعدوانهم، وساء هذا المقام مقامًا لهم.
في سبب نزول الآية:
أخرج الطبري بسنده عن السدي، قال:"لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجِّهين نحو مكة، انطلق أبو سفيان حتى بلغ بعض الطريق. ثم إنهم ندموا فقالوا: بئس ما صنعتم، إنكم قتلتموهم، حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم! ارجعوا فاستأصلوهم! فقذف الله عز وجل في قلوبهم الرعب، فانهزموا. فلقوا أعرابيًّا، فجعلوا له جُعْلا وقالوا له: إن لقيت محمدًا فأخبره بما قد جمعنا لهم. فأخبر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، فأنزل الله عز وجل في ذلك، فذكر أبا سفيان حين أراد أن يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وما قُذف في قلبه من الرعب فقال: {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله} "(1). وذكر مقاتل نحوه (2).
قوله تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} [آل عمران: 151]، " أي: سنقذف في قلوب الذين كفروا الخوف والفزع" (3).
قال الواحدي: أي: " الخوف حتى لا يرجعوا إليكم"(4).
قال الثعلبي: " أي: سنقذف، في قلوب الذين كفروا الرعب الخوف"(5).
قال ابن كثير: " ثم بشرهم بأنه سَيُلقي في قلوب أعدائهم الخوف منهم والذلة لهم، بسبب كفرهم وشركهم"(6).
قال ابن إسحاق: " فإني سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب الذي كنت أنصركم عليهم"(7).
قال ابن عباس: " قذف الله في قلب أبي سفيان فرجع إلى مكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفا وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب"(8).
قرأ أيوب السختياني: {سيلقي} ، بالياء، يعني الله عز وجل، لقوله:{بل الله مولاكم} ، وقرأ الباقون:{سنلقي} ، بالنون على التعظيم (9).
وقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الأنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَة وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً"(10).
(1) تفسير الطبري (8003): ص 7/ 280.
(2)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 306.
(3)
صفوة التفاسير: 215.
(4)
الوجيز: 237.
(5)
تفسير الثعلبي: 3/ 183.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 132.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (4317): ص 3/ 785.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (4316): ص 3/ 785.
(9)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 183.
(10)
صحيح البخاري برقم (335) وصحيح مسلم برقم (521).
قال الراغب: " الرعب: استرخاء القوى وتقطعها من الخوف"(1).
وقوله: {الرُّعْبَ} ، ثقل عينه، أبو جعفر وابن عامر والكسائي ويعقوب، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم وخففها الآخرون (2).
قوله تعالى: {بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} [آل عمران: 151]، " أي: بسبب إِشراكهم بالله وعبادتهم معه آلهة أخرى من غير حجة ولا برهان" (3).
قال ابن إسحاق: " بما أشركوا بي"(4).
قال مقاتل: "يعني: ما لم ينزل به كتابا فيه حجة لهم بالشرك"(5).
قال الواحدي: أي: " بإشراكهم بالله الأصنام التي يَعبدونها مع الله بغير حجَّة"(6).
قال الزمخشري: " أى: كان السبب في إلقاء الله الرعب في قلوبهم إشراكهم به ما لم ينزل به سلطانا آلهة لم ينزل الله بإشراكها حجة"(7).
قوله تعالى: {وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ} [آل عمران: 151]، "أي: مستقرهم النار" (8).
قال الواحدي: " يْ: مرجعهم النَّار"(9).
قوله تعالى: {وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 151]، " أي: بئس مقام الظالمين نار جهنم" (10).
الفوائد:
1 -
بيان عظمة الله، من قوله:{سنلقي} .
2 -
أن محل الإرادة والتدبير للبدن هو القلب، لقوله:{سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} ، وليس المحل هو الدماغ، لأن الدماغ لايدبر، بل يتصور ثم يرسل الصورة إلى القلب، والقلب يحكم، قال تعالى:{لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا} [الأعراف: 179].
3 -
أن إلقاء الرعب في قلب الأعداء من اكبر النصر، لقوله:{وهو خير الناصرين} ، ثم قال:{سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} ، فالرعب من أقوى أسباب النصر.
4 -
إثبات الأسباب لقوله: {بما أشركوا} .
5 -
أنه إذا كان الرعب يلقى في قلوب المشركين لإشراكهم، فإن الأمن يلقى في قلوب المؤمنين لتوحيدهم، لأن ما ثبت للشيء ثبت ضده لضده، فكلما كان الإنسان اشد إيمانا بالله وأشد توحيدا له كان أشد امنا واستقرارا، لأنه أقوى توكلا علي الله، والتوكل من أقوى اسباب الأمن ومصابرة الأعداء، حتى أن من الناس من يقوم توكله على الله مقام الدواء في الشفاء.
6 -
أنه لا دليل لأحد على شركه، لقوله:{مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} ، وهذا نداء على المشركين وإعلان بسفههم.
7 -
إثبات الجزاء، لقوله:{ومأواهم النار} .
8 -
إثبات أن النار مأوى الكافرين.
9 -
ذم النار ومثواها والعياذ بالله.
القرآن
(1) تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 908.
(2)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 183.
(3)
صفوة التفاسير: 215.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4317): ص 3/ 785.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 306.
(6)
الوجيز: 237.
(7)
الكشاف: 1/ 425.
(8)
صفوة التفاسير: 215.
(9)
الوجيز: 237.
(10)
صفوة التفاسير: 215.
التفسير:
ولقد حقق الله لكم ما وعدكم به من نصر، حين كنتم تقتلون الكفار في غزوة «أُحد» بإذنه تعالى، حتى إذا جَبُنتم وضعفتم عن القتال واختلفتم: هل تبقون في مواقعكم أو تتركونها لجمع الغنائم مع مَن يجمعها؟ وعصيتم أمر رسولكم حين أمركم ألا تفارفوا أماكنكم بأي حال، حلَّت بكم الهزيمة من بعد ما أراكم ما تحبون من النصر، وتبيَّن أن منكم مَن يريد الغنائم، وأن منكم مَن يطلب الآخرة وثوابها، ثم صرف الله وجوهكم عن عدوكم; ليختبركم، وقد علم الله ندمكم وتوبتكم فعفا عنكم، والله ذو فضل عظيم على المؤمنين.
في سبب نزول الآية عدة أقوال:
أحدها: أخرج الطبري عن الربيع: " قوله: {ولقد صدقكم الله وعده}، وذلك يوم أحد، قال لهم: إنكم ستظهرون، فلا أعرِفنَّ ما أصبتم من غنائمهم شيئًا، حتى تفرُغوا! فتركوا أمر نبي الله صلى الله عليه وسلم، وعصوا، ووقعوا في الغنائم، ونسوا عَهْده الذي عَهِده إليهم، وخالفوا إلى غير ما أمرهم به"(1).
والثاني: وأخرج الطبري عن ابن عباس: "أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ناسًا من الناس - يعني: يوم أحُد - فكانوا من ورائهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كونوا هاهنا، فردّوا وجه من فرَّ منا، وكونوا حرسًا لنا من قِبل ظهورنا. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هزم القوم هو وأصحابه، قال الذين كانوا جُعلوا من ورائهم، بعضهم لبعض، لما رأوا النساء مُصْعِدات في الجبل ورأوا الغنائم، قالوا: انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركوا الغنيمة قبل أن تسبقوا إليها! وقالت طائفة أخرى: بل نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنثبت مكاننا! فذلك قوله: {منكم من يريد الدنيا}، للذين أرادوا الغنيمة {ومنكم من يريد الآخرة}، للذين قالوا: نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونثبت مكاننا. فأتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، فكان فشلا حين تنازعوا بينهم يقول: {وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون}، كانوا قد رأوا الفتح والغنيمة"(2).
والثالث: أخرج الطبري عبيد بن سليمان قال: " سمعت الضحاك يقول في قوله: {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة}، فإن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم أحد طائفة من المسلمين، فقال: كونوا مَسْلحة للناس، بمنزلةٍ أمرَهم أن يثبتوا بها، وأمرهم أن لا يبرحوا مكانهم حتى يأذن لهم. فلما لقي نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أبا سفيان ومن معه من المشركين، هزمهم نبي الله صلى الله عليه وسلم! فلما رأى المسلحةُ أن الله عز وجل هزم المشركين، انطلق بعضهم وهم يتنادون: الغنيمة! الغنيمة! لا تفتكم! وثبت بعضهم مكانهم، وقالوا: لا نَريم موضعنا حتى يأذن لنا نبي الله صلى الله عليه وسلم! . ففي ذلك نزل: {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة}، فكان ابن مسعود يقول: ما شعرت أن أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرَضَها، حتى كان يوم أحد"(3). وري عن ابن عباس نحو ذلك (4).
والرابع: أخرج ابن المنذر بسنده عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، في قوله عز وجل:{حتى إذا فشلتم} قال: " وكان وضع خمسين رجلا من أصحابه، عليهم عبد الله، فجعلهم بإزاء خالد بن الوليد على جبل المشركين فلما هزم رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، قال نصف أولئك: نذهب حتى نلحق بالناس، ولا يفوتنا بالغنائم وقال بعضهم: قد عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نريم حتى يحدث إلينا، قال: فلما رأى خالد بن الوليد رقتهم حمل عليهم، فقاتلوا حتى ماتوا، فأنزل الله جل وعز فيهم: {ولقد صدقكم الله وعده}، إلى قوله: {وعصيتم}، فجعل أولئك الذين انصرفوا عصاة"(5).
(1) تفسير الطبري (8011): ص 7/ 286.
(2)
تفسير الطبري (8024): ص 7/ 290 - 291 ..
(3)
تفسير الطبري (8032): ص 7/ 294.
(4)
انظر: تفسير الطبري (8033): ص 7/ 295.
(5)
تفسير ابن المنذر (1056): ص 2/ 443 - 444.
والخامس: نقل الواحدي عن محمد بن كعب القرظي: "لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أحد، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فأنزل الله تعالى: {ولقد صدقكم الله وعده} الآية إلى قوله: {منكم من يريد الدنيا} يعني الرماة الذين فعلوا ما فعلوا يوم أحد"(1).
والخامس: أخرج الطبري عن الحسن: " في قوله: ثم صرفكم عنهم، قال: صرف القوم عنهم، فقتل من المسلمين بعدَّة من أسروا يوم بدر، وقُتل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وشُجّ في وجهه، وكان يمسح الدم عن وجهه ويقول: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيِّهم وهو يدعوهم إلى ربهم؟ فنزلت: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} [سورة آل عمران: 128]، الآية. فقالوا: أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدنا النصر؟ فأنزل الله عز وجل: {ولقد صدقكم الله وعده} إلى قوله: {ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم} "(2).
قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ} [آل عمران: 152]، أي:" ولقد حقق الله لكم ما وعدكم به من نصر"(3).
قال ابن إسحاق: " أي: لقد وفَيتُ لكم بما وعدتكم من النصر على عدوكم"(4).
قال الربيع: " وذلك يوم أحد، قال لهم: إنكم ستظهرون، فلا أعرِفنَّ ما أصبتم من غنائمهم شيئًا، حتى تفرُغوا! فتركوا أمر نبي الله صلى الله عليه وسلم، وعصوا، ووقعوا في الغنائم، ونسوا عَهْده الذي عَهِده إليهم، وخالفوا إلى غير ما أمرهم به"(5).
قال الطبري: " والوعد الذي كان وعدَهم على لسانه بأحد، قوله للرماة: اثبتوا مكانكم ولا تبرحوا، وإن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم. وكان وعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم النصر يومئذ إن انتهوا إلى أمره"(6).
قال ابن كثير: إن"ذلك كان يوم أحد لأن عدوهم كان ثلاثة آلاف مقاتل، فلما واجهوهم كان الظفر والنصر أول النهار للإسلام، فلما حصل ما حصل من عصيان الرُّماة وفشل بعض المقاتلة، تأخر الوعد الذي كان مشروطا بالثبات والطاعة، ولهذا قال: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ}، أي: أول النهار"(7).
وقال القاسمي: " {ولقد صدقكم الله وعده} في قوله: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم} "(8).
أخرج الطبري عن السدي قال: "لما برز رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين بأحد، أمر الرماة، فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين وقال: لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم، وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير، أخا خوّات بن جبير. ثم إنّ طلحة بن عثمان، صاحب لواء المشركين، قام فقال: يا معشر أصحاب محمد، إنكم تزعمون أن الله يعجِّلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجِّلكم بسيوفنا إلى الجنة! فهل منكم أحد يعجِّله الله بسيفي إلى الجنة! أو يعجِّلني بسيفه إلى النار؟ فقام إليه علي بن أبي طالب فقال: والذي نفسي بيده، لا أفارقك حتى يعجِّلك الله بسيفي إلى النار، أو يعجِّلني بسيفك إلى الجنة! فضربه علي فقطع رجلَه، فسقط، فانكشفت عورته، فقال: أنشدك الله والرحم، ابنَ عم! فتركه، فكبّر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لعليّ أصحابه: ما منعك أن تجهز عليه؟ قال: إنّ ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته، فاستحييت منه، ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزماهم، وحمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهزموا أبا سفيان. فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل، فرمته الرماة، فانقمع. فلما نظر الرماة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهبونه، بادروا الغنيمة، فقال بعضهم: لا نترك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم! . فانطلق عامتهم فلحقوا
(1) أسباب النزول: 126.
(2)
أخرجه الطبري (8041): ص 7/ 297.
(3)
التفسير الميسر: 69.
(4)
أخرجه الطبري (8010): ص 7/ 285.
(5)
أخرجه الطبري (8011): ص 7/ 285.
(6)
تفسير الطبري: 7/ 281.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 133.
(8)
تفسير القاسمي: 2/ 428.
بالعسكر. فلما رأى خالد قلة الرماة صاح في خيله، ثم حمل فقتل الرماة، ثم حمل على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. فلما رأى المشركون أنّ خيلهم تقاتل، تنادوا فشَدُّوا على المسلمين فهزموهم وقتلوهم" (1).
وعن ابن عباس: "قوله: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسُّونهم بإذنه}، فإن أبا سفيان أقبل في ثلاث ليال خلون من شوّال حتى نزل أحدًا، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذَّن في الناس، فاجتمعوا، وأمَّر على الخيل الزبير بن العوام، ومعه يومئذ المقداد بن الأسود الكندي. وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء رجلا من قريش يقال له: مصعب بن عمير. وخرج حمزة بن عبد المطلب بالحسَّر، وبعث حمزة بين يديه. وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين ومعه عكرمة بن أبي جهل. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير وقال: استقبل خالد بن الوليد فكن بإزائه حتى أوذنك. وأمر بخيل أخرى، فكانوا من جانب آخر، فقال: لا تبرحوا حتى أوذنكم. وأقبل أبو سفيان يحمل اللات والعزى، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الزبير أن يحمل، فحمل على خالد بن الوليد فهزمه ومن معه، كما قال: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحُسُّونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبُّون}، وإنّ الله وعد المؤمنين أن ينصرهم وأنه معهم"(2).
وقال ابن إسحاق: " حدثني محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا - في قصة ذكرها عن أحد - ذكر أن كلهم قد حدَّث ببعضها، وأن حديثهم اجتمع فيما ساق من الحديث، فكان فيما ذكر في ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل الشعب من أحُد في عُدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحُد، وقال: لا يقاتلنَّ أحدٌ، حتى نأمره بالقتال، وقد سرَّحت قريش الظهر (3) والكُراع، في زروع كانت بالصَّمغة (4) من قناة للمسلمين، فقال رجل من الأنصار حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال: أترعى زروع بني قيلة (5) ولما نُضارِب! وتعبَّأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال وهو في سبعمئة رجل، وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف، ومعهم مائتا فرس قد جَنَبوها (6)، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل. وأمرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة عبد الله بن جبير، أخا بني عمرو بن عوف، وهو يومئذ مُعلم بثياب بيض، والرماةُ خمسون رجلا وقال: انضح عنا (7) الخيل بالنبل، لا يأتونا من خلفنا! إن كانت لنا أو علينا فأثبت مكانك، لا نؤتيَنَّ من قبلك، فلما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض (8)، واقتتلوا، حتى حميت الحرب، وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس، وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبى طالب، في رجال من المسلمين. فأنزل الله عز وجل نصره وصدقهم وعده، فحسُّوهم بالسيوف حتى كشفوهم، وكانت الهزيمةَ لا شك فيها"(9).
وقال الزبير: "والله لقد رأيتُني أنظر إلى خَدَم هند ابنة عتبة وصواحبها مشمِّرات هوارب، ما دون إحداهن قليلٌ ولا كثير، إذ مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القومَ عنه يريدون النهب، وخلَّوا ظهورنا للخيل، فأتينا
(1) تفسير الطبري (8004): ص 7/ 281 - 282.
(2)
أخرجه الطبري (8007): ص 7/ 283.
(3)
الظهر: الإبل التي يحمل عليها ويركب. والكراع: اسم يجمع الخيل والسلاح، ويعني هنا الخيل.
(4)
الصمغة: أرض في ناحية أحد. وقناة واد يأتي من الطائف، حتى ينتهي إلى أصل قبور الشهداء بأحد.
(5)
بنو قيلة: هم الأوس والخزرج، الأنصار. وقيلة: أم قديمة لهم ينسبون إليها.
(6)
جنب الفرس والأسير يجنبه (بضم النون) جنبًا (بالتحريك) فهو مجنوب وجنيب، وخيل جنائب: إذا قادهما إلى جنبه. ويقال: خيل مجنبة بتشديد النون مثلها.
(7)
نضح عنه: ذب عنه، ورد عنه ونافح.
(8)
قال المحقق: " هذا اختصار مخل جدًا، فإن أبا جعفر لفق كلام ابن إسحاق، والذي رواه ابن هشام مخالف في ترتيبه لما جاء في خبر الطبري هنا. وذلك أنه من أول قوله: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة. . . مقدم على قوله: وتعبأت قريش، وذلك في السيرة 3: 69، 71. أما قوله: فلما التقى الناس فإنه يأتي في السيرة في ص 72، وسياق الجملة: فلما التقى الناس، ودنا بعضهم من بعض، قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها، وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال ويحرضنهم، وساق ما كان من أمرهن، ثم قال: قال ابن إسحاق: فاقتتل الناس حتى حميت الحرب، وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس، أما قوله بعد ذلك: وحمزة بن عبد المطلب. . .، فهو عطف علي وقاتل أبو دجانة، استخرجه الطبري من سياق سيرة ابن إسحاق 3: 77، لا من نصه. وقد تركت ما في التفسير على حاله، لأنه خطأ من أبي جعفر نفسه ولا شك. وأما قوله: ثم أنزل الله نصره. . . إلى آخر الأثر فهو في السيرة 3: 82". [تفسير الطبري: 7/ 284].
(9)
أخرجه الطبري (8008): ص 7/ 283 - 284.
من أدبارنا. وصرخ صارخٌ: ألا إنّ محمدًا قد قُتل! فانكفأنا، وأنكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء، حتى ما يدنو منه أحدٌ من القوم" (1).
قوله تعالى: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} [آل عمران: 152]، أي: إذ "تقتلونهم بتسليطه إياكم عليهم"(2).
قال القاسمي: " أي تقتلونهم قتلا كثيرا، بتيسيره وتوفيقه"(3).
قال ابن إسحاق: " إذ تحسونهم بإذني، وتسليطي أيديكم عليهم، وكفِّي أيديهم عنكم"(4).
قال مقاتل: " يعني تقتلونهم بإذنه يوم أحد ولكم النصر عليهم"(5).
قال أبو عبيدة: " تستأصلونهم قتلا"(6).
قال عبدالرحمن بن عوف: " الحسُّ: القتل"(7). وكذلك روي عن عبيد الله بن عبدالله (8)، وابن عباس (9)، والحسن (10)، ومجاهد (11)، وقتادة (12)، والربيع (13)، والسدي (14)، وابن إسحاق (15).
قال الثعلبي: " أي: تقتلونهم قتلا ذريعا سريعا شديدا، قال الشاعر (16):
حسسناهم بالسيف حسا فأصبحت
…
بقيتهم قد شردوا وتبددوا
وقال أبو عبيدة: الحس الاستيصال بالقتل، " يقال: أحسسناهم من عند آخرهم، أي: استأصلناهم" (17)، [و] يقال: جراد محسوس إذا قتله البرد، وسنة حسوس إذا أتت على كل شيء.
قال روبة (18):
إذا شكونا سنة حسوسا
…
تأكل بعد الأخضر اليبيسا" (19).
قال الراغب: " الحس: يقال للإصابة بالحاسة نحو عنته ويديته، أي أصبته بهما، ويقال تارة لإصابة الحاس نحو بطنته وظهرته، أي أصبتهما، ولما كان إصابة الحاسة قد يتولد منه فقد الروح استعير للقتل، وإذنه هاهنا يصح أن يكون أمره، وأن يكون تسهيله وتوفيقه"(20).
قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 152]، أي:" حتى إذا جبنتم وضعفتم، واختلفتم في أمر الله"(21).
قال الصابوني: " أي: حتى إِذا اجبنتم وضعفتم واختلفتم في أمر المقام في الجبل"(22).
قال البيضاوي: " حتى إذا فشلتم جبنتم وضعف رأيكم، أو ملتم إلى الغنيمة فإن الحرص من ضعف العقل. {وتنازعتم في الأمر}، يعني: اختلاف الرماة"(23).
(1) أخرجه الطبري (8009): ص 7/ 284 - 285.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 133.
(3)
تفسير القاسمي: 2/ 428.
(4)
أخرجه الطبري (8022): ص 7/ 289.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 306.
(6)
أخرجه ابن المنذر (1049): ص 2/ 439.
(7)
أخرجه الطبري (8012): ص 7/ 287.
(8)
انظر: تفسير الطبري (8013): ص 7/ 287.
(9)
انظر: تفسير الطبري (8021): ص 7/ 288.
(10)
انظر: تفسير الطبري (8020): ص 7/ 288.
(11)
انظر: تفسير الطبري (8014): ص 7/ 287 - 288.
(12)
انظر: تفسير الطبري (8015): ص 7/ 288.
(13)
انظر: تفسير الطبري (8017): ص 7/ 288.
(14)
انظر: تفسير الطبري (8018): ص 7/ 288.
(15)
انظر: تفسير الطبري (8019): ص 7/ 288.
(16)
لم أقف عليه، والبيت من شواهد الثعلبي في تفسيره: 3/ 184، والقطربي: 4/ 235.
(17)
أخرجه ابن المنذر (1049): ص 2/ 439.
(18)
ديوانه: 72، وهو في مجاز القرآن: 1/ 105، والمحرر الوجيز: 1/ 524، واللسان، مادة"حسس".
(19)
تفسير الثعلبي: 3/ 184.
(20)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 911 - 912.
(21)
تفسير الطبري: 7/ 289.
(22)
صفوة التفاسير: 215.
(23)
تفسير البيضاوي: 2/ 43.
قال ابن إسحاق: " {حتى إذا فشلتم}، أي: تخاذلتم، {وتنازعتم في الأمر}، أي: اختلفتم في أمري "(1).
قال مقاتل: " يعنى ضعفتم عن ترك المركز، [و] كان تنازعهم أنه قال بعضهم: ننطلق فتصيب الغنائم، وقال بعضهم: لا نبرح المركز كما أمرنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم "(2).
قال ابن جريج: " قال ابن عباس: الفشَل: الجبن"(3).
قال الربيع بن أنس: " {حتى إذا فشلتم}، يقول: جبنتم عن عدوكم، {وتنازعتم في الأمر}، يقول: اختلفتم، {وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون}، وذلك يوم أحد قال لهم: إنكم ستظهرون، فلا أعرفنَّ ما أصبتم من غنائمهم شيئًا حتى تفرغوا، فتركوا أمر نبي الله صلى الله عليه وسلم، وعصوا، ووقعوا في الغنائم، ونسوا عهده الذي عهده إليهم، وخالفوا إلى غير ما أمرهم به، فانقذف عليهم عدوهم، من بعد ما أراهم فيهم ما يحبون"(4).
قال الراغب: " الفشل: ضعف النجيزة، وذلك يكون عن الحرب، وعن السخاء، بل عن تحمل المضض، وجعل تعالى ميلهم إلى الغنيمة فشلا، فإن الحرص والبخل من فشل النجيزة"(5).
قال الزمخشري: " والفشل: الجبن وضعف الرأى"(6).
قوله تعالى: {وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 152]، أي:"وعصيتم نبيكم من بعد ما أراكم الله ما تحبون من النصر والظفر"(7).
قال الطبري: أي: " وخالفتم نبيكم، فتركتم أمره وما عهد إليكم من بعد الذي أراكم الله، أيها المؤمنون بمحمد، من النصر والظفر بالمشركين، وذلك هو الهزيمة التي كانوا هزموهم عن نسائهم وأموالهم قبل ترك الرماة مقاعدهم التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقعدهم فيها، وقبل خروج خيل المشركين على المومنين من ورائهم"(8).
قال ابن إسحاق: " {وعصيتم}، أي: تركتم أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم؛ وما عهد إليكم، يعني الرماة، {من بعد ما أراكم ما تحبون}، أي: الفتح لا شك فيه، وهزيمة القوم عن نسائهم وأموالهم"(9).
عن الحسن: {من بعد ما أراكم ما تحبون} ، يعني: من الفتح" (10).
قال ابن عباس: " أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ناسًا من الناس - يعني: يوم أحُد - فكانوا من ورائهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كونوا هاهنا، فردّوا وجه من فرَّ منا، وكونوا حرسًا لنا من قِبل ظهورنا. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هزم القوم هو وأصحابه، قال الذين كانوا جُعلوا من ورائهم، بعضهم لبعض، لما رأوا النساء مُصْعِدات في الجبل ورأوا الغنائم، قالوا: انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركوا الغنيمة قبل أن تسبقوا إليها! وقالت طائفة أخرى: بل نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنثبت مكاننا! فذلك قوله: منكم من يريد الدنيا، للذين أرادوا الغنيمة ومنكم من يريد الآخرة، للذين قالوا: نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونثبت مكاننا. فأتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، فكان فشلا حين تنازعوا بينهم يقول: {وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون}، كانوا قد رأوا الفتح والغنيمة"(11).
(1) أخرجه الطبري (8028): ص 7/ 292.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 306 - 307.
(3)
أخرجه الطبري (8025): ص 7/ 291.
(4)
أخرجه الطبري (8026): ص 7/ 291.
(5)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 912.
(6)
الكشاف: 1/ 427.
(7)
انظر: تفسير الطبري: 7/ 289.
(8)
تفسير الطبري: 7/ 289.
(9)
أخرجه الطبري (8028): ص 7/ 292.
(10)
أخرجه الطبري (8029): ص 7/ 292.
(11)
أخرجه الطبري (8024): ص 7/ 290 - 291.
قال مجاهد: " نصر الله المؤمنين على المشركين حتى ركب نساء المشركين على كل صعب وذلول ثم أديل عليهم المشركون بمعصيتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، حين حرضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته الشهباء. وقال: رب اكفنيهم بما شئت"(1).
قوله تعالى: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا} [آل عمران: 152]، أي: منكم من "أي يطلب الغنيمة"(2).
قال الحسن: " هؤلاء الذين يجترون الغنائم"(3).
قال ابن إسحاق: " أي: الذين أرادوا النهب رغبة في الدنيا وتركَ ما أمروا به من الطاعة التي عليها ثواب الآخرة"(4).
قال الطبري: " يعني جل ثناؤه بقوله: منكم من يريد الدنيا، الذين تركوا مقعدهم الذي أقعدهم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشِّعب من أحُد لخيل المشركين، ولحقوا بعسكر المسلمين طلب النهب إذ رأوا هزيمة المشركين "(5).
قال السدي: " فالذين انطلقوا يريدون الغنيمة هم أصحاب الدنيا"(6).
، قال: ابن جريج: " قال ابن مسعود: ما علمنا أن أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرَضَها، حتى كان يومئذ"(7)، وفي رواية أخرى:" حتى نزل فينا يوم أحد: منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة"(8)، وفي رواية ابن عباس عنه: " ما شعرتُ أن أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرَضها، حتى كان يومئذ (9).
قوله تعالى: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} [آل عمران: 152]، أي:"وأن منكم مَن يطلب الآخرة وثوابها"(10).
قال الحسن: " الذين يتبعونهم يقتلونهم"(11).
قال ابن إسحاق: " أي: الذي جاهدوا في الله لم يخالفوا إلى ما نهوا عنه لعرض من الدنيا رغبة فيها، رجاء ما عند الله من حسن ثوابه في الآخرة"(12).
قال الطبري: " يعني بذلك: الذين ثبتوا من الرماة في مقاعدهم التي أقعدهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتبعوا أمره، محافظة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابتغاء ما عند الله من الثواب بذلك من فعلهم والدار الآخرة"(13).
قال السدي: " والذين بقوا وقالوا: لا نخالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرادوا الآخرة"(14).
قوله تعالى: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} [آل عمران: 152]، "أي: ثم ردكم بالهزيمة عن الكفار ليمتحن إِيمانكم" (15).
قال السمعاني: " يعني: في الوقعة الثانية حين عاد المشركون، وهذا دليل لأهل السنة على: أن أفعال العباد مخلوقة؛ حيث نسب الله تعالى هزيمة المسلمين إلى نفسه مع وقوع الفعل منهم، فقال: {ثم صرفكم عنهم} "(16).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (4328): ص 3/ 788.
(2)
تفسير السمرقندي: 1/ 257.
(3)
أخرجه الطبري (8034): ص 7/ 295.
(4)
أخرجه الطبري (8039): ص 7/ 296.
(5)
تفسير الطبري: 7/ 293.
(6)
أخرجه الطبري (8030): ص 7/ 194.
(7)
أخرجه الطبري (8033): ص 7/ 295.
(8)
أخرجه الطبري (8035): ص 7/ 295.
(9)
أخرجه الطبري (8038): ص 7/ 296.
(10)
التفسير الميسر: 69.
(11)
أخرجه الطبري (8034): ص 7/ 295.
(12)
أخرجه الطبري (8039): ص 7/ 296.
(13)
تفسير الطبري: 7/ 293 - 294.
(14)
أخرجه الطبري (8030): ص 7/ 194.
(15)
صفوة التفاسير: 215.
(16)
تفسير السمعاني: 1/ 367.
قال البيضاوي: أي: " ثم كفكم عنهم حتى حالت الحال فغلبوكم. ليبتليكم على المصائب ويمتحن ثباتكم على الإيمان عندها"(1).
قال ابن إسحاق: " أي: صرفكم عنهم ليختبركم، وذلك ببعض ذنوبكم"(2).
قال مقاتل: " {ثم صرفكم عنهم} من بعد أن أظفركم عليهم {ليبتليكم} بالقتل والهزيمة"(3).
قال الطبري: يعني: " ثم صرفكم، أيها المؤمنون، عن المشركين بعد ما أراكم ما تحبون فيهم وفي أنفسكم، من هزيمتكم إياهم وظهوركم عليهم، فردَّ وجوهكم عنهم لمعصيتكم أمر رسولي، ومخالفتكم طاعته، وإيثاركم الدنيا على الآخرة عقوبةً لكم على ما فعلتم، ليبتليكم، يقول: ليختبركم، فيتميز المنافق منكم من المخلص الصادق في إيمانه منكم"(4).
قال السدي: " ثم ذكر حين مال عليهم خالد بن الوليد: {ثم صرفكم عنهم ليبتليكم} "(5).
قال الحسن: "صرف القوم عنهم، فقتل من المسلمين بعدَّة من أسروا يوم بدر، وقُتل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وشُجّ في وجهه"(6).
قال الماتريدي: " أي: ذلك الصرف كان لكم من الله ابتلاء ومحنة.
وقيل: كان ذلك العصيان -الذي منكم كان- من الله ابتلاء؛ ليعلم من قد علم أنه يعصي عاصيا" (7).
قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} [آل عمران: 152]، أي:" وقد صفح عنكم مع العصيان"(8).
قال مقاتل: " حيث لم تقتلوا جميعا عقوبة بمعصيتكم"(9).
قال التستري: " يعني الفئة المنهزمة يوم أحد حين لم يستأصلهم جميعاً"(10).
قال البيضاوي: يعني: " تفضلا، ولما علم من ندمكم على المخالفة"(11).
قال ابن إسحاق: " ولقد عفا الله عن عظيم ذلك، لم يهلككم بما أتيتم من معصية نبيكم، ولكن عُدْت بفضلي عليكم"(12).
عن ابن جريج: "قوله: {ولقد عفا عنكم}، قال: لم يستأصلكم"(13).
أخرج الطبري عن مبارك، عن الحسن، في قوله:{ولقد عفا عنكم} ، قال:"قال الحسن، وصفَّق بيديه: وكيف عفا عنهم، وقد قتل منهم سبعون، وقُتل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وشج في وجهه؟ قال: ثم يقول: قال الله عز وجل: قد عفوت عنكم إذ عصيتموني، أن لا أكون استأصلتكم. قال: ثم يقول الحسن: هؤلاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي سبيل الله غضابٌ لله، يقاتلون أعداء الله، نهوا عن شيء فصنعوه، فوالله ما تركوا حتى غُمُّوا بهذا الغم، فأفسق الفاسقين اليوم يَتَجَرْثَمُ كل كبيرة، ويركب كل داهية، ويسحب عليها ثيابه، ويزعم أن لا بأس عليه! ! فسوف يعلم"(14).
قال الماتريدي: " ويحتمل: {عفا عنكم}؛ حيث قبل رجوعكم وتوبتكم عن العصيان"(15).
(1) تفسير البيضاوي: 2/ 43.
(2)
أخرجه الطبري (8042): ص 7/ 297.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 307.
(4)
تفسير الطبري 7/ 296 - 297.
(5)
أخرجه الطبري (8040): ص 7/ 297.
(6)
أخرجه الطبري (8041): ص 7/ 297.
(7)
تفسير الماتريدي: 2/ 506.
(8)
صفوة التفاسير: 215.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 307.
(10)
تفسير التستري: 50.
(11)
تفسير البيضاوي: 2/ 43.
(12)
تفسير الطبري (8045): ص 7/ 299.
(13)
تفسير الطبري (8044): ص 7/ 298.
(14)
تفسير الطبري (8043): ص 7/ 298.
(15)
تفسير الماتريدي: 2/ 506.
قوله تعالى: {وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 152]، "أي والله ذو منٍّ ونعمةٍ على المؤمنين في جميع الأوقات والأحوال"(1).
قال التستري: " بالعفو عنهم وقبول التوبة منهم"(2).
قال مقاتل: " {والله ذو فضل} في عقوبته على المؤمنين حيث لم يقتلوا جميعا"(3).
قال الطبري: أي: " والله ذو طَوْل على أهل الإيمان به وبرسوله، بعفوه لهم عن كثير ما يستوجبون به العقوبة عليه من ذنوبهم، فإن عاقبهم على بعض ذلك، فذو إحسان إليهم بجميل أياديه عندهم"(4).
قال البيضاوي: أي: " يتفضل عليهم بالعفو، أو في الأحوال كلها سواء أديل لهم أو عليهم إذ الابتلاء أيضا رحمة"(5).
قال ابن إسحاق: " يقول: وكذلك منَّ الله على المؤمنين، أن عاقبهم ببعض الذنوب في عاجل الدنيا أدبًا وموعظة، فإنه غير مستأصل لكل ما فيهم من الحق له عليهم، لما أصابوا من معصيته، رحمةً لهم وعائدة عليهم، لما فيهم من الإيمان"(6).
قال السعدي: " أي: ذو فضل عظيم عليهم، حيث منَّ عليهم بالإسلام، وهداهم لشرائعه، وعفا عنهم سيئاتهم، وأثابهم على مصيباتهم.
ومن فضله على المؤمنين أنه لا يقدّر عليهم خيرا ولا مصيبة، إلا كان خيرا لهم. إن أصابتهم سراء فشكروا جازاهم جزاء الشاكرين، وإن أصابتهم ضراء فصبروا، جازاهم جزاء الصابرين" (7).
قال الماتريدي: {وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} ، أي: " بالعفو عنهم، وقبول التوبة؛ حيث عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركوا أمره، وعلى قول المعتزلة عليه أن يفعل ذلك؛ فعلى قولهم ليس هو بذي فضل على أحد، نعوذ بالله من السرف في القول.
والفائدة في تخصيص المؤمنين بالامتنان عليهم دون جملة من بعث النبي صلى الله عليه وسلم فيهم ومنهم، مع ما ذكر منته بالبعث من أنفسهم، وقد بينا وجه المنة في البعث من جوهر البشر - وجهان:
أحدهما: أن من لم يؤمن به لم يكن عرف نعمة من الله - تعالى - وإن كان - في الحقيقة - نعمة منه لهم، ورحمة لهم وللعالمين، فخص من عرفه ليشكروا له بما ذكرهم؛ وهو كقوله عز وجل:{إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب} ، أي: هم يقبلون ويعرفون حق الإنذار.
والثاني: أنه صار لهم حجة على جميع الأعداء: أنهم لا يطيعون لمعنى كان منهم، إلا وللمؤمنين عليهم وجه دفع ذلك بما كان عليه ما عرفوه به قبل الرسالة؛ لما فيه لزوم القول بصدقه؛ فيكون ذلك منة لهم وسرورا ونعمة عظيمة؛ فاستأداهم الله لشكرها، ولا قوة إلا بالله" (8).
الفوائد:
1 -
انه تعالى قد نصر المؤمنين في أحد كما نصرهم في بدر.
2 -
ان من البلاغة أن يؤكد الخبر إذا كان الحال تقتضي ذلك، لقوله:{ولقد نصركم الله وعده} ، فيه قسم وتوكيد واللام وقد.
3 -
شدة عزيمة الصحابة-رضي الله عنهم في طلب العدو، لقوله:{إذ تحسونهم بإذنه} ، والحس: القتل، أو أشد منه كأنه يسمع له صوت عند القتل.
4 -
أن النزاع والمعصية سبب لفوات كمال النصر، فالمسلمين انتصروا في اول الامر، لكن لما حدث هذا المانع امتنع او انتفى كمال النصر.
(1) صفوة التفاسير: 215.
(2)
تفسير التستري: 50.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 307.
(4)
تفسير الطبري: 7/ 299.
(5)
تفسير البيضاوي: 2/ 43.
(6)
أخرجه الطبري: (8046): ص 7/ 299.
(7)
تفسير السعدي: 152.
(8)
تفسير الماتريدي: 2/ 507.
5 -
أن النزاع والمعصية سبب للخذلان، تؤخذ من واقع الأمر، لأن قوله:{حتى إذا فشلتم} ، جواب الشرط فيه محذوف، والمعنى: أنكم خسرتم هذا النصر وخذلتم.
6 -
أن المعصية بعد النعمة اشد من المعصية قبل النعمة.
7 -
الحثّ على اجتماع الكلمة، لأن الاتفاق سبب للنصر.
8 -
أن المدار كله على مافي القلب، لقوله:{مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} .
9 -
أنه قد يكون في خير القرون ن يعاب عليه الفعل، لقوله:{منكم من يريد الدنيا} ، لكن الصحابة-رضي الله عنهم لهم من الفضائل والسوابق والصحبة ما يكفّر ما حصل لبعض منهم من الآفات وغيرها.
10 -
إثبات الأسباب، لقوله:{ثم صرفكم عنهم ليبتليكم} ، لأن سبب صرف الله هؤلاء عن الكفار هو ما حصل منهم من التنازع.
11 -
إثبات الحكمة في أفعال الله.
12 -
أن ما حصل للمؤمنين من التنازع والفشل والمعصية، وإرادة الدنيا كله محاه الله تعالى، فقال:{ولقد عفا عنكم} .
13 -
إثبات الفضل لله عز وجل عليهم وعلى غيرهم من المؤمنين، لقوله:{وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} .
14 -
قال الماتريدي: " وهذه الآية قوله عز وجل: {ثم صرفكم}، وقوله: {وتلك الأيام نداولها بين الناس} - ترد على المعتزلة؛ وكذلك قوله - تعالى -: {لبرز الذين كتب عليهم القتل}، إلى آخر الآية؛ لأنهم يقولون: هم الذين صرفوا أنفسهم لا الله، وهم الذين كتبوا عليهم القتل لا الله، وهم الذين يداولون لا الله، وقد أضاف عز وجل ذلك إلى نفسه؛ فعلى ذلك لا يضيف إليه إلا عن فعل وصنع له فيه؛ ولأنهم يقولون: لا يفعل إلا الأصلح لهم في الدين، فأي صلاح كان لهم في صرفه إياهم عن عدوهم؟ ! وأي صلاح لهم فيما كتب عليهم القتل؟ ! فدل أن الله قد يفعل بعباده ما ليس ذلك بأصلح لهم في الدين"(1).
القرآن
التفسير:
اذكروا -يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ما كان مِن أمركم حين أخذتم تصعدون الجبل هاربين من أعدائكم، ولا تلتفتون إلى أحد لِمَا اعتراكم من الدهشة والخوف والرعب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت في الميدان يناديكم من خلفكم قائلا إليَّ عبادَ الله، وأنتم لا تسمعون ولا تنظرون، فكان جزاؤكم أن أنزل الله بكم ألمًا وضيقًا وغمًّا; لكي لا تحزنوا على ما فاتكم من نصر وغنيمة، ولا ما حلَّ بكم من خوف وهزيمة. والله خبير بجميع أعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء.
في سبب نزول الآية وجهان:
أحدهما: أخرج ابن المنذر عن عطية العوفي، قال:" لما كان يوم أحد وانهزم الناس صعدوا في الجبل، والرسول يدعوهم في أخراهم، فقال الله عز وجل: {إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم} "(2).
والثاني: وقال مقاتل بن سليمان: " وذلك أنهم كانوا يذكرون فيما بينهم بعد الهزيمة ما فاتهم من الفتح والغنيمة، وما أصابهم بعد ذلك من المشركين، وقتل إخوانهم فهذا الغم الأول والغم الآخر إشراف خالد بن الوليد عليهم من الشعب في الخيل، فلما أن عاينوه ذعرهم ذلك وأنساهم ما كانوا فيه من الغم الأول والحزن، فذلك قوله- سبحانه-: {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم}، من الفتح والغنيمة، {ولا ما أصابكم}، من القتل والهزيمة {والله خبير بما تعملون} "(3).
(1) تفسير الماتريدي: 2/ 507.
(2)
تفسير ابن المنذر (1068): ص 2/ 448.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 307.
قوله تعالى: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ} [آل عمران: 153]، " أي: اذكروا يا معشر المؤمنين حين وليتم الأدبار تبعدون في الفرار ولا تلتفتون إِلى ما وراءكم" (1).
قال ابن كثير: " أي: في الجبل هاربين من أعدائكم، وأنتم لا تلوون على أحد من الدَّهَش والخوف والرعب"(2).
قال السمعاني: " أي: لا تعرجون، ولا تلتفتون إلى أحد، ثم منهم من قال: {أراد بالأحد}: الرسول، ومنهم من قال: معناه: لا تلوون على أحد من الناس"(3).
قال قتادة: " ذاكم يوم أحد، أصعدوا في الوادي فرارًا"(4).
وقال ابن جريج: " صعدوا في أحد فرارا "(5).
قال الحسن: " فروا منهزمين في شعب شديد لا يلوون على أحد"(6).
وفي قوله تعالى: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ} [آل عمران: 153]، وجهان من التفسير:
أحدهما: أنهم صعدوا في الوادي فرارا، قاله قتادة (7).
والثاني: أن القوم حين انهزموا عن المشركين صعدوا الجبل. وهذا قول ابن عباس (8)، والحسن (9)، ومجاهد (10).
وروي عن الحسن البصري أنه كان يقرأه: {إِذْ تَصْعَدُونَ} ، بفتح التاء والعين، وجهوا معنى ذلك إلى أنّ القوم حين انهزموا عن عدوِّهم، أخذوا في الوادي هاربين. وذكروا أنّ ذلك في قراءة أبيّ:{إِذْ تُصْعِدُونَ فِي الْوَادِي} (11).
قال الماتريدي: " {تصعدون} بفتح التاء، وهو من الصعود أن صعدوا الجبل، {وتصعدون} بالرفع، وهو أن أصعدوا أصحابهم نحو الوادي؛ لأن المنهزم الأول إذا التفت فرأى منهزما آخر اشتد.
وقيل: الإصعاد هو الإبعاد في الأرض.
وقيل: تصعدون من صعود الجبل، وتصعدون في الوادى من الجبل" (12).
قال الراغب: " والإصعاد: الإبعاد في الأرض، سواء كان في صعود أو حدور، وإن كان أصله من الصعود كقولهم: تعال في أن صار في التعارف، قد يقال لغير معنى العلو. والصعود: الذهاب في صعود"(13).
وقرأ الحسن -رضى الله عنه-: {تلون} ، بواو واحدة، وقرئ:{يصعدون} و {يلوون} بالياء (14).
قوله تعالى: {وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ} [آل عمران: 153]، "أي والرسول يناديكم من وراءكم"(15).
قال ابن كثير: " أي: وهو قد خلفتموه وراء ظُهوركم يدعوكم إلى تَرْك الفرار من الأعداء، وإلى الرجعة والعودة والكرة"(16).
قال قتادة: " ونبي الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم في أخراهم: إلىَّ عباد الله، إلى عباد الله! "(17).
(1) صفوة التفاسير: 215.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 137.
(3)
تفسير السمعاني: 1/ 368.
(4)
أخرجه الطبري (8049): ص 7/ 301.
(5)
أخرجه ابن المنذر (1069): ص 2/ 448.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (4341): ص 3/ 790.
(7)
انظر: تفسير الطبري (8049): ص 7/ 301.
(8)
انظر: تفسير الطبري (8053): ص 7/ 302.
(9)
انظر: تفسير الطبري (8050): ص 7/ 301.
(10)
انظر: تفسير الطبري (8051): ص 7/ 302.
(11)
انظر: تفسير الطبري: 7/ 300.
(12)
تفسير الماتريدي: 2/ 508.
(13)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 919.
(14)
انظر: الكشاف: 1/ 427.
(15)
صفوة التفاسير: 215.
(16)
تفسير ابن كثير: 2/ 137.
(17)
أخرجه الطبري (8049): ص 7/ 301.
وعن ابن جريج: " {والرسول يدعوكم في أخراكم} " أي عباد الله ارجعوا، أي عباد الله ارجعوا " (1).
قال الحسن: " قوله: {والرسول يدعوكم في أخراكم} أي عباد الله، أي عباد الله، ولا يلوي عليه أحد"(2).
قال الماتريدي: " أي: الرسول يدعوكم وينادي وراءكم: إلي أنا الرسول.
وقيل: يناديكم من بعدكم: إلي أنا رسول الله يا معشر المؤمنين، وكان يصل نداؤه في أخراهم بأولهم بعضهم ببعض، فلم يرجعوا إليه" (3).
عن أبي عبيدة: " {أخراكم} " آخركم " (4).
قال الزمخشري: " {في أخراكم}، في ساقتكم وجماعتكم الأخرى وهي المتأخرة. يقال: جئت في آخر الناس وأخراهم، كما تقول: في أولهم وأولاهم، بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى"(5).
قوله تعالى: {فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ} [آل عمران: 153]، "أي:" فجازاكم الله بفراركم عن نبيكم، وفشلكم عن عدوكم، ومعصيتكم ربكم غما على غم"(6).
قال ابن إسحاق: " أي: كربا بعد كرب، قتل من قتل من إخوانكم، وعلو عدوكم عليكم، وما وقع في أنفسكم من قول من قال: قتل نبيكم، وكان ذلك مما تتابع عليكم غما بغم"(7).
قال ابن كثير: "أي: فجازاكم غَما على غَم"(8).
قال الزجاج: " أي أثابكم بأن غممتم النبي صلى الله عليه وسلم أن نالكم غم - بما عوقبتم به للمخالفة وقال بعضهم {غما بغم} إشراف خالد بن الوليد عليهم بعد ما نالهم"(9).
قال الزمخشري: " أى فجازاكم الله غما حين صرفكم عنهم وابتلاكم (ب) سبب (غم) أذقتموه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعصيانكم له، أو غما مضاعفا، غما بعد غم، وغما متصلا بغم، من الاغتمام بما أرجف به من قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم والجرح والقتل وظفر المشركين وفوت الغنيمة والنصر"(10).
وفي الغم الأول والثاني أقوال:
أحدها: أن الغم الأول القتل والجراح، والغم الثاني الإرجاف بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا قول قتادة (11)، ومجاهد (12)، والربيع (13).
والثاني: غماً يوم أحد بغم يوم بدر، وهو قول الحسن (14).
والثالث: أن الغم الأول: ما فاتكم من الغنيمة والفتح، والغم الثاني: إشراف العدو عليكم. قاله السدي (15).
والرابع: ويحتمل: {غما} : بعصيانهم رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتموا، والغم الآخر: أن كيف يعتذرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتركهم المركز، وعصيانهم إياه والخلاف له. أفاده الماتريدي (16).
(1) أخرجه ابن المنذر (1074): ص 2/ 451.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4344): ص 3/ 790.
(3)
تفسير الماتريدي: 2/ 509.
(4)
أخرجه ابن المنذر (1076): ص 2/ 452.
(5)
الكشاف: 1/ 427.
(6)
تفسير الطبري: 7/ 303.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (4350): ص 3/ 791 - 792.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 143.
(9)
معاني القرآن: 1/ 479.
(10)
الكشاف: 1/ 427.
(11)
انظر: تفسير الطبري (8059): ص 7/ 305.
(12)
انظر: تفسير الطبري (8060): ص 7/ 305.
(13)
انظر: تفسير الطبري (8063): ص 7/ 305.
(14)
انظر: النكت والعيون: 1/ 430.
(15)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4349): ص 3/ 791.
(16)
انظر: تفسير الماتريدي: 2/ 509. ثم ذكر وجوها أخرى: " وقيل: قوله عز وجل: (فأثابكم غما بغم): أي: مرة بعد المرة الأولى.
وقيل: (غما بغم)، أي: هزيمة بعد هزيمة: أصابتهم هزيمة بعد هزيمة من قتل إخوانهم، وإصابتهم الجراحات.
وقيل: (فأثابكم غما): بعصيانكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، (بغم): الذي أدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بترككم المركز والطاعة له، وفي قوله عز وجل:(فأثابكم غما بغم) وهو غم الهزيمة والنكبة، بالغم الذي أدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عصيانهم إياه، وإهمالهم المقعد الذي أمرهم بالمقام فيه.
وقيل: غما بالغم الذي له تركوا المركز، وهو أن غمهم اغتنام أصحابهم.
وقيل: غم الاعتذار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغم الذي جنوه به؛ حيث مالوا إلى الدنيا، وعصوه فيما أمرهم.
وقيل: غما على أثر غم، نحو: القتل، والهزيمة، والإرجاف بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحقيقته: أن يكون أحد الغمين جزاء، والآخر ابتداء، وفي ذلك تحقيق الزلة والجزاء؛ وذلك كقوله عز وجل:{وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} ". [تفسير الماتريدي: 2/ 509].
قوله تعالى: {لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} [آل عمران: 153]، أي:" لكي لا تحزنوا على ما فاتكم من نصر وغنيمة"(1).
قال الصابوني: " أي: لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة"(2).
قال ابن زيد: " على ما فاتكم من الغنيمة التي كنتم ترجون"(3).
قال المراغي: " أي لأجل أن تمرنوا على تجرّع الغموم وتتعودوا احتمال الشدائد، فلا تحزنوا فيما بعد على ما يفوت من المنافع والمغانم"(4).
قال الزمخشري: أي: " لتتمرنوا على تجرع الغموم، وتضروا باحتمال الشدائد، فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار. ويجوز أن يكون الضمير في: (فأثابكم) للرسول، أى فآساكم في الاغتمام، وكما غمكم ما نزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرهما غمه ما نزل بكم، فأثابكم غما اغتمه لأجلكم بسبب غم اغتممتموه لأجله، ولم يثربكم على عصيانكم ومخالفتكم لأمره: وإنما فعل ذلك ليسليكم وينفس عنكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من نصر الله ولا على ما أصابكم من غلبة العدو"(5).
قوله تعالى: {وَلَا مَا أَصَابَكُمْ} [آل عمران: 153]، " أي: ولا تحزنوا على ما أصابكم من المضارّ" (6).
قال ابن زيد: " ولا تحزنوا على ما أصابكم، من الهزيمة"(7).
قال محمد بن إسحاق: "ولا ما أصابكم من قتل إخوانكم حتى فرجت ذلك عنكم"(8).
قال الزجاج: " أي ليكون غمكم بأن خالفتم النبي فقط"(9).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 153]، أي:" والله خبير بجميع أعمالكم"(10).
قال البيضاوي: أي" عليم بأعمالكم وبما قصدتم بها"(11).
قال النسفي: أي" عالم بعلمكم لا يخفى عليه شيء من أعمالكم وهذا ترغيب في الطاعة وترهيب عن المعصية"(12).
قال الطبري: أي: " والله بالذي تعملون، أيها المؤمنون - من إصعادكم في الوادي هربًا من عدوكم، وانهزامكم منهم، وترككم نبيكم وهو يدعوكم في أخراكم، وحزنكم على ما فاتكم من عدوكم وما أصابكم في أنفسكم ذو خبرة وعلم، وهو محصٍ ذلك كله عليكم، حتى يجازيكم به: المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءته، أو يعفو عنه"(13).
(1) التفسير الميسر: 69.
(2)
صفوة التفاسير: 216.
(3)
أخرجه الطبري (8071): ص 7/ 314.
(4)
تفسير المراغي: 4/ 102 - 103.
(5)
الكشاف: 1/ 427 - 428.
(6)
تفسير المراغي: 3/ 103.
(7)
أخرجه الطبري (8071): ص 7/ 314.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (4357): ص 3/ 792.
(9)
معاني القرآن: 1/ 479.
(10)
التفسير الميسر: 69.
(11)
تفسير البيضاوي: 2/ 43.
(12)
تفسير النسفي: 1/ 302.
(13)
تفسير الطبري: 7/ 314 - 315.
قال المراغي: أي: " فهو عالم بجميع أعمالكم ومقاصدكم، والدواعي التي حفزتكم عليها، وقادر على مجازاتكم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وفى هذا ترغيب فى الطاعة، وزجر عن الإقدام على المعصية"(1).
الفوائد:
1 -
التوبيخ اللطيف في قوله: {وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ} ، فإن الشجاعة تمنع أن يقع من الإنسان مثل هذه الحال، يهرب ولايلوي على أحد، والرسول يدعوه، ففيه توبيخ لطيف للصحابة-رضوان الله تعالى عليهم-
2 -
حسن رعاية النبي-صلى الله عليه وسلم لأمته في قيادته العظيمة إذ يكون في أخريات القوم وذلك من اجل أن يتفقدهم.
3 -
أنه ينبغي للقائد أن يكون ذا شجاعة ي قيادته بحيث يثبت ويدعو إلى الثبات.
4 -
إثبات رسالة النبي-صلى الله عليه وسلم لقوله: {والرسول يدعوكم} .
5 -
إثبات حكمة الله تعالى في أفعاله، وذلك لقوله:{لكيلا} ، فإن اللام للتعليل.
6 -
أن الله تعالى يحب من عباده ألا يحزنوا، لأنه قدّر الغم بالغم من اجل ألا يحزنوا.
7 -
التربية العظيمة للعباد، وهي ألا يحزنوا على ما فاتهم، والحزن يزيد الإنسان بلاء.
8 -
إثبات علم الله الواسع لكل معلوم، وبالتالي وجوب الحذر من مخالفة الله عز وجل.
9 -
الرد على غلاة القدرية من ق: {خبير} ، لأنهم ينكرون علم الله بفعل العبد.
القرآن
التفسير:
ثم كان من رحمة الله بالمؤمنين المخلصين أن ألقى في قلوبهم من بعد ما نزل بها من همٍّ وغمٍّ اطمئنانًا وثقة في وعد الله، وكان من أثره نعاس غَشِي طائفة منهم، وهم أهل الإخلاص واليقين، وطائفة أُخرى أهمَّهم خلاص أنفسهم خاصة، وضَعُفَتْ عزيمتهم وشُغِلوا بأنفسهم، وأساؤوا الظن بربهم وبدينه وبنبيه، وظنوا أن الله لا يُتِمُّ أمر رسوله، وأن الإسلام لن تقوم له قائمة، ولذلك تراهم نادمين على خروجهم، يقول بعضهم لبعض: هل كان لنا من اختيار في الخروج للقتال؟ قل لهم -أيها الرسول-: إن الأمر كلَّه لله، فهو الذي قدَّر خروجكم وما حدث لكم، وهم يُخْفون في أنفسهم ما لا يظهرونه لك من الحسرة على خروجهم للقتال، يقولون: لو كان لنا أدنى اختيار ما قُتِلنا هاهنا. قل لهم: إن الآجال بيد الله، ولو كنتم في بيوتكم، وقدَّر الله أنكم تموتون، لخرج الذين كتب الله عليهم الموت إلى حيث يُقْتلون، وما جعل الله ذلك إلا ليختبر ما في صدوركم من الشك والنفاق، وليميز الخبيث من الطيب، ويظهر أمر المؤمن من المنافق للناس في الأقوال والأفعال. والله عليم بما في صدور خلقه، لا يخفى عليه شيء من أمورهم.
في سبب نزول الآية وجوه:
أحدها: قال مقاتل: " نزلت في سبعة نفر، فى أبى بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، والحارث بن الصمة، وسهل بن ضيف ورجلين من الأنصار- رضى الله عنهم-"(2).
قال ابن حجر: " ثبت في الصحيح ذكر أبي طلحة فيمن غشيه النعاس وهو أنصاري"(3).
والثاني: أخرج الطبري عن الزبير قال: "والله إنّي لأسمع قول معتِّب بن قشير (4) (5)، أخي بني عمرو بن عوف، والنعاسُ يغشاني، ما أسمعه إلا كالحلم حين قال: لوْ كان لنا من الأمر شيء ما قُتلنا هاهنا! "(6).
(1) تفسير المراغي: 4/ 103.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 307.
(3)
العجاب: 2/ 771، وانظر: صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة أحد، الفتح: 7/ 365، وكتاب التفسير، الفتح: 8/ 228.
(4)
معتب بن قشير بن مليل بن زيد بن العطاف بن ضبيعة. وليس له عقب. وشهد بدرا وأحدا وكذلك قال محمد بن إسحاق. [الطبقات الكبري: 3/ 353].
(5)
إن لفظ الآية يفيد أنهم طائفة، فلعل معتب بن قشير هو أول من قال هذا فتابعه آخرون.
(6)
تفسير الطبري (8094): ص 7/ 323.
ونقله الواقدي عن الزبير وفي الأخير: " فأنزل الله تعالى فيه: {لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا} "(1).
والثالث: أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس قال: " متعب الذي قال يوم أحد: {لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا}، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم: {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله} إلى آخر القصة"(2).
والرابع: وقال الربيع: "فقالوا: لو كنا على شيء من الأمر ما قتلنا هاهنا، ولو كنا في بيوتنا ما أصابنا القتل، قال الله تعالى: {لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} "(3).
قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا} [آل عمران: 154]، " أي: ثم أرسل عليكم بعد ذلك الغم الشديد النعاس للسكينة والطمأنينة" (4).
قال مقاتل: " يعني: من بعد غم الهزيمة {أمنة نعاسا}، وذلك أن الله- عز وجل ألقى على بعضهم النعاس فذهب غمهم"(5).
قال الزجاج: " أي أعقبكم بما نالكم من الرعب أن أمنكم أمنا تنامون معه، لأن الشديد
الخوف لا يكاد ينام" (6).
قال البيضاوي: أي: " أنزل الله عليكم الأمن حتى أخذكم النعاس"(7).
قال ابن كثير: " يقول تعالى مُمْتَنا على عباده فيما أنزل عليهم من السكينة والأمَنَة، وهو النعاس الذي غشيهم وهم مسْتَلْئمو السلاح في حال هَمِّهم وغَمِّهم، والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان كما قال تعالى في سورة الأنفال، في قصة بدر: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنزلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ} [الأنفال: 11] "(8).
قال عبدالله بن مسعود: " النعاس في القتال من الله، وفي الصلاة من الشيطان"(9).
قال عبدالرحمن بن عوف: " ألقى عليهم النوم"(10).
قال قتادة: " ألقى الله عليهم النعاس فكان ذلك أمنة لهم"(11).
أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن بن داود والمنذر بن شاذان عن أبي طلحة، قال:" كنت أحد من أنزل الله فيه: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا}، وكنت أنعس حتى يسقط سيفي من يدي، ثم أتناوله. وفي حديث المنذر: وكان سيفي يسقط مني، ثم أتناوله بيدي"(12).
قال الزبير بن العوام: " لما التقينا يوم بدر سلط الله علينا النعاس، فإن كنت لا تشرد فيجلدني، وأتشدد فيجلدني، ما أطيق إلا ذلك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه كذلك، ودنا منا المشركون حتى قالوا: والله ما تحت الجحف أحد. قال الزبير: وكان أول من استقل من تلك السكتة والنعسة رسول الله صلى الله عليه وسلم"(13).
(1) مغازي الواقدي: 1/ 296.
(2)
تفسير ابن أبي حاتم (4366): ص 3/ 794.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4375): ص 3/ 795
(4)
صفوة التفاسير: 216.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 307.
(6)
معاني القرآن: 1/ 479.
(7)
تفسير البيضاوي: 2/ 43.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 144.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (4360): ص 3/ 793.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (4358): ص 3/ 793.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (4361): ص 3/ 793.
(12)
تفسير ابن أبي حاتم (4359): ص 3/ 793.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (4362): ص 3/ 793.
قوله تعالى: {يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ} [آل عمران: 154]، " أي: يغشى النوم فريقاً منكم وهم المؤمنون المخلصون" (1).
قال قتادة: " وكانوا يومئذ فرقتين، فأما فرقة فغشيها النعاس"(2).
قال محمد بن إسحاق: " أنزل الله النعاس أمنة على أهل اليقين به منهم نيام لا يخافون"(3).
وقرئ بالتاء: {تغْشَى} ، فتكون للأمنة، وبالياء {يَغْشَى} فيكون للنعاس (4).
قوله تعالى: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} [آل عمران: 154]، "أي: وجماعة أخرى حملتهم أنفسهم على الهزيمة فلا رغبة لهم إِلَاّ نجاتها وهم المنافقون" (5).
قال الثعلبي: " يعني المنافقين، وهب بن قشير وأصحابه حملتهم أنفسهم على الهم"(6).
قال البيضاوي: أي: " أوقعتهم أنفسهم في الهموم، أو ما يهمهم إلا هم أنفسهم وطلب خلاصها"(7).
قال قتادة: " وكانوا يومئذ فرقتين، وأما الفرقة الأخرى فالمنافقون ليس لهم هم إلا أنفسهم، أرعب قوم وأخبثه وأخذ له للحق"(8).
قال الطبري: " هم المنافقون لا هم لهم غير أنفسهم، فهم من حذر القتل على أنفسهم، وخوف المنية عليها في شغل، قد طار عن أعينهم الكرى، يظنون بالله الظنون الكاذبة، ظن الجاهلية من أهل الشرك بالله، شكًا في أمر الله، وتكذيبًا لنبيه صلى الله عليه وسلم، وَمحْسَبة منهم أن الله خاذل نبيه ومُعْلٍ عليه أهل الكفر به"(9).
قوله تعالى: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} [آل عمران: 154]، "أي: يظنون بالله السيئة مثل ظنِّ أهل الجاهلية" (10).
قال الثعلبي: " أي لا ينصر محمدا، وقيل: ظنوا أن محمدا قد قتل"(11).
قال قتادة: " {يظنون بالله غير الحق} ظنون كاذبة، إنما هم أهل شك وريبة"(12). وعنه ايضا: " {ظن الجاهلية}: ظن اهل الشرك"(13).
قال محمد بن إسحاق: " وذلك أنهم كانوا لا يرجون عاقبة، فذكر الله تلاؤمهم وحسرتهم على ما أصابهم"(14).
قال الزجاج: " أي يظن المنافقون أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم – مضمحل، [و] هم على جاهليتهم في ظنهم هذا"(15).
قال البيضاوي: " أي: يظنون بالله غير الظن الحق الذي يحق أن يظن به، وظن الجاهلية بدله وهو الظن المختص بالملة الجاهلية وأهلها"(16).
قوله تعالى: {يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} [آل عمران: 154]، أي:"يقولون: ليس لنا من الأمر شيء"(17).
قال مقاتل: " هذا قول معتب بن قشير يعني بالأمر: النصر"(18).
(1) صفوة التفاسير: 216.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4363): ص 3/ 793.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4364): ص 3/ 794.
(4)
انظر: معاني القرآن للفراء: 1/ 240.
(5)
صفوة التفاسير: 216.
(6)
تفسير الثعلبي: 3/ 187.
(7)
تفسير البيضاوي: 2/ 44.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (4365): ص 3/ 794.
(9)
تفسير الطبري: 7/ 320.
(10)
صفوة التفاسير: 216.
(11)
تفسير الثعلبي: 3/ 187.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (4367): ص 3/ 794.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (4369): ص 3/ 794.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (4368): ص 3/ 794.
(15)
معاني القرآن: 1/ 479.
(16)
تفسير البيضاوي: 2/ 44.
(17)
تفسير الطبري: 7/ 322.
(18)
تفسير مقاتل بن سليما: 1/ 308.
عن ابن جريج قال: "قيل لعبد الله بن أبيّ: قُتل بنو الخزرج اليوم! قال: وهل لنا من الأمر من شيء؟ قيل إنّ الأمر كله لله! "(1).
قال البيضاوي: أي: " هل لنا مما أمر الله ووعد من النصر والظفر نصيب قط. وقيل: أخبر ابن أبي بقتل بني الخزرج فقال ذلك، والمعنى إنا منعنا تدبير أنفسنا وتصريفها باختيارنا، فلم يبق لنا من الأمر شيء أو هل يزول عنا هذا القهر فيكون لنا من الأمر شيء"(2).
قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران: 154]، " أي: قل محمد لأولئك المنافقين الأمر كله بيد الله يصرّفه كيف شاء" (3).
قال الماتريدي: " يعني النصر والفتح كله بيد الله"(4).
قال مقاتل: " يقول الله- عز وجل لنبيه- صلى الله عليه وسلم قل إن الأمر يعني النصر كله لله"(5).
قال الطبري: يعني: " قل، يا محمد، لهؤلاء المنافقين: إن الأمر كله لله، يصرفه كيف يشاء ويدبره كيف يحبّ"(6).
قال البيضاوي: " أي الغلبة الحقيقية لله تعالى ولأوليائه فإن حزب الله هم الغالبون، أو القضاء له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وهو اعتراض"(7).
وقرئ: {قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} ، برفع الـ {كل} ، على توجيه الكل إلى أنه اسم، وقوله لله خبره (8).
قوله تعالى: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ} [آل عمران: 154]، " أي: يبطنون في أنفسهم ما لا يظهرون لك" (9).
قال الربيع بن أنس: " فكان مما أخفوا في أنفسهم أن قالوا: {لو كنا على شيء من الأمر ما قتلنا هاهنا} "(10).
قال مقاتل: " يسرون فى قلوبهم ما لا يظهرون لك بألسنتهم والذي أخفوا في أنفسهم أنهم قالوا: لو كنا في بيوتنا ما قتلناها هنا"(11).
قوله تعالى: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} [آل عمران: 154]، " أي: لو كان الاختيار لنا لم نخرج فلم نُقتل ولكن أكرهنا على الخروج" (12).
قال الثعلبي: " وذلك أن المنافقين قال بعضهم لبعض: لو كان لنا عقول لم نخرج مع محمد إلى قتال أهل مكة ولما قتل رؤساؤنا"(13).
قال الطبري: أي: " أنّ هؤلاء المنافقين يقولون: لو كان الخروج إلى حرب من خرجنا لحربه من المشركين إلينا، ما خرجنا إليهم، ولا قُتل منا أحد في الموضع الذي قتلوا فيه بأحد"(14).
قال السمرقندي: " أي يقولون لو كان ديننا حقا ما قتلنا هاهنا"(15).
(1) أخرجه الطبري (8093): ص 7/ 322.
(2)
تفسير البيضاوي: 2/ 44
(3)
صفوة التفاسير: 216.
(4)
تفسير الماتريدي: 2/ 511.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 308.
(6)
تفسير الطبري: 7/ 322.
(7)
تفسير البيضاوي: 2/ 44
(8)
انظر: تفسير الطبري: 7/ 323.
(9)
صفوة التفاسير: 216.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (4372): ص 3/ 795.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 308.
(12)
صفوة التفاسير: 216.
(13)
تفسير الثعلبي: 3/ 188.
(14)
تفسير الطبري: 7/ 322 - 323.
(15)
تفسير السمرقندي: 1/ 258.
قال البيضاوي: أي: يقولون: " لو كان لنا من الأمر شيء كما وعد محمد أو زعم إن الأمر كله لله ولأوليائه، أو لو كان لنا اختيار وتدبير ولم نبرح كما كان ابن أبي وغيره، ما قتلنا هاهنا لما غلبنا، أو لما قتل من قتل منا في هذه المعركة"(1).
عن عباد بن منصور، قال:"سألت الحسن عن قوله: {يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا}، قال: ذلك المنافق لما قتل من قتل من أصحاب محمد، أتوا عبد الله بن أبي فقالوا له: ما ترى فقال: أنا والله ما نؤامر لو كان لنا من الأمر من شيء ما قتلنا هاهنا"(2).
قوله تعالى: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} [آل عمران: 154]، "أي: قل لهم يا محمد: لو لم تخرجوا من بيوتكم وفيكم من قدّر الله عليه القتل لخرج أولئك إِلى مصارعهم" (3).
قال البيضاوي: " أي لخرج الذين قدر الله عليهم القتل وكتبه في اللوح المحفوظ إلى مصارعهم ولم تنفعهم الإقامة بالمدينة ولم ينج منهم أحد، فإنه قدر الأمور ودبرها في سابق قضائه لا معقب لحكمه"(4).
قال محمد ابن إسحاق: "ثم قال الله لنبيه: قل لو كنتم في بيوتكم لم تحضروا هذا الموطن الذي أظهر فيه ما أظهر من سرائكم، لأخرج الذين كتب عليهم القتل إلى موطن غيره يصرعون فيه، حتى يصرعوا فيه"(5).
قال ابن كثير: " أي: هذا قدر مقدر من الله عز وجل، وحكم حَتْم لا يحاد عنه، ولا مناص منه"(6).
عن عمرو بن عبيد، عن الحسن سئل عن قوله:{قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} ، قال: كتب الله على المؤمنين أن يقاتلوا في سبيله، وليس كل من يقاتل يُقتل، ولكن يُقتل من كَتب الله عليه القتل" (7).
قال الزجاج: " معنى (برزوا) صاروا إلى براز، وهو المكان المنكشف أي لأوصلتهم
الأسباب التي عنها يكون القتل إلى مضاجعهم" (8).
وقرأ ابن أبي حيوة: {لبرز} بضم الباء وتشديد الراء، على الفعل المجهول (9).
وقرأ قتادة: {الذين كتب عليهم القتال} (10).
وتقرأ" {بيوتكم}، بضم الباء وكسرها، وروى أبو بكر بن عياش عن عاصم، بكسر الباء، قال أبو إسحاق: وقرأناها بإقراء أبي عمرو عن عاصم (بيوتكم) بضم الباء، والضم الأكثر الأجود -، والذين كسروا (بيوت) كسروها لمجيء الياء بعد الباء"(11).
قوله تعالى: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ} [آل عمران: 154]، "أي: ليختبر ما في قلوبكم من الإِخلاص والنفاق" (12).
قال محمد بن إسحاق: " يبتلي به ما في صدوركم"(13).
قال الطبري: يعني: "وليختبر الله الذي في صدوركم من الشك، فيميِّزكم بما يظهره للمؤمنين من نفاقكم من المؤمنين "(14).
قال السمرقندي: " يعني ليختبر ويظهر ما في قلوبكم"(15).
(1) تفسير البيضاوي: 2/ 44
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4374): ص 3/ 795.
(3)
صفوة التفاسير: 216.
(4)
تفسير البيضاوي: 2/ 44
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4376): ص 3/ 796.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 146.
(7)
أخرجه الطبري (8097): ص 7/ 326.
(8)
معاني القرآن: 1/ 480.
(9)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 188.
(10)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 188.
(11)
معاني القرآن للزجاج: 1/ 480.
(12)
صفوة التفاسير: 216.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (4377): ص 3/ 796.
(14)
تفسير الطبري: 7/ 324.
(15)
تفسير السمرقندي: 1/ 258.
قال البيضاوي: أي: " وليمتحن ما في صدوركم ويظهر سرائرها من الإخلاص والنفاق"(1).
قال الماتريدي: " أي: ليظهر الله للخلق ما في صدورهم مما مضى، وليجعله ظاهرا لهم، والابتلاء هو الاستظهار؛ كقوله عز وجل: (يوم تبلى السرائر) تبدي وتظهر، وذلك يكون بوجهين: يظهر بالجزاء مرة، ومرة بالكتاب، يعلم الخلق من كانت سريرته حسنة بالجزاء، وكذلك إذا كانت سيئة، أو يعلم ذلك بالكتاب، ويحتمل الابتلاء -هاهنا- الأمر بالجهاد؛ ليعلموا المنافق منهم من المؤمن"(2).
قوله تعالى: {وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} [آل عمران: 154]، "أي: ولينقّي ما في قلوبكم ويطهّره" (3).
قال الطبري: أي: " وليتبينوا ما في قلوبكم من الاعتقاد لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين من العداوة أو الولاية"(4).
قال الثعلبي: " يخرج ويطهر ما في قلوبكم"(5).
قال السمرقندي: " يعني: ليظهر ويكفر ما في قلوبكم من الذنوب"(6).
قال البيضاوي: أي: " وليكشفه ويميزه أو يخلصه من الوساوس"(7).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154]، أي:"والله ذو علم بالذي في صدور خلقه"(8).
قال الطبري: أي: "لا يخفى عليه شيء من أمورهم، سرائرها علانيتها، وهو لجميع ذلك حافظ، حتى يجازي جميعهم جزاءهم على قدر استحقاقهم"(9).
قال الصابوني: " أي: والله عالم بالسرائر مطّلع على الضمائر وما فيها خير أو شر"(10).
قال ابن كثير: " أي: بما يختلج في الصدور من السرائر والضمائر"(11).
قال محمد بن إسحاق: " أي: لا يخفى عليه ما في صدورهم مما استخفوا به منكم"(12).
قال مقاتل: " يقول: الله عليم بما في القلوب من الإيمان والنفاق والذين أخفوا في أنفسهم قولهم إن محمدا قد قتل، وقولهم لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا «3» هاهنا، يعني هذا المكان"(13).
قال الراغب: " من نقض الحزن ورفض الذعر ذكر الصدر، وحينما ذكر الإيمان المحض ذكر القلب، وكل موضع يذكر الله في القرآن العقل والإيمان، فإنه يخص ذكر القلب، وإذا أراد ذلك وسائر الفضائل والرذائل ذكر الصدور، وهذا إذا اعتبر بالاستقراء انكشف، نحو قوله:{وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]، وقوله:{فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب} [الحج: 32]، وقوله:{أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5]، وقوله:{بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت: 49]، وقوله:{أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} [الزمر: 22]، وقوله:{فِي صُدُورِ النَّاسِ} [الناس: 5]، ولما كان التمحيص أخص من الابتلاء كما تقدم خصه بالقلب، وهذه الأحوال الثلاث يترتب بعضها على بعض، فبإصلاح العمل يتوصل إلى إصلاح ما في الصدور من الشهوة والغضب، وبهما وبإصلاح ذلك يتوصل إلى إصلاح ما في القلوب من الاعتبارات التي لا يعتريها شك وريب، وذلك ما يبلغه العبد، وبه يستحق اسم الخلافة لله المذكور في قوله:{وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ} [الأعراف: 129]،
(1) تفسير البيضاوي: 2/ 44
(2)
تفسير الماتريدي: 2/ 511 - 512.
(3)
صفوة التفاسير: 216.
(4)
تفسير الطبري: 7/ 325.
(5)
تفسير الثعلبي: 3/ 188.
(6)
تفسير السمرقندي: 1/ 258.
(7)
تفسير البيضاوي: 2/ 44
(8)
تفسير الطبري: 7/ 325
(9)
تفسير الطبري: 7/ 325
(10)
صفوة التفاسير: 216.
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 146.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (4378): ص 3/ 796.
(13)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 308.
ثم قال: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور} [آل عمران: 154]، أي عالم بجميع ما ينطوي عليه من الضمائر الطيبة والخبيثة، وخص الصدور دون القلب إذ هي أعم" (1).
الفوائد:
1 -
أن النعاس قد يكون محمودا ويعدّ من النعم، لقوله:{أَمَنَةً نُعَاسًا} .
2 -
ذم من ظنّ بالله غير الحق، وأنه لا يظن أحد بالله ظنا غير الحق إلا وهو جاهل، لقوله:{ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} .
3 -
بيان أن الأمر كله لله، الأمر الشرعي والأمر الكوني، ليس لأحد مع الله امر.
4 -
أن النبي صلى الله عليه وسلم لايعلم الغيب، لقوله:{يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ} .
5 -
التنديد بمن يعترضون على القدر، لقوله:{قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} .
6 -
إثبات الحكمة في أفعال الله بقوله: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ} .
7 -
أن العبرة والمدار على القلوب التي في الصدور، لقوله:{وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ} .
8 -
أن الله قد يبتلي عباده بما ينقي قلوبهم ويخلصها من الشوائب، لقوله:{وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} .
9 -
إثبات علم الله بما في القلوب، لقوله:{وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} ، عليه يجب الحذر من إضمار ما لايرضى به الله.
القرآن
التفسير:
إن الذين فرُّوا منكم -يا أصحاب صلى الله عليه وسلم محمد عن القتال يوم التقى المؤمنون والمشركون في غزوة «أُحد» ، إنما أوقعهم الشيطان في هذا الذنب ببعض ما عملوا من الذنوب، ولقد تجاوز الله عنهم فلم يعاقبهم. إن الله غفور للمذنبين التائبين، حليم لا يعاجل من عصاه بالعقوبة.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: أخرج الطبري عن عكرمة: " نزلت في رافع بن المعلَّى وغيره من الأنصار، وأبي حُذيفة بن عتبة ورجل آخر"(2).
والثاني: وروي عن عكرمة أيضا: "جاءت فاختة بنت غزوان امرأة عثمان بن عفان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي يغسلان السلاح من الدماء، فقالت: ما فعل ابن عفان؟ أما والله لا تجدونه ألأم القوم. فقال لها علي: ألا إن عثمان فضح الذمار (3) اليوم. فقال: له رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه، وكان ممن ولى دبره يومئذ عثمان بن عفان وسعد بن عثمان وعقبة بن عثمان (4) -إخوان من الأنصار من بني زريق- حتى بلغوا الجلعب (5)، فرجعوا بعد، فقالت: فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد ذهبتم بها عريضة" (6)، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ} "(7).
والثالث: وأخرج الطبري عن عاصم بن كليب، عن أبيه قال: "خطب عمر يوم الجمعة فقرأ آل عمران، وكان يعجبه إذا خطب أن يقرأها، فلما انتهى إلى قوله:{إنّ الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان} ، قال: لما
(1) تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 938 - 939.
(2)
تفسير الطبري (8102): ص 7/ 329.
(3)
الذمار: ما يلزمك حفظه وحمايته. [انظر: القاموس: 508].
(4)
وفي رواية ابن اسحاق: " فرّ عثمان بن عفان، وعقبة بن عثمان، وسعد بن عثمان - رجلان من الأنصار - حتى بلغوا الجلْعَب جبل بناحية المدينة مما يلي الأعوص - فأقاموا به ثلاثًا، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: لقد ذهبتم فيها عريضةً! ! ". [أخرجه الطبري (8103): ص 7/ 329].
(5)
جبل بناحية المدينة مما يلي الأعوص. [انظر: معجم البلدان لياقوت: 2/ 154].
(6)
قوله: لقد ذهبتم فيها عريضة، أي واسعة. والضمير في قوله: فيها إلى الأرض، يقول: لقد اتسعت منادح الأرض في وجوهكم حين فررتم، فأبعدتم المذهب، يتعجب من فعلهم.
(7)
العجاب: 2/ 772 - 773. وأخرجه الطبري (8103): ص 7/ 329. ياختصار، وكذلك ابن المنذر في تفسيره (1095): ص 2/ 773 - 774.
كان يوم أحد هزمناهم، ففررتُ حتى صعدت الجبل، فلقد رأيتني أنزو كأنني أرْوَى، والناس يقولون: قُتل محمد! فقلت: لا أجد أحدًا يقول: قتل محمد، إلا قتلته! . حتى اجتمعنا على الجبل، فنزلت:{إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان} ، الآية كلها" (1).
والرابع: قال قتادة: " قوله: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان}، الآية، وذلك يوم أحد، ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تولوا عن القتال وعن نبيّ الله يومئذ، وكان ذلك من أمر الشيطان وتخويفه، فأنزل الله عز وجل ما تسمعون: أنه قد تجاوز لهم عن ذلك وعفا عنهم"(2). وري عن الربيع نحو ذلك (3).
والخامس: وقال السدي: " لما انهزموا يومئذ، تفرّق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، فدخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها، فذكر الله عز وجل الذين انهزموا فدخلوا المدينة فقال: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان}، الآية"(4)
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ} [آل عمران: 155]، " أي: إن الذين انهزموا منكم من المعركة" (5).
قال سعيد بن جبير: "يعني: الذين انصرفوا عن القتال منهزمين"(6).
قال الحسن: " فرت طائفة منهم، زاغت قليلا ثم رجعوا"(7).
وفي المراد بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوا مِنكُم يَومَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ [آل عمران: 155]، قولان:
أحدهما: ان المراد: كل من ولّى الدبر من المشركين بأحد، وهذا قول عمر (8)، وقتادة (9)، والربيع (10).
والثاني: أنهم من هرب إلى المدينة وقت الهزيمة، وهذا قول السدي (11).
قوله تعالى: {يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [آل عمران: 155]، "أي: يوم التقى جمع المسلمين وجمع المشركين" (12).
قال سعيد بن جبير: " يوم أحد حين التقى الجمعان، جمع المسلمين وجمع المشركين، فانهزم المسلمون عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبقي في ثمانية عشر رجلا"(13).
وقال الضحاك: {يوم التقى الجمعان} ، فهو يوم بدر" (14).
قال السمعاني: " يعني: الذين انهزموا من المسلمين يوم أحد؛ فإنه لما وقعت الهزيمة على المسلمين انهزم أكثرهم، ولم يبقى مع رسول الله إلا أربعة عشر نفرا: سبعة من المهاجرين وسبعة من الأنصار، وقيل: ثلاثة عشر، ستة من المهاجرين وهم أبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص.
وفي الرواية الأولى: كان السابع الزبير، وكان طلحة أشد نكاية في الكفار يومئذ.
وقيل: إن يوم أحد لطلحة، وقيل: إنه كان وقاية رسول الله وكان قد ضرب على يده فشلت وبقيت كذلك، وأما سعد وهو رامية، وكان يرمي بين يديه، ويقول له رسول الله:" ارم، فداك أبي وأمي "، وأما الذين انهزموا، فقد لحق بعضهم بالمدينة منهم عثمان، ورجع بعضهم على الطريق منهم عمر" (15).
(1) تفسير الطبري (8098): ص 7/ 327.
(2)
تفسير الطبري (8099): ص 7/ 328.
(3)
انظر: تفسير الطبري (8100): ص 7/ 328.
(4)
أخرجه الطبري (8101): ص 7/ 328 - 329.
(5)
صفوة التفاسير: 217.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (4380): ص 3/ 796.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (4381): ص 3/ 796.
(8)
انظر: تفسير الطبري (8198): ص 7/ 327.
(9)
انظر: تفسير الطبري (8199): ص 7/ 328.
(10)
انظر: تفسير الطبري (8100): ص 7/ 328.
(11)
انظر: تفسير الطبري (8101): ص 7/ 328 - 329.
(12)
صفوة التفاسير: 217.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (4382): ص 3/ 797.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (4383): ص 3/ 797.
(15)
تفسير السمعاني: 1/ 370.
قوله تعالى: {إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} [آل عمران: 155]، " أي: إِنما أزلهم الشيطان بوسوسته وأوقعهم في الخطيئة ببعض ما عملوا من الذنوب" (1).
قال سعيد بن جبير: " يعني: حين تركوا المركز وعصوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال للرماة يوم أحد: لا تبرحوا مكانكم، فترك بعضهم المركز"(2).
قال محمد بن إسحاق: " إنما إستزلهم الشيطان والذين استزلهم الشيطان عثمان بن عفان، وسعد بن عثمان وعقبة بن عثمان الأنصاريان ثم الزرقيان"(3).
قال الزجاج: " أي: لم يتولوا في قتالهم على جهة المعاندة، ولا على الفرار من الزحف رغبة في الدنيا خاصة، وإنما أذكرهم الشيطان خطايا كانت لهم فكرهوا لقاء الله. إلا على حال يرضونها، فلذلك عفا عنهم وإلا فأمر الفرار والتولي في الجهاد إذا كانت العدة أقل من المثلين، أو كانت العدة مثلين، فالفرار أمر عظيم"(4).
قال مكي: " قيل: إنه ذكرهم بذنوب لم يتوبوا منها، فكرهوا أن يلقوا الله عز وجل على غير توبة، فانهزموا لئلا يقتلوا قبل التوبة، فغفر الله لهم فرارهم"(5).
قال الزمخشري: أي: " استزلهم طلب منهم الزلل ودعاهم إليه ببعض ما كسبوا من ذنوبهم، معناه إن الذين انهزموا يوم أحد كان السبب في توليهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان فاقترفوا ذنوبا، فلذلك منعتهم التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا.
وقيل: استزلال الشيطان إياهم هو التولي، وإنما دعاهم إليه بذنوب قد تقدمت لهم، لأن الذنب يجر إلى الذنب، كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة وتكون لطفا فيها. وقال الحسن رضى الله عنه: استزلهم بقبول ما زين لهم من الهزيمة.
وقيل: (ببعض ما كسبوا) هو تركهم المركز الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثبات فيه. فجرهم ذلك إلى الهزيمة.
وقيل: ذكرهم تلك الخطايا فكرهوا لقاء الله معها، فأخروا الجهاد حتى يصلحوا أمرهم ويجاهدوا على حال مرضية" (6).
قال ابن عطية: " ظاهره عند جمهور المفسرين: أنه كانت لهم ذنوب عاقبهم الله عليها بتمكين الشيطان من استزلالهم، وبخلق ما اكتسبوه أيضا هم من الفرار"(7).
قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ} [آل عمران: 155]، "أي: ولقد تجاوز الله عن عقوبتهم وصفح عنهم" (8).
قال الطبري: " ولقد تجاوز الله عن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان، أن يعاقبهم بتوليهم عن عدوّهم"(9).
قال ابن جريج: " ولقد عفا الله عنهم، إذ لم يعاقبهم"(10).
قال سعيد بن جبير: " ولقد عفا الله عنهم حين لم يعاقبهم، فيستأصلهم جميعا"(11).
قال ابن زيد: " ولقد عفا الله عنهم، فلا أدري أذلك العفو عن تلك العصابة، أم عفوٌ عن المسلمين كلهم؟ "(12).
(1) صفوة التفاسير: 217.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4385): ص 3/ 797.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4386): ص 3/ 797.
(4)
معاني القرآن: 1/ 481.
(5)
الهداية إلى بلوغ النهاية: 2/ 1158.
(6)
الكشاف: 1/ 430.
(7)
المحرر الوجيز: 1/ 530.
(8)
صفوة التفاسير: 217.
(9)
تفسير الطبري: 7/ 330.
(10)
أخرجه الطبري (8105): ص 7/ 330.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (4388): ص 3/ 798.
(12)
أخرجه الطبري (8106): ص 7/ 330.
وقال الحسن: " فكيف عفى عنهم، وقد قتل منهم سبعون وجرح سبعون، وأسر منهم سبعون، وشج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسر رباعيته، وهشم البيضة على رأسه، قال الحسن ولقد عفا عنكم: لم يستأصلكم لمخالفتكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما خافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال لقوم منهم: لا تبرحوا مكانكم، فعاقبهم بما قد رأيت، وعفا عنهم ألا يكون اصطلمهم"(1).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155]، أي: إن الله "واسع المغفرة حليم لا يعجل العقوبة لمن عصاه"(2).
قال الزمخشري: أي: "إن الله غفور للذنوب، حليم لايعاجل بالعقوبة"(3).
قال سعيد بن جبير: " فلم يجعل لمن انهزم يوم أحد بعد قتال بدر النار، كما جعل يوم بدر، فهذه رخصة بعد التشديد"(4).
عن قتادة قوله: " {إن الله غفور} للذنوب الكبيرة أو الكثيرة"(5).
ابن أبي سلمة قال: "الحلم أرفع من العقل، إن الله عز وجل تسمى به"(6).
أخرج ابن المنذر عن عاصم، عن شقيق، قال:"لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عتبة، فقال له الوليد: ما لي أراك جفوت أمير المؤمنين، عثمان فقال عبد الرحمن " أبلغه أني لم أفر يوم عينين " قال عاصم: هو يوم أحد ولم أتخلف عن بدر، ولم أترك سنة عمر " قال: فانطلق فخبر بذلك عثمان، فقال:" أما قوله: إني لم أفر يوم عينين فكيف يعيرني بذنب، قد عفا الله عنه، فقال: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم}؟ وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر فإني كنت أمرض رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ماتت، وضرب لي رسول الله بسهمه، ومن ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه، فقد شهد وأما قوله: إني لم أترك سنة عمر، فإني لا أطيقها ولا هو فأته فحدثه بذلك "(7).
الفوائد:
1 -
بيان سبب انهزام من انهزم من الصحابة، وهو استزلال الشيطان لهم، فيتفرغ من ذلك أن كل ترك للواجب أو فعل للمحرم فإنما هو من استزلال الشيطان، ويتفرغ أيضا أنه قد يعاقب الإنسان بالمعصية لمعصية أخرى.
2 -
تحريم الفرار إذا التقى الجمعان، إلا إذا كان متحرفا لقتال او متحيزا لفئة، أو إذا كانوا أكثر من مثليهم، ولكن الثبات أفضل.
3 -
إثبات أن للشيطان تأثيرا على العبد في عمله الصالح وحتى في الجهاد.
4 -
الرد على الجبرية، وذلك في قوله:{ببعض ما كسبوا} ، ومن قوله:{تولوا منكم} .
5 -
بيان فضل الله على عباده، إذ أن الله تعالى قد عفا عن هؤلاء، فرحمته تعالى أوسع، فمن سعة رحمته عفا عنهم.
6 -
إثبات اسمين من اسماء الله تعالى، وهما: الغفور والحليم، وما تضمناه من صفة، فالغفور تضمن المغفرة، والحليم تضمن الحلم.
القرآن
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (4387): ص 3/ 797 - 798.
(2)
صفوة التفاسير: 217.
(3)
الكشاف: 1/ 430.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4391): ص 3/ 798.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4390): ص 3/ 798.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (4392): ص 3/ 798.
(7)
تفسير ابن المنذر (1096): ص 2/ 460.
التفسير:
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا تُشابهوا الكافرين الذين لا يؤمنون بربهم، فهم يقولون لإخوانهم من أهل الكفر إذا خرجوا يبحثون في أرض الله عن معاشهم أو كانوا مع الغزاة المقاتلين فماتوا أو قُتِلوا: لو لم يخرج هؤلاء ولم يقاتلوا وأقاموا معنا ما ماتوا وما قُتلوا. وهذا القول يزيدهم ألمًا وحزنًا وحسرة تستقر في قلوبهم، أما المؤمنون فإنهم يعلمون أن ذلك بقدر الله فيهدي الله قلوبهم، ويخفف عنهم المصيبة، والله يحيي مَن قدَّر له الحياة -وإن كان مسافرًا أو غازيًا- ويميت مَنِ انتهى أجله -وإن كان مقيمًا- والله بكل ما تعملونه بصير، فيجازيكم به.
سبب نزول الآية:
أخرج الطبري بسنده عن السدي، قال:" هؤلاء المنافقون أصحاب عبد الله بن أبيّ"(1). وروي عن مجاهد نحوه (2).
وجزم مقاتل بأن الذي قال ذلك عبدلله بن أبي، فقال:"قال عبد الله بن أبي ذلك حين انهزم المؤمنون وقتلوا"(3).
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [آل عمران: 156]، أي:" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وأقرّوا بما جاء به محمد من عند الله"(4).
قوله تعالى: {لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران: 156]، أي:" لا تكونوا كالذين كفروا بالله وبرسوله، فجحدوا نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم"(5).
قال محمد بن إسحاق: " أي لا تكونوا كالمنافقين"(6).
قال السدي: " هؤلاء: المنافقون أصحاب عبد الله بن أبي (7).
قوله تعالى: {وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ} [آل عمران: 156]، أي:" وقالوا لإخوانهم من أهل الكفر إذا خرجوا من بلادهم سفرًا في تجارة"(8).
قال محمد بن إسحاق: " الذين ينهون إخوانهم عن الجهاد في سبيل الله، والضرب في الأرض في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم"(9).
وقال السدي: " أما إذا ضربوا في الأرض فهي التجارة"(10).
قال الثعلبي: أي: " وقالوا لإخوانهم في النفاق، وقيل: في النسب ساروا وسافروا فيها لتجارة أو غيرها"(11).
وأصل "الضرب في الأرض"، الإبعاد فيها سيرًا (12).
قوله تعالى: {أَوْ كَانُوا غُزًّى} [آل عمران: 156]، أي:" أو خرجوا غازين في سبيل الله"(13).
قوله تعالى {لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} [آل عمران: 156]، "أي: لو أقاموا عندنا ولم يخرجوا لما ماتوا ولا قتلوا" (14).
قال الحسن: " هذا قول الكفار: إذا مات الرجل فيقول: لو كان عندنا، ما مات ولا تقولوا كما قال الكفار"(15).
(1) أخرجه الطبري (8107): ص 7/ 331.
(2)
انظر: تفسير الطبري (8108): ص 7/ 331.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 309.
(4)
تفسير الطبري: 7/ 330.
(5)
تفسير الطبري: 7/ 330.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (4393): ص 3/ 798.
(7)
أخرجه الطبري (8107): ص 7/ 331، وابن أبي حاتم (4394): ص 3/ 798.
(8)
تفسير الطبري: 7/ 330. [بتصرف].
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (4395): ص 3/ 799.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (4396): ص 3/ 799.
(11)
تفسير الثعلبي: 3/ 189.
(12)
انظر: تفسير الطبري: 7/ 332.
(13)
صفوة التفاسير: 217.
(14)
صفوة التفاسير: 217.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (4398): ص 3/ 799.
قال محمد بن إسحاق: " ويقولون لو أطاعونا ما ماتوا وما قتلوا"(1).
قوله تعالى: {لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 156]، "أي: قالوا ذلك ليصير ذلك الاعتقاد الفاسد حسرة في نفوسهم" (2).
قال السدي: " يحزنهم ولا ينفعهم شيئا، يعني يحزنهم قولهم"(3). وروي عن أبي مالك نحو ذلك" (4).
قال محمد بن إسحاق: " ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم لقلة اليقين بربهم"(5).
قال الزجاج: " أي: ليجعل ظنهم أنهم لو لم يحضروا - وإذا لم يحضروا الحرب اندفع
عنهم ما كتب عليهم. فحسرتهم فيما ينالهم أشد" (6).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ} [آل عمران: 156]، أي:"والله سبحانه المحيي المميت"(7).
قال محمد بن إسحاق: " أي يعجل ما يشاء أو يؤخر ما يشاء من ذلك من آجالهم بقدرته"(8).
قال الزجاج: " أي ليس الإنسان يمنعه تحرزه من إتيان أجله على ما سبق في علم الله"(9).
قال الطبري: يعني: أي: " والله المعجِّل الموتَ لمن يشاء من حيث يشاء، والمميت من يشاء كلما شاء، دون غيره من سائر خلقه، وهذا من الله عز وجل ترغيبٌ لعباده المؤمنين على جهاد عدوه والصبر على قتالهم، وإخراج هيبتهم من صدورهم، وإن قل عددهم وكثر عدد أعدائهم وأعداء الله وإعلامٌ منه لهم أن الإماتة والإحياء بيده، وأنه لن يموت أحدٌ ولا يقتل إلا بعد فناء أجله الذي كتب له ونهيٌ منه لهم، إذ كان كذلك، أن يجزعوا لموت من مات منهم أو قتل من قتل منهم في حرب المشركين"(10).
قال الزمخشري: قوله: " {والله يحيي ويميت}، رد لقولهم، أى الأمر بيده، قد يحيى المسافر والغازي، ويميت المقيم والقاعد كما يشاء. وعن خالد بن الوليد رضى الله عنه أنه قال عند موته: «ما فى موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وها أنا ذا أموت كما يموت العير فلا نامت أعين الجبناء» "(11).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [آل عمران: 156]، " أي: مطلع على أعمال العباد فيجازيهم عليها " (12).
قال الزمخشري: أي: " فلا تكونوا مثلهم"(13).
قال الطبري: أي: " إن الله يرى ما تعملون من خير وشر، فاتقوه أيها المؤمنون، إنه محصٍ ذلك كله، حتى يجازي كل عامل بعمله على قدر استحقاقه"(14).
قرأ ابن كثير وطلحة والأعمش والحسن وشبل وحمزة والكسائي وخلف: {يعملون} ، بالياء، والباقون: بالتاء (15).
الفوائد:
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (4399): ص 3/ 799.
(2)
صفوة التفاسير: 217.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4400): ص 3/ 799.
(4)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (4401): ص 3/ 799.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4402): ص 3/ 800.
(6)
معاني القرآن: 1/ 482.
(7)
صفوة التفاسير: 217.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (4403): ص 3/ 800.
(9)
معاني القرآن: 1/ 482.
(10)
تفسير الطبري: 7/ 336.
(11)
الكشاف: 1/ 431.
(12)
صفوة التفاسير: 217.
(13)
الكشاف: 1/ 431.
(14)
تفسير الطبري: 7/ 336.
(15)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 189.
1 -
تعلية شأن المؤمنين بإيمانهم، من قوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ، لأن المخاطب لا ينادى إلا بأحب الأوصاف إليه.
2 -
الإشارة إلى النهي عن التشبه بالكفار.
3 -
أن الندم على ما وقع لا يرفع الواقع، قال تعالى:{والله يحي ويميت} .
4 -
أن هذا الدين رحمة، لأن نهي الله عن الندم على ما مضى مصلحة للإنسان، لأنه يطمئن قلبه ولا يتحر ولا يحزن.
5 -
أن هؤلاء المعترضين على القدر يكون اعتراضهم حسرة في قلوبهم.
6 -
الرد على القدرية لقوله: {ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم} ، يعني أن الله قدّر أن يقولوا هذا القول ليجعله حسرة في قلوبهم.
7 -
إثبات أن الإحياء والإماتة بيد الله.
8 -
إثبات عموم علم الله عز وجل بكل ما نعمل، وبالتالي يجب على الإنسان ان يستقيم في عمله وأن يتذكر بأن الله بصير بالأعمال الخلق.
9 -
الرد على الجبرية إذ أضاف العمل إليهم.
القرآن
{وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157)} [آل عمران: 157]
التفسير:
ولئن قُتِلتم -أيها المؤمنون- وأنتم تجاهدون في سبيل الله أو متم في أثناء القتال، ليغفرن الله لكم ذنوبكم، وليرحمنكم رحمة من عنده، فتفوزون بجنات النعيم، وذلك خير من الدنيا وما يجمعه أهلها.
قوله تعالى: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [آل عمران: 157]" أي: وإن استشهدتم في الحرب والجهاد"(1).
قال الزمخشري: أي: " ولئن تم عليكم ما تخافونه من الهلاك بالقتل في سبيل الله"(2).
قال الماتريدي: " أي أن الموت إن كان لا بد نازل بكم؛ فقتلكم في طاعة الله وجهاده"(3).
قوله تعالى: {أَوْ مُتُّمْ} [آل عمران: 157]" أي: أو متم في سبيل الله من غير قتال"(4).
قال مقاتل: " فى غير قتل"(5).
قال الصابوني: " أي: أو جاءكم الموت وأنتم قاصدون قتالهم"(6).
قال الماتريدي: " أو موتكم في طاعة الله وجهاده"(7).
قال البيضاوي: " أي: متم في سبيله"(8).
قال الثعالبي: " وقدم القتل هنا لأنه الأشرف الأهم"(9).
وقوله: {مُتُّمْ} [آل عمران: 157]، قرأ نافع وأكثر أهل الكوفة ما كان من هذا الباب: بكسر الميم، وقرأ الآخرون: بالضم (10).
قال الراغب: " يقال: مت ومت، والضم أقيس، والكسر كثير"(11).
(1) صفوة التفاسير: 217.
(2)
الكشاف: 1/ 431.
(3)
تفسير الماتريدي: 2/ 514.
(4)
تفسير القاسمي: 2/ 445.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 309.
(6)
صفوة التفاسير: 217.
(7)
تفسير الماتريدي: 2/ 514.
(8)
تفسير البيضاوي: 2/ 45.
(9)
تفسير الثعالبي: 2/ 120.
(10)
انظر: السبعة في القراءات: 218، وتفسير الثعلبي: 3/ 189.
(11)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 945.
قوله تعالى: {لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ} [آل عمران: 157]، أي:": إن مغفرة الله ورحمته لمن يموت أو يقتل فى سبيل الله"(1).
قال النيسابوري: يعني: " شيء من مغفرته ورحمته"(2).
قال الزمخشري: " فإن ما تنالونه من المغفرة والرحمة بالموت في سبيل الله"(3).
قال القاسمي: أي: " لمغفرة من الله أي لذنوبكم تنالكم ورحمة"(4).
قوله تعالى: {خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران: 157]، أي: وذلك خير من الدنيا وما يجمعه أهلها" (5).
قال الثعلبي: أي: " من الغنائم"(6).
قال مقاتل: " من الأموال"(7).
قال الزمخشري: أي: "خير مما تجمعون من الدنيا ومنافعها لو لم تموتوا"(8).
قال القاسمي: " أي ما يجمعونه الكفرة من منافع الدنيا وطيباتها الفانية"(9).
قال السعدي: أي: " خير مما يجمع أهل الدنيا من دنياهم"(10).
قال المراغي: أي: " خير لكم من جميع ما يتمتع به الكفار من المال والمتاع فى هذه الدار الفانية، فإن هذا ظل زائل، وذاك نعيم خالد"(11).
قال محمد بن إسحاق: " خير لو علموا فأيقنوا مما يجمعون في الدنيا التي لها يتأخرون عن الجهاد، تخوفًا من الموت والقتل لما جمعوا من زَهرة الدنيا، وزهادةً في الآخرة"(12).
قال الماتريدي: أي: " خير من أن ينزل بكم في غير طاعة الله وسبيله"(13).
وعن ابن عباس رضى الله عنهما: "خير من طلاع الأرض ذهبة حمراء"(14).
وقرأه العامة: {تجمعون} ، بالتاء لقوله:{ولئن قتلتم أو متم} ، أي الكفرة من منافع الدنيا وطيباتها مدة أعمارهم، في حين قرأ عاصم في رواية حفص: بالياء على الخبر عن الغالبين، يعني خير مما يجمع الناس من الأموال (15).
قال المراغي: " الخلاصة- إن ما ينتظره المؤمن المقاتل فى سبيل الله من المغفرة التي تمحو ما كان من ذنوبه، والرحمة التي ترفع درجاته- خير له مما يجمع أولئك الحريصون على الحياة الذين يتمتعون باللذات والشهوات.
فما أجدر المؤمنين أن يؤثروا مغفرة الله ورحمته على الحظوظ الفانية، وألا يتحسروا على من يقتل منهم أو يموت فى سبيل الله فإن ما يلقونه بعدهما خير لهم مما كانوا فيه قبلهما" (16).
وقال الثعالبي: " ثم قدم الموت في قوله تعالى: {ولئن متم أو قتلتم} ، لأنها آية وعظ بالآخرة والحشر، وآية تزهيد في الدنيا والحياة، وفي الآية تحقير لأمر الدنيا، وحض على طلب الشهادة، والمعنى: إذا كان الحشر لا بد
(1) تفسير المراغي: 4/ 110.
(2)
تفسير النيسابوري: 2/ 290.
(3)
الكشاف: 1/ 431، ونقله البيضاوي بتمامه، انظر: تفسير البيضاوي: 2/ 45.
(4)
تفسير القاسمي: 2/ 445.
(5)
التفسير الميسر: 70.
(6)
تفسير الثعلبي: 3/ 190.
(7)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 309.
(8)
الكشاف: 1/ 431. ونقله البيضاوي بتمامه، انظر: تفسير البيضاوي: 2/ 45.
(9)
تفسير القاسمي: 2/ 445.
(10)
تفسير السعدي: 154.
(11)
تفسير المراغي: 4/ 110.
(12)
اخرجه الطبري (8117): ص 7/ 337.
(13)
تفسير الماتريدي: 2/ 514.
(14)
الكشاف: 1/ 431.
(15)
انظر: السبعة في القراءات: 218، وتفسير الثعلبي: 3/ 190.
(16)
تفسير المراغي: 4/ 110.
في كلا الأمرين، فالمضي إليه في حال شهادة أولى وعن سهل بن حنيف، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من سأل الله الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه» (1)، وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من طلب الشهادة صادقا، أعطيها، ولو لم تصبه» (2) " (3).
الفوائد:
1 -
أن من قتل في سبيل الله أو مات من المؤمنين فقد انتقل إلى خير من الدنيا كلها.
2 -
منّة الله عز وجل على عباده بتسليتهم في الأمور التي يهمهم فواتها، بأنهم منتقلون من بعد الحياة الدنيا إلى خير منها.
3 -
الجمع بين المغفرة والرحمة ليكمل للإنسان سعادته، إذ بالمغفرة زوال المكروه، وبالرحمة حصول المطلوب.
4 -
جواز إيقاع التفضيل بين شيئين بينهما بعد تام، لأنك إذا نسبت ما في الدنيا للآخرة فليس بشيء، قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم:"لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها"(4).
القرآن
{وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)} [آل عمران: 158]
التفسير:
ولئن انقضت آجالكم في هذه الحياة الدنيا، فمتم على فُرُشكم، أو قتلتم في ساحة القتال، لإلى الله وحده تُحشرون، فيجازيكم بأعمالكم.
قوله تعالى: {وَلَئِنْ مُتُّمْ} [آل عمران: 158]، أي:" إن متم على فراشكم"(5).
قوله تعالى: {أَوْ قُتِلْتُمْ} [آل عمران: 158]، أي:" أو قتلتم في ساحة الحرب"(6).
قال الماتريدي: أي: " أو قتلتم في سبيل الله"(7).
قوله تعالى: {لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ} [آل عمران: 158]، أي:" فإن إلى الله مرجعكم ومحشركم، فيجازيكم بأعمالكم "(8).
قال محمد بن إسحاق: " أي: أن إلى الله المرجع، فلا تغرنَّكم الحياة الدنيا ولا تغتروا بها، وليكن الجهاد وما رغبكم الله فيه منه، آثر عندكم منها"(9).
قال الشوكاني: " أي: إلى الرب الواسع المغفرة تحشرون، لا إلى غيره، وتخصيص اسم الله سبحانه بالذكر من الدلالة على كمال اللطف والقهر"(10).
قال الراغب: "فكأنه قيل: إن حصل ما لابد منه بوجه وهو الموت حتف الأنف، أو ما هو عارض، وعندكم أنه قد يكون منه خلاص، وهو القتل، فالحشر لا محالة حاصل"(11).
(1) أخرجه مسلم (3/ 1517)، كتاب «الإمارة» ، باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله تعالى، حديث (157/ 1909)، وأبو داود (1/ 476)، كتاب «الصلاة» ، باب في الاستغفار، حديث (1520)، والترمذي (4/ 183)، كتاب «فضائل الجهاد» ، باب ما جاء فيمن سأل الشهادة، حديث (1653).
(2)
أخرجه مسلم (3/ 1517)، كتاب «الإمارة» ، باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله تعالى، حديث (156/ 1908) من حديث أنس بن مالك.
(3)
تفسير الثعالبي: 2/ 130 - 131.
(4)
أخرجه البخاري كتاب الرقاق، باب مثل الدنيا في الآخرة:(6415).
(5)
تفسير الماتريدي: 2/ 514.
(6)
صفوة التفاسير: 217.
(7)
تفسير الماتريدي: 2/ 514.
(8)
تفسير الطبري: 7/ 339.
(9)
أخرجه الطبري (8118): ص 7/ 339.
(10)
فتح القدير: 1/ 451.
(11)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 947.
قال المراغي: " أي إنكم بأى سبب كان هلاككم فإنكم إلى الله تحشرون لا إلى غيره، فيجزى كلا منكم بما يستحق من الجزاء، فيجازى المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته، ولا يرجى من غيره ثواب، ولا يتوقع منه دفع عقاب، فآثروا ما يقربكم إليه، ويجلب لكم رضاه من العمل بطاعته، وعليكم بالجهاد فى سبيله، ولا تركنوا إلى الدنيا ولذاتها، فإنها فانية، وتلك الحياة الأخرى باقية خالدة"(1).
قال الطبري: يعني: " فآثروا ما يقرّبكم من الله ويوجب لكم رضاه، ويقربكم من الجنة، من الجهاد في سبيل الله والعمل بطاعته، على الركون إلى الدنيا وما تجمعون فيها من حُطامها الذي هو غير باقٍ لكم، بل هو زائلٌ عنكم، وعلى ترك طاعة الله والجهاد، فإن ذلك يبعدكم عن ربكم، ويوجب لكم سخطه، ويقرِّبكم من النار"(2).
الفوائد:
1 -
زيادة تسلية للمؤمنين، لأن المؤمن إذا علم أن مرجعه إلى الله فإنه سوف يطمئن وسوف يستبشر وينشرح صدره بذلك.
2 -
إثبات لقاء الله عز وجل، لقوله:{لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ} .
3 -
إثبات الجشر يوم القيامة، فإن الناس يقومون من قبورهم ويحشرون إلى الله عز وجل ليجازيهم.
القرآن
التفسير:
فبرحمة من الله لك ولأصحابك -أيها النبي- منَّ الله عليك فكنت رفيقًا بهم، ولو كنت سيِّئ الخُلق قاسي القلب، لانْصَرَفَ أصحابك من حولك، فلا تؤاخذهم بما كان منهم في غزوة «أُحد» ، واسأل الله -أيها النبي- أن يغفر لهم، وشاورهم في الأمور التي تحتاج إلى مشورة، فإذا عزمت على أمر من الأمور -بعد الاستشارة- فأَمْضِه معتمدًا على الله وحده، إن الله يحب المتوكلين عليه.
في سبب نزول الآية:
قال مقاتل: " {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}، وذلك أن العرب في الجاهلية كان إذا أراد سيدهم أن يقطع أمرا دونهم ولم يشاورهم شق ذلك عليهم. فأمر الله- عز وجل النبي- صلى الله عليه وسلم أن يشاورهم في الأمر إذا أراد فإن ذلك أعطف لقلوبهم عليه، وأذهب لضغائنهم"(3).
قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159]، "أي: فبسبب رحمةٍ من الله أودعها الله في قلبك يا محمد كنت هيناً ليّن الجانب مع أصحابك مع أنهم خالفوا أمرك وعصوك" (4).
قال مقاتل: أي: " فبرحمة الله كان إذ لنت لهم في القول، ولم تسرع إليهم بما كان منهم يوم أحد يعنى المنافقين"(5).
قال ابن كثير: " أي: أي شيء جعلك لهم لينا لولا رحمة الله بك وبهم"(6).
قوله تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ} [آل عمران: 159]، "أي: ولو كنت جافي الطبع قاسي القلب، تعاملهم بالغلظة والجفا" (7).
قال ابن كثير: أي: لو كنت سيِّئَ الكلام قاسي القلب " (8).
قوله تعالى: {لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]، أي:" لتفرقوا عنك ونفروا منك"(9).
(1) تفسير المراغي: 4/ 110.
(2)
تفسير الطبري: 7/ 339.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 310.
(4)
صفوة التفاسير: 219.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 310.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 148.
(7)
صفوة التفاسير: 219.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 148.
(9)
صفوة التفاسير: 219.
قال ابن كثير: " لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم، كما قال عبد الله بن عمرو: إنه رأى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة: «أنه ليس بفَظٍّ، ولا غليظ، ولا سَخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح» (1) "(2).
وعن عائشة –رضي الله تعالى عنها-: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله أمَرَنِي بِمُدَارَاةِ النَّاس كَمَا أمَرني بِإقَامَة الْفَرَائِضِ" (3).
قوله تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ} [آل عمران: 159]، "أي: فتجاوز عما نالك من أذاهم يا محمد" (4).
قال محمد بن إسحاق: " أي: فتجاوز عنهم"(5).
قال الطبري: أي: " فاعف عنهم، فتجاوز، يا محمد، عن تُبَّاعك وأصحابك من المؤمنين بك وبما جئت به من عندي، ما نالك من أذاهم ومكروهٍ في نفسك "(6).
قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [آل عمران: 159]، أي:" واطلب لهم من الله المغفرة"(7).
قال محمد بن إسحاق: "، ذنوبَ من قارف من أهل الإيمان منهم "(8).
قال الطبري: أي: " وادع ربك لهم بالمغفرة لما أتوا من جُرْم، واستحقوا عليه عقوبة منه"(9).
قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159]، أي:"وشاورهم في جميع أمورك"(10).
قال ابن كثير: " ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الأمر إذا حَدَث، تطييبًا لقلوبهم؛ ليكونوا فيما يفعلونه أنشط لهم كما شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير فقالوا: يا رسول الله، لو استعرضت بنا عُرْض البحر لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى بَرْك الغَمَاد لسرنا معك، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب، فنحن معك وبين يديك وعن يمينك وعن شمالك مقاتلون (11).
وشاورهم - أيضا - أين يكون المنزل؟ حتى أشار المنذر بن عمرو المعتق ليموتَ، بالتقدم إلى أمام القوم، وشاورهم في أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو، فأشار جمهُورُهم بالخروج إليهم، فخرج إليهم.
وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ، فأبى عليه ذلك السَعْدَان: سعدُ بن معاذ وسعدُ بن عُبَادة، فترك ذلك.
وشاورهم يومَ الحُدَيبية في أن يميل على ذَرَاري المشركين، فقال له الصديق:"إنا لم نجيء لقتال أحد، وإنما جئنا معتمرين"(12)، فأجابه إلى ما قال.
وقال عليه السلام في قصة الإفك: «أشِيروا عَلَيَّ مَعْشَرَ الْمُسْلِمينَ فِي قَوْمٍ أبَنُوا أهلِي ورَمَوهُم، وايْمُ اللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أهْلِي مِنْ سُوءٍ، وأبَنُوهم بمَنْ - واللهِ - مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلا خَيْرًا» (13). واستشار عليا وأسامة في فراق عائشة، رضي الله عنها، فكان-صلى الله عليه وسلم-يشاورهم في الحروب ونحوها.
وقد اختلف الفقهاء: هل كان ذلك واجبا عليه أو من باب الندب تطييبا لقلوبهم؟ على قولين.
(1) رواه البخاري في صحيحه برقم (4838).
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 148.
(3)
السلسلة الضعيفة للألباني: (810): ص 2/ 219، وعزاه السيوطي في " الدر المنثور "(2/ 90) للحكيم الترمذي وابن عدي بسند فيه متروك، ورواه ابن مرديه في ثلاثة مجالس من الأمالى برقم (42) وابن عدي في الكامل (2/ 15) والديلمي في مسند الفردوس برقم (659) من طريق بشر بن عبيد به. قال ابن كثير:"حديث غريب". [انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 148].
(4)
صفوة التفاسير: 219.
(5)
أخرجه الطبري (8125): ص 7/ 343.
(6)
تفسير الطبري: 7/ 343.
(7)
صفوة التفاسير: 219.
(8)
أخرجه الطبري (8125): ص 7/ 343.
(9)
تفسير الطبري: 7/ 343.
(10)
صفوة التفاسير: 219.
(11)
انظر: السيرة لابن هشام: 2/ 203؛ والثقات لابن حبان: 1/ 158؛ وبرك الغماد: موضع وراء مكة بخمس ليال، وقيل بلد باليمن.
(12)
عمدة القاري شرح صحيح البخاري (2372): ص 14/ 2.
(13)
صحيح البخاري (4757): ص 6/ 107.
وأخرج الحاكم في مستدركه عن ابن عباس في قوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ} قال: "أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما"(1).
وقد روى الإمام أحمد بسنده عن عبد الرحمن بن غَنْم: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر: «لوِ اجْتَمَعْنا فِي مَشُورَةٍ مَا خَالَفْتُكُمَا» "(2).
وروى ابن مَرْدُويه، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال:"سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العَزْم؟ قال: «مُشَاوَرَةُ أهْلِ الرَّأْي ثُمَّ اتِّبَاعُهُمْ» "(3).
وعن أبي مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ» (4).
وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذَا اسْتَشَارَ أحَدُكُمْ أخَاهُ فَليشِر عليْهِ» (5) " (6).
قوله تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: 159]، "أي: إِذا عقدت قلبك على أمر بعد الاستشارة فاعتمد على الله وفوّض أمرك إِليه" (7).
قال ابن كثير: " أي: إذا شاورتهم في الأمر وعزَمْت عليه فتوكل على الله فيه"(8).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]، أي: إن الله "يحب المعتمدين عليه، المفوضين أمورهم إِليه"(9).
الفوائد:
1 -
بيان رحمة الله تعالى بنبيه-صلى الله عليه وسلم وبأمته، وذلك بجعله ليّنا لهم، فهذه رحمة به وبهم.
2 -
أنه ينبغي لمن له سيادة في قومه أن يكون لينا ليتعرض لرحمة الله عز وجل.
3 -
أن اللين أولا بكثير من الفظاظة والشدة.
4 -
بيان مضار الفظاظة والغلظة، ومن أعظم مضارها نفور الناس عن الإنسان.
5 -
أن الإنسان قد يعذر في الابتعاد عن أهل الخير إذاكانوا جفاة غلاظ القلوب.
6 -
أنه ينبغي للإنسان أن يعفو عن حقّه في معاملة إخوانه، وذلك إذا كان العفو مقيدا بإصلاح، وأما إذا ترتب على العفو زيادة إفساد وطغيان فإن هذه مصلحة تضمنت مفسدة أعظم.
7 -
الأمر بالشورى لما يترتب عليه ومن فوائد، وقد يكون للوجوب أو للاستحباب، حسب الأمر المشاور فيه.
8 -
الاعتماد على الله تعالى في فعل الأسباب، وينبغي على الإنسان إذا عزم على الأمر إلا يتردد.
9 -
إثبات المحبة لله عز وجل.
10 -
فضيلة التوكل على الله والحث عليه، لأن الله علّق محبته عليه، والتوكل على الله يكون بقطع الإنسان العلائق مما سوى الله عز وجل حتى من نفسه، ويفوّض أمره إلى الله تعالى تفويضا كاملا.
القرآن
التفسير:
إن يمددكم الله بنصره ومعونته فلا أحد يستطيع أن يغلبكم، وإن يخذلكم فمن هذا الذي يستطيع أن ينصركم من بعد خذلانه لكم؟ وعلى الله وحده فليتوكل المؤمنون.
(1) المستدرك: 3/ 70. . ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(2)
المسند (4/ 227).
(3)
ذكره السيوطي في الدر (2/ 360) وعزاه إلى ابن مردويه.
(4)
سنن ابن ماجة برقم (3746) وقال البوصيري في الزوائد (3/ 181): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات". وروي أيضا الحديث عن أبي هريرة، انظر: سنن ابن ماجة برقم (3745) وسنن أبي داود برقم (5128) وسنن الترمذي برقم (2822، 2369، 2370).
(5)
سنن ابن ماجة برقم (3747).
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 149 - 150. باختصار في ذكر سند الروايات.
(7)
صفوة التفاسير: 219.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 150.
(9)
صفوة التفاسير: 219.
قوله تعالى: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ} [آل عمران: 160]، " إِن أراد الله نصركم فلا يمكن لأحدٍ أن يغلبكم"(1).
قال محمد بن إسحاق: " أي: إن ينصرك الله فلا غالب لك من الناس لن يضرك خذلان من خذلك"(2).
قال ابن عثيمين: أي: "إذا قدّر الله نصركم فإته لن يغلبكم أحد"(3).
قال الطبري: أي: " إن ينصركم الله، أيها المؤمنون بالله ورسوله، على من ناوأكم وعاداكم من أعدائه والكافرين به فلا غالب لكم من الناس، يقول: فلن يغلبكم مع نصره إياكم أحد، ولو اجتمع عليكم مَن بين أقطارها من خلقه، فلا تهابوا أعداء الله لقلة عددكم وكثرة عددهم، ما كنتم على أمره واستقمتم على طاعته وطاعة رسوله، فإن الغلبة لكم والظفر، دونهم"(4).
قوله تعالى: {وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ} [آل عمران: 160]، " أي: وإِن أراد خذلانكم وترك معونتكم فلا ناصر لكم" (5).
قال محمد بن إسحاق: " وإن يخذلك فلن ينصرك الناس، {فمن الذي ينصركم من بعده}، أي: لا تترك أمري للناس، وارفض أمر الناس لأمري "(6).
قال الطبري: " يعني: ولكن على ربكم، أيها المؤمنون، فتوكلوا دون سائر خلقه، وبه فارضوا من جميع من دونه، ولقضائه فاستسلموا، وجاهدوا فيه أعداءه، يكفكم بعونه، ويمددكم بنصره"(7).
و"النصر" في الآية الكريمة يحتمل وجهين (8):
أحدهما: المعونة: والمعنى: إن أعانكم الله؛ فلا يغلبكم العدو، {وإن يخذلكم}: ولم يعنكم؛ فمن ذا الذي أعانكم سواه؟ ! ، ومنه قوله تعالى:{وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [آل عمران: 22].
والثاني: المنع: أي: إن منع الله عنكم العدو، فلا غالب لكم، {وإن يخذلكم}: ولم يعنكم، فمن الذي يمنعكم من بعده؟ !
قال الماتريدي: "والخذلان في الحقيقة هو: ترك المأمول منه ما أمل منه، واستعمل في هذا كما استعمل الابتلاء على غير حقيقته"(9).
قال التستري: " الخذلان: هو غاية الترك، وأما الترك فإن صاحبه يذنب وهو مقر بذنبه، فإذا أذنب على أنه ديانة فهو الخذلان، وهو عقوبة الله تعالى صاحب الخذلان لأنه أقامه على ذنبه مع علمه به وتسويفه بالتوبة، ألا ترى أن إبليس لما أبى وأصر عليه بعد الإباء خذله الله بعلمه السابق فيه، لأنه أراد منه ما علم ولم يرد منه ما أمره به، وآدم عليه السلام لما لم يكن بالترك مخذولاً أقر بالذنب بعد إتيانه ورجع إلى ربه جل وعز، فقبل توبته"(10).
قوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160]، " أي: وعلى الله وحده فليلجأ وليعتمد المؤمنون" (11).
قال ابن إسحاق: " {وعلى الله}، أي: لا على الناس، {فليتوكل المؤمنون} "(12).
قال ابن عثيمين: أي: "إذا قدّر الله نصركم فإته لن يغلبكم أحد"(13).
قال ابن عثيمين: أي: "على الله وحده فليتوكل المؤمنون به "(14).
الفوائد:
1 -
بيان كمال قدرة الله عز وجل، لقوله:{إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ} .
2 -
وجوب تعلّق القلب بالله وحده في طلب الانتصار.
3 -
أن الله إذا قدّر خذلان أحد فلا ناصر له.
4 -
على الإنسان الأخذ بأسباب النصر، ألا وهي: الإخلاص لله عز وجل، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا لقوله تعالى:{الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41].
5 -
التحذير من فعل أسباب الخذلان، ومنها: تولي الكفار ومناصرتهم ومعاضدتهم، لأن الاعتماد يكون على الله تعالى وحده لا على الناس.
6 -
وجوب التوكل على الله عز وجل، والتوكل من مقتضيات الإيمان.
القرآن
التفسير:
وما كان لنبيٍّ أن يَخُونَ أصحابه بأن يأخذ شيئًا من الغنيمة غير ما اختصه الله به، ومن يفعل ذلك منكم يأت بما أخذه حاملا له يوم القيامة; ليُفضَح به في الموقف المشهود، ثم تُعطى كل نفس جزاءَ ما كسبت وافيًا غير منقوص دون ظلم.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: أخرج عبد بن حميد والترمذي (15) والطبري (16) وأبو يعلى (17) وابن أبي حاتم (18) والطبراني (19)، وأبو داود (20)، والواحدي (21)، وابن عدي (22)، من طريق خصيف عن مقسم:"حدثني ابن عباس إن هذه الآية نزلت: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: أخذها محمد وأكثروا في ذلك، فأنزل الله تبارك وتعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} "(23).
والثاني: قال مقاتل: " نزلت في الذين طلبوا الغنيمة يوم أحد، وتركوا المركز، وقالوا: إنا نخشى أن يقول النبي- صلى الله عليه وسلم من أخذ شيئا فهو له ونحن هاهنا وقوف، فلما رآهم النبي- صلى الله عليه وسلم قال: «ألم أعهد إليكم ألا تبرحوا من المركز حتى يأتيكم أمري». قالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفا، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم: «ظننتم أنا نغل»، فنزلت: {وما كان لنبي أن يغل} "(24). وكذا نقله الواحدي عن مقاتل والكلبي (25).
(1) صفوة التفاسير: 219.
(2)
أخرجه الطبري (8135): ص 7/ 348.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 2/ 377.
(4)
تفسير الطبري: 7/ 347.
(5)
صفوة التفاسير: 219.
(6)
أخرجه الطبري (8135): ص 7/ 348.
(7)
تفسير الطبري: 7/ 347.
(8)
انظر: تفسير الماتريدي: 2/ 517.
(9)
تفسير الماتريدي: 2/ 517.
(10)
تفسير التستري: 51 - 52.
(11)
صفوة التفاسير: 219.
(12)
أخرجه الطبري (8135): ص 7/ 348.
(13)
تفسير ابن عثيمين: 2/ 377.
(14)
تفسير ابن عثيمين: 2/ 377.
(15)
في "جامعه"، كتاب "التفسير""5/ 214" من طريق عبد الواحد بن زياد.
(16)
انظر: تفسيره (8136): ص 7/ 348.
(17)
انظر: مسنده (2651): ص 5/ 60، ورو 4429): ص 3/ 803.اه في (2438): ص 4/ 327، عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس.
(18)
انظر تفسير ابن أبي حاتم (
(19)
انظر: المعجم الكبير: 11/ 364.
(20)
انظر: السنن، كتاب الحروف والقراءات: 4/ 31.
(21)
انظر: أسباب النزول: 126.
(22)
انظر: الكامل في ترجمة خصيف: 3/ 942، وأعله به قال المناوي في "الفتح السماوي" "1/ 414":"فالحديث ضعيف ووهم من حسنه كالجلال السيوطي "في حاشيته على البيضاوي" اغترارا بتحسين الترمذي له".
(23)
العجاب: 2/ 775.
(24)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 310.
(25)
انظر: أسباب النزول: 127.
والثالث: أخرج الطبري والواحدي (1) بسندهما عن الضحاك قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طلائع، فغنم النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقسم للطلائع، فأنزل الله عز وجل: {وما كان لنبيّ أن يغل} "(2).
الرابع: نقل الواحدي عن ابن عباس في رواية الضحاك: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وقع في يده غنائم هوازن يوم حنين غله رجل بمخيط، فأنزل الله تعالى هذه الآية"(3).
قال ابن حجر: " وهذا من تخليط جويبر، فإن هذه الآية نزلت في يوم أحد اتفاقا"(4).
والخامس: ونقل الواحدي أيضا عن قتادة: " نزلت وقد غل طوائف من أصحابه"(5).
والسادس: ونقل الواحدي أيضا عن ابن عباس: "أن أشراف الناس استدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخصصهم بشيء من الغنائم، فنزلت هذه الآية"(6).
قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} [آل عمران: 161]، " أي: وما صحَّ ولا استقام عقلاً لنبيٍّ من الأنبياء أن يخون في الغنيمة" (7).
قال الزجاج: المعنى" وما كان لنبي أن يخون أمته"(8).
قال المراغي: " أي ما كان من شأن أىّ نبى ولا من سيرته أن يغل، لأن الله عصم أنبياءه منه، فهو لا يليق بمقامهم ولا يقع منهم، لأن النبوة أعلى المناصب الإنسانية، فصاحبها لا يرغب فيما فيه دناءة وخسة"(9).
واختلت القراءة في قوله تعالى: {يَغُلَّ} [آل عمران: 161]، على وجهين (10):
أحدها: {يَغُلَّ} ، بفتح الياء وضم الغين، قرأ بهذا الوجه: ابن كثير وأبو عمرو وعاصم.
والثاني: {يغلّ} ، بضم الياء وفت الغين. قراءة الباقين.
قوله تعالى: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 161]، " أي: ومن يُخن من غنائم المسلمين شيئاً، يأت حاملاً له على عنقه يوم القيامة فضيحةً له على رءوس الأشهاد" (11).
قال المراغي: " أي وكل من يقع منه غلول يأتى بما غل به يوم القيامة حاملا له، ليفتضح أمره ويزيد به فى عذابه"(12).
قوله تعالى: {ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ} [آل عمران: 161]، أي: ثم "تعطى جزاء كل نفس ما عملت وافياً غير منقوص"(13).
قال محمد بن إسحاق: " ثم يُجزى بكسبه غير مظلوم"(14).
قال المراغي: " أي: ثم بعد أن يأتى الغالّ بما غل فيتمثل له كأنه حاضر بين يديه، ينال جزاء ما كسب مستوفى تاما لا ينقص منه شىء كما قال تعالى: «وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ، وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها؟ وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}، وجاء حكم التوفية فى الجزاء عاما لكل كاسب، وإن كان الكلام فى جزاء الغالّ فحسب- ليكون كالدليل على
(1) انظر: أسباب النزول: 127.
(2)
تفسير الطبري (8145): ص 7/ 351.
(3)
أسباب النزول: 127.
(4)
العجاب: 2/ 779.
(5)
أسباب النزول: 127.
(6)
أسباب النزول: 127.
(7)
صفوة التفاسير: 219.
(8)
معاني القرآن: 1/ 483.
(9)
تفسير المراغي: 4/ 119.
(10)
انظر: السبعة: 219.
(11)
صفوة التفاسير: 220.
(12)
تفسير المراغي: 4/ 119.
(13)
صفوة التفاسير: 220.
(14)
أخرجه الطبري (8168): 7/ 364.
المقصود من استيفائه الجزاء، فإنه إذا كان كل كاسب مجزيّا بعمله لا ينقص منه شىء وإن كان جرمه حقيرا، فالغالّ مع عظم جرمه أولى بذلك" (1).
قوله تعالى: {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 161]، أي: وهم "لا يظلمون بزيادة العذاب أو نقص الثواب"(2).
قال الثعلبي: أي: " لا ينقصون من حسناتهم ولا يزداد على سيئاتهم"(3).
قال سعيد بن جبير: " يعني: من أعمالهم"(4).
قال محمد بن إسحاق: " ولا متعدًّى عليه"(5).
قال الطبري: أي: " لا يفعل بهم إلا الذي ينبغي أن يفعل بهم، من غير أن يعتدي عليهم فينقصوا عما استحقوه"(6).
الفوائد:
1 -
لايجوز لأتباع النبي الغلول.
2 -
أن الجزاء من جنس العمل.
3 -
إثبات البعث.
4 -
إثبات قدرة الله تعالى إذ أنه قادر على أن يأتي الإنسان بما غل يوم القيامة، وأنه على كل شيء قدير.
5 -
جزاء كل نفس بما كسبت.
6 -
إثبات نفي الظلم عن الله، وبالتالي إثبات كمال عدله سبحانه وتعالى.
القرآن
{أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162)} [آل عمران: 162]
التفسير:
لا يستوي من كان قصده رضوان الله ومن هو مُكِبٌ على المعاصي، مسخط لربه، فاستحق بذلك سكن جهنم، وبئس المصير.
قوله تعالى: {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ} [آل عمران: 162]، أي:" أفمن أطاع الله وطلب رضوانه، كمن عصى الله فاستحق سخطه وباء بالخسران؟ "(7).
قال مقاتل: " يعنى رضى ربه- عز وجل ولم يغلل {كمن باء بسخط من الله} يعني استوجب السخط من الله- عز وجل في الغلول، ليسوا سواء"(8).
أخرج ابن المنذر " عن الضحاك بن مزاحم، في قوله عز وجل: {أفمن اتبع رضوان الله}، قال: من لم يغل {كمن باء بسخط من الله} قال: من غل "(9).
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: قوله: {أفمن اتبع رضوان الله} ، " أفمن اتبع رضوان الله يعني: أرضى الله فلم يغلل من الغنيمة" (10)، {كمن باء بسخط من الله}، يعني: كمن استوجب سخطا من الله في الغلول، فليس هو بسواء"(11).
(1) تفسير المراغي: 4/ 120 - 121.
(2)
صفوة التفاسير: 175.
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 39.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (3349): ص 2/ 624.
(5)
أخرجه الطبري (8168): 7/ 364.
(6)
تفسير الطبري: 7/ 364.
(7)
صفوة التفاسير: 220. [بتصرف].
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 311.
(9)
تفسير ابن المنذر (1139): ص 2/ 475.
(10)
تفسير ابن أبي حاتم (4447): ص 3/ 806.
(11)
تفسير ابن أبي حاتم (4453): ص 3/ 807.
وأخرج ابن المنذر "عن ابن جريج: {أفمن اتبع رضوان الله}، قال: أمر الله أداء الخمس {كمن باء بسخط من الله} فاستوجب سخط الله "(1).
وروي عن محمد بن إسحاق: " {أفمن اتبع رضوان الله} على ما أحب الناس وسخطوا، {كمن باء بسخط من الله} عز وجل لرضى الناس أو سخطهم، يقول: فمن كان على طاعتي وثوابه الجنه ورضوان ربه، كمن باء بسخط من الله فاستوجب غضبه"(2).
وعن الحسن: "قوله: {أفمن اتبع رضوان الله}: يقول: من أخذ الحلال خير له ممن أخذ الحرام، وهذا في الغلول وفي المظالم كلها"(3).
قال الطبري: " أفمن ترك الغلول وما نهاه الله عنه عن معاصيه، وعمل بطاعة الله في تركه ذلك، وفي غيره مما أمره به ونهاه من فرائضه، متبعًا في كل ذلك رضا الله، ومجتنبًا سخطه، كمن انصرف متحمِّلا سخط الله وغضبه"(4).
قال الزجاج: " يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أرمر المسلمين في أحد باتباعه، اتبعه المؤمنون وتخلف عنه جماعة من المنافقين، فأعلم الله جل وعز: - أن من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم -فقد اتبع رضوان الله، ومن تخلف عنه فقد باء بسخط من الله"(5).
ويقرأ {رضوان} ، بكسر الراء، و {رضوان} ، بضم الراء، وقد رويتا جميعا عن
عاصم (6).
قوله تعالى: {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 162]، " أي: مصيره ومرجعه جهنم وبئست النار مستقراً له" (7).
روي عن محمد بن إسحاق: " وكان مأواه جهنم، وبئس المصير أسواء المثلان؟ أي: فاعرفوا "(8).
قال سعيد بن جبير: "ثم بين مستقرهما، فقال للذي يغل: {مأواه جهنم} "(9)، " {وبئس المصير} يعني:
مصير أهل الغلول" (10).
قال الطبري: أي: " فاستحق بذلك سكنى جهنم، وبئس المصير الذي يصير إليه ويئوب إليه من باء بسخط من الله جهنم"(11).
الفوائد:
1 -
أن الرضا صفة من صفات الله تعالى.
2 -
إثبات السخط لله تعالى.
3 -
التحذير من التعرض لسخط الله عز وجل.
4 -
إثبات النار.
5 -
ذم النار والثناء عليها بالقدح، لقوله:{وبئس المصير} .
القرآن
{هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163)} [آل عمران: 163]
التفسير:
أصحاب الجنة المتبعون لما يرضي الله متفاوتون في الدرجات، وأصحاب النار المتبعون لما يسخط الله متفاوتون في الدركات، لا يستوون. والله بصير بأعمالهم لا يخفى عليه منها شيء.
قوله تعالى: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ} [آل عمران: 163]، " أي: هم متفاوتون في المنازل" (12).
عن ابن عباس: " {هم درجات عند الله}، يقول: بأعمالهم"(13).
وقال الحسن: " للناس درجات بأعمالهم في الخير والشر"(14).
وقال سعيد بن جبير: "ثم ذكر مستقر من لا يغل فقال: {هم درجات}، يعني: لهم فضائل عند الله"(15).
قال محمد بن إسحاق: " أي: لكلٍّ درجات مما عملوا في الجنة والنار"(16).
وقال مجاهد: " {هم درجات عند الله}، : هي كقوله: {لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ} "(17). وروي عن السدي نحو ذلك (18).
قال الزجاج: " أي: هم ذوو درجات، فالمؤمنون ذوو درجة رفيعة، - والكافرون ذوو درجة عند الله وضيعة"(19).
قال الواحدي: " أَيْ: أهل درجات عند الله يريد أنَّهم مختلفو المنازل فَلِمَن اتِّبع رضوان الله الكرامة والثَّواب ولِمَنْ باء بسخطٍ من الله المهانةُ والعذاب"(20).
قال البيضاوي: " شبهوا بالدرجات لما بينهم من التفاوت في الثواب والعقاب، أو هم ذوو درجات"(21).
قال الطبري: أي: " أنّ من اتبع رضوان الله ومن باء بسخَط من الله، مختلفو المنازل عند الله. فلمن اتبع رضوان الله، الكرامةُ والثواب الجزيل، ولمن باء بسخط من الله، المهانةُ والعقاب الأليم، ، وقيل: يعني: لمن اتبع رضوان الله منازلُ عند الله كريمة"(22).
وقال أبو عبيدة: "أي هم منازل، معناها: لهم درجات عند الله، كقولك: هم طبقات، قال ابن هَرْمة (23):
أرَجْمًا لِلْمَنُونِ يَكُونُ قَوْمي
…
لِرَيْبِ الدَّهْرِ أَمْ دَرَجُ السّيولِ
تفسيرها: أم هم على درج السيول. ويقال للدرجة التي يصعد عليها: درجة، وتقديرها: قصبة، ويقال لها أيضا: درجة" (24).
قال السعدي: " أي: كل هؤلاء متفاوتون في درجاتهم ومنازلهم بحسب تفاوتهم في أعمالهم، فالمتبعون لرضوان الله يسعون في نيل الدرجات العاليات، والمنازل والغرفات، فيعطيهم الله من فضله وجوده على قدر أعمالهم، والمتبعون لمساخط الله يسعون في النزول في الدركات إلى أسفل سافلين، كل على حسب عمله"(25).
(1) تفسير ابن المنذر (1140): ص 2/ 475.
(2)
أخرجه ابن المنذر (1141): ص 2/ 475.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4448): ص 3/ 806.
(4)
تفسير الطبري: 7/ 366.
(5)
معاني القرآن للزجاج: 1/ 486.
(6)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 486.
(7)
صفوة التفاسير: 220. [بتصرف].
(8)
أخرجه ابن المنذر (1141): ص 2/ 475.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (4455): ص 3/ 807.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (4456): ص 3/ 807.
(11)
تفسير الطبري: 7/ 366.
(12)
صفوة التفاسير: 220.
(13)
أخرجه الطبري (8173): ص 7/ 367.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (4459): ص 3/ 807.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (4460): ص 3/ 807.
(16)
أخرجه الطبري (8172): ص 7/ 367.
(17)
أخرجه الطبري (8174): ص 7/ 367.
(18)
انظر: تفسير الطبري (8173): ص 7/ 367.
(19)
معاني القرآن: 1/ 486.
(20)
الوجيز: 241.
(21)
تفسير البيضاوي: 2/ 46.
(22)
تفسير الطبري: 7/ 367.
(23)
انظر: الأغانى 4/ 101، والخزانة 1/ 204، والبيت فى الكتاب: 1/ 175، والطبري: 7/ 367، والشنتمرى 1/ 206 واللسان: مادة"درج"، وشواهد الكشاف:219.
(24)
مجاز القرآن: 1/ 107، وتفسير ابن المنذر (1145): ص 2/ 476 - 477.
(25)
تفسير السعدي: 155.
قال المراغي: " أي: إن كلا ممن اتبع رضوان الله ومن باء بغضب من الله طبقات مختلفة، ومنازل عند الله متفاوتة فى حكمه، وبحسب علمه بشئونهم وبما يستحقون من الجزاء {يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ} .
والخلاصة- إن الناس يتفاوتون فى الجزاء عند الله كما يتفاوتون فى الفضائل والمعرفة فى الدنيا، وما يترتب على ذلك من الأعمال الحسنة أو السيئة" (1).
فيتضح أن في معنى قوله تعالى: {درجات} [آل عمران: 163]، قولان:
أحدهما: أنها درجات الجنة، قاله الحسن (2).
والثاني: أنها فضائلهم، والمعنى: أنهم في الفضل مختلفون: بعضهم أرفع من بعض، قاله الفراء (3)، وابن قتيبة (4).
وفيمن عنى بهذا الكلام قولان:
أحدهما: أنهم الذين اتبعوا رضوان الله، والذين باؤوا بسخط من الله، فلمن اتبع رضوانه الثواب، ولمن باء بسخطه العذاب، هذا قول ابن عباس (5)، ومحمد بن إسحاق (6).
والثاني: أنهم الذين اتبعوا رضوان الله فقط، فإنهم يتفاوتون في المنازل، هذا قول سعيد بن جبير (7)، ومجاهد (8)، والسدي (9)، ومقاتل (10).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [آل عمران: 163]، أي:" والله ذو علم بما يعملون، لا يخفى عليه من أعمالهم شيء"(11).
قال محمد بن إسحاق: " إنّ الله لا يخفى عليه أهل طاعته من أهل معصيته"(12).
قال سعيد بن جبير: " يعني: بصير بمن غل منكم ومن لم يغل"(13).
قال البيضاوي: أي: " عالم بأعمالهم ودرجاتهم صادرة عنهم فيجازيهم على حسبها"(14).
قال الطبري: أي: "والله ذو علم بما يعمل أهل طاعته ومعصيته، لا يخفى عليه من أعمالهم شيء، يحصى على الفريقين جميعًا أعمالهم، حتى توفى كل نفس منهم جزاء ما كسبت من خير وشر"(15).
قال السعدي: أي: " لا يخفى عليه منها شيء، بل قد علمها، وأثبتها في اللوح المحفوظ، ووكل ملائكته الأمناء الكرام، أن يكتبوها ويحفظوها، ويضبطونها"(16).
قال الواحدي: " فيه حثٌّ على الطَّاعة وتحذيرٌ عن المعصية"(17).
الفوائد:
1 -
أن الناس عند الله منازل مختلفة.
2 -
أن الإيمان يزيد وينقص، لأن زيادة الدرجات بعد زيادة الإيمان باليقين والعمل الصالح.
(1) تفسير المراغي: 4/ 121.
(2)
(انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4459): ص 3/ 807.
(3)
انظر: معاني القرآن: 1/ 246.
(4)
انظر: تفسير غريب القرآن: 115.
(5)
انظر: تفسير الطبري (8173): ص 7/ 367.
(6)
انظر: تفسير الطبري (8172): ص 7/ 367.
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4460): ص 3/ 807.
(8)
انظر: تفسير الطبري (8174): ص 7/ 367.
(9)
انظر: تفسير الطبري (8173): ص 7/ 367.
(10)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 311.
(11)
تفسير الطبري: 7/ 368. [بتصرف].
(12)
أخرجه الطبري (8172): ص 7/ 367.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (4460): ص 3/ 807.
(14)
تفسير البيضاوي: 2/ 46.
(15)
تفسير الطبري: 7/ 368.
(16)
تفسير السعدي: 155.
(17)
الوجيز: 241.
3 -
إثبات غحاطة الله باعمال الخلق، ويترتب على هذا الأدب السلوكي، وهو أن نحذر من مخالفته.
القرآن
التفسير:
لقد أنعم الله على المؤمنين من العرب; إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم، يتلو عليهم آيات القرآن، ويطهرهم من الشرك والأخلاق الفاسدة، ويعلمهم القرآن والسنة، وإن كانوا من قبل هذا الرسول لفي غيٍّ وجهل ظاهر.
قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: 164]، أي:" لقد أنعم الله على المؤمنين حين أرسل إِليهم رسولاً عربياً من جنسهم"(1).
قال محمد بن إسحاق: " أي: لقد من الله عليكم يا أهل الإيمان"(2).
قال قتادة: " منّ الله عليهم من غير دعوة ولا رغبة من هذه الأمة، جعله الله رحمة لهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى صراط مستقيم"(3).
قال الطبري: " لقد تطوّل الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا، حين أرسل فيهم رسولا من أنفسهم، نبيًّا من أهل لسانهم، ولم يجعله من غير أهل لسانهم فلا يفقهوا عنه ما يقول"(4).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده " عن عروة، عن عائشة: في هذه الآية: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم}، قالت: هذه العرب خاصة"(5).
قال الزجاج: " بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا وهو رجل من الأميين لا يتلو كتابا ولا يخطه بيمينه، وبعثه بين قوم يخبرونه ويعرفونه بالصدق والأمانة وأنه لم يقرأ كتابا ولا لقنه فتلا عليهم أقاصيص الأمم السالفة، والأنبياء الماضية لا يدفع أخباره كتاب من كتب مخالفته، فأعلم الله أنه من على المؤمنين برساله من قد عرف أمره، فكان تناول الحجة والبرهان وقبول الأخبار والأقاصيص سهلا من قبله، وفي ذلك أعظم المنة، وقد جاء في التفسير إنه يراد رسول من العرب ولو كان القصد في ذلك- والله أعلم - أن أمره إنما كانت فيه المنة أنه من العرب لكان العجم لا حجة عليهم فيه، ولكن الأمر - والله أعلم - أن المنة فيه أنه قد خبر أمره وشأنه وعلم صدقه، وأتى بالبراهين بعد أن قد علموا إنه كان واحدا منهم"(6).
قوله تعالى: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} [آل عمران: 164]، أي:" يقرأ عليهم آي كتابه وتنزيله"(7).
قال مقاتل: " يعني القرآن"(8).
قوله تعالى: {وَيُزَكِّيهِمْ} [آل عمران: 164]، "أي: يطهرهم من الذنوب ودنس الأعمال" (9).
قال الطبري: أي: " يطهّرهم من ذنوبهم باتباعهم إياه وطاعتهم له فيما أمرهم ونهاهم"(10).
قال مقاتل: " يعني: ويصلحهم"(11).
وروي عن ابن عباس: "قوله: {ويزكيهم}، يعني: الزكاة طاعة الله والإخلاص"(12).
(1) صفوة التفاسير: 220.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4462): ص 3/ 808.
(3)
أخرجه الطبري (8177): ص 7/ 370.
(4)
تفسير الطبري: 7/ 369.
(5)
تفسير ابن أبي حاتم (4464): ص 3/ 808.
(6)
معاني القرآن: 1/ 488.
(7)
معاني القرآن: 1/ 488.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 311.
(9)
صفوة التفاسير: 220.
(10)
معاني القرآن: 1/ 488.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 311.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (4466): ص 3/ 808.
قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [آل عمران: 164]، " أي يعلمهم القرآن المجيد والسنة المطهرة"(1).
قال الحسن: " الكتاب: القرآن"(2)، " {والحكمة}: السنة" (3).
وقال ابن عباس: " {الكتاب}: الخط بالقلم"(4).
قال قتادة: " الحكمة، السنة"(5).
قال مقاتل: " {ويعلمهم الكتاب}، يعني: القرآن، {والحكمة}، يعني: المواعظ التي في القرآن من الحلال والحرام والسنة"(6).
وعن السدي: " قوله: {والحكمة}: يعني النبوة"(7).
وقال زيد بن أسلم: " الحكمة العقل في الدين"(8).
قال محمد ابن إسحاق: " {ويعلمهم الكتاب والحكمة}، قال: ويعلمكم الخير والشر لتعرفوا الخير فتعملوا به، والشر فتتقوا، ويخبركم برضاه عنكم إذا أطعتموه، ولتستكثروا من طاعته، وتجتنبوا ما يسخطه عنكم من معصيته"(9).
قال الطبري: أي: " ويعلمهم كتاب الله الذي أنزله عليه، ويبين لهم تأويله ومعانيه والحكمة، ويعني بالحكمة، السُّنةَ التي سنها الله جل ثناؤه للمؤمنين على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبيانَه لهم"(10).
قوله تعالى: {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]، "أي: وإِنه الحال والشأن كانوا قبل بعثته في ضلال ظاهر" (11).
قال محمد بن إسحاق: " أي: في عمياء من الجاهلية، لا تعرفون حسنة ولا تستغفرون من سيئة، صُمٌّ عن الحق، عُمْيٌ عن الهدى"(12).
قال قتادة: "ليس والله كما تقول أهل حروراء: محنة غالبة، من أخطأها أهَريق دمه (13)، ولكن الله بعث نييه صلى الله عليه وسلم إلى قوم لا يعلمون فعلَّمهم، وإلى قوم لا أدب لهم فأدَّبهم"(14).
قال الطبري: أي: " وإن كانوا من قبل أن يمنّ الله عليهم بإرساله رسوله الذي هذه صفته، لفي جهالة جهلاء، وفي حيرة عن الهدى عمياء، لا يعرفون حقًّا، ولا يبطلون باطلا"(15).
الفوائد:
1 -
الاسلام أكبر نعمة وأجلها على المسلمين فيجب شكرها بالعمل به والتقيد بشرائعه وأحكامه.
2 -
ثبوت رسالة النبي-صلى الله عليه وسلم.
3 -
حرص النبي-صلى الله عليه وسلم على إبلاغ الرسالة.
4 -
فضل العلم بالكتاب والسنة.
القرآن
(1) صفوة التفاسير: 220.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4467): ص 3/ 809.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4470): ص 3/ 809.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4469): ص 3/ 809.
(5)
أخرجه الطبري (8177): ص 7/ 370.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 311.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (4471): ص 3/ 809.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (4472): ص 3/ 809.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (4468): ص 3/ 809.
(10)
معاني القرآن: 1/ 488.
(11)
صفوة التفاسير: 220.
(12)
أخرجه الطبري (8178): ص 7/ 370.
(13)
أهل حروراء: هم الخوارج، وهذا مذهبهم.
(14)
أخرجه الطبري (8177): ص 7/ 370.
(15)
معاني القرآن: 1/ 488.
التفسير:
أو لما أصابتكم -أيها المؤمنون- مصيبة، وهي ما أُصيب منكم يوم «أُحد» قد أصبتم مثليها من المشركين في يوم «بدْر» ، قلتم متعجبين: كيف يكون هذا ونحن مسلمون ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا وهؤلاء مشركون؟ قل لهم -أيها النبي-: هذا الذي أصابكم هو من عند أنفسكم بسبب مخالفتكم أمْرَ رسولكم وإقبالكم على جمع الغنائم. إن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقِّب لحكمه.
في سبب نزول الآية:
أخرج الإمام أحمد وأبو بكر بن أبي شيبة (1) في مسنديهما عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: " فلما كان يوم أحدٍ من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدرٍ من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، وأنزل الله تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} الآية بأخذكم الفداء "(2).
وفي المعنى نفسه أخرج الطبري بسنده عن عبيدة السلماني عن علي قال: "جاء جبريل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال له: يا محمد، إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الأسارى، وقد أمرك أن تخيّرهم بين أمرين: أن يقدَّموا فتضرب أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يُقتل منهم عدتهم. قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فذكر ذلك لهم، فقالوا: يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا! ! لا بل نأخذ فداءهم فنتقوى به على قتال عدونا، ويستشهد منا عِدَّتهم، فليس في ذلك ما نكره! قال: فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلا عدة أسارى أهل بدر"(3).
قوله تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ} [آل عمران: 165]، أي:" أوَ حين أصابتكم، أيها المؤمنون، مصيبة"(4).
قال الطبري: " وهي القتلى الذين قتلوا منهم يوم أحد، والجرحى الذين جرحوا منهم بأحد، وكان المشركون قتلوا منهم يومئذ سبعين نفرًا"(5).
قال ابن كثير: " وهي ما أصيب منهم يوم أُحد من قتل السبعين منهم"(6).
قوله تعالى: {قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} [آل عمران: 165]، أي:" قد أصبتم، أنتم أيها المؤمنون، من المشركين مثلي هذه المصيبة"(7).
قال ابن كثير: " يعني: يوم بَدْر، فإنهم قتلوا من المشركين سبعين قتيلا وأسروا سبعين أسيرا"(8).
قال الخفر: " الفائدة في قوله: قد أصبتم مثليها هو التنبيه على أن أمور الدنيا لا تبقى على نهج واحد، فلما هزمتموهم مرتين فأي استبعاد في أن يهزموكم مرة واحدة"(9).
قال ابن عباس: " يقول: إنكم أصبتم من المشركين يوم بدر مثل ما أصابوا منكم يوم أحد"(10). وروي عن جابر بن عبد الله، وعكرمة، والسدي، وقتادة، والضحاك، والربيع بن أنس نحو ذلك (11).
(1) انظر: مصنف ابن أبي شيبة (36684): ص 7/ 357.
(2)
مسند الإمام أحمد (208): ص 1/ 254. وانظر "صحيح مسلم"، كتاب "الجهاد والسير"، باب الامداد بالملائكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم "3/ 1383 - 1384" "1763" وأخرج الترمذي بعضه في كتاب "التفسير" "5/ 251 - 252" وقال: "حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه من حديث عمر إلا من حديث عكرمة بن عمار عن أبي زميل، وأبو زميل اسمه سماك الحنفي
…
".
(3)
تفسير الطبري (8191): ص 7/ 376. والحديث أصله عند الترمذي، في "جامعه"، كتاب "السير"، باب ما جاء في قتل الأسارى والفداء "4/ 114" "1567"، والنسائي في "السير" في "الكبرى"، كما في "التحفة" "7/ 430 - 431"
(4)
تفسير الطبري: 7/ 371.
(5)
تفسير الطبري: 7/ 371.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 158.
(7)
تفسير الطبري: 7/ 371.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 158.
(9)
مفاتيح الغيب: 9/ 420، ونقله المراغي بتمامه، انظر: تفسيره: 4/ 126.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (4475): ص 3/ 810.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4475): ص 3/ 810.
قوله تعالى: {قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا} [آل عمران: 165]، أي: قلتم: " من أين جرى علينا هذا؟ "(1).
قال الضحاك: " بأي ذنب هذا؟ "(2).
قال الطبري: أي: قلتم: " من أيِّ وجه هذا؟ ومن أين أصابنا هذا الذي أصابنا، ونحن مسلمون وهم مشركون، وفينا نبي الله صلى الله عليه وسلم يأتيه الوحي من السماء، وعدوُّنا أهل كفر بالله وشرك؟ "(3).
قال الفخر: " سبب تعجبهم أنهم قالوا نحن ننصر الإسلام الذي هو دين الحق، ومعنا الرسول، وهم ينصرون دين الشرك بالله والكفر، فكيف صاروا منصورين علينا! واعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة من وجهين:
الأول: ما أدرجه عند حكاية السؤال، وهو قوله:{قد أصبتم مثليها} ، يعني: أن أحوال الدنيا لا تبقى على نهج واحد، فإذا أصبتم منهم مثلي هذه الواقعة فكيف تستبعدون هذه الواقعة؟
والثاني: قوله قل: {هو من عند أنفسكم} " (4).
قوله تعالى: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165]، " أي: قل لهم يا محمد: إِن سبب المصيبة منكم أنتم" (5).
قال ابن عباس: " عقوبة بمعصيتكم النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: لا تتبعوهم "" (6).
قال محمد بن إسحاق: " أي: إن لم تكن قد أصابتكم مصيبة في إخوانكم، فبذنوبكم"(7).
قال الزجاج: " أي أصابكم بمعصيتكم النبي صلى الله عليه وسلم وما من قوم أطاعوا نبيهم في حربهم إلا نصروا، لأنهم إذا أطاعوا فهم حزب الله، وحزب الله هم الغالبون"(8).
قال الزمخشري: " المعنى: أنتم السبب فيما أصابكم، لاختياركم الخروج من المدينة، أو لتخليتكم المركز"(9).
قال الطبري: " قل يا محمد للمؤمنين بك من أصحابك: أصابكم هذا الذي أصابكم من عند أنفسكم، بخلافكم أمري وترككم طاعتي، لا من عند غيركم، ولا من قبل أحد سواكم"(10).
قال الفخر: " أنكم إنما وقعتم في هذه المصيبة بشؤم معصيتكم وذلك لأنهم عصوا الرسول في أمور:
أولها: أن الرسول عليه السلام قال: المصلحة في أن لا نخرج من المدينة بل نبقى هاهنا، وهم أبوا إلا الخروج، فلما خالفوه توجه إلى أحد.
وثانيها: ما حكى الله عنهم من فشلهم.
وثالثها: ما وقع بينهم من المنازعة.
ورابعها: أنهم فارقوا المكان وفرقوا الجمع.
وخامسها: اشتغالهم بطلب الغنيمة وإعراضهم عن طاعة الرسول عليه السلام في محاربة العدو، فهذه الوجوه كلها ذنوب ومعاصي، والله تعالى إنما وعدهم النصر بشرط ترك المعصية، كما قال:{إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} " (11).
وفي تفسيرقوله تعالى: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165]، ثلاثة أوجه:
أحدها: معناه: أنكم تركتم ما أمرتم به، وطلبتم الغنيمة وتركتم مراكزكم، فمن قبلكم جاء الشر. وهذا قول: مقاتل (12)، وأبو الليث (13)، والكلبي (14)، وعطاء (15)، واختيار: الفراء (16)، والزجاج (17)، وابن قتيبة (18).
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 158.
(2)
أخرجه ابن المنذر (1154): ص 2/ 480.
(3)
تفسير الطبري: 7/ 371.
(4)
مفاتيح الغيب: 9/ 420.
(5)
صفوة التفاسير: 220.
(6)
أخرجه ابن المنذر (1155): ص 2/ 480.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (4477): ص 3/ 810.
(8)
معاني القرآن: 1/ 488.
(9)
الكشاف: 1/ 437.
(10)
تفسير الطبري: 7/ 371.
(11)
مفاتحي الغيب: 9/ 420، ونقله المراغي بتمامه، انظر: تفسيره: 4/ 126.
(12)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 311.
(13)
انظر: بحرالعلوم: 1/ 313.
(14)
انظر: التفسير البسيط للواحدي: 6/ 153.
(15)
انظر: التفسير البسيط للواحدي: 6/ 153.
(16)
انظر: معاني القرآن: 1/ 246.
(17)
انظر: معاني القرآن: 1/ 488.
(18)
انظر: تفسير غريب القرآن: 115.
قال الواحدي: "وعلى هذا القول: أضاف إليهم المعصية والهزيمة، وإن كانت مخلوقة لله -تعالى- مرادة، لأن المعصية تضاف إلى العاصي من حيث المباشرة والكسب"(1).
قال الفخر: " استدلت المعتزلة على أن أفعال العبد غير مخلوقة لله تعالى"(2).
ويرد عليهم: "بأنه لم يقل أحد أن العبد خلق أفعاله غيره، والمصيبة التي أصابت المؤمنين هي بفعل الكافرين، فليس هي فعل لهم، وإنما فعلهم السبب في ذلك فإذا استدلوا بالسبب، قلنا: ليس لهم دليل من الآية بل فيها ما يرده، وهو قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} "(3).
والثاني: أن المعنى: بخروجكم من المدينة، وخلافكم على رسولكم؛ وذلك أنه دعاهم إلى التحصن بالمدينة، وكان قد رأى في المنام أن عليه درعا حصينة، فأولها: المدينة. فقالوا: كنا نمتنع في الجاهلية، ونحن اليوم أحق بالامتناع، فأكرهوا رسول الله على الخروج. وهذا قول: ابن عباس (4)، والحسن (5)، وقتادة (6)، والربيع (7)، والسدي (8)، وابن جريج (9)، وعكرمة (10) ، ومحمد بن إسحاق (11)، والضحاك (12).
والثالث: أن المعنى: قل هو من عند أنفسكم، بإساركم المشركين يوم بدر، وأخذكم منهم الفداء، وترككم قتلهم. وهذا قول علي-كرّم الله وجهه- (13)، وعبيدة (14)، .
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165]، " أي: إن الله يفعل ما يشاء لا معقب لحكمه ولا رادّ لِقضائه" (15).
قال البيضاوي: أي: " فيقدر على النصر ومنعه وعلى أن يصيب بكم ويصيب منكم"(16).
قال الطبري: أي: " إن الله على جميع ما أراد بخلقه من عفو وعقوبة، وتفضل وانتقام، {قدير}، يعني: ذو قدرة"(17).
(1) التفسير البسيط: 6/ 153. والكسب: هو الفعل الذي يعود على فاعله بنفع، أو خير، كما قال تعالى: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286]. "مجموع فتاوى ابن تيمية" 8/ 387"، وانظر: "شرح العقيدة الطحاوية" ص 448.
وقد نقل السفاريني بعض اصطلاحات المتكلمين حول الكسب، فقال: "الكسب في اصطلاح المتكلمين: ما وقع من الفاعل مقارنا لقدرة محدثة واختيار، وقيل: هو ما وجد بقدرة محدثة في المكتسب.
وقال العلامة ابن حمدان: الكسب هو ما خلقه الله في محل قدرة المكتسب على وفق إرادته في كسبه .. ". "لوامع الأنوار" 1/ 291. وانظر ما بعدها. وانظر للتوسع في موضوع الكسب: "شفاء العليل" 121 وما بعدها، و"شرح العقيدة الطحاوية" ص 438 وما بعدها، و"المعتزلة وأصولهم الخمسة" 169 - 184، و"أفعال العباد في القرآن الكريم" لعبد العزيز المجذوب 325 وما بعدها، و"الكليات"، لأبي البقاء 161.
(2)
مفاتيح الغيب: 9/ 421.
(3)
تفسير ابن عرفة: 1/ 441.
(4)
انظر: تفسير الطبري (8186): ص 7/ 374.
(5)
انظر: تفسير الطبري (8183): ص 7/ 374.
(6)
انظر: تفسير الطبري (8179): ص 7/ 372 - 373.
(7)
انظر: تفسير الطبري (8180): ص 7/ 373.
(8)
انظر: تفسير الطبري (8185): ص 7/ 374.
(9)
انظر: تفسير الطبري (8184): ص 7/ 374.
(10)
انظر: تفسير الطبري (8182): ص 7/ 373 - 374.
(11)
انظر: تفسير الطبري (8187): ص 7/ 375.
(12)
انظر: تفسير الطبري (8188): ص 7/ 375.
(13)
انظر: تفسير الطبري (8191): ص 7/ 376.
(14)
انظر: تفسير الطبري (8189) - (8190): ص 7/ 375 - 376.
(15)
صفوة التفاسير: 220.
(16)
تفسير البيضاوي: 2/ 47، وانظر: تفسير النسفي: 1/ 309.
(17)
تفسير الطبري: 7/ 371 - 372.
قال السعدي: يعني: " فإياكم وسوء الظن بالله، فإنه قادر على نصركم، ولكن له أتم الحكمة في ابتلائكم ومصيبتكم، {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [محمد: 4] "(1).
الفوائد:
1 -
جواز توبيخ من كان كامل الإيمان إذا فعل ما يستحق التوبيخ عليه، لأن الله وبّخ الذين قالوا:{أنّى هذا} .
2 -
إثبات الأسباب في قوله تعالى: {قل هو من عند أنفسكم} .
3 -
منّة الله تعالى على الصحابة-رضوان الله تعالى عليهم- لأن الله قد جعل على أيديهم مصيبة أكبر مما أصابهم، بل هي مثلا ما أصابهم، في قوله:{قد أصبتم مثليها} .
4 -
إثبات اسم القدير من أسماء الله، والقدرة صفة يتصف بها القادر، تمنعه من وصف العجز.
القرآن
{وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166)} [آل عمران: 166]
التفسير:
وما وقع بكم مِن جراح أو قتل في غزوة «أُحد» يوم التقى جَمْعُ المؤمنين وجمع المشركين فكان النصر للمؤمنين أولا ثم للمشركين ثانيًا، فذلك كله بقضاء الله وقدره، وليظهر ما علمه الله في الأزل؛ ليميز المؤمنين الصادقين منكم.
قوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [آل عمران: 166]، أي:" والذي أصابكم يوم التقى الجمعان، وهو يوم أحد، حين التقى جمع المسلمين والمشركين"(2).
قال محمد بن إسحاق: " أي: ما أصابكم حين التقيتم أنتم وعدوّكم"(3).
قال الطبري: " ويعني بـ الذي أصابهم، ما نال من القتل مَنْ قُتِل منهم، ومن الجراح من جرح منهم"(4).
قوله تعالى: {فَبِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: 166]، أي: فهو كان "بقضائه وقدَره فيكم"(5).
قال الزجاج: " أي ما أصابكم كان بعلم الله"(6).
قال الماتريدي: أي: " فبمشيئة الله وإرادته"(7).
قال الشوكاني: أي: " فبعلمه، وقيل: بقضائه وقدره وقيل بتخليته بينكم وبينهم"(8).
قال محمد بن إسحاق: "فبإذني كان ذلك حين فعلتم ما فعلتم، بعد أن جاءكم نصري، وصدقتكم وعدي"(9).
قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 166]، " أي: وليعلم أهل الإِيمان الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا" (10).
قال محمد بن إسحاق: " ليميز بين المنافقين والمؤمنين، وليعلم الذين نافقوا منكم، أي: ليظهروا ما فيهم"(11).
قال الزجاج: " أي ليظهر إيمان المؤمنين بثبوتهم على ما نالهم"(12).
قال الماتريدي: أي: " ليعلم ما قد علم أنهم يؤمنون، ويصبرون على البلايا والقتال مؤمنين صابرين محتسبين"(13).
(1) تفسير السعدي: 156.
(2)
تفسير الطبري: 7/ 377.
(3)
أخرجه الطبري (8192): ص 7/ 377.
(4)
تفسير الطبري: 7/ 377.
(5)
تفسير الطبري: 7/ 377.
(6)
معاني القرآن: 1/ 488.
(7)
تفسير الماتريدي: 2/ 524.
(8)
فتح القدير: 1/ 454.
(9)
أخرجه الطبري (8192): ص 7/ 377.
(10)
صفوة التفاسير: 220.
(11)
أخرجه الطبري (8192): ص 7/ 377.
(12)
معاني القرآن: 1/ 488.
(13)
تفسير الماتريدي: 2/ 524.
قال الطبري: أي: " وليعلم الله المؤمنين، وليعلم الذين نافقوا، أصابكم ما أصابكم يوم التقى الجمعان بأحد، ليميِّز أهلُ الإيمان بالله ورسوله المؤمنين منكم من المنافقين فيعرفونهم، لا يخفى عليهم أمر الفريقين"(1).
قال ابن عرفة: " وهو وعد ووعيد؛ لأنه إذا علم العبد الطائع أن سيده عالم بما هو فاعل من الطاعة يزداد فرحا وسرورا واجتهادا في عمله، وإذا علم العاصي بأن سيده عالم بما هو يفعل من وجوه المخالفات يزداد هما وغما، ويكون ذلك إنذارا له وتنفيرا عن نعمته، وعبر عن المؤمنين بالاسم والكافرين (2) بالفعل إشارة إلى أن ذلك الوعد إنما هو لمن ثبت له الإيمان في قلبه وفي ظاهره، وأما الوعيد فهو لمن اتصف بأدنى شيء من النفاق فجرت الأولى مجرى الأمر، والثانية مجرى النهي، وفي الحديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا» (3) "(4).
الفوائد:
1 -
تسلية المؤمنين بقضاء الله قدره، لأن المؤمن إذا علم أنه من عند الله رضي وسلّم.
2 -
أن الله قد يقدّر على عبده المؤمن ما يكرهه لحكم عظيمة.
القرآن
التفسير:
وليعلم المنافقين الذين كشف الله ما في قلوبهم حين قال المؤمنون لهم: تعالوا قاتلوا معنا في سبيل الله، أو كونوا عونًا لنا بتكثيركم سوادنا، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون أحدًا لكنا معكم عليهم، هم للكفر في هذا اليوم أقرب منهم للإيمان; لأنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. والله أعلم بما يُخفون في صدورهم.
في سبب نزول الآية:
أخرج الطبري عن عكرمة، قوله:" {قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم}، قال: نزلت في عبدالله بن أبيّ ابن سلول"(5).
قال ابن حجر: " اتفقوا على أنها نزلت في عبد الله بن أبي وأتباعه الذين رجعوا قبل القتال"(6).
قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا} [آل عمران: 167]، "أي: وليعلم أهل النفاق" (7).
قال محمد بن إسحاق: " يعني: عبدالله بن أبيّ ابن سلول وأصحابه الذين رجعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سار إلى عدوّه من المشركين بأحد"(8).
قال الزجاج: أي: " ويظهر نفاق المنافقين بفشلهم وقلة الصبر على ما ينزل بهم في ذات الله"(9).
قال ابن كثير: " يعني بذلك أصحاب عبد الله بن أبي ابن سلول الذين رجعوا معه في أثناء الطريق، فاتبعهم من اتبعهم من المؤمنين يحرضونهم على الإياب والقتال والمساعدة"(10).
(1) تفسير الطبري: 7/ 377.
(2)
سوف يأتي في الآية التالية، وهو قوله:{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا} [آل عمران: 167].
(3)
تفسير ابن عرفة: 1/ 441 - 442.
(4)
أصل الحديث: عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ذروني ما تركتكم. فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم. وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه". أخرجه الأمام أحمد في المسند 2/ 247 والحديث رقم 7361.
ومسلم في: الحج، حديث 412، والنسائي في: الحج، 1 - باب وجوب الحج.
(5)
تفسير الطبري (8196): ص 7/ 380.
(6)
العجاب: 2/ 783.
(7)
صفوة التفاسير: 220.
(8)
أخرجه الطبري (8194): ص 7/ 379.
(9)
معاني القرآن: 1/ 488.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 160.
قوله تعالى: {وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [آل عمران: 167]، "أي: فقال لهم المسلمون: تعالوا قاتلوا المشركين معنا" (1).
قوله تعالى: {أَوِ ادْفَعُوا} [آل عمران: 167]، أي:" أو ادفعوا بتكثيركم سوادنا! "(2).
وفي قوله تعالى: {أَوِ ادْفَعُوا} [آل عمران: 167]، وجهان من التفسير:
أحدهما: يعني تكثير السواد وإن لم يقاتلوا. وهو قول السدي (3)، وابن جريج (4).
والثاني: معناه: أو رابطوا على الخيل إن لم تقاتلوا. وهو قول ابن عوف الأنصاري (5).
قوله تعالى: {قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ} [آل عمران: 167]، " أي: قال المنافقون: لو نعلم أنك تلقون حرباً لقاتلنا معكم" (6).
قال محمد بن إسحاق: " يقول: لو نعلم أنكم تقاتلون لسرنا معكم، ولدفعنا عنكم، ولكن لا نظن أن يكون قتال. فظهر منهم ما كانوا يخفون في أنفسهم"(7).
وقال مجاهد: ": لو نعلم أنَّا واجدون معكم قتالا لو نعلم مكان قتال، لاتبعناكم"(8).
قال الطبري: أي: " لو نعلم أنكم تقاتلون لسرنا معكم إليهم، ولكنا معكم عليهم، ولكن لا نرى أنه يكون بينكم وبين القوم قتالٌ! "(9).
قال السمعاني: " فرجعوا وهم يقولون: لا قتال، لا قتال، حتى يفشل المسلمون"(10).
قال الزمخشري: " ووجه آخر وهو أن يكون معنى قولهم لو نعلم قتالا لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا لاتبعناكم يعنون أن ما أنتم فيه لخطإ رأيكم وزللكم عن الصواب ليس بشيء، ولا يقال لمثله قتال، إنما هو إلقاء بالأنفس إلى التهلكة، لأن رأى عبد الله كان في الإقامة بالمدينة وما كان يستصوب الخروج"(11).
أخرج الطبري بسنده عن محمد بن إسحاق، قال:" حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا، كلهم قد حدَّث قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني حين خرج إلى أحد - في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشوط بين أحد والمدينة، انخزل عنهم عبدالله بن أبيّ ابن سلول بثلث الناس وقال: أطاعهم فخرج وعصاني! والله ما ندري علامَ نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس! ! فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه من أهل النفاق وأهل الريْب، واتبعهم عبدالله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول: يا قوم، أذكّركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوّهم! فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أن يكون قتال! فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال: أبعدَكم الله أعداء الله! فسيُغني الله عنكم! ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم"(12).
وقال السدي: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني يوم أحد - في ألف رجل، وقد وعدهم الفتحَ إن صبرُوا. فلما خرجوا، رجع عبدالله بن أبي ابن سلول في ثلثمئة، فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم، فلما غلبوه وقالوا له: ما نعلم قتالا ولئن أطعتنا لترجعن معنا! قال: فذكر الله أصحاب عبدالله بن أبيّ ابن سلول، وقول
(1) تفسير الطبري: 7/ 378.
(2)
تفسير الطبري: 7/ 378.
(3)
انظر: تفسير الطبري (8197): ص 7/ 380.
(4)
انظر: تفسير الطبري (8198): ص 7/ 380.
(5)
انظر: تفسير الطبري (8199): ص 7/ 380 - 381.
(6)
صفوة التفاسير: 220.
(7)
أخرجه الطبري (8194): ص 7/ 379.
(8)
أخرجه الطبري (8196): ص 7/ 380.
(9)
تفسير الطبري: 7/ 378.
(10)
تفسير السمعاني: 1/ 377.
(11)
الكشاف: 1/ 437.
(12)
أخرجه اطبري (8193): ص 7/ 378 - 379.
عبدالله بن جابر بن عبدالله الأنصاري حين دعاهم فقالوا: ما نعلم قتالا ولئن أطعتمونا لترجعُنّ معنا، فقال:{الَّذِينَ قَالُوا لإخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ} " (1).
قوله تعالى: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ} [آل عمران: 167]، " أي: بإِظهارهم هذا القول صاروا أقرب إِلى الكفر منهم إِلى الإِيمان" (2).
قال السمعاني: " يعني: بعد رجوعهم ومقالتهم تلك؛ لأنهم كانوا من قبل من المؤمنين في الظاهر؛ وإن كانوا منافقين في الباطن، فلما فارقوا المؤمنين صاروا أقرب إلى الكفر منهم للإيمان"(3).
قال الزمخشري: " يعنى: أنهم قبل ذلك اليوم كانوا يتظاهرون بالإيمان وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم، فلما انخزلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا، تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنون بهم واقتربوا من الكفر.
وقيل: هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، لأن تقليلهم سواد المسلمين بالانخزال تقوية للمشركين يقولون بأفواههم لا يتجاوز إيمانهم أفواههم ومخارج الحروف منهم ولا تعى قلوبهم منه شيئا.
وذكر الأفواه مع القلوب تصوير لنفاقهم، وأن إيمانهم موجود في أفواههم معدوم في قلوبهم، خلاف صفة المؤمنين في مواطأة قلوبهم لأفواههم" (4).
قوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 167]، "أي: يظهرون خلاف ما يضمرون" (5).
قال محمد بن إسحاق: " يظهرون لك الإيمان، وليس في قلوبهم "(6).
قال الطبري: " فأبدوْا من نفاق أنفسهم ما كانوا يكتمونه، وأبدوا بألسنتهم بقولهم: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، غير ما كانوا يكتمونه ويخفونه من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان به"(7).
قال السعدي: " وهذه خاصة المنافقين، يظهرون بكلامهم وفعالهم ما يبطنون ضده في قلوبهم وسرائرهم، ويستدل بهذه الآية على قاعدة «ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما، وفعل أدنى المصلحتين، للعجز عن أعلاهما»؛ لأن المنافقين أمروا أن يقاتلوا للدين، فإن لم يفعلوا فللمدافعة عن العيال والأوطان"(8).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [آل عمران: 167]، أي:" والله أعلم بما يُخفون في صدورهم"(9).
قال محمد بن إسحاق: "، أي: يخفون"(10).
قال الزمخشري: أي: من النفاق، وبما يجرى بعضهم مع بعض من ذم المؤمنين وتجهيلهم وتخطئة رأيهم والشماتة بهم وغير ذلك، لأنكم تعلمون بعض ذلك علما مجملا بأمارات، وأنا أعلم كله علم إحاطة بتفاصيله وكيفياته" (11).
قال الطبري: أي: " والله أعلم من هؤلاء المنافقين الذين يقولون للمؤمنين: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، بما يضمرون في أنفسهم للمؤمنين ويكتمونه فيسترونه من العداوة والشنآن، وأنهم لو علموا قتالا ما تبعوهم ولا دافعوا عنهم، وهو تعالى ذكره محيط بما هم مخفوه من ذلك، مطلع عليه، ومحصيه عليهم، حتى يهتك أستارهم في عاجل الدنيا فيفضحهم به، ويُصليهم به الدرك الأسفل من النار في الآخرة"(12).
الفوائد:
(1) أخرجه اطبري (8194): ص 7/ 378 - 379 - 380.
(2)
صفوة التفاسير: 220.
(3)
تفسير السمعاني: 1/ 377.
(4)
الكشاف: 1/ 437.
(5)
محاسن التأويل: 2/ 455.
(6)
أخرجه الطبري (8194): ص 7/ 379.
(7)
تفسير الطبري: 7/ 378.
(8)
تفسير السعدي: 156.
(9)
التفسير الميسر: 72.
(10)
أخرجه الطبري (8194): ص 7/ 379.
(11)
الكشاف: 1/ 437 - 438.
(12)
تفسير الطبري: 7/ 381.
1 -
إثبات النفاق في هذه الأمة، لأن قوله:{وليعلم الذين نافقوا} ، أي: بعد إيمانهم، ولم يبرز النفاق إلا بعد غزوة بدر، التي كانت في السنة الثانية من رمضان، وحصل فيها من العزّ ما جعل المنافقين يظهرون نفاقهم، إذ أنهم صاروا يخافون من المؤمنين فصاروا ينافقون، أي: يظهرون أنهم مؤمنون وما هم بمؤمنين.
2 -
التحذير من النفاق.
3 -
أن المنافقين من أكذب الناس.
4 -
أ، القول عند الإطلاق ما تواطأ عليه القلب واللسان، فنستنتج من هذه الفائدة أن من نطق بقول دون أن يكون له قصد في قلبه، فإنه لاغ.
5 -
أن الكفر ضد الإيمان لقوله: {هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان} .
القرآن
التفسير:
هؤلاء المنافقون هم الذين قعدوا وقالوا لإخوانهم الذين أصيبوا مع المسلمين في حربهم المشركين يوم «أُحد» : لو أطاعَنا هؤلاء ما قتلوا. قل لهم -أيها الرسول-: فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين في دعواكم أنهم لو أطاعوكم ما قتلوا، وأنكم قد نجوتم منه بقعودكم عن القتال.
في سبب نزول الآية:
أخرج الطبري عن قتادة، "قوله:{الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا} الآية، ذكر لنا أنها نزلت في عدوّ الله عبدالله بن أبيّ" (1). وروي جابر بن عبدالله (2)، والسدي (3)، وابن جريج (4)، والربيع (5)، نحو ذلك.
قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا} [آل عمران: 168]، "أي: وليعلم الله أيضاً المنافقين الذين قالوا لإِخوانهم الذين هم مثلهم وقد قعدوا عن القتال" (6).
قال الحسن: "هم الكفار"(7).
قال ابن جريج: " هو عبدالله بن أبيّ"(8).
قال محمد بن إسحاق: " {الذين قالوا لإخوانهم}، الذين أصيبوا معكم من عشائرهم وقومهم"(9).
قال ابن عثيمين: "إن الصواب في الأخوة هنا، أخوة الظاهر لا أخوة النسب، لأنه ليس كل من قتل في أحد يكون له قرابة لهؤلاء المنافقين"(10).
قوله تعالى: {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} [آل عمران: 168]، "أي: لو أطاعنا المؤمنون وسمعوا نصيحتنا فرجعوا كما رجعنا ما قتلوا هنالك" (11).
قال ابن جريج: " هو عبدالله بن أبيّ الذي قعد وقال لإخوانه الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد: {لو أطاعونا ما قتلوا} "(12).
(1) تفسير الطبري (8200): ص 7/ 383.
(2)
انظر: تفسير الطبري (8202): ص 7/ 383.
(3)
انظر: تفسير الطبري (8201): ص 7/ 383.
(4)
انظر: تفسير الطبري (8202): ص 7/ 383.
(5)
انظر: تفسير الطبري (8203): ص 7/ 383.
(6)
صفوة التفاسير: 221.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (4481): ص 3/ 811.
(8)
أخرجه الطبري (8202): ص 7/ 383.
(9)
أخرجه الطبري (8199): ص 7/ 383.
(10)
تفسير ابن عثيمين: 2/ 433.
(11)
صفوة التفاسير: 221.
(12)
أخرجه الطبري (8202): ص 7/ 383.
عن ابن شهاب قال: "إن الله- عز وجل أنزل على نبيه في القدرية: {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا: لو أطاعونا ما قتلوا} "(1).
وعن عباد بن منصور قال: "سألت الحسن عن قوله: {لو أطاعونا ما قتلوا}، قال: هم الكفار يقولون لإخوانهم: لو كانوا عندنا ما قتلوا يحسبون أن حضورهم إلى القتال هو الذي يقدمهم إلى الأجل"(2).
قال الراغب: " هذه الآية من تمام صفة المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه، قالوا: إن قتلى أحد لو أطاعونا في التأخر عن القتال ولزموا بيوتهم ما قتلوا"(3).
قوله تعالى: {قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 168]، " أي قل يا محمد لأولئك المنافقين إن كان عدم الخروج ينجي من الموت فادفعوا الموت عن أنفسكم إِن كنتم صادقين في دعواكم"(4).
قال أبو عبيدة: " أي: ادفعوا عن أنفسكم الموت "(5).
قال محمد بن إسحاق: "أي: أنه لا بد من الموت، فإن استطعتم أن تدفعوه عن أنفسكم فافعلوا، وذلك أنهم إنما نافقوا وتركوا الجهاد في سبيل الله، حرصًا على البقاء في الدنيا، وفرارًا من الموت"(6).
قال الزجاج: " المعنى: إن كنتم تقدرون أن تؤخروا أجلا فهلا ترجعون الروح إذا بلغت
الحلقوم، وهلا تدرأون عن أنفسكم الموت" (7).
قال الزمخشري: "معناه: قل إن كنتم صادقين في أنكم وجدتم إلى دفع القتل سبيلا وهو القعود عن القتال، فجدوا إلى دفع الموت سبيلا، يعنى أن ذلك الدفع غير مغن عنكم، لأنكم إن دفعتم القتل الذي هو أحد أسباب الموت، لم تقدروا على دفع سائر أسبابه المبثوثة، ولا بد لكم من أن يتعلق بكم بعضها"(8).
قال ابن عرفة: " فإِن قلت: لم يدعوا نفي الموت وإنما نفوا القتل، فلما قيل لهم: {فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ}، فالجواب: أن الموت أعم فإذا عجزوا بالأعم دخل في صحبة الأخص، وصيغة أفعل التعجيز وقوله: {ادرَءُوا}، ولم يقل: لَا تموتن، إشارة إلى ملازمة الموت لهم، وأنه أمر حتم لَا بد له منه، كما في سورة الجمعة {إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ}، أي: يأتيكم ويواجهكم، فإذا فررتم منه، فإليه تفرون"(9).
وفي قوله تعالى: {إِن كُنتُم صَادِقِينَ} [آل عمران: 168]، وجهان (10):
أحدهما: يعني: في خبركم أنهم لو أطاعوا ما قُتِلوا.
والثاني: معناه إن كنتم محقين في تثبيطكم عن الجهاد فراراً من القتل.
وقوله تعالى: {فادرأوا} ، يعني: فادفعوا (11)، ومنه قول الشاعر (12):
تَقُولُ وَقَدْ دَرَأْتُ لَهَا وَضِينِي
…
أهذَا دِينُهُ أَبَدًا وَدِيني
الفوائد:
1 -
التنديد بهؤلاء الذين جمعوا بين قبح الفعل وقبح القول، يؤخذ من قوله:{قالوا} ، و {قعدوا} .
2 -
أن هؤلاء مع قبح قولهم وإدخال الندم على قومهم، اعترضوا على القدر، لقولهم:{لو اطاعونا ما قتلوا} .
3 -
الإشارة إلى أن مثل هذا القول عند حلول القدر لا يجوز، لأنه سيق في سياق الذم، ولهذا قال النبي-صلى الله عليه وسلم:"وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا"(13).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (4484): ص 3/ 811.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4485): ص 3/ 811.
(3)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 977.
(4)
صفوة التفاسير: 221.
(5)
أخرجه ابن المنذر (1171): ص 2/ 487.
(6)
أخرجه الطبري (8199): ص 7/ 383.
(7)
معاني القرآن: 5/ 117.
(8)
الكشاف: 1/ 438.
(9)
تفسير ابن عرفة: 1/ 443.
(10)
انظر: اتلنكت والعيون: 1/ 436.
(11)
انظر: تفسير الطبري: 7/ 383.
(12)
البيت للمثقب العبدي، انظر: المفضليات: 586، والكامل 1/ 193 وطبقات فحول الشعراء:231.
(13)
من حديث رواه المسلم، في كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة (2664).
4 -
تحدي هؤلاء القائلين هذا الكلام بدفع الموت عنهم، وأنه لايمكن درء الموت، لأن ما وقع التحدي به فإنه لايمكن وقوعه.
القرآن
{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)} [آل عمران: 169]
التفسير:
ولا تظنَّنَّ -أيها النبي- أن الذين قتلوا في سبيل الله أموات لا يُحِسُّون شيئًا، بل هم أحياء حياة برزخية في جوار ربهم الذي جاهدوا من أجله، وماتوا في سبيله، يجري عليهم رزقهم في الجنة، ويُنعَّمون.
في سبب نزول الآية والتي بعدها أقوال:
أحدها: أخرج الطبري، وأحمد (1)، وأبو داود (2)، والبيهقي (3)، وأبو يعلى (4)، والحاكم (5)، والطبراني (6)، الواحدي (7)، عن ابن عباس قال:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر تردُ أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش. فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحُسن مَقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا! لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب! فقال الله عز وجل: أنا أبلغهم عنكم». فأنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الآيات"(8).
وأخرج الطبري عن محمد بن قيس بن مخرمة قال: "قالوا: يا رب، ألا رسول لنا يخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم عنا بما أعطيتنا؟ فقال الله تبارك وتعالى: أنا رسولكم، فأمر جبريل عليه السلام أن يأتي بهذه الآية: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله، الآيتين"(9).
وأصل الحديث أخرجه مسلم وغيره (10)، عن مسروق، قال:"سألنا عبد الله عن هذه الآية: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران: 169] قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: «أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة»، فقال: " هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا " (11).
والثاني: أخرج الترمذي (12)، وابن ماجه (13)، وابن حبان (14)، والحاكم (15)، والواحدي (16)، والبيهقي (17)، من طريق موسى بن إبراهيم بن كثير الأنصاري، قال: "سمعت طلحة بن حراش يقول: سمعت جابر بن عبد الله
(1) انظر: المسند: 2388.
(2)
انظر: السنن: 2520.
(3)
انظر: السنن الكبرى: 9/ 163.
(4)
انظر: مسند أبي يعلى: 4/ 219.
(5)
انظر: المستدرك: 2/ 297 - 298.
(6)
انظر: المجمع للهيثمي: 6/ 328 - 329. عن سعيد بن جبير.
(7)
انظر: أسباب النزول: 128 - 129.
(8)
تفسير الطبري (8205): ص 7/ 384 - 385.
(9)
تفسير الطبري (8217): ص 7/ 390.
(10)
كالترمذي في "جامعه"، كتاب "التفسير" "5/ 215 - 216" وقال:"هذا حديث حسن صحيح" وابن ماجه في "الجهاد"، باب فضل الشهادة في سبيل الله "2/ 936"، وانظر: تفسير الطبري (8218): ص 7/ 390، و (8225): ص 7/ 393 - 394.
(11)
صحيح مسلم (1887): ص 3/ 1502.
(12)
في "جامعه"، كتاب "التفسير""5/ 214 - 215""3010".
(13)
في "سننه"، كتاب "الجهاد"، باب فضل الشهادة في سبيل الله "2/ 236""2800".
(14)
انظر "الإحسان"، كتاب "أخباره صلى الله عليه وسلم عن مناقب الصحابة"، ذكر البيان بأن الله جل وعلا كلم عبد الله بن عمرو بن حرام بعد أن أحياه كفاحًا "15/ 490 - 491" وعلق عليه محققه الأستاذ شعيب الأرنؤوط بقوله:"إسناده جيد".
(15)
في "مستدركه"، كتاب "معرفة الصحابة"، ذكر مناقب عبد الله بن عمرو "3/ 203 - 204".
وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وسكت الذهبي ووقع في كلام الأستاذين حسين أسد وشعيب الأرنؤوط أن الذهبي ووافقه، ولم نجد في هذه الموافقة.
(16)
أسباب النزول: 129.
(17)
في مسنده: 2/ 371 - 372. مختصرا.
يقول: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما لي أراك منكسرا؟ » قلت: يا رسول الله توفي أبي، استشهد بأحد، وترك علي دينا وعيالا! قال:«أفلا يسرك بما لقي الله به أباك؟ » قال: بلى يا رسول الله قال: «يا عبدي تمن علي قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية. قال: إنه قد سبق مني أنهم لا يرجعون» ، قال: فأنزلت هذه الآية" (1).
ورواية ابن عقيل عن أحمد (2)، وأبي يعلى (3)، والطبري (4)، والحميدي (5)، ولفظه:"قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعلمت أن الله أحيا أباك فقال: ما تحب يا عبد الله؟ قال يا رب أحب أن تردني إلى الدنيا فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى» "(6).
والثالث: أخرج الطبري عن قتادة، قال:" ذكر لنا أن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا ليتنا نعلم ما فعل إخواننا الذين قتلوا يوم أحد! فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك القرآن: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون}، كنا نحدَّث أن أرواح الشهداء تَعارَف في طير بيض تأكل من ثمار الجنة، وأنّ مساكنهم السِّدرة"(7).
والرابع: وأخرج الطبري الربيع: " ذكر لنا عن بعضهم في قوله: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء}، قال: هم قتلى بدر وأحد"(8).
والخامس: وأخرج الطبري وغيره (9)، عن إسحاق بن أبي طلحة قال:" حدثني أنس بن مالك في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين أرسلهم نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل بئر معونة، قال: لا أدري أربعين أو سبعين. قال: وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل الجعفري، فخرج أولئك النفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتوا غارًا مشرفًا على الماء قعدوا فيه، ثم قال بعضهم لبعض: أيكم يبلِّغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذا الماء؟ فقال - أُراه أبو ملحان الأنصاري -: أنا أبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فخرج حتى أتى حيًّا منهم، فاحتبى أمام البيوت ثم قال: يا أهل بئر معونة، إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله، فآمنوا بالله ورسوله. فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح، فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر، فقال: الله أكبر، فزتُ ورب الكعبة! فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه، فقتلهم أجمعين عامر بن الطفيل قال: قال إسحاق: حدثني أنس بن مالك: إنّ الله تعالى أنزل فيهم قرآنًا، رُفع بعد ما قرأناه زمانًا، وأنزل الله: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون} "(10).
والسادس: ونقل الواحدي والثعلبي (11) عن بعضهم: " إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور تحسروا وقالوا: نحن في نعمة والسرور وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور، فأنزل الله تعالى هذه الآية تنفيسا عنهم وإخبارا عن حال قتلاهم"(12).
(1) العجاب: 2/ 786.
(2)
انظر: المسند: 3/ 361. مختصرا.
(3)
انظر: المسند: 4/ 6، وقال المحقق:"إسناده حسن".
(4)
انظر: تفسيره (8214): ص 7/ 388 - 389. وقال مخرجه: إسناده ضعيف قال: وقد ورد معناه عن جابر بإسناد آخر صحيح ثم أورد رواية أحمد المشار إليها.
(5)
انظر: مسنده (1265): ص 2/ 532.
(6)
العجاب: 2/ 786 - 787.
(7)
تفسير الطبري (8215): ص 7/ 389 - 390.
(8)
تفسير الطبري (8216): ص 7/ 390.
(9)
كابن إسحاق فؤي المغازي، انظر: سيرة ابن هشام: 2/ 183 - 189، وذكره الواحدي: ص: 130، وعزاه إلى جماعة من أهل التفسير وقال:"قصتهم مشهورة ذكرها ابن إسحاق في "المغازي".
(10)
تفسير الطبري (8224): ص 7/ 392 - 393. وأصله عند مسلم في صحيحه، كتاب "الإمارة"، باب ثبوت الجنة للشهيد "3/ 1511" وحديثه هذا لم يروه غيره كما في "تحفة الأشراف" "1/ 126"، وانظر "صحيح البخاري"، كتاب "المغازي" باب غزوة الرجيع
…
"الفتح""7/ 385 - 386" و"صحيح مسلم"، كتاب "المساجد ومواضع الصلاة" باب استحباب القنوت في جميع الصلاة "1/ 468". [من غير ذكر هذه الآية: {وَلَا تَحْسَبَنَّ
…
} في المواضع الثلاثة].
(11)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 203.
(12)
أسباب النزول: 130.
قوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} [آل عمران: 169]، " أي: لا تظنَّن الذين استشهدوا في سبيل الله لإِعلاء دينه أمواتاً لا يُحسّون ولا يتنعمون" (1).
قال الطبري: أي: " لا تظنن الذين قتلوا بأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمواتًا، لا يحسُّون شيئًا، ولا يلتذُّون ولا يتنعمون"(2).
قال محمد بن إسحاق: "ثم قال الله لنبيه يرغب المؤمنين في ثواب الجهاد، ويهون عليهم القتل: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله}، أي: لا تظن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا"(3).
عن سعيد بن جبير في قول الله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله} ، يعني: في طاعة الله في جهاد المشركين" (4).
روي عن أبي الضحى "في قوله: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا}، قال: نزلت في قتلى أحد خاصة، استشهد من المهاجرين أربعة وعشرون: حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وشماس بن عثمان، واستشهد من الأنصار ستة وأربعون"(5).
وذكروا في قوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} [آل عمران: 169]، وجوها (6):
أحدها: قيل: إن المنافقين قالوا للذين قتلوا بأحد وببدر: إنهم ماتوا؛ فأنزل الله عز وجل: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله} وبأحد وبدر (أمواتا) كسائر الموتى؛ بل هم أحياء عند ربهم.
الثاني: وقيل: قالوا: إن من قتل لا يحيا أبدا ولا يبعث؛ فقال عز وجل: بل يحيون ويبعثون كما يحيا ويبعث غيرهم من الموتى.
الثالث: وقيل: إن العرب كانت تسمي الميت: من انقطع ذكره إذا مات ولم يذكر، أي: لم يبق له أحد يذكر به؛ فقالوا: إذا قتل هؤلاء ماتوا، أي: لا يذكرون؛ فأخبر الله عز وجل أنهم مذكورون في الملأ: ملأ الملائكة، وملأ البشر، وهو الظاهر المعروف في الخلق أن الشهداء مذكورون عندهم.
وروى هشام عن أهل الشام: {يحسبن} ، بالياء، وقرأ الحسن وابن عامر:{الذين قتلوا} مشددا، وقرأ ابن أبي عبلة: أحياء نصبا أي أحسبهم أحياء عند ربهم (7).
قوله تعالى: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169]، "أي: بل هم أحياء عند ربهم متنعمون في جنان الخلد يرزقون" (8).
قال الطبري: أي: " فإنهم أحياء عندي، متنعمون في رزقي، فرحون مسرورون بما آتيتهم من كرامتي وفضلي، وحبَوْتهم به من جزيل ثوابي وعطائي"(9).
قال سعيد بن جبير: " يعني: أرواح الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون"(10).
قال محمد بن إسحاق: "قوله: {أمواتا بل أحياء}، أي: قد أحييتهم فهم عندي يرزقون في روح الجنة وفضلها، مسرورين بما آتاهم الله من ثوابه على جهادهم عنه"(11).
أخرج عبدالرزاق عن معمر عن قتادة، قال:"بلغنا أن أرواح الشهداء في صور طير بيض تأكل من ثمار الجنة، قال معمر: وقال الكلبي: "في صور طير خضر تسرح في الجنة ، وتأوي إلى القناديل تحت العرش" (12).
(1) صفوة التفقاسير: 223.
(2)
تفسير الطبري: 7/ 384.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4488): ص 3/ 812.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4490): ص 3/ 812.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4489): ص 3/ 812.
(6)
انظر: تفسير الماتريدي: 2/ 528.
(7)
انظر: الحجة للقراء السبعة: 3/ 98، وتفسير الثعلبي: 3/ 203 - 204.
(8)
صفوة التفقاسير: 223.
(9)
تفسير الطبري: 7/ 384.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (4492): ص 3/ 813.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (4492): ص 3/ 813.
(12)
تفسير عبدالرزاق (481): ص 1/ 422.
وعن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء، عليهم رزقهم بكرة وعشيا"(1).
وعن مجاهد: "قوله: {يرزقون}، قال: إن كان يقول: يرزقون من ثمر الجنة، ويجدون ريحها وليسوا فيها"(2).
قال الزجاج: " المعنى أحسبهم أحياء وقيل في هذا غير قول: قال بعضهم لا تحسبهم أمواتا في دينهم بل هم أحياء في دينهم، كما قال الله تعالى:{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ} (3).
وقال بعضهم: لا تحسبهم كما يقول الكفار إنهم لا يبعثون بل يبعثون، {بل أحياء عند ربهم يرزقون (169) فرحين بما آتاهم الله من فضله} .
وقيل: إن أرواحهم تسرح في الجنة وتلذ بنعيمها، فهم أحياء عند ربهم.
قال بعضهم: أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة، ثم تصير إلى
قناديل تحت العرش" (4).
قال الثعلبي: " أي أحسبهم أحياء عند ربهم.
وقال بعضهم: يعني أحياء في الدنيا حقيقة (5).
وقيل: [في العالم] وقيل: بالثناء والذكر، كما قيل (6):
موت التقي حياة لا فناء لها
…
قد مات قوم وهم في الناس أحياء
وقيل: مما هم أحياء: عند ربهم يرزقون ويأكلون ويتنعمون كالأحياء.
وقيل: إنه يكتب لهم في كل سنة ثواب غزوة ويشتركون في فضل كل مجاهد يكون في الدنيا إلى يوم القيامة، لأنهم سلوا أمر الجهاد، فيرجع أجر من يقتدي بهم إليهم، نظيره قوله:{كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا} (7) الآية.
وقيل: لأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة، كأرواح الأحياء من المؤمنين الذين باتوا على الوضوء.
وقيل: لأن الشهيد لا يبلى في القبر ولا تأكله الأرض، يقال: أربعة لا تبلى أجسادهم: الأنبياء والعلماء والشهداء وحملة القرآن.
وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة: أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريين ثم السلميين، كانا قد خرب السيل قبرهما وكانا في قبر واحد وهما من شهداء أحد، وكان قبرهما مما يلي السيل، فحفر عنهما ليغيروا عن مكانهما فوجدا لم يتغيرا، كأنهما ماتا بالأمس، وكان قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك، فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت، وكان بين يوم أحد وبين يوم حفر عنهما ستة وأربعون سنة.
وقيل: سموا أحياء لأنهم لا يغسلون كما لا يغسل الأحياء.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «زملوهم في كلومهم ودمائهم، اللون لون الدم والريح ريح المسك» (8).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (4494): ص 3/ 813.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4495): ص 3/ 813.
(3)
سورة الأنعام: 122.
(4)
معاني القرآن: 1/ 488.
(5)
وهذا قول ابن عباس وقتادة ومجاهد والحسن وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء والجبائي والرماني، انظر: تفسير مجمع البيان: 1/ 437.
(6)
من شواهد الثعلبي في تفسيره: 3/ 204، والقرطبي في تفسيره: 4/ 269.
(7)
سورة المائدة: 32.
(8)
أخرج النسائي والديلمي وغيرهما عن عبدالله بن ثعلبة بن أبي صعير، قال صلى الله عليه وسلم:" زملوهم فى ثيابهم بدمائهم فإنه ليس من كلم يكلم فى الله إلا هو يأتى يوم القيامة يدمى لونه لون الدم وريحه ريح المسك". سنن النسائى (6/ 29، رقم 3148). والديلمى (2/ 294، رقم 3342).
وقال عبيد بن عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف يوم أحد مر على مصعب بن عمير وهو مقتول فوقف عليه ودعا ثم قرأ: من المؤمنين رجال صدقوا (1) الآية، ثم قال صلى الله عليه وسلم:«إن رسول الله يشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فأتوهم وزوروهم وسلموا عليهم، فو الذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه، يرزقون من ثمار الجنة وتحفها» (2) " (3).
قال الماتريدي: "قوله تعالى: {بل أحياء} ، أي: يجري أعمالهم بعد قتلهم، كما كان يجري في حال حياتهم، فهم كالأحياء فيما يجري لهم ثواب أعمالهم وجزائهم، ليسوا بأموات.
وقيل: إن حياتهم حياة كلفة؛ وذلك أنهم أمروا بإحياء أنفسهم في الآخرة؛ ففعل المؤمنون ذلك: أحيوا أنفسهم في الآخرة؛ فسموا أحياء لذلك، والكفار لم يحيوا أنفسهم" (4).
قال الجصاص: " زعم قوم أن المراد أنهم يكونون أحياء في الجنة، قالوا: لأنه لو جاز أن ترد عليهم أرواحهم بعد الموت لجاز القول بالرجعة ومذهب أهل التناسخ. قال أبو بكر: وقال الجمهور: "إن الله تعالى يحييهم بعد الموت فينيلهم من النعيم بقدر استحقاقهم إلى أن يفنيهم الله تعالى عند فناء الخلق، ثم يعيدهم في الآخرة ويدخلهم الجنة"; لأنه أخبر أنهم أحياء، وذلك يقتضي أنهم أحياء في هذا الوقت ولأن تأويل من تأوله على أنهم أحياء في الجنة يؤدي إلى إبطال فائدته; لأن أحدا من المسلمين لا يشك أنهم سيكونون أحياء مع سائر أهل الجنة، إذ الجنة لا يكون فيها ميت. ويدل عليه أيضا وصفه تعالى لهم بأنهم فرحون على الحال بقوله تعالى: {فرحين بما آتاهم الله من فضله}، ويدل عليه قوله تعالى: {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم} وهم في الآخرة قد لحقوا بهم، وروى ابن عباس وابن مسعود وجابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في حواصل طيور خضر تحت العرش ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش" (5) ; وهو مذهب الحسن وعمرو بن عبيد وأبي حذيفة وواصل بن عطاء، وليس ذلك من مذهب أصحاب التناسخ في شيء; لأن المنكر في ذلك رجوعهم إلى دار الدنيا في خلق مختلفة، وقد أخبر الله تعالى عن قوم أنه أماتهم ثم أحياهم في قوله:{ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم} [البقرة: 243] وأخبر أن إحياء الموتى معجزة لعيسى عليه السلام فكذلك يحييهم بعد الموت ويجعلهم حيث يشاء.
وقوله تعالى: {عند ربهم يرزقون} معناه: حيث لا يقدر لهم أحد على ضر ولا نفع إلا ربهم عز وجل. وليس يعني به قرب المسافة; لأن الله تعالى لا يجوز عليه القرب والبعد بالمسافة; إذ هو من صفة الأجسام. وقيل: عند ربهم من حيث يعلمهم هو دون الناس" (6).
قال الواحدي: " الأصح في حياة الشهداء ما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن أرواحهم في أجواف طير، وأنهم يرزقون ويأكلون ويتنعمون"(7).
الفوائد:
1 -
فضيلة من قتل في سبيل الله لكوهم أحياء عند الله عز وجل.
2 -
الترغيب في الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا.
3 -
أن الشهداء يرزقون برزق أخروي.
4 -
أنه إذا ثبت هذا للشهيد، فإنه يثبت للأنبياء من باب أولى، ويمتاز الانبياء عن الشهداء بأن الله حرم على الارض أن تأكل أجسادهم، بخلاف الشهداء فإن الأرض تأكلهم وقد لا تأكل بعضهم إكراما لهم.
(1) سورة الأحزاب: 32.
(2)
كنز العمال (29892): ص 10/ 381.
(3)
تفسير الثعلبي: 2/ 204 - 205.
(4)
تفسير الماتريدي: 2/ 528.
(5)
الحديث رواه مسلم (1887): ص 3/ 1502، والترمذي في "جامعه"، كتاب "التفسير" "5/ 215 - 216" وقال:"هذا حديث حسن صحيح" وابن ماجه في "الجهاد"، باب فضل الشهادة في سبيل الله "2/ 936"، وانظر: تفسير الطبري (8218): ص 7/ 390، و (8225): ص 7/ 393 - 394.
(6)
أحكام القرآن: 2/ 55.
(7)
التفسير الوسيط: 1/ 521. وانظر: الحديث في تفسيره (182): ص 1/ 520 - 521.
القرآن
التفسير:
لقد عَمَّتهم السعادة حين مَنَّ الله عليهم، فأعطاهم مِن عظيم جوده وواسع كرمه من النعيم والرضا ما تَقَرُّ به أعينهم، وهم يفرحون بإخوانهم المجاهدين الذين فارقوهم وهم أحياء; ليفوزوا كما فازوا، لِعِلْمِهم أنهم سينالون من الخير الذي نالوه، إذا استشهدوا في سبيل الله مخلصين له، وأن لا خوف عليهم فيما يستقبلون من أمور الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا.
قوله تعالى: {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [آل عمران: 170]، أي:" وهم فَرحون مما هم فيه من النعمة والغبطة"(1).
قال قتادة: " يعني: راضين بما أعطاهم الله {من فضله}، يعني: الرزق"(2).
قال الطبري: أي: "مسرورون بما آتيتهم من كرامتي وفضلي، وحبَوْتهم به من جزيل ثوابي وعطائي"(3).
قال ابن هشام: " أي ويسرون بلحوق من لحقهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم"(4).
قال الزمخشري: " وهو التوفيق في الشهادة وما ساق إليهم من الكرامة والتفضيل على غيرهم، من كونهم أحياء مقربين معجلا لهم رزق الجنة ونعيمها"(5).
قال أبو السعود: " وهو شرف الشهادة والفوز بالحياة الأبدية والزلفى من الله عز وجل والتمتع بالنعيم المخلد عاجلا"(6).
قال السعدي: " أي: مغتبطين بذلك، قد قرت به عيونهم، وفرحت به نفوسهم، وذلك لحسنه وكثرته، وعظمته، وكمال اللذة في الوصول إليه، وعدم المنغص، فجمع الله لهم بين نعيم البدن بالرزق، ونعيم القلب والروح بالفرح بما آتاهم من فضله: فتم لهم النعيم والسرور"(7).
قال المراغي: " أي مسرورين بشرف الشهادة، والتمتع بالنعيم العاجل، والزلفى عند ربهم، والفوز بالحياة الأبدية"(8).
وقرأ ابن السميقع: «فارحين» بالألف، وهما لغتان (9).
قوله تعالى: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ} [آل عمران: 170]، " أي: ويستبشرون بإِخوانهم المجاهدون الذين لم يموتوا في الجهاد بما سيكونون عليه بعد الموت إِن استشهدوا" (10).
قال قتادة: " يعني: من بعدهم من إخوانهم في الدنيا، أنهم لو رأوا قتالا لاستشهدوا ليلحقوا بهم"(11).
قال الزجاج: " أي لم يلحقوا بهم في الفضل إلا أن لهم فضلا عظيما بتصديقهم
وإيمانهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (12).
قال ابن كثير: أي: " ومستبشرون بإخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل الله أنهم يقدَمون"(13).
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 165.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 314.
(3)
تفسير الطبري: 7/ 384.
(4)
سيرة ابن هشام: 2/ 119.
(5)
الكشاف: 1/ 439.
(6)
تفسير أبي السعود: 2/ 112.
(7)
تفسير السعدي: 156.
(8)
تفسير المراغي: 4/ 132.
(9)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 205.
(10)
صفوة التفاسير: 223.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 314.
(12)
معاني القرآن: 1/ 489.
(13)
تفسير ابن كثير: 2/ 165.
قال الزمخشري: أي: " {ويستبشرون} بإخوانهم المجاهدين بالذين لم يلحقوا بهم، أى: لم يقتلوا فيلحقوا بهم من خلفهم يريد الذين من خلفهم قد بقوا بعدهم وهم قد تقدموهم. وقيل: لم يلحقوا بهم، لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم، والمعنى: ويستبشرون بما تبين لهم من حال من تركوا خلفهم من المؤمنين، وهو أنهم يبعثون آمنين يوم القيامة، بشرهم الله بذلك فهم مستبشرون به. وفي ذكر حال الشهداء واستبشارهم بمن خلفهم بعث للباقين بعدهم على ازدياد الطاعة، والجد في الجهاد، والرغبة في نيل منازل الشهداء وإصابة فضلهم، وإحماد لحال من يرى نفسه في خير فيتمنى مثله لإخوانه في الله، وبشرى للمؤمنين بالفوز في المآب.
قال أبو السعود: " أي ويستبشرون بما تبين لهم من حسن حال إخوانهم الذين تركوهم وهو أنهم عند قتلهم يفوزون بحياة أبدية لا يكدرها خوف وقوع محذور ولا حزن فوات مطلوب أو لا خوف عليهم في الدنيا من القتل فإنه عين الحياة التي يجب أن يرغب فيها فضلا عن أن تخاف وتحذر أي لا يعتريهم ما يوجب ذلك لا أنه يعتريهم ذلك لكنهم لا يخافون ولا يحزنون والمراد بيان دوام انتفاء الخوف والحزن لا بيان انتفاء دوامهما كما يوهمه كون الخبر في الجملة الثانية مضارعا فإن النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيد الدوام والاستمرار بحسب المقام"(1).
قال السعدي: " أي: يبشر بعضهم بعضا، بوصول إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم، وأنهم سينالون ما نالوا"(2).
قال الطبري: أي: " ويفرحون بمن لم يلحق بهم من إخوانهم الذين فارقوهم وهم أحياء في الدنيا على مناهجهم من جهاد أعداء الله مع رسوله، لعلمهم بأنهم إن استشهدوا فلحقوا بهم صاروا من كرامة الله إلى مثل الذي صاروا هم إليه فهم لذلك مستبشرون بهم، فرحون أنهم إذا صاروا كذلك"(3).
قال المراغي: " أي: ويسرون بإخوانهم المجاهدين الذين لم يقتلوا بعد فى سبيل الله، فيلحقوا بهم من خلفهم، أي أنهم بقوا بعدهم وهم قد تقدموهم"(4).
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، قال:" لما دخلوا الجنة ورأوا ما فيها من الكرامة للشهداء، قالوا: يا ليت إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما عرفناه من الكرامة، فإذا شهدوا القتال باشروها بأنفسهم حتى يستشهدوا فيصيبون ما أصبنا من الخير- فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأمرهم، وما هم فيه من الكرامة، وأخبرهم أني قد أنزلت على نبيكم- وأخبرته بأمركم وما أنتم فيه، فاستبشروا بذلك، فذلك قوله: {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم}، الآية"(5).
وقال السدي: " فإن الشهيد يؤتى بكتاب فيه من يقدم عليه من إخوانه وأهله، يقال: تقدم عليك فلان، يوم كذا وكذا، تقدم عليك فلان، يوم كذا وكذا، فيستبشر حين تقدم عليه كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا"(6).
قال الثعلبي: وأصل البشارة " من البشرة، لأن الإنسان إذا فرح ظهر أثر السرور في بشرة وجهه"(7).
قوله تعالى: {َألَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عمران: 170]، " أي: بأنْ لا خوف عليهم في الآخرة ولا هم يحزنون على مفارقة الدنيا" (8).
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: " في قول الله تعالى: {ألا خوف عليهم}، يعني: في الآخرة"(9)، " {ولا هم يحزنون} ، يعني: لا يحزنون للموت (10).
قال ابن كثير: أي: " وأنهم لا يخافون مما أمامهم ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم"(11).
(1) تفسير أبي السعود: 2/ 112 - 113.
(2)
تفسير السعدي: 156.
(3)
تفسير الطبري: 7/ 395.
(4)
تفسير المراغي: 4/ 132.
(5)
تفسير ابن أبي حاتم (4498): ص 3/ 814.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (4499): ص 3/ 814.
(7)
تفسير الثعلبي: 3/ 205.
(8)
صفوة التفاسير: 223.
(9)
تفسير ابن أبي حاتم (4501): ص 3/ 814.
(10)
تفسير ابن أبي حاتم (4502): ص 3/ 814.
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 165.
قال السعدي: " أي: يستبشرون بزوال المحذور عنهم وعن إخوانهم المستلزم كمال السرور"(1).
قال الطبري: " يعني بذلك: لا خوف عليهم، لأنهم قد أمنوا عقاب الله، وأيقنوا برضاه عنهم، فقد أمنوا الخوف الذي كانوا يخافونه من ذلك في الدنيا، ولا هم يحزنون على ما خلَّفوا وراءهم من أسباب الدنيا ونكد عيشها، للخفض الذي صارُوا إليه والدعة والزُّلْفة"(2).
الفوائد:
1 -
أن هؤلاء الشهداء لهم شعور، لقوله:{فرحين} ، لأن الفرح من الشعور النفسي.
2 -
أن الفضل لله على عباده في الدنيا والآخرة.
3 -
أن هؤلاء الشهداء يستبشرون، أي يبشّر بعضهم بعضا بالذين لم يلحقوا بهم من بعدهم.
4 -
أن هؤلاء الشهداء ليس عليهم خوف ولا حزن.
القرآن
{يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)} [آل عمران: 171]
التفسير:
وإنهم في فرحة غامرة بما أُعطوا من نعم الله وجزيل عطائه، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين به، بل ينمِّيه ويزيده من فضله.
قوله تعالى: {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ} [آل عمران: 171]، أي:" يفرحون بما حباهم به الله تعالى من عظيم كرامته عند ورودهم عليه، وبما أسبغ عليهم من الفضل وجزيل الثواب"(3).
قال محمد بن إسحاق: ": {يستبشرون بنعمة من الله وفضل} الآية، لما عاينوا من وفاء الموعود وعظيم الثواب"(4).
قال النسفي: أي: " يسرون بما أنعم الله عليهم وما تفضل عليهم من زيادة الكرامة"(5).
قال الحسن: "من قتل في سبيل الله يقدم إلى البشرى إلى ما قدم من خير في الجنة، ويقول: أخي تركته على مثل عملي، يقتل الآن، فيقدم على مثل ما قدمت عليه فيستبشر بالجنة"(6).
قال الماتريدي: " {وفضل}، أي: بدين من الله؛ كقوله - تعالى -: {فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103]، قيل: بدينه، ويحتمل: {يستبشرون بنعمة من الله}: الجنة، {وفضل}: زيادات لهم وكرامات من الله، عز وجل"(7).
قال السمعاني: " قيل: أراد بالنعمة: قدر الكفاية، وبالفضل: ما زاد على الكفاية، ومعناه: لا يضيق عليهم، بل يوسع في العطاء، وقيل: ذكر الفضل تأكيدا للنعمة"(8).
قال الزمخشري: " ثم أكد تعالى استبشارهم بقوله: {يستبشرون بنعمة}، ثم بين تعالى بقوله: {وفضل}، فوقع إدخاله إياهم الجنة الذي هو فضل منه لا بعمل أحد، وأما النعمة في الجنة والدرجات فقد أخبر أنها على قدر الأعمال"(9).
قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 171]، أي: وإن الله" لا يبطل جزاء أعمال من صدّق رسوله واتبعه، وعمل بما جاءه من عند الله"(10).
قال مقاتل: " يعنى: أجر المصدقين بتوحيد الله"(11).
(1) تفسير السعدي: 156.
(2)
تفسير الطبري: 7/ 396.
(3)
تفسير الطبري: 7/ 398.
(4)
أخرجه الطبري (8232): ص 7/ 398.
(5)
تفسير النسفي: 1/ 311.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (4503): ص 3/ 815.
(7)
تفسير الماتريدي: 2/ 531.
(8)
تفسير السمعاني: 1/ 379.
(9)
الكشاف: 1/ 541.
(10)
تفسير الطبري: 7/ 398.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 314.
قال الماتريدي: " أي: لا يضيع من حسناتهم وخيراتهم وإن قل وصغر؛ كقوله عز وجل: (نتقبل عنهم أحسن ما عملوا)، وكقوله عز وجل:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7]، كقوله - تعالى -: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
…
} [النساء: 40] الآية" (1).
قال ابن زيد: " وهذه الآية جمعت المؤمنين كلهم سوى الشهداء، وقلما ذكر الله فضلا ذكر به الأنبياء، وثوابا أعطاهم إلا ذكر ما أعطى الله المؤمنين من بعدهم"(2).
وعن سعيد بن جبير: " {المؤمنين}، يعني: المصدقين"(3).
قرأ الكسائي وحده: {وأن الله لا يضيع} مكسورة الألف، على الاستئناف، وقرأ الباقون {وأن الله} ، بالفتح (4)، بمعنى:" يستبشرون بنعمة من الله وفضل، وبأنّ الله لا يضيع أجر المؤمنين"(5).
وقرأ عبد الله {وفضل والله لا يضيع} (6).
الفوائد:
1 -
إسناد النعمة إلى مسديها، وهو الله جل جلاله، فهم لايرون لأنفسهم فضلا بل يرون المنة والفضل لله عليهم، ولهذا قال:{بنعمة من الله وفضل} .
2 -
إثبات عدل الله عز وجل، وذلك بعدم إضاعة أجر المؤمنين.
3 -
فضيلة الإيمان، وأنه سبب للحصول على الثواب والأجر.
القرآن
التفسير:
الذين لبُّوا نداء الله ورسوله وخرجوا في أعقاب المشركين إلى «حمراء الأسد» بعد هزيمتهم في غزوة «أُحد» مع ما كان بهم من آلام وجراح، وبذلوا غاية جهدهم، والتزموا بهدي نبيهم، للمحسنين منهم والمتقين ثواب عظيم.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: أن إن هذا السياق نزل في شأن غزوة "حَمْراء الأسد"، وهو الصحيح.
أخرج الطبري عن ابن عباس قال: "إن الله جل وعز قذف في قلب أبي سفيان الرعب - يعني يوم أحد - بعد ما كان منه ما كان، فرجع إلى مكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرّفًا، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب! وكانت وقعة أحد في شوال، وكان التجار يقدَمون المدينة في ذي القعدة، فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة، وإنهم قدموا بعد وقعة أحد، وكان أصاب المؤمنين القرح، واشتكوا ذلك إلى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، واشتد عليهم الذي أصابهم. وإنّ رسول الله ندب الناس لينطلقوا معه، ويتَّبعوا ما كانوا متَّبعين، وقال: إنما يرتحلون الآن فيأتون الحج، ولا يقدرون على مثلها حتى عام مقبل، فجاء الشيطان فخوَّف أولياءه، فقال: إن الناس قد جمعوا لكم! فأبى عليه الناس أن يتبعوه، فقال: إني ذاهبٌ وإن لم يتبعني أحد، لأحضِّضَ الناس، فانتدب معه أبو بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وسعد، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وعبدالله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو عبيدة بن الجراح، في سبعين رجلا فساروا في طلب أبي سفيان، فطلبوه حتى بلغوا الصفراء، فأنزل الله تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} "(7).
(1) تفسير الماتريدي: 2/ 531.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4505): ص 3/ 815.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4506): ص 3/ 815.
(4)
انظر: السبعة: 219.
(5)
تفسير الطبري: 7/ 398.
(6)
انظر: الكشاف: 1/ 541.
(7)
تفسير الطبري (8238): ص 7/ 401 - 402. وانظر: سيرة ابن هشام: 2/ 102.
وفي المعنى نفسه أخرج عن السدي: "انطلق أبو سفيان منصرفًا من أحد، حتى بلغ بعض الطريق، ثم إنهم ندموا وقالوا: بئسما صنعتم! إنكم قتلتموهم، حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم! ارجعوا واستأصلوهم. فقذف الله في قلوبهم الرعب، فهزموا، فأخبر الله رسوله، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، ثم رجعوا من حمراء الأسد، فأنزل الله جل ثناؤه فيهم: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح} "(1).
وعن ابن جريج قال: "أخبرتُ أن أبا سفيان بن حرب لما راح هو وأصحابه يوم أحد، قال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم: إنهم عامدون إلى المدينة! فقال: إن ركبوا الخيل وتركوا الأثقال، فإنهم عامدون إلى المدينة، وإن جلسوا على الأثقال وتركوا الخيل، فقد رَعَبهم الله، وليسوا بعامديها. فركبوا الأثقال، فرعبهم الله. ثم ندب ناسًا يتبعونهم ليروا أن بهم قوة، فاتبعوهم ليلتين أو ثلاثًا، فنزلت: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح} "(2).
وروي البخاري من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة-رضي الله عنها في قوله تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} [آل عمران: 172]، قالت لعروة:" يا ابن أختي، كان أبواك منهم: الزبير، وأبو بكر، لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، قال: «من يذهب في إثرهم» فانتدب (3) منهم سبعون رجلا، قال: كان فيهم أبو بكر، والزبير"(4).
والثاني: نقل الفخر قال أبو بكر الأصم: "نزلت هذه الآية في يوم أحد لما رجع الناس إليه صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة فشد بهم على المشركين حتى كشفهم، وكانوا قد هموا بالمثلة فدفعهم عنها بعد أن مثلوا بحمزة، فقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا، وصلى عليهم صلى الله عليه وسلم ودفنهم بدمائهم، وذكروا أن صفية جاءت لتنظر إلى أخيها حمزة فقال عليه الصلاة والسلام للزبير: ردها لئلا تجزع من مثلة أخيها، فقالت: قد بلغني ما فعل به، وذلك يسير في جنب طاعة الله تعالى، فقال للزبير: فدعها تنظر إليه، فقالت خيرا واستغفرت له. وجاءت امرأة قد قتل زوجها وأبوها وأخوها وابنها فلما رأت النبي صلى الله عليه وسلم وهو حي قالت: إن كل مصيبة بعدك هدر"(5).
والثالث: أنها نزلت في بَدْر الموعد، إذ نقل الثعلبي عن مجاهد وعكرمة: "نزلت هذه الآيات في غزوة بدر الصغرى، وذلك أن أبا سفيان قال يوم أحد حين أراد أن ينصرف: يا محمد موعدنا بيننا وبينك موسم بدر الصغرى لقابل إن شئت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذلك بيننا وبينك إن شاء الله» فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية من الظهران، ثم ألقى الله عز وجل الرعب في قلبه قبل الرجوع، فلقى نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرا فقال له أبو سفيان: يا نعيم إني واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى، وإن هذه عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن لا أخرج إليها، وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا، فيزيدهم ذلك جرأة، ولأن يكون الخلف من جهتهم أحب إلي من أن يكون من قبلي، فالحق بالمدينة فثبطهم وأعلمهم أنا في جمع كثير ولا طاقة لهم بنا، ولك عندي عشرة من الإبل أضعها لك على يدي سهيل بن عمرو يضمنها، قال: فجاء سهيل فقال له نعيم: يا أبا يزيد أتضمن لي هذه الفرائض فانطلق إلى محمد واثبطه. قال: نعم، فخرج نعيم حتى قدم المدينة فوجد الناس يتجهزون بميعاد أبو سفيان، فقال: أين تريدون؟ فقالوا: واعدنا أبو سفيان بموسم بدر الصغرى أن نقتتل بها. قال: بئس الرأي رأيتم، أتوكم في دياركم وقراكم فلم يفلت منكم إلا شريد، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم، والله لا يفلت منكم أحد. فكره أصحاب رسول الله الخروج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي
(1) تفسير الطبري (8237): ص 7/ 401.
(2)
تفسير الطبري (8240): ص 7/ 403.
(3)
أي: تكفل بالمطلوب.
(4)
صحيح البخاري (4077): ص 5/ 102، وأورده ابن كثير "2/ 166" وقال:"هكذا رواه البخاري منفردا بهذا السياق". والحديث مختصرا في صحيح مسلم: 7/ 129، كتاب "فضائل الصحابة"، باب من فضائل طلحة والزبير، ورواه وابن ماجة: 124، والحاكم في المستدرك: كتاب "التفسير""2/ 298" وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي. وفيه "إنها قالت لعبد الله بن الزبير" والرواية في البخاري ومسلم أن القول لعروة. والحميدي في المسند (263): ص 1/ 128.
(5)
مفاتيح الغيب: 9/ 432.
نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي»، فأما الجبان فرجع وأما الشجاع فإنه تأهب للقتال وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه حتى وافوا بدر الصغرى، فجعلوا يلقون المشركين ويسألونهم عن قريش فيقولون: قد جمعوا لكم. يريدون أن يرعبوا المسلمين، فيقول المؤمنون: حسبنا الله ونعم الوكيل، حتى لقوا بدر. وهو ماء لبني كنانة وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام. فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر ينتظر أبا سفيان، وقد انصرف أبو سفيان من مجنة إلى مكة، فسماهم أهل مكة جيش السويق وقالوا: إنما خرجتم تشربون السويق، فلم يلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحدا من المشركين ببدر، ووافوا السوق وكانت معهم نفقات وتجارات فباعوها وأصابوا الدرهم والدرهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين. فذلك قوله تعالى:{الذين استجابوا لله والرسول} " (1).
والصحيح الأول، إذ أن سبب نزول الآية الكريمة ثناء الله سبحانه على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أجابوه لما دعاهم إليه للحاق المشركين، على الرغم مما فيهم من الجراح والآلام التي أصابتهم يوم أُحد؛ إظهاراً للجَلَد والقوة، وإرهاباً لأعداء الله.
قوله تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} [آل عمران: 172]، " أي: الذين أطاعوا الله وأطاعوا الرسول من بعد ما نالهم الجراح يوم أُحد" (2).
قال الطبري: أي: ": وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين، المستجيبين لله والرسول من بعد ما أصابهم الجرح والكلوم، وإنما عنى الله تعالى ذكره بذلك: الذين اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حَمْراء الأسد في طلب العدّو - أبي سفيان ومن كان معه من مشركي قريش - مُنصَرَفهم عن أحد. وذلك أن أبا سفيان لما انصرف عن أحد، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثره حتى بلغ حمراء الأسد، وهي على ثمانية أميال من المدينة، ليرى الناسُ أنّ به وأصحابِه قوةً على عدوهم"(3).
قال ابن كثير: " هذا كان يوم "حمراء الأسد"، وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين كرُّوا راجعين إلى بلادهم، فلما استمروا في سيرهم تَنَدّمُوا لم لا تَمَّموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة. فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليُرْعِبَهم ويريهم أن بهم قُوّةً وجلدا، ولم يأذنْ لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أحد، سوى جابر بن عبد الله رضي الله عنه لما سنذكره - فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان طاعة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم"(4).
قال ابن عطية: " والمستجيبون لله والرسول هم الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد في طلب قريش وانتظارهم لهم"(5).
قال محمد ابن إسحاق: " فقال الله تبارك وتعالى: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرحُ}، أي: الجراح، وهم الذين سارُوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغدَ من يوم أحد إلى حمراء الأسد، على ما بهم من ألم الجراح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم"(6).
وعن قتادة: " قوله: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح}، الآية، وذلك يوم أحد، بعد القتل والجراح، وبعد ما انصرف المشركون - أبو سفيان وأصحابه - فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ألا عِصابة تنتدبُ لأمر الله، تطلب عدوّها؟ فإنه أنكى للعدو، وأبعد للسَّمع! فانطلق عصابة منهم على ما يعلم الله تعالى من الجَهد"(7).
قال عكرمة: " كان يوم أحد [يوم] السبت للنصف من شوال، فلما كان الغد من يوم أحد، يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال، أذَّن مؤذِّن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو، وأذَّن مؤذِّنه أن
(1) تفسير الثعلبي: 3/ 209 - 210.، وانظر: تفسير ابن كثير: 2/ 169، تفسير السمرقندي: 1/ 266، وانظر: تفسير السمعاني: 1/ 380.
(2)
صفوة التفاسير: 223.
(3)
تفسير الطبري: 7/ 399.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 165.
(5)
المحرر الوجيز: 1/ 542.
(6)
أخرجه الطبري (8235): 7/ 401.
(7)
أخرجه الطبري (8236): 7/ 401.
: لا يخرجنَّ معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس. فكلمه جابر بن عبدالله بن عمرو بن حرام فقال: يا رسول الله، إنّ أبي كان خلَّفني على أخوات لي سبع، وقال لي: يا بني، إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولستُ بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي! فتخلَّف على أخواتك، فتخلفت عليهن. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج معه. وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبًا للعدوّ، ليبلغهم أنه خرج في طلبهم، ليظنوا به قوة، وأنّ الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم" (1).
وعن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان، قال:"أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني عبد الأشهل، كان شهد أحدًا قال: شهدتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدًا، أنا وأخ لي، فرجعنا جريحين: فلما أذَّن [مؤذِّن] رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدوّ، قلت لأخي - أو قال لي -: أتفوتنا غزوةٌ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل! فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت أيسر جرحًا منه، فكنتُ إذا غُلب حملته عُقبة ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها ثلاثًا، الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة"(2).
قال ابن هشام: " قال ابن إسحاق: فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة، واستعمل على المدينة ابن أم مَكْتوم فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة. وقد مَر به - كما حدثني عبد الله بن أبي بكر - معبد بن أبي مَعْبد الخزاعي، وكانت خُزاعة - مسلمهم ومشركهم - عيبة نُصح (3) لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتِهامة، صَفْقَتُهم معه (4)، لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك فقال: يا محمد، أما والله لقد عَزّ علينا ما أصابك في أصحابك، ولوَددْنا أن الله عافاك فيهم. ثم خرج ورسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد، حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالرَّوحاء، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقالوا: أصبنا حَد أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم .. لنُكرّنَّ على بقيتهم فَلَنَفْرُغَنَّ منهم. فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جَمْع لم أر مثله قط، يتحرقون (5) عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحَنَق (6) عليكم شيء لم أر مثله قط. قال: ويلك. ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل - قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم. قال: فإني أنهاك عن ذلك. ووالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتا من شعر، قال: وما قلت؟ قال: قلت:
كادَتْ تُهدُّ منَ الأصوات رَاحلتي
…
إذْ سَالَت الأرضُ بالجُرْدِ الأبابيل (7)
تَرْدى بأسْدٍ كرام لا تَنَابلة
…
عنْد اللّقاء ولا ميل مَعَازيل (8)
فَظَلْتُ عَدْوا أظُنُّ الأرض مائلةً
…
لَمَّا سَمَوا برئيس غير مَخْذول (9)
فقلتُ: ويل ابن حَرْب من لقائكُمُ (10)
…
إذا تَغَطْمَطَت البطحاء بالجيل (11)
(1) تفسير الطبري (8233): 7/ 399 - 400.
(2)
تفسير الطبري (8234): 7/ 400.
(3)
عيبة نصح لرسول الله: أي موضع سره.
(4)
صفقتهم معه، أي اتفاقهم معه. يقال: أصفقت مع فلان على الأمر: إذا اجتمعت معه عليه.
وكان الأصل أن يقال: إصفاقهم معه، إلا أنه استعمل المصدر ثلاثيا.
ويروى: «ضلعهم معه» ومعناه: ميلهم.
(5)
يلتهبون من الغيظ.
(6)
الحنق: شدة الغيظ.
(7)
تهد: تسقط لهول ما رأت من أصوات الجيش وكثرته. والجرد: الخيل العتاق. والأبابيل: اتردى: تسرع. والتنابلة: القصار. والميل: جمع أميل، وهو الذي لا رمح أو لا ترس معه، وقيل: هو الذي لا يثبت على السرج. والمعازيل: الذين لا سلاح معهم لجماعات.
(8)
تردى: تسرع. والتنابلة: القصار. والميل: جمع أميل، وهو الذي لا رمح أو لا ترس معه، وقيل: هو الذي لا يثبت على السرج. والمعازيل: الذين لا سلاح معهم.
(9)
العدو: المشي السريع. وسموا: علوا وارتفعوا.
(10)
ابن حرب: هو أبو سفيان.
(11)
تغطمطت: اهتزت وارتجت، ومنه: بحر غطامط، إذا علت أمواجه. والبطحاء: السهل من الأرض. والجيل: الصنف من الناس.
إني نذير لأهل البَسْل ضَاحيَةً
…
لكل ذي إرْبَة منهم ومعقول (1)
من جَيْش أحمدَ لا وَخْشٍ تَنَابِلة
…
وليس يُوصف ما أنذرت بالقيل (2)
قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، ومر به ركب من عبد القيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة؟
قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة، قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمل لكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتموها؟ قالوا نعم، قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل.
قال ابن هشام: حدثنا أبو عبيدة: أن أبا سفيان بن حرب لما انصرف يوم أحد، أراد الرجوع إلى المدينة، ليستأصل بقية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم صفوان بن أمية بن خلف: لا تفعلوا، فإن القوم قد حربوا، وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذي كان، فارجعوا، فرجعوا.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم، وهو بحمراء الأسد، حين بلغه أنهم هموا بالرجعة: والذي نفسي بيده، لقد سومت (3) لهم حجارة، لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب" (4).
قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 172]، "أي: لمن أطاع منهم أمر الرسول وأجابه إِلى الغزو - على ما به من جراح وشدائد - الأجرُ العظيم والثواب الجزيل" (5).
قال السمرقندي: " أي الذين أوفوا الميعاد واتقوا السخط في معصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ثواب كثير"(6).
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة: " {أجر عظيم}، قال: الجنة"(7). وروي عن الحسن، وسعيد بن جبير، وعكرمة والضحاك وقتادة نحو ذلك (8).
وفي قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 172]، وجوه (9):
أحدها: أن قوله {أحسنوا} ، دخل تحته الائتمار بجميع المأمورات، وقوله:{واتقوا} ، دخل تحته الانتهاء عن جميع المنهيات، والمكلف عند هذين الأمرين يستحق الثواب العظيم.
والثاني: أن المعنى أنهم {أحسنوا} في طاعة الرسول في ذلك الوقت، {واتقوا} الله في التخلف عن الرسول، وذلك يدل على أنه يلزمهم الاستجابة للرسول وإن بلغ الأمر بهم في الجراحات ما بلغ من بعد أن يتمكنوا معه من النهوض.
الثالث: أنهم {أحسنوا} : فيما أتوا به من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، {واتقوا} ارتكاب شيء من المنهيات بعد ذلك.
قال الزمخشري: " و {من} في {للذين أحسنوا منهم}، للتبيين، مثلها في قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29]، لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا، لا بعضهم"(10).
روي عن ابن عباس أنه قال: "افصلوا بينهما: قوله: {للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم}، {الذين قال لهم الناس} "(11).
(1) أهل البسل: قريش، لأنهم أهل مكة، ومكة حرام. والضاحية: البارزة للشمس. والإربة: العقل.
(2)
الوخش: رذالة الناس وأخساؤهم. والتنابلة: القصار. والقيل: القول.
(3)
سومت، أي جعلت لها علامة يعرف بها أنها من عند الله.
(4)
السيرة النبوية لابن هشام: 2/ 102 - 104.
(5)
صفوة التفاسير: 223.
(6)
تفسير السمرقندي: 1/ 266.
(7)
تفسير ابن أبي حاتم (4515): ص 3/ 817.
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4515): ص 3/ 817.
(9)
انظر: مفاتيح الغيب: 9/ 432.
(10)
الكشاف: 1/ 441.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (4514): ص 3/ 817.
الفوائد:
1 -
بيان فضيلة الصحابة-رضي الله عنهم وأنهم بما معهم من الأعمال نالوا خيرية هذه الأمة.
2 -
أن أمر الرسول-صلى الله عليه وسلم أمر الله، لقوله:{الذين استجابوا لله والرسول} .
3 -
أن المصائب محك لمعرفة ارجال.
4 -
فضيلة الإحسان والتقوى.
5 -
أن الجزاء من جنس العمل، فالتقوى والإحسان من أعظم عمل العبد فكان ثوابها عظيما.
القرآن
التفسير:
وهم الذين قال لهم بعض المشركين: إن أبا سفيان ومن معه قد أجمعوا أمرهم على الرجوع إليكم لاستئصالكم، فاحذروهم واتقوا لقاءهم، فإنه لا طاقة لكم بهم، فزادهم ذلك التخويف يقينًا وتصديقًا بوعد الله لهم، ولم يَثْنِهم ذلك عن عزمهم، فساروا إلى حيث شاء الله، وقالوا: حسبنا الله أي: كافينا، ونِعْم الوكيل المفوَّض إليه تدبير عباده.
في سبب نزول قولان:
أحدها: أخرج الطبري عن ابن عباس قال: استقبل أبو سفيان في منصرفه من أحد عِيرًا واردةَ المدينة ببضاعة لهم، وبينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم حِبال، فقال: إنّ لكم عليَّ رضاكم إن أنتم رددتم عني محمدًا ومن معه، إن أنتم وجدتموه في طلبي، وأخبرتموه أنّي قد جمعت له جموعًا كثيرة. فاستقبلت العيرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: يا محمد إنا نخبرك أنّ أبا سفيان قد جمع لك جموعًا كثيرة، وأنه مقبل إلى المدينة، وإن شئت أن ترجع فافعل! فلم يزده ذلك ومن معه إلا يقينًا، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فأنزل الله تبارك وتعالى:{الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} ، الآية" (1)، وروي عن عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (2)، والسدي"(3)، وقتادة (4)، نحو ذلك.
والثاني: أخرج الطبري عن عكرمة قال: "كانت بدر متجرًا في الجاهلية، فخرج ناس من المسلمين يريدونه، ولقيهم ناسٌ من المشركين فقالوا لهم: إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم! فأما الجبان فرجع، وأما الشجاع فأخذ الأهبة للقتال وأهبة التجارة، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل! فأتوهم فلم يلقوا أحدًا، فأنزل الله عز وجل فيهم: {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم} "(5). وروي عن مجاهد (6)، وابن جريج (7) نحو ذلك.
والصواب –والله أعلم- هو القول الأول، يعني: أن "الذي قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، كان في حال خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخروج من خرج معه في أثر أبي سفيان ومن كان معه من مشركي قريش، مُنْصَرَفهم عن أحد إلى حمراء الأسد، لأن الله تعالى ذكره إنما مدح الذين وصفهم بقيلهم: حسبنا الله ونعم الوكيل، لما قيل لهم: إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، بعد الذي قد كان نالهم من القروح والكلوم بقوله: الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، ولم تكن هذه الصفة إلا صفة من تبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جرحى أصحابه بأحد إلى حمراء الأسد، وأما الذين خرجوا معه إلى غزوة بدر الصغرى، فإنه لم يكن فيهم جريح إلا جريح قد تقادم اندمال جرحه وبرأ كلمُه. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما خرج إلى بدر الخرجة الثانية إليها، لموعد أبي سفيان الذي كان
(1) أخرجه الطبري (8246): ص 7/ 410.
(2)
انظر: تفسير الطبري (8243): ص 7/ 406 - 409.
(3)
انظر: تفسير الطبري (8245): ص 7/ 409.
(4)
انظر: تفسير الطبري (8247): ص 7/ 410.
(5)
تفسير الطبري (8250): ص 7/ 412.
(6)
انظر: تفسير الطبري (8248): ص 7/ 411.
(7)
انظر: تفسير الطبري (8249): ص 7/ 411.
واعده اللقاء بها، بعد سنة من غزوة أحد، في شعبان سنة أربع من الهجرة. وذلك أن وقعة أحد كانت في النصف من شوال من سنة ثلاث، وخروج النبي صلى الله عليه وسلم لغزوة بدر الصغرى إليها في شعبان من سنة أربع، ولم يكن للنبيّ صلى الله عليه وسلم بين ذلك وقعة مع المشركين كانت بينهم فيها حرب جرح فيها أصحابه، ولكن قد كان قتل في وقعة الرَّجيع من أصحابه جماعة لم يشهد أحد منهم غزوة بدر الصغرى. وكانت وقعة الرَّجيع فيما بين وقعة أحد وغزوة النبي صلى الله عليه وسلم بدرًا الصغرى" (1).
قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا} [آل عمران: 173]، " أي: الذين أرجف لهم المرجفون من أنصار المشركين فقالوا لهم: إِن قريشاً قد جمعت لكم جموعاً لا تحصى فخافوا على أنفسكم، فما زادهم هذا التخويف إِلا إِيماناً" (2).
قال الماوردي: " أما الناس في الموضعين وإن كان بلفظ الجمع فهو واحد لأنه تقدير الكلام جاء القول من قِبَل الناس، والذين قال لهم الناس هم المسلمون"(3).
وفي الناس القائل أربعة أقوال:
أحدها: هو أعرابي جُعِل له على ذلك جُعْل، وهذا قول السدي (4).
والثاني: هو نعيم بن مسعود الأشجعي، وهذا قول مجاهد (5)، ومقاتل (6)، وعكرمة (7)، والواقدي (8).
قال الثعلبي: "وهو على هذا التأويل من العام الذي أريد به الخاص، نظيره قوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ} [النساء: 54]، يعني محمدا وحده، وقوله: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر: 57]، يريد الرجال وحده"(9).
والثالث: يريد ب (الناس) الركب من عبد القيس. وهذا قول محمد بن إسحاق (10).
والرابع: أنهم قوم من بني هذيل. قاله أبو معشر (11).
وأما {الناس} الثاني، فالمراد: أبو سفيان وأصحابه من قريش، الذين كانوا معه بأحد (12).
واختلفوا في الوقت الذي أراد أبو سفيان أن يجمع لهم هذا الجمع على قولين:
أحدهما: بعد رجوعه على أُحُد سنة ثلاث حتى أوقع الله في قلوب المشركين الرعب كفّوا،
وهذا قول ابن عباس (13)، وعبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (14)، والسدي" (15)، وقتادة (16).
والثاني: أن ذلك في بدر الصغرى سنة أربع بعد أحد بسنه، وهذا قول عكرمة (17)، ومجاهد (18)، وابن جريج (19).
والراجح أن الوقت كان عند مُنْصَرَفهم عن أحد إلى حمراء الأسد. والله أعلم.
(1) تفسير الطبري: 7/ 412 - 413.
(2)
صفوة التفاسير: 224.
(3)
النكت والعيون: 1/ 437.
(4)
انظر: تفسير الطبري (8245): ص 7/ 409.
(5)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 210.
(6)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 210.
(7)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 210.
(8)
انظر: النكت والعيون: 1/ 438.
(9)
تفسير الثعلبي: 3/ 210.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4517): ص 3/ 818.
(11)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 211.
(12)
انظر: تفسير الطبري: 7/ 404، والنكت والعيون: 1/ 438.
(13)
انظر: تفسير الطبري (8246): ص 7/ 410.
(14)
انظر: تفسير الطبري (8243): ص 7/ 406 - 409.
(15)
انظر: تفسير الطبري (8245): ص 7/ 409.
(16)
انظر: تفسير الطبري (8247): ص 7/ 410.
(17)
انظر: تفسير الطبري (8250): ص 7/ 412.
(18)
انظر: تفسير الطبري (8248): ص 7/ 411.
(19)
انظر: تفسير الطبري (8249): ص 7/ 411.
قوله تعالى: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]، "أي: وقال المؤمنون: الله كافينا وحافظنا ومتولي أمرنا ونعم الملجأ والنصير لمن توكل عليه جل وعلا" (1).
قال المراغي: " أي قالوا معبرين عن صادق إيمانهم بالله: الله يكفينا ما يهمنا من أمر الذين جمعوا الجموع لنا، فهو لا يعجزه أن ينصرنا على قلتنا وكثرتهم، أو يلقى فى قلوبهم الرعب، فيكفينا شر بغيهم وكيدهم، وقد كان الأمر كما ظنوا، فألقى الله الرعب فى قلب أبى سفيان وجيشه على كثرة عددهم وتوافر عددهم، فولوا مدبرين، وكان فى ذلك عزة لله ولرسوله وللمؤمنين"(2).
قال الطبري: أي: " فزادهم ذلك من تخويف من خوَّفهم أمرَ أبي سفيان وأصحابه من المشركين، يقينًا إلى يقينهم، وتصديقًا لله ولوعده ووعد رسوله إلى تصديقهم، ولم يثنهم ذلك عن وجههم الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسير فيه، ولكن ساروا حتى بلغوا رضوان الله منه، وقالوا ثقة بالله وتوكلا عليه: {حسبنا الله ونعم الوكيل}، يعني: كفانا الله، ونعم المولى لمن وليَه وكفَله"(3).
قال الثعلبي: "وقوله: {ونعم الوكيل} ، أي: الموكول إليه الأمور، فعيل بمعنى مفعول.
قال الواقدي: {ونعم الوكيل} ، أي: المانع، نظيره قوله:{وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا} [الإسراء: 86]، أي مانعا، وقوله:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا} [الإسراء: 65].
عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان آخر ما تكلم به رسول الله إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل» (4) " (5).
قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف زادهم نعيم أو مقوله إيمانا؟ قلت: لما لم يسمعوا قوله وأخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد وأظهروا حمية الإسلام، كان ذلك أثبت ليقينهم وأقوى لاعتقادهم، كما يزداد الإيقان بتناصر الحجج ولأن خروجهم على أثر تثبيطه إلى وجهة العدو طاعة عظيمة، والطاعات من جملة الإيمان لأن الإيمان اعتقاد وإقرار وعمل. وعن ابن عمر: قلنا يا رسول الله إن الإيمان يزيد وينقص؟ قال: «نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة. وينقص حتى يدخل صاحبه النار» (6)، وعن عمر رضى الله عنه: أنه كان يأخذ بيد الرجل فيقول: «قم بنا نزدد إيمانا» (7). وعنه: «لو وزن إيمان أبى بكر بإيمان هذه الأمة لرجح به» (8) "(9).
وقال ابن عطية: " وقوله تعالى: فزادهم إيمانا، أي ثبوتا واستعدادا، فزيادة الإيمان في هذا هي في الأعمال، وأطلق العلماء عبارة: أن الإيمان يزيد وينقص، والعقيدة في هذا أن نفس الإيمان الذي هو تصديق واحد بشيء ما، إنما هو معنى فرد لا تدخله زيادة إذا حصل، ولا يبقى منه شيء إذا زال، فلم يبق إلا أن تكون الزيادة والنقص في متعلقاته دون ذاته، فذهب بعض العلماء إلى أنه يقال: يزيد وينقص من حيث تزيد الأعمال الصادرة عنه وتنقص، لا سيما أن كثيرا من العلماء يوقعون اسم الإيمان على الطاعات، وذهب قوم: إلى أن الزيادة في الإيمان إنما هي بنزول الفروض والإخبار في مدة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي المعرفة بها بعد الجهل غابر الدهر وهذا إنما زيادة إيمان إلى إيمان، فالقول فيه إن الإيمان يزيد وينقص قول مجازي ولا يتصور النقص فيه على هذا الحد وإنما يتصور الأنقص بالإضافة إلى الأعلم، وذهب قوم من العلماء: إلى أن زيادة الإيمان ونقصه إنما هي من طريق الأدلة، فتزيد الأدلة عند واحد، فيقال في ذلك: إنها زيادة في الإيمان، وهذا كما يقال في الكسوة، إنها زيادة في الإيمان، وذهب أبو المعالي في الإرشاد: إلى أن زيادة الإيمان ونقصانه إنما هو بثبوت المعتقد وتعاوره دائبا، قال: وذلك أن الإيمان عرض وهو لا يثبت زمانين فهو للنبي صلى الله عليه وسلم
(1) صفوة التفاسير: 224.
(2)
تفسير المراغي: 4/ 135.
(3)
تفسير الطبري: 7/ 405.
(4)
السنن الكبرى: 6/ 154، والجامع الصغير: 1/ 6.
(5)
تفسير الثعلبي: 3/ 214.
(6)
انظر: بحار الأنوار: 66/ 209، وتفسير الثعلبي: 3/ 211.
(7)
مصنف ابن أبي شيبة (30366): ص 6/ 164.
(8)
أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (35): ص 1/ 143.
(9)
الكشاف: 1/ 442.
وللصلحاء متعاقب متوال، وللفاسق والغافل غير متوال، يصحبه حينا ويفارقه حينا في الفترة، فذلك الآخر أكثر إيمانا، فهذه هي الزيادة والنقص وفي هذا القول نظر، وقوله تعالى: فزادهم إيمانا لا يتصور أن يكون من جهة الأدلة، ويتصور في الآية الجهات الأخر الثلاث، وروي أنه لما أخبر الوفد من عبد القيس رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حملهم أبو سفيان، وأنه ينصرف إليهم بالناس ليستأصلهم، وأخبر بذلك أيضا أعرابي، شق ذلك على المسلمين فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل فقالوا واستمرت عزائمهم على الصبر ودفع الله عنهم كل سوء، وألقى الرعب في قلوب الكفار فمروا" (1).
الفوائد:
1 -
بيان أن المؤمن كلما ضاقت عليه المصائب فإنه يلجأ إلى ربه ويزداد إيمانا به.
2 -
أن الحسب هو الله وحده ولا أحد معه، كما أنه وحده المتوكل عليه.
3 -
الثناء على الله عز وجل لكونه وكيلا لعباده، أي: حسيبا لهم وعمدة لهم.
4 -
إثبات اسم {الوكيل} لله، لأن تقدير الآية: ونعم الوكيل هو، ومعناه: المتكفل بشؤون عباده، وليس معناه: القائم بالأمر نيابة عنهم.
5 -
وفي الآية دليل على أن الإيمان يتفاوت زيادة ونقصانا، فإن ازدياد اليقين بتناصر الحجج، وكثرة التأمل، مما لا ريب فيه.
القرآن
{فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)} [آل عمران: 174]
التفسير:
فرجعوا من «حمراء الأسد» إلى «المدينة» بنعمة من الله بالثواب الجزيل وبفضل منه بالمنزلة العالية، وقد ازدادوا إيمانًا ويقينًا، وأذلوا أعداء الله، وفازوا بالسلامة من القتل والقتال، واتبعوا رضوان الله بطاعتهم له ولرسوله. والله ذو إحسان وعطاء كثير واسع عليهم وعلى غيرهم.
في سبب نزول هذه الآية والتي بعدها:
قال عكرمة: " ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر الصغرى، وبهم الكلوم، خرجوا لموعد أبي سفيان فمر بهم أعرابي، ثم مر بأبي سفيان وأصحابه وهو يقول:
ونفرت ناقتي محمد من رفقتي
…
وعجوة منثورة كالعنجد.
فتلقاه أبو سفيان فقال: ويلك، ما تقول؟ فقال: محمد وأصحابه تركتهم ببدر الصغرى، فقال أبو سفيان: يقولون ويصدقون، ونقول ولا نصدق، وأصابت رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من الأعراب وانقلبوا، قال عكرمة: ففيهم أنزلت هذه الآية: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح} ، إلى قوله:{فانقلبوا بنعمة من الله وفضل} ، الآية" (2).
وفي السياق نفسه قال الواقدي: " وفي قوله: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا}، إلى قوله: {واتبعوا رضوان الله}، فإن أبا سفيان بن حرب وعد النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد بدر الموعد الصفراء، على رأس الحول، فقيل لأبي سفيان: ألا توافي النبي؟ فبعث نعيم بن مسعود الأشجعي إلى المدينة يثبط المسلمين، وجعل له عشرا من الإبل إن هو ردهم، ويقول إنهم قد جمعوا جموعا وقد جاءوكم في داركم، لا تخرجوا إليهم. حتى كاد ذلك يثبطهم أو بعضهم، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: والذي نفسي بيده، لو لم يخرج معي أحد لخرجت وحدي، فأنهجت (3) لهم بصائرهم، فخرجوا بتجارات وكان بدر موسما، {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل} في التجارة، يقول: اربحوا، {لم يمسسهم سوء} لم يلقوا قتالا، وأقاموا ثمانية أيام ثم انصرفوا"(4).
(1) المحرر الوجيز: 1/ 542 - 543.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4511): ص 3/ 816.
(3)
نهج الأمر وأنهج، إذا وضح. [النهاية: 4/ 185].
(4)
مغازي الواقدي: 1/ 327.
قوله تعالى: {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ} [آل عمران: 174]، "أي: فرجعوا بنعمة السلامة وفضل الأجر والثواب" (1).
قال مقاتل: " يعني: فرجعوا إلى المدينة {بنعمة من الله وفضل}، يعني: الرزق، وذلك أنهم أصابوا سرية في الصفراء، وذلك في ذي القعدة"(2).
عن أبي مالك قوله: {فانقلبوا بنعمة من الله} ، قال: لم يلقوا أحدا" (3).
قال القاسمي: " أي: رجعوا من حمراء الأسد بعافية وكمال الشجاعة وزيادة الإيمان والتصلب في الدين"(4).
قال الطبري: أي: " فانصرف الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، من وجههم الذي توجَّهوا فيه - وهو سيرهم في أثر عدوهم - إلى حمراء الأسد بعافية من ربهم، لم يلقوا بها عدوًّا، وأصابوا فيها من الأرباح بتجارتهم التي تَجَروا بها، الأجر الذي اكتسبوه"(5).
قال الزجاج: " المعنى: فلم يخافوا ما خافوا، وصاروا إلى الموعد الذي وعدوا فيه، {فانقلبوا بنعمة}، أي انقلبوا مؤمنين قد هرب منهم عدوهم، وقيل في التفسير إنهم أقاموا ثلاثا واشتروا أدما وزبيبا ربحوا فيه، وكل ذلك جائز، إلا أن إنقلابهم بالنعمة هي نعمة الإيمان والنصر على عدوهم"(6).
قال مجاهد: " والفضل: ما أصابوا من التجارة والأجر"(7).
قال ابن جريج: "ما أصابوا من البيع: {نعمة من الله وفضل}، أصابوا عَفْوه وغِرَّته لا ينازعهم فيه أحد"(8).
عن أسباط، عن السدي، قال:"أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني حين خرج إلى غزوة بدر الصغرى - ببدر دراهم، ابتاعوا بها من موسم بدر فأصابوا تجارة، فذلك قول الله: {فانقلبوا بنعمة من لله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله}. أما النعمة فهي العافية، وأما الفضل فالتجارة "(9).
قوله تعالى: {لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} [آل عمران: 174]، أي:" لم ينلهم بها مكروه من عدوّهم ولا أذى"(10).
قال عباس: قوله: {وفضل لم يمسسهم سوء} ، قال: لم يؤذهم أحد" (11).
عن أبي مالك: "قوله: {لم يمسسهم سوء}، قال: لم يصبهم إلا خير"(12).
قال ابن جريج: "وقوله: {لم يمسسهم سوء}، قال: قتل"(13). وروي عن السدي مثل ذلك (14).
قوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ} [آل عمران: 174]، "أي: ونالوا رضوان الله" (15).
عن ابن عباس: " قوله: {واتبعوا رضوان الله}، فأطاعوا الله ورسوله، واتبعوا حاجتهم"(16).
قال ابن جريج: " {واتبعوا رضوان الله}، قال: طاعة النبيّ صلى الله عليه وسلم"(17).
قال مقاتل: " يعني: رضى الله في الاستجابة لله- عز وجل وللرسول- صلى الله عليه وسلم في طلب المشركين"(18).
(1) صفوة التفاسير: 224.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 316.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4524): ص 3/ 819.
(4)
محاسن التأويل: 2/ 461.
(5)
تفسير الطبري: 7/ 414. [بتصرف].
(6)
معاني القرآن: 1/ 490.
(7)
أخرجه الطبري (8251): ص 7/ 414 - 415.
(8)
أخرجه الطبري (8252): ص 7/ 415.
(9)
أخرجه الطبري (8255): ص 7/ 415.
(10)
تفسير الطبري: 7/ 414.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (4529): ص 3/ 819.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (4528): ص 3/ 819.
(13)
أخرجه الطبري (8252): ص 7/ 415.
(14)
انظر: تفسير الطبري (8255): ص 7/ 415.
(15)
صفوة التفاسير: 224.
(16)
أخرجه ابن أبي حاتم (4531): ص 3/ 820.
(17)
أخرجه الطبري (8252): ص 7/ 415.
(18)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 316.
قال الطبري: أي: " أنهم أرضوا الله بفعلهم ذلك، واتباعهم رسوله إلى ما دعاهم إليه من اتباع أثر العدوّ، وطاعتهم"(1).
قال القاسمي: " أي: في طاعة رسوله بخروجهم وجراءتهم"(2).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 174]، " أي: والله ذو إِحسان عظيم على العباد" (3).
قال مقاتل: " على أهل طاعته"(4).
قال الطبري: أي: " والله ذو إحسان وطَوْل عليهم - بصرف عدوهم الذي كانوا قد همُّوا بالكرة إليهم، وغير ذلك من أياديه عندهم وعلى غيرهم - بنعمه عظيم عند من أنعم به عليه من خلقه"(5).
قال القاسمي: " حيث تفضل عليهم بالعافية وما ذكر معها، وبالحفظ عن كل ما يسوؤهم. وفيه تحسير للمتخلف وتخطئة رأيه حيث حرم نفسه ما فازوا به"(6).
قال محمد بن إسحاق: " {والله ذو فضل عظيم}، لما صرف عنهم من لقاء عدوهم"(7).
قال ابن عباس: " أطاعوا الله وابتغوا حاجتهم، ولم يؤذهم أحد، {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم} "(8).
الفوائد:
1 -
فضيلة هؤلاء الذين استجابوا لله والرسول لما أصابهم من الثواب.
2 -
أن الإنسان إذا عمل العمل وسعى فيه ولم يكمله كتب له أجر كامل، قال صلى الله عليه وسلم:"إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا"(9).
3 -
إثبات الرضا لله، والرضا من صفات الله الحقيقية.
4 -
إثبات اتصاف الله عز وجل بالفضل العظيم في كميته، العظيم في كيفيته.
القرآن
{إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)} [آل عمران: 175]
التفسير:
إنَّما المثبِّط لكم في ذلك هو الشيطان جاءكم يخوِّفكم أنصاره، فلا تخافوا المشركين; لأنّهم ضعاف لا ناصر لهم، وخافوني بالإقبال على طاعتي إن كنتم مصدِّقين بي، ومتبعين رسولي.
قوله تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} [آل عمران: 175]، "أي: إِنما ذلكم القائل {إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} بقصد تثبيط العزائم هو الشيطان يخوفكم أولياءه وهم الكفار لترهبوهم" (10).
قال السمرقندي: " يعني نعيم بن مسعود، لأن كل عات متمرد شيطان"(11).
قال الزجاج: " أي ذلك التخويف الذي كان فعل الشيطان، أي: هو قوله للمخوفين، يخوف أولياءه"(12).
قال ابن كثير: " أي: يخوفكم أولياءه، ويوهمكم أنهم ذوو بأس وذوو شدة"(13).
(1) تفسير الطبري: 7/ 414.
(2)
محاسن التأويل: 2/ 461.
(3)
صفوة التفاسير: 224.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 316.
(5)
تفسير الطبري: 7/ 414.
(6)
محاسن التأويل: 2/ 461.
(7)
أخرجه الطبري (8253): ص 7/ 415.
(8)
أخرجه الطبري (8254): ص 7/ 415.
(9)
رواه البخاري (2996).
(10)
صفوة التفاسير: 224.
(11)
تفسير السمرقندي: 1/ 266.
(12)
معاني القرآن: 1/ 490.
(13)
تفسير ابن كثير: 2/ 172.
قال الثعلبي: " يعني: ذلك الذي قال لكم: {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم}، من فعل الشيطان ألقى في أفواههم يرهبوهم ويجبنوا عنهم، {يخوف أولياءه}، أي: يخوفكم بأوليائه، أي أولياء إبليس حتى يخوف المؤمنين بالكافرين"(1).
قال الطبري: أي: " إنما الذي قال لكم، أيها المؤمنون: إن الناس قد جمعوا لكم، فخوفوكم بجموع عدوّكم ومسيرهم إليكم، من فعل الشيطان ألقاه على أفواه من قال ذلك لكم، يخوفكم بأوليائه من المشركين - أبي سفيان وأصحابه من قريش - لترهبوهم، وتجبنوا عنهم"(2).
قال محمد بن إسحاق: " أي: أولئك الرهط، يعني النفر من عبد القيس، الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوا، وما ألقى الشيطان على أفواههم يخوّف أولياءه، أي: يرهبكم بأوليائه"(3).
قال الزمخشري: "المعنى: إنما ذلك المثبط هو الشيطان، و {يخوف أولياءه}: جملة مستأنفة بيان لشيطنته، أو {الشيطان} صفة لاسم الإشارة، و {يخوف} الخبر. والمراد بالشيطان نعيم، أو أبو سفيان، ويجوز أن يكون على تقدير حذف المضاف، بمعنى: إنما ذلكم قول الشيطان، أى قول إبليس لعنه الله {يخوف أولياءه}، يخوفكم أولياءه الذين هم أبو سفيان وأصحابه، وتدل عليه قراءة ابن عباس وابن مسعود: «يخوفكم أولياءه»، وقوله: {فلا تخافوهم}، وقيل: يخوف أولياءه القاعدين عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن قلت: فإلام رجع الضمير في فلا تخافوهم على هذا التفسير؟ قلت: إلى الناس في قوله: {إن الناس قد جمعوا لكم} "(4).
قال ابن عطية: " والإشارة بـ {ذلكم} إلى جميع ما جرى من أخبار الركب العبديين، عن رسالة أبي سفيان ومن تحميل أبي سفيان ذلك الكلام، ومن جزع من ذلك الخبر من مؤمن أو متردد"(5).
قال ابن عباس: " {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه}، يقول: الشيطان يخوّف المؤمنين بأوليائه"(6).
وعن ابن عباس في رواية عطية العوفي: قال: "فجاء الشيطان يخوف أولياءه فقال: {إن الناس قد جمعوا لكم} "(7). وروي عن عكرمة وإبراهيم النخعي نحو ذلك (8).
قال مجاهد: " {إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه}، قال: يخوّف المؤمنين بالكفار"(9).
وعن سالم الأفطس في قوله: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه} ، قال:"يخوفكم بأوليائه"(10).
وقال السدي: ": ذكر أمر المشركين وعِظمهم في أعين المنافقين فقال: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه}، يعظم أولياءه في صدوركم فتخافونه"(11). وروي عن وأبي مالك نحو ذلك (12).
فنستنتج بأنه في تخويف أولياء الشيطان أقوال:
أحدها: أنه يخوف المؤمنين من أوليائه المشركين، وهذا قول ابن عباس (13)، ومجاهد (14)، وقتادة (15)، وسالم الأفطس (16).
(1) تفسير الثعلبي: 3/ 214.
(2)
تفسير الطبري: 7/ 416.
(3)
أخرجه الطبري (8259): ص 7/ 416.
(4)
الكشاف: 1/ 443.
(5)
المحرر الوجيز: 1/ 543.
(6)
أخرجه الطبري (8258): ص 7/ 416.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (4533): ص 3/ 820.
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4533): ص 3/ 820.
(9)
أخرجه الطبري (8257): ص 7/ 416.
(10)
أخرجه الطبري (8260): ص 7/ 416.
(11)
أخرجه الطبري (8261): ص 7/ 417.
(12)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4534): ص 3/ 820.
(13)
انظر: تفسير الطبري (8258): ص 7/ 416.
(14)
انظر: تفسير الطبري (8257): ص 7/ 416.
(15)
انظر: تفسير الطبري (8256): ص 7/ 416.
(16)
انظر: تفسير الطبري (8260): ص 7/ 416.
والثاني: أنه يخوف أولياءَه المنافقين ليقعدوا عن قتال المشركين، وهذا قول الحسن (1)، وابن عباس في رواية عطية العوفي (2)، وعكرمة (3)، وإبراهيم النخعي (4).
والثالث: أنه يعظم أولياءه في صدوركم أو أعينكم لتخافوهم. وهذا قول السدي (5)، وأبي مالك (6).
والرابع: أنه يعني: المشركين يخوفهم المسلمين، وذلك يوم بدر. وهذا قول سعيد بن جبير (7).
وعن عطاء، عن ابن عباس:" أنه كان يقرأ: {إنما ذلك الشيطان يخوفكم أولياءه} "(8).
وفي قراءة ابن مسعود: {يخوف الناس أولياءه} ، وفي قراءة أبي بن كعب:{يخوفكم بأوليائه} (9).
قال الماتريدي: المعنى: " يخوف أولياءه وأعداءه، لكن أعداءه لا يخافونه، وأولياؤه يخافونه؛ كقوله:{إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْر} [يس: 11]: ومن لم يتبع، لكن من اتبع الذكر كان يقبل إنذاره، ومن لم يتبع الذكر لا؛ وإلا فإنه كان ينذر الفريقين جميعا؛ فعلى ذلك الشيطان كان يخوف أولياءه وأعداءه جميعا، لكن أعداءه لا يخافونه، وأولياءه يخافونه.
ويحتمل قوله: {يخوف أولياءه} ، أي: بأوليائه، وجائز هذا في الكلام؛ كقوله:{وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ} [الشورى: 7]، أي: بيوم الجمع؛ ألا ترى أنه قال: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} [الأنعام: 121]؛ فعلى ذلك قوله: {يخوف أولياءه} ، أي: بأوليائه" (10).
قوله تعالى: {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175]، "أي: فلا تخافوهم ولا ترهبوهم فإِني متكفل لكم بالنصر عليهم، ولكن خافوا إن كنتم مؤمنين حقاً أن تعصوا أمري فتهلكوا" (11).
قال الزجاج: " أي: لا تخافوا المشركين، إن كنتم مصدقين، فقد أعلمتكم أني أنصركم عليهم فقد سقط عنكم الخوف، وقال بعضهم يخوف أولياءه، أي إنما يخاف المنافقون، ومن لا حقيقة لإيمانه"(12).
قال الثعلبي: أي: " وخافون في ترك أمري، إن كنتم مصدقين بوعدي فإني المتكفل لكم بالنصر والظفر"(13).
قال السمرقندي: أي: " {فلا تخافوهم} في الخروج، {وخافون} في القعود، إن كنتم مصدقين"(14).
قال الماتريدي: " أي: لا تخافوه لمخالفتكم إياه، {وخافونْ} أي: خافوا مخالفتكم أمري؛ كقوله: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} [النحل: 100]، أخبر أن ليس له سلطان على الذين آمنوا؛ إنما سلطانه على الذين يتولونه؛ لذلك قال: لا تخافوه؛ لما ليس له عليكم سلطان، وخافون؛ لما لي عليكم سلطان، وبالله العصمة"(15).
قال الزمخشري: أي: " {فلا تخافوهم} فتقعدوا عن القتال وتجبنوا، {وخافون} فجاهدوا مع رسولي وسارعوا إلى ما يأمركم به، {إن كنتم مؤمنين}، يعنى: أن الإيمان يقتضى أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس {وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ} [الأحزاب: 39] "(16).
(1) انظر: النكت والعيون: 1/ 438.
(2)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4533): ص 3/ 820.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4533): ص 3/ 820.
(4)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4533): ص 3/ 820.
(5)
انظر: تفسير الطبري (8261): ص 7/ 417.
(6)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4534): ص 3/ 820.
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4536): ص 3/ 821.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (4533): ص 3/ 820.
(9)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 215.
(10)
تفسير الماتريدي: 2/ 535.
(11)
صفوة التفاسير: 224.
(12)
معاني القرآن: 1/ 490. [بتصرف].
(13)
تفسير الثعلبي: 3/ 215.
(14)
تفسير السمرقندي: 1/ 266.
(15)
تفسير الماتريدي: 2/ 536.
(16)
الكشاف: 1/ 443.
قال عباد بن منصور: " سألت الحسن عن قوله: {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين}، قال: إنما كان ذلك تخويف الشيطان، ولا يخاف الشيطان إلا ولي الشيطان"(1).
قال النضر بن شميل: "تفسير المؤمن: إنه آمن من عذاب الله"(2).
قال الطبري: أي: " فلا تخافوا، أيها المؤمنون، المشركين، ولا يعظُمَن عليكم أمرهم، ولا ترهبوا جمعهم، مع طاعتكم إياي، ما أطعتموني واتبعتم أمري، وإني متكفِّل لكم بالنصر والظفر، ولكن خافون واتقوا أن تعصوني وتخالفوا أمري، فتهلكوا إن كنتم مؤمنين، يقول: ولكن خافونِ دون المشركين ودون جميع خلقي، أنْ تخالفوا أمري، إن كنتم مصدِّقي رسولي وما جاءكم به من عندي"(3).
قال ابن كثير: أي: فإذا سوّل لكم وأوهمكم فتوكلوا علي والجؤوا إلي، فأنا كافيكم وناصركم عليهم، كما قال تعالى:{أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} إلى قوله: {قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 36 - 38] وقال تعالى: {فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء: 76] وقال تعالى: {أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المجادلة: 19] وقال تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة: 21] وقال تعالى {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} [الحج: 40] وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] وقال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ. يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [غافر: 51 - 52] " (4).
الفوائد:
1 -
بيان شدة عداوة الشيطان لبني آدم، إذ يرعبهم ويخوفهم بأوليائه.
2 -
أن الشيطان يدافع عن أوليائه بل يهاجم بهم.
3 -
أنه يجب على المؤمن أن لايخاف من اولياء الشيطان، لقوله:{فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} .
4 -
أنه كلما قوي إيمان الإنسان بالله قوي خوفه منه، لقوله:{إن كنتم مؤمنين} .
5 -
أنه كلما قوي الإيمان بالله قوي الخوف منه وضعف الخوف من أولياء الشيطان.
6 -
أن الحوف من الله هو من مقتضيات الإيمان ومستلزماته، لقولهك {إن كنتم مؤمنين} .
القرآن
التفسير:
لا يُدْخِل الحزنَ إلى قلبك -أيها الرسول- هؤلاء الكفارُ بمسارعتهم في الجحود والضلال، إنهم بذلك لن يضروا الله، إنما يضرون أنفسهم بحرمانها حلاوة الإيمان وعظيم الثواب، يريد الله ألا يجعل لهم ثوابًا في الآخرة; لأنهم انصرفوا عن دعوة الحق، ولهم عذاب شديد.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: قال الكلبي: "يعني به المنافقين ورؤساء اليهود، كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم في الكتاب فنزل: ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر"(5).
والثاني: ويقال: "إن أهل الكتاب لما لم يؤمنوا، شق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الناس ينظرون إليهم ويقولون: إنهم أهل الكتاب، فلو كان قوله حقا لا تبعوه. فنزلت هذه الآية"(6).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (4539): ص 3/ 821.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4541): ص 3/ 821.
(3)
تفسير الطبري: 7/ 418.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 172.
(5)
تفسير السمرقندي: 1/ 266.
(6)
تفسير السمرقندي: 1/ 266.
والثالث: ويقال: "نزلت في مشركي قريش، لأنهم كانوا أقرباءه، والناس يقولون: لو كان قوله حقا لا تبعه أقرباؤه، فشق ذلك عليه فنزلت: {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} "(1).
قوله تعالى: {وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} [آل عمران: 176]، " أي: ولا تحزن ولا تتألم يا محمد لأولئك المنافقين الذين يبادرون نحو الكفر" (2).
قال الطبري: أي: " ولا يحزنك، يا محمد كفر الذين يسارعون في الكفر مرتدِّين على أعقابهم من أهل النفاق"(3).
قال مجاهد: " هم الكافرون"(4).
قال مقاتل: " يعني: المشركين يوم أحد"(5).
قال مجاهد: " يعني: أنهم المنافقون"(6). وروي عن محمد بن إسحاق مثل ذلك (7).
وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر: " {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر}، قال: كان رجل من اليهود قتل رجلا من أهل بيته، فقالوا لحلفائه من المسلمين: سلوا محمدا، فإن كان يقضي بالدية اختصمنا إليه، وإن كان يأمر بالقتل لم نأته"(8).
وقوله تعالى: {وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} [آل عمران: 176]، يحتمل وجهين (9):
أحدهما: ولا يحزنك الذين ظاهروا غيرهم من المشركين عليكم، وقد ظاهر أهل مكة غيرهم من المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول الله لرسوله:{ولا يحزنك} مظاهرتهم عليك؛ فإن الله ينصرك؛ فيخرج هذا مخرج البشارة له بالنصر على أعدائه والغلبة عليهم.
والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشتد عليه كفرهم بالله، ويحزن لذلك، كقوله – تعالى:{لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3]؛ فيخرج قوله: {ولا يحزنك} مخرج تسكين الحزن، ودفعه عنه، والتسلي عن ذلك، لا مخرج النهي؛ إذ الحزن يأخذ الإنسان، ويأتيه من غير تكلف ولا صنع، وكقوله تعالى:{لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40]: هو على مخرج التسكين والدفع عنه، لا على النهي؛ فكذلك الأول - والله أعلم - وكقوله - تعالى - لأم موسى عليه السلام:{وَلَا تَحْزَنِي} [القصص: 7].
وقرأ نافع {ولا يحزنك} ، بضم الياء، وقرأ الباقون بالفتح وهما لغتان (10).
وقرأ طلحة بن مصرف: {يسرعون} (11).
قوله تعالى: {إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا} [آل عمران: 176]، " أي: إِنهم بكفرهم لن يضروا الله شيئاً وإِنما يضرون أنفسهم" (12).
قال مجاهد: "هم المنافقون"(13).
قال محمد بن إسحاق: " أي المنافقون إنهم لن يضروا الله شيئا"(14).
قال الواحدي: " وهم المنافقون واليهود والمشركون"(15).
(1) تفسير السمرقندي: 1/ 266.
(2)
صفوة التفاسير: 224.
(3)
تفسير الطبري: 7/ 418.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4543): ص 3/ 821.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 317.
(6)
أخرجه الطبري (8262): ص 7/ 418.
(7)
انظر: تفسير الطبري (8263): ص 7/ 419.
(8)
تفسير ابن أبي حاتم (4544): ص 3/ 822.
(9)
انظر: تفسير الماتريدي: 2/ 536.
(10)
انظر: الحجة للقراء السبعة: 181.
(11)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 215.
(12)
صفوة التفاسير: 224.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (4545): ص 3/ 822.
(14)
سيرة ابن هشام: 2/ 121.
(15)
الوجيز: 243.
قال مقاتل: " يقول: لن ينقصوا الله شيئا من ملكه وسلطانه لمسارعتهم في الكفر، إنما يضرون أنفسهم بذلك"(1).
قال الطبري: أي: " فإنهم لن يضروا الله بمسارعتهم في الكفر شيئًا، وكما أنّ مسارعتهم لو سارعوا إلى الإيمان لم تكن بنافعته، كذلك مسارعتهم إلى الكفر غير ضارَّته"(2).
قال السمرقندي: " أي: لا ينقصوا من ملك الله شيئا وسلطانه شيئا بكفرهم وهذا كما روى أبو ذر الغفاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «قال الله لو أن أولكم وآخركم وجنكم وإنسكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم، ما زاد ذلك في ملك الله شيئا ولو كان أولكم وآخركم وجنكم وإنسكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص من ملك الله جناح بعوضة» (3) "(4).
قال الزمخشري: " يسارعون في الكفر يقعون فيه سريعا ويرغبون فيه أشد رغبة، وهم الذين نافقوا من المتخلفين. وقيل: هم قوم ارتدوا عن الإسلام.
فإن قلت: فما معنى قوله: {ولا يحزنك} ؟ ومن حق الرسول أن يحزن لنفاق من نافق وارتداد من ارتد؟ قلت: معناه: لا يحزنوك لخوف أن أن يضروك ويعينوا عليك. ألا ترى إلى قوله: {إنهم لن يضروا الله شيئا} ، يعنى أنهم لا يضرون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم، وما وبال ذلك عائدا على غيرهم" (5).
قال الراغب: " كما نهى تعالى عن الخوف مما يتوقع من حزب الشيطان، نهى عن
الحزن على ما يفوته منهم، ووصف الكفار بالمسارعة في الكفر، كما وصف المؤمنين بالمسارعة في الإيمان، فقال:{يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [آل عمران: 114]، وحقيقة المسارعة في ذلك أن يترقى الإنسان فيما يتحراه منزلة فمنزلة، خيرا كان أو شرا، فيتعوده فيتقوى به على المنزلة الثانية، لأن الشر حاصل بعضه عن بعض، وحامل بعضه بعضا، وكذا الخير، وعلى هذا قال أمير المؤمنين: تبدو نكتة بيضاء في القلب، كلما ازداد الإيمان ازداد البياض، فإذا استكمل الإيمان ابيض القلب كله، وإن النفاق يبدو نكتة سوداء، كلما ازداد النفاق ازداد السواد، فإذا استكمل النفاق اسود القلب كله، وبين أن لا يعود إلى الله من مسارعتهم في الكفر مضرة، كقوله:{وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: 57] " (6).
ويحتمل قوله تعالى: {إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا} [آل عمران: 176]، وجهين (7):
أحدهما: أي: لن يضروا أولياء الله عز وجل إنما ضرر ذلك عليهم، كقوله تعالى:{عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105].
والثاني: ويحتمل: {لن يضروا الله شيئا} ؛ لأنه ليس لله في فعلهم وعملهم نفع، ولا في ترك ذلك عليه ضرر؛ إنما المنفعة في عملهم لهم، والضرر في ترك عملهم عليهم، والله أعلم.
قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ} [آل عمران: 176]، " أي: يريد تعالى بحكمته ومشيئته ألاّ يجعل لهم نصيباً من الثواب في الآخرة" (8).
قال مقاتل: " يعني نصيبا في الجنة"(9).
قال الطبري: أي: " يريد الله أن لا يجعل لهؤلاء الذين يسارعون في الكفر، نصيبًا في ثواب الآخرة، فلذلك خذلهم فسارعوا فيه"(10).
قال ابن إسحاق: " {يريد الله أن لا يجعل لهم حظًّا في الآخرة}، أن يُحبط أعمالهم"(11).
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 317.
(2)
تفسير الطبري: 7/ 418.
(3)
المستدرك على الصحيحين (7606): ص 4/ 269، ومسند البزاز (4053): ص 9/ 441، والسنن الكبرى للبيهقي (11503): ص 6/ 154.
(4)
تفسير السمرقندي: 1/ 267.
(5)
الكشاف: 1/ 443.
(6)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 996 - 998.
(7)
انظر: تفسير الماتريدي: 2/ 537.
(8)
صفوة التفاسير: 224.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 317.
(10)
تفسير الطبري: 7/ 419.
(11)
أخرجه الطبري (8264): ص 7/ 419.
وعن ابن عباس: " {عذاب}، يقول: نكال"(1).
قال الماتريدي: أي: " أراد ألا يجعل لهم في الآخرة حظا؛ والمعتزلة يقولون: بل أراد أن يجعل لهم حظا في الآخرة؛ إذ يقولون: أراد لهم الإيمان، وبالإيمان يكون لهم الحظ في الآخرة، فثبت بالآية أنه لم يكن أراد لهم الإيمان، والآية في قوم خاص علم الله - تعالى - أنهم لا يؤمنون أبدا؛ فأراد ألا يجعل لهم حطا في الآخرة، ولو كان على ما تقوله المعتزلة: بأنه أراد أن يجعل لهم حظا في الآخرة - لما أراد لهم أن يؤمنوا، ولكن لم يؤمنوا لكان حاصل قولهم: أراد الله ألا يجعل لمن أراد يؤمن في الآخرة، وذلك جور عندهم"(2).
قوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 176]، "أي: ولهم فوق الحرمان من الثواب عذاب عظيم في نار جهنم " (3).
عن مقاتل بن حيان: " {عظيم}، يعني: عذابا وافرا"(4).
قال الطبري: " ثم أخبر أنهم مع حرمانهم ما حرموا من ثواب الآخرة، لهم عذاب عظيم في الآخرة، وذلك عذابُ النار"(5).
قال الماتريدي: " وذكر مرة: {أليم}، ومرة: {شديد}؛ لأن التعذيب بالنار أشد العذاب في الشاهد وأعظمه؛ لذلك أوعد بها في الغائب، وجعل شرابهم وطعامهم ولباسهم منها، فنعوذ بالله من ذلك"(6).
الفوائد:
1 -
تهديد هؤلاء الذين يسارعون في الكفر.
2 -
حرص النبي-صلى الله عليه وسلم على هداية الخلق، لأنه يحزنه هؤلاء الذين يسارعون في الكفر، وبيان ما يلحق النبي-صلى الله عليه وسلم من الهمّ ومن الحزن لعدم إسلام الأمة، وذلك لمحبته للخير صلى الله عليه وسلم.
3 -
بيان ما يقع فيه سفهاء بني آدم من الخطأ والخطل كما في فعل هؤلاء، يسارعون في الكفر مع أنه ضرر عليهم وهلاك.
4 -
بيان غنى الله عز وجل، وانتفاء الضرر عن الله وأنه لاتضره معصية العاصين كما لا تنفعه طاعة الطائعين.
5 -
إثبات الإرادة لله عز وجل، لقوله:{يريد الله ألا يجعل لهم حظّا في الآخرة} .
6 -
أنه لاحظّ للكافر في الآخرة، لأنه مخلد في النار.
7 -
ومنها أن الكافر قد يكون له حظ في الدنيا، وكفره لايمنعه من الحظ في الدنيا.
8 -
إثبات الآخرة، وأنها حق، وأن الناس ينقسمون فيها قسمين: منهم من له نصيب، ومنهم من لا نصيب له.
9 -
إثبات العقوبة لهؤلاء الكفار، فليس حظهم ألا يجدوا حظا في الآخرة فقط، بل مع ذلك يعذبون-نسأل الله العافية-.
القرآن
{إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177)} [آل عمران: 177]
التفسير:
إن الذين استبدلوا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئًا، بل ضرر فِعْلِهم يعود على أنفسهم، ولهم في الآخرة عذاب موجع.
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (4547): ص 3/ 822.
(2)
تفسير الماتريدي: 2/ 537.
(3)
صفوة التفاسير: 224.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4548): ص 3/ 822.
(5)
تفسير الطبري: 7/ 419.
(6)
تفسير الماتريدي: 2/ 537.
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ} [آل عمران: 177]، " أي: إن الذين استبدلوا الكفر بالإيمان" (1).
قال قتادة: " أي: استحبوا الضلالة على الهدى"(2).
قال محمد بن إسحاق: " أي المنافقين"(3). وروي عن مجاهد مثل ذلك (4).
قال مقاتل: " يعني باعوا الإيمان بالكفر"(5).
قال المظهري: " يعنى استبدلوا الكفر بالايمان وهم اهل الكتاب كانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل مجيئه فاذا جاء بالبينات اختاروا الكفر وتركوا الايمان حرصا على الدنيا وعناد"(6).
قال المراغي: " أي إن الذين أخذوا الكفر بدلا من الإيمان رغبة فيما أخذوا وإعراضا عما تركوا"(7).
قال الواقدي: " يقول: استحبوا الكفر على الإيمان"(8).
قال الطبري: أي: "إن هؤلاء الذين ابتاعوا الكفر بإيمانهم فارتدوا عن إيمانهم بعد دخولهم فيه، ورضوا بالكفر بالله وبرسوله، عوضًا من الإيمان"(9).
قال أبو الفداء: " اى أخذوه بد لا منه رغبة فيما أخذوه وإعراضا عما تركوه"(10).
قال الفخر: " إعلم أنا لو حملنا الآية الأولى على المنافقين واليهود، وحملنا هذه الآية على المرتدين لا يبعد أيضا حمل الآية الأولى على المرتدين، وحمل هذه الآية على اليهود، ومعنى اشتراء الكفر بالإيمان منهم، أنهم كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم ويؤمنون به قبل مبعثه ويستنصرون به على أعدائهم، فلما بعث كفروا به وتركوا ما كانوا عليه، فكأنهم أعطوا الإيمان وأخذوا الكفر بدلا عنه كما يفعل المشتري من إعطاء شيء وأخذ غيره بدلا عنه، ولا يبعد أيضا حمل هذه الآية على المنافقين، وذلك لأنهم متى كانوا مع المؤمنين أظهروا الإيمان، فإذا خلوا إلى شياطينهم كفروا وتركوا الإيمان، فكان ذلك كأنهم اشتروا الكفر بالإيمان"(11).
قوله تعالى: {لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا} [آل عمران: 177]، أي:"لن يضروا الله بكفرهم وارتدادهم"(12).
قال مقاتل: " يعني: لن ينقصوا الله من ملكه وسلطانه شيئا حين باعوا الإيمان بالكفر إنما ضروا أنفسهم بذلك"(13).
قال الطبري: " لن يضروا الله بكفرهم وارتدادهم عن إيمانهم شيئًا، بل إنما يضرون بذلك أنفسهم، بإيجابهم بذلك لها من عقاب الله ما لا قِبل لها به"(14).
قال ابن كثير: " أي: ولكن يضرون أنفسهم"(15).
قال الواحدي: " كرَّر {لن يضروا الله شيئاً}، لأنه ذكرن في الأول على طريق العلة لما يجب من التَّسلية عن المسارعة إلى الضَّلالة وذكره في الثاني على طريق العلة لاختصاص المضرة بالعاصي دون المعصي"(16).
(1) صفوة التفاسير: 224.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4549): ص 3/ 822.
(3)
تفسير ابن المنذر (1209): ص 2/ 508.
(4)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4550): ص 3/ 823.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 317.
(6)
تفسير المظهري: 2 ق/183.
(7)
تفسير المراغي: 4/ 140.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 327.
(9)
تفسير الطبري: 7/ 420.
(10)
روح البيان: 2/ 129.
(11)
مفاتيح الغيب: 9/ 437.
(12)
صفوة التفاسير: 224.
(13)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 317.
(14)
تفسير الطبري: 7/ 420.
(15)
تفسير ابن كثير: 2/ 173.
(16)
الوجيز: 245.
قال السعدي: " وكيف يضرون الله شيئا، وهم قد زهدوا أشد الزهد في الإيمان، ورغبوا كل الرغبة بالكفر بالرحمن؟ ! فالله غني عنهم، وقد قيض لدينه من عباده الأبرار الأزكياء سواهم، وأعد له -ممن ارتضاه لنصرته- أهل البصائر والعقول، وذوي الألباب من الرجال الفحول، قال الله تعالى: {قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا} الآيات"(1).
قوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 177]، أي:"ولهم عذاب مؤلم"(2).
قال مقاتل: " يعنى وجيع"(3).
قال أبو العالية: " الأليم: الموجع في القرآن كله"(4)، وروي عن سعيد بن جبير، وأبي مالك، والضحاك، وقتادة، وأبي عمران الجوني، ومقاتل بن حيان نحو ذلك (5).
قال أبو الفداء: " ولما جرت العادة باغتباط المشترى بما اشتراه وسروره بتحصيله عند كون الصفقة رابحة وبتألمه عند كونها خاسرة وصف عذابهم بالايلام مراعاة لذلك"(6).
وفي تكرار قوله تعالى: {لن يضروا الله شيئاً} في الآيتين: [آل عمران: 176 - 177]، أمور (7):
أحدها: أن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لا شك أنهم كانوا كافرين أولا، ثم آمنوا ثم كفروا بعد ذلك، وهذا يدل على شدة الاضطراب وضعف الرأي وقلة الثبات، ومثل هذا الإنسان لا خوف منه ولا هيبة له ولا قدرة له البتة على إلحاق الضرر بالغير.
وثانيها: أن أمر الدين أهم الأمور وأعظمها، ومثل هذا مما لا يقدم الإنسان فيه على الفعل أو على الترك إلا بعد إمعان النظر وكثرة الفكر، وهؤلاء يقدمون على الفعل أو على الترك في مثل هذا المهم العظيم بأهون الأسباب وأضعف الموجبات، وذلك يدل على قلة عقلهم وشدة حماقتهم، فأمثال هؤلاء لا يلتفت العاقل إليهم.
وثالثها: أن أكثرهم إنما ينازعونك في الدين، لا بناء على الشبهات، بل بناء على الحسد والمنازعة في منصب الدنيا، ومن كان عقله هذا القدر، وهو أنه يبيع بالقليل من الدنيا السعادة العظيمة في الآخرة كان في غاية الحماقة، ومثله لا يقدر في إلحاق الضرر بالغير، فهذا هو الفائدة في إعادة هذه الآية والله أعلم بمراده.
الفوائد:
1 -
بيان شدة رغبة الكفار في الكفر، لأنهم اشتروا الكفر اشتراء، والمشتري طالب للسلعة، فهم يأخذون الكفر عن رغبة.
2 -
بيان خسران هؤلاء إذ أخذوا الكفر بدلا من الإيمان/ وهي أخسر صفقة على وجه الأرض أن يأخذ الإنسان الكفر بالإيمان طائعا طيبة به نفسه والعياذ بالله.
3 -
بيان كما الله عز وجل، وأنه لا تضره معصية العاصي ولا تنفعه طاعة الطائعين.
4 -
كمال سلطان الله إذ إن هؤلاء الذين اختاروا الكفر على الإيمان لن يضروا الله شيئا، مع ان المعروف ان الملك كلما قلّت جنوده ضعف قوته إلا الله عز وجل فإنه لايضره شيء.
5 -
عذاب هؤلاء الذين اختاروا الكفر على الإيمان عذاب مؤلم.
القرآن
التفسير:
(1) تفسير السعدي: 157.
(2)
صفوة التفاسير: 224.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 317.
(4)
أخرجه ابن ابي حاتم (4451): ص 3/ 823.
(5)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (4451): ص 3/ 823.
(6)
روح البيان: 2/ 129.
(7)
انظر: مفاتيح الغيب: 9/ 437 - 438.
ولا يظننَّ الجاحدون أننا إذا أَطَلْنا أعمارهم، ومتعناهم بمُتع الدنيا، ولم تؤاخذهم بكفرهم وذنوبهم، أنهم قد نالوا بذلك خيرًا لأنفسهم، إنما نؤخر عذابهم وآجالهم; ليزدادوا ظلمًا وطغيانًا، ولهم عذاب يهينهم ويذلُّهم.
في سبب نزول الآية قولان:
أحدهما: قال الثعلبي: " نزلت هذه الآية في مشركي قريش (1).
والثاني: ونقل الثعلبي عن مقاتل: "قال عطاء: في قريظة والنضير"(2).
قوله تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: 178]، "أي: لا يظنَّن الكافرون أن إِمهالنا بدون أجزاء وعذاب، وإِطالتنا لأعمارهم خير لهم" (3).
قال مقاتل: يعني: " أبا سفيان وأصحابه يوم أحد حين ظفروا"(4).
قال الواقدي: " يقول: ما يصح أبدانهم، ويرزقهم ويريهم الدولة على عدوهم"(5).
قال السدي: " ثم ذكر إظهار المشركين فقال: {لا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم} "(6).
قال السمرقندي: " يعني: لا يظن الكفار أن الذي نملي لهم ونمهلهم خير لهم، ويقال: ما نعطيهم من المال والولد لا يظنن أن ذلك خير لهم في الآخرة، بل هو شر لهم في الآخرة"(7).
قال الزجاج: " معني {نملي لهم}: نؤخرهم، وهؤلاء قوم أعلم الله النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لا يؤمنون أبدا، وأن بقاءهم يزيدهم كفرا وإثما"(8).
قال الزمخشري: " والإملاء لهم: تخليتهم وشأنهم، مستعار من أملى لفرسه إذا أرخى له الطول ليرعى كيف شاء.
وقيل: هو إمهالهم وإطالة عمرهم. والمعنى: ولا تحسبن أن الإملاء خير لهم من منعهم أو قطع آجالهم" (9).
قال أبو عبيدة: {نُمْلِي} ، " من الإملاء ومن الإطالة، ومنها قوله:{وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} [مريم: 46]، أي: دهرا، وتمليت حبيبك، والملوان: النهار والليل كما ترى، قال ابن مقبل (10):
ألا يا ديار الحىّ بالسّبعان
…
أملّ عليها بالبلى الملوان
يعنى الليل والنهار، و «أمّل عليها بالبلى»: أي رجع عليها حتى أبلاها، أي طال عليه" (11).
وفي {ما} من قوله تعالى {أنما نملي لهم} ، وجهان: أن تكون مصدرية أو موصولة، حذف عائدها. أي إملاؤنا لهم أو الذي نمليه لهم، وكان حق {ما} في قياس علم الخط أن تكتب مفصولة، ولكنها وقعت في الإمام متصلة، فلا يخالف، وتتبع سنة الإمام في خط المصاحف (12).
وقرئت: {ولا تحسبن الذين كفروا إنما نملي} (13).
وقرأ ابن عامر وعاصم: {لا يحسبن} ، بالياء ونصب السين. وقرأ الباقون بالتاء وكسر السين (14).
(1) انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 216.
(2)
تفسير الثعلبي: 3/ 216.
(3)
صفوة التفاسير: 224.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 317.
(5)
المغازي: 1/ 327.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (4554): ص 3/ 823.
(7)
تفسير السمرقندي: 1/ 267.
(8)
معاني القرآن: 1/ 491.
(9)
الكشاف: 1/ 444.
(10)
ابن مقبل هو تميم بن أبى بن مقبل، شاعر مخضرم، انظر ترجمته فى الإصابة رقم 862، والخزانة 1/ 113. - والبيت فى الكتاب 2/ 351 - وإصلاح المنطق 436 وتهذيب الألفاظ 500 والطبري 4/ 123 والسمط 533 والروض 1/ 26 والاقتضاب 472 والشنتمرى 2/ 322 واللسان (سبع) والعيني 4/ 454، 579 والخزانة 2/ 275. ونسبه الحصرى فى زهر الآداب (4/ 68) إلى أعرابى من بنى عقيل، وياقوت فى معجم البلدان إليه فى قول، وإلى ابن أحمر فى قول آخر 3/ 33. - والسبعان:
بفتح أوله وضم ثانيه، وآخره نون متصل من تثنية السبع، قال ياقوت: قال أبو منصور هو موضع معروف فى ديار قيس نصر، السبعان: جبل قبل فلج وقيل واد شمالى سلم عنده جبل يقال له العبد.
(11)
مجاز القرآن: 1/ 108 - 109.
(12)
انظر: محاسن التأويل: 2/ 464.
(13)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 491.
(14)
انظر: الحجة للقراء السبعة: 3/ 109، وتفسير السمرقندي: 1/ 267.
فمن قرأ بالياء فـ {الذين} في محل الرفع على الفاعل تقديره: ولا يحسبن الكفار أن إملاءنا خير لهم (1)، ومن قرأ بالتاء، قال الفراء: هو" على التكرير: لا تحسبنهم لا تحسبن أنما نملي لهم، وهو كقوله: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً} [محمد: 18]، على التكرير: هل ينظرون إلا أن تأتيهم"(2).
وقيل: موضع إنما نصب على البدل من الذين، كقول الشاعر (3):
فما كان قيس هلكه هلك واحد
…
ولكنه بنيان قوم تهدما
فرفع (هلك) على البدل، من الأول (4).
قوله تعالى: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} [آل عمران: 178]، " أي: إِنما نمهلهم ونؤخر آجالهم ليكتسبوا المعاصي فتزداد آثامهم" (5).
قال أبو عبيدة: " فإنما أبقيناهم إلى وقت آجالهم ليزدادوا إثما وقد قيل فى الحديث: «الموت خير للمؤمن للنّجاة من الفتنة، والموت خير للكافر لئلا يزداد إثما» (6) "(7).
قال السمرقندي: " أي: نعطي لهم المال والولد، يهانون به من العذاب.
ويقال: إنما نملي لهم، أي بما أصابوا من الظفر يوم أحد لم يكن ذلك خيرا لأنفسهم، وإنما كان ليزدادوا عقوبة.
ويقال: إنما نملي لهم ونؤخر العذاب عنهم ليزدادوا إثما، أي جرأة على المعاصي. وإنما كان ذلك مجازاة لكفرهم وخبث نياتهم" (8).
قال عبد الله بن مسعود: "ما من نفس برة ولا فاجرة إلا الموت خير لها، لئن كان فاجرا، لقد قال الله تعالى: {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين} "(9).
قوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران: 178]، " أي: ولهم في الآخرة عذاب يهينهم" (10).
قال مقاتل: " يعني الهوان"(11).
قال القاسمي: " في قوله تعالى: {مهين} سر لطيف، وهو أنه لما تضمن الإملاء التمتيع بطيبات الدنيا وزينتها، وذلك مما يستدعي التعزز والتجبر، وصف عذابهم بالإهانة، ليكون جزاؤهم جزاء وفاقا"(12).
الفوائد:
1 -
أنه يجب على الانسان ان لا يظن أن إمهال الله له خيرا له، تؤخذ من النهي، فإن الأصل في النهي التحريم، فلايجوز للإنسان ان يغتر بإمهال الله له.
2 -
أنه تعالى بحكمته قد يستدرج بعض الخلق فيعطيه النعم تترا وهو متجاوز لحدوده ليبلغ في الطغيان غايته حتى إذا أخذه لم يفلته، كما قال صلى الله عليه وسلم:"إت الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته"(13).
(1) انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 216.
(2)
معاني القرآن: 1/ 248.
(3)
لم أتعرف على قائله، وهو من شواهد الثعلبي في تفسيره: 3/ 216، وتفسير القرطبي: 3/ 44، البداية والنهاية: 8/ 35.
(4)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 216.
(5)
صفوة التفاسير: 224.
(6)
لم أجده بهذا النص، وإنما جاء: "اثنتان يكرههما ابن آدم: يكره الموت، والموت خير للمؤمن من الفتنة،
ويكره قلَّة المال، وقلة المال أقل للحساب". [رواه أحمد، السلسلة الصحيحة 813، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 10/ 257، وقال: رواه أحمد بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح].
(7)
مجاز القرآن: 1/ 109.
(8)
معاني القرآن: 1/ 491.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (4555): ص 3/ 823.
(10)
صفوة التفاسير: 224.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 317.
(12)
محاسن التأويل: 2/ 464.
(13)
رواه البخاري (4686).
3 -
أنه يجب على الإنسان ان يعتبر في عمره هل امضاه في طاعة الله فليبشر بالخير، أو امضاه في معصية الله، والله تعالى يدرّ عليه النعم فليعلم أن هذا استدراج.
4 -
الإشارة أن الإنسان قد يغتر بظواهر الحال ويقول: إن الله لم ينعم عليّ إلا لأنني أهل لها، كما قال قارون:{قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص: 78].
5 -
إثبات زيادة الآثام، لقوله:{ليزدادوا إثما} ، فتدل بالمفهوم على زيادة الإيمان، لأنه إذا ازداد إثما فما نقص عن الإثم كان على زيادة في الإيمان، ولهذا قال أهل السصنة: إن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
6 -
إثبات العقوبة المذلة لهؤلاء.
7 -
أن الجزاء من جنس العمل، لأن هؤلاء لما استكبروا على الخلق وعلوا عليهم أذلّهم الله.
القرآن
التفسير:
ما كان الله ليَدَعَكم أيها المصدقون بالله ورسوله العاملون بشرعه على ما أنتم عليه من التباس المؤمن منكم بالمنافق حتى يَمِيزَ الخبيث من الطيب، فيُعرف المنافق من المؤمن الصادق. وما كان مِن حكمة الله أن يطلعكم -أيها المؤمنون- على الغيب الذي يعلمه من عباده، فتعرفوا المؤمن منهم من المنافق، ولكنه يميزهم بالمحن والابتلاء، غير أن الله تعالى يصطفي من رسله مَن يشاء؛ ليطلعه على بعض علم الغيب بوحي منه، فآمنوا بالله ورسوله، وإن تؤمنوا إيمانًا صادقًا وتتقوا ربكم بطاعته، فلكم أجر عظيم عند الله.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: نقل الواحدي والثعلبي (1) عن السدي: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "عرضت علي أمتي في صورها كما عرضت على آدم، وأعلمت من يؤمن لي ومن يكفر"، فبلغ ذلك المنافقين فاستهزأوا وقالوا: يزعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر، ونحن معه ولا يعرفنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية"(2). ونقله ابن حجر عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (3).
وفي السياق نفسه قال مقاتل: " وذلك أن الكفار قالوا: إن كان محمد صادقا فليخبرنا بمن يؤمن منا، ومن يكفر. فأنزل الله- عز وجل: {وما كان الله ليطلعكم على الغيب} "(4).
والثاني: نقل الواحدي والثعلبي (5) عن الكلبي: "قالت قريش: تزعم يا محمد أن من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان، وأن من اتبعك على دينك فهو من أهل الجنة والله عنه راض، فأخبرنا بمن يؤمن بك ومن لا يؤمن بك؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية"(6).
والثالث: نقل الواحدي والثعلبي (7) عن أبي العالية: " سأل المؤمنون أن يعطوا علامة يفرق بها بين المؤمن والمنافق، فأنزل الله تعالى هذه الآية"(8).
(1) انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 217. وفيه زيادة: " فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام على المنبر خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «ما بال القوم حملوني وطعنوا في حلمي، لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة إلا أنبأتكم».
فقام عبد الله بن حذافة السهمي فقال: يا رسول الله من أبي؟ فقال: «حذافة» ، فقام عمر ابن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما وبك نبيا فاعف عنا عفا الله عنك.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فهل أنتم منتهون
…
، فهل أنتم منتهون؟ » ثم نزل عن المنبر، فأنزل الله تعالى هذه الآية". وانظر: مصنف بن أبي شيبة: 8/ 698.
(2)
أسباب النزول: 132.
(3)
انظر: العجاب: 2/ 799.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 318.
(5)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 217.
(6)
أسباب النزول: 132.
(7)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 218.
(8)
أسباب النزول: 132.
قوله تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران: 179]، أي:" وما كان الله ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن منكم بالمنافق، حتى يميز الخبيث وهو المنافق المستسرُّ للكفر، من الطيب وهو المؤمن المخلص الصادق الإيمان، بالمحن والاختبار"(1).
قال ابن كثير: " أي: لا بُد أن يعقد سببا من المحنة، يظهر فيه وليه، ويفتضح فيه عدوه. يُعرف به المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر. يعني بذلك يوم أحد الذي امتحن به المؤمنين، فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وهتك به ستر المنافقين، فظهر مخالفتهم ونُكُولهم عن الجهاد وخيانتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولهذا قال: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} "(2).
قال مجاهد: " ميز بينهم يوم أحد، المنافقَ من المؤمن"(3).
قال ابن جريج: " يقول: ليبين الصادق بإيمانه من الكاذب، قال ابن جريج، قال مجاهد: يوم أحد، ميز بعضهم عن بعض، المنافق عن المؤمن"(4).
وقال قتادة: " {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه}، يعني الكفار. يقول: لم يكن الله ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه من الضلالة: حتى يميز الخبيث من الطيب، يميز بينهم في الجهاد والهجرة"(5). وروي عن السدي نحو ذلك (6).
واختلف أهل التأويل في الخبيث الذي عنى الله بهذه الآية على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه المنافق، وهو قول مجاهد (7)، وابن جريج (8)، ومحمد بن إسحاق (9).
والثاني: أنه الكافر، وهو قول قتادة (10)، والسدي (11).
والثالث: أنه المذنب، والمعنى:" حتى يميز الخبيث وهو المذنب، من الطيب وهو المؤمن، يعني حتى يحط الأوزار من المؤمن ما يصيبه من نكبة ومحنة ومصيبة". حكاه الثعلبي عن البعض (12).
والقول الأول أولى، لأن الآيات التي قبلها في سياق المنافقين. والله أعلم.
واختلفوا في الذي وقع به التمييز على قولين (13):
أحدهما: بتكليف الجهاد، وهذا قول من تأوّل الخبيث بالمنافق.
والثاني: بالدلائل التي يستدل بها عليهم وهذا قول من تأوله للكافر.
وفي توجيه الخطاب في هذه الآية قولان (14):
أحدهما: أن الخطاب للكفار والمنافقين من الكفر والنفاق حتى يميز الخبيث من الطيب.
قال الثعلبي: "وهذا قول ابن عباس والضحاك ومقاتل والكلبي وأكثر المفسرين"(15).
والثاني: أن الخطاب للمؤمنين الذين أخبر عنهم، ومعنى الآية: ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن بالمنافق، حتى يميز الخبيث من الطيب.
(1) تفسير الطبري: 7/ 424.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 173.
(3)
أخرجه الطبري (8268): ص 7/ 424 - 425.
(4)
أخرجه الطبري (8269): ص 7/ 425.
(5)
أخرجه الطبري (8271): ص 7/ 425.
(6)
انظر: تفسير الطبري (8273): ص 7/ 425 - 426.
(7)
انظر: تفسير الطبري (8268): ص 7/ 424 - 425.
(8)
انظر: تفسير الطبري (8269): ص 7/ 425.
(9)
انظر: تفسير الطبري (8270): ص 7/ 425.
(10)
انظر: تفسير الطبري (8271): ص 7/ 425.
(11)
انظر: تفسير الطبري (8273): ص 7/ 425 - 426.
(12)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 219.
(13)
انظر: النكت والعيون: 1/ 439.
(14)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 218.
(15)
تفسير الثعلبي: 3/ 218.
قال الثعلبي: وهذا قول أكثر أهل المعاني" (1).
وعلى القول الثاني فإن الخطاب يكون فيه التفات، إذ رجع من الخبر إلى الخطاب، كقوله تعالى:{وحَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ َوَجَرَيْنَ بِهِمْ} [يونس: 22]، فخاطب ثم رجع إلى الخبر عن الغائب، ولم يقل: وَجرَين بكم، ومنه قول أبي كبير الهُذَلي (2):
يَا لَهْفَ نَفْسي كان جِدَّةُ خَالِدٍ
…
وَبَيَاضُ وَجْهِكَ للتُّرابِ الأَعْفَرِ
ومنه قول لبيد بن ربيعة (3):
بَاتَتْ تَشَكَّى إليّ النَّفْسُ مُجْهِشَةً
…
وقد حَمَلْتُكِ سَبْعًا بَعْدَ سَبْعِينَا
إذ رجع من الغيبة إلى أسلوب المخاطب، والشواهدُ من الشعر وكلام العرب في ذلك أكثر من أن تُحصى.
قوله تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران: 179]، واختلفوا في فتح الياء وضمها والتخفيف والتشديد من قوله {حتى يميز الخبيث من الطيب} 179 و {ليميز الله} الأنفال 37
وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر {حَتَّى يَمِيزَ} ، ووكذلك التي في الأنفال:{ليميز الله} [الأنفال: 37]، وقرأ حمزة والكسائي {حتى يُميّز} ، و {ليُميّز} [الأنفال: 37] بضم الياء والتشديد (4).
قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} [آل عمران: 179]، أي:" وما كان الله ليطلعكم على ضمائر قلوب عباده، فتعرفوا المؤمن منهم من المنافق والكافر، ولكنه يميز بينهم بالمحن والابتلاء"(5).
قال الثعلبي: أي: " لأنه لا يعلم الغيب أحد غيره"(6).
قال ابن كثير: " أي: أنتم لا تعلمون غيبَ الله في خلقه حتى يُميز لكم المؤمن من المنافق، لولا ما يعقده من الأسباب الكاشفة عن ذلك"(7).
ولأهل العلم في تفسير قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} [آل عمران: 179]، وجهان:
أحدهما: أن المعنى: وما كان الله ليطلع محمدًا على الغيب، ولكن الله اجتباه فجعله رسولا. قاله السدي (8).
والثاني: أن المراد: فيما يريد أن يبتليكم به، لتحذروا ما يدخل عليكم فيه. وهذا قول محمد بن إسحاق (9).
قوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ} [آل عمران: 179]، " أي: ولكن الله يختار من رسله من يشاء فيطلعهم على غيبه" (10).
قال الطبري: أي: " غير أنه تعالى ذكره يجتبي من رسله من يشاء فيصطفيه، فيطلعه على بعض ما في ضمائر بعضهم"(11).
قال محمد بن إسحاق: " {ولكنّ الله يجتبي من رسله من يشاء}، يعلمه"(12).
عن مجاهد في قوله: " {ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء}، قال: يخلصهم لنفسه"(13).
قال الثعلبي: أي: " ولكن الله يجتبي يختار من رسله من يشاء بالغيب فيطلعه على بعض علم الغيب، نظيره قوله تعالى:{عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن: 26 - 27]
…
وروى
(1) تفسير الثعلبي: 3/ 218.
(2)
ديوان الهذليين 2: 101، وقوله "جدة" يعني شبابه الجديد. والجدة: نقيض البلى. والتراب الأعفر: الأبيض، قل أن يطأه الناس لجدبه. وخالد: صديق له من قومه، يرثيه.
(4)
انظر: السبعة: 220.
(5)
تفسير الطبري: 7/ 427.
(6)
تفسير الثعلبي: 3/ 219.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 173.
(8)
انظر: تفسير الطبري (8274): ص 7/ 426.
(9)
انظر: تفسير الطبري (8275): ص 7/ 426 - 427.
(10)
صفوة التفاسير: 1/ 225.
(11)
تفسير الطبري: 7/ 427.
(12)
أخرجه الطبري (8275): ص 7/ 426 - 427.
(13)
أخرجه الطبري (8276): ص 7/ 426.
الفضل بن موسى عن رجل قد سماه قال: كان عند الحجاج منجم فأخذ الحجاج حصيات لم يعدهن وقال للمنجم: كم في يدي؟ فحسب فأصاب المنجم، ثم اعتقله الحجاج، فأخذ حصيات لم يعدهن فقال للمنجم: كم في يدي؟ فحسب وحسب ثم أخطأ ثم حسب أيضا فأخطأ، فقال: أيها الأمير أظنك لا تعرف عددها في يدك؟ قال: فما الفرق بينهما؟ قال: إن ذلك أحصيته فخرج عن حد الغيب فحسبت وأصبت، وإن هذا لم يعرف عددها فصار غيبا ولا يعلم الغيب إلا الله" (1).
قوله تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} [آل عمران: 179]، " أي: أطيعوا الله ورسوله واتبعوه فيما شرع لكم" (2).
قوله تعالى: {وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 179]، أي:" وإن تصدِّقوا من اجتبيته من رُسلي بعلمي وأطلعته على المنافقين منكم وتتقوا ربكم بطاعته فيما أمركم به نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم وفيما نهاكم عنه فلكم ثوابٌ عظيم "(3).
قال محمد بن إسحاق: " أي: ترجعوا وتتوبوا فلكم أجر عظيم "(4).
الفوائد:
1 -
أنه تعالى لابدّ ان يميّز الخبيث من الطيب، وذلك بالوحي في عهد النبوة، أو بالقرائن في غير عهد النبوة، لأن القرائن قد تبيّن الخبيث من الطيب بحيث نلاحظ أعماله وننظر كيف يسير وكيف يعمل فيتبيّن لنا خبثه من طيبه.
2 -
بيان رحمة الله عز وجل بعباده إذ لايتركهم هكذا يشتبه بعضهم ببعض، بل لابد من ميز هذا عن هذا.
3 -
بيان حكمة الله في أفعاله وشرعه.
4 -
انقسام الناس إلى خبيث وطيب.
5 -
ان من ادّعى علم الغيب فهو كاذب، والمراد بالغيب ما غاب غيبا مطلقا وذلك كالذي يكون في المستقبل، وهذا لا يعلمه إلا الله، أما الشيء الحاضر ولكنه غاب من أناس دون أناس فهذا قد يطّلع عليه الإنسان، وإن لم يشاهده بخبر الجن يسيحون في الأرض يذهبون شمالا ويمينا، وهم سريعو التصرف فربما يسعون في الأرض ثم يخبرون أولياءهم بما شاهدوا في أراض بعيدة فيكون هذا غيبا إضافيا، أي بالإضافة إلى قوم دون قوم، فالذين شاهدوه ليس غيبا عندهم، أما البعيدون عنه فإنه غيب عندهم، ويقال: المغيب النسبي.
6 -
أن الله قد يطلع الخلق على الغيب بواسطة الرسل.
7 -
أن الرسل ممن اجتباهم الله واصطفاهم على الخلق، فهم الصفوة، كما قال:{وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ} [ص: 47].
8 -
إثبات المشيئة لله عز وجل، وكل شيء علّقه الله بالمشية فإنه مقرون بالحكمة.
9 -
وجوب الإيمان بالله ورسله عموما.
10 -
فضيلة الإيمان والتقوى، وأنه يترتب عليهما الاجر العظيم.
11 -
بيان منّة الله على العباد، إذ جعل إثابتهم على العمل بمنزلة الأجر المقرر لهم.
12 -
إثبات الجزاء، وأنه من جنس العمل.
القرآن
التفسير:
(1) تفسير الثعلبي: 3/ 219.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 173.
(3)
تفسير الطبري: 7/ 427. [بتصرف].
(4)
أخرجه الطبري (8277): ص 7/ 428.
ولا يظنن الذين يبخلون بما أنعم الله به عليهم تفضلا منه أن هذا البخل خير لهم، بل هو شرٌّ لهم; لأن هذا المال الذي جمعوه سيكون طوقًا من نار يوضع في أعناقهم يوم القيامة. والله سبحانه وتعالى هو مالك الملك، وهو الباقي بعد فناء جميع خلقه، وهو خبير بأعمالكم جميعها، وسيجازي كلا على قدر استحقاقه.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: أخرج الطبري وابن أبي حاتم (1) عن السدي: {ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم بل هو شر لهم} ، هم الذين آتاهم الله من فضله، فبخلوا أن ينفقوها في سبيل الله، ولم يؤدُّوا زكاتها" (2). وروي عن الحسن نحو ذلك (3). واختاره الطبري (4).
والثاني: أخرج الطبري وابن أبي حاتم (5)، عن ابن عباس:" قوله: {ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله إلى سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة}، يعني: بذلك أهل الكتاب، أنهم بخلوا بالكتاب أن يبينوه للناس"(6).
وذكره الثعلبي عنه بلفظ: " أن هذه الآية نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته، وأراد بالبخل كتمان العلم الذي أتاهم الله"(7).
وروي عن مجاهد: " هم يهود، إلى قوله: {وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ} [سورة آل عمران: 184] "(8).
واختاره الزجاج فقال: " هذا يعني به علماء إليهود الذين بخلوا بما آتاهم الله من علم نبوة
النبي صلى الله عليه وسلم ومشاقته وعداوته" (9).
والثالث: وقيل: فيمن يبخل بالنفقة في الجهاد. نقله الحافظ (10).
والرابع: وقيل: فيمن بخل على العيال وذي الرحم المحتاج. نقله الحافظ (11).
والراجح هو القول الأول، قال الواحدي:" أجمع جمهور المفسرين على أنها نزلت في مانعي الزكاة"(12)، وقال ابن كثير:" والصحيح الأول، وإن دخل هذا [أي القول الثاني] في معناه"(13).
قوله تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ} [آل عمران: 180]، " أي: لا يحسبن البخيل أن جمعه المال ينفعه" (14).
قال السمرقندي: " أي بما أعطاهم الله من المال، يبخلون ويمنعون الزكاة والصدقة وصلة الأرحام، فلا يظنوا أن ذلك هو خيرا لهم"(15).
وقوله تعالى: {وَلا يَحْسَبَنَّ} وما بعده في الأربعة مواضع (16) يقرأن بالياء والتاء (17).
قال الزمخشري: " من قرأ بالتاء قدر مضافا محذوفا، أى: ولا تحسبن بخل الذين يبخلون هو خيرا لهم. وكذلك من قرأ بالياء وجعل فاعل يحسبن ضمير رسول الله، أو ضمير أحد. ومن جعل فاعله الذين يبخلون كان
(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4577): ص 3/ 826.
(2)
تفسير الطبري (8277): ص 7/ 432.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4576): ص 3/ 826.
(4)
انظر: تفسير الطبري: 7/ 432.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4575): ص 3/ 826.
(6)
تفسير الطبري (8297): ص 7/ 439.
(7)
تفسير الثعلبي: 3/ 221.
(8)
أخرجه الطبري (8280): ص 7/ 432.
(9)
معاني القرآن: 1/ 492.
(10)
انظر: الفتح: 8/ 230.
(11)
انظر: الفتح: 8/ 230.
(12)
أسباب النزول: 132.
(13)
تفسير ابن كثير: 2/ 115.
(14)
تفسير ابن كثير: 2/ 174.
(15)
تفسير السمرقندي: 1/ 269.
(16)
انظر: الآيات: 169، 180، 188، من سورة آل عمران.
(17)
انظر: السبعة: 220، والحجة:116.
المفعول الأول عنده محذوفا تقديره: ولا يحسبن الذين يبخلون بخلهم هو خيرا لهم والذي سوغ حذفه دلالة (يبخلون) عليه، وهو فصل. وقرأ الأغمش بغير {هو} " (1).
قوله تعالى: {بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ} [آل عمران: 180]، " أي: ليس كما يظنون بل ذلك البخلُ شرٌّ لهم" (2).
قال ابن كثير: أي: "بل هو مَضّرة عليه في دينه - وربما كان - في دنياه"(3).
قوله تعالى: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 180]، " أي: سيجعل الله ما بخلوا به طوقاً في أعناقهم يعذبون به يوم القيامة" (4).
قال الطبري: أي: " سيجعل الله ما بخل به المانعون الزكاةَ، طوقًا في أعناقهم كهيئة الأطواق المعروفة"(5).
قال الزمخشري: " أي: سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق. وفي أمثالهم: تقلدها طوق الحمامة، إذا جاء بهنة يسب بها ويذم"(6).
قال الزمخشري: " أى: وله ما فيها مما يتوارثه أهلها من مال وغيره فما لهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله. ونحوه قوله: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ} [الحديد: 7] "(7).
وفي قوله تعالى: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 180]، أربعة اوجه من التفسير:
أحدها: أن الذي يطوَّقونه شجاع أقرع (8)، وهذا قول ابن مسعود (9)، وأبي مالك العبدي (10)، والسدي (11)، وأبو وائل (12)،
والثاني: أنه طوق من النار يجعلونه في أعناقهم، وهذا قول إبراهيم (13).
والثالث: أن المعنى: سيحمل الذين كتموا نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم من أحبار اليهود، ما كتموا من ذلك. وهذا قول ابن عباس (14).
والرابع: أن المعنى: سيكلَّفون يوم القيامة أن يأتوا بما بَخِلوا به في الدنيا من أموالهم. وهذا قول مجاهد (15).
أخرج البخاري عن أبي هُريرة قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ له شُجَاعًا أقرعَ له زبيبتان، يُطَوّقُه يوم القيامة، يأخذ بلِهْزِمَتَيْه - يعني بشدقَيْه - يقول: أنا مَالُكَ، أنا كَنزكَ»، ثم تلا هذه الآية: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ} إلى آخر الآية"(16).
وأخرج أحمد عن ابن عمَر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الَّذِي لا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ يُمَثِّلُ اللهُ لَهُ مَالَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبتَان، ثم يُلْزِمهُ يطَوّقه، يَقُول: أنَا كَنزكَ، أنَا كَنزكَ"(17).
(1) الكشاف: 1/ 446.
(2)
صفوة التفاسير: 225.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 174.
(4)
صفوة التفاسير: 225.
(5)
تفسير الطبري: 7/ 433.
(6)
الكشاف: 1/ 446.
(7)
الكشاف: 1/ 446.
(8)
الشجاع: الحية الذكر، وهو ضرب من الحيات خبيث مارد. وأقرع صفة من صفات الحيات الخبيثة، يزعمون أنه إذا طال عمر الحية، وكثر سمه، جمعه في رأسه حتى تتمعط منه فروة رأسه.
(9)
انظر: تفسير الطبري (8285): ص 7/ 436.
(10)
انظر: تفسير الطبري (8281): ص 7/ 433.
(11)
انظر: تفسير الطبري (8290): ص 7/ 438.
(12)
انظر: تفسير الطبري (8291): ص 7/ 438.
(13)
انظر: تفسير الطبري (8293) - (8296): ص 7/ 438 - 439.
(14)
انظر: تفسير الطبري (8297): ص 7/ 439.
(15)
انظر: تفسير الطبري (8298): ص 7/ 439.
(16)
صحيح البخاري برقم (1403، 4565).
(17)
المسند (2/ 98) وسنن النسائي (5/ 38).
وأخرج أحمد أيضا عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال:«مَا مِنْ عَبْدٍ لا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إلا جُعِلَ لَهُ شُجَاعٌ أقْرَعُ يَتْبَعُهُ، يَفِرّ منه وهو يَتْبَعُه فَيقُولُ: أنَا كَنْ» . ثُمَّ قرأ عبد الله مصداقه من كتاب الله: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} " (1).
وأخرج أبو يعلى عن ثوبان، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال:" مَنْ تَرَكَ بَعْدَهُ كَنزا مُثِّلَ لَهُ شُجُاعًا أَقْرَعَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ زَبِيبَتَان، يَتْبَعُه ويَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ وَيْلَكَ. فيقُولُ: أنَا كَنزكَ الَّذِي خَلَّفتَ بَعْدَكَ فَلا يَزَالُ يَتْبَعُه حَتَّى يُلْقِمَه يَدَه فَيقْضِمَها، ثم يَتْبَعه سَائِر جَسَ"(2).
قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 180]، "أي: جميع ما في الكون ملك له يعود إِليه بعد فناء خلقه" (3).
قال الطبري: "أي: بعد ما يهلكون وتزولُ عنهم أملاكهم، في الحين الذي لا يملكون شيئًا، وصار لله ميراثه وميراث غيره من خلقه"(4).
قال الزجاج: " أي الله يغني أهلهما فيغنيان بما فيهما، ليس لأحد فيهما ملك فخوطب
القوم بما يعقلون، لأنهم يجعلون ما رجع إلى الإنسان ميراثا إذا كان ملكا له" (5).
قال ابن عطية: " وقوله تعالى: {ولله ميراث السماوات}، خطاب على ما يفعله البشر دال على فناء الجميع وأنه لا يبقى مالك إلا الله تعالى وإن كان ملكه تعالى على كل شيء لم يزل"(6).
وإن قال قائل: "فما معنى قوله: له ميراث السموات والأرض، والميراث المعروف، هو ما انتقل من ملك مالك إلى وارثه بموته، ولله الدنيا قبل فناء خلقه وبعده؟
قيل: إن معنى ذلك ما وصفنا، من وصفه نفسه بالبقاء، وإعلام خلقه أنه كتِب عليهم الفناء. وذلك أنّ ملك المالك إنما يصير ميراثًا بعد وفاته، فإنما قال جل ثناؤه: ولله ميراث السموات والأرض، إعلامًا بذلك منه عبادَه أن أملاك جميع خلقه منتقلة عنهم بموتهم، وأنه لا أحد إلا وهو فانٍ سواه، فإنه الذي إذا أهلك جميع خلقه فزالت أملاكهم عنهم، لم يبق أحدٌ يكون له ما كانوا يملكونه غيره" (7).
قال السمرقندي: " يعني: إذا هلك الخلق كلهم أهل السموات من الملائكة، وأهل الأرض من الإنس والجن وسائر الخلق، ويبقى رب العالمين ثم يقول: {لمن الملك اليوم} [غافر: 16]. فلا يجيب أحد فيرد على نفسه فيقول: {لله الواحد القهار} [يوسف: 39 وغيرها] فذلك قوله تعالى: {ولله ميراث السماوات والأرض}، يعني: يهلك أهل السموات والأرض ولم يبق لأحد ملك. وإنما سمي ميراثا على وجه المجاز، لأن القرآن بلغة العرب، وكانوا يعرفون أن من رجع الملك إليه يكون ميراثا على وجه المجاز، وأما في الحقيقة فليس بميراث، لأن الوارث في الحقيقة هو الذي يرث شيئا لم يكن يملكه من قبل، والله عز وجل مالكهما، وكانت السموات وما فيها والأرض وما فيها له، وإنما كانت الأموال عارية عند أربابها، فإذا ماتوا رجعت العارية إلى صاحبها الذي كانت له في الأصل. ومعنى الآية أن الله تعالى أمر عباده أن ينفقوا ولا يبخلوا، قبل أن يموتوا ويتركوا المال ميراث الله لله تعالى، ولا ينفعهم إلا ما أنفقوا"(8).
(1) المسند (1/ 377) وسنن الترمذي برقم (3012) وسنن النسائي (5/ 11) وسنن ابن ماجة برقم (1784) والمستدرك (2/ 298).
(2)
عزاه إلى أبي يعلى في المطالب العالية الحافظ ابن حجر (1/ 254) ورواه ابن خزيمة في صحيحه برقم (2255) وابن حبان في صحيحه برقم (803)"موارد"والبزار في مسنده (1/ 418)"كشف الأستار" والطبراني في المعجم الكبير (2/ 91) والحاكم في المستدرك (1/ 338) وقال: "صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي، كلهم من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به. وقال البزار:"إسناده حسن". وقال ابن كثير: " إسناده جيد قوي ولم يخرجوه". [تفسير ابن كثير:
(3)
صفوة التفاسير: 225.
(4)
تفسير الطبري: 7/ 441.
(5)
معاني القرآن: 1/ 493.
(6)
المحرر الوجيز: 1/ 547.
(7)
تفسير الطبري: 7/ 440 - 441.
(8)
تفسير السمرقندي: 1/ 269.
أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك، عن ابن عباس قال:"قال جبريل: يا محمد، لله الخلق كله السموات كلهن، والأرضون كلهن ومن فيهن ومن بينهن مما يعلم ومما لا يعلم"(1).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [آل عمران: 180]، أي:"والله مطلع على أعمالكم"(2).
عن سعيد بن جبير: " {والله بما تعملون}، يعني: بما يكون"(3).
قال قتادة: " قوله: {خبير} قال: خبير بخلقه"(4).
قال السمرقندي: " ثم قال تعالى: والله بما تعملون خبير أي عالم بمن يؤدي الزكاة وبمن يمنعها، فيجازي كل نفس بما عملت"(5).
قال الطبري: " أخبر تعالى ذكره أنه بما يعلم هؤلاء الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضل وغيرهم من سائر خلقه، ذو خبرة وعلم، محيط بذلك كله، حتى يجازي كلا منهم على قدر استحقاقه، المحسنَ بالإحسان، والمسيء على ما يرى تعالى ذكره"(6).
قرأ أبو عمرو وابن كثير: {والله بما يعملون خبير} ، بالياء، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي {والله بما تعملون خبير} بالتاء (7).
قال الزمخشري: " وقرئ {: بما تعملون} بالتاء، فالتاء على طريقة الالتفات، وهي أبلغ في الوعيد والياء على الظاهر"(8).
الفوائد:
1 -
تهديد من بخل بما آتاه الله من فضله، والبخل المتوعد عليه هو منع الواجب من المال.
2 -
أن الشيطان قد يغر الإنسان فيقول: لاتنفق فيهلك مالك، والله يحذرنا من هذا الشيطان.
3 -
إقامة اللوم والتوبيخ على هؤلاء الذين بخلوا.
4 -
أن ما أوتيه الإنسان من علم أو مال أو ولد، فإنه من الله عز وجل، وأنه من فضله وحده.
5 -
إثبات الجزاء، وإثبات العقوبة العظيمة على هؤلاء الباخلين، وهي انهم يطوّقون به يوم القيامة.
6 -
إقامة الحجة بأن البخل ليس بنافع أصحابه، لأن بخلهم لن يخلدهم في الدنيا، ولن يخلد المال لهم، بل ينتقل إلى ورثتهم حتى ينتهي الأمر إلى الله عز وجل.
7 -
إثبات علم الله عز وجل، لقوله:{والله بما تعملون خبير} ، والخبرة: هي العلم ببواطن الامور، ومن المعلوم أن العليم ببواطن الأمور عليم بظواهرها من باب اولى.
8 -
الإشارة إلى اسم الله"الآخر"، فإن الله هو الأول والآخر، من قوله:{ولله ميراث السماوات والأرض} ، فإذا ثبت إرثه لهما لزم منه أن يكون هو الآخر عز وجل.
القرآن
التفسير:
لقد سمع الله قول اليهود الذين قالوا: إن الله فقير إلينا يطلب منا أن نقرضه أموالا ونحن أغنياء. سنكتب هذا القول الذي قالوه، وسنكتب أنهم راضون بما كان مِن قَتْل آبائهم لأنبياء الله ظلمًا وعدوانًا، وسوف نؤاخذهم بذلك في الآخرة، ونقول لهم وهم في النار يعذبون: ذوقوا عذاب النار المحرقة.
في سبب نزول الآية وجوه:
(1) تفسير ابن أبي حاتم (4585): ص 3/ 828.
(2)
صفوة التفاسير: 225.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4586): ص 3/ 828.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4587): ص 3/ 828.
(5)
تفسير السمرقندي: 1/ 269.
(6)
تفسير الطبري: 7/ 441.
(7)
انظر: السبعة: 220.
(8)
الكشاف: 1/ 446.
أحدها: أخرج الطبري وابن المنذر (1)، وابن أبي حاتم (2) عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة:"أنه حدثه عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه بيت المِدْراس، فوجد من يهودَ ناسًا كثيرًا قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فِنحاص، كان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حَبْرٌ يقال له أشيْع. فقال أبو بكر رضي الله عنه لفنحاص: ويحك يا فِنحاص، اتق الله وأسلِم، فوالله إنك لتعلم أنّ محمدًا رسول الله، قد جاءكم بالحقّ من عند الله، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل! قال فنحاص: والله يا أبا بكر، ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير! وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان عنا غنيُّا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم! ينهاكم عن الربا ويعطيناه! ولو كان عنا غنيًّا ما أعطانا الربا! فغضب أبو بكر فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة، وقال: والذي نفسي بيده، لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عُنقك يا عدو الله! فأكذِبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين. فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، انظر ما صنع بي صاحبك! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا رسول الله، إن عدو الله قال قولا عظيمًا، زعم أنّ الله فقير وأنهم عنه أغنياء! فلما قال ذلك غضبت لله مما قال، فضربتُ وجهه. فجحد ذلك فنحاص وقال: ما قلت ذلك! فأنزل الله تبارك وتعالى فيما قال فنحاص، ردًّا عليه وتصديقًا لأبي بكر: لقد سَمِع الله قول الذين قالوا إنّ الله فقيرٌ ونحن أغنياء سنكتبُ ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق وفي قول أبي بكر وما بلغه في ذلك من الغضب: {لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ} [سورة آل عمران: 186] "(3). وروي عن السدي نحو ذلك مختصرا (4).
والثاني: أخرج الطبري وابن أبي حاتم (5)، عن الحسن قال:" لما نزلت: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [سورة البقرة: 245\ سورة الحديد: 11]، قالت اليهود: إنّ ربكم يستقرض منكم! فأنزل الله: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إنّ الله فقير ونحن أغنياء} "(6).
والثالث: أخرج الطبري وعبدالرزاق (7)، وابن المنذر (8)، عن قتادة:" قوله: {الذين قالوا إنّ الله فقير ونحن أغنياء}، ذكر لنا أنها نزلت في حُيَيّ بن أخطب، لما أنزل الله: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً}، قال: يستقرضنا ربنا، إنما يستقرض الفقير الغنيَّ! "(9).
والرابع: أخرج الواحدي عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال:"نزلت في اليهود صك أبو بكر رضي الله عنه وجه رجل منهم، وهو الذي قال: {إن الله فقير ونحن أغنياء}، قال شبل: بلغني أنه فنحاص اليهودي وهو الذي قال: {يد الله مغلولة} "(10). وأخرجه الطبري عن ابن أبي نجيح (11).
والخامس: قال مقاتل: " وذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم كتب مع أبي بكر الصديق- رضي الله عنه إلى يهود قينقاع يدعوهم إلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضا حسنا. قال فنحاص اليهودي: إن الله فقير حين يسألنا القروض ونحن أغنياء"(12). وذكر الواقدي نحوه (13).
قال الطبري: " ذكر أن هذه الآية وآيات بعدها نزلت في بعض اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم"(14).
(1) انظر: تفسير ابن المنذر (1229): ص 2/ 515.
(2)
تفسير ابن أبي حاتم (4590): ص 3/ 828 - 829.
(3)
تفسير الطبري (8300): ص 7/ 441 - 442.
(4)
انظر: تفسير الطبري (8302): ص 7/ 443.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4588): ص 3/ 828.
(6)
تفسير الطبري (8305): ص 7/ 443.
(7)
انظر: تفسير عبدالرزاق (491): ص 1/ 425.
(8)
انظر: تفسير ابن المنذر (1231): ص 2/ 517.
(9)
تفسير الطبري (8307): ص 7/ 443.
(10)
أسباب النزول: 134. وهو مرسل، وإسناده ضعيف بسبب أبي حذيفة [انظر: تقريب التهذيب: 2/ 288 - رقم: 1505].
(11)
انظر: تفسير الطبري (8304): ص 7/ 443.
(12)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 319.
(13)
انظر: المغازي: 1/ 328.
(14)
تفسير الطبري: 7/ 442.
قوله تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران: 181]، أي:" لقد سمع الله قول الذين قالوا من اليهود: إن الله فقير إلينا ونحن أغنياء عنه"(1).
قال ابن زيد: " هؤلاء يهود"(2).
قال السدي: " قالها فنحاص اليهوديّ من بني مَرثد، لقيه أبو بكر فكلمه فقال له: يا فنحاص، اتق الله وآمن وصدِّق، وأقرض الله قرضًا حسنًا! فقال فنحاص: يا أبا بكر، تزعم أن ربنا فقير يستقرِضنا أموالنا! وما يستقرض إلا الفقير من الغني! إن كان ما تقول حقًّا، فإن الله إذًا لفقير! فأنزل الله عز وجل هذا، فقال أبو بكر: فلولا هُدنة كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين بني مَرثد لقتلته"(3).
قال مجاهد: " صكّ أبو بكر رجلا منهم الذين قالوا: إنّ الله فقير ونحن أغنياء، لم يستقرضنا وهو غني؟ ! وهم يهود"(4).
قال الزجاج: " هؤلاء رؤساء أهل الكتاب لما نزلت {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة} قالوا نرى أن إله محمد يستقرض منا فنحن إذن أغنياء. وهو فقير، وقالوا هذا تلبيسا على ضعفتهم، وهم يعلمون أن الله عز وجل: لا يستقرض من عوز، ولكنه يبلو الأخيار فهم يعلمون أن الله سمى الإعطاء والصدقة قرضا، يؤكد به - أن أضعافه ترجع إلى أهله، وهو عز وجل يقبض ويبسط أى يوسع ويقتر، فأعلم الله عز وجل أنه قد سمع مقالتهم، وأعلم أن ذلك مثبت عليهم، وأنهم إليه يرجعون فيجازيهم على ذلك وأنه خبير بعملهم"(5).
قوله تعالى: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} [آل عمران: 181]، أي:" سنكتب ما قالوا من الإفك والفرية على ربهم، وقتلهم أنبياءهم بغير حق"(6).
عن أبي عبيدة: " {سنكتب ما قالوا} سنحفظ عليهم "(7).
قال مقاتل: " فأمر الحفظة أن تكتب كل ما قالوا وتكتب قتلهم الأنبياء بغير حق"(8).
وقال الكلبي: "سنوجب عليهم في الآخرة جزاء ما قالوا في الدنيا"(9).
وقال الواقدي: " سيؤمن الحفظة من الكتاب، نظيره قوله: {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} [الأنبياء: 94] "(10).
قال الواحدي: " أَيْ: نأمر الحفظة بإثبات ذلك في صحائف أعمالهم"(11).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن أبي يزيد المرادي- وهو النعمان بن قيس- عن العلاء بن بدر، قلت: أرأيت قوله: {وقتلهم الأنبياء بغير حق} ، وهم لم يدركوا ذلك؟ قال: بموالاتهم الذي قتل أنبياء الله" (12).
قال الأخفش: " قال تعالى: {سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق}، وقد مضى لذلك دهر، فانما يعني: سنكتب ما قالوا على من رضي به من بعدهم أيام يرضاه"(13).
قال الطبري: " فإن قال قائل: كيف قيل: وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقد ذكرت في الآثار التي رويتَ، أن الذين عنوا بقوله: لقد سمع الله قول الذين قالوا إنّ الله فقيرٌ بعض اليهود الذين كانوا على عهد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يكن من أولئك أحدٌ قتل نبيًا من الأنبياء، لأنهم لم يدركوا نبيًا من أنبياء الله فيقتلوه؟
(1) تفسير الطبري: 7/ 444.
(2)
أخرجه الطبري (8309): ص 7/ 444.
(3)
أخرجه الطبري (8302): ص 7/ 443.
(4)
أخرجه الطبري (8303): ص 7/ 443.
(5)
معاني القرآن: 1/ 493 - 494.
(6)
تفسير الطبري: 7/ 444.
(7)
أخرجه ابن المنذر: (1232): ص 2/ 517.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 319.
(9)
تفسير الثعلبي: 3/ 222.
(10)
تفسير الثعلبي: 3/ 222.
(11)
الوجيز: 246.
(12)
تفسير ابن أبي حاتم (4591): ص 3/ 829.
(13)
معاني القرآن: 1/ 240.
قيل: إنّ معنى ذلك على غير الوجه الذي ذهبت إليه. وإنما قيل ذلك كذلك، لأن الذين عنى الله تبارك وتعالى بهذه الآية، كانوا راضين بما فعل أوائلهم من قتل من قتلوا من الأنبياء، وكانوا منهم وعلى منهاجهم، من استحلال ذلك واستجازته. فأضاف جلّ ثناؤه فعلَ ما فعله من كانوا على منهاجه وطريقته، إلى جميعهم، إذ كانوا أهل ملة واحدة ونحْلة واحدة، وبالرِّضى من جميعهم فَعل ما فعل فاعلُ ذلك منهم، على ما بينا من نظائره فيما مضى قبل" (1).
قال ابن مسعود: " كان بنو إسرائيل يقتلون في اليوم ثلاثمائة نبي، ثم يقوم سوق بنقلهم مع آخر النهار"(2).
قرأ حمزة وحده: {سيكتب ما قالوا} : بالياء {وقتلهم} : رفعا، و {الأنبياء}: نصبا، {ويقول}: بالياء، وقرأ الباقون {سنكتب ما قالوا} بالنون {وقتلهم} نصبا {ونقول} بالنون (3).
قوله تعالى: {وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [آل عمران: 181]، "أي: ويقول الله لهم في الآخرة على لسان الملائكة: ذوقوا عذاب النار المحرقة الملتهبة" (4).
قال مقاتل: " أي: تقول لهم خزنة جهنم في الآخرة: {ذوقوا عذاب الحريق} "(5).
قال الطبري: أي: " ونقول للقائلين بأن الله فقيرٌ ونحن أغنياء، القاتلين أنبياء الله بغير حقّ يوم القيامة ذوقوا عذاب الحريق، يعني بذلك: عذاب نار محرقة ملتهبة"(6).
قال الزجاج: " ومعنى {عذاب الحريق}، أي: عذاب محرق - بالنار، لأن العذاب يكون بغيرالنار، فأعلم أن مجازاة هؤلاء هذا العذاب، وقوله: {ذوقوا} هذه كلمة تقال للشيء يوئس من العفو يقال ذق ما أنت فيه، أي: لست بمتخلص منه"(7).
قال أبو عبيدة: {عذاب الحريق} : النار، اسم جامع يكون نارا، ويكون حريقا وغير حريق، فإذا التهب فهي حريق " (8).
قال الزمخشري: أي: " وننتقم منهم بأن نقول لهم يوم القيامة: {ذوقوا عذاب الحريق}، كما أذقتم المسلمين الغصص. يقال للمنتقم منه: أحس، وذق. وقال أبو سفيان لحمزة- رضى الله عنه-: «ذق عقق» (9) "(10).
قال أبو حيان: " واستعير لمباشرة العذاب الذوق، لأن الذوق من أبلغ أنواع المباشرة، وحاستها متميزة جدا. والحريق:
المحرق فعيل بمعنى مفعل، كأليم بمعنى مؤلم. وقيل: الحريق طبقة من طباق جهنم.
وقيل: الحريق الملتهب من النار، والنار تشمل الملتهبة وغير الملتهبة، والملتهبة أشدها.
والظاهر إن هذا القول يكون عند دخولهم جهنم. وقيل: قد يكون عند الحساب، أو عند الموت" (11).
قال الحسن: "بلغني أنه يحرق أحدهم في اليوم سبعين ألف مرة"(12).
الفوائد:
(1) تفسير الطبري: 7/ 446.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4590): ص 3/ 829.
(3)
انظر: السبعة: 220 - 221.
(4)
صفوة التفاسير: 227.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 319.
(6)
تفسير الطبري: 7/ 446.
(7)
معاني القرآن: 1/ 494.
(8)
أخرجه ابن المنذر: (1232): ص 2/ 517.
(9)
ذكره ابن هشام في "السيرة"(4/ 42) عن ابن إسحاق. ومن طريق ابن إسحاق: رواه الدارقطني في "المؤتلف والمختلف" بسنده إليه. انظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (1/ 251).
قال ابن إسحاق في المغازي قال: وكان الجليس بن زياد الكناني سيد الأحابيش مر بأبى سفيان وهو يضرب في شدق حمزة بن عبد المطلب بزج الرمح ويقول «ذق عقق» . وانظر: زاد المسير 2/ 15، ولسان العرب 10/ 111 - 112 (ذوق).
قوله: «لحمزة رضى الله عنه: ذق عقق» في الصحاح: عاق وعقق، مثل عامر وعمر. وذق عقق: أى ذق جزاء فعلك يا عاق. (ع)، وجاء في الترغيب والترهيب لقوام السنة: ص 3/ 122: " [ذق عقق] أي: ذق القتل يا عاق كما قتلت يوم بدر من قتلت
(10)
الكشاف: 1/ 447.
(11)
البحر المحيط: 3/ 456.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (4592): ص 3/ 830.
1 -
إثبات سمع الله عز وجل، لقوله:{لقد سمع الله} ، والسمع هنا بمعنى إدراك الصوت وإن خفي، والمراد هنا: التهديد، والعلماء قسموا سمع الله عز وجل إلى قسمين: السمع بمعنى الإستجابة، والسمع بمعنى إدراك الأصوات.
2 -
بيان ما عليه اليهود من الوقاحة والعدوان، وذلك بوصف الربّ عز وجل بأنه فقير، بل ولشدة وقاحتهم قالوا: ونحن أغنياء، فهم بذلك أثبتوا الكمال لأنفسهم والنقص لله عز وجل، فسبحان الله عمّا يصفون.
3 -
اعتداء اليهود على رسل الله بقتلهم بغير حق، فصار منهم عدوان على مقام التوحيد ومقام الرسالة.
4 -
أن هؤلاء سوف يذوقون العذاب بالألم البدني والألم النفسي، ففي قوله:{عذاب الحريق} : ألم بدني، وفي قوله:{وذوقوا} : ألم نفسي، لأن هذا توبيخ وإهانة، فالأمر هنا للتوبيخ والإهانة.
5 -
الردّ على من قال بأن أهل النار لايذوقون العذاب، لأن أجسامهم تأخذ على النار وتتكيف بها، فيصبحون لايذوقون ألما، لقوله:{وذوقوا عذاب الحريق} ، وفيه بيان قدرة الله إذ يحترق جلود هؤلاء وتنضج جلودهم وكلما نضجت جلودهم بدّلوا جلودا غيرها، ومع ذلك لايموتون مع أن مثل هذا الحريق لو أصاب احدا في الدنيا لهلك كما قال سبحانه:{ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} [الأعلى: 13]، فلايموت فيستريخ ولا يحيا حياة هنيئة.
القرآن
{ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (182)} [آل عمران: 182]
التفسير:
ذلك العذاب الشديد بسبب ما قدَّمتموه في حياتكم الدنيا من المعاصي القولية والفعلية والاعتقادية، وأن الله ليس بظلام للعببد.
قوله تعالى: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} [آل عمران: 182]، "أي: ذلك العذاب بما اقترفته أيديكم من الجرائم" (1).
قال السمعاني: " يعني: بما قدمتم، وذكر أيديكم تأكيدا"(2).
قال الطبري: " أي: قولنا لهم يوم القيامة، ذوقوا عذاب الحريق، بما أسلفت أيديكم واكتسبتها أيام حياتكم في الدنيا"(3).
قال الواحدي: أي: ذلك العذاب بما سلفت من إجرامكم" (4).
قال الراغب: " أي نكتب ما قالوا ونعاقبهم عليه جزاء لما ارتكبوه. إن قيل: لم خص اليد، وفيما ذكره عنهم أفعال بغيرها من الجوارح؟
قيل: لما كانت اليد هي الآلة الصانعة المختصة بالإنسان، فإنه لما كفى كل واحد من الحيوانات بما احتاج إليه من الأسلحة والملابس، وسخره لاستعمالها في الدفع عن نفسه، وخلق الإنسان عاريا من كل ذلك، جعل له الرؤية واليد الصانعة، ليعلم برؤيته، وليعمل بيده فوق ما أعطى الحيوانات، فلما كان لليد هذه الخصوصية صارت تخص بإضافة عمل الجملة إليها" (5).
قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [آل عمران: 182]، "أي: وأنه سبحانه عادل ليس بظالم للخلق" (6).
قال السمعاني: " يعني: أنه يفعل ما يفعل بهم؛ مجازاة لهم على أعمالهم"(7).
قال الطبري: أي: " وبأن الله عَدْل لا يجورُ فيعاقب عبدًا له بغير استحقاق منه العقوبةَ، ولكنه يجازي كل نفس بما كسبت، ويوفّي كل عامل جزاء ما عمل، فجازى الذين قال لهم ذلك يوم القيامة من اليهود الذين وصف صفتهم، فأخبر عنهم أنهم قالوا: إنّ الله فقير ونحن أغنياء، وقتلوا الأنبياء بغير حق بما جازاهم به من عذاب الحريق، بما اكتسبوا من الآثام، واجترحوا من السيئات، وكذبوا على الله بعد الإعذار إليهم بالإنذار. فلم يكن
(1) صفوة التفاسير: 227.
(2)
تفسير السمعاني: 1/ 385.تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1018 - 1019.
(3)
تفسير الطبري: 7/ 447.
(4)
الوجيز: 246.
(5)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1019 - 1020.
(6)
صفوة التفاسير: 227.
(7)
تفسير السمعاني: 1/ 385.
تعالى ذكره بما عاقبهم به من إذاقتهم عذاب الحريق ظالمًا، ولا واضعًا عقوبته في غير أهلها. وكذلك هو جل ثناؤه، غيرُ ظلام أحدًا من خلقه، ولكنه العادل بينهم، والمتفضل على جميعهم بما أحبّ من فَوَاضله ونِعمه" (1).
قال الزمخشري: " وكيف جعل كونه غير ظلام للعبيد شريكا لاجتراحهم السيئات في استحقاق التعذيب؟ قلت: معنى كونه غير ظلام للعبيد أنه عادل عليهم ومن العدل أن يعاقب المسيء منهم ويثيب المحسن"(2).
قال الراغب: " إن قيل: لم خص لفظ ظلام الذي هو للتكثير في نفي الظلم في هذا المكان، ولم يقل على ما قال في قوله:{لا يظلم مثقال ذرة} ، الذي هو يقتضي نفي الظلم قليله وكثيره؟
قيل: إنما خص ذلك لأنه لما كان في الدنيا قد يظن بمن يعذب غيره عذابا شديدا أنه ظلام قبل أن يفحص عن حال جرمه، بين تعالى ذنبهم، وأنه إذا عاقبهم عقوبة شديدة فليس بظلام لهم، وإن كان قد يظن في الدنيا بمن يفعل ذلك أنه ظلام. تعالى الله عن الظلم" (3).
الفوائد:
1 -
إثبات الأسباب، تؤخذ من قوله تعالى:{ذلك بما قدّمت أيديكم} .
2 -
نفي الظلم عن الله عز وجل.
3 -
أن الله يخبر عما يخبر من صفاته لتطين الخلقـ لقوله: {وأن الله ليس بظلّام للعبيد} .
4 -
جواز اطلاق البعض على الكل إذا وجدت قرينة تدل عليه، لقوله:{بما قدّمت أيديكم} ، فاليد بعض الإنسان لكن القرينة تدل على أن المراد الكل، يعني: بما قدّمتم.
القرآن
التفسير:
هؤلاء اليهود حين دُعُوا إلى الإسلام قالوا: إن الله أوصانا في التوراة ألا نصدِّق مَن جاءنا يقول: إنه رسول من الله، حتى يأتينا بصدقة يتقرب بها إلى الله، فتنزل نار من السماء فتحرقها. قل لهم -أيها الرسول-: أنتم كاذبون في قولكم; لأنه قد جاء آباءكم رسلٌ من قِبلي بالمعجزات والدلائل على صدقهم، وبالذي قلتم من الإتيان بالقربان الذي تأكله النار، فَلِمَ قَتَل آباؤكم هؤلاء الأنبياء إن كنتم صادقين في دعواكم؟
في سبب نزول الآية جوه:
أحدها: ذكر الواحدي والثعلبي (4) عن الكلبي: "نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الضيف ووهب بن يهوذا وزيد بن تابوة وفي فنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: تزعم أن الله بعثك إلينا رسولا، وأنزل عليك كتابا، وأن الله قد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك، فأنزل الله تعالى هذه الآية"(5).
والثاني: أخرج ابن أبي حاتم عن العلاء بن بدر قال: "كانت رسل تجيء بالبينات، ورسل علامة نبوتهم أن يضع أحدهم لحم البقر على يده، فتجيئ نار من السماء، فتأكله، فأنزل الله تعالى: {قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم} "(6).
والثالث: وروي عن جويبر، عن الضحاك:" قالوا: يا محمد إن تأتنا بقربان تأكله النار صدقناك، وإلا فلست بنبي، فقال الله تعالى: {قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم}، أي: جاءكم بالبينات وبالقربان الذي تأكله النار"(7).
(1) تفسير الطبري: 7/ 447.
(2)
الكشاف: 1/ 447.
(3)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1020.
(4)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 223.
(5)
أيباب النزول: 134.
(6)
تفسير ابن أبي حاتم (4600): ص 3/ 831.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (4601): ص 3/ 831.
قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ} [آل عمران: 183]، " أي: هم الذين قالوا إِن الله أمرنا وأوصانا في التوراة، أن لا نصدق لرسول حتى يأتينا بآية خاصة وهي أن يقدّم قربناناً فتنزل نار من السماء فتأكله" (1).
قال الحسن: " كذبوا على الله"(2).
قال الطبري: أي: " لقد سمع الله قول الذين قالوا: إن الله أوصانا، وتقدم إلينا في كتبه وعلى ألسن أنبيائه أن لا نصدِّق رسولا فيما يقول إنه جاء به من عند الله من أمر ونهي وغير ذلك حتى يجيئنا بقربان، وهو ما تقرَّب به العبد إلى ربه من صدقة"(3).
قال الثعلبي: " قال المفسرون: كانت القرابين والغنائم تحل لبني إسرائيل، فكانوا إذا قربوا قربانا وغنموا غنيمة فإن تقبل منهم ذلك جاءت نار بيضاء من السماء لا دخان لها ولها دوي وحفيف، فتأكل ذلك القربان وتلك الغنيمة وتحرقهما، فيكون ذلك علامة القبول، وإذا لم يقبل بقي على حاله
…
ومعنى الآية تكذيبهم يا محمد إياك مع علمهم بصدقك، كقتل آبائهم الأنبياء مع الإتيان بالقربان والمعجزات" (4).
قال ابن عباس: " كان الرجل يتصدق، فإذا تُقُبِّل منه، أنزلت عليه نارٌ من السماء فأكلته"(5).
قال الضحاك: " كان الرجل إذا تصدق بصدقة فتُقُبِّلت منه، بعث الله نارًا من السماء فنزلت على القربان فأكلته"(6). وعنه أيضا قال: " هم اليهود"(7).
ذكر الثعلبي والواحدي (8) عن عطاء: "كانت بنو إسرائيل يذبحون لله فيأخذون الثروب وأطائب اللحم فيضعونها في وسط البيت والسقف مكشوف، فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه، وبنو إسرائيل خارجون حول البيت، فتنزل نار فتأخذ ذلك القربان فيخر النبي ساجدا فيوحي الله عز وجل إليه بما شاء"(9).
وذكر الثعلبي والواحدي (10) عن السدي: "إن الله تعالى أمر بني إسرائيل في التوراة: من جاءكم من أحد يزعم أنه رسول فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار حتى يأتيكم المسيح ومحمد، فإذا أتياكم فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير قربان، قال الله تعالى إقامة للحجة عليهم: قل يا محمد قد جاءكم يا معشر اليهود {رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم}، من القربان، {فلم قتلتموهم}، يعني: زكريا ويحيى وسائر من قتلوا من الأنبياء، وأراد بذلك أسلافهم، فخاطبهم بذلك لأنهم رضوا بفعل أسلافهم"(11).
قال ابن حجر: " إن ثبت هذا الذي نقله السدي من أنهم حذفوا من التوراة استثناء المسيح ومحمد أزال أشكالًا كبيرًا"(12).
و{القربان} : "البرّ الذي يتقرب به إلى الله، وأصله المصدر، من قولك: قرب قربانا، ومثل الكفران والرجحان والخسران، ثم سمي به نفس المتقرب به"(13).
قال الراغب: " {القربان}: اسم لما يتقرب به إلى الله تعالى، وكثر استعماله في النسيكة"(14).
(1) صفوة التفاسير: 227.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4597): ص 3/ 830.
(3)
تفسير الطبري: 7/ 448. [بتصرف].
(4)
تفسير الثعلبي: 3/ 223 - 224.
(5)
أخرجه الطبري (8310): ص 7/ 448 - 449.
(6)
أخرجه الطبري (8311): ص 7/ 449.
(7)
أخرجه ابن ابي حاتم (4599): ص 3/ 831.
(8)
انظر: التفسير البسيط: 1/ 529.
(9)
تفسير الثعلبي: 3/ 223.
(10)
انظر: التفسير البسيط: 1/ 529. وفيه: " كانت بنو إسرائيل يذبحون لله، فيأخذون الثروب وأطايب اللحم فيضعونها وسط البيت، والسقف مكشوف، فيقوم النبي ويناجي ربه، وبنو إسرائيل خارجون حول البيت، فتنزل نار بيضاء لها حفيف ولا دخان لها، فتأكل ذلك القربان".
(11)
تفسير الثعلبي: 3/ 223 - 224.
(12)
العجاب: 2/ 810.
(13)
التفسير البسيط للواحدي: 1/ 529.
(14)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1021.
وكان عيسى بن عمر يقرأ: {قربان} ، فبضم الراء والقاف، كما يقال في جمع ظلمة: ظلمات، وفي جمع حجرة: حجرات (1).
قوله تعالى: {قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ} [آل عمران: 183]، " أي: قل لهم يا محمد: قد جاءتكم رسلٌ قبلي بالمعجزات الواضحات والحجج الباهرات الدالة على صدق نبوتهم وبالذي ادعيتم" (2).
قال ابن عطية: " هذا رد عليهم في مقالتهم وتبيين لإبطالهم، أي: قد جاءكم رسل بالآيات الباهرة البينة، وفي جملتها ما قلتم من أمر القربان فلم قتلتموهم يا بني إسرائيل المعنى بل هذا منكم تعلل وتعنت، ولو أتيتكم بالقربان لتعللتم بغير ذلك، والاقتراح لا غاية له، ولا يجاب كل مقترح، ولم يجب الله مقترحا إلا وقد أراد تعذيبه وأن لا يمهله، كقوم صالح وغيرهم، وكذلك قيل لمحمد في اقتراح قريش فأبى، وقال: بل أدعوهم وأعالجهم"(3).
قال مقاتل: " فقال- عز وجل لنبيه- صلى الله عليه وسلم-قل لهم: {قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات}، يعني: التبيين بالآيات، {وبالذي قلتم}، من أمر القربان"(4).
قال الطبري: أي: " قل، يا محمد، قد جاءكم رسل من قبلي بالحجج الدالة على صدق نبوتهم وحقيقة قولهم وبالذي ادَّعيتم أنه إذا جاء به لزمكم تصديقه والإقرار بنبوته، من أكل النار قُربانه إذا قرَّب لله دلالة على صدقه"(5).
قوله تعالى: {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 183]، " أي: فلم كذبتموهم وقتلتموهم إِن كنتم صادقين في دعواكم الإِيمان بالله والتصديق برسله؟ " (6).
قال الضحاك: " فلم كذبتموهم، {قتلتموهم إن كنتم صادقين}؟ "(7).
قال مقاتل: " فلم قتلتم أنبياء الله من قبل محمد- صلى الله عليه وسلم {إن كنتم صادقين} بما تقولون"(8).
قال النسفي: " أى إن كان امتناعكم عن الإيمان لأجل هذا، فلم لم تؤمنوا بالذين أتوا به ولم قتلتموهم؟ {إِن كُنتُمْ صادقين} في قولكم إنما نؤخر الإيمان لهذا"(9).
عن أبي يزيد المرادي، عن العلاء بن بدر:" قلت: أرأيت قوله: {فلم قتلتموهم}، وهم لم يدركوا ذلك؟ قال: بموالاتهم من قتل الأنبياء"(10).
روي عن الشعبي أنه قال: " كان بين الذين قتلوا وبين الذين قالوا: إن الله عهد إلينا إلى آخر الآية- سبعمائة سنة"(11).
وعنه أيضا: "في قوله: {فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين}، قال: لأنهم رضوا عملهم"(12).
قال الطبري: " وإنما أعلم الله عباده بهذه الآية: أنّ الذين وصف صفتهم من اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لن يَعْدوا أن يكونوا في كذبهم على الله وافترائهم على ربهم وتكذيبهم محمدًا صلى الله عليه وسلم، وهم يعلمونه صادقًا محقًّا، وجحودهم نبوَّته وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في عهد الله تعالى إليهم أنه رسوله إلى خلقه، مفروضة طاعته (1) إلا كمن مضى من أسلافهم الذين كانوا يقتلون أنبياء الله بعد قطع الله عذرهم بالحجج التي أيدهم الله بها، والأدلة التي أبان صدقهم بها، افتراء على الله، واستخفافًا بحقوقه"(13).
(1) تفسير الثعلبي: 3/ 223.
(2)
صفوة التفاسير: 227.
(3)
المحرر الوجيز: 1/ 549.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 320.
(5)
تفسير الطبري: 7/ 449.
(6)
صفوة التفاسير: 227.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (4604): ص 3/ 832.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 320.
(9)
تفسير النسفي: 1/ 317.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (4603): ص 3/ 831.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (4596): ص 3/ 830.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (4602): ص 3/ 831.
(13)
تفسير الطبري: 7/ 449 - 450.
الفوائد:
1 -
بيان تعنّت اليهود الذين ردّوا ما جاء به النبي-صلى الله عليه وسلم من البينات بناء على ما ادّعوه من هذه الآية.
2 -
أنه ينبغي عند المخاصمة إفحام الخصم بما يدعيه ليكون ذلك أبلغ في دحض حجّته، يؤخذ من قوله:{قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .
3 -
أن الرسل عليهم الصلاة والسلام جاءوا بالبينات الدالة على رسالتهم ولا بد من هذا عقلا كما هو واقع شرعا، قال صلى الله عليه وسلم:"ما من نبي من الأنبياء إلا أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة"(1).
4 -
إقامة الحجة على هؤلاء الذين ادعوا هذه الدعوى، لأنهم قتلوا الأنبياء الذين جاؤوا بما قالوه.
القرآن
{فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (184)} [آل عمران: 184]
التفسير:
فإن كذَّبك -أيها الرسول- هؤلاء اليهود وغيرهم من أهل الكفر، فقد كذَّب المبطلون كثيرًا من المرسلين مِن قبلك، جاءوا أقوامهم بالمعجزات الباهرات والحجج الواضحات، والكتب السماوية التي هي نور يكشف الظلمات، والكتابِ البيِّن الواضح.
قوله تعالى: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} [آل عمران: 184]، " أي: فلا يحزنك يا محمد تكذيب هؤلاء لك، فإِنهم إِن فعلوا ذلك فقد كذَّبت أسلافهم من قبلُ رسل الله" (2).
قال الضحاك: " يعزِّي نبيه صلى الله عليه وسلم"(3). وروي عن قتادة (4)، وابن جريج (5) مثل ذلك.
قال مقاتل: " يعزي نبيه- صلى الله عليه وسلم ليصبر على تكذيبهم فلست بأول رسول كذب"(6).
قال الطبري: " وهذا تعزية من الله جل ثناؤه نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم على الأذى الذي كان يناله من اليهود وأهل الشرك بالله من سائر أهل الملل"(7).
قال ابن كثير: " أي: لا يوهنك تكذيب هؤلاء لك، فلك أسوة من قبلك من الرسل الذين كُذبوا"(8).
قوله تعالى: {جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ} [آل عمران: 184]، " أي: كذبوهم مع أنهم جاءوهم بالبراهين القاطعة والمعجزات الواضحة" (9).
قال مقاتل: " يعني: بالآيات"(10).
قال ابن كثير: أي: " مع ما جاؤوا به من {البينات}، وهي: الحجج والبراهين القاطعة"(11).
أخرج ابن ابي حاتم عن السدي، عن أصحابه في قول الله تعالى:" {بالبينات}، قال: الحلال والحرام"(12).
قوله تعالى: {وَالزُّبُرِ} [آل عمران: 184]، "أي: وبالكتب السماوية المملوءة بالحِكَم والمواعظ" (13).
قال الزمخشري: " وهي الصحف"(14).
(1) رواه البخاري (4981).
(2)
صفوة التفاسير: 227.
(3)
أخرجه الطبري (8312): ص 7/ 451.
(4)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4605): ص 3/ 832.
(5)
انظر: تفسير الطبري (8313): ص 7/ 451.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 320.
(7)
تفسير الطبري: 7/ 450.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 177.
(9)
صفوة التفاسير: 227 - 228.
(10)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 320.
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 177.
(12)
تفسير ابن أبي حاتم (4607): ص 3/ 832.
(13)
صفوة التفاسير: 228.
(14)
الكشاف: 1/ 448.
قال مقاتل: "يعني: بحديث ما كان قبلهم والمواعظ "(1).
وقال عكرمة والواقدي: "يعني: بـ {الزبر}: أحاديث من كان قبلهم، نظيرها في سورة الحج والملائكة"(2).
أخرج ابن ابي حاتم عن السدي، عن أصحابه في قول الله تعالى:" {وَالزُّبُرِ}، قال: كتب الأنبياء"(3).
قال ابن كثير: " وهي الكتب المتلقاة من السماء، كالصحف المنزلة على المرسلين"(4).
و{الزبر} : فإنه جمع "زبور"، وهو الكتاب، وكل كتاب فهو: زبور، ومنه قول امرئ القيس (5):
لِمنْ طَللٌ أَبْصَرْتُهُ فَشَجَانِي?
…
كخَطِّ زَبُورٍ في عَسِيبٍ يَمَانِي (6)
ونقل الثعلبي عن بعضهم أن {الزبور} : "هو الكتاب الحسن، حكاه المفضل وأنشد (7):
عرفت الديار كخط الدوي
…
يحبره الكاتب الحميري" (8).
قال الزجاج: " {الزبر}: جمع زبور، والزبور: كل كتاب ذو حكمة، ويقال: زبرت إذا كتبت، وزبرت، إذا قرأت"(9).
قال الراغب: " إن قيل: لم قال: {والزبر والكتاب} والزبور هو الكتاب؟
قيل: قد قال بعضهم: الزبور هو الكتاب المقصور على الحكمة العقلية دون الأحكام الشرعية، والكتاب في تعارف القرآن ما يتضمن الأحكام، ولهذا جاء في عامة القرآن كتاب وحكمة، {ففصل يينهما لهذا، واستعمل الكتابة في معنى الإيجاب، فعلى هذا اشتقاقه من زبرت الشيء أي حكمته.
وقيل: الزبور اسم لما أجمل ولم يفصل، والكتاب يقال لما قد فصل.
قيل: واشتقاقه من الزبرة أي القطعة من الحديد التي تركت بحالها.
وعلى هذا قال الشاعر (10):
وما السيف إلا زبرة لو تركتها
…
على الحالة الأولى لما كان يقطع
وقيل: الزبور ها هنا اسم للزاجر من قولهم: زبرته أي زجرته" (11).
قال الطبري: " وهذا الحرف [{الزُّبُرِ}] في مصاحف أهل الحجاز والعراق: {وَالزُّبُرِ} بغير باء، وهو في مصاحف أهل الشام: {وبالزُّبُرِ} بالباء، مثل الذي في سورة فاطر [25] "(12).
قوله تعالى: {وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ} [آل عمران: 184]، أي:"والكتاب الواضح الجلي كالتوراة والإِنجيل"(13).
قال مقاتل: " يعني: المضيء البيّن الذي فيه أمره ونهيه"(14).
قال ابن كثير: " أي: البَين الواضح الجلي"(15).
قال الزمخشري: أي: " التوراة والإنجيل والزبور"(16).
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 320.
(2)
تفسير الثعلبي: 3/ 224.
(3)
تفسير ابن أبي حاتم (4608): ص 3/ 832.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 177.
(5)
ديوانه: 186، وهو مطلع قصيدته. قال الشنتمرى في شرح البيت: يقول: نظرت إلى هذا الطلل فشجاني، أي: أحزنني. وقوله: كخط زبور، أي قد درس وخفيت آثاره، فلا يرى منه إلا مثل الكتاب في الخفاء والدقة. والزبور: الكتاب. وقوله: في عسيب يمان، كان أهل اليمن يكتبون في عسيب النخلة عهودهم وصكاكهم. ويروى: عسيب يماني، على الإضافة، أراد: في عسيب رجل يمان.
(6)
انظر: تفسير الطبري: 7/ 4451.
(7)
كتاب العين: 8/ 94.
(8)
تفسير الثعلبي: 3/ 224.
(9)
معاني القرآن: 1/ 495.
(10)
البيت من شواهد الراغب في تفسيره: 3/ 1024. ولم أتعرف على قائله فيما توفرت لديّ من المصادر.
(11)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1022 - 1024.
(12)
تفسير الطبري: 7/ 451، وانظر: السبعة: 221.
(13)
صفوة التفاسير: 228.
(14)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 320.
(15)
تفسير ابن كثير: 2/ 177.
(16)
الكشاف: 1/ 448.
قال الطبري: " ويعني: بـ {الكتاب}: التوراة والإنجيل. وذلك أن اليهود كذَّبت عيسى وما جاء به، وحرَّفت ما جاء به موسى عليه السلام من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وبدلت عهده إليهم فيه، وأن النصارى جحدت ما في الإنجيل من نعته، وغيرت ما أمرهم به في أمره"(1).
وقوله: {المنير} : فإنه يعني: الذي يُنير فيبين الحق لمن التبس عليه ويوضحه، وهو من النور والإضاءة، يقال: قد أنار لك هذا الأمر، بمعنى: أضاء لك وتبين، فهو ينير إنارة، والشيء منيرٌ (2).
الفوائد:
1 -
تسلية الرسول-صلى الله عليه وسلم، ويتفرّغ عليها أم يتسلى الإنسان في كل ما أصاب غيره.
2 -
أن الرسل يؤذون بالتكذيب، وليس شيئا أشق على النفس من التكذيب فيمن جاء بالصدق.
3 -
أن الرسل –عليهم الصلاة والسلام- لابد أن يؤيدوا بالبيّنات.
4 -
أن الرسل السابقين كلهم جاؤوا بكتاب، فما من رسول إلا ومعه كتاب، ويؤيد هذا قوله تعالى:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25].
5 -
أن الكتب السابقة ككتابنا كلها تنير الطريق لمن أراد المسير، وأعظمها إنارة القرآن العظيم، ولهذا كان مهيمنا على ما سبق من الكتب، فكل الكتب التي سبقت منسوخة
القرآن
التفسير:
كل نفس لا بدَّ أن تذوق الموت، وبهذا يرجع جميع الخلق إلى ربهم; ليحاسبهم. وإنما تُوفَّون أجوركم على أعمالكم وافية غير منقوصة يوم القيامة، فمن أكرمه ربه ونجَّاه من النار وأدخله الجنة فقد نال غاية ما يطلب. وما الحياة الدنيا إلا متعة زائلة، فلا تغترُّوا بها.
قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185]، أي:" كل نفس لا بدَّ أن تذوق الموت"(3).
قال مقاتل: " ثم خوفهم فقال: {كل نفس ذائقة الموت} "(4).
قال الواحدي: " وهذا وعد من الله تعالى بالموت، ووعيد للمكذبين بالقرآن، لأنهم إذا ماتوا حصلوا على خسران وحسرة"(5).
قال المراغي: " أي كل نفس تذوق طعم مفارقة البدن وتحس به، وفى هذا إيماء إلى أن النفس لا تموت بموت البدن، لأن الذي يذوق هو الموجود، والميت لا يذوق. فالذوق شعور لا يجس به إلا الحي"(6).
قال ابن كثير: " يخبر تعالى إخبارًا عامًا يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت، كقوله: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ} فهو تعالى وحده هو الحي الذي لا يموت والإنس والجن يموتون، وكذلك الملائكة وحملة العرش، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء، فيكون آخرًا كما كان أولا وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت، فإذا انقضت المدة وفَرَغَت النطفة التي قدر الله وجودها من صلب آدم وانتهت البرية - أقام الله القيامة وجازى الخلائق بأعمالها جليلها وحقيرها، كثيرها وقليلها، كبيرها وصغيرها، فلا يظلم أحدا مثقال ذرة"(7).
(1) تفسير الطبري: 7/ 451.
(2)
انظر: تفسير الطبري: 7/ 451.
(3)
التفسير الميسر: 74.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 320.
(5)
الوجيز: 1/ 530.
(6)
تفسير المراغي: 4/ 152.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 177.
قال السمعاني: " فإن قال قائل: لا يخفي أن كل نفس تموت، فأيش الفائدة في قوله: {كل نفس ذائقة الموت}؟ قيل: أراد به: التزهيد بالدنيا، يعني: أن النفوس إلى الفناء؛ فتزهدوا بالدنيا"(1).
قال الراغب: " وتخصيص الذوق هاهنا من حيث إنه ذكر الباخلين بالمال، وهو قوله: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله. . .} الآية، وأعظم البخل بالمال يكون خشية من فقدان الطعام الذي به قوام الأبدان، ولهذا ذكر ألأكل في عامة المواضع التي ذكر فيها احتجاز المال، نحو {ولا تأكلوا أموالكم}، وقوله: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى}، فبين بالذوق أن الذي يخافونه طعام لابد منه"(2).
نقل السمرقندي عن الكلبي: "لما نزل قوله تعالى: {كل من عليها فان} [الرحمن: 26]، قالت الملائكة: هلك أهل الأرض، فلما نزل: {كل نفس ذائقة الموت}، أيقنت الملائكة أنها هلكت معهم"(3).
وقرأه العامة: {ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} : بالإضافة، وقرأ الأعمش:{ذائقة} بالتنوين، {الموت} نصبا، وقال: لأنها لم تذق بعد، وقال أمية بن الصلت (4):
من لم يمت عبطة يمت هدما
…
للموت كأس والمرء ذائقها (5).
قوله تعالى: {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 185]، " أي: وإنما تُعطون جزاء أعمالكم وافياً يوم القيامة" (6).
قال الثعلبي: أي: " توفون جزاء أعمالكم يوم القيامة إن خيرا فخير وإن شرا فشر"(7).
قال أبو السعود: " أي تعطون أجزية أعمالكم على التمام والكمال {يوم القيامة} أي يوم قيامكم من القبور وفي لفظ التوفية إشارة إلى أن بعض أجورهم يصل إليهم قبله كما ينبئ عنه قوله عليه الصلاة والسلام: «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران» (8) "(9).
قوله تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران: 185]، "أي: فمن نُحي عن النار وأُبْعِد عنها، وأُدخل الجنة فقد فاز بالسعادة السرمدية والنعيم المخلّد" (10).
قال الثعلبي: أي: " نجا وأزيل عن النار، {وأدخل الجنة فقد فاز}، ظفر بما يرجوا ونجا مما يخاف"(11).
قال ابن كثير: " أي: من جنب النار ونجا منها وأدخل الجنة، فقد فاز كل الفوز"(12).
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَوْضع سوط في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، اقرؤوا إن شئم: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} "(13).
قال الراغب: " الفوز: إدراك الأمنية. والمفازة في قوله: {فلا تحسبنهم بمفازة} مصدر، ويقال للمهلكة: مفازة تفاؤلا، والصحيح أنهم لما رأوها تارة سببا للفوز، وتارة سببا للهلاك سموها بالاسمين، وذلك بنظرين مختلفين، وكذا قولهم: هلك، وفاز، إذا مات، كأنه رئي الموت في بعض الناس هلاكا له، وفي بعضهم فوزا له، إما لكونه
(1) تفسير السمعاني: 1/ 386.
(2)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1027.
(3)
تفسير السمرقندي: 1/ 271.
(4)
انظر: لسان العرب: 6/ 188، وتفسير العلبي: 3/ 224.
(5)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 224.
(6)
صفوة التفاسير: 228.
(7)
تفسير الثعلبي: 3/ 224.
(8)
جزء من حديث طويل، أخرجه الترمذي في السنن (2460)، والطبراني في المعجم الأوسط (8613)، والمنذري في الترغيب والترهيب 4/ 118 و 119، وكشف الخفاء 2/ 118.
(9)
تفسير أبي السعود: 2/ 123.
(10)
صفوة التفاسير: 228.
(11)
تفسير الثعلبي: 3/ 224.
(12)
تفسير ابن كثير: 2/ 178.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (4610): ص 3/ 833، ورواه أحمد في مسنده (2/ 438) والترمذي في السنن برقم (3292)، والحاكم في المستدرك (2/ 299) وقال:"على شرط مسلم" ووافقه الذهبي، كلهم من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة به. وللحديث طرق أخرى عن أبي هريرة وله شواهد من حديث سهل بن سعد في الصحيحين، ومن حديث أنس بن مالك عند أحمد في المسند (3/ 141) انظر الكلام عليه موسعا في: السلسلة الصحيحة للألباني برقم (1978).
متبلغا بذلك إلى فوز الآخرة ونعيم الأبد، وإما لخلاصهم من شدة يرى الموت في جنبها فوزا، وكذا النية أراها والأمنية من أصل واحد بنحو هذين النظرين" (1).
قال الربيع: "إن آخر من يدخل الجنة يعطى من النور بقدر مادام يحبو فهو في النور حتى تجاوز الصراط، فذلك قوله: {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} "(2).
قوله تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185]، "أي: ليست الدنيا إِلا دار الفناء يستمتع بها الأحمق المغرور" (3).
قال أبو مالك: " {الغرور}، يعني: زينة الدنيا"(4).
وعن قتادة: " {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور}: هي متاع متروك أوشكت والله الذي لا إله إلا هو أن تضمحل عن أهلها، فخذوا من هذا المتاع طاعة الله- إن استطعتم- ولا قوة إلا بالله"(5).
عن عبد الرحمن بن سابط: " {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور}، قال: زاد الراعي، تزوِّده الكفّ من التمر، أو الشيء من الدقيق، أو الشيء يشرب عليه اللبن"(6).
قال الطبري: أي: " وما لذّات الدنيا وشهواتها وما فيها من زينتها وزخارفها إلا متعة، يمتعكموها الغرور والخداع المضمحلّ الذي لا حقيقة له عند الامتحان، ولا صحة له عند الاختبار، فأنتم تلتذون بما متعكم الغرور من دنياكم، ثم هو عائد عليكم بالفجائع والمصائب والمكاره. يقول تعالى ذكره: ولا تركنوا إلى الدنيا فتسكنوا إليها، فإنما أنتم منها في غرور تمتَّعون، ثم أنتم عنها بعد قليل راحلون، فكأن ابن سابط (7) ذهب في تأويله هذا، إلى أن معنى الآية: وما الحياة الدنيا إلا متاعٌ قليلٌ، لا يُبلِّغ مَنْ تمتعه ولا يكفيه لسفره. وهذا التأويل، وإن كان وجهًا من وجوه التأويل، فإن الصحيح من القول فيه هو ما قلنا. لأن الغرور إنما هو الخداع في كلام العرب. وإذ كان ذلك كذلك، فلا وجه لصرفه إلى معنى القلة، لأن الشيء قد يكون قليلا وصاحبه منه في غير خداع ولا غرور. وأما الذي هو في غرور، فلا القليل يصح له ولا الكثير مما هو منه في غرور"(8).
قال السمرقندي قال ابن عباس: " «متاع الغرور مثل القدر والقارورة والسكرجة ونحو ذلك، لأن ذلك لا يدوم، وكذلك الدنيا تزول وتفنى ولا تبقى» .
ويقال: هو مثل الزجاج الذي يسرع إليه الكسر، ولا يصلحه الجبر. ويقال: كزاد المسافر، يسرع إليه الفناء فكذلك الدنيا" (9).
قال الثعلبي: " يعني: منفعة ومتعة، كالفأس والقدر والقصعة، ثم يزول ولا يبقى، قاله أكثر المفسرين"(10).
قال الماتريدي: أي: " حياة الدنيا للدنيا لعب ولهو وغرور، وللآخرة: ليست بلعب ولا لهو ولا غرور. وأصل الغرور: هو أن يتراءى الشيء في ظاهره حسنا مموها؛ يغتر بها كل ناظر إليها ظاهرا، فإذا نظر في باطنها وجدها قاتلة مهلكة، نعوذ بالله من الاغترار بها.
وقيل: الحياة الدنيا -على ما عند أولئك الكفرة- لعب ولهو، وعند المؤمنين حكمة" (11).
قال ابن كثير: قال ذلك" تصغيرًا لشأن الدنيا، وتحقيرًا لأمرها، وأنها دنيئة فانية قليلة زائلة، كما قال تعالى:{بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى: 16، 17]، وقال تعالى:{وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ} [الرعد: 26] وقال تعالى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} [النحل: 96]. وقال تعالى: {
(1) تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1025 - 1026.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4611): ص 3/ 833.
(3)
صفوة التفاسير: 228.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4614): ص 3/ 833.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4613): ص 3/ 833.
(6)
أخرجه الطبري (8314): ص 7/ 452، وأخرجه عن الأعمش ابن أبي حاتم (4612): ص 3/ 833.
(7)
انظر: القول السابق.
(8)
تفسير الطبري: 7/ 452.
(9)
تفسير السمرقندي: 1/ 271.
(10)
تفسير الثعلبي: 3/ 224.
(11)
تفسير الماتريدي: 2/ 553.
وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [القصص: 60]، وفي الحديث:«واللهِ ما الدنيا في الآخرة إلا كما يَغْمِسُ أحدُكُم إصبعه في اليَمِّ، فلينظر بِمَ تَرْجِع إليه؟ » (1) " (2).
قال الراغب: " والمتاع: التمتع، فنبه أن السكون إلى الدنيا والتمتع بها غرور، وأن الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، واقتصر على زاد يتبلغ به"(3).
قال أبو السعود: " شبهت بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه، وهذا لمن آثرها على الآخرة، فأما من طلب بها الآخرة فهي له متاع بلاغ"(4).
قال السعدي: " هذه الآية الكريمة فيها التزهيد في الدنيا بفنائها وعدم بقائها، وأنها متاع الغرور، تفتن بزخرفها، وتخدع بغرورها، وتغر بمحاسنها، ثم هي منتقلة، ومنتقل عنها إلى دار القرار، التي توفى فيها النفوس ما عملت في هذه الدار، من خير وشر"(5).
الفوائد:
1 -
أن الموت حقّ لابد منه، لقوله تعالى:{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} .
2 -
حثّ الإنسان على المبادرة للعمل الصالح، لأنه إذا كان ميتا لامحالة وهو لايدري متى يموت، فإن العقل كالشرع يقتضي أن يبادر ولاسيّما في قضاء الواجبات والتخلي عن المظالم.
3 -
ان كمال الأجر إنما يكون يوم القيامة.
4 -
إثبات يوم القيامة، إذ يقوم الناس فيه لربّ العالمين، ويقوم الأشهاد، ويقام فيه القسط.
5 -
أنه لايمكن الفوز إلا بأمرين: أن يزحزح الإنسان عن النار وأن يدخل الجنة.
6 -
التزهيد في الدنيا، ويجب على الإنسان الحذر من مغبّة الدنيا وغرورها، قال-صلى الله عليه وسلم:"والله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من قبلكم فتنافسوها ما تنافسها من قبلكم، فتهلككم كما أهلكتم .. "(6).
القرآن
التفسير:
لَتُخْتَبَرُنَّ -أيها المؤمنون- في أموالكم بإخراج النفقات الواجبة والمستحبَّة، وبالجوائح التي تصيبها، وفي أنفسكم بما يجب عليكم من الطاعات، وما يحلُّ بكم من جراح أو قتل وفَقْد للأحباب، وذلك حتى يتميَّز المؤمن الصادق من غيره. ولتَسمعُنَّ من اليهود والنصارى والمشركين ما يؤذي أسماعكم من ألفاظ الشرك والطعن في دينكم. وإن تصبروا -أيها المؤمنون- على ذلك كله، وتتقوا الله بلزوم طاعته واجتناب معصيته، فإن ذلك من الأمور التي يُعزم عليها، وينافس فيها.
في سبب نزول الآية وجوه:
أحدها: قال ابن عباس: " نزل في أبي بكر وما بلغه في ذلك من الغضب: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا} "(7).
أخرج الطبري عن عكرمة، قال: "نزلت هذه الآية في النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أبي بكر رضوان الله عليه، وفي فنحاص اليهودي سيد بني قينُقاع، بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رحمه الله إلى فنحاص يستمدُّه، وكتب إليه بكتاب، وقال لأبي بكر: لا تَفتاتنَّ عليّ بشيء حتى ترجع، فجاء أبو بكر وهو
(1) رواه مسلم في صحيحه برقم (2858) والترمذي برقم (2323) وابن ماجة في السنن برقم (4108) من حديث المستورد ابن شداد رضي الله عنه.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 178 - 179.
(3)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1028.
(4)
تفسير أبي السعود: 2/ 123.
(5)
تفسير السعدي: 159.
(6)
رواه البخاري (4015).
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (4617): ص 3/ 834.
متوشِّح بالسيف، فأعطاه الكتاب، فلما قرأه قال: قد احتاج ربكم أن نمده! فهمّ أبو بكر أن يضربه بالسيف، ثم ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تفتاتنّ علي بشيء حتى ترجع، فكف، ونزلت:{وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ} ، وما بين الآيتين إلى قوله:{لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} ، نزلت هذه الآيات في بني قينقاع إلى قوله:{فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك} " (1).
وأخرج الطبري عن ابن جريج: " فكان المسلمون ينصبون لهم الحرب إذ يسمعون إشراكهم، فقال الله: {وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور}، يقول: من القوة مما عزم الله عليه وأمركم به"(2).
قال الزجاج: " روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه سمع رجلا من إليهود يقول:
{إن الله فقير ونحن أغنياء} ، فلطمه أبو بكر رضي الله عنه فشكا إليهودي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله النبي:" ما أراد بلطمك؟ فقال أبو بكر: سمعت منه كلمة ما ملكت نفسي معها أن لطمته، فأنزل الله عز وجل: (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا} "(3).
والثاني: أنها نزلت في كعب بن الأشرف، وذلك أنه كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتشبّب بنساء المسلمين.
أخرج الطبري وابن المنذر (4)، وابن أبي حاتم (5) عن معمر عن الزهري، قال: "هو كعب بن الأشرف، وكان يحرض المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في شعره، ويهجو النبي صلى الله عليه وسلم. فانطلق إليه خمسة نفر من الأنصار، فيهم محمد بن مسلمة، ورجل يقال له أبو عبس. فأتوه وهو في مجلس قومه بالعَوَالي، فلما رآهم ذعر منهم، فأنكر شأنهم، وقالوا: جئناك لحاجة! قال: فليدن إليّ بعضكم فليحدثني بحاجته. فجاءه رجل منهم فقال: جئناك لنبيعك أدراعًا عندنا لنستنفق بها. فقال: والله لئن فعلتم لقد جُهدتم منذ نزل بكم هذا الرجل! فواعدوه أن يأتوه عشاءً حين هدأ عنهم الناس، فأتوه فنادوه، فقالت امرأته: ما طَرقك هؤلاء ساعتهم هذه لشيء مما تحب! قال: إنهم حدثوني بحديثهم وشأنهم.
قال معمر: فأخبرني أيوب، عن عكرمة: أنه أشرف عليهم فكلمهم، فقال: أترهَنُوني أبناءكم؟ وأرادوا أن يبيعهم تمرًا. قال، فقالوا: إنا نستحيي أن تعير أبناؤنا فيقال: هذا رهينة وَسْق، وهذا رهينة وسقين! فقال: أترهنوني نسائكم؟ قالوا: أنت أجملُ الناس، ولا نأمنك! وأي امرأة تمتنع منك لجمالك! ولكنا نرهنك سلاحنا، فقد علمت حاجتنا إلى السلاح اليوم. فقال: ائتوني بسلاحكم، واحتملوا ما شئتم. قالوا: فأنزل إلينا نأخذ عليك وتأخذ علينا. فذهب ينزل فتعلقت به امرأته وقالت: أرسل إلى أمثالهم من قومك يكونوا معك. قال: لو وجدني هؤلاء نائمًا ما أيقظوني! قالت: فكلِّمهم من فوق البيت، فأبى عليها، فنزل إليهم يفوحُ ريحه. قالوا: ما هذه الريح يا فلان؟ قال: هذا عطرُ أم فلان! امرأته. فدنا إليه بعضهم يشم رائحته، ثم اعتنقه، ثم قال: اقتلوا عدو الله! فطعنه أبو عَبس في خاصرته، وعلاه محمد بن مسلمة بالسيف، فقتلوه ثم رجعوا. فأصبحت اليهود مذعورين، فجاءوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: قتل سيدنا غيلة! فذكّرهم النبي صلى الله عليه وسلم صَنيعه، وما كان يحضّ عليهم، ويحرض في قتالهم ويؤذيهم، ثم دعاهم إلى أن يكتب بينه وبينهم صلحًا، قال: فكان ذلك الكتابُ مع عليّ رضوان الله عليه" (6).
والثالث: أخرج ابن المنذر، عن شعيب، عن الزهري، قال: "أخبرني عروة بن الزبير، أن أسامة بن زيد، أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب على حمار على إكاف، على قطيفة من تحته، وأردف أسامة بن زيد وراءه، يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين، وعبدة الأوثان، واليهود وفي المسلمين عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر ابن أبي أنفه بردائه، ثم قال:
(1) تفسير الطبري (8316): ص 7/ 455 - 456.
(2)
أخرجه الطبري (8316): ص 7/ 455 - 456.
(3)
معاني القرآن: 1/ 496.
(4)
انظر: تفسير ابن المنذر (1244)، و (1245): ص 2/ 523 - 525.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4617): ص 3/ 834 - مختصرا.
(6)
تفسير الطبري (8317): ص 7/ 456 - 457.
لا تغبروا علينا، فسلم النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ثم وقف النبي صلى الله عليه وسلم، فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء، إنه لأحسن مما تقول، إن كان حقا، فلا تؤذينا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه قال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله، فاغشنا به في مجالسنا، فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم دابته، فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" يا سعد، ألم تسمع ما قال أبو حباب؟ يريد: عبد الله بن أبي، قال: كذا وكذا "، قال سعد: يا رسول الله، اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل الكتاب، لقد جاءك الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه الحرة على أن يتوجوه، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله، شرق بذلك، فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين، وأهل الكتاب، كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله جل وعز:{ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} ، قال الله جل وعز:{ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا إلى: إن الله على كل شيء قدير} وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأول في العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم فلما غزا النبي صلى الله عليه وسلم بدرا، فقتل الله من صناديد كفار قريش، قال أبي بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه، فتتابعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا" (1).
قوله تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 186]، "أي: والله لتمتحننَّ وتختبرنَّ في أموالكم بالفقر والمصائب، وفي أنفسكم بالشدائد والأمراض" (2).
قال مقاتل: " نزلت في النبي- صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق- رضي الله عنه "(3).
قال ابن قتيبة: " أي: لتختبرن. ويقال: لتصابن. والمعنيان متقاربان"(4).
قال الزجاج: " معناه: لتختبرن أي تقع عليكم المحن، فيعلم المؤمن من غيره"(5).
قال مقاتل: " يعني بالبلاء والمصيبات"(6).
قال ابن جريج: "أعلم الله المؤمنين أنه سيبتليهم، فينظر كيف صبرهم على دينهم"(7).
قال الطبري: أي: " لتختبرن بالمصائب في أموالكم وأنفسكم، يعني: وبهلاك الأقرباء والعشائر من أهل نصرتكم وملتكم"(8).
قال عباد بن منصور: " سألت الحسن عن قوله: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم} قال: نبتلى- والله- في أموالنا وأنفسنا"(9).
قوله تعالى: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا} [آل عمران: 186]، "أي: ولينالنّكم من اليهود والنصارى والمشركين - أعدائكم - الأذى الكثير" (10)
قال مقاتل: " حين قالوا: إن الله فقير. ثم قال: {ومن الذين أشركوا}، يعني: مشركي العرب {أذى كثيرا}: باللسان والفعل"(11).
(1) تفسير ابن المنذر (1243): ص 2/ 521 - 523.
(2)
صفوة التفاسير: 228.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 320.
(4)
غريب القرآن: 117.
(5)
معاني القرآن: 1/ 496.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 320.
(7)
أخرجه الطبري (8316): ص 7/ 455 - 456.
(8)
تفسير الطبري: 7/ 454 - 455.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (4615): ص 3/ 833.
(10)
صفوة التفاسير: 228.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 320.
قال الزهري: " هو كعب بن الأشرف، وكان يحرض المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في شعره، ويهجو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه"(1).
قال ابن جريج: " {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم}، يعني: اليهود، والنصارى: {ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا}، فكان المسلمون يسمعون من اليهود قولهم: عزير ابن الله، ومن النصارى: المسيح ابن الله"(2).
قال الطبري: "الأذى من اليهود، قولهم: إن الله فقير ونحن أغنياء، وقولهم: يد الله مغلولة، وما أشبه ذلك من افترائهم على الله ومن الذين أشركوا، يعني: ومن النصارى، قولهم: المسيح ابن الله، وما أشبه ذلك من كفرهم بالله"(3).
نستنتج بأن في هذا الأذى ثلاثة أقاويل:
أحدها: ما روي أن كعب بن الأشرف كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ويحرض عليهم المشركين حتى قتله محمد بن مسلمة، وهذا قول الزهري (4).
والثاني: أن فنحاص اليهودي سيد بني قينقاع لما سئل الإمداد قال: احتاج ربكم إلى أن نمده، وهذا قول عكرمة (5)، وروي عن ابن عباس نحو ذلك (6)، واختاره الزجاج (7).
والثالث: أن الأذى ما كانوا يسمعونه من الشرك كقول اليهود: عزيز ابن الله، وكقول النصارى: المسيح ابن الله وهذا قول ابن جريج (8).
قوله تعالى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186]، "أي: وإِن تصبروا على المكاره وتتقوا الله في الأقوال والأعمال، فإن ذلك من الأمور التي ينبغي أن تعزموا وتحزموا عليها لأنها ممّا أمر الله بها" (9).
قال مقاتل: " {وَإِنْ تَصْبِرُوا} على ذلك الأذى، {وتتقوا} معصيته، {فإن ذلك من عزم الأمور}، يعني: ذلك الصبر والتقوى من خير الأمور التي أمر الله- عز وجل بها"(10).
قال ابن جريج: " فكان المسلمون ينصبون لهم الحرب إذ يسمعون إشراكهم، فقال الله: {وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور}، يقول: من القوة مما عزم الله عليه وأمركم به"(11).
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قول الله: " {فإن ذلك}، يعني: هذا الصبر على الأذى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، {من عزم الأمور}، يعني: في حق الأمور التي أمر الله"(12).
قال الطبري: أي: " وإن تصبروا لأمر الله الذي أمركم به فيهم وفي غيرهم من طاعته، وتتقوا الله فيما أمركم ونهاكم، فتعملوا في ذلك بطاعته، فإن ذلك الصبر والتقوى مما عزم الله عليه وأمركم به"(13).
قال الحسن: " أمر الله المؤمنين أن يصبروا على ما أذاهم، فقال: أذاهم: زعم أنهم كانوا يقولون: يا أصحاب محمد لستم على شيء، نحن أولى بالله منكم، أنتم ضلال، فأمروا أن يمضوا ويصبروا"(14).
(1) أخرجه ابن ابي حاتم (4619): ص 3/ 834.
(2)
أخرجه الطبري (8316): ص 7/ 455 - 456.
(3)
تفسير الطبري: 7/ 455. [بتصرف].
(4)
انظر: تفسير الطبري (8317): ص 7/ 456 - 457، و: تفسير ابن المنذر (1244)، و (1245): ص 2/ 523 - 525، وتفسير ابن أبي حاتم (4617): ص 3/ 834 - مختصرا.
(5)
انظر: تفسير الطبري (8316): ص 7/ 455 - 456.
(6)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4617): ص 3/ 834.
(7)
انظر: معاني القرآن: 1/ 496.
(8)
انظر: تفسير الطبري (8316): ص 7/ 455 - 456.
(9)
صفوة التفاسير: 228.
(10)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 320.
(11)
أخرجه الطبري (8316): ص 7/ 455 - 456.
(12)
تفسير ابن أبي حاتم (4622): ص 3/ 835.
(13)
تفسير الطبري: 7/ 455. . [بتصرف].
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (4620): ص 3/ 834.
قال ابن الجوزي: " الجمهور على إحكام هذه الآية، لأنها تضمنت الأمر بالصبر والتقوى ولا بد للمؤمن من ذلك، وقد ذهب قوم إلى أن الصبر المذكور ها هنا منسوخ بآية السيف"(1).
الفوائد:
1 -
ينبغي للانسان ان يتفطن لما فيه من خير وشر، ليعلم أنه ابتلاء من الله، ففي الخير يبتلى ليشكر، وفي ضده يبتلى ليصبر.
2 -
التاكيد على الحذر من أهل الكتاب اليهود والنصارى والمشركين ايضا، إذ هم يمكرون بالقول وبالفعل، فبيّن الله تعالى عداوتهم للمسلمين.
3 -
الثناء على الصبر على الأذية، وأنه من عزم الامور.
4 -
التنبيه على فضيلة العزم في الامور، وكل ما كان الإنسان عازما في اموره كان ذلك أنجح واحسن.
القرآن
التفسير:
واذكر -أيها الرسول- إذ أخذ الله العهد الموثق على الذين آتاهم الله الكتاب من اليهود والنصارى، فلليهود التوراة وللنصارى الإنجيل; ليعملوا بهما، ويبينوا للناس ما فيهما، ولا يكتموا ذلك ولا يخفوه، فتركوا العهد ولم يلتزموا به، وأخذوا ثمنا بخسًا مقابل كتمانهم الحق وتحريفهم الكتاب، فبئس الشراء يشترون، في تضييعهم الميثاق، وتبديلهم الكتاب.
قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [آل عمران: 187]، " أي: اذكر يا محمد حين أخذ الله العهد المؤكد على اليهود في التوراة" (2).
قال الطبري: أي: " واذكر أيضا من أمر هؤلاء اليهود وغيرهم من أهل الكتاب منهم، يا محمد، إذ أخذ الله ميثاقهم"(3).
قال قتادة: " هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم"(4).
قال عباد بن منصور: " سألت الحسن عن قوله: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب}، قال: هم اليهود والنصارى"(5).
وقال سعيد بن جبير: " {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب}، قال: اليهود"(6).
وقال ابن عباس: " إنما أخذ الله ميثاق النبيين يعني: على قومهم"(7).
وعن ابن عباس ايضا: " أمرهم أن يتبعوا {النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون} (8)، فلما بعث الله محمدا قال: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} (9) عاهدهم على ذلك، فقال حين بعث محمدا: صدقوه: وتلقون عندي الذي أحببتم"(10).
(1) نواسخ القرآن: 334. عد هذه الآية من المنسوخ هبة الله في ناسخه: 30. وأما ابن الجوزي فقد سلك في تفسيره عند ذكر هذه الآية مسلكه هنا.
والذي يظهر أنه مع الجمهرر، وسكوته يدل على أن مثل هذه الدعوى لا يحتاج إلى الرد. لأن من المعلوم لدى الجميع أن كلا من الصبر والتقوى مطلوب من المسلمين في القتال وغير القتال فلا وجه للنسخ. انظر: زاد المسير 1/ 520.
(2)
صفوة التفاسير: 228.
(3)
تفسير الطبري: 7/ 458.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4627): ص 3/ 836.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4626): ص 3/ 836.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (4625): ص 3/ 836.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (4624): ص 3/ 835.
(8)
سورة الأعراف آية: 170.
(9)
سورة البقرة آية 40.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (4623): ص 3/ 835.
قال ابن كثير: " هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب، الذين أخَذ عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن ينوهوا بذكره في الناس ليكونوا على أهْبَة من أمره، فإذا أرسله الله تابعوه"(1).
واختلف اهل العلم في تفسير قوله: {الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [آل عمران: 187]، على أقوال:
أحدها: أنهم اليهود خاصة، وهذا قول ابن عباس (2)، والسدي (3)، وسعيد بن جبير (4).
والثاني: أنهم اليهود والنصارى. وهذا قول الحسن (5)، ومعنى قول ابن جريج (6).
والثالث: انهم كل من أوتى علم شيءٍ من كتاب فقد أخذ أنبياؤهم ميثاقهم. وهذا قول قتادة (7).
والرابع: أن المعنى: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم. وهذا أحد قولي –ابن عباس (8)، وكذلك سعيد بن جبير في رواية يحيى بن أبي ثابت عنه (9).
قوله تعالى: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187]، " أي: لتظهرنَّ ما في الكتاب من أحكام الله ولا تخفونها" (10).
قال الطبري: أي: " ليبيننّ للناس أمرك الذي أخذ ميثاقهم على بيانه للناس في كتابهم الذي في أيديهم، وهو التوراة والإنجيل، وأنك لله رسول مرسل بالحق، ولا يكتمونه"(11).
قال الزجاج: "المعنى: أن الله أخذ منهم الميثاق ليبينن أمر نبوة النبي صلى الله عليه وسلم –"(12).
قال الزمخشري: " أكد عليهم إيجاب بيان الكتاب واجتناب كتمانه كما يؤكد على الرجل إذا عزم عليه وقيل له: آلله لتفعلن"(13).
روي أن مروان قال لرافع بوابه: "اذهب يا رافع إلى ابن عباس، فسله عن قوله: {لتبيننه للناس}، قال: قال الله جل ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم في التوراة: إن الإسلام دين الله الذي ارتضاه افترضه على عباده، وإن محمدا رسول الله يجدونه عندهم في التوراة والإنجيل"(14).
قال ابن جريج: " وكان فيه إن الإسلام دين الله الذي افترضه على عباده، وأن محمدًا يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل"(15).
عن قتادة: "قوله: {لتبيننه للناس}، قال: فمن علم علما فليعلمه الناس"(16).
وعن قتادة ايضا قوله: " {ولا تكتمونه}، قال: وإياكم وكتمان العلم، فإن كتمان العلم هلكة فلا يتكلفن رجل مما لا علم لديه، فيخرج من دين الله، فيكون من المتكلفين"(17).
وقال سفيان: " {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه}: أن تنكر المنكر، وتأمر بالخير، وتحسن الحسن، وتقبح القبيح"(18).
(1) تفسير ابن كثير: 1/ 180.
(2)
انظر: تفسير الطبري (8318): ص 7/ 459، و (8320): ص 7/ 460.
(3)
انظر: تفسير الطبري (8321): ص 7/ 460.
(4)
انظر: تفسير الطبري (8322): ص 7/ 460.
(5)
انظر: تفسير ابنب أبي حاتم (4626): ص 3/ 836.
(6)
انظر: تفسير الطبري (8323): ص 7/ 460.
(7)
انظر: تفسير الطبري (8324): ص 7/ 461.
(8)
انظر: تفسير الطبري (8328): ص 7/ 462.
(9)
انظر: تفسير الطبري (8327): ص 7/ 461.
(10)
صفوة التفاسير: 228.
(11)
تفسير الطبري: 7/ 458.
(12)
معاني القرآن للزجاج: 1/ 496.
(13)
الكشاف: 1/ 450.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (4630): ص 3/ 836.
(15)
أخرجه الطبري (8323): ص 7/ 460.
(16)
أخرجه ابن أبي حاتم (4629): ص 3/ 836.
(17)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4632): ص 3/ 837.
(18)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4633): ص 3/ 837.
وفي عود الضمير (الهاء) في قوله تعالى: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187]، قولان:
أحدهما: أنها ترجع إلى النبي-صلى الله عليه وسلم، والمعنى: ليبين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول سعيد بن جبير (1)، والسدي (2).
والثاني: أنها ترجع إلى الكتاب، والمعنى: ليبين الكتاب الذي فيه ذكره، وهذا قول الحسن (3)، ومعنى قول قتادة (4)، وسفيان (5)، واختاره ابن الجوزي (6).
والراجح-والله أعلم- هو القول الثاني، " لأن الكتاب أقرب المذكورين، ولأن من ضرورة تبيينهم ما فيه إظهار صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول من ذهب إلى أنه عام في كل كتاب"(7).
قال علي بن أبي طالب عليه السلام: "ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا"(8).
قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر، والمفضل عن عاصم، وزيد عن يعقوب:{ليبيننه للناس ولا يكتمونه} ، بالياء فيهما، وقرأ الباقون، وحفص عن عاصم بالتاء فيهما، فمن قال {ليبيننه} بالياء، فلأنهم غيب، ومن قال {لَتُبَيِّنُنَّهُ}: بالتاء، حكى المخاطبة التي كانت في وقت أخذ الميثاق (9).
قوله تعالى: {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} [آل عمران: 187]، " أي: فطرحوا ذلك العهد وراء ظهورهم" (10).
قال ابن كثير: أي: " فكتموا ذلك"(11).
قال الثعلبي: أي: " طرحوه وضيعوه وتركوا العمل به"(12).
قال التستري: " أي: لم يعملوا بالكتاب"(13).
قال الطبري: أي: " فتركوا أمر الله وضيعوه، ونقضوا ميثاقه الذي أخذ عليهم بذلك، فكتموا أمرك، وكذبوا بك "(14).
قال الشعبي: " إنهم قد كانوا يقرأونه، إنما نبذوا العمل به"(15)، وفي رواية أخرى:" قذفوه بين أيديهم، وتركوا العمل به"(16).
وقال ابن جريج: " نبذوا الميثاق"(17). وروي عن السدي نحو ذلك (18).
قال الزمخشري: أي: " فنبذوا الميثاق وتأكيده عليهم، يعنى لم يراعوه ولم يلتفتوا إليه. والنبذ وراء الظهر مثل في الطرح وترك الاعتداد. ونقيضه جعله نصب عينيه وألقاه بين عينيه"(19).
قال الزجاج: " معنى "نبذوه"، رموا به يقال للذي يطرح الشيء ولا يعبأ به: قد جعلت
هذا الشيء بظهر، وقد رميته بظهر، قال الفرزدق (20):
(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4628): ص 3/ 836.
(2)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4631): ص 3/ 836.
(3)
انظر: تفسير الطبري (8329): ص 7/ 462.
(4)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4632): ص 3/ 837.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4633): ص 3/ 837.
(6)
انظر: زاد المسير: 1/ 357.
(7)
زاد المسير: 1/ 357.
(8)
زاد المسير: 1/ 357.
(9)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 496، وزاد المسير: 1/ 357.
(10)
(صفوة التفاسير: 228.)
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 181.
(12)
تفسير الثعلبي: 3/ 228.
(13)
تفسير التستري: 52.
(14)
تفسير الطبري: 7/ 459.
(15)
تفسير الطبري (8330): ص 7/ 463.
(16)
أخرجه الطبري (8332): ص 7/ 464.
(17)
تفسير الطبري (8331): ص 7/ 463 - 464.
(18)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4634): ص 3/ 837.
(19)
الكشاف: 1/ 450.
(20)
ذكره ابن منظور في «اللسان» مادة «ظهر» وعزاه إلى الفرزدق.
تميم بن قيس لا تكونن حاجتي
…
بظهر فلا يعيا علي جوابها
أي: لا تتركنها لا يعبأ بها" (1).
قوله تعالى: {وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} [آل عمران: 187]، أي:" واستبدلوا به شيئاً حقيراً من حُطام الدنيا"(2).
قال السدي: " أخذوا طمعًا، وكتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم"(3).
قال الحسن: " كتموا وباعوا فلا يبدون شيئا إلا بثمن"(4).
وقال الحسن أيضا: " الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها"(5).
قال الثعلبي: " يعني المأكل"(6).
قال التستري: "يعني: اشتروا بالآخرة الباقية عرض الدنيا الفانية"(7).
قال الطبري: أي: " وابتاعوا بكتمانهم ما أخذ عليهم الميثاق أن لا يكتموه من أمر نبوتك، عوضًا منه خسيسًا قليلا من عرض الدنيا "(8).
قال ابن كثير: أي: " تعوضوا عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف، والحظ الدنيوي السخيف"(9).
قال الزجاج: " أنبأ الله عما حمل إليهود الذين كانوا رؤساء على كتمان أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: {واشتروا به ثمنا قليلا}، أي: قبلوا على ذلك الرشا، وقامت لهم رياسة اكتسبوا بها، فذلك حملهم على الكفر بما يخفونه"(10).
قال الزمخشري: "وكفى به دليلا على أنه مأخوذ على العلماء أن يبينوا أحق للناس وما علموه وأن لا يكتموا منه شيئا لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة، وتطيب لنفوسهم. واستجلاب لمسارهم، أو لجر منفعة وحطام دنيا، أو لتقية: مما لا دليل عليه ولا أمارة أو لبخل بالعلم، وغبرة أن ينسب إليه غيرهم"(11).
قوله تعالى: {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187]، " أي: فبئس هذا الشراء وبئست تلك الصفقة الخاسرة" (12).
قال مجاهد: " تبديل اليهود التوراة"(13).
قال الطبري: أي: " فبئس الشراء يشترون في تضييعهم الميثاق وتبديلهم الكتاب"(14).
عن مجاهد: " {فبئس ما يشترون}، قال: تبديل اليهود التوراة"(15).
قال ابن كثير: أي: " فبئست الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم، وفي هذا تَحْذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم، ويُسْلكَ بهم مَسْلكهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئا"(16).
وقال قتادة: " هذا لميثاق الله أخذ على أهل مكة ممن علم شيئا فليعلمه، وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة"(17).
(1) معاني القرآن: 1/ 497.
(2)
(صفوة التفاسير: 228.)
(3)
تفسير الطبري (8333): ص 7/ 464 ..
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4636): ص 3/ 837.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4637): ص 3/ 837.
(6)
تفسير الثعلبي: 3/ 228.
(7)
تفسير التستري: 52.
(8)
تفسير الطبري: 7/ 459.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 181.
(10)
معاني القرآن: 1/ 497.
(11)
الكشاف: 1/ 450.
(12)
(صفوة التفاسير: 228.)
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (4638): ص 3/ 837.
(14)
تفسير الطبري: 7/ 464.
(15)
أخرجه الطبري (8334): ص 7/ 464.
(16)
تفسير ابن كثير: 2/ 181.
(17)
تفسير الثعلبي: 3/ 228.
وقال محمد بن كعب: "لا يحل لعالم أن يسكت على علمه ولا لجاهل أن يسكت على جهله، قال الله: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب الآية، وقال: {فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} (1) "(2).
وقال ثابت بن البناني عن أبي رافع عن أبي هريرة أنه قال: "لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء، ثم تلا هذه الآية وإذ أخذ الله"(3).
وقال طاوس لوهب: "إنى أرى الله سوف يعذبك بهذه الكتب. وقال: والله لو كنت نبيا فكتمت العلم كما تكتمه لرأيت أن الله سيعذبك"(4).
وعن الحسن بن عمارة قال: "أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث فألقيته على بابه فقلت: إن رأيت أن تحدثني؟ فقال: أما علمت أني قد تركت الحديث فقلت: إما أن تحدثني وإما أن أحدثك. فقال: حدثني. فقلت: حدثني الحكم ابن عيينة عن نجم الجزار قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: «ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا» قال: فحدثني بأربعين حديثا"(5).
الفوائد:
1 -
أن الله أخذ على أهل العلم العهد ببيان العلم، وعدم كتمانه.
2 -
التحذير من كتمان العلم، لأنه تعالى ذكر ذلك على سبيل الذم لا على سبيل المدح، قال-صلى الله عليه وسلم:"من سئل عن علم علمه ثم كتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار"(6).
3 -
الذم لأهل الكتاب اليهود والنصارى لنبذهم الميثاق والعهد وراء ظهورهم، إذ أخذوا بدله ثمنا قليلا، مما يدل على خسة هممهم بأخذهم الأدنى بدلا من الأعلى.
4 -
القدح في هذه الطريقة، لقوله:{فبئس ما يشترون} ، ويتفرغ على هذه الفائدة تحذير أولئك الذين يحابون الرؤساء والأمراء والوجهاء والأعيان في ترك بيان العلم، لأن الله تعالى أثنى بالقدح واللوم والتوبيخ على من كانت هذه حاله.
القرآن
التفسير:
ولا تظنن الذين يفرحون بما أَتَوا من أفعال قبيحة كاليهود والمنافقين وغيرهم، ويحبون أن يثني عليهم الناس بما لم يفعلوا، فلا تظنهم ناجين من عذاب الله في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب موجع. وفي الآية وعيد شديد لكل آت لفعل السوء معجب به، ولكل مفتخر بما لم يعمل، ليُثنيَ عليه الناس ويحمدوه.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: أخرج مسلم (7)، وأحمد (8)، والبخاري (9)، والترمذي (10)، والنَّسَائِي (11): "أن مروان بن الحكم قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس، فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى، وأحب أن يُحمد بما لم يفعل معذباً، لنعذبن أجمعون. فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما أُنزلت هذه الآية في أهل الكتاب. ثم تلا ابن
(1) سورة النحل: 43.
(2)
تفسير الثعلبي: 3/ 228.
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 228.
(4)
الكشاف: 1/ 451.
(5)
تفسير الثعلبي: 3/ 228، وانظر: مجمع البيان: 2/ 467.
(6)
رواه الترمذي (2649).
(7)
صحيح مسلم (2778): ص 4/ 2143.
(8)
المسند (2712): ص 3/ 212 - 213.
(9)
صحيح البخاري (4568): ص 6/ 51.
(10)
سنن الترمذي (3014).
(11)
السنن الكبرى (11020) ..
عباس: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} [آل عمران: 187]، قال ابن عباس: سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه" (1).
الثاني: أخرج الشيخان في صحيحهما (2) عن أبي سعيد الخدري: " أن رجالاً من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم-إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ} "(3).
والثالث: أخرج الطبري وعبدالرزاق (4)، عن مسلم البطين قال:"سأل الحجاج جلساءه عن هذه الآية: {لا تحسبن الذي يفرحون بما أتوا}، قال سعيد بن جبير: بكتمانهم محمدًا {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا}، قال: هو قولهم: نحن على دين إبراهيم عليه السلام"(5).
والرابع: ذكر ابن إسحاق عن عكرمة: " {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب} إلى قوله: {ولهم عذاب أليم}، يعني فنحاصا وأشيع وأشباههما من الأحبار، الذين يفرحون بما يصيبون من الدنيا على ما زيَّنوا للناس من الضلالة، {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا}، أن يقول لهم الناس علماء، وليسوا بأهل علم، لم يحملوهم على هدى"(6).
والخامس: أخرج الطبري وعبدالرزاق (7) عن قتادة: "إن أهل خيبر أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقالوا: إنا على رأيكم وسنتكم، وإنا لكم رِدْء (8)، فأكذبهم الله فقال: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا}، الآيتين"(9). وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن نحو ذلك (10).
والسادس: ذكر الواحدي عن الضحاك: "كتب يهود المدينة إلى يهود العراق واليمن ومن بلغهم كتابهم من اليهود في الأرض كلها أن محمدا ليس نبي الله فاثبتوا على دينكم وأجمعوا كلمتكم على ذلك، فأجمعت كلمتهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، ففرحوا بذلك وقالوا: الحمد لله الذي جمع كلمتنا ولم نتفرق ولم نترك ديننا، وقالوا: نحن أهل الصوم والصلاة ونحن أولياء الله، فذلك قول الله تعالى: {يفرحون بما أتوا} بما فعلوا {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} يعني بما ذكروا من الصوم والصلاة والعبادة"(11).
والسابع: أخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: كان في بني إسرائيل رجال عباد فقهاء، فأدخلتهم الملوك، فرخصوا لهم وأعطوهم، فخرجوا وهم فرحون بما أخذت الملوك من قولهم، وما أعطوا فأنزل الله عز وجل:{لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا} " (12).
والسببان الأول والثاني، هما المعول عليهما في سبب نزول هذه الآية، وأما الأسباب الأخرى، فهي لا يعول عليها من جهة السند.
(1) المسند الجامع (6814): ص 9/ 416 - 417.
(2)
انظر: صحيح البخاري (4567): ص 6/ 50.، وصحيح مسلم (7134): ص 8/ 121.
(3)
المسند الجامع (4621): ص 6/ 457 ..
(4)
تفسير عبدالرزاق (492): ص 1/ 426.
(5)
تفسير الطبري (8343): ص 7/ 468.
(6)
تفسير الطبري (8338): ص 7/ 466، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم (4650): ص 3/ 840، والعجاب: 2/ 814.
(7)
تفسير عبدالرزاق (497): ص 1/ 430.
(8)
الردء: العون والناصر، ينصره ويشد ظهره.
(9)
أخرجه الطبري (8350): ص 7/ 471.
(10)
تفسير ابن أبي حاتم (4651): ص 3/ 840.
(11)
أسباب النزول: 138.
(12)
تفسير ابن أبي حاتم (4644): ص 3/ 838.
والراجح إن سبب نزول هذه الآية الكريمة ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما في سؤال النبي صلى الله عليه وسلم اليهود عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه؛ وذلك لصحة سند الحديث، وتصريحه بالنزول، وموافقته لسياق القرآن. والله أعلم.
قوله تعالى: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا} [آل عمران: 188]، أي:" لا تحسبن، يا محمد، الذين يفرحون بما أتوا من إخفاء أمرك عن الناس"(1).
قال الواحدي: " هم اليهود فرحوا بإضلال النَّاس وبنسبة النَّاس إيَّاهم إلى العلم وليسوا كذلك"(2).
ولأهل العلم في الذين عناهم الله تعالى في قوله: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا} [آل عمران: 188]، وجهان:
أحدهما: أنهم أهل الكتاب فرحوا بالاجتماع على تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم وإخفاء أمره، وأحبوا أن يحمدوا بما ليس فيهم من أنهم أهل نسك وعلم، وهذا قول ابن عباس (3)، وعكرمة (4)، والضحاك (5)، والسدي (6)، وسعيد بن جبير (7)، ومجاهد (8)، وقتادة (9).
والثاني: أنهم أهل النفاق فرحوا بقعودهم عن القتال وأحبوا أن يحمدوا بما ليس فيهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول أبي سعيد الخدري (10)، وابن زيد (11).
وقرأ حميد بن كثير وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن عامر وأبو عمرو: {يحسبن} بالياء، ومعناه: ولا يحسبن الفارحون منجيا لهم من العذاب.
وقرأ غيرهم بالتاء {تَحْسَبَنَّ} ، معناه: ولا تحسبن يا محمد الفارحين بمفازة من العذاب، وخبره في الباء.
وقرأ الضحاك وعيسى: {لا تحسبن} ، بالتاء وضم الباء، أراد محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه-رضي الله عنهم.
وقرأ محمد وابن كثير وأبو عمرو ويحيى بن يعمر: بالياء وضم الباء خبرا عن الفارحين، أي فلا تحسبن أنفسهم (12).
وقرأها إبراهيم: {بما أوتوا} ، ممدودا، أي: أعطوا، وقرأ سعيد بن جبير:{أوتوا} ، أي: أعطوا (13).
قوله تعالى: {وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} [آل عمران: 188]، " أي: ويحبون أن يحمدهم الناس على تمسكهم بالحق وهم على ضلال" (14).
قال الواحدي: أي: " وأَحبُّوا أن يحمدوا بالتَّمسُّك بالحقِّ وقالوا: نحن أصحاب التَّوراة وأولو العلم القديم"(15).
قال الفراء: " قالوا: نحن أهل العلم الأول والصلاة الأولى، فيقولون ذلك ولا يقرون بمحمد صلى الله عليه وسلم"(16).
(1) تفسير الطبري: 7/ 472. [بتصرف].
(2)
الوجيز: 247 ..
(3)
انظر: تفسير الطبري (8344): ص 7/ 468، وابن أبي حاتم (4639): ص 3/ 838.
(4)
انظر: تفسير الطبري (8338): ص 7/ 466.
(5)
انظر: تفسير الطبري (8339)، (8340): ص 7/ 467.
(6)
انظر: تفسير الطبري (8341)، (8342): ص 7/ 467 - 468.
(7)
وابن أبي حاتم (4639): ص 3/ 838 ..
(8)
انظر: تفسير الطبري (8345): ص 7/ 469.
(9)
انظر: تفسير الطبري (8350): ص 7/ 471.
(10)
انظر: صحيح البخاري (4567): ص 6/ 50.، وصحيح مسلم (7134): ص 8/ 121، وتفسير ابن أبي حاتم (4646): ص 3/ 839
(11)
انظر: تفسير الطبري (8336): ص 7/ 465.
(12)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 229.
(13)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 229.
(14)
صفوة التفاسير: 228.
(15)
الوجيز: 247 ..
(16)
معاني القرآن: 1/ 250.
قال الطبري: أي: " وهم مع نقضهم ميثاقي الذي أخذت عليهم بذلك، يفرحون بمعصيتهم إياي في ذلك، ومخالفتهم أمري ويحبون أن يحمدهم الناس بأنهم أهل طاعة لله وعبادة وصلاة وصوم، واتباع لوحيه وتنزيله الذي أنزله على أنبيائه، وهم من ذلك أبرياء أخلياء، لتكذيبهم رسوله، ونقضهم ميثاقه الذي أخذ عليهم، لم يفعلوا شيئًا مما يحبون أن يحمدهم الناس عليه"(1).
قال ابن كثير: " يعني بذلك المرائين المتكثرين بما لم يُعْطَوا، كما جاء في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ادَّعَى دَعْوى كاذبة لِيتَكَثَّر بها لم يَزِدْه الله إلا قِلَّة" (2)، وفي الصحيح: "المتشبع بما لم يُعْطَ كلابس ثَوْبَي زُور" (3) "(4).
قوله تعالى: {فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ} [آل عمران: 188]، أي:" فلا تظنهم بمنجاة من عذاب الله"(5).
قال السمرقندي: " معناه: لا تظنن أنهم ينجون من العذاب بذلك"(6).
قال الفراء: " يقول: ببعيد من العذاب"(7).
قال الطبري: أي: " فلا تظنهم بمنجاة من عذاب الله الذي أعده لأعدائه في الدنيا، من الخسف والمسخ والرجف والقتل، وما أشبه ذلك من عقاب الله، ولا هم ببعيد منه"(8).
قال ابن زيد في قوله: " {فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب}، قال: بمنجاة من العذاب"(9).
قوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 188]، أي:"ولهم عذاب مؤلم"(10).
قال الطبري: أي: " ولهم عذابٌ في الآخرة أيضًا مؤلم، مع الذي لهم في الدنيا معجل"(11).
الفوائد:
1 -
تحذير من يفرح بما أتى فرح منة أو فرح غدر وخيانة كالمنافقين.
2 -
التحذير من محبة الإنسان أن يُحمد بما لم يفعل، وذلك كأن يصرح الإنسان بأنه عمل عملا وهو كاذب، أو يورّي فيظن السامع أنه فاعل وهو لم يفعل.
3 -
أنه من كان على هذا الحال فلن ينجو من العذاب.
4 -
إثبات العذاب الاليم لمن هذه حاله، وقد عرفنا أنها منطبقة علة صنفين من الناس: أهل الكتاب الذين كتموا صفة الرسول-صلى الله عليه وسلم والثاني: هم المنافقون.
القرآن
{وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189)} [آل عمران: 189]
التفسير:
ولله وحده ملك السموات والأرض وما فيهما، والله على كل شيء قدير.
قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 189]، أي:" لله ملك جميع ما حوته السموات والأرض"(12).
(1) تفسير الطبري: 7/ 472. [بتصرف].
(2)
صحيح البخاري برقم (6105، 6652) وصحيح مسلم برقم (110) من حديث ثابت بن الضحاك رضي الله عنه.
(3)
رواه مسلم برقم (2129) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 181 ..
(5)
تفسير الطبري: 7/ 472. [بتصرف].
(6)
تفسير السمرقندي: 1/ 273 ..
(7)
معاني القرآن: 1/ 250.
(8)
تفسير الطبري: 7/ 472. [بتصرف].
(9)
أخرجه الطبري (8353): ص 7/ 472.
(10)
صفوة التفاسير: 228 ..
(11)
تفسير الطبري: 7/ 472.
(12)
تفسير الطبري: 7/ 473.
قال الزجاج: " أي: هو خالقهما، ودليل ذلك قوله عز وجل: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}، و {خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} "(1).
قال مقاتل: " ثم عظم الله نفسه فقال: {ولله ملك السماوات والأرض} وما بينهما من الخلق عبيده وفي ملكه"(2).
قال السمرقندي: " أي خزائن السموات المطر، وخزائن الأرض النبات، ويقال: جميع من في السموات والارض عبيده وفي ملكه"(3).
قال الواحدي: " أي: بملك تدبيرهما، وتصريفهما على ما يشاء"(4).
قال السعدي: " أي: هو المالك للسماوات والأرض وما فيهما، من سائر أصناف الخلق، المتصرف فيهم بكمال القدرة، وبديع الصنعة"(5).
قال الطبري: " وهذا تكذيب من الله جل ثناؤه الذين قالوا: {إن الله فقير ونحن أغنياء} (6)، يقول تعالى ذكره، مكذبا لهم: لله ملك جميع ما حوته السموات والأرض. فكيف يكون أيها المفترون على الله، من كان ملك ذلك له فقيرًا؟ "(7).
قال المراغي: " أي لا تحزنوا أيها المؤمنون ولا تضعفوا، وبينوا الحق ولا تكتموا منه شيئا، ولا تشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، ولا تفرحوا بما عملتم، فإن الله يكفيكم ما أهمكم ويغنيكم عن هذه المنكرات التي نهيتم عنها فإن لله ملك السموات والأرض يعطى من يشاء"(8).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 189]، " أي وهو سبحانه "على كل شيء قدير" (9).
قال الزمخشري: أي: " فهو يقدر على عقابهم"(10).
قال السعدي: أي: " فلا يمتنع عليه منهم أحد، ولا يعجزه أحد"(11).
قال الطبري: " ثم أخبر جل ثناؤه أنه القادر على تعجيل العقوبة لقائلي ذلك، ولكل مكذب به ومفتر عليه، وعلى غير ذلك مما أراد وأحب، ولكنه تفضل بحلمه على خلقه فقال: والله على كل شيء قدير، يعني: من إهلاك قائلي ذلك، وتعجيل عقوبته لهم، وغير ذلك من الأمور"(12).
قال المراغي: أي: " لا يعز عليه نصركم على من يؤذونكم بأيديهم وألسنتهم من أهل الكتاب والمشركين"(13).
قال الماتريدي: " وهذا [ردّ] على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: لا يقدر على خلق فعل العبد، وعلى قولهم: غير قادر على أكثر الأشياء، وهو قد أخبر أنه على كل شيء قدير"(14).
الفوائد:
1 -
أن ملك السماوات والارض خاص بالله عز وجل، ووجهه تقديم الخبر الذي دل! على الحصر.
2 -
أن الملك المطلق لله وحده، وأما الملك المضاف إلى المخلوق فهو ملك مقيد، ودليله أن هذا المالك المخلوق لو أراد أن يتصرف بماله على خلاف ما جاءت به الشريعة كان ممنوعا من هذا ولا يملكه، والله جلّ وعلا يملك ملكا عاما شاملا يستغني به عن غيره.
(1) معاني القرآن: 1/ 498 ..
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 321 ..
(3)
تفسير السمرقندي: 1/ 273.
(4)
التفسير البسيط: 6/ 252.
(5)
تفسير السعدي: 161.
(6)
سورة آل عمران: 181.
(7)
تفسير الطبري: 7/ 473.
(8)
تفسير المراغي: 4/ 159.
(9)
التفسير الميسر: 75.
(10)
الكشاف: 1/ 452.
(11)
تفسير السعدي: 161.
(12)
تفسير الطبري: 7/ 473.
(13)
تفسير المراغي: 4/ 159.
(14)
تفسير الماتريدي: 2/ 559.
3 -
الإشارة أنه لايجوز للإنسان أن يتصرف في ملكه إلا على حسب إذن الشارع، لأن كون الملك لله يدل على أن تصرفنا فيه إنما يكون بطريق الوكالة، يتقيد بما أُذن له فيه.
4 -
عموم قدرة الله عز وجل، لقوله:{والله على كل شيء قدير} .
5 -
أن من آمن بهذا-أي بأن الله على كل شيء قدير- فإنه يطرد عنه اليأس، لأن الإنسان قد يصاب بمرض مثلا فييأس من برئه بعد العلاج، فيقال له: لاتيأس إن الله على كل شي قدير، وأنت إذا أراد الله أن يبقي المرض بك فقد يكون خيرا لك، لأنك تكسب من ورائه الثواب من الله عز وجل، فإنه لايصيب المؤمن من همّ ولا غمّ ولا أذى حتى الشوكة يشاكلها إلا كفّر الله به يعني من ذنوبه، كما روي عن أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما من مصيبة يصاب بها المسلم إلا كفر بها عنه، حتى الشوكة يشاكها"(1).
القرآن
{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)} [آل عمران: 190]
التفسير:
إن في خلق السموات والأرض على غير مثال سابق، وفي تعاقُب الليل والنهار، واختلافهما طولا وقِصَرًا لدلائل وبراهين عظيمة على وحدانية الله لأصحاب العقول السليمة.
في سبب نزول الآية:
أخرج ابن أبي حاتم والطبراني (2)، والواحدي (3)، عن ابن عباس قال:"أتت قريش النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا، فدعا ربه، فنزلت: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ "(4).
واخرجه عبد بن حميد عن سعيد بن جبير مرسلا (5)، قال ابن حجر:"والمرسل أصح"(6).
قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} [آل عمران: 190]، "أي: إِن في خلق السماوات والأرض على ما بهما من إِحكام وإٍبداع" (7).
قال ابن كثير: " أي: هذه في ارتفاعها واتساعها، وهذه في انخفاضها وكثافتها واتضاعها وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب سيارات، وثوابتَ وبحار، وجبال وقفار وأشجار ونبات وزروع وثمار، وحيوان ومعادن ومنافع، مختلفة الألوان والطعوم والروائح والخواص"(8).
قال ابن عطية: " ثم دل على مواضع النظر والعبرة، حيث يقع الاستدلال على الصانع بوجود السماوات والأرضين والمخلوقات دال على العلم، ومحال أن يكون موجود عالم مريد غير حي، فثبت بالنظر في هذه الآية عظم الصفات"(9).
قوله تعالى: {وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [آل عمران: 190]، "أي: وتعاقب الليل والنهار على الدوام" (10).
(1) أخرجه مالك في الموطأ: 584، وأحمد في المسند: 6/ 88، 6/ 113، 6/ 120.
(2)
انظر: المعجم الكبير (12322): ص 12/ 12، وإسناده ضعيف، بسبب يحيى (ديوان الضعفاء للذهبي: 338 - رقم: 4657) وجعفر بن أبي المغيرة القمي (تقريب التهذيب: 1/ 133 - رقم: 102) وقد ضعفه الحافظان: الهيثمي (مجمع الزوائد: 6/ 329)، وابن كثير (تفسير ابن كثير: 2/ 184).
عزاه ابن كثير إلى الطبراني ثم قال "2/ 184": "وهذا مشكل فإن هذه الآية مدنية، وسؤالهم أن يكون الصفا ذهبا كان بمكة والله أعلم".
وكذلك قال ابن حجر في "الفتح""8/ 235" وأجاب عنه فقال: "وعلى تقدير كونه محفوظا وصله ففيه إشكال من جهة أن هذه السورة مدنية، وقريش من أهل مكة. قلت: ويحتمل أن يكون سؤالهم لذلك بعد أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولا سيما في زمن الهدنة".
(3)
.انظر: أسباب النزول: 138 - 139.
(4)
تفسير ابن أبي حاتم (4655): ص 3/ 841.
(5)
انظر: العجاب: 2/ 816 - 817.
(6)
العجاب: 2/ 817.
(7)
صفوة التفاسير: 230.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 184.
(9)
المحرر الوجيز: 1/ 554.
(10)
صفوة التفاسير: 230.
قال ابن عطية: " هو تعاقبهما، إذ جعلهما الله خلفة، ويدخل تحت لفظة الاختلاف كونهما يقصر هذا ويطول الآخر وبالعكس، ويدخل في ذلك اختلافهما بالنور والظلام"(1).
قال ابن كثير: "أي: تعاقبهما وتَقَارضهما الطول والقصر، فتارة يطُول هذا ويقصر هذا، ثم يعتدلان، ثم يأخذ هذا من هذا فيطول الذي كان قصيرا، ويقصر الذي كان طويلا وكل ذلك تقدير العزيز الحكيم"(2).
قوله تعالى: {لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190]، " أي: علامات واضحة على الصانع وباهر حكمته، ولا يظهر ذلك إِلا لذوي العقول" (3).
قال الزمخشري: أي: " لأدلة واضحة على الصانع وعظيم قدرته وباهر حكمته، للذين يفتحون بصائرهم للنظر والاستدلال والاعتبار، ولا ينظرون إليها نظر البهائم غافلين عما فيها من عجائب الفطر. وفي النصائح الصغار: املأ عينيك من زينة هذه الكواكب، وأجلهما في جملة هذه العجائب، متفكرا في قدرة مقدرها، متدبرا حكمة مدبرها، قبل أن يسافر بك القدر، ويحال بينك وبين النظر"(4).
قال ابن كثير: قوله" {لأولِي الألْبَابِ} أي: العقول التامة الذكية التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها، وليسوا كالصم البُكْم الذين لا يعقلون الذين قال الله [تعالى] (3) فيهم: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ. وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 105، 106] "(5).
قال ابن عطية: " و {الآيات}: العلامات، و {الألباب} في هذه الآية: هي ألباب التكليف لا ألباب التجربة، لأن كل من له علوم ضرورية يدركها فإنه يعلم ضرورة ما قلناه من صفات الله تعالى"(6).
قال الراغب: " ونبه بقوله: {لأولي الألباب}، أن من لم يكن ذا لب قل عناؤه في التفكر فيها، واللب هو اسم للعقل أزيل عنه الدرن، وذاك أن العقل وإن كان أشرف مدرك من الأشياء فهو في الأصل كسيف حديد لم يطبع ولم يصقل، فإذا تفقد وتعهد بالحكمة صار كسيف طبع، فأزيل خبثه، وشحذ حده، وكل موضع يذكر الله تعالى فيه أجل مدرك لا يمكن إدراكه إلا بأجل مدرك"(7)
أخرج ابن حبان عن عطاء قال دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة فقالت لعبيد بن عمير قد آن لك أن تزورنا فقال أقول يا أمه كما قال الأول زر غبا تزدد حبا قال فقالت دعونا من رطانتكم هذه قال بن عمير أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فسكتت ثم قالت: لما كان ليلة من الليالي قال: "يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي" قلت: والله إني لأحب قربك وأحب ما سرك، قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي، قالت: فلم يزل يبكي حتى بل حجره قالت ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل لحيته، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض فجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر قال: "أفلا أكون عبدا شكورا لقد نزلت علي الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: {إن في خلق السماوات والأرض} الآية كلها [آل عمران: 190] "(8).
الفوائد:
1 -
الحثّ على التأمل في خلق السماوات والأرض، لأن الله تعالى ذكر أن فيهما آيات، والآيات هي: العلامات، وكلما ازدادت الآيات وضوحا ازداد الإيمان قوة.
2 -
النظر إلى خلق السماوات والأرض على الوجه الذي ذكر في التفسير، من حيث ذواتهما ومنافعهما وما فيهما من الخير والمصالح حتى لايذهب ذاهب إلى أنها خلقت عبثا.
(1) المحرر الوجيز: 1/ 554.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 184.
(3)
صفوة التفاسير: 230.
(4)
الكشاف: 1/ 452.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 184.
(6)
المحرر الوجيز: 1/ 554.
(7)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1040.
(8)
صحيح ابن حبان (620): ص 2/ 386 - 387، إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه أبو الشيخ في "أخلاق النبي" ص 186 عن الفريابي، عن عثمان بن أبي شيبة، بهذا الإسناد.
3 -
الإشارة إلى اختلاف الليل والنهار من رخاء إلى شدة وبالعكس، ومن حرب إلى سلم، ومن عزّ إلى ذلّ، ومن فقر إلى غنى، وبالعكس في هذه الأمور.
4 -
الثناء لأصحاب العقول، لأن الله جعل هذا الاختلاف لذوي العقول، أما من لاعقل له فإنه لاينتفع بهذه الآيات، ولايعتبر بها وتمرّ عليه وكأنها مظاهر طبيعية لا علاقة لها لفعل الله تعالى بها، وهذا –والعياذ بالل—من الطمس على القلوب وعمي الأبصار، لأن هذا الكون على هذا النظام البديع لايمكن أبدا أن يقع إلا من رب حكيم عز وجل، ولايمكن أن يقع من فاعل على وجه السفه أبدا.
5 -
أن الربّ عز وجل أظهر آياته لخلقه مع ان مجرد الإيمان بأن الله تعالى حي موجود يكفي، لكن كلما تعددت الأدلة والآيات ازداد الشيء يقينا، ودليل هذا أن إبراهيم قال لله عز وجل:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 260]، فالإنسان قد يكون مؤمنا ولا إشكال عنده في الأمر لكن يحتاج إلى من يطمئنه.
6 -
الثناء على العقل، وهو عقل الرشد لا عقل التكليف، لقوله تعالى:{لآيات لأولي الالباب} .
7 -
أنه كلما كان الإنسان أعقل كان بالله وآياته أعلم، لقوله:{لآيات لأولي الالباب} ، والحكم المعلق على وصف يثبت لثبوته ويعدم لعدمه، ولذلك من كان عقله بهيميا لاينتفع بهذه الآيات، لأنه ليس من ذوي الالباب.
القرآن
التفسير:
الذين يذكرون الله في جميع أحوالهم: قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، وهم يتدبرون في خلق السموات والأرض، قائلين: يا ربنا ما أوجدت هذا الخلق عبثًا، فأنت منزَّه عن ذلك، فاصْرِف عنا عذاب النار.
قوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191]، أي: الذين"يذكرون الله بألسنتهم وقلوبهم في جميع الأحوال في حال القيام والقعود والاضطجاع"(1).
قال ابن جريج: " هو ذكر الله في الصلاة وفي غير الصلاة، وقراءة القرآن"(2).
قال قتادة: " وهذه حالاتك كلها يا ابن آدم، فاذكره وأنت على جنبك، يُسرًا من الله وتخفيفًا"(3).
قال الطبري: "من نعت أولي الألباب، أي: الذاكرين الله قيامًا في صلاتهم، وقعودًا في تشهدهم وفي غير صلاتهم، وعلى جنوبهم نيامًا"(4).
قال ابن كثير: " ثم وصف تعالى أولي الألباب فقال: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ}، كما ثبت في صحيح البخاري عن عِمْران بن حُصَين، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صَلِّ قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لَم تستطع فَعَلَى جَنْبِكَ" (5) أي: لا يقطعون ذِكْره في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم" (6).
قال ابن عطية: " وهذا وصف ظاهره استعمال التحميد والتهليل والتكبير ونحوه من ذكر الله، وأن يحصر القلب اللسان، وذلك من أعظم وجوه العبادات، والأحاديث في ذلك كثيرة، وابن آدم منتقل في هذه الثلاث الهيئات لا يخلو في غالب أمره منها فكأنها تحصر زمنه"(7).
وقوله: {وعلى جنوبهم} : "عبارة عن حال الاضطجاع، وعلى ذلك قوله:{وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا} [يونس: 12]، فمن حمل الآية على الصلاة، وقال: معناه لا يخلون بها في شيء من أحوالهم قائمين إذا قدروا، قاعدين إذا عجزوا، وعلى جنوبهم إذا مرضوا.
ومنهم من جعله أعم من ذلك، وقال: لا ينفكون من ذكر الله في جميع أحوالهم، كقوله:{رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [النور: 37].
ومنهم من جعله أعم من ذلك أيضا، وقال: معناه لا يتحرون بجميع أفعالهم إلا وجهه، وبيان ذلك أن مباحات أولياء الله كلها قرب يستحق بها الثواب، وذاك أنهم لا يأكلون ولا ينامون إلا وقت الضرورة، ومقدار ما يستعينون به على العبادة، وما لا تتم عبادتهم إلا به فذاك واجب كوجوبها" (8).
وفي تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191]، وجهان:
أحدها: إنما هذه في الصلاة إذا لم تستطع قائما فقاعدا، وإن لم تستطع قاعدا فعلى جنب. قاله أبو مسعود (9).
والثاني: ان المراد ذكر الله عز وجل في تلك الأحوال: قائما وقاعدا ومضطجعا. وهذا قول مجاهد (10)، وقتادة (11).
قال الثعلبي: " قال سائر المفسرين: أراد به ذكر الله تعالى، ووصفهم بالمداومة عليه، إذ الإنسان قلما يخلوا من معنى هذه الحالات الثلاثة"(12).
قال الراغب: " الذكر: ذكر باللسان، وذكر بالقلب، وذكر القلب ذكران: ذكر عن نسيان، وهو إعادة ما انحذف عن الحفظ، وذلك هو التذكر في الحقيقة، وذكر هو إدامة مراعاة ما ثبت في الحفظ"(13).
قوله تعالى: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 191]، " أي: ويتدبرون في ملكوت السماوات والأرض، في خلقهما بهذه الأجرام العظام وما فيهما من عجائب المصنوعات وغرائب المبتدعات" (14).
قال الثعلبي: أي: بأن" لها صانعا قادرا ومدبرا حكيما"(15).
قال الطبري: " يعني بذلك: أنهم يعتبرون بصنعة صانع ذلك، فيعلمون أنه لا يصنع ذلك إلا مَن ليس كمثله شيء، ومن هو مالك كل شيء ورازقه، وخالق كل شيء ومدبره، ومن هو على كل شيء قدير، وبيده الإغناء والإفقار، والإعزاز والإذلال، والإحياء والإماتة، والشقاء والسعادة"(16).
قال ابن كثير: " أي: يفهمون ما فيهما من الحكَم الدالة على عظمة الخالق وقدرته، وعلمه وحكمته، واختياره ورحمته،
…
وقد ذمّ الله تعالى مَنْ لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على ذاته وصفاته وشرعه وقدره وآياته، فقال:{وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ. وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 105، 106] ومدح عباده المؤمنين: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} قائلين {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا} " (17).
قال الشيخ أبو سليمان الداراني: "إني لأخرجُ من منزلي، فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله عَلَي فيه نِعْمَة، أوْ لِي فيه عِبْرَة"(18).
(1) صفوة التفاسير: 231.
(2)
أخرجه الطبري (8354): ص 7/ 474 - 475.
(3)
أخرجه الطبري (8355): ص 7/ 475.
(4)
تفسير الطبري: 7/ 474.
(5)
صحيح البخاري برقم (1115).
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 184.
(7)
المحرر الوجيز: 1/ 554.
(8)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1042 - 1044.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4656): ص 3/ 841.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4657): ص 3/ 841.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4658): ص 3/ 841.
(12)
تفسير الثعلبي: 3/ 231.
(13)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1042.
(14)
صفوة التفاسير: 231.
(15)
تفسير الثعلبي: 3/ 231.
(16)
تفسير الطبري: 7/ 475.
(17)
تفسير ابن كثير: 2/ 184 - 186.
(18)
ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء: 13/ 402، وانظر: معجم مصنفات ابن أبي الدنيا: 189.
وروي أنه كان ابن عور يقول: "الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية، كما يحدث الماء الزرع والنبات، وما جليت القلوب بمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل الفكرة"(1).
قوله تعالى: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا} ] آل عمران: 191]، "أي: قائلين: ربنا ما خلقت هذ الكون وما فيه عبثاً من غير حكمة" (2).
قال أبو عبيدة: " العرب تختصر الكلام، ليخففوه، لعلم المستمع بتمامه، فكأنه في تمام القول، ويقولون: ربنا ما خلقت هذا باطلا "(3).
قال الطبري: أي: ": لم تخلق هذا الخلق عبثًا ولا لعبًا، ولم تخلقه إلا لأمر عظيم من ثواب وعقاب ومحاسبة ومجازاة"(4).
قال ابن كثير: " أي: ما خلقت هذا الخلق عَبَثًا، بل بالحق لتجزي الذين أساؤوا بما عملوا، وتجزي الذين أحسنوا بالحسنى"(5).
قال الزمخشري: " المعنى: ما خلقته خلقا باطلا بغير حكمة، بل خلقته لداعي حكمة عظيمة، وهو أن تجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفتك ووجوب طاعتك واجتناب معصيتك"(6).
قوله تعالى: {سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191]، "أي: ننزهك يا الله عن العبث فأجرنا واحمنا من عذاب جهنم" (7).
قال الطبري: " ثم فَزِعوا إلى ربهم بالمسألة أن يجيرهم من عذاب النار، وأن لا يجعلهم ممن عصاه وخالف أمره، فيكونوا من أهل جهنم"(8).
قال ابن كثير: " أي: يا من خَلَق الخلق بالحق والعدل يا من هو مُنزه عن النقائص والعيب والعبث، قنا من عذاب النار بحولك وقوتك وَقيضْنَا لأعمال ترضى بها عنا، ووفقنا لعمل صالح تهدينا به إلى جنات النعيم، وتجيرنا به من عذابك الأليم"(9).
روي أنه سئلت أم الدرداء " ما كان أفضل عبادة أبي الدرداء؟ قالت: التفكر، والاعتبار " قوله جل وعز: {ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار} " (10).
قال ابن عطية: " حدثني أبي رضي الله عنه عن بعض علماء المشرق قال: كنت بائتا في مسجد الأقدام بمصر، فصليت العشاء فرأيت رجلا قد اضطجع في كساء له مسجى بكسائه حتى أصبح، وصلينا نحن تلك الليلة وسهرنا، فلما أقيمت صلاة الصبح قام ذلك الرجل فاستقبل القبلة فصلى مع الناس، فاستعظمت جرأته في الصلاة بغير وضوء، فلما فرغت الصلاة خرج فتبعته لأعظه فلما دنوت منه سمعته ينشد (11):
منسحق الجسم غائب حاضر
…
منتبه القلب صامت ذاكر
منقبض في الغيوب منبسط
…
كذاك من كان عارفا ذاكرا
يبيت في ليله أخا فكر
…
فهو مدى الليل نائم ساهر
قال فعلمت أنه ممن يعبد بالفكرة وانصرفت عنه" (12).
(1) تفسير الثعلبي: 3/ 231.
(2)
صفوة التفاسير: 231.
(3)
أخرجه ابن المنذر (1266): ص 2/ 535.
(4)
تفسير الطبري: 7/ 475.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 186.
(6)
الكشاف: 1/ 454.
(7)
صفوة التفاسير: 231.
(8)
تفسير الطبري: 7/ 475.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 186.
(10)
أخرجه ابن المنذر (1265): ص 2/ 534.
(11)
انظر: المحرر الوجيز: 1/ 555.
(12)
المحرر الوجيز: 1/ 555.
وقوله: {سبحانك} : "هو للتبرئة، والتنزيه: هو إبعاده عن العيب، وتبريئه منه، وتطهيره عما يقول الكفار، وهو حرف يقدم عند حاجات ترفع إليه، ودعوات يدعى بها"(1).
الفوائد:
1 -
أن ذكر الله عز وجل من لوازم العقل ومقتضياته، لقوله:{لأولي الألباب، الذين يذكرون الله} [آل عمران: 190 - 191].
2 -
فضيلة إدامة الذكر، ذكر الله عز وجل على كل حال، وكان أبلغ من وفّى بهذا حقه عز وجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة-رضي الله عنها:"كان النبي-صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه"(2).
3 -
جواز ذكر الله تعالى للجنب، لدخوله في عموم قوله تعالى:{الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} .
4 -
أن ذكر الله في حال كون الإنسان على جنب لا يعد استهانة بالذكر، وكذلك قراءة القرآن، "وقد ثبت أن النبي-صلى الله عليه وسلم كان يقرأ متكئا في حجر عائشة وهي حائض رضي الله عنها"(3).
5 -
فضيلة التفكير في خلق السماوات والأرض، والمقصود التفكر المقرون بقول:{ربنا ما خلقت هذا باطلا} ، لا التفكر الذي يراد به الاطلاع على العلم المادي فقط في خلق السماوات، لأن هذا التفكر وإن كان يفيد الإنسان في الدنيا، لكنه لا يفيده في الآخرة.
6 -
التوسل الى الله تعالى بالربوبية حال الدعاء، لأن الربوبية بها الخلق والملك والتدبير.
7 -
انتفاء الباطل في خلق الله نفيا مطلقا، وإ 1 اانتفى الباطل نفيا مطلقا ثبت الحق، كما قال تعالى:{مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} [الدخان: 39].
8 -
الإقرار من هؤلاء العقلاء بان الله هو الخالق، وهو تقرير توحيد الربوبية.
9 -
إثبات الحكمة في أفعلا لله، لقوله:{ربنا ما خلقت هذا باطلا} ، فأفعال الله وشرائعه كلها لحكمة ليس فيها شيء عبث إطلاقا.
10 -
تنزيه الله عز وجل عن كل عيب ونقص، مأخوذ من قوله:{سبحانك} ، والذي ينزّه الله عنه شيئان: النقص، ومماثلة المخلوقات، حتى فيما هو كمال في المخلوقين، فإن الله منزّه عن مماثلتهم قال تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].
11 -
أن صفوة الخلق محتاجون إلى الدعاء للوقاية من النار.
12 -
إثبات التوسل في الدعاء بصفات الله عز وجل، لأنهم بنوا {فقنا} ، على قولهم:{سبحانك فقنا} ، يعني: أننا نتوسل إلى الله عز وجل بتنزّهه عن النقص أن يقينا عذا النار، لأننا مؤمنون، لقوله:{يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ، ويقرون بأنها خلقت بالحق وللحق، وينزهون الله عز وجل عن كل نقص وعيب، وينبني على ذلك أنهم جعلوا ذلك وسيلة لوقاية الله تعالى إياهم من النار {سبحانك فقنا} ، لأنه المعروف في اللغة العربية أن "الفاء" تدل على تفرع ما بعدها على ما قبلها.
13 -
إثبات النار وهي دار المجرمين والعصاة والظالمين والكفرة.
14 -
في الآية الكريمة كلمتان لايجوز فصل إحداهما عن الأخرة، وهي:{مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا} ، فلو قلت:{رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا} ، وسكتّ أوهم معنى فاسدا، ولهذا يجب الوصل:{رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا} ، ومثله قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43]، وقوله:{فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 4 - 5]، وذلك لو سكت لأوهم أن الوعيد للمصلي.
القرآن
{رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192)} [آل عمران: 192]
التفسير:
(1) تفسير الماتريدي: 2/ 561.
(2)
رواه مسلم (373).
(3)
انظر: سنن النسائي (274).
يا ربنا نجِّنا من النار، فإنك -يا ألله- مَن تُدخِلْه النار بذنوبه فقد فضحته وأهنته، وما للمذنبين الظالمين لأنفسهم من أحد يدفع عنهم عقاب الله يوم القيامة.
قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} [آل عمران: 192]، "أي: من أدخلته النار فقد أذللته وأهنته" (1).
قال مقاتل: " يعني: من خلدته في النار فقد أهنته"(2).
قال ابن كثير: " أي: أهنته وأظهرت خزيه لأهل الجمع"(3).
قال ابن عطية: " استجارة واستعاذة، أي فلا تفعل بنا ذلك ولا تجعلنا ممن يعمل عملها، والخزي: الفضيحة المخجلة الهادمة لقدر المرء، خزي الرجل يخزى خزيا إذا افتضح، وخزاية إذا استحيى، الفعل واحد والمصدر مختلف"(4).
قال الراغب: " يقال: خزي الرجل: إذا لحقه انكسار، إما من نفسه بإفراط، يقال في مصدره الخزاية، وإما من غيره، ويقال في مصدره الخزي، وعلى هذا هان وذل، متى كان ذلك من نفسه، يقال له الهون والذل، ومتى كان من غيره يقال له الهوان والذل، والآية من تمام الحكاية عن المتفكرين في خلق السموات والأرض"(5).
وفي تفسير "الخزي" في قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} [آل عمران: 192]، على جوه:
أحدها: أنه يعني: ربنا إنك من تدخل النار من عبادك فتخلده فيها، فقد أخزيته، ولا يخزي مؤمن مصيرُه إلى الجنة، وإن عذِّب بالنار بعض العذاب. وهذا قول أنس (6)، وابن المسيب (7)، والحسن (8)، وابن جريج (9).
والثاني: أن معناه: ربنا إنك من تدخل النار، من مخلد فيها وغير مخلد فيها، فقد أخزي بالعذاب. وهذا قول جابر بن عبدالله (10)، وروي عن الضحاك نحو ذلك (11).
والثالث: وقيل: ان "الخزي يحتمل الحياء، يقال: خزي يخزي، خزاية إذا استحيا.
قال ذو الرمة (12):
خَزَايةً أدرْكَتْه بعد جَوْلَتِه (13)
…
من جَانب الحَبْل مخلوطا بهَا الغَضَبُ
وقال القطامي في الثور والكلاب (14):
حَرِجاً وَكرَّ كُرُورَ صَاحب نَجْدَةٍ
…
خَزي الحَرَائِرُ أَن يكون جَبانَا
أي يستحي (15)، فخزي المؤمنين الحياء، وخزي الكافرين الذل والخلود في النار" (16).
(1) صفوة التفاسير: 231.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 321.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 186.
(4)
المحرر الوجيز: 1/ 556.
(5)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1047 - 1048.
(6)
انظر: تفسير لطبري (8356): ص 7/ 477.
(7)
انظر: تفسير لطبري (8357): ص 7/ 477.
(8)
انظر: تفسير لطبري (8358): ص 7/ 477.
(9)
انظر: تفسير لطبري (8359): ص 7/ 478.
(10)
انظر: تفسير لطبري (8360): ص 7/ 478 - 479.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4661): ص 3/ 842.
(12)
انظر: في اللسان، مادة"خزى": ص 14/ 227، وتهذيب اللغة مادة"خزى": ص 7/ 205، وفي تاج العروس مادة"خزى": ص 37/ 544، يصف ثورا وحشيا تطارده الكلاب في جانب حبل من الرمل:
حتى إذا دومت في الأرض راجعه
…
كبر ولو شاء نجى نفسه الهرب
خزاية أدركته بعد جولته
…
من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب
يعني أن هذا الثور لو شاء نجا من الكلاب بالهرب، ولكنه استحيا وأنف من الهرب فكر راجعا إليها. [انظر: أضواء البيان: 2/ 188].
(13)
في تفسير الثعلبي: "جوليه". والصحيح ما اثبتناه، كما في اللسان، مادة"خزى": ص 14/ 227، وتهذيب اللغة مادة"خزى": ص 7/ 205، وفي تاج العروس مادة"خزى": ص 37/ 544، "حولته".
(14)
انظر: اللسان، مادة"خزى": ص 14/ 227، وتهذيب اللغة، مادة"خزى": ص 7/ 205.
(15)
أراد: خزي الرجل الحرائر، أي استحيى منهن أن يفر.
(16)
تفسير الثعلبي: 3/ 223.
والراجح-والله اعلم- هو القول الثاني، أي: أن " من أدخل النار فقد أخزي بدخوله إياها، وإن أخرج منها، وذلك أن الخزي إنما هو هتك ستر المخزيّ وفضيحته، ومن عاقبه ربه في الآخرة على ذنوبه، فقد فضحه بعقابه إياه، وذلك هو الخزي "(1).
قال ابن عطية: " أما إنه خزي دون خزي وليس خزي من يخرج منها بفضيحة هادمة لقدره، وإنما الخزي التام للكفار"(2).
قال ابن عثيمين: " {من} تشمل العصاة والكفار، فالعصاة مستحقون لدول النار، وإذا أدخلوا النار فإنهم غير مظلومين، لأنهم مستحقون لذلك، والكفار مستحقون لدخولها على وجه التأبيد والتخليد، وكل منهم إذا أدخل النار فقد أخزاه الله أمام العالم، أي: فضحه وهتك ستره"(3).
قوله تعالى: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [آل عمران: 192]، أي:" وليس للظالمين من يمنعهم من عذاب الله"(4).
قال مقاتل: " يعني: وما للمشركين من مانع يمنعهم من النار"(5).
قال ابن كثير: " أي: يوم القيامة لا مُجِير لهم منك، ولا مُحِيد لهم عما أردت بهم"(6).
قال الطبري: " وما لمن خالف أمر الله فعصاه، من ذي نُصرة له ينصره من الله، فيدفع عنه عقابه، أو ينقذه من عذابه"(7).
قال الماتريدي: " أي: مانع يمنع عنهم العذاب ويدفع، ويحتمل الأنصار: الأعوان، أي: ليس لهم أعوان يعينونهم في الآخرة"(8).
قال ابن عطية: " هو من قول الداعين، وبذلك يتسق وصف الآية"(9).
الفوائد:
1 -
فقه هؤلاء السادة اولي الألباب إذ بيّنوا سبب دعائهم أن يقيهم الله من النار، وأن سبب ذلك هو أن النار دار الخزي والعياذ بالله، {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} .
2 -
إثبات النار، لقوله:{مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ} .
3 -
أنه لانصير للظالم وذلك في الآخرة، أما في الدنيا فقد ينصر الظالم، ولكن تدور عليه الدوائر، أما في الآخرة فلا أحد ينصره.
4 -
أن الظلم سبب دخول النار، لقوله:{وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} .
القرآن
التفسير:
يا ربنا إننا سمعنا مناديا -هو نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ينادي الناس للتصديق بك، والإقرار بوحدانيتك، والعمل بشرعك، فأجبنا دعوته وصدَّقنا رسالته، فاغفر لنا ذنوبنا، واستر عيوبنا، وألحقنا بالصالحين.
قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ} [آل عمران: 193]، أي: ربنا إننا سمعنا داعيا يدعو إلى الإيمان" (10).
(1) تفسير الطبري: 7/ 479.
(2)
المحرر الوجيز: 1/ 556.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 2/ 550.
(4)
صفوة التفاسير: 231.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 321.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 186.
(7)
تفسير الطبري: 7/ 479.
(8)
تفسير الماتريدي: 2/ 562.
(9)
المحرر الوجيز: 1/ 556.
(10)
صفوة التفاسير: 231.
قال الطبري: أي: " ربنا إننا سمعنا داعيًا يدعو إلى التصديق بك، والإقرار بوحدانيتك، واتباع رسولك، وطاعته فيما أمرنا به ونهانا عنه مما جاء به من عندك، فصدقنا بذلك يا ربنا"(1).
وفي المنادي في قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ} [آل عمران: 193]،
قولان:
أحدهما: أنه النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو قول ابن جريج (2)، وابن زيد (3)، ونسبه القرطبي إلى ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما وإلى أكثر المفسرين (4).
ورجّحه الراغب فقال: " والمنادي للإيمان والداعي إليه: قد يكون العقل، وكتابه المنزل، ورسوله المرسل، وآياته الدالة، وإن كان الأظهر في هذا الموضع أن يكون الرسول، لقوله: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 24] "(5).
والثاني: أن المنادي القرآن، لأنه ليس كل الناس سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قاله محمد بن كعب القرظي (6)، وهو معنى قول قتادة (7).
وقالوا: " من سمع القرآن فكأنما لقي النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا صحيح معنى"(8).
والراجح-والله أعلم- هو أن المنادي: القرآن، " لأن كثيرًا ممن وصفهم الله بهذه الصفة في هذه الآيات، ليسوا ممن رأى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عاينه فسمعوا دعاءه إلى الله تبارك وتعالى ونداءه، ولكنه القرآن، وهو نظير قوله جل ثناؤه مخبرًا عن الجن إذ سمعوا كلام الله يتلى عليهم أنهم قالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} [سورة الجن: 1، 2] "(9).
وقد أخرج الطبري عن عن قتادة: "قوله: {ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان}، إلى قوله: {وتوفَّنَا مع الأبرار}، سمعوا دعوة من الله فأجابوها فأحسنوا الإجابة فيها، وصبروا عليها. ينبئكم الله عن مؤمن الإنس كيف قال، وعن مؤمن الجنّ كيف قال. فأما مؤمن الجن فقال: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا}، وأما مؤمن الإنس فقال: {إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا}، الآية"(10).
وقوله {يُنَادِي لِلإِيمَانِ} ، يحتمل وجهان (11):
أحدهما: أن معناه: إلى الإيمان، قاله أبو عبيدة (12)، كقوله تعالى:{الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذا} [الأعراف: 43] بمعنى: إلى هذا. ومنه قول العجاج (13):
أَوْحَى لَها القَرَارَ فَاسْتَقَرَّتِ
…
وَشَدَّهَا بِالرَّاسِيَاتِ الثُّبَّتِ
بمعنى: أوحى إليها، ومنه قوله:{بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} [سورة الزلزلة: 5]
والثاني: وقيل: يحتمل أن يكون معناه: إننا سمعنا مناديًا للإيمان، ينادي أن آمنوا بربكم.
قوله تعالى: {أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} [آل عمران: 193]، " أي: يقول هذا الداعي: أيها الناس آمنوا بربكم واشهدوا له بالوحدانية فصدقنا بذلك واتبعناه" (14).
(1) تفسير الطبري: 7/ 482.
(2)
انظر: تفسير الطبري (8363): ص 7/ 481.
(3)
انظر: تفسير الطبري (8364): ص 7/ 481.
(4)
انظر: تفسير القرطبي: 4/ 317.
(5)
تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 1049.
(6)
انظر: تفسير الطبري (8361)، (8362): ص 7/ 480.
(7)
انظر: تفسير الطبري (8365): ص 7/ 481.
(8)
تفسير القرطبي: 4/ 317.
(9)
تفسير الطبري: 7/ 481.
(10)
تفسير الطبري (8365): ص 7/ 481.
(11)
انظر: معاني القرآن للفراء: 1/ 250، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 111، وتفسير الطبري: 7/ 481 - 482.
(12)
انظر: تفسير ابن المنذر (1272): ص 2/ 536.
(13)
ديوانه: 5، وواللسان: 15/ 380، مادة" وَحَى".
(14)
صفوة التفاسير: 1/ 231.
قال البيضاوي: " أي بأن آمنوا فامتثلنا"(1).
قال ابن كثير: " أي يقول: {آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} أي: فاستجبنا له واتبعناه"(2).
قال الشيخ أبو منصور- رحمه الله: " فيه دليل بطلان الاستثناء في الإيمان"(3).
قوله تعالى: {رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا} [آل عمران: 193]، أي:"ربنا فاستر لنا ذنوبنا ولا تفضحنا بها، وامح بفضلك ورحمتك ما ارتكبناه من سيئات"(4).
قال مقاتل: " يعني امح عنا خطايانا"(5).
قال ابن كثير: " أي: بإيماننا واتباعنا نبيك فاغفر لنا ذنوبنا، أي: استرها {وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا} أي: فيما بيننا وبينك"(6).
قال الواحدي: " أَيْ: غطِّ واستر عنا ذنوبنا بقبول الطَّاعات حتى تكون كفَّارةً لها"(7).
قال الطبري: أي: " فاستر علينا خطايانا، ولا تفضحنا بها في القيامة على رءوس الأشهاد، بعقوبتك إيانا عليها، ولكن كفّرها عنا، وسيئات أعمالنا، فامحها بفضلك ورحمتك إيانا "(8).
وفي غفران الذنوب وتكفير السيئات في قوله تعالى: {رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا} [آل عمران: 193]، وجوه (9):
أحدهما: أن قولهم: {فاغفر لنا ذنوبنا} : التي كانت فيما مضى من عمرنا، {وكفر عنا سيئاتنا} ، أي: اعصمنا فيما بقي من عمرنا، أو: وفقنا للحسنات التي تكفر سيئاتنا؛ لما قد يلزم العبد التكفير لما أساء.
والثاني: أن المغفرة والتكفير كلاهما سواء؛ لأن المغفرة هي الستر، وكذلك التكفير، وإنما أعيد ذلك للتأكيد لأن الإلحاح في الدعاء والمبالغة فيه مندوب، ولذلك سمي الحراثون: كفارا؛ لسترهم البذر في الأرض؛ وكذلك الكافر سمى كافرا؛ لستره الحق بالباطل، ولستره جميع ما أنعم الله عليه بتوجيه الشكر إلى غيره.
قال القرطبي: " قوله تعالى: {ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا}، تأكيد ومبالغة في الدعاء. ومعنى اللفظين واحد، فإن الغفر والكفر: الستر"(10).
والثالث: وقيل: إنما جمع بين غفران الذنوب، وتكفير السيئات، لأن الغفران بمجرد الفضل، والتكفير بفعل الخير.
والرابع: أن يريد بالغفران ما يزول بالتوبة، وبالكفران ما تكفره الطاعة العظيمة.
والخامس: أن يكون المراد بالأول ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه معصية وذنبا، وبالثاني: ما أتى به الإنسان مع جهله بكونه معصية وذنبا.
قال الفخر: " أما الغفران فهو الستر والتغطية، والتكفير أيضا هو التغطية، يقال: رجل مكفر بالسلاح، أي مغطى به، والكفر منه أيضا، وقال لبيد (11):
فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُها
إذا عرفت هذا: فالمغفرة والتكفير بحسب اللغة معناهما شيء واحد" (12).
وفي تفسير الذنوب والسيئات أقوال:
(1) تفسير البيضاوي: 2/ 55.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 186.
(3)
تفسير النسفي: 1/ 322.
(4)
صفوة التفاسير: 231.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 322.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 186.
(7)
الوجيز: 249.
(8)
تفسير الطبري: 7/ 482.
(9)
انظر: تفسيرالماتريدي: 2/ 563، وزاد المسير: 1/ 361، ومفاتيح الغيب: 9/ 467.
(10)
تفسير القرطبي: 4/ 317.
(11)
المعلقات السبع للزوزني: 100. وتمامه: يَعْلُو طَرِيقَةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرٌ
…
فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُها".
(12)
مفاتيح الغيب: 9/ 467.
أحدها: أن الذنوب الكبائر ودون الكبائر، والسيئات الشرك. قاله الكلبي (1).
والثاني: أن قوله: {ذنوبنا} ، يعني: ما عملوا في حال الجاهلية، {وكفر عنا سيئاتنا} ، يعني: ما عملوا في حال الإسلام. قاله الضحاك.
والثالث: أن الذنوب والسيئات بمعنى واحد.
والرابع: أن الذنوب هي الكبائر، والسيئات ما دون الكبائر التي تكفر من الصلاة إلى الصلاة.
قوله تعالى: {وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} [آل عمران: 193]، أي:"وألحقنا بالصالحين"(2).
قال مقاتل: " يعني: المطيعين"(3).
قال ابن كثير: "أي: ألحقنا بالصالحين"(4).
قال الطبري: أي: " واقبضنا إليك إذا قبضتنا إليك، في عداد الأبرار، واحشرنا محشرهم ومعهم"(5).
قال السمرقندي: " أي: مع المطيعين، ويقال: اجعل أرواحنا مع أرواح المطيعين والصالحين"(6).
قال البيضاوي: "أي: مخصوصين بصحبتهم معدودين في زمرتهم، وفيه تنبيه على أنهم محبون لقاء الله، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه"(7).
قال الراغب: " قوله: {وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ}، نحو ما حكى عن غيره في قوله: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101]، وفيه تنبيه أنهم لا يكرهون لقاء الله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» (8) "(9).
وقد ذكر القفال في تفسير هذه المعية وجهين (10):
الأول: أن وفاتهم معهم هي أن يموتوا على مثل أعمالهم حتى يكونوا في درجاتهم يوم القيامة، قد يقول الرجل أنا مع الشافعي في هذه المسألة، ويريد به كونه مساويا له في ذلك الاعتقاد، والثاني: يقال فلان في العطاء مع أصحاب الألوف، أي هو مشارك لهم في أنه يعطي ألفا. والثالث: أن يكون المراد منه كونهم في جملة أتباع الأبرار وأشياعهم، ومنه قوله: فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين [النساء: 69].
واختلف في {البر} ، على وجوه (11):
أحدها: أنه الذي لا يؤذى أحدا.
والثاني: وقيل: الأبرار: الأخيار.
والثالث: أن الأبرار هم الأنبياء، والمعنى: توفنا في جملتهم حتى نصير معهم. قاله الواحدي (12).
والرابع: أن الأبرار: هم الأنبياء والصالحون. قاله ابن عباس (13).
والخامس: أنهم المتمسكون بالسنّة. قاله النسفي (14).
والسادس: أن البر: الطاعة، والتقوى: ترك المعصية، ومعنى الآية: توفنا على ما عليه توفيت الأبرار، وتوفنا وإنا أبرار.
(1) انظر: تفسير السمرقندي: 1/ 274.
(2)
صفوة التفاسير: 231.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 322.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 186.
(5)
تفسير الطبري: 7/ 482.
(6)
تفسير السمرقندي: 1/ 274.
(7)
تفسير البيضاوي: 2/ 55.
(8)
خرجه أحمد في المسند (8537): ص 2/ 346، والنَّسائي في الكبرى (1973): ص 4/ 9.
(9)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1050.
(10)
انظر: مفاتيح الغيب: 9/ 467.
(11)
انظر: تفسير الماتريدي: 2/ 563.
(12)
انظر: الوجيز: 249.
(13)
انظر: زاد المسير: 1/ 361.
(14)
انظر: تفسير النسفي: 1/ 322.
قال الطبري: " {الأبرار}: جمع بَرَ، وهم الذين برُّوا الله تبارك وتعالى بطاعتهم إياه وخدمتهم له، حتى أرضوه فرضي عنهم"(1).
وقال الراغب: " {الأبرار} جمع بر وبار، نحو جد وأجداد، وصاحب وأصحاب، وأصله من البر أي المكان الواسع، فبره خوله برا، أي سعة، ويقال للإنسان إذا أكرم من دونه وأكرمه من فوقه بره، كما يقال فيهما: أحب ووالى، والأبرار: هم الموصوفون بقوله {{رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} "(2).
قال ابن عثيمين: {الأبرار} : جمع برْ، والبرّ هو: كثير الخيرات، قال تعالى:{إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} [الطور: 28]، وأهل الحق والأعمال الصالحة لا شك أنهم مكثرون لفعل الخيرات، وعليه فإنهم أبرار" (3).
قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي:{الأبرار} ، و {الْأَشْرَارِ} [ص: 62]، و {ذَاتِ قَرَارٍ} [المؤمنون: 50]، وما كان مثله بين الفتح والكسر، وقرأ ابن كثير، وعاصم بالفتح (4).
الفوائد:
1 -
أنه ينبغي للإنسان أن يعترف بنعمة الله عليه غير مانّ بها على ربه.
2 -
أن دعوة النبي-صلى الله عليه وسلم دعوة الإيمان.
3 -
بيان أن الرسول-صلى الله عليه وسلم بذل الجهد في دعوة الخلق إلى الحق، لأن النداء يكون برفع الصوت، فكأن الرسول-صلى الله عليه وسلم يدعو الناس بأعلى صوته يناديهم للإيمان.
4 -
أن الكلمات قد يستغني بمضمونها عن تفاصيلها، لقوله:{ربنا إننا آمنّا} ، أي: بكل شيء يجب الإيمان به، فكل ما أخبر الله به وصدقنا به وأقررنا به فهو داخل في الإيمان بالله عز وجل.
5 -
الإشارة إلى بيان العلة لقوله: {أن آمنوا بربكم} ، فالرب أهل لأن يؤمن به الإنسان لأنه رب حالق، مالك، مدير، فهو جدير بأن يؤمن به العبد.
6 -
أن ذكر الإنسان لعمله الصالح لايحبطه، لأنهم قالوا:{إن آمنوا بربكم فآمنّا} .
7 -
جواز التوسل بالدعاء بالأعمال الصالحة، لقولهم:{فاغفر لنا ذنوبنا} ، عطفا على قولهم:{ربّنا إننا آمنّا} ، والتوسل بالأعمال الصالحة مما ثبت بالسنة أيضا في قصة الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار، عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر - رضى الله عنهما - قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم. فقال رجل منهم اللهم كان لى أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، فنأى بى فى طلب شىء يوما، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين وكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدى أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج.
قال النبى صلى الله عليه وسلم وقال الآخر اللهم كانت لى بنت عم كانت أحب الناس إلى، فأردتها عن نفسها، فامتنعت منى حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلى بيني وبين نفسها، ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه. فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهى أحب الناس إلى وتركت الذهب الذى أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها.
قال النبي صلى الله عليه وسلم وقال الثالث اللهم إنى استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم، غير رجل واحد ترك الذى له وذهب فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أد إلى أجرى. فقلت له كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال يا عبد الله لا تستهزئ بي. فقلت إني لا أستهزئ
(1) تفسير الطبري: 7/ 482.
(2)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1049.
(3)
تفسير ابن عثيمين: 2/ 556.
(4)
انظر: السبعة: 222، وزاد المسير: 1/ 361.
بك. فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا، اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون:(1).
8 -
أن كل أحد محتاج لمغفرة الذنوب، لقوله:{فاغفر لنا ذنوبنا} ، فلا تغرنّك كثرة الطاعات، فالإنسان كلما كثرت طاعاته ينبغي أن يكون أخوف على نفسه من أن ترد هذه الطاعات ويذهب عمله سدى.
9 -
التفريق بين المعاصي، بعضها ذنوب، وبعضها سيئات، وهو كقولنا: إنها تنقسم إلى بائر وصغائر، والكبائر والصغائر تختلف في ذاتها وتختلف فيما بينها، فالكبائر منها كبرى، ومنها صغرى، والصغائر منها ما يقرب من الكبائر، ومنها ما هو دون ذلك.
10 -
جواز سؤال الموت على طريق أهل الخير، لقولهم:{وتوفنا مع الأبرار} ، ويجدر القول أن هذا ليس من باب الدعاء بالموت العاجل، وإنما من باب الدعاء بالموت على صفة مطلوبة وهي أن يموت على ما مات عليه الابرار، ومثله قول مريم 0 عليها السلام:{فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} [مريم: 23]، والمعنى: يا ليتني مت قبل المصاب، وكذلك قول يوسف-عليه السلام:{رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101].
11 -
الثناء على أهل البر والإحسان، لقوله:{وتوفّنا مع الأبرار} .
القرآن
{رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194)} [آل عمران: 194]
التفسير:
يا ربنا أعطنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك من نصر وتمكين وتوفيق وهداية، ولا تفضحنا بذنوبنا يوم القيامة، فإنك كريم لا تُخْلف وعدًا وَعَدْتَ به عبادك.
قوله تعالى: {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ} [آل عمران: 194]، أي:" يا ربنا أعطنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك من نصر وتمكين وتوفيق وهداية"(2).
قال مقاتل: " يقول أعطنا من الجنة ما وعدتنا على ألسنة رسلك"(3).
قال الكلبي عن ابن عباس: " يقولون على لسان رسلك"(4).
قال الواحدي: والمعنى: أن المؤمنين يدعون الله تعالى بأن ينجز لهم ما وعدهم من الثواب على لسان الرسل" (5)، ومعنى الدعاء -ههنا- مع العلم أنه منجز وعده لا محالة-: التعبد؛ لما في ذلك من الخضوع لله،
(1) أَخْرَجَهُ أحمد (5973): ص 2/ 116، والبُخَارِي (2272): ص 3/ 119، ومسلم (7051): ص 8/ 91، وأبو داود:(3387) ..
(2)
التفسير الميسر: 75.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 322.
(4)
الوجيز للواحدي: 1/ 435. ولم أقف على مصدر قوله.
(5)
الوجيز: 1/ 435.
وإظهار الحاجة إليه؛ وذلك أن «الدعاء مخ العبادة» (1)، مثله -مما لا يجوز غيره، وقد تعبدنا بالدعاء به-: قوله -تعالى-: {قال رب احكم بالحق} [الأنبياء: 112]، وقوله:{فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك} [غافر: 7] " (2).
وقال القرظي: "إن الملائكة تسأل لهم ذلك؛ وهو قوله: {ربنا وأدخلهم جنات} [غافر: 8] "(3). واختار الزجاج هذا القول (4).
قال الزجاج والفراء والنحاس: " يريد على ألسنة رسلك، مثل: {وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82]} "(5).
قال ابن أبي زمنين: " أي: على ألسنة رسلك؛ وعد الله المؤمنين على ألسنة رسله أن يدخلهم الجنة إذا أطاعوه"(6).
قال مكي: " أي: يقولون: ربنا آتنا ما وعدتنا على لسان رسلك: وهو الجنة وهذا سؤال وطلب، ومعناه الخبر، لأن الله تعالى منجز وعده من غير سؤال، ومعناه وتوفنا مع الأبرار لتؤتينا ما وعدتنا فهذا معناه، لأنهم قد علموا أن الله لا يخلف الميعاد، ولكنه خبر"(7).
قال الطبري: أي: " ربنا أعطنا ما وعدتنا على ألسن رسلك: أنك تُعلي كلمتك كلمةَ الحق، بتأييدنا على من كفر بك وحادَّك وعبد غيرك وعجَل لنا ذلك"(8).
روي عن ابن جريج، "قوله:{ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك} ، قال: يستنجز موعود الله على رُسله" (9).
وقال السمرقندي: " يعني: أعطنا ما وعدتنا من الخير والجنة على لسان رسلك. ويقال: هو ما ذكر من استغفار الملائكة والأنبياء للمؤمنين، وهو قوله: {والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض} [الشورى: 5] وما ذكر من دعاء نوح وإبراهيم- عليهم السلام للمؤمنين"(10).
وفي تفسير قوله تعالى: {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ} [آل عمران: 194]، وجوه (11):
أحدها: أن المعنى: وآتنا ما وعدتنا على ألسن رسلك، قاله ابن عباس في رواية الكلبي عنه (12)، ومقاتل (13)، واختاره الزجاج (14)، والفراء (15)، والنحاس (16)، ابن كثير (17).
(1) هذا نص حديث، أخرجه بهذا اللفظ: الترمذي في "السنن" 5/ 456 رقم (3371). كتاب: الدعاء. باب: (من فضل الدعاء)، عن أنس بن مالك، من طريق ابن لهيعة، وقال الترمذي:(حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة).
وورد بلفظ: (الدعاء هو العبادة)، أخرجه: الترمذي في "السنن" رقم (2969) كتاب: "التفسير": باب (من سورة البقرة). وقال: (حسن صحيح)، رقم (3247) كتاب: التفسير. باب (ومن سورة المؤمن)، رقم (3372) كتاب: الدعاء. باب: (ما جاء في فضل الدعاء).
وأحمد في "المسند" 4/ 271، والحاكم في "المستدرك" 1/ 491. وقال:(صحيح الإسناد)، ووافقه الذهبي.
وابن ماجه في "السنن" رقم (3828) كتاب: الدعاء باب (فضل الدعاء).
وأبو داود في "السنن" رقم (1479) كتاب: الصلاة باب (الدعاء).
وابن حبان في صحيحه - انظر: "الإحسان" 3/ 172 رقم: (890).
وابن أبي شيبة في "مصنفه" 6/ 21 - 22 رقم (29158).
والبخاري في "الأدب المفرد" رقم (714)، والطيالسي في "مسنده" 2/ 146 (838)، والبغوي في "شرح السنة" 5/ 184 رقم (1384).
(2)
التفسير البسيط للواحدي: 6/ 262.
(3)
التفسير البسيط، للواحدي: 16/ 430.
(4)
انظر: معاني القرآن" للزجاج 4/ 60. و"تفسير السمرقندي: 1/ 274، ولم ينسبه كما سيأتي.
(5)
معاني القرآن للزجاج: 1/ 499، ومعاني القرآن للفراء: 2/ 26، ومعاني القرآن للنحاس: 1/ 194.
(6)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 341.
(7)
الهداية إلى بلوغ النهاية: 2/ 1205.
(8)
تفسير الطبري: 7/ 485.
(9)
أخرجه الطبري (8366): ص 7/ 485.
(10)
تفسير السمرقندي: 1/ 274.
(11)
انظر: تفسير الماتريدي: 2/ 563.
(12)
انظر: للواحدي: 1/ 435. ولم أقف على مصدر قوله.
(13)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 322.
(14)
انظر: معاني القرآن: 1/ 499.
(15)
انظر: معاني القرآن: 2/ 26.
(16)
انظر: معاني القرآن: 1/ 194
(17)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 186.
وذلك على إضمار " ألسن " كقوله عز وجل: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا} [الأحزاب: 47].
والثاني: أن المعنى: وآتنا ما جعلت على رسلك من الاستغفار للمؤمنين؛ كقوله: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} [محمد: 19]، وكقول إبراهيم عليه السلام:{رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم: 41]، وكقول نوح عليه السلام:{رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا} [نوح: 28](1).
والثالث: أن معناه: على الإيمان برسلك (2).
والأول أظهر، وعليه أكثر المفسرين (3). والله أعلم.
وإن قيل: فقد علموا أن الله تعالى منجز وعده، فما معنى هذا الدعاء والطلب؟
قيل في ذلك أربعة أجوبة (4):
أحدها: أن المقصود به، مع العلم بإنجاز وعده، الخضوع له بالدعاء والطلب.
قال الماتريدي: " أن السؤال عما على الله عز وجل أن يعطي - يخرج مخرج الدعاء له ربنا لا تجر ولا تظلم، إن هذا لا يقال إلا لمن يخاف الجور منه والظلم؛ إذ يعلم أن ذلك عليه، والسؤال عما قد أعطى محال؛ لأنه يخرج مخرج كتمان ما أعطى، أو ليس عنده ما يعطيهم؛ فيخرج مخرج السخرية به؛ لذلك بطل السؤال"(5).
والثاني: أن ذلك يدعو إلى التمسك بالعمل الصالح.
والثالث: معناه أجعلنا ممن وعدته ثوابك.
والرابع: يعني عّجل إلينا إنجاز وعدك وتقديم نصرك.
والذي هو أولى الأقوال بالصواب، هو القول الأخير، أي:"أن هذه الصفة، صفة من هاجر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من وطنه وداره، مفارقًا لأهل الشرك بالله إلى الله ورسوله، وغيرهم من تُبّاع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين رغبوا إلى الله في تعجيل نصرتهم على أعداء الله وأعدائهم، فقالوا: ربنا آتنا ما وعدتنا من نُصرتك عليهم عاجلا فإنك لا تخلف الميعاد، ولكن لا صبر لنا على أناتك وحلمك عنهم، فعجل لهم خزيهم، ولنا الظفر عليهم، يدل على صحة ذلك آخر الآية الأخرى، وهو قوله: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا} الآيات بعدها"(6).
وقرأ الأعمش: {رسلك} ، بالتخفيف (7).
قوله تعالى: {وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 194]، أي: و"لا تفضحنا يوم القيامة"(8).
قال مقاتل: " يعني ولا تعذبنا يوم القيامة"(9).
قال الطبري: أي: " ولا تخزنا يوم القيامة فتفضحنا بذنوبنا التي سلفت منا، ولكن كفِّرها عنا واغفرها لنا"(10).
قال السمرقندي: " يعني لا تعذبنا، ويقال: لا تخذلنا"(11).
(1) انظر: تفسير الماتريدي: 2/ 563.
(2)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 186.
(3)
انظر: مثلا تفسير الطبري: : 7/ 485، وتفسير ابن أبي زمنين: 1/ 341، والهداية إلى بلوغ النهاية: 2/ 1205، والوجيز: 1/ 435.
(4)
انظر: تفسير الطبري: ، والنكت والعيون: 1/ 443.
(5)
تفسير الماتريدي: 2/ 564.
(6)
تفسير الطبري: 7/ 484 - 485.
(7)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 223.
(8)
أخرجه ابن المنذر عن ابن عباس (1274): ص 2/ 537.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 322.
(10)
تفسير الطبري: 7/ 485.
(11)
تفسير السمرقندي: 1/ 274.
قال الثعلبي: أي: " لا تعذبنا ولا تهلكنا ولا تفضحنا ولا تهنا يوم القيامة"(1).
قال الزجاج: " أي: قد صدقنا يوم القيابة فلا تخزنا، والمخزى في اللغة المذل المحقور بأمر قد لزمه بحجة، وكذلك أخزيته. أي ألزمته حجة أذللته معها"(2).
قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 194]، أي:" فشأنك ألا تخلف الميعاد"(3).
قال ابن عباس: " أي: مَنْ وحّدك، وصدّق بنبيك، لا تخزه"(4).
وفي رواية أخرى عن ابن عباس أيضا: " ميعاد من قال: لا إله إلا الله"(5).
قال الطبري: أي: " فإنا قد علمنا أنك لا تخلف ميعادك"(6).
قال الزجاج: " أي قد وعدت من آمن بك ووحدك الجنة"(7).
قال ابن كثير: "أي: لا بد من الميعاد الذي أخبرتَ عنه رسُلَك، وهو القيام يوم القيامة بين يديك"(8).
قال ابن عثيمين: "يعني: سألناك يا ربنا أن تعطينا هذا، لأنك لاتخلف الميعاد"(9).
قال الثعلبي: " لفظه الدعاء، ومعناه الخبر تقديره: واغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار، ولا تخزنا، وتؤتينا ما وعدتنا على ألسن رسلك من الفضل والرحمة والثواب والنعمة"(10).
قال مكي: " أي: أنك قد وعدت من آمن بك ووحدك: الجنة في الآخرة والنصر في الدنيا على أعدائك"(11).
وقال السمعاني: " وهو على سبيل المدح له؛ لأنا على القطع نعلم أنك لا تخلف الميعاد"(12).
وقال الراغب: " إن قيل: ما فائدة استنجاز وعده مع العلم بأنه لا يخلف؟
قيل: إن وعده تعالى عباده على طريق الجملة، نحو قوله تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29]، وليس هذا السؤال خوفا من إخلاف وعده، ولكن سؤالا أن يرشحه لأن يكون من جملة من دخل في الوعد، ولهذا قال:{إنك لا تخلف الميعاد} تنبيها أني لست أخشى خلف وعدك، لكني أخشى أن لا أكون من جملة الموعودين.
وقد قيل ذلك هو على جهة العبادة، وقد تقدم أن ليس القصد التفوه بذلك، بل فعل ما يقتضيه" (13).
وفي السياق نفسه قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف دعوا الله بإنجاز ما وعد والله لا يخلف الميعاد؟
قلت: معناه طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد أو هو باب من اللجأ إلى الله والخضوع له، كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يستغفرون مع علمهم أنهم مغفور لهم، يقصدون بذلك لتذلل لربهم والتضرع إليه، واللجأ الذي هو سيما العبودية" (14).
عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجز وعده، ومن أوعد على عمل عقابا فهو فيه بالخيار"(15).
(1) تفسير الثعلبي: 3/ 233.
(2)
معاني القرآن: 1/ 500.
(3)
المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة من علماء الازهر: 103 ..
(4)
أخرجه ابن المنذر (1274): ص 2/ 537.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4667): ص 3/ 844.
(6)
تفسير الطبري: 7/ 485.
(7)
معاني القرآن: 1/ 500.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 187.
(9)
تفسير ابن عثيمين: 565.
(10)
تفسير الثعلبي: 3/ 233 - 234.
(11)
الهداية إلى بلوغ النهاية: 2/ 1205.
(12)
تفسير السمعاني: 1/ 389.
(13)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1051 - 1052.
(14)
الكشاف: 1/ 455 - 456.
(15)
انظر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة: 91، ومسند أبي يعلى: 9/ 66، وتفسير الثعلبي: 3/ 234.
ونقل الثعلبي عن الأصمعي قال: "سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: سألني عمرو بن عبيد: أيخلف الله وعده؟ قلت: لا. قال: فيخلف الله وعيده؟ قلت: نعم. قال: ولم؟ قلت: لأن في خلفه الوعد علامة ندم وفي خلفه الوعيد إظهار الكرم، ثم أنشأ يقول (1):
ولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي
…
ولا أختبي من خشية المتهدد
إني وإن أوعدته أو وعدته
…
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي" (2)
قال الزمخشري: " وهذا تعليم من الله كيف يدعى وكيف يبتهل إليه ويتضرع. وتكرير {ربنا} من باب الابتهال، وإعلام بما يوجب حسن الإجابة وحسن الإثابة، من احتمال المشاق في دين الله، والصبر على صعوبة تكاليفه، وقطع لأطماع الكسالى المتمنين عليه "(3).
وروى عن جعفر الصادق رضى الله عنه: "من حزبه أمر فقال خمس مرات (ربنا) أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد، وقرأ هذه الآية"(4).
الفوائد:
1 -
أنه ينبغي للداعي أن يكثر من الثناء على الله تعالى بأسمائه وصفاته، لأن هذا من وسائل إجابة الدعاء.
2 -
كمال إيمان هؤلاء بوعد الله، لقوله:{وآتنا ما وعدتنا} ، إذ لو كان عندهم شك ما سألوا هذا السؤال.
3 -
أن الرسل هم الواسطة بين الله وبين خلقه، لقوله:{على رسلك} .
4 -
إثبات أن الخلق لهم أكثر من رسول، لقوله:{على رسلك} ، لأن "رسل" جمع "رسول"، وهذا أمر معلوم باليقين القطعي، فالقرآن كله مملوء بقصص الأنبياء.
5 -
أن هؤلاء الابرار يؤمنون بيوم القيامة وبما يلحق الناس به من الذل والخزي، لقوله:{ولاتخزنا يوم القيامة} .
6 -
أن الخوف من عذاب الله لاينافي البر، لقولهم:{ولا تخزنا يوم القيامة} ، بل إن الخوف من عذاب الله يزيد البر، لأنه يزيد تصديقا بما أخبر الله به.
7 -
كمال صدق الله وقدرته، فالله لايخلف الميعاد أبدا، أما قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48]، فإن عفوه عمن استحق العقاب لايعد إخلافا للوعد لأنه قادر، ولكنه كمال فوق كمال، إذ إن العفو عن الانتقام مع القدرة كمال، قال تعالى:{إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} [النساء: 149].
القرآن
التفسير:
فأجاب الله دعاءهم بأنه لا يضيع جهد مَن عمل منهم عملا صالحًا ذكرًا كان أو أنثى، وهم في أُخُوَّة الدين وقَبول الأعمال والجزاء عليها سواء، فالذين هاجروا رغبةً في رضا الله تعالى، وأُخرجوا من ديارهم، وأوذوا في طاعة ربهم وعبادتهم إيّاه، وقاتلوا وقُتِلوا في سبيل الله لإعلاء كلمته، ليسترنَّ الله عليهم ما ارتكبوه من المعاصي، كما سترها عليهم في الدنيا، فلا يحاسبهم عليها، وليدخلنَّهم جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار جزاء من عند الله، والله عنده حسن الثواب.
في سبب نزول الآية:
(1) الشعر لعامر بن الطفيل العامري - كما في تاج اللغة، مادة"ختأ": ص 1/ 46، وفيه:" ولا أختتي من قوله المتهدد"، واللسان، مادة"خبأ": ص 14/ 223، وفيه: " وَلَا يَخْتَتِي ابنُ العَمِّ، مَا عِشْتُ، صَوْلَتي،
…
وَلَا أَخْتَتِي مِنْ صَوْلَةِ المُتَهَدِّدِ، وتاج العروس، مادة" ختو": ص 27/ 535، وفيه:" يَخْتَتِي ابنُ العَمِّ مَا عِشْتُ صَوْلَتي".
(2)
تفسير الثعلبي: 3/ 234.
(3)
الكشاف: 1/ 457.
(4)
الكشاف: 1/ 457.
أخرج الترمذي (1)، والحاكم (2)، وعبدالرزاق (3)، والطبري (4)، والواحدي (5)، من طريق عمرو بن دينار عن أبي عمر بن أبي سلمة -رجل من ولد أم سلمة- قال:"قالت أم سلمة: يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنزل الله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} ".
وفي السياق نفسه أخرج ابن المنذر عن سفيان، قال:" قالت امرأة، أو نسوة: هاجرنا، ولا تذكر الهجرة والجهاد إلا فيكم؟ فأنزل الله جل ثناؤه: {أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض}، قال سفيان: وفيه يهلك الخوارج"(6).
وظاهر الرواية هنا أن الاستجابة كانت لقول أم سلمة -أو تلك المرأة في رواية ابن المنذر-، والظاهر أن قول أم سلمة لم يكن سببا مباشرا، وأن الله عز وجل استجاب لها في هذا الفصل القرآني العظيم حين اقتضت حكمته نزوله على نبيه. لأن السياق القرآني يدل على أن الاستجابة في قوله تعالى:{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} كانت لدعاء "أولي الألباب" السابق ذكرهم في الآيات، والله أعلم (7).
قوله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} [آل عمران: 195]، "أي: فأجاب الله دعاءهم بقوله إِني لا أُبطل عمل من عمل خيراً ذكراً كان العامل أو أُنثى " (8).
قال الثعلبي: أي: " لا أضيع لا أحبط ولا أبطل عمل عامل منكم أيها المؤمنون من ذكر أو أنثى"(9).
قال ابن كثير: " معنى الآية: أن المؤمنين ذوي الألباب لما سألوا - مما تقدم ذكره - فاستجاب لهم ربهم - عقب ذلك بفاء التعقيب، كما قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]، وقوله: {أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} هذا تفسير للإجابة، أي قال لهم مُجِيبًا لهم: أنه لا يضيع عمل عامل لديه، بل يُوَفّي كل عامل بقسط عمله، من ذكر أو أنثى"(10).
قال ابن عباس: " قال: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ}، قال: أهل لا إله إلا الله، أهل التوحيد، والإخلاص، لا أخزيهم يوم القيامة "(11).
قال الماتريدي: " هذا يدل أن الوعد لهم كان مقرونا بشرط السؤال؛ لأنه قال: {فاستجاب لهم} ، والاستجابة تكون على أثر السؤال؛ كقوله عز وجل: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ
…
} [البقرة: 186] الآية" (12).
قال أبو عبيدة: " {فَاسْتَجابَ لَهُمْ} ، أي: أجابهم، وتقول العرب: استجبتك، فى معنى استجبت لك، قال الغنوىّ (13):
وَدَاعٍ دَعَا: يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النَّدَى
…
فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ" (14)
أي: فلم يجبه.
وفي قوله تعالى: {أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ} [عمران: 195]، وجوه:
(1) في "جامعه""5/ 221""3023". .
(2)
في "المستدرك""2/ 300" وقال: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي ..
(3)
انظر: تفسير عبدالرزاق (498): ص 1/ 431، وفيها:"سمعت رجلا ، من ولد أم سلمة".
(4)
انظر: تفسير الطبري (8368): ص 7/ 487.
(5)
أسباب النزول: 139.
(6)
تفسير ابن المنذر (1278): ص 2/ 539.
(7)
وسيأتي قول أم سلمة في سبب نزول الآية (32)، من سورة النساء فانظره.
(8)
صفوة التفاسير: 231.
(9)
تفسير الثعلبي: 3/ 235.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 190 - 191.
(11)
أخرجه ابن المنذر (1274): ص 2/ 537.
(12)
تفسير الماتريدي: 2/ 564 - 565.
(13)
الشعر له في: الأصمعيات: 14، وأمالي القالي 2: 151، وهي من حسان قصائد الرثاء.
(14)
مجاز القرآن: 1/ 112.
أحدها: أنّ المعنى: من الخلق كلهم، إذ أن حكم جميع الخلق في الثواب واحد، فيما أفعل بكم؛ من مجازاتكم على أعمالكم، وترك تضييعها لكم. يستوي في ذلك ذكرانكم وإناثكم (1).
إذ جعل لكل جزاء أعمال الكفرة في الدنيا؛ كقوله تعالى: {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ} [هود: 15]، وأما المؤمنون: في الدنيا والآخرة، وأما الكفار فإنما يعطيهم ابتداء ليس بجزاء، وقوله عز وجل:{نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ} [هود: 15]، أي: نردها عليهم، وهم لا يبخسون أرزاقهم (2).
والثاني: وقيل: قوله: {منكم} ، إشارة إلى المؤمنين خاصة؛ أي: رجالكم بشكل نسائكم في الطاعة ونساؤكم بشكل رجالكم في الطاعة، نظيرخا قوله- عز وجل:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71]. وهذا قول الضحاك (3).
والثالث: أنه: " يعني من الدين والنصرة والموالاة. وهذا معنى قول ابن عباس (4)، والحسن (5)، وقتادة (6)، والكلبي (7)، واختيار الطبري (8).
والرابع: وقيل: كلكم من آدم وحواء (9).
عن أبي بكر الهذلي: "قال عطاء: ما من عبد يقول: يا رب، يا رب، يا رب ثلاث مرات إلا نظر الله إليه، فذكرت ذلك للحسن فقال: أما تقرأون القرآن: {ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان إلى قوله: فاستجاب لهم ربهم} "(10).
قال الزجاج: " وإن قرئت (إني لا أضيع عمل عامل منكم). جائز بكسر (إن) ويكون المعنى قال لهم ربهم: إني لا أضيع عمل عامل منكم"(11).
قوله تعالى: {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران: 195]، " أي: الإناث من الذكور، والذكور من الإناث" (12).
قال ابن كثير: "أي: جميعكم في ثوابي سَواء"(13).
قال الصابوني: "أي: الذكر من الأنثى، والأنثى من الذكر، فإِذا كنتم مشتركين في الأصل فكذلك أنتم مشتركون في الأجر"(14).
قال الراغب: " إن قيل: ما معنى قوله: (بعضكم من بعض) في هذا الموضع؟
قيل: تنبيها أن الأنوثية والذكورية لا تقتضي اختلاف الحكم في هذا الباب، وإنما الاعتبار بالأعمال والنيات، فمن قصد فيما يتحراه وجه الله فله بقدره ثواب، ثم بين أن للذين هاجروا فضل رتبة، كما قال:{وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) {دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً} [النساء: 95 - 96] " (15).
قوله تعالى: {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} [آل عمران: 195]، أي:"فالذين هجروا أوطانهم فارين بدينهم، وألجأهم المشركون إِلى الخروج من الديار"(16).
(1) انظر: التفسير البسيط: 6/ 264.
(2)
انظر: تفسير الماتريدي: 2/ 565.
(3)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 235.
(4)
انظر: زاد المسير: 1/ 275.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (3416)، و (3417): ص 2/ 635.
(6)
انظر: تفسير الطبري (6855): ص 6/ 328.
(7)
انظر: بحر العلوم: 1/ 324، وتفسير الثعلبي: 3/ 235.
(8)
. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 216، النكت والعيون: 1/ 386، وزاد المسير: 1/ 275.
(9)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 235.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (4668): ص 3/ 844.
(11)
معاني القرآن: 1/ 500.
(12)
النكت والعيون: 1/ 443.
(13)
تفسير ابن كثير: 2/ 191.
(14)
صفوة التفاسير: 231.
(15)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1055.
(16)
صفوة التفاسير: 231.
قال ابن كثير: " أي: تركوا دار الشِّرك وأتَوا إلى دار الإيمان وفارقوا الأحباب والخلان والإخوان والجيران، [إذ] ضايقهم المشركون بالأذى حتى ألجؤوهم إلى الخروج من بين أظهرهم"(1).
قال الزمخشري: " {فالذين هاجروا}، تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم له والتفخيم، كأنه قال: فالذين عملوا هذه الأعمال السنية الفائقة، وهي المهاجرة عن أوطانهم فارين إلى الله بدينهم من دار الفتنة، واضطروا إلى الخروج من ديارهم التي ولدوا فيها ونشوا بما سامهم المشركون من الخسف"(2).
قال الراغب: " ولم يعن بالمهاجرة والإخراج من الديار ما كان من الكفار فقط، بل عناه ومن هاجر الأفعال القبيحة، والأخلاق الكريهة، وقاتل نفسه حتى قهرها"(3).
قوله تعالى: {وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي} [آل عمران: 195]، "أي: وتحمّلوا الأذى من أجل دين الله" (4).
قال مقاتل: " يعني في سبيل دين الإسلام"(5).
قال الماتريدي: " أي: في طاعتي"(6).
قال الثعلبي: " أي في طاعتي، وهم المهاجرون الذين أخرجهم المشركون من مكة وآذوهم"(7).
قال الزمخشري: أي: " من أجله وبسببه، يريد سبيل الدين"(8).
قال ابن كثير: " أي: إنما كان ذنْبُهم إلى الناس أنهم آمنوا بالله وحده، كما قال تعالى: {يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ} [الممتحنة: 1]. وقال تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [البروج: 8] "(9).
قوله تعالى: {وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا} [آل عمران: 195]، "أي: وقاتلوا أعدائي وقتلوا في سبيلي" (10).
قال الزمخشري: أي: " وغزوا المشركين واستشهدوا"(11).
قال ابن كثير: " وهذا أعلى المقامات أن يقاتل في سبيل الله، فيُعْقَر جَواده، ويعفَّر وجهه بدمه وترابه، وقد ثبت في الصحيح أن رجلا قال: «يا رسول الله، أرأيت إن قُتلت في سبيل الله صابرا مُحْتَسبا مُقْبلا غير مُدبِر، أيُكَفِّر الله عني خطاياي؟ قال: "نعم" ثم قال: "كيف قلت؟ ": فأعاد عليه ما قال، فقال: "نعم، إلا الدَّين، قاله لي جبريل آنفًا» (12) " (13).
قرأ ابن كثير وابن عامر {وقاتلوا وقتلوا} مشددة التاء، وقرأ نافع وعاصم وأبو عمرو:{وقتلوا وقتلوا} ، خفيفة، في حين قرأ حمزة والكسائي:{وقتلوا وقتلوا} ، يبدآن بالفعل المبني للمفعول به قبل الفعل المبني للفاعل، وكذلك اختلافهم في سورة التوبة إذ قرآ {فيقتلون ويقتلون} [التوبة: 111]، غير أن ابن عامر وابن كثير لم يشددا في التوبة (14).
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 191.
(2)
الكشاف: 1/ 456.
(3)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1055 - 1056.
(4)
صفوة التفاسير: 231.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 322.
(6)
تفسير الماتريدي: 2/ 565.
(7)
تفسير الثعلبي: 3/ 235.
(8)
الكشاف: 1/ 456 - 457.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 191.
(10)
صفوة التفاسير: 231.
(11)
الكشاف: 1/ 457.
(12)
أخرج نحوه مالك في"الموطأ" 285، و"الحميدي" 425، و"ابن أبي شيبة:(12020): ص 3/ 372 و (19383): ص 5/ 310، وأحمد (22909): ص 5/ 297 و (23002): ص 5/ 308، و (22955): ص 5/ 303، وعبد بن حميد: 192، والدارمي: 2412، ومسلم (4914): ص 6/ 37، و (4915)، و (4916): ص 6/ 38، والترمذي (1712)، والنسائي: 6/ 34، وفي الكبرى (4349)، وابن حبان (4654).
(13)
تفسير ابن كثير: 2/ 191.
(14)
انظر: السبعة: 221 - 222.
قال الواحدي: " أحسن وجوه القراءة: تقديم {قاتلوا} على {قتلوا}، لأن القتال قبل القتل"(1).
قوله تعالى: {لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} [آل عمران: 195]، " أي: لأمحونّ عنهم ذنوبهم" (2).
قال مقاتل: " لأمحون عنهم سيئاتهم يعني خطاياهم"(3).
قال أبو عبيدة: " أي: لأذهبن عنهم، أي: لأمحونها عنهم "(4).
قال الصابوني: أي: " لأمحونَّ ذنوبهم بمغفرتي ورحمتي"(5).
قال بعض الصوفية: عنى بتكفير سيئاتهم إزالة درنهم عنهم في الدنيا، وهذا المعنى هو المراد بقوله:{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33] " (6).
قال الراغب: " والظاهر من قوله: {لأكفرن عنهم سيئاتهم}، أن ذلك حكم الآخرة، وعليه أهل الأثر"(7).
قوله تعالى: {وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [آل عمران: 195]، أي:" ولأدخلنّهم جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار"(8).
قال مقاتل: " يعني بجنات البساتين، ذلك الذي ذكر كان ثوابا من عند الله"(9).
قال السمرقندي: " يعني من تحت قصورها وأشجارها الأنهار"(10).
قال ابن كثير: " أي: تجري في خلالها الأنهار من أنواع المشارب، من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن وغير ذلك، مما لا عَيْنَ رَأتْ، ولا أذن سَمِعت، ولا خَطَر على قلب بَشَر"(11).
قوله تعالى: {ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آل عمران: 195]، أي:" جزاءً من عند الله على أعمالهم الصالحة"(12).
قال الطبري: أي: " جزاء من قبل الله لهم، على ما عملوا وأبلوا في الله وفي سبيله"(13).
قال السمرقندي: " يعني أن الجنات جزاء لأعمالهم من عند الله"(14).
قال ابن كثير: " وقوله: {ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} أضافه إليه ونسبه إليه لِيدل على أنه عظيم؛ لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جَزيلا كثيرًا، كما قال الشاعر (15):
إن يُعَذب يَكُن غَرامًا وإن يُعْ
…
طِ جَزيلا فإنَّه لا يُبَالي" (16)
قال الزمخشري: " و «عنده» مثل: أن يختص به وبقدرته وفضله، لا يثيبه غيره ولا يقدر عليه، كما يقول الرجل: عندي ما تريد، يريد اختصاصه به وبملكه وإن لم يكن بحضرته"(17).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران: 195]، أي:"وعند الله حسن الجزاء"(18).
قال مقاتل: " يعني الجنة"(19).
(1) التفسير البسيط: 6/ 264، وانظر:"السبعة" 221، و"القراءات" للأزهري 1/ 135، و"الحجة" للفارسي 3/ 117، و"الكشف" لمكي 1/ 373، و"التيسير" للداني 93.
(2)
تفسير السمرقندي: 1/ 275.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 322.
(4)
أخرجه ابن المنذر (1279): ص 2/ 539.
(5)
صفوة التفاسير: 231.
(6)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1056.
(7)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1056.
(8)
التفسير الميسر: 76.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 322.
(10)
تفسير السمرقندي: 1/ 275.
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 191.
(12)
صفوة التفاسير: 231.
(13)
تفسير الطبري: 7/ 490.
(14)
تفسير السمرقندي: 1/ 275.
(15)
الرواية المشهورة: «إن يعاقب» . والبيت للأعشى في ديوانه: ص 59، ولسان العرب مادة"غرم"، ومقاييس اللغة: 4/ 419، وتاج العروسـ مادة"غرم". والغرام: هو اللازم من العذاب والبلاء. وقال الزجاج: هو أشد العذاب في اللغة.
(16)
تفسير ابن كثير: 2/ 192.
(17)
الكشاف: 1/ 457.
(18)
صفوة التفاسير: 231.
(19)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 322.
قال الطبري: أي: " أن الله عنده من جزاء أعمالهم جميع صنوفه وذلك ما لا يبلغه وصف واصفٍ، لأنه مما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَر على قلب بشر"(1).
قال السمرقندي: " أي حسن الجزاء وهو الجنة. ويقال: حسن المرجع في الآخرة خير من الدنيا"(2).
قال ابن كثير: " أي: عنده حُسْن الجزاء لمن عمل صالحا"(3).
قال الراغب: " إن قيل: ما وجه قوله: {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} ، بعد قوله:{ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} على القول الأول؟
قيل: يحتمل ذلك وجهين:
أحدهما: أنه بين بقوله: {ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} أن ما ذكره ثواب لهم، ثم أخبر أن هذا الثواب لا يوجد إلا عنده، فيكون قوله (أحسن، الثواب) إشارة إلى المذكور قبله.
والثاني: أن يكؤن حسن الثواب غير المذكور أولا، فنبه أن ما ذكرت أولا هو الذي عرفتكم، وعند الله حسن الثواب، الذي لم يعرفكموه لعجزكم عن الوقوف عليه إشارة إلى المذكور في
قوله: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17]، وفي قوله:{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] " (4).
عن حريز بن عثمان، أن شداد بن أوس كان يقول:"يا أيها الناس لا تتهموا الله في قضائه، فإن الله لا يبغي على مؤمن فإذا نزل بأحدكم شيء مما يحب فليحمد الله، وإذا نزل به شيء يكره فليصبر وليحتسب فإن الله عنده حسن الثواب"(5).
قال عباد بن منصور: "سألت الحسن عن قوله: {فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار}، قال: هم المهاجرون أخرجوا من كل وجه"(6).
قال عبد الله بن عمرو بن العاص: "لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول ثلة تدخل الجنة لفقراء المهاجرين الذين تُتَّقَى بهم المكاره، إذا أمروا سمعوا وأطاعوا، وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى السلطان، لم تقض حتى يموت وهي في صدره، وأن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وقتلوا، وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي؟ ادخلوا الجنة، فيدخلونها بغير عذاب ولا حساب، وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا نحن نسبح لك الليل والنهار، ونقدس لك، مَنْ هؤلاء الذين آثرتهم علينا فيقول الرب جل ثناؤه: هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي. فتدخل الملائكة عليهم من كل باب: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}» [سورة الرعد: 24] "(7).
الفوائد:
1 -
بيان فضل الله عز وجل بإجابة هؤلاء الذين دعوا بما سبق، لقوله:{فاستجاب لهم ربهم} .
2 -
أن التكرار من أسباب الإجابة، والدعاء باسم الربوبية أقرب إلى الإجابة، لأن أكثر الأدعية الواردة في القرآن جاءت باسم الربوبية.
3 -
عناية الله عز وجل بهؤلاء الأبرار، لأن هذه الربوبية هي ربوبية خاصة.
4 -
أن الله يعطي الأجر كاملا، وهذا النفي يتضمن إثباتا، فإذا كان لايضيع عمل عامل فمقتضاه أنه يعطي العامل كل ما عمل، أي أجر كل ما عمل.
(1) تفسير الطبري: 7/ 490 - 491.
(2)
تفسير السمرقندي: 1/ 275.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 192.
(4)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1057 - 1058.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4671): ص 3/ 844.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (4670): ص 3/ 844.
(7)
أخرجه الطبري (8370): ص 7/ 491.
5 -
استواء الذكر والأنثى في الجزاء على الحسنات وإجابة الدعوات، فهما يشتركان في ثواب الأعمال الصالحة.
6 -
فضيلة الهجرة في قوله: {فالذين هاجروا} ، وقد قال العلماء أن الهجرة على أقسام:
القسم الأول: هجر ما حرّم الله، فإن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه. وهو واجب على كل إنسان.
القسم الثاني: الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، كما فعل المهاجرون من مكة إلى المدينة، وهذه هي التي يكون فيها المدح الذي جاء في القرآن.
ويقول أهل العلم: بأن الإنسان إن كان عاجزا عن إظهار دينه كإقامة الصلوات جماعة مثلا، فإنه وجبت عليه الهجرة، ولو كان من أهل البلد أصلا، وإن كان الإنسان قادرا على إظهار دينه فالهجرة أكمل وأحسن خوفا من الفتنة.
القسم الثالث: الهجرة من بلد الفسق إلى بلد الإستقامة، فإن بعض البلاد تكون بلادا إسلامية تقام فيها الشعائر الإسلامية، وينادى بالآذان، وتقام الجماعات، وتقام الجُمُعات، فهي بلاد إسلامية، ولكنها بلاد فسق من جهة أخرى لكثرة المعاصي والفواحش وغيرها في هذا البلد، فيهاجر الإنسان منها إلى بلد الإستقامة. وهذا النوع فيه تفصيل أيضا: فإن كان يخشى على نفسه من الفتنة وجبت عليه الهجرة، وإن كان لايخشى ذلك لم تجب عليه الهجرة، وربما يكون بقاؤه أحسن في هذه البلاد إذا كان يدعو إلى الله.
7 -
الإخراج من الديار سبب لتكفير السيئات، وأن الإيذاء في سبيل الله يزداد الإنسان فيه أجرا، فينبغي على الإنسان أن يصبر على الإيذاء في سبيل الله مادام ينتظر الأجر به.
8 -
فضيلة القتال في سبيل الله.
9 -
فضيلة القتل في سبيل الله وذلك أن القتل في سبيل الله من الشهادة.
10 -
أن الأعمال الصالحة تكفّر بها السيئات.
11 -
أن الله سبحانه وتعالى ضمن ضمانا مؤكدا لهؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات الخمس، ضمن لهم: تكفير السيئات وإدخالهم الجنات، فقال عزّ شأنه:{وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} .
12 -
التشويق إلى الجنة، ليزداد الإنسان قوة في العمل لها، لقوله:{وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} ، والجنات في الأصل: البساتين الكثيرة الكثيرة الأشجار تجن من فيها، أي تستره وتغطيه، فيستفاد منها التشويق إلى هذا الثواب العظيم.
13 -
أن في الجنة قصورا، لقوله:{مِنْ تَحْتِهَا} ، والتحت لا يكون إلا في مقابل الفوق العالي، وهو كذلك.
14 -
أن الجنة فيها عدة أنهار، وهي مجملة هنا، مفصلة في سورة "محمد" على أنها أربعة أنهار فقال تعالى:{مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} [محمد: 15].
15 -
أن هذا الجزاء مثوبة لهم من الله عز وجل، فلله تعالى فيه المنّة عليهم، وليس لهم المنة على الله بشيء من عملهم، لقوله تعالى:{ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} ، فهو سبحانه بفضله جعل الثواب لهم.
16 -
الإشارة إلى عظم هذا الثواب، من قوله:{مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} ، وذلك لأنه العظية تعظم بحسب معطيها، والهبة تعظم بحسب واهبها.
17 -
أنه لا يتلقى حسن الثواب إلا من الله، وهو ثواب عظيم وأحسن مثوبة يثاب بها الإنسان، لقوله:{وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} ، أي: من عند الله وحده، فلا تذهب تتلقى الثواب إلا من عنده، لأنه مهما آتاك الخلق من ثواب، فإنه لن يكون مثل ثواب الله عز وجل.
القرآن
{لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196)} [آل عمران: 196]
التفسير:
لا تغتر -أيها الرسول- بما عليه أهل الكفر بالله من بسطة في العيش، وسَعَة في الرزق، وانتقالهم من مكان إلى مكان للتجارات وطلب الأرباح والأموال، فعمَّا قليل يزول هذا كلُّه عنهم، ويصبحون مرتهنين بأعمالهم السيئة.
في سبب نزول هذه الآية والتي بعدها قولان:
أحدهما: قال مقاتل، والثعلبي (1):" نزلت في مشركي العرب وذلك أن كفار مكة كانوا في رخاء ولين عيش حسن فقال بعض المؤمنين: أعداء الله فيما ترون من الخير وقد أهلكنا الجهد. فأخبر الله- عز وجل بمنزلة الكفار في الآخرة، وبمنزلة المؤمنين في الآخرة، فقال- سبحانه-: {لا يغرنك} "(2).
وفي السياق نفسه قال الزجاج: " يروى أن قوما من الكفار كانوا يتجرون ويربحون في أسفار كانوا يسافرونها، فأعلم الله عز وجل أن ذلك مما لا ينبغي أن يغبطوا به، لأن مصيرهم بكفرهم إلى النار ولا خير بخير بعده النار"(3).
والثاني: وقال الفراء: "كانت اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال، فقال الله عز وجل:
لا يغرنك ذلك" (4).
قوله تعالى: {لَا يَغُرَّنَّكَ} [آل عمران: 196]، "أي: لا يخدعنّك أيها السامع" (5).
قال الحسن: " قال: لا تغتر بأهل الدنيا يا محمد"(6).
قال مقاتل: " لا يغرنك يا محمد- صلى الله عليه وسلم"(7).
قال السمرقندي: " لا يحزنك يا محمد"(8).
قال الزجاج: " خطاب للنبى صلى الله عليه وسلم وخطاب للخلق في هذا الموضع، المعنى لا يغرنكم أيها المؤمنون"(9).
قال الطبري: أي: " ولا يغرنك يا محمد، وخرج الخطاب بذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنيُّ به غيره من أتباعه وأصحابه، كما قد بينا فيما مضى قبل من أمر الله ولكن كان بأمر الله صادعًا، وإلى الحق داعيًا"(10).
وإن قيل: لا يجوز عليه-صلى الله عليه وسلم الاغترار، فكيف خوطب بهذا، فعنه جوابان (11):
أحدهما: أن الله عز وجل إنما قال له ذلك تأديباً وتحذيراً.
والثاني: أنه خطاب لكل من سمعه، فكأنه قال: لا يغرنك أيها السامع تقلب الذين كفروا في البلاد.
قال الثعلبي: " والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره، لأنه لم يغير لذلك"(12).
قال البيضاوي: " والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، أو تثبيته على ما كان عليه كقوله فلا تطع المكذبين أو لكل أحد، والنهي في المعنى للمخاطب"(13).
قال أبو السعود: " بيان لقبح ما أوتي الكفرة من حظوظ الدنيا وكشف عن حقارة شأنها وسوء مغبتها إثر بيان حسن ما أوتي المؤمنون من الثواب، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم على أن المراد تثبيته على ما هو عليه
(1) انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 236.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 323.
(3)
معاني القرآن: 1/ 500 - 501.
(4)
معاني القرآن: 1/ 251.
(5)
صفوة التفاسير: 231.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (4672): ص 3/ 845.
(7)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 323.
(8)
تفسير السمرقندي: 1/ 275.
(9)
معاني القرآن: 1/ 500.
(10)
تفسير الطبري: 7/ 493.
(11)
انظر: النكت والعيون: 1/ 444 ..
(12)
تفسير الثعلبي: 3/ 236.
(13)
تفسير البيضاوي: 2/ 56.
كقوله تعالى {فلا تطع المكذبين} ، أو على أن المراد نهي المؤمنين كما يوجه الخطاب إلى مداره القوم ورؤسائهم والمراد أفناؤهم، أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب من المؤمنين والنهي للمخاطب" (1).
قال الراغب: " أصل الغر: الطي الذي ينكسر عليه المطوي، فجعل عبارة عمن انطوى على اعتقاد يمنع عن رفع بصيرته، ولذلك سمي الاعتماد طوية، ونحو الغر الاستدراج تشبيها بالمدرج، ومن هذا قال: {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} [هود: 5] "(2).
وقرأ يعقوب: {يغرنك} ، وأخواتها ساكنة النون (3).
قوله تعالى: {تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ} [آل عمران: 196]، أي:" تنقل الذين كفروا في البلاد طلباً لكسب الأموال والجاه والرتب"(4).
قال السدي: " يقول: ضربهم في البلاد"(5).
قال مقاتل: أي: " ما فيه الكفار من الخير والسعة"(6).
قال عكرمة: أي: " تقلب ليلهم ونهارهم، وما يجري عليهم من النعم"(7).
قال السمرقندي: أي: " ذهابهم ومجيئهم في تجاراتهم ومكاسبهم في الأرض"(8).
قال السمعاني: " يعني: على مرادهم"(9).
قال الطبري: " يعني: تصرفهم في الأرض وضربهم فيها، فنهى الله تعالى ذكره نبيّه صلى الله عليه وسلم عن الاغترار بضربهم في البلاد، وإمهال الله إياهم، مع شركهم، وجحودهم نعمه، وعبادتهم غيره"(10).
قال ابن كثير: أي: " لا تنظروا إلى ما هؤلاء الكفار مُتْرفون فيه، من النِّعْمَة والغِبْطَة والسرور"(11).
وفي تقلبهم قولان (12):
أحدهما: يعني تقلبهم في نعيم البلاد، وذلك نعمة من الله عليهم؛ لتركهم يتجرون في البلدان مع كفرهم بربهم، أو أعطاهم أموالا يتنعمون فيها ويتلذذون.
والثاني: تقلبهم غير مأخوذين بذنوبهم، لما أخّر عنهم العذاب والهلاك إلى وقت.
قال البيضاوي: " وإنما جعل للتقلب تنزيلا للسبب منزلة المسبب للمبالغة، والمعنى لا تنظر إلى ما الكفرة عليه من السعة والحظ، ولا تغتر بظاهر ما ترى من تبسطهم في مكاسبهم ومتاجرهم ومزارعهم"(13).
قال أبو السعود: أي: " وإنما جعل للتقلب مبالغة أي لا تنظر إلى ما عليه الكفرة من السعة ووفور الحظ ولا تغتر بظاهر ما ترى منهم من التبسط في المكاسب والمتاجر والمزارع"(14).
قال الراغب: " والتقلب في البلاد ليس يعني المشي فيها، وإنما يعني التوسع في أعراض الدنيا"(15).
قال الماتريدي: " وليس الاغترار في نفس التقلب؛ لأنه جهد ومشقة؛ ولكن لما فيه من الأمن والسعة والقوة؛ دليله قوله - تعالى -: {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} [آل عمران: 197] "(16).
(1) تفسير أبي السعود: 2/ 135.
(2)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1059.
(3)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 236.
(4)
صفوة التفاسير: 231.
(5)
أخرجه الطبري (8371): ص 7/ 493.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 323.
(7)
أخرجه ابن المنذر (1280): ص 2/ 540.
(8)
تفسير السمرقندي: 1/ 275.
(9)
تفسير السمعاني: 1/ 390.
(10)
تفسير الطبري: 7/ 493.
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 192.
(12)
انظر: تفسير الماتريدي: 2/ 565، والنكت والعيون: 1/ 444.
(13)
تفسير البيضاوي: 2/ 56.
(14)
تفسير أبي السعود: 2/ 135.
(15)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1060.
(16)
تفسير الماتريدي: 2/ 566.
قال قتادة: " والله ما غرُّوا نبيَّ الله، ولا وكل إليهم شيئًا من أمر الله، حتى قبضه الله على ذلك"(1).
قال السعدي: " وهذه الآية المقصود منها التسلية عما يحصل للذين كفروا من متاع الدنيا، وتنعمهم فيها، وتقلبهم في البلاد بأنواع التجارات والمكاسب واللذات، وأنواع العز، والغلبة في بعض الأوقات، فإن هذا كله {متاع قليل} ليس له ثبوت ولا بقاء، بل يتمتعون به قليلا ويعذبون عليه طويلا هذه أعلى حالة تكون للكافر، وقد رأيت ما تؤول إليه"(2).
الفوائد:
1 -
نهى الإنسان أن يغتر بما أوتي الكفار من النعم والرفاهية.
2 -
أن ما يعطيه الله العبد من الرخاء وسعة الرزق والانطلاق في الأرض يمينا وشمالا ليس دليلا على رضاه عن العبد، وغنما المقياس لرضا الل عن العبد هو اتباع العبد لشرع الله.
3 -
أن الله قد يستدرج المرء بإغداق النعم عليه فتنة له، كما قال تعالى:{وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35]، ووجه ذلك أن الله مكّن هؤلاء الكفار من التقلب في البلاد كيف يشاؤون فتنة لهم، ليستمروا على ما هم عليه فيكون ذلك شرّا لهم، كما قال عز وجل:{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران: 178].
4 -
أن المؤمن قد يضيّق الله عليه في الدنيا –أحيانا-ليرجع إليه، قال تعالى:{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41]، أما الكفار، فقد تمد لهم الدنيا ويعطون ما يريدون وتكون جنتهم دنياهم بخلاف المؤمنين.
القرآن
{مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)} [آل عمران: 197]
التفسير:
متاع قليل زائل، ثم يكون مصيرهم يوم القيامة إلى النار، وبئس الفراش.
قوله تعالى: {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} [آل عمران: 197]، " أي: إِنما يتنعمون بذلك قليلاً ثم يزول هذا النعيم" (3).
قال مقاتل: أي: " فإنما هو متاع قليل يمتعون بها إلى آجالهم"(4).
قال الزجاج: " أي: ذلك الكسب والربح الذي يربحونه متاع قليل"(5).
قال الطبري: " يعني: أن تقلبهم في البلاد وتصرفهم فيها، متعة يمتَّعون بها قليلا حتى يبلغوا آجالهم، فتخترمهم منياتهم"(6).
قال الماتريدي: أي: " إنما هو متاع يسير"(7).
قال الثعلبي: " أي هو متاع قليل بلغة فانية ومتعة زائلة، لأن كل ما هو فان فهو قليل"(8).
قال القاسمي: " أي هو متاع قليل، لقصر مدته، وكونه بلغة فانية، ونعمة زائلة، فلا قدر له في جنب ما أعد الله للمؤمنين"(9).
قال ابن كثير: أي: " فعَمّا قليل يزول هذا كله عنهم، ويصبحون مُرتَهنين بأعمالهم السيئة، فإنما نَمُدّ لهم فيما هم فيه استدراجا، وهذه الآية كقوله تعالى:{مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ} [غافر: 4]، وقال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ. مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} [يونس: 69، 70]، وقال تعالى: {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى
(1) أخرجه الطبري (8372): ص 7/ 493.
(2)
تفسير السعدي: 162.
(3)
صفوة التفاسير 231.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 323.
(5)
معاني القرآن: 1/ 501.
(6)
تفسير الطبري: 7/ 494.
(7)
تفسير الماتريدي: 2/ 566.
(8)
تفسير الثعلبي: 3/ 236.
(9)
محاسن التأويل: 2/ 485.
عَذَابٍ غَلِيظٍ} [لقمان: 24]، وقال تعالى:{فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} [الطارق: 17]، أي: قليلا وقال تعالى: {أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} [القصص: 61] " (1).
قال الراغب: " والمتاع: ما فيه تمتع ما، والآية تحتمل وجهين:
أحدهما: أن جعل ما يتمتع به في الدنيا وإن كثر، قليلا في جنب ثواب الله تعالى.
فلا يجب أن يغتر به، إذا اعتبر بما يحصل لأربابها في المآل من العذاب.
والثاني: أنه أراد بالقليل قلة الفناء" (2).
قوله تعالى: {ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} [آل عمران: 197]، أي:" ثم مصيرهم في الآخرة إِلى النار"(3).
قال الطبري: أي: " منياتهم ثم مأواهم جهنم، بعد مماتهم، والمأوى: المصير الذي يأوون إليه يوم القيامة، فيصيرون فيه"(4).
قال الراغب: " وأراد بجهنم: جهنم الدنيا وجهنم الآخرة، تنبيها أن من حصل له مال لا ينفك من شغل لا ينقضى عناؤه، وفقر لا يدرك غناؤه، وحزن على فوت محبوب، وخوف على فقد مطلوب، كأنهم في جهنم من سلب ما لهم، وفي جهنم عند مآلهم، كما قال: {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [التوبة: 55] "(5).
قوله تعالى: {وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 197]، أي:" وبئس الفراش والمضجع جهنم"(6).
قال ابن عباس: أي: "بئس المنزل"(7).
وقال مجاهد: أي: "وبئس المضجع"(8). وفي رواية أخرى له: أي" بئس ما مهدوا لأنفسهم"(9).
قال الراغب: " ذكر {المهاد} على سبيل المثل، كقوله: {لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ} [الأعراف: 41] "(10).
قال يزيد بن معاوية النخعي: "إن الدنيا جعلت قليلا فما بقي منه إلا القليل من قليل"(11).
وقال المستورد الفهري: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع» "(12).
وقال صلى الله عليه وسلم: «ما الدنيا فيما مضى إلا كمثل ثوب شق باثنين وبقي خيط إلا وكان ذلك الخيط قد انقطع» (13).
الفوائد:
1 -
أن الدنيا مهما أعطي الإنسان فيها من النعيم فإنها متاع قليل، قليل زمنه، وفي كميته، وفي كيفيته، ولكن الآخرة خلاف ذلك، قال النبي-صلى الله عليه وسلم:"لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها"(14)، فالسوط: متر أو أقل، خير من الدنيا وما فيها، وليست الدنيا الحاضرة فقط، بل خير من كل الدنيا وما فيها من اولها إلى آخرها، وإلى هذا يشير قوله تعالى:{بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)} [الأعلى: 16 - 19].
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 192.
(2)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1060 ..
(3)
صفوة التفاسير 231.
(4)
تفسير الطبري: 7/ 494.
(5)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1060 ..
(6)
تفسير الطبري: 7/ 494.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (4675): ص 3/ 845، وابن المنذر (1281): ص 2/ 540.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (4676): ص 3/ 845.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (4677): ص 3/ 845، وابن المنذر (1282): ص 2/ 540.
(10)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1060 - 1061.
(11)
تفسير الثعلبي: 3/ 237.
(12)
مسند أحمد: 4/ 229.
(13)
الجامع الصغير: 2/ 534 ح 8166، كنز العمال: 3/ 231 ح 6301 ..
(14)
أخرجه البخاري كتاب الرقاق، باب مثل الدنيا في الآخرة:(6415).
2 -
الحذر من لعب أعداء المسلمين، إذ يغرّونهم بأنواع وسائل الترفيه ليلهوهم عما خلقوا له من عبادة الله، وعما ينبغي أن يكونوا عليه من العزّة والكرامة، وتلك الوسائل الترفيهية في الحقيقة حبّ مسموم للدجاج، والحب المسموم للدجاج تغتر به، تجده حبّا منتفخا لينا فتفرح به وتأخذه بطرف مناقيرها وتبتلعه بسرعة ولكنه يقطع أمعاءها، فهكذا أعداء الإسلام فتحوا علينا أبواب الترفيه من كل ناحية، من أجل أن ننغمس فيها ولايكون لنا همّ إلا الرفاهية، وننسى ما خلقنا له من عبادة الله، وننسى ما ينبغي لنا أن نكون عليه من العزة والكرامة.
3 -
أنه لايمكن للكفار أن يدخل الجنة، لقوله:{ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} .
4 -
الإشارة إلى أن هذا النعيم الذي يدركونه في الدنيا سوف ينسى بهذا المأوى الشسيء، فإذا كان المأوى هو النار نسوا كل شيء كما جاء في الحديث:" يؤتى يوم القيامة بأنعم أهل الدنيا من الكفار، فيقال: اغمسوه في النار غمسة، فيغمس فيها، ثم يقال له: أي فلان، هل أصابك نعيم قط؟ فيقول: لا، ما أصابني نعيم قط، ويؤتى بأشد المؤمنين ضرا وبلاء، فيقال: اغمسوه غمسة في الجنة، فيغمس فيها غمسة، فيقال له: أي فلان، هل أصابك ضر قط؟ أو بلاء؟ فيقول: ما أصابني قط ضر ولا بلاء"(1).
وفي رواية أخرى: " يؤتى بأنعم أهل الدنيا، من أهل النار، يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال له: يا ابن آدم، هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا، والله، يا رب، ويؤتى بأشد الناس في الدنيا، من أهل الجنة، فيصبغ في الجنة صبغة، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا، والله، يا رب، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط"(2).
فالكافر يقول ذلك، لأنه نسي كل نعيم الدنيا ورفاهيتها التي عاشها بهذه الغمسة الواحدة، والمسلم يقول ذلك، لأنه نسي كل المصائب والابتلاءات التي أصابته في الدنيا بهذه الغمسة الواحدة في نعيم الجنة.
وأيم الله أن هذه الحقائق نحن نؤمن بها ولكن الغفلة تستولي علينا، نسأل الله العافية، وأن يوقظ قلوبنا بذكره.
5 -
بيان قبح هذا المأوى، لأن الله أثنى عليه بأسوأ الثناء، فقال:{وبئس المهاد} ، وهذا يدل على قبح مأوى أهل النار، نسأل الله السلامة منها.
القرآن
التفسير:
لكن الذين خافوا ربهم، وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، قد أعدَّ الله لهم جنات تجري من تحت أشجارها الأنهار، هي منزلهم الدائم لا يخرجون منه. وما عد الله أعظم وأفضل لأهل الطاعة مما يتقلب فيه الذين كفروا من نعيم الدنيا.
قوله تعالى: {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ} [آل عمران: 198]، "أي: لكن المتقون لله" (3).
قال مقاتل: " وحدوا ربهم"(4).
قال السمرقندي: "أي: " اتقوا الشرك والفواحش، ووحدوا ربهم" (5).
قال الطبري: أي: " لكن الذين اتقوا الله بطاعته واتّباع مرضاته، في العمل بما أمرهم به، واجتناب ما نهاهم عنه"(6).
قرأ أبو جعفر: بتشديد النون، الباقون: بتخفيفه (7).
(1) أخرجه ابن ماجة (4321).
(2)
أخرجه أحمد (13143): ص 3/ 203، و (13695): ص 3/ 253، وعبد بن حميد (1313)، ومسلم (7190): ص 8/ 135.
(3)
صفوة التفاسير: 232.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 323.
(5)
تفسير السمرقندي: 1/ 276.
(6)
تفسير الطبري: 7/ 494.
(7)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 237.
قوله تعالى: {لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [آل عمران: 198]، أي:"لهم النعيم المقيم في جنات النعيم ً"(1).
قال الطبري: " يعني: بساتين، تجري من تحتها الأنهار"(2).
قال الواحدي: " المعنى: من تحت أشجارها وقصورها وأبنيتها"(3).
قال مسروق: " أنهار الجنة تجري في غير أخدود، ثمرها كالقلال، كلما نزعت ثمرة عادت مثلها أخرى، والعنقود اثنا عشر ذراعا"(4).
قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا} [آل عمران: 198]، أي:"مخلدين فيها أبداً"(5).
قال مقاتل: " لا يموتون"(6).
قال الطبري: أي: " باقين فيها أبدًا"(7).
قال السمرقندي: أي: " لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها أبدا"(8).
قوله تعالى: {نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آل عمران: 198]، " أي: ضيافة وكرامة من عند الله" (9).
قال السمرقندي: أي: " ثوابا من عند الله للمؤمنين الموحدين خاصة"(10).
قال الكلبي: "جزاء وثوابا من عند الله"(11).
قال أبو عبيدة: " أي ثوابا، ويجوز منزلا من عند الله من قولك: أنزلته منزلا"(12).
قال الطبري: " يعني: إنزالا من الله إياهم فيها، أنزلوها، وقوله: {من عند الله}، يعني: من قبل الله، ومن كرامة الله إياهم، وعطاياه لهم "(13).
قال الزجاج: " {نزلا} مؤكد أيضا، لأن خلودهم فيها إنزالهم فيها"(14).
قال الثعلبي: " والنزل: الوظيفة المقدرة لوقت"(15).
قال الواحدي: " النزل: ما يهيأ لضيف أو لقوم إذا نزلوا موضعا، ويقال: أقمت لهم نزلهم، أي: أقمت لهم غذاءهم، وما يصلح معه أن ينزلوا عليه. هذا معناه في اللغة"(16).
قال السمعاني: " النزل هو ما يعد للضيف من النعمة؛ فسمى الله تعالى ما أعده للمؤمنين من نعيم الجنة: نزلا من عند الله"(17).
قال الراغب: " والنزل ما يجعل للإنسان في طريقه، ليستعين به على سفره، وانتصابه على أنه مصدر مؤكد أو تفسير، كقولك: هذا لك هبة"(18).
قرأ الحسن والنخعي: {نزلا} بتخفيف الزاي استثقالا لضمتين، وثقله الآخرون (19).
(1) صفوة التفاسير: 232.
(2)
تفسير الطبري: 7/ 494.
(3)
التفسير البسيط: 6/ 269.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4678): ص 3/ 845.
(5)
صفوة التفاسير: 232.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 323.
(7)
تفسير الطبري: 7/ 494.
(8)
تفسير السمرقندي: 1/ 276.
(9)
صفوة التفاسير: 232.
(10)
تفسير السمرقندي: 1/ 276.
(11)
تفسير الثعلبي: 3/ 237، وورد في:"زاد المسير" 1/ 532، ونسبه إلى ابن عباس. ويبدو أنه من رواية الكلبي عنه.
(12)
مجاز القرآن: 1/ 112.
(13)
تفسير الطبري: 7/ 494.
(14)
معاني القرآن: 1/ 501.
(15)
تفسير الثعلبي: 3/ 237.
(16)
التفسير البسيط: 6/ 269، وانظر هذا المعنى، وبقية المعاني و (نزل) في:"تهذيب اللغة" 4/ 3555، و"المقاييس" 5/ 417، و"مفردات ألفاظ القرآن" 800، و"اللسان" 7/ 4400.
(17)
تفسير السمعاني: 1/ 390 - 391.
(18)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1062.
(19)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 237.
قوله تعالى: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} [آل عمران: 198]، " أي: وما عند الله من الثواب والكرامة للأخيار الأبرار، خير مما يتقلب فيه الأشرار الفجار من المتاع القليل الزائل" (1).
قال الزمخشري: أي: " وما عند الله من الكثير الدائم خير للأبرار مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل"(2).
قال الواحدي: " أي: مما يتقلب فيه الكفار في دار الدنيا"(3).
قال الطبري: أي: " وما عند الله من الحياة والكرامة، وحسن المآب، خير للأبرار، مما يتقلب فيه الذين كفروا، فإن الذي يتقلبون فيه زائل فانٍ، وهو قليلٌ من المتاع خسيس، وما عند الله من كرامته للأبرار - وهم أهل طاعته باقٍ، غيرُ فانٍ ولا زائل"(4).
قال ابن زيد: " للأبرار: لمن يطيع الله"(5).
قال مقاتل: {للأبرار} " يعنى: المطيعين"(6).
وقال الحسن: " للأبرار: الذين لا يؤذون الذر"(7).
قال ابن عمر: " إنما سماهم الله أبرارا لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالدك عليك حقا، كذلك لولدك عليك حقا"(8).
وقيل: "عنى بقوله: {وما عند الله خير للأبرار}، ما قاله صلى الله عليه وسلم: «الدنيا جنة الكافر وسجن المؤمن» (9)، تنبيها أن المؤمن يتبرم بها شوقا إلى ما أعد له، والكافر يطمئن إليها، ويشتاق إليها عند فراقها مع ما فيها من الشوائب لما أعد له من العذاب"(10).
قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي:{الأبرار} ، و {الْأَشْرَارِ} [ص: 62]، و {ذَاتِ قَرَارٍ} [المؤمنون: 50]، وما كان مثله بين الفتح والكسر، وقرأ ابن كثير، وعاصم بالفتح، وخلف وأبو هشام عن سليم عن حمزة أنه كان يميل {الأشرار} و {قرار} و {الأبرار} ياءات الإضافة (11).
قال الراغب: " ذكره تعالى لـ (لكن) لكون حكم ما بعده منافيا لما قبله، وقد ذكر في قوله: {لهم جنات تجري من تحتها الأنهار}، الوجهان اللذان ذكرا في قوله: {ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار}، وقيل: عنى به أنهم من طيب عيشهم في القناعة، ورفضهم فضولات الدنيا في جنات صفتها كذلك، وذلك على التشبيه، وإياه قصد بقوله: {فلنحيينه حياة طيبة}، والذي يدل على هذا قوله: {نزلا} "(12).
قال الأسود، قال عبد الله:"ما من نَفْس بَرَّة ولا فاجرة إلا والموتُ خير لها. ثم قرأ عبد الله: وما عند الله خير للأبرار، وقرأ هذه الآية: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ}، [سورة آل عمران: 178] "(13).
وعن أبي الدرداء: "ما من مؤمن إلا والموت خير له، وما من كافر إلا والموت خير له، ومن لم يصدقني فإن الله يقول: وما عند الله خير للأبرار، ويقول: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} "(14).
(1) صفوة التفاسير: 232.
(2)
الكشاف: 1/ 458.
(3)
التفسير البسيط: 6/ 270.
(4)
صفوة التفاسير: 232.
(5)
أخرجه الطبري (8373): ص 7/ 495.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 323.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (4681): ص 3/ 846.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (4680): ص 3/ 846.
(9)
أخرجه أحمد (8272): ص 2/ 323، ومسلم: 8/ 210، وابن ماجة (4113)، والترمذي (1324).
(10)
.تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1063
(11)
انظر: السبعة: 222، وزاد المسير: 1/ 361.
(12)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1061 - 1062.
(13)
أخرجه الطبري (8374): ص 7/ 495.
(14)
أخرجه الطبري (8375): ص 7/ 496.
عن أنس بن مالك، قال:"دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على سرير، مرمل بشريط، وتحت رأسه وسادة من أدم، حشوها ليف، فدخل عليه نفر من أصحابه، ودخل عمر، فانحرف رسول الله صلى الله عليه وسلم انحرافة، فلم ير عمر بين جنبه وبين الشريط ثوبا، وقد أثر الشريط بجنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكى عمر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا عمر؟ قال: والله ما أبكي، إلا أن أكون أعلم أنك أكرم على الله، عز وجل، من كسرى وقيصر، وهما يعيشان في الدنيا فيما يعيشان فيه، وأنت يا رسول الله بالمكان الذى أرى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قال عمر: بلى، قال: فإنه كذاك"(1).
الفوائد:
1 -
أن المتقين وإن تقلبوا في البلاد فليس مآلهم كمآل الكافرين، قال تعالى:{لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} .
2 -
فيه بيان فوائد التقوى، وأن من فوائدها ما حصل لهؤلاء المتقين من النزل العظيم عند الله عز وجل، وهي هذه الجنات التي تجري من تحتها الأنهار.
3 -
أن هؤلاء المتقون ثوابهم عند الله عز وجل أكثر بكثير مما يعطي هؤلاء الذين يتلبون في البلاد، لأن الله قال في المتقلبين {متاع قليل} ، أما هؤلاء فقال:{لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} .
4 -
عظم هذا الجزاء والثواب الذي يحصل لهم، لأنه نُنزل من عند اكرم الأكرمين، وهو الله عز وجل.
5 -
أن الجزاء من جنس العمل، فإن هؤلاء لما كانوا بررة كثيري الخيرات، فكان لهم عند الله هذا النُزل العظيم.
6 -
أن في الجنات أنهار عظيمة تجري من تحت غرفها وأشجارها.
7 -
أن منْ منّ الله عليه بالتقوى فإن ذلك من مقتضى ربوبية الله تعالى الخاصة، قال:{اتَّقَوْا رَبَّهُمْ} ، فتخصيص الربوبية هنا لهؤلاء المتقين هو من باب الربوبية الخاصة، إذ ان ربوبية الله عز وجل لخلقه نوعان:
الأولى: عامة: وهي الشاملة لجميع الخلق.
والثانية: الربوبية الخاصة: وهي الخاصة بالمؤمنين.
وكما أن العبودية لله عز وجل أيضا نوعان:
الأولى: عامة، وهي التي لجميع الخلق كما قال تعالى:{إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93].
والثانية: خاصة، وهي للمؤمنين كما قال تعالى:{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63].
وهذه الخاصة منها ما هو أخص كما في عبودية الرسول-صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1].
وعلى هذا ففي العبودية عموم مطلق الذي يشمل جميع من في السماوات والأرض، وعموم نسبي: وهو عموم عبودية المؤمنين، وإنه عام بالنسبة لعبودية الرسول-صلى الله عليه وسلم، خاص بالنسبة للعبودية المطلقة.
8 -
أن هذه الجنات التي تجري من تحتها الأنهار إذا كانت نُزلا، وهو ما يقدم للضيف من الكرامة، فما بال بما يكون بعد هذا؟ لاشك أنه سيكون خيرا كثيرا.
القرآن
التفسير:
وإن بعضًا من أهل الكتاب لَيصدِّق بالله ربًّا واحدًا وإلهًا معبودًا، وبما أُنزِل إليكم من هذا القرآن، وبما أُنزِل إليهم من التوراة والإنجيل متذللين لله، خاضعين له، لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلا من حطام الدنيا، ولا يكتمون
(1) أخرجه أحمد (12444): ص 3/ 139، والبخاري في (الأدب المفرد)(1163).
ما أنزل الله، ولا يحرفونه كغيرهم من أهل الكتاب. أولئك لهم ثواب عظيم عنده يوم يلقونه، فيوفيهم إياه غير منقوص. إنَّ الله سريع الحساب، لا يعجزه إحصاء أعمالهم، ومحاسبتهم عليها.
في سبب نزولها ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها نزلت في أصحمة النجاشي (1)، روى سعيد بن المسيب عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"اخرجوا فصلوا على أخ لكم. فصلى بنا، فكبر أربع تكبيرات، فقال: هذا النجاشي أصحمة، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على عِلْجٍ نصرَاني لم يره قط! فأنزل الله: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله} "(2). وهو قول قتادة (3)، وابن جريج في أحد قوليه (4).
والثاني: أنها نزلت في عبد الله بن سلام ومن معه. وهذا قول ابن جريج في رواية أخرى (5)، وروي عن ابن زيد نحو ذلك (6).
والثالث: أنها نزلت في أربعين من أهل نجران، وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى، فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، قاله عطاء (7).
والرابع: أنها نزلت في مُسلمة أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، وهذا قول مجاهد (8)، ورجّحه الطبري (9).
والظاهر-والله أعلم- هو القول الأخير، لأن قوله تعالى:{أهل الكتاب} ، يعمّ أهل الكتاب جميعهم دون تخصيص.
قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ} [آل عمران: 199]، " أي: ومن اليهود والنصارى فريق يؤمنون بالله حق الإِيمان، ويؤمنون بما أنزل إليكم وهو القرآن وبما أنزل إِليهم وهو التوراة والإِنجيل" (10).
قال الحسن: " هم أهل الكتاب الذين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم، الذين اتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم"(11).
قال مجاهد: " من اليهود والنصارى، وهم مسلمة أهل الكتاب"(12).
وقال مقاتل: " يعنى ابن سلام، يصدق بالله، {وما أنزل إليكم}، يعني: أمة محمد- صلى الله عليه وسلم من القرآن {وما أنزل إليهم}، من التوراة، "(13).
قوله تعالى: {خَاشِعِينَ لِلَّهِ} [آل عمران: 199]، " أي: خاضعين متذللين لله" (14).
قال مقاتل: " يعني: متواضعين لله"(15).
قال ابن زيد: ": الخاشع، المتذلل لله الخائف"(16).
(1) وهذا يعني أن الآية نازلة قبل موته وهذا لا يمنع أن تكون قد عنته فيمن عنت في أثناء حياته، وقد يدعم هذا أن وفاته متأخرة وهذه السورة نزلت قبل النصف الأول من الهجرة جاء في "الإصابة" "1/ 109" في وفاة النجاشي:"قال الطبري وجماعة: كان ذلك في رجب سنة تسع، وقال غيره: كان قبل الفتح" ..
(2)
أخرجه الطبري (8376): ص 7/ 496 - 497.
(3)
انظر: تفسير الطبري (8377): ص 7/ 497.
(4)
انظر: تفسير الطبري (8381): ص 7/ 498.
(5)
انظر: تفسير الطبري (8382): ص 7/ 498.
(6)
انظر: تفسير الطبري (8383): ص 7/ 498 - 499.
(7)
انظر: زاد المسير: 1/ 364.
(8)
انظر: تفسير الطبري (8384): ص 7/ 499.
(9)
انظر: تفسير الطبري: 7/ 499.
(10)
صفوة التفاسير: 232.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (4685): ص 3/ 846.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (4684): ص 3/ 846.
(13)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 323.
(14)
صفوة التفاسير: 232.
(15)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 323.
(16)
أخرجه الطبري (8385): ص 7/ 500.
قال الطبري: " يعني: خاضعين لله بالطاعة، مستكينين له بها متذلِّلين"(1).
قال الزجاج: " أي من عند أهل الكتاب من يؤمن خاشعا لله"(2).
قال الراغب: " الخشوع: كالخضوع، لكن أكثر ما يقال في الخشوع ما اعتبر فيه حال القلب، والخضوع فيما اعتبر فيه حال الجوارح، وإن كان يستعمل كل واحد منهما في موضع الآخر"(3).
قوله تعالى: {لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} [آل عمران: 199]، "أي: لا يحرّفون نعت محمد ولا أحكام الشريعة الموجودة في كتبهم لعرضٍ من الدنيا خسيس" (4).
قال مقاتل: " يعني: لا يشترون بالقرآن، عرضا يسيرا من الدنيا كفعل اليهود بما أصابوا من سفلتهم من المأكل من الطعام والثمار عند الحصاد"(5).
قال الحسن: " الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها"(6).
قال ابن كثير: " أي: لا يكتمون ما بأيديهم من العلم، كما فعله الطائفة المرذولة منهم، بل يبذلون ذلك مجانا"(7).
قال الثعلبي: " يعني لا يحرفون كتبهم ولا يكتمون صفة محمد صلى الله عليه وسلم لأجل المأكلة والرئاسة، كما فعلت رؤساء اليهود"(8).
قال الطبري: أي: " لا يحرِّفون ما أنزل إليهم في كتبه من نعت محمد صلى الله عليه وسلم فيبدِّلونه، ولا غير ذلك من أحكامه وحججه فيه، لعَرَضٍ من الدنيا خسيس يُعطوْنه على ذلك التبديل، وابتغاء الرياسة على الجهال، ولكن ينقادون للحق، فيعملون بما أمرهم الله به فيما أنزل إليهم من كتبه، وينتهون عما نهاهم عنه فيها، ويؤثرون أمرَ الله تعالى على هَوَى أنفسهم"(9).
قال الزجاج: " وإنما ذكر هؤلاء لأن ذكر الذين كفروا جرى قبل ذكرهم فقال: {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} [آل عمران: 187]، أخبر - جل وعز - بما حمل إليهود على الكفر، وأخبر بحال من آمن من أهل الكتاب وأنهم - صدقوا في حال خشوع ورغبة عن أن يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا"(10).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن الربيع بن أنس في قوله: {لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا} ، قال:"لا يأخذ على تعليم القرآن أجرا، قال ابن أبي حاتم: يعني إذا احتسب بتعليم القرآن فلا يأخذ عليه أجرا، وفي بعض الكتب: يا ابن آدم علم مجانا كما علمت مجانا"(11).
قوله تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [آل عمران: 199]، "أي: هؤلاء المتصفون بحميد الصفات، وجليل الأعمال، لهم ثواب أعمالهم وأجر طاعتهم عند ربهم" (12).
قال مقاتل: "يعني: مؤمني أهل التوراة ابن سلام وأصحابه، لهم جزاؤهم في الآخرة عند ربهم وهي الجنة"(13).
قال الزمخشري: " أي: ما يختص بهم من الأجر وهو ما وعدوه في قوله: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ} [القصص: 54]، {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} [الحديد: 28] "(14).
(1) تفسير الطبري: 7/ 500.
(2)
معاني القرآن: 1/ 501.
(3)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1064.
(4)
صفوة التفاسير: 232.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 323.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (4687): ص 3/ 847.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 195.
(8)
تفسير الثعلبي: 3/ 238.
(9)
تفسير الطبري: 7/ 500.
(10)
معاني القرآن: 1/ 501.
(11)
تفسير ابن أبي حاتم (4686): ص 3/ 847.
(12)
تفسير المراغي: 4/ 171.
(13)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 324.
(14)
الكشاف: 1/ 459 ..
وقد ثبت في الصحيحين، عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة يُؤتَوْنَ أجرَهم مرتين" فذكر منهم: "ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي"(1).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [آل عمران: 199]، " أي: إن الله سريع حسابُه، لنفوذ علمه بجميع المعلومات، يعلم ما لكل واحدٍ من الثواب والعقاب" (2).
قال مجاهد: "يعني: سريع الإحصاء"(3).
قال البيضاوي: وذلك" لعلمه بالأعمال وما يستوجبه من الجزاء واستغنائه عن التأمل والاحتياط، والمراد أن الأجر الموعود سريع الوصول فإن سرعة الحساب تستدعي سرعة الجزاء"(4).
قال أبو حيان: " أي سريع الإتيان بيوم القيامة وهو يوم الحساب، والمعنى: أن أجرهم قريب إتيانه أو سريع حسابه لنفوذ علمه، فهو عالم بما لكل عامل من الأجر. وتقدم تفسير هذه الجملة مستوفى"(5).
قال الطبري: " وسرعة حسابه تعالى ذكره: أنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم قبل أن يعملوها، وبعد ما عملوها، فلا حاجة به إلى إحصاء عدد ذلك، فيقع في الإحصاء إبطاء"(6).
قال السمرقندي: " أي شديد العقوبة، ويقال: سريع الحفظ والتعريف"(7).
قال الزمخشري: أي: " {إن الله سريع الحساب}، لنفوذ عمله في كل شيء، فهو عالم بما يستوجبه كل عامل من الأجر، ويجوز أن يراد: إنما توعدون لآت قريب بعد ذكر الموعد"(8).
قال الراغب: " إن قيل: ما فائدة قوله: {إن الله سريع الحساب} ها هنا؟
قيل: الحساب إشارة إلى الثواب المجعول لهم في مقابلة فعلهم، وسقاه حسابا لقوله:{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160]، وبين بقوله:{سريع الحساب} ، أن ذلك لا يتأخر عنهم، لما كانت النفس مولعة بحب العاجل، ونبه على أمرين:
أحدهما: ما يجعل لهم في الدنيا المدلول عليه بقوله: {فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ} [آل عمران: 148] " (9).
الثاني: أن المدعو به في الآخرة سريع وقوعه وإن كان في ظن الكافرين بطيئا حصوله" (10).
قال الفخر: " والفائدة في كونه سريع الحساب، كونه عالما بجميع المعلومات، فيعلم ما لكل واحد من الثواب والعقاب"(11).
الفوائد:
1 -
الثناء على يعض أهل الكتاب لقوله: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} ، و {من} ، هنا للتبعيض، وهم قليل.
2 -
كمال عدل الله عز ّ وجل بإسناد الفضل إلى أهله، فإنه تعالى لما ذكر عقاب الكافرين وثواب المؤمنين، قال:{وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ} ، فأسند الفضل إلى أهله عز وجل.
3 -
أن هؤلاء الذين يؤمنون بما انل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مع إيمانهم بكتبهم إنما يفعلون ذلك تعظيما لله وذلا له، لا طلبا للدنيا، أو المدح أو ما أشبه ذلك، لقوله:{خَاشِعِينَ لِلَّهِ} .
4 -
بيان إخلاص هؤلاء إذ لم يؤمنوا بالله وما انزل إلينا من أجل الدنيا، فهم لايشترون بآيات الله ثمنا قليلا، فهم لايقصدون بإيمانهم شيئا من الدنيا أو جاها أو رئاسة أو رياء.
(1) صحيح البخاري (97)، وصحيح مسلم (154) ..
(2)
صفوة التفاسير: 232.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4688): ص 3/ 847.
(4)
تفسير البيضاوي: 2/ 56.
(5)
البحر المحيط: 3/ 485.
(6)
تفسير الطبري: 7/ 501.
(7)
تفسير السمرقندي: 1/ 276.
(8)
الكشاف: 1/ 459.
(9)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1065.
(10)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1065 - 1066.
(11)
مفاتيح الغيب: 9/ 473.
5 -
أن لهؤلاء الذين أخلصوا من أهل الكتاب سوف يكون لهم الأجر والثواب من عند الله، وإن فاتهم ما يفوتهم من الدنيا بسبب إسلامهم، قال تعالى:{أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} .
6 -
بيان قدرة الله عز وجل في سرعة حسابه، إذ قال:{إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} ، وقد اورد بعض الصحابة على الرسول-صلى الله عليه وسلم إشكالا في هذا المعنى وقال: كيف يحاسبنا في ساعة ونحن جمع-يعني كثير- فقال-صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبرك بشيء من آلاء الله يقرب لك هذا؟ "، وذكر له القمر (1).
فالقمر مخلوق من وخلوقات الله، وكل الناس يرونه في ساعو واحدة لايضامون في رؤيته، فإذا كان في مخلوق من مخلوقات الله يضيء نوره على كل من رآه، ويشترك فيه العالم ما لايحصيه إلا الله، فما بالك بالخالق جلّ وعلا؟
7 -
إثبات الحسان، وأن الإنسان سوف يحاسب على عمله إن خيرا فخير، وإن شرا فشرّ.
القرآن
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)} [آل عمران: 200]
التفسير:
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه اصبروا على طاعة ربكم، وعلى ما ينزل بكم من ضر وبلاء، وصابروا أعداءكم حتى لا يكونوا أشد صبرًا منكم، وأقيموا على جهاد عدوي وعدوكم، وخافوا الله في جميع أحوالكم; رجاء أن تفوزوا برضاه في الدنيا والآخرة.
في سبب نزول الآية:
أخرج الحاكم، والطبري (2)، والواحدي (3)، من طريق مصعب بن ثابت حدثني داود بن صالح قال:"قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} الآية؟ قلت: لا، قال يا ابن أخي: إني سمعت أبا هريرة يقول: لم يكن في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه، ولكن انتظار الصلاة خلف الصلاة "(4).
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [آل عمران: 200]، أي:" يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله"(5)، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم من عند الله" (6).
قال ابن عباس: " ما في القرآن آية {يا أيها الذين آمنوا}، إلا أن عليا شريفها وأميرها وسيدها، وما من أصحاب محمد إلا قد عوتب في القرآن إلا علي بن أبي طالب فإنه لم يعاتب في شيء منه"(7).
وقال الأعمش عن خيثمة: " ما تقرأون من القرآن {يا أيها الذين آمنوا}، فإن في التوراة "يا أيها المساكين" (8).
وروي أن "رجلا أتى عبد الله ابن مسعود فقال: أعهد إلي، فقال: إذا سمعت الله تعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا}، فأرعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه"(9).
قوله تعالى: {اصْبِرُوا} [آل عمران: 200]، " أي: اصبروا على مشاقّ الطاعات وما يصيبكم من الشدائد" (10).
قال محمد بن كعب القرظي، والزجاج (11): أي: "اصبروا على دينكم"(12).
(1) انظر: مسند الإمام أحمد (15773) ..
(2)
انظر: تفسير الطبري (8394): ص 7/ 504، إلا أنه في جواب السؤال: " قال: إنه يا ابن أخي لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم
…
بلفظه.
(3)
انظر: أسباب النزول: 140 - 141.
(4)
المستدرك: 2/ 301، وقال:"صحيح الإسناد ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
(5)
تفسير الطبري: 7/ 508.
(6)
تفسير الطبري: 7/ 59.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (3889): ص 3/ 718.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (3890): ص 3/ 718.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (3891): ص 3/ 718.
(10)
صفوة التفاسير: 232.
(11)
انظر: معاني القرآن: 1/ 501.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (4689): ص 3/ 847.
قال الحسن: "أمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم للإسلام، فلا ندعوا لسراء ولا لضراء، ولا لشدة ولا لرخاء حتى يموتوا مسلمين"(1).
وفي رواية أخرى عن الحس: " اصبروا على المصائب"(2).
وفي رواية أخرى عن الحسن أيضا: " اصبروا على الصلوات"(3). وروي عن أبي غسان نحوه (4).
وقال سعيد بن جبير وسفيان (5): " يعني: على الفرائض"(6).
وقال الضحاك (7)، ومقاتل بن سليمان: أي: " على أمر الله- عز وجل وفرائضه"(8).
وقال قتادة: على "طاعة الله"(9). وفي رواية ابن المنذر عن قتادة: " على دينكم"(10).
وقال زيد بن أسلم: " اصبروا: على الجهاد"(11).
وفي رواية أخرى عن زين بن أسلم: " اصبروا على الخير"(12).
وقال مقاتل بن حيان: " اصبروا على حق الله"(13).
وقال الكلبي: "على البلاء"(14).
وقال ابن عباس: "البلاء والجهاد"(15). وفي رواية ابن المنذر عن ابن عباس: "على طاعة الله"(16).
وقال الزمخشري: " اصبروا على الدين وتكاليفه"(17).
قال الثعلبي: " قالت الحكماء: الصبر ثلاثة أشياء: ترك الشكوى، وصدق الرضا، وقبول القضاء. وقيل: الصبر الثبات على أحكام الكتاب والسنة"(18).
قوله تعالى: {وَصَابِرُوا} [آل عمران: 200]، " أي: وغالبوا أعداء الله بالصبر على أهوال القتال وشدائد الحروب" (19).
قال عطاء (20)، ومحمد بن كعب القرظي:" صابروا الوعد الذي وعدتكم عليه"(21).
وقال الحسن: " أمروا أن يصبروا عن الكفار، حتى يكون في الكفار الذين يملون دينهم"(22).
قال زيد بن أسلم: " صابروا عدوكم"(23).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (4690): ص 3/ 847.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، ولم يرقم الخبر، وإنما كتبه المحقق بين الرقمين (4695) و (4696): ص 3/ 848.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4693): ص 3/ 848.
(4)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4692): ص 3/ 847.
(5)
انظر: تفسير ابن المنذر (1294): ص 2/ 544.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (4691): ص 3/ 847.
(7)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 238.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 324.
(9)
انظر: زاد المسير: 1/ 364.
(10)
تفسير ابن المنذر (1295): ص 2/ 544.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (4694): ص 3/ 848.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (4696): ص 3/ 848.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (4695): ص 3/ 848.
(14)
تفسير الثعلبي: 3/ 238.
(15)
انظر: زاد المسير: 1/ 364.
(16)
تفسير ابن المنذر (1293): ص 2/ 544.
(17)
الكشاف: 1/ 460.
(18)
تفسير الثعلبي: 3/ 238.
(19)
صفوة التفاسير: 232.
(20)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 238، وزاد المسير: 1/ 364.
(21)
أخرجه ابن ابي حاتم (4697): ص 3/ 848.
(22)
أخرجه ابن ابي حاتم (4698): ص 3/ 848.
(23)
أخرجه ابن ابي حاتم، ولم يرقم، وانما كتب الخبر بعد الرقم (4698): ص 3/ 848.
وقال ابن عباس: "أعداء الله"(1)، وكذا نسبه ابن الجوزي إلى ابن عباس والجمهور (2).
قال سعيد بن جبير: " يعني: مع النبي صلى الله عليه وسلم في الموطن"(3). وذكر مقاتل بن سليمان مثله (4).
قال قتادة: " صابروا أهل الضلالة"(5).
قال سفيان: "صابروا على العدو، فلا تكونوا أجزع منهم "(6).
قال الزجاج: " أي: عدوّكم"(7).
قال الثعلبي: يعني الكفار، قاله أكثر المفسرين" (8).
وقال الحسن: " وصابروا على الصلوات"(9).
وفي رواية اخرى عن الحسن: " صابروا على دينكم"(10).
قال الزمخشري: أي: "وصابروا أعداء الله في الجهاد، أى غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب لا تكونوا أقل صبرا منهم وثباتا. والمصابرة: باب من الصبر ذكر بعد الصبر على ما يجب الصبر عليه، تخصيصا لشدته وصعوبته"(11).
قوله تعالى: {وَرَابِطُوا} [آل عمران: 200]، " أي: ولازموا ثغوركم مستعدين للكفاح والغزو" (12).
قال محمد بن كعب القرظي: " رابطوا عدوي وعدوكم حتى يترك دينه لدينكم"(13).
وفي رواية أخرى عن القرظي: " {ورابطوا} قال: الذي يقعد بعد الصلاة"(14). أي: انتظار الصلاة بعد الصلاة، ونسب ابن كثير هذا القول إلى مجاهد وابن عباس، وسهل بن حُنيف (15).
قال الحسن: " أمروا أن يرابطوا المشركين"(16). وروي عن قتادة نحو ذلك (17)، ونسب هذا ابن الجوزي هذا القول إلى ابن عباس (18).
قال مقاتل بن سليمان: أي: " {ورابطوا} العدو في سبيل الله حتى يدعوا دينهم لدينكم"(19).
وقال مقاتل بن حيان: " ورابطوا: مع النبي صلى الله عليه وسلم العدو"(20).
قال الزجاج: أي: " أقيموا على جهاد عدوكم بالحرب والحجة"(21).
وقال سعيد بن جبير: " يعني: فيما أمركم ونهاكم"(22).
وقال زيد بن أسلم: " رابطوا على دينكم: (23). وروي عن الحسن مثله (24).
(1) تفسير ابن المنذر (1293): ص 2/ 544.
(2)
انظر: زاد المسير: 1/ 364.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4699): ص 3/ 849.
(4)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 324.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4702): ص 3/ 849.
(6)
أخرجه ابن المنذر (1294): ص 2/ 544.
(7)
معاني القرآن: 1/ 501.
(8)
تفسير الثعلبي: 3/ 238.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (4700): ص 3/ 849.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (4701): ص 3/ 849.
(11)
الكشاف: 1/ 460.
(12)
صفوة التفاسير: 232.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (4704): ص 3/ 850.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (4708): ص 3/ 850.
(15)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 195.
(16)
أخرجه ابن أبي حاتم (4704): ص 3/ 850.
(17)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4704): ص 3/ 850.
(18)
انظر: زاد المسير: 1/ 365.
(19)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 324.
(20)
أخرجه ابن أبي حاتم (4707): ص 3/ 850.
(21)
معاني القرآن: 1/ 502.
(22)
أخرجه ابن أبي حاتم (4705): ص 3/ 850.
(23)
أخرجه ابن أبي حاتم (4706): ص 3/ 850.
(24)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4706): ص 3/ 850.
وقال ابن كثير: " وأما المرابطة: فهي المداومة في مكان العبادة والثبات"(1).
وقال الزمخشري: " وأقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها، مترصدين مستعدين للغزو. قال الله عز وجل: {وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60] "(2).
قال الثعلبي: " يعني المشركين، وأصل الرباط: أن يربط هؤلاء خيولهم وهؤلاء خيولهم، ثم قيل ذلك لكل مقيم في ثغر يدفع عمن وراءه وإن لم يكن له مركب، قال الله تعالى:{وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال: 60]، وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا حامد الخازرنجي يقول:
المرابطة: اعتقال المبارزين في الحرب، وأصل الربط الشد، ومنه قيل للخيل: الرباط، ويقال:
فلان رابط الجأش، أي قوي القلب. قال لبيد (3):
رابط الجأش على كل وجل" (4).
قال أبو عبيدة: " أي: اثبتوا ودوموا، قال الأخطل (5):
ما زال فينا رباط الخيل معلمة
…
وفى كليب رباط اللّوم والعار" (6)
نستنتج بأنه قد اختلف أهل العلم في تفسير قوله تعالى: {أصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} [آل عمران: 200] على أربعة أقوال:
أحدها: اصبروا على طاعة الله، وصابروا أعداء الله، ورابطوا في سبيل الله، وهو قول الحسن (7)، ومجاهد (8)، وقتادة (9)، وابن جريج (10)، والضحاك (11).
والثاني: اصبروا على دينكم، وصابروا الوعد الذي وعدتكم، ورابطوا عدوِّي وعدوَّكم، حتى يترك دينه لدينكم. وهو قول محمد بن كعب (12).
والثالث: اصبروا على الجهاد، وصابروا عدوَّكم، ورابطوا على عدوكم. وهذا قول زيد بن أسلم (13).
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 195.
(2)
الكشاف: 1/ 460.
(3)
انظر: الصحاح، مادة"ربط": ص 2/ 482.
(4)
تفسير الثعلبي: 3/ 238 - 239.
(5)
ديوانه: 206، وفي الأساس، مادة"ربط".
(6)
مجاز القرآن: 1/ 112.
(7)
انظر: تفسير الطبري (8386): ص 7/ 501 - 502.
(8)
انظر: تفسير مجاهد: 264.
(9)
انظر: تفسير الطبري (8388): ص 7/ 502.
(10)
انظر: تفسير الطبري (8389): ص 7/ 502.
(11)
انظر: تفسير الطبري (8390): ص 7/ 502.
(12)
انظر: تفسير الطبري (8391): ص 7/ 503.
(13)
انظر: تفسير الطبري (8392): ص 7/ 503. قال ابن كثير: " وقيل: المراد بالمرابطة هاهنا مرابطة الغزو في نُحور العدو، وحفظ ثُغور الإسلام وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حَوْزَة بلاد المسلمين، وقد وردت الأخبار بالترغيب في ذلك، وذِكْر كثرة الثواب فيه، فرَوَى البخاري في صحيحه عن سَهْل بن سَعْد الساعدي، رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رباطُ يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها» ". [تفسير ابن كثير: 2/ 197]، [والحديث رواه البخاري في صحيحه برقم (2892)]
وفي السياق نفسه وردت احاديث أخرى، فمن ذلك:
-أخرج الإمام البخاري عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " تَعِسَ عبد الدينار وعبد الدِّرْهَم وعبد الخَميصة، إن أُعْطِيَ رضي، وإن لم يُعْطَ سَخِط، تَعس وانتكَسَ، وإذا شيك فلا انْتَقَش طُوبَى لعَبدٍ آخذٍ بعنان فَرَسه في سبيل الله، أشعثَ رأسُهُ، مُغَبَّرةٍ قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في السَّاقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شَفَع لم يُشفَّعْ". [صحيح البخاري برقم (2886)].
-حديث آخر: أخرج الإمام مسلم عن سَلمان الفارسي، عن رسوله الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"رباطُ يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وَإنْ مات جَرَى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجْرِيَ عليه رزْقُه، وأمِنَ الفَتَّان ". [صحيح مسلم برقم (1913)].
-حديث آخر: أخرج الإمام مسلم والنسائي عن سلمان الفارسي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "رِباطُ يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجرِي عليه رزقُه، وأمن الفَتَّان". [صحيح مسلم برقم (1913) وسنن النسائي (3916)].
-حديث آخر: أخرج الإمام أحمد عن فُضالة بن عُبيد، قال:" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل ميّت يُخْتَمُ على عمله، إلا الذي مات مُرَابطًا في سبيل الله، فإنه يَنْمى له عملُه إلى يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر» ". [المسند (6/ 20) وسنن أبي داود برقم (2500) وسنن الترمذي برقم (1621) وصحيح ابن حبان (7/ 69) "الإحسان"].
-حديث آخر: أخرج الإمام احمد عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من مات مُرَابطا وقي فِتنة القبر، وأمن من الفَزَع الأكبر، وغَدَا عليه وريح برزقه من الجنة، وكتب له أجر المرابط إلى يوم القيامة". [المسند (2/ 404)].
-حديث آخر: أخرج الإمام احمد سمعت عقبة بن عامر يقول: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل ميّت يُخْتَم له على عمله، إلا المرابط في سبيل الله، فإنه يجري عليه عمله حتى يُبْعَثَ ويأمن من الفَتَّان". [المسند (3/ 157) وقال الهيثمي في المجمع (5/ 289):"فيه ابن لهيعة وحديثه حسن"].
-حديث آخر أخرج الإمام أحمد عن مُصْعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير قال: قال عثمان، رضي الله عنه وهو يخطب على منبره -: إني مُحدِّثكم حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يمنعني أن أحدثكم به إلا الضّن بكم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"حَرْسُ ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويُصَام نهارها". [المسند (1/ 61)].
-حديث آخر: أخرج الإمام أحمد عن سهل بن معاذ عن أبيه معاذ بن أنس، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" من حَرَس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعا لا بأجرة سلطان، لم ير النار بعينيه إلا تَحِلَّة القَسَم، فإن الله يقول: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا} [مريم: 71] ". [المسند (3/ 437)].
-حديث آخر: أخرج ابن ماجة عن أبي هُرَيرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من مات مُرَابطًا في سبيل الله، أجرى عليه عمله الصالح الذي كان يعمل وأجْري عليه رزقه، وأمن من الفتان، وبعثه الله يوم القيامة آمنا من الفَزَع"[سنن ابن ماجة برقم (2767) وقال البوصيري في الزوائد (2/ 391): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات"].
-حديث آخر أخرج الترمذي عن محمد بن المُنْكَدر قال: "مر سَلْمان الفارسي بشُرَحْبِيل بن السِّمْط، وهو في مُرَابَط له، وقد شَق عليه وعلى أصحابه فقال: أفلا أحدثك - يا ابن السمط - بحديث سمعتُه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى. قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "رِبَاط يوم في سبيل الله أفضل - أو قال: خير - من صيام شهر وقيامه، ومن مات فيه وُقي فِتْنَة القبر، ونَمَا له عمله إلى يوم القيامة". [سنن الترمذي برقم (1665)].
-حديث آخر: أخرج الترمذي عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "عَيْنان لا تَمَسُّهما النار: عَيْنٌ بَكَتْ من خَشْيَةِ الله، وعين باتت تَحْرُسُ في سبيل الله". [سنن الترمذي برقم (1639)].
-حديث آخر: أخرج أبو داود عن ابن سلام أنه سمع أبا سلام قال: "حدثني السلولي: أنه حدثه سهل ابن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حُنين، فأطنبوا السير حتى كانت عَشِيّة، فحضرت الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل فارس فقال: يا رسول الله، إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهُوازن على بَكْرَة أبيهم بظُعنهم ونَعَمِهم وشَائِهم اجتمعوا إلى حنين، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "تلك غَنِيمَة المسلمين غدًا إن شاء الله تعالى ". ثم قال: "من يحرسنا الليلة؟ " قال أنس بن أبي مرثد: أنا يا رسول الله. فقال: فاركب" فركب فرسًا له، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اسْتَقْبِل هذا الشِّعْب حتى تكون في أعلاه ولا يَغَرَّن من قِبَلِك الليلة" فلما أصبحنا خرَج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مُصَلاه فركع ركعتين ثم قال: "هل أحسستم فارسكم؟ " قال رجل: يا رسول الله، ما أحسسناه، فثُوِّب بالصلاة، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي يلتفت إلى الشعب، حتى إذا قضى صلاته قال:"أبْشِرُوا فقد جاءكم فارسكم" فجعلنا ننظر إلى خِلال الشجر في الشعب، فإذا هو قد جاء، حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما، فنظرت فلم أر أحدًا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هل نزلت الليلة؟ " قال: لا إلا مصليًا أو قاضيًا حاجة، فقال له:"أوْجَبْتَ، فلا عليك ألا تعمل بعدها". [سنن أبي داود برقم (2501) والنسائي في السنن الكبرى برقم (8870)].
-وفي السياق نفسه روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن المبارك من طريق محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة قال: "أملى علي عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس، وودعته للخروج، وأنشدها معي إلى الفضيل بن عياض في سنة سبعين ومائة، وفي رواية: سنة سبع وسبعين ومائة:
يا عابدَ الحرمين لَوْ أبْصَرْتَنا
…
لَعَلمْتَ أنكَ في العبادِة تلعبُ
من كان يخضب خدَّه بدموعِه
…
فَنُحورنا بدمائنا تَتَخضَّب
أو كان يُتْعِبُ خَيْلَه في باطلٍ
…
فخُيولنا يومَ الصبِيحة تَتْعبُ
ريحُ العبيرِ لكم ونحنُ عبيرُنا
…
وَهجُ السنابِك والغبارُ الأطيبُ
ولَقَد أتانا من مَقَالِ نبينا
…
قول صَحيح صادق لا يَكْذبُ
لا يستوي وَغُبَارَ خيل الله في
…
أنف امرئ ودخانَ نار تَلْهَبُ
هذا كتاب الله يَنْطق بيننا
…
ليس الشهيدُ بمَيِّت لا يَكْذبُ
قال: فلقيت الفُضيل بن عياض بكتابه في المسجد الحرام، فلما قرأه ذَرِفَتْ عَيْنَاهُ وقال: صَدَق أبو عبد الرحمن، ونصحني، ثم قال: أنت ممن يكتب الحديث؟ قال: قلت: نعم قال: فاكتب هذا الحديث كرَاءَ حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا. وأملى عَلَيّ الفُضيل بن عياض: حدثنا منصور بن المعتمر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رجلا قال: يا رسول الله عَلمني عملا أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله فقال: " هل تستطيع أن تُصَلِّي فلا تَفْتُر وتصومَ فلا تُفْطِر؟ " فقال: يا رسول الله، أنا أضْعَفُ من أن أستطيع ذلك، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم:" فَوالَّذي نَفْسِي بِيَدِه لو طُوقْتَ ذلك ما بلغتَ المجاهدين في سبيل الله أوما عَلمتَ أن الفرس المجاهد ليَسْتَنُّ في طِوَله فيكتب له بذلك الحسنات". [رواه أحمد في المسند (5/ 236)، وانظر: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (14/ 22)، وتفسير ابن كثير: 2/ 201 - 203].
والرابع: أن معنى {رابطوا} ، أي: رابطوا على الصلوات بانتظارها واحدة بعد واحدة. قاله أبو هريرة-رضي الله عنه (1)، ونسبه الطبري إلى أبي سلمة بن عبدالرحمن (2)، وروي عن يحيى بن سعيد بن المسيب نحو ذلك (3).
روي عن عبد الرحمان بن يعقوب، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء عند المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط"(4).
والراجح من الأقوال السابقة-والله أعلم-، أن معنى {اصبروا} ، أي: " اصبروا على دينكم وطاعة ربكم، فأمر الله عز وجل بالصبر على جميع معاني طاعته فيما أمر ونهى، صعبها وشديدها، وسهلها وخفيفها، لأن الله لم يخصص من معاني الصبر على الدين والطاعة شيئًا، فيجوز إخراجه من ظاهر التنزيل.
وقوله: {وصابروا} ، يعني: وصابروا أعداءكم من المشركين، لأن وزن الفعل من "المفاعلة"، وهي في كلام العرب تفيد المشاركة بين اثنين فصاعدا، ولا تكون من واحد إلا قليلا في أحرف معدودة، وبالتالي فإن الله أمر المؤمنون أن يصابروا غيرهم من أعدائهم، حتى يظفرهم الله بهم، ويعلي كلمته، ويخزي أعداءهم، وأن لا يكون عدوُّهم أصبر منهم.
وأما قوله تعالى: {ورابطوا} ، أي: ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم من أهل الشرك، في سبيل الله، لأن أصل "الرباط "، ارتباط الخيل للعدوّ، كما ارتبط عدوهم لهم خيلهم، ثم استعمل ذلك في كل مقيم في ثغر يدفع عمن وراءه من أراده من أعدائهم بسوء، ويحمي عنهم من بينه وبينهم ممن بغاهم بشر، كان ذا خيل قد ارتبطها، أو ذا رَجْلة لا مركب له، فهذا هو المعنى المعروف من معاني الرباط، وإنما يوجه الكلام إلى الأغلب المعروف في استعمال الناس من معانيه، دون الخفي، حتى تأتي بخلاف ذلك مما يوجب صرفه إلى الخفي من معانيه حجة يجب التسليم لها من كتاب، أو خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إجماع من أهل التأويل (5).
قال ابن عطية: " والقول الصحيح هو أن (الرباط) هو الملازمة في سبيل الله، أصلها من ربط الخيل، ثم سمي كل ملازم لثغر من ثغور الإسلام مرابطا، فارسا كان أو راجلا، واللفظة مأخوذة من الربط، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فذلك الرباط» (6) إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله، إذ انتظار الصلاة إنما هو سبيل من السبل المنجية، والرباط اللغوي: هو الأول، وهذا كقوله: ليس الشديد بالسرعة، كقوله: ليس المسكين بهذا الطواف إلى غير ذلك من الأمثلة، والمرابط في سبيل الله عند الفقهاء: هو الذي يشخص إلى ثغر من الثغور ليرابط فيه مدة ما، قاله ابن المواز ورواه، فأما سكان الثغور دائما بأهليهم الذين يعتمرون ويكتسبون هنالك، فهم وإن كانوا حماة فليسوا بمرابطين "(7).
قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200]، " أي: وخافوا الله فلا تخالفوا أمره لتفوزوا بسعادة الدارين" (8).
قال مقاتل: أي: "ولا تعصوا، ومن يفعل ذلك فقد أفلح"(9).
قال محمد بن كعب القرظي: " {واتقوا الله} فيما بيني وبينكم، {لعلكم تفلحون} غدًا إذا لقيتموني"(10).
قال الطبري: أي: " واتقوا الله، أيها المؤمنون، واحذروه أن تخالفوا أمره أو تتقدموا نهيه، لتفلحوا فتبقوا في نعيم الأبد، وتنجحوا في طلباتكم عنده"(11).
قال ابن كثير: " أي: في جميع أموركم وأحوالكم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ [بن جبل] (2) رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: «اتَّق الله حَيْثُما كُنْتَ وأتْبع السيئَة الحسنة تَمْحُها وخالق الناس بخُلق حَسَنٍ» (12). {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي: في الدنيا والآخرة"(13).
قال الزجاج: أي: " {واتقوا الله} في كل ما أمركم به، ونهاكم عنه، لتكونوا على رجاء فلاح - وإنما قيل لهم {لعلكم تفلحون}: أي لعلكم تسلمون من أعمال تبطل أعمالكم هذه، فأما المؤمنون الذين وصفهم الله جل ثناؤه فقد أفلحوا، قال الله جل وعز: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1 - 2]، إلى آخر وصف المؤمنين، فهؤلاء قد أفلحوا لا محالة وإنما يكون الترجي مع عمل يتوهم أنه بعض من العمل الصالح"(14).
قال ابن عطية: " ثم ختم الله تعالى السورة بهذه الوصاة التي جمعت الظهور في الدنيا على الأعداء، والفوز بنعيم الآخرة، فحض على الصبر على الطاعات وعن الشهوات، وأمر بالمصابرة، فقيل: معناه مصابرة الأعداء، وقوله {ورابطوا}: قال جمهور الأمة معناه: رابطوا أعداءكم الخيل، أي ارتبطوها كما يرتبطها أعداؤكم، ومنه قوله عز وجل: {وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال: 60] "(15).
الفوائد:
1 -
فضيلة الإيمان، وأن أهل الإيمان هم أجدر الناس بتوجيه الخطاب إليهم، لقوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} .
2 -
أن ينبغي للإنسان أن يأتي في أسلوبه يما يحمل الإنسان على فعل ما طلب منه أو ترك ما نهي عنه، لقوله:{{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا} .
3 -
الحثّ على الصبر بل الأمر بالصبر، لقوله:{اصْبِرُوا} ، وهو في الحقيقة مشترك، قد يكون واجبا وهو الصبر على الواجب وترك المحرم وعلى الأقدار المؤلمة، وقد يكون الصبر مستحبا وهو الصبر على المستحبات أو على ترك المكروهات، فإن الصبر فيها أكمل وأفضل.
4 -
الأمر بالمصابرة، وأن الإنسان يصابر من يضاده ويعد له، فإن العاقبة ستكون له عليه إذا صابره امتثالا لأمر الله عز وجل ورجاء لثوابه، وتحسبا للعاقبة الحميدة التي تكون فيها الدائرة على من ضاده.
5 -
الأمر بالمرابطة، والمرابطة إن كانت على واجب فهي واجبة، وإن كانت على مستحب فهي مستحبة.
6 -
الأمر بالتقوى، والتقوى واجبة، لأنها اتقاء الوقوع في المحرم إما بترك الواجب وإما بفعل المحرم.
7 -
النتائج الحميدة لمن قام بأوامر الله من الصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى، وهي-أي العاقبة الحميدة- الفلاح، لقوله تعالى:{لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .
------------------------------------------------------
انتهى المجلد السادس من التفسير بحمد الله تعالى، ويليه المجلد السابع بإذن الله تعالى وبدايته تفسير الآية (1) من سورة النساء.
(1) انظر: المستدرك: 2/ 301، وقال:"صحيح الإسناد ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي، وأسباب النزول للواحدي: 140 - 141.
(2)
انظر: تفسير الطبري (8394): ص 7/ 504.
(3)
انظر: تفسير القرآن من الجامع لابن وهب (317): ص 2/ 154 - 155.
(4)
أخرجه مالك في الموطأ (118)، وأحمد (7208): ص 2/ 235، و (7715): ص 2/ 277، و (7982): ص 2/ 301، و (7008): ص 2/ 303، و (9642): ص 2/ 438، ومسلم (508): ص 1/ 151، والترمذي (51)، (52)، والنسائي: 1/ 89، وفي الكبرى (138)، وأبو يعلى (6503)، وابن خزيمة (5)، وابن حبان (1038) ..
(5)
انظر: تفسير الطبري: 7/ 508 - 509.
(6)
لفظه في الروايات: «فذلكم الرباط» : أخرجه مالك في الموطأ (118)، وأحمد (7208): ص 2/ 235، و (7715): ص 2/ 277، و (7982): ص 2/ 301، و (7008): ص 2/ 303، و (9642): ص 2/ 438، ومسلم (508): ص 1/ 151، والترمذي (51)، (52)، والنسائي: 1/ 89، وفي الكبرى (138)، وأبو يعلى (6503)، وابن خزيمة (5)، وابن حبان (1038) ..
(7)
المحرر الوجيز: 1/ 560.
(8)
صفوة التفاسير: 232.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 324.
(10)
أخرجه الطبري (8399): ص 7/ 510، وابن أبي حاتم (4711): ص 3/ 851، بزيادة في آخر الخبر:" فذلك حين يقول اصبروا وصابروا".
(11)
تفسير الطبري: 7/ 509.
(12)
أخرجه أحمد (21681): ص 5/ 153، و (21732): ص 5/ 158، و (21869): ص 5/ 177، والدارمي (2791)، والترمذي (1987).
(13)
تفسير ابن كثير: 2/ 203.
(14)
معاني القرآن: 1/ 502.
(15)
المحرر الوجيز: 1/ 559 - 560، وانظر: تفسير القرطبي: 4/ 313.
الموضوع
…
الصفحة
{الم (1)
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2)
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3)
مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4)
إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5)
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8)
رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9)
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10)
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11)
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12)
قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (13)
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)
قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15)
الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16)
الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17)
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21)
أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22)
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)
فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25)
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)
تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)
لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)
قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29)
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30)
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)
ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)
إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)
فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36)
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)
هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38)
فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39)
قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40)
قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)
وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)
ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ
وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)
إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45)
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46)
قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47)
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48)
وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49)
وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50)
إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51)
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)
رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53)
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55)
فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56)
وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57)
ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58)
إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60)
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62)
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63)
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65)
هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66)
مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67)
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)
وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69)
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70)
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71)
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72)
وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73)
يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74)
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)
بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77)
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78)
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79)
وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80)
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81)
فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82)
أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83)
قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84)
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86)
أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87)
خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88)
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89)
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ
(90)
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91)
لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)
كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93)
فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94)
قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95)
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96)
فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98)
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100)
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)
وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106)
وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107)
تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108)
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109)
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110)
لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111)
ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112)
لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113)
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي
الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114)
وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (116)
مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118)
هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119)
إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)
وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121)
إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122)
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)
إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124)
بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125)
وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126)
لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127)
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128)
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130)
وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131)
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132)
وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)
وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135)
أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136)
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137)
هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138)
وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)
إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)
وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141)
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143)
وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144)
وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145)
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)
وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147)
فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149)
بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150)
سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151)
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152)
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153)
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154)
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156)
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157)
وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُتَوَكِّلِينَ (159)
إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160)
وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161)
أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162)
هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163)
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164)
أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165)
وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166)
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167)
الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168)
وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)
فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170)
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)
الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172)
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)
فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176)
إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177)
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178)
مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181)
ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (182)
الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (183)
فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (184)
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)
لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188)
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189)
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)
رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192)
رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193)
رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194)
فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195)
لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196)
مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)
لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198)
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)}