الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شفاها من الداء العضال الذي بها
…
غلام إذا هز القناة رواها
رواها فأرواها بشرب سجالها
…
دماء رجال حيث نال حشاها" (1).
ثانيا: ومن وجوه المناسبة كذلك: أن في "آل عمران" ذكر قصة "أحد" مستوفاة، وفي هذه السورة ذكر ذيلها، وهو قوله تعالى:{فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ} [النساء: 88]، فإنه نزل فيما يتعلق بتلك الغزوة على ما ستسمعه إن شاء الله تعالى مرويا عن البخاري ومسلم وغيرهما.
ثالثا: ومنها: أن في "آل عمران" ذكر الغزوة التي بعد "أحد"، كما أشرنا إليه في قوله تعالى:{الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [آل عمران: 172] إلخ، وأشير إليها هاهنا بقوله سبحانه:{وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ} [النساء: 104] الآية.
رابعا: ومنها: أن في كلتا السورتين محاجة لأهل الكتاب، وبيانا لأحوال المنافقين، وتفصيلا لأحكام القتال (2).
وبذلك يظهر أن تأخير سورة "النساء" عن "آل عمران" أنسب من تقديمها عليها كما في مصحف ابن مسعود، لأن المذكور هنا ذيل لما ذكر هناك وتابع، فكان الأنسب فيه التأخير (3).
قال الآلوسي: "ومن أمعن نظره وجد كثيرا مما ذكر في هذه السورة مفصلا لما ذكر فيما قبلها، فحينئذ يظهر مزيد الارتباط وغاية الاحتباك"(4).
فضائل السورة
ورد في فضل هذه السورة مجموعة من الاخبار:
أحدها: - أن سورة "النساء" هي من السَّبع الطُّوال التي ورد في فضلها أحاديثُ عن النبي صلى الله عليه وسلم عظيمةٌ؛ فعن عائشةَ رضي الله عنها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"من أخذ السَّبعَ الأُوَلَ من القرآن، فهو حَبْرٌ"(5).
وعن عبدالله بن مسعود-رضي الله عنه: "من قرآ آل عمران فهو الغني، والنساء محبرة"(6).
والثاني: - وقد ورد حديث في فضل آيية من هذه السورة في قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41].
عن عبد الله بن مسعود قال: "قال لي صلى الله عليه وسلم: «اقرأ علي»، قلت: يا رسول الله، آقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: "نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري" فقرأت سورة النساء، حتى أتيت إلى هذه الآية: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} قال: «حسبك الآن»، فإذا عيناه تذرفان"(7).
(1) روح المعاني: 2/ 389.
(2)
انظر: التفسير الوسيط لطنطاوي: 3/ 8.
(3)
انظر: روح المعاني: 2/ 389.
(4)
روح المعاني: 2/ 389.
(5)
أخرجه أحمد (24575)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (5979).
(6)
أخرجه الدارمي في سننه (3395): ص 2/ 544، وابو عبيد في فضائله: 127، والبيهقي في الشعب:(2615): ص 2/ 529، وأورده السيوطي في الدر: 2/ 140، وعزاه للدارمي ومحمد بن نصر والبيهقي في الشعب. [والحديث فيه إسرائيل بن يونس روي عن شيخه أبي إسحاق السبيعي وقد اختلط بآخره كما قال الحافظ في "التقريب":423.
(7)
صحيح البخاري برقم (5050) وصحيح مسلم برقم (800)، وسنن أبي داود برقم (3668) وسنن النسائي الكبرى برقم (8078) والشمائل للترمذي برقم (306).
والثالث: -عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال:" في خمس آيات من سورة النساء: لَهُنَّ أحب إليَّ من الدنيا جميعًا: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) وقوله: {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} [سورة النساء: 40]، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [سورة النساء: 48، 116]، وقوله: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [سورة النساء: 110]، وقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [سورة النساء: 152] "(1).
والرابع: - عن ابن عباس قال: "ثمانِ آيات نزلت في سورة النساء، هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، أولاهن: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [سورة النساء: 26]، والثانية: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا} [سورة النساء: 27]، والثالثة: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا} [سورة النساء: 28]، ثم ذكر مثل قول ابن مسعود سواء، وزاد فيه: ثم أقبل يفسرها في آخر الآية: وكان الله للذين عملوا الذنوب غفورًا رحيمًا"(1).
هذا ما تيسر من التمهيد للسورة، ولعلنا بذلك- أخى القارئ- نكون قد قدمنا لك تعريفا لهذه السورة يعينك على تفهم أسرارها، ومقاصدها. وتوجيهاتها قبل أن نبدأ في تفسير آياتها بالتفصيل والتحليل، والله نسأل أن يوفقنا جميعا لما يحبه ويرضاه وأن يجنبنا فتنة القول والعمل. وأن يجعل أعمالنا وأقوالنا ونوايانا خالصة لوجهه الكريم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(1) أخرجه الطبري (9233): ص 8/ 356 - 357، والحاكم في المستدرك (2/ 305)، وقال:" هذا إسناد صحيح إن كان عبد الرحمن سمع من أبيه، فقد اختلف في ذلك".
(2)
أخرجه الطبري (9234): 8/ 257.
القرآن
التفسير:
يا أيها الناس خافوا الله والتزموا أوامره، واجتنبوا نواهيه; فهو الذي خلقكم من نفس واحدة هي آدم عليه السلام، وخلق منها زوجها وهي حواء، ونشر منهما في أنحاء الأرض رجالا كثيرًا ونساء كثيرات، وراقبوا الله الذي يَسْأل به بعضكم بعضًا، واحذروا أن تقطعوا أرحامكم. إن الله مراقب لجميع أحوالكم.
قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء: 1]، أي: يا أيها الناس" خافوا الله الذي أنشأكم من أصلٍ واحد وهو نفس أبيكم آدم"(1).
قال البيضاوي: " خطاب يعم بني آدم، أي خلقكم من شخص واحد "(2).
قال الزمخشري: أي: " يا بنى آدم فرعكم من أصل واحد وهو نفس آدم أبيكم"(3).
قال مقاتل: " يخوفهم يقول: اخشوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، يعنى: آدم"(4).
وعن مقاتل بن حيان قوله: {اتقوا ربكم} : واعبدوه" (5).
عن ابن عباس: " {يا أيها الناس}، أي: للفريقين جميعا من الكفار والمنافقين"(6).
قال السدي: " أما خلقكم من نفس واحدة، فمن آدم صلى الله عليه وسلم "(7)، وروي عن مجاهد وأبي مالك، وقتادة ومقاتل نحو ذلك (8).
فذكر عامة المفسرين أنه عنى بالنفس آدم، {وزوجها}: حواء، في حين ذكر بعضهم أنه عنى بالنفس الروح المذكورة في قوله صلى الله عليه وسلم:"إن الله خلق الأرواح قبل الأجسام بكذا سنة» (9) "(10).
قال الراغب: " أدنى منازل التقوى اجتناب الكفر، وأعلاها أن لا تراعي من الدنيا والآخرة سوى الله"(11).
قوله تعالى: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: 1]، " أي: وأوجد من تلك النفس الواحدة زوجها وهي حواء" (12).
قال البيضاوي: أي: وخلق منه أمكم حواء من ضلع من أضلاعه" (13).
قال مجاهد: "حواء من قصير آدم وهو نائم، فاستيقظ، فقال: أثا، بالنبطية، أي امرأة"(14)،
وروي عن السدي وقتادة ومقاتل بن حيان أنها: "حواء"(15).
(1) صفوة التفاسير: 236.
(2)
تفسير البيضاوي: 2/ 58.
(3)
الكشاف: 1/ 461.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 355.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4713): ص 3/ 852.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (4712): ص 3/ 852.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (4714): ص 3/ 852.
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم ((4714): ص 3/ 852.
(9)
ضعيف، انظر: أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري): ص 3/ 1531، وفتح الباري (7/ 369، 370)، والأسماء والصفات للبيهقي: 2/ 216، وذكره جماعة من المفسرين، منهم الراغب في تفسيره: 3/ 1072، والرازي في مفاتيح الغيب: 29/ 328، وأبو حيان في البحر: 3/ 495.
قال أبو الفداء: " وأما حديث خلق الله الأرواح قبل الأجسام بألفي عام فضعيف جدًّا، فلا يعول عليه، وكذا قول ابن عباس: "خلق الله الأرواح قبل الأجسام بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة" فلم يثبت عن ابن عباس، بل هو باطل عنه، قاله ابن حجر المكي في فتاويه الحديثية". [كشف الخفاء: 1/ 260].
(10)
انظر: تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1027.
(11)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1072.
(12)
صفوة التفاسير: 236.
(13)
تفسير البيضاوي: 2/ 58.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (4719): ص 3/ 853.
(15)
انظر: ابن أبي حاتم (4719): ص 3/ 853.
قال الضحاك: " خلق حواء من آدم، من ضلع الخلف، وهو من أسفل الأضلاع"(1).
قال مقاتل: " يعني من نفس آدم من ضلعه حواء"(2).
قال ابن عباس: " خلقت المرأة من الرجل، فجعل نهمتها في الرجال، وخلق الرجل من الأرض، فجعل نهمته في الأرض، فاحبسوا نساءكم"(3).
قال الراغب: " وقال بعضهم: نبه بقوله: {وخلق منها زوجها} ، أن المرأة بعض من الرجل، تنبيها على نقصانها وكماله، وقد نبه صلى الله عليه وسلم بقوله ذلك أنها مخلوقة خلقة معوجة، لا ينتفع بها إلا كذلك، فلا يهمنك تنقيتها، وعلى ذلك قال صلى الله عليه وسلم:«إن المرأة خلقت من ضلع، وإنك إن أردت أن تقيمها كسرتها، وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها» (4)، وبهذا النظر قيل: أخس صفات الرجل الشح والجبن، وهما أشرف
صفات المرأة" (5).
قوله تعالى {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء: 1]، " أي: ونشر وفرّق من آدم وحواء خلائق كثيرين ذكوراً وإِناثاً" (6).
قال مقاتل بن حيان: " قوله: {وبثّ منهما}: من آدم وحواء، يقول: خلق منهما رجالا كثيرا ونساء"(7).
قال السدي: " {بثّ}: خلق"(8)، وروي عن مقاتل بن حيان نحو ذلك (9).
قال البيضاوي: " واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها، إذ الحكمة تقتضي أن يكن أكثر، وذكر كثيرا حملا على الجمع وترتيب الأمر بالتقوى على هذه القصة لما فيها من الدلالة على القدرة القاهرة التي من حقها أن تخشى، والنعمة الباهرة التي توجب طاعة موليها، أو لأن المراد به تمهيد الأمر بالتقوى فيما يتصل بحقوق أهل منزله وبني جنسه على ما دلت عليه الآيات التي بعدها"(10).
وقرئ «وخالق» «وباث» على حذف مبتدأ تقديره وهو خالق وباث (11).
قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} [النساء: 1]، "أي: وخافوا الله الذي يناشد بعضكم بعضاً به، واتقوا الأرحام أن تقطعوها" (12).
قال السدي: " يقول: اتقوا الله، واتقوا الأرحام لا تقطعوها"(13).
قال إبراهيم: " اتقوا الله الذي تعاطفون به والأرحام. يقول: الرجل يسأل بالله وبالرَّحم"(14).
قال ابن عباس: " {اتقوا الله الذي تساءلون به}، واتقوا الأرحام وصلوها"(15)، وروي عن الضحاك مثله (16).
قال ابن أبي حاتم: "وروي عن مقاتل بن حيان وعكرمة قالا: لا تقطعوها"(17).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (4717): ص 3/ 852.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 355.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4718): ص 3/ 852.
(4)
أخرجه الحميدي (1168)، وأحمد:(9794): ص 2/ 449، و 2/ 497 (10452)، والدارمي:(2222)، والبخاري (5184)، ومسلم (3637)، وابن حبان (4179). ونص الحديث:" عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن المرأة خلقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها".
ـ وفي رواية: "لا تستقيم لك المرأة على خليقة واحدة، وإنما هي كالضلع، إن تقمها تكسرها، وإن تتركها تستمتع بها وفيها عوج".
ـ وفي رواية: "المرأة كالضلع، إن أقمتها كسرتها، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج".
(5)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1075.
(6)
صفوة التفاسير: 236.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (4721): ص 3/ 853.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (4720): ص 3/ 853.
(9)
انظر: تفسبر ابن أبي حاتم (4720): ص 3/ 853.
(10)
تفسير البيضاوي: 2/ 58.
(11)
انظر: تفسير البيضاوي: 2/ 58.
(12)
صفوة التفاسير: 236.
(13)
أخرجه الطبري (8421): ص 7/ 521.
(14)
أخرجه الطبري (8414): ص 7/ 518.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (4726): ص 3/ 854.
(16)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4726): ص 3/ 854.
(17)
تفسير ابن أبي حاتم (5726): ص 3/ 854.
وأخرج الطبري عن ابن زيد: " واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وقرأ: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} [سورة الرعد: 21] "(1).
قال مقاتل: " يقول: تسألون بالله بعضكم ببعض الحقوق والحوائج، واتقوا الأرحام أن تقطعوها وصلوها"(2).
عن مجاهد قوله: " {واتقوا الله الذي تسائلون به}، قال: يقول أسألك بالله وبالرحم"(3). وروي عن إبراهيم النخعي، وعكرمة نحو ذلك (4).
وقال الضحاك: "يقول: اتقوا الله الذي تعاقدون وتعاهدون به"(5). وروي عن الربيع نحو ذلك (6).
عن السري بن يحيى قال: "تلا الحسن هذه الآية: {واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام}: فإذا سئلت بالله فأعط، وإذا سئلت بالرحم فأعط يعني: الرحم التي بينك وبينه"(7).
عن الربيع في قوله: " {اتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام}، قال: الذي تعهدون وتعتقدون به"(8).
عن سعيد بن جبير في قوله: " {اتقوا الله}، يعني: المؤمنين يحذرهم"(9).
نستنتج من الأقوال السابقة أن في قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} [النساء: 1]، وجهان:
أحدهما: أن معنى قوله {تساءلون به} ، هو قولهم: أسألك بالله وبالرحم، وهذا قول مجاهد (10)، وإبراهيم (11)، والحسن (12)، وعكرمة في أحد قوليه (13).
وتقويه قراءة حمزة: {والأرحام} ، بالكسر، على هذا المعنى (14).
والثاني: أنه أراد بقوله: {والأرحام} ، أي: صِلُوها ولا تقطعوها، وهو ابن عباس (15)، وقتادة (16)، والضحاك (17)، والسدي (18)، وابن زيد (19)، والربيع (20)، وعكرمة (21)، ومقاتل بن حيان (22).
قال الماوردي: " لأن الله تعالى قصد بأول السورة حين أخبرهم أنهم من نفس واحدة أن يتواصلوا ويعلموا أنهم إخوة وإن بعدوا"(23).
وقرئ: {تسلون به} ، مهموز أو غير مهموز، وقرئ {تسألون به} ، وخففه أهل الكوفة على حذف إحدى التائين تخفيفا كقوله:{وَلَا تَعَاوَنُوا} [المائدة: 2]، ونحوها (24).
(1) تفسير الطبري (8343): ص 7/ 522.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 355.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4723): ص 3/ 853.
(4)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4725): ص 3/ 854.
(5)
أخرجه الطبري (8410): ص 7/ 518.
(6)
انظر: تفسير الطبري (8411)، و (8412): ص 7/ 518.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (4724): ص 3/ 853.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (4725): ص 3/ 853.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (4722): ص 3/ 853.
(10)
انظر: تفسير: ابن أبي حاتم (4723): ص 3/ 853.
(11)
انظر: تفسير: الطبري (8414): ص 7/ 518.
(12)
انظر: تفسير الطبري (8420): ص 7/ 519، وابن أبي حاتم (4724): ص 3/ 853.
(13)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4725): ص 3/ 854.
(14)
انظر: السبعة في القراءات: 226.
(15)
انظر: تفسير الطبري (8423): ص 7/ 521، وتفسير ابن أبي حاتم (4726): ص 3/ 854.
(16)
انظر: تفسير الطبري (8422)، و (8427): ص 7/ 521، والنكت والعيون: 2/ 447.
(17)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4726): ص 3/ 854.
(18)
انظر: تفسير الطبري (8421): ص 7/ 521.
(19)
تفسير الطبري (8343): ص 7/ 522.
(20)
انظر: تفسير الطبري (8433): ص 7/ 522.
(21)
تفسير ابن أبي حاتم (5726): ص 3/ 854.
(22)
تفسير ابن أبي حاتم (5726): ص 3/ 854.
(23)
النكت والعيون: 2/ 447.
(24)
انظر: معاني القرآن للأخفش: 1/ 243، وتفسير الطبري: 7/ 519، وتفسير الثعلبي: 3/ 241، وتفسير البغوي: 2/ 159، والكشاف: 1/ 462، وتفسير البيضاوي: 2/ 58.
وقرئ: {والأرحامُ} بالحركات الثلاث، وقراءة العامة بالنصب، أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وقرأ حمزة بالخفض، أي: به وبالأرحام كما يقال: سألتك بالله والأرحام، والقراءة الأولى أفصح لأن العرب لا تكاد تنسق بظاهر على مكنى، إلا أن تعيد الخافض فتقول: مررت به وبزيد، إلا أنه جائز مع قلته (1).
قال البيضاوي: " وقد نبه سبحانه وتعالى إذ قرن الأرحام باسمه الكريم على أن صلتها بمكان منه"(2).
وعن عائشة-رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله"(3).
قال الزمحشري: " وسئل ابن عيينة عن قوله عليه الصلاة والسلام «تخيروا لنطفكم» (4)، فقال: يقول لأولادكم، وذلك أن يضع ولده في الحلال، ألم تسمع قوله تعالى {واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام}، وأول صلته أن يختار له الموضع الحلال، فلا يقطع رحمه ولا نسبه فإنما للعاهر الحجر، ثم يختار الصحة ويجتنب الدعوة، ولا يضعه موضع سوء يتبع شهوته وهواه بغير هدى من الله"(5).
قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]، أي:" إن الله مراقب لجميع أحوالكم"(6).
قال البيضاوي: أي: " حافظا مطلعا"(7).
قال مقاتل: " يعنى: حفيظا لأعمالكم"(8).
قال الواحيد: " أَيْ: حافظاً يرقب عليكم أعمالكم فاتَّقوه فيما أمركم به ونهاكم عنه"(9).
قال الطبري: أي: " إنّ الله لم يزل عليكم رقيبًا، ويعني بقوله: {رقيبًا}، حفيظًا، مُحصيًا عليكم أعمالكم، متفقدًا رعايتكم حرمةَ أرحامكم وصلتكم إياها، وقطعكموها وتضييعكم حرمتها"(10).
قال أبو السعود: " أي مراقبا وهي صيغة مبالغة من رقب يرقب رقبا إذا أحد النظر لأمر يريد تحقيقه أي حافظا مطلعا على جميع ما يصدر عنكم من الأفعال والأقوال وعلى ما في ضمائركم من النيات مريدا لمجازاتكم بذلك وهو تعليل للأمر ووجوب الامتثال به وإظهار الاسم الجليل لتأكيده وتقديم الجار والمجرور لرعاية الفواصل"(11).
قال القاسمي: " أي: مراقبا لجميع أحوالكم وأعمالكم. يراها ويعلمها فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. كما قال: والله على كل شيء شهيد، وفي الحديث: «اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (12) "(13).
وفي تفسير قوله تعالى: {رَقِيبًا} [النساء: 1]، قولان:
أحدهما: معناه: " حفيظا". قاله مجاهد (14)، وروي عن قتادة، ومقاتل ابن حيان والثوري نحو ذلك (15).
والثاني: معناه: عليما، قال ابن زيد في قوله:" {إن الله كان عليكم رقيبًا}، على أعمالكم، يعلمها ويعرفها"(16).
قال الراغب: " وكلاهما صحيح، فحافظ الشيء يقتضي أن يكون عالما به ليمكنه أن يحفظه، وبين بقوله: {كان عليكم رقيبا}، أنه قبل أن خلقكم وأوجدكم كان مراعيا لكم، تنبيها أنه لا يخفى عليه أمركم في كل حال"(17).
(1) انظر: تفسير الطبري: 7/ 519، وتفسير الثعلبي: 3/ 241، وتفسير البغوي: 2/ 159، والكشاف: 1/ 462، وتفسير البيضاوي: 2/ 58.
(2)
تفسير البيضاوي: 2/ 58.
(3)
أخرجه أحمد: 6/ 62، والبخاري: 8/ 7، وفي (الأدب المفرد)(55)، ومسلم: 8/ 7.
(4)
أخرجه ابن ماجة (1968) ..
(5)
الكشاف: 1/ 463.
(6)
التفسير الميسر: 77.
(7)
تفسير البيضاوي: 2/ 58.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 355.
(9)
الوجيز: 251.
(10)
تفسير الطبري: 7/ 523.
(11)
تفسير أبي السعود: 2/ 139.
(12)
أخرجه البخاري (46) ..
(13)
محاسن التأويل: 3/ 8.
(14)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4727): ص 3/ 854.
(15)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4727): ص 3/ 854.
(16)
أخرجه الطبري (8435): ص 7/ 523.
(17)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1081.
الفوائد:
1 -
افتتح تعالى هذه السورة بالأمر بتقواه، والحث على عبادته، والأمر بصلة الأرحام، والحث على ذلك.
وبين السبب الداعي الموجب لكل من ذلك، وأن الموجب لتقواه (1).
2 -
أهمية الأمر بتقوى الله تعالى إذا كررت في آية واحدة مرتين في أولها وفي آخرها.
3 -
وجوب صلة الأرحام وحرمة قطعها.
4 -
مراعاة الأخوة البشرية بين الناس واعتبارها في المعاملات.
5 -
وفي الإخبار بأنه خلقهم من نفس واحدة، وأنه بثهم في أقطار الأرض، مع رجوعهم إلى أصل واحد -ليعطف بعضهم على بعض، ويرقق بعضهم على بعض، وقرن الأمر بتقواه بالأمر ببر الأرحام والنهي عن قطيعتها، ليؤكد هذا الحق، وأنه كما يلزم القيام بحق الله، كذلك يجب القيام بحقوق الخلق، خصوصا الأقربين منهم، بل القيام بحقوقهم هو من حق الله الذي أمر به" (2).
6 -
في قوله: {وخلق منها زوجها} تنبيه على مراعاة حق الأزواج والزوجات والقيام به، لكون الزوجات مخلوقات من الأزواج، فبينهم وبينهن أقرب نسب وأشد اتصال، وأقرب علاقة" (3).
7 -
إثبات اسمه تعالى «الرقيب» ، أي:" الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء"(4).
قال السعدي: «الرقيب» ، أي:"مطلع على العباد في حال حركاتهم وسكونهم، وسرهم وعلنهم، وجميع أحوالهم، مراقبا لهم فيها مما يوجب مراقبته، وشدة الحياء منه، بلزوم تقواه"(5).
القرآن
التفسير:
وأعطوا مَن مات آباؤهم وهم دون البلوغ، -وكنتم عليهم أوصياء- أموالهم إذا وصلوا سن البلوغ، ورأيتم منهم قدرة على حفظ أموالهم، ولا تأخذوا الجيِّد من أموالهم، وتجعلوا مكانه الرديء من أموالكم، ولا تخلطوا أموالهم بأموالكم; لتحتالوا بذلك على أكل أموالهم. إن من تجرأ على ذلك فقد ارتكب إثمًا عظيمًا.
(1) انظر: تفسير السعدي: 163.
(2)
تفسير السعدي: 163.
(3)
تفسير السعدي: 163.
(4)
جامع الاصول، ابن الاثير: 4/ 179.
(5)
تفسير السعدي: 163.
في سبب نزول الآية ثلاثة وجوه:
أحدها: أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن سعيد بن جبير: " أن رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم، طلب ماله، فمنعه عمه، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونزلت: {وآتوا اليتامى أموالهم}، يعني: الأوصياء يقول: أعطوا اليتامى أموالهم"(1). قال ابن أبي حاتم: " وروي عن مقاتل بن حيان قال: الأولياء والأوصياء"(2).
وفي السياق نفسه قال مقاتل (3)، والكلبي (4): " نزلت في رجل من غطفان، يقال له المنذر بن رفاعة، كان معه مال كبير ليتيم وهو ابن أخيه، فلما بلغ طلب ماله، فمنعه فخاصمه إلى النبي- صلى الله عليه وسلم فأمر، أن يرد عليه ماله، وقرأ عليه الآية. فلما سمعها قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، ونعوذ بالله من الحوب الكبير. فدفع إليه ماله فقال النبي- صلى الله عليه وسلم:«هكذا من يطع ربه- عز وجل ويوق شح نفسه فإنه يحل داره» يعني جنته. فلما قبض الفتن ماله أنفقه فى سبيل الله، قال النبي- صلى الله عليه وسلم:«ثبت الأجر وبقي الوزر» .
فقالوا للنبي- صلى الله عليه وسلم: «قد عرفنا ثبت الأجر فكيف بقي الوزر، وهو ينفق في سبيل الله؟ فقال: الأجر للغلام والوزر على والده» " (5).
والثاني: أخرج الطبري عن ابن زيد: " كان أهل الجاهلية لا يورِّثون النساءَ ولا يورِّثون الصغار، يأخذه الأكبر وقرأ: {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ}، قال: إذا لم يكن لهم شيء: {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ} [سورة النساء: 127]، لا يورثونهم، قال: فنصيبه من الميراث طيِّب، وهذا الذي أخذه خبيث"(6).
(1) تفسير ابن أبي حاتم (4728): ص 3/ 854.
(2)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4728): ص 3/ 854.
(3)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 356.
(4)
نقله عنه الواحدي في أسباب النزول: 142.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 356.
(6)
تفسير الطبري (8445): ص 7/ 526.
والثالث: وأخرج الطبري وابن أبي حاتم (1)، عن السدي:{ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} ، كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم ويجعل مكانها الشاة المهزولة، ويقول: شاة بشاة! ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الزيف، ويقول: درهم بدرهم! ! " (2).
وروي عن إبراهيم النخعي وسعيد بن المسيب والزهري، قالوا:" يعطي مهزولا ويأخذ سمينا"(3).
وروي عن الضحاك وإبراهيم النخعي (4) أيضا: " لا تعط فاسدًا، وتأخذ جيدًا"(5).
(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4738): ص 3/ 856.
(2)
تفسير الطبري (8442): ص 7/ 526.
(3)
.تفسير الطبري (8440): ص 7/ 526، وتفسير ابن أبي حاتم (4736): ص 3/ 855.
(4)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4737): ص 3/ 856.
(5)
.تفسير الطبري (8441): ص 7/ 526.
قوله تعالى: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 2]، " أي: أعطوا اليتامى الذين مات آباؤهم وهم صغار أموالهم إِذا بلغوا" (1).
قال الجصّاص: " تقديره: وآتوا اليتامى أموالهم إذا بلغوا وآنستم منهم رشدا"(2).
قال السمرقندي: " يقول للأولياء: آتوا اليتامى أموالهم التي عندكم إذا بلغوا النكاح، يعني الحلم"(3).
قال الزجاج: " أي: أعطوهم أموالهم إذا آنستم منهم رشدا، وإنما يسمون يتامى - بعد
أن يؤنس منهم الرشد، وقد زال عنهم اسم يتامى - بالاسم الأول الذي كان لهم، وقد كان يقال في النبي صلى الله عليه وسلم يتيم أبي طالب" (4).
قوله تعالى: {وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} [النساء: 2]، أي: لا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم" (5).
قا مجاهد: " الحلال بالحرام "(6).
وقال إبراهيم النخعي: " لا يعطي زيفا، ويأخذ جيدا "(7).
وقال سعيد بن المسيب: " لا تعط مهزولا، وتأخذ سمينا "(8).
قال السمرقندي: "يقول: لا تذروا أموالكم الحلال، وتأكلوا الحرام من أموال اليتامى"(9).
قال الزجاج: " الطيب مالكم، والخبيث مال اليتيم وغيره مما ليس لكم، فلا تأكلوا مال
اليتيم بدلا من مالكم" (10).
قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2]، " أي: ولا تخلطوا أموال اليتامى بأموالكم فتأكلوها جميعاً" (11).
قال مجاهد: " أموالهم مع أموالكم "(12). وروي عن قتادة مثل ذلك (13).
قال الزجاج: " أي لا تضيفوا أموالهم في الأكل إلى أموالكم، أي إن احتجتم إليها فليس لكم أن تأكلوها مع أموالكم"(14).
(1) صفوة التفاسير: 237.
(2)
أحكام القرآن: 2/ 80.
(3)
تفسير السمرقندي: 1/ 279.
(4)
معاني القرآن: 2/ 7.
(5)
صفوة التفاسير: 237.
(6)
أخرجه ابن المنذر (1312): ص 2/ 550.
(7)
أخرجه ابن المنذر (1313): ص 2/ 550، وغيره كما سبق في سبب نزول الآية.
(8)
أخرجه ابن المنذر (1314): ص 2/ 550، وغيره كما سبق في سبب نزول الآية.
(9)
تفسير السمرقندي: 1/ 279.
(10)
معاني القرآن: 2/ 7.
(11)
صفوة التفاسير: 237.
(12)
أخرجه ابن المنذر (1315): ص 2/ 550.
(13)
انظر: تفسير ابن المنذر (1316): ص 2/ 551.
(14)
معاني القرآن: 2/ 7.
قال الماوردي: " أي مع أموالكم، وهو أن يخلطوها بأموالهم لتصير في ذمتهم فيأكلوا ربحها"(1).
قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2]، "أي: إن أكلكم أموال أيتامكم، ذنب عظيم" (2).
عن ابن عباس: " {إنه كان حوبا كبيرا} قال: إثما "(3)، وري عن مجاهد، وابن سيرين وقتادة مثل ذلك (4).
وقال الحسن: "ذنبا والله كثيرا"(5).
قال السمرقندي: " يعني: إثما عظيما"(6).
قال مقاتل: " يعني إثما كبيرا بلغة الحبش، وقد كان أهل الجاهلية يسمون الحوب الإثم"(7).
قال الأخفش: " يقول: "أكلها كان حوبا كبيرا" (8).
قال الزجاج: " والحوب: الإثم العظيم، والحوب فعل الرجل، تقول: حاب حوبا كقولك قد خان خونا"(9).
قال أبو عبيدة: " أي: إثما " قال أمية الليثي (10):
وَإنَّ مُهَاجِرَيْنِ تَكنَّفَاهُ
…
غَدَاتة إذٍ لقَدْ خَطَئَا وحَابَا
وقال الهذلي (11):
إن الهجر حوب" (12)
وجاء في مسائل نافع بن الأزرق: " قال: يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله عز وجل: {إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً} ، قال: إثما كبيرا بلغة الحبشة. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الأعشى وهو يقول (13):
فإنّي وما كلّفتموني من أمركم
…
ليعلم من أمسى أعقّ وأحوبا" (14)
قال القتبي: "الحوب والحوب واحد، وهو الإثم"(15).
قال الفراء: " الحوب: الإثم العظم. ورأيت بني أسد يقولون: الحائب: القاتل (16).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي"(17)، قال أبو عبيد: حوبتي يعني: المآثم، وكل مأثم حوب وحوب، والواحدة حوبة (18).
(1) النكت والعيون: 2/ 448.
(2)
انظر: تفسير الطبري: 7/ 529، وصفوة التفاسير:237.
(3)
أخرجه ابن المنذر (1317): ص 2/ 551.
(4)
انظر: تفسير ابن المنذر (1318): ص 2/ 551.
(5)
أخرجه ابن المنذر (1318): ص 2/ 551.
(6)
تفسير السمرقندي: 1/ 279.
(7)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 356.
(8)
معاني القرآن: 1/ 244.
(9)
معاني القرآن: 2/ 7.
(10)
أمية بن الأسكر الليثي» ويقال الأشكر بالمعجمة شاعر مخضرم، أدرك الإسلام فأسلم، انظر المعمرين رقم 69 والأغانى 18/ 156، والإصابة 1/ 150، والخزانة 2/ 505. - والبيت فى طبقات الجمحي 44، وتفسير الطبري 4/ 154، والأغانى 18/ 158، والإصابة 1/ 150، والخزانة 2/ 502، وروي عجزه: لعمر الله قد خطئا وحابا، وانظر: "ذيل الآمالي والنوادر" ص 109، وعجزه فيه:
ليترك شيخه خطئا وخابا
وأما في: "الإصابة" 1/ 65، فجل ألفاظه مغايرة، حيث إنه جاء:
أتاه مهاجران فرنخاه
…
عباد الله قد عقا وخابا
والشاهد: حابا أي أثما.
وهو من كلمة قالها فى ابنه كلاب الذي لقى ذات يوم طلحة بن عبد الله والزبير بن العوام فسألهما: أي الأعمال أفضل فى الإسلام؟ فقالا: الجهاد، فسأل عمر فأغزاه فى جيش، وكان أبوه كبر وضعف فطالت غيبته عنه فقال
…
إلخ ..
(11)
لهذلي: أبو ذؤيب. - والبيت فى ديوان الهذليين 1/ 98، وفى الأضداد لابن الأنبارى 110.
(12)
أخرجه ابن المنذر (1319): ص 2/ 551 - 552.
(13)
كذا في مسائل نافع بن الأزرق: 150، والإتقان: 1/ 128. أما في (الديوان) ص 115 جاء بهذا النص:
وإنّي وما كلّفتموني وربّكم
…
لأعلم من أمسى أعقّ وأحوبا.
(14)
مسائل نافع بن الأزرق: 150.
(15)
تفسير السمرقندي: 1/ 279.
(16)
انظر: معاني القرآن: 1/ 253.
(17)
جزء من دعاء للنبي صلى الله عليه وسلم في حديث أخرجه أحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما 1/ 227، وأبو داود (1510) كتاب الوتر، باب: ما يقول الرجل إذا سلم، والترمذي (3551) كتاب الدعوات، باب: في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم.
(18)
انظر: غريب الحديث: 1/ 220 - 221.
وروي أن رجلا أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أتيتك لأجاهد معك. فقال: «ألك حوبة؟ » ، فقال: نعم. قال: «ففيها فجاهد» " (1).
وقال الواحدي: "وهو عندي: كل حرمة تأثم الإنسان بتركها وتضييعها من أم أو أخت أو بنت أو غيرهن، ويقال: تحوب فلان إذا تعبد، كأنه يلقي الحوب عن نفسه بالعبادة، مثل: تأثم، وقد يكون التحوب التعبد والتجنب للمأثم"(2).
وقرأ الحسن: {حوبا} ، بنصب الحاء" (3).
الفوائد:
1 -
أن كل مال حرام فهو خبيث، وكل حلال فهو طيب.
2 -
لا يحل للرجل أن يستبدل جيداً من مال يتيمه بمال رديء من ماله؛ كأن يأخذ شاة سمينة ويعطيه هزيلة أو يأخذ تمراً جيداً ويعطيه رديئاً خسيساً.
3 -
لا يحل خلط مال اليتيم مع مال الوصي ويؤكلان جميعاً لما في ذلك من أكل مال اليتيم ظلما.
القرآن
التفسير:
وإن خفتم ألا تعدلوا في يتامى النساء اللاتي تحت أيديكم بأن لا تعطوهن مهورهن كغيرهن، فاتركوهن وانكحوا ما طاب لكم من النساء من غيرهن: اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، فإن خشيتم ألا تعدلوا بينهن فاكتفوا بواحدة، أو بما عندكم من الإماء. ذلك الذي شرعته لكم في اليتيمات والزواج من واحدة إلى أربع، أو الاقتصار على واحدة أو ملك اليمين، أقرب إلى عدم الجَوْرِ والتعدي.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: أنهم كانوا يخافون ألاّ يعدلوا في أموال اليتامى، ولا يخافون أن لا يعدلوا في النساء، فأنزل الله تعالى هذه الآية، يريد كما خفتم ألاّ تعدلوا في أموال اليتامى، فهكذا خافوا ألا تعدلوا في النساء، وهذا قول وسعيد بن جبير (4)، والسدي (5)، وقتادة (6)، والضحاك (7)، والربيع (8)، وعكرمة (9)، وروي عن ابن عباس نحو هذا المعنى (10).
أخرج الطبري وابن أبي حاتم (11)، عن سعيد بن جبير قال:" بعث الله تبارك وتعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم والناس على أمر جاهليتهم، إلا أن يؤمروا بشيء أو ينهوا عنه، وكانوا يسألونه عن اليتامى فأنزل الله تبارك وتعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع}، قال: فكما تخافون أن لا تقسطوا في اليتامى، فخافوا أن لا تقسطوا وتعدِلوا في النساء"(12).
وفي السياق نفسه وأخرج الطبري عن عكرمة: " كان الرجل يتزوج الأربع والخمس والستَّ والعشر، فيقول الرجل: ما يمنعني أن أتزوج كما تزوج فلان؟ فيأخذ مال يتيمه فيتزوج به، فنهوا أن يتزوجوا فوق الأربع"(13).
(1) غريب الحديث" 1/ 220. ولم أقف على هذا الحديث في دواوين السنة.
(2)
انظر: غريب الحديث: 1/ 220 - 221، وتهذيب اللغة، مادة"حاب": : ص 1/ 690 - 691. [بتصرف].
(3)
التفسير البسيط: 6/ 299.
(4)
انظر: تفسير الطبري (8471): ص 7/ 537.، وتفسير ابن أبي حاتم (4756): ص 3/ 859.
(5)
انظر: تفسير الطبري (8467): ص 7/ 536.
(6)
انظر: تفسير الطبري (8468): ص 7/ 536 - 537.
(7)
انظر: تفسير الطبري (8473): ص 7/ 538.
(8)
انظر: تفسير الطبري (8474): ص 7/ 538 - 539.
(9)
انظر: تفسير الطبري (8463): ص 7/ 535.
(10)
انظر: تفسير الطبري (8472): ص 7/ 537 - 538.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4756): ص 3/ 859.
(12)
تفسير الطبري (8471): ص 7/ 537.
(13)
تفسير الطبري (8463): ص 7/ 535.
وعن ابن عباس: " كانوا في الجاهلية ينكحون عشرًا من النساء الأيامى، وكانوا يعظمون شأن اليتيم، فتفقدوا من دينهم شأن اليتيم، وتركوا ما كانوا ينكحون في الجاهلية، فقال: {وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع}، ونهاهم عما كانوا ينكحون في الجاهلية"(1).
والثاني: أخرج البخاري ومسلم (2)، وأبو داود (3)، والنسائي (4)، وابن حبان (5)، والدارقطني (6)، والبيهقي (7)، والطبري (8)، وابن أبي حاتم (9)، عن الزهري، قال: كان عروة بن الزبير، يحدث أنه سأل عائشة رضي الله عنها:{وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3]، قالت: هي اليتيمة في حجر وليها، فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها، فنهوا عن نكاحهن، إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء، قالت عائشة: ثم استفتى الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد، فأنزل الله عز وجل:{ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن} [النساء: 127]، قالت:" فبين الله في هذه الآية: أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال، ومال رغبوا في نكاحها، ولم يلحقوها بسنتها بإكمال الصداق، فإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء "، قال: فكما يتركونها حين يرغبون عنها، فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها، إلا أن يقسطوا لها الأوفى من الصداق ويعطوها حقها" (10).
والثالث: إن سبب نزولها، أن قريشاً في الجاهلية كانت تكثر التزويج بغير عدد محصور، فإذا كثر على الواحد منهم مؤن زوجاته، وقَلَّ مالُه، مدّ يده إلى ما عنده من أموال الأيتام، فأنزل الله تعالى:{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ الْنِّسَاءِ} . وهذا معنى قول ابن عباس (11).
قال ابن عباس: " فإن الرجل كان يتزوج بمال اليتيم ما شاء الله تعالى، فنهى الله عن ذلك"(12).
والرابع: أنهم كانوا يتوقَّون أموال اليتامى ولا يتوقَّون الزنى، فقال كما خفتم في أموال اليتامى، فخافوا الزنى، وانحكوا ما طاب لكم من النساء، وهذا قول مجاهد (13).
قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} [النساء: 3]، أي:" وإن خفتم ألا تعدلوا في يتامى النساء اللاتي تحت أيديكم بأن لا تعطوهن مهورهن كغيرهن"(14).
قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3]، أي:" فانكحوا ما شئتم من النساء سواهنَّ إِن شاء أحدكم اثنتين وإِن شاء ثلاثاً وإِن شاء أربعاً"(15).
قال الزجاج: أي: " فانكحوا الطيب الحلال على هذه العدة التي وصفت، لأن ليس
كل النساء طيبا، قال عز وجل:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 23] " (16).
قال يونس بن يزيد قال ربيعة في قول الله: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} ، قال يقول: اتركوهنّ، فقد أحللت لكم أربعًا" (17).
قال مقاتل: " ولما نزلت: {مثنى وثلاث ورباع} كان يومئذ تحت قيس بن الحارث ثمان نسوة، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم: خل سبيل أربعة منهن، وأمسك أربعة. فقال للتي يريد إمساكها: أقبلي. وللتي لا يريد إمساكها: أدبري فأمسك أربعة وطلق أربعة"(18).
وفي قوله تعالى: {مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ الْنِّسَاءِ} [النساء: 3]، وجهان:
أحدهما: أن ذلك عائد إلى النساء وتقديره فانحكوا من النساء ما حلَّ. وهذا قول أبي مالك (19)، وسعيد بن جبير (20)، والفراء (21).
والثاني: أن ذلك عائد إلى النكاح، وتقديره فانحكوا النساء نكاحاً طيباً. وهذا قول مجاهد (22).
قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3]، " أي: فإِن خفتم من عدم العدول بين الزوجات فالزموا الاقتصار على واحدة، أواقتصروا على نكاح الإِماء لملك اليمين" (23).
قال الطبري: أي: " فإن خفتم الجورَ في الواحدة أيضًا، فلا تنكحوها، ولكن عليكم بما ملكت أيمانكم"(24).
عن الضحاك، قوله:" {فإن خفتم ألا تعدلوا}، قال: في المجامعة والحب"(25).
قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3]، " أي: ذلك الاقتصار على الواحدة أو على ملك اليمين أقرب ألا تميلوا وتجوروا" (26).
قال مقاتل: " يقول: ذلك أجدر ألا تميلوا عن الحق في الواحدة وفي إتيان الولائد بعضهم على بعض"(27).
قال الشافعي: " أن لا يكثر من تعولون، إذا اقتصر المرء على واحدة، وإن أباح - الله - له أكثر منها"(28).
قال أبو عبيدة: " أي أقرب ألا تجوروا، تقول: علت علىّ أي جرت علىّ"(29).
قال الطبري: أي: " فهو أقرب أن لا تجوروا ولا تميلوا"(30).
وفي قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3]، أربعة أقاويل:
أحدها: أن المعنى: أَلَاّ يكثر مَنْ تعولون، أي: ذلك أقل لنفقتك، الواحدة أقل من ثنتين وثلاث وأربع، وجاريتُك أهون نفقة من حُرة أن لا تعولوا، أهون عليك في العيال. وهذا قول زيد بن أسلم (31)، والشافعي (32)، وأبو عمر محمد بن عبدالواحد اللغوي (33)، والأخفش (34).
والثاني: معناه ألاّ تميلوا عن الحق، وهو قول ابن إسحاق، ورواه عن مجاهد (35).
والثالث: أن المعنى: ألا تفتقروا. قاله سفيان بن عيينة (36).
والرابع: ألا تميلوا عن الحق وتجوروا. وهو قول ابن عباس (37)، وعائشة (38)، ومجاهد (39)، وعكرمة (40)، والحسن (41)، وأبي مالك (42)، وإبراهيم النخعي (43)، والشعبي (44)، والضحاك (45)، وعطاء
(1) تفسير الطبري (8472): ص 7/ 537 - 538.
(2)
انظر: صحيح مسلم، كتاب التفسير، (3018): ص 4/ 2313.
(3)
انظر: سنن أبي داود (2068): ص 3/ 411.
(4)
انظر: السنن الكبرى (5488): ص 5/ 221.
(5)
انظر: صحيح ابن حبان (4073): ص 9/ 382.
(6)
انظر: سنن الدارقطني (3667): ص 4/ 394.
(7)
انظر: السنن الكبرى (13810): ص 7/ 228.
(8)
انظر: تفسير الطبري (8457): ص 7/ 531 - 532.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4745): ص 3/ 857.
(10)
صحيح البخاري (2763): ص 4/ 9.
(11)
انظر: تفسير الطبري (8465): ص 7/ 535.
(12)
أخرجه الطبري (8465): ص 7/ 535.
(13)
انظر: تفسير الطبري (8475): ص 7/ 539، وانظر: النكت والعيون: 2/ 448 - 449.
(14)
التفسير الميسر: 77.
(15)
صفوة التفاسير: 237.
(16)
معاني القرآن: 2/ 8.
(17)
تفسير الطبري (8457): ص 7/ 531 - 532.
(18)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 357.
(19)
انظر: تفسير الطبري (8479): ص 7/ 542.
(20)
انظر: تفسير الطبري (8480): ص 7/ 542.
(21)
انظر: معاني القرآن: 2/ 253 - 254، و 3/ 263.
(22)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4754): ص 3/ 858.
(23)
صفوة التفاسير: 237.
(24)
تفسير الطبري: 7/ 540.
(25)
أخرجه الطبري (8485): ص 7/ 548.
(26)
صفوة التفاسير: 237.
(27)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 357.
(28)
تفسير الإمام الشافعي: 2/ 516.
(29)
مجاز القرآن: 1/ 117.
(30)
تفسير الطبري: 7/ 548.
(31)
انظر: تفسير الطبري (8505): ص 7/ 452، وتفسير ابن أبي حاتم (4763): ص 3/ 860.
(32)
انظر: تفسير الإمام الشافعي: 2/ 516، والنكت والعيون: 2/ 450.
(33)
انظر: تفسير الإمام الشافعي: 2/ 516.
(34)
انظر: معاني القرآن: 1/ 356.
(35)
انظر: تفسير ابن المنذر (1334): ص 2/ 557.
(36)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4764): ص 3/ 860.
(37)
انظر: تفسير الطبري (8500): ص 7/ 551.
(38)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4761): ص 3/ 860.
(39)
انظر: تفسير الطبري (8487) - (8489): ص 5/ 549، و (8504): ص 5/ 552.
(40)
انظر: تفسير الطبري (8490): ص 5/ 549 - 550.
(41)
انظر: تفسير الطبري (8486): ص 5/ 549.
(42)
انظر: تفسير الطبري (8495): ص 7/ 551.
(43)
انظر: تفسير الطبري (8492): ص 5/ 550.
(44)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4671): ص 3/ 860.
(45)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4671): ص 3/ 860.
الخراساني (1)، وقتادة (2)، والربيع (3)، والسدي (4)، ومقاتل بن حيان (5)، والفراء (6)، وابن قتيبة (7)، والزجاج (8).
جاء في مسائل نافع: " قال: يا ابن عباس: أخبرني عن قول الله عز وجل: {ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا} ، قال: أجدر أن لا تميلوا ولا تبخسوا. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول (9):
إنّا تبعنا رسول الله واطّرحوا
…
قول النّبيّ وعالوا في الموازين" (10)
وأصل "العول": الخروج عن الحد ومنه عول الفرائض لخروجها عن حد السهام المسمّاة، وأنشد عكرمة بيتاً لأبي طالب (11):
بِميزَانِ قِسْطٍ لا يُخِسُّ شَعِيرَةً
…
وَوَازِنِ صِدْقٍ وَزْنُهُ غَيْرُ عَائِلِ
أي غير مائل (12).
وكتب عثمان بن عفان إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه فيه: "إني لست بميزان قسطٍ لا أعول"(13).
يقال منه: عال الرجل فهو يعول عَوْلا وعيالة، إذا مال وجار. ومنه: عَوْل الفرائض، لأن سهامها إذا زادت دخلها النقص، وأما من الحاجة، فإنما يقال: عال الرجل عَيْلة، وذلك إذا احتاج، كما قال أحيحة بن الجلاح (14):
وَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتَى غِنَاهُ
…
وَمَا يَدْرِي الغَنُّي مَتَى يَعِيل
بمعنى: يفتقر (15).
الفوائد:
1 -
أنه ينبغي للإنسان أن يختار قبل النكاح، بل وقد أباح له الشارع النظر إلى من يريد تزوجها ليكون على بصيرة من أمره، قال تعالى:{فانكحوا ما طاب لكم من النساء} (16).
2 -
جواز نكاح أكثر من واحدة إلى أربع مع الأمن من الحيف والجور.
(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4671): ص 3/ 860.
(2)
انظر: تفسير الطبري (8496): ص 7/ 551.
(3)
انظر: تفسير الطبري (8498): ص 7/ 551.
(4)
انظر: تفسير الطبري (8499): ص 7/ 551.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4671): ص 3/ 860.
(6)
انظر: معاني القرآن: 1/ 255.
(7)
انظر: غريب القرآن: 119.
(8)
انظر: معاني القرآن: 2/ 11.
(9)
انظر: البيت في الإتقان): 6/ 124. و (سيرة ابن هشام): 1/ 354. وأساس البلاغة): 2/ 149.
والشاعر: هو عبد الله بن الحارث بن قيس السهمي القرشي، شاعر من الصحابة، كان يلقب بالمبرق، لشعر قال فيه:
إذا أنا لم أبرق فلا يسعنّني
…
من الأرض بر ذو فضاء ولا بحر
قتل باليمامة، وقيل بالطائف سنة (11) هـ الموافق (632) م. (انظر: الإصابة رقم 4596، ونسب قريش:401. والأعلام: 4/ 77).
(10)
مسائل نافع بن الأزرق: 78.
(11)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (4762): ص 3/ 860، وانظر: البيت في سيرة ابن هشام 1: 296، وغيرها كثير. من القصيدة التي زعموا أن أبا طالب قالها وواجه بها قريشًا في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال فيها إنه غير مسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تاركه لشيء أبدًا حتى يهلك دونه. يقول قبل البيت: جَزَى اللهُ عَنَّا عَبْدَ شَمْسٍ ونَوْفَلا
…
عُقُوبَةَ شَرّ عَاجِلا غَيْرَ آجِلِ.
(12)
انظر: تفسير الطبري: 7/ 549 - 551، والنكت والعيون: 2/ 450.
(13)
أخرجه الطبري (8494): ص 7/ 551.
(14)
انظر: جمهرة أشعار العرب: 125، ومعاني القرآن للفراء 1: 255، الجمهرة لابن دريد 2: 193، وتاريخ ابن الأثير 1: 278، اللسان (عيل).
(15)
انظر: تفسير الطبري: 7/ 548 - 549.
(16)
انظر: تفسير السعدي: 163.
3 -
قال الشيخ السعدي: " وفي قوله: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} دليل على أن نكاح الخبيثة غير مأمور به، بل منهي عنه كالمشركة، وكالفاجرة، كما قال تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221]، وقال: {وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} [النور: 3] "(1).
القرآن
التفسير:
وأعطوا -أيها الأزواج- النساء مهورهن، عطية واجبة وفريضة لازمة عن طيب نفس منكم. فإن طابت أنفسهن لكم عن شيء من المهر فوهَبْنه لكم فخذوه، وتصرَّفوا فيه، فهو حلال طيب.
في سبب نزول أقوال:
أحدها: أخرج الطبري وابن أبي حاتم (2) وابن المنذر (3)، عن أبي صالح:"كان الرجل إذا زوج أيِّمه أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله تبارك وتعالى عن ذلك، ونزلت: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} "(4).
والثاني: قال مقاتل: " وذلك أن الرجل كان يتزوج بغير مهر. فيقول: أرثك وترثيني وتقول المرأة: نعم فأنزل الله- عز وجل {وآتوا النساء} "(5).
والثالث: نقل الثعلبي عن الحضرمي: "كان أولياء النساء يعطي هذا أخته على أن يعطيه الآخر أخته لا مهر بينهما، فنهوا عن ذلك وأمرهم بتسميته وأمروا المهر عند العقد"(6).
والرابع: أخرج الطبري عن المعتمر، عن أبيه قال:"زعم حضرميٌّ أن أناسًا كانوا يتأثمون أن يُراجع أحدهم في شيء مما ساق إلى امرأته، فقال الله تبارك وتعالى: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا} "(7).
قوله تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4]، أي:" وأعطوا النساء مهورهن عطيّة واجبة، عن طيب نفسٍ"(8).
قال أبو عبيدة: " أي: مهرهن، عن طيب نفس، بالفريضة بذلك "(9).
قال الفراء: " وذلك أنهم كانوا في الجاهلية لا يعطون النساء من مهورهن شيئا، فأنزل الله تعالى: أعطوهن صدقاتهن نحلة، يقول: هبة وعطية"(10).
قال الطبري: " وهذا أمرٌ من الله أزواجَ النساء المدخول بهن والمسمَّى لهن الصداق، أن يؤتوهن صدُقاتهن، دون المطلقات قبل الدخول ممن لم يسمّ لها في عقد النكاح صداق"(11).
روي عن التستري: " أعطوهن الصداق هبة من الله عز وجل لهن. وقد قال: إن النحلة الديانة، وقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أقذر المعاصي عند الله تعالى: منع الأجير أجرته، ومنع المرأة مهرها» (12) "(13).
قال ابن عباس: " يعني بـ {النحلة}، المهر"(14). وروي عن مقاتل بن حيان نحوه (15).
(1) تفسير السعدي: 163.
(2)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4765): ص 3/ 860.
(3)
انظر: تفسير ابن المنذر (1339): ص 2/ 558.
(4)
تفسير الطبري (8510): ص 7/ 553.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 357.
(6)
تفسير الثعلبي: 3/ 249.
(7)
تفسير الطبري (8520): ص 7/ 556.
(8)
تفسير الطبري: 7/ 552، وصفوة التفاسير:237.
(9)
أخرجه ابن المنذر (1341): ص 2/ 559.
(10)
معاني القرآن: 1/ 256.
(11)
تفسير الطبري: 7/ 554.
(12)
هكذا أورده التستري في تفسيره، ولم أجد هذا النص في كتب السنن، إلا أنه جاء في غريب الحديث لابراهيم الحربي (أبو إسحاق): ص 2/ 793: " عن عطاء ، عن ابن عمر: " إن من أقذر الذنوب عند الله رجل ظلم امرأة صداقها قلت لليث: أنصب ابن عمر الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه قال: وما علمه لولا أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه". وانظر: المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث: : نصب": ص 3/ 305، واللسان (نصب)، والنهاية: 5/ 61.
(13)
تفسير التستري: 53.
(14)
أخرجه الطبري (8507): ص 7/ 553.
(15)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4768): ص 3/ 861.
قال مقاتل بن حيان: "قوله: {وآتوا النساء}، يقول: أعطوا النساء"(1).
قال ابن زيد: ": النحلة في كلام العرب، الواجب يقول: لا ينكحها إلا بشيء واجب لها، صدقة يسميها لها واجبة، وليس ينبغي لأحد أن ينكح امرأة، بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا بصداقٍ واجب، ولا ينبغي أن يكون تسمية الصداق كذبًا بغير حق"(2).
أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عبد الرحمن بن البيلماني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وآتوا النساء صدقاتهن نحلة قالوا: يا رسول الله، فما العلائق بينهن؟ قال: ما يراضي عليه أهلوهم"(3).
قال الإمام الشافعي: " فجعل الله إيتاءهن ما فرض لهن من فريضة على أزواجهن، يدفعونه إليهن، دفعهم إلى غيرهم من الرجال، ممن وجب له عليهم حق بوجه"(4).
وقد اختلف فِيمَنْ توجَّه إليه هذا الخطاب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه متوجه إلى الأزواج، أمروا بإيفاء نسائهن مهورهن التي هي أثمان فروجهن، وهو قول الأكثرين (5).
والثاني: أنه متوجه إلى أولياء النساء، لأنهم كانوا يتملكون في الجاهلية صداق المرأة، فأمر الله بدفع صدقاتهن إليهن، وهو قول أبي صالح" (6)، وجماعة من العلماء (7).
والثالث: أن المراد بالآية المتشاغرون الذين كانوا يتزوجون امرأة بأخرى، فأمروا أن يضربوا المهور. وهذا معنى قول الحضرمي (8).
قال الثعلبي: "والقول الأول أصح وأوضح بظاهر الآية وأشبه، لأن الله تعالى خاطب الناكحين فيما قبله، وهذا أصل خطابهم"(9).
قال ابن عطية: " والآية تتناول هذه الفرق الثلاث"(10).
وقال الكلبي وجماعة من العلماء: "هذا خطاب للأولياء، وذلك أن ولي المرأة كان إذا زوجها غريبا حملوها إليه على بعير ولا يعطونها من مهرها شيء، فإن كانت معهم في العشيرة لم يعطها من مهرها قليلا ولا كثيرا، وإن كانت غريبة حملها على بعير إلى زوجها ولم يعطها شيئا غير ذلك البعير، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت: «هنيئا لك النافجة» (11)، يريدون أنه يأخذ مهرها إبلا فيضمها إلى إبله فينتفجها أي يعظمها ويكثرها، قال بعض النساء في زوجها: «لا تأخذ الحلوان من بناتها»، تقول: لا يفعل ما يفعله غيره، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك وأمرهم بأن يدفعوا الحق إلى أهله"(12).
وأما النَّحلة فهي العطية من غير بدل، وسمي الدين نِحْلَةَ، لنه عطية من الله (13)، وفي تسميه النّحْل بذلك قولان (14):
أحدهما: أنه سمي نحلاً لما يعطي من العسل.
والثاني: لأن الله تعالى نَحَلهُ عباده.
وفي المراد بالنَّحلة في الصداق خمسة تأويلات:
أحدها: يعني فريضة مُسَمَّاة، وهو قول قتادة (15)، وابن جريج (16)، ومقاتل بن حيان (17)، وروي عن أمّنا عائشة-رضي الله عنها، قالت:"واجبة"(18).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (4766): ص 3/ 860.
(2)
أخرجه الطبري (8509): ص 7/ 553.
(3)
تفسير ابن أبي حاتم (4767): ص 3/ 861.
(4)
تفسير الإمام الشافعي: 2/ 519.
(5)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 249، والنكت والعيون: 2/ 451.
(6)
انظر: تفسير الطبري (8510): ص 7/ 553.
(7)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 249.
(8)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 249، والمحرر الوجيز: 2/ 8.
(9)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 249.
(10)
المحرر الوجيز: 2/ 8.
(11)
لنافجة: المعظمة لمال أبيها، قاله في الصحاح: 1/ 345 ..
(12)
تفسير الثعلبي: 3/ 249.
(13)
انظر: النكت والعيون: 2/ 451.
(14)
انظر: النكت والعيون: 2/ 451.
(15)
انظر: تفسير الطبري (8506): ص 7/ 552 - 553.
(16)
انظر: تفسير الطبري (8508): ص 7/ 553.
(17)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4769): ص 3/ 861.
(18)
أخرجه ابن أبي حاتم (4769): ص 3/ 861.
والثاني: أنه نحلة من الله عز وجل لهن بعد أن كان ملكاً للأولياء، وهو قول أبي صالحٍ (1).
والثالث: انه نهى لِما كانوا عليه من خِطْبة الشغار، والنكاح بغير صداق، وهو قول سليمان بن جعفر بن أبي المعتمر (2).
والرابع: أنها العطية بطيب النفس، أراد أن يطيبوا نفساً بدفعه، كما يطيبون نفساً بالنحل والهبة، قاله أبو عبيدة (3)، وبعض المتأخرين (4).
والخامس: أن معنى «النحلة» : الديانة، فتقديره: وآتوهن صدقاتهن ديانة، يقال: فلان ينتحل كذا، أي: يدين به، ذكره الزجاج عن بعض العلماء (5).
قال الأخفش: " واحد «الصدقات»: صدقة وبنو تميم تقول: «صدقة»، ساكنة الدال مضمومة الصاد"(6).
وقرأ جمهور الناس والسبعة: {صدقاتهن} ، بفتح الصاد وضم الدال، وقرأ موسى بن الزبير وابن أبي عبلة وفياض بن غزوان وغيرهم:{صدقاتهن} ، بضم الصاد والدال، وقرأ قتادة وغيره «صدقاتهن» بضم الصاد وسكون الدال. وقرأ ابن وثاب والنخعي:{صدقتهن} ، بالإفراد وضم الصاد وضم الدال. والإفراد من هذا كله صدقة وصدقة (7).
قوله تعالى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا} [النساء: 4]، "أي: فإِن طابت نفوسهن بهبة شيءٍ من الصَّداق" (8).
قال عكرمة (9)، ومقاتل بن حيان (10):" {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا}: من المهر".
وقال ابن جريج: " من الصداق "(11).
قال ابن عباس: " يقول: إذا كان من غير إضرار ولا خديعة، فهو هنيء مرئ كما قال الله عز وجل"(12).
قال مقاتل: " يقول: ما طابت به نفسها في غير كره أو هوان، فقد أحل الله لك أن تأكله هنيئا مريئا"(13).
قال أبو صالح: " كان الرجل إذا زوج ابنته أخذ صداقها، فنهوا عن ذلك"(14).
قال سعيد بن جبير: " قوله: {: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا}، قال: هي للأزواج"(15). وروي عن مقاتل بن حيان مثل ذلك (16).
قال الماوردي: " يعني: الزوجات إن طبن نفساً عن شيء من صداقهن لأزواجهن في قول من جعله خطاباً للأزواج، ولأوليائهن في قول من جعله خطاباً للأولياء "(17).
عن الحسن في قول الله تعالى: " {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا}، إلى الممات، قال: فلها أن ترجع حتى الموت"(18). وروي عن أبي هريرة مثله، وعن مجاهد نحو ذلك (19).
(1) انظر: تفسير الطبري (8510): ص 7/ 553.
(2)
انظر: تفسير الطبري (8511): ص 7/ 554.
(3)
انظر: مجاز القرآن: 1/ 117.
(4)
انظر: النكت والعيون: 2/ 451.
(5)
انظر: معاني القرآن: 2/ 12.
(6)
معاني القرآن: 1/ 245.
(7)
انظر: المحرر الوجيز: 2/ 8.
(8)
صفوة التفاسير: 237.
(9)
أخرجه ابن المنذر (1343): ص 2/ 559، وابن أبي حاتم (4778): ص 3/ 862.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (4778): ص 3/ 862.، وابن أبي حاتم (4778): ص 3/ 862، عن مقاتل بن حيان.
(11)
أخرجه ابن المنذر (1344): ص 2/ 559.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (4780): ص 3/ 862.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (4774): ص 3/ 861.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (4775): ص 3/ 862.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (4772): ص 3/ 861.
(16)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4773): ص 3/ 861.
(17)
انظر: النكت والعيون: 2/ 451.
(18)
أخرجه ابن أبي حاتم (4776): ص 3/ 862.
(19)
انظر: تفسير ابن المنذر (1345): ص 2/ 560، وتفسير ابن أبي حاتم (4776): ص 3/ 862.
قوله تعالى: {فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4]، "أي: فخذوا ذلك الشيء الموهوب حلالاً طيباً" (1).
قال ابن عباس: " يقول: إذا كان من غير إضرار، ولا خديعة، فهو هنيء مريء، كما قال الله جل وعز "(2).
قال الزمخشري: " فإن وهبن لكم شيئا من الصداق وتجافت عنه نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى الهبة من شكاسة أخلاقكم وسوء معاشرتكم فكلوه فأنفقوه. قالوا: فإن وهبت له ثم طلبت منه بعد الهبة، علم أنها لم تطب منه نفسا (3).
قال ابن كثير: " ومضمون كلامهم: أن الرجل يجب عليه دفع الصداق إلى المرأة حَتمًا، وأن يكون طيب النفس بذلك، كما يمنح المنيحة ويعطي النحلة طيبًا بها، كذلك يجب أن يعطي المرأة صداقها طيبا بذلك، فإن طابت هي له به بعد تسميته أو عن شيء منه فليأكله حلالا طيبًا"(4).
قال أهل العلم: " «المريء»، يقال: مرئ الطعام: إذا انهضم، وحمدت عاقبته"(5).
وفي "الهنيء" ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه ما تؤمن عاقبته (6).
والثاني: ما أعقب نفعا وشفاء (7).
والثالث: أنه الذي لا ينغصه شيء (8).
قال الطبري: " وأما قوله: {هنيئًا}، فإنه مأخوذ من: «هنأت البعير بالقَطِران»، إذا جَرِب فعُولج به"(9)، قال الشاعر (10):
مُتَبَذِّلا تَبْدُو مَحَاسِنُهُ
…
يَضَعُ الهِنَاء مَوَاضِعَ النُّقْبِ (11)
قال ابن عطية: " وهذا ضعيف، وإنما قال اللغويون: الطعام الهنيء هو السائغ المستحسن الحميد المغبة، وكذلك المريء، قال اللغويون: يقولون هنأني الطعام ومرأني على الإتباع، فإذا أفردوا قالوا: أمرأني، على وزن: أفعل"(12).
أخرج ابن أبي حاتم (13)، وابن المنذر (14)، عن علي-عليه السلام:"إذا اشتكى أحدكم شيئا، فليسأل امرأته ثلاثة دراهم أو نحو ذلك فليبتع عسلا، ثم يأخذ ماء السماء، فيجتمع هنيئا مريئا، وشفاء، ومباركا".
(1) صفوة التفاسير: 237.
(2)
أخرجه ابن المنذر (1346): ص 2/ 560.
(3)
الكشاف: 1/ 470.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 213.
(5)
زاد المسير: 1/ 370.
(6)
انظر: زاد المسير: 1/ 370.
(7)
انظر: تفسير الطبري: 7/ 559، والنكت والعيون: 2/ 451.
(8)
انظر: زاد المسير: 1/ 370.
(9)
تفسير الطبري: 7/ 559.
(10)
الشعر والشعراء 302، والأغاني 10: 22، واللسان (نقب)، وغيرها، من أبياته التي قالها حين مر بالخنساء بنت عمرو بن الشريد، وهي تهنأ بعيرًا لها، وقد تبذلت حتى فرغت منه، ثم نضت عنها ثيابها فاغتسلت، ودريد يراها وهي لا تشعر به، فأعجبته، فانصرف إلى رحله يقول: حَيُّوا تُمَاضِرَ وَارْبعُوا صَحْبى
…
وَقِفُوا، فَإِنَّ وُقُوفَكُمْ حَسْبى
أَخُنَاسَ، قَدْ هَامَ الفُؤَادُ بكُمْ
…
وأصابَهُ تَبْلٌ مِنَ الحُبِّ
مَا إِنْ رَأَيْتُ وَلا سَمِعْتُ بِه
…
كاليَوْمَ طَالِيَ أَيْنقٍ جُرْبِ
مُتَبَذِّلا
…
...
…
...
…
... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مُتَحَسِّرًا نَضَحَ الهِنَاءُ بِه
…
نَضْحَ العَبِيرِ برَيْطَةِ العَصْبِ
فَسَلِيهِمُ عَنِّي خُنَاسَ، إِذَا
…
عَضَّ الجَمِيعَ الخَطْبُ: مَا خَطْبي?
ثم خطبها إلى أبيها فردته، فهجاها، وزعم أنها ردته لأنه شيخ كبير، فقيل للخنساء: ألا تجيبينه؟ فقالت: لا أجمع عليه أن أرده وأهجوه. و"النقب": (بضم النون وسكون القاف) و"النقب"(بضم ففتح) جمع نقبة: أول الجرب حين يبدو. [انظر: كلام المحقق في تفسير الطبري: 7/ 559] ..
(11)
قال الزجاج: " والنقبة: وجمعها نقب سراويل تلبسه المرأة بلا رجلين، ويقال فلانة حسنة
النقبة والنقاب، ويقال في فلان مناقب جميلة، وهو حسن النقيبة، أي حسن
الخليقة، ويقال كلب نقيب، وهو أن تنقب حنجرة الكلب لئلا يرتفع صوته في نباحه، وإنما يفعل ذلك البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف بسماع نباح الكلاب". [معاني القرآن: 2/ 158].
(12)
المحرر الوجيز: 2/ 9.
(13)
تفسير ابن أبي حاتم (4779): ص 3/ 862.
(14)
تفسير ابن المنذر (1347): ص 2/ 560.
أخرج ابن المنذر من طريق سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة، أنه كان يقول لامرأته:" أطعمينا من ذاك الهنيء المريء، ثم قال سفيان: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} "(1).
قال الماتريدي: " وفي الآية دلالة جواز هبة المرأة من زوجها، وفساد قول من لا يجيز هبة المرأة بمالها حتى تلد أو تبقى في بيته سنة؛ فيجوز أمرها.
وفي الآية -أيضا-: دليل أن المهر لها؛ حيث أضاف الإحلال والهبة إليهن بقوله: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} " (2).
قال الإمام الشافعي: " وحل للرجال ممل ما طاب نساؤهم عنه نفساً
…
وقال عز وجل: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} الآية، فبيَن الله عز وجل في كتابه، أن مال المرأة ممنوع من زوجها - الواجب الحق عليها-إلا بطيب نفسها وأباحه بطيب نفسها؛ لأنَّها مالكة لمالها، ممنوع بملكها، مباح بطيب نفسها كما قضى الله عز وجل في كتابه، وهذا بين أن كل من كان مالكا فماله ممنوع به، محرّم إلا بطيب نفسه بإباحته، فيكون مباحاً بإباحة مالكه له، لا فرق بين المرأة والرجل، وبين أن سلطان المرأة على مالها، كسلطان الرجل على ماله، إذا بلغت المحيض وجمعت الرشد" (3).
ذكر صاحب الكشاف عن الشعبي: "أن رجلا أتى مع امرأته شريحا في عطية أعطتها إياه وهي تطلب أن ترجع، فقال شريح: رد عليها. فقال الرجل: أليس قد قال الله تعالى: {فإن طبن لكم}، قال: لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه. وعنه: أقيلها فيما وهبت ولا أقيلة، لأنهن يخدعن"(4).
و"حكى أن رجلا من آل معيط أعطته امرأته ألف دينار صداقا كان لها عليه، فلبث شهرا ثم طلقها، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان، فقال الرجل: أعطتنى طيبة بها نفسها، فقال عبد الملك: فأين الآية التي بعدها فلا تأخذوا منه شيئا؟ اردد عليها"(5).
وعن عمر رضى الله عنه أنه كتب إلى قضاته: «أن النساء، يعطين رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطت زوجها فشاءت أن ترجع رجعت» (6).
وقرىء: {هنيا مريا} ، دون همز، وهي قراءة الحسن بن أبي الحسن والزهري (7).
الفوائد:
1 -
وجوب مهور النساء وحرمة الأكل منها بغير طيب نفس صاحبة المهر وسواء في ذلك الزوج، وهو المقصود في الآية أو الأب والأقارب.
2 -
ومنها: أن المهر يدفع إلى المرأة إذا كانت مكلفة، وأنها تملكه بالعقد، لأنه أضافه إليها، والإضافة تقتضي التمليك (8).
3 -
وفي قوله: {فكلوه هنيئا مريئا} دليل على أن للمرأة التصرف في مالها -ولو بالتبرع- إذا كانت رشيدة، فإن لم تكن كذلك فليس لعطيتها حكم، وأنه ليس لوليها من الصداق شيء، غير ما طابت به (9).
القرآن
التفسير:
ولا تؤتوا -أيها الأولياء- من يُبَذِّر من الرجال والنساء والصبيان أموالهم التي تحت أيديكم فيضعوها في غير وجهها، فهذه الأموال هي التي عليها قيام حياة الناس، وأنفقوا عليهم منها واكسوهم، وقولوا لهم قولا معروفًا من الكلام الطيب والخلق الحسن.
(1) تفسير ابن المنذر (1348): ص 2/ 561، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم (4781): ص 3/ 862.
(2)
تفسير الماتريدي: 3/ 14.
(3)
تفسير الإمام الشافعي: 2/ 518 - 519.
(4)
الكشاف: 1/ 470.
(5)
الكشاف: 1/ 470.
(6)
مصنف عبدالرزاق (16562): ص 9/ 114، وكنز العمال:(46224): ص 16/ 649.، وروضة المحدثين: (999): ص 3/ 224، وقال: "اسناده منقطع".
(7)
انظر: المحرر الوجيز: 2/ 9.
(8)
انظر: تفسير السعدي: 163.
(9)
انظر: تفسير السعدي: 163.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: أخرج الطبري عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال:"زعم حضرميٌّ أن رجلا عمد فدفع ماله إلى امرأته، فوضعته في غير الحق، فقال الله تبارك وتعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} "(1).
والثاني: أخرج الطبري عن ابن عباس، قال:"نزل ذلك في السفهاء، وليس اليتامى من ذلك في شيء"(2).
والثالث: أخرج الطبري عن سعيد بن جبير، قال:" هو مال اليتيم يكون عندك، يقول: لا تؤته إياه، وأنفقه عليه حتى يبلغ. وإنّما أضاف إلى الأولياء فقال: أموالكم، لأنهم قوّامها ومدبروها "(3).
قوله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: 5]، "أي: ولا تعطوا المبذرين من اليتامى أموالهم التي جعلها الله قياماً للأبدان ولمعايشكم فيضيعوها" (4).
قال ابن قتيبة: " أي: لا تعطوا الجهلاء أموالكم، والسفه الجهل. وأراد هاهنا النساء والصبيان"(5).
قال ابن عباس: " يقول: معاشا، يقول الله جل ثناؤه: لا تعمد إلى مالك، وما خولك الله، وجعله لك معيشة، فتعطيه امرأتك أو بنتك، ثم تضطر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك، وأصلحه، وكن أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم، ورزقهم، ومؤنتهم "(6).
وأخرج سفيان عن ابن عباس: " {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم}، قال: المرأة، قال: تقول أريد مرطا بكذى أريد شيئا بكذى أو تقول هي أسفه السفهاء"(7).
قال مجاهد: " نهي الرجال أن يعطوا النساء أموالهم، وهن سفهاء من كن أزواج أو بنات أو أمهات، وأمروا أن يرزقوهم فيه، ويقولوا لهم قولا معروفا "(8).
وقال عكرمة: "في قول الله جل وعز "{ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} قال: لا تعط ولدك السفيه مالك فيفسده، الذي هو قيامك بعد الله " (9).
وفي رواية أخرى عن عكرمة: " هو اليتيم يكون عندك، يقول: لا تؤته إياه، وأنفق عليه، حتى يبلغ " " (10).
أخرج عبدالرزاق عن الحسن، قال: " «السفهاء ابنك السفيه، وامرأتك السفيهة» وقوله: {قياما} [آل عمران: 191] قال: «قيام عيشك» (11).
قال عبدالرزاق: " وقد ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اتقوا الله في الضعيفين: اليتيم والمرأة" (12).
قال ابن كثير: " ينهى تعالى عن تَمْكين السفهاء من التصرّف في الأموال التي جعلها الله للناس قياما، أي: تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها. ومن هاهنا يُؤْخَذُ الحجر على السفهاء، وهم أقسام: فتارة يكون الحَجْرُ للصغر؛ فإن الصغير مسلوب العبارة. وتارة يكون الحجرُ للجنون، وتارة لسوء التصرف لنقص العقل أو الدين، وتارة يكون الحجر للفَلَس، وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاقَ ماله عن وفائها، فإذا سأل الغُرَماء الحاكم الحَجْرَ عليه حَجَرَ عليه"(13).
واختلفوا في المراد بالسفهاء في هذا الموضع على أربعة أقاويل:
(1) تفسير الطبري (8546): ص 7/ 564.
(2)
تفسير الطبري (8543): ص 7/ 563.
(3)
تفسير الطبري (8557): ص 7/ 567 - 568.
(4)
صفوة التفاسير: 237.
(5)
غريب القرآن: 120.
(6)
أخرجه ابن المنذر (1349): ص 2/ 561.
(7)
تفسير سفيان الثوري (188): 24: 7: ص 88.
(8)
أخرجه ابن المنذر (1350): ص 2/ 561 - 562.
(9)
أخرجه ابن المنذر (1354): ص 2/ 563.
(10)
أخرجه ابن المنذر (1355): ص 2/ 563.
(11)
تفسير عبدالرزاق (507): ص 1/ 433.
(12)
تفسير عبدالرزاق (508): ص/1/ 433.
(13)
تفسير ابن كثير: 2/ 214.
أحدها: أنهم الصغار والنساء، وهو قول سعيد بن جبير (1)، والحسن (2)، والسدي (3)، والضحاك (4)، ومجاهد (5)، والحكم (6)، وقتادة (7)، وأبي مالك (8)، وابن عباس-في رواية علي بن أبي طلحة (9).
والثاني: أنهم الصبيان خاصة. قاله سعيد بن جبير في رواية سالم (10)، والحسن في رواية يونس عنه (11).
والثالث: أنهم النساء خاصة، وهو قول ابن عمر (12)، والحضرمي (13)، ومجاهد (14)، والحسن في رواية هشام (15)، والضحاك في رواية جوبير (16).
والرابع: أنه عنى الأولاد المسرفين أن يقسم ماله فيهم فيصير عيالاً عليهم، وهو قول ابن عباس (17)، وابن زيد (18)، وأبي مالك (19).
والرابع: أنه أراد كل سفيه استحق في المال حَجْراً، وهو معنى ما رواه الشعبي عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري أنه قال:"ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم: رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلِّقْها، ورجل أعطى ماله سفيهًا وقد قال الله: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ}، ورجل كان له على رجل دين فلم يُشهد عليه"(20).
والراجح –والله أعلم-أن الله عز وجل " يخصص سفيهًا دون سفيه. فغير جائز لأحد أن يؤتي سفيهًا ماله، صبيًا صغيرًا كان أو رجلا كبيرًا، ذكرًا كان أو أنثى"(21).
قال الزجاج: " والسفهاء: يدل على أنه لا يعني به النساء وحدهن، لأن النساء أكثر ما يستعمل فيهن جمع سفيهة وهو سفائه، ويجوز سفهاء، كما يقال فقيرة وفقراء. وقال بعضهم: معناه لا تهبوا للسفهاء أموالكم، وهذا عندي – والله أعلم - غير جائز"(22).
قال الماتريدي: " فالسفيه -في الحقيقة- من يعمل عمل الجهال، كان جاهلا في الحقيقة أو لا؛ لما قد يلقب العالم به؛ إذا ضيع الحدود، وتعاطى الأفعال الذميمة؛ وعلى ذلك ما جاء من الكتاب بتسفيه علماء أهل الكتاب. ثم قد يسمى الجهال به؛ لما أن الجهل هو السبب الباعث على فعل السفه"(23).
وفي قوله تعالى: {أَمْوَالَكُمُ} [النساء: 5] تأويلان:
أحدهما: يعني أموال الأولياء، وهو قول ابن عباس (24)، ووابن زيد (25)، والسدي (26).
(1) انظر: تفسير الطبري (8523): ص 7/ 560.
(2)
انظر: تفسير الطبري (8524) - (8527): ص 7/ 561.
(3)
انظر: تفسير الطبري (8528)، و (8529): ص 7/ 561.
(4)
انظر: تفسير الطبري (8530) - (8532): ص 7/ 561 - 562.
(5)
انظر: تفسير الطبري (8534): ص 7/ 562.
(6)
انظر: تفسير الطبري (8535): ص 7/ 562.
(7)
انظر: تفسير الطبري (8536): ص 7/ 562.
(8)
انظر: تفسير الطبري (8537): ص 7/ 562.
(9)
انظر: تفسير الطبري (8538): ص 7/ 562 - 563.
(10)
انظر: تفسير الطبري (8539): ص 7/ 563.
(11)
انظر: تفسير الطبري (8541): ص 7/ 563.
(12)
انظر: تفسير الطبري (8553): ص 7/ 565.
(13)
انظر: تفسير الطبري (8546): ص 7/ 564.
(14)
انظر: تفسير الطبري (8547) - (8550): ص 7/ 564 - 565.
(15)
انظر: تفسير الطبري (8551): ص 7/ 565.
(16)
انظر: تفسير الطبري (8552): ص 7/ 565.
(17)
انظر: تفسير الطبري (8543): ص 7/ 563.
(18)
انظر: تفسير الطبري (8545): ص 7/ 564.
(19)
انظر: تفسير الطبري (8542): ص 7/ 563.
(20)
أخرجه الطبري (8544): ص 7/ 564.
(21)
تفسير الطبري: 7/ 565.
(22)
معاني القرآن: 2/ 12.
(23)
تفسير الماتريدي: 3/ 19.
(24)
انظر: تفسير الطبري (8555): ص 7/ 567.
(25)
انظر: تفسير الطبري (8556): ص 7/ 567.
(26)
انظر: تفسير الطبري (8554): ص 7/ 567.
والثاني: أنه عنى به أموال السفهاء، وإنّما أضاف إلى الأولياء فقال:{أموالكم} ، لأنهم قوّامها ومدبروها، وهو قول سعيد بن جبير (1).
قال الطبري: " وقد يدخل في قوله: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم}، أموالُ المنهيِّين عن أن يؤتوهم ذلك، وأموال السفهاء، لأن قوله: {أموالكم}، غير مخصوص منها بعض الأموال دون بعض. ولا تمنع العرب أن تخاطب قومًا خِطابًا، فيخرج الكلام بعضه خبر عنهم، وبعضه عن غُيَّب، وذلك نحو أن يقولوا: أكلتم يا فلان أموالكم بالباطل، فيخاطب الواحد خطاب الجمع، بمعنى: أنك وأصحابك أو وقومك أكلتم أموالكم. فكذلك قوله: {ولا تؤتوا السفهاء}، معناه: لا تؤتوا أيها الناس، سفهاءكم أموالكم التي بعضها لكم وبعضها لهم، فيضيعوها"(2).
وقال الزجاج: " كذلك قال أصحابنا البصريون بل السفيه أحق بالهبة لتعذر الكسب عليه، ولو منعنا من الهبة لهم لما جاز أن نورثهم، وإنما معنى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم}، لا تؤتوا السفهاء أموالهم، والدليل على ذلك قوله: {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ}، وقوله: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6]، وإنما قيل أموالكم لأن معناه الشيء الذي به قوام أمركم، كما قال الله: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 85]، ولم يكن الرجل منهم يقتل نفسه، ولكن كان بعضهم يقتل بعضا، أي تقتلون الجنس الذي هو جنسكم"(3).
قال الضحاك: " {قياما}، قال: عصمة لدينكم وقياما لكم"(4).
وروي عن أبي مالك أنه قال: "قيامك بعد الله"(5).
قال أبو عبيدة: " {التي جعل الله لكم قياما}، مصدر يقيمكم، ويجيئ في الكلام في معناه: قوام فيكسر، وإنما هو من الذي يقيمك، وإنما أذهبوا الواو لكسرة القاف، وتركها بعضهم، كما قالوا: ضياء للناس، وضواء للناس"(6).
وقرئت: {اللاتي جعل الله لكم قياما} (7)، وقرأ نافع وابن عُمر:{قِيَماً} ، ومعناهما واحد، يريد أنها قُوامُ معايشكم سفائكم (8).
قوله تعالى: {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ} [النساء: 5]، "أي: وأطعموهم منها واكسوهم" (9).
قال ابن عباس: " {وارزقوهم} أنفقوا عليهن "(10).
قال الماتريدي: " يقول: لا تؤتوهم، ولكن ارزقوهم أنتم واكسوهم.
وقيل: يقول: أنفقوا عليهم منها، وأطعموهم.
وقيل: لما أضاف الأموال إلى الدافعين لا إلى المدفوعة إليهم؛ دل على وجوب نفقة الولد وكسوته على الرجل" (11).
قال الثعلبي: " أي أطعموهم واكسوهم لمن يجب عليكم رزقه ويلزمكم نفقته، والرزق من الله عز وجل عطية غير محدودة، ومن الناس الإجراء الموظف بوقت محدود، يقال: ررزق فلان عياله كذا وكذا، أي أجرى عليهم، وإنما قال: فيها، ولم يقل: منها، لأنه أراد أن يجعل لهم فيها رزقا، كأنه أوجب عليهم ذلك"(12).
قوله تعالى: {وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء: 5]، أي: وقولوا لهم" قولاً ليناً"(13).
قال الثعلبي: أي: " عدة جميلة"(14).
(1) انظر: تفسير الطبري (8557): ص 7/ 567 - 568.
(2)
تفسير الطبري: 7/ 568.
(3)
معاني القرآن: 2/ 14.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4792): ص 3/ 864.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4792): ص 3/ 864.
(6)
أخرجه ابن المنذر (1361): ص 2/ 565.
(7)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 14.
(8)
انظر: النكت والعيون: 2/ 453.
(9)
صفوة التفاسير: 237.
(10)
أخرجه ابن المنذر (1362): ص 2/ 565.
(11)
تفسير الماتريدي: 3/ 20.
(12)
تفسير الثعلبي: 3/ 253.
(13)
صفوة التفاسير: 237.
(14)
تفسير الثعلبي: 3/ 253.
قال مجاهد: في البر والصلة" (1).
قال عكرمة: " رزقكم الله ليس أناسي"(2).
وقال عطاء: " {قولا معروفا}: إذا ربحت أعطيتك كذا وإن غنمت في غزاتي جعلت لك حظا"(3).
وقال المفضل: "قولا لينا تطيب به أنفسهم، وكلما سكنت إليه النفس أحبته من قول أو عمل فهو معروف، وما أنكرته وكرهته ونفرت منه فهو منكر"(4).
وفي قوله تعالى: {وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء: 5]، ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه الوعد بالجميل، وهو قول مجاهد (5).
والثاني: الدعاء له كقوله بارك الله فيك، وهو قول ابن زيد (6).
والثاني: أي: علموهم - مع إطعامكم إياهم، وكسوتكم إياهم - أمر دينهم. قاله الزجاج (7).
والراجح، هو قول مجاهد أي، أن المراد:"قولوا، يا معشر ولاة السفهاء، قولا معروفًا للسفهاء: إن صَلحتم ورشدتم سلَّمنا إليكم أموالكم، وخلَّينا بينكم وبينها، فاتقوا الله في أنفسكم وأموالكم، وما أشبه ذلك من القول الذي فيه حث على طاعة الله، ونهي عن معصيته"(8).
روى الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل كانت عنده امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها. ورجل كان له دين فلم يشهد، ورجل أعطى سفيها مالا، وقد قال الله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم}، أي الجهال بموضع الحق» (9).
روي عن أنس بن مالك قال: "جاءت امرأة سوداء جريئة المنطق ذات ملح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله قل فينا خيرا مرة واحدة، فإنه بلغني أنك تقول فينا كل شر. قال:«أي شيء قلت لكن؟ » قالت: سميتنا السفهاء في كتابه وسميتنا النواقص.
فقال: «وكفى نقصانا أن تدعن من كل شهر خمسة أيام لا تصلين فيهن، أما يكفي إحداكن إذا حملت كان لها كأجر المرابط في سبيل الله، وإذا وضعت كانت كالمتشحط بدمه في سبيل الله، وإذا أرضعت كان لها بكل جرعة كعتق رقبة من ولد إسماعيل، وإذا سهرت كان لها بكل سهرة تسهرها كعتق رقبة من ولد إسماعيل، وذلك للمؤمنات الخاشعات الصابرات اللاتي لا يكفرن بالعشير. قالت السوداء: يا له فضلا لولا ما تبعه من الشرط" (10).
الفوائد:
1 -
مشروعية الحجر على السفيه لمصلحته.
2 -
استحباب تنمية الأموال في الأوجه الحلال لقرينة: {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا} .
القرآن
التفسير:
واختبروا مَن تحت أيديكم من اليتامى لمعرفة قدرتهم على حسن التصرف في أموالهم، حتى إذا وصلوا إلى سن البلوغ، وعَلمتم منهم صلاحًا في دينهم، وقدرة على حفظ أموالهم، فسلِّموها لهم، ولا تعتدوا عليها بإنفاقها في غير موضعها إسرافًا ومبادرة لأكلها قبل أن يأخذوها منكم. ومَن كان صاحب مال منكم فليستعفف بغناه، ولا يأخذ من مال اليتيم شيئًا، ومن كان فقيرًا فليأخذ بقدر حاجته عند الضرورة. فإذا علمتم أنهم قادرون
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (4796): ص 3/ 864.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4797): ص 3/ 864.
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 253.
(4)
تفسير الثعلبي: 3/ 253.
(5)
انظر: تفسير الطبري (8568)، و (8569): ص: 7/ 572 - 573.
(6)
انظر: تفسير الطبري (8570): ص 7/ 573.
(7)
معاني القرآن: 2/ 14.
(8)
تفسير الطبري: 7/ 573.
(9)
المستدرك: 2/ 302، وانظر: تفسير الثعلبي: 3/ 252
(10)
مجمع البيان: 3/ 18، وتفسير الثعلبي: 3/ 251.
على حفظ أموالهم بعد بلوغهم الحُلُم وسلمتموها إليهم، فأَشْهِدوا عليهم; ضمانًا لوصول حقهم كاملا إليهم; لئلا ينكروا ذلك. ويكفيكم أن الله شاهد عليكم، ومحاسب لكم على ما فعلتم.
في سبب نزول الآية:
قال مقاتل (1)، والواحدي (2)، والثعلبي (3):" نزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه، وذلك أن رفاعة توفي وترك ابنه ثابتا وهو صغير، فأتى عم ثابت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحل لي من ماله، ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية"(4).
وفي السياق نفسه أخرج الطبري عن قتادة: ": {ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف}، ذكر لنا أن عَمَّ ثابت بن رفاعة وثابت يومئذ يتيمٌ في حجره من الأنصار، أتى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، إن ابن أخي يتيمٌ في حجري، فما يحلُّ لي من ماله؟ قال: أن تأكل بالمعروف، من غير أن تقي مالك بماله، ولا تتخذ من ماله وَفْرًا، وكان اليتيم يكون له الحائط من النخل، فيقوم وليه على صلاحه وَسقيه، فيصيب من تمرته، أو تكون له الماشية، فيقوم وليه على صلاحها، أو يلي علاجها ومؤونتها، فيصيب من جُزَازها وَعوارضها ورِسْلها، فأما رقاب المال وأصول المال، فليس له أن يستهلكه"(5).
قوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} [النساء: 6]، " أي: اختبروا اليتامى حتى إِذا بلغوا سنَّ النكاح" (6).
قال ابن عباس: " {وابتلوا اليتامى}، قال: اختبروهم"(7)، " حتى إذا بلغوا النكاح، قال: عند الحلم"(8).
قال قتادة والحسن: " يقول: اختبروا اليتامى"(9).
وقال السدي: أما {ابتلوا اليتامى} ، فجرِّبوا عقولهم" (10).
قال ابن زيد: " اختبروه في رأيه وفي عقله كيف هو. إذا عُرِف أنه قد أُنِس منه رُشد، دفع ليه ماله. قال: وذلك بعد الاحتلام"(11)، وفي روياة أخرى عنه:" {حتى إذا بلغوا النكاح}، قال: الحلم"(12).
قال مجاهد: " {وابتلوا اليتامى}، قال: عقولهم"(13)، " {حتى إذا بلغوا النكاح}، حتى إذا احتلموا"(14).
قال الطبري: أي: " واختبروا عقول يتاماكم في أفهامهم، وصلاحهم في أديانهم، وإصلاحهم أموالهم"(15).
قال الماوردي: " {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى}، أي: اختبروهم في عقولهم وتمييزهم وأديانهم، {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ}، يعني: الحُلُم في قول الجميع"(16).
قوله تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6]، " أي: فإِن أبصرتم منهم صلاحاً في دينهم ومالهم فادفعوا إِليهم أموالهم بدون تأخير" (17).
عن سعيد بن جبير: " في قول الله تعالى: {فادفعوا إليهم أموالهم}، يعني: ادفعوا إلى اليتامى أموالهم إذا كبروا"(18).
(1) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 358.
(2)
انظر: أسباب النزول: 143.
(3)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 254.
(4)
أسباب النزول: 143.
(5)
تفسير الطبري (8638): ص 7/ 590 - 591، ونقله الحافظ في "الإصابة" في ترجمة ثابت "1/ 192" من رواية ابن مندة عن قتادة وقال:"هذا مرسل رجاله ثقات".
(6)
صفوة التفاسير: 237.
(7)
أخرجه الطبري (8574): ص 7/ 574.
(8)
أخرجه الطبري (8577): ص 7/ 575.
(9)
أخرجه الطبري (8571): ص 7/ 574.
(10)
أخرجه الطبري (8572): ص 7/ 574.
(11)
أخرجه الطبري (8575): ص 7/ 574.
(12)
أخرجه الطبري (8578): ص 7/ 575.
(13)
أخرجه الطبري (8573): ص 7/ 574.
(14)
أخرجه الطبري (8576): ص 7/ 574 - 575.
(15)
تفسير الطبري: 7/ 573.
(16)
النكت والعيون: 1/ 453.
(17)
صفوة التفاسير: 237.
(18)
أخرجه ابن أبي حاتم (4809): ص 3/ 866.
قال ابن عباس: " {فإن آنستم منهم رشدًا}، قال: عرفتم منهم"(1).
قال الزجاج: " ومعنى (الرشد): الطريقة المستقيمة التي تثقون معها بأنهم يحفظون أموالهم، فادفعوا إليهم أموالهم"(2).
وفي قوله تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا} [النساء: 6]، " ستة تأويلات:
أحدها: أن الرشد العقل خاصة، وهو قول مجاهد (3)، والشعبي (4).وروي عن ابن عباس:" إذا أدرك اليتيم بحلم وعقل ووقار دفع إليه ماله"(5).
والثاني: أنه العقل والصلاح في الدين، وهو قول السدي (6)، وقتادة (7).
والثالث: أنه صلاح في الدين وإصلاح في المال، وهو قول ابن عباس (8)، والحسن (9)، وسعيد بن جبير (10)، والشافعي (11).
والرابع: أنه الصلاح والعلم بما يصلحه، قاله ابن جريج (12).
والخامس: أن الرشد: سنة بعد الإحتلام. قاله ابن شبرمة (13).
والسادس: أن معنى: {آنستم منهم رشدا} : إذا أقام الصلاة. وهذا قول عبيدة بن عمرو (14).
والراجح-والله أعلم- أن بمعنى: "الرشد" في الآية الكريمة: العقل وإصلاح المال، وذلك لإجماع الجميع على أنه إذا كان كذلك، لم يكن ممن يستحق الحجرَ عليه في ماله، وحَوْزَ ما في يده عنه، وإن كان فاجرًا في دينه. وإذْ كان ذلك إجماعًا من الجميع، فكذلك حكمه إذا بلغ وله مال في يَدي وصيِّ أبيه، أو في يد حاكم قد وَلي ماله لطفولته واجبٌ عليه تسليم ماله إليه، إذا كان عاقلا بالغًا، مصلحًا لماله غير مفسد، لأن المعنى الذي به يستحق أن يولَّى على ماله الذي هو في يده، هو المعنى الذي به يستحق أن يمنع يده من ماله الذي هو في يد وليّ، فإنه لا فرق بين ذلك (15).
وفي قراءة عبدالله: {فإن أحسيتم منهم رشدا} ، بمعنى: أحسستم، أي: وجدتم (16).
قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} [النساء: 6]، أي:" ولَا تأكلوا في مدة وصايتكم أموال اليتامى مسرفين في الأكل، أو مبادرين بالأخذ خشية أن يكبروا "(17).
قال مقاتل: " {ولا تأكلوها إسرافا}، يعني: بغير حق، {وبدارا أن يكبروا}، يقول: يبادر أكلها خشية أن يبلغ اليتيم الحلم فيأخذ منه ماله"(18).
قال الماوردي: " يعني: لا تأخذوها إسرافاً على غير ما أباح الله لكم"(19).
قال الأخفش: " يقول لا تأكلوها مبادرة أن يشبوا"(20).
قال الواحدي: " أَيْ: لا تبادروا بأكل مالهم كبرَهم ورشدهم حذر أن يبلغوا فيلزمكم تسليم المال إليهم"(21).
(1) أخرجه الطبري (8579): ص 7/ 575.
(2)
معاني القرآن: 2/ 14.
(3)
انظر: تفسير الطبري (8584): ص 7/ 576.
(4)
انظر: تفسير الطبري (8586): ص 7/ 577.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4803): ص 3/ 865.
(6)
انظر: تفسير الطبري (8580): ص 7/ 576 ..
(7)
انظر: تفسير الطبري (8581): ص 7/ 576.
(8)
انظر: تفسير الطبري (8582): ص 7/ 576.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4805): ص 3/ 865.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4806): ص 3/ 866.
(11)
انظر: تفسير الإمام الشافعي: 2/ 525.
(12)
انظر: تفسير الطبري (8587): ص 7/ 577.
(13)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4808): ص 3/ 866.
(14)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4807): ص 3/ 866.
(15)
انظر: تفسير الطبري: 7/ 577
(16)
انظر: تفسير الطبري: 7/ 575.
(17)
زهرة التفاسير: 3/ 1592، وانظر: أوضح التفاسير: 1/ 91.
(18)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 358.
(19)
النكت والعيون: 1/ 453.
(20)
معاني القرآن: 1/ 246.
(21)
الوجيز: 252.
قال الراغب: " أي: متجاوزين حد القصد المباح لكم، ومبادرة أن يكبروا، فيمنعوا
أموالهم" (1).
قال السمين الحلبي: " أي مسارعة يعني أنهم كانوا يسرعون في أكل أموال اليتامى ويبادرون، ولذلك كرههم لئلا ينزعوها منهم"(2).
قال الطبري: " {إسرافا} ، أي: بغير ما أباحه الله لك
…
يقول: لا تأكلوا أموالهم إسرافًا - يعني ما أباح الله لكم أكله - ولا مبادرة منكم بلوغَهم وإيناسَ الرشد منهم، حذرًا أن يبلغوا فيلزمكم تسليمه إليهم " (3).
قال الحسن: " يقول: لا تسرف فيها"(4).
قال ابن عباس: " {ولا تأكلوها إسرافا وبدارا}، يعني: تأكل مال اليتيم"(5).
وفي رواية اخرى عن ابن عباس أيضا: " {وبدارا}، يعني، يأكل مال اليتيم ببادرة، فعند أن يبلغ فيحول بينه وبين ماله"(6). وروي عن السدي نحو ذلك (7).
عن سعيد بن جبير: " {ولا تأكلوها إسرافا}، يعني: في غير حق"(8)، " أن يكبروا قال: خشية أن يبلغ الحلم فيأخذ ماله" (9)، وروي عن مقاتل بن حيان نحو ذلك (10).
وقال السدي: " يسرف في الأكل"(11).
فهذا نهي للأولياء والأوصياء، عن أكل أموال اليتامى: مسرفين في الإنفاق منها، ومتعجلين أكلها، مخافة أن يكبروا فينتزعوها من أيديهم. فإن الكثير من الأولياء، يستعجل بعض التصرفات التي يكون لهم فيها منفعة، حتى لا تفوتهم إذا كبر اليتيم وتسلَّم ماله (12).
وأصل "الإسراف": تجاوز الحد المباح إلى ما لم يُبَحْ. وربما كان ذلك في الإفراط، وربما كان في التقصير، غير أنه إذا كان في الإفراط، فاللغة المستعملة فيه أن يقال: أسْرف يُسرف إسرافًا وإذا كان كذلك في التقصير، فالكلام منه: سَرِف يَسْرَفُ سَرَفًا، يقال: مررت بكم فسَرَفْتكم، يراد منه: فسهوت عنكم وأخطأتكم، كما قال جرير (13):
أَعْطَوْا هُنَيْدَةَ يَحْدُوهَا ثَمَانِيَةٌ
…
مَا فِي عَطَائِهِمُ مَنٌّ وَلا سَرَفُ
فقوله: "ولا سرف"، أي: ولا خطأ فيه، يراد به: أنهم يصيبون مواضع العطاء فلا يخطئونها (14).
قال الراغب: " السرف: تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان، وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر. قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} [الفرقان: 67] "(15).
قال الماتريدي: " الإسراف: هو كل ما نهي عنه، وقيل: الإسراف: هو أكل في غير حق؛ وكأن الإسراف هو المجاوزة عن الحد، وهو كقوله: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا} [الفرقان: 67]، وكان القتر مذموما، فعلى ذلك الإسراف في النفقة في مال اليتيم، وقوله - تعالى -: {إسرافا وبدارا}، قيل: البدار: هو المبادرة، وكلاهما لغتان، كالجدال والمجادلة، وهو أن يبادر بأكل مال اليتيم؛ خشية أن يكبر؛ فيحول بينه وبين ماله"(16).
وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه: " ولا تأكلوها إسرافا وبدارا خشية أن يكبروا "(17).
(1) تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1105.
(2)
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الالفاظ: 1/ 116.
(3)
تفسير الطبري: 7/ 578 - 580
(4)
أخرجه الطبري (8588): ص 7/ 578.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4810): ص 3/ 866.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (4813): ص 3/ 867.
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4813): ص 3/ 867.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (4811): ص 3/ 866.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (4814): ص 3/ 867.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4811): ص 3/ 866 ..
(11)
أخرجه الطبري (8589): ص 7/ 578 - 579
(12)
التفسير الوسيط، مجمع البحوث: 2/ 755.
(13)
) ديوانه: 389، وطبقات فحول الشعراء: 359، والاشتقاق: 241، واللسان (هند)(سرف)، وغيرها.
(14)
انظر: تفسير الطبري: 7/ 579.
(15)
المفردات في غريب القرآن: 407.
(16)
تفسير الماتريدي: 3/ 25.
(17)
تفسير الماتريدي: 3/ 25.
قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ} [النساء: 6]، " أي: ومن كان منكم غنياً أيها الأولياء فليعف عن مال اليتيم ولا يأخذ أجراً على وصايته" (1).
قال السمرقندي: " أي ليحفظ نفسه عن مال اليتيم"(2).
قال الواحدي: أي: " لا يأكل منه شيئاً"(3).
قال ابن كثير: أي: " من كان في غُنْية عن مال اليتيم فَلْيستعففْ عنه، ولا يأكل منه شيئا. قال الشعبي: هو عليه كالميتة والدم"(4).
قال الطبري: أي: " ومن كان غنيًّا، من ولاة أموال اليتامى على أموالهم، فليستعفف بماله عن أكلها - بغير الإسراف والبدار أن يكبروا - بما أباح الله له أكلها به"(5).
قالت عائشة-رضي الله عنها: " نزلت في والي اليتيم"(6). وقال سعيد بن جبير: " يعني: الوصي"(7). وروي عن السدي والحكم مثل قول سعيد بن جبير (8).
عن ابن عباس: {ومن كان غنيا فليستعفف} : فلا يحتاج إلى مال اليتيم (9).
وقال الحسسن: " والي مال اليتيم إن كان غنيا فليستعفف، أن يأكل من أموالهم شيئا"(10).
وقال نافع ابن أبي نعيم -يعني: القارئ-: "سألت يحيى بن سعيد وربيعة عن قول الله تعالى: {ومن كان غنيا فليستعفف}، قالا: ذلك في اليتيم إن كان غنيا أنفق عليه بقدر غناه، ولم يكن للولي منه شيء"(11).
قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 6]، " أي: ومن كان فقيراً فليأخذ بقدر حاجته الضرورية وبقدر أجرة عمله" (12).
قال الواحدي: أي: " يقدِّر أجرة عمله"(13).
وفي قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 6]، أربعة وجوه:
أحدها: أنه القرض يستقرض إذا احتاج ثم يرده إذا وجد، وهو قول عمر (14)، وابن عباس (15)، وجمهور التابعين (16).
والثاني: أنه يأكل ما يسد الجوعة، ويلبس ما يواري العورة، ولا قضاء، وهو قول الحسن (17)، وإبراهيم (18)، ومكحول (19).
روى شعبة عن قتادة" أن عم ثابت بن رفاعة - وثابت يومئذ يتيم في حجره-، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحل لي من ماله؟ قال: «أَنْ تَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ غَيرِ أن تقِيَ مَالَكَ بِمَالِهِ وَلا تَتَّخِذْ مِنْ مَالِهِ وَقْراً» "(20).
والثالث: أن يأكل من ثمره، ويشرب من رِسْلِ ماشيته من غير تعرض لِمَا سوى ذلك من فضة أو ذهب، وهو قول أبي العالية (21)، والشعبي (22).
(1) صفوة التفاسير: 237.
(2)
تفسير السمرقندي: 1/ 282.
(3)
الوجيز: 252.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 216.
(5)
تفسير الطبري: 7/ 581.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (4815): ص 3/ 867.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (4816): ص 3/ 867.
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4816): ص 3/ 867.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (4817): ص 3/ 867.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (4819): ص 3/ 868.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (4818): ص 3/ 867.
(12)
صفوة التفاسير: 237.
(13)
الوجيز: 252.
(14)
انظر: تفسير الطبري (8597): ص 7/ 582.
(15)
انظر: تفسير الطبري (8598): ص 7/ 582.
(16)
انظر: الأخبار الواردة في ذلك في تفسير الطبري (8599) - (8620): ص 7/ 582 - 586.
(17)
انظر: تفسير الطبري (8626) - (8630): ص 7/ 587 - 588.
(18)
انظر: تفسير الطبري (8626) - (8628): ص 7/ 587، و (8630): ص 7/ 587 - 588.
(19)
انظر: تفسير الطبري (8629): ص 7/ 587.
(20)
أخرجه الطبري (8638): ص 7/ 590 - 591. يقال: وفر ماله وفرًا: حاطه حتى يكثر ويصير وافرًا، يعني: أن يتأثل مالا لنفسه ويجمعه من مال يتيمه.
(21)
انظر: تفسير الطبري (8633) - (8635): ص 7/ 589 - 590.
(22)
انظر: تفسير الطبري (8637): ص 7/ 590.
روى القاسم بن محمد قال: "جاء أعرابي إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أيتاماً، وإن لهم إبلاً، فماذا يحل لي منها؟ فقال: إن كنت تبغي ضالتها، وتهنأ جرباءَها، وتلوط حوضها، وتفرط عليها يوم وِرْدِهَا، فاشرب من ألبانها غير مُضِرِّ بنسل، ولا بأهل في الحلب"(1).
والرابع: أن يأخذ إذا كان محتاجاً أجرةً معلومة على قدر خدمته، وهو قول عطاء (2).
قال الطبري: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: المعروف الذي عناه الله تبارك وتعالى في قوله: ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف، أكل مال اليتيم عند الضرورة والحاجة إليه، على وجه الاستقراض منه فأما على غير ذلك الوجه، فغير جائز له أكله"(3).
قوله تعالى: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ} [النساء: 6]، " أي: فإِذا سلمتم إِلى اليتامى أموالهم بعد بلوغهم الرشد فأشهدوا على ذلك لئلا يجحدوا تسلمها" (4).
قال الماوردي: " ليكون بيِّنةَ في دفع أموالهم إليهم"(5).
قال الواحدي: " لكي إنْ وقع اختلافٌ أمكن الوليِّ أن يقيم البيِّنة على ردِّ المال إليه"(6).
قال ابن كثير: " وهذا أمر الله تعالى للأولياء أن يشهدوا على الأيتام إذا بلغوا الحلم وسلموا إليهم أموالهم؛ لئلا يقع من بعضهم جُحُود وإنكار لما قبضه وتسلمه"(7).
قوله تعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [النساء: 6]، " أي: وكفى بالله محاسباً ورقيباً" (8).
قال سعيد بن جبير: " يعني: لا شاهد أفضل من الله فيما بينكم وبينهم"(9).
قال الواحدي: أي: " محاسباً ومجازياً للمحسن والمسيء"(10).
قال البيضاوي: أي: " محاسبا فلا تخالفوا ما أمرتم به ولا تتجاوزوا ما حد لكم"(11).
قال ابن كثير: " أي: وكفى بالله محاسبا وشهيدًا ورقيبا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم للأموال: هل هي كاملة موفرة، أو منقوصة مَبْخوسة مدخلة مروج حسابها مدلس أمورها؟ الله عالم بذلك كله. ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا أبا ذر، إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تَأَمَّرَن على اثنين، ولا تَلِيَنَّ مال يتيم» (12) " (13).
قال الشافعي: " فدلَّت هذه الآية، على أن الحجر ثابت على اليتامى حتى يجمعوا خصلتين: البلوغ والرشد، فالبلوغ استكمال خمس عشرة سنة، الذكر والأنثى في ذلك سواء، إلا أن يحتلم الرجل، أو تحيض المرأة قبل خمس عشرة سنة، فيكون ذلك البلوغ، ودلَّ قول اللَّه عز وجل:{فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} ، على أنهم إذا جمعوا البلوغ، والرشد، لم يكن لأحد أن يلي عليهم أموالهم، وكانوا أولى بولاية أموالهم من غيرهم.
والرشد - واللَّه أعلم -: الصلاح في الدين حتى تكون الشهادة جائزة، وإصلاح المال، وإنما يعرف إصلاح المال بأن: يختبر اليتيم، والاختبار يختلف بقدر حال المختَبر" (14).
روي عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في هذه الآية:{ومن كان غنيا فليستعفف، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} [النساء: 6] قال: " فنسخ الله عز وجل من ذلك الظلم والاعتداء نسخ: {إن الذين يأكلون
(1) أخرجه الطبري (8632): ص 7/ 588 - 589.
(2)
انظر: تفسير الطبري (8642)، و (8650): ص 7/ 592 - 593.
(3)
تفسير الطبري: 7/ 593 - 594.
(4)
صفوة التفاسير: 237.
(5)
النكت والعيون: 1/ 455.
(6)
الوجيز: 252.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 216.
(8)
صفوة التفاسير: 237.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (4841): ص 3/ 871.
(10)
الوجيز: 252.
(11)
تفسير البيضاوي: 2/ 61.
(12)
صحيح مسلم برقم (1826).
(13)
تفسير ابن كثير: 2/ 219.
(14)
تفسير الإمام الشافعي: 2/ 525.
أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} [النساء: 10] " (1). وروي عن الضحاك نحوه (2).
وقد ردّ ابن العربي دعوى النسخ هنا ردا عنيفا فقال: "أما من قال: إنه منسوخ فهو بعيد لا أرضاه، لأن الله تعالى يقول: {فليأكل بالمعروف} وهو الجائز الحسن، وقال: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} فكيف ينسخ الظلم المعروف بل هو تأكيد له في التجويز، لأنه خارج عن مغاير له، وإذا كان المباح غير المحظور لم يصح دعوى النسخ فيه"(3).
الفوائد:
1 -
وجوب اختبار اليتيم قبل دفع ماله إليه، إذ لا يدفع إليه المال إلا بعد وجود الرشد.
2 -
وجوب الإشهاد على دفع المال إلى اليتيم بعد بلوغه ورشده.
3 -
حرمة أكل مال اليتيم والسفيه مطلقاً.
4 -
الوالي على اليتيم إن كان غنياً فلا يأكل من مال اليتيم شيئاً، وإن كان فقيراً استقرض ورد عند الوجد واليسار، وإن كان مال اليتيم يحتاج إلى أجير للعمل فيه جاز للوفي أن يعمل بأجرة المثل.
5 -
إثبات اسمه تعالى «الحسيب» ، أي: الحفيظ، والكافي، والشهيد، والمحاسب.
قال الخطابي: "الحسيب: هو المكافىء. فعيل بمعنى: مفعل، كقولك: أليم، بمعنى: مؤلم. تقول العرب: نزلت بفلان فأكرمني وأحسبني، أي: أعطاني ما كفاني حتى قلت: حسبي. ومنه قول الشاعر (4):
ونقفي وليد الحي إن كان جائعا
…
ونحسبه إن كان ليس بجائع
والحسيب أيضا بمعنى: المحاسب، كقولهم: وزير، ونديم: بمغنى موازر ومنادم. ومنه قول الله -سبحانه-: {كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} [الإسراء: 14] أي: محاسبا" (5).
جاء في الحديث: " إن كان أحدكم مادحا لا محالة؛ فليقل: أحسب كذا وكذا - إن كان يرى أنه كذلك -، وحسيبه الله، ولا يزكى على الله أحد"(6).
القرآن
التفسير:
للذكور -صغارًا أو كبارًا- نصيب شرعه الله فيما تركه الوالدان والأقربون من المال، قليلا كان أو كثيرًا، في أنصبة محددة واضحة فرضها الله عز وجل لهؤلاء، وللنساء كذلك.
في سبب نزول الآية وجهان:
أحدهما: أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: " وذلك أهل الجاهلية كانوا لا يورثون النساء ولا الولدان الصغار شيئا، يجعلون الميراث لذي الأسنان من الرجال، فنزلت: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} "(7).
وفي السياق نفسه، قال قتادة:" كانوا لا يورثون النساء فنزلت: {وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} "(8).
والثاني: وأخرج ابن المنذر (9)، وابن أبي حاتم (10)، عن ابن عباس:" نزلت في أم كلثوم، وبنت أم كحلة، وثعلبة بن أوس، وسويد كان أحدهم زوجها والآخر عم ولدها".
(1) الناسخ والمنسوخ، للقاسم بن سلام (438): ص 238، والناسخ والمنسوخ للنحاس: 295، ونواسخ القرآن، ابن الجوزي: 2/ 240.
(2)
انظر: الدر المنثور 2/ 12، ونواسخ القرآن، لابن الجوزي: 2/ 341.
(3)
انظر أحكام القرآن 1/ 225.
(4)
البيت في: السمط: 885، وذيله: 68، منسوبان إلى أبي يزيد العقيلي، ونسبه في اللسان مادة (حسب)، و (دوا) إلى امرأة من قشير.
وفي الأساس (قفو) بدون نسبة. وإصلاح المنطق ص 263، والعقد الفريد 8/ 4. وفي غريب القرآن ص 17، 510، أي: نعطيه ما يكفيه حتى يقول: حسبي. وانظر أسماء الله الحسنى للزجاج ص 49.
(5)
شأن الدعاء: 1/ 69 - 70.
(6)
رواه: البخاري (6162)، ومسلم (3).
(7)
تفسير ابن أبي حاتم (4843): ص 3/ 872.
(8)
تفسير الطبري (8655): ص 7/ 598، وتفسير ابن أبي حاتم (4845): ص 3/ 872، وتفسير ابن المنذر (1405): ص 2/ 577.
(9)
تفسير ابن المنذر (1404): ص 2/ 577.
(10)
تفسير ابن أبي حاتم (4844): ص 3/ 872.
وزاد ابن المنذر: " فقالت: يا رسول الله توفي زوجي، وتركني وابنته، ولم نورث من ماله، فقال عم ولدها: يا رسول الله لا تركب فرسا، ولا تنكي عدوا ويكسب عليها ولا تكسب ".قال ابن جريج: وقال آخرون: هي أم حجة، توفي زوجها، وتركها وبنات لها ذمائم، فقالت يا رسول الله: توفي زوجي وتركني وبناتي، فلم نورث" (1).
وفي المعنى نفسه قال مقاتل: " قوله- سبحانه-: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون}، نزلت في أوس بن مالك الأنصاري وذلك أن أوس بن مالك الأنصاري توفي وترك امرأته أم كحة الأنصارية (2)، وترك ابنتين إحداهن صفية، وترك ابني عمه عرفطة وسويد ابني الحارث «فلم يعطياها ولا ولداها شيئا من الميراث. وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الولدان الصغار شيئا ويجعلون الميراث لذوي الأسنان منهم، فانطلقت أم كحة وبناتها إلى النبي- صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أباهن توفي، وإن سويد بن الحارث، وعرفطة منعاهن حقهن من الميراث. فأنزل الله- عز وجل في أم كحة وبناتها: {للرجال نصيب} "(3). وأخرجه أبو الشيخ ابن حبان من طريق الكلبي، (4)، وذكره الواحدي (5)، والثعلبي (6).
قوله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ} [النساء: 7]، " للذكور -صغارًا أو كبارًا- نصيب شرعه الله فيما تركه الوالدان والأقربون من المال وللنساء كذلك"(7).
قال الطبري: أي: " للذكور من أولاد الرجل الميِّت حصة من ميراثه، وللإناث منهم حصة منه، من قليل ما خلَّف بعده وكثيره، حصة مفروضة، واجبةٌ معلومة مؤقتة"(8).
قال سعيد بن جبير: " يعني: حظا مما ترك الوالدان والأقربون"(9).
قال الزجاج: " كانت العرب لا تورث إلا من طاعن بالرماح وزاد عن المال وحاز الغنيمة، فأعلم الله عز وجل أن حق الميراث على ما ذكر من الفرض، وجاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعها بنات لها توفي أبوهن وهو زوجها، وقد هم عما البنات بأخذ المال فنزلت: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} الآية. فقال العمان: يا رسول الله أيرث من لا يطاعن بالرماح ولا يزود عن المال ولا يحوز الغنيمة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أعطيا البنات الثلثين، وأعطيا الزوجة - وهي أمهن - الثمن، وما بقي فلكما، فقالا: فمن يتولى القيام بأمرهما؟ فأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوليا ذلك"(10).
قال ابن أبي زمنين: " هذا حين بين الله فرائض المواريث، نزلت آية المواريث قبل هذه الآية، وهي بعدها في التأليف؛ وكان أهل الجاهلية لا يعطون النساء من الميراث، ولا الصغير شيئا، وإنما كانوا يعطون من يحترف وينفع ويدفع، فجعل الله لهم من ذلك"(11).
قال الزمخشري: " {الأقربون}، هم المتوارثون من ذوى القرابات دون غيرهم"(12).
قوله تعالى: {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ} [النساء: 7]، " أي: سواء كانت التركة قليلة أو كثيرة" (13).
قال سعيد بن جبير: " يعني: من الميراث"(14).
قوله تعالى: {نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء: 7]، "أي: نصيبا مقطوعا واجبا" (15).
قال الضحاك: " {نصيبا مفروضا} ذلك وقفا معلوما "(16). وروي عنه أيضا: " مفروضا قال: وفيا"(17).
(1) تفسير ابن المنذر (1404): ص 2/ 577.
(2)
الاسم بضم الكاف وتشديد الجيم. انظر ترجمتها في: الإصابة: 4/ 488 ..
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 258 - 259.
(4)
انظر: لباب النقول: 53، والفتح السماوي للمناوي: 2/ 462.
(5)
انظر: أسباب النزول: 143 - 144.
(6)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 260.
(7)
التفسير الميسر: 78.
(8)
تفسير الطبري: 7/ 598.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (4842): ص 3/ 872.
(10)
معاني القرآن: 2/ 15، وانظر: الخبر في سبب نزول الآية ..
(11)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 349.
(12)
الكشاف: 1/ 476.
(13)
صفوة التفاسير: 238.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (4846): ص 3/ 872.
(15)
الكشاف: 1/ 476.
(16)
أخرجه ابن المنذر (1406): ص 2/ 578.
(17)
أخرجه ابن أبي حاتم (4848): ص 3/ 872.
قال سعيد بن جبير: "يعني: حظا"(1)، معلوما" (2).
قال الطبري: أي: " حصة مفروضة، واجبةٌ معلومة مؤقتة"(3).
قال ابن قتيبة: يعني: " موجبا فرضه الله. أي أوجبه"(4).
قال مقاتل: " يعني: حظا مفروضا، يعني: معلوما، فأخذت أم كحة الثمن وبناتها الثلثين وبقيته لسويد وعرفطة"(5).
قال الثعلبي: أي: " حظا معلوما واجبا، نظيرها فيما قال: {لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء: 118] "(6).
قال الزجاج: " هذا منصوب على الحال، المعنى لهؤلاء أنصبة على ما ذكرناها في حال الفرض، وهذا كلام مؤكد لأن قوله - جل ثناؤه -: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب. . .}، معناه: إن ذلك مفروض لهن"(7).
قال الراغب: " المفروض: المقطوع بإيجابه، والفرض الحز في شيةرالقوس، والفرضة مقطع الماء، إما اعتبارا بقطع الماء أو قطعرالخصومة فيه، وبعض الفقهاء فرق بين الفرض والواجب، فجعل الفرض أخص، روقال: إنه يقتضي فارضا، والواجب لا يقتضيه، قال: ولذلك يقال: ثواب المطيعين واجب على الله، رولا يقال: فرض عليه"(8).
قال أبو عبيدة: " {نصيبا مفروضا} نصب على الخروج من الوصف " وقال بعضهم في قوله جل وعز: {نصيبا مفروضا} نصب، وإنما جعله نصبا، جعل ذلك لهم نصيبا مفروضا، وانتصابه كانتصاب {كتابا مؤجلا} " (9).
قال الماتريدي: وفي الآية " دلالة نسخ الوصية للوارث؛ لأنه قال عز وجل: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب. . .}، إلى قوله: {مفروضا}، أي: معلوما بما أوجب في كل قبيل"(10).
أخرج ابن المنذر عن ابن عباس: " {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} (11)، قال: نسختها هذه الآية: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} الآية "(12).
قال ابن الجوزي: " قد زعم بعض من قل علمه وعزب فهمه من المتكلمين في الناسخ والمنسوخ، أن هذه الآية نزلت في إثبات نصيب النساء مطلقا من غير تحديد، لأنهم كانوا لا يورثون النساء ثم نسخ ذلك بآية المواريث (13).
وهذا قول مردود في الغاية وإنما أثبتت هذه الآية ميراث النساء في الجملة وثبت آية المواريث مقداره ولا وجه للنسخ بحال" (14).
الفوائد:
1 -
بيان علة الميراث، وهي القرابة.
2 -
عموم القرابة كيفما تصرفت من قرب أو بعد.
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (4847): ص 3/ 872.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4849): ص 3/ 873.
(3)
تفسير الطبري: 7/ 598.
(4)
غريب القرآن: 121.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 359.
(6)
تفسير الثعلبي: 3/ 261.
(7)
معاني القرآن: 2/ 15.
(8)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1109.
(9)
أخرجه ابن المنذر (1407): ص 2/ 578.
(10)
تفسير الماتريدي: 3/ 30.
(11)
سورةالبقرة: 180.
(12)
تفسير ابن المنذر (1403): ص 2/ 576.
(13)
لم يذكر هذه الدعوى الواهية في أمهات كتب النسخ إلا عند هبة الله بن سلامة فقد ذكرها بدون عزوها إلى أحد، وبدون ذكر دليل لها. انظر: الناسخ والمنسوخ ص: 31.
(14)
نواسخ القرآن: 2/ 342.
3 -
إجمال النصيب المفروض، فبيّن الله سبحانه وتعالى في آية المواريث خصوص القرابة ومقدار النصيب، وكان نزول هذه الآية توطئة للحكم وإبطالا لذلك الرأي الفاسد، حتى وقع البيان الشافي بعد ذلك على سيرة الله وسنته في إبطال آرائهم وسنتهم.
القرآن
التفسير:
وإذا حضر قسمةَ الميراث أقاربُ الميت ممن لا حقَّ لهم في التركة، أو حضرها من مات آباؤهم وهم صغار دون سن البلوغ، أو مَن لا يملكون ما يكفيهم ويسد حاجتهم فأعطوهم شيئًا من المال على وجه الاستحباب قبل تقسيم التركة على أصحابها، وقولوا لهم قولا حسنًا غير فاحش ولا قبيح.
في سبب نزول الآية:
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، قال:"كان الرجل ينفق على جاره وقرابته، فإذا مات حضروا، قال وليه: ما نملك منه شيئا، فأمرهم الله أن يقولوا قولا معروفا"(1).
قوله تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ} [النساء: 8]، " وإذا حضر قسمة التركة أقاربُ الميت ممن لا حقَّ لهم في التركة، أو حضرها من مات آباؤهم وهم صغار دون سن البلوغ، أو مَن لا يملكون ما يكفيهم ويسد حاجتهم"(2).
قال مقاتل: " يعني: قسمة المواريث فيها تقديم، وإذا حضر {أولوا القربى}، يعني: قرابة الميت، واليتامى والمساكين قسمة المواريث"(3).
قال السمعاني: يعني: قسمة التركة في مواريث إذا حضرها من لا يرث الميت من أقاربه، أو اليتامى، والمساكين" (4).
قال ابن زيد: " القسمة الوصية، جعل الله للميت جزء من ماله يوصي به لمن يشاء إلى من لا يرثه"(5).
قال البغوي: " {أولو القربى}: الذين لا يرثون"(6).
قوله تعالى: {فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} [النساء: 8]، أي:" فأعطوهم شيئاً من هذه التركة تطييباً لخاطرهم"(7).
قال مقاتل: " يعني فأعطوهم من الميراث وإن قل وليس بموقت (8)، هذه قبل قسمة المواريث"(9).
قال البغوي: " أي: فارضخوا لهم من المال قبل القسمة"(10).
قال أبو السعود: " أي أعطوهم شيئا من المال المقسوم المدلول عليه بالقسمة وقيل الضمير لما وهو أمر ندب كلف به البالغون من الورثة تطييبا لقوب الطوائف المذكورة وتصدقا عليهم وقيل أمر وجوب"(11).
قال السعدي: " أي: أعطوهم ما تيسر من هذا المال الذي جاءكم بغير كد ولا تعب، ولا عناء ولا نَصَب، فإن نفوسهم متشوفة إليه، وقلوبهم متطلعة، فاجبروا خواطرهم بما لا يضركم وهو نافعهم"(12).
قال الإمام الشافعي: " فأمر اللَّه عز وجل أن يرزق من القسمة أولو القربى، واليتامى، والمساكين (الحاضرون القِسمة) ولم يكن في الأمر في الآية أن يرزق من القسمة من مثلهم في القرابة، واليتم، والمسكنة، ممن لم يحضر.
(1) تفسير ابن أبي حاتم (4866): ص 3/ 876.
(2)
التفسير الميسر: 78، وصفوة التفاسير:238.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 359.
(4)
تفسير السمعاني: 1/ 399.
(5)
تفسير القرآن من الجامه لابن وهب: 1/ 58.
(6)
تفسير البغوي: 2/ 170.
(7)
صفوة التفاسير: 238.
(8)
أى ليس هناك توفيت للإعطاء قبل القسمة أو بعدها فيجوز إعطاء الأقارب قبل تقسيم التركة أو بعده.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 359.
(10)
تفسير البغوي: 2/ 170.
(11)
تفسير أبي السعود: 2/ 147.
(12)
تفسير السعدي: 165.
وبهذا أشباه وهي: أن تُضيف من جاءك، ولا تُضيف من لم يقصد قصدك، ولو كان محتاجاً، إلا أن تتطوع، وقال لي بعض أصحابنا: قسمة الميراث. وقال بعضهم: قسمة الميراث وغيره من الغنائم، فهذا أوسع وأحبُّ إليَّ، أن يعطوا ما طاب به نفس المعطي، ولا يوقّت، ولا يحرمون" (1).
قال الأخفش: " ثم قال {فارزقوهم منه}، لأن معناه المال والميراث فذكر على ذلك المعنى"(2).
قال الشنقيطي: " ووصف بعض خلقه بأنه يفعل الرزق أيضا، قال: {وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه} [النساء: آية 8]، وقال: {وعلى المولود له رزقهن} [البقرة: آية 233]، ورزق الله لخلقه ليس كرزق الناس بعضهم لبعض، فبين الفعل والفعل من المنافاة كمثل ما بين الذات والذات"(3).
قوله تعالى: {وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء: 8]، أي:" وقولوا لهم قولا حسنًا غير فاحش ولا قبيح"(4).
قال السمعاني: " أي: قولوا لهم: بورك فيكم"(5).
قال أبو السعود: " وهو أن يدعوا لهم ويستقلوا ما أعطوهم ويعتذروا من ذلك ولا يمنوا عليهم"(6).
قال السعدي: أي: " يردوهم ردًّا جميلا بقول حسن غير فاحش ولا قبيح، وكان الصحابة رضي الله عنهم -إذا بدأت باكورة أشجارهم- أتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فبرَّك عليها، ونظر إلى أصغر وليد عنده فأعطاه ذلك، علما منه بشدة تشوفه لذلك، وهذا كله مع إمكان الإعطاء، فإن لم يمكن ذلك -لكونه حق سفهاء، أو ثَم أهم من ذلك- فليقولوا لهم {قَولا مَعْرُوفًا} "(7).
قال مجاهد: " قال أن يرضخوا لأقاربهم إن كان الورثة كبارا، وإن كانوا صغارا قال الوصي: هم صفار ولست أملك منه شيئا"(8).
قال مقاتل: " يقول- سبحانه- إن كانت الورثة صغارا فليقل أولياء الورثة لأهل هذه القسمة: إن بلغوا أمرناهم أن يدفعوا حقكم ويتبعوا وصية ربهم- عز وجل وإن ماتوا وورثناهم وأعطيناكم حقكم فهذا القول المعروف يعني العدة الحسنة"(9).
وفي قوله تعالى: {وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء: 8] أربعة تأويلات:
أحدها: أن يقول لهم الولي حين يعطيهم: يرزقكم الله: يعينكم الله ويرضخ لهم من الثمار، رواه سالم الأفطس، عن ابن جبير (10).
والثاني: أن يقول الولي: إنه مال يتامى، وما لي فيه شيء، رواه أبو بشر عن ابن جبير (11).
وفي رواية أخرى عن ابن جبير، قال: إن كان الميت أوصى لهم بشيء أنفذت لهم وصيتهم، وإن كان الورثة كبارا رضخوا لهم، وإن كانوا صغارا، قال وليهم: إني لست أملك هذا المال، إنما هو للصغار، فذلك القول المعروف (12)، وروي عن إبراهيم (13)، ومقاتل بن حيان (14) نحو ذلك.
والثالث: أنه العدة الحسنة، وهو أن يقول لهم أولياء الورثة: إن هؤلاء الورثة صغار، فاذا بلغوا أمرناهم أن يعرفوا حقكم. رواه عطاء بن دينار، عن ابن جبير (15).
والرابع: أنهم يعطون من المال، ويقال لهم عند قسمة الأرضين والرقيق: بورك فيكم، وهذا القول المعروف (16).
(1) تفسير الإمام الشافعي: 3/ 532 - 533.
(2)
معاني القرآن: 1/ 247.
(3)
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير: 2/ 574.
(4)
التفسير الميسر: 78.
(5)
تفسير السمعاني: 1/ 399.
(6)
تفسير أبي السعود: 2/ 147.
(7)
تفسير السعدي: 165. [بتصرف بسيط] ..
(8)
تفسير سفيان الثوري: 89.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 359.
(10)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (4866): ص 3/ 876.
(11)
زاد المسير: 1/ 375.
(12)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (4867): ص 3/ 876.
(13)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (4868): ص 3/ 876.
(14)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4867): ص 3/ 876.
(15)
زاد المسير: 1/ 375.
(16)
زاد المسير: 1/ 375.
قال الحسن والنخعي: "أدركنا الناس يفعلون على على القرابات والمساكين. واليتامى من العين"(1). قال الزجاج: " يعنيان الورق، والذهب، فإذا قسم الورق والذهب وصارت القسمة إلى الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك؛ قالوا لهم قولا معروفا. كانوا يقولون لهم: بورك فيكم"(2).
وقد أهل التأويل في حكم هذه الآية، هل هو محكم أو منسوخ؟ وفيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها ثابتة الحكم. قاله ابن عباس (3) ، ومجاهد (4) ، وإبراهيم (5)، والشعبي (6) ، والحسن (7) ، ومنصور (8)، وسعيد بن جبير (9)، والزهري (10)، ويحيى بن يعمر (11).
قال سعيد بن جبير: "هذه الآية يتهاون بها الناس. قال، وهما وليَّان، أحدهما يرث، والآخر لا يرث. والذي يرث هو الذي أمر أن يرزقهم قال، يعطيهم قال، والذي لا يرث هو الذي أمر أن يقول لهم قولا معروفا. وهي محكمة وليست بمنسوخة"(12).
وقال الحسن: " هي ثابتة، ولكن الناس بخلوا وشحوا"(13).
ورُوي عن عبيدة: " أنه وَلِي وصية، فأمر بشاة فذبحت وصنع طعامًا، لأجل هذه الآية، وقال، لولا هذه الآية لكان هذا من مالي"(14).
والثاني: أنها منسوخة بآية المواريث ، وهذا قول قتادة ، وسعيد بن المسيب (15) ، وأبي مالك (16) ، والضحاك (17)، وابن عباس في إحدى الروايات (18)، والفقهاء.
الثالث: أن المراد بها وصية الميت التي وصَّى بها أن تفرق فِيْمَنْ ذُكِرَ وفِيمَنْ حَضَرَ، فيكون ثبوت حكمها على غير الوجه الأول. وهو قول عائشة (19)، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر (20)، وابن زيد (21)، وسعيد بن المسيب في قوله الآخر (22).
واختلف مَنْ قال: بثبوت حكمها على الوجه الأول في الوارث إذا كان صغيراً هل يجب على وليَّه إخراجها من سهمه على قولين:
أحدهما: يجب، وهو قول ابن عباس (23) ، وسعيد (24) ، ويقول الولي لهم قولاً معروفاً.
والثاني: أنه حق واجب في أموال الصغار على الأولياء ، وهو قول عبيدة (25) ، والحسن (26).
(1) معاني القرآن للزجاج: 2/ 16، وانظر: زاد المسير: 1/ 375.
(2)
معاني القرآن: 2/ 16.
(3)
انظر: تفسير الطبري (8658)، و (8659): ص 7/ 560.
(4)
انظر: تفسير الطبري (8661)، : ص 7/ 560، و (8662)، و (8679): ص 8/ 8 - 9.
(5)
انظر: تفسير الطبري (8660): ص 7/ 560، و (8663): ص 8/ 8.
(6)
انظر: تفسير الطبري (8660): ص 7/ 560، و (8663): ص 8/ 8.
(7)
انظر: تفسير: الطبري (8667): ص 8/ 8، و (8668): ص 8/ 8، و (8673): ص 8/ 9.
(8)
انظر: تفسير: الطبري (8668): ص 8/ 8.
(9)
انظر: تفسير الطبري (8665): ص 8/ 8.
(10)
انظر: تفسير: الطبري (8671): ص 8/ 9.
(11)
انظر: تفسير: الطبري (8672): ص 8/ 9.
(12)
أخرجه الطبري (8665): ص 8/ 8.
(13)
أخرجه الطبري (8667): ص 8/ 8.
(14)
أخرجه الطبري (8704): ص 8/ 17.
(15)
انظر: تفسير: الطبري (8675): ص 8/ 9.
(16)
انظر: تفسير: الطبري (8677): ص 8/ 10.
(17)
انظر: تفسير: الطبري (8680): ص 8/ 10.
(18)
انظر: تفسير: الطبري (8679): ص 8/ 10.
(19)
انظر: تفسير ابن المنذر (1414): ص 2/ 580 - 581.
(20)
انظر: تفسير ابن المنذر (1414): ص 2/ 580 - 581.
(21)
انظر: تفسير الطبري (8686): ص 8/ 11.
(22)
انظر: تفسير الطبري (8684) - (8685): ص 8/ 11.
(23)
انظر: تفسير الطبري (8701): ص 8/ 16.
(24)
انظر: تفسير الطبري (8703): ص 8/ 17.
(25)
انظر: تفسير الطبري (8704): ص 8/ 17، و (8704): ص 8/ 17 - 18.
(26)
انظر: تفسير الطبري (8704): ص 8/ 17.
والراجح-والله أعلم- أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، "وإنما عنى بها الوصية لأولي قربى الموصي وعنى باليتامى والمساكين: أن يقال لهم قول معروف" (1).
قال ابن العربي: "وأكثر أقوال المفسرين أضغاث وآثار ضعاف، والصحيح أنها مبينة استحقاق الورثة لنصيبهم، واستحباب المشاركة لمن لا نصيب له منهم بأن يسهم لهم من التركة ويذكر لهم من القول ما يؤنسهم وتطيب به نفوسهم. وهذا محمول على الندب من وجهين:
أحدهما: أنه لو كان فرضا لكان ذلك استحقاقا في التركة ومشاركة في الميراث لأحد الجهتين معلوم وللآخر مجهول؛ وذلك مناقض للحكمة وإفساد لوجه التكليف.
الثاني: أن المقصود من ذلك الصلة، ولو كان فرضا يستحقونه لتنازعوا منازعة القطيعة" (2).
وقال الحافظ في الفتح وهو يناقش الآثار المروية عن ابن عباس في الباب –"أن ما روى البخاري عن ابن عباس من طريق عكرمة وسعيد بن جبير - وهو إحكام الآية - وهو المعتمد عليه وبقية الروايات كلها وردت من أوجه لا يعتمد عليها، والذي ثبت عن ابن عباس في الباب إحكام الآية لا نسخها"(3).
وفي السياق نفسه قال الزجاج: " وقد أجمعوا أن الأمر بالقسمة من الميراث للقرابة والمساكين واليتامى قد أمر بهما، ولم يجمعوا على نسخها، والأمر في ذلك على ما أجمع عليه، والله أعلم"(4).
الفوائد:
1 -
أن هذه الآية ضمن أحكام الله الحسنة الجليلة الجابرة للقلوب.
2 -
وجوب النصح والإرشاد للمحتضر حتى لا يجور في وصيته عند موته، إذ تضمنت الآية: إرشاد الله تعالى للمؤمن الذي يحضر مريضاً على فراش الموت بأن لا يسمح له أن يحيف في الوصية بأن يوصي لوارث أو يوصي بأكثر من الثلث أو يذكر ديناً ليس عليه، وإنما يريد حرمان الورثة.
3 -
أن كل من له تطلع وتشوف إلى ما حضر بين يدي الإنسان، ينبغي له أن يعطيه منه ما تيسر، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:" إذا أتى أحدكم خادمه بطعام، فليجلسه معه، وليناوله لقمة أو لقمتين، أو أكلة أو أكلتين، فإنه ولي حره ودخانه"(5).
قال الشيخ السعدي: "وكان الصحابة رضي الله عنهم -إذا بدأت باكورة أشجارهم- أتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فبرك عليها، ونظر إلى أصغر وليد عنده فأعطاه ذلك، علما منه بشدة تشوفه لذلك، وهذا كله مع إمكان الإعطاء"(6).
القرآن
التفسير:
ولْيَخَفِ الذين لو ماتوا وتركوا من خلفهم أبناء صغارًا ضعافًا خافوا عليهم الظلم والضياع، فليراقبوا الله فيمن تحت أيديهم من اليتامى وغيرهم، وذلك بحفظ أموالهم، وحسن تربيتهم، ودَفْع الأذى عنهم، وليقولوا لهم قولا موافقا للعدل والمعروف.
في سبب نزول الآية:
أخرج الطبري، وابن أبي حاتم (7)، وابن المنذر (8)، عن ابن عباس، قال:"فهذا في الرجل يحضره الموت فيسمعه يوصي بوصية تضر بورثته، فأمر الله سبحانه الذي سمعه أن يتقي الله ويوفقه ويسدده للصواب، ولينظر لورثته كما كان يحب أن يُصنع لورثته إذا خشي عليهم الضيَّعة"(9).
(1) تفسير الطبري: 8/ 12.
(2)
أحكام القرآن: 1/ 428.
(3)
فتح الباري 9/ 210.
(4)
معاني القرآن: 2/ 16.
(5)
أخرجه أحمد: (9296): ص 2/ 409، و (9554): ص 2/ 430، والدارمي (2074)، والبخاري (2557)، و (5460).
(6)
تفسير السعدي: 165.
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4874): ص 3/ 877.
(8)
تفسير ابن المنذر (1425): ص 2/ 584.
(9)
تفسير الطبري (8707): ص 8/ 19.
قوله تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ} [النساء: 9]، أي:" ولْيَخَفِ الذين لو ماتوا وتركوا من خلفهم أبناء صغارًا ضعافًا خافوا عليهم الظلم والضياع"(1).
قال البغوي: " {ضعافا}، أي: أولادا صغارا، {خافوا عليهم} الفقر، هذا في الرجل يحضره الموت، فيقول من بحضرته: انظر لنفسك فإن أولادك وورثتك لا يغنون عنك شيئا، قدم لنفسك، أعتق وتصدق وأعط فلانا كذا وفلانا كذا، حتى يأتي على عامة ماله، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأمرهم أن يأمروه أن ينظر لولده ولا يزيد في وصيته على الثلث، ولا يجحف بورثته كما لو كان هذا القائل هو الموصي يسره أن يحثه من بحضرته على حفظ ماله لولده، ولا يدعهم عالة مع ضعفهم وعجزهم"(2).
قال سعيد بن جبير: " قوله: {من خلفهم}، يعني: من بعد موتهم"(3)، قوله:{ذرية ضعافا} ، قال: ذرية ضعفاء" (4)، يعني: "عجزة لا حيلة لهم" (5)، "قوله: {خافوا عليهم} ، يعني: على ولد الميت الضيعة كما يخافون على ولد أنفسهم" (6).
قال قتادة: " يقول: من حضر ميتًا فليأمره بالعدل والإحسان، ولينهه عن الحَيْف والجور في وصيته، وليخش على عياله ما كان خائفًا على عياله لو نزل به الموت (7).
قال ابن عباس: " يعني: الرجل يحضره الموت فيقال له: تصدق من مالك، وأعتق، وأعط منه في سبيل الله، فنهوا أن يأمروا بذلك، يعني: أن من حضر منكم مريضا عند الموت فلا يأمره أن ينفق ماله في العتق أو في الصدقة أو في سبيل الله، ولكن يأمره أن يبين ماله وما عليه من دين، ويوصي من ماله لذوي قرابته الذين لا يرثون، يوصي لهم بالخمس أو الربع، يقول: أليس أحدكم إذا مات وله ولد ضعاف، يعني: صغارا أن يتركهم بغير مال، فيكونون عيالا على الناس، ولا ينبغي لكم أن تأمروه بما لا ترضون به لأنفسكم ولا أولادكم، ولكن قولوا الحق من ذلك"(8).
وقال الكلبي: "هذا الخطاب لولاة اليتامى يقول: من كان في حجره يتيم فليحسن إليه وليأت إليه في حقه ما يجب أن يفعل بذريته من بعده"(9).
قال أبو السعود: " أمر للأوصياء بأن يخشوا الله تعالى ويتقوه في أمر اليتامى فيفعلوا بهم ما يحبون أن يفعل بذراريهم الضعاف بعد وفاتهم أو لمن حضر المريض من العواد عند الإيصاء بأن يخشوا ربهم أو يخشوا أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم فلا يتركوه أن يضر بهم بصرف المال عنهم أو للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب واليتامى والمساكين متصورين أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضعافا مثلهم هل يجوزون حرمانهم أو للموصين بأن ينظروا للورثة فلا يسرفوا في الوصية ولو بما في حيزها صلة للذين على معنى وليخش الذين حالهم وصفتهم أنهم لو شارفوا أن يخلفوا ورثة ضعافا خافوا عليهم الضياع وفي ترتيب الأمر عليه إشارة إلى المقصود إلى المقصود منه والعلة فيه وبعث على النساء الترحم وأن يحب لأولاد غيره ما يحب لأولاد نفسه وتهديد للمخالف بحال أولاده"(10).
وقرأ حمزة وحده {ضعفا} بإمالة العين، وكذلك {خافوا} ، بإمالة الخاء، واختلف عنه في الإمالة، فروى عنه عبيد الله بن موسى {ضعفا} بالفتح، وروى خلف عن سليم بن عيسى عنه بالكسر (11).
قوله تعالى: {فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [النساء: 9]، أي:"فليتقوا الله في أمر اليتامى، وليقولوا لهم قولا موافقا للعدل والمعروف"(12).
قال مقاتل: " يعني عدلا فليأمره بالعدل في الوصية فلا يحرفها ولا يجر فيها"(13).
(1) التفسير الميسر: 78.
(2)
تفسير البغوي: 2/ 171.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4870): ص 3/ 877.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4871): ص 3/ 877.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4872): ص 3/ 877.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (4873): ص 3/ 877.
(7)
انظر: تفسير الطبري (8709): ص 8/ 20.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (4869): ص 3/ 877.
(9)
تفسير البغوي: 2/ 171.
(10)
تفسير أبي السعود: 2/ 147 - 148.
(11)
انظر: السبعة في القراءات: 227.
(12)
انظر: التفسير الميسر: 78، وصفوة التفاسير:238.
(13)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 360.
قال البغوي: " أي: عدلا، والسديد: العدل، والصواب من القول، وهو أن يأمره بأن يتصدق بما دون الثلث ويخلف الباقي لولده"(1).
قال السعدي: " أي: سدادا، موافقا للقسط والمعروف. وأنهم يأمرون من يريد الوصية على أولاده بما يحبون معاملة أولادهم بعدهم"(2).
قال سعيد بن جبير: " يقولوا للميت إذا جلسوا إليه قولا سديدا (3).
وثبت في الصحيحين: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده قال: يا رسول الله، إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا". قال: فالشطر؟ قال: "لا". قال: فالثلث؟ قال: "الثلث، والثلث كثير". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس"(4).
وفي الصحيح أن ابن عباس قال: "لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الثلث، والثلث كثير» "(5).
قال ابن كثير: " قال الفقهاء: إن كان ورثة الميت أغنياء استحب للميت أن يستوفي الثلث في وصيته وإن كانوا فقراء استحب أن ينقص الثلث"(6).
قال أبو السعود: " أمرهم بالتقوى التي هي غاية الخشية بعد ما أمرهم بها مراعاة للمبدأ والمنتهى إذ لانفع للأول بدون الثاني ثم أمرهم بان بقولوا لليتامى مثل ما يقولون لأولاودهم بالشفقة وحسن الأدب أو للمريض ما يصده عن الإسراف في الوصية وتضييع الورثة ويذكره التوبة وكلمة الشهادة أو لحاضري القسمة عذرا ووعدا حسنا أو يقولوا في الوصية مالا يؤدي إلى تجاوز الثلث"(7).
وقد اختلف أهل العلم في تفسير الآية {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [النساء: 9]، على أربعة أقوال:
أحدها: أن معناه: وليحذر الذين يحضرون مَّيتاً يوصي في ماله أن يأمروه بتفريق ماله وصية فيمن لا يرثه ولكن ليأمروه أن يبقى ماله لولده، كما لو كان هو الموصي لآثر أن يبقة ماله لولده، وهذا قول ابن عباس (8)، وقتادة (9)، ومجاهد (10)، والسدي (11)، وسعيد بن جبير (12).
والثاني: أن معناه وليحذر الذين يحضرون الميت وهو يوصي أن ينهوه عن الوصية لأقربائه، وأن يأمره بإمساك ماله والتحفظ به لولده، وهم لو كانوا من أقرباء الموصى لآثروا أن يوصي لهم، وهو قول مقسم (13)، وسليمان بن المعتمر (14).
والثالث: أن ذلك أمر من الله تعالى لِوُلاةِ الأيتام، أن يلوهم بالإحسان إليهم في أنفسهم وأموالهم، كما يحبون أن يكون ولاة أولادهم الصغار من بعدهم في الإحسان إليهم لو ماتوا وترموا أولادهم يتامى صغاراً، وهو مروي عن ابن عباس (15).
والرابع: أن من خشي على ذريته من بعده، وأحب أن يكف الله عنهم الأذى بعد موته، فليتقوا الله وليقولا قولاً سديداً، وهو قول أبي بشر بن الديلمي (16).
والراجح أن المعنى: " وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا خافوا عليهم العَيْلة لو كانوا فرقوا أموالهم في حياتهم، أو قسموها وصية منهم بها لأولي قرابتهم وأهل اليُتم والمسكنة، فأبقوا أموالهم لولدهم خشية العَيْلة عليهم بعدهم، مع ضعفهم وعجزهم عن المطالب، فليأمروا من حضروه وهو يوصي لذوي قرابته - وفي اليتامى والمساكين وفي غير ذلك - بماله بالعدل وليتقوا الله وليقولوا قولا سديدًا، وهو أن يعرّفوه ما أباح الله له من الوصية، وما اختاره للموصين من أهل الإيمان بالله وبكتابه وسنته"(17).
وبذلك يمكن القول بأن في المخاطبين بهذه الآية ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنه خطاب للحاضرين عند الموصي. وهو على وجهين:
الأول: أن المعنى: وليخش الذين يحضرون موصيا بوصي في ماله أن يأمروه بتفريق ما له فيمن لا يرثه فيفرقه ويترك ورثته. وهذا قول ابن عباس (18)، وقتادة (19)، ومجاهد (20)، والسدي (21)، وسعيد بن جبير (22).
والثاني: على الضد، وهو أنه نهي لحاضري الموصي عند الموت أن يمنعوه عن الوصية لأقاربه، وأن يأمروه الاقتصار على ولده، وهو قول مقسم (23)، وسليمان بن المعتمر (24).
القول الثاني: أنه خطاب لأولياء اليتامى، راجع إلى قوله تعالى:{ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا} ، فقال تعالى: - يعني أولياء اليتامى - {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله} فيمن ولوه من اليتامى وليحسنوا إليهم في أنفسهم وأموالهم كما يحبون أن يحسن ولاة أولادهم لو ماتوا هم إليهم. وهذا ايضا مروي عن ابن عباس بسند ضعيف (25).
والقول الثالث: أنه خطاب للأوصياء بإجراء الوصية على ما رسم الموصي وأن يكون الوجوه التي فيها مرعية بالمحافظة كرعي الذرية الضعاف من غير تبديل ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 182]، فأمر بهذه الآية إذا وجد الوصي من الموصي في الوصية جنفا أو ميلا عن الحق فعليه الإصلاح في ذلك، واستعمال قضية الشرع ورفع الحال الواقع في الوصية. ذكره علي بن عبيد الله وغيره (26).
قال ابن الجوزي: " وعلى هذا القول تكون الآية منسوخة، وعلى الأقوال قبلها هي محكمة، والنسخ منها بعيد، لأنه إذا أوصى بجور لم يجز أن يجري على ما أوصى"(27).
ويجدر القول بان أصحاب أمهات كتب النسخ المتقدمة كابن حزم الأنصاري والنحاس ومكي بن أبي طالب فلم يتعرضوا لدعوى النسخ في هذه الآية أصلا، إنما ذكرها من المنسوخة، هبة الله في ناسخه (28)، وابن هلال في ناسخه المخطوط (29) بدون استناد إلى دليل.
الفوائد:
1 -
على من يخاف على أطفاله بعد موته أن يحسن إلى أطفال غيره فإن الله تعالى يكفيه فيهم.
2 -
أنه إذا حضر الرجل عند الوصية فليس ينبغي أن يقال: أوص بمالك، فإن الله رازق ولدك، ولكن يقال له: قدم لنفسك، واترك لولدك، فذلك القول السديد، كأن الذي يأمر بهذا يخاف على نفسه العيلة (30).
(1) تفسير البغوي: 2/ 171.
(2)
تفسير السعدي: 165.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4875): ص 3/ 877.
(4)
صحيح البخاري برقم (2742)، وصحيح مسلم برقم (1628).
(5)
صحيح البخاري برقم (2743) وصحيح مسلم برقم (1629).
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 222.
(7)
تفسير أبي السعود: 2/ 148.
(8)
انظر: تفسير الطبري (8707)، و (8708): ص 8/ 19 - 20.
(9)
انظر: تفسير الطبري (8709): ص 8/ 20.
(10)
انظر: تفسير الطبري (8715): ص 8/ 21 - 22.
(11)
انظر: تفسير الطبري (8711): ص 8/ 20 - 21.
(12)
انظر: تفسير الطبري (8713)، و (8714): ص 8/ 21.
(13)
انظر: تفسير الطبري (8716)، و (8717): ص 8/ 22.
(14)
انظر: تفسير الطبري (8718): ص 8/ 22 - 23.
(15)
انظر: تفسير الطبري (8719): ص 8/ 24.
(16)
انظر: تفسير الطبري (8720): ص 8/ 24.
(17)
تفسير الطبري: 8/ 25.
(18)
انظر: تفسير الطبري (8707)، و (8708): ص 8/ 19 - 20.
(19)
انظر: تفسير الطبري (8709): ص 8/ 20.
(20)
انظر: تفسير الطبري (8715): ص 8/ 21 - 22.
(21)
انظر: تفسير الطبري (8711): ص 8/ 20 - 21.
(22)
انظر: تفسير الطبري (8713)، و (8714): ص 8/ 21.
(23)
انظر: تفسير الطبري (8716)، و (8717): ص 8/ 22.
(24)
انظر: تفسير الطبري (8718): ص 8/ 22 - 23.
(25)
انظر: تفسير الطبري (8719): ص 8/ 24.
(26)
انظر: نواسخ القرآن، ابن الجوزي: 2/ 351.
(27)
نواسخ القرآن: 2/ 351.
(28)
انظر الناسخ والمنسوخ: 32.
(29)
انظر: المخطوط: ورقة 22.
(30)
انظر: تفسير الماتريدي: 3/ 878.
3 -
وفي الآية إشعار أن جزاء الإحسان الإحسان وهذا واضح {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ} [النساء: 9]، فإن ما تصنعه مع أولاد الناس يصنعه الناس مع أولادك، وإن لم تكن صريحة في المعنى لكنها تدل عليه بقوة (1).
4 -
أن القول السديد سبب في صلاح الاعمال، كما أن القول المعوج سبب في فسادها، ومن ذلك قول الله سبحانه:{اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [الأحزاب: 70 - 71].
القرآن
التفسير:
إن الذين يعْتَدون على أموال اليتامى، فيأخذونها بغير حق، إنما يأكلون نارًا تتأجّج في بطونهم يوم القيامة، وسيدخلون نارا يقاسون حرَّها.
في سبب نزول الآية:
نقل الواحدي والثعلبي (2)، عن مقاتل بن حيان:"نزلت في رجل من غطفان يقال له: مرثد بن زيد، ولي مال ابن أخيه وهو يتيم صغير، فأكله، فأنزل الله فيه هذه الآية"(3).
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} [النساء: 10]، أي:"إن الذين يأكلون أموال اليتامى بدون حق"(4).
قال سعيد بن جبير: " قوله: {ظلما}، يعني: استحلالا بغير حق"(5).
قال ابن كثير: " أي: إذا أكلوا أموال اليتامى بلا سبب"(6).
قال السعدي: " أي: بغير حق. وهذا القيد يخرج به ما تقدم، من جواز الأكل للفقير بالمعروف، ومن جواز خلط طعامهم بطعام اليتامى"(7).
قال الماوردي: " عبر عن الأخذ بالأكل لأنه مقصود الأخذ"(8).
قال الزجاج: " في هذا - أعني في قوله {يأكلون أموال اليتامى} - دليل أن مال اليتيم إن
أخذ منه على قدر القيام له ولم يتجاوز ذلك جاز، بل يستظهر فيه إن أمكن ألا يقرب ألبتة لشدة الوعيد فيه، بأن لا يؤكل منه إلا قرضا، وإن أخذ القصد وقدر الحاجة على قدر نفعه فلا بأس إن شاء الله" (9).
قوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: 10]، أي:"ما يأكلون في الحقيقة إِلا ناراً تتأجج في بطونهم يوم القيامة"(10).
قال ابن كثير: أي: "فإنما يأكلون نارًا تَأجَّج في بطونهم يوم القيامة"(11).
قال السعدي: " أي: فإن الذي أكلوه نار تتأجج في أجوافهم وهم الذين أدخلوها في بطونهم"(12).
قال ابن المنذر: " وقال بعضهم في قوله عز وجل: {إنما يأكلون في بطونهم نارا} يقول في {في بطونهم} هنا، هي توكيد، لأنه لا يؤكل إلا في البطن"(13).
عن أبي برزة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم نارا، فقيل: من هم يا رسول الله؟ قال: ألم تر أن الله تعالى يقول: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا} الآية"(14).
(1) انظر: سلسلة التفسير لمصطفى العدوي: 2/ 16.
(2)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 253.
(3)
أسباب النزول: 144.
(4)
صفوة التفاسير: 238. [بتصرف].
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4880): ص 3/ 879.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 222.
(7)
تفسير السعدي: 165.
(8)
النكت والعيون: 1/ 457.
(9)
معاني القرآن: 2/ 17.
(10)
صفوة التفاسير: 238.
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 222.
(12)
تفسير السعدي: 165.
(13)
تفسير ابن المنذر (1431): ص 2/ 587.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (4881): ص 3/ 879.
قال السدي: " إذا قام الرجل يأكل مال اليتيم ظلمًا، يُبعث يوم القيامة ولهبُ النار يخرج من فيه ومن مسامعه ومن أذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه من رآه بأكل مال اليتيم"(1).
وعن عبيد الله بن أبي جعفر أنه قال: "من أكل مال اليتيم فإنه يؤخذ بمشفره يوم القيامة، فيملأ فوه جمرا، فيقال له: كل كما أكلته في الدنيا، ثم يدخل السعير الكبرى"(2).
عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"اجْتَنبوا السَّبْعَ الموبقات" قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال:"الشِّرْكُ بالله، والسِّحْر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولِّي يوم الزَّحْفِ، وقَذْفُ المحصنات المؤمنات الغافلات"(3).
وأخرج الطبري عن عن أبي سعيد الخدري قال: "حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به قال: «نظرت فإذا أنا بقوم لهم مَشافر كمشافر الإبل، وقد وُكِّل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثم يجعل في أفواههم صخرًا من نار يخرج من أسافلهم، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال، هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا» "(4).
قال ابن عباس: " لما نزلت: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما جعل كل رجل، في حجره يتيم- يعزل ماله على حدة، فشق ذلك على المسلمين، فأنزل الله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} (5) فأحل لهم خلطتهم"(6). قال ابن أبي حاتم: "وروي عن مجاهد والحسن، والشعبي، وعطاء بن أبي رباح، والضحاك نحو ذلك"(7).
قال الشنقيطي: " وهذه الآية الكريمة تدل على أن ظلم اليتيم حرام، ولما أنزل الله: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا} [النساء: آية 10] خاف الصحابة الذين عندهم أيتام، وعزلوا مال الأيتام عن مالهم، وطعامهم عن طعامهم، حتى صار ما فضل عن اليتيم من طعامه يبقى ولا يجد من يأكله؛ خوفا منه، وربما فسد، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله آية البقرة المعروفة: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم} "(8).
وفي قوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: 10]، وجهان (9):
أحدهما: يعني انهم يصيرون به إلى النار.
والثاني: أنه تمتلىء بها بطونهم عقاباً يوجب النار.
قوله تعالى: {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10]، أي:"وسيدخلون ناراً هائلة مستعرة وهي نار السعير"(10).
قال الطبري: أي: " وسيصلون نارا مسعرة، أي: موقودة مشعلة شديدًا حرُّها"(11).
قال السعدي: " أي: نارا محرقة متوقدة. وهذا أعظم وعيد ورد في الذنوب، يدل على شناعة أكل أموال اليتامى وقبحها، وأنها موجبة لدخول النار، فدل ذلك أنها من أكبر الكبائر. نسأل الله العافية"(12).
قال ابن زيد: " قال أبي: إن هذه لأهل الشرك، حين كانوا لا يورَّثونهم، ويأكلون أموالهم"(13).
وقوله: {وَسَيَصْلَوْنَ} : "الصلاء: لزوم النار"(14)، وذلك التسخن بها، كما قال الفرزدق (15):
وَقَاتَلَ كَلْبُ الْحَيِّ عَنْ نَارِ أهْلِهِ
…
لِيَرْبِضَ فِيهَا وَالصَّلا مُتَكنَّفُ
وكما قال العجاج (16):
مُحْرَنْجَمُ الجامِلِ والنُّؤِيُّ
…
وَصَالِيَاتٌ لِلصَّلا صُلِيُّ
ثم استعمل ذلك في كل من باشر بيده أمرًا من الأمور، من حرب أو قتال أو خصومة أو غير ذلك، كما قال الحارث بن عباد البكري (17):
لَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتِهَا، عَلِمَ اللهُ
…
وَإِنِّي بِحَرِّهَا اليَوْمَ صَالِي
فجعل ما باشر من شدة الحرب وأذى القتال، بمنزلة مباشرة أذى النار وحرِّها (18).
والسعير: "إسعار النار، ومنه قوله تعالى: {وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ} [التكوير: 12] "(19)، "فوصفها بأنها مسعورة وهو شدة حر جهنم، ومنه قيل: استعرت الحرب إذا اشتدت، وإنما هو مَسعور، ثم صرف إلى سعير، كما قيل: كفّ خَضِيب، ولِحية دهين، وإنما هي مخضوبة، صرفت إلى فعيل"(20).
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي {وسيصلون} بفتح الياء
وقرأ ابن عامر {وسيصلون} بضم الياء، واختلف عن عاصم فروى أبان وأبو بكر بن عياش والمفضل عنه {وسيصلون} مثل ابن عامر بضم الياء و {تصلى نارا حامية} [الغاشية 4]، بضم التاء أيضا، وروى عنه حفص {وسيصلون} بفتح الياء و {تصلى نارا} مفتوحة التاء {ويصلى سعيرا} [الانشقاق 12] مفتوحة الياء (21).
قال الطبري: "والفتح بذلك أولى من الضم، لإجماع جميع القرأة على فتح الياء في قوله: {لا يَصْلاهَا إِلا الأشْقَى} [سورة الليل: 15]، ولدلالة قوله: {إِلا مَنْ هُوَ صَالِي الْجَحِيمِ} [سورة الصافات: 163]، على أن الفتح بها أولى من الضم"(22).
قال ابن الجوزي: " قد توهم قوم لم يرزقوا فهم التفسير وفقهه أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} [البقرة: 220]، وأثبتوا ذلك في كتب الناسخ والمنسوخ، ورووه عن ابن عباس رضي الله عنهما وإنما المنقول عن ابن عباس:«{إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} قال: كان يكون في حجر الرجل اليتيم فيعزل طعامه وشرابه، فاشتد ذلك على المسلمين، فأنزل الله تعالى: وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ}، فأحل لهم طعامهم» (23).
وقال سعيد بن جبير: "لما نزلت: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} عزلوا أموالهم من أموال اليتامى، وتحرجوا من مخاطبتهم فنزل قوله: تعالى: {وإن تخالطوهم فإخوانكم} 1. وهذا ليس على سبيل النسخ؛ لأنه لا خلاف أن أكل أموال اليتامى ظلما حرام"(24).
ثم نقل ابن الجوزي عن أبي جعفر النحاس: أن"هذه الآية لا يجوز فيها ناسخ ولا منسوخ، لأنها خبر ووعيد، ونهي عن الظلم والتعدي، ومحال نسخ هذا، فإن صح ما ذكروا عن ابن عباس فتأويله من اللغة: أن هذه الآية على نسخة تلك الآية"(25).
وقد وزعم بعضهم أن ناسخ هذه الآية قوله تعالى: {من كان فقيرا فليأكل بالمعروف} [النساء: 6](26).
قال ابن الجوزي: " وهذا قبيح؛ لأن الأكل بالمعروف ليس بظلم فلا تنافي بين الآيتين"(27).
(1) أخرجه الطبري (8722): ص 8/ 27.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4883): ص 3/ 879.
(3)
أخرجه البخاري: (2766): ص 4/ 12، و (5764): ص 7/ 177، و (6857): ص 7/ 218، ومسلم (175): ص 1/ 64، وأبو داود (2874)، والنسائي: 6/ 257، وفي الكبرى:(6465) و (11297)، وابن حبان (5561).
(4)
تفسير الطبري (8723): ص 8/ 27.
(5)
سورة البقرة: 220.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (4879): ص 3/ 878.
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4879): ص 3/ 878.
(8)
العذب النمير: 2/ 511 - 512.
(9)
انظر: النكت والعيون: 1/ 457.
(10)
صفوة التفاسير: 238.
(11)
تفسير الطبري: 8/ 30.
(12)
تفسير السعدي: 165.
(13)
أخرجه الطبري (8724): ص 8/ 27.
(14)
النكت والعيون: 1/ 457.
(15)
ديوانه: 560، النقائض: 561، اللسان (صلا).
(16)
) ديوانه: 67، من أرجوزته المشهورة، مطلعها: بَكَيْتُ وَالْمُحْنَزِنُ البَكِيُّ
…
وإنِّما يَأْتِي الصِّبا الصَّبِيُّ.
(17)
الفاخر للمفضل بن سلمة: 78، والخزانة 1: 226، وسائر كتب التاريخ والأدب، من أبياته المشهورة في حرب البسوس، وكان اعتزلها، ثم خاضها حين أرسل ولده بجيرًا إلى مهلهل فقتله مهلهل، فقال، قَرِّبَا مَرْبِطَ النَّعَامَةِ مِنِّي
…
لَقِحَتْ حَرْبُ وائِلٍ عَنْ حِيَالِ
لَمْ أَكُنْ مِنْ جُناتِهَا ....
…
لا بُجَيْرٌ أَغْنَى فَتِيلا، وَلا رَهْطُ.
(18)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 26 - 29.
(19)
النكت والعيون: 1/ 457.
(20)
تفسير الطبري: 8/ 30.
(21)
انظر: السبعة في القراات: 227.
(22)
تفسير الطبري: 8/ 29.
(23)
أخرج ابن أبي حاتم (4879): ص 3/ 878 بنحوه.
(24)
ذكره السيوطي في الدر المنثور، وعزاه إلى عبد بن حميد عن سعيد بن جبير. انظر: الدر المنثور 1/ 255، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: 2/ 352.
(25)
نواسخ القرآن: 2/ 352.ولم نجد القول المنقول عنه في كتابه الناسخ والمنسوخ، وهو لم يعد فيه هذه الآية من المنسوخة أصلا.
(26)
ذكر نحو هذا القول هبة الله في ناسخه ص: 32 - 33، وابن هلال في ناسخه المخطوط 22، ونقل مكي ابن أبي طالب في ناسخه ص: 175 عن ابن عباس وزيد بن أسلم أن آية: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} ناسخة لقوله {ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} ..
(27)
نواسخ القرآن: 2/ 353.
الفوائد:
1 -
حرمة أكل مال اليتامى ظلماً، والوعيد الشديد فيه.
قال السعدي: " وهذا أعظم وعيد ورد في الذنوب، يدل على شناعة أكل أموال اليتامى وقبحها، وأنها موجبة لدخول النار، فدل ذلك أنها من أكبر الكبائر. نسأل الله العافية"(1).
2 -
أن هذا القيد يخرج به ما تقدم، من جواز الأكل للفقير بالمعروف، ومن جواز خلط طعامهم بطعام اليتامى، قال تعالى:{وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} [البقرة: 220] أي: بمنزلة الإخوان، وقال تعالى:{وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} [البقرة: 220]، وكما قال تعالى:{وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 6].
القرآن
التفسير:
يوصيكم الله ويأمركم في شأن أولادكم: إذا مات أحد منكم وترك أولادًا: ذكورًا وإناثًا، فميراثه كله لهم: للذكر مثل نصيب الأنثيين، إذا لم يكن هناك وارث غيرهم. فإن ترك بنات فقط فللبنتين فأكثر ثلثا ما ترك، وإن كانت ابنة واحدة، فلها النصف. ولوالِدَي الميت لكل واحد منهما السدس إن كان له ولد: ذكرًا كان أو أنثى، واحدًا أو أكثر. فإن لم يكن له ولد وورثه والداه فلأمه الثلث ولأبيه الباقي. فإن كان للميت إخوة اثنان فأكثر، ذكورًا كانوا أو إناثًا، فلأمه السدس، وللأب الباقي ولا شيء للإخوة. وهذا التقسيم للتركة إنما يكون بعد إخراج وصية الميت في حدود الثلث أو إخراج ما عليه من دَيْن. آباؤكم وأبْناؤكم الذين فُرِض لهم الإرث لا تعرفون أيهم أقرب لكم نفعًا في دنياكم وأخراكم، فلا تفضلوا واحدًا منهم على الآخر. هذا الذي أوصيتكم به مفروض عليكم من الله. إن الله كان عليمًا بخلقه، حكيمًا فيما شرعه لهم.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: أخرج الإمام البخاري وغيره (2)، عن جابر بن عبد الله قال:"عادني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بني سَلمَةَ ماشيين، فوجَدَني النبي صلى الله عليه وسلم لا أعقل شيئا، فدعا بماء فتوضأ منه، ثم رَش عَلَيَّ، فأفقت، فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ} "(3).
الثاني: أخرج الإمام احمد وغيره (4)، عن جابر قال:"جاءت امرأة سعد بن الرَّبيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قُتل أبوهما معك في أحُد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يَدَعْ لهما مالا ولا يُنْكَحَان إلا ولهما مال. قال: فقال: «يَقْضِي اللَّهُ في ذلك». قال: فنزلت آية الميراث، فأرسل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال: «أعْطِ ابْنَتي سعد الثلثين، وأُمُّهُمَا الثُّمُنَ، وما بقي فهو لك» "(5).
(1) تفسير السعدي: 165.
(2)
وأخرجه مسلم (3/ 234 - ح: 1616) وأهل السنن (جامع الأصول: 2/ 80 - 82)، (تفسير ابن كثير: 2/ 224 - 225) والحميدي (مسند الحميدي: 2/ 516 - ح: 1229) والحاكم المستدرك: 2/ 303)، والطبري (8731): ص 8/ 34، والطيالسي (منحة المعبود: 2/ 17 - ح: 1945) والبيهقي (دلائل النبوة: 6/ 162) وابن سعد (حاشية جامع الأصول: 2/ 83) وعبد بن حميد (فتح الباري: 8/ 244) وأبو يعلى (مسند أبي يعلى: 4/ 15 - ح: 2018)، والواحدي في أسباب النزول: 144 - 145. كلهم من طريق ابن جريج عن ابن المنكدر به.
وقد ذكر من أخرجه أن النازل هو قول تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم)، وأنا أرجح أن الآية هي قوله تعالى: (وإن كان رجل يورث كلالة
…
) الآية. في آخر ذكر المواريث، لانطباق هذا على حالة جابر رضي الله عنه حيث لم يكن له والد ولا ولد - وهو الكلالة - (المفردات للراغب الأصفهاني: 437) أما آية (يوصيكم الله في أولادكم) فلا تنطبق عليه. بل تنطبق على السبب الآتي ذكره، وقد ذكر الراوي بداية هذه الآية تغليبا، وكان يقصد آخرها، والله تعالى أعلم، (راجع فتح الباري: 8/ 244، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 5/ 57) ..
(3)
فتح الباري (4577): ص 8/ 243.
(4)
وأخرجه أبو دادو في سننه برقم (2892، 2891)، والترمذي في السنن:(2092)، وابن ماجة في السنن برقم (2720).
(5)
المسند (3/ 352).
والثالث: أخرج الطبري وابن ابي حاتم (1)، عن السدي:" كان أهل الجاهلية لا يورِّثون الجواريَ ولا الصغارَ من الغلمان، لا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر، وترك امرأة يقال لها أم كجَّة، وترك خمس أخواتٍ، فجاءت الورثة يأخذون ماله، فشكت أم كجَّة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية: {فإن كُنَّ نساء فوق اثنتين فلهن ثُلُثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف}، ثم قال في أم كجة: {ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن} "(2).
والرابع: أخرج الطبري وابن أبي حاتم (3)، عن ابن عباس:" {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين}، وذلك أنه لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين، كرهها الناس أو بعضهم، وقالوا: تعطى المرأة الربع والثمن، وتعطى الابنة النصف، ويعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم ولا يحوز الغنيمة! ! اسكتوا عن هذا الحديث لعلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينساه، أو نقول له فيغيِّره. فقال بعضهم: يا رسول الله، أنعطي الجارية نصف ما ترك أبوها، وليست تركب الفرس ولا تقاتل القوم، ونعطي الصبيَّ الميراث وليس يغني شيئًا؟ ! وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، لا يعطون الميراث إلا من قاتل، يعطونه الأكبر فالأكبر"(4)، «فنزلت {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}» (5).
قال ابن كثير: " والظاهر أن حديث جابر الأول إنما نزل بسببه الآية الأخيرة (6) من هذه السورة كما سيأتي، فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات، ولم يكن له بنات، وإنما كان يورث كلالة، ولكن ذكرنا الحديث هاهنا تبعا للبخاري، رحمه الله، فإنه ذكره هاهنا. والحديث الثاني عن جابر أشبه بنزول هذه الآية، والله أعلم"(7).
قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} [النساء: 11]، " أي: يأمركم الله ويعهد إِليكم بالعدل في شأن ميراث أولادكم، بأن للإِبن من الميراث مثل نصيب البنتين" (8).
قال ابن كثير: " أي: يأمركم بالعدل فيهم، فإن أهل الجاهلية كانوا يجعلون جميع الميراث للذكور دون الإناث، فأمر الله تعالى بالتسوية بينهم في أصل الميراث"(9).
قال الزجاج: " معنى " يوصيكم ": يفرض عليكم، لأن الوصية من الله عز وجل -فرض، والدليل على ذلك قوله: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ} [الأنعام: 151]، وهذا من المحكم علينا"(10).
ةقد ذكرا في قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} [النساء: 11]، وجهان (11):
أحدهما: أن المعنى: يفرضكم الله، وقد سمى الله - تعالى – الميراث فريضة في غير آى من القرآن بقوله:{لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ} [النساء: 7]، ثم قال:{نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء: 7]، وقال -أيضا- في آخر هذه الآية:{فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} [النساء: 11]، ولأنه شيء تولى الله إيجابه من غير اكتساب أهله؛ فهو كالفرائض التي أوجبها الله على عباده من غير اكتساب أهلها؛ فعلى ذلك سمى هذه فريضة؛ لأن الله - تعالى – أوجبه.
والثاني: معناه: يبين الله في أولادكم. . . إلى آخر ما ذكر.
(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4894): ص 3/ 881.
(2)
تفسير الطبري (8725): ص 8/ 31 - 32.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4896): ص 3/ 882.
(4)
تفسير الطبري (8726): ص 8/ 32.
(5)
هذه الزيادة في العجاب: 2/ 846.
(6)
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 224.
(8)
صفوة التفاسير: 240.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 225.
(10)
معاني القرآن: 2/ 18.
(11)
انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي: 3/ 36 - 37.
قوله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ} [النساء: 11]، " أي: بأن للإِبن من الميراث مثل نصيب البنتين" (1).
قال الزجاج: " المعنى: يستقر للذكر مثل حظ الأنثيين، له الثلثان وللابنة الثلث"(2).
قال ابن كثير: " فاوت بين الصنفين، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين؛ وذلك لاحتياج الرجل إلى مؤنة النفقة والكلفة ومعاناة التجارة والتكسب وتجشُّم المشقة، فناسب أن يُعْطَى ضعْفَيْ ما تأخذه الأنثى"(3).
عن ابن عباس: "قوله: {للذكر مثل حظ الأنثيين}: صغيرا وكبيرا"(4).
عن السدي: " قوله: {حظّ}، يقول: نصيب"(5).
وقد استنبط أهل العلم من قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ} أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالد بولده، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، فعلم أنه أرحم بهم منهم (6)، كما جاء في الحديث الصحيح، وقد رأى امرأة من السَّبْي تدور على ولدها، فلما وجدته أخذته فألْصَقَتْه بصَدْرها وأرضعته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه:"أتَروْن هذهِ طارحةَ ولدها في النار وهي تَقْدِرُ على ذلك؟ " قالوا: لا يا رسول الله: قال: "فَوَاللهِ للَّهُ أًرْحَمُ بعبادِهِ من هذه بِوَلَدِهَا"(7).
وأخرج البخاري عن ابن عباس قال: "كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنَسَخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث، وجعل للزوجة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع"(8).
قال ابن المنذر: " وأجمعوا على أن مال الميت بين جميع ولده للذكر مثل خط الأُنثيين، إذا لم يكن معهم أحد من أهل الفرائض، إذا كان معهم من له فرض المعلوم، بدئ بفرضه فأعطيه، وجعل الفاضل من المال بين الولد: للذكر مثل حظ الأُنثيين"(9).
قوله تعالى {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} [النساء: 11]، أي:" إِن كان الوارث إِناثاً فقط اثنتين فأكثر، فللبنتين فأكثر ثلثا التركة"(10).
قال مقاتل: " يعني بنات أم كحة، فلهن ثلثا ما ترك"(11).
عن سعيد بن جبير: " قوله: {فإن كنّ نساء}، يعني: بنات"(12)، " قوله:{فوق اثنتين} ، يعني: أكثر من اثنتين، أو اثنتين ليس معهن ذكر" (13)، " قوله: {فلهن ثلثا ما ترك} : الميت، والبقية للعصبة" (14).
قال ابن المنذر: "وأجمعوا أن للأنثيين من البنات الثلثين"(15).
قوله تعالى {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} [النساء: 11]، أي:" أي وإِن كانت الوارثة بنتاً واحدة فلها نصف التركة"(16).
قال مقاتل: " وإن كانت ابنة واحدة فلها النصف"(17).
قال سعيد بن جبير: " {وإن كانت واحدة}، يعني: ابنة واحدة"(18).
(1) صفوة التفاسير: 240.
(2)
معاني القرآن: 2/ 18.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 225.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4888): ص 3/ 880.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4889): ص 3/ 880.
(6)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 225.
(7)
أخرجه البخاري: (5999): ص 8/ 9، ومسلم:(7078): ص 8/ 97.
(8)
صحيح البخاري برقم (4578) ..
(9)
الإجماع لابن المنذر (277): ص 67، وانظر: الأوسط 2/ 124 أ، الإقناع 25 ب، وتفسير القرطبي 5/ 60، والمغني 7/ 10.
(10)
صفوة التفاسير: 240.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 360.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (4890): ص 3/ 880.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (4891): ص 3/ 881.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (4893): ص 3/ 881.
(15)
الإجماع لابن المنذر (278): 69، وانظر: الأوسط 2/ 124 أ، الإقناع 25 ب، وتفسير القرطبي 5: 60، والمغني 7/ 8.
(16)
صفوة التفاسير: 240.
(17)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 360.
(18)
أخرجه ابن أبي حاتم (4895): ص 3/ 881.
وقوله {وإن كانت واحدة} ، كلهم قرءوا:{وإن كانت وحدة} ، نصبا، إلا نافعا فإنه قرأ:{وإن كانت وحدة} ، رفعا (1).
قوله تعالى {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء: 11]، أي:" أي للأب السدس وللأم السدس من تركة الميت، إِن وجد للميت ابن أو بنت"(2).
قال مقاتل: " ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك الميت إن كان له ولد"(3).
قال سعيد بن جبير: "قوله: {ولأبويه}، يعني: أبوي الميت"(4)، "قوله:{لكل واحد منهما السدس مما ترك} : مما ترك الميت" (5)، "قوله: {إن كان له ولد} : يعني ذكرا كان أو كانتا انثيين فوق كل ذلك، ولم يكن معهن ذكر، فإن كان الولد ابنة واحدة فلها نصف المال، ثلثه أسداس، وللأب سدس ويبقى سدس واحد، فيرد ذلك على الأب لأنه هو العصبة" (6).
قال الماتريدي: " قال بعضهم: أراد بالولد الذكور خاصة؛ لأنه جعل للأبوين لكل واحد منهما السدس إذا كان الولد ذكرا، أما إذا كان الولد أنثى فللأب يكون الثلث.
وأما عندنا: فإن اسم الولد يجمع الذكور والإناث جميعا" (7).
قوله تعالى {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} [النساء: 11]، أي:" فإِن لم يوجد للميت أولاد وكان الوارث أبواه فقط أو معهما أحد الزوجين، فللأم ثلث المال أو ثلث الباقي بعد فرض أحد الزوجين والباقي للأب"(8).
قال مقاتل: " وبقية المال للأب"(9).
عن سعيد بن جبير: " قوله: {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه}، قال: فإن لم يكن له ذكر ولا أنثى"(10)، " {وورثه أبواه فلأمه الثلث}: فلأمه الثلث وبقية المال للأب" (11).
قال ابن المنذر: " وأجمعوا على أن بني الابن، وبنات الابن يقومون مقام البنين والبنات ذكورهم كذكورهم، وإناثهم كإناثهم، إذا لم يكن للميت ولد لصلبه"(12).
وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر {فلأمه} و {من بطون أمهتكم} [النحل 78]، و {في أمها} [القصص 59]، و {في أم الكتاب} [الزخرف 4]، بالرفع،
في حين قرأ حمزة والكسائي كل ذلك بالكسر.
واختلفا في الميم من قوله {أمهاتكم} فكسرها حمزة وفتحها الكسائي (13).
قوله تعالى {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11]، أي:" فإِن وجد مع الأبوين إِخوة للميت «اثنان فأكثر» فللأم السدس، والباقي للأب"(14).
قال مقاتل: " وما بقي فللأب"(15).
عن سعيد بن جبير: {فإن كان له} : فإن كان للميت" (16)، "قوله: {فإن كان له إخوة} : أخوان فصاعدا أو أختان أو أخ أو أخت" (17)، "قوله: {فلأمه السدس} وما بقي فللأب، وليس للأخوة مع الأب شيء، ولكنهم حجبوا الأم عن الثلث" (18).
(1) انظر: السبعة في القراءات: 227.
(2)
صفوة التفاسير: 241.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 360.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4897): ص 3/ 883.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4898): ص 3/ 882.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (4899): ص 3/ 882.
(7)
تأويلات أهل السنة: 3/ 40.
(8)
صفوة التفاسير: 241.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 361.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (4900): ص 3/ 882.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (4901): ص 3/ 883.
(12)
الإجماع لابن المنذر (279): ص 69، وانظر: الأوسط 2/ 124 أ، والإقناع 25 ب، ومراتب الإجماع 98، والإفصاح 2/ 84.
(13)
انظر: السبعة في القراءات: 227 - 228
(14)
صفوة التفاسير: 241.
(15)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 361.
(16)
أخرجه ابن أبي حاتم (4902): ص 3/ 883.
(17)
أخرجه ابن أبي حاتم (4903): ص 3/ 883.
(18)
أخرجه ابن أبي حاتم (4904): ص 3/ 883.
قال ابن المنذر: " وأجمعوا على أن الأبوين إذا ورثاه: أن للأب الثلثين وللأم الثلث"(1).
واختلف اختلف أهل العلم في عدد الإخوة الذين عناهم الله تعالى ذكره، على قولين:
أحدهما: أنه عنى الله جل ثناؤه به: اثنين كان الإخوة أو أكثر منهما، أنثيين كانتا أو كن إناثًا، أو ذكرين كانا أو كانوا ذكورًا، أو كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى. وهذا قول الجمهور (2).
والثاني: أن المراد: جماعة أقلها ثلاثة. وهذا الرأي ينكر أن يكون الله جل ثناؤه حجَب الأم عن ثلثها مع الأب بأقل من ثلاثة إخوة. فكان يقول في أبوين وأخوين: للأم الثلث، وما بقي فللأب، كما قال أهل العلم في أبوين وأخ واحد. وهذا قول ابن عباس (3).
روي عن ابن عباس: "أنه دخل على عثمان رضي الله عنه فقال، لم صار الأخوان يردَّان الأم إلى السدس، وإنما قال الله: فإن كان له إخوة، والأخوان في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة؟ فقال عثمان- رحمه الله هل أستطيع نقض أمر كان قبلي، وتوارثه الناس ومضى في الأمصار؟ "(4).
قال الطبري: " والصواب من القول في ذلك عندي، أن المعنيَّ بقوله: {فإن كان له إخوة}، اثنان من إخوة الميت فصاعدًا، على ما قاله أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، دون ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما، لنقل الأمة وراثةً صحةَ ما قالوه من ذلك عن الحجة، وإنكارهم ما قاله ابن عباس في ذلك"(5).
وقد اشتهر عند العرب "إخراج كل ما كان في الإنسان واحدًا إذا ضم إلى الواحد منه آخر من إنسان آخر فصارا اثنين من اثنين، بلفظ الجميع، أفصحَ في منطقها وأشهرَ في كلامها وكان الأخوان شخصين كل واحد منهما غير صاحبه، من نفسين مختلفين، أشبه معنياهما معنى ما كان في الإنسان من أعضائه واحدًا لا ثاني له، فأخرج اثناهما بلفظ اثنى العضوين اللذين وصفت، فقيل إخوة في معنى الأخوين، كما قيل ظهور في معنى الظهرين، وأفواه في معنى فموين، وقلوب في معنى قلبين، ومنه قول الفرزدق (6):
بِمَا فِي فُؤَادَيْنَا مِنَ الشَّوْقِ وَالْهَوَى
…
فَيَبْرَأُ مُنْهَاضُ الفُؤَادِ الْمُشَعَّفُ
وقد قال بعض النحويين: إنما قيل إخوة، لأن أقل الجمع اثنان. وذلك أن ذلك ضم شيء إلى شيء صارا جميعًا بعد أن كانا فردين، فجمعا ليعلم أن الاثنين جمع (7).
وأخرج الطبري بسنده عن طاوس عن ابن عباس: "السدس الذي حجبتْه الإخوة الأمَّ لهم، إنما حجبوا أمهم عنه ليكون لهم دون أمهم"(8).
كما روي عن ابن عباس خلاف هذا القول، إذ قال:" الكلالة من لا ولد له ولا والِد"(9).
قال ابن المنذر: " وأجمعوا على أن الأخوة لا يرثون مع الأب شيئا، وانفرد ابن عباس فقال: السدس الذي حجبه الأخوة للأُم عنده"(10)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (11).
وقال قتادة: " أضروا بالأم ولا يرثون ولا يحجبها الأخ الواحد من الثلث، ويحجبها ما فوق ذلك، وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم من الثلث، لأن أباهم يلي نكاحهم، ونفقته عليهم دون أمهم"(12).
قال ابن كثير: "وهذا كلام حسن. لكن روي عن ابن عباس بإسناد صحيح أنه كان يرى أن السدس الذي حجبوه عن أمهم يكون لهم، وهذا قول شاذ، رواه ابن جرير (13) في تفسيره"(14).
(1) الإجماع لابن المنذر (286): ص 7، وانظر: الأوسط 2/ 125 ب، وتفسير القرطبي 5/ 57، والإقناع 26 أ.
(2)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 39 - 40.
(3)
انظر: تفسير الطبري (8732): ص 8/ 40.
(4)
اخرجه الطبري (8732): ص 8/ 40.
(5)
تفسير الطبري: 8/ 41.
(6)
ديوانه: 554، والنقائض: 553، وسيبويه 2: 202، وأمالي الشجرى 1: 12، وغيرها.
(7)
نظر: تفسير الطبري: 8/ 42 - 43.
(8)
تفسير الطبري (8734): ص 8/ 45.
(9)
أخرجه الطبري (8735): ص 8/ 45.
(10)
الإجماع لابن المنذر (287): ص 70.
(11)
انظر: الأوسط 2/ 125 ب، ورأي ابن عباس اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فإن الإخوة المحجوبين بالأب عن الإرث لا يحجبون الأم من الثلث إلى السدس بل يجب لها الثلث كاملاً، وللأب الثلثان -الاختيارات الفقهية ص 197 - وهو الصحيح الذي نراه اليوم.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (4905): ص 3/ 883.
(13)
انظر: تفسير الطبري (8734): ص 8/ 45.
(14)
تفسير ابن كثير: 2/ 228.
والصواب أن الله تعالى ذكره فرض للأم مع الإخوة السدس، لما هو أعلم به من مصلحة خلقه وقد يجوز أن يكون ذلك كان لما ألزم الآباء لأولادهم وقد يجوز أن يكون ذلك لغير ذلك. وليس ذلك مما كلَّفنا علمه، وإنما أمرنا بالعمل بما علمنا (1).
قال الطبري: " وأما الذي روي عن طاوس عن ابن عباس، فقول لما عليه الأمة مخالف. وذلك أنه لا خلاف بين الجميع: أنْ لا ميراث لأخي ميت مع والده. فكفى إجماعهم على خلافه شاهدًا على فساده"(2).
قوله تعالى {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11]، أي:" بعد تنفيذ وصية الميت وقضاء ديونه"(3).
قال مقاتل: " يعني: إلى الثلث أو دين عليه فإنه يبدأ بالدين من ميراث الميت بعد الكفن ثم الوصية بعد ذلك ثم الميراث"(4).
قال ابن كثير: " أجمع العلماء سلفًا وخلفًا: أن الدَّيْن مقدم على الوصية، وذلك عند إمعان النظر يفهم من فَحْوَى الآية الكريمة"(5).
قال الماتريدي: " ذكر الله - تعالى - الوصية قبل الدين، وأجمع أهل العلم أن الدين يبدأ به قبل الوصية والميراث"(6).
وقد روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: " شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي بالدين قبل الوصية، وأنتم تقرؤون: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ}، وأن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات، الإخوة للأب والأم، دون الإخوة للأم"(7).
وقرأ ابن عامر وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر {يوصي بها} بفتح الصاد في الحرفين، وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي {يوصي بها} بكسر الصاد فيهما، وقال حفص عن عاصم الأولى بالكسر {يوصي بها} والثانية {يوصي بها} بفتح الصاد (8).
قوله تعالى {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا} [النساء: 11]، أي:" آباؤكم وأبْناؤكم الذين فُرِض لهم الإرث لا تعرفون أيهم أقرب لكم نفعًا في دنياكم وأخراكم، فلا تفضلوا واحدًا منهم على الآخر"(9).
عن السدي قوله: {لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا} ، قال بعضهم: في نفع الآخرة، وقال بعضهم: في نفع الدنيا" (10).
قال ابن عباس: " يقول: أطوعكم لله من الآباء والأبناء، أرفعكم درجة يوم القيامة، لأن الله سبحانه يشفع المؤمنين بعضهم في بعض"(11).
قال مقاتل: " يعني: في الآخرة، فيكون معه في درجته، وذلك أن الرجل يكون عمله دون عمل ولده أو يكون عمله دون عمل والده، فيرفعه الله- عز وجل في درجته لتقر أعينهم"(12).
(1) انظر: تفسير الطبري: 8/ 45.
(2)
تفسير الطبري: 8/ 45.
(3)
صفوة التفاسير: 241.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 361.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 228.
(6)
تفسير الماتريدي: 3/ 47.
(7)
أخرجه الحميدي: (55)، (56)، وأحمد:(595): ص 1/ 79، وفي (1091): ص 1/ 131، وفي (1222): ص 1/ 144، وابن ماجة (2715)، و (2739)، والترمذي (2094)، و (2095)، و (2122)، وقال البخاري: 6/ 4، باب تأويل قول الله، تعالى: } من بعد وصية يوصي بها أو دين}: ويذكر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية".
قال أبو عيسى الترمذي (2095): "هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، وقد تكلم بعض أهل العلم في الحارث".
قال أبو بكر بن أبي داود: "الحارث كان أفقه وأفرض الناس وأحسب الناس، تعلم الفرائض من علي"، وقيل للشعبي: كنت تختلف إلى الحارث؟ قال: نعم، كنت أختلف إليه أتعلم الحساب، كان أحسب الناس.
لكن ضعف في روايته للحديث، ضعفه جماعة منهم الشعبي وجرير وابن مهدي وابن المديني ويحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم. انظر: تهذيب الكمال (5/ 244).
(8)
انظر: السبعة في القراءات: 228.
(9)
التفسير الميسر: 78.
(10)
أخرجه الطبري (8743): ص 8/ 49.
(11)
أخرجه الطبري (8740): ص 8/ 49.
(12)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 361.
وعن ابن زيد: قال: أيهم خيرٌ لكم في الدين والدنيا، الوالد أو الولدُ الذين يرثونكم، لم يدخلِ عليكم غيرهم، فرَضَ لهم المواريث، لم يأت بآخرين يشركونهم في أموالكم" (1).
قال الطبري: " يقول: أعطوهم حقوقهم من ميراث ميتهم الذي أوصيتُكم أن تعطوهموها، فإنكم لا تعلمون أيهم أدنى وأشد نفعًا لكم في عاجل دنياكم وآجل أخراكم"(2).
وقال مجاهد: " {أيهم أقرب لكم نفعًا}، في الدنيا"(3).
قال ابن كثير: " أي: إنما فرضنا للآباء وللأبناء، وساوينا بين الكل في أصل الميراث على خلاف ما كان عليه الأمر في الجاهلية، وعلى خلاف ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من كون المال للولد وللوالدين الوصية، كما تقدم عن ابن عباس، إنما نسخ الله ذلك إلى هذا، ففرض لهؤلاء ولهؤلاء بحسبهم؛ لأن الإنسان قد يأتيه النفع الدنيوي - أو الأخروي أو هما - من أبيه ما لا يأتيه من ابنه، وقد يكون بالعكس؛ فلهذا قال: {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا} أي: كأن النفع متوقع ومرجو من هذا، كما هو متوقع ومرجو من الآخر؛ فلهذا فرضنا لهذا ولهذا، وساوينا بين القسمين في أصل الميراث"(4).
قال الراغب: " قيل: القصد بذلك أن المنفعة بهما متفاوتة، فإن المنفعة بالآباء في الصغر، وبالأبناء في الكبر.
وقيل: معناه تحروا ما أمرتم، ولا تعتبروا نفع الولد والوالد، فإن
ذلك يختلف عند اعتبار الآحاد.
وقيل: معناه لا يدري أحدكم أهو أقرب وفاة، فينتفع ولده بماله، أم الولد أقرب وفاة فينتفع الوالدان بماله، وإلى هذا المعنى أشار الشاعر (5):
ما علم ذي ولد أيثـ
…
كله أم الولد اليتيم؟
وهذا الذكر في الآية كالاستطراد، والقصد به يجب أن يتحرى في ماله الوجه الذي جعل له المال، فلا يمنع ذا حق من حقه، شفقة على ورثته، ولا يضعه في غير حقه "تفاديا من انتقال ماله إلى ورثته، بل يجب أن يتحرى القصد في ذلك، فليس يدري عواقب الأمور، وجملة ذلك أن في الآية حثا على تفويض الأمر إلى الله، والرضا بحكمه"(6).
قوله تعالى {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} [النساء: 11]، أي:" هذا الذي أوصيتكم به مفروض عليكم من الله"(7).
قال مقاتل: " قال في التقديم لهذه القسمة: فريضة ثابتة من الله"(8).
قال الطبري: أي: " سهامًا معلومة موقتة بيَّنها الله لهم"(9).
قال ابن كثير: " أي: من هذا الذي ذكرناه من تفصيل الميراث، وإعطاء بعض الورثة أكثر من بعض - هو فرض من الله حكم به وقضاه"(10).
قوله تعالى {ِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 11]، أي:" إِنه تعالى عليم بما يصلح لخلقه حكيم فيما شرع وفرض"(11).
قال ابن كثير: أي: " والله عليم حكيم الذي يضع الأشياء في محالها، ويعطي كلا ما يستحقه بحسبه"(12).
قال الطبري: أي: " إنّ الله لم يزل ذا علم بما يصلح خلقه، أيها الناس، فانتهوا إلى ما يأمركم، يصلح لكم أموركم. حكيما، يقول: لم يزل ذا حكمة في تدبيره، وهو كذلك فيما يقسم لبعضكم من ميراث بعض،
(1) أخرجه الطبري (8744): ص 8/ 49 - 50.
(2)
تفسير الطبري: 8/ 48.
(3)
أخرجه الطبري (8741): ص 8/ 49.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 229.
(5)
انظر: البيت ليزيد بن الحكم الثقي، في بهجة المجالس لابن عبد البر: 230، وفصل المقال في شرح كتاب الأمثال لأبي عبيد البكري: 462، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: 840، وشرح ديوان الحماسة للتبريزي: 2/ 49، والمعنى: لايعلم الوالد ما يكون منه ومن ولده في الإمهال والاستعجال، أي لايدري أي الأمرين يقع. [انظر: شرح ديوان الحماسة للمرزوقي: 841].
(6)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1128 - 1129.
(7)
التفسير الميسر: 78.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 361.
(9)
تفسير الطبري: 8/ 50.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 229.
(11)
صفوة التفاسير: 241.
(12)
تفسير ابن كثير: 2/ 229.
وفيما يقضي بينكم من الأحكام، لا يدخل حكمه خَلَل ولا زلل، لأنه قضاء من لا تخفى عليه مواضع المصلحة في البدء والعاقبة" (1).
الفوائد:
1 -
أن الله تعالى تولى قسمة التركات بنفسه فلا يحل لأحد أن يغر منها شيئاً.
2 -
الاثنان يعتبران جمعاً.
3 -
ولد الولد حكمه حكم الولد نفسه في الحجب.
4 -
الأب عاصب فقد يأخذ فرضه مع أصحاب الفرائض وما بقي يرثه بالتعصيب لقوله صلى الله عليه وسلم: «ألْحِقُوا الفرائِضَ بأهلها، فما بَقِيَ فهو لأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (2).
5 -
في الآية دليل جواز القياس، والفكر فيها، والاعتبار؛ لأن ميراث الابنتين مستدل عليهما، غير منصوص، وكذلك ميراث الذكور من الأولاد بالانفراد مستدل عليه غير منصوص، وما يحرز الأب من الميراث بحق العصبة مستدل عليه لا منصوص، وما يستحق بالفريضة فهو منصوص عليه، وهكذا كل من يستحق شيئا بحق الفريضة فهو منصوص عليه؛ فدل أن ما ترك ذكره إنما ترك للاجتهاد، والتفكر فيه، والاعتبار.
6 -
ومن الفوائد: أنه يجوز ألا يطلع الله عباده على الأشياء بقوله - تعالى -: {آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا} ، إذ لم يبين أيهم أقرب نفعا.
7 -
إثبات اسمين من اسمائه تعالى، وهما:«العليم» ، و «الحكيم»:
فمن أسمائه «العليم» ، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله عز وجل، ، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (3).
قال أبو سليمان: " العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق، وجاء على بناء: فعيل، للمبالغة في وصفه بكمال العلم"(4).
و«الحكيم» : "هو المحكم لخلق الأشياء. صرف عن مفعل إلى فعيل، كقولهم: أليم بمعنى: مؤلم، وسميع بمعنى: مسمع؛ كقوله -جل وعز-: {آلر، تلك آيات الكتاب الحكيم} [يونس: 1] وقال في موضع آخر: {كتاب أحكمت آياته} [هود: 1].
فدل على أن المراد بـ «الحكيم» هنا، الذي أحكمت آياته، صرف عن مفعل إلى فعيل، ومعنى الإحكام لخلق الأشياء، إنما ينصرف إلى إتقان التدبير فيها، وحسن التقدير لها، إذ ليس كل الخليقة موصوفا بوثاقة البنية، وشدة الأسر كالبقة، والنملة، وما أشبههما من ضعاف الخلق، إلا أن التدبير فيهما، والدلالة بهما على كون الصانع وإثباته، ليس بدون الدلالة عليه بخلق السموات والأرض والجبال وسائر معاظم الخليقة، وكذلك. هذا في قوله -جل وعز-:{الذي أحسن كل شيء خلقه} [السجدة: 7] لم تقع الإشارة به إلى الحسن الرائق في المنظر، فإن هذا المعنى معدوم في القرد، والخنزير، والدب، وأشكالها من الحيوان، وإنما ينصرف المعنى فيه إلى حسن التدبير في إنشاء كل شىء من خلقه على ما أحب أن ينشئه عليه وإبرازه على الهيئة التي أراد أن يهيئه عليها. كقوله تعالى:{وخلق كل شيء فقدره تقديرا} [الفرقان: 2] " (5).
القرآن
التفسير:
(1) تفسير الطبري: 8/ 51.
(2)
) صحيح البخاري برقم (6735) وصحيح مسلم برقم (1615).
(3)
انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين: 1/ 188.
(4)
الاسماء والصفات للبيهقي: 1/ 121.
(5)
شأن الدعاء، للخطابي: 73 - 74.
ولكم -أيها الرجال- نصف ما ترك أزواجكم بعد وفاتهن إن لم يكن لهن ولد ذكرًا كان أو أنثى، فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن، ترثونه من بعد إنفاذ وصيتهن الجائزة، أو ما يكون عليهن من دَيْن لمستحقيه. ولأزواجكم -أيها الرجال- الربع مما تركتم، إن لم يكن لكم ابن أو ابنة منهن أو من غيرهن، فإن كان لكم ابن أو ابنة فلهن الثمن مما تركتم، يقسم الربع أو الثمن بينهن، فإن كانت زوجة واحدة كان هذا ميراثًا لها، من بعد إنفاذ ما كنتم أوصيتم به من الوصايا الجائزة، أو قضاء ما يكون عليكم من دَيْن. وإن مات رجل أو امراة وليس له أو لها ولد ولا والد، وله أو لها أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما السدس. فإن كان الإخوة أو الأخوات لأم أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث يقسم بينهم بالسوية لا فرق بين الذكر والأنثى، وهذا الذي فرضه الله للإخوة والأخوات لأم يأخذونه ميراثًا لهم من بعد إنفاذ وصيته إن كان قد أوصى بشيء، أو قضاء ديون الميت، لا ضرر فيه على الورثة. بهذا أوصاكم ربكم وصية نافعة لكم. والله عليم بما يصلح خلقه، حليم لا يعاجلهم بالعقوبة.
قوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ} [النساء: 12]، " أي: ولكم أيها الرجال نصف ما ترك أزواجكم من المال إِن لم يكن لزوجاتكم أولاد منكم أو من غيركم" (1).
عن سعيد بن جبير قوله: ولكم يقول: للرجل" (2)، " قوله: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم} يقول: للرجل نصف ما تركت امرأته إذا ماتت" (3)، "قوله: {إن لم يكن لهن ولد} : إن لم يكن لها ولد من زوجها الذي ماتت عنه أو من غيره" (4).
قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ} [النساء: 12]، أي:"، فإن كان لكم ابن أو ابنة فلهن الثمن مما تركتم"(5).
عن سعيد بن جبير: " قوله: {فإن كان لهن ولد}: فإن كان لها ولد ذكر أو أنثى"(6)، قوله:{فلكم الربع} ، يعني: للزوج" (7)، "قوله: {مما تركن} ، يعني: مما تركت من المال" (8).
قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 12]، " أي: من بعد الوصية وقضاء الدين" (9).
عن سعيد بن جبير قوله: {من بعد وصية يوصين بها} : النساء" (10)، "قوله: {أو دين} : دين عليهن، قال: فالدين قبل الوصية فيها تقديم" (11).
عن علي، قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي بالدين، ولفظ العدني، قال:" قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدين قبل الوصية، وأنتم تقرءون: {من بعد وصية توصون بها أو دين} وإن أعيان بني الأم يتوارثون، دون بني العلات الإخوة للأب والأم دون الإخوة للأب، ولفظ العدني الإخوة للأب والأم أقرب من الإخوة للأب يتوارثون دون الإخوة للأب "(12).
قوله تعالى: {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ} [النساء: 12]، " أي: ولزوجاتكم واحدة فأكثر الربع مما تركتم من الميراث إِن لم يكن لكم ولد منهن أو من غيرهن" (13).
عن سعيد بن جبير: " قوله: {ولهنّ} يعني: النساء"(14)، " قوله:{ولهن الربع مما تركتم} ، يعني: للمرأة الربع" (15)، " قوله: {مما تركتم} يعني: مما ترك زوجها من الميراث" (16)، "قوله: {إن لم يكن لكم} ، يعني: لزوجها الذي مات عنها" (17)، " قوله: {إن لم يكن لكم ولد} ، قال: ولد منها ولا من غيرها" (18).
(1) صفوة التفاسير: 241.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4916): ص 3/ 884.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4917): ص 3/ 885.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4918): ص 3/ 885.
(5)
التفسير الميسر: 79.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (4919): ص 3/ 885.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (4920): ص 3/ 885.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (4921): ص 3/ 885.
(9)
صفوة التفاسير: 241.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (4922): ص 3/ 885.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (4923): ص 3/ 885.
(12)
أخرجه ابن المنذر (1438): ص 2/ 590 - 591.
(13)
صفوة التفاسير: 241.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (4924): ص 3/ 885.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (4925): ص 3/ 885.
(16)
أخرجه ابن أبي حاتم (4926): ص 3/ 886.
(17)
أخرجه ابن أبي حاتم (4927): ص 3/ 886.
(18)
أخرجه ابن أبي حاتم (4928): ص 3/ 886.
قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ} [النساء: 12]، " أي: فإِن كان لكم ولد منهن أو من غيرهن فلزوجاتكم الثمن مما تركتم من المال" (1).
عن سعيد بن جبير: " قوله: {فإن كان لكم ولد}، قال: ولد ذكر أو أنثى"(2)، "قوله:{فلهن الثمن مما تركتم} يعني: مما ترك الزوج من المال" (3).
قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 12]، ]، " أي: من بعد الوصية وقضاء الدين" (4).
قال سعيد بن جبير: " والدين قبل الوصية ثم يقسم الميراث"(5).
قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً] {النساء: 12]، " أي: وإن كان الميت يورث كلالة أي لا والد له ولا ولد وورثة أقاربه البعيدون لعدم وجود الأصل أو الفرع" (6).
قال الشافعي: " المعنى: إن مات رجل في حال كلالة، أي: لم يخلف والداً ولا ولداً"(7).
قال الواحدي: " الكلالة في هذه الآية الميت، وهو الموروث، والمراد به الأخ للأم إذا مات"(8).
واختلفوا في الكلالة على أقوال:
أحدها: أن الكلالة: من لا ولد له، رواه ابن عباس، عن عمر بن الخطاب (9)، وهو قول طاوس (10).
والثاني: أن الكلالة ما عدا الوالد، وهو قول الحكم بن عيينة في أحد قوليه (11).
والثالث: أن الكلالة ما عدا الولد والوالد، وهو قول أبي بكر (12)، وعمر (13)، والمشهور عن ابن عباس (14)، وسليم بن عبد (15)، وقتادة (16)، والحكم (17)، وابن زيد (18)، والزهيري (19)، وأبي إسحاق (20)، والضحاك (21)، والحسن (22)، وسعيد بن جبير (23)، واختيار الفراء (24)، والزجاج (25).
والرابع: أن الكلالة: بنو العم الأباعد، ذكره ابن فارس، عن ابن الأعرابي (26).
والخامس: أنهم الأخوة للأم. قاله عطية (27).
والسادس: أنهم الأخوة للأب. قاله عبيد بن عمير (28).
(1) صفوة التفاسير: 241.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4929): ص 3/ 886.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4931): ص 3/ 886.
(4)
صفوة التفاسير: 241.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4932): ص 3/ 887.
(6)
صفوة التفاسير: 241.
(7)
تفسير الشافعي: 2/ 546.
(8)
التفسير البسيط: 6/ 371.
(9)
انظر: زاد المسير: 1/ 380، ونسبه الماوردي الى ابن عباس، انظر: النكت والعيون: 1/ 460.
(10)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 269.
(11)
انظر: تفسير الطبري (8765): ص 8/ 67 - 58.
(12)
انظر: تفسير الطبري (8745): ص 8/ 53.
(13)
انظر: تفسير الطبري (8747): ص 8/ 54، وابن أبي حاتم (4933): ص 3/ 887
(14)
انظر: تفسير الطبري (8750) - (8755): ص 8/ 55 - 56.
(15)
انظر: تفسير الطبري (8756) - (8759: ص 8/ 56 - 57.
(16)
انظر: تفسير الطبري (8760): ص 8/ 57.
(17)
انظر: تفسير الطبري (8761): ص 8/ 57.
(18)
انظر: تفسير الطبري (8762): ص 8/ 57.
(19)
انظر: تفسير الطبري (8763)، و (8764): ص 8/ 57.
(20)
انظر: تفسير الطبري (8763)، و (8764): ص 8/ 57.
(21)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4933): ص 3/ 887.
(22)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4933): ص 3/ 887.
(23)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4935): ص 3/ 887.
(24)
انظر: معاني القران: 1/ 257.
(25)
انظر: معاني القرآن: 2/ 25 - 26.
(26)
انظر: زاد المسير: 1/ 380.
(27)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 269.
(28)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 269.
والسابع: وقيل: هم الأخوة والأخوات (1).
قال الواحدي: " والذي عليه الأكثرون وهو الصواب أن الكلالة ما عدا الوالد والولد"(2).
قال ابن كثير: "الكلالة: مشتقة من الإكليل، وهو الذي يحيط بالرأس من جوانبه، والمراد هنا من يرثه من حواشيه لا أصوله ولا فروعه"(3).
قال الزجاج: " زعم أهل اللغة أن الكلالة من قولك: تكلله النسب، أي: لم يكن الذي يرثه ابنه ولا أباه. والكلالة سوى الولد والوالد، والدليل على أن الأب ليس بكلالة قول الشاعر (4):
فإنّ أَبَا الْمَرْء أحْمَى لَهُ
…
ومَوْلَى الكَلالَة لَا يَغضَبُ
وإنما هو كالإكليل الذي على الرأس" (5).
ويجدر القول بأن الوارث يسمى "كلالة". قاله سعيد بن جبير (6)، وكما جاء في حديث جابر أنه قال:"ليس يرثني إلا كلالة"(7).
وكذلك أن الموروث أي: الميت، يسمى "كلالة"، قاله الضحاك والسدي (8)، ومنه قول الفرزدق (9):
ورثتم قناة الملك لا عن كلالة
…
عن ابني مناف: عبد شمس وهاشم
وقال الطرماح (10):
يهز سلاحا لم يرثه كلالة
…
يشك به منها جلود المغابن
يصف ثورا وقرنه وأنه ورثه من أبيه، وجعل القرن له كالرمح من الأسلحة، وأنه يشق به مغابن الكلاب. فالكلالة في هذا البيت يحتمل أنه الوارث، ويحتمل أنه الموروث (11).
وقال النضر بن شميل: أن الكلالة "هو المال"(12).
نستنتج بأن كل من مات ولا ولد له ولا والد فهو كلالة ورثته، وكل وارث ليس بوالد للميت ولا ولد له فهو كلالة موروثه (13).
قال الشافعي: " والكلالة في هاتين الآيتين (14): الميت لا الوارث، وقد قيل للورثة الذين يرثون الميت وليس فيهم أب ولا ولد: كلالة أيضاً، ألا ترى أن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: مرضت فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: "إني رجل لا يرثنى إلا كلالة" (15) الحديث، فجعل الكلالة: ورثته، فأما الآيتان: فالكلالة فيهما - الميت - الموروث لا الوارث"(16).
(1) انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 269.
(2)
التفسير البسيط: 6/ 367.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 230.
(4)
لم أعرف قائله وهو من "شواهد الزجاج في معانيه" 2/ 26، "الكشف والبيان" 4/ 24 أ، "اللسان مادة"كلل"" 7/ 3918، وتهذيب اللغة، مادة"كلل": ص 9/ 331، أراد الشاعر: أن أبا المرء أغضب له إذا ظلم، وموالي الكلالة وهم الإخوة والأعمام وبنو الأعمام وسائر القرابات لا يغضبون للمرء غضب الأب. [انظر: التفسير البسيط للواحدي: 6/ 371
(5)
معاني القرآن: 2/ 25 - 26.
(6)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 269.
(7)
حديث جابر من "تهذيب اللغة" 9/ 247، أخرجه الطبري (8731): ص 8/ 34 بنحوه، وذكره -بنصه- السمين في: عمدة الحفاظ: 501 (كلل) ..
(8)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 269.
(9)
البيت في "الكشف والبيان" 4/ 24 أ، "اللسان" 7/ 3918 (كلل) فيه الشطر الأول، "عمدة الحفاظ" ص 501 (كلل)، "الدر المصون" 3/ 607، وقد ذكر د. أحمد الخراط في تحقيقه للأخير أن البيت ليس في "ديوان الفرزدق"، هذا مع أني لم أجده في "معجم شواهد العربية" رغم اتفاق من عزوت إليهم على نسبته إلى الفرزدق، فقد يكون سقط من "ديوان الفرزدق" و"منتهى الطلب"، والله أعلم ..
(10)
ديوانه: 133، و"البحر المحيط" 3/ 352، و"أساس البلاغة"(كلل) و"الصحاح"(سلح)، و"المحكم" (سلح) و"اللسان" (سلح):(بزغ). والمغابن جمع مغبن، وهو الإبط والرفغ (باطن الفخذ)، وتطلق المغابن على معاطف الجلد أيضا. انظر:"اللسان" 6/ 3211 (غبن) ..
(11)
انظر: التفسير البسيط: 6/ 370.
(12)
تفسير الثعلبي: 3/ 269.
(13)
تهذيب اللغة" 4/ 3176 (كل) بتصرف، والتفسير البسيط للواحدي: 6/ 369.
(14)
يقصد الآية (12) و (176) من سورة النساء، قال تعالى:{يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} .
(15)
حديث جابر من "تهذيب اللغة" 9/ 247، أخرجه الطبري (8731): ص 8/ 34 بنحوه، وذكره -بنصه- السمين في: عمدة الحفاظ: 501 (كلل) ..
(16)
تفسير الإمام الشافعي: 2/ 546.
وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الكلالة، فقرأ آخر سورة النساء، فرد عليه السائل فقال صلى الله عليه وسلم:«لست بزائدك حتى أزاد» (1).
عن ابن عمر، قال:"سمعت عمر، يقول على منبر المدينة: «وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفارقنا حتى يعهد إلينا عهدا ننتهي إليه، الجد والكلالة، وأبواب من أبواب الربا» "(2).
قوله تعالى: {أَوِ امْرَأَةٌ} [النساء: 12]، أي:" أو امرأةٌ تورث كلالة"(3).
قال الشافعي: أي: " أو ماتت امرأة كذلك"(4).
قال السمعاني: " يعنى: أو امرأة تورث كلالة"(5).
وعن عمر، أنه قال لابن عباس، وسعيد بن زيد، وابن عمر حين طعن:" اعلموا أن من أدرك وفاتي من سبي العرب من مال الله، فهو حر، واعلموا أني لم أقل في الكلالة شيئا، واعلموا أني لم أستخلف أحدا "(6).
وعن عاصم بن سليمان، عن الشعبي، قال: كان عمر يقول: " الكلالة: من لا ولد له "، فلما طعن عمر، قال:" إني لأستحي الله أن أخالف أبا بكر، أرى الكلالة: ما عدا الولد والوالد "(7).
وأخرج عبدالرزاق عن معمر ، عن أيوب عن ابن سيرين ، قال:" نزلت {قل الله يفتيكم في الكلالة} [النساء: 176] والنبي صلى الله عليه وسلم في مسير له ، وإلى جنبه حذيفة بن اليمان ، فبلغها النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة " ، وبلغها حذيفة عمر بن الخطاب وهو يسير خلف حذيفة ، فلما استخلف عمر سأل حذيفة عنها ورجا أن يكون عنده تفسيرها ، فقال له حذيفة: والله إنك لأحمق إن ظننت أن إمارتك تحملني أن أحدثك فيها ما لم أحدثك يومئذ ، فقال: عمر: لم أرد هذا رحمك الله، قال معمر: فأخبرني أيوب ، عن ابن سيرين أن عمر كان إذا قرأ {يبين الله لكم أن تضلوا} [النساء: 176]، قال:«اللهم من بينت له الكلالة فلم تبين لي» (8).
وروي عن سفيان عن عمرو عن طاوس، قال:"أمر عمر حفصة أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم، عن الكلالة، فأمهلته حتى إذا لبس ثيابه، سألته عنها، فأملاها عليها، وقال: «من أمرك بهذا، أعمر؟ ما أظن أن يفهمهما، أو لم تكفه آية الصيف؟ » قال سفيان: {وإن كان رجل يورث كلالة}، فلم يفهمها، وقال: اللهم من فهمها فإني لم أفهمها"(9).
وروي عن الأثرم، عن أبي عبيدة " {كلالة} قال:"كل من لم يرثه أب، أو ابن، أو أخ، فهو عند العرب: كلالة {يورث كلالة}، كلالة: مصدر، من تكلله النسب أي: تعطف النسب عليه، ومن قال: {يورث كلالة}، فهم الرجال الورثة، أي: تعطف النسب عليه "(10).
قوله تعالى: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} [النساء: 12]، "أي: وللمورّث أخ أو أخت من أمّ" (11).
عن الحسن: "في قول الله تعالى: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت}، قال: من أمه"(12). وروي عن سعد بن مالك مثله (13).
قال السمعاني: " أجمعوا على أن المراد بالأخ والأخت هاهنا أولاد الأم، وفرض لكل واحد منهم السدس ذكرا كان أو أنثى"(14).
قوله تعالى: {فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} [النساء: 12]، " أي: فللأخ من الأم السدس وللأخت السدس أيضاً" (15).
(1) تفسير الثعلبي: 3/ 269، وانظر: مختلف الحديث: 185، بتفاوت ..
(2)
أخرجه الطبري (10883): ص 9/ 439، وابن المنذر (1440): ص 2/، 591 ورواه البخاري في صحيحه برقم (5588) ومسلم في صحيحه برقم (3032)، والبيهقي في السنن 6: 245/ 8: 289، وذكره السيوطي في الدر المنثور 2: 249، وزاد نسبته لعبد الرزاق.
(3)
صفوة التفاسير: 241.
(4)
تفسير الشافعي: 2/ 546.
(5)
تفسير السمعاني: 1/ 404.
(6)
أخرجه ابن المنذر (1441): ص 2/ 592.
(7)
أخرجه ابن المنذر (1443): ص 2/ 592.
(8)
مصنف عبدالزاق الصنعاني (19193): ص 10/ 304.
(9)
التفسير من سنن سعيد بن منصور (587): ص 3/ 1178، أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (19194): ص 10/ 305.
(10)
أخرجه ابن المنذر (1451): ص 2/ 595.
(11)
صفوة التفاسير: 241.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (4936): ص 3/ 887 - 888.
(13)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4936): ص 3/ 887 - 888 ..
(14)
تفسير السمعاني: 1/ 405.
(15)
صفوة التفاسير: 241.
وقرأ الحسن: {يورث} بفتح الواو، وكسر الراء مع التشديد، فمن قرأ {يورث} - بالكسر – فكلالة، مفعول، ومن قرأ {يورث} ، فكلالة منصوب على الحال (1).
قوله تعالى: {فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} [النساء: 12]، "أي: فإِن كان الإِخوة والأخوات من الأم أكثر من واحد فإِنهم يقتسمون الثلث بالسوية ذكورهم وإِناثهم في الميراث سواء" (2).
قال سعيد بن جبير: " يعني: أكثر من واحد، وكانوا اثنين إلى عشرة فصاعدا"(3).
عن ابن شهاب قال: "قضى عمر بن الخطاب أن- ميراث الأخوة من الأم بينهم للذكر فيه مثل الأنثى، قال: ولا أرى عمر بن الخطاب قضى بذلك حتى علم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذه الآية التي قال الله تعالى: {فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث} "(4). وروي عن الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة نحو ذلك (5).
قال السمعاني: " وفيه إجماع، أن فرضهم الثلث إذا تعددوا، وإن كثروا"(6).
قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ} [النساء: 12]، " من بعد إنفاذ وصيته إن كان قد أوصى بشيء، أو قضاء ديون الميت، لا ضرر فيه على الورثة"(7).
قال السمعاني: " يعني: الموصي لا يضر بالورثة بمجاوزة الثلث، ونحوه ا"(8).
قال عكرمة: "قال ابن عباس: " الضرار في الوصية من الكبائر، ثم قرأ هذه الآية:{غير مضار} إلي {مهين} " (9).
وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الإضرار في الوصية من الكبائر"(10).
قال مجاهد: " قوله "{مضار} قال: في الميراث لأهله " (11).
قال سعيد بن جبير: " يعني، عليه من غير ضرار يكون به، ولا يقر بحق عليه ولا يوصي بأكثر من الثلث مضارة لهم، فذلك قوله: غير مضار يعني: غير مضار للورثة بتلك القسمة {وصية من الله} "(12).
قال قتادة: "إن الله عز وجل كره الضرار في الحياة وعند الموت ونهى عنه وقدر فيه، ولا يصلح مضارة في حياة ولا موت"(13).
قوله تعالى: {وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ} [النساء: 12]، "أي: أوصاكم الله بذلك وصية" (14).
قال السمعاني: " أي: فريضة من الله"(15).
قال ابن أبي زمنين: أي: " تلك القسمة"(16).
وقرأ الأعمش: (غير مضار وصية من الله) على الإضافة (17).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} [النساء: 12]، " أي: وعالم بما شرع حليم لا يعاجل العقوبة لمن خالف أمره" (18).
(1) انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 25، وزاد المسير: 1/ 380.
(2)
صفوة التفاسير: 241.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4937): ص 3/ 888.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4938): ص 3/ 888.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4938): ص 3/ 888.
(6)
تفسير السمعاني: 1/ 405.
(7)
التفسير الميسر: 79.
(8)
تفسير السمعاني: 1/ 405.
(9)
أخرجه ابن المنذر (1453): ص 2/ 596، وابن أبي حاتم (4940): ص 3/ 888، وفيه:"ثم قرأ: {غير مضار وصية من الله} ".
(10)
تفسير ابن أبي حاتم (4939): ص 3/ 888.
(11)
أخرجه ابن المنذر (1454): ص 2/ 596.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (4946): ص 3/ 889.
(13)
تفسير الثعلبي: 3/ 271.
(14)
صفوة التفاسير: 241.
(15)
تفسير السمعاني: 1/ 405.
(16)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 353.
(17)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 270.
(18)
صفوة التفاسير: 241.
قال محمد بن إسحاق: " {والله عليم} أي: عليم بما يخفون"(1).
قال سعيد بن جبير: " {عليم} يعني: عالما بها"(2).
الفوائد:
1 -
بيان ميراث الزوج من زوجته، والزوجة والزوجات من زوجهن.
2 -
بيان ميراث الكلالة وهو من لا يترك والداً ولا ولداً فيرثه إخوته فقط يحوطون به إحاطة الإكليل بالرأس فلذا سُميت الكلالة.
3 -
إهمال الوصية أو الدين إن علم إن الغرض منها الإضرار بالورثة فقط.
4 -
عظم شأن المواريث فيجب معرفة ذلك وتنفيذه كما وصى الله تعالى.
5 -
إثبات اسمين من اسمائه تعالى، وهما:«العليم» ، و «الحليم»:
فمن أسمائه «العليم» ، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله عز وجل، ، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (3).
قال أبو سليمان: " العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق، وجاء على بناء: فعيل، للمبالغة في وصفه بكمال العلم"(4).
و«الحليم» هو ذو الصفح، والأناة، الذي لا يستفزه غضب ولا يستخفه جهل جاهل، ولا عصيان عاص، ولا يستحق الصافح مع العجز اسم الحلم؛ إنما الحليم هو الصفوح مع القدرة. والمتأني الذي لا يعجل بالعقوبة. وقد أنعم بعض الشعراء بيان هذا المعنى في قوله (5):
لن يبلغَ المجدَ أقوامٌ وإنْ كَرُمُوا
…
حتى يُذَلّوا وإن عَزّوا لأقوام
ويُشتَموا فتَرى الألوانَ مُشرِقةٌ،
…
لا عَفْوَ ذُلَّ، ولكن عَفْوَ أحلام
ويقال: لم يصف الله -سبحانه- أحدا من خلقه بصفة أعز من الحلم، وذلك حين وصف إسماعيل به. ويقال: إن أحدا لا يستحق اسم الصلاح حتى يكون موصوفا بالحلم، وذلك أن إبراهيم -صلوات الله عليه- دعا ربه فقال:{رب هب لي من الصالحين} [الصافات: 100]، فأجيب بقوله:{فبشرناه بغلام حليم} [الصافات: 101] فدل على أن الحلم أعلى مآئر الصلاح -والله أعلم- (6).
القرآن
التفسير:
تلك الأحكام الإلهية التي شرعها الله في اليتامى والنساء والمواريث، شرائعه الدالة على أنها مِن عند الله العليم الحكيم. ومَن يطع الله ورسوله فيما شرع لعباده من هذه الأحكام وغيرها، يدخله جنات كثيرة الأشجار والقصور، تجري من تحتها الأنهار بمياهها العذبة، وهم باقون في هذا النعيم، لا يخرجون منه، وذلك الثواب هو الفلاح العظيم.
قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} [النساء: 13]، " أي: تلك الأحكام المذكور شرائع الله التي حدّها لعباد" (7).
قال مقاتل: " يعني هذه القسمة فريضة من الله"(8).
قال الزجاج: " أي الأمكنة التي لا ينبغي أن تتجاوز"(9).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (4947): ص 3/ 890.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4948): ص 3/ 890.
(3)
انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين: 1/ 188.
(4)
الاسماء والصفات للبيهقي: 1/ 121.
(5)
البيت غير منسوب في شأن الدعاء للخطابي: 64، وزاد المسير: 1/ 195، والبيت لعروة بن الزبير في تفسير الثعلبي: 3/ 167، وتفسير القرطبي: 4/ 208، وتفسير البحر المديد: 1/ 408،
(6)
انظر: شأن الدعاء، للخطابي: 63 - 64.
(7)
صفوة التفاسير: 1/ 241.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 361.
(9)
معاني القرآن: 2/ 27.
قال السمعاني: " يعني: ما ذكر من الفروض المحدودة"(1).
قال البغوي: " يعني: ما ذكر من الفروض المحدودة"(2).
قال ابن كثير: " أي: هذه الفرائض والمقادير التي جعلها الله للورثة بحسب قُربهم من الميت واحتياجهم إليه وفقدهم له عند عدمه، هي حدود الله فلا تعتدوها ولا تجاوزوها"(3).
قال السعدي: " فالوصية للوارث بزيادة [ص: 171] على حقه يدخل في هذا التعدي، مع قوله صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث» (4) "(5)
ولأهل العلم في تفسير قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} [النساء: 13]، وجوه:
أحدها: يعني: طاعة الله، في المواريث التي سمى. قاله ابن عباس (6).
والثاني: يعني: سنة الله وأمره في قسمة المواريث. قاله سعيد (7).
والثالث: أن حدود الله، يعني: فشروط الله. قاله السدي (8).
والرابع: فرائض الله التي حدها لعباده (9).
والخامس: تفصيلات الله لفرائضه (10).
قال الزمخشري: " {تلك}، إشارة إلى الأحكام التي ذكرت في باب اليتامى والوصايا والمواريث. وسماها حدودا، لأن الشرائع كالحدود المضروبة الموقتة للمكلفين، لا يجوز لهم أن يتجاوزوها ويتخطوها إلى ما ليس لهم بحق"(11).
قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [النساء: 13]، " أي: ومن يطع أمر الله فيما حكم وأمر رسوله فيما بيّن" (12).
قال سعيد بن جبير: " في قسم الميراث كما أمره الله"(13).
قال مقاتل: " فى قسمة المواريث"(14).
قال الزجاج: " أي يقيم حدوده على ما حد"(15).
قال ابن كثير: " أي: فيها، فلم يزد بعض الورثة ولم ينقص بعضًا بحيلة ووسيلة، بل تركهم على حكم الله وفريضته وقسمته"(16).
قال السعدي: " بامتثال أمرهما الذي أعظمه طاعتهما في التوحيد، ثم الأوامر على اختلاف درجاتها واجتناب نهيهما الذي أعظمه الشرك بالله، ثم المعاصي على اختلاف طبقاتها"(17).
وفي قوله قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [النساء: 13]، وجهان:
أحدهما: في عدم الإضرار في الوصية. وهذا قول ابن عباس (18)، والحسن (19).
والثاني: معناه: فيما اقتص من المواريث. قاله مجاهد (20)، وسعيد بن جبير (21)، وابن جريج (22).
(1) تفسير السمعاني: 1/ 405.
(2)
تفسير البغوي: 2/ 180.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 232.
(4)
أخرجه ابن ماجة (2714).
(5)
تفسير السعدي: 170.
(6)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4949): ص 3/ 890.
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4950): ص 3/ 890.
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4951): ص 3/ 890.
(9)
انظر: النكت والعيون: 1/ 461.
(10)
انظر: النكت والعيون: 1/ 461.
(11)
الكشاف: 1/ 487.
(12)
صفوة التفاسير: 1/ 241.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (4954): ص 3/ 891.
(14)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 361 - 362.
(15)
معاني القرآن: 2/ 27.
(16)
تفسير ابن كثير: 2/ 232.
(17)
تفسير السعدي: 170.
(18)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4952): ص 3/ 890.
(19)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4952): ص 3/ 890.
(20)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4953): ص 3/ 890.
(21)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4954): ص 3/ 891.
(22)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4955): ص 3/ 891.
قال الراغب: " ونبه بقوله: {ومن يطع الله ورسوله} على وجوب مراعاة ما بينه تعالى في الكتاب من أحكام المواريث، وما بينه صلى الله عليه وسلم من نحو قوله: «لا وصية لوارث» (1)، وقوله: «لك الثلث والثلث. . .» (2) "(3).
قوله تعالى: {يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [النساء: 13]، أي:" يدخله جنات النعيم التي تجري من تحت أشجارها وأبنيتها الأنهار"(4).
قال أبو مالك: " يعني: المساكن تجري أسفلها أنهارها"(5).
قال سعيد بن جبير: " يعني: تحتها الأنهار: تحت الشجر البساتين"(6).
قال عبدالله: " أنهار الجنة تفجر من جبل من مسك"(7).
قال السعدي: " من أدى الأوامر واجتنب النواهي فلا بد له من دخول الجنة والنجاة من النار"(8).
قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا} [النساء: 13]، " أي: وهم ماكثين فيها أبداً" (9).
قال سعيد بن جبير: " يعني: لا يموتون"(10).
قال مقاتل: " لا يموتون"(11).
قرأ نافع وابن عامر: {ندخله جنات} ، وقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي:{يدخله جنات} ، بالياء (12).
قوله تعالى: {وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [النساء: 13]، أي:" وذلك الثواب هو الفلاح العظيم"(13).
قال سعيد بن جبير: " يعني: ذلك الثواب الفوز العظيم"(14).
قال السمعاني: " ذكر ثواب من أطاعه، ولم يجاوز حدوده"(15).
قال الراغب: " ووصف الفوز بالعظيم اعتبارا بفوز الدنيا"(16).
قال السعدي: " الذي حصل به النجاة من سخطه وعذابه، والفوز بثوابه ورضوانه بالنعيم المقيم الذي لا يصفه الواصفون"(17).
عن شهربن حوشب أبي هريرة، قال:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة». قال: ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: {تلك حدود الله} إلى قوله: {فله عذاب مهين} "(18).
الفوائد:
1 -
بيان حرمة تعدي حدود الله تعالى.
(1) أخرجه ابن ماجة (2714).
(2)
في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على سَعْد بن أبي وقاص يعوده قال: يا رسول الله، إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال:"لا". قال: فالشَّطْر؟ قال: "لا". قال: فالثلث؟ قال: "الثلث، والثلث كثير". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنك إن تَذر وَرَثَتَك أغنياء خَيْر من أن تَذَرَهم عَالةً يتكَفَّفُون الناس". [صحيح البخاري برقم (2742) وصحيح مسلم برقم (1628)].
(3)
تفسير الرابغ الأصفهاني: 3/ 1137.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 241.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4957): ص 3/ 891.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (4958): ص 3/ 891.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (4956): ص 3/ 891.
(8)
تفسير السعدي: 170.
(9)
صفوة التفاسير: 1/ 241.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (4959): ص 3/ 891.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 362.
(12)
انظر: السبعة في القراءات: 228، وتفسير البغوي: 2/ 181.
(13)
التفسسير الميسر: 79.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (4960): ص 3/ 891.
(15)
تفسير السمعاني: 1/ 405.
(16)
تفسير الرابغ الأصفهاني: 3/ 1138.
(17)
تفسير السعدي: 170.
(18)
أخرجه عبدالرزاق (16455)، وأحمد (7728): ص 2/ 278، وأبو داد (2867)، وابن ماجة (2704)، والترمذي (2117).
2 -
بيان ثواب طاعة الله ورسوله وهو الخلود في الجنة.
القرآن
التفسير:
ومَن يَعْصِ الله ورسوله، بإنكاره لأحكام الله، وتجاوزه ما شرعه الله لعباده بتغييرها، أو تعطيل العمل بها، يدخله نارًا ماكثًا فيها، وله عذاب يخزيه ويهينه.
قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [النساء: 14]، " أي: ومن يعص أمر الله وأمر الرسول" (1).
قال الزجاج: " أي: يجاوز ما حده الله وأمر به"(2).
قال ابن أبي زمنين: أي: " في قسمة المواريث"(3).
عن عكرمة: قال ابن عباس: " الضرر في الوصية من الكبائر ثم قرأ: {ومن يعص الله ورسوله} "(4).
ولأهل العلم في تفسير قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [النساء: 14]، وجوه:
أحدها: معناه: ومن يعص الله ورسوله في الوصية. قاله ابن عباس (5).
والثاني: أن المعنى: ومن يكفر بقسمة المواريث وهم المنافقون، كانوا لا يعدون بأن للنساء والصبيان الصغار من الميراث نصيبا. وهذا قول سعيد بن جبير (6). وروي عن مجاهد نحو ذلك (7).
والثال: أن معناه: من لا يؤمن بالله. قاله ابن جريج (8). وهو معنى قريب من القول الثاني.
قوله تعالى: {وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ} [النساء: 14]، " أي: يتجاوز ما حدّه الله تعالى في الطاعات" (9).
قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ} [النساء: 14]، " أي: ومن يعص أمر الله وأمر الرسول يتجاوز ما حدّه الله تعالى في الطاعات" (10).
قال ابن عباس: " يعني: من لم يرض بقسم الله وتعدى ما قال"(11).
قال سعيد بن جبير: " يعني: يخالف أمره في قسمة المواريث"(12).
قوله تعالى: {يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 14]، " أي: يجعله مخلداً في نار جهنم لا يخُرج منها أبداً" (13).
قال سعيد بن جبير: " يعني: يخلد فيها بكفره بقسمة المواريث"(14).
قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي {يدخله نارا} بالياء، وقرأ نافع وابن عامر:{ندخله نارا} ، بالنون (15).
قوله تعالى: {وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 14]، " أي وله عذاب شديد مع الإِهانة والإِذلال"(16).
قال السمعاني: " ذكر عقاب من عصاه، وجاوز حدوده"(17).
قال مقاتل بن حيان: " يعني: المهين: الهوان"(18).
(1) صفوة التفاسير: 242.
(2)
معاني القرآن: 2/ 27.
(3)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 353.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4961): ص 3/ 891 ..
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4962): ص 3/ 891.
(6)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4963): ص 3/ 892.
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4964): ص 3/ 892 ..
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4965): ص 3/ 892 ..
(9)
صفوة التفاسير: 242.
(10)
صفوة التفاسير: 242.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (4966): ص 3/ 892.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (4967): ص 3/ 892.
(13)
صفوة التفاسير: 242.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (4968): ص 3/ 892.
(15)
انظر: السبعة في القراءات: 228.
(16)
صفوة التفاسير: 242.
(17)
تفسير السمعاني: 1/ 405.
(18)
أخرجه ابن أبي حاتم (4969): ص 3/ 892.
قال ابن كثير: " أي: لكونه غيَّر ما حكم الله به وضاد الله في حكمه. وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسم الله وحكم به، ولهذا يجازيه بالإهانة في العذاب الأليم المقيم"(1).
قال السعدي: " ويدخل في اسم المعصية الكفر فما دونه من المعاصي، فلا يكون فيها شبهة للخوارج القائلين بكفر أهل المعاصي فإن الله تعالى رتب دخول الجنة على طاعته وطاعة رسوله. ورتب دخول النار على معصيته ومعصية رسوله، فمن أطاعه طاعة تامة دخل الجنة بلا عذاب، ومن عصى الله ورسوله معصية تامة يدخل فيها الشرك فما دونه، دخل النار وخلد فيها، ومن اجتمع فيه معصية وطاعة، كان فيه من موجب الثواب والعقاب بحسب ما فيه من الطاعة والمعصية. وقد دلت النصوص المتواترة على أن الموحدين الذين معهم طاعة التوحيد، غير مخلدين في النار، فما معهم من التوحيد مانع لهم من الخلود فيها"(2).
الفوائد:
1 -
بيان جزاء معصية الله ورسوله وهو الخلود في النار والعذاب المهين فيها.
2 -
ويستفاد أيضا: أن اسم المعصية يدخل فيه الكفر فما دونه من المعاصي، فلا يكون فيها شبهة للخوارج القائلين بكفر أهل المعاصي فإن الله تعالى رتب دخول الجنة على طاعته وطاعة رسوله. ورتب دخول النار على معصيته ومعصية رسوله، فمن أطاعه طاعة تامة دخل الجنة بلا عذاب.
ومن عصى الله ورسوله معصية تامة يدخل فيها الشرك فما دونه، دخل النار وخلد فيها، ومن اجتمع فيه معصية وطاعة، كان فيه من موجب الثواب والعقاب بحسب ما فيه من الطاعة والمعصية. وقد دلت النصوص المتواترة على أن الموحدين الذين معهم طاعة التوحيد، غير مخلدين في النار، فما معهم من التوحيد مانع لهم من الخلود فيها (3).
القرآن
التفسير:
واللاتي يزنين من نسائكم، فاستشهدوا -أيها الولاة والقضاة- عليهن أربعة رجال عدول من المسلمين، فإن شهدوا عليهن بذلك فاحبسوهن في البيوت حتى تنتهي حياتهن بالموت، أو يجعل الله لهن طريقًا للخلاص من ذلك.
قوله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} [النساء: 15]، "أي: اللواتي يزنين من أزواجكم" (4).
قال مجاهد: " يعني: الزنا"(5)، كذا قاله عطاء بن أبي رباح (6)، وعبد الله بن كثير (7)، والحسن (8)، وسعيد بن جبير (9)، والسدي (10).
قال ابن الجوزي: " والفاحشة: الزنى في قول الجماعة"(11).
قال سعيد بن جبير: " {من نسائكم} يعني: المرأة الثيب من المسلمين"(12).
قال الطبري: أي: " والنساء اللاتي يأتين بالزنا، أي يزنين من نسائكم، وهن محصنات ذوات أزواج أو غير ذوات أزواج"(13).
قال الراغب: "قوله: {من نسائكم} تنبيه على الحرائر.
وقيل: تنبيه على المحصنات دون الأبكار.
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 232.
(2)
تفسير السعدي: 170.
(3)
انظر: تفسير السعدي: 170.
(4)
صفوة التفاسير: 243.
(5)
تفسير مجاهد: 269.
(6)
انظر: تفسير الطبري (8800): ص 8/ 75.
(7)
انظر: تفسير الطبري (8800): ص 8/ 75.
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4971): ص 3/ 893.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4971): ص 3/ 893.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4971): ص 3/ 893.
(11)
زاد المسير: 1/ 381.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (4972): ص 3/ 893.
(13)
تفسير مجاهد: 8/ 74.
وقيل: على المزوجات أبكارا كن أو ثيبات" (1).
قال الواحدي: " وخص النساء بالذكر في هذه الآية، والحد في الزنا على النساء والرجال واحد؛ لأن المرأة أحرص على الزنا من الرجل، فخصها بالذكر، كما قدم اسمها في آية الزنا، وهو قوله: {الزانية والزاني} [النور: 2]. وقدم اسم الرجل في آية السرقة في قوله: {والسارق والسارقة} [المائدة: 38] من حيث كان الرجل أحرص على السرقة من المرأة"(2).
وفي مصحف عبد الله: {الفاحشة من نسائكم} (3).
قوله تعالى: {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} [النساء: 15]، أي:" فاطلبوا أن يشهد على اقترافهن الزنا أربعة رجال من المسلمين الأحرار"(4).
قال الطبري: أي: " فاستشهدوا عليهن بما أتين به من الفاحشة أربعة رجال من رجالكم، يعني: من المسلمين"(5).
وفي قوله تعالى: {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} [النساء: 15]، وجهان (6):
أحدهما: أنه خطاب للأزواج.
والثاني: خطاب للحكام.
قال السمعاني: " هو خطاب للحكام، يعني: فاطلبوا عليهن أربعة من الشهود، وهذه الآية هي الحجة على أن شهود الزنا أربعة"(7).
قال عمر بن الخطاب: "إنما جعل الله عز وجل الشهود أربعة سترا ستركم به دون فواحشكم"(8).
قال القرطبي: " ولا بد أن يكون الشهود ذكورا، لقوله: {مِنْكُمْ}، ولا خلاف فيه بين الأمة. وأن يكونوا عدولا، لأن الله تعالى شرط العدالة في البيوع والرجعة وهذا أعظم، وهو بذلك أولى. وهذا من حمل المطلق على المقيد بالدليل، على ما هو مذكور في أصول الفقه. ولا يكونون ذمة، وإن كان الحكم على ذمية"(9).
قوله تعالى: {فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: 15]، "أي: فإِن ثبتت بالشهود جريمتهن فاحبسوهن في البيوت إِلى الموت أو يجعل الله لهنَّ مخلصاً بما يشرعه من الأحكام " (10).
قال ابن عباس: " فكانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، ثم أنزل الله تبارك وتعالى بعد ذلك: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [سورة النور: 2]، فإن كانا محصنين رجُما. فهذا سبيلهما الذي جعل الله لهما"(11).
وقال قتادة: " كان هذا من قبل الحدود، فكانا يؤذّيان بالقول جميعًا، وبحبْس المرأة. ثم جعل الله لهن سبيلا فكان سبيل من أحصن جلدُ مئة ثم رميٌ بالحجارة، وسبيل من لم يحصن جلد مئة ونفي سنة"(12).
قال عطاء بن أبي رباح وعبد الله بن كثير: "السبيل الحدّ، الرجم والجلد"(13).
قال الطبري: أي: " أو يجعل الله لهن مخرجًا وطريقًا إلى النجاة مما أتين به من الفاحشة"(14).
قال مجاهد: " أمر بحبسهن في البيوت حتى يمتن"(15). وفي روياة أخرى: " كان أمر بحبسهن حين يشهد عليهن أربعة حتى يمتن"(16).
(1) تفسير الراغب الأصفهاني: 2/ 1140.
(2)
التفسير البسيط: 6/ 382.
(3)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 271.
(4)
صفوة التفاسير: 243.
(5)
تفسير مجاهد: 8/ 74.
(6)
انظر: زاد المسير: 1/ 382.
(7)
تفسير السمعاني: 1/ 406.
(8)
زاد المسير: 1/ 382.
(9)
تفسير القرطبي: 5/ 84.
(10)
صفوة التفاسير: 243.
(11)
أخرجه الطبري (8797): ص 8/ 74.
(12)
أخرجه الطبري (8798): ص 8/ 75.
(13)
أخرجه الطبري (8800): ص 8/ 75.
(14)
تفسير الطبري: 8/ 84.
(15)
أخرجه الطبري (8795): ص 8/ 74.
(16)
أخرجه الطبري (8796): ص 8/ 74.
قال السمعاني: " وكان هذا هو الحكم في ابتداء الإسلام، وأن المرأة إذا زنت حبست في البيت إلى أن تموت. ثم نسخ ذلك في حق البكر بالجلد والتغريب، وفي حق الثيب بالجلد والرجم، وهو بيان السبيل المذكور في الآية، والحجة عليه: حديث عبادة: " خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام؛ والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة (1).
ثم نسخ الجلد في حق الثيب، واستقر أمرها على الرجم" (2).
واختلفوا في إمساكهن في البيوت هل هو حد أو مُوعد بالحد على قولين:
أحدهما: يعني بالسبيل الحد، وهذا قول مجاهد (3)، والحكم (4)، وسفيان (5)، وعطاء بن أبي رباح وعبد الله بن كثير (6).
والثاني: أنه مُوعد بالحد. (7).
واختلفوا في نسخ الجَلْدِ من حد الثيِّب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه منسوخ، وهو قول الجمهور من التابعين والفقهاء، إذ يروا بأن الثيب الزاني إنما يُرجم فقط من غير جلد، قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم رَجَمَ ماعزًا والغامدية واليهوديين، ولم يجلدهم قبل ذلك، فدل على أن الجلد ليس بحتم، بل هو منسوخ على قولهم (8).
والثاني: أنه ثابت الحكم، يعني الجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب الزاني، وبه قال قتادة (9)، وداود بن علي (10)، وهو مذهب الإمام احمد (11).
واستدل الإمام أحمد على رأيه بما ورد عن ابن عباس: "لما نزلت سورة النساء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا حبس بعد سورة النساء» (12) "(13).
والثالث: وذهب طائفة إلى أنه يجمع بينهما. إذ نقل البغوي عن علي رضي الله عنه: "أنه جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس مائة ثم رجمها يوم الجمعة، وقال: «جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم"» (14).
قال السمعاني: " والأول أصح"(15).
قال الطبري: " السبيلُ التي جعلها الله جل ثناؤه للثيبين المحصَنَيْن، الرجم بالحجارة، وللبكرين جلد مئة ونفي سنة لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رَجم ولم يجلد"(16).
قال الماوردي: "وهذه الآية عامة في البكر والثيب، واخْتُلِفَ في نسخها على حسب اختلافهم فيها هل هو حد أو موعد بالحد، فمن قال: هي حد، جعلها منسوخة بآية النور (17)، ومن قال: هي مُوعد بالحد، جعلها ثابتة"(18).
قال ابن كثير: " كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا زنت فثبت زناها بالبينة العادلة، حُبست في بيت فلا تُمكن من الخروج منه إلى أن تموت، فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك"(19).
(1) أخرجه أحمد: 3/ 476.، ومسلم في الحدود، باب حد الزنا برقم (1690): 3/ 1316.
قال عبادة: " ثم نسخ الجلد في حق الثيب وبقي الرجم عند أكثر أهل العلم".
(2)
تفسير السمعاني: 1/ 406.
(3)
انظر: تفسير مجاهد: 269، وتفسير الطبري (8795)، و (8796): ص 8/ 74.
(4)
انظر: تفسير ابن المنذر (1470): ص 2/ 602.
(5)
انظر: تفسير ابن المنذر (1471): ص 2/ 602.
(6)
أخرجه الطبري (8800): ص 8/ 75.
(7)
انظر: النكت والعيون: 1/ 462.
(8)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 234 - 235، والنكت والعيون: 1/ 462.
(9)
انظر: تفسير الطبري (8798): ص 8/ 75.
(10)
انظر: النكت والعيون: 1/ 462.
(11)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 234.
(12)
أخرجه البخاري في الحدود، باب رجم المحصن: 12/ 117 ..
(13)
المعجم الكبير (11/ 365)، حديث ضعيف فيه ابن لهيعة وأخوه.
(14)
تفسير البغوي: 2/ 181 - 182.
(15)
تفسير السمعاني: 1/ 406.
(16)
تفسير الطبري: 8/ 80.
(17)
(18)
النكت والعيون: 1/ 462.
(19)
تفسير ابن كثير: 2/ 233.
قال البغوي: " وعامة العلماء على أن الثيب لا يجلد مع الرجم لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا والغامدية ولم يجلدهما.
وعند أبي حنيفة رضي الله عنه: التغريب أيضا منسوخ في حق البكر. وأكثر أهل العلم على أنه ثابت، روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما:«أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب وغرب، وأن أبا بكر رضي الله عنه ضرب وغرب، وأن عمر رضي الله عنه ضرب وغرب» (1) " (2).
الفوائد:
1 -
عظم قبح فاحشة الزنى.
2 -
بيان حد الزنى قبل نسخه بآية سورة النور، وحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في رجم المحصن والمحصنة.
القرآن
التفسير
واللذان يقعان في فاحشة الزنى، فآذُوهما بالضرب والهجر والتوبيخ، فإن تابا عمَّا وقع منهما وأصلحا بما يقدِّمان من الأعمال الصالحة فاصفحوا عن أذاهما.
قوله تعالى: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ} [النساء: 16]، "أي واللذان يفعلان فاحشة الزنى منكم"(3).
قال السدي: " ثم ذكر الجواري والفتيان الذين لم ينكحوا، فقال: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ} "(4).
قال سعيد بن جبير: " وذكر البكرين اللذين لم يحصنا فقال: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا}، يعني: الفاحشة وهو الزنا"(5)، " {منكم}، يعني من المسلمين"(6).
واختلف في قوله تعالى: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ} [النساء: 16]، على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهما الرجل والمرأة، إلا أنه لم يُقصَد به بكر دون ثيِّب. وهو قول الحسن (7)، وعطاء (8)، وعكرمة (9)، وعبدالله بن كثير (10).
والثاني: أنهما البكران من الرجال والنساء غير المحصنين، وهما غير اللاتي عُنين بالآية قبلها، في قوله:{وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} [النساء: 15]، معنيٌّ به الثيِّبات المحصنات بالأزواج. وهذا قول السدي (11).
والثالث: أنهما الرجلان الزانيان. قاله مجاهد (12).
والراجح –والله أعلم- أنه "عُني به البكران غير المحصنين إذا زنيا، وكان أحدهما رجلا والآخر امرأة، لأنه لو كان مقصودًا بذلك قصد البيان عن حكم الزناة من الرجال، كما كان مقصودًا بقوله: واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم قصد البيان عن حكم الزواني، لقيل: والذين يأتونها منكم فآذوهم، أو قيل: والذي يأتيها منكم، كما قيل في التي قبلها: واللاتي يأتين الفاحشة، فأخرج ذكرهن على الجميع، ولم يقل: واللتان يأتيان الفاحشة "(13).
(1) أخرجه الترمذي في الحدود، باب ما جاء في النفي: 4/ 711 - 712 وقال: حديث غريب، وأخرجه الحاكم: 4/ 369 وصححه على شرط الشيخين، والبيهقي في السنن: 8/ 223، وصححه الألباني في الارواء: 8/ 11، وانظر: نصب الراية: 3/ 331 ..
(2)
تفسير البغوي: 2/ 182.
(3)
صفوة التفاسير: 243.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4985): ص 3/ 895.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (4986): ص 3/ 895.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (4987): ص 3/ 895.
(7)
انظر: تفسير الطبري (8816): ص 8/ 82.
(8)
انظر: تفسير الطبري (8817): ص 8/ 82، و (8818): ص 8/ 83.
(9)
انظر: تفسير الطبري (8816): ص 8/ 82.
(10)
انظر: تفسير الطبري (8818): ص 8/ 83.
(11)
انظر: تفسير الطبري (8812)، و (8813): ص 8/ 81 - 82.
(12)
انظر: تفسير الطبري (8814)، و (8815): ص 8/ 82.
(13)
تفسير الطبري: 8/ 83.
وقرأ ابن كثير: {اللذان} ، {هذان} ، {هاتين} ، {فذانك} مشددة النون في جميعها، ووافقه أبو عمرو في:{فذانك} ، وإنما شدد نون التثنية لأنه جعل التشديد عوضا من الحذف الذي لحق الكلمة (1).
قوله تعالى: {فَآذُوهُمَا} [النساء: 16]، أي:" فآذُوهما بالضرب والهجر والتوبيخ"(2).
قال سعيد بن جبير: " يعني: باللسان بالتعيير والكلام القبيح لهما بما عملا، وليس عليهما حبس لأنهما بكران، ولكن يعيرا ليتوبا ويندما"(3).
قال أبو السعود: " أي بالتوبيخ والتقريع وقيل بالضرب بالنعال أيضا وظاهر أن إجراء هذا الحكم أيضا إنما يكون بعد الثبوت لكن ترك ذكره تعويلا على ما ذكر آنفا"(4).
وفي الأذى المامور به في قوله تعالى: {فَآذُوهُمَا} [النساء: 16]، ثلاثة اوجه:
أحدها: التعيير والتوبيخ باللسان، وهو قول قتادة (5)، والسدي (6)، وسعيد بن جبير (7).
والثاني: كان ذلك الأذى، أذًى اللسان، غير أنه كان سبًّا. قاله مجاهد (8)، واختاره النحاس (9).
والثالث: أنه الأذى باللسان واليد، فكان الرجل إذا زنى أوذي بالتعيير وضرب بالنعال. وهذا قول ابن عباس (10).
والرابع: أنه مجمل أخذ تفسيره في البكر من آية النور، وفي الثيِّب من السُّنّة. أفاده الماوردي (11).
والصواب –والله أعلم- أن يقال: ": إنّ الله تعالى ذكره كان أمر المؤمنين بأذى الزانيين المذكورين، إذا أتيا ذلك وهما من أهل الإسلام. والأذى قد يقع لكل مكروه نال الإنسان، من قول سيئ باللسان أو فعل، وليس في الآية بيان أيّ ذلك كان أمر به المؤمنون يومئذ، ولا خبر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من نقل الواحد ولا نقل الجماعة الموجب مجيئهما قطعَ العذر، وجائز أن يكون ذلك أذى باللسان أو اليد، وجائز أن يكون كان أذى بهما، وليس في العلم بأيِّ ذلك كان من أيٍّ نفعٌ في دين ولا دنيا، ولا في الجهل به مضرة، إذْ كان الله جل ثناؤه قد نسخ ذلك من مُحكمه بما أوجب من الحكم على عباده فيهما وفي اللاتي قبلهما. فأما الذي أوجب من الحكم عليهم فيهما، فما أوجب في سورة النور، بقوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}، وأما الذي أوجب في اللاتي قبلهما، فالرجم الذي قضى به رسول الله فيهما. وأجمع أهل التأويل جميعًا على أن الله تعالى ذكره قد جعل لأهل الفاحشة من الزناة والزواني سبيلا بالحدود التي حكم بها فيهم"(12).
وإن قيل كيف جاء ترتيب الأذى بعد الحبس؟ ففيه جوابان:
أحدهما: أن هذه الآية نزلت قبل الأولى، ثم أمر أن توضع في التلاوة بعدها، فكان الأذى أولاً، ثم الحبس، ثم الجلد أو الرجم، وهذا قول الحسن (13).
والثاني: أن الأذى في البكرين خاصة، والحبس في الثَّيِّبين، وهذا قول السدي (14).
ثم اختلف في نسخها على حسب الاختلاف في إجمالها وتفسيرها (15)، فقال قوم أن الله سبحانه نسخ بقوله:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [سورة النور: 2]، قوله:{واللذان يأتيانها منكم فآذوهما} . وهذا قول ابن عباس (16)، والحسن (17)، ومجاهد (18)، والسدي (19)، وقتادة (20)، وعكرمة (21)، والضحاك (22)، وابن زيد (23).
(1) انظر: التفسير البسيط للواحدي: 6/ 383.
(2)
التفسير الميسر: 243.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4989): ص 3/ 896.
(4)
تفسير أبي السعود: 2/ 155.
(5)
انظر: تفسير الطبري (8819): ص 8/ 84.
(6)
انظر: تفسير الطبري (8820): ص 8/ 84.
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4989): ص 3/ 896.
(8)
انظر: تفسير الطبري (8821): ص 8/ 85.
(9)
انظر: معانيا لقرآن: 2/ 40.
(10)
انظر: تفسير الطبري (88222): ص 8/ 85.
(11)
انظر: النكت والعيون: 1/ 464.
(12)
تفسير الطبري: 8/ 85.
(13)
انظر: النكت والعيون: 1/ 464.
(14)
انظر: النكت والعيون: 1/ 464.
(15)
النكت والعيون: 1/ 464.
(16)
انظر: تفسير الطبري (8826): ص 8/ 87.
(17)
انظر: تفسير الطبري (8825): ص 8/ 86 - 87.
(18)
انظر: تفسير الطبري (8823)، و (8824): ص 8/ 86.
(19)
انظر: تفسير الطبري (8827): ص 8/ 87.
(20)
انظر: تفسير الطبري (8829)، و (8831): ص 8/ 87.
(21)
انظر: تفسير الطبري (8825): ص 8/ 86 - 87.
(22)
انظر: تفسير الطبري (8828): ص 8/ 87.
(23)
انظر: تفسير الطبري (8830): ص 8/ 87.
قوله تعالى: {فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا} [النساء: 16]، " أي: فإِن تابا عن الفاحشة وأصلحا سيرتهما فكفّوا عن الإِيذاء لهما" (1).
قال سعيد بن جبير: " {فإن تابا} يعني: من الفاحشة"(2)، " {وأصلحا} يعني: العمل" (3)، "فأعرضوا عنهما يعني: لا تسمعوهما الأذى بعد التوبة إن الله كان توابا رحيما فكان هذا يفعل بالبكر والثيب في أول الإسلام، ثم نزل حد الزاني، فصار الحبس والأذى منسوخا نسخته هذه الآية التي في السورة التي يذكر فيها النور: الزانية والزاني الآية" (4).
قال الماوردي: " يعني تابا من الفاحشة وأصلحا دينهما، {فأعرضوا عنهما} بالصفح والكف عن الأذى"(5).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 16]، أي: إن الله كان" مبالغاً في قبول التوبة واسع الرحمة"(6).
قال الطبري: أي: "إن الله لم يزل راجعًا لعبيده إلى ما يحبون إذا هم راجعوا ما يحب منهم من طاعته {رحيما} بهم، يعني: ذا رحمة ورأفة"(7).
قال سعيد بن جبير: " قوله: {رحيما} بهم بعد التوب"(8).
قال قتادة: "قوله: {رحيما}، بعياده"(9).
قال الواحدي: " معنى: {التواب}، أنه يعود على عبده بفضله ومغفرته إذا تاب إليه من ذنبه"(10).
وكان أبو عبيدة يتأول في {كان} ، في مثل هذا السياق، معنيين: فيما مضى والساعة (11).
وقال في موضع آخر: " «كان» من الأضداد؛ يقال: كان للماضي، وكان للمستقبل، فأما كونها للماضي فلا يحتاج لها إلى شاهد، وأما كونها للمستقبل، فقول الشاعر (12):
فأدركت من قد كان قبلي ولم أدع
…
لمن كان بعدي في القصائد مصنعا
أرادَ لمن يكون بعدي، قال: وتكون كان زائدة، كقوله تعالى:{وكان الله غفورا رحيما} ، معناه: والله غفور رحيم" (13).
قال ابن الانباري: " وقول أبي عبيدة «كان» زائدة في قوله تبارك وتعالى: {وكان الله غفورا رحيما} ، ليس بصحيح، لأنها لا تلغى مبتدأة ناصبة للخبر؛ وإنما التأويل المبتدأ عند الفراء: وكائن الله غفورا رحيما، فصلح الماضي في موضع الدائم لأن أفعال الله جل وعز تخالف أفعال العباد، فأفعال العباد تنقطع، ورحمة الله عز وجل لا تنقطع وكذلك مغفرته وعلمه وحكمته (14).
(1) صفوة التفاسير: 243.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (4490): ص 3/ 896.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4491): ص 3/ 896
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4492): ص 3/ 896
(5)
النكت والعيون: 1/ 464.
(6)
صفوة التفاسير: 243.
(7)
تفسير الطبري: 8/ 88.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (4494): ص 3/ 896
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (4495): ص 3/ 896
(10)
التفسير البسيط: 6/ 386.
(11)
انظر: مجاز القرآن: 2/ 7.
(12)
ديوان جرير" ص 263، لكن أوله:(وأدركت) بالواو. والشاهد منه: أن (كان) الأولى للمضي، و (كان) الثانية للاستقبال ..
(13)
الاضداد: (28): ص 60.
(14)
انظر: معاني القرآن للفراء: 2/ 403، وفيه:" وربما أدخلت العرب (كان) على الخبر الدائم الذي لا ينقطع. ومنه قول الله في غير موضع {وكان ربك قديرا} {وكان الله غفورا رحيما} فهذا دائم. والمعنى البين أن تدخل (كان) على كل خبر قد كان ثم انقطع كما تقول للرجل: قد كنت موسرا، فمعنى هذا: فأنت الآن معدم".
وقال غير الفراء: كأن القوم شاهدوا لله مغفرة ورحمة وعلما وحكمة، فقال الله عز وجل: وكان الله غفورا رحيما، أي لم يزل الله عز وجل على ما شاهدتم" (1).
وذهب سيبويه (2)، والمبرد (3)، وابن قتيبة (4)، إلى أن "كان" في مثل هذا صلة في جميع القرآن، وأنشد المبرد للفرزدق (5):
فَكيف إذَا رَأَيْتُ دِيارَ قَوْمٍ
…
وجِيْرَانٍ لَنا كانُوا كِرامِ
فألغى كان، وزادت تبيينا لمعنى المضي (6).
واعترض ابن الأنباري على هذا القول لأنه لا يلغى "الكون" وهو عامل، والكون في البيت الذي أنشده المبرد غير عامل (7).
روي عن أبي زرعة قال: "إن أول شيء كتب: أنا التواب أتوب على من تاب"(8).
الفوائد:
1 -
ويستفاد من هذه الآية والتي قبلها أن الرجال إذا فعلوا الفاحشة يُؤْذَوْن، والنساء يُحْبَسْنَ ويُؤذَيْنَ، فالحبس غايتة الموت، والأذية نهايتها إلى التوبة والصلاح. وكان هذا في صدر الإسلام، ثم نُسخ بما شرع الله ورسوله، وهو الرجم للمحصن والمحصنة، وهما الحران البالغان العاقلان، اللذان جامعا في نكاح صحيح، والجلدُ مائة جلدة، وتغريب عام لغيرهما. إن الله كان توابا على عباده التائبين، رحيمًا بهم.
2 -
ومنها: إثبات هذين الاسمين الكريمين: {التواب} ، و {الرحيم} ؛ وما تضمناه من صفة، وفعل.
يقول ابن القيم (9):
" وكذلك التواب من أوصافه
…
والتوب في أوصافه نوعان
إذن بتوبة عبده وقبولها
…
بعد المتاب بمنة المنان
قال الشيخ الهراس في شرح هذين البيتين: "وأما التواب؛ فهو الكثير التوب؛ بمعنى: الرجوع على عبده بالمغفرة وقبول التوبة
…
وتوبته سبحانه على عبده نوعان:
أحدهما: أنه يلهم عبده التوبة إليه، ويوفقه لتحصيل شروطها من الندم والاستغفار والإقلاع عن المعصية والعزم على عدم العود إليها واستبدالها عمل الصالحات.
والثاني: توبته على عبده بقبولها وإجابتها ومحو الذنوب بها؛ فإن التوبة النصوح تجب ما قبلها" (10).
واسم «الرحيم» من أسمائه تعالى، يتضمن صفة الرحمة التي تعم عباده المؤمنين فحسب بأن هداهم إلى الإيمان في الدنيا، وهو يثيبهم في الآخرة الثواب الدائم الذي لا ينقطع، إذ يقول سبحانه:{وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} [الأحزاب: 43].
القرآن
التفسير:
(1) الأضداد: 62.
(2)
انظر: الكتاب: 2/ 153.
(3)
انظر: المقتضب: 4/ 116.
(4)
انظر: التفسير البسيط للواحدي: 6/ 387.
(5)
نسبه المبرد للفرزدق في "المقتضب" 4/ 116، وهو في "ديوانه" 2/ 290، وغير منسوب في "مجاز القران" 2/ 7 ،140، و"اللسان" 7/ 3961 (كون) ..
(6)
انظر: "المقتضب" 4/ 116 وما بعدها، والمدارس النحوية: أحمد شوقي: 79.
(7)
انظر: الأضداد: 62، والتفسير البسيط: 6/ 387. [بتصرف].
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (4493): ص 3/ 896
(9)
نونية ابن القيم: 2/ 92.
(10)
نونية ابن القيم: 2/ 92.
إنَّما يقبل الله التوبة من الذين يرتكبون المعاصي والذنوب بجهل منهم لعاقبتها، وإيجابها لسخط الله -فكل عاص لله مخطئًا أو متعمِّدًا فهو جاهل بهذا الاعتبار، وإن كان عالمًا بالتحريم- ثم يرجعون إلى ربهم بالإنابة والطاعة قبل معاينة الموت، فأولئك يقبل الله توبتهم. وكان الله عليمًا بخلقه، حكيمًا في تدبيره وتقديره.
قوله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} [النساء: 17]، أي:" إنَّما يقبل الله التوبة من الذين يرتكبون المعاصي والذنوب بجهل منهم لعاقبتها"(1).
قال مجاهد: " ما أتى من خطأ أو عمد فهو جهالة"(2). وفي رواية أخرى: " من عمل ذنبا سواء من شيخ أو شاب فهو بجهالة"(3).
وقال الربيع: " هم أهل الإيمان"(4).
قال الراغب: " تعني: أن قبول التوبة قد أخذ الله على نفسه تفضلا لمن تاب من قريب إذا بدر منه سوء"(5).
قال الزجاج: في معنى قوله: {بجهالة} : " ليس معناه أنهم يعملون السوء وهم جهال، غير مميزين فإن من لا عقل له ولا تمييز لا حد عليه، وإنما معنى بجهالة أنهم في اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية جهال. فليس ذلك الجهل مسقطا عنهم العذاب. لو كان كذلك لم يعذب أحد ولكنه جهل في الاختيار"(6).
قال الحسن: يعني التوبة التي يقبلها الله" (7)، فتكون {على} بمعنى "عند"، أقامه مقام صفة (8).
وقال أبو بكر بن عياش: {على} هاهنا بمعنى «من» يقول: إنما التوبة من الله للذين يعملون السوء بجهالة" (9).
واختلف في المراد بالجهالة على أقوال:
أحدها: أن كل ذنب أصابه الإِنسان فهو بجهالة، وكل عاص عصى فهو جاهل، وهو قول ابن عباس (10)، وأبي العالية (11)، وقتادة (12)، والسدي (13)، وابن زيد (14)، ومجاهد- في أحد قوليه- (15)، واختاره الشافعي (16).
قال الثعلبي: " وقال سائر المفسرين: يعني المعاصي كلها، فكل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته"(17).
والثاني: يريد يعملون ذلك عمداً، والجهالة العمد، وهو قول مجاهد (18)، وعطاء (19)، والضحاك (20).
والثالث: الجهالة عمل السوء في الدنيا، وهو قول عكرمة (21).
والرابع: هو أن يتوب قبل موته بفواق ناقة. قاله أبو موسى الأشعري (22).
والراجح-والله أعلم- أن المعنى: أنهم " يعملون السوء بجهالة وإن أتوه على علم منهم بمبلغ عقاب الله أهله، عامدين إتيانه، مع معرفتهم بأنه عليهم حرام لأن فعلهم ذلك كان من الأفعال التي لا يأتي مثله إلا من
(1) التفسير الميسر: 1/ 243.
(2)
تفسير سفيان الثوري: 92.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (4996): ص 3/ 897.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (4997): ص 3/ 897.
(5)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1145.
(6)
معاني القرآن: 2/ 29.
(7)
تفسير الثعلبي: 3/ 273.
(8)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 273.
(9)
تفسير الثعلبي: 3/ 273.
(10)
انظر: تفسير الطبري (8837): ص 8/ 90.
(11)
انظر: تفسير الطبري (8832): ص 8/ 89.
(12)
انظر: تفسير الطبري (8833): ص 8/ 89.
(13)
انظر: تفسير الطبري (8836): ص 8/ 89 - 90.
(14)
انظر: تفسير الطبري (8839): ص 8/ 90.
(15)
انظر: تفسير الطبري (8834): ص 8/ 88.
(16)
انظر: تفسير الإمام الشافعي: 2/ 557.
(17)
تفسير الثعلبي: 3/ 273.
(18)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5000): ص 3/ 897.
(19)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5000): ص 3/ 897.
(20)
انظر: تفسير الطبري (8842): ص 8/ 91، وتفسير ابن أبي حاتم (4998): ص 3/ 897.
(21)
انظر: تفسير الطبري (8843): ص 8/ 91، وتفسير ابن أبي حاتم (5003): ص 3/ 898.
(22)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 273.
جَهِل عظيمَ عقاب الله عليه أهلَه في عاجل الدنيا وآجل الآخرة، فقيل لمن أتاه وهو به عالم: أتاه بجهالة، بمعنى أنه فعل فعل الجهَّال به، لا أنه كان جاهلا" (1).
قوله تعالى: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} [النساء: 17]، أي:" ثم يرجعون إلى ربهم بالإنابة والطاعة قبل معاينة الموت"(2).
قال السمعاني: " يعني: قبل الموت"(3).
قال الزجاج: أي: " يتوقفون قبل الموت، لأن ما بين الإنسان وبين الموت قريب، فالتوبة مقبولة قبل اليقين بالموت"(4).
قال السيوطي: " الآيتين (5)، فيه بيان الوقت الذي تقبل فيه التوبة وهو ما لم يصل الإنسان إلى الغرغرة ومشاهدة ملائكة الموت والعذاب فإذا وصل إلى ذلك لم تقبل له توبة ولا يصح منه إيمان"(6).
وفي تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} [النساء: 17]، ثلاثة أقوال:
أحدها: ثم يتوبون في صحتهم قبل موتهم، وقبل مرضهم، وهذا قول ابن عباس (7)، والسدي (8)، وروي عن قتادة نحوه (9).
والثاني: قبل معاينة مَلَكِ الموت، وهو قول الضحاك (10)، وأبي مجلز (11)، ومحمد بن قيس (12)، الحسن (13)، وابن عباس في رواية أخرى عنه (14).
والثالث: معناه: ثم يتوبون قبل الموت، وهو قول ابن زيد (15)، والضحاك في رواية أخرى (16)، وعكرمة الذي روي عنه:"الدنيا كلها قريب"(17)، ومقاتل (18)، واختاره الزجاج (19).
والراجح أن يقال في التفسير: أنهم" ثم يتوبون قبل مماتهم، في الحال التي يفهمون فيها أمر الله تبارك وتعالى ونهيَه، وقبل أن يُغلبوا على أنفسهم وعقولهم، وقبل حال اشتغالهم بكرب الحَشْرجة وغمّ الغرغرة، فلا يعرفوا أمر الله ونهيه، ولا يعقلوا التوبة، لأن التوبة لا تكون توبة إلا ممن ندمٍ على ما سلف منه، وعزمٍ منه على ترك المعاودة، وهو يعقل الندم، ويختار ترك المعاودة: فأما إذا كان بكرب الموت مشغولا وبغمّ الحشرجة مغمورًا، فلا إخالُه إلا عن الندم على ذنوبه مغلوبًا"(20).
روي عن أبي قلابة قال: "ذُكر لنا أن إبليس لما لُعن وأُنظر، قال: وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح. فقال تبارك وتعالى: وعزتي لا أمنعه التَّوبة ما دام فيه الروح"(21).
وروي، عن الحسن قال:"بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن إبليس لما رأى آدم أجْوفَ قال: وعزتك لا أخرج من جوفه ما دام فيه الروح! فقال الله تبارك وتعالى: وعزتي لا أحُول بينه وبين التوبة ما دام فيه الروح"(22).
(1) تفسير الطبري: 8/ 92.
(2)
التفسير الميسر: 1/ 243.
(3)
تفسير السمعاني: 1/ 408.
(4)
معاني القرآن: 2/ 29.
(5)
أي: [17 و 18: سورة النساء] ..
(6)
الإكليل في استنباط التنزيل: 84.
(7)
انظر: تفسير الطبري (8845): ص 8/ 93.
(8)
انظر: تفسير الطبري (8844): ص 8/ 93.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5008): ص 3/ 899.
(10)
انظر: تفسير الطبري (8849): ص 8/ 93.
(11)
انظر: تفسير الطبري (8847): ص 8/ 94.
(12)
انظر: تفسير الطبري (8848): ص 8/ 93.
(13)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5009): ص 3/ 899.
(14)
انظر: تفسير الطبري (8846): ص 8/ 94.
(15)
انظر: تفسير الطبري (8852): ص 8/ 95.
(16)
انظر: تفسير الطبري (8850): ص 8/ 94.
(17)
أخرجه الطبري (8851): ص 8/ 94.
(18)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 363.
(19)
انظر: معاني القرآن: 2/ 29.
(20)
تفسير الطبري: 8/ 96 - 97.
(21)
أخرجه الطبري (8853): ص 8/ 95.
(22)
أخرجه الطبري (8856): ص 8/ 95.
وعن أبي أيوب بُشَيْر بن كعب: أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغر"(1).
قال إبراهيم بن ميمون، أخبرني رجل من بلحارث يقال له أيوب قال: سمعت عبد الله بن عمرو: "من تاب قبل موته بعام تيب عليه، ومن تاب قبل موته بشهر تيب عليه، ومن تاب قبل موته بجمعة تيب عليه، ومن تاب قبل موته بيوم تيب عليه ومن تاب قبل موته بساعة تيب عليه، فقلت له: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب}، فقال: إنما أحدثك بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم"(2).
وقال محمد بن عبد الجبار: "يقال للتائب المخلص في توبته ولو بمقدار ساعة من النهار أو بمقدار نفس واحد قبل موته: ما أسرع ما جئت"(3).
قال الراغب: " وقال بعضهم: نبه بقوله: (ثم يتوبون من قريب) على لطيفة، وهي أن الإنسان إذا ارتكب ذنبا صدأ قلبه، فإن أقلع زال صدأه، وإن استمر رين على قلبه، وإن لم ينزع طبع عليه وأقفل، ثم يتعذر عليه الرجوع، وعلى ذلك نبه بقوله في قصة المنافقين {إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} [التوبة: 83]، فإذا كان كذلك فحق لمن بدرت منه بادرة أن يتداركها قبل أن تصير الشهوة مستولية عليه، فتأبى الطباع على الناقل"(4).
قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [النساء: 17]، أي:"فأولئك يتقبل الله توبتهم"(5).
قال الواحدي: أي: " يعود عليهم بالرحمة"(6).
قال الطبري: أي: " فهؤلاء الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب يتوب الله عليهم، دون من لم يتب حتى غُلب على عقله، وغمرته حشرجة ميتته، فقال وهو لا يفقه ما يقول: إني تبت الآن، خداعًا لربه، ونفاقًا في دينه، ومعنى قوله: يتوب الله عليهم، يرزقهم إنابة إلى طاعته، ويتقبل منهم أوبتهم إليه وتوبتهم التي أحدثوها من ذنوبهم"(7).
قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 17]، أي:" وكان الله عليمًا بخلقه، حكيمًا في تدبيره وتقديره"(8).
قال الطبري: أي: " ولم يزل الله جل ثناؤه عليما بالناس من عباده المنيبين إليه بالطاعة، بعد إدبارهم عنه، المقبلين إليه بعد التولية، وبغير ذلك من أمور خلقه حكيمًا، في توبته على من تاب منهم من معصيته، وفي غير ذلك من تدبيره وتقديره، ولا يدخل أفعاله خلل، ولا يُخالطه خطأ ولا زلل"(9).
قال الواحدي: " علم ما في قلوب المؤمنين من التصديق فحكم لهم بالتوبة قبل الموت بقدر فُواق ناقة"(10).
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:"أتاه رجل فقال: يا أبا عباس: سمعت الله يقول: وكان الله كأنه شيء كان، فقال ابن عباس: أما قوله: وكان الله فإنه لم يزل ولا يزال، وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن"(11).
وعن أبي مالك قوله: {وكان الله} ، فهو كذلك" (12).
قال محمد بن إسحاق: " {عليما}، أي: عليم بما تخفون، {الحكيم}، في عذره وحجته إلى عباده"(13).
قال التستري: " التائب يتقي المعصية ويلزم الطاعة، والمطيع يتقي الرياء ويلزم الذكر، والذاكر يتقي العجب ويلزم نفسه التقصير، وحكي: «أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام أن أنين المذنبين أحب إلي من صراخ الصديقين» (14) "(15).
وفي نسخ قوله تعالى: : {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} [النساء: 17]، قولان:
أحدهما: أنها عامة محكمة، وقد احتج من قال إنها محكمة عامة غير منسوخة بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم:«إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (16)،
قال مكي: "فالغرغرة عند حضور الموت ومعاينة الرسل لقبض الروح فعند ذلك لا تقبل التوبة"(17).
والثاني: أنها منسوخة، وفيه وجهان:
أحدهما: أن هذه الآية منسوخة بالتي بعدها، وهي قوله عز وجل:{حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} [النساء: 18].
قالوا: فقد احتجز التوبة في هذه الآية على أهل المعصية، فقال عز وجل:{وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 18].
قالوا ثم نسخت في أهل الشرك، أي: نسختها هذه الآية، وبقيت محكمة في أهل الإيمان.
والقول الثاني: أنه نسخت هذه الآية، وهي قوله عز وجل:{وليست التوبة للذين يعملون السيئات} بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 116]، فحرم الله تعالى مغفرته على من مات وهو مشرك، - ورد أهل التوحيد إلى مشيئته -.
روي عن ابن عباس: " {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت} [النساء: 18] الآية، ثم أنزل بعد ذلك:{إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48]«فحرم الله عز وجل المغفرة على من مات وهو كافر وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته، فلم يؤيسهم من المغفرة» (18).
وروي عن ابن عباس أيضا "في قول الله عز وجل: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن} [النساء: 18] قال: «هم أهل الشرك» (19).
وذكر النسخ هبة الله في ناسخه (20)، ومكي بن أبي طالب في ناسخه، ثم قال:" "وهذا قول ينسب إلى ابن عباس" (21).
قال السخاوي: "وهذا كله تخليط من قائله، ولا نسخ في هذه الآيات؛ لأنها أخبار جاءت تبين بعضها"(22).
قال ابن الجوزي: "إنه من أسلم عن كفر قبل معاينة ملك الموت قَبِل إسلامه، وهذا أمر ثابت محكم، وقد زعم بعض من لا فهم له: أن هذا الأمر أقر على هذا في حق أرباب المعاصي من المسلمين ونسخ حكمه في حق الكفار بقوله: {وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} [النساء: 18]، وهذا ليس بشيء، فإن حكم الفريقين واحد"(23).
والراجح أنها محكمة عامة، وهذا الذي استدلوا به على إحكام الآية صحيح رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم، قال الهيثمي عن هذا الحديث:"رجاله رجال الصحيح غير عبد الرحمن وهو ثقة"(24).
(1) أخرجه الطبري (8857): ص 8/ 95.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (5004): ص 3/ 898، وأحمد في المسند (6920).
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 274.
(4)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1148.
(5)
التفسير الميسر: 1/ 243.
(6)
الوجيز: 256.
(7)
تفسير الطبري: 8/ 97 - 98.
(8)
التفسير الميسر: 1/ 243.
(9)
تفسير الطبري: 8/ 98.
(10)
الوجيز: 256.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (5011): ص 3/ 899.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (5012): ص 3/ 899.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (5013): ص 3/ 900.
(14)
شعب الإيمان (7251): ص 5/ 452.
(15)
تفسير التستري: 53.
(16)
أخرجه أحمد (2/ 153، رقم 6408)، والترمذى (5/ 547، رقم 3537) وقال: حسن غريب. وابن ماجه (2/ 1420، رقم 4253)، وابن حبان (2/ 394، رقم 628)، والحاكم (4/ 286، رقم 7659) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقى فى شعب الإيمان (5/ 395، رقم 7063). وأخرجه أيضًا: عبد بن حميد (ص 267، رقم 847)، وأبو يعلى (10/ 81، رقم 5717)، والبغوى فى الجعديات (1/ 489، رقم 3404).
(17)
الناسخ والمنسوخ: 183.
(18)
الناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام (479): ص 262.
(19)
الناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام (478): ص 262.
(20)
الناسخ والمنسوخ: 34 - 35.
(21)
الناسخ والمنسوخ: 183.
(22)
جمال القراء وكمال الإقراء: 370.
(23)
نواسخ القرآن: 2/ 359.
(24)
المجمع: 10/ 197.
الفوائد:
1 -
التوبة التي تفضل الله بها هي ما كان صاحبها أتى ما أتى من الذنوب بجهالة لا بعلم وإصرار ثم تاب من قريب زمن.
2 -
إثبات اسمين من اسمائه تعالى، وهما:«العليم» ، و «الحكيم»:
فمن أسمائه «العليم» ، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله عز وجل، ، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (1).
قال أبو سليمان: " العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق، وجاء على بناء: فعيل، للمبالغة في وصفه بكمال العلم"(2).
وأما «الحكيم» ، فالحكمة: هي وضع الشيء في موضعه اللائق به، فالله تعالى الحكيم الذي له الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوق، ولا يشذ عنها مأمور، فما خلق سبحانه شيئا إلا لحكمة، ولا أمر بشيء إلا لحكمة فالله الحكيم سبحانه حكيم في خلقه، وأمره، وتعليمه ما يشاء، ومنعه ما يشاء.
وحكيم بمعنى مُحْكِم، والله تعالى مُحكِم للأشياء، متقن لها، كما قال سبحانه:{صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النحل آية 88].
فدل على أن المراد بـ «الحكيم» هنا، "الذي أحكمت آياته، صرف عن مفعل إلى فعيل، ومعنى الإحكام لخلق الأشياء، إنما ينصرف إلى إتقان التدبير فيها، وحسن التقدير لها، إذ ليس كل الخليقة موصوفا بوثاقة البنية، وشدة الأسر كالبقة، والنملة، وما أشبههما من ضعاف الخلق، إلا أن التدبير فيهما، والدلالة بهما على كون الصانع وإثباته، ليس بدون الدلالة عليه بخلق السموات والأرض والجبال وسائر معاظم الخليقة، وكذلك. هذا في قوله -جل وعز-: {الذي أحسن كل شيء خلقه} [السجدة: 7] لم تقع الإشارة به إلى الحسن الرائق في المنظر، فإن هذا المعنى معدوم في القرد، والخنزير، والدب، وأشكالها من الحيوان، وإنما ينصرف المعنى فيه إلى حسن التدبير في إنشاء كل شىء من خلقه على ما أحب أن ينشئه عليه وإبرازه على الهيئة التي أراد أن يهيئه عليها. كقوله تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديرا} [الفرقان: 2] "(3).
القرآن
التفسير:
وليس قَبول التوبة للذين يُصِرُّون على ارتكاب المعاصي، ولا يرجعون إلى ربهم إلى أن تأتيهم سكرات الموت، فيقول أحدهم: إني تبت الآن، كما لا تُقبل توبة الذين يموتون وهم جاحدون، منكرون لوحدانية الله ورسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. أولئك المصرُّون على المعاصي إلى أن ماتوا، والجاحدون الذين يموتون وهم كفار، أعتدنا لهم عذابًا موجعًا.
قوله تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ} [النساء: 18]، " أي: وليس قبول التوبة ممن ارتكب المعاصي واستمر عليها حتى إِذا فاجأه الموت فيقول: إني تبت الآن" (4).
قال الواحدي: " أَي: المشركين والمنافقين"(5).
قال مقاتل: " فلا توبة له عند الموت"(6).
قال أبو العالية: " هذا في أهل النفاق"(7).
وقال إسماعيل بن محمد بن جحادة: "سألت سفيان الثوري عن قوله: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات قال: الشرك"(8)، قوله:" {حتى إذا حضر أحدهم الموت}، قال: إذا عاين"(9).
(1) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين: 1/ 188.
(2)
الاسماء والصفات للبيهقي: 1/ 121.
(3)
شأن الدعاء، للخطابي: 73 - 74.
(4)
صفوة التفاسير: 243. [بتصرف].
(5)
الوجيز: 257.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 364.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (5015): ص 3/ 900.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (5016): ص 3/ 900.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (5018): ص 3/ 900.
وقال ابن عمر: " التوبة مبسوطة للعبد ما لم يسق، ثم قرأ ابن عمر: {حتى إذا حضر أحدهم الموت}، قال: ثم يقول: وهل الحضور إلا السوق"(1).
عن عبد الله حتى: " {إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن}، قال: لا يقبل ذاك منه"(2).
قال ابن كثير: " فأما متى وقع الإياس من الحياة، وعاين الملك، وحَشْرَجَتِ الروح في الحلق، وضاق بها الصدر، وبلغت الحلقوم، وَغَرْغَرَتِ النفس صاعدة في الغَلاصِم - فلا توبة متقبلة حينئذ، ولات حين مناص؛ ولهذا قال تعالى {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ} وهذا كما قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا] (6)} الآيتين، [غافر: 84، 85] وكما حكم تعالى بعدم توبة أهل الأرض إذا عاينوا الشمس طالعة من مغربها كما قال تعالى: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} الآية [الأنعام: 158] "(3).
قال الثعلبي: " {السيئات}، يعني: المعاصي، ووقت النزع لا يقبل من كافر إيمانه ولا من عاص توبته"(4).
قال الراغب: " و {السيئات} ههنا، عبارة عن الشرك والكبائر. و «حضور الموت»: معاينة ملك الموت. بين تعالى أن التوبة تفوت إذا أخرت إلى ذلك، ولذلك لم ينفع إيمان من آمن عند رؤية العذاب، حيث قال تعالى: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا)، وقال: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت) الآية، وقوله: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا} [المؤمنون: 99 - 100] الآية"(5).
قوله تعالى: {وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} [النساء: 18]، أي: ولا الذين " يموتون على الكفر فلا يُقبل إِيمانهم عند الاحتضار"(6).
قال أبو العالية: " هذا في أهل الشرك"(7). وروي عن ابن عباس (8)، والربيع بن أنس نحو ذلك (9).
قال الواحدي: " يعني: ولا توبة لهؤلاء إذا ماتوا على كفرهم لأنَّ التَّوبة لَا تُقبل فِي الآخرة"(10).
قال ابن كثير: " يعني: أن الكافر إذا مات على كفره وشركه لا ينفعه ندمه ولا توبته، ولا يقبل منه فدية ولو بملء الأرض ذهبا"(11).
عن ابي ذر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يقبل تَوْبَةَ عَبْدِه - أو يغفر لعبده - ما لم يَقَعِ الحِجَاب". قيل: وما وُقُوع الحجاب؟ قال: "أن تَخرجَ النَّفْسُ وهي مُشْرِكة"(12).
قوله تعالى: {أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 18]، أي: أولئك "هيأنا لهم عذاباً موجعًا"(13).
عن ابن عباس في قوله: {عذابا} ، يقول: نكالا" (14)، "{أليما} قال: كل شيء وجع" (15).
قال أبو العالية: " الأليم: الموجع في القرآن كله"(16). وروي عن سعيد بن جبير والضحاك وقتادة وأبي مالك وأبي عمران الجوني ومقاتل بن حيان نحو ذلك (17).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (5017): ص 3/ 900.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (5019): ص 3/ 901.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 238.
(4)
تفسير الثعلبي: 3/ 274 - 275. [بتصرف بسيط].
(5)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1148.
(6)
صفوة التفاسير: 243. [بتصرف].
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (5021): ص 3/ 901.
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5021): ص 3/ 901، والناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام (478): ص 262.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5021): ص 3/ 901.
(10)
الوجيز: 257.
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 238.
(12)
أخرجه أحمد في المسند: 5/ 174.
(13)
انظر: التفسير الميسر: 80، وصفوة التفاسير:244.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (5022): ص 3/ 901.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (5023): ص 3/ 901.
(16)
أخرجه ابن أبي حاتم (5024): ص 3/ 901.
(17)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5024): ص 3/ 901.
قال الواحدي: {أَعْتَدْنَا} " أَيْ: هيَّأنا وأعددنا"(1).
قال ابن كثير: {أَلِيمًا} " أي: موجعا شديدا مقيما"(2).
قال الراغب: " أعتدنا. قيل: أصله: أعددنا، فأبدل من إحدى الدالين تاء. وقيل: هو أفعلنا من العتاد أي العدة، وهو ادخار الشيء قبل الحاجة إليه، والله تعالى غني عن الإعداد، وإنما القصد أنه لا يعجزه عذابهم حيث شاء"(3).
الفوائد:
1 -
أن الذين يسوفون التوبة ويؤخرونها يخشى عليهم أن لا يتوبوا حتى يدركهم الموت وهم على ذلك فيكونون من أهل النار، وقد يتوب أحدهما، لكن بندرة وقلة وتقبل توبته إذا لم يعاين أمارات الموت.
2 -
لا تقبل توبة من حشرجت نفسه وظهرت عليه علامات الموت، وكذا الكافر من باب أولى لا تقبل له توبة بالإيمان إذا عاين علامات الموت كما لم تقبل توبة فرعون.
القرآن
التفسير:
يا أيها الذين آمنوا لا يجوز لكم أن تجعلوا نساء آبائكم من جملة تَرِكتهم، تتصرفون فيهن بالزواج منهن، أو المنع لهن، أو تزويجهن للآخرين، وهن كارهات لذلك كله، ولا يجوز لكم أن تضارُّوا أزواجكم وأنتم كارهون لهن; ليتنازلن عن بعض ما آتيتموهن من مهر ونحوه، إلا أن يرتكبن أمرا فاحشا كالزنى، فلكم حيننذ إمساكهن حتى تأخذوا ما أعطيتموهن. ولتكن مصاحبتكم لنسائكم مبنية على التكريم والمحبة، وأداء ما لهن من حقوق. فإن كرهتموهن لسبب من الأسباب الدنيوية فاصبروا; فعسى أن تكرهوا أمرًا من الأمور ويكون فيه خير كثير.
في سبب نزول الآية ثلاثة أقوال:
أحدها: أخرج الطبري وابن أبي حاتم (4)، عن ابن عباس قال:"كان الرجل إذا مات وترك جارية، ألقى عليها حميمه ثوبه فمنعها من الناس. فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها"(5).
وعن ابن عباس أيضا: " وذلك أن رجالا من أهل المدينة كان إذا مات حميم أحدهم ألقى ثوبه على امرأته، فورث نكاحها، فلم ينكحها أحد غيره، وحبسها عنده حتى تفتدي منه بفدية، فأنزل الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا} "(6).
وفي السياق نفسه أخرج البخاري، وأبو داود (7)، والستائي (8)، عن ابن عباس: " «كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك» (9).
وقال مقسم: " كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها فجاء رجلٌ فألقى عليها ثوبه، كان أحق الناس بها، فنزلت هذه الآية: {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا} "(10).
وقال مجاهد: "كان الرجل إذا توفي كان ابنه أحق بامرأته» يقول فنزلت: {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها} "(11).
(1) الوجيز: 257.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 238.
(3)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1148.
(4)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5028): ص 3/ 902.
(5)
تفسير الطبري (8882): ص 8/ 109.
(6)
أخرجه الطبري (8880): ص 8/ 108.
(7)
السنن (2089)، و (2090).
(8)
السنن الكبرى (11028): ص 10/ 60.
(9)
صحيح البخاري (4579): ص 6/ 44، و (6948): ص 9/ 21.
(10)
أخرجه الطبري (8881): ص 8/ 108.
(11)
تفسير مجاهد: 270.
وقال الزهري: " نزلت في ناس من الأنصار، كانوا إذا مات الرجل منهم، فأمْلَكُ الناس بامرأته وليُّه، فيمسكها حتى تموت فيرثها، فنزلت فيهم"(1).
والثاني: أخرجج أبو داود عن ابن عباس: " وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها، فأحكم الله عن ذلك ونهى عن ذلك"(2).
والثالث: أخرج الطبري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: "لما توفي أبو قيس بن الأسلت، أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان ذلك لهم في الجاهلية، فأنزل الله: {لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا} "(3).
قال عكرمة: " نزلت في كبيشة بنت معن بن عاصم، من الأوس، توفّي عنها أبو قيس بن الأسلت، فجنح عليها ابنه، فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبي الله، لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تُركت فأنكح! فنزلت هذه الآية"(4).
وقال مقاتل: " نزلت في محصن بن أبي قيس بن الأسلت الأنصاري من بني الحارث بن الخزرج، وفي امرأته هند بنت صبرة، وفي الأسود ابن خلف الجزاعى، وفي امرأته حبيبة بنت أبي طلحة، وفي منظور بن يسار الفزاري وفى امرأته ملكة بنت خارجة بن يسار المري، تزوجوا نساء آبائهم بعد الموت وكان الرجل من الأنصار إذا مات له حميم عمد الذي يرث الميت وألقى على امرأة الميت ثوبا فيرث تزويجها رضيت أو كرهت على مثل مهر الميت فأن ذهب المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ثوبا فهي أحق بنفسها فأتين النبي- صلى الله عليه وسلم فقلن: يا رسول الله، ما يدخل بنا، ولا ينفق علينا، لا نترك أن نتزوج. فأنزل الله- عز وجل في هؤلاء النفر: {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها} "(5).
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [النساء: 19]، " أي: يا أيها الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله" (6).
قال الصابوني: " هذا نداء من الله جل شأنه للمؤمنين يخاطبهم فيه"(7).
قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: {يا أيها الذين آمنوا}، إلا كان على شريفها وأميرها"(8).
وعن خيثمة قال: "ما تقرأون في القرآن: {يا أيها الذين آمنوا}، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين"(9).
كما أن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان" (10).
قال ابن مسعود رضي الله عنه: "إذا سمعت الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه"(11).
قوله تعالى: {لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا} [النساء: 19]، "أي: لا يحل لكم أن تجعلوا النساء كالمتاع ينتقل بالإِرث من إِنسان إِلى آخر وترثوهن بعد موت أزواجهن كرهاً عنهن" (12).
قال زيد بن أسلم: " كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله، فكان يعضلها حتى يتزوجها، أو يزوجها من أراد، وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها، ويشترط عليها ألا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها، فنهى الله المؤمنين عن ذلك"(13).
قال ابن قتيبة: " كان الرجل إذا مات عن امرأته وله ولد من غيرها، ألقى ثوبه عليها فيتزوجها بغير مهر إلا المهر الأول. ثم أضر بها ليرثها ما ورثت من أبيه. وكذلك كان يفعل الوارث أيضا غير الولد.
(1) أخرجه الطبري (8883): ص 8/ 109.
(2)
سنن أبي داود (2090): ص 2/ 231. حديث صحيح، وهذا إسناد حسن.
(3)
تفسير الطبري (8870): ص 8/ 104.
(4)
تفسير الطبري (8872): ص 8/ 106.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 364.
(6)
تفسير المراغي: 11/ 43، وانظر: صفوة التفاسير: 2/ 487.
(7)
صفوة التفاسير: 1/ 75.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (1035): ص 1/ 196، و (5025): ص 3/ 902
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (5026): ص 3/ 902.
(10)
انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 337.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (1037): ص 1/ 196، و (5027): ص 3/ 902
(12)
صفوة التفاسير: 244.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (5033): ص 3/ 903.
و «الكره» هاهنا بمعنى: الإكراه والقهر. فأما الكره بالضم فبمعنى المشقة. يقول الناس: لتفعلن ذلك طوعا أو كرها. أي طائعا أو مكرها. ولا يقال: طوعا أو كرها بالضم" (1).
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو {كرها} بفتح الكاف، وقرأ حمزة والكسائي {كرها} بضم الكاف، وقرأ في الأحقاف {كرها} و (كرها) مضمومتين (2).
قال ابن ذكوان وفي حفظي {كرها} بفتح الكاف في الحرفين
قوله تعالى: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} [النساء: 19]، أي:" ولا يجوز لكم أن تضارُّوا أزواجكم وأنتم كارهون لهن; ليتنازلن عن بعض ما آتيتموهن من مهر ونحوه"(3).
قال الطبري: " أي ولا تحبسوا، يا معشر ورثة من مات من الرجال، أزواجَهم عن نكاح من أردنَ نكاحه من الرجال، كيما يمتن، فتأخذوا من أموالهن إذا مِتن ما كان موتاكم الذين ورثتموهم ساقوا إليهن من صدقاتهن"(4).
قال الصابوني: "أي: ولا يحل لكم أن تمنعوهن من الزواج أو تضفوا عليهن لتذهبوا ببعض ما دفعتموه لهن من الصَّداق"(5).
قال ابن كثير: " أي: لا تُضارّوهن في العِشرة لتترك لك ما أصدقتها أو بعضه أو حقًا من حقوقها عليك، أو شيئًا من ذلك على وجه القهر لها والاضطهاد"(6).
وفي قوله تعالى: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} [النساء: 19]، أربعة أقوال:
أحدها: أنه خطاب لورثة الأزواج أن لا يمنعوهن من التزويج كما ذكرنا، وهذا قول ابن عباس (7)، والحسن (8)، وعكرمة (9).
والثاني: أنه خطاب للأزواج أن لا يعضلوا نساءهم بعد الطلاق، كما كانت قريش تفعل في الجاهلية، ، فنهوا عنه في الإسلام. وهو قول ابن زيد (10).
والثالث: أنه خطاب للأزواج أن لا يحبسوا النساء كرهاً ليفتدين نفوسهن أو يَمُتْنَ فيرثهن الزوج، وهذا قول قتادة (11)، والضحاك (12)، والسدي (13)، وابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة (14).
والرابع: أنه خطاب للأولياء وهذا قول مجاهد (15).
قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [النساء: 19]، " أي: إِلا في حال إِتيانهن بفاحشة الزنا" (16).
وفي قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [النساء: 19]، ثلاثة وجوه:
أحدها: أنها الزنا، وهو قول الحسن (17)، وعطاء الخراساني (18)، وأبي قلابة (19)، والسدي (20)، قال ابن أبي حاتم: "وروي عن ابن مسعود وسعيد بن المسيب والشعبي وعكرمة في إحدى الروايات، والضحاك في
(1) تفسير غريب القرآن: 122.
(2)
انظر: السبعة: 229.
(3)
التفسير الميسر: 80.
(4)
تفسير الطبري: 8/ 110 - 111.
(5)
صفوة التفاسير: 244.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 241.
(7)
انظر: سنن أبي داود (2090): ص 2/ 231، وصحيح البخاري (4579): ص 6/ 44، و (6948): ص 9/ 21.
(8)
انظر: تفسير الطبري (8871): ص 8/ 105.
(9)
انظر: تفسير الطبري (8871): ص 8/ 105.
(10)
انظر: تفسير الطبري (8892): ص 8/ 113.
(11)
انظر: تفسير الطبري (8885): ص 8/ 111 - 112.
(12)
انظر: تفسير الطبري (8889): ص 8/ 112.
(13)
انظر: تفسير الطبري (8888): ص 8/ 112.
(14)
انظر: تفسير الطبري (8884): ص 8/ 111.
(15)
انظر: تفسير الطبري (8890): ص 8/ 112.
(16)
صفوة التفاسير: 244.
(17)
انظر: تفسير الطبري (8893): ص 8/ 115.
(18)
انظر: تفسير الطبري (8894): ص 8/ 115.
(19)
انظر: تفسير الطبري (8895): ص 8/ 116.
(20)
انظر: تفسير الطبري (8897): ص 8/ 116.
إحدى الروايات، وسعيد بن جبير ومجاهد، ومحمد بن سيرين، وأبي صالح، وزيد بن أسلم، وسعيد بن أبي هلال نحو ذلك" (1).
والثاني: أنها النشوز وسوء الخلق، وهو قول ابن عباس (2)، وابن عمر (3)، ومقسم (4)، والضحاك (5)، وقتادة (6)، وعطاء بن ابي رباح (7)، ومقاتل بن حيان (8).
والثالث: أن الفاحشة المبينة: أن تفحش المرأة على أهل الرجل وتؤذيهم. قاله ابن عباس في إحدى الروايات (9)، وروي عن أبي بن كعب، وأحد قولي عكرمة نحو ذلك (10).
والراجح-والله أعلم- " أنه معنىٌّ به كل فاحشة: من بَذاءٍ باللسان على زوجها، وأذى له، وزنًا بفرجها. وذلك أن الله جل ثناؤه عم بقوله: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، كلَّ فاحشة متبيّنةٍ ظاهرة"(11).
قال الشافعي: " حرّم على الأزواج، أن يعضلوا النساء ليذهبوا ببعض ما أوتين، واستثنى: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، وإذا أتين بفاحشة مبينة وهي: الزنا، فأعطين ببعض ما أوتين ليفارقن، حلَّ ذلك إن شاء اللَّه تعالى، ولم تكن معصيتهن الزوجَ فيما يجب له بغير فاحشة، أولى أن نحل ما أعطين، من أن يعصين اللَّه والزوج بالزنا"(12).
وقرا ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر {بفحشة مبينة} ، بفتح الياء، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم والمفضل عن عاصم {بفحشة مبينة} ، كسرا (13).
قوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]، "أي: صاحبوهن بما أمركم الله به من طيب القول والمعاملة بالإِحسان" (14).
قال السدي: " فيقول: خالطوهن"(15).
قال مقاتل بن حيان: " يعني: صحبتهن بالمعروف"(16).
قال ابن قتيبة: " أي: صاحبوهن مصاحبة جميلة"(17).
قال ابن كثير: " أي: طيِّبُوا أقوالكم لهن، وحَسّنُوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى:{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ، وأنا خَيْرُكُم لأهْلي» (18)، وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه جَمِيل العِشْرَة دائم البِشْرِ، يُداعِبُ أهلَه، ويَتَلَطَّفُ بهم، ويُوسِّعُهُم نَفَقَته، ويُضاحِك نساءَه، حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين يَتَوَدَّدُ إليها بذلك. قالت: سَابَقَنِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَسَبَقْتُهُ، وذلك قبل
(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5038): ص 3/ 904.
(2)
انظر: تفسير الطبري (8899): ص 8/ 116، وتفسير ابن أبي حاتم (5038): ص 3/ 904.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5040): ص 3/ 904.
(4)
انظر: تفسير الطبري (8900): ص 8/ 116 - 117.
(5)
انظر: تفسير الطبري (88901): ص 8/ 117.
(6)
انظر: تفسير الطبري (88902): ص 8/ 117.
(7)
انظر: تفسير الطبري (88903): ص 8/ 117.
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5039): ص 3/ 904.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5039): ص 3/ 904.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5039): ص 3/ 904.
(11)
تفسير الطبري: 8/ 118.
(12)
تفسير الإمام الشافعي: 2/ 557.
(13)
انظر: السبعة: 230.
(14)
صفوة التفاسير: 244.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (5041): ص 3/ 904.
(16)
أخرجه ابن أبي حاتم (5042): ص 3/ 904.
(17)
تفسير غريب القرآن: 122.
(18)
جاء من حديث ابن عباس: رواه ابن ماجة في السنن برقم (1977) وابن حبان في صحيحه برقم (1315)"موارد" من طريق جعفر بن يحيى بن ثوبان عن عمه عمارة بن ثوبان عن عطاء عن ابن عباس.
وقال البوصيري في الزوائد (2/ 117): "هذا إسناد ضعيف، عمارة بن ثوبان ذكره ابن حبان في الثقات، وقال عبد الحق: ليس بالقوى، فرد ذلك عليه ابن القطان، وجعفر بن يحيى. قال ابن المديني: شيخ مجهول، وقال ابن القطان الفاسي: مجهول الحال، وذكره ابن حبان في الثقات.
وجاء من حديث عائشة: رواه الترمذي في السنن برقم (3892) وابن حبان في صحيحه برقم (1312) من طريق سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، من حديث الثوري، ما أقل من رواه عن الثوري.
أن أحملَ اللحم، ثم سابقته بعد ما حملتُ اللحمَ فسبقني، فقال:«هذِهِ بتلْك» (1)، ويجتمع نساؤه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها. وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد، يضع عن كَتِفَيْه الرِّداء وينام بالإزار، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يَسْمُر مع أهله قليلا قبل أن ينام، يُؤانسهم بذلك صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] " (2).
قوله تعالى: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19]، أي:" فإن كرهتموهن لسبب من الأسباب الدنيوية فاصبروا; فعسى أن تكرهوا أمرًا من الأمور ويكون فيه خير كثير"(3).
قال الطبري: أي: " وإن كرهتموهن، فلعلكم أن تكرهوهن فتمسكوهن، فيجعل الله لكم في إمساككم إياهن على كُره منكم لهن خيرًا كثيرًا، من ولد يرزقكم منهن، أو عطفكم عليهن بعد كراهتكم إياهن"(4).
قال مجاهد: "، يقول، فعسى الله أن يجعل في الكراهة خيرًا كثيرًا"(5).
وعن السدي في قوله: " {ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا}، قال: الولد"(6).
وقال مقاتل بن حيان: " فيطلقها فتتزوج من بعده رجلا، فيجعل الله له منها ولدا"(7).
وقال ابن عباس: " والخير الكثير: أن يعطف عليها، فيرزق الرجل ولدها، ويجعل الله في ولدها خيرًا كثيرًا"(8).
وقال ابن عباس: " عسى من الله واجب"(9).
وفي عود الضمير"الهاء" في قوله تعالى: {وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19]، ثلاثة اوجه:
أحدها: أنه راجع للولد، والمعنى: ويجعل الله في ولدها خيرا كثيرا. وهذا قول ابن عباس (10).
والثاني: أنه راجع إلى "الكراهة"، والمعنى: فعسى الله أن يجعل في الكراهة خيرا. وهذا قول مجاهد (11).
والثالث: أنه راجع إلى التزويج، والمعنى: ويجعل الله في تزويجها خيرا كثيرا. موهذا قول مقاتل بن حيان (12).
الفوائد:
1 -
إبطال قانون الجاهلية القائم على أن ابن الزوج يرث امرأة أبيه.
2 -
جواز أخذ الفدية من الزوجة بالمهر أو أكثر أو أقل إن هي أتت بفاحشة ظاهرة لا شك فيها؛ كالزنى أو النشوز.
3 -
الترغيب في الصبر.
القرآن
التفسير:
وإن أردتم استبدال زوجة مكان أخرى، وكنتم قد أعطيتم مَن تريدون طلاقها مالا كثيرًا مهرًا لها، فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئًا، أتأخذونه كذبًا وافتراءً واضحًا؟
(1) رواه النسائي في السنن الكبرى برقم (8942) وابن ماجة في السنن برقم (1979) من طريق سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 242.
(3)
التفسير الميسر: 80.
(4)
تفسير الطبري: 8/ 122.
(5)
أخرجه الطبري (8908): ص 8/ 122.
(6)
أخرجه الطبري (8909): ص 8/ 122.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (5043): ص 3/ 905.
(8)
أخرجه الطبري (8911): ص 8/ 123.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (5044): ص 3/ 905.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5045): ص 3/ 905.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5046): ص 3/ 905.
(12)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5047): ص 3/ 905.
قوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ} [النساء: 20]، "أي: وإِن أردتم أيها المؤمنون نكاح امرأة مكان امرأة طلقتموها" (1).
قال ابن عباس: " إن كرهت امرأتك وأعجبك غيرها، فطلقت هذه وتزوجت تلك"(2). وروي عن مجاهد ومقاتل بن حيان نحو ذلك (3).
قوله تعالى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} [النساء: 20]، "أي: والحال أنكم كنتم قد دفعتم مهراً كبيراً يبلغ قنطاراً" (4).
قال ابن عباس: " فأعط هذه مهرها وإن كان قنطارا"(5).
وفي "القنطار" أقوال:
أحدها: «القنطار مثل التل العظيم» (6). قاله الرسول-صلى الله عليه وسلم.
والثاني: «يعني: ألفا دينار» (7).قاله الرسول-صلى الله عليه وسلم في رواية أنس.
والثالث: «القنطار ألف دينار» (8).قاله الرسول-صلى الله عليه وسلم في رواية أخرى.
والرابع: أن القنطار: ألف ومائتا أوقية. قاله معاذ (9)، وروي عن أبي الدرداء وأبى هريرة نحو ذلك (10).
والخامس: أن القنطار: ثمانون ألفا. قاله سعيد بن المسيب (11).
والسادس: أن القنطار ملء مسك ثور ذهبا- (12).
والسابع: أن القنطار سبعون ألفا. قاله ابن عمر (13).وروي عن سعيد بن المسيب في إحدى قوليه، ومجاهد وطاوس مثل ذلك (14).
والثامن: أن القنطار: ألف ومائتا دينار. قاله الحسن (15).
والتاسع: أن القنطار مائة رطل، وهذا قول أبي صالح (16)، وروي عن عمرو الشعبي والسدي، وقتادة نحو ذلك (17).
والعاشر: أن من العرب من يقول: القنطار: ألف دينار، ومنهم من يقول، اثنا عشر ألفا. قاله الضحاك (18)، قال ابن أبي حاتم:"وروي عن الحسن في إحدى الروايات أنه قال: اثنا عشر ألفا"(19).
الحادي عشر: أن القنطار: خمسة عشر ألفا مثقال، والمثقال: أربعة وعشرون قيراطا، أصغرها مثل أحد، وأكبرها ما بين السماء إلى الأرض. وهذا قول أبي جعفر (20).
قوله تعالى: {فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20]، "أي: فلا تأخذوا ولو قليلاً من ذلك المهر" (21).
قال مجاهد: " فلا يحل له من مال المطلقة شيء وإن كثر"(22).
قال الماوردي: " يعني: أنهن قد ملكن الصداق، وليس مِلْكُهُنَّ للصداق موقوفاً على التمسك بهن، بل ذلك لهن مع إمساكهن، وفراقهن"(23).
قوله تعالى: {أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 20]، أي:" أتأخذونه كذبًا وافتراءً واضحًا؟ "(24).
قال مجاهد: " {بُهْتَانًا}: إثما "(25).
قال سعيد بن جبير: " {مُبِينًا}: يعني: البيّن "(26).
قال الصابوني: "أي: أتأخذونه باطلاً وظلماً؟ "(27).
قال الماوردي: " وإنما منع من ذلك مع الاستبدال بهن وإن كان ممنوعاً منه وإن لم يستبدل بهن أيضاً لِئَلا يتوهم متوهم أنه يجور مع استبدال غيرها بها أن يأخذ ما دفعه إليها ليدفعه إلى من استبدل بها منه وإن كان ذلك عموماً"(28).
الفوائد:
1 -
تحريم أخذ شيء من مهر المرأة إذا طلقها الزوج لا لإتيانها بفاحشة ولا لنشوزها، ولكن لرغبة منه في طلاقها ليتزوج غيرها في هذه الحال لا يحل له أن يضارها لتفتدي منه بشيء ولو قل، ولو كان قد أمهرها قنطاراً فلا يحل أن يأخذ منه فلساً فضلاً عن دينار أو درهم (29).
2 -
جواز غلاء المهر فقد يبلغ القنطار غير أن التيسير فيه أكثر بركة.
قال الشيخ السعدي: " في هذه الآية دلالة على عدم تحريم كثرة المهر، مع أن الأفضل واللائق الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في تخفيف المهر. ووجه الدلالة أن الله أخبر عن أمر يقع منهم، ولم ينكره عليهم، فدل على عدم تحريمه، لكن قد ينهي عن كثرة الصداق إذا تضمن مفسدة دينية وعدم مصلحة تقاوم"(30).
القرآن
{وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21)} [النساء: 21]
التفسير:
وكيف يحلُّ لكم أن تأخذوا ما أعطيتموهن من مهر، وقد استمتع كل منكما بالآخر بالجماع، وأخَذْنَ منكم ميثاقًا غليظًا من إمساكهن بمعروف أو تسريحهن بإحسان؟
قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} [النساء: 21]، " أي: كيف يباح لكم أخذه وقد استمعتم بهن بالمعاشرة الزوجية؟ " (31).
قال الطبري: أي: " وعلى أي وجه تأخذون من نسائكم ما آتيتموهن من صدقاتهن، إذا أردتم طلاقهن واستبدال غيرهن بهن أزواجًا وقد تباشرتم وتلامستم"(32).
قال القاسمي: " قوله: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ}: إنكار لأخذه إثر إنكار، وتنفير عنه غب تنفير، على سبيل التعجب. أي: بأي وجه تستحلون المهر وقد أفضى أي وصل بعضكم إلى بعض فأخذ عوضه "(33).
قال ابن عباس: " الإفضاء المباشرة، ولكنّ الله كريم يَكْني عما يشاء"(34).
(1) صفوة التفاسير: 244.
(2)
أخرجه ابن ابي حاتم (5050): ص 3/ 905.
(3)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5051): ص 3/ 905.
(4)
صفوة التفاسير: 244.
(5)
أخرجه ابن ابي حاتم (5050): ص 3/ 905.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (5052): ص 3/ 906 ـ وتمام الحديث: " عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ الخمسين آية في ليلة أصبح له قنطارا من الأجر، والقنطار مثل التل العظيم» ".
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (5053): ص 3/ 906 ـ وتمام الحديث: " عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: في قول الله تعالى: {وآتيتم إحداهن قنطارا}: يعني: «ألفا دينار» ".
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (5054): ص 3/ 906 ـ وتمام الحديث: " عن أنس بن مالك قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القنطار ألف دينار» ".
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5055): ص 3/ 906.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5055): ص 3/ 906.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5056): ص 3/ 906.
(12)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5057): ص 3/ 907. قال ابن أبي حاتم: "ورواه محمد بن موسى الحرشي، عن حماد بن زيد مرفوعا، الموقوف أصح".
(13)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5058): ص 3/ 907.
(14)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5058): ص 3/ 907.
(15)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5058): ص 3/ 907.
(16)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5060): ص 3/ 907.
(17)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5060): ص 3/ 907.
(18)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5061): ص 3/ 907.
(19)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5061): ص 3/ 907.
(20)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5062): ص 3/ 907.
(21)
صفوة التفاسير: 244.
(22)
أخرجه ابن أبي حاتم (5063): ص 3/ 908.
(23)
النكت والعيون: 1/ 466.
(24)
التفسير الميسر: 81.
(25)
أخرجه ابن أبي حاتم (5064): ص 3/ 908.
(26)
أخرجه ابن أبي حاتم (5065): ص 3/ 908.
(27)
صفوة التفاسير: 244.
(28)
النكت والعيون: 1/ 467.
(29)
انظر: ايسر التفاسير للجزائري: 1/ 454.
(30)
تفسير السعدي: 172.
(31)
صفوة التفاسير: 244.
(32)
تفسير الطبري: 8/ 125.
(33)
محاسن التأويل: 3/ 57.
(34)
أخرجه الطبري (8914): ص 8/ 126.
عن مجاهد: {وقد أفضى بعضكم إلى بعض} ، قال: مجامعة النساء" (1). وروي عن السدي مثله (2).
قال الزجاج: " الإفضاء أصله الغشيان، وقال بعضهم إذا خلا فقد أفضى، غشي أو لم"(3).
والإفضاء إلى الشيء، فإنه الوصول إليه بالمباشرة له، قال الشاعر (4):
بَلِينَ بِلًى أَفْضَى إلَى كُلِّ كُتْبَةٍ
…
بَدَا سَيْرُهَا مِنْ بَاطِنٍ بَعْدَ ظَاهِرِ
يعني بذلك: أن الفساد والبلى وصل إلى الخُرَز. والذي عُني به الإفضاء في هذا الموضع، الجماعُ في الفرج (5).
قال الشَّافِعِي رحمه الله: "يقول اللَّه تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} الآية، حَظْرٌ لأِخذِه - أي: المهر أو شيء مما أعطي للمرأة- إلا من جهة الطلاق قبل الإفضاء، وهو: الدخول، فيأخذ نصفه بما جُعل له، ولأنه لم يوجب عليه أن يدفع إلا نصف المهر في تلك الحال، وليس بَحَظْر منه إن دخل أن يأخذه إذا كان ذلك من قِبَلِهَا، وذلك لأنَّه إنما حَظَرَ أخذه إذا كان من قبل الرجل، فأما إذا كان من قِبَلِها، وهي طيبة النفس به فقد أذن به في قول اللَّه تبارك وتعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) الآية"(6).
قوله تعالى: {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21]، " أي: وأخذن منكم عهداً وثيقاً مؤكداً هو» عقد النكاح" (7).
قال الطبري: " أيْ: ما وثَّقتم به لهنَّ على أنفسكم، من عهد وإقرار منكم بما أقررتم به على أنفسكم، من إمساكهن بمعروف، أو تسريحهنّ بإحسان"(8). قال القاسمي: "أي: عهدا وثيقا مؤكدا مزيد تأكيد، يعسر معه نقضه. كالثوب الغليظ يعسر شقه"(9).
قال قتادة: " والميثاق الغليظ الذي أخذه للنساء على الرجال: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وقد كان في عقد المسلمين عند إنكاحهم: آلله عليك لتمسكنَّ بمعروف أو لتسرحن بإحسان"(10).
قال السدي: " {غليظا} يعني: شديدا"(11).
وفي قوله تعالى: {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21]، ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه عقد النكاح الذي استحل به الفرج، وهو قول مجاهد (12)، ومحمد بن كعب القرظي (13)، وابن زيد (14).
والثاني: أنه إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وهو قول الضحاك (15)، والسدي (16)، والحسن (17)، وابن سيرين (18)، وقتادة (19).
والثالث: أنه عنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله» (20). وهذا قول جابر (21)، وعكرمة (22)، والربيع (23).
(1) أخرجه الطبري (8917): ص 8/ 126.
(2)
. انظر: تفسير الطبري (8919): ص 8/ 126.
(3)
معاني القرآن: 2/ 31.
(4)
من شواهد الطبري: 8/ 125، ولم اعرف قائله.
(5)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 125.
(6)
تفسير الإمام الشافعي: 2/ 564.
(7)
صفوة التفاسير: 244.
(8)
تفسير الطبري: 8/ 126.
(9)
محاسن التأويل: 3/ 57.
(10)
أخرجه الطبري (8920): ص 8/ 127.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (5072): ص 3/ 909.
(12)
انظر: تفسير الطبري (8927) - (8929): ص 8/ 128 - 129.
(13)
انظر: تفسير الطبري (8930): ص 8/ 129.
(14)
انظر: تفسير الطبري (8932): ص 8/ 129.
(15)
انظر: تفسير الطبري (8921): ص 8/ 127.
(16)
انظر: تفسير الطبري (8924): ص 8/ 128.
(17)
انظر: تفسير الطبري (8926): ص 8/ 128.
(18)
انظر: تفسير الطبري (8926): ص 8/ 128.
(19)
انظر: تفسير الطبري (8923): ص 8/ 128.
(20)
أخرجه أحمد (20971): ص 5/ 72، والدارمي (2537)، وأبو داود (2145).
(21)
انظر: تفسير الطبري (8934): ص 8/ 129.
(22)
انظر: تفسير الطبري (8934): ص 8/ 129.
(23)
انظر: تفسير الطبري (8935): ص 8/ 129.
قال الزمخشري: " والميثاق الغليظ: حق الصحبة والمضاجعة، كأنه قيل: وأخذن به منكم ميثاقا غليظا، أى بإفضاء بعضكم إلى بعض. ووصفه بالغلظ لقوته وعظمه، فقد قالوا: صحبة عشرين يوما قرابة، فكيف بما يجرى بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟ "(1).
واختلف في ثبوت حكمها أو نسخه على قولين:
أحدهما: أنها محكمة، لا يجوز له أن يْأخذ منها شيئاً مما أعطاها سواء كانت هي المريدة للطلاق أو هو، وهو قول بكر بن عبد الله المزني (2).
والثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا} [البقرة: 229]، وهذا قول ابن زيد (3).
والراجح: أنها " محكمة غير منسوخة، وغير جائز للرجل أخذ شيء مما آتاها، إذا أراد طلاقها من غير نشوز كان منها، ولا ريبة أتت بها، وذلك أن الناسخ من الأحكام، ما نَفَى خلافه من الأحكام، وليس في قوله:{وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} ، نَفْي حكمِ قوله:{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229]. لأن الذي حرَّم الله على الرجل بقوله: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20]، أخذُ ما آتاها منها إذا كان هو المريدَ طلاقَها. وأما الذي أباح له أخذَه منها بقوله:{فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} ، فهو إذا كانت هي المريدةَ طلاقَه وهو له كاره، وليس في حكم إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى.
وإذ كان ذلك كذلك، لم يجز أن يُحكم لإحداهما بأنها ناسخة، وللأخرى بأنها منسوخة، إلا بحجة يجبُ التسليم لها، وأما ما قاله بكر بن عبد الله المزني: من أنه ليس لزوج المختلعة أخذُ ما أعطته على فراقه إياها، إذا كانت هي الطالبةَ الفرقةَ، وهو الكاره فليس بصواب، لصحة الخبَرِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه أمرَ ثابت بن قيس بن شماس (4) بأخذ ما كان ساق إلى زوجته وفراقِها إذ طلبت فراقه، وكان النشوز من قِبَلها" (5).
الفوائد:
1 -
وجوب مراعاة العهود والوفاء بها.
2 -
أن عقد النكاح هو عهد مؤكد، ولايجوز للرجل مضايقة الزوجة حتى تتنازل عن مهرها أو عن شيء منه.
القرآن
التفسير:
ولا تتزوجوا مَن تزوجه آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف منكم ومضى في الجاهلية فلا مؤاخذة فيه. إن زواج الأبناء من زوجات آبائهم أمر قبيح يفحش ويعظم قبحه، وبغيض يمقت الله فاعله، وبئس طريقًا ومنهجًا ما كنتم تفعلونه في جاهليتكم.
في سبب نزول الآية وجهان:
أحدهما: أخرج الطبري عن عكرمة، قال:"نزلت في أبي قيس بن الأسلت، خلفَ على أمِّ عبيد بنت صخر، كانت تحت الأسلت أبيه وفي الأسود بن خلف، وكان خَلَف على بنت أبي طلحة بن عبد العُزّى بن عثمان بن عبد الدار، وكانت عند أبيه خلف وفي فاختة بنت الأسود بن المطلب بن أسَد، وكانت عند أمية بن خلف، فخلف عليها صفوان بن أمية وفي منظور بن زبّان، وكان خلف على مُليكةِ ابنة خارجة، وكانت عند أبيه زَبَّان بن سيّار"(6).
(1) الكشاف: 1/ 492.
(2)
انظر: تفسير الطبري (8936): ص 8/ 130.
(3)
انظر: تفسير الطبري (8937): ص 8/ 131.
(4)
انظر: في تفسير الطبري (4807) - (4811): ص 4/ 552 - 557.
(5)
تفسير الطبري: 8/ 131 - 132.
(6)
تفسير الطبري (8940): ص 8/ 133. والحديث رجاله رجال الصحيح إلا محمد بن عبد الله المخرمي وهو ثقة.
والثاني: أخرج ابن أبي حاتم، وابن المنذر (1)، عن عدي بن ثابت، عن رجل من الأنصار قال: توفي أبو قيس وكان من صالح الأنصار فخطب ابنه قيس امرأته، فقالت: إنما أعدك ولدا، وأنت من صالحي قومك، ولكن آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمره، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن أبا قيس توفي. -فقال: خيرا- إن ابنه قيس خطبني وهو من صالحي قومه، وإنما كنت أعده ولدا، فما ترى؟ قال لها: ارجعي إلى بيتك. قال: فنزلت هذه الآية: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} " (2).
قال مقاتل: " نزلت في محصن بن أبي قيس ابن الأسلت بن الأفلح الأنصاري. وفي امرأته كبشة بنت معن بن معبد ابن عدي بن عاصم الأنصاري من الأوس من بنى خطمة ابن الأوس"(3). وزاد الثعلبي: "وفي أبي مكيل العدوي، تزوج امرأة أبيه"(4).
قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 22]، "أي: لا تتزوجوا ما تزوج آباؤكم من النساء لكن ما سبق فقد عفا الله عنه" (5).
قال مقاتل: " لأن العرب كانت تفعل ذلك قبل التحريم، وذلك أن محصن مات أبوه فشد على امرأته فتزوجها، وهو محصن بن أبي قيس بن الأسلت الأنصاري من بني الحارث بن الخزرج وكبشة بنت معن بن معبد، وفي شريك وفى امرأته كحة"(6).
قال أبو عبيدة: " نهاهم أن ينكحوا نساء آبائهم، ولم يحلّ لهم ما سلف، أي ما مضى، ولكنه يقول: إلّا ما فعلتم"(7).
قال الأخفش: " معناه: فانكم تؤخذون به. فلذلك قال: {إلا ما قد سلف}، أي: فليس عليكم جناح"(8).
قال الزجاج: " المعنى: لا تنكحوا كما كان من قبلكم ينكح ما نكح أبوه، فهذا معنى
{إلا ما قد سلف} " (9).
قال الواحدي: " كان الرَّجل من العرب يتزوَّج امرأة أبيه من بعده وكان ذلك نكاحاً جائزاً في العرب فحرَّمه الله تعالى ونهى عنه وقوله: {إلَاّ ما قد سلف} يعني: لكن ما قَدْ سلف فَإِن اللَّه تجاوز عَنْهُ"(10).
أخرج سفيان الثوري عن بن عباس قال: " يحرم من النسب سبع ومن الصهر سبع ثم قرأ {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ}، و {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} [الآية 23] "(11).
وفي روياة أخرى لابن عباس: " كل امرأة تزوجها أبوك أو ابنك دخل أو لم يدخل بها، فهي عليك حرام"(12).
وروي عن الحسن في قوله: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} ، قال:"هو أن تملك عقدة النكاح وليس بالدخول"(13).
وعن أبي بكر بن أبي مريم، عن مشيخة قال:"لا ينكح رجل امرأة جد أبي أمه لأنه من الآباء يقول الله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} "(14).
وعن أبي بن كعب: " أنه كان يقرؤها: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إلا من مات"(15).
وعن عطاء بن أبي رباح في قول الله تعالى: {إلا ما قد سلف} ، يقول: في جاهليتكم" (16).
(1) انظر: تفسير ابن المنذر (1525): ص 2/ 619.
(2)
تفسير ابن أبي حاتم (5037): ص 3/ 909.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 365 - 366.
(4)
تفسير الثعلبي: 3/ 280.
(5)
صفوة التفاسير: 246.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 366.
(7)
مجاز القرآن: 1/ 120.
(8)
ماني القرآن: 1/ 251.
(9)
معاني القرآن: 2/ 32.
(10)
الوجيز: 258.
(11)
تفسير سفيان الثوري: 93.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (5074): ص 3/ 910.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (5075): ص 3/ 910.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (5076): ص 3/ 910.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (5077): ص 3/ 910.
(16)
أخرجه ابن أبي حاتم (5078): ص 3/ 910.
واختلفوا في النكاح ههنا، على قولين (1):
الأول: حمله أصحاب أبي حنيفة على الجماع، وقال: هو حقيقة فيه، فحرموا كل امرأة باضعها الأب حلالا أو حراما على الابن.
والثاني: وحمله الشافعي على العقد، وقال: هو حقيقة فيه، ولم يحرم من النساء على الابن إلا ما تزوج بها أبوه دون من زنى بها.
قال الراغب: "والصحيح أنه للعقد، لأن أسماء الجماع والفرج والغائط في لسانهم كنايات، وذلك أنهم لما عنوا بإخفاء هذه الأشياء أخفوا أيضا أسماءها، فعدلوا عن التصريح إلى الكنايات. حتى إنهم متى عرف فيما بينهم كناية في شيء من ذلك عدلوا إلى كناية أخرى، ومن تتبع كلامهم عرف ما قلته، فكيف يستعيرون لفظ الجماع لما هو أحسن عندهم منه، ثم لا خلاف أن العقدية مراد، ولا خلاف أيضا أن الوطء بملك اليمين يجري مجرى العقد في العقد بها"(2).
قال الإمام الشافعي: " فأي امرأة نكحها رجل، حرمت على ولده، دخل بها الأب، أو لم يدخل بها، وكذلك ولد ولده من قبل الرجال والنساء، وإن سفلوا؛ لأن الأبوُّة تجمعهم معاً، كان [في الجاهلية] أكبر ولد الرجل يخلف على امرأة أبيه، وكان الرجل يجمع بين الأختين، فنهى عز وجل أن يكون منهم أحد يجمع في عمره بين أختين، أو ينكح ما نكح أبوه إلا ما قد سلف في الجاهلية قبل علمهم بتحريمه "(3).
قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا} [النساء: 22]، أي:" إن زواج الأبناء من زوجات آبائهم أمر قبيح يفحش ويعظم قبحه، وبغيض يمقت الله فاعله"(4).
قال عطاء بن أبي رباح: " يمقت الله عليه"(5).
قال الواحدي: أي: "أن ذلك النكاح زنا عند الله و {ومقتاً} بغضاً شديدا"(6).
قال الزجاج: " المعنى: إلا ما قد سلف فإنه كان فاحشة، أي زنا، {ومقتا}، و «المقت»: أشد البغض، فالمعنى: أنهم أعلموا أن ذلك في الجاهلية كان يقال له مقت، وكان المولود عليه يقال له المقتي. فأعلموا أن هذا الذي حرم عليهم لم يزل منكرا في قلوبهم ممقوتا عندهم"(7).
قوله تعالى: {وَسَاءَ سَبِيلًا} [النساء: 22]، " أي: بئس ذلك النكاح القبيح الخبيث طريقاً" (8).
قال الزمخشري: " ومن ثم قيل {ومقتا}، كأنه قيل: هو فاحشة في دين الله بالغة في القبح، قبيح ممقوت في المروءة ولا مزيد على ما يجمع القبحين"(9).
قال الواحدي: أي: "وقَبُحَ ذلك الفعل طريقاً"(10).
عن عطاء بن أبي رباح: {وساء سبيلا} ، قال: طريقا لمن عمل به" (11).
قال مقاتل: " يعني وبئس المسلك"(12).
قال أبو عبيدة: " أي: سوء طريقة ومسلكا، ومن كان يتزوج امرأة أبيه فولد له منها، يقال له: مقتي ومقتوي، من قتوت، وهذا من مقت "(13).
الفوائد:
1 -
تحريم مناكح الجاهلية إلا ما وافق الإسلام منها، وخاصة أزواج الآباء، فزوجة الأب محرمة على الابن ولو لم يدخل بها الأب وطلقها أو مات عنها.
(1) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1158 - 1159.
(2)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1159.
(3)
تفسير الإمام الشافعي: 2/ 565 - 566.
(4)
التفسير الميسر: 81.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (5079): ص 3/ 910.
(6)
الوجيز: 258.
(7)
معاني القرآن: 2/ 32.
(8)
صفوة التفاسير: 246.
(9)
الكشاف: 1/ 493.
(10)
الوجيز: 258.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (5080): ص 3/ 910.
(12)
تفسير مقاتل بن سليمان: 366.
(13)
أخرجه ابن المنذر (1528): 2/ 620.
قال الشافعي: " فأي امرأة نكحها رجل، حرمت على ولده، دخل بها الأب، أو لم يدخل بها، وكذلك ولد ولده من قبل الرجال والنساء، وإن سفلوا؛ لأن الأبوُّة تجمعهم معاً"(1).
2 -
ومنها: أن هذا النكاح فعل في غاية من القبح، لذا سماه العرب نكاح المقت: وهو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا طلقها أو مات عنها. ويقال للولد إذا ولدته: المقتي. وأصل المقت: البغض (2).
القرآن
التفسير:
حرَّم الله عليكم نكاح أمهاتكم، ويدخل في ذلك الجدَّات مِن جهة الأب أو الأم، وبناتكم: ويشمل بنات الأولاد وإن نزلن، وأخواتكم الشقيقات أو لأب أو لأم، وعماتكم: أخوات آبائكم وأجدادكم، وخالاتكم: أخوات أمهاتكم وجداتكم، وبنات الأخ، وبنات الأخت: ويدخل في ذلك أولادهن، وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم من الرضاعة -وقد حرَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاع ما يحرم من النسب- وأمهات نسائكم، سواء دخلتم بنسائكم، أم لم تدخلوا بهن، وبنات نسائكم من غيركم اللاتي يتربَّيْنَ غالبًا في بيوتكم وتحت رعايتكم، وهن مُحرَّمَات وإن لم يكنَّ في حجوركم، ولكن بشرط الدخول بأمهاتهن، فإن لم تكونوا دخلتم بأمهاتهن وطلقتموهن أو متْنَ قبل الدخول فلا جناح عليكم أن تنكحوهن، كما حرَّم الله عليكم أن تنكحوا زوجات أبنائكم الذين من أصلابكم، ومن أُلحق بهم مِن أبنائكم من الرضاع، وهذا التحريم يكون بالعقد عليها، دخل الابن بها أم لم يدخل، وحرَّم عليكم كذلك الجمع في وقت واحد بين الأختين بنسب أو رضاع إلا ما قد سلف ومضى منكم في الجاهلية. ولا يجوز كذلك الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها كما جاء في السنة. إن الله كان غفورًا للمذنبين إذا تابوا، رحيمًا بهم، فلا يكلفهم ما لا يطيقون.
في سبب نزول الآية:
قال ابن جُرَيْج: سألت عطاء عن قوله: {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ} قال: كنا نُحَدِّث، والله أعلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نكح امرأة زيد، قال المشركون بمكة في ذلك، فأنزل الله عز وجل:{وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ} ، ونزلت:{وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ} [الأحزاب: 4]، ونزلت:{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} [الأحزاب: 40] " (3).
قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23]، " أي: حُرّم عليكم نكاح الأمهات" (4).
قال الصابوني: "وشمل اللفظ الجدات من قبل الأب أو الأم"(5).
قال الشافعي: " والأمهات: أم الرجل (الوالدة)، وأمَّهاتها، وأمّضهات آبائه، وإن بَعُدت
الجدات، لأنهن يلزمهن اسم الأمهات" (6).
قوله تعالى: {وَبَنَاتُكُمْ} [النساء: 23]، أي: وكذلك حرّم عليكم "بناتكم"(7).
قال الصابوني: " وشمل بنات الأولاد وإِن نزلن"(8).
قال الشافعي: " والبنات: بناتُ الرجل لصلبه، وبنات بنيه، وبناتهن، وإن سفلن، فكلُّهن
يلزمهن اسم البنات" (9).
قوله تعالى: {وَأَخَوَاتُكُمْ} [النساء: 23]، أي:" وأخواتكم الشقيقات أو لأب أو لأم"(10).
(1) تفسير الإمام الشافعي: 2/ 565.
(2)
انظرك التفسير المنير: 4/ 316.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 253.
(4)
صفوة التفاسير: 246.
(5)
صفوة التفاسير: 246.
(6)
تفسير الإمام الشافعي: 2/ 567.
(7)
التفسير الميسر: 81.
(8)
صفوة التفاسير: 246.
(9)
تفسير الإمام الشافعي: 2/ 567.
(10)
التفسير الميسر: 81.
قال الشافعي: " والأخوات: من ولد أبيه لصلبه، أو أمه نفسها"(1).
قوله تعالى: {وَعَمَّاتُكُمْ} [النساء: 23]، أي:" وأخوات آبائكم وأجدادكم"(2).
قال الشافعي: " وعماته: من ولد جده الأدنى أو الأقصى، ومن فوقهما من أجداده"(3).
قوله تعالى: {وَخَالَاتُكُمْ} [النساء: 23]، أي:" وأخوات أمهاتكم وجداتكم"(4).
قال الشافعي: " وخالاته: من ولدته أم أمه، وأمها، ومن فوقهما من جداته من قِبَلها"(5).
قوله تعالى: {وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ} [النساء: 23]، " أي: بنت الأخ وبنت الأخ" (6).
قال الصابوني: "ويدخل فيهن أولادهن، وهؤلاء المحرمات بالنسب وهنَّ كما تقدم «الأمهات، البنات، الأخوات، العمات، الخالات، بنات الأخ، بنات الأخت» "(7).
قال الشافعي: " وبنات الأخ: كل ما ولد الأخ لأبيه، أو لأمه، أو لهما، من ولدٍ ولدته
والدته فكلهم بنو أخيه، وإن تسفلوا، وهكذا بنات الأخت" (8).
قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء: 23]، أي:" كذلك حرّم عليكم أمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وكذلك أخواتكم من الرضاع"(9).
قال الشافعي: " والرضاع: اسم جامع، يقع على المصَّة، وأكثر منها، إلى كمال رضاع الحولين، ويقع: على كل رضاع، وإن كان بعد الحولين
…
ولو شرب غلام وجارية لبن بهيمه من (شاة، أو بقرة، أو ناقة)، لم يكن هذا رضاع، إنما هذا كالطعام والشراب، ولا يكون محرِّماً بين من شربه، إنما يحرم لبن الآدميات لا البهائم" (10).
ثم قال رحمه الله: " حرَّم اللَّه تعالى الأخت من الرضاعة فاحتمل تحريمها معنيين:
أحدهما: إذ ذكر اللَّه تحريم الأم والأخت من الرضاعة، فأقامهما في التحريم مقام الأم والأخت من النسب، أن تكون الرضاعة كلها تقوم مقام النسب، فما حَرُم بالنسب، حَرُم بالرضاع مثله، وبهذا نقول، بدلالة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والقياس على القرآن.
الآخر: أن يحرم من الرضاع الأم والأخت، ولا يحرم سواهما" (11).
ولم تذكر الآية من المحرمات بالرضاع سوى «الأمهات والأخوات» وقد وضحت السنة النبوية أن المحرمات بالرضاع سبع كما هو الحال في النسب لقوله صلى الله عليه وسلم: "ان الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة"(12).
عن سعيد بن جبير: "قال ابن عباس: حرم عليكم سبع نسبا وسبع صهرا، وقرأ: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم}، الآية"(13).
عن عطاء قال: "قال الله تعالى: {وأخواتكم من الرضاعة}، قال: وهي أختك من الرضاعة"(14).
قال ابن كثير: "وقد قال بعض الفقهاء: كما يحرم بالنسب يحرم بالرضاع إلا في أربع صور. وقال بعضهم: ست صور، هي مذكورة في كتب الفروع. والتحقيق أنه لا يستثنى شيء من ذلك؛ لأنه يوجد مثل بعضها في النسب، وبعضها إنما يحرم من جهة الصهر، فلا يرد على الحديث شيء أصلا البتة، ولله الحمد.
(1) تفسير الإمام الشافعي: 2/ 568.
(2)
صفوة التفاسير: 246.
(3)
تفسير الإمام الشافعي: 2/ 568.
(4)
التفسير الميسر: 81.
(5)
تفسير الإمام الشافعي: 2/ 568.
(6)
صفوة التفاسير: 246.
(7)
صفوة التفاسير: 246.
(8)
تفسير الإمام الشافعي: 2/ 568.
(9)
صفوة التفاسير: 246.
(10)
تفسير الإمام الشافعي: 2/ 568 - 569
(11)
تفسير الإمام الشافعي: 2/ 568.
(12)
أخرجه مالك في "الموطأ": 372، وأحمد: 6/ 44 و 51 وفي 6/ 178، والدارمى (2253)، وفي (2255)، والبخاري: 3/ 222 و 4/ 100، و 7/ 11، ومسلم: 4/ 162.
(13)
أخرجه ابن ابي حاتم (5081): ص 3/ 911.
(14)
أخرجه ابن ابي حاتم (5084): ص 3/ 911.
ثم اختلف الأئمة في عدد الرضعات المحرمة، فذهب ذاهبون إلى أنه يحرم مجرد الرضاع لعموم هذه الآية. وهذا قول مالك، ويحكى عن ابن عمر، وإليه ذهب سعيد بن المُسَيَّب، وعُرْوَة بن الزبير، والزُّهْرِي (1).
وقال آخرون: لا يحرم أقل من ثلاث رضعات لما ثبت في صحيح مسلم، من طريق هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تُحرِّم المصةُ والمصتان"(2).
وقال قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم الفضل قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُحرم الرَّضْعَة ولا الرضعتان، والمصَّة ولا المصتان"، وفي لفظ آخر:"لا تحرم الإمْلاجَة ولا الإملاجتان" رواه مسلم (3).
وممن ذهب إلى هذا القول الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد، وأبو ثور. ويحكى عن علي، وعائشة، وأم الفضل، وابن الزبير، وسليمان بن يسار، وسعيد بن جبير، رحمهم الله (4).
وقال آخرون: لا يحرم أقل من خمس رضعات، لما ثبت في صحيح مسلم من طريق مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عَمْرة عن عائشة، رضي الله عنها، قالت:«كان فيما أنزل [الله] من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن. ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى لله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن» (5). وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة نحو ذلك (6).
وفي حديث سَهْلة بنت سهيل: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن تُرضِع مولى أبي حذيفة خمس رضعات، وكانت عائشة تأمر من يريد أن يدخل عليها أن يُرْضع خمس رضعات» (7).
وبهذا قال الشافعي، رحمه الله تعالى وأصحابه. ثم ليعلم أنه لا بد أن تكون الرضاعة في سن الصغر دون الحولين على قول الجمهور" (8).
قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} [النساء: 23]، أي: وكذلك حرّم عليكم" أمهات نسائكم، سواء دخلتم بنسائكم، أم لم تدخلوا بهن"(9).
عن خلاس بن عمرو: " أن عليا قال في الرجل يتزوج المرأة، ثم يطلقها، أو ماتت قبل أن يدخل بها هل يحل له أمها؟ قال علي: هي بمنزلة الربيبة، يعني قوله: {وأمهات نسائكم} "(10).
أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة، عن ابن عباس أنه كان يقول: إذا طلق الرجل امرأة قبل أن يدخل بها أو ماتت، لم تحل له أمها، أنه قال: مبهمة، فكرهها" (11). قال ابن أبي حاتم: "وروي عن ابن مسعود، وعمران بن حصين، ومسروق، وطاوس، وعكرمة، وعطاء، والحسن، ومكحول، وابن سيرين، وقتادة، والزهري نحو ذلك (12).
أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد أن هؤلاء الآيات مبهمات: {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ} {أُمَّهَاتُ نِسَائِكُم} " (13)، ثم قال: "وروي عن طاوس وإبراهيم والزهري ومكحول نحو ذلك" (14).
قال ابن كثير: " معنى «مبهمات» : أي عامة في المدخول بها وغير المدخول، فتحرم بمجرد العقد عليها، وهذا متفق عليه. فإن قيل: فمن أين تحرم امرأة ابنه من الرضاعة، كما هو قول الجمهور، ومن
(1) انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 248.
(2)
صحيح مسلم برقم (1450) لكنه من طريق ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير عن عائشة.
وقد رواه النسائي في السنن الكبرى من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وابن الزبير برقم (5458).
(3)
صحيح مسلم برقم (1451).
(4)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 249.
(5)
أخرجه مالك في الموطأ: ص 376، والدارمي: 2258، ومسلم: 4/ 167، وأبو داود: 2062، والترمذي: 1150، والنسائي: 6/ 100.
(6)
صحيح مسلم برقم (1452).
(7)
الحديث أخرجه أحمد 6/ 201، ووفي 6/ 228، وفي 6/ 225، وفي 6/ 269، وفي 6/ 270، و"الدارمي" 2262، و"البخاري" 5/ 104، وفي 9/ 7، و"النسائي" 6/ 63، وفي "الكبرى"(تحفة الاشراف) 12/ 16421، وأبو داود (2061)، واخرجه مالك "الموطأ" صفحة (374).
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 248 - 249.
(9)
صفوة التفاسير: 247.
(10)
أخرجه ابن ابي حاتم (5085): ص 3/ 911.
(11)
تفسير ابن ابي حاتم (5086): ص 3/ 911.
(12)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5086): ص 3/ 911.
(13)
تفسير ابن أبي حاتم (5095): ص 3/ 913.
(14)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5095): ص 3/ 913.
الناس من يحكيه إجماعا وليس من صلبه؟ فالجواب من قوله صلى الله عليه وسلم: «يَحْرُم من الرّضاع ما يحرم من النسب» (1) " (2).
قوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [النساء: 23]، أي:" وبنات نسائكم من غيركم اللاتي يتربَّيْنَ غالبًا في بيوتكم وتحت رعايتكم، وهن مُحرَّمَات وإن لم يكنَّ في حجوركم، ولكن بشرط الدخول بأمهاتهن"(3).
أخرج ابن المنذر عن داود، أنه قرأ في مصحف عبد الله:" وربائبكم اللاتي دخلتم بأمهاتهن "(4).
قال أبو عبيدة: " {وربائبكم} من نسائكم بنات المرأة من غيره، وربية الرجل: بنت امرأته، ويقال لها: المربوبة، وهي بمنزلة قتيلة، ومقتولة "(5).
وقال أيضا: " "{اللاتي في حجوركم} في بيوتكم " (6).
قال مالك بن أوس ابن الحدثان: "كانت عندي امرأة، فتوفيت وقد ولدت لي، فوجدت عليها، فلقيني علي بن أبي طالب فقال: ما لك؟ فقلت: توفيت المرأة، فقال علي: لها ابنة قلت: نعم وهي بالطائف. قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا هي بالطائف. قال: فانكحها. قلت: فأين قول الله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم}، قال: إنها لم تكن في حجرك، إنما ذلك إذا كانت في حجرك"(7).
قال ابن كثير: "هذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب على شرط مسلم، وهو قول غريب جدا وإلى هذا ذهب داود بن علي الظاهري وأصحابه. وحكاه أبو القاسم الرافعي عن مالك، رحمه الله، واختاره ابن حزم، وحكى لي شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي أنه عَرَض هذا على الشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية، رحمه الله، فاستشكله، وتوقف في ذلك، والله أعلم"(8).
وأما الربيبة في ملك اليمين فقد قال الإمام مالك بن أنس، عن ابن شهاب: أن عمر بن الخطاب سُئلَ عن المرأة وبنتها من ملك اليمين توطأ إحداهما بعد الأخرى؟ فقال عمر: ما أحب أن أخبرهما جميعًا" (9). قال ابن كثير: "يريد أن أطَأهُمَا جميعا بملك يميني. وهذا منقطع" (10).
وروي عن قيس قال: " قلت لابن عباس: أيقع الرجل على امرأة وابنتها مملوكين له؟ فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله"(11).
قال الشيخ أبو عُمَر بن عبد البر، رحمه الله:"لا خلاف بين العلماء أنَّه لا يحل لأحد أن يطأ امرأة وابنتها من ملك اليمين، لأن الله حرم ذلك في النكاح، قال: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ} وملك اليمين هم تبع للنكاح، إلا ما روي عن عُمَر وابن عباس، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ولا من تبعهم"(12).
وروى هشام عن قتادة: " بنت الربيبة، وبنت ابنتها لا تصلح، وإن كان أسفل ببطون كثيرة "(13).
وعن أبي العالية، قال:" وإن كان أسفل بسبعين بطنها فإنها لا تصلح "(14).
قال ابن عباس: " والدخول: النكاح"(15)، وروي عن طاوس قال:"الدخول: الجماع"(16).
(1) صحيح البخاري رقم (3105) وصحيح مسلم برقم (1444) وموطأ مالك (في الرضاع).
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 253.
(3)
التفسير الميسر: 81.
(4)
تفسير ابن المنذر (1545): ص 2/ 629.
(5)
تفسير ابن المنذر (1546): ص 2/ 629.
(6)
أخرجه ابن المنذر (1547): ص 2/ 629.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (5087): ص 3/ 912.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 252، وانظر: بدائع الفوائد: 1/ 53.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 252، .
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 252، .
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 252، .
(12)
تفسير ابن كثير: 2/ 252، .
(13)
أخرجه ابن المنذر (1551): ص 2/ 630.
(14)
أخرجه ابن المنذر (1552): ص 2/ 630.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (5091): ص 3/ 912.
(16)
أخرجه ابن أبي حاتم (5091): ص 3/ 912.
وقال ابن جريج: " قلت لعطاء {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} ما الدخول بهن؟ قال: أن تهدى إليك فتكشف وتفتش، وتجلس بين رجليها، قلت: إن فعل ذلك بها، في بيت أهلها، قال: حسبة قد حرم ذلك عليه بناتها، قلت له: فغمز ولم يكشف، قال: لا يحرم عليه الربيبة ذلك بأمها "(1).
قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 23]، أي:"فإن لم تكونوا دخلتم بأمهاتهن وطلقتموهن أو متْنَ قبل الدخول فلا جناح عليكم أن تنكحوهن"(2).
قال ابن عباس: " قوله: {فلا جناح عليكم}، قال: فلا حرج"(3).
قال سفيان بن دينار: "سألت سعيد بن جبير عن رجل تزوج امرأة فماتت قبل أن يدخل بها، ولها بنت أيتزوج بنتها؟ فتلا علي: {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم}، قال: لا جناح عليه أن يتزوجها"(4).
قوله تعالى: {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} [النساء: 23]، "أي وحُرِم عليكم نكاح زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم"(5).
قال ابن كثير: " أي: وحُرمت عليكم زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم، يحترز بذلك عن الأدعياء الذين كانوا يَتَبَنَونهم في الجاهلية، كما قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ [إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا] (3)} الآية [الأحزاب: 37] "(6).
قال سعيد: "وكان قتادة يكره إذا تزوج الرجل المرأة، ثم طلقها قبل أن يدخل بها أن يتزوجها أبوه، ويتأول: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} "(7).
قال ابن جريج: " سألت عطاء عن: وحلائل أبنائكم قال: كنا (نتحدث)(8) والله أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نكح امرأة زيد، فقال المشركون بمكة في ذلك، فأنزل الله تعالى:
وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} " (9).
قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 23]، "أي: وحُرّم عليكم الجمع بين الأختين معاً في النكاح إِلا ما كان منكم في الجاهلية فقد عفا الله عنه" (10).
قال ابن كثير: " أي: وحرم عليكم الجمع بين الأختين معًا في التزويج، وكذا في ملك اليمين إلا ما كان منكم في جاهليتكم فقد عفونا عن ذلك وغفرناه. فدل على أنه لا مثنوية فيما يستقبل ولا استثناء فيما سلف، كما قال: {لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأولَى} [الدخان: 56] فدل على أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدا، وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديمًا وحديثًا على أنه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح، ومن أسلم وتحته أختان خير، فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة"(11).
أخرج ابن أبي حاتم عن قبيصة بن ذؤيب: " أن رجلا سأل عثمان بن عفان عن الأختين من ملك اليمين، هل يجمع بينهما؟ فقال عثمان: أحلتهما آية، وحرمتهما آية، وما كنت لأصنع ذلك فخرج من عنده، فلقي رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن ذلك، فقال: لو كان إلي من الأمر شيء، ثم وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا- قال مالك: قال ابن شهاب: أراه علي بن أبي طالب. قال: وبلغني عن الزبير بن العوام نحو ذلك"(12).
وعن عبد الله بن أبي عتبة، عن ابن مسعود:" أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين الأمتين، فكرهه فقال: يقول الله تعالى: {إلا ما ملكت أيمانكم}، فقال له ابن مسعود: بعيرك أيضا مما ملكت يمينك"(13).
(1) أخرجه ابن المنذر (1550): ص 2/ 630.
(2)
التفسير الميسر: 81.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (5092): ص 3/ 913.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (5093): ص 3/ 913.
(5)
صفوة التفاسير: 247.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 253.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (5094): ص 3/ 913.
(8)
زيادة عن الطبري (8960): ص 8/ 149 - 150.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (5096): ص 3/ 913، والطبري (8960): ص 8/ 149 - 150.
(10)
صفوة التفاسير: 247.
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 253.
(12)
تفسير ابن أبي حاتم (5097): ص 3/ 913 - 914.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (5099): ص 3/ 914.
وعن حماد بن سلمة، قال: زعم عمرو بن دينار، عن ابن عباس، " أنه كان لا يرى بأسا أن يجمع بين الأختين المملوكتين "(1).
وعن عبد الله بن مسعود، قال:" يحرم من الإماء ما يحرم من الحرائر، إلا العدد "(2).
ون الشعبي، وابن سيرين، قالا:" يحرم من جمع الإماء، ما يحرم من جمع الحرائر، إلا العدد "(3).
وعن موسى بن أيوب، عن عمه، عن علي، قال:" سألته عن رجل له أمتان أختان وطأ إحداهما، ثم أراد أن يطأ الأخرى، قال: لا، حتى يخرجها من ملكه، قلت: فإنه زوجها عبده، قال: لا، حتى يخرجها من ملكه "(4).
وعن القاسم بن محمد، " أن حيا من أحياء العرب سألوا معاوية عن الأختين، مما ملكت اليمين، تكونان عند الرجل، يطؤهما؟ قال: ليس بذلك بأس، فسمع بذلك النعمان بن بشير، قال: أفتيت بكذا وكذا؟ قال: نعم، قال: أرأيت لو كان عند رجل أخته مملوكة يجوز له أن يطأها؟ قال: أما والله لربما رددتني، أدرك القوم فقل لهم: اجتنبوا ذلك، فإنه لا ينبغي لهم قال: قلت: إنما هي الرحم من العتاقة، وغيرها "(5).
عن الحكم وحماد، قالا:" إذا كانت عند الرجل أختان، فلا يقربن واحدة منهما "(6).
عن عطاء بن أبي رباح في قول الله تعالى: {إلا ما قد سلف} قال: "في جاهليتهم"(7).
أنبأ معمرعن قتادة: " في الرجل يتزوج المرأة، ثم يطلقها قبل أن يراها، قال: لا تحل لأبيه ولا لابنه. قلت: ما قوله: {إلا ما قد سلف}، قال: كان في الجاهلية ينكح امرأة أبيه"(8).
وعن الحارث، عن علي، قال:" في القرآن آيتان تحرم واحدة، وتحل أخرى، وما كنت لأفعل واحدا منهما، لا أنا ولا أحد من أهل بيتي، {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف}، {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم} "(9).
وعن عبد العزيز بن رفيع، قال:" سألت ابن الحنفية عن رجل عنده أمتان أختان، أيطأهما؟ قال: أحلتهما آية، وحرمتهما آية، ثم أتيت ابن المسيب، فقال مثل قول محمد، ثم سألت ابن منبة، فقال: أشهد أنه فيما أنزل الله جل ثناؤه على موسى صلى الله عليه وسلم أنه ملعون من جمع بين الأختين، قال: فما فصل لنا حرتين ولا مملوكتين قال: فرجعت إلى ابن المسيب، فأخبرته، فقال: الله أكبر "(10).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 23]، أي:" إن الله كان غفورًا للمذنبين إذا تابوا، رحيمًا بهم، فلا يكلفهم ما لا يطيقون"(11).
قال سعيد بن جبير: " قوله: {غفورا رحيما}، قال: غفور لما كان منهم من الشرك"(12)، "قوله:{رحيما} ، قال: بعباده" (13).
وعن قتادة: " قوله: {غفورا}، قال: للذنوب الكثيرة أو الكبيرة"(14).
الفوائد:
1 -
بيان المحرمات من النسب وهن سبع: الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت.
2 -
بيان المحرمات من الرضاع وهن: المحرمات من النسب؛ فالرضيع يحرم عليه 3 أمه المرضع له وبناته، وأخواتها، وعماته وخالاته، وبنات أخيه، وبنات أخته.
(1) أخرجه ابن المنذر (1557): ص 2/ 632.
(2)
أخرجه ابن المنذر (1558): ص 2/ 632 - 633.
(3)
أخرجه ابن المنذر (1562): ص 2/ 634.
(4)
أخرجه ابن المنذر (1559): ص 2/ 633.
(5)
أخرجه ابن المنذر (1560): ص 2/ 633.
(6)
أخرجه ابن المنذر (1561): ص 2/ 634.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (5100): ص 3/ 914.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (5101): ص 3/ 914.
(9)
أخرجه ابن المنذر (1563): ص 2/ 634.
(10)
أخرجه ابن المنذر (1564): ص 2/ 634 - 635.
(11)
التفسير الميسر: 81.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (5102): ص 3/ 914.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (5103): ص 3/ 915.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (5103): ص 3/ 915.
3 -
بيان المحرمات من المصاهرة، وهن سبع أيضاً: زوجة الأب بنى بها أو لم يبن، أم امرأته بنى بابنتها أو لم يبن، وبنت امرأته وهي الربيبة إذا دخل بأمها، وامرأة الولد من الصلب
4 -
إثبات اسمين من أسمائه تعالى، وهما:«الغفور» و «الرحيم» :
و«الغفور» ، "من أبنية المبالغة؛ فالله عز وجل غفور؛ لأنه يفعل ذلك لعباده مرة بعد مرة إلى ما لا يحصى، فجاءت هذه الصفة على أبنية المبالغة لذلك، وهو متعلق بالمفعول؛ لأنه لا يقع الستر إلا بمستور يستر ويغطى، وليست من أوصاف المبالغة في الذات، إنما هي من أوصاف المبالغة في الفعل"(1).
واسم «الرحيم» يتضمن صفة الرحمة التي تعم عباده المؤمنين فحسب بأن هداهم إلى الإيمان في الدنيا، وهو يثيبهم في الآخرة الثواب الدائم الذي لا ينقطع، إذ يقول سبحانه:{وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} [الأحزاب آية 43].
وأن اقتران اسم «الغفور» باسم «الرحيم» يفيد أنه سبحانه يغفر للمستغفرين والتائبين لأنه واسع الرحمة. بمعنى أنه يغفر لمن تاب إليه وأناب رحمة منه لهذا العبد، لأنه لو لم يرحمه ويتداركه بمغفرته لهلك وخسر. ولهذا يشير قوله تعالى:{قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]، وقوله:{وَإِلَاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [هود: 47](2).
\
القرآن
التفسير:
ويحرم عليكم نكاح المتزوجات من النساء، إلا مَنْ سَبَيْتُم منهن في الجهاد، فإنه يحل لكم نكاحهن، بعد استبراء أرحامهن بحيضة، كتب الله عليكم تحريم نكاح هؤلاء، وأجاز لكم نكاح مَن سواهن، ممَّا أحله الله لكم أن تطلبوا بأموالكم العفة عن اقتراف الحرام. فما استمتعتم به منهن بالنكاح الصحيح، فأعطوهن مهورهن، التي فرض الله لهن عليكم، ولا إثم عليكم فيما تمَّ التراضي به بينكم، من الزيادة أو النقصان في المهر، بعد ثبوت الفريضة. إن الله تعالى كان عليمًا بأمور عباده، حكيما في أحكامه وتدبيره.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: أخرج مسلم وغيره (3)، عن أبي سعيد الخدري:" أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم حنين بعث جيشًا إلى أوطاس فلقوا عدوا فقاتلوهم فظهر عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسًا من أصحاب الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله عز وجل: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}، أي: فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن"(4).
وقد روى الطبراني من طريق الضحاك عن ابن عباس: "أنها نزلت في سبايا خيبر، وذكر مثل حديث أبي سعيد"(5).
قال ابن كثير: "وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن بيع الأمة يكون طلاقا لها من زوجها، أخذا بعموم هذه الآية"(6).
والثاني: روى ابن أبي خيثمة، وعبد بن حميد في التفسير، وأبو مسلم الكجّي، كلّهم من طريق العباس بن خليس عن عكرمة، قال: "إن هذه الآية التي في النساء: {وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ} [النساء 24] نزلت في امرأة يقال لها: معاذة، كانت تحت شيخ من بني سدوس يقال له شجاع بن الحارس، وكان معه ضرّة لها ولدت
(1) اشتقاق أسما الله، الزجاجي:93.
(2)
انظر: مفهوم الأسماء والصفات، سعد ندا، مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ع 45: ص 94، وع 46: ص 72 - 73.
(3)
والحديث أخرجه الترمذي: 4/ 86، وقال حديث حسن صحيح، وأبو داود (2353): ص 2/ 213، والنسائي: 6/ 91، والإمام أحمد: 3/ 72 و 84، وابن جرير الطبري (8967) - (8971): ص 8/ 153 - 155.
(4)
صحيح مسلم: 10/ 35.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 257.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 257.
لشجاع أولادا، وأن شجاعا انطلق يمير أهله من هجر فمرّ بمعاذة ابن عمّ لها فقالت له: احملني إلى أهلي، فرجع الشيخ فلم يجدها، فانطلق إلى النّبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه وأنشده:
يا مالك النّاس وديّان العرب [الرجز] الأبيات.
فقال: «انطلقوا فإن وجدتم الرّجل كشف لها ثوبا فارجموها، وإلّا فردّوا إلى الشّيخ امرأته» ، قال: فانطلق ابن ضرتها مالك بن شجاع بن الحارث، فجاء بها، فلما أشرف على الحيّ استقبلته أمّ مالك ترميها بالحجارة وتقول لابنها: يا ضار أمه. قال: فلما نزلت معاذة، واطمأنت جعل شجاع يقول:
لعمري ما حبّي معاذة بالّذي
…
يغيّره الواشي ولا قدم العهد" (1)
قال ابن حجر: " وقصتها شبيهة بقصة معاذة زوج الأعشى المازني (2) وهي عند أحمد في "المسند" (3)، وما أدري أهما واحدة أو اتفق الاسم والقصة؟ "(4).
والثالث: أن هذه الآية نزلت في نساءٍ كُنَّ هَاجَرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهن أزواج، فتزوجهن المسلمون، ثم قدم أزواجهن مهاجرين، فنهي المسلمون عن نكاحهن، وهذا قول أبي سعيد الخدري (5).
والرابع: أخرج أحمد وغيره (6)، عن قيس، عن عبد الله، قال:"كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس لنا نساء، فقلنا: يا رسول الله، ألا نستخصي؟ " فنهانا عنه، ثم رخص لنا بعد في أن نتزوج المرأة بالثوب إلى أجل "، ثم قرأ عبد الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [المائدة: 87] "(7).
والخامس: أخرج الطبري عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال:"زعم حضرميٌّ: أن رجالا كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن تُدرك أحدهم العسرة، فقال الله: {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} "(8).
قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24]، "أي: وحرّم عليكم نكاح المتزوجات من النساء إِلا ما ملكتموهن بالسبي فيحل لكم وطؤهنَّ بعد الاستبراء" (9).
قال ابن كثير: " أي: وحرم عليكم الأجنبيات المحصنات وهي المزوجات إلا ما ملكتموهن بالسبي، فإنه يحل لكم وطؤهن إذا استبرأتموهن، فإن الآية نزلت في ذلك"(10).
قال الصابوني: " لأن بالسبي تنقطع عصمة الكافر، قال تعالى: {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكوافر} [الممتحنة: 10] "(11).
عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، "أنه قال: هذه الآية {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] قال: «كل ذات زوج إتيانها زنا إلا ما سبيت» " (12).
وعن ابن عباس أيضا في قوله عز وجل: {والمحصنات} ، قال:"العفيفة العاقلة من مسلمة، أو من أهل الكتاب"(13).
(1) الإصابة في تمييز الصحابة: 3/ 256، وانظر: الدر المنثور: 2/ 482، والعجاب: 2/ 856 - 858.
(2)
الأعشى المازني هو عبد الله بن الأعور وترجمته في "الإصابة" بالاسم واللقب في "1/ 54 و 2/ 276" وله ذكر في ترجمة نضلة بن طريف "3/ 555".
(3)
انظر "المسند""2/ 201 - 202" في "مسند عبد الله بن عمرو"! و"الإصابة" في ترجمة عبد الله بن الأعور "2/ 276".
(4)
العجاب: 2/ 858، وقال الحافظ في "الإصابة" في ترجمة شجاع "3/ 256"."وقد وقع نحو ذلك للأعشى المازني" فهو جازم بالتعدد ولكنه هنا متردد! والظاهر أن "الإصابة" متأخر عن العجاب.
(5)
انظر: تفسير الطبري (9012): ص 8/ 164.
(6)
والبخاري (4615): ص 6/ 66، وفي (5071): ص 7/ 4، وفي (5075): ص 7/ 5، ومسلم (3391): ص 4/ 130، وفي (3392). وفي (3393)، و"النسائي" في "الكبرى"(11085).
(7)
مسند الإمام أحمد (3650): ص 1/ 385، وفي (3706): ص 1/ 390، وفي (3986): ص 1/ 420، وفي (4113): ص 1/ 432، وفي (4302): ص 1/ 450.
(8)
تفسير الطبري (9045): ص 8/ 180.
(9)
صفوة التفاسير: 247.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 256.
(11)
صفوة التفاسير: 247.
(12)
المستدرك على الصحيحين (3191): ص 2/ 333. قال الحاكم: " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ".ووافقه الذهبي في ذلك.
(13)
التفسير من سنن سعيد بن منصور (611): ص 3/ 1220.
قال عبدالله: " كل ذات زوج عليك حرام، إلا أن تشتريها، أو ما ملكت يمينك"(1).
قال إبراهيم: " إلا السبايا من أهل الحرب"(2).
وعن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، "أنه كان يقرأ هذه الآية:{والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} " (3).
قال الشعبي: " إحصان الأمة: دخولها في الإسلام وإقرارها به، إذا دخلت في الإسلام وأقرت به، ثم زنت، فعليها جلد خمسين"(4). وفي رواية أخرى له: " إحصانها: أن تحصن فرجها من الفجور، وأن تغتسل من الجنابة"(5).
واختلف أهل العلم في تفسير قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24]، على وجوه:
أحدها: والمحصنات من النساء يعني ذوات الأزواج إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي، وهذا قول علي، وابن عباس (6)، وأبي قلابة (7)، ومكحول (8)، وابن زيد (9).
واستندوا على الأخبار التي رويت أن هذه الآية نزلت فيمن سُبي من أَوْطاس (10).
والثاني: أن المحصنات ذوات الأزواج حرام على غير أزواجهن إلا ما ملكت أيمانكم من الإِماء، إذا اشتراها مشترٍ بطل نكاحها وحلت لمشتريها ويكون بيعها طلاقها، وهذا قول ابن مسعود (11)، وأُبي بن كعب (12)، وجابر بن عبد الله (13)، وأنسٍ ابن مالك (14)، وابن عباس (15)، وسعيد بن المسيب (16)، والحسن (17).
عن عكرمة، عن ابن عباس، قال:"طلاق الأمة ستٌّ: بيعها طلاقُها، وعتْقُها طلاقها، وهبتُها طلاقها، وبراءتها طلاقها، وطلاق زوجها طَلاقُها"(18).
الثالث: أن المحصنات من النساء العفائف إلا ما ملكت أيمانكم بعقد النكاح، أو ملك اليمين، وهذا قول سعيد بن جبير (19)، وأبي العالية (20)، وعبيدة السلماني (21)، وعطاء (22)، والسدي (23).
والرابع: أنه عنى بالمحصنات في هذا الموضع، العفائفَ من المسلمين وأهل الكتاب. وهذا قوول ابن عباس أيضا (24)، ومجاهد (25).
والخامس: أن المحصنات هن نساء أهل الكتاب. قاله أبو مجلز (26).
والسادس: أن المحصنات هن الحرائر. قاله عزرة (27).
والسابع: أن المحصنات في هذا الموضع، ذوات الأزواج، غير أن الذي حرَّم الله منهن في هذه الآية، الزنا بهنّ، وأباحهن بقوله:{إلا ما ملكت أيمانكم} ، بالنكاح أو الملك. وهذا قول ابن عباس في إحدى الروايات (28)، وعبدالله في رواية أخرى (29)، ومجاهد في إحدى الروايات (30)، وسعيد بن المسيب في رواية الزهري عنه (31)، ومكحول في إحدى الروايات (32).
والثامن: أن: المحصنات هن العفائف وذوات الأزواج، وحرام كُلُّ من الصنفين إلا بنكاحٍ أو ملك يمين. وهذا قول ابن شهاب (33).
والتاسع: أن هذه الآية في نساء كنَّ يهاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهن أزواج، فيتزوّجُهن بعض المسلمين، ثم يقدم أزواجُهن مهاجرين، فنهى المسلمون عن نكاحهن. وهذا قول أبي سعيد الخدري (34).
قال الطبري: " وقد ذكر ابن عباس وجماعة غيره أنه كان ملتبسًا عليهم تأويل ذلك"(35).
قال رجل لسعيد بن جبير: "أما رأيت ابن عباس حين سُئِل عن هذه الآية: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم}، فلم يقل فيها شيئًا؟ قال فقال: كان لا يعلمها"(36).
وقال عبد الرحمن بن يحيى عن مجاهد: "لو أعلم من يفسّر لي هذه الآية، لضربت إليه أكباد الإبل، قوله: والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم إلى قوله: فما استمتعتم به منهن، إلى آخر الآية"(37).
قال الماوردي: " وأصل الإِحصان المنع، ومنه حصن البلد، لأنه يمنع من العدو، ودرع حصينة أي منيعة، وفرس حَصان، لأن صاحبه يمتنع به من الهلكة، وامرأة حصان، وهي العفيفة لأنها تمتنع من الفاحشة، ومنه: {وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} [التحريم: 12] "(38).
قال الطبري: " فأما المحصنات، فإنَّهن جمع مُحْصَنة، وهي التي قد مُنع فرجها بزوج. يقال منه: أحْصَن الرجلُ امرأته فهو يُحْصنها إحصانًا، وحَصُنت هي فهي تَحْصُن حَصَانة، إذا عفَّت وهي حاصِنٌ من النساء، عفيفة، كما قال العجاج (39):
وَحَاصِنٍ مِنْ حَاصِنَاتٍ مُلْسٍ
…
عَنِ الأذَى وَعَنْ قِرَافِ الْوَقْسِ
ويقال أيضًا، إذا هي عَفَّت وحفِظت فرجها من الفجور: قد أحصَنَتْ فرجها فهي مُحْصِنة، كما قال جل ثناؤه:{وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} [سورة التحريم: 12]، بمعنى: حفظته من الريبة، ومنعته من الفجور. وإنما قيل لحصون المدائن والقرى: حُصُون، لمنعها من أرادَها وأهلَها، وحفظِها ما وراءها ممن بغاها من أعدائها. ولذلك قيل للدرع: درع حَصِينة.
فإذا كان أصل الإحصان ما ذكرنا من المنع والحفظ، فبيِّنٌ أنّ معنى قوله: والمحصنات من النساء، والممنوعات من النساء حرام عليكم إلا ما ملكت أيمانكم، وإذ كان ذلك معناه، وكان الإحصان قد يكون بالحرّية، كما قال جل ثناؤه:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [سورة المائدة: 5] ويكون بالإسلام، كما قال تعالى ذكره:{فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [سورة النساء: 25] ويكون بالعفة، كما قال جل ثناؤه:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [سورة النور: 4] ويكون بالزوج ولم يكن تبارك وتعالى خصّ محصَنة دون محصنة في قوله:
(1) التفسير من سنن سعيد بن منصور (605): ص 3/ 1217.
(2)
التفسير من سنن سعيد بن منصور (606): ص 3/ 1218.
(3)
التفسير من سنن سعيد بن منصور (607): ص 3/ 1219.
(4)
التفسير من سنن سعيد بن منصور (608): ص 3/ 1220.
(5)
التفسير من سنن سعيد بن منصور (609): ص 3/ 1220.
(6)
انظر: تفسير الطبري (8961) - (8963): ص 8/ 151 - 152.
(7)
انظر: تفسير الطبري (8964): ص 8/ 152.
(8)
انظر: تفسير الطبري (8966): ص 8/ 152.
(9)
انظر: تفسير الطبري (8965): ص 8/ 152.
(10)
انظر: تفسير الطبري (8967) - (8971): ص 8/ 152 - 155.
(11)
انظر: تفسير الطبري (8971) - (8974): ص 8/ 155 - 156.
(12)
انظر: تفسير الطبري (8977): ص 8/ 155، و (8984): ص 8/ 157.
(13)
انظر: تفسير الطبري (8977): ص 8/ 155.
(14)
انظر: تفسير الطبري (8977): ص 8/ 155.
(15)
انظر: تفسير الطبري (8983): ص 8/ 157، وتفسير ابن أبي حاتم (5107): ص 3/ 915.
(16)
انظر: تفسير الطبري (8975): ص 8/ 155.
(17)
انظر: تفسير الطبري (8976): ص 8/ 155.
(18)
أخرجه الطبري (8983): ص 8/ 157.
(19)
انظر: تفسير الطبري (8995): ص 8/ 159.
(20)
انظر: تفسير الطبري (8991): ص 8/ 159.
(21)
انظر: تفسير الطبري (8992) - (8994): ص 8/ 159.
(22)
انظر: تفسير الطبري (8996): ص 8/ 160.
(23)
انظر: تفسير الطبري (8997): ص 8/ 160.
(24)
انظر: تفسير الطبري (8998): ص 8/ 160.
(25)
انظر: تفسير الطبري (8999): ص 8/ 160.
(26)
انظر: تفسير الطبري (9009): ص 8/ 163.
(27)
انظر: تفسير الطبري (9010): ص 8/ 163.
(28)
انظر: تفسير الطبري (9002): ص 8/ 161، و (9005)، و (9008): ص 8/ 162.
(29)
انظر: تفسير الطبري (9004): ص 8/ 161 - 162.
(30)
انظر: تفسير الطبري (9000)، و (9001): ص 8/ 160 - 161.
(31)
انظر: تفسير الطبري (9003): ص 8/ 161.
(32)
انظر: تفسير الطبري (9006): ص 8/ 162.
(33)
انظر: تفسير الطبري (9011): ص 8/ 164.
(34)
انظر: تفسير الطبري (9012): ص 8/ 164.
(35)
تفسير الطبري: 8/ 165.
(36)
أخرجه الطبري (9013): ص 8/ 165.
(37)
أخرجه الطبري (9014): ص 8/ 165.
(38)
النكت والعيون: 1/ 470.
(39)
ديوانه: 79، واللسان (حصن)(قنس) و (وقس).
والمحصنات من النساء، فواجبٌ أن تكون كلُّ مُحْصنة بأيّ معاني الإحصان كان إحصانها، حرامًا علينا سفاحًا أو نكاحًا إلا ما ملكته أيماننا منهن بشراء، كما أباحه لنا كتابُ الله جل ثناؤه، أو نكاح على ما أطلقه لنا تنزيل الله" (1).
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة {والمحصنت} ، في كل القرآن بفتح الصاد، وقرأ الكسائي {والمحصنت من النسآء إلا ما ملكت أيمنكم} ، بفتح الصاد في هذه وحدها وسائر القرآن {المحصنت} [النساء: 25]، و [المائدة 5]، و [النور: 4، 23]، و {محصنت} [النساء: 25]، بكسر الصاد
ولم يختلف القراء في {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} فإنها مفتوحة، وروي عن مجاهد وعبد الله بن كثير مثل قراءة الكسائي {والمحصنت من النسآء} مفتوحة وسائر القرآن بالكسر (2).
قوله تعالى: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} [النساء: 24]، "أي: هذا فرض الله عليكم" (3).
قال الطبري: أي: " كَتب الله تحريم ما حرَّم من ذلك وتحليلَ ما حلل من ذلك عليكم، كتابًا"(4).
عن إبراهيم قال: " {كتاب الله عليكم}، قال: ما حرَّم عليكم"(5).
عن ابن عباس في قوله: " {كتاب الله عليكم}، قال: هذا النسب"(6).
قال ابن جريج: " سألت عطاء عنها فقال: كتابَ الله عليكم، قال: هو الذي كتب عليكم الأربعَ، أن لا تزيدوا"(7).
عن محمد بن سيرين قال: "قلت لعبيدة: والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم، وأشار ابن عون بأصابعه الأربع"(8).
عن السدي: " {كتاب الله عليكم}: الأربع"(9).
قال ابن وهب: " قال ابن زيد في قوله: {كتاب الله عليكم}، قال: هذا أمرُ الله عليكم. قال: يريد ما حرَّم عليهم من هؤلاء وما أحلَّ لهم. وقرأ: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم}، إلى أخر الآية. قال: كتاب الله عليكم، الذي كتَبه، وأمره الذي أمركم به. كتاب الله عليكم، أمرَ الله"(10)
وفي قوله تعالى: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} [النساء: 24]، ثلاثة أقوال (11):
أحدها: أن معناه: حرم ذلك عليكم كتاباً من الله.
والثاني: معناه: ألزموا كتاب الله. وضعّفه الطبري فقال: " والذي قال من ذلك غير مستفيض في كلام العرب. وذلك أنها لا تكاد تَنصب بالحرف الذي تغرِي به، إذا أخَّرت الإغراء، وقدمت المغرَى به لا تكاد تقول: أخاك عليك، وأباك دونك، وإن كان جائزًا، والذي هو أولى بكتاب الله: أن يكون محمولا على المعروف من لسان من نزل بلسانه"(12).
والثالث: أن كتاب الله قيم عليكم فيما تستحلِّونه وتحرمونه.
قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24]، " أي: وأُحل لكم نكاح ما سواهنّ" (13).
عن خصيف في قوله: " {وأحل لكم}، يقول: التزويج"(14).
عن أبي مالك: " قوله عز وجل: {وأحل لكم ما وراء ذلكم}، يعني: سواء ذلك"(15).
وفي تفسير قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24]، ثلاثة وجوه:
أحدها: أن معناه ما دون الأربع، وهو قول السدي (16)، وعبيدة السلماني (17).
(1) تفسير الطبري: 8/ 165 - 166.
(2)
انظر: السبعة: 230.
(3)
صفوة التفاسير: 247.
(4)
تفسير الطبري: 8/ 169.
(5)
أخرجه الطبري (9015): ص 8/ 170.
(6)
أخرجه ابن ابي حاتم (5116): ص 3/ 917.
(7)
أخرجه الطبري (9016): ص 8/ 170.
(8)
أخرجه الطبري (9017): ص 8/ 170.
(9)
أخرجه الطبري (9019): ص 8/ 170.
(10)
أخرجه الطبري (9020): ص 8/ 170.
(11)
انظر: النكت والعيون: 1/ 470.
(12)
تفسير الطبري: 8/ 170 - 171.
(13)
صفوة التفاسير: 247.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (5119): ص 3/ 917.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (5120): ص 3/ 917.
(16)
انظر: تفسير الطبري (9021): ص 8/ 171.
(17)
انظر: تفسير الطبري (9022): ص 8/ 171 - 172.
والثاني: ما وراء ذوات المحارم من أقاربكم، وهو قول عطاء (1).
والثالث: ما وراء ذلكم مما ملكت أيمانكم، وهو قول قتادة (2).
قال الطبري: والصواب" أن الله جل ثناؤه بيَّن لعباده المحرَّمات بالنسب والصهر، ثم المحرمات من المحصنات من النساء، ثم أخبرهم جل ثناؤه أنه قد أحل لهم ما عدا هؤلاء المحرَّمات المبيَّنات في هاتين الآيتين، أن نَبْتغيه بأموالنا نكاحًا وملك يمين، لا سفاحًا"(3).
قال ابن الجوزي: " قوله: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} هذا عند عموم العلماء لفظ عام دله التخصيص بنهي النبي-صلى الله عليه وسلم «أن تنكح المرأة على عمتها أو أعلى خالتها» (4)، وليس هذا على سبيل النسخ.
وقد ذهب قوم لا فقه لهم إلى أن التحليل المذكور في الآية منسوخ بهذا الحديث (5)، وهذا إنما يأتي من عدم فهم الناسخ والمنسوخ والجهل بشرائطه وقلة المعرفة بالفرق بين التخصيص والنسخ" (6).
قوله تعالى: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} [النساء: 24]، "أي: إِرادة أن تطلبوا النساء بطريق شرعي فتدفعوا لهن المهور حال كونكم متزوجين غير زانين" (7).
قال الماوردي: " يعني أن تلتمسوا بأموالكم إما شراء بثمن، أو نكاحاً بصداق، يعني متناكحين غير زانين "(8).
قال السدي: "، يقول: محصنين غير زُنَاة"(9).
عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في "قوله:{محصنين} ، قال: متناكحين، غير مسافحين، قال: زانين بكل زانية" (10). وفي رواية أخرى عن مجاهد: "{محصنين} : متناكحين غير مسافحين، السفاحُ الزِّنا" (11).
قال سليمان بن المغيرة: "سئل الحسن وأنا أسمع، ما المسافحة؟ قال: هي التي لا يزني إليها رجل بعينه إلا تبعته"(12).
وأصل السفاح: " صب الماء، ومنه سَفَح الدمع إذا صبَّه، وسَفْح الجبل أسفله لأنه مصب الماء فيه، وسِفَاح الزنى لصب مائه حراماً"(13).
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر {وأحل لكم} [النساء: 24] بفتح الألف والحاء و {أحصن} [النساء: 25] مضمومة الألف، وقرأ الكسائي وحمزة {وأحل لكم} مضمومة الألف و {أحصن} مفتوحة الألف.
واختلف عن عاصم فروى عنه حفص {وأحل} و {أحصن} مضمومتين، وروى عنه المفضل وأبو بكر {وأحل لكم} و {أحصن} بالفتح جميعا، وروي عن عاصم بن أبي النجود أنه قرأ {وأحل لكم} بفتح الألف، ووروي عن شيبان عن عاصم {وأحل} بالفتح {فإذا أحصن} بضم الألف (14).
قوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} [النساء: 24]، "أي: فما تلذذتم به من النساء بالنكاح فآتوهنَّ مهورهن فريضةً فرضها الله عليكم" (15).
(1) انظر: تفسير الطبري (9023): ص 8/ 172.
(2)
انظر: تفسير الطبري (9024): ص 8/ 172.
(3)
تفسير الطبري: 8/ 172.
(4)
رواه البخاري عن جابر وأبي هريرة رضي الله عنهما في كتاب النصح. انظر: صحيح البخاري مع الفتح 11/ 64.
(5)
ذكر دعوى النسخ النحاس في ناسخه (100) بقوله: "إنها أدخلت في الناسخ والمنسوخ" كما ذكر النسخ أيضا مكي بن أبي طالب في الإيضاح (184) معزيا ذلك إلى عطاء، ثم نقض هذا القول وأثبت إحكام الآية بقوله:"إنما هي مخصصة بالسنة مبينة بها في أن الآية غير عامة والسنة تبين القرآن ولا تنسخه".
(6)
نواسخ القرآن: 2/ 361.
(7)
صفوة التفاسير: 247.
(8)
النكت والعيون: 1/ 470 - 471.
(9)
أخرجه الطبري (9027): ص 8/ 175.
(10)
أخرجه الطبري (9025): ص 8/ 174.
(11)
أخرجه الطبري (9026): ص 8/ 174.
(12)
أخرجه ابن ابي حاتم (5129): ص 3/ 919.
(13)
النكت والعيون: 1/ 471.
(14)
انظر: السبعة: 230 - 231.
(15)
صفوة التفاسير: 247.
قال ابن عباس: " كانت متعة النساء في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة، ليس معه من يصلح له ضيعته ولا يصلح بحفظ متاعه، فيتزوج المرأة إلى قدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته، فتنظر له متاعه وتصلح له ضيعته، وكان يقول: {فما استمتعتم به منهن}، نسختها {محصنين غير مسافحين}، وكان الإحصان بيد الرجل، يمسك متى شاء ويطلق متى شاء"(1).
وقال ابن عباس أيضا: " والاستمتاع: هو النكاح"(2). وروي عن الحسن، ومجاهد والزهري نحو ذلك (3).
وقال عبدالله بن مسعود: " المتعة منسوخة، نسخها الطلاق، والصدقة، والعدة، والميراث"(4).
قال عبد الرزاق: " سمعت رجلا يحدث معمرا، قال: أخبرني الأشعث، والحجاج بن أرطاة، أنهما سمعا أبا إسحاق، يحدث عن الحارث، عن علي، قال: " نسخ المتعة الطلاق، والعدة، والميراث " قال: وسمعت غير الحجاج، يحدث عن محمد بن علي، عن علي، ونسخت الضحية كل ذبح " (5).
وقال سعيد بن المسيب: " " نسخت آية الميراث المتعة " (6).
قال سفيان في قوله: " {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن}، قال: هذا في المتعة كانوا قد أمروا بها قبل أن ينهوا عنها"(7).
قال أبو نضرة: " قرأت على ابن عباس رضي الله عنهما، {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} [النساء: 24]، قال ابن عباس: «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى» قال أبو نضرة: فقلت: ما نقرؤها كذلك. فقال ابن عباس: «والله لأنزلها الله كذلك» "(8).
وكان ابن عباس كذلك يقرأ (9)، وسعيد بن جبير (10).
وقال عبد الله بن أبي مليكة: "سئلت عائشة رضي الله عنها، عن متعة النساء فقالت: بيني وبينكم كتاب الله قال: وقرأت هذه الآية {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء} [المؤمنون: 5] ما زوجه الله أو ملكه فقد عدا"(11).
والراجح من التفسير أن يقال: " فما نكحتموه منهن فجامعتموه، فآتوهن أجورهن لقيام الحجة بتحريم الله متعة النساء على غير وجه النكاح الصحيح أو الملك الصحيح على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، المتعة على غير النكاح الصحيح حرام"(12).
قال ابن الجوزي: " وقد روي عن ابن عباس أنه كان يفتي بجواز المتعة، ثم رجع عن ذلك، وقد تكلف قوم من مفسري القراء، فقالوا: المراد بهذه الآية نكاح المتعة، ثم نسخت بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: نهى عن متعة النساء (13)، وهذا تكلف لا يحتاج إليه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز المتعة، ثم
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (5130): ص 3/ 919، وانظر: تفسير ابن المنذر (1594): ص 2/ 644.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (5131): ص 3/ 919.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5131): ص 3/ 919.
(4)
أخرجه ابن المنذر (1595): ص 2/ 644.
(5)
أخرجه ابن المنذر (1596): ص 2/ 645.
(6)
أخرجه ابن المنذر (1597): ص 2/ 645.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (5132): ص 3/ 919.
(8)
المستدرك على الصحيحين (3192): ص 2/ 3192، قال الحاكم:"هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ". وانظر: تفسير الطبري (9036) - (9040): ص 8/ 177 - 178.
(9)
انظر: تفسير الطبري (9036) - (9040): ص 8/ 177 - 178.
(10)
انظر: تفسير الطبري (9043): ص 8/ 178.
(11)
المستدرك على الصحيحين (3193): ص 2/ 334. قال الحاكم «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي.
(12)
تفسير الطبري: 8/ 178 - 179.
(13)
صحيح. أخرج البخاري 4216 و 5523 ومسلم 1407 والنسائي 6/ 126 و 7/ 202 والترمذي 1121 و 1794 وابن ماجة 1961 وأحمد 1/ 79 وسعيد بن منصور 848 والحميدي 37 والدارمي 2/ 140 وابن حبان 4140 و 4143 وأبو يعلى 576 وابن أبي شيبة 4/ 292 والبيهقي 7/ 201 و 202 من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل الحمر الإنسية.
- وله شاهد من حديث الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:«يا أيها الناس! إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء. وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة. فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله. ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا» . أخرجه مسلم 1406 وأحمد 2/ 404 والدارمي 2/ 140 والنسائي 6/ 126 وابن ماجة 1962 وسعيد بن منصور 847 وأبو يعلى 938 وعبد الرزاق 14041 والحميدي 847 والدارمي 2/ 140 وابن الجارود 699 وابن أبي شيبة 4/ 292 وابن حبان 4144 و 4146 و 4148 والطحاوي 3/ 25 من حديث الربيع بن سبرة. وانظر «تفسير الشوكاني» 629 ..
منع منها، فكان قوله منسوخا بقوله، وأما الآية، فإنها لم تتضمن جواز المتعة، لأنه تعالى قال فيها:{أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} ، فدل ذلك على النكاح الصحيح" (1).
روي الرَّبيع بن سبرة الجهني، عن أبيه:"أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استمتعوا من هذه النساء»، والاستمتاع عندنا يومئذ التزويج"(2).
وأما ما روي عن أبيّ بن كعب وابن عباس من قراءتهما: "فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى"، فقراءة بخلاف ما جاءت به مصاحف المسلمين. وغير جائز لأحد أن يلحق في كتاب الله تعالى شيئًا لم يأت به الخبرُ القاطعُ العذرَ عمن لا يجوز خلافه (3).
وفي تفسير قوله تعالى: {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} [النساء: 24]، وجهان:
أحدهما: أنه في التزوج والمهر. قاله ابن عباس (4)، والحسن (5).
عن ابن عباس: "قوله: {فآتوهن أجورهن فريضة}، قال: إذا تزوج الرجل منكم المرأة، ثم نكحها مرة واحدة، فقد وجب صداقها كله"(6).
والثاني: أنه في زواج المتعة، وقد نسخ آية الميراث المتعة. وهذا قول سعيد بن المسيب (7).
وفي قوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} [النساء: 24]، قولان:
أحدهما: أي آتوهن صدقاتهن معلومة، أراد الاستمتاع في النكاح بالمهور، وهذا قول مجاهد (8)، والحسن (9)، وابن زيد (10)، وأحد قولي ابن عباس (11). وهو قول الجمهور (12).
والثاني: أنه المتعة التي كانت في أول الإسلام، كان الرجل ينكح المرأة إلى أجل مسمى، ويشهد شاهدين، فإذا انقضت المدة ليس له عليها سبيل. وهذا قول السدي (13)، ومجاهد في إحدى الروايات (14)، واستندوا فيه على قراءة أبي بن كعب:" فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى"(15).
ثم اختلفوا هل هي محكمة أو منسوخة، على قولين:
أحدهما: أنها محكمة.
روي شعبة، عن الحكم قال:"سألته عن هذه الآية: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم}، إلى هذا الموضع: {فما استمْتَعتم به منهن}، أمنسوخة هي؟ قال: لا قال الحكم: وقال علي رضي الله عنه: لولا أن عمر رضي الله عنه نهى عن المتعة ما زنى إلا شَقِيٌّ"(16).
والقول الثاني: أنها منسوخة، واختلفوا بماذا نسخت على قولين:
أحدهما: بإيجاب العدة.
عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: " {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} فنسختها {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]، {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ} [الطلاق: 4] "(17).
(1) زاد المسير: 1/ 392.
(2)
أخرجه الطبري (9044): ص 8/ 178، ورواه البيهقي 7: 203، وروى أحمد في المسند حديث سبرة بن معبد في تحريم المتعة، مطولا ومختصرًا، من أوجه كثيرة (3: 404 - 405).
وكذلك رواه مسلم 1: 395 - 396، مطولا ومختصرًا.
(3)
انظر: تفسير الطبرٍي: 8/ 179.
(4)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5133): ص 3/ 919.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5134): ص 3/ 919.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (5133): ص 3/ 919.
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5135): ص 3/ 919.
(8)
انظر: تفسير الطبري (9030): ص 8/ 175.
(9)
انظر: تفسير الطبري (9029): ص 8/ 175.
(10)
انظر: تفسير الطبري (9032): ص 8/ 176.
(11)
انظر: تفسير الطبري (9028): ص 8/ 175.
(12)
انظر: زاد المسير: 1/ 392.
(13)
انظر: تفسير الطبري (9033): ص 8/ 176.
(14)
انظر: تفسير الطبري (9034): ص 8/ 176.
(15)
انظر: تفسير الطبري (9041): ص 8/ 179.
(16)
أخرجه الطبري (9042): ص 8/ 178.
(17)
أخرجه ابن الجوزي في نواسخ القرآن: 2/ 363، وذكر نحوه السيوطي في الدر المنثور 2/ 14، وقال:"أخرجه أبو داود في ناسخه وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما". وذكر النحاس في ناسخه: (103) قول النسخ عن ابن عباس من طريق عثمان بن عطاء.
والثاني: أنها نسخت بنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة (1).
قال ابن الجوزي: " وهذا القول ليس بشيء لوجهين:
أحدهما: أن الآية سيقت لبيان عقدة النكاح بقوله: {محصنين} أي: متزوجين، عاقدين النكاح، فكان معنى الآية {فما استمتعتم به منهن} على وجه النكاح الموصوف فآتوهن مهورهن، وليس في الآية ما يدل على أن المراد نكاح المتعة الذي نهى عنه، ولا حاجة إلى التكلف، وإنما أجاز المتعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم منع منها.
والثاني: أنه لو كان ذلك لم يجز. نسخه بحديث واحد" (2).
قوله تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} [النساء: 24]، أي:" ولا إثم عليكم فيما تمَّ التراضي به بينكم، من الزيادة أو النقصان في المهر، بعد ثبوت الفريضة"(3).
قال ابن عباس: " والتراضي: أن يوفيها صداقها ثم يخيرها"(4).
وقال ربيعة: " يقول الله تعالى: ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به إن أعطت زوجها من بعد الفريضة أو صنعت إليه، فذلك الذي قال"(5).
عن مقاتل بن حيان: " قوله: {من بعد الفريضة}، يعني: ما بعد تسمية الأول"(6).
وفي قوله تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} [النساء: 24]، أربعة أوجه:
أحدها: معناه لا حرج عليكم أيها الأزواج إن أعسرتم بعد أن فرضتم لِنِسَائكم مهراً عن تراض أن ينقصنكم منه ويتركنكم، وهذا قول سليمان بن المعتمر (7).
والثاني: لا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضتيم أنتم والنساء اللواتي استمتعتم بهن إلى أجل مسمى، إذا انقضى الأجل بينكم أن يزدنكم في الأجل وتزيدوهن في الأجر قبل أن يستبرئن أرحامهن، وهذا قول السدي (8).
ضعّفه الطبري وقال: بأنه " قولٌ لا معنى له، لفساد القول بإحلال جماع امرأة بغير نكاح ولا ملك يمين"(9).
والثالث: لا جناح عليكم فيما تراضيتم به ودفعتموه أن يعود إليكم عن تراض، وهذا قول ابن عباس (10).
والرابع: ولا جناح عليكم فيما وضَعتْ عنكم نساؤكم من صَدُقاتهن من بعد الفريضة. قاله ابن زيد (11).
والراجح من التفسير أن يقال: " ولا حرج عليكم، أيها الناس، فيما تراضيتم به أنتم ونساؤكم من بعد إعطائهن أجورهن على النكاح الذي جرى بينكم وبينهن، من حطِّ ما وجب لهنَّ عليكم، أو إبراء، أو تأخير ووضع. وذلك نظير قوله جل ثناؤه: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) [سورة النساء: 4] "(12).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 24]، أي:" إن الله تعالى كان عليمًا بأمور عباده، حكيما في أحكامه وتدبيره"(13).
(1) قال ابن حزم الأنصاري في ناسخه ص: 331، أن هذه الآية منسوخة بحديث مسلم عن سبرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني كنت أحللت هذه المتعة، ألا وإن الله ورسوله قد حرماها، ألا فليبلغ الشاهد الغائب".
وذكر ابن خزيمة في ناسخه (270) بأن هذه الآية منسوخة بالطلاق والعدة وبنهي المتعة.
(2)
نواسخ القرآن: 2/ 364.
(3)
التفسير الميسر: 82.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (5136): ص 3/ 920.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (5137): ص 3/ 920.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (5138): ص 3/ 920.
(7)
انظر: تفسير الطبري (9045): ص 8/ 180.
(8)
انظر: تفسير الطبري (9046): ص 8/ 180 - 181.
(9)
تفسير الطبري: 8/ 181 - 182.
(10)
انظر: تفسير الطبري (9047): ص 8/ 181.
(11)
انظر: تفسير الطبري (9048): ص 8/ 181.
(12)
تفسير الطبري: 8/ 181.
(13)
التفسير الميسر: 82.
قال النحاس: " أي: هو عليم بما فرض حكيم في النكاح"(1).
قال الطبري: أي: " إن الله كان ذا علم بما يُصلحكم، أيها الناس، في مناكحكم وغيرها من أموركم وأمور سائر خلقه، حكيما فيما يدبر لكم ولهم من التدبير، وفيما يأمركم وينهاكم، لا يدخل حكمته خلل ولا زلل"(2).
وفي قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 24]، ثلاثة وجوه:
أحدها: كان عليماً بالأشياء قبل خلقها، حكيماً في تقديره وتدبيره لها، وهذا قول الحسن (3).
والثاني: أن القوم شاهدوا عِلماً وحكمة فقيل لهم إن كان كذلك لم يزل، وهذا قول سيبويه (4).
والثالث: أن الخبر عن الماضي يقوم مقام الخبر عن المستقبل، لأن الأشياء عند الله في حال واحدة، ما مضى وما يكون وما هو كائن. وهذا مذهب الكوفيين (5).
قال الزجاج: " والقولان الأولان هما الصحيحان، لأن العرب خوطبت بما تعقل، ونزل
القرآن بلغتها فما أشبه من التفسير كلامها فهو أصح، إذ كان القرآن بلغتها نزل" (6).
الفوائد:
1 -
تحريم المرأة المتزوجة حتى يفارقها زوجها بطلاق أو موت وحتى تنقضي عدتها.
2 -
جواز نكاح المملوكة باليمين وإن كان زوجها حياً في دار الحرب إذا أسلمت؛ لأن الإسلام فصل بينهما.
3 -
وجوب المهور، وجواز إعطاء المرأة مهرها لزوجها شيئاً.
4 -
دخل في قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} كلُّ ما لم يذكر في هذه الآية، فإنه حلال طيب. فالحرام محصور والحلال ليس له حد ولا حصر لطفًا من الله ورحمة وتيسيرًا للعباد.
5 -
إثبات اسمين من اسمائه تعالى، وهما:«العليم» ، و «الحكيم»:
فمن أسمائه «العليم» ، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله عز وجل، ، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (7).
و«الحكيم» : "هو المحكم لخلق الأشياء. قال تعالى: {آلر، تلك آيات الكتاب الحكيم} [يونس: 1] وقال في موضع آخر: {كتاب أحكمت آياته} [هود: 1].
فدل على أن المراد بـ «الحكيم» هنا، الذي أحكمت آياته، صرف عن مفعل إلى فعيل، ومعنى الإحكام لخلق الأشياء، إنما ينصرف إلى إتقان التدبير فيها، وحسن التقدير لها (8).
القرآن
التفسير:
ومن لا قدرة له على مهور الحرائر المؤمنات، فله أن ينكح غيرهن، من فتياتكم المؤمنات المملوكات. والله تعالى هو العليم بحقيقة إيمانكم، بعضكم من بعض، فتزوجوهن بموافقة أهلهن، وأعطوهن مهورهن على ما تراضيتم به عن طيب نفس منكم، متعففات عن الحرام، غير مجاهرات بالزنى، ولا مسرات به باتخاذ أخلاء، فإذا تزوجن وأتين بفاحشة الزنى فعليهن من الحدِّ -وهو الجَلْدُ لا الرَّجْمُ- نصف ما على الحرائر. ذلك الذي أبيح مِن نكاح الإماء بالصفة المتقدمة إنما أبيح لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنى، وشق عليه
(1) معاني القرآن: 2/ 62.
(2)
تفسير الطبري: 8/ 182.
(3)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 25.
(4)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 25، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 33 - 34.
(5)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 25، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 33 - 34، والنكت والعيون: 1/ 471.
(6)
معاني القرآن: 2/ 25.
(7)
انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين: 1/ 188.
(8)
انظر: شأن الدعاء، للخطابي: 73 - 74.
الصبر عن الجماع، والصبر عن نكاح الإماء مع العفة أولى وأفضل. والله تعالى غفور لكم، رحيم بكم إذ أذن لكم في نكاحهن عند العجز عن نكاح الحرائر.
قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25]، " أي: من لم يكن منكم ذا سعة وقدرة أن يتزوج الحرائر والمؤمنات" (1).
قال الطبري: أي: " ومن لم يجد منكم سعة من مالٍ لنكاح الحرائر، فلينكح مما ملكت أيمانكم"(2).
وفي تفسير: {الْمُحْصَنَاتِ} [النساء: 25]، قولان:
أحدهما: أنهن الحرائر. وهذا قول ابن عباس (3)، وروي عن عطية ومجاهد ومقاتل بن حيان وقتادة نحو ذلك (4).
والثاني: أنّ المحصنات العفائف. قاله السدي (5).
وفي معنى "الطوْل" ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه الغنى والسعة الموصل إلى نكاح الحرّة، وهذا قول ابن عباس (6)، وقتادة (7)، ومجاهد (8)، وسعيد بن جبير (9)، والسدي (10)، وابن زيد (11)، والشافعي (12)، ومالك (13).
والثاني: هو أن تكون تحته حرة، وهو قول أبي حنيفة (14).
والثالث: هو الهوى وهو أن يهوى أَمَةً فيجوز أن يتزوجها، إن كان ذا يسار وكان تحته حرة، وهذا قول جابر (15)، وربيعة (16)، والشعبي (17)، وعطاء (18).
والراجح –والله أعلم-أن " معنى الطَّوْل في هذا الموضع، السعة والغنى من المال، لإجماع الجميع على أن الله تبارك وتعالى لم يحرِّم شيئًا من الأشياء سوى نكاح الإماء لواجد الطول إلى الحرة فأحلَّ ما حرم من ذلك عند غلبة المحرَّم عليه له، لقضاء لذة. فإذْ كان ذلك إجماعًا من الجميع فيما عدا نكاح الإماء لواجد الطول، فمثله في التحريم نكاح الإماء لواجد الطول: لا يُحَلُّ له من أجل غلبة هوًى عنده فيها، لأن ذلك مع وجوده الطولَ إلى الحرة منه قضاء لذة وشهوة، وليس بموضع ضرورة ترفع برخصة، كالميتة للمضطر الذي يخاف هلاك نفسه، فيترخص في أكلها ليحيي بها نفسَه، وما أشبه ذلك من المحرمات اللواتي رخص الله لعباده في حال الضرورة والخوف على أنفسهم الهلاكَ منه، ما حرم عليهم منها في غيرها من الأحوال. ولم يرخص الله تبارك وتعالى لعبدٍ في حرام لقضاء لذة. وفي إجماع الجميع على أن رجلا لو غلبَه هوى امرأة حرّة أو أمة، أنها لا تحل له إلا بنكاح أو شراء على ما أذن الله به، ما يوضّح فساد قول من قال: معنى الطول، في هذا الموضع: الهوى، وأجاز لواجد الطول لحرة نكاحَ الإماء"(19).
قال الماوردي: "وأصل الطَوْل: الفضل والسعة، لأن المعنى كالطول في أنه ينال به معالي الأمور، ومنه قولهم ليس فيه طائل أي لا ينال به شيء من الفوائد، فكان هو الأصح من تأويلاته"(20).
(1) صفوة التفاسير: 247.
(2)
تفسير الطبري: 8/ 185.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (5141): ص 3/ 920.
(4)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5141): ص 3/ 920.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5142): ص 3/ 921.
(6)
انظر: تفسير الطبري (9051): ص 8/ 182.
(7)
انظر: تفسير الطبري (9052): ص 8/ 182.
(8)
انظر: تفسير الطبري (9049): ص 8/ 182.
(9)
انظر: تفسير الطبري (9053): ص 8/ 182 - 183.
(10)
انظر: تفسير الطبري (9055): ص 8/ 183.
(11)
انظر: تفسير الطبري (9056): ص 8/ 183.
(12)
انظر: تفسير الإمام الشافعي: 2/ 582.
(13)
انظر: النكت والعيون: 1/ 472.
(14)
انظر: النكت والعيون: 1/ 472.
(15)
انظر: تفسير الطبري (9059): ص 8/ 184.
(16)
انظر: تفسير الطبري (9057)، و (9058): ص 8/ 183.
(17)
انظر: تفسير الطبري (9060): ص 8/ 184.
(18)
انظر: تفسير الطبري (9061): ص 8/ 184.
(19)
تفسير الطبري: 8/ 184 - 185.
(20)
النكت والعيون: 1/ 473.
قال الزمخشري: " الطول: الفضل، يقال: لفلان على فلان طول أى زيادة وفضل. وقد طاله طولا فهو طائل. قال (1):
لقد زادنى حبا لنفسى أننى
…
بغيض إلى كل امرىء غير طائل
ومنه قولهم: ما حلا منه بطائل، أى بشيء يعتد به مما له فضل وخطر. ومنه الطول في الجسم لأنه زيادة فيه، كما أن القصر قصور فيه ونقصان. والمعنى: ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة «2» يبلغ بها نكاح الحرة فلينكح أمة." (2).
واختلف في إيمان الأمَةِ هل هو شرط في نكاحها عند عدم الطَوْل على قولين:
أحدهما: أنه شرط لا يجوز التزوج بالأمة الكتابية، سواء كان الزوج حرا أو عبدا، وهذا قول مجاهد (3)، وسعيد (4)، والحسن (5)، ومذهب مالك (6)، والشافعي (7).
والثاني: أنه ندب وليس بشرط، فإن تزوج غير المؤمنة جاز، وهذا قول أبي حنيفة (8)، ومذهب أهل العراق (9).
قال الواحدي: " والآية حجة عليهم"(10).
قال الواحدي: " وتقييد المحصنات ههنا بالمؤمنات، ووصفهن بالإيمان يفيد عند من يقول بالمفهوم أن من وجد طول حرة كتابية لم يكن ممنوعا عن نكاح الأمة، وإنما يمنع إذا وجد طول حرة مؤمنة كما ذكر الله تعالى. هذا مذهب أكثر أصحابنا (11).
ومنهم من يقول: إذا قدر على طول حرة كتابية منع من نكاح الأمة، كما لو قدر على طول حرة مؤمنة (12).
ثم قال الواحدي: ويحتمل هذا التقييد على غالب الحال؛ لأن الغالب من نكاح المسلمين مناكحة المسلمات، والخطاب ربما يأتي مقيدا بغالب الحال، فلا يكون له مفهوم يخالف المنظوم، كقوله:{فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم} [النساء: 101]، ثم لم يكن الخوف مشروطا في جواز القصر، ولكنه نزل على الغالب، وكان الغالب من أسفارهم الخوف، ولهذا نظائر" (13).
قوله تعالى: {فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25]، "أي: فله أن ينكح من الإِماء المؤمنات اللاتي يملكهن المؤمنون" (14).
عن خصيف قال: "كتب عبد الحميد بن عبد الرحمن إلى الشعبي، يسأله عن تزويج الأمة، فقال: إذا وجد الرجل طول الحرة، فتزويج الأمة عليه بمنزلة الميتة والدم ولحم الخنزير"(15).
قال مجاهد: " لا ينبغي للحر المسلم أن يتزوج المملوكة من أهل الكتاب"(16). وروي عن الحسن ومكحول وقتادة نحو ذلك (17).
(1) البيت للطرماح في "ديوانه" ص 100، و"الأغاني" 12/ 50، و"الحيوان" 3/ 112، و"الشعر والشعراء" ص 585، و"ديوان الحماسة" 1/ 76، و"عيون الأخبار" 3/ 112، و"الوساطة" ص 247، و"المثل السائر" 2/ 353، و"الكشاف" 1/ 531، و"البحر" 3/ 204 ..
(2)
الكشاف: 1/ 499.
(3)
انظر: تفسيره: 1/ 152.
(4)
انظر: التفسير البسيط للواحدي: 6/ 452، ولم أقف عليه ..
(5)
أورد الأثر عنه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 254، وعزاه لابن أبي شيبة ..
(6)
انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 195، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 140 ..
(7)
انظر: الأم: 5/ 6، وأحكام القرآن" للهراسي 2/ 289، "الجامع لأحكام القرآن" 5/ 140 ..
(8)
انظر: النكت والعيون: 1/ 473.
(9)
انظر: تفسير القرطبي 5/ 140 ..
(10)
التفسير البسيط: 6/ 453.
(11)
انظر "المجموع شرح المهذب" 17/ 344، وقد رجح هذا القول ابن العربي من المالكية في تفسيره "أحكام القرآن" 1/ 393، وانظر: القرطبي 5/ 138 ..
(12)
هذا ما رجحه الشيرازي، انظر:"المجموع" 17/ 344، والقرطبي 5/ 138 ..
(13)
التفسير البسيط: 6/ 450 - 451.
(14)
صفوة التفاسير: 247.
(15)
أخرجه ابن ابي حاتم (5143): ص 3/ 921.
(16)
أخرجه ابن ابي حاتم (5146): ص 3/ 921.
(17)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5146): ص 3/ 921.
قال ابن عباس: "قوله: {من فتياتكم المؤمنات}، فلينكح من إماء المؤمنين"(1). وروي عن السدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك (2).
وعن ابن عباس، "قوله:{فمن ما ملكت أيمانكم} ، فكانوا في حلال ما ملكت أيمانهم من الإماء كلهن، ثم أنزل الله سبحانه بعد هذا تحريم نكاح المرأة وأمها، ونكاح ما نكح الآباء والأبناء، وأن يجمع بين الأختين، والأخت من الرضاعة، والأم من الرضاعة، والمرأة لها زوج حرم الله ذلك حرمن حرة أو أمة" (3).
قال الواحدي: " ولا يجوز للإنسان أن يتزوج جارية نفسه بالإجماع، ومعنى قوله: {فمن ما ملكت أيمانكم} هو أن يتزوج الرجل ما يملك غيره ممن يكون على مثل حاله من الإسلام. فأباح أن ينكح بعضنا فتاة بعض، كما فسره ابن عباس"(4).
وقوله تعالى: {من فتياتكم المؤمنات} . الفتيات: المملوكات والإماء. جمع فتاة، تقول العرب للأمة: فتاة، وللعبد: فتى، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لا يقولن أحدكم: عبدي، ولكن ليقل: فتاي وفتاتي» (5).
وقال ابن السكيت: يقال: (تفتت)(1) الجارية، إذا راهقت فخدرت (6) ومنعت من اللعب مع الصبيان. وقد فتيت تفتية. ويقال للجارية الحدثة: فتاة، وللغلام: فتى (7).
أبو عبيد: الفتاء ممدود مصدر الفتي في السن. وأنشد (8):
إذا عاش الفتى مائتين عاما
…
فقد ذهب اللذاذة والفتاء (9)
فالفتاة الشابة، والفتاة الأمة، عجوزا كانت أو شابة؛ لأنها كالشابة في أنه لا توقر توقير الكبير (10).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ} [النساء: 25]، أي:" والله تعالى هو العليم بحقيقة إيمانكم"(11).
قال مقاتل بن حيان، "ثم قال في التقديم: والله أعلم بإيمانكم" (12)،
قال الطبري: " أي: والله أعلم بإيمان من آمن منكم بالله ورسوله وما جاء به من عند الله، فصدق بذلك كله منكم"(13).
قال الزجاج: " أي اعملوا على ظاهركم في الإيمان"(14).
قوله تعالى: {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [النساء: 25]، أي:" فلينكح بعضكم من بعض"(15).
قال مقانل بن حيان: " قوله: {بعضكم من بعض} يقول: بعضكم من بعض "(16).
قال الطبري: " هذا من المؤخر الذي معناه التقديم، وتأويل ذلك: ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات، فلينكح بعضكم من بعض بمعنى: فلينكح هذا فتاة هذا"(17).
وذكر أهل العلم في قوله تعالى: {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [النساء: 25]، وجهين:
أحدهما: كلكم بنو آدم وولده، فلا يتداخلنكم شموخ وأنفة من تزوج الإماء عند الضرورة، فإنكم تتساوون في أنكم بنو آدم. فعلى هذا قوله:{بعضكم من بعض} أي: في النسب (18).
(1) أخرجه ابن ابي حاتم (5145): ص 3/ 921.
(2)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5145): ص 3/ 921.
(3)
أخرجه ابن ابي حاتم (5144): ص 3/ 921.
(4)
التفسير البسيط: 6/ 451.
(5)
أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (2249) كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب، حكم إطلاق لفظة العبد ..
(6)
أي: ألزمت الخدر وسترت في البيت. حاشية 2 من "تهذيب اللغة" 3/ 2730 (فتا).
(7)
انظر: تهذيب اللغة" 3/ 2730 (فتا) ..
(8)
البيت للربيع بن ضبع الفزاري كما عند سيبويه 1/ 208، "اللسان" 6/ 3347 (فتا)؛ ونسبه سيبويه مرة أخرى إلى يزيد بن ضبة. انظر:"الكتاب" 2/ 162.
(9)
انظر: غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 333، وتهذيب اللغة: 3/ 2730 "فتا".
(10)
انظر: التفسير البسيط: 6/ 452.
(11)
التفسير الميسر: 82.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (5147): ص 3/ 921.
(13)
تفسير الطبري: 8/ 191.
(14)
معاني القرآن: 2/ 40.
(15)
تفسير الطبري: 8/ 191.
(16)
أخرجه ابن أبي حاتم (5148): ص 3/ 921.
(17)
تفسير الطبري: 8/ 191.
(18)
انظر: "معاني الزجاج" 2/ 41، "زاد المسير" 2/ 75، والتفسير البسيط: 6/ 453.
والثاني: أن المعنى: بعضكم يوالي بعضا، ويلابس بعضا في ظاهر الحكم، من حيث شملكم الإسلام، فاجتمعتم فيه، وصرتم متكافئين متماثلين بجمع الإسلام لكم، واستوائكم في حكمه. قال الراعي (1):
فقلت ما أنا ممن لا يواصلني
…
ولا ثوائي إلا ريث أحتمل
أي: لا ألابس من لا يواصلني ولا أواليه. والمعنى: دينكم واحد فأنتم متساوون في هذه الجهة، فمتى وقع لأحدكم الضرورة جاز له تزوج الأمة (2).
قال الزجاج: ويقوي هذا الوجه، " لأنه ذكر ههنا المؤمنات من العبيد"(3).
والى هذا أشار ابن عباس في تفسير هذه الآية، فقال: يريد: "المؤمنون بعضهم أكفاء لبعض "(4).
قال الزجاج: " وإنما قيل لهم ذلك لأن العرب كانت تطعن في الأنساب، وتفخر بالأحساب وتعير بالهجنة، كانوا يسمون ابن الأمة الهجين، فأعلم الله عز وجل أن أمر العبيد وغيرهم مستوفى الإيمان (5).
وإنما حرم التزوج بالأمة إذا وجد إلى الحرة سبيل لسببين (6):
أحدهما: أن ولد الحر من المملوكة مملوك لسيدها، فلا يجوز له إرقاق ولده ما دام مستغنيا.
والثاني: أن الأمة مستخدمة في الحاجات، ممتهنة بكثرة عشرة الرجال وذلك شاق على الزوج.
قال الزجاج: " فلذلك كره تزوج الحر بالأمة، فأما المفاخرة بالأحساب والتعيير بالأنساب فمن أمر الجاهلية"(7).
وفي هذا السياق يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أربع في أمتي من الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة عليها سرابيل من قطران، ودرع من جرب» (8).
قوله تعالى: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} [النساء: 25]، "أي: فتزوجوهن بأمر أسيادهن وموافقة مواليهن" (9).
قال السدي: " فلتنكح الأمة بإذن أهلها"(10). وروي عن مقاتل بن حيان نحو ذلك (11).
وقال مقاتل بن حيان: " يعني: بإذن أربابهن"(12).
قوله تعالى: {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 25]، " أي: ادفعوا لهن مهورهن عن طيب نفسٍ ولا تبخسوهن منه شيئاً استهانة بهن لكونهن إِماء" (13).
قال ابن زيد: " {وآتوهن أجورهن}، قال: الصداق"(14).
قال مقاتل بن حيان: " يعني: مهورهن بالمعروف"(15).
قال الطبري: " ويعني بقوله: {بالمعروف}: على ما تراضيتم به، مما أحلَّ الله لكم، وأباحه لكم أن تجعلوه مهورًا لهن"(16).
(1) ديوانه" ص 197، "أساس البلاغة" ص 186 (ريث)، وقافيته في الأساس: أرتحل. ومعنى يواصلني: يوافقنى ..
(2)
انظر: "معانى الزجاج" 2/ 4، والتفسير البسيط للواحدي: 6/ 453.
(3)
معاني الزجاج" 2/ 41.
(4)
ذكره الواحدي في التفسير البسيط: 6/ 454، ولم اقف عليه.
(5)
انظر: التفسير البسيط: 6/ 454.
(6)
انظر: انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 41، والتفسير البسيط للوحدي: 6/ 454.
(7)
معاني القرآن: 2/ 41.
(8)
أخرجه ابن أبي شيبة (12103): ص 3/ 390، و"أحمد (23291): ص 5/ 342، وفي (23292): ص 5/ 343، وفي (23300): ص 5/ 344، و"مسلم" (2116): ص 3/ 45، و"أبو يعلى" 1577، و"ابن حبان"(3143).
(9)
صفوة التفاسير: 247.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (5149): ص 3/ 922.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5149): ص 3/ 922.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (5150): ص 3/ 922.
(13)
صفوة التفاسير: 247.
(14)
أخرجه الطبري (9073): 8/ 192.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (5151): ص 3/ 922.
(16)
تفسير الطبري: 8/ 192.
قال الواحدي: " {بالمعروف}: من غير مطل وضرار، والإجماع على أن المهر إنما يدفع إلى مولاها؛ لأنه ملكه، وإنما أضيف الإيتاء إليهن؛ لأنه ثمن بضعهن، وإذا آتى المولى فقد آتاها؛ لأنه وإن آتاها كان لمولاها انتزاعه منها"(1).
قوله تعالى: {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} [النساء: 25]، "أي: عفيفات غير مجاهرات بالزنى" (2).
قال ابن عباس: " يعني: تنكحوهن عفائف غير زواني في سرّ ولا علانية"(3). وفي رواية أخرى: "، المسافحات المعالنات بالزنا"(4).
قال السدي: " أما المحصنات فالعفائف، فلتنكح الأمة بإذن أهلها محصنة والمحصنات العفائف غير مسافحة، والمسافحة، المعالنة بالزنا"(5).
قال قتادة: " المسافحة: البغيّ التي تؤاجر نفسها من عَرَض لها"(6).
قال الضحاك: " أما المحصنات، فهن الحرائر، يقول: تزوج حرة. وأما المسافحات، فهن المعالنات بغير مهر"(7).
قال ابن زيد: "المسافح الذي يَلقى المرأة فيفجر بها ثم يذهب وتذهب "(8).
قال الواحدي: " {غير مسافحات} أي: غير زواني، وظاهر هذا يوجب أن نكاح الزواني من الإماء حرام"(9).
قوله تعالى: {وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} [النساء: 25]، "أي: ولا متسترات بالزنى مع أخدانهن" (10).
قال السدي: " ولا متخذة صديقًا"(11).
عن مجاهد في قوله: " {ولا متخذات أخدان}، قال: الخليلة يتخذها الرجل، والمرأة تتخذ الخليل"(12).
قال قتادة: " وذات الخدن: ذات الخليل الواحد. فنهاهم الله عن نكاحهما جميعًا"(13).
قال الضحاك: " وأما متخذات أخدان، فذات الخليل الواحد المستسرَّة به، نهى الله عن ذلك"(14).
قال ابن زيد: " المخادن، الذي يقيم معها على معصية الله وتقيم معه، فذاك الأخدان "(15).
قال ابن عباس: " {ولا متخذات أخدان}، ذات الخليل الواحد قال: كان أهل الجاهلية يحرِّمون ما ظهر من الزنا، ويستحلون ما خفي، يقولون: أما ما ظهر منه فهو لؤم، وأما ما خفي فلا بأس بذلك، فأنزل الله تبارك وتعالى: {وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [سورة الأنعام: 51] "(16).
قال عامر: " الزنا زناءان: تزني بالخدن ولا تزني بغيره، وتكون المرأة سَوْمًا، ثم قرأ: {محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان} "(17).
قوله تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25]، "أي: فإِذا أُحصنَّ بالزواج ثم زنين فعليهن نصف ما على الحرائر من عقوبة الزنى" (18).
قال ابن عباس: " يعني: إذا تزوجت حرا ثم زنت"(19). وروي عن الشعبي، وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن وقتادة نحو ذلك (20).
(1) التفسير البسيط: 6/ 454.
(2)
صفوة التفاسير: 247.
(3)
أخرجه الطبري (9074): ص 8/ 193.
(4)
أخرجه الطبري (9075): ص 8/ 193.
(5)
أخرجه الطبري (9077): ص 8/ 194.
(6)
أخرجه الطبري (9080): ص 8/ 194.
(7)
أخرجه الطبري (9081): ص 8/ 194 - 195.
(8)
أخرجه الطبري (9083): ص 8/ 195.
(9)
التفسير البسيط: 6/ 455.
(10)
صفوة التفاسير: 247.
(11)
أخرجه الطبري (9077): ص 8/ 194.
(12)
أخرجه الطبري (9078): ص 8/ 194.
(13)
أخجه الطبري (9080): ص 8/ 194.
(14)
أخرجه الطبري (9081): ص 8/ 194 - 195.
(15)
أخرجه الطبري (9083): ص 8/ 195.
(16)
أخرجه الطبري (9075): ص 8/ 193.
(17)
أخرجه الطبري (9076): ص 8/ 194.
(18)
صفوة التفاسير: 247.
(19)
أخرجه ابن أبي حاتم (5160): ص 3/ 924.
(20)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5160): ص 3/ 924 ..
قال سعيد بن جبير: " {فإن أتين بفاحشة}، يقول: فإن جئن بالزنا"(1). " فعلى الولاية نصف ما على الحرة من الجلد وهي خمسون جلدة"(2). وروي عن السدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك (3).
عن ابن عباس: " قوله: {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب}، قال: من الجلد"(4). وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك (5).
قال الزجاج: " أي: عليهن نصف الحد، والحد مائة جلدة على الحر والحرة غير المحصنين، وعلى المحصنين الرجم، إلا أن الرجم قتل، والقتل لا نصف له، فإنما عليهن نصف الشيء الذي له نصف وهوالجلد"(6).
وقوله: {فَإِذَا أُحْصِنَّ} ، قرأ بفتح الألف حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم (7)، ومعنى ذلك أسلمن، فيكون إحصانها ها هنا إسلامها (8). وهذا قول ابن مسعود (9)، وإبراهيم (10)، والشعبي (11)، والزهري (12)، والسدي (13)، وسالم (14)، والقاسم (15).
وقرأ الباقون بضم الألف (16)، ومعنى ذلك تزوجن، فيكون إحصانها ها هنا تزويجها (17). وهذا قول ابن عباس (18)، ومجاهد (19)، وسعيد بن جبير (20)، والحسن (21)، وقتادة (22).
قال الطبري: " أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في أمصار الإسلام، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ في قراءته الصوابَ، فإن ظن ظانٌّ أنّ ما قلنا في ذلك غيرُ جائز، إذ كانتا مختلفتي المعنى، وإنما تجوز القراءةُ بالوجهين فيما اتفقت عليه المعاني فقد أغفل، وذلك أن معنيي ذلك وإن اختلفا، فغير دافع أحدُهما صاحبه. لأن الله قد أوجب على الأمَة ذات الإسلام وغير ذات الإسلام على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، الحدّ، فقال صلى الله عليه وسلم: «إذا زَنت أمَةُ أحدكم فَليجلدها، كتابَ الله، ولا يُثَرِّبْ عليها. ثم إن عادت فليضربها، كتابَ الله، ولا يُثرّبْ عليها. ثم إن عادت فليضربها، كتابَ الله، ولا يُثرّب عليها. ثم إن زَنت الرابعة فليضربها، كتابَ الله، وليبعها ولو بحبل من شَعَرٍ» (23)، وقال صلى الله عليه وسلم: «أقيموا الحدودَ على ما ملكت أيمانكم» (24)، فلم يخصص بذلك ذات زوج منهن ولا غير ذات زوج. فالحدود واجبةٌ على مَوالي الإماء إقامتها عليهن، إذا فجرن، بكتاب الله وأمرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم"(25).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (5159): ص 3/ 923.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (5162): ص 3/ 924.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5162): ص 3/ 924 انظر: .
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (5163): ص 3/ 924.
(5)
انظر: تسير ابن أبي حاتم (5163): ص 3/ 924 انظر: .
(6)
معاني القرآن: 2/ 41.
(7)
انظر: السبعة: 230 - 231.
(8)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 195.
(9)
انظر: تفسير الطبري (9088) - (9094): ص: 8/ 199 - 200.
(10)
انظر: تفسير الطبري (9095): ص 8/ 200.
(11)
انظر: تفسير الطبري (9096): ص 8/ 200.
(12)
انظر: تفسير الطبري (9097): ص 8/ 200.
(13)
انظر: تفسير الطبري (9098): ص 8/ 200.
(14)
انظر: تفسير الطبري (9099): ص 8/ 200.
(15)
انظر: تفسير الطبري (9099): ص 8/ 200.
(16)
انظر: السبعة: 230 - 231.
(17)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 195.
(18)
انظر: تفسير الطبري (9100) - (9102): ص 8/ 201 - 202.
(19)
انظر: تفسير الطبري (9103): ص 8/ 202.
(20)
انظر: تفسير الطبري (9104): ص 8/ 202.
(21)
انظر: تفسير الطبري (9105): ص 8/ 202.
(22)
انظر: تفسير الطبري (9106): ص 8/ 202.
(23)
حديث صحيح، رواه الطبري من غير إسناد، وكأنه من مسند أبي هريرة، رواه البخاري بغير هذا اللفظ (الفتح 4: 350/ 12: 143 - 147) ومسلم 12: 211 / وأحمد في مسنده رقم: 7389، والبيهقي في السنن الكبرى 8: 242 - 244، من طرق.
(24)
رواه أحمد في مسنده رقم: 736، 1137، 1142، 1230 / والسنن الكبرى للبيهقي 8:243. وانظر تخريجه في تفسير ابن كثير 2: 406 ..
(25)
تفسير الطبري: 8/ 196 - 197.
قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} [النساء: 25]، "أي: إِنما يباح نكاح الإِماء لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنى" (1).
قال الشافعي: " ولا في نكاح الأمة إلا كما وصفتُ في أصل نكاحهن، إلا بأن لا يجد الرجل الحرّ بصداق أمة طولاً لحرّة، وبأن يخاف العنت، والعنت: الزنا"(2).
قال ابن عباس: " {العنت}: الزنا وهو الفجور، فليس لأحد من الأحرار أن ينكح أمة إلا ألا يقدر على حرة وهو يخشى العنت"(3).
قال الزجاج: " أي: تزوج الإماء جائز لمن خاف العنت، والعنت في اللغة المشقة الشديدة. يقال من ذلك: أكمة عنوت إذا كانت شاقة"(4).
وفي قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} [النساء: 25]، أربعة أوجه:
أحدها: الزنى، وهو قول ابن عباس (5)، ومجاهد (6)، وسعيد بن جبير (7)، وعطية (8)، والضحاك (9)، وعمرو بن دينار (10)، ومقاتل بن حيان (11)، وبه قال الشافعي (12).
والثاني: أن العنت الإثم (13).
والثالث: أنه العقوبة التي تُعْنِته، وهي الحدّ (14).
والرابع: هو الضرر الشديد في دين أو دنيا. وهو نحو قوله تعالى: {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ} [آل عمران: 118]. وهذا قول الإمام الطبري (15).
والراجح-والله أعلم- أنه تعالى "عمّ بقوله: {لمن خشي العنت منكم}، جميعَ معاني العنت. ويجمع جميعَ ذلك الزّنا، لأنه يوجب العقوبةَ على صاحبه في الدنيا بما يُعنت بدنه، ويكتسب به إثمًا ومضرّة في دينه ودنياه. وقد اتفق أهلُ التأويل الذي هم أهله، على أن ذلك معناه. فهو وإن كان في عينه لذةً وقضاءَ شهوة، فإنه بأدائه إلى العنت، منسوبٌ إليه موصوف به، إن كان للعنت سببًا"(16).
قوله تعالى: {وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [النساء: 25]، "أي: وإن صبركم وتعففكم عن نكاحهن أفضل، لكمً" (17).
قال الطبري: " وأنْ تصبروا، أيها الناس، عن نكاح الإماء خير لكم"(18).
قال الزجاج: " أي: الصبر خير لكم لما وصفنا من أن الولد يصيرون عبيدا"(19).
قال الماوردي: " يعني الصبر عن نكاح الأمَةِ لئلا يكون ولده عبداً"(20).
عن عن ابن عباس: " {وأن تصبروا خير لكم}، قال: وأن تصبروا عن الأمة، خير لكم"(21)، وروي عن سعيد بن جبير (22)، ومجاهد (23)، وقتادة (24)، وعطية (25)، وطاوس (26)، والحسن (27)، والسدي (28)، وجابر بن زيد (29)، ومقاتل بن حيان (30) نحو ذلك.
(1) صفوة التفاسير: 247.
(2)
تفسير الإمام الشافعي: 2/ 582.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (5164): ص 3/ 924.
(4)
معاني القرآن: 2/ 42.
(5)
انظر: تفسير الطبري (9111) - (9113): ص 8/ 205.
(6)
انظر: تفسير الطبري (9110): ص 8/ 205.
(7)
انظر: تفسير الطبري (9114): ص 8/ 205.
(8)
انظر: تفسير الطبري (9116)، و (9117): ص 8/ 205 - 206.
(9)
انظر: تفسير الطبري (9118): ص 8/ 206.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5164): ص 3/ 924.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5164): ص 3/ 924.
(12)
انظر: تفسير الإمام الشافعي: 2/ 582.
(13)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 206، والنكت والعيون: 1/ 473.
(14)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 206.
(15)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 206.
(16)
تفسير الطبري: 8/ 207.
(17)
صفوة التفاسير: 247.
(18)
تفسير الطبري: 8/ 207.
(19)
معاني القرآن: 2/ 42.
(20)
النكت والعيون: 1/ 473.
(21)
أخرجه الطبري (9128): ص 8/ 208.
(22)
انظر: تفسير الطبري (9121): ص 8/ 207.
(23)
انظر: تفسير الطبري (9122): ص 8/ 207 - 208.
(24)
انظر: تفسير الطبري (9125): ص 8/ 208.
(25)
انظر: تفسير الطبري (9126): ص 8/ 208.
(26)
انظر: تفسير الطبري (9127): ص 8/ 208.
(27)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5165): ص 3/ 925.
(28)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5165): ص 3/ 925.
(29)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5165): ص 3/ 925.
(30)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5165): ص 3/ 925.
قال السدي: "، يقول: وأن تصبرَ ولا تنكح الأمة فيكون ولدك مملوكين، فهو خيرٌ لك"(1).
قال الواحدي: " أباح الله تعالى نكاح الأمة بشرطين:
أحدهما: في أول الآية، وهو عدم الطول.
والثاني: في آخرها، وهو خوف العنت. ثم قال مع ذلك:{وأن تصبروا} يريد: عن تزوج الإماء، {خير لكم} ألا يصير الولد عبدا" (2).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النساء: 25]، أي: والله "واسع المغفرة عظيم الرحمة"(3).
قال محمد بن إسحاق: " {والله غفور رحيم}، أي: غفر الذنب"(4)، " قوله: رحيم قال: يرحم العباد على ما فيهم" (5).
الفوائد:
1 -
جواز التزوج من المملوكات لمن خاف العنت وهو عادم للقدرة على الزواج من الحرائر.
2 -
وجوب إقامة الحد على من زنت من الإماء إن أحصن بالزواج والإسلام.
3 -
الصبر على العزوبة خير من 1 الزواج بالإماء لإرشاد الله تعالى إلى ذلك.
4 -
لعل في ذكر المغفرة بعد ذكر الحد إشارة إلى أن الحدود كفارات، يغفر الله بها ذنوب عباده كما ورد بذلك الحديث. وحكم العبد الذكر في الحد المذكور حكم الأمة لعدم الفارق بينهما.
5 -
ويستفاد من قوله تعالى: {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} أنّ الولد من أمه ، فمن أخذ ذات دين فولده منها يكون إن شاء الله ذا دين.
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك"(6).
القرآن
التفسير:
يريد الله تعالى بهذه التشريعات، أن يوضح لكم معالم دينه القويم، وشرعه الحكيم، ويدلكم على طرق الأنبياء والصالحين من قبلكم في الحلال والحرام، ويتوب عليكم بالرجوع بكم إلى الطاعات، وهو سبحانه عليم بما يصلح شأن عباده، حكيم فيما شرعه لكم.
قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} [النساء: 26]، " أي: يريد الله أن يفصّل لكم شرائع دينكم ومصالح أموركم" (7).
قال مقاتل بن حيان: " من تحريم الأمهات والبنات"(8).
قال عطاء: "يبين لكم ما يقربكم منه"(9).
(1) أخرجه الطبري (9123): ص 8/ 208.
(2)
التفسير البسيط: 6/ 459 - 460.
(3)
صفوة التفاسير: 247.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (5168): ص 3/ 925.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (5169): ص 3/ 925.
(6)
رواه البخاري: في النكاح - باب الأكفاء في الدين: 9/ 131. ومسلم: في النكاح - باب: استحباب نكاح ذات الدين برقم (1466) 2/ 1086. والمصنف في شرح السنة: 9/ 8.
(7)
صفوة التفاسير: 248.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (5169): ص 3/ 925.
(9)
تفسير البغوي: 1/ 601.
وقال الكلبي: "يريد الله ليبين لكم أن الصبر عن نكاح الإماء خير لكم"(1).
قال الثعلبي: أي: " يريد الله أن يبين شرائع دينكم ومصالح أمركم"(2).
قال مقاتل: " يعني أن يبين لكم"(3).
قال الزمخشري: " أصله: يريد الله أن يبين لكم، فزيدت اللام مؤكدة لإرادة التبيين كما زيدت في: لا أبالك، لتأكيد إضافة الأب. والمعنى: يريد الله أن يبين لكم ما هو خفى عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم"(4).
قال الأخفش: " معناه: يريد هذا ليبين لكم، قال الشاعر (5):
أريد لأنسى ذكرها فكأنما
…
تمثل لي ليلى بكل سبيل
فمعناه: أريد هذا الشيء لأنسى ذكرها" (6).
قال الفراء: " العرب تجعل اللام في موضع (أن) في الأمر والإرادة كثيرا من ذلك قول الله تبارك وتعالى: {يريد الله ليبين لكم} (7)، و {يريدون ليطفؤا} (8)، وقال في الأمر في غير موضع من التنزيل، {وأمرنا لنسلم لرب العالمين} (9)، وهي في قراءة عبد الله، {وما أمروا إلا أن يعبدوا الله مخلصين} "(10).
قال الزجاج: " قال الكوفيون معنى اللام معنى أن، وأردت، وأمرت، تطلبان المستقبل، لا يجوز أن تقول: أردت أن قصت، ولا أمرت أن قمت، ولم يقولوا لم لا يجوز ذلك. وهذا غلط أن تكون لام الجر تقوم مقام " أن " وتؤدي معناها، لأن ما كان في معنى أن دخلت عليه اللام. تقول: جئتك لكي تفعل كذا وكذا، وجئت لكي تفعل كذا وكذا. وكذلك اللام في قوله:{يريد الله ليبين لكم} ، كاللام في «كي» ، المعنى: أراده الله عز وجل للتبيين لكم.
أنشد أهل اللغة (11):
أردت لكيما لا ترى لي عبرة
…
ومن ذا الذي يعطي الكمال فيكمل
وأنشدنا محمد بن يزيد المبرد (12):
أردت لكيما يعلم الناس أنها
…
سراويل قيسر والوفود شهود
فأدخل هذه اللام على " كي "، ولو كانت بمعنى أن لم تدخل اللام عليها، وكذلك أردت لأن تقوم، وأمرت لأن أكون مطيعا، وهذا كقوله تعالى:{إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُون} [يوسف: 43]، أي: إن كنتم عبارتكم للرؤيا، وكذلك قوله عز وجل أيضا:{لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الأعراف: 154]، أي: الذين هم رهبتهم لربهم" (13).
قوله تعالى: {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [النساء: 26]، "أي: يرشدكم إِلى طرائق الأنبياء والصالحين لتقتدوا بهم" (14).
قال مقاتل بن حيان: " كذلك كان سنة الذين من قبلكم"(15).
قال مقاتل بن سليمان: " يعني: شرائع هدى من كان قبلكم من المؤمنين من تحريم النسب والصهر"(16).
(1)"الكشف والبيان"4/ 41 أ، وانظر:"بحر العلوم" 1/ 348، "معالم التنزيل" 2/ 198، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 82.
(2)
تفسير الثعلبي: 3/ 290.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 368.
(4)
الكشاف: 1/ 501.
(5)
البيت لكثير في ديوانه" ص 108، "المحتسب" 2/ 32، والبيت غير منسوب في: معاني القرآن للأخفش: 1/ 169، وتفسير الثعلبي: 3/ 290، وتفسير القرطبي: 5/ 148، ولسان العرب: 3/ 188.
(6)
معاني القرآن: 1/ 169.
(7)
[سورة النساء: 26].
(8)
[سورة الصف: 8].
(9)
[سورة الأنعام: 71].
(10)
معاني القرآن: 3/ 282.
(11)
انظرم البيت في همع الهوامع" 2/ 371، و"خزانة الأدب" 8/ 486، و"اللسان" (أثل)، و"الأمالي" 2/ 46.
(12)
البيت غير منسوب في الطبري 5/ 27، "الإنصاف" للأنباري ص 466. وجاء في حاشيته: .. وشنا: أي يابسة متخرقة، والبيداء: الصحراء التي يبيد سالكها. أي يهلك، والبلقع الخالية. والشاهد منه أن الشاعر أظهر أن بعد: كي ..
(13)
معاني القرآن: 2/ 42 - 43.
(14)
صفوة التفاسير: 248.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (5169): ص 3/ 925.
(16)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 368.
قال الزجاج: " أي يدلكم على طاعته كما دل الأنبياء والذين اتبعوهم من قبلكم، ومعنى {سنن الذين من قبلكم}، أي طرق الذين من قبلكم"(1).
قال الزمخشري: أي: " وأن يهديكم مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين والطرق التي سلكوها في دينهم لتقتدوا بهم"(2).
قال ابن أبي زمنين: " يعني: شرائع من كان قبلكم من المؤمنين فيما حرم عليكم من الأمهات والبنات والأخوات"(3).
قال الطبري: أي: " وليسددكم سُبل من قبلكم من أهل الإيمان بالله وأنبيائه، ومناهجهم فيما حرّم عليكم من نكاح الأمهات والبنات والأخوات وسائر ما حرم عليكم في الآيتين اللتين بَيَّن فيهما ما حرّم من النساء"(4).
قال السمعاني: أي: ويرشدكم طرائق الذين من قبلكم من النبين، والصالحين، وقيل: من قوم موسى، وعيسى، الذين هدوا بالحق؛ وذلك أنه حرم عليهم ما حرم على المسلمين من المحارم المذكورات، وقيل: معناه: ويهديكم إلى الملة الحنيفية، ملة إبراهيم" (5).
قال الراغب: " السنن: جمع السنة أي الطريقة المستقيمة، وأصلها من سن الماء، وعنه استعير من سن السيف لما كان يشبه عند صقله بالماء، واستعير منه سن الفرس، كما يقال: صقل الفرس"(6).
قوله تعالى: {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 26]، "أي: ويقبل توبتكم فيما اقترفتموه من الإِثم والمحارم" (7).
قال مقاتل: " يعنى: ويتجاوز عنكم من نكاحكم، يعنى: من تزويجكم إياهن من قبل التحريم"(8).
قال ابن أبي زمنين: " أي: يتجاوز عما كان من نكاحكم إياهن قبل التحريم"(9).
قال الواحدي: أي: " يرجع بكم عن معصيته التي كنتم عليها إلى طاعته"(10).
قال الزمخشري: أي: " ويرشدكم إلى طاعات إن قمتم بها كانت كفارات لسيئاتكم فيتوب عليكم ويكفر لكم"(11).
قال الطبري: أي: " يريد الله أن يرجع بكم إلى طاعته في ذلك، مما كنتم عليه من معصيته في فعلكم ذلك قبلَ الإسلام، وقبل أن يوحي ما أوحىَ إلى نبيه من ذلك عليكم، ليتجاوز لكم بتوبتكم عما سلف منكم من قبيح ذلك قبل إنابتكم وتوبتكم"(12).
قال البغوي: أي: " ويتجاوز عنكم ما أصبتم قبل أن يبين لكم، وقيل: يرجع بكم من المعصية التي كنتم عليها إلى طاعته، وقيل: يوفقكم التوبة"(13).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النساء: 26]، "أي: والله عليم بأحوال العباد حكيم في تشريعه لهم" (14).
قال الطبري: أي: " والله ذو علم بما يصلح عباده في أدْيانهم ودنياهم وغير ذلك من أمورهم، وبما يأتون ويذَرون مما أحل أو حرم عليهم، حافظ ذلك كله عليهم حكيم بتدبيره فيهم، في تصريفهم فيما صرّفهم فيه"(15).
قال البغوي: أي: " {والله عليم} بمصالح عباده في أمر دينهم ودنياهم، {حكيم}، فيما دبر من أمورهم"(16).
الفوائد:
(1) معاني القرآن: 2/ 43.
(2)
الكشاف: 1/ 501.
(3)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 362.
(4)
تفسير الطبري: 8/ 209.
(5)
تفسير السمعاني: 1/ 417.
(6)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1192.
(7)
صفوة التفاسير: 248.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 368.
(9)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 362.
(10)
الوجيز: 260.
(11)
الكشاف: 1/ 501.
(12)
تفسير الطبري: 8/ 209.
(13)
تفسير البغوي: 1/ 601.
(14)
صفوة التفاسير: 248.
(15)
تفسير الطبري: 8/ 209.
(16)
تفسير البغوي: 1/ 601.
1 -
منة الله تعالى علينا في تعليله الأحكام لنا لتطمئن نفوسنا ويأتي العمل بانشراح صدر وطيب خاطر.
2 -
منة الله على المؤمنين بهدايتهم إلى طرق الصالحين وسبيل المفلحين ممن كانوا قبلهم.
3 -
إثبات اسمين من اسمائه تعالى، وهما:«العليم» ، و «الحكيم»:
فمن أسمائه «العليم» ، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله عز وجل، ، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (1).
و«الحكيم» : "هو المحكم لخلق الأشياء، ومعنى الإحكام لخلق الأشياء، إنما ينصرف إلى إتقان التدبير فيها، وحسن التقدير لها (2).
القرآن
التفسير:
والله يريد أن يتوب عليكم، ويتجاوز عن خطاياكم، ويريد الذين ينقادون لشهواتهم وملذاتهم أن تنحرفوا عن الدين انحرافًا كبيرًا.
في سبب نزول الآية ثلاثة أقوال:
أحدها: أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قوله: {أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} ، والميل العظيم: أن اليهود يزعمون أن نكاح الأخت من الأب حلال من الله" (3). زاد ابن الحجر: " فأنزل الله هذه الآية" (4).
والثاني: أخرج الطبري وابن أبي حاتم (5)، عن السدي:" {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ}، قال: هم اليهود والنصارى"(6).
والثالث: قال الزمخشري: "وقيل: المجوس: كانوا يحلون نكاح الأخوات من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرمهن الله قالوا: فإنكم تحلون بنت الخالة والعمة، والخالة والعمة عليكم حرام، فانكحوا بنات الأخ والأخت، فنزلت"(7).
قال الطبري: " هم اليهودُ خاصة، وكانت إرادتهم من المسلمين اتّباعَ شهواتهم في نكاح الأخوات من الأب. وذلك أنهم يحلون نكاحَهنّ، فقال الله تبارك وتعالى للمؤمنين: ويريدُ الذين يحلِّلون نكاح الأخوات من الأب، أن تميلوا عن الحق فتستحلّوهن كما استحلوا"(8).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 27]، أي:" والله يريد أن يتوب عليكم، ويتجاوز عن خطاياكم"(9).
قال الصابوني: "أي يحب بما شرع من الأحكام أن يطهركم من الذنوب والآثام، ويريد توبة العبد ليتوب عليه"(10).
قال الزجاج: " أي يدلكم بطاعته على ما يكون سببا لتوبتكم التي يغفر لكم بها ما سلف من ذنوبكم"(11).
عن ابن عباس قال: "مبدأ التوبة من الله"(12).
قوله تعالى: {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27]، أي:" ويريد الذين ينقادون لشهواتهم وملذاتهم أن تنحرفوا عن الدين انحرافًا كبيرًا"(13).
(1) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين: 1/ 188.
(2)
انظر: شأن الدعاء، للخطابي: 73 - 74.
(3)
تفسير ابن أبي حاتم (5174): ص 3/ 926. وعزاه إليه في "الدر" "2/ 493" وهو فيه أطول مما هنا.
(4)
العجاب: 2/ 861.
(5)
تفسير ابن أبي حاتم (5171): ص 3/ 925.
(6)
تفسير الطبري (9133): ص 8/ 213.
(7)
الكشاف: 1/ 501.
(8)
تفسير الطبري: 8/ 214.
(9)
التفسير الميسر: 83.
(10)
صفوة التفاسير: 248.
(11)
معاني القرآن: 2/ 43.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (5170): ص 3/ 925.
(13)
التفسير الميسر: 83.
قال الزجاج: " ي أن تعدلوا عن القصد"(1).
قال السدي: " هم اليهود والنصارى"(2).
قال مجاهد: "قوله: {يتبعون الشهوات} قال: الزنا"(3). وروي عن ابن عيينة نحو ذلك (4).
قال مقاتل بن حيان: " والميل العظيم: أن اليهود يزعمون أن نكاح الأخت من الأب حلال من الله"(5).
قال السمعاني: " الميل العظيم: هو أن يفعل فعلا لا يخاف الله فيه، ولا يرقب الناس، وقيل: الميل العظيم باتباع الشهوات"(6).
قال الراغب: " الميل وإن كان عاما في الميل إلى الخير والشر، فالمقصود به ههنا الجور عن قصد السبيل، ولما كان جميع عبادة الله بالقول المجمل ضربين، صقل العقل، وقمع الشهوة، وكل أمر ونهي فذريعة إليهما، صار اتباع الشهوة سبب كل مذمة، فلذلك عبر بمتبع الشهوات عن الفاسق والكافر، وعلى هذا قوله:{أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} [مريم: 59].
فإن قيل: فليس اتباع الشهوات مذموما في كل حال.
بل منها ما هو محمود؟
قيل: قد قال بعض المتكلمين وبعض المفسرين: عنى بذلك بعض الشهوات.
وقال بعضهم: عنى من يتبع الشهوات كلها.
والصحيح أن اتباع الشهوة في كل حال مذموم، لأن ذلك هو الائتمار لها من حيث ما دعت، وما سوغ من تعاطي ذلك، فليس جواز تعاطيه من حيث دعت الشهوة إليه، بل من حيث سوغ العقل أو الشرع، فذلك هو اتباع لهما، ويؤكد ذلك قوله:{وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26]، وقوله:{وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الأعراف: 176]، وقيل: عبد الشهوة أذل من عبد الرق" (7).
وفي تفسير قوله تعالى: {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27]، ثلاثة أوجه:
أحدها: أنهم الزناة، وهو قول ابن عباس (8)، ومجاهد (9)، وعكرمة (10)، وابن عيينة (11).
والثاني: أنهم اليهود والنصارى، وهو قول السدي (12).
والثالث: كل متبع شهوةً في دينه لغير الذي أبيح له، وهو قول ابن زيد (13).
والراجح –والله أعلم- أن معنى ذلك "ويريد الذين يتبعون شهوات أنفسهم من أهل الباطل وطلاب الزنا ونكاح الأخوات من الآباء، وغير ذلك مما حرمه الله أن تميلوا عن الحق، وعما أذن الله لكم فيه، فتجورُوا عن طاعته إلى معصيته، وتكونوا أمثالهم في اتباع شهوات أنفسكم فيما حرم الله، وترك طاعته ميلا عظيمًا، لأن الله عز وجل عمّ بقوله: ويريد الذين يتبعون الشهوات، فوصفهم باتباع شهوات أنفسهم المذمومة، وعمهم بوصفهم بذلك، من غير وصفهم باتّباع بعض الشهوات المذمومة"(14).
وقرئ: {أن يميلوا} ، بالياء (15).
الفوائد:
1 -
منته تعالى في تطهير المؤمنين من الأخباث وضلال الجاهليات.
(1) معاني القرآن: 2/ 44.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (5171): ص 3/ 925، والطبري (9133): ص 8/ 213.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (5172): ص 3/ 926.
(4)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5172): ص 3/ 926.
(5)
العجاب: 2/ 861.
(6)
تفسير السمعاني: 1/ 418.
(7)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1195 - 1196.
(8)
انظر: تفسير ابن المنذر (1636): ص 2/ 657.
(9)
انظر: تفسير الطبري (9129) - (9132): ص 8/ 213.
(10)
انظر: تفسير ابن المنذر (1636): ص 2/ 657.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5172): ص 3/ 926.
(12)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5171): ص 3/ 925، والطبري (9133): ص 8/ 213.
(13)
انظر: تفسير الطبري (9134): ص 8/ 214.
(14)
تفسير الطبري: 8/ 214.
(15)
انظر: الكشاف: 1/ 501.
2 -
الكشف عن نفسية الإنسان، إذ الزناة يرغبون في كون الناس كلهم زناة، والمنحرفون يودون أن ينحرف الناس مثلهم، وهكذا كل منغمس في خبث أو شر أو فساد يود أن يكون كل الناس مثله، كما أن الطاهر يود أن يطهر ويصلح كل الناس.
القرآن
{يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)} [النساء: 28]
التفسير:
يريد الله تعالى بما شرعه لكم التيسير، وعدم التشديد عليكم; لأنكم خلقتم ضعفاء.
قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [النساء: 28]، " أي يريد تعالى بما يسَّر أن يسهّل عليكم أحكام الشرع"(1).
قال الطبري: أي: " يريد الله أن يُيسر عليكم، بإذنه لكم في نكاح الفتيات المؤمنات إذا لم تستطيعوا طولا لحرة"(2).
قال الماوردي: أي: " عن احتمال الصبر عن جماع النساء"(3).
قال الزمخشري: أي: " إحلال نكاح الأمة وغيره من الرخص"(4).
قال السمعاني: " أي: يسهل عليكم، وقد سهل هذا الدين"(5). قال-صلى الله عليه وسلم: «بعثت بالحنيفية السمحة» (6)، وقال الله تعالى:{وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157].
قال مجاهد: "قوله: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ}، يقول: في نكاح الأمة وفي كل شيء فيه يسر"(7).
قال ابن زيد: ": رخّص لكم في نكاح هؤلاء الإماء، حين اضطُرّوا إليهن"(8).
وفي قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [النساء: 28]، وجهان:
أحدهما: أن المراد به نكاح الأمة عند الضرورة. وهو قول مجاهد (9)، ومقاتل (10).
والثاني: أن هذا عام في كل أحكام الشرع، وفي جميع ما يسره لنا وسهله علينا إحسانا منه إلينا، ولم يثقل التكليف علينا كما ثقل على بني إسرائيل بفضله ولطفه. وهذا قول وأبي جعفر الترمذي (11)، والزمخشري (12)، ونسب الواحدي معناه إلى ابن عباس (13).
قوله تعالى: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28]، " أي: وخلق الإنسان عاجزاً عن مخالفة هواه لا يصبر عن إِتباع الشهوات" (14).
قال الزمخشري: أي: " لا يصبر عن الشهوات وعلى مشاق الطاعات"(15).
قال الطبري: أي: "يسَّر ذلك عليكم إذا كنتم غيرَ مستطيعي الطوْل للحرائر، لأنكم خُلِقتم ضعفاء عجزةً عن ترك جماع النساء، قليلي الصبر عنه، فأذن لكم في نكاح فتياتكم المؤمنات عند خوفكم العَنَت على أنفسكم، ولم تجدُوا طولا لحرة، لئلا تزنوا، لقلّة صبركم على ترك جماع النساء"(16).
قال الحجازي: أي: " وخلق الإنسان ضعيفا عن مقاومة الشهوات والوقوف أمام تيارات النساء فإنهن حبائل الشيطان. ولهذا نهانا عن الجلوس مع غير المحارم والحديث معهن لغير ضرورة، ونهى النساء عن كشف عوراتهن وتبرجهن وعن إبداء زينتهن"(17).
(1).صفوة التفاسير: 248
(2)
تفسير الطبري: 8/ 215.
(3)
النكت والعيون: 1/ 474.
(4)
الكشاف: 1/ 501.
(5)
تفسير السمعاني: 1/ 418.
(6)
أخرجه أحمد: (22647): ص 5/ 266.
(7)
أخرجه الطبري (9135): ص 8/ 215، وابن أبي حاتم (5175): ص 3/ 926.
(8)
أخرجه الطبري (9139): ص 8/ 216.
(9)
انظر: تفسير الطبري (9135): ص 8/ 215، وابن أبي حاتم (5175): ص 3/ 926.
(10)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 368.
(11)
انظر: تفسير القرآن برواية أبي جعفر الترمذي (186): ص 83.
(12)
انظر: الكشاف: 1/ 501.
(13)
انظر: التفسير البسيط: 6/ 466، ولم أقف على قول ابن عباس، وأنظر "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 83 ..
(14)
صفوة التفاسير: 248.
(15)
الكشاف: 1/ 501.
(16)
تفسير الطبري: 8/ 215.
(17)
التفسير الواضح: 363.
قال طاوس: " {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا}، قال: في شأن النساء أي: لا يصبر عنهن"(1).
قال وكيع: "يذهب عقله عندهن"(2).
وقال الزجاج: " ي يستميله هواه"(3).
قال ابن عباس: " يضعف عن الصبر عن الجماع"(4).
وفي رواية أخرى عن طاوس: " وخلق الإنسان ضعيفًا، قال: في أمر الجماع"(5).
وفي رواية أخرى: " وخلق الإنسان ضعيفًا، قال: في أمور النساء. ليس يكون الإنسان في شيء أضعفَ منه في النساء"(6).
قال الحسن: "هو أن خلقه من ماء مهين، بيانه قول الله: {الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ} (7) "(8).
قال ابن كيسان: {خلق الإنسان ضعيفا} ، يستميله هواه وشهوته ويستطيشه خوفه وحزنه" (9).
قال الثعلبي: " قال طاوس والكلبي وأكثر المفسرين: يعني في أمر الجماع لا يصبر على النساء ولا يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء"(10).
قال سعيد بن المسيب: "ما آيس الشيطان من بني آدم إلا أتاه من قبل النساء، وقد أتى علي ثمانون سنة وذهبت إحدى عيني وأنا أعشى بالأخرى، وأن أخوف ما أخاف علي فتنة النساء"(11).
وقال مالك بن شرحبيل: "قال عبادة بن الصامت: ألا ترونني لا أقوم إلا رفدا ولا آكل إلا ما لوق لي وقد مات صاحبي منذ زمان، وما يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي وأن لي ما تطلع عليه الشمس مخافة أن يأتيني الشيطان فيحكيه علي أنه لا سمع له ولا بصر"(12).
أخرج الطبري عن عباس: " عن ابن عباس قال: ثمانِ آيات نزلت في سورة النساء، هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، أولاهن: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [سورة النساء: 26]، والثانية: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا) [سورة النساء: 27]، والثالثة: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا} [سورة النساء: 28] "(13).
وقرأ ابن عباس: {وخلق الإنسان} ، على البناء للفاعل ونصب الإنسان (14).
وفي سياق ضعف وعجز الإنسان قال موسى الكليم عليه الصلاة والسلام لنبينا صلوات الله وسلامه عليه ليلة الإسراء حِينَ مر عليه راجعا من عند سدْرة المنتهى، فقال له: " ما فرض ربك على أمتك؟ قال: قلت: خمسين صلاة، في كل يوم وليلة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك، وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربي، عز وجل، فقلت: أي رب، خفف عن أمتي، فحط عني خمسا، فرجعت إلى موسى، فقال: ما فعلت؟ قلت: حط عني خمسا، قال: إن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى، ويحط عني خمسا خمسا، حتى قال: يا محمد، هي خمس صلوات في كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها، كتبت حسنة، فإن عملها، كتبت عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها، لم تكتب شيئا، فإن عملها، كتبت
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (5176): ص 3/ 926.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (5177): ص 3/ 926.
(3)
معاني القرآن: 2/ 44.
(4)
انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف 83، وذكره عنه الواحدي: في التفسير البسيط: 6/ 466.
(5)
أخرجه الطبري (9136): ص 8/ 215 - 216.
(6)
أخرجه الطبري (9138): ص 8/ 215 - 216.
(7)
[سورة الروم: 54].
(8)
تفسير الثعلبي: 3/ 291.
(9)
تفسير الثعلبي: 3/ 291.
(10)
تفسير الثعلبي: 3/ 291.
(11)
تفسير الثعلبي: 3/ 291.
(12)
تفسير الثعلبي: 3/ 291.
(13)
تفسير الطبري (9234): ص 8/ 257.
(14)
انظر: الكشاف: 1/ 501.
سيئة واحدة، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فإن أمتك لا تطيق ذاك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد رجعت إلى ربي حتى لقد استحييت" (1).
الفوائد:
1 -
من رحمة الله تعالى وإحسانه بعباده، تخفيفه عما يضعف عنه الإنسان وما لا يطيقه إيمانه وصبره وقوته.
2 -
ضعف الإنسان أمام غرائزه لا سيما غريزة الجنس.
القرآن
التفسير:
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا يحل لكم أن يأكل بعضكم مال بعض بغير حق، إلا أن يكون وَفْقَ الشرع والكسب الحلال عن تراض منكم، ولا يقتل بعضكم بعضًا فتهلكوا أنفسكم بارتكاب محارم الله ومعاصيه. إن الله كان بكم رحيمًا في كل ما أمركم به، ونهاكم عنه.
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [النساء: 29]، أي:" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه"(2).
قوله تعالى: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29]، أي:" لا يأكل بعضكم أموال بعض بغير حق"(3).
قال الطبري: أي: ": لا يأكل بعضكم أموالَ بعض بما حرّمَ عليه، من الربا والقمار وغير ذلك من الأمور التي نهاكم الله عنها"(4).
قال ابن كثير: " نهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضا بالباطل، أي: بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية، كأنواع الربا والقمار، وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، وإن ظهرت في غالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا"(5).
وفي تفسير قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لا تِأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29]، ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه الزنى، والقمار، والبخس، والظلم، وهو قول السدي (6).
والثاني: العقود الفاسدة، وهو قول ابن عباس (7).
قال ابن عباس: " الرجل يشتري السلعة فيردّها ويردّ معها درهمًا"(8). وفي رواية أخرى: "عن عكرمة، عن ابن عباس في الرجل يشتري من الرجل الثوبَ فيقول: إن رضيته أخذته وإلا رددته ورددت معه درهمًا، قال: هو الذي قال الله: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل"(9).
والثالث: أنه نهى أن يأكل الرجل طعام قِرى وأَمَر أن يأكله شِرى ثم نسخ ذلك بقوله تعالى في سورة النور: {وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ} [النور: 61] إلى قوله: {أَوْ أَشْتَاتاً} ، وهو قول الحسن البصري (10)، وعكرمة (11).
والراجح-والله أعلم- هو القول الأول، " وذلك أن الله تعالى ذكره حرّم أكل أموالنا بيننا بالباطل، ولا خلاف بين المسلمين أنّ أكل ذلك حرامٌ علينا، فإنّ الله لم يحلَّ قط أكلَ الأموال بالباطل، وأما قرَى الضيف وإطعام الطعام فقد كان من حميد أفعال أهل الشرك والإسلام التي حَمِدَ الله أهلها عليها وَندبهم إليها، وأن الله
(1) أخرجه أحمد (12533): ص 3/ 148، و (12586): ص 3/ 153، وعبد بن حميد (1210)، ومسلم (330): ص 1/ 99، والنسائي في "الكبرى"(11466).
(2)
التفسير الميسر: 83.
(3)
انظر: صفوة التفاسير: 248، والتفسير الميسر:83.
(4)
تفسير الطبري: 8/ 216.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 268.
(6)
انظر: تفسير الطبري (9140): ص 8/ 216 - 217.
(7)
انظر: تفسير الطبري (9141)، و (9142): ص 8/ 217.
(8)
أخرجه الطبري (9141): ص 8/ 217.
(9)
أخرجه الطبري (9142): ص 8/ 217.
(10)
انظر: تفسير الطبري (9143): ص 8/ 218.
(11)
انظر: تفسير الطبري (9143): ص 8/ 218.
لم يحرّم ذلك في عصر من العصور، بل نَدَب الله عباده وحثهم عليه، وإذ كان ذلك كذلك، فهو من معنى الأكل بالباطل خارج، ومن أن يكون ناسخًا أو منسوخًا بمعزل. لأن النسخَ إنما يكون لمنسوخ، ولم يثبت النهي عنه، فيجوز أن يكون منسوخًا بالإباحة" (1).
قال الطبري: " في هذه الآية إبانةٌ من الله تعالى ذكره عن تكذيب قول الجهلة من المتصوِّفة المنكرين طلبَ الأقوات بالتجارات والصناعات، والله تعالى يقول: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم، اكتسابًا منا ذلك بها"(2).
قال قتادة: " التجارةُ رزقٌ من رزق الله، وحلالٌ من حلال الله، لمن طلبها بصدقها وبرِّها. وقد كنا نحدَّث (3): أن التاجرَ الأمين الصدوقَ مع السبعة في ظلّ العرش يوم القيامة"(4).
قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29]، "أي إِلا ما كان بطريق شرعي كالتجارة عن تراض منكم"(5).
قال ابن كثير: " وهو استثناء منقطع، كأنه يقول: لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال، لكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال. كما قال الله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151]، وكقوله {لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأولَى} [الدخان: 56] "(6).
وفي قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29]، قولان:
أحدهما: أن التراضي هو أن يكون العقد ناجزاً بغير خيار، وهو قول مالك بن أنس، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد (7).
والثاني: هو أن يخير أحدهما صاحبه بَعد العقد وقبل الافتراق، وهو قول شريح (8)، وابن سيرين (9)، والشعبي (10).
والراجح-والله أعلم- إن التجارة التي هي عن تراض بين المتبايعين، ما تفرّق المتبايعان عن المجلس الذي تواجبَا فيه بينهما عُقدة البيع بأبدانهما، عن تراض منهما بالعقد الذي جرى بينهما، وعن تخيير كل واحد منهما صاحبه لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «البيعان بالخيار ما لم يَتَفَرقا» (11)، وفي لفظ البخاري:«إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا» (12)، فإذ كان ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحًا، فليس يخلو قول أحد المتبايعين لصاحبه: اختر، من أن يكون قبل عقد البيع، أو معه، أو بعده (13).
قال ابن كثير: ومن هذه الآية الكريمة احتج الشافعي رحمه الله على أنه لا يصح البيع إلا بالقبول؛ لأنه يدل على التراضي نَصا، بخلاف المعاطاة فإنها قد لا تدل على الرضا ولا بد، وخالف الجمهورَ في ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد وأصحابهم، فرأوا أن الأقوال كما تدل على التراضي، وكذلك الأفعال تدل في بعض المحال قطعا، فصححوا بيع المعاطاة مطلقا، ومنهم من قال: يصح في المحقَّرات، وفيما يعده الناس بيعا، وهو احتياط نظر من محققي المذهب، والله أعلم (14).
(1) تفسير الطبري: 8/ 218 - 219.
(2)
تفسير الطبري: 8/ 220.
(3)
يعني الحديث الصحيح: سَبْعَةٌ يِظلُّهُم الله في ظِلّه يومَ لا ظِلّ إلا ظِلُّهُ: إمَام عادلٌ، وشابٌّ نَشَأَ في عبادة الله، ورجُلٌ قلبه مُعَلَّقٌ بالمسجِد إذَا خَرَجَ مِنْه حَتَّى يَعُودَ إليه، ورجلان تَحابَّا في الله فاجتمعَا على ذلك وافترقَا، ورجُلٌ ذكر الله خاليًا ففاضتْ عيناهُ، ورجُلٌ دَعَتْهُ امرأة ذات مَنْصِبٍ وجَمالٍ فقال: إنّي أخاف الله رَبَّ العالَمين، ورجُلٌ تصدَّق بصدقةٍ، فأخفَاها حتى لا تَعْلَم شِماله ما تنفِقُ يمينُه. رواه الترمذي من حديث أبي هريرة وصححه:345.
(4)
أخرجه الطبري (914): ص 8/ 220 - 221.
(5)
انظر: صفوة التفاسير: 248، والتفسير الميسر:83.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 268.
(7)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 226 - 227.
(8)
انظر: تفسير الطبري (9149) - (9152): ص 8/ 222. .
(9)
انظر: تفسير الطبري (9153): ص 8/ 223. .
(10)
انظر: تفسير الطبري (9154): ص 8/ 223. .
(11)
وصحيح مسلم: (1531).
(12)
صحيح البخاري: (2109).
(13)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 227.
(14)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 269.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البَيْعُ عن تَراض والخِيارُ بعد الصَّفقة، ولا يحل لمسلم أن يغش مسلمًا"(1).
قال ابن كثير: "ومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس
…
وذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث الشافعي، وأحمد بن حنبل وأصحابهما، وجمهورُ السلف والخلف. ومن ذلك مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام، كما هو متفق عليه بين العلماء إلى ما هو أزيد من ثلاثة أيام، بحسب ما يتبين فيه مال البيع، ولو إلى سنة في القرية ونحوها، كما هو المشهور عن مالك، رحمه الله. وصححوا بيع المعاطاة مطلقا، وهو قول في مذهب الشافعي، ومنهم من قال: يصح بيع المعاطاة في المحقرات فيما يعده الناس بيعا، وهو اختيار طائفة من الأصحاب" (2).
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر وابن عامر، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم:{تجارة} ، بالرفع (3).
قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29]، أي:" ولا يقتل بعضكم بعضًا فتهلكوا أنفسكم بارتكاب محارم الله ومعاصيه"(4).
قال الطبري: أي: " ولا يقتل بعضكم بعضًا، وأنتم أهل ملة واحدة، ودعوة واحدة، ودين واحد. فجعل جل ثناؤه أهل الإسلام كلهم بعضَهم من بعض. وجعل القاتل منهم قتيلا في قتله إياه منهم بمنزلة قَتله نفسه، إذ كان القاتلُ والمقتول أهلَ يد واحدة على من خالف مِلَّتَهُما"(5).
قال الثعلبي: " يعني إخوانكم، أي لا يقتل بعضكم بعضا"(6).
وفي قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29]، ثلاثة اوجه:
أحدها: يعني لا يقتل بعضكم بعضاً، وهذا قول عطاء (7)، والسدي (8)، وإنما كان كذلك لأنهم أهل دين واحد فصاروا كنفس واحدة، ومنه قوله تعالى {فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ} [النور: 61].
والثاني: نهى أن يقتل الرجل نفسه في حال الغضب والضجر (9).
والثالث: أن يعني: لا تغفلوا عن حظ أنفسكم، فمن غفل عن حظ نفسه فكأنه قتلها. وهذا قول الفضل بن عياض (10).
وقرأ الحسن: {ولا تقتلوا أنفسكم} مشددا على التكثير (11).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]، أي:" إن الله كان بكم رحيمًا في كل ما أمركم به، ونهاكم عنه"(12).
قال الطبري: أي: " إن الله تبارك وتعالى لم يزل رحيمًا بخلقه، ومن رحمته بكم كفُّ بعضكم عن قتل بعض، أيها المؤمنون، بتحريم دماء بعضكم على بعض إلا بحقها، وحظْرِ أكل مال بعضكم على بعض بالباطل، إلا عن تجارة يملك بها عليه برضاه وطيب نفسه، لولا ذلك هلكتمْ وأهلك بعضكم بعضًا قتلا وسلبًا وغصبًا"(13).
أخرج أحمد وأبو داود عن عمرو بن العاص، رضي الله عنه، أنه قال لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم عام ذات السلاسل قال: "احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمتُ على رسول الله صلى عليه وسلم ذكرت ذلك له، فقال:«يا عمرو صَلَّيت بأصحابك وأنت جُنُبٌ! » قال: قلت يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد،
(1) أخرجه الطبري (9147): ص 8/ 221، قال ابن كثير: 2/ 269: "هذا حديث مرسل".
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 269.
(3)
انظر: السبعة: 231، وتفسير بان كثير: 2/ 268.
(4)
التفسير الميسر: 83.
(5)
تفسير الطبري: 8/ 229.
(6)
تفسير الثعلبي: 3/ 293.
(7)
انظر: تفسير الطبري (9166): ص 8/ 229.
(8)
انظر: تفسير الطبري (9165): ص 8/ 229.
(9)
انظر: النكت والعيون: 1/ 475.
(10)
تفسير الثعلبي: 3/ 293.
(11)
انظر: تفسير السمعاني: 1/ 418.
(12)
التفسير الميسر: 83.
(13)
تفسير الطبري: 8/ 229.
فأشفقت إن اغتسلت أن أهلكَ، فذكرت قول الله عز وجل {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا" (1).
وروي عن ابن عباس: "أن عمرو بن العاص صلى بالناس وهو جُنُب، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له، فدعاه فسأله عن ذلك، فقال: يا رسول الله، خفْتُ أن يقتلني البرد، وقد قال الله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا]} (4) قال: فسكت عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم"(2).
وروي "أن الحرث بن عبد الله خلا بالنفر من أصحابه وقال: إن هؤلاء ولغوا في دمائهم فلا يحولن بين أحدكم وبين الجنة ملء كف من دم مسلم أهراقه، فأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن رجلا ممن كان قبلكم خرجت به قرحة بيده فأخذ حزة فحزها بيده حتى قطعها فما رقأ دمها حتى مات، فقال ربكم تعالى: بادرني ابن آدم بنفسه فقتلها فقد حرمت عليه الجنة» "(3).
ونقل الثعلبي عن سماك عن جابر بن سمرة: "أن رجلا ذبح نفسه فلم يصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم"(4).
وعن حماد بن زيد عن عاصم الأسدي: "ذكر بأن مسروقا بن الأجدع أتى صفين فوقف بين الصفين ثم قال: يا أيها الناس أنصتوا، ثم قال: أرأيتم لو أن مناديا ناداكم من السماء فسمعتم كلامه ورأيتموه فقال: إن الله ينهاكم عما أنتم فيه، أكنتم مطيعيه؟ قالوا: نعم. قال: فو الله لنزل بذلك جبرئيل على محمد فما زال يأتي من هذا ثم تلا: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم}، الآية، ثم انساب في الناس فذهب"(5).
الفوائد:
1 -
حرمة مال المسلم، وكل مال حرام وسواء حازه بسرقة أو غش أو قمار أو ربا.
2 -
إباحة التجارة والترغيب فيها والرد على جهلة المتصوفة الذين يمنعون الكسب بحجة التوكل.
3 -
تقرير مبدأ " إنما البيع عن تراض"(6)، و"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا"(7).
4 -
حرمة قتل المسلم نفسه أو غيره من المسلمين؛ لأنهم أمة واحدة.
القرآن
{وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30)} [النساء: 30]
التفسير:
ومن يرتكب ما نهى الله عنه من أخذ المال الحرام كالسرقة والغصب والغش معتديًا متجاوزًا حد الشرع، فسوف يدخله الله نارًا يقاسي حرَّها، وكان ذلك على الله يسيرًا.
قوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا} [النساء: 30]، "أي ومن يرتكب ما نهى الله عنه معتدياً ظالماً لا سهواً ولا خطأً"(8).
قال ابن كثير: " أي: ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه متعديا فيه، ظالما في تعاطيه، أي: عالما بتحريمه متجاسرا على انتهاكه"(9).
قال الزجاج: " أي: ومن يأكلها ويقتل النفس - لأن قوله: {ولا تقتلوا أنفسكم} ، أي لا يقتل بعضكم بعضا، فمن فعل ذلك عدوانا وظلما: معنى العدوان أن يعدوا ما أمر به، والظلم أن يضع الشيء في غير
موضعه" (10).
(1) المسند (4/ 203) وسنن أبي داود برقم (334) ..
(2)
رواه الطبراني (11/ 234) من طريق عبيد الله القواريري به، وقال الهيثمي في المجمع (1/ 264):"فيه يوسف بن خالد السمتي وهو كذاب".
(3)
صحيح مسلم: 1/ 75 ..
(4)
تفسير الثعلبي: 3/ 293.
(5)
تفسير الثعلبي: 3/ 294، وانظر الخبر بطوله في الطبقات الكبرى: 6/ 78.
(6)
اخرجه ابن المنذر (1642): ص 2/ 660.
(7)
أخرجه: أحمد 2/ 9، عن ابن عمر، والبخاري (2079) كتاب: البيوع، باب: إذا بيَّن البيّعان عن حكيم بن حزام، والدارمي: البيوع، في البيعان بالخيار 2/ 325، عن حكيم، والطبراني في "الكبير" 3/ 199، عن حكيم، والحاكم: البيوع، البيعان بالخيار 2/ 16، عن سمرة بن جندب، والبيهقي: البيوع، المتبايعان بالخيار 5/ 269، عن ابن عمر.
(8)
صفوة التفاسير: 248.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 270 - 271.
(10)
معاني القرآن: 2/ 44.
قال البيضاوي: " {ومن يفعل ذلك}، إشارة إلى القتل، أو ما سبق من المحرمات. عدوانا وظلما إفراطا في التجاوز عن الحق وإتيانا بما لا يستحقه. وقيل أراد بالعدوان التعدي على الغير، وبالظلم ظلم النفس بتعريضها للعقاب"(1).
قال الجصاص: " قيد الوعيد بقوله: {عدوانا وظلما} ليخرج منه فعل السهو والغلط وما كان طريقه الاجتهاد في الأحكام إلى حد التعمد والعصيان"(2).
وفي قوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} [النساء: 30]، أربعة أقوال:
أحدها: أنه أكل المال بالباطل، وقتل النفس بغير حق. وهذا معنى قول سعيد بن جبير (3)، ومقاتل بن حيان (4)، وبه قال الزجاج (5).
والثاني: أنه متوجه إلى قتل النفس بغير الحق، وهذا قول عطاء (6).
والثالث: أنه متوجه إلى كل ما نهى عنه من أول سورة النساء، من نكاح من حَرّمت نكاحه، وتعدِّي حدوده، وأكل أموال الأيتام ظلمًا، وقتل النفس المحرّم قتلها ظلمًا بغير حق (7). نسب هذا القول إلى ابن عباس (8)، واختاره الطبري (9).
قال الجصاص: " والأظهر عوده إلى ما يليه من أكل المال بالباطل وقتل النفس المحرمة"(10).
والرابع: أنه متوجه إلى قوله تعالى: {لا َيحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً} [النساء: 19]، لأن ما قبله مقرون بالوعيد (11).
والخامس: أن هذه الآية فيمن يؤدي الميراث. وهذا قول جرير (12).
والراجح-والله أعلم- أنه متوجه إلى كل ما نعى عنه من اول السورة من قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا} ، إلى قوله:{وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} ، من نكاح المحرمات، وعضل المحرَّم عضلُها من النساء، وأكل المال بالباطل، وقتل المحرّم قتله من المؤمنين لأنّ كلّ ذلك مما وعد الله عليه أهلَه العقوبة" (13).
وفي قوله تعالى: {عُدْوَانًا وَظُلْمًا} [النساء: 30]، قولان (14):
أحدهما: يعني تعدياً واستحلالاً.
والثاني: أنهما لفظتان متقاربتا المعنى فحسن الجمع بينهما مع اختلاف اللفظ تأكيداً. ذكره الجصاص (15)، وأبو هلال العسكري (16).
قال الجصاص: " وذكر الظلم والعدوان مع تقارب معانيهما; لأنه يحسن مع اختلاف اللفظ، كقول عدي بن زيد (17):
وقددت الأديم لراهشيه
…
وألفى قولها كذبا ومينا
والكذب هو المين; وحسن العطف لاختلاف اللفظين. وكقول بشر بن حازم (18):
(1) تفسير البيضاوي: 2/ 71.
(2)
أحكام القرآن للجصاص: 2/ 229.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5188): ص 3/ 928.
(4)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5188): ص 3/ 928.
(5)
انظر: معاني القرآن: 2/ 44.
(6)
انظر: تفسير الطبري (9167): ص 8/ 230.
(7)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 230.
(8)
انظر: "زاد المسير" 2/ 62، ، والتفسير البسيط للواحدي: 6/ 471، وتنوير المقباس، بهامش المصحف ص 83.
(9)
انظرك تفسير الطبري: 8/ 230 - 231 ..
(10)
أحكام القرآن للجصاص: 2/ 229.
(11)
انظر: أحكام القرآن للجصاص: 2/ 229، والنكت والعيون: 1/ 475.
(12)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5189): ص 3/ 928.
(13)
تفسير الطبري: 8/ 230 - 231.
(14)
انظر: النكت والعيون: 1/ 476.
(15)
انظر: أحكام القرآن: 2/ 229.
(16)
انظر: الوجوه والنظائر: 323.
(17)
الرواية المشهورة للبيت:
وقددت الأديم لراهشيه
…
وألغى قولها كذبا ومينا
وهو لعدي بن زيد في ذيل ديوانه ص 183 والأشباه والنظائر 3/ 213 وجمهرة اللغة ص 993 والدرر 6/ 73 وشرح شواهد المغني 2/ 776 والشعر والشعراء 1/ 233، ولسان العرب (مين) ومعاهد التنصيص 1/ 310 ..
(18)
ديوان بشر بن أبي خازم: 223، وانظر: البيت في الحماسة البصرية: 1/ 120، والكامل: 1/ 303، وتاج اللغة وصحاح العربية، باب الـ"لام": ص 5/ 2026، ولسان العرب، فصل "اللام": ص 12/ 533، وتاج العروس، مادة"ل ام ": ص 33/ 394.
فَمَا وَطِئَ الْحَصَى مثلُ ابْنِ سُعْدى
…
وَلَا لَبس النِّعالَ ولا احْتَذاها
والاحتذاء هو لبس النعل. وكما تقول: بعدا وسحقا، ومعناهما واحد، وحسن لاختلاف اللفظ. والله أعلم" (1).
قال الطبري: " قوله: {عدْوانًا}، فإنه يعني به تجاوزًا لما أباح الله له، إلى ما حرمه عليه، {وظلمًا}، يعني: فعلا منه ذلك بغير ما أذن الله به، وركوبًا منه ما قد نهاه الله عنه"(2).
قال سعيد بن جبير: " {عدوانا} يعني: اعتداء بغير حق"(3)، " {وظلما}، يعني: ظلما بغير حق فيمت على ذلك"(4).
وقرئ: {عدوانا} بالكسر (5).
قوله تعالى: {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا} [النساء: 30]، أي:" فسوف يدخله الله نارًا يقاسي حرَّها"(6).
قال البغوي: أي: " ندخله في الآخرة، نارا، يصلى فيها"(7).
قال الزمخشري: " أى: نارا مخصوصة شديدة العذاب"(8).
قال ابن عمر: " لما نزلت الموجبات التي أوجب الله عليها النار لمن عمل بها نحو هذه الآية: {فسوف نصليه نارا}، ونحوها، كنا نشهد على من فعل شيئا من هذا أنه من أهل النار، حتى نزلت: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، فلما نزلت كففنا عن الشهادة، ولم نشهد أنهم في النار، وخفنا عليهم بما أوجب الله لهم"(9).
و{نصليه} ، بتخفيف اللام وتشديدها. و {نصليه} بفتح النون من صلاه يصليه. ومنه شاة مصلية، ويصليه بالياء والضمير لله تعالى، أو لذلك، لكونه سببا للصلى نارا (10).
قوله تعالى: {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 30]، أي: وكان ذلك على الله هيناً يسيراً لا عسر فيه" (11).
قال سعيد بن جبير: " يقول: كان عذابه على الله هينا"(12).
قال الواحدي: " معناه: أنه قادر على المتوعد لا يتهيأ له الامتناع منه ولا الهرب عنه فيتعذر الإيقاع به"(13).
قال النسفي: {يَسِيرًا} أي: " سهلاً، وهذا الوعيد في حق المستحل للتخليد وفي حق غيره لبيان استحقاقه دخول النار مع وعد الله بمغفرته"(14).
قال الزمخشري: " لأن الحكمة تدعو إليه، ولا صارف عنه من ظلم أو نحوه"(15).
قال الطبري: أي: " وكان إصلاءُ فاعل ذلك النارَ وإحراقه بها، على الله سَهْلا يسيرًا، لأنه لا يقدر على الامتناع على ربه مما أراد به من سوء. وإنما يصعب الوفاءُ بالوعيد لمن توعده، على من كان إذا حاول الوفاءَ به قَدَر المتوعَّد من الامتناع منه. فأما من كان في قبضة مُوعِده، فيسيرٌ عليه إمضاءُ حكمه فيه، والوفاءُ له بوعيده، غيرُ عسير عليه أمرٌ أراده به"(16).
(1) أحكام القرآن: 2/ 229.
(2)
تفسير الطبري: 8/ 231.
(3)
أخرجه ابن ابي حاتم (5190): ص 3/ 929.
(4)
أخرجه ابن ابي حاتم (5191): ص 3/ 929.
(5)
انظر: الكشاف: 1/ 503.
(6)
التفسير الميسر: 248.
(7)
تفسير البغوي: 1/ 604.
(8)
الكشاف: 1/ 503.
(9)
أخرجه ابن ابي حاتم (5192): ص 3/ 929.
(10)
انظر: الكشاف: 1/ 503.
(11)
صفوة التفاسير: 248.
(12)
أخرجه ابن ابي حاتم (5193): ص 3/ 929.
(13)
التفسير البسيط: 6/ 472.
(14)
تفسير النسفي: 1/ 352.
(15)
الكشاف: 1/ 503.
(16)
تفسير الطبري: 8/ 231 - 232.
قال ابن كثير: " وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، فَلْيحذَرْ منه كل عاقل لبيب ممن ألقى السمع وهو شهيد"(1).
الفوائد:
1 -
الوعيد الشديد لقاتل النفس عدواناً وظلماً بالإصلاء بالنار.
2 -
إن كان القتل غير عدوان بأن كان خطأ، أو كان غير ظلم بأن كان عمداً ولكن بحق كقتل من قتل والده وابنه أو أخاه فلا يستوجب هذا الوعيد الشديد.
القرآن
التفسير:
إن تبتعدوا -أيها المؤمنون- عن كبائر الذنوب كالإشراك بالله وعقوق الوالدين وقَتْلِ النفس بغير الحق وغير ذلك، نكفِّر عنكم ما دونها من الصغائر، وندخلكم مدخلا كريمًا، وهو الجنَّة.
قوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} [النساء: 31]، " أي: إِن تتركوا أيها المؤمنون الذنوب الكبائر التي نهاكم الله عز وجل عنها" (2).
قال الزجاج: " تتركوا نهائيا، والكبائر حقيقتها أنها كل ما وعد الله عليه النار، نحو القتل والزنا والسرقة وأكل مال اليتيم
…
والكبائر ما كبر وعظم من الذنوب" (3).
قال أبو السعود: " أي: كبائر الذنوب التي نهاكم الشرع عنها مما ذكر ههنا ومالم يذكر"(4).
قال أنس بن مالك: " ما لكم وللكبائر وقد وعدتم المغفرة، أحسبه قال: وقد وعدكم المغفرة، فيما دون الكبائر "(5).
وعن مجاهد، في قول عز وجل:" {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} قال: الموجبات "(6).
قال قتادة: " إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر "(7).
قال السمعاني: " وقيل: باجتناب الكبائر، تقع الصغائر مكفرة، ومذهب أهل السنة: أن تكفير الصغائر معلقة بالمشيئة؛ فيجوز أن يعفو الله عن الكبائر، ويأخذ بالصغائر، ويجوز أن يجتنب الرجل الكبائر، فيؤخذ بالصغائر"(8).
وذكر أهل التفسير في معنى "الكبائر" وجوها:
أحدها: أنها كل ما نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى رأس الثلاثين منها، وهذا قول عبدالله بن مسعود (9)، وإبراهيم (10)، وابن عباس في رواية سعيد بن جبير عنه (11).
والثاني: أن كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة. وهذا قول ابن عباس (12)، وابو العالية (13)، وعبيدة في روياة ابن سيرين (14).
قال طاوس: "ذكروا عند ابن عباس الكبائر فقالوا: هي سبع. قال: هي أكثر من سبع وَسبع! قال سليمان: فلا أدري كم قالها من مرّة"(15). في رواية أخرى: " قال: هي إلى السبعين أقرب"(16)، وفي رواية أخرى:" إلى سبع مائة أقرب، إنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار "(17).
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 271.
(2)
صفوة التفاسير: 248.
(3)
معاني القرآن: 2/ 45.
(4)
تفسير أبي السعود: 2/ 171.
(5)
أخرجه ابن المنذر (1674): ص 2/ 675.
(6)
أخرجه ابن المنذر (1672): ص 2/ 674.
(7)
أخرجه ابن المنذر (1675): ص 2/ 675.
(8)
تفسير السمعاني: 1/ 421.
(9)
انظر: تفسير الطبري (9168) - (9175)، (9177)، و (9178): ص 8/ 233 - 234.
(10)
انظر: تفسير الطبري (9176): ص 8/ 234.
(11)
انظر: تفسير ايبن المنذر (1665): ص 2/ 670.
(12)
انظر: تفسير الطبري (9201) - (0204): ص 8/ 244 - 245، و (9206) - (9210): ص 8/ 245 - 246.
(13)
انظر: تفسير الطبري (9205): ص 8/ 245.
(14)
انظر: تفسير ايبن المنذر (1668): ص 2/ 671.
(15)
أخرجه الطبري (9204): ص 8/ 245.
(16)
أخرجه الطبري (9209): ص 8/ 246.
(17)
أخرجه ابن المنذر (1670): ص 3/ 671.
والثالث: أن الكبائر سبع: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، وهذا قول عليّ (1)، وعمرو بن عبيد (2)، وعبيدة (3).
وقال عطاء: ": الكبائر سبع: قتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، ورمي المحصنة، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، والفرار يوم الزحف"(4).
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الكبائر سبع: "أولهما الإشراك بالله، ثم قتل النفس بغير حقها، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم إلى أن يكبر، والفرار من الزحف، ورمي المحصنات والانقلاب إلى الأعراب بعد الهجرة"(5).
وضمن هذا السياق روي عن عبيد الله بن عمير أنه قال: "الكبائر سبع، يتلو بكل واحدة آية: {مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ} (6)، الآية، و {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا} (7) الآية {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى} (8) الآية، {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} (9) الآية، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا} (10) الآية كلها"(11)، وزاد في روياة أخرى:" التعرب بعد الهجرة، ثم قرأ {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ} (12) "(13).
وروي عن صهيب مولى العُتْواريّ: "أنه سمع من أبي هريرة وأبي سعيد الخدري يقولان: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فقال: والذي نفسي بيده ثلاث مرات ثم أكبَّ، فأكبَّ كل رجل، منا يبكي، لا يدري على ماذا حلف، ثم رفع رأسه وفي وجهه البِشر، فكان أحبَّ إلينا من حُمْر النَّعم، فقال: ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رَمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبعَ، إلا فتحت له أبواب الجنة، ثم قيل: ادخل بسلام"(14).
والرابع: أنها تسع: الإشراك بالله، وقذف المحصنة، وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، وأكل الربا، وإلحاد بالبيت الحرام، وهذا قول ابن عمر (15).
أخرج ابن أبي حاتم عبيد بن عمير الليثي، أنه حدثه أبوه وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إجتنب الكبائر التي نهى الله عنها، ثم أن رجلا من أصحابه سأله فقال يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: هن تسع أعظمهن الشرك بالله، وقتل المؤمن بغير حق، وفرار يوم الزحف، والسحر وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا"(16).
والخامس: أنها أربع: الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من رَوْح الله، والأمن من مكر الله، وهذا قول ابن مسعود في رواية أبي الطفيل عنه (17).
والسادس: أنها ثلاث: اليأسُ من رَوْح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله. وهذا قول ابن مسعود في رواية مجاهد عنه (18).
(1) انظر: تفسير الطبري (9179): ص 8/ 235.
(2)
انظر: تفسير الطبري (9180)، (9181): ص 8/ 235 - 236.
(3)
انظر: تفسير الطبري (9182) - (9184): ص 8/ 237.
(4)
أخرجه الطبري (9186): ص 8/ 238.
(5)
تفسير ابن أبي حاتم (5202): ص 3/ 931، ومسلم كتاب الإيمان رقم 189/ 92.
(6)
[سورة النساء: 48، و 116]، و [المائدة: 72]، و [الحج: 31].
(7)
[سورة النسا: 93].
(8)
[سورة النسا: 10].
(9)
[يورة النور: 23] ..
(10)
[سورة الأنفال: 15] ..
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (5203): ص 3/ 932.
(12)
[سورة محمد: 25].
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (5204): ص 3/ 932.
(14)
أخرجه الطبري (9185): ص 8/ 237 - 238. إسناده صحيح.
(15)
انظر: تفسير الطبري (9187)، و (9188): ص 8/ 239 - 240، وتفسير ابن أبي حاتم (5200): ص 3/ 931.
(16)
تفسير اين أبي حاتم (5200): ص 3/ 931، والحاكم 4/ 259.
(17)
انظر: تفسير الطبري (9190) - (91200): ص 8/ 242 - 244.
(18)
انظر: تفسير الطبري (9211): ص 8/ 246.
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متكئا فدخل عليه رجل فقال: ما الكبائر؟ فقال: «الشرك بالله والإياس من روح الله والأمن من مكر الله، وهذا أكبر الكبائر» " (1).
والسابع: أنها كل ما أوعد الله عليه النار، وهذا ابن عباس في إحدى الروايات (2)، وسعيد بن جبير (3)، والحسن (4)، ومجاهد (5)، والضحاك (6)، وسهل التستري (7).
والثامن: السبعة المذكورة في المقالة الثانية وزادوا عليها: الزنى (8)، والعقوق (9)، والسرقة (10)، و"سب أبي بكر وعمر"(11)، والجمع بين الصلاتين من غير عذر (12)، والإضرار بالوصية (13)، والنهبة (14)، البيعة وفراق الجماعة (15)، ومنع ماء السيول والعيون والأودية وطروق الفحل (16)، وشرب الخمر (17)، ويمين الغموس (18)،
(1) تفسير ابن أبي حاتم (5201): ص 3/ 931، قال ابن كثير: وفي اسناده نظر- 2/ 243.
(2)
انظر: تفسير الطبري (9212): ص 8/ 246.
(3)
انظر: تفسير الطبري (9214)، و (9215): ص 8/ 247.
(4)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5215): ص 3/ 934.
(5)
انظر: تفسير الطبري (9216)، و (9217): ص 8/ 247.
(6)
انظر: تفسير الطبري (9218): ص 8/ 247.
(7)
تفسير التستري: 53.
(8)
أخرج ابن أبي حاتم (5194): ص 3/ 929: عن عبد الله بن مسعود قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكبائر، فقال: أن تدعو لله ندا وهو خلقك، أو أن تقتل ولدك أن يطعم معك، أو أن تزاني حليلة جارك، ثم قرأ هذه الآية:{والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} الآية". [سورة الفرقان آية 68].
وأخرج ابن المنذر (1671): ص 2/ 671 - 673): عن ابن عباس: أن من الكبائر: " الزنا، لأن الله يقول: {يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا} ".
وانظر: تفسير ابن أبي حاتم (5197): ص 3/ 930. وفيه خبر عن عمرو بن عاص، وسئل عن الخمر فقال: "والله إن عظيما عند الله شيخ مثلي يكذب في هذا المقام على النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب فسأله، ثم رجع فقال: سألته عن الخمر فقال: هي أكبر الكبائر وأم الفواحش، من شرب الخمر ترك الصلاة ووقع على أمه وخالته وعمته".
(9)
أخرج ابن أبي حاتم (5195): ص 3/ 930: عن أنس قال: "سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكبائر فقال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور، أو قال: قول الزور» ". وانظر: تفسير ابن أبي حاتم (5196): ص 3/ 930.
(10)
انظر: النكت والعيون: 1/ 476.
(11)
هذا قول مغيرة، حسن بن قيس انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5206): ص 3/ 932، هو حسين بن قيس ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أحمد وغيره، انظر: تفسير ابن كثير 2/ 242.
وقد روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض الرجل المسلم والسبتان والسبه". [أخرجه ابن ابي حاتم (5205): ص 3/ 932].
قال ابن كثير: "وقد ذهب طائفة من العلماء إلى تكفير من سب الصحابة"[انظر: تفسير ابن كثير 2/ 248].
(12)
أخرجه ابن ابي حاتم (5207): ص 3/ 932، والترمذي كتاب الصلاة رقم 5188/ 356: عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبو أب الكبائر".
وأخرجه ابن أبي حاتم (5208): ص 3/ 932: عن معمر، فقال:" عن أبي قتادة يعني: العدوي قال: قرئ علينا كتاب معمر: من الكبائر جمع بين الصلاتين، يعني: من غير عذر".
قال ابن كثير: هذا اسناد صحيح- 2/ 243.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم عن (5209): ص 3/ 933: عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الضرار في الوصية من الكبائر" ..
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (5211): ص 3/ 933، عن عن أبي قتادة قال: قرئ علينا كتاب عمر: من الكبائر الفرار من الزحف والنهبة" ..
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (5212): ص 3/ 933: عن علي قال: "الكبائر: الشرك بالله، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، والسحر، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة" ..
(16)
أخرجه ابن أبي حاتم (5213): ص 3/ 933: عن ابن بريدة، عن أبيه قال:"أكبر الكبائر: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، ومنع فضول الماء بعد الري، ومنع طروق الفحل إلا بجعل".
(17)
أخرج ابن أبي حاتم (5197): 3/ 930 عن عمارة بن حزم أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص وهو في الحجر بمكة، وسئل عن الخمر فقال:"والله إن عظيما عند الله شيخ مثلي يكذب في هذا المقام على النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب فسأله، ثم رجع فقال: سألته عن الخمر فقال: هي أكبر الكبائر وأم الفواحش، من شرب الخمر ترك الصلاة ووقع على أمه وخالته وعمته".
قال ابن كثير: غريب من هذا الوجه 2/ 240.
(18)
أخرج ابن أبي حاتم (5199): ص 3/-931930: عن عبد الله بن أنيس الجهني، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من أكبر الكبائر: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وما حلف حالف بالله يمين صبر، فأدخل فيها مثل جناح البعوضة إلا كانت نكتة في قلبه إلى يوم القيامة".
وأخرج ابن المنذر (1671): ص 2/ 671 - 673): عن ابن عباس: أن من الكبائر: " اليمين الغموس الفاجرة لأن الله جل وعز يقول: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة} ".
و"الغلول ومنع الزكاة المفروضة، وكتمان الشهادة، وترك الصلاة معتمدا في شيء مما افترضه الله عليه، ونقض العهد وقطيعة الرحم"(1)
والتاسع: أنها كل ما لا تصح معه الأعمال، وهذا قول زيد بن أسلم (2).
والعاشر: ما سماه الله في القرآن كبيرا أو عظيما نحو قوله تعالى: {إنه كان حوبا كبيرا} [النساء -2]، {إن قتلهم كان خطئا كبيرا} [الإسراء -31]، {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان -13]، {إن كيدكن عظيم} [يوسف -28]، {سبحانك هذا بهتان عظيم} [النور -16]{إن ذلكم كان عند الله عظيما} [الأحزاب -53]. وهذا قول الحسن بن الفضل (3).
والحادي عشر: أن "الكبائر ما كان فيه المظالم بينك وبين العباد، والصغائر ما كان بينك وبين الله تعالى، لأن الله كريم يعفو. وهذا قول سفيان الثوري (4)، واحتج بما روي عن أنس بن مالك من طريق الحسين بن داؤد البلخي، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ينادي مناد من بطنان العرش يوم القيامة: يا أمة محمد إن الله عز وجل قد عفا عنكم جميعا المؤمنين والمؤمنات، تواهبوا المظالم وادخلوا الجنة برحمتي" (5).
الثاني عشر: أن الكبائر ذنوب أهل البدع، والسيئات ذنوب أهل السنة. قاله مالك بن مغول (6).
والثالث عشر: أن الكبائر ذنوب العمد، والسيئات الخطأ والنسيان وما أكره عليه، وحديث النفس المرفوع عن هذه الأمة (7).
والرابع عشر: أن الكبائر ذنوب المستحلين مثل ذنب إبليس، والصغائر ذنوب المستغفرين مثل ذنب آدم عليه السلام (8).
والخامس عشر: أن " الكبائر ما نهى الله عنه من الذنوب الكبائر، والسيئات مقدماتها وتوابعها مما يجتمع فيه الصالح والفاسق، مثل النظرة واللمسة والقبلة وأشباهها. وهذا قول السدي (9)، واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه" (10).
والسادس عشر: أن الكبائر ما يستحقره العباد، والصغائر ما يستعظمونه فيخافون مواقعته، ذكره البوغي عن عبد الواحد (11).
(1) أخرجه ابن المنذر (1671): ص 2/ 171 - 674. بطوله عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله جل وعز: " {.الذين يجتنبون كبائر الإثم} قال فأكبر الكبائر: الإشراك بالله، لأن الله عز وجل يقول:{إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة} والإياس من روح الله، لأن الله يقول:{ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} ، والأمن لمكر الله، لأن الله عز وجل يقول:{فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} ، ومنها: عقوق الوالدين، لأن الله سبحانه جعل العاق جبارا، عصيا، وشقيا، وقتل النفس التي حرمها الله، لأن الله يقول:{فجزاؤه جهنم} إلى آخر الآية، وقذف المحصنات، لأن الله يقول:{لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم} وأكل مال اليتيم، لأن الله عز وجل يقول:{إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} والفرار من الزحف، لأن الله يقول:{ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} ، وأكل الربا، لأن الله عز وجل، يقول:{ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} ، والزنا، لأن الله يقول:{يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا} ، واليمين الغموس الفاجرة لأن الله جل وعز يقول:{إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة} والغلول لأن الله يقول: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} ، ومنع الزكاة المفروضة لأن الله جل وعز، يقول:{فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} وشهادة الزور، وكتمان الشهادة، لأن الله يقول:{ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} وشرب الخمر، لأن الله عز وجل عدل بها الأوثان، وترك الصلاة معتمدا في شيء مما افترض الله عليه، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: من ترك الصلاة متعمدا، فقد برئ من ذمة الله ورسوله، ونقض العهد، وقطيعة الرحم، لأن الله جل ثناؤه يقول:{لهم اللعنة ولهم سوء الدار} ".
(2)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5219): ص 3/ 934، قال فيه:" الشرك، والكفر بآيات الله ورسله، والسحر، وقتل الأولاد، ومن دعا لله ولدا أو صاحبة، ومثل ذلك من الأعمال والقول الذي لا يصلح معه عمل، وأما كل ذنب يصلح معه دين، ويقبل معه عمل- فإن الله تعالى يعفو السيئات بالحسنات" ..
(3)
انظر: تفسير البغوي: 2/ 203.
(4)
انظر: تفسير البغوي: 2/ 203.
(5)
حديث موضوع في إسناده الحسين بن داود، أبو علي البلخي، قال الخطيب: ليس بثقة، حديثه موضوع. انظر: ميزان الاعتدال: 1/ 534. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 15/ 197. وانظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني: 3/ 439 رقم (1279) ..
(6)
انظر: تفسير البغوي: 2/ 203.
(7)
انظر: تفسير البغوي: 2/ 203.
(8)
انظر: تفسير البغوي: 2/ 203.
(9)
انظر: تفسير البغوي: 2/ 203.
(10)
أخرجه أحمد في المسند: 1/ 412، 2/ 343 عن أبي هريرة، والطبراني وأبو يعلى والبزار وابن حبان عن أبي هريرة. قال الهيثمي في المجمع 6/ 256، سنده جيد، وقال المنذري صحيح. وانظر: فيض القدير للمناوي: 4/ 399، والمصنف في شرح السنة: 1/ 138 ..
(11)
انظر: تفسير البغوي: 2/ 203.
روي عن أنس قال: "إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات"(1).
والسابع عشر: أن الكبائر الشرك وما يؤدي إليه، وما دون الشرك فهو السيئات، قال الله تعالى:"إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"[النساء -48، 116](2).
قال الطبري: ": وأولى ما قيل في تأويل الكبائر بالصحة، ما صحَّ به الخبر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، دون ما قاله غيره، وإن كان كل قائل فيها قولا من الذين ذكرنا أقوالهم، قد اجتهد وبالغ في نفسه، ولقوله في الصحة مذهبٌ. فالكبائر إذن: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس المحرّم قتلها، وقول الزور وقد يدخل في قول الزور، شهادة الزور وقذف المحصنة، واليمين الغموسُ، والسحر ويدخل في قتل النفس المحرَّم قتلها، قتل الرجل ولده من أجل أن يطعم معه والفرارُ من الزحف، والزنا بحليلة الجار، وإذْ كان ذلك كذلك، صحَّ كل خبر رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في معنى الكبائر، وكان بعضه مصدِّقًا بعضًا. وذلك أن الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: هي سبع يكون معنى قوله حينئذ: هي سبع على التفصيل ويكون معنى قوله في الخبر الذي روي عنه أنه قال: هي الإشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور على الإجمال، إذ كان قوله: وقول الزور يحتمل معاني شتى، وأن يجمعَ جميعَ ذلك قول الزور "(3).
قال أبو السعود: " واختلف في الكبائر والأقرب أن الكبيرة كل ذنب رتب الشارع عليه الحد او صرح بالوعيد وقيل ما علم حرمته بقاطع وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنها سبع الإشراك بالله تعالى وقتل النفس التي حرمها الله تعالى وقذف المحصنات وأكل مال اليتيم والربا والفرار من الزحف وعقوق الوالدين"(4).
قوله تعالى: {نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31]، أي:" نمح عنكم صغائر الذنوب"(5).
قال أبو السعود: " أي: صغائركم ونمحها عنكم قال المفسرون الصلاة إلى الصلاة والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن من الصغائر إذا اجتنبت الكبائر"(6).
قال الماوردي: " يعني: من الصغائر إذا اجتنبتم الكبائر، فأما مع ارتكاب الكبائر، فإنه يعاقب على الكبائر والصغائر"(7).
وروى أبو زيد سعيد بن أوس عن المفضل عن عاصم {يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم} بالياء جميعا وقرأ الباقون بالنون (8).
عن السدي قوله: {نكفر عنكم سيئاتكم} ، قال: الصغار" (9).
قال البغوي: " أي: من الصلاة إلى الصلاة ومن الجمعة إلى الجمعة ومن رمضان إلى رمضان
…
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنب الكبائر» (10) " (11).
قوله تعالى: {وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: 31]، أي:" وندخلكم مدخلا كريمًا، وهو الجنَّة"(12).
(1) أخرجه البخاري في الرقاق، باب ما يتقي من محقرات الذنوب: 11/ 329، والمصنف في شرح السنة: 14/ 398 ..
(2)
انظر: تفسير البغوي: 2/ 204.
(3)
تفسير الطبري: 8/ 252 - 254. وقد صنف أبو طالب المكي الكبائر بسبع عشرة: أربعة في القلب: وهي الشرك بالله، والإصرار على معصيته، والقنوط من رحمته، والأمن من مكره. وأربع في اللسان: وهي شهادة الزور، وقذف المحصن، واليمين الغموس، والسحر. وثلاث في البطن: وهي شرب الخمر والمسكر من كل شراب وأكل مال اليتيم ظلماً، وأكل الربا وهو يعلم. واثنتان في الفرج، وهما الزنا واللواط. واثنتان في اليد: وهما القتل والسرقة. وواحدة في الرجلين: وهو الفرار من الزحف. وواحدة في جميع الجسد: وهو عقوق الوالدين. وتعقبه الغزالي بأنه تصنيف غير شامل ويمكن الزيادة عليه. وقال: إن الكبائر على ثلاث مراتب: الأولى ما يمنع من معرفة الله تعالى ومعرفة رسله وهو الكفر، ويتلوه الأمن من مكر الله والقنوط من رحمته، ثم يتلوه البدع كلها المتعلقة بذات الله وصفاته وأفعاله. المرتبة الثانية: النفوس. المرتبة الثالثة: الأموال. ثم استعرض بقية الجرائم (راجع الإحياء: 15/ 4 - 20).
(4)
تفسير أبي السعود: 2/ 171.
(5)
صفوة التفاسير: 248.
(6)
تفسير أبي السعود: 2/ 171.
(7)
النكت والعيون: 1/ 476.
(8)
انظر: السبعة: 232، والحجة للقراء السبعة: 3/ 153، ومعاني القرآن للفراء: 1/ 211.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (5220): ص 3/ 934.
(10)
تفسير البغوي: 2/ 204.
(11)
أخرجه مسلم في الطهارة، باب الصلوات الخمس برقم (233): 1/ 209، والمصنف في شرح السنة: 2/ 177 ..
(12)
التفسير الميسر: 83.
قال البغوي: " أي: حسنا وهو الجنة"(1).
قال أبو السعود: أي حسنا مرضيا وهو الجنة" (2).
قال السدي: " فالكريم: هو الحسن في الجنة"(3).
وقال قتادة: " المدخل الكريم: هو الجنة"(4).
قال الزجاج: " يعني به ههنا الجنة"(5).
وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر {وَنُدْخِلْكُمْ مَدْخَلًا} ، مفتوحة الميم، وقرأ الباقون:{وَنُدْخِلْكُمْ مدْخَلًا} ، مضمومة الميم، بمعنى: فتدخلون مدخلا كريما (6)، كما روي عن عاصم:{ويدخلكم} بالياء، في حين الباقون:{وندخلكم} بالنون (7).
قال السمعاني: " {وندخلكم مدخلا كريما} وتقرأ: {مدخلا} - بفتح الميم-، فالمدخل: الجنة والمدخل بضم الميم: الإدخال، يعني: إدخالا كريما"(8).
الفوائد:
1 -
وجوب الابتعاد عن سائر الكبائر، والصبر على ذلك حتى الموت.
2 -
الذنوب قسمان: كبائر، وصغائر. ولذا وجب العلم بها لاجتناب كبائرها وصغائرها ما أمكن ذلك، ومن زل فليتب فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له 3.
3 -
الجنة لا يدخلها إلا ذوو النفوس الزكية الطاهرة باجتنابهم المدنسات لها من كبائر الذنوب والآثام والفواحش.
القرآن
التفسير:
ولا تتمنوا ما فضَّل الله به بعضكم على بعض، في المواهب والأرزاق وغير ذلك، فقد جعل الله للرجال نصيبًا مقدَّرًا من الجزاء بحسب عملهم، وجعل للنساء نصيبًا مما عملن، واسألوا الله الكريم الوهاب يُعْطِكم من فضله بدلا من التمني. إن الله كان بكل شيء عليمًا، وهو أعلم بما يصلح عباده فيما قسمه لهم من خير.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: أخرج أحمد وغيره (9)، عن مجاهد، قال:"قالت أم سلمة: يارسول الله يغزو الرجال ولانغزو، ولنا نصف الميراث، فانزل الله: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} "(10). قال مجاهد: " ونزلت: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [سورة الأحزاب: 35] (11) "(12). وروى عن مقاتل ابن حيان (13)، وخصيف (14)، نحو ذلك.
(1) تفسير البغوي: 2/ 204.
(2)
تفسير أبي السعود: 2/ 171.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (5221): ص 3/ 934.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (5222): ص 3/ 935.
(5)
معاني القرآن: 2/ 45.
(6)
انظر: السبعة: 232، والحجة للقراء السبعة: 3/ 153، ومعاني القرآن للفراء: 1/ 211.
(7)
انظر: السبعة: 232، والحجة للقراء السبعة: 3/ 153، ومعاني القرآن للفراء: 1/ 211.
(8)
تفسير السمعاني: 1/ 421.
(9)
وأخرجه الترمذي في كتاب "التفسير""5/ 221"، وادعى الترمذي الانقطاع بين مجاهد وأم سلمة رضي الله عنها، والصواب الاتصال بينهما [حاشية جامع الأصول: 2/ 87]. وأخرجه كذلك الطبراني في "الكبير""23/ 280" والحاكم في "المستدرك""2/ 305" وقال: "صحيح الإسناد على شرط الشيخين إن كان سمع مجاهد من أم سلمة" وسكت الذهبي! ، وعبدالرزاق في تفسيره:(563): ص 1/ 450، وابن أبي حاتم (5224): ص 3/ 935، والواحدي في "الأسباب": 149 - 150، وآخرون. وانظر "مرويات الإمام أحمد في التفسير""1/ 352" و"الدر المنثور""2/ 507" و"اللباب""ص 67".
(10)
"المسند: 6/ 322.
(11)
[سورة الأحزاب: 35].
(12)
تفسير الطبري في تفسيره (9237): ص 8/ 26.
(13)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5225): ص 3/ 935، وانظر: تفسير مجاهد: 1/ 154.
(14)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5225): ص 3/ 935، وانظر: تفسير مجاهد: 1/ 154.
وفي هذا السياق أخرج ابن ابي حاتم عن ابن عباس، قال:" أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبي الله، للذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في العمل هكذا، إن عملت امرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية: {ولا تتمنوا}: فإنه عدل مني وأنا صنعته"(1).
والثاني: قال مقاتل: " لما نزلت: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} (2)، قالت النساء: لم هذا؟ نحن أحق أن يكون لنا سهمان ولهم سهم لأنا ضعاف الكسب والرجال أقوى على التجارة والطلب والمعيشة منا، فإذا لم يفعل الله ذلك بنا فإنا نرجو أن يكون الوزر على نحو ذلك علينا وعليهم فأنزل الله في قولهم كنا نحن أحوج إلى سهمين، قول- سبحانه-: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} "(3).
ونحو هذ السياق أخرج الطبري عن عبد الرزاق قال: "أخبرنا معمر، عن شيخ من أهل مكة قوله: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ}، قال: كان النساء يقلن: ليتنا رجال فنجاهد كما يجاهد الرجال، ونغزو في سبيل الله! فقال الله: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} "(4).
وأخرج الواحدي من طريق خصيف عن عكرمة: " أن النساء سألن الجهاد، فقلن: وددنا أن الله جعل لنا الغزو فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال، فأنزل الله تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} "(5).
والثالث: أخرج الطبري عن قتادة: " كان أهل الجاهلية لا يورَّثون المرأة شيئًا ولا الصبيَّ شيئًا، وإنما يجعلون الميراث لمن يَحْترف وينفع ويدفع، فلما نَجَزَ للمرأة نصيبها وللصبيّ نصيبه، وجَعل للذكر مثل حظّ الأنثيين، قال النساء: لو كان جعل أنصباءَنا في الميراث كأنصباء الرجال! وقال الرجال: إنا لنرجو أن نفضَّل على النساء بحسناتنا في الآخرة، كما فضلنا عليهن في الميراث! فأنزل الله: {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن}، يقول: المرأة تُجزى بحسنتها عشر أمثالها، كما يُجْزى الرجل، قال الله تعالى: {واسألوا الله من فضله} "(6). وروي عن أبي حريز نحو ذلك (7).
ونحو هذا السايق أخرج الطبري وابن ابي حاتم (8)، من طريق السدي في هذه الآية:" فإن الرجال قالوا: نريد أن يكون لنا من الأجر الضعفُ على أجر النساء، كما لنا في السهام سهمان، فنريد أن يكون لنا في الأجر أجران. وقالت النساء: نريد أن يكون لنا أجرٌ مثل أجر الرجال، فإنا لا نستطيع أن نقاتل، ولو كتب علينا القتال لقاتلنا! فأنزل الله تعالى الآية، وقال لهم: سلوا الله من فضله، يرزقكم الأعمال، وهو خير لكم"(9).
والرابع: وفي سياق نزول الآية أخرج عبدالرزاق عن معمر ، عن الكلبي:"لا تتمنى زوجة أخيك ، ولا مال أخيك ، واسأل الله أنت من فضله"(10).
والظاهر أن قوله تعالى: {وَلا تَتَمَنَّوْا
…
} تخاطب الرجال لا النساء، واستفسار أم سلمة عن النساء يقتضي أن يكون الخطاب لهن، وهذا ما يقال في الروايات الأخرى المذكورة هنا ما عدا رواية عبد بن حميد وما بعدها، ثم إن هذه الآية مرتبطة بما قبلها وهي الآية:(29): {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ
…
} فالنهي عن التمني متصل بالنهي عن أكل بعض الناس أموال بعضهم (11).
ولعل الأرجح نزول آية الأحزاب جوابا لأم سلمة، يقويه نص وسياق الآية. والله أعلم.
قوله تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء: 32]، أي:" ولا تتمنوا أيها المؤمنون ما خصّ الله به بعضكم على بعض"(12).
(1) تفسير ابن أبي حاتم (5223): ص 3/ 935.
(2)
[سورة النساء: 11، 176].
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 369.
(4)
تفسير الطبري (9242): ص 8/ 263، وانظر: تفسير عبدالرزاق (561): ص 1/ 449.
(5)
أسباب النزول: 150.
(6)
أخرجه الطبري (9249): ص 8/ 265 - 266.
(7)
انظر: تفسير الطبري (9250): ص 8/ 266.
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5229): ص 3/ 936.
(9)
أخرجه الطبري (9246): ص 8/ 264.
(10)
تفسير عبدالرزاق (562): ص 1/ 450.
(11)
انظر "التفسير الحديث" لدروزة "9/ 63.
(12)
انظر: صفوة التفاسير: 251، والتفسير الميسر:83.
قال ابن عباس: " يقول: لا يتمنى الرجل، فيقول: ليت لي مال فلان وأهله، فنهى الله سبحانه عن ذلك، ولكن ليسأل الله من فضله"(1). وروي عن محمد بن سيرين والحسن وعطاء والضحاك نحو ذلك (2).
قال الزمخشري: أي: " ولا تتمنوا نهوا عن التحاسد وعن تمنى ما فضل الله به بعض الناس على بعض من الجاه والمال، لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد، وبما يصلح المقسوم له من بسط في الرزق أو قبض (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض) فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له علما بأن ما قسم له هو مصلحته، ولو كان خلافه لكان مفسدة له، ولا يحسد أخاه على حظه"(3).
وفي تفسير قوله تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء: 32]، قولان:
أحدهما: أن ذلك نزل في نساءٍ تمنين منازلَ الرجال، وأن يكون لهم ما لهم، فنهى الله عباده عن الأماني الباطلة، وأمرهم أن يسألوه من فضله، إذ كانت الأمانيّ تورِث أهلها الحسد والبغي بغير الحق. وهذا قول ابن عباس (4)، ومجاهد (5)، والحسن (6)، وعكرمة (7)، وعطاء (8).
والثاني: أن المعنى: لا يتمنَّ بعضكم ما خصّ الله بعضًا من منازل الفضل. وهذا قول السدي (9)، ومحمد (10)، وروي عن قتادة (11)، وأبي حريز (12)، ومقاتل (13) نحو ذلك.
والقول الأول هو الأشهر. والله أعلم.
قال الماوردي: "والنهي تحريم عند أكثر العلماء، لأنه ليس لأحد أن يقول: ليت مال فلان لي، وإنما يقول ليت مثله لي، ومن قال بهذا اختلفوا في النهي هل هو تحريم أم أدب، فقال الفراء هو أدب (14)، وقال غيره هو تحريم"(15).
قال الفراء: " ليس هذا بنهي محرم إنما هو من الله أدب. وإنما قالت أم سلمة وغيرها: ليتنا كنا رجالا فجاهدنا وغزونا وكان لنا مثل أجر الرجال، فأنزل الله تبارك وتعالى: {ولا تتمنوا ما فضل الله}، وقد جاء: «لا يتمنين أحدكم مال أخيه، ولكن ليقل: اللهم ارزقني، اللهم أعطني» (16) "(17).
قال الراغب: " التمني: تشهي الإنسان أن يمنى له شيء، أي يقدر، وذلك مذموم، فإن تمنيه إن كان لشيء قدره أن لا يبلغ إلا بالطلب فيجب أن يطلبه لا أن يتشهاه، وإن كان لشيء يأتيه بغير طلب فتشهيه محال، وإن كان الشيء لم يقدر ففي تشهيه معارضة حكمة الله فيما قدر، ولذلك قيل: من تمنى فقد أساء الظن بالله، ولكون ذلك غير مغن، قال الشاعر (18):
[ليتَ شعري وأين مني ليت]
…
إن ليتا وإن لوا عناء
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (5226): ص 3/ 935.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (5226): ص 3/ 935.
(3)
الكشاف: 1/ 504.
(4)
انظر: تفسير الطبري (9238): ص 8/ 261.
(5)
انظر: تفسير الطبري (9233)، (9237): ص 8/ 261، و (9239) - (9241): ص 8/ 262، و (9244): ص 8/ 263. وانظر: سنن الترمذي: كتاب "التفسير" "5/ 221"، والطبراني في "الكبير" "23/ 280" والحاكم في "المستدرك" "2/ 305"وعبدالرزاق في تفسيره: (563): ص 1/ 450، وابن أبي حاتم (5224): ص 3/ 935، والواحدي في "الأسباب": 149 - 150، وآخرون. وانظر "مرويات الإمام أحمد في التفسير""1/ 352" و"الدر المنثور""2/ 507" و"اللباب""ص 67".
(6)
انظر: تفسير الطبري (9243): ص 8/ 263.
(7)
انظر: تفسير الطبري (9244): ص 8/ 263.
(8)
انظر: تفسير الطبري (9245): ص 8/ 264.
(9)
انظر: تفسير الطبري (9246): ص 8/ 264.
(10)
انظر: تفسير الطبري (9247)، و (9248): ص 8/ 264 - 265.
(11)
انظر: تفسير الطبري (9249): ص 8/ 265 - 266.
(12)
انظر: تفسير الطبري (9250): ص 8/ 266.
(13)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 369.
(14)
انظر: معاني القرآن: 1/ 264.
(15)
النكت والعيون: 1/ 476 - 477.
(16)
أي فى الأثر. وقد نسب القرطبي قريبا من هذا الأثر إلى الكلبي، ولم نقف عليه فى الحديث.
(17)
معاني القرآن: 1/ 264 - 265.
(18)
البيت في شعر أبي زبيد الطائي: ص 24.
وقال (1):
[ألا يا ليتني والمرء ميت]
…
وما يغني عن الحدثان ليت
وهو مع ذلك ذريعة إلى التحاسد والبخل والظلم" (2).
قال الشوكاني: " التمني: نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل، كالتلهف: نوع منها يتعلق بالماضي، وفيه النهي عن أن يتمنى الإنسان ما فضل الله به غيره من الناس عليه، فإن ذلك نوع من عدم الرضا بالقسمة التي قسمها الله بين عباده على مقتضى إرادته وحكمته البالغة، وفيه أيضا نوع من الحسد المنهي عنه إذا صحبه إرادة زوال تلك النعمة عن الغير.
وقد اختلف العلماء في الغبطة هل تجوز أم لا؟ وهي: أن يتمنى أن يكون به حال مثل حال صاحبه، من دون أن يتمنى زوال ذلك الحال عن صاحبه. فذهب الجمهور: إلى جواز ذلك، واستدلوا بالحديث الصحيح:«لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» (3)، وقد بوب عليه البخاري:«باب الاغتباط في العلم والحكم» .
وعموم لفظ الآية يقتضي: تحريم تمني ما وقع به التفضيل سواء كان مصحوبا بما يصير به من جنس الحسد أم لا، وما ورد في السنة من جواز ذلك في أمور معينة يكون مخصصا لهذا العموم، ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" (4).
قال السمعاني: "وفي هذا دليل على أن الحسد حرام؛ والحسد: هو أن يتمنى زوال النعمة عن صاحبه، ويتمناها لنفسه، والغبطة: هو أن يتمنى لنفسه مثل ما لصاحبه، فالحسد حرام، والغبطة لا بأس بها"(5).
قوله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} [النساء: 32]، أي:" جعل الله للرجال نصيبًا مقدَّرًا من الجزاء بحسب عملهم، وجعل للنساء نصيبًا مما عملن"(6).
قال الزمخشري: أي: " جعل ما قسم لكل من الرجال والنساء على حسب ما عرف الله من حاله الموجبة للبسط أو القبض كسبا له "(7).
وفي تفسير قوله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} [النساء: 32]، وجهان:
أحدهما: أن المراد: من الثواب على طاعة الله والعقاب على معصيته، وللنساء نصيب مثل ذلك، ليعني أن للمرأة بالحسنة عشر أمثالها كالرجل، وهو قول قتادة (8)، وأبي حريز (9)، ومقاتل بن حيان (10).
والثاني: أن معناه: للرجال نصيب مما اكتسبوا من ميراث موتاهم، وللنساء نصيب منه، لأن أهل الجاهلية لم يكونوا يورثون النساء، وهذا قول ابن عباس (11)، وعكرمة (12).
والراجح-والله أعلم-، أن معناه" للرجال نصيب من ثواب الله وعقابه مما اكتسبوا فعملوه من خير أو شر، وللنساء نصيب مما اكتسبن من ذلك كما للرجال، لأن الله جل ثناؤه أخبر أن لكل فريق من الرجال والنساء نصيبًا مما اكتسب. وليس الميراث مما اكتسبه الوارث، وإنما هو مال أورثه الله عن ميّته بغير اكتساب، وإنما الكسب العمل، والمكتسب: المحترف"(13).
(1) البيت غير منسوب في تاج العروس، مادة"موت": ص 5/ 102، وتفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1215.
(2)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1214 - 1215.
(3)
أخرجه الحميدي (617)، وأحمد (4550): ص 2/ 8، وفي (4924): ص 2/ 36، و (5618): ص 2/ 88، وفي (6403): ص 2/ 152، وعبد بن حميد (729)، والبخاري (5025): ص 6/ 236، وفي 9/ 189 (7529)، وفي (خلق أفعال العباد) 78، ومسلم (1846): ص 2/ 201، وفي (1847)، وابن ماجة (4209) والترمذي (1936)، والنسائي في "الكبرى"(8018).
(4)
فتح القدير: 1/ 530.
(5)
تفسير السمعاني: 1/ 422.
(6)
التفسير الميسر: 83.
(7)
الكشاف: 1/ 504.
(8)
انظر: تفسير الطبري (9249): ص 8/ 265 - 266.
(9)
انظر: تفسير الطبري (9250): ص 8/ 266.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5228): ص 3/ 936.
(11)
انظر: تفسير الطبري (9251): ص 8/ 266 - 268.
(12)
انظر: تفسير الطبري (9252): ص 8/ 267.
(13)
تفسير الطبري: 8/ 267.
قوله تعالى: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 32]، أي:" واسألوا الله الكريم الوهاب يُعْطِكم من فضله"(1).
قال الطبري: أي: " واسألوا الله من عونه وتوفيقه للعمل بما يرضيه عنكم من طاعته"(2).
قال الزمخشري: أي: " ولا تتمنوا أنصباء غيركم من الفضل، ولكن سلوا الله من خزائنه التي لا تنفد"(3).
وفي المراد بالفضل في قوله تعالى: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 32]، ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الفضل: الطاعة. قاله سعيد بن جبير (4)، ومجاهد (5)، والسدي (6).
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سلوا الله من فضله، فإنه يحب أن يسأل، وإنّ من أفضل العبادة انتظار الفَرَج"(7).
والثاني: أنه الرزق، قاله ابن السائب (8). ونسبه السمعاني إلى ابن عباس (9)، فيكون المعنى: سلوا الله ما تتمنونه من النعم، ولا تتمنوا مال غيركم (10).
والثالث: أنه سؤال التوفيق على الطاعة. قاله الإمام الطبري (11).
قرأ ابن كثير والكسائي: {وسلوا الله} ، و {فسل الذين} [يونس: 94] و {فسل بني إسرائيل} ا [لإسراء: 101]، و [سل من أرسلنا} [الزخرف: 45]، وما كان مثله من الأمر المواجه به وقبله "واو" أو "فاء" فهو غير مهموز في قولهما، وروى الكسائي عن إسماعيل بن جعفر عن أبي جعفر وشيبة أنهما لم يهمزا:{وسل} ولا: {فسل} ، مثل قراءة الكسائي، وقرأ أبو عمرو ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة بالهمز في ذلك كله (12).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [النساء: 32]، أي:" إن الله كان بكل شيء عليمًا، وهو أعلم بما يصلح عباده فيما قسمه لهم من خير"(13).
قال سعيد بن جبير: "يعني: عالما"(14).
قال السمرقندي: أي: " فيما يصلح لكل واحد منهم من السهام، وبمن يصلح للجهاد"(15).
قال ابن كثير: " أي: هو عليم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها، وبمن يستحق الفقر فيفقره، وعليم بمن يستحق الآخرة فيقيضه لأعمالها، وبمن يستحق الخذلان فيخذله عن تعاطي الخير وأسبابه"(16).
الفوائد:
1 -
قبح التمني وترك العمل.
2 -
حرمة الحسد.
3 -
فضل الدعاء وأنه من الأسباب التي يحصل بها المراد.
4 -
ومن أسمائه «العليم» ، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله عز وجل، ، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (17).
(1) التفسير الميسر: 83.
(2)
تفسير الطبري: 8/ 268.
(3)
الكشاف: 1/ 504.
(4)
انظر: تفسير الطبري (9253): ص 8/ 268.
(5)
انظر: تفسير الطبري (9255): ص 8/ 268.
(6)
انظر: تفسير الطبري (9256): ص 8/ 268.
(7)
أخرجه الطبري (9257): ص 8/ 268، والترمذي في كتاب الدعوات (514). ضعيف، فيه حكيم بن جبير الأسدي، قال أحمد: ضعيف الحديث مضطرب، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، له رأي غير محمود، نسأل الله السلامة، غال في التشيع. انظر:"ضعيف الجامع" 3/ 221.
(8)
انظر: زاد المسير: 1/ 400.
(9)
انظر: تفسير السمعاني: 1/ 422.
(10)
انظر: زاد المسير: 1/ 400.
(11)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 268.
(12)
انظر: السبعة: 232.
(13)
التفسير الميسر: 83.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (5232): ص 3/ 936.
(15)
تفسير السمرقندي: 1/ 299.
(16)
تفسير ابن كثير: 8/ 288.
(17)
انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين: 1/ 188.
قال الخطابي: " العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق. كقوله تعالى: {إنه عليم بذات الصدور} [لقمان: 23]. وجاء على بناء فعيل للمبالغة في وصفه بكمال العلم، ولذلك قال -سبحانه-: {وفوق كل ذي علم عليم} [يوسف: 76]. والآدميون -وإن كانوا يوصفون بالعلم- فإن ذلك ينصرف منهم إلى نوع من المعلومات، دون نوع، وقد يوجد ذلك منهم في حال دون حال، وقد تعترضهم الآفات فيخلف علمهم الجهل، ويعقب ذكرهم النسيان، وقد نجد الواحد منهم عالما بالفقه غير عالم بالنحو وعالما بهما غير عالم بالحساب وبالطب ونحوهما من الأمور، وعلم الله -سبحانه- علم حقيقة، وكمال {قد أحاط بكل شيء علما} [الطلاق: 12]، {وأحصى كل شيء عددا} [الجن: 28] "(1).
القرآن
التفسير:
ولكل واحد منكم جعلنا ورثة يرثون مما ترك الوالدان والأقربون، والذين تحالفتم معهم بالأيمان المؤكدة على النصرة وإعطائهم شيئًا من الميراث فأعطوهم ما قُدِّر لهم. والميراث بالتحالف كان في أول الإسلام، ثم رُفع حكمه بنزول آيات المواريث. إن الله كان مُطَّلِعًا على كل شيء من أعمالكم، وسيجازيكم على ذلك.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: أخرج عبدالرزاق عن قتادة: " كان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك ، وهدمي هدمك وترثني وأرثك وتطلب بدمي وأطلب بدمك ، فلما جاء الإسلام بقي منهم ناس ، فأمروا أن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهو السدس ، ثم نسخ ذلك بالميراث بعد "، فقال:{وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض} [الأحزاب: 6] " (2).
وفي هذا السياق أخرج ابن أبي حاتم عن السدي، عن أبي مالك في قوله:" {والذين عقدت أيمانكم}، الآية. قال: كان الرجل في الجاهلية يأتي القوم، فيعقدون له أنه رجل منهم إن كان ضرا أو نفعا أو دما، فإنه فيهم مثلهم، ويأخذوا له من أنفسهم مثل الذي يأخذون منه، قال: فكانوا إذا كان قتال قالوا: يا فلان: أنت منا فانصرنا، قالوا: وإن كانت منفعة قالوا: أعطنا أنت منا، ولم ينصروه كنصرة بعضهم بعضا إن استنصروه، وإن نزل به أمر أعطاه بعضهم ومنعه بعضهم، ولم يعطوه مثل الذي يأخذون منه، قال: فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه وتحرجوا من ذلك، وقالوا: قد عاقدناهم في الجاهلية، فأنزل الله تعالى: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم}، قال: أعطوهم مثل الذي تأخذون منهم"(3). وأخرجه الطبري عن السدي بنحوه (4).
وقال مقاتل: " كان الرجل يرغب في الرجل فيحالفه ويعاقده على أن يكون معه وله من ميراثه كبعض ولده. فلما نزلت هذه الآية آية المواريث ولم يذكر أهل العقد فأنزل الله- عز وجل: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم}، يقول: أعطوهم الذي سميتم لهم من الميراث"(5).
والثاني: أخرج البخاري (6)، وأبو داود (7)، والنسائي (8)، والطبري (9)، وابن أبي حاتم (10)، وآخرون (11)، عن ابن عباس:" كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجر الأنصارى دون ذوى رحمه للأخوة التى آخى النبى صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت: {ولكل جعلنا موالى} نسخت، ثم قال {والذين عاقدت أيمانكم}، إلا النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصى له".
(1) شأن الدعاء: 57.
(2)
تفسير عبدالرزاق (19197): ص 10/ 305، وعنه الطبري (9270): ص 8/ 275 - 276.
(3)
تفسير ابن أبي حاتم (5242): ص 3/ 939.
(4)
انظر: تفسير الطبري (9287): ص 8/ 280.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 369 - 370.
(6)
صحيح البخاري (2292): ص 3/ 125، و (4580): ص 6/ 55، و (6747): ص 8/ 190.
(7)
سنن أبي داود (2922).
(8)
انظر: السنن الكبرى (6384) و (11037) ..
(9)
انظر: تفسير الطبري (9275): ص 8/ 277.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5236): ص 3/ 937.
(11)
وابن المنذر والنحاس والحاكم والبيهقي في "سننه" كما في "الدر""2/ 509".
والثالث: أخرج أبو داود عن داود بن الحصين، قال:"كنت أقرأ على أم سعد (1) بنت الربيع - وكانت يتيمة في حجر أبي بكر - فقرأت: {والذين عقدت أيمانكم} [النساء: 33]، فقالت: لا تقرأ: {والذين عقدت أيمانكم} [النساء: 33]، إنما نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن، حين أبى الإسلام، فحلف أبو بكر ألا يورثه، فلما أسلم أمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يؤتيه نصيبه"(2).
ونقل الثعلبي عن أبي روق: " نزل قوله: {ولكل جعلنا موالي}، الآية، في أبي بكر الصديق، وابنه عبد الرحمن، وكان كافرا، أن لا ينفعه ولا يورثه شيئا من ماله، فلما أسلم عبد الرحمن أمر أن يؤتى نصيبه من المال"(3).
والراجح-والله أعلم- انها نزلت " في أهل العقد بالحلف، إذ أمروا أن يؤتي بعضهم بعضًا أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما أشبه ذلك، دون الميراث"(4).
قال ابن كثير: "والصحيح أن هذا كان في ابتداء الإسلام يتوارثون بالحلف، ثم نسخ وبقي تأثير الحلف بعد ذلك، وإن كانوا قد أمرُوا أن يوفوا بالعقود والعهود، والحلف الذي كانوا قد تعاقدوا قبل ذلك تقدم في حديث جبير بن مطعم وغيره من الصحابة:«لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة» (5)، وهذا نص في الرد على ما ذهب إلى التوارث بالحلف اليوم كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ورواية عن أحمد بن حنبل (6)، رحمه الله.
والصحيحُ قول الجمهور ومالك والشافعي وأحمد -في المشهور عنه-" (7).
قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} [النساء: 33]، أي:" ولكل إِنسانٍ جعلنا عصبةً يرثون ماله ممّا تركه الوالدان والأقارب من الميراث"(8).
قال الطبري: أي: " ولكلكم، أيها الناس، جعلنا عَصبة يرثون به مما ترك والده وأقرباؤه من ميراثهم"(9).
قال السمعاني: أي: " ولكل من الرجال والنساء جعلنا ورثة"(10).
قال ابن كثير: " أي: ورثه من أقربائه من أبويه وأقربيه، وهم يرثونه دون سائر الناس، كما ثبت في الصحيحين، عن ابن عباس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألْحِقُوا الفرائِضَ بأهلها، فما بَقِيَ فهو لأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (11)، أي: اقسموا الميراث على أصحاب الفروض الذين ذكرهم الله في آيتي الفرائض، فما بقي بعد ذلك فأعطوه العَصَبة"(12).
وفي الموالي ثلاثة اقوال:
أحدهما: أنهم العصبة، وهو قول قتادة (13)، ومجاهد (14)، وابن زيد (15).
والثاني: هم الورثة، وهو قول السدي (16)، وابن عباس في رواية سعيد بن جبير (17).
والثالث: ويجوز أن يكون المولى هاهنا بمعنى الأولى بالشيء، والمعنى: أن لكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون وارثا هو أولى به. من غيره، ومنه قيل لمالك: العبد مولاه؛ لأنه أولى به. قاله أبو هلال العسكري (18).
قال أبي عبيدة: " {ولكل جعلنا موالي} قال: أولياء ورثة، المولى ابن العم، والمولى: الحليف وهو العقيد والمولى: المنعم عليه، والمولى: الأسفل، والمولى: الولي: اللهم من كنت مولاه، والمولى: المنعم على المعتق "، وقال الشاعر (19):
ومولى كداء البطن لو كان قادرا
…
على الموت أفنى الموت أهلي وماليا
يعني: ابن العم" (20).
قال الماوردي: " وهو أشبه بقوله تعالى: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي} (21).
قال الطبري: " والعرب تسمي ابن العم المولى، ومنه قول الشاعر (22):
وَمَوْلًى رَمَيْنَا حَوْلَهُ وَهُوَ مُدْغِلٌ
…
بِأَعْرَاضِنَا وَالْمُنْدِيَاتِ سَرُوعُ
يعني بذلك: وابن عم رمينا حوله، ومنه قول الفضل بن العباس (23):
مهلاً بني عمنا مهلاً موالينا
…
لا تنشبوا بيننا ما كان مَدْفوناً" (24)
قال الراغب: " المولى من الولاء، وهو تتابع الشيء من غير حائل، وجعل المولى لمن تولى حفظ الشيء، وتعورف في المعتق، والمعتق، وابن العم، والحليف، وولي الأمر، والعصبة"(25).
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} [النساء: 33]، "أي: والذين حالفتموهم في الجاهلية على النصرة والإِرث فأعطوهم حظهم من الميراث" (26).
قال الماوردي: أي: " والذين عاقدت أيمانكم وأيمانهم بالحلف بينكم وبينهم، فآتوهم نصيبهم"(27).
قال ابن كثير: " أي: قبل نزول هذه الآية {فآتوهم نصيبهم}، أي: من الميراث، فأيما حلف عُقد بعد ذلك فلا تأثير له، وقد قيل: إن هذه الآية نسخت الحلف في المستقبل، وحكم الماضي أيضا، فلا توارث به"(28).
وفي المراد بهذه المعاقدة وبالنصيب المستحق خمسة أقاويل:
أحدها: أن حلفهم في الجاهلية كانوا يتوارثون به في الإسلام ثم نسخ ذلك بقوله تعالى في الأنفال: {وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأنفال: 75] وهذا قول ابن عباس (29)، وعكرمة (30)، والحسن البصري (31)، وقتادة (32)، والضحاك (33).
والثاني: أنها نزلت في الذين آخى بينهم النبي-صلى الله عليه وسلم، من المهاجرين والأنصار، فكان بعضهم يرث بعضاً بتلك المؤاخاة بهذه الآية، ثم نسخها ما تقدم من قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ
(1) هي زوجة زيد بن ثابت انظر: الإصابة: 4/ 456.
(2)
سنن ابي داود (2923): ص 3/ 128. وأخرجه البيهقي 6/ 204 من طريق أبي داود، بهذا الإسناد. ضعّفه الألباني لأن فيه ابن إسحاق -وهو محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي- مدلس وقد عنعن، قال ابن كثير ي تفسيره: 2/ 290: وهذا قول غريب".
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 301 - 302.
(4)
تفسير الطبري: 8/ 278.
(5)
أخرجه أحمد (16883): ص 4/ 83، ومسلم (6556): ص 7/ 183، وأبو داود (2925)، والنسائي في الكبرى (6385).
(6)
) انظر: صحيح البخاري برقم (6735) وصحيح مسلم برقم (1615).
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 290 - 291.
(8)
صفوة التفاسير: 251.
(9)
تفسير الطبري: 8/ 272.
(10)
تفسير السمعاني: 1/ 422.
(11)
) صحيح البخاري برقم (6735) وصحيح مسلم برقم (1615).
(12)
تفسير ابن كثير: 3/ 291.
(13)
انظر: تفسير الطبري (9262)، و (9263): ص 8/ 271.
(14)
انظر: تفسير الطبري (9260)، و (9261): ص 8/ 270، وتفسير ابن المنذر (1683): ص 2/ 678.
(15)
انظر: تفسير الطبري (9265): ص 8/ 271.
(16)
انظر: تفسير الطبري (9264): ص 8/ 271.
(17)
انظر: تفسير الطبري (9259): ص 8/ 270، وتفسير ابن أبي حاتم (5233): ص 3/ 937.
(18)
انظر: الأشباه والنظائر: 456.
(19)
من شواهد الطبري: 8/ 270، ولم أتعرف على قائله، ورجل مدغل: ذو خب مفسد بين الناس. والمنديات، المخزيات، ورمينا حوله، أي ناضلنا عنه، ودافعنا ورامينا من حوله من يراميه ..
(20)
تفسير ابن المنذر (1687): ص 2/ 679.
(21)
النكت والعيون: 1/ 479.
(22)
تفسير الطبري: 8/ 270.
(23)
مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 125، والكامل 2: 279 والمؤتلف والمختلف، ومعجم الشعراء: 35، 310، والحماسة 1: 121، والصداقة والصديق: 139، واللسان (ولى) وغيرها. وراويتهم. لا تَنْبِشُوا بَيْنَنَا مَا كانَ مَدْفُونَا
وهي أجود الروايتين وأحقهما بمعنى الشعر، وفي اللسان رواية أخرى لا تقوم.
(24)
.
(25)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1218.
(26)
صفوة التفاسير: 251.
(27)
النكت والعيون: 1/ 479.
(28)
تفسير ابن كثير: 2/ 291.
(29)
انظر: تفسير الطبري (9268): ص 8/ 275، و (9274): ص 8/ 277
(30)
انظر: تفسير الطبري (9266): ص 8/ 274، و (9272): ص 8/ 276.
(31)
انظر: تفسير الطبري (9266): ص 8/ 274.
(32)
انظر: تفسير الطبري (9269): ص 8/ 275.
(33)
انظر: تفسير الطبري (9273): ص 8/ 276.
الوَالِدَانَ والأَقْرَبُونَ} [النساء: 33]، وهذا قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير عنه (1)، وابن زيد (2).
والثالث: أنها نزلت هذه الآية في أهل العقد بالحلف، ولكنهم أمروا أن يؤتي بعضهم بعضًا أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما أشبه ذلك، دون الميراث، وهذا قول ابن عباس في رواية أخرى (3)، ومجاهد (4)، وعطاء (5)، والسدي (6)، وسعيد (7)، وعكرمة في رواية أخرى (8).
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية، لم يزده الإسلام إلا شدة» (9).
والرابع: أنها نزلت في الذين كانوا يتبنون أبناءَ غيرهم في الجاهلية، فأمروا في الإسلام أنْ يوصوا لهم عند الموت وصيةً، وهذا قول سعيد بن المسيب (10).
والخامس: أنها نزلت في قوم جعل لهم نصيب من الوصية، ثم هلكوا فذهب نصيبهم بهلاكهم، فَأُمِرُوا أن يدفعوا نصيبهم إلى ورثتهم، وهذا قول الحسن البصري (11).
والراجح-والله أعلم- أن المراد: "والذين عقدت أيمانكم على المحالفة، وهم الحلفاء، وذلك أنه معلوم عند جميع أهل العلم بأيام العرب وأخبارها، أنّ عقد الحلف بينها كان يكون بالأيمان والعهود والمواثيق، وأما قوله: {فآتوهم نصيبهم}، فإن الجميع مجمعون على أن حكمه ثابت، وذلك إيتاءُ أهل الحلف الذي كان في الجاهلية دون الإسلام، بعضِهم بعضًا أنصباءَهم من النصرة والنصيحة والرأي، دون الميراث"(12).
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: {عقدت} بألف، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي {عقدت} بغير ألف (13).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا} [النساء: 33]، أي:" إن الله كان مُطَّلِعًا على كل شيء من أعمالكم، وسيجازيكم على ذلك"(14).
قال البيضاوي: " تهديد على منع نصيبهم"(15).
قال النسفي: " أي هو عالم الغيب والشهادة وهو أبلغ وعد ووعيد"(16).
قال القرطبي: أي: " أي قد شهد معاقدتكم إياهم، وهو عز وجل يحب الوفاء"(17).
الفوائد:
1 -
تقرير مبدأ التوارث في الإسلام.
2 -
من عاقد أحداً على حلف أو آخى أحداً وجب عليه أن يعطيه حق النصرة والمساعدة وله أن يوصي له بما دون الثلث، أما الإرث فلا حق له لنسخ ذلك.
3 -
وجوب مراقبة الله تعالى؛ لأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء شهيد.
4 -
وصف الله عز وجل بأنه «شهيد» ، وهو اسم من أسمائه تعالى:
قال الخطابي: والشهيد: " هو الذي لا يغيب عنه شيء. يقال: شاهد وشهيد كعالم، وعليم. أي: كأنه الحاضر الشاهد الذي لا يعزب عنه شيء.
وقد قال -سبحانه-: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185]. أي: من حضر منكم في الشهر فليصمه، ويكون الشهيد، بمعنى: العليم. كقوله: {شهد الله أنه لا إله إلا هو} [آل عمران: 18] قيل: معناه: علم الله.
وقال أبو العباس أحمد بن يحيى معناه: بين الله أنه لا إله إلا هو، وهو أيضا الشاهد للمظلوم الذي لا شاهد له ولا ناصر على الظالم المتعدي الذي لا مانع له في الدنيا؛ لينتصف له منه" (18).
قال السعدي: " الشهيد؛ أي: المطلع على جميع الأشياء، سمع جميع الأصوات خفيها وجليها، وأبصر جميع الموجودات دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، وأحاط علمه بكل شيء، الذي شهد لعباده وعلى عباده بما عملوه"(19).
جاء في الحديث: " اللهم اشهد! فليبلغ الشاهد الغائب"(20).
القرآن
التفسير:
الرجال قوَّامون على توجيه النساء ورعايتهن، بما خصهم الله به من خصائص القِوامَة والتفضيل، وبما أعطوهن من المهور والنفقات. فالصالحات المستقيمات على شرع الله منهن، مطيعات لله تعالى ولأزواجهن، حافظات لكل ما غاب عن علم أزواجهن بما اؤتمنَّ عليه بحفظ الله وتوفيقه، واللاتي تخشون منهن ترفُّعهن عن طاعتكم، فانصحوهن بالكلمة الطيبة، فإن لم تثمر معهن الكلمة الطيبة، فاهجروهن في الفراش، ولا تقربوهن، فإن لم يؤثر فعل الهِجْران فيهن، فاضربوهن ضربًا لا ضرر فيه، فإن أطعنكم فاحذروا ظلمهن، فإن الله العليَّ الكبير وليُّهن، وهو منتقم ممَّن ظلمهنَّ وبغى عليهن.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: أخرج ابن أبي حاتم وغيره (21)، عن الحسن قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تستعدي على زوجها أنه لطمها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القصاص فأنزل الله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} ، فرجعت بغير قصاص" (22). وأخرج الطبري عن ابن جريج نحو ذلك (23).
وفي رواية ابن المنذر عن الحسن: " أن رجلا لطم امرأته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بينكما القصاص، ونزل القرآن:{ولا تعجل بالقرءان من قبل أن يقضى إليك وحيه} فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} ، إلى آخر الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أردنا أمرا وأراد الله غيره " (24). وأخرج الطبري عن الحسن نحوه (25).
والثاني: ونقل الثعلبي عن الكلبي: "نزلت في أسعد بن الربيع وامرأته بنت محمد بن مسلم"(26).
والثالث: وقال مقاتل: " نزلت في سعد بن الربيع بن عمرو من النقباء وفي امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير وهما من الأنصار من بني الحارث بن الخزرج، وذلك أنه لطم امرأته فأتت أهلها فانطلق أبوها معها إلى النبي- صلى الله عليه وسلم فقال: أنكحته وأفرشته كريمتي فلطمها. فقال النبي- صلى الله عليه وسلم: لتقتص من زوجها فأتت مع زوجها لتقتص منه. ثم قال النبي- صلى الله عليه وسلم: ارجعوا هذا جبريل- عليه السلام قد أتاني وقد أنزل الله- عز وجل:
(1) انظر: تفسير الطبري (9275): ص 8/ 277.
(2)
انظر: تفسير الطبري (9276): ص 8/ 278.
(3)
انظر: تفسير الطبري (9277): ص 8/ 278.
(4)
انظر: تفسير الطبري (9278) - (9281): ص 8/ 278 - 279، و (9283)، و (9284): ص 8/ 279.
(5)
انظر: تفسير الطبري (9282): ص 8/ 279.
(6)
انظر: تفسير الطبري (9287): ص 8/ 280.
(7)
انظر: تفسير الطبري (9285): ص 8/ 280.
(8)
انظر: تفسير الطبري (9286): ص 8/ 280.
(9)
أخرجه أحمد (16883): ص 4/ 83، ومسلم (6556): ص 7/ 183، وأبو داود (2925)، والنسائي في الكبرى (6385).
(10)
انظر: تفسير الطبري (9288): ص 8/ 280 - 281.
(11)
نسبه اليه الماوردي انظر: النكت والعيون: 1/ 480، وذطره العز بن عبدالسلام دون نسبته، انظر: تفسيره: 1/ 320.
(12)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 281. [بتصرف يسير].
(13)
انظر: السبعة: 233.
(14)
التفسير الميسر: 83.
(15)
تفسير البيضاوي: 2/ 72.
(16)
تفسير النسفي: 1/ 354.
(17)
تفسير القرطبي: 5/ 168.
(18)
شأن الدعاء للخطابي: 75 - 76، وانظر: جامع الاصول، ابن الاثير: 4/ 179.
(19)
تفسير السعدي: 948
(20)
رواه: البخاري (7078)، ومسلم (1679 - 31).
(21)
وأخرجه الواحدي في اسباب النزول: 152.
(22)
تفسير ابن أبي حاتم (5246): ص 3/ 940.
(23)
انظر: تفسير الطبري (9308): ص 8/ 292.
(24)
تفسير ابن المنذر (1701): ص 2/ 685.
(25)
انظر: تفسير الطبري (9307): ص 8/ 292.
(26)
تفسير الثعلبي: 3/ 302.
{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء} " (1).
والرابع: وقال أبو روق: "نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي، وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس، وذلك أنها نشزت عليه فلطمها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تستعدي، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء} "(2).
والخامس: أخرج الطبري عن قتادة: " صكّ رجل امرأته، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يُقِيدَها منه، فأنزل الله: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء} "(3).
قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء: 34]، " أي: الرجال قائمون على النساء بالأمر والنهي، والإِنفاق والتوجيه" (4).
قال الماوردي: " يعني أهل قيام على نساءهم، في تأديبهن، والأخذ على أيديهن، فيما أوجب الله لهم عليهن"(5).
قوله تعالى: {بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34]، "أي: بسبب ما منحهم الله من العقل والتدبير، وخصهم به من الكسب والإِنفاق" (6).
قال الماوردي: " يعني في العقل والرأي، والصداق والقيام بالكفاية"(7).
قوله تعالى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34]، أي:" فالصالحات المستقيمات على شرع الله منهن، مطيعات لله تعالى ولأزواجهن، حافظات لكل ما غاب عن علم أزواجهن بما اؤتمنَّ عليه بحفظ الله وتوفيقه"(8).
قال الطبري: " معناه: صالحاتٌ في أديانهن، مطيعاتٌ لأزواجهن، حافظات لهم في أنفسهنّ وأموالهم"(9).
قال الماوردي: " {حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ} [النساء: 34]، يعني: حافظات لأنفسهن عند غيبة أزواجهن، ولما أوجبه الله من حقه عليهن"(10).
وقوله: {حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ} قال السدي: " يقول: تحفظ على زوجها مالَه وفرجَها حتى يرجع، كما أمرَها الله"(11).
وعن قتادة: " {حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ}، يقول: حافظات لما استودعهن الله من حقه، وحافظات لغيب أزواجهن"(12).
قال ابن جريج: " قلت لعطاء ما قوله: {حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ}، قال: حافظات للزوج"(13).
وقال سفيان: "، حافظات لأزواجهن، لما غاب من شأنهن"(14).
وقال الزجاج: ": {حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ} يعني: بالشيء الذي يحفظ أمر الله ودين الله، ويحتمل أن يكون على معنى بحفظ الله، أي بأن يحفظن الله، وهو راجع إلى أمر الله"(15).
وقد روى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خيرُ النساء امرأةٌ إذا نظرتَ إليها سرَّتك، وإذا أمرَتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك. قال: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الرجال قوامون على النساء}، الآية"(16).
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 370.
(2)
تفسير الثعلبي: 3/ 302.
(3)
تفسير الطبري (9306): ص 8/ 291.
(4)
صفوة التفاسير: 251.
(5)
النكت والعيون: 1/ 480.
(6)
صفوة التفاسير: 251.
(7)
النكت والعيون: 1/ 480.
(8)
التفسير الميسر: 84.
(9)
تفسير الطبري: 8/ 296.
(10)
النكت والعيون: 1/ 480.
(11)
أخرجه الطبري (9324): ص 8/ 295.
(12)
أخرجه الطبري (9323): ص 8/ 295.
(13)
أخرجه الطبري (9325): ص 8/ 295.
(14)
أخرجه الطبري (9327): ص 8/ 295.
(15)
معاني القرىن: 2/ 47.
(16)
أخرجه الطبري (9328): ص 8/ 295، وأبو داود الطيالسي في مسنده: 30، وابن المنذر (1711): ص 2/ 688، ونسبه السيوطي في الدر المنثور 2/ 151، لابن أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي في سننه. وفي المستدرك للحاكم 2: 161، بمعناه بغير هذا اللفظ مختصرا، ، وقال:" صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه ".
وقرأ ذلك أبو جعفر يَزيد بن القَعْقاع المدني {بِمَا حَفِظَ اللَّه} بفتح لفظ الجلالة، يعني: بحفظهنّ الله في طاعته وأداء حقه بما أمرهن من حفظ غَيب أزواجهن، كقول الرجل للرجل:" ما حَفِظتَ اللهَ في كذا وكذا "، بمعنى: ما راقبته ولا حِفْتَهُ (1).
قوله تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} [النساء: 34]، أي:" واللاتي تخشون منهن ترفُّعهن عن طاعتكم"(2).
وفي معنى"الخوف" في قوله تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} [النساء: 34]، قولان (3):
أحدهما: أنه العلم، فعبر عنه بالخوف، كما قال أبو محجن الثقفي (4):
وَلا تَدْفِنَنَّي فِي الْفَلاةِ فَإِنَّني
…
أَخَافُ إذَا مَا مِتّ أَنْ لا أَذُوقُهَا
معناه: فإنني أعلم.
وحكى الزجاج عن أبي عبيدة، قال: " «{إلا أن يخافا} إلا أن يوقنا» (5)، وذلك أن في الخوف طرفا من العلم، لأنك تخاف ما تعلم، وما لا تعلم لا تخافه، فجاز أن يكون بمعنى العلم، كما أن الظن لما كان فيه طرف من العلم جاز أن يكون علما (6).
وقال النحاس: "وقول من قال: يخافا، بمعنى يوقنا، لا يعرف. ولكن يقع النشوز فيقع الخوف من الزيادة"(7).
والقول الثاني: أنه الظن، وهو أن يستر على نشوزها بما تبديه من سوء فعلها.
والعرب قد تضع"الظن" موضع"الخوف"، "والخوف" موضع"الظن" في كلامها، لتقارب معنييهما، وحكى الفراء: أن العرب تقول للرجل: قد خرج غلامك بغير إذنك، فيقول له: قد خفت ذاك، يريد: قد ظننته وتوهمته (8)، كما قال أبو الغول الطهوي (9):
أَتَانِي كَلامٌ عَنْ نُصَيْبٍ يَقُوُلُهُ
…
وَمَا خِفْتُ، يَا سَلامُ أَنَّكَ عَائِبي
بمعنى: وما ظننتُ.
قال الزجاج: " النشوز كراهة أحدهما صاحبه، يقال نشزت المرأة تنشز وتنشز جميعا"(10).
قال الماوردي: "والنشوز: هو معصية الزوج والامتناع من طاعته بغضاً وكراهة - وأصل النشوز: الارتفاع، ومنه قيل للمكان المرتفع من الأرض نُشز، فسميت الممتنعة عن زوجها ناشزاً لبعدها منه وارتفاعها عنه"(11).
قوله تعالى: {فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} [النساء: 34]، أي:" فانصحوهن بالكلمة الطيبة، فإن لم تثمر معهن الكلمة الطيبة، فاهجروهن في الفراش، ولا تقربوهن، فإن لم يؤثر فعل الهِجْران فيهن، فاضربوهن ضربًا لا ضرر فيه"(12).
قال الماوردي: " أما وعظها فهو أن يأمرها بتقوى الله وطاعته، ويخوفها استحقاق الوعيد في معصيته وما أباحه الله تعالى من ضربها عند مخالفته"(13).
قال الزجاج: " فأمر الله عز وجل في النساء أن يبدأن بالموعظة أولا، ثم بالهجران بعد، وإن لم ينجعا فيهن فالضرب، ولكن لا يكون ضربا مبرحا"(14).
(1) انظر: تفسير الطبري: 8/ 296 - 297.
(2)
التفسير الميسر: 84.
(3)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 298 - 299.
(4)
) ديوانه: 23 ومعاني القرآن للفراء 1: 146 والخزانة 3: 550 وغيرها كثير وخبر أبي محجن في الخمر وحبها مشهور.
(5)
مجاز القرآن: 1/ 74.
(6)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 1/ 307 - 308.
(7)
معاني القرآن للنحاس: 1/ 315.
(8)
انظر: معاني القرآن للفراء 1/ 146 ..
(9)
البيت في نوادر أبي زيد: 46 ومعاني القرآن للفراء 1/ 146. وأبو الغول شاعر إسلامي كان في الدولة المروانية وهجا حمادا، انظر: الأغاني 5: 162.
(10)
معاني القرآن: 2/ 47.
(11)
النكت والعيون: 1/ 482.
(12)
التفسير الميسر: 84.
(13)
النكت والعيون: 1/ 482.
(14)
معاني القرآن: 2/ 48.
وفي قوله تعالى: {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} [النساء: 34]، خمسة أقاويل:
أحدها: ألا يجامعها، وهو قول ابن عباس (1)، وسعيد بن جبير (2).
والثاني: أن لا يكلمها ويوليها ظهره في المضجع، وهو قول الضحاك (3)، والسدي (4)، وروي عن عكرمة نحوه (5).
والثالث: أن يهجر فراشها ومضاجعتها وهو مجاهد (6)، والحسن (7)، وقتادة (8)، والشعبي (9)، وعامر (10)، وإبراهيم (11)، ومقسم (12)، ومحمد بن كعب القرظي (13)، وبه قال الزجاج (14).
قال الزجاج: " أي [واهجروهن] في النوم معهن، والقرب منهن فإنهن إن كن يحببن أزواجهن شق عليهن الهجران في المضاجع وإن كن مبغضات وافقهن ذلك فكان دليلا على النشوز منهن"(15).
والرابع: يعني وقولوا لهن في المضاجع هُجراً، وهو الإغلاظ في القول، وهذا قول ابن عباس في رواية أبي صالح عنه (16)، والحسن في إحدى الروايات (17)، وسفيان (18)، وأبي الضحى (19).
والخامس: هو أن يربطها بالهجار وهو حبل يربط به البعير ليقرها على الجماع، وهو قول أبي جعفر الطبري (20).
واستدل براوية ابن المبارك عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: "قلت يا رسول الله نساؤنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: يا رسول الله، نساؤنا، ما نأتي منها وما نذر؟ قال: حرثُك، فأت حرثك أنَّى شئت، غير أن لا تضرب الوجهَ، ولا تقبِّح، ولا تَهجر إلا في البيت، وأطعم إذا طَعِمت، واكْس إذا اكتسيتَ، كيفَ وقد أفضى بعضكم إلا بعض؟ إلا بما حَلّ عليها"(21).
قال الماوردي: " وليس في هذا الخبر دليل على تأويله دون غيره"(22).
وقال ابن عطية: " ورجح الطبري منزعه هذا وقدح في سائر الأقوال، وفي كلامه في هذا الموضع نظر"(23).
وقال الزمخشري في قول الطبري: " وقيل: معناه أكرهوهن على الجماع واربطوهن، من هجر البعير إذا شده بالهجار، وهذا من تفسير الثقلاء"(24).
والأقرب-والله أعلم- أن المراد: اهجروهن في المراقد فلا تدخلوهن تحت اللحف ولا تباشروهن فيكون كناية عن الجمع (25).
(1) انظر: تفسير الطبري (9347)، و (9348): ص 8/ 302.
(2)
انظر: تفسير الطبري (9349): ص 8/ 302.
(3)
انظر: تفسير الطبري (9351): ص 8/ 303.
(4)
انظر: تفسير الطبري (9350): ص 8/ 302.
(5)
انظر: تفسير الطبري (9357): ص 8/ 304.
(6)
انظر: تفسير الطبري (9358): ص 8/ 304.
(7)
انظر: تفسير الطبري (9365): ص 8/ 305.
(8)
انظر: تفسير الطبري (9365): ص 8/ 305.
(9)
انظر: تفسير الطبري (9359): ص 8/ 304.
(10)
انظر: تفسير الطبري (9360): ص 8/ 304.
(11)
انظر: تفسير الطبري (9360): ص 8/ 304.
(12)
انظر: تفسير الطبري (9363): ص 8/ 305.
(13)
انظر: تفسير الطبري (9364): ص 8/ 305.
(14)
انظر: معاني القرآن: 2/ 47.
(15)
معاني القرآن: 2/ 47.
(16)
انظر: تفسير الطبري (9367): ص 8/ 305 - 306.
(17)
انظر: تفسير الطبري (9370): ص 8/ 306.
(18)
انظر: تفسير الطبري (9371): ص 8/ 306.
(19)
انظر: تفسير الطبري (9369): ص 8/ 306.
(20)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 309.
(21)
تفسير الطبري (9374): ص 8/ 310.
(22)
النكت والعيون: 1/ 483.
(23)
المحرر الوجيز: 2/ 48.
(24)
الكشاف: 1/ 507.
(25)
انظر: تفسير أبي السعود: 2/ 174.
قال الشوكاني: " والمضاجع: جمع مضجع، وهو محل الاضطجاع، أي: تباعدوا عن مضاجعتهن، ولا تدخلوهن تحت ما تجعلونه عليكم حال الاضطجاع من الثياب"(1).
وأصل الهجر: "الترك على قلى، والهُجر: القبيح من القول لأنه مهجور "(2).
قال أهل العلم "فجعل الله تعالى معاقبتها على النشوز ثلاثة أشياء: وَعْظُها وهَجْرُها وضَرْبُها. وفي ترتبيها إذا نشزت قولان (3):
أحدهما: أنه إذا خاف نشوزها وعظها وهجرها، فإن أقامت عليه ضربها.
والثاني: أنه إذا خاف نشوزها وعظها، فإذا أبدت المشوز هجرها، فإن أقامت عليه ضربها، وهو الأظهر من قول الشافعي.
والذي أبيح له من الضرب ما كان تأديباً يزجرها به عن النشوز غير مبرح ولا منهك (4)، روى بشر عن عكرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اضربوهن إذا عصينكم في المعروف ضربًا غير مبرّح"(5).
وقرئ: {في المضجع} (6).
قوله تعالى: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} [النساء: 34]، "أي: فإِن أطعن أمركم فلا تلتمسوا طريقاً لإِيذائهن" (7).
قال ابن عباس: "إذا أطاعتك فلا تتجنَّ عليها العلل"(8)، وروي عن قتادة (9)، ومجاهد (10)، وسفيان (11)، وابن جريج (12) نحو ذلك.
وعن مقاتل بن حيان: " قوله: {فلا تبغوا عليهن سبيلا}، فحرم الله ضربهن عند الطاعة"(13).
قال الزجاج: أي: " فإن أطعن فيما يلتمس منهن، فلا يبغي عليهن سبيلا، أي لا يطلب عليهن طريق عنت"(14).
قال البغوي: " أي: لا تجنوا عليهن الذنوب"(15).
قال الماوردي: " يعني: [فإن] أطعنكم في المضجع والمباشرة"(16).
وقال ابن عيينة: "لا تكلفوهن محبتكم فإن القلب ليس بأيديهن"(17).
قال الزمخشري: أي: " فأزيلوا عنهن التعرض بالأذى والتوبيخ والتجني، وتوبوا عليهن واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن بعد رجوعهن إلى الطاعة والانقياد وترك النشوز"(18).
قال الطبري: أي: " فإن أطعنكم، أيها الناس، نساؤكم اللاتي تخافون نشوزهن عند وعظكم إياهن، فلا تهجروهن في المضاجع. فإن لم يطعنكم، فاهجروهن في المضاجع واضربوهن. فإن راجعنَ طاعتكم عند ذلك وفِئْنَ إلى الواجب عليهن، فلا تطلبوا طريقًا إلى أذاهن ومكروههن، ولا تلتمسوا سبيلا إلى ما لا يحل لكم من أبدانهن وأموالهن بالعلل. وذلك أن يقول أحدكم لإحداهن وهي له مطيعة: " إنك لست تحبّيني، وأنت
(1) فتح القدير: 1/ 532.
(2)
النكت والعيون: 1/ 483.
(3)
انظر: النكت والعيون: 1/ 483.
(4)
انظر: النكت والعيون: 1/ 483.
(5)
أخرجه الطبري (9377): ص 8/ 311 - 312، مرسل. خرجه السيوطي في الدر المنثور 2/ 155، ولم ينسبه لغير ابن جرير.
(6)
انظر: تفسير أبي السعود: 2/ 174.
(7)
صفوة التفاسير: 252.
(8)
أخرجه الطبري (9396): ص 8/ 317.
(9)
انظر: تفسير الطبري (9402): ص 8/ 317.
(10)
انظر: تفسير الطبري (9401): ص 8/ 317.
(11)
انظر: تفسير الطبري (9400): ص 8/ 317.
(12)
انظر: تفسير الطبري (9398): ص 8/ 317.
(13)
أخرجه ابن ابي حاتم (5278): ص 3/ 944.
(14)
معاني القرآن: 2/ 48.
(15)
تفسير البغوي: 1/ 613.
(16)
النكت والعيون: 1/ 483.
(17)
تفسير البغوي: 1/ 613.
(18)
الكشاف: 1/ 507.
لي مبغضة "، فيضربها على ذلك أو يُؤذيها. فقال الله تعالى للرجال: " فإن أطعنكم " أي: على بغضهنّ لكم فلا تجنَّوا عليهن، ولا تكلفوهن محبتكم، فإنّ ذلك ليس بأيديهن، فتضربوهن أو تؤذوهن عليه"(1).
ومعنى قوله: {فلا تبغوا} ، لا تلتمسوا ولا تطلبوا، من قول القائل:" بغَيتُ الضالة "، إذا التمستها، ومنه قول سحيم عبد بني الحسحاس في صفة الموت (2):
بَغَاكَ وَمَا تَبْغِيِهِ، حَتَّى وَجَدْتَهُ
…
كَأَنَّكَ قَدْ وَاعَدْتَهُ أَمْسِ مَوْعِدَا
بمعنى: طلبك وما تطلبه (3).
وفي قوله تعالى: {فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} [النساء: 34]، وجهان (4):
أحدهما: لا تطلبوا لهن الأذى.
والثاني: هو أن يقول لها لست تحبينني وأنت تعصيني، فيصيّرها على ذلك وإن كانت مطيعة.
قال السمعاني: قوله: {فلا تبغوا عليهن سبيلا} " يعني: بالتعلل، والتجني، وقيل: فلا تكلفوهن محبتكم؛ فإن القلب ليس بأيديهن"(5).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34]، أي:" فإن الله العليَّ الكبير وليُّهن، وهو منتقم ممَّن ظلمهنَّ وبغى عليهن"(6).
قال الزجاج: " أي هو متعال أن يكلف إلا بالحق ومقدار الطاقة"(7).
قال السمعاني: " أي: متعاليا عن أن يكلف العباد ما لا يطيقونه"(8).
قال الزمخشري: أي: " فاحذروه واعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على من تحت أيديكم"(9).
قال الطبري: أي: " إن الله ذو علوّ على كل شيء، فلا تبغوا، أيها الناس، على أزواجكم إذا أطعنكم فيما ألزمهن الله لكم من حق سبيلا لعلوِّ أيديكم على أيديهن، فإنّ الله أعلى منكم ومن كل شيء عليكم، منكم عليهن وأكبر منكم ومن كل شيء، وأنتم في يده وقبضته، فاتقوا الله أن تظلموهن وتبغوا عليهن سبيلا. وهن لكم مطيعات، فينتصر لهن منكم ربُّكم الذي هو أعلى منكم ومن كل شيء، وأكبر منكم ومن كل شيء"(10).
قال الصابوني: " انظر كيف يعلمنا سبحانه أن نؤدب نساءنا وانظر إِلى ترتيب العقوبات ودقتها حيث أمرنا بالوعظ ثم بالهجران ثم بالضرب ضرباً غير مبرح ثم ختم الآية بصفة العلو والكبر لينبه العبد على أن قدرة الله فوق قدرة الزوج عليها وأنه تعالى عون الضعفاء وملاذ المظلومين! "(11).
عن سعيد بن جبي، عن ابن عباس قال:"أتاه رجل فقال: يا أبا عباس: سمعت الله يقول: {وكان الله} كأنه شيء كان، قال: أما قوله: {وكان الله}، فإنه لم يزل، ولا يزال وهو الأول والآخر والظاهر والباطن"(12).
الفوائد:
1 -
تقرير مبدأ القيومية للرجال على النساء وبخاصة الزوج على زوجته.
2 -
إن تفضيل الرجال على النساء يكون من وجوه متعددة: من كون الولايات مختصة بالرجال، والنبوة، والرسالة، واختصاصهم بكثير من العبادات كالجهاد والأعياد والجمع. وبما خصهم الله به من العقل والرزانة والصبر والجلد الذي ليس للنساء مثله. وكذلك خصهم بالنفقات على الزوجات بل وكثير من النفقات يختص بها الرجال ويتميزون عن النساء.
3 -
وجوب إكرام الصالحات والإحسان إليهن.
(1) تفسير الطبري: 8/ 316.
(2)
ديوانه: 41. رواية الطبري: "حتى وجدته"، رواية الديوان"إلا وجدته". ورواية الطبري عزيزة فهي شاهد قل أن نظفر به على أن"حتى" تأتي بمعنى"إلا" في الاستثناء وقد ذكر ذلك ابن هشام في المغني 1: 111 قال بعد ذكر وجوه"حتى": "وبمعنى إلا في لاستثناء، وهذا أقلها وقل من يذكره".
(3)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 316.
(4)
انظر: النكت والعيون: 1/ 483.
(5)
تفسير السمعاني: 1/ 424.
(6)
التفسير الميسر: 84.
(7)
معاني القرآن: 2/ 48.
(8)
تفسير السمعاني: 1/ 424.
(9)
الكشاف: 1/ 507.
(10)
تفسير الطبري: 8/ 318.
(11)
صفوة التفاسير: 252.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (5279): ص 3/ 944.
4 -
بيان علاج مشكلة نشوز الزوجة وذلك بوعظها أولاً ثم هجرانها في الفراش ثانياً.
5 -
لا يحل اختلاف الأسباب وإيجاد مبررات لأذية المرأة بضرب وبغيره.
6 -
ومن أسمائه تعالى «العلي» «الكبير» :
فإن معنى «الكبير» ؛ أي: العظيم الذي كل شيء دونه، وهو أعظم من كل شيء.
وأما «العلي» ، فإن العلو ثلاثة أقسام:
أحدها- علو شأن. انظر صفة: «العظمة» ، و «الجلال» .
والثاني: - علو قهر. انظر صفة: «القهر» .
والثالث- علو فوقية: «علو ذات» .
فاسم «العلي» دالّ على أن جميع معاني العلوّ ثابتة للَّه من كل وجه.
- فله علوّ الذات؛ فإنه فوق المخلوقات، وعلى العرش استوى: أي علا، وارتفع.
- وله علوّ القدر: وهو علوّ صفاته وعظمتها، فلا يماثله صفة مخلوق، بل لا يقدر الخلائق كلهم أن يحيطوا ببعض معاني صفة واحدة من صفاته، قال تعالى:{وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، وبذلك يُعلم أنه ليس كمثله شيء في كل نعوته.
- وله علوّ القهر؛ فإنه الواحد القهّار الذي قهر بعزّته وعلوه الخلق كلهم، فنواصيهم بيده، وما شاء كان لا يمانعه فيه ممانع، وما لم يشأ لم يكنْ، فلو اجتمع الخلق على إيجاد ما لم يشأهُ اللَّه لم يقدروا، ولو اجتمعوا على منع ما حكمت به مشيئته لم يمنعوه، وذلك لكمال اقتداره، ونفوذ مشيئته، وشدة افتقار المخلوقات كلها إليه من كل وجه (1).
وأهل السنة والجماعة يعتقدون أن الله فوق جميع مخلوقاته، مستو على عرشه، في سمائه، عاليا على خلقه، بائنا منهم، يعلم أعمالهم ويسمع أقوالهم ويرى حركاتهم وسكناتهم لا تخفى عليه خافية.
قال تعالى: {وهو العلي العظيم} [البقرة: 255]، وقوله:{سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1]، وقوله:{عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال} [الرعد: 9]، وقوله:{وهو القاهر فوق عباده} [الأنعام: 18]، وقوله:{يخافون ربهم من فوقهم} [النحل: 50]، وقوله:{أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} [الملك: 16].
والأدلة من السنة أيضا كثيرة جدا منها: حديث: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ ! "(2)، وحديث:"أين الله؟ ". قالت: في السماء. قال: "من أنا؟ "، قالت: أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: "أعتقها؛ فإنها مؤمنة"(3).
وللصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم آثار كثيرة عن علو الله وفوقيته، جمعها الذهبي في "العلو"، وحققه واختصره: الألباني رحمه الله، وابن قدامة في "اثبات صفة العلو".
القرآن
التفسير:
وإن علمتم -يا أولياء الزوجين- شقاقًا بينهما يؤدي إلى الفراق، فأرسلوا إليهما حكمًا عدلا من أهل الزوج، وحكمًا عدلا من أهل الزوجة; لينظرا ويحكما بما فيه المصلحة لهما، وبسبب رغبة الحكمين في الإصلاح، واستعمالهما الأسلوب الطيب يوفق الله بين الزوجين. إن الله تعالى عليم، لا يخفى عليه شيء من أمر عباده، خبير بما تنطوي عليه نفوسهم.
قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} [النساء: 35]، "أي: وإِن خشيتم أيها الحكام مخالفةً وعداوة بين الزوجين" (4).
قال ابن عباس: " فهذا الرجل والمرأة إذا تفاسد الذي بينهما"(5).
(1) انظر: الحق الواضح المبين، ص 26، وشرح النونية للهراس، 2/ 68.
(2)
رواه: البخاري (4351)، ومسلم (1064).
(3)
رواه: مسلم (537)، وأحمد (5/ 447).
(4)
صفوة التفاسير: 252.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (5280): ص 3/ 945.
ونقل الواحدي عن ابن عباس: "يريد علمتم"(1).
وعن سعيد بن جبير: " قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا}، قال: التشاجر"(2).
وقال أبو عبية: " {شقاق بينهما}، أي: تباعد "(3).
قال مقاتل: " يعني: علمتم خلاف بينهما، بين سعد وامرأته، ولم يتفقا، ولم يدر من قبل من منهما النشوز من قبل الرجل أو من قبل المرأة؟ "(4).
قال الزجاج: " قال بعضهم. . {خفتم}، ههنا في معنى: أيقنتم، وهذا خطأ، لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم يجنح إلى الحكمين. وإنما يخاف الشقاق والشقاق العداوة، واشتقاقه من - المتشاقين - كل صنف منهن في شق، أي في ناحية"(5).
قال الواحدي: " وليس الأمر على ما قال أبو إسحاق؛ فإن الخوف ههنا بمعنى العلم صحيح، وكذلك يجب أن يكون؛ لأن بعثة الحكمين إنما تكون إذا علمنا شقاقا بينهما، ولكن لا نعلم أيهما المتعدي الظالم، فيبعث الحكمان ليتعرفا ذلك، وقبل وقوع الشقاق ليس حاله بعثة الحكمين. فقول أبي إسحاق: «لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم يحتج إلى الحكمين» وهم؛ لأنا نحتاج إلى الحكمين في هذه الحالة، وحيث نعلم المشاق بين الزوجين من هو لم يحتج إلى الحكمين، ولم يفصل الزجاج بين الحالتين، والذي في الآية إذا علمنا شقاقا بينهما، ولم نعلم من أيهما ذلك الشقاق، وكلام ابن عباس شديد (6) المنكر وأهم"(7).
قوله تعالى: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} [النساء: 35]، "أي: فوجهوا حكماً عدلاً من أهل الزوج وحكماً عدلاً من أهل الزوجة يجتمعان فينظران في أمرهما ويفعلان ما فيه المصلحة" (8).
قال الزجاج: " أمر الله تعالى – {إن خفتم} وقوع العداوة بين المرء وزوجه – أن يبعثوا حكمين، حكم من أهل المرأة وحكما من أهل الرجل، والحكم: القيم بما يسند إليه "(9).
قال مقاتل: " فينظرون في أمرهما في النصيحة لهما، إن كان من قبل النفقة أو إضرار وعظا الرجل. وإن كان من قبلها وعظاها"(10).
قال ابن عباس: " فأمر الله سبحانه أن يبعثوا رجلا صالحا من أهل الرجل ورجلا مثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقصروه على النفقة، فإن اجتمع رأيهما على أن يتفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين، وكره ذلك الآخر، ثم مات أحدهما، فإن الذي رضي يرث الذي كره، ولا يرث الكاره الراضي"(11).
قال السدي: " تقول المرأة لحكمها: قد وليتك أمري، فإن أمرتني أن أرجع رجعت وإن فرقت تفرقنا، وتخبره بأمرها إن كانت تريد نفقته أو كرهت شيئا من الأشياء وتأمره أن يرفع عنها ذلك، ويرجع، وتخبره أنها لا تريد الطلاق، ويبعث الرجل حكما من أهله يوليه أمره ويخبره ويقول له حاجته إن كان يريدها ولا يريد أن يطلقها أعطاها ما سألت وزادها في النفقة، وإلا قال له: خذ لي منها ما لها علي وطلقها، فيوليه أمره فإن شاء طلق وإن شاء أمسك، ثم يجتمع الحكمان فيخبر كل واحد منهما ما يريد لصاحبه، ويجهد كل واحد منهما ما يريد لصاحبه، فإن اتفق الحكمان على شيء فهو جائز، إن طلقا وإن أمسكا، فهو قول الله تعالى: فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يعني بذلك الحكمان، فإن بعثت المرأة حكما وأبى الرجل أن يبعث، فإنه لا يقربها أبدا حتى يبعث حكما"(12).
(1) التفسير البسيط: 6/ 494، ولم أقف عليه، وذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 532، دون نسبة لابن عباس ونسبه ابن الجوزي إلى أبي سليمان الدمشقي. انظر:"زاد المسير" 2/ 77 ..
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (5281): ص 3/ 945.
(3)
أخرجه ابن المنذر (1736): ص 2/ 695.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 371.
(5)
معاني القرآن: 2/ 48.
(6)
ولعل الصواب: "سديد" بالسين المهملة" قاله محقق التفسير البسيط للواحدي: 6/ 494 ..
(7)
التفسير البسيط: 6/ 494.
(8)
صفوة التفاسير: 252.
(9)
معاني القرآن: 2/ 48.
(10)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 371.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (5283): ص 3/ 945.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (5284): ص 3/ 945 - 946.
وقال قتادة: " وإنما يبعث الحكمان ليصلحا، وليس بأيديهما التفرقة ولا يملكان ذلك"(1). وروي عن الحسن نحو ذلك (2).
قال الطبري: " معنى «الحكم»، النظرُ العدلُ"(3).
وفي المأمور بإيفاد الحكمين ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه السلطان إذا تراجع إليه الزوجان، وهو قول سعيد بن جبير (4)، والضحاك (5).
والثاني: أن المأمور بذلك هما الزوجان، وهذا قول السدي (6).
والثالث: أحد الزوجين وإن لم يجتمعا (7).
قال الطبري: " ولا دلالة في الآية تدل على أن الأمر بذلك مخصوص به أحد الزوجين، ولا أثر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأمة فيه مختلفة، وإذْ كان الأمر على ما وصفنا، فأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يكون مخصوصًا من الآية ما أجمع الجميع على أنه مخصوص منها، وإذْ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يكون الزوجان والسلطان ممن قد شمله حكم الآية"(8).
واختلف أهل العلم فيما يُبعث له الحكمان، وما الذي يجوز للحكمين من الحكم بينهما، وفيه أقوال:
أحدها: أن الزوجان يبعثان الحكمين بتوكيل منهما إياهما بالنظر بينهما. وليس لهما أن يعملا شيئًا في أمرهما إلا ما وكَّلاهما به، أو وكله كل واحد منهما بما إليه، فيعملان بما وكلهما به مَن وكلهما من الرجل والمرأة فيما يجوز توكيلهما فيه، أو توكيل من وُكل منهما في ذلك. وهذا معنى قول علي-رضي الله عنه (9)، والسدي (10).
والثاني: إن الذي يبعث الحكمين هو السلطان، غير أنه إنما يبعثهما ليعرفا الظالم من المظلوم منهما، ليحملهما على الواجب لكل واحد منهما قِبَل صاحبه، لا التفريق بينهما. وعلى هذا القول: الحكمان يحكمان في الجمع ولا يحكمان في التفريق. وهذا قول ابن عباس في إحدى الروايات (11)، والحسن (12)، وقتادة (13)، وابن زيد (14)، وقيس بن سعد (15)، وبه قال أحمد بن حنبل (16)، وأبو ثور (17)، وداود (18).
قال ابن كثير: "ومأخذهم قوله تعالى: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} ولم يذكر التفريق، وأما إذا كانا وكيلين من جهة الزوجين، فإنه يُنَفَّذُ حكمهما في الجمع والتفرقة بلا خلاف"(19).
والثالث: إنما يبعث الحكمين السلطانُ، على أن حكمهما ماضٍ على الزوجين في الجمع والتفريق. وهذا قول عثمان بن عفان (20)، وابن عباس في رواية أخرى (21)، وسعيد بن جبير (22)، وعامر (23)، وإبراهيم (24)، وعكرمة (25)، وابن سيرين (26)، وأبي سلمة بن عبد الرحمن (27).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (5285): ص 3/ 946.
(2)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5285): ص 3/ 946.
(3)
تفسير الطبري: 8/ 330.
(4)
انظر: تفسير الطبري (9404): ص 8/ 319.
(5)
انظر: تفسير الطبري (9405): ص 8/ 319.
(6)
انظر: تفسير الطبري (9406): ص 8/ 319.
(7)
انظر: النكت والعيون: 1/ 484.
(8)
تفسير الطبري: 8/ 329.
(9)
انظر: تفسير الطبري (9407) - (9409): ص 8/ 320 - 321.
(10)
انظر: تفسير الطبري (9410): ص 8/ 322.
(11)
انظر: تفسير الطبري (9416): ص 8/ 324.
(12)
انظر: تفسير الطبري (9411): ص 8/ 322، و (9415): ص 8/ 324.
(13)
انظر: تفسير الطبري (9411)، و (9412): ص 8/ 322 - 323.
(14)
انظر: تفسير الطبري (9417): ص 8/ 325.
(15)
انظر: تفسير الطبري (9413): ص 8/ 323.
(16)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 297.
(17)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 297.
(18)
تانظر: فسير ابن كثير: 2/ 297.
(19)
تفسير ابن كثير: 2/ 297.
(20)
انظر: تفسير الطبري (9426)، و (9427): ص 8/ 327 - 328.
(21)
انظر: تفسير الطبري (9418): ص 8/ 325 - 326، و (9426)، و (9427): ص 8/ 327 - 328.
(22)
انظر: تفسير الطبري (9420): ص 8/ 326.
(23)
انظر: تفسير الطبري (9421): ص 8/ 326 - 327
(24)
انظر: تفسير الطبري (9422)، و (9423): ص 8/ 326 - 327.
(25)
انظر: تفسير الطبري (9428): ص 8/ 328.
(26)
انظر: تفسير الطبري (9419): 8/ 326.
(27)
انظر: تفسير الطبري (9424): ص 8/ 327.
قال ابن كثير: "وهذا مذهب جمهور العلماء: إن الحكمين إليهما الجمع والتفرقة"(1).
قال إبراهيم النخعي: " ما صنع الحكمان من شيء فهو جائز عليهما. إن طلقا ثلاثا فهو جائز عليهما. وإن طلقا واحدة وطلقاها على جُعْل، فهو جائز، وما صنعا من شيء فهو جائز"(2).
قال عبيدة: " شهدت عليا وجاءته امرأة وزوجها مع كل واحد منهما فئام من الناس، فأخرج هؤلاء حكما وهؤلاء حكما، فقال علي للحكمين: تدريان، ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن أن تجمعا بينهما جمعتما، وإن رأيتما تفرقا فرقتما، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لي وعلي، وقال الزوج: أما الفرقة فلا، فقال علي: كذبت والله، لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله عز وجل لك وعليك"(3).
قال الطبري: " لم يكن لأحدٍ الفرقةُ بين رجل وامرأة بغير رضى الزوج، ولا أخذُ مال من المرأة بغير رضاها بإعطائه، إلا بحجة يجب التسليم لها من أصل أو قياس، وإن بعث الحكمين السلطانُ، فلا يجوز لهما أن يحكما بين الزوجين بفرقة إلا بتوكيل الزوج إياهما بذلك، ولا لهما أن يحكما بأخذ مال من المرأة إلا برضى المرأة
…
وإنما يبعث السلطانُ الحكمين إذا بعثهما، إذا ارتفع إليه الزوجان، فشكا كل واحد منهما صاحبه، وأشكلَ عليه المحقّ منهما من المبطل. لأنه إذا لم يشكل المحق من المبطل، فلا وجه لبعثه الحكمين في أمر قد عرف الحكم فيه" (4).
وقد اختلف الأئمة في الحكمين، على قولين (5):
أحدهما: أن الحكمين منصوبان من عند الحاكم، فيحكمان وإن لم يرض الزوجان، وهو قول الجمهور؛ لقوله تعالى:{فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} فسماهما حكمين، ومن شأن الحكم أن يحكم بغير رضا المحكوم عليه، وهذا ظاهر الآية، والجديدُ من مذهب الشافعي (6)، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه (7).
والثاني: أنهما وكيلان من جهة الزوجين، أخذا بقول علي- رضي الله عنه -للزوج - حين قال:"أما الفرقة فلا - قال: كذبت، حتى تقر بما أقرت به"(8)، قالوا: فلو كانا حاكمين لما افتقر إلى إقرار الزوج.
قال الزجاج: " وحقيقة أمر الحكمين أنهما يقصدان للإصلاح، وليس لهما طلاق وإنما عليهما أن يعرفا الإمام حقيقة ما وقفا عليه، فإن رأى الإمام أن يفرق فرق، أو أن يجمع جمع، وإن وكلهما بتفريق أو بجمع فهما بمنزلة، وما فعل عليّ- رضي الله عنه فهو فعل للإمام أن يفعله، وحسبنا بعلي عليه السلام إماما، فلما قال لهما: «إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما»، كان قد ولاهما ذلك ووكلهما فيه"(9).
قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: "وأجمع العلماء على أن الحكمين - إذا اختلف قولهما - فلا عبرة بقول الآخر، وأجمعوا على أن قولهما نافذ في الجمع وإن لم يوكلهما الزوجان، واختلفوا: هل ينفذ قولهما في التفرقة؟ ثم حكي عن الجمهور أنه ينفذ قولهما فيها أيضا"(10).
قوله تعالى: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35]، "أي: إِن قصدا إِصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله، بورك في وساطتهما وأوقع الله بين الزوجين" (11).
قال ابن عباس: " وذلك الحكمان، وكذلك كل مصلح يوفقه الله للحق والصواب"(12). وفي رواية اخرى: " وكذلك كل مصلح يوفقه الله للحق والصواب"(13).
(1) تفسير ابن كثير: 8/ 297.
(2)
أخرجه الطبري (9423): ص 8/ 327، وانظر: تفسير الطبري (9422): ص 8/ 326 - 327.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (5282): ص 3/ 945، والطبري (9409): ص 8/ 321، واخرجه الطبري عن محمد، في تفسيره (9408): ص 8/ 321.
(4)
تفسير الطبري: 8/ 331.
(5)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 297.
(6)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 297.
(7)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 297.
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5282): ص 3/ 945، والطبري (9409)، و (9408): ص 8/ 321.
(9)
معاني القرآن: 2/ 49.
(10)
الاستذكار لابن عبد البر: 18/ 111، ونقله ابن كثير في تفسيره: 2/ 297.
(11)
صفوة التفاسير: 252.
(12)
أخرجه الطبري (9432): ص 8/ 332.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (5287): ص 3/ 946.
قال مجاهد: " أمَا إنه ليس بالرجل والمرأة، ولكنه الحكمان"(1).
قال سعيد بن جبير: " هما الحكمان، إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما"(2). وروي عن السدي (3)، والضحاك (4) نحو ذلك.
قال مقاتل: " يعنى الحكمين، يوفق الله بينهما للصلح فإن لم يتفقا وظنا أن الفرقة خير لهما في دينهما فرق الحكمان بينهما برضاهما"(5).
قال الطبري: أي: " إن يرد الحكمان إصلاحًا بين الرجل والمرأة أعني: بين الزوجين المخوف شقاقُ بينهما يقول: " يوفق الله " بين الحكمين فيتفقا على الإصلاح بينهما. وذلك إذا صدق كل واحد منهما فيما أفضى إليه: مَنْ بُعِثَ للنظر في أمر الزوجين"(6).
وقوله تعالى: {يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35]، يحتمل وجهين (7):
أحدهما: ليس ذلك إليها لأن الطلاق إلى الزوج.
والثاني: لهما ذلك لأن الحَكَم مشتق من الحُكم فصار كالحاكم بما يراه صلاحاً.
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء: 35]، أي: إن الله كان"عليماً بأحوال العباد حكيماً في تشريعه لهم"(8).
قال مقاتل: " {عليما}، بحكمهما، {خبيرا}، بنصيحتهما في دينهما"(9).
عن أبي العالية في "قوله: {خبيرا}: بمكانهما"(10).
قال الزجاج: " أي: {عليما} بما فيه الصلاح للخلق، {خبيرا} بذلك"(11).
قال الطبري: أي: {عليما} " بما أراد الحكمان من إصلاح بين الزوجين وغيره " خبيرًا "، بذلك وبغيره من أمورهما وأمور غيرهما، لا يخفى عليه شيء منه، حافظ عليهم، حتى يجازي كلا منهم جزاءه، بالإحسان إحسانًا، وبالإساءة غفرانًا أو عقابًا"(12).
الفوائد:
1 -
مشروعية التحكيم في الشقاق بين الزوجين وبيان ذلك.
2 -
من أسماءه تعالى «العليم» و «الخبير» :
فـ «العليم» : هو المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (13).
قال الخطابي: " «العليم»: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق. كقوله تعالى: {إنه عليم بذات الصدور} [لقمان: 23]. وجاء على بناء فعيل للمبالغة في وصفه بكمال العلم، ولذلك قال -سبحانه-: {وفوق كل ذي علم عليم} [يوسف: 76]. والآدميون -وإن كانوا يوصفون بالعلم- فإن ذلك ينصرف منهم إلى نوع من المعلومات، دون نوع، وقد يوجد ذلك منهم في حال دون حال، وقد تعترضهم الآفات فيخلف علمهم الجهل، ويعقب ذكرهم النسيان، وقد نجد الواحد منهم عالما بالفقه غير عالم بالنحو وعالما بهما غير عالم بالحساب وبالطب ونحوهما من الأمور، وعلم الله -سبحانه- علم حقيقة، وكمال {قد أحاط بكل شيء علما} [الطلاق: 12]، {وأحصى كل شيء عددا} [الجن: 28] "(14).
(1) أخرجه الطبري (9430): ص 8/ 332.
(2)
أخرجه الطبري (9431): ص 8/ 332.
(3)
انظر: تفسير الطبري (9433): ص 8/ 332.
(4)
انظر: تفسير الطبري (9436): ص 8/ 333.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 371.
(6)
تفسير الطبري: 8/ 332.
(7)
انظر: النكت والعيون: 1/ 484.
(8)
صفوة التفاسير: 252.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 371.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (5288): ص 3/ 946.
(11)
معاني القرآن: 2/ 49.
(12)
تفسير الطبري: 8/ 333.
(13)
انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين: 1/ 188.
(14)
شأن الدعاء: 57.
و «الخبير» : "هو العالم بكنه الشىء، المطلع على حقيقته، كقوله تعالى:{فاسأل به خبيرا} [الفرقان: 59]. يقال فلان بهذا الأمر خبير؛ وله به خبر، وهو أخبر به من فلان؛ أي: أعلم. إلا أن الخبر في صفة المخلوقين إنما يستعمل في نوع العلم الذي يدخلة الاختبار، ويتوصل إليه بالامتحان، والاجتهاد، دون النوع المعلوم ببدائه العقول.
وعلم الله -سبحانه- سواء فيما غمض من الأشياء وفيما لطف، وفيما تجلى به منه وظهر. وإنما تختلف مدارك علوم الآدميين الذين يتوصلون إليها بمقدمات من حس، وبمعاناة من نظر، وفكر؛ ولذلك قيل لهم: ليس الخبر كالمعاينة، وتعالى الله عن هذه الصفات علوا كبيرا" (1).
والفرق بين العلم والخبر: "أن الخبر هو العلم بكنه المعلومات على حقائقها؛ ففيه معنى زائد على العلم"(2).
القرآن
التفسير:
واعبدوا الله وانقادوا له وحده، ولا تجعلوا له شريكًا في الربوبية والعبادة، وأحسنوا إلى الوالدين، وأدُّوا حقوقهما، وحقوق الأقربين، والأولاد الذين مات آباؤهم وهم دون سن البلوغ، والمحتاجين الذين لا يملكون ما يكفيهم ويسد حاجتهم، والجار القريب منكم والبعيد، والرفيق في السفر وفي الحضر، والمسافر المحتاج، والمماليك من فتيانكم وفتياتكم. إن الله تعالى لا يحب المتكبرين من عباده، المفتخرين على الناس.
قوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36]، "أي: وحّدوا الله وعظموه ولا تشركوا به شيئاً من الأشياء صنماً أو غيره" (3).
قال الزجاج: " أي: لا تعبدوا معه غيره، فإن ذلك يفسد عبادته"(4).
قوله تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: 36]، أي:" وأحسنوا إلى الوالدين، وأدُّوا حقوقهما"(5).
قال الزجاج: " المعنى: وأوصاكم بالوالدين إحسانا، لأن معنى قضى ههنا أمر ووصى"(6).
قوله تعالى: {وَبِذِي الْقُرْبَى} [النساء: 36]، " أي: وأحسنوا إِلى الأقارب عامة" (7).
قال الزجاج: " أمر الله بالإحسان إلى ذوي القربى بعد الوالدين"(8).
قوله تعالى: {وَالْيَتَامَى} [النساء: 36]، " أي: وأحسنوا إلى الأولاد الذين مات آباؤهم وهم دون سن البلوغ " (9).
قال الماوردي: " {الْيَتَامَى}، جمع يتيم وهو من مات أبوه لم يبلغ الحلم، و {الْمَسَاكِينِ}، جمع مسكين وهو الذي قد ركبه ذل الفاقة والحاجة فيتمسكن لذلك"(10).
قوله تعالى: {وَالْمَسَاكِينِ} [النساء: 36]، " أي: وأحسنوا إلى المحتاجين الذين لا يملكون ما يكفيهم ويسد حاجتهم" (11).
قال الطبري: " وهو جمع «مسكين»، وهو الذي قد ركبه ذل الفاقة والحاجة، فتمسكن لذلك، يقول تعالى ذكره: استوصوا بهؤلاء إحسانًا إليهم، وتعطفوا عليهم، والزموا وصيتي في الإحسان إليهم"(12).
(1) شأن الدعاء: 63.
(2)
الفروق/ ابو هلال العسكري: 74.
(3)
صفوة التفاسير: 252.
(4)
معاني القرآن: 2/ 49.
(5)
التفسير الميسر: 84.
(6)
معاني القرآن: 2/ 49.
(7)
صفوة التفاسير: 252.
(8)
معاني القرآن: 2/ 50.
(9)
انظر: التفسير الميسر: 84، وصفوة التفاسير:252.
(10)
النكت والعيون: 1/ 485.
(11)
انظر: التفسير الميسر: 84، وصفوة التفاسير:252.
(12)
تفسير الطبري: 8/ 334.
قال السعدي: " {الْمَسَاكِينِ}: وهم الذين أسكنتهم الحاجة والفقر، فلم يحصلوا على كفايتهم، ولا كفاية من يمونون"(1).
قوله تعالى: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى} [النساء: 36]، " أي: وأحسنوا إلى الجار القريب منكم" (2).
قال الزجاج: " أي: الجار الذي يقاربك وتعرفه ويعرفك"(3).
وفي قوله تعالى: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى} [النساء: 36]، ثلاثة أقوال:
أحدها: بمعنى والجار ذي القرابة والرحم، وهم الذين بينك وبينهم قرابة نسب، وهذا قول ابن عباس (4)، ومجاهد (5)، وعكرمة (6)، وقتادة (7)، والضحاك (8)، وابن زيد (9).
والثاني: أنه جارُ ذي قرابتك. قاله ميمون بن مهران (10).
قال الطبري: " وهذا القول قولٌ مخالفٌ المعروفَ من كلام العرب. وذلك أن الموصوف بأنه " ذو القرابة " في قوله: {والجار ذي القربى}، {الجار} دون غيره، فجعله قائل هذه المقالة جار ذي القرابة، ولو كان معنى الكلام كما قال ميمون بن مهران لقيل: وجار ذي القربى، ولم يُقَل: {والجار ذي القربى} "(11).
والثالث: أنه يعني: الجار ذي القربى بالإسلام. قاله نوف الشامي (12).
قال الطبري: " وهذا مما لا معنى له، وذلك أن تأويل كتاب الله تبارك وتعالى، غير جائز صرفه إلا إلى الأغلب من كلام العرب الذين نزل بلسانهم القرآن، المعروفِ فيهم، دون الأنكر الذي لا تتعارفه، إلا أن يقوم بخلاف ذلك حجة يجب التسليم لها. وإذا كان ذلك كذلك وكان معلومًا أن المتعارف من كلام العرب إذا قيل: " فلان ذو قرابة "، إنما يعني به: إنه قريب الرحم منه، دون القرب بالدين كان صرفه إلى القرابة بالرحم، أولى من صرفه إلى القرب بالدين"(13).
والإحسان قد يكون بمعنى المواساة، وقد يكون بمعنى حسن العشرة، وكف الأذى والمحاماة عنه، ويشمل الجوار الجار في العمل وفي السفر ونحو ذلك، روى البخاري عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه"(14).
وعن أبي شريح أنّ النبي-صلى الله عليه وسلم قال: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن. قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه"(15).
وهذا عام في كل جار، وقد أكّد عليه الصلاة والسلام ترك أذيته بقسمه ثلاث مرات، وأنه لا يؤمن الإيمان الكامل من آذى جاره، فينبغي للمؤمن أن يحذر أذى الجار بغير حق، وينتهي عما نهى الله ورسوله عنه، ويرغب فيما رضياه وحضَا عليه، وهذا العموم في الإحسان إلى الجار هو ما فهمه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وطبقوه مع غير المسلمين (16).
قوله تعالى: {وَالْجَارِ الْجُنُبِ} [النساء: 36]، أي:"وأحسنوا إلى الجارب البعيد"(17).
قال الزجاج: " والجار القريب المتباعد"(18).
(1) تفسير السعدي: 90.
(2)
انظر: التفسير الميسر: 84، وصفوة التفاسير:252.
(3)
معاني القرآن: 2/ 50.
(4)
انظر: تفسير الطبري (9437)، و (9438): ص 8/ 334.
(5)
انظر: تفسير الطبري (9439)، و (9440): ص 8/ 334.
(6)
انظر: تفسير الطبري (9440): ص 8/ 334.
(7)
انظر: تفسير الطبري (9443): ص 8/ 334.
(8)
انظر: تفسير الطبري (9441): ص 8/ 334.
(9)
انظر: تفسير الطبري (9444): ص 8/ 336.
(10)
انظر: تفسير الطبري (9445): ص 8/ 336.
(11)
تفسير الطبري: 8/ 336.
(12)
انظر: تفسير الطبري (9446): ص 8/ 337.
(13)
تفسير الطبري: 8/ 337.
(14)
أخرجه البخاري في الأدب، باب الوصاة بالجار: 10/ 441، ومسلم في البر والصلة، باب الوصية بالجار والإحسان إليه، برقم (2625): 4/ 2025، والمصنف في شرح السنة: 13/ 71. .
(15)
.
(16)
انظر: تفسير القرطبي: 5/ 184.
(17)
صفوة التفاسير: 252.
(18)
معاني القرآن: 2/ 50.
وفي قوله تعالى: {وَالْجَارِ الْجُنُبِ} [النساء: 36]، وجهان:
أحدهما: الجار البعيد في نسبه الذي ليس بينك وبينه قرابة، وهو قول ابن عباس (1)، ومجاهد (2)، والسدي (3)، وقتادة (4)، وعكرمة (5)، وابن زيد (6)، والضحاك (7).
والثاني: أنه المشرك البعيد في دينه. وهو قول نوف الشامي (8).
والراجح –والله أعلم- أن "معنى، الجنب، في هذا الموضع: الغريبُ البعيد، مسلمًا كان أو مشركًا، يهوديًا كان أو نصرانيًا "، لما بينا قبل من أن " الجار ذي القربى "، هو الجار ذو القرابة والرحم. والواجب أن يكون " الجار ذو الجنابة "، الجار البعيد، ليكون ذلك وصية بجميع أصناف الجيران قريبهم وبعيدهم" (9).
قال أبو عبيدة: " {والجار الجنب}، الغريب، يقال: ما يأتينا إلا عن جنابة، أي: من بعيد "، قال علقمة بن عبدة (10):
فلا تَحْرِمَنِّي نائلاً عن جَنابَةٍ
…
فإني امرؤٌ وَسْطَ القِبابِ غريبُ
وإنما هي من الاجتناب، وقال الأعشى (11):
أتيتُ حُريثًا زائرًا عن جنابةٍ
…
وكان حُرَيثٌ عن عَطَائِيَ جَامِدًا " (12)
يعني بقوله: ن جنابة: " عن بعد وغُربة. ومنه، قيل: " اجتنب فلان فلانًا "، إذا بعد منه " وتجنّبه "، و " جنَّبه خيره "، إذا منعه إياه، ومنه قيل للجنب: جُنُب، لاعتزاله الصلاة حتى يغتسل. فمعنى ذلك: والجار المجانب للقرابة"(13).
قال أبو حفص الدمشقي: " ومنه {واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام] [إبراهيم: 35] "(14).
قال السمين الحلبي: " والجنب: مشتق من الجنابة وهي البعد، وسمي الرجل جنبا لبعده عن الطهارة، أو لأنه ضاجع بجنبه ومس به"(15).
وقرئ: {والجار الجنب} ، بفتح الجيم وسكون النون (16).
قوله تعالى: {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} [النساء: 36]، أي:" وأحسنوا إلى الرفيق في السفر وفي الحضر"(17).
قال الزجاج: " قيل: هو الصاحب في السفر"(18).
قال الزمخشري: " هو الذي صحبك بأن حصل بجنبك، إما رفيقا في سفر، وإما جارا ملاصقا، وإما شريكا في تعلم علم أو حرفة، وإما قاعدا إلى جنبك في مجلس أو مسجد أو غير ذلك، من أدنى صحبة التأمت
(1) انظر: تفسير الطبري (9447): ص 8/ 338.
(2)
انظر: تفسير الطبري (9451) - (9453): ص 8/ 338.
(3)
انظر: تفسير الطبري (9450): ص 8/ 338.
(4)
انظر: تفسير الطبري (9449): ص 8/ 338.
(5)
انظر: تفسير الطبري (9453): ص 8/ 338.
(6)
انظر: تفسير الطبري (9454): ص 8/ 338.
(7)
انظر: تفسير الطبري (9455): ص 8/ 330.
(8)
انظر: تفسير الطبري (9456): ص 8/ 339.
(9)
تفسير الطبري: 8/ 339.
(10)
البيت لعلقمة بن عبدة يخاطب به الحارث بن جبلة يمدحه، وكان قد أسر أخاه شأسا. وأراد بالنائل إطلاق أخيه شأسا من سجنه فأطلقه ومن أسر معه من بنى تميم. (عن اللسان)، انظر: البيت في ديوانه" ص 31، "الكامل" 3/ 16، والاختيارين للأخفش الأصغر ص 656، وفيه: الديار بدل القباب، "الزاهر" 1/ 430. والجنابة: البعد والغربة وهو الشاهد. والمعنى: لا تحرمني بعد غربة وبعد عن دياري. والبيت من قصيدة في فكاك أسر أخ له.
(11)
"ديوانه" 43، "الكامل" 3/ 15، "الطبري" 8/ 339، "معاني الزجاج" 2/ 50، الثعلبي 4/ 25 ب.
وجاء في حاشية "ديوانه": حُرَيث: تصغير لكلمة حارث، وهو ذم للحارث بن وعلة بن مجالد الى الرقاشي. الجنابَة: البعد. وانظر "الكامل" 2/ 902، 903.
(12)
أخرجه ابن المنذر (1755): ص 2/ 701 - 702.
(13)
تفسير الطبري: 8/ 340.
(14)
الللباب في علوم الكتاب: 6/ 371.
(15)
الدر المصون: 3/ 690.
(16)
انظر: الكشاف: 1/ 509.
(17)
انظر: التفسير الميسر: 84، وصفوة التفاسير:252.
(18)
معاني القرآن: 2/ 50.
بينك وبينه. فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا تنساه، وتجعله ذريعة إلى الإحسان. وقيل: الصاحب بالجنب: المرأة" (1).
وفي قوله تعالى: {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} [النساء: 36]، ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه الرفيق في السفر، وهو قول علي في إحدى الروايات (2)، وعبدالله بن مسعود في إحدى الروايات (3)، وابن عباس (4)، وسعيد بن جبير (5)، ومجاهد (6)، والسدي (7)، وقتادة (8)، وعكرمة (9)، والضحاك (10).
والثاني: أنها زوجة الرجل التي تكون في جنبه، وهو قول علي (11)، وعبدالله بن مسعود (12)، وابن عباس في إحدى الروايات (13)، وعبد الرحمن بن أبي ليلى (14)، وإبراهيم (15).
والثالث: أنه الذي يلزمك ويصحبك رجاء نفعك، وهو قول ابن زيد (16).
قال الطبري: " والصواب من القول في تأويل ذلك عندي: أن معنى: {الصاحب بالجنب}، الصاحب إلى الجنب، كما يقال: فلان بجَنب فلان، وإلى جنبه، وهو من قولهم: جَنَب فلانٌ فلانًا فهو يجنُبُه جَنْبًا، إذا كان لجنبه، ومن ذلك: جَنَب الخيل، إذا قاد بعضها إلى جنب بعض. وقد يدخل في هذا: الرفيقُ في السفر، والمرأة، والمنقطع إلى الرجل الذي يلازمه رجاءَ نفعه، لأن كلهم بجنب الذي هو معه وقريبٌ منه. وقد أوصى الله تعالى بجميعهم، لوجوب حق الصاحب على المصحوب"(17).
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كُلُّ صَاحبٍ يَصْحَبُ صَاحِباً مَسْئُولٌ عَنْ صَحَابَتِهِ وَلَوْ سَاعةً مِن نَّهَارٍ"(18).
وروى عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خَيرُ الأَصْحَابِ عِندَ اللَّهِ خَيرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيرُ الجيرانِ عِندَ اللَّهِ خَيرُهُمْ لِجَارِهِ"(19).
قوله تعالى: {وَابْنِ السَّبِيلِ} [النساء: 36]، أي: وأحسنوا إلى"المسافر الغريب الذي انقطع عن بلده وأهله"(20).
قال الزجاج: " الضيف يجب قراه، وأن يبلغ حيث يريد"(21).
قال الزمخشري: " المسافر المنقطع به. وقيل: الضيف"(22).
قال السعدي: " وهو: الغريب الذي احتاج في بلد الغربة أو لم يحتج، فله حق على المسلمين لشدة حاجته وكونه في غير وطنه بتبليغه إلى مقصوده أو بعض مقصوده وبإكرامه وتأنيسه"(23).
وفي قوله تعالى: {وَابْنِ السَّبِيلِ} [النساء: 36]، ثلاثة اقاويل:
(1) الكشاف: 1/ 509.
(2)
انظر: تفسير الطبري (9463): ص 8/ 341.
(3)
انظر: تفسير الطبري (9463): ص 8/ 341.
(4)
انظر: تفسير الطبري (9457): ص 8/ 340 - 341.
(5)
انظر: تفسير الطبري (9458): ص 8/ 341.
(6)
انظر: تفسير الطبري (9459): ص 8/ 341.
(7)
انظر: تفسير الطبري (9466): ص 8/ 342.
(8)
انظر: تفسير الطبري (9460): ص 8/ 341.
(9)
انظر: تفسير الطبري (9462): ص 8/ 341.
(10)
انظر: تفسير الطبري (9469)، و (9470): ص 8/ 342.
(11)
انظر: تفسير الطبري (9471)، و (9472): ص 8/ 342 - 343.
(12)
انظر: تفسير الطبري (9471)، و (9472): ص 8/ 342 - 343.
(13)
انظر: تفسير الطبري (9473): ص 8/ 343.
(14)
انظر: تفسير الطبري (9474): ص 8/ 343.
(15)
انظر: تفسير الطبري (9475) - (9479): ص 8/ 343.
(16)
انظر: تفسير الطبري (9480): ص 8/ 344.
(17)
تفسير الطبري: 8/ 344.
(18)
أخرجه الطبري (9482): ص 8/ 345 - 345
(19)
رواه أحمد في مسنده (6566)، والحاكم في المستدرك 4/ 164، والترمذي: 3/ 129 "إسناده صحيح".
(20)
صفوة التفاسير: 252.
(21)
معاني القرآن: 2/ 50.
(22)
الكشاف: 1/ 509.
(23)
تفسير السعدي: 177.
أحدها: أنه المسافر المجتاز مَارّاً، وهذا قول مجاهد (1)، وقتادة (2)، والربيع (3).
والثاني: هو الذي يريد سفراً ولا يجد نفقة، وهذا قول الشافعي (4).
والثالث: أنه الضعيف، وهو قول الضحاك (5)، ومجاهد في رواية اخرى (6)، وقتادة في إحدى الروايات (7).
والراجح-والله أعلم- " أن {ابن السبيل}، هو صاحب الطريق و {السبيل}: هو الطريق، وابنه: صاحبه الضاربُ فيه، فله الحق على من مرّ به محتاجًا منقطَعًا به، إذا كان سفره في غير معصية الله، أن يعينه إن احتاج إلى معونة، ويضيفه إن احتاج إلى ضيافة، وأن يحمله إن احتاج إلى حُمْلان"(8).
قال الطبري: " وإنما قيل للمسافر"ابن السبيل"، لملازمته الطريق -والطريق هو"السبيل"- فقيل لملازمته إياه في سفره: "ابنه"، كما يقال لطير الماء"ابن الماء" لملازمته إياه، وللرجل الذي أتت عليه الدهور"ابن الأيام والليالي والأزمنة"، ومنه قول ذي الرمة (9):
وَرَدْتُ اعْتِسَافًا وَالثُّرَيَّا كَأَنَّهَا
…
عَلَى قِمَّةِ الرَّأْسِ ابْنُ مَاءٍ مُحَلِّق " (10)
فسماه ابن الماء لملازمته للماء (11).
وقالت طائفة من علماء العربية: إنه إنما قيل له (ابن السبيل) لأن السبيل وهي الطريق كأنها تمخضت لنا عنه ورمتنا به كما ترمي النفساء الناس بولدها، كان غائبا في بطن الطريق فرمتنا به، كما تكون النفساء ولدها غائب في بطنها فترمينا به. وهذا المعنى يوجد في كلامهم، وقد أوضحه مسلم بن الوليد الأنصاري - وإن كان كلامه إنما يذكر مثالا لا استدلالا، لأنه في زمن الدولة العباسية، ولكنه أوضح هذا المعنى - بقوله حيث يقول يذكر رجلا سافر في فلاة من الأرض شهرين إلى أمير ليمدحه قال له (12):
تمخضت عنه تما بعد محمله
…
شهرين بيداء لم تضرب ولم تلد
ألقته كالنصل معطوفا على همم
…
يعمدن منتجعات خير معتمد
فصرح بأن هذه الفلاة تخمضت عن هذا وولدته وأنتجته، فكذلك الطريق كأنها تتمخض عنه وترميهم به (13).
قال الشنقيطي: " وأكثر العلماء يقولون: سمي «ابن السبيل»، لملازمته للطريق"(14).
قوله تعالى: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 36]، أي: وأحسنوا إلى" المماليك من العبيد والإِماء"(15).
قال الزجاج: " أي: وأحسنوا بملك أيمانكم، وكانت وصية النبي صلى الله عليه وسلم عند وفاته: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» (16) "(17).
قال السعدي: " أي: من الآدميين والبهائم بالقيام بكفايتهم وعدم تحميلهم ما يشق عليهم وإعانتهم على ما يتحملون، وتأديبهم لما فيه مصلحتهم"(18).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء: 36]، أي:" إن الله تعالى لا يحب المتكبرين من عباده، المفتخرين على الناس"(19).
(1) انظر: تفسير الطبري (9484): ص 8/ 346.
(2)
انظر: تفسير الطبري (9484): ص 8/ 346.
(3)
انظر: تفسير الطبري (9485): ص 8/ 346.
(4)
انظر: النكت والعيون: 1/ 486.
(5)
انظر: تفسير الطبري (9488): ص 8/ 347.
(6)
انظر: تفسير الطبري (9486): ص 8/ 347.
(7)
انظر: تفسير الطبري (9487): ص 8/ 347.
(8)
تفسير الطبري: 8/ 347.
(9)
ديوانه: 401.
(10)
تفسير الطبري: 3/ 346، وانظر: النكت والعيون: 1/ 486.
(11)
انظر: العذب المنير من مجالس الشنقيطي في التفسير: 5/ 596.
(12)
ديوانه: 71.
(13)
انظر: العذب المنير من مجالس الشنقيطي في التفسير: 5/ 596 - 597.
(14)
العذب المنير من مجالس الشنقيطي في التفسير: 5/ 597.
(15)
صفوة التفاسير: 252.
(16)
أخرجه أحمد (585): ص 1/ 78، والبخاري، في "الأدب المفرد":(158)، وأبو داود (5156)، وابن ماجة (2698).
(17)
معاني القرآن: 2/ 50.
(18)
تفسير السعدي: 177.
(19)
التفسير الميسر: 84.
قال الصابوني: أي: إن الله لايحب من كان "متكبراً في نفسه يأنف عن أقاربه وجيرانه فخوراً على الناس مترفعاً عليهم يرى أنه خير منهم، وهذه آية جامعة جاءت حثاً على الإِحسان واستطراداً لمكارم الأخلاق، ومن تدبرها حق التدبر أغنتْه عن كثير من مواعظ البلغاء، ونصائح الحكماء"(1).
قال الزجاج: " المختال: الصلف التياه الجهول. وإنما ذكر الاختيال في هذه القصة، لأن المختال يأنف من ذوي قراباته إذا كانوا فقراء، ومن جيرانه إذا كانوا كذلك، فلا يحسن عشرتهم"(2).
قال الزمخشري: " والمختال: التياه الجهول الذي يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ومماليكه، فلا يتحفى (3) بهم ولا يلتفت إليهم"(4).
قال ابو عبيدة: " المختال: ذو الخيلاء، والخال، وهما واحد"(5).
قال الطبري: " و «المختال» : المفتعل، من قولك: خال الرجل فهو يخول خَوْلا وخَالا، ومنه قول الشاعر (6):
فَإنْ كُنْتَ سَيِّدَنَا سُدْتَنَا
…
وإنْ كُنْتَ لِلْخَالِ فَاذْهَبْ فَخُلْ
ومنه قول العجاج (7):
وَالْخَالُ ثَوْبٌ مِنْ ثِيَابِ الْجُهَّالْ
وأما «الفخور» ، فهو المفتخر على عباد الله بما أنعم الله عليه من آلائه، وبسط له من فضله، ولا يحمده على ما أتاه من طَوْله، ولكنه به مختال مستكبر، وعلى غيره به مُسْتطيل مفتخر" (8).
قال السعدي: " فمن قام بهذه المأمورات فهو الخاضع لربه، المتواضع لعباد الله، المنقاد لأمر الله وشرعه، الذي يستحق الثواب الجزيل والثناء الجميل، ومن لم يقم بذلك فإنه عبد معرض عن ربه، غير منقاد لأوامره، ولا متواضع للخلق، بل هو متكبر على عباد الله معجب بنفسه فخور بقوله، ولهذا قال: {إن الله لا يحب من كان مختالا} أي: معجبا بنفسه متكبرا على الخلق {فخورا} يثني على نفسه ويمدحها على وجه الفخر والبطر على عباد الله، فهؤلاء ما بهم من الاختيال والفخر يمنعهم من القيام بالحقوق"(9).
الفوائد:
1 -
إن أعظم ما أمر الله به التوحيد، وهو إفراد الله تعالى بالعبودية، . وأعظم ما نهى عنه الشرك وهو دعاء غير الله تعالى معه، والدليل قوله تعالى:{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شيئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} .
2 -
أن الواجب المتعين إخلاص العبادة لمن له الكمال المطلق من جميع الوجوه، وله التدبير الكامل الذي لا يشركه ولا يعينه عليه أحد.
3 -
أن الله تعالى لم يجعل لأحد حقًّا يلي حقه وحق وسوله إلا للوالدين، فقال:{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} .
4 -
الإحسان غلى الاقارب سواء قربوا أو بعدوا، وذلك بأن يحسن إليهم بالقول والفعل، وأن لا يقطع برحمه بقوله أو فعله.
5 -
أن للأيتام حق على المسلمين، سواء كانوا أقارب أو غيرهم بكفالتهم وبرهم وجبر خواطرهم وتأديبهم، وتربيتهم أحسن تربية في مصالح دينهم ودنياهم.
6 -
أمر الله تعالى بالإحسان إلى المساكين، بسد خلتهم وبدفع فاقتهم، والحض على ذلك، والقيام بما يمكن منه.
5 -
اعتناء الشرع الحنيف بالجار، فوصى الله تعالى وأمر بالإحسان إليه فقال سبحانه وتعالى:{وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} .
(1) صفوة التفاسير: 152.
(2)
معاني القرآن: 2/ 51.
(3)
في الصحاح: تحفيت به، أى بالغت في إكرامه وإلطافه.
(4)
الكشاف: 1/ 509.
(5)
أخرجه ابن المنذر (1769): ص 2/ 706.
(6)
البيت لأنس بن مساحق العبدي، رجل من عبد القيس، انظر: حماسة أبي تمام 1: 133، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 127، واللسان (خيل).
(7)
البيت (للعجاج) في ملحقات ديوانه: 2/ 323، وكما في اللسان والتاج "خيل"، وبعده "والدهر فيه غفلة للغفال"، وتفسير الطبري: 8/ 350، وقد ورد في التهذيب: 7/ 560، غير منسوب.
(8)
تفسير الطبري: 8/ 349 - 350.
(9)
تفسير السعدي: 177.
قال القرطبي: "الوصاة بالجار مأمور بها مندوب إليها مسلماً كان أو كافراً وهو الصحيح"(1).
وللعلم فالجيران ثلاثة:
الاول: جار له حق واحد؛ وهو غير المسلم؛ له حق الجوار.
والثاني: جار له حقان وهو الجار المسلم؛ له حق الجوار وحق الإسلام.
والثالث: وجار له ثلاثة حقوق؛ وهو الجار المسلم ذو القرابة والرحم؛ له حق الجوار وحق الإسلام.
7 -
صحبة الصاحب بالحسنى في السفر والعمل.
8 -
الإحسان إلى الغريب وإلى الأرقاء العبيد فتيان وفتيات، قال تعالى:{وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} .
8 -
أن منع الإحسان الذي هو كف الأذى وبذل المعروف ناتج عن خلق البخل والكبر وهما من شر الأخلاق هذا ما دلت عليه الآية الأولى، قال تعالى:{إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً} .
القرآن
التفسير:
الذين يمتنعون عن الإنفاق والعطاء مما رزقهم الله، ويأمرون غيرهم بالبخل، ويجحدون نِعَمَ الله عليهم، ويخفون فضله وعطاءه. وأعددنا للجاحدين عذابًا مخزيًا.
في سبب نزول الآية ثلاثة وجوه:
أحدها: أخرج الطبري عن ابن عباس قال: "كان كَرْدَم بن زيد (2)، حليفُ كعب بن الأشرف، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبَحْريّ بن عمرو، وحُيَيّ بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت، يأتون رجالا من الأنصار، وكانوا يخالطونهم، ينتصحون لهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون لهم: لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة، فإنكم لا تدرون ما يكون! فأنزل الله فيهم: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}، أي: من النبوة، التي فيها تصديق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا}، إلى قوله: "{وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا} (3) " (4).
والثاني: أخرج ابن ابي حاتم عن سعيد بن جبير، قال:"كان علماء بني إسرائيل يبخلون بما عندهم من العلم، وينهون العلماء أن يعلموا الناس شيئا فعيرهم الله بذلك فأنزل الله تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ}، الآية"(5).
وفي هذا السياق أخرج الطبري عن الحضرمي: " {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}، قال: هم اليهود، بخلوا بما عندهم من العلم وكَتَموا ذلك"(6). وروي عن قتادة (7)، ومجاهد (8)، والسدي (9)، وسعيد بن جبير (10)، وابن زيد (11) ومقاتل بن سليمان (12) نحو ذلك.
(1) تفسير القرطبي: 5/ 184.
(2)
" كردم بن زيد " في سيرة ابن هشام: " كردم بن قيس "، وهو المذكور في سيرة ابن هشام 2/ 160، أيضًا أنه حليف كعب بن الأشرف، من بني النضير. أما " كردم بن زيد " في رواية الطبري عن ابن إسحاق، فقد ذكره ابن هشام في سيرته 2: 162، وعده من بني قريظة. هذا، والذين ذكرهم في هذا الأثر من اليهود منسوبون في سيرة ابن هشام، وهذه نسبتهم:" كردم بن قيس " و " حيي بن أخطب " من بني النضير و " كردم بن زيد "، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، من بني قريظة وبحري بن عمرو، ورفاعة بن زيد بن التابوت، من بني قينقاع.
(3)
[سورة النساء: 39].
(4)
تفسير الطبري (9501): ص 8/ 353، وأخرجه ابن المنذر (1771): ص 2/ 706 - 707، عن ابن إسحاق، ورواه ابن هشام عن ابن إسحاق في سيرته: 2/ 208، 209.
(5)
تفسير ابن أبي حاتم (5317): ص 3/ 951، وإليه عزاه في الدرّ المنثور: 2/ 538.
(6)
تفسير الطبري (9494): ص 8/ 351 - 352.
(7)
انظر: تفسير الطبري (9497): ص 8/ 352.
(8)
انظر: تفسير الطبري (9495)، و (9496): ص 8/ 352.
(9)
انظر: تفسير الطبري (9498): ص 8/ 352.
(10)
انظر: تفسير الطبري (9499): ص 8/ 352، وتفسير ابن أبي حاتم (5316): ص 3/ 951
(11)
انظر: تفسير الطبري (9500): ص 8/ 352 - 353.
(12)
انظر: تفسيره: 1/ 372.
والثالث: أخرج الطبري عن وابن زيد، ، قال: هؤلاء يهود. وقرأ: {وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} ، قال: يبخلون بما آتاهم الله من الرزق، ويكتمون ما آتاهم الله من الكتب. إذا سئلوا عن الشيء وما أنزل الله كتموه. وقرأ:{أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا} [سورة النساء: 53] من بخلهم." (1).
قال الواحدي: " وأجمعوا على أن الآية نازلة في اليهود"(2).
والحق أن دعوى الإجماع غير مسلمة، إذ اختلف في نزولها-كما سبق بيانه- أما كونها أنها نزلت في اليهود، فهو قول الأكثرين.
قوله تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} [النساء: 37]، "أي: الذين يمنعون ما أوجب الله عليهم من الإِنفاق في سبيل الله ويأمرون غيرهم بترك الإِنفاق" (3).
قال ابن عباس: " {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} يعني: أهل الكتاب، يقول: يكتمون"(4)، "قوله:{وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} ، يقول: ويأمرون الناس بالكتمان" (5).
وفي رواية عطاء عن ابن عباس: " ثم ذكر اليهود فقال: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ}، يريد يبخلون بأموالهم عمن هو دونهم من المؤمنين في المال، وهو أكرم على الله منهم"(6).
قال الزجاج: " يعنى به إليهود. لأنهم يبخلون بعلم ما كان عندهم من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم –"(7).
وفي معنى "البخل" في الآية الكريمة وجوه من التفسير:
أحدها: أنه البخل في العلم وليس للدنيا منه شيء، إذ كان علماء بني إسرائيل يبخلون بما عندهم من العلم، وينهون العلماء أن يعلموا الناس شيئا. وهذا قول سعيد بن جبير (8)، والحضرمي (9)، وقتادة (10)، ومجاهد (11)، والسدي (12)، ومقاتل بن سليمان (13).
الثاني: أن البخل في المال. وهذا معنى قول ابن عباس (14).
الثاني: ان البخل: أن يبخل الرجل بما في يديه. وهذا قول طاوس (15).
والثالث: إن البخيل الذي لا يؤدي حق الله من ماله. وهذا قول زيد بن أسلم (16).
والرابع: أن البخل: إذا منع الفضل. وهذا قول ابن عيينة (17).
والخامس: أن البخيل في الآية: الذي يبخل بما آتاه الله من الرزق، ويكتم ما آتاه الله من العلم، وهم اليهود. وهذا قول ابن زيد (18)، والحسن (19).
قال الواحدي: " ومعنى البُخل في كلام العرب منع الإحسان، وفي الشريعة منع الواجب"(20).
قال الماوردي: والبخل" أن يبخل بما في يديه، والشح أن يشح على ما في أيدي الناس يحب أن يكون له"(21).
(1) انظر: تفسير الطبري (9500): ص 8/ 352 - 353.
(2)
التفسير البسيط: 6/ 509.
(3)
صفوة التفاسير: 252.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (5319): ص 3/ 952.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (5323): ص 3/ 952.
(6)
ذكره الواحدي في التفسير البسيط: 6/ 510، لم أقف على رواية عطاء، وانظر:"الدر المنثور" 2/ 289.
(7)
معاني القرآن: 2/ 51.
(8)
انظر: تفسير الطبري (9499): ص 8/ 352، وتفسير ابن أبي حاتم (5316)، و (5317): ص 3/ 951
(9)
انظر: تفسير الطبري (9494): ص 8/ 351 - 352.
(10)
انظر: تفسير الطبري (9497): ص 8/ 352.
(11)
انظر: تفسير الطبري (9495)، و (9496): ص 8/ 352.
(12)
انظر: تفسير الطبري (9498): ص 8/ 352.
(13)
انظر: تفسيره: 1/ 372.
(14)
انظر: تفسير الطبري (9501): ص 8/ 353، ورواه ابن هشام عن ابن إسحاق في سيرته: 2/ 208، 209، وانظر: الدر المنثور: 2/ 289.
(15)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5318): ص 3/ 951.
(16)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5322): ص 3/ 951.
(17)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5323): ص 3/ 951.
(18)
انظر: تفسير الطبري (9500): ص 8/ 352 - 353.
(19)
انظر: تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 372.
(20)
التفسير البسيط: 6/ 509.
(21)
النكت والعيون: 1/ 487.
قال الراغب: " البخل: أعظم المعايب، لقوله صلى الله عليه وسلم:
«وأي داء أدوى من البخل؟ » (1)، وأعظم منه حث الغير عليه، وكأن الشاعر بهذه الآية ألم في قوله (2):
وإن امرءاً ضنَّتْ يداهُ على امرئٍ
…
بنيلِ يدٍ من غيرهِ لبخيلُ
وقالوا: فلان يمنع دره ودر غيره، والحر يعطي والعبد يألم قلبه، ولم يرد تعالى بالبخل: البخل بالمال فقط، بل بجميع ما منه نفع الغير، من نصرة وعلم، ودخل في عموم الأمر بالبخل: من ترك شكر من أحسن إليه، أو أخل بقضاء دين فيصير سببا لمنع الإسداء إلى الغير، ولهذا قيل: لعن الله قاطعي المعروف" (3).
قوله تعالى: {وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 37]، أي:" ويجحدون نِعَمَ الله عليهم، ويخفون فضله وعطاءه"(4).
قال الزجاج: " أي: ما أعطاهم من العلم برسالة النبي صلى الله عليه وسلم"(5).
وفي قوله تعالى: {وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 37]، وجوه:
أحدها: أنهم أهل الكتاب كتموا محمدا وما أنزل عليه. قاله الضحاك (6)، وروي عن السدي (7) نحو ذلك.
والثاني: أنهم كتموا الإسلام ومحمدا صلى الله عليه وسلم. وهم {يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} . قاله قتادة (8).
والثالث: أن المراد: النبوة التي فيها تصديق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا قول عكرمة (9)، ومحمد بن إسحاق (10).
قال الواحدي: " الفضل ههنا هو ما أوتوا من العلم، برسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا قول عامة المفسرين"(11).
قال الراغب: " يدخل فيه (12) من يستحقر ما آتاه الله من نعمته مالا كان أو عافية، ومن خول علما ولم يفده مقتبسه منه، ومن ينسى كثير ما أنعم الله عليه ويتذكر قليل ما يناله من نائبة، كقوله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات: 6]، قيل في تفسيره: ينسى النعم ويذكر المحن"(13).
قوله تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 37]، أي:" وأعددنا للجاحدين عذابًا مخزيًا"(14).
قال مجاهد: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} ، نزلت في اليهود" (15).
قال الزجاج: " أي جعلنا ذلك عتادا لهم، أو مثبتا لهم. فجائز أن يكون موضع الذين نصبا على البدل، والمعنى: إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا، أي لا يحب الذين يبخلون، وجائز أن يكون رفعه على الابتداء، ويكون الخبر: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40]، ويكون: {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ} [النساء: 38]، عطفا على: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ}، في النصب والرفع، وهؤلاء يعنى بهم المنافقون، كانوا يظهرون الإيمان ولا يؤمنون بالله واليوم الآخر"(16).
قال الراغب: " ونبه بقوله: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ}، أن من فعل ذلك فهوكافر للنعمة، ومن كفر نعمة الله فقد أعد له عذابا"(17).
(1) أخرجه البخاري، في "الأدب المفرد"(296).
(2)
لأبى تمام، في ديوان المعاني: 1/ 162، ومحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء: 1/ 697، ونهاية الإرب: 3/ 96، وقيل للبحترى.
(3)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1236.
(4)
التفسير الميسر: 84.
(5)
معاني القرآن: 2/ 51.
(6)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5325): ص 3/ 952.
(7)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5325): ص 3/ 952.
(8)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5326): ص 3/ 952.
(9)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5327): ص 3/ 952.
(10)
انظر: تفسير ابن المنذر (1772): ص 2/ 708.
(11)
التفسير البسيط: 6/ 511.
(12)
أي في قوله: {وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 37].
(13)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1237.
(14)
التفسير الميسر: 84.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (5328): ص 3/ 953.
(16)
معاني القرآن: 2/ 51.
(17)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1237 - 1238.
الفوائد:
1 -
حرمة الاختيال والفخر والبخل والأمر بالبخل.
2 -
بيان إفضال الله وإنعامه على الناس بإرسال الرسل وإنزال الكتب والميزان وإنزال الحديد بما فيه منافع للناس وبأس شديد.
القرآن
التفسير:
وأعتدنا هذا العذاب كذلك للذين ينفقون أموالهم رياءً وسمعةً، ولا يصدقون بالله اعتقادًا وعملا ولا بيوم القيامة. وهذه الأعمال السيئة مما يدعو إليها الشيطان. ومن يكن الشيطان له ملازمًا فبئس الملازم والقرين.
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ} [النساء: 38]، أي: والذين ينفقون أموالهم "للفخار والشهرة لا ابتغاء وجه الله"(1).
قال الطبري: " يعني: ينفقه مُراءاة الناس، في غير طاعة الله أو غير سبيله، ولكن في سبيل الشيطان"(2).
قال الزمخشري: " رئاء الناس للفخار، وليقال: ما أسخاهم وما أجودهم، لا ابتغاء وجه الله"(3).
وفي المعنيين في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ} [النساء: 38]، أربعة أقوال:
أحدها: أنهم اليهود، وهو قول مجاهد (4)، ومقاتل (5).
ضعّفه الطبري، لأنه نفى عن هذه الصفة الإيمان بالله واليوم الآخر، واليهود ليسوا كذلك (6).
والثاني: هم المنافقون، وهو قول السدي (7)، واختيار الزجاج (8)، والواحدي (9).
ويقويه: " ذكر الرياء ههنا، وهو ضرب من النفاق"(10).
والثالث: أنهم اليهود والنصارى. قاله إبراهيم النخعي (11).
والرابع: وقيل: في مشركي مكة المتفقين على عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم (12).
قال ابن عطية: " وقول مجاهد متجه على المبالغة والإلزام، إذا إيمانهم باليوم الآخر كلا إيمان، من حيث لا ينفعهم، وقال الجمهور: نزلت في المنافقين، وهذا هو الصحيح، وإنفاقهم: هو ما كانوا يعطون من زكاة، وينفقون في السفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، «رياء» ودفعا عن أنفسهم، لا إيمانا بالله، ولا حبا في دينه"(13).
قوله تعالى: {وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 38]، أي:" ولا يصدقون بالله اعتقادًا وعملا ولا بيوم القيامة"(14).
قال مقاتل: " يقول: لا يصدقون بالله أنه واحد لا شريك له، ولا يصدقون بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، بأنه كائن"(15).
(1) صفوة التفاسير: 252.
(2)
تفسير الطبري: 8/ 356.
(3)
الكشاف: 1/ 511.
(4)
انظر: تفسير الطبري (9495): 8/ 352، وتفسير ابن ابي حاتم (5329): ص 3/ 953.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 372.
(6)
انظر: تفسيره: 8/ 356 - 357.
(7)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 307، ومعالم التنزيل: 2/ 214، زاد المسير: 2/ 83.
(8)
انظر: معاني القرآن: 2/ 51.
(9)
انظر: التفسير البسيط: 6/ 511.
(10)
التفسير البسيط: 6/ 511.
(11)
انظر: تفسير السمعاني: 1/ 428.
(12)
انظر تفسير الثعلبي: 3/ 307، ومعالم التنزيل: 2/ 214، زاد المسير: 2/ 83، والتفسير البسيط للواحدي: 6/ 511.
(13)
المحرر الوجيز: 2/ 52.
(14)
التفسير الميسر: 85.
(15)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 372.
قال الطبري: أي: " ولا يصدقون بوحدانية الله، ولا بالمَعَاد إليه يوم القيامة - الذي فيه جزاء الأعمال - أنه كائن"(1).
قال الزجاج: " وهؤلا يعنى بهم المنافقون، كانوا يظهرون الإيمان ولا يؤمنون بالله واليوم الآخر"(2).
قوله تعالى: {وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا} [النساء: 38]، " أي: ومن كان الشيطان صاحباً له وخليلاً يعمل بأمره فساء هذا القرين والصاحب" (3).
قال الزجاج: " أي: من يكن عمله بما يسول له الشيطان فبئس العمل عمله"(4).
قال الطبري: أي: " ومن يكن الشيطان له خليلا وصاحبًا، يعمل بطاعته، ويتبع أمره، ويترك أمرَ الله في إنفاقه ماله رئاء الناس في غير طاعته، وجحوده وحدانية الله والبعث بعد الممات " فساء قرينًا "، يقول: فساء الشيطان قرينًا"(5).
قال الثعلبي: " قال المفسرون: {فساء قرينا}، أي: يقول: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين"(6).
قال الراغب: " ولم يعن بالشيطان إبليس فقط، بل عناه والهوى، وكل ما دعاه إلى باطل، وصرفه عن حق"(7).
قال الماوردي: " القرين: هو الصاحب الموافق، كما قال عدي بن زيد (8):
عنِ الْمَرْءِ لا تَسْأَلْ، وأبْصِرْ قَرِينَهُ
…
فَإنَّ الْقَرِينَ بِالمُقَارِنِ مُقْتَدِ
وأصل القرين من الأقران، والقِرن بالكسر المماثل لأقرانه في الصفة، والقَرْن بالفتح: أهل العصر لاقترانهم في الزمان، ومنه قَرْن البهيمة لاقترانه بمثله " (9).
وفي المراد يكون قريناً للشيطان قولان:
أحدهما: أنه مصاحبِهُ في أفعاله، والمعنى: ومن يكن عمله بما يُسول له الشيطان فبئس العمل عمله. وهذا قول الزجاج (10).
والثاني: أن الشيطان يقترن به في النار، أيي: في الآخرة، يجعل الله الشياطين قرنائهم في النار، يقرن مع كل كافر شيطان في سلاسل النار. وهذا قول الكلبي (11).
قال الزمخشري: " ويجوز أن يكون وعيدا لهم بأن الشيطان يقرن بهم في النار"(12).
قال ابن عطية: " و «القرين» : فعيل، بمعنى فاعل، من المقارنة وهي الملازمة والاصطحاب، وهي هاهنا مقارنة مع خلطة وتواد، والإنسان كله يقارنه الشيطان، لكن الموفق عاص له، ومنه قيل لما يلزمان الإبل والبقر قرينان، وقيل للحبل الذي يشدان به: قرن، قال الشاعر (13):
كمدخل رأسه لم يدنه أحد
…
بين القرينين حتى لزّه القرن
فالمعنى: ومن يكن الشيطان له مصاحبا وملازما، أو شك أن يطيعه فتسوء عاقبته" (14).
قال الراغب: " ذم في هذه الآية السرف، كما ذم في الأولى البخل، فمن السرف أن يتشبع الإنسان بإنفاقه، فلا ينفقه على ما يجب، وكما يجب فصار الإتيان كقوله تعالى:{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67]، وليس يعني بقوله:{ولا يؤمنون بالله} جحود ذلك باللسان فقط، بل
(1) تفسير الطبري: 8/ 356.
(2)
معاني القرآن: 2/ 51.
(3)
صفوة التفاسير: 252.
(4)
معاني القرآن: 2/ 51.
(5)
تفسير الطبري: 8/ 358.
(6)
تفسير الثعلبي: 3/ 307.
(7)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1239.
(8)
ديوانه، في شعراء الجاهلية: 466، ومجموعة المعاني: 14، وغيرهما كثير.
(9)
النكت والعيون: 1/ 487
(10)
انظر: معاني القرآن: 2/ 51.
(11)
انظر: انظر: بحر العلوم: 1/ 354، وزاد المسير: 2/ 83، وتنوير المقباس بهامش المصحف ص 85، والتفسير البسيط للواحدي: 6/ 512.
(12)
الكشاف: 1/ 511.
(13)
البيت لقعنب بن أم صاحب في الممتع في صنعة الشعر: 287، والصداقة والصديق لأبي حيان التوحيدي: 220، والبيت غير منسوب في المحرر الوجيز: 2/ 53، والبحر المحيط في التفسير: 3/ 609،
(14)
المحرر الوجيز: 2/ 53.
عنى معه ترك ما تقتضيه هذه المعرفة، تنبيها أن المنفق رياء لو كان له حقيقة إيمان لتذكر في تناول ما يتناوله، ولأداه ذلك إلى أن يتفكر أين يضعه" (1).
الفوائد:
1 -
تضمنت الإنكار والتوبيخ لأولئك المنافقين الذين ينفقون رياء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر بسب فتنة الشيطان لهم وملازمته إياهم.
2 -
فكما أن من بخل بما آتاه الله، وكتم ما من به الله عليه عاص آثم مخالف لربه، فكذلك من أنفق وتعبد لغير الله فإنه آثم عاص لربه مستوجب للعقوبة، لأن الله إنما أمر بطاعته وامتثال أمره على وجه الإخلاص، كما قال تعالى:{وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} فهذا العمل المقبول الذي يستحق صاحبه المدح والثواب (2).
3 -
أن الإيمان بالله وباليوم الآخر هو الذي يمنع المرء من الرياء (3).
القرآن
التفسير:
وأيُّ ضرر يلحقهم لو صدَّقوا بالله واليوم الآخر اعتقادًا وعملا وأنفقوا مما أعطاهم الله باحتساب وإخلاص، والله تعالى عليم بهم وبما يعملون، وسيحاسبهم على ذلك.
قوله تعالى: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ} [النساء: 39]، "أي: ماذا يضيرهم وأي تبعةٍ وبالٍ عليهم في الإِيمان بالله والإِنفاق في سبيله؟ " (4).
نقل الواحدي عن ابن عباس في قوله {لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} ، قال:" يريد بنية صادقة، يصدِّق القلبُ اللسان، ويصدق اللسانُ القلب"(5).
قال الشوكاني: " أي: وماذا يكون عليهم من ضرر لو فعلوا ذلك"(6).
قال ابن أبي زمنين: " {وأنفقوا مما رزقهم الله} يعني: الزكاة الواجبة، قوله {وماذا عليهم} المعنى: أي شيء عليهم؟ "(7).
قال الزجاج: "المعنى: وما الذي عليهم {لوآمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله}، هذا يدل على أن الذين يبخلون {يبخلون} بما علموا"(8).
قال النسفي: " المراد الذم والتوبيخ وإلا فكل منفعة ومصلحة فى ذلك وهذا كما يقال للعاق وما فرك لو كنت باراً وقد علم أنه لا مضرة في البر ولكنه ذم وتوبيخ"(9).
قال ابن كثير: " أي: وأيّ شيء يَكرثُهم لو سلكوا الطريق الحميدة، وعَدَلُوا عن الرياء إلى الإخلاص والإيمان بالله، ورجاء موعوده في الدار الآخرة لمن أحسن عملا وأنفقوا مما رزقهم الله في الوجوه التي يحبها الله ويرضاها"(10).
قال الزمخشري: "أي: وأى تبعة ووبال عليهم في الايمان والإنفاق في سبيل الله والمراد الذم والتوبيخ. وإلا فكل منفعة ومفلحة في ذلك. وهذا كما يقال للمنتقم: ما ضرك لو عفوت. وللعاق: ما كان يرزؤك لو كنت بارا، وقد علم أنه لا مضرة ولا مرزأة في العفو والبر. ولكنه ذم وتوبيخ وتجهيل بمكان المنفعة"(11).
قال البيضاوي: " أي: وما الذي عليهم، أو أي تبعة تحيق بهم بسبب الإيمان والإنفاق في سبيل الله، وهو توبيخ لهم على الجهل بمكان المنفعة والاعتقاد في الشيء على خلاف ما هو عليه، وتحريض على الفكر لطلب الجواب لعله يؤدي بهم إلى العلم بما فيه من الفوائد الجليلة، والعوائد الجميلة. وتنبيه على أن المدعو
(1) تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1238 - 1239.
(2)
تفسير السعدي: 178.
(3)
انظر: أركان الإيمان، علي بن نايف:204.
(4)
صفوة التفاسير: 252.
(5)
التفسير البسيط: 6/ 513، ولم اقف عليه ..
(6)
فتح القدير: 1/ 538.
(7)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 373.
(8)
معاني القرآن: 2/ 52.
(9)
تفسير النسفي: 1/ 358.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 304.
(11)
الكشاف: 1/ 511.
إلى أمر لا ضرر فيه ينبغي أن يجيب إليه احتياطا، فكيف إذا تضمن المنافع. وإنما قدم الإيمان هاهنا وأخره في الآية الأخرى لأن القصد بذكره إلى التخصيص هاهنا والتعليل" (1).
قال الواحدي: " هذا احتجاج على هؤلاء الذين ذكرهم الله بأنهم لا يؤمنون بالله، والمعنى أن الإنسان يُحاسب نفسه فيما عليه وله، فإذا ظهر له ما عليه في فعل شيء من استحقاق العقاب، وما له في تركه من استحقاق الثواب عمل على ذلك في تركه والانصراف عنه، ومعنى الآية كأن الله تعالى يقول: ليتفكروا ولينظروا ماذا عليهم في الإيمان لو آمنوا؟ وهو استفهام في معنى الإنكار"(2).
قال البغوي: " أي: لا يبخس ولا ينقص أحدا من ثواب عمله مثقال ذرة، وزن ذرة، والذرة: هي النملة الحمراء الصغيرة، وقيل: الذر أجزاء الهباء في الكوة وكل جزء منها ذرة ولا يكون لها وزن، وهذا مثل، يريد: إن الله لا يظلم شيئا، كما قال في آية أخرى: {إن الله لا يظلم الناس شيئا} [يونس 44] "(3).
قال القشيري: " ليس فى إيمانهم بالله عليهم مشقة، بل لو آمنوا لوصلوا إلى عزّ الدنيا والآخرة، ولا يحملهم على الإعراض عنه إلا قلة الوفاء والحرمة"(4).
قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا} [النساء: 39]، أي:" والله تعالى عليم بهم وبما يعملون، وسيحاسبهم على ذلك"(5).
قال ابن أبي زمنين: " أي: عليما بأنهم مشركون"(6).
قال مقاتل: "أنهم لن يؤمنوا"(7).
قال الواحدي: " لا ينفعهم ما ينفقونه على جهة الرياء؛ لأن الله بهم عليم مجاز لهم بما يسرون من قليل أو كثير"(8).
قال البيضاوي: " وعيد لهم"(9).
قال ابن كثير: " أي: وهو عليم بنياتهم الصالحة والفاسدة، وعليم بمن يستحق التوفيق منهم فيوفقه ويلهمه رشده ويقيضه لعمل صالح يرضى به عنه، وبمن يستحق الخذلان والطرد عن جنابه الأعظم الإلهي، الذي مَنْ طُرِدَ عن بابه فقد خاب وخَسِرَ في الدنيا والآخرة، عياذا بالله من ذلك بلطفه الجزيل"(10).
الفوائد:
1 -
تضمنت الآية الكريمة: الإنكار والتوبيخ لأولئك المنافقين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.
2 -
إهتمام القرآن الكريم بالدعوة إلى الإيمان باليوم الآخر غاية الاهتمام، وجمع بين الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر في كثير من الآيات، من ذلك قوله تعالى:{وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} .
3 -
فضيلة الإنفاق في سبيل الله.
4 -
لما كان الإخلاص سرا بين العبد وبين ربه، لا يطلع عليه إلا الله أخبر تعالى بعلمه بجميع الأحوال فقال:{وكان الله بهم عليما} .
5 -
وفي الخطاب في الآية دعوة ربانية لهم لتصحيح إيمانهم واستقامتهم بالخروج من دائرة النفاق التي أوقعهم فيها القرين عليه لعائن الله، فلذا لم يذكر تعالى وعيداً لهم، وإنما قال:{وَكَانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً} ، وفي هذه تخويف لهم من سوء حالهم إذا استمروا على نفاقهم فإن علم الله بهم يستوجب الضرب على أيديهم إن لم يتوبوا.
القرآن
التفسير:
(1) تفسير البيضاوي: 2/ 74.
(2)
التفسير البسيط: 6/ 513.
(3)
تفسير البغوي: 2/ 215.
(4)
تفسير القشيري: 1/ 334.
(5)
التفسير الميسر: 85.
(6)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 373.
(7)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 373.
(8)
التفسير البسيط: 6/ 514.
(9)
تفسير البيضاوي: 2/ 74.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 304.
إن الله تعالى لا ينقص أحدًا من جزاء عمله مقدار ذرة، وإن تكن زنة الذرة حسنة فإنه سبحانه يزيدها ويكثرها لصاحبها، ويتفضل عليه بالمزيد، فيعطيه من عنده ثوابًا كبيرًا هو الجنة.
في سبب نزول الآية:
أخرج الطبري وسعيد بن منصور (1)، وابن المنذر (2)، وابن أبي حاتم (3)، والطبراني (4)، عن عبد الله بن عمير قال:"نزلت هذه الآية، في الأعراب: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [سورة الأنعام: 60] قال: فقال رجل: فما للمهاجرين؟ قال، ما هو أعظم من ذلك: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا}، وإذا قال الله لشيء: «عظيم»، فهو عظيم"(5).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40]، أي: إن الله " لا يبخس أحداً من عمله شيئاً ولو كان وزن ذرة"(6).
قال قتادة: " لأنْ تفضُل حسناتي في سيئاتي بمثقال ذرّة، أحبُّ إليّ من الدنيا وما فيها"(7)، وفي رواية أخرى:" كان بعض أهل العلم يقول: لأنْ تفضُل حسناتي على سيئاتي ما يزن ذَرّة أحب إليّ من أن تكون لي الدنيا جميعًا"(8).
قال ابن عباس: " {مثقال ذرة}، قال: رأس نَملة حَمراء"(9). وفي رواية اخرى: " أنه أدخل يده في التراب فرفعه ثم نفخ فيه فقال: كل واحدة من هؤلاء ذرة"(10).
قال الزمخشري: " الذرة: النملة الصغيرة
…
وفيه دليل على أنه لو نقص من الأجر أدنى شيء وأصغره، أو زاده في العقاب لكان ظلما، وأنه لا يفعله لاستحالته في الحكمة لا لاستحالته في القدرةوفي قراءة عبد الله: مثقال نملة" (11). "(12).
قال السدي: " وزن ذرة "(13).
قال أبو عبيدة: " عبيدة: "{مثقال ذرة} ، أي: زنة ذرة " (14).
قال يزيد بن هارون: "زعموا أن هذه الذرّة الحمراء، ليس لها وزن"(15).
وقيل: "كل جزء من أجزاء الهباء في الكوة ذرة"(16).
عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله لا يظلم المؤمن حسنة، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة"، قال:"وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يعطى بها خيرا"(17).
يؤخذ بيد العبد والأمة يومَ القيامة، فينادي منادٍ على رؤوس الأولين والآخرين:" هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه "، فتفرح المرأة أنْ يَذُوب لها الحق على أبيها، أو على ابنها، أو على أخيها، أو على زوجها، ثم قرأ ابن مسعود:{فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ} [سورة المؤمنون: 101]، فيغفر الله تبارك وتعالى من حقه ما شاء، ولا يغفر من حقوق الناس شيئًا، فينصبُ للناس فيقول:" ائتوا إلى الناس حقوقهم "! فيقول: " رب فنيت الدنيا، من أين أوتيهم حقوقهم؟ فيقول: " خذوا من أعماله
(1) انظر: الدر المنثور: 2/ 539 - 540 ..
(2)
تفسير ابن المنذر (1777): ص 2/ 710.
(3)
تفسير ابن أبي حاتم (5338): ص 3/ 955.
(4)
انظر: الدر المنثور: 2/ 539 - 540 ..
(5)
تفسير الطبري (9511): ص 8/ 367.
(6)
صفوة التفاسير: 253.
(7)
أخرجه الطبري (9502): ص 8/ 360.
(8)
أخرجه الطبري (9503): ص 8/ 360.
(9)
أخرجه الطبري (9504): ص 8/ 360.
(10)
الكشاف: 1/ 511.
(11)
الكشاف: 1/ 511.
(12)
الكشاف: 1/ 511.
(13)
أخرجه ابن المنذر (1778): ص 2/ 710.
(14)
أخرجه ابن المنذر (1779): ص 2/ 711.
(15)
تفسير الطبري: 8/ 360 - 361.
(16)
الكشاف: 1/ 511.
(17)
أخرجه مسلم في صفات المنافقين - باب جزاء المؤمن بحسناته. . برقم (2808): 4/ 2162، والمصنف في شرح السنة: 14/ 310.
الصالحة، فأعطوا كل ذي حقّ حقه بقدر مَظْلمته ". فإن كان وليًّا لله، ففضل له مثقال ذرّة، ضاعفها له حتى يُدخله بها الجنة ثمّ قرأ علينا: {إنّ الله لا يظلم مثقال ذرة}، وإن كان عبدًا شقيًّا، قال الملك: " رب فنيت حسناته، وبقي طالبون كثير "! فيقول:" خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته، ثم صُكُّوا له صكًّا إلى النار"(1).
وبذلك فإن في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40]، وجهان (2):
أحدهما: معناه: فَإن الله لا يبخس أحدًا من خلقه أنفق في سبيله مما رزقه، من ثواب نفقته في الدنيا، ولا من أجرها يوم القيامة ما يزن مثقال ذرة ويكون على قدر ثِقَلها في الوزن.، ولكنه يجازيه به ويُثيبه عليه. وهذا معنى قول قتادة" (3).
والثاني: ان معناه: " إن الله لا يظلم عبدًا وجب له مثقال ذَرّة قِبَل عبد له آخر في مَعاده ويوم لقائه فما فوقه، فيتركه عليه فلا يأخذه للمظلوم من ظالمه، ولكنه يأخذه منه له، ويأخذ من كل ظالم لكل مظلوم تَبِعَتَهُ قِبَله. وهذا معنى قول ابن مسعود (4).
واختار الطبري القول الأول وهو قول قتادة، ثم قال:" ولكلا التأويلين وجه مفهوم، وإنما اخترنا التأويل الأول، لموافقته الأثرَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع دلالة ظاهر التنزيل على صحته، إذ كان في سياق الآية التي قبلها، التي حث الله فيها على النفقة في طاعته، وذمِّ النفقة في طاعة الشيطان. ثم وَصَل ذلك بما وعدَ المنافقين في طاعته بقوله: " إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا " (5).
قوله تعالى: {وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} [النساء: 40]، "أي: وإِن كانت تلك الذرة حسنة ينمّها ويجعلها أضعافاً كثيرة" (6).
قال الضحاك: " إذا لم يجد له إلا حسنة أدخله بها الجنة"(7).
قال سعيد بن جبير: " {وإن تك حسنة}، وزن ذرة زادت على سيئاته تضاعفها"(8)، وفي رواية أخرى:"فأما المشرك يخفف به عنه العذاب يوم القيامة ولا يخرج من النار أبدا"(9).
قال أبو عبيدة: " {يضاعفها}، أضعافا، ويضعفها ضعفين "(10).
قال الزمخشري: أي: " يضاعف ثوابها لاستحقاقها عنده الثواب في كل وقت من الأوقات المستقبلة غير المتناهية"(11).
قرأ ابن كثير ونافع {وإن تك حسنة} رفعا، وقرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي حسنة نصبا، وقرأ ابن كثير وابن عامر:{يضعفها} ، مشددة، وقرأ الباقون {يضاعفها} بألف خفيفة (12).
قوله تعالى: {وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40]، "أي: ويعط من عنده تفضلاً وزيادة على ثواب العمل أجراً عظيماً" (13).
قال ابن مسعود: "أي: الجنة يعطيها"(14).
قال سعيد بن جبير: "جزاء وافرا في الجنة"(15).
وفي رواية أخرى عن ابن جبير: " الأجرُ العظيم، الجنة"(16)، وروي عن أبي هريرة (17)، والحسن (18)، وعكرمة (19)، والضحاك (20)، وقتادة (21)، والسدي (22)، وابن زيد (23) نحو ذلك.
(1) أخرجه الطبري (9509): ص 8/ 362، وانظر: تفسيره (9508): ص 8/ 362 - 363
(2)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 360.
(3)
انظر: تفسير الطبري (9503): ص 8/ 360.
(4)
انظر: تفسير الطبري (9508)، و (9509): ص 8/ 362 - 363.
(5)
تفسير الطبري: 8/ 365.
(6)
صفوة التفاسير: 253.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (5334): ص 3/ 954.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (5333): ص 3/ 954.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (5336): ص 3/ 954.
(10)
أخرجه ابن المنذر (1781): ص 2/ 711.
(11)
الكشاف: 1/ 512.
(12)
انظر: السبعة: 233.
(13)
صفوة التفاسير: 253.
(14)
أخرجه الطبري (9512): ص 8/ 368.
(15)
أخرجه ابن ابي حاتم (5340): ص 3/ 956.
(16)
أخرجه الطبري (9513): ص 8/ 368.
(17)
انظر: تفسير ابن المنذر (1782): ص 2/ 711، وتفسير ابن أبي حاتم (5337): ص 3/ 955.
(18)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5337): ص 3/ 955.
(19)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5337): ص 3/ 955.
(20)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5337): ص 3/ 955.
(21)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5337): ص 3/ 955.
(22)
انظر: تفسير ابن المنذر (1783): ص 2/ 711 - 712.
(23)
انظر: تفسير الطبري (9514): ص 8/ 368.
قال الزمخشري: أي: " ويعط صاحبها من عنده على سبيل التفضل عطاء عظيما وسماه (أجرا) لأنه تابع للأجر لا يثبت إلا بثباته"(1).
قال ابن عمر: "نزلت هذه الآية: {وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا}، بعد الأضعاف، وإذا قال لشيء: عظيم، فهو عظيم"(2).
واختلف أهل التفسير في الذين وعدهم الله بهذه الآية ما وعدهم فيها، على قولين:
أحدهما: أنهم جميع أهل الإيمان بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم. قال أبو عثمان النهدي: "لقيت أبا هريرة فقلت له: إنه بلغني أنك تقول: إن الحسنة لتُضَاعف ألفَ ألف حسنة! قال: وما أعجبك من ذلك؟ فوالله لقد سمعته يعني النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة! "(3).
والثاني: ان ذلك خاص بالمهاجرون، دون أهل البوادي والأعراب. وهذا قول عبدالله بن عمير (4).
واختار الطبري القول الثاني: وقال: ": وأولى القولين في ذلك بالصواب، قولُ من قال: " عُنى بهذه الآية المهاجرون دون الأعراب "، وذلك أنه غير جائز أن يكون في أخبار الله أو أخبار رسوله صلى الله عليه وسلم شيء يدفع بعضه بعضًا. فإذْ كان صحيحًا وعْدُ الله من جاء من عباده المؤمنين بالحسنة من الجزاء عشرَ أمثالها، وَمنْ جاء بالحسنة منهم أن يضاعفها له وكان الخبرَان اللذان ذكرناهما عنه صلى الله عليه وسلم صحيحين كان غيرَ جائز إلا أن يكون أحدُهما مجملا والآخر مفسَّرًا، إذ كانت أخبارُه صلى الله عليه وسلم يصدِّق بعضها بعضًا. وإذ كان ذلك كذلك، صحّ أن خبرَ أبي هريرة معناهُ أنّ الحسنة لَتُضاعف للمهاجرين من أهل الإيمان ألفي ألفُ حسنة، وللأعراب منهم عشر أمثالها، على ما رَوَى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأن قوله: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}، يعني: من جاء بالحسنة من أعراب المؤمنين فله عشر أمثالها، ومن جاء بالحسنة من مهاجريهم يُضاعف له ويؤته الله من لدنه أجرًا يعني يعطه من عنده {أجرًا عظيمًا}، يعني: عِوَضًا من حسنته عظيمًا، وذلك " العوض العظيم " (5).
الفوائد:
1 -
بيان عدالة الله تعالى، إذ يخبر تعالى عن كمال عدله وفضله وتنزهه عما يضاد ذلك من الظلم القليل والكثير فقال:{إن الله لا يظلم مثقال ذرة} .
2 -
تنزه الله جل وعلا عن الظلم، ويعتقد السلف أن الله عزوجل له القدرة المطلقة والسيادة المطلقة، وأنه جل وعلا منزه عن الظلم، فقد حرم الظلم على نفسه مع قدرته جل وعلا على كل شيء (6).
3 -
بيان رحمته تعالى ومزيد فضله.
القرآن
{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41)} [النساء: 41]
التفسير:
فكيف يكون حال الناس يوم القيامة، إذا جاء الله من كل أمة برسولها ليشهد عليها بما عملت، وجاء بك -أيها الرسول- لتكون شهيدًا على أمتك أنك بلغتهم رسالة ربِّك؟
قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} [النساء: 41]، أي:" فكيف يكون حال الناس يوم القيامة، إذا جاء الله من كل أمة برسولها ليشهد عليها بما عملت"(7).
(1) الكشاف: 1/ 512.
(2)
أخرجه ابن ابي حاتم (5339): ص 3/ 955.
(3)
أخرجه الطبري (9510): ص 8/ 366.
(4)
انظر: تفسير الطبري (9511): ص 8/ 367.
(5)
تفسير الطبري: 8/ 367 - 368.
(6)
انظر: الانتصار، ابن أبي الخير: 1/ 55.
(7)
التفسير الميسر: 85.
قال مقاتل: " ثم خوفهم، فقال- تعالى-: فكيف بهم إذا جئنا من كل أمة بشهيد، يعني: نبيهم وهو شاهد عليهم بتبليغ الرسالة إليهم من ربهم"(1).
قال الزجاج: " أي: فكيف تكون حال هؤلاء يوم القيامة، وحذف " تكون حالهم "، لأن في الكلام دليلا على ما حذف، و {كيف} لفظها لفظ الاستفهام، ومعناها معنى التوبيخ"(2).
قال البغوي: " أي: فكيف الحال وكيف يصنعون إذا جئنا من كل أمة بشهيد، يعني: نبي، يشهد عليهم بما عملوا"(3).
قال الزمخشري: أي: " فكيف يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم إذا جئنا من كل أمة بشهيد يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم، كقوله: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ} [المائدة: 117] "(4).
قال الضحاك: " كل أمة بنبيها"(5).
قال قتادة: " وشاهدها نبوتها من كل أمة"(6).
قال ابن جريج: " رسولها، فيشهد عليها أن قد أبلغهم ما أرسله الله به إليهم "(7).
قال ابن عباس: " الشاهد نبي الله، قال الله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} "(8).
قال السمعاني: " معناه: فكيف الحال إذا جئنا من كل أمة بشهيد؟ وأراد بالشهيد من كل أمة نبيها، وشهيد هذه الأمة: نبينا، وأختلفوا على أن شهادتهم على ماذا؟ منهم من قال: يشهدون على تبليغ الرسالة، ومنهم من قال: يشهدون على الأمة بالأعمال"(9).
قال الفراء: " إن كل نبي يأتي يوم القيامة فيقول: بلغت، فتقول أمته: لا، فيكذبون الأنبياء، ثم يجاء بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيصدقون الأنبياء ونبيهم، ثم يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيصدق أمته، فذلك قوله تبارك وتعالى: لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا، ومنه قول الله: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد [وجئنا بك على هؤلاء شهيدا]} "(10).
قال سهل التستري: " إن الله تعالى وكل بكل عبد مسلم ثلاثمائة وستين ملكا بعدد عروقه، إن أراد خيرا أعانوه، وإن أراد شرا عاتبوه عليه، فإن عمل شيئا من ذلك حفظوه عليه، حتى إذا كان يوم القيامة عرضوه عليه ووافقوه على ذلك، حتى إذا صاروا إلى الله تعالى شهدوا عليه بوفاء الطاعة واقتراف الخطيئة، قال الله تعالى: {وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد} [ق: 21] "(11).
قوله تعالى: {وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41]، أي:" وجاء بك -أيها الرسول- لتكون شهيدًا على أمتك أنك بلغتهم رسالة ربِّك؟ "(12).
قال مقاتل: " يعني كفار أمة محمد- صلى الله عليه وسلم بتبليغ الرسالة"(13).
قال الزجاج: " أي: نأتي بكل نبي أمة يشهد عليها ولها"(14).
قال ابن جريج: " {وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا}، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتَى عليها فاضت عيناه"(15).
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 373.
(2)
معاني القرآن: 2/ 53.
(3)
تفسير البغوي: 1/ 624.
(4)
الكشاف: 1/ 512.
(5)
أخرجه ابن ابي حاتم (5341): ص 3/ 956.
(6)
أخرجه ابن المنذر (1785): ص 2/ 712.
(7)
أخرجه الطبري (9516): ص 8/ 369.وفي رواية ابن المنذر (1786): ص 2/ 713: " برسول يشهد عليها أنه قد أبلغهم ما أرسله الله به إليهم ".
(8)
أخرجه ابن ابي حاتم (5342): ص 3/ 956.
(9)
تفسير السمعاني: 1/ 428.
(10)
معاني القرآن: 1/ 83.
(11)
تفسير التستري: 53.
(12)
التفسير الميسر: 85.
(13)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 373.
(14)
معاني القرآن: 2/ 54.
(15)
أخرجه الطبري (9516): ص 8/ 369.
وعن عكرمة: " في قوله: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [سورة البروج: 3]، قال: الشاهد محمد، والمشهود يوم الجمعة. فذلك قوله: "{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} " (1).
عن المسعودي، عن القاسم:"أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود: اقرأ علي. قال، أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري. قال: فقرأ ابن مسعود «النساء» حتى بلغ: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا}، قال: استعبر النبي صلى الله عليه وسلم، وكفّ ابن مسعود، قال المسعودي، فحدثني جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «شهيدًا عليهم ما دمت فيهم، فإذا توفيتني كنت أنت الرقيبَ عليهم، وأنتَ على كل شيء شهيد» "(2).
واخرج ابن أبي حاتم عن زر، قال:"قال عبد الله: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ، فافتتحت «النساء» حتى إذا انتهيت إلى قول الله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا}، قال: فدمعت عيناه وقال: «حسبنا» "(3).
وروي عن يونس بن محمد بن فضالة الأنصاري، عن أبيه قال:"وكان أبي ممن صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه في بني ظفر، فجلس على الصخرة التي في بني ظفر اليوم، ومعه ابن مسعود ومعاذ بن جبل وناس من أصحابه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قارئا فقرأ، فأتى على هذه الآية: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا}، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ضرب لحياه وجنباه فقال: «يا رب هذا، شهدت على من بين ظهري، فكيف بمن لم أره» "(4).
قال السدي: " إن النبيين يأتون يوم القيامة، منهم من أسلم معه من قومه الواحدُ والاثنان والعَشَرة، وأقلُّ وأكثر من ذلك، حتى يُؤتى بقوم لوط صلى الله عليه وسلم، لم يؤمن معه إلا ابنتاه، فيقال لهم: هل بلَّغتم ما أرسلتُمْ به؟ فيقولون: نعم. فيقال: من يشهد، فيقولون: أمة محمد صلى الله عليه وسلم! فيقال لهم: اشهدوا، إنّ الرسل أودعوا عندكم شهادة، فبم تشهدون؟ فيقولون: ربنا نَشهد أنهم قد بلغوا كما شهدوا في الدنيا بالتبليغ. فيقال: من يشهد على ذلك؟ فيقولون: محمد صلى الله عليه وسلم. فيدعى محمد عليه السلام، فيشهدُ أن أمته قد صدَّقوا، وأنّ الرسل قد بلَّغوا، فذلك قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [سورة البقرة: 143] "(5).
قال السمعاني: " واختلفوا في أن النبي هل يشهد على من لم يره؟ منهم من قال: إنما يشهد على من رآه، والصحيح: أنه يشهد على الكل، على من رأى، وعلى من لم ير"(6).
قال البغوي: " شاهدا يشهد على جميع الأمة، على من رآه ومن لم يره"(7).
(1) أخرجه الطبري (9517): ص 8/ 369.
(2)
أخرجه الطبري (9519): ص 8/ 370. قال السيد المحقق: " وهذا الحديث في الحقيقة حديثان:
أولهما: رواية المسعودي - معن بن عبد الرحمن - عن القاسم. والظاهر أن القاسم هذا: هو أخوه " القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ". وهو تابعي ثقة. ولكنه لم يدرك أن يروي عن جده " عبد الله بن مسعود"، ولم يذكر هنا أنه " عن ابن مسعود " - حتى يكون إسنادًا منقطعًا. فهو حديث مرسل. ولكن هذا الحديث الأول منهما ثابت صحيح بالأسانيد المتصلة. فقد رواه البخاري 9: 81 (فتح)، من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله. وكذلك رواه أحمد في المسند: 3606، 4118، من طريق الأعمش، به. ورواه أحمد أيضًا: 3550، من رواية أبي حيان الأشجعي، عن ابن مسعود، و: 3551، من طريق أبي رزين، عن ابن مسعود. ونقله ابن كثير في فضائل القرآن، ص: 77، عن البخاري. ثم قال:" وقد رواه الجماعة إلا ابن ماجه، من طرق، عن الأعمش. وله طرق يطول بسطها ". ونقله في التفسير 2: 452 - 453، عن البخاري أيضًا. ثم قال:" وقد روى من طرق متعددة عن ابن مسعود. فهو مقطوع به. ورواه أحمد من طريق أبي حيان، وأبي رزين، عنه ". ونقله السيوطي 2: 163، وزاد نسبته لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل.
وثانيهما: رواية المسعودي، عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه. وهذا مكرر للحديث السابق: 9518، ولكنه جعله هنا من حديث عمرو بن حريث، لم يذكر فيه روايته عن ابن مسعود. فيكون مرسل صحابي. فهو صحيح بكل حال.
وقد رواه الحاكم في المستدرك 3: 319، من طريق جعفر بن عون، عن المسعودي، عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه - مطولا - بقصة قراءة ابن مسعود هذه الآيات على النبي صلى الله عليه وسلم. ولكن فيه النص الذي هنا " شهيدًا عليهم ما دمت فيهم
…
". فأصل الحديث صحيح ثابت. ولذلك قال الحاكم: " هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه ". ووافقه الذهبي. ونقل السيوطي 2: 163 رواية الحاكم، مختصرة قليلا، ولم ينسبها لغيره.
(3)
تفسير ابن أبي حاتم (5343): ص 3/ 956.
(4)
تفسير ابن أبي حاتم (5344): ص 3/ 956، ومجمع الزوائد 7/ 7.
(5)
أخرجه الطبري (9515): ص 8/ 369.
(6)
تفسير السمعاني: 1/ 429.
(7)
تفسير البغوي: 1/ 624.
الفوائد:
1 -
أن الرسل تشهد على الأمم في تبليغ الرسالة وإقامة الحجة عليها.
2 -
أن الكفار في ذلك اليوم يقرون لله تعالى بما عملوا وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فأما ما ورد من أن الكفار يكتمون كفرهم وجحودهم فإن ذلك يكون في بعض مواضع القيامة حين يظنون أن جحودهم ينفعهم من عذاب الله فإذا عرفوا الحقائق وشهدت عليهم جوارحهم حينئذ ينجلي الأمر ولا يبقى للكتمان موضع ولا نفع ولا فائدة (1).
القرآن
التفسير:
يوم يكون ذلك، يتمنى الذين كفروا بالله تعالى وخالفوا الرسول ولم يطيعوه، لو يجعلهم الله والأرض سواء، فيصيرون ترابًا، حتى لا يبعثوا وهم لا يستطيعون أن يُخفوا عن الله شيئًا مما في أنفسهم، إذ ختم الله على أفواههم، وشَهِدَتْ عليهم جوارحهم بما كانوا يعملون.
قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ} [النساء: 42]، "أي: في ذلك اليوم العصيب يتمنى الفجار الذين جحدوا وجدانية الله وعصوا رسوله" (2).
قال السعدي: " أي: الذين جمعوا بين الكفر بالله وبرسوله ومعصية الرسول"(3).
قوله تعالى: {لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ} [النساء: 42]، " أي: لو يدفنوا في الأرض ثم تُسوّى بهم" (4).
قال مسلم البطين: " قوله: {لو تسوى بهم الأرض}، قال: الذين كفروا"(5).
قال السعدي: "أي: تبتلعهم ويكونون ترابا"(6).
قال ابن عباس: " يعني: أن تسوى الأرض بالجبال والأرض عليهم"(7).
قال قتادة: " يقول: ودوا لو انخرقت الأرض فساخوا فيها"(8).
قال مقاتل: " وذلك بأنهم قالوا في الآخرة: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} (9)، فشهدت عليهم الجوارح بما كتمت ألسنتهم من الشرك، فودوا عند ذلك أن الأرض انشقت فدخلوا فيها فاستوت عليهم"(10).
قال الكلبي: " يقول الله عز وجل للبهائم والوحش والطير والسباع: كن ترابا فتسوى بها الأرض، فعند ذلك يتمنى الكافرون لو كانوا ترابا يمشي عليهم أهل الجمع، بيانه قوله عز وجل: {يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا} "(11).
قال الزجاج: " أي: يودون أنهم لم يبعثوا، وأنهم كانوا والأرض سواء، وقد جاء في التفسير أن البهائم يوم القيامة تصير ترابا. فيودون أنهم يصيرون ترابا"(12).
قال الزمخشري: أي: " لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى"(13).
قال ابن كثير: " أي: لو انشقت وبلعتهم، مما يرون من أهوال الموقف، وما يحل بهم من الخزي والفضيحة والتوبيخ، كقوله: {يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} "(14).
وفي تفسير قوله تعالى: {لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ} [النساء: 42]، ثلاثة اقوال:
(1) انظر: تفسير السعدي: 179.
(2)
صفوة التفاسير: 253.
(3)
تفسير السعدي: 179.
(4)
صفوة التفاسير: 253.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (5345): ص 3/ 957.
(6)
تفسير السعدي: 179.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (5346): ص 3/ 957.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (5347): ص 3/ 957.
(9)
[سورة الأنعام: 23].
(10)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 373.
(11)
تفسير الثعلبي: 1/ 310 - 311.
(12)
معاني القرآن: 2/ 54.
(13)
الكشاف: 1/ 512.
(14)
تفسير ابن كثير: 2/ 307.
أحدها: أن الذين تمنوه من تسوية الأرض بهم، أن يجعلهم مثلها، كما قال تعالى في موضع أخر:{وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} [النبأ: 40]. وهذا قول الكلبي (1)، والفراء (2).
قال الفراء: " و {تسوى} معناه: لو يسوون بالتراب، وإنما تمنوا ذلك لأن الوحوش وسائر الدواب يوم القيامة يقال لها: كوني ترابا"(3).
والثاني: أنهم تمنوا لو انفتحت لهم الأرض فصاروا في بطنها. وهذا قول ابن عباس (4)، وقتادة (5)، ومقاتل (6).
والثالث: أن المعنى: يعدل بهم ما على الأرض من شيء فدية، بيانه:{يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ} [المعارج: 11]. قال الثعلبي: سمعه أستاذنا أبو القاسم الحسين (7).
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم {لو تسوى} مضمومة التاء مفتوحة السين، وقرأ نافع وابن عامر {لو تسوى} مفتوحة التاء والواو مشددة السين، وقرأ حمزة والكسائي {لو تسوى} مفتوحة التاء خفيفة السين ممالة (8).
قوله تعالى: {وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} [النساء: 42]، " أي: ولا يستطيعون أن يكتموا الله حديثاً" (9).
قال ابن عباس: " بجوارحهم"(10).
قال مقاتل: " يعنى: الجوارح حين شهدت عليهم"(11).
قال الأخفش: " أي: لا تكتمه الجوارح او يقول: لا يخفى عليه وإن كتموه"(12).
قال الزمخشري: أي: " ولا يقدرون على كتمانه لأن جوارحهم تشهد عليهم. وقيل الواو للحال، أى يودون أن يدفنوا تحت الأرض وأنهم لا يكتمون الله حديثا"(13).
قال ابن كثير: " أخبرعنهم بأنهم يعترفون بجميع ما فعلوه، ولا يكتمون منه شيئا"(14).
قال الفراء: "ثم يحيا أهل الجنة، فإذا رأى ذلك الكافرون قال بعضهم لبعض: تعالوا فلنقل إذا سئلنا: والله ما كنا مشركين، فإذا سئلوا فقالوها، ختم على أفواههم وأذن لجوارحهم فشهدت عليهم. فهنالك يودون أنهم كانوا ترابا ولم يكتموا الله حديثا. فكتمان الحديث هاهنا في التمني"(15).
قال سعيد بن جبير: "جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أشياءُ تختلفُ علي في القرآن؟ فقال: ما هو؟ أشك في القرآن؟ قال: ليس بالشك، ولكنه اختلاف! قال: فهات ما اختلف عليك. قال: أسمع الله يقول: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) [سورة الأنعام: 23]، وقال: {ولا يكتمون الله حديثًا}، وقد كتموا! فقال ابن عباس: أما قوله: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين}، فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن الله يغفر لأهل الإسلام ويغفر الذنوب، ولا يغفر شركًا، ولا يتعاظمه ذنبٌ أن يغفره جحد المشركون فقالوا: {والله ربنا ما كنا مشركين}، رجاءَ أن يغفر لهم، فختم على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك: {يَودّ الذين كفروا وَعصوُا الرسول لو تسوَّى بهم الأرضُ ولا يكتمون الله حديثًا} "(16).
(1) انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 310.
(2)
انظر: معاني القرىن: 1/ 269.
(3)
معاني القرآن: 1/ 270.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (5346): ص 3/ 957.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (5347): ص 3/ 957.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 373.
(7)
تفسير الثعلبي: 3/ 311.
(8)
انظر: السبعة: 234.
(9)
صفوة التفاسير: 253.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (5350): ص 3/ 957.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 373.
(12)
معاني القرآن: 1/ 258.
(13)
الكشاف: 1/ 512.
(14)
تفسير ابن كثير: 2/ 307.
(15)
معاني القرآن: 1/ 270 - 271
(16)
أخرجه الطبري (9521): ص 8/ 373.
ونقل الثعلبي عن عطاء: "ودوا لو تسوى بهم الأرض، وإنهم لم يكونوا كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا نعته"(1).
كما نقل الثعلبي عن الكلبي وجماعة: لا يكتمون الله حديثا، لأن خزنة جهنم تشهد عليهم" (2).
قال السعدي: "أي بل يقرون له بما عملوا وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذ يوفيهم الله جزاءهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين، فأما ما ورد من أن الكفار يكتمون كفرهم وجحودهم فإن ذلك يكون في بعض مواضع القيامة حين يظنون أن جحودهم ينفعهم من عذاب الله فإذا عرفوا الحقائق وشهدت عليهم جوارحهم حينئذ ينجلي الأمر ولا يبقى للكتمان موضع ولا نفع ولا فائدة"(3).
الفوائد:
1 -
دلَّت هذه الآية على أن هؤلاء الكافرين من الأمة الذين يشهد عليهم صلى الله عليه وسلم.
2 -
تمني الكفار يوم القيامة أن يهلكهم الله، ويجعلهم ترابا، وذلك عندما أيقنوا أن ذنبهم غير مغفور، وعذرهم غير مقبول.
القرآن
التفسير:
يا أيها الذين صدَّقوا بالله ورسوله وعملوا بشرعه، لا تقربوا الصلاة ولا تقوموا إليها حال السكر حتى تميزوا وتعلموا ما تقولون -وقد كان هذا قبل التحريم القاطع للخمر في كل حال-، ولا تقربوا الصلاة إن أصابكم الحدث الأكبر، ولا تقربوا كذلك مواضعها وهي المساجد، إلا من كان منكم مجتازًا من باب إلى باب، حتى تتطهروا بالاغتسال. وإن كنتم في حال مرض لا تقدرون معه على استعمال الماء، أو حال سفر، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو جامعتم النساء، فلم تجدوا ماء للطهارة فاقصدوا ترابًا طاهرًا، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه. إن الله تعالى كان كثير العفو يتجاوز عن سيئاتكم، ويسترها عليكم.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: اخرج الطبري وغيره (4)، عن أبي عبد الرحمن، عن علي:"أنه كان هو وعبد الرحمن ورجل آخر شربوا الخمر، فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، فخلط فيها، فنزلت: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} "(5).
وفي هذا السياق روي عن عطاء هو ابن أبي رباح قال: "أول ما نزل في الخمر {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} (6)، فقال بعض المنافقين: نشربها لمنافعها وقال آخرون: لا خير في شيء فيه إثم، ثم نزلت {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىْ} فقال بعض الناس: نشربها ونجلس في بيوتنا، وقال آخرون: لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة مع المسلمين، فنزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} (7)، فنهاهم فانتهوا"(8).
والثاني: أخرج الطبري عن يزيد بن أبي حبيب عن "قول الله: {ولا جنبًا إلا عابري سبيل}، أنّ رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم، فيريدون الماء ولا يجدون ممرًّا إلا في المسجد، فأنزل الله تبارك وتعالى: {ولا جنبًا إلا عابري سبيل} "(9).
(1) تفسير الثعلبي: 3/ 311.
(2)
تفسير الثعلبي: 3/ 311.
(3)
تفسير السعدي: 179.
(4)
وأخرجه عبد بن حميد (82)، وأبو داود (3671)، والترمذي (3026)، وقال:"حديث حسن صحيح غريب". والنسائي في التفسير في "الكبرى" كما في التحفة: 7/ 402، والحاكم في "مستدركه"، كتاب التفسير: 2/ 307" قال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي وكتاب "الأشربة" "4/ 142" وكذلك أخرجه ابن ابي حاتم (5352): ص 3/ 958، والواحدي: 153 - 154.
(5)
تفسير الطبري (9524): ص 8/ 376.
(6)
[سورة البقرة: 219].
(7)
[سورة المائدة: 90].
(8)
العجاب في بيان الأسباب: 2/ 872.
(9)
تفسير الطبري (9567): ص 8/ 384.
والثالث: أخرج الطبري والإام احمد (1)، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أنها قالت: "سقطت قلادة لي بالبَيداء، ونحن داخلون إلى المدينة، فأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل. فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حِجْري راقد، أقبل أبي فلكزني لَكْزة ثم قال: حبست الناس! ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استيقظ وحَضرت الصبح، فالتمس الماء فلم يوجد، ونزلت: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} الآية. قال أسيد بن حضير: لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر! ما أنتم إلا بركة! "(2).
وفي رواي أخرى: عن آلقاسم، عن عائشة. أنها قالت:"خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء (أو بذات آلجيش) آنقطع عقد لي، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على آلتماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى آلناس إلى أبي بكر. فقالوا: ألا ترى الى ماصنعت عائشة؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس معه، وليسوآ على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام. فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم وآلناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء. قالت: فعاتبني أبو بكر، وقال ماشاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من آلتحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء، فأنزل آية التيمم، فتيمموا، فقال: أسيد بن الحضير - (وهو أحد آلنقباء) -: ماهي بأول بركتكم يا آل أبي بكر! فقالت عائشة: فبعثنا البعير آلذي كنت عليه، فوجدنا آلعقد تحته "(3).
والرابع: أخرج الطبري وغيره (4)، عن الأسلع بن شريك قال:"كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم وأرحَلُ له، فقال لي ذات ليلة: يا أسلع، قم فارحلْ لي. قلت: يا رسول الله، أصابتني جنابة! فسكت ساعة، ثم دعاني وأتاه جبريل عليه السلام بآية الصعيد، ووصف لنا ضربتين"(5).
والخامس: أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد: " قوله: {ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر}، قال: نزلت في رجل من الأنصار كان مريضا فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ، ولم يكن له خادم فينا له، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فأنزل الله تعالى هذه الآية"(6).
والسادس: أخرج الطبري عن إبراهيم قال: "أصاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جراحة ففشت فيهم، ثم ابتلوا بالجنابة، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط}، الآية كلها"(7).
والسابع: قال مقاتل: "نزلت في عبد الرحمن بن عوف أصابته جنابة وهو جريح فشق عليه الغسل وخاف منه شرا أو يكون به قرح أو جدري فهو بهذه المنزلة، فذاك قوله سبحانه: {وإن كنتم مرضى}، يعني به جرحا فوجدتم الماء فعليكم التيمم، {وإن كنتم على سفر}، وأنتم أصحاء، نزلت في عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها"(8).
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [النساء: 43]، أي:" يا أيها الذين صدَّقوا بالله ورسوله وعملوا بشرعه"(9).
قوله تعالى: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43]، أي:" لا تقربوا الصلاة ولا تقوموا إليها حال السكر حتى تميزوا وتعلموا ما تقولون"(10).
قال الماوردي: "أصل السُكر: السَكْر، وهو سد مجرى الماء، فالسُّكر من الشراب يسد طريق المعرفة (11).
وفي قوله تعالى: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43]، وجهان من التفسير:
أحدهما: سكارى من الخمر، وهو قول ابن عباس (12)، ومجاهد (13)، وقتادة (14)، وابي رزين (15)، وإبراهيم (16).
والثاني: وأنتم سكارى من النوم، وهو قول الضحاك (17).
والراجح-والله أعلم- أن "ذلك نهيٌ من الله المؤمنين عن أن يقربوا الصلاة وهم سكارى من الشراب قبل تحريم الخمر، للأخبار المتظاهرة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ذلك كذلك، نهيٌ من الله وأن هذه الآية نزلت فيمن ذكرت أنها نزلت فيه"(18) كما سبق الإشارة إليه في سبب نزول الآية.
قال ابن حجر: " قال المفسرون: هذه الآية اقتضت إباحة السكر في غير أوقات الصلاة، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى {فاجتنبوه} (19) "(20) ..
قوله تعالى: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43]، أي:" ولا تقربوا الصلاة إن أصابكم الحدث الأكبر، ولا تقربوا كذلك مواضعها وهي المساجد، إلا من كان منكم مجتازًا من باب إلى باب، حتى تتطهروا بالاغتسال"(21).
قال الطبري: أي: "ولا تقربوها أيضًا جنبًا حتى تغتسلوا، إلا عابري سبيل"(22).
وفي تفسير قوله تعالى: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43]، وجهان:
أحدهما: أراد سبيل المسافر إذا كان جنباً لا يصلي حتى يتيمم، وهذا قول علي (23)، وابن عباس في رواية أبي مجلز عنه (24)، ومجاهد (25)، وسعيد بن جبير (26)، والحكم (27)، والحسن بن مسلم (28)، وعبد الله بن كثير (29)، وابن زيد (30).
والثاني: لا يقرب الجنب مواضع الصلاة من المساجد إلا مارّاً مجتازاً، وهذا قول ابن عباس في رواية الضحاك وابن يسار عنه (31)، وهو قول الحسن (32)، والزهري (33)، وإبراهيم النخعي (34)، وأبي
(1) انظر: المسند 6: 57 (حلبي).
(2)
تفسير الطبري (9641): ص 8/ 405.
(3)
أخرجه مالك في "الموطأ": 57، وأحمد" 6/ 179، والبخاري: 1/ 91 و 7/ 52، وفي 6/ 63 و 64 و 8/ 215، ومسلم 1/ 191، والنسائي: 1/ 163، وفي "الكبرى" 295 و 11042، و"ابن خزيمة" 262، والطبري (9635): ص 8/ 400 - 401.
وهذا الحديث ظاهره الإرسال. لأنه - هنا - من رواية عبد الرحمن بن القاسم عن عائشة. وعبد الرحمن لم يدرك أن يسمع من عمة أبيه عائشة.
الروايات مطولة ومختصرة، وأثبتنا لفظ رواية مسلم.
(4)
ورواه ابن سعد في الطبقات 7/ 1 / 45، في ترجمة " الأسلع "، ورواه الدارقطني، ص: 66، والطحاوي في معاني الآثار 1/ 67 - 68، والبيهقي في السنن الكبرى 1/ 208 - كلهم من طريق الربيع بن بدر. وقال البيهقي:" الربيع بن بدر ضعيف، إلا أنه غير منفرد به". ونقله الزيلعي في نصب الراية 1/ 153، ونقل كلام البيهقي، وتعقبه بأن هذا لا يكفي في الاحتجاج به حتى يعلم الوجه الآخر ودرجته.
الطبراني في الكبير، من هذا الوجه. ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 1/ 261 - 262، وقال:" وفيه الهيثم بن رزيق. قال بعضهم: لا يتابع على حديثه ". وذكر الهيثمي أيضًا رواية الربيع بن بدر، بلفظين 1/ 262، ونسبهما للطبراني في الكبير، وأعلمهما بضعف الربيع.
(5)
تفسير الطبري (9637)، و (9638): ص 8/ 402 - 403.
(6)
تفسير ابن أبي حاتم (5365): ص 3/ 961.
(7)
تفسير الطبري (9634): ص 8/ 399.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 374 - 375.
(9)
التفسير الميسر: 85.
(10)
التفسير الميسر: 85.
(11)
النكت والعيون: 1/ 489.
(12)
انظر: تفسير الطبري (9526): ص 8/ 376.
(13)
انظر: تفسير الطبري (9529)، و (9530): ص 8/ 377.
(14)
انظر: تفسير الطبري (9531): ص 8/ 376.
(15)
انظر: تفسير الطبري (9527)، و (9528): ص 8/ 376 - 377
(16)
انظر: تفسير الطبري (9532): ص 8/ 376.
(17)
انظر: تفسير الطبري (9533)، و (9534): ص 8/ 377 - 378.
(18)
تفسير الطبري: 8/ 378.
(19)
الآية (91) من سورة المائدة ..
(20)
نواسخ القرآن: 2/ 372.
(21)
التفسير الميسر: 85.
(22)
تفسير الطبري: 8/ 385.
(23)
انظر: تفسير الطبري (9537): ص 8/ 379، و (9540): ص 8/ 380.
(24)
انظر: تفسير الطبري (9535): ص 8/ 379.
(25)
انظر: تفسير الطبري (9541) - (9544): ص 8/ 380 - 381.
(26)
انظر: تفسير الطبري (9538): ص 8/ 380.
(27)
انظر: تفسير الطبري (9546): ص 8/ 381.
(28)
انظر: تفسير الطبري (9545): ص 8/ 381.
(29)
انظر: تفسير الطبري (9550): ص 8/ 381.
(30)
انظر: تفسير الطبري (9551): ص 8/ 381.
(31)
انظر: تفسير الطبري: (9555): ص 8/ 383، و (9553): ص 8/ 382.
(32)
انظر: تفسير الطبري (9557): ص 8/ 383.
(33)
انظر: تفسير الطبري (9566): ص 8/ 384.
(34)
انظر: تفسير الطبري (9558) - (9560): ص 8/ 383.
عبيدة (1)، وعكرمة (2)، وأبي الضحى (3)، ويزيد بن أبي حبيب (4)، وسعيد بن جبير في رواية اخرى عنه (5)، واختاره الطبري (6) وهو قول الجمهور (7).
قال ابن كثير: "وهذا الذي نصره [الطبري] هو قولُ الجمهور، وهو الظاهر من الآية، وكأنه تعالى نهى عن تعاطي الصلاة على هيئة ناقصة تناقض مقصودها، وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة، وهي الجنابة المباعدة للصلاة ولمحلها أيضا "(8).
والراجح-والله اعلم- أن معنى قوله: {ولا جنبًا إلا عابري سبيل} : "إلا مجتازي طريق فيه، وذلك أنه قد بيَّن حكم المسافر إذا عَدِم الماء وهو جنب في قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}، فكان معلومًا بذلك أن قوله {ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا}، لو كان معنيًّا به المسافر، لم يكن لإعادة ذكره في قوله: {وإن كنتم مرضى أو على سفر} معنى مفهوم، وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك"(9).
وقد سبق الإشارة في سبب نزول الآية "أنّ رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم، فيريدون الماء ولا يجدون ممرًّا إلا في المسجد، فأنزل الله تبارك وتعالى: {ولا جنبًا إلا عابري سبيل} "(10).
وقد ثبت في صحيح البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سُدُّوا كل خَوخة في المسجد إلا خَوخةَ أبي بكر"(11).
قال ابن كثير: " ومن هذه الآية احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب اللبث في المسجد، ويجوز له المرور، وكذا الحائض والنفساء أيضًا في معناه؛ إلا أن بعضهم قال: يمنع مرورهما لاحتمال التلويث. ومنهم من قال: إن أمنت كل واحدة منهما التلويث في حال المرور جاز لهما المرور وإلا فلا.
وقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة، رضي الله عنها قالت:«قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ناوليني الخُمْرة من المسجد، فقلت: إني حائض. فقال: إن حيضتك ليست في يدك» (12). ففيه دلالة على جواز مرور الحائض في المسجد، والنفساء في معناها والله أعلم" (13).
وقوله: {حَتَّى تَغْتَسِلُوا} دليل لما ذهب إليه الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي: أنه يحرم على الجنب المكث في المسجدِ حتى يغتسل أو يتيمم، إن عدم الماء، أو لم يقدر على استعماله بطريقة (14).
وذهب الإمام أحمد إلى أنه متى توضأ الجنب جاز له المكث في المسجدِ، لما روى هو وسعيد بن منصور في سننه بإسناد صحيح: أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك، أخرج سعيد بن منصور عن عطاء بن يَسَار قال:"رأيت رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة"(15)(16).
(1) انظر: تفسير الطبري (9562): ص 8/ 384.
(2)
انظر: تفسير الطبري (9563): ص 8/ 384.
(3)
انظر: تفسير الطبري (9564): ص 8/ 384.
(4)
انظر: تفسير الطبري (9567): ص 8/ 384.
(5)
انظر: تفسير الطبري (9561): ص 8/ 384.
(6)
تفسير الطبري: 8/ 384 - 385.
(7)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 313.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 313.
(9)
تفسير الطبري: 8/ 384 - 385.
(10)
تفسير الطبري (9567): ص 8/ 384.
(11)
صحيح البخاري برقم (298)، قال ابن كثير: قال ابن كثير: " وهذا قاله في آخر حياته صلى الله عليه وسلم، علما منه أن أبا بكر، رضي الله عنه، سيلي الأمر بعده، ويحتاج إلى الدخول في المسجد كثيرا للأمور المهمة فيما يصلح للمسلمين، فأمر بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا بابه، رضي الله عنه. ومن روى: "إلا باب علي" كما وقع في بعض السنن، فهو خطأ، والصحيح. ما ثبت في الصحيح". [انظر: تفسيره: 2/ 311].
(12)
صحيح مسلم برقم (298) ومن حديث أبي هريرة برقم (299) ..
(13)
تفسير ابن كثير: 2/ 311 - 312.
(14)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 313.
(15)
التفسير من سنن سعيد بن منصور (646): ص 4/ 1275. قال ابن كثير في تفسيره: 2/ 313: " وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم".
(16)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 313.
قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} [النساء: 43]، أي:" وإن كنتم في حال مرض لا تقدرون معه على استعمال الماء"(1).
قال الطبري: أي: " إن كنتم جرحى أو مُجَدَّرين وأنتم جنب"(2).
قال ابن مسعود: " المريض الذي قد أُرخص له في التيمم، هو الكسير والجريح. فإذا أصابت الجنابة الكسيرَ اغتسل، والجريح لا يحل جراحته، إلا جراحة لا يخشى عليها"(3).
قال أبو مالك: " هي للمريض الذي به الجراحةُ التي يخاف منها أن يغتسل، فلا يغتسل. فرُخِّص له في التيمم"(4).
قال مجاهد: " والمرض: أن يصيب الرجل الجرح والقرح والجدريّ، فيخاف على نفسه من برد الماء وأذاه، يتيمم بالصعيد كما يتيمم المسافر الذي لا يجد الماء"(5).
قال السدي: " والمرض: هو الجراح. والجراحة التي يتخوّف عليه من الماء، إن أصابه ضرَّ صاحبه، فذلك يتيمم صعيدًا طيبًا"(6).
قال سعيد بن جبير: " إذا كان به جروح أو قُروح يتيمم"(7).
وقال إبراهيم: " من القروح تكون في الذراعين"(8).
قال الضحاك: " صاحب الجراحة التي يتخوّف عليه منها، يتيمم"(9).
وروي عن عاصم يعني الأحول عن الشعبي: "أنه سئل عن [قوله]: المجدور تُصيبه الجنابة؟ قال: ذهب فرسان هذه الآية"(10).
وقال ابن زيد: " المريضُ الذي لا يجد أحدًا يأتيه بالماء، ولا يقدر عليه، وليس له خادم ولا عون، فإذا لم يستطع أن يتناول الماء، وليس عنده من يأتيه به، ولا يحبو إليه، تيمم وصلَّى إذا حلَّت الصلاة قال: هذا كله قولُ أبي إذا كان لا يستطيع أن يتناول الماء وليس عنده من يأتيه به، لا يترك الصلاة، وهو أعذَرُ من المسافر"(11).
فتفسير الآية إذن: " وإن كنتم جَرْحى أو بكم قروحٌ، أو كسر، أو علّة لا تقدرون معها على الاغتسال من الجنابة، وأنتم مقيمون غيرُ مسافرين"(12).
وفي قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} [النساء: 43] ثلاثة أقاويل (13):
أحدها: ما انطلق عليه اسم المرض من مستضرٍّ بالماء وغير مستضرٍّ، وهذا قول داود بن علي.
الثاني: ما استضر فيه باستعمال الماء دون ما لم يستضر، وهذا قول مالك، وأحد قولي الشافعي.
والثالث ما خيف من استعمال الماء فيه التلف دن ما لم يُخفْ، وهو القول الثاني من قولي الشافعي.
قوله تعالى: {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [النساء: 43]، أي:" وإن كنتم في حال سفر "(14).
(1) التفسير الميسر: 85.
(2)
تفسير الطبري: 8/ 385، وانظر: تفسيره: 10/ 81 - 82.
(3)
أخرجه الطبري (9570): ص 8/ 386.
(4)
أخرجه الطبري (9571): ص 8/ 386.
(5)
أخرجه الطبري (9577): ص 8/ 387.
(6)
أخرجه الطبري (9572): ص 8/ 386.
(7)
أخرجه الطبري (9573): ص 8/ 386.
(8)
أخرجه الطبري (9574): ص 8/ 386.
(9)
أخرجه الطبري (9576): ص 8/ 387.
(10)
أخرجه الطبري (9579): ص 8/ 387.
قال السيد المحقق: " هكذا في المخطوطة: " عن قوله: المجدور
…
" فأثبتها بين القوسين، لأني في شك منها. وأما قوله: " ذهب فرسان هذه الآية "، فإنه مما أشكل على معناه، وربما رجحت أنه أراد أن الآية نزلت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، تصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم، فيريدون الماء ولا يجدون ممرًا إلا في المسجد، كما مضى في الأثر رقم: 9567. فيكون قوله: " ذهب فرسان هذه الآية "، عن ذلك الشطر من الآية " ولا جنبًا إلا عابري سبيل "، وأنهم هم الأنصار من أصحاب رسول الله، الذين كانت أبوابهم في المسجد، وقد مضوا، لم يبق اليوم منهم أحد. هذا غاية اجتهادي، وفوق كل ذي علم عليم".
قلت: ربما أراد سفيان أن السياق كان خاصا بهؤلاء الفرسان، وأما الحكم فباق. والله تعالى أعلم.
(11)
اخرجه الطبري (9579): ص 8/ 387 - 388.
(12)
تفسير الطبري: 8/ 388.
(13)
انظر: النكت والعيون: 1/ 490.
(14)
التفسير الميسر: 85.
قال الطبري: أي: " أو إن كنتم مسافرين وأنتم أصحّاء جنب"(1).
وفي قوله تعالى: {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [النساء: 43]، ثلاثة أقاويل (2):
أحدها: ما انطلق عليه اسم السفر من قليل وكثير، وهو قول داود.
والثاني: مسافة يوم وليلة فصاعداً، وهو قول مالك، والشافعي رحمهما الله.
والثالث: مسافة ثلاثة أيام، وهو مذهب أبي حنيفة.
قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء: 43]، أي:" أو أحدثتم ببولٍ أو غائطٍ ونحوهما حدثاً أصغر ولم تجدوا الماء"(3).
قال الطبري: أي: " أو جاء أحدٌ منكم من الغائط، قد قضى حاجته وهو مسافر صحيح"(4).
قال ابن كثير: " الغائط: هو المكان المطمئن من الأرض، كنى بذلك عن التغوط، وهو الحدث الأصغر"(5).
قال مجاهد: " الغائط، الوادي"(6).
قوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43]، أي:" أو جامعتم النساء"(7).
قال الطبري: أي: " أو باشرتم النساءَ بأيديكم"(8).
وفي هذه الملامسة قولان:
أحدهما: أنها كناية عن الجماع، لقوله {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة: 237] وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49]. وهو قول عليّ (9)، وابن عباس (10)، والحسن (11) وقتادة (12)، ومجاهد (13).
والثاني: أن الملامسة باليد والإفضاء ببعض الجسد، وهو قول ابن مسعود (14)، وابن عمر (15)، وعبيدة (16)، والنخعي (17)، والشعبي (18)، وعطاء (19)، وابن سيرين (20)، والحكم (21)، وحماد (22)، وبه قال الشافعي (23).
والراجح أن أنّ " اللمس " في هذا الموضع، لمس الجماع، لا جميع معاني اللمس، لصحة الخبر عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم أنه قَبّل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ (24)، وكما قال الشاعر (25):
(1) تفسير الطبري: 8/ 388.
(2)
انظر: النكت والعيون: 1/ 490.
(3)
صفوة التفاسير: 253
(4)
تفسير الطبري: 8/ 388.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 314.
(6)
تفسير الطبري (9580): 8/ 388.
(7)
التفسير الميسر: 85.
(8)
تفسير الطبري: 8/ 389.
(9)
انظر: تفسير الطبري (9602): ص 8/ 392.
(10)
انظر: تفسير الطبري (9581) - (9601): ص 8/ 389 - 392.
(11)
انظر: تفسير الطبري (9603)، و (9605): ص 8/ 392.
(12)
انظر: تفسير الطبري (9605): ص 8/ 392.
(13)
انظر: تفسير الطبري (9604): ص 8/ 392.
(14)
انظر: تفسير الطبري (9606) - (9613): ص 8/ 393.
(15)
انظر: تفسير الطبري (9617): ص 8/ 394.
(16)
انظر: تفسير الطبري (9613)، و (9616): ص 8/ 393 - 394.
(17)
انظر: تفسير الطبري (9619): ص 8/ 395.
(18)
انظر: تفسير الطبري (9618): ص 8/ 395.
(19)
انظر: تفسير الطبري (9621): ص 8/ 395.
(20)
انظر: تفسير الطبري (9626): ص 8/ 395.
(21)
انظر: تفسير الطبري (9620): ص 8/ 395.
(22)
انظر: تفسير الطبري (9620): ص 8/ 395.
(23)
انظر: تفسير الغمام الشافعي: 2/ 708. قال الشافعي: " فأشبه أن يكون أوجب الوضوء من الغائط، وأوجبه من الملامسة، وإنما ذكرها موصولة بالغائط، بعد ذكر الجنابة، فأشبهت الملامسة، أن تكون: اللمس باليد، والقُبْلة غير الجنابة".
(24)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 398،
(25)
البيت ذكره الفراء في: "معاني القرآن" 2/ 192، وقال: تمثل به ابن عباس، وذكره الحربي في "غريب الحديث" ولم ينسبه 3/ 111، وانظر: البيت في "الكشف والبيان" 3/ 25 أ، "النكت والعيون" 3/ 427، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 247، "مجمع البيان" 7/ 49، "روح المعاني" 16/ 164، "تهذيب اللغة"(همس) 4/ 3793، "لسان العرب"(همس) 8/ 4700.
وقال شاكر في تعليقه على "تفسير الطبري" 4/ 126: لم أعرف قائله وهو رجز كثير الدوران في الكتب. والهمس، والهميس: صوت نقل أخفاف الإبل، والصوت الخفي الذي لا غور له في الكلام، والوطء والأكل وغيرها، ولميس: اسم صاحبته، ويريد بقوله: إن تصدق الطير: أنه زجر الطير فتيامن بمرها، ودلته على قرب اجتماعه بأصحابه وأهله.
والبيت مما أنشده ابن عباس، وقد نقله عنه السيوطي في الإتقان وكثير من المفسرين، ومنهم المؤلف، ونقل صاحب (اللسان: همس) شطره الأول. وهو * وهن يمشين بنا هميسا *
قال: وهو صوت نقل أخفاف الإبل. أهـ، . وقال في أول المادة: الهمس: الخفي من الصوت والوطء والأكل. وفي التنزيل: " فلا تسمع إلا همسا ". وفي التهذيب: يعني به والله أعلم: خفق الأقدام على الأرض. وقال الفراء: يقال إنه نقل الأقدام إلى المحشر. ويقال: الصوت الخفي. وروي عن ابن عباس تمثل فأنشده * وهن يمشين بنا هميسا *.
وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا
…
إنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا
يعني بذلك: ننك لماسًا (1)(2).
أخرج الطبري عن عروة، عن عائشة قالت:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ ثم يقبل، ثم يصلِّي ولا يتوضأ"(3). وفي رواية أخرى: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قبَّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. قلت: من هي إلا أنت؟ فضحكت (4).
وفي قوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43]، قراءتان (5):
إحداهما: {لَمَسْتُمُ} ، بغير ألف، قرأ بها حمزة والكسائي.
والأخرى: {لامَسْتُمُ} ، وهي قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر.
وفي اختلاف القراءتين في {لَمَسْتُمْ} أو {لامَسْتُمُ} ، قولان (6):
أحدهما: أن {لامَسْتُمُ} ـ أبلغ من {لَمِسْتُمُ} .
والثاني: أن {لامَسْتُمُ} يقتضي وجوب الوضوء على اللامس والملموس، {وَلَمَسْتُمُ} ، يقتضي وجوبه على اللامس دون الملموس.
قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [النساء: 43]، "أي: فلم تجدوا الماء الذي تتطهرون به" (7).
قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [النساء: 43]، أي:" فاقصدوا ترابًا طاهرًا، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه"(8).
قال سفيان: " تحرَّوا وتعمَّدوا صعيدًا طيبًا"(9). وفي رواية أخرى: " "قوله: {فتيمموا صعيدا طيبا} ، قال: حلال لكم" (10).
(1) قوله: "لماسًا" أي، ملامسة. وكأنه جعل"اللميس" مصدرًا من"اللمس"، مثل"المسيس" مصدرًا من"المس". وهو قول غريب للطبري. بل أكثرهم يقول:"لميس: اسم امرأة"، ومعنى"امرأة لميس": هي المرأة اللينة الملمس.
(2)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 398،
(3)
تفسير الطبري (9629): ص 8/ 396.
(4)
تفسير الطبري (9630): ص 8/ 396.
قال السيد أحمد محمد شاكر مححقق تفسير الطبري: " الحديثان: 9639 - 9630 - عروة، في هذين الإسنادين: هو عروة بن الزبير، ابن أخت عائشة، على اليقين، خلافًا لمن زعم أنه " عروة المزني "، من اجل كلمة قالها الثوري: " ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني "! فإنه إن لم يحدثه عن عروة بن الزبير، فقد حدث غيره عنه.
والحديث رواه أحمد في المسند 6: 210 (حلبي)، عن وكيع - بالإسناد الثاني هنا - وفيه صراحة " عن عروة بن الزبير ". وكذلك جاء التصريح بأنه " عروة بن الزبير "، في رواية ابن ماجه: 502، من طريق وكيع. فارتفع كل شك وكل إشكال.
وكلمة الثوري رواها أبو داود في سننه، عقب الحديث: 180، بصيغة التمريض:" روى عن الثوري ". ثم نقضها هو نفسه، فقال:" وقد روى حمزة الزيات، عن حبيب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة - حديثًا صحيحًا ".
والحديث رواه أيضًا أبو داود: 179، والترمذي: 86 (بشرحنا) - كلاهما من طريق وكيع، به. وفيهما " عن عروة " فقط، كما هنا.
وقد أطال العلماء الكلام في تعليل هذا الحديث، وخالفهم آخرون، فأثبتوا صحته " عن عروة بن الزبير ". وهو الصواب. وفصلنا القول فيه في شرحنا للترمذي 1: 133 - 142. وأثبتنا صحته، وترجيح القول بأن " الملامسة " في هذه الآية هي الجماع، وأن لمس المرأة لا ينقض الوضوء. ولم نر حاجة لتكرار ذلك والإطالة به هنا. وانظر السنن الكبرى للبيهقي، ورد ابن التركماني عليه 1: 123 - 127، وابن كثير 2: 465 - 466.
(5)
انظر: السبعة: 234.
(6)
انظر: النكت والعيون: 1/ 491.
(7)
صفوة التفاسير: 254.
(8)
التفسير الميسر: 85.
(9)
أخرجه الطبري (9643): ص 8/ 407.
(10)
اخرجه ابن ابي حاتم (5376): ص 3/ 963.
فالتيمم في اللغة هو: "القصد. تقول العرب: تيممك الله بحفظه، أي: قصدك. ومنه قول امرئ القيس (1):
وَلَمَّا رَأتْ أنَّ المَنِية ورِدُها
…
وأن الحصَى من تحت أقدامها دَامِ
تيممت العين التي عند ضارج (2)
…
يفيء عليها الفيء عَرْمَضها طام (3)
قال الزجاج: " معنى تيمموا أقصدوا، والصعيد وجه الأرض، فعلى الإنسان في التيمم أن يضرب بيديه ضربة واحدة فيمسح بهما جميعا وجهه، وكذلك يضرب ضربة واحدة، فيمسح بهما يديه، و «الطيب» هو النظيف الطاهر، ولا يبالي أكان في الموضع تراب أم لا، لأن الصعيد ليس هو التراب، إنما هو وجه الأرض، ترابا كان أو غيره. ولو أن أرضا كانت كلها صخرا لا تراب عليها ثم ضرب المتيمم يده على ذلك الصخر لكان ذلك طهورا إذا مسح به وجهه، قال الله عز وجل: {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا} (4)، فأعلمك أن الصعيد يكون زلقا، والصعدات الطرقات، وإنما سمي صعيدا، لأنها نهاية ما يصعد إليه من باطن الأرض، لا أعلم بين أهل اللغة اختلافا في أن الصعيد وجه الأرض"(5).
وفي الصعيد أربعة أقاويل:
أحدها: أنها الأرض الملساء التي لا نبات فيها ولا غِراس، وهو قول قتادة (6).
والثاني: أنها الأرض المستوية، وهو قول ابن زيد (7).
والثالث: هو التراب، وهو قول عليّ، وابن مسعود، وعمرو بن قيس الملائي (8)، والشافعي، وأحمد بن حنبل وأصحابهما (9).
واحتجوا بقوله تعالى: {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا} [الكهف: 40] أي: ترابا أملس طيبا، وبما ثبت في صحيح مسلم، عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء» (10)، وفي لفظ:"وجعل ترابها لنا طهورا إذا لم نجد الماء". قالوا: فخصص الطهورية بالتراب في مقام الامتنان، فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه (11).
والرابع: أنه وجه الأرض ذات التراب والغبار (12)، وهذا قول أبي عبيدة (13)، ومنه قول ذي الرُّمة (14):
كَأنَّهُ بِالضُّحَى تَرْمِي الصَّعِيدَ بِهِ
…
دَبَّابَةٌ في عِظَامِ الرَّأسِ خُرْطُومُ
يعني: تضرب به وجه الأرض (15).
وفي قراءة عبدالله: {فَأُمُّوا صَعِيدًا} (16).
وفي قوله تعالى: {طَيِّبًا} [النساء: 43]، أربعة أقاويل:
(1) رواية البيتين في ديوانه ص 475:
ولما رأت أن الشريعة همها
…
وأن البياض من فرائصها دام
تيممت العين التي عند ضارج
…
يفيء عليها الطلح عرمضها طام
وهما في لسان العرب (ضرج، عرمض) ومقاييس اللغة 3/ 262 و 4/ 435 وتاج العروس (ضرج).
(2)
ضارج: اسم موضع في بلاد بنى عبس. والعرمض: الطحلب. وقيل: الخضرة على الماء، والطحلب: الذي يكون كأنه نسخ العنكبوت. وطامي: مرتفع ..
(3)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 318.
(4)
[سورة الكهف: 40] ..
(5)
معاني القرىن: 2/ 56.
(6)
انظر: تفسير الطبري (9644): ص 8/ 408.
(7)
انظر: تفسير الطبري (9645): ص 8/ 408.
(8)
انظر: تفسير الطبري (9646): ص 8/ 408.
(9)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 318.
(10)
صحيح مسلم برقم (522).
(11)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 318.
(12)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 408. نسبه الطبري إلى البعض.
(13)
انظر: تفسير ابن المنذر (1824): ص 2/ 728 ولفظه: "وجه الأرض".
(14)
ديوانه: 571، من قصيدته المحكمة المشهورة. والبيت من أبياته في ذكر ظبية أودعت ولدها الصغير بين أشجار، فإذا ارتفعت شمس الضحى نال منه التعب، فانطرح على الأرض، كأنه سكران أثقله النعاس. وقوله:"دبابة": تدب في أوصال شاربها، يعني الخمر ..
(15)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 409.
(16)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 407.
أحدها: حلالاً، وهو قول سفيان (1)، واختاره ابن كثير (2).
والثاني: أن الطيب: ما أتت عليه الأمطار وطهرته، و {طيبا} ، أي: طاهرا. وهذا قول سعيد بن بشر (3)، والطبري (4)، والزجاج (5).
عن أبي ذر قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر حجج، فإذا وجده، فليمسه بَشرته، فإن ذلك خير له» "(6).
والثالث: تراب الحرث، وهو قول ابن عباس (7).
والرابع: أنه مكان حَدِرٌ غير بَطِحٍ، وهو قول ابن جريج (8).
قال ابن كثير: " استنبط كثير من الفقهاء من هذه الآية: أنه لا يجوز التيمم لعادم الماء إلا بعد تطلبه، فمتى طلبه فلم يجده جاز له حينئذ التيمم. وقد ذكروا كيفية الطلب في كتب الفروع، كما هو مقرر في موضعه، كما هو في الصحيحين، من حديث عِمران بن حصين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم، فقال: «يا فلان، ما منعك أن تصلي مع القوم؟ ألست برجل مسلم؟ قال: بلى يا رسول الله، ولكن أصابتني جنابة ولا ماء. قال: عليك بالصعيد، فإنه يكفيك» (9) "(10).
وقوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [النساء: 43]، أي:" فامسحوا منه بوجوهكم وأيديكم"(11).
قال الماوردي" فالوجه الممسوح في التيمم هو المحدود في غسل الوضوء"(12).
قال الطبري: والمسح منه بالوجه: أن يضرب المتيمم بيديه على وجه الأرض الطاهر، أو ما قام مقامه، فيمسَح بما علق من الغُبار وجهه" (13).
فأما مسح اليدين ففيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: الكفان إلى الزندين دون الذراعين، وهو قول عمار بن ياسر (14)، ومكحول (15)، والشعبي في أحد قوليه (16)، وبه قال مالك في أحد قوليه (17)، والشافعي في القديم (18).
والثاني: الذراعان مع المرفقين، وهو قول ابن عمر (19)، والحسن (20)، وعمر الشعبي (21)، وسالم بن عبد الله (22)، والشافعي في الجديد (23).
وقالوا: " لأن لفظ اليدين يصدق إطلاقهما على ما يبلغ المنكبين، وعلى ما يبلغ المرفقين، كما في آية الوضوء، ويطلق ويراد بهما ما يبلغ الكفين، كما في آية السرقة: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] قالوا: وحمل ما أطلق هاهنا على ما قيد في آية الوضوء أولى لجامع الطهورية"(24).
(1) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5376): ص 3/ 963.
(2)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 318.
(3)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5377): ص 3/ 963.
(4)
انظر: تفسير الطبري: 3/ 301، و 5/ 555، و 7/ 424، و 8/ 409 - 410.
(5)
انظر: معاني القرىن: 2/ 56.
(6)
المسند (5/ 180) وسنن أبي داود برقم (332) وسنن الترمذي برقم (124) وسنن النسائي (1/ 171).
(7)
انظر: النكت والعيون: 1/ 491، قال ابن كثير: 2/ 280: " رواه ابن أبي حاتم، ورفعه ابن مردويه في تفسيره".
(8)
انظر: النكت والعيون: 1/ 492.
(9)
صحيح البخاري برقم (348) وصحيح مسلم برقم (682).
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 318.
(11)
تفسير الطبري: 8/ 410.
(12)
النكت والعيون: 1/ 492.
(13)
تفسير الطبري: 8/ 410.
(14)
انظر: تفسير الطبري (9651): ص 8/ 411، و (9657): ص 8/ 413.
(15)
انظر: تفسير الطبري (9653)، و (9654): ص 8/ 411 - 412.
(16)
انظر: تفسير الطبري (9650): ص 8/ 411، و (9655): ص 8/ 412.
(17)
انظر: النكت والعيون: 1/ 492.
(18)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 320.
(19)
انظر: تفسير الطبري (9658) - (9661): ص 8/ 414 - 415.
(20)
انظر: تفسير الطبري (9662): ص 8/ 415.
(21)
.انظر: تفسير الطبري (9663) - (9665): ص 8/ 415 - 416.
(22)
انظر: تفسير الطبري (9666): ص 8/ 416.
(23)
انظر: الأم: 1/ 42، واحتج الشافعي بما رواه عن إبراهيم بن محمد عن أبي الحويرث عن عبد الرحمن بن معاوية، عن الأعرج، عن ابن الصَّمَّة:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تيمم فمسح وجهه وذراعيه".
(24)
تفسير ابن كثير: 2/ 319.
وذكر بعضهم ما رواه الدارقطني، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين"(1).
وروى أبو داود عن ابن عمر - في حديث – "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح بها ذراعيه"(2).
والثالث: إلى المنكبين والإبطين، وهو قول الزهري (3)، وحكي نحوه عن أبي بكر (4).
قال الطبري: والصواب: " أن الحدّ الذي لا يجزئ المتيمم أن يقصِّر عنه في مسحه بالتراب من يديه: الكفان إلى الزّندين، لإجماع الجميع على أن التقصير عن ذلك غير جائز. ثم هو فيما جاوز ذلك مخيّر، إن شاء بلغ بمسحه المرفقين، وإن شاء الآباط. والعلة التي من أجلها جعلناه مخيرًا فيما جاوز الكفين: أن الله لم يحدَّ في مسح ذلك بالتراب في التيمم حدًّا لا يجوز التقصير عنه. فما مسح المتيمم من يديه أجزأه، إلا ما أُجمع عليه، أو قامت الحجة بأنه لا يجزئه التقصير عنه. وقد أجمع الجميعُ على أن التقصير عن الكفين غير مجزئ، فخرج ذلك بالسنة، وما عدا ذلك فمختلف فيه. وإذا كان مختلفًا فيه، وكان الماسح بكفيه داخلا في عموم الآية كان خارجًا مما لزمه من فرض ذلك"(5).
قال ابن كثير: " التيمم بدل عن الوضوء في التطهر به، لا أنه بدل منه في جميع أعضائه، بل يكفي مسح الوجه واليدين فقط بالإجماع"(6).
واختلفوا في جواز التيمم في الجنابة على قولين:
أحدهما: يجوز، وهو قول الجمهور (7).
والثاني: لا يجوز وهو قول عمر (8)، وابن مسعود (9)، وإبراهيم النخعي (10).
والراجح-والله أعلم- هو قول الجمهور، أي:" أن الجنب ممن أمره الله بالتيمم إذا لم يجد الماء، والصلاةِ بقوله: {أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا} "(11).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 43]، أي:" إن الله تعالى كان كثير العفو يتجاوز عن سيئاتكم، ويسترها عليكم"(12).
قال الزجاج: " أي يقبل منكم العفو ويغفر لكم، لأن قبوله التيمم تسهيل عليكم"(13).
قال الطبري: أي: " إن الله لم يزل عفوا، عن ذنوب عباده، وتركه العقوبة على كثير منها ما لم يشركوا به، كما عفا لكم، أيها المؤمنون، عن قيامكم إلى الصلاة التي فرضها عليكم في مساجدكم وأنتم سكارى " غفورًا "، يقول: فلم يزل يستر عليهم ذنوبهم بتركه معاجلتهم العذابَ على خطاياهم، كما ستر عليكم، أيها المؤمنون، بتركه معاجلتكم على صلاتكم في مساجدكم سكارى. يقول: فلا تعودوا لمثلها، فينالكم بعودكم لما قد نهيتكم عنه من ذلك، مُنَكِّلَة"(14).
قال سلمة بن وهرام صاحب طاوس: " أن الله تبارك وتعالى إنما سمى نفسه «العفو»، ليعفو، و «الغفور»، ليغفر"(15).
قال سعيد بن المسيب: " ليس شيء أحب إلي من عفو"(16).
(1) سنن الدارقطني (1/ 180). قال ابن كثير: 2/ 319: " لا يصح؛ لأن في أسانيده ضعفاء لا يثبت الحديث بهم".
(2)
سنن أبي داود برقم (331). قال ابن كثير في تفسيره: 2/ 319: " في إسناده محمد بن ثابت العَبْدي، وقد ضعفه بعض الحفاظ، ورواه غيره من الثقات فوقفوه على فعل ابن عمر، قال البخاري وأبو زرعة وابن عَدِي: هو الصواب. وقال البيهقي: رفع هذا الحديث منكر".
(3)
انظر: تفسير الطبري (9669): ص 8/ 418.
(4)
انظر: تفسير الطبري (9670): ص 8/ 418.
(5)
تفسير الطبري: 8/ 419 - 420.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 319.
(7)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 420، والنكت والعيون: 1/ 492.
(8)
انظر: تفسير الطبري (9672): ص 8/ 421 - 422.
(9)
انظر: تفسير الطبري (9671): ص 8/ 420 - 421.
(10)
انظر: تفسير الطبري (9673): ص 8/ 422.
(11)
تفسير الطبري: 8/ 422.
(12)
التفسير الميسر: 85.
(13)
معاني القرآن: 2/ 56.
(14)
تفسير الطبري: 8/ 426.
(15)
أخرجه ابن ابي حاتم (5379): ص 3/ 963.
(16)
أخرجه ابن ابي حاتم (5380): ص 3/ 963.
قال الشيخ السعدي: " وهذه الآية الكريمة منسوخة بتحريم الخمر مطلقا، فإن الخمر -في أول الأمر- كان غير محرم، ثم إن الله تعالى عرض لعباده بتحريمه بقوله:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219].
ثم إنه تعالى نهاهم عن الخمر عند حضور الصلاة كما في هذه الآية، ثم إنه تعالى حرمه على الإطلاق في جميع الأوقات في قوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90] الآية.
ومع هذا فإنه يشتد تحريمه وقت حضور الصلاة لتضمنه هذه المفسدة العظيمة، بعد حصول مقصود الصلاة الذي هو روحها ولبها وهو الخشوع وحضور القلب، فإن الخمر يسكر القلب، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة" (1).
الفوائد:
1 -
ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يقربوا الصلاة وهم سكارى، حتى يعلموا ما يقولون، وهذا شامل لقربان مواضع الصلاة، كالمسجد، فإنه لا يمكن السكران من دخوله. وشامل لنفس الصلاة، فإنه لا يجوز للسكران صلاة ولا عبادة، لاختلاط عقله وعدم علمه بما يقول، ولهذا حدد تعالى ذلك وغياه إلى وجود العلم بما يقول السكران (2).
2 -
منع الدخول في الصلاة في حال النعاس المفرط، الذي لا يشعر صاحبه بما يقول ويفعل، بل لعل فيه إشارة إلى أنه ينبغي لمن أراد الصلاة أن يقطع عنه كل شاغل يشغل فكره، كمدافعة الأخبثين والتوق لطعام ونحوه كما ورد في ذلك الحديث الصحيح (3).
3 -
أن الله تعالى أباح التيمم في حالتين: حال عدم الماء، وهذا مطلقا في الحضر والسفر، وحال المشقة باستعماله بمرض ونحوه.
4 -
وفي الآية وجوب تعميم مسح الوجه واليدين، وأنه يجوز التيمم ولو لم يضق الوقت، وأنه لا يخاطب بطلب الماء إلا بعد وجود سبب الوجوب- والله أعلم-.
5 -
من أسماءه تعالى «العفو» و «الغفور» ، والعفوّ هو الذي له العفو الشامل الذي وسع ما يصدر من عباده من الذنوب، ولا سيما إذا أتوا لما يسبب العفو عنهم من الاستغفار، والتوبة، والإيمان، والأعمال الصالحة فهو سبحانه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.
ومن أسمائه: «الغفور» ، "من أبنية المبالغة؛ فالله عز وجل غفور؛ لأنه يفعل ذلك لعباده مرة بعد مرة إلى ما لا يحصى، فجاءت هذه الصفة على أبنية المبالغة لذلك، وهو متعلق بالمفعول؛ لأنه لا يقع الستر إلا بمستور يستر ويغطى، وليست من أوصاف المبالغة في الذات، إنما هي من أوصاف المبالغة في الفعل"(4).
القرآن
التفسير:
ألم تعلم -أيها الرسول- أمر اليهود الذين أُعطوا حظًّا من العلم مما جاءهم من التوراة، يستبدلون الضلالة بالهدى، ويتركون ما لديهم من الحجج والبراهين، الدالة على صدق رسالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ويتمنون لكم -أيها المؤمنون المهتدون- أن تنحرفوا عن الطريق المستقيم; لتكونوا ضالين مثلهم.
في سبب نزول الآيات [44 - 46]:
أخرج الطبري وابن أبي حاتم (5)، عن ابن عباس قال:"كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظمائهم - يعني من عظماء اليهود إذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه وقال: راعنا سمعَك، يا محمد حتى نفهمك! ثم طعن في الإسلام وعابه، فأنزل الله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ}، إلى قوله: {فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} (6) "(7).
(1) تفسير السعدي: 179.
(2)
انظر: تفسير السعدي: 179.
(3)
انظر: تفسير السعدي: 179.
(4)
اشتقاق أسما الله، الزجاجي:93.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5381): ص 3/ 963.
(6)
[سورة النساء: 46].
(7)
تفسير الطبري (9689): ص 8/ 427، و (9690): ص 8/ 428
وفي السياق نفسه: أخرج الطبري عن عكرمة: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} ، إلى قوله:{يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} (1)، قال: نزلت في رفاعة بن زيد بن السائب اليهودي" (2).
وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله عز وجل: " {من الذين هادوا} الآية، قال: كان رجلان من اليهود، يقال لأحدهما: مالك بن الضيف والآخر: رفاعة بن زيد، إذا لقيا النبي صلى الله عليه وسلم، قالا له، وهما يكلمانه: راعنا سمعك، واسمع غير مسمع، كقولك: اسمع غير صاغر، فظن المسلمون أن هذا شيء كان أهل الكتاب يعظمون به أنبياءهم قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم للنبي مثل ذلك، فنهوا عن ذلك، فأنزل الله جل وعز: {يأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا} "(3).
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: "وكان كردم بن زيد حليف كعب بن الأشرف وأسامة بن حبيب، ورافع بن أبي رافع، وبحر بن عمرو، وحيي بن أخطب، ورفاعة بن زيد يأتون رجالا من الأنصار يخالطونهم وينصحون لهم من أصحاب محمد، فيقولون: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون، فأنزل الله تعالى: {ويريدون أن تضلوا السبيل والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا} (4) "(5).
وقال مقاتل: " {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا}
…
وهم اليهود، منهم: إصبع، ورافع ابنا حريملة، وهما من أحبار اليهود، {ويريدون أن تضلوا السبيل} ، يعني: أن تخطئوا قصد طريق الهدى كما أخطأوا الهدى، نزلت في عبد الله بن أبي، ومالك بن دخشم حين دعوهما إلى دين اليهودية وعيروهما بالإسلام وزهدوهما فيه وفيهما نزلت" (6).
وأخرج الطبري عن عبيد بن سليمان قال: "سمعت الضحاك يقول في قوله: {راعنا ليًّا بألسنتهم}، كان الرجل من المشركين يقول: أرعني سمعك! يلوي بذلك لسانه، يعني: يحرِّف معناه"(7).
قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} [النساء: 44]، أي:" ألم تعلم -أيها الرسول- أمر اليهود الذين أُعطوا حظًّا من العلم مما جاءهم من التوراة"(8).
قال مقاتل: " ألم تر إلى فعل الذين أعطوا {نصيبا}، يعني حظا {من الكتاب}، يعني: التوراة"(9).
قال أبو عبيدة: " {نصيبا من الكتاب} قال: طرفا وخطا"(10).
قال أبو مالك: " {نصيبا}، يعني: حظا"(11)، " {من الكتاب}، قال: من التوراة"(12).
قال الزمخشري: " {ألم تر}، من رؤية القلب، وعدى بـ {إلى}، على معنى: ألم ينته علمك إليهم؟ أو بمعنى: ألم تنظر إليهم؟ {أوتوا نصيبا من الكتاب}، حظا من علم التوراة، وهم أحبار اليهود"(13).
قال أبو هلال العسكري: " وقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ}، معناه: ألم تخبر بذلك، وهذا أيضا يرجع إلى معنى العلم، لأنه إذا أخبر به فقد علمه، ويجوز أن يكون تعجيبا منهم كما تقول لصاحبك: ألم تر إلى فلان كيف أُحسن إليه ويجفو بي ونحو ذلك"(14).
قوله تعالى: {يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ} [النساء: 44]، أي:" ويستبدلون الضلالة بالهدى"(15).
قال أبو العالية: " اختاروا الضلالة"(16).
(1)[سورة النساء: 46].
(2)
تفسير الطبري (9688): ص 8/ 427.
(3)
تفسير ابن المنذر (1837): ص 2/ 733.
(4)
[سورة النساء: الآيات 44 - 45].
(5)
تفسير ابن أبي حاتم (5387): ص 3/ 964.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 375 - 376
(7)
تفسير الطبري (9704): ص 8/ 436.
(8)
التفسير الميسر: 85.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 375.
(10)
أخرجه ابن المنذر (1828): ص 2/ 730.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (5382): ص 3/ 964.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (5383): ص 3/ 964.
(13)
الكشاف: 1/ 515.
(14)
الوجوه والنظائر: 237.
(15)
التفسير الميسر: 85.
(16)
أخرجه ابن أبي حاتم (5384): ص 3/ 964.
قال قتادة: " هم أعداء الله اليهود، اشتروا الضلالة، يقول: استحبوها"(1).
قال ابن عباس: " الضلالة أي: الكفر"(2).
قال مقاتل: " يعني باعوا إيمانا بمحمد- صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، بتكذيب بمحمد- صلى الله عليه وسلم بعد بعثته، وهم اليهود منهم إصبع، ورافع ابنا حريملة، وهما من أحبار اليهود"(3).
قال الزمخشري: أي: " يستبدلونها بالهدى، وهو البقاء على اليهودية، بعد وضوح الآيات لهم على صحة نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه هو النبي العربي المبشر به في التوراة والإنجيل"(4).
قال الراغب: " واشتراء الضلالة بالهدى: استبدالها به بغد حصوله، والرغبة في الضلالة بعد التمكن من الهدى، وقد أعاد تعالى هذا المعنى في مواضع تحذيرا منهم، وتخويفا من الاغترار بهم، وعلى ذلك قوله من قبل: {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27]، ونحوه قوله: {وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77] "(5).
قوله تعالى: {وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ} [النساء: 44]، "أي: ويريدون لكم يا معشر المؤمنين أن تضلوا طريق الحق لتكونوا مثلهم" (6).
قال مقاتل: " يعني: أن تخطئوا قصد طريق الهدى كما أخطأوا الهدى"(7).
قال الزمخشري: أي: " أنتم أيها المؤمنون سبيل الحق كما ضلوه، وتنخرطوا في سلكهم لا تكفيهم ضلالتهم بل يحبون أن يضل معهم غيرهم"(8).
وقرئ: {أن يضلوا} ، بالياء بفتح الضاد وكسرها (9).
الفوائد:
1 -
الآية ذم لليهود وفي ضمنه تحذير عباده عن الاغترار بهم، والوقوع في أشراكهم.
2 -
بيان مكر اليهود بالمؤمنين بالعمل على إضلالهم في عهد النبوة وإلى اليوم.
القرآن
{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (45)} [النساء: 45]
التفسير:
والله سبحانه وتعالى أعلم منكم -أيها المؤمنون- بعداوة هؤلاء اليهود لكم، وكفى بالله وليًّا يتولاكم، وكفى به نصيرًا ينصركم على أعدائكم.
قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ} [النساء: 45]، أي:"والله سبحانه وتعالى أعلم بعداوة هؤلاء اليهود الضَّالين منكم"(10).
قال مقاتل: " يعني: بعداوتهم إياكم، يعني: اليهود"(11).
قال الزجاج: " أي هو أعرف بهم فهو يعلمكم ما هم عليه"(12).
قال ابن كثير: " أي: هو يعلم بهم ويحذركم منهم"(13).
قال الثعلبي: أي: " فلا تستنصحوهم فإنهم أعداؤكم، ويجوز أن يكون أعلم بمعنى عليم [كقوله تعالى: {وَهُوَ أَهْوَنُ} (14) عليه"(15).
(1) أخرجه ابن المنذر (1829): ص 2/ 730.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (5386): ص 3/ 964.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 376.
(4)
الكشاف: 1/ 515 - 516.
(5)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1257 - 1258.
(6)
صفوة التفاسير: 256.
(7)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 376.
(8)
الكشاف: 1/ 516.
(9)
انظر: الكشاف: 1/ 516، وتفسير الثعلبي: 3/ 323.
(10)
انظر: صفوة التفاسير: 256، والتفسير الميسر:86.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 376.
(12)
معاني القرىن: 2/ 57.
(13)
تفسير ابن كثير: 2/ 323.
(14)
[سورة الروم: 27].
(15)
تفسير الثعلبي: 3/ 323.
قال الزمخشري: " وقد أخبركم بعداوة هؤلاء، وأطلعكم على أحوالهم وما يريدون بكم فاحذروهم ولا تستنصحوهم في أموركم ولا تستشيروهم"(1).
قوله تعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا} [النساء: 45]، أي:" وكفى بالله وليًّا يتولاكم، وكفى به نصيرًا ينصركم على أعدائكم"(2).
قال مقاتل: " فلا ولي أفضل من الله- عز وجل، فلا ناصر أفضل من الله- جل ذكره-"(3).
قال ابن كثير: " أي: كفى به وليا لمن لجأ إليه، ونصيرا لمن استنصره"(4).
قال الطبري: " يقول: وحسبكم بالله ناصرًا لكم على أعدائكم وأعداء دينكم، وعلى من بغاكم الغوائل، وبغى دينكم العَوَج"(5).
قال السعدي: " أي: يتولى أحوال عباده ويلطف بهم في جميع أمورهم، وييسر لهم ما به سعادتهم وفلاحهم، {وكفى بالله نصيرا} ينصرهم على أعدائهم ويبين لهم ما يحذرون منهم ويعينهم عليهم. فولايته تعالى فيها حصول الخير، ونصره فيه زوال الشر"(6).
قال الصابوني: أي: " أي: حسبكم أن يكون الله ولياً وناصراً لكم فثقوا به واعتمدوا عليه وحده فهو تعالى يكفيكم مكرهم"(7).
قال الزمخشري: أي: " فثقوا بولايته ونصرته دونهم. أو لا تبالوا بهم، فإن الله ينصركم عليهم ويكفيكم مكرهم"(8).
قال الزجاج: " أي: الله ناصركم عليهم. ومعنى «الباء» التوكيد، المعنى: وكفى الله وليا وكفى الله نصيرا، إلا أن «الباء» دخلت في اسم الفاعل، لأن معنى الكلام الأمر، المعنى: اكتفوا بالله"(9).
قال عثمان بن زائدة: "سمعت وهيب بن ورد يقول: قال الله عز وجل: ابن آدم اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت، فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظلمت فاصبر، وارض بنصرتي فإن نصري لك خير من نصرتك لنفسك"(10).
الفوائد:
1 -
حرص اليهود على إضلال المسلمين غاية الحرص، فهم باذلون جهدهم في ذلك.
2 -
في كفاية الله للمؤمنين ونصرته ما يغنيهم أن يطلبوا ذلك من أحد غير ربهم عز وجل.
3 -
إثبات اسمين من أسماءه تعالى، وهما:«المولى» «والنصير» :
يوصف الله عز وجل بأنه ولي الذين آمنوا ومولاهم، و «الولي» و «المولى»: اسمان لله تعالى، قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى:{الله ولي الذين آمنوا} [البقرة: 257]: "نصيرهم وظهيرهم؛ يتولاهم بعونه وتوفيقه"(11).
جاء في الحديث: "اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها"(12).
ويوصف الله عز وجل بأنه «الناصر» و «النصير» ، واللَّه عز وجل هو النصير الذي ينصر عباده المؤمنين ويعينهم.
و«النصير» : فعيل بمعنى فاعل أو مفعول؛ لأن كل واحد من المتناصرين ناصرٌ ومنصورٌ وقد نصره ينصره نصراً، إذا أعانه على عدوه وشدّ منه (13)، واللَّه عز وجل النصير، ونصره ليس كنصر المخلوق:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11](14).
(1) الكشاف: 1/ 516.
(2)
التفسير الميسر: 86.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 376.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 323.
(5)
تفسير الطبري: 8/ 430.
(6)
تفسير السعدي: 180.
(7)
صفوة التفاسير: 256.
(8)
الكشاف: 1/ 516.
(9)
معاني القرىن: 2/ 57.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (5389): ص 3/ 965.
(11)
تفسير الطبري: 5/ 424.
(12)
رواه مسلم (2722).
(13)
انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، 5/ 64 ..
(14)
الأسماء والصفات للبيهقي، بتحقيق الشيخ عماد الدين أحمد، 1/ 127 - 128.
جاء في الحديث: " "اللهم أنت عضدي، وأنت نصيري، بك أحول وبك أصول وبك أقاتل" (1).
قال أهل العلم: «الناصر» : ليس من أسماء الله تعالى، وعليه؛ فلا يصح التعبد به؛ مثل: عبد الناصر" (2).
القرآن
التفسير:
من اليهود فريق دأبوا على تبديل كلام الله وتغييره عمَّا هو عليه افتراء على الله، ويقولون للرسول صلى الله عليه وسلم: سمعنا قولك وعصينا أمرك واسمع منَّا لا سمعت، ويقولون: راعنا سمعك أي: افهم عنا وأفهمنا، يلوون ألسنتهم بذلك، وهم يريدون الدعاء عليه بالرعونة حسب لغتهم، والطعن في دين الإسلام. ولو أنهم قالوا: سمعنا وأطعنا، بدل و «عصينا» ، واسمع دون «غير مسمع» ، وانظرنا بدل «راعنا» لكان ذلك خيرًا لهم عند الله وأعدل قولا ولكن الله طردهم من رحمته; بسبب كفرهم وجحودهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يصدقون بالحق إلا تصديقًا قليلا لا ينفعهم.
قوله تعالى: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [النساء: 46]، أي:" من اليهود فريق دأبوا على تبديل كلام الله وتغييره عمَّا هو عليه افتراء على الله"(3).
قال أبو عبيدة: " {من الذين هادوا}، في هذا الموضع: اليهود "(4)، " {يحرفون}: يقلبون، ويغيرون، و {الكلم}: جماعة كلمة " (5).
عن مجاهد، في قوله عز وجل " {يحرفون الكلم عن مواضعه}: تبديل اليهود التوراة " (6).
وقال إبراهيم: " كان ينزل عليهم يا بني رسلي، يا بني أحباري، قال: فحرفوه وجعلوه يا بني أبكاري"(7).
قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} [النساء: 46]، أي:" ويقولون للرسول صلى الله عليه وسلم: سمعنا قولك وعصينا أمرك"(8).
قال البغوي: " أي: {ويقولون سمعنا} قولك، {وعصينا} أمرك"(9).
عن مجاهد، في قوله عز وجل:" {سمعنا وعصينا} ما تقول، ولا نطيعك "(10).
قوله تعالى: {وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} [النساء: 46]، أي: واسمع ما نقول لا سمعت" (11).
قال البغوي: " أي: اسمع منا ولا نسمع منك"(12).
قال الطبري: " وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن اليهود الذين كانوا حوالَيْ مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم في عصره: أنهم كانوا يسبّون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤذونه بالقبيح من القول، ويقولون له: اسمع منا غير مسمع، كقول القائل للرجل يَسُبُّه: اسمع، لا أسمعَك الله "(13).
قال الزجاج: " كانت إليهود - لعنت - تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: اسمع، وتقول في أنفسها لا أسمعت.
(1) صحيح. رواه: أبو داود (2632)، والترمذي (صحيح سنن الترمذي/2836)، وغيرهما. وصححه الألباني في "الكلم الطيب":(126) ..
(2)
صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة: 336.
(3)
التفسير الميسر: 86.
(4)
أخرجه ابن المنذر (1830): ص 2/ 731.
(5)
أخرجه ابن المنذر (1833): ص 2/ 731.
(6)
أخرجه ابن المنذر (1831): ص 2/ 731.
(7)
أخرجه ابن المنذر (1832): ص 2/ 731.
(8)
التفسير الميسر: 86.
(9)
تفسير البغوي: 2/ 230.
(10)
أخرجه ابن المنذر (1834): ص 2/ 732.
(11)
صفوة التفاسير: 257.
(12)
تفسير البغوي: 2/ 230.
(13)
تفسير الطبري: 8/ 433.
وقيل غير مسمع، غير مجاب إلى ما تدعو إليه" (1).
عن مجاهد: " {واسمع غير مسمع}: غير مقبول ما تقول "(2).
وفي قوله تعالى: {وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} [النساء: 46]، قولان:
إحداهما: معناه: اسمع لا سمعت، وهو قول ابن عباس (3)، وابن زيد (4).
والثاني: أنه غير مقبول منك، وهو قول الحسن (5)، ومجاهد (6)، والسدي (7).
قوله تعالى: {وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ} [النساء: 46]، أي:" ويقولون: راعنا سمعك، يلوون ألسنتهم بذلك، وهم يريدون الدعاء عليه بالرعونة، والطعن في دين الإسلام"(8).
قال البغوي: " أي: ويقولون راعنا، يريدون به النسبة إلى الرعونة، تحريفا بالسنتهم، وقدحا {في الدين}، لأن قوله: {وراعنا}، من المراعاة، وهم يحرفونه، يريدون به الرعونة "(9).
قال الطبري: أي: " أي: راعنا سمعك، افهم عنّا وأفهمنا، تحريكًا منهم بألسنتهم بتحريف منهم لمعناه إلى المكروه من معنييه، واستخفافًا منهم بحق النبي صلى الله عليه وسلم، وطعنًا في الدين"(10).
قال محمد بن إسحاق: " أي: أرعنا سمعك "(11).
قال الحسن: " الراعن من القول: السخري منه"(12).
قال ابن عباس: " {ليا بألسنتهم}: تحريفا بالكذب"(13).
قال ابن قتيبة: " {لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ}، أي: قلبا للكلام بها"(14).
قال مجاهد: " {ليا بألسنتهم}، : يلوون ألسنتهم"(15)، وفي رواية اخرى:" {ليا}: خلافا يكون بألسنتهم"(16).
قال عطاء: " يلوي بذلك لسانه ويطعن في الدين"(17).
قال قتادة: "كانت اليهود يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: " راعنا سمعك "! يستهزئون بذلك، فكانت اليهود قبيحة أن يقال: راعنا سمعك، {ليًّا بألسنتهم}، والليّ: تحريكهم ألسنتهم بذلك، وطعنًا في الدين "(18).
قال السدي: " قوله عز وجل "{ليا بألسنتهم} قال: الكلام شبه الاستهزاء {وطعنا في الدين} ، قال: في دين محمد عليه السلام " (19).
قال الزجاج: " {ليا بألسنتهم}، أي: يفعلون ذلك معاندة للحق وطغيانا في الدين، وأصل {ليا}، لويا، ولكن الواو أدغمت في الياء لسبقها بالسكون"(20).
قال الراغب: " اللي: أصله الفتل فاستعير لصرف الإنسان عما يريده، وصرف الكلام من وجه إلى وجه استعارة الجدل في الجدال، ومنه لي الغريم، ولواء الجيش لكونه في الأصل خيطا ملويا. واللوى: الملوئ من الرمل؛ لا يصنعه البشر"(21).
(1) معاني القرآن: 2/ 58.
(2)
أخرجه ابن المنذر (1836): ص 2/ 732.
(3)
انظر: تفسير الطبري (9698): ص 8/ 434.
(4)
انظر: تفسير الطبري (9697): ص 8/ 433 - 434.
(5)
انظر: تفسير الطبري (9701): ص 8/ 434.
(6)
انظر: تفسير الطبري (9699)، و (9700): ص 8/ 434.
(7)
انظر: تفسير الطبري (9702): ص 8/ 4334 - 435.
(8)
التفسير الميسر: 86.
(9)
تفسير البغوي: 2/ 230.
(10)
تفسير الطبري: 8/ 435.
(11)
أخرجه ابن المنذر (1839): ص 2/ 734.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (5400): ص 3/ 966.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (5401): ص 3/ 967.
(14)
تأويل مشكل القرآن: 218.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (5402): ص 3/ 967.
(16)
اأخرجه ابن المنذر (1841): ص 2/ 734.
(17)
أخرجه ابن أبي حاتم (5404): ص 3/ 967.
(18)
اأخرجه الطبري (9703): ص 8/ 435، وأخرجه ابن المنذر (1842): ص 2/ 734، مختصرا.
(19)
اأخرجه ابن المنذر (1840): ص 2/ 734.
(20)
معاني القرآن: 2/ 59.
(21)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1259.
وفي قوله تعالى: {وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ} [النساء: 46]، ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن هذه الكلمة كانت سَبّاً في لغتهم، كانوا يسبون النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة، فأطلع الله نبيّه عليها فنهاهم عنها. حكاه الزجاج عن بعضهم (1).
والثاني: أنها كانت تجري مجرى الهُزْءِ والسخري. وهذا قول ابن عباس (2)، وقتادة (3)، والسدي (4)، واختيار الزجاج (5).
والثالث: إنها كانت تخرج مخرج الكِبْر، " كأنهم يقولون: ارعنا سمعك أي اجعل كلامك لسمعنا مرعى. حكاه الزجاج عن بعضهم (6).
قال الزجاج: " وهذا مما لا تخاطب به الأنبياء - صلوات الله عليهم –، إنما يخاطبون بالإجلال والإعظام"(7).
قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النساء: 46]، أي:" ولو أنهم قالوا: سمعنا وأطعنا عوضا عن قوله سمعنا وعصينا"(8).
قال مقاتل بن حيان: " سمعنا للقرآن الذي جاد من الله، وأطعنا: أقروا لله أن يطيعوه في أمره ونهيه"(9).
قوله تعالى: {وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا} [النساء: 46]، أي:" واسمع وانظرنا، عوضاً عن قولهم غير مسمع وراعنا"(10).
قال مجاهد: " {انظرنا}: أفهمنا"(11)، وفي رواية:"أفهمنا وبين لنا يا محمد "(12)، وفي رواية أخرى:"يقولون: أفهمنا لا تعجل علينا سوف نتبعك إن شاء الله"(13).
قوله تعالى: {لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ} [النساء: 46]، "أي: لكان ذلك القول خيراً لهم عند الله وأعدل وأصوب" (14).
قال الزمخشري: أي: " لكان قولهم ذلك خيرا لهم وأقوم وأعدل وأسد"(15).
قال ابن عطية: " {أقوم}، معناه: أعدل وأصوب"(16).
قوله تعالى: {وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} [النساء: 46]، " أي: ولكن أبعدهم الله عن الهدى وعن رحمته بسبب كفرهم السابق " (17).
قال الزمخشري: أي: " ولكن لعنهم الله بكفرهم أى خذلهم بسبب كفرهم، وأبعدهم عن ألطافه"(18).
قال ابن عطية: " «واللعنة»: الإبعاد، فمعناه: أبعدهم من المهدي"(19).
قوله تعالى: {فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 46]، " أي: فلا يصدقون بالحق إلا تصديقًا قليلا" (20).
قال قتادة: " لا يؤمنون هم إلا قليلا"(21).
(1) انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 58، والنكت والعيون: 1/ 493.
(2)
انظر: تفسير الطبري (9705): ص 8/ 436.
(3)
انظر: تفسير الطبري (9703): ص 8/ 435.
(4)
انظر: تفسير ابن المنذر (1840): ص 2/ 734.
(5)
انظر: معاني القرآن: 2/ 58.
(6)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 58 - 59، والنكت والعيون: 1/ 493.
(7)
معاني القرآن: 2/ 59.
(8)
انظر: التفسير الميسر: 86، وصفوة التفاسير: 257
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (5406): ص 3/ 967.
(10)
انظر: التفسير الميسر: 86، وصفوة التفاسير: 257
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (5407): ص 3/ 967.
(12)
أخرجه ابن المنذر (1844): ص 2/ 735.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم 85407): ص 3/ 967.
(14)
صفوة التفاسير: 257.
(15)
الكشاف: 1/ 518.
(16)
المحرر الوجيز: 2/ 62.
(17)
صفوة التفاسير: 257.
(18)
الكشاف: 1/ 518.
(19)
المحرر الوجيز: 2/ 62.
(20)
انظر: التفسير الميسر: 86.
(21)
أخرجه ابن المنذر (1845): ص 2/ 735.
وقال الكلبي: "لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم "(1).
قال الزجاج: " أي: فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا، لا يجب به أن يسموا المؤمنين، وقيل: أي: إلا قليلا منهم، فإنهم آمنوا"(2).
قال البغوي: أي: " إلا نفرا قليلا منهم، وهو عبد الله بن سلام ومن أسلم معه منهم"(3).
قال الزمخشري: أي: " فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا أى ضعيفا ركيكا لا يعبأ به، وهو إيمانهم بمن خلقهم مع كفرهم بغيره، أو أراد بالقلة العدم، كقوله (4):
قَلِيلُ التَّشَكِّي للمُهِمِّ يُصِيبُهُ
…
[كَثيرُ الهَوَى شَتَّى النَّوَى والمَسَالِك]
أى عديم التشكي، أو إلا قليلا منهم قد آمنوا" (5).
قال ابن عطية: " {قليلا}: نعت، إما لإيمان وإما لنفر أو قوم، والمعنى مختلف، فمن عبر بالقلة عن الإيمان قال: إما هي عبارة عن عدمه على ما حكى سيبويه من قولهم: أرض قل ما تنبت كذا، وهي لا تنبته جملة، وإما قلل الإيمان لما قلت الأشياء التي آمنوا بها فلم ينفعهم ذلك، وذلك أنهم كانوا يؤمنون بالتوحيد ويكفرون بمحمد وبجميع أوامر شريعته ونواهيها، ومن عبر بالقلة عن النفر قال: لا يؤمن منهم إلا قليل، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، وغيرهما، وإذا قدرت الكلام نفرا قليلا، فهو نصب في موضع الحال وفي هذا نظر"(6).
الفوائد:
1 -
أن من صفات اليهود: تحريف الكلم عن مواضعه، إذ بين الله تعالى كيفية ضلال علماء اليهود وعنادهم وإيثارهم الباطل على الحق فقال:{من الذين هادوا حرفون الكلم عن مواضعه} .
2 -
أن تحريف اليهود يكمن في تغيير اللفظ أو المعنى، أو هما جميعا. فمن تحريفهم تنزيل الصفات التي ذكرت في كتبهم التي لا تنطبق ولا تصدق إلا على محمد صلى الله عليه وسلم على أنه غير مراد بها، ولا مقصود بها بل أريد بها غيره، وكتمانهم ذلك، فهذا حالهم في العلم أشر حال، قلبوا فيه الحقائق، ونزلوا الحق على الباطل، وجحدوا لذلك الحق، وأما حالهم في العمل والانقياد فإنهم {يقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين} .
3 -
أن الله تعالى طرد اليهود من رحمته بسبب كفرهم وعنادهم، فقال:{ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا} .
4 -
إن التحريف من دأب اليهود، قال الشيخ ابن عثيمين:" فكل من حرف نصوص الكتاب والسنة، ففيه شبه من اليهود، فأحذر هذا، ولا تتشبه بالمغضوب عليهم الذين جعل الله منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، لا تحرف، بل فسر الكلام على ما أراد الله ورسوله"(7).
5 -
أن الإيمان القليل لا يجدي صاحبه ولا ينفعه بحال.
(1) أخرجه ابن المنذر (1846): ص 2/ 735.
(2)
معاني القرآن: 2/ 59.
(3)
تفسير البغوي: 2/ 230.
(4)
لتأبط شرا، يمدح شمس بن مالك من رؤساء العرب. انظر: حماسة أبي تمام 1/ 47. وقيل لأبى كبير الهذلي يمدح تأبط شرا. والمعنى: أنه عديم التشكي ليظهر المدح. أى لا يشتكى لأجل المهم حال كونه يصيبه. كثير هوى النفس. والشت كالشتات في الأصل مصدر، ويستعملان بمعنى المتفرق المنتشر. وروى نشر النوى، وهو بمعناه. وروى شتى النوى وهو جمع شتيت، أى متفرق مختلف، أى نواه ومسالكه شتى أى كثيرة مختلفة. والنوى: اسم جمع نواة، وهي نية المسافر، ويطلق على البعد أيضا فهو مذكر، ويطلق على نية المسافر فيؤنث. والموماة: المفازة لا ماء بها ..
(5)
الكشاف: 1/ 518 قال أبو حيان: ما ذكره من أنَّ القليل يراد به العدم" صحيح في نفسه، لكن ليس هذا التركيب الاستثنائي من تراكيبه. فإذا قلت: لا أقوم إلا قليلا، لم يوضع هذا لانتفاء القيام ألبتة، بل هذا يدل على انتفاء القيام منك إلا قليلا فيوجد منك. وإذا قلت: قلما يقوم أحد إلا زيد، وأقل رجل يقول ذلك احتمل هذا، أن يراد به التقليل المقابل للتكثير، واحتمل أن يراد به النفي المحض. وكأنك قلت: ما يقوم أحد إلا زيد، وما رجل يقول ذلك. إما أن تنفي ثم توجب ويصير الإيجاب بعد النفي يدل على النفي، فلا إذ تكون إلا وما بعدها على هذا التقدير، جيء بها لغوا لا فائدة فيه، إذ الانتفاء قد فهم من قولك: لا أقوم. فأي فائدة في استثناء مثبت يراد به الانتفاء المفهوم من الجملة السابقة؟ وأيضا، فإنه يؤدي إلى أن يكون ما بعد إلا موافقا لما قبلها في المعنى. وباب الاستثناء لا يكون فيه ما بعد إلا موافقا لما قبلها، وظاهر قوله: فلا يؤمنون إلا قليلا، إذا جعلناه عائدا إلى الإيمان، أن الإيمان يتجزأ بالقلة والكثرة، فيزيد وينقص، والجواب: أن زيادته ونقصه هو بحسب قلة المتعلقات وكثرتها". [البحر المحيط: 3/ 664 - 665] ..
(6)
المحرر الوجيز: 2/ 62.
(7)
شرح العقيدة الواسطية: 1/ 118.
القرآن
التفسير:
يا أهل الكتاب، صدِّقوا واعملوا بما نزَّلنا من القرآن، مصدقًا لما معكم من الكتب من قبل أن نأخذكم بسوء صنيعكم، فنمحو الوجوه ونحولها قِبَلَ الظهور، أو نلعن هؤلاء المفسدين بمسخهم قردة وخنازير، كما لعنَّا اليهود مِن أصحاب السبت، الذين نُهوا عن الصيد فيه فلم ينتهوا، فغضب الله عليهم، وطردهم من رحمته، وكان أمر الله نافذًا في كل حال.
في سبب نزول الآية وجهان:
أحدها: أخرج الطبري وابن أبي حاتم (1)، عن السدي:" {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} إلى قوله: {كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ}، قال: نزلت في مالك بن الصَّيِّف، ورفاعة بن زيد بن التابوت، من بني قينقاع"(2).
والثاني: أخرج الطبري ابن عباس قال: "كلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود: منهم عبد الله بن صوريا، وكعب بن أسد فقال لهم: «يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا! فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحقٌّ! فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمد! وجحدوا ما عرفوا، وأصرّوا على الكفر» (3)، فأنزل الله فيهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا}، الآية"(4). وروي عن عكرمة نحو ذلك (5).
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [النساء: 47]، أي:" يا أهل الكتاب"(6).
قال الطبري: يعني: " اليهود من بني إسرائيل، الذين كانوا حوالَيْ مهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله لهم: يا أيها الذين أنزل إليهم الكتاب فأعطوا العلم به"(7).
قال الماوردي: " يعني اليهود والنصارى"(8).
قال ابو السعود: " تلوين للخطاب وتوجيه له إما إلى من حكيت أحوالهم وأقوالهم خاصة بطريق الالتفات ووصفهم تارة بإيتاء الكتاب أي التوراة وأخرى بإيتاء نصيب منها لتوفية كل من المقامين حقه فإن المقصود فيما سبق بيان أخذهم الضلالة وإزالة ما أوتوه بمقابلتها بالتحريف وليس ما أزالوه بذلك كلها حتى يوصفوا بإيتائه بل هو بعضها فوصفوا بإيتائه وأما ههنا فالمقصود تأكيد إيجاب الامتثال بالأمر الذي يعقبه والتحذير عن مخالفته من حيث أن الإيمان بالمصدق موجب للإيمان بما يصدقه والكفر بالثاني مقتض للكفر بالأول قطعا ولا ريب في أن المحذور عندهم إنما هو لزوم الكفر بالتوراة نفسها لا ببعضها وذلك إنما يتحقق بجعل القرآن مصدقا لكلها وإن كان مناط التصديق بعضا منها ضرورة أن مصدق البعض مصدق للكل المتضمن له حتما وإما إليهم وإلى غيرهم قاطبة وهو الأظهر وأياما كان فتفصيل ما فصل لما كان من مظان إقلاع كل من الفريقين عما كانوا عليه من الضلالة"(9).
قوله تعالى: {آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} [النساء: 47]، أي:" صدِّقوا واعملوا بما نزَّلنا من القرآن، مصدقًا لما معكم من الكتب"(10).
قال الطبري: أي: " صدِّقوا بما نزلنا إلى محمد من الفرقان، محقِّقًا للذي معكم من التوراة التي أنزلتها إلى موسى بن عمران"(11).
قال ابن كثير: " يقول تعالى - آمرا أهل الكتاب بالإيمان بما نزل على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب العظيم الذي فيه تصديق الأخبار التي بأيديهم من البشارات"(12).
(1) انظظر: تفسير ابن ابي حاتم (5410): ص 3/ 968.
(2)
تفسير الطبري (9721): ص 8/ 442.
(3)
صحيح البخاري: 4/ 260 بتفاوت ..
(4)
تفسير الطبري (9724): ص 8/ 445 - 446.
(5)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5411): ص 3/ 968.
(6)
التفسير الميسر: 86.
(7)
تفسير الطبري: 8/ 440.
(8)
النكت والعيون: 1/ 494.
(9)
تفسير أبي السعود: 2/ 185.
(10)
التفسير الميسر: 86.
(11)
تفسير الطبري: 8/ 440.
(12)
تفسير ابن كثير: 2/ 324.
قال أبو السعود: " عبّر عنه [أي القرآن] بالموصول، تشريفا له بما في حيز الصلة وتحقيقا لكونه من عنده عز وجل، وقوله: {مصدقا لما معكم}، أي: من التوراة، فعبر عنها بذلك للإيذان بكمال وقوفهم على حقيقة الحال فإن المعية المستدعية لدوام تلاوتها وتكرير المراجعة إليها من موجبات العثور على ما في تضاعيفها المؤدي إلى العلم بكون القرآن مصدقا لها ومعنى تصديقه إياها نزوله حسبما نعت لهم فيها أو كونه موافقا لها في القصص والمواعيد والدعوة إلى التوحيد والعدل بين الناس والنهي عن المعاصي والفواحش وأما ما يتراءى من مخالفته لها في جزئيات الأحكام بسبب تفاوت الأمم والأعصار فليست بمخالفة في الحقيقة بل هي عين الموافقة من حيث إن كلا منها حق بالإضافة إلى عصره متضمن للحكمة التي عليها يدور فلك التشريع حتى لو تأخر نزول المتقدم لنزل على وفق المتأخر ولو تقدم نزول المتأخر لوافق المتقدم قطعا ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي» (1) "(2).
قوله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا} [النساء: 47]، أي:" من قبل أن نأخذكم بسوء صنيعكم، فنمحو الوجوه ونحولها قِبَلَ الظهور"(3).
قال القاسمي: " أي: نمحو تخطيط صورها من عين وحاجب وأنف وفم"(4).
قال ابن عباس: " طمسها: أن تعمى"(5).
قال أبو عبيدة: " أي: نسوها حتى تكون كأقفائهم، يقال للريح: طمست آثارنا، أي: محتها، وطمس الكتاب "(6).
قال أبو دريس عائذ الله الخولاني: "كان أبو مسلم معلم كعب، وكان يلومه على إبطائه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: بعثه إليه لينظر أهو هو؟ قال: حتى أتيت المدينة، فإذا تال يقرأ القرآن يقول: {يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها}، فبادرت الماء اغتسل وأني لأمس وجهي مخافة أن يطمس ثم أسلمت"(7).
وقال سهل: " أي: يحول الله عن الهدى والبصيرة إلى طبع الجهالة (8).
قال المراغي: " أي آمنوا قبل أن يحل بكم العقاب من طمس الوجوه والرد على الأدبار: أي من قبل أن نطمس وجوه مقاصدكم التي توجهتم بها من كيد الإسلام، ونردها خاسرة إلى الوراء بإظهار الإسلام ونصره عليكم، وقد كان لهم عند نزول الآية شىء من المكانة والقوة والعلم والمعرفة"(9).
وفي قوله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا} [النساء: 47]، اقوال:
أحدهما: أن طمس الوجوه هو محو آثارها حتى تصير كالأقفاء ونجعل عيونها في أقفائها حتى تمشي القهقرى، وهو قول ابن عباس (10)، وقتادة (11)، وعطية العوفي (12)، وأبي عبيدة (13).
قال ابن كثير: " وهذا أبلغ في العقوبة والنكال، وهذا مثل ضربه الله لهم في صرفهم عن الحق وردهم إلى الباطل ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سبل الضلالة يهرعون ويمشون القهقرى على أدبارهم، وهذا كما قال بعضهم في قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ. وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ} [يس 8، 9] إن هذا مثل سوء ضربه الله لهم في ضلالهم ومنعهم عن الهدى"(14).
(1) الحديث: " لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني". أخرجه أحمد (14685): ص 3/ 338، وفي (15223): ص 3/ 387، والدارمي (435).
(2)
تفسير أبي السعود: 2/ 185.
(3)
التفسير الميسر: 86.
(4)
محاسن التأويل: 3/ 143.
(5)
أخرجه ابن ابي حاتم (5412): ص 3/ 968.
(6)
أخرجه ابن المنذر (1850): ص 2/ 737.
(7)
أخرجه ابن ابي حاتم (5413): ص 3/ 969.
(8)
اتفسير التستري: 54.
(9)
تفسير المراغي: 5/ 56.
(10)
انظر: تفسير الطبري (9713): ص 8/ 440.
(11)
انظر: تفسير الطبري (9716): ص 8/ 441.
(12)
انظر: تفسير الطبري (9714)، و (9715): ص 8/ 441.
(13)
انظر: تفسير ابن المنذر (1850): ص 2/ 737.
(14)
تفسير ابن كثير: 2/ 324.
والثاني: أن نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها، أي في ضلالها ذمّاً لها بأنها لا تصلح أبداً، وهذا قول الحسن (1)، والضحاك (2)، ومجاهد (3)، والسدي (4)، وسهل التستري (5).
قال الزجاج: " المعنى: قبل أن نضلهم مجازاة لما هم عليه من المعاندة، فنضلهم ضلالا لا يؤمنون معه أبدا"(6).
والثالث: معناه: : من قبل أن نمحو آثارهم من وجوههم التي هم بها، وناحيتهم التي هم بها، {فنردها على أدبارها} ، من حيث جاءوا منه بَديًّا من الشام. وهذا قول ابن زيد (7).
والرابع: معناه: {من قبل أن نطمس وجوهًا} ، فنمحو أثارها ونسوِّيها، {فنردها على أدبارها} ، بأن نجعل الوجوه منابتَ الشَّعر، كما وجوه القردة منابت للشعر، لأن شعور بني آدم في أدبار وجوههم. فقالوا: إذا أنبت الشعر في وجوههم، فقد ردَّها على أدبارها، بتصييره إياها كالأقفاء وأدبار الوجوه. حكاه الطبري عن البعض (8).
والراجح-والله أعلم- ان المعنى: " من قبل أن نطمس أبصارَها ونمحو آثارها فنسوّيها كالأقفاء، {فنردها على أدبارها}، فنجعل أبصارها في أدبارها، يعني بذلك: فنجعل الوجوه في أدبار الوجوه، فيكون معناه: فنحوّل الوجوه أقْفاءً والأقفَاء وجوهًا، فيمشون القهقرى، كما قال ابن عباس وعطية، لأن الله جل ثناؤه خاطب بهذه الآية اليهودَ الذين وصف صفتهم بقوله: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يشترون الضلالة}، ثم حذرهم جل ثناؤه بقوله: {يا أيها الذين أوتوا الكتاب أمنوا بما نزلنا مصدِّقًا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها} الآية، بأسَه وسطوته وتعجيل عَقابه لهم، إن هم لم يؤمنوا بما أمرهم بالإيمان به. ولا شك أنهم كانوا لما أمرهم بالإيمان به يومئذ كفارًا"(9).
قال أبو هلال السكري المعتزلي: " «الطمس» : أصله ذهاب الأثر؛ طريق طامس: لا علم فيه، كتاب مطموس: ممحو، وجبل طامس: لا طريق إليه؛ قال جميل (10):
ألا تلكمُ أعلامُ بثنةَ قد بدتْ
…
كأنَّ ذَرَاها في السَّراب سَبيبُ
طوامسُ لي من دونهنَّ عداوةٌ
…
ولي من وراءِ الطَّامساتِ حبيبُ
بعيدٌ على من ليسَ يطلبُ حاجةً
…
وأمَّا على ذي حاجة فقريبُ
وهو في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: بمعنى القلب؛ قال اللَّه: {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا} ، أي: نقلبها فنجعلها إلى ما يلي أدبارها، وقوله:{فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا} تفسير لطمسها، وصديق هذا قوله:{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ} [الانشقاق: 10]، لأن الوجوه إذا قلبت أقفاء كان أصحابها يعطون الكتب وراء ظهورهم.
الثاني: ذهاب البركات؛ قال: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [يونس: 88]، أي: اذهب ببركتها ونفعتها وخذهم بالقحط، {وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ} ، أي: حبب إليهم أوطانهم حتى لا يغار قومها لطلب الأرزاق فيموتوا هزلا وجوعا هكذا قِيل.
والصواب أن يقال: أراد أن صبرهم على البلاء والإقامة في البلد المطموس فيه على أموالهم حتى لا يجزعوا فيخرجوا منه. وذلك أن الشد على القلب والربط عليه هو تصبيره بما هو فيه.
وقوله: {فَلا يُؤمنُوا} موصول بقوله: {لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ} ومعنى ذلك كله على العاقبة؛ كقوله تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [القصص: 8].
الثالث: ذهاب النور؛ قال اللَّه: {فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ} " (11).
(1) انظر: تفسير الطبري (9720): ص 8/ 442.
(2)
انظر: تفسير الطبري (9722): ص 8/ 442.
(3)
انظر: تفسير الطبري (9717) - (9719): ص 8/ 441.
(4)
انظر: تفسير الطبري (9721): ص 8/ 442.
(5)
انظر: تفسير التستري: 54.
(6)
معاني القرآن: 2/ 59.
(7)
انظر: تفسير الطبري (9723): ص 8/ 442.
(8)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 442 - 443.
(9)
تفسير الطبري: 8/ 443.
(10)
انظر الابيات في الأشباه والنظائر للخالديين: 1/ 9، والمصون في الادب: 175، وديوان المعاني 1/ 13، وسمط الىلي: 1/ 719، والحماسة المغريبية: 2/ 919.
(11)
الوجوه والنظائر: 317 - 318.
قوله تعالى: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ} [النساء: 47]، أي:" أو نلعن هؤلاء المفسدين بمسخهم قردة وخنازير، كما لعنَّا اليهود مِن أصحاب السبت"(1).
قال الحسن: " يقول: أو نجعلهم قردة"(2). وروي عن السدي (3)، وقتادة (4) نحو ذلك.
قال ابن زيد: " هم يهود جميعًا، نلعن هؤلاء كما لعنّا الذين لعنّا منهم من أصحاب السبت"(5).
قال ابن كثير: " يعني: الذين اعتدوا في سبتهم بالحيلة على الاصطياد، وقد مسخوا قردة وخنازير"(6).
قوله تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [النساء: 47]، أي:" وكان أمر الله نافذًا في كل حال"(7).
قال مقاتل: " يقول أمره كائن لا بد"(8).
قال ابن ابي زمنين: " أي: إذا أراد الله أمرا فإنما يقول له: كن فيكون"(9).
قال ابن كثير: " أي: إذا أمر بأمر، فإنه لا يخالف ولا يمانع"(10).
قال الطبري: يعني: " وكان جميع ما أمر الله أن يكون، كائنًا مخلوقًا موجودًا، لا يمتنع عليه خلق شيء شاء خَلْقه. و «الأمر» في هذا الموضع: المأمور، سمي {أمر الله}، لأنه عن أمره كان وبأمره. والمعنى: وكان ما أمر الله مفعولا"(11).
الفوائد:
1 -
يأمر تعالى أهل الكتاب من اليهود والنصارى أن يؤمنوا بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل الله عليه من القرآن العظيم، المهيمن على غيره من الكتب السابقة التي قد صدقها، فإنها أخبرت به فلما وقع المخبر به كان تصديقا لذلك الخبر (12).
2 -
أن أهل الكتاب إن لم يؤمنوا بهذا القرآن فإنهم لم يؤمنوا بما في أيديهم من الكتب، لأن كتب الله يصدق بعضها بعضا، ويوافق بعضها بعضا. فدعوى الإيمان ببعضها دون بعض دعوى باطلة لا يمكن صدقها (13).
4 -
في الآية حثّ لأهل الكتاب وأنهم ينبغي أن يكونوا قبل غيرهم مبادرين إليه بسبب ما أنعم الله عليهم به من العلم، والكتاب الذي يوجب أن يكون ما عليهم أعظم من غيرهم، ولهذا توعدهم على عدم الإيمان فقال:{من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها} وهذا جزاء من جنس ما عملوا، كما تركوا الحق، وآثروا الباطل وقلبوا الحقائق، فجعلوا الباطل حقا والحق باطلا جوزوا من جنس ذلك بطمس وجوههم كما طمسوا الحق (14).
القرآن
التفسير:
إن الله تعالى لا يغفر ولا يتجاوز عمَّن أشرك به أحدًا من مخلوقاته، أو كفر بأي نوع من أنواع الكفر الأكبر، ويتجاوز ويعفو عمَّا دون الشرك من الذنوب، لمن يشاء من عباده، ومن يشرك بالله غيره فقد اختلق ذنبًا عظيمًا.
سبب نزول الآية:
(1) التفسير الميسر: 86.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (5419): ص 3/ 970.
(3)
انظر: الطبري (9728): ص 8/ 447 - 448، وتفسير ابن أبي حاتم (5419): ص 3/ 970.
(4)
انظر: الطبري (9726): ص 8/ 447، وتفسير ابن أبي حاتم (5419): ص 3/ 970.
(5)
أخرجه الطبري (9729): ص 8/ 448.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 325.
(7)
التفسير الميسر: 86.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 377.
(9)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 378.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 325.
(11)
تفسير الطبري: 8/ 448.
(12)
انظر: تفسير السعدي: 181.
(13)
انظر: تفسير السعدي: 181.
(14)
انظر: تفسير السعدي: 181.
قال أبو أيوب الأنصاري: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام، قال: وما دينه؟ قال: يصلي ويوحد الله. قال: استوهب منه دينه، فإن أبى فابتاعه منه، فطلب الرجل ذاك منه فأبى عليه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال: وجدته شحيحا على دينه، قال: ونزلت: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} "(1).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48]، أي: إن الله تعالى لا يغفر ولا يتجاوز عمَّن أشرك به أحدًا من مخلوقاته، أو كفر بأي نوع من أنواع الكفر الأكبر" (2).
قال مقاتل: " هذا وعيد {إن الله لا يغفر أن يشرك به}، فيموت عليه، يعني: اليهود"(3).
قال ابن عباس: " فحرم الله المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجاها أهل التوحيد إلى مشيئته فلم يؤيسهم من المغفرة"(4).
قال جابر بن عبد الله: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من عبد يموت لا يشرك بالله شيئا إلا حلت له المغفرة إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه قال: إن الله استثنى، فقال: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} "(5).
قوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]، أي:" ويتجاوز ويعفو عمَّا دون الشرك من الذنوب، لمن يشاء من عباده"(6).
قال مقاتل: أي: " لمن مات موحدا فمشيئته- تبارك وتعالى لأهل التوحيد"(7).
قال عبدالله بن عمر: " كنا لا نشك فيمن أوجب الله له النار في كتاب الله حتى نزلت علينا هذه الآية: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، فلما سمعناها كففنا عن الشهادة وأرجينا الأمور إلى الله"(8).
وفي رواية أخرى عن ابن عمر: " كنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نشك في قاتل المؤمن وآكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وشهادة الزور حتى نزلت هذه الآية: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فأمسك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن الشهادة"(9).
وأخرج ابن ابي حاتم عن عبدالله بن عمر، قال:" لما نزلت هذه الآية: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} (10)، فقام رجل، فقال: والشرك يا نبي الله، فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} "(11).
قال جابر بن عبد الله: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من نفس تموت لا تشرك بالله شيئا إلا حلت لها المغفرة إن شاء الله عذبها، وإن شاء الله غفر لها، {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} "(12).
وعن عمران بن حصين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، الإشراك بالله، {ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما} "(13).
قال السمعاني: " فإن قال قائل: قد قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} وقال في موضع آخر: {إن الله يغفر الذنوب جميعا} فكيف وجه الجمع؟
قيل أراد به: يغفر الذنوب جميعا سوى الشرك" (14).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (5424): ص 3/ 971.
(2)
التفسير الميسر: 86.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 377.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (5423): ص 3/ 970.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (5420): ص 3/ 970.
(6)
التفسير الميسر: 86.
(7)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 377.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (5421): ص 3/ 970.
(9)
أخرجه ابن ابي حاتم (5426): 3/ 971.
(10)
[سورة الزمر: 53].
(11)
تفسير ابن أبي حاتم (5422): ص 3/ 970.
(12)
أخرجه ابن ابي حاتم (5425): ص 3/ 971.
(13)
أخرجه ابن ابي حاتم (5429): ص 3/ 971.
(14)
تفسير السمعاني: 1/ 434.
قوله تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48]، " أي من أشرك بالله فقد اختلق إِثماً عظيماً"(1).
قال مقاتل: " يقول: فقد قال ذنبا عظيما"(2).
قال أبو هلال العسكري: " أصل الشرك: إضافة الشيء إلى مثله، ومنه قيل: شراكا النعل، لأن كل واحد منها يشبه الآخر، وشراك الطريق مشبه بشراك النعل، وأشرك بالله عبد معه غيره؛ لأنه أضافه إليه وشبهه به، والشرك في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: الإشراك بالله في العبادة، كقوله:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} ،
وقوله: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ} [المائدة: 72]، وقوله:{أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 3].
الثاني: قالوا: الشرك بمعنى الطاعة، قال اللَّه:{إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ} [إبراهيم: 22]، أي: أطعتموني.
الثالث: الربا علي ما جاء في التفسير، قال اللَّه:{فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110]، أي: لا يرائي فيما نفعل من العبادة" (3).
الفوائد:
1 -
أنه ليس في الأعمال أخبث من الشرك بالله- عز وجل، وانه أعظم وزر.
2 -
إن سائر الذنوب كبائرها وصغائرها قد يغفرها الله تعالى لمن شاء إلا الشرك، فلا يغفر لصاحبه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"اجتنبوا السبع الموبقات"، قيل: يا رسول الله وما هنّ؟ قال: "الشرك بالله، والسّحر، وقَتْل النفسِ التي حرّم الله إلاّ بالحقّ، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنة"(4).
القرآن
التفسير:
ألم تعلم -أيها الرسول- أمر أولئك الذين يُثنون على أنفسهم وأعمالهم، ويصفونها بالطهر والبعد عن السوء؟ بل الله تعالى وحده هو الذي يثني على مَن يشاء مِن عباده، لعلمه بحقيقة أعمالهم، ولا يُنقَصون من أعمالهم شيئًا مقدار الخيط الذي يكون في شق نَواة التمرة.
في سبب نزول الآية والتي بعدها وجوه:
أحدها: أخرج ابن ابي حاتم عن ابن عباس: " كانت اليهود يقدمون صبيانهم يصلون بهم، ويقربون قربانهم، ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، وكذبوا قال الله إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له، ثم أنزل الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} "(5).
قال ابن أبي حاتم: "وروي عن مجاهد (6)، وأبي مالك، والسدي، وعكرمة والضحاك نحو ذلك"(7).
والثاني: وقال الضحاك: " أما قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ}، فإن اليهود قالوا: ليس لنا ذنوب كما أنه ليس لآبائنا ذنوب، فأنزل الله تعالى ذلك فيهم"(8).
والثالث: نقل الواحدي عن الكلبي، قال:"نزلت في رجال من اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأطفالهم وقالوا: يا محمد. هل على أولادنا هؤلاء من ذنب؟ قال: لا، فقالوا: والذي نحلف به ما نحن إلا كهيئتهم، ما من ذنب نعمله بالنهار إلا كفر عنا بالليل، وما من ذنب نعمله بالليل إلا كفر عنا بالنهار، فهذا الذين زكوا به أنفسهم"(9). وذكر مقاتل مثل ذلك (10).
(1) صفوة التفاسير: 257.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 378.
(3)
الوجوه والنظائر: 265 - 266. [بتصرف] ..
(4)
أخرجه البخاري (6857) كتاب الحدود، باب رمي المحصنات، ومسلم (89): الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها.
(5)
تفسير ابن أبي حاتم (5430): ص 3/ 972.
(6)
تفسير مجاهد: 283، واخرجه ابن المنذر (1859): ص 2/ 740
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5430): ص 3/ 972.
(8)
تفسير ابن أبي حاتم (5432): ص 3/ 972.
(9)
أسباب النزول: 155.
(10)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 378.
والرابع: أخرج الطبري عن الحسن، قال:"هم اليهود والنصارى، قالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} (1)، وقالوا: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} (2) "(3).
وفي السياق نفسه أخرج الطبري عن قتادة، قال:" وهم أعداء الله اليهود، زكوا أنفسهم بأمر لم يبلغوه، فقالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} (4)، وقالوا: لا ذنوب لنا "(5).
قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} [النساء: 49]، "أي: ألم يبلغك خبر هؤلاء الذين يمدحون أنفسهم ويصفونها بالطاعة والتقوى؟ " (6).
قال مجاهد: " هم اليهود كانوا يقدمون صبيانهم في الصلاة فيؤمونهم ويزعمون أنهم لا ذنوب لهم، فتلك التزكية (7).
قال الزمخشري: " {لذين يزكون أنفسهم} : اليهود والنصارى، قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى
…
ويدخل فيها كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى والزلفى عند الله. فإن قلت: أما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله إنى لأمين في السماء أمين في الأرض» (8)؟ قلت: إنما قال ذلك حين قال له المنافقون: اعدل في القسمة، إكذابا لهم إذ وصفوه بخلاف ما وصفه به ربه. وشتان من شهد الله له بالتزكية، ومن شهد لنفسه أو شهد له من لا يعلم " (9).
قال الزجاج: " {ألم تر}: ألم تخبر في قول بعضهم، وقال أهل اللغة ألم تعلم وتأويله سؤال فيه معنى الإعلام، تأويله: أعلم قصتهم، وعلى مجرى اللغة ألم ينته علمك إلى هؤلاء، ومعنى يزكون انفسهم أي تزعمون أنهم أزكياء، وتأويل قولنا: زكاء الشيء: في اللغة نماؤه في الصلاح. وهذا أيضا يعني به إليهود"(10).
قال السعدي: " هذا تعجيب من الله لعباده، وتوبيخ للذين يزكون أنفسهم من اليهود والنصارى، ومن نحا نحوهم من كل من زكى نفسه بأمر ليس فيه. وذلك أن اليهود والنصارى يقولون: {نحن أبناء الله وأحباؤه} ويقولون: {لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} وهذا مجرد دعوى لا برهان عليها، وإنما البرهان ما أخبر به في القرآن في قوله: {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} فهؤلاء هم الذين زكاهم الله"(11).
قوله تعالى: {بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} [النساء: 49]، أي:" بل الله تعالى وحده هو الذي يثني على مَن يشاء مِن عباده، لعلمه بحقيقة أعمالهم"(12).
قال الزجاج: " أي: يجعل من يشاء زاكيا"(13).
قال الزمخشري: " إعلام بأن تزكية الله هي التي يعتد بها، لا تزكية غيره لأنه هو العالم بمن هو أهل للتزكية. ومعنى يزكى من يشاء: يزكى المرتضين من عباده الذين عرف منهم الزكاء فوصفهم به ولا يظلمون فتيلا أى الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم حق جزائهم. أو من يشاء يثابون على زكائهم ولا ينقص من ثوابهم. ونحوه: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 32] "(14).
(1)[سورة المائدة: 18].
(2)
[سورة البقرة: 111].
(3)
تفسير الطبري (9734): ص 8/ 452.
(4)
[سورة المائدة: 18].
(5)
تفسير الطبري (9733): ص 8/ 452.
(6)
صفوة التفاسير: 257.
(7)
تفسير مجاهد: 283، واخرجه ابن المنذر (1859): ص 2/ 740
(8)
لم اقف عليه.
(9)
الكشاف: 1/ 520.
(10)
معاني القرآن: 2/ 60.
(11)
تفسير السعدي: 182.
(12)
التفسير الميسر: 86.
(13)
معاني القرآن: 2/ 60.
(14)
الكشاف: 1/ 520 - 521.
قوله تعالى: {وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء: 49]، "أي: ولا ينقصون من أعمالهم بقدر الفتيل، وهو الخليط الذي في شق النواة" (1).
قال الزجاج: " ولا يظلمون مقدار فتيل"(2).
قال الواحدي: " يريد لا ينقصون من ثواب أعمالهم مثل فتيل النواة"(3).
قال السمعاني: " أي: لا ينقص من أجورهم شئ إن أسلموا، ولا من أوزارهم إن لم يسلموا. والفتيل والقطمير والنقير: ثلاثة أسامي مذكورة في القرآن فالفتيل: اسم لما يكون في شق النواة، والقطمير: اسم للقشرة التي تكون على النواة، والنقير: اسم للنقطة التي تكون على ظهر النواة، هذا قول ابن عباس"(4).
وفي قوله تعالى: {وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء: 49]، وجهان:
أحدهما: أي الفتيل الذي شق النواة، وهو قول عطاء (5)، وقتادة (6)، ومجاهد (7)، والضحاك (8)، وابن زيد (9)، وعطية العوفي (10)، وخصيف (11)، وأبو عبيدة (12)، والحسن (13)، وأحد قولي ابن عباس (14).
والثاني: أنه ما انفتل بين الأصابع من الوسخ، وهذا قول السدي (15)، وأبي مالك (16)، وأحد قولي ابن عباس (17).
قال الطبري: " إنما قصد بقوله: {ولا يظلمون فتيلا}، الخبرَ عن أنه لا يظلم عبادَه أقلَّ الأشياء التي لا خطر لها، فكيف بما له خطر؟ وكان الوسخ الذي يخرج من بين إصبعي الرجل أو من بين كفيه إذا فتل إحداهما على الأخرى، كالذي هو في شق النواة وبطنها، وما أشبه ذلك من الأشياء التي هي مفتولة، مما لا خطر له، ولا قيمة، فواجبٌ أن يكون كل ذلك داخلا في معنى «الفتيل»، إلا أن يخرج شيئًا من ذلك ما يجب التسليم له، مما دل عليه ظاهر التنزيل"(18).
قال ابن السكيت: "القطمير: القشرة الرقيقة على النواة، والفتيل: ما كان في شق النواة، والنقير: النكتة في ظهر النواة"(19).
قال الأزهري: "وهذه الأشياء كلها تضرب أمثالا للشيء التافه الحقير القدر، أي: لا يظلمون قدرها، قال النابغة (20):
يَجْمَعُ الْجَيْشَ ذَا الْأُلُوفِ وَيَغْزُو
…
ثُمَّ يَرْزَأُ الْعَدُوَّ فَتِيلًا" (21)
الفوائد:
1 -
التحذير من تزكية النفس بأمر ليس فيه.
2 -
أن هؤلاء اليهود وإن زكوا أنفسهم بزعمهم أنهم على شيء، وأن الثواب لهم وحدهم- فإنهم كذبة في ذلك، ليس لهم من خصال الزاكين نصيب، بسبب ظلمهم وكفرهم لا بظلم من الله لهم.
(1) صفوة التفاسير: 258.
(2)
معاني القرآن: 2/ 60.
(3)
التفسير البسيط: 6/ 609.
(4)
تفسير السمعاني: 1/ 435.
(5)
انظر: تفسير الطبري (9753): ص 8/ 458.
(6)
انظر: تفسير الطبري (9756): ص 8/ 459.
(7)
انظر: تفسير الطبري (9755)، و (9756): ص 8/ 458.
(8)
انظر: تفسير الطبري (9758): ص 8/ 459.
(9)
انظر: تفسير الطبري (9759): ص 8/ 459.
(10)
انظر: تفسير الطبري (9762): ص 8/ 459.
(11)
انظر: تفسير الطبري (9762): ص 8/ 459.
(12)
انظر: تفسير ابن المنذر (1864): ص 2/ 741.
(13)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5436): ص 3/ 973.
(14)
انظر: تفسير الطبري (9752): ص 8/ 458.
(15)
انظر: تفسير الطبري (9750): ص 8/ 458.
(16)
انظر: تفسير الطبري (9749): ص 8/ 457 - 458.
(17)
انظر: تفسير الطبري (9745) - (9748): ص 8/ 456 - 458، و (9751): ص 8/ 458.
(18)
تفسير الطبري: 8/ 459 - 460.
(19)
التفسير الوسيط للواحدي: 2/ 61.
(20)
البيت للنابغة الذبياني في ديوانه 170، والشعر والشعراء 76 (ليدن)، 71 (شاكر)، وبلا نسبة في المقاييس 4/ 472، والمخصص 13/ 254.
(21)
التفسير الوسيط للواحدي: 2/ 61.
القرآن
{انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50)} [النساء: 50]
التفسير:
انظر إليهم -أيها الرسول- متعجبًا من أمرهم، كيف يختلقون على الله الكذب، وهو المنزَّه عن كل ما لا يليق به؟ وكفى بهذا الاختلاق ذنبًا كبيرًا كاشفًا عن فساد معتقدهم.
قوله تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [النساء: 50]، " أي: انظر يا محمد، كيف اختلقوا على الله الكذب" (1).
قال ابن عباس: " {يفترون}: يكذبون"(2).
وقال قتادة: " {يفترون}، أي: يشركون"(3).
قال مقاتل: " لقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه"(4).
قال أبو عبيدة: " {انظر كيف يفترون على الله الكذب} مثل: {ألم تر إلى الذين} "(5).
قال الزمخشري: أي: " كيف يفترون على الله الكذب في زعمهم أنهم عند الله أزكياء "(6).
قال الزجاج: " أي: يفعلونه ويختلقونه، ويقال: قد فرى الرجل يفري إذا عمل، وإذا قطع زمن هذا: فريت جلده. فتأويله أن هذا القول أعني تزكيتهم أنفسهم فرية منهم"(7).
قال ابن عطية: " يبين أن تزكيتهم أنفسهم كانت بالباطل والكذب، ويقوي أن التزكية كانت بقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه [المائدة: 18] إذ الافتراء في هذه المقالة أمكن"(8).
قال ابن كثير: " أي: في تزكيتهم أنفسهم ودعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه وقولهم: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111] وقولهم: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} [البقرة: 80] واتكالهم على أعمال آبائهم الصالحة، وقد حكم الله أن أعمال الآباء لا تجزي عن الأبناء شيئا، في قوله: {تِلْكَ أُمَةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 141] "(9).
قال الطبري: أي: " انظر، يا محمد، كيف يفتري هؤلاء الذين يزكون أنفسهم من أهل الكتاب القائلون: {نحن أبناء الله وأحباؤه}، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، الزاعمون أنه لا ذنوب لهم الكذبَ والزور من القول، فيختلقونه على الله"(10).
أخرج ابن ابي حاتم عن عكرمة: "قال النضر -وهو من بني عبد الدار-: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى فأنزل الله تعالى: {افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} "(11).
قوله تعلى: {وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 50]، " أي: وكفى بهذا الافتراء وزراً بيناً وجرماً عظيماً" (12).
قال ابن كثير: " أي: وكفى بصنعهم هذا كذبا وافتراء ظاهرا"(13).
قال الزمخشري: " وكفى بزعمهم هذا إثما مبينا من بين سائر آثامهم"(14).
قال الزجاج: " أي كفى هو إثما. منصوب على التمييز، أي كفى به في الآثام"(15).
(1) صفوة التفاسير: 258.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (5437): ص 3/ 973.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (5438): ص 3/ 973.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 378.
(5)
أخرجه ابن المنذر (1868): ص 2/ 742.
(6)
الكشاف: 1/ 521.
(7)
معاني القرآن: 2/ 61.
(8)
المحرر الوجيز: 2/ 66.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 333 - 334.
(10)
تفسير الطبري: 8/ 460.
(11)
تفسير ابن ابي حاتم (5439): ص 3/ 973.
(12)
صفوة التفاسير: 258.
(13)
تفسير ابن كثير: 2/ 334.
(14)
الكشاف: 1/ 521.
(15)
معاني القرآن: 2/ 61.
قال ابن عطية: " والخبر في قوله: يفترون وكفى به إثما مبينا خبر في مضمنه تعجب وتعجيب من الأمر، ولذلك دخلت الباء لتدل على معنى الأمر بالتعجب، وأن يكتفى لهم بهذا الكذب إثما ولا يطلب لهم غيره، إذ هو موبق ومهلك"(1).
الفوائد:
1 -
أن القرآن يحذر من تزكية النفس، بمعنى مدحها والثناء عليها، ولا يظنّ أنه كامل، وأنّه من الأخيار، بل دائماً الإنسان يتّهم نفسَه بالتقصير في حقّ الله تعالى.
2 -
أن تزكية النفس لا تتفق مع أدب المؤمن الذي ينبغي أن يكون دوما في مقام بين الخوف والرجاء، الخوف من أن لا يقبل عمله أو لا يختم له بالصالحات، والرجاء في القبول وحسن الخاتمة (2).
3 -
أن هناك نوعان من التزكيةٌ (3):
أحدهما: التزكية المنهيّ عنها، وهي: الإعجاب والمدح للنفس.
والآخر: التزكية المأمور بها، وهي: الإصلاح والتوبة والعمل الصالح: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)}
4 -
لقد تعمّقت خصلة الكذب في اليهود وباءوا بأدنى مراتبها، وأبعدها فساداً وهو الكذب على الله عز وجل الذي لا يخفى عليه خافية.
5 -
أن تزكية النفس لدى أهل الكتاب من أعظم الافتراء على الله، لأن مضمون تزكيتهم لأنفسهم الإخبار بأن الله جعل ما هم عليه حقا وما عليه المؤمنون المسلمون باطلا. وهذا أعظم الكذب (4).
6 -
جعل تزكيتهم لأنفسهم إثماً مبيناً لأن حقيقة النفس وما فيها من خير وما يختم لها به لا يعلمه إلا الله، فلما تجرءوا وزكوا أنفسهم جعل الله ذلك من الكذب عليه سبحانه، وهكذا هنا الذي يدعي بأن العمل الفلاني جزاءه الجنة أو مغفرة الذنوب، أو أن العمل الفلاني فيه كذا أو كذا من الأجر من دون علم به عن طريق الوحي، فهو من المفترين على الله الكذب وكفى به إثماً مبيناً! (5).
7 -
إن في قوله: {وكفى به إثماً مبيناً} من تعظيم الذنب وتهويله ما لا يخفى، أي: كفى بالافتراء وحده وبالأولى إذا انضم إلى التزكية، والتنكير في إثماً للتشديد (6).
8 -
أن الآية جاءت بعد التنديد باليهود لتزكيتهم أنفسهم بليغة المدى حيث انطوى فيها تكذيب لزعمهم أنهم أحباء الله وأصفياؤه والحظوة لديه وتزكيتهم لأنفسهم نتيجة لهذا الزعم. وتقرير لكون ذلك منهم افتراء على الله تعالى.
9 -
أن الكذب مطلقاً هو إثم، والكذب المبين: هو الكذب على الله.
القرآن
التفسير:
ألم تعلم -أيها الرسول- أمر أولئك اليهود الذين أُعطوا حظًّا من العلم يصدقون بكل ما يُعبد من دون الله من الأصنام وشياطين الإنس والجن تصديقا يحملهم على التحاكم إلى غير شرع الله، ويقولون للذين كفروا بالله تعالى وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: هؤلاء الكافرون أقْومُ، وأعدلُ طريقًا من أولئك الذين آمنوا؟
في سبب نزول الآيات [51 - 52]:
أخرج الطبري وابن ابي حاتم (7)، وغيرهما (8)، عن ابن عباس قال: "لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت له قريش: أنت حَبْر أهل المدينة وسيدهم؟ قال: نعم. قالوا: ألا ترى إلى هذا الصُّنبور المنبتر من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج وأهل السِّدانة وأهل السِّقاية؟ قال: أنتم خير منه. قال:
(1) المحرر الوجيز: 2/ 66.
(2)
انظر: موسوعة الفرق: 8/ 298.
(3)
انظر: إعانة المستفيد، صالح بن فوزان: 2/ 246.
(4)
انظر: تفسير السعدي: 182.
(5)
انظر: موسوعة الفرق: 7/ 271.
(6)
انظر: فتح البيان في مقاصد القرآن: 3/ 146.
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5440): ص 3/ 973 - 974.
(8)
عزاه ابن كثير في "تفسيره: 2/ 334 إلى الإمام أحمد وليس هو في "مسنده"، وعزاه الهيثمي في "المجمع" "7/ 6" إلى الطبراني، وأخرجه ابن حبان انظر "موارد الظمآن" "ص 428"، وعزاه السيوطي إلى عبد الرزاق انظر "الدر" "2/ 563" ..
فأنزلت: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} [سورة الكوثر: 3]، وأنزلت:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} ، إلى قوله:" {فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} (1) "(2). وروي عن قتادة (3)، ومجاهد (4)، والسدي (5)، وعكرمة (6)، نحو ذلك.
وفي السياق نفسه اخرج الطبري عن ابن عباس أيضا: ": كان الذين حَزَّبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة: حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق أبو رافع، والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق، وأبو عمار، ووَحْوَح بن عامر، وهوذة بن قيس فأما وحوح وأبو عمار وهوذة، فمن بني وائل، وكان سائرهم من بني النضير فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتب الأوَل، فاسألوهم: أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم، فقالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه! فأنزل الله فيهم: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت}، إلى قوله: {وآتيناهم ملكًا عظيمًا} "(7).
قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} [النساء: 51]، أي:" ألم تعلم -أيها الرسول- أمر أولئك اليهود الذين أُعطوا حظًّا من العلم"(8).
قال الشوكاني: " قوله: {ألم تر}، هذا تعجيب من حالهم بعد التعجيب الأول، وهم اليهود"(9).
قال القاسمي: أي: أعطوا: "علما بالتوراة الداعية إلى التوحيد وترجيح أهله. والكفر بالجبت والطاغوت. ووصفهم بما ذكر، من إيتاء النصيب، لما مر من منافاته لما صدر عنهم من القبائح"(10).
قال الإمام الشافعي: " أهل كتاب، بدَّلوا من أحكامه، وكفروا بالله، فافتعلوا كذباً صاغوه بألسنتهم، فخلطوه بحق الله الذي أنزل إليهم، فذكر تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم من كفرهم - نماذج منها -: وقال اللَّه تبارك وتعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (51) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52)} [النساء: 51 - 52] "(11).
قوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء: 51]، أي:"يصدّقون بكل ما يُعبد من دون الله من الأصنام وشياطين الإنس والجن تصديقا يحملهم على التحاكم إلى غير شرع الله"(12).
وفي قوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء: 51]، أقوال:
أحدها: أنهما صنمان كان المشركون يعبدونهما، وهذا قول عكرمة (13).
والثاني: أن الجبت: الأصنام، والطاغوت: تراجمة الأصنام، وهذا قول ابن عباس (14).
والثالث: أن الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان، وهذا قول عمر (15)، ومجاهد (16)، والشعبي (17).
والرابع: أن الجبت: الساحر، والطاغوت: الشيطان. قاله ابن زيد (18).
والخامس: أن الجبت: الساحر، والطاغوت: الكاهن، وهذا قول سعيد بن جبير (19)، ورفيع (20)، وأبو العالية (21).
والسادس: أن الجبت: الشيطان، والطاغوت: الكاهن، وهذا قول قتادة (22)، والسدي (23).
والسابع: ان الجبت: الكاهن، والطاغوت: الساحر. وهذا قول محمد بن سيرين (24)، وسعيد بن جبير في رواية أخرى (25).
والثامن: أن الجبت: حُيي بن أخطب، والطاغوت: كعب بن الأشرف، وهو قول الضحاك (26)، وابن عباس في رواية أخرى (27).
والتاسع: ان الجبت: كعب بن الأشرف، والطاغوت: الشيطان. وهذا قول مجاهد في رواية أخرى (28).
والعاشر: أن الجبت: الأصنام وكل ما عبد من دون الله، والطاغوت: الشيطان. قاله صاحب الكشاف (29).
والحادي عشر: أن {الجبت} و {الطاغوت} : اسمان لكل معظَّم بعبادةٍ من دون الله، أو طاعة، أو خضوع له، كائنًا ما كان ذلك المعظَّم، من حجر أو إنسان أو شيطان. وهذا قول الطبري (30).
قال الطبري: " والصواب من القول في تأويل: {يؤمنون بالجبت والطاغوت}، أن يقال: يصدِّقون بمعبودَين من دون الله، يعبدونهما من دون الله، ويتخذونهما إلهين، وذلك أن {الجبت} و {الطاغوت}: اسمان لكل معظَّم بعبادةٍ من دون الله، أو طاعة، أو خضوع له، كائنًا ما كان ذلك المعظَّم، من حجر أو إنسان أو شيطان. وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأصنام التي كانت الجاهلية تعبدها، كانت معظمة بالعبادة من دون الله فقد كانت جُبوتًا وطواغيت. وكذلك الشياطين التي كانت الكفار تطيعها في معصية الله، وكذلك الساحر والكاهن اللذان كان مقبولا منهما ما قالا في أهل الشرك بالله. وكذلك حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف، لأنهما كانا مطاعين في أهل ملّتهما من اليهود في معصية الله والكفر به وبرسوله، فكانا جبتين وطاغوتين"(31).
قال ابن عطية: "فمجموع هذا يقتضي أن بالجبت والطاغوت هو كل ما عبد وأطيع من دون الله تعالى، وكذلك قال مالك رحمه الله: الطاغوت كل ما عبد من دون الله تعالى، وذكر بعض الناس أن الجبت: هو من لغة الحبشة، وقال قطرب: بالجبت أصله الجبس، وهو الثقيل الذي لا خير عنده، وأما الطاغوت فهو من طغى، أصله طغووت وزنه فعلوت، وتاؤه زائدة، قلب فرد فلعوت، أصله طوغوت، تحركت الواو وفتح ما قبلها فانقلبت ألفا"(32).
قال السعدي: " وهذا من قبائح اليهود وحسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أن أخلاقهم الرذيلة وطبعهم الخبيث، حملهم على ترك الإيمان بالله ورسوله، والتعوض عنه بالإيمان بالجبت والطاغوت، وهو الإيمان بكل عبادة لغير الله، أو حكم بغير شرع الله، فدخل في ذلك السحر والكهانة، وعبادة غير الله، وطاعة الشيطان، كل هذا من الجبت والطاغوت"(33).
قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} [النساء: 51]، أي:" ويقولون للذين كفروا بالله تعالى وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: هؤلاء الكافرون أقْومُ، وأعدلُ طريقًا من أولئك الذين آمنوا؟ "(34).
(1)[سورة النساء: 52] ..
(2)
تفسير الطبري (9786): ص 8/ 466 - 467.
(3)
انظر: تفسير الطبري (9793): ص 8/ 470، وتفسير ابن أبي حاتم (5459): ص 3/ 977، وفيه سبب نزول الآية [52 من السورة]، كما سيأتي.
(4)
انظر: تفسير الطبري (9791): ص 8/ 469.
(5)
انظر: تفسير الطبري (9790): ص 8/ 468 - 469 ..
(6)
انظر: تفسير الطبري (9787) - (9789): 8/ 467 - 469.
(7)
تفسير الطبري (9792): ص 8/ 469 - 470.
(8)
التفسير الميسر: 86.
(9)
فتح القدير: 1/ 552.
(10)
محاسن التاويل: 3/ 172.
(11)
تفسير الإمام الشافعي: 2/ 616.
(12)
التفسير الميسر: 86.
(13)
انظر: تفسير الطبري (9764): ص 8/ 461.
(14)
انظر: تفسير الطبري (9765): ص 8/ 461.
(15)
انظر: تفسير الطبري (9766)، و (9767): ص 8/ 462.
(16)
انظر: تفسير الطبري (9768)، و (9770)، و (9771): ص 8/ 462.
(17)
انظر: تفسير الطبري (9769): ص 8/ 462.
(18)
انظر: تفسير الطبري (9772): ص 8/ 463.
(19)
انظر: تفسير الطبري (9773): ص 8/ 463.
(20)
انظر: تفسير الطبري (9774): ص 8/ 463.
(21)
انظر: تفسير الطبري (9775): ص 8/ 463.
(22)
انظر: تفسير الطبري (9777)، و (9778): ص 8/ 463 - 464
(23)
انظر: تفسير الطبري (9779): ص 8/ 464.
(24)
انظر: تفسير الطبري (9780): ص 8/ 464.
(25)
انظر: تفسير الطبري (9781): ص 8/ 464.
(26)
انظر: تفسير الطبري (9783)، و (9784): ص 8/ 464 - 465.
(27)
انظر: تفسير الطبري (9782): ص 8/ 464.
(28)
انظر: تفسير الطبري (9785): ص 8/ 465.
(29)
انظر: الكشاف: 1/ 521.
(30)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 465.
(31)
تفسير الطبري: 8/ 465.
(32)
المحرر الوجيز: 2/ 66.
(33)
تفسير السعدي: 182.
(34)
التفسير الميسر: 86.
قال مجاهد: " يهود تقول ذلك، يقولون: قريش أهدى من محمد وأصحابه"(1).
قال مقاتل: " {سَبِيلًا}، يعنى: طريقا"(2).
قال الشوكاني: " أي: يقول اليهود لكفار قريش: أنتم أهدى من الذين آمنوا بمحمد {سبيلا}، أي: أقوم دينا، وأرشد طريقا"(3).
قال الزجاج: " وهذا برهان ودليل على معاندة إليهود لأنهم زعموا إن الذين لم يصدقوا بشيء من الكتب وعبادة الأصنام، أهدى طريقا من الذين يجامعونهم على كثير مما يصدقون به، وهذا عناد بين"(4).
قال الطبري: أي: " ويقولون للذين جحدوا وحدانية الله ورسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم: هؤلاء الذين وصفهم الله بالكفر أقوم وأعدل من الذين صدَّقوا الله ورسوله وأقرُّوا بما جاءهم به نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم طريقًا، وإنما ذلك مَثَلٌ، ومعنى الكلام: أن الله وصف الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب من اليهود بتعظيمهم غير الله بالعبادة والإذعان له بالطاعة في الكفر بالله ورسوله ومعصيتهما، بأنهم قالوا: إن أهل الكفر بالله أولى بالحق من أهل الإيمان به، وأن دين أهل التكذيب لله ولرسوله، أعدل وأصوبُ من دين أهل التصديق لله ولرسوله. وذكر أن ذلك من صفة كعب بن الأشرف، وأنه قائل ذلك"(5).
قال السعدي: " حملهم الكفر والحسد على أن فضلوا طريقة الكافرين بالله -عبدة الأصنام- على طريق المؤمنين فقال: {ويقولون للذين كفروا} أي: لأجلهم تملقا لهم ومداهنة، وبغضا للإيمان: {هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا} أي: طريقا. فما أسمجهم وأشد عنادهم وأقل عقولهم! كيف سلكوا هذا المسلك الوخيم والوادي الذميم؟ . هل ظنوا أن هذا يروج على أحد من العقلاء، أو يدخل عقل أحد من الجهلاء، فهل يفضل دين قام على عبادة الأصنام والأوثان، واستقام على تحريم الطيبات، وإباحة الخبائث، وإحلال كثير من المحرمات، وإقامة الظلم بين الخلق، وتسوية الخالق بالمخلوقين، والكفر بالله ورسله وكتبه، على دين قام على عبادة الرحمن، والإخلاص لله في السر والإعلان، والكفر بما يعبد من دونه من الأوثان والأنداد والكاذبين، وعلى صلة الأرحام والإحسان إلى جميع الخلق، حتى البهائم، وإقامة العدل والقسط بين الناس، وتحريم كل خبيث وظلم، والصدق في جميع الأقوال والأعمال، فهل هذا إلا من الهذيان، وصاحب هذا القول إما من أجهل الناس وأضعفهم عقلا وإما من أعظمهم عنادا وتمردا ومراغمة للحق، وهذا هو الواقع"(6).
الفوائد:
1 -
من صفات اليهود: الإيمان بالجبت والطاغوت، وتفضيل دين المشركين على دين المسلمين.
2 -
إيمان اليهود ببعض ما هم عليه من الكفر، أو التحاكم إليهم دون كتاب الله.
3 -
أن التصديق بالتكهن من الإيمان بالجبت والطاغوت.
4 -
أن صناعة التنجيم، التي مضمونها الإحكام والتأثير، -وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية أو التمزيج بين القرى الفلكية والغوائل الأرضية -: صناعة محرمة بالكتاب والسنة، بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين، قال تعالى:{ولا يفلح الساحر حيث أتى} [طه: 69]. وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت} [النساء: 51](7).
القرآن
{أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52)} [النساء: 52]
التفسير:
أولئك الذين كَثُرَ فسادهم وعمَّ ضلالهم، طردهم الله تعالى من رحمته، ومَن يطرده الله من رحمته فلن تجد له من ينصره، ويدفع عنه سوء العذاب.
سبب نزول الآية:
أخرج ابن ابي حاتم عن قتادة: " قتادة قال: ذكر لنا هذه الآية، نزلت في كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب، رجلين من اليهود من بني النضير، لقيا قريشا بالموسم، فقال لهم المشركون: نحن أهدى أم محمد وأصحابه؟ فأنزل الله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} "(8).
قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ} [النساء: 52]، أي:"أولئك طردهم الله وأبعدهم عن رحمته"(9).
قال الزجاج: " أي الذين باعدهم من رحمته"(10).
قال السعدي: " أي: طردهم عن رحمته وأحل عليهم نقمته"(11).
قال السمرقندي: " أي خذلهم وطردهم الله من رحمته، ويقال: عذبهم الله بالجزية"(12).
قوله تعالى: {وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} [النساء: 52]، أي:" ومَن يطرده الله من رحمته فلن تجد له من ينصره، ويدفع عنه سوء العذاب"(13).
قال البيضاوي: " {نَصِيرًا}، يمنع العذاب منه بشفاعة أو غيرها"(14).
قال السعدي: " أي: يتولاه ويقوم بمصالحه ويحفظه عن المكاره، وهذا غاية الخذلان"(15).
قال القاسمي: " أي: ومن يبعده الله عن رحمته، فلن تجد له نصيرا يدفع عنه العذاب دنيويا كان أو أخرويالا بشفاعة ولا بغيرها"(16).
قال الزجاج: " أي من يباعد الله من رحمته فهو مخذول في دعواه وحجته ومغلوب، واليهود خاصة أبين خذلانا في أنهم غلبوا من بين جميع سائر أهل الأديان، لأنهم كانوا أكثر عنادا، وأنهم كتموا الحق وهم يعلمونه"(17).
قال الرازي: " فبين أن عليهم اللعن من الله، وهو الخذلان والإبعاد، وهو ضد ما للمؤمنين من القربة والزلفى، وأخبر بعده بأن من يلعنه الله فلا ناصر له، كما قال:{مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب: 61]، فهذا اللعن حاضر، وما في الآخرة أعظم، وهو يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله، وفيه وعد للرسول صلى الله عليه وسلم بالنصرة وللمؤمنين بالتقوية، بالضد على الضد، كما قال في الآيات المتقدمة:{وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا} [النساء: 45].
واعلم أن القوم إنما استحقوا هذا اللعن الشديد لأن الذي ذكروه من تفضيل عبدة الأوثان على الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم يجري مجرى المكابرة، فمن يعبد غير الله كيف يكون أفضل حالا ممن لا يرضى بمعبود غير الله! ومن كان دينه الإقبال بالكلية على خدمة الخالق والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، كيف يكون أقل حالا ممن كان بالضد في كل هذه الأحوال" (18).
الفوائد:
1 -
أن غلبة الهوى على اليهود وتعصبهم الأعمى أدت إلى أن يحالفوا الكفار ويمالئوهم في القول والعمل، فيسجدوا لأصنامهم، ويزكوا أفعالهم، ويقولوا إن طريقهم هو طريق الهداية، وطريق أهل التوحيد لَا هداية فيه! بسبب هذا لعنهم الله تعالى بأن طردهم من رحمته، فكتب عليهم بُغض الناس في الدنيا، والذل والمقت فيها، وعذاب الله تعالى في الآخرة.
2 -
أن الحكم الذي أصدروه اليهود، حكم مبنىّ على الزور والبهتان، فأشار الله إليهم، بهذا الحكم القائم على العدل والردع، لهذا الجرم الذي اقترفوه، وهذا الضلال الذي غرقوا فيه، وأغرقوا غيرهم معه، فقال:{أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً} ، واللعنة دائما حيث كانت، فهى لليهود، وعلى اليهود.
القرآن
(1) أخرجه ابن ابي حاتم (5458): ص 3/ 977.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 379.
(3)
فتح القدير: 1/ 552.
(4)
معاني القرآن: 2/ 61.
(5)
تفسير الطبري: 8/ 466.
(6)
تفسير السعدي: 182 - 183.
(7)
انظر: شرح العقيدة الطحاوية: 2/ 762.
(8)
تفسير ابن أبي حاتم (5459): ص 3/ 977، والآيتان [51، و 52]، في السياق نفسه.
(9)
انظر: صفوة التفاسير: 258.
(10)
معاني القرآن: 2/ 62.
(11)
تفسير السعدي: 182.
(12)
تفسير السمرقندي: 1/ 309.
(13)
.التفسير الميسر: 87.
(14)
تفسير البيضاوي: 2/ 79.
(15)
تفسير السعدي: 182.
(16)
محاسن التأويل: 3/ 172.
(17)
معاني القرآن: 2/ 62.
(18)
مفاتيح الغيب: 10/ 101 - 102.
{أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53)} [النساء: 53]
التفسير:
بل ألهم حظ من الملك، ولو أوتوه لما أعطوا أحدًا منه شيئًا، ولو كان مقدار النقرة التي تكون في ظهر النَّواة؟
قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ} [النساء: 53]، "أي: أم لهم حظٌ من الملك؟ " (1).
قال ابن جريج: " فليس لهم نصيب من الملك"(2).
قال الطبري: أي: " أم لهم حظ من الملك، يقول: ليس لهم حظ من الملك"(3).
قال الثعلبي: " وهذا على وجه الإنكار، يعني ليس لهم من الملك شيء"(4).
قوله تعالى: {فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرً} [النساء: 53]، " أي: لو كان لهم نصيب من الملك، فإِذا لا يؤتون أحداً مقدار نقير، لفرط بخلهم" (5).
قال مقاتل: " يعني لا يعطون الناس من بخلهم وحسدهم وقلة خيرهم نقيرا يعني بالنقير النقرة التي في ظهر النواة التي ينبت منها النخلة"(6).
قال الثعلبي: أي: " ولو كان لهم من الملك فإذا لا يؤتون الناس محمدا وأصحابه نقيرا من حسدهم وبخلهم وبغضهم"(7).
قال السمعاني: " وصفهم بشدة البخل، وهذا على طريق ضرب المثل؛ إذ من اليهود من يؤتي المال، والنقير: اسم تلك النقطة على ظهر النواة، ومنها تنبت النخلة"(8).
قال الزجاج: " قال بعضهم: إنما معناه أنهم لو أعطوا الملك، ما أعطوا الناس نقيرا، وذكر «النقير» ههنا تمثيل، المعنى لضنوا بالقليل"(9).
قال مجاهد: " ولو كان لهم نصيب لم يؤتوا الناس نقيرا"(10).
قال ابن جريج: " ولو كان لهم نصيب وحظ من الملك، لم يكونوا إذًا يعطون الناس نقيرًا، من بُخْلهم"(11).
قال السدي: " يقول: لو كان لهم نصيب من الملك، إذًا لم يؤتوا محمدًا نقيرًا"(12).
وفي النقير ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه الذي يكون في ظهر النواة، وهذا قول ابن عباس (13)، والسدي (14)، وعطاء (15)، والضحاك (16)، وأبي مالك (17).
والثاني: أنه الذي يكون في وسط النواة، وهو قول مجاهد (18)، والضحاك في قوله الآخر (19).
والثالث: أنه نقر الرجل الشيء بطرفِ إبهامه، وهو رواية أبي العالية عن ابن عباس (20).
والراجح-والله أعلم- أن "الله وصف هؤلاء الفرْقة من أهل الكتاب بالبخل باليسير من الشيء الذي لا خطر له، ولو كانوا ملوكًا وأهلَ قدرة على الأشياء الجليلة الأقدار. فإذْ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى
(1) صفوة التفاسير: 258.
(2)
أخرجه الطبري (9797): ص 8/ 472.
(3)
تفسير الطبري: 8/ 472.
(4)
تفسير الثعلبي: 3/ 328 ونقله الصابوني في تفسيره: 258.
(5)
صفوة التفاسير: 258.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 379.
(7)
تفسير الثعلبي: 3/ 328 ونقله الصابوني في تفسيره: 258.
(8)
.تفسير السمعاني: 1/ 436. [بتصرف بسيط].
(9)
معاني القرىن: 2/ 62.
(10)
أخرجه ابن ابي حاتم (5461): ص 3/ 977.
(11)
أخرجه الطبري (9797): ص 8/ 472.
(12)
أخرجه الطبري (9796): ص 8/ 472.
(13)
انظر: تفسير الطبري (9798) - (9801): ص 8/ 473.
(14)
انظر: تفسير الطبري (9802): ص 8/ 473.
(15)
انظر: تفسير الطبري (9803): ص 8/ 473.
(16)
انظر: تفسير الطبري (9804): ص 8/ 474.
(17)
انظر: تفسير الطبري (9805): ص 8/ 474.
(18)
انظر: تفسير الطبري (9806) - (9809): ص 8/ 474.
(19)
انظر: تفسير الطبري (9810): ص 8/ 474.
(20)
انظر: تفسير الطبري (9811): ص 8/ 475.
بمعنى " النقير "، أن يكون أصغرَ ما يكون من النُّقر. وإذا كان ذلك أولى به، فالنقرة التي في ظهر النواة من صغار النُّقر، وقد يدخل في ذلك كل ما شَاكلها من النُّقر" (1).
وفي الآية ثلاثة اقوال (2):
أحدها: أنه: استفهام بمعنى الإنكار والنفي، يعنى: ليس لهم نصيب من الملك؛ إذ لو كان الملك لهم، فإذا لا يؤتون الناس نقيرا، من بخلهم، وقلة خيرهم.
والثاني: أن المعنى: ليس لهم نصيب من الملك فكيف يؤتون الناس شيئا؟ ! إنما الملك لله عز وجل هو الذي يؤتى الملك من يشاء؛ كقوله - تعالى -: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26].
والثالث: إنه بمعنى الإثبات، يعني: لهم نصيب من الملك من الشرف والأموال والرياسة فيما بينهم، لكن ألا يأتون الناس، نقيرا، فكيف يتبعونهم؟ ! .
وفي قراءة عبد الله: {فإذا لا يؤتوا الناس} ، بالنصب (3).
الفوائد:
1 -
أن الله وحده هو المالك للملك الذي يهب ما يشاء لمن يشاء.
2 -
أنكر الله على اليهود دعوة أن الملك يؤول إليهم، وهم لشدة بخلهم لو آل الملك لهم لما أعطوا أحداً أحقر الأشياء وأتفهها ولو مقدار نواة.
3 -
ذم اليهود بالبخل بعد ذمهم بلازم الجهل، وهو تفضيلهم الشرك على التوحيد.
القرآن
التفسير:
بل أيحسدون محمدًا صلى الله عليه وسلم على ما أعطاه الله من نعمة النبوة والرسالة، ويحسدون أصحابه على نعمة التوفيق إلى الإيمان، والتصديق بالرسالة، واتباع الرسول، والتمكين في الأرض، ويتمنون زوال هذا الفضل عنهم؟ فقد أعطينا ذرية إبراهيم عليه السلام -من قَبْلُ- الكتب، التي أنزلها الله عليهم وما أوحي إليهم مما لم يكن كتابا مقروءا، وأعطيناهم مع ذلك ملكا واسعا.
سبب نزول الآية:
أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قوله أعطي نبي الله صلى الله عليه وسلم بضع سبعين شابا، فحسدته اليهود، فقال الله تعالى: أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله" (4).
وفي السياق نفسه أخرج الطبري (5)، وابن أبي حاتم عن ابن عباس:" وذلك أن أهل الكتاب قالوا: زعم محمد أنه أوتي ما أوتي في س همه إلا النكاح، فأي ملك أفضل من هذا؟ ! فقال الله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} "(6). قال ابن أبي حاتم: "وروي عن عطية والضحاك (7)، وسعيد بن جبير والسدي (8) نحو ذلك"(9).
قوله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 54] أي: " بل أيحسدون محمدًا صلى الله عليه وسلم على ما أعطاه الله من نعمة النبوة والرسالة، ويحسدون أصحابه على نعمة التوفيق إلى الإيمان، والتصديق بالرسالة، واتباع الرسول، والتمكين في الأرض، ويتمنون زوال هذا الفضل عنهم؟ "(10).
قال أبو عبيدة، وابن قتيبة:" {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ}، معناها: أيحسدون الناس"(11).
قال الزمخشري: أي: " بل أيحسدون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على إنكار الحسد واستقباحه. وكانوا يحسدونهم على ما آتاهم الله من النصرة والغلبة وازدياد العز والتقدم كل يوم"(12).
وفي الناس الذين عناهم ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنهم العرب، وهو قول قتادة (13).
والثاني: أنه النبي محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وهو قول ابن عباس (14)، ومجاهد (15)، والضحاك (16)، والسدي (17)، وأبي مالك (18)، وعكرمة (19)، ومقاتل (20).
والثالث: أنهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قاله عكرمة في رواية اخرى (21)، وهو قول بعض المتأخرين (22).
والتفسير الأشبه بالصواب-والله اعلم-، أن يقال:" أتحسدون محمدًا وأصحابه على ما آتاهم الله من فضله، وذلك لأن ما قبل قوله: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله}، مضى بذّم القائلين من اليهود للذين كفروا: {هؤلاء أهدىَ من الذين آمنوا سبيلا}، فإلحاق قوله: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله}، بذمهم على ذلك، وتقريظ الذين آمنوا الذين قيل فيهم ما قيل أشبهُ وأولى، ما لم تأت دلالة على انصراف معناه عن معنى ذلك"(23).
قال الفراء: " هذه اليهود حسدت النبي صلى الله عليه وسلم كثرة النساء، فقالوا: هذا يزعم أنه نبى وليس له هم إلا النساء، فأنزل الله تبارك وتعالى: {فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة}، وفي آل إبراهيم سليمان بن داود، وكان له تسعمائة امرأة، ولداود مائة امرأة "(24).
قال أبو هلال العسكري: " أصل الناس: أناس أسكنت الهمزة منه فأدغمت اللام، كما قيل: لكنا، وقيل: الناس لغة مفردة، والأناس لغة أخرى، ولو كان أصله أناسا لقيل في التصغير أنيس، وإنما يقال: نويس وتجمع أناس على أناسي، وقيل: أناسي جمع، إنسي واشتقاقه من الأنس، خلاف الوحشية، لأن بعضهم يأنس ببعض، والناس جماعة لا واحد لها من لفظها، وواحدها إنسان على المعنى"(25).
وفي الفضل المحسود عليه قولان:
أحدهما: أنه النبوة، إذ حسدوا العرب على أن كانت فيهم، وهو قول الحسن (26)، وقتادة (27)، وابن جريج (28).
والثاني: أنه إباحته للنبي صلى الله عليه وسلم نكاح من شاء من النساء من غير عدد، وهو قول ابن عباس (29)، والضحاك (30)، والسدي (31)، وعطية (32)، وسعيد بن جبير (33).
(1) تفسير الطبري: 8/ 475.
(2)
انظر: تفسير السمعاني: 1/ 436، وتفسير الماتريدي: 3/ 208 - 209.
(3)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 328.
(4)
تفسير ابن أبي حاتم (5471): ص 3/ 979.
(5)
انظر: تفسير الطبري (9823): ص 8/ 478.
(6)
تفسير ابن أبي حاتم (5470): ص 3/ 978 - 979.
(7)
وانظر: قول الضحاك في تفسير الطبري (9825): ص 8/ 478.
(8)
وانظر: قول السدي في تفسير الطبري (9824): ص 8/ 478 - 479 ..
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5470): ص 3/ 979.
(10)
التفسير الميسر: 87.
(11)
مجاز القرآن: 1/ 130، وتأويل مشكل القرآن:291.
(12)
الكشاف: 1/ 522.
(13)
انظر: تفسير الطبري (9820): ص 8/ 477.
(14)
انظر: تفسير الطبري (9817): ص 8/ 477.
(15)
انظر: تفسير الطبري (9818): ص 8/ 477.
(16)
انظر: تفسير الطبري (9819): ص 8/ 477.
(17)
انظر: تفسير الطبري (9816): ص 8/ 476.
(18)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5479): ص 3/ 978.
(19)
انظر: تفسير الطبري (9815): ص 8/ 476، وتفسير ابن ابي حاتم (5469): ص 3/ 978 في حديث عمرو.
(20)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 379.
(21)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5469): ص 3/ 978.
(22)
انظر: النكت والعيون: 1/ 496.
(23)
تفسير الطبري: 8/ 477.
(24)
معاني القرآن: 1/ 275.
(25)
الوجوه والنظائر: 465.
(26)
انظر: تفسير الطبري (9821): ص 8/ 478.
(27)
انظر: تفسير الطبري (9821): ص 8/ 478.
(28)
انظر: تفسير الطبري (9822): ص 8/ 478.
(29)
انظر: تفسير الطبري (9823): ص 8/ 478.
(30)
انظر: تفسير الطبري (9825): ص 8/ 479.
(31)
انظر: تفسير الطبري (9824): ص 8/ 478 - 479.
(32)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5470): ص 3/ 979.
(33)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5470): ص 3/ 979.
والراجح-والله أعلم- أن «الفضل» في هذا الموضع هو " النبوّة التي فضل الله بها محمدًا، وشرّف بها العرب، إذ آتاها رجلا منهم دون غيرهم لما ذكرنا من أن دلالة ظاهر هذه الآية، تدلّ على أنها تقريظٌ للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رحمة الله عليهم، (2) على ما قد بينا قبل. وليس النكاح وتزويجُ النساء وإن كان من فضْل الله جل ثناؤهُ الذي آتاه عباده بتقريظ لهم ومدح"(1).
قوله تعالى: {فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} [النساء: 54]، أي:" فقد أعطينا ذرية إبراهيم عليه السلام -من قَبْلُ- الكتب، التي أنزلها الله عليهم وما أوحي إليهم مما لم يكن كتابا مقروءا، وأعطيناهم مع ذلك ملكا واسعا"(2).
قال الزمخشري: قوله" {فقد آتينا}، إلزام لهم بما عرفوه من إيتاء الله الكتاب والحكمة آل إبراهيم الذين هم أسلاف محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه ليس ببدع أن يؤتيه الله مثل ما آتى أسلافه"(3).
وفي {الْكِتَابَ} [النساء: 54]، وجهان:
أحدها: أنه الخط والقلم. قاله ابن عباس (4)، وروي عن عطاء (5)، ويحيى بن أبي كثير (6)، ومقاتل بن حيان (7) نحو ذلك.
والثاني: أنه القرآن. وهذا قول الحسن (8)، وأبي مالك (9).
وفي {َالْحِكْمَةَ} [النساء: 54]، وجوه:
أحدها: انها السنة. قاله الحسن (10)، وأبو مالك (11)، وقتادة (12)، ومقاتل بن حيان (13)، ويحيى بن ابي كثير (14).
والثاني: انها النبوة. قاله السدي (15).
والثالث: أن الحكمة: العقل في الدين. قاله زيد بن أسلم عن أبيه (16).
وفي قوله: {مُلْكًا عَظِيمًا} [النساء: 54]، أربعة أقاويل:
أحدها: أنه ملك سليمان بن داود، وهو قول ابن عباس (17)، وعطية (18).
والثاني: النبوة، وهو قول مجاهد (19).
والثالث: ما أُيِّدُوا به من الملائكة والجنود، وهو قول همام بن الحارث (20).
والرابع: من أباحه الله لداود وسليمان من النساء من غير عدد، حتى نكح داود تسعاً وتسعين امرأة، ونكح سليمان مائة امرأة، وهذا قول السدي (21).
والراجح-والله أعلم- أنه يعني بالملك العظيم: " ملك سليمان، لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، دون الذي قال إنه ملك النبوّة، ودون قول من قال: إنه تحليلُ النساء والملك عليهن، لأن كلام الله الذي خوطب به العرب، غيرُ جائز توجيهه إلا إلى المعروف المستعمل فيهم من معانيه، إلا أن تأتي دلالةٌ أو تقوم حُجة على أن ذلك بخلاف ذلك، يجبُ التسليم لها"(22).
قال السمعاني: " أراد بـ {آل إبراهيم}: داود، وسليمان، و {الكتاب}: هو الكتاب الذي أنزل عليهم، وأما {الحكمة}: قيل: هي النبوة، وقيل هي السنة، ومعنى الآية: أنهم إن حسدوا الرسول بما أوتى من الفضل، فليحسدوا آل إبراهيم؛ فإنهم قد أوتوا الكتاب والحكمة {وآتيناهم ملكا عظيما}، واختلفوا في الملك العظيم: فمن فسر الفضل بتحليل الزوجات، فسر الملك العظيم به أيضا، وقد كان لداود تسع وتسعون امرأة، ولسليمان مائة امرأة، وقيل: كان لسليمان سبعمائة امرأة، وثلثمائة سرية، وقيل: أعطى نبينا صلوات الله عليه قوة سبعين شابا في المباضعة "(23).
الفوائد:
1 -
ذم اليهود على حسدهم المسلمين، وأن الحسد من صفاتهم وأخلاقهم.
2 -
أن الإيمانُ بالقدَر يقضي على كثيرٍ من الأمراض التي تعصفُ بالمجتمعات، وتزرعُ الأحقادَ بين المؤمنين، وذلك مثلُ رذيلةِ الحسَدِ، فالمؤمنُ لا يحسدُ الناس على ما آتاهم اللهُ من فضله؛ لأنه هو الذي رزقَهم وقدَّر لهم ذلك، وهو يعلم أنه حين يحسدُ غيره إنما يعترضُ على المقدورِ، قال تعالى عن اليهود:{أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ .. } .
3 -
أن الحسد مذموم، والحاسد غير الغائظ، لأن الحاسد من لا يحب الخير لغيره، ويتمنى زواله عنه. والغائظ من يتمنى أن يكون له من الخير مثل ما لغيره. ولهذا جاز أن يقال في الدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم:"اللهم ابعثه مقامًا محمودًا يغبطه به الأولون والآخرون"(24)، فإن المعنى: ابعثه مقامًا يتمنى كل واحد من الأولين والآخرين إن كان له مثله. ولو كان ذلك كالحسد ما جاز بهذا القول ولا حسن، وإنما كان الحسد مذمومًا، لأن الحسد يعد إحسان الله تعالى إلى أخيه المسلم إساءة إليه، وهذا جهل منه. لأن الإحسان الواقع لمكان أخيه لا يضره شيئًا. فإنما عند الله تعالى ليس بنقص من ذلك فيخشى أن لا يناله منه بعد ما نال غيره نصيب، لكن ما عند الله واسع. وذا كان ذلك كذلك، فالأولى به أن يفرح بما يراه من آثار نعمة الله عند أخيه المسلم، ويشكره ويحمد عليه ويسأله أن يؤتيه مثله. فأما الاعتماد بما أكرم أخاه فليس له في المعتقد وجه (25).
القرآن
{فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55)} [النساء: 55]
التفسير:
فمن هؤلاء الذين أوتوا حظًّا من العلم، مَن صدَّق برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وعمل بشرعه، ومنهم مَن أعرض ولم يستجب لدعوته، ومنع الناس من اتباعه. وحسبكم -أيها المكذبون- نار جهنم تسعَّر بكم.
قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ} [النساء: 55]، أي:" فمن هؤلاء الذين أوتوا حظًّا من العلم، مَن صدَّق برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وعمل بشرعه "(26).
قال مقاتل: " يقول: صدق بالكتاب الذي جاء به"(27).
قال ابن كثير: " أي: بهذا الإيتاء وهذا الإنعام"(28).
وفي قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ} [النساء: 55]، وجهان:
أحدهما: أي: من اليهود، منهم من آمن بما أنزل على النبي محمد-صلى الله عليه وسلم. وهذا قول مجاهد (29).
(1) تفسير الطبري: 8/ 479.
(2)
التفسير الميسر: 87.
(3)
الكشاف: 1/ 522.
(4)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5473): ص 3/ 979.
(5)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5474): ص 3/ 979.
(6)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5474): ص 3/ 979.
(7)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5474): ص 3/ 979.
(8)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5475): ص 3/ 979.
(9)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5475): ص 3/ 979.
(10)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5476): ص 3/ 979.
(11)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5476): ص 3/ 979.
(12)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5476): ص 3/ 979.
(13)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5476): ص 3/ 979.
(14)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5476): ص 3/ 979.
(15)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5477): ص 3/ 980.
(16)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5478): ص 3/ 980.
(17)
انظر: تفسير الطبري (9829): ص 8/ 481.
(18)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5479): ص 3/ 980.
(19)
انظر: تفسير الطبري (9826)، و (9827): ص 8/ 480 - 481.
(20)
انظر: تفسير الطبري (9830): ص 8/ 481 - 482.
(21)
انظر: تفسير الطبري (9828): ص 8/ 481.
(22)
تفسير الطبري: 8/ 482.
(23)
تفسير السمعاني: 1/ 437.
(24)
سنن ابن ماجه برقم (906).
(25)
انظر: المنهاج في شعب الإيمان: 103 - 104.
(26)
التفسير الميسر: 87.
(27)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 380.
(28)
تفسير ابن كثير: 2/ 336.
(29)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5484): ص 3/ 981.
والثاني: أن معنى قوله: {فمنهم من آمن به} ، كان الناس يأتون إبراهيم الخليل عليه السلام، فيسألونه يعني: الحنطة، فيقول: من قال: لا إله إلا الله، فليدخل فليأخذ، فمنهم من قال: وأخذ. وهذا قول السدي (1).
قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ} [النساء: 55]، أي:"ومنهم مَن أعرض ولم يستجب لدعوته"(2).
قال مقاتل: " يعني: أعرض عن الإيمان بالكتاب ولم يصدق به"(3).
قال ابن كثير: " أي: كفر به وأعرض عنه، وسعى في صد الناس عنه، وهو منهم ومن جنسهم، أي من بني إسرائيل، فقد اختلفوا عليهم، فكيف بك يا محمد ولست من بني إسرائيل؟ "(4).
وفي قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ} [النساء: 55]، وجهان:
أحدهما: معناه: تركه فلم يتبعه. قاله الحسن (5).
والثاني: أنهم الذين أبوا قول لا إله إلا الله، وذلك عند سؤالهم إبراهيم-عليه السلام الحنطة، فيرجعون. وهذا قول السدي (6).
قوله تعالى: {وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا} [النساء: 55]، أي:"وكفى بالنار المسعّرة عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم"(7).
قال مقاتل: " يقول: وكفى بوقودها وعذابها وقودا لمن كفر بكتاب إبراهيم فلا وقود أحر من جهنم لأهل الكفر"(8).
قال ابن كثير: " أي: وكفى بالنار عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب الله ورسله"(9).
قال أبو مالك: " {سعيرا}، يعني: وقودا"(10).
وقال سعيد بن جبير: " السعير: وادي من فيح في جهنم"(11).
الفوائد:
1 -
بيان تكذيب اليهود للنبي-صلى الله عليه وسلم، على الرغم من أنهم أهل كتاب، ويزعمون أنهم أهل دين وتوحيد.
2 -
أن كفر اليهود بالنبي محمد-صلى الله عليه وسلم كان بغيا وحسدا، لأنهم كانوا قبل مبعثه عالمين بقرب مبعثه مجمعين على نبوته، مما عرفوه عنه في كتبهم من البشارة به وبيان أحواله وصفاته، فلما بعث اختلفوا:{فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ} .
3 -
أن اليهود آثروا اتباع الباطل والعمل بما يزينه لهم على اتباع الحق، ولا يزال ذلك دأبهم حتى يرديهم فى دار الشقاء والنكال وهى جهنم وبئس القرار.
4 -
أن النار فهي دار أعدها الله لمن عصاه من الكفرة والمعرضين والمجانبين للصراط المستقيم، وجعل لهم فيها النكال والأغلال والويل والثبور، حتى ينالوا بذلك جزاء كفرهم وإعراضهم (12).
يقول ابن سعدي في وصف النار وأهلها المستحقين لدخولها:
" ..... فهي دار من طغى وبغى وتجبر على الخلق وآثر الحياة الدنيا، دار الشقاء الأبدي والعذاب الشديد السرمدي، دار جمع الله فيها للطاغين أصناف العذاب، وأحل على أهلها السخط والسعير والحجاب، دار اشتد غيظها وزفيرها، وتفاقمت فظاعتها وحمى سعيرها قعرها بعيد وعذابها شديد ولباس أهلها القطران والحديد وطعامهم الغسلين وشرابهم الصديد، ويتجرعه المجرم ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت فيستريح من التنكيد، يتردد أهلها بين الزمهرير والمفرط برده وبين السعير ويلاقون فيها العنا والشقا فيا
(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5486): ص 3/ 981.
(2)
التفسير الميسر: 87.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 380.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 336.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5487): ص 3/ 981.
(6)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5488): ص 3/ 981.
(7)
صفوة التفاسير: 258.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 380.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 336.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (5489): ص 3/ 982.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (5490): ص 3/ 982.
(12)
انظر: العقيدة، الشيخ السعدي:292.
بئس المثوى ويا بئس المصير ويلقى عليهم الجوع الشديد المفظع والعطش العظيم الموجع، فيستغيثون للطعام والشراب، فيغاثون من هذا العذاب بأفظع عذاب، يغاثون بماء كالمهل وهو الرصاص المذاب، خبيث الطعم منتن الريح، حره قد تناها، إذا قرب من وجوههم أسقط جلدها ولحمها وشواها، وإذا وقع في بطونهم صهرها وقطع معاها، يغلي طعام الزقوم في بطونهم كغلي الحميم، فشاربون عليه من الحميم، فشاربون شرب الإبل العطاش الهيم، هذا نزلهم فبئس النزل غير الكريم" (1).
وقال أيضاً في تعداد صنوف العذاب وألوانه وأنواعه في جهنم: " فتارة يعذبون بالسعير المحرق لظواهرهم وبواطنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها، وتارة بالزمهرير الذي قد بلغ برده أن يهرى اللحوم ويكسر العظام، وتارة بالجوع المفرط والعطش المفظع، وإذا استغاثوا لذلك أغيثوا بعذاب آخر، ولون من الشقاء ينسى ما سبقه فيغاثون بطعام ذي غصة، بشجرة الزقوم التي تخرج في الذي يوقد عليه النار، وإن يستغيثوا للشراب يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه، إذا قرب إليها فلا يدعهم العطش مع ذلك أن يتناولها، فإذا وصلت إلى بطونهم قطعت أمعاءهم ولا يزالون في عذاب شديد لا يفتر عنهم العذاب ساعة، ولا يرجون رحمة ولا فرجا
…
" (2).
القرآن
التفسير:
إن الذين جحدوا ما أنزل الله من آياته ووحي كتابه ودلائله وحججه، سوف ندخلهم نارًا يقاسون حرَّها، كلما احترقت جلودهم بدَّلْناهم جلودًا أخرى; ليستمر عذابهم وألمهم. إن الله تعالى كان عزيزًا لا يمتنع عليه شيء، حكيمًا في تدبيره وقضائه.
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا} [النساء: 56]، أي:" إن الذين جحدوا ما أنزل الله من آياته ووحي كتابه ودلائله وحججه"(3).
قال مقاتل: " يعني: اليهود، {بآياتنا}، يعني القرآن"(4).
قال ابن كثير: " يخبر تعالى عما يعاقب به في نار جهنم من كفر بآياته وصد عن رسله"(5).
قال الطبري: أي: " إن الذين جحدوا ما أنزلتُ على رسولي محمد صلى الله عليه وسلم، من آياتي يعني: من آيات تنزيله، ووَحي كتابه، وهي دلالاته وحججه على صدق محمد صلى الله عليه وسلم فلم يصدقوا به من يهود بني إسرائيل وغيرهم من سائر أهل الكفر به، [و] هذا وعيد من الله جل ثناؤه للذين أقاموا على تكذيبهم بما أنزل الله على محمد من يهود بني إسرائيل وغيرهم من سائر الكفار، وبرسوله"(6).
قوله تعالى: {سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا} [النساء: 56]، أي:" سوف ندخلهم نارًا يقاسون حرَّها"(7).
قال ابن كثير: " أي: ندخلهم نارا دخولا يحيط بجميع أجرامهم، وأجزائهم"(8).
قال الطبري: أي: " سوف ننضجهم في نارٍ يُصلون فيها أي يشوون فيها"(9).
قال الحسن: "قوله: {سَوْفَ}، وعيد"(10).
قال أبو عبيدة: " {نُصْلِيهِمْ نَارًا}، نشويهم بالنار وننضجهم، يقال: أتانا بالحمل مصلي، أي: مشوي، وذكر أن يهودية أهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاة مصلية: أي: مشوية "(11).
قوله تعالى: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ} [النساء: 56]، " أي: كلما انشوت جلودهم واحترقت احتراقاً تاماً" (12).
(1) الفواكة الشهية /45، 46.
(2)
الخلاصة /28.
(3)
التفسير الميسر: 87.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 380.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 337.
(6)
تفسير الطبري: 8/ 484.
(7)
التفسير الميسر: 87.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 337.
(9)
تفسير الطبري: 8/ 484.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (5491): ص 3/ 982.
(11)
أخرجه ابن المنذر (1910): ص 2/ 758.
(12)
صفوة التفاسير: 258.
قال ابن عمر: " إذا احترقت جلودهم"(1).
قال الطبري: أي: " كلما انشوت بها جلودهم فاحترقت"(2).
قال الواحدي: " يعني: أنَّ جلودهم إذا نضجت"(3).
قال الراغب: " الجلد: قشر البدن، وجمعه جلود، والجلود عبارة عن الأبدان، والقلوب عن النفوس"(4).
قوله تعالى: {بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} [النساء: 56]، " أي: بدلناهم جلوداً غيرها ليدوم لهم ألم العذاب" (5).
قال الواحدي: " يعني: جُدِّدت بأن تُردَّ إلى الحال التي كانت عليها غير محترقة، ليقاسوا العذاب وينالوه"(6).
قال الطبري: "يعني: غير الجلود التي قد نضجت فانشوت"(7).
وقيل: المراد بقوله: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ} ، أي: سرابيلهم، ، قال تعالى:{سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ} [سورة إبراهيم: 50]، وذلك لما صارت لهم لباسًا لا تفارق أجسامهم، فجعلت لهم جلودًا، فقيل: كلما اشتعل القَطِران في أجسامهم واحترق، بدلوا سرابيل من قطران آخر. حكاه ابن جرير (8).
قال ابن كثير: "وهو ضعيف؛ لأنه خلاف الظاهر"(9).
قال البيضاوي: أي: " أعدنا تلك الجلود غير محترقة فالتبديل والتغيير لتغاير الهيئتين لا لتغاير الأصلين عند أهل الحق، {لِيَذُوقُوا العذاب} ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز أعزك الله أي أدامك على عزك"(10).
قال مقاتل: " وذلك أن النار إذا أكلت جلودهم بدلت كل يوم سبع مرات على مقدار كل يوم من أيام الدنياـ {ليذوقوا العذاب}، عذاب النار جديدا "(11).
قال ابن عمر: " إذا احترقت جلودهم بدلوا جلودا بيضاء أمثال القراطيس"(12).
وروي عن ابن عمر قال: "قرأ رجل عند عمر هذه الآية: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا}، فقال عمر: أعدها عليّ، فأعادها عليه، فقال معاذ بن جبل: عندي تفسيرها: تبدل في ساعة مائة مرة، فقال عمر: هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم"(13).
قال الربيع بن انس: " سمعنا أنه مكتوب في الكتاب الأول أن جلد أحدهم أربعين ذراعا وسنه تسعين ذراعا، وبطنه لو وضع فيه جبل لوسعه، فإذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلودا غيرها"(14).
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق حسين الجعفي، عن الحسن:" تنضجهم في اليوم سبعين ألف مرة، وفي رواية أخرى: " كلما أنضجتهم وأكلت لحومهم، قيل لهم: عودوا، فعادوا" (15).
وقال يحيى بن يزيد الحضرمي: " يجعل للكافر مائة جلد بين كل جلدين لون من العذاب"(16).
وعن زر عبد الله، قال:" إنه تسمع للهوام جلبة بين أطباق جلد الكافر كما تسمع جلبة الوحش في البر "(17).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (5492): ص 3/ 982.
(2)
تفسير الطبري: 8/ 484.
(3)
الوجيز: 269.
(4)
المفردات في غريب القرآن: 199.
(5)
صفوة التفاسير: 258.
(6)
الوجيز: 269.
(7)
تفسير الطبري: 8/ 484.
(8)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 487.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 337.
(10)
تفسير البيضاوي: 1/ 366.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 380.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (5494): ص 3/ 982.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (5493): ص 3/ 982.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (5495): ص 3/ 982.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (5496): ص 3/ 983.
(16)
أخرجه ابن أبي حاتم (5497): ص 3/ 983.
(17)
أخرجه ابن المنذر (1911): ص 2/ 758 - 759.
وعن أبي هريرة، قال:" قال لي عبد الله: أتدري كم عرض جلد الكافر؟ فقلت: لا، قال: هو أربعون ذراعا بذراع الخباز"(1).
وقال الضحاك: " تأخذ النار فتأكل جلودهم حتى تكشطها عن اللحم، حتى تفضي النار إلى العظام، ويبدلون جلودا غيرها، فيذيقهم الله شديد العذاب، فذلك دائم لهم أبدا، بتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفرهم بآيات الله "(2).
وقال ابن أبي زمنين: " قال يحيى: بلغنا أنها تأكل كل شيء حتى تنتهي إلى الفؤاد؛ فيصيح الفؤاد فلا يريد الله أن تأكل أفئدتهم؛ فإذا لم تجد شيئا تتعلق به منهم، خبت - أي: سكنت - ثم يعادون خلقا جديدا؛ فتأكلهم كلما أعيد خلقهم"(3).
فإن قيل وكيف يجوز أن يُبدّلوا جلوداً غير جلودهم التي كانت لهم في الدنيا فيعذبوا فيها؟ ولو جاز ذلك لجاز أن يُبدَّلوا أجساماً، وأرواحاً، غير أجسامهم وأرواحهم التي كانت في الدنيا، ولو جاز ذلك لجاز أن يكون المعذبون في الآخرة بالنار غير الذين وعدهم الله في الدنيا على كفرهم بالعذاب بالنار. وقد أجاب أهل العلمِ عنه بثلاثة أجوبة (4):
أحدها: أن ألم العذاب إنما يصل إلى الإنسان الذي هو غير الجلد واللحم، وإنما يحرق الجلد ليصل إلى الإنسان ألم العذاب، فأما الجلد واللحم فلا يألمان فسواء أعيد على الكافر جلده الذي كان عليه وجلدٌ غَيْرُهُ.
والجواب الثاني: أنه تُعَادُ تلك الجلود الأولى جديدة غير محترقة.
والجواب الثالث: أن الجلود المُعادَةَ إنما هي سرابيلهم من قبل أن جعلت لهم لباساً، فسماها الله جلوداً، وأنكر قائل هذا القول أن تكون الجلود تحترق وتعاد غير محترقة، لأن في حال احتراقها إلى حال إعادتها فناءَها، وفي فنائها راحتها، وقد أخبر الله تعالى: أنهم لا يموتون ولا يخفف عنهم العذاب.
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 56]، أي:" إن الله تعالى كان عزيزًا لا يمتنع عليه شيء، حكيمًا في تدبيره وقضائه"(5).
قال الواحدي: أي"قوياً لا يغلبه شيء {حَكِيمًا} فيما دبَّر"(6).
قال الزمخشري: " {عَزِيزًا}، لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين، {حَكِيمًا}، لا يعذب إلا بعدل من يستحقه"(7).
قال البيضاوي: أي: " غالباً بالانتقام لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين، {حَكِيماً} فيما يفعل بالكافرين"(8).
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية: " {عَزِيزًا حَكِيمًا}، يقول: عزيزا في نقمته إذا انتقم"(9). وروي عن قتادة، والربيع بن أنس نحو ذلك (10).
قال محمد بن إسحاق: "العزيز في نصرته ممن كفر إذا شاء"(11).
الفوائد:
1 -
أن الآية تناولت صفة النار والترهيب منها وصفة أهلها.
2 -
أن الشرك بالله عبادة غير الله معه، وهو أعظمُ ذنب عُصي الله به، وهو الذنب الذي لا يغفره الله، قال الله عز وجل:{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} ، وهو الذنب الذي يُخلَّد صاحبُه في النار أبد الآباد، ولا سبيل له للخروج منها، كما قال الله عز وجل:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} .
(1) أخرجه ابن المنذر (1912): ص 2/ 758 - 759.
(2)
أخرجه ابن المنذر (1913): ص 2/ 759.
(3)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 381.
(4)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 485 - 486، والنكت والعيون: 1/ 498 - 499.
(5)
التفسير الميسر: 87.
(6)
الوجيز: 269.
(7)
الكشاف: 1/ 523.
(8)
تفسير البيضاوي: 1/ 366.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (5498): ص 3/ 983.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5498): ص 3/ 983.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (5498): ص 3/ 983.
القرآن
التفسير:
والذين اطمأنت قلوبهم بالإيمان بالله تعالى والتصديق برسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، واستقاموا على الطاعة، سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ينعمون فيها أبدًا ولا يخرجون منها، ولهم فيها أزواج طهرها الله مِن كل أذى، وندخلهم ظلا كثيفًا ممتدًا في الجنة.
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [النساء: 57]، أي: و"الذين آمنوا بقلوبهم بما يجب الإيمان به، وعملوا الأعمال الصالحات"(1).
قال ابن عباس: "يقول: أدوا فرائضي"(2).
وعنه أيضا: "الأعمال الصالحة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر"(3).
قال زيد بن أسلم: " {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه"(4).
قوله تعالى: {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [النساء: 57]، "أي: أي: سيدخلهم الله -بفضله- جنات تمر الأنهار من تحت أشجارها" (5).
قال السعدي: " وتلك الجنة فيها الأنهار الجارية التي تسقيها من غير مؤنة"(6).
قال ابن عثيمين: " وظاهر كلمة {أنهار} أن الماء عذب، وجمع {الأنهار} باعتبار تفرقها في الجنة، وانتشارها في نواحيها؛ إذاً يعتبر هذا البستان كاملاً من كل النواحي: نخيل، وأعناب، ومياه، وثمرات؛ وهو أيضاً جنة كثيرة الأشجار، والأغصان، والزروع، وغير ذلك "(7).
قال أبو مالك: " يعني: المساكن تجري أسفلها أنهارها"(8).
قال مقاتل: " يعني: البساتين تجري من تحتها الأنهار"(9).
قال الزجاج: " المعنى: تجري من تحتها مياه الأنهار، لأن الجاري على الحقيقة الماء"(10).
قال مسروق: " أنهار الجنة تجري في غير أخدود، وثمرتها كالقلال، كلما نزعت ثمرة عادت مثلها أخرى، العنقود اثنا عشر ذراعا"(11).
قال ابن كثير: " هذا إخبار عن مآل السعداء في جنات عدن، التي تجري فيها الأنهار في جميع فجاجها ومحالها وأرجائها حيث شاؤوا وأين أرادوا"(12).
قال عبد الله: "الجنة سجسج لا حر فيها ولا برد"(13). وعنه أيضا: " أنهار الجنة تفجر من جبل مسك"(14).
قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [النساء: 57]، أي:" مقيمين في الجنة لا يموتون"(15).
قال سعيد بن جبير، ومقاتل:"يعني: لا يموتون"(16).
وعن ابن عباس: " {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}، قال: لا انقطاع"(17).
(1) تفسير ابن عثيمين: 3/ 380.
(2)
أخرجه الطبري (7156): ص 6/ 465.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (3597): ص 2/ 664.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (5500): ص 3/ 983.
(5)
صفوة التفاسير: 1/ 153. [بتصرف].
(6)
تفسير السعدي: 1/ 115.
(7)
تفسير ابن عثيمين: 3/ 331.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (5503): ص 3/ 984.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 381.
(10)
معاني القرآن: 2/ 66.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (5504): ص 3/ 984.
(12)
تفسير ابن كثير: 2/ 338.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (5501): ص 3/ 983.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (5502): ص 3/ 983.
(15)
صفوة التفاسير: 259.
(16)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5505): ص 3/ 984، وتفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 381.
(17)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5506): ص 3/ 984.
قال ابن كثير: أي: " وهم خالدون فيها أبدا، لا يحولون ولا يزولون ولا يبغون عنها حولا"(1).
قال سعيد بن جبير: " طول الرجل من أهل الجنة سبعون ميلا، وطول المرأة ثلاثون ميلا، مقعدتها جريب أرض، وإن شهوته لتجري في جسدها مقدار سبعين عاما، يجد اللذة ولو انقلب الرجل من أهل النار كسلسلة لزالت الجبال "(2).
قوله تعالى: {لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} [النساء: 57]، " أي: لهم في الجنة زوجات مطهرات من الأقدار والأذى" (3).
قال ابن كثير: " أي: من الحيض والنفاس والأذى. والأخلاق الرذيلة، والصفات الناقصة"(4).
قال ابن عباس: " يقول: مطهرة من القذر والأذى"(5).
وقال قتادة: " قيل: مطهرة من الأذى والمآثم"(6)، وفي رواية اخرى:" لا حيض ولا كلف"(7).
عن مجاهد، في قوله عز وجل " {ولهم فيها أزواج مطهرة}، من الحيض، والغائط، والبول، والمخاط، والنخام، والبزاق، والمني، والولد "(8).
قال مقاتل: " يعني: النساء، {مطهرة}، يعني: المطهرات من الحيض والغائط والبول والقذر كله"(9).
قوله تعالى: {وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا} [النساء: 57]، "أي ظلاً دائماً لا تنسخه الشمس ولا حر فيه ولا برد"(10).
قال ابن كثير: " أي: ظلا عميقا كثيرا غزيرا طيبا أنيقا"(11).
قال مقاتل: " يعني أكنان القصور، {ظليلا}، يعني: لا خلل فيها"(12).
قال الربيع: " وهو ظل العرش الذي لا يزول"(13).
قال الزجاج: " معنى «ظليل»: يظل من الريح والحر، وليس كل ظل كذلك، أعلم الله عز وجل أن ظل أهل الجنة ظليل لا حر معه ولا برد، وكذلك قوله: {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} [الواقعة: 30]، لأن ليس كل ظل ممدودا"(14).
الفوائد:
1 -
أخبر الله تعالى عما يؤول إليه أمر الموحدين بأنه سيدخلهم الجنة، وإن عذبهم فبذنوبهم ولا يخلدون في النار كما قالت الخوارج والمعتزلة والقدرية. وقد أخبر الله سبحانه في القرآن أنه إنما يدخل العباد الجنة بالإيمان والعمل في آيات كثيرة.
2 -
إن الله لم يعلق وعد الجنة إلا باسم الإيمان، لم يعلقه باسم الإسلام مع إيجابه الإسلام، وإخباره أنه دينه الذي ارتضاه، وأنه لا يقبل ديناً غيره، ومع هذا فما قال: إن الجنة أعدت للمسلمين، ولا قال: وعد الله المسلمين بالجنة، بل إنما ذكر ذلك باسم الإيمان، فقال:{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا .. } (15).
3 -
الإيمان بأن الجنة والنار لا يفنيان.
القرآن
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 338.
(2)
أخرجه ابن المنذر (1915): ص 2/ 760.
(3)
صفوة التفاسير: 259.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 338.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (5507): ص 3/ 984.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (5509): ص 3/ 984.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (5510): ص 3/ 984.
(8)
أخرجه ابن المنذر (1916): ص 2/ 760.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 381.
(10)
صفوة التفاسير: 259.
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 338.
(12)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 381.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (5511): ص 3/ 985.
(14)
معاني القرآن: 2/ 66.
(15)
انظر: الإيمان لابن تيمية: 273.
التفسير:
إن الله تعالى يأمركم بأداء مختلف الأمانات، التي اؤتمنتم عليها إلى أصحابها، فلا تفرطوا فيها، ويأمركم بالقضاء بين الناس بالعدل والقسط، إذا قضيتم بينهم، ونِعْمَ ما يعظكم الله به ويهديكم إليه. إن الله تعالى كان سميعًا لأقوالكم، مُطَّلعًا على سائر أعمالكم، بصيرًا بها.
في سبب نزول الآية وجهان:
أحدهما: اخرج الطبري وابن المنذر (1)، عن ابن جريج:" نزلت في عُثمان بن طلحة بن أبي طلحة، قَبض منه النبي صلى الله عليه وسلم مفاتيح الكعبة، ودخل به البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان فدفع إليه المفتاح. قال: وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو هذه الآية: فداهُ أبي وأمي! ما سمعته يَتلوها قبل ذلك! "(2).
وفي هذا السياق قال الثعلبي: أنها " نزلت في عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار وكان سادن الكعبة، فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المفتاح، فقيل: إنه مع عثمان، فطلب منه علي رضي الله عنه فأجاب: لو علمت إنه رسول الله لم أمنعه المفتاح، فلوى علي بن أبي طالب رضي الله عنه يده، فأخذ منه المفتاح وفتح الباب، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى فيه ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح وجمع له بين السقاية والسدانة فأنزل الله تعالى هذه الآية فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا أن يرد المفتاح إلى عثمان، فأوعز إليه ففعل ذلك علي رضي الله عنه. فقال له عثمان: يا علي كرهت، وآذيت ثم جئت ترفق، فقال له: بما أنزل الله تعالى في شأنك؟ وقرأ عليه هذه الآية. فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وأسلم، فجاء جبرائيل رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه مادام هذا البيت أول لبنة من لبناته قائمة فإن المفتاح والسدانة في أولاد عثمان وهو اليوم في أيديهم"(3).
والثاني: أخرج الطبري، وابن المنذر (4)، وابن ابي حاتم (5)، عن زيد بن أسلم، قال:" نزلت هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}، في ولاة الأمر"(6). وروي عن محمد بن كعب (7)، وشهر بن حوشب (8)، نحو ذلك.
قال الواحدي: " أجمعوا على أنها نازلة في شأن مفتاح الكعبة"(9).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58]، أي:" يأمركم الله أيها المؤمنون بأداء الأمانات إِلى أربابها"(10).
قال الزمخشري: " الخطاب عام لكل أحد في كل أمانة"(11).
قال الشوكاني: " هذه الآية من أمهات الآيات المشتملة على كثير من أحكام الشرع، لأن الظاهر أن الخطاب يشمل جميع الناس في جميع الأمانات"(12).
قال الزجاج: " هذا أمر عام للنبي صلى الله عليه وسلم وجميع أمته، ويروى في التفسير أن العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل له السقاية والسدانة وهي الحجبة، وهو أن يجعل له مع السقاية فتح البيت وإغلاقه، فنازعه شيبة بن عثمان فقال يا رسول الله اردد علي ما أخذت مني يعني مفتاح الكعبة، فرده صلى الله عليه وسلم على شيبة"(13).
(1) انظر: تفسير ابن المنذر (1920): ص 2/ 762.
(2)
تفسير الطبري (9846): ص 8/ 491 - 492.
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 333 ذكره دون ذكر السند.
(4)
تفسير ابن المنذر (1919): ص 2/ 762.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5523): ص 3/ 986.
(6)
تفسير الطبري (9839): ص 8/ 490.
(7)
انظر: تفسير ابن أبي جاتم (5518): ص 3/ 986.
(8)
انظر: تفسير الطبري (9840): ص 8/ 490.
(9)
التفسير البسيط: 6/ 535.
(10)
صفووة التفاسير: 261.
(11)
الكشاف: 1/ 523.
(12)
فتح القدير: 1/ 555.
(13)
معاني القرآن: 2/ 66.
قال أبو السعود: " في تصدير الكلام بكلمة التحقيق وإظهار الاسم الجليل وإيراد الأمر على صورة الإخبار من الفخامة وتأكيد وجوب الامتثال به والدلالة على الاعتناء بشأنه ما لا مزيد عليه وهو خطاب يعم حكمه المكلفين قاطبة كما أن الأمانات تعم جميع الحقوق المتعلقة بذمهم من حقوق الله تعالى وحقوق العباد سواء كانت فعلية أو قولية إو اعتقادية وإن ورد في شأن عثمان بن طلحة ابن عبد الدار سادن الكعبة المعظمة"(1).
قال ابن كثير: " يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وفي حديث الحسن، عن سمرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك". رواه الإمام أحمد وأهل السنن (2) وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان، من حقوق الله، عز وجل، على عباده، من الصلوات والزكوات، والكفارات والنذور والصيام، وغير ذلك، مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بينة على ذلك. فأمر الله، عز وجل، بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة، كما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها، حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء" (3) "(4).
قال السعدي: " الأمانات كل ما ائتمن عليه الإنسان وأمر بالقيام به. فأمر الله عباده بأدائها أي: كاملة موفرة، لا منقوصة ولا مبخوسة، ولا ممطولا بها، ويدخل في ذلك أمانات الولايات والأموال والأسرار؛ والمأمورات التي لا يطلع عليها إلا الله. وقد ذكر الفقهاء على أن من اؤتمن أمانة وجب عليه حفظها في حرز مثلها. قالوا: لأنه لا يمكن أداؤها إلا بحفظها؛ فوجب ذلك. وفي قوله: {إلى أهلها} دلالة على أنها لا تدفع وتؤدى لغير المؤتمن، ووكيله بمنزلته؛ فلو دفعها لغير ربها لم يكن مؤديا لها"(5).
واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58]، على اربعة أقاويل:
أحدها: أنه عَنَى وُلاةَ أمور المسلمين، وهذا قول شهر بن حَوْشَبٍ (6)، ومكحول (7)، وزيد بن أسلم (8).
والثاني: أنه أمر السلطان أن يعظ النساء، وهذا قول ابن عباس (9).
والثالث: أنه خُوْطِبَ بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في عثمان بن أبي طلحة، أن يرد عليه مفاتيح الكعبة، وهذا قول ابن جريج (10).
والرابع: أنه في كل مَؤْتَمنٍ على شيء، وهذا قول أُبَيّ بن كعب (11).
والراجح-والله أعلم- أنه " خطاب من الله ولاةَ أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من وَلُوا أمره في فيئهم وحقوقهم، وما ائتمنوا عليه من أمورهم، بالعدل بينهم في القضية، والقَسْم بينهم بالسوية. يدل على
(1) تفسير أبي السعود: 2/ 192.
(2)
) قال المحقق: لم أجد من رواه من حديث سمرة رضى الله عنه:
أ - وإنما رواه الإمام أحمد في مسنده (3/ 414) عن رجل عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ب - ورواه الترمذي في سننه برقم (1264) وأبو داود في سننه برقم (3535) من طريق طلق بن غنام عن شريك وقيس عن أبي حصين عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال الترمذي: "حديث حسن غريب"، وقال أبو حاتم:"حديث منكر لم يرو هذا الحديث غير طلق" العلل (1/ 375).
جـ - ورواه الحاكم في المستدرك (2/ 64) والطبراني في المعجم الصغير (1/ 171) من طريق أيوب بن سويد عن ابن شوذب عن أبي التياح، عن أنس رضي الله عنه، وأيوب بن سويد ضعيف.،
د - ورواه الطبراني في المعجم الكبير (8/ 150) من طريق يحيى بن عثمان، عم عمرو بن الربيع، عن يحيى بن أيوب عن إسحاق ابن أسيد عن أبي حفص عن مكحول عن أبي أمامة رضي الله عنه.
قال الهيثمي في المجمع (8/ 128): "فيه يحي بن عثمان بن صالح المصري. قال ابن أبي حاتم: تكلموا فيه".
هـ - ورواه الطبري في تفسيره (8/ 493) من طريق قتادة عن الحسن مرسلا ..
(3)
رواه مسلم في صحيحه برقم (2582).
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 338.
(5)
تفسير السعدي: 183.
(6)
انظر: تفسير الطبري (9840): ص 8/ 490.
(7)
انظر: تفسير الطبري (9843): ص 8/ 491.
(8)
انظر: تفسير الطبري (9839): ص 8/ 490.
(9)
انظر: تفسير الطبري (9845): ص 8/ 491.
(10)
انظر: تفسير الطبري (9846): ص 8/ 491 - 492.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5517): 23/ 986.
ذلك ما وَعظ به الرعية في: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ} ، فأمرهم بطاعتهم، وأوصى الرّاعي بالرعية، وأوصى الرعية بالطاعة" (1).
وقرئ: {الأمانة} ، على التوحيد (2).
قوله تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58]، أي:"ويأمركم بالقضاء بين الناس بالعدل والقسط، إذا قضيتم بينهم"(3).
قال السعدي: " وهذا يشمل الحكم بينهم في الدماء والأموال والأعراض، القليل من ذلك والكثير، على القريب والبعيد، والبر والفاجر، والولي والعدو، والمراد بالعدل الذي أمر الله بالحكم به هو ما شرعه الله على لسان رسوله من الحدود والأحكام، وهذا يستلزم معرفة العدل ليحكم به"(4).
قال الشوكاني: " أي: وإن الله يأمركم إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل. والعدل: هو فصل الحكومة على ما في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا الحكم بالرأي المجرد، فإن ذلك ليس من الحق في شيء، إلا إذا لم يوجد دليل تلك الحكومة في كتاب الله ولا في سنة رسوله، فلا بأس باجتهاد الرأي من الحاكم الذي يعلم بحكم الله سبحانه، وبما هو أقرب إلى الحق عند عدم وجود النص، وأما الحاكم الذي لا يدري بحكم الله ورسوله، ولا بما هو أقرب إليهما، فهو لا يدري ما هو العدل، لأنه لا يعقل الحجة إذا جاءته، فضلا عن أن يحكم بها بين عباد الله. قوله: نعما ما موصوفة أو موصولة، وقد قدمنا البحث في مثل ذلك"(5).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} [النساء: 58]، أي:" ونِعْمَ ما يعظكم الله به ويهديكم إليه"(6).
قال ابن كثير: " أي: يأمركم به من أداء الأمانات، والحكم بالعدل بين الناس، وغير ذلك من أوامره وشرائعه الكاملة العظيمة الشاملة"(7).
قال السعدي: " وهذا مدح من الله لأوامره ونواهيه، لاشتمالها على مصالح الدارين ودفع مضارهما، لأن شارعها السميع البصير الذي لا تخفى عليه خافية، ويعلم بمصالح العباد ما لا يعلمون"(8).
وقرئ: {نعما} ، بفتح النون (9).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58]، أي: إن الله "سميع لأقوالكم بصير بأفعالكم"(10).
قال ابن كثير: " أي: سميعا لأقوالكم، بصيرا بأفعالكم "(11).
قال محمد بن إسحاق: " {سميعا}، أي: سميع ما يقولون"(12).
قال عقبة بن عامر: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرئ هذه الآية: {سميعا بصيرا}، يقول: بكل شيء بصير"(13).
قال مقاتل: " فلا أحد أسمع منه، «بصيرا» فلا أحد أبصر منه، فكان من العدل أن دفع السقاية إلى العباس بن عبد المطلب والحجابة إلى عثمان بن طلحة لأنهما كانا أهلها فى الجاهلية"(14).
الفوائد:
1 -
أمر الله جل شأنه جميع الناس أن يرد كل منهم ما لديه من أمانة إلى أهلها أيا كانت تلك الأمانة، فعم سبحانه بأمره كل مكلف وكل أمانة، سواء كان ما ورد في نزول الآية صحيحا أم غير صحيح؛ فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
(1) تفسير الطبري: 8 ظم 492.
(2)
انظر: الكشاف: 1/ 523.
(3)
التفسير الميسر: 87.
(4)
تفسير السعدي: 183.
(5)
فتح القدير: 1/ 555.
(6)
التفسير الميسر: 87.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 341.
(8)
تفسير السعدي: 183.
(9)
انظر: الكشاف: 1/ 523.
(10)
صفووة التفاسير: 261.
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 341.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (5525): ص 3/ 987.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (5526): ص 3/ 987.
(14)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 382.
2 -
أوصى سبحانه من وكل إليه الحكم في خصومة أو الفصل بين الناس في أمر ما أن يحكم بينهم بالعدل سواء كان: محكما، أو ولي أمر عام، أو خاص، ولا عدل إلا ما جاء في كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فذلك الهدى، والنور، والصراط المستقيم.
3 -
أثنى على ما أسداه إلى عباده من الموعظة؛ إغراء لهم بالقيام بحقها، والوقوف عند حدودها.
4 -
إن الآية مدح من الله لأوامره ونواهيه، لاشتمالها على مصالح الدارين ودفع مضارهما، لأن شارعها السميع البصير الذي لا تخفى عليه خافية، ويعلم بمصالح العباد ما لا يعلمون.
5 -
الدلالة على فضل العقل والحياة وشرفهما، وأمانة الإنسان إنما صار صالحا للتكليف بسببهما (1).
6 -
ختم الآية بالثناء على نفسه بما هو أهله؛ من كمال السمع والبصر، ترغيبا في امتثال أمره رجاء ثوابه، وتحذيرا من مخالفة شرعه خوف عقابه.
7 -
إثبات البصر لله تعالى المحيط بجميع المبصرات، وإثبات السمع له المحيط بجميع المسموعات، وهاتان الصفتان من صفات ذاته تعالى وهما متضمن اسميه «السميع البصير» .
القرآن
التفسير:
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، استجيبوا لأوامر الله تعالى ولا تعصوه، واستجيبوا للرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من الحق، وأطيعوا ولاة أمركم في غير معصية الله، فإن اختلفتم في شيء بينكم، فأرجعوا الحكم فيه إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، إن كنتم تؤمنون حق الإيمان بالله تعالى وبيوم الحساب. ذلك الردُّ إلى الكتاب والسنة خير لكم من التنازع والقول بالرأي، وأحسن عاقبة ومآلا.
في سبب نزول الآية قولان:
أحدها: أخرج أحمد (2)، والبخاري (3)، ومسلم (4)، والثلاثة (5)، والطبري (6)، وابن أبي حاتم (7)، والواحدي (8)، من طريق يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} ، قال:"نزلت فى عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدى (9)، بعثه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فى سرية".
وفي السياق نفسه أخرج أحمد (10)، والبخاري (11)، ومسلم (12)، وأبو داود (13)، والنسائي (14)، من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن علي-رضي الله عنه قال: " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية، واستعمل عليهم رجلا من الأنصار، قال: فلما خرجوا - قال -: وجد عليهم في شيء، قال: فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني؟ قال: قالوا: بلى، قال: فقال: اجمعوا حطبا، ثم دعا بنار فأضرمها فيه، ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها، قال: فهم القوم أن يدخلوها، قال: فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار، فلا تعجلوا حتى تلقوا النبي صلى الله عليه وسلم، فإن
(1) انظر: المنهاج في شعب الإيمان: 3/ 25.
(2)
المسند (3124): ص 1/ 337.
(3)
صحيح البخاري (4584): ص 6/ 67.
(4)
صحيح المسلم (4774): ص 6/ 13.
(5)
انظر: سنن أبي داود (2624)، وسنن الترمذي (1672)، وسنن النسائي 7/ 154، والكبرى (7769)، و (8773)، و (11044).
(6)
انظر: تفسير الطبري (9857)، و (9858): ص 8/ 497.
(7)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5529): ص 3/ 987 - 988.
(8)
أسباب النزول: 158 - 159.
(9)
هكذا الاسم في البخاري والنسائي، ونقص في أبي داود:"قيس"، وزاد مسلم والترمذي:"السهمي".
(10)
انظر: المسند (622): ص 1/ 82، و (724): ص 1/ 94، و (1018): ص 1/ 124، و (1065): ص 1/ 129.
(11)
صحيح البخاري (4340): ص 5/ 203، و (7145): ص 9/ 78، و (7257): ص 9/ 109.
(12)
صحيح المسلم (4793): ص 13/ 385، و (4794)، و (4795): ص 6/ 16.
(13)
انظر: سنن أبي داود (2625).
(14)
انظر: سنن النسائي: 7/ 159، والكبرى (7780)، و (8668)، و (8669).
أمركم أن تدخلوها فادخلوا، قال: فرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبروه بذلك، فقال لهم:«لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا إنما الطاعة في المعروف» (1) ".
والثاني: أخرج الطبري، وابن ابي حاتم (2)، وغيرهما (3)، عن السدي، قال:" قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سريَّة عليها خالد بن الوليد، وفيها عمار بن ياسر، فساروا قِبَل القوم الذين يريدون، فلما بلغوا قريبًا منهم عرَّسوا، وأتاهم ذو العُيَيْنَتين فأخبرهم، فأصبحوا قد هربوا، غير رجل أمر أهله فجمعوا متاعهم، ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل حتى أتى عسكر خالد، فسأل عن عمار بن ياسر، فأتاه فقال: يا أبا اليقظان، إني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإنّ قومي لما سمعوا بكم هربوا، وإني بقيت، فهل إسلامي نافعي غدًا، وإلا هربت؟ قال عمار: بل هو ينفعك، فأقم. فأقام، فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد أحدًا غير الرجل، فأخذه وأخذ ماله. فبلغ عمارًا الخبر، فأتى خالدًا، فقال: خلِّ عن الرجل، فإنه قد أسلم، وهو في أمان مني. فقال خالد: وفيم أنت تجير؟ (4) فاستبَّا وارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: فأجاز أمان عمار، ونهاه أن يجير الثانية على أمير. فاستبَّا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال خالد: يا رسول الله، أتترك هذا العبد الأجدع يسبني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا خالد، لا تسبَّ عمارًا، فإنه من سب عمارًا سبه الله، ومن أبغض عمارًا أبغضه الله، ومن لعن عمارًا لعنه الله. فغضب عمار فقام، فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه فاعتذر إليه، فرضي عنه، فأنزل الله تعالى قوله: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} "(5).
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [النساء: 59]، أي:" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه"(6).
قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: {يا أيها الذين آمنوا}، إلا كان على شريفها وأميرها"(7).
وعن خيثمة قال: "ما تقرأون في القرآن: {يا أيها الذين آمنوا}، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين"(8).
ويجدر القول بأن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان" (9).
قال ابن مسعود رضي الله عنه: "إذا سمعت الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه"(10).
(1) وتعددت الروايات:
- في رواية أخرى: فقال للذين أرادوا أن يدخلوها: "لو دخلتموها لم تزالوا فيها إلى يوم القيامة"، وقال للآخرين قولا حسنا، وقال:" لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف".
- وفي رواية: "لا طاعة لبشر في معصية الله".
- وفي رواية: "لا طاعة لمخلوق في معصية الله، عز وجل".
[انظر: المسند الجامع (10301): ص 13/ 384].
(2)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5531): ص 3/ 988.
(3)
أخرجه الواحدي في اسباب النزول: 159 - 160، باختلاف يسير في الالفاظ، مثلا قوله:" أنت تجير عليّ وأنا الامير؟ ، "، وقوله:" واستب عمار وخالد بين يدي رسول الله فأغلظ عمار لخالد، فغضب خالد وقال: يا رسول الله أتدع هذا العبد يشتمني، فوالله لولا أنت ما شتمني، وكان عمار مولى لهاشم بن المغيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا خالد كف عن عمار فإنه من يسب عمارا يسبه الله، ومن يبغض عمارا يبغضه الله".
وكذلك ذكره مقاتل بن سليمان في تفسيره: 1/-383382، باختلاف يسير في الألفاظ، مثلا: " فقال خالد:
يا نبي الله يسبني هذا العبد الأجدع، وشتم خالد عمارا"، وفيه: " قال خالد: فيم أنت تجير دوني وأنا أمير عليك؟ ". وفيه: " فقال النبي- صلى الله عليه وسلم لخالد: قم فاعتذر إليه".
(4)
في رواية الواحدي: 160: "أنت تجير عليّ وأنا الامير؟ فقال: نعم، أنا أجير عليك وأنت الأمير"، وكذلك ذكره مقاتل بن سليمان في تفسيره: 1/ 382.
(5)
تفسير الطبري (9861): ص 8/ 498 - 499.
(6)
التفسير الميسر: 87.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (1035): ص 1/ 196، و (5025): ص 3/ 902
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (5026): ص 3/ 902.
(9)
انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 337.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (1037): ص 1/ 196، و (5027): ص 3/ 902
قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59]، أي:" استجيبوا لأوامر الله تعالى ولا تعصوه، واستجيبوا للرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من الحق"(1).
قال الطبري: أي: " أطيعوا الله ربكم فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، وأطيعوا رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، فإن في طاعتكم إياه لربكم طاعة، وذلك أنكم تطيعونه لأمر الله إياكم بطاعته"(2).
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني"(3).
وفي تفسير قوله تعالى: {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59]، وجهان:
أحدهما: أن: ذلك أمرٌ من الله باتباع سنته. وهذا قول عطاء (4).
والثاني: أن ذلك أمرٌ من الله بطاعة الرّسول في حياته. وهذا قول ابن زيد (5).
والراجح-والله أعلم- أنه "أمرٌ من الله بطاعة رسوله في حياته فيما أمرَ ونهى، وبعد وفاته باتباع سنته. وذلك أن الله عمّ بالأمر بطاعته، ولم يخصص بذلك في حال دون حال، فهو على العموم حتى يخصّ ذلك ما يجبُ التسليم له"(6).
قوله تعاىى: {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]، أي:" وأطيعوا ولاة أمركم في غير معصية الله"(7).
قال البيضاوي: " يريد بهم أمراء المسلمين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وبعده، ويندرج فيهم الخلفاء والقضاة وأمراء السرية. أمر الناس بطاعتهم بعد ما أمرهم بالعدل تنبيها على أن وجوب طاعتهم ما داموا على الحق"(8).
وفي تفسير قوله تعالى: {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]، خمسة أقاويل:
أحدها: أنهم الأمراء، وهو قول ابن عباس، وأبي هريرة (9)، وابن عباس (10)، والسدي (11)، وابن زيد (12)، وميمون بن مهران (13).
واختلف قائلو هذا القول في سبب نزولها في الأمراء على قولين:
الأول: قال ابن عباس: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي إذ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية (14).
والثاني: وقال السدي: نزلت في عمار بن ياسر، وخالد بن الوليد حين بعثهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية (15).
قال الماوردي: " وطاعة وَلاةِ الأمر تلزم في طاعة الله دون معصيته، وهي طاعة يجوز أن تزول، لجواز معصيتهم، ولا يجوز أن تزول طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لامتناع معصيته"(16).
والقول الثاني: أنهم أهل العلم والفقه، وهو قول جابر بن عبد الله (17)، والحسن (18)، وعطاء (19)، وأبي العالية (20)، ومجاهد في إحدى الروايت (21)، وابن أبي نجيح (22)، وابن عباس في إحدى الروايات (23).
(1) التفسير الميسر: 87.
(2)
تفسير الطبري: 8/ 495.
(3)
أخرجه الطبري (9851): ص 8/ 495.
(4)
انظر: تفسير الطبري (9852) - (9854): ص 8/ 495 - 496.
(5)
انظر: تفسير الطبري (9855): ص 8/ 496.
(6)
تفسير الطبري: 8/ 496.
(7)
التفسير الميسر: 87.
(8)
تفسير البيضاوي: 2/ 80.
(9)
انظر: تفسير الطبري (9856): ص 8/ 497.
(10)
انظر: تفسير الطبري (9857)، و (9858): ص 8/ 497.
(11)
انظر: تفسير الطبري (9861): ص 8/ 498 - 499.
(12)
انظر: تفسير الطبري (9860): ص 8/ 498.
(13)
انظر: تفسير الطبري (9859): ص 8/ 498.
(14)
انظر: تفسير الطبري (9857)، و (9858): ص 8/ 497.وباقي الروايات في بيّناها في سبب النزول.
(15)
انظر: تفسير الطبري (9861): ص 8/ 498 - 499.
(16)
النكت والعيون: 1/ 500.
(17)
انظر: تفسير الطبري (9862): ص 8/ 499.
(18)
انظر: تفسير الطبري (9871): ص 8/ 501.
(19)
انظر: تفسير الطبري (9869)، و (9870): ص 8/ 500.
(20)
انظر: تفسير الطبري (9873): ص 8/ 501.
(21)
انظر: تفسير الطبري (9863)، و (9864)، و (9868)، و (9872): ص 8/ 500 - 501.
(22)
انظر: تفسير الطبري (9865): ص 8/ 500.
(23)
انظر: تفسير الطبري 9867): ص 8/ 500.
والثالث: أنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قول مجاهد (1).
والرابع: أنهم أبو بكر وعمر –رضي الله تعالى عنهما-، وهو قول عكرمة (2).
والخامس: أنهم المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان، بدليل قوله تعالى:{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100]. وهذا قول عطاء (3).
والصواب-والله أعلم- ان المعنيين هم " الأمراء والولاة، [وذلك] لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان [لله] طاعةً، وللمسلمين مصلحة"(4).
روي عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"على المرء المسلم، الطاعةُ فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية؛ فمن أمر بمعصية فلا طاعة"(5).
وروي، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البَرُّ ببِرِّه، والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق، وصلُّوا وراءهم. فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساؤوا فلكم وعليهم"(6).
قوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59]، "أي: فإِن اختلفتم في أمرٍ من الأمور فاحتكموا فيه إِلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم َ" (7).
قال قتادة: " يقول: ردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله "(8).
وعن السدي: " {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}، إن كان الرسول حيًا، و {إلى الله}، قال: إلى كتابه"(9).
قال الزمخشري: أي: " فإن اختلفتم أنتم وأولو الأمر منكم في شيء من أمور الدين، فارجعوا فيه إلى الكتاب والسنة. وكيف تلزم طاعة أمراء الجور وقد جنح الله الأمر بطاعة أولى الأمر بما لا يبقى معه شك، وهو أن أمرهم أولا بأداء الأمانات وبالعدل في الحكم وأمرهم آخرا بالرجوع إلى الكتاب والسنة فيما أشكل، وأمراء الجور لا يؤدون أمانة ولا يحكمون بعدل، ولا يردون شيئا إلى كتاب ولا إلى سنة، إنما يتبعون شهواتهم حيث ذهبت بهم، فهم منسلخون عن صفات الذين هم أولو الأمر عند الله ورسوله، وأحق أسمائهم:
اللصوص المتغلبة" (10).
عن ليث: قال مجاهد: " فإن تنازع العلماء ردّوه إلى الله والرسول. قال يقول: فردّوه إلى كتاب الله وسنة رسوله"(11). وفي رواية أخرى: " كتاب، الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم"(12).
قال مهران: " الرد إلى الله، الردّ إلى كتابه والرد إلى رسوله إن كان حيًا، فإن قبضه الله إليه فالردّ إلى السنة"(13).
والتنازع: "هو التشاجر، سمى تنازعا؛ لأن كل واحد من الخصمين ينزع بحجة وآية"(14).
(1) انظر: تفسير الطبري (9874): ص 8/ 501.
(2)
انظر: تفسير الطبري (9875): ص 8/ 502.
(3)
انظر: تفسير البغوي: 1/ 653.
(4)
تفسير الطبري: 8/ 502.
(5)
أخرجه الطبري (9877): ص 8/ 503. والحديث رواه أحمد في المسند: (4668)، وفي (6278).
(6)
أخرجه الطبري (9876): ص 8/ 502. وهذا الحديث ضعيف جدا. فيه عبد الله بن محمد بن عروة: هو عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة بن الزبير المدني. قال أبو حاتم: " هو متروك الحديث، ضعيف الحديث جدًا ". وقال ابن حبان: " يروى الموضوعات عن الثقات ". مترجم في لسان الميزان 3/ 331 - 332، وابن أبي حاتم: 2/ 158.
(7)
صفوة التفاسير: 261.
(8)
أخرجه الطبري (9884): ص 8/ 505.
(9)
أخرجه الطبري (9885): ص 8/ 505.
(10)
الكشاف: 1/ 524.
(11)
أخرجه الطبري (9879): ص 8/ 504. قال الليث: "ثم قرأ مجاهد هذه الآية: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [سورة النساء: 83] ".
(12)
أخرجه الطبري (9880): ص 8/ 505.
(13)
أخرجه الطبري (9883): ص 8/ 505.
(14)
تفسير السمعاني: 1/ 441.
قال السمعاني: " والرد إلى الكتاب والسنة واجب، ما دام في الحادثة شئ من الكتاب والسنة، فإن لم يكن فالسبيل فيه الاجتهاد، وروى أن مسلمة بن عبد الملك قال لرجل: إنكم أمرتم أن تطيعونا، فقال الرجل: قد نزعها الله منكم؛ حيث قال: {فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول} وقد تنازعتم، فقال مسلمة: أين الله؟ فقال: الكتاب، وقال: أين الرسول؟ فقال: السنة، وقيل: الرد إلى الله والرسول: أن يقول الرجل فيما لا يدرى: الله ورسوله أعلم، وهذا قول حسن"(1).
قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 59]، أي:" إن كنتم تؤمنون حق الإيمان بالله تعالى وبيوم الحساب"(2).
قال البيضاوي: أي: " فإن الإيمان يوجب ذلك"(3).
قوله تعالى: {ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]، أي:" ذلك الرجوع إلى الكتاب والسنة خير لكم وأصلح، وأحسن عاقبة ومآلا "(4).
قال البيضاوي: أي: " ذلك الرد، {خير لكم}، وأحسن عاقبة، أو أحسن تأويلا من تأويلكم بلا رد"(5).
قال الطبري: أي: " {خير} لكم عند الله في معادكم، وأصلح لكم في دنياكم، لأن ذلك يدعوكم إلى الألفة، وترك التنازع والفرقة، {وأحسن تأويلا}، يعني: وأحمد مَوْئلا ومغبّة، وأجمل عاقبة"(6).
قال ابن كثير: " أي: التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله. والرجوع في فصل النزاع إليهما خير {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا} أي: وأحسن عاقبة ومآلا"(7).
قال ابن زيد: " التأويل "، التصديق" (8).
وفي قوله تعالى: {ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]، وجوه:
أحدها: أحسن عَاقِبَةً، وهذا قول قتادة (9)، والسدي (10)، وابن زيد (11). واختاره الزجاج (12) ..
والثاني: أحسن جزاءا، وهو معنى قول مجاهد (13). قال ابن كثير: "وهو قريب من القول الأول (14).
والثالث: أحسن من تاويلكم انتم. دون ردكم إياه إلى الكتاب والسثة. أجازه الزجاج (15).
قال ابن عطية: " {تَأْوِيلًا}، معناه: مآلا على قول جماعة"(16).
الفوائد:
1 -
وجوب رد الأمور المتنازع فيها إلى الله ورسوله؛ لقوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ} .
2 -
تحريم رد المسائل المتنازع فيها إلى القوانين الوضعية، أو تحكيم أهل الكفر والإلحاد، لقوله:{{إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} }.
3 ـ تحريم التقليد مع وضوح الدليل، لقوله:{فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} ، وإنما قلنا: مع وضوح الدليل؛ لأن التقليد يجوز للضرورة إذا لم يعلم الإنسان، لقوله تعالى:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، ولم يأمر سبحانه بسؤال أهل الذكر إلا للرجوع إلى ما يقولون، وإلا لم يكن هناك فائدة من سؤال أهل الذكر.
4 -
أن الرد إلى الله والرسول من مقتضيات الإيمان، لقوله:{إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ} .
(1) تفسير السمعاني: 1/ 441.
(2)
التفسير الميسر: 87.
(3)
تفسير البيضاوي: 2/ 80.
(4)
انظر: التفسير الميسر: 87، وصفوة التفاسير:261.
(5)
تفسير البيضاوي: 2/ 80.
(6)
تفسير الطبري: 8/ 506.
(7)
فسير ابن كثير: 2/ 346.
(8)
أخرجه الطبري (9890): ص 8/ 507.
(9)
انظر: تفسير الطبري (9888): ص 8/ 506.
(10)
انظر: تفسير الطبري (9889): ص 8/ 506.
(11)
انظر: تفسير الطبري (9890): ص 8/ 507.
(12)
انظر: معاني القرآن: 2/ 68.
(13)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5545): ص 3/ 990.
(14)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 346.
(15)
انظر: معاني القرآن: 2/ 68.
(16)
المحرر الوجيز: 2/ 71.
5 -
أن من ادعى الإيمان بالله واليوم الآخر ولكنه لا يرد مسائل النزاع إلى الله ورسوله فإنه كاذب؛ لأن قوله: {إِنْ كُنْتُمْ} بمنزلة التحدي، فيكون كاذباً فيما يدعي، وقد قال الله تبارك وتعالى:{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]
القرآن
التفسير:
ألم تعلم -أيها الرسول- أمر أولئك المنافقين الذين يدَّعون الإيمان بما أُنزل إليك -وهو القرآن- وبما أُنزل إلى الرسل من قبلك، وهم يريدون أن يتحاكموا في فَصْل الخصومات بينهم إلى غير ما شرع الله من الباطل، وقد أُمروا أن يكفروا بالباطل؟ ويريد الشيطان أن يبعدهم عن طريق الحق، بعدًا شديدًا.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: أخرج الطبري، وابن المنذر (1)، والواحدي (2)، عن عامر، قال:"كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فكان المنافق يدعو إلى اليهود، لأنه يعلم أنهم يقبلون الرشوة، وكان اليهودي يدعو إلى المسلمين، لأنه يعلم أنهم لا يقبلون الرشوة. فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جُهَيْنة، فأنزل الله فيه هذه الآية: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ}، حتى بلغ {وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (3) "(4).
وفي السياق نفسه أخرج الطبري وابن ابي حاتم (5)، عن اسباط عن السدي (6)، قال:" كان ناس من اليهود قد أسلموا ونافق بعضهم. وكانت قُرَيظة والنَّضير في الجاهلية، إذا قُتِل الرجل من بني النضير قتلته بنو قريظة، قتلوا به منهم. فإذا قُتِل الرجل من بني قريظة قتلته النضير، أعطوْا ديتَه ستين وَسْقًا من تمر. فلما أسلم ناس من بني قريظة والنضير، قتل رجلٌ من بني النضير رجلا من بني قريظة، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النضيري: يا رسول الله، إنا كنا نعطيهم في الجاهلية الدية، فنحن نعطيهم اليوم ذلك. فقالت قريظة: لا ولكنا إخوانكم في النسب والدين، ودماؤنا مثل دمائكم، ولكنكم كنتم تغلبوننا في الجاهلية، فقد جاء الله بالإسلام! فأنزل الله يُعَيِّرهم بما فعلوا فقال: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [سورة المائدة: 54]، فعيَّرهم، ثم ذكر قول النضيري: " كنا نعطيهم في الجاهلية ستين وسقًا، ونقتل منهم ولا يقتلونا "، فقال {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} [سورة المائدة: 50]. وأخذ النضيري فقتله بصاحبه، فتفاخرت النضير وقريظة، فقالت النضير: نحن أكرم منكم! وقالت قريظة: نحن أكرم منكم! ودخلوا المدينة إلى أبي بُرْدة، الكاهن الأسلمي، فقال المنافق من قريظة والنضير: انطلقوا إلى أبي بردَة ينفِّر بيننا! "(7).
وفي المعنى نفسه، أخرج ابن ابي حاتم عن ابن عباس:" كان أبو بردة الأسلمي كاهنا يقضي بين اليهود، فتنافروا إليه أناس من أسلم من اليهود فأنزل الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} "(8).
والثاني: أخرج الطبري عن عطية العوفي عن ابن عباس في قوله: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} ، قال:" و {الطَّاغُوتِ}: رجل من اليهود كان يقال له: كعب بن الأشرف، وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا، بل نحاكمكم إلى كعب! فذلك قوله: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ}، الآية"(9). وروي عن مجاهد (10)، والربيع بن انس (11)، والضحاك (12) نحو ذلك.
(1) انظر: تفسير ابن المنذر (1942): ص 2/ 769.
(2)
انظر: أسباب النزول: 161 - 163.
(3)
[سورة النساء: 65].
(4)
تفسير الطبري (9891): ص 8/ 508.
(5)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5549): ص 3/ 99 - 992.
(6)
رواية أسباط بن نصر عن السدي، سنده ضعيف جداً؛ فيه علتان:
الأولى: الإعضال.
الثانية: أسباط؛ صدوق كثير الخطأ، يُغْرب.
(7)
تفسير الطبري (9896): ص 8/ 510.
(8)
تفسير ابن أبي حاتم (5547): ص 3/ 991.
(9)
تفسير الطبري (9897): ص 8/ 511.
(10)
.انظر: تفسير الطبري (9898): ص 8/ 511 - 512
(11)
.انظر: تفسير الطبري (9899): ص 8/ 512.
(12)
.انظر: تفسير الطبري (9902): ص 8/ 513.
والثالث: ونقل الثعلبي والواحدي (1)، والحافظ (2)، عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال:"نزلت في رجل من المنافقين يقال له بشر (3)، كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال: انطلق بنا إلى محمد وقال المنافق بل إلى كعب بن الأشرف، وهو الذي سماه الله الطاغوت، فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى المنافق ذلك أتى معه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختصما إليه، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهودي فلما خرجا من عنده لزمه المنافق، وقال: انطلق بنا إلى عمر رضي الله عنه فأقبلا إلى عمر، فقال اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليكم وأنه تعلق بي فجئت معه فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. فقال لهما: رويد كما حتى أخرج إليكما، فدخل عمر البيت وأخذ السيف ثم خرج إليهما فضرب به المنافق حتى برد وقال. هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهرب اليهودي، ونزلت هذه الآية"(4).
قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} [النساء: 60]، " ألم تعلم -أيها الرسول- أمر أولئك المنافقين الذين يدَّعون الإيمان بما أُنزل إليك -وهو القرآن- وبما أُنزل إلى الرسل من قبلك"(5).
قال مقاتل: " يعني: صدقوا بما أنزل إليك من القرآن وصدقوا بما أنزل من قبلك من الكتاب على الأنبياء"(6).
قال الزجاج: " يعنى به المنافقون، وقوله: {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} إلى الكاهن والشيطان"(7).
قال ابن كثير: " هذا إنكار من الله، عز وجل، على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد التحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله"(8).
وقرئ: {بما أنزل .... بما أنزل} ، على البناء للفاعل (9).
قوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} [النساء: 60]، أي:"وهم يريدون أن يتحاكموا في فَصْل الخصومات بينهم إلى غير ما شرع الله من الباطل"(10).
قال مقاتل: " يعني كعب بن الأشرف وكان يتكهن"(11).
وقال عطاء: "يعني: حيي بن أخطب"(12).
قال الشعبي: " يعني به: الكاهن، كان بين رجل ممن زعم أنه مسلم، وبين رجل من اليهود خصومة، فاتفقا على أن يتحاكما إلى كاهن في جهينة"(13).
وقد ذكر أهل التفسير في {ِالطَّاغُوتِ} ، سبعة أقوال:
أحدها: أنه الشيطان (14)، وهو قول عمر بن الخطاب (15)، ومجاهد (16)، والشعبي (17)، والضحاك (18)، وقتادة (19)، والسدي (20)، وعكرمة (21)، واختاره ابن كثير (22)، والقاسمي (23) وآخرون.
(1) انظر: اسباب النزول: 162.
(2)
انظر: الفتح" "5/ 37 - 38" وقال: "وهذا الإسناد وإن كان ضعيفا لكن تقوى بطريق مجاهد ولا يضره الاختلاف لإمكان التعدد".
(3)
لم يحدد الاسم في الواحدي ..
(4)
تفسير الثعلبي: 3/ 337.
(5)
التفسير الميسر: 88.
(6)
تفسير الثعلبي: 1/ 383.
(7)
معاني القرآن: 2/ 68.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 347.
(9)
انظر: الكشاف: 1/ 525.
(10)
التفسير الميسر: 88.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 385.
(12)
الوجيز للواحدي: 2/ 73.
(13)
أخرجه ابن المنذر (1945): ص 2/ 770 - 771.
(14)
قال الشنقيطي: " قال بعض العلماء: (الطاغوت): الشيطان، ويدل لهذا قوله تعالى: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه}، أي يخوفكم من أوليائه. وقوله تعالى: {الذين آمنوا يقاتلون فى سبيل الله والذين كفروا يقاتلون فى سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا، وقوله: {أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو} وقوله: {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء}، والتحقيق أن كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت والحظ الأكبر من ذلك للشيطان كما قال تعالى: (ألم أعهد إليكم يا بنى ءادم أن لا تعبدوا الشيطان (وقال: (إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا {وقال عن خليله ابرهيم} يا أبت لا تعبد الشيطان وقال: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون}، إلى غير ذلك من الآيات". [أضواء البيان: 1/ 159].
(15)
أنظر: تفسير الطبري (5834) و (5835): ص 5/ 417. وابن ابي حاتم (2618): ص 2/ 495.
(16)
أنظر: تفسير الطبري (5836): ص 5/ 417.
(17)
أنظر: تفسير الطبري (5837): ص 5/ 417.
(18)
أنظر: تفسير الطبري (5838): ص 5/ 417.
(19)
أنظر: تفسير الطبري (5839): ص 5/ 417.
(20)
أنظر: تفسير الطبري (5840): ص 5/ 417.
(21)
البخاري، كتاب التفسير، باب قوله:{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنِ الْغَائِطِ} ، قبل الحديث رقم 4583، ولفظه:"الْجِبْتُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ: شَيْطَانٌ، وَالطَّاغُوتُ: الْكَاهِنُ".
(22)
أنظر: تفسير ابن كثير: 1/ 683، إذ يقول:" ومعنى قوله في الطاغوت: إنه الشيطان قوي جدًّا فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية، من عبادة الأوثان والتحاكم إليها والاستنصار بها".
(23)
محاسن التأويل: 2/ 194.
والثاني: أنه الساحر، وهو قول أبي العالية (1)، ومحمد ابن سيرين (2) والشعبي (3).
والثالث: الكاهن، وهو قول جابر (4)، وسعيد بن جبير (5)، والرفيع (6)، وابن جريج (7).
والرابع: الأصنام والأوثان، وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون اللَّه تعالى (8). روي ذلك عن مالك (9).
والخامس: مَرَدَة الإنس والجن (10).
والسادس: أنه كل ذي طغيان طغى على الله، فيعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، أو بطاعة له، سواء كان المعبود إنساناً أو صنماً، روي ذلك عن الإمام مالك (11)، وابن القيم (12)، وهذا قول أبي جعفر الطبري (13).
والسابع: أنها النفس لطغيانها فيما تأمر به من السوء، كما قال تعالى:{إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53]، ذكره الماوردي (14).
والراجح-والله أعلم- أن الطاغوت عبارة عن كل مُعتدٍ وكل معبود من دون الله (15)، وهو اختيار الإمام الطبري وأبي حيان (16) وغيرهم. وبه قال أكثر أهل العلم.
واختلفوا في أصل كلمة {الطَّاغُوتِ} [البقرة: 256]، على وجهين (17):
أحدهما: أنه اسم أعجمي معرّب، ومن ثم اختلف هؤلاء في اشتقاقه على أقوال (18):
أ- قال الشوكاني: "الطاغوت: فعلوت، من طغى يطغي ويطغو، إذا جاوز الحد"(19).
(1) أنظر: تفسير الطبري (5841): ص 5/ 417.
(2)
أنظر: تفسير الطبري (5842): ص 5/ 417.
(3)
أنظر تفسير ابن أبي حاتم (2620): ص 2/ 495.
(4)
صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قوله:{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنِ الْغَائِطِ} ، قبل الحديث رقم (4583)، ولفظه:""كَانَتْ الطَّوَاغِيتُ الَّتِي يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا: فِي جُهَيْنَةَ وَاحِدٌ، وَفِي أَسْلَمَ وَاحِدٌ، وَفِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ، كُهَّانٌ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ".
(5)
أنظر: تفسير الطبري (5843): ص 5/ 418.
(6)
أنظر: تفسير الطبري (5844): ص 5/ 418. والرفيه: ، هو أبو العالية الرياحي.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (5845): ص 5/ 418.
(8)
انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، 2/ 446 - 447، تفسير قوله تعالى:{فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ} .
(9)
تفسير ابن أبي حاتم (2622): ص 2/ 495.
(10)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 327.
(11)
ذكره القرطبي في تفسيره، 5/ 248، عن ابن وهب، عن الإمام مالك، وانظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، ص 44.
(12)
وأجمع ما قيل في تعريف الطاغوت ما ذكره ابن القيم / بقوله: "والطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع". [إعلام الموقعين عن رب العالمين، 1/ 50].
(13)
أنظر: تفسير الطبري: 5/ 419.
(14)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 327.
(15)
انظر: المفردات فى غريب القرآن للأصفهانى: 30.4
(16)
قال أبو حيان بعد أن سرد الأقوال في معنى (الطاغوت): " وينبغي أن تجعل هذه الأقوال كلها تمثيلاً، لأن الطاغوت محصور في كل واحد منها". [البحر المحيط: 2/ 210].
(17)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 328.
(18)
انظر: فتح القدير: 1/ 275، والمحرر الوجيز: 1/ 344، وتفسير القرطبي: 3/ 281، والبحر المحيط: 2/ 599، وفتح البيان في مقاصد القرآن: 2/ 99، والحجة للقراء السبعة: 4/ 137.
(19)
فتح القدير: 1/ 275.
ب-قال سيبويه: "هو اسم مذكَّر"(1) مفرد، أي اسم جنس، يشمل القليل والكثير.
ج- وقال أبو على الفارسي: "إنه مصدر: كرهبوت، وجبروت، يوصف به الواحد، والجمع، وقلبت لامه إلى موضع العين، وعينه إلى موضع اللام"(2)، كجبذ، وجذب، ثم تقلب الواو ألفًا؛ لتحركها، وتحرك ما قبلها، فقيل: طاغوت. واختار هذا القول النحاس (3).
وقيل: "أصل الطاغوت في اللغة: مأخوذ من الطغيان، يؤدي معناه من غير اشتقاق، كما قيل: لآلٍ، من اللؤلؤ"(4).
ثم اختلف في لفظ الطاغوت أمفرد هو أم جمع على قولين:
الأول: أنه جمع، قاله المبرد ورده عليه جماعة كالفارسي وابن عطية وآخرون (5).
الثاني: أنه مفرد، واختلفوا على قولين:
أ-أنه مصدر على وزن فَعَلُوت، أي: طَغَيُوِت، فوقع فيه قلب مكاني بين عينه ولامه فصار على وزن فَلَعُوت، أي: طَيَغُوت، ثم قلبت لامه (الياء) ألفا فصار طاغوت. وهو مصدر يوصف به الواحد والجمع، نظير قولهم: رجل عدل وقوم عدل، إذ في الكلام دليل على الواحد أو الجماعة، وهو قولهم: رجل أو قوم، وقد وجد هنا ما يرجح كون المراد به الجماعة وهو قوله:{يُخْرِجُونَهُمْ} [البقرة: 257]، وذلك ما جعله الزجاج (6) شرطاً للجواز، وذلك ظاهر قول الكسائي وأبي حاتم والطبري وأبي علي الفارسي والواحدي والزبيدي وآخرين (7).
ب-أنه اسم جنس مفرد لطائفة جاوزت الحد في الطغيان، وقد اختار هذا القول أبو حيان (8)، وحُمِل عليه قول سيبويه بأن: الطاغوت اسم مفرد (9).
والثاني: أنه اسم عربي مشتق من الطاغية، قاله ابن بحر (10).
قوله تعالى: {وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} [النساء: 60]، أي:" وقد أُمروا أن يكفروا بالباطل"(11).
قال مقاتل: " يعنى أن يتبرأوا من الكهنة"(12).
قال السدي: " وهو أبو الأسلمي الكاهن"(13).
وقرأ عباس بن الفضل: {أن يكفروا بها} ، ذهابا بالطاغوت إلى الجمع، كقوله:{أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم} (14).
قوله تعالى: {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 60]، أي:" ويريد الشيطان أن يبعدهم عن طريق الحق، بعدًا شديدًا"(15).
قال الواحدي: " أي: ضلالا لا يرجعون عنه إلى دين الله أبدا"(16).
(1) الكتاب: 3/ 240. وذكر صاحب اللسان (طغى)، قال ابن منظور: يقع على الواحد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وهي مشتقة من طغى، والطاغوتُ الشيطان، والكاهِنُ، وكلُّ رأْسٍ في الضَّلالة، وقد يكون واحداً قال تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} [النساء: 60]، وقد يكون جَمْعاً، قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ} [البقرة: 257]، وهو مثل الفُلْكِ يُذَكَّرُ ويؤنَّث، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا} [الزمر: 17]، والطاغوتُ يكونُ من الأَصْنامِ، ويكون من الجِنِّ والإِنس، ويكون من الشياطين، وجمعُ الطاغوتِ: طَواغِيتُ، والطَّوَاغِي: جمع طاغيَةٍ، ويجوز أَن يُراد بالطَّواغِي: من طَغَى في الكُفرِ، وجاوَزَ الحَدَّ". [لسان العرب لابن منظور، 15/ 7، مادة (طغى)، ومقاييس اللغة، 3/ 322، مادة (طغى)، والمصباح المنير، 2/ 273، مادة (طغى)].
(2)
المحرر الوجيز: 1/ 344.
(3)
أنظر: معاني القرآن: 1/ 270.
(4)
معاني القرآن للنحاس: 1/ 269.
(5)
انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: 2/ 285، مفاتيح الغيب للرازي: 7/ 16 - 17، البحر المحيط لأبي حيان: 2/ 272.
(6)
أنظر: معاني القرآن: 1/ 340.
(7)
انظر: تهذيب اللغة للأزهري: 8/ 168، جامع البيان للطبري: 5/ 428، الكشف والبيان للثعلبي: 1/ 162 ب، البسيط للواحدي: 1/ 154 ب، فتح الباري لابن حجر: 9/ 178.
(8)
انظر: البحر المحيط: 2/ 283.
(9)
انظر: الكتاب لسيبويه: 3/ 240، مجاز القرآن لأبي عبيدة: 1/ 79، المحرر الوجيز لابن عطية: 2/ 285، زاد المسير لابن الجوزي: 1/ 307.
(10)
نقلا عن الماوردي في النكت والعيون: 328. ولم اجده في تفسير ابي مسلم الأصفهاني المشهور بابن بحر.
(11)
التفسير الميسر: 88.
(12)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 385.
(13)
أخرجه ابن ابي حاتم (5551): ص 3/ 992.
(14)
انظر: الكشاف: 1/ 525.
(15)
التفسير الميسر: 88.
(16)
الوجيز: 2/ 73.
قال عكرمة: " إنما سمي الشيطان لأنه تشيطن"(1).
الفوائد:
1 -
من أقبح صفات المنافقين: رفض التحاكم إلى شريعة الله، والتحاكم إلى الطواغيت التي تحقق رغباتهم.
2 -
أن التحاكم إلى غير الله ورسوله تحاكم إلى الطاغوت، لقوله:{{يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} .
3 -
ومن الفوائد أن الإيمان الصادق، يقتضي الانقياد لشرع الله، والحكم به في كل أمر من الأمور، فمن زعم أنه مؤمن واختار حكم الطاغوت على حكم الله، فهو كاذب في زعمه.
4 -
بيان تمرد المنافقين على الوحي وهروبهم من الحق وصعرهم إلى الباطل، فلما أوْجَبَ الله تعالى الطَّاعَة على جميع المُكَلَّفين في قوله جلت عظمته: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
…
}، ذكر في هذه الآيةِ أن المُنَافقين والذين في قُلُوبهم مَرَضٌ لا يُطيعُون الرَّسولَ، ولا يَرْضُونَ بحُكْمِهِ، وإنما يُريدُون حُكْمَ غيره.
5 -
اتضاح اشتمال لفظ الطاغوت على كل ما يعبد من دون الله ويصد عن سبيله ويعترض على حكمه وشريعته، وفي ذلك السرداب وخلال تلك السبل يرتع أهل النفاق منذ أقدم العهود.
6 -
كشف كراهية المنافقين للحكم بما أنزل الله تعالى وتعصبهم ضده، ووقوفهم مع أي نظام طاغوتي بديل عنه، وبغضهم للحق وحملته، وبعدهم عن الاستماتة في سبيله، وضيقهم ذرعاً بشعائره، فيمقتون لذلك كل الطاعات من صلاة وزكاة وحج .. ، وإن تستروا حال خوفهم على ذلك المقت وغطوه، لكن بواطنهم تنفضح وسرائرهم تنكشف إذا أعلنت شعيرة الجهاد في سبيل الله أو رفعت راية الحكم بما أنزل الله، فعند هذين الأمرين لابد أن يتبدى الوجه الكالح للنفاق ويصدح أهله بخسيس مكنوناتهم.
7 -
أظهرت الآيات بما لا مجال للشك فيه من خلال التعبير القرآني {يَزْعُمُونَ} أن الإيمان والتحاكم إلى غير شرع الله لا يجتمعان في قلب واحد، ذلك أن الإيمان لا يكون إلا بالكفر بالطاغوت {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لا انفِصَامَ} ، والرضا بالتحاكم إلى القوانين الوضعية يناقض الكفر بها، كما أنه ينافي الرضا بتحكيم شرع الله، فكل من حكم بغير ما جاء به النبي- صلى الله عليه وسلم، أو حاكم إليه فقد حكم بالطاغوت وحاكم إليه، وذلك مناف للإيمان.
القرآن
وإذا نُصح هؤلاء، وقيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله، وإلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وهديه، أبصَرْتَ الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، يعرضون عنك إعراضًا.
قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ} [النساء: 61]، أي:" وإذا نُصح هؤلاء، وقيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله، وإلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وهديه"(2).
قال الماتريدي: " أي: إذا قيل لهم: تعالوا إلى حكم ما أنزل الله في كتابه، وإلى الرسول، وإلى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم – وسنته"(3).
قال ابن جريج: " دعا المسلم المنافق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم "(4).
قال ابن عباس: " كانوا إذا دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم، قالوا: بل نتحاكم إلى الطاغوت، وقد أمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا"(5).
وقرأ الحسن: {تعالوا} ، بضم اللام على أنه حذف اللام من تعاليت تخفيفا (6).
قوله تعالى: {رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 61]، أي:" أبصَرْتَ الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، يعرضون عنك إعراضًا"(7).
قال السمرقندي: " أي يعرضون عنك إعراضا"(8).
(1) أخرجه ابن ابي حاتم (5550): ص 3/ 992.
(2)
التفسير الميسر: 88.
(3)
تفسير الماتريدي: 3/ 236.
(4)
أخرجه ابن المنذر (1948): ص 2/ 772.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (5552): ص 3/ 993.
(6)
انظر: الكشاف: 1/ 525.
(7)
التفسير الميسر: 88.
(8)
تفسير السمرقندي: 1/ 313.
قال الصابوني" أي: رأيتهم لنفاقهم يعرضون عنك إِعراضاً"(1).
قال الزجاج والنحاس: " أي يصدون عن، حكمك"(2).
قال الواحدي: أي: " يُعرضون عنك إعراضاً إلى غيرك عداوةً للدِّين"(3).
قال ابن كثير: " أي: يعرضون عنك إعراضا كالمستكبرين عن ذلك، كما قال تعالى عن المشركين: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} [لقمان: 21] هؤلاء وهؤلاء بخلاف المؤمنين، الذين قال الله فيهم: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51] "(4).
قال السمعاني: أي: " أن المنافقين دعوا إلى التحاكم إلى الرسول، فأعرضوا عنه، وتحاكموا إلى الطاغوت"(5).
قال عطاء: " الصدود: الإعراض"(6).
قال الماتريدي: " الصدود: هو الإعراض في اللغة، والصد: الصرف"(7).
قال الراغب: " الصد: كالسد: إلا أن السد بحائل محسوس. والصد بحائل في النفس من إرادة أو كراهة، ونحو ذلك من الحوايل"(8).
قال الشعراوي: " أي يُعرضون عنك يا رسول الله لأنهم منافقون، وكل منافق عنده قضيتان: قضية لسانية وقضية قلبية؛ فهو باللسان يعلن إيمانه بالله وبرسول الله، وفي القلب تتعارض ملكاته عكس المؤمن أو الكافر، فالمؤمن ملكاته متساندة؛ لأن قلبه انعقد على الإيمان ويقود انسجام الملكات إلى الهدى، والكافر أيضاً ملكاته متساندة؛ لأنه قال: إنه لم يؤمن ويقوده انسجام ملكاته إلى الضلال، لكن المنافق يبعثر ملكاته! ! ملكة هنا وملكة هناك، ولذلك سيكونون في الدرك الأسفل من النار، الكافر منطقي مع نفسه، فلم يعلن الإيمان؛ لأن قلبه لم يقنع، وكان من الممكن أن يقول كلمة الإيمان لكن لسانه لا يرضي أن ينطق عكس ما في القلب، وعداوته للإسلام واضحة. أما المنافق فيقول: يا لساني. . أعلن كلمة الإيمان ظاهراً؛ كي أنفذ من هذا الإعلان إلى أغراضي وأن تطبّق عليّ أحكام الإسلام فانتفع بأحكام الإسلام، وأنا من صميم نفسي إن وجدت فرصة ضد الإسلام فسأنتهزها"(9).
قال الكسائي: يقرأ: {يصدون} ، بكسر الصاد، و {يصدون} ، بضم الصاد، وهي قراءة علي والنخعي ومعناه يعرضون (10).
الفوائد:
1 -
بيَّن تعالى أن هذه صفة المنافقين، وأن من فعل ذلك أو طلبه، وإن زعم أنه مؤمن فإنه في غاية البُعد من الإيمان.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: "هذا دليل على أن من دُعي إلى تحكيم الكتاب والسنَّة، فأبى أنَّه من المنافقين» (11).
قال شيخ الإسلام: " ومعلوم باتفاق المسلمين أنه يجب تحكيم الرسول في كل ما شَجَرَ بين الناس، في أمر دينهم ودنياهم، في أصول دينهم وفروعه، وعليهم كلهم إذا حكم بشيء، ألا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما حكم، ويسلموا تسليماً"(12).
(1) صفوة التفاسير: 262.
(2)
معاني القرآن للزجاج: 2/ 69، ومعاني القرآن للنحاس: 2/ 125
(3)
الوجيز: 271.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 346.
(5)
تفسير السمعاني: 1/ 442.
(6)
أخرجه ابن المنذر (1949): ص 2/ 772.
(7)
تفسير الماتريدي: 3/ 236.
(8)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1293.
(9)
تفسير الشعراوي: 4/ 2366.
(10)
انظر: تفسير الماتريدي: 3/ 236، وتفسير الثعلبي: 8/ 340.
(11)
فتح المجيد: 381.
(12)
الإيمان لابن تيمية: 34.
2 -
أن "الدعاء إلى ما أنزل الله يستلزم الدعاء إلى الرسول، والدعاء إلى الرسول يستلزم الدعاء إلى ما أنزله الله، وهذا مثل طاعة الله والرسول، فإنهما متلازمان، فمن يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن أطاع الله فقد أطاع الرسول"(1).
3 -
وصف سبحانه من دعي إلى الكتاب والسنة فأعرض عن ذلك بالنفاق، وإن زعم أنه يريد التوفيق بذلك بين الدلائل النقلية والعقلية، أو نحو ذلك، وأنه يريد إحسان العلم أو العمل (2).
القرآن
التفسير:
فكيف يكون حال أولئك المناففين، إذا حلَّت بهم مصيبة بسبب ما اقترفوه بأيديهم، ثم جاؤوك -أيها الرسول- يعتذرون، ويؤكدون لك أنهم ما قصدوا بأعمالهم تلك إلا الإحسان والتوفيق بين الخصوم؟
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: أن عمر قتل منافقاً لم يرض بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء إخوانه من المنافقين يطالبون بدمه، وحلفوا بالله أننا ما أردنا في المطالبة بدمه إلا إحساناً إلى النساء، وما يوافق الحق في أمرنا (3).
والثاني: أن المنافقين بعد القَوَدِ من صاحبهم اعتذروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في محاكمتهم إلى غيره بان قالوا ما أردنا في عدولنا عنك إلا توفيقاً بين الخصوم وإحساناً بالتقريب في الحكم دون الحمل على مُرّ الحق، فنزلت هذه الآية (4).
والثالث: وقيل: نزلت في المنافقين في بناء مسجد ضرار؛ كقوله سبحانه وتعالى: {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى} [التوبة: 107](5).
قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} [النساء: 62]، أي:" فكيف يكون حال أولئك المناففين، إذا حلَّت بهم مصيبة بسبب ما اقترفوه بأيديهم"(6).
قال الزجاج: " أي: فكيف تكون حالهم إذا قتل صاحبهم بما أظهر من الخيانة ورد حكم النبي صلى الله عليه وسلم –"(7).
قال الطبري: أي: " فكيف بهؤلاء الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وهم يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، إذا نزلت بهم نقمة من الله بذنوبهم التي سلفت منهم"(8).
قال ابن كثير: " أي: فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير إليك في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم واحتاجوا إليك في ذلك"(9).
قال الواحدي: أي: " عقوبة من الله مجازاة على ما صنعوا، وهو قوله: {بما قدمت أيديهم} [النساء: 62] أي: من التكذيب والكفر بالقرآن والرسول؟ "(10).
قال الزمخشري: أي: " من التحاكم إلى غيرك واتهامهم لك في الحكم"(11).
قال الحسن: " عقوبة لهم بنفاقهم وكرهوا حكم الله، {ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا} "(12).
(1) الإيمان لابن تيمية: 34.
(2)
التسعينية: ابن تيمية: 1/ 152.
(3)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 69، وتفسير الماتريدي: 3/ 237 - 238، تفسير الثعلبي: 3/ 339، والنكت والعيوان: 1/ 502، والوجيز للواحدي: 2/ 74، وتفسير ابن كثير: 2/ 346.
(4)
انظر: النكت والعيوان: 1/ 502، والكشاف: 1/ 526.
(5)
انظر: تفسير الماتريدي: 3/ 237 - 238.
(6)
التفسير الميسر: 88.
(7)
معاني القرآن: 2/ 69.
(8)
تفسير الطبري: 8/ 513.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 346.
(10)
الوجيز: 2/ 74.
(11)
الكشاف: 1/ 526.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (5553): ص 3/ 992.
وعن مجاهد: " {فكيف إذا أصابتهم مصيبة} في أنفسهم، وبين ذلك ما بينهما من القرآن هذا من تقديم القرآن "(1).
قال الثعلبي: " يعني: فكيف يصنعون إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم يعني عقوبة صدودهم، هذا وعيد وتهديد وتم الكلام"(2).
وقيل: " أراد بالمصيبة قتل صاحبهم"(3).
قال السمعاني: " قيل: هو قتل عمر رضي الله عنه ذلك المنافق؛ فإنهم جاءوا يطلبون دمه، وقيل: هو في جميع المنافقين، والمصيبة: كل مصيبة تصيبهم في الدنيا والعقبى"(4).
والمصيبة هنا "تشمل المصيبة الشرعية والدنيوية لعدم تضاد المعنيين، فالدنيوية مثل: الفقر، والجدب، وما أشبه ذلك"(5).
قوله تعالى: {ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء: 62]، أي:" ثم جاؤوك -أيها الرسول- يعتذرون، ويؤكدون لك أنهم ما قصدوا بأعمالهم تلك إلا الإحسان والتوفيق بين الخصوم؟ "(6).
قال الزجاج: " أي: ما أردنا بمطالبتنا بدم صاحبنا إلا إحسانا وطلبا لما يوافق الحق"(7).
قال الطبري: " وهذا خبرٌ من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المنافقين أنهم لا يردعهم عن النفاق العِبر والنِّقم، وأنهم إن تأتهم عقوبة من الله على تحاكمهم إلى الطاغوت لم ينيبوا ولم يتوبوا، ولكنهم يحلفون بالله كذبًا وجرأة على الله: ما أردنا باحتكامنا إليه إلا الإحسان من بعضنا إلى بعض، والصوابَ فيما احتكمنا فيه إليه"(8).
قال الثعلبي: " وذلك أن عمر رضي الله عنه لما قتل المنافق جاءوا قومه يطلبون الدية ويحلفون: ما أردنا بالترافع إلى عمر. إلا إحسانا وتوفيقا"(9).
قال ابن كثير: " أي: يعتذرون إليك ويحلفون: ما أردنا بذهابنا إلى غيرك، وتحاكمنا إلى عداك إلا الإحسان والتوفيق، أي: المداراة والمصانعة، لا اعتقادا منا صحة تلك الحكومة، كما أخبرنا تعالى عنهم في قوله: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} [المائدة: 52] "(10).
قال الواحدي: " ثم عاد الكلام إلى ما سبق من القصة فقال: {ثم جاءوك يحلفون بالله} [النساء: 62]، وذلك أن المنافقين أتوا نبي الله صلى الله عليه وسلم: وحلفوا أنهم ما أرادوا بالعدول عنه في المحاكمة، {إلا إحسانا وتوفيقا} [النساء: 62] أي: إلا توفيقا بين الخصوم أي: جمعا وتأليفا، وإحسانا بالتقريب في الحكم دون الحمل على مر الحق. وكل ذلك كذب منهم"(11).
قال الزمخشري: أي: " حين يصابون فيعتذرون إليك يحلفون ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك إلا إحسانا لا إساءة وتوفيقا بين الخصمين، ولم نرد مخالفة لك ولا تسخطا لحكمك، ففرج عنا بدعائك وهذا وعيد لهم على فعلهم، وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم. ولا يغنى عنهم الاعتذار عند حلول بأس الله، وقيل: جاء أولياء المنافق يطلبون بدمه وقد أهدره الله فقالوا: ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا بحكومة العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم له بما حكم به"(12).
قال الكلبي: " إلا إحسانا في القول، وتوفيقا صوابا"(13).
قال ابن كيسان: أي: " حقا وعدلا، نظيرها: {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى} [التوبة: 107] "(14).
(1) أخرجه ابن المنذر (1950): ص 2/ 772.
(2)
تفسير الثعلبي: 3/ 338.
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 339.
(4)
تفسير السمعاني: 1/ 442.
(5)
القول المفيد على كتاب التوحيد: 2/ 169، الهامش.
(6)
التفسير الميسر: 88.
(7)
معاني القرآن: 2/ 69.
(8)
تفسير الطبري: 8/ 513.
(9)
تفسير الثعلبي: 3/ 339.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 346.
(11)
الوجيز: 2/ 74.
(12)
الكشاف: 1/ 526.
(13)
تفسير الثعلبي: 3/ 339.
(14)
تفسير الثعلبي: 3/ 339.
قال السمعاني: " قيل: هو إحسان بعضهم إلى بعض، وقيل أرادوا بالإحسان: تقريب الأمر من الحق، لا القضاء على مر الحكم"(1).
وقد ذكر الماتريدي في هذه الآية وجوها (2):
أحدها: يحتمل هذا ما ذكر في القصة الأولى: أن عمر رضي الله عنه لما قتل ذلك الرجل المنافق جاء المنافقون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يحلفون بالله ما أراد ذلك الرجل إلا {إحسانا} ، أي: تخفيفا وتيسيرا عليك؛ ليرفع عنك المؤنة، {وتوفيقا} إلى الخير والصواب.
والثاني: أنها نزلت في المنافقين في بناء مسجد ضرا.
والثالث: في كل مصيبة تصيبهم، وكل نكبة تلحقهم أن كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعتذرون كما {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 94]، لأنهم كانوا يميلون إلى حيثما كانوا يطمعون من المنافع من الغنيمة وغيرها، إن رأوا النكبة والدبرة على المؤمنين مالوا إلى هؤلاء، ويظهرون الموافقة لهم؛ طمعا منهم، ويقولون: إنا معكم، وإن كانت النكبة والدبرة على الكافرين يظهرون الموافقة لهم؛ كقوله - تعالى -:{الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 141]، هذا كان دأبهم وعادتهم أبدا.
الفوائد:
1 -
وجوب التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله والرضا بذلك والتسليم له.
2 -
إن الآية تناولت غباوة المنافقين وقُبْح سجيّتهم، فالاعتذار أخسّ من الفعل، لأنهم يدّعون أن تحكيم غير كتاب الله إحسان وتوفيق، فهذا عذرٌ أقبح من فعل، لأن الإحسان والتوفيق هو بإتّباع كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم.
3 -
التحذير من كيد الشيطان وصدّه الإنسان عن الحق.
4 -
أن دعوى قصد الإصلاح ليست بعذر في الحكم بغير ما أنزل الله.
القرآن
التفسير:
أولئك هم الذين يعلم الله حقيقة ما في قلوبهم من النفاق، فتولَّ عنهم، وحذِّرهم من سوء ما هم عليه، وقل لهم قولا مؤثرًا فيهم زاجرًا لهم.
قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} [النساء: 63]، أي:" أولئك هم الذين يعلم الله حقيقة ما في قلوبهم من النفاق"(3).
قال مقاتل: " من النفاق"(4).
قال الماوردي: " يعني من النفاق الذي يضمرونه"(5).
قال ابن كثير: أي" هذا الضرب من الناس هم المنافقون، والله يعلم ما في قلوبهم وسيجزيهم على ذلك، فإنه لا تخفى عليه خافية، فاكتف به يا محمد فيهم، فإن الله عالم بظواهرهم وبواطنهم"(6).
قال الزجاج: " ههنا الذين يعلم الله ما في قلوبهم أي أولئك الذين قد علم الله أنهم منافقون، والفائدة لنا هي: اعلموا أنهم منافقون"(7).
وفي قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} [النساء: 63]، وجوه من التفسير:
(1) تفسير السمعاني: 1/ 442.
(2)
انظر: تفسير الماتريدي: 3/ 237 - 238.
(3)
التفسير الميسر: 88.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 385.
(5)
النكت والعيون: 1/ 502.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 347.
(7)
معاني القرآن: 2/ 70.
احدها: معناه: أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم من الشرك والنفاق. وهذا قول الحسن (1)، ومقاتل (2).
والثاني: معناه: كذبهم الله تعالى بهذه الآية. يريد أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. وهذا قول عطاء (3)، وروي عن ابن عباس نحو ذلك المعنى (4).
والثالث: أن المعنى: أي لا يُغني عنهم كتمان ما يضمرونه، ولا يدفع عنهم شيئًا من العقاب؛ لأن الله تعالى يعلم ما في قلوبهم (5).
والرابع: أن المعنى: الله عز وجل يعلم ما في قلوب أولئك وقلوب غيرهم، إلا أن تخصيصهم بالذكر هنا يفيد أن المعنى أولئك الذين قد علم الله أنهم منافقون، فكأنه قيل لنا: اعلموا أنهم منافقون. وهذا قول الزجاج (6).
قوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} [النساء: 63]، أي:" فتولَّ عنهم"(7).
قال الصابوني: أي: " فأعرض عن معاقبتهم للمصلحة ولا تُظهر لهم علمك بما في بواطنهم ولا تهتك سترهم حتى يبقوا على وجلٍ وحذر"(8).
قال ابن عباس: "يريد: فاصفح عنهم. قال: وهذا منسوخ يعني بآية السيف"(9).
وقال بعض أصحاب المعاني: معناه فأعرض عن قبول الاعتذار منهم (10).
وقال مقاتل: "معنى {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} لا تعاقبهم"(11).
قوله تعالى: {وَعِظْهُمْ} [النساء: 63]، أي:" وحذِّرهم من سوء ما هم عليه"(12).
قال ابن كثير: " أي: وانههم على ما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر"(13).
قال الصابوني: " أي ازجرهم عن الكيد والنفاق بقوارع الآيات"(14).
قال ابن عباس: "يريد ذكرهم"(15).
وقال مقاتل: "وعظهم بلسانك"(16).
وفي الجمع بين الإعراض والوعظ مع تنافي اجتماعهما في الظاهر - ثلاثة أوجه (17):
أحدها: أعرض عنهم بالعداوة لهم وعِظهم فيما بدا منهم.
والثاني: أعرض عن عقابهم وعظهم.
والثالث: أعرض عن قبول الأعذار منهم وعظهم.
قال ابن الجوزي: " قال المفسرون في هذه الآية تقديم وتأخير. تقديره: فعظهم فإن امتنعوا عن الإجابة فأعرض. وهذا كان قبل الأمر بالقتال ثم نسخ ذلك بآية السيف"(18).
وقد ذكر دعوى النسخ هنا ابن حزم (19)، وابن سلامة (20)، وابن هلال (21)، ولم يتعرض له النحاس أو مكي بن أبي طالب أصلا.
(1) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 385.
(2)
مقله الواحدي في التفسير البسيط: 6/ 556، ولم اقف عليه.
(3)
ذكره الواحدي في التفسير البسيط: 6/ 446، ولم اقف عليه ..
(4)
ذكر ابن الجوزي معناه عن ابن عباس في "زاد المسير" 2/ 122.
(5)
انظر: "النكت والعيون" 1/ 502، "التفسير الكبير" 10/ 158.
(6)
انظر: معاني القرآن: 2/ 70.
(7)
التفسير الميسر: 88.
(8)
صفوة التفاسير: 262.
(9)
ذكره الواحدي في التفسير البسيط: 6/ 557، وقد ذكر نحو ذلك غير منسوب لابن عباس كثير من المفسرين، وبعضهم ينسب القول بالنسخ إلى مقاتل. انظر: تفسير الطبري 8/ 515، وبحر العلوم: 1/ 365، وتفسير الثعلبي: 3/ 339، والوسيط للواحدي: 2/ 605، ومعالم التنزيل: 2/ 244، وزاد المسير: 2/ 122.
(10)
ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 503، والبغوي في "معالم التنزيل" 2/ 244، والقرطبي 5/ 265، والرازي في التفسير الكبير: 10/ 158.، والواحدي في التفسير البسيط: 6/ 557
(11)
انظر: بحر العلوم: 1/ 365، تفسير الثعلبي: 3/ 339، والتفسير البسيط للواحدي: 6/ 557، وزاد المسير: 2/ 122.
(12)
التفسير الميسر: 88.
(13)
تفسير ابن كثير: 2/ 347.
(14)
صفوة التفاسير: 262.
(15)
أورده الواحدي في التفسير البسيط: 6/ 557، وفي التفسير الوسيط: 2/ 605، بلفظ:"خوفهم بالله". وذكره بنحو ما في "الوسيط" البغوي غير منسوب لأحد. انظر: "معالم التنزيل" 2/ 244.
(16)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 385.
(17)
انظر: النكت والعيون: 1/ 502 - 503.
(18)
نواسخ القرآن: 2/ 375.
(19)
في ناسخه: ص 332.
(20)
في ناسخه: ص 37.
(21)
في ناسخه المخطوط: ورقة 23.
قوله تعالى: {وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء: 63]، أي:"، وقل لهم قولا مؤثرًا فيهم زاجرًا لهم"(1).
قال الطبري: أي: " مرهم باتقاء الله والتصديق به وبرسوله ووعده ووعيده"(2).
قال ابن كثير: " أي: وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم"(3).
قال الزجاج: " أي: أعلمهم أنهم إن ظهر منهم رد لحكمك وكفر، فالقتل حقهم، يقال قول بليغ إذا كان يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه، ويقال أحمق بلغ وبلغ. وفيه قولان: إنه أحمق يبلغ حيث يريد، ويكون " أحمق بلغ وبلغ " قد بلغ في الحماقة. والقول الأول قول من يوثق بعلمه، والثاني وجه جيد"(4).
قال مقاتل: "نسختها آية السيف"(5).
قال الزمخشري: " أى قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا، وأن الله يعلم ما في قلوبكم لا يخفى عليه فلا يغنى عنكم إبطانه. فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق، وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه، وشرا من ذلك وأغلظ. أو قل لهم في أنفسهم- خاليا بهم، ليس معهم غيرهم، مسارا لهم بالنصيحة، لأنها في السر أنجع، وفي الإمحاض أدخل- قولا بليغا يبلغ منهم ويؤثر فيهم"(6).
وفي قوله تعالى: {وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء: 63]، وجوه من التفسير:
أحدها: أن يقول لهم: إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلكم، فإنه يبلغ من نفوسهم كل مبلغ، وهذا قول الحسن (7).
والثاني: يريد: خوفهم بالله. قاله ابن عباس (8).
والثالث: أن يزجرهم عما هم عليه بأبلغ الزواجر (9).
والرابع: معناه: مبلغا بلسانك كنه ما في قلبك بأحسن العبارة عني. وهذا قول التستري (10).
والخامس: معناه: أعلمهم إن ظهر منهم رد لحكمك وكفر، فالقتل حقهم. وهذا قول الزجاج (11).
والسادس: أي: قل لهم في أنفسهم من الغيب بما أطلعك الله عليه من غشهم قولًا بليغًا، شديدًا باللسان، يعني: فازجرهم عما هم عليه بأبلغ الزجر، كي لا يستمروا الكفر، وعظهم كي لا يغتروا بطول الإمهال (12).
قال الواحدي: " والأظهر أن قوله: {فِي أَنْفُسِهِمْ} حقه التأخير؛ لأن المعنى: قولًا بليغًا في أنفسهم"(13).
الفوائد:
1 -
فدلت الآية على أن المعول على النية دون اللسان، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» الحديث (14)، فربط الأعمال بالنيات، ومفهوم هذا أن الانتفاع بالأعمال والاعتداد بها يكون بالنية، وأن النية هي عماد الأعمال ومعلولها
القرآن
(1) التفسير الميسر: 88.
(2)
تفسير الطبري: 8/ 515.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 347.
(4)
معاني القرآن: 2/ 70.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 386.
(6)
الكشاف: 1/ 527.
(7)
ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 503، والواحدي في التفسير البسيط: 6/ 558
(8)
انظر: التفسير البسيط للواحدي: 6/ 558.
(9)
انظر: النكت والعيون" 1/ 503، .
(10)
تفسير التستري: 54.
(11)
انظر: معاني القرآن: 2/ 70.
(12)
انظر: التفسير البسيط: 6/ 558، والتفسير الكبير: 10/ 159، والبحر المحيط: 3/ 281.
(13)
التفسير البسيط: 6/ 559.
(14)
صحيح البخاري برقم (1، 54) وصحيح مسلم برقم (1907) وسنن أبي داود برقم (2201) وسن الترمذي برقم (1647)، وسنن النسائي (1/ 59) وسنن ابن ماجه برقم (4227) ومسند أحمد (1/ 25) ومسند الحميدي (1/ 16) ومسند الطيالسي (2/ 27)"منحة المعبود".
التفسير:
وما بعَثْنَا من رسول من رسلنا، إلا ليستجاب له، بأمر الله تعالى وقضائه. ولو أن هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم باقتراف السيئات، جاؤوك -أيها الرسول- في حياتك تائبين سائلين الله أن يغفر لهم ذنوبهم، واستغفرت لهم، لوجدوا الله توابًا رحيمًا.
سبب نزول الآية:
أخرج الطبري عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:" {ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ}، إلى قوله: {وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (1)، قال: إن هذا في الرجل اليهودي والرجل المسلم اللذين تحاكما إلى كعب بن الأشرف"(2).
قال ابن الجوزي: "قال المفسرون: اختصم يهودي ومنافق، وقيل: بل مؤمن ومنافق، فأراد اليهودي، وقيل: المؤمن، أن تكون الحكومة بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم فأبى المنافق. فنزل قوله تعالى: {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} [النساء: 60]، إلى هذه الآية"(3).
قلت: هذا السبب الذي أورده ابن الجوزي في نزول الآية هو مكون من أسباب رويت من طرق محتلفة، أشرنا إليها في تفسير الآية:(60)، من السورة.
قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64]، أي:" وما بعَثْنَا من رسول من رسلنا إِلا ليطاع بأمر الله تعالى"(4).
قال الزجاج: " إي، أذن في ذلك"(5).
قال ابو جعفر الترمذي: " لا يطيعهم أحد إلا بإذن الله"(6).
قال مجاهد: " أوجب الله لهم أن يطيعهم من شاء الله من الناس، ثم أخبر أنه لا يطيعهم أحد إلا بإذن الله"(7).
قال مقاتل: " يعني: إلا لكي يطاع، {بإذن الله}، يقول: لا يطيعه أحد حتى يأذن الله- عز وجل له في طاعة رسوله- صلى الله عليه وسلم"(8).
قال البغوي: " أي: بأمر الله، لأن طاعة الرسول وجبت بأمر الله"(9).
قال الواحدي: أي: " فيما يأمرُ به ويحكم لا ليُعصى ويُطلب الحكم من غيره وقوله: {بإذن الله} أَيْ: لأنَّ الله أذن في ذلك وأمر بطاعته"(10).
قال الزمخشري: أي: " وما أرسلنا رسولا قط إلا ليطاع بإذن الله بسبب إذن الله في طاعته، وبأنه أمر المبعوث إليهم بأن يطيعوه ويتبعوه، لأنه مؤد عن الله، فطاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله من يطع الرسول فقد أطاع الله ويجوز أن يراد بتيسير الله وتوفيقه في طاعته"(11).
قال البيضاوي: {بإذن الله} ، أي:"بسبب إذنه في طاعته وأمره المبعوث إليهم بأن يطيعوه، وكأنه احتج بذلك على أن الذي لم يرض بحكمه وإن أظهر الإسلام كان كافرا مستوجب القتل، وتقريره أن إرسال الرسول لما لم يكن إلا ليطاع كان من لم يطعه ولم يرض بحكمه لم يقبل رسالته ومن كان كذلك كان كافرا مستوجب القتل"(12).
يحتمل قوله تعالى: {بإذن الله} [النساء: 64]، وجوها (13):
(1)[سورة النساء: 65].
(2)
تفسير الطبري (9907): ص 8/ 517، وانظر: تفسير مجاهد: 286.
(3)
نواسخ القرآن: 2/ 375.
(4)
انظر: التفسير الميسر: 88، وصفوة التفاسير:262.
(5)
معاني القرآن: 2/ 70.
(6)
الجزء فيه تفسير القرآن ليحيى بن يمان ونافع بن أبي نعيم القارئ ومسلم بن خالد الزنجي وعطاء الخراساني برواية أبي جعفر الترمذي: 86.
(7)
تفسير مجاهد: 285.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 386.
(9)
تفسير البغوي: 2/ 244.
(10)
الوجيز: 272.
(11)
الكشاف: 1/ 528.
(12)
تفسير البيضاوي: 2/ 81.
(13)
انظر: تفسير الماتريدي: 3/ 239 - 240، والوجوه والنظائر لأبي هلال العسكري:108.
أحدها: بمشيئة الله، ؛ أي: من أطاع الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يطيعه بمشيئته، وكذلك من عصاه إنما يعصيه بمشيئته، من أطاعه أو عصاه فإنما ذلك كله بمشيئة الله.
والثاني: بأمر الله. وذلك أنه أمر أن يطاع.
والثالث: بعلم الله، إنه يعلم من يطيعه ومن يعصيه، أي: كل ذلك إنما يكون بعلمه، لا عن غفلة منه وسهو، كصنيع ملوك الأرض أن ما يستقبلهم من العصيان والخلاف إنما يستقبلهم الغفلة، منهم وسهو بالعواقب، فأما الله سبحانه وتعالى إذا بعث رسلا بعث على علم منه بالطاعة لهم وبالمعصية، لكنه عثهم لما لا ينفعه طاعة أحد؛ ولا يضره معصية أحد، فإنما ضر ذلك عليهم، ونفعه لهم (1).
قال ابن عطية: " {بإذن الله}، معناه بأمر الله، وحسنت العبارة بالإذن، إذ بنفس الإرسال تجب طاعته وإن لم ينص أمر بذلك، قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} تنبيه على جلالة الرسل، أي: فأنت يا محمد منهم، تجب طاعتك وتتعين إجابة الدعوة إليك"(2).
قال ابن عطية: " تنبيه على جلالة الرسل، أي: فأنت يا محمد منهم، تجب طاعتك وتتعين إجابة الدعوة إليك"(3).
قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ} [النساء: 64]، " أي: ولو أن هؤلاء المنافقين حين ظلموا أنفسهم بعدم قبول حكمك جاءوك تائبين من النفاق مستغفرين الله من ذنوبهم معترفين بخطئهم" (4).
قال مقاتل: " يعني: حين لم يرضوا بقضائك جاءوك فاستغفروا الله من ذنوبهم"(5).
قال الزجاج: أي: " لو وقع مجيئهم في وقت ظلمهم أنفسهم مع استغفارهم {لوجدوا الله توابا رحيما"(6).
قال الزمخشري: أي: " جاؤك تائبين من النفاق متنصلين عما ارتكبوا فاستغفروا الله من ذلك بالإخلاص"(7).
قال البيضاوي: أي: " {إذ ظلموا أنفسهم}، بالنفاق أو التحاكم إلى الطاغوت. {جاؤك}، تائبين من ذلك {فاستغفروا الله}، بالتوبة والإخلاص"(8).
قال الطبري: أي: " ولو أن هؤلاء المنافقين الذين وصف صفتهم في هاتين الآيتين، الذين إذا دعوا إلى حكم الله وحكم رسوله صدّوا صدودًا، {إذ ظلموا أنفسهم}، باكتسابهم إياها العظيم من الإثم في احتكامهم إلى الطاغوت، وصدودهم عن كتاب الله وسنة رسوله إذا دعوا إليها {جاؤوك}، يا محمد، حين فعلو ما فعلوا من مصيرهم إلى الطاغوت راضين بحكمه دون حكمك، جاؤوك تائبين منيبين، فسألوا الله أن يصفح لهم عن عقوبة ذنبهم بتغطيته عليهم"(9).
قال سعيد بن جبير: " الاستغفار على نحوين، أحدهما: في القول، والآخر في العمل، فأما استغفار القول: فإن الله يقول: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول} وأما استغفار العمل، فإن الله عز وجل: يقول: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} فعنى بذلك: أن يعملوا عمل الغفران، وقد علمت أن أناسا سيدخلون النار وهم يستغفرون الله بألسنتهم ممن يدعي الإسلام، ومن سائر الملل "(10).
(1) وقد قالت المعتزلة في قوله - تعالى -: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع} : أخبر أنه ما أرسل الرسل إلا لتطاع، ومن الرسل من لم يطع؛ كيف لا تبينتم أن من الفعل ما قد أراد عز وجل أن يفعل، وأن يكون، ولكن لم يكن على ما أخبر أنه ما أرسل من رسول إلا ليطاع. ثم من قد كان من الرسل ولم يطع.
قيل: هو ما ذكر في آخره: {إلا ليطاع بإذن الله} ، أي: بمشيئة الله، فمن شاء من الرسل أن يطاع فقد أطيع، ومن شاء ألا يطاع، فلم يطع، وكذلك من علم أنه يطاع فأرسله ليطاع فأطيع، ومن علم أنه لا يطاع فلم يطع، ومن أرسل أن يطاع بأمر ليكون عليه الأمر فذلك مستقيم، ومن أرسل ليطاع بالأمر فلا يجوز ألا يطاع. [انظر: تفسير الماتريدي: 3/ 340].
(2)
المحرر الوجيز: 2/ 74.
(3)
المحرر الوجيز: 2/ 74.
(4)
صفوة التفاسير: 262.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 386.
(6)
معاني القرآن: 2/ 70.
(7)
الكشاف: 1/ 528.
(8)
تفسير البيضاوي: 2/ 81.
(9)
تفسير الطبري: 8/ 517.
(10)
أخرجه ابن المنذر (1955): ص 2/ 774.
أخرج ابن المنذر عن عبد الله بن مسعود، قال:" إن في النساء خمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها، ولقد علمت أن العلماء إذا مروا بها يعرفونها، قوله جل وعز: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما}، وذكر بقية الحديث "(1).
قوله تعالى: {وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} [النساء: 64]، " أي:"وسألت الله أن يغفر لهم ذنوبهم"(2).
قال الطبري: أي: " وسأل لهم اللهَ رسولهُ صلى الله عليه وسلم مثل ذلك [من الاستغفار] "(3).
قال الزمخشري: أي: " وبالغوا في الاعتذار إليك من إيذائك برد قضائك، حتى انتصبت شفيعا لهم إلى الله ومستغفرا"(4).
ولم يقل: «واستغفرت لهم» ، وعدل عنه إلى طريقة الالتفات، تفخيما لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيما لاستغفاره، وتنبيها على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان (5).
قوله تعالى: {لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64]، " أي: لعلموا كثرة توبة الله على عباده وسعة رحمته لهم" (6).
قال الطبري: أي: " راجعًا لهم مما يكرهون إلى ما يحبون، {رحيمًا} بهم، في تركه عقوبتهم على ذنبهم الذي تابوا منه"(7).
قال الزمخشري: أي: " لعلموه توابا، أى لتاب عليهم"(8).
قال مجاهد: " عُنِي بذلك اليهوديُّ والمسلم اللذان تحاكما إلى كعب بن الأشرف"(9).
قال ابن الجوزي: " زعم بعض منتحلي التفسير أن هذه الآية نسخت بقوله: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80].
وهذا قول مرذول، لأنه إنما قيل {فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} لإصرارهم على النفاق، فأما إذا جاءوا فاستغفروا واستغفر لهم الرسول، فقد ارتفع الإصرار فلا وجه للنسخ" (10).
ويجدر القول بانه لم يتعرض لدعوى النسخ في هذه الآية أصحاب أمهات كتب النسخ ولا المفسرون لضعف ذلك، وإنما ذكره ابن سلامة بدون نسبته إلى أحد (11).
الفوائد:
1 -
أوجب الله على الخلق كلهم متابعة الرسل قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} .
2 -
أن طاعة الأنبياء هداية ومعصيتهم ضلالة، وهذا معلوم من الدين بالضرورة، وقد قال الله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} ، وقال تعالى:{رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} ، وقال تعالى بعد ذكره لبعض المرسلين:{أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} ، وقال تعالى:{فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} ، وقال تعالى:{وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} ، وقال تعالى:{وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} ، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
3 -
وفي الآية إثبات عصمة الرسل فيما يبلغونه عن الله، وفيما يأمرون به وينهون عنه؛ لأن الله أمر بطاعتهم مطلقا، فلولا أنهم معصومون لا يشرعون ما هو خطأ، لما أمر بذلك مطلقا.
4 -
أن «التَّوَّاب» من أسمائه تعالى، والكثير التَّوْب؛ بمعنى: الرجوع على عبده بالمغفرة وقبول التوبة، وتوبته سبحانه على عبده نوعان (12):
أحدهما: أنه يلهم عبده التوبة إليه، ويوفقه لتحصيل شروطها من الندم والاستغفار والإقلاع عن المعصية والعزم على عدم العود إليها واستبدالها بعمل الصالحات.
(1) تفسير ابن المنذر (1956): ص 2/ 774 - 775.
(2)
صفوة التفاسير: 262.
(3)
تفسير الطبري: 8/ 517.
(4)
الكشاف: 1/ 528.
(5)
انظر: الكشاف: 1/ 528.
(6)
صفوة التفاسير: 262.
(7)
تفسير الطبري: 8/ 517.
(8)
الكشاف: 1/ 528.
(9)
تفسير الطبري: 8/ 517. وانظر: الأثر (9907): ص 8/ 517
(10)
نواسخ القرآن: 2/ 375 - 376.
(11)
في ناسخه ص: 37 - 38.
(12)
انظر: صفات الله عزل وجل الواردة في الكتب والسنة: 107 - 108.
والثاني: توبته على عبده بقبولها وإجابتها ومحو الذنوب بها؛ فإنَّ التوبة النصوح تجب ما قبلها.
واسم «الرحيم» من أسمائه تعالى، يتضمن صفة الرحمة التي تعم عباده المؤمنين فحسب بأن هداهم إلى الإيمان في الدنيا، وهو يثيبهم في الآخرة الثواب الدائم الذي لا ينقطع، إذ يقول سبحانه:{وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} [الأحزاب: 43].
القرآن
التفسير:
أقسم الله تعالى بنفسه الكريمة أن هؤلاء لا يؤمنون حقيقة حتى يجعلوك حكمًا فيما وقع بينهم من نزاع في حياتك، ويتحاكموا إلى سنتك بعد مماتك، ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقًا مما انتهى إليه حكمك، وينقادوا مع ذلك انقيادًا تاماً، فالحكم بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة في كل شأن من شؤون الحياة من صميم الإيمان مع الرضا والتسليم.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: تقدم قبل هذا النقل عمن قال: إنها نزلت في تحاكم إلى الكاهن، وهو ظاهر السياق، فإن الآيات المذكورة متعاطفة بعضها على بعض، وأولها قصة المتحاكمين، على الاختلاف في ذلك (1).
عن مجاهد " {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم}، إلى {فلا وربك لا يؤمنون}، حتى قوله: {ويسلموا تسليما} هذا في الرجل اليهودي والرجل المسلم، اللذين تحاكما إلى كعب بن الأشرف "(2).
والثاني: أخرج أحمد (3)، والبخاري (4)، ومسلم (5)، وغيرهم (6)، عن عروة بن الزبير: " أن الزبير كان يحدث؛ أنه خاصم رجلا من الأنصار، قد شهد بدرا، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، في شراج من الحرة، كانا يسقيان به كلاهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير: اسق يا زبير، ثم أرسل إلى جارك، فغضب الأنصاري، فقال: يا رسول الله، آن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: اسق، ثم احبس، حتى يبلغ الجدر، فاستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ حقه للزبير، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، أشار على الزبير برأي، سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم، استوعى للزبير حقه في صريح الحكم.
قال عروة: قال الزبير: والله، ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك:{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} الآية".
والثالث: أخرج ابن ابي حاتم، وابن مردوية (7)، عن عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود قال: "اختصم رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، انطلقا إلى عمر، فلما أتيا عمر قال الرجل: يا ابن الخطاب قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا، فقال: ردنا إلى عمر فردنا إليك. قال: أكذلك؟ قال: نعم، فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما فأقضي بينكما، فخرج إليهما، مشتملا على سيفه فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر فارا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، قتل عمر والله صاحبي ولو ما أني أعجزته لقتلني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمنين، فأنزل الله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما
(1) انظر: العجاب: 2/ 905.
(2)
أخرجه ابن المنذر (1959): ص 2/ 776.
(3)
المسند (1419): ص 1/ 165، و (16215): ص 4/ 4.
(4)
صحيح البخاري (2708): ص 3/ 245، و (3359)، (3360)، (2361)، و (2362): ص 3/ 145 - 146، و (4585): ص 6/ 58.
(5)
صحيح المسلم (6183): ص 7/ 90.
(6)
أخرجه كذلك عبد بن حميد (519)، وأبو داود (3637)، وابن ماجة (15)، و (2480)، والترمذي (1363)، و (3027)، والنسائي 8/ 245، و 8/ 238، وفي الكبرى (5925)، و (5926)، والبزاز في مسنده 3/ 184، وابن حبان في الإحسان باب الاعتصام بالسنة:(24): ص 1/ 203 - 204، والطبري في تفسيره (9912): ص 8/ 519 - 520، وابن ابي حاتم (5558): ص 3/ 993 - 994.
(7)
انظر: لباب النقول: 73.
قضيت ويسلموا تسليما}، فهدر دم ذلك الرجل وبرئ عمر من قتله، فكره الله أن يسن ذلك بعد، فقال:{ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم} إلى قوله: {وأشد تثبيتا} " (1).
قال ابن حجر: " وفيه تقوية لقول من قال: إن الآيات كلها أنزلت في حق المتخاصمين إلى الكاهن كما تقدم، وبهذا جزم الطبري (2) وقواه بأن الزبير لم يجزم بأن الآية نزلت في قصته بل أورده ظنا (3).
قلت [ابن حجر]: لكن تقدم في حديث أم سلمة الجزم بذلك، ويحتمل أن تكون قصة الزبير وقعت في أثناء ذلك، فتناولها عموم الآية والله أعلم، وقد تقدم أن القصة المذكورة نزل فيها {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} " (4).
والرابع: أخرج ابن ابي حاتم عن عكرمة قال: " نزلت في اليهود"(5).
قال ابن عطية: " والصحيح في سبب قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ}، حديث الزبير مع جاره الأنصاري في حديث السقي"(6).
قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65]، " أي: فوربك يا محمد لا يكونون مؤمنين حتى يجعلوك حكماً بينهم ويرضوا بحكمك فيما تنازعوا فيه واختلفوا من الأمور" (7).
قال مقاتل: " يقول لا يستحقون الإيمان حتى يرضوا بحكمك فيما اختلفوا فيه من شيء"(8).
قال الزجاج: " أي فيما وقع من الاختلاف بينهم"(9).
قال ابن كثير: " يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة: أنه لا يؤمن أحد حتى يُحَكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنا وظاهرا"(10).
عن أبي عبيدة: " {فيما شجر بينهم}، أي: اختلط "(11).
قال السمعاني: أي: " لا يكمل إيمانهم حتى يرضوا بحكمك، وينقادوا لك، قيل: هذه أبلغ آية في كتاب الله - تعالى - في الوعيد"(12).
قال السعدي: " قسم تعالى بنفسه الكريمة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله فيما شجر بينهم، أي: في كل شيء يحصل فيه اختلاف، بخلاف مسائل الإجماع، فإنها لا تكون إلا مستندة للكتاب والسنة"(13).
والاشتجار: "الاختلاف، ومنه الشجر لالتفاف أغصانه بعضها على بعض، قال الشاعر (14):
هم الحكام أرباب الندي
…
وسراة الناس إذ الأمر شجر
أي: اختلف" (15).
قوله تعالى: {ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]، "أي: ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقاً من حكمك وينقادوا انقياداً تاماً كاملاً لقضائك" (16).
قال مقاتل: " يقول: لا يجدون في قلوبهم شكا مما قضيت أنه الحق ويسلموا لقضائك لهم وعليهم تسليما"(17).
(1) تفسير ابن ابي حاتم (5560): ص 3/ 994.
(2)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 524 - 525.
(3)
لم أجد هذا المعنى في كلام الطبري في "التفسير" وقد قال الحافظ في "الفتح""5/ 38": "ورجح الطبري في "تفسيره" وعزاه إلى أهل التأويل في "تهذيبه" إن سبب نزولها: هذه القصة ليتسق نظام الآيات كلها في سبب واحد قال. ولم يعرض بينها ما يقتضي خلاف ذلك، ثم قال: ولا مانع أن تكون قصة الزبير وخصمه وقعت في أثناء ذلك فيتناولها عموم الآية". فلعل هذا المعنى في كتابه "التهذيب" ..
(4)
العجاب: 2/ 909.
(5)
تفسير ابن ابي حاتم (5561): ص 3/ 994.
(6)
المحرر الوجيز: 1/ 343.
(7)
صفوة التفاسير: 262.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 386.
(9)
معاني القرآن: 2/ 70.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 349.
(11)
أخرجه ابن المنذر (1961): ص 2/ 777.
(12)
تفسير السمعاني: 1/ 444.
(13)
تفسير السعدي: 184.
(14)
البيت من شواهد السمعاني في تفسيره: 1/ 444، ولم أتعرف على قائله.
(15)
تفسير السمعاني: 1/ 444.
(16)
صفوة التفاسير: 262.
(17)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 386.
قال الواحدي: " الأمر إلى الله وإلى رسوله من غير معارضةٍ بشيءٍ"(1).
قال الزجاج: " أي: لا تضيق صدورهم من قضيتيك، [و] يسلمون لما يأتي به من حكمك، لا يعارضونه بشيء"(2).
قال ابن كثير: " أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليما كليا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، كما ورد في الحديث: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» (3) "(4).
قال السعدي: " ثم لا يكفي هذا التحكيم حتى ينتفي الحرج من قلوبهم والضيق، وكونهم يحكمونه على وجه الإغماض، ثم لا يكفي ذلك حتى يسلموا لحكمه تسليما بانشراح صدر، وطمأنينة نفس، وانقياد بالظاهر والباطن، فالتحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان. فمن استكمل هذه المراتب وكملها، فقد استكمل مراتب الدين كلها. فمن ترك هذا التحكيم المذكور غير ملتزم له فهو كافر، ومن تركه، مع التزامه فله حكم أمثاله من العاصين"(5).
قال السمعاني: " {حرجا}، أي: ضيقا، ومنه الحرجة، روى أن عمر رضي الله عنه قال لبعض العرب: ما الحرجة عندكم؟ قال: هي شجرة ملتفة، لا يصل الماء إليها، ومن ذلك قوله - تعالى -: {يجعل صدره ضيقا حرجا} أي: يضيق مسلكه بحيث لا تصل إليه الهداية"(6).
عن مجاهد في قوله: " {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت}، قال: شكا"(7).
وعن الضحاك، في قوله عز وجل:" {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا}، قال: إثما "(8).
وعن أبي عبيدة: " {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت}، أي: ضيقا "(9).
قال الزمخشري: " {حرجا}: ضيقا، أى: لا تضيق صدورهم من حكمك، وقيل: شكا، لأن الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين ويسلموا وينقادوا ويذعنوا لما تأتى به من قضائك، لا يعارضوه بشيء، من قولك: سلم الأمر لله وأسلم له، وحقيقة سلم نفسه وأسلمها، إذا جعلها سالمة له خالصة"(10).
الفوائد:
1 -
أن الآية توبيخ لمن لم يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في موارد الشجار.
2 -
أن التحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان. فمن استكمل هذه المراتب وكملها، فقد استكمل مراتب الدين كلها (11).
القرآن
التفسير
ولو أوجبنا على هؤلاء المنافقين المتحاكمين إلى الطاغوت أن يقتل بعضهم بعضًا، أو أن يخرجوا من ديارهم، ما استجاب لذلك إلا عدد قليل منهم، ولو أنهم استجابوا لما يُنصحون به لكان ذلك نافعًا لهم، وأقوى لإيمانهم.
في سبب نزول الآية:
(1) الوجيز: 272.
(2)
معاني القرآن: 2/ 70.
(3)
أخرجه البغوي في شرح السنة 1/ 212 - 213، حديث رقم 104، قال النووي في آخر الأربعين النووية "حسن صحيح"، وقال الحافظ في الفتح 13/ 289: أخرجه الحسن بن سفيان وغيره؛ ورجاله ثقات؛ وقال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (2/ 394): تصحيح هذا الحديث بعيد جداً من وجوه
…
".
(4)
صفوة التفاسير: 262.
(5)
تفسير السعدي: 184.
(6)
تفسير السمعاني: 1/ 444.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (5562): ص 3/ 995.
(8)
أخرجه ابن المنذر (1962): ص 2/ 777.
(9)
أخرجه ابن المنذر (1963): ص 2/ 778.
(10)
الكشاف: 1/ 529.
(11)
انظر: تفسير السعدي: 184.
أخرج الطبري (1) وابن أبي حاتم (2) عن أسباط، عن السدي (3)، قال:"افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من يهود، فقال اليهودي: والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم، فقتلنا أنفسنا! فقال ثابت: والله لو كُتب علينا أن اقتلوا أنفسكم، لقتلنا أنفسنا! أنزل الله في هذا: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} "(4).
قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ} [النساء: 66]، "أي: لو فرضنا على هؤلاء المنافقين ما فرضنا على ما قبلهم من المشقات وشدّدنا التكليف عليهم فأمرناهم بقتل النفس والخروج من الأوطان كما فرض ذلك على بني إِسرائيل" (5).
قال الطبري: أي: "ولو أنا فرضنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، المحتكمين إلى الطاغوت، أن يقتلوا أنفسهم وأمرناهم بذلك أو أن يخرجوا من ديارهم مهاجرين منها إلى دار أخرى سواها"(6).
قال مجاهد: " كما أمر أصحاب موسى أن يقتل بعضهم بعضًا بالخناجر، لم يفعلوا إلا قليل منهم"(7).
قوله تعالى: {مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} [النساء: 66]، "أي: ما استجاب ولا انقاد إِلا قليل منهم" (8).
وقرأ ابن عامر: {ما فعلوه إلا قليلا منهم} ، نصبا (9).
قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} [النساء: 66]، أي:"ولو أنهم استجابوا لما يُنصحون به لكان ذلك نافعًا لهم، وأقوى لإيمانهم"(10).
عن السدي: {لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا} ، قال: تصديقًا" (11).
قال الطبري: أي: " ولو أن هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدُّون عنك صدودًا، [فعلوا] ما يذكّرون به من طاعة الله والانتهاء إلى أمره، {لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} في عاجل دنياهم، وآجل معادهم، وأثبت لهم في أمورهم، وأقوم لهم عليها، وذلك أن المنافق يعمل على شك، فعمله يذهب باطلا وعناؤه يضمحلّ فيصير هباء، وهو بشكه يعمل على وناءٍ وضعف، ولو عمل على بصيرة، لاكتسب بعمله أجرًا، ولكان له عند الله ذخرًا، وكان على عمله الذي يعمل أقوى، ولنفسه أشدَّ تثبيتًا، لإيمانه بوعد الله على طاعته، وعمله الذي يعمله "(12).
قال أبو إسحاق السبيعي: " لما نزلت: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ}، قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا! فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إنّ من أمتي لَرِجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرَّواسي» "(13).
وعن شريح بن عبيد قال: لما تلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} ، أشار بيده إلى عبد الله بن رواحة، فقال: لو أن الله كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل- يعني ابن رواحة" (14).
وعن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: لما نزلت: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} ، قال أبو بكر: يا رسول الله، والله لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت. قال:«صدقت يا أبا بكر» " (15).
(1) تفسير الطبري (9920): ص 8/ 525
(2)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5568): ص 3/ 996.
(3)
رواية أسباط بن نصر عن السدي، سنده ضعيف جداً؛ فيه علتان:
الأولى: الإعضال.
الثانية: أسباط؛ صدوق كثير الخطأ، يُغْرب.
(4)
تفسير الطبري (9920): ص 8/ 525
(5)
صفوة التفاسير: 262.
(6)
تفسير الطبري: 8/ 526.
(7)
أخرجه الطبري (9919): ص 8/ 526.
(8)
صفوة التفاسير: 262.
(9)
انظر: السبعة: 235.
(10)
التفسير الميسر: 89.
(11)
أخرجه الطبري (9922): ص 8/ 529.
(12)
تفسير الطبري: 8/ 528 - 529.
(13)
أخرجه الطبري (9921): ص 8/ 526.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (5564): ص 3/ 995.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (5566): ص 3/ 995.
سئل سفيان عن قوله: " {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ}، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو نزلت كان ابن أم عبد منهم» "(1).
الفوائد:
1 -
أخبر تعالى أنه لو كتب على عباده الأوامر الشاقة على النفوس من قتل النفوس والخروج من الديار لم يفعله إلا القليل منهم والنادر، فليحمدوا ربهم وليشكروه على تيسير ما أمرهم به من الأوامر التي تسهل على كل أحد، ولا يشق فعلها (2).
2 -
أنه ينبغي أن يلحظ العبد ضد ما هو فيه من المكروهات، لتخف عليه العبادات، ويزداد حمدا وشكرا لربه (3).
3 -
أنه ينبغي للعبد، أن ينظر إلى الحالة التي يلزمه القيام بها فيكملها، ثم يتدرج شيئا فشيئا حتى يصل إلى ما قدر له من العلم والعمل في أمر الدين والدنيا، وهذا بخلاف من طمحت نفسه إلى أمر لم يصل إليه ولم يؤمر به بعد، فإنه لا يكاد يصل إلى ذلك بسبب تفريق الهمة، وحصول الكسل وعدم النشاط (4).
4 -
أن الله عز وجل جعل الجلاء عن الوطن بمرتبة القتل، فقال:{ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم، أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم} ، فضرب المثل بمفارقة الدار كما ضربه بمفارقة الحياة (5).
القرآن
{وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67)} [النساء: 67]
التفسير:
ولأعطيناهم من عندنا ثوابًا عظيمًا في الدنيا والآخرة.
قوله تعالى: {وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا} [النساء: 67]، أي:" ولأعطيناهم من عندنا ثمرة الطاعة"(6).
قال البيضاوي: " جواب لسؤال مقدر كأنه قيل وما يكون لهم بعد التثبيت فقال وإذا لو تثبتوا لآتيناهم، لأن إذا جواب وجزاء"(7).
قال الطبري: أي: " ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم، لإيتائنا إياهم على فعلهم ما وعِظُوا به من طاعتنا والانتهاء إلى أمرنا"(8).
قال المراغي: " أي: ولو أنهم فعلوا هذا الخير العظيم وامتثلوا ما أمروا به وأخلصوا العمل"(9).
قال ابن كثير: {مِنْ لَدُنَّا} ، " أي: من عندنا " (10).
قال الراغب: "وإنما قال: {من لدنا}، لأنه تعالى لا يكاد ينسب إلى نفسه من النعم إلا ما كان أجلها قدرا وأعظمها خطرا، نحو: وروحنا"(11).
قوله تعالى: {أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 67]، أي:" ثواباً كثيرا"(12).
قال الطبري: أي: " جزاء وثوابًا عظيمًا"(13).
قال البغوي: أي: " ثوابا وافرا"(14).
قال ابن كثير: " يعني: الجنة"(15).
قال السمعاني: "هو الجنة"(16).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (5567): ص 3/ 996.
(2)
انظر: تفسير السعدي: 185.
(3)
انظر: تفسير السعدي: 185.
(4)
انظر: تفسير السعدي: 185.
(5)
انظر: المنهاج في شعب الإيمان: 2/ 180.
(6)
انظر: التفسير الميسر: 89، وصفوة التفاسير:263.
(7)
تفسير البيضاوي: 2/ 82.
(8)
تفسير الطبري: 8/ 529.
(9)
تفسير المراغي: 5/ 83.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 353.
(11)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1309.
(12)
صفوة التفاسير: 263.
(13)
تفسير الطبري: 8/ 529.
(14)
تفسير البغوي: 2/ 246.
(15)
تفسير ابن كثير: 2/ 353.
(16)
تفسير السمعاني: 1/ 445.
قال القرطبي: " أي: ثوابا في الآخرة"(1).
قال الخازن: " يعني: ثوابا وافرا جزيل"(2).
قال الزمخشري: " المراد: العطاء المتفضل به من عنده، وتسميته أجرا، لأنه تابع للأجر لا يثبت إلا بثباته"(3).
عن سعيد بن جبير قوله: {مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا} ، قال: الجنة" (4). وروي عن أبي هريرة وعكرمة وأنس، والضحاك وقتادة نحو ذلك (5).
قال الراغب: " بيّن أنهم لو قبلوا الموعظة، لجمع لهم بين خير الدنيا والآخرة، وذلك هو المعني بقوله: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [محمد: 17] "(6).
الفوائد:
1 -
أنه مما يحصل لهم على فعل ما يوعظون به هو الثواب العظيم في العاجل والآجل الذي يكون للروح والقلب والبدن، ومن النعيم المقيم مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
2 أن الله تعالى وصف هذا الأجر بالعظيم، والشيء الذي وصفه أعظم العظماء بالعظمة لا بد وأن يكون في نهاية الجلالة، وكيف لا يكون عظيما، وقد قال عليه الصلاة والسلام:«فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (7)(8).
القرآن
{وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68)} [النساء: 68]
التفسير:
ولأرشدناهم ووفقناهم إلى طريق الله القويم.
قوله تعالى: {وَلَهَدَيْنَاهُمْ} [النساء: 68]، أي:" ولأرشدناهم ووفقناهم"(9).
قال ابن كثير: " أي: في الدنيا والآخرة"(10).
قال الزمخشري: أي: " وللطفنا بهم ووفقناهم لازدياد الخيرات"(11).
قوله تعالى: {صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء: 68]، أي:" إلى طريق الله القويم"(12).
قال البغوي: " أي: إلى الصراط المستقيم"(13).
قال البيضاوي: أي: " يصلون بسلوكه جناب القدس ويفتح عليهم أبواب الغيب، قال النبي صلى الله عليه وسلم «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم» (14) "(15).
وفي «الصراط المستقيم» ، وجوه من التفسير:
أحدها: أنه «كتاب الله» . رواه أبو نواس الانصاري عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم (16).
والثاني: أنه «الإسلام» . رواه أبو نواس الانصاري أيضا عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم (17).
والثالث: أن الصراط المستقيم: هو النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده. قاله أبو العالية (18).
قال عاصم: "فذكرناه ذلك للحسن، فقال: صدق أبو العالية، ونصح"(19).
والرابع: أن الصراط المستقيم هو: الحق. وهذا قول مجاهد (20).
قال الراغب: "و «الصراط المستقيم» الذي وعدهم، هو الذي حرض على سؤاله في قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] "(21).
قال ابن عطية: " و «الصراط المستقيم»: الإيمان المؤدي إلى الجنة، وجاء ترتيب هذه الآية كذا، ومعلوم أن الهداية قبل إعطاء الأجر، لأن المقصد إنما هو تعديد ما كان الله ينعم به عليهم دون ترتيب، فالمعنى: ولهديناهم قبل حتى يكونوا ممن يؤتى الأجر"(22).
الفوائد:
1 -
أن الهداية تكون من ثمرة تحكيم الشريعة والانقياد التام للرسول صلى الله عليه وسلم.
2 -
أن الهداية من الله تعالى، وَقَالَ اهل السّنة ان الْهِدَايَة من الله تَعَالَى على وَجْهَيْن (23):
احدهما: من جِهَة ابانة الْحق وَالدُّعَاء اليه وَنصب الادلة عَلَيْهِ وعَلى هَذَا الْوَجْه يَصح اضافة الْهِدَايَة الى الرُّسُل والى كل دَاع الى دين الله عز وجل لانهم يرشدون اهل التَّكْلِيف الى الله تَعَالَى وَهَذَا تَأْوِيل قَول الله عز وجل فِي رَسُوله صلى الله عليه وسلم {وَإنَّك لتهدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم} اى تَدْعُو اليه.
وَالْوَجْه الثانى: من هِدَايَة الله سُبْحَانَهُ لِعِبَادِهِ خلق الاهتداء فِي قُلُوبهم كَمَا ذكره فِي قَوْله {فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا} ، وَهَذَا النَّوْع من الْهِدَايَة لَا يقدر عَلَيْهِ الا الله تَعَالَى.
وَالْهِدَايَة الاولى من الله تَعَالَى شَامِلَة لجَمِيع الْمُكَلّفين وَالْهِدَايَة الثَّانِيَة من خاصته للمهتدين وفى تَحْقِيق ذَلِك نزل قَول الله تَعَالَى {وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام وَيهْدِي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم}
القرآن
التفسير:
ومن يستجب لأوامر الله تعالى وهدي رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فأولئك الذين عَظُمَ شأنهم وقدرهم، فكانوا في صحبة مَن أنعم الله تعالى عليهم بالجنة من الأنبياء والصديقين الذين كمُل تصديقهم بما جاءت به الرسل، اعتقادًا وقولا وعملا والشهداء في سبيل الله وصالح المؤمنين، وحَسُنَ هؤلاء رفقاء في الجنة.
في سبب نزول الآية:
أخرج الطبري من طريق جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير قال:"جاء رجل من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محزون، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا فلان، مالي أراك محزونًا؟ قال: يا نبي الله، شيء فكرت فيه! فقال: ما هو؟ قال: نحن نغدو عليك ونروح، ننظر في وجهك ونجالسك، غدًا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك! فلم يردّ النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا. فأتاه جبريل عليه السلام بهذه الآية: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}. قال: فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم فبشره"(24).
وفي السياق نفسه أخرج الطبري (25) وابن أبي حاتم (26)، والواحدي (27)، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: "قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا
(1) تفسير القرطبي: 5/ 270.
(2)
تفسير الخازن: 1/ 397.
(3)
الكشاف: 1/ 530.
(4)
أخرجه ابن ابي حاتم (5570): ص 3/ 996.
(5)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5570): ص 3/ 996.
(6)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1309.
(7)
المسند (5/ 334)، وصحيح مسلم برقم (2825).
(8)
انظر: مفاتيح الغيب: 10/ 131.
(9)
التفسير الميسر: 89.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 353.
(11)
الكشاف: 1/ 530.
(12)
التفسير الميسر: 89.
(13)
تفسير البغوي: 2/ 246.
(14)
موضوع، انظر الضعيفة (422)، أخرجه أبو نعيم في "الحلية"(10/ 14، 15) من حديث أنس وحكم على إسناده بالوضع، وذكره في "الدر المنثور"(2/ 123) وعزاه لأبي نعيم في "الحلية" عن سيدنا أنس رضي الله عنه، وَضَعفه، وانظر: الفوائد المجموعة (43): ص 286، تخريج أحاديث الإحياء: 85، والفتح المبين بشرح الأربعين: 574، وفيض القدير للمناوي 4/ 510 - 511، وكشف الخفاء للعجلوني 2/ 347.
(15)
تفسير البيضاوي: 2/ 82.
(16)
أخرجه ابن ابي حاتم (5571): ص 3/ 996.
(17)
أخرجه ابن ابي حاتم (5572): ص 3/ 996.
(18)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5573): ص 3/ 997.
(19)
أخرجه ابن ابي حاتم (5573): ص 3/ 997.
(20)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5574): ص 3/ 997.
(21)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1309.
(22)
المحرر الوجيز: 2/ 75.
(23)
انظر: الفرق بين الفرق: 329.
(24)
تفسير الطبري (9924): ص 8/ 534.
(25)
انظر: تفسير الطبري (9925): ص 8/ 534.
(26)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5577): ص 3/ 997.
(27)
انظر: اسباب النزول: 165.
، فإنك لو قَدْ مِتَّ رُفِعت فوقنا فلم نرك! فأنزل الله:{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ} ، الآية" (1). وروي عن قتادة (2)، والربيع (3) نحوذلك.
وقال السدي: " قال ناس من الأنصار: يا رسول الله، إذا أدخلك الله الجنة فكنت في أعلاها، ونحن نشتاق إليك، فكيف نصنع؟ فأنزل الله: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ} "(4).
وأخرج ابن ابي حاتم عن عكرمة قال: "أتى فتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبي الله: إن لنا منك نظرة في الدنيا، ويوم القيامة لا نراك، لأنك في الجنة في الدرجات العلى، فأنزل عز وجل: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنت معي في الجنة إن شاء الله» "(5).
وأخرج الطبراني عن الأسود، عن عائشة-رضي الله عنها قالت:"جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، والله إنك لأحب إلي من نفسي، وإنك لأحب إلي من أهلي، وأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وأني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل جبريل بهذه الآية: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ ..... }، الآية"(6).
وقال مقاتل: " نزلت في رجل من الأنصار يسمى عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري، قال للنبي- صلى الله عليه وسلم -وهو الذي رأى الأذان في المنام مع عمر بن الخطاب- رضي الله عنهما: إذا خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا إليك فلم ينفعنا شيء حتى نرجع إليك، فذكرت درجاتك في الجنة، فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة «2». فأنزل الله- عز وجل {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ} "(7).
قال ابن عطية: " وحكى مكي عن عبد الله هذا، أنه لما مات النبي عليه السلام، قال: اللهم أعمني حتى لا أرى شيئا بعده، فعمي"(8).
وقال مقاتل: " فلما توفي النبي- صلى الله عليه وسلم أتاه ابنه وهو في حديقة له فأخبره بموت النبي- صلى الله عليه وسلم فقال عند ذلك: اللهم اعمني فلا أرى شيئا بعد حبيبي أبدا. فعمي مكانه وكان يحب النبي- صلى الله عليه وسلم حبا شديدا فجعله الله- عز وجل مع النبي- صلى الله عليه وسلم فى الجنة"(9).
وذكر الثعلبي - بغير إسناد- (10)، والواحدي (11) عن الكلبي، قال: "نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شديد الحب له قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه يعرف في وجهه الحزن، فقال له رسول الله:«يا ثوبان ما غير لونك؟ » فقال: يا رسول الله ما بي من ضر ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة وأخاف أن لا أراك
(1) تفسير الطبري (9925): ص 8/ 534.
(2)
انظر: تفسير الطبري (9926): ص 8/ 534.
(3)
انظر: تفسير الطبري (9928): ص 8/ 535.
(4)
أخرجه الطبري (9927): ص 8/ 534 - 535.
(5)
تفسير ابن أبي حاتم (5578): ص 3/ 998.
(6)
المعجم الأوسط: (480): ص 1/ 269، والمعجم الصغير: 1/ 26.
قال الهيثمي في الموضع السابق من "المجمع": «رواه الطبراني في "الصغير" و"الأوسط"، ورجاله رجال الصحيح، غير عبد الله بن عمران العابدي، وهو ثقة» .
ومن طريق الطبراني أخرجه أبو نعيم في "الحلية"(4/ 239 - 240).
والحافظ أبو عبد الله الضياء المقدسي في "صفة الجنة" كما في "تفسير ابن كثير"(1/ 523).
ومن طريق أبي نعيم أخرجه الواحدي في "أسباب النزول": 166.
قال أبو نعيم: "هذا حديث غريب من حديث منصور وإبراهيم، تفرد به فضيل، وعنه العابدي".
وقال المقدسي: "لا أرى بإسناده بأسا".
وأخرجه ابن مردويه في "تفسيره" كما في الموضع السابق من "تفسير ابن كثير"، فقال: حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حدثنا إسماعيل بن أحمد بن أسيد، حدثنا عبد الله بن عمران
…
، فذكره بنحو سياق الطبراني.
(7)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 387.
(8)
المحرر الوجيز: 2/ 76.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 388.
(10)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 341.
(11)
أسباب النزول: 165.
هناك، لأني أعرف أنك ترفع مع النبيين، وأني وإن دخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذاك أحرى أن لا أرك أبدا، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (1).
قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ} [النساء: 69]، أي:" ومن يستجب لأوامر الله تعالى وهدي رسوله محمد صلى الله عليه"(2).
قال الواحدي: " أي: في الفرائض، والرسول، أي: في السنن"(3).
قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [النساء: 69]، أي:" فأولئك الذين عَظُمَ شأنهم وقدرهم، فكانوا في صحبة مَن أنعم الله تعالى عليهم بالجنة"(4).
قال الواحدي: "يعني: المطيعين"(5).
قال ابن عطية: " وهذه الآية تفسير قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 5]، ومعنى- أنهم معهم- أنهم في دار واحدة، ومتنعم واحد، وكل من فيها قد رزق الرضا بحاله، وذهب عنه أن يعتقد أنه مفضول، وإن كنا نحن قد علمنا من الشريعة أن أهل الجنة تختلف مراتبهم على قدر أعمالهم، وعلى قدر فضل الله على من شاء"(6).
قوله تعالى: {مِنَ النَّبِيِّينَ} [النساء: 69]، أي:" من الأنبياء"(7).
قال الواحدي: " أي: أنه يستمتع برؤية النبيين، وزيارتهم، والحضور معهم، فلا يتوهمن من أجل أنهم في أعلى عليين أنه لا يراهم"(8).
قال البغوي: " أي لا تفوتهم رؤية الأنبياء ومجالستهم لا أنهم يرفعون إلى درجة الأنبياء"(9).
وقال عكرمة: "النبيون هاهنا: محمد صلى الله عليه وسلم"(10).
قوله تعالى: {وَالصِّدِّيقِينَ} [النساء: 69]، أي:" والصديقين الذين كمُل تصديقهم بما جاءت به الرسل، اعتقادًا وقولا وعملا "(11).
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج، قال:"وقال غير مجاهد، عن أبي ذر، في قوله جل وعز "{مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين} ، الصديقين: المؤمنين " (12).
وقال الكلبي: "الصديقون: أفاضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم"(13).
قال الزمخشري: " الصديقون: أفاضل صحابة الأنبياء الذين تقدموا في تصديقهم كأبى بكر الصديق رضى الله عنه وصدقوا في أقولهم وأفعالهم"(14).
قال البغوي: " أفاضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والصديق المبالغ في الصدق"(15).
وروي عن النبي عليه السلام: " الصديقون: المتصدقون"(16).
وقال مقاتل: " هم أول من صدق بالأنبياء- عليهم السلام حين عاينوهم"(17).
وقال عكرمة: " والصديقون: أبو بكر"(18).
(1) أسباب النزول: 165.
(2)
التفسير الميسر: 89.
(3)
الوجيز: 2/ 77.
(4)
التفسير الميسر: 89.
(5)
الوجيز: 2/ 77.
(6)
المحرر الوجيز: 2/ 76.
(7)
التفسير الميسر: 89.
(8)
الوجيز: 2/ 77.
(9)
تفسير البغوي: 2/ 247.
(10)
تفسير البغوي: 2/ 247.
(11)
التفسير الميسر: 89.
(12)
تفسير ابن المنذر (1976): ص 2/ 782.
(13)
الوجيز: 2/ 78.
(14)
الكشاف: 1/ 530 - 531.
(15)
تفسير البغوي: 2/ 247.
(16)
المحرر الوجيز: 2/ 76.
(17)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 388.
(18)
تفسير البغوي: 2/ 247.
قال الواحدي: " والصديقين: كل من صدق بكل ما أمر الله، لا يدخله شك، وصدق الأنبياء فهو صديق، وهو قول الله تعالى: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون} [الحديد: 19] "(1).
وفي تسمية الصديق قولان (2):
أحدهما: أنه فِعِّيل من الصِّدْقِ.
والثاني: أنه فِعّيل من الصَدَقَة.
قوله تعالى: {وَالشُّهَدَاءِ} [النساء: 69] أي: " والشهداء في سبيل الله"(3).
قال مقاتل: " يعني: القتلى في سبيل الله بالشهادة"(4).
قال البغوي: " قيل: هم الذين استشهدوا في يوم أحد، وقيل: الذين استشهدوا في سبيل الله"(5).
وقال عكرمة: " والشهداء عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم"(6).
قال الماوردي: " {الشهداء}، جمع شهيد، وهو المقتول في سبيل اللَّه تعالى"(7).
قال ابن عطية: " والشهداء المقتولون في سبيل الله، هم المخصوصون بفضل الميتة، وهم الذين فرق الشرع حكمهم في ترك الغسل والصلاة، لأنهم أكرم من أن يشفع لهم، [و] الشهداء في هذه الآية يعم أنواع الشهداء"(8).
وفي تسمية الشهيد قولان (9):
أحدهما: لقيامه بشهادة الحق، حتى قتل في سبيل الله.
والثاني: لأنه يشهد كرامة الله تعالى. في الآخرة. ويشهد على العباد بأعمالهم يوم القيامة إذا ختم له بالقتل في سبيل الله.
قوله تعالى: {وَالصَّالِحِينَ} [النساء: 69]، أي:"وصالح المؤمنين"(10).
قال مقاتل: " يعني: المؤمنين أهل الجنة"(11).
قال الواحدي: " هم سائر المسلمين"(12).
وقال عكرمة: " {والصالحين}: سائر الصحابة رضي الله عنهم"(13).
قال الماوردي: "الصالحون، جمع صالح، وفيه قولان:
أحدهما: أنه كل من صلح عمله.
والثاني: هو كل من صلحت سريرته وعلانيته" (14).
قوله تعالى: {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]، أي:" وحَسُنَ هؤلاء رفقاء في الجنة"(15).
قال الزجاج: " أي الأنبياء ومن معهم حسنوا رفيقا"(16).
قال الزمخشري: " فيه معنى التعجب كأنه قيل: وما أحسن أولئك رفيقا! وهذا ترغيب للمؤمنين في الطاعة، حيث وعدوا مرافقة أقرب عباد الله إلى الله وأرفعهم درجات عنده"(17).
عن الاثرم، عن أبي عبيدة: " {وحسن أولئك رفيقا} أي رفقاء، والعرب تلفظ بلفظ الواحد والمعنى يقع على الجميع قال عباس بن مرداس (18):
(1) الوجيز: 2/ 78.
(2)
انظر: النكت والعيون: 1/ 504.
(3)
التفسير الميسر: 89.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 388.
(5)
تفسير البغوي: 2/ 247.
(6)
تفسير البغوي: 2/ 247.
(7)
النكت والعيون: 1/ 504.
(8)
المحرر الوجيز: 2/ 76.
(9)
انظر: النكت والعيون: 1/ 504 - 505.
(10)
التفسير الميسر: 89.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 388.
(12)
الوجيز: 2/ 78.
(13)
تفسير البغوي: 2/ 247.
(14)
النكت والعيون: 1/ 505.
(15)
التفسير الميسر: 89.
(16)
معاني القرآن: 2/ 73.
(17)
الكشاف: 1/ 531.
(18)
العباس بن مرداس: ابن أبى عامر السلمى، وأمه الخنساء الشاعرة، وهو مخضرم. أخباره فى الأغانى 13/ 62، والإصابة رقم 4511، والاستيعاب 3/ 101، والخزانة 1/ 73. والبيت لعباس بن مرداس في ديوانه ص 52، ولسان العرب (أخا)، والمقتضب 2/ 174، ومجاز القرآن 1/ 79، 131، 2/ 44، 195، ومجمع البيان 1/ 365، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 4/ 285، وتذكرة النحاة ص 144، وجمهرة اللغة ص 1307، وخزانة الأدب 4/ 478، والخصائص 2/ 422.
فقلنا أسلموا إنا أخوكم
…
فقد برئت من الإحن الصدور
وقال في القرآن: {يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا} (1)، والمعنى: أطفالا" (2).
قال الواحدي: " وسمي الصاحب رفيقا لارتفاقك به وبصحبته، ويقال للجماعة في السفر: رفقة لارتفاق بعضهم ببعض"(3).
وأما «الرفيق» ، ففيه قولان (4):
أحدهما: أنه مأخوذ من الرفق في العمل.
والثاني: أنه مأخوذ من الرفق في السير.
قرئ: {وحسن} ، بسكون السين (5).
عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت:"كنت أسمع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يموت حتى يخير بين الدنيا والآخرة، قالت: وأصابته بحة في مرضه الذي مات فيه، فسمعته يقول: «مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}»، فظننت أنه خير"(6).
عن ابن وهب، قال مالك:" سمعت ذلك الرجل -يعني عبد الله بن يزيد بن هرمز وهو يصف المدينة وفضلها-: يبعث منها أشراف هذه الأمة يوم القيامة، وحولها الشهداء أهل بدر وأحد والخندق، ثم تلا مالك هذه الآية: {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}، والآية التي بعدها"(7).
الفوائد:
1 -
أنه من ثمرة إطاعة الله والرسول مرافقة النبيين والصديقين، إذ سمّى الله تبارك وتعالى التحاكم إلى الرسول «طاعة» ، وجعل عاقبتهما معية كريمة ومُقاماً كريماً في صحبة كريمة في جوار الله الكريم وحق لمن أقام هذا التحاكم على ما يريد الله تعالى، أن يرقى صُعُداً مع هذه الصحبة المباركة في الفردوس الأعلى، لأن النبيين والصّدّيقين والشهداء والصالحين هم خير من أطاع الله تعالى ظاهراً وباطناً وأقام شريعته ووحّده، فمن حذا حذوهم حُشِر معهم وصحبهم في الفردوس الأعلى من الجنة وهو طريق مفتوح لكلّ من اقتدى بهم ظاهراً وباطناً (8).
2 -
أن السلامة تكون في الإلتزام بسنة النبي صلى الله عليه وسلم-وتقبل وصيته وترك الفضول، ومن ثم َأَبْشِرُوا بِالْفَضْلِ والكرامة وَالْخُلُود فِي دَار المقامة مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصالحين.
3 -
أن المراد بالمعية في الآية، هو المعية من جهة رفع الحجاب، وليس المراد المعية من حيث المقام.
4 -
أن الآية دليل على أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم تثمر الهداية، وثبات القلب عليها، ومخالفته تثمر زيغ القلب، واضطرابه، وعدم ثباته.
5 -
إن الحقوق ثلاثة:
- حق لله تعالى لا يكون لأحد من الخلق، وهو عبادة الله والرغبة إليه، وتوابع ذلك.
- وقسم مختص بالرسول، وهو التعزير والتوقير والنصرة.
- وقسم مشترك، وهو الإيمان بالله ورسوله ومحبتهما وطاعتهما، كما جمع الله بين هذه الحقوق في قوله:{لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: 9].
6 -
دلت الآية على أن من جاء بالإيمان الكامل، فإن الله يتولاه بأن يخرجه من الظلمات بصرفها عنه، أو صرفه عنها، ويوفقه للنور ويثبته عليه.
(1)[سورة غافر: 67].
(2)
أخرجه ابن المنذر (1977): ص 2/ 783، وانظر: مجاز القرآن: 1/ 131.
(3)
الوجيز: 2/ 78.
(4)
انظر: النكت والعيون: 1/ 505.
(5)
انظر: الكشاف: 1/ 531.
(6)
أخرجه ابن ابي حاتم (5576): ص 3/ 997.
(7)
أخرجه ابن ابي حاتم (5579): ص 3/ 998.
(8)
انظر: هجر القرآن العظيم صـ 636 إلى 639.
7 -
ومن الفوائد: أن الاستقامة حظ الرب، وطلب الكرامة حظ النفس.
القرآن
{ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70)} [النساء: 70]
التفسير:
ذلك العطاء الجزيل من الله وحده. وكفى بالله عليما يعلم أحوال عباده، ومَن يَستحقُّ منهم الثواب الجزيل بما قام به من الأعمال الصالحة.
قوله تعالى: {ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ} [النساء: 70]، أي:" ذلك العطاء الجزيل من الله وحده"(1).
قال مقاتل: " يعني: هذا الثواب هو الفضل من الله"(2).
قال الواحدي: " تفضل به على من أطاعه"(3).
قال ابن كثير: " أي: من عند الله برحمته، هو الذي أهلهم لذلك، لا بأعمالهم"(4).
قال الزمخشري: أي: " أن ما أعطى المطيعون من الأجر العظيم ومرافقة المنعم عليهم، من الله، لأنه تفضل به عليهم تبعا لثوابهم"(5).
قال الراغب: " بيّن الله تعالى أن ذلك الفضل الذي ذكره بقوله: {أنعم الله عليهم}، هو من الله علي الإطلاق، فنسب إلى نفسه تفخيما لأمره"(6).
قال الطبري: " فإن قال قائل: أو ليس بالطاعة وصلوا إلى ما وصلوا إليه من فضله؟
قيل له: إنهم لم يطيعوه في الدنيا إلا بفضله الذي تفضل به عليهم، فهداهم به لطاعته، فكل ذلك فضل منه تعالى ذكره" (7).
قوله تعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} [النساء: 70]، " أي: وكفى به تعالى مجازياً لمن أطاع عالماً بمن يستحق الفضل والإِحسان" (8).
قال سعيد بن جبير: " {عليما}، يعني: عالما بها"(9).
قال الزجاج: " معناه: كفى الله عليما، والباء مؤكدة. المعنى اكتفوا بالله عليما"(10).
قال البغوي: " أي: بثواب الآخرة، وقيل: بمن أطاع رسول الله وأحبه، وفيه بيان أنهم لن ينالوا تلك الدرجة بطاعتهم، وإنما نالوها بفضل الله عز وجل"(11).
قال ابن كثير: "أي: هو عليم بمن يستحق الهداية والتوفيق"(12).
قال الواحدي: " أي: أنه لا يضيع عنده عمل عامل لأنه لا يخفى عليه شيء"(13).
قال الزمخشري: أي: " بجزاء من أطاعه أو أراد أن فضل المنعم عليهم ومزيتهم من الله، لأنهم اكتسبوه بتمكينه وتوفيقه وكفى بالله عليما بعباده فهو يوفقهم على حسب أحوالهم"(14).
الفوائد:
1 -
أن الله تعالى يهدي من يشاء بفضله وحكمته.
2 -
من أسمائه تعالى: «العليم» ، والْعِلْمُ: صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله عز وجل، فهو سبحانه «العليم» المحيط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (15).
(1) التفسير الميسر: 89.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 388.
(3)
الوجيز: 2/ 78.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 357.
(5)
الكشاف: 1/ 531 - 532.
(6)
تفسير الراغب الاصفهاني: 3/ 1315.
(7)
تفسير الطبري: 8/ 535.
(8)
صفوة التفاسير: 263.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (5580): ص 3/ 998.
(10)
معاني القرآن: 2/ 74.
(11)
تفسير البغوي: 2/ 248.
(12)
تفسير ابن كثير: 2/ 357.
(13)
الوجيز: 2/ 78.
(14)
الكشاف: 1/ 532.
(15)
انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين: 1/ 188.
قال أبو سليمان: " العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق، وجاء على بناء: فعيل، للمبالغة في وصفه بكمال العلم"(1).
جاء في الحديث: " اللهم إني أستخيرك بعلمك"(2).
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما وقول الخضِر لموسى عليهما السلام: "إنك على علمٍ من علم الله علمكه الله لا أعلمه، وأنا على علمٍ من علم الله علمنيه لا تعلمه"(3).
القرآن
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (71)} [النساء: 71]
التفسير:
يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم بالاستعداد لعدوكم، فاخرجوا لملاقاته جماعة بعد جماعة أو مجتمعين.
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [النساء: 71]، " أي: يا أيها الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله" (4).
قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: {يا أيها الذين آمنوا}، إلا كان على شريفها وأميرها"(5).
وعن خيثمة قال: "ما تقرأون في القرآن: {يا أيها الذين آمنوا}، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين"(6).
كما أن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان" (7).
قال ابن مسعود رضي الله عنه: "إذا سمعت الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه"(8).
قوله تعالى: {خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 71]، أي:" احترزوا من عدوكم واستعدوا له"(9).
قال مقاتل: " يعني: عدتكم من السلاح"(10).
قال الزمخشري: أي: " احذروا واحترزوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم"(11).
قال السمعاني: " أي: عدتكم، والحذر: ما يتقى به من العدو، نحو العدة والسلاح"(12).
قال الزجاج: " أمر الله أن لا يلقي المؤمنون بأيديهم إلى التهلكة وأن يحذروا عدوهم وأن يجاهدوا في الله حق الجهاد، ليبلو الله الأخيار وضمن لهم مع ذلك النصر، لأنه لو تولى الله تعالى قتل أعدائه بغير سبب للآدميين لم يكونوا مثابين، ولكنه أمر أن يؤخذ الحذر"(13).
قال ابن كثير: " يأمر الله عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم، وهذا يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد وتكثير العدد بالنفير في سبيله"(14).
قوله تعالى: {فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} [النساء: 71]، " أي: اخرجوا إِلى الجهاد جماعات متفرقين، سريةً بعد سرية أو اخرجوا مجتمعين في الجيش الكثيف" (15).
قال ابن عباس: "، يقول: عصبًا، يعني: سَرايَا متفرقين، {أو انفروا جميعًا}، يعني: كلكم"(16).
(1) الاسماء والصفات للبيهقي: 1/ 121.
(2)
رواه البخاري (6382).
(3)
رواه البخاري (122)، ومسلم (4385).
(4)
تفسير المراغي: 11/ 43، وانظر: صفوة التفاسير: 2/ 487.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (1035): ص 1/ 196، و (5025): ص 3/ 902
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (5026): ص 3/ 902.
(7)
انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 337.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (1037): ص 1/ 196، و (5027): ص 3/ 902
(9)
صفوة التفاسير: 265.
(10)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 388.
(11)
الكشاف: 1/ 532.
(12)
تفسير السمعاني: 1/ 446.
(13)
معاني القرآن: 2/ 74.
(14)
تفسير ابن كثير: 2/ 357.
(15)
صفوة التفاسير: 265.
(16)
أخرجه الطبري (9929): ص 8/ 537.
عن مجاهد في قول الله: " {فانفروا ثبات}، قال: فرقًا، قليلا قليلا"(1).
عن السدي: " {فانفروا ثبات}، فهي العصبة، وهي الثبة، {أو انفروا جميعًا}، مع النبي صلى الله عليه وسلم"(2).
قال قتادة: " الثبات: الفرق"(3).
قال الضحاك: " رفانفروا ثبات}، يعني: عصبًا متفرِّقين"(4).
قال مقاتل: " عصبا سرايا جماعة إلى عدوكم أو انفروا إليهم جميعا مع النبي- صلى الله عليه وسلم إذا نفر"(5).
عن مسلم بن حيان الهذلي: {أو انفروا جميعا} ، قال: مرة واحدة" (6).
قال الطبري: أي: " فانفروا إلى عدوكم جماعة بعد جماعة متسلحين، أو انفروا جميعًا مع نبيكم صلى الله عليه وسلم لقتالهم"(7).
قال الفراء: " يقول: عصبا، يقول: إذا دعيتم إلى السرايا، أو دعيتم لتنفروا جميعا"(8).
قال الزجاج: أي: " انفروا جماعات متفرقة أو انفروا بعضكم إلى بعض"(9).
قال الواحدي: " أَيْ: فانهضوا إلى لقاء العدوِّ {ثباتٍ} جماعاتٍ مُتفرِّقين إذا لم يكن معكم الرَّسول، {أو انفروا جميعاً} إذا خرج الرَّسول إلى الجهاد"(10).
قال الزمخشري: أي: " فانفروا إذا نفرتم إلى العدو. إما ثبات جماعات متفرقة سرية بعد سرية، وإما جميعا أى مجتمعين كوكبة واحدة، ولا تتخاذلوا فتلقوا بأنفسكم إلى التهلكة"(11).
و«الثبات» : الجماعات المتفرقة، واحدها ثبة. قال زهير ابن أبي سلمى (12):
وَقَدْ أَغْدُوا عَلَى ثُبَةٍ كِرَامٍ
…
نَشَاوَى وَاجِدِينَ لِمَا نَشَاء
وإنما اشتقت ثبة الجماعة من ثبيت على الرجل إذا أثنيت عليه في حياته، وتأويله أنك
جمعت ذكر محاسنه (13).
قال ابن كثير: " {ثُبَاتٍ} أي: جماعة بعد جماعة، وفرقة بعد فرقة، وسرية بعد سرية"(14).
وقرئ: {فانفروا} ، بضم الفاء" (15).
قال السمعاني: وهذه الآية: " دليل على أن الجهاد فرض على الكفاية"(16).
وقد ذهب قوم: إلى أن هذه الآية منسوخة (17)، استندوا في ذلم ما روي عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: " {خذوا حذركم فانفروا ثبات} (18)، وقال:{انفروا خفافا وثقالا} (19)، وقال: {إلا تنفروا
(1) أخرجه الطبري (9930): ص 8/ 537.
(2)
أخرجه الطبري (9933): ص 8/ 537.
(3)
أخرجه الطبري (9931): ص 8/ 537.
(4)
أخرجه الطبري (9934): ص 8/ 537.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 388.
(6)
أخرجه ابن ابي حاتم (5585): ص 3/ 999.
(7)
تفسير الطبري: 8/ 536 - 537.
(8)
معاني القرآن: 1/ 375.
(9)
معاني القرآن: 2/ 75.
(10)
الوجيز: 274.
(11)
الكشاف: 1/ 532.
(12)
ديوانه: 72، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 132، واللساق (ثبا) و (نشا)، وغيرها.
(13)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 75.
(14)
تفسير ابن كثير: 2/ 357.
(15)
الكشاف: 1/ 532.
(16)
تفسير السمعاني: 1/ 446.
(17)
وروى قول النسخ البيهقي في سننه 9/ 47، من طريق عطاء عن ابن عباس. وذكره السيوطي في الدر المنثور 2/ 183 وزاد نسبته إلى أبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم ..
(18)
[سورة النساء: 71].
(19)
[سورة التوبة: 41].
يعذبكم عذابا أليما} (1)، ثم نسخ هذه الآيات، فقال:{وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} (2) الآية" (3).
قال ابن الجوزي: " وهذه الرواية فيها مغمز (4)، وهذا المذهب لا يعمل عليه. وأحوال المجاهدين تختلف، والأمر في ذلك على حسب ما يراه الإمام وليس في هذه الآيات شيء منسوخ بل كلها محكمات. وقد ذهب إلى ما قد ذهبت إليه، أبو سليمان الدمشقي"(5).
الفوائد:
1 -
أن التوكل على الله تعالى لا ينافي اتخاذ الأسباب بل إن التوكل لا يتم إلا إذا اتخذ الإنسان لكل عملٍ يريده الأسباب التي توصله إلى تحقيقه فالله سبحانه وتعالى قد ربط المسببات بأسبابها.
بل إن الإنسان ينساق إلى الأخذ بالأسباب بمقتضى فطرته وبمقتضى التكليف الشرعي فإذا قال الإنسان أنا متوكل على الله في تحصيل رزقي ولم يتخذ الأسباب التي توصله إلى ذلك وتحقق له مطلبه فهو مخالف للفطرة ومخالف لشرع الله الذي جاء الأمر فيه باتخاذ الأسباب.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} ، وقال تعالى:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60]، وقال سبحانه وتعالى:{وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197].
وغيرها من الآيات كثير في الأمر بالأخذ بالأسباب مع التوكل على الله في إتمام الأمور التي يسعى العبد في تحصيلها لأن التوكل من أعظم الأسباب وأنفعها في دفع المضار وجلب المنافع، فلا بد من الأخذ بالأسباب التي توصل الإنسان إلى تحقيق حاجاته والحصول على مطالبه، ومن قال بنفي الأسباب فتوكله مشوب ومدخول (6).
2 -
استدل أهل القدر بهذه الآية بقوله: {خذوا حذركمْ} ، قالوا: لولا أن الحذر يمنع عنهم مكايد الأعداء ما كان لأمره بالحذر إياهم معنى.
فيقال لهم: الائتمار لأمر الله والانتهاء عن نهيه واجب عليهم لأنهم به يسلمون من معصية الله عز وجل لأن المعصية تزل، فائتمروا وانتهوا عما نهوا عنه.
وليس في هذه الآية دليل على أن حذرهم ينفع من القدر شيئا، وهذا كقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:«اعقلها وتوكل» (7)، والمراد به طمأنينة النفس لا أن ذلك يدفع القدر، كذلك في أخذ الحذر فهو الدليل على ذلك، أن الله تعالى أثنى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله حاكيا عنهم:{قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51]، وأمر بذلك رسوله صلى الله عليه وسلم كان يصيبهم غير ما قضى عليهم ما كان هذا مني (8).
القرآن
التفسير:
وإنَّ منكم لنفرًا يتأخر عن الخروج لملاقاة الأعداء متثاقلا ويثبط غيره عن عمد وإصرار، فإن قُدِّر عليكم وأُصِبتم بقتل وهزيمة، قال مستبشرًا: قد حفظني الله، حين لم أكن حاضرًا مع أولئك الذين وقع لهم ما أكرهه لنفسي، وسرَّه تخلفه عنكم.
(1)[سورة التوبة: 39].
(2)
[سورة التوبة: 122].
(3)
سنن البيهقي: 9/ 47.
(4)
المغمز: عيب يقال، ليس فيه غميزة ولا مغمز، أي: عيب انظر: المصباح المنير 2/ 107.
(5)
نواسخ القرآن: 2/ 377 - 378. وابن الجوزي ذكر هذا القول في زاد المسير 2/ 130 عن أبي سليمان الدمشقي. ويجدر القول، بأن لم يذكر النحاس ومكي بن أبي طالب هذه الآية من المنسوخة أصلا.
(6)
انظر: مباحث العقيدة في سورة الزمر، ناصر بن علي:287.
(7)
سنن الترمذي (2522)، كتاب صفة القيامة باب: اعقلها وتوكل.
(8)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 343.
في سبب نزول الآية وجهان:
أحدهما: إنها نزلت في المنافقين وإنما جمع منهم في الخطاب من جهة الجنس والسبب ومن جهة الإيمان (1).
أخرج ابن ابي حاتم عن بكير بن معروف عن مقاتل: "قوله: {قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا}، قال عدو الله عبد الله بن أبي: {قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا}، فيصيبني مثل الذي أصابهم من البلاء والشدة"(2).
قال مقاتل بن سليمان: " نزلت في عبد الله بن أبي بن ملك بن أبي عوف بن الخزرج رأس المنافقين"(3).
واخرج الطبري عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:" {وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة}، إلى قوله: {فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا}، ما بين ذلك في المنافقين"(4).
والثاني: وقال البعض: أنها نزلت في المؤمنين، لأن الله خاطبهم بقوله:{وإن منكم} ، وقد فرق الله بين المؤمنين والمنافقين بقوله:{مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ} [المجادلة: 14](5).
قال الماتريدي: " قوله: {منكم} يحتمل وجوها:
يحتمل: في الظاهر منكم.
ويحتمل: في الحكم منكم.
ويحتمل: في الدعوى؛ لأنهم كانوا يدعون أنهم منا، ويظهرون الموافقة للمؤمنين، وإن كانوا -في الحقيقة- لم يكونوا" (6).
والراجح-والله أعلم- انها نزلت في المنافقين، وهذا قول اكثر المفسرين (7).
قال القرطبي: " وقيل: المراد بقوله {وإن منكم لمن ليبطئن} بعض المؤمنين، لأن الله خاطبهم بقوله: {وإن منكم}، وقد فرق الله تعالى بين المؤمنين والمنافقين بقوله: {وَمَا هُمْ مِنْكُمْ} [التوبة: 56]، وهذا يأباه مساق الكلام وظاهره، وإنما جمع بينهم في الخطاب من جهة الجنس والنسب كما بينا لا من جهة الإيمان. هذا قول الجمهور وهو الصحيح"(8).
قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ} [النساء: 72]، أي:" وإنَّ منكم لنفرًا يتأخر عن الخروج لملاقاة الأعداء متثاقلا ويثبط غيره عن عمد وإصرار"(9).
قال مقاتل بن جيان: " يقول: وإن منكم لمن ليتخلفن عن الجهاد"(10).
قال مقاتل بن سليمان: " يعني: ليتخلفن النفر"(11).
قال الزجاج: " أي: ممن أظهر الإيمان لمن يبطى عن القتال"(12).
عن مجاهد قوله: {وإن منكم لمن ليبطئن} ، قال: في المنافق" (13).
قال السمعاني: " أي: ليتأخرن، والبطء: التأخير. وقيل: هذا في عبد الله بن أبي بن سلول"(14).
قال الواحدي: " أيْ: ليتخلفنَّ ويتثاقلنَّ عن الجهاد وهم المنافقون وجعلهم من المؤمنين من حيث إنَّهم أظهروا كلمة الإِسلام فدخلوا تحت حكمهم في الظَّاهر"(15).
قال السمرقندي: " أي: وإن منكم من يتثاقل ويتخلف عن الجهاد، يعني المنافقين، فهذا الخطاب للمؤمنين، فكأنه يقول: إن فيكم منافقين يتثاقلون ويتخلفون عن الجهاد"(16).
(1) انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 343.
(2)
تفسير ابن ابي حاتم (5591): ص 3/ 999.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 388.
(4)
تفسير الطبري (9935): ص 8/ 538.
(5)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 343، وتفسير القرطبي: 5/ 276.
(6)
تفسير الماتريدي: 3/ 252.
(7)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 343.
(8)
تفسير القرطبي: 5/ 276.
(9)
التفسير الميسر: 89.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (5588): ص 3/ 999.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 388.
(12)
معاني القرآن: 2/ 75.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (5587): ص 3/ 999.
(14)
تفسير السمعاني: 1/ 447.
(15)
الوجيز: 274.
(16)
تفسير السمرقندي: 1/ 316.
قال الثعلبي: " أي ليثاقلن ويتخلفن عن الجهاد والغزو. وقيل: معناه ليصدقن غيره، وهو عبد الله بن أبي المنافق"(1).
قال الزمخشري: " والخطاب لعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم والمبطئون منهم المنافقون لأنهم كانوا يغزون معهم نفاقا. ومعنى {ليبطئن}، ليتثاقلن وليتخلفن عن الجهاد وبطأ. بمعنى: أبطأ كعتم بمعنى: أعتم، إذا أبطأ، ويجوز أن يكون منقولا من بطؤ، نحو؟ ثقل من ثقل، فيراد ليبطئن غيره وليثبطنه عن الغزو، وكان هذا ديدن المنافق عبد الله ابن أبى، وهو الذي ثبط الناس يوم أحد"(2).
قال الراغب: " البطء والريث والأناة والثبات واللبث تتقارب، ولكن الثبات يقتضي الزوال، ويقالان متعديين عن بطء تقول يبطئن أي يثبط غيره. وقيل: يكثر هو التثبيط في نفسه. بيّن تعالى أن قوما بعد فيكم ومنكم أي يتأخرون عن الحرب أو يؤخرون غيرهم"(3).
قال الماتريدي: "قيل: إن المنافقين كانوا يبطئون الناس عن الجهاد ويتخلفون؛ كقوله - تعالى -: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب: 18]، كانوا يسرون ذلك ويضمرونه، فأطلع الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله تعالى، وفيه دلالة إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم –"(4).
وقرئ: {ليبطئن} ، بالتخفيف (5).
قوله تعالى: {فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ} [النساء: 72]، أي:" فإن قُدِّر عليكم وأُصِبتم بقتل وهزيمة"(6).
عن مقاتل قوله: " {فإن أصابتكم مصيبة}، من العدو وجهد من العيش"(7).
قال مقاتل بن سليمان: " يعني: بلاء من العدو أو شدة من العيش"(8).
قوله تعالى: {قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا} [النساء: 72]، "أي: قال ذلك المنافق مستبشرا: قد تفضَّل الله عليَّ إِذ لم أشهد الحرب معهم فأُقتل ضمن من قتلوا" (9).
قال قتادة: " هذا قول مكذب"(10).
قال مقاتل: " قال المنافق: {قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا}، يعني: شاهدا فيصيبني من البلاء ما أصابهم"(11).
قال الزجاج: " أي: لم أشركهم في مصيبتهم"(12).
قال الثعلبي: " أي: حاضرا في تلك الغزاة فيصيبني مثل ما أصابهم"(13).
قال القرطبي: " {قال قد أنعم الله علي}، يعني: بالقعود وهذا لا يصدر إلا من منافق، لا سيما في ذلك الزمان الكريم، بعيد أن يقول مؤمن"(14).
الفوائد:
1 -
أن الله تعالى امر عباده بالتعجيل والمسارعة في الخيرات.
2 -
فضيلة الجهاد في سبيل الله.
3 -
إن من أبطأ يبطئ غيره بإبطائه إذ يكون قدوة في ذلك.
القرآن
(1) تفسير الثعلبي: 3/ 343.
(2)
الكشاف: 1/ 532 - 533
(3)
تفسير الراغب الاصفهاني: 2/ 1319.
(4)
تفسير الماتريدي: 3/ 252.
(5)
انظر: الكشاف: 1/ 532.
(6)
التفسير الميسر: 89.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (5589): ص 3/ 999.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 388.
(9)
صفوة التفاسير: 365، والتفسير الميسر:89.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (5590): ص 3/ 999.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 388.
(12)
معاني القرآن: 2/ 76.
(13)
تفسير الثعلبي: 3/ 343.
(14)
تفسير القرطبي: 5/ 276.
التفسير:
ولئن نالكم فضل من الله وغنيمة، ليقولن -حاسدًا متحسرًا، كأن لم تكن بينكم وبينه مودة في الظاهر-: يا ليتني كنت معهم فأظفر بما ظَفِروا به من النجاة والنصرة والغنيمة.
قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ} [النساء: 73]، أي:" ولئن نالكم فضل من الله وغنيمة"(1).
قال مقاتل بن حيان: " يعني: فتحا وغنيمة وسعة في الرزق"(2).
قال مقاتل بن سليمان: " يعني: رزق من الله- عز وجل يعني: الغنيمة"(3).
قال الزجاج: " أي: ظفرتم وغنمتم"(4).
قال ابن كثير: " أي: نصر وظفر وغنيمة"(5).
قال الراغب: " أي: غنيمة وظفر يتحسرون على تأخرهم عنكم"(6).
ويحسدونكم على الفضل الذي أوتيتم
قوله تعالى: {لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} [النساء: 73]، " أي: ليقولنَّ هذا المنافق قول نادم متحسر كأن لم يكن بينكم وبينه معرفة وصداقة يا ليتني كنت معهم في الغزو لأنال حظاً وافراً من الغنيمة" (7).
قال مقاتل بن حيان: " ليقولن المنافق وهو نادم في التخلف"(8). وفي رواية اخرى: " كأن المنافق عبد الله بن أبي لم تكن بينكم وبينه مودة"(9).
وعن مقاتل بن حيان ايضا: " {كأن لم تكن بينكم وبينه مودة}، يقول: كأنه ليس من أهل دينكم في المودة، فهذا من التقديم"(10).
قال مقاتل بن سليمان: " ليقولن ندامة في التخلف -كأن لم تكن بينكم وبينه مودة فى الدين والولاية-: {يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما}، فألحق من الغنيمة نصيبا وافرا"(11). وفي رواية اخرى: " المنافق نادم في التخلف، يتمنى {يا ليتني كنت معهم} "(12).
وعن مقاتل بن حيان ايضا: قوله: " {فأفوز}، يعني: أنجو بالغنيمة"(13). قوله" {فوزا}: آخذ نصيبا"(14).
عن قتادة: قوله: " {يا ليتني كنت معهم}، قال: قول حاسد"(15).
قال ابن كثير: أي: يقول -" وكأنه ليس من أهل دينكم-: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا}، أي: بأن يضرب لي بسهم معهم فأحصل عليه. وهو أكبر قصده وغاية مراده"(16).
وفي قوله تعالى: {كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} [النساء: 73]، وجهان (17):
أحدهما: أن ذلك اعتراض متعلق بالجملة الأولى، والمعنى: وتقديره: «يقولون: قد أنعم الله على إذ لم أكن معهم شهيدا، كأن لم تكن بينكم وبينهم مودة» ، فأخر ذلك.
(1) التفسير الميسر: 1/ 365.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (5592): ص 3/ 1000.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 388.
(4)
معاني القرآن: 2/ 76.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 358.
(6)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1320.
(7)
صفوة التفاسير: 265.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (5593): ص 3/ 1000.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (5594): ص 3/ 1000.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (5595): ص 3/ 1000.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 388 - 389.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (5597): ص 3/ 1000.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (5598): ص 3/ 1000.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (5599): ص 3/ 1000.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (5596): ص 3/ 1000.
(16)
تفسير ابن كثير: 2/ 358.
(17)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 76، وتفسير الراغب الاصفهاني: 3/ 1320 - 1321.
قال الراغب: " وذلك مستقبح في العربية، فإنه لا يفصل بين بعض الجملة التي دخل في إثباتها، وتقديره: يقول: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما كأن لم تكن، أي: قولهم ذلك قول من ليس بينكم وبينهم مواصلة دينية، وذلك تنبيه على ضعف عقيدتهم، وسوء نيتهم"(1).
قال الزجاج: "ومعنى «المودة» ههنا، أي: كأنه لم يعاقدكم على الإيمان أي كأنه لم يظهر لكم المودة"(2).
والثاني: أن يكون حكاية عنهم، أي ليقولن لمن يثبطكم:«كأن لم تكن بينكم وبين محمد مودة، حيث لم يستعينوا بكم» ، ثم يقولون:«{يا ليتني كنت معهم}» ، فيكون القول الأول منهم إثارة للشر. والقول الثاني منهم إظهارا للحسد.
قال الواحدي: " قوله: {كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} متصلٌ في المعنى بقوله: {قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ} {كأن لم تكن بينكم وبينه مودَّة} أَيْ: كأنْ لم يعاقدكم على الإِسلام ويعاضدكم على قتال عدوٍّكم ولم يكن بينكم وبينه مودة في الظَّاهر"(3).
ويقرأ في الشواذ: {ليقولن} ، برفع اللام، والمعنى واحد (4).
الفوائد:
1 -
أن كل من كان بينه وبين آخر مودة إذا أصابته نكبة يحزن عليه ويتألم، فأخبر الله عز وجل أن هؤلاء المنافقين إذا أصابت المؤمنين نكبة يسرون بذلك ولا يحزنون، كأن لم يكن بينهم مودة ولا صحبة (5).
2 -
في الآية تنبيه أن عامة الناس لا يعدون إلا أعراض الدنيا، فيفرحون بما ينالهم منها، ولا من المحن إلا مصائبها، فيتألمون بما يصيبهم منها، وذلك قوله:{فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ} [الفجر: 15].
2 -
إن الكفار من المشركين والمنافقين قد قطع الله بينهم وبين المؤمنين المودة. وأيضا فإن هذا هو الواقع، فإن المؤمنين على قسمين:
- صادقون في إيمانهم أوجب لهم ذلك كمال التصديق والجهاد.
- وضعفاء دخلوا في الإسلام فصار معهم إيمان ضعيف لا يقوى على الجهاد (6).
القرآن
التفسير:
فليجاهد في سبيل نصرة دين الله، وإعلاء كلمته، الذين يبيعون الحياة الدنيا بالدار الآخرة وثوابها. ومن يجاهد في سبيل الله مخلصًا، فيُقْتَلْ أو يَغْلِبْ، فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا.
في سبب نزول الآية ثلاثة اقوال:
أحدها: أنها نزلت في المؤمنين المخلصين، ومعنى {يشرون} ، أي: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة ويختارون الآخرة (7).
قال مقاتل: " لقولهم للنبي- صلى الله عليه وسلم: «إن نقاتل فنقتل ولا نقتل؟ »، فنزلت هذه الآية، فأشركهم جميعا في الأجر"(8).
قال ابن حجر: " قال بعضهم: معناه نزلت هذه الآية في المؤمنين المخلصين"(9).
والثاني: وقيل انها "نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن أحد"(10).
(1) تفسير الراغب الاصفهاني: 3/ 1320 - 1321.
(2)
معاني القرآن: 2/ 76.
(3)
الوجيز: 274.
(4)
انظر: تفسير السمعاني: 1/ 447.
(5)
انظر: تفسير الماتريدي: 3/ 252.
(6)
انظر: تفسير السعدي: 186.
(7)
انظر: تفسير البغوي: 1/ 662.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 389.
(9)
العجاب: 2/ 916.
(10)
البحر الميط: 3/ 710، وانظر: تفسير البغوي: 1/ 662.
قال البغوي: " قيل: نزلت في المنافقين، ومعنى {يشرون}، أي: يشترون، يعني الذين يختارون الدنيا على الآخرة، ومعناه: آمنوا ثم قاتلوا"(1).
والثالث: وقيل: "نزلت في المؤمنين المتخلفين، و {يشرون}، بمعنى يبيعون ويؤثرون الآجلة على العاجلة، ويستبدلونها بها أمر الله تعالى بالجهاد من تخلف من ضعفة المؤمنين"(2).
قوله تعالى: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ} [النساء: 74]، أي:" فليجاهد في سبيل نصرة دين الله، وإعلاء كلمته، الذين يبيعون الحياة الدنيا بالدار الآخرة وثوابها"(3).
قال الطبري: أي: فليجاهد "في دين الله والدعاء إليه، والدخول فيما أمر به أهل الكفر به، الذين يبيعون حياتهم الدنيا بثواب الآخرة وما وعد الله أهل طاعته فيها. وبيعُهم إياها بها: إنفاقهم أموالهم في طلب رضى الله، لجهاد من أمر بجهاده من أعدائه وأعداء دينه، وبَذْلهم مُهَجهم له في ذلك"(4).
عن السدي: " {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ}، يقول: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة"(5).
قال ابن زيد: " {يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ}، فـ «يشري»: يبيع، و «يشري»: يأخذ وإن الحمقى باعوا الآخرة بالدنيا"(6).
قال الماوردي: قوله: {يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ} " يعني: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة ، فعبر عن البيع بالشراء"(7).
قال الواحدي: " أَيْ: يختارون الجنَّة على البقاء في الدُّنيا"(8).
قال الزجاج: {يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ} " أي: يبيعون، يقال شريت بمعنى بعت، وشريت بمعنى اشتريت، قال يزيد بن مفرغ (9):
وَشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي
…
مِنْ قَبْلِ بُرْدٍ كنْتُ هَامَهْ
برد غلامه، وشريته بعته" (10).
قال الماتريدي: " كأنه - والله أعلم - نهى المنافقين بالخروج إلى الغزو كقوله - تعالى -: (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا)، وأمر المؤمنين أن يخرجوا لذلك؛ لأنه قال الله - تعالى -: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ} [النساء: 74]، والمؤمنون هم الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة"(11).
قال النسفي: " والمراد المؤمنون الذين يستحبون الحياة الآجلة على العاجلة ويستبدلونها بها أي إن صد الذين مرضت قلوبهم وضعفت نياتهم عن القتال فليقاتل الثابتون المخلصون أو يشترون والمراد المنافقون الذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق ويخلصوا الإيمان بالله ورسوله ويجاهدوا في سبيل الله حق جهاده"(12).
قرأ الجمهور: {فليقاتل} ، بسكون لام الأمر. وقرأت فرقة: بكسرها على الأصل (13) ..
قوله تعالى: {وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء: 74]، " أي: من يقاتل في سبيل الله لإِعلاء كلمة الله" (14).
(1) تفسير البغوي: 1/ 662.
(2)
البحر الميط: 3/ 710.
(3)
التفسير الميسر: 89.
(4)
تفسير الطبري: 8/ 541.
(5)
أخرجه الطبري (9942): ص 8/ 541.
(6)
أخرجه الطبري (9943): ص 8/ 541.
(7)
النكت والعيون: 1/ 506.
(8)
الوجيز: 274.
(9)
طبقات فحول الشعراء: 555 من قصيدة له، في هجاء عباد بن زياد، حين باع ما له في دين كان عليه، وقضى الغرماء، وكان فيما باع غلام لابن مفرغ، يقال له"برد"، وجارية يقال لها"أراكة". وقوله:"كنت هامة" أي هالكا. يقال: فلان هامة اليوم أو غد، أي قريب هلاكه، فإذا هو"هامة"، وذلك زعم أبطله الله بالإسلام كان في الجاهلية: أن عظم الميت أو روحه تصير هامة (وهو طير كالبومة) فتطير. ورواية غيره: "من بعد برد" ..
(10)
.
(11)
تفسير الماتريدي: 3/ 255.
(12)
تفسير النسفي: 1/ 373.
(13)
انظر: البحر الميط: 3/ 710.
(14)
صفوة التفاسير: 266.
قال سعيد بن جبير: "يعني: ومن يقاتل المشركين"(1).
وفي قوله تعالى: {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء: 74]، وجهان (2):
أحدهما: في إظهار دين الله.
والثاني: في طاعة الله - تعالى - ونصر أوليائه.
قوله تعالى: {فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ} [النساء: 74]، " أي: فيُستشهد أو يظفر على الأعداء" (3).
قال سعيد بن جبير: " {فيقتل}، يعني: يقتله العدو"(4). " {أو يغلب}، يعني: يغلب العدو من المشركين"(5).
قال الواحدي: أي: " فيستشهد، {أو يغلب} فيظفر، فكلاهما سواءٌ"(6).
قال السمعاني: " وهو معنى قوله في سورة التوبة: {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} (7) "(8).
قرأ الجمهور: {فيقتل} ، مبنيا للمفعول. وقرأ محارب بن دثار:{فيقتل} ، على بناء الفعل للفاعل، وأدغم باء {يغلب} ، في "الفاء" أبو عمرو والكسائي وهشام وخلاد بخلاف عنه، وأظهرها باقي السبعة (9) ..
قوله تعالى: {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 74]، " أي: فسوف نعطيه ثواباً جزيلاً" (10).
قال سعيد بن جبير: " {أجرا عظيما}، يعني: جزاء وافرا في الجنة، فجعل القاتل والمقتول من المسلمين في جهاد المشركين شريكين في الأجر"(11).
عن الأوزاعي عن يحيى، قال:" الأجر العظيم: الجنة "(12).
قال الواحدي: "أي: ثواباً لا صفة له"(13).
قال البغوي: أي: " في كلا الوجهين أجرا عظيما"(14).
قال النسفي: " وعد الله المقاتل في سبيل الله ظافراً أو مظفوراً به إيتاء الأجر العظيم على اجتهاده في إعزاز دين الله"(15).
قال ابن كثير: " أي: كل من قاتل في سبيل الله - سواء قتل أو غَلَب وسَلَب - فله عند الله مثوبة عظيمة وأجر جزيل، كما ثبت في الصحيحين (16) وتكفل الله للمجاهد في سبيله، إن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة"(17).
قال الطبري: " وهذا حضٌّ من الله المؤمنين على جهاد عدوه من أهل الكفر به على أحايينهم غالبين كانوا أو مغلوبين، والتهاونِ بأقوال المنافقين في جهاد من جاهدوا من المشركين، وأن لهم في جهادهم إياهم - مغلوبين كانوا أو غالبين - منزلة من الله رفيعة"(18).
قال ابن عطية: " وعد من قاتل في سبيل الله بالأجر العظيم، سواء استشهد، أو غلب. واكتفى في الحالتين بالغاية، لأن غاية المغلوب في القتال أن يقتل، وغاية الذي يقتل أن يغلب ويغنم، فأشرف الحالتين ما بدء به من ذكر الاستشهاد في سبيل الله، ويليها أن يقتل أعداء الله، ودون ذلك الظفر بالغنيمة، ودون ذلك أن
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (5603): ص 3/ 1001.
(2)
انظر: تفسير الماتريدي: 3/ 255.
(3)
صفوة التفاسير: 266.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (5604): ص 3/ 1001.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (5605): ص 3/ 1001.
(6)
الوجيز: 274.
(7)
[سورة التوبة: 111].
(8)
تفسير السمعاني: 1/ 477.
(9)
انظر: البحر الميط: 3/ 710.
(10)
صفوة التفاسير: 266.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (5608): ص 3/ 1001.
(12)
أخرجه ابن المنذر (1999): ص 2/ 791، وابن ابي حاتم (5609): ص 2/ 1002.
(13)
الوجيز: 274.
(14)
تفسير البغوي: 1/ 662.
(15)
تفسير النسفي: 1/ 373.
(16)
رواه البخاري في صحيحه برقم (7463، 7457) ومسلم في صحيحه برقم (1876) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(17)
تفسير ابن كثير: 2/ 358.
(18)
تفسير الطبري: 8/ 541.
يغزو فلا يصيب ولا يصاب، ولفظ الجهاد في سبيل الله يشمل هذه الأحوال، والأجر العظيم فسر بالجنة. والذي يظهر أنه مزيد ثواب من الله تعالى مثل كونهم أحياء عند ربهم يرزقون، لأن الجنة موعود دخولها بالإيمان. وكأن الذي فسره بالجنة ينظر إلى قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111]، الآية" (1).
عن عون، قال:"قيل لعمر بن الخطاب: إن مدرك بن عوف نشر نفسه يوم نهاوند، قال: قلت: يا أمير المؤمنين، ذاك خالي، وناس يزعمون أنه ألقى بيده إلى التهلكة، قال: فقال عمر: كذب أولئك، ولكنه من الذين اشتروا الآخرة بالدنيا "(2).
قرأ الجمهور: {نؤتيه} ، بالنون. وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرف:{يؤتيه} ، بالياء (3).
الفوائد:
1 -
مدح المجاهدين في سبيل الله، والثناء عليهم.
2 -
أنه من لطف الله بعباده أن لا يقطع عنهم رحمته، ولا يغلق عنهم أبوابها. بل من حصل منه غير ما يليق أمره ودعاه إلى جبر نقصه وتكميل نفسه، [ص: 187] فلهذا أمر هؤلاء بالإخلاص والخروج في سبيله فقال: {فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة} .
3 -
من أسماء يوم القيامة، اليوم الآخر، أو الآخرة، او الدار الآخرة، وسمى ذلك اليوم باليوم الآخر، لأنه اليوم الذي لا يوم بعده.
القرآن
التفسير:
وما الذي يمنعكم -أيها المؤمنون- عن الجهاد في سبيل نصرة دين الله، ونصرة عباده المستضعفين من الرجال والنساء والصغار الذين اعتُدي عليهم، ولا حيلة لهم ولا وسيلة لديهم إلا الاستغاثة بربهم، يدعونه قائلين: ربنا أخرجنا من هذه القرية -يعني «مكة» - التي ظَلَم أهلها أنفسهم بالكفر والمؤمنين بالأذى، واجعل لنا من عندك وليّاً يتولى أمورنا، ونصيرًا ينصرنا على الظالمين؟
في سبب نزول الآية:
أخرج عبد بن حميد من رواية سعيد عن قتادة: "كان بمكة رجال ونساء وولدان من المسلمين فأمر الله نبيه أن يقاتل حتى يستنقذهم"(4).
وأخرج من رواية أبي يونس القوي (5): " قلت لسعيد بن جبير في قوله: {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ}؟ قال: كان بمكة ناس مظلومون مقهورون"(6).
وأخرج ابن المنذر (7) وابن أبي حاتم (8)، عن مجاهد:" أمر المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفين مؤمنين كانوا بمكة"(9).
قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء: 75]، أي:" وما الذي يمنعكم -أيها المؤمنون- عن الجهاد في سبيل نصرة دين الله"(10).
قال الزجاج: " المعنى: أي شيء لكم تاركين القتال؟ "(11).
قال الثعلبي: " أي: تجاهدون في طاعة الله"(12).
(1) البحر الميط: 3/ 710.
(2)
أخرجه ابن المنذر (1998): ص 2/ 790.
(3)
انظر: البحر الميط: 3/ 710.
(4)
العجاب: 2/ 916.
(5)
هو الحسن بن يزيد بن فروخ الصخري
…
القوي، بفتح القاف وتخفيف الواو، مكي سكن الكوفة، ثقة. انظر: التقريب: 164.
(6)
العجاب: 2/ 916.
(7)
انظر: تفسير ابن المنذر (2001): ص 2/ 791.
(8)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5610): ص 3/ 1002.
(9)
تفسير ابن المنذر (2001): ص 2/ 791.
(10)
التفسير الميسر: 90.
(11)
معاني القرآن: 2/ 77.
(12)
تفسير الثعلبي: 3/ 344.
قوله تعالى: {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ} [النساء: 75]، أي:" وفي سبيل خلاص المستضعفين من إِخوانكم الذين صدَّهم المشركون عن الهجرة فبقوا مستذلين مستضعفين"(1).
قال الزجاج: " أي: ما لكم لا تسعون في خلاص هؤلاء؟ "(2).
قال الحسن: "يعني: وعن المستضعفين من أهل مكة من المسلمين"(3).
قال ابن زيد: ": وما لكم لا تفعلون؟ تقاتلون لهؤلاء الضعفاء المساكين"(4).
قال مجاهد: " أمر المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفين مؤمنين كانوا بمكة"(5).
عن ابن عباس: قوله " {والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان}، فهم أناس مسلمون كانوا بمكة لم يستطيعوا أن يخرجوا منها فيهاجروا، فعذرهم الله، فهم أولئك"(6). وروي عن عطاء نحو ذلك (7).
وقال ابن عباس ايضا: " كنت أنا وأمي من المستضعفين"(8). وفي حديث ابن أبي عمر زيادة: " {من الرجال والنساء والولدان}، فأنا من {الولدان}، وأمي من {النساء} "(9).
قوله تعالى: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا} [النساء: 75]، " أي: الذين يدعون ربهم لكشف الضُرّ عنهم قائلين: ربنا أخرجنا من هذه القرية -وهي مكة- التي ظَلَم أهلها أنفسهم بالكفر والمؤمنين بالأذى" (10).
قال ابن زيد: "الذين يدعون الله أن يخرجهم من هذه القرية الظالم أهلها، فهم ليس لهم قوة، فما لكم لا تقاتلون حتى يسلم الله هؤلاء ودينهم؟ و {القرية الظالم أهلها}، مكة"(11).
و{الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا} ، هي مكة. وهذا قول عائشة-رضي الله عنها (12)، وابن عباس من رواية ابن عطية عن أبيه (13)، ومجاهد (14)، والسدي (15). وهو قول جميع المفسرين (16).
قوله تعالى: {وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء: 75]، أي:" واجعل لنا من عندك وليّاً يتولى أمورنا، ونصيرًا ينصرنا على الظالمين"(17).
قال الزجاج: " أي: تولنا بنصرك وخلصنا من أهل مكة الظالم أهلها"(18).
عن الربيع بن أنس: " {من لدنك}، من عندك"(19). وروي عن السدي مثل ذلك (20).
عن مجاهد وعكرمة: " {واجعل لنا من لدنك نصيرا}، قالا: حجة ثابتة"(21).
قال الثعلبي: " أجاب الله دعاءهم. فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة جعل الله لهم النبي وليا فاستعمل عليها عتاب بن أسيد، فجعله الله لهم نصيرا وكان ينصف للضعيف من الشديد فنصرهم الله به وأعانهم وكانوا أعز بها من الظلمة قبل ذلك"(22).
الفوائد:
(1) صفوة التفاسير: 266.
(2)
معاني القرآن: 2/ 77.
(3)
تفسير ابن ابي زمنين: 1/ 387.
(4)
أخرجه الطبري (9950): ص 8/ 545 - 546.
(5)
أخرجه ابن ابي حاتم (5610): ص 3/ 1002.
(6)
أخرجه ابن ابي حاتم (5612): ص 3/ 1002.
(7)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5612): ص 3/ 1002.
(8)
أخرجه ابن ابي حاتم (5611): ص 3/ 1002.
(9)
أخرجه ابن ابي حاتم (5611): ص 3/ 1002.
(10)
انظر: صفوة التفاسير: 266، والتفسير الميسر:90.
(11)
أخرجه الطبري (9950): ص 8/ 545 - 546.
(12)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5614): ص 3/ 1002.
(13)
انظر: تفسير الطبري (9947): ص 8/ 544.
(14)
انظر: تفسير الطبري (9945): ص 8/ 544.
(15)
انظر: تفسير الطبري (9946): ص 8/ 544.
(16)
انظر: النكت والعيون: 1/ 506، معاني القرآن: 2/ 77.
(17)
التفسير الميسر: 90.
(18)
معاني القرآن: 2/ 77.
(19)
أخرجه ابن أبي حاتم (5616): ص 3/ 1003.
(20)
انظر: ابن أبي حاتم (5616): ص 3/ 1003.
(21)
أخرجه ابن أبي حاتم (5616): ص 3/ 1003.
(22)
تفسير الثعلبي: 3/ 345.
1 -
أن الإيمان اسم للخاص من العبادات لا للكل (1)، ودليله أن الله تعالى عاتبهم على صنيعهم ذلك وأعظم الوعيد في ذلك ولم يزل عنهم اسم الإيمان.
2 -
ان ردّ الاعتداء هو من اسباب القتال في الإسلام، وأن القرآن شرع القتال للدفاع عن المستضعفين في الأرض، بل حرض أبلغ التحريض على القتال ذوداً عن حرماتهم، ودرءاً للظلم عنهم، قال تعالى:{وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَان} ، أي: وكيف تقعدون عن القتال في سبيل الله واستنقاذ هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان؟ .
3 -
أهمية الدعاء، وأنه سلاح المؤمن، عن أبي هريرة- رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدعاء: سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السموات والأرض» (2).
قال الثعلبي: " وفي هذه الآية دليل على إبطال قول من زعم أن العبد لا يستفيد بالدعاء معنى، لأن الله تعالى حكى عنهم إنهم دعوه وأجابهم وآتاهم ما سألوه ولولا أنه أجابهم إلى دعائهم لما كان لذكر دعائهم معنى"(3).
4 -
يوصف الله عز وجل بأنه الناصر والنصير، وأنَّ النصر بيده، كما يوصف الله عز وجل بأنه وَلِيُّ الذين آمنوا ومولاهم.
القرآن
التفسير:
الذين صدَقُوا في إيمانهم اعتقادًا وعملا يجاهدون في سبيل نصرة الحق وأهله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل البغي والفساد في الأرض، فقاتلوا أيها المؤمنون أهل الكفر والشرك الذين يتولَّون الشيطان، ويطيعون أمره، إن تدبير الشيطان لأوليائه كان ضعيفًا.
قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء: 76]،
قال ابن كثير: " أي: المؤمنون يقاتلون في طاعة الله ورضوانه"(4).
قال الطبري: أي: " الذين صدقوا الله ورسوله، وأيقنوا بموعود الله لأهل الإيمان به {يقاتلون} في طاعة الله ومنهاج دينه وشريعته التي شرعها لعباده"(5).
قال مقاتل: " {في سبيل الله}، يعني: طاعة الله"(6).
قال ابن عباس: "يريد في طاعة الله "(7).
قال الواحدي: "وتأويل ذلك أنها تُؤدي إلى ثواب الله في جنته التي أعدها لأوليائه، فلذلك سُميت طاعة الله: سبيل الله.
وقيل: معنى {في سَبِيلِ اللَّهِ} : في دين الله الذي شرعه ليؤدي إلى ثوابه ورحمته، فيكون التقدير على هذا: في نصرة دين الله" (8).
قال التستري: " قال: المؤمنون خصماء الله على أنفسهم"(9).
قال الراغب: " المقاتل في سبيل الله يتناول المحارب بالسيف والمدافع عن الدين بالقول، والمنازع لهوى النفس ولوساوس الشيطان، ونبه أن من قاتل في سبيل الله فهو وليه"(10).
(1) انظر: التوحيد للماتريدي: 379.
(2)
أخرجه الحاكم (1/ 492)، وابن عدي في «الكامل» (6/ 2181)، وأبو يعلى (1/ 344) رقم (439) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح، ووافقه الذهبي، والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 150)، وقال: رواه أبو يعلى، وفيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد، وهو متروك.
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 345.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 358.
(5)
تفسير الطبري: 8/ 546.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 389.
(7)
ذكره الواحدي في التفسير البسيط/6/ 603. ولم اقف عليه، وغير منسوب في بحر العلوم: 1/ 368، وتفسير القرطبي: 5/ 280.
(8)
التفسير البسيط للواحدي: 6/ 603.
(9)
تفسير التستري: 54.
(10)
تفسير الراغب الاصفهاني: 3/ 1325 - 1326.
قال الزمخشري: " رغب الله المؤمنين ترغيبا وشجعهم تشجيعا بإخبارهم أنهم إنما يقاتلون في سبيل الله. فهو وليهم وناصرهم"(1).
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} [النساء: 76]،
قال ابن كثير: أي: " والكافرون يقاتلون في طاعة الشيطان"(2).
قال الطبري: أي: " والذين جحدوا وحدانية الله وكذبوا رسوله وما جاءهم به من عند ربهم {يقاتلون} في طاعة الشيطان وطريقه ومنهاجه الذي شرعه لأوليائه من أهل الكفر بالله"(3).
قال مقاتل: " {في سبيل الطاغوت}، يعني: في طاعة الشيطان"(4).
قال التستري: " والمنافقون خصماء النفوس على الله عز وجل، يبتدرون إلى السؤال ولا يرضون بما يختار الله لهم وهو سبيل الطاغوت، إذ النفس أكبر الطواغيت، إذا خلا العبد معها، قيل له عن المعصية"(5).
قال الزجاج: " الطاغوت الشيطان، وكل معبود من دون الله فهو طاغوت، والدليل على أن الطاغوت الشيطان قوله: {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 60] "(6).
قال الراغب: " الطاغوت عام في كل ما شغل عن الله، والمراد به وبالشيطان واحد"(7).
والقول بأن «الطاغوت» ههنا هو «الشيطان» ، قول عامة المفسرين (8).
قوله تعالى: {فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ} [النساء: 76]،
قال البغوي: " أي: حزبه وجنوده وهم الكفار"(9).
قال السمعاني: " أي: الكفار"(10).
قال ابن عباس: "يريد جند الأصنام"(11).
قال الطبري: " يقول الله، مقوِّيًا عزم المؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحرِّضهم على أعدائه وأعداء دينه من أهل الشرك به: {فقاتلوا} أيها المؤمنون، الذين يتولَّون الشيطان ويطيعون أمره، في خلاف طاعة الله، والتكذيب به"(12).
قال مقاتل: " {أولياء الشيطان}، يعني: المشركين بمكة"(13).
قال الزمخشري: أي: " وأعداء المؤمنين يقاتلون في سبيل الشيطان، فلا ولى لهم إلا الشيطان"(14).
قوله تعالى: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء: 76]،
قال مقاتل: " يعني: إن مكر الشيطان {ضعيفا}، يعني: واهنا، كقوله- سبحانه-: {مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} (15)، يعني: مضعف كيد الكافرين. فسار النبي- صلى الله عليه وسلم إلى مكة ففتحها وجعل الله- عز وجل للمستضعفين مخرجا"(16).
قال البغوي: " أي مكره كان ضعيفا، كما فعل يوم بدر لما رأى الملائكة خاف أن يأخذوه فهرب وخذلهم"(17).
قال ابن عباس: "يعني: خذلانه إياهم يوم بدر، قتلوا ببدر"(18).
قال الطبري: " يعني بـ «كيد الشيطان»: ما كاد به المؤمنين، من تحزيبه أولياءه من الكفار بالله على رسوله وأوليائه أهل الإيمان به. يقول: فلا تهابوا أولياء الشيطان، فإنما هم حزبه وأنصاره، وحزب الشيطان أهل وَهَن وضعف"(19).
قال السمعاني: " قيل: {كان ضعيفا}، بمعنى: أنه لا يرد أحدا عن الإسلام والهداية، وقيل: أراد به أن كيده كان ضعيفا يوم بدر، حين رأى الملائكة، وخاف أن يأخذوه، فهرب، فكيده ضعيف بأحد هذين المعنيين"(20).
قال الزمخشري: أي: " وكيد الشيطان للمؤمنين إلى جنب كيد الله للكافرين أضعف شيء وأوهنه"(21).
قال البيضاوي: " لما ذكر مقصد الفريقين أمر أولياءه أن يقاتلوا أولياء الشيطان ثم شجعهم بقوله: إن كيد الشيطان كان ضعيفا أي إن كيده للمؤمنين بالإضافة إلى كيد الله سبحانه وتعالى للكافرين، ضعيف لا يؤبه به فلا تخافوا أولياءه، فإن اعتمادهم على أضعف شيء وأوهنه"(22).
قال الواحدي: " معنى الكيد: السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال، يقال: كاده يكيده كيدًا، إذا عمل في إيقاع الضرر به على جهة الحيلة عليه"(23).
وفائدة إدخال كان في قوله: {كانَ ضَعِيفًا} ، "التأكيد لضعف كيده، وذلك أنَّ كان يدلُّ على لزوم الضعف كيده، خلاف العارض الذي لم يكن ثم كان، وكيده مما يلزمه صفة الضعف، وليس عارضة فيه، بدلالة كان على هذا المعنى"(24).
قال الراغب: " ونبه بقوله {إن كيد الشيطان كان ضعيفا}، على ضعف أوليائه، ووصف كيده بالضعف إذ لا بطش له، وإنما سلطانه بين باطل، ولضعفه في الحقيقة قال تعالى حاكيا عنه: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} [إبراهيم: 22]، الآية"(25).
الفوائد:
1 -
أن الشيطان يدفع أولياءَه ويجندهم إلى حرب المسلمين وقتالهم، قال تعالى:{والَّذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت} .
2 -
أن كل ما عبد من دون الله، فهو طاغوت. ولا تنفع عبادة الله إلا بشرط اجتناب عبادة ما سواه.
3 -
أن الجن والشياطين كالإنس فيهم جوانب قوة، وجوانب ضعف، قال تعالى:{إنَّ كيد الشَّيطان كان ضعيفاً} ، لأن كيد إبليس تسويل بلا حجة والحجج ترده، ولهذا كان ضعيفا، فلما مالت الطباع إليه آثر وفعل.
القرآن
التفسير:
ألم تعلم -أيها الرسول- أمر أولئك الذين قيل لهم قبل الإذن بالجهاد: امنعوا أيديكم عن قتال أعدائكم من المشركين، وعليكم أداء ما فرضه الله عليكم من الصلاة، والزكاة، فلما فرض عليهم القتال إذا جماعة منهم قد تغير حالهم، فأصبحوا يخافون الناس ويرهبونهم، كخوفهم من الله أو أشد، ويعلنون عما اعتراهم من شدة الخوف، فيقولون: ربنا لِمَ أَوْجَبْتَ علينا القتال؟ هلا أمهلتنا إلى وقت قريب، رغبة منهم في متاع الحياة الدنيا، قل لهم -أيها الرسول-: متاع الدنيا قليل، والآخرة وما فيها أعظم وأبقى لمن اتقى، فعمل بما أُمر به، واجتنب ما نُهي عنه. لا يظلم ربك أحدًا شيئًا، ولو كان مقدار الخيط الذي يكون في شق نَواة التمرة.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: أخرج الطبري (26)، والنسائي (27)، والفاكهي (28)، والحسن بن سفيان (29)، وابن أبي حاتم (30)، والحاكم (31)، والواحدي (32)، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي
(1) الكشاف: 1/ 535.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 358.
(3)
تفسير الطبري: 8/ 546.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 389.
(5)
تفسير التستري: 54.
(6)
معاني القرىن: 2/ 78.
(7)
تفسير الراغب الاصفهاني: 3/ 1326.
(8)
انظر: تفسير الطبري 8/ 546، وتفسير الهواري: 1/ 399، وبحر العلوم: 1/ 368، والكشف والبيان: 3/ 345، ومعالم التنزيل: 2/ 250، وزاد المسير: 2/ 133.
(9)
تفسير البغوي: 1/ 663.
(10)
تفسير السمعاني: 1/ 448.
(11)
تنوير المقباس بهامش المصحف: 90.
(12)
تفسير الطبري: 8/ 546.
(13)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 389.
(14)
الكشاف: 1/ 535.
(15)
[سورة الأنفال: 18].
(16)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 389.
(17)
تفسير البغوي: 1/ 663.
(18)
تنوير المقباس بهامش المصحف: 90.
(19)
تفسير الطبري: 8/ 547.
(20)
تفسير السمعاني: 1/ 448.
(21)
الكشاف: 1/ 535.
(22)
تفسير البيضاوي: 2/ 85.
(23)
التفسير البسيط: 6/ 604.
(24)
التفسير البسيط للواحدي: 6/ 605.
(25)
تفسير الراغب الاصفهاني: 3/ 1326.
(26)
انظر: تفسير الطبري (9952): ص 8/ 549.
(27)
في "المجتبى"(6/ 2، 3)، وفي "الكبرى"(3/ 3 رقم 4293، 6/ 325 رقم 11112).
(28)
في أخبار مكة، كما في العجاب: 2/ 917.
(29)
انظر: العجاب: 2/ 917.
(30)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5630): ص 3/ 1005.
(31)
في "المستدرك"(2/ 67 رقم 307) -وعنه البيهقي في "السنن الكبرى"(9/ 11).
(32)
انظر: أسباب النزول: 167.
صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، كنا في عِزّ ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذِلة! فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا. فلما حوَّله الله إلى المدينة، أمر بالقتال فكفوا، فأنزل الله تبارك وتعالى:" ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم "، الآية" (1). وروي عن قتادة (2)، والسدي نحو ذلك (3).
وفي السياق نفسه ذكر الواحدي عن الكلبي، قال:" نزلت هذه الآية في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن الأسود وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص كانوا يلقون من المشركين أذى كثيرا ويقولون: يا رسول الله ائذن لنا في قتال هؤلاء، فيقول لهم: «كفوا أيديكم عنهم فإني لم أؤمر بقتالهم»، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأمرهم الله تعالى بقتال المشركين كرهه بعضهم وشق عليهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية"(4).
وفي السياق نفسه قال مقاتل: "نزلت في عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص- رضي الله عنهما وهما من بني زهرة وقدامة بن مظعون الجمحي والمقداد بن الأسود الكندي- رضي الله عنهم وذلك أنهم استأذنوا في قتال كفار مكة سرا، مما كانوا يلقون منهم من الأذى فقال النبي- صلى الله عليه وسلم: «مهلا كفوا أيديكم عن قتالهم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فإني لم أومر بقتالهم»، فلما هاجر النبي- صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أمر الله- عز وجل بالقتال فكره بعضهم فذلك قوله- عز وجل: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ}، يعني: فرض القتال بالمدينة، {إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ}: نزلت في طلحة بن عبيد الله- رضي الله عنه (5)، {يَخْشَوْنَ النَّاسَ}، يعني كفار مكة، {كَخَشْيَةِ اللَّهِ}، فلا يقاتلونهم، {أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً}، وقالوا: وهو الذي قال: {رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ} "(6).
الثاني: أن هذه الآية وآيات بعدها، نزلت في اليهود. وهذا قول ابن عباس (7) ومجاهد (8).
أخرج الطبري عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:" {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ}، إلى قوله: {لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} (9)، ما بين ذلك في اليهود"(10).
والثالث: أنها نزلت في المنافقين، وهو قول بعض البصريين (11).
والرابع: أنها من صفة المؤمن لما طُبعَ عليه البشر من المخافة، وهذا قول الحسن (12).
قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ} [النساء: 77]، أي:" ألم تعلم -أيها الرسول- أمر أولئك الذين قيل لهم قبل الإذن بالجهاد: امنعوا أيديكم عن قتال أعدائكم من المشركين"(13).
قال الزمخشري: " أى: كفوها عن القتال، وذلك أن المسلمين كانوا مكفوفين عن مقاتلة الكفار ما داموا بمكة، وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم فيه "(14).
(1) تفسير الطبري (9952): ص 8/ 549.
(2)
انظر: تفسير الطبري (9953): ص 8/ 549 - 550.
(3)
انظر: تفسير الطبري (9954): ص 8/ 550، وتفسير ابن ابي حاتم (5619): ص 3/ 1003. وهذا سند صحيح؛ رجاله ثقات رجال مسلم. وصححه الإمام الألباني رحمه الله في "صحيح سنن النسائي"(رقم 2891).
(4)
اسباب النزول: 166 - 167.
(5)
قال ابن حجر: " ولعله كان ممن قال ذلك أولا، وأما الفريق {وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ}، فاللائق أنهم ممن لم يرسخ الإيمان في قلبه وطلحة كان من الراسخين". [العجاب: 2/ 918]. وانظر ترجمته في الإصابة: 2/ 229 - 230.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 389 - 390.
(7)
انظر: تفسير الطبري (9956): ص 8/ 550، وتفسير ابن ابي حاتم (5633): ص 3/ 1006. وهو ضعيف جداً؛ إسناده مسلسل بالعوفيين.
(8)
انظر: تفسير الطبري (9955): ص 8/ 550، وتفسير ابن ابي حاتم (5619): ص 3/ 1003. وهو مرسل صحيح.
(9)
[سورة النساء: 83].
(10)
تفسير الطبري (9955): ص 8/ 550.
(11)
انظر: النكت والعيون: 1/ 507.
(12)
انظر: النكت والعيون: 1/ 507.
(13)
التفسير الميسر: 90.
(14)
الكشاف: 1/ 535.
قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [النساء: 77]، أي:" وعليكم أداء ما فرضه الله عليكم من الصلاة، والزكاة"(1).
عن الحسن في قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} ، قال:"فريضة واجبة لا تنفع الأعمال إلا بها وبالزكاة"(2). وروي عن عطاء بن أبي رباح، وقتادة نحو ذلك (3).
قال عبد الرحمن بن نمر: "سألت الزهري عن قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}، قال الزهري: إقامتها: أن يصلي الصلوات الخمس لوقتها"(4).
وعن ابن عباس: " {وَآتُوا الزَّكَاةَ}، يعني: بالزكاة طاعة الله والإخلاص"(5).
عن ابن عباس ايضا: في قوله: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} ، قال:"ما يوجب الزكاة؟ قال: مائتين فصاعدا"(6).
وعن عكرمة: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} ، قال:"زكاة المال من كل مائتي درهم خمسة دراهم"(7).
وعن الحسن في قوله: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} ، قال:"فريضة واجبة، لا تنفع الأعمال إلا بها مع الصلاة"(8). وروي عن قتادة نحو ذلك (9).
وعن الحارث العكلي في قوله: وآتوا الزكاة قال: صدقة الفطر" (10).
قوله تعالى: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} [النساء: 77]، أي:" فلما فرض عليهم القتال إذا جماعة منهم قد تغير حالهم، فأصبحوا يخافون الناس ويرهبونهم، كخوفهم من الله أو أشد"(11).
قال سعيد بن جبير: " {كتب}، يعني: فرض"(12).
قال الزمخشري: أى: "فلما كتب عليهم القتال بالمدينة كع فريق منهم (13) لا شكّا في الدين ولا رغبة عنه، ولكن نفورا عن الإخطار بالأرواح وخوفا من الموت"(14).
قوله تعالى: {وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ} [النساء: 77]، "أي: وقالوا جزعاً من الموت ربنا لم فرضت علينا القتال؟ " (15).
قال أبو عبيدة: " لم فرضته علينا؟ "(16).
قوله تعالى: {لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} [النساء: 77]، أي:" هلا أمهلتنا إلى وقت قريب"(17).
قال السدي: "وهو الموت"(18).
قال ابن جريج: " أي: إلى أن نموت موتا، الأجل القريب "(19).
قال أبو عبيدة: " معناها: هلا أخرتنا إلى أجل قريب "(20).
قال مقاتل: " هلا تركتنا حتى نموت موتا وعافيتنا من القتل"(21).
(1) التفسير الميسر: 90.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (5621): س 3/ 1004.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5622): ص 3/ 1004.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (5622): س 3/ 1004.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (5624): س 3/ 1004.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (5625): س 3/ 1004.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (5626): س 3/ 1004.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (5627): س 3/ 1005.
(9)
نظر: تفسير ابن أبي حاتم (5627): س 3/ 1005.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (5629): س 3/ 1005.
(11)
التفسير الميسر: 90.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (5632): ص 3/ 1005.
(13)
قوله «كع فريق منهم» أى جبن. أفاده الصحاح. (ع).
(14)
الكشاف: 1/ 535.
(15)
صفوة التفاسير: 267.
(16)
أخرجه ابن المنذر (2008): ص 2/ 794.
(17)
التفسير الميسر: 90.
(18)
أخرجه ابن ابي حاتم (5634): ص 3/ 1006.
(19)
أخرجه ابن المنذر (2009): ص 2/ 795.
(20)
أخرجه ابن المنذر (2010): ص 2/ 795.
(21)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 390.
قال الزمخشري: " استزادة في مدة الكف، واستمهال إلى وقت آخر، كقوله: {لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ} (1) "(2).
قوله تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} [النساء: 77]، "أي: قل لهم -يا محمد-: إِن نعيم الدنيا قليل" (3).
قال مقاتل: " تتمتعون فيها يسيرا"(4).
عن هشام قال: "قرأ الحسن: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ}، قال: رحم الله عبدا صحبها على حسب ذلك، ما الدنيا كلها من أولها إلى آخرها إلا كرجل نام نومة فرأى في منامه بعض ما يحب، ثم انتبه"(5).
قال ميمون بن مهران: " الدنيا قليل، وقد مضى القليل وبقي قليل من قليل"(6).
قال سهل التستري: " الدنيا كلها جهل إلا موضع العلم، العلم كله حجة إلا موضع العمل به، والعمل كله هباء إلا موضع الإخلاص، والإخلاص لا يتم إلا بالسنة. ثم قال: دنياك نفسك، فإذا أفنيتها فلا دنيا لك"(7).
قوله تعالى: {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى} [النساء: 77]، أي:" ونعيم الآخرة باقٍ فهو خير من ذلك المتاع الفاني لمن اتقى الله فعمل بما أُمر به، واجتنب ما نُهي عنه"(8).
قال مقاتل: " يعني: الجنة أفضل من الدنيا"(9).
عن ابن عباس: "قوله: {لِمَنِ اتَّقَى}، يقول: اتقى معاصي الله"(10).
وعن أبي العالية: " أما قوله: {لِمَنِ اتَّقَى}، يقول: لمن اتقى فيما بقي"(11).
قوله تعالى: {وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء: 77]، أي:" لا يظلم ربك أحدًا شيئًا، ولو كان مقدار الخيط الذي يكون في شق نَواة التمرة"(12).
قال الطبري: "يعني: ولا ينقصكم الله من أجور أعمالكم فتيلا"(13).
قال الزمخشري: أي: " ولا تنقصون أدنى شيء من أجوركم على مشاق القتال فلا ترغبوا عنه"(14).
وفي تفسير قوله تعالى: {وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء: 77]، وجهان:
أحدهما: أي الفتيل الذي شق النواة، وهو قول عطاء (15)، وقتادة (16)، ومجاهد (17)، والضحاك (18)، وابن زيد (19)، وعطية العوفي (20)، وخصيف (21)، وأبو عبيدة (22)، والحسن (23)، وأحد قولي ابن عباس (24).
والثاني: أنه ما انفتل بين الأصابع من الوسخ، وهذا قول السدي (25)، وأبي مالك (26)، وأحد قولي ابن عباس (27).
(1)[سورة المنافقون: 10].
(2)
الكشاف: 1/ 536.
(3)
صفوة التفاسير: 267.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 390.
(5)
أخرجه ابن ابي حاتم (5635): ص 3/ 1006.
(6)
أخرجه ابن ابي حاتم (5636): ص 3/ 1006.
(7)
تفسير التستري: 54.
(8)
صفوة التفاسير: 267، والتفسير الميسر:90.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 390.
(10)
أخرجه ابن ابي حاتم (5637): ص 3/ 1006.
(11)
أخرجه ابن ابي حاتم (5638): ص 3/ 1006.
(12)
التفسير الميسر: 90.
(13)
تفسير الطبري: 8/ 551.
(14)
الكشاف: 1/ 536.
(15)
انظر: تفسير الطبري (9753): ص 8/ 458.
(16)
انظر: تفسير الطبري (9756): ص 8/ 459.
(17)
انظر: تفسير الطبري (9755)، و (9756): ص 8/ 458.
(18)
انظر: تفسير الطبري (9758): ص 8/ 459.
(19)
انظر: تفسير الطبري (9759): ص 8/ 459.
(20)
انظر: تفسير الطبري (9762): ص 8/ 459.
(21)
انظر: تفسير الطبري (9762): ص 8/ 459.
(22)
انظر: تفسير ابن المنذر (1864): ص 2/ 741.
(23)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5436): ص 3/ 973.
(24)
انظر: تفسير الطبري (9752): ص 8/ 458.
(25)
انظر: تفسير الطبري (9750): ص 8/ 458.
(26)
انظر: تفسير الطبري (9749): ص 8/ 457 - 458.
(27)
انظر: تفسير الطبري (9745) - (9748): ص 8/ 456 - 458، و (9751): ص 8/ 458.
قال الطبري: " إنما قصد بقوله: {ولا يظلمون فتيلا}، الخبرَ عن أنه لا يظلم عبادَه أقلَّ الأشياء التي لا خطر لها، فكيف بما له خطر؟ وكان الوسخ الذي يخرج من بين إصبعي الرجل أو من بين كفيه إذا فتل إحداهما على الأخرى، كالذي هو في شق النواة وبطنها، وما أشبه ذلك من الأشياء التي هي مفتولة، مما لا خطر له، ولا قيمة، فواجبٌ أن يكون كل ذلك داخلا في معنى «الفتيل»، إلا أن يخرج شيئًا من ذلك ما يجب التسليم له، مما دل عليه ظاهر التنزيل"(1).
قال ابن السكيت: "القطمير: القشرة الرقيقة على النواة، والفتيل: ما كان في شق النواة، والنقير: النكتة في ظهر النواة"(2).
قال الأزهري: "وهذه الأشياء كلها تضرب أمثالا للشيء التافه الحقير القدر، أي: لا يظلمون قدرها، قال النابغة (3):
يَجْمَعُ الْجَيْشَ ذَا الْأُلُوفِ وَيَغْزُو
…
ثُمَّ يَرْزَأُ الْعَدُوَّ فَتِيلًا" (4)
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: {ولا يظلمون} ، بالياء، وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر {تظلمون} بالتاء (5).
الفوائد:
1 -
إن الأصل أن دمّ الآدمي معصوم وكان دم الكافر في أول الإسلام معصوماً بالعصمة الأصلية وبمنع الله المؤمنين من قتله قال تعالى: - {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم} ، ولقوله صلى الله عليه وسلم: - (لم أُؤْمر بالقتل بعد) وكدم القبطي الذي قتله موسى عليه السلام ودم الكفار الذين لم تبلغهم الدعوة في زماننا فإن موسى عليه السلام عدّ ذلك ذنباً في الدنيا والآخرة ولأن بلوغ الدعوة استتابة عامة من كل كفر.
2 -
أنه من شرط الجهاد أن يكون بالمسلمين قوة يقوون بها على جهاد الكفار، أي: عندهم عدة واستعداد لجهاد الكفار، فإذا لم يكونوا على استعداد؛ كأن يكون فيهم ضعف والكفار أقوى منهم، فلو قاتل المسلمون الكفار لأبيدت خضراء المسلمين، فلا يجوز القتال في هذه الحالة؛ لأن هذا يلزم عليه مفسدة أكبر من المصلحة، وهي تسلط الكفار على المسلمين؛ ولهذا فالنبي صلى الله عليه وسلم بقي في مكة ثلاثة عشر عاما مقتصرا على الدعوة إلى الله، والمسلمون يؤذون ويضايقون ولم يؤمر بالجهاد، بل الله أمرهم بالصبر وكف الأيدي حتى يأذن الله - جل وعلا - لهم بالجهاد:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [النساء: 77].
3 -
أن القرآن يرشادنا إلى الإيمان الذي لا ينفك عن الجهاد، بل إن الجهاد تطبيق عملي له، ويحمل حملة عنيفة عن أولئك الذين يريدون أن يحققوا لأنفسهم، أو لأمتهم أمجادا رخيصة سهلة عن طريق رفع الأصوات وكثرة الادعاءات، إن هذا الصنف من الناس وجد في الأمة الإسلامية، ولكن كشفهم القرآن ليكونوا عبرة لمن يسلك سبيلهم كان هذا الصنف يتمنى أن يأذن الله له في القتال قبل مجيء أوانه فلما كتب عليهم القتال أصبحوا يخشون الأعداء أكثر مما يخشون الله.
4 -
وقد استدل البعض بقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} ، على عدم رفع اليدين في الصلاة غير تكبيرة الإحرام (6)، وهذا تحريف.
5 -
أن الخوف من الله تعالى جده وحده، فمن خاف غيره فإنما صرف إليه حقا من حقوق ربه (7).
6 -
أن الدنيا فانية مفروغ منها والأمر أسرع من ذلك، وقد صور لنا الرسول صلى الله عليه وسلم قلة متاع الدنيا بالنسبة إلى نعيم الآخرة بمثال ضربه فقال: "والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه
(1) تفسير الطبري: 8/ 459 - 460.
(2)
التفسير الوسيط للواحدي: 2/ 61.
(3)
البيت للنابغة الذبياني في ديوانه 170، والشعر والشعراء 76 (ليدن)، 71 (شاكر)، وبلا نسبة في المقاييس 4/ 472، والمخصص 13/ 254.
(4)
التفسير الوسيط للواحدي: 2/ 61.
(5)
انظر: السبعة: 235 الكشاف: 1/ 536.
(6)
انظر: موسوعة الفرق المنسبة للإسلام: 8/ 500.
(7)
انظر: المنهاج في شعب الإيمان: 1/ 515.
هذه - وأشار بالسبابة - في اليم، فلينظر بم ترجع" (1). ما الذي تأخذه الإصبع إذا غمست في البحر الخضم، إنها لا تأخذ منه قطرة. هذا هو نسبة الدنيا إلى الآخرة.
7 -
أخبر الله - تعالى - أنه حرم الظلم على نفسه، فقال:{ولا تظلمون فتيلا} [النساء: 77]، وقال:{ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49] وقال: {وما ربك بظلام للعبيد} [فصلت: 46]، كما قال على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم:«يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي» (2).
وقد اتفق المسلمون على أن الله منزه عن الظلم، ولكن تنازعوا في معناه الذي يجب تنزيه الرب عنه على ثلاثة أقوال (3):
الأول: قول المعتزلة، فقد ذهبوا إلى أن الظلم الذي ينزه عنه الخالق من جنس الظلم الذي ينهى عنه المخلوق، فشبهوا الله بخلقه، وأوجبوا عليه جنس ما يجب على المخلوق.
الثاني: قول الأشاعرة وطوائف من أهل الكلام وبعض أهل الحديث: إن الظلم من الله تعالى ممتنع لذاته، لأن الظلم -عندهم-: التصرف في ملك الغير، أو الخروج عن طاعة من تجب طاعته، وهذان ممتنعان في حق الله تعالى.
الثالث: قول كثير من أهل السنة وبعض أهل الكلام: إن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، فالظلم ممكن لذاته، يمتنع وقوعه من الرب تعالى ولا يفعله؛ لكمال عدله ورحمته وغناه، وعلمه بقبحه، ولإخباره أنه لا يفعله، فالله تعالى لا يضع الأشياء في غير مواضعها، كأن يبخس المحسن شيئًا من إحسانه، أو يحمل عليه من سيئات غيره، أو يعاقبه بلا موجب للعقاب، ونحو ذلك، وهذا القول هو الحق الذي دلت عليه النصوص واللغة. والله اعلم.
القرآن
التفسير:
أينما تكونوا يلحقكم الموت في أي مكان كنتم فيه عند حلول آجالكم، ولو كنتم في حصون منيعة بعيدة عن ساحة المعارك والقتال. وإن يحصل لهم ما يسرُّهم من متاع هذه الحياة، ينسبوا حصوله إلى الله تعالى، وإن يقع عليهم ما يكرهونه ينسبوه إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم جهالة وتشاؤمًا، وما علموا أن ذلك كله من عند الله وحده، بقضائه وقدره، فما بالهم لا يقاربون فَهْمَ أيِّ حديث تحدثهم به؟
في سبب نزول الآية قولان:
أحدهما: قال الواحدي: " قال ابن عباس في رواية أبي صالح: "لما استشهد الله من المسلمين من استشهد يوم "أحد" قال المنافقون الذين تخلفوا عن الجهاد: لو كان إخواننا الذين قتلوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (4).
والثاني: أخرج الطبري (5)، وابن ابي حاتم (6)، عن عن مجاهد قال: "كان فيمن كان قبلكم امرأة، وكان لها أجيرٌ، فولدت جارية. فقالت لأجيرها: اقتبس لنا نارًا، فخرج فوجد بالباب رجلا فقال له الرجل: ما ولدت هذه المرأة؟ قال: جارية. قال: أما إنّ هذه الجارية لا تموت حتى تبغي بمئة، ويتزوجها أجيرها، ويكون موتها بالعنكبوت. قال: فقال الأجير في نفسه: فأنا أريد هذه بعد أن تفجر بمئة! ! فأخذ شفرة فدخل فشق بطن الصبية. وعولجت فبرِئت، فشبَّت، وكانت تبغي، فأتت ساحلا من سواحل البحر، فأقامت عليه تبغي. ولبث الرجل ما شاء الله، ثم قدم ذلك الساحل ومعه مال كثير، فقال لامرأة من أهل الساحل: ابغيني امرأة من أجمل امرأة في القرية أتزوجها! فقالت: ههنا امرأة من أجمل الناس، ولكنها تبغي. قال: ائتيني بها. فأتتها
(1) رواه مسلم: (2858).
(2)
رواه مسلم (2577) كتاب البر والصلة، باب: تحريم الظلم، وأحمد في "المسند" 5/ 160.
(3)
انظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 8/ 505 - 510، 17/ 175 - 180، 18/ 137 - 156، و"مختصر الصواعق المرسلة" ص 189 - 206، و"غاية المرام في علم الكلام" ص 244، 245، و"لسان العرب"(ظلم) 5/ 2757.
(4)
أسباب النزول: 167. وأورده الحافظ في العجاب: 2/ 919، من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. إسناده مختلق مصنوع.
(5)
انظر: تفسير الطبري (9958): ص 8/ 551 - 552.
(6)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5640): ص 3/ 100 - 1008.
فقالت: قد قدم رجل له مال كثير، وقد قال لي: كذا. فقلت له: كذا. فقالت: إني قد تركت البغاء، ولكن إن أراد تزوَّجته! قال: فتزوجها، فوقعت منه موقعًا. فبينا هو يومًا عندها إذ أخبرها بأمره، فقالت: أنا تلك الجارية! وأرته الشق في بطنها وقد كنت أبغي، فما أدري بمئة أو أقل أو أكثر! قال: فإنّه قال لي: يكون موتها بعنكبوت. قال: فبنى لها برجًا بالصحراء وشيده. فبينما هما يومًا في ذلك البرج، إذا عنكبوت في السقف، فقالت: هذا يقتلني؟ لا يقتله أحد غيري! فحركته فسقط، فأتته فوضعت إبهام رجلها عليه فشدَخَتْه، وساحَ سمه بين ظفرها واللحم، فاسودت رجلها فماتت. فنزلت هذه الآية:{أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} " (1).
وأما الأثر الثاني: فلا يصلح أن يكون قولا آخر، لأن السياق يأباه، وإنما هو كما سماه ابن كثير رحمه الله:"حكاية"(2)، أي: عمن مضى. والله أعلم.
قوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء: 78]، "أي: في أي مكانٍ وجدتم فلا بدّ أن يدرككم الموت عند انتهاء الأجل ويفاجئكم ولو تحصنتم منه بالحصون المنيعة" (3).
قال الزمخشري: أي: " أينما تكونوا في ملاحم حروب أو غيرها، والبروج: الحصون"(4).
وفي «البروج» ها هنا، أربعة أقوال:
أحدها: أنها القصور، وهو قول مجاهد (5)، وقتادة (6)، وابن جريج (7). وهو قول الجمهور (8).
والثاني: أنها قصور في السماء بأعيانها تسمى بهذا الاسم، وهو قول أبي العالية (9)، والسدي (10)، والربيع (11)، وأبي مالك (12).
والثالث: أنها البيوت التي في الحصون وهو قول بعض البصريين (13).
والرابع: أن قوله: {بروج مشيدة} ، معناه:" في قصور من حديد". حكاه النقاش عن ابن عباس (14). وضعفه ابن عطية (15).
قال ابن عطية: " فالأكثر والأصح أنه أراد البروج والحصون التي في الأرض المبنية، لأنها غاية البشر في التحصن والمنعة، فمثل الله لهم بها"(16).
وفي معنى «المُشّيَّدَةِ» ، أقوال:
أحدها: المجصصة، والشيد الجص، وهذا قول عكرمة (17)، وبعض البصريين (18).
والثاني: الحصينة. وهذا قول الضحاك (19)، وأبي مالك (20).
والثالث: أن المُشّيَّدَ المطول في الارتفاع، يقال شاد الرجل بناءه وأشاده إذا رفعه، ومنه أَشدت بذِكِرْ الرجل إذا رَفَعْتَ منه، وهذا قول الزجاج (21).
(1) تفسير الطبري (9958): ص 8/ 551 - 552. وهو مرسل ضعيف.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 361.
(3)
صفوة التفاسير: 1/ 267.
(4)
الكشاف: 1/ 538.
(5)
انظر: تفسير الطبري (9958): ص 8/ 552 - 553.
(6)
انظر: تفسير الطبري (9957): ص 8/ 552.
(7)
انظر: تفسير الطبري (9959): ص 8/ 553.
(8)
انظر: المحرر الوجيز: 2/ 80.
(9)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5641): ص 3/ 1008.
(10)
انظر: تفسير الطبري (9960): ص 8/ 553.
(11)
انظر: تفسير الطبري (9961): ص 8/ 553.
(12)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5641): ص 3/ 1008.
(13)
انظر: النكت والعيون: 1/ 508.
(14)
انظر: المحرر الوجيز: 2/ 80.
(15)
انظر: المحرر الوجيز: 2/ 81، وقال:" وهذا لا يعطيه اللفظ، وإنما البروج في القرآن إذا وردت مقترنة بذكر السماء بروج المنازل للقمر وغيره على ما سمتها العرب وعرفتها، وبرج معناه ظهر، ومنه البروج أي المطولة الظاهرة، ومنه تبرج المرأة".
(16)
المحرر الوجيز: 2/ 80.
(17)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5644): ص 3/ 1008.
(18)
انظر: النكت والعيون: 1/ 509.
(19)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5642): ص 3/ 1008.
(20)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5642): ص 3/ 1008.
(21)
انظر: معاني القرآن: 2/ 79.
والرابع: أن المُشّيَّد، بالتشديد: المُطَّول، وبالتخفيف: المجصَّص (1).
قال البيضاوي: قوله {في بروج مشيدةؤ، أي:" في قصور أو حصون مرتفعة، والبروج في الأصل بيوت على أطراف القصور، من تبرجت المرأة إذا ظهرت"(2).
وقرئ: {يدرككم} ، بالرفع، وقيل: هو على حذف الفاء (3).
وقرئ: {مشيدة} ، من شاد القصر إذا رفعه أو طلاه بالشيد وهو الجص. وقرأ نعيم بن ميسرة {مشيدة} ، بكسر الياء وصفا لها بفعل فاعلها مجازا كما قالوا: قصيدة شاعرة، وإنما الشاعر فارضها (4).
قوله تعالى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النساء: 78]، أي:" وإن يحصل لهم ما يسرُّهم من متاع هذه الحياة، ينسبوا حصوله إلى الله تعالى"(5).
قال أبو العالية: " هذه في السراء"(6).
قال السدي: " والحسنة: الخصب، تنتج خيولهم وأنعامهم ومواشيهم وتحسن حالهم، وتلد نساؤهم الغلمان. قالوا: هذه من عند الله"(7).
قال الطبري: أي: " وإن ينلهم رخاء وظفر وفتح ويصيبوا غنيمة، [يقولوا هذه]: من قبل الله ومن تقديره"(8).
قال الزمخشري: " المعنى: وإن تصبهم نعمة من خصب ورخاء نسبوها إلى الله"(9).
قال ابن عطية: أي: " وإن تصب هؤلاء المنافقين حسنة من هزم عدو أو غنيمة أو غير ذلك رأوا أن ذلك بالاتفاق من صنع الله، لا أنه ببركة اتباعك والإيمان بك"(10).
قوله تعالى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ} [النساء: 78]، أي:" وإن يقع عليهم ما يكرهونه ينسبوه إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم جهالة وتشاؤمًا"(11).
قال أبو العالية: " فهذه في الضراء"(12).
قال ابن عطية: " أي هزيمة أو شدة جوع وغير ذلك، قالوا: هذه بسببك، لسوء تدبيرك، وقيل لشؤمك علينا"(13).
قال الطبري: أي: " وإن تنلهم شدة من عيش وهزيمة من عدو وجراح وألم، يقولوا لك يا محمد: {هذه من عندك}، بخطئك التدبير، وإنما هذا خبر من الله تعالى ذكره عن الذين قال فيهم لنبيه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ} (14) "(15).
قال الزمخشري: أي: " وإن تصبهم بلية من قحط وشدة أضافوها إليك، وقالوا: هي من عندك، وما كانت إلا بشؤمك، كما حكى الله عن قوم موسى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} [الأعراف: 131]، وعن قوم صالح: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ} [النمل: 47]، وروى عن اليهود- لعنت- أنها تشاءمت برسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: منذ دخل المدينة نقصت ثمارها وغلت أسعارها، فرد الله عليهم قل كل من عند الله يبسط الأرزاق ويقبضها على حسب المصالح"(16).
(1) انظر: تفسير الطبري: 8/ 554، والنكت والعيون: 1/ 509.
(2)
تفسير البيضاوي: 2/ 85.
(3)
انظر: الكشاف: 1/ 537.
(4)
انظر: الكشاف: 1/ 538.
(5)
التفسير الميسر: 267.
(6)
أخرجه ابن ابي حاتم (5645): ص 3/ 1008.
(7)
أخرجه ابن ابي حاتم (5646): ص 3/ 1008.
(8)
تفسير الطبري: 8/ 555.
(9)
الكشاف: 1/ 538.
(10)
المحرر الوجيز: 2/ 81.
(11)
التفسير الميسر: 267.
(12)
أخرجه ابن ابي حاتم (5647): ص 3/ 1009.
(13)
المحرر الوجيز: 2/ 81.
(14)
[سورة النساء: 77].
(15)
تفسير الطبري: 8/ 555.
(16)
الكشاف: 1/ 538.
قال السدي: " والسيئة: الجدب والضرر في أموالهم وتأشموا بمحمد صلى الله عليه وسلم، قالوا: هذه من عندك، يقولون: بتركنا ديننا واتباع محمد أصابنا هذا البلاء، فأنزل الله تعالى: {قل كل من عند الله} "(1).
عن ابن وهب قال: "قال ابن زيد في قوله: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك}، فقرأ حتى بلغ: {وأرسلناك للناس رسولا}، قال: إن هذه الآيات نزلت في شأن الحرب. فقرأ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا}، فقرأ حتى بلغ: {وإن تصبهم سيئة}، يقولوا: هذه من عند محمد عليه السلام، أساء التدبير وأساء النظر! ما أحسن التدبير ولا النظر "(2).
في القائلين {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ} [النساء: 78]، قولان:
أحدهما: أنهم المنافقون، وهو قول الحسن (3)، واختيار ابن عطية (4).
والثاني: اليهود، وهو قول الزجاج (5).
قال الزجاج: " قيل كانت إليهود - لعنت - تشاءمت برسول الله صلى الله عليه وسلم عند دخوله المدينة فقالت: منذ دخل المدينة نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا، فأعلم الله عز وجل أن الخصب والجدب من عند الله"(6).
قال ابن عطية: " و «الهاء والميم» في قوله: {وإن تصبهم}، رد على الذين قيل لهم، {كفوا أيديكم}، وهذا يدل على أنهم المنافقون، لأن المؤمنين لا تليق بهم هذه المقالة، ولأن اليهود لم يكونوا للنبي عليه السلام تحت أمر، فتصيبهم بسببه أسواء"(7).
وفي «الحسنة والسيئة» ها هنا، أربعة وجوه:
أحدها: السراء والضراء. وهذا قول أبي العالية (8).
والثاني: النعم والمصائب. وهو قول قتادة (9).
والثالث: النعم والابتلاء. وهذا معنى قول ابن عباس (10).
والثالث: النصر والهزيمة، وهو قول الحسن (11)، وابن زيد (12).
والرابع: الخصب والجذب. وهذا قول الزجاج (13).
قال ابن عطية: " وهذا كله شيء واحد"(14).
قال الزمخشري: " السيئة: تقع على البلية والمعصية. والحسنة: على النعمة والطاعة. قال الله تعالى: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 168]، وقال: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] "(15).
وفي قوله: {مِنْ عِندِكَ} [النساء: 78]، تأويلان:
أحدهما: أي بسوء تدبيرك، وهو قول ابن زيد (16).
والثاني: يعنون بالشؤم الذي لحقنا منك على جهة التطُّير به، وهذا قول الزجاج (17)، ومثله قوله تعالى:{وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ} [الأعراف: 131].
(1) أخرجه ابن ابي حاتم (5649): ص 3/ 1009.
(2)
أخرجه الطبري (9964): ص 8/ 556.
(3)
انظر: النكت والعيون: 1/ 509.
(4)
انظر: المحرر الوجيز: 2/ 81.
(5)
انظر: معاني القرآن: 2/ 79.
(6)
معاني القرآن: 2/ 79.
(7)
المحرر الوجيز: 2/ 81.
(8)
انظر: تفسير الطبري (9962)، و (9963): ص 8/ 555 - 556.
(9)
انظر: تفسير الطبري (9965): 8/ 556 - 557.
(10)
انظر: تفسير الطبري (9967): 8/ 557.
(11)
انظر: النكت والعيون: 1/ 509.
(12)
انظر: تفسير الطبري (9964): ص 8/ 556.
(13)
انظر: معاني القرآن: 2/ 79.
(14)
المحرر الوجيز: 2/ 81.
(15)
الكشاف: 1/ 538.
(16)
انظر: تفسير الطبري (9964): ص 8/ 556.
(17)
انظر: معاني القرآن: 2/ 79.
روي عن مطرف أن عبد الله قال: "ما تريدون من القدر؟ ما تكفيكم الآية التي في سورة النساء: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك}؟ أي من نفسك، والله ما وكلوا القدر وقد أمروا، وإليه يصيرون"(1).
قوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النساء: 78]، أي: قل لهم -يا محمد-" أن ذلك كله من عند الله وحده، بقضائه وقدره"(2).
قال قتادة: " النعم والمصائب"(3).
قال ابن زيد: "النصر والهزيمة"(4).
قال ابن عباس: " يقول: الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها"(5). وروي عن السدي نحو ذلك (6).
قال الطبري: أي: "قل، يا محمد، لهؤلاء القائلين: كل ذلك من عند الله، دوني ودون غيري، من عنده الرخاء والشدة، ومنه النصر والظفر، ومن عنده الفَلُّ والهزيمة
…
وهذا إعلام من الله عبادَه أن مفاتح الأشياء كلها بيده، لا يملك شيئًا منها أحد غيره" (7).
قال ابن عطية: " إعلام من الله تعالى، أن الخير والشر، والحسنة والسيئة خلق له ومن عنده، لا رب غيره ولا خالق ولا مخترع سواه، فالمعنى: قل يا محمد لهؤلاء: ليس الأمر كما زعمتم من عندي ولا من عند غيري، بل هو كله من عند الله"(8).
قوله تعالى: {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 78]، أي:"، فما بالهم لا يقاربون فَهْمَ أيِّ حديث تحدثهم به؟ "(9).
قال الزمخشري: اي: " فيعلموا أن الله هو الباسط القابض، وكل ذلك صادر عن حكمة وصواب"(10).
قال البيضاوي: أي: " يوعظون به، وهو القرآن، فإنهم لو فهموه وتدبروا معانيه لعلموا أن الكل من عند الله سبحانه وتعالى، أو حديثا ما كبهائم لا أفهام لها أو حادثا من صروف الزمان فيفتكرون فيه فيعملون أن القابض والباسط هو الله سبحانه وتعالى"(11).
عن السدي قوله: " {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا}، قال: يقول: القرآن"(12).
الفوائد:
1 -
أن للموت أجلا محددا، وأن الله جل جلاله أجل لكل مخلوق أجلا، وأن نفسا لن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا، فإذا انقضى الأجل فليس إلا الموت وليس منه فوت، قال الله تعالى:{ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} [الأعراف: 34]، وإن مات أو قتل فقد انتهى أجله المسمى له قال الله تعالى:{قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} [آل عمران: 154]، وقال تعالى:{أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} [النساء: 78].
2 -
أن الإيمان يبعث فى النفس احتقار الموت والرغبة فى الاستشهاد من أجل الحق.
إذ الإيمان يوحى بأن واهب العمر هو الله، وأنه لا ينقص بالإقدام، ولا يزيد بالأحجام؛ فكم من إنسان يموت وهو على فراشه الوثير، وكم من إنسان ينجو وهو يخوض غمرات المعارك والحروب!
قال الطحاوي: " وقدر لهم أقدارا، وضرب لهم آجالا"(13).
(1) أخرجه ابن ابي حاتم (5648): ص 3/ 1009.
(2)
التفسير الميسر: 267.
(3)
أخرجه الطبري (9965): 8/ 556 - 557.
(4)
أخرجه الطبري (9966): 8/ 557.
(5)
أخرجه الطبري (9967): 8/ 557.
(6)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5650): ص 3/ 1009.
(7)
تفسير الطبري: 8/ 556 - 557.
(8)
المحرر الوجيز: 2/ 81.
(9)
التفسير الميسر: 267.
(10)
الكشاف: 1/ 538.
(11)
تفسير البيضاوي: 2/ 85.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (5661): ص 3/ 1009.
(13)
عقيدة الطحاوية: 8.
3 -
وقد يحتج بعض الناس للقدرية النفاة بقوله تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79]، ويظنون أن المراد بالحسنات والسيئات في هذه الآية الطاعات والمعاصي.
وهؤلاء أخطؤوا الفهم، فالمراد بالحسنات هنا النعم، والمراد بالسيئات المصائب، يدلنا على صحة هذا الفهم سياق النص. قال تعالى:{أينما تكنوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كلٌ من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً - ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 78 - 79].
فالله يحكي عن المنافقين أنهم كانوا إذا أصابتهم حسنة مثل الرزق والنصر والعافية، قالوا: هذه من الله، وإذا أصابتهم سيئة - مثل ضَرْبٍ ومرض وخوف من عدو - قالوا: هذه من عندك يا محمد. أنت الذي جئت بهذا الدين الذي عادانا الناس لأجله، وابتلينا لأجله بهذه المصائب.
فالحسنات هنا النعم، والسيئات المصائب، وهذه كقوله تعالى:(إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً)[آل عمران: 120]، وقوله:(وبلونهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون)[الأعراف: 186].
4 -
أن المصائب والنعم لا تخرج عن قدر الله ومشيئته، قال تعالى:{قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً} [النساء: 78].
القرآن
التفسير:
ما أصابك -أيها الإنسان- مِن خير ونعمة فهو من الله تعالى وحده، فضلا وإحسانًا، وما أصابك من جهد وشدة فبسبب عملك السيئ، وما اقترفته يداك من الخطايا والسيئات. وبعثناك -أيها الرسول- لعموم الناس رسولا تبلغهم رسالة ربك، وكفى بالله شهيدًا على صدق رسالتك.
قوله تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النساء: 79]، أي:" أي ما أصابك يا إِنسان من نعمة وإِحسان فمن الله تفضلاً منه وإِحساناً وامتناناً وامتحانا"(1).
قال الحسن: " ما أصابك من نعمة فمن الله "(2).
قال ابن عباس في رواية عطية: " هذا يوم أحد"(3).
وعن ابن عباس في رواية علي بن ابي طلحة: "ما فتح الله عليك يوم بدر"(4). وروي عن الضحاك نحو ذلك (5).
قال مقاتل: " يعني: الفتح والغنيمة يوم بدر فمن الله كان"(6).
قال الزجاج: " أي: ما أصبتم من غنيمة أو أتاكم من خصب فمن تفضل الله"(7).
قال الطبري: أي: "، ما يصيبك، يا محمد، من رخاء ونعمة وعافية وسلامة، فمن فضل الله عليك، يتفضل به عليك إحسانًا منه إليك"(8).
واختلف في المراد بهذا الخطاب على ثلاثة أقاويل.
أحدها: أن الخطاب متوجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو المراد به. وهذا قول ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة (9).
والثاني: أنه متوجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره، وهو قول الزجاج (10).
(1) صفوة التفاسير: 268.
(2)
أخرجه ابن المنذر (2027): ص 2/ 799.
(3)
أخرجه ابن ابي حاتم (5652): ص 3/ 1009.
(4)
أخرجه ابن ابي حاتم (5653): ص 3/ 1010.
(5)
انظر: تفسير ابن المنذر (2026): ص 2/ 799، وتفسير ابن ابي حاتم (5653): ص 3/ 1010.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 391.
(7)
معاني القرآن: 2/ 80.
(8)
تفسير الطبري: 8/ 558.
(9)
انظر: تفسير الطبري (9970): ص 8/ 558
(10)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 79.
والثالث: أنه متوجه إلى الإنسان، وتقديره: ما أصابك أيها الإنسان من حسنة فمن الله، وهذا قول قتادة (1).
قال ابن عطية: " والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وغيره داخل في المعنى"(2).
والراجح-والله أعلم – أن "الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يراد به الخلق، ومخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم قد تكون للناس جميعا لأنه عليه السلام لسانهم، والدليل على ذلك قوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} (3)، فنادى النبي صلى الله عليه وسلم وحده وصار الخطاب شاملا له ولسائر أمته"(4).
قوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79]، أي:" وما أصابك من جهد وشدة فبسبب عملك السيئ، وما اقترفته يداك من الخطايا والسيئات"(5).
قال مقاتل: " يعني: البلاء من العدو، والشدة من العيش يوم أحد، {فمن نفسك}، يعني: فبذنبك، يعني: ترك المركز"(6).
قال الطبري: " يعني: وما أصابك من شدة ومشقة وأذى ومكروه، فبذنب استوجبتها به، اكتسبته نفسك"(7).
قال الزجاج: " أي: من جدب أو غلبة في حرب فمن نفسك، أي أصابكم ذلك بما كسبتم كما قال الله جل وعز {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} (8) "(9).
عن أبي هريرة قال: "لما نزلت? {من يعمل سوءا يجز به}، بلغت من المسلمين مبلغا شديدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قاربوا وسددوا ففى كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها أو الشوكة يشاكها» "(10).
أخرج ابن المنذر عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، قال:"هي في قراءة أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود: «ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك» "(11).
وعن ابن مجاهد: " أن ابن عباس كان يقرأ قوله عز وجل: «ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك»، قال مجاهد: وكذلك في قراءة أبي، وابن مسعود"(12).
وقال مقاتل: "وفي مصحف عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب «فبذنبك وأنا كتبتها عليك» "(13).
وفي «الحسنة والسيئة» ، ها هنا ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن الحسنة النعمة في الدين والدنيا، والسيئة المصيبة في الدين والدنيا، وهذا قول بعض البصريين (14).
والثاني: أن الحسنة ما أصابه يوم بدر، والسيئة ما أصابه يوم أحد من شج رأسه وكسر رباعيته، وهو قول ابن عباس (15)، والحسن (16).
والثالث: أن الحسنة الطاعة، والسيئة المعصية، وهذا قول أبي العالية (17).
(1) انظر: تفسير الطبري (9969): ص 8/ 558
(2)
المحرر الوجيز: 2/ 82.
(3)
[سورة الطلاق: 1].
(4)
معاني القرآن للزجاج: 2/ 79.
(5)
التفسير الميسر: 90.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 391.
(7)
تفسير الطبري: 8/ 558.
(8)
[سورة الشورى: 30].
(9)
معاني القرآن: 2/ 80.
(10)
أخرجه الحميدي (1148)، وأحمد (7380): ص 2/ 248، ومسلم (8/ 16، والترمذي (3038)، والنسائي في الكبرى (11057).
(11)
تفسير ابن المنذر (2028): ص 2/ 800.
(12)
أخرجه ابن المنذر (2029): ص 2/ 800.
(13)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 391.
(14)
انظر: النكت والعيون: 1/ 509.
(15)
انظر: تفسير الطبري (9970): ص 8/ 558، وتفسير ابن ابي حاتم (5654): ص 3/ 1010، و (5657): ص 3/ 1010، و (5658): ص 3/ 1010.
(16)
انظر: النكت والعيون: 1/ 509.
(17)
انظر: تفسير الطبري (9972): ص 8/ 559.
وفي قوله تعالى: {فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79]، قولان:
أحدهما: يعني فبذنبك. وهذا قول قتادة (1)، والسدي (2) ـ وابن جريج (3)، وابن زيد (4)، وأبي صالح (5).
والثاني: فبفعلك (6).
قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا} [النساء: 79]، أي:" وبعثناك -أيها الرسول- لعموم الناس رسولا تبلغهم رسالة ربك"(7).
قال الطبري: أي: " إنما جعلناك، يا محمد، رسولا بيننا وبين الخلق، تبلّغهم ما أرسلناك به من رسالة، وليس عليك غير البلاغ وأداء الرسالة إلى من أرسلت، فإن قبلوا ما أرسلت به فلأنفسهم، وإن ردُّوا فعليها"(8).
قال الزمخشري: " أى: رسولا للناس جميعا لست برسول العرب وحدهم، أنت رسول العرب والعجم، كقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} [سبأ: 28]، {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158] "(9).
قال ابن كثير: " أي: تبلغهم شرائع الله، وما يحبه ويرضاه، وما يكرهه ويأباه"(10).
قال أبو صالح: "أرسل: بعث"(11).
قال الزجاج: " معنى «الرسول» ههنا مؤكد لقوله: {وأرسلناك}، لأن {وأرسلناك للناس} تدل على أنه رسول"(12).
قوله تعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [النساء: 79]، أي:" وحسبك أن يكون الله شاهداً على صدق رسالتك"(13).
قال الزمخشري: أي: " وكفى بالله شهيدا على ذلك، فما ينبغي لأحد أن يخرج عن طاعتك واتباعك"(14).
قال ابن كثير: " أي: على أنه أرسلك، وهو شهيد أيضا بينك وبينهم، وعالم بما تبلغهم إياه، وبما يردون عليك من الحق كفرا وعنادًا"(15).
قال مقاتل: " يعني: فلا شاهد أفضل من الله بأنك رسوله"(16).
قال الزجاج: " أي: الله قد شهد أنه صادق، وأنه رسوله"(17).
قال الطبري: أي: " حسبك الله تعالى ذكره، شاهدًا عليك في بلاغك ما أمرتك ببلاغه من رسالته ووحيه، وعلى من أرسلت إليه في قبولهم منك ما أرسلت به إليهم، فإنه لا يخفى عليه أمرك وأمرهم، وهو مجازيك ببلاغك ما وعدَك، ومجازيهم ما عملوا من خير وشر، جزاء المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته"(18).
(1) انظر: تفسير الطبري (9971): ص 8/ 559.
(2)
انظر: تفسير الطبري (9968): ص 8/ 558.
(3)
انظر: تفسير الطبري (9974): ص 8/ 559.
(4)
انظر: تفسير الطبري (9975): ص 8/ 559.
(5)
انظر: تفسير الطبري (9976): ص 8/ 559.
(6)
انظر: النكت والعيون: 1/ 509.
(7)
التفسير الميسر: 90.
(8)
تفسير الطبري: 8/ 561.
(9)
الكشاف: 1/ 539.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 363.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (5662): ص 3/ 1011.
(12)
معاني القرآن: 2/ 80.
(13)
انظر: صفوة التفاسير: 268، والتفسير الميسر:90.
(14)
الكشاف: 1/ 539.
(15)
تفسير ابن كثير: 2/ 363.
(16)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 391.
(17)
معاني القرآن: 2/ 80.
(18)
تفسير الطبري: 8/ 561.
قال ابن عطية: " توعد للكفرة، وتهديد تقتضيه قوة الكلام، لأن المعنى شهيدا على من كذبه، والمعنى أن الرسول إنما يأمر وينهى بيانا من الله وتبليغا، فإنما هي أوامر الله ونواهيه"(1).
قال أنس بن مالك: " بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس في المسجد، إذ دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال: أيكم محمد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم. قال: فقلنا له: هو الأبيض الرجل المتكئ. قال: يا ابن المطلب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أجبتك. فقال له الرجل: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجدن في نفسك علي. قال: سل عما بدا لك، فقال: أنشدك بربك ورب من كان قبلك، الله أرسلك إلى الناس كلهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم نعم"(2).
الفوائد:
1 -
الآية فيه الرد على القدرية، فإن مذهب أهل السنة أن القدر خيره وشره، وحلوه ومره، من الله تعالى، ، وفي حديث جبرائيل:"وتؤمن بالقدر خيره وشره"(3)، فقوله تعالى، {فمِنْ نَفْسِكَ} محمولٌ على السبب الذي سبق من الربِّ تقديره بدليل قوله:{ما أصابَكَ} .
2 -
وصف الله عز وجل بأنه (شهيد)، والشهيد اسم من أسمائه تعالى، و"هو الذي لا يغيب عنه شيء، يقال: شاهد وشهيد؛ كعالم وعليم؛ أي أنه حاضر يشاهد الأشياء ويراها"(4).
قال السعدي: " الشهيد؛ أي: المطلع على جميع الأشياء، سمع جميع الأصوات خفيها وجليها، وأبصر جميع الموجودات دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، وأحاط علمه بكل شيء، الذي شهد لعباده وعلى عباده بما عملوه"(5).
قال النبي-صلى الله عليه وسلم: " اللهم اشهد! فليبلغ الشاهد الغائب"(6).
القرآن
{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80)} [النساء: 80]
التفسير:
من يستجب للرسول صلى الله عليه وسلم، ويعمل بهديه، فقد استجاب لله تعالى وامتثل أمره، ومن أعرض عن طاعة الله ورسوله فما بعثناك -أيها الرسول- على هؤلاء المعترضين رقيبًا تحفظ أعمالهم وتحاسبهم عليها، فحسابهم علينا.
في سبب نزول الآية قولان:
أحدهما: أنها نزلت في المنافقين. وهذا قول أكثر المفسرين (7).
قال مقاتل: " وذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم قال في المدينة «من أحبني فقد أحب الله، ومن أطاعنى فقد أطاع الله» (8). فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى هذا الرجل وما يقول؟ لقد قارب الشرك وهو ينهي ألا يعبد إلا الله، فما حمله على الذي قال إلا أن نتخذه حنانا- يعنون ربا- كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم حنانا. فأنزل الله- عز وجل تصديقا لقوله نبيه- صلى الله عليه وسلم: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} "(9).
(1) المحرر الوجيز: 2/ 82.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (5663): ص 3/ 1011.
(3)
رواه مسلم "9" من حديث عمر رضي الله عنه.
(4)
جامع الأصول، ابن الأصير: 4/ 179.
(5)
تفسير السعدي: 5/ 303.
(6)
رواه: البخاري (7078)، ومسلم (1679 - 31).
(7)
انظر: تفسير مقاتل: 1/ 392، وتفسير الماتريدي: 3/ 269، والكشاف: 1/ 539، ومفاتيح الغيب: 10/ 150، وتفسير البيضاوي: 2/ 86، والمحرر الوجيز: 2/ 82، وتفسير السعدي: 2/ 206.
(8)
لم أجد الحديث في المعجم المفهرس لألفاظ الحديث، ولم أجده في صحيح البخاري ولا في مسند الإمام أحمد. وإنما ورد في صحيح البخاري (56) كتاب الجهاد والسير (109) باب يقاتل من وراء الإمام ويتقى به رقم الحديث (2957) «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله
…
إلخ»، وذكره المناوي في فتح السماوي (380): ص 2/ 504، قال الولي العراقي: لم أقف عليه هكذا، وقال الحافظ ابن حجر: لم أجده، وقد ورد هذا الحديث في بعض كتب التفاسير، مثل: تفسير مقاتل: 1/ 392، وتفسير الماتريدي: 3/ 269، ووالكشاف: 1/ 539، ومفاتيح الغيب: 10/ 150، وتفسير البيضاوي: 2/ 86، والمحرر الوجيز: 2/ 82، وتفسير السعدي: 2/ 206، وغيرها.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 391 - 392.
قال الزمخشري: "وروى أنه قال: «من أحبنى فقد أحب الله، ومن أطاعنى فقد أطاع الله» (1)، فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل، لقد قارف الشرك وهو ينهى أن يعبد غير الله! ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى، فنزلت "(2).
والثاني: أنها نزلت في اليهود.
قال ابن عطية: " قالت فرقة: سبب هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحبني فقد أحب الله» (3)، فاعترضت اليهود عليه في هذه المقالة، وقالوا: هذا محمد يأمر بعبادة الله وحده، وهو في هذا القول مدع للربوبية، فنزلت هذه الآية تصديقا للرسول عليه السلام، وتبيينا لصورة التعلق بينه وبين فضل الله تعالى"(4).
قوله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80]، أي:" من يستجب للرسول صلى الله عليه وسلم، ويعمل بهديه، فقد استجاب لله تعالى وامتثل أمره"(5).
قال الزجاج: " أي: من قبل ما أتى به الرسول فإنما قبل ما أمر الله به"(6).
قال التستري: " يعني: من يطع الرسول صلى الله عليه وسلم في سنته فقد أطاع الله في فرائضه"(7).
قال الحسن: "جعل الله طاعة رسوله طاعته، وقامت به الحجة على المسلمين"(8).
قال السمرقندي: " يعني: من يطع الرسول فيما أمره فقد أطاع الله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعوهم بأمر الله تعالى، وفي طاعة الله تعالى"(9).
قال ابن كثير: " يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بأنه من أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى"(10).
قال الماتريدي: " لأن الله - تعالى - أمر بطاعة الرسول، فإذا أطاع رسوله صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله - تعالى - لأنه اتبع أمره؛ ألا ترى أنه قال عز وجل:{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [المائدة: 92، والتغابن: 64]، وحتى جعل طاعة الرسول من شرط الإيمان بقوله عز وجل:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65] الآية،
…
فطاعة الله - تعالى - إنما تكون في اتباع أمره، وانتهاء مناهيه، وكذلك حبه إنما يكون في اتباع أمره ونواهيه؛ كقوله - تعالى -:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] " (11).
قال الشافعي: " أبان لهم أنَّ ما قبلوا عن نبيه صلى الله عليه وسلم، فعنه جل ثناؤه قبلوا بما فرض من طاعة رسوله في غير موضع من كتابه"(12).
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني» "(13).
وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر، قال:" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم "؟ قالوا: بلى نشهد أنك رسول الله، قال:«ألستم تعلمون أن الله أنزل في كتابه أنه من أطاعني فقد أطاع الله؟ » ، قالوا: بلى، نشهد أنه من أطاعك فقد أطاع الله، قال:«فإن من طاعة الله أن تطيعوني، وإن من طاعتي أن تطيعوا أئمتكم، وإن صلوا قعودا، فصلوا قعودا أجمعين» " (14).
(1) سبق تخريجه.
(2)
الكشاف: 1/ 539.
(3)
سبق تخريجه.
(4)
المحرر الوجيز: 2/ 82.
(5)
التفسير الميسر: 90.
(6)
معاني القرآن: 2/ 80.
(7)
تفسير التستري: 18.
(8)
الوجيز للواحدي: 2/ 84.
(9)
تفسير السمرقندي: 1/ 320.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 364.
(11)
تفسير الماتريدي: 3/ 369.
(12)
تفسير الإمام الشافعي: 2/ 623.
(13)
تفسير ابن أبي حاتم (5664): ص 3/ 1011، وأخرجه البخاري كتاب الجهاد 4/ 60، ومسلم كتاب الاماره (183): ص 6/ 13.
(14)
تفسير ابن المنذر (2034): ص 2/ 801.
قوله تعالى: {وَمَنْ تَوَلَّى} [النساء: 80]، "أي: ومن أعرض عن طاعتك" (1).
قال ابن عباس، ومقاتل:"أعرض عن طاعتك يا محمد"(2).
قوله تعالى: {فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80]، أي:" أي ومن أعرض عن طاعتك، فما بعثناك -أيها الرسول- على هؤلاء المعترضين رقيبًا تحفظ أعمالهم وتحاسبهم عليها، فحسابهم علينا"(3).
قال مقاتل: " يعني: رقيبا"(4).
قال أبو عبيدة: " أي: محاسبا "(5).
قال السدي وابن قتيبة: " {حفيظا}، أي: محاسبا لهم"(6).
قال ابن عباس: "رقبلا تؤخذ بهم"(7).
قال الواحدي: أي: " حافظا من التولي والإعراض"(8).
قال الزمخشري: أي: " لا حفيظا ومهيمنا عليهم تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها وتعاقبهم، كقوله: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيل} [الأنعام: ، الزمر: 41، الشورى: 6107] "(9).
قال الزجاج: أي: " أنك لا تعلم غيبهم إنما لك ما ظهر منهم"(10).
وقد ذهب قوم منهم عبد الرحمن بن زيد، إلى أن هذه الآية نزلت في بداية الأمر ثم نسخت بآية السيف، أخرج الطبري عن ابن وهب قال:"سألت ابن زيد عن قول الله: {فما أرسلناك عليهم حفيظًا}، قال: هذا أول ما بعثه، قال: {إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ} [سورة الشورى: 48]. قال: ثم جاء بعد هذا بأمره بجهادهم والغلظة عليهم حتى يسلموا"(11).
قال ابن الجوزي: "وفيه بعد، لأنه إذا كان تفسيرها ما ذكرنا (12) فأي وجه للنسخ؟ "(13).
الفوائد:
1 -
إن الأصل الثاني من أصول الشريعة الإسلامية هو السنة. أي ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً أو تقريراً. وقد أمرنا بالتمسك بها، قال تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7].
2 -
أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الناطق بالوحي، قال تعالى:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم: 3 - 4]، وعلى ذلك جعلت طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله {من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً} ، وقال تعالى:{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].
ولذلك قرنت إطاعة الرسول بإطاعة الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [الأنفال: 20].
والآيات في هذه المعنى كثيرة جداً، ومنكر السنة النبوية الثابتة عن كافر، كما أن منكر القرآن خارج عن الملة الإسلامية، لأن السنة بيان للقرآن وتوضح وشرح له وتفسير لمعانيه ومطالبه {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44].
3 -
قال الشافعي: " وضع الله نبيه صلى الله عليه وسلم من دينه، وأهل دينه، موضع الإبانة عن كتاب الله عز وجل معنى ما أراد الله، وفرض طاعته فقال: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}، وقال: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65]، الآية، وقال: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63]، الآية، فعلم أن الحق كتاب اللَّه، ثم سُنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم، فليس لمفتٍ ولا لحاكم، أن يفتي ولا يحكم حتى يكون عالماً بهما، ولا أن يخالفهما ولا واحداً منهما بحال، فإذا خالفهما فهو عاصِ لله عز وجل، وحكمه مردود، فإذا لم يوجدا منصوصين فالاجتهاد"(14).
4 -
قال الثعلبي: " وفي قوله: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}، دليل على إبطال قول من زعم أن السنة تعرض على الكتاب لم يعمل بها وذلك إن كل ما نص الله عز وجل، عليه فإنما صار فرضا بالكتاب، فإذا عدم النص من الكتاب، وورد به السنة فوجب إتباعها، ومن خالفها فقد خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن خالف رسول الله فقد خالف الله، لأن في طاعة الرسول طاعة الله، فمن زعم أنه لم يقبل خبره إلا بعد أن يعرض على كتاب الله، فقد أبطل كل حكم ورد عنه ما لم ينص عليه الكتاب"(15).
القرآن
التفسير:
ويُظْهر هؤلاء المعرضون -وهم في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم طاعتهم للرسول وما جاء به، فإذا ابتعدوا عنه وانصرفوا عن مجلسه، دبَّر جماعة منهم ليلا غير ما أعلنوه من الطاعة، وما علموا أن الله يحصي عليهم ما يدبرون، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء، فتول عنهم -أيها الرسول- ولا تبال بهم، فإنهم لن يضروك، وتوكل على الله، وحسبك به وليّاً وناصرًا.
في سبب نزول الآية:
قال مقاتل: " وذلك أنهم دخلوا على النبي- صلى الله عليه وسلم فقالوا: مرنا بما شئت، فأمرك طاعة، فإذا خرجوا من عنده خالفوا، وقالوا غير الذي قال لهم النبي- صلى الله عليه وسلم فأنزل الله- عز وجل:{وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ}
…
{فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} ، يعني: الجلاس بن سويد، وعمرو بن زيد" (16).
وقد أخرج الطبري ابن عباس: "قوله: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ}، وهم ناس كانوا يقولون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: آمنا بالله ورسوله، ليأمنوا على دمائهم وأموالهم. وإذا برزوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، خالفوا إلى غير ما قالوا عنده، فعابهم الله، فقال: {بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ}، يقول: يغيرون ما قال النبي صلى الله عليه وسلم"(17).
قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} [النساء: 81]، "أي: ويقول المنافقون: أمرك يا محمد طاعة" (18).
قال ابن عباس: " فهم أناس كانوا يقولون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنا بالله ورسوله، ليأمنوا على دمائهم وأموالهم"(19).
قال السدي: " هؤلاء المنافقون الذين يقولون إذا حضروا النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرهم بأمر قالوا: طاعة"(20).
قال الماوردي: " يعني المنافقين، أي أمرنا طاعة"(21).
قال السمعاني: " يعني: المنافقين يقولون باللسان: مرنا، فإن أمرك طاعة"(22).
قال الزمخشري: أي: " ويقولون إذا أمرتهم بشيء طاعة بالرفع أى أمرنا وشأننا طاعة. ويجوز النصب بمعنى أطعناك طاعة. وهذا من قول المرتسم: سمعا وطاعة، وسمع وطاعة"(23).
(1) انظر: التفسير الميسر: 90، وصفوة التفاسير: 268 ..
(2)
الوجيز للواحدي: 2/ 84.
(3)
انظر: التفسير الميسر: 90، وصفوة التفاسير: 268 ..
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 392.
(5)
أخرجه ابن المنذر (2036): ص 2/ 802.
(6)
انظر: زاد المسير: 2/ 142، ونواسخ القرآن لابن الجوزي: 2/ 378.
(7)
انظر: زاد المسير: 2/ 142، ونواسخ القرآن لابن الجوزي: 2/ 378.
(8)
الوجيز للواحدي: 2/ 84.
(9)
الكشاف: 1/ 539.
(10)
معاني القرآن: 2/ 80.
(11)
تفسير الطبري (9979): ص 8/ 562 ..
(12)
يقصد قول ابن عباس: ابن عباس: "رقبلا تؤخذ بهم".، وقول قال السدي وابن قتيبة:" {حفيظا}، أي: محاسبا لهم". كما وردت في زاد المسير: 2/ 142، ونواسخ القرآن: 2/ 378.
(13)
نواسخ القرىن: 2/ 378.
(14)
تفسير الإمام الشافعي: 2/ 621.
(15)
تفسير الثعلبي: 3/ 350.
(16)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 392.
(17)
تفسير الطبري (9985): ص 8/ 565.
(18)
صفوة التفاسير: 268.
(19)
أخرجه ابن أبي حاتم (5665): ص 3/ 1012.
(20)
أخرجه ابن أبي حاتم (5666): ص 3/ 1012.
(21)
النكت والعيون: 1/ 509.
(22)
تفسير السمعاني: 1/ 451.
(23)
الكشاف: 1/ 539.
قال الزجاج: " قال النحويون تقديره: أمرنا طاعة. وقال بعضهم منا طاعة"(1).
قوله تعالى: {فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ} [النساء: 81]، أي:" فإِذا ابتعدوا عنك وانصرفوا من مجلسك"(2).
قال السدي: " فإذا خرجوا من عندك"(3).
قال ابن عباس: " يقول: إذا برزوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم"(4).
قال مقاتل: " يعني: خرجوا من عندك يا محمد"(5).
قوله تعالى: {بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ} [النساء: 81]، أي:" دبّر جماعة منهم-ليلا- غير الذي تقوله لهم"(6).
قال السمعاني: " أي: خالفوا بالليل ما قالوا بالنهار"(7).
قال مقاتل: " يقول: ألفت طائفة منهم غير الذي تقول"(8).
قال الضحاك: " هم المنافقون"(9).
قال الطبري: أي: " غيَّر جماعة منهم ليلا الذي تقول لهم"(10).
قال أبو عبيدة: " أي قدروا ذلك ليلا"(11).
قال الزمخشري: أي: " زورت طائفة وسوت خلاف ما قلت وما أمرت به. أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة، لأنهم أبطلوا الرد لا القبول، والعصيان لا الطاعة. وإنما ينافقون بما يقولون ويظهرون"(12).
قال الزجاج: " أي: فلست حفيظا عليهم تعلم ما يغيب عنك من شأنهم، وهذا ونظائره في كتاب الله من أبين آيات النبي صلى الله عليه وسلم، لأنهم ما كانوا يخفون عنه أمرا إلا أظهره الله عليه"(13).
قال مجاهد: " الطائفة: رجل"(14). وفي رواية أخرى: " الطائفة: رجل إلى ألف رجل"(15).
وفي تفسير قوله تعالى: {بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ} [النساء: 81]، قولان:
أحدهما: أنها غيّرت ما أضمرت من الخلاف فيما أمرتهم به أو نهيتهم عنه، وهذا قول ابن عباس (16)، وقتادة (17)، والسدي (18).
والثاني: معناه فدبَّرت غير الذي تقول على جهة التكذيب، وهذا قول الحسن (19).
قال الماوردي: "والتبييت كل عمل دُبِّر ليلاً"(20).
قال أهل العلم: يقال لكل أمر قد قضي بليل قد بيت، وكل عمل عُمِل ليلا فقد " بُيِّت "، ومن ذلك " بيَّت " العدو، وهو الوقوع بهم ليلا ومنه قول عبيدة بن همام (21):
(1) معاني القرآن: 2/ 81.
(2)
انظر: صفوة التفاسير: 268، والتفسير الميسر:91.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (5667): ص 3/ 1012.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (5668): ص 3/ 1012.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 392.
(6)
انظر: صفوة التفاسير: 268، والتفسير الميسر:91.
(7)
تفسير السمعاني: 1/ 452.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 392.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (5671): ص 3/ 1012.
(10)
تفسير الطبري: 8/ 562.
(11)
أخرجه ابن المنذر (2039): ص 2/ 803.
(12)
الكشاف: 1/ 539.
(13)
معاني القرآن: 2/ 81.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (5672): ص 3/ 1013.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (5673): ص 3/ 1013.
(16)
انظر: تفسير الطبري (9981): ص 8/ 564.
(17)
انظر: تفسير الطبري (9980): ص 8/ 564.
(18)
انظر: تفسير الطبري (9982): ص 8/ 564.
(19)
انظر: النكت والعيون: 1/ 510.
(20)
النكت والعيون: 1/ 509.
(21)
انظر البيت في: مجاز القرآن لأبي عبيدة 1/ 133، الحيوان 4/ 376، الكامل 2/ 35، 106، الأزمنة والأمكنة للمرزوقي 1/ 263، ديوان الأسود بن يعفر لنهشلي، أعشى بني نهشل، في ديوان الأعشين: 298، اللسان (نكر). وروى:" فقد طرقوني بشيء ".
" طرقوني ": أتوني ليلا. و " نكر " بضمتين، مثل " نكر " بضم فسكون: الأمر المنكر الذي تنكره. والبيت يتممه الذي بعده.
أتوني فلم أرض ما بيّتوا
…
وكانوا أتوْني بأمرٍ نُكُر
لأنْكِحَ أَيِّمَهُمْ مُنْذِرًا
…
وَهَلْ يُنْكِحَ الْعَبْدَ حُرٌّ لِحُرْ? !
يعني بقوله: " فلم أرض ما بيتوا "، ليلا، أي: ما أبرموه ليلا وعزموا عليه، ومنه قول النمر بن تولب العُكْليّ (1):
هَبَّتْ لِتَعْذُلَنِي مِنَ اللَّيْل اسْمَعِ!
…
سَفَهًا تُبَيِّتُكِ المَلامَةُ فَاهْجَعِي (2)
قال الزمخشري: " التبييت: إما من البيتوتة لأنه قضاء الأمر وتدبيره بالليل، يقال: هذا أمر بيت بليل. وإما من أبيات الشعر، لأن الشاعر يدبرها ويسويها"(3).
قال أبو رزين: "بيت أي: ألف. وقال غيره: بيت، أي: بدل"(4)
قال السمعاني: "والأصح أنه من التبييت، وهو فعل الشيء ليلا، يقال: هذا أمر بيت ليلا، قيل: أي: فعل بالليل، ويجوز أن يقال لما فعل بالنهار: تبييتا؛ لأن الفعل بالليل إنما سمى تبييتا؛ لأن الإنسان بالليل يكون أفرغ لتدبير أمره، فعلى هذا المعنى يجوز أن يقال لما فعل بالنهار: تبييتا، قال الشاعر (5):
بيتوا أمرهم بليل فلما
…
أصبحوا أصبحوا على ضوضاء" (6)
وفي تسمية العمل بالليل «بياتاً» ، قولان (7):
أحدهما: لأن الليل وقت المبيت.
والثاني: لأنه وقت البيوت.
وقرئ: {بيت طائفة} ، بالإدغام وتذكير الفعل، لأن تأنيث الطائفة غير حقيقى، ولأنها في معنى الفريق والفوج (8).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} [النساء: 81]، أي:" والله يحصي عليهم ما يدبرون، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء"(9).
قال مقاتل: " يعني: الحفظة فيكتبون ما يقولون من الكذب"(10).
قال الطبري: أي: " والله يكتب ما يغيِّرون من قولك ليلا في كُتب أعمالهم التي تكتبها حَفَظته"(11).
قال الواحدي: " أي: يحفظ عليهم ليجازوا به"(12).
قال الزمخشري: أي: " يثبته في صحائف أعمالهم، ويجازيهم عليه على سبيل الوعيد. أو يكتبه في جملة ما يوحى إليك فيطلعك على أسرارهم فلا يحسبوا أن إبطانهم يغنى عنهم"(13).
عن عطاء: "قوله: {والله يكتب ما يبيتون}، قال: يغيرون ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم"(14).
وعن السدي: " قوله: {والله يكتب ما يبيتون}، يقول: ما يقولون"(15).
وفي تفسير قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} [النساء: 81]، وجهان:
أحدهما: يكتبه في اللوح المحفوظ ليجازيهم عليه (16).
(1) انظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة 1/ 133، والخزانة 1/ 153، والعيني (بهامش الخزانة) 2/ 536، وشرح شواهد المغني: 161، وغيرها.
(2)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 562 - 563، ومعاني القرآن: 2/ 81.
(3)
الكشاف: 1/ 539.
(4)
تفسير السمعاني: 1/ 452.
(5)
لم اجد البيت بهذا اللفظ، وانشد الحارث بن حلزة في معلقته نحوه:" أجْمَعُوا أمْرَهُمْ عِشَاءَ فلَمَّا .... أصْبَحُوا أَصْبَحَتْ لُهمْ ضَوْضَاءُ". انظر شرح المعلقات السبع للزوزني: 84.
(6)
تفسير السمعاني: 1/ 452.
(7)
انظر: النكت والعيون: 1/ 510.
(8)
انظر: الكشاف: 40.
(9)
التفسير الميسر: 91.
(10)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 392.
(11)
تفسير الطبري: 8/ 564.
(12)
الوجيز: 2/ 86.
(13)
الكشاف: 1/ 539.
(14)
أخرجه ابن ابي حاتم (5657): ص 3/ 1013.
(15)
أخرجه ابن ابي حاتم (5658): ص 3/ 1013.
(16)
انظر: معاني القرآن: 2/ 81، والنكت والعيون: 1/ 510
والثاني: يكتبه بأن ينزله إليك في الكتاب، وهذا قول الزجاج (1).
قوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} [النساء: 81]، أي:" فتولّ عنهم -أيها الرسول- ولا تبال بهم"(2).
قال ابن عباس: "فاصفح عنهم"(3).
قال مقاتل: "يعني: الجلاس بن سويد، وعمرو بن زيد، فلا تعاتبهم"(4).
قال الزجاج: " أي لا تسم هؤلاء بأعيانهم لما أحب الله من ستر أمر المنافقين إلى أن
يستقيم أمر الإسلام" (5).
قال الزمخشري: أي: " فأعرض عنهم ولا تحدث نفسك بالانتقام منهم"(6).
قوله تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [النساء: 81]، أي:" وفوّض أمرك إِلى الله وثق به"(7).
قال مقاتل: "يعني: وثق بالله- عز وجل"(8).
قال الواحدي: " اعتمد بأمرك عليه"(9).
قال محمد بن إسحاق: " أي: ارض به من العباد"(10).
قال الزمخشري: أي: " وتوكل على الله في شأنهم"(11).
قال التستري: " التوكل طرح البدن في العبودية، وتعلق القلب بالربوبية، والتبري من الحول والقوة، قيل له: بماذا يصل العبد إليه؟ فقال: إن أول الأشياء المعرفة، ثم الإقرار، ثم التوحيد، ثم الإسلام، ثم الإحسان، ثم التفويض، ثم التوكل، ثم السكون إلى الحق جل وعز في جميع الحالات، وقال: لا يصح التوكل إلا للمتقي. قيل: ما التقوى؟ قال: كف الأذى"(12).
قوله تعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء: 81]، أي:" وكفى بالله ناصراً ومعيناً لمن توكل عليه"(13).
قال الواحدي: " معتمدا وملجأ"(14).
قال مقاتل: " يعني: وكفى به منيعا فلا أحد أمنع من الله- عز وجل ويقال وكيلا يعني شهيدا لما يكتمون"(15).
قال الزمخشري: أي: " فإن الله يكفيك معرتهم (16)، وينتقم لك منهم إذا قوى أمر الإسلام وعز أنصاره"(17).
قال البيضاوي: أي: " يكفيك مضرتهم وينتقم لك منهم"(18).
وقد قد ذكر بعض المفسرين أن الإعراض في قوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} ، منسوخ عنهم بآية السيف، وقد ذكر النسخ ابن حزم (19)، وابن سلامة (20)، وابن هلال (21)، كما ذكره ابن الجوزي
(1) انظر: معاني القرآن: 2/ 81.
(2)
التفسير الميسر: 91.
(3)
الوجيز للواحدي: 2/ 86.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 392.
(5)
معاني القرآن: 2/ 81.
(6)
الكشاف: 1/ 539.
(7)
صفوة التفاسير: 268.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 392.
(9)
الوجيز للواحدي: 2/ 86.
(10)
أخرجه ابن ابي حاتم (5677): ص 3/ 1013.
(11)
الكشاف: 1/ 539 - 540.
(12)
تفسير التستري: 54.
(13)
صفوة التفاسير: 268.
(14)
الوجيز للواحدي: 2/ 86.
(15)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 392.
(16)
أى إثمهم.
(17)
الكشاف: 1/ 539 - 540.
(18)
تفسير البيضاوي: 2/ 86.
(19)
في ناسخه ص: 333 ..
(20)
في ناسخه ص: 38.
(21)
في ناسخه المخطوط: ورقة 22.
وعزاه إلى ابن عباس، ولم يبد رأيه (1). وأما النحاس ومكي بن أبي طالب فلم يتعرضا هنا لدعوى النسخ أصلا.
الفوائد:
1 -
أن من أبرز صفات المنافقين موالاة الكفار، وكراهية دين الله والتخذيل في صف المسلمين لذلك حين يبين الله حالهم للمؤمنين: كان لابد من مفاصلتهم والبراءة منهم ونزل في ذلك آيات توضح صور هذه المفاصلة وذلك البراء، منها: هذه الآية التي تشير إلى الإعراض عنهم.
2 -
فضيلة التوكل على الله جل ثناؤه، فلما أكثر المنافقون من الدس والكيد والرياء أمره الوكيل ـ سبحانه ـ أن يتوكل عليه ليكفيه أمرهم ويدفع عنه أذاهم وكل ما لا يقدر على دفعه بنفسه.
3 -
يوصف الله عز وجل بأنه «الوَكِيل» ، وهذا ثابتٌ بالكتاب والسنة، وهو اسم من أسمائه، وهو هو المقيم الكفيل بأرزاق العباد، وحقيقته أنه يستقلُّ بأمر التوكل الموكَل إليه.
قال تعالى في آية أخرى: " {حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيل} [آل عمران: 173]، وقال الرسول-صلى الله عليه وسلم: ""حسبنا الله ونعم الوَكِيل قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم"(2).
القرآن
التفسير:
أفلا ينظر هؤلاء في القرآن، وما جاء به من الحق، نظر تأمل وتدبر، حيث جاء على نسق محكم يقطع بأنه من عند الله وحده؟ ولو كان مِن عند غيره لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا.
قوله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء: 82]، أي:" أفلا ينظر هؤلاء في القرآن، وما جاء به من الحق، نظر تأمل وتدبر، حيث جاء على نسق محكم يقطع بأنه من عند الله وحده"(3).
قال الزجاج: " يعنى به المنافقون"(4).
عن الضحاك: " {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ}، قال: النظر فيه"(5).
قال البيضاوي: " يتأملون في معانيه ويتبصرون ما فيه"(6).
قال الثعلبي: " يعني: أفلا يتفكرون في القرآن، فيرون بعضه يشبه بعضا، ويصدق بعضه بعضا، وإن أحدا من الخلائق لم يكن يقدر عليه فسيعلمون بذلك إنه من عند الله"(7).
قال ابن أبي زمنين: " يقول: لو تدبروه، لم ينافقوا ولآمنوا"(8).
قال ابن كثير: " يقول تعالى آمرًا عباده بتدبر القرآن، وناهيا لهم عن الإعراض عنه، وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة"(9).
قال الطبري: أي: " أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم، يا محمد كتاب الله، فيعلموا حجّة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك، وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم، لاتِّساق معانيه، وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضًا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق"(10).
وقال ابن عباس في رواية الكلبي عنه في هذه الآية: "أفلا يتفكرون في القرآن فيرون بعضه يُشبه بعضًا، ويصدق بعضه بعضًا، وأن أحدًا من الخلائق لم يكن يقدر عليه، فيسلمون بذلك أنه من عند الله"(11).
قال الزمخشري: " تدبر الأمر: تأمله والنظر في إدباره وما يؤل إليه في عاقبته ومنتهاه، ثم استعمل في كل تأمل فمعنى تدبر القرآن: تأمل معانيه وتبصر ما فيه"(12).
(1) انظر: زاد المسير 2/ 143.
(2)
رواه: البخاري (4563).
(3)
التفسير الميسر: 91.
(4)
معاني القرآن: 2/ 82.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (5678): ص 3/ 1013.
(6)
تفسير البيضاوي: 2/ 86.
(7)
تفسير الثعلبي: 3/ 350.
(8)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 390.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 364.
(10)
تفسير الطبري: 8/ 567.
(11)
تنوير المقباس" بهامش المصحف: 91، والتفسير البسيط للواحدي: 6/ 632.
(12)
الكشاف: 1/ 540.
قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ} [النساء: 82]، " أي: لو كان هذا القرآن مختلقاً كما يزعم المشركون والمنافقون" (1).
قال ابن كثير: " أي: لو كان مفتعلا مختلقا، كما يقوله من يقوله من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم"(2).
قوله تعالى: {لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، " أي: لوجدوا فيه تناقضاً كبيراً في أخباره ونظمه ومعانيه" (3).
قال الطبري: اي: " لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض"(4).
قال قتادة: " أي قول الله لا يختلف فيه، حق ليس فيه باطل كقول الناس يختلف"(5).
وقال ابن عباس في رواية الكلبي: " أي تفاوتًا وتناقضًا كثيراً"(6).
قال مقاتل: {اخْتِلَافًا كَثِيرًا} " يعني: كذبا كبيرا، لأن الاختلاف في قول الناس، وقول الله- عز وجل لا اختلاف فيه"(7).
قال ابن كثير: {اخْتِلَافًا كَثِيرًا} ، " أي: اضطرابا وتضادًّا كثيرًا. أي: وهذا سالم من الاختلاف، فهو من عند الله" (8).
قال الزمخشري: " لكان الكثير منه مختلفا متناقضا قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه، فكان بعضه بالغا حد الإعجاز، وبعضه قاصرا عنه يمكن معارضته، وبعضه إخبارا بغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخبارا مخالفا للمخبر عنه، وبعضه دالا على معنى صحيح عند علماء المعاني. وبعضه دالا على معنى فاسد غير ملتئم، فلما تجاوب كله بلاغة معجزة فائتة لقوى البلغاء وتناصر صحة معان وصدق إخبار، علم أنه ليس إلا من عند قادر على ما لا يقدر عليه غيره، عالم بما لا يعلمه أحد سواه. فإن قلت: أليس نحو قوله: {فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} [الأعراف: 107، الشعراء: 32]، {كَأَنَّهَا جَانٌّ} [النمل: 10، القصص: 31]، {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 92]، {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: 39] من الاختلاف؟ قلت: ليس باختلاف عند المتدبرين"(9).
قال ابن المنكدر: " إنما يأتي الاختلاف من قلوب العباد، فأما ما جاء من عند الله فليس فيه اختلاف"(10).
عن ابن وهب قال، قال ابن زيد:"إن القرآن لا يكذّب بعضه بعضًا، ولا ينقض بعضه بعضًا، ما جهل الناس من أمرٍ، فإنما هو من تقصير عقولهم وجهالتهم! وقرأ: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا}. قال: فحقٌّ على المؤمن أن يقول: كل من عند الله، ويؤمن بالمتشابه، ولا يضرب بعضه ببعض وإذا جهل أمرًا ولم يعرف أن يقول: الذي قال الله حق، ويعرف أن الله تعالى لم يقل قولا وينقضه، ينبغي أن يؤمن بحقيقة ما جاء من الله"(11).
قال الشافعي: " أبى الله أن يكون كتاب صحيح غير كتابه، يدل على ذلك قول الله تبارك وتعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}، الآية"(12).
وفي تفسير قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} [النساء: 82]، أربعة اقوال:
أحدها: تناقض من جهة حق وباطل، وهذا قول قتادة (13)، وابن زيد (14).
(1) صفوة التفاسير: 268.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 364.
(3)
صفوة التفاسير: 268.
(4)
تفسير الطبري: 8/ 567.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (5679): ص 3/ 1013.
(6)
تنوير المقباس" بهامش المصحف: 91، والتفسير البسيط للواحدي: 6/ 632.
(7)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 392 - 393.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 364 - 365.
(9)
الكشاف: 1/ 540.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (5680): ص 3/ 1014.
(11)
أخرجه الطبري (9988): ص 8/ 567 - 568.
(12)
تفسير الإمام الشافعي: 2/ 631.
(13)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5679): ص 3/ 1013.
(14)
انظر: تفسير الطبري (9988): ص 8/ 567 - 568.
والثاني: يعني: اختلافاً في الأخبار عما يُسِرُّونَ، وهذا قول الزجاج (1).
قال الزجاج: " أي: لو كان ما يخبرون به مما بيتوا، وما يسرون ويوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم. . لولا أنه من عند الله لما كان الإخبار به غير مختلف، لأن الغيب لا يعلمه إلا الله. وهذا من آيات النبي صلى الله عليه وسلم البينة"(2).
قال الواحدي: " وهذا القول معناه كالأول؛ لأنَّ تأويله: أنه لو كان من عند غير الله لكان ما فيه من الإخبار عن الغيب بعضه حقًا وبعضها باطلًا"(3).
والثالث: من جهة بليغ ومرذول، يعني أنه لو كان من عند مخلوق لكان على قياس كلام العباد، بعضه بليغ حسن وبعضه مرذول فاسد، فلما كان جميع القرآن بليغًا عرف أنه من عند الله. وهذا قول بعض البصريين (4).
والرابع: يعني: ولو كان هو من عند غير الله {لوجدوا فيه} أي في الإخبار عما غاب عنهم، ما كان وما يكون اختلافا كثيرا، يعني تفاوتا بينا. إذا الغيب لا يعلمه إلا الله فيعلم بذلك أنه كلام الله وأن محمدا رسول الله صادق. ذكره الثعلبي عن بعضهم (5).
ومعنى الاختلاف في اللغة: "أن يذهب أحد الشيئيين خلاف ما ذهب إليه الآخر، والأقوال المختلفة أن يذهب بعضها إلى الخطأ وبعضها إلى الصواب، أو بعضها إلى الحسن البليغ وبعضها إلى المرذول القبيح"(6).
قال الجصاص: " فإن الاختلاف على ثلاثة أوجه: اختلاف تناقض بأن يدعو أحد الشيئين إلى فساد الآخر، واختلاف تفاوت وهو أن يكون بعضه بليغا وبعضه مرذولا ساقطا; وهذان الضربان من الاختلاف منفيان عن القرآن، وهو إحدى دلالات إعجازه; لأن كلام سائر الفصحاء والبلغاء إذا طال مثل السور الطوال من القرآن لا يخلو من أن يختلف اختلاف التفاوت. والثالث: اختلاف التلاؤم، وهو أن يكون الجميع متلائما في الحسن، كاختلاف وجوه القراءات ومقادير الآيات واختلاف الأحكام في الناسخ والمنسوخ. فقد تضمنت الآية الحض على الاستدلال بالقرآن لما فيه من وجوه الدلالات على الحق الذي يلزم اعتقاده والعمل به"(7).
ولشيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله كلام جيد يوضح هذا المعنى ويؤكده، فمما قال حول ذلك: "الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وذلك صنفان:
أحدهما: أن يُعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبة تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمَّى
…
كما قيل في اسم السيف: الصارم والمهند، وذلك مثل أسماء الله الحسنى وأسماء رسوله صلى الله عليه وسلم وأسماء القرآن.
الصنف الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه.
ومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللفظ فيه محتملًا للأمرين، إما لكونه مشتركًا في اللفظ كلفظ {قسورة} الذي يراد به الرامي ويراد به الأسد. ولفظ {عسعس} ، الذي يراد به إقبال الليل وإدباره
…
" (8).
الفوائد:
1 -
قال الثعلبي: " وفي هذه الآية دليل على أن القرآن غير مخلوق إذ هو معرى عن الأختلاف من كل الجهات ولو كان مخلوقا لكان لا يخلو من اختلاف وتفاوت"(9).
2 -
كتاب بحجم القرآن يحتوي على أكثر من ستة آلا ف آية لا يوجد تعارض بين اثنتين منها مطلقا، إنه الإعجاز!
(1) انظر: معاني القرآن: 2/ 82.
(2)
معاني القرآن: 2/ 82.
(3)
التفسير البسيط: 6/ 630.
(4)
انظر: النكت والعيون: 1/ 510.
(5)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 350.
(6)
التفسير البسيط للواحدي: 6/ 631.
(7)
أحكام القرآن: 2/ 269.
(8)
مجموع الفتاوى: 13/ 333 - 340، وانظر: البحر المحيط: 3/ 305.
(9)
تفسير الثعلبي: 3/ 350.
3 -
أنه لا اختلاف في القرآن وأن التدبر يعين على تصديق ما أخبر به، قال تعالى:{أفلا يتدبرون القرآن} [النساء: 82] فحضهم على التدبر أولا، ثم أعقبه:{ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء: 82].
4 -
ومن فوائد التدبر لكتاب الله: أنه بذلك يصل العبد إلى درجة اليقين والعلم بأنه كلام الله، لأنه يراه يصدق بعضه بعضا، ويوافق بعضه بعضا. فترى الحكم والقصة والإخبارات تعاد في القرآن في عدة مواضع، كلها متوافقة متصادقة، لا ينقض بعضها بعضا، فبذلك يعلم كمال القرآن وأنه من عند من أحاط علمه بجميع الأمور.
القرآن
التفسير:
وإذا جاء هؤلاء الذين لم يستقر الإيمان في قلوبهم أمْرٌ يجب كتمانه متعلقًا بالأمن الذي يعود خيره على الإسلام والمسلمين، أو بالخوف الذي يلقي في قلوبهم عدم الاطمئنان، أفشوه وأذاعوا به في الناس، ولو ردَّ هؤلاء ما جاءهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أهل العلم والفقه لَعَلِمَ حقيقة معناه أهل الاستنباط منهم. ولولا أنْ تَفَضَّلَ الله عليكم ورحمكم لاتبعتم الشيطان ووساوسه إلا قليلا منكم.
في سبب نزول الآية وجوه:
أحدها: أخرج مسلم (1) وابن أبي حاتم (2)، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ قال:"لما اعتزل نبي الله صلى الله عليه وسلم نساءه؛ قال: دخلت المسجد؛ فإذا الناس ينكتون بالحصى، ويقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب. فقال عمر: فقلت: لأعلمن ذلك اليوم. قال: فدخلت على عائشة، فقلت: يا بنت أبي بكر! أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: مالي ومالك يا ابن الخطاب؟ ! عليك بعيبتك، قال: فدخلت على حفصة بنت عمر، فقلت لها: يا حفصة! أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحبك، ولولا أنا؛ لطلقك رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فبكت أشد البكاء، فقلت لها: أين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: هو في خزانته في المشربة، فدخلت؛ فإذا أنا برباح غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعداً على أسكفة المشربة مدل رجليه على نقير من خشب، وهو جذع يرقى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وينحدر، فناديت: يا رباح! استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فنظر رباح إلى الغرفة، ثم نظر إليّ فلم يقل شيئاً، ثم قلت: يا رباح! استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فنظر رباح إلى الغرفة، ثم نظر إليَّ فلم يقل شيئاً، ثم رفعت صوتي؛ فقلت: يا رباح! استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإني أظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظن أني جئت من أجل حفصة، والله! لئن أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقها؛ لأضربن عنقها، ورفعت صوتي. فأومأ إليّ أن ارقه. فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على حصير. فجلست فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه. فنظرت ببصري في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، ومثلها قرظاً في ناحية الغرفة، وإذا أفيق معلق؛ قال: فابتدرت عيناي، قال: "ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ ! "، قلت: يا نبي الله! ومالي لا أبكي؟ وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفوته، وهذه خزانتك! فقال: "يا ابن الخطاب! ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ "، قلت: بلى، قال: ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في وجهه الغضب، فقلت: يا رسول الله! ما يشق عليك من شأن النساء؟ فإن كنت طلقتهن؛ فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. وقلما تكلمت -وأحمد الله- بكلام؛ إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول، ونزلت هذه الآية: آية التخيير: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ} [التحريم: 5]{وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: 4]. وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم،
(1) صحيح مسلم (1479): ص 2/ 1105 - 1108.
(2)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5682): ص 3/ 1014 مختصرا ..
فقلت: يا رسول الله! أطلقتهن؟ قال: "لا"، قلت: يا رسول الله! إني دخلت المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى، يقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال:"نعم؛ إن شئت"، فلم أزل أحدثه؛ حتى تخسر الغضب عن وجهه، وحتى كشر فضحك. وكان من أحسن الناس ثغراً. ثم نزل نبي الله صلى الله عليه وسلم ونزلت، فنزلت أتشبت بالجذع ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما يمشي على الأرض ما يمسه بيده، فقلت: يا رسول الله! إنما كنت في الغرفة تسعة وعشرين، قال:"إن الشهر يكون تسعاً وعشرين"، فقمت على باب المسجد؛ فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله نساءه، ونزلت هذه الآية:{وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} ؛ فكنت أنا استنبطت ذاك الأمر، وأنزل الله عز وجل آية التخيير" (1).
والثاني: أخرج ابن المنذر عن ابن جريج: " {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به} فهذا في الأخبار، إذا غزت السرية من المسلمين، تخبر الناس عنها، فقالوا: أصاب المسلمون من عدوهم كذا وكذا، وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا، فأفشوه بينهم، من غير أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو يخبرهم به"(2).
والثالث: أنها نزلت في ضعفة المسلمين. وهذا قول الحسن (3)، والزجاج (4).
قال الزجاج: " وكان إذا علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه ظاهر على قوم أمن منهم، أو أعلم تجمع قوم يخاف من جمع مثلهم، أذاع المنافقون ذلك ليحذر من يحذر من الكفار، ويقوى قلب من ينبغي أن يقوى قلبه لما أذاعوا، وكان ضعفة المسلمين يشيعون ذلك معهم من غير علم بالضرر في ذلك"(5).
والرابع: أنها نزلت في المنافقين. وهو قول ابن زيد (6)، والضحاك (7)، وابن عباس في رواية الضحاك (8)، واختاره الثعلبي (9) والبغوي (10).
نقل الثعلبي عن الضحاك عن ابن عباس: "في قوله: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به}: إن المنافقين كانوا إذا أمروا بالقتال لم يطيعوا الله فيما أمرهم به، وإن نهاهم عن محارمه لم ينتهوا عنها، وإن أفضى الرسول إليهم سرا أذاعوا به إلى العدو ليلا بتكتم، فأنزل الله تعالى ردا عليهم"(11).
قال السيوطي: " نزل في جماعة من المنافقين أو في ضعفاء المؤمنين كانوا يفعلون ذلك فتضعف قلوب المؤمنين ويتأذى النبي"(12).
والظاهر-والله اعلم- "أن إشاعة الأخبار وترويج الإشاعات إما أن تكون من المنافقين أعداء الأمة بقصد سيء، وإما أن تكون من ضعاف الإيمان وعوام الناس الجهلة بقصد حسن، وربما كان موقف عمر أحد أسباب النزول"(13).
قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ} [النساء: 83]، "أي: إِذا جاء المنافقين خبرٌ من الأخبار عن المؤمنين بالظفر والغنيمة أو النكبة والهزيمة، أفشوه وأظهروه وتحدثوا به قبل أن يقفوا على حقيقته" (14).
قال الطبري: أي: "وإذا جاء هذه الطائفة المبيّتة غير الذي يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرٌ عن سريةٍ للمسلمين غازية بأنهم قد أمِنوا من عدوهم بغلبتهم إياهم، أو تخوّفهم من عدوهم بإصابة عدوهم
(1) صحيح مسلم (1479): ص 2/ 1105 - 1108.
(2)
تفسير ابن المنذر (2045): ص 2/ 805.
(3)
انظر: النكت والعيون: 1/ 511.
(4)
انظر: معاني القرآن: 2/ 83.
(5)
معاني القرآن: 2/ 83.
(6)
انظر: تفسير الطبري (9994): ص 8/ 570.
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5684): ص 3/ 1014.
(8)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 351.
(9)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 350.
(10)
انظر: تفسير البغوي: 2/ 255.
(11)
تفسير الثعلبي: 3/ 351.
(12)
تفسير الجلالين: 115.
(13)
التفسير المنير: 5/ 175.
(14)
صفوة التفاسير: 268.
منهم، أفشوه وبثّوه في الناس قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبل مأتَى سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم" (1).
قال السدي: "يقول: إذا جاءهم أمر أنهم قد أمنوا من عدوهم أو أنهم خائفين منه"(2)، " {أذاعوا به}، يقول: بالحديث، حتى يبلغ عدوهم أمرهم"(3).
قال ابن عباس: " يقول: أفشوه وسعوا به"(4). وروي عن عكرمة (5)، وقتادة (6)، وعطاء الخراساني (7)، وابن جريج (8) نحو ذلك.
قال الثعلبي: " وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث السرايا فإذا غلبوا أو غلبوا بادر المنافقون إلى الاستفسار عن حال السرايا فيفشون ويحدثون به قبل أن يحدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {وإذا جاءهم}، يعني: المنافقين"(9).
قال الزمخشري: " هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم تكن فيهم خبرة بالأحوال ولا استبطان للأمور، كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمن وسلامة أو خوف وخلل أذاعوا به وكانت إذاعتهم مفسدة"(10).
عن ابن عباس: "كل شيء في القرآن: {ولو}، فإنه لا يكون أبدا"(11).
عن الضحاك: {أذاعوا به} ، يقول: فشوه وسعوا به، وهم أهل النفاق" (12).
قال الزجاج: {أَذَاعُوا بِهِ} ، " أي: أظهروه ونادوا به في الناس" (13)، ومنه قول أبي الأسود (14):
أَذَاعَ بِهِ فِي النَّاسِ حَتَّى كَأَنَّهُ
…
بِعَلْيَاءَ نَارٌ أُوقِدَتْ بِثَقُوبِ
قوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، "أي: ولو ترك هؤلاء الكلام بذلك الأمر الذي بلغهم، وردوه إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإِلى كبراء الصحابة وأهل البصائر منهم، لَعَلِمَ حقيقة معناه أهل الاستنباط منهم" (15).
قال الزجاج: أي: " ولو ردوا ذلك إلى أن يأخذوه من قبل الرسول ومن قبل أولي الأمر منهم، أي من قبل ذوي العلم والرأي منهم"(16).
قال الزمخشري: " ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أولى الأمر منهم- وهم كبراء الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمرون منهم"(17).
(1) تفسير الطبري: 8/ 568.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (5681): ص 3/ 1014.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (5685): ص 3/ 1015.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (5683): ص 3/ 1014.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5683): ص 3/ 1014.
(6)
انظر: تفسير الطبري (9990): ص 8/ 569.
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5683): ص 3/ 1014.
(8)
انظر: تفسير الطبري (9993): ص 8/ 570.
(9)
تفسير الثعلبي: 3/ 350، وانظر: تفسير البغوي: 2/ 255.
(10)
الكشاف: 1/ 540 - 541.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (5686): ص 3/ 1015.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (5684): ص 3/ 1014.
(13)
معاني القرآن: 2/ 83.
(14)
ديوانه (في نفائس المخطوطات: 2): 44، والأغاني 12: 305، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 133، اللسان (ذيع)، من أبيات قالها أبو الأسود الدؤلي لما خطب امرأة من عبد القيس يقال لها أسماء بنت زياد، فأسر أمرها إلى صديق له، فحدث الصديق ابن عم لها كان يخطبها، فمشى ابن عمها إلى أهلها وسألهم أن يمنعوها من نكاحه، ففعلوا، وضاروها حتى تزوجت ابن عمها، فقال أبو الأسود: أَمِنْتُ امْرءَا فِي السَّرِّ لَمْ يَكُ حَازِمًا
…
ولكِنَّهُ فِي النُّصْحِ غَيْرُ مُرِيبِ
أَذَاعَ بِهِ فِي النَّاسِ، حَتَّى كأنَّهُ
…
بِعَلْيَاءَ نَارٌ أُوقِدَتْ بِثُقوبِ
وَكُنْتَ مَتَى لَمْ تَرْعَ سِرَّكَ تَلْتَبِسْ
…
قَوَارِعُهُ مِنْ مُخْطِئٍ وَمُصِيبِ
فَمَا كُلُّ ذِي نُصْحٍ بِمُؤْتِيكَ نُصْحَهُ
…
وَمَا كُلُّ مُؤْتٍ نُصْحَهُ بِلَبِيبِ
وَلكِنْ إِذَا مَا اسْتُجْمِعَا عِنْدَ وَاحِدٍ،
…
فَحُقَّ لهُ مِنْ طَاعَةٍ بِنَصِيبِ
وهي أبيات حسان كما ترى، و " الثقوب ": ما أثقبت به النار، أي أوقدتها.
(15)
انظر: صفوة التفاسير: 268، والتفسير الميسر:91.
(16)
معاني القرآن: 2/ 83.
(17)
الكشاف: 1/ 541.
قال السدي: "لو سكتوا، وردوا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم"(1)، " {وإلى أولي الأمر منهم} يقول: إلى أميرهم حتى يتكلم هو به" (2).
وقال قتادة: {وإلى أولي الأمر منهم} ، يقول: إلى علمائهم" (3). وروي عن خصيف نحو ذلك (4).
قوله تعالى: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، "أي: لَعَلِمَ حقيقة معناه أهل الاستنباط منهم" (5).
قال ابن عباس: " يقول: أعلنوه، وتجسسوه منهم"(6).
وقال عكرمة: "يحرصون عليه ويسألون عنه"(7).
وقال ابن عبيدة والقتيبي: "يخرجونه"(8).
وقال أبو العالية وعطاء الخراساني: " الذين يتتبعونه ويتجسسونه"(9).
قال عمر بن الخطاب: " فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر، فأنزل الله آية التخيير"(10).
وعن مجاهد: قوله: " {لعلمه الذين يستنبطونه منهم}، قولهم ماذا كان؟ وما سمعتم؟ "(11).
عن السدي قوله: لعلمه الذين يستنبطونه منهم على الأخبار، وهم الذين ينقرون عن الأخبار" (12).
وروي عن قتادة أنه قال: "يفحصون"(13).
قال الزجاج: " أي: لعلمه هؤلاء الذين أذاعوا به من ضعفة المسلمين من النبي صلى الله عليه وسلم وذوي العلم، وكانوا يعلمون مع ذلك هل ينبغي أن يذاع أو لا يذاع"(14).
قال الزمخشري: أي: " لعلم تدبير ما أخبروا به الذين يستنبطونه الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها. وقيل: كانوا يقفون من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولى الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعار، فيذيعونه فينتشر فيبلغ الأعداء، فتعود إذاعتهم مفسدة. ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر وفوضوه إليهم وكانوا كأن لم يسمعوا، لعلم الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه. وقيل: كانوا يسمعون من أفواه المنافقين شيئا من الخبر عن السرايا مظنونا غير معلوم الصحة فيذيعونه، فيعود ذلك وبالأعلى المؤمنين. ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر وقالوا نسكت حتى نسمعه منهم ونعلم هل هو مما يذاع أو لا يذاع، لعلمه الذين يستنبطونه منهم، لعلم صحته وهل هو مما يذاع أو لا يذاع هؤلاء المذيعون، وهم الذين يستنبطونه من الرسول وأولى الأمر، أى يتلقونه منهم ويستخرجون علمه من جهتهم"(15).
ومعنى {يستنبطونه} في اللغة: " يستخرجونه، وأصله من النبط وهو الماء الذي يخرج من البئر في أول ما يحفر، يقال من ذلك: قد أنبط فلان في غضراء، أي استنبط الماء من طين حر. والنبط إنما سموا نبطا لاستنباطهم ما يخرج من الأرضين"(16).
وقرئ: {لعلمه} ، بإسكان اللام (17).
قوله تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83]، أي:" ولولا أنْ تَفَضَّلَ الله عليكم ورحمكم لاتبعتم الشيطان ووساوسه إلا قليلا منكم"(18).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (5687): ص 3/ 1015.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (5688): ص 3/ 1015.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (5609): ص 3/ 1015.
(4)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5609): ص 3/ 1015.
(5)
انظر: صفوة التفاسير: 268، والتفسير الميسر:91.
(6)
أخرجه ابن ابي حاتم (5692): ص 3/ 1016.
(7)
تفسير الثعلبي: 3/ 351.
(8)
تفسير الثعلبي: 3/ 351.
(9)
أخرجه ابن ابي حاتم (5693): ص 3/ 1016.
(10)
أخرجه ابن ابي حاتم (5691): ص 3/ 1015.
(11)
أخرجه ابن ابي حاتم (5694): ص 3/ 1016.
(12)
أخرجه ابن ابي حاتم (5695): ص 3/ 1016.
(13)
أخرجه ابن ابي حاتم (5695): ص 3/ 1016.
(14)
معاني القرآن: 2/ 83.
(15)
الكشاف: 1/ 541.
(16)
معاني القرآن للزجاج: 2/ 83.
(17)
انظر: الكشاف: 1/ 541.
(18)
التفسير الميسر/91.
قال مجاهد: " فضل الله: الدين"(1). وروي عن أبي العالية، وعكرمة، وهلال بن يساف، وقتادة، والربيع أنس نحو ذلك (2).
وقال أبو سعيد: " فضل الله القرآن"(3). وروي عن زيد بن أسلم مثل ذلك (4).
عن ابن عباس: " {ورحمته}، قال: ورحمته أن جعلكم من أهل القرآن"(5). وروي عن أبي العالية، ومجاهد، والحسن، والضحاك، وهلال بن يساف، وقتادة، وزيد بن أسلم، وسالم ابن أبي الجعد، والربيع بن أنس نحو ذلك (6).
وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه: "قول الله تعالى: {ورحمته} ، قال:
الإسلام" (7).
وعن قتادة في قوله: " {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا}، يقول: لاتبعتم الشيطان كلكم"(8).
وعن ابن عباس قوله: " {إلا قليلا}، يعني: بالقليل: المؤمنين"(9).
وعن الضحاك قوله: " {إلا قليلا}، فهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا حدثوا أنفسهم بأمر من أمر الشيطان"(10).
قال مقاتل: {{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ} " يعني: ونعمته، فعصمكم من قول المنافقين، {لاتبعتم الشيطان إلا قليلا}، نزلت في أناس كانوا يحدثون أنفسهم بالشرك"(11).
قال الزمخشري: {فضل الله} : "هو إرسال الرسول، وإنزال الكتاب، والتوفيق، {لاتبعتم الشيطان}، أي: لبقيتم على الكفر إلا قليلا منكم، أو إلا اتباعا قليل"(12).
وفي تفسير قوله تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83]، وجوه:
أحدها: معناه: لولا ما أنزله الله عليكم من القرآن، وبيّن لكم من الآيات على لسان نبيه لاتبعتم الشيطان إلا قليلا منكم لمم يكن يتبع الشيطان. ذكره الزجاج عن بعضهم (13).
والثاني: لعلمه الذين يستنبطون إلا قليلاً منكم. وهذا قول الحسن (14)، وقتادة (15)، وأهل اللغة (16).
والثالث: أن المعنى: أذاعوا به إلا قليلاً لم يذع ولم يفش، وهذا قول ابن عباس (17)، وابن زيد (18)، والكلبي (19)، وهو اختيار الفراء (20)، والنحويين (21).
قال الفراء: " وهو أجود، لأن علم السرايا إذا ظهر علمه المستنبط وغيره، والإذاعة قد تكون في بعضهم دون بعض. فلذلك استحسنت الاستثناء من الإذاعة"(22).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (5696): ص 3/ 1016.
(2)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5696): ص 3/ 1016.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (5697): ص 3/ 1016.
(4)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5697): ص 3/ 1016.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (5698): ص 3/ 1016.
(6)
انظر تفسير ابن أبي حاتم (5698): ص 3/ 1016.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (5699): ص 3/ 1017.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (5701): ص 3/ 1017.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (5702): ص 3/ 1017.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (5703): ص 3/ 1017.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 393.
(12)
الكشاف: 1/ 541.
(13)
انظر: معاني القرآن: 2/ 84.
(14)
انظر: النكت والعيون: 1/ 511.
(15)
انظر: النكت والعيون: 1/ 511.
(16)
انظر: معاني القرآن: 2/ 84.
(17)
انظر: النكت والعيون: 1/ 512.
(18)
انظر: النكت والعيون: 1/ 512.
(19)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 351.
(20)
انظر: معاني القرآن: 1/ 279.
(21)
انظر: معاني القرآن: 2/ 84.
(22)
معاني القرآن: 1/ 279 - 280.
فاحتجوا بأن ما علم بالاستنباط فليس الأكثر يعرفه، إنما يستنبط القليل، لأن الفضائل والاستنباط، والاستخراج في القليل من الناس، فييكون الاستثناء من «أذاعوا به إلا قليلا» أجود (1).
قال الزجاج: " وهذا في هذا الموضع غلط من النحويين، لأن هذا الاستنباط ليس بشيء يستخرج بنظر وتفكر، إنما هو استنباط خبر، فالأكثر يعرف الخبر، إذا خبر به، وإنما القليل المبالغ في البلادة لا يعلم ما يخبر به والقول الأول مع هذين القولين جائزة كلها، لأن القرآن قبل أن ينزل والنبي قبل أن يبعث قد كان في الناس القليل ممن لم يشاهد القرآن ولا النبي صلى الله عليه وسلم – مؤمنا، وقد يجوز أن يقول القائل إن من كان قبل هذا مؤمنا فبفضل الله وبرحمته آمن، فالفضل والرحمة لا يخلو منهما من نال ثواب الله جل وعز إلا أن المقصود به في هذا الموضع النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن "(2).
الفوائد:
1 -
في هذه الآية تأديب لمن يحدث بكل ما يسمع، وكفى به كذبا، وخصوصا عن مثل السرايا والمناصبين الأعداء والمقيمين في نحر العدو، وما أعظم المفسدة في لهج العامة بكل ما يسمعون من أخبارهم، خيرا أو غيره (3).
2 -
وفي هذه الآية دليل ممن يحبون القول بالاجتهاد عند عدم النص.
3 -
ومنها: أن العلم محيط بالاستنباط، ليس تلاوة. يؤخذ من قوله:{لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} ، وإذا كان إدراكه بالاستنباط، فقد دل بذلك على أن من العلم ما يدرك بالتلاوة والرواية وهو النص، ومنه ما يدرك منه ومن المعنى، وحقيقة الاعتبار والاستنباط من القياس للحكم بالمعاني المودعة في النصوص غير الحكم بالنصوص (4).
القرآن
التفسير:
فجاهد -أيها النبي- في سبيل الله لإعلاء كلمته، لا تلزم فعل غيرك ولا تؤاخذ به، وحُضَّ المؤمنين على القتال والجهاد، ورغِّبهم فيه، لعل الله يمنع بك وبهم بأس الكافرين وشدتهم. والله تعالى أشد قوة وأعظم عقوبة للكافرين.
في سبب نزول الآية:
قال الثعلبي: " وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما التقى هو وأبو سفيان بن حرب يوم أحد وكان من هربهم ما كان، ورجع أبو سفيان إلى مكة فواعد رسول الله صلى الله عليه وسلم موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد قال الناس: اخرجوا إلى العدو، فكرهوا ذلك كراهة شديدة أو بعضهم، فأنزل الله تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ} "(5).
قوله تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ} [النساء: 84]، " أي: فقاتل يا محمد لإِعلاء كلمة الله ولو وحدك" (6).
قال الثعلبي: " أي: لا تدع جهاد العدو وإنصاف المستضعفين من المؤمنين ولو وحدك"(7).
قال الواحدي: " أَيْ: إلَاّ فعلَ نفسك على معنى: أنَّه لا ضرر عليك في فعل غيرك فلا تهتمَّ بتخلُّف مَنْ يتخلَّف عن الجهاد"(8).
قال الزجاج: " أمره الله بالقتال ولو أنه قاتل وحده، لأنه قد ضمن له النصر"(9).
(1) انظر: معاني القرآن: 2/ 84.
(2)
معاني القرآن: 2/ 84.
(3)
انظر: الكشاف: 1/ 540، الهامش (2) ..
(4)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 351 - 352.
(5)
تفسير الثعلبي: 3/ 352، وانظر: الكشاف: 1/ 542.
(6)
صفوة التفاسير: 268.
(7)
فسير الثعلبي: 3/ 352.
(8)
الوجيز: 278.
(9)
معاني القرآن: 2/ 85.
قال ابن ابي زمنين: " أي: أخبرهم بحسن ثواب الله في الآخرة للشهداء"(1).
قال مقاتل: " أمره أن يقاتل بنفسه، {لا تكلف إلا نفسك}، يعني: ليس عليك ذنب غيرك"(2).
قال سعيد بن جبير: " {فِي سَبِيلِ اللَّهِ}، يعني: في طاعة الله"(3).
قال الزمخشري: " لما ذكر في الآي قبلها تثبطهم عن القتال، وإظهارهم الطاعة وإضمارهم خلافها. قال: {فقاتل في سبيل الله}، إن أفردوك وتركوك وحدك، {لا تكلف إلا نفسك}، غير نفسك وحدها أن تقدمها إلى الجهاد، فإن الله هو ناصرك لا الجنود، فإن شاء نصرك وحدك كما ينصرك وحولك الألوف"(4).
قال الجصاص: " أوجب عليه فرض الجهاد من وجهين: أحدهما: بنفسه، ومباشرة القتال وحضوره، والآخر: بالتحريض والحث والبيان"(5).
قال الراغب: " ن قيل: كيف قال: {لا تكلف إلا نفسك} وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم ليكلف الناس؟
قيل: لم يعن التكليف الاستدعاء الذي رشح له، ألا ترى أنه قال {وحرض المؤمنين} الآية تقتضي أن على الإنسان أن لا يني في نصرة الحق وإن تفرد، يعد أن لا يني في فعله.
وروي أن أبا بكر رضي الله عنه قال: «لو خالفتني يميني جاهدتها بشمالي» (6)، وتلا هذه الآية.
وقال بعض الحكماء: من طلب رفيقا في سلوك طريق الحق فلقلة يقينه، وسوء معرفته.
فالمحقق للسعادة والعارف بالطريق إليها لا يفرح على رفيق ولا يبالي بطول طريق، فمن خطب الحسناء لم يغلها مهر" (7).
وقرئ {لا تكلف} ، بالجزم على النهى. ولا نكلف: بالنون وكسر اللام، أى لا نكلف نحن إلا نفسك وحدها (8).
قوله تعالى: {وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 84]، " أي شجَّع المؤمنين على القتال ورغبْهم فيه"(9).
عن أبي سنان: "قوله: {وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ}، قال: عظمهم"(10).
قال أبو عبيدة: " أي: حضض "(11).
قال مقاتل: " يعنى: وحضض على القتال، يعني: على قتال العدو"(12).
قال الزمخشري: أي: " وما عليك في شأنهم إلا التحريض فحسب، لا التعنيف بهم"(13).
قال الواحدي: " حُضَّهم على القتال"(14).
قال ابن كثير: "أي: على القتال ورغبهم فيه وشجعهم عنده كما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وهو يسوي الصفوف: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض» (15) "(16).
قال ابن عطية: " هذا أمر في ظاهر اللفظ للنبي عليه السلام وحده، لكن لم نجد قط في خبر أن القتال فرض على النبي صلى الله عليه وسلم دون الأمة مدة ما، المعنى- والله أعلم- أنه خطاب للنبي عليه السلام في اللفظ، وهو مثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه، أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك القول له: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك}، ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يستشعر أن يجاهد ولو وحده"(17).
(1) تفسير ابن ابي زمنين: 1/ 391.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 393.
(3)
أخرجه ابن ابي حاتم (5705): ص 3/ 1018.
(4)
الكشاف: 1/ 542.
(5)
أحكام القرىن: 3/ 148.
(6)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 85، وتفسير السمرقندي: 1/ 322، وتفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1356.
(7)
تفسير الراغب الاصفهاني: 3/ 1356 - 1357.
(8)
انظر: الكشاف: 1/ 542.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 393.
(10)
أخرجه ابن ابي حاتم (5706): ص 3/ 1018.
(11)
أخرجه ابن المنذر (2059): ص 2/ 811.
(12)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 393.
(13)
الكشاف: 1/ 542.
(14)
الوجيز: 278.
(15)
أخرجه أحمد (12425): ص 3/ 136، وعبد بن حميد (1272)، ومسلم (4950): ص 6/ 44، وأبو داود (2618).
(16)
تفسير ابن كثير: 2/ 367.
(17)
المحرر الوجيز: 2/ 86.
ومن ذلك قول النبي عليه السلام «فوالذي نفسي بيده، لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره» (1)، وقول أبي بكر وقت الردة:«ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي» (2).
ومن أحاديث الترغيب في قتال المشركين ايضا:
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، كان حقا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها" قالوا: يا رسول الله، أفلا نبشر الناسَ بذلك؟ فقال:"إن في الجنة مائةَ درجة، أعدَّها الله للمجاهدين في سبيل الله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة. وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تُفَجَّر أنهار الجنة"(3).
وعن أبي سعيد الخدْري أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «يا أبا سعيد، من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيًا، وجبت له الجنة»، قال: فعجب لها أبو سعيد فقال: أعدها عليَّ يا رسول الله. ففعل. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض»، قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» "(4).
قوله تعالى: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 84]، أي:" لعل الله يمنع بك وبهم بأس الكافرين وشدتهم"(5).
قال الطبري: أي: " لعل الله أن يكف قتال من كفر بالله وجحد وحدانيته وأنكر رسالتك، عنك وعنهم، ونكايتهم"(6).
قال الزمخشري: " {الذين كفروا}، وهم قريش، وقد كف بأسهم فقد بدا لأبى سفيان وقال: هذا عام مجدب، وما كان معهم زاد إلا السويق، ولا يلقون إلا في عام مخصب فرجع بهم"(7).
قال مقاتل: " يعنى: قتال الذين كفروا"(8).
قال الراغب: " أي: كن راجيا في دفع أذاهم، وقول المفسرين: عسى من الله واجب، أي الكريم إذا رجي حقق"(9).
قال ابن عباس: " {عسى} من الله واجب"(10).
قال أبو عبيدة: " "{عسى الله} هي إيجاب، وهي في القرآن كلها واجبة، فجاءت على إحدى لغتي العرب، لأن عسى في كلامهم رجاء ويقين، قال ابن مقبل (11):
ظَنِّي بِهِمْ كَعَسَى وَهُمْ بِتَنوُفَةٍ
…
يَتَنَازَعُون جوائز الأمثال
أي: ظني بهم يقين" (12).
قال سفيان: "في قراءة ابن مسعود هكذا: «عسى الله أن يكف عن بأس الذين كفروا» "(13).
(1) أخرجه أحمد (18928): ص 31/ 243 - 256 مطولا، والبخاري في صحيحه (2731): ص 3/ 19، وانظر: مصنف عبدالرزاق الصنعاني 5/ 320.
(2)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 85، وتفسير السمرقندي: 1/ 322، وتفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1356، والمحرر الوجيز: 2/ 86.
(3)
) صحيح البخاري (2790).
(4)
صحيح مسلم (1884) ..
(5)
التفسير الميسر: 91.
(6)
تفسير الطبري: 8/ 579.
(7)
الكشاف: 1/ 542.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 393.
(9)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1358 - 1359.
(10)
أخرجه ابن ابي حاتم (5707): ص 3/ 1018.
(11)
ورد البيت في "الأضداد" لابن الأنباري ص 23، "الأضداد" للأصمعي ص 35، والسجستاني ص 95، وابن السكيت ص 188، "تهذيب اللغة"(ظن) 3/ 2253، "اللسان" 2/ 724 (جوز)، و 5/ 2762 (ظن)، و 5/ 2950 (عسا)، "الجمهرة" 1/ 154، 2/ 935، "الخزانة" 9/ 333.
ويروى البيت (ظن) و (ظنوا) بدل (ظني) وفي "الجمهرة": (عهدي بهم) في موضع: (ظني بهم) وفي عدد من المصادر "جوائز الأمثال" وفي "الجمهرة"(جوائب) ويروى (سوائر). ولم أجد رواية (جوانب الأميال) والتنوفة: الفلاة، يتنازعون، يتجاذبون، جوائز الأمثال:(الأمثال السائرة) في البلاد، وبمعناه:(جوائب الأمثال) من جاب يجوب.
(12)
مجاز القرآن: 1/ 134، وأخرجه ابن المنذر (2060): ص 2/ 811.
(13)
أخرجه ابن ابي حاتم (5708): ص 3/ 1018.
قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا} [النساء: 84]، "أي: هو سبحانه أشد قوة وسطوة، وأعظم عقوبة وعذاباً" (1).
قال الزمخشري: " والله أشد بأسا من قريش وأشد تنكيلا تعذيبا"(2).
قال الطبري: أي: " والله أشد نكاية في عدوه، من أهل الكفر به منهم فيك يا محمد وفي أصحابك، فلا تنكُلَنَّ عن قتالهم، فإني راصِدُهم بالبأس والنكاية والتنكيل والعقوبة، لأوهن كيدهم، وأضعف بأسهم، وأعلي الحق عليهم"(3).
قال ابن كثير: " أي: هو قادر عليهم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مَنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 4] "(4).
قال مقاتل: {بَأْسًا} " يعنى: أخذا، {وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا}، يعني: نكالا، يعني عقوبة من الكفار"(5).
قال سفيان: " {وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا}، أي تعسرا"(6).
عن قتادة قوله: " {والله أشد بأسا وأشد تنكيلا}، أي: عقوبة"(7).
قال الراغب: " قوله: {والله أشد بأسا وأشد تنكيلا}، تنبيه أنك لا تحتاج أن تقصر عن قتالهم، فالله معك، وهو أشد بأسا من عداك، فلا يجب أن ينكادك من تاخر عنك، و «التنكيل»: مصدر نكلت به، والنكال العقوبة التي تنكل المعاقب وغير المعاقب عن إتيان مثله، وأصله من النكل، وهو ضرب من القيد، ومنه نكل عن الشيء"(8).
قال ابن الجوزي: " وقد زعم بعض منتحلي التفسير أن قوله: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ} [النساء: 84] منسوخ بآية السيف (9)، فكأنه استشعر أن معنى الكلام: لا تكلف أن تقاتل أحدا، وليس كذلك، إنما المعنى: لا تكلف في الجهاد إلا فعل نفسك"(10).
الفوائد:
1 -
فضيلة الجهاد في سبيل الله، وأنه ينبغي لكل مؤمن أن يجاهد ولو وحده، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"والله لا قاتلنهم حتى تنفرد (11) سالفتي"(12).
وقول أبي بكر وقت الردة: ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي" (13).
2 -
ومن الفوائد: حث المؤمنين على القتال، وتحريك هممهم إلى الشهادة.
3 -
أن هذه الآية في الغاية القصوى من التحريض على القتال وخوض المعارك، فلا يكلف إلا النبي وحده إذا امتنع المسلمون عن مشاركته في الجهاد، والمعنى لا تدع جهاد العدو والاستنصار عليهم للمستضعفين من المؤمنين، ولو وحدك لأنه وعده بالنصر (14).
القرآن
التفسير:
من يَسْعَ لحصول غيره على الخير يكن له بشفاعته نصيب من الثواب، ومن يَسْعَ لإيصال الشر إلى غيره يكن له نصيب من الوزر والإثم. وكان الله على كل شيء شاهدًا وحفيظًا.
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 393.
(2)
الكشاف: 1/ 542.
(3)
تفسير الطبري: 8/ 580.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 368.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 393.
(6)
أخرجه ابن ابي حاتم (5710): ص 3/ 1018.
(7)
أخرجه ابن ابي حاتم (5709): ص 3/ 1018.
(8)
تفسير الرابغ الأصفهاني: 3/ 1356 - 3/ 1358.
(9)
ذكر النسخ هنا ابن سلامة في ناسخه: 38 ..
(10)
نواسخ القرآن: 2/ 379.
(11)
أي حتى أموت. والسالفة: صفحة العنق، وكنى بانفرادها عن الموت، لأنها لا تنفرد عما يليها الا به ..
(12)
أخرجه البخاري (2731 - 2732) من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم.
(13)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 85، وتفسير السمرقندي: 1/ 322، وتفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1356، والمحرر الوجيز: 2/ 86.
(14)
انظر: التفسير المنير للزحيلي: 5/ 180.
قوله تعالى: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا} [النساء: 85]، أي:" من يَسْعَ لحصول غيره على الخير يكن له بشفاعته نصيب من الثواب"(1).
قال ابن كثير: " أي: من سعى في أمر، فترتب عليه خير، كان له نصيب من ذلك"(2).
قال الواحدي: " هي كلُّ شفاعة تجوز في الدِّين، كان له فيها أجر"(3).
قوله تعالى: {وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا} [النساء: 85]، أي:" ومن يَسْعَ لإيصال الشر إلى غيره يكن له نصيب من الوزر والإثم"(4).
قال مقاتل: " وهو الرجل يذكر أخاه بسوء عند رجل فيصيبه عنت منه، فيأثم المبلغ، {يكن له كفل منها}، يعني إثما من شفاعته"(5).
قال ابن كثير أي: يكون عليه وزر من ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه ونيته، كما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء» (6) " (7).
في «الشفاعة الحسنة والشفاعة السيئة» ، أقوال:
أحدها: أنه في شفاعات الناس بينهم في حوائجهم، فمن يشفع لينفع فله نصيب، ومن يشفع ليضر فله كفل، وهذا قول الحسن (8)، ومجاهد (9)، وابن زيد (10).
والثاني: أن المعنى: من يشفع وتر الإسلام بالمعونة للمسلمين، أو من يشفع وتر الكفر بالمعونة على الإسلام، ودله على هذا التأويل ما تقدم من أمر القتال. وهذا قول الطبري (11).
والثالث: أن «الشفاعة الحسنة» هي في البر والطاعة، والسيئة هي في المعاصي. وهذا قول الحسن أيضا (12).
والرابع: أن الشفاعة الحسنة الدعاء للمؤمنين، لأنها في معنى الشفاعة إلى الله، والشفاعة السيئة الدعاء عليهم، لأن اليهود كانت تفعل ذلك فتوعَّدَهُم الله عليه (13).
قال ابن عطية: " وهذا كله قريب بعضه من بعض"(14).
قال الزمخشري: " الشفاعة الحسنة: هي التي روعي بها حق مسلم، ودفع بها عنه شر أو جلب إليه خير. وابتغى بها وجه الله ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز لا في حد من حدود الله ولا في حق من الحقوق. والسيئة: ما كان بخلاف ذلك. وعن مسروق أنه شفع شفاعة فأهدى إليه المشفوع جارية، فغضب وردها وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك، ولا أتكلم فيما بقي منها"(15).
وفي الكِفْلِ تأويلان:
أحدها: أنه الوِزر والإثم، وهو قول الحسن (16)، وقتادة (17).
والثاني: أنه النصيب، كما قال تعالى:{يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} [الحديد: 28] وهو قول السدي (18)، وقتادة في إحدى الروايات (19)، والربيع (20)، وابن زيد (21)، وأبي عبيدة (22).
(1) التفسير الميسر: 91.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 368.
(3)
الوجيز: 279.
(4)
التفسير الميسر: 91.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 394.
(6)
أخرجه الحميدي (771)، واحمد: 4/ 40، 409، 413، والبخاري: 14/ 2، 8، و 15/ 8، و 9/ 171، ومسلم: 8/ 37، وأبو داود (5131)، و (5133)، والترمذي (2672)، والنسائس: 5/ 77.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 368.
(8)
انظر: تفسير الطبري (10017): ص 8/ 581 - 582.
(9)
انظر: تفسير الطبري (10015): ص 8/ 581.
(10)
انظر: تفسير الطبري (10019): ص 8/ 582.
(11)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 581.
(12)
انظر: المحرر الوجيز: 2/ 86.
(13)
انظر: النكت والعيون: 1/ 512.
(14)
المحرر الوجيز: 2/ 86.
(15)
الكشاف: 1/ 543.
(16)
انظر: النكت والعيون: 1/ 512.
(17)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5718): ص 3/ 1019.
(18)
انظر: تفسير الطبري (10021): ص 8/ 582.
(19)
انظر: تفسير الطبري (10020): ص 8/ 582.
(20)
انظر: تفسير الطبري (10022): ص 8/ 582.
(21)
انظر: تفسير الطبري (10023): ص 8/ 582 - 583.
(22)
انظر: تفسير ابن المنذر (2065): ص 2/ 813.
والراجح-والله أعلم- أن: " «الكفل»، النصيب والحظ من الوزر والإثم، وهو مأخوذ من: كِفل البعير والمركب، وهو الكساء أو الشيء يهيأ عليه شبيه بالسرج على الدابة"(1).
قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا} [النساء: 85]، أي:" وكان الله على كل شيء شاهدًا وحفيظًا"(2).
وفي قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا} [النساء: 85]، وجوه:
أحدها: يعني مقتدراً، وهو قول السدي (3)، وابن زيد (4)، وسعيد بن جبير (5).
والثاني: حفيظاً، وهو قول ابن عباس (6)، والزجاج (7)، وأبي عبيدة (8).
والثالث: شهيداً، وهو قول مجاهد (9).
والرابع: حسيباً، وهو قول ابن الحجاج (10)، ويحكى عن مجاهد أيضاً (11).
والخامس: مجازياً (12).
والسادس: القائم على كل شيء بالتدبير. وهذا قول عبدالله بن كثير (13).
والسادس: ان المقيت: الرازق. وهذا قول الضحاك (14).
والراجح-والله أعلم- ان " معنى «المقيت» : القدير، وذلك أن ذلك فيما يُذكر، كذلك بلغة قريش، وينشد للزبير بن عبد المطلب عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم (15):
وَذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ
…
وَكُنْتُ عَلَى مَسَاءتِهِ مُقِيتَا
أي: قادرًا. وقد قيل إن منه قول النبي صلى الله عليه وسلم: - «كفى بالمرء إثما أن يُضِيعَ من يُقيت» (16)، في رواية من رواها:«يُقيت» ، يعني: من هو تحت يديه وفي سلطانه من أهله وعياله، فيقدّر له قوته. يقال منه: أقات فلان الشيء يقتيه إقاتة، وقاته يقوته قياتةً وقُوتًا، والقوت، الاسم، وأما «المقيت» في بيت اليهوديّ الذي يقول فيه (17):
لَيْتَ شِعْرِي، وَأَشْعُرَنَّ إِذَا مَا
…
قَرَّبُوهَا مَنْشُورَةً وَدُعِيتُ!
أَلِيَ الْفَضْلُ أَمْ عَلَيَّ إذا حُوسِبْتُ?
…
إِنِّي عَلَى الْحِسَابِ مُقِيتُ
فإن معناه: فإنّي على الحساب موقوف، وهو من غير هذا المعنى" (18).
الفوائد:
1 -
أن الشفاعات الدنيوية منها ما هو مشروع، ومنها ما ليس بمشروع، وهي تنقسم إلى قسمين:
(1) تفسير الطبري: 8/ 581.
(2)
التفسير الميسر: 91.
(3)
انظر: تفسير الطبري (10029): ص 8/ 584.
(4)
انظر: تفسير الطبري (10030): ص 8/ 584.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5722): ص 3/ 1020.
(6)
انظر: تفسير الطبري (10024): ص 8/ 583.
(7)
انظر: معاني القرآن: 2/ 85.
(8)
انظر: تفسير ابن المنذر (2069): ص 2/ 814.
(9)
انظر: تفسير الطبري (10025): ص 8/ 583.
(10)
انظر: النكت والعيون: 1/ 513.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5724): ص 3/ 1020.
(12)
انظر: النكت والعيون: 1/ 513.
(13)
انظر: تفسير الطبري (10029): ص 8/ 584.
(14)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5723): ص 3/ 1020.
(15)
انظر: اللسان، مادة"قوت"، وطبقات فحول الشعراء: 242، 243 ..
(16)
رواه أحمد في مسنده، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رقم: 6495، 6819، 6828، 6842، والحاكم في المستدرك 1: 415، وهو حديث صحيح، وروايته " يقوت ".
(17)
البيت لسموال بن عادياء اليهودي، انظر: ديوانه: 13، 14، والأصمعيات: 85، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 135، وطبقات فحول الشعراء للجمحي: 236، 237، اللسان (قوت) وغيرها. وقوله:" ليت شعري ": أي ليتني أعلم ما يكون. وقوله: " وأشعرن " استفهام، أي: وهل أشعرن. وقوله: " قربوها منشورة " يعني: صحف أعماله يوم يقوم الناس لرب العالمين. وفي البيت روايات أخر ..
(18)
تفسير الطبري: 8/ 584 - 585.
أحدهما: شفاعة حسنة، ومثالها: إذا استشفع شخص بشخص آخر عند ذي مال أو منصب أو سلطان ليشفع له عنده برفع حاجته إليه، لإظهار حقه أو إزالة الضرر والظلم عنه، فإنَّ تلك الشفاعة جائزة، وينال فاعلها الثواب من الله تبارك وتعالى، بدليل قوله تعالى:{مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا} ، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء"(1).
والثاني: الشفاعة السيئة: وهي ما إذا استشفع شخصٌ بشخص آخر في تعطيل حد من الحدود، أو إسقاط حق من الحقوق، أو إلحاق الضرر بآخر، فإنَّ تلك الشفاعة غير جائزة، وينال فاعلُها العقاب، بدليل قوله تعالى:{وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا} .
وقد أمر الله تعالى عباده بالتعاون على فعل الخيرات، ونهاهم عن المنكرات، فقال تعالى:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} ] المائدة: 2].
2 -
إثبات اسمه تعالى «المقيت» : يوصف الله عز وجل بأنه مُقِيت، يقدر لعباده القوت، ويحفظ عليهم رزقهم، وهذا ثابت بالكتاب العزيز. والمقيت من أسمائه تعالى.
القرآن
التفسير:
وإذا سلَّم عليكم المسلم فردُّوا عليه بأفضل مما سلَّم لفظًا وبشاشةً، أو ردوا عليه بمثل ما سلَّم، ولكل ثوابه وجزاؤه. إن الله تعالى كان على كل شيء مجازيًا.
سبب نزول الآية:
قال مقاتل والثعلبي: " نزلت في نفر بخلوا بالسلام"(2).
قوله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ} [النساء: 86]، " أي: إِذا سلّم عليكم المسلم" (3).
قال ابن عباس: " من سلم عليك من خلق الله"(4).
قال الطبري: أي: " إذا دعي لكم بطول الحياة والبقاء والسلامة"(5).
قال ابن ابي زمنين: " التحية: السلام"(6).
في المراد بالتحية ها هنا قولان:
أحدهما: أنه الدعاء بطول الحياة والبقاء والسلامة. وهذا قول الطبري (7).
والثاني: أنه السلام، وهو تطوع مستحب، ورده فرض. وهذا قول الحسن (8).
قال السمعاني: " أكثر المفسرين على أن المراد بالتحية هاهنا: السلام، وأصل التحية: هو دعاء بالحياة، وهو في الشريعة عبارة عن السلام، والسلام: دعاء السلامة، وقد تكون التحية بمعنى: الملك والبقاء، ومنه: التحيات لله، ومنه قول زهير بن جناب (9):
من كل ما نال الفتى
…
قد نلتُه إلا التحيهْ
يعني: إلا الملك" (10).
قوله تعالى: {فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86]، أي:" فردوا عليه بأفضل مما سلّم أو رُدُّوا عليه بمثل ما سلّم"(11).
(1) صحيح البخاري بشرح الفتح 3/ 299 كتاب الزكاة، باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها، ومسلم 4/ 2026 كتاب البر والصلة، حديث رقم: 145، وأحمد في المسند 4/ 400 ..
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 394، وانظر: تفسير الثعلبي: 3/ 354
(3)
صفوة التفاسير: 269، والتفسير الميسر:91.
(4)
أخرجه ابن ابي حاتم (5725): ص 3/ 1020.
(5)
تفسير الطبري: 8/ 586.
(6)
تفسير ابن ابي زمنين: 1/ 392.
(7)
انظر: تفسي الطبري: 8/ 585.
(8)
انظر: تفسير الطبري (10046): ص 8/ 589.
(9)
البيت في "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 75، و"الشعر والشعراء" ص 240، و"طبقات الشعراء" ص 37، و"تهذيب اللغة" 1/ 255 (حي)، و"اللسان" 2/ 1079 (حيا).
(10)
تفسير السمعاني: 1/ 456.
(11)
صفوة التفاسير: 269.
قال مقاتل: " يقول: فردوا عليه أحسن مما قال، قال: فيقول: وعليك ورحمة الله وبركاته، أو يرد عليه مثل ما سلم عليه"(1).
قال الطبري: " يقول: فادعوا لمن دعا لكم بذلك بأحسن مما دعا لكم، أو ردّوا التحية"(2).
قال السمعاني: " أراد به: رد السلام بأحسن مما سلم، أو ترد كما سلم"(3).
قال التستري: " يعني: زيادة على سلامه الصادر بالنصح لله تعالى. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «السلام اسم من أسماء الله تعالى أظهره في أرضه، فأفشوه بينكم» (4) "(5).
قال الفراء: " أي زيدوا عليها كقول القائل: السلام عليكم، فيقول: وعليكم ورحمة الله. فهذه الزيادة أو ردوها قيل هذا للمسلمين. وأما أهل الكتاب فلا يزادون علي: وعليكم"(6).
قال الزجاج: " إذا قيل لكم: السلام عليكم، فقولوا: وعليكم السلام ورحمة الله، فالتحية التي هي أحسن منها هي: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ويقال لكل شيء منتهى، ومنتهى السلام كلمة: وبركاته"(7).
قال ابن ابي زمنين: " معنى: {أحسن منها} إذا قال الرجل: السلام عليكم، رد عليه: السلام عليكم ورحمة الله، وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله رد عليه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومعنى: {أو ردوها} أي: ردوا عليه مثل ما يسلم؛ وهذا إذا سلم عليك المسلم"(8).
وفي ردّ التحية قولان:
أحدهما: أن فرض رّدِّهِ عَامٌّ في المسلم والكافر، وهذا قول ابن عباس (9)، وقتادة (10)، والحسن (11) وابن زيد (12)، وسفيان (13)، وسعيد بن جبير (14).
والثاني: أنه خاص في المسلمين دون الكافر، وهذا قول عطاء (15).
والراجح –والله اعلم- أن قوله: {فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا} المراد بها المسلمون، {أَوْ رُدُّوهَا} إذا كان المسلم من غير أهل الإسلام، وقد "خَصّت السنة أهل الكفر بالنهي عن رد الأحسن من تحيتهم عليهم أو مثلها، إلا بأن يقال: وعليكم، فلا ينبغي لأحد أن يتعدَّى ما حدَّ في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما أهل الإسلام، فإن لمن سلَّم عليه منهم في الردّ من الخيار، ما جعل الله له من ذلك"(16).
قال ابن كثير: " المراد أن يرد بأحسن مما حياه به، فإن بلغ المسلم غاية ما شرع في السلام؛ رد عليه مثل ما قال، فأما أهل الذمة فلا يُبْدؤون بالسلام ولا يزادون، بل يرد عليهم بما ثبت في الصحيحين، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليك فقل: وعليك» (17).
وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه» (18) " (19).
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 394.
(2)
تفسير الطبري: 8/ 586.
(3)
تفسير السمعاني: 1/ 456.
(4)
في صحيح البخاري: كتاب صفة الصلاة، رقم 797 والمعجم الكبير 10/ 82 (10391) والمعجم الصغير 1/ 153 (203) والمعجم الأوسط 3/ 231 (3008):"إن الله هو السلام".
(5)
تفسير التستري: 55.
(6)
معاني القرآن: 1/ 280.
(7)
معاني القرآن: 2/ 86.
(8)
تفسير ابن ابي زمنين: 1/ 392.
(9)
انظر: تفسير الطبر] (10039): ص 8/ 587.
(10)
انظر: تفسير الطبر] (10040): ص 8/ 587.
(11)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5730): ص 3/ 1021.
(12)
انظر: تفسير الطبر] (10043): ص 8/ 588.
(13)
انظر تفسير ابن أبي حاتم (5728): ص 3/ 1021.
(14)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5731): ص 3/ 1021.
(15)
انظر: تفسير الطبري (10034)، و (10035: ص 8/ 586 - 587.
(16)
تفسير الطبري: 8/ 588 - 589.
(17)
رواه البخاري في صحيحه برقم (6257) ومسلم في صحيحه برقم (2164).
(18)
صحيح مسلم برقم (2167).
(19)
تفسير ابن كثير: 2/ 370.
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} [النساء: 86]، أي:" إن الله تعالى كان على كل شيء مجازيًا"(2).
قال الثعلبي: " أي: حاسبا مجازيا"(3).
قال الطبري: أي: " إن الله كان على كل شيء مما تعملون، أيها الناس، من الأعمال، من طاعة ومعصية، حفيظًا عليكم، حتى يجازيكم بها جزاءه"(4).
قال الزجاج: " أي: يعطي كل شي من العلم والحفظ والجزاء مقدار ما يحسبه، أي: يكفيه، تقول حسبك بهذا أي اكتف بهذا، وقوله تعالى: {عَطَاءً حِسَابًا} [النبأ: 36]، أي كافيا، وإنما سمي الحساب في المعاملات حسابا لأنه يعلم ما فيه كفاية ليس فيها زيادة على المقدار ولا نقصان"(5).
وفي قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} [النساء: 86]، وجوه:
أحدها: يعني حفيظاً، وهو قول مجاهد (6).
والثاني: محاسباً على العمل للجزاء عليه، وهو قول أبي عبيدة (7)، وبعض المتكلمين (8).
والثالث: كافياً، وهو قول ابي عبيدة (9)، والبلخي (10).
والرابع: يعني: شهيدا. وهذا قول سعيد (11).
والراجح-والله أعلم- هو قول مجاهد، لأن أصل "الحسيب" في هذا الموضع، " فعيل " من "الحساب" الذي هو في معنى الإحصاء، يقال منه: حاسبت فلانًا على كذا وكذا، وهو حسيبه، وذلك إذا كان صاحبَ حِسابه (12).
الفوائد:
1 -
أنه من سلم فإنما يتأدب بأدب الله تعالى، قال تعالى:{وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} ، فأمر أن يقال التحيي بأحسن من تحية.
وليس معنى ردوها، إسقاطها عن نفسه، وإعادتها إليه كمن يهدى إليه شيء فلا يقبله ويرده. وإنما معناه أن يدعوا له مثل ما دعا، فيقول: وعليكم السلام. وهذا في الرد على المؤمنين (13).
2 -
أن السلام الذي يوجب الرد هو حق للمسلم كما قال تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} ، ولهذا يرد السلام على من سلم وإن كان كافراً، وكان اليهود إذا سلموا على النبي-صلى الله عليه وسلم، يقول لهم:«وعليكم» . وأمر أمته بذلك (14).
وإنما قال: «عليكم» لأنهم يقولون السام، والسام: الموت، فيقول:«عليكم» . قال صلى الله عليه وسلم: «يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا» . ولما قالت عائشة: وعليكم السام واللعنة. قال: "مهلاً يا
(1) أخرجه الطبري (1044): ص 8/ 589.
(2)
التفسير الميسر: 91.
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 354.
(4)
تفسير الطبري: 8/ 591.
(5)
معاني القرآن: 2/ 87.
(6)
انظر: تفسير الطبري (10047): ص 8/ 591.
(7)
انظر: مجاز القرآن 1/ 135.
(8)
انظر: النكت والعيون: 1/ 514.
(9)
انظر: تفسير ابن المنذر (1080): ص 2/ 818.
(10)
انظر: النكت والعيون: 1/ 514.
(11)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5733): ص 3/ 1022.
(12)
انظر: تفسير الطبري: 8/ 591 - 592.
(13)
انظر: المنهاج في شعب الإيمان: 3/ 326.
(14)
أخرجه البخاري (6257، 6928) ومسلم (2164) من حديث عبد الله بن عمر. وأخرجه البخاري (6258، 6926) ومسلم (2163) من حديث أنى بن مالك.
عائشة؛ فإن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، أو لم تسمعي ما قلت لهم؟ ! » (1). يعني: رددت عليهم، فقلت:"عليكم". فهذا إذا قالوا السام عليكم، وأما إذا عُلم أنهم قالوا السلام؛ فلا يخصون في الرد فيقال: عليكم. فيصير بمعنى السلام عليكم لا علينا بل يقال: وعليكم.
3 -
إثبات اسم «الحسيب» لله تعالى، وهو اسم له ثابتٌ بالكتاب والسنة، قال الرسول-صلى الله عليه وسلم:" إن كان أحدكم مادحاً لا محالة؛ فليقل: أحسب كذا وكذا - إن كان يرى أنه كذلك -، وحسيبه الله، ولا يُزكَّى على الله أحد"(2).
ومعنى الحسيب؛ أي: الحفيظ، والكافي، والشهيد، والمحاسب.
القرآن
التفسير:
الله وحده المتفرد بالألوهية لجميع الخلق، ليجمعنكم يوم القيامة، الذي لا شك فيه، للحساب والجزاء. ولا أحد أصدق من الله حديثًا فيما أخبر به.
سبب النزول:
قال مقاتل: " نزلت في قوم شكوا في البعث فأقسم الله- عز وجل بنفسه ليبعثهم إلى يوم القيامة لا ريب فيه"(3).
قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [النساء: 87]، " أي: الله الواحد الذي لا معبود سواه" (4).
قال ابن كثير: " إخبار بتوحيده وتفرده بالإلهية لجميع المخلوقات، وتضمَّن قسما"(5).
عن ابن عباس في قوله: " {لا إله إلا هو}، قال: توحيد"(6).
قال محمد بن إسحاق: "لا إله إلا الله، أي ليس معه غيره شريك في أمره"(7).
قوله تعالى: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ} [النساء: 87]، " أي: ليحشرنكم من قبوركم إِلى حساب يوم القيامة الذي لا شك فيه" (8).
قال الواحدي: " أَيْ: واللَّهِ ليجمعنَّكم في القبور"(9).
قال الطبري: أي: " ليبعثنَّكم من بعد مماتكم، وليحشرنكم جميعًا إلى موقف الحساب الذي يجازي الناس فيه بأعمالهم، ويقضي فيه بين أهل طاعته ومعصيته، وأهل الإيمان به والكفر، ولا شك في حقيقة ما أقول لكم من ذلك وأخبركم من خبري: أنّي جامعكم إلى يوم القيامة بعد مماتكم "(10).
قال ابن كثير: " خبر وقَسَم أنه سيجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد فيجازي كل عامل بعمله"(11).
قال الواحدي: " معنى {ليجمعنكم}: أي: في الموت، أو في النشور إلى يوم القيامة، أي: ليضمنكم إلى ذلك اليوم ويجمعن بينكم وبينه بأن يجمعكم فيه"(12).
قال اب عطية: " والجمع هنا بمعنى الحشر، فلذلك حسنت بعده إلى، أي: إليه السوق والحشر"(13).
قال ابو العالية: " {لَا رَيْبَ فِيهِ}، لا شك فيه"(14).
قال مقاتل: {لا رَيْبَ فِيهِ} ، " يعني: لا شك في البعث" (15).
(1) أخرجه البخاري (6256) ومسلم (2165).
(2)
رواه: البخاري (6162).
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 394.
(4)
صفوة التفاسير: 269.
(5)
تفسير ابن كثير 2/ 370.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (5735): ص 3/ 1022.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (5736): ص 3/ 1022.
(8)
صفوة التفاسير: 269.
(9)
الوجيز: 279.
(10)
تفسير الطبري: 8/ 592.
(11)
تفسير ابن كثير 2/ 370.
(12)
التفسير البسيط: 7/ 25.
(13)
المحرر الوجيز: 2/ 88.
(14)
أخرجه ابن اب حاتم (5737): ص 3/ 1022.
(15)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 394.
قال ابن عطية: {لا رَيْبَ فِيهِ} ، معناه:" لا ريب فيه في نفسه وحقيقة أمره، وإن ارتاب فيه الكفرة فغير ضائر"(1).
وفي تسمية القيامة قولان (2):
أحدهما: لأن الناس يقومون فيه من قبورهم، قال تعالى:{خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ} [القمر: 7].
والثاني: لأنهم يقومون فيه للحساب. قال تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 6].
قال ان عطية: " القيامة: أصلها القيام، ولما كان قيام الحشر من أذل الحال وأضعفها إلى أشد الأهوال وأعظمها لحقته هاء المبالغة"(3).
قوله تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: 87]، أي:" ولا أحد أصدق من الله حديثًا فيما أخبر به"(4).
قال الواحدي: " أَيْ: قولاً وخبراً يريد: أنَّه لا خُلفَ لوعده"(5).
قال ابن عباس: "يريد موعدًا"(6). أي: "لا يخلف لوعده"(7).
قال مقاتل: " يقول: فلا أحد أصدق من الله حديثا إذا حدث يعني في أمر البعث"(8).
قال ابن كثير: " أي: لا أحد أصدق منه في حديثه وخبره، ووعده ووعيده، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه"(9).
قال الطبري: يقول: " وأي ناطق أصدق من الله حديثًا؟ وذلك أن الكاذب إنما يكذب ليجتلب بكذبه إلى نفسه نفعًا، أو يدفع به عنها ضرًّا. والله تعالى ذكره خالق الضر والنفع، فغير جائز أن يكون منه كذب، لأنه لا يدعوه إلى اجتلاب نفع إلى نفسه أو دفع ضر عنها داعٍ"(10).
قال ابن عطية: " ظاهره الاستفهام ومعناه تقرير الخبر، تقديره:
لا أحد أصدق من الله تعالى، لأن دخول الكذب في حديث البشر إنما علته الخوف والرجاء أو سوء السجية، وهذه منفية في حق الله تعالى وتقدست أسماؤه، والصدق في حقيقته أن يكون ما يجري على لسان المخبر موافقا لما في قلبه، وللأمر المخبر عنه في وجوده" (11).
قال الزمخشري: " لأنه عز وعلا صادق لا يجوز عليه الكذب. وذلك أن الكذب مستقل بصارف عن الإقدام عليه وهو قبحه. ووجه قبحه، الذي هو كونه كذبا وإخبارا عن الشيء بخلاف ما هو عليه، فمن كذب لم يكذب إلا لأنه محتاج إلى أن يكذب ليجر منفعة أو يدفع مضرة. أو هو غنى عنه إلا أنه يجهل غناه. أو هو جاهل بقبحه. أو هو سفيه لا يفرق بين الصدق والكذب في إخباره ولا يبالى بأيهما نطق، وربما كان الكذب أحلى على حنكه من الصدق. وعن بعض السفهاء أنه عوتب على الكذب فقال: لو غرغرت لهواتك به ما فارقته. وقيل لكذاب: هل صدقت قط؟ فقال: لولا أنى صادق في قولي «لا» لقلتها. فكان الحكيم الغنى الذي لا يجوز عليه الحاجات العالم بكل معلوم، منزها عنه، كما هو منزه عن سائر القبائح"(12).
وقرأ حمزة والكسائي: {أصدق} ، صاد ساكنة بعدها دال بإشمام الزاي (13).
الفوائد:
1 -
إثبات يوم القيامة، وهو الركن الخامس من أركان الإيمان، إذ أن الله يجمع الخلق للجزاء والعرض والحساب، والثواب والعقاب.
(1) المحرر الوجيز: 2/ 88.
(2)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 87، والنكت والعيون: 1/ 514.
(3)
المحرر الوجيز: 2/ 88.
(4)
التفسير الميسر: 92.
(5)
الوجيز: 279.
(6)
التفسير البسيط للواحدي: 7/ 25.
(7)
التفسير البسيط للواحدي: 7/ 25.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 394.
(9)
تفسير ابن كثير 2/ 370.
(10)
تفسير الطبري: 8/ 593.
(11)
المحرر الوجيز: 2/ 88.
(12)
الكشاف: 1/ 545.
(13)
انظر: تفسير البغوي: 2/ 258.
2 -
أن الحشر يكون لجميع المخلوقات، أولهم وآخرهم ليوم الفصل.
3 -
أن الصدق من صفات الكمال، فهو أحق بها، قال تعالى:{وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} ، وقال النبي-صلى الله عليه وسلم:" أصدق الحديث كتاب الله"(1)، وأن كلامه قائم بذاته غيرمخلوق عند أهل السنة فإن الكلام صفة كمال فلا بد أن يتصف بها سواء قالوا إنه لا يتعلق بمشيئته وقدرته وهو معنى قائم بالنفس أو حروف او أصوات قديمة أو قالوا إنه متعلق بمشيئته وأنه تكلم بعد أن لم يكن متكلما أو أنه لم يزل متكلما إذا شاء.
القرآن
التفسير:
فما لكم -أيها المؤمنون- في شأن المنافقين إذ اختلفتم فرقتين: فرقة تقول بقتالهم وأخرى لا تقول بذلك؟ والله تعالى قد أوقعهم في الكفر والضلال بسبب سوء أعمالهم. أتودون هداية من صرف الله تعالى قلبه عن دينه؟ ومن خذله الله عن دينه، واتباع ما أمره به، فلا طريق له إلى الهدى.
في سبب نزول الآيات: [88، 89، 90]، أقول:
أحدها: أنها نزلت في الذين تخلَّفُوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وانصرفوا إلى المدينة، وقالوا لرسول الله عليه السلام ولأصحابه:{لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ} [سورة آل عمران: 167]، وهذا قول زيد بن ثابت (2).
روي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه؛ قال: "لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد، خرج معه ناس، فرجعوا، قال: فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين: قالت فرقة: نقتلهم ، وفرقة قالت: لا نقتلهم ، فنزلت: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا}، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها طيبة، وإنها تنفي الخبث، كما تنفي النار خبث الفضة» "(3).
والثاني: أنها نزلت في قوم قَدِمُوا المدينة فأظهروا الإسلام، ثم رجعوا إلى مكة فأظهروا الشرك، وهذا قول الحسن (4)، ومجاهد (5)، وروي عن أبي سلمة بن عبدالرحمن نحو ذلك (6).
قال مجاهد: " قوم خرجوا من مكة حتى أتوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون، ثم ارتدوا بعد ذلك، فاستأذنوا النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتّجرون فيها. فاختلف فيهم المؤمنون، فقائل يقول: هم منافقون، وقائل يقول: هم مؤمنون، فبين الله نفاقهم فأمر بقتالهم، فجاؤوا ببضائعهم يريدون المدينة، فلقيهم علي بن عويمر، أو: هلال بن عويمر الأسلمي، وبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم حلف وهو الذي حَصِر صدره أن يقاتل المؤمنين أو يُقاتل قومه، فدفع عنهم بأنهم يَؤُمُّون هلالا وبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد"(7).
والثالث: أنها نزلت في قوم أظهروا الإِسلام بمكة وكانوا يعينون المشركين على المسلمين، وهذا قول ابن عباس (8)، وقتادة (9)، ومعمر بن راشد (10)، وروي عن الضحاك نحو ذلك (11).
(1) أخرجه: أحمد 3/ 310 و 319 و 371 و، والدارمي (212)، ومسلم 3/ 11 (867)
(43)
و (44) و (45)، وأبو داود (2954)، وابن ماجه (45)، والنسائي 3/ 58 و 188 وفي " الكبرى "، له (1786) و (5892)، وأبو يعلى (2111)، وابن الجارود
(297)
و (298)، وابن خزيمة (1785)، وأبو عوانة كما في " إتحاف المهرة " 3/ 328.
(2)
انظر: تفسير الطبري (10049) - (10051): ص 9/ 8 - 9، وتفسير ابن أبي حاتم (5739): ص 3/ 102 - 1023.
(3)
. أخرجه أحمد (21935): ص 5/ 184، و (21968): ص 5/ 187، و (21969 و 21973): ص 5/ 187، و (21975): ص 5/ 188، وعبد بن حميد (242)، والبخاري (1884): ص 3/ 29، و (4050): ص 5/ 122، و (4589): ص 6/ 59، ومسلم (3335): ص 4/ 121، و (7132): ص 8/ 121، و (7133): ص 8/ 121، والترمذي (3028)، والنسائي فى "الكبرى"(11048).
(4)
انظر: النكت والعيون: 1/ 514.
(5)
انظر: تفسير الطبري (10052)، (10053): ص 9/ 9 - 10، وتفسير ابن ابي حاتم (5744): ص 3/ 1024.
(6)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5742): ص 3/ 1023.
(7)
أخرجه الطبري (10052): ص 9/ 9 - 10 ـ وابن أبي حاتم في "تفسيره"(5744): ص 3/ 1024، من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد به. وسنده صحيح؛ لكنه مرسل.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(5/ 121)، وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر.
(8)
انظر: تفسير الطبري (10054): ص 9/ 10 - 11، وتفسير ابن ابي حاتم (5741): ص 3/ 1023.
(9)
انظر: تفسير الطبري (10055): ص 9/ 11.
(10)
انظر: تفسير الطبري (10056): ص 9/ 11.
(11)
انظر: تفسير الطبري (10057): ص 9/ 11 - 12.
روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما؛ "قوله: {فَمَا لَكُمْ في الْمُنَافِقِينَ}؛ وذلك أن قوماً كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام، وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام؛ فليس علينا منهم بأس، وأن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة؛ قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الخبثاء، فاقتلوهم؛ فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم، وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله -أو كما قالوا- أتقتلون قوماً قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به، أمن أجل أنهم لم يهاجروا ويتركوا ديارهم تستحل دماؤهم وأموالهم لذلك؟ ! فكانوا كذلك فئتين، والرسول عليه الصلاة والسلام عندهم لا ينهى واحداً من الفريقين عن شيء؛ فنزلت: {فَمَا لَكُمْ في الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ الله} "(1).
والرابع: أنها نزلت في قوم من أهل المدينة أرادوا الخروج عنها نفاقاً، وهذا قول السدي (2)، وروي عن عبدالرحمن بن عوف نحو ذلك (3).
قال السدي: " كان ناس من المنافقين أرادوا أن يخرجوا من المدينة، فقالوا للمؤمنين: إنّا قد أصابنا أوجاعٌ في المدينة واتَّخَمْناها، فلعلنا أن نخرج إلى الظَّهر حتى نتماثل ثم نرجع، فإنا كنا أصحاب برّيّة. فانطلقوا، واختلف فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت طائفة: أعداءٌ لله منافقون! وددنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لنا فقاتلناهم! وقالت طائفة: لا بل إخواننا غَمَّتهم المدينة فاتّخموها، فخرجوا إلى الظهر يتنزهون، فإذا بَرَؤوا رجعوا. فقال الله: {فما لكم في المنافقين فئتينء، يقول: ما لكم تكونون فيهم فئتين {والله أركسهم بما كسبوا} "(4).
وفي السياق نفسه قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: " أن قوما من العرب أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأسلموا، وأصابهم وباء بالمدينة، حماها، فأركسوا، فخرجوا من المدينة، فاستقبلهم نفر من أصحابه، يعني من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا لهم: ما لكم رجعتم؟ قالوا: أصابنا وباء المدينة، فاجتوينا المدينة، فقالوا: أما لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة؟ فقال بعضهم: نافقوا، وقال بعضهم: لم ينافقوا، هم مسلمون، فأنزل الله، عز وجل: {فَمَا لَكُمْ في الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا}، الآية "(5).
والخامس: أنها نزلت في قوم من أهل الإفك، وهذا قول ابن سعد بن معاذ (6)، وابن زيد (7).
عن ابن سعد بن معاذ؛ قال: "خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فقال: "مَنَ لي ممن يؤذيني ويجمع في بيته من يؤذيني؟ "، فقال سعد بن معاذ: إن كان من الأوس؛ قتلناه، وإن كان من إخواننا من الخزرج؛ أمرتنا فأطعناك؛ فقام سعد بن عبادة، فقال: ما بك يا ابن معاذ؟ ! طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد تكلمت ما هو منك؛ فقام أُسيد بن حُضير، فقال: إنك يا ابن عبادة! منافق تحب المنافقين؛ فقام محمد بن مسلمة، فقال: اسكتوا أيها الناس؛ فإن فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يأمرنا فننفِّذ أمره؛ فأنزل الله عز وجل: {فَمَا لَكُمْ في الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا} "(8).
(1). أخرجه الطبري في تفسيره (10054): ص 9/ 10 - 11، وابن أبي حاتم في تفسيره (5741) ص: 3/ 1023.وسنده ضعيف جداً؛ مسلسل بالعوفيين الضعفاء.
(2)
انظر: تفسير الطبري (10058): ص 9/ 1 - 13.
(3)
انظر: مسند الإمام أحمد (1667): ص 1/ 192.
(4)
. أخرجه الطبري (10058): ص 8/ 12 - 13، وسنده ضعيف جداً؛ لإعضاله، وضعف أسباط.
(5)
اخرجه أحمد (1667): ص 1/ 192. وسنده ضعيف؛ لأن فيه علتان:
الأولى: ابن إسحاق مدلس، وقد عنعنه.
الثانية: أبو سلمة لم يسمع من أبيه؛ كما صرح بذلك الأئمة؛ كما في "المراسيل"(ص 91)، و"التهذيب"(10/ 438، 439، 12/ 117).
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(7/ 7): "رواه أحمد؛ وفيه ابن إسحاق، وهو مدلس، وأبو سلمة لم يسمع من أبيه".
وقال السيوطي في "الدر المنثور": 2/ 610: "وأخرجه أحمد بسند فيه انقطاع".
(6)
انظر: سنن سعيد بن منصور (663): ص 4/ 1313، 1314، وتفسير ابن أبي حاتم (5740): ص 3/ 1023.
(7)
انظر: تفسير الطبري (10059) / (10060): ص 8/ 13.
(8)
أخرجه سعيد بن منصور في "سننه"(663): ص 4/ 1313، 1314، وابن أبي حاتم في "تفسيره (5740): ص 3/ 1023، كلاهما من طريق الدراوردي عن زيد بن أسلم عن ابن سعد بن معاذ به، وسنده ضعيف؛ للانقطاع بين زيد بن أسلم وابن سعد هذا، وزيد هذا كان يرسل ولم يصرح بالتحديث، ولم ينص أحد ممن كتب في الرجال أنه روى عن ابن سعد هذا.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(2/ 609)، وزاد نسبته لابن المنذر.
والسادس: وقال عكرمة: " أخذ أناس من المسلمين أموالا من المشركين فانطلقوا بها، فاختلف المسلمون فيهم، فقالت طائفة: لو لقيناهم قتلناهم وأخذنا ما في أيديهم، وقال بعض: لا يصلح لكم ذلك إخوانكم انطلقوا تجارا، فنزلت هذه الآية"(1).
والسابع: وقيل: "هم العرنيون (2) الذين أغاروا على السرح وقتلوا بسارا مولى الرسول صلى الله عليه وسلم"(3).
والراجح-والله أعلم- أنها " نزلت في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا ارتدُّوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة، لأنّ اختلاف أهل التأويل في ذلك إنما هو على قولين:
أحدهما: أنهم قوم كانوا من أهل مكة.
والآخر: أنهم قوم كانوا من أهل المدينة.
وفي قول الله تعالى ذكره: {فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا} [النساء: 89]، أوضح الدّليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة، لأنّ الهجرة كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر. فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيمًا من المنافقين وأهل الشرك، فلم يكن عليه فرضُ هجرة، لأنه في دار الهجرة كان وطنُه ومُقامه" (4).
قوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} [النساء: 88]، " أي: ما لكم أيها المؤمنون أصبحتم فرقتين في شأن المنافقين" (5).
قال الزجاج: " هذا خطاب للمسلمين، أي: أي شيء لكم في الاختلاف في أمرهم"(6).
قال الزمخشري: أي: " ما لكم اختلفتم في شأن قوم نافقوا نفاقا ظاهرا وتفرقتم فيه فرقتين، وما لكم لم تبتوا القول بكفرهم"(7).
قال المراغي: " أي فما لكم صرتم فى المنافقين فئتين واختلفتم فى كفرهم مع تظاهر الأدلة عليه، فليس لكم أن تختلفوا فى شأنهم، بل عليكم أن تقطعوا بثبوته"(8).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا} [النساء: 88]، أي:" والله نكَّسهم وردّهم إِلى الكفر بسبب النفاق والعصيان"(9).
قال الزمخشري: " أى: ردهم في حكم المشركين كما كانوا بما كسبوا من ارتدادهم ولحوقهم بالمشركين واحتيالهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم. أو أركسهم في الكفر بأن خذلهم حتى أركسوا فيه، لما علم من مرض قلوبهم"(10).
قال ابن كثير: " أي: ردهم وأوقعهم في الخطأ، وقوله: {بِمَا كَسَبُوا}، أي: بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرسول واتباعهم الباطل"(11).
قال القاسمي: " أي: نكسهم وردهم إلى الكفر، بسبب ما كسبوه من لحوقهم بالكفار"(12).
قال المراغي: " أي: كيف تفترقون فى شأنهم والله قد صرفهم عن الحق الذي أنتم عليه بما كسبوا من أعمال الشرك واجترحوا من المعاصي، حتى إنهم لا ينظرون إليكم نظرة المودة والإخاء، بل نظرة العداوة والبغضاء، ويتربصون بكم الدوائر، وقد جعلهم الله مركسين كأنهم قد نكسوا على رءوسهم وصاروا يمشون على وجوههم كما قال تعالى «أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم؟ »
(1) أخرجه ابن ابي حاتم (5743): ص 3/ 1024.
(2)
وأما العرنيون: فإنهم غدروا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وارتدوا عن الإسلام، وذهبوا بإبله، فجمعوا بين الكفر والغدر والغصب، فلذلك قطع أيديهم في جزاء السرقة، وسمر أعينهم قصاصًا لأنهم سمروا أعين الرعاء؛ لئلا يدلوا على صوبهم؛ الذي ذهبوا فيه، وقتلهم في جواب شركهم بالله. [انظر: الإفصاح في معاني الصحاح: 5/ 160].
وانظر: الحديث في صحيح البخاري (2855)، ومسلم (1671) ص 3/ 1296، ومسند أبو يعلى الموصلي (2816).
(3)
الكشاف: 1/ 546، ومفاتيح الغيب: 10/ 168.
(4)
تفسير الطبري: 9/ 13 - 14 [بتصرف بسيط].
(5)
صفوة التفاسير: 271.
(6)
معاني القرىن: 2/ 88.
(7)
الكشاف: 1/ 546.
(8)
تفسير المراغي: 5/ 114.
(9)
صفوة التفاسير: 271.
(10)
الكشاف: 1/ 546.
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 371.
(12)
محاسن التأويل: 3/ 251.
لأنهم قد فسدت فطرتهم وأحاطت بهم خطيئاتهم، فأوغلوا فى الضلال، وبعدوا عن الحق، حتى لم يعد يجول فى أذهانهم إلا الثبات على ما هم فيه ومقاومة ما عداه، وقد نسبه الله تعالى إليه لأنه ما كان سببا إلا بسنته فى تأثير الأعمال الاختيارية فى نفوس العالمين" (1).
وفي تفسير قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا} [النساء: 88]، وجوه:
أحدها: معناه ردهم، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء الخراساني (2)، وعطاء (3).
والثاني: أوقعهم، وهذا مروي عن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة (4).
والثالث: أهلكهم، وهذا قول قتادة (5)، والسدي (6).
والرابع: أَضَلَّهم بما كسبوا، وهذا مروي عن السدي أيضا (7).
والخامس: نكسهم وردهم إلى حكم الكفار، وهذا قول الزجاج (8).
قال الراغب: " الركس والنكس: الرذل، والركس أبلغ، لأن النكس ما جعل أسفله أعلاه، والركس: أصله ما جعل رجيعا بعد أن كان طعاما فهو كالرجس، وقد وصف أعمالهم به، كما قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28]، ويقال: ركسه وأركسه، وأركس أبلغ، كما أن أسقاه أبلغ من قولهم سقاه"(9).
وقرئ: {ركسهم} ، و {رْكِسُوا فِيهَا} [النساء: 91] (10).
قوله تعالى: {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} [النساء: 88]، أي:" أتودون هداية من صرف الله تعالى قلبه عن دينه؟ "(11).
قال السمعاني: " يعنى: أتريدون أن ترشدوا من أضله الله"(12).
قال الزجاج: " أي: أتقولون أن هؤلاء مهتدون والله قد أضلهم"(13).
قال الواحدي: " أَيْ: يقولون: هؤلاء مهتدون والله قد أضلَّهم"(14).
قال الزمخشري: أي: " أن تجعلوا من جملة المهتدين من أضل الله من جعله من جملة الضلال، وحكم عليه بذلك أو خذله حتى ضل"(15).
قال ابن كثير: " أي: لا طريق له إلى الهدى ولا مخلص له إليه"(16).
قال ابن عطية: " استفهام معناه الإبعاد واليأس مما أرادوه، والمعنى أتريدون أيها المؤمنون القائلون: بأن أولئك المنافقين مؤمنون أن تسموا بالهدى من قد يسره الله لضلالة وحتمها عليه؟ "(17).
قال المراغي: " أي: إنه ليس فى استطاعتكم أن تبدلوا سنن الله فى نفوس الناس فتريدوا أن تحصلوا على مقاصد وغايات ضد ما انطبع فيها من الأخلاق والصفات، بتأثير ما كسبته طوال عمرها من الأعمال"(18).
وفي تفسير قوله تعالى: {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} [النساء: 88]، وجهان (19):
أحدهما: أن تُسَمُّوهم بالهُدى وقد سمّاهم الله بالضلال عقوبة لهم.
(1) تفسير المراغي: 5/ 114 - 115.
(2)
انظر: تفسير الطبري (10061): ص 9/ 15.
(3)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5747): ص 3/ 1025.
(4)
انظر: تفسير الطبري (10062): ص 9/ 15.
(5)
انظر: تفسير الطبري (10063): ص 9/ 15.
(6)
انظر: تفسير الطبري (10064): ص 9/ 15.
(7)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5746): ص 3/ 1025.
(8)
انظر: معاني القرآن: 2/ 88.
(9)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1373 - 1374.
(10)
انظر: الكشاف: 1/ 546.
(11)
التفسير الميسر: 92.
(12)
تفسير السمعاني: 1/ 459.
(13)
معاني القرىن: 2/ 88.
(14)
الوجيز: 279.
(15)
الكشاف: 1/ 546.
(16)
تفسير ابن كثير: 2/ 371.
(17)
المحرر الوجيز: 2/ 89.
(18)
تفسير المراغي: 5/ 115.
(19)
انظر: النكت والعيون: 1/ 514.
والثاني: تهدوهم إلى الثواب بمدحهم والله قد أَضَلَّهم بذمهم.
قوله تعالى: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [النساء: 88]، أي:" ومن خذله الله عن دينه، واتباع ما أمره به، فلا طريق له إلى الهدى"(1).
قال البغوي: "أي: ومن يضلل الله عن الهدى، فلن تجد له طريقا إلى الحق"(2).
قال الواحدي: " أَيْ: ديناً وطريقاً إلى الحجَّة"(3).
قال ابن عطية: "ثم أخبر تعالى أنه من يضلل فلا سبيل إلى إصلاحه ولا إلى إرشاده"(4).
أي ومن تقضى سننه فى خلقه أن يكون ضالا عن طريق الحق فلن تجد له سبيلا يصل بسلوكها إليه، فإن للحق سبيلا واحدة هى صراط الفطرة المستقيم، وللباطل سبلا كثيرة عن يمين سبيل الحق وعن شمالها، كل من سلك منها سبيلا بعد عن سبيل الحق بقدر إيغاله فى السبيل التي سلكها كما قال تعالى:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153]، وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم معنى الآية بالخطوط الحسية، فخط فى الأرض خطا وجعله مثالا لسبيل الله، وخط على جانبيه خطوطا لسبل الشيطان (5)، وهذه الخطوط المستقيمة لا تلتقى مع الخط الأول بحال، وسبيل الفطرة تقتضى أن يعرض الإنسان جميع أعماله على سنن العقل ويتبع ما يظهر له أنه الحق الذي فيه منفعته عاجلا وآجلا، وفيه كماله الإنسانى، وأكثر ما يصده عن هذه السبيل التقليد والغرور وظنه أنه ليس هناك ما هو أكمل مما هو فيه، وبهذا يقطع على نفسه طريق العقل والنظر فى النفع والضر والحق والباطل، وشبهته فى ترك صراط الفطرة أن عقله قاصر عن التمييز بين الحق والباطل والخير والشر، فعليه أن يتبع ما وجد عليه الآباء والأجداد من زعماء عصره ولو كانوا لا يعقلون شيئا ولا يهتدون" (6).
قال ابن حزم وابن البارزي: " قوله تعالى: {فما لكم في المنافقين فئتين} [النساء: 88]، نسخها آية السيف"(7).
الفوائد:
1 -
تحريم موالاة المنافقين، إنكار الله على المؤمنين بسبب اختلافهم في المنافقين.
2 -
أن من أضله الله تعالى لا سبيل له إلى الهدى وأن الضلال وقع مع الإضلال من الله تعالى للكافر والفاسق.
3 -
أن القلوب لها أقفال ومفاتيح أعظم من أقفال ومفاتيح أي باب، فإذا كان الله تعالى طبع على قلب فلان فلا يمكن لجميع الأنبياء والمرسلين مجتمعين أن يفتحوا هذا القلب، ومهمة الأديان والأنبياء والمرسلين هي تبليغ دعوة الحق إلى الخلق فقط، أي: إرشادهم إلى الله، والذي يملك الهداية والضلال هو الله عز وجل.
القرآن
التفسير:
تمنَّى المنافقون لكم -أيها المؤمنون-، لو تنكرون حقيقة ما آمنت به قلوبكم، مثلما أنكروه بقلوبهم، فتكونون معهم في الإنكار سواء، فلا تتخذوا منهم أصفياء لكم، حتى يهاجروا في سبيل الله، برهانًا على صدق إيمانهم، فإن أعرضوا عما دعوا إليه، فخذوهم أينما كانوا واقتلوهم، ولا تتخذوا منهم وليّاً من دون الله ولا نصيرًا تستنصرونه به.
سبب النزول:
(1) التفسير الميسر: 92.
(2)
تفسير البغوي: 1/ 673.
(3)
الوجيز: 279.
(4)
المحرر الوجيز: 2/ 89.
(5)
عن جابر قال: " كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فخط خطا هكذا أمامه، فقال: هذا سبيل الله، عز وجل، وخطين عن يمينه، وخطين عن شماله، قال: هذه سبيل الشيطان، ثم وضع يده في الخط الأوسط، ثم تلا هذه الآية: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ". [الأنعام: 153]. أخرجه احمد (15351): ص 3/ 397، وعبد بن حميد (1141)، وابن ماجة (11).
(6)
تفسير المراغي: 5/ 115 - 116.
(7)
الناسخ والمنسوخ لابن حزم: 35، وناسخ القرآن العزيز ومنسوخه لابن البارزي:29.
أخرج ابن ابي حاتم عن الحسن، أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال: لما ظهر يعني النبي صلى الله عليه وسلم على أهل بدر وأحد، وأسلم من حولهم، قال سراقة: بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي بني مدلج، فأتيته فقلت: أنشدك النعمة فقالوا: مه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه ما يريد. فقلت: بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي، وأنا أريد أن توادعهم فإن أسلم قومك ودخلوا في الإسلام، وإن لم يسلموا لم تخشن لقلوب قومك عليهم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد خالد بن الوليد فقال: اذهب معه، فافعل ما يريد، فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أسلمت قريش أسلموا معهم، فأنزل الله تعالى:{وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ} " (1).
قوله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [النساء: 89]، " أي: تمنى هؤلاء المنافقون أن تكفروا مثلهم فتستوا أنتم وهم وتصبحوا جميعاً كفارا" (2).
قال محمد بن كعب: " يقول: ود الذين كفروا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء"(3).
قال ابن كثير: " أي: هم يودون لكم الضلالة لتستووا أنتم وإياهم فيها، وما ذاك إلا لشدة عداوتهم وبغضهم لكم"(4).
قال الزمخشري: أي: " ودوا كفركم فكونكم معهم شرعا واحدا فيما هم عليه من الضلال واتباع دين الآباء"(5).
قوله تعالى: {فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ} [النساء: 89]، أي:" فلا تتخذوا منهم أصفياء لكم"(6).
قال ابن أبي زمنين: " أي: لا توالوهم"(7).
قال ابن كثير: " أي: لا توالوهم ولا تستنصروا بهم على الأعداء ما داموا كذلك"(8).
قال الزمخشري: أي: " فلا تتولوهم وإن آمنوا "(9).
قوله تعالى: {حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء: 89]، أي:" حتى يهاجروا في سبيل الله، برهانًا على صدق إيمانهم"(10).
قال ابن عباس: "يقول: حتى يصنعوا كما صنعتم يعني الهجرة"(11).
قال عكرمة: " حتى يهاجروا هجرة أخرى"(12).
قال ابن أبي زمنين: " فيرجعوا إلى الدار التي خرجوا منها؛ يعني: المدينة"(13). قال قال الزمخشري: أي: " حتى يظاهروا إيمانهم بهجرة صحيحة هي لله ورسوله- لا لغرض من أغراض الدنيا- مستقيمة ليس بعدها بداء ولا تعرب"(14).
قال الراغب: "والهجرة: ترك الشيء والإعراض عنه مكانا أو خليطا، وسمي القبيح من الكلام هجرا لكونه مقتضيا لهجره، والرفث هاجرة لكونه حاملا على أن يهجره، وسمي المهاجر لتركه وطنه، وصار اسم مدح في الإسلام، وسمي من رفض فضولات شهواته مهاجرا"(15).
قال البغوي: " والهجرة على ثلاثة أوجه: هجرة المؤمنين في أول الإسلام، وهي قوله تعالى رللفقراء المهاجرين} [الحشر: 8]، وقوله:{ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله} [النساء: 100}، ونحوهما من الآيات، وهجرة المنافقين: وهي الخروج في سبيل الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صابرا محتسبا كما
(1) تفسير ابن أبي حاتم (5750): ص 3/ 1026.
(2)
صفوة التفاسير: 271.
(3)
أخرجه ابن ابي حاتم (5749): ص 3/ 1025.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 371.
(5)
الكشاف: 1/ 546 - 547.
(6)
التفسير الميسر: 92.
(7)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 394.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 371 - 372.
(9)
الكشاف: 1/ 547.
(10)
التفسير الميسر: 92.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (5751): 3/ 1026.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (5752): 3/ 1026.
(13)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 394.
(14)
الكشاف: 1/ 547.
(15)
تفسير الرابغ الأصفهاني: 3/ 1378.
حكى ها هنا منع من موالاتهم حتى يهاجروا في سبيل الله، وهجرة سائر المؤمنين وهي ما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (1) " (2).
قوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا} [النساء: 89]، " أي: فإِن أعرضوا عن الهجرة في سبيل الله" (3).
قال البغوي: " أعرضوا عن التوحيد والهجرة"(4).
عن ابن عباس: " {فإن تولوا}، قال: عن الهجرة"(5).
وقال السدي: "إذا أظهروا كفرهم"(6).
قال الزمخشري: أي: " فإن تولوا عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة المستقيمة"(7).
قوله تعالى: {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [النساء: 89]، " أي: فخذوهم أيها المؤمنون واقتلوهم حيث وجدتموهم في حلٍّ أو حرم" (8).
قال السمعاني: " أي: فأسروهم، والأخذ هاهنا: الأسر، ويقال للأسير: أخيذ"(9).
قال الزمخشري: أي: " فحكمهم حكم سائر المشركين يقتلون حيث وجدوا في الحل والحرم، وجانبوهم مجانبة كلية"(10).
قوله تعالى: {وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 89]، أي:" ولا تتخذوا منهم وليّاً من دون الله ولا نصيرًا تستنصرونه به"(11).
قال الواحدي: " أيْ: لا تتولوهم ولا تستنصروا بهم على عدوِّكم"(12).
قال الزمخشري: أي: " وإن بذلوا لكم الولاية والنصرة فلا تقبلوا منهم"(13).
قال المراغي: أي: " ولا تتخذوا منهم وليا يتولى شيئا من مهام أموركم ولا نصيرا ينصركم على أعدائكم"(14).
عن مجاهد في قوله: " {واقتلوهم حيث وجدتموهم}، قال: نسخت ما كان قبلها من من أو فدا"(15).
الفوائد:
1 -
إن أعداء الله حريصون كل الحرص على إضلال المسلمين وصدهم عن دينهم.
2 -
أن الحسد خلق نفس ذميمة وضيعه سَاقِطَة لَيْسَ فِيهَا حرص على الْخَيْر فلعجزها ومهانتها تحسد من يكْسب الْخَيْر والمحامد ويفوز بهَا دونهَا وتتمنى أَن لوفاته كسبها حَتَّى يساويها فِي الْعَدَم كَمَا قَالَ تَعَالَى: {ودوا لَو تكفرون كَمَا كفرُوا فتكونون سَوَاء} .
3 -
إن الكفار والمنافقين يفرحون بما يكون من بعض المسلمين من المخالفة لهدي نبيهم صلى الله عليه وسلم وارتكابهم لما حذرهم منه من البدع والضلالات.
4 -
يجب على المؤمن الحذر من غير المؤمن مهما أظهر من المودة وأبدى من النصح فإن الله تعالى يقول عنهم: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} .
5 -
دلت الآية على أنه لا يجوز موالاة المشركين والمنافقين والمشتهرين بالزندقة والإلحاد، وهذا متأكد بعموم قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء والسبب فيه أن أعز الأشياء وأعظمها عند جميع الخلق هو الدين، لأن ذلك هو الأمر الذي به يتقرب إلى الله تعالى، ويتوسل به إلى طلب السعادة في
(1) أخرجه البخاري في الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، : 1/ 57 وفي الرقاق، والمصنف في شرح السنة: 1/ 27.
(2)
تفسير البغوي: 2/ 260.
(3)
التفسير الميسر: 92.
(4)
تفسير البغوي: 2/ 260.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (5753): 3/ 1026.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (5754): 3/ 1026.
(7)
الكشاف: 1/ 547.
(8)
التفسير الميسر: 92.
(9)
تفسير السمعاني: 1/ 459.
(10)
الكشاف: 1/ 547.
(11)
التفسير الميسر: 92.
(12)
الوجيز: 280.
(13)
الكشاف: 1/ 547.
(14)
تفسير المراغي: 5/ 116.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (5755): 3/ 1027.
الآخرة، وإذا كان كذلك كانت العداوة الحاصلة بسببه أعظم أنواع العداوة، وإذا كان كذلك امتنع طلب المحبة والولاية في الموضع الذي يكون أعظم موجبات العداوة حاصلا فيه (1).
القرآن
التفسير:
لكن الذين يتصلون بقوم بينكم وبينهم عهد وميثاق فلا تقاتلوهم، وكذلك الذين أتَوا إليكم وقد ضاقت صدورهم وكرهوا أن يقاتلوكم، كما كرهوا أن يقاتلوا قومهم، فلم يكونوا معكم ولا مع قومهم، فلا تقاتلوهم، ولو شاء الله تعالى لسلَّطهم عليكم، فلقاتلوكم مع أعدائكم من المشركين، ولكن الله تعالى صرفهم عنكم بفضله وقدرته، فإن تركوكم فلم يقاتلوكم، وانقادوا اليكم مستسلمين، فليس لكم عليهم من طريق لقتالهم.
في سبب نزول الآية قولان:
احدهما: قال ابن عباس، وعكرمة (2):" نزلت في هلال بن عويمر الأسلمي وسراقة بن مالك المدلجي وفي بني جذيمة بن عامر بن عبد مناف"(3).
والثاني: قال الحسن: "فالذين حصرت صدور، هم بنو مدلج ، فمن وصل إلى بني مدلج من غيرهم كان في مثل عهدهم"(4).
قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [النساء: 90]، أي:" لكن الذين يتصلون بقوم بينكم وبينهم عهد وميثاق فلا تقاتلوهم"(5).
قال أبو عبيدة: " يقول: فإذا كانوا من أولئك القوم الذين بينكم وبينهم ميثاق فلا تقتلوهم"(6).
قال السدي: " يقول: إذا أظهروا كفرهم فاقتلوهم حيث وجدتموهم، فإن أحدٌ منهم دخل في قوم بينكم وبينهم ميثاق، فأجروا عليه مثل ما تجرُون على أهل الذمة"(7).
قال ابن زيد: " يصلون إلى هؤلاء الذين بينكم وبينهم ميثاق من القوم، لهم من الأمان مثل ما لهؤلاء"(8).
قال ابن كثير: " أي: إلا الذين لجؤوا وتحيزوا إلى قوم بينكم وبينهم مهادنة أو عقد ذمة، فاجعلوا حكمهم كحكمهم"(9).
قال ابن ابي زمنين: " يعني: إلا من اتصل بقوم بينكم وبينهم ميثاق، ومعني «اتصل»: انتسب"(10).
قال الطبري: أي: " فإن تولىَّ هؤلاء المنافقون الذين اختلفتم فيهم عن الإيمان بالله ورسوله، وأبوا الهجرة فلم يهاجروا في سبيل الله، فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم، سوى من وَصل منهم إلى قوم بينكم وبينهم مُوادعة وعهد وميثاق، فدخلوا فيهم، وصاروا منهم، ورضوا بحكمهم، فإن لمن وصل إليهم فدخل فيهم من أهل الشرك راضيًا بحكمهم في حقن دمائهم بدخوله فيهم: أن لا تسبى نساؤهم وذراريهم، ولا تغنم أموالهم"(11).
قال عكرمة: " قال نزلت في هلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك بن جعشم، وخزيمة بن عامر بن عبد مناف"(12).
قال الزمخشري: " والقوم هم الأسلميون، كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، وذلك أنه وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمى على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال. وقيل: القوم بنو بكر بن زيد مناة كانوا في الصلح"(13).
وقال بعض اهل اللغة (14): "أن معنى قوله: {إلا الذين يصلون إلى قوم} ، إلا الذين يتَّصلون في أنسابهم لقوم بينكم وبينهم ميثاق، من قولهم: اتّصل الرجل، بمعنى: انتمى وانتسب، كما قال الأعشى في صفة امرأة انتسبت إلى قوم (15):
إذَا اتَّصَلَتْ قَالَتْ: أَبَكْرَ بنَ وَائِلٍ!
…
وَبَكْرٌ سَبَتْهَا وَالأنُوفُ رَوَاغِمُ!
يعني بقوله: اتصلت، انتسبت" (16).
قال الطبري: " ولا وجه لهذا التأويل في هذا الموضع، لأن الانتساب إلى قوم من أهل الموادعة أو العهد، لو كان يوجب للمنتسبين إليهم ما لهم، إذا لم يكن لهم من العهد والأمان ما لهم، لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لِيقاتل قريشًا وهم أنسباءُ السابقين الأوَّلين. ولأهل الإيمان من الحق بإيمانهم، أكثر مما لأهل العهد بعهدهم. وفي قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم مشركي قريش بتركها الدخول فيما دخل فيه أهل الإيمان منهم، مع قرب أنسابهم من أنساب المؤمنين منهم - الدليلُ الواضح أنّ انتساب من لا عهد له إلى ذي العهد منهم، لم يكن موجبا له من العهد ما لذي العهد من انتسابه"(17).
قوله تعالى: {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ} [النساء: 90]، أي:" وكذلك الذين أتَوا إليكم وقد ضاقت صدورهم وكرهوا أن يقاتلوكم، كما كرهوا أن يقاتلوا قومهم"(18).
قال السدي: "يقول: رجعوا فدخلوا فيكم، {حصرت صدورهم}، يقول: ضاقت صدورهم {أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم} "(19).
قال مجاهد: " يريدون: هلال بن عويمر وهو الذي حصر صدره أن يقاتل المؤمنين أو يقاتل قومه"(20).
قال الحسن: " فالذين حصرت صدُورُهم: بني مدلج، فمن وصل إلى بني مدلج من غيرهم؛ كان في مثل عهدهم"(21).
قال قتادة: " {حصرت صدورهم}، أي: كارهة صدورهم"(22).
قال ابن كثير: " هؤلاء قوم آخرون من المُسْتَثنَين عن الأمر بقتالهم، وهم الذين يجيئون إلى المصاف وهم حَصِرَةٌ صدورهم أي: ضيقة صدورهم مُبْغضين أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضا أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم لا لكم ولا عليكم"(23).
قال الطبري: " والعرب تقول لكل من ضاقت نفسه عن شيء من فعل أو كلام: قد حَصِرَ، ومنه: «الحَصَرُ»، في القراءة"(24).
(1) انظر: مفاتيح الغيب: 10/ 170.
(2)
اخرجه الطبري (10070): ص 9/ 19.
(3)
اخرجه ابن ابي حاتم (5757): ص 3/ 1027
(4)
مصنف ابن أبي شيبة (36612) ص: 7/ 244، وانظر: النكت والعيون: 1/ 514.
(5)
التفسير الميسر: 92.
(6)
مجاز القرآن: 1/ 136.
(7)
أخرجه الطبري (10069): ص 9/ 19.
(8)
أخرجه الطبري (10070): ص 9/ 19.
(9)
تفسير ابن كثير: 1/ 372.
(10)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 394.
(11)
تفسير الطبري: 9/ 19.
(12)
أخرجه الطبري (10071): ص 9/ 19.
(13)
الكشاف: 1/ 547.
(14)
انظر: مجاز القرآن: 1/ 136، وتفسير ابن ابي زمنين: 1/ 394
(15)
ديوانه: 59، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 136 والناسخ والمنسوخ: 109 واللسان (وصل)، وغيرهما. وفي اللسان " لبكر بن وائل "، وفسرها " اتصلت ": انتسبت. وفسرها شارح شعر الأعشى: إذا دعت، يعني دعت بدعوى الجاهلية، وهو الاعتزاء. وهذا البيت آخر بيت في قصيدة الأعشى تلك. يقول: تدعى إليهم وتنتسب، وهي من إمائهم اللواتي سبين وقد رغمت أنوفهن وأنوف رجالهن الذي كانوا يدافعون عنهن، ثم انهزموا عنهن وتركوهن للسباء.
(16)
تفسير الطبري: 9/ 19، وانظر: مجاز القرآن: 1/ 136.
(17)
تفسير الطبري: 9/ 20.
(18)
التفسير الميسر: 92.
(19)
أخرجه الطبري (10072): ص 9/ 21.
(20)
أخرجه ابن ابي حاتم (5760) ص 3/ 1028.
(21)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(14/ 331، 332 رقم 18461)، وابن أبي حاتم في "تفسيره:(5750): ص 3/ 1026، والحارث بن أبي أسامة في "مسنده":(678): ص 2/ 692، 693، "بغية الباحث"، وابن مردويه في "تفسيره"؛ كما في "تفسير القرآن العظيم" (1/ 546) جميعهم من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن: أن سراقة. . وذكره.
سنده ضعيف؛ فيه علي بن زيد بن جدعان؛ ضعيف.
(22)
أخرجه ابن ابي حاتم (5762) ص 3/ 1028.
(23)
تفسير ابن كثير: 1/ 372.
(24)
تفسير الطبري: 9/ 21، وانظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة 1/ 136، ومعاني القرآن للفراء 1/ 282.
وفي قوله تعالى: {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ} [النساء: 90]، وجهان:
أحدهما: أنه إخبارٌ من الله عنهم بأن صدورهم حَصِرتْ. وهذا قول الجمهور وهو المشهور (1).
والثاني: أنه دعاء من الله عليهم بأن تُحصَرَ صدورهم، ومنه قوله تعالى:{قَاتَلَهُمُ اللَّهُ} [التوبة: 30]، وهذا قول المبرد (2).
وقرأ الحسن البصري: {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَةً صُدُورُهُمْ} ، نصبًا (3).
وفي قراءة أبيّ: {بينكم وبينهم ميثاق جاؤكم حصرت صدورهم} ، بغير «أو» ، ووجهه أن يكون {جاؤكم} بيانا ليصلون، أو بدلا أو استئنافا، أو صفة بعد صفة لقوم (4).
قال الطبري: "وهي صحيحة في العربية فصيحة، غير أنه غير جائزة القراءة بها عندي، لشذوذها وخروجها عن قراءة قرأة الإسلام"(5).
قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ} [النساء: 90]، أي:" ولو شاء الله لقوّاهم وجرّأهم عليكم فقاتلوكم"(6).
قال ابن كثير: " أي: من لطفه بكم أن كفهم عنكم"(7).
قال الثعلبي: " يعني سلط الله المشركين على المؤمنين عقوبة ونقمة"(8).
قال السمعاني: " معنى هذا: أن الله - تعالى - هو الذي ألقى الرعب في قلوبهم، وكفهم عن قتالكم، حتى جاءوا معاهدين، ولو شاء الله لسلطهم عليكم"(9).
وفي تسليطهم قولان (10):
أحدهما: بتقوية قلوبهم.
والثاني: بالإذن في القتال ليدافعوا عن أنفسهم.
قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف يجوز أن يسلط الله الكفرة على المؤمنين؟ قلت: ما كانت مكافتهم إلا لقذف الله الرعب في قلوبهم، ولو شاء لمصلحة يراها من ابتلاء ونحوه لم يقذفه، فكانوا متسلطين مقاتلين غير مكافين، فذلك معنى التسليط"(11).
وقرئ: {فلقتلوكم} ، بالتخفيف والتشديد (12).
قوله تعالى: {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} [النساء: 90]، "أي: فإِن لم يتعرضوا لكم بقتال وانقادوا واستسلموا لكم فليس لكم أن تقاتلوهم" (13).
قال السمعاني: " يعنى: الصلح فانقادوا، واستسلموا"(14).
والسَّلَم: "هو الاستسلام. وإنما هذا مثلٌ، كما يقول الرجل للرجل: أعطيتك قِيادي، وألقيت إليك خِطَامي، إذا استسلم له وانقاد لأمره. فكذلك قوله:{وألقوا إليكم السلم} ، إنما هو: ألقوا إليكم قيادَهم واستسلموا لكم، صلحًا منهم لكم وسَلَمًا. ومن «السَّلم» ، قول الطرمَّاح (15):
(1) انظر: تفسير الطبري: 9/ 21، والنكت والعيون: 1/ 514.
(2)
انظر: تفسير السمعاني: 1/ 460، والنكت والعيون: 1/ 514، والكشاف: 1/ 547.
(3)
انظر: معاني القرآن للفراء: 1/ 282، وتفسير الطبري: 9/ 22.
(4)
انظر: الكشاف: 1/ 547.
(5)
تفسير الطبري: 9/ 22.
(6)
صفوة التفاسير: 271.
(7)
تفسير ابن كثير: 1/ 372.
(8)
تفسير الثعلبي: 3/ 357.
(9)
تفسير السمعاني: 1/ 460.
(10)
انظر: النكت والعيون: 1/ 514.
(11)
الكشاف: 1/ 547 - 548.
(12)
انظر: الكشاف: 1/ 548.
(13)
صفوة التفاسير: 271.
(14)
تفسير السمعاني: 1/ 460.
(15)
ديوانه: 145، من قصيدته التي هجا بها الفرزدق وبيوت بني دارم وبني سعد فقال قبله: وَدَارِمٌ قد قَذَفْنَا مِنْهُمُ مِئَةً
…
فِي جَاحِمِ النَّارِ، إِذْ يُلْقَوْنَ فِي الخُدَدِ
يَنْزُونَ بالْمُشْتَوَى مِنْهَا، ويُوقِدُهَا
…
عَمْرٌو، وَلَوْلا لُحُومُ الْقَوْمِ لَمْ تَقِدِ
وَذَاكَ أنَّ تَمِيمًا ............
…
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فزعم أن عمرو بن المنذر اللخمي، أحرق بني دارم رهط الفرزدق، قال أبو عبيدة: ولم يكن للطرماح بهذا الحديث علم. يعني حديث يوم أوارة، وهو يوم غزا عمرو بن المنذر بني دارم، فقتل منهم تسعة وتسعين رجلا.
وَذَاكَ أَنَّ تَمِيمًا غَادَرَتْ سَلَمًا
…
لِلأسْدِ كُلَّ حَصَانٍ وَعْثَةِ اللِّبَدِ
يعني بقوله: سلمًا، استسلامًا" (1).
وفي قوله تعالى: {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} [النساء: 90]، قولان:
أحدهما: الصلح، وهو قول الربيع (2).
والثاني: الإِسلام، وهو قول الحسن (3).
وقرئ: {السلم} ، بسكون اللام مع فتح السين (4).
قوله تعالى: {فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا} [النساء: 90]، ي:" فليس لكم عليهم من طريق لقتالهم"(5).
قال الزمخشري: أي: " فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم"(6).
قال السمعاني: " أي: طريقا عليهم بالقتل والقتال"(7).
قال ابن كثير: " أي: فليس لكم أن تقتلوهم، ما دامت حالهم كذلك، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين، فحضروا القتال وهم كارهون، كالعباس ونحوه، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ عن قتل العباس وعبّر بأسره"(8).
وفي نسخ هذه الآية قولان:
أحدهما: انها نسخت بآية السيف. وهذا قول ابن عباس (9)، الزهري (10)، وعكرمة (11)، والحسن (12)، وقتادة (13)، واختيار الطبري (14)، والنحاس (15)، ومكي بن ابي طالب (16).
قال ابن الجوزي: " أمر المسلمون في هذه الآية بترك قتال من له معهم عهد، أو ميثاق، أو ما يتعلق بعهد، ثم نسخ ذلك بآية السيف، وبما أمروا به من نبذ العهد إلى أربابه في سورة براءة. وهذا المعنى مروي عن ابن عباس وقتادة"(17).
عن عطاء عن ابن عباس-رضي الله عنهما: " {إِلاّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} (18)، وَقَالَ: {إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنّ} (19)، وَقَالَ: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} (20)، نَسَخَ هَذَا {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (21)، {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ} "(22).
(1) تفسير الطبري: 9/ 23.
(2)
انظر: تفسير الطبري (10073): ص 9/ 24.
(3)
انظر: النكت والعيون: 1/ 514.
(4)
انظر: الكشاف: 1/ 548.
(5)
التفسير الميسر: 92.
(6)
الكشاف: 1/ 548.
(7)
تفسير السمعاني: 1/ 460.
(8)
تفسير ابن كثير: 1/ 372.
(9)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5756): ص 3/ 1027.
(10)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5756): ص 3/ 1027.
(11)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5756): ص 3/ 1027.
(12)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5756): ص 3/ 1027.
(13)
انظر: تفسير الطبري (10075)، (10076): ص 9/ 25 - 26.
(14)
انظر: تفسير الطبري: 9/ 24 - 25.
(15)
انظر: الناسخ والمنسوخ: 109.
(16)
انظر: الإيضاح: 195.
(17)
.نواسخ القرآن: 2/ 381
(18)
[سورة النساء: 90].
(19)
[سورة مالممتحنة: 10].
(20)
[سورة التوبة: 1].
(21)
[سورة التوبة: 5].
(22)
أخرجه ابن ابي حاتم (5756): ص 3/ 1027، وابن الجوزي في نواسخ القرآن: 2/ 381، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: 109، وذكر النسخ ايضا مكي بن ابي طالب عن ابن عباس بدون إسناد.
وعن قتادة: " {إِلاّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} (1)، الآيَةَ، قَالَ: نُسِخَ ذلك في براءة، وَنُبِذَ إِلَى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدُهُ، وأمر الله نبيه أَنْ يُقَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَقَالَ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} (2) الآية"(3).
واخرج الطبري عن عن عكرمة والحسن قالا قال: " {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ}، إلى قوله: {وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا}، وقال في «الممتحنة»: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}، وقال فيها: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} إلى {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [سورة الممتحنة: 8، 9]، فنسخ هؤلاء الآيات الأربعة في شأن المشركين فقال: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ} [سورة التوبة: 1، 2]. فجعل لهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض، وأبطل ما كان قبل ذلك. وقال في التي تليها: {فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ}، ثم نسخ واستثنى فقال: رفَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ}، إلى قوله: {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [سورة التوبة: 5، 6] "(4).
والثاني: انهما محكمة. وإنما نزلت في قوم مخصوصين، وهم بنو خزيمة وبنو مدلج، عاقدوا حلفاء المسلمين فنهي عن قتلهم، ونزلت آية السيف بعد إسلام الذين ذكرناهم. ذكره عبدالقاهر البغدادي عن بعضهم (5).
الفوائد:
1 -
أن الله أوجب مسالمة من يقف من المسلمين موقف الحياد، فلا يحاربهم، لا يعين عليهم محاربًا.
2 -
أن أصل علاقة المسلمين بغيرهم هو السلم، والآية تدل على الأمر بقبول السلم من الكفار إذا جنحوا إليه، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الرغبة في الحرب وتمني لقاء العدو فقال:" لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية"(6).
القرآن
التفسير:
ستجدون قومًا آخرين من المنافقين يودون الاطمئنان على أنفسهم من جانبكم، فيظهرون لكم الإيمان، ويودون الاطمئنان على أنفسهم من جانب قومهم الكافرين، فيظهرون لهم الكفر، كلما أعيدوا إلى موطن الكفر والكافرين، وقعوا في أسوأ حال. فهؤلاء إن لم ينصرفوا عنكم، ويقدموا إليكم الاستسلام التام، ويمنعوا أنفسهم عن قتالكم فخذوهم بقوة واقتلوهم أينما كانوا، وأولئك الذين بلغوا في هذا المسلك السيِّئ حدّاً يميزهم عمَّن عداهم، فهم الذين جعلنا لكم الحجة البينة على قتلهم وأسرهم.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: أنهم أناس كانوا من أهل مكة أسلموا - على ما وصفهم الله به من التقيَّة - وهم كفار، ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم وذراريهم ونسائهم، يقول الله:{كلما ردُّوا إلى الفتنة أركسوا فيها} ، ، يعني كلما دعاهم قومهم إلى الشرك بالله، ارتدوا فصاروا مشركين مثلهم، ليأمنوا عند هؤلاء وهؤلاء. وهذا قول ابن عباس (7)، ومجاهد (8).
(1)[سورة النساء: 90].
(2)
[سورة التوبة: 5].
(3)
الناسخ والمنسوخ لقتادة: 40، وأخرجه الطبري في تفسيره (10075)، (10076): ص 9/ 25 - 26، من طريقين عن قتادة، كما أخرجه النحاس في ناسخه (195) عنه وعن مجاهد، وذكره مكي بن أبي طالب في ناسخه ص: 195، عن قتادة بدون إسناد، وانظر: ابن حزم 127، وابن سلامة 38، وبن الجوزي 2/ 382، والعتائقي 44، وابن المتوج 94.
(4)
تفسير الطبري (10074): ص 9/ 25.
(5)
انظر: الناسخ المخطوط لعبد القاهر ورقة من الفلم 61.
(6)
صحيح البخاري: كتاب الجهاد، 2804، 2861، 2863 وصحيح مسلم: كتاب الجهاد والسير، 1741 - 1742.
(7)
انظر: تفسير الطبري (10080): ص 9/ 27، وابن ابي حاتم (5770): ص 3/ 1029، وسنده ضعيف جدا، مسلسل بالعوفيين الضعغاء.
(8)
انظر: تفسير الطبري (10078): ص 9/ 27، وابن ابي حاتم (5769): ص 3، 1029، اسناده صحيح ولكنه مرسل، وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(2/ 614)، وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر.
والثاني: وقال قتادة: " حيٌّ كانوا بتهامة، قالوا: يا نبيّ الله، لا نقاتلك ولا نقاتل قومنا، وأرادوا أن يأمنوا نبيَّ الله ويأمنوا قومهم، فأبى الله ذلك عليهم، فقال: {كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها}، يقول: كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه"(1).
والثالث: أنها نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان يأمن في المسلمين والمشركين، ينقل الحديث بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين. وهذا قول السدي (2).
والرابع: انههم قوم من المنافقين. وهذا قول الحسن (3).
قوله تعالى: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ} [النساء: 91]، "أي: ستجدون قوماً آخرين من المنافقين يريدون أن يأمنوكم بإِظهار الإِيمان ويأمنوا قومهم بإِظهار الكفر إِذا رجعوا إِليهم" (4).
قال مقاتل: " يعني يأمنوا فيكم معشر المؤمنين بأنهم مقرون بالتوحيد ويأمنوا قومهم المشركين لأنهم على دينهم"(5).
قال الفراء: " معناه: أن يأمنوا فيكم ويأمنوا في قومهم. فهؤلاء بمنزلة الذين ذكرناهم في أن قتالهم حلال إذا لم يرجعوا"(6).
قال ابن قتيبة: " هؤلاء منافقون يعطون المسلمين الرضا ليأمنوهم ويعطون قومهم الرضا ليأمنوهم"(7).
قال الزجاج: " ستجدون من يظهر لكم الصلح ليأمنكم، وإذا سنحت فتنة كانوا مع
أهلها عليكم" (8).
قال ابن كثير: " هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن تقدمهم، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك، فإن هؤلاء منافقون يظهرون للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه الإسلام؛ ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم ويصانعون الكفار في الباطن، فيعبدون معهم ما يعبدون، ليأمنوا بذلك عندهم، وهم في الباطن مع أولئك، كما قال تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 14] "(9).
قال ابن عطية: " لما وصف الله تعالى فيما تقدم صفة المحقين في المتاركة، المجدين في إلقاء السلم، نبه على طائفة مخادعة مبطلة مبطنة كانوا يريدون الإقامة في مواضعهم مع أهليهم، يقولون لهم: نحن معكم وعلى دينكم، ويقولون أيضا للمسلمين إذا وفدوا وأرسلوا: نحن معكم وعلى دينكم خبثة منهم وخديعة، قيل: كانت أسد وغطفان بهذه الصفة، وقيل: نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي، كان ينقل بين النبي عليه السلام والكفار الأخبار، وقيل: نزلت في قوم يجيئون من مكة إلى النبي عليه السلام رياء، يظهرون الإسلام ثم يرجعون إلى قريش فيكفرون، ففضح الله تعالى هؤلاء، وأعلم أنهم على غير صفة من تقدم"(10).
قوله تعالى: {كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا} [النساء: 91]، "أي: كلما دعوا إِلى الكفر أو قتال المسلمين عادوا إِليه وقُلبوا فيه على أسوأ شكل" (11).
قال الزمخشري: " قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه، وكانوا شرا فيها من كل عدو"(12).
قال ابن كثير: " أي: انهمكوا فيها"(13).
قال الزجاج: " أي: انتكسوا عن عهدهم الذي عقدوه"(14).
(1) أخرجه الطبري (10081): ص 9/ 28، وابن ابي حاتم (5758): ص 3/ 1029، إسناده صحيح لكنه مرسل، وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(2/ 614)، وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر.
(2)
انظر: تفسير الطبري (10082): ص 9/ 28، وابن ابي حاتم (5767): ص 3/ 1029، وسنده ضعيف جداً؛ لإعضاله، وضعف أسباط.
(3)
انظر: النكت والعيون: 1/ 517.
(4)
صفوة التفاسير: 271.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 396.
(6)
معاني القرآن: 1/ 282.
(7)
غريب القرآن: 134.
(8)
معاني القرآن: 2/ 89.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 373.
(10)
المحرر الوجيز: 2/ 91.
(11)
صفوة التفاسير: 272.
(12)
الكشاف: 1/ 548.
(13)
تفسير ابن كثير: 2/ 373.
(14)
معاني القرآن: 2/ 89.
قال ابن عطية: " {إلى الفتنة}، معناه: إلى الاختبارأي: أهلكوا في الاختبار بما واقعوه من الكفر"(1).
قال ابو السعود: " أي [كلما] دعوا إلى الكفر وقتال المسلمين، قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه وكانوا فيها شرا من كل عدو شرير"(2).
قال مقاتل: " يعني كلما دعوا إلى الشرك، {أركسوا فيها}، يقول: عادوا في الشرك"(3).
قال مجاهد: " يرجعون إلى قريش، فيرتكسون في الأوثان"(4).
قال قتادة: " يقول: كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه "(5).
قال ابن عباس: " كلما أرادوا أن يخرجوا من الفتنة أركسوا فيها"(6).
قال السدي: " {كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ}، يقول: إلى الشرك"(7).
قال ابو العالية: " كلما ابتلوا بها عموا فيها"(8).
قال القرطبي: " ومعنى {أركسوا فيها}، أي انتكسوا عن عهدهم الذين عاهدوا، وقيل: أي إذا دعوا إلى الشرك رجعوا وعادوا إليه"(9).
وقرأ عبد الله بن مسعود، {ركسوا} ، بضم الراء من غير ألف، وحكاه عنه أبو الفتح بشد الكاف على التضعيف (10).
وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش: {ردوا} ، بكسر الراء، لأن الأصل «رددوا» ، فأدغم وقلبت الكسرة على الراء (11).
قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ} [النساء: 91]، "أي: فإِن لم يجتنبوكم" (12).
قال مجاهد: " أمر بقتالهم إن لم يعتزلوا، فيصالحوا"(13).
قال الزجاج: " أي: فإن لم يعتزلوا قتالكم ولم يعاونوا عليكم"(14).
قال النسفي: " أي ولم ينقادوا لكم بطلب الصلح"(15).
قوله تعالى: {وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} [النساء: 91]، "أي: ويستسلموا إِليكم" (16).
قال الزجاج: " أي: المقادة والاستسلام"(17).
قال البغوي: " أي: المفاداة والصلح"(18).
قال أبو السعود: " أي: لم يلقوا إليكم الصلح والعهد بل نبذوه إليكم"(19).
قال الشوكاني: " أي: يستسلمون لكم ويدخلون في عهدكم وصلحكم وينسلخون عن قومهم"(20).
قوله تعالى: {وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ} [النساء: 91]، "أي: ويكفوا أيديهم عن قتالكم" (21).
قال الزجاج: " أي: عن الحرب"(22).
(1) المحرر الوجيز: 2/ 91.
(2)
تفسير أبي السعود: 2/ 214.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 396.
(4)
أخرجه ابن المنذر (21003): ص 2/ 827 - 828.
(5)
أخرجه ابن المنذر (21004): ص 2/ 828.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (5770): ص 3/ 1029.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (5772): ص 3/ 1029.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (5774): ص 3/ 1030.
(9)
تفسير القرطبي: 5/ 311.
(10)
انظر: المحرر الوجيز: 2/ 91.
(11)
انظر: تفسير القرطبي: 5/ 311.
(12)
صفوة التفاسير: 272.
(13)
أخرجه ابن المنذر (21006): ص 2/ 828.
(14)
معاني القرآن: 2/ 89 - 90.
(15)
تفسير النسفي: 1/ 383.
(16)
صفوة التفاسير: 272.
(17)
معاني القرآن: 2/ 89 - 90.
(18)
تفسير البغوي: 2/ 262.
(19)
تفسير أبي السعود: 2/ 214.
(20)
فتح القدير: 1/ 573.
(21)
صفوة التفاسير: 272.
(22)
معاني القرآن: 2/ 89 - 90.
قال البغوي: أي: "ولم يقبضوا أيديهم عن قتالكم"(1).
قوله تعالى: {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} [النساء: 91]، " أي: فأسروهم واقتلوهم حيث وجدتموهم وأصبتموهم" (2).
قال مقاتل: " يعنى: أأسروهم، {واقتلوهم حيث ثقفتموهم}، يعني: أدركتموهم من الأرض في الحل والحرم"(3).
قال ابن عطية: " {ثقفتموهم}، مأخوذ من الثقاف، أي: ظفرتم بهم مغلوبين متمكنا منهم"(4).
قوله تعالى: {وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} [النساء: 91]، أي:" فهم الذين جعلنا لكم الحجة البينة على قتلهم وأسرهم"(5).
قال ابن كثير: " أي: بيِّنا واضحا"(6).
قال الزجاج: "أي: حجة بينة بأنهم غدرة، لا يفون بما يفارقونكم عليه من الهدنة
والصلح" (7).
قال الزمخشري: أي: " حجة واضحة لظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر، وإضرارهم بأهل الإسلام أو تسلطا ظاهرا حيث أذنا لكم في قتلهم"(8).
قال الشوكاني: " أي: حجة واضحة، تتسلطون بها عليهم، وتقهرونهم بها، بسبب ما في قلوبهم من المرض، وما في صدورهم من الدغل، وارتكاسهم في الفتنة بأيسر عمل وأقل سعي"(9).
قال السدي: " أما السلطان: فهو الحجة"(10).
قال عكرمة: "حيث ما وقع السلطان في كتاب الله تعالى فهو الحجة"(11).
قال مقاتل: " يعنى: حجة بينة ثم صارت منسوخة"(12).
وقد ذكر ابن حزم (13)، وابن سلامة (14)، وابن هلال (15)، وابن الجوزي (16)، أن هذه الآية نسخت بقوله:{فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ، وذلك بدون أن ينسبوه إلى أحد.
يقول الأستاذ مصطفى زيد: " عن هذه الآية والتي قبلها: "أن كلتيهما في المنافقين وكان الإسلام يأبى أن يقتلهم حتى لا يقال أن محمداً يقتل أصحابه" (17).
الفوائد:
1 -
إن واجب المسلم أن يكون مع المسلمين قولاً وفعلاً واعتقادًا، ومن لم يكن كذلك يكون داخلاً تحت مفهوم قول الله تعالى:{سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} (18).
2 -
الحذر من تولي الكفار، وأنه لايجوز قتال المسلمين تحت ذريعة الإكراه في ذلك، لأن الإكراه مهما يكن، لا يجوز معه أن يحمل المسلم سلاحه، ضد أهل الحق من المسلمين.
(1) تفسير البغوي: 2/ 262.
(2)
صفوة التفاسير: 272.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 396.
(4)
المحرر الوجيز: 2/ 92.
(5)
التفسير الميسر: 92.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 373.
(7)
معاني القرآن: 90.
(8)
الكشاف: 1/ 548.
(9)
فتح القدير: 1/ 573.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (5777): ص 3/ 1030.
(11)
المحرر الوجيز: 2/ 92.
(12)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 396.
(13)
في ناسخه ص: 333.
(14)
في ناسخه ص: 39.
(15)
في ناسخه المخطوط 23.
(16)
في نواسخ القرآن: 2/ 383.
(17)
النسخ في القرآن الكريم: 2/ 785.
(18)
انظر الدرر السنية ج 1 ص 66.
3 -
قال ابن عطية: "وهذه الآية حض على قتل هؤلاء المخادعين إذا لم يرجعوا عن حالهم إلى حال الآخرين المعتزلين الملقين للسلم، وتأمل فصاحة الكلام في أن سياقه في الصيغة المتقدمة قبل هذه سياق إيجاب الاعتزال. وإيجاب إلقاء السلم، ونفي المقاتلة، إذ كانوا محقين في ذلك معتقدين له، وسياقه في هذه الصيغة المتأخرة سياق نفي الاعتزال، ونفي إلقاء السلم، إذ كانوا مبطلين فيه مخادعين، والحكم سواء على السياقين، لأن الذين لم يجعل الله عليهم سبيلا لو لم يعتزلوا لكان حكمهم حكم هؤلاء الذين جعل عليهم «سلطان مبين»، وكذلك هؤلاء الذين عليهم السلطان، إذ لم يعتزلوا، لو اعتزلوا لكان حكمهم حكم الذين لا سبيل عليهم. ولكنهم بهذه العبارة تحت القتل إن لم يعتزلوا"(1).
القرآن
التفسير:
ولا يحق لمؤمن الاعتداء على أخيه المؤمن وقتله بغير حق، إلا أن يقع منه ذلك على وجه الخطأ الذي لا عمد فيه، ومن وقع منه ذلك الخطأ فعليه عتق رقبة مؤمنة، وتسليم دية مقدرة إلى أوليائه، إلا أن يتصدقوا بها عليه ويعفوا عنه. فإن كان المقتول من قوم كفار أعداء للمؤمنين، وهو مؤمن بالله تعالى، وبما أنزل من الحق على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فعلى قاتله عتق رقبة مؤمنة، وإن كان من قوم بينكم وبينهم عهد وميثاق، فعلى قاتله دية تسلم إلى أوليائه وعتق رقبة مؤمنة، فمن لم يجد القدرة على عتق رقبة مؤمنة، فعليه صيام شهرين متتابعين; ليتوب الله تعالى عليه. وكان الله تعالى عليما بحقيقة شأن عباده، حكيمًا فيما شرعه لهم.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي وكان أخا أبي جهل لأمه، قتل الحارث بن زيد من بني عامر بن لؤي، لأنه كان يعذب عياشاً مع أبي جهل، وهو لا يعلم بإسلامه. وهذا قول عكرمة (2)، ومجاهد (3)، والسدي (4)، وسعيد بن جبير (5)، والقاسم بن محمد بن أبي بكر (6).
واختلف أين قتله:
أفقال عكرمة (7)، وجاهد (8): قتله بالحرّة بعد هجرته إلى المدينة وهو لا يعلم بإسلامه.
ب وقال السدي (9): قتله يوم الفتح وقد خرج من مكة وهو لا يعلم بإسلامه.
والثاني: وقال ابن زيد: "نزل هذا في رجل قتله أبو الدرداء، نزل هذا كله فيه، كانوا في سرية، فعدَل أبو الدرداء إلى شِعْبٍ يريد حاجة له، فوجد رجلا من القوم في غنم له، فحمل عليه بالسيف فقال: لا إله إلا الله! قال: فضربه، ثم جاء بغنمه إلى القوم. ثم وجد في نفسه شيئًا، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ألا شققتَ عن قلبه! » فقال: ما عَسَيْتُ أجِدُ! هل هو يا رسول الله
(1) المحرر الوجيز: 2/ 92.
(2)
انظر: تفسير الطبري (10091): ص 9/ 32 - 33، من طريق سنيد، وسنده ضعيف جداً؛ فيه ثلاث علل:
الأولى: الإرسال.
الثانية: ابن جريج لم يسمع من مجاهد.
الثالثة: سنيد صاحب "التفسير" ضعيف.
(3)
انظر: تفسير الطبري (10089) - (10091): ص 9/ 32 - 33، ووابن أبي حاتم في تفسيره (5781): ص 3/ 1031، والبيهقي في "السنن الكبرى"(9/ 14) من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد به. وهذا سند صحيح؛ لكنه مرسل.
(4)
انظر: تفسير الطبري (10092): ص 9/ 33، وسنده واهٍ بمرة؛ لإعضاله، وضعف أسباط، وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(2/ 616)، وزاد نسبته لابن المنذر.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5782): ص 3/ 1031.
(6)
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(8/ 72)، سنده ضعيف؛ فيه علتان: الأولى: الإرسال. الثانية: ابن إسحاق مدلس، وقد عنعن، وأخرجه البيهقي (8/ 131)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة"(2/ 813، 814 رقم 2137)، مرسل حسن الإسناد، وهو أصح من الذي قبله. وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(2/ 616، 617)، وزاد نسبته لابن المنذر.
ثم رأينا الحافظ ذكره في "الإصابة"(1/ 295) ونسبه لأبي يعلى، والحارث بن أبي أسامه، وأبي مسلم الكجي.
(7)
انظر: تفسير الطبري (10091): ص 9/ 32 - 33.
(8)
انظر: تفسير الطبري (10089) - (10091): ص 9/ 32 - 33.
(9)
انظر: تفسير الطبري (10092): ص 9/ 33.
إلا دمٌ أو ماء؟ قال: «فقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه؟ » ، قال: كيف بي يا رسول الله؟ قال: «فكيف بلا إله إلا الله؟ » ، قال: فكيف بي يا رسول الله؟ قال: «فكيف بلا إله إلا الله؟ » حتى تمنَّيتُ أن يكون ذلك مبتدأ إسلامي. قال: ونزل القرآن: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ} ، حتى بلغ {إلا أن يصدّقوا} ، قال: إلا أن يَضَعوها" (1).
والثالث: عن بكر بن حارثة الجهني؛ قال: "كنت في سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فاقتتلنا نحن والمشركون، وحملت على رجل من المشركين؛ فتعوذ مني بالإِسلام؛ فقتلته، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم؛ فغضب وأقصاني؛ فأوحى الله إليه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً}. قال: فرضي عني، وأدناني"(2).
والرابع: أخرج ابن ابي حاتم عن سعيد بن جبير: " قوله: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن}، يعني: من أهل الحرب، {وهو مؤمن}، يعني: المقتول، قال: نزلت في مرداس بن عمرو وكان أسلم، وقومه كفار من أهل الحرب فقتله أسامة بن زيد خطا"(3).
قال الطبري: " والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله عرَّف عبادَه بهذه الآية مَا على مَن قتل مؤمنًا خطأ من كفَّارة ودية. وجائز أن تكون الآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة وقتيله، وفي أبي الدرداء وصاحبه. وأيّ ذلك كان، فالذي عَنَى الله تعالى بالآية: تعريفَ عباده ما ذكرنا، وقد عرف ذلك من عَقَل عنه من عباده تنزيلَه، وغير ضائرهم جهلهم بمن نزلت فيه"(4).
قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} [النساء: 92]، "أي: لا ينبغي لمؤمنٍ ولا يليق به أن يقتل مؤمناً إِلا على وجه الخطأ" (5).
قال السدي: " المؤمن لا يقتل مؤمنا"(6).
قال قتادة: " يقول: ما كان له ذلك فيما أتاه من ربه، من عهد الله الذي عهد إليه"(7).
قال أبو عبيدة: " وهذا كلام تستثنى العرب الشيء من الشيء وليس منه على اختصار وضمير، وليس لمؤمن أن يقتل مؤمنا على حال إلّا أن يقتله مخطئا، فإن قتله خطئا"(8).
قال الطبري: أي: " وما أذن الله لمؤمن ولا أباح له أن يقتل مؤمنًا، يقول: ما كان ذلك له فيما جعل له ربه وأذن له فيه من الأشياء البتة"(9).
قال الزجاج: " المعنى: ما كان لمؤمن ألبتة، إلا أن يخطئ المؤمن، فكفارة خطئه ما ذكر بعد"(10).
قال الزمخشري: أي: " وما صح له ولا استقام ولا لاق بحاله، أن يقتل مؤمنا ابتداء غير قصاص إلا على وجه الخطإ"(11).
قال الماوردي: " يعني: أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ وليس مما جعله الله له، وهذا من الاستثناء الذي يسميه أهل العربية: الاستثناء المنقطع، ومنه قول جرير (12):
(1) تفسير الطبري (10093): ص 9/ 33. سنده واهٍ بمرةٍ؛ لإعضاله، وعبد الرحمن بن زيد متروك.
(2)
أخرجه الدولابي؛ كما في "الإصابة"(1/ 163) -وعنه أبو نعيم في "المعرفة"(3/ 142 رقم 1214). في السند من لم نعرفه، ولم نجد له ترجمة.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(2/ 617) وزاد نسبته للروياني وابن منده.
(3)
تفسير ابن ابي حاتم (5798): ص 3/ 1034.
(4)
تفسير الطبري: 9/ 33 - 34.
(5)
صفوة التفاسير: 272.
(6)
أخرجه ابن ابي حاتم (5780): ص 3/ 1030 - 1031.
(7)
أخرجه الطبري (10088): ص 9/ 30.
(8)
مجاز القرآن: 1/ 136.
(9)
تفسير الطبري: 9/ 30.
(10)
معاني القرآن: 2/ 90.
(11)
الكشاف: 1/ 548.
(12)
ديوانه: 457، والنقائض: 706، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 137، من قصيدته التي هجا فيها الفرزدق وآل الزبرقان بن بدر، وهو من أول القصيدة، وقبله: أَمِنْ عَهْدِ ذِي عَهْدٍ تَفِيضُ مَدَامِعِي
…
كَأَنَّ قَذَى الْعَيْنَيْنِ مِنْ حَبِّ فُلْفُلِ?
فَإنْ يَرَ سَلْمَى الجِنُّ يَسْتَأْنِسُوا بِهَا،
…
وَإِنْ يَرَ سَلْمَى رَاهِبُ الطُّورِ يَنْزِلِ
ورواية الديوان وأبي عبيدة في النقائض: "إِلَاّ نِيرَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ"
و"النير"(بكسر النون): علم الثوب. و"المرط": إزار خز له علم، ويكون من صوف أيضا. وأما "الريط" فهو جمع"ريطة": وهي الملاءة إذا كانت قطعة واحدة، ولم تكن لفقين، وتكون ثوبًا دقيقًا لينًا. و"المرحل": الموشى، وهو ضرب من البرود، وشيه معين كتعيين جديات الرحل.
من البيض لم تظعن بعيداً ولم تطأ
…
على الأرض إلاّ ريْط بُردٍ مرحّلِ
يعني: ولم تطأ على الأرض إلا أن تطأ ذيل البرد وليس البرد من الأرض" (1).
وقرئ: {خطاء} ، بالمد، و {خطا} ، بوزن «عمى» ، بتخفيف الهمزة (2).
قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً} [النساء: 92]، "أي: ومن قتل مؤمناً على وجه الخطأ" (3).
قال إبراهيم: " إذا قتل المسلم"(4).
قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92]، "أي: فعليه إِعتاق رقبةٍ مؤمنة" (5).
عن محمد بن علي فتحرير: " {رقبة مؤمنة}، قال: في الخطأ إذا أقرت ولم يعلم منها إلا خيرا"(6).
قال ابن عباس: " يعني بالـ {مؤمنة}: من قد عقل الإيمان وصام وصلى"(7). وروي عن سعيد بن جبير، والحسن، وإبراهيم، والحكم نحو ذلك" (8).
وقال عطاء: " ولدت على الإسلام"(9).
وعن الشعبي: " {فتحرير رقبة مؤمنة}، قال: قد صلت"(10). وروي عن مجاهد، وعطاء. وقتادة نحو ذلك" (11).
قال إبراهيم: "فهذا له ولورثته المسلمين"(12).
قال الزمخشري: " المراد بـ {رقبة مؤمنة}: كل رقبة كانت على حكم الإسلام عند عامة العلماء"(13).
واختلف في تفسير قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92]، على قولين:
أحدهما: أنها لا يجزىء عتقها في الكفارة إلا أن تكون مؤمنة بالغة قد صلت وصامت، وهذا قول ابن عباس (14)، والشعبي (15)، والحسن (16)، وقتادة (17)، وإبراهيم (18).
والقول الثاني: أن الصغيرة المولودة من أبوين مسلمين تكون مؤمنة تجزىء في الكفارة، وهذا قول عطاء (19)، والشافعي (20).
والصواب-والله أعلم- أنه "لا يجزئ في قتل الخطأ من الرقاب إلا من قد آمن وهو يعقل الإيمان من بالغي الرجال والنساء، إذا كان ممن كان أبواه على مِلّة من الملل سوى الإسلام، وولد بينهما وهما كذلك، ثم لم يسلما ولا واحدٌ منهما حتى أعتِق في كفارة الخطأ. وأما من ولد بين أبوين مسلمين، فقد أجمع الجميع من أهل العلم أنه وإن لم يبلغ حدّ الاختيار والتمييز، ولم يدرك الحُلُم، فمحكوم له بحكم أهل الإيمان في الموارثة، والصلاة عليه إن مات، وما يجب عليه إن جَنَى، ويجب له إن جُنِيَ عليه، وفي المناكحة، فإذْ كان ذلك من جميعهم إجماعًا، فواجب أن يكون له من الحكم فيما يجزئ فيه من كفارة الخطأ إن أعتق فيها من حكم أهل الإيمان، مثلُ الذي له من حكم الإيمان في سائر المعاني التي ذكرناها وغيرها"(21).
(1) النكت والعيون: 1/ 518، وانظر: تفسير الطبري: 9/ 30 - 31.
(2)
انظر: الكشاف: 1/ 548.
(3)
صفوة التفاسير: 272.
(4)
أخرجه ابن ابي حاتم (5783): ص 3/ 1031.
(5)
صفوة التفاسير: 272.
(6)
أخرجه ابن ابي حاتم (5784): ص 3/ 1031.
(7)
أخرجه ابن ابي حاتم (5787): ص 3/ 1032.
(8)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5787): ص 3/ 1032.
(9)
أخرجه ابن ابي حاتم (5786): ص 3/ 1032.
(10)
أخرجه ابن ابي حاتم (5788): ص 3/ 1032.
(11)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5788): ص 3/ 1032.
(12)
أخرجه ابن ابي حاتم (5783): ص 3/ 1031.
(13)
الكشاف: 1/ 549.
(14)
انظر: تفسير الطبري (10094): ص 9/ 34.
(15)
انظر: تفسير الطبري (10095): ص 9/ 34.
(16)
انظر: تفسير الطبري (10097): ص 9/ 34.
(17)
انظر: تفسير الطبري (10099): ص 9/ 35.
(18)
انظر: تفسير الطبري (10096): ص 9/ 34.
(19)
انظر: تفسير الطبري (10103): ص 9/ 35.
(20)
انظر: النكت والعيون: 1/ 518.
(21)
تفسير الطبري: 9/ 36 - 37.
قال الزمشخري: " قيل: لما أخرج نفسا مؤمنة عن جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفسا مثلها في جملة الأحرار، لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها من قبل أن الرقيق ممنوع من تصرف الأحرار"(1).
قال ابن عباس: " أتي النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: إن علي أي رقبة، وعندي أمة سوداء، فقال: ائتني بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتشهدين أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ »، قالت: نعم. قال: «أعتقها» "(2).
ومعنى «التحرير» : "الإعتاق. والحر والعتيق: الكريم، لأن الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العبيد. ومنه: عتاق الخيل، وعتاق الطير لكرامها. وحر الوجه: أكرم موضع منه. وقولهم للئيم «عبد» وفلان عبد الفعل: أى لئيم الفعل. والرقبة: عبارة عن النسمة، كما عبر عنها بالرأس في قولهم: فلان يملك كذا رأسا من الرقيق"(3).
قوله تعالى: {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 92]، "أي: وعليه كذلك ديةٌ مؤداة إلى ورثة المقتول" (4).
قال ابن شهاب: " فقد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضها مائة من الإبل"(5).
قال سعيد بن المسيب: " المسلمة: التامة"(6).
قال سعيد بن جبير: " {ودية مسلمة إلى أهله}، يعني: تسلمها عاقلة القاتل"(7).
وفي قوله تعالى: {إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 92]، وجهان:
أحدهما: معناه: إلى أولياء المقتول. وهذا قول سعيد بن جبير (8).
والثاني: معناه: إلى ورثة المقتول. وهذت قول إبراهيم النخعي (9)، وقتادة (10)، ومقاتل بن حيان (11).
قال الزمخشري: أي: " مؤداة إلى ورثته يقتسمونها كما يقتسمون الميراث، لا فرق بينها وبين سائر التركة في كل شيء، يقضى منها الدين، وتنفذ الوصية وإن لم يبق وارثا فهي لبيت المال، لأن المسلمين يقومون مقام الورثة، كما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم «أنا وارث من لا وارث له» (12) "(13).
وفي رواية سعيد بن المسيب: «أن عمر كان يقول: الدية للعاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا، حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، ورث امرأة أشيم الضبابى من دية زوجها" (14).
وعن ابن مسعود: «يرث كل وارث من الدية غير القاتل» (15).
وعن شريك: «لا يقضى من الدية دين، ولا تنفذ وصية» (16).
وعن ربيعة: «الغرة لأم الجنين وحدها» (17).
قال الزمخشري: "وذلك خلاف قول الجماعة"(18).
وإن قلت: "على من تجب الرقبة والدية؟
(1) أخرجه ابن ابي حاتم (5785): ص 3/ 1032، ذكر بلفظ آخر في المسند 3/ 451.
(2)
أخرجه ابن ابي حاتم (5785): ص 3/ 1032، ذكر بلفظ آخر في المسند 3/ 451.
(3)
الكشاف: 1/ 549.
(4)
صفوة التفاسير: 272.
(5)
أخرجه ابن ابي حاتم (5789): ص 3/ 1032، والترمذي كتاب الديات (1387).
(6)
أخرجه ابن ابي حاتم (5790): ص 3/ 1032.
(7)
أخرجه ابن ابي حاتم (5791): ص 3/ 1033.
(8)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5792): ص 3/ 1033.
(9)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5783): ص 3/ 1031.
(10)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5792): ص 3/ 1033.
(11)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5792): ص 3/ 1033.
(12)
أخرجه أبو داود (2901).
(13)
الكشاف: 1/ 549 - 550.
(14)
أخرجه أصحاب السنن، انظر: مسند الإمام احمد (15837)، و (15838): ص 3/ 452، وابن ماجة (2642)، والترمذي (1415)، و (2115)، والنسائي في الكبرى (6329)، و (6335)، و (6331)، ومالك في الموطأ (2535).
(15)
الكشاف: 1/ 549 - 550.
(16)
الكشاف: 1/ 549 - 550.
(17)
الكشاف: 1/ 549 - 550.
(18)
الكشاف: 1/ 549 - 550.
قلت: على القاتل إلا أن الرقبة في ماله، والدية تتحملها عنه العاقلة، فإن لم تكن له عاقلة فهي في بيت المال، فإن لم يكن ففي ماله" (1).
وذكر الماوردي في «الدية» ، وجهين (2):
أحدهما: أنها مجملة أخذ بيانها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والثاني: أنها معهودة تقدم العمل بها ثم توجه الخطاب إليها فجعل الله الرقبة تكفيراً للقاتل في ماله والدية بدلاً من نفس المقتول على عاقلته.
قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} [النساء: 92]، أي:" إِلا إذا عفا الورثة عن القاتل فأسقطوا الدية"(3).
قال ابن عباس: " إلا أن يتصدق بها عليه"(4).
قال السدي: " فيتركوا الدية"(5). وروي عن إبراهيم النخعي نحو ذلك (6).
قال سعيد بن جبير: " يعني: إلا أن يصدق أولياء المقتول بالدية على القاتل فهو خير لهم، فأما عتق رقبة فإنه واجب على القاتل من ماله"(7).
قال الزمخشري: أي: " إلا أن يتصدقوا عليه بالدية ومعناه العفو، كقوله: {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة: 237]، ونحوه: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 280]، وعن النبي صلى الله عليه وسلم «كل معروف صدقة» (8) "(9).
قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92]، "أي: فإِن كان المقتول خطأً مؤمناً وقومه كفاراً أعداء -وهم المحاربون- فإِنما على قاتله الكفارة فقط دون الدية" (10).
قال ابن زيد: " القتيل مسلم وقومه كفّار، فتحرير رقبه مؤمنة، ولا يؤدِّي إليهم الدية فيتقوّون بها عليكم"(11).
قال ابن عباس: " كان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يرجع إلى قومه فيكون معهم وهم مشركون فيصيبه المسلمون خطا في سرية أو غارة فيعتق الذي يصيبه رقبة"(12).
قال الزجاج: " ولا مال للكفار الذين هم حرب، لأن الدية في الخطأ إنما جعلت - والله أعلم - ليحذر الناس حذرا شديدا من أن يخطئوا خطأ يؤدي إلى القتل، لتذهب الضغائن بينهم"(13).
وفي قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92]، وجهان:
أحدهما: ان المعنى: فإن كان المقتول من قوم عدو لكم. وهذا قول ابن عباس (14)، وإبراهيم (15)، وعكرمة (16)، والشعبي (17)، وقتادة (18)، والسدي (19)، سعيد بن جبير (20).
والثاني: أن المعنى: إن كان المؤمن الذي قتل ليس له ورثة بين ظهراني المسلمين ووراثة المشركون من أهل الحرب للمسلمين، {فتحرير رقبة} ، فلم يجعل له ذرية. وهذا قول مقاتل بن حيان (21).
(1) الكشاف: 1/ 550.
(2)
انظر: النكت والعيون: 1/ 518.
(3)
صفوة التفاسير: 272.
(4)
أخرجه ابن ابي حاتم (5793): ص 3/ 1033.
(5)
أخرجه ابن ابي حاتم (5795): ص 3/ 1033.
(6)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5795): ص 3/ 1033.
(7)
أخرجه ابن ابي حاتم (5794): ص 3/ 1033.
(8)
أخرجه احمد (18948): ص 4/ 307، والبخاري (231).
(9)
الكشاف: 1/ 550.
(10)
صفوة التفاسير: 272.
(11)
أخرجه الطبري (10114): ص 9/ 40.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (5798): ص 3/ 1033.
(13)
معاني القرآن: 2/ 91.
(14)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5798): ص 3/ 1033.
(15)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5798): ص 3/ 1033.
(16)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5798): ص 3/ 1033.
(17)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5798): ص 3/ 1033.
(18)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5798): ص 3/ 1033.
(19)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5798): ص 3/ 1033.
(20)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5797): ص 3/ 1033.
(21)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5799): ص 3/ 1034.
قال الزمخشري: المعنى: " من قوم كفار أهل حرب، وذلك نحو رجل أسلم في قومه الكفار وهو بين أظهرهم لم يفارقهم، فعلى قاتله الكفارة إذا قتله خطأ وليس على عاقلته لأهله شيء. لأنهم كفار محاربون. وقيل: كان الرجل يسلم ثم يأتى قومه وهم مشركون فيغزوهم جيش المسلمين، فيقتل فيهم خطأ لأنهم يظنونه كافرا مثلهم"(1).
وذكر أهل العلم في قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92]، وجهان:
أحدهما: أي إن كان قومه كفاراً وهو مؤمن ففي قتله تحرير رقبة مؤمنة وليس فيه ديةُ، وهو قول ابن عباس (2)، والحسن، وقتادة (3)، والسدي (4)، وإبراهيم (5)، وعكرمة (6)، وابن زيد (7).
والثاني: معناه فإن كان من قومٍ عدو لكم يعني أهل حرب إذا كان فيهم مؤمن فَقُتِلَ من غير علم بإيمانه ففيه الكفارة دون الدية سواء كان وارثه مسلماً أو كافراً. وهو أحد قولي ابن عباس (8)، واختيار الشافعي (9).
قال الماوردي: "ويكون معنى قوله {من قوم}، إلى قوم، وعلى القول الأول هي مستعملة على حقيقتها"(10).
والراجح-والله أعلم- أن المعنى: " فإذا قتل المسلم خطأ رجلا من عِداد المشركين، والمقتول مؤمن، والقاتل يحسب أنه على كفره، فعليه تحرير رقبة مؤمنة"(11).
قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [النساء: 92]، "أي: وإِن كان المقتول خطأً من قوم كفرة بينكم وبينهم عهد كأهل الذمة" (12).
قال الزجاج: " وإن كان من قوم بينهم وبين المسلمين عهد"(13).
قال ابن عباس: " هو الرجل يكون معاهدا ويكون قومه أهل عهد فيسلم إليهم دينه"(14).
وروي عن سعيد بن جبير (15)، وعكرمة (16)، والسدي (17)، والزهري (18)، وعطاء الخراساني (19)، وقتادة (20)، وإبراهيم النخعي (21)، أنهم قالوا:"عهد"(22).
وقال مقاتل بن حيان: " إن كان المؤمن الذي قتل ليس له ذرية في المسلمين وله ذرية في المشركين من أهل عهد النبي صلى الله عليه وسلم فيمن بين النبي صلى الله عليه وسلم ميثاق "(23).
قال الزمخشري: أي: " وإن كان من قوم كفرة لهم ذمة كالمشركين الذين عاهدوا المسلمين وأهل الذمة من الكتابيين، فحكمه حكم مسلم من مسلمين"(24).
(1) الكشاف: 1/ 550.
(2)
انظر: تفسير الطبري (10108)، و (10111)، و (10113): ص 9/ 39 - 40.
(3)
انظر: تفسير الطبري (10110): ص 9/ 39.
(4)
انظر: تفسير الطبري (10109): ص 9/ 39.
(5)
انظر: تفسير الطبري (10106): ص 9/ 39.
(6)
انظر: تفسير الطبري (10107): ص 9/ 39.
(7)
انظر: تفسير الطبري (10114): ص 9/ 40.
(8)
انظر: تفسير الطبري (10115): ص 9/ 40.
(9)
انظر: تفسير الإمام الشافعي: 2/ 633 - 642.
(10)
النكت والعيون: 1/ 519.
(11)
تفسير الطبري: 9/ 38.
(12)
صفوة التفاسير: 272.
(13)
معاني القرآن: 2/ 91.
(14)
أخرجه ابن ابي حاتم (5800): ص 3/ 1034.
(15)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5800): ص 3/ 1034.
(16)
انظر: تفسير الطبري (10128): ص 9/ 44، وتفسير ابن ابي حاتم (5800): ص 3/ 1034.
(17)
انظر: تفسير الطبري (10125): ص 9/ 44، وتفسير ابن ابي حاتم (5800): ص 3/ 1034.
(18)
انظر: تفسير الطبري (10126): ص 9/ 44، وتفسير ابن ابي حاتم (5800): ص 3/ 1034.
(19)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5800): ص 3/ 1034.
(20)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5800): ص 3/ 1034.
(21)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5800): ص 3/ 1034.
(22)
تفسير ابن ابي حاتم (5800): ص 3/ 1034.
(23)
أخرجه ابن ابي حاتم (5801): ص 3/ 1034.
(24)
الكشاف: 1/ 550.
وفي تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [النساء: 92]، وجوه:
أحدها: هم أهل الذمة من أهل الكتاب، وهو قول ابن عباس (1)، يجب في قتلهم الدية والكفارة.
والثاني: هم أهل عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب خاصة، وهذا قول الحسن (2).
والثالث: هم كل من له أمان بذمة أو عهد فيجب في قتله الدية والكفارة، وهو قول الشافعي (3).
وقرأ الحسن «وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق وهو مؤمن» (4).
قوله تعالى: {فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92]، "أي: فعلى قاتله دية تدفع إلى أهله، وإِعتاق رقبة مؤمنة" (5).
قال الزجاج: " فتحرير رقبة وتسليم الدية إلى ذوي الميثاق لئلا تقع ضغينة بين أهل الميثاق والمؤمنين"(6).
قال ابن عباس: " فعلى قاتله الدية مسلمة إلى أهله"(7)، وفي رواية:" فيسلم إليهم دينه ويعتق الذي أصابه رقبة"(8).
قال مقاتل بن حيان: "يقول: ادفعوا الدية إلى ورثته"(9).
قال سعيد بن جبير: " لأهل المقتول من أهل العهد من مشركي العرب"(10).
قال ابن عطية: " واختلف على هذا في دية المعاهد، فقال أبو حنيفة وغيره: ديته كدية المسلم، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وقال مالك وأصحابه: ديته على نصف دية المسلم، وقال الشافعي وأبو ثور: ديته على ثلث دية المسلم"(11).
قال ابن شهاب: " بلغنا أن دية المعاهد كانت كدية مسلم، ثم نقصت بعد في آخر الزمان فجعلت مثل نصف دية المسلم، وأن الله تعالى أمر بتسليم دية المعاهد إلى أهله وجعل معها تحرير رقبة مؤمنة"(12).
قال الشافعي: " فجعل في كل واحد منهما دية مُسَلَّمَةٌ - أي: إلى أهله -، ولم يقل في أهل
الميثاق نصف الدية، - كما قال أهل المدينة - وأهل الميثاق ليسوا مسلمين، فجعل في كل واحد منهما دية مسلمة إلى أهله، والأحاديث في ذلك كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهورة معروفة، أنَّه جعل دية الكافر مثل دية المسلم، وروى ذلك أفقههم، وأعلمهم في زمانه، وأعلمهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن شهاب الزهري رحمه الله فذكر أن دية المعاهَد في عهد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم مثل دية الحر المسلم، فلما كان معاوية رضي الله عنه جعلها مثل نصف دية الحر المسلم، فإن الزهري كان أعلمهم في زمانه بالأحاديث فكيف رغبوا عما رواه أفقههم إلى قول معاوية؟ ! " (13).
قوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} [النساء: 92]، أي:" فمن لم يجد القدرة على عتق رقبة مؤمنة"(14).
قال الزمخشري: " بمعنى لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها"(15).
قال مجاهد: " يقول: من لم يجد دية عتاقه في قتل مؤمن خطا"(16).
وقال سعيد بن جبير: " فمن لم يجد رقبة"(17). وروي عن مقاتل نحو ذلك (18).
(1) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5800): ص 3/ 1034.
(2)
انظر: النكت والعيون: 1/ 519.
(3)
انظر: تفسير الإمام الشافعي: 2/ 633 - 642.
(4)
انظر: المحرر الوجيز: 2/ 93 - 94.
(5)
صفوة التفاسير: 272.
(6)
معاني القرآن: 2/ 91.
(7)
أخرجه ابن ابي حاتم (5802): ص 3/ 1035.
(8)
أخرجه ابن ابي حاتم (5800): ص 3/ 1034.
(9)
أخرجه ابن ابي حاتم (5801): ص 3/ 1034.
(10)
أخرجه ابن ابي حاتم (5804): ص 3/ 1035.
(11)
المحرر الوجيز: 2/ 94.
(12)
أخرجه ابن ابي حاتم (5803): ص 3/ 1035، والترمذي كتاب الديات (4583).
(13)
تفسير الإمام الشافعي: 2/ 639.
(14)
التفسير الميسر: 93.
(15)
الكشاف: 1/ 550.
(16)
أخرجه ابن ابي حاتم (5805): ص 3/ 103، والطبري (10171): ص 9/ 55.
(17)
أخرجه ابن ابي حاتم (5806): ص 3/ 1035.
(18)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5806): ص 3/ 1035.
وقال عكرمة: " إذا كان فمن لم يجد فالأول الأول"(1).
قوله تعالى: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [النساء: 92]، أي:" فعليه صيام شهرين متتابعين"(2).
قال الطبري: أي: " فمن لم يجد رقبةً مؤمنة يحرّرها كفارة لخطئه في قتله من قتل من مؤمن أو معاهد، لعُسْرته بثمنها، فعليه صيام شهرين متتابعين"(3).
قال الحسن: " تغليظا وتشديدا من الله قال: هذا في الخطأ تشديد من الله"(4).
وفي قوله تعالى: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [النساء: 92]، وجهان:
أحدهما: أن الصوم بدل من الرقبة وحدها إذا عدمها دون الدية، وهذا قول الجمهور (5).
قال الضحاك: " الصيام لمن لا يجد رقبة، وأما الدية فواجبةٌ لا يبطلها شيء"(6).
والثاني: أنه بدل من الرقبة والدية جميعاً عند عدمها، وهذا قول مسروقٍ (7).
قال الزجاج: " ويحتمل أن يكون الصيام بدلا من الرقبة وبدلا مما ينبغي أن يؤدى في الدية"(8).
عن الشعبي عن مسروق: "أنه سئل عن الآية التي في سورة النساء: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين}: صيام الشهرين عن الرقبة وحدَها، أو عن الدية والرقبة؟ فقال: من لم يجد، فهو عن الدية والرقبة"(9).
قال ابن عطية: " يريد عند الجمهور: فمن لم يجد العتق ولا اتسع ماله له فيجزيه «صيام شهرين» متتابعين في الأيام لا يتخللها فطر، وقال مكي عن الشعبي: «صيام الشهرين» يجزىء عن الدية والعتق لمن لم يجدها، وهذا القول وهم، لأن الدية إنما هي على العاقلة وليست على القاتل، والطبري حكى القول عن مسروق (10) "(11).
عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:" وسألته عن صيام «شهرين متتابعين»، قال: لا يفطر فيها ولا يقطع صيامها فإن فعل من غير مرض ولا عذر استقبل صيامها جميعا، فإن عرض له مرض أو عذر صام ما بقي منهما فإن مات ولم يصم أطعم عنه ستون مسكينا لكل مسكين مد"(12).
قوله تعالى: {تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ} [النساء: 92]، أي:" ليتوب الله تعالى عليه"(13).
قال الزجاج: " أي: فعل ذلك توبة من الله"(14).
قال الطبري: " يعني: تجاوزًا من الله لكم إلى التيسير عليكم، بتخفيفه عنكم ما خفف عنكم من فرض تحرير الرقبة المؤمنة إذا أعسرتم بها، بإيجابه عليكم صوم شهرين متتابعين"(15).
قال سعيد بن جبير: "يعني: تجاوزا من الله لهذه الأمة حين جعل في قتل الخطأ كفارة ودية"(16).
قال الزمخشري: أي" قبولا من الله ورحمة منه، من تاب الله عليه إذا قبل توبته يعنى شرع ذلك توبة منه، أو نقلكم من الرقبة إلى الصوم توبة منه، وهذه الآية فيها من التهديد والإيعاد والإبراق والإرعاد أمر عظيم وخطب غليظ، وومن ثم روى عن ابن عباس ما روى من أن توبة قاتل المؤمن عمدا غير مقبولة (17) "(18).
(1) أخرجه ابن ابي حاتم (5807): ص 3/ 1035.
(2)
التفسير الميسر: 93.
(3)
تفسير الطبري: 9/ 55.
(4)
أخرجه ابن ابي حاتم (5809): ص 3/ 1036.
(5)
انظر: النكت والعيون: 1/ 519.
(6)
أخرجه الطبري (10170): ص 9/ 54.
(7)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5808): ص 3/ 1035.
(8)
معاني القرآن: 2/ 90.
(9)
أخرجه الطبري (10172): ص 9/ 55 - 56، وابن ابي حاتم (5808): ص 3/ 1035.
(10)
انظر: تفسير الطبري (10172): ص 9/ 55 - 56.
(11)
المحرر الوجيز: 2/ 94.
(12)
أخرجه ابن ابي حاتم (5810): ص 3/ 1036.
(13)
التفسير الميسر: 93.
(14)
معاني القرآن: 2/ 91.
(15)
تفسير الطبري: 9/ 56.
(16)
أخرجه ابن ابي حاتم (5811): ص 3/ 1036.
(17)
المسند (1/ 240) وسنن النسائي (8/ 63) وسنن ابن ماجة برقم (2621).
(18)
الكشاف: 1/ 550.
وعن سفيان: "كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة له"(1).
قال الزمخشري: "وذلك محمول منهم على الاقتداء بسنة الله في التغليظ والتشديد، وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة"(2).
قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 92]، أي:" وكان الله تعالى عليما بحقيقة شأن عباده، حكيمًا فيما شرعه لهم"(3).
قال الطبري: " يقول: ولم يزل الله {عليمًا}، بما يصلح عباده فيما يكلفهم من فرائضه وغير ذلك، {حكيمًا}، بما يقضي فيهم ويريد"(4).
قال سعيد بن جبير: " يعني: حكم الكفارة لمن قتل خطا ثم صارت دية في العهد والموادعة لمشركي العرب منسوخة، نسختها الآية التي في براءة {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يتوارث أهل ملتين» (5) "(6).
وفي نسخ قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 92]، قولان (7):
أحدهما: قال جمهور أهل العلم: أن الإشارة بهذا إلى الذي يقتل خطأ فعلى قاتله الدية والكفارة. وهذا قول ابن عباس (8)، والشعبي (9)، وقتادة (10)، والزهري (11)، وابن زيد (12)، وأبي حنيفة (13)، والشافعي (14)، فالآية على هذا محكمة.
والثاني: وقد ذهب بعض المفسرين (15) إلى أن المراد به من كان من المشركين بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد وهدنة إلى أجل، ثم نسخ ذلك بقوله:{بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 1] وبقوله: {فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنفال: 85].
الفوائد:
1 -
قال الزمخشري: " والعجب من قوم يقرؤن هذه الآية ويرون ما فيها ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة، وقول ابن عباس بمنع التوبة، ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة واتباعهم هواهم وما يخيل إليهم مناهم، أن يطمعوا في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة، أفلا يتدبرون القرآن، أم على قلوب أقفالها؟ "(16).
2 -
إن كفَّارة القتل الخطأرففيه الدية؛ إذ تسلَّم إلى أهل الميت إذا طلبوها فتصبح ملكًا لهم يتصرَّفون فيها كما يشاءون وينتفعون بها.
3 -
من أسماءه تعالى: «العليم» : يدل على أن له سبحانه وتعالى علما محيطاً عاما لجميع الأشياء، فلا يخرج عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
قال أبو سليمان: " العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق، وجاء على بناء: فعيل، للمبالغة في وصفه بكمال العلم"(17).
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما وقول الخضِر لموسى عليهما السلام: "إنك على علمٍ من علم الله علمكه الله لا أعلمه، وأنا على علمٍ من علم الله علمنيه لا تعلمه"(18).
وأما «الحكيم» ، فالحكمة: هي وضع الشيء في موضعه اللائق به، فالله تعالى الحكيم الذي له الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوق، ولا يشذ عنها مأمور، فما خلق سبحانه شيئا إلا لحكمة، ولا أمر بشيء إلا لحكمة فالله الحكيم سبحانه حكيم في خلقه، وأمره، وتعليمه ما يشاء، ومنعه ما يشاء.
و«حكيم» بمعنى: «مُحْكِم» ، والله تعالى مُحكِم للأشياء، متقن لها، كما قال سبحانه:{صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النحل آية 88].
قال أبو إسحاق الإسفراييني: " من أسامي صفات الذات ما هو للعلم
…
منها: «الحكيم» ، ويختص بأن يعلم دقائق الأوصاف" (19).
القرآن
التفسير:
ومن يَعْتَدِ على مؤمن فيقتله عن عمد بغير حق فعاقبته جهنم، خالدًا فيها مع سخط الله تعالى عليه وطَرْدِهِ من رحمته، إن جازاه على ذنبه وأعدَّ الله له أشد العذاب بسبب ما ارتكبه من هذه الجناية العظيمة. ولكنه سبحانه يعفو ويتفضل على أهل الإيمان فلا يجازيهم بالخلود في جهنم.
سبب النزول:
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، قال: "نزلت في مقيس بن ضبابة الكناني، وذلك أنه أسلم وأخوه هشام بن ضبابة، وكان بالمدينة فوجد مقيس أخاه هشاما ذات يوم قتيلا في الأنصار في بني النجار، فانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره بذلك، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من قريش من بني فهر ومعه مقيس إلى بني النجار ومنازلهم يومئذ بقباء أن ادفعوا إلى مقيس قاتل أخيه أن علمتم ذلك وإلا فادفعوا إليه الدية، فلما جاءهم الرسول، قالوا: السمع والطاعة لله وللرسول، والله ما نعلم له قاتلا ولكن نؤدي الدية فدفعوا إلى مقيس مائة من الإبل دية أخيه، فلما انصرف مقيس والفهري راجعين من قباء إلى المدينة وبينهما ساعة، عمد مقيس إلى الفهري رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتله، وارتد عن الإسلام وركب جملا منها وساق معه البقية ولحق بمكة وهو يقول في شعر له (20):
قتلت به فهرا وحملت عقله
…
سراة بني النجار أرباب فارع
حَلَلْتُ بِهِ وِترِي، وَأَدْرَكْتُ ثُؤْرَتِي
…
وَكُنْتُ إِلَى الأَوْثَانِ أَوَّلَ راجِعِ
فنزلت فيه بعد قتل النفس وأخذ الدية وارتد عن الإسلام ولحق بمكة كافرا، {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} " (21). وذكر الواحدي نحوه عن الكلبي عن ابي صالح عن ابن عباس (22).
وفي السياق نفسه اخرج الطبري عن عن ابن جريج، عن عكرمة: "أن رجلا من الأنصار قتل أخا مقيس بن صُبَابة، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الديةَ فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله قال ابن جريج: وقال غيره: ضرب النبيّ صلى الله عليه وسلم ديتَه على بني النجار، ثم بعث مقيسًا، وبعث معه رجلا من بني فهر في حاجة للنبي صلى الله عليه وسلم، فاحتمل مقيسٌ الفِهريَّ وكان أيِّدًا فضرب به الأرض، ورَضخَ رأسه بين حجرين، ثم ألفى يتغنى (23):
ثَأَرْتُ بِهِ فِهْرًا، وَحَمَّلْتُ عَقْلَهُ
…
سَرَاةَ بَنِي النَّجَّارِ أَرْبَابِ فَارِعِ
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أظنّه قد أحدث حدثًا! أما والله لئن كان فعل، لا أومِنه في حِلّ ولا حَرَم ولا سلم ولا حرب! فقتل يوم الفتح، قال ابن جريج: وفيه نزلت هذه الآية: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} ،
(1) الكشاف: 1/ 550 - 551.
(2)
الكشاف: 1/ 550 - 551.
(3)
التفسير الميسر: 93.
(4)
تفسير الطبري: 9/ 56.
(5)
أخرجه احمد في مسنده (6843): ص 6/ 322، والدارمي في سننه (3035): ص 4/ 1953، وابن ماجة (2731): ص 2/ 912، وأبي داود (2911): ص 3/ 125" بزيادة "شتى" في آخره، والترمذي (2108): ص 3/ 496، والنسائي (6349): ص 6/ 125، وغيرهم. ومن طرق مختلفة.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (5812): ص 3/ 1036.
(7)
انظر: نواسخ القرآن: ابن الجوزي: 2/ 383 - 384.
(8)
انظر: تفسير الطبري (10116): ص 9/ 41.
(9)
انظر: تفسير الطبري (10118): ص 9/ 42.
(10)
انظر: تفسير الطبري (10120): ص 9/ 42.
(11)
انظر: تفسير الطبري (10117): ص 9/ 41 - 42.
(12)
انظر: تفسير الطبري (10121): ص 9/ 42.
(13)
انظر: المحرر الوجيز: 2/ 94، ونواسخ القرآن: ابن الجوزي: 2/ 383 - 384.
(14)
انظر: تفسير الإمام الشافعي: 2/ 639.
(15)
ذكر مكي به أبي طالب هنا في الإيضاح (60) قول النسخ وعزاه إلى أبي أويس، وانظر: نواسخ القرآن لابن الجوزي: 2/ 384.
(16)
الكشاف: 1/ 551.
(17)
الاسماء والصفات للبيهقي: 1/ 121.
(18)
رواه البخاري (122)، ومسلم (4385).
(19)
الاسماء والصفات للبيهقي: 1/ 294.
(20)
سيرة ابن هشام 3: 305، 306، تاريخ الطبري 3: 66، معجم البلدان (فارع).
(21)
تفسير ابن أبي حاتم (5816): ص 3/ 1037 - 1038. سنده ضعيف، لعلتي: الغرسال، وابن لهيعة ضعيفة.
(22)
انظر: أسباب النزول: 170 - 171. بزيادة: "ثم أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه يوم فتح مكة، فأدركه الناس بالسوق فقتلوه".
(23)
سيرة ابن هشام 3: 305، 306، تاريخ الطبري 3: 66، معجم البلدان (فارع).
الآية" (1).
قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} [النساء: 93]، "أي: ومن يقدم على قتل مؤمن عالماً بإِيمانه متعمداً لقتله" (2).
قال سعيد بن جبير: " متعمدا لقتله"(3).
قال سعيد ابن المسيب: "العمد: الإبرة فما فوقها من السلاح"(4).
قال السمعاني: " فالقتل المتعمد عند أكثر العلماء: هو الذي يحصل بكل ما يقصد به القتل، وقال سعيد بن المسيب، وطاوس: القتل العمد لا يكون إلا بالحديد"(5).
قال الراغب: " العمد: فعل الشيء عن إرادة واختيار، ويضاده الخطأ، وصفة قتل العمد أن يقصده بحديدة أو حجر يقتل غالبا، أو توبع عليه بخنق أو بسوط فتوالى عليه حتى يموت"(6).
قوله تعالى: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء: 93]، أي:" فعاقبته جهنم"(7).
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:" {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم}، قال: «هو جزاءه إن جازاه» "(8).
عن أبي روق، قال:"وكان ابن عباس يقول: فجزاؤه جهنم إن جازاه، يعني: للمؤمن وليس للكافر، فإن شاء عفى عن المؤمن وإن شاء عاقب"(9). قال ابن ابي حاتم: "وروي عن أبي صالح، ومحمد بن سيرين، وأبي مجلز، وعون بن عبد الله، وعمرو بن دينار نحو ذلك"(10).
وقال الحسن في هذه الآية قوله: {فجزاؤه جهنم} : " قد أوجب الله هذا عليك، فانظر من يضع هذا عنك ومن يعزك يا لكع"(11).
قال البغوي: أي: " بكفره وارتداده، وهو الذي استثناه النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، عمن أمنه، فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة"(12).
قوله تعالى: {خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 93]، أي:" مخلداً فيها على الدوام"(13).
قال سعيد بن جبير: " فجعل له الخلود في النار بكفره، كما جعل لمن كفر بقسمة المواريث"(14).
قال النسفي: " والخلود قد يراد به طول المقام وقول المعتزلة بالخروج من الإيمان يخالف قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} "(15).
قوله تعالى: {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ} [النساء: 93]، " أي ويناله السخط الشديد من الله"(16).
قال النسفي: " أي انتقم منه"(17).
قوله تعالى: {وَلَعَنَهُ} [النساء: 93]، أي:" وطَرْدِهِ من رحمته"(18).
قوله تعالى: {وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93]، أي: وأعدّ له العذاب الشديد في الآخرة" (19).
(1) تفسير الطبري (10186): ص 9/ 61 - 62. وسنده ضعيف جداً؛ فيه ثلاث علل: الأولى: الإرسال. الثانية: ابن جريج لم يسمع عن عكرمة. الثالثة: سنيد ضعيف.
(2)
صفوة التفاسير: 272.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (5817): ص 3/ 1038.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (5818): ص 3/ 1038.
(5)
تفسير السمعاني: 1/ 463.
(6)
تفسير الراغب الاصفهاني: 3/ 1399.
(7)
التفسير الميسر: 93.
(8)
اخرجه ابن أبي حاتم (5819): ص 3/ 1038.
(9)
اخرجه ابن أبي حاتم (5820): ص 3/ 1038.
(10)
اخرجه ابن أبي حاتم (5820): ص 3/ 1038.
(11)
اخرجه ابن أبي حاتم (5821): ص 3/ 1038.
(12)
تفسير البغوي: 1/ 678.
(13)
صفوة التفاسير: 272.
(14)
اخرجه ابن أبي حاتم (5822): ص 3/ 1038.
(15)
تفسير النسفي: 1/ 385.
(16)
صفوة التفاسير: 272.
(17)
تفسير النسفي: 1/ 385.
(18)
التفسير الميسر: 93.
(19)
صفوة التفاسير: 272.
قال مقاتل بن حيان: " يعني: عذابا وافرا"(1).
قال الزجاج: " وهذا وعيد شديد في القتل حظر الله عز وجل به الدماء"(2).
قال الواحدي: " غلَّظ الله وعيد قاتل المؤمن عمداً للمبالغة في الرَّدع والزَّجر"(3).
قال ابن كثير: " وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم، الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله، حيث يقول، سبحانه، في سورة الفرقان:{وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ (6)} الآية [الفرقان: 68] وقال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} إلى أن قال: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 151].
والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جدا. من ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء"(4).
وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو داود، من رواية عمرو بن الوليد بن عبدة المصري، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال المؤمن مُعنقا صالحا ما لم يصب دما حراما، فإذا أصاب دما حراما بَلَّح"(5).
وفي حديث آخر: "لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم"(6).
وفي الحديث الآخر: "لو أجمع أهل السموات والأرض على قتل رجل مسلم، لأكبهم الله في النار"(7).
وفي الحديث الآخر: "من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله"(8) " (9).
وقد اختلف العلماء هل هذه الآية محكمة أم منسوخة، على قولين:
أحدهما: أنها منسوخة، وهو قول جماعة من العلماء (10)، قالوا: بأنها حكمت بخلود القاتل في النار، وذلك منسوخ بقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48].
وقال بعضهم: نسخها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان: 68] إلى قوله: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 70].
وحكى أبو جعفر النحاس: أن بعض العلماء قال: معنى نسختها آية الفرقان، أي: نزلت بنسختها (11).
وقال ابن الجوزي: " ذهب الأكثرون إلى أنها منسوخة بقوله {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} "(12).
والثاني: أنها محكمة. وهذا قول أبي هريرة (13)، وابن عمر (14)، وأبي سلمة (15)، وعبيد بن عمير (16)، والحسن (17)، والضحاك (18)، وقتادة (19)، واختاره أبو جعفر النحاس (20)، واختلف هؤلاء في طريق أحكامها على قولين (21):
(1) اخرجه ابن أبي حاتم (5823): ص 3/ 1039.
(2)
معاني القرآن: 2/ 91.
(3)
الوجيز: 282.
(4)
صحيح البخاري برقم (6864) وصحيح مسلم برقم (1678).
(5)
سنن أبي داود برقم (4270).
(6)
روي من حديث عبد الله بن عمرو، ومن حديث البراء بن عازب، أما حديث عبد الله بن عمرو، فرواه الترمذي في السنن برقم (1395)، والنسائي في السنن (7/ 82) وهذا هو لفظه.
(7)
رواه الطبراني في المعجم الصغير برقم (565) من طريق جعفر بن جبير بن فرقد عن أبيه عن الحسن عن أبي بكرة رضي الله عنه. قال الهيثمي في المجمع (7/ 297): "فيه جسر بن فرقد، وهو ضعيف".
(8)
رواه ابن ماجة في السنن برقم (2620) من طريق يزيد بن زياد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال الذهبي رحمه الله: "هذا حديث باطل موضوع".
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 376 - 377.
(10)
منهم ابن حزم، انظر الناسخ والمنسوخ: 35، ونواسخ القرآن لابن الجوزي: 2/ 391، والمحرر الوجيز: 2/ 95 - 96.
(11)
انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس: 112.
(12)
المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ: 26.
(13)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6815): ص 3/ 1037.
(14)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6815): ص 3/ 1037.
(15)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6815): ص 3/ 1037.
(16)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6815): ص 3/ 1037.
(17)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6815): ص 3/ 1037.
(18)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6815): ص 3/ 1037.
(19)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6815): ص 3/ 1037.
(20)
في ناسخه: 110 - 112.
(21)
انظر: نواسخ القرآن لابن الجوزي: 2/ 389 - 390.
القول الاول: أن قاتل المؤمن مخلد في النار، وأكدوا هذا بأنها خبر، والأخبار لا تنسخ.
عن سعيد بن جبير قال ابن عباس: " نزلت هذه الآية: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا}، هي آخر ما نزل وما نسخها شيء"(1).
وعن سالم بن أبي الجَعْد، عن ابن عباس قال:" أن رجلا أتاه فقال: أرأيت رجلا قتل رجلا متعمدا؟ فقال: {جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} قال: لقد نزلت في آخر ما نزل، ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نزل وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى؟ قال: وأنى له بالتوبة. وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول: "ثكلته أمه، رجل قتل رجلا متعمدا، يجيء يوم القيامة آخذا قاتله بيمينه أو بيساره - وآخذا رأسه بيمينه أو بشماله - تَشْخَب أوداجه دما من قبل العرش يقول: يا رب، سل عبدك فيم قتلني؟ " (2).
والقول الثاني: أنها عامة دخلها التخصيص، بدليل أنه لو قتله كافر ثم أسلم الكافر سقطت عنه العقوبة في الدنيا والآخرة، فإذا ثبت كونها من العام المخصص، فأي دليل صلح للتخصيص وجب العمل به. ومن أسباب التخصيص أن يكون قد قتله مستحلا لأجل إيمانه فيستحق التخليد لاستحلاله.
وقد ضعف هذا الوجه أبو جعفر النحاس فقال: ومن لفظ عام لا يخص إلا بتوقيف أو دليل قاطع (3)، وقد ذهب قوم إلى أنها مخصوصة في حق من لم يتب، بدليل قوله تعالى:{إلا من تاب} (4)(5).
قال ابن الجوزي: " والصحيح أن الآيتين محكمتان، فإن كانت التي في النساء أنزلت أولا فإنها محكمة نزلت على حكم الوعيد غير مستوفاة الحكم، ثم بين حكمها في الآية التي في الفرقان، وكثير من المفسرين منهم ابن عباس وأبوا مجلز وأبو صالح. يقولون: فجزاؤه جهنم إن جازاه. وقد روى لنا مرفوعا إلا أنه لا يثبت رفعه، والمعنى: يستحق الخلود غير أنه لا يقطع له به، وفي هذا الوجه بعد لقوله: {وغضب الله عليه ولعنه}. فأخبر بوقوع عذابه كذلك، وقال أبو عبيد: وإن كانت التي في الفرقان الأولى فقد استغنى بما فيها عن إعادته في سورة النساء فلا وجه للنسخ بحال"(6).
يقول الشوكاني- بعد أن أورد الآثار الواردة عن سعيد بن جبير وزيد بن ثابت بعدم النسخ-: "ومن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف: أبو هريرة وعبد الله بن عمرو، وأبو سلمة، وعبيد بن عمير، والحسن، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، نقله ابن أبي حاتم عنهم، وذهب الجمهور إلى أن التوبة منه مقبولة، واستدلوا بمثل قوله تعالى:{إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114]، وقوله:{وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [الشورى: 25]، وقوله:{وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48، و 116].
قالوا أيضا: والجمع ممكن بين آية النساء هذه وآية الفرقان فيكون معناهما: فجزاؤه جهنم إلا من تاب، لا سيما وقد اتحد السبب وهو القتل الموجب والتوعد بالعقاب" (7). ثم سرد الشوكاني أدلة الجمهور.
قال ابن كثير: " والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها: أن القاتل له توبة فيما بينه وبين ربه عز وجل، فإن تاب وأناب وخشع وخضع، وعمل عملا صالحا، بدل الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن طلابته.
(1) صحيح البخاري برقم (4590) وصحيح مسلم برقم (3023) وسنن النسائي (8/ 62).
(2)
المسند (1/ 240) وسنن النسائي (8/ 63) وسنن ابن ماجة برقم (2621).
(3)
انظر: نص ما ذكره النحاس في الناسخ والمنسوخ ص: 112.
(4)
[سورة الفرقان: 70].
(5)
انظر: نواسخ القرآن لابن الجوزي: 2/ 391.
(6)
نواسخ القرآن: 2/ 392.
(7)
فتح القدير: 1/ 461.
قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 68، 69] وهذا خبر لا يجوز نسخه. وحمله على المشركين، وحمل هذه الآية على المؤمنين خلاف الظاهر، ويحتاج حمله إلى دليل.
وقال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53] وهذا عام في جميع الذنوب، من كفر وشرك، وشك ونفاق، وقتل وفسق، وغير ذلك: كل من تاب من أي ذلك تاب الله عليه، وقال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]. فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك، وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها، لتقوية الرجاء.
وثبت في الصحيحين (1) خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، ثم سأل عالما: هل لي من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ! ثم أرشده إلى بلد يَعْبد الله فيه، فهاجر إليه، فمات في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة. كما ذكرناه غير مرة، إن كان هذا في بني إسرائيل فَلأن يكون في هذه الأمة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى؛ لأن الله وضع عنا الأغلال والآصار التي كانت عليهم، وبعث نبينا بالحنيفية السمحة.
فأما الآية الكريمة، وهي قوله تعالى:{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} فقد قال أبو هريرة وجماعة من السلف: «هذا جزاؤه إن جازاه» (2) " (3).
قال ابن كثير: "اي: أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه، وكذا كل وعيد على ذنب، لكن قد يكون كذلك مُعَارض من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه، على قولي أصحاب الموازنة أو الإحباط. وهذا أحسن ما يسلك في باب الوعيد، وبتقدير دخول القاتل إلى النار، أما على قول ابن عباس ومن وافقه أنه لا توبة له، أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحا ينجو به، فليس يخلد فيها أبدًا، بل الخلود هو المكث الطويل، وقد تواردت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى ذرة من إيمان"(4).
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله، من كان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله، من كان في قلبه من الخير ما يزن ذرة، أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله، من كان في قلبه من الخير ما يزن برة "(5).
وأما حديث معاوية: " كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يموت كافرا، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا"(6).
(1) انظر: مسند الإمام احمد (11687): ص 18/ 219 - 220. إسناده صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه ابن ماجه (2622)،
(2)
هذا القول عزاه ابن كثير إلى أبي هريرة وجماعة من السلف، وقال:" وقد رواه ابن مردويه مرفوعا، من طريق محمد بن جامع العطار، عن العلاء بن ميمون العنبري، عن حجاج الأسود، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعا، ولكن لا يصح "، انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 388.
ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (3310)"مجمع البحرين" من طريق محمد بن جامع العطار عن العلاء بن ميمون به، وفي إسناده العلاء بن ميمون، ومحمد بن جامع العطار وهما ضعيفان.
قال مكي: "وهذا هو مذهب أهل السنة في الوعد والوعيد، فهي محكمة".
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 380.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 381. [بتصرف بسيط].
(5)
أخرجه احمد (12772): ص 20/ 171 - 172، إسناده صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه ابن خزيمة في "التوحيد" 2/ 700 من طريق محمد بن جعفر وحده، بهذا الإسناد، وأخرجه أبو عوانة 1/ 184 من طريق حجاج بن محمد وحده، به.
وأخرجه الطيالسي (1966)، ومسلم (193)(325)، والترمذي (2593)، وابن أبي عاصم في "السنة"(851)، وأبو يعلى (2956) و (3273)، وابن خزيمة في "التوحيد" 2/ 701 و 702، وأبو عوانة 1/ 184، وابن منده في "الإيمان"(872)، والبيهقي في "الاعتقاد" ص 194 من طرق عن شعبة، به.
(6)
أخرجه احمد (16907): ص 28/ 112.حديث صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن، وأخرجه المزي في ترجمة أبي عون من "تهذيب الكمال" 34/ 155، من طريق الإمام أحمد، بهذا الإسناد، وأخرجه النسائي في "المجتبى" 7/ 81، والحاكم 4/ 351، من طريق صفوان بن عيسى، به، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" 19/ (858) من طريقين عن ثور. بن يزيد، به.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" 19/ (856) و (857)، وفي "مسند الشاميين"(1892) من طريقين عن أبي عون، به.
وله شاهد من حديث أبي الدرداء عند أبي داود (4270)، وصححه ابن حبان (5980)، والحاكم 4/ 351، ووافقه الذهبي.
وآخر من حديث عبادة بن الصامت عند البزار (3325).
قال السندي: قوله: "إلا الرجل"، أي: إلا ذنب الرجل.
"أو الرجل يقتل" ظاهر الحديث موافق لظاهر القرآن، وكان ابن عباس يقول بما يوافقه، والجمهور يقول: إنه محمول على التغليظ، وإلا فقد قال تعالى:(إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)[النساء: 48].
قال ابن كثير: " «عسى» للترجي، فإذا انتفى الترجي في هاتين الصورتين لا ينتفى وقوع ذلك في أحدهما، وهو القتل؛ لما ذكرنا من الأدلة. وأما من مات كافرا؛ فالنص أنه لا يغفر له البتة، وأما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة فإنه حق من حقوق الآدميين وهي لا تسقط بالتوبة، ولا فرق بين المقتول والمسروق منه، والمغضوب منه والمقذوف وسائر حقوق الآدميين، فإن الإجماع منعقد على أنها لا تسقط بالتوبة، ولا بد من أدائها إليهم في صحة التوبة، فإن تعذر ذلك فلا بد من الطلابة يوم القيامة، لكن لا يلزم من وقوع الطلابة وقوع المجازاة، وقديكون للقاتل أعمال صالحة تصرف إلى المقتول أو بعضها، ثم يفضل له أجر يدخل به الجنة، أو يعوض الله المقتول من فضله بمايشاء، من قصور الجنة ونعيمها، ورفع درجته فيها ونحو ذلك، والله أعلم"(1).
قال البغوي: " والذي عليه الأكثرون، وهو مذهب أهل السنة أن قاتل المسلم عمدا توبته مقبولة لقوله تعالى: وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا [طه: 82] وقال: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48، 116]، وما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما فهو تشديد ومبالغة في الزجر عن القتل، كما روي عن سفيان بن عيينة أنه قال: إن لم يقتل يقال له لا توبة لك، وإن قتل ثم جاء يقال لك توبة، ويروى مثله ابن عباس رضي الله عنهما، وليس في الآية متعلق لمن يقول بالتخليد في النار بارتكاب الكبائر، لأن الآية نزلت في قاتل هو كافر، وهو مقيس بن صبابة، وقيل: إنه وعيد لمن قتل مؤمنا مستحلا لقتله بسبب إيمانه، ومن استحل قتل أهل الإيمان لإيمانهم كان كافرا مخلدا في النار، وقيل: قوله تعالى: فجزاؤه جهنم خالدا فيها معناه هي جزاؤه إن جازاه، ولكنه إن شاء عذبه بذنبه وإن شاء غفر له بكرمه، فإنه وعد أن يغفر لمن يشاء، حكي أن عمرو بن عبيد جاء إلى أبي عمرو بن العلاء فقال له: هل يخلف الله وعده؟ فقال: لا، فقال: أليس قد قال الله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها فقال أبو عمرو بن العلاء: من العجمة أتيت يا أبا عثمان! إن العرب لا تعد الإخلاف في الوعيد خلفا وذما وإنما تعد إخلاف الوعد خلفا وذما وأنشد (2):
وإني وإن أوعدته أو وعدته
…
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
والدليل على أن غير الشرك لا يوجب التخليد في النار: ما رويناه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة» (3) " (4).
الفوائد:
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 380 - 381.
(2)
البيت لعامر بن الطفيل، وهو في "ديوانه"58. وقد ورد منسوبًا له، في "العقد الفريد" لابن عبد ربه: 1/ 284، وأورده بنفس رواية المؤلف: "يتيمة الدهر" للثعالبي: 2/ 157، "لسان العرب" 2/ 1098 (ختأ)، 8/ 4871 (وعد)، 2/ 1103 (ختا)، "تاج العروس" 1/ 143 (ختأ)، 19/ 369 (ختا). كما ورد غير معزوٍ، في "عيون الأخبار" لابن قتيبة: 2/ 142، "ضرورة الشعر" للسيرافي، تحقيق د. رمضان عبد التواب: 138، "مجالس العلماء" للزجّاجي: 62، "تهذيب اللغة" 4/ 3915 (وعد)، "الصحاح" 2/ 551 (وعد) "طبقات النحويين واللغويين" للزبيدي: 39، "العمدة" لابن رشيق: 1/ 589، "الحماسة البصرية" لصدر الدين البصري: 2/ 30. وروايته في "الديوان":
وإنِّيَ إن أوعدتُه أو وعدتُه
…
لأخلِفُ إيعادي وأنجز موعدي
وبرواية أخرى:
لمخلِفُ إيعادي ومنجز موعدي
كما ورد في "اللسان" 1/ 63 كالتالي:
لَيأمَنُ ميعادي ومنجز موعدي
وانظر الفرق بين (وعد) و (أوعد) في: "ما تلحن فيه العامة" للكسائي: 110، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة: 2/ 189، "أدب الكاتب" لابن قتيبة: 1/ 272، "مجالس ثعلب" 1/ 227، "والخاطريات" لابن جني: 198، "خزانة الأدب" للبغدادي: 5/ 189، 190. وانظر مادة (وعد) في "تهذيب اللغة" "الصحاح" "اللسان". وقد وردت هذه المحاورة في "عيون الأخبار" 2/ 142، "مجالس العلماء" 62، "طبقات النحويين واللغويين" 39، "إنباه الرواة" 4/ 133، "مدارج السالكين" لابن القيم: 1/ 396، "ميزان الاعتدال" للذهبي: 4/ 198، 199، "لوامع الأنوار" للسفاريني: 1/ 371.
(3)
أخرجه البخاري في اللباس. باب الثياب البيض: 10/ 283. ومسلم في الإيمان. باب: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة برقم (94) 1/ 95، والمصنف في شرح السنة: 1/ 96، 97.
(4)
تفسير البغوي: 1/ 679.
1 -
إثبات الفعل للعبد ومؤاخذته بفعله، قال تعالى:{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً} .
2 -
أن الفعل وأثره ينسبان إلى الله خلقاً وإياجاداً، وينسبان إلى العبد فعلاً وكسباً.
هذه المسألة تتعلق بما يسمى المتولدات وهي آثار الأفعال، كإبانة الغصن بالضرب فالضرب هو الفعل والإبانة هي أثر الضرب، وقد اختلف المتكلمون في محدثها:
فقال الأشاعرة ومن وافقهم: إن الإنسان لا يكون فاعلاً في غير محل قدرته فلهذا قالوا: إن الأمور التي تقع بأثر الفعل هي من خلق الله وإرادته وليس للعبد فيها فعل وهو قول المصنف هنا.
أما المعتزلة فلهم في ذلك أقوال: فقال النظام ومعمر: إنها تحصل بالطبع في المحل أي المحل الواقع عليه الفعل، وقال الجاحظ: إنها تحصل بالطبع في أفعال الجوارح، وقال ثمامة بن أشرس منهم: إنها حوادث لا محدث لها، وقال عبد الجبار المعتزلي في شرح الأصول الخمسة: إنها من فعل العبد بواسطة.
والناظر في هذه الأقوال يتبين له خطأ بعضها وقصور بعضها عن الحق، فإن المعتزلة وإن أجاز بعضهم نسبتها إلى العبد فإنهم ينفون خلق الله عزوجل للفعل وأثره.
أما الأشعرية فإنّهم يمنعون أن ينسب الأثر الواقع بفعل الإنسان إليه، والصحيح أن الفعل وأثره ينسبان إلى الله خلقاً وإياجاداً، وينسبان إلى العبد فعلاً وكسباً فقد اشترك في وقوعه الإنسان والسبب المتصل به ولم يستقل كل واحد منهما بالفعل، وقد نسبه الله عزوجل إلى الإنسان فقال عز من قائل:{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً} وقال: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} وقال: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} وقال: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ} والقتل لا يكون إلا بواسطة في الغالب إلا أن يكون خنقاً ونحوه وكذلك القطع والنحت، وقد نسبه الله عزوجل إلى الإنسان باعتبار أنه من فعله وكسبه لهذا فإن الإنسان يجازى على فعله وعلى أثر فعله، قال عزوجل:{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} . وقال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "من دعى إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ومن دعى إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل إثم من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً"(1).
والله عزوجل خالق فعل العبد وخالق السبب والمسبب، ولو شاء لجعل من الموانع ما يمنع من أثر الفعل مع وجود سببه، كما هو الحال في النار التي ألقي فيها إبراهيم عليه السلام، وفي الذي مر على قرية خاوية فأماته الله مائة عام فقد حفظه الله من أن تأكله الأرض ونحو ذلك. أما قول المصنف: إنه لو كان العبد هو الفاعل لإبانة الغصن والموت في المقتول لاستطاع إعادة الغصن وبث الحياة في المقتول. فالواقع أن العلة في ذلك أن الغصن وكذلك الإنسان المقتول هو من صنع الله عزوجل وخلقه، وليس هو من صنع الإنسان ولا فعله لهذا إذا أفسده فإنه يمكنه أن يرجعه ويصلحه وهو مع ذلك من خلق الله تعالى (2).
3 -
مذهب أهل السنة والجماعة: أن القتل العمد من أعظم كبائر الذنوب عند الله، ولكن القاتل لا يخلد في نار جهنم، بل هو إن مات ولم يتب من ذلك تحت مشيئة الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه في النار، ثم يخرجه منها إلى الجنة؛ لأنه تعالى - فضلاً منه - لا يخلد في النار أحداً من الموحدين. وقد ذكر الشوكاني في فتح القدير:" أن مذهب جمهور العلماء هو القول بقبول توبة القاتل"(3).
4 -
إثبات صفة الغضب لله تعالى، قال الطحاوي:" "والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى، ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب والرضا، والعداوة والولاية، والحب والبغض، ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة، ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى" (4).
قال ابن القيم: "والقرآن مملوء بذكر سخطه وغضبه على أعدائه وذلك صفة قائمة به يترتب عليها العذاب واللعنة، لا أن السخط هو نفس العذاب واللعنة، بل هما أثر السخط والغضب وموجبهما ولهذا يفرق بينهما كما قال تعالى:{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} ففرق بين عذابه وغضبه ولعنته، وجعل كل واحد غير الآخر، وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:«اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، أعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك» (5). فتأمل ذكر
(1) أخرجه مسلم كتاب العلم (ب. من سن سنة حسنة) 4/ 2060.
(2)
انظر: الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الاشرار: 1/ 238، وانظر: الأقوال في: الإرشاد للجويني ص 206، أصول الدين للبغدادي ص 137 - 138، شرح الأصول الخمسة ص 387 - 390، درء تعارض العقل والنقل 9/ 341، مجموع الفتاوى 8/ 137.
(3)
فتح القدير: 1/ 461.
(4)
شرح الطحاوية ص 411 - 412.
(5)
مسند أحمد: 1/ 96، وسنن ابن ماجة: 2/ 1263.
استعاذته صلى الله عليه وسلم بصفة "الرضا" من صفة "الغضب" وبفعل "المعافاة" من فعل "العقوبة" فالأول للصفة، والثاني لأثرها المترتب عليها، ثم ربط ذلك كله بذاته سبحانه، وأن ذلك كله راجع إليه وحده لا إلى غيره
…
" (1).
القرآن
التفسير:
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه إذا خرجتم في الأرض مجاهدين في سبيل الله فكونوا على بينة مما تأتون وتتركون، ولا تنفوا الإيمان عمن بدا منه شيء من علامات الإسلام ولم يقاتلكم; لاحتمال أن يكون مؤمنًا يخفي إيمانه، طالبين بذلك متاع الحياة الدنيا، والله تعالى عنده من الفضل والعطاء ما يغنيكم به، كذلك كنتم في بدء الإسلام تخفون إيمانكم عن قومكم من المشركين فمَنَّ الله عليكم، وأعزَّكم بالإيمان والقوة، فكونوا على بيِّنة ومعرفة في أموركم. إن الله تعالى عليم بكل أعمالكم، مطَّلع على دقائق أموركم، وسيجازيكم عليها.
في سبب نزول الآية أقوال:
أجمعت الروايات بأن هذه الآية نزلت في سبب قتيل قتلته سريّة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما قال: "إنيّ مسلم " أو بعد ما شهد شهادة الحق أو بعد ما سلَّم عليهم، لغنيمة كانت معه، أو غير ذلك من ملكه، فأخذوه منه. وقد تعددت الروايات في سرد تفاصيل القصة وبيان القاتل والمقتول على أقوال:
أحدها: أن القاتل كان أناسا من المسلمين، والمقتول كان رجلا في غنيمة. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (2).
عن عطاء عن ابن عباس، قال:" لقى ناس من المسلمين رجلا فى غنيمة له فقال السلام عليكم. فأخذوه فقتلوه وأخذوا تلك الغنيمة، فنزلت: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} "(3).
والثاني: ان القاتل كان من اصحاب النبي-صلى الله عليه وسلم، والمقتول كان رجلا من بني سليم. وهذا قول ابن عباس في رواية عكرمة (4).
روي عن عكرمة عن ابن عباس، قال:"مر رجل من بنى سليم على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه غنم له فسلم عليهم، قالوا ما سلم عليكم إلا ليتعوذ منكم، فقاموا فقتلوه وأخذوا غنمه، فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} "(5).
(1) مدارج السالكين 1/ 254.
(2)
سوف يأتي تخريجه.
(3)
أخرجه البخاري (4591): ص 8/ 258، ومسلم (3025): ص 4/ 2319 صحيح.
(4)
سوف يأتي تخريجه.
(5)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه (8990، 8991): ص 10/ 125، و (14051، 14052): ص 12/ 377، 378، ومسنده؛ كما في "إتحاف الخيرة المهرة (7626): ص 8/ 59، وأحمد بن منيع في "مسنده"؛ كما في "إتحاف الخيرة المهرة (7627): ص 8/ 59، وأحمد (2023): ص 1/ 229، و (2462): ص 1/ 272، و (2987): ص 1/ 324، وعبد بن حميد في "تفسيره" -وعنه الترمذي (3030): ص 5/ 240، والطبري (10217): ص 9/ 76، وابن حبان في "صحيحه" (4752): ص 11/ 59 "إحسان"، والطبراني في "المعجم الكبير" (11731): ص 11/ 222، والواحدي في "أسباب النزول" 171، والحاكم في "المستدرك": 2/ 235، والبيهقي: 9/ 115، جميعهم من طريق إسرائيل عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس.
وهذا سند ضعيف؛ فيه سماك بن حرب؛ صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بأخرة؛ فكان ربما يلقن، لكن توبع على أصل القصة عند البخاري ومسلم في الحديث السابق.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن"، وفي "تفسير القرآن العظيم" (1/ 551):"حديث حسن صحيح".
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.
وقال ابن كثير: "وهذا خبر عندنا صحيح سنده".
وسكت عنه الحافظ في "فتح الباري"(8/ 258).
وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(2/ 632)، وزاد نسبته لابن المنذر.
والثالث: أن القاتل كان من أصحاب رسول الله-صلى الله عليه وسلم، والمقتول كان رجلا من غطفان اسمه مرداس. وهذا قول قتادة (1)، وجابر (2)، وروي عن ابن عباس نحو ذلك (3).
قال قتادة: " وهذا الحديث في شأن مرداس، رجل من غطفان، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشًا عليهم غالب اللَّيثي إلى أهل فَدَك، وبه ناس من غطفان، وكان مرداس منهم، ففرّ أصحابه، فقال مرداس: " إني مؤمن وإنيّ غيرُ مُتّبعكم، فصبَّحته الخيلُ غُدْوة، فلما لقوه سلم عليهم مرداس، فرماه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلوه، وأخذوا ما كان معه من متاع، فأنزل الله جل وعز في شأنه:{وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} ، لأن تحية المسلمين السلام، بها يتعارفون، وبها يُحَيِّي بعضهم بعضًا" (4).
والرابع: أن القاتل كان رجلا من المسلمين والمقتول كان رجلا من المشركين. وهذا قول الحسن (5)، وقتادة في رواية معمر (6).
عن مبارك عن الحسن، قال:"أن أناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهبوا يتطرقون فلقوا أناسا من العدو، فحملوا عليهم، فهزموهم، فشد منهم رجل فتبعه رجل يريد متاعه، فلما غثيه بالسنان قال: إني مسلم إني مسلم، فأوجزه بالسنان فقتله، وأخذ متبعيه، قال: فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للقاتل: أقتلته بعد ما قال إني مسلم؟ قال: يا رسول الله: قالها متعوذا. قال: شققت قلبه؟ قال: لم يا رسول الله؟ قال: لتعلم أصادقا هو أو كاذبا. قال: وكنت عالما ذلك يا رسول الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما كان يعبر عنه لسانه، إنما كان يعبر عنه لسانه. قال: فما لبث القاتل أن مات فحفر له أصحابه فأصبح وقد وضعته الأرض، ثم عادوا فحفروا له فأصبح وقد وضعته الأرض إلى جنب قبره. قال الحسن: فلا أدري كم قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كم دفناه مرتين أو ثلاثة كل ذلك لا تقبله الأرض، فلما رأينا الأرض لا تقبله أخذنا برجليه فألقيناه في بعض تلك الشعاب، فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا}، أهل الإسلام إلى آخر الآية. قال الحسن: أما والله ما ذاك إلا بكون الأرض تجن من هو شر منه، ولكن وعظ الله القوم ألا يعودوا"(7).
والخامس: أن القاتل كان محلم بن جثامة بن قيس، والمقتول كان عامر الأشجعى. وهذا قول عبدالله بن ابي حدرد (8)، وابن عمر (9).
عن القعقاع بن عبد الله بن أبى حدرد ، عن أبيه عبد الله بن أبى حدرد قال:"بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم فخرجت فى نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعى ومحلم بن جثامة بن قيس فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم مر بنا عامر الأشجعى على قعود له متيع ومعه وطب من لبن فلما مر بنا سلم علينا فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله بشىء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتيعه فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر نزل فينا القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} "(10).
(1) انظر: تفسير الطبري (10220): ص 9/ 77 - 78.
(2)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5828): ص 3/ 1040.
(3)
انظر: تفسير الطبري (10219): ص 9/ 76 - 77.
(4)
أخرجه الطبري (10220): ص 9/ 77 - 78.
(5)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5824): ص 3/ 1039.
(6)
انظر: تفسير الطبري (10222): ص 9/ 79.
(7)
أخرجه ابن ابي حاتم (5824): ص 3/ 1039.
(8)
سوف يأتي تخريجه.
(9)
أخرجه ابن إسحاق في "المغازي"؛ كما في "فتح الباري" 8/ 259، ومن طريقه الطبري في تفسيره (10211): ص 9/ 72 - 73، عن نافع عن ابن عمر به، وسنده ضعيف؛ ابن إسحاق مدلس، وقد عنعنه.
(10)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": (18859): ص 14/ 547، و"مسنده"؛ كما في "إتحاف الخيرة المهرة:(7629): ص 8/ 60، وابن سعد في "الطبقات الكبرى"(2/ 133 - معلقاً)، وأحمد (24378): ص 6/ 11، والطبري (1012): ص 9/ 73 - 74، والخرائطي في "مكارم الأخلاق" 729): ص 2/ 679، وابن الجارود في "المنتقى"(3/ 777/92)، وابن أبي حاتم في "تفسيره":(5826، 5827): ص 3/ 1040، وأبو القاسم البغوي في "معجم الصحابة" (1654): ص 4/ 136 - 137 - ومن طريقه الواحدي في "أسباب النزول: 173 - 174، والطبراني؛ كما في "مجمع الزوائد" (7/ 8)، وأبو نعيم الأصبهاني في "معرفة الصحابة" (3/ 1358 رقم (3426، 1624، 1625)، رقم (4088، 4089)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (9/ 115)، و"دلائل النبوة" (4/ 305، 306) جميعهم من طريق ابن إسحاق -وهذا في "مغازيه" (4/ 275 - ابن هشام) -: ثنا يزيد بن عبد الله بن قسيط عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه به.
وهذا سند حسن -إن شاء الله-؛ فيه القعقاع؛ روى عنه ثقتان هما: يحيى بن سعيد الأنصاري، ويزيد بن عبد الله، ووثقه ابن حبان في "الثقات"(3/ 349)، بل قال أبو حاتم والبخاري: له صحبة قلنا: ولا يصح، وألمح أبو حاتم في "الجرح والتعديل"(7/ 136) إلى أنه ليس من الضعفاء بل ممن يقبل حديثهم.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(2/ 633)، وزاد نسبته لابن المنذر، وأبي نعيم في "الدلائل"، وعبد بن حميد.
وسكت عنه الحافظ في "الفتح"(8/ 259)، وأشار إلى ثبوته بقوله:"وهذه عندي قصة أخرى، ولا مانع أن تنزل الآية في الأمرين معاً".
وقال شيخه الهيثمي في "مجمع الزوائد"(7/ 8): "رواه أحمد والطبراني؛ ورجاله ثقات".
وهذا شاهد لرواية عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما المتقدمة، ووجه الشبه بينهما كون المقتول من سليم (وأشجع من سليم) ووجود الغنيمات في كل.
والسادس: أن القاتل كان المقداد بن الأسود، والمقتول كان رجلا من المشركين.
عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما؛ قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها المقداد بن الأسود، فلما أتوا القوم؛ وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ فأهوى إليه المقداد، فقتله؛ فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلاً يشهد أن لا إله إلا الله؟ ! لأذكرنَّ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم؛ قالوا: يا رسول الله! إن رجلاً شهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال: "ادع لي المقداد، يا مقداد! أقتلت رجلاً يقول: لا إله إلا الله؟ فكيف لك بلا إله إلا الله غداً؟ "؛ فأنزل الله تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا}؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد: «كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة من قبل» "(1).
والسابع: أن القاتل كان أسامة بن زيد، والمقتول كان مرداس بن نهيك. وهذا قول السدي.
قال السدي: " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية عليها أسامة بن زيد إلى بني ضَمْرة، فلقوا رجلا منهم يدعى مِرداس بن نهيك، معه غُنَيْمة له وجمل أحمر. فلما رآهم أوى إلى كهف جبل، واتّبعه أسامة. فلما بلغ مرداسٌ الكهفَ، وضع فيه غنمه، ثم أقبل إليهم فقال: السلام عليكم، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. فشدّ عليه أسامة فقتله، من أجل جمله وغُنَيْمته. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أسامة أحبَّ أن يُثْنَى عليه خيرٌ، ويسأل عنه أصحابَه. فلما رجعوا لم يسألهم عنه، فجعل القوم يحدِّثون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: يا رسول الله، لو رأيت أسامة ولقيه رجل، فقال الرجل: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فشد عليه فقتله! وهو معرض عنهم. فلما أكثروا عليه، رفع رأسه إلى أسامة فقال: كيفَ أنت ولا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله، إنما قالها متعوذًا، تعوَّذ بها! . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هَلا شققت عن قلبه فنظرت إليه؟ قال: يا رسول الله، إنما قلبه بَضْعة من جسده! فأنزل الله عز وجل خبر هذا، وأخبره إنما قتله من أجل جمله وغنمه، فذلك حين يقول: {تبتغون عرض الحياة الدنيا}، فلما بلغ: {فمنَّ الله عليكم}، يقول: فتاب الله عليكم، فحلف أسامةُ أن لا يقاتل رجلا يقول: لا إله إلا الله، بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه"(2).
وفي السياق نفسه: روي عن أبي ظبيان، قال: "سمعت أسامة بن زيد يحدث، قال:
بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة، من جهينة، قال: فصبحناهم، فقاتلناهم، فكان منهم رجل، إذا أقبل القوم كان من أشدهم علينا، وإذا أدبروا كان حاميتهم، قال: فغشيته، أنا ورجل من الأنصار، قال: فلما غشيناه، قال: لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاري، وقتلته، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا
(1) أخرجه البخاري -معلقاً بصيغة الجزم-: (6866): ص 12/ 187، ووصله البزار في "مسنده":(2202): ص 3/ 45 - "كشف"، والطبراني في "المعجم الكبير": 12379): ص 12/ 30، ومن طريقه الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة": ص 10/ 147 - 148 - 150، ومن طريقه الحافظ ابن حجر في "تغليق التعليق"(5/ 242 - 243) -، والدارقطني في "الأفراد"؛ كما في "فتح الباري"(12/ 190) -ومن طريقه الحافظ في "تغليق التعليق"(5/ 243) -، وبحشل في "تاريخ واسط"(ص 178) جميعهم من طريق أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم ثنا حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به.
قال البزار: "لا نعلمه يروى إلا عن ابن عباس، ولا له عنه إلا هذا الطريق".
وقال الدارقطني: "هذا حديث غريب من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس، تفرد به حبيب بن أبي عمرة، وتفرد به أبو بكر بن علي بن مقدم، وهو أخو عمر بن علي؛ وأبو بكر هذا والد محمد، وهو غريب الحديث".
(2)
أخرجه الطبري (10221): ص 9/ 78 - 79.
أسامة، أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ قال: قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوذا من القتل، فكررها علي، حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ" (1).
وذكر مقاتل نحو هذه القصة فقال: " وذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم بعث سرية، وبعث عليها غالب بن عبد الله الليثي أخا ثميلة بن عبد الله. فلما أصبحوا رأوا رجلا يسمى مرداس بن عمرو بن نهيك العنسي من بني تيم بن مرة من أهل فدك معه غنيمة له، فلما رأى الخيل ساق غنيمته حتى أحرزها في الجبل- وكان قد أسلم من الليل وأخبر أهله بذلك- فلما دنوا منه كبروا فسمع التكبير فعرفهم فنزل إليهم. فقال: سلام عليكم، إنى مؤمن. فحمل عليه أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي من بنى عبدود، فقال مرداس: إني منكم أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. فطعنه أسامة برمحه فقتله وسلبه وساق غنمه. فلما قدم المدينة أخبر أسامة النبي- صلى الله عليه وسلم. فلامه النبي ملامة شديدة. فقال النبي- صلى الله عليه وسلم قتلته وهو يقول لا إله إلا الله؟ قال: إنما قال ذلك أراد أن يحرز نفسه وغنمه؟ فقال النبي- صلى الله عليه وسلم: أفلا شققت عن قلبه فتنظر صدق أم لا؟ قال يا رسول الله: كيف يتبين لي؟ وإنما قلبه بضعة من جسده فقال: فلا صدقته بلسانه ولا أنت شققت عن قلبه فيبين لك. فقال: استغفر لي يا رسول الله. قال: فكيف لك بلا إله إلا الله يقول ذلك ثلاث مرات. فاستغفر له النبي- صلى الله عليه وسلم الرابعة. قال أسامة في نفسه: وددت أني لم أسلم حتى كان يومئذ فأمره النبي- صلى الله عليه سلم- أن يعتق رقبة. قال مقاتل- رحمه الله: فعاش أسامة زمن أبي بكر وعمر وعثمان- رضي الله عنهم حتى أدرك علي بن أبي طالب- رضي الله عنه فدعاه علي- رحمه الله إلى القتال. فقال أسامة: ما أحد أعز علي منك، ولكن لا أقاتل مسلما بعد قول النبي- صلى الله عليه وسلم: كيف لك بلا إله إلا الله؟ فإن أتيت بسيف إذا ضربت به مسلما، قال السيف: هذا مسلم. وإن ضربت به كافرا، قال لي: هذا كافر، قاتلت معك. فقال له علي: اذهب حيث شئت. فانزل الله- عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله} "(2). أي: في قتل أسامة مرداس.
والثامن: أن القاتل كان أبو الدرداء، والمقتول كان رجلا من المشركين. وهذا قول ابن زيد.
عن ابن وهب، قال ابن زيد: " نزل ذلك في رجل قتله أبو الدرداء، فذكر من قصة أبي الدرداء، نحو القصة التي ذكرت عن أسامة بن زيد، وقد ذكرت في تأويل قوله:{وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ} ، ثم قال في الخبر: ونزل الفرقان: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ} ، فقرأ حتى بلغ:{لست مؤمنًا تبتغون عرض الحياة الدنيا} ، غنمه التي كانت، عرض الحياة الدنيا، {فعند الله مغانم كثيرة} ، خير من تلك الغنم، إلى قوله:{إن الله كان بما تعملون خبيرًا} (3).
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [النساء: 94]، أي:" يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم من عند الله"(4).
قال ابن عباس: " ما في القرآن آية {يا أيها الذين آمنوا}، إلا أن عليا شريفها وأميرها وسيدها، وما من أصحاب محمد إلا قد عوتب في القرآن إلا علي بن أبي طالب فإنه لم يعاتب في شيء منه"(5).
وقال الأعمش عن خيثمة: " ما تقرأون من القرآن {يا أيها الذين آمنوا}، فإن في التوراة "يا أيها المساكين" (6).
(1) - وفي رواية: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية، إلى الحرقات، فنذروا بنا فهربوا، فأدركنا رجلا، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فضربناه حتى قتلناه، فعرض في نفسي من ذلك شيء، فذكرته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ ! قال: قلت: يا رسول الله، إنما قالها مخافة السلاح والقتل. فقال: ألا شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك أم لا؟ من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ ! قال: فما زال يقول ذلك حتى وددت أني لم أسلم إلا يومئذ".
- وفي رواية: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية، فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلا، فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقال لا إله إلا الله وقتلته؟ ! قال: قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفا من السلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ فمازال يكررها علي، حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ.
قال: فقال سعد: وأنا والله، لا أقتل مسلما حتى يقتله ذو البطين، يعني أسامة، قال: قال رجل: ألم يقل الله: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)؟ فقال سعد: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة".
أخرجه أحمد (22088): ص 5/ 200، و (22145): ص 5/ 207، والبخاري (4269): ص 5/ 183، و (6872): ص 9/ 4، ومسلم (190)، (191): ص 1/ 67 - 68، وأبو داود (2643)، والنسائي في"الكبرى"(8540)، (8541).
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 398 - 399.
(3)
أخرجه الطبري (10225): ص 9/ 80.
(4)
تفسير الطبري: 7/ 59.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (3889): ص 3/ 718.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (3890): ص 3/ 718.
وروي أن "رجلا أتى عبد الله ابن مسعود فقال: أعهد إلي، فقال: إذا سمعت الله تعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا}، فأرعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه"(1).
قوله تعالى: {إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء: 94]، "أي: إذا خرجتم في الأرض مجاهدين في سبيل الله " (2).
قال مقاتل: " يعني: سرتم غزاة في سبيل الله"(3).
قال ابو السعود: " أي سافرتم في الغزو"(4).
قوله تعالى: {فَتَبَيَّنُوا} [النساء: 94]، أي:" فكونوا على بينة مما تأتون وتتركون"(5).
قال الزمخشري: " أى: اطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تتهوكوا فيه من غير روية"(6).
قال ابو السعود: " ى فاطلبوا بيان الأمر في كل ما تأتون وما تذرون ولا تعجلوا فيه بغير تدبر وروية"(7).
وقرئ: «فتثبتوا» ، وهما من التفعل بمعنى الاستفعال (8).
قال السعدي: " يأمر تعالى عباده المؤمنين إذا خرجوا جهادا في سبيله وابتغاء مرضاته أن يتبينوا ويتثبتوا في جميع أمورهم المشتبهة. فإن الأمور قسمان: واضحة وغير واضحة. فالواضحة البينة لا تحتاج إلى تثبت وتبين، لأن ذلك تحصيل حاصل. وأما الأمور المشكلة غير الواضحة فإن الإنسان يحتاج إلى التثبت فيها والتبين، ليعرف هل يقدم عليها أم لا؟
فإن التثبت في هذه الأمور يحصل فيه من الفوائد الكثيرة، والكف لشرور عظيمة، ما به يعرف دين العبد وعقله ورزانته، بخلاف المستعجل للأمور في بدايتها قبل أن يتبين له حكمها، فإن ذلك يؤدي إلى ما لا ينبغي، كما جرى لهؤلاء الذين عاتبهم الله في الآية لما لم يتثبتوا وقتلوا من سلم عليهم، وكان معه غنيمة له أو مال غيره، ظنا أنه يستكفي بذلك قتلهم، وكان هذا خطأ في نفس الأمر، فلهذا عاتبهم بقوله:{ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا} " (9).
قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} [النساء: 94]، "أي: ولا تقولوا لمن حياكم بتحية الإِسلام لست مؤمناً" (10).
قال مقاتل: " يعني: مرداس وذلك أنه قال لهم: السلام عليكم إني مؤمن"(11).
قال ابن عباس: " حرم الله على المؤمنين أن يقولوا لمن يشهد أن لا إله إلا الله لست مؤمنا، كما حرم عليهم الميتة فهو آمن على ماله ودمه، فلا تردوا عليه قوله"(12).
قال الزمخشري: " السلم، والسلام، هما الاستسلام. وقيل: الإسلام. وقيل: التسليم الذي هو تحية أهل الإسلام لست"(13).
وقرئ: «السلم» (14).
وقرئ: «مؤمنا» ، بفتح الميم من آمنه، أى لا نؤمنك (15).
قوله تعالى: {تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [النساء: 94]، أي:" طالبين بذلك متاع الحياة الدنيا"(16).
قال ابن عباس: "تلك الغنيمة"(17). وروي عن سعيد بن جبير (18)، ومسروق (19) نحو ذلك.
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (3891): ص 3/ 718.
(2)
التفسير الميسر: 93.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 400.
(4)
تفسير ابي السعود: 2/ 218.
(5)
التفسير الميسر: 93.
(6)
الكشاف: 1/ 552.
(7)
تفسير ابي السعود: 2/ 218.
(8)
انظر: الكشاف: 1/ 552.
(9)
تفسير السعدي: 194.
(10)
صفوة التفاسير: 272.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 400.
(12)
أخرجه ابن ابي حاتم (5829): ص 3/ 1040.
(13)
الكشاف: 1/ 552.
(14)
انظر: الكشاف: 1/ 552.
(15)
انظر: الكشاف: 1/ 552.
(16)
التفسير الميسر: 93.
(17)
أخرجه ابن ابي حاتم (5830): ص 3/ 1041.
(18)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5830): ص 3/ 1041.
(19)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5830): ص 3/ 1041.
وفي رواية أخرى عن ابن عباس ايضا: " تقتلونه إرادة أن يحل لكم ماله الذي وجد معه، وذلك عرض الدنيا"(1).
قال مقاتل: " يعني: غنم مرداس"(2).
قال الزمخشري: أي: " تطلبون الغنيمة التي هي حطام سريع النفاد، فهو الذي يدعوكم إلى ترك التثبت وقلة البحث عن حال من تقتلونه"(3).
قوله تعالى: {فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} [النساء: 94]، أي:" والله تعالى عنده من الفضل والعطاء ما يغنيكم به"(4).
قال ابن عباس: " فإن عندي مغانم كثيرة، فالتمسوا من فضل الله"(5).
قال سعيد بن جبير: " فعند الله مغانم كثيرة هي أحل لكم من هذا"(6).
قال مقاتل: "في الآخرة والجنة"(7).
قال ابن كثير: " أي: خير مما رغبتم فيه من عرض الحياة الدنيا الذي حملكم على قتل مثل هذا الذي ألقى إليكم السلام، وأظهر إليكم الإيمان، فتغافلتم عنه، واتهمتموه بالمصانعة والتقية
…
، فما عند الله من المغانم الحلال خير لكم من مال هذا" (8).
قال الزمخشري: أي: "يغنمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام ويتعوذ به من التعرض له لتأخذوا ماله"(9).
قوله تعالى: {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ} [النساء: 94]، أي:" كذلك كنتم في بدء الإسلام تخفون إيمانكم عن قومكم من المشركين"(10).
قال مقاتل: " يعني: هكذا كنتم من قبل الهجرة بمنزلة مرداس تأمنون في قومكم بالتوحيد من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم إذا لقوكم، فلا تخيفون أحدا بأمر كان فيكم تأمنون بمثله قبل هجرتكم "(11).
قال ابن كثير: " أي: قد كنتم من قبل هذه الحال كهذا الذي يُسرّ إيمانه ويخفيه من قومه"(12).
قال الزمخشري: أي: " أول ما دخلتم في الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة، فحصنت دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم"(13).
قال السعدي: " أي: فكما هداكم بعد ضلالكم فكذلك يهدي غيركم، وكما أن الهداية حصلت لكم شيئا فشيئا، فكذلك غيركم. فنظر الكامل لحاله الأولى الناقصة، ومعاملته لمن كان - على مثلها بمقتضى ما يعرف من حاله الأولى، ودعاؤه له بالحكمة والموعظة الحسنة - من أكبر الأسباب لنفعه وانتفاعه"(14).
وفي قوله تعالى: {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ} [النساء: 94]، ثلاثة اقوال:
احدهما: معناه: كذلك كنتم من قبل تكتمون الإيمان، خوفا على انفسكم.
قال سعيد بن جبير: " تكتمون، قال: يخفون إيمانكم في المشركين"(15). وفي رواية اخرى عنه ايضا: " تستخفون بإيمانكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه"(16).
(1) أخرجه ابن ابي حاتم (5831): ص 3/ 1041.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 400.
(3)
الكشاف: 1/ 552 - 553.
(4)
التفسير الميسر: 93.
(5)
أخرجه ابن ابي حاتم (5832): ص 3/ 1041.
(6)
أخرجه ابن ابي حاتم (5833): ص 3/ 1041.
(7)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 400.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 384.
(9)
الكشاف: 1/ 553.
(10)
التفسير الميسر: 93.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 400.
(12)
تفسير ابن كثير: 2/ 385.
(13)
الكشاف: 1/ 553.
(14)
تفسير السعدي: 194.
(15)
أخرجه ابن ابي حاتم (5834): ص 3/ 1041.
(16)
أخرجه ابن ابي حاتم (5835): ص 3/ 1041.
والثاني: معناه: كذلك كنتم من قبل ضلالا.
قال مسروق: " لم تكونوا مؤمنين"(1).
قال ابن زيد: "كفارًا مثله"(2).
والثالث: ويحتمل أن يكون المعنى إشارة بذلك إلى القتل قبل التثبت، أي على هذه الحال كنتم في جاهليتكم لا تتثبتون، حتى جاء الله بالإسلام ومن عليكم. أفاده ابن عطية (3).
والراجح-والله أعلم- هو القول الاول، أي:" كما كان هذا الذي قتلتموه بعد ما ألقى إليكم السَّلَم، مستخفيًا في قومه بدينه خوفًا على نفسه منهم، كنتم أنتم مستخفين بأديانكم من قومكم حذرًا على أنفسكم منهم"(4).
قوله تعالى: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} [النساء: 94]، أي:" فمَنَّ الله عليكم، وأعزَّكم بالإيمان والقوة"(5).
قال السمعاني: " أي: تفضل الله عليكم"(6).
قال الزمخشري: أي: " بالاستقامة والاشتهار بالإيمان والتقدم، وإن صرتم أعلاما فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم، وأن تعتبروا ظاهر الإسلام في المكافة، ولا تقولوا إن تهليل هذا لاتقاء القتل لا لصدق النية، فتجعلوه سلما إلى استباحة دمه وماله وقد حرمهما الله"(7).
وفي قوله تعالى: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} [النساء: 94]، ثلاثة وجوه:
أحدها: أم المعنى: فمنّ الله عليكم بإظهار دينه وإعزاز أهله، حتى أظهروا الإسلام بعد ما كانوا يكتتمون به من أهل الشرك.
قال سعيد بن جبير: " فأظهر الإسلام"(8)، وفي روياة اخرى:" فهداكم"(9).
والثاني: معناه: فمن الله عليكم أيها القاتلون الذي ألقى إليكم السلام طلبَ عرض الحياة الدنيا بالتوبة من قتلكم إياه.
قال السدي: " تاب عليكم. فحلف أسامة لا يقاتل رجلا يقول لا إله إلا الله بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه"(10).
والثالث: معناه: فمن الله عليكم بالهجرة فهاجرتم. قاله مقاتل بن سليمان (11).
والراجح –والله أعلم-هو قول سعيد بن جبير، والمعنى: إذ"رفع الله ما كنتم فيه من الخوف من أعدائكم عنكم، بإظهار دينه وإعزاز أهله، حتى أمكنكم إظهار ما كنتم تستخفون به من توحيده وعبادته، حِذَارًا من أهل الشرك"(12).
قوله تعالى: {فَتَبَيَّنُوا} [النساء: 94]، أي:" فكونوا على بيِّنة ومعرفة في أموركم"(13).
قال مقاتل: " إذا خرجتم فلا تقتلوا مسلما"(14).
قال سعيد بن جبير: " وعيد من الله مرتين"(15).
قال ابن كثير: "تأكيد لما تقدّم"(16).
قال الزمخشري: " تكرير للأمر بالتبين ليؤكد عليهم"(17).
(1) أخرجه ابن ابي حاتم (5836): ص 3/ 1041.
(2)
أخرجه الطبري (10230): ص 9/ 83.
(3)
انظر: المحررالوجيز: 2/ 97.
(4)
تفسير الطبري: 9/ 82.
(5)
التفسير الميسر: 93.
(6)
تفسير السمعاني: 1/ 466.
(7)
الكشاف: 1/ 553.
(8)
أخرجه ابن ابي حاتم (5838): ص 3/ 1042.
(9)
أخرجه ابن ابي حاتم (5839): ص 3/ 1042.
(10)
أخرجه ابن ابي حاتم (5840): ص 3/ 1042.
(11)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 400.
(12)
تفسير الطبري: 9/ 85.
(13)
التفسير الميسر: 93.
(14)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 400.
(15)
أخرجه ابن ابي حاتم (5841): ص 3/ 1042.
(16)
تفسير ابن كثير: 2/ 385.
(17)
الكشاف: 1/ 553.
قال ابن عطية: " ثم أكد تبارك وتعالى الوصية بالتبين"(1).
قال القرطبي: " معنى قوله: {فتبينوا} أي الأمر المشكل، أو تثبتوا ولا تعجلوا، المعنيان سواء، فإن قتله أحد فقد أتى منهياً عنه "(2).
وقد حذّر الرسول صلى الله عليه وسلم من التكفير أشد التحذير فقال: "إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما"(3).
ويروي أبو ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك"(4).
قال ابن عبد البر: " فقد باء القائل بذنب كبير وإثم عظيم، واحتمله بقوله ذلك، وهذا غاية في التحذير من هذا القول والنهي عن أن يقال لأحد من أهل القبلة: يا كافر"(5).
ويقول ابن دقيق العيد: "وهذا وعيد عظيم لمن أكفر أحداً من المسلمين وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق كثير من المتكلمين، ومن المنسوبين إلى السنة وأهل الحديث لما اختلفوا في العقائد، فغلظوا على مخالفيهم، وحكموا بكفرهم "(6).
وفي بيان معنى الحديث قال الحافظ ابن حجر: " والتحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم من أن يقول ذلك لأخيه المسلم
…
وقيل: معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره
…
فمعنى الحديث: فقد رجع عليه تكفيره، فالراجع التكفير لا الكفر، فكأنه كفَّر نفسه لكونه كفَّر من هو مثله
…
وقال القرطبي: .. والحاصل أن المقول له إن كان كافراً كفراً شرعياً، فقد صدق القائل، وذهب بها المقول له، وإن لم يكن رجعت للقائل معرَّة ذلك القول وإثمه" (7).
وفي حديث آخر يشبه النبي صلى الله عليه وسلم تكفير المسلم بأعظم ذنب بعد الشرك بالله، وهو تعمد قتل المؤمن، فيقول:"ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقتله"(8).
ورمي المسلمين بالكفر باب لشرور عظيمة، لعل أهونها أنه من التنابز بالألقاب الذي نهى الله عنه، قال تعالى:{ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} [الحجرات: 11].
قال ابن عبد البر: "هو قول الرجل لأخيه: يا كافر يا فاسق، وهذا موافق لهذا الحديث [الحديث السابق]، فالقرآن والسنة ينهيان عن تفسيق المسلم وتكفيره إلا ببيان لا إشكال فيه"(9).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 94]، أي:" إن الله تعالى عليم بكل أعمالكم، مطَّلع على دقائق أموركم، وسيجازيكم عليها"(10).
قال البيضاوي: أي: " عالما به وبالغرض منه فلا تتهافتوا في القتل واحتاطوا فيه"(11).
قال الطبري: " يقول: إن الله كان بقتلكم من تقتلون، وكَفِّكم عمن تكفُّون عن قتله من أعداء الله وأعدائكم، وغير ذلك من أموركم وأمور غيركم ذا خبرة وعلم به، يحفظه عليكم وعليهم، حتى يجازى جميعكم به يوم القيامة جزاءه، المحسن بإحسانه، والمسيءَ بإساءته"(12).
قال الزمخشري: " فلا تتهافتوا في القتل وكونوا محترزين محتاطين في ذلك"(13).
قال ابن عطية: " أعلم أنه خبير بما يعمله العباد، وذلك منه خبر يتضمن تحذيرا منه تعالى، لأن المعنى إن الله كان بما تعملون خبيرا، فاحفظوا نفوسكم، وجنبوا الزلل الموبق بكم"(14).
(1) المحرر الوجيز: 2/ 97.
(2)
الجامع لاحكام القرآن: 5/ 339.
(3)
رواه البخاري ح (6103)، ومسلم ح (60).
(4)
رواه البخاري ح (6045)، ومسلم ح (61).
(5)
التمهيد: 17/ 22.
(6)
إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: 4/ 76.
(7)
فتح الباري (10/ 466 - 467.
(8)
رواه البخاري ح (6047).
(9)
التمهيد: 17/ 21.
(10)
التفسير الميسر: 93.
(11)
تفسير البيضاوي: 2/ 91.
(12)
تفسير الطبري: 9/ 71.
(13)
الكشاف: 1/ 553.
(14)
المحرر الوجيز: 2/ 97.
قال السعدي: " فيجازي كلا ما عمله ونواه، بحسب ما علمه من أحوال عباده ونياتهم"(1).
قال مقاتل: " فقال أسامة والله لا أقتل رجلا بعد هذا يقول لا إله إلا الله"(2).
قال البغوي: " إذا رأى الغزاة في بلد أو قرية شعار الإسلام فعليهم أن يكفوا عنهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا قوما فإن سمع أذانا كف عنهم، وإن لم يسمع أغار عليهم"(3).
وقد روي عاصم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث سرية قال: "إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم مؤذنا فلا تقتلوا أحدا"(4).
الفوائد:
1 -
الحكم بالظاهر، هذه من المسائل العظيمة في مذهب أهل السنة في الحكم على الناس، فلا تكون أحكامهم مبنية على ظنون وأوهام أو دعاوي لا يملكون عليها بينات، وهذه من رحمة الله وتيسيره على عباده ومن باب تكليفهم بما يطيقون ويستطيعون، وكل ما سبق المقصود به الحكم الدنيوي على الشخص بالإسلام أو الكفر، أما الحكم على الحقيقة فلا سبيل إليه، يقول الإمام الشاطبي رحمه الله مبيناً أهمية هذا الأصل وخطورة إهماله: "إن أصل الحكم بالظاهر مقطوع به في الأحكام خصوصاً، وبالنسبة إلى الاعتقاد في الغير عموماً، فإن سيد البشر مع إعلامه بالوحي يجري الأمور على ظواهرها في المنافقين وغيرهم، وإن علم بواطن أحوالهم، ولم يكن ذلك بمخرجه عن جريان الظواهر على ما جرت عليه
…
ألا ترى إلى باب الدعاوي المستند إلى أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر
…
فلو ادعى أكذب الناس على أصلح الناس لكانت البينة على المدعي، واليمين على من أنكر وهذا من ذلك والنمط واحد، فالاعتبارات الغيبية مهملة بحسب الأوامر والنواهي الشرعية " (5).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله"(6).
2 -
وجوب التبين والتثبت، وعدم التسرع في إصدار الحكم على الناس.
3 -
التحذير من التكفير بغير حق، وضرورة الاحتياط في الحكم به، وقد ذكر الفقهاء من شتى المذاهب في كتبهم كتاب المرتد، وبينوا فيه من الأحكام المترتبة على الردة ما يؤكد خطورة التكفير، وضرورة الاحتياط في الحكم به (7).
قال شيخ الإسلام: "ولهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم؛ لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله"(8).
4 -
في الآية إشارة إلى أن العبد ينبغي له إذا رأى دواعي نفسه مائلة إلى حالة له فيها هوى وهي مضرة له، أن يُذَكِّرها ما أعد الله لمن نهى نفسه عن هواها، وقدَّم مرضاة الله على رضا نفسه، فإن في ذلك ترغيبًا للنفس في امتثال أمر الله، وإن شق ذلك عليها.
القرآن
التفسير:
(1) تفسير السعدي: 194.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 400.
(3)
تفسير البغوي: 2/ 269.
(4)
أخرجه أبو داود في الجهاد، باب دعاء المشركين: 3/ 432، وعزاه المنذري للنسائي، والترمذي في السير، باب حدثنا محمد بن يحيى: 5/ 155، وقال: هذا حديث حسن غريب، والشافعي: 2/ 116 (من ترتيب المسند)، وأخرجه الطبراني في الكبير مطولا. . . انظر: الإصابة لابن حجر: 4/ 500 - 501، وسعيد بن منصور في السنن: 2/ 149 - 150، والمصنف في شرح السنة: 11/ 60.
(5)
الموافقات: 2/ 271 - 272.
(6)
رواه البخاري (25)، ومسلم (22). من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(7)
انظر: دائع الصنائع للكاساني (7/ 134)، وفتح القدير لابن الهمام (6/.
(8)
الرد على البكري لشيخ الإسلام: 1/ 381.
لا يتساوى المتخلفون عن الجهاد في سبيل الله -غير أصحاب الأعذار منهم- والمجاهدون في سبيل الله، بأموالهم وأنفسهم، فضَّل الله تعالى المجاهدين على القاعدين، ورفع منزلتهم درجة عالية في الجنة، وقد وعد الله كلا من المجاهدين بأموالهم وأنفسهم والقاعدين من أهل الأعذار الجنة لِما بذلوا وضحَّوا في سبيل الحق، وفضَّل الله تعالى المجاهدين على القاعدين ثوابًا جزيلا.
سبب النزول:
أسبب نزول قوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} .
نقل أبو حيان عن سليمان الدمشقي: أنها"نزلت من أجل قوم كانوا إذا حضرت غزاة يستأذنون في القعود والتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"(1).
ب وفي سبب نزول قوله تعالى: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} ، أقوال:
احدها: أنها نزلت في ابن ام مكتوم، وهذا قول البراء بن عازب (2)، وزيد بن ثابت (3)، ابن عباس في إحدى الروايات (4)، وزيد بن أرقم (5)، عبدالله بن شداد (6)، وأنس بن مالك (7)، وقتادة (8)، عبدالرحمن بن ابي ليلى (9)، والسدي (10).
عن البراء بن عازب رضي الله عنهما؛ قال: "لما نزلت: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}؛ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيداً؛ فجاءه بكتف، فكتبها، وشكا ابن أم مكتوم ضرارته؛ فنزلت: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} "(11).
وعن مروان بن الحكم، أن زيد بن ثابت أخبره:" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} قال: فجاءه ابن أم مكتوم، وهو يملها علي، فقال: يا رسول الله، لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان رجلا أعمى، فأنزل الله، تبارك وتعالى، على رسوله صلى الله عليه وسلم، وفخذه على فخذي، فثقلت علي، حتى خفت أن ترض فخذي، ثم سري عنه، فأنزل الله، عز وجل: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} "(12).
وعن زيد بن أرقم؛ قال: "لما نزلت: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. . . وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ جْرًا عَظِيمًا}؛ جاء ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله! أما لي رخصة؟ قال: "لا"، قال ابن أم مكتوم: اللهم إني ضرير؛ فرخص لي؛ فأنزل الله: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ}؛ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم – بكتابتها"(13).
(1) البحر المحيط: 4/ 34.
(2)
سيأتي تخريجه.
(3)
سيأتي تخريجه.
(4)
انظر: تفسير الطبري (10243): ص 9/ 92 - 93.
(5)
سيأتي تخريجه.
(6)
انظر: سنن سعيد بن منصور في (682): ص 4/ 1360، والطبري (10245): ص 9/ 93، وذكره السيوطي في الدر: 2/ 642. مرسل صحيح الإسناد.
(7)
انظر: سنن سعيد بن منصور في (683): ص 4/ 1360. وسنده ضعيف؛ فيه علي بن زيد بن جدعان، لكنه صحيح بما سبق.
(8)
ذكره السيوطي في "الدر المنثور"(2/ 643)، ونسبه لابن المنذر. وهو مرسل.
(9)
أخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى"(4/ 210)، وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(2/ 643)، وزاد نسبته لابن المنذر. إسناده صحيح لكنه مرسل.
(10)
انظر: تفسير الطبري (10247): ص 9/ 94. وسنده ضعيف جداً؛ لإعضاله، وضعف أسباط.
(11)
أخرجه البخاري في صحيحه: (2831): ص 6/ 45، و (4593)، (4594): ص 8/ 259، 260، و (4990): ص 9/ 22، ومسلم في صحيحه:(1898): ص 3/ 1508 - 1509، والإمام أحمد الفتح الرباني (241): ص 18/ 118، والترمذي (3031): ص 5/ 240، والنسائي وابن حبان في جامع الأصول: 2/ 102، والطبري (1033) - (1037): ص 9/ 86 - 88، وأبو عوانة في فتح الباري: 8/ 261، وابن أبي حاتم وعبد بن حميد في فتح القدير: 1/ 503.
وقد فات السيوطي أن يذكر مسلماً ضمن من خرج الحديث، لما ذكره في "الدر المنثور"(2/ 639)؛ فليستدرك.
(12)
أخرجه أحمد (21938): ص 5/ 184، والبخاري (2832): ص 4/ 30، (4592): ص 6/ 59، والترمذي (3033)، والنسائي: 6/ 9، وفي "الكبرى":(4292)، (4293). صحيح.
(13)
أخرجه الطبري (10238): ص 9/ 89، والطبراني (5053): ص 5/ 190. وسنده ضعيف؛ فيه أبو إسحاق السبيعي مدلس، وكان اختلط. وقد عنعن، ولكن الحديث صحيح على كل حال بشواهده المتقدمة.
والثاني: أنها نزلت في عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم، وعذا قول ابن عباس (1)، ومقاتل (2).
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما؛ قال: " {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} عن بدر والخارجون إلى بدر لما نزلت غزوة بدر، قال عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم: إنا أعميان يا رسول الله؛ فهل لنا رخصة؟ ! فنزلت: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}؛ فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر، {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} درجات منه على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر"(3).
والثالث: انها نزلت في رجل أعمى. وهذا قول عاصم (4)، وسعيد بن جبير (5).
عن الفَلَتان بن عاصم؛ قال: "كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأُنزل عليه، -وكان إذا أنزل عليه؛ رام بصره، مفتوحة عيناه، وفرغ سمعه وقلبه لما يأتيه من الله-، قال: فكنا نعرف ذلك منه، فقال للكاتب: «اكتب: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. . . وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}»، قال: فقام الأعمى، فقال: يا رسول الله! ما ذنبنا؟ فقلنا للأعمى: إنه ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم، فخاف أن يكون ينزل عليه شيء من أمره؛ فبقي قائماً يقول: أعوذ بالله من غضب رسول الله، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتب: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ}» "(6).
والرابع: أنها نزلت في قوم مرضى. وهذا قول ابن عباس ايضا (7).
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما؛ قال: "هم قوم كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغزون معه؛ لأسقام وأمراض وأوجاع، وآخرون أصحاء لا يغزون معه، وكان المرضى في عذر من الأصحاء"(8).
قوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} [النساء: 95]، " أي: لا يتساوى من قعد عن الجهاد من المؤمنين مع من جاهد بماله ونفسه في سبيل الله غير أهل الأعذار" (9).
قال الزجاج: " المعنى: لا يستوي القاعدون والمجاهدون إلا أولو الضرر، فإنهم يساوون المجاهدين، لأن الذي أقعدهم عن الجهاد الضرر، والضرر أن يكون ضريرا أو أعمى أو زمنا أو مريضا"(10).
قال مقاتل: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} " يعني: عبد الله بن جحش الأسدي، وابن أم مكتوم من أهل العذر"(11).
(1) سيأتي تخريجه.
(2)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 400.
(3)
أخرجه الترمذي في "سننه"(5/ 241 رقم 3032)، والنسائي في "التفسير"(1/ 399 رقم 137)، والطحاوي في "المشكل"(4/ 141 رقم 1496)، والطبري في "جامع البيان" (10242): ص 9/ 92، والبيهقي في "الكبرى": 9/ 47، من طريق حجاج من محمد المصيصي عن ابن جريج: أخبرني عبد الكريم سمع مقسماً مولى عبد الله بن الحارث يحدث عن ابن عباس: (فذكره).
وسنده صحيح على شرط البخاري، وقد أخرجه في صحيحه:(3954): ص 8/ 260، و (4595): ص 8/ 260. مختصراً ليس فيه اللفظ المذكور.
وزاد السيوطي نسبته في "الدر المنثور"(2/ 641) لابن المنذر.
(4)
سيأتي تخريجه.
(5)
انظر: تفسير الطبري (10244): ص 9/ 93.
(6)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مسنده"؛ كما في "المطالب العالية": (3937): ص 8/ 546، 547 المسندة، و"الإصابة": 3/ 209، و"إتحاف الخيرة المهرة":(7630): ص 8/ 60، 61، وأبو يعلى في "المسند" (1583): ص 3/ 156، 157، وعنه ابن حبان في "صحيحه"(1733 - "موارد") -، والطبراني في "المعجم الكبير" (856): ص 18/ 280، 281، والبزار في "مسنده":(رقم 2203): ص 3/ 45، 46 - "كشف")، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني"(2/ 281 رقم 1039/ 58 رقم 2593)، والطحاوي في "مشكل الآثار":(1503): ص 4/ 148، 149، جميعهم من طريق عبد الواحد بن زياد: ثنا عاصم بن كليب عن أبيه عن الفلتان به.
وهذا سند صحيح؛ رجاله ثقات.
(7)
سيأتي تخريجه.
(8)
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"(12775): ص 12/ 128، والطحاوي في "مشكل الآثار": 4/ 147، والبيهقي: 9/ 24، من طرق عن أبي عقيل الدورقي عن أبي نضرة عن ابن عباس به.
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": 7/ 9\: "رواه الطبراني من طريقين، ورجال أحدهما ثقات".
قلنا: إسناده صحيح.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(2/ 642)، وزاد نسبته لعبد بن حميد.
(9)
صفوة التفاسير: 173.
(10)
معاني القرآن: 2/ 92 - 93.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 400.
قال الواحدي: " أي: الأصحَّاء الذين لا علَّة بهم تضرُّهم وتقطعهم عن الجهاد لا يستوي هؤلاء [والمجاهدون بأموالهم وأنفسهم] "(1).
قال البيضاوي: " أي: لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الجهاد من غير علة. وفائدته تذكير ما بينهما من التفاوت ليرغب القاعد في الجهاد رفعا لرتبته وأنفة عن انحطاط منزلته"(2).
قال ابن كثير: " فقوله تعالى: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} كان مطلقا، فلما نزل بوحي سريع: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} صار ذلك مخرجا لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد - من الْعَمَى والعَرَج والمرض - عن مساواتهم للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم"(3).
والضرر: "المرض، أو العاهة من عمى أو عرج أو زمانة أو نحوها."(4).
قال الراغب: " والضرر: اسم عام لكل ما يضر بالإنسان في بدنه ونفسه، وعلى سبيل الكفاية عبر عن الأعمى بالضرير.
فإن قيل: كيف يصح حمله على الأمراض النفسية، وقد قال في ذم الكفار:{فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [البقرة: 10]؟
قيل: إن الذي عذرهم الله تعالى فيه هو ما لم يكن الإنسان نفسه سببه، وما ذموا به فهو المرض، أي الجهل الذي يكون هو سبب استجلابه من ترك إصغائه إلى الحق، وإهمال نفسه من العادات الجميلة" (5).
قال الزمخشري: "فإن قلت: معلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان، فما فائدة نفى الاستواء؟ قلت: معناه الإذكار بما بينهما من التفاوت العظيم والبون البعيد، ليأنف القاعد ويترقع بنفسه عن انحطاط منزلته، فيهتز للجهاد ويرغب فيه وفي ارتفاع طبقته، ونحوه {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9]، أريد به التحريك من حمية الجاهل وأنفته ليهاب به إلى التعلم، ولينهض بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم"(6).
عن أنس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «إن بالمدينة أقوامًا ما سِرْتُم من مَسِير، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه»، قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: «نعم حبسهم العذر» "(7).
وقرئت: «غير أولي الضرر» ، برفع"الراء"، وهي قراءة ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة، وقرأ نافع والكسائي وابن عامر «غير» ، بالنصب (8).
قوله تعالى: {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} [النساء: 95]، "أي فضل الله المجاهدين على القاعدين من أهل الأعذار درجة"(9).
قال الطبري: أي: " فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم، على القاعدين من أولي الضرر، فضيلة واحدة وذلك بفضل جهاده بنفسه، فأما فيما سوى ذلك، فهما مستويان"(10).
قال الواحدي: " لأنَّ المجاهدين باشروا الطَّاعة والقاعدين من أهل العذر قصدوها وإن كانوا في الهمَّة والنيَّة على قصد الجهاد فمباشرة الطَّاعة فوق قصدها بالنِّيّة"(11).
قوله تعالى: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [النساء: 95]، " أي: وكلاً من المجاهدين والقاعدين بسبب ضررٍ لحقهم وعدهم الله الجزاء الحسن في الآخرة" (12).
قال الواحدي: أي: " من المجاهدين والقاعدين المعذورين"(13).
قال قتادة: " وهي الجنة، والله يؤتي كل ذي فضل فضلَه"(14).
(1) الوجيز: 283.
(2)
تفسير البيضاوي: 2/ 91.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 386.
(4)
الكشاف: 1/ 553.
(5)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1407.
(6)
الكشاف: 1/ 554.
(7)
صحيح البخاري برقم (2838) والمسند (3/ 103).
(8)
انظر: معاني القرآن للفراء: 1/ 495، ومعاني القرآن للأخفش: 1/ 264، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 92، والسبعة في القراءات:237.
(9)
صفوة التفاسير: 173.
(10)
تفسير الطبري: 9/ 95.
(11)
الوجيز: 283.
(12)
صفوة التفاسير: 173.
(13)
الوجيز: 283.
(14)
أخرجه الطبري (10253): ص 9/ 96.
قال السدي: " {الحسنى}، الجنة"(1).
قال الزجاج: " أي: وعد الجنة"(2).
قال ابن كثير: " أي: الجنة والجزاء الجزيل. وفيه دلالة على أن الجهاد ليس بفرض عين بل هو فرض على الكفاية"(3).
قال الزمخشري: أي: " وكل فريق من القاعدين والمجاهدين {وعد الله الحسنى}، أى: المثوبة الحسنى وهي الجنة وإن كان المجاهدون مفضلين على القاعدين درجة"(4).
قال المراغي: " أي ووعد الله كلا ممن جاهد وقعد عن الجهاد عجزا منه مع تمنى القدرة عليه المثوبة الحسنى وهى الجنة، فكل منهما كامل الإيمان مخلص لله فى العمل"(5).
قال الإمام الشافعي: " فوعد المتخلفين عن الجهاد الحسنى على الإيمان"(6).
قوله تعالى: {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 95]، "أي: وفضل الله المجاهدين في سبيل الله على القاعدين بغير عذر بالثواب الوافر العظيم" (7).
قال ابن جريج: " على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر"(8).
قال السمعاني: " أراد بالقاعدين هنا: غير أولي الضرر، فضل الله المجاهدين عليهم أجرا عظيما"(9).
قال الطبري: أي: " وفضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين من غير أولي الضرر، أجرًا عظيمًا"(10).
الفوائد:
1 -
مدح الله تعالى للمجاهدين، وبيان فضل الجهاد والإنفاق فيه.
2 -
بيان فضل الصحابة-رضوان الله عليهم- فالصحابة خير هذه الأمة بلا شك ولكنهم على مراتب بعضهم أفضل من بعض.
3 -
في الآية بيان لفضل السابقين إلى الإسلام، والمجاهدين في سبيل الله على غيرهم، وعلى هذا الأساس السابق فضل أهل السنة والجماعة أهل بدر على غيرهم من الصحابة، وقد خصهم النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه بأفضلية لم يشاركهم فيها غيرهم لما قال:"لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم"(11).
وكذلك جاء في السنة تفضيل العشرة على هؤلاء للنص عليهم بأعيانهم بأنهم في الجنة، وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير بن العوام، وطلحة بن خويلد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد (12).
أما الخلفاء الأربعة فهم في المقدمة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا باتباع سنتهم دون غيرهم كما جاء في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه: "
…
عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي .. " (13).
(1) أخرجه الطبري (10254): ص 9/ 96.
(2)
معاني القرآن: 2/ 93.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 388.
(4)
الكشاف: 1/ 554.
(5)
تفسير المراغي: 5/ 129.
(6)
تفسير الغمام الشافعي: 2/ 646.
(7)
صفوة التفاسير: 173.
(8)
أخرجه الطبري (10255): ص 9/ 96 - 97.
(9)
تفسير السمعاني: 1/ 468.
(10)
تفسير الطبري: 9/ 96.
(11)
أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب 9 ج 5/ 10، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة باب 36 ج 4/ 1941، وأبو داود في كتاب الجهاد باب 108 ج 3/ 108، والترمذي في كتاب التفسير باب 61 ج 5/ 409، والدارمي في كتاب الرقاق باب فضل أهل بدر 2/ 313، وأحمد في المسند 1/ 80.
(12)
انظر: سنن الترمذي كتاب المناقب باب 26 ج 5/ 2647، وأبو داود في كتاب السنن باب 9 ج 5/ 39، وابن ماجة في مقدمة سننه باب 11 ج 1/ 48.
(13)
أخرجه الترمذي في كتاب العلم باب 16 ج 5/ 244، وأبو داود في كتاب السنة باب 6 ج 5/ 213، وابن ماجة في مقدمة سننه باب 6 ج 1/ 15، وأحمد في المسند ج 4/ 126، والدارمي في مقدمة سننه باب اتباع السنة 1/ 44.
وهم على هذا الترتيب في أرجح الأقوال، قال ابن عمر:"كنا نخير بين الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فنخير أبا بكر ثم عمر، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم"(1).
وقال ابن حجر في تعليقه على هذا الحديث: "وفي هذا الحديث تقديم عثمان بعد أبي بكر وعمر، كما هو المشهور عند جمهور أهل السنة" ثم حكى الخلاف في ذلك وختمه بقوله: "وحديث الباب حجة للجمهور"(2).
وقال الإمام أحمد: "وخير الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر، وعلي بعد عثمان، ووقف قوم على عثمان، وهم خلفاء راشدون مهديون، ثم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هؤلاء الأربعة خير الناس"(3).
وقال ابن الصلاح: "أفضلهم على الإطلاق أبو بكر، ثم عمر، ثم إن جمهور السلف على تقديم عثمان على علي
…
، وتقديم عثمان هو الذي استقر عليه مذاهب أصحاب الحديث وأهل السنة، وأما أفضل أصنافهم صنفاً، فقد قال أبو منصور البغدادي: أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة ثم الستة الباقون إلى تمام العشرة، ثم البدريون، ثم أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرضوان. قال ابن الصلاح: وفي نص القرآن تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وهم الذين صلوا إلى القبلتين في قول سعيد بن المسيب .. " (4).
وقال ابن حجر: "تقرر عند أهل السنة قاطبة تقديم علي بعد عثمان وتقديم بقية العشرة المبشرة على غيرهم، وتقديم أهل بدر على من لم يشهدها وغير ذلك"(5).
قال الاشعري: " وأجمعوا على أن خير القرون قرن الصحابة، ثم الذين يلونهم على ما قال صلى الله عليه وسلم: «خيركم قرني» (6)، وعلى أن خير الصحابة أهل بدر، وخير أهل بدر العشر، وخير العشرة الأئمة الأربعة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي - رضوان الله عليهم"(7).
4 -
احتج بهذه الآية المظهرة لفضل المال من قال: إن الغنى أفضل من الفقر وإن متعلقه بها لبين (8).
5 -
وتأمل حسن هذا الانتقال من حالة إلى أعلى منها فإنه نفى التسوية أولا بين المجاهد وغيره ثم صرَّح بتفضيل المجاهد على القاعد بدرجة ثم انتقل إلى تفضيله بالمغفرة والرحمة والدرجات، وهذا الانتقال من حالة إلى أعلى منها عند التفضيل والمدح أو النزول من حالة إلى ما دونها عند القدح والذم - أحسن لفظا وأوقع في النفس.
القرآن
{دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96)} [النساء: 96]
التفسير:
هذا الثواب الجزيل منازل عالية في الجنات من الله تعالى لخاصة عباده المجاهدين في سبيله، ومغفرة لذنوبهم ورحمة واسعة ينعمون فيها. وكان الله غفورًا لمن تاب إليه وأناب، رحيمًا بأهل طاعته، المجاهدين في سبيله.
قوله تعالى: {دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً} [النساء: 96]، أي:" هذا الثواب الجزيل منازل عالية في الجنات من الله تعالى لخاصة عباده المجاهدين في سبيله، ومغفرة لذنوبهم، ورحمة واسعة ينعمون فيها"(9).
(1) أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة باب 4 ج 4/ 191، وانظر سنن أبي داود كتاب السنة باب 8 ج 5/ 24، والترمذي كتاب المناقب باب 19 ج 5/ 629.
(2)
انظر فتح الباري 7/ 16، 34.
(3)
رسالة السنة: 87.
(4)
علوم الحديث: 268، 269.
(5)
فتح الباري 7/ 58.
(6)
الحديث أخرجه النسائي بهذا اللفظ من رواية عمران بن حصين في كتاب الأيمان والنذور باب الوفاء بالنذر 7/ 17، وأخرجه البخاري من رواية عبد الله بن مسعود بلفظ:"خير الناس قرني" ومن رواية عمران بن حصين "خير أمتي قرني". (انظر البخاري كتاب فضائل أصحاب النبي باب 1 ج 4/ 189، ومسلم فضائل الصحابة باب 52 ج 4/ 1962، وأبو داود في كتاب السنة باب 10 ج 5/ 44، والترمذي في كتاب الفتن باب 45 ج 4/ 500.
(7)
رسالة إلى أهل الثغر بباب الابواب، الإجماع السادس والاربعون: ص 170، ذهب الأشعري إلى هذا التفضيل كما سبقه غيره إليه أخذاً من مفهوم القرآن والسنة.
(8)
انظر: المحرر الوجيز: 2/ 98.
(9)
.التفسير الميسر: 94
قال الطبري: أي: " فضائل منه ومنازل من منازل الكرامة، وصفح لهم عن ذنوبهم، فتفضل عليهم بترك عقوبتهم عليها، ورأفة بهم "(1).
قال الواحدي: " أَيْ: منازلَ بعضُها فوقَ بعضٍ من منازل الكرامة"(2).
قال سعيد بن جبير: "يعني: فضائل ورحمة"(3). وقال أيضا: " درجة: يعني: فضيلة"(4).
وختلف في تفسير قوله تعالى: {دَرَجَاتٍ مِنْهُ} [النساء: 96]، على أقوال:
أحدها: أن: "الإسلام درجة، والهجرة درجة، والقتل في سبيل الله درجة". وهذا قول قتادة (5).
والثاني: أنه عنى بذلك درجات الجنة. وهذا قول ابن محيريز (6).
قال ابن محيريز: " الدرجات: سبعون درجة، ما بين الدرجتين حُضْرُ الفرس الجواد المُضَمَّر سبعين سنة "(7).
والثالث: قال ابن زيد: " «الدرجات»: هي السبع التي ذكرها في سورة براءة: {مَا كَانَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ}، فقرأ حتى بلغ: {أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة التوبة: 120 - 121]. قال: هذه السبع الدرجات. قال: وكان أول شيء، فكانت درجة الجهاد مُجْملة، فكان الذي جاهد بماله له اسمٌ في هذه، فلما جاءت هذه الدرجات بالتفصيل أخرج منها، فلم يكن له منها إلا النفقة، فقرأ: {لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ}، وقال: ليس هذا لصاحب النفقة. ثم قرأ: {وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً}، قال: وهذه نفقة القاعد"(8).
واالصواب -والله أعلم- " أن يكون معنيًّا به: درجات الجنة، كما قال ابن محيريز، لأن قوله تعالى ذكره: {درجات منه}: ترجمة وبيان عن قوله: {أجرًا عظيمًا}، ومعلوم أن «الأجر»، إنما هو الثواب والجزاء"(9).
قال ابن عطية: " ودرجات الجهاد لو حصرت أكثر من هذه، لكن يجمعها بذل النفس والاعتمال بالبدن والمال في أن تكون كلمة الله هي العليا، ولا شك أن بحسب مراتب الأعمال ودرجاتها تكون مراتب الجنة ودرجاتها، فالأقوال كلها متقاربة، وباقي الآية وعد كريم وتأنيس"(10).
واختلف في موضع نصب قوله تعالى: {دَرَجَاتٍ} [النساء: 96]، على قولين (11):
أحدهما، أن قوله:{دَرَجَاتٍ} ، في موضع نصب بدلا من قوله:{أَجْرًا عَظِيمًا} [النسساء: 95]، وهو مفسر للآخر، المعنى: فضل الله المجاهدين درجات ومغفرة ورحمة.
والثاني: أن يكون {دَرَجَاتٍ} منصوباً على إضمار فعل على أن تون توكيدا لـ: {أَجْرًا عَظِيمًا} [النسساء: 95]، كما تقول: لك علي ألف درهم عرفا، كأنك قلت أعرفها عرفا، لأن الأجر العظيم هو رفع الدرجات من اللَّه جلَّ وعزَّ والمغفرة والرحمة، وكأنه قيل: غفر اللَّه لهُمْ مغفرة، وأجَرهم أجراً عظيماً، لأن قوله:{أَجْرًا عَظِيمًا} ، فيه معنى «غَفَر ورَحِمَ وفَضَّل» .
عن أبي سعيد الخدري قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» "(12).
وعن عبد الله بن مسعود قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من بلغ بسهم فله أجره درجة»، فقال رجل: يا رسول الله، وما الدرجة؟ فقال: «أما إنها ليست بعتبة أمك، ما بين الدرجتين مائة عام» "(13).
(1) تفسير الطبري: 9/ 97، 99.
(2)
الوجيز: 282.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (5858): ص 3/ 1044.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (5852): ص 3/ 1044.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (5859): ص 3/ 1045.
(6)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5857): ص 3/ 1045.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (5857): ص 3/ 1045.
(8)
أخرجه الطبري (10256): ص 9/ 97 - 98.
(9)
تفسير الطبري: 9/ 98.
(10)
المحرر الوجيز: 2/ 98.
(11)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 93 - 94، والمحرر الوجيز: 2/ 98
(12)
رواه مسلم في صحيحه برقم (1884)، وابن أبي حاتم (5850): ص 3/ 1044، وهو عند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه لا من حديث أبي سعيد الخدري برقم (2790).
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (5851): ص 3/ 1044.
قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 96]، أي:" وكان الله غفورًا لمن تاب إليه وأناب، رحيمًا بأهل طاعته، المجاهدين في سبيله"(1).
قال سعيد بن جبير: " بفضل سبعين درجة"(2).
قال الواحدي: " يريد: للفريقين جميعا، للمجاهدين والقاعدين"(3).
قال الطبري: أي: " ولم يزل الله {غفورًا} لذنوب عباده المؤمنين، يصفح لهم عن العقوبة عليها {رحيما} بهم، يتفضل عليهم بنعمه، مع خلافهم أمره ونهيه، وركوبهم معاصيه"(4).
عن ابن عباس في قوله: " {وَكَانَ}، قال: وكذلك كان لم يزل"(5).
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية الكريمة أن أهل الجنة طوائف متفاوتة، ولهم دَرَجٌ كثيرةٌ، قال تعالى:{دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً} ، وكما قال تعالى:{هم درجاتٌ عند الله} [آل عمران: 163].
2 -
والآية تدل على تفاضل المؤمنين بزيادة الأعمال.
3 -
إثبات اسمين من اسماء الله تعالى، وهما:«الغفور» ، «الرحيم» ، فالـ «غفور»: صيغة مبالغة، يدل على كثرة الغفر لذنوب عباده التائبين- وقد ورد في القرآن الكريم إحدى وتسعين مرة، واسم «الرحيم» يتضمن صفة الرحمة التي تعم عباده المؤمنين فحسب بأن هداهم إلى الإيمان في الدنيا، وهو يثيبهم في الآخرة الثواب الدائم الذي لا ينقطع، إذ يقول سبحانه:{وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} [الأحزاب آية 43]، وأن اقتران اسم «الغفور» باسم «الرحيم» يفيد أنه سبحانه يغفر للمستغفرين والتائبين لأنه واسع الرحمة. بمعنى أنه يغفر لمن تاب إليه وأناب رحمة منه لهذا العبد، لأنه لو لم يرحمه ويتداركه بمغفرته لهلك وخسر. ولهذا يشير قوله تعالى:{قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]، وقوله:{وَإِلَاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [هود: 47](6).
القرآن
التفسير:
إن الذين توفَّاهم الملائكة وقد ظلموا أنفسهم بقعودهم في دار الكفر وترك الهجرة، تقول لهم الملائكة توبيخًا لهم: في أي شيء كنتم من أمر دينكم؟ فيقولون: كنا ضعفاء في أرضنا، عاجزين عن دفع الظلم والقهر عنا، فيقولون لهم توبيخا: ألم تكن أرض الله واسعة فتخرجوا من أرضكم إلى أرض أخرى بحيث تأمنون على دينكم؟ فأولئك مثواهم النار، وقبح هذا المرجع والمآب.
في سبب نزول الآية وجوه:
أحدها: روي عكرمة عن ابن عباس: "أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأتى السهم فيرمى به، فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب فيقتل، فأنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ}، الآية"(7).
وفي رواية أخرى عن عكرمة عن ابن عباس أيضا، قال: "كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا! فاستغفروا لهم، فنزلت:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ} ، الآية، قال: فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية، لا عذر لهم. قال: فخرجوا فلحقهم المشركون
(1).التفسير الميسر: 94
(2)
أخرجه ابن ابي حاتم (5861): ص 3/ 1045.
(3)
التفسير الوسيط للواحدي: 2/ 105.
(4)
تفسير الطبري: 9/ 99.
(5)
أخرجه ابن ابي حاتم (5860): ص 3/ 1045.
(6)
انظر: مفهوم الأسماء والصفات، سعد ندا، مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ع 45: ص 94، وع 46: ص 72 - 73.
(7)
أخرجه البخاري (4596): ص 6/ 60، والطبرانى في "الأوسط" (360): ص 1/ 234، و (7085): ص 9/ 65، والنسائي في "الكبرى"(11054)، والطبري (10261): ص 9/ 103 - 104، وابن أبي حاتم (5862): ص 3/ 1045. [صحيح]
فأعطوهم الفتنة، فنزلت فيهم:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ} [سورة العنكبوت: 10]، إلى آخر الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك، فحزنوا وأيسوا من كل خير، ثم نزلت فيهم:{إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} ، [سورة النحل: 110]، فكتبوا إليهم بذلك: إن الله قد جعل لكم مخرجًا، فخرجوا فأدركهم المشركون، فقاتلوهم حتى نجا من نجا، وقُتِل من قتل" (1).
والثاني: عن ابن جريج عن عكرمة: " قوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ} إلى قوله: {وَسَاءَتْ مَصِيرًا}؛ قال: نزلت في قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبي العاص بن مُنبّه بن الحجاج وعلي بن أمية بن خلف، قال: لما خرج المشركون من قريش وأتباعهم لمنع أبي سفيان بن حرب وعِيرِ قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأنْ يطلبوا ما نِيل منهم يوم نَخْلة، خرجوا معهم شباب كارهين كانوا قد أسلموا واجتمعوا ببدر على غير موعد، فقتلوا ببدر كفارًا، ورجعوا عن الإسلام، وهم هؤلاء الذين سميناهم"(2). وروي عن ابن إسحاق نحو ذلك (3).
والثالث: عن ابن جريج، قال مجاهد:"نزلت هذه الآية فيمن قتل يوم بدر من الضعفاء من كفار قريش"(4).
والرابع: وقال الضحاك: " هم أناس من المنافقين تخلَّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يخرجوا معه إلى المدينة، وخرجوا مع مشركي قريش إلى بدر، فأصيبوا يومئذ فيمن أصيب، فأنزل الله فيهم هذه الآية"(5).
والرابع: وقال قتادة: " حُدِّثنا أن هذه الآية أنزلت في أناس تكلّموا بالإسلام من أهل مكة، فخرجوا مع عدوِّ الله أبي جهل، فقتلوا يوم بدر، فاعتذروا بغير عذر، فأبى الله أن يقبلَ منهم"(6).
الظاهر-والله أعلم- أن الروايات جميعها متقاربة، وأن " المراد بهذه الآية إلى قوله:{مصيرا} ، جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا وأظهروا للنبي صلى الله عليه وسلم الإيمان به، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أقاموا مع قومهم، وفتن منهم جماعة فافتتنوا، فلما كان أمر بدر خرج منهم قوم مع الكفار فقتلوا ببدر، فنزلت الآية فيهم" (7).
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} [النساء: 97]، أي:" إن الذين توفَّاهم الملائكة وقد ظلموا أنفسهم بقعودهم في دار الكفر وترك الهجرة"(8).
قال الزجاج: " المعنى: تتوفاهم في حال ظلمهم أنْفُسَهُم، يُعنَى به: المشركون الذين تخلفوا عن الهجرة إِلى النبي صلى الله عليه وسلم –"(9).
قال الزمخشري: " هم ناس من أهل مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة"(10).
قوله تعالى: {قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ} [النساء: 97]، " أي: تقول لهم الملائكة في أيّ شيء كنتم من أمر دينكم؟ " (11).
قال مقاتل: " يقول: في أي شيء كنتم"(12).
قال الزجاج: " أي: قال الملائكة للمشركين: فيم كنتم؟ أي: أكنتم في المشركين أم في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟ وهذا سؤَال توبيخ"(13).
(1) أخرجه الطبري (10260): ص 9/ 102 - 103، وابن أبي حاتم (5863): ص 3/ 1046.
(2)
أخرجه الطبري (10264): ص 9/ 105 - 106.
(3)
انظر: تفسير الطبري (10266): ص 9/ 106 - 107.
(4)
أخرجه الطبري (10264): ص 9/ 105 - 106. سنده ضعيف جداً؛ فيه ثلاث علل: الأولى: الإرسال. الثانية: ابن جريج لم يسمع من عكرمة. الثالثة: سنيد صاحب "التفسير" ضعيف.
(5)
أخرجه الطبري (10268): ص 9/ 108.
(6)
أخرجه الطبري (10267): ص 9/ 107 - 108.
(7)
المحرر الوجيز: 2/ 99.
(8)
التفسير الميسر: 94.
(9)
معاني القرىن: 2/ 94.
(10)
الكشاف: 1/ 555.
(11)
التفسير الميسر: 94، وصفوة التفاسير:176.
(12)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 401.
(13)
معاني القرآن: 2/ 95.
قال البغوي: " أي: في ماذا كنتم؟ أو في أي الفريقين كنتم؟ أفي المسلمين؟ أم في المشركين؟ سؤال توبيخ وتعيير فاعتذروا بالضعف عن مقاومة أهل الشرك"(1).
قال السعدي: " أي: على أي حال كنتم؟ وبأي شيء تميزتم عن المشركين؟ بل كثرتم سوادهم، وربما ظاهرتموهم على المؤمنين، وفاتكم الخير الكثير، والجهاد مع رسوله، والكون مع المسلمين، ومعاونتهم على أعدائهم.، [و] هذا الوعيد الشديد لمن ترك الهجرة مع قدرته عليها حتى مات، فإن الملائكة الذين يقبضون روحه يوبخونه بهذا التوبيخ العظيم"(2).
قوله تعالى: {قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ} [النساء: 97]، أي:" فيقولون: كنا ضعفاء في أرضنا، عاجزين عن دفع الظلم والقهر عنا"(3).
قال الزجاج: " فأَعلم اللَّه أَنهم كانوا مستضعفين عن الهجرة"(4).
قال مجاهد: " قالوا كنا مستضعفين بمكة"(5).
قال مقاتل: " يعني: كنا مقهورين بأرض مكة لا نطيق أن نظهر الإيمان"(6).
قال السعدي: " أي: ضعفاء مقهورين مظلومين، ليس لنا قدرة على الهجرة. وهم غير صادقين في ذلك لأن الله وبخهم وتوعدهم، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، واستثنى المستضعفين حقيقة"(7)
قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف صح وقوع قوله كنا مستضعفين في الأرض جوابا عن قولهم {فيم كنتم} ؟ وكان حق الجواب أن يقولوا: كنا في كذا أو لم نكن في شيء؟
قلت: معنى {فيم كنتم} ، للتوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين، حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا، فقالوا: كنا مستضعفين اعتذارا مما وبخوا به واعتلالا بالاستضعاف، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا في شيء، فبكتتهم الملائكة بقولهم ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها" (8).
قوله تعالى: {قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} [النساء: 97]، أي:" فيقولون لهم توبيخا: ألم تكن أرض الله واسعة فتخرجوا من أرضكم إلى أرض أخرى بحيث تأمنون على دينكم؟ "(9).
قال سعيد بن جبير: " قالوا: إذا عمل فيها بالمعاصي فاخرجوا"(10).
قال مقاتل: " يعني أرض الله المدينة {فتهاجروا فيها}؟ يعني إليها"(11).
قال الزمخشري: " أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم ومن الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة. وهذا دليل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب، لبعض الأسباب والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر، أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق الله وأدوم على العبادة- حقت عليه المهاجرة"(12).
وعن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم – قال: " من فر بدينه من أرض -وإن كان شبرا من الأرض- استوجب به الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم "(13).
قال السدي: " لما أسر العباس وعقيل ونوفل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: افد نفسك وابني أخيك. قال: يا رسول الله، ألم نصل قبلتك ونشهد شهادتك؟ قال: يا عباس إنكم خاصمتم فخصمتم، ثم تلا عليه هذه الآية: {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا} "(14).
(1) تفسير البغوي: 2/ 272.
(2)
تفسير السعدي: 195.
(3)
التفسير الميسر: 94.
(4)
معاني القرآن: 2/ 95.
(5)
أخرجه ابن ابي حاتم (5867): ص 3/ 1047.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 401.
(7)
تفسير السعدي: 195.
(8)
الكشاف: 1/ 555.
(9)
التفسير الميسر: 94.
(10)
أخرجه ابن ابي حاتم (5868): ص 3/ 1047.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 402.
(12)
الكشاف: 1/ 555.
(13)
أخرجه الثعلبي في تفسيره مرسلا: 3/ 372، وانظر: الكشاف: 31/ 555، وتفسير مجمع البيان: 3/ 172، وتفسير القرطبي: 5/ 347، وتفسير البيضاوي: 2/ 92، وتفسير السمعاني: 1/ 388، وغيرهم.
قال الحافظ ابن حجر فى الكافي الشاف: أخرجه الثعلبي من مرسل الحسن. انظر الكافي الشاف (3/ 461).
(14)
أخرجه ابن ابي حاتم (5869): ص 3/ 1047.
قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 97]، أي:" فأولئك مثواهم النار، وقبح هذا المرجع والمآب"(1).
قال مقاتل: " يعني وبئس المصير صاروا"(2).
قال الثعلبي: " فأكذبهم الله عز وجل وإنما أنهم كانوا مستطيعين الهجرة"(3).
قال البغوي: " فأكذبهم الله تعالى وأعلمنا بكذبهم، وقال: {فأولئك مأواهم} منزلهم {جهنم وساءت مصيرا} أي: بئس المصير إلى جهنم"(4).
قال السدي: " فيوم نزلت هذه الآية، كان كل من أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى يهاجر"(5).
قال ابن عطية: " وفي هذا الذي قاله السدي نظر، والذي يجري مع الأصول أن من مات من أولئك بعد أن قبل الفتنة وارتد فهو كافر ومأواه جهنم على جهة الخلود، وهذا هو ظاهر أمر تلك الجماعة وإن فرضنا فيهم من مات مؤمنا وأكره على الخروج، أو مات بمكة فإنما هو عاص في ترك الهجرة، مأواه جهنم على جهة العصيان دون خلود، لكن لما لم يتعين أحد أنه مات على الإيمان لم يسغ ذكرهم في الصحابة، ولم يعتد بما كان عرف منهم قبل، ولا حجة للمعتزلة في شيء من أمر هؤلاء على تكفيرهم بالمعاصي"(6).
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية الكريمة: أن الهجرة" فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام ومن بلد البدعة التي يدعوا أهلها إليها إلى بلد السنة وأنها باقية إلى أن تطلع الشمس من مغربها"(7). ومن ذلك قوله تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت: 56].
وقال الرسول-صلى الله عليه وسلم: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها"(8).
2 -
ومن الفوائد: النهي عن المقام بين أظهر المشركين، لقوله تعالى:{ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} ، قال الجصاص:" وهذا يدل على الخروج من أرض الشرك إلى أي أرض كانت من أرض الإسلام"(9).
3 -
ومنها: أن من أقام في دار الجهالة ذليلاً مستضعفًا وهو يقدر على الانتقال إلى حيث يخالفها فقد ترك -وفي قول كثير من العلماء- فرضًا واجبًا، لأن الله تعالى قال: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم
…
} الآية، فيوعد تارك الهجرة من البلد الذي يكون مستضعفًا فيه، إذا كان قادرًا عليها مثل هذا الوعيد، فثبت أنها فريضة لازمة أيضًا. فإن الهجرة من مكة كانت واجبة قبل الفتح لما كان المسلم يخشاه بها من الفتنة على الفتنة، وأنه كان يعجز من إظهار دينه ولا يتمكن كما ينبغي من عبادة ربه، فأي مسلم حرص له أو مثله في بلد فهو في معنى المسلمين كانوا يومئذ (10).
أن لهجرة من واجبات الدين، ومن أفضل الأعمال الصالحة، وهي سبب لسلامة دين العبد وحفظ لإيمانه، وهي أقسام:
القسم الأول: هجر المحرمات التي حرمها الله في كتابه وحرمها رسوله صلى الله عليه وسلم على جميع المكلفين وأخبر أن من هجرها فقد هجر ما حرمه الله عليه، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه:"المهاجر من هجر ما نهى الله عنه"(11)، وهذا أمر مجمل شامل لجميع المحرمات القولية والفعلية.
القسم الثاني: الهجرة من كل بلد تظهر فيها شعائر الشرك وأعلام الكفر، ويعلن فيها بالمحرمات. والمقيم فيها لا يقدر على إظهار دينه والتصريح بالبراءة من المشركين وعداوتهم، ومع هذا يعتقد كفرهم
(1) التفسير الميسر: 94.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 402.
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 372.
(4)
تفسير البغوي: 2/ 273.
(5)
أخرجه ابن ابي حاتم (5870): ص 3/ 1047.
(6)
المحرر الوجيز: 2/ 99 - 100.
(7)
أصول الدين الإسلامي مع قواعده الاربع، الشيخ محمد بن عبدالوهاب: 19 ..
(8)
أخرجه أبو داود: الجهاد (2479) ، وأحمد (4/ 99)، والدارمي: السير (2513) ..
(9)
.أحكام القرىن: 3/ 228
(10)
انظر: المنهاج في شعب الإيمان: 2/ 182.
(11)
البخاري: الإيمان (10)، والنسائي: الإيمان وشرائعه (4996)، وأبو داود: الجهاد (2481) ، وأحمد (2/ 192،2/ 209) ..
وبطلان ما هم عليه؛ لكن إنما جلس بين ظهرانيهم شحا بالمال والوطن، قال أهل العلم: أن هذا عاص ومرتكب محرما، وداخل في حكم الوعيد، قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً} (1).
القرآن
التفسير:
ويعذر من ذاك المصير العجزة من الرجال والنساء والصغار الذين لا يقدرون على دفع القهر والظلم عنهم، ولا يعرفون طريقًا يخلصهم مما هم فيه من المعاناة.
في سبب نزول الآية والتي وجهان:
أحدهما: قال قتادة: " قوله: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا}، أناسٌ من أهل مكة عذَرهم الله فاستثناهم، فقال: {فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} (2) "(3).
عن عبد الله بن أبي مليكة، عن ابن عباس أنه قال:"كنت أنا وأمي ممن عَذَر الله: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} "(4).
والثاني: روي عن مجاهد في قوله: " {لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا}، قال: مؤمنون مستضعفون بمكة، فقال فيهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: هم بمنزلة هؤلاء الذين قتلوا ببدر ضعفاء مع كفار قريش. فأنزل الله فيهم: {لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا}، الآية"(5).
قوله تعالى: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ} [النساء: 98]، أي:" ويعذر من ذاك المصير العجزة من الرجال والنساء والصغار الذين لا يقدرون على دفع القهر والظلم عنهم"(6).
قال الثعلبي: " يعني: المؤمنين المخلصين المقهورين بمكة لم يستطيعوا الهجرة ومنعوا من اللحوق بالنبي صلى الله عليه وسلم ويتجهزون للحوق به من الرجال والنساء والولدان و {المستضعفين}، نصب على الاستثناء من {مأواهم} "(7).
قوله تعالى: {لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} [النساء: 98]، أي:" الذين لا يستطيعون الخلاص"(8).
قال مقاتل: " يقول ليس لهم سعة للخروج إلى المدينة"(9).
قال عكرمة: " نهوضا إلى المدينة"(10).
وقال السدي: " حيلة في المال"(11).
قال ابن أبي زمنين: " أي: لا قوة لهم فيخرجون من مكة إلى المدينة"(12).
قال الثعلبي: " لا يقدرون على حيلة ولا قوة ولا نفقة للخروج منها"(13).
قوله تعالى: {وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} [النساء: 98]، أي:" ولا يهتدون الطريق الموصل لدار الهجرة"(14).
قال عكمرة: " طريقا إليها، يعني: المدينة"(15). وروي عن مجاهد والسدي مثل ذلك.
(1) انظر: الإيمان والرد على اهل البدع، الشيخ محمد بن عبدالوهاب:135.
(2)
[سورة النساء: 99].
(3)
أخرجه الطبري (10267): ص 9/ 107 - 108، وابن ابي حاتم (5876): ص 3/ 1048.
(4)
أخرجه الطبري (10270): ص 9/ 109.
(5)
أخرجه الطبري (10277): ص 9/ 110 - 111.
(6)
التفسير الميسر: 94.
(7)
تفسير الثعلبي: 3/ 372.
(8)
صفوة التفاسير: 276.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 402.
(10)
أخرجه ابن ابي حاتم (5873): ص 3/ 1048.
(11)
أخرجه ابن ابي حاتم (5874): ص 3/ 1048.
(12)
تفسير ابن ابي زمنين: 1/ 401.
(13)
تفسير الثعلبي: 3/ 372.
(14)
صفوة التفاسير: 276.
(15)
أخرجه ابن ابي حاتم (5875): ص 3/ 1048.
قال مقاتل: " يعني: ولا يعرفون طريقا إلى المدينة"(1).
قال قتادة: " وكان ابن عباس يقول: كنتُ أنا وأمي من الذين {لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} "(2).
أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: "بينا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء إذ قال: " سمع الله لمن حمده " ثم قال قبل أن يسجد " اللهم نَج عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج سلمة بن هشام، اللهم نج الوليد بن الوليد، اللهم نَج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مُضَر، اللهم اجعلها سنين كسِنِيِّ يوسف" (3).
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يده بعد ما سلم وهو مستقبل القبلة، فقال: «اللهم خلص الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، وضعفة المسلمين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا من أيدي الكفار» "(4).
الفوائد:
1 -
يتضح من الآية أن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يهاجر - من غير شك في الدين وتزيين دين المشركين - ولكن محبة للأهل والمال والوطن، قال تعالى:{إِلَاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} ، فهؤلاء خرجوا من الوعيد فلم يبق شبهة (5).
2 -
من لا هجرة عليه، وهو من يعجز عنها: إما لمرض، أو إكراه على الإقامة، أو ضعف من النساء والولدان وشبههم؛ فهذا لا هجرة عليه؛ لقول الله تعالى:{إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} ، ولا توصف باستحباب؛ لأنها غير مقدور عليها (6).
القرآن
{فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)} [النساء: 99]
التفسير:
فهؤلاء الضعفاء هم الذين يُرجى لهم من الله تعالى العفو; لعلمه تعالى بحقيقة أمرهم. وكان الله كثير العفو يتجاوز عن سيئاتهم، ويسترها عليهم.
قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ} [النساء: 99]، أي:" فهؤلاء الضعفاء هم الذين يُرجى لهم من الله تعالى العفو"(7).
قال الثعلبي: أي: " فأولئك الذين هم بهذه الصفة، {عسى الله}، أن يتجاوز [عنهم] "(8).
قال ابن كثير: " أي: يتجاوز عنهم بترك الهجرة، وعسى من الله موجبة"(9).
قال مقاتل: " والـ «عسى» من الله واجب"(10).
قال الزجاج: " و {عَسَى} ترج، وما أمر اللَّه به أن يرجى مِن رحمته فبمنزلة الواقع كذلك الظن بأرحِم الراحمين"(11).
قال السمعاني: " و {عسى} من الله واجب؛ لأنه للإطماع، والله - تعالى - إذا أطمع عبدا أوجب له وأوصله إليه"(12).
قال الراغب: " فذكر لفظ {عسى}، لئلا يركنوا كل الركون، وليكونوا ممن قال فيهم: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: 57] "(13).
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 402.
(2)
أخرجه الطبري (10267): ص 9/ 107 - 108.
(3)
صحيح البخاري (4598).
(4)
أخرجه ابن ابي حاتم (5872): ص 3/ 1048.
(5)
انظر: التوحيد والإيمان، الشيح محمد بن عبدالوهاب: 358 - 359.
(6)
انظر: إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، التويجري: 2/ 342 - 343.
(7)
التفسير الميسر: 276.
(8)
تفسير الثعلبي: 3/ 372.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 390.
(10)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 402.
(11)
معاني القرآن: 2/ 95.
(12)
تفسير السمعاني: 1/ 470.
(13)
تفسير الراغب الاصفهاني: 3/ 1413.
قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 99]، أي:" وكان الله كثير العفو يتجاوز عن سيئاتهم، ويسترها عليهم"(1).
قال مقاتل: " فلا يعاقبهم لإقامتهم عن الهجرة في عذر"(2).
قال الراغب: " أخر ذكر الغفران إذ هو أبلغ، وقد تقدم أن الوصفين إذا اجتمعا يقدم الأعم ويؤخر الأخص، تنبيه على أن مثل هذه الصفة ليست على وجه المطابقة، واعتبارا لحصول المعفو عنه والمغفور له، بل ذلك له على وجه أشرف من ذلك"(3).
وأختلف أهل العلم في تفسير قوله تعالى {وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 99]، على أقوال:
أحدها: أن المعنى: كان غفوراً لعباده، عن عباده قبل أن يخلقهم. وهذا قول الحسن (4).
والثاني: وقال النحويون البصريون: كأنَّ القوم شاهدوا من الله رحمة فأعلموا أن ذلك ليس بحادثِ، وأنَّ الله لم يزل كذلك (5).
والثالث: وقال قوم " من النحويين: "كان"، و " فعَلَ " من اللَّه بمنزلة ما في الحال، فالمعنى: والله عفو غفور (6).
قال الزجاج: " والذي قاله الحسن وغيره أدخل في اللغة، وأشبه بكلام العرب، وأما القول الثالث فمعناه يُؤول إِلى ما قاله الحسن وسيبويه، إِلا أن يكون الماضي بمعنى الحال يقِل، وصاحب هذا القول له من الحجة قولنا " غفر الله لفُلَانٍ " بمعنى: ليغفر اللَّه له، فلما كان في الحال دليل على الاستقبال وقع الماضي مَؤدياً عنها استخفافاً، لأن اختلاف ألفاظ الأفعال إِنما وقع لاختلاف الأوقات، فإِذا أُعْلِمت الأحوال والأوقات استُغني بلفظ بعض الأفعال عن لفظ بعض، الدليل على ذلك قوله جلَّ وعزَّ: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160]، وقوله: {وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} [الفرقان: 71]، معناه: من يَتُبْ ومن يجئ بالحسنة يعط عشْر أمثالها"(7).
الفوائد:
1 -
إن هذه الآية والتي قبلها قسمت أصناف المهاجرين إلى قسمين:
أولاً: من تجب عليه الهجرة، وهو القادر عليها مع عدم إمكان إظهار دينه، هذا لا بد قيد، لا بد أن يقيد بالوجوب مع عدم إمكان إظهار دينه، وهذا يدل عليه آية النساء التي فيها ({ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ}) لأن الله تعالى وصفهم بأنهم ظالمون لأنفسهم في ارتكابهم محرمًا بالإجماع.
الصنف الثاني: من لا هجرة عليه، وهو العاجز المستضعف عن الهجرة، كالمريض أو المكره والولدان والنساء والضعفة لقوله:{إِلَاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ} . هذا استثناء له حكمه الخاص، لكن يجب عليهم اعتزال المشركين والصبر على أذاهم (8).
2 -
أن هذه الآية وعد من الله عز وجل بالعفو عن هؤلاء المستضعفين، وذلك لعذرهم بعدم الاستطاعة.
3 -
ويدخل ضمن هذه الآية من كان في إقامته مصلحة دينية؛ كالدعوة إلى الله ونشر الإسلام في بلادهم.
4 -
قال أهل العلم: إن السفر إلى بلاد الكفار محرم إلا عند الضرورة؛ كالعلاج، والتجارة، والتعلم للتخصصات النافعة التي لا يمكن الحصول عليها إلا بالسفر إليهم؛ فيجوز بقدر الحاجة، وإذا انتهت الحاجة؛ وجب الرجوع إلى بلاد المسلمين، ويشترط كذلك لجواز هذا السفر أن يكون مُظْهِرًا لدينه، معتزًا بإسلامه، مبتعدًا عن مواطن الشر، حذرًا من دسائس الأعداء ومكائدهم (9).
القرآن
(1) التفسير الميسر: 276.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 402.
(3)
تفسير الراغب الأصفهاني: 3/ 1414.
(4)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 95.
(5)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 95 - 96.
(6)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 96.
(7)
معاني القرآن: 2/ 96.
(8)
انظر: شرح الأصول الثلاثة للحازمي: الدرس (16): ص 24.
(9)
انظر: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، صالح بن فوزان:310.
التفسير:
ومَن يخرج من أرض الشرك إلى أرض الإسلام فرارًا بدينه، راجيًا فضل ربه، قاصدًا نصرة دينه، يجد في الأرض مكانًا ومتحولا ينعم فيه بما يكون سببًا في قوته وذلة أعدائه، مع السعة في رزقه وعيشه، ومن يخرج من بيته قاصدًا نصرة دين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإعلاء كلمة الله، ثم يدركه الموت قبل بلوغه مقصده، فقد ثبت له جزاء عمله على الله، فضلا منه وإحسانًا. وكان الله غفورًا رحيمًا بعباده.
في سبب نزول الآية وجوه:
أحدها: أنها نزلت في رجل اسمه: جندع بن ضمرة بن أبي العاص الجندعي الضمري.
قال ابن عباس-رضي الله عنهما: "خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجراً؛ فقال لأهله: احملوني؛ فأخرجوني من أرض المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فنزل الوحي: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ} حتى بلغ: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} "(1).
وعن عكرمة، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} ، فكان بمكة رجل يقال له: ضمرة، من بني بكر، وكان مريضًا، فقال لأهله: أخرجوني من مكة، فإني أجد الحرّ. فقالوا: أين نخرجك؟ فأشار بيده نحو المدينة، فنزلت هذه الآية:{وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ} ، إلى آخر الآية" (2).
وقد تعددت الروايات في اسم الرجل، فسماه ابن عباس (3)، وعكرمة-في إحدى الروايات (4) برجل من بني ليث اسمه جندب بن ضمرة، وضمرة بن جندب الضمري عند السدي (5)، وقد وردت تسميته بضمرة بن العيص الزرقي في قول سعيد بن جبير (6)، وضمرة بن العاص الجندعي في قول يزيد بن عبدالله بن قسيط (7)، وضمرة في قول قتادة (8)، ووردت تسميته برجل من بني ضمرة، كما في قول عكرمة (9)، ورجل من بني خزاعة كما في قول علباء بن احمر اليشكري (10).
ورجح الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله أن اسمه: جندع بن ضمرة بن أبي العاص الجندعي الضمري، أو الليثي (11).
والثاني: انها نزلت في خالد بن حزام.
عن هشام بن عروة، عن أبيه أن الزبير بن العوام قال: "هاجر خالد بن حزام إلى أرض الحبشة، فنهشته حية في الطريق فمات، فنزلت فيه:{وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} ، قال الزبير: وكنت أتوقعه وأنتظر قدومه وأنا بأرض الحبشة،
(1) أخرجه أبو يعلى في "المسند"(2679): ص 5/ 81، ومن طريقه ابن الأثير في "أسد الغابة": 2/ 443، والطبراني في "المعجم الكبير"11709): ص 11/ 217، 218، وعنه أبو نعيم في "معرفة الصحابة":(3922): ص 3/ 1548، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (5889): ص 3/ 1051، والواحدي في "أسباب النزول": 1/ 178 - 179؛ وكما في "تخريج أحاديث الكشاف"(1/ 351، 352) كلهم من طريق أشعث بن سوار الكندي عن عكرمة عن ابن عباس به.
وسنده ضعيف؛ أشعث ضعيف؛ كما في "التقريب"(1/ 79)، وانظر: الاستيعاب في بيان الأسباب: 1/ 481 - 482.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(7/ 10): "رواه أبو يعلى؛ ورجاله ثقات". وجوّد إسناده السيوطي (لباب النقول: 79).
(2)
أخرجه الطبري (10294): ص 9/ 118، وابن أبي حاتم (5887): ص 3/ 1050. إسناده صحيح.
(3)
انظر: الإصابة: 1/ 251. أخرجه ابن منده عن ابن عباس رضي الله عنهما بإسناد صحيح.
(4)
انظر: تفسير الطبري (10291): ص 9/ 117. [ضعيف جدا]. ووأخرجه الفاكهي في "أخبار مكة"((2384): ص 4/ 64. [سنده ضعيف]. وروي عن عكرمة تسميته بـ"رجل من بني ليث أحد بني جندع". ذكره السيوطي في "الدر المنثور"(2/ 653)، ونسبه لعبد بن حميد. [وهو ضعيف؛ لإرساله].
(5)
انظر: تفسير الطبري (10290): ص 9/ 116 - 117. [ضعيف جدا].
(6)
انظر: تفسير الطبري (10295): ص 9/ 118 - 119. مرسل إسناده جيد.
(7)
انظر: معجم الصحابة، ابن قانع:(471): ص 2/ 31، وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(2/ 653)، وزاد نسبته لابن سعد، وابن المنذر.
(8)
انظر: تفسير الطبري (10285): ص 9/ 115 إسناده صحيح، لكنه مرسل.
(9)
انظر: تفسير الطبري (10287): ص 9/ 115 - 116. مرسل إسناده صحيح.
(10)
انظر: تفسير الطبري (10288): ص 9/ 116. [مرسل ضعيف].
(11)
انظر: الإصابة (1232): ص 1/ 251.
فما أحزنني شيء حزني وفاته حين بلغني، لأنه قل أحد من هاجر من قريش إلا معه بعض أهله أو ذي رحمه، ولم يكن معي أحد من بني أسد بن عبد العزى ولا أرجو غيره" (1). وروي عن عبدالرحمن الحزامي نحو ذلك (2).
قال ابن كثير: " وهذا الأثر غريب جدا فإن هذه القصة مكية، ونزول هذه الآية مدنية، فلعله أراد أنها أنزلت تعم حكمه مع غيره، وإن لم يكن ذلك سبب النزول"(3).
والثالث: وروي عن ابن عباس ايضا، قال:" نزلت في أكثم بن صيفي، قيل: فابن الليثي؟ قال: هذا قبل الليثي بزمان، وهي خاصة عامة"(4).
والرابع: وقال الضحاك: "لما سمع رجل من أهل مكة أن بني كنانة قد ضربتْ وجوهَهم وأدبارَهم الملائكةُ، قال لأهله: أخرجوني، وقد أدنفَ للموت. قال: فاحتمل حتى انتهى إلى عَقَبة قد سماها، فتوفَّي، فأنزل الله: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ}، الآية"(5). وروي عن عبدالرحمن بن زيد (6)، والحسن (7)، نحو ذلك.
قوله تعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء: 100]، أي:" ومَن يخرج من أرض الشرك إلى أرض الإسلام فرارًا بدينه، راجيًا فضل ربه، قاصدًا نصرة دينه"(8).
قال الطبري: أي: " ومن يُفارق أرضَ الشرك وأهلَها هربًا بدينه منها ومنهم، إلى أرض الإسلام وأهلها المؤمنين في منهاج دين الله وطريقه الذي شرعه لخلقه، وذلك الدين القَيِّم"(9).
قوله تعالى: {يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100]، أي:" يجد في الأرض مكانًا ومتحولا ينعم فيه بما يكون سببًا في قوته وذلة أعدائه، مع السعة في رزقه وعيشه"(10).
قال الطبري: " يقول: " يجد هذا المهاجر في سبيل الله {مراغمًا كثيرًا} ، وهو المضطرب في البلاد والمذْهب، وقوله:{وَسَعَةً} ، يحتمل «السِّعة» في أمر دينهم بمكة، وذلك منعُهم إياهم - كان - من إظهار دينهم وعبادة ربهم علانية " (11).
قال الزمخشري: أي: " مراغما مهاجرا وطريقا يراغم بسلوكه قومه، أى: يفارقهم على رغم أنوفهم. والرغم: الذل والهوان. وأصله لصوق الأنف بالرغام- وهو التراب- يقال: راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك"(12).
قال ابن كثير: " هذا تحريض على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه"(13).
وفي معنى «المراغم» في الآية الكريمة أقوال:
أحدها: أنه المتحوَّل من أرض إلى أرض، وهذا قول ابن عباس (14)، والربيع (15)، ومجاهد (16)، والضحاك (17)، وابو عبيدة (18)، ابن قتيبة (19).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (5888): ص 3/ 1050، وأبو نعيم الأصبهاني في "معرفة الصحابة" (2465): ص 2/ 953، 954. إسناده حسن.
وذكره السيوطي في "لباب النقول"(ص 80) وزاد نسبته لابن منده والبارودي في "الصحابة".
(2)
انظر: طبقات ابن سعد: 4/ 119، وسنده ضعيف جداً؛ الواقدي متروك الحديث، وكذبه أحمد وغيره، لكنه حسن بما قبله.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 392.
(4)
ذكره السيوطي في "الدر المنثور": 2/ 651، و"لباب النقول": 81، ونسبه لأبي حاتم في كتاب "المعمرين".
(5)
اخرجه الطبري (10289): ص 9/ 116، وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(2/ 653)، وزاد نسبته لعبد بن حميد.
(6)
انظر: تفسير الطبري (10293): ص 9/ 118. [وسنده واهٍ؛ لإعضاله، وعبد الرحمن متروك].
(7)
ذكره السيوطي في "الدر": 2/ 653، ونسبه لعبد بن حميد. [مرسل].
(8)
التفسير الميسر: 276.
(9)
تفسير الطبري: 9/ 112.
(10)
التفسير الميسر: 276.
(11)
تفسير الطبري: 9/ 112 - 113.
(12)
الكشاف: 1/ 556.
(13)
تفسير ابن كثير: 2/ 390 - 391.
(14)
انظر: تفسير الطبري (10296): ص 9/ 119.
(15)
انظر: تفسير الطبري (10297): ص 9/ 119 - 120.
(16)
انظر: تفسير الطبري (10300) - (10302): ص 9/ 120.
(17)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5878): ص 3/ 1049.
(18)
انظر: مجاز القرآن: 1/ 138.
(19)
انظر: غريب القرآن: 134 - 135.
قال أبو عبيدة: " المراغم والمهاجر واحد، تقول: راغمت وهاجرت قومى، وهى المذاهب، قال النابغة الجعدي (1):
كَطَوْدٍ يُلاذُ بأرْكَانِه
…
عَزيز المُرَاغَم وَالْمَهْربِ (2)
فالمراغم المضطرب والمذهب في الأرض، وأنشد الزجاج في المعنى (3):
إِلى بلد غير داني المحل
…
بعيد المراغَمِ وَالمُضْطَرَب
قال ابن قتيبة: "المراغم والمهاجر، واحد. تقول: راغمت وهاجرت قومي، وأصله: أن الرجل كان إذا أسلم خرج عن قومه مراغما لهم. أي مغاضبا، ومهاجرا. أي مقاطعا من الهجران. فقيل للمذهب: مراغم، وللمصير إلى النبي صلى الله عليه وسلم: هجرة - لأنها كانت بهجرة الرجل قومه"(4).
والثاني: مطلب المعيشة، وهو قول السدي (5)، وانشد الماوردي قول الشاعر (6):
إلى بلدٍ غير داني المحل
…
بَعيد المُراغم والمطلب
وهذا القول قريب من سابقه، لأنه "ليس المراغم ههنا إِلا المضطرب في حال هجرة"(7). ويشهد له الاختلاف في رواية الكلمة الاخيرة في البيت، بين" المُضْطَرَب، و"المطلب". فالمعنيان قريبان.
والثالث: أن المراغم المهاجر، وهو قول ابن زيد (8)، والزجاج (9).
والرابع: يعني بالمراغم مندوحة عما يكره (10).
والخامس: أن يجد ما يرغمهم به، لأن كل من شخص عن قومه رغبة عنهم فقد أرغمهم، وهذا قول بعض البصريين (11).
والسادس: منفسحا كثيرة وسعة. وهذا قول أبي صخر (12).
والسابع: المراغم: البروح. وهذا قول سفيان ابن عيينة (13).
قال ابن عطية: " وهذا كله تفسير بالمعنى، فأما الخاص باللفظة، فإن «المراغم» موضع المراغمة، وهو أن يرغم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده، فكفار قريش أرغموا أنوف المحبوسين بمكة، فلو هاجر منهم مهاجر في أرض الله لأرغم أنوف قريش بحصوله في منعة منهم، فتلك المنعة هي موضع المراغمة. وكذلك الطود الذي ذكر النابغة (14)، من صعد فيه أمام طالب له وتوقل فقد أرغم أنف ذلك الطالب"(15).
قال ابن كثير: " والظاهر - والله أعلم – أنه [المراغم]: التمنّع الذي يُتَحصَّن به، ويراغم به الأعداء"(16).
وقرئ: «مرغما» (17).
وفي قوله تعالى: {وَسَعَةً} [النساء: 100]، أقوال:
(1) ديوانه 22، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1/ 138، اللسان، مادة"رغم"، وتفسير الطبري 9/ 112، وتفسير القرطبي 5/ 348، وفي غريب القرآن لابن قتيبة 1/ 135، وتفسير الكشاف: 1/ 556: "المراغم والمذهب".
والبيت من قصيدته التي في الديوان، ولكنه أفرد منها فلم يعرف مكانه. و "الطود": الجبل العظيم المنيف. ويلاذ: يتحصن. والرغم: التصاق الأنف بالرغام أى التراب، وهو كناية عن الذل والهوان، وفي سلوك سبيل المهاجرة مراغمة للخصم مفارقة له على رغم أنفه.
(2)
مجاز القرآن: 1/ 138، وانظر: تفسير الطبري: 9/ 112، وتفسير ابن كثير: 2/ 391.
(3)
انظر: البيت في اللسان: 12/ 247، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 96، وتفسير الثعلبي: 3/ 373.
(4)
غريب القرآن: 134.
(5)
انظر: تفسير الطبري (10303): ص 9/ 120.
(6)
انظر بهذه الرواية في: البيت في النكت والعيون: 1/ 522 ..
(7)
معاني القرآن للزجاج: 2/ 96.
(8)
انظر: تفسير الطبري (10304): ص 9/ 120 - 121.
(9)
انظر: معاني القرآن: 2/ 96.
(10)
انظر: النكت والعيون: 1/ 522.
(11)
انظر: النكت والعيون: 1/ 522.
(12)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5882): ص 3/ 1049.
(13)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5883): ص 3/ 1049.
(14)
ديوانه: 22 وهو قوله: " كَطَوْدٍ يُلاذُ بأرْكَانِه
…
عَزيز المُرَاغَم وَالْمَهْربِ".
(15)
المحرر الوجيز: 2/ 101.
(16)
تفسير ابن كثير: 2/ 391.
(17)
انظر: الكشاف: 1/ 557.
أحدها: السعة في الرزق. وهو قول ابن عباس (1)، والربيع (2)، والضحاك (3)، ومقاتل بن حيان (4).
والثاني: يعني من الضلالة إلى الهدى ومن العيلة إلى الغنى، وهو قول قتادة (5).
والثالث: أن المعنى: ورخا. وهذا قول عطاء (6).
ةالرابع: أن المعنى: سعة البلاد. قاله مالك (7).
والخامس: سعة في إظهار الدين (8).
قال ابن عطية: " والمشبه لفصاحة العرب أن يريد سعة الأرض وكثرة المعاقل، وبذلك تكون «السعة» في الرزق واتساع الصدر لهمومه وفكره وغير ذلك من وجوه الفرح، ونحو هذا المعنى قول الشاعر (9):
لكانَ لي مضطربٌ واسعٌ
…
في الأرض ذات الطولِ والعَرضِ
ومنه قول الآخر (10):
وكنت إذا خليل رام قطعي
…
وجدت وراي منفسحا عريضا
وهذا المعنى ظاهر من قوله تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً} [النساء: 97] " (11).
قال الطبري: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبرَ أن من هاجر في سبيله يجد في الأرض مضطرَبًا ومتَّسعًا. وقد يدخل في «السعة»، السعة في الرزق، والغنى من الفقر، ويدخل فيه السعة من ضيق الهمِّ والكرب الذي كان فيه أهل الإيمان بالله من المشركين بمكة، وغير ذلك من معاني «السعة»، التي هي بمعنى الرَّوْح والفرَج من مكروهِ ما كره الله للمؤمنين بمقامهم بين ظَهْري المشركين وفي سلطانهم. ولم يضع الله دِلالة على أنه عنى بقوله: {وسعة}، بعض معاني «السعة» التي وصفنا. فكل معاني «السعة» التي هي بمعنى الرَّوح والفرج مما كانوا فيه من ضيق العيش، وغم جِوار أهل الشرك، وضيق الصدر بتعذّر إظهار الإيمان بالله وإخلاص توحيده وفراق الأنداد والآلهة، داخلٌ في ذلك"(12).
قوله تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [النساء: 100]، أي:" ومن يخرج من بيته قاصدًا نصرة دين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإعلاء كلمة الله"(13).
قال الطبري: "يقول: ومن يخرج مهاجرًا من داره إلى الله وإلى رسوله"(14).
قوله تعالى: {ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ} [النساء: 100]، أي:" ثم يدركه الموت قبل بلوغ دار الهجرة"(15).
وقرئ: «ثم يدركه الموت» ، بالرفع، والنصب في "الكاف"(16).
قوله تعالى: {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [النساء: 100]، أي:" فقد ثبت أجر هجرته على الله تعالى"(17).
قال الطبري: " فقد استوجب ثواب هجرته إن لم يبلغ دارَ هجرته باخترام المنية إيّاه قبل بلوغه إياها على ربه"(18).
قال الزمخشري: أي: " فقد وجب ثوابه عليه: وحقيقة الوجوب: الوقوع والسقوط {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [الحج: 36]، ووجبت الشمس: سقط قرصها. والمعنى: فقد علم الله كيف يثيبه"(19).
(1) انظر: تفسير الطبري (10305): ص 9/ 121.
(2)
انظر: تفسير الطبري (10306): ص 9/ 121.
(3)
انظر: تفسير الطبري (10307): ص 9/ 121.
(4)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5884): ص 3/ 1050.
(5)
انظر: تفسير الطبري (10308): ص 9/ 121.
(6)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5885): ص 3/ 1050.
(7)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5886): ص 3/ 1050.
(8)
انظر: النكت والعيون: 1/ 522.
(9)
البيت لحطان بن المعلى، انظر: شرح ديوان الحماسة للتبريزي: 1/ 102، والعقد الفريد: 2/ 274، وغيرها.
(10)
.لم اقف على قاله، وانظر: البي في المحرر الوجيز: 2/ 101، وتفسير القرطبي: 5/ 348.
(11)
المحرر الوجيز: 2/ 101.
(12)
تفسير الطبري: 9/ 122.
(13)
التفسير الميسر: 276.
(14)
تفسير البري: 9/ 113.
(15)
التفسير الميسر: 276، وصفوة التفاسير:276.
(16)
انظر: الكشاف: 1/ 557.
(17)
صفوة التفاسير: 276.
(18)
تفسير البري: 9/ 113.
(19)
الكشاف: 1/ 557.
قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 100]، أي: وكان الله " ساتراً على عباده، رحيماً بهم"(1).
قال الطبري: " يقول: ولم يزل الله تعالى ذكره {غَفُورًا}، يعني: ساترًا ذنوب عبادهِ المؤمنين بالعفو لهم عن العقوبة عليها، {رحيمًا}، بهم رفيقًا"(2).
قال الطبري: " وقد تأول قوم من أهل العلم هذه الآية، أنها في حكم الغازي يخرج للغزو، فيدركه الموت بعد ما يخرج من منزله فاصلا فيموت، أنّ له سَهْمه من المغنَم، وإن لم يكن شهد الوقعة"(3).
قال يزيد بن أبي حبيب: "أن أهل المدينة يقولون: من خرج فاصلا وجب سهمه، وتأوّلوا قوله تبارك وتعالى: {ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله} "(4).
الفوائد:
1 -
أن الآية واردة في الهجرة من دار الشرك إلى دار الاسلام، يدل عليه سياق الآية والآيات السابقة عليها، فإن أولها:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِلَاّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُواًّ غَفُوراً وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً} . ويدل عليه أيضاً شأن نزولها.
2 -
الآية تدل على فضل الهجرة وفضل من هاجر وعلى من لم يهاجر، وهذا مما لا يمتري فيه عاقل، ولا يشك فيه مسلم.
قال الله تعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} (النساء: من الآية 100)، وقال تعالى:{وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (النحل: 41)، وقال تعالى:{وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} (الحج: 58_59) وقال الله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} (النحل: 110).
ففي هذه الآيات كلها فضيلة الهجرة وفضيلة من هاجر على من لم يهاجر، وفيها بيان ما أعد الله لهم من الأجر والثواب في الدنيا والآخرة.
3 -
من يتحول من أرض إلى أرض في سبيل الله عز وجل يكرمه الله عز وجل، ويفسح له في صدره، ويوسع عليه رزقه، ويمكن له في الأرض، ويذكر له في السماء.
4 -
إن هذه المهاجرة عبارة عن الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام. ومنه الهجرة من مكة إلى المدينة. فالهجرة والمهاجرة غلبتا في ذلك، وإن كان أصلها مفارقة الغير ومتاركته. وقيل: الهجرة بعد الهجرة النبوية صارت عبارة عن ترك دار الحرب وترك الأخلاق الذميمة والخصال الرذيلة (5).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (6).
5 -
قال أبو عبدالله الحليمي: " ومن الشح على الدين أن المؤمن إذا كان من قوم لا يستطيع أن يوفي الدين حقوقه بين ظهرانيهم، وهاجر إلى حيث يعلم أنه خير له وافق قال الله عز وجل:{ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت، فقد وقع أجره على الله} ، فيدخل في هذا من هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته ليلقاه ويصحبه ويجاهد معه، ومن هاجر بعده إلى حيث يستطيع إظهار دينه ونصب إعلام شريعته، فيه قال الله تعالى:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59]، فدخل في
(1) صفوة التفاسير: 276.
(2)
تفسير البري: 9/ 113.
(3)
تفسير الطبري: 9/ 122.
(4)
أخرجه الطبري (10309): ص 9/ 122.
(5)
انظر: عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ، السمين الحلبي: 4/ 241.
(6)
صحيح البخاري برقم (1، 54) وصحيح مسلم برقم (1907) وسنن أبي داود برقم (2201) وسن الترمذي برقم (1647)، وسنن النسائي (1/ 59) وسنن ابن ماجه برقم (4227) ومسند أحمد (1/ 25) ومسند الحميدي (1/ 16) ومسند الطيالسي (2/ 27)"منحة المعبود".
ذلك الرجوع إليه حقًا في سؤاله عما أشكل والرجوع بعد وفاته إلى سنته وما بلغ الناس عن ربه جل جلاله فكذلك يدخل في الهجرة، وإليه الوجهان اللذان ذكرتهما" (1).
القرآن
التفسير:
وإذا سافرتم -أيها المؤمنون- في أرض الله، فلا حرج ولا إثم عليكم في قصر الصلاة إن خفتم من عدوان الكفار عليكم في حال صلاتكم، وكانت غالب أسفار المسلمين في بدء الإسلام مخوفة، والقصر رخصة في السفر حال الأمن أو الخوف. إن الكافرين مجاهرون لكم بعداوتهم، فاحذروهم.
في سبب نزول الآية قولان:
أحدهما: قال علي-رضي الله عنه: "سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله! إنا نضرب في الأرض؛ فكيف نصلي؟ فأنزل الله: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ}، ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحول؛ غزا النبي صلى الله عليه وسلم، فصلَّى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم؛ هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها في أثرها؛ فأنزل الله تبارك وتعالى بين الصلاتين: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَك} (2)، إبة قوله: {إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} (3)، فنزلت صلاة الخوف"(4).
والثاني: عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في "قوله:{فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} ، قال: يوم كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعُسْفان، والمشركون بضَجْنَان، فتواقفوا، فصلّى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر ركعتين أو: أربعًا، شك أبو عاصم ركوعهم وسجودهم وقيامهم معًا جميعًا، فهمَّ بهم المشركون أن يغيروا على أمْتعتهم وأثقالهم، فأنزل الله عليه:{فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} (5)، فصلَّى العصر، فصفَّ أصحابه صَفَّين، ثم كبَّر بهم جميعًا، ثم سجد الأولون سجدة، والآخرون قيام، ثم سجد الآخرون حين قام النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كبر بهم وركعوا جميعًا، فتقدم الصف الآخر واستأخر الأوَّل، فتعاقبوا السجود كما فعلوا أول مرة، وقصَرَ العصرَ إلى ركعتين" (6).
قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ} [النساء: 101]، أي:" وإذا سافرتم -أيها المؤمنون- في أرض الله"(7).
قال الطبري: أي: " وإذا سرتم أيها المؤمنون في الأرض"(8).
قال ابن كثير: " أي: سافرتم في البلاد، كما قال تعالى: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ} الآية [المزمل: 20] "(9).
قال المراغي: " أي: وإذا سافرتم أى سفر"(10).
قال الماوردي: " أي سرتم، لأنه يضرب الأرض برجله في سيره كضربه بيده، ولذلك سُمِّيَ السفر في الأرض ضَرْباً"(11).
(1) المنهاج في شعب الإيمان: 2/ 182.
(2)
[سورة النسا: 102].
(3)
[سورة النسا: 102].
(4)
أخرجه الطبري (10314): ص 9/ 126، قال ابن كثير في تفسيره: 2/ 400: " وهذا سياق غريب جدا".
(5)
[سورة النسا: 102].
(6)
أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(4236): ص 2/ 504، والطبري (10321): ص 9/ 130 - 131، وابن ابي حاتم (5895): ص 3/ 1052. [صحيح الإسناد؛ لكنه مرسل].
وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(2/ 657)، وزاد نسبته لابن المنذر.
(7)
.التفسير الميسر: 94
(8)
تفسير البري: 9/ 123.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 393.
(10)
تفسير المراغي: 5/ 138.
(11)
النكت والعيون: 1/ 522 - 523.
قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء: 101]، أي:" فلا إِثم عليكم أن تقصروا من الصلاة"(1).
قال الطبري: "يقول: فليس عليكم حرج ولا إثم أن تقصروا من عددها"(2).
قال ابن كثير: " أي: تخَفّفوا فيها، إما من كميتها بأن تجعل الرباعية ثنائية، كما فهمه الجمهور من هذه الآية"(3).
قال المراغي: " فليس عليكم تضييق ولا ميل عن محجة الدين إذا قصرتم الصلاة: أي تركتم شيئا منها فتكون قصيرة"(4).
وقرأ الجمهور: {تقصروا} ، بفتح التاء وضم الصاد، وروى الضبي عن أصحابه:«تقصروا» بضم التاء وكسر الصاد وسكون القاف وقرأ الزهري: «تقصروا» بضم التاء وفتح القاف وكسر الصاد وشدها (5).
قوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101]، " أي: إِن خشيتم أن ينالكم مكروه من أعدائكم الكفرة" (6).
قال المراغي: أي: " بشرط أن تخافوا فتنة الكافرين لكم بالقتل أو الأسر أو غيرهما"(7).
قال القاسمي: " أي: فلا إثم عليكم أن تنقصوا شيئا من الصلاة إن خفتم أن يقاتلكم الذين كفروا في الصلاة"(8).
قال السمعاني: " «الفتنة»، بمعنى: القتل هاهنا"(9).
قال الزمخشري: "المراد بالفتنة: القتال والتعرض بما يكره"(10).
قال ابن عطية: " {يفتنكم}، معناه: يمتحنكم بالحمل عليكم وإشغال نفوسكم في صلاتكم، ونحو هذا قول صاحب الحائط: لقد أصابتني في مالي هذا فتنة، وأصل الفتنة الاختبار بالشدائد، وإلى هذا المعنى ترجع كيف تصرفت، وعدو وصف يجري على الواحد والجماعة"(11).
واختلف في هذا القصر المشروط بالخوف على قولين:
أحدهما: أنه قَصَرَ أركانها إذا خاف، مع استيفاء أعدادها فيصلي عند المسايفة والتحام القتال كيف أمكنه قائماً وقاعداً ومومياً، وهي مثل قوله:{فَإِنْ خِفْتُمْ فِرجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} [البقرة: 239]. وهذا قول ابن عباس (12)، واختيار الطبري (13).
واستدلوا على صحته: "بأن بعده {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة} [النساء: 103] فإقامتها إتمام ركوعها وسجودها وسائر فرائضها وترك إقامتها في غير الطمأنينة هو ترك إقامة هذه الأشياء"(14).
والثاني: أنه قصر أعدادها من أربع إلى ما دونها، وفيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن هذا مشروط بالخوف من أربع إلى ركعتين، فإن كان آمناً مقيماً لم يقصر، وهذا قول سعد بن أبي وقاص (15)، وداود بن علي (16)، وأهل الظاهر؛ تمسكا بظاهر القرآن (17).
والثاني: أنه قَصْران، فقصر الأمَنْ، من الأربع إلى ركعتين، وقصر الخوف من ركعتين إلى ركعة، وهذا قول جابر بن عبد الله (18)، والحسن (19)، وهو قول ابن عباس (20).
(1) صفوة التفاسير: 276.
(2)
تفسير البري: 9/ 123.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 393.
(4)
تفسير المراغي: 5/ 138.
(5)
انظر: المحرر الوجيز: 2/ 104.
(6)
صفوة التفاسير: 276.
(7)
تفسير المراغي: 5/ 138.
(8)
تفسير القاسمي: 3/ 298.
(9)
تفسير السمعاني: 1/ 472.
(10)
الكشاف: 1/ 559.
(11)
المحرر الوجيز: 1/ 105.
(12)
انظر: تفسير الطبري (10343): ص 9/ 139.
(13)
انظر: تفسير الطبري: 9/ 139 - 140.
(14)
الناسخ والمسنوخ للنحاس: 349، وانظر: تفسير الطبري: 9/ 139 - 140.
(15)
انظر: تفسير الطبري (10320): ص 9/ 129.
(16)
انظر: النكت والعيون: 1/ 523، وتفسير السمعاني: 1/ 471.
(17)
انظر: تفسير السمعاني: 1/ 471.
(18)
انظر: تفسير الطبري (10329): ص 9/ 134.
(19)
انظر: النكت والعيون: 1/ 523، وتفسير السمعاني: 1/ 471.
(20)
انظر: تفسير الطبري (10334) - (10339): ص 9/ 136 - 137.
روى مجاهد عن ابن عباس قال: " فرض الله الصلاة على لسان نبيكم عليه السلام في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعةً"(1).
والثالث: أنه يقصر في سفر خائفاً وآمناً من أربع إلى ركعتين لا غير.
قال السمعاني: " قال جمهور العلماء -وهو قول أكثر الأمة -: إنه يجوز القصر في حال الأمن، ولم ينقل [عن النبي-صلى الله عليه وسلم] أنه أتم في سفر ما"(2).
قال ابن الجوزي: " وظاهر الآية يدل على أن القصر لا يجوز إلا عند الخوف، وليس الأمر كذلك، وإنما نزلت الآية على غالب أسفار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثرها لم يخل عن خوف العدو"(3).
قال الإمام الموفق رحمه الله: "وأجمع أهل العلم على أن من سافر سفرا تقصر في مثله الصلاة في حج، أو عمرة، أو جهاد، أن له أن يقصر الرباعية فيصليها ركعتين"(4).
قال الزمخشري: " «القصر»، ثابت بنص الكتاب في حال الخوف خاصة، وهو قوله {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا}، وأما في حال الأمن فبالسنة"(5).
عن عائشة رضي الله عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يقصر في السفر ويتم ، ويفطر ويصوم» (6).
وقد روي عن يعلى بن منية قال: "قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم}، وقد أمن الناس! فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، حتى سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: صدقة تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدَقته"(7).
وعن قتادة، عن أبي العالية، قال:"سافرت إلى مكة، فكنت أصلّي ركعتين، فلقيني قُرَّاء من أهل هذه الناحية، فقالوا: كيف تصلي؟ قلت ركعتين. قالوا: أسنة أو قرآن؟ قلت: كلٌّ، سنة وقرآن، فقدصلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين. قالوا: إنه كان في حرب! قلت: قال الله: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ} [سورة الفتح: 27]، وقال: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عيكم جناح أن تقصروا من الصلاة}، فقرأ حتى بلغ: {فإذا اطمأننتم} "(8).
واختلفوا في القصر على قولين:
أحدها: أنه إباحة. وهو قول الشافعي (9).
قال الشافعي: " والقصر في السفر بلا خوف سنة، والكتاب يدل على أن القصر في السفر بلا خوف رخصة من اللَّه عز وجل لا أنَّ حتماً عليهم أن يقصروا كما كان ذلك في الخوف والسفر"(10).
والثاني: أنه واجب.
قال السمعاني: "والخلاف بين السلف مشهور فيه، والقول الأول هو أصح؛ لقوله عز ذكره: {فليس عليكم جناح}، وهو مثل قوله: {جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} [البقرة: 230] "(11).
قال الزمخشري: " قوله: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة}، ظاهره التخيير بين القصر والإتمام، وأن الإتمام أفضل"(12).
(1) أخرجه الطبري (10336): ص 9/ 137.
(2)
تفسير السمعاني: 1/ 471.
(3)
زاد المسير: 1/ 459.
(4)
المغني: 3/ 104.
(5)
الكشاف: 1/ 558 - 559.
(6)
سنن الدارقطني (2298): ص 3/ 163، زسنن البيهقي (564): ص 1/ 220.
(7)
أخرجه الطبري (10310): ص 9/ 124.
(8)
أخرجه الطبري (10312): ص 9/ 125 - 126.
(9)
انظر: تفسير الغمام الشافعي: 2/ 650، وتفسير السمعاني: 1/ 472، والكشاف: 1/ 558.
(10)
تفسير الإمام الشافعي: 2/ 650.
(11)
تفسير السمعاني: 1/ 472.
(12)
الكشاف: 1/ 558.
قال ابن الجوزي: " وإنما يجوز للمسافر القصر إذا كان سفره مباحا، وبهذا قال مالك، والشافعي، وقال أبو حنيفة: يجوز له القصر في سفر المعصية. فأما مدة الإقامة التي إذا نواها أتم الصلاة، وإن نوى أقل منها، قصر، فقال أصحابنا: إقامة اثنين وعشرين صلاة، وقال أبو حنيفة: خمسة عشر يوما. وقال مالك، والشافعي: أربعة أيام"(1).
قوله تعالى: {إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} [النساء: 101]، أي:" إن الكافرين مجاهرون لكم بعداوتهم، فاحذروهم"(2).
قال القاسمي: أي: " ظاهر العداوة. فلا يراعون حرمة الصلاة لعداوتهم"(3).
قال الطبري: " يعني: الجاحدين وحدانية الله، [كانوا لكم] عدوًّا قد أبانوا لكم عداوتهم بمناصبتهم لكم الحرب على إيمانكم بالله وبرسوله، وترككم عبادة ما يعبدون من الأوثان والأصنام، ومخالفتكم ما هم عليه من الضلالة"(4).
قال أبو السعود: " تعليل لذلك باعتبار تعلله بما ذكر أو لما يفهم من الكلام من كون فتنتهم متوقعة فإن كمال عداوتهم للمؤمنين من موجبات التعرض لهم بسوء"(5).
قال ابن عطية: " المعنى: قد جلحوا في عدواتكم وراموكم كل مرام"(6).
وقرأ أبيّ بن كعب: " {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} "(7).
الفوائد:
1 -
ليس في الآية متمسك لمن شرط الخوف في القصر، لأن الآية وردت في قصر الصفة في صلاة الخوف، لا في قصر العدد، لما علم من تقدم شرعية قصر العدد، وكما يدل عليه آخر الآية، ولو سلم أنها في قصر العدد في صلاة السفر، فالقيد في قوله:{إِنْ خِفْتُمْ} اتفاقي لا احترازي، فعن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: إنما قال الله سبحانه وتعالى: {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} فقد أمن الناس؟ قال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:" صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته "(8).
قال ابن القيم: "والآية أشكلت على عمر وغيره، فسأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجابه بالشفاء، وأن هذا صدقة من الله، وشرع شرعه للأمة، وكان هذا بيان أن حكم المفهوم غير مراد، وأن الجناح مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن والخائف، وغايته أنَّه نوع تخصيص للمفهوم أو رفع له. وقد يقال: إن الآية اقتضت قصراً يتناول قصر الأركان بالتخفيف، وقصر العدد بنُقصان ركعتين، وقُيِّدَ ذلك بأمرين: الضرب في الأرض، والخوف، فإذا وُجِدَ الأمران، أُبيحَ القصران، فيصلون صلاة الخوف مقصورة عددُها وأركانها، وإن انتفي الأمران، فكانوا آمنين مقيمين، انتفي القصران، فيصلون صلاة تامة كاملة، وإن وُجِد أحدُ السببين، ترتب عليه قصره وحده، فإذا وُجِدَ الخوف والإقامة، قُصرت الأركان، واستوفي العدد، وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق في الآية، فإن وجد السفر والأمن، قُصر العددُ واستوفي الأركان، وسميت صلاة أمن، وهذا نوع قَصرٍ، وليس بالقصر المطلق، وقد تُسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد، وقد تُسمى تامة باعتبار إتمام أركانها، وأنها لم تدخل في قصر الآية"(9).
2 -
في الآية الرد على الذين يتمون الفرائض في السفر ولا يقصرون الصلاة وإن أباح لهم العلم ترك ذلك، لأن السفر والحضر عندهم سواء (10)، واحتجوا بان الرخص إنما هي للعامة (11)، وهذا باطل ومخالف لفرائض الإسلام في الصلاة.
(1) زاد المسير: 1/ 460.
(2)
.التفسير الميسر: 94
(3)
تفسير القاسمي: 3/ 298.
(4)
تفسير الطبري: 9/ 123 - 124.
(5)
تفسير أبي السعود: 2/ 226.
(6)
المحرر الوجيز: 1/ 105.
(7)
أخرجه الطبري (10315): ص 9/ 127.
(8)
أخرجه الشافعي في " مسنده " 1/ 311، وأحمد (174) و (244) و (245)، ومسلم (686)، والطبري (10310) و (10312)، والبيهقي 3/ 134 و 140.
(9)
زاد المعاد: 1/ 466.
(10)
انظر: اللمع للطوسي: 227. نسب هذا الأدب إلى بعض الصوفية.
(11)
انظر: الأمر المربوط لأبن عربي ضمن ذخائر الأعلاق له أيضاً ص 268، ودراسات في التصوف الإسلامي:106.
قال ابن عباس: " فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة"(1).
قال الرملي: " المعنى: فرضت الصلاة ركعتين في السفر لمن أراد الاقتصار عليهما"(2).
القرآن
التفسير:
وإذا كنت -أيها النبي- في ساحة القتال، فأردت أن تصلي بهم، فلتقم جماعة منهم معك للصلاة، وليأخذوا سلاحهم، فإذا سجد هؤلاء فلتكن الجماعة الأخرى من خلفكم في مواجهة عدوكم، وتتم الجماعة الأولى ركعتهم الثانية ويُسلِّمون، ثم تأتي الجماعة الأخرى التي لم تبدأ الصلاة فليأتموا بك في ركعتهم الأولى، ثم يكملوا بأنفسهم ركعتهم الثانية، وليحذروا مِن عدوهم وليأخذوا أسلحتهم. ودَّ الجاحدون لدين الله أن تغفُلوا عن سلاحكم وزادكم; ليحملوا عليكم حملة واحلة فيقضوا عليكم، ولا إثم عليكم حينئذ إن كان بكم أذى من مطر، أو كنتم في حال مرض، أن تتركوا أسلحتكم، مع أخذ الحذر. إن الله تعالى أعدَّ للجاحدين لدينه عذابًا يهينهم، ويخزيهم.
في سبب نزول الآية وجهان:
أحدها: عن مجاهد، عن أبي عياش الزُّرقي قال:" قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بُعسْفان، قال: فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر، فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، لقد أصبنا غفلة، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة. فقالوا: تأتي عليه الآن صلاة هي أحب إليهم من أبناءهم وأنفسهم، قال: فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} الآية، قال: فحضرت الصلاة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبل القبلة والمشركون أمامه، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا السلاح، فصففنا خلفه صفين؛ صف خلف رسول الله جميعاً، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالصف الذي يليه، قال: والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا؛ جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء فركعوا جميعاً، ثم رفع فرفعوا جميعاً، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلسوا؛ جلس الآخرون، فسجدوا، ثم جلسوا جميعاً، ثم سلم عليهم جميعاً، قال: فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين: مرة بعُسفان، وصلاها يوم بني سُليم"(3). وروي عن ابن عباس نحوه (4).
(1) صحيح مسلم برقم (687) وسنن أبي داود برقم (1247) وسنن النسائي (1/ 226، 3/ 118، 119، 169) وسنن ابن ماجة برقم (1068) وتفسير الطبري (5/ 247).
(2)
فتاوى الرملي: 4/ 361.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(4237): ص 2/ 505، وابن أبي شيبة في "مصنفه"(2/ 463، 465، 466)، والطيالسي في "مسنده"(رقم 1347)، وسعيد بن منصور في "سننه" (686): ص 4/ 1367، 1368، وأحمد (4/ 59، 59، 60، 60)، وأبو داود في "سننه" (1236): ص 2/ 11 - 12، والنسائي في "المجتبى"(3/ 176، 177)، و"الكبرى"(1937، 1938): ص 1/ 596، 597، وابن حبان في "صحيحه" (2876): ص 7/ 128 - "إحسان"، والطبري (10323): ص 9/ 131، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (5896): ص 3/ 1052، والدارقطني في "سننه"(2/ 59، 60، 60)، والطبراني في "المعجم الكبير"(5/ رقم 5132، 5133، 5137، 5139، 5140)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني"(4/ 196 رقم 2179)، وأبو نعيم الأصبهاني في "معرفة الصحابة" (2985): ص 3/ 1176، والحاكم (1/ 337، 338)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(3/ 256، 257)، و"معرفة السنن والآثار"(1841، 1842): ص 3/ 15، والبغوي في "شرح السُّنة" (1096): ص 4/ 289، 290، والواحدي في "أسباب النزول": 180، و"الوسيط"(2/ 109)، والمزي في "تهذيب الكمال"(34/ 161، 162) من طرق عن أبي عياش به.
قال الإمام الدارقطني: "صحيح".
وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.
وقال البيهقي: "هذا إسناد صحيح".
وقال البغوي: "هذا إسناد صحيح".
وقال ابن كثير في "تفسيره"(2/ 401): "وهذا إسناد صحيح، وله شواهد كثيرة". وقال ابن حجر في "الإصابة"(4/ 143): "سنده جيد".
(4)
أخرجه البزار في "مسنده"(1/ 326 رقم 679 - كشف)، والطبري (10373): ص 9/ 156، والحاكم (3/ 30)، والواحدي في "أسباب النزول": 180، جميعهم من طريق النضر بن عبد الرحمن عن عكرمة عن ابن عباس به.
وسنده ضعيف جداً؛ مداره على النضر، وهو أبو عمر الخزاز متروك؛ كما في "التقريب"(2/ 302).
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(2/ 196): "رواه البزار؛ وفيه النضر بن عبد الرحمن، وهو مجمع على ضعفه". اهـ.
أما الحاكم؛ فقال: "هذا حديث صحيح ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وقال:"صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه"! ! .
والبخاري لم يخرج البتة للنضر هذا! لكن الحديث صحيح بشاهده من حديث أبي عياش الزرقي رضي الله عنه المتقدم آنفاً.
والثاني: وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما؛ قال: "نزلت (1) في عبد الرحمن بن عوف كان جريحاً"(2).
والثالث: قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: "نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه غزا محاربا وبنى أنمار، فنزلوا ولا يرون من العدو أحدا، فوضع الناس أسلحتهم، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة له قد وضع سلاحه حتى قطع الوادي والسماء ترش، فحال الوادي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة فبصر به غورث بن الحارث المحاربي فقال: قتلني الله إن لم أقتله، ثم انحدر من الجبل ومعه السيف فلم يشعر به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو قائم على رأسه ومعه السيف قد سله من غمده فقال: يا محمد من يعصمك مني الآن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله، ثم قال: اللهم اكفني غورث بن الحارث بما شئت، ثم أهوى بالسيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضربه فأكب لوجهه من زلخة زلخها من بين كتفيه، وندر سيفه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذه ثم قال: يا غورث من يمنعك مني الآن؟ قال: لا أحد، قال تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأعطيك سيفك؟ قال: لا ولكن أشهد أن لا أقاتلك أبدا ولا أعين عليك عدوا، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه، فقال غورث: والله لأنت خير مني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجل أنا أحق بذلك منك، فرجع غورث إلى أصحابه فقالوا: ويلك ما منعك منه؟ قال: لقد أهويت إليه بالسيف لأضربه فوالله ما أدري من زلخني بين كتفي فخررت لوجهي، وذكر حاله قال: وسكن الوادي فقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم الوادي إلى أصحابه فأخبرهم الخبر وقرأ عليهم هذه الآية: {ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم} أي: من عدوكم"(3).
قوله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} [النساء: 102]، أي:" وإذا كنت -أيها النبي- في ساحة القتال، فأردت أن تصلي بهم"(4).
قال البغوي: " أي: شهيدا معهم فأقمت لهم الصلاة"(5).
قال ابن كثير: " أي: إذا صليت بهم إماما في صلاة الخوف"(6).
قال الماوردي: " وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في الخوف بأصحابه"(7).
واختلف أهل العلم في الخطاب في هذه الىية هل خص به النبي صلى الله عليه وسلم؟ على قولين:
أحدهما: أنه خاص له وليس لغيره من أمته أن يصلي في الخوف كصلاته، لأن المشركين عزموا على الإيقاع بالمسلمين إذا اشتغلوا بصلاتهم، فاطلع الله نبيه على سرائرهم وأمره بالتحرز منهم، فكان ذلك سبب إسلام خالد بن الوليد، فلذلك صار هذا خاصاً للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا القول محكي عن أبي يوسف (8).
(1) أي: قوله تعالى: {إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى} .
(2)
أخرجه الحاكم (2/ 308) وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
وأخرجه البخاري (4599): ص 8/ 264، والطبري (10379): ص 9/ 164، دون قوله:"نزلت في".
(3)
تفسير البغوي: 2/ 280 - 281، وأخبره ابن كثير مختصرا في التفسير، وقال أخرجه الإمام أحمد عن جابر، وقال: تفرد به من هذا الوجه: 2/ 401 - 402. وانظر: البداية والنهاية: 4/ 84.
وانظر: مسند الإمام أحمد (3/ 390)، وعلق البخاري قطعة منه في صحيحه (7/ 476) وقد رواه من غير هذا الوجه برقم (4135).
(4)
التفسير الميسر: 95.
(5)
تفسير البوغي: 2/ 280.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 400.
(7)
النكت والعيون: 1/ 524.
(8)
انظر: النكت والعيون: 1/ 524، وتفسير السمعاني: 1/ 472، والكشاف: 1/ 559.
والقول الثاني: أن ذلك عام للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره من أمته إذا كان على مثل حاله في خوفه، لأن ذكر السبب الذي هو الخوف يوجب حمله عليه متى وجد كما فعل الصحابة بعده حين خافوا. وهو قول الجمهور (1).
قال السمعاني: " بيّن في هذه الآية كيفية صلاة الخوف، وأعلم أن صلاة الخوف جائزة بعد رسول الله على قول أكثر العلماء، وقال بعضهم: صلاة الخوف لا تجوز لأحد بعده، وهو قول أبى يوسف؛ تمسكا بظاهر الآية، قوله: {وإذا كنت فيهم} فشرط كونه فيهم، والأصح هو الأول، وهو الاصح، وقوله: {وإذا كنتم فيهم} ليس على سبيل الشرط، وإنما خرج الكلام على وفق الحال، وقد ورد أن أصحاب رسول الله صلوا بعده صلاة الخوف"(2).
قال البيضاوي: " تعلق بمفهومه من خص صلاة الخوف بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم لفضل الجماعة، وعامة الفقهاء على أنه تعالى علم الرسول صلى الله عليه وسلم كيفيتها ليأتم به الأئمة بعده فإنهم نواب عنه فيكون حضورهم كحضوره"(3).
قوله تعالى: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102]، أي:" فلتقم جماعة منهم معك للصلاة، وليأخذوا سلاحهم"(4).
قال البغوي: " أي: فلتقف، كقوله تعالى: {وإذا أظلم عليهم قاموا} [البقرة: 20]، أي: وقفوا"(5).
قال البيضاوي: أي: " فاجعلهم طائفتين فلتقم إحداهما معك يصلون"(6).
قال الزجاج: " وأمَّا «أَسلحة» ، فجمع سلاح، مثل حمار وأحمرة. وسلاح اسم لجملة ما
يدفع الناس به عن أنفسهم في الحروب مما يقاتل به خاصَّة، لا يقال للدواب وما أشبهها سلاح" (7).
واختلفوا في الذين يأخذون اسلحتهم على قولين:
أحدهما: أن المأمورين بأخذ السلاح هم الذين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّون، لأن من في الصلاة غير مقاتل، وأما السلاح الذي أمروا بأخذه عندهم في صلاتهم، كالسيف يتقلَّده أحدهم، والسكين، والخنجر يشدُّه إلى درعه وثيابه التي هي عليه، ونحو ذلك من سلاحه. وهذا قول الشافعي (8).
قال البغوي: " فعلى هذا إنما يأخذه إذا كان لا يشغله عن الصلاة، ولا يؤذي من بجنبه فإذا شغلته حركته وثقلته عن الصلاة كالجعبة والترس الكبير أو كان يؤذي من جنبه كالرمح فلا يأخذه"(9).
والثاني: هم الذين بإزاء العدو يحرسون، وهذا قول ابن عباس (10).
قوله تعالى: {فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} [النساء: 102]، أي:" فإذا سجد هؤلاء فلتكن الجماعة الأخرى من خلفكم في مواجهة عدوكم، وتتم الجماعة الأولى ركعتهم الثانية ويُسلِّمون"(11).
قال البغوي: " أي: صلوا، {فليكونوا من ورائكم} يريد مكان الذين هم وجاه العدو"(12).
قال ابن عطية: " الضمير في سجدوا للطائفة المصلية والمعنى: فإذا سجدوا معك الركعة الأولى فلينصرفوا "(13).
وفي المشار إليهم في قوله تعالى: {فَلْيَكُونُوا} [النساء: 102]، قولان:
أحدهما: أنهم الطائفة التي لم تصل، أمرت أن تحرس الطائفة المصلية، وهذا معنى قول ابن عباس (14).
والثاني: أنهم المصلون معه، أمروا إذا سجدوا أن ينصرفوا إلى الحرس (15).
(1) انظر: النكت والعيون: 1/ 524، وتفسير السمعاني: 1/ 472، والكشاف: 1/ 559.
(2)
تفسير السمعاني: 1/ 472.
(3)
تفسير البيضاوي: 2/ 94.
(4)
التفسير الميسر: 95.
(5)
تفسير البوغي: 2/ 280.
(6)
تفسير البيضاوي: 2/ 94.
(7)
معاني القرآن: 2/ 98.
(8)
انظر: تفسير الإمام الشافعي: 2/ 97، وتفسير الطبري: 9/ 142.
(9)
تفسير البوغي: 2/ 280.
(10)
انظر: تفسير الطبري (10344): ص 9/ 142.
(11)
التفسير الميسر: 95.
(12)
تفسير البوغي: 2/ 280.
(13)
المحرر الوجيز: 2/ 107.
(14)
انظر: تفسير الطبري (10344): ص 9/ 142.
(15)
انظر: زاد المسير: 1/ 462.
واختلف العلماء كيف ينصرفون بعد السجود، على قولين (1):
أحدهما: أنهم إذا أتموا مع الإمام ركعة أتموا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا وانصرفوا، وقد تمت صلاتهم.
والثاني: أنهم ينصرفون عن ركعة. واختلف هؤلاء، على قولين (2):
أحدهما: فقال بعضهم: إذا صلوا مع الإمام ركعة وسلموا، فهي تجزئهم.
والثاني: وقال آخرون منهم أبو حنيفة: بل ينصرفون عن تلك الركعة إلى الحرس وهم على صلاتهم، فيكونوا في وجه العدو مكان الطائفة التي لم تصل، وتأتي تلك الطائفة.
قوله تعالى: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} [النساء: 102]، أي:" ثم تأتي الجماعة الأخرى التي لم تبدأ الصلاة فليأتموا بك في ركعتهم الأولى، ثم يكملوا بأنفسهم ركعتهم الثانية"(3).
قال الماوردي: "يريد الطائفة التي بإزاء العدو تأتي فتصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الركعة التي بقيت عليه، وتمضي الطائفة التي صلّت فتقف موضعها بإزاء العدو "(4).
قال البغوي: " وهم الذين كانوا في وجه العدو"(5).
واختلفوا في الطائفة الأخرى، على أقوال (6):
أحدهما: أنه إذا صلى بهم الإمام أطال التشهد حتى يقضوا الركعة الفائتة، ثم يسلم بهم.
الثاني: وقال آخرون: بل يسلم هو عند فراغه من الصلاة بهم، فإذا سلم قضوا ما فاتهم.
الثالث: وقال آخرون: بلى يصلي بالطائفة الثانية ركعة ويسلم هو، ولا تسلم هي، بل ترجع إلى وجه العدو، ثم تجيء الأولى، فتقضي ما بقي من صلاتها وتسلم، وتمضي وتجيء الأخرى، فتتم صلاتها، وهذا مذهب أبي حنيفة (7).
عن سهل بن أبي حثمة قال: "صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه في خوف، فجعلهم خلفه صفين، فصلى بالذين يلونه ركعة ثم قام، فلم يزل قائمًا حتى صلى الذين خلفه ركعة، ثم تقدموا وتخلّف الذين كانوا قُدَّامهم، فصلى بهم ركعة، ثم جلس حتى صلى الذين تخلفوا ركعة، ثم سلم"(8).
وفي رواية اخرى ايضا عن سهل بن أبي حثمة في صلاة الخوف قال: "يقوم الإمام مستقبل القبلة، وتقوم طائفة منهم معه، وطائفة من قبل العدو وجوههم إلى العدو، فيركع بهم ركعة، ثم يركعون لأنفسهم ويسجدون سجدتين في مكانهم، ويذهبون إلى مقام أولئك، ويجيء أولئك فيركع بهم ركعة ويسجد سجدتين، فهي له ركعتان ولهم واحدة. ثم يركعون ركعة ويسجدون سجدتين"(9).
وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: «فلتقم» بكسر اللام، وقرأ الجمهور:{ولتأت طائفة} ، بالتاء، وقرأ أبو حيوة:«وليأت» بالياء (10).
قوله تعالى: {وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102]، أي:" وليحذروا مِن عدوهم وليأخذوا أسلحتهم"(11).
قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف جمع بين الأسلحة وبين الحذر في الأخذ؟
قلت: جعل الحذر وهو التحرز والتيقظ آلة يستعملها الغازي، فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ، وجعلا مأخوذين. ونحوه قوله تعالى:{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ} [الحشر: 9]، جعل الإيمان مستقرا لهم ومتبوأ لتمكنهم فيه فلذلك جمع بينه وبين الدار في التبوء" (12).
وفي حمل السلاح في الصلاة قولان:
(1) انظر: زاد المسير: 1/ 462، والنكت والعيون: 1/ 525.
(2)
انظر: زاد المسير: 1/ 462، والنكت والعيون: 1/ 525.
(3)
التفسير الميسر: 95.
(4)
النكت والعيون: 1/ 525.
(5)
تفسير البوغي: 2/ 280.
(6)
انظر: زاد المسير: 1/ 462، والنكت والعيون: 1/ 525.
(7)
انظر: المغني لابن قدامة: 3/ 301، وزاد المسير: 1/ 462، والنكت والعيون: 1/ 525.
(8)
أخرجه الطبري (10346): ص 9/ 145.
(9)
أخرجه الطبري (10350): ص 9/ 147.
(10)
المحرر الوجيز: 2/ 107.
(11)
التفسير الميسر: 95.
(12)
الكشاف: 1/ 560.
أحدهما: أنه فرض عند عدم المرض الذي يشق معه حمل السلاح أو التأذي بالمطر، وهذا أحد قولي الشافعي (1).
والثاني: انه سنة مؤكدة، وهذا قول أكثر أهل العلم (2).
قال الواحدي: "والشرط أن لا يحمل سلاحًا نجسًا إن أمكنه ولا يحمل الرمح إلا في طرف الصف أو في الصف الأول لئلا يؤذي به من أمامه"(3).
قوله تعالى: {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ} [النساء: 102]، أي:" ودَّ الجاحدون لدين الله أن تغفُلوا عن سلاحكم وزادكم"(4).
قال ابن عطية: " إخبار عن معتقد القوم وتحذير من الغفلة، لئلا ينال العدو أمله "(5).
قال البغوي: " يتمنى الكفار لو وجدوكم غافلين {عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ} "(6).
وقرئ: «وأمتعاتكم» (7).
قوله تعالى: {فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} [النساء: 102]، أي:"ليحملوا عليكم حملة واحلة فيقضوا عليكم"(8).
قال الزمخشري: أي: " فيشدون عليكم شدة واحدة"(9).
قال البغوي: " فيقصدونكم ويحملون عليكم حملة واحدة"(10).
قال ابن عطية: " وفي قوله تعالى: {ميلة واحدة}، بناء مبالغة، أي: مستأصلة لا يحتاج معها إلى ثانية"(11).
قوله تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ} [النساء: 102]، أي:" ولا إثم عليكم حينئذ إن كان بكم أذى من مطر، أو كنتم في حال مرض، أن تتركوا أسلحتكم"(12).
قال الطبري: أي: " ولا حرج عليكم ولا إثم إن نالكم أذى من مطر تمطرونه وأنتم مواقفو عدوِّكم أو كنتم جرحى أو أعِلاء، {أن تضعوا أسلحتكم}، إن ضعفتم عن حملها"(13).
قال مقاتل بن حيان: " فرخص في وضع السلاح عند ذلك"(14).
قال ابن عباس: " رخص لهم في وضع الأسلحة لثقلها على المريض وفي المطر"(15).
قال الزمخشري: أي: " ورخص لهم في وضع الأسلحة إن ثقل عليهم حملها بسبب ما يبلهم في مطر أو يضعفهم من مرض"(16).
قال الزجاج: " الجناح الِإثم، وتأويله من جنحت إذا عدَلْتُ عن المكان أي أخَذْتُ جانباً عن القَصْد، فتأويل لا جناح عليكم أي لا تَعدلون عن الحق إن وضَعَتم أسْلِحتكم"(17).
قال الواحدي: " ولا حرج على المريض، وفي حالة المطر إن وضعوا أسلحتهم طلبًا للتخفيف، وفي المطر إنما يتعذر حمل السلاح؛ لأنه يصيبه بلل المطر فيسود بالطبع، وأيضاً فإن من الأسلحة ما يكون مبطنًا فيثقل على لابسه إذا ابتل بالماء"(18).
(1) انظر: "الأم" 1/ 219، و"أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 494، و"المغني" 3/ 311.
(2)
نظر: "المغني" لابن قدامة 3/ 311، وتفسير القرطبي 5/ 371، و"شرح صحيح مسلم" للنووي 6/ 125.
(3)
التفسير البسيط: 7/ 59، وانظر: الأم: 1/ 219، والمغني: 3/ 311.
(4)
التفسير الميسر: 95.
(5)
المحرر الوجيز: 2/ 107.
(6)
تفسير البوغي: 2/ 280.
(7)
انظر: الكشاف: 1/ 560.
(8)
التفسير الميسر: 95.
(9)
الكشاف: 1/ 560.
(10)
تفسير البوغي: 2/ 280.
(11)
المحرر الوجيز: 2/ 107.
(12)
التفسير الميسر: 95.
(13)
تفسير الطبري: 9/ 163.
(14)
أخرجه ابن ابي حاتم (5904): ص 4/ 1055.
(15)
زاد المسير: 1/ 463.
(16)
الكشاف: 1/ 560.
(17)
معاني القرآن: 2/ 99، وانظر: زاد المسير: 1/ 463.
(18)
التفسير البسيط: 7/ 59.
قال البيضاوي: " رخصة لهم في وضعها إذا ثقل عليهم أخذها بسبب مطر أو مرض، وهذا مما يؤيد أن الأمر بالأخذ للوجوب دون الاستحباب"(1).
قال ابن عطية: " كأنهم تلقوا الأمر بأخذ السلاح على الوجوب، فرخص الله تعالى في هاتين الحالتين، وينقاس عليهما كل عذر يحدث في ذلك الوقت"(2).
قوله تعالى: {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 102]، " أي: وكونوا متيقظين واحترزوا من عدوكم" (3).
قال الطبري: أي: " ولكن إن وضعتم أسلحتكم من أذى مطر أو مرض، فاحترسوا من عدوكم أن يميلوا عليكم وأنتم عنهم غافلون غارّون"(4).
قال ابن كثير: " أي: بحيث تكونون على أهبة إذا احتجتم إليها لبستموها بلا كلفة"(5).
قال البغوي: " أي: راقبوا العدو كيلا يتغفلوكم، والحذر ما يتقى به من العدو"(6).
قال مقاتل بن حيان: " وأمرهم أن يأخذوا حذرهم"(7).
قال الزمخشري: " وأمرهم مع ذلك بأخذ الحذر لئلا يغفلوا فيهجم عليهم العدو"(8).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 102]، أي:" إن الله تعالى أعدَّ للجاحدين لدينه عذابًا يهينهم، ويخزيهم"(9).
قال الطبري: أي: " أعدّ لهم عذابًا مُذِلا يبقون فيه أبدًا، لا يخرجون منه. وذلك هو عذاب جهنم"(10).
قال مقاتل بن حيان: " يعني بالمهين: الهوان"(11).
قال ابن عطية: " ثم قوى الله تعالى نفوس المؤمنين بقوله: {إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} "(12).
قال البيضاوي: " وعد للمؤمنين بالنصر على الكفار بعد الأمر بالحزم لتقوى قلوبهم وليعلموا أن الأمر بالحزم ليس لضعفهم وغلبة عدوهم، بل لأن الواجب أن يحافظوا في الأمور على مراسم التيقظ والتدبر فيتوكلوا على الله سبحانه وتعالى"(13).
قال الزمخشري: "فإن قلت: كيف طابق الأمر بالحذر قوله: {إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} ؟
قلت: الأمر بالحذر من العدو يوهم توقع غلبته واعتزازه، فنفى عنهم ذلك الإيهام بإخبارهم أن الله يهين عدوهم ويخذله وينصرهم عليه، لتقوى قلوبهم، وليعلموا أن الأمر بالحذر ليس لذلك، وإنما هو تعبد من الله كما قال:{وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] " (14).
وقال البعض ان صلاة الخوف منسوخة بعد وفات النبي-صلى الله عليه وسلم، واستدل بهذه الآية، لكون الخطاب موجه للنبي صلى الله عليه وسلم (15).
قال ابن كثير: " وأما من استدل بهذه الآية على أن صلاة الخوف منسوخة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ} ، فبعده تفوت هذه الصفة، فإنه استدلال ضعيف، ويُرَدُّ عليه مثل قول مانعي الزكاة، الذين احتجوا بقوله:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103] قالوا: فنحن لا ندفع زكاتنا بعده صلى الله عليه وسلم إلى أحد، بل نخرجها نحن بأيدينا
(1) تفسير البيضاوي: 2/ 94.
(2)
المحرر الوجيز: 2/ 107.
(3)
صفوة التفاسير: 277.
(4)
تفسير الطبري: 9/ 163.
(5)
تفسير ابن طثير: 2/ 403.
(6)
تفسير البوغي: 2/ 280.
(7)
أخرجه ابن ابي حاتم (5905): ص 4/ 1055.
(8)
الكشاف: 1/ 560.
(9)
التفسير الميسر: 95.
(10)
تفسير الطبري: 9/ 163.
(11)
أخرجه ابن ابي حاتم (5906): ص 4/ 1055.
(12)
المحرر الوجيز: 2/ 107.
(13)
تفسير البيضاوي: 2/ 94.
(14)
الكشاف: 1/ 560.
(15)
انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس: 118، ذكره عن البعض.
على من نراه، ولا ندفعها إلى من صلاته، أي: دعاؤه، سكن لنا، ومع هذا ردَّ عليهم الصحابة وأبَوْا عليهم هذا الاستدلال، وأجبروهم على أداء الزكاة، وقاتلوا من منعها منهم" (1).
الفوائد:
1 -
من الفوائد أن فعل السبب لا يمنع في التوكل وأنه لا يرد ما قدر الله، مع أن فعل الأسباب مأمور به وتركها إلقاء باليد إلى التهلكة، وأن التعرض أو فعل الأسباب التي يحصل بها الموت عمداً يصير ذنباً كبيراً.
لهذا أمر الله تعالى بأخذ الحذر في حالة صلاة الخوف، فلما أمر بصلاة الخوف أمر بأخذ الحذر، معلوم أن المسلمين قد يقول قائلهم: سوف نصلي جماعة والله تعالى يحرسنا ويحفظنا، ولكن الله تعالى أخبر بأن المشركين يتحينون الفرص ويحتالون في أن يجدوا غفلة من المؤمنين فيقتلونهم، فقال تعالى:{وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} [النساء: 102]، هكذا أخبر عنهم ثم أمرهم بأن يأخذوا الحذر في قوله تعالى:{وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 102]، {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102] يعني في حالة صلاتهم للخوف، {وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ} [النساء: 102] أي: ليكونوا حذرين (2).
2 -
ومنها: ان الله تعالى رخص للمؤمنين بقصر الصلاة في السفر خوف الفتنة بادئ الأمر، ثم شرع لهم صلاة الخوف حالة الحرب على عدة صفات تناسب حال المحارب، لعظم شأن الصلاة، وأمرهم فيها أن يحملوا السلاح ويكروا ويفروا إذا اقتضت المصلحة في أثنائها، وهي صحيحة لا تتأثر في ذلك، فأي دين يأمر بالقوة ويجمع بين الحرب والعبادة في آن واحد غير دين المسلمين، حتى قال لهم الله محذراً {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} إلى أن قال {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً} (3).
القرآن
التفسير:
فإذا أدَّيتم الصلاة، فأديموا ذكر الله في جميع أحوالكم، فإذا زال الخوف فأدُّوا الصلاة كاملة، ولا تفرِّطوا فيها فإنها واجبة في أوقات معلومة في الشرع.
قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ} [النساء: 103]، أي:" فإذا أدَّيتم الصلاة"(4).
قال الزمخشري: أي: " فإذا صليتم في حال الخوف والقتال"(5).
قال الزجاج: " يعني: به صلاة الخوف هذه"(6).
قوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} [النساء: 103]، أي:" فأكثروا من ذكر الله في جميع أحوالكم: في حال قيامكم وقعودكم واضطجاعكم"(7).
قال الزمخشري: اي: " فصلوها قياما مسايفين ومقارعين وقعودا جاثين على الركب مرامين وعلى جنوبكم مثخنين بالجراح، وقيل: معناه فإذا قضيتم صلاة الخوف فأديموا ذكر الله مهللين مكبرين مسبحين داعين بالنصرة والتأييد في كافة أحوالكم من قيام وقعود واضطجاع، فإن ما أنتم فيه من خوف وحرب جدير بذكر الله ودعائه واللجأ إليه"(8).
وفي قوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} [النساء: 103]، وجوه من التفسير:
أحدها: معناه: فصلوا لله {قيامًا} : للصحيح، {وقعودًا}: للمريض الذي لا يستطيع القيام، روعلى جنوبكم}: للمرضى الذين لا يستطيعون الجلوس. قاله الكلبي (9).
والثاني: معناه: " أذكروه بتوحيده وشكره وتسبيحه، وكل ما يمكن أن يتقرب به منه". وهذا قول الزجاج (10).
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 400.
(2)
انظر: شرح الطحاوية لابن جبرين: الدرس الصوتي (29). [مرقم آليا من الشاملة].
(3)
انظر: الاجوبة المفيدة لمهمات العقيدة: 1/ 60.
(4)
التفسير الميسر: 95.
(5)
الكشاف: 1/ 560.
(6)
معاني القرآن: 2/ 99.
(7)
التفسير الميسر: 95، وصفوة التفاسير:277.
(8)
الكشاف: 1/ 560.
(9)
انظر: الكشف والبيان: 4/ 115، تنوير المقباس بهامش المصحف: 95، والتفسير البسيط للواحدي: 7/ 62.
(10)
انظر: معاني القرآن: 2/ 99.
قال الواحدي: " وهذا القول أولى من قول الكلبي؛ لأنه ذكر بعد هذا حكم صلاة الحضر، فقال: {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} "(1).
والثالث: فاذكروا الله باللسان. قاله مقاتل (2).
الرابع: فاذكروا الله على كل أحوالكم، وهذا قول ابن عباس (3)، واختيار الطبري (4).
روي عن ابن عباس قوله: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} ، يقول: لا يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها حدًّا معلومًا، ثم عذر أهلها في حال عذرٍ، غيرَ الذكر، فإن الله لم يجعل له حدًا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبًا على عقله، فقال:{فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} ، بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسرِّ والعلانية، وعلى كل حالٍ" (5).
والراجح-والله أعلم- هو قزل ابن عباس، أي:" فإذا فرغتم، أيها المؤمنون، من صلاتكم وأنتم مواقفو عدوِّكم التي بيّناها لكم، فاذكروا الله على كل أحوالكم قيامًا وقعودًا ومضطجعين على جنوبكم، بالتعظيم له، والدعاء لأنفسكم بالظفر على عدوكم، لعل الله أن يظفركم وينصركم عليهم. وذلك نظير قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة الأنفال: 45] "(6).
قوله تعالى: {فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [النساء: 103]، أي:" فإِذا أمنتم وذهب الخوف فأدُّوا الصلاة كاملة"(7).
قال الزجاج: " أي: إِذا سكنت قلوبكم، فأتموا، لأنهم جُعِلَ لهم في الخوف قصرها، وأمروا في الأمن بإتمامها"(8).
قال ابن قتيبة: " {فإذا اطمأننتم} أي: من السفر والخوف، {فأقيموا الصلاة} أي: أتموها"(9).
قال السمرقندي: " يقول: أمنتم ورجعتم إلى منازلكم، فأتموا الصلاة أربعا"(10).
قال ابن زيد: ": فإذا اطمأننتم فصلُّوا الصلاة، لا تصلِّها راكبًا ولا ماشيًا ولا قاعدًا"(11).
عن مقاتل بن حيان "قوله: {فإذا اطمأننتم}، يقول: إذا استقررتم وآمنتم"(12).
وقال الزمخشري: أي: " حين تضع الحرب أوزارها وأمنتم فأقيموا الصلاة فاقضوا ما صليتم في تلك الأحوال التي هي أحوال القلق والانزعاج، وهذا ظاهر على مذهب الشافعي رحمه الله في إيجابه الصلاة على المحارب في حالة المسايفة والمشي والاضطراب في المعركة إذا حضر وقتها، فإذا اطمأن فعليه القضاء. وأما عند أبى حنيفة رحمه الله فهو معذور في تركها إلى أن يطمئن"(13).
قال أبو هلال: «الطمأنينة» : " بمعنى الأمن؛ قال اللَّه: {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}، ويجوز أن يكون هذا أيضا بمعنى السكون، قال بعضهم: معناها هاهنا الإقامة؛ أي: فإذا أقمتم فأقيموا الصلاة؛ أي: أتموها"(14).
قال الواحدي: " عن أبي علي الجرجاني: أن الطمأنينة ضد الضرب في الأرض لا ضد الخوف، وضد الخوف الأمن، وهذا يدل على أن الخوف غير مشروط في جواز القصر، حيث جعل نهاية جوازه الطمأنينة في الأهل"(15).
وفي قوله تعالى: {فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [النساء: 103]، وجهان:
أحدهما: أن «الطمأنينة» ههنا: الرجوع إلى الوطن في دار الإقامة، والمعنى: فإذا أقمتم بعد السفر فأتموا الصلاة من غير قصر، وهذا قول الحسن (16)، وقتادة (17)، ومجاهد (18).
والثاني: معناه: فإذا أمِنْتم بعد خوفكم فأتموا الركوع والسجود من غير إيماء ولا مشي، وهذا قول السدي (19)، وابن زيد (20).
قال الجصاص: " من تأول القصر المذكور في قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} على أعداد الركعات، جعل قوله: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة} على إتمام الركعات عند زوال الخوف والسفر. ومن تأوله على صفة الصلاة من فعلها بالإيماء أو على إباحة المشي فيها، جعل قوله تعالى: {فأقيموا الصلاة} أمرا بفعل الصلاة المعهودة على الهيئة المفعولة قبل الخوف"(21).
والراجح-والله أعلم- ام المعنى: ": فإذا زال خوفكم من عدوكم وأمنتم، أيها المؤمنون، واطمأنت أنفسكم بالأمن، {فأقيموا الصلاة} ، فأتموا حدودَها المفروضة عليكم، غير قاصريها عن شيء من حدودها، لأن الله تعالى ذكره عرَّف عباده المؤمنين الواجبَ عليهم من فرض صَلاتهم بهاتين الآيتين في حالين:
إحداهما: حالُ شدة خوف، أذن لهم فيها بقصر الصلاة، على ما بيَّنت من قصر حدودها عن التمام.
والأخرى: حالُ غير شدة الخوف، أمرهم فيها بإقامة حدودها وإتمامها، على ما وصفه لهم جل ثناؤه، من معاقبة بعضهم بعضًا في الصلاة خلف أئمتهم، وحراسة بعضهم بعضًا من عدوهم. وهي حالة لا قصر فيها" (22).
قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103]، أي:" إن الصلاة كانت واجبة في أوقات معلومة في الشرع"(23).
قال الزجاج: " أي مفروضاً مؤَقتاً فرضه"(24).
قال ابن قتيبة: " أي موقتا. يقال: وقته الله عليهم ووقته أي جعله لأوقات، ومنه: {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ} (25)، و «وقتت» أيضا مخففة"(26).
قال السمرقندي: " يعني: فرضا مفروضا معلوما، للمسافر ركعتان، وللمقيم أربع"(27).
قال الزمخشري: أي: " محدودا بأوقات لا يجوز إخراجها عن أوقاتها على أى حال كنتم، خوف أو أمن"(28).
قال الواحدي: " والمراد بالكتاب ههنا: المكتوب، كأنه قيل: مكتوبة موقوتة، ثم حذفت الهاء من الموقوتة، لما جعل المصدر موضع المفعول، والمصدر مذكر، ومعنى الموقوت أنها كتبت عليهم في أوقات مؤقتة"(29).
وفي قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103]، وجهان:
أحدهما: أي فرضاً واجباً، وهو قول ابن عباس (30)، والحسن (31)، ومجاهد (32)، وعطية العوفي (33)، والسدي (34)، وابن زيد (35)، وعلي بن الحسين (36)، ومحمد بن علي (37)، وسالم بن عبد الله (38)، ومقاتل بن
(1) التفسير البسيط: 7/ 63.
(2)
انظر: تفسير مقاتل بن حيان: 1/ 403.
(3)
انظر: تفسير الطبري (10380): ص 9/ 164.
(4)
انظر: تفسير الطبري: 9/ 164.
(5)
أخرجه الطبري (10380): ص 9/ 164.
(6)
تفسير الطبري: 9/ 164.
(7)
التفسير الميسر: 95، وصفوة التفاسير:277.
(8)
معاني القرآن: 2/ 99.
(9)
غريب القرآن: 135.
(10)
تفسير السمرقندي: 1/ 334.
(11)
أخرجه الطبري (10383): ص 9/ 165.
(12)
أخرجه ابن ابي حاتم (5915): 4/ 1056.
(13)
الكشاف: 1/ 561.
(14)
الوجوه والنظائر: 309.
(15)
التفسير البسيط: 7/ 64.
(16)
انظر: النكت والعيون: 1/ 526.
(17)
انظر: تفسير الطبري (10381): ص 9/ 165.
(18)
انظر: تفسير الطبري (10382): ص 9/ 165.
(19)
انظر: تفسير الطبري (10383): ص 9/ 165.
(20)
انظر: تفسير الطبري (10384): ص 9/ 165.
(21)
أحكام القرآن: 2/ 332.
(22)
تفسير الطبري: 9/ 166.
(23)
التفسير الميسر: 95، وصفوة التفاسير:277.
(24)
معاني القرآن: 2/ 99.
(25)
[سورة المرسلات: 11].
(26)
غريب القرآن: 135.
(27)
تفسير السمرقنيد: 1/ 335.
(28)
الكشاف: 1/ 561.
(29)
التفسير البسيط: 7/ 64.
(30)
انظر: تفسير الطبري (10395): ص 9/ 169، وتفسير ابن ابي حاتم (5917): ص 4/ 1057.
(31)
انظر: تفسير الطبري (10391): ص 9/ 168.
(32)
انظر: تفسير الطبري (10390)، و (10392)، و (10393): ص 9/ 167، 168.
(33)
انظر: تفسير الطبري (10387): ص 9/ 167.
(34)
انظر: تفسير الطبري (10389): ص 9/ 167.
(35)
انظر: تفسير الطبري (10388): ص 9/ 167.
(36)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5917): ص 4/ 1057.
(37)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5917): ص 4/ 1057.
(38)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5917): ص 4/ 1057.
حيان (1).
والثاني: يعني مؤقتة في أوقاتها ونجومها، كلما مضى نجم جاء نجم، وهو قول ابن مسعود (2)، وزيد بن أسلم (3).
قال الطبري: " وهذه الأقوال قريب معنى بعضها من بعض. لأن ما كان مفروضًا فواجب، وما كان واجبًا أداؤه في وقت بعد وقت فمنجَّم، غير أن أولى المعاني بتأويل الكلمة، قول من قال: إن الصلاة كانت على المؤمنين فرضًا منجَّمًا، لأن «الموقوت» إنما هو «مفعول» من قول القائل: وَقَتَ الله عليك فرضه فهو يَقِته، ففرضه عليك «موقوت»، إذا أخرته، جعل له وقتًا يجب عليك أداؤه. فكذلك معنى قوله: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا}، إنما هو: كانت على المؤمنين فرضًا وقَّت لهم وقتَ وجوب أدائه، فبيَّن ذلك لهم"(4).
الفوائد:
1 -
فضيلة الذكر، إذ أن أصحاب العقول الزاكية الوافية يدركون آيات الله التي بثَّها في الكون، ويشغلون ألسنتهم بذكر الله من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير في كل أحوالهم، فالإنسان في دنياه إمَّا أن يكون قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا، وهم يذكرون الله في هذه الأحوال الثلاث، كما قال تعالى:{فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} [النساء: 103]، فأثْنى على الذكارين وَوَعدهمْ أجرا عَظِيما فَأمر بِذكرِهِ مُطلقًا، وَبعد الْفَرَاغ من الْعِبَادَات.
2 -
أن الصلاة من دعائم الإسلام التي يتم بها النظام، قال تعالى:{إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} أي فرضًا مؤقتًا، ودليل الأوقات قوله تعالى:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78].
فَتَأمل رَحِمك الله إِلَى هَذِه الْعِبَادَة وَمَا حوت من أَسبَاب السَّلامَة وَتَحْصِيل الدَّرَجَات والفوز بالمثوبات حَتَّى يتفطن لمؤكدات الْكتاب وَالسّنة فِي الحض عَلَيْهَا وَالِاعْتِبَار بهَا فِي غير مَا آيَة وَخبر (5).
قال الإمام علي-كرّم الله وجهه-: " تعاهدوا أمر الصلاة وحافظوا عليها، واستكثروا منها، وتقرَّبوا بها، فإنها كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً، ألا تسمعون إلى جواب أهل النار حين سُئِلُوا: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} وإنها لَتَحُتُّ الذنوب حَت الورق، وتُطلقها إطلاق الرِّبَقِ، وشَبَّهها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحَمَّةِ تكونُ على باب الرجل، فهو يغتسل منها في اليوم والليلة خمسَ مرات، فما عسى أن يبقى عليه بن الدَّرَنِ، وقد غَرَفَ حَقَّها رجالٌ من المؤمنين"(6).
القرآن
التفسير:
ولا تضعفوا في طلب عدوكم وقتاله، إن تكونوا تتألمون من القتال وآثاره، فأعداؤكم كذلك يتألمون منه أشد الألم، ومع ذلك لا يكفون عن قتالكم، فأنتم أولى بذلك منهم، لما ترجونه من الثواب والنصر والتأييد، وهم لا يرجون ذلك. وكان الله عليمًا بكل أحوالكم، حكيمًا في أمره وتدبيره.
سبب النزول:
عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "لما كان قتال أُحُد، وأصابَ المسلمين ما أصاب، صعد النبيّ صلى الله عليه وسلم الجبل، فجاء أبو سفيان فقال: يا محمد، ألا تخرج؟ ألا تخرج؟ الحرب سِجَال، يوم لنا
(1) انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5917): ص 4/ 1057.
(2)
انظر: تفسير الطبري (10397): ص 9/ 169.
(3)
انظر: تفسير الطبري (10398): ص 9/ 169.
(4)
تفسير الطبري: 9/ 170.
(5)
انظر: تنزيه الانبياء: ابن خمير: 162.
(6)
النهج: 457.
ويوم لكم ". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أجيبوه. فقالوا: " لا سواء، لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. فقال أبو سفيان: عُزَّى لنا ولا عُزَّى لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا له: الله مولانا ولا مولى لكم. قال أبو سفيان: أُعْلُ هُبَل، أُعْل هبل! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا له: الله أعلى وأجل! فقال أبو سفيان: موعدنا وموعدكم بدر الصغرى، ونام المسلمون وبهم الكلوم، وقال عكرمة: وفيها أنزلت: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [سورة آل عمران: 140]، وفيهم أنزلت:{إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليمًا حكيمًا} (1).
قال مقاتل: " يوم احد -بعد القتل بأيام- فاشتكوا إلى النبي- صلى الله عليه وسلم الجراحات، فأنزل الله- عز وجل: {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ} "(2).
قال الواحدي: " المراد بالقوم ههنا: أبو سفيان وأصحابه، لما انصرفوا عن أحد منهزمين، وقد قذف الله في قلوبهم الرعب، أمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يسير في آثارهم بعد الوقعة بأيام، فندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس لذلك، فاشتكوا ما بهم من الجراحات، فأنزل الله هذه الآية"(3).
قوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ} [النساء: 104]، أي:" ولا تضعفوا في طلب عدوكم وقتاله"(4).
قال مجاهد: " يقول: لا تضعفوا في ابتغاء القوم"(5).
قال مقاتل: " يقول: ولا تعجزوا: كقوله: {فما وهنوا} (6)، يعني فما عجزوا"(7).
قال الماوردي: " أي: لا تضعفوا في طلبهم لحربهم"(8).
قال الزجاج: " لا تضعفوا في طلب القوم بالحرب، هذا خطاب للمؤمنين، والقوم ههنا الكفار الذين هم حربُ المؤمنين"(9).
قوله تعالى: {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ} [النساء: 104]، " أي: إِن كنتم تتألمون من الجراح والقتال فإِنهم يتألمون أيضاً منه كما تتألمون" (10).
قال مقاتل: " يعني: يتوجعون كما تتوجعون"(11).
قال الزجاج: " أي: إن تكونوا توجَعُون فإنهم يجدون من الوجع بما يَنَالهم من الجراح
والتَعَبَ كما تجدون" (12).
قال الماوردي: " أي: ما أصابهم منكم فإنهم يألمون به كما تألمون بما أصابكم منهم"(13).
قال أبو السعود: " تعليل للنهي وتشجيع لهم أي ليس ما تقاسونه من الآلام مختصا بكم بل هو مشترك بينكم وبينهم ثم إنهم يصبرون على ذلك فما لكم لاتصبرون مع أنكم أولى به منهم "(14).
قال الزمخشري: " روى أن هذا في بدر الصغرى، كان بهم جراح فتواكلوا"(15).
وقرأ الأعرج: «أن تكونوا تألمون» ، بفتح الهمزة، بمعنى: ولا تهنوا لأن تكونوا تألمون. وقوله: رفإنهم يألمون كما تألمون} تعليل. وقرئ: «فإنهم ييلمون كما تيلمون» (16).
(1) أخرجه الطبري (10407): ص 9/ 173.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 404.
(3)
التفسير البسيط: 7/ 65. كما ذكره دون عزو السمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 384، والثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 115 ب، والبغوي في "معالم التنزيل" 2/ 282.
(4)
التفسير الميسر: 95.
(5)
تفسير مجاهد: 291.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 404.
(7)
[سورة آل عمران: 146].
(8)
النكت والعيون: 1/ 526.
(9)
.معاني القرآن: 2/ 100
(10)
صفوة التفاسير: 277.
(11)
[سورة آل عمران: 146].
(12)
.معاني القرآن: 2/ 100
(13)
النكت والعيون: 1/ 527.
(14)
تفسير أبي السعود: 2/ 228.
(15)
الكشاف: 1/ 561.
(16)
انظر: الكشاف: 1/ 561.
قوله تعالى: {وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} [النساء: 104]، أي:" ولكنكم ترجون من الله الثواب والنصر والتأييد حيث لا يرجونه هم"(1).
قال مقاتل: " من الثواب والأجر، {ما لا يرجون}، يعني: أبا سفيان وأصحابه"(2).
قال السمعاني: " أي: وتأملون من الله مالا يأملون، من الظفر في الدنيا، والثواب في الآخرة"(3).
قال الزجاج: " أي: أنتم ترجون النصر الذي وعدكم الله به، وإظهار دينكم على سائر
أديانِ أهل الملل المخالفة لأهل الإسلام وترجُونَ مع ذلك الجنة، وهم – أعني المشركينَ - لايرجون الجنة لأنهم كانوا غير مقرين بالبعث فأنتم ترجون من الله ما لا يرجون" (4).
قال الماوردي: " أي: هذه زيادة لكم عليهم وفضيلة خُصِصْتُم بها دونهم مع التساوي في الألم"(5).
قال ابن عطية: " ثم تأكد التشجيع بقوله تعالى: {وترجون من الله ما لا يرجون}، وهذا برهان بين، ينبغي بحسبه أن تقوى نفوس المؤمنين"(6).
قال أبو السعود: يعني: " حيث ترجون من الله من إظهار دينكم على سائر الأديان ومن الثواب في الآخرة مالا يخطر ببالهم"(7).
وفي هذا الرجاء قولان (8):
أحدهما: معناه أنكم ترجون من نصر الله ما لا يرجون.
والثاني: تخافون من الله لا يخافون، وهذا قول الفرا والكسائي (9)، ومنه قوله تعالى:{مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ للهِ وَقَاراً} [نوح: 31]، أي لا تخافون لله عظمة. ومنه قول الشاعر (10):
لا تَرْتَجِي حِينَ تُلاقِي الذَّائِدَا
…
أَسَبْعَةً لاقَتْ مَعًا أَمْ وَاحِدَا
وكما قال أبو ذؤيب الهُذَليّ (11):
إِذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا
…
وَخَالَفَهَا فِي بَيْتِ نُوبٍ عَوَامِلِ
وهي لغةٌ لأهل الحجاز يقولونها، بمعنى: ما أبالي، وما أحْفِلُ (12)، " وإِنما اشتمل الرجاء على معنى الخوف لأن الرجاءَ أمل قد يخاف ألَّا يَتِمَّ"(13).
قال الزجاج: " قال بعض أهل التفسير: معنى {ترجون} ههنا: تَخَافون، وأجمَعَ أهل اللغة الموثوق بعلمهم: أن الرجاءَ ههنا على معنى الأمل لا على تصريح الخوف"(14).
قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104]، أي:" وكان الله عليمًا بكل أحوالكم، حكيمًا في أمره وتدبيره"(15).
قال الزمخشري: أي: " لا يكلفكم شيئا ولا يأمركم ولا ينهاكم إلا لما هو عالم به مما يصلحكم"(16).
قال ابو السعود: " {عَلِيمًا}: مبالغا في العلم فيعلم أعمالكم وضمائركم، {حكيما}: فيما يأمر وينهى فجدوا في الامتثال بذلك فإن فيه عواقب حميدة"(17).
قال الطبري: أي: " ولم يزل الله {عليمًا} بمصالح خلقه، {حكيمًا} في تدبيره وتقديره، ومن علمه، أيها المؤمنون، بمصالحكم عرّفكم عند حضور صلاتكم وواجب فرض الله عليكم، وأنتم مواقفو عدوكم ما يكون
(1) صفوة التفاسير: 277، والتفسير الميسر:95.
(2)
[سورة آل عمران: 146].
(3)
تفسير السمعاني: 1/ 475.
(4)
.معاني القرآن: 2/ 100
(5)
النكت والعيون: 1/ 527.
(6)
المحرر الوجيز: 2/ 108.
(7)
تفسير أبي السعود: 2/ 228.
(8)
انظر: تفسير الطبري: 9/ 174 - 175، والنكت والعيون: 1/ 527.
(9)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 100، وتفسير الطبري: 9/ 174 - 175، وتفسير السمعاني: 1/ 475، وغيرها.
(10)
لم أتعرف على قائله، وانظر البيت في معاني القرآن للفراء 1/ 286، والأضداد لابن الأنباري: 9، واللسان، مادة:"رجا".
(11)
.
(12)
انظر: تفسير الطبري: 9/ 174 - 175.
(13)
.معاني القرآن: 2/ 100
(14)
.معاني القرآن: 2/ 100
(15)
التفسير الميسر: 95.
(16)
الكشاف: 1/ 561.
(17)
تفسير أبي السعود: 2/ 228.
به وصولكم إلى أداء فرض الله عليكم، والسلامة من عدوكم. ومن حكمته بصَّركم ما فيه تأييدكم وتوهينُ كيد عدوكم" (1).
الفوائد:
1 -
تحريض الله تعالى المؤمنين، وتقوية عزائمهم في قوله {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لَا يَرْجُونَ} .
2 -
أن التكاليف الشرعية ليس فيها مشقة، سواء كانت أفعالاً أو سلوكاً، فأشق ما فيها الجهاد، الذي فيه تعرض للقتل، ولكن لما علم المؤمنون بعاقبتهم الحميدة من كونهم يناصرون الإسلام وفي سبيل الله هانت عليهم نفوسهم، لما علموا أيضاً بأن الرب سبحانه يمدهم ويقويهم وينزل عليهم الملائكة لتقاتل معهم ويخذل أعداءهم، كان ذلك دافعاً لهم إلى أن يستميتوا، لما علموا بأنهم إذا قتلوا في سبيل الله فهم أحياء عند ربهم يرزقون، كان ذلك أيضاً دافعاً لهم إلى التفاني في سبيل الله، لما علموا أيضاً أن أعداء الله من الكفار يقاتلونهم على كفرهم وتهون عليهم أنفسهم وهم كفار، كانوا أولى منهم بذلك أن يفدوا دينهم الصحيح، إذا كان هؤلاء يفدون دينهم الباطل فنحن نفدي ديننا الصحيح، ولأجل ذلك قال الله تعالى:{وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ} [النساء: 104](2).
3 -
ومن الفوائد أن طريق الجهاد ليس مفروشاً بالورود والرياحين، وإنما هو طريق شاق له متاعبه وتبعاته، ولكنه طريق المجد والشرف، وبه تنال سلعة الله تبارك وتعالى في النهاية، قال تعالى: {وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ
…
} (3).
4 -
ومنها: الاحتمال والصبرُ على الشدائد والابتلاءات، ذلك للرجاء فيما عند الله عز وجل من الأجرِ والثواب، وأنه مهما جاء من شدائدَ الدنيا فهي منقطعةٌ ولها أجلٌ، فهو ينتظرُ الفرجَ ويرجو الثواب الذي لا ينقطعُ يوم الرجوعِ إلى الله –عز وجل (4).
القرآن
التفسير:
إنا أنزلنا إليك -أيها الرسول- القرآن مشتملا على الحق; لتفصل بين الناس جميعًا بما أوحى الله إليك، وبَصَّرك به، فلا تكن للذين يخونون أنفسهم -بكتمان الحق- مدافعًا عنهم بما أيدوه لك من القول المخالف للحقيقة.
في سبب نزول الآيات [105 إلى 116]:
أخرج الترمذي عن قتادة بن النعمان رضي الله عنه قال: "كان أهل بيت منا يُقال لهم: بنو أُبيرقٍ بشر وبُشير ومبشر، وكان بُشير رجلاً منافقاً يقول الشعر، يهجو به أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ثم ينحله بعض العرب ثم يقول: قال فلان كذا وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث، أو كما قال الرجل، وقالوا: ابن الأبيرق قالها، قال: وكانوا أهل بيتِ حاجةٍ وفاقة في الجاهلية والإسلام وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافِطَة من الشام من الدرمك، ابتاع الرجل منها فخص بها نفسه، وأما العيال فإنما طعامهم التمر والشعير، فقدمت ضَافِطَة من الشام فابتاع عمي رفاعة بن زيد حِمْلاً من الدرمك فجعله في مَشْرُبَة له، وفي المشربة سلاح، درع وسيف، فعدي عليه من تحت البيت، فنُقِّبت المشربة، وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني عمي رفاعة، فقال: يا ابن أخي إنه قد عُدي علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا فذُهب بطعامنا وسلاحنا. قال: فتحسسنا في الدار وسألنا فقيل لنا: قد رأينا بني أُبيرق استوقدوا في هذه الليلة، ولا نُرى فيما نُرى إلا على بعض طعامكم، قال: وكان بنو أُبيرق قالوا: ونحن نسأل في الدار، والله ما نُرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل، رجل منا له صلاح وإسلام، فلما سمع لبيد اخترط سيفه، وقال: أنا أسرق؟ فواللَّه
(1) تفسير الطبري: 9/ 175.
(2)
انظر: شرح الطحاوية لابن جبرين: الدرس الصوتي (72). [مرقم آليا].
(3)
انظر: دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب سلفية لا وهابية: 28.
(4)
انظر: أركان الإيمان، علي بن نايف:180.
ليخالطنكم هذا السيف، أو لتبينن هذه السرقة، قالوا: إليك عنها أيها الرجل فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي: يا ابن أخي لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، قال قتادة: فأتيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقلت: إن أهل بيت منا أهلُ جفاء، عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقبوا مَشْرُبَةً له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردوا علينا سلاحنا فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(سآمر في ذلك) فلما سمع بنو أُبيرق أتوا رجلاً منهم يُقال له أُسير بن عروة فكلموه في ذلك فاجتمع في ذلك ناس من أهل الدار، فقالوا: يا رسول اللَّه إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح، يرمونهم بالسرقة من غير بيِّنة ولا ثبت، قال قتادة: فأتيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فكلمته، فقال:«عمدت إلى أهل بيت ذُكر منهم إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة على غير ثبت وبينه» قال: فرجعت، ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أُكلم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: الله المستعان، فلم يلبث أن نزل القرآن:{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} بني أُبيرق (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ) أي مما قلت لقتادة: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} . (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ) إلى قوله {غَفورًا رَّحِيمًا} ، أي: لو استغمْروا اللَّه لغفر لهم: (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ) إلى قوله {وَإِثْمًا مُبِينًا} قولهم للبيد: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ} إلى قوله {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} ، فلما نزل القرآن أتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالسلاح فرده إلى رفاعة. فقال قتادة: لما أتيت عمي بالسلاح وكان شيخاً قد عشا أو عسا - الشك من أبي عيسى - في الجاهلية، وكنت أرى إسلامه مدخولاً، فلما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي، هو في سبيل اللَّه، فعرفت أن إسلامه كان صحيحاً، فلما نزل القرآن لحق بُشير بالمشركين، فنزل على سلافة بنت سعد بن سمية فأنزل اللَّه:{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116)} . فلما نزل على سلافة رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعر، فأخذت رحله فوضعته على رأسها، ثم خرجت به فرمت به في الأبطح، ثم قالت: أهديت لي شعر حسان؟ ما كنت تأتيني بخير" (1).
وقد ذكر ابن عباس (2)، ومجاهد (3)، وعكرمة (4)، وقتادة (5)، والضحاك (6)، والسدي (7)، وابن زيد (8)، وغيرهم في هذه الآية أنها نزلت في سارق بني أُبيرق على اختلاف سياقاتهم وهي متقاربة.
وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث في سبب نزولها، وأورده بعضهم بسياق مقارب للمذكور، لكن الجميع اتفقوا على أن نزولها كان في بني أبيرق، كالطبري (9)، والبغوي (10)، وابن العربي (11)، وابن
(1) سنن الترمذي (3036): ص 5/ 244 - 246، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (1958): ص 4/ 15، والطبراني في "المعجم الكبير" (15): ص 19/ 16 – 18، والطبري (10411): ص 9/ 177 - 181، وابن أبي حاتم في "تفسيره"(4/ رقم 5933 و 5936 و 5948 و 5951 و 5955)، والحاكم في "المستدرك"(4/ 385 - 388)، وابن المنذر وأبو الشيخ في "تفسيريهما"؛ كما في "تفسير القرآن العظيم"(1/ 565)، والمزي في "تهذيب الكمال"(21/ 483 - 484).
وسنده ضعيف؛ فيه عمر بن قتادة هذا لم يرو عنه سوى ولده عاصم، ولم يوثقه سوى ابن حبان في "الثقات" (5/ 146)؛ ولذا قال الذهبي في "الميزان" (3/ 218):"لا يُعرف إلا من رواية ولده عنه"، وقال الحافظ في "التقريب" (2/ 62):"مقبول"؛ حيث يتابع، وإلا؛ فلين. ولم يتابع عليه.
وصرح ابن إسحاق بالتحديث في رواية الحاكم.
قال الترمذي: "هذا حديث غريب، لا نعلم أحداً أسنده غير محمد بن سلمة الحراني".
بل رواه -أيضاً- مسنداً يونس بن بكير عند الحاكم.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه! " وسكت عنه الذهبي.
وهذا منهم عجيب؛ فمسلم لم يخرج لابن إسحاق في "الأصول"، وكذا عمر بن قتادة.
وحسنه الإمام أبو عبد الرحمن الألباني رحمه الله في "صحيح الترمذي".
(2)
انظر: تفسير الطبري (10413): ص 9/ 183 - 184.
(3)
انظر: تفسير الطبري (10409): ص 9/ 176 - 177.
(4)
انظر: تفسير الطبري (10416): ص 9/ 186 - 188.
(5)
انظر: تفسير الطبري (10412): ص 9/ 182 - 183.
(6)
انظر: تفسير الطبري (10417): ص 9/ 188.
(7)
انظر: تفسير الطبري (10415): ص 9/ 185 - 186.
(8)
انظر: تفسير الطبري (10414): ص 9/ 183 - 185.
(9)
انظر: تفسير الطبري: 9/ 175 - 188.
(10)
انظر: تفسير البغوي: 1/ 698 - 699.
(11)
انظر: أحكام القرآن: 1/ 626.
عطية (1)، والقرطبي (2)، وأبو حيان (3)، وابن كثير (4)، والسيوطي (5)، والشوكاني (6)، وابن عاشور (7)، وغيرهم.
قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [النساء: 105]، أي:" إنا أنزلنا إليك -أيها الرسول- القرآن مشتملا على الحق"(8).
يحتمل قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ} [النساء: 105]، ثلاثة أوجه (9):
أحدها: أن الكتاب حق.
والثاني: أن فيه ذكر الحق.
والثالث: أنك به أحق.
وذكر الماتريدي في قوله: {بِالْحَقِّ} [النساء: 105]، وجوها (10):
أحدها: بحق الله عليكم، أنزل إليك الكتاب.
والثاني: بحق بعض على بعض أنزل إليك الكتاب؛ لتحكم بين الناس.
والثالث: أي: بالمحنة يمتحنهم بها؛ إذ في عقل كل أحد ذلك، وإهمال كل ذي لب لا يؤمر ولا ينهى - خروج عن الحكمة.
والرابع: بالعواقب؛ لتكون لهم العاقبة.
ثم قال: "إذ الحق صفة لكل ما يحمد عليه فاعله، والباطل لما يذم"(11).
قوله تعالى: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء: 105]، أي:" لتحكم بين الناس بما عرّفك الله وأوحى به إِليك"(12).
قال عطية: " النبي صلى الله عليه وسلم أراه الله كتابه"(13).
قال الزمخشري: " بما عرفك وأوحى به إليك"(14).
قال ابن عباس: " {بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ}، يقول: بما أنزل الله إليك من الكتاب"(15).
قال الواحدي: " وهذا يدل أن رأيه صلى الله عليه وسلم كله وحيًا"(16).
قال التستري: " يعني: بما علمك الله تعالى من الحكمة في القرآن وشرائع الإسلام"(17).
قال ابن العربي: " أي: بما أعلمك، وذلك بوحي أو بنظر"(18).
وعن مطر في قوله: " {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ}، قال: بالبينات والشهود"(19).
قال ربيعة: " إن الله تبارك وتعالى أنزل القرآن وترك فيه موضعا للسنة، وسن الرسول صلى الله عليه وسلم السنة وترك فيها موضعا للرأي"(20).
(1) انظر: المحرر الوجيز: 2/ 108 - 109.
(2)
انظر: تفسير القرطبي: 5/ 375 - 376.
(3)
انظر: البحر المحيط: 4/ 55.
(4)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 405 - 407.
(5)
انظر: الدر المنثور: 2/ 670 - 671.
(6)
انظر: فتح القدير: 1/ 590 - 592.
(7)
انظر: التحرير والتنوير: 5/ 191 - 192.
(8)
التفسير الميسر: 95.
(9)
انظر: النكت والعيون: 1/ 528.
(10)
انظر: تفسير الماتريدي: 3/ 352 - 353.
(11)
تفسير الماتريدي: 3/ 353.
(12)
صفوة التفاسير: 277.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (5931): ص 4/ 1059.
(14)
الكشاف: 1/ 562.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (5930): ص 4/ 1059.
(16)
التفسير البسيط: 7/ 70.
(17)
تفسير التستري: 55.
(18)
أحكام القرآن: 1/ 626.
(19)
أخرجه ابن أبي حاتم (5932): ص 4/ 1059.
(20)
أخرجه ابن أبي حاتم (5928): ص 4/ 1059.
وفي رواية عن ابن عباس: " إياكم والرأي، قال الله تعالى لنبيه: احكم بينهم بما أراك الله، ولم يقل: بما رأيت"(1).
قال السيوطي: "أخرج ابن المنذر عن عمرو بن دينار، أن رجلاً قال لعمر: {بما أراك الله}، قال: مه، إنما هذِه للنبي صلى الله عليه وسلم – خاصة"(2).
ونقل الواحدي عن الحسن: «رأي الأنبياء عليهم السلام وحي» ، ثم تلا هذه الآية" (3).
وعن ابن وهب قال: "قال لي مالك: الحكم الذي يحكم به بين الناس على وجهين، فالذي يحكم بالقرآن والسنة الماضية فذلك الحكم الواجب والصواب، الحكم الذي يجتهد فيه العالم نفسه فيما لم يأت فيه شيء فلعله أن يوفق، قال: وثالث متكلف لما لا يعلم فما أشبه ذلك أن لا يوفق"(4).
قوله تعالى: {وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105]، أي:" فلا تكن للذين يخونون أنفسهم -بكتمان الحق- مدافعًا عنهم بما أيدوه لك من القول المخالف للحقيقة"(5).
قال الزجاج: " أي: لا تكن مخاصماً ولا دَافِعاً عن خَائِن"(6).
قال قتادة بن النعمان: " أي: بني أبيرق"(7).
قال الزمخشري: " ولا تكن لأجل الخائنين مخاصما للبرآء، يعنى: لا تخاصم اليهود لأجل بنى ظفر"(8).
قال الراغب: " معناه: لا تخاصم الناس لأجل الخائنين، ومعناه كمعنى قوله: {وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} [النساء: 107] "(9).
قال المراغي: " أي ولا تكن لمن خان خصما: أي مخاصما ومدافعا تدافع عنه من طالبه بحقه الذي خان فيه، وخلاصة ذلك- إن عليك ألا تتهاون فى تحرى الحق اغترارا بلحن الخائنين وقوة جدلهم فى الخصومة، لئلا تكون خصيما لهم وتقع فى ورطة الدفاع عنهم، ويؤيد هذا
حديث أم سلمة «إنكم تختصمون إليّ وإنما انا بشر ولعل بعضكم الحن بحجته، أو قد قال: لحجته من بعض. فإنما اقضى بينكم على نحو ما اسمع. فمن قضيت له من حق اخيه شيئا فلا ياخذه، فإنما اقطع له قطعة من النار ياتى بها إسطاما فى عنقه يوم القيامة» (10) " (11).
قال الماتريدي: " قال أكثر أهل التفسير: إنه هم أن يقوي سارقا - يقال له: طعمة - ويصدقه في قوله؛ فنزل قوله: {ولا تكن للخائنين خصيما}؛ فلو لم يقولوا ذلك كان أوفق وأحسن، فإن كان ما قالوا، فذلك لم يظهر منه الخيانة عنده؛ إذ ذكر في القصة أنه وجد السرقة في دار غيره"(12).
قال الواحدي: " وخصيمك الذي يُخاصمك، وجمعه خصماء، وأصله من الخصم وهو ناحية الشيء وطرفه، والخصم طرف الراوية، وطرف الفراش، وقيل للخصمين خصمان؛ لأخذ كل واحد منهما في ناحية من الحجج والدعوى وخصوم السحابة جوانبها، قال الأخطل (13):
إذا طعنتْ فيها الجنوبُ تحاملتْ
…
باعجازِ جرّارٍ تداعى خُصومُها
أي: تجاوب جوانبها بالرعد، وطعن الجنوب فيها سوقها إياه. والجرّار الثقيل ذو الماء، تحاملت باعجازه: دفعت أواخره" (14).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (5929): ص 4/ 1059.
(2)
الدر المنثرو: 2/ 386.
(3)
التفسير البسيط: 7/ 71.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (5928): ص 4/ 1059.
(5)
التفسير الميسر: 95.
(6)
معاني القرآن: 2/ 101.
(7)
أخرجه ابن ابي حاتم (5933): ص 4/ 1059 - 1060 وغيره كما في سبب النزول.
(8)
الكشاف: 1/ 562.
(9)
المفردات في غريب القرآن: 755.
(10)
تفسير المراغي: 5/ 148.
(11)
أخرجه احمد (6/ 320، وأبو داود (3584)، و (3585).
(12)
تفسير الماتريدي: 3/ 353.
(13)
ديوان الأخطل ص 319، و"تهذيب اللغة" 1/ 1042، و"اللسان" 2/ 1177 (خصم)، والجنوب: ريح الجنوب.
(14)
التفسير البسيط: 7/ 71.
قال القرطبي: " في هذه الآية تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم وتكريم وتعظيم وتفويض إليه، وتقويم أيضا على الجادة في الحكم، وتأنيب على ما رفع إليه من أمر بني أبيرق"(1).
الفوائد:
1 -
التحذير من العمل بحديث النفس، قال الشاطبي:" فأما العمل بحديث النفس والعارض في القلب فلا، فإن الله حظر ذلك على نبيه فقال: {إنا أنزلنا إليك الكتاب، بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله}، فأمره بالحكم بما أراه الله لا بما رآه، وحدثته به نفسه، فغيره من البشر أولى أن يكون ذلك محظورا عليه، وأما إن كان جاهلا فعليه مسألة العلماء دون ما حدثته نفسه"(2).
ونقل عن عمر رضي الله عنه أنه خطب الناس فقال: أيها الناس، قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة، إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا، وصفق بإحدى يديه على الأخرى ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل: لا نجد حدين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا» (3)، إلى آخر الحديث
2 -
في الآية الرد على من يشترط في القضاء علم الكتابة، مع أنه لا دليل عليه، بل إن الدليل قائم على خلافه، فإن خاتم النبيين عليه أفضل الصلاة والسلام كان له منصب القضاء بلا ريب، لقوله تعالى:{أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} ولم يتصف بالكتابة، لقوله تعالى:{وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48]، مع أنه لم يلحقه قصور من ذلك (4).
3 -
وفيه دليل أن أقواله-صلى الله عليه وسلم كلها ليس وحي، ، "لأن أقواله صلى الله عليه وسلم لو كانت كلها وحيا فلم قال الله تعالى: : {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة: 43]، وقال تعالى {ولا تكن للخائنين خصيما} .. (5).
4 -
أن السنة لا تخالف القرآن لأنهما من مصدر واحد، قال تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105]، وقال أيضا:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3 - 4]، فكل ما اجتهد فيه الرسول صلى الله عليه وسلم من أمر الشريعة فهو حق لأن الله لا يقره بباطل أبدا، وكل ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم بخبر العدل الضابط عن مثله إلى رسول الله يجب اعتقاده والعمل به سواء جاءنا متواترا أو آحادا (6).
القرآن
{وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106)} [النساء: 106]
التفسير:
واطلب من الله تعالى المغفرة في جميع أحوالك، إن الله تعالى كان غفورًا لمن يرجو فضله ونوال مغفرته، رحيمًا به.
قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ} [النساء: 106]، أي:" واطلب من الله تعالى المغفرة في جميع أحوالك"(7).
قال قتادة بن النعمان: " فلم يلبث أن نزل القرآن، {واستغفر الله}، أي: مما قلت لقتادة"(8).
قال الزجاج: " أمره بالاستغفار مما هم به"(9).
قال مقاتل: " فاستغفر النبي- صلى الله عليه وسلم عند ذلك"(10).
(1) تفسير القرطبي: 5/ 375.
(2)
الالعتصام للشاطب: 3/ 74.
(3)
رواه الإمام البخاري في كتاب الحدود من صحيحه، باب الاعتراف بالزنا، والباب الذي يليه عن عمر رضي الله عنه، مع اختلاف يسير في اللفظ (12/ 137، 144 فتح)، والإمام مسلم في كتاب الحدود من صحيحه، باب حد الزنا وذكره بلفظ البخاري الثاني (11/ 191 ـ 192)، والإمام أبو داود في كتاب الحدود من سننه، باب في الرجم، وذكره قريبا من لفظ الصحيحين (4/ 143) والإمام ابن ماجه في كتاب الحدود من سننه، باب الرجم وذكره بلفظ الصحيحين (2/ 853)، والإمام الترمذي في كتاب الحدود من سننه، باب ما جاء في تحقيق الرجم وذكره بلفظين أحدهما أخصر من الآخر (4/ 29 ـ 30)، والإمام الدارمي في كتاب الحدود من سننه، باب في حد المحصنين بالزنا (2/ 234)، ورواه الإمام مالك في كتاب الحدود من الموطأ، باب ما جاء في الرجم (2/ 824)، والإمام أحمد في مواضع من المسند (1/ 23، 29، 36) ..
(4)
انظر: السيوف المشرقة ومختصر الصواعق المحرقة، خواجة نصر الله الهندي المكي:652.
(5)
مختصر التحفة الاثني عشرية: 1/ 249.
(6)
انظر: القضايا الكلية للاعتقاد في الكتاب والسنة، عبدالرحمن بن عبدالخالق: 136 - 137 [الكتاب مرقم آليا من الشاملة].
(7)
التفسير الميسر: 96.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (5934): ص 4/ 1060.
(9)
معاني القرآن: 2/ 101.
(10)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 405.
قال الطبري: " وقد قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن خاصم عن الخائن، ولكنه هَّم بذلك، فأمره الله بالاستغفار مما هَمَّ به من ذلك"(1).
قال البغوي: أي: " مما هممت به من معاقبة اليهودي"(2).
قال الكلبي: " واستغفر الله يا محمد من همك باليهودي أن تضربه"(3).
ونقل الثعلبي عن ابن عباس: "واستغفر الله مما هممت به من قطع يد زيد"(4).
وقال الطبري: أي: " واستغفر الله "، يا محمد، وسَلْه أن يصفح لك عن عقوبة ذنبك في مخاصمتك عن الخائن من خان مالاً لغيره" (5).
قال ابن عطية: " ذهب الطبري إلى أن المعنى: «استغفر الله من ذنبك في خصامك للخائنين» (6)، وهذا ليس بذنب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما دافع عن الظاهر، وهو يعتقد براءتهم، والمعنى: استغفر للمذنبين من أمتك والمتخاصمين في الباطل، لا أن تكون ذا جدال عنهم، فهذا حدك، ومحلك من الناس أن تسمع من المتداعيين وتقضي بنحو ما تسمع، وتستغفر للمذنب"(7).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 106]، أي:"، إن الله تعالى كان غفورًا لمن يرجو فضله ونوال مغفرته، رحيمًا به"(8).
قال الطبري: أي: " إن الله لم يزل يصفح عن ذنوب عباده المؤمنين، بتركه عقوبتهم عليها إذا استغفروه منها، {رحيما} بهم"(9).
قال الثعلبي: " فإن قيل: قد أمر بالاستغفار، قلنا: هو لا يوجب وجود الذنب ولا يجب أن يستغفر كما أمر في سورة الفتح بالاستغفار من غير ذنب مقدم.
واعلم أن الاستغفار في جميع الأنبياء يعد وجوه منها ثلاثة أوجه: يكون لذنبه مقدم مثل النبوة، ويكون لذنب أمته وقرابته ويكون لترك المباح قبل ورود الحضر، ومعناه بالسمع والطاعة لما أمرت به ونهيت عنه وحملت التوفيق عليه" (10).
الفوائد:
1 -
فضيلة الاستغفار.
2 -
ذكر بعض أهل العلم: أنه ينبغي لمن استفتي أن يقدم بين يدي الفتوى الاستغفار لمحو أثر الذنب من قلبه حتى يتبين له الحق، واستنبطه من قوله تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً} ، [النساء: 105 - 106] (11).
القرآن
{وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107)} [النساء: 107]
التفسير:
ولا تدافع عن الذين يخونون أنفسهم بمعصية الله. إن الله -سبحانه- لا يحب مَن عَظُمَتْ خيانته، وكثر ذنبه.
قوله تعالى: {وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} [النساء: 107]، أي:" ولا تدافع عن الذين يخونون أنفسهم بمعصية الله"(12).
قال قتادة بن النعمان: " بني أبيرق"(13).
(1) تفسير الطبري: 9/ 176.
(2)
تفسير البغوي: 1/ 699.
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 381.
(4)
تفسير الثعلبي: 3/ 381.
(5)
تفسير الطبري: 9/ 176.
(6)
انظر: تفسير الطبري: 9/ 176. [بتصرف]
(7)
المحرر الوجيز: 2/ 109.
(8)
التفسير الميسر: 96.
(9)
تفسير الطبري: 9/ 176.
(10)
تفسير الثعلبي: 3/ 382.
(11)
انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد: 2/ 38، الهامش ..
(12)
التفسير الميسر: 96.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (5936): ص 4/ 1060، وغيره.
قال الثعلبي: " يعني: يظلمون أنفسهم بالخيانة والسرقة ويرمي بها اليهودي"(1).
قال الزجاج: " يعني: أبا طعمة ومن عاونه من قومه، وهم يعلمون أنه سارق، ويروى أن أبا طعمة هذا هرب إلى مكة وارتد عن الِإسلام، وأنه نقب حائطاً بمكة ليسرق أهله فسقط الحائط عليه فقتله"(2).
قال الجصاص: " جائز أن يكون صادف ميلا من النبي صلى الله عليه وسلم على اليهودي بوجود الدرع المسروقة في داره وجائز أن يكون هم بذلك فأعلمه الله براءة ساحة اليهودي ونهاه عن مجادلته عن المسلمين الذين كانوا يجادلون عن السارق وقد كانت هذه الطائفة شاهدة للخائن بالبراءة سائلة للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقوم بعذره في أصحابه وأن ينكر ذلك على من ادعى عليه فجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أظهر معاونته لما ظهر من الطائفة من الشهادة ببراءته وأنه ليس ممن يتهم بمثله
فأعلمه الله باطن أمورهم" (3).
قال الماتريدي: " لما رجع في العاقبة ضرر الخيانة إلى أنفسهم، صاروا كأنهم اختانوا أنفسهم كقوله: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} [البقرة: 9] "(4).
قال الزمخشري: أي: " يخونونها بالمعصية. كقوله: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 187]، جعلت معصية العصاة خيانة منهم لأنفسهم كما جعلت ظلما لها: لأن الضرر راجع إليهم"(5).
قال الواحدي: " والاختيان كالخيانة، يقال: خانه واختانه. وذكر ذلك عند قوله: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 187]، ومعنى {يختانون أنفسهم}: يخونوها بالمعصية، والعاصي خائن لأنه مؤتمن على دينه.
ويجوز أن يكون المعنى: أن وبال خيانتهم راجع إليهم بالفضيحة في الدنيا والعقوبة في الآخرة، فكأنهم خانوا أنفسهم وإن خانوا غيرهم في الظاهر بالسرقة كما يقال لمن ظلم غيره: إنه قد ظلم نفسه، وقد صرحت الآية بالنهي عن المجادلة عن الظالمين في القليل والكثير" (6).
وإن "قلت: لم قيل: «للخائنين» و {يختانون أنفسهم} ، وكان السارق طعمة وحده؟ قلت: لوجهين:
أحدهما: أن بنى ظفر شهدوا له بالبراءة ونصروه، فكانوا شركاء له في الإثم.
والثاني: أنه جمع ليتناول طعمة وكل من خان خيانته، فلا تخاصم لخائن قط ولا تجادل عنه" (7).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} [النساء: 107]، أي:" إن الله -سبحانه- لا يحب مَن عَظُمَتْ خيانته، وكثر ذنبه"(8).
قال السمعاني: " الخوان: الخائن والأثيم: ذو الإثم"(9).
قال مقاتل: {خَوَّانًا} ، في دينه، {أَثِيمًا} ، بربه" (10).
قال الواحدي: " أَيْ: طعمة لأنَّه خان في الدِّرع وأَثِم في رميه اليهوديَّ"(11).
قال الثعلبي: " يعني: خائنا في الدرع، أثيما في رميه اليهودي، قد قيل فيه: إن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره، كقوله: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْك} [يونس: 94]، والنبي لا يشك مما أنزل الله"(12).
عن سفيان بن عيينة: " {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ}، قال: لا يقرب"(13).
قال الزمخشري: " فإن قلت: لم قيل {خوانا أثيما} ، على المبالغة؟
(1) تفسير الثعلبي: 3/ 382.
(2)
معاني القرآن: 2/ 101.
(3)
أحكام القرآن: 3/ 265.
(4)
تفسير الماتريدي: 3/ 354.
(5)
الكشاف: 1/ 662.
(6)
التفسير البسيط: 7/ 75.
(7)
الكشاف: 1/ 662.
(8)
التفسير الميسر: 96.
(9)
تفسير السمعاني: 1/ 476.
(10)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 405.
(11)
الوجيز: 287.
(12)
تفسير الثعلبي: 3/ 382.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (5937): ص 4/ 1061، وغيره.
قلت: كان الله عالما من طعمة بالإفراط في الخيانة وركوب المآثم، ومن كانت تلك خاتمة أمره لم يشك في حاله. وقيل: إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات.
وعن عمر رضى الله عنه أنه أمر بقطع يد سارق، فجاءت أمه تبكى وتقول: هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه. فقال: كذبت، إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة» (1) " (2).
الفوائد:
1 -
نهى الله نبيه وعباده عن المجادلة عمن فعل ما دون الشرك من الذنوب بقوله: {وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} الآية. فكيف بمن جادل عن المشركين، وصد عن دين رب العالمين؟ (3).
2 -
في هذه الآية دليل على النهي عن المجادلة عن من أذنب وتوجه عليه عقوبة من حد أو تعزير فإنه لا يجادل عنه، بدفع ما صدر عنه من الخيانة أو تبرير ما ارتكبه من جريمة لغرض إسقاط ما ترتب على ذلك من العقوبة الشرعية (4).
3 -
وفي قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} دليل على انتفاء حب الله لمن كان بهذا الوصف، وإذا انتفى الحب ثبت ضده وهو البغض فمن اللائق بالمسلم أن يحب ما أحب الله، ويبغض ما أبغضه الله، ولا يكون مخالفا لله في حب ما يبغض وبغض ما يحب، فإن هذا السلوك لا يجوز أن يصدر من مسلم ملتزم بالإسلام التزاما صادقا (5).
4 -
والآية فيها الرد على القائلين بأن: "أقوال الرسول كلها وحي"(6)، قال الدهلوي:" وأما قولهم إن أقوال الرسول كلها وحي فمردود، لأن أقواله صلى الله عليه وسلم لو كانت كلها وحيا فلم قال الله تعالى {عفا الله عنك لم أذنت لهم} وقال تعالى {ولا تكن للخائنين خصيما} وقال تعالى {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} وقال تعالى في المعاتبة عن أخذ الفدية من أسارى بدر (7) {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} "(8).
القرآن
التفسير:
يستترون من الناس خوفًا من اطلاعهم على أعمالهم السيئة، ولا يستترون من الله تعالى ولا يستحيون منه، وهو عزَّ شأنه معهم بعلمه، مطلع عليهم حين يدبِّرون -ليلا- ما لا يرضى من القول، وكان الله -تعالى- محيطًا بجميع أقوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه منها شيء.
قوله تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ} [النساء: 108]، "أي: يستترون من الناس خوفاً وحياءً" (9).
(1) لم اجده، وقد ذكره الزمخشري في الكشاف: 1/ 563، والنسفي في تفسيره: 1/ 393، والخازن في تفسيره: 1/ 425، وأبو حيان في البحر: 4/ 47، والنيسابوري في تفسيره: 2/ 492، والطنطاوي في التفسير الوسيط: 3/ 300، وغيرهم.
(2)
الكشاف: 1/ 562 - 563.
(3)
انظر: الرسائل الشخصية، ج 6، الشيخ محمد بن عبدالوهاب:193.
(4)
انظر: الموالاة والمعاداة في الشريعة الاسلامية، محماس بن عبدالله: 1/ 85.
(5)
انظر: تفسير السعدي: 2/ 154، والموالاة والمعاداة في الشريعة الاسلامية، محماس بن عبدالله: 1/ 85.
(6)
انظر: ختصر التحفة الاثني عشرية، الدهلوي: 1/ 249.
(7)
(8)
مختصر التحفة الاثني عشرية: 1/ 249.
(9)
صفوة التفاسير: 278.
قال ابن عباس: " ثم قال للذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا مستخفين بالكذب: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ} "(1).
قال الثعلبي: " أي: يستترون ويستحيون من الناس"(2).
قال الطبري: أي: " يستخفي هؤلاء الذين يختانون أنفسهم، ما أتَوْا من الخيانة، وركبوا من العار والمعصية، من الذين لا يقدرون لهم على شيء، إلا ذكرهم بقبيح ما أتَوْا من فعلهم، وشنيع ما ركبوا من جُرْمهم إذا اطلعوا عليه، حياءً منهم وحذرًا من قبيح الأحدوثة"(3).
قوله تعالى: {وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ} [النساء: 108]، أي:" ولا يستترون من الله تعالى ولا يستحيون منه"(4).
قال الثعلبي: " أي: [ولا] يستترون ولا يستحيون من الله"(5).
قال الطبري: "وقد قيل: عنى بقوله: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله}، الرهطَ الذين مشوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة المدافعة عن ابن أبيرق والجدال عنه"(6).
قال ابن كثير: " هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من الناس لئلا ينكروا عليهم، ويجاهرون الله بها لأنه مطلع على سرائرهم وعالم بما في ضمائرهم"(7).
قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} [النساء: 108]، أي:" وهو عزَّ شأنه معهم بعلمه، مطلع عليهم حين يدبِّرون -ليلا- ما لا يرضى من القول"(8).
قال ابن كثير: " تهديد لهم ووعيد"(9).
قال الطبري: " يعني: والله شاهدهم حين يسوُّون ليلا ما لا يرضى من القول، فيغيِّرونه عن وجهه، ويكذبون فيه"(10).
قال الثعلبي: " {وهو معهم} يعني علمه"(11).
قال أبو رزين: " إذ يؤلفون مالا يرضى من القول"(12). وروي عن السدي مثل ذلك (13).
قال الزجاج: " كل ما فُكِّرَ فِيه أوخِيض فيه بليل فقد بُيِّتَ، يعني: به هذا السارق، والذي بيَّتَ من القوم أن قال: أرمِي إليهودِي بأنه سارق الدرع، وأحلِفُ أني لم أسرقها، فتقْبل يميني لأني على ديني، ولا تقبل يمين إليهودي. فهذا ما بُيِّتَ من القول"(14).
وقد حكى عن بعض الطائيين أن " التبييت " في لغتهم: التبديل، وأنشد للأسود بن عامر بن جُوَين الطائي في معاتبة رجل (15):
وَبَيَّتَّ قَوْلِيَ عَبْدَ الْمَلِيكِ
…
قاتلَكَ الله عَبْدًا كَنُودًا! !
بمعنى: بدَّلت قولي (16).
قال الطبري: ": وهذا القول شبيه المعنى بالذي قلناه [أي: كل كلام أو أمرٍ أصلح ليلا] (17)، وذلك أن «التأليف»: هو التسوية والتغيير عما هو به، وتحويلُه عن معناه إلى غيره"(18).
(1) أخرجه ابن ابي حاتم (5940): ص 4/ 1061.
(2)
تفسير الثعلبي: 3/ 382.
(3)
تفسير الطبري: 9/ 191.
(4)
التفسير الميسر: 96.
(5)
تفسير الثعلبي: 3/ 382.
(6)
تفسير الطبري: 9/ 192.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 407.
(8)
التفسير الميسر: 96.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 407.
(10)
تفسير الطبري: 9/ 191.
(11)
تفسير الثعلبي: 3/ 382.
(12)
أخرجه ابن ابي حاتم (5941): ص 4/ 1061.
(13)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5941): ص 4/ 1061.
(14)
معاني القرآن: 2/ 101 - 102.
(15)
البيت للأسود بن عامر الطائي كما في "تفسير الطبري" 5/ 271 وهو غير منسوب في "غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 128، "الكشف والبيان" 4/ 90 ب، "زاد المسير" 2/ 143، القرطبي 5/ 289 ..
(16)
انظر: تفسير الطبري: 9/ 191 - 192.
(17)
تفسير الطبري: 9/ 191.
(18)
تفسير الطبري: 9/ 192.
قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا} [النساء: 108]، أي:" وكان الله -تعالى- محيطًا بجميع أقوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه منها شيء"(1).
قال مقاتل بن حيان: " يقول: أحاط علمه بأعمالهم. ومنهم من يقول: أنزلت في المنافقين"(2).
قال احمد بن داود: " قد أحاط الله بكل شيء علما، ولم يقل مع كل شيء"(3).
قال الطبري: أي: " وكان الله بما يعمل هؤلاء المستخفون من الناس، فيما أتَوْا من جرمهم، حياءً منهم، من تبييتهم ما لا يرضى من القول، وغيره من أفعالهم {محيطًا}، محصيًا لا يخفى عليه شيء منه، حافظًا لذلك عليهم، حتى يجازيهم عليه جزاءهم"(4).
عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال:"من صلى صلاة عند الناس لا يصلي مثلها إذا خلا، فهي استهانة، استهان بها وبه، ثم تلا هذه الآية: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا} "(5).
الفوائد:
1 -
لا ينبغي إذا ظهر للمسلمين نفاق قوم أن يجادل فريقًا منهم فريقًا عنهم ليحموهم، ويدافعوا عنهم (6).
2 -
قال الثعلبي: " وتعلقت الجهمية والمعتزلة بهذه الآية، استدلوا منها على إن الله بكل مكان قالوا لما قال وهو معهم ثبت إنه بكل مكان لأنه قد اثبت كونه معهم وقال لهم حق قوله وهو معهم إنه يعلم ما يقولون ولا يخفى عليه فعلهم لأنه العالم بما يظهره الخلق وبما يستره، وليس في وله وهو معهم ما يوجب انه بكل مكان لأنه قال: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ} [الملك: 16]، ولم يرد قوله انه في السماء يعني غير الذات لأن القول: أن زيدا في موضع كذا من غير أن يعتد بذكر فعل أو شيء من الأشياء لا يكون إلا بالذات، وقال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، وقال: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ} [السجدة: 5]، فأخبر أنه يرفع الأشياء من السماء ولا يجوز أن يكون معهم بذاته ثم يدبر الأمر من السماء وإليه يصعد الكلم الطيب"(7).
3 -
من صفات المنافقين: " تبييت الشر للمسلمين، وتدبير المكائد لهم. ودليل هذه الصفة قول الله عز وجل: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا} [النساء: 108]؛ فمخافة الخلق عند هؤلاء المنافقين أعظم من مخافة الله عز وجل، لذلك تجدهم يحرصون بالوسائل المباحة والمحرمة على تجنب الفضيحة عند الناس، وهم مع ذلك قد بارزوا الله بالعظائم، ولم يبالوا بنظره واطلاعه عليهم، خصوصا في حال تبييتهم ما لا يرضيه من القول"(8).
القرآن
التفسير:
ها أنتم -أيها المؤمنون- قد حاججتم عن هؤلاء الخائنين لأنفسهم في هذه الحياة الدنيا، فمن يحاجج الله تعالى عنهم يوم البعث والحساب؟ ومن ذا الذي يكون على هؤلاء الخائنين وكيلا يوم القيامة؟
قوله تعالى: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [النساء: 109]، أي:" ها أنتم -أيها المؤمنون- قد حاججتم عن هؤلاء الخائنين لأنفسهم في هذه الحياة الدنيا"(9).
قال ابن عباس: " يعني: الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين يجادلون عن الخائن"(10).
(1) التفسير الميسر: 96.
(2)
أخرجه ابن ابي حاتم (5942): ص 4/ 1061.
(3)
أخرجه ابن ابي حاتم (5943): ص 4/ 1062.
(4)
تفسير الطبري: 9/ 192 - 193.
(5)
أخرجه ابن ابي حاتم (5938): ص 4/ 1061.
(6)
انظر: انظر تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للشيخ عبد الرحمن بن سعدي 7/ 338، والمنهاج في شعب الإيمان، د. عبدالقادر بن محمد: 3/ 352.
(7)
تفسير الثعلبي: 3/ 382.
(8)
المفيد في مهمات التوحيد: 193.
(9)
التفسير الميسر: 96.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (5944): ص 4/ 1062.
قال الزجاج: " يعني: به من احتج عن هذا السارق، وأصل «المجادلة»، و «الجدال» في اللغة: شدة المخاصمة، والجدْل: شدة القَتْل، ورَجُل مجدول، أي: كأنَّه قد قُتِلَ، والأجدَل الصقر، يقال له أجدَل لأنه من أشد الطيور قوةً "(1).
قال الطبري: أي: " ها أنتم الذين جادلتم، يا معشر من جادل عن بني أبيرق {في الحياة الدنيا} "(2).
قال الزمخشري: " المعنى: هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة وقومه في الدنيا"(3).
وفي قوله تعالى: {هَؤُلَاءِ} [النساء: 109]، وجهان:
أحدهما: أن {هَؤُلَاءِ} : ههنا بمعنى «الذين» . وهذا قول الزجاج (4)، والمعنى: ها أنتم الذين جادلتم، لأن «هؤلاء» و «هذا» يكونان في الإشارة للمخاطبين إلى أنفسهم بمنزلة «الذين» ، وقد يكون لغير المخاطبين بمنزلة «الذين» ، نحو قول الشاعر (5):
عَدَسْ ما لِعَبّادٍ عَلَيْكِ إمَارَةٌ
…
أَمِنْتِ وَهَذَا تَحْمِليَن طَلِيقُ
أي والذي تحملينه طليق.
والثاني: أن {هؤلاء} : إشارة إلى نفس المخاطبين على جهة البيان والتأكيد، كما تقول: فعلت أنت، وفعل هو. وهذا قول الأخفش (6).
وفي قراءة أبي بن كعب: «عنه في الحياة الدنيا» ، أى: عن طعمة (7).
قوله تعالى: {فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [النساء: 109]، أي:" فمن يحاجج الله تعالى عنهم يوم البعث والحساب؟ "(8).
قال البغوي: " أي: من الذي يذب عنهم، ويتولى أمرهم يوم القيامة"(9).
قال الزمخشري: أي: " فمن يخاصم عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه"(10).
قال الزجاج: " أي: في اليوم الذي يؤخذ فيه بالحقائق، وأمر الدُّنيا يَقوم بالشهادات في
الحقوق، وجائز أن تكون الشهادة غير حقيقة، فكأنَّه - واللَّه أعلم - قيل لهم إِن يقم الجدال في الدنيا والتغييب عن أمر هذا السارق، فيوم القيامة لا ينفع فيه جدال ولا شهادة" (11).
قال ابن كثير: " أي: هَبْ أن هؤلاء انتصروا في الدنيا بما أبدوه أو أبدى لهم عند الحكام الذين يحكمون بالظاهر - وهم مُتَعَبدون بذلك - فماذا يكون صنيعهم يوم القيامة بين يدي الله، عز وجل، الذي يعلم السر وأخفى؟ "(12).
قال الطبري: أي: " إنكم أيها المدافعون عن هؤلاء الخائنين أنفسهم، وإن دافعتم عنهم في عاجل الدنيا، فإنهم سيصيرون في آجل الآخرة إلى من لا يدافع عنهم عنده أحد فيما يحلُّ بهم من أليم العذاب ونَكال العقاب"(13).
قوله تعالى: {أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} [النساء: 109]، أي:" ومن ذا الذي يكون على هؤلاء الخائنين وكيلا يدافع عنهم يوم القيامة؟ "(14).
قال ابن كثير: أي: " ومن ذا الذي يتوكل لهم يومئذ في ترويج دعواهم؟ أي: لا أحد يكون يومئذ لهم وكيلا"(15).
(1) معاني القرآن: 2/ 102.
(2)
تفسير الطبري: 9/ 193.
(3)
الكشاف: 1/ 563.
(4)
انظر: معاني القرآن 2/ 102.
(5)
الشعر ليزيد بن مفرغ الحميري، وتمامه: " عَدَسْ ما لِعَبّادٍ عَلَيْكِ إمَارَةٌ
…
أَمِنْتِ وَهَذَا تَحْمِليَن طَلِيقُ"، قاله في عباد بن زياد، وكان يزيد قد أكثر من هجوه، حتى حبسه وضيق عليه، حتى خوطب في أمره معاوية، فأمر بإطلاق سراحه، . فلما خرج من السجن قدمت له بغلة فركبها فنفرت فقال هذا الشعر، في "ديوانه" ص 170، "لسان العرب" 5/ 2837 "عدس"، وعدس: اسم صوت لزجر البغل ..
(6)
انظر: معاني القرآن: 1/ 454.
(7)
انظر: تفسير البغوي: 1/ 699، والكشاف: 1/ 563
(8)
التفسير الميسر: 96.
(9)
تفسير البغوي: 1/ 699.
(10)
الكشاف: 1/ 563.
(11)
معاني القرآن: 2/ 102.
(12)
تفسير ابن كثير: 2/ 407 - 408.
(13)
تفسير الطبري: 9/ 193.
(14)
التفسير الميسر: 96، وصفوة التفاسير: 1/ 278
(15)
تفسير ابن كثير: 2/ 408.
قال الطبري: " أي: ومن يتوكل لهم في خصومة ربهم عنهم يوم القيامة"(1).
قال الزمخشري: {وكيلا} : أي: " حافظا ومحاميا من بأس الله وانتقامه"(2).
قال الفخر: " والوكيل: هو الذي وكل إليه الأمر في الحفظ والحماية، والمعنى: من الذي يكون محافظا ومحاميا لهم من عذاب الله؟ "(3).
و«الوكالة» : هي "القيام بأمر من توكل له"(4).
الفوائد:
1 -
أن خطاب الآية يدل على وقوع الجدل الكاذب الخؤون من هؤلاء المنافقين المتجمعين الذين كانوا ألحن بحجتهم من خصومهم البرآء، والله يعلم أنه جدل زائف باطل نبه رسوله صلى الله عليه وسلم على بطلانه وزيفه فلم ينخدع به رسول الله صلى الله عليه وسلم في ترتيب شيء عليه من القضاء أو الحكم.
2 -
لما كان الجدل في لدنيا يمكن أن يقع به التمويه والخداع، وكان الجدل في الآخرة مكشوف السوأة لا يخدع به أحد نبه الله تعالى على أن جدلهم في الدنيا وإن كان خادعاً لم ينفعهم بشيء لأن الله تعالى أعلم رسوله صلى الله عليه وسلم ونبهه على ما فيه من خيانة وخداع، ولكن جدل الآخرة لا يمكن أن يقع بسببه خداع ولا خيانة لأن الحاكم إذ ذاك هو الله وحده علام الغيوب فقال لهم منكراً مقرعاً {فَمَنْ يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} يوم تنكشف الحقائق فلا يغطيها خداع أو لحن بحجة.
القرآن
{وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110)} [النساء: 110]
التفسير:
ومن يُقْدِمْ على عمل سيِّئ قبيح، أو يظلم نفسه بارتكاب ما يخالف حكم الله وشرعه، ثم يرجع إلى الله نادمًا على ما عمل، راجيًا مغفرته وستر ذنبه، يجد الله تعالى غفورًا له، رحيمًا به.
في سبب نزول الآية قولان:
أحدهما: قال الضحاك: "نزلت الآية في شأن وحشي قاتل حمزة رضي الله عنه، أشرك بالله وقتل، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني لنادم فهل لي من توبة؟ فنزل: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ}، الآية"(5).
والثاني: قال الكلبي: "نزلت في شأن طعمة: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا}: بسرقة الدرع، {أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ}: برميه غيره وجحوده"(6).
قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا} [النساء: 110]، أي:" ومن يُقْدِمْ على عمل سيِّئ قبيح"(7).
قال ابن عباس: " يعني: الذين أتو رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين بالكذب"(8).
قال الثعلبي: " يعني: يسرق الدرع"(9).
قال البغوي: " يعني: السرقة، وقيل: يعني: شركا"(10).
قال الزمخشري: أي: " قبيحا متعديا يسوء به غيره، كما فعل طعمة بقتادة واليهودي"(11).
قال القاسمي: " أي: قبيحا متعديا. يسوء به غيره، كما في القصة"(12).
قوله تعالى: {أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} [النساء: 110]، أي:" أو يظلم نفسه بارتكاب ما يخالف حكم الله وشرعه"(13).
(1) تفسير الطبري: 9/ 193.
(2)
الكشاف: 1/ 563.
(3)
مفاتيح الغيب: 11/ 214.
(4)
تفسير الطبري: 9/ 193.
(5)
تفسير السمرقندي: 1/ 337، وتفسير القرطبي: 5/ 380.
(6)
تفسير السمرقندي: 1/ 337.
(7)
التفسير الميسر: 96.
(8)
أخرجه ابن ابي حاتم (5945): ص 4/ 1062.
(9)
تفسير الثعلبي: 3/ 383.
(10)
تفسير البغوي: 2/ 285.
(11)
الكشاف: 1/ 563.
(12)
محاسن التاويل: 3/ 325.
(13)
التفسير الميسر: 96.
قال الثعلبي: " يعني: بما دون الشرك"(1).
قال البغوي: " برميه البريء، وقيل: يعني: إثما دون الشرك"(2).
قال الزمخشري: أي: " بما يختص به كالحلف الكاذب"(3).
قال الراغب: " عامل السوء وظالم النفس وإن كانا يعودان إلى معنى واحد، فذكرهما اعتبارا بحالتين، وقيل: عمل السوء إشارة إلى فعل الصغائر، وظلم النفس إلى الكبائر"(4).
قوله تعالى: {ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ} [النساء: 110]، أي:" ثم يرجع إلى الله نادمًا على ما عمل، راجيًا مغفرته وستر ذنبه"(5).
قال الزجاج: " أي: يسأله المغفرة مع إِقلاع، لأنه إذا كان مقيماً على الإصرار فليس بتائب"(6).
قال النحاس: " أي استغفار غير عائد لانه إذا عزم على العودة فليس بتائب"(7).
قال الثعلبي: " أي: يتوب إلى الله"(8).
قوله تعالى: {يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 110]، أي:" يجد الله تعالى غفورًا له، رحيمًا به"(9).
قال قتادة بن النعمان: " أي: لو استغفروا الله لغفر لهم"(10).
قال السمعاني: " عرض التوبة على طعمة وقومه في هذه الآية، وأمرهم بالاستغفار"(11).
قال الزمخشري: " وهذا بعث لطعمة على الاستغفار والتوبة لتلزمه الحجة، مع العلم بما يكون منه. أو لقومه لما فرط منهم من نصرته والذب عنه"(12).
قال المراغي: " وفى ذلك حث وترغيب لطعمة وقومه فى التوبة والاستغفار، كما أن فيها بيانا للمخرج من الذنب بعد وقوعه، وفيها تحذير من أعداء الحق والعدل الذين يحاولون هدمهما، وهما أسس الشرائع.
قال الطبري: " عنى بهذه الآية كل من عمل سوءًا أو ظلم نفسه، وإن كانت نزلت في أمر الخائنين والمجادلين عنهم الذين ذكر الله أمرَهم في الآيات قبلها"(13).
والمراد بوجدان الله {غفورا رحيما} : هو أن التائب المستغفر يجد أثر المغفرة فى نفسه بكراهة الذنب وذهاب داعيته ويجد أثر الرحمة بالرغبة فى الأعمال الصالحة التي تطهر النفس وتزيل الدرن منها" (14).
قال ابن عباس: ": أخبر الله عبادَه بحلمه وعفوه وكرمه، وسعةِ رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنبًا صغيرًا كان أو كبيرًا، ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا، ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال"(15).
قال عبد الله: كانت بنو إسرائيل إذا أصابَ أحدهم ذنبًا أصبح قد كُتِب كفارة ذلك الذنب على بابه. وإذا أصاب البولُ شيئًا منه، قَرَضه بالمقراض (16). فقال رجل: لقد آتى الله بني إسرائيل خيرًا! فقال عبد الله: ما آتاكم الله خيرٌ مما آتاهم، جعل الله الماءَ لكم طهورًا وقال: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا
(1) تفسير الثعلبي: 3/ 383.
(2)
تفسير البغوي: 2/ 285.
(3)
الكشاف: 1/ 563.
(4)
تفسير الراغب الاصفهاني: 3/ 1430 - 1431.
(5)
التفسير الميسر: 96.
(6)
معاني القرآن: 2/ 103.
(7)
معاني القرآن: 2/ 187.
(8)
تفسير الثعلبي: 3/ 383.
(9)
التفسير الميسر: 96.
(10)
أخرجه ابن ابي حاتم (5948): ص 4/ 1063.
(11)
تفسير السمعاني: 1/ 476.
(12)
الكشاف: 1/ 563.
(13)
تفسير الطبري: 9/ 194.
(14)
تفسير المراغي: 5/ 150.
(15)
أخرجه الطبري (10424): ص 9/ 195 - 196.
(16)
المقراض ": المقص.
اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} [سورة آل عمران: 135]، وقال:{ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا} (1).
الفوائد:
1 -
أن عمل السوء عند الإطلاق يشمل سائر المعاصي، الصغيرة والكبيرة، وسمي سوءا لكونه يسوء عامله بعقوبته، ولكونه في نفسه سيئًا غير حسن.
2 -
فضيلة الاستغفار.
3 -
أن المغفرة مقيدة بالتوبة، قال الرملي:" لا يغفر الله تعالى الكبيرة أو الصغيرة التي لم يتب منها بمجرد الاستغفار المذكور، والمغفرة المرتبة على الاستغفار في الكتاب والسنة مقيدة بالتوبة فقد قال {وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون} [النور: 31] وهذا أمر على العموم وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم} [التحريم: 8] الآية. ومعنى النصوح الخالص لله تعالى خاليا عن الشهوات"(2). والأحاديث الواردة في فضل التوبة مشهورة.
4 -
وهذه الآية أسند الله فيها الى العبد عمل السوء وظلم النفس والإستغفار، وأسند الى نفسه المغفرة والرحمة فأسند الى الله ما أسند الى نفسه، ولنسند الى العبد ما أسند الله إليه وليس علينا في ذلك جناح ولو تدبرنا القرآن كله لوجدناه على هذه الشاكلة: فلم يقولون يخلق العبد أفعال نفسه، ثم يختلفون؟ أما إنهم لو قالوا كما قال الله تعالى:{يفعل} أو {يعمل} أو {يكسب} أو {يقترف} ما اختلفوا، وإذا كانوا جميعا متفقين على أن أعمال العباد اختيارية قدرها الله أن تكون لهم فما بالهم يحاولون نسبتها الى الله تعالى (3).
القرآن
{وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111)} [النساء: 111]
التفسير:
ومن يعمد إلى ارتكاب ذنب، فإنما يضر بذلك نفسه وحدها، وكان الله تعالى عليمًا بحقيقة أمر عباده، حكيمًا فيما يقضي به بين خلقه.
قوله تعالى: {وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا} [النساء: 111]، أي:" ومن يعمد إلى ارتكاب ذنب"(4).
قال القرطبي: " أي ذنبا"(5).
قال البغوي: " يعني: يمين طعمة بالباطل، أي: ما سرقته إنما سرقه اليهودي"(6).
قال الطبري: أي: " ومن يأت ذنبًا على عَمْدٍ منه له ومعرفة به"(7).
قال المراغي: " أي: ومن يعمل الإثم وير أنه قد كسبه وانتفع به"(8).
قال السمرقندي: " يعني الشرك بالله تعالى"(9).
قوله تعالى: {فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ} [النساء: 111]، أي:" فإنما يضر بذلك نفسه وحدها"(10).
قال النحاس: " أي: عقابه يرجع عليه"(11).
قال البغوي: أي: " فإنما يضر به نفسه"(12).
قال الواحدي: " أي: إنما ضر بما فعل نفسه، لأنه لا يؤخذ غير الآثم بإثمه"(13).
قال ابن عطية: " أي: إياها يردي وبها يحل المكروه"(14).
(1) أخرجه الطبري (10422): ص 9/ 195.
(2)
فتاوى الرملي: 4/ 207.
(3)
انظر: كتاب التوحيد المسمى: التخلي عن التقليد والتحلي بالاصل المفيد، العرباوي:227.
(4)
التفسير الميسر: 96.
(5)
تفسير القرطبي: 5/ 380.
(6)
تفسير البغوي: 2/ 285.
(7)
تفسير الطبري: 9/ 196.
(8)
تفسير المراغي: 5/ 150.
(9)
تفسير السمرقندي: 1/ 337.
(10)
التفسير الميسر: 96.
(11)
معاني القرآن: 2/ 187.
(12)
تفسير البغوي: 2/ 285.
(13)
التفسير الوسيط: 2/ 113.
(14)
المحرر الوجيز: 2/ 111.
قال الزمخشري: " أى لا يتعداه ضرره إلى غيره فليبق على نفسه من كسب السوء"(1).
قال الطبري: أي: " فإنما يجترح وَبَال ذلك الذنب وضُرَّه وخِزْيه وعاره على نفسه، دون غيره من سائر خلق الله"(2).
قال القرطبي: " أي عاقبته عائدة عليه. والكسب ما يجربه الإنسان إلى نفسه نفعا أو يدفع عنه به ضررا، ولهذا لا يسمى فعل الرب تعالى كسبا"(3).
قال القاسمي: " أي: فليتحرز عن تعريضها للعقاب"(4).
قال المراغي: أي: "فإنما كسبه وبال على نفسه وضرر لا نفع له فيه، كما يخطر على بال من يجهل عواقب الآثام فى الدنيا والآخرة، من فضيحة للآثم ومهانة له بين الناس وعند الحاكم العادل كما وقع لأصحاب هذه القصة الذين نزلت فى شأنهم هذه الآيات، ومن خزى فى الآخرة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم"(5).
قال الراغب: " الأصل في «الاكتساب» ما يجر به نفع، فاستعاره لما يجلب ضرا، تنبيها أن صاحبه يقدر فيما تحراه أنه يكسب خيرا وهو يكسب شرا، ونحوه معنى قوله: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] "(6).
قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 111]، أي:" وكان الله تعالى عليمًا بحقيقة أمر عباده، حكيمًا فيما يقضي به بين خلقه "(7).
قال الواحدي: أي: {عَلِيمًا} " بالسارق، {حَكِيمًا}: حكم بالقطع على طعمة في السرقة"(8).
قال البغوي: أي: " {عليما} بسارق الدرع، {حكيما}، حكم بالقطع على السارق"(9).
قال المراغي: " أي: إنه تعالى بعلمه الواسع حدد للناس شرائع يضرهم تجاوزها، وبحكمته جعل لها عقابا يضر المتجاوز لها، فهو إذا يضر نفسه ولا يضر الله شيئا"(10).
قال الطبري: أي: " وكان الله عالمًا بما تفعلون، أيها المجادلون عن الذين يختانون أنفسهم، في جدالكم عنهم وغير ذلك من أفعالِكم وأفعال غيركم، وهو يحصيها عليكم وعليهم، حتى يجازي جميعكم بها، وهو حكيم بسياستكم وتدبيركم وتدبير جميع خلقه"(11).
الفوائد:
1 -
تضمنت الآية الكريمة أن نفع العمل وضرره عائد إلى عامله لا إلى غيره، فإن التبعة شخصية، وكقوله تعالى:{وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164].
2 -
والآية تهديد ووعيد لهؤلاء المنافقين بأن الله لا يخفى عليه خداعهم، وأن رسوله صلى الله عليه وسلم في عصمة وحماية منه تعالى لا يتركه لخداعهم وخيانتهم، وأنه تعالى حكيم يضع الأمور في مواضعها.
القرآن
{وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112)} [النساء: 112]
التفسير:
ومن يعمل خطيئة بغير عمد، أو يرتكب ذنبًا متعمدًا ثم يقذف بما ارتكبه نفسًا بريئة لا جناية لها، فقد تحمَّل كذبًا وذنبًا بيّنا.
في سبب نزول الآية قولان:
أحدهما: قال ابن الجوزي: " جمهور العلماء على أنها نزلت متعلقة بقصة طعمة بن أبيرق"(12).
(1) الكشاف: 1/ 563.
(2)
تفسير الطبري: 9/ 196.
(3)
تفسير القرطبي: 5/ 380.
(4)
محاسن التاويل: 3/ 326.
(5)
تفسير المراغي: 5/ 150 - 151.
(6)
تفسير الراغب الاصفهاني: 2/ 1432.
(7)
التفسير الميسر: 96.
(8)
التفسير الوسيط: 2/ 114.
(9)
تفسير البغوي: 2/ 285.
(10)
تفسير المراغي: 5/ 150 - 151.
(11)
تفسير الطبري: 9/ 196.
(12)
زاد المسير: 1/ 468، وانظر: تفسير الثعلبي: 3/ 383.
والثاني: وروى الضحاك عن ابن عباس: "أنها نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول إذ رمى عائشة عليها السلام بالإفك"(1).
قلت: وهذا الخبر عن ابن عباس منكر جدا، لأن الضحاك لم يلق ابن عباس، ورواية الضحاك هو جويبر بن سعيد، وهو متروك. والصواب ما ذهب إليه الجمهور. والله أعلم.
قوله تعالى: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا} [النساء: 112]، أي:" ومن يعمل خطيئة بغير عمد أو يرتكب ذنبًا متعمدًا"(2).
قال ابن عباس: " يعني: السارق والذين جادلوا عن السارق"(3).
قال الزجاج: " قيل {إثماً}، لأن اللَّه قد سَمَّى بعضَ المعاصي خطايا، وسمى بَعْضَهَا آثاماً"(4).
قال الطبري: " وإنما فرق بين «الخطيئة» و «الإثم»، لأن «الخطيئة»، قد تكون من قبل العَمْد وغير العمد، و «الإثم» لا يكون إلا من العَمْد، ففصل جل ثناؤه لذلك بينهما فقال: ومن يأت خطيئة على غير عمد منه لها، {أو إثمًا} على عمد منه"(5).
قال الجصاص: " فإنه قد قيل في الفرق بين «الخطيئة» و «الإثم»، إن «الخطيئة» قد تكون من غير تعمد والإثم ما كان عن عمد فذكرهما جميعا ليبين حكمهما وأنه سواء كان تعمد أو غير تعمد"(6).
قال ابو علي الفارسي: " فالخطيئة تقع على الصغير والكبير، فمن الصغير قوله:{وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّين} [الشعراء: 82] ومن الكبير: {وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} [البقرة: 81] فهذا كبيرٌ.
فإن قلت: فكيف تقدير قوله: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً} [النساء: 112] والخطيئة قد وقعت على الصغيرة والكبيرة، والإثم كذلك، فكأنه بمنزلة من يكسب صغيراً أو صغيراً، أو من يكسب كبيراً أو كبيراً؟ .
قيل له: ليس المعنى كذلك، ولكنّ الإثم قد وقع في التنزيل على ما يقتطعه الإنسان من مال من لا يجوز له أن يقتطع من ماله. فإذا كان كذلك، جاز أن يكون التقدير: من يكسب ذنباً بينه وبين الله، أو ذنباً هو من مظالم العباد، فهما جنسان، فجاز دخول «أو» في الكلام، على أن المعنى: من يكسب أحد هذين الذنبين" (7).
قال الراغب: " الخطأ: العدول عن الجهة، وذلك أضرب:
أحدها: أن تريد غير ما تحسن إرادته فتفعله، وهذا هو الخطأ التام المأخوذ به الإنسان، يقال:
خطئ يخطأ، خطأ، وخطأة، قال تعالى:{إن قتلهم كان خطأ كبيرا} [الإسراء: 31]، وقال:
{وإن كنا لخاطئين} [يوسف: 91].
والثاني: أن يريد ما يحسن فعله، ولكن يقع منه خلاف ما يريد فيقال: أخطأ إخطاء فهو مخطئ، وهذا قد أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل، وهذا المعني بقوله عليه السلام:«رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» (8)، وبقوله:«من اجتهد فأخطأ فله أجر» (9)، وقوله عز وجل: ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة [النساء: 92]. والثالث: أن يريد ما لا يحسن فعله ويتفق منه خلافه، فهذا مخطئ في الإرادة ومصيب في الفعل، فهو مذموم بقصده وغير محمود على فعله، وهذا المعنى هو الذي أراده في قوله (10):
(1) زاد المسير: 1/ 468، وانظر: تفسير الثعلبي: 3/ 383.
(2)
التفسير الميسر: 96.
(3)
أخرجه ابن ابي حاتم (5950): ص 4/ 1063.
(4)
معاني القرآن/2/ 102.
(5)
تفسير الطبري: 9/ 170.
(6)
أحكام القرآن: 3/ 266.
(7)
الحجة للقرا السبعة: 2/ 309.
(8)
الحديث عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رفع الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» أخرجه أبو القاسم التميمي المعروف بأخي عاصم في فوائده، ورجاله ثقات غير أن فيه انقطاعا. وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير 11/ 133، والدارقطني 4/ 171، وابن ماجة 1/ 659، والحاكم 2/ 198، وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي، وضعفه الإمام أحمد، فقال عبد الله بن أحمد في العلل: سألت أبي عنه فأنكره جدا. وانظر: كشف الخفاء 2/ 135، والمقاصد الحسنة ص 228، وتخريج أحاديث اللمع للغماري ص 149.
(9)
الحديث عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر» . أخرجه البخاري 9/ 193 في كتاب الاعتصام بالسنة، ومسلم 15/ 1716 كتاب الأقضية، وأبو داود، معالم السنن 4/ 160، وانظر الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج للغماري ص 269.
(10)
البيت في البصائر 2/ 552 دون نسبة، وفي تفصيل النشأتين ص 109.
أردت مساءتي فاجتررت مسرتي
…
وقد يحسن الإنسان من حيث لا يدري
وجملة الأمر أن من أراد شيئا فاتفق منه غيره يقال: أخطأ، وإن وقع منه كما أراده يقال:
أصاب، وقد يقال لمن فعل فعلا لا يحسن، أو أراد إرادة لا تجمل: إنه أخطأ، ولهذا يقال: أصاب الخطأ، وأخطأ الصواب، وأصاب الصواب، وأخطأ الخطأ، وهذه اللفظة مشتركة كما ترى، مترددة بين معان يجب لمن يتحرى الحقائق أن يتأملها" (1).
قال الفراء: " يقال: كيف قال {به}، وقد ذكر الخطيئة والإثم؟ وذلك جائز أن يكنى عن الفعلين وأحدهما مؤنث بالتذكير والتوحيد، ولو كثر لجاز الكناية عنه بالتوحيد لأن الأفاعيل يقع عليها فعل واحد، فلذلك جاز، فإن شئت ضممت الخطيئة والإثم فجعلته كالواحد. وإن شئت جعلت الهاء للإثم خاصة كما قال: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} (2)، فجعله للتجارة"(3).
قال أبو عبيدة: " وقع اللفظ على {الإثم}، فذكّره، هذا فى لغة من خبّر عن آخر الكلمتين"(4).
قال الكلبي: "لما نزلت هذه الآيات التي تقدمت عرف قوم طعمة الظالم، فأقبلوا عليه وقالوا: بؤ بالذنب واتق الله، فقال: لا والذي يُحلف به ما سرقها إلا اليهودي، فأنزل الله: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً} يقول يمينه الكاذبة، {أَوْ إِثْمًا} سرقته الدرع، ورميه بها اليهودي"(5).
وقرأ معاذ بن جبل رضى الله عنه: «ومن يكسب» ، بكسر الكاف والسين المشددة وأصله يكتسب (6).
قوله تعالى: {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا} [النساء: 112]، أي:" ثم يقذف بما ارتكبه نفسًا بريئة لا جناية لها"(7).
قال ابن قتيبة: " أي: يقذف بما جناه بريئا منه"(8).
عن قتادة بن النعمان في قصة بني أبيرق: "فأنزل الله تعالى: {ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا}، قولهم: للبيد بن سهل"(9).
واختلف أهل التأويل فيمن عنى الله بقوله: {بريئًا} على أربعة اقوال:
أحدها: أنه رجل من المسلمين يقال له: لبيد بن سهل. وهذا قول قتادة بن النعمان (10).
والثاني: أنه رجل من اليهود يقال له: زيد بن السمين " (11). وهذا قول ابن عباس (12)، وقتادة (13)، وعكرمة (14)، وابن سرين (15).
والثالث: أنه أبو مليل الأنصاري (16).
والرابع: أنه يعني به عائشة-رضي الله عنها وان الرامي هو عبدالله بن سلول حيث كذب عليها وكان من ذلك. وهذا قول ابن عباس في رواية الضحاك (17).
قال الطبري: " أجمع أهل التأويل على أن الذي رمى البريءَ من الإثم الذي كان أتاه، ابن أبيرق"(18).
قوله تعالى: {فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 112]، أي:" فقد تحمَّل كذبًا وذنبًا بيّنا"(19).
قال ابن عباس: " {بُهْتَاناً}: عُقُوبَة بهتان عَظِيم، {وَإِثْماً مُّبِيناً}: وعقوبة ذَنْب بيِّن"(20).
(1) المفردات في غريب القرآن: 287.
(2)
[سورة الجمعة: 11].
(3)
معاني القرآن: 1/ 287.
(4)
مجاز القرآن: 1/ 139.
(5)
انظر: التفسير البسيط للواحدي: 7/ 82، وزاد المسير: 2/ 195، والبحر المحيط: 3/ 346، وتنوير المقباس بهامش المصحف:96.
(6)
انظر: الكشاف: 1/ 564.
(7)
التفسير الميسر: 96.
(8)
غريب القرآن: 135.
(9)
أخرجه ابن ابي حاتم (5951): ص 4/ 1063.
(10)
انظر: تفسير الطبري (10411): ص 177 - 181.
(11)
تفسير الطبري: 9/ 198.
(12)
انظر: تنوير المقباس من تفسير ابن عباس: 80.
(13)
انظر: تفسير الطبري (10412): ص 9/ 182 - 183.
(14)
انظر: تفسير الطبري (10416): ص 9/ 186 - 187.
(15)
انظر: تفسير الطبري (10425)، (10426): ص 9/ 198، وتفسير ابن ابي حاتم (5952): ص 4/ 1063.
(16)
انظر: المحرر الوجيز: 2/ 111.
(17)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 383.
(18)
تفسير الطبري: 9/ 179.
(19)
التفسير الميسر: 96.
(20)
تنوير المقباس: 80.
قال النسفي: أي: احنمل"كذبا عظيما، وذنبا ظاهرا، وهذا لأنه يكسب الإثم آثم ويرمى البرئ باهت فهو جامع بين الأمرين والبهتان كذب ببهت من قيل عليه مالا علم له به"(1).
قال الطبري: أي: " فقد تحمل - هذا الذي رمَى بما أتى من المعصية وركب من الإثم الخطيئة، مَنْ هو بريء مما رماه به من ذلك- {بهتانًا}، وهو الفرية والكذب، {وإثمًا مبينًا}، يعني وِزْرًا {مبينًا}، يعني: أنه يبين عن أمر متحمِّله وجراءته على ربه، وتقدّمه على خلافه فيما نهاه عنه لمن يعرف أمرَه"(2).
قال الزمخشري: " لأنه بكسب الإثم «آثم» وبرمي البريء «باهت» فهو جامع بين الأمرين"(3).
قال السمعاني: " فالبهتان: الكذب الذي يتحير منه الإنسان، وهو البهت، وأراد بالإثم المبين: اليمين الفاجرة"(4).
قال الجصاص: " إذ غير جائز له رمي غيره بما لا يعلمه منه"(5).
قال البيضاوي: وذلك" بسبب رمي البريء وتبرئة النفس الخاطئة، ولذلك سوى بينهما وإن كان مقترف أحدهما دون مقترف الآخر"(6).
قال ابن كثير: و" هذا التقريع وهذا التوبيخ عام فيهم وفي غيرهم ممن اتصف مثل صفتهم وارتكب مثل خطيئتهم، فعليه مثل عقوبتهم"(7).
قال ابن عطية: " وقوله تعالى: {فقد احتمل} تشبيه، إذ الذنوب ثقل ووزر، فهي كالمحمولات، و {بهتانا}، معناه: كذبا على البريء"(8).
قال الشوكاني: " لما كانت الذنوب لازمة لفاعلها كانت كالثقل الذي يحمل، ومثله: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: 13] "(9).
قال عطية العوفي: " أن رجلا يقال له: طعمة بن أبيرق سرق درعا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فألقاها في يت رجل، ثم قال لأصحاب له: انطلقوا فاعذروني عند النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الدرع قد وجد في بيت فلان فانطلقوا يعذرونه عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}، قال: بهتان: قذفه الرجل"(10)، " {وَإِثْمًا مُبِينًا}، قال: إثمه: سرقته"(11).
قال الزجاج: " البهتان " الكذبُ الذي يُتحيرُ من عِظَمِه وبيانه، يقال قد بَهَتَ فلان فلاناً
إذا كذب عليه، وقد بُهِت الرجل يُبْهَتُ إذَا تحيَّررقال اللَّه عز وجل:{فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} (12) " (13).
قال الواحدي: "البهتان: فهو من البَهْت، وهو استقبالك أخاك بأمر تصفه به، وهو منه بريء. والاسم: البهتان، قال (14):
أإن رأيتَ هامتي كالطَّستِ
…
ظَلِلْتَ ترمين بقولٍ بُهتِ" (15)
قال أبو السعود: " وقد اكتفي في بيان عظم البهتان بالتنكير التفخيمي كأنه قيل بهتانا لا يقادر قدره وإثما مبينا على أن وصف الإثم بما ذكر بمنزلة وصف البهتان به لأنهما عبارة عن أمر واحد هو رمى البرئ بجناية نفسه قد عبر عنه بهما تهويلا لأمره وتفظيعا لحاله فمدار العظم والفخامة كون المرمي به للرامي فإن رمى البرئ بجناية ما خطيئة كانت أو إثما بهتان وإثم في نفسه أما كونه بهتانا فظاهر وأما كونه إثما فلأن
(1) تفسير النسفي: 1/ 395.
(2)
تفسير الطبري: 9/ 198 - 199.
(3)
الكشاف: 1/ 564.
(4)
تفسير السمعاني: 1/ 477.
(5)
أحكام القرآن: 3/ 266.
(6)
تفسير البيضاوي: 2/ 96.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 410.
(8)
المحرر الوجيز: 2/ 111.
(9)
فتح القدير: 1/ 592.
(10)
أخرجه ابن ابي حاتم (5953): ص 4/ 1063.
(11)
أخرجه ابن ابي حاتم (5954): ص 4/ 1063.
(12)
[سورة البقرة: 258].
(13)
معاني القرآن/2/ 102.
(14)
لم اقف على قائله، الرجز بلا نسبة في لسان العرب، مادة"بهت": ص 2/ 13؛ وتهذيب اللغة 6/ 241؛ وكتاب العين 4/ 36، والتفسير البسيط للواحدي: 7/ 83.
(15)
التفسير البسيط: 7/ 83.
كون الذنب بالنسبة إلى من فعله خطيئة لا يلزم منه كونه بالنسبة إلى من نسبه الى البرئ منه أيضا كذلك بل لا يجوز ذلك قطعا كيف لا وهو كذب محرم في جميع الأديان فهو في نفسه بهتان وإثم لا محالة وبكون تلك الجناية للرامي يتضاعف ذلك شدة ويزداد قبحا لكن لا لانضمام جنايته المكسوبة الى رمى البرئ وإلا لكان الرمي بغير جناية مثله في العظم ولا لمجرد اشتماله على تبرئة نفسه الخاطئة وإلا لكان الرمي بغير جناية مع تبرئة نفسه كذلك في العظم بل لاشتماله على قصد تحميل جنايته على البرئ وإجراء عقوبتها عليه كما ينبئ عنه إيثار الاحتمال على الاكتساب ونحوه لما فيه من الإيذان بانعكاس تقديره على ما فيه من الإشعار بثقل الوزر وصعوبة الأمر نعم بما ذكر من انضمام كسبه وتبرئة نفسه الى رمى البرئ تزداد الجناية قبحا لكن تلك الزيادة وصف للمجموع لا للإثم" (1).
الفوائد:
1 -
إن صاحب البهتان مذموم في الدنيا أشد الذم، ومعاقب في الآخرة أشد العقاب، فقوله:{بُهْتَانًا} إشارة إلى الذم العظيم في الدنيا، وقوله:{وَإِثْمًا مُبِينًا} إشارة إلى العقاب الشديد في الآخرة.
2 -
لما كانت الذنوب لازمة لفاعلها .. كانت كالثقل الذي يحمل، فعبر عنه باحتمل، ومثله:{وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} .
وقد فشا هذا بين المسلمين في هذا الزمان، ولم يكن لهذا من سبب إلا ترك هداية الدين، وقلة الوازع النفسي والغفلة عن الأوامر والنواهي التي جاءت به الشريعة. والله المستعان.
القرآن
التفسير:
ولولا أن الله تعالى قد مَنَّ عليك -أيها الرسول- ورحمك بنعمة النبوة، فعصمك بتوفيقه بما أوحى إليك، لعزمت جماعة من الذين يخونون أنفسهم أن يُزِلُّوكَ عن طريق الحق، وما يُزِلُّونَ بذلك إلا أنفسهم، وما يقدرون على إيذائك لعصمة الله لك، وأنزل الله عليك القرآن والسنة المبينة له، وهداك إلى علم ما لم تكن تعلمه مِن قبل، وكان ما خصَّك الله به من فضلٍ أمرًا عظيمًا.
في سبب نزول الآية قولان:
أحدهما: أنها متعلقة بقصة طعمة وقومه، حيث لبسوا على النبي صلى الله عليه وسلم أمر صاحبهم، هذا قول ابن عباس من طريق ابن السائب (2). وهو قول اكثر أهل التفسير (3).
والثاني: أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: جئناك نبايعك على أن لا نحشر ولا نعشر، وعلى أن تمتعنا بالعزى سنة، فلم يجبهم، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس في رواية الضحاك (4).
قلت: وخبر وفد ثقيف ورد بسياق آخر مطول، وليس فيه نزول الآية-والله أعلم- (5).
قوله تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ} [النساء: 113]، أي:" ولولا أن الله تعالى قد مَنَّ عليك -أيها الرسول- ورحمك بنعمة النبوة، فعصمك بتوفيقه بما أوحى إليك"(6).
قال السمعاني: " هذا خطاب للرسول"(7).
قال الزمخشري: " أى: عصمته وألطافه وما أوحى إليك من الاطلاع على سرهم"(8).
(1) تفسير أبي السعود: 2/ 230 - 231.
(2)
انظر: زاد المسير: 1/ 469، وهذا واه، ابن السائب هو الكلبي كذبه غير واحد.
(3)
انظر: تفسير الماتريدي: 3/ 357 - 358، قال الماتريدي:" قال أكثر أهل التأويل: نزلت هذه الآية في شأن طعمة الذي سرق درع جار له بالذي سبق ذكره".
(4)
انظر: زاد المسير: 1/ 469. لا أصل له. عزاه المصنف للضحاك عن ابن عباس، والضحاك لم يلق ابن عباس، ورواية الضحاك هو جويبر بن سعيد، وهو متروك، وقد رويا عن ابن عباس تفسيرا مصنوعا.
(5)
انظر «طبقات» ابن سعد 1/ 237 - 238.
(6)
التفسير الميسر: 96.
(7)
تفسير السمعاني: 1/ 477.
(8)
الكشاف: 1/ 564.
قال الزجاج: " لولا فضل اللَّه عليك ورحمتُه بما أوحَى إليك، وأعلمك أمْرَ هذا السارق"(1).
عن ابي صالح قال ابن عباس: أي: " {ولولا فضل الله عليك}: بالنبوة، {ورحمته}، نصرك بالوحي"(2).
قوله تعالى: {لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ} [النساء: 113]، أي:" لعزمت جماعة من الذين يخونون أنفسهم أن يُزِلُّوكَ عن طريق الحق"(3).
قال السمعاني: " يعنى: قوم طعمه، هموا أن يلبسوا عليك؛ لتدافع عنه"(4).
قال الزمخشري: أي: " من بنى ظفر أن يضلوك عن القضاء بالحق وتوخى طريق العدل، مع علمهم بأن الجاني هو صاحبهم، فقد روى أن ناسا منهم كانوا يعلمون كنه القصة.
ويجوز أن يراد بالطائفة بنو ظفر، ويرجع الضمير في:{منهم} إلى «الناس» ، وقيل: الآية في المنافقين " (5).
قال يحيى بن سلام: " يعني: أن يستذلوك عن الحق. وقال في ص لداود: {فاحكم بَيْنَ الناس بالحق وَلا تَتَّبِعِ الهوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله}، يعني: فيستزلك الهوى عن طاعة الله في الحكم، من غير كفر"(6).
عن ابي صالح، قال ابن عباس: " يعني: أضمرت {طائفة} ، يعني: جماعة {منهم} ،
يعني: طعمة، {أن يضلوك} ، أي: يخطؤك " (7).
قال ابن أبي زمنين: {أَنْ يُضِلُّوكَ} : "قيل: أن يخطئوك في حكمك"(8).
قال الزجاج: " هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والطائِفة هُم طُعمَةُ هذا السارق، لأن بعضهم قد كان وقف على أنه سارق، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يَعذِرَه"(9).
وقال ابو هلال العسكري: قوله: {أَنْ يُضِلُّوكَ} : يعني: " أن يصدوك عن الإيمان ويردونك إلى الكفر"(10).
قال الماتريدي: " ويحتمل قوله: {أن يضلوك}، أي: يجهلوك في حكم السرقة"(11).
قال الجصاص: قوله: {أَنْ يُضِلُّوكَ} ، يعني:" بمسئلتهم معونة هذا الخائن، وقد قيل: إن هذه الطائفة التي سألت النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وأعانوا الخائن كانوا مسلمين ولم يكونوا أيضا على يقين من أمر الخائن وسرقته ولكنه لم يكن لهم الحكم جائزا على اليهودي بالسرقة لأجل وجود الدرع في داره فإن قيل كيف يكون الحكم على ظاهر الحال ضلالا إذا كان في الباطن خلافه وإنما على الحاكم الحكم بالظاهر دون الباطن قيل له لا يكون الحكم بظاهر الحال ضلال وإنما الضلال إبراء الخائن من غير حقيقة علم فإنما اجتهدوا أن يضلوه عن هذا المعنى"(12).
وفي قوله تعالى: {لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ} [النساء: 113]، وجهان من التفسير:
أحدهما: أن المعنى: فَبِفَضْلِ اللَّه ورحمته صرفَ اللَّه عنك أن تعمل ما هَمَّت به الطائفة. وهذا قول الزجاج (13).
والثاني: أن معنى: {أنْ يُضِلوكَ} : أن يُخَطِّئُوكَ في حُكْمِك. حكاه الزجاج عن بعضهم (14).
قوله تعالى: {وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} [النساء: 113]، أي:" وما يُزِلُّونَ بذلك إلا أنفسهم"(15).
قال السمعاني: " أي: يرجع وباله عليهم"(16).
قال مقاتل بن النعمان: " وما يضرونك، يعني: أسير بن عروة وأصحابه"(17).
(1) معاني القرآن: 2/ 104.
(2)
تفسير الثعلبي: 3/ 383.
(3)
التفسير الميسر: 96.
(4)
تفسير السمعاني: 1/ 477.
(5)
الكشاف: 1/ 564.
(6)
التصاريف لتفسير القرآن مما شاتبهت أسمائه وتصرفت معانيه: 345.
(7)
تفسير الثعلبي: 3/ 383.
(8)
تفسير ابن ابي زمنين: 1/ 405.
(9)
معاني القرآن: 2/ 103 - 104.
(10)
الوجوه والنظائر: 301.
(11)
تفسير الماتريدي: 3/ 358.
(12)
أحكام القرآن: 3/ 266.
(13)
انظر: معاني القرآن: 2/ 104.
(14)
انظر: معاني القرآن: 2/ 104.
(15)
التفسير الميسر: 96.
(16)
تفسير السمعاني: 1/ 477.
(17)
أخرجه ابن ابي حاتم (5955): ص 4/ 1064.
قال الزجاج: " أي: لأنهم هم يعملون عمل الضالين، واللَّه يعصم نبيه صلى الله عليه وسلم من متابعتهم، والِإضلال راجع عليهم وواقع بهم"(1).
عن ابي صالح، قال ابن عباس:" يقول: وما يخطئون إلا أنفسهم، وكان ضره على من شهد بغير حق"(2).
قوله تعالى: {وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ} [النساء: 113]، أي:" وما يقدرون على إيذائك لعصمة الله لك"(3).
قال السمعاني: " يعنى: ضرره عائد عليهم، ولا يضرك؛ لأنك معصوم"(4).
قال الزمخشري: " لأنك إنما عملت بظاهر الحال، وما كان يخطر ببالك أن الحقيقة على خلاف ذلك"(5).
قال الراغب: " والإضلال ضربان:
أحدهما: أن يكون سببه الضلال، وذلك على وجهين:
- إما بأن يضل عنك الشيء كقولك: أضللت البعير، أي: ضل عني.
- وإما أن تحكم بضلاله، والضلال في هذين سبب الإضلال.
والضرب الثاني: أن يكون الإضلال سببا للضلال، وهو أن يزين للإنسان الباطل ليضل كقوله:{لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} [النساء: 113]، أي: يتحرون أفعالا يقصدون بها أن تضل، فلا يحصل من فعلهم ذلك إلا ما فيه ضلال أنفسهم، وقال عن الشيطان:{ولأضلنهم ولأمنينهم} [النساء/ 119]، وقال في الشيطان:{وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً} [يس: 62]، {وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدا} [النساء: 60]، {وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ الله} [ص: 26] " (6).
قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [النساء: 113]، أي:" وأنزل الله عليك القرآن والسنة المبينة له"(7).
عن ابي صالح، قال ابن عباس:" يعني: القرآن والحكمة يعني القضاء بالوحي"(8).
قال الزجاج: " أي بيّن في كتابِه ما فيه الحكمة التي لا يقع لك مَعها ضَلَال"(9).
قال البيضاوي: " {الْكِتابَ}: القرآن، {وَالْحِكْمَةَ}: ما تكمل به نفوسهم من المعارف والأحكام"(10).
واختلفوا في معنى {الْحِكْمَةَ} على أقوال:
أحدها: أنها بيان ما في الكتاب، وإلهام الصواب، وإلقاء صحة الجواب في الروع، قاله أبو سليمان الدمشقي (11).
والثاني: القضاء بالوحي، قاله ابن عباس (12)، واختاره القرطبي (13).
والثالث: أنها الحلال والحرام. وهذا قول مقاتل (14).
والرابع: يعني القضاء والمواعظ. وهذا قول الكلبي (15).
والخامس: أنها السنّة. قاله قتادة (16)، والحسن (17)، ومقاتل بن حيان (18)، وأبو مالك (19)، والشافعي (20)، ويحيى بن كثير (21)، وغيرهم.
(1) معاني القرآن: 2/ 104.
(2)
تفسير الثعلبي: 3/ 383.
(3)
التفسير الميسر: 96.
(4)
تفسير السمعاني: 1/ 477.
(5)
الكشاف: 1/ 564.
(6)
المفردات في غريب القرآن: 511.
(7)
التفسير الميسر: 96.
(8)
تفسير الثعلبي: 3/ 383.
(9)
معاني القرآن: 2/ 104.
(10)
تفسير البيضاوي: 1/ 106.
(11)
انظر: زاد المسير: 1/ 470.
(12)
انظر: زاد المسير: 1/ 470.
(13)
انظر: تفسير القرطبي: 5/ 382.
(14)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 406.
(15)
انظر: تفسير السمرقندي: 1/ 338.
(16)
انظر: تفسير الطبري (2078): ص 3/ 87.
(17)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (6993): ص 4/ 1240.
(18)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (6993): ص 4/ 1240.
(19)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (6993): ص 4/ 1240.
(20)
انظر: تفسير ابن كثير: 1/ 444.
(21)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (6993): ص 4/ 1240.
والراجح-والله أعلم- أنها" ما كان في الكتاب مجملا ذكره، من حلاله وحرامه، وأمره ونهيه، وأحكامه، ووعده ووعيده "(1).
قال السمعاني: " قيل: أراد بالكتاب: القرآن، وبالحكمة: السنة"(2).
قوله تعالى: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} [النساء: 113]، أي:" وهداك إلى علم ما لم تكن تعلمه مِن قبل"(3).
قال السمعاني: " يعنى: من أحكام القرآن، وقيل: من علم الغيب، وقيل: علمك قدرك، ولم تكن تعلمه"(4).
قال الزمخشري: يعني: " من خفيات الأمور وضمائر القلوب، أو من أمور الدين والشرائع"(5).
عن ابي صالح، قال ابن عباس:" قبل الوحي"(6).
قال قتادة: " علمه الله بيان الدنيا والآخرة، بين حلاله وحرامه، ليحتج بذلك على خلقه"(7).
قال الضحاك: " علمه الخير والشر"(8).
قال ابن عباس: " أنه الشرع"(9).
قال مقاتل: " من أمر الكتاب وأمر الدين"(10).
قال أبو سليمان: "أخبار الأولين والآخرين"(11).
قوله تعالى: {وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113]، أي:" وكان ما خصَّك الله به من فضلٍ أمرًا عظيمًا"(12).
قال القرطبي: " يعني: من الشرائع والأحكام"(13).
قال الماتريدي: " فيما علمك من الأحكام، وعصمك بالنبوة والرسالة، وصرف عنك ضرر الأعداء"(14).
وفي قوله تعالى: {وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113]، أربعة وجوه:
أحدها: أنه المنة بالإيمان (15).
والثاني: المنة بالنبوة. عن ابن عباس في رواية ابي صالح (16).
والثالث: يعنى: النبوة والكتاب. قاله مقاتل (17).
والرابع: أنه عام في جميع الفضل الذي خصه الله به، قاله أبو سليمان (18).
(1) تفسير الطبري: 9/ 202
(2)
تفسير السمعاني: 1/ 477.
(3)
التفسير الميسر: 96.
(4)
تفسير السمعاني: 1/ 477.
(5)
الكشاف: 1/ 564.
(6)
تفسير الثعلبي: 3/ 383.
(7)
أخرجه ابن ابي حاتم (5957): ص 4/ 1064.
(8)
أخرجه ابن ابي حاتم (5958): ص 4/ 1064.
(9)
زاد المسير: 1/ 470.
(10)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 406.
(11)
زاد المسير: 1/ 470.
(12)
التفسير الميسر: 96.
(13)
تفسير القرطبي: 5/ 382.
(14)
تفسير الماتريدي: 3/ 359.
(15)
انظر: زاد المسير: 1/ 470.
(16)
تفسير الثعلبي: 3/ 383.
(17)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 406.
(18)
انظر: زاد المسير: 1/ 470.
الفوائد:
1 -
لا يكون الحكم بظاهر الحال ضلال وإنما الضلال إبراء الخائن من غير حقيقة علم فإنما اجتهدوا أن يضلوه.
2 -
أن الضلال نوعان:
- ضلال في العلم، وهو الجهل بالحق.
- وضلال في العمل، وهو العمل بغير ما يجب، فحفظ الله رسوله عن هذا النوع من الضلال.
3 -
إثبات عصمة الرسول-صلى الله عليه وسلم لقوله: {وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ} .
4 -
لا فضل أعظم من النبوة ونزول الوحي، قوله:{وكان فضل الله عليك عظيما} .
القرآن
التفسير:
لا نفع في كثير من كلام الناس سرّاً فيما بينهم، إلا إذا كان حديثًا داعيًا إلى بذل المعروف من الصدقة، أو الكلمة الطيبة، أو التوفيق بين الناس، ومن يفعل تلك الأمور طلبًا لرضا الله تعالى راجيًا ثوابه، فسوف نؤتيه ثوابًا جزيلا واسعًا.
قوله تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ} [النساء: 114]، أي:" لا نفع في كثير من كلام الناس سرّاً فيما بينهم"(1).
قال الطبري: أي: " لا خير في كثير من نجوى الناس جميعًا"(2).
قال الواحدي: " أَيْ: مسارَّتهم"(3).
قال ابن عباس: "هم قوم طعمة"(4).
وقال مقاتل: " يعني: قوم طعمة قيس بن زيد، وكنانة بن أبي الحقيق، وأبو رافع، وكلهم يهود حين تناجوا في أمر طعمة"(5).
وقال مجاهد: "هو عام في نجوى جميع الناس"(6).
قال السدي: " ثم ذكر مناجاتهم فيما يريدون أن يكذبوا عن طعمة، فقال: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة} "(7).
وروي عن مقاتل بن حيان أنه قال: "تناجوا في شأن طعمة بن أبيرق"(8).
قال الجصاص: " قال أهل اللغة «النجوى» هو الإسرار، فأبان تعالى أنه لا خير في كثير مما يستارون به"(9).
قال الزجاج: " المعنى: لا خير في كثير من نجواهم، أي مما يدبرونه
بينهم من الكلام، و «النجوي» في الكلام: " ما تنفرِدُ به الجماعة أو الاثنان سِرا كان أو ظاهراً، ومعنى نَجوْتُ الشيءَ في اللغة: خَلَّصتُه وألقيتُه، يقال نجوت الجلْدَ إذا ألقيتُه عن البعير وغيره، قال الشاعر (10):
فقلت انْجُوَا عنها نَجا الجِلْدِ إِنه
…
سَيُرْضِيكما منها سَنامٌ وغارِبُهْ
وقد نجوت فلاناً إذا استنكَهْتُه، قال الشاعر (11):
(1) التفسير الميسر: 97.
(2)
تفسير الطبري: 9/ 202.
(3)
الوجيز: 289.
(4)
زاد المسير: 1/ 470.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 406، وزاد المسير: 1/ 470.
(6)
زاد المسير: 1/ 470.
(7)
اخرجه ابن ابي حاتم (5959): ص 4/ 1065.
(8)
اخرجه ابن ابي حاتم (5959): ص 4/ 1065.
(9)
أحكام القرآن: 3/ 266.
(10)
(2) البيت لأبي الغمر الكلابي، وهو في شرح مقصورة ابن دريد لابن خالويه ص 433، والمجمل 3/ 857، وخزانة [استدراك] الأدب 4/ 358، والمقصور والممدود للفراء ص 23، وغريب الحديث للخطابي 2/ 374، ولم يعرفه المحقق وقيل: هو لعبد الرحمن بن حسان يخاطب ضيفين طرقاه.
(11)
البيت للحكم بن عبدل، وهو في المجمل 3/ 858، وشرح المقصورة لابن خالويه ص 433، واللسان (نجا).
نَجَوْتُ مُجالِداً فوَجَدْتُ منه
…
كريح الكلب ماتَ حَديثَ عَهْدِ
ونجوت الوَبَرَ واستنجيته إذا خلصتَه، قال الشاعر (1):
فَتَبازَتْ فَتَبازَخْتُ لهَا
…
جِلْسةَ الأعسرِ يَسْتَنْجِي الوَتَرْ
وأصله كله من النجوة، وهُوَ ما ارتفع من الأرض، قال الشاعر (2):
فَمَنْ بِنَجْوَتِه كمَنْ بِعَقْوته
…
والمُستَكِنُّ كمَنْ يَمْشِي بقِرواحِ
ويقال: ما أنجى فلان شيئاً وما نجا شيئاً منذ أيام، أيْ لَم يَدْخُل
الغائِط" (3).
قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 114]، أي:" إلا إذا كان حديثًا داعيًا إلى بذل المعروف من الصدقة، أو الكلمة الطيبة، أو التوفيق بين الناس"(4).
قال عبدالرحمن بان زيد بن أسلم: " من جاء يناجيك في هذا فاقبل مناجاته، ومن جاء يناجيك في غير هذا فاقطع أنت ذلك عنه لا تناجيه"(5).
قال الطبري: " أي: " إلا فيمن أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، فإن أولئك فيهم الخير، و «المعروف» ، هو كل ما أمر الله به أو ندب إليه من أعمال البر والخير، {أو إصلاح بين الناس} ، وهو الإصلاح بين المتباينين أو المختصمين، بما أباح الله الإصلاح بينهما، ليتراجعا إلى ما فيه الألفة واجتماع الكلمة، على ما أذن الله وأمر به" (6).
وفي معنى المعروف في هذه الىية قولان:
أحدهما: انه القرض. وهذا قول ابن عباس (7)، ومقاتل بن حيان (8)، وسعيد بن عبدالعزيز (9)، ومقاتل بن سليمان (10).
والثاني: أنه عام في جميع أفعال البر. وهذا قول القاضي أبي يعلى، وأبي سليمان الدمشقي (11).
قال القرطبي: والأصح أن" المعروف لفظ يعم أعمال البر كلها"(12).
قال الجصاص: " وكل أعمال البر معروف لاعتراف العقول بها لأن العقول تعترف بالحق من جهة إقرارها به والتزامها له وتنكر الباطل من جهة زجرها عنه وتبريها منه ومن جهة أخرى سمى أعمال البر معروفا وهو أن أهل الفضل والدين يعرفون الخير لملابستهم إياه وعلمهم به ولا يعرفون الشر بمثل معرفتهم بالخير لأنهم لا يلابسونه ولا يعلمون به فسمى أعمال البر معروفا والشر منكرا"(13).
قال عبد الله بن حبيب: " كنت عند محمد بن كعب فقال له محمد: أين كنت؟ قال: كان بين قومي شيء فأصلحت بينهم. قال: أصبحت لك مثل أجر المجاهدين في سبيل الله، ثم قرأ {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس} "(14).
وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل معروف صدقة وكل ما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له صدقة، وما وقى الرجل به عرضه كتب له بها صدقة"، قلت: ما يعني وقى
(1) لم أتعرف على قائله، والبيت في معاني القرآن للزجاج: 2/ 105، وتفسير الثعلبي: 3/ 384.
(2)
وهو في «اللسان» لعبيد بن الأبرص وفي «ديوانه» 53، والعقوة:
الساحة وما حول الدار والمحلة، والقرواح: البارز الذي ليس يستره من السماء شيء. وقيل: الناقة الطويلة.
وكذلك النخلة الطويلة يقال لها: قرواح.
(3)
معاني القرآن: 2/ 105 - 106.
(4)
التفسير الميسر: 97.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (5960): ص 4/ 1065.
(6)
تفسير الطبري: 9/ 201 - 202.
(7)
زاد المسير: 1/ 470.
(8)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5961): ص 4/ 1065.
(9)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5961): ص 4/ 1065.
(10)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 406.
(11)
انظر: زاد المسير: 1/ 471.
(12)
تفسير القرطبي: 5/ 383.
(13)
أحكام القرآن: 3/ 266.
(14)
أخرجه ابن ابي حاتم (5962): ص 4/ 1065.
الرجل عرضه؟ قال: "ما أعطى الشاعر وذا اللسان للمتقى، وما أنفق المؤمن من نفقة فعلى الله خلفها ضامنا إلا ما كان من نفقة في بنيان أو في معصية الله عز وجل"(1).
قال أبو عبيدة: " فالنجوى فعل والأمر بالصدقة ليس من نجواهم التي لا خير فيها. إلا أن يكونوا يأمرون بصدقة أو معروف، والنّجوى: فعل، و «من»: اسم، قال النابغة (2):
وقد خفت حتى ما تزيد مخافتى
…
على وعل فى ذى القفارة عاقل
والمخافة: فعل، والوعل اسم" (3).
وقوله: " {إلا من أمر بصدقة}، فيجوز أن يكون بمعنى: إلا في نجوى من أمر بصدقة، ويجوز أن يكون استثناء ليس من الأول، فيكون بمعنى: لكن من أمر بصدقة، ففي نجواهم خير."(4).
قال ابن العربي: " يحتمل أن يكون النجوى مصدرا، كالبلوى والعدوى، ويحتمل أن يكون اسما للمنتجين كما قال: {وإذ هم نجوى} [الإسراء: 47]. فإن كان بمعنى المنتجين فقوله: {إلا من أمر بصدقة} [النساء: 114] استثناء شخص من شخص، وإن كان مصدرا جاز الاستثناء على حذف تقديره: إلا نجوى من أمر بصدقة"(5).
قال الراغب: " يقال: لكل ما يستحسنه العقل ويعترف به «معروف»، ولكل ما يستقبحه وينكره «منكر»، ووجه ذلك أن الله ركز في العقول معرفة الخير والشر وإليها أشار بقوله: {صِبْغَةَ اللَّهِ} [البقرة: 138]، و {فِطْرَتَ اللَّهِ} [الروم: 30]، وعلى ذلك البر: ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، واطمئنانها إليه لمعرفتها به"(6).
قوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [النساء: 114]، أي:" ومن يفعل تلك الأمور طلبًا لرضا الله تعالى راجيًا ثوابه"(7).
قال مقاتل بن حيان: " {ومن يفعل}، ذلك تصدق أو أقرض أو أصلح بين الناس ابتغاء مرضات الله، {فسوف نؤتيه أجرا عظيما} "(8).
قوله تعالى: {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114]، أي:" فسوف نؤتيه ثوابًا جزيلا واسعًا"(9).
قال مقاتل: " يعني: جزاء عظيما"(10).
قال البيضاوي: " بني الكلام على الأمر ورتب الجزاء على الفعل ليدل على أنه لما دخل الآمر في زمرة الخيرين كان الفاعل أدخل فيهم، وأن العمدة والغرض هو الفعل واعتبار الأمر من حيث إنه وصلة إليه، وقيد الفعل بأن يقول لطلب مرضاة الله سبحانه وتعالى، لأن الأعمال بالنيات وأن كل من فعل خيرا رياء وسمعة لم يستحق به من الله أجرا. ووصف الأجر بالعظم تنبيها على حقارة ما فات في جنبه من أعراض الدنيا"(11).
وقرأ حمزة وأبو عمرو: «يؤتيه» ، بالياء (12).
الفوائد:
(1) أخرجه الدارقطني: 3/ 28، وعبد بن حميد في المنتخب برقم (1083) ص (327)، وصححه الحاكم: 2/ 50 فتعقبه الذهبي بقوله: "عبد الحميد بن الحسن الهلالي ضعفه الجمهور"، وابن عدي في الكامل: 3/ 1254، والمصنف في شرح السنة: 6/ 146، وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة برقم (898): 2/ 301، وقال:"لكن الجملتان الأوليان من الحديث صحيحتان لأن لهما شواهد كثيرة في الصحيحة وغيرها".
(2)
البيت من الطويل، وهو في ديوان النابغة الذبياني ص 144، وأمالي المرتضى 1/ 202، ومعجم ما استعجم ص 1026، وأمالي ابن الشجري 1/ 191، ومجمع البيان 1/ 262، 255، ومجاز القرآن 1/ 65، وما اتفق لفظه واختلف معناه للمبرد ص 32، والبيت بلا نسبة في أمالي المرتضى 1/ 216، والإنصاف 1/ 372، ولسان العرب (خوف)، ومجالس ثعلب ص 618، والمقتضب 3/ 231، ومعاني القرآن للفراء 1/ 99، والأضداد ص 328.
(3)
مجاز القرآن: 1/ 139.
(4)
زاد المسير: 1/ 470.
(5)
أحكام القرآن: 1/ 627.
(6)
تفسير الراغب الاصفهاني: 4/ 148.
(7)
التفسير الميسر: 97.
(8)
أخرجه ابن ابي حاتم (5963): ص 4/ 1065.
(9)
التفسير الميسر: 97.
(10)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 406.
(11)
تفسيرالبيضاوي: 3/ 96.
(12)
انظر: تفسيرالبيضاوي: 3/ 96.
1 -
حرمة تناجي اثنين دون الثالث لثبوت ذلك في السنة.
2 -
الاجتماعات السرية لا خير فيها إلا اجماعاً كان لجمع صدقة، أو لأمر بمعروف أو إصلاح بين متنازعين من المسلمين مختلفين.
القرآن
التفسير:
ومن يخالف الرسول صلى الله عليه وسلم من بعد ما ظهر له الحق، ويسلك طريقًا غير طريق المؤمنين، وما هم عليه من الحق، نتركه وما توجَّه إليه، فلا نوفقه للخير، وندخله نار جهنم يقاسي حرَّها، وبئس هذا المرجع والمآل.
في سبب نزول الآية قولان:
أحدهما: قال السدي: " فلما فضح الله طعمة في المدينة، فنقب بيت الحجاج، فأراد أن يسرقه فسمع الحجاج خشخشة في بيته وقعقعة جلود كانت عنده، فنظر فإذا هو طعمة، فقال: ضيفي وابن عمي وأردت سرقتي، فأخرجه فمات بحرة بني سليم كافرا، فأنزل الله تعالى فيه: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} "(1). وذكروا عن الكلبي نحو ذلك (2).
والثاني: وعن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: "نزلت هذه الآية في نفر من قريش، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ودخلوا في الإسلام، فأعطاهم رسول الله ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين ورجعوا إلى عبادة الأوثان، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} "(3).
وذكر السمرقندي عن الضحاك: "قدم نفر من قريش المدينة وأسلموا، ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين، فنزلت هذه الآية"(4).
والراجح-والله أعلم- أنها نزلت "في الخائنين الذين ذكرهم الله في قوله: {ولا تكن للخائنين خصيمًا}، لما أبى التوبة من أبى منهم، وهو طعمة بن الأبيرق، ولحق بالمشركين من عبدة الأوثان بمكة مرتدًّا، مفارقًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه"(5).
وقال القرطبي: " والآية وإن نزلت في سارق الدرع أو غيره، فهي عامة في كل من خالف طريق المسلمين"(6).
قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} [النساء: 115]، أي:" ومن يخالف الرسول صلى الله عليه وسلم من بعد ما ظهر له الحق"(7).
قال السمرقندي: " يعني: يخالفه في التوحيد، من بعد ما تبين لهم التوحيد"(8).
قال الطبري: أي: " ومن يباين الرسولَ محمدًا صلى الله عليه وسلم، معاديًا له، فيفارقه على العداوة له، من بعد ما تبين له أنه رسول الله، وأن ما جاء به من عند الله يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم"(9).
قال ابن كثير: " أي: ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم، فصار في شق والشرع في شق، وذلك عن عَمْد منه بعدما ظهر له الحق وتبين له واتضح له"(10).
قال الزجاج: " لأن طعمة هذا كان قد تبين لصه ما أوْحَى اللَّهُ إلى نبيه في أمرِه، وأظهر
مِنْ سَرِقَتِه في الآية ما فيه بَلَاغ، فعَادى النبي صلى الله عليه وسلم وصار إلى مكة، وأقام مع المشركين" (11).
(1) اخرجه ابن ابي حاتم (5967): ص 4/ 1066.
(2)
انظر: تفسير السمرقندي: 1/ 338.
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 386.
(4)
تفسير السمرقندي: 1/ 338.
(5)
تفسير الطبري: 9/ 405.
(6)
تفسير القرطبي: 5/ 385.
(7)
التفسير الميسر: 97.
(8)
تفسير السمرقندي: 1/ 338.
(9)
تفسير الطبري: 9/ 204.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 412.
(11)
معاني القرآن: 2/ 106.
قال مقاتل: " {يشاقق}، يعني: يخالف"(1).
قال ابن زمنين: {يشاقق} ، "أي: يخالف" (2).
قال الراغب: " الشق: القطع طولا ومنه استعير: الاشتقاق، وشق العصا، وشق عليه الأمر، كقولهم: مشقة الأمر وشق كرددت عصاه، ومشاقة الرسول أن يصير في شق غير شقة كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 5، 20]، أي: يصيرون في حد غير حده، وذلك أشبه بالاعتقاد والديانة"(3).
قوله تعالى: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 115]، أي:" ويسلك طريقًا غير طريق المؤمنين"(4).
قال مقاتل: " يعني: غير دين المؤمنين"(5).
قال الطبري: " يقول: ويتبع طريقًا غير طريق أهل التصديق، ويسلك منهاجًا غير منهاجهم، وذلك هو الكفر بالله، لأن الكفر بالله ورسوله غير سبيل المؤمنين وغير منهاجهم"(6).
قال السمرقندي: " أي: يتبع دينا غير دين المؤمنين، ويقال: يتبع طريقا أو مذهبا غير طريق المؤمنين"(7).
قال ابن كثير: " هذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، وقد تكون لما أجمعت عليه الأمة المحمدية، فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقًا، فإنه قد ضُمِنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ، تشريفًا لهم وتعظيما لنبيهم صلى الله عليه وسلم. وقد وردت في ذلك أحاديث صحيحة كثيرة، قد ذكرنا منها طرفًا صالحًا في كتاب "أحاديث الأصول"، ومن العلماء من ادعى تواتر معناها، والذي عول عليه الشافعي، رحمه الله، في الاحتجاج على كون الإجماع حجة تَحْرُم مخالفته هذه الآية الكريمة، بعد التروي والفكر الطويل. وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها، وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك واستبعد الدلالة منها على ذلك"(8).
قوله تعالى: {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} [النساء: 115]، أي:" نتركه وما توجَّه إليه، فلا نوفقه للخير"(9).
قال الزجاج: " نَدَعة ومَا اختار لنفسه في الدنيا لأن اللَّه جلَّ وعزَّ وعد بالعذاب في الآخرة"(10).
قال مجاهد: "من آلهة الباطل"(11). وذكر مقاتل نحوه (12).
وقال الكلبي: " يعني: نوله في الآخرة ما تولى في الدنيا"(13).
قال ابن كثير: " أي: إذا سلك هذه الطريق جازيناه على ذلك، بأن نحسنها في صدره ونزينها له - استدراجًا له - كما قال تعالى: {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ} [القلم: 44]. وقال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5]. وقوله {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 110] "(14).
قرأ حمزة وعاصم وأبو عمرو: «نوله» ، بجزم الهاء، وقرأ الباقون بالكسر، وهما لغتان (15).
قوله تعالى: {وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ} [النساء: 115]، أي:" وندخله نار جهنم يقاسي حرَّها"(16).
قال الطبري: " يعني: نحرقه بها"(17).
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 407.
(2)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 406.
(3)
تفسير الراغب الأصفهاني: 4/ 151.
(4)
التفسير الميسر: 97.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 407.
(6)
تفسير الطبري: 9/ 204 - 205.
(7)
تفسير السمرقندي: 1/ 328.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 412 - 413.
(9)
التفسير الميسر: 97.
(10)
معاني القرآن: 2/ 107.
(11)
أخرجه الطبري (10427)، و (10428): ص 9/ 205.
(12)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 407.
(13)
تفسير السمرقندي: 1/ 338.
(14)
تفسير ابن كثير: 2/ 413.
(15)
انظر: تفسير السمرقندي: 1/ 339.
(16)
التفسير الميسر: 97.
(17)
تفسيرالطبري: 9/ 405.
قال الواحدي: " نلزمه جهنم، وأصله: «الصِّلا»، وهو لزوم النار للاستدفاء"(1).
وقال الفراء: " «الصِّلاء» : اسم للوقود، وهو الصلا، إذا كسرت مددت، وإذا فتحت قصرت، قال ابن حلزة (2):
فتنورت نارها من بعيدٍ
…
بخَزازَى هيهات منك الصَّلاء" (3)
قال الراغب: وأصل «الصلا» : الملازمة، ومنه الصلاة للدعاء ومن أجله قول النبي صلى الله عليه وسلم:«ايصلوا يا ذا الجلال والإكرام» (4)، أي: الزموا مراعاة ذلك.
و«الصلا» : ملازمة قرب النار للاصطلاء بها، فجعل عبارة عن ملازمتها للعذاب، والصلوان العرقان المكتنفان لجانبي الوركين، يجوز أنه اعتبر فيهما الاصطلاء كتسمية اليد والرجل المصطلى" (5).
قرأ حمزة وعاصم وأبو عمرو: «نصله» ، بجزم الهاء، وقرأ الباقون بالكسر، وهما لغتان (6).
قوله تعالى: {وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]، أي:" وبئس هذا المرجع والمآل"(7).
قال الثعلبي: " يعني: بئس المنزل حلوا به يوم القيامة"(8).
قال الواحدي: " وكذلك ساءت جهنم موضعًا يصار إليه"(9).
قال ابن كثير: " وجعل النار مصيره في الآخرة، لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة، كما قال تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ. مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 22، 23]. وقال: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا} [الكهف: 53] "(10).
قال مالك: " كان عمر بن عبد العزيز يقول: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر فيما خالفها، من اقتدى بها مهتد ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، ولاه الله ما تولى وصلاه جهنم وساءت مصيرا"(11).
قال الواحدي: "قال بعض المفسرين ان هذا [يعني: قوله تعالى: {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى}]، منسوخ بآية السيف، لأنه لا يقرُّ الآن عابد لوثن على ما هو عليه، ولا يولى ما تولَّى"(12).
قلت: ولم أجد هذا القول في كتب التفسير ولا "الناسخ والمنسوخ".
الفوائد:
1 -
حرمة الخروج عن أهل السنة والجماعة، واتباع الفرق الضالة التي لا تمثل الإسلام إلا في دوائر ضيقة كالروافض ونحوهم.
2 -
ذمهم على ترك اتباع سبيل المؤمنين كما ذمهم على ترك الإيمان ودل بذلك على صحة حجة الإجماع لأنه لولا أن ذلك لازم لما ذمهم على تركه ولما قرنه إلى مشاقة رسول الله صلى الله عليه وسلم (13).
3 -
في الآية دليل إن الإجماع حجة، لأن من خالف الإجماع فقد خالف سبيل المؤمنين (14).
قال الواحدي: " قال العلماء: هذه الآية من أقوى الحجج على صحة الإجماع، واحتج به الشافعي رحمه الله، وكان قد سئل عن دليل من كتاب الله على صحة الإجماع، فتلا هذه الآية (15).
(1) التفسير البسيط: 7/ 92 - 93.
(2)
البيت من معلقة الحارث بن حلزة اليشكري كما في "شرح القصائد المشهورات" للنحاس: 2/ 55، "شرح المعلقات" للزوزني ص 156. قال النحاس: تنورتُ النار إذا نظرتها بالليل .. وخزازى اسم موضع. والشاهد منه: الصلاء كسرت الصاد فجاءت الكلمة ممدودة ..
(3)
انظر: "المقصور والممدود" للفراء ص 36، 37، 62، "اللسان" 4/ 2491 (صلا)، والتفسير البسيط للواحدي: 6/ 351.
(4)
لم اقف عليه، وقد روي عن انس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام". أخرجه أحمد (17739): ص 4/ 177، والنسائي في الكبرى (7669)، و (11499)، والترمذي (3524).
(5)
تفسير الراغب الأصفهاني: 4/ 151.
(6)
انظر: تفسير السمرقندي: 1/ 339.
(7)
التفسير الميسر: 97.
(8)
تفسير الثعلبي: 3/ 386.
(9)
التفسير البسيط: 7/ 93.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 413.
(11)
أخرجه ابن ابي حاتم (5969): ص 4/ 1067.
(12)
التفسير البسيط للواحدي: 7/ 92.
(13)
احكام القرآن للجصاص: 3/ 228.
(14)
انظر: تفسير السمرقندي: 1/ 338.
(15)
ورد في "الرسالة" ص 471 - 476، سؤال للشافعي عن حجية الإجماع، وأجاب الشافعي رحمه الله عن ذلك محتجًا بالسنة والنظر، لكن لم يرد ذكر لهذِه الآية. وقد ذكر احتجاج الشافعي بهذِه الآية على الإجماع: الآمدي في الأحكام 1/ 200، وأبو حيان في "البحر المحيط" 3/ 350، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 413.
ووجه الاحتجاج هو أن الله تعالى أوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين، كما أوعد على مشاقة الرسول عليه السلام، فسوى بين مخالفة سبيل المؤمنين وبين مشاقة الرسول بعد تبين الهدى، والآية وإن نزلت في خائن الدرع فهي عامة لكل من لزمه هذا الوصف" (1).
القرآن
التفسير:
إن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون الشرك من الذنوب لمن يشاء من عباده. ومن يجعل لله تعالى الواحد الأحد شريكًا من خلقه، فقد بَعُدَ عن الحق بعدًا كبيرًا.
في سبب نزول الآية ثلاثة اقوال:
أحدها: أنها نزلت في حق طعمة بن أبيرق لما هرب من مكة، ومات على الشرك، وهذا قول الجمهور (2)، منهم سعيد بن جبير (3).
والثاني: وعن الضحاك عن ابن عباس: "إن شيخا من الاعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبي الله أني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا إلا إني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته، وآمنت به ولم اتخذ من دونه وليا ولم أواقع المعاصي جرأة على الله ولا مكابرة له ولا توهمت طرفة عين، إني أعجز الله هربا وإني لنادم تائب مستغفر فما حالي عند الله؟ فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} "(4).
والثالث: قال الثعلبي: "ويقال: إنه نزل في حرة بني سليم وكان يعبد صنما لهم إلى إن مات، فأنزل الله فيه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدً} ا"(5).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 116]، أي:"إن الله لايغفر ذنب الشرك"(6).
قال الزمخشري: " تكرير للتأكيد، وقيل: كرر لقصة طعمة: وروى: أنه مات مشركا"(7).
قال ابن عباس: " فحرم الله المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجاها أهل التوحيد إلى مشيئته فلم يؤيسهم من المغفرة"(8).
قال جابر بن عبد الله: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من عبد يموت لا يشرك بالله شيئا إلا حلت له المغفرة إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه قال: إن الله استثنى، فقال: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} "(9). قال جابر بن عبد الله: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من نفس تموت لا تشرك بالله شيئا إلا حلت لها المغفرة إن شاء الله عذبها، وإن شاء الله غفر لها، {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} الآية"(10).
وعن عمران بن حصين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، الإشراك بالله، {ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما} "(11).
وقد روى الترمذي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "ما في القرآن آية أحب إليَّ من هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} "(12).
(1) التفسير البسيط: 7/ 91، وانظر: انظر: "بحر العلوم" 1/ 387، و"الكشف والبيان" 3/ 386، و"الأحكام" للآمدي 1/ 200، والقرطبي 5/ 386، وابن كثير 2/ 412 - 413.
(2)
انظر: زاد المسير: 1/ 472.
(3)
انظر: زاد المسير: 1/ 472.
(4)
تفسير الثعلبي: 3/ 386، وانظر: زاد المسير: 1/ 472.
(5)
تفسير الثعلبي: 3/ 386.
(6)
صفوة التفاسير: 281.
(7)
الكشاف: 1/ 565.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (5423): ص 3/ 970.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (5420): ص 3/ 970.
(10)
أخرجه ابن ابي حاتم (5425): ص 3/ 971.
(11)
أخرجه ابن ابي حاتم (5429): ص 3/ 971.
(12)
سنن الترمذي برقم (3037)، ثم قال:"حسن غريب".
قال السمعاني: " فإن قال قائل: قد قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} وقال في موضع آخر: {إن الله يغفر الذنوب جميعا} فكيف وجه الجمع؟
قيل أراد به: يغفر الذنوب جميعا سوى الشرك" (1).
قال أبو هلال العسكري: " أصل الشرك: إضافة الشيء إلى مثله، ومنه قيل: شراكا النعل، لأن كل واحد منها يشبه الآخر، وشراك الطريق مشبه بشراك النعل، وأشرك بالله عبد معه غيره؛ لأنه أضافه إليه وشبهه به"(2).
قال المراغي: " تقدم هذا النص بعينه فى غرض آخر من هذه السورة، وأعاد هنا مرة أخرى، لأنه إنما ترجى الهداية والموعظة بإبراز المعاني التي يراد إيداعها فى نفوس السامعين فى كل سياق يقصد فيه توجيها إليها وإعدادها لقبولها، ولن يتم ذلك إلا بتكرار المقاصد الأساسية من تلك المعاني حتى تتمكن فى النفوس بذلك التكرار، ومن ثم نرى رجال الدين والسياسة الذين عرفوا سنن الاجتماع وفهموا طبائع البشر وأخلاقهم يكررون فى خطبهم ومقالاتهم، أغراضهم ومقاصدهم التي ينشرونها فى الصحف والكتب، فإن الذهن إذا تكرر عليه مدح الشيء أو ذمه أثر فيه.
المعنى- أكد الله لعباده أنه لا يغفر البتة لأحد أشرك به سواه، وأنه قد يغفر لمن يشاء من المذنبين مادون الشرك من الذنوب فلا يعذبهم عليه.
ذاك أن الشرك هو منتهى فساد الأرواح وضلال العقول، فكل خير يلابسه لا يقوى على إضعاف مفاسده وآثامه والعروج بها إلى جوار ربها، إذ أنها تكون موزعة بين شركاء يحولون بينها وبين الخلوص إليه عز وجل، والله لا يقبل إلا ما كان خالصا له.
وبعض الناس ممن يسمون أنفسهم بالموحدين يفعلون كما يفعل سائر المشركين، فيدعون حين يشتد الكرب ويعظم الخطب غير الله وحده أو مع الله ولا يسمون عملهم دعاء، بل يسمونه توسلا واستشفاعا، ويسمون من يدعونهم أولياء وشفعاء، ولو لم يكن منهم إلا هذا الدعاء لقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، لكفى ذلك عبادة وشركا بالله.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «الدعاء هو العبادة» (3)، أي: إن العبادة جد العبادة إنما تكون فى الدعاء الذي يفيض على اللسان من قرارة النفس حين وقوع الخطب، واشتداد الكرب، وهذا ما تسمعه من أصحاب الحاجات، عند حدوث الملمات، وفى هياكل العبادات، ولدى قبور الأموات، فكل ذلك يمثل الخشوع والخضوع، ويذرف من العين الدموع «ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله» .
وما عدا هذا الدعاء من العبادات، جله يفعل بالتعليم، ويكون فى الغالب خاليا من الشعور الذي به يكون القول أو الفعل عبادة، إذ هو خال من معنى العبادة وروحها وهو الشعور بالسلطة الغيبية التي هى وراء الأسباب العادية، ولا سيما الأدعية التي تكون فى الصلوات أو فى غير الصلوات، إذ نرى الحافظ لها يحرك بها لسانه وقلبه مشغول بشواغل أخرى، فمثل هذا لا يمثل العبادة الحقة التي تملأ القلب نورا، والنفس استسلاما وخضوعا، والروح طهارة وزكاء" (4).
قوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 116]، أي:" ويتجاوز ويعفو عمّا دون الشرك من الذنوب لمن يشاء من عباده"(5).
قال مقاتل: أي: " لمن مات موحدا فمشيئته- تبارك وتعالى لأهل التوحيد"(6).
قوله تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 116]، أي:" ومن يجعل لله تعالى الواحد الأحد شريكًا من خلقه، فقد بَعُدَ عن الحق بعدًا كبيرًا"(7).
(1) تفسير السمعاني: 1/ 434.
(2)
الوجوه والنظائر: 265 - 266. [بتصرف] ..
(3)
أخرجه أحمد (18542): ص 4/ 267، و (18576): ص 4/ 271/ و (18581)، و (18623)، و (18627)، و (18628): ص 4/ 276 - 277، والبخاري في الادب المفرد (714)، وابن ماجة (382)، والترمذي (2969)، و (3247)، و (3372)، والنسائي في الكبرى (11400).
(4)
تفسير المراغي: 5/ 158.
(5)
التفسير الميسر: 97. [بتصرف]
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 377.
(7)
التفسير الميسر: 97.
قال البغوي: " أي: ذهب عن الطريق وحرم الخير كله"(1).
قال ابن كثير: " أي: فقد سلك غير الطريق الحق، وضل عن الهدى وبعد عن الصواب، وأهلك نفسه وخسرها في الدنيا والآخرة، وفاتته سعادة الدنيا والآخرة"(2).
قال المراغي: أي: "ومن يشرك بالله شيئا فيدعوه معه ويذكر اسمه مع اسمه، أو يدعوه وحده ملاحظا أنه يقر به إليه زلفى- فقد ضل عن القصد، وبعد عن سبيل الرشد ضلالا بعيدا فى سبيل الغواية، لأنه ضلال يفسد العقل، ويكدر صفاء الروح ويجعله يخضع لعبد مثله، ويخضع أمام مخلوق يحاكيه ويكون عبدا للخرافات والأوهام"(3).
قال البيضاوي: " فإن الشرك أعظم أنواع الضلالة وأبعدها عن الصواب والاستقامة، وإنما ذكر في الآية الأولى، {فَقَدِ افْتَرَى} [النساء: 48]، لأنها متصلة بقصة أهل الكتاب، ومنشأ شركهم كان نوع افتراء وهو دعوى التبني على الله سبحانه وتعالى"(4).
قال ابو حيان: " إلا أن آخر ما تقدم: {فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48]، وآخر هذه:{فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 116]، ختمت كل آية بما يناسبها. فتلك كانت في أهل الكتاب، وهم مطلعون من كتبهم على ما لا يشكون في صحته من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، ووجوب اتباع شريعته، ونسخها لجميع الشرائع، ومع ذلك قد أشركوا بالله مع أن عندهم ما يدل على توحيد الله تعالى والإيمان بما نزل، فصار ذلك افتراء واختلاقا مبالغا في العظم والجرأة على الله.
وهذه الآية هي في ناس مشركين ليسوا بأهل كتب ولا علوم، ومع ذلك فقد جاءهم بالهدى من الله، وبان لهم طريق الرشد فأشركوا بالله، فضلوا بذلك ضلالا يستبعد وقوعه، أو يبعد عن الصواب" (5).
الفوائد:
1 -
إن الشرك أعظم أنواع الضلالة وأبعدها عن الصواب والاستقامة كما أنه افتراء وإثم عظيم (6).
قال المراغي: " أكد الله لعباده أنه لا يغفر البتة لأحد أشرك به سواه، وأنه قد يغفر لمن يشاء من المذنبين مادون الشرك من الذنوب فلا يعذبهم عليه، ذاك أن الشرك هو منتهى فساد الأرواح وضلال العقول، فكل خير يلابسه لا يقوى على إضعاف مفاسده وآثامه والعروج بها إلى جوار ربها، إذ أنها تكون موزعة بين شركاء يحولون بينها وبين الخلوص إليه عز وجل، والله لا يقبل إلا ما كان خالصا له"(7).
2 -
أن الشرك ضلال لكونه يفسد العقل، ويكدر صفاء الروح ويجعله يخضع لعبد مثله، ويخضع أمام مخلوق يحاكيه ويكون عبدا للخرافات والأوهام (8).
3 -
في هذه الآية دليل على فساد قول الخوارج حين زعموا أن مرتكب الكبيرة كافر وذلك قوله عز وجل قال: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ففرق بين الشرك وسائر الذنوب وحتم على نفسه بأن لا يغفر الشرك، لو كان الكبيرة كفرا لكان قوله إن الله لا يغفر أن يشرك به مستوعبا فلما فرق بين الشرك وسائر الذنوب بان فساد قولهم (9).
قال القرطبي: " رد على الخوارج، حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة كافر"(10).
قال ابن فورك: "وأجمع أصحابنا على أنه لا تخليد إلا للكافر، وأن الفاسق من أهل القبلة إذا مات غير تائب فإنه إن عذب بالنار فلا محالة أنه يخرج منها بشفاعة الرسول، أو بابتداء رحمة من الله تعالى"(11).
القرآن
{إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117)} [النساء: 117]
التفسير:
(1) تفسير البغوي: 2/ 287
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 414.
(3)
تفسير المراغي: 5/ 158.
(4)
تفسير البيضاوي: 2/ 97.
(5)
البحر المحيط: 4/ 68.
(6)
انظر: تفسير أبي السعود: 2/ 233.
(7)
تفسير المراغي: 5/ 158.
(8)
انظر: تفسير المراغي: 5/ 158.
(9)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 386.
(10)
تفسير القرطبي: 5/ 386.
(11)
تفسير القرطبي: 5/ 386.
ما يعبد المشركون من دون الله تعالى إلا أوثانًا لا تنفع ولا تضر، وما يعبدون إلا شيطانًا متمردًا على الله، بلغ في الفساد والإفساد حدّاً كبيرًا.
سبب نزول الآيتين: [117، و 118]:
قال الحسن: "لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه، يسمونه أنثى بني فلان؛ فأنزل الله عز وجل: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا} "(1).
قوله تعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا} [النساء: 117]، " أي: ما يدعو هؤلاء المشركون وما يعبدون من دون الله إلا أوثاناً سموها بأسماء الإِناث" (2).
قال مقاتل: " يعنى: أوثانا، يعنى: أمواتا: اللات والعزى، وهي الأوثان لا تحرك ولا تضر ولا تنفع فهي ميتة"(3).
قال ابن قتيبة: " يعني: اللات والعزى ومناة"(4).
قال أبو عبيدة: " إلا الموات، حجرا أو مدرا أو ما أشبه ذلك"(5).
قال التستري: " يعني: أصواتا، وهو الحجارة والحديد"(6).
قال أبي بن كعب: " مع كل صنم جنية"(7). وروي عن الحسن نحو ذلك (8).
وفي قوله تعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا} [النساء: 117]، خمسة وجوه:
أحدها: أن الإناث اللات والعزى ومَناة، وهو قول السدي (9)، وابن زيد (10)، وأبي مالك (11).
والثاني: أنها الأوثان، وهذا قول مجاهد (12)، وأبي سلمة بن عبد الرحمن (13)، وعروة بن الزبير (14)، وأبي مالك الغفاري (15)، والسدي (16)، ومقاتل بن حيان (17).
وقد روي عن عروة عن ابيه أنه "كان في مصحف عائشة: «إِن تَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَاّ إِنَاثاً» "(18).
والثالث: الملائكة، لأنهم كانوا يزعمون أنهم بنات الله، وهذا قول الضحاك (19).
والرابع: الموات الذي لا روح فيه، لأن إناث كل شيء أرذله، وهو قول ابن عباس (20)، والحسن في رواية أخرى (21)، وقتادة (22)، وابي عبيدة (23).
والخامس: معناه: إن أهل الأوثان كانوا يسمون أوثانهم «إناثًا» ، فأنزل الله ذلك كذلك وهذا قول الحسن في رواية أبي رجاء (24).
والراجح-والله أعلم- أنه"عنى بذلك: الآلهة التي كان مشركو العرب يعبدونها من دون الله ويسمونها الإناث من الأسماء، كاللات والعُزَّى ونائلة ومناة، وما أشبه ذلك، الأظهر من معاني " الإناث " في كلام العرب، ما عُرِّف بالتأنيث دون غيره. فإذ كان ذلك كذلك، فالواجب توجيه تأويله إلى الأشهر من معانيه"(25).
والقراءة المشهورة: {إِناثاً} ، . وقرأ سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وأبو مجلز، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء:«إِلا وَثَناً» ، بفتح الواو، والثاء من غير ألف. وقرأ ابن عباس، وأبو رزين:«أُنُثاً» ، برفع الهمزة والنون من غير ألف. وقرأ أبو العالية، ومعاذ القارئ، وأبو نُهيك:(أناثاً)، برفع الهمزة وبألف بعد الثاء. وقرأ أبو هريرة، والحسن، والجوني:«إِلا أنثى» ، على وزن «فعلى». وقرأ أيوب السختياني:«إِلا وُثنا» ، برفع الواو والثاء من غير ألف. وقرأ مورّق العجلي:(أُثُناً)، برفع الهمزة والثاء من غير ألف (26).
قال الزجاج: " فمن قال: «أناث» ، فهو جمع أنثى وإِناث، ومن قال:«أُنُث» ، فهو جمع: إِنَاث، لأن «إِناثاً» على وزن مِثال، وإنَاث وأُنث مِثْل مِثَال ومُثُل. ومن قال:«أُثُنا» ، فإِنه جمع وثَن.
والأصل: وُثُن، إِلا أنَّ الواو إِذا انْضَمَّتَ يجوز إِبدالها همزة، كقوله تعالى:{وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ} [المرسلات: 11]، الأصل: وُقِّتَتْ، ومثال وُثُن في الجمع مثل سُقُف.
وجائز - أن يكون: اثْن، مثل: أسد وأسد، وجائز أن يكون: اثُن، أصلها: اثْن، فاتبعت الضمَّةُ الضَمَّة" (27).
قوله تعالى: {وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا} [النساء: 117]، " أي: وما يعبدون إلا شيطاناً متمرداً على الله، بلغ الغاية في العتو والفجور" (28).
قال مقاتل بن حيان: " يعني: إبليس"(29).
قال سفيان: " ليس من صنم إلا فيه شيطان"(30).
قال مقاتل: " يعني: وما يعبدون من دونه إلا {شيطانا}، يعني: إبليس، زين لهم إبليس طاعته في عبادة الأوثان، {مريدا}، يعني: عاتيا"(31).
قال أبو عبية: " أي: متمردا"(32).
قال ابن قتيبة: " أي: ماردا. مثل قدير وقادر والمارد: العاتي"(33).
قال قتادة: " تمرَّد على معاصي الله"(34).
قال الزجاج: " يعني: به إبليس لأنهم إِذا أطاعوه فيما سَوَّلَ لهم فقد عَبدُوه، وَيدعُونَ في معنى يعبدُونَ، لأنهم إِذَا دَعوْا اللَّهَ مخلصين فقد عبدوه، وكذلك قوله:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، أي: اعبدُونِي، والدليل على ذلك قوله عز وجل:{إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} [غافر: 60].
ومعنى {مَرِيدًا} ، أي: خارج عن الطاعة مُتَمَلِصٌ مِنْهَا، ويُقَال: شجرة مَرْدَاءُ، إِذا تناثر ورقُها، ومن ذلك يسمى من لم تنبت له لحية أمردُ أي أملس موضعِ اللحية، وقد مرَدَ الرجل يمردُ مُروداً إِذا عتا وخرج عن الطاعة" (35).
الفوائد:
1 -
ذم الكفار بانهم تركوا عبادة من يحميهم ويكلؤهم إلى من لَا يستطيع حماية نفسه، والدعاء هنا العبادة، والالتجاء لإنقاذه من الهلاك أو المرض أو الكوارث بشكل عام، فهم قد تركوا عبادة القوي القادر القاهر الذي هو فوق كل شيء، إلى عبادة العاجز الذي لَا يستطيع حماية نفسه ورفع الضر عنه!
(1) أخرجه سعيد بن منصور في "سننه"(4/ 1373 رقم 688)، والطبري في "جامع البيان"(10438)، و (10439): ص 9/ 209، من طريق محمد بن سيف عن الحسن به. وهذا مرسل صحيح الإسناد.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(2/ 687)، وزاد نسبته لابن المنذر.
(2)
صفوة التفاسير: 281.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 408.
(4)
غريب القرآن: 135.
(5)
مجاز القرآن: 1/ 140.
(6)
تفسير التستري: 55.
(7)
أخرجه ابن ابي حاتم (5970): ص 4/ 1067.
(8)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5970): ص 4/ 1067.
(9)
انظر: تفسير الطبري (10432): ص 9/ 207.
(10)
انظر: تفسير الطبري (10433): ص 9/ 207.
(11)
انظر: تفسير الطبري (10430)، و (10431): ص 9/ 207.
(12)
انظر: تفسير الطبري (10440)، (10441): ص 9/ 209 - 210.
(13)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5973): ص 4/ 1067.
(14)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5973): ص 4/ 1067.
(15)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5973): ص 4/ 1067.
(16)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5973): ص 4/ 1067.
(17)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (5973): ص 4/ 1067.
(18)
أخرجه الطبري (10442): ص 9/ 210.
(19)
انظر: تفسير الطبري (10437): ص 9/ 208 - 209.
(20)
انظر: تفسير الطبري (10434): ص 9/ 208.
(21)
انظر: تفسير الطبري (10436): ص 9/ 208.
(22)
انظر: تفسير الطبري (10435): ص 9/ 208.
(23)
انظر: مجاز القرىن: 1/ 140.
(24)
انظر: تفسير الطبري (10438)، (10439): ص 9/ 209.
(25)
تفسيرالطبري: 9/ 210 - 211.
(26)
انظر: معاني القرآن للفراء 1/ 288، وتفسير الطبري: 9/ 210، وزاد المسير: 1/ 472.
(27)
معاني القرآن: 2/ 108.
(28)
صفوة التفاسير: 281.
(29)
أخرجه ابن ابي حاتم (5975): ص 4/ 1068.
(30)
أخرجه ابن ابي حاتم (5976): ص 4/ 1068. وذكر ابن الجوزي عن ابن عباس نحوه، انظر: زاد المسير: 1/ 473.
(31)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 409.
(32)
مجاز القرآن: 1/ 140.
(33)
غريب القرآن: 135.
(34)
أخرجه الطبري (10443): ص 9/ 212.
(35)
معاني القرآن: 2/ 108.
2 -
إن عبادة الشيطان تكون في اتباع تشريعه ونظامه، وترك تشريع الله ونظامه، وقد سمى الله الذين يطاعون في معاصي الله، "شركاء"، إذ قال:{وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم} [الأنعام: آية 137]، فسماهم "شركاء"، لما زينوا لهم الحرام واتبعوهم فيه. وقد صح عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن آية التوبة - وكان عدي هذا نصرانيا - قال له: يا نبي الله: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: آية 31] كيف اتخذوهم أربابا؟ يعني أنهم لم يسجدوا ولم يركعوا لهم ولم يصوموا لهم. قال له صلى الله عليه وسلم: «ألم يحلوا لهم ما حرم الله، ويحرموا عليهم ما أحل الله، فاتبعوهم؟ » قال: بلى. قال: «بذلك اتخذوهم أربابا» (1)(2).
القرآن
{لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118)} [النساء: 118]
التفسير:
طرده الله تعالى من رحمته. وقال الشيطان: لأتخذن مِن عبادك جزءًا معلومًا في إغوائهم قولا وعملا.
قوله تعالى: {لَعَنَهُ اللَّهُ} [النساء: 118]، أي:" طرده الله تعالى من رحمته"(3).
قال الطبري: أي: " أخزاه وأقصاه وأبعده"(4).
قال السمرقندي: " يعني: طرده الله من رحمته وهو إبليس، حيث لم يسجد لآدم"(5). وفي
قوله تعالى: {لَعَنَهُ اللَّهُ} [النساء: 118]، وجهان من التفسير (6):
أحدهما: أنه ابتداء دعاء عليه باللعن، وهو قول من قال: هو الأوثان.
والثاني: أنه إخبار عن لعن متقدم، وهو قول من قال: هو إبليس.
قوله تعالى: {وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء: 118]، اي:" وقال الشيطان: لأتخذن مِن عبادك جزءًا معلومًا في إغوائهم قولا وعملا"(7).
قال مقاتل بن حيان: " هذا قول إبليس"(8). وفي رواية أخرى: "هذا إبليس، {مفروضا}، يقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة"(9).
قال الحسن: "من كل ألف، تسعمائة وتسعين إلى النار"(10).
عن أبي مالك قوله: " {نصيبًا}، قال: حظا"(11).
عن الضحاك: " {نصيبًا مفروضًا}، قال: معلومًا"(12). وفي رواية اخرى: " يتخذونها من دونك، ويكونون من حزبي"(13).
قال السمرقندي: " أي: حظا معلوما"(14).
قال السمعاني: " أي: مقدارا معلوما"(15).
(1) أخرجه الترمذي، في التفسير، باب: ومن سورة التوبة .. حديث رقم (3095)، (5/ 278)، وعقبه بقوله:«هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث» اهـ.
كما أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (7/ 106)، والطبراني في الكبير (17/ 92)، والببهقي في السنن (10/ 116)، وابن جرير (14/ 209 - 211)، وقال عنه شيخ الإسلام (وهو حديث حسن طويل)(الإيمان ص 64)، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (3/ 56)، وغاية المرام ص 19، والحديث له شواهد بتقوى بها، والله أعلم.
(2)
انظر: العذب المنير من مجالس الشنقيطي في التفسير: 1/ 374.
(3)
التفسير الميسر: 97.
(4)
تفسير الطبري: 9/ 212.
(5)
بحر العلوم: 1/ 340.
(6)
انظر: زاد المسير: 1/ 473. وانظر: تفسير الآية السابقة.
(7)
التفسير الميسر: 97.
(8)
أخرجه ابن ابي حاتم (5978): ص 4/ 1068.
(9)
أخرجه ابن ابي حاتم (5981): ص 4/ 1069.
(10)
الكشاف: 1/ 566.
(11)
أخرجه ابن ابي حاتم (5980): ص 4/ 1068.
(12)
أخرجه الطبري (10444): ص 9/ 212.
(13)
أخرجه ابن ابي حاتم (5979): ص 4/ 1068.
(14)
بحر العلوم: 1/ 340.
(15)
تفسير السمعاني: 1/ 480.
قال الزمخشري: أي: " مقطوعا واجبا فرضته لنفسي من قولهم: فرض له في العطاء، وفرض الجند رزقه"(1).
قال السمين الحلبي: " أي مقطوعًا، وقيل موفيًا، وقيل معلومًا"(2).
قال ابن عطية: " المعنى: لأستخلصنهم لغوايتي، ولأخصنهم بإضلالي وهم الكفرة والعصاة"(3).
قال الزجاج: " قيل في «مفروض»: إِن معناه مؤقت، وجاءَ في بعض التفسير: من كل ألف واحد للَّهِ وسائرهم لإبليس"(4).
قال البغوي: " فما أطيع فيه إبليس فهو مفروضه"(5).
وأصل «الفرض» : الحز والقطع، ومنه فرض القوس: وهو الشق الذي يجعل فيه الوتر. ومنه فرض السواك: وهو الموضع الذي يجعل فيه الخيط، ومنه فرضة البحر: وهو المشرع الذي توقف إليه السفينة، والفرض: نوع من التمر يكون بعمان، قال الشاعر (6):
إِذَا أَكَلْتُ سَمَكًا وَفَرْضَا
…
ذَهَبْتُ طُولًا وَذَهَبْتُ عَرْضًا
فالفَرضُ ههنا «التمر» ، وإنما سُمي التمر فَرضاً لأنه يؤخذ في فِرَاضِ الصدقة (7).
قال الطبري: " فإن قال قائل: وكيف يتّخذ الشيطانُ من عباد الله نصيبًا مفروضًا؟
قيل: يتخذ منهم ذلك النصيب، بإغوائه إياهم عن قصد السبيل، ودعائه إياهم إلى طاعته، وتزيينه لهم الضلالَ والكفر حتى يزيلهم عن منهج الطريق، فمن أجاب دعاءَه واتَّبع ما زينه له، فهو من نصيبه المعلوم، وحظّه المقسوم.
وإنما أخبر جل ثناؤه في هذه الآية بما أخبر به عن الشيطان من قيله: {وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} ، ليعلم الذين شاقُّوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى، أنهم من نصيبِ الشيطان الذي لعنه الله، المفروضِ، وأنهم ممن صدق عليهم ظنّه" (8).
قال الثعلبي: " وإن قيل خبرونا عن قول إبليس لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا «1» كيف علم ذلك؟
يقال: قد قيل في هذا أجوبة، منها: إن قالوا إن الله تبارك وتعالى كان خاطبه بقوله: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 119]، فعلم إبليس انه ينال من ذرية آدم ما يتمناه.
ومنها: ان قالوا إنه لما وسوس لآدم نال منه ما نال، طمع في ولده ولم ينل من آدم جميع ما يتمناه من الغواية فكذلك طمع في بعض ولده وأيس من جميعهم.
ومنها ان قالوا ان إبليس قد عاين الجنة والنار وعلم ان الله خلقهما لأن يسكنهما من الناس والشيطان، فعلى هذا التأويل قال:{لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً} " (9).
الفوائد:
1 -
أن قول اللعين: {لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً} ، الذي صدر عنه عند اللعن، يدل على فرط عداوته لبني آدم.
2 -
أن النصيب المفروض لابليس خاص بأهل الضلال، أي: كل من أطاعه فيما زين له من المعاصي.
القرآن
(1) الكشاف: 1/ 566.
(2)
عمدة الحفاظ: 3/ 217.
(3)
المحرر الوجيز: 2/ 114.
(4)
معاني القرآن: 2/ 108.
(5)
تفسير البغوي: 1/.
(6)
لم اقف على قائله، وانظر البيت في: جمهرة اللغة، مادة"فرض": ص 2/ 750، وتهذيب اللغة، مادة"فرض": ص 12/ 12، والصحاح، مادة:"فرض": ص 3/ 1097، ومقاييس اللغة، مادة:"فرض": ص 4/ 489، ولسان العرب، مادة:"قرض": ص 7/ 206، مادة:"فرض"، وتاج العروس، مادة:"قرض": ص 18/ 477.
(7)
انظر: جمهرة اللغة، مادة"فرض": ص 2/ 750، وتهذيب اللغة، مادة"فرض": ص 12/ 12، والصحاح، مادة:"فرض": ص 3/ 1097، ومقاييس اللغة، مادة:"فرض": ص 4/ 489، ولسان العرب، مادة:"قرض": ص 7/ 206، مادة:"فرض"، وتاج العروس، مادة:"قرض": ص 18/ 477، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 109، والكشف والبيان: 3/ 388، وتفسير السمعاني: 1/ 480.
(8)
(تفسير الطبري: 9/ 212 - 213.
(9)
.
التفسير:
ولأصرفَنَّ مَن تبعني منهم عن الحق، ولأعِدَنَّهم بالأماني الكاذبة، ولأدعونَّهم إلى تقطيع آذان الأنعام وتشقيقها لما أزينه لهم من الباطل، ولأدعونَّهم إلى تغيير خلق الله في الفطرة، وهيئة ما عليه الخلق. ومن يستجب للشيطان ويتخذه ناصرًا له من دون الله القوي العزيز، فقد هلك هلاكًا بيِّنًا.
سبب النزول:
أخرج الطبري عن أبي عمار، عن ابن عباس:"أنه كره الإخصاء وقال: فيه نزلت: {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} "(1). وروي عن انس (2)، وعكرمة (3)، نحو ذلك.
قوله تعالى: {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ} [النساء: 119]، أي:" ولأصرفَنَّ مَن تبعني منهم عن الحق"(4).
قال ابن عباس: "يريد من سبيل الهدى"(5).
وقال الكلبي: لأضلنهم عن الحق " (6).
قال ابن أبي زمنين: أي: " لأغوينهم"(7).
قال السمرقندي: " يعني: عن الهدى والحق"(8).
قال الماوردي: " يعني: الإيمان"(9).
قال النسفي: أي: "بالدعاء إلى الضلالة والتزيين والوسوسة ولو كان إنفاذ الضلالة إليه لأضل الكل"(10).
قال السمعاني: " فإن قال قائل: كيف نسب إليه الإضلال، وليس إليه الضلالة؟ قلنا: معناه: التزيين والدعوة إلى الضلالة، وقد قال: بعثت داعيا، وليس إلى من الهداية شئ، وبعث الشيطان مزينا، وليس إليه من الضلالة شئ "(11).
وفي قراءة أبيّ: «وأضلهم» (12).
قوله تعالى: {وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ} [النساء: 119]، أي:" ولأعِدَنَّهم بالأماني الكاذبة"(13).
قال الماوردي: " يعني: بطول الأمل في الدنيا ليؤثروها على الآخرة"(14).
قال الزجاج: " أي: أجمع لهم مع الإضْلَال أن أوهِمهم أنهم ينالون من الآخرة حظاً، كَمَا قال: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَيطَانُ أعمَالَهمْ} (15) "(16).
قال ابن أبي زمنين: " أي: بأنهم لا عذاب عليهم"(17).
قال السمرقندي: " يعني: لأخبرنهم بالباطل أنه لا جنة ولا نار ولا بعث"(18).
قال الثعلبي: أي: " ولأمنينهم أنه لا جنة، ولا نار، ولا بعث. وقال بعضهم: ولأمنينهم أي ألقي في قلوبهم الهيمنة"(19).
قال النسفي: أي: " ولألقين في قلوبهم الأماني الباطلة من طول الأعمار وبلوغ الآمال"(20).
(1) تفسير الطبري (10448): ص 9/ 215. [هذا حديث صحيح على شرط مسلم].
(2)
انظر: تفسير الطبري (10449): ص 9/ 215.
(3)
انظر: تفسير الطبري (10462): ص 9/ 217 - 218.
(4)
التفسير الميسر: 97.
(5)
انظر: التفسير البسيط للواحدي: 7/ 101، وزاد المسير: 2/ 204، وتنوير المقباس بهامش المصحف:97.
(6)
انظر: التفسير البسيط للواحدي: 7/ 101.
(7)
تفسير ابن ابي زمنين: 1/ 407.
(8)
بحر العلوم: 1/ 340.
(9)
النكت والعيون: 1/ 530.
(10)
تفسير النسفي: 1/ 397.
(11)
تفسير السمعاني: 1/ 480.
(12)
انظر: معاني القرآن للفراء: 1/ 289.
(13)
التفسير الميسر: 97.
(14)
النكت والعيون: 1/ 530.
(15)
[النمل: 24، العنكبوت: 38].
(16)
معاني القرآن: 2/ 109.
(17)
تفسير ابن ابي زمنين: 1/ 407.
(18)
بحر العلوم: 1/ 340.
(19)
تفسير الثعلبي: 3/ 388.
(20)
تفسير النسفي: 1/ 397.
قال السعدي: " أي: مع الإضلال، لأمنينهم أن ينالوا ما ناله المهتدون. وهذا هو الغرور بعينه، فلم يقتصر على مجرد إضلالهم حتى زين لهم ما هم فيه من الضلال. وهذا زيادة شر إلى شرهم حيث عملوا أعمال أهل النار الموجبة للعقوبة وحسبوا أنها موجبة للجنة"(1).
وفي قراءة أبيّ: «وأمنيهم» (2).
قوله تعالى: {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ} [النساء: 119]، أي:" أي ولآمرنهم بتقطيع آذان الأنعام"(3).
قال الماوردي: " أي: لَيُقَطِّعُنَّهَا نُسكاً لأوثانهم كالبحيرة والسائبة"(4).
قال النسفي: " البتك القطع والتبتيك للتكثير والتكرير أي لأحملنهم على أن يقطعوا آذان الأنعام وكانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خسمة أبطن وجاء الخامس ذكراً وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها"(5).
قال الزجاج: " كانه - واللَّه أعلم - ولآمُرنَهم بِتَبْتِيكِ آذان الأنعام فليبتكُنَ، أي يشقِقُن، يقال بتكْتُ الشيءَ أبْتِكه بَتْكاً إِذا قطعته، وبِتْكَة وبِتَكُ، مثل قطعة وقطع، وهذا في البَحِيرةِ، كانت الجاهلية إِذا ولدت الناقة خمسة أبطن فكان الخامس ذكَراً شقوا أذن الناقة وأمتنعوا من الانتفاع بها ولم تطرد عن ماءٍ ولا مرْعًى، وإِذا لقيها المعْي لم يركبها. فهذا تأويل: {فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ}. سَوَّلَ لهم إِبليس أن في تركها لا ينتفع بها قربة إِلى الله"(6).
قوله تعالى: {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء: 119]، أي:" ولأدعونَّهم إلى تغيير خلق الله في الفطرة"(7).
قال الزجاج: " قيل إِن معناه أن الله خلق الأنعام ليركبوها ويأكلوها فحرموها على أَنفسَهِم، وخلق الشمس والقمر والأرض والحجارة سخْرة للناس ينْتَفعون بها فعبدهَا المشرِكون، فغيروا خلق اللَّه، أي دِينَ اللَّه، لأن الله فطر الخلق على الِإسلام، خلقهم من بطن آدَمَ كالذر، وأشهدَهُمْ أنه ربهم فآمنوا، فمن كفر فقد غير فِطْرَة الله التي فَطَرَ الناسَ عليها، فأمَّا قوله: {لا تَبديلَ لِخَلق الله} (8)، فإنَّ معناهُ ما خلقه الله هو الصحيح، لا يقْدِر أحد أن يُبَدل معنى صحة الدين"(9).
وفي قوله تعالى: {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء: 119]، وجوه:
أحدها: يعني دين الله، وهذا قول ابن عباس-في إحدى الروايات- (10)، والحسن (11)، وقتادة (12)، والضحاك (13)، والسدي (14)، ومجاهد (15)، وعكرمة-في إحدى الروايات- (16)، وإبراهيم (17)، وابن أبي بزة (18)، وابن زيد (19)، واختيار الطبري (20)، والزجاج (21)، والواحدي (22).
والثاني: أنه أراد به خصاء البهائم، وهذا قول ابن عباس أيضا (23)، وأنس (24)، وعكرمة (25)، وشهر بن جوشب (26).
والثالث: أنه الوشم، وهو قول ابن مسعود (27)، والحسن (28).
قال ابن مسعود: "لعن الله الوَاشِرَات والمُسْتَوْشِمَات والمُتَنَمِّصات والمُتَفَلِّجات للحسن المغِّيرات خلق الله"(29).
والراجح-والله أعلم- أن معناه: "دين الله، وذلك لدلالة الآية الأخرى على أن ذلك معناه، وهي قوله: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}، [سورة الروم: 30]، وإذا كان ذلك معناه، دخل في ذلك فعل كل ما نهى الله عنه: من خِصَاءِ ما لا يجوز خصاؤه، ووشم ما نهى عن وشمه وَوشْرِه، وغير ذلك من المعاصي ودخل فيه ترك كلِّ ما أمر الله به. لأن الشيطان لا شك أنه يدعو إلى جميع معاصي الله وينهى عن جميع طاعته. فذلك معنى أمره نصيبَه المفروضَ من عباد الله، بتغيير ما خلق الله من دينه"(30).
قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [النساء: 119]، أي:" أي ومن يتول الشيطان ويطعْه ويترك أمر الله"(31).
قال السمعاني: " أي: يواليه باتباعه"(32).
قال السمرقندي: " أي: يعبد الشيطان ويطيعه، {من دون الله}، يعني: ترك أمر الله تعالى وطاعته"(33).
قال البيضاوي: " بإيثاره ما يدعو إليه على ما أمر الله به ومجاوزته عن طاعة الله سبحانه وتعالى إلى طاعته"(34).
قال الواحدي: " يريد من يُطعه فيما يدعو إليه من الضلال، فكل من أطاعه فهو ولي له وإن لم يقصد أن يتولاه، كما يكون مطيعًا له وإن لم يقصد أن يطيعه، بموافقته لإرادته، وإجابته إلى ما دعاه إليه، فهو يعمل عملًا يُعينه عليه الشيطان، وكان الشيطان له وليًا ناصرًا معينًا"(35).
قوله تعالى: {فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا} [النساء: 119]، أي:" فقد هلك هلاكًا بيِّنًا"(36).
قال السمرقندي: " أي: ضل ضلالا مبينا بينا عن الحق"(37).
قال البيضاوي: " إذا ضيع رأس ماله وبدل مكانه من الجنة بمكان من النار"(38).
الفوائد:
1 -
إن الشيطان ليس له من الإضلال إلا التزيين والوسوسة، إذ لو كانت الضلالة إلى إبليس لأضل جميع الخلق.
2 -
ومن مكايد الشيطان تسويف التوبة وتأخيرها، يؤخذ من قوله:{وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ} .
3 -
حرمة الوشم والوسم والخصاء إلا ما أذن فيه الشارع.
القرآن
(1) تفسير السعدي: 203.
(2)
انظر: معاني القرآن للفراء: 1/ 289.
(3)
صفوة التفاسير: 281.
(4)
النكت والعيون: 1/ 530.
(5)
تفسير النسفي: 1/ 397.
(6)
معاني القرآن: 2/ 109 - 110.
(7)
التفسير الميسر: 97.
(8)
[سورة الروم: 30].
(9)
معاني القرآن: 2/ 110.
(10)
انظر: تفسير الطبري (10463): ص 9/ 217.
(11)
انظر: النكت والعيون: 1/ 530.
(12)
انظر: تفسير الطبري (10475): ص 9/ 219.
(13)
انظر: تفسير الطبري (10479)، و (10482): ص 9/ 220.
(14)
انظر: تفسير الطبري (10478): ص 9/ 220.
(15)
انظر: تفسير الطبري (10469) - (10473) ص 9/ 218 - 219.
(16)
انظر: تفسير الطبري (10470): ص 9/ 219.
(17)
انظر: تفسير الطبري (10464) - (10466): ص 9/ 217 - 218.
(18)
انظر: تفسير الطبري (10477): ص 9/ 219.
(19)
انظر: تفسير الطبري (10480): ص 9/ 220.
(20)
(انظر: تفسير الطبري: 9/ 222.
(21)
انظر: معاني القرآن: 2/ 110.
(22)
انظر: التفسير البسيط: 7/ 103.
(23)
انظر: تفسير الطبري (10448): ص 9/ 215، و (10460)، و (10461): ص 9/ 217.
(24)
انظر: تفسير الطبري (10449): ص 9/ 215.
(25)
انظر: تفسير الطبري (10454) - (1057): ص 9/ 216 - 217، و (10462): ص 9/ 217 - 218.
(26)
انظر: تفسير الطبري (10453): ص 9/ 216.
(27)
انظر: تفسير الطبري (10487) - (10489): ص 9/ 221 - 222.
(28)
انظر: تفسير الطبري (10483) - (10486): ص 9/ 220 - 221.
(29)
أخرجه الطبري (10488): ص 9/ 221.
(30)
تفسير الطبري: 9/ 222.
(31)
صفوة التفاسير: 281.
(32)
تفسير السمعاني: 1/ 481.
(33)
بحر العلوم: 1/ 340.
(34)
تفسير البيضاوي: 2/ 98.
(35)
التفسير البسيط: 7/ 104 - 105.
(36)
التفسير الميسر: 97.
(37)
بحر العلوم: 1/ 340.
(38)
تفسير البيضاوي: 2/ 98.
{يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120)} [النساء: 120]
التفسير:
يعد الشيطان أتباعه بالوعود الكاذبة، ويغريهم بالأماني الباطلة الخادعة، وما يَعِدهم إلا خديعة لا صحة لها، ولا دليل عليها.
قوله تعالى: {يَعِدُهُمْ} [النساء: 120]، أي:" يعد الشيطان أتباعه بالوعود الكاذبة"(1).
قال الشوكاني: " يعدهم المواعيد الباطلة ويمنيهم الأماني العاطلة"(2).
قال الطبري: أي: " يعد الشيطان المَرِيد أولياءه الذين هم نصيبُه المفروض: أن يكون لهم نصيرًا ممن أرادهم بسوء، وظهيرًا لهم عليه، يمنعهم منه ويدافع عنهم"(3).
قال القرطبي: " المعنى: يعدهم أباطيله وترهاته من المال والجاه والرياسة، وأن لا بعث ولا عقاب، ويوهمهم الفقر حتى لا ينفقوا في الخير"(4).
قال الواحدي: " قال أهل المعاني: معنى وعد الشيطان ما يصل مفهومه إلى قلب الإنسان، من نحو ما يجده من أنه سيطول عمرك، وتنال من الدنيا لذتك، وستعتلي على أعدائك، فإنما الدنيا دول، فستدور لك كما دارت لغيرك، وكل هذا غرور وتمنية وتطويل للأمل، وسيهجم عن قريب علي الأجل، وقد أبطل أيام عمره في رجاء ما لم يدرك منه شيئًا، فالعاقل من لم يعرج على هذا، وجدًّ في الطاعة ما أمكنه، وعلم أنه سينقطع عن الدنيا قريبًا، وعدّ نفسه من الموتى"(5).
قال السمعاني: " وعده قد يكون بالتخويف كما قال الله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} [البقرة: 268]، وقيل: أنه يتمثل في صورة الآدمي، فيعد، ويمنى، وكان قد ظهر يوم بدر في صورة سراقة بن مالك بن جعشم وظهر في اليوم الذي اجتمعت فيه قريش، وتشاوروا في إخراج النبي، في صورة شيخ من نجد"(6).
قوله تعالى: {وَيُمَنِّيهِمْ} [النساء: 120]، أي:" ويغريهم بالأماني الباطلة الخادعة "(7).
قال الطبري: أي: " ويمنيهم الظفر على من حاول مكروههم والفَلَج عليهم"(8).
قال السمعاني: " من ذلك تمنى الإنسان قضاء الشهوات، واعلم أن الإنسان لا يؤاخذ بغلبة الشهوة، واشتهاء الشهوات؛ لأن ذلك شئ جبل عليه، ويؤاخذ بالتمني، وذلك أن يتمنى خمرا ليشربه، أو امرأة؛ ليزني بها، فذلك من المعصية، ويؤاخذ به"(9).
قال الواحدي: " وذكر في عدة من كتب التفسير {يَعِدُهُمْ} ألا يلقون خيرًا، {وَيُمَنِّيهِمْ} الفقر، فلا ينفقون في خير.
وهذا صحيح في المعنى، من حيث إن الشيطان قد يخوف الإنسان بالفقر، فيمسك عن الإنفاق في الطاعة، ولكنه باطل من حيث اللغة؛ لأن الوعد إنما يستعمل في الخير، وما يكون في الشر قيل فيه: يوعد، هذا هو الصحيح، وإن كان يستعمل الوعد في الشر نادرًا.
والتمنية معناه: تسويل المنية، وهي ما يتمناه الإنسان، ولا يتمنى الفقر، إنما يتمنى الغنى وكثرة المال في غالب العادة" (10).
قوله تعالى: {وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [النساء: 120]، أي:" أي وما يعدهم إلا خديعة وباطلاً وضلالاً "(11).
قال القرطبي: أي: خديعة" (12).
قال البغوي: " أي: باطلا"(13).
(1) التفسير الميسر: 97.
(2)
فتح القدسر: 1/ 596.
(3)
تفسير الطبري: 9/ 224.
(4)
تفسير القرطبي: 5/ 395.
(5)
التفسير البسيط: 7/ 105.
(6)
تفسير السمعاني: 1481.
(7)
التفسير الميسر: 97.
(8)
تفسير الطبري: 9/ 224.
(9)
تفسير السمعاني: 1481.
(10)
التفسير البسيط: 7/ 105 - 106.
(11)
التفسير الميسر: 97، وصفوة التفاسير: 282
(12)
تفسير القرطبي: 5/ 395.
(13)
تفسير البغوي: 2/ 289.
قال الواحدي: " أي: إلا ما يغرهم بإيهام النفع فيما فيه الضر"(1).
قال الشوكاني: " أي: وما يعدهم الشيطان بما يوقعه في خواطرهم من الوساوس الفارغة إلا غرورا يغرهم به، ويظهر لهم فيه النفع وهو ضرر محض"(2).
قال الطبري: أي: " وما يعد الشيطان أولياءَه الذين اتخذوه وليًّا من دون الله إلا باطلا، وإنما جعل عِدَته إياهم جل ثناؤه ما وعدهم {غرورًا}، لأنهم كانوا يحسبون أنهم في اتخاذهم إياه وليًّا على حقيقةٍ من عِدَاته الكذب وأمانيه الباطلة، حتى إذا حصحص الحق، وصاروا إلى الحاجة إليه، قال لهم عدوّ الله: {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ}، [سورة إبراهيم: 22]. وكما قال للمشركين ببدر، وقد زيَّن لهم أعمالهم: {لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ}، وحصحص الحقّ، وعاين جِدّ الأمر ونزول عذاب الله بحزبه: {نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، [سورة الأنفال: 48]، فصارت عِدَاته، عدُوَّ الله إياهم عند حاجتهم إليه غرورًا، {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} [سورة النور: 39] "(3).
قال عكرمة: " إنما سمي الشيطان، لأنه تشيطن"(4).
قال السمعاني: " الغرور: إيهام الوصول إلى النفع من موضع الضر"(5).
قال ابن عرفة: " الغرور ما رأيت له ظاهرا تحبه وفية باطن مكروه أو مجهول، والشيطان غرور، لأنه يحمل على محاب النفس، ووراء ذلك ما يسوء"(6).
الفوائد:
1 -
سلاح الشيطان العدة الكاذبة والأمنية الباطلة، والزينة الخادعة.
2 -
قال الخازن: " إنما يدع الشيطان إلى قضاء الشهوة وطلب الرياسة ونحو ذلك، ولا يدعو إلى معرفة الله تعالى، ولا إلى عبادته وتلك الأشياء التي يدعو إليها خيالية لا حقيقة لها ولا تحصل إلا بعد متاعب ومشاق عظيمة، وإذا حصلت كانت سريعة الذهاب والانقضاء وينغصها الموت والهرم وغير ذلك، وإذا كانت هذه الأشياء بهذه الصفة كانت الرغبة فيها غرورا"(7).
3 -
إن الإنسان بحاجة إلى عون الله جل جلاله للتخلص من وساوس الشيطان ومكايده.
القرآن
{أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121)} [النساء: 121]
التفسير:
أولئك مآلهم جهنم، ولا يجدون عنها معدلا ولا ملجأً.
قوله تعالى: {أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} [النساء: 121]، أي:" أولئك مآلهم جهنم"(8).
قال الثعلبي: اي: " مصيرهم جهنم"(9).
قال الطبري: أي: " هؤلاء الذين اتخذوا الشيطان وليًّا من دون الله، مصيرهم الذين يصيرون إليه جهنم"(10).
قال السمرقندي: " يعني: الذين يطيعون الشيطان مصيرهم إلى جهنم"(11).
قوله تعالى: {وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا} [النساء: 121]، اي:" ولا يجدون عنها معدلا ولا ملجأً"(12).
(1) التفسير البسيط: 7/ 105.
(2)
فتح القدير: 1/ 596.
(3)
تفسير الطبري: 9/ 9/224 - 225.
(4)
أخرجه ابن ابي حاتم (5988): ص 4/ 1070.
(5)
تفسير السمعاني: 1/ 481.
(6)
تفسير القرطبي: 5/ 395 - 396.
(7)
تفسير الخازن: 3/ 136.
(8)
التفسير الميسر: 97.
(9)
تفسير الثعلبي: 3/ 389.
(10)
تفسير الطبري: 9/ 225.
(11)
بحر العلوم: 1/ 340.
(12)
التفسير الميسر: 97.
قال الثعلبي: أي: " مانعا"(1).
قال البغوي: " أي: مفرا ومعدلا عنها"(2).
قال السعدي: " أي: مخلصا ولا ملجأ بل هم خالدون فيها أبد الآباد"(3).
قال الطبري: "يقول: لا يجدون عن جهنم- إذا صيّرهم الله إليها يوم القيامة - مَعْدِلا يعدِلون إليه"(4).
قال الزجاج: " أي: لا يجدون عنها مَعْدِلًا ولا مَلْجأ"(5).
قال السمرقندي: " أي: مفرا ومهربا"(6).
و«المحيص» : مفعول من حاص إذا راغ ونفر، يقال منه: حاص فلان عن هذا الأمر يَحِيص حَيْصًا وحُيُوصًا، إذا عدل عنه، (7)، ومنه خبر ابن عمر أنه قال:"بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرِيّة كنت فيهم، فلقينا المشركين فحِصْنا حَيْصة"(8)، ومنه قول جعفر بن علبة الحارثي (9):
ولم أدر إن حصنا من الموت حيصة
…
كم العمر باق والمدى متطاول
وقوله تعالى: {وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا} [النساء: 121]، يحتمل وجهين (10):
أحدهما: لا بد لهم من ورودها.
والثاني: التخليد الذي أوعد به الكفار، فلا يخرجون عنها، ولا يجدون منها ملجأ
الفوائد:
1 -
إن الذين يعطون ولايتهم للشيطان، ويخسرون فطرتهم السليمة، ونفوسهم المستقيمة، وعقولهم المدركة، تحت سلطان الأماني الكاذبة والأوهام الخادعة.
2 -
لَا يكون لهم مأوى يوم القيامة غير جهنم. ولا يجدون ملجأ دونها يلجأون إليه، فلا مفر منها ولا مهرب، وذلك جزاء إضرارهم لفطرتهم وانحرافهم عن الجادة، ويرميهم بغرور الشيطان، وإن ذلك يتبعه الأذى لبني الإنسان، وتركهم عبادة الديان، والإعراض عن الحق، إذا جاءهم به رسل الله تعالى، وأنهم لَا معدل لهم عنها ولا مهرب.
القرآن
التفسير:
والذين صَدَقوا في إيمانهم بالله تعالى، وأتبعوا الإيمان بالأعمال الصالحة سيدخلهم الله -بفضله- جنات تجري من نحت أشجارها الأنهار ماكثين فيها أبدًا، وعدا من الله تعالى الذي لا يخلف وعده. ولا أحد أصدق من الله تعالى في قوله ووعده.
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [النساء: 122]، أي: والذين صَدَقوا في إيمانهم بالله تعالى، وأتبعوا الإيمان بالأعمال الصالحة" (11).
قال النسفي: أي: " ولم يتبعوا الشيطان في الأمر بالكفر"(12).
قال القاسمي: " أي: والذين صدقت قلوبهم وعملت جوارحهم بما أمروا به من الخيرات"(13).
(1) تفسير الثعلبي: 3/ 389.
(2)
تفسير البغوي: 2/ 289.
(3)
تفسير السعدي: 203.
(4)
تفسير الطبري: 9/ 226.
(5)
معاني القرآن: 2/ 111.
(6)
بحر العلوم: 1/ 340.
(7)
انظر: تفسير الطبري: 9/ 226، والمحرر الوجيز: 2/ 115.
(8)
تفسير الطبري: 9/ 226.
(9)
ديوان الحماسة: 1/ 8، وانظر: البحر المحيط: 3/ 364، والدر المصون: 2/ 428.
وإن حصنا أي: إن عدلنا وانحرفنا عن الموت، يقول: لم ندر إن حدنا عن القتال الذي فيه الموت، وعدلنا عنه، كم يكون بقاؤنا؟ ! فلم نحيد ونرتكب العار؟ ! ولعلنا إن تركنا القتال لم نعش إلا قليلا.
(10)
انظر: التفسير البسيط للواحدي: 7/ 106.
(11)
التفسير الميسر: 1/ 282.
(12)
تفسير النسفي: 1/ 397.
(13)
محاسن التاويل: 3/ 347.
قال ابن عباس: "يقول: أدوا فرائضي"(1).
وعنه أيضا: "الأعمال الصالحة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر"(2).
قال السمرقندي: " أي: صدقوا بالله تعالى والرسول والقرآن، وأدوا الفرائض، وانتهوا عن المحارم"(3).
قال الطبري: أي: " والذين صدّقوا الله ورسوله، وأقرُّوا له بالوحدانية، ولرسوله صلى الله عليه وسلم بالنبوة، وأدَّوا فرائض الله التي فرضها عليهم"(4).
قوله تعالى: {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [النساء: 122]، أي:" سيدخلهم الله -بفضله- جنات تجري من نحت أشجارها الأنهار"(5).
قال الطبري: " يقول: سوف ندخلهم يوم القيامة إذا صاروا إلى الله، جزاءً بما عملوا في الدنيا من الصالحات بساتين {تجري من تحتها الأنهار} (6).
قال القاسمي: " أي: من تحت غرفها ومساكنها الأنهار أنهار الخمر والماء واللبن والعسل"(7).
قال السعدي: " وتلك الجنة فيها الأنهار الجارية التي تسقيها من غير مؤنة"(8).
قال ابن عثيمين: " وظاهر كلمة {أنهار} أن الماء عذب، وجمع {الأنهار} باعتبار تفرقها في الجنة، وانتشارها في نواحيها؛ إذاً يعتبر هذا البستان كاملاً من كل النواحي: نخيل، وأعناب، ومياه، وثمرات؛ وهو أيضاً جنة كثيرة الأشجار، والأغصان، والزروع، وغير ذلك "(9).
قال أبو مالك: " يعني: المساكن تجري أسفلها أنهارها"(10).
قال مقاتل: " يعني: البساتين تجري من تحتها الأنهار"(11).
قال البغوي: " أي: من تحت الغرف والمساكن"(12).
قال الزجاج: " المعنى: تجري من تحتها مياه الأنهار، لأن الجاري على الحقيقة الماء"(13).
قال مسروق: " أنهار الجنة تجري في غير أخدود، وثمرتها كالقلال، كلما نزعت ثمرة عادت مثلها أخرى، العنقود اثنا عشر ذراعا"(14).
قال عبد الله: "الجنة سجسج لا حر فيها ولا برد"(15). وعنه أيضا: " أنهار الجنة تفجر من جبل مسك"(16).
وقرأت فرقة: «سندخلهم» بالنون، وقرأت فرقة:«سيدخلهم» بالياء (17).
قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [النساء: 122]، أي:" ماكثين فيها أبدًا"(18).
قال القاسمي: " أي: مقيمين في الجنة. لا يموتون ولا يخرجون منها أبدا"(19).
قال سعيد بن جبير، ومقاتل:"يعني: لا يموتون"(20).
وعن ابن عباس: " {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}، قال: لا انقطاع"(21).
(1) أخرجه الطبري (7156): ص 6/ 465.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (3597): ص 2/ 664.
(3)
بحر العلوم: 1/ 340.
(4)
تفسير الطبري: 9/ 227.
(5)
التفسير الميسر: 1/ 282.
(6)
تفسير الطبري: 9/ 226 - 227.
(7)
محاسن التاويل: 3/ 347.
(8)
تفسير السعدي: 1/ 115.
(9)
تفسير ابن عثيمين: 3/ 331.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (5503): ص 3/ 984.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 381.
(12)
تفسير البغوي: 2/ 290.
(13)
معاني القرآن: 2/ 66.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (5504): ص 3/ 984.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (5501): ص 3/ 983.
(16)
أخرجه ابن أبي حاتم (5502): ص 3/ 983.
(17)
انظر: المحرر الوجيز: 2/ 115.
(18)
التفسير الميسر: 1/ 282.
(19)
محاسن التاويل: 3/ 347.
(20)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5505): ص 3/ 984، وتفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 381.
(21)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (5506): ص 3/ 984.
قال ابن كثير: أي: " وهم خالدون فيها أبدا، لا يحولون ولا يزولون ولا يبغون عنها حولا"(1).
قال سعيد بن جبير: " طول الرجل من أهل الجنة سبعون ميلا، وطول المرأة ثلاثون ميلا، مقعدتها جريب أرض، وإن شهوته لتجري في جسدها مقدار سبعين عاما، يجد اللذة ولو انقلب الرجل من أهل النار كسلسلة لزالت الجبال "(2).
قوله تعالى: {وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا} [النساء: 122]، أي:" وعدا من الله تعالى الذي لا يخلف وعده"(3).
قال النسفي: " مصدران الأول مؤكد لنفسه والثاني مؤكد لغيره"(4).
قال مقاتل: " يعني: صدقا أنه منجز لهم ما وعدهم"(5).
قال السمرقندي: "أي: صدقا وكائنا، أنجز لهم ما وعد لهم من الجنة "(6).
قال البيضاوي: " أي: وعده وعدا، وحق ذلك حقا"(7).
قال القاسمي: أي: " صدقا واقعا لا محالة"(8).
قال الطبري: " يعني: عِدَةٌ من الله لهم ذلك في الدنيا، {حقًّا}، يعني: يقينًا صادقًا، لا كعدة الشيطان الكاذبة التي هي غرور مَنْ وُعِدها من أوليائه، ولكنها عدة ممن لا يكذب ولا يكون منه الكذب، ولا يخلف وعده"(9).
قوله تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122]، أي:" ولا أحد أصدق من الله تعالى في قوله ووعده"(10).
قال السمرقندي: " أي: قولا ووعدا"(11).
قال القرطبي: المعنى: " لا أحد أصدق من الله"(12).
قال مقاتل: " فليس أحد أصدق قولا منه- عز وجل فى أمر الجنة والنار والبعث وغيره"(13).
قال البيضاوي: " جملة مؤكدة بليغة، والمقصود من الآية معارضة المواعيد الشيطانية الكاذبة لقرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه، والمبالغة في توكيده ترغيبا للعباد في تحصيله"(14).
قال النسفي: " وهو استفهام بمعنى النفي، أي: لا أحد أصدق منه، وهو تأكيد ثالث، وفائدة هذه التوكيدات مقابلة مواعيد الشيطان الكاذبة لقرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه"(15).
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: "إن أصدق الحديث كلام الله. وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم. وشر الأمور محدثاتها. وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة. وكل ضلالة في النار"(16).
قال القاسمي: "والمقصود من الآية معارضة المواعيد الشيطانية الكاذبة لقرنائه، بوعد الله الصادق لأوليائه. والمبالغة في توكيده ترغيبا للعباد في تحصيله"(17).
الفوائد:
- الإيمان الصادق والعمل الصحيح الصالح هما مفتاح الجنة وسبب دخولها، لأنه بالإيمان والعمل الصالح تزكو النفس البشرية وتطهر، وإذا زكت وطهرت تأهلت لدخول الجنة؛ إذ هي دار الأبرار ودار المتقين.
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 338.
(2)
أخرجه ابن المنذر (1915): ص 2/ 760.
(3)
التفسير الميسر: 1/ 282.
(4)
تفسير النسفي: 1/ 397.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 408.
(6)
تفسير السمرقندي: 1/ 241.
(7)
تفسير البيضاوي: 2/ 98.
(8)
محاسن التاويل: 3/ 347.
(9)
تفسير الطبري: 9/ 227.
(10)
التفسير الميسر: 1/ 282.
(11)
تفسير السمرقندي: 1/ 241.
(12)
تفسير القرطبي: 5/ 396.
(13)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 408.
(14)
تفسير البيضاوي: 2/ 99.
(15)
تفسير النسفي: 1/ 397.
(16)
صحيح مسلم (43).
(17)
محاسن التاويل: 3/ 347.
2 -
صدق وعد الله تعالى، وصدق قوله عز وجل.
3 -
وجوب صدق الوعد من العبد لأن خلف الوعد من النفاق لحديث: «وإذا وعد أخلف» (1).
4 -
وجوب صدق القول والحديث لأن الكذب من النفاق لحديث وإذا حدث كذب.
القرآن
التفسير:
لا يُنال هذا الفضل العظيم بالأماني التي تتمنونها أيها المسلمون، ولا بأماني أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وإنما يُنال بالإيمان الصادق بالله تعالى، وإحسان العمل الذي يرضيه. ومن يعمل عملا سيئًا يجز به، ولا يجد له سوى الله تعالى وليّاً يتولى أمره وشأنه، ولا نصيرًا ينصره، ويدفع عنه سوء العذاب.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: قال ابن عباس: " تحاكم أهل الأديان، فقال أهل التوراة: كتابنا خير الكتب، أنزل قبل كتابكم، ونبينا خير الأنبياء! وقال أهل الإنجيل مثل ذلك، وقال أهل الإسلام: لا دين إلا الإسلام، كتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم، ونعمل بكتابنا! فقضى الله بينهم فقال: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ}، وخيّر بين أهل الأديان؛ فقال: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} (2) "(3).وإلى هذا المعنى ذهب مسروق (4)، وأبو صالح (5)، وقتادة (6)، والضحاك (7)، والسدي (8).
والثاني: وقال مجاهد: " قالت قريش: لن نبعث ولن نعذب، فأنزل الله: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} "(9). وإلى هذا المعنى ذهب ابن زيد (10).
والثالث: أن اليهود والنصارى قالوا: لا يدخل الجنة غيرنا، وقالت قريش: لا نبعث، فنزلت هذه الآية، هذا قول عكرمة.
والراجح-والله أعلم- "أنه عُني بقوله: {ليس بأمانيكم}، مشركي قريش، لأن المسلمين لم يجر لأمانيهم ذكر فيما مضى من الآي قبل قوله: {ليس بأمانيكم}، وإنما جرى ذكر أمانيِّ نصيب الشيطان المفروضِ، وذلك في قوله: {ولأمنينَّهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام}، وقوله: {يعدهم ويمنيهم}، فإلحاق معنى قوله جل ثناؤه: {ليس بأمانيكم} بما قد جرى ذكره قبل، أحقُّ وأولى من ادِّعاء تأويلٍ فيه، لا دلالة عليه من ظاهر التنزيل، ولا أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا إجماع من أهل التأويل"(11).
قوله تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ} [النساء: 123]، أي:" أي ليس ما وعد الله تعالى من الثواب يحصل بأمانيكم أيها المسلمون ولا بأماني أهل الكتاب وإنما يحصل بالإِيمان والعمل الصالح"(12).
قال الزمخشري: " أى: ليس ينال ما وعد الله من الثواب {بأمانيكم}، ولا بـ {أماني أهل الكتاب} "(13).
قال القاسمي: " أي: ليس الأمر على شهواتكم وأمانيكم أيها المشركون أن تنفعكم الأصنام ولا أماني أهل الكتاب ولا على شهوات اليهود والنصارى حيث قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه [المائدة: 18] لن تمسنا النار إلا أياما معدودة [البقرة: 80] "(14).
(1) صحيح البخاري: كتاب الإيمان، حديث رقم 33 وصحيح مسلم: كتاب الإيمان، حديث رقم 124.
(2)
[سورة النساء: 125].
(3)
أخرجه الطبري (10496): ص 9/ 230، وسنده ضعيف جداً؛ مسلسل بالعوفيين.
(4)
انظر: تفسير الطبري (10490) - (10492): ص 9/ 228.
(5)
انظر: تفسير الطبري (10497)، و (10498): ص 9/ 230 - 231.
(6)
انظر: تفسير الطبري (10493): ص 9/ 229.
(7)
انظر: تفسير الطبري (10495): ص 9/ 230، و (10499): ص 9/ 231 - 232.
(8)
انظر: تفسير الطبري (10494): ص 9/ 229 - 230.
(9)
أخرجه الطبري (10501): ص 9/ 232، وانظر: تفسير الطبري (10500)، (10502)، (10503)، (10505): ص 9/ 232 - 233.
(10)
انظر: تفسير الطبري (10504): ص 9/ 233.
(11)
تفسير الطبري: 9/ 234.
(12)
صفوة التفاسير: 282.
(13)
الكشاف: 1/ 567.
(14)
محاسن التاويل: 3/ 347 - 348.
قال ابن كثير: " أي: ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله، واتباع ما شرعه على ألسنة رسله الكرام. والمعنى في هذه الىية: أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، وليس كُلّ من ادعى شيئًا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال: "إنه هو المُحق" سمع قوله بمجرد ذلك، حتى يكون له من الله برهان"(1).
وفي المشار إليهم بقوله: {بِأَمَانِيِّكُمْ} [النساء: 123]، قولان:
أحدهما: أنهم المسلمون على قول الأكثرين (2).
والثاني: المشركون على قول مجاهد (3)، واختيار الطبري (4).
قال الزمخشري: " الخطاب للمسلمين، لأنه لا يتمنى وعد الله إلا من آمن به، وكذلك ذكر أهل الكتاب معهم لمشاركتهم لهم في الإيمان بوعد الله"(5).
قال ابن الجوزي: "فأما أماني المسلمين، فما نقل من قولهم: كتابنا ناسخ للكتب، ونبينا خاتم الأنبياء، وأماني المشركين قولهم: لا نبعث، وأماني أهل الكتاب قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، وإن النار لا تمسنا إلا أياما معدودة، وأن كتابنا خير الكتاب، ونبينا خير الأنبياء، فأخبر الله عز وجل أن دخول الجنة والجزاء، بالأعمال لا بالأماني"(6).
قال ابن عطية: " «الأماني»: جمع أمنوية، وزنها «أفعولة»، وهي: ما يتمناه المرء ويطيع نفسه فيه"(7).
وقراءة الجمهور: {بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ} مشددة الياء فيهما، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو جعفر بن القعقاع وشيبة بن نصاح والحكم والأعرج، «ليس بأمانيكم» ساكنة الياء، وكذلك في الثانية (8).
قوله تعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123]، أي:" ومن يعمل عملا سيئًا ينال عقابه"(9).
وفي المراد «بالسوء» قولان:
أحدهما: أنه المعاصي. وهذا معنى قول أبي بن كعب (10)، وعائشة (11)، ومجاهد (12).
والثاني: أنه الشرك، قاله ابن عباس (13)، ويحيى بن أبي كثير (14)، وسعيد بن جبير (15).
وفي هذا الجزاء قولان:
أحدهما: أنه عام في كل من عمل سوءا فإنه يجازى به، وهو معنى قول أبي بن كعب (16)، وعائشة (17)، ومجاهد (18)، واختاره الطبري (19)، وابن كثير (20).
قال القرطبي: "قال الجمهور: لفظ الآية عام، والكافر والمؤمن مجازى بعمله السوء، فأما مجازاة الكافر فالنار، لان كفره أو بقه، وأما المؤمن فبنكبات الدنيا"(21).
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 417.
(2)
انظر: زاد المسير: 1/ 476. وانظر: الأقوال في سبب نزول الآية.
(3)
انظر: تفسير الطبري (10501)، (10500)، (10502)، (10503)، (10505): ص 9/ 232 - 233.
(4)
تفسير الطبري: 9/ 234.
(5)
الكشاف: 1/ 567.
(6)
زاد المسير: 1/ 476.
(7)
المحرر الوجيز: 2/ 115.
(8)
انظر: المحرر الوجيز: 2/ 115.
(9)
انظر: التفسير الميسر: 98، وصفوة التفاسير:282.
(10)
انظر: تفسير الطبري (10507)، و (10508): ص 9/ 236.
(11)
انظر: تفسير الطبري (10509): ص 9/ 236 - 237.
(12)
انظر: تفسير الطبري (10510): ص 9/ 237.
(13)
انظر: تفسير الطبري (10518): ص 9/ 239.
(14)
انظر: زاد المسير: 1/ 477.
(15)
انظر: تفسير الطبري (10519): ص 9/ 239.
(16)
انظر: تفسير الطبري (10507)، و (10508): ص 9/ 236.
(17)
انظر: تفسير الطبري (10509): ص 9/ 236 - 237.
(18)
انظر: تفسير الطبري (10510): ص 9/ 237.
(19)
انظر: تفسير الطبري: 9/ 239.
(20)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 421.
(21)
تفسير القرطبي: 5/ 396.
عن عائشة، عن أبي بكر قال:"لما نزلت: {من يعمل سوءًا يجز به}، قال أبو بكر: يا رسول الله، كل ما نَعْمل نؤاخذ به؟ فقال: يا أبا بكر، أليس يُصيبك كذا وكذا؟ فهو كفارته"(1).
والثاني: أنه خاص في الكفار يجازون بكل ما فعلوا، فأما المؤمن فلا يجازى بكل ما جنى، قاله الحسن البصري (2)، والضحاك (3).
روي عن أبي بكر بن أبي زهير، عن أبي بكر الصديق أنه قال:"يا نبي الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أيّة آية؟ قال يقول الله: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به}، فما عملناه جزينا به؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: غفر الله لك يا أبا بكر! ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست تُصيبك اللأواء؟ قال: فهو ما تجزون به! "(4).
وفي رواية أخرى عن أبي بكر-رضي الله عنه، قال:"يا رسول الله، ما أشد هذه الآية: {من يعمل سوءًا يجز به}؟ قال: يا أبا بكر، إنّ المصيبة في الدنيا جزاء"(5).
وعطاء بن أبي رباح قال: "لما نزلت، قال أبو بكر: جاءت قاصمة الظهر! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما هي المصيبات في الدنيا"(6).
وعن عائشة-رضي الله عنها قالت: "قلت يا رسول الله، إني لأعلم أشدَّ آية في القرآن! فقال: ما هي يا عائشة؟ قلت: هي هذه الآية يا رسول الله: {من يعمل سوءًا يجز به}، فقال: هو ما يصيب العبدَ المؤمن، حتى النكبة يُنْكبها"(7).
والراجح-والله أعلم- أن كل من عمل سوءًا صغيرًا أو كبيرًا من مؤمن أو كافر، جوزي به، [وذلك] لعموم الآية [في] كلَّ عامل سوء، من غير أن يُخَصَّ أو يستثني منهم أحد. فهي على عمومها، إذ لم يكن في الآية دلالة على خصوصها، ولا قامت حجة بذلك من خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم" (8).
قوله تعالى: {وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 123]، أي:" ولا يجد له سوى الله تعالى وليّاً يتولى أمره وشأنه، ولا نصيرًا ينصره، ويدفع عنه سوء العذاب"(9).
قال الطبري: أي: " ولا يجد الذي يعمل سوءًا من معاصي الله وخلاف ما أمره به، من بعد الله، وسواه {وليًّا} يلي أمره، ويحمي عنه ما ينزل به من عقوبة الله، ولا ناصرًا ينصره مما يحلّ به من عقوبة الله وأليم نَكاله"(10).
قال ابن عباس: " إلا أن يتوب قبل موته فيتوب الله عليه"(11).
قال النسفي: " وهذا وعيد للكفار لأنه قال بعده: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 124] "(12).
الفوائد:
1 -
ما عند الله لا ينال بالتمني ولكن بالإيمان والعمل الصالح أو التقوى والصبر والإحسان.
2 -
الجزاء أثر طبيعي للعمل وهو معنى {مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} ..
القرآن
التفسير:
(1) أخرجه الطبري (1051): ص 9/ 240 - 241.
(2)
انظر: تفسير الطبري (10511) - (10514): ص 9/ 237 - 238.
(3)
انظر: تفسير الطبري (10517): ص 9/ 238 - 239.
(4)
أخرجه الطبري (10523): ص 9/ 241 - 242.
(5)
أخرجه الطبري (10529).
(6)
أخرجه الطبري (10534): ص 9/ 247.
(7)
أخرجه الطبري (10532): ص 9/ 246.
(8)
تفسير الطبري: 9/ 239: ص 9/ 243.
(9)
التفسير الميسر: 98.
(10)
تفسر الطبري: 9/ 247.
(11)
أخرجه ابن ابي حاتم (5998): ص 4/ 1072.
(12)
تفسير النسفي: 1/ 397 - 398.
ومن يعمل من الأعمال الصالحة من ذكر أو أنثى، وهو مؤمن بالله تعالى وبما أنزل من الحق، فأولئك يدخلهم الله الجنة دار النعيم المقيم، ولا يُنْقَصون من ثواب أعمالهم شيئًا، ولو كان مقدار النقرة في ظهر النواة.
سبب النزول:
قال مسروق: " لما نزلت: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ} (1)، قال أهل الكتاب: نحن وأنتم سواء! فنزلت هذه الآية: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} "(2).
وقال أبو صالح: " أبي صالح قال: جلس ناس من أهل الإيمان وأهل التوراة وأهل الإنجيل، فقال هؤلاء: نحن أفضل، وقال هؤلاء: نحن أفضل، فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} (3)، ثم خص الله أهل الإيمان، فأنزل: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} "(4).
قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [النساء: 124]، " أي: ومن يعمل الأعمال الصالحة سواءً كان ذكراً أو أنثى وهو مؤمن بالله تعالى وبما أنزل من الحق" (5).
قال السمرقندي: " يعني: يؤدي الفرائض وينتهي عن المحارم من رجل أو امرأة، وهو مصدق بالثواب والعقاب"(6).
قال المراغي: " أي: ومن يعمل كل ما يستطيع عمله من الأعمال التي تصلح بها النفوس فى أخلاقها وآدابها وأحوالها الاجتماعية، سواء كان العامل ذكرا أو أنثى وهو مطمئن القلب بالإيمان"(7).
قال ابو السعود: " أي بعض الصالحات، أو شيئا منها، فإن كل أحد لا يتمكن من كلها وليس مكلفا به، وقوله: {وهو مؤمن}، حال شرط اقتران العمل بها في استدعاء الثواب المذكور تنبيها على أنه لا اعتداد به دونه"(8).
قال مقاتل: " {وهو مؤمن}، بتوحيد الله- عز وجل"(9).
قال السدي: " أبى أن يقبل الإيمان إلا بالعمل الصالح، وأبَى أن يقبل الإسلام إلا بالإحسان"(10).
ولسبب دخول {مِنَ} التبعيض، في قوله:{مِنَ الصَّالِحَاتِ} [النساء: 124]، قولان (11):
أحدهما: أن يكون الله قد علم أن عبادَه المؤمنين لن يُطيقوا أن يعملوا جميع الأعمال الصالحات، فأوجب وَعده لمن عمل ما أطاق منها، ولم يحرمه من فضله بسبب ما عجزتْ عن عمله منها قوّته.
والثاني: أن يكون تعالى ذكره أوجب وعدَه لمن اجتنب الكبائر وأدَّى الفرائض، وإن قصر في بعض الواجب له عليه، تفضلا منه على عباده المؤمنين، إذ كان الفضل به أولى، والصفح عن أهل الإيمان به أحرَى.
قال الزمخشري: " فإن قلت: ما الفرق بين «من» الأولى والثانية؟
قلت: الأولى للتبعيض، أراد: ومن يعمل بعض الصالحات لأن كلا لا يتمكن من عمل كل الصالحات لاختلاف الأحوال، وإنما يعمل منها ما هو تكليفه وفي وسعه. وكم من مكلف لا حج عليه ولا جهاد ولا زكاة، وتسقط عنه الصلاة في بعض الأحوال.
والثانية لتبيين الإبهام في: {من يعمل} " (12).
عن ابن عباس، "أن ابن عمر لقيه حزينا سأله عن هذه الآية:{ومن يعمل من الصالحات} ، قال: الفرائض" (13).
(1)[سورة النساء: 123].
(2)
أخرجه الطبري (10491): ص 9/ 228، وابن أبي حاتم (6000): ص 4/ 1072 - 1073. بزيادة: " قال: ففلجوا عليهم".
(3)
[سورة النساء: 123].
(4)
أخرجه الطبري (10497): ص 9/ 230 - 231، وابن أبي حاتم (6001): ص 4/ 1073.
(5)
صفوة التفاسير: 282، والتفسير الميسر:98.
(6)
تفسير السمرقندي: 1/ 341.
(7)
تفسير المراغي: 5/ 166.
(8)
تفسير ابي السعود: 2/ 236.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 409.
(10)
أخرجه الطبري (10535): ص 9/ 248.
(11)
انظر: تفسير الطبري: 9/ 249.
(12)
الكشاف: 1/ 568.
(13)
اخرجه ابن ابي حاتم (5999): ص 4/ 1073.
قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ} [النساء: 124]، أي:" فأولئك يدخلهم الله الجنة دار النعيم المقيم"(1).
قال المراغي: أي: " فأولئك العاملون المؤمنون بالله واليوم الآخر يدخلون الجنة بزكاء أنفسهم وطهارة أرواحهم"(2).
عن علقمة عن عبدالله: " الجنة سجسج: لا حر فيها ولا برد"(3).
قرأ أبو عمرو وابن كثير: «فأولئك يدخلون الجنة» ، بضم الياء ونصب الخاء، على معنى فعل ما لم يسم فاعله. وقرأ الباقون بنصب الياء وضم الخاء، أي يدخلون الجنة بأعمالهم (4).
قوله تعالى: {وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 124]، أي:" ولا يُنْقَصون من ثواب أعمالهم شيئًا، ولو كان مقدار النقرة في ظهر النواة "(5).
قال مجاهد: " النقير، الذي يكون في ظهر النواة"(6).
قال عطية: " النقير، الذي في وسط النواة"(7).
قال مقاتل: " يعني: ولا ينقصون من أعمالهم الحسنة {نقيرا}، حتى يجازوا بها، يعني: النقير الذي في ظهر النواة التي تنبت منه النخلة"(8).
قال الزجاج: " النقير، النقطه في ظهر النواة، وهي مَنْبتِ النخلة، والمعنى: ولا يظلمون
مقدار ذلك" (9).
قال الطبري: أي: " ولا يظلم الله هؤلاء الذين يعملون الصالحات من ثوابِ عملهم، مقدارَ النُّقرة التي تكون في ظهر النَّواة في القلة، فكيف بما هو أعظم من ذلك وأكثر؟ وإنما يخبر بذلك جل ثناؤه عبادَه أنه لا يبخَسهم من جزاء أعمالهم قليلا ولا كثيرًا، ولكن يُوفِّيهم ذلك كما وعدهم"(10).
قال القاسمي: " أي: لا ينقص من حسناتهم قدر «نقير»: وهو النقرة التي على ظهر النواة. وهذا على سبيل المبالغة في نفي الظلم، ووعد بتوفية جزاء أعمالهم من غير نقصان"(11).
قال ابو حيان: الضمير في قوله: {وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} " ظاهره: أنه يعود إلى أقرب مذكور وهم المؤمنون، ويكون حكم الكفار كذلك. إذ ذكر أحد الفريقين يدل على الآخر، أن كلاهما يجزى بعمله، ولأن ظلم المسيء أنه يزاد في عقابه. ومعلوم أنه تعالى لا يزيد في عقاب المجرم، فكان ذكره مستغنى عنه. والمحسن له ثواب، وتوابع للثواب من فضل الله هي في حكم الثواب، فجاز أن ينقص من الفضل. فنفي الظلم دلالة على أنه لا يقع نقص في الفضل. ويحتمل أن يعود الضمير في: ولا يظلمون إلى الفريقين، عامل السوء، وعامل الصالحات"(12).
قال القاسمي: "الراجع في {ولا يظلمون}، لعمال السوء وعمال الصالحات جميعا"(13).
قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف خص الصالحون بأنهم لا يظلمون وغيرهم مثلهم في ذلك؟
قلت: فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون الراجع في: {ولا يظلمون} لعمال السوء وعمال الصالحات جميعا.
والثاني: أن يكون ذكره عند أحد الفريقين دالا على ذكره عند الآخر، لأن كلا الفريقين مجزيون بأعمالهم لا تفاوت بينهم، ولأن ظلم المسيء أن يزاد في عقابه، وأرحم الراحمين معلوم أنه لا يزيد في عقاب المجرم،
(1) التفسير الميسر: 98.
(2)
تفسير المراغي: 5/ 166.
(3)
أخرجه ابن ابي حاتم (6003): ص 4/ 1073.
(4)
انظر: بحر العلوم: 1/ 341، والبحر المحيط: 4/ 76.
(5)
التفسير الميسر: 98.
(6)
أخرجه الطبري (10536): ص 9/ 249.
(7)
أخرجه الطبري (10537): ص 9/ 249.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 409.
(9)
معاني القرآن: 2/ 112.
(10)
تفسير الطبري: 9/ 248.
(11)
محاسن التاويل: 3/ 348.
(12)
البحر المحيط: 4/ 76.
(13)
محاسن التاويل: 3/ 348.
فكان ذكره مستغنى عنه وأما المحسن فله ثواب وتوابع للثواب من فضل الله هي في حكم الثواب، فجاز أن ينقص من الفضل لأنه ليس بواجب، فكان نفى الظلم دلالة على أنه لا يقع نقصان في الفضل" (1).
قال ابو السعود: " فإن النقير علم في القلة والحقارة وإذا لم ينقص ثواب المطيع فلأن لا يزاد عقاب العاصي أولى وأحرى كيف لا والمجازي أرحم الراحمين وهو السر في الاقتصار على ذكره عقيب الثواب"(2).
الفوائد:
1 -
أن الجزاء أثر طبيعي للعمل وهو معنى قوله {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ} .
2 -
قال المراغي: " وفى هذه الآية من العبرة والموعظة ما يهدم صروح الأمانى التي يأوى إليها الكسالى وذوو الجهالة من المسلمين الذين يظنون أن الله يحابى من يسمى نفسه مسلما ويفضله على اليهودي والنصراني لأجل هذا اللقب، فالذين يفخرون بالانتساب إليه وقد نبذوه وراء ظهورهم وجرموا الاهتداء بهديه، هم فى ضلال مبين"(3).
القرآن
التفسير:
لا أحد أحسن دينًا ممن انقاد بقلبه وسائر جوارحه لله تعالى وحده، وهو محسن، واتبع دين إبراهيم وشرعه، مائلا عن العقائد الفاسدة والشرائع الباطلة. وقد اصطفى الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام واتخذه صفيّاً من بين سائر خلقه.
قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} [النساء: 125]، أي:" لا أحد أحسن دينًا ممن انقاد بقلبه وسائر جوارحه لله تعالى وحده، وهو محسن"(4).
قال مقاتل: " يعني: أخلص دينه لله، {وهو محسن} في عمله"(5).
قال التستري: " أي: ممن أخلص دينه لله، وهو الإسلام وشرائعه، وقال، أي في لقمان: {ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن} [لقمان: 22]، يعني: يخلص دينه لله"(6).
قال ابن كيسان: "يعني: من توجه بعبادته إلى الله خاضعًا له"(7).
قال ابن عباس: يريدُ وهو يوحِّدُ الله لا يُشْرِكُ بِهِ شيئًا" (8).
قال السدي: " ثم فضل الله المؤمن عليهم، يعني: على أهل الكتاب، فقال: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا} "(9).
قال الزمخشري: " {أسلم وجهه لله}: أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له لا تعرف لها ربا ولا معبودا سواه، {وهو محسن}: وهو عامل للحسنات تارك للسيئات "(10).
عن أبي العالية قوله: " {ممن أسلم وجهه لله وهو محسن}، يقول: من أخلص لله"(11). وروي عن الربيع بن أنس مثل ذلك (12).
عن سعيد بن جبير: {ممن أسلم وجهه لله} ، قال: من أخلص {وجهه} ، قال: دينه" (13).
(1) الكشاف: 1/ 568.
(2)
تفسير ابي السعود: 2/ 236.
(3)
تفسير المراغي: 5/ 166.
(4)
التفسير الميسر: 98.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 410.
(6)
تفسير التستري: 32.
(7)
التفسير البسيط للواحدي: 7/ 112.
(8)
التفسير البسيط للواحدي: 7/ 112.
(9)
أخرجه ابن ابي حاتم (6005): ص 4/ 1073.
(10)
الكشاف: 1/ 568 - 569.
(11)
أخرجه ابن ابي حاتم (6006): ص 4/ 1073.
(12)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6006): ص 4/ 1073.
(13)
أخرجه ابن ابي حاتم (6007): ص 4/ 1074.
قال الواحدي: " {وَهُوَ مُحْسِنٌ} ، أي: موحِّد، وإنما شرط في إسلام الوجه لله أن يكون محسنًا، لأن اليهود والنصارى يقرُّون بالانقياد لأمر الله وهم غير محسنين، فلا يستحقون الأجر.
قال العلماء: وإنِّما صارَ الإسلامُ أحسنَ الأديانِ، لأنَّ طاعةَ الله أحسن الأعمالِ التي تكونُ من العباد، لما فيها من عبادة من لا يضيع عنده مثاقيل الذرِّ، ومَنْ لا يضيق ملكه عن شيء، فلهذا كان لا أحد أحسن دينًا ممَنْ أسلَمَ وجهَهُ لله بطاعته والانقيادِ لأمره" (1).
وفي «الوجه» في الآية قولان (2):
أحدهما: أنه الدين.
والثاني: أنه العمل.
وفي تفسير «الإحسان» في الآية قولان:
أحدهما: أنه التوحيد، قاله ابن عباس (3).
والثاني: القيام لله بما فرض الله، قاله أبو سليمان الدمشقي (4).
قوله تعالى: {وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النساء: 125]، أي:" واتبع دين إبراهيم وشرعه، مائلا عن العقائد الفاسدة والشرائع الباطلة"(5).
قال الطبري: " يعني بذلك: واتبع الدين الذي كان عليه إبراهيم خليل الرحمن، وأمر به بنيه من بعده وأوصاهم به، مستقيمًا على منهاجه وسبيله"(6).
قال الضحاك: " فضّل الله الإسلام على كل دين فقال: {ومن أحسن دينًا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن}، إلى قوله: {واتخذ الله إبراهيم خليلا}، وليس يقبل فيه عملٌ غير الإسلام، وهي الحنيفيّة"(7).
وذكر أهل العلم في اتباع ملة إبراهيم قولان (8):
أحدهما: اتباعه على التوحيد والطاعة.
والثاني: اتباع شريعته، اختاره القاضي أبو يعلى (9).
وقوله تعالى: {حَنِيفًا} [النساء: 125]، لأهل اللغة فيه قولان (10):
الأول: أن الحنيف هو المستقيم.
قال الطبري: " (الحنيف)، فإنه المستقيم من كل شيء"(11).
ومنه قيل للأعرج: أحنف، تفاؤلا بالسلامة، كما قالوا للديغ: سليم، والمهلكة: مفازة، قالوا: فكل من أسلم لله ولم ينحرف عنه في شيء فهو حنيف (12).
الثاني: أن الحنيف المائل، لأن الأحنف هو الذي يميل كل واحد من قدميه إلى الأخرى بأصابعها، وتحنف إذا مال.
وفي تفسير قوله تعالى: {حَنِيفًا} [النساء: 125]، أقوال:
أحدها: أن الحنيفية حج البيت، والحنيف هو الحاج. وهذا قول ابن عباس (13)، والحسن (14)، ومجاهد (15)، وكثير بن زياد (16)، وعبدالله بن قاسم (17)، والضحاك (18)، وعطية (19)، والسدي (20).
(1) التفسير البسيط للواحدي: 7/ 113.
(2)
انظر: زاد المسير: 1/ 478.
(3)
انظر: التفسير البسيط للواحدي: 7/ 112، وزاد المسير: 1/ 478، وتنوير المقباس" بهامش المصحف ص 98.
(4)
انظر: زاد المسير: 1/ 478.
(5)
التفسير الميسر: 98.
(6)
تفسير الطبري: 9/ 250.
(7)
أخرجه الطبري (10538): ص 9/ 251.
(8)
انظر: زاد المسير: 1/ 478.
(9)
انظر: زاد المسير: 1/ 478.
(10)
انظر: مفاتيح الغيب: 4/ 71.
(11)
تفسير الطبري: 3/ 104.
(12)
انظر: تفسير الطبري: 3/ 104.
(13)
انظر: تفسير الطبري (2097): ص 3/ 106، وابن أبي حاتم (1291): ص 1/ 241، و (3650): ص 2/ 673، و (6008): ص 4/ 1074.
(14)
انظر: تفسير الطبري (2091): ص 3/ 104، وتفسير ابن ابي حاتم (6008): ص 4/ 1074، و (3650): ص 2/ 673 ..
(15)
انظر: تفسير الطبري (2094): ص 3/ 106.
(16)
انظر: تفسير الطبري (2095): ص 3/ 106.
(17)
انظر: تفسير الطبري (2098): ص 3/ 106.
(18)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: (1291): ص 1/ 241، و (3650): ص 2/ 673، و (6008): ص 4/ 1074.
(19)
انظر: تفسير الطبري (2092)، و (2093): ص 3/ 104 - 105، وتفسير ابن ابي حاتم (6008): ص 4/ 1074.
(20)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم: (1291): ص 1/ 241، و (3650): ص 2/ 673.
والثاني: أنه اتباع الحق. قاله مجاهد ايضا (1)، والربيع بن انس (2).
والثالث: الحنيف: المستقيم. وهذا قول محمد بن كعب (3)، وعسى ابن جارية (4).
والرابع: معناه: مخلصا. قاله السدي (5)، ومقاتل بن سليمان (6)، وخصيف (7).
والخامس: أن الحنيف: الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم. وهذا قول ابي قلابة (8).
والراجح-والله اعلم- أنه يعني: الإستقامة على دين إبراهيم واتباعه على ملته، قال الزمخشري:{الحنيف} : " هو الذي تحنف، أى: مال عن الأديان كلها إلى دين الإسلام"(9).
قوله تعالى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: 125]، أي:" وقد اصطفى الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام واتخذه صفيّاً من بين سائر خلقه"(10).
قال ابن مسعود: " إن الله اتخذ صاحبكم خليل"(11).
قال مقاتل: " يعني: محبا"(12).
قال الطبري: أي: " واتخذ الله إبراهيم وليًّا"(13).
قال الواحدي: أي: "صفيَّاً بالرِّسالة والنُّبوَّة مُحبَّاً له خالص الحب"(14).
قال انس: " جعل الله الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلى الله عليهم أجمعين"(15).
وفي معنى «الخليل» أقوال:
أحدها: انه الصفي. وهذا قول ابن عباس (16).
والثاني: أنه المحب الذي ليس في محبته خلل. قاله الزجاج (17).
والثالث: أن الخليل: الفقير، فجائز أن يكون إبراهيم سمي خليل الله بأنه أحبه محبة كاملة، وجائز أن يكون لأنه لم يجعل فقره وفاقته إلا إليه. ذكره الزجاج (18).
والرابع: أن الخليل: «فعيل» من الخلة، والخلة: المودة. قاله ابن الأنباري (19).
قال الزجاج: " الخليل المحب الذي ليس في محبته خَلَل فجائز أن يكون إِبراهيم
سمى خليلَ الله بأنَّه الذِي أحبه الله واصطفاه محبةً تامَّةً كامِلةً.
وقيل أيضاً الخليل الفقير، فجائز أن يكون فقير اللَّه، أي الذي لم يَجْعَلْ فقره وفاقته إِلا إِلى الله مخلصاً في ذلك، قال الله عز وجل:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ} ، ومثل أن إِبراهيم الخليل الفقير إِلى اللَّه قول زهير يمدح هرم بن سنان (20):
وَإِنْ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ
…
يَقُولُ لَا غَائِبٌ مَالِي وَلَا حَرَمُ
(1) انظر: تفسير الطبري (2099): ص 3/ 106، وابن أبي حاتم (1292): ص 1/ 241، و (6009): ص 4/ 1074.
(2)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (1292): ص 1/ 241، و (6009): ص 4/ 1074.
(3)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (1293): ص 1/ 242، و (6010): ص 4/ 1074.
(4)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (1293): ص 1/ 242، و (6010): ص 4/ 1074.
(5)
انظر: تفسير الطبري (2100): ص 3/ 107، وتفسير ابن ابي حاتم (6011): ص 4/ 1074.
(6)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 141.
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (1295): ص 1/ 242.
(8)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (1294): ص 1/ 242، و (6012): ص 4/ 1074.
(9)
الكشاف: 1/ 569.
(10)
التفسير الميسر: 98.
(11)
أخرجه ابن ابي حاتم (6013): ص 4/ 1075.
(12)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 410.
(13)
تفسير الطبري: 9/ 251.
(14)
الوجيز: 292.
(15)
أخرجه ابن ابي حاتم (6014): ص 4/ 1075.
(16)
انظر: زاد المسير: 1/ 478.
(17)
انظر: معاني القرآن: 2/ 113 - 113.
(18)
انظر: معاني القرآن: 2/ 113 - 113.
(19)
انظر: زاد المسير: 1/ 478.
(20)
ديوانه: (91)، وروايته: «
…
يوم مسألةٍ» وروايته في اللسان (خلل): «يوم مسغبة.
والخلة الصداقة، والخلة الحاجة، فأمَّا معنى الحاجةِ، فإِنه الاختلال الذي يلحق الِإنسان فيما يحتاج إِليه، وأمَّا الخلة الصداقة فمعناها إنَّه يسُد كل محب خَلَلَ صاحبه في المودة وفي الحاجة إليه، والخلل كل فرجة تقع في شيء، والخِلَال الذي يتخلل به، وإنما سمي خلالاً لأنه، يتبع به الخلل بين الأسْنانِ، وقول الشاعر (1):
ونظرن من خَلَلِ الستور بأعينٍ
…
مرضَى مخالِطها السِّقام صحاح
فإن معناه نظرن من الفرجُ التي تقع في الستور، والخلوةُ والخلل يرجعان إِلى معنى، والخِل الطريق في الرملِ معناه أنه انفرجتْ فِيه فرجة فصارت طريقاً. والخَل الذي يؤكل إنما سمي خلًّا لأنه اختلَّ منه طعم الحلاوة" (2).
وفي سبب اتخاذ الله له خليلا ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه اتخذه خليلا لإطعامه الطعام.
روى عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا جبريل، لم اتخذ الله إبراهيم خليلا؟
قال: لإطعامه الطعام» (3).
وأخرج ابن ابي حاتم عن عبيد بن عمير قال: "كان إبراهيم عليه السلام يضيف الناس، فخرج يوما يلتمس إنسانا يضيفه، فلم يجد أحدا فرجع إلى داره فوجد فيها رجلا قائما، قال: يا عبد الله، ما أدخلك داري بغير إذني؟ قال: دخلتها بإذن ربها. قال: ومن أنت؟ قال: أنا ملك الموت أرسلني ربي إلى عبد من عباده أبشره بأن الله اتخذه خليلا. قال: من هو؟ فوالله إن أخبرتني به ثم كان بأقصى البلاد لآتينه، ثم لا أبرح له جارا حتى يفرق بيننا الموت. قال: ذاك العبد أنت. قال: أنا؟ قال: نعم. قال: فبما اتخذني ربي خليلا. قال: إنك تعطي الناس ولا تسألهم"(4).
والثاني: أنه اتخذه خليلا لكسره الأصنام، وجداله قومه، قاله مقاتل (5).
والثالث: أن الناس أصابتهم سنة فأقبلوا إلى باب إبراهيم يطلبون الطعام، وكانت له ميرة من صديق له بمصر في كل سنة، فبعث غلمانه بالإبل إلى صديقه، فلم يعطهم شيئا، فقالوا: لو احتملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة، فملؤوا الغرائر رملا، ثم أتوا إبراهيم عليه السلام، فأعلموه، فاهتم إبراهيم لأجل الخلق. فنام وجاءت سارة وهي لا تعلم ما كان، ففتحت الغرائر، فاذا دقيق حواري، فأمرت الخبازين فخبزوا، وأطعموا الناس، فاستيقظ إبراهيم، فقال: من أين هذا الطعام؟ فقالت: من عند خليلك المصري، فقال: بل من عند خليلي الله عز وجل، فيومئذ اتخذه الله خليلا. روي ذلك عن ابن عباس (6).
قلت: وأما الخبر الذي روي عن ابن عباس، فإنه لا أصل له في المرفوع، إذ جاء برواية أبي صالح عن ابن عباس كما عند ابن الجوزي (7)، وهو في اسباب النزول للواحدي (8) وتفسير البغوي (9) برواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وهذا إسناد ساقط، الكلبي متروك، وأبو صالح لم يسمع من ابن عباس، والكلبي وأبو صالح أقرا أنهما كانا يكذبان على ابن عباس (10).
وقد ذكر هذا الخبر الطبري بدون إسناد (11)، ونقله عنه ابن كثير في تفسيره، وقال:"وفي صحة هذا ووقوعه نظر، وغايته أن يكون خبرا إسرائيليا لا يصدق ولا يكذب"(12).
(1) لم اقف عليه، وهو دون نسبة في معاني القرآن للزجاج: 2/ 114.
(2)
معاني القرآن: 2/ 113 - 113.
(3)
اخرجه البيهقي 9616 من حديث عبد الله بن عمرو، وفيه ابن لهيعة والراوي عنه ليس من العبادلة، والواحدي في اسباب النزول: 182 - 183، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير: 1/ 478، والقرطبي في تفسيره: 5/ 401، والسيوطي في الدر المنثر: 2/ 706، والحديث ضعيف والمتن منكر، فإن الأمر أعم من ذلك.
(4)
تفسير ابن ابي حاتم (6016): ص 4/ 1075.
(5)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 410.
(6)
انظر: أسباب النزول للواحدي: 183 - 184، وزاد المسير: 1/ 479.
(7)
انظر: زاد المسير: 1/ 479.
(8)
انظر: اسباب النزول: 183 - 184.
(9)
انظر: تفسير البغوي: 2/ 292.
(10)
راجع ترجمتهما في «الميزان» .
(11)
انظر: تفسير الطبري: 9/ 251 - 252.
(12)
تفسير ابن كثير: 2/ 423.
والراجح-والله اعلم- أنه "سُمّي خليل الله لشدة محبة ربه، عز وجل، له، لما قام له من الطاعة التي يحبها ويرضاها"(1).
قال السعدي: " وإنما اتخذ الله إبراهيم خليلا لأنه وفى بما أمر به وقام بما ابتلي به، فجعله الله إماما للناس، واتخذه خليلا ونوه بذكره في العالمين"(2).
ولهذا ثبت في الصحيحين، من حديث أبي سعيد الخدري:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خطبهم في آخر خطبة خطبها قال: «أما بعد، أيها الناس، فلو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلا ولكن صاحبكم خليل الله» "(3).
وجاء من طريق جُنْدُب بن عبد الله البَجَلي، وعبد الله بن عَمرو بن العاص، وعبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا"(4).
وعن عكرمة، عن ابن عباس قال:"جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه، فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فسمع حديثهم، وإذا بعضهم يقول: عجبًا إن الله اتخذ من خلقه خليلا فإبراهيم خليله! وقال آخر: ماذا بأعجب من أن الله كلم موسى تكليما! وقال آخر: فعيسى روح الله وكلمته! وقال آخر: آدم اصطفاه الله! فخرج عليهم فسلم وقال: «قد سمعت كلامكم وتعجبكم أن إبراهيم خليل الله، وهو كذلك، وموسى كليمه، وعيسى روحه وكلمته، وآدم اصطفاه الله، وهو كذلك ألا وإني حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع، وأول مشَفع ولا فخر، وأنا أول من يحرك حِلَق الجنة، فيفتح الله فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر» "(5).
قال الواحدي: " وملة إبراهيم داخلة في ملتنا، وفي ملتنا زيادة على ملة إبراهيم، فمن ملة إبراهيم الكلمات العشر في قوله: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} [البقرة: 124] "(6)، " "وأكثر المفسرين قالوا في تفسير الكلمات: إنها عشر خصال عن السنة، خمس في الرأس وخمس في الجسد، فالتي في الرأس: الفرق، والمضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك. والتي في الجسد: تقليم الأظافر، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء، ونتف الرفغين" ا. هـ والفرق لشعر الرأس، والرفغين: الأبطين"(7).
الفوائد:
1 -
فضل الإسلام على سائر الأديان.
2 -
شرف إبراهيم عليه السلام باتخاذه ربه خليلاً، وقد شرف بالخلة محمد صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم خطبهم أخر خطبة، فقال "أما بعد، أيها الناس، فلو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلا ولكن صاحبكم خليل الله"(8).
3 -
في هذه الآية، إثبات صفة الخُلّة لله -تعالى- وهي أعلى مقامات المحبة، والاصطفاء (9).
القرآن
{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126)} [النساء: 126]
التفسير:
ولله جميع ما في هذا الكون من المخلوقات، فهي ملك له تعالى وحده. وكان الله تعالى بكل شيء محيطًا، لا يخفى عليه شيء من أمور خلقه.
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 423.
(2)
تفسير السعدي: 206.
(3)
صحيح البخاري برقم (3654) وصحيح مسلم برقم (2382) ولفظه: "صاحبكم خليل الله" هي من حديث عبد الله بن مسعود، رواه مسلم برقم (2383).
(4)
أما حديث جندب بن عبد الله فرواه مسلم في صحيحه برقم (532)، وأما حديث عبد الله بن عمرو فرواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (9616)، وأما حديث عبد الله بن مسعود، فرواه مسلم في صحيحه برقم (2383).
(5)
رواه الترمذي في السنن برقم (3616) وقال: "هذا حديث غريب"، وابن مَرْدُويه كما في تفسير ابن كثير: 2/ 423، وقال ابن كثير:" وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها".
(6)
التفسير البسيط: 7/ 113.
(7)
التفسير الوسيط: 1/ 208، وأنظر:"معاني القرآن" للفراء 1/ 76، و"أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 36.
(8)
صحيح البخاري برقم (3654) وصحيح مسلم برقم (2382) ولفظه: "صاحبكم خليل الله" هي من حديث عبد الله بن مسعود، رواه مسلم برقم (2383).
(9)
انظر: التفسير الميسر: 98.
قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [النساء: 126]، أي:" ولله جميع ما في هذا الكون من المخلوقات، فهي ملك له تعالى وحده"(1).
قال الواحدي: " إخبار عن سعة قدرته، وكثرة مملوكاته ليرغب إليه بالطاعة"(2).
قال الزجاج: " أي: إِن إبراهيم الذي اتخذه اللَّه خليلاً هو عبد اللَّه، وهو له وكل ما في
السَّمَاوَات والأرض" (3).
قال القرطبي: " أي: ملكا واختراعا. والمعنى إنه اتخذ إبراهيم خليلا بحسن طاعته لا لحاجته إلى مخالته ولا للتكثير به والاعتضاد، وكيف وله ما في السموات وما في الأرض؟ وإنما أكرمه لامتثاله لأمره"(4).
قال البيضاوي: اي: " خلقا وملكا يختار منهما من يشاء وما يشاء. وقيل هو متصل بذكر العمال مقرر لوجوب طاعته على أهل السموات والأرض، وكمال قدرته على مجازاتهم على الأعمال"(5).
قال ابن كثير: " أي: الجميع ملكه وعبيده وخلقه، وهو المتصرف في جميع ذلك، لا راد لما قضى، ولا معقب لما حكم، ولا يسأل عما يفعل، لعظمته وقدرته وعدله وحكمته ولطفه ورحمته"(6).
قال النسفي: " دليل على أن اتخاذه خليلا لا يحتاج الخليل إليه لا لإحتياجه تعالى، لأنه منزه عن ذلك"(7).
قال الطبري: أي: {واتخذ الله إبراهيم خليلا} ، لطاعته ربَّه، وإخلاصه العبادة له، والمسارعةِ إلى رضاه ومحبته، لا من حاجةٍ به إليه وإلى خُلَّته. وكيف يحتاج إليه وإلى خلَّته، وله ما في السموات وما في الأرض من قليل وكثير مِلْكًا، والمالك الذي إليه حاجة مُلْكه، دون حاجته إليه؟ يقول: فكذلك حاجة إبراهيم إليه، لا حاجته إليه فيتخذه من أجل حاجته إليه خليلا ولكنه اتخذه خليلا لمسارعته إلى رضاه ومحبته. يقول: فكذلك فسارعوا إلى رضايَ ومحبتي لأتخذكم لي أولياء" (8).
قال ابن عباس: " قال جبريل عليه السلام: يا محمد لله الخلق كله، والسموات كلهن ومن فيهن، والأرضون كلهن ومن فيهن، ومن بينهن مما يعلم ومما لا يعلم"(9).
قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء: 126]، أي:" وكان الله تعالى بكل شيء محيطًا، لا يخفى عليه شيء من أمور خلقه"(10).
قال مقاتل: " يعنى: أحاط علمه"(11).
قال الواحدي: " علم إحاطة، وهو العلم بالشيء من كل وجه حتى لا يشذ عنه شيء"(12).
قال القرطبي: " أي: أحاط علمه بكل الأشياء"(13).
قال البيضاوي: " إحاطة علم وقدرة فكان عالما بأعمالهم فيجازيهم على خيرها وشرها"(14).
قال ابن كثير: " أي: علمه نافذ في جميع ذلك، لا تخفى عليه خافية من عباده، ولا يعْزُب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ولا تخفى عليه ذرة لما تراءى للناظرين وما توارى"(15).
قال الطبري: أي: " ولم يزل الله محصيًا لكل ما هو فاعله عبادُه من خير وشرّ، عالمًا بذلك، لا يخفى عليه شيء منه، ولا يعزب عنه منه مثقال ذرَّة"(16).
(1) التفسير الميسر: 98.
(2)
التفسير الوسيط: 2/ 122
(3)
معاني القرآن: 2/ 114.
(4)
تفسير القطربي: 5/ 402.
(5)
تفسير البيضاوي: 2/ 100.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 424.
(7)
تفسير النسفي: 1/ 400.
(8)
تفسير الطبري: 9/ 252.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (4132): ص 3/ 758.
(10)
التفسير الميسر: 98.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 411.
(12)
التفسير الميسر: 98.
(13)
تفسير القطربي: 5/ 402.
(14)
تفسير البيضاوي: 2/ 100.
(15)
تفسير ابن كثير: 2/ 424.
(16)
تفسير الطبري: 9/ 252.
قال الماتريدي: " أي: أحاط بكل شيء علمه، وهو يخرج على الوعيد، أي: عن علم منه خلقهم لا عن جهل بصنيعهم كملوك الأرض"(1).
الفوائد:
1 -
بيان عموم ملك الله سبحانه وتعالى، لقوله:{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} ، لأن {ما} من صيغ العموم.
2 -
غنى الله تعالى عن سائر مخلوقاته، وافتقار سائر مخلوقاته إليه عز وجل.
3 -
أفاد تقديم الخبر في قوله: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} ، انفراد الله تعالى بملك السماوات والأرض.
4 -
إثبات تعدد السماوات، بأنها سبع سماوات، وأما الأرض فقد ذكر بصيغة الافراد والمراد الجنس فيشمل جميع الأرضين، وقد بينت السنة انها سبع.
القرآن
التفسير:
يطلب الناس منك -أيها النبي- أن تبين لهم ما أشكل عليهم فَهْمُه من قضايا النساء وأحكامهن، قل الله تعالى يبيِّن لكم أمورهن، وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تعطونهن ما فرض الله تعالى لهن من المهر والميراث وغير ذلك من الحقوق، وتحبون نكاحهن أو ترغبون عن نكاحهن، ويبيِّن الله لكم أمر الضعفاء من الصغار، ووجوب القيام لليتامى -وهم الذين مات آباؤهم وهم دون سن البلوغ- بالعدل وترك الجور عليهم في حقوقهم. وما تفعلوا من خير فإن الله تعالى كان به عليمًا، لا يخفى عليه شيء منه ولا من غيره.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: أخرج البخاري (2)، ومسلم (3)، وأبو داود (4)، والنَّسَائِي (5)، والدارقطني (6)، عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة رضي الله عنها:{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} . قالت: «هي اليتيمة في حجر وليها، فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها فنهوا عن نكاحهن، إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأُمروا بنكاح من سواهن من النساء.
قالت عائشة: ثم استفتى الناس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعدُ، فأنزل اللَّه عز وجل:{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} ، قالت: فبيّن الله في هذه أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال ومال رغبوا في نكاحها، ولم يلحقوها بسنتها بإكمال الصداق، فإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء، قال: فكما يتركونها حين يرغبون عنها، فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها، إلا أن يقسطوا لها الأوفى من الصداق ويعطوها حقها».
والثاني: وعن عائشة، في قوله:{وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ، وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} [النساء: 127]، قالت:«أنزلت في اليتيمة، تكون عند الرجل فتشركه في ماله، فيرغب عنها أن يتزوجها، ويكره أن يزوجها غيره، فيشركه في ماله، فيعضلها (7) فلا يتزوجها ولا يزوجها غيره» (8). وروي عن ابن عباس (9)، وإبراهيم (10)، وقتادة (11)، والسدي (12) نحو ذلك.
(1) تفسير الماتريدي: 3/ 273.
(2)
صحيح البخاري (2763): ص 4/ 9، و (6965): ص 9/ 24.
(3)
صحيح مسلم: كتاب التفسير (3018): ص 4/ 2313.
(4)
سنن أبي داود (2068): ص 2/ 224.
(5)
السنن الكبرى (5488): ص 5/ 221، و (11024): ص 10/ 58.
(6)
سنن الدارقطني (77): ص 3/ 265.
(7)
"فيعضلها": أي: يمنعها الزواج.
(8)
صحيح مسلم (3018): ص 4/ 2315، والسنن الكبرى (11059): ص 10/ 73، وتفسير الطبري (10561)، و (10562): ص 9/ 263.
(9)
انظر: تفسير الطبري (10549): ص 9/ 256.
(10)
انظر: تفسير الطبري (10544): ص 9/ 255، وانظر:(10545): ص 9/ 255.
(11)
انظر: تفسير الطبري (10550)، و (10551): ص 9/ 256.
(12)
انظر: تفسير الطبري (10546): ص 9/ 255 - 256.
والثالث: أنهم كانوا في الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال، فلما فرض الله المواريث في هذه السورة، شق ذلك عليهم، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس (1)، وسعيد بن جبير (2)، ومجاهد (3)، وابن زيد (4)، والكلبي (5).
والرابع: روي عن عبد الملك بن محمد بن حزم، قال:"أن عمرة بنت حزم كانت تحت سعد بن الربيع؛ فقتل عنها بأُحد، وكان له منها ابنة، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تطلب ميراث ابنتها؛ ففيها نزلت: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} "(6).
والخامس: وقال مقاتل بن سليمان: " نزلت في سويد وعرفطة ابني الحارث وعيينة بن حصن الفزاري ذلك أنه لما فرض الله- عز وجل لأم كحة وبناتها الميراث انطلق سويد وعرفطة وعيينة بن حصن الفزاري إلى النبي- صلى الله عليه وسلم، فقالوا للنبي- صلى الله عليه وسلم: إن المرأة لا تركب فرسا ولا تجاهد وليس عند الولدان الصغار منفعة في شيء- فأنزل الله- عز وجل فيهم «ويستفتونك» يعني يسألونك عن النساء يعني سويدا وصاحبيه"(7). وكذلك ذهب السمرقندي (8)، والسمعاني (9)، وغيرهم، من السادة المفسرين. بأنها نزلت في أم كجة التي ذكرت في أول السورة، إذ كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان (10).
والسادس: أخرج ابن أبي حاتم عن سالم عن سعيد، قال:"كان رجل له امرأة قد كبرت وعنست من الحيض وكان له منها أولاد فأراد أن يطلقها وأن يتزوج، فقالت: لا تطلقني، ودعني أقوم على ولدي واقسم كل عشر إن شئت أو أكثر من ذلك إن شئت، فقال: إن كان هذا يصلح فهو أحب إلي، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال: «قد سمع الله ما تقول فإن شاء، أجابك»، قال: وأنزل الله تعالى: {يستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن}، فأفتاهم عما لم يسألوا عنه"(11).
قال الطبري: " وأولى هذه الأقوال التي ذكرنا عمن ذكرناها عنه بالصواب، وأشبهها بظاهر التنزيل، قول من قال: معنى قوله: {وما يتلى عليكم في الكتاب}، وما يتلى عليكم من آيات الفرائضِ في أول هذه السورة وآخرها، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الصَّداق ليس مما كُتب للنساء إلا بالنكاح، فما لم تنكح فلا صداق لها قِبَل أحد. وإذا لم يكن ذلك لها قِبَل أحدٍ، لم يكن مما كتب لها. وإذا لم يكن مما كتب لها، لم يكن لقول قائل: عنى بقوله: {وما يتلى عليكم في الكتاب}، الإقساطَ في صدقات يتامى النساء وَجْهٌ"(12).
وابن العربي لما ساق حديث عائشة قال: "وفي ذلك من الحشو روايات لا فائدة في ذكرها هاهنا، يرجع معناها إلى قول عائشة رضي الله عنها"(13).
والإشكال الذي يَرِدُ هنا أن يُقال: ما هي الإضافة التي جاءت بها آية النساء الثانية؟ أو قل ما الفرق بين الآيتين؟
أجاب: ابن كثير رحمه الله قائلا: "والمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزويجها، فتارة يرغب في أن يتزوجها فأمره الله أن يمهرها أسوة أمثالها من النساء فإن لم يفعل فليعدل إلى غيرها من النساء فقد وسع اللَّه عز وجل وهذا المعنى في الآية الأولى التي في أول السورة، وتارة لا يكون فيها رغبة لدمامتها عنده أو في نفس الأمر فنهاه الله عز وجل أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها"(14).
(1) انظر: تفسير الطبري (10539): ص 9/ 253 - 254.
(2)
انظر: تفسير الطبري (10541): ص 9/ 254.
(3)
انظر: تفسير الطبري (10547): ص 9/ 256.
(4)
انظر: تفسير الطبري (10557): ص 9/ 262.
(5)
انظر: تفسير عبدالززاق (646): ص 1/ 480.
(6)
ذكره السيوطي في "الدر المنثور"(2/ 709) ونسبه للقاضي إسماعيل في "أحكامه"[ضعيف].
(7)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 411.
(8)
انظر: بحر العلوم: 1/ 343.
(9)
انظر: تفسير السمعاني: 1/ 485.
(10)
انظر القصة في: تفسير الطبري (8725): ص 8/ 31 - 32، وتفسير ابن أبي حاتم (4894): ص 3/ 881.
(11)
تفسير ابن ابي حاتم (6019): ص 4/ 1076.
(12)
تفسير الطبري: 9/ 260 - 261.
(13)
أحكام القرآن: 1/ 405.
(14)
تفسير ابن كثير: 2/ 425.
وقال السعدي: "قوله: {وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} هذا إخبار عن الحالة الموجودة الواقعة في ذلك الوقت، فإن اليتيمة إذا كانت تحت ولاية الرجل بخسها حقها، وظلمها، إما بأكل مالها الذي لها، أو بعضه، أو منعها من التزوج لينتفع بمالها، خوفًا من استخراجه من يده إن زوّجها، أو يأخذ من مهرها الذي تتزوج به، بشرط أو غيره، هذا إذا كان راغبًا عنها، أو يرغب فيها وهي ذات جمال ومال، ولا يقسط في مهرها بل يعطيها دون ما تستحق"(1).
والظاهر -والله أعلم- أن ما ذكره ابن كثير والسعدي - رحمهما اللَّه - هو الحق، وبيان ذلك أن يقال إن اللَّه تحدث عن نكاح اليتامى من النساء في آيتين من نفس سورة النساء هما قوله تعالى:{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3]، وقوله:{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ .. } ، وبعيدٌ عن بلاغة القرآن وفصاحته أن يكون حديثُ الآيتين عن معنى واحد يتكرر فيهما، فإن هذا نقص في كلام البشر فكيف بكلام الله جلَّ وعلا؟
فإن قيل: الثاني مؤكد للأول، فما الجواب؟
فالجواب أن يقال: إن كلام اللَّه إذا دار بين التوكيد والتأسيس تعين حمله على التأسيس لأنه يحمل معنى زائدًا على مجرد التوكيد.
وعلى هذا يكون حديث الآية الأولى عن الرجل تكون عنده اليتيمة ذات مال وجمال يريد أن يتزوجها بدون أن يقسط في صداقها، ولفظ الآية الأولى يدل على ذلك كما تقدم في أول سورة النساء.
وحديث الآية الثانية في الرجل تكون عنده اليتيمة تشاركه في ماله وليست ذات جمال، فيرغب عن نكاحها، ويكره أن يزوجها غيره لئلا يشاركه في مالها، فيعضلها لأجل ذلك، ولفظ الآية الثانية يدل على ذلك فإن اللَّه قال:{فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} ، أي: من حقوقهن وأموالهن اللاتي يملكنها ولهذا قال في آخر الآية: {وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ} {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} ، أي: ترغبون عن نكاحهن.
ولفظ مسلم عن عائشة - «رعِنها» - يدل على هذا الفهم.
وأما قول الطبري: "إن ذلك في المواريث"(2)، فسياق الآيات لا يسعفه.
والراجح-والله اعلم- أن سبب نزول الآية الكريمة ما كان يجري في عهده صلى الله عليه وسلم إذ كان بعض الناس يعضل اليتيمة عن النكاح لئلا يُشرك في مالها ويرغب هو عن نكاحها لقلة جمالها، فاستفتى بعض الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فأنزل اللَّه الآية، وذلك لصحة السند وصراحة اللفظ وموافقة السياق.
قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} [النساء: 127]، أي:" يطلب الناس منك -أيها النبي- أن تبين لهم ما أشكل عليهم فَهْمُه من قضايا النساء وأحكامهن"(3).
قال السمعاني: " أي: يطلبون فتواك في النساء"(4).
قال ابن الجوزي: " {ويستفتونك}، أي: يطلبون منك الفتوى، وهي تبيين المشكل من الأحكام. وقيل: الاستفتاء: الاستخبار. قال المفسرون: والذي استفتوه فيه، ميراث النساء، وذلك أنهم قالوا: كيف ترث المرأة والصبي الصغير؟ "(5).
قال الواحدي: " الاستفتاء طلب الفتوى، يقال: أفتى الرجل في المسألة، واستفتيته فأفتاني، إفتاء، وفتيا وفتوى اسمان من: أفتى، يوضعان موضع الإفتاء، ويقال: أفتيت فلانًا في رؤياها، إذا عبرتها له، وأفتيته في مسألته، إذا أجبته عنها، ومعنى الإفتاء والفتيا: تبيين المشكل من الأحكام، وأصله من الفتي، وهو الشاب الحدث الذي شب وقوي، فكأنه يقويّ ببيانه ما أشكل، فيشب ويصير فتيا قويا"(6).
قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} [النساء: 127]، " أي: قل لهم يا محمد: يبين الله لكم ما سألتم في شأنهنَّ ويبين لكم ما يتلى في القرآن من أمر ميراثهن" (7).
(1) تفسير السعدي: 206.
(2)
انظر: تفسير الطبري: 9/ 260 - 261.
(3)
التفسير الميسر: 98.
(4)
تفسير السمعاني: 1/ 485.
(5)
زاد المسير: 1/ 480.
(6)
التفسير البسيط: 7/ 118، وانظر:"الصحاح" 6/ 2452، و"مقاييس اللغة" 4/ 474 (فتى).
(7)
صفوة التفاسير: 1/ 283.
قال الزجاج: " المعنى قل الله يفتيكم فيهنَّ، وهذه الأشْياءُ التي في الكتاب يُفْتيكُم
فيهن" (1).
قوله تعالى: {فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} [النساء: 127]، "أي: ويفتيكم أيضاً في اليتيمات اللواتي ترغبون في نكاحهن لجمالهن أو لمالهنَّ ولا تدفعون لهن مهورهنَّ" (2).
ويحتمل قوله تعالى: {اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} [النساء: 127]، وجهان:
أحدهما: يعني المواريث، وهذا قول ابن عباس (3)، وسعيد بن جبير (4)، وشعبة (5)، وقتادة (6)، مجاهد (7)، وإبراهيم (8)، وابن زيد (9).
والثاني: أنها في صدقات النساء التي يتملكها أولياؤهن. ذكره الماوردي (10) ونسبه ابن الجوزي لعائشة-رضي الله عنها (11).
ويحتمل قوله تعالى: {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} [النساء: 127]، وجهان:
أحدهما: ترغبون عن نكاحهن لقبحهن. وهذا قول الحسن (12)، وعائشة (13)، إبراهيم (14)، وقتادة (15)، والسدي (16)، واختيار الطبري (17)، والزجاج (18).
والثاني: تمسكونهن رغبة في أموالهن وجمالهن، وهو قول عائشة-في قولها الآخر- (19)، وابن عباس (20)، وسعيد بن جبير (21)، وعبيدة (22).
والراجح- والله أعلم- أن المعنى: ترغبون عن أن تنكحوهن، لأن حبسهم أموالهن عنهن مع عضّلهم إياهن، إنما كان ليرثوا أموالهن، دون زوج إن تزوجن. ولو كان الذين حبسوا عنهن أموالهن، إنما حبسوها عنهن رغبة في نكاحهن، لم يكن للحبس عنهن وجهٌ معروف، لأنهم كانوا أولياءهن، ولم يكن يمنعهم من نكاحهن مانع، فيكون به حاجة إلى حبس مالها عنها، ليتّخذ حبسها عنها سببًا إلى إنكاحها نفسها منه" (23).
عن إبراهيم: "أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان إذا جاءه ولى اليتيمة نظر، فإن كانت جميلة غنية قال: زوجها غيرك والتمس لها من هو خير منك. وإن كانت دميمة ولا مال لها قال: تزوجها فأنت أحق بها"(24).
وقرأ أبو عبد الله المدني: «في ييامى النساء» بياءين (25).
(1) معاني القرىن: 2/ 115.
(2)
صفوة التفاسير: 1/ 283.
(3)
انظر: تفسير الطبري (10539): ص 9/ 253 - 254، و (10549): 9/ 256.
(4)
انظر: تفسير الطبري (10541): ص 9/ 254، و (10543): ص 9/ 254 - 255، وتفسير ابن ابي حاتم (6018): ص 4/ 6018.
(5)
انظر: تفسير الطبري (10542): ص 9/ 254.
(6)
انظر: تفسير الطبري (10550)، (10551): ص 9/ 257.
(7)
انظر: تفسير الطبري (10547)، و (10548): 9/ 256.
(8)
انظر: تفسير الطبري (10558): ص 9/ 262.
(9)
انظر: تفسير الطبري (10557): ص 9/ 262.
(10)
انظر: النكت والعيون: 1/ 532.
(11)
انظر: زاد المسير: 1/ 479.
(12)
انظر: تفسير الطبري (10559): ص 9/ 262.
(13)
انظر: تفسير الطبري (10561): ص 9/ 263.
(14)
انظر: تفسير الطبري (10545): ص 9/ 255.
(15)
انظر: تفسير الطبري (10550)، و (10551): ص 9/ 257.
(16)
انظر: تفسير الطبري (10546): ص 9/ 255 - 256، و (10552): 9/ 257.
(17)
انظر: تفسير الطبري: 9/ 264.
(18)
انظر: معاني القرآن: 2/ 115.
(19)
انظر: تفسير الطبري (10554): 9/ 258.
(20)
انظر: تفسير الطبري (10565): ص 9/ 264.
(21)
انظر: تفسير الطبري (10543): ص 9/ 254 - 255.
(22)
انظر: تفسير الطبري (10563): ص 9/ 263.
(23)
تفسير الطبري: 9/ 264.
(24)
أخرجه الطبري (10572): 9/ 266.
(25)
انظر: المحرر الوجيز: 2/ 118.
قوله تعالى: {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ} [النساء: 127]، "أي: ويفتيكم في المستضعفين الصغار أن تعطوهم حقوقهم" (1).
قال الزجاج: " يعني: اليتامى"(2).
قال الزمخشري: " كانوا في الجاهلية إنما يورثون الرجال القوام بالأمور دون الأطفال والنساء"(3).
قوله تعالى: {وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ} [النساء: 127]، "أي: وأن تعدلوا مع اليتامى في الميراث والمهر" (4).
قال الزجاج: " المعنى: وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط"(5).
قال النسفي: أي: " ويأمركم أن تقوموا وهو خطاب للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا لهم حقوقهم بالعدل في ميراثهم ومالهم"(6).
قوله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا} [النساء: 127]، أي:" وما تفعلوه من عدلٍ وبرًّ في أمر النساء واليتامى فإن الله يجازيكم عليه"(7).
قال السمرقنديأي: " يجازيكم"(8).
قال البيضاوي: " وعد لمن آثر الخير في ذلك"(9).
قال الطبري: أي: " ومهما يكن منكم، أيها المؤمنون، من عدل في أموال اليتامى، التي أمركم الله أن تقوموا فيهم بالقسط، والانتهاء إلى أمر الله في ذلك وفي غيره وإلى طاعته، {فإن الله} لم يزل عالمًا بما هو كائن منكم، وهو محصٍ ذلك كله عليكم، حافظ له، حتى يجازيكم به جزاءكم يوم القيامة"(10).
الفوائد:
1 -
تقرير مبدأ إرث النساء والأطفال، والمحافظة على مال اليتامى وحرمة أكلها.
2 -
في هذه الآية دليل على أن ما سوى الأب والجد إذا زوج اليتيمة جاز، وفيه أنه إذا زوج من نفسه جاز إذا كانت غير ذي رحم محرم (11).
القرآن
التفسير:
وإن علمت امرأة من زوجها ترفعًا عنها، وتعاليًا عليها أو انصرافًا عنها فلا إثم عليهما أن يتصالحا على ما تطيب به نفوسهما من القسمة أو النفقة، والصلح أولى وأفضل. وجبلت النفوس على الشح والبخل. وإن تحسنوا معاملة زوجاتكم وتخافوا الله فيهن، فإن الله كان بما تعملون من ذلك وغيره عالمًا لا يخفى عليه شيء، وسيجازيكم على ذلك.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: أخرج البخاري (12)، ومسلم (13)، والنَّسَائِي (14)، والطبري (15)، وابن أبي حاتم (16)، "عن عائشة رضي الله عنها في قوله -تعالى-:{وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} : أُنزلت في المرأة تكون عند
(1) صفوة التفاسير: 1/ 283.
(2)
معاني القرآن: 2/ 115.
(3)
الكشاف: 1/ 570.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 283.
(5)
معاني القرىن: 2/ 115.
(6)
تفسير النسفي: 1/ 400.
(7)
صفوة التفاسير: 1/ 283.
(8)
بحر العلوم: 1/ 343.
(9)
تفسير البيضاوي: 2/ 100.
(10)
تفسير الطبري: 9/ 267.
(11)
انظر: بحر العلوم: 1/ 343.
(12)
انظر: فتح الباري (4601): ص 8/ 265.
(13)
انظر: صحيح مسلم (3021)"14": ص 4/ 2316.
(14)
انظر: السنن الكبرى (11060): 10/ 74 واللفظ له، وهو أتم مما هو عند البخاري ومسلم.
(15)
انظر: تفسير الطبري (10584) - (10586): ص 9/ 170 - 272.
(16)
تفسير ابن ابي حاتم (6045): ص 4/ 1081.
الرجل لا يستكثر منها، فيريد أن يطلقها ويتزوج غيرها؛ فتقول: لا تطلقني وأمسكني، وأنت في حلٍّ من النفقة والقسمة لي؛ فأنزل الله -جل وعز-:{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا} ". [إسناده صحيح].
ولفظ ابن ماجه: عن عائشة أنها قالت: "نزلت هذه الآية: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} في رجل كانت تحته امرأة قد طالت صحبتها. وولدت منه أولادًا. فأراد أن يستبدل بها فراضته على أن تقيم عنده ولا يقسم لها"(1). [إسناده صحيح].
والثاني: أخرج أبو داود (2)، وغيره (3)، عن عائشة رضي الله عنها قالت:"يا ابن أُختي كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا، وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا جميعًا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ التي هو يومها فيبيت عندها ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفَرِقت أن يفارقها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: يا رسول اللَّه، يومي لعائشة، فقبل ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم منها. قالت: نقول في ذلك أنزل اللَّه تعالى وفي أشباهها أراه قال: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا} ". [إسناده حسن].
وفي السياق نفسه أخرج أبو داود (4)، والترمذي (5)، والطبري (6)، وابن أبي حاتم (7)، عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال:"خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة، ففعل فنزلت: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}. فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز". [إسناده صحيح].
والثالث: أخرج عبدالرزاق (8)، والبيهقي (9)، والحاكم (10)، الطبري (11)، وابن ابي حاتم (12)، وغيرهم (13)، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار: "أنّ رافع بن خديج كان تحته امرأة قد خلا من سنها، فتزوج عليها شابة، فآثر الشابة عليها. فأبت امرأته الأولى أن تقيم على ذلك، فطلقها تطليقة. حتى إذا بقي من أجلها يسير قال: إن شئت راجعتك وصبرتِ على الأثرة، وإن شئت تركتك حتى يخلو أجلك! قالت: بل راجعني وأصبر على الأثرة! فراجعها، ثم آثر عليها، فلم تصبر على الأثرة، فطلَّقها أخرى وآثر عليها الشابة. قال: فذلك
(1) سنن ابن ماجة (1974): ص 3/ 145 - 146.
(2)
سنن ابي داود (2135): 3/ 470 - 471.
(3)
وأخرجه أحمد في المسند (24765)، والحاكم في المستدرك: 2/ 186، والطبراني في المعجم الكبير (81): ص: 24/ 31، وابن مردويه كما في تفسير ابن كثير: 2/ 426، والبيهقي (300): ص 7/ 74 - 75، وأبو بكر الجصاص في "أحكام القرآن" 3/ 368، من طريق ابن أبي الزناد، وإسناده حسن، لأن ابن أبي الزناد ثقة في هشام (تهذيب التهذيب: 6/ 171). وصححه الحاكم وسكت عنه الذهبي.
وله شاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما، حسنه الحافظ ابن حجر (الإصابة: 4/ 338)، وأصل القصة في صحيحي: البخاري، فتح الباري (5212): ص 9/ 312، ومسلم (1463): ص 2/ 1085.
(4)
انظر: مسند ابي داود (2805): ص 4/ 403.
(5)
سنن الترمذي (3040): ص 5/ 249. وقال: " هذا حديث حسن صحيح غريب". واللفظ له.
صححه الألباني، انظر: صحيح وضعيف سنن الترمذي (3040): ص 7/ 40، والإرواء (2020).
(6)
انظر: تفسير الطبري (10608): 9/ 277. ورواية الطبري: " لا تُطَلِّقني وأمسكني، واجعل يومي لعائشة. ففعل، فنزلت هذه الآية:{وَإن امرأةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أو إعراضًا} ، الآية، فما اصطلحا عليه من شَيءٍ فهو جائز ".
(7)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (6043): ص 4/ 1080.
(8)
انظر: تفسير عبدالرزاق: (175): ص 1/ 1. [ٍإسناده صحيح]
(9)
السنن الكبرى (12614): ص: 6/ 452، و (296): ص 7/ 76. [سياقه مرسل].
(10)
انظر: المستدرك: 2/ 308 - 309. وقال: " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
(11)
تفسير الطبري (10600): ص 9/ 275. [ٍإسناده صحيح]
(12)
تفسير ابن ابي حاتم (6041): ص 4/ 1080. [سياقه مرسل].
(13)
وأخرجه سعيد بن منصور في "سننه": (701): ص 4/ 1398، وابن أبي شيبة في "المصنف": 4/ 202، والشافعي في "الأم": 5/ 171، و"المسند":(86): ص 2/ 28، والواحدي في "أسباب النزول": 185 - 186، و"الوسيط": 2/ 124. جميعهم عن الزهري طريق سعيد بن المسيب: "أن رافع .. ".
ورجاله رجال الصحيح؛ لكن سياقه سياق المرسل.
وتقدم تخريجه موصولاً وهو صحيح، ولا معارضة بين الوصل والإرسال؛ فالزهري قد يكون نشط مرة؛ فرفعه، وأخرى لم يرفعه، والله أعلم.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(2/ 711) وزاد نسبته لمالك، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
وهو في "الموطأ"(2/ 548، 549 - رواية يحيى) عن الزهري عن رافع وهو منقطع.
الصلح الذي بلغنا أن الله أنزل فيه: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا} ". [إسناده صحيح].
والرابع: أخرج ابن ابي حاتم عن جرير بن حازم قال: "سمعت قيسا في قول الله: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا}، قال: نزلت في أبي السنابل بن بعكك (1) أخي بني عبد الدار"(2). وروي عن مجاهد (3)، نحو ذلك.
والظاهر-والله أعلم- أنه لا تنافي بين هذه الأقوال، فإن حديث عائشة الأول مبهم وحديثها الثاني مفسر للإبهام، وأما حديث رافع، فإنما قال إنها شاملة لما فعل، والآية تشمل الجميع، وإنْ كان الأقرب أن سبب نزول الآية: ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها من قولها الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها ويريد أن يفارقها فتقول: أجعلك من شأني في حلِّ، فنزلت الآية، وذلك لصحة سنده وموافقته للفظ الآية وتصريحه بالنزول (4).
قوله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} [النساء: 128]، أي:" وإن علمت امرأة من زوجها ترفعًا عنها، وتعاليًا عليها أو انصرافًا عنها"(5).
قال الماوردي: " والنشوز: الترفع عنها لبغضها، والإعراض: أن ينصرف عن الميل إليها لمؤاخذة أو أثرة"(6).
قال السمعاني: " النشوز: هو الارتفاع، والمراد به، ارتفاع الزوج، والتكبر بنفسه على الزوجة، ومنه النشز"(7).
قال الزجاج: " النشوز من بعْلِ المرأة، أن يسيء عشرتها وأن يمنعها نفسه ونَفَقَتَه"(8).
قال الكلبي: "يعني: ترك مجامعتها ومضاجعتها أو إعراضا عن مساكنتها، وعن مجالستها وعن محادثتها"(9).
قال ابن عباس: " {نشوزا} يعني: البغض"(10).
وقال عطاء: " النشوز: أن تحب فراقه، وإن لم يهوى في ذلك"(11).
قال الزمخشري: " {خافت من بعلها}، توقعت منه ذلك، لما لاح لها من مخايله وأماراته. والنشوز: أن يتجافى عنها بأن يمنعها نفسه ونفقته والمودة والرحمة التي بين الرجل والمرأة، وأن يؤذيها بسب أو ضرب، والإعراض: أن يعرض عنها بأن يقل محادثتها ومؤانستها، وذلك لبعض الأسباب من طعن في سن، أو دمامة، أو شيء في خلق أو خلق، أو ملال، أو طموح عين إلى أخرى"(12).
عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار: " أن السنة في الآية التي ذكر الله فيها نشوز المرء وإعراضه عن امرأته إن المرء إذا نشز عن امرأته أو أعرض عنها فإن من الحق عليه أن يعرض عليها أن يطلقها، أو تستقر عنده على ما رأت من أثرة في القسم من نفسه وماله"(13).
وإِن قال قائل إنما قِيلَ: " {وإِن امرأة خافت} ، ولم يُقَلْ: وإِنْ نَشَزَ رجُلٌ على المرأة، لأن الخائف للشيء ليس بمتيقنٍ له؟
فالجواب في هذا: إِنْ خَافَتْ الإقامةَ منهُ على النشُوزِ والإعراضِ، وليس أن
تخاف الإقامة إِلا وقد بدا منه شيء" (14)
(1) -"أبو السنابل بن بعكك بن الحارث بن عميلة بن السباق بن عبد الدار القرشي"، هو صحابي من مسلمة الفتح، أخرج له الترمذي، والنسائي وابن ماجه.
و"بعكك"(بفتح فسكون ففتح) على وزن"جعفر".
(2)
تفسير ابن أبي حاتم (6038): ص 4/ 1079.
(3)
انظر: تفسير مجاهد: 294، وتفسير الطبري (10601): ص 9/ 276.
(4)
انظر: الصحيح المسند من اسباب النزول: 80، والمحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة: 1/ 452
(5)
التفسير الميسر: 99.
(6)
النكت والعيون: 1/ 533.
(7)
تفسير السمعاني: 1/ 486.
(8)
معاني القرآن: 2/ 115.
(9)
تفسير الثعلبي: 3/ 394.
(10)
أخرجه ابن ابي حاتم (6039): ص 4/ 1080.
(11)
أخرجه ابن ابي حاتم (6040): ص 4/ 1080.
(12)
الكشاف: 1/ 571.
(13)
أخرجه ابن ابي حاتم (6041): ص 4/ 1080.
(14)
معاني القرآن للزجاج: 2/ 116.
قوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا} [النساء: 128]، "أي: فلا إثم على كل واحد من الزوجين من المصالحة والتوفيق بينهما" (1).
قال الزجاج: " واللَّه عز وجل قال في النساءِ: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (2)، وقال: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (3)، وقال: {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} (4)، فَشدد الله في العدل في أمر النساء فلَوْ لَمْ يعْلَم عز وجل أن رضَا المرأةِ مِنْ زوجِهَا بالإقامة على منعها - في كئير من الأوقاتِ - نفَسَه ومَنعِها بعض ما يَحْتَاج إليه لما جاز الإمساك إلا على غاية العدل والمعروف، فجعل الله عز وجل الصلحَ جائزاً بين الرجلِ وامرأتِهِ إِذا رضِيت منه بإِيثار غيرها عليه"(5).
عن خالد بن عرعرة قال: "جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فسأله عن قول الله تبارك وتعالى: وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما قال علي: يكون الرجل عند المرأة فتنبوا عيناه عنها من دمامتها أو كبرها أو سوء خلقها أو قرها، فتكبره فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئا (حل) له، وإن جعلت له من أيامها فلا حرج"(6).
قال الزمخشري: " ومعنى الصلح: أن يتصالحا على أن تطيب له نفسا عن القسمة أو عن بعضها، كما فعلت سودة بنت زمعة حين كرهت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفت مكان عائشة من قلبه، فوهبت لها يومها (7)، وكما روى أن امرأة أراد زوجها أن يطلقها لرغبته عنها وكان لها منه ولد، فقالت: لا تطلقني ودعني أقوم على ولدى وتقسم لي في كل شهرين، فقال: إن كان هذا يصلح فهو أحب إلى، فأقرها، أو تهب له بعض المهر، أو كله، أو النفقة فإن لم تفعل فليس له إلا أن يمسكها بإحسان أو يسرحها"(8).
وقرئ: «أن يصالحا بينهما صلحا» ، بمعنى: يتصالحا، ويصطلحا، يعني: بين الزوجين (9).
قوله تعالى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 128]، أي:" والصلح أولى وأفضل"(10).
قال الزجاج: " والصلح خير من الفرقة"(11).
قال السمعاني: " وقيل: أراد به: الصلح خير من النشوز، والإعراض"(12).
قال الزمخشري: " والصلح خير من الفرقة أو من النشوز والإعراض وسوء العشرة. أو هو خير من الخصومة في كل شيء. أو الصلح خير من الخيور، كما أن الخصومة شر من الشرور وهذه الجملة اعتراض"(13).
قال ابن عباس: " {والصلح خير}، وهو التخيير"(14).
قال ابن كثير: " والظاهر من الآية أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج، وقبول الزوج ذلك، خير من المفارقة بالكلية، كما أمسك النبي صلى الله عليه وسلم سودة بنت زَمْعة على أن تركت يومها لعائشة، رضي الله عنها، ولم يفارقها بل تركها من جملة نسائه، وفعله ذلك لتتأسى به أمته في مشروعية ذلك وجوازه، فهو أفضل في حقه عليه الصلاة والسلام. ولما كان الوفاق أحب إلى الله عز وجل من الفراق قال: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} بل الطلاق بغيض إليه، سبحانه وتعالى؛ ولهذا جاء في الحديث: عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» (15) "(16).
(1) صفوة التفاسير: 283.
(2)
[سورة النساء: 19].
(3)
[سورة البقرة: 229].
(4)
[سورة البقرة: 231].
(5)
معاني القرآن: 2/ 115 - 116.
(6)
أخرجه ابن ابي حاتم (6042): ص 4/ 1080.
(7)
أخرجه الحاكم وغيره من حديث عائشة وهو في الصحيحين من رواية عروة عن عائشة قالت «ما رأيت امرأة أحب أن أكون مسلاجها من سودة بنت زمعة من امرأة فيها حدة- الحديث» . انظر: سبب نزول الآية.
(8)
الكشاف: 1/ 571.
(9)
انظر: تفسير السمعاني: 1/ 486، والكشاف: 1/ 571.
(10)
التفسير الميسر: 99.
(11)
معاني القرآن: 2/ 116.
(12)
تفسير السمعاني: 1/ 486.
(13)
الكشاف: 1/ 571.
(14)
أخرجه ابن ابي حاتم (6046): ص 4/ 1080.
(15)
سنن أبي داود برقم (2178)، وسنن ابن ماجة برقم (2018) من حديث ابن عمر.
وقال أبو حاتم: "إنما هو محارب عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل" العلل (1/ 431) والطريق المرسلة رواها أبو داود في السنن برقم (2177) وقد توسع الشيخ ناصر الألباني في الكلام على هذا الحديث في كتابه إرواء الغليل (2040) بما يكفي فليراجع.
(16)
تفسير ابن كثير: 2/ 429 - 430.
قوله تعالى: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} [النساء: 128]، أي:" أي جبلت الأنفس على الشح"(1).
عن الضحاك قوله: " {وأحضرت الأنفس الشح}، قال: ألزمت"(2).
قال الزجاج: " وهو أن المرأة تشح على مكانها من زوجها، والرجل يشح على المرأة بنفسه إن كان غيرها أحب إليه منها"(3).
قال الطبري: اي: " وأحضرت أنفس النساء أهواءَهن، من فرط الحرص على حقوقهن من أزواجهن، والشح بذلك على ضَرائرهن"(4).
قال السمعاني: " والشح: البخل، وقيل: هو أقبح البخل، وحقيقته: الحرص على منع الخير، وأراد به: شح الزوجين على حقيهما"(5).
قال الزمخشري: " معنى إحضار الأنفس الشح: أن الشح جعل حاضرا لها لا يغيب عنها أبدا ولا تنفك عنه، يعنى أنها مطبوعة عليه والغرض أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمتها وبغير قسمتها، والرجل لا تكاد نفسه تسمح بأن يقسم لها وأن يمسكها إذا رغب عنها وأحب غيرها"(6).
وفي تفسير قوله تعالى: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} [النساء: 128]، وجهان:
أحدهما: أنفس النساء أحضرت الشح عن حقوقهن من أزواجهن وأموالهن، وهذا قول ابن عباس (7)، وسعيد بن جبير (8)، وعطاء (9)، والسدي (10).
والثاني: أحضرت نفس كل واحد من الرجل والمرأة الشح بحقه قبل صاحبه، وهو قول الحسن (11)، وابن سيرين (12)، وابن زيد (13).
والصواب-والله أعلم- أن المعنى: " أحضرت أنفس النساء الشحَّ بأنصبائهن من أزواجهن في الأيام والنفقة، لأن مصالحة الرجل امرأته بإعطائه إياها من ماله جُعْلا على أن تصفح له عن القسم لها، غير جائزة. وذلك أنه غير معتاض عوضًا من جُعْله الذي بذله لها. والجُعل لا يصح إلا على عِوض: إما عين، وإما منفعة. والرجل متى جعل للمرأة جُعْلا على أن تصفح له عن يومها وليلتها، فلم يملك عليها عينًا ولا منفعة. وإذْ كان ذلك كذلك، كان ذلك من معاني أكل المال بالباطل، وإذْ كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه لا وجه لقول من قال: عنى بذلك الرجل والمرأة"(14).
و"الشح": "الإفراط في الحرص على الشيء، وهو في هذا الموضع: إفراط حرصِ المرأة على نصيبها من أيامها من زوجها ونفقتها"(15).
قال ابن عباس: " والشح، هواه في الشيء يحرِص عليه"(16).
وقرأ العدو: {الشح} بكسر الشين، وهي لغة (17).
قوله تعالى: {وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا} [النساء: 128]، اي:" وإن تحسنوا معاملة زوجاتكم وتخافوا الله فيهن"(18).
(1) صفوة التفاسير: 283.
(2)
أخرجه ابن ابي حاتم (6047): ص 4/ 1080.
(3)
معاني القرآن: 2/ 116.
(4)
تفسير الطبري: 9/ 282.
(5)
تفسير السمعاني: 1/ 486.
(6)
الكشاف: 1/ 571.
(7)
انظر: تفسير الطبري (10609): ص 9/ 279.
(8)
انظر: تفسير الطبري (10610): ص 9/ 279 - 280، و (10615) - (10622): ص 9/ 280 - 281.
(9)
انظر: تفسير الطبري (10611) - (10614): ص 9/ 280.
(10)
انظر: تفسير الطبري (10623): ص 9/ 281.
(11)
انظر: النكت والعيون: 1/ 533. ولم اقف عليه.
(12)
انظر: التفسير البسيط للواحدي: 7/ 132. ولم اقف عليه.
(13)
انظر: تفسير الطبري (10610624): ص 9/ 281 - 282.
(14)
تفسير الطبري: 9/ 282.
(15)
تفسير الطبري: 9/ 282.
(16)
أخرجه الطبري (10625): ص 9/ 282.
(17)
انظر: البحر المحيط: 4/ 88.
(18)
التفسير الميسر: 99.
قال الزجاج: " أي: إن تحسنوا إليهن، وتحملوا عشرتهن"(1).
قال السمرقندي: "يقول: تحسنوا إليهن وتتقوا الميل والجور"(2).
قال ابن كثير: "أي: وإن تتجشموا مشقة الصبر على من تكرهون منهن، وتقسموا لهن أسوة أمثالهن"(3).
قال الطبري: اي: " وإن تحسنوا، أيها الرجال، في أفعالكم إلى نسائكم، إذا كرهتم منهن دَمامة أو خُلُقًا أو بعضَ ما تكرهون منهن بالصبر عليهن، وإيفائهن حقوقهن وعشرتهن بالمعروف، وتتقوا الله فيهن بترك الجَوْر منكم عليهن فيما يجب لمن كرهتموه منهن عليكم، من القسمة له، والنفقة، والعشرة بالمعروف"(4).
قال الزمخشري: أي: " وإن تحسنوا بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن وأحببتم غيرهن، وتصبروا على ذلك مراعاة لحق الصحبة وتتقوا النشوز والإعراض وما يؤدى إلى الأذى والخصومة"(5).
قال الماتريدي: اي: " في أن تعطوهن أكثر من حقهن، وتتقوا في ألا تبخسوا من حقهن شيئا"(6).
عن سعيد بن جبير: في قول الله تعالى: " {وتتقوا}، يعني: المؤمنين يحذرهم"(7).
قال أبو حيان: " ندب تعالى إلى الإحسان في العشرة على النساء وإن كرهن مراعاة لحق الصحبة، وأمر بالتقوى في حالهن، لأن الزوج قد تحمله الكراهة للزوجة على أذيتها وخصومتها لا سيما وقد ظهرت منه أمارات الكراهة من النشوز والإعراض، وقد وصى النبي صلى الله عليه وسلم بهن «فإنهن عوان عند الأزواج» (8) "(9).
قوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرً} [النساء: 128]، أي:" فإن الله كان بما تعملون من ذلك وغيره عالمًا لا يخفى عليه شيء، وسيجازيكم على ذلك"(10).
قال الماتريدي: معناه: " على الترغيب والوعيد"(11).
قال الزجاج: "أي: يخْبُرُ ذلك فيجازيكم عليه"(12).
قال السمرقندي: أي: " في الإحسان والجور"(13).
قال ابن كثير: أي: " فإن الله عالم بذلك وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء"(14).
قال الزمخشري: أي: " {فإن الله كان بما تعملون} من الإحسان والتقوى {خبيرا}، وهو يثيبكم عليه"(15).
قال الطبري: أي: " فإن الله كان بما تعلمون في أمور نسائكم، أيها الرجال، من الإحسان إليهن والعشرة بالمعروف، والجور عليهن فيما يلزمكم لهنّ ويجب، عالمًا خابرًا، لا يخفي عليه منه شيء، بل هو به عالم، وله محصٍ عليكم، حتى يوفِّيكم جزاءَ ذلك: المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءته"(16).
وحكي أن "عمران بن حطان الخارجي كان من أدم بنى آدم، وامرأته من أجملهم، فأجالت في وجهه نظرها يوما ثم تابعت الحمد لله، فقال: مالك؟ قالت: حمدت الله على أنى وإياك من أهل الجنة، قال: كيف؟ قالت: لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، وقد وعد الله الجنة عباده الشاكرين والصابرين"(17).
الفوائد:
1 -
استحباب الصلح بين الزوجين عند تعذر البقاء مع بعضهما إلا به.
2 -
يؤخذ من عموم هذا اللفظ والمعنى أن الصلح بين من بينهما حق أو منازعة في جميع الأشياء أنه خير من استقصاء كل منهما على كل حقه، لما فيها من الإصلاح وبقاء الألفة والاتصاف بصفة السماح.
وهو جائز في جميع الأشياء إلا إذا أحل حراما أو حرم حلالا فإنه لا يكون صلحا وإنما يكون جورا.
واعلم أن كل حكم من الأحكام لا يتم ولا يكمل إلا بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه، فمن ذلك هذا الحكم الكبير الذي هو الصلح، فذكر تعالى المقتضي لذلك ونبه على أنه خير، والخير كل عاقل يطلبه ويرغب فيه، فإن كان -مع ذلك- قد أمر الله به وحث عليه ازداد المؤمن طلبا له ورغبة فيه (18).
3 -
أنه متى وفق الإنسان لهذه الخلق الحسن، وهو إزالة الشح من نفسه، سهل حينئذ عليه الصلح بينه وبين خصمه ومعامله، وتسهلت الطريق للوصول إلى المطلوب. بخلاف من لم يجتهد في إزالة الشح من نفسه، فإنه يعسر عليه الصلح والموافقة، لأنه لا يرضيه إلا جميع ماله، ولا يرضى أن يؤدي ما عليه، فإن كان خصمه مثله اشتد الأمر (19).
4 -
أن الواجب علي الزوجة أن تتثبت فيما تراه من أمارات الإعراض من زوجها، فربما كان الذي شغله عن مسامرتها والرغبة عن مباعلتها، مسائل من مشاكل الحياة الدنيوية أو الدينية، وهى أسباب خارجية لا دخل له فيها، ولا تعلق لها بكراهتها والجفوة عنها، وحينئذ عليها أن تعذره، وتصبر على ما لا تحب من ذلك، أما إذا استبان لها أن ذلك لكراهته إياها ورغبته عنها (20).
5 -
من أسماءه سبحانه «الخبير» : أي: العالم بما كان وما يكون.
قال الخطابي: " هو العالم بكنه الشيء، المطلع على حقيقته"(21).
جاء في حديث عائشة رضي الله عنها؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها في قصة تتبعها له إلى البقيع: "ما لك يا عائش حشيا رابية؟ ". قالت: قلت: لا شيء. قال: "لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير"(22).
قال أبو هلال العسكري: " الفرق بين العلم والخبر: أن الخبر هو العلم بكنه المعلومات على حقائقها؛ ففيه معنى زائد على العلم"(23).
القرآن
التفسير:
ولن تقدروا -أيها الرجال- على تحقيق العدل التام بين النساء في المحبة وميل القلب، مهما بذلتم في ذلك من الجهد، فلا تعرضوا عن المرغوب عنها كل الإعراض، فتتركوها كالمرأة التي ليست بذات زوج ولا هي مطلقة فتأثموا. وإن تصلحوا أعمالكم فتعدلوا في قَسْمكم بين زوجاتكم، وتراقبوا الله تعالى وتخشوه فيهن، فإن الله تعالى كان غفورًا لعباده، رحيمًا بهم.
سبب النزول:
قال أبو مليكة: " نزلت هذه الآية في عائشة: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ} "(24).
(1) معاني القرآن: 2/ 116.
(2)
بحر العلوم: 1/ 344.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 430.
(4)
تفسير الطبري: 9/ 283.
(5)
الكشاف: 1/ 571.
(6)
تفسير الماتريدي: 3/ 378.
(7)
أخرجه ابن ابي حاتم (6055): ص 4/ 1082.
(8)
أخرج أحمد (15592): ص 3/ 426، و (16161): ص 3/ 498، وأبو داود (3334)، وابن ماجة (1851)، و (2669)، و (3055)، والترمذي (1163)، و (3087)، و (2159)، والنسائي في الكبرى (4085)، و (11149)، و (9124)، من حديث عمرو بن الأحوص: " ألا واستوصوا بالنساء خيرا، فإنما هن عوان عندكم
…
"الحديث. [في روايات مطولة ومختصرة].
وأخرج عبد حميد (858) من حديث ابن عمر: "
…
أيها الناس إن النساء عندكم عوان أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن حق ولهن عليكم حق
…
". الحديث.
(9)
البحر المحيط: 4/ 88.
(10)
التفسير الميسر: 99.
(11)
تفسير الماتريدي: 3/ 379.
(12)
معاني القرآن: 2/ 116.
(13)
بحر العلوم: 1/ 344.
(14)
تفسير ابن كثير: 2/ 430.
(15)
الكشاف: 1/ 571.
(16)
تفسير الطبري: 9/ 284.
(17)
انظر: الكشاف: 1/ 572، ومفاتيح الغيب: 11/ 237، وتفسير النسفي: 1/ 401، والبحر المحيط: 4/ 88، وتفسير النيسابوري: 2/ 510، وروح البيان: 2/ 296 - 297، محاسن التاويل: 3/ 363.
(18)
انظر: تفسير السعدي: 206.
(19)
انظر: تفسير السعدي: 206.
(20)
انظر: تفسير المراغي: 5/ 171.
(21)
شأن الدعاء: 63.
(22)
رواه مسلم (974).
(23)
الفروق: 152.
(24)
أخرجه الطبري (10638): 9/ 287، وابن ابي حاتم (6056): ص 4/ 1083.
قوله تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [النساء: 129]، أي:" ولن تقدروا -أيها الرجال- على تحقيق العدل التام بين النساء في المحبة وميل القلب، مهما بذلتم في ذلك من الجهد"(1).
قال الماوردي: " يعني: بقلوبكم ومحبتكم"(2).
قال السمرقندي: " يقول: لن تقدروا أن تسووا بين النساء في الحب بين الشابة والكبيرة ولو جهدتم، ولكن اعدلوا في القسمة والنفقة"(3).
قال الزمخشري: أي: " ومحال أن تستطيعوا العدل بين النساء والتسوية حتى لا يقع ميل البتة ولا زيادة ولا نقصان فيما يجب لهن، فرفع لذلك عنكم تمام العدل وغايته، وما كلفتم منه إلا ما تستطيعون بشرط أن تبذلوا فيه وسعكم وطاقتكم لأن تكليف ما لا يستطاع داخل في حد الظلم {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46]، وقيل: معناه أن تعدلوا في المحبة، وقيل: إن العدل بينهن أمر صعب بالغ من الصعوبة حدا يوهم أنه غير مستطاع، لأنه يجب أن يسوى بينهن في القسمة والنفقة والتعهد والنظر والإقبال والممالحة والمفاكهة والمؤانسة وغيرها مما لا يكاد الحصر يأتى من ورائه، فهو كالخارج من حد الاستطاعة. هذا إذا كن محبوبات كلهن فكيف إذا مال القلب مع بعضهن! "(4).
قال ابو هلال العسكري: " أي: لا تطيقون ذلك في الحد، هذا في الرجل له زوجتان وثلاث وأربع، قال: وليس يستطيع أن يسوي بينهن في الشهوة، فتشتهي هذه كما تشتهي تلك؛ لأن الشهوة ليست من فعله فعذره فيما لا يستطيع واسع، وليس كما يذهب إليه المجبرة في أنه تعالى كلفه العدل بينهن، وهو لا يستطيعه، ألا ترى أن قوله: {فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ}، دلالة على أنه في بعض الميل معذور، وهو الذي لا يستطيع خلافه، والمعنى النهي عن إيثار إحداهن للشهوة فيها والانصراف عن الأخرى حتى تصير كالمعلقة لا المتزوجة ولا المطلقة"(5).
قال الراغب: " قوله: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ}، فإشارة إلى ما عليه جبلّة النّاس من الميل، فالإنسان لا يقدر على أن يسوّي بينهنّ في المحبّة"(6).
وفي قوله تعالى: {وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [النساء: 129]، ثلاثة أوجه:
أحدها: ولو حرصتم أن تعدلوا في المحبة، وهو قول الحسن في احد قوليه (7)، ومجاهد (8)، وعبيدة السلماني في أحد قوليه (9).
والثاني: ولو حرصتم في الجماع، وهو قول ابن عباس (10)، والضحاك (11)، وسفيان (12)، وابن زيد (13).
والثاني: ولو حرصتم أن تعدلوا في الحب والجماع. وهذا قول عبيدة السلماني (14)، وابن عباس في إحدى الروايات (15)، والحسن في إحدى الروايات (16).
قوله تعالى: {فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} [النساء: 129]، أي:" فلا تعرضوا عن المرغوب عنها كل الإعراض "(17).
عن محمد قال: "سألت عبيدة عن قوله: {تميلوا كل الميل}، قال: بنفسه"(18).
(1) التفسير الميسر: 99.
(2)
النكت والعيون: 1/ 533.
(3)
بحر العلوم: 1/ 344.
(4)
الكشاف: 1/ 572.
(5)
الوجوه والنظائر: 67.
(6)
المفردات في غريب القرآن: 552.
(7)
انظر: تفسير الطبري (10631): ص 9/ 285.
(8)
انظر: النكت والعيون: 1/ 533.
(9)
انظر: تفسير الطبري (10633): ص 9/ 285 - 286.
(10)
انظر: تفسير الطبري (10634): ص 9/ 286.
(11)
انظر: تفسير الطبري (10640): ص 9/ 287.
(12)
انظر: تفسير الطبري (10641): ص 9/ 287.
(13)
انظر: تفسير الطبري (10642): ص 9/ 287.
(14)
انظر: تفسير الطبري (10627) - (10630)، و (10632): ص 9/ 285.
(15)
انظر: تفسير الطبري (10636): ص 9/ 286.
(16)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6057): ص 4/ 1083. ذكره دون ذكر السند.
(17)
التفسير الميسر: 99.
(18)
أخرجه ابن ابي حاتم (6059): ص 4/ 1083.
عن مجاهد: " {فلا تميلوا كل الميل}، تعمد الإساءة"(1).
قال السدي: " يقول: يميل عليها ولا ينفق عليها ولا يقيم لها يوما"(2).
قال الضحاك: " يقول: فلا تمل إلى التي تحب كل الميل، ولكن اعدل في قسمة الليالي والنهار، والنفقة"(3).
قال مقاتل بن حيان: " يقول: لا تمل إلى الشابة كل الميل"(4).
قال الزمخشري: " فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمتها من غير رضى منها، يعنى: أن اجتناب كل الميل مما هو في حد اليسر والسعة فلا تفرطوا فيه إن وقع منكم التفريط في العدل كله. وفيه ضرب من التوبيخ "(5).
عن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: «اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» "(6). قال الزمخشري: " يعنى: المحبة، لأن عائشة رضى الله عنها كانت أحب إليه"(7).
وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من كانت له امرأتان، يميل لإحداهما على الأخرى، جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط» (8).
وعن ناشرة بن سمي اليزني، قال:"سمعت عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يقول، في يوم الجابية، وهو يخطب الناس: إن الله، عز وجل، جعلني خازنا لهذا المال وقاسما له، ثم قال: بل الله يقسمه، وأنا بادئ بأهل النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أشرفهم، ففرض لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف، إلا جويرية وصفية وميمونة، فقالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعدل بيننا، فعدل بينهن عمر"(9).
وذكر أنه "كان لمعاذ امرأتان، فإذا كان عند إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى، فماتتا في الطاعون فدفنهما في قبر واحد"(10).
قوله تعالى: {فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [النساء: 129]، أي:" فتتركوها كالمرأة التي ليست بذات زوج ولا هي مطلقة فتأثموا"(11).
قال ابن عباس: تذروها لا هي أيّم، ولا هي ذات زوج" (12).
وفي رواية أخرى عن ابن عباس أيضا: " لا مطلقة ولا ذات بعل"(13). وروي عن سعيد بن جبير (14)، والحسن (15)، والربيع بن أنس (16)، ومجاهد (17)، ابن ابي نجيح (18)، والسدي (19)، نحو ذلك.
(1) أخرجه ابن ابي حاتم (6060): ص 4/ 1083.
(2)
أخرجه ابن ابي حاتم (6061): ص 4/ 1083.
(3)
أخرجه ابن ابي حاتم (6062): ص 4/ 1083.
(4)
أخرجه ابن ابي حاتم (6063): ص 4/ 1084.
(5)
الكشاف: 1/ 572.
(6)
أخرجه أبو داود في النكاح، باب في القسم بين النساء: 3/ 63 - 64 عن عائشة، والترمذي في النكاح باب ما جاء في التسوية بين الضرائر: 4/ 294، والنسائي في عشرة النساء، باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض: 7/ 63 - 64 وابن ماجه في النكاح، باب القسم بين النساء برقم (1971): 1/ 2633 وصححه ابن حبان برقم (1305) ص (317) من موارد الظمآن، وصححه الحاكم على شرط مسلم: 2/ 187 ووافقه الذهبي، والدارمي في النكاح، باب القسمة بين النساء: 2/ 144. وانظر: شرح السنة: 9/ 151 وذكر الترمذي والنسائي إنه روى مرسلا وذكر الترمذي أن المرسل أصح.
قال ابن كثير في تفسيره: 6/ 396: " ورواه أهل السنن الأربعة من حديث حماد بن سلمة، وزاد أبو داود بعد قوله «فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» يعني القلب. وإسناده صحيح، ورجاله كلهم ثقات".
(7)
الكشاف: 1/ 573.
(8)
أخرجه ابن أبي شيبة (17548): ص 4/ 388، وأحمد في المسند (7921): ص 2/ 295، و (8549): ص 2/ 347، و (10092): ص 2/ 4471، والدارمي (2206)، وأبو داود (2133)، وابن ماجة (1969)، والترمذي (1141)، والنسائي (7/ 63، وفي الكبرى (8839)، وابن حبان (4207)، و، والطبري في تفسيره (10658): 9/ 290.
(9)
أخرجه احمد (16000): ص 3/ 475، والنسائي في الكبرى (8225).
(10)
أخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمة معاذ من رواية الليث عن يحيى بن سعيد أن معاذ بن جبل- فذكره- وزاد: فأسهم بينهما أيهما تقدم وهذا مرسل.
(11)
التفسير الميسر: 99.
(12)
أخرجه الطبري (10659): ص 9/ 290.
(13)
أخرجه ابن ابي حاتم (6063): ص 4/ 1084.
(14)
انظر: تفسير الطبري (10660): ص 9/ 290 - 291.
(15)
انظر: تفسير الطبري (10661): ص 9/ 291.
(16)
انظر: تفسير الطبري (10665)(10666): ص 9/ 291.
(17)
انظر: تفسير الطبري (10667): ص 9/ 291.
(18)
انظر: تفسير الطبري (10668): ص 9/ 292.
(19)
انظر: تفسير الطبري (10670): ص 9/ 292.
وقال قتادة: " كالمسجونة المشحونة"(1).
وقال ابن زيد: " {المعلقة} ، التي ليست بمُخَلاة ونفسها فتبتغي لها، وليست متهيئة كهيئة المرأة من زوجها، لا هي عند زوجها، ولا مفارقة، فتبتغي لنفسها. فتلك {المعلقة} (2).
قال الزمخشري: " {فتذروها كالمعلقة} ، وهي التي ليست بذات بعل ولا مطلقة قال (3):
هل هى إلا حظة أو تطليق
…
أو صلف أو بين ذاك تعليق
وفي قراءة أبى: «فتذروها كالمسجونة» " (4).
وقرأ عبد الله بن مسعود: «فتذروها كأنها معلقة» (5).
قوله تعالى: {وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا} [النساء: 129]، أي:" وإن تصلحوا أعمالكم فتعدلوا في قَسْمكم بين زوجاتكم، وتراقبوا الله تعالى وتخشوه فيهن"(6).
قال سعيد بن جبير: " تصلحوا بين الناس"(7).
قال الزمخشري: " {وإن تصلحوا}، ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة، {وتتقوا}، فيما يستقبل"(8).
قال ابن عطية: " أي وإن تلتزموا ما يلزمكم من العدل فيما تملكون"(9).
قوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 129]، أي:" فإن الله تعالى كان غفورًا لعباده، رحيمًا بهم"(10).
قال الزمخشري: "غفر الله لكم"(11).
قال الواحدي: " لما ملت إلى التي تحبُّها بقلبك"(12).
قال الطبري: "يقول: فإن الله يستر عليكم ما سلف منكم من ميلكم وجوركم عليهن قبل ذلك، بتركه عقوبتكم عليه، ويغطِّي ذلك عليكم بعفوه عنكم ما مضى منكم في ذلك قبل، وكان رحيمًا بكم، إذ تاب عليكم، فقبل توبَتكم من الذي سلف منكم من جوركم في ذلك عليهن، وفي ترخيصه لكم الصلح بينكم وبينهن، بصفحهن عن حقوقهن لكم من القَسْم على أن لا يطلَّقن"(13).
قال ابن عطية: " فعلى [قول الطبري]، فهي مغفرة مخصصة لقوم بأعيانهم، واقعوا المحظور في مدة النبي صلى الله عليه وسلم"(14).
الفوائد:
(1) أخرجه ابن ابي حاتم 6065): ص 4/ 1084.
(2)
أخرجه الطبري (10671): ص 9/ 291.
(3)
هذا الرجز منسوب لامرأة يقال لها ابنة الحمارس (بضم الحاء وتخفيف الميم) البكرية. انظر البيت في: المعاني الكبير في ابيات المعاني لابن قتيبة: 1/ 516، وغريب الحديث لابن قتيبة: 1/ 208، وتاج اللغة (هلل): ص 5/ 1853، و"خطأ": 6/ 2315، و"ها": ص 6/ 2558، واللسان"فصل الها": ص 11/ 709، و"ها": ص 15/ 479، وتاج العروس"ح وق": ص 25/ 210، و"ها": ص 40/ 539.
والحظة (بكسر الحاء) والحظوة (بضم الحاء وكسرها) المكانة والقبول عند الزوج.
والاستفهام إنكارى، أى ليست حالة الزوجة مع زوجها إلا حظة صغيرة بحظوة الزوج بها، أو تطليق لها مع الزوج، أو صلف- أى عدم حظوة من الزوج بها- وصلفت صلفا من باب تعب. ونساء صالفات وصلائف، لم يحظهن الزوج، أو تعليق بين ذلك المذكور من الأحوال. وتسبيغ مشطور الرجز بزيادة ساكن في آخره- كما هنا- قليل. انظر: تفسير الكشاف: 1/ 572، والبحر المحيط: 4/ 80، والتحرير والتنوير: 5/ 218.
(4)
الكشاف: 1/ 572.
(5)
انظر: المحرر الوجيز: 2/ 121.
(6)
التفسير الميسر: 99.
(7)
اخرجه ابن ابي حاتم (6066): ص 4/ 1084.
(8)
الكشاف: 1/ 573.
(9)
المحرر الوجيز: 2/ 121.
(10)
التفسير الميسر: 99.
(11)
الكشاف: 1/ 573.
(12)
الوجيز: 293.
(13)
تفسير الطبري: 9/ 293.
(14)
المحرر الوجيز: 2/ 121.
1 -
تعذر العدل بين الزوجين في الحب والوطء استلزم عدم المؤاخذة به واكتفى الشارع بالعدل في الفراش، والطعام والشراب والكسوة والمعاشرة بالمعروف.
2 -
الترغيب في الإصلاح والتقوى وفعل الخيرات.
3 -
إثبات اسمين من أسمائه تعالى، وهما:«الغفور» و «الرحيم» :
و«الغفور» : "من أبنية المبالغة؛ فالله عز وجل غفور؛ لأنه يفعل ذلك لعباده مرة بعد مرة إلى ما لا يحصى، فجاءت هذه الصفة على أبنية المبالغة لذلك، وهو متعلق بالمفعول؛ لأنه لا يقع الستر إلا بمستور يستر ويغطى، وليست من أوصاف المبالغة في الذات، إنما هي من أوصاف المبالغة في الفعل"(1).
واسم «الرحيم» يتضمن صفة الرحمة التي تعم عباده المؤمنين فحسب بأن هداهم إلى الإيمان في الدنيا، وهو يثيبهم في الآخرة الثواب الدائم الذي لا ينقطع، إذ يقول سبحانه:{وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} [الأحزاب آية 43].
وأن اقتران اسم «الغفور» باسم «الرحيم» يفيد أنه سبحانه يغفر للمستغفرين والتائبين لأنه واسع الرحمة. بمعنى أنه يغفر لمن تاب إليه وأناب رحمة منه لهذا العبد، لأنه لو لم يرحمه ويتداركه بمغفرته لهلك وخسر. ولهذا يشير قوله تعالى:{قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]، وقوله:{وَإِلَاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [هود: 47](2).
القرآن
{وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130)} [النساء: 130]
التفسير:
وإن وقعت الفرقة بين الرجل وامرأته، فإن الله تعالى يغني كلا منهما من فضله وسعته; فإنه سبحانه وتعالى واسع الفضل والمنة، حكيم فيما يقضي به بين عباده.
قوله تعالى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا} [النساء: 130]، أي:" وإن وقعت الفرقة بين الرجل وامرأته"(3).
عن مجاهد قوله: " {وإن يتفرقا}، قال: الطلاق، يغن الله كلا من سعته"(4).
قال السمعاني: " يعني: الزوجين إذا تفرقا"(5).
قال البغوي: " يعني: الزوج والمرأة بالطلاق"(6).
قال ابن عطية: " أي: إن شح كل واحد منهما فلم يتصالحا لكنهما تفرقا بطلاق"(7).
وقرئ: «وإن يتفارقا» ، بمعنى: وإن يفارق كل واحد منهما صاحبه (8).
قال الماتريدي: " أي: الزوجان إن تفرقا؛ لما لم يقدر الزوج على التسوية بينهن"(9).
قوله تعالى: {يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} [النساء: 130]، أي:" فإن الله تعالى يغني كلا منهما من فضله وسعته"(10).
قال السمعاني: " يعني: فالزوج يجد الزوجة، والزوجة تجد الزوج"(11).
قال البغوي: يعني: "من رزقه، يعني: المرأة بزوج آخر والزوج بامرأة أخرى"(12).
قال الزمخشري: أي: " يرزقه زوجا خيرا من زوجه وعيشا أهنأ من عيشه، والسعة: الغنى والمقدرة"(13).
(1) اشتقاق أسما الله، الزجاجي:93.
(2)
انظر: مفهوم الأسماء والصفات، سعد ندا، مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ع 45: ص 94، وع 46: ص 72 - 73.
(3)
التفسير الميسر: 99.
(4)
أخرجه ابن أبي حاتم (6068): ص 4/ 1084.
(5)
تفسير السمعاني: 1/ 487.
(6)
تفسير البغوي: 2/ 296.
(7)
المحرر الوجيز: 2/ 121.
(8)
انظر: الكشاف: 1/ 573.
(9)
تفسير الماتريدي: 3/ 381.
(10)
التفسير الميسر: 99.
(11)
تفسير السمعاني: 1/ 487.
(12)
تفسير البغوي: 2/ 296.
(13)
الكشاف: 1/ 573.
قال الماتريدي: " المرأة تتزوج آخر، والرجل بامرأة أخرى، ويحتمل أن كل واحد منهما -وإن كان غنيا بالآخر في حال النكاح- فالله قادر على أن يغني كل واحد منهما بعد الافتراق، كما كان يرزق قبل الفراق "(1).
قال الجصاص: " تسلية لكل واحد منهما عن الآخر وأن كل واحد منهما سيغنيه الله عن الآخر إذا قصدا الفرقة، تخوفا من ترك حقوق الله التي أوجبها; وأخبر أن رزق العباد كلهم على الله وأن ما يجريه منه على أيدي عباده فهو المسبب له والمستحق للحمد عليه"(2).
قال ابن عطية: " فإن الله تعالى يغني كل واحد منهما عن صاحبه بفضله ولطائف صنعه، في المال والعشرة، والسعة وجود المرادات والتمكن منها، وذهب بعض الفقهاء المالكيين إلى أن التفرق في هذه الآية هو بالقول، إذ الطلاق قول"(3).
واحتج بهذه على قول النبي صلى الله عليه وسلم «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» (4)، إذ مذهب مالك في الحديث أنه التفرق بالقول لا بالبدن (5).
قال القاضي ابن عطية: " ولا حجة في هذه الآية، لأن إخبارها إنما هو من افتراقهما بالأبدان، وتراخي المدة بزوال العصمة، و «الإغناء» إنما يقع في ثاني حال، ولو كانت الفرقة في الآية الطلاق لما كان للمرأة فيها نصيب يوجب ظهور ضميرها في الفعل، وهذه نبذة من المعارضة في المسألة"(6).
قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} [النساء: 130]، أي:" فإنه سبحانه وتعالى واسع الفضل والمنة، حكيم فيما يقضي به بين عباده"(7).
قال البغوي: " واسع الفضل والرحمة، {حكيما} فيما أمر به ونهى عنه"(8).
قال السمرقندي: " {واسعا}، يعني: واسع الفضل، {حكيما}: حكم بفرقتهما وتسويتهما"(9).
قال الماتريدي: " قيل: {واسعا}: جودا، وقيل: {واسعا}: يوسع على كل منهما رزقه، {حكيما} حكم على الزوج: إمساكا بمعروف أو تسريحا بإحسان، وقيل: {حكيما}؛ حيث حكم فرقتهما، وأصل الحكيم: أن يضع كل شيء موضعه"(10).
وقال الزمخشري: " «الواسع»: الغنى المقتدر"(11).
قال ابن عطية: " «الواسع» معناه: الذي عنده خزائن كل شيء"(12).
قال الراغب: " الواسع: عام في الغنى، والقدرة، والعلم، وعقبه بالحكم، منبها أن السعة ما لم يكن معها الحكمة، والعلم، كان إلى الفساد أقرب منها إلى الصلاح"(13).
قال مكي: " «الواسع»: الكثير العطايا، وقيل: الواسع: المحيط بكل شيء، ومنه قوله تعالى: {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} [طه: 96] أي: أحاط به، وقال أبو عمرو في {واسع}، {كريم}، قال: الواسع: الغني، والكريم: الجواد"(14).
الفوائد:
1 -
.في الآية دليل قطع طمع الارتزاق من غير الله، وإن جاز أن يجعل غيره سببا في ذلك؛ لأنه قال عز وجل:{وإن يتفرقا يغن الله} ؛ ليعلم كل أن غناه لم يكن بالآخر؛ حيث وعد لهما الغناء، وكذلك في قوله - تعالى -: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ
(1) تفسير الماتريدي: 3/ 381.
(2)
أحكام القرآن: 2/ 356.
(3)
المحرر الوجيز: 2/ 121.
(4)
صحيح البخاري برقم (2109) وصحيح مسلم برقم (1531).
(5)
المحرر الوجيز: 2/ 121.
(6)
المحرر الوجيز: 2/ 121.
(7)
التفسير الميسر: 99.
(8)
تفسير البغوي: 2/ 296.
(9)
تفسير السمرقندي: 1/ 345.
(10)
تفسير الماتريدي: 3/ 381.
(11)
الكشاف: 1/ 573.
(12)
المحرر الوجيز: 2/ 121.
(13)
تفسير الراغب الاصفهاني: 4/ 186.
(14)
الهداية في بلوغ النهاية: 2/ 1491.
وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النور: 32]، دليل قطع طمع الارتزاق بعضهم من بعض في النكاح؛ لما وعد لهم الغناء إذا كانوا فقراء (1).
2 -
وفيه دليل وقوع الفرقة بين الزوجين بالمرأة، بالمكنى من الكلام؛ لمشاركتهما فيه، وإن كان الزوج هو المنفرد بالفراق؛ لما أضاف الفعل إليهما بقوله:{وإن يتفرقا يغن الله} وكذلك قوله - تعالى -: {فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 2]، و {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} [الأحزاب: 49] (2).
3 -
وفي الآية دليل لزوم النفقة في العدة؛ لأنه ذكر الافتراق، والفراق إنما يكون بانقضاء العدة، ثم أخبر عز وجل عن غناء كل واحد منهما بالآخر قبل الفراق؛ دل أن للمرأة غناء بالزوج ما دامت بالعدة (3).
4 -
الفرقة بين الزوجين إن كانت على مبدأ الإصلاح والتقوى أعقبت خيراً عاجلاً آجلاً.
القرآن
التفسير:
ولله ملك ما في السموات وما في الأرض وما بينهما. ولقد عهدنا إلى الذين أُعطوا الكتاب من قبلكم من اليهود والنصارى، وعهدنا إليكم كذلك -يا أمة محمد- بتقوى الله تعالى، والقيام بأمره واجتناب نهيه، وبيَّنَّا لكم أنكم إن تجحدوا وحدانية الله تعالى وشرعه فإنه سبحانه غني عنكم; لأن له جميع ما في السموات والأرض. وكان الله غنيّاً عن خلقه، حميدًا في صفاته وأفعاله.
قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [النساء: 131]، أي:" ولله ملك ما في السموات وما في الأرض وما بينهما"(4).
قال ابن كثير: " يخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض، وأنه الحاكم فيهما"(5).
قال البيضاوي: " تنبيه على كمال سعته وقدرته"(6).
قوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131]، أي:" ولقد عهدنا إلى الذين أُعطوا الكتاب من قبلكم من اليهود والنصارى، وعهدنا إليكم كذلك -يا أمة محمد- بتقوى الله تعالى، والقيام بأمره واجتناب نهيه"(7).
قال ابن كثير: " أي: وصيناكم بما وصيناهم به، من تقوى الله، عز وجل، بعبادته وحده لا شريك له"(8).
قال الماتريدي: " قيل: أي: أمرناهم أن يوحدوا الله ويتقوا الشرك. قيل: {وصينا}: أمرنا. وقيل: فرضنا"(9).
قال الثعلبي: " {أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ}، يعني: أهل التوراة والإنجيل وسائر الكتب المتقدمة على الإسلام، {وَإِيَّاكُمْ} يا أهل القرآن في كتابكم، {أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}، أي: وحّدوا الله وأطيعوه ولا تشركوا به شيئا"(10).
قال القرطبي: " أي: الأمر بالتقوى كان عاما لجميع الأمم"(11).
وفي هذا المعنى قال سفيان الثوري: " إنك إن اتقيت الله كفاك الله ما همك، وإن اتقيت الناس لم يغنوا عنك من الله شيئا"(12).
(1) انظر: تفسير الماتريدي: 3/ 381.
(2)
انظر: تفسير الماتريدي: 3/ 381.
(3)
انظر: تفسير الماتريدي: 3/ 381.
(4)
صفوة التفاسير: 1/ 284.
(5)
تفسير ابن كثير: 1/ 431.
(6)
تفسير البيضاوي: 2/ 101.
(7)
صفوة التفاسير: 1/ 284.
(8)
تفسير ابن كثير: 1/ 431.
(9)
تفسير الماتريدي: 3/ 382.
(10)
الكشف والبيان: 3/ 398.
(11)
تفسير القرطبي: 5/ 408.
(12)
أخرجه ابن ابي حاتم (6068): ص 4/ 1084 - 1085.
قوله تعالى: {وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [النساء: 131]، أي:" وبيَّنَّا لكم أنكم إن تجحدوا وحدانية الله تعالى وشرعه فإنه سبحانه غني عنكم; لأن له جميع ما في السموات والأرض"(1).
قال البيضاوي: " أي: وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإن الله مالك الملك كله، لا يتضرر بكفركم ومعاصيكم، كما لا ينتفع بشكركم وتقواكم، وإنما وصاكم لرحمته لا لحاجته"(2).
قال الثعلبي: " {وَإِنْ تَكْفُرُوا}، بما أوصاكم الله به، فإن لله ملائكة هم أطوع له منكم"(3).
قال الماتريدي: " ذكر هذا على أثر قوله: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله}؛ ليعلموا أنه لم يأمرهم بذلك لحاجة له في عبادتهم، ولم يأمر لمنفعة نفسه؛ إذ من له ملك ما في السماوات وما في الأرض لا يحتاج إلى آخر ينتفع به؛ ولكن ليعلموا أنه - تعالى - إنما أمرهم بذلك لحاجتهم في ذلك، ولمنفعة أنفسهم"(4).
قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا} [النساء: 131]، أي:" وكان الله غنيّاً عن خلقه، حميدًا في صفاته وأفعاله"(5).
قال الثعلبي: أي: " غير محتاج إلى شيء ممّا في أيديهم، والغنيّ القادر على ما يريد"(6).
قال البيضاوي: أي: " {غنيا} عن الخلق وعبادتهم. {حميدا} في ذاته حمد أو لم يحمد"(7).
قال ابن كثير: " أي: غني عن عباده، {حَمِيدٌ} أي: محمود في جميع ما يقدره ويشرعه"(8).
قال الماتريدي: أي: " {غنيا} عن عبادتكم له وطاعتكم إياه، و {حميدا} في سلطانه، ويكون غنيا عن خلقه في الأزل، حميدا في فعله، وذلك الحميد في الفعل يخرج على إتقان الفعل وإحكامه، أو على إحسانه إلى خلقه، وإنعامه عليهم"(9).
وقال البراء بن عازب: " {وكان الله غنيا}، يعني: قال: عن صدقاتكم"(10).
وقال مقاتل بن حيان: " {وكان الله غنيا}: في سلطانه عما عندكم"(11).
وقال علي: " {وكان الله غنيا حميدا}، أي: قال: متحمدا إلى خلقه"(12).
قال ابن عطية: الآية" تنبيه على موضع الرجاء لهذين المفترقين، ثم جاء بعد ذلك قوله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض تنبيها على استغنائه عن العباد، ومقدمة للخبر بكونه غنيا حميدا"(13).
قال القرطبي: " وقال بعض العارفين: هذه الآية هي رحى آي القرآن، لأن جميعه يدور عليها"(14).
قال الطبري: " وإنما وبخ جل ثناؤه بهذه الآيات، الخائنين الذين خانوا الدِّرع التي وصفنا شأنها، الذين ذكرهم الله في قوله: {وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [سورة النساء: 105] وحذر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يكونوا مثلهم، وأن يفعلوا فعل المرتدِّ منهم في ارتداده ولحاقه بالمشركين وعرَّفهم أن من فعل فعله منهم، فلن يضر إلا نفسه، ولن يوبق برِدَّته غير نفسه، لأنه المحتاج - مع جميع ما في السموات وما في الأرض - إلى الله، والله الغني عنهم"(15).
قال مكي: " كرر تعالى ذكره، ذكر كون ما في السموات وما في الأرض أنه له، في ثلاثة مواضع متوالية، وفي كل آية معنى من أجله وقع التكرير:
(1) صفوة التفاسير: 1/ 284.
(2)
تفسير البيضاوي: 2/ 102.
(3)
الكشف والبيان: 3/ 398.
(4)
تفسير الماتريدي: 3/ 382.
(5)
صفوة التفاسير: 1/ 284.
(6)
الكشف والبيان: 3/ 398.
(7)
تفسير البيضاوي: 2/ 102.
(8)
تفسير ابن كثير: 1/ 431.
(9)
تفسير الماتريدي: 3/ 382.
(10)
أخرجه ابن ابي حاتم (6069): ص 4/ 1085.
(11)
أخرجه ابن ابي حاتم (6070): ص 4/ 1085.
(12)
أخرجه ابن ابي حاتم (6071): ص 4/ 1085.
(13)
المحرر الوجيز: 2/ 122.
(14)
تفسير القرطبي: 5/ 408.
(15)
تفسير الطبري: 9/ 298.
1 -
أما الأول فإن الله جل ذكره نبه الخلق على ملكه بعقب قوله: {وَكَانَ الله وَاسِعاً} ، فأخبر أن من سعته أن له ما في السموات والأرض، وفي هذا تقوية لقول أبي عمرو: أن الواسع: الغني، ثم رجع تعالى بعد إعلامه إيانا، وتنبيهه على ملكه إلى إعلامه إيانا أنه قد وصى من كان قبلنا بتقواه كما وصانا بالتقوى في الأزواج وغيرها، والذين من قبلنا من أهل الكتاب وصاهم بذلك في التوراة والإنجيل، وصانا نحن في القرآن بالتقوى أيضاً، فقال:{أَنِ اتقوا الله} .
2 -
ثم قال: {وَإِن تَكْفُرُوا} كما كفر أهل الكتاب {فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات [وَمَا فِي الأرض]} إنه لا يضره كفرهم إذ له كل شيء، كما لم يضره ما فعل أهل الكتاب في مخالفتهم أمره، {وَكَانَ الله غَنِيّاً} أي غني عن خلقه، فأخبرنا في هذه الآية بغناه عنا، وحاجتنا إليه.
3 -
[ثم] أعلمنا في الآية الثالثة بحفظه لنا، وعلمه بنا فقال {وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وكفى بالله وَكِيلاً} أي كفى به حفيظاً (1).
فهذا فائدة التكرير أنه تعالى نبهنا على ملكه، وسعته بعد قوله {وَكَانَ الله وَاسِعاً} . فأعلمنا أنه من سعة ملكه أن له ما في السموات وما في الأرض.
وأعلمنا في الثانية بحاجتنا إليه، وغناه عنا.
وفي الثالثة أعلمنا بحفظه لنا وعلمه بتدبيرنا" (2).
الفوائد:
1 -
أن الله تعالى أخبر عن عموم ملكه العظيم الواسع المستلزم تدبيره بجميع أنواع التدبير، وتصرفه بأنواع التصريف قدرا وشرعا، فتصرفه الشرعي أن وصى الأولين والآخرين أهل الكتب السابقة واللاحقة بالتقوى المتضمنة للأمر والنهي، وتشريع الأحكام، والمجازاة لمن قام بهذه الوصية بالثواب، والمعاقبة لمن أهملها وضيعها بأليم العذاب (3).
2 -
الوصية بالتقوى، وذلك بترك الشرك والمعاصي بعد الإيمان وعمل الصالحات.
3 -
إثبات اسمين من أسمائه تعالى، وهما:«الغني» ، «الحميد»:
فـ «الغني» ، صفة ذاتية ثابتة لله تعالى، وهو من أسمائه تعالى، "فله سبحانه الغنى التام المطلق من كل وجه؛ بحيث لا تشوبه شائبة فقر وحاجة أصلا، وذلك لأن غناه وصف لازم له، لا ينفك عنه؛ لأنه مقتضى ذاته، وما بالذات لا يمكن أن يزول؛ فيمتنع أن يكون إلا غنيا كما يمتنع أن يكون إلا جوادا محسنا برا رحيما كريما"(4).
جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: "بينا أيوب عليه السلام يغتسل عريانا
…
فناداه ربه عز وجل: يا أيوب! ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك
…
" (5).
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك
…
" (6).
و«الحميد» : اسم من اسمائه سبحانه، قالابن الاثير:" الحميد: المحمود، الذي استحق الحمد بفعله، وهو فعيل بمعنى مفعول"(7).
جاء في حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه في التشهد: "
…
قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" (8).
قال السعدي: " ومن تمام غناه أنه كامل الأوصاف، إذ لو كان فيه نقص بوجه من الوجوه، لكان فيه نوع افتقار إلى ذلك الكمال، بل له كل صفة كمال، ومن تلك الصفة كمالها، ومن تمام غناه أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولا شريكا في ملكه ولا ظهيرا، ولا معاونا له على شيء من تدابير ملكه.
ومن كمال غناه افتقار العالم العلوي والسفلي في جميع أحوالهم وشئونهم إليه وسؤالهم إياه جميع حوائجهم الدقيقة والجليلة، فقام تعالى بتلك المطالب والأسئلة وأغناهم وأقناهم، ومن عليهم بلطفه وهداهم.
(1) سوف ياتي تفسيره.
(2)
الهداية إلى بلوغ النهاية: 2/ 1491 - 1492.
(3)
انظر: تفسير السعدي: 207.
(4)
شرح نونية ابن القيم: 1/ 74.
(5)
رواه البخاري (279).
(6)
رواه مسلم (2985).
(7)
جامع الاصول: 4/ 180.
(8)
رواه: البخاري (3370)، ومسلم (406).
وأما «الحميد» فهو من أسماء الله تعالى الجليلة الدال على أنه [هو] المستحق لكل حمد ومحبة وثناء وإكرام، وذلك لما اتصف به من صفات الحمد، التي هي صفة الجمال والجلال، ولما أنعم به على خلقه من النعم الجزال، فهو المحمود على كل حال.
وما أحسن اقتران هذين الاسمين الكريمين {الغني الحميد} ! ! فإنه غني محمود، فله كمال من غناه، وكمال من حمده، وكمال من اقتران أحدهما بالآخر.
ثم كرر إحاطة ملكه لما في السماوات وما في الأرض، وأنه على كل شيء وكيل، أي: عالم قائم بتدبير الأشياء على وجه الحكمة، فإن ذلك من تمام الوكالة، فإن الوكالة تستلزم العلم بما هو وكيل عليه، والقوة والقدرة على تنفيذه وتدبيره، وكون ذلك التدبير على وجه الحكمة والمصلحة، فما نقص من ذلك فهو لنقص بالوكيل، والله تعالى منزه عن كل نقص" (1).
القرآن
{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132)} [النساء: 132]
التفسير:
ولله ملك ما في هذا الكون من الكائنات، وكفى به سبحانه قائمًا بشؤون خلقه حافظًا لها.
قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [النساء: 132]، أي:" ولله ملك ما في هذا الكون من الكائنات"(2).
قال الطبري: اي: " ولله ملك جميع ما حوته السموات والأرض"(3).
قال عثمان بن سعيد: " قال جبريل: يا محمد، لله الخلق كله والسموات كلهن ومن فيهن والأرضون كلهن ومن فيهن، ومن بينهن مما يعلم ومما لا يعلم"(4).
قوله تعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء: 132]، أي:" وكفى به سبحانه قائمًا بشؤون خلقه حافظًا لها"(5).
قال الطبري: اي: " وهو القيِّم بجمعيه، والحافظ لذلك كله، لا يعزب عنه علم شيء منه، ولا يؤوده حفظه وتدبيره"(6).
قال ابن كثير: " أي: هو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب الشهيد على كل شيء"(7).
عن قتادة: " {وكفى بالله وكيلا}، قال: حفيظًا"(8).
وعن الضحاك عن ابن عباس: "يعني: دافعا مجيرا"(9).
وعن عكرمة عن ابن عباس: "يعني: شهيدا [أن فيها عبيدا] (10) "(11).
الفوائد
1 -
غنى الله تعالى عن سائر خلقه.
2 -
فالله هو المالك وحده لا شريك له للسماوات والأرض وما فيهما، فلا منازع له، وذلك أمر يستدعي الوقوف والتدبر والتسليم لأمر من لا منازع له.
القرآن
{إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (133)} [النساء: 133]
التفسير:
إن يشأ الله يُهلكُّم أيها الناس، ويأت بقوم آخرين غيركم. وكان الله على ذلك قديرًا.
قوله تعالى: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ} [النساء: 133]، أي:" إن يشأ الله يُهلكُّم أيها الناس"(12).
قال الثعلبي: " فيميتكم، يعني: الكفار"(13).
قال القرطبي: " يعني بالموت، {أيها الناس}: يريد المشركين والمنافقين"(14).
قال الطبري: " أي: يذهبكم بإهلاككم وإفنائكم، توعَّدهم بالهلاك والاستئصال، إن هم فعلوا فعل ابن أبيرق"(15).
وضعّفه ابن عطية، فقال:" وقال الطبري: هذا الوعيد والتوبيخ هو للقوم الذين شفعوا في طعمة بن أبيرق وخاصموا عنه في أمر خيانته في الدرع والدقيق، وهذا تأويل بعيد واللفظ إنما يظهر حسن رصفه بعمومه وانسحابه على العالم جملة أو العالم الحاضر، [فإن] قوله تعالى: {أيها الناس}، مخاطبة للحاضرين من العرب، وتوقيف للسامعين لتحضر أذهانهم"(16).
قوله تعالى: {وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} [النساء: 133]، أي:" ويأت بقوم آخرين غيركم"(17).
قال الزمخشري: أي: " ويأت بأناس آخرين يوالونه"(18).
قال الثعلبي: " يعنى: بغيركم خيرا منكم وأطوع"(19).
قال القرطبي: " يعني: [ويأت] بغيركم، وقيل: الآية عامة، أي وإن تكفروا يذهبكم ويأت بخلق أطوع لله منكم. وهذا كما قال في آية أخرى: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} (20) "(21).
قال الطبري: " يقول: ويأت بناس آخرين غيركم لمؤازرة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ونصرته، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها لما نزلت، ضرب بيده على ظهر سَلْمان فقال: «هم قوم هذا» (22)، يعني: عجم الفرس"(23).
قال الراغب: " قوله: {يذهبكم} على هذا، ليس يشير إلى الأعيان فقط، بل إلى الأنواع الذين هم العرب والعجم"(24).
قال ابن عطية: " قوله: {بآخرين}، يريد من نوعكم، وتحتمل ألفاظ الآية أن تكون وعيدا لجميع بني آدم، ويكون الآخرون من غير نوعهم، كما قد روي: أنه كان في الأرض ملائكة يعبدون الله قبل بني آدم"(25).
عن قتادة في قوله: " {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرًا}: قادرٌ واللهِ ربُّنا على ذلك: أن يهلك من يشاء من خلقه، ويأتي بآخرين من بعدهم"(26).
قال القرطبي: " في الآية تخويف وتنبيه لجميع من كانت له ولاية وإمارة ورئاسة فلا يعدل في رعيته، أو كان عالما فلا يعمل بعلمه ولا ينصح الناس، أن يذهبه ويأتي بغيره"(27).
قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا} [النساء: 133]، أي:" وكان لله على ذلك ذا قدرة"(28).
قال الثعلبي: " أي: مستطيعا على ذلك"(29).
(1) تفسير السعدي: 207.
(2)
التفسير الميسر: 1/ 284.
(3)
تفسير الطبري: 9/ 297.
(4)
أخرجه ابن ابي حاتم (6072): ص 4/ 1085.
(5)
التفسير الميسر: 1/ 284.
(6)
تفسير الطبري: 9/ 297.
(7)
تفسير ابن كثير: 1/ 431.
(8)
اخرجه الطبري (10675): ص 9/ 297.
(9)
الكشف والبيان: 3/ 399.
(10)
هذه الزيادة عند البغوي في معالم التفسير: 2/ 297.
(11)
الكشف والبيان: 3/ 399.
(12)
التفسير الميسر: 99.
(13)
الكشف والبيان: 3/ 399.
(14)
تفسير القرطبي: 5/ 409.
(15)
تفسير الطبري: 9/ 298
(16)
المحرر الوجيز: 2/ 122.
(17)
التفسير الميسر: 99.
(18)
الكشاف: 1/ 547.
(19)
الكشف والبيان: 3/ 399.
(20)
[سورة حمد: 38].
(21)
تفسير القرطبي: 5/ 409.
(22)
تفسير الطبري (10676): ص 9/ 299.
(23)
تفسير الطبري: 9/ 298
(24)
تفسير الراغب الأصفهاني: 4/ 188.
(25)
المحرر الوجيز: 2/ 122.
(26)
أخرجه الطبري (10677): ص 9/ 299.
(27)
تفسير القرطبي: 5/ 409.
(28)
انظر: تفسير الطبري: 9/ 298
(29)
الكشف والبيان: 3/ 399.
قال الطبري: أي: " وكان الله على إهلاككم وإفنائكم واستبدال آخرين غيركم بكم، {قديرًا}، يعني: ذا قدرة على ذلك"(1).
قل القرطبي: " والقدرة صفة أزلية، لا تتناهى مقدوراته، كما لا تتناهى معلوماته، والماضي والمستقبل في صفاته بمعنى واحد، وإنما خص الماضي بالذكر لئلا يتوهم أنه يحدث في ذاته وصفاته. والقدرة هي التي يكون بها الفعل ولا يجوز وجود العجز معها"(2).
الفوائد:
1 -
قدرة الله تعالى على إذهاب الناس كلهم والإتيان بغيرهم.
2 -
أن إبقاء الناس على ما هم عليه من العصيان إنما هو لكمال غناه سبحانه عن طاعتهم، ولأن مشيئته لم تتعلق بهذا الإفناء لحكم ومصالح أرادها سبحانه، لا لعجز عن ذلك، تعالى الله علوا كبيرا (3).
3 -
ومن الفوائد: التنبيه للناس إلى التأمل فى سنن الله التي جرت فى حياة الأمم وموتها، وإن هذه السنن إذا تعلقت بها المشيئة وقعت لا محالة (4).
4 -
إثبات اسم من اسمائه سبحاته، وهو «القدير» ، قال الخطابي:" ووصف الله نفسه بأنه قادر على كل شيء أراده، لا يعترضه عجز ولا فتور، وقد يكون القادر بمعنى المقدر للشيء، يقال: قدرت الشيء وقدرته؛ بمعنى واحد"(5).
القرآن
التفسير:
من يرغب منكم -أيها الناس- في ثواب الدنيا ويعرض عن الآخرة، فعند الله وحده ثواب الدنيا والآخرة، فليطلب من الله وحده خيري الدنيا والآخرة، فهو الذي يملكهما. وكان الله سميعًا لأقوال عباده، بصيرًا بأعمالهم ونياتهم، وسيجازيهم على ذلك.
في سبب نزول الآية وجهان:
أحدهما: قيل: إن هذه الآية نزلت من أجل المنافقين كانوا لا يصدقون بالقيامة، وإنما يطلبون عاجل الدنيا، ذكره أبو سليمان (6).
والثاني: وقال الزجاج: " كان مشركو العرب لا يؤمنون بالبعث، وكانوا مُقِرينْ بأن اللَّهَ خالقهم، فكان تقربُهم إلى الله عز وجل إنما هو ليُعْطِيهُمْ من خير الدنيا، ويَصرِفَ عنهم شَرها، فأعلم الله عز وجل أن خير الدنيا والآخرة عنده"(7).
قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا} [النساء: 134]، أي:" من يرغب منكم -أيها الناس- في ثواب الدنيا ويعرض عن الآخرة"(8).
قال مقاتل: " بعمله"(9).
قال السمرقندي: " يعني: من كان يطلب الدنيا بعمله الذي يعمل ولا يريد به وجه الله"(10).
قال الثعلبي: " يقول: من كان يريد بعمله الذي فرضه الله بقدرته عرضا من الدنيا ولا يريد به الله"(11).
قال الماتريدي: " قال بعض أهل التأويل: من كان يريد بعمله الذي يعمله عرض الدنيا، ولا يريد به الله"(12).
(1) تفسير الطبري: 9/ 298
(2)
تفسير القرطبي: 5/ 409.
(3)
انظر: تفسير المراغي: 5/ 176.
(4)
انظر: تفسير المراغي: 5/ 176.
(5)
شأن الدعاء: 85.
(6)
انظر: زاد المسير: 1/ 483.
(7)
معاني القرآن: 2/ 117.
(8)
التفسير الميسر: 99.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 413.
(10)
بحر العلوم: 1/ 346.
(11)
الكشف والبيان: 3/ 399.
(12)
تفسير الماتريدي: 3/ 383.
قال الزمخشري: " كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة"(1).
وقال الطبري: أي: "من كان من العاملين في الدنيا من المنافقين يريد بعمله ثوابَ الدنيا وجزاءَها من عمله "(2).
قال السمعاني: " أراد به: الكفار؛ فإنهم يعملون ابتغاء ثواب الدنيا، وطلبا لنعيمها، ولا يطلبون ثواب الآخرة، ولا يؤمنون بها"(3).
قوله تعالى: {فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [النساء: 134]، أي:" فعند الله وحده ثواب الدنيا والآخرة"(4).
قال مقاتل: " فليعمل لآخرته، {فعند الله ثواب الدنيا}، يعني: الرزق في الدنيا، وثواب الآخرة، يعني: الجنة"(5).
قال الزمخشري: أي: " فعند الله ثواب الدنيا والآخرة، فما له يطلب أحدهما دون الآخر والذي يطلبه أخسهما، لأن من جاهد لله خالصا لم تخطئه الغنيمة، وله من ثواب الآخرة ما الغنيمة إلى جنبه كلا شيء. والمعنى: فعند الله ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده حتى يتعلق الجزاء بالشرط"(6).
قال محمد بن إسحاق: " أي: من كان منكم يريد الدنيا ليست له رغبة في الآخرة، نؤته ما قسم له فيها من رزق، ولا حظ له في الآخرة"(7).
قال الثعلبي: أي: " أثابه الله عليه ما أحب الله من عرض الدنيا أو دفع عنه فيها ما أحب الله، وليس له في الآخرة من ثواب لأنه عمل لغير الله، ومن أراد بعمله الذي افترضه الله عز وجل عليه في الدنيا ثواب الآخرة أثابه الله عليه من عرض الدنيا ما أحب الله ودفع عنه ما أحب الله وجزاه في الآخرة الجنة بعمله"(8).
قال الماتريدي: أي: " آتاه الله ما أحب من عرض الدنيا، أو دفع عنه ما أحب في الدنيا؛ فليس له في الآخرة من ثواب؛ لأنه عمل لغير الله، وهو كقوله عز وجل: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاق} [البقرة: 200]، ومن أراد بعمله الذي يعمله في الدنيا، ثواب الآخرة - آتاه الله - تعالى - من عرض الدنيا ما أحب، ودفع عنه، وجزاه في الآخرة الجنة؛ بعمله في الدنيا"(9).
قال ابن كثير: " أي: يا من ليس هَمُّه إلا الدنيا، اعلم أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة، وإذا سألته من هذه وهذه أعطاك وأغناك وأقناك، كما قال تعالى: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [البقرة: 200 - 202]، وقال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} [الشورى: 20]، وقال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا. وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا. كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا. انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا} [الإسراء: 18 - 21] "(10).
قال الواحدي: " أَيْ: خير الدُّنيا والآخرة عنده فليطلب ذلك منه وهذا تعريضٌ بالكفَّار الذين كانوا لا يؤمنون بالبعث وكانوا يقولون: ربنا آتنا في الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق"(11).
قال الماوردي: " ثواب الدنيا النعمة ، وثواب الآخرة الجنة"(12).
(1) الكشاف: 1/ 574.
(2)
تفسير الطبري: 9/ 300.
(3)
تفسير السمعاني: 1/ 488.
(4)
التفسير الميسر: 99.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 413.
(6)
الكشاف: 1/ 574.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (6074): ص 4/ 1086.
(8)
الكشف والبيان: 3/ 399.
(9)
تفسير الماتريدي: 3/ 383.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 432.
(11)
الوجيز: 294.
(12)
النكت والعيون: 1/ 534.
قال الطبري: أي: " فإن الله مجازيه به جزاءَه في الدنيا من الدنيا، وجزاءه في الآخرة من الآخرة من العقاب والنكال، وإنما عنى بذلك جل ثناؤه: الذين تَتَيَّعُوا في أمر بني أبيرق، والذين وصفهم في قوله: {وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} [سورة النساء: 107، 108]، ومن كان من نظرائهم في أفعالهم ونفاقهم"(1).
وهذا التفسير للآية عند الطبري فيه نظر، لأن" قوله {فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} ظاهر في حضور الخير في الدنيا والآخرة، أي: بيده هذا وهذا، فلا يقْتَصِرَنَّ قاصر الهمة على السعي للدنيا فقط، بل لتكن همته سامية إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والآخرة، فإن مرجع ذلك كله إلى الذي بيده الضر والنفع، وهو الله الذي لا إله إلا هو، الذي قد قسم السعادة والشقاوة في الدنيا والآخرة بين الناس، وعدل بينهم فيما علمه فيهم، ممن يستحق هذا، وممن يستحق هذا"(2).
ويحتمل قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [النساء: 134]، وجوها من التفسير (3):
أحدها: أنهم كانوا يتخذون من دون الله آلهة يعبدونها؛ طلبا للرياسة والعز والشرف؛ كقوله عز وجل: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا} [مريم: 81]، فأخبر أن العز والشرف ليس في ذلك؛ ولكن عند الله عز الدنيا والآخرة.
والثاني: أنهم كانوا يعبدون الأوثان والأصنام، ويقولون:{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]ـ ويقولون: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18]؛ فأخبر أن ليس في عبادتكم هذه الأوثان دون الله - لكم زلفى، ولا ثواب، ولكن اعبد الله؛ فعنده الدنيا والآخرة.
والثالث: يحتمل: أن يكونوا عبدوا هذه الأصنام؛ لمنافع يتأملون بذلك في الدنيا والسعة في الدنيا؛ كقوله - تعالى -: {إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُون} [العنكبوت: 17]، الآية؛ فعلى ذلك قوله عز وجل:{من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة} لا عند من تطلبون.
والرابع: ويحتمل أن تكون الآية في أهل المراءاة والنفاق، الذين يراءون بأعمالهم الصالحة في الدنيا؛ يريدون ثواب الدنيا لا غير. وهذا اختيار الطبري (4).
قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 134]، أي:" وكان الله سميعًا لأقوال عباده، بصيرًا بأعمالهم ونياتهم، وسيجازيهم على ذلك"(5).
قال مقاتل: " بأعمالكم"(6).
قال الماتريدي: " {سميعا}، لمقالتكم، {بصيرا}، بما تريدون وتعملون، وهو وعيد"(7).
قال المراغي: " أي: وكان الله سميعا لأقوال عباده حين مخاطباتهم ومناجاتهم، بصيرا بجميع أمورهم فى سائر حالاتهم، فعليهم أن يراقبوه فى الأقوال والأفعال، وبذا تزكو نفوسهم وتقف عند حدود الفضيلة التي بها تستقيم أمورهم فى دنياهم ويستعدون لحياة أبدية فى آخرتهم يكون فيها نعيمهم وثوابهم"(8).
قال محمد بن إسحاق: " {سميعا}، أي: سميع ما تقولون"(9).
عن عقبة بن عامر: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية: {سميعا بصيرا} ، يقول:«بكل شيء بصير» " (10).
الفوائد:
(1) تفسير الطبري: 9/ 300.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 432.
(3)
انظر تفسير الماتريدي: 3/ 383 - 384.
(4)
انظر: تفسير الطبري: 9/ 300.
(5)
التفسير الميسر: 99.
(6)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 413.
(7)
تفسير الماتريدي: 3/ 384.
(8)
.تفسير المراغي: 5/ 177
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (6075): ص 4/ 1086.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (6076): ص 4/ 1086.
1 -
من الفوائد: وجوب الإخلاص في العمل لله تعالى وحرمة طلب الآخرة بطلب الدنيا.
2 -
ومنها: أن الدين يهدى أهله إلى السعادتين، وإلى أن ثواب الدنيا والآخرة من فضله تعالى ورحمته.
3 -
إثبات البصر لله تعالى المحيط بجميع المبصرات، وإثبات السمع له المحيط بجميع المسموعات، وهاتان الصفتان من صفات ذاته تعالى وهما متضمن اسميه «السميع البصير» .
جاء في الحديث: "يا أيها الناس! أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، ولكن تدعون سميعا بصيرا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته"(1).
وفي حديث عائشة- رضي الله عنها في قصة المجادلة، :"الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات"(2).
فأهل السنة والجماعة يقولون: إن الله سميع بسمع يليق بجلاله وعظمته، كما أنه بصير ببصر، {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} .
قال أبو الحسن الأشعري: "وأجمعوا على أنه عز وجل يسمع ويرى"(3).
قال الحافظ ابن القيم: "وهو سميع بصير له السمع والبصر، يسمع ويبصر وليس كمثله شيء في سمعه وبصره"(4).
القرآن
التفسير:
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، كونوا قائمين بالعدل، مؤدين للشهادة لوجه الله تعالى، ولو كانت على أنفسكم، أو على آبائكم وأمهاتكم، أو على أقاربكم، مهما كان شأن المشهود عليه غنيًّا أو فقيرًا; فإن الله تعالى أولى بهما منكم، وأعلم بما فيه صلاحهما، فلا يحملنَّكم الهوى والتعصب على ترك العدل، وإن تحرفوا الشهادة بألسنتكم فتأتوا بها على غير حقيقتها، أو تعرضوا عنها بترك أدائها أو بكتمانها، فإن الله تعالى كان عليمًا بدقائق أعمالكم، وسيجازيكم بها.
في سبب نزول الآية قولان:
أحدهما: قال السدي: " نزلت في النبيّ صلى الله عليه وسلم، واختصم إليه رجلان: غنيٌّ وفقير، وكان ضِلَعه مع الفقير، يرى أن الفقير لا يظلم الغنيَّ، فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط في الغني والفقير، فقال: {إن يكن غنيًّا أو فقيرًا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا}، الآية"(5). [ضعيف جدا].
والثاني: عن ابن جريج عن مولى لابن عباس؛ قال: "لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة؛ كانت «البقرة» أول سورة نزلت، ثم أردفها سورة «النساء»، قال: فكان الرجل يكون عنده الشهادة قبل ابنه أو عمه أو ذوي رحمه، فيلوي بها لسانه أو يكتمها؛ مما يرى من عسرته حتى يوسر فيقضي؛ فنزلت: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ}؛ يعني: إن يكن غنياً أو فقيراً"(6). [ضعيف جدا].
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [النساء: 135]، أي:" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه"(7).
قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: {يا أيها الذين آمنوا}، إلا كان على شريفها وأميرها"(8).
(1) رواه البخاري (6384).
(2)
رواه: البخاري تعليقا (13/ 372)، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، وابن أبي عاصم في "السنة":625.
(3)
رسالة إلى أهل الثغر: 225.
(4)
الصواعق المرسلة: 3/ 1020.
(5)
أخرجه الطبري (10678): ص 9/ 303، وابن أبي حاتم (6088): ص 4/ 1088، و (6078): ص 4/ 1086 مختصرا، من طريق أسباط، [وهذا سند واه؛ لإعضاله، وضعف أسباط]
(6)
أخرجه ابن المنذر في "تفسيره"؛ كما في "الدر المنثور": 2/ 714 - 715، [وهذا سنده ضعيف جداً؛ فيه علل: ابن جريج مدلس، وقد عنعنه، وجهالة المولى، والإرسال].
(7)
التفسير الميسر: 100.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (1035): ص 1/ 196.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: "إذا سمعت الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فأرعها سمعك [يعني استمع لها]؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه"(1)(2).
قوله تعالى: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} [النساء: 135]، أي:" كونوا قائمين بالعدل"(3).
قال سعيد بن جبير: " يعني: قوامين بالعدل"(4). وروي عن السدي نحو ذلك (5).
قال مقاتل بن حيان: " قوامين بالشهادة"(6).
قال الزجاج: " القسط والِإقساطُ: العدل، يقال: أقسط الرجل يُقسِط إقساطاً إِذا عدل وأتى بالقسطِ، ويقال: قسط الرجل قُسُوطاً إِذا جَارَ، قال الله جلَّ وعزَّ: {وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (7)، أي: اعدلوا إن الله يُحب العَادِلينَ، وقال جلَّ وعزَّ: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} (8)، أي: الجائرون، يقال قسط البعيرُ قسْطاً إِذَا يَبِسَتْ يدُه، ويدٌ قَسْطاءُ أي يابسة، فكأن أقسط أقام الشيءَ على حقيقةِ التعديل، وكأنَّ قَسَطَ بمعنى جارَ معناه يَبَّسَ الشيءَ، وأفْسَدَ جِهتَهُ المستقيمةَ"(9).
قوله تعالى: {شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء: 135]، أي:" مؤدين للشهادة لوجه الله تعالى، ولو كانت على أنفسكم، أو على آبائكم وأمهاتكم، أو على أقاربكم"(10).
قال ابن عباس: " أمر الله المؤمنين أن يقولوا الحق، ولو على أنفسهم أو آبائهم أو أبنائهم"(11).
عن سعيد بن جبير قوله: " {بالقسط شهداء لله}، يعني: بالعدل"(12). وروي عن مقاتل بن حيان نحو ذلك (13).
وعن سعيد بن جبير أيضا: قوله: " {ولو على أنفسكم}، يقول: لو كان تأحد عليك حق فأقررت به على نفسك"(14)، "قوله:{أو الوالدين والأقربين} ، يعني: أو على الوالدين والأقربين فاشهد به عليهم" (15).
وعن مقاتل بن حيان قوله: " {ولو على أنفسكم}، يقول: على نفسك"(16).
وعن مقاتل بن حيان أيضا: " قوله: {أو الوالدين والأقربين}، يقول: على نفسك أو على الوالدين والأقربين قريبا كان أو بعيدا، غنيا كان أو فقيرا"(17).
قال الزجاج: " المعنى: قوموا بالعدل وأشهدوا للَّهِ بالحق، وإن كان الحق على نفس
الشاهد أو على والديه وأقْر بِيه" (18).
قال الطبري: " معناه: قوموا بالقسط لله عند شهادتكم، ولو كانت شهادتكم على أنفسكم، أو على والدين لكم أو أقربيكم، فقوموا فيها بالقسط والعدل، وأقيموها على صحّتها بأن تقولوا فيها الحق"(19).
قال الماوردي: " وشهادة الإنسان على نفسه هي إقراراه بما عليه من الحق لخصمه"(20).
عن قتادة قوله: " {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} ، وهذا في الشهادة، فأقم الشهادة يا ابن آدم ولو على نفسك أو والديك أو على ذوي قرابتك أو على أشراف قومك، فإنما الشهادة لله وليست للناس، وإن الله رضي بالعدل لنفسه، والإقساط والعدل ميزان الله في الأرض به يرد الله من الشديد على
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (1037): ص 1/ 196.
(2)
انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 337.
(3)
التفسير الميسر: 100.
(4)
أخرجه ابن ابي حاتم (6079): ص 4/ 1086.
(5)
انظر: ابن ابي حاتم (6079): ص 4/ 1086.
(6)
أخرجه ابن ابي حاتم (6080): ص 4/ 1086.
(7)
[سورة الحجرات: 9].
(8)
[سورة الجن: 15].
(9)
معاني القرآن: 2/ 118.
(10)
التفسير الميسر: 100.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (6077): ص 4/ 1086.
(12)
أخرجه ابن ابي حاتم (6082): ص 4/ 1087.
(13)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6082): ص 4/ 1087.
(14)
أخرجه ابن ابي حاتم (6083): ص 4/ 1087.
(15)
أخرجه ابن ابي حاتم (6085): ص 4/ 1087.
(16)
أخرجه ابن ابي حاتم (6084): ص 4/ 1087.
(17)
أخرجه ابن ابي حاتم (6086): ص 4/ 1087.
(18)
معاني القرآن: 2/ 118.
(19)
تفسير الطبري: 9/ 302.
(20)
النكت والعيون: 1/ 535، وانظر: تفسير الطبري: 9/ 302.
الضعيف ومن الكاذب على الصادق، ومن المبطل على المحق، وبالعدل يصدق الصادق ويكذب الكاذب، ويرد المعتدي ويوبخه، تبارك وتعالى وبالعدل صلح الناس يا ابن آدم" (1).
قوله تعالى: {إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} [النساء: 135]، أي:" مهما كان شأن المشهود عليه غنيًّا أو فقيرًا; فإن الله تعالى أولى بهما منكم، وأعلم بما فيه صلاحهما"(2).
قال سعيد بن جبير: " يعني: أن الله أولى بالغني والفقير من غيره"(3).
وقال الحسن: "معناه: فالله أعلم بهما"(4).
قال الفراء: أي: " ولا تنظروا في غنى الغني ولا فقر الفقير فإن الله أولى بذلك"(5).
قال ابن عباس: " أمر الله المؤمنين أن يقولوا الحق، ولا يحابون غنيا لغناه ولا يرحمون مسكينا لمسكنته"(6).
قال الزجاج: " أي إِن يكن المشهود له فقيراً فاللَّه أولى به، وكذلك إن يكن المشهود عليه غنياً فاللَّه أولى به
…
ولا تميلوا في الشهادة رحمةً للفقير، ولا تَحِيفوا لاحتَفَالِ غِنَى عَنِيٍّ عِندَكم" (7).
قال الطبري: أي: " ولا تميلوا فيها لغنيٍّ لغناه على فقير، ولا لفقير لفقره على غنيّ، فتجوروا. فإن الله الذي سوَّى بين حكم الغنيّ والفقير فيما ألزمكم، أيها الناس، من إقامة الشهادة لكل واحد منهما بالعدل {أولى بهما}، وأحق منكم، لأنه مالكهما وأولى بهما دونكم، فهو أعلم بما فيه مصلحة كلّ واحد منهما في ذلك وفي غيره من الأمور كلها منكم، فلذلك أمركم بالتسوية بينهما في الشهادة لهما وعليهما"(8).
قوله تعالى: {فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا} [النساء: 135]، أي:" فلا يحملنَّكم الهوى والتعصب على ترك العدل"(9).
عن ابن عباس قوله: {فلا تتبعوا الهوى} ، فتذروا الحق فتجوروا" (10).
عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: " {تتبعوا الهوى}، يعني: في الشهادات"(11)، " قوله:{أن تعدلوا} ، يعني: عن الحق" (12).
عن مقاتل بن حيان قوله: " {فلا تتبعوا الهوى}، في الشهادة إذا دعيتم لها أن تقولوا بها وتعدلوا"(13).
قال الزجاج: " أي: لا تتبعوا الهوى فتعدلوا"(14).
قال الفراء: أي: " فرارا من إقامة الشهادة. وقد يقال: لا تتبعوا الهوى لتعدلوا كما تقول: لا تتبعن هواك لترضي ربك، أي: إني أنهاك عن هذا كيما ترضي ربك"(15).
قال الطبري: " يقول: فلا تتبعوا أهواءَ أنفسكم في الميل في شهادتكم إذا قمتم بها -لغني على فقير، أو لفقير على غني- إلا أحد الفريقين، فتقولوا غير الحق، ولكن قوموا فيه بالقسط، وأدُّوا الشهادة على ما أمركم الله بأدائها، بالعدل لمن شهدتم له وعليه"(16).
قال السمعاني: " قيل: معناه: فلا تتبعوا الهوى بأن تعدلوا، أي: لتكونوا عادلين، كما يقال: لا تعص فترضى ربك، وقيل: معناه: لا تتبعوا الهوى لتميلوا من الحق إلى الباطل"(17).
(1) أخرجه ابن ابي حاتم (6081): ص 4/ 1087.
(2)
التفسير الميسر: 100.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (6089): ص 4/ 1088.
(4)
تفسير السمعاني: 1/ 489 ولم اقف عليه.
(5)
معاني القرآن: 1/ 291.
(6)
أخرجه ابن ابي حاتم (6088): ص 4/ 1088.
(7)
معاني القرآن: 2/ 118.
(8)
تفسير الطبري: 9/ 302.
(9)
التفسير الميسر: 100.
(10)
أخرجه ابن ابي حاتم (6090): ص 4/ 1088.
(11)
أخرجه ابن ابي حاتم (6093): ص 4/ 1088.
(12)
أخرجه ابن ابي حاتم (6095): ص 4/ 1089.
(13)
أخرجه ابن ابي حاتم (6094): ص 4/ 1088.
(14)
معاني القرآن: 2/ 118.
(15)
معاني القرآن: 1/ 291.
(16)
تفسير الطبري: 9/ 302.
(17)
تفسير السمعاني: 1/ 489.
قوله تعالى: {وَإِنْ تَلْوُوا} [النساء: 135]، أي:" وإن تحرفوا الشهادة بألسنتكم فتأتوا بها على غير حقيقتها"(1).
و«الليّ» : المطل، يقال: لواه بدينه يلويه ليا وليانا مطله (2)، قال الشاعر (3):
قد كُنْتُ دَايَنْت به حَسَّانَا
…
مَخَافَةَ الإفْلاسِ واللّيَانَا
وقال ذو الرمة (4):
تُطيلينَ ليَّاني وأنتِ مليَّةٌ
…
وأُحسنُ يا ذاتَ الوشاحِ التَّقاضيا
وفي الحديث: "لَىُّ الْواحِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُبَتَه"(5).
وفي تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ تَلْوُوا} [النساء: 135]، ثلاثة وجوه:
أحدها: معناه: أنه خطاب للشهود، معناه: أن تلوي بلسانك بغير الحق، وهي اللجاجة فلا يقيم الشهادة على وجهها. وهذا قول ابن عباس-في أحد قوليه- (6)، وروي عن قتادة (7)، ومقاتل (8)، وعطاء الخرساني (9)، وعطية (10)، وسعيد بن جير (11)، والضحاك (12)، والسدي (13)، ومقاتل بن الحيان (14)، نحو هذا المعنى.
والثاني: أنه خطاب للحكام، معناه: ليّ القاضي وإعراضه لأحد الرجلين على الآخر. وهذا قول ابن عباس-في قوله الآخر (15).
والثالث: انه تحريف الشهادة. وهذا قول مجاهد (16)، والسدي (17).
والصواب –والله اعلم- "أنه لَيُّ الشاهد شهادته لمن يشهد له وعليه، وذلك تحريفه إياها بلسانه، وتركه إقامتها، ليبطل بذلك شهادته لمن شهد له، وعمن شهد عليه، لأن الله جل ثناؤه قال {كونوا قوامين بالقسط شهداء الله}، فأمرهم بالقيام بالعدل شهداء "(18).
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم والكسائى: «تلووآ» بواوين، الأولى مضمومة والثانية ساكنة، وقرأ حمزة وابن عامر:«وإن تلوا» ، بواو واحدة واللام مضمومة (19).
قوله تعالى: {أَوْ تُعْرِضُوا} [النساء: 135]، أي:" أو تعرضوا عنها بترك أدائها أو بكتمانها"(20).
عن ابن عباس قوله: " {أو تعرضوا}، يعني: الشهادة"(21). وروي عن سعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان نحو ذلك (22).
وعن ابن عباس ايضا: " الإعراض: الترك"(23).
(1) التفسير الميسر: 100.
(2)
انظر: تفسير القرطبي: 4/ 121.
(3)
الرجز لرؤية بن العجاج، انظر:"ديوانه" ص 187، "الكتاب" 1/ 191، "الحجة" لأبي علي 6/ 160، وداينت: من المداينة وهي البيع بالدين، بها أي بالإبل، وحسان: اسم رجل، والليان: مصدر لويته بالدين لياً ولياناً إذا مطلته، يقول: داين بالإبل حسان لأنه رجل مليء لا يماطل مخافة أن يداين غير حسان ممن ليس بمليء فيماطل لإفلاسه، انظر:"الكتاب" 1/ 191.
(4)
ديوانه 1306، وجمهرة اللغة، مادة:"ل ي ي": ص: 1/ 169.، و"لوه": 2/ 989،
(5)
أخرجه النسائى من طريقيه فى البيوع (باب مطل الغنى): المجتبى: 7/ 278؛ وابن ماجه فى الصدقات (باب الحبس فى الدين والملازمة): سنن ابن ماجه: 2/ 811؛ وأخرجه أبو داود فى الأقضية (باب فى الحبس فى الدين وغيره): سنن أبى داود: 3/ 313.
(6)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6097)، و (6096): ص 4/ 1089.
(7)
انظر: تفسير الطبري (10695): ص 9/ 309.
(8)
انظر: تفسير الطبري (10689): ص 9/ 308.
(9)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6097): ص 4/ 1089.
(10)
انظر: تفسير الطبري (10693): ص 9/ 309، وتفسير ابن ابي حاتم (6097): ص 4/ 1089.
(11)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6097): ص 4/ 1089.
(12)
انظر: تفسير الطبري (10694): ص 9/ 309، وتفسير ابن ابي حاتم (6097): ص 4/ 1089.
(13)
انظر: تفسير الطبري (10690): ص 9/ 308، وتفسير ابن ابي حاتم (6097): ص 4/ 1089.
(14)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6097): ص 4/ 1089.
(15)
انظر: تفسير الطبري (10683): ص 9/ 307، وتفسير ابن ابي حاتم (6098): ص 4/ 1089.
(16)
تفسير الطبري (10687)، و (10688): ص 9/ 308.
(17)
انظر: تفسير الطبري (10690): ص 9/ 308، وتفسير ابن ابي حاتم (6099): ص 4/ 1089.
(18)
تفسير الطبري: 9/ 309 - 310.
(19)
انظر: السبعة: 239، ومعاني القرآن للفرا: 1/ 291.
(20)
التفسير الميسر: 100.
(21)
أخرجه ابن ابي حاتم (6100): ص 4/ 1089.
(22)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6100): ص 4/ 1089.
(23)
أخرجه ابن ابي حاتم (6101): ص 4/ 1090.
قال الضحاك: " {أو تعرضوا}، قال: تكتموا الشهادة"(1).
وعن مجاهد قوله: " {أو تعرضوا}، قال: تتركوا"(2). وروي عن عطية مثل ذلك (3).
وروي عن السدي أنه قال: "فتعرض عنها فتكتمها وتقول: ليس عندي شهادة"(4).
وقال ابن زيد: " أو يُعرض عنها فيكتمها، فيأبى أن يَشهد عليه، يقول: أكتم عنه لأنه مسكين أرحَمُه! فيقول: لا أقيم الشهادة عليه. ويقول: هذا غنيٌّ أبقّيه وأرجو ما قِبَله، فلا أشهد عليه! "(5).
قال الطبري: وأما إعراضه عن الشهادة، فإنه تركه أداءَها والقيام بها، فلا يشهد بها" (6).
قوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 135]، أي:" فإن الله تعالى كان عليمًا بدقائق أعمالكم، وسيجازيكم بها"(7).
قال سعيد بن جبير: " يعني: من كتمان الشهادة وإقامتها خبيرا"(8).
قال الطبري: " وهذه الآية عندي تأديبٌ من الله جل ثناؤه عبادَه المؤمنين أن يفعلوا ما فعله الذين عذَروا بني أبيرق في سرقتهم ما سرقوا، وخيانتهم ما خانوا ممن ذكرنا قبل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهادتهم لهم عنده بالصلاح"(9).
الفوائد:
1 -
وجوب العدل في القضاء والشهادة.
2 -
حرمة شهادة الزور وحرمة التخلي عن الشهادة لمن تعينت عليه، كما ثبت في الصحيحين عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر» ثلاثا، قلنا: بلى، يا رسول الله، قال: «الشرك بالله، وعقوق الوالدين». وكان متكئا فجلس، فقال: «ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور [ألا وقول الزور وشهادة الزور]». فما زال يكررها، حتى قلنا: ليته سكت"(10).
3 -
ومن أسماءه سبحانه «الخبير» : أي: العالم بما كان وما يكون.
قال الخطابي: " هو العالم بكنه الشيء، المطلع على حقيقته"(11).
جاء في حديث عائشة رضي الله عنها؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها في قصة تتبعها له إلى البقيع: "ما لك يا عائش حشيا رابية؟ ". قالت: قلت: لا شيء. قال: "لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير"(12).
قال أبو هلال العسكري: " الفرق بين العلم والخبر: أن الخبر هو العلم بكنه المعلومات على حقائقها؛ ففيه معنى زائد على العلم"(13).
القرآن
التفسير:
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه داوموا على ما أنتم عليه من التصديق الجازم بالله تعالى وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ومن طاعتهما، وبالقرآن الذي نزله عليه، وبجميع الكتب التي أنزلها الله على الرسل. ومن يكفر بالله تعالى، وملائكته المكرمين، وكتبه التي أنزلها لهداية خلقه، ورسله الذين اصطفاهم لتبليغ رسالته، واليوم الآخر الذي يقوم الناس فيه بعد موتهم للعرض والحساب، فقد خرج من الدين، وبَعُدَ بعدًا كبيرًا عن طريق الحق.
سبب النزول:
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "أن عبد الله بن سلام، وأسداً وأسيداً ابني كعب، وثعلبة بن قيس، وسلاماً ابن أخت عبد الله بن سلام، وسلمة ابن أخيه، ويامين بن يامين، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله! إنا نؤمن بك وبكتابك وموسى والتوراة وعزيز، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل آمنوا بالله ورسوله محمد، وكتابه القرآن، وبكل كتاب كان قبله»، فقالوا: لا نفعل؛ فنزلت: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ}. قال: فآمنوا كلهم "(14). [موضوع].
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [النساء: 136]، أي:" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه"(15).
قال الزمخشري: "خطاب للمسلمين"(16).
قال سعيد بن جبير: "قوله: {آمنوا بالله}، يعني: بتوحيد الله"(17).
قال ابن عثيمين: "إن تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان"(18).
قال ابن مسعود رضي الله عنه: "إذا سمعت الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه"(19).
قال خيثمة: "ما تقرأون في القرآن: {يا أيها الذين آمنوا}، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين"(20).
قوله تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [النساء: 136]، أي:" داوموا على ما أنتم عليه من التصديق الجازم بالله تعالى وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ومن طاعتهما"(21).
قال الماتريدي: {وَرَسُولِهِ} " يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم"(22).
قال الطبري: " يقول: صدّقوا بالله وبمحمد رسوله، أنه لله رسولٌ، مرسل إليكم وإلى سائر الأمم قبلكم"(23).
قال الزمخشري: " معنى: {آمنوا}، اثبتوا على الإيمان وداوموا عليه وازدادوه"(24).
قوله تعالى: {وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ} [النساء: 136]، أي:" وبالقرآن الذي نزله علي رسوله"(25).
قال الثعلبي: " يعني: القرآن"(26).
(1) أخرجه الطبري (10694): ص 9/ 309.
(2)
أخرجه ابن ابي حاتم (6102): ص 4/ 1090.
(3)
انظر: تفسير الطبري (10693): ص 9/ 309، وتفسير ابن ابي حاتم (6102): ص 4/ 1090.
(4)
اخرجه الطبري (10690): ص 9/ 308، وانظر: تفسير ابن ابي حاتم: 4/ 1090. [ذكره دون السند].
(5)
أخرجه الطبري (10691): ص 9/ 308.
(6)
تفسير الطبري: 9/ 310.
(7)
التفسير الميسر: 100.
(8)
أخجه ابنأبي حاتم (6103): ص 4/ 1090.
(9)
تفسير الطبري: 9/ 302 - 303.
(10)
صحيح البخاري برقم (2654) وصحيح مسلم برقم (87).
(11)
شأن الدعاء: 63.
(12)
رواه مسلم (974).
(13)
الفروق: 152.
(14)
ذكره السمرقندي في تفسيره بحر العلوم: 1/ 347، وأخرجه الثعلبي في "تفسيره": 3/ 401، من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وذكره البغوي في تفسيره: 2/ 299، والسيوطي في الدر المنثور: 2/ 716، وذكره الواحدي في أسباب النزول: 186، معلقاً عن الكلبي ولم يسنده إلى ابن عباس، وذكره الزمخشري في الكشاف: 1/ 576، ولم يسنده إلى أحد.
وقال الحافظ في «تخريج الكشاف» (1/ 365): ذكره الثعلبي من رواية الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس وذكره الواحدي في «الأسباب» عن الكلبي بدون إسناد اهـ.
قلنا: وهذا إسناد ساقط، الكلبي متروك كذاب.
(15)
التفسير الميسر: 100.
(16)
الكشاف: 1/ 575.
(17)
أخرجه ابن ابي حاتم (6104): ص 4/ 1090.
(18)
انظر: تفسير ابن عثيمين: 1/ 337.
(19)
أخرجه ابن أبي حاتم (1037): ص 1/ 196، و (5027): ص 3/ 902
(20)
أخرجه ابن أبي حاتم (5026): ص 3/ 902.
(21)
التفسير الميسر: 100.
(22)
تفسير الماتريدي: 3/ 387.
(23)
تفسير الطبري: 9/ 312.
(24)
الكشاف: 1/ 575.
(25)
التفسير الميسر: 100.
(26)
الكشف والبيان: 3/ 401.
قال الماتريدي: "أي: آمنوا بالكتاب الذي نزل على رسوله، وهو محمد صلى الله عليه وسلم"(1).
قال الطبري: أي: "وصدّقوا بما جاءكم به محمد من الكتاب الذي نزله الله عليه، وذلك القرآن"(2).
قوله تعالى: {وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ} [النساء: 136]، أي:"وبجميع الكتب التي أنزلها الله على الرسل"(3).
قال الزمخشري: " المراد به جنس ما أنزل على الأنبياء قبله من الكتب، والدليل عليه قوله: {وَكُتُبِهِ} "(4).
قال الثعلبي: " يعني: الكتب المتقدمة التوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب المتقدمة"(5).
قال الطبري: أي: " وآمنوا بالكتاب الذي أنزل الله من قبل الكتاب الذي نزله على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو التوراة والإنجيل"(6).
قال الماتريدي: " أي: آمنوا -أيضا- بالكتب السماوية التي أنزلها الله، تعالى، ثم الإيمان بالله حقيقة - إيمان بجميع الرسل والكتب؛ لأن كل نبي كان يدعو إلى الإيمان بجميع ذلك، وكذلك في كل كتاب من الكتب السماوية دعاء إلى الإيمان بجملتهم؛ ألا ترى أن الكفر بواحد منهم - كفر بالله وبجميع الرسل والكتب وما ذكر، وبالله العصمة"(7).
وقرئ: «وكتابه» ، على إرادة الجنس (8).
وإن قلت: لم قيل {نزل على رسوله} و {أنزل من قبل} ؟
الجواب: "لأن القرآن نزل مفرقا منجما في عشرين سنة، بخلاف الكتب قبله، ومعنى قوله ومن يكفر بالله الآية: ومن يكفر بشيء من ذلك فقد ضل لأن الكفر ببعضه كفر بكله. ألا ترى كيف قدم الأمر بالإيمان به جميعا"(9).
فإن قال قائل: "وما وجه دعاء هؤلاء إلى الإيمان بالله ورسوله وكتبه، وقد سماهم:«مؤمنين» ؟
قيل: إنه جل ثناؤه لم يسمِّهم"مؤمنين"، وإنما وصفهم بأنهم {آمنوا} ، وذلك وصف لهم بخصوصٍ من التصديق. وذلك أنهم كانوا صنفين: أهل توراة مصدّقين بها وبمن جاء بها، وهم مكذبون بالإنجيل والقرآن وعيسى ومحمد صلوات الله عليهما، وصنف أهل إنجيل، وهم مصدّقون به وبالتوراة وسائر الكتب، مكذِّبون بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان، فقال جل ثناؤه لهم:{يا أيها الذين آمنوا} ، يعني: بما هم به مؤمنون من الكتب والرسل" (10).
وفي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ} [النساء: 136]، وجوه من التفسير:
أحدها: أن المعنى: يا أيها الذين آمنوا أقيموا على الايمان باللَّهِ، كما قال عز وجل: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: 29]، أي: وَعَدَ مَنْ أقام على الِإيمان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين ذكروا في هذه القصة مغفرة وأجراً عظيماً. وهذا قول ابي العالية (11)، ونسبه الثعلبي إلى جيع المفسرين (12).
(1) تفسير الماتريدي: 3/ 387.
(2)
تفسير الطبري: 9/ 312.
(3)
التفسير الميسر: 100.
(4)
الكشاف: 1/ 575.
(5)
الكشف والبيان: 3/ 401.
(6)
تفسير الطبري: 9/ 312.
(7)
تفسير الماتريدي: 3/ 387.
(8)
انظر: الكشاف: 1/ 575.
(9)
الكشاف: 1/ 576.
(10)
تفسير الطبري: 9/ 312 - 313.
(11)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 401، وذكره الزجاج دون نسبته لاحد، انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 119.
(12)
انظر: الكشف والبيان: 3/ 401، يقول:" وقال أبو العالية وجمع من المفسرين: هذه الآية خطاب للمؤمنين وتأويله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا أي أقيموا واثبتوا على الإيمان، وكقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19]، أي: اثبت على ما أنت عليه وكقوله وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ، ومعناه: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا على الإيمان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين هم في هذه القصة مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً، ويقال في الكلام للقائم: قم، وللقاعد: أقعد، والمراد منه الاستدامة".
والثاني: أنه يُعْنَى بهذ! المنافقون الذين أظهروا التصديق وأسروا التكذيب، فقيل: يا أيها الذين أظْهَرُوا الإيمان آمِنُوا باللَّه ورسوله أي أبطنوا مثل ما أظهرتم. أفاده الزجاج (1).
والثالث: معناه: يا أيها الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، آمنوا به إذا بعث؛ لأنهم كانوا يؤمنون به قبل أن يبعث، فلما بعث تركوا الإيمان به؛ كقوله - تعالى -:{وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} [البقرة: 89]. أفاده الماتريدي (2).
والرابع: قال الضحاك: "هي في اليهود والنصارى، ومعنى الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بموسى والتوراة وعيسى والإنجيل آمَنُوا بمحمد والقرآن"(3).
والخامس: وقيل: "إنه ورد في اليهود خاصة، والمعنى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا في وجه النهار آمَنُوا في آخر النهار، وذلك قوله تعالى: {وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ} [آل عمران: 72]، الآية"(4).
والسادس: أن المراد منه الكفار، يعني: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا باللات والعزى والطاغوت آمِنُوا بِاللَّهِ، ومعناه: إن كان لا بد للإيمان يعني فالإيمان بالله تعالى ورسله والكتب أحق وأولى من الإيمان بما لا يضر ولا ينفع ولا ينفق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت. ذكره الثعلبي عن طائفة (5).
قال الزجاج: " والتأويل الأول أشبه"(6).
قرأ نافع وعاصم عن حمزة والكسائي: {والكتاب الذي نزل} ، بنصب النون والزاي، {والكتاب الذي أنزل} ، بنصب الألف. وقرأ الباقون {نزل} ، بضم النون وكسر الزاي، {ونزل} ، و {أنزل} ، بضم الألف على معنى فعل ما لم يسم فاعله (7).
قوله تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 136]، أي:" ومن يكفر بالله تعالى، وملائكته المكرمين، وكتبه التي أنزلها لهداية خلقه، ورسله الذين اصطفاهم لتبليغ رسالته، واليوم الآخر الذي يقوم الناس فيه بعد موتهم للعرض والحساب"(8).
قال السمرقندي: " أي من يجحد بوحدانية الله تعالى وملائكته أنهم عبيده، وبرسله أنهم أنبياؤه وعبيده، وبالبعث بعد الموت"(9).
قال سعيد بن جبير: " {واليوم الآخر}، يعني: بالغيب الذي فيه جزاء الأعمال"(10).
ويحتمل قوله تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 136]، وجهين (11):
أحدهما: معناه: ومن يكفر بجميع ما ذكر، وهو على التأكيد.
والثاني: ويحتمل: ومن يكفر بالله أو ملائكته أو كتبه أو رسله أو اليوم الآخر؛ فقد كان ما ذكر؛ لأن الكفر بواحد من ذلك كفر بالكل، حتى لو أنكر آية من آيات الله - تعالى - كفر بالله، وبالكتب وبالرسل كلها.
قوله تعالى: {فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136]، أي:" فقد خرج من الدين، وبَعُدَ بعدًا كبيرًا عن طريق الحق"(12).
قال الثعلبي: " يعني: خطأ خطأ بعيدا"(13).
قال السمرقندي: أي: " فقد ضل عن الهدى ضلالا بعيدا عن الحق"(14).
(1) انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 119.
(2)
تفسير الماتريدي: 3/ 387.
(3)
تفسير الثعلبي: 3/ 401.
(4)
تفسير الثعلبي: 3/ 401.
(5)
انظر: الكشف والبيان: 3/ 402.
(6)
معاني القرآن: 2/ 119.
(7)
انظر: بحر العلوم، السمرقندي: 1/ 347.
(8)
التفسير الميسر: 100.
(9)
تفسير السمرقندي: 1/ 347.
(10)
أخرجه ابن ابي حاتم (6108): ص 4/ 1090.
(11)
انظر: تفسير الماتريدي: 3/ 387.
(12)
التفسير الميسر: 100.
(13)
الكشف والبيان: 3/ 401.
(14)
تفسير السمرقندي: 1/ 347.
قال مقاتل بن حيان: " {فقد ضل}، يقول: فقد أخطأ"(1).
قال البغوي: " فلما نزلت هذه الآية قالوا: فإنا نؤمن بالله ورسوله والقرآن وبكل رسول وكتاب كان قبل القرآن، والملائكة واليوم الآخر لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون"(2).
الفوائد:
1 -
وجوب الاستمرار على الإيمان وتقويته حتى الموت عليه.
2 -
بيان أركان الإيمان وهي الإيمان بالله، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقضاء والقدر، جاء ذكره في قوله تعالى من سورة القمر:{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49].
القرآن
التفسير:
إن الذين دخلوا في الإيمان، ثم رجعوا عنه إلى الكفر، ثم عادوا إلى الإيمان، ثم رجعوا إلى الكفر مرة أخرى، ثم أصرُّوا على كفرهم واستمروا عليه، لم يكن الله ليغفر لهم، ولا ليدلهم على طريق من طرق الهداية، التي ينجون بها من سوء العاقبة.
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا} [النساء: 137]، أي:" إن الذين دخلوا في الإيمان، ثم رجعوا عنه إلى الكفر، ثم عادوا إلى الإيمان، ثم رجعوا إلى الكفر مرة أخرى، ثم أصرُّوا على كفرهم واستمروا عليه "(3).
قال الزمخشري: " نفى للغفران والهداية، وهي اللطف على سبيل المبالغة التي يعطيها اللام، والمراد بنفيهما نفى ما يقتضيهما وهو الإيمان الخالص الثابت. والمعنى: إن الذين تكرر منهم الارتداد وعهد منهم ازدياد الكفر والإصرار عليه"(4).
وفي تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا} [النساء: 137]، أقوال:
أحدها: أنهم آمنوا بموسى ثم كفروا بعبادة العجل، ثم آمنوا بموسى بعد عوده ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليهم وسلم، وهذا قول قتادة (5).
والثاني: أنهم المنافقون آمنوا ثم ارتدوا، ثم آمنوا ثم ارتدوا، ثم ماتوا على كفرهم، وهذا قول مجاهد (6)، وابن زيد (7).
والثالث: أنهم قوم من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المؤمنين فكانوا يظهرون الإيمان ثم الكفر ثم ازدادوا كفراً بثبوتهم عليه، وهذا قول الحسن (8).
والرابع: أنهم أهل الكتابين، التوراة والإنجيل، أتوا ذنوبا في كفرهم فتابوا، فلم تقبل منهم التوبة فيها، مع إقامتهم على كفرهم. وهذا قول أبي العالية (9).
والراجح-والله أعلم- أنه عنى بذلك أهل الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة، ثم كذبوا بخلافهم إياه، ثم أقرّ من أقرَّ منهم بعيسى والإنجيل، ثم كذب به بخلافه إياه، ثم كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان فازداد بتكذيبه به كفرا على كفره، لأن الآية قبلها في قصص أهل الكتابين أعني قوله:{يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله} ، ولا دلالة تدلُّ على أن قوله:{إن الذين آمنوا ثم كفروا} ، منقطع معناه من معنى ما قبله، فإلحاقه بما قبله أولى، حتى تأتي دلالة دالَّة على انقطاعه منه" (10).
(1) أخرجه ابن ابي حاتم (6109): ص 4/ 1091.
(2)
تفسير البغوي: 2/ 299.
(3)
التفسير الميسر: 100.
(4)
الكشاف: 1/ 577.
(5)
انظر: تفسير الطبري (10697)، و (10698): ص 9/ 315 ..
(6)
انظر: تفسير الطبري (10699) - (10701): ص 9/ 315 - 316.
(7)
انظر: تفسير الطبري (10702): ص 9/ 316.
(8)
انظر: النكت والعيون: 1/ 537.
(9)
انظر: تفسير الطبري (10703): ص 9/ 316.
(10)
تفسير الطبري: 9/ 316 - 317.
واختلف لمكان هذه الآية في استتابة المرتد على قولين:
أحدهما: أن المرتد يستتاب ثلاث مرات بدلالة الآية، فإن ارتد بعد الثلاث قتل من غير استتابة، وهذا قول علي (1)، وابن عمر (2).
والثاني: يستتاب كلما ارتد، وهذا قول إبراهيم (3)، وهو قول الشافعي (4)، والجمهور (5).
قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} [النساء: 137]، أي:" أي لم يكن الله ليسامحهم على ذلك"(6).
قال الحسن: "يعني: من مات منهم على كفره"(7).
قال الطبري: أي: " لم يكن الله ليسترَ عليهم كفرهم وذنوبهم، بعفوه عن العقوبة لهم عليه، ولكنه يفضحهم على رؤوس الأشهاد"(8).
قال الزمخشري: أي: " يستبعد منهم أن يحدثوا ما يستحقون به المغفرة ويستوجبون اللطف، من إيمان صحيح ثابت يرضاه الله، لأن قلوب أولئك الذين هذا ديدنهم قلوب قد ضربت بالكفر ومرنت على الردة، وكان الإيمان أهون شيء عندهم وأدونه، حيث يبدو لهم فيه كرة بعد أخرى وليس المعنى أنهم لو أخلصوا الإيمان بعد تكرار الردة ونصحت توبتهم لم يقبل منهم ولم يغفر لهم، لأن ذلك مقبول حيث هو بذل للطاقة واستفراغ للوسع، ولكنه استبعاد له واستغراب، وأنه أمر لا يكاد يكون، وهكذا ترى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع، لا يكاد يرجى منه الثبات. والغالب أنه يموت على شر حال وأسمج صورة"(9).
قال أبو السعود: " لما أنه يستبعد منهم أن يتوبوا عن الكفر ويثبتوا على الإيمان فإن قلوبهم قد ضربت بالكفر وتمرنت على الردة وكان الإيمان عندهم أهون شئ وأدونه لاانهم لو أخلصوا الإيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم"(10).
قال الزجاج: " فإن قال قائل: اللَّه جلَّ وعزَّ لا يغفر كُفْر مرةٍ واحدةٍ فلم قيل ههنا فيمن
آمن ثُمَّ كفر ثُمَّ آمن ثُمَّ كفر: (لم يكن اللَّه ليغفر لهم) وما الفائدة في هذا؟
فالجواب في هذا - واللَّه أعلم - أن اللَّه عز وجل يغفر للكافر إِذا آمن بعد كفره، فإن كفر بعد إيمانه لم يغفر اللَّه له الكفر الأول، لأن اللَّه -جلَّ وعزَّ- يقبل التوبة، فإِذا كفر بعد إيمان قبله كفْر فهو مطالب بجميع كفره، ولا يجوز أن يكون إذا آمن بعد ذلك لا يغفر له، لأن اللَّه جل ثناؤُه يغفر لكل مؤمن بعد كفره، والدليل على ذلك قوله جلَّ وعزَّ:{وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} (11)، وهذا في القرآن كثير، وهو شبيه بالِإجماع أيضاً" (12).
قوله تعالى: {وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} [النساء: 137]، أي:" ولا ليدلهم على طريق من طرق الهداية، التي ينجون بها من سوء العاقبة"(13).
قال مقاتل: " ولا ليهديهم طريق هدى، وقد كفروا بكتب الله"(14).
قال مقاتل: " إلى الهدى، منهم عمرو بن زيد وأوس بن قيس، وقيس بن زيد"(15).
قال الزجاج: " أي: لا يجعلهم بكفرهم مهتدين بل يضلهم، لأنه جلَّ وعزَّ يضل
الفاسقين" (16).
قال الطبري: " يقول: ولم يكن ليسدِّدهم لإصابة طريق الحق فيوفقهم لها، ولكنه يخذلهم عنها، عقوبة لهم على عظيم جُرمهم، وجرأتهم على ربهم"(17).
قال ابن ابي زمنين: " أي: سبيل هدى؛ يعني: الأحياء، وأراد بهذا عامتهم، وقد تسلم الخاصة منهم"(18).
قال البغوي: " أي: طريقا إلى الحق"(19).
قال المراغي: " أي: إن هؤلاء قد استبان من ذبذبتهم واضطراب أحوالهم من إيمان إلى كفر، ثم من كفر إلى إيمان وهكذا دواليك- أنهم قد فقدوا الاستعداد لفهم حقيقة الإيمان وفقه مزاياه وفضائله ومثلهم لا يرجى لهم- بحسب سنن الله فى خليقته- أن يهتدوا إلى الخير ولا أن يسترشدوا إلى نافع ولا أن يسلكوا سبيل الله، فجدير بهم أن يمنع الله عنهم رحمته ورضوانه، ومغفرته وإحسانه، لأن أرواحهم قد دنست، وقلوبهم قد عميت، فلم تكن محلا للمغفرة ولا للرجاء فى ثواب، ولا شك أن المغفرة وهى محو أثر الذنب من النفس إنما تكون بتأثير التوبة والعمل الصالح الذي يزيل ما علق فى النفس من تلك الآثام كما قال تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] "(20).
الفوائد:
1 -
أن الكفر من أعظم مانع يمنع من حصول المغفرة، ولما تكرر منه الكفر بعد الإيمان فاهتدى ثم ضل، وأبصر ثم عمي، وآمن ثم كفر واستمر على كفره وازداد منه، فإنه بعيد من التوفيق والهداية لأقوم الطريق، وبعيد من المغفرة (21).
2 -
أن مثل هذا التذبذب والاضطراب في الأحوال من الإيمان إلى الكفر، ثم من الكفر إلى الإيمان وهكذا دواليك، أدى إلى فقدان الاستعداد لفهم حقيقة الإيمان وفقه مزاياه وفضائله، ومثلهم لا يرجى لهم- بحسب سنن الله فى خليقته- أن يهتدوا إلى الخير ولا أن يسترشدوا إلى نافع ولا أن يسلكوا سبيل الله، فجدير بهم أن يمنع الله عنهم رحمته ورضوانه، ومغفرته وإحسانه، لأن أرواحهم قد دنست، وقلوبهم قد عميت، فلم تكن محلا للمغفرة ولا للرجاء فى ثواب (22).
3 -
دلت الآية: أنهم إن لم يزدادوا كفرا بل رجعوا إلى الإيمان، وتركوا ما هم عليه من الكفران، فإن الله يغفر لهم، ولو تكررت منهم الردة (23).
قال السعدي: "وإذا كان هذا الحكم في الكفر فغيره من المعاصي التي دونه من باب أولى أن العبد لو تكررت منه ثم عاد إلى التوبة، عاد الله له بالمغفرة"(24).
القرآن
{بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138)} [النساء: 138]
التفسير:
بشّر -أيها الرسول- المنافقين -وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر- بأن لهم عذابًا موجعًا.
سبب النزول:
قال مقاتل: " ولما نزلت المغفرة للنبي- صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين فى سورة الفتح قال عبد الله بن أبي ونفر معه، فما لنا؟ فأنزل الله- عز وجل: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ}، يعني: عبد الله بن أبي، ومالك بن دخشم، وجد بن قيس"(25).
قوله تعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ} [النساء: 138]، أي:" أخبر-أيها الرسول- المنافقين -وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر"(26).
(1) انظر: تفسير الطبري (10704)، و (10705): ص 9/ 317، وتفسير ابن أبي حاتم (6110): ص 4/ 1091.
(2)
انظر: تفسير الطبري (10706): ص 9/ 317.
(3)
انظر: تفسير الطبري (10707): ص 9/ 318.
(4)
انظر: النكت والعيون: 1/ 537.
(5)
انظر: النكت والعيون: 1/ 537.
(6)
صفوة التفاسير: 286.
(7)
تفسير ابن ابي زمنين: 1/ 414.
(8)
تفسير الطبري: 9/ 317.
(9)
الكشاف: 1/ 577.
(10)
تفسير ابي السعود: 2/ 243.
(11)
[سورة الشورى: 25].
(12)
معاني القرآن: 2/ 120.
(13)
التفسير الميسر: 100.
(14)
أخرجه ابن ابي حاتم (6119): ص 4/ 1092.
(15)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 415.
(16)
معاني القرآن: 2/ 120.
(17)
تفسير الطبري: 9/ 317.
(18)
تفسير ابن ابي زمنين: 1/ 414.
(19)
تفسير البغوي: 2/ 300.
(20)
تفسير المراغي: 5/ 182.
(21)
انظر: تفسير السعدي: 209.
(22)
انظر: تفسير المراغي: 5/ 182.
(23)
انظر: تفسير السعدي: 209.
(24)
تفسير السعدي: 209.
(25)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 415.
(26)
انظر: تفسير الطبري: 9/ 318، والتفسير الميسر:100.
قال ابن كثير: " يعنى أن المنافقين من هذه الصفة فإنهم آمنوا ثم كفروا، فطبع على قلوبهم"(1).
قال الزمخشري: " وضع {بشر} مكان: أخبر، تهكما بهم"(2).
قال الزجاج: " قال: {بشّر} ، أي: اجعل في مكان بشارتهم {لَهُمْ العَذَابُ} ، العرب تقول: تَحيتكَ الضرْبُ، وعتابك السيف، أي لك - بدلًأ من
التحية. . . هذا، قال الشاعر (3):
وَخَيْلٍ قدْ دَلَفْتٌ لَها بِخَيْلٍ
…
تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعٌ" (4).
قوله: دَلَفْتُ، أي: قَصَدْتُ، فجعل التحية ضربا (5).
قال الماتريدي: " البشارة المطلقة المرسلة لا تكون إلا بالخير خاصة، وأما إذا كانت مقيدة مفسرة فإنها تجوز في الشر؛ كقوله - تعالى -: {بشر المنافقين بأن لهم} كذا، وكذلك قوله - تعالى -: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21، التوبة: 34، الانشقاق: 24]، وفي القرآن كثير، ما ذكرها في الشر إلا مفسرة مقيدة"(6).
قوله تعالى: {بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 138]، أي:" بأن لهم عذابًا موجعًا"(7).
قال الطبري: " وذلك عذاب جهنم"(8).
قال مقاتل: " يعني: وجيعا"(9).
قال الزجاج: " معنى «أليم»: موجع"(10).
قال ابو العالية: "الأليم الموجع في القرآن كله"(11). قال ابن ابي حاتم: " وكذلك فسره ابن عباس، وسعيد بن جبير، والضحاك بن مزاحم، وقتادة، وأبو مالك، وأبو عمران الجوفي، ومقاتل بن حيان"(12).
وكذلك فسره ابن عباس، وسعيد بن جبير، والضحاك بن مزاحم، وقتادة، وأبو مالك، وأبو عمران الجوفي، ومقاتل بن حيان.
قال الطبري: " يعني: بأن لهم يوم القيامة من الله على نفاقهم {عذابًا أليمًا}، وهو المُوجع، وذلك عذاب جهنم"(13).
الفوائد:
1 -
أن الآية تبشر الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، بأقبح بشارة وأسوئها، وهو العذاب الأليم.
2 -
أن سبب بشارة المنافقين بالعذاب الموجع، هو محبتهم الكفار وموالاتهم ونصرتهم، وتركهم لموالاة المؤمنين.
3 -
ومن الفوائد: أن النفاق يكون على قسمين (14):
أحدهما: النفاق العملي (نفاق الاصغر)، وهو من كبائر الذنوب، فمن صوره كما هو مذكور في حديث الرسول-صلى الله عليه وسلم:«علامة المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان» (15).
والثاني: النفاق الاعتقادي (نفاق الاكبر): وهو أن يبطن الشخص الكفر في قلبه ويظهر الإسلام.
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 434.
(2)
الكشاف: 1/ 577.
(3)
البيت لعمرو بن معد يكرب الزبيدي، كما في: شعره 149، وقد ورد منسوبًا له في: نوادر أبي زيد: 150، و"العمدة" لابن رشيق 2/ 1056، و"الممتع في صنعة الشعر" 159، وأوردته المصادر التالية غير منسوب:"كتاب سيبويه" 2/ 232، و"المقتضب" 2/ 20، 4/ 413، و"الخصائص" 1/ 368، و"مفردات ألفاظ القرآن" 126، 835، و"المحرر الوجيز" 3/ 375، و"شرح المفصل" 2/ 80، و"التصريح" 1/ 353، و"خزانة الأدب" 9/ 257، 263؛ حيث ذكر نسبته للشاعر ولم يجزم بذلك.
أراد الشاعرُ بـ (الخيل) الأولى: خيل الأعداء، وبالثانية: خيلَه. والخيل -هنا-، يعني بها: الفُرسان. و (دَلَفْتُ): دَنَوْتُ وزَخفْتُ؛ يقال: (دَلَفَ الشيخ): إذا مَشى مَشْيًا لَيِّنًا. انظر: "خزانة الأدب" 9/ 264.
(4)
معاني القرآن: 2/ 120.
(5)
انظر: معاني القرآن للأخفش: 1/ 134.
(6)
تفسير الماتريدي: 3/ 390.
(7)
التفسير الميسر: 100.
(8)
تفسير الطبري: 9/ 318.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 415.
(10)
معاني القرآن: 2/ 120.
(11)
أخرجه ابن ابي حاتم (6120): ص 4/ 1092.
(12)
تفسير ابن ابي حاتم 4/ 1092.
(13)
تفسير الطبري: 9/ 318.
(14)
انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 11/ 140 - 145.
(15)
صحيح البخاري: كتاب الإيمان، حديث رقم 33 وصحيح مسلم: كتاب الإيمان، حديث رقم 124.
القرآن
التفسير:
الذين يوالون الكافرين، ويتخذونهم أعوانًا لهم، ويتركون ولاية المؤمنين، ولا يرغبون في مودتهم. أيطلبون بذلك النصرة والمنعة عند الكافرين؟ إنهم لا يملكون ذلك، فالنصرة والعزة والقوة جميعها لله تعالى وحده.
قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 139]، أي:" الذين يوالون الكافرين، ويتخذونهم أعوانًا لهم، ويتركون ولاية المؤمنين، ولا يرغبون في مودتهم"(1).
قال مقاتل: " وذلك أن المنافقين قالوا لا يتم أمر محمد، فتابعوا اليهود وتولوهم"(2).
قال الزمخشري: "هم الذين كانوا يمايلون الكفرة ويوالونهم ويقول بعضهم لبعض: لا يتم أمر محمد فتولوا اليهود"(3).
قال ابن كثير: " وصفهم بأنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، بمعنى أنهم معهم في الحقيقة، يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم: إنما نحن معكم، إنما نحن مستهزئون. أي بالمؤمنين في إظهارنا لهم الموافقة"(4).
قال ابن عباس: " نهى الله تعالى المؤمنين أن يلاطفوا الكفار فيتخذوهم وليجة من دون المؤمنين، إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين فيظهرون لهم ويخالفونهم في الدين"(5).
عن السدي قوله: " {أولياء من دون المؤمنين}، أما أولياء، فنواليهم في دينهم ونظهرهم على عورة المؤمنين"(6).
قال ابن عطية: " نصّ تعالى في صفة المنافقين على أشدها ضررا على المؤمنين، وهي موالاتهم الكفار واطراحهم المؤمنين، ونبه على فساد ذلك ليدعه من عسى أن يقع في نوع منه من المؤمنين غفلة أو جهالة أو مسامحة"(7).
قوله تعالى: {أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ} [النساء: 139]، أي:" أيطلبون بذلك النصرة والمنعة عند الكافرين؟ "(8).
قال مقاتل: " يعني المنعة، وذلك أن اليهود أعانوا مشركي العرب على قتال النبي- صلى الله عليه وسلم ليتعززوا بذلك فقال- سبحانه- {أيبتغون عندهم العزة}، يقول: أيبتغي المنافقون عند اليهود المنعة"(9).
قال الزجاج: " أي: أيبْتَغِي المنافقون عند الكافرين العزة"(10).
قوله تعالى: {فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [النساء: 139]، أي:" فالنصرة والعزة والقوة جميعها لله تعالى وحده"(11).
قال الزمخشري: " يريد لأوليائه الذين كتب لهم العز والغلبة على اليهود وغيرهم"(12).
قال مقاتل: " يقول: جميع من يتعزز فإنما هو بإذن الله"(13).
(1) التفسير الميسر: 100.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 415.
(3)
الكشاف: 1/ 577.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 435.
(5)
أخرجه ابن ابي حاتم (6121): ص 4/ 1092.
(6)
أخرجه ابن ابي حاتم (6122): ص 4/ 1092.
(7)
المحرر الوجيز: 2/ 125.
(8)
التفسير الميسر: 100.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 415.
(10)
معاني القرآن: 2/ 120.
(11)
التفسير الميسر: 100.
(12)
الكشاف: 1/ 577.
(13)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 415.
قال الطبري: " يقول: فإن الذين اتخذوهم من الكافرين أولياء ابتغاءَ العزة عندهم، هم الأذلاء الأقِلاء، فهلا اتخذوا الأولياء من المؤمنين، فيلتمسوا العزَّة والمنعة والنصرة من عند الله الذي له العزة والمنعة، الذي يُعِزّ من يشاء ويذل من يشاء، فيعزُّهم ويمنعهم؟ "(1).
قال ابن كثير: " أخبر تعالى بأن العزة كلها لله وحده لا شريك له، ولمن جعلها له. كما قال في الآية الأخرى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر: 10]، وقال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8]، والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جناب الله، والالتجاء إلى عبوديته، والانتظام في جملة عباده المؤمنين الذين لهم النصرة في هذه الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد"(2).
قال ابن عطية: " وقف تعالى على جهة التوبيخ على مقصدهم في ذلك، أهو طلب العزة والاستكثار بهم أي ليس الأمر كذلك بل العزة كلها لله يؤتيها من يشاء، وقد وعد بها المؤمنين، وجعل العاقبة للمتقين"(3).
عن أبي ريحانه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من انتسب إلى تسعة آباء كفار، يريد بهم عزًّا وفخرًا، فهو عاشرهم في النار"(4).
وأصل «العزة» : الشدة. ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة: عَزَاز، وقيل: قد استُعِزَّ على المريض: إذا اشتدَّ مرضه وكاد يُشفى. ويقال: تعزز اللحمُ، إذا اشتد. ومنه قيل: عزّ عليّ أن يكون كذا وكذا، بمعنى: اشتد عليَّ (5)، فتأويل «العزة»: الغَلَبَةُ والشَدة التي لا يتعلق بها إِذلال، قالت الخنساءَ:
كأن لم يكونوا حمىً يُتَقَى
…
إِذ الناسُ إِذ ذاك من عزٍّ بزَّا (6)
أي: من قوى وغلب سلب.
ويقال: قد استعِز على المريض إذا اشتد وجَعَه، وكذلك قول الناس: يَعِزُّ علي أن تَفْعل، أي يشتد، فأما قولهم قد عَزَّ الشيء إِذا لم يوجد فتأويله قد اشتد وجوده أي صعب أن يُوجَدَ، والمآب، واحدٌ (7).
الفوائد:
1 -
حرمة اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين.
2 -
الباعث للناس على اتخاذ الكافرين أولياء هو الرغبة في العزة ورفع المذلة وهذا باطل، فالعزة لله ولا تطلب إلا منه تعالى بالإيمان واتباع منهجه.
القرآن
التفسير:
وقد نزل عليكم -أيها المؤمنون- في كتاب ربكم أنه إذا سمعتم الكفر بآيات الله والاستهزاء بها فلا تجلسوا مع الكافرين والمستهزئين، إلا إذا أخذوا في حديث غير حديث الكفر والاستهزاء بآيات الله. إنكم إذا جالستموهم، وهم على ما هم عليه، فأنتم مثلهم; لأنكم رضيتم بكفرهم واستهزائهم، والراضي بالمعصية كالفاعل لها. إن الله تعالى جامع المنافقين والكافرين في نار جهنم جميعًا، يلْقَون فيها سوء العذاب.
سبب النزول:
قال مقاتل: "كان المنافقون يستهزءون بالقرآن، فأنزل الله- عز وجل بالمدينة: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتاب}، يعنى: فى سورة «الأنعام» بمكة (8)، {أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِه} "(9).
(1) تفسير الطبري: 9/ 319.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 435.
(3)
المحرر الوجيز: 2/ 125.
(4)
أخرجه احمد في المسند (4/ 133) قال الهيثمي في المجمع (8/ 85): "رجال أحمد ثقات".
(5)
انظر: تفسير الطبري: 9/ 319، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 121.
(6)
ديوان الخنساء، ص 59، في «اللسان» البز: السلب، ومنه قولهم في المثل: من عز بز، معناه: من غلب سلب.
(7)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 121.
(8)
يشير للآية: 68 من سورة الأنعام، وهي:{وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} .
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 415.
قوله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} [النساء: 140]، أي:" وقد نزل عليكم -أيها المؤمنون- في كتاب ربكم"(1).
عن مقاتل بن حيان، قوله:" {وقد نزل عليكم في الكتاب}، قال: في سورة الأنعام بمكة"(2).
وكلهم قرأ: {وقد نزل عليكم} مضمومة النون، غير عاصم فإنه قرأ:{وقد نزل عليكم} مفتوحة النون مشددة الزاى (3).
قوله تعالى: {أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ} [النساء: 140]، أي:" أنه إذا سمعتم الكفر بآيات الله والاستهزاء بها"(4).
قوله تعالى: {فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [النساء: 140]، أي:"فلا تجلسوا مع الكافرين والمستهزئين، إلا إذا أخذوا في حديث غير حديث الكفر والاستهزاء بآيات الله"(5).
قال الجصاص: " فيه نهي عن مجالسة من يظهر الكفر والاستهزاء بآيات الله"(6).
أنبأ العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي عن أبي وائل، قال:"إن الرجل ليتكلم بالكلمة من الكذب ليضحك بها القوم، فيسخط الله عليه، فذكرت ذلك لإبراهيم، النخعي فقال: صدق، أليس الله تعالى يقول: {إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره} "(7).
ويحتمل {حتى} ، في قوله تعالى:{فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [النساء: 140]، معنيين (8):
أحدهما: أنها تصير غاية لحظر القعود معهم حتى إذا تركوا إظهار الكفر والاستهزاء بآيات الله زال الحظر عن مجالستهم.
والثاني: أنهم كانوا إذا رأوا هؤلاء أظهروا الكفر والاستهزاء بآيات الله، فقال: لا تقعدوا معهم لئلا يظهروا ذلك ويزدادوا كفرا واستهزاء بمجالستكم لهم.
قال الجصاص: "والأول أظهر"(9).
قوله تعالى: {إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} [النساء: 140]، أي:" إنكم إذا جالستموهم، وهم على ما هم عليه، فأنتم مثلهم"(10).
قال مقاتل بن حيان: " إن قعدتم ورضيتم بخوضهم واستهزائهم بالقرآن، فـ {إنكم إذا مثلهم} "(11).
قال الزجاج: " أي إِنكم إِذا جالستموهم على الخوض في كتاب اللَّه بالهزؤ فأنتم
مِثْلُهُمْ" (12).
قال ابن كثير: "أي: إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم، ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويستهزأ وينتقص بها، وأقررتموهم على ذلك، فقد شاركتموهم في الذي هم فيه، فلهذا قال تعالى: {إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ}، أي: في المأثم، كما جاء في الحديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يُدَار عليها الخَمْر" (13).
قال السمرقندي: " يعني: لو جلستم معهم كنتم معهم في الوزر، وفي هذه الآية دليل أن من جلس في مجلس المعصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية أو عملوا بها، فإن لم يقدر بأن ينكر عليهم ينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية"(14).
(1) التفسير الميسر: 100.
(2)
أخرجه ابن ابي حاتم (6123): ص 4/ 1092.
(3)
انظر: السبعة: 239.
(4)
التفسير الميسر: 100.
(5)
التفسير الميسر: 100.
(6)
أحكام القرآن: 2/ 362.
(7)
أخرجه ابن ابي حاتم (6126): ص 9/ 1093.
(8)
انظر: أحكام القرآن للجصاص: 2/ 362.
(9)
أحكام القرآن: 2/ 362.
(10)
التفسير الميسر: 100.
(11)
أخرجه ابن ابي حاتم (6128): ص 4/ 1093.
(12)
معاني القرآن: 2/ 121.
(13)
تفسير ابن كثير: 2/ 435.
(14)
بحر العلوم: 1/ 349.
قال القرطبي: " فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية
…
وإذا ثبت تجنب أصحاب المعاصي، فتجنب أهل البدع والأهواء أولى" (1).
ويحتمل قوله تعالى: {إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} [النساء: 140]، وجهين (2):
أحدهما: في العصيان وإن لم تبلغ معصيتهم منزلة الكفر.
والثاني: أنكم مثلهم في الرضا بحالهم في ظاهر أمركم، والرضا بالكفر والاستهزاء بآيات الله تعالى كفر، ولكن من قعد معهم ساخطا لتلك الحال منهم لم يكفر، وإن كان غير موسع عليه في القعود معهم.
قال البغوي: " أي: إن قعدتم عندهم وهم يخوضون ويستهزئون ورضيتم به فأنتم كفار مثلهم، وإن خاضوا في حديث غيره فلا بأس بالقعود معهم مع الكراهة"(3).
وقال الحسن: "لا يجوز القعود معهم وإن خاضوا في حديث غيره، لقوله تعالى: {وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} "(4).
والأكثرون على القول الأول. وآية الأنعام مكية وهذه مدنية، والمتأخر أولى (5).
عن هشام ابن عروة، "أن عمر بن عبد العزيز أخذ قوما يشربون فضربهم وفيهم رجل صالح فقيل إنه صائم، فتلا: {فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا} "(6).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء: 140]، أي:" إن الله تعالى جامع المنافقين والكافرين في نار جهنم جميعًا"(7).
قال مقاتل بن حيان: " إن الله جامع المنافقين من أهل المدينة والمشركين من أهل مكة، الذين خاضوا واستهزءوا بالقرآن في جهنم جميعا"(8).
قال السمرقندي: " يعني: إذا ماتوا على كفرهم ونفاقهم، فبدأ بالمنافقين لأنهم شر من الكفار، وجعل مأواهم جميعا النار"(9).
قال ابن كثير: " أي: كما أشركوهم في الكفر، كذلك شارك الله بينهم في الخلود في نار جهنم أبدا، وجمع بينهم في دار العقوبة والنكال، والقيود والأغلال. وشراب الحميم والغِسْلين لا الزّلال"(10).
قال الصابوني: " لأن المرء مع من أحب، وهذا الوعيد منه تعالى للتحذير من مخالطتهم ومجالستهم"(11).
عن مقاتل بن حيان قوله: " {أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ}، فنسخت هذه الآية التي في «الأنعام» (12)، فكان هذا الذي أنزل بالمدينة، وخوفهم فقال: إن قعدتم ورضيتم بخوضهم واستهزائهم بالقرآن فـ {إنكم إذا مثلهم} "(13).
وفي رواية الكلبي: "قوله تعالى: {فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}، نسخ بقوله عز وجل: {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 69] "(14).
وقال عامة المفسرين: "إنها محكمة وليست بمنسوخة"(15).
(1).تفسير القرطبي: 5/ 418
(2)
انظر: أحكام القرآن للجصاص: 2/ 362.
(3)
تفسير البغوي: 2/ 301.
(4)
تفسير البغوي: 2/ 301.
(5)
انظر: تفسير البغوي: 2/ 301.
(6)
أخرجه ابن ابي حاتم (6127): ص 4/ 1093.
(7)
التفسير الميسر: 100.
(8)
أخرجه ابن ابي حاتم (6129): ص 4/ 1094.
(9)
بحر العلوم: 1/ 349.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 436.
(11)
صفوة التفاسير: 287.
(12)
(13)
أخرجه ابن ابي حاتم (6125): ص 4/ 1093.
(14)
بحر العلوم: 1/ 349، وانظر: تفسير القرطبي: 5/ 418.
(15)
بحر العلوم: 1/ 349، وانظر: تفسير القرطبي: 5/ 418
وروى جويبر عن الضحاك أنه قال: "دخل في هذه الآية كل محدث في الدين، وكل مبتدع إلى يوم القيامة"(1).
الفوائد:
1 -
حرمة مجالسة أهل الباطل إذا كانوا يخوضون في آيات الله نقداً واستهزاء وسخرية.
2 -
الرضا بالكفر كفر، والرضا بالإثم إثم.
3 -
ومن من فوائد الآية: وجوب إنكار المنكر على فاعله، وأن من إنكاره إظهار الكراهة إذا لم يمكنه إزالته وترك مجالسة فاعله والقيام عنه حتى ينتهي ويصير إلى حال غيرها (2).
القرآن
التفسير:
المنافقون هم الذين ينتظرون ما يحلُّ بكم -أيها المؤمنون- من الفتن والحرب، فإن منَّ الله عليكم بفضله، ونصركم على عدوكم وغنمتم، قالوا لكم: ألم نكن معكم نؤازركم؟ وإن كان للجاحدين لهذا الدين قَدْرٌ من النصر والغنيمة، قالوا لهم: ألم نساعدكم بما قدَّمناه لكم ونَحْمِكُم من المؤمنين؟ فالله تعالى يقضي بينكم وبينهم يوم القيامة، ولن يجعل الله للكافرين طريقًا للغلبة على عباده الصالحين، فالعاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة.
قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} [النساء: 141]، أي:" المنافقون هم الذين ينتظرون ما يحلُّ بكم -أيها المؤمنون- من الفتن والحرب"(3).
قال الزمخشري: " أى: ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من ظفر أو إخفاق"(4).
قال قتادة: " هم المنافقين"(5).
قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ} [النساء: 141]، أي:" فإن منَّ الله عليكم بفضله، ونصركم على عدوكم وغنمتم"(6).
قال مقاتل: " يعني: النصر على العدو يوم بدر"(7).
قوله تعالى: {قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} [النساء: 141]، أي:" قالوا لكم: ألم نكن معكم نؤازركم؟ "(8).
قال الزمخشري: أي: " {ألم نكن معكم} مظاهرين، فأسهموا لنا في الغنيمة"(9).
قال مقاتل: " {أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} على عدوكم، فأعطونا من الغنيمة فلستم أحق بها، فذلك قوله- سبحانه- في العنكبوت: {وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} (10)، على عدوكم"(11).
قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ} [النساء: 141]، أي:" وإن كان للجاحدين لهذا الدين قَدْرٌ من النصر والغنيمة"(12).
قال مقاتل: " يعني: دولة على المؤمنين يوم أحد"(13).
قال ابو مالك: " {نصيب}، يعني: حظا"(14).
قال الزمخشري: " فإن قلت: لم سمى ظفر المسلمين فتحا، وظفر الكافرين نصيبا؟
(1) بحر العلوم: 1/ 349، ونسبه البغي الى ابن عباس من كريق الضحاك، انظرك تفسير البغوي: 2/ 301.
(2)
انظر: أحكام القرآن للجصاص: 3/ 362 - 363.
(3)
التفسير الميسر: 101.
(4)
الكشاف: 1/ 578.
(5)
أخرجه ابن ابي حاتم (6130): ص 4/ 1094.
(6)
التفسير الميسر: 101.
(7)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 416.
(8)
التفسير الميسر: 101.
(9)
الكشاف: 1/ 578.
(10)
[سورة العنكبوت: 10].
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 416.
(12)
التفسير الميسر: 101.
(13)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 416.
(14)
أخرجه ابن ابي حاتم (6131): ص 4/ 1094.
قلت: تعظيما لشأن المسلمين وتخسيسا لحظ الكافرين لأن ظفر المسلمين أمر عظيم «3» تفتح لهم أبواب السماء حتى ينزل على أوليائه. وأما ظفر الكافرين، فما هو إلا حظ دنى ولمظة من الدنيا (1) يصيبونها" (2).
قوله تعالى: {قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 141]، أي:" قالوا لهم: ألم نساعدكم بما قدَّمناه لكم ونَحْمِكُم من المؤمنين؟ "(3).
قال التستري: " يعني: نغلب ونستولي عليكم"(4).
قال مقاتل: " {قالوا}، أى: المنافقون للكفار، {ألم نستحوذ عليكم}، يعني ألم نحط بكم من ورائكم ونمنعكم من المؤمنين ونجادل المؤمنين عنكم فنحبسهم عنكم ونخبرهم أنا معكم، قالوا ذلك جبنا وفرقا منهم"(5).
قال الزمخشري: أي: " ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم ونمنعكم من المؤمنين بأن ثبطناهم عنكم، وخيلنا لهم ما ضعفت به قلوبهم ومرضوا في قتالكم، وتوانينا في مظاهرتهم عليكم، فهاتوا نصيبا لنا بما أصبتم"(6).
وفي قوله تعالى: {قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 141]، ثلاثة وجوه:
أحدها: معناه: ألم نستول عليكم بالمعونة والنصرة ونمنعكم من المؤمنين بالتخذيل عنكم (7).
والثاني: معناه: ألم نبين لكم أننا على دينكم، وهذا قول ابن جريج (8).
والثالث: معناه: ألم نغلب عليكم، وهو قول السدي (9)، والتستري (10).
والقولان الاخيران متقاربان في المعنى، "وذلك أن من تأوله بمعنى: ألم نبين لكم، إنما أراد - أن شاء الله -: ألم نغلب عليكم بما كان منا من البيان لكم أنا معكم" (11).
وأصل " الاستحواذ " في كلام العرب: الغلبة، ومنه قول الله جل ثناؤه:{اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ} [سورة المجادلة: 19]، بمعنى: غلب عليهم. يقال منه: حاذ عليه واستحاذ، يحيذ ويستحيذ، وأحاذ يحيذ. ومن لغة من قال: حاذ، قول العجاج في صفة ثور وكلب (12):
يَحُوذُهُنَّ وَلَهُ حُوذِيّ
وقد أنشد بعضهم (13):
يَحُوزُهُنَّ وَلَهُ حُوزِيُّ
وهما متقاربا المعنى.
ومن لغة من قال " أحاذ "، قول لبيد في صفة عَيْرٍ وأتُنٍ (14):
إذَا اجْتَمَعَتْ وَأَحْوَذَ جَانِبَيْهَا
…
وَأَوْرَدَها عَلَى عُوجٍ طِوَالِ
(1) قوله «ولمظة من الدنيا» في الصحاح: لمظ يلمظ- بالضم- لمظا، إذا تتبع بلسانه بقية الطعام في فمه.
واللمظة- بالضم- كالنكتة من البياض. (ع).
(2)
الكشاف: 1/ 579.
(3)
التفسير الميسر: 101.
(4)
تفسير التستري: 55.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 416.
(6)
الكشاف: 1/ 578.
(7)
انظر: النكت والعيون: 1/ 537.
(8)
انظر: تفسير الطبري (10713): ص 9/ 325.
(9)
انظر: تفسير الطبري (10712): ص 9/ 325.
(10)
انظر: تفسير التستري: 55.
(11)
تفسير الطبري: 9/ 326.
(12)
ديوانه: 71، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 141، واللسان (حوذ)(حوز)، ورواية الديوان: يَحُوذُها وَهْوَ لَهَا حُوذِيُّ
…
خَوْفَ الخِلاطِ فَهْوَ أَجْنَبِيُّ
كَمَا يَحُوذُ الفِئَةَ الكَمِيُّ
وفسروا " يحوذها ": يسوقها سوقًا شديدًا، ومثله " يحوزها " في الرواية الآتية ..
(13)
انظر اللسان (حوذ) و (حوز).
(14)
ديوانه: القصيدة: 17، البيت: 39، واللسان (حوذ)، وقوله:" إذا اجتمعت " يعني إناث حمار الوحش حين دعاها إلى الماء، فضمها من جانبيها، يأتيها من هذا الجانب مرة، ومن هذا مرة حتى غلبها ولم شتاتها، و " العوج الطوال " قوائمه، وبعد البيت: رَفَعْنَ سُرَادِقًا في يَوْمِ رِيحٍ
…
يُصَفَّقُ بين مَيْلٍ واعْتِدالِ
يعني غبارها، ارتفع كأنه سرادق تصفقه الريح وتميله مرة هكذا ومرة هكذا، فهو يميل ويعتدل.
يعني بقوله: " وأحوذ جانبيها "، غلبها وقهرَها حتى حاذ كلا جانبيها، فلم يشذّ منها شيء، وكان القياس في قوله:{اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ} ، أن يأتي:" استحاذ عليهم "، لأن " الواو " إذا كانت عين الفعل وكانت متحركة بالفتح وما قبلها ساكن، جعلت العرب حركتها في " فاء " الفعل قبلها، وحوَّلوها «ألفًا» ، متبعة حركة ما قبلها، كقولهم: استحال هذا الشيء عما كان عليه، من: حال يحول، واستنار فلان بنور الله، من: النور، واستعاذ بالله: من عاذ يعوذ، وربما تركوا ذلك على أصله كما قال لبيد:" وأحوذ "، ولم يقل " وأحاذ "، وبهذه اللغة جاء القرآن في قوله:{اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ} (1).
قال الماوردي: " وأصل الاستحواذ الغلبة، ومنه قوله تعالى: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ} [المجادلة: 19]، يعني: غلب عليهم "(2).
وفي قوله تعالى: {وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 141]، ثلاثة وجوه (3):
أحدها: نمنعكم منهم بتخذيلهم عنكم.
والثاني: بما نعلمكم من أخبارهم.
والثالث: بصرفنا إياكم عن الدخول عن الإيمان.
قال ابن الجوزي: "ومراد الكلام: إظهار المنة من المنافقين على الكفار، أي: فاعرفوا لنا هذا الحق عليكم"(4).
وقرئ: «ونمنعكم» ، بالنصب بإضمار «أن» ، قال الحطيئة (5):
ألم أك جاركم ويكون بينى
…
وبينكم المودة والإخاء (6)
قوله تعالى: {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [النساء: 141]، أي:" فالله تعالى يقضي بينكم وبينهم يوم القيامة"(7).
قوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141]، أي:" ولن يجعل الله للكافرين طريقًا للغلبة على عباده الصالحين"(8).
قال مقاتل: " يعني: حجة أبدا"(9).
قال الزجاج: " أي: إِن اللَّه ناصِرُ المؤمنين بالحجة والغلبة، فلن يجعل للكافرين أبداً على المؤْمنين سَبِيلًا"(10).
وفي قوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141]، ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يعني: هو سبيل الحجة، أي: لا تكون الحجة للكافرين على المؤمنين أبدا، وهذا معنى قول السدي (11).
قال الجصاص: " يعني: فيما فعلوا بهم من قتلهم وإخراجهم من ديارهم فهم في ذلك ظالمون لا حجة لهم فيه"(12).
والثاني: أن المراد: سبيلاً في الآخرة، وهذا قول عليّ (13)، وابن عباس (14)، وأبي مالك (15)، وعطاء الخراساني (16).
(1) انظر: تفسير الطبري: 9/ 326 - 327.
(2)
النكت والعيون: 1/ 537.
(3)
انظر: زاد المسير: 1/ 488.
(4)
زاد المسير: 1/ 488.
(5)
ديوانه: 54.
(6)
انظر: الكشاف: 1/ 578.
(7)
التفسير الميسر: 101.
(8)
التفسير الميسر: 101.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 416.
(10)
معاني القرآن: 2/ 122.
(11)
انظر: تفسير الطبري (10720): ص 9/ 328.
(12)
أحكام القرآن: 3/ 279.
(13)
انظر: تفسير الطبري (10717): ص 9/ 327 - 328.
(14)
انظر: تفسير الطبري (10719): ص 9/ 328.
(15)
انظر: تفسير الطبري (10718): ص 9/ 328.
(16)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6135): ص 4/ 1095.
والثالث: قال ابن كثير: " ويحتمل أن يكون المراد: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا} أي: في الدنيا، بأن يُسَلَّطُوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس، فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ. يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [غافر: 51، 52]. وعلى هذا فيكون ردا على المنافقين فيما أملوه وتربصوه وانتظروه من زوال دولة المؤمنين، وفيما سلكوه من مصانعتهم الكافرين، خوفا على أنفسهم منهم إذا هم ظهروا على المؤمنين فاستأصلوهم، كما قال تعالى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} [المائدة: 52] "(1).
قال ابن العربي: " أما حمله على نفي وجود الحجة من الكافر على المؤمن فذلك ضعيف؛ لأن وجود الحجة للكافر محال، فلا يتصرف فيه الجعل بنفي ولا إثبات.
وأما نفي وجود الحجة يوم القيامة فضعيف؛ لعدم فائدة الخبر فيه؛ وإن أوهم صدر الكلام معناه؛ لقوله: {فالله يحكم بينكم يوم القيامة} [النساء: 141] فأخر الحكم إلى يوم القيامة، وجعل الأمر في الدنيا دولة تغلب الكفار تارة وتغلب أخرى بما رأى من الحكمة وسبق من الكلمة، ثم قال:{ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} [النساء: 141]. فتوهم من توهم أن آخر الكلام يرجع إلى أوله، وذلك يسقط فائدته. وإنما معناه ثلاثة أوجه:
الأول: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا يمحو به دولة المؤمنين، ويذهب آثارهم، ويستبيح بيضتهم، كما جاء في الحديث: ودعوت ربي ألا يسلط عليهم عدوا من غيرهم يستبيح بيضتهم فأعطانيها.
الثاني: أن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا منه إلا أن تتواصوا بالباطل، ولا تتناهوا عن المنكر، وتتقاعدوا عن التوبة؛ فيكون تسليط العدو من قبلكم؛ وهذا نفيس جدا.
الثالث: أن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا بالشرع؛ فإن وجد ذلك فبخلاف الشرع، ونزع بهذا علماؤنا في الاحتجاج على أن الكافر لا يملك العبد المسلم؛ وبه قال أشهب والشافعي؛ لأن الله سبحانه نفى السبيل للكافر عليه، والملك بالشراء سبيل فلا يشرع ولا ينعقد بذلك" (2).
الفوائد:
1 -
في هذه الآية دليل على أن المنافق ليس بمؤمن وليس الإيمان هو الإقرار فقط، إذ لو كان الإيمان هو الإقرار لكانوا بذلك هم مؤمنين (3)
2 -
وفيها دليل أيضا على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأن القوم كانوا كاتمين اعتقادهم فأظهر الله عز وجل رسوله على اعتقادهم وكان ذلك حجة له عليهم إذ علموا إنه لا يطلع على ضمائر القلوب إلا البارئ جل وعز (4).
3 -
تكفل الله تعالى بعزة المؤمنين الصادقين ومنعتهم فلا يسلط عليهم أعداءه.
4 -
استدل كثير من العلماء بهذه الآية الكريمة على أصح قولي العلماء، وهو المنع من بيع العبد المسلم من الكافر لما في صحة ابتياعه من التسليط له عليه والإذلال، ومن قال منهم بالصحة يأمره بإزالة ملكه عنه في الحال؛ لقوله تعالى:{وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا} (5).
القرآن
التفسير:
إنَّ طريقة هؤلاء المنافقين مخادعة الله تعالى، بما يظهرونه من الإيمان وما يبطنونه من الكفر، ظنًّا أنه يخفى على الله، والحال أن الله خادعهم ومجازيهم بمثل عملهم، وإذا قام هؤلاء المنافقون لأداء الصلاة، قاموا إليها في فتور، يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة، ولا يذكرون الله تعالى إلا ذكرًا قليلا.
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 437.
(2)
أحكام القرآن: 1/ 640 - 641.
(3)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 404.
(4)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 404.
(5)
انظر: تفسير ابن كثير: 2/ 437.
سبب النزول:
قال ابن جريج: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم} ، قال: نزلت في عبد الله بن أبيّ، وأبي عامر بن النعمان، وفي المنافقين {يخادعون الله وهو خادعهم} ، قال: مثل قوله في «البقرة» : {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ} [سورة البقرة: 9]، قال: وأما قوله: {وهو خادعهم} ، فيقول: في النور الذي يعطَى المنافقون مع المؤمنين، فيعطون النور، فإذا بلغوا السور سُلب، وما ذكر الله من قوله:{انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} [سورة الحديد: 13]. قال قوله: {وهو خادعهم} " (1).
قال مقاتل: " نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} "(2).
قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142]، أي:" إنَّ طريقة هؤلاء المنافقين مخادعة الله تعالى، بما يظهرونه من الإيمان وما يبطنونه من الكفر، ظنًّا أنه يخفى على الله، والحال أن الله خادعهم ومجازيهم بمثل عملهم"(3).
قال الزجاج: " أي يخادعون النبي صلى الله عليه وسلم بإظهارهم له الِإيمان وإِبطانِهم الكفْرِ، فجعل الله عز وجل مخادعة النبي صلى الله عليه وسلم مخادعة له"(4).
قال الماوردي: " أي: يخادعون نبي الله بما يظهرونه من الإيمان ويبطنونه من الكفر، فصار خداعهم لرسول الله صلى الله عليهم خداعاً لله عز وجل"(5).
قال الطبري: أي: " إنّ المنافقين يخادعون الله، بإحرازهم بنفاقهم دماءهم وأموالهم، والله خادعهم بما حكَم فيهم من منع دِمائهم بما أظهروا بألسنتهم من الإيمان، مع علمه بباطن ضمائرهم واعتقادهم الكفرَ، استدراجًا منه لهم في الدنيا، حتى يلقوه في الآخرة، فيوردهم بما استبطنوا من الكفر نارَ جهنم"(6).
قال الحسن: " يعطى المؤمن يوم القيامة نورا ويعطى المنافق نورا يمشون به حتى ينتهوا إلى الصراط، فإذا انتهوا إلى الصراط مضى المؤمنون بنورهم ويطفي نور المنافقين، فـ {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} (7)، قال الحسن: فتلك خديعة الله إياهم"(8).
وفي معنى قوله تعالى: {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142]، وجوه من التفسير:
أحدها: أن مُخادعةُ اللَّه إياهم جزاؤُهم على المخادعة بالعذاب، فسمى الجزاء على الفعل باسمه، ومن ذلك قوله تعالى:{وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ} [الأنفال: 30]. ذكره الزجاج عن بعضهم (9)، واختاره ابن عطية (10).
والثاني: أنه أمر فيهم بأمر المُخْتَدِع لهم بما أمر به من قبول إيمانهم وإن علم ما يبطنون من كفرهم. ذكره الزجاج أيضا (11).
والثالث: أي: يسرع لهم الجزاء على إظهار الإيمان وإضمار الكفر بترك العصمة والتوفيق، وتمديد الأموال والبنين، والإطراق على عاجل الدنيا، وخاتمتهم النار. وهذا قول سهل التستري (12).
والرابع: أنه يفتح لهم باب من أبواب الجنة؛ فإذا رأوا ذلك قصدوا ذلك الباب، فلما دنوا منه أغلق دونهم، فذلك الخداع (13).
والخامس: أنهم عندما شاركوا المؤمنين في هذه الدنيا ومنافعها، والتمتع والتقلب فيها؛ فظنوا أنهم يشاركونهم في منافع الآخرة والتمتع بها؛ فيحرمون ذلك، فذلك الخديعة. أفاده الماتريدي (14).
(1) أخرجه الطبري (10722): ص 9/ 329 - 330.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 416.
(3)
التفسير الميسر: 101.
(4)
معاني القرآن: 2/ 122 - 123.
(5)
النكت والعيون: 1/ 538.
(6)
تفسير الطبري: 9/ 328.
(7)
[سورة الحديد: 14].
(8)
أخرجه ابن ابي حاتم (6238): ص 4/ 1095.
(9)
انظر: معاني القرآن: 2/ 123، والنكت والعيون: 1/ 538.
(10)
انظر: المحرر الوجيز: 2/ 127.
(11)
انظر: معاني القرآن: 2/ 123، والنكت والعيون: 1/ 538.
(12)
انظر: تفسير التستري: 55.
(13)
انظر: تفسير الماتريدي: 3/ 395.
(14)
انظر: تفسير الماتريدي: 3/ 395.
والسادس: ما يعطيهم في الآخرة من النور الذي يمشون به مع المؤمنين، فإذا جاؤوا إلى الصراط طفىء نورهم، فتلك خديعة الله إياهم. وهذا قول الحسن (1)، والسدي (2)، وابن جريج (3).
قال ابن كثير: " قوله: {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} أي: هو الذي يستدرجهم في طغيانهم وضلالهم، ويخذلهم عن الحق والوصول إليه في الدنيا وكذلك في يوم القيامة كما قال تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ. يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ. فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الحديد: 13 - 15] وقد ورد في الحديث: «من سَمَّع سَمَّع الله به، ومن راءي راءي الله به» (4)، وفي حديث آخر: «إن الله يأمر بالعبد إلى الجنة فيما يبدو للناس، ويعدل به إلى النار» (5)، عياذًا بالله من ذلك"(6).
وقرأ مسلمة بن عبد الله النحوي: «وهو خادعهم» بإسكان العين، وذلك على التخفيف (7).
قوله تعالى: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى} [النساء: 142]، أي:" وإذا قام هؤلاء المنافقون لأداء الصلاة، قاموا إليها في فتور"(8).
قال الواحدي: أي: " متثاقلين"(9).
قال ابن كثير: " هذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها، وهي الصلاة. إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها؛ لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمانَ لهم بها ولا خشية، ولا يعقلون معناها، فقوله تعالى: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى} هذه صفة ظواهرهم، كما قال: {وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى} [التوبة: 54] "(10).
قال ابن عطية: " وتلك حال كل من يعمل العمل كارها غير معتقد فيه الصواب تقية أو مصانعة"(11).
عن سماك الحنفي، عن ابن عباس" أنه كان يكره أن يقول الرجل: إني كسلان ويتأول هذه الآية: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} " (12).
ويحتمل قوله تعالى: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى} [النساء: 142]، وجهين (13):
أحدهما: متثاقلين.
والثاني: مقصَّرين.
وقرأ ابن هرمز الأعرج: «كسالى» بفتح الكاف (14).
قوله تعالى: {يُرَاءُونَ النَّاسَ} [النساء: 142]، أي:" يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة"(15).
قال ابن زيد: " هم المنافقون، لولا الرياء ما صلُّوا"(16).
قال الواحدي: " ليرى ذلك النَّاس لا لاتِّباع أمر الله يعني: ليراهم النَّاس مُصلِّين لا يريدون وجه الله"(17).
قال الماوردي: "يعني: أنهم يقصدون بما يفعلونه من البر رياء الناس دون طاعة الله تعالى"(18).
(1) انظر: تفسير الطبري (10723): ص 9/ 330.
(2)
انظر: تفسير الطبري (10721): ص 9/ 329.
(3)
انظر: تفسير الطبري (10722): ص 9/ 329 - 330.
(4)
صحيح البخاري برقم (6499) وصحيح مسلم برقم (2787).
(5)
.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 437 - 438.
(7)
انظر: المحرر الوجيز: 2/ 127.
(8)
التفسير الميسر: 101.
(9)
الوجيز: 297.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 438.
(11)
المحرر الوجيز: 2/ 127.
(12)
أخرجه ابن ابي حاتم (6139): ص 4/ 1096.
(13)
انظر: النكت والعيون: 1/ 538.
(14)
انظر: المحرر الوجيز: 2/ 127.
(15)
التفسير الميسر: 101.
(16)
أخرجه الطبري (10725): 9/ 331.
(17)
الوجيز: 297.
(18)
النكت والعيون: 1/ 538.
قال ابن كثير: " أي: لا إخلاص لهم [ولا معاملة مع الله بل إنما يشهدون الناس تقية من الناس ومصانعة لهم؛ ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التي لا يُرَون غالبًا فيها كصلاة العشاء وقت العَتَمَة، وصلاة الصبح في وقت الغَلَس"(1).
كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال، معهم حُزَم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرّق عليهم بيوتهم بالنار» (2).
وفي رواية: "والذي نفسي بيده، لو علم أحدهم أنه يجد عَرْقًا سمينًا أو مَرْمَاتين حسنتين، لشهد الصلاة، ولولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقت عليهم بيوتهم بالنار"(3).
واخرج الحافظ أبو يعلى عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحْسَنَ الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة، استهان بها ربه عز وجل"(4).
وعن قتادة قوله: " {يراؤن الناس}، وإنه والله لولا الناس ما صلى المنافق، ما يصلي إلا رياء وسمعة"(5).
قال الزمخشري: " فإن قلت: ما معنى المراءاة وهي مفاعلة من الرؤية؟
قلت: فيها وجهان، أحدهما: أن المرائى يريهم عمله وهم يرونه استحسانه. والثاني: أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل، فيقال: راءى الناس. يعنى رآهم، كقولك: نعمه وناعمه، وفنقه وفانقه (6) وعيش مفانق" (7).
وقرأ جمهور الناس: «يرءون» ، بهمزة مضمومة مشددة بين الراء والواو دون ألف، وهي تعدية رأى بالتضعيف، وهي أقوى في المعنى من «يراؤن» ، لأن معناها يحملون الناس على أن يروهم، ويتظاهرون لهم بالصلاة وهم يبطنون النفاق (8).
قوله تعالى: {وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 142]، أي:" ولا يذكرون الله تعالى إلا ذكرًا قليلا"(9).
قال الواحدي: " لأنَّهم يعملونه رياءً وسمعةً ولو أرادوا به وجه الله لكان كثيراً"(10).
قال الحسن: " إنما قلّ، لأنه كان لغير الله"(11).
وقال الحسن ايضا: " فو الله لو كان ذلك القليل منهم لله لقبله، ولكن كان ذلك القليل منهم رياء"(12).
قال قتادة: " وإنما قال ذكر المنافق، لأن الله لم يقبله، كل ما ردّ الله قليل، كل ما قبل الله كثير"(13).
قال ابن كثير: " أي: في صلاتهم لا يخشعُون فيها ولا يدرون ما يقولون، بل هم في صلاتهم ساهون لاهون، وعما يراد بهم من الخير معرضون"(14).
وقد روى الإمام مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق: يجلس يَرْقُب الشمس، حتى إذا كانت بين قَرْنَي الشيطان، قام فَنَقَر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا" (15).
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 438.
(2)
صحيح البخاري برقم (657) وصحيح مسلم برقم (651).
(3)
رواه البخاري في صحيحه برقم (644).
(4)
مسند أبو يعلى (9/ 54) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (2/ 290) من طريق زائدة عن إبراهيم الهجري به. قال الهيثمي في المجمع (10/ 221): "فيه إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف".
(5)
أخرجه ابن ابي حاتم (6140): ص 4/ 1096.
(6)
قوله «وفنقه وفانقه» في الصحاح أنهما بمعنى: أى نعمه.
(7)
الكشاف: 1/ 580.
(8)
انظر: المحرر الوجيز: 2/ 127.
(9)
التفسير الميسر: 101.
(10)
الوجيز: 297.
(11)
أخرجه ابن ابي حاتم (6141): ص 4/ 1096.
(12)
أخرجه ابن ابي حاتم (6142): ص 4/ 1096.
(13)
أخرجه ابن ابي حاتم (6142): ص 4/ 1096.
(14)
تفسير ابن كثير: 2/ 439.
(15)
الموطأ (1/ 220) وصحيح مسلم برقم (622) وسنن أبي داود برقم (412) وسنن الترمذي برقم (160)، قال الترمذي:"حسن صحيح". وسنن النسائي (1/ 254).
وفي تسمية ذكرهم بالقليل أربعة أقوال:
أحدها: أنه سمي قليلا، لأنه غير مقبول، قاله علي رضي الله عنه (1)، وقتادة (2).
والثاني: لأنه رياء، ولو كان لله لكان كثيرا، قاله ابن عباس (3)، والحسن (4).
والثالث: أنه قليل في نفسه، لاقتصاره على ما يظهر من التكبير دون ما يخفي من القراءة والتسبيح، وإنما قّلَّ من أجل اعتقادهم لا من قلة ذكرهم، ذكره الماوردي (5).
والرابع: أنه قليل بالنسبة إلى خوضهم في الباطل وقولهم الزور والكفر. ذكره ابن عطية (6).
قال الزمخشري: أي: " ولا يصلون إلا قليلا لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به، وما يجاهرون به قليل أيضا لأنهم ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس في قلوبهم لم يتكلفوه. أو ولا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلا في الندرة، وهكذا ترى كثيرا من المتظاهرين بالإسلام لو صحبته الأيام والليالي لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه. ويجوز أن يراد بالقلة العدم"(7).
الفوائد:
1 -
بيان صفات المنافقين.
2 -
قبح الرياء وذم المرائين.
3 -
ذم ترك الذكر والتقليل منه لأمر الله تعالى بالإكثار منه في قوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً} .
القرآن
التفسير:
إنَّ مِن شأن هؤلاء المنافقين التردد والحَيْرة والاضطراب، لا يستقرون على حال، فلا هم مع المؤمنين ولا هم مع الكافرين. ومن يصرف الله قلبه عن الإيمان به والاستمساك بهديه، فلن تجد له طريقًا إلى الهداية واليقين.
قوله تعالى: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ} [النساء: 143]، أي:" إنَّ مِن شأن هؤلاء المنافقين التردد والاضطراب بين الكفر والإيمان"(8).
قال ابن عطية: "معناه: مضطربين لا يثبتون على حال"(9).
قال الطبري: أي: " مردّدين، وإنما عنى الله بذلك: أن المنافقين متحيِّرون في دينهم، لا يرجعون إلى اعتقاد شيء على صحة، فهم لا مع المؤمنين على بصيرة، ولا مع المشركين على جهالة، ولكنهم حيارَى بين ذلك، فمثلهم المثلُ الذي ضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَثَلُ المنافق كمثل الشَّاة العائرة بين الغنمين، تَعِير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة، لا تدري أيَّهُما تَتْبع! » (10) "(11).
قال الزمخشري: " ذبذبهم الشيطان والهوى بين الإيمان والكفر، فهم مترددون بينهما متحيرون"(12).
قال مجاهد: " هم المنافقون"(13).
(1) انظر: زاد المسير: 1/ 489.
(2)
انظر: تفسير الطبري (10727): ص 9/ 332.
(3)
انظر: زاد المسير: 1/ 489.
(4)
انظر: تفسير الطبري (10726): ص 9/ 332.
(5)
انظر: النكت والعيون: 1/ 539.
(6)
انظر: المحرر الوجيز: 2/ 127.
(7)
الكشاف: 1/ 579 - 580.
(8)
انظر: تفسير ابن كثير: 9/ 439، والتفسير الميسر: 101 ..
(9)
المحرر الوجيز: 2/ 127.
(10)
أخرجه الطبري (10727): ص 9/ 333. [إسناده صحيح].
(11)
تفسير الطبري: 9/ 332.
(12)
الكشاف: 1/ 580.
(13)
أخررجه ابن ابي حاتم (6145): ص 4/ 1097.
قال ابن كثير: " يعني: المنافقين محيرين بين الإيمان والكفر، فلا هم مع المؤمنين ظاهرًا وباطنًا، ولا مع الكافرين ظاهرًا وباطنًا، بل ظواهرهم مع المؤمنين، وبواطنهم مع الكافرين. ومنهم من يعتريه الشك، فتارة يميل إلى هؤلاء، وتارة يميل إلى أولئك {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} الآية [البقرة: 20] "(1).
عن أبي الأحوص قال عبدالله: " مثل المؤمن والمنافق والكافر مثل ثلاثة نفر انتهوا إلى وادي فوقع أحدهم فعبر، ثم وقع الآخر حتى أتى على نصف الوادي ناداه الذي على شفير الوادي: ويلك أين تذهب؟ إلى الهلكة، إرجع عودك على بدئك، وناداه الذي عبر: هلم النجاة فجعل ينظر إلى هذا مرة وإلى هذا مرة، قال: فجاء سيل فأغرقه والذي عبر المؤمن والذي غرق المنافق، مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء والذي مكث الكافر"(2).
وأصل " التذبذب ": التحرك والاضطراب (3)، أو خوف أو إسراع في مشي ونحوه (4)، كما قال النابغة (5):
أَلم تَرَ أَنَّ الله أَعْطَاكَ سُورَةً
…
تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ
ومنه قول البعيث بن حريث (6):
خيال لأم السلسبيل ودونها
…
مسيرة شهر للبريد المذبذب
قال الزمخشري: " وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين أى يذاد ويدفع فلا يقر في جانب واحد، كما قيل: فلان يرمى به الرحوان (7)، إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب كأن المعنى: كلما مال إلى جانب ذب عنه"(8).
وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «مذبذبين» ، بفتح الميم والذالين (9)، قال ابن عطية:"وهي قراءة مردودة"(10).
وفي قراءة ابن عباس وعمرو بن فايد: «مُذَبْذِبِين» ، بكسر الذال الثانية (11).
قال ابن جني: " أي: المهتز القلق الذي لا يثبت في مكان، فكذلك هؤلاء: يخِفُّون تارة إلى هؤلاء وتارة إلى هؤلاء
…
وهو من ذَبَّبْتُ عن الشيء: أي صرفت عنه شيئَا يريده إلى غير جهته، وقريب من لفظه، إلا أنه ليس من لفظه" (12).
وفي مصحف عبد الله: «متذبذبين» (13).
وعن أبى جعفر: «مدبدبين» ، بالدال غير المعجمة (14)، قال الزمخشري:" وكأن المعنى: أخذ بهم تارة في دبة وتارة في دبة، فليسوا بماضين على دبة واحدة. و «الدبة»: الطريقة، ومنها: دبة قريش. وذلك إشارة إلى الكفر والإيمان"(15).
قوله تعالى: {لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ} [النساء: 143]، أي:" فلا هم مع المؤمنين ولا هم مع الكافرين"(16).
(1) تفسير ابن كثير: 9/ 439.
(2)
أخرجه ابن ابي حاتم (6144): ص 4/ 1096.
(3)
انظر: تفسير الطبري: 9/ 333.
(4)
انظر: المحرر الوجيز: 2/ 127.
(5)
ديوانه 17، واللسان 6/ 53، ومجاز القرآن 4، وتفسير الطبري: 9/ 333، والإتقان 1/ 89، وغيرها.
(6)
انظر: الحماسة: 1/ 148، وتفسير القرطبي: 5/ 424، والبحر المحيط: 4/ 108.
(7)
. قوله «يرمى به الرحوان» في الصحاح الرحى معروفة، والألف منقلبة من الياء. تقول: هما رحيان. وفيه أيضا، رحت الحية ترحو، إذا استدارت. والرحي: قطعة من الأرض تستدبر وترتفع على ما حولها. ورحى القوم: سيدهم. والأرحاء: الأضراس. والأرحاء: القبائل التي تستقل بنفسها وتستغني عن غيرها اه. وظاهره أن الرحى هنا وادى، فليحرر ..
(8)
الكشاف: 1/ 580.
(9)
انظر: المحرر الوجيز: 2/ 127.
(10)
المحرر الوجيز: 2/ 127.
(11)
انظر: المحتسب في تبيين وجوه شواذ القرات والإيضاح عنها، أبو الفتح: 1/ 203.
(12)
المحتسب في تبيين وجوه شواذ القرات والإيضاح عنها: : 1/ 20.
(13)
انظر: الكشاف: 1/ 580.
(14)
انظر: الكشاف: 1/ 580.
(15)
الكشاف: 1/ 580 ..
(16)
التفسير الميسر: 101.
قال الزمخشري: أي: "لا منسوبين إلى هؤلاء فيكونون مؤمنين، ولا منسوبين إلى هؤلاء فيسمون مشركين"(1).
قال السدي: " يقول: ليسوا بمشركين فيظهرون الشرك وليسوا بمؤمنين"(2).
عن مجاهد قوله: " {لا إلى هؤلاء}، لأصحاب محمد"(3)، " قوله:{لا إلى هؤلاء} : اليهود" (4).
عن قتادة قوله: " {لا إلى هؤلاء}، يقول: ليسوا بمؤمنين مخلصين ولا بمشركين مصرحين بالشرك"(5).
قوله تعالى: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ} [النساء: 143]، أي:" ومن يصرف الله قلبه عن الإيمان به والاستمساك بهديه"(6).
قوله تعالى: {فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [النساء: 143]، أي:" فلن تجد له طريقًا إلى الهداية واليقين"(7).
عن السدي: " {سبيلا}، يقول: حجة"(8).
الفوائد:
1 -
ذم الحيرة والتردد في الأمور كلها.
2 -
أن المنافقين هم طلاب منافع، وأنهم لا إخلاص لديهم.
3 -
ومن الفوائد: أن من الناس من ليس له ثبات فى أمر دينه، بل هو مرجحن مضطرب مذبذب، يعبد الله على وجه التجربة انتظارا للنعمة، فإن أصابه خير بقي مؤمنا، وإن أصابه شر من سقم أو ضياع مال أو فقد ولد ترك دينه.
4 -
أن هذه الأوصاف المذمومة للمنافقين تدل بتنبيهها على أن المؤمنين متصفون بضدها، من الصدق ظاهرا وباطنا، والإخلاص، وأنهم لا يجهل ما عندهم، ونشاطهم في صلاتهم وعباداتهم، وكثرة ذكرهم لله تعالى. وأنهم قد هداهم الله ووفقهم للصراط المستقيم. فليعرض العاقل نفسه على هذين الأمرين وليختر أيهما أولى به (9).
القرآن
التفسير:
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا توالوا الجاحدين لدين الله، وتتركوا موالاة المؤمنين ومودتهم. أتريدون بمودَّة أعدائكم أن تجعلوا لله تعالى عليكم حجة ظاهرة على عدم صدقكم في إيمانكم؟
في سبب نزول الآية ثلاثة أقوال:
أحدها: ذكر الماتريدي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: "نزلت في المنافقين الذين اتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين"(10).
قال الواحدي: " قال المفسرون: لما ذم الله المنافقين بأنهم مرة إلى الكفار ومرة إلى المسلمين من غير أن يقرُّوا مع أحد الفريقين، نهى المسلمين في هذه الآية أن يصنعوا كصنيع المنافقين فقال: {لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ}، يعني اليهود من قريظة والنضير، وذلك أنَّ الأنصار بالمدينة كان لهم رضاع وحلف ومودة، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: من نتولى؟ فقال: "المهاجرين"، ونزلت هذه الآية. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء"(11).
(1) الكشاف: 1/ 580 ..
(2)
أخرجه ابن ابي حاتم (6149): ص 4/ 1097.
(3)
أخرجه ابن ابي حاتم (6146): ص 4/ 1097.
(4)
أخرجه ابن ابي حاتم (6148): ص 4/ 1097.
(5)
أخرجه ابن ابي حاتم (6147): ص 4/ 1097.
(6)
التفسير الميسر: 101.
(7)
التفسير الميسر: 101.
(8)
أخرجه ابن ابي حاتم (6150): ص 4/ 1097.
(9)
تفسير السعدي: 210.
(10)
تفسير الماتريدي: 3/ 397.
(11)
التفسير البسيط: 7/ 164، ولم اقف على قول اابن عباس-رضي الله عنه.
قال مقاتل: " نزلت في المنافقين منهم عبد الله ابن أبي، ومالك بن دخشم، وذلك أن مواليهما من اليهود: أصبع ورافع عيروهما بالإسلام، وزينوا لهما ترك دينهما وتوليهما اليهود فصانعا اليهود، فقال الله: {لا تتخذوا الكافرين}، من اليهود، {أولياء من دون المؤمنين} "(1).
والثاني: أنها "نزلت في المؤمنين، نهاهم أن يتخذوا المنافقين أولياء بإظهارهم الإيمان علانية، وأمرهم أن يتخذوا المؤمنين أولياء"(2).
والثالث: وذكر الواحدي عن مقاتل: "كانوا يظهرون المودة للمشركين الذين بمكة، فنهاهم الله"(3)، فعلى هذا المراد بالكافرين المشركون.
قال الواحدي: " والقول الأول أظهر"(4).
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [النساء: 144]، أي:" يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه"(5).
قال ابن عثيمين: " إن وصف الإيمان للمنادى؛ وتصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به؛ لأن النداء يستلزم انتباه المنادى"(6).
قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: {يا أيها الذين آمنوا}، إلا كان على شريفها وأميرها"(7).
قال ابن مسعود رضي الله عنه: "إذا سمعت الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه"(8).
قوله تعالى: {لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 144]، أي:" لا توالوا الجاحدين لدين الله، وتتركوا موالاة المؤمنين ومودتهم "(9).
قال يحيى بن سلام: " يعني: أولياء في النَّصيحة"(10).
قال الزجاج: " أي لا تجعلوهم بطانتكم وخاصتكم"(11).
قال الزمخشري: أي: " لا تتشبهوا بالمنافقين في اتخاذهم اليهود وغيرهم من أعداء الإسلام أولياء"(12).
قال الطبري: أي: " لا توالوا الكفَّار فتؤازروهم من دون أهل ملَّتكم ودينكم من المؤمنين، فتكونوا كمن أوجبت له النار من المنافقين، وهذا نهي من الله عبادَه المؤمنين أن يتخلَّقوا بأخلاق المنافقين، الذين يتخذون الكافرين أولياءَ من دون المؤمنين، فيكونوا مثلهم في ركوب ما نهاهم عنه من موالاة أعدائه"(13).
قال الراغب: " نهى عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، وذلك أن يستعان بهم استعانة المرؤوس بالرئيس، والمنتصر بالناصر لاستعانة المستخدم بالحاكم"(14).
وفي وجه النهي في الولاية واتخاذهم أولياء أقوال (15):
أحدها: أنه النهي عن ولايتهم ولاية الدين، أي: لا تثقوا بهم، ولا تصدقوهم، ولا تأمنوهم في الدين؛ فإنهم يريدون أن يصرفوكم عن دينكم؛ كقوله - تعالى -:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [آل عمران: 149].
والثاني: أنه النهي عن اتخاذهم أولياء في أمر الدنيا؛ كقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 417.
(2)
تفسير الماتريدي: 3/ 397.
(3)
التفسير البسيط: 7/ 164، ولم اقف على الأثر.
(4)
التفسير البسيط: 7/ 164.
(5)
التفسير الميسر: 101.
(6)
تفسير ابن عثيمين: 2/ 246.
(7)
أخرجه ابن أبي حاتم (1035): ص 1/ 196.
(8)
أخرجه ابن أبي حاتم (1037): ص 1/ 196.
(9)
التفسير الميسر: 101.
(10)
التصاريف لتفسير القرآن مما اشتبهت أسمائه وتصرفت معانيه: 239.
(11)
معاني القرآن: 2/ 123.
(12)
الكشاف: 1/ 580.
(13)
تفسير الطبري: 9/ 336.
(14)
تفسير الراغب الاصفهاني: 4/ 207.
(15)
انظر: تفسير الماتريدي: 3/ 398.
تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118]، نهي عز وجل المؤمنين أن يجعلوا المنافقين موضع سرهم في أمر من أمور الحرب وغيره.
والثالث: أنه في كل أمر، أي: لا تصادقوهم، ولا تجالسوهم، ولا تأمنوهم.
قال الجصاص: " فإن الولي هو الذي يتولى صاحبه بما يجعل له من النصرة والمعونة على أمره والمؤمن ولي الله بما يتولى من إخلاص طاعته والله ولي المؤمنين بما يتولى من جزائهم على طاعته واقتضت الآية النهي عن الاستنصار بالكفار والاستعانة بهم والركون إليهم والثقة يهم وهو يدل على أن الكافر لا يستحق الولاية على المسلم بوجه ولدا كان أو غيره ويدل على أنه لا تجوز الاستعانة بأهل الذمة في الأمور التي يتعلق بها التصرف والولاية وهو نظير قوله: {لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} [آل عمران: 118]، وقد كره أصحابنا توكيل الذمي في الشرى والبيع ودفع المال إليه مضاربة وهذه الآية دالة على صحة هذا القول"(1).
قوله تعالى: {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} [النساء: 144]، أي:" أتريدون بمودَّة أعدائكم أن تجعلوا لله تعالى عليكم حجة ظاهرة على عدم صدقكم في إيمانكم؟ "(2).
قال البغوي: " أي: حجة بينة في عذابكم"(3).
قال الماتريدي: " أي: تجعلون لله عليكم سلطانا مبينا"(4).
قال مقاتل: " يعني: حجة بينة يحتج بها عليكم حين توليتم اليهود ونصحتموهم"(5).
قال الزجاج: " أي: حجة ظاهرة، والسلطان في اللغة الحجة، وإنما قيل للخليفة والأمير سلطان لأن معناه أنه ذو الحجة"(6).
قال الطبري: " يقول: لا تعرَّضوا لغضب الله، بإيجابكم الحجة على أنفسكم في تقدمكم على ما نهاكم ربكم من موالاة أعدائه وأهلِ الكفر به"(7).
قال الزمخشري: أي: " {سلطانا}: حجة بينة، يعنى: أن موالاة الكافرين بينة على النفاق"(8).
قال قتادة: " إن لله السلطان على خلقه، ولكنه يقول: عذرًا مبينًا"(9).
قال عكرمة: " ما كان في القرآن من «سلطان»، فهو حجّة"(10).
عن مجاهد في قوله: " {سلطانًا مبينًا}، قال: حُجَّة"(11).
وعن صعصعة ابن صوحان أنه قال لابن أخ له: "خالص المؤمن، وخالق الكافر والفاجر فان الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن، وإنه يحق عليك أن تخالص المؤم"(12).
الفوائد:
1 -
حرمة اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين.
2 -
إذا عصى المؤمنون ربهم فاتخذوا الكافرين أولياء سلط الله عليهم أعداءهم فساموهم الخسف.
القرآن
{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145)} [النساء: 145]
التفسير:
إن المنافقين في أسفل منازل النار يوم القيامة، ولن تجد لهم -أيها الرسول- ناصرًا يدفع عنهم سوء هذا المصير.
(1) أحكام القرآن: 3/ 280.
(2)
التفسير الميسر: 101.
(3)
تفسير البغوي: 2/ 303.
(4)
تفسير الماتريدي: 3/ 398.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 417.
(6)
معاني القرآن: 2/ 123.
(7)
تفسير الطبري: 9/ 336.
(8)
الكشاف: 1/ 580.
(9)
أخرجه الطبري (10737): ص 9/ 337.
(10)
أخرجه الطبري (10738): ص 9/ 337.
(11)
أخرجه الطبري (10739)، (10740): ص 9/ 337.
(12)
الكشاف: 1/ 580.
قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: 145]، أي:" إن المنافقين في أسفل منازل النار يوم القيامة"(1).
قال ابن عباس: "، يعني: في أسفل النار"(2).
قال عبدالله: ": في توابيت من حديد مُبْهَمة عليهم"(3). وفي رواية أخرى: "، توابيت من نار تُطْبَقُ عليهم"(4). وروي عنه ايضا: " إن المنافقين في توابيتَ من حديد مقفلةٍ عليهم في النار"(5).
قال أبو هريرة: "في توابيت تُرْتَجُ عليهم"(6).
عن ابن جريج قال: " قال لي عبد الله بن كثير قوله: {في الدرك الأسفل من النار}، قال: سمعنا أن جهنم أدْراك، منازل"(7).
قال الطبري: أي: " إن المنافقين في الطَّبَق الأسفل من أطباق جهنم، وكل طبَق من أطباق جهنم: «درك» "(8).
قال ابن ابي زمنين: " وهو الباب السابع الأسفل"(9).
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: "جهنم أدراك، أي منازل، فكل منزلة منها درك"(10).
قال الزمخشري: " {الدرك الأسفل}، الطبق الذي في قعر جهنم، والنار سبع دركات، سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض"(11).
فإن قلت: "لم كان المنافق أشد عذابا من الكافر؟
قلت: لأنه مثله في الكفر، وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله ومداجاتهم (12) " (13).
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: {في الدرك} مفتوحة الراء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائى {في الدرك} ساكنة الراء، وروى الكسائى وحسين الجعفى عن أبى بكر عن عاصم {في الدرك} مثل أبى عمرو (14).
قوله تعالى: {وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145]، أي:" ولن تجد لهم -أيها الرسول- ناصرًا يدفع عنهم سوء هذا المصير"(15).
قال الزجاج: " أي: لا يمنعهم مانع من عذاب الله عز وجل ولا يشفع لهم شافع"(16).
قال الطبري: " يعني: ولن تجد لهؤلاء المنافقين، يا محمد، من الله إذا جعلهم في الدرك الأسفل من النار ناصرًا ينصرهم منه، فينقذهم من عذابه، ويدفع عنهم أليمَ عقابه"(17).
الفوائد:
1 -
فى الآية إشارة إلى أن دار العذاب فى الآخرة ذات دركات بعضها أسفل من بعض، كما أن دار النعيم درجات بعضها أعلى من بعض.
2 -
أن سبب كون المنافقين في الدرك الاسفل من النار، لأنهم شر أهلها، إذ هم جمعوا بين الكفر والنفاق ومخادعة الرسول والمؤمنين وغشهم، فأرواحهم أسفل الأرواح، ونفوسهم أحط النفوس، ومن ثم كانوا أجدر الناس بالدرك الأسفل منها.
(1) التفسير الميسر: 101.
(2)
أخرجه الطبري (10744): ص 9/ 339.
(3)
أخرجه الطبري (10741): ص 9/ 338.
(4)
أخرجه الطبري (10746): ص 9/ 339.
(5)
أخرجه الطبري (10742): ص 9/ 338 - 339.
(6)
أخرجه الطبري (10743): ص 9/ 339.
(7)
أخرجه الطبري (10745): ص 9/ 339.
(8)
تفسير الطبري: 9/ 337.
(9)
تفسير ابن ابي زمنين: 1/ 416.
(10)
معاني القرآن للفرا: 2/ 124.
(11)
الكشاف: 1/ 581.
(12)
قوله «ومداجاتهم» في الصحاح: المداجاة: المداراة.
(13)
الكشاف: 1/ 581.
(14)
انظر: السبعة: 239.
(15)
التفسير الميسر: 101.
(16)
معاني القرآن للفرا: 2/ 124.
(17)
تفسير الطبري: 9/ 339.
أما أكثر الكفار فقد غلب عليهم الجهل بحقيقة التوحيد، فهم مع إيمانهم بالله يشركون به غيره، من صنم أو وثن يتخذونه شفيعا عنده ووسيطا بينه وبينه، وقد قاسوا ذلك على معاملة الملوك المستبدين، والأمراء الظالمين (1).
4 -
قال السعدي: " وهذا عام لكل منافق إلا من من الله عليهم بالتوبة من السيئات"(2).
القرآن
التفسير:
إلا الذين رجعوا إلى الله تعالى وتابوا إليه، وأصلحوا ما أفسدوا من أحوالهم باطنًا وظاهرًا، ووالوا عباده المؤمنين، واستمسكوا بدين الله، وأخلصوا له سبحانه، فأولئك مع المؤمنين في الدنيا والآخرة، وسوف يعطي الله المؤمنين ثوابًا عظيمًا.
قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [النساء: 146]، أي:" إلا الذين رجعوا إلى الله تعالى وتابوا إليه"(3).
قال البغوي: أي: " من النفاق وآمنوا"(4).
قال الطبري: " أي: راجعوا الحق، وآبوا إلا الإقرار بوحدانية الله وتصديق رسوله وما جاء به من عند ربه من نفاقهم"(5).
قوله تعالى: {وَأَصْلَحُوا} [النساء: 146]، أي:" وأصلحوا ما أفسدوا من أحوالهم باطنًا وظاهرًا"(6).
قال البغوي: أي: " عملهم"(7).
قال الطبري: " يعني: وأصلحوا أعمالهم، فعملوا بما أمرهم الله به، وأدَّوا فرائضه، وانتهوا عما نهاهم عنه، وانزجروا عن معاصيه"(8).
قوله تعالى: {وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ} [النساء: 146]، أي:" واستمسكوا بدين الله"(9).
قال الثعلبي والبغوي: أي: "وثقوا بالله"(10).
قال الطبري: " يقول: وتمسَّكوا بعهد الله"(11).
و«الاعتصام» : "التمسك والتعلق، فالاعتصام بالله: التمسك بعهده وميثاقه الذي عهد في كتابه إلى خلقه، من طاعته وترك معصيته"(12).
قوله تعالى: {وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ} [النساء: 146]، أي:" وأخلصوا له سبحانه"(13).
قال الزمخشري: أي: " لا يبتغون بطاعتهم إلا وجهه"(14).
قال البغوي: " أراد الإخلاص بالقلب، لأن النفاق كفر القلب، فزواله يكون بإخلاص القلب"(15).
قال الطبري: " يقول: وأخلصوا طاعتَهم وأعمالهم التي يعملونها لله، فأرادوه بها، ولم يعملوها رئاءَ الناس، ولا على شك منهم في دينهم، وامتراءٍ منهم في أن الله محصٍ عليهم ما عملوا، فمجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته ولكنهم عملوها على يقين منهم في ثواب المحسن على إحسانه، وجزاء المسيء على إساءته، أو يتفضَّل عليه ربه فيعفو متقرِّبين بها إلى الله، مريدين بها وجه الله"(16).
قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 146]، أي:" فأولئك في زمرتة المؤمنين يوم القيامة"(17).
قال الطبري: " يقول: فهؤلاء الذين وصف صفتَهم من المنافقين بعد توبتهم وإصلاحهم واعتصامهم بالله وإخلاصهم دينهم أي: مع المؤمنين في الجنة، لا مع المنافقين الذين ماتوا على نفاقهم، الذين أوعدهم الدَرَك الأسفل من النار"(18).
قال الزمخشري: أي: " فهم أصحاب المؤمنين ورفقاؤهم في الدارين"(19).
قال الثعلبي: أي: " على دينهم"(20).
قال ابن كثير: " أي: في زمرتهم يوم القيامة"(21).
قال الفراء: {معَ الْمُؤْمِنِينَ} ، تفسيره من المؤمنين" (22).
قال القتيبي: حاد عن كلامهم غيظا عليهم فقال {فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} ، ولم يقل فأولئك هم المؤمنون" (23).
قوله تعالى: {وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 146]، أي:" وسوف يعطي الله المؤمنين ثوابًا عظيمًا"(24).
قال الزمخشري: أي: " فيشاركونهم فيه ويساهمونهم"(25).
قال الثعلبي والبغوي: " يعني: الجنة"(26).
قال الطبري: " وهذا استثناء من الله جل ثناؤه، استثنى التائبين من نفاقهم إذا أصلحوا، وأخلصوا الدين لله وحده، وتبرءوا من الآلهة والأنداد، وصدَّقوا رسوله، أن يكونوا مع المصرِّين على نِفاقهم حتى تُوافيهم مناياهم - في الآخرة، وأن يدخلوا مدَاخلهم من جهنم. بل وعدهم جل ثناؤه أن يُحلَّهم مع المؤمنين محلَّ الكرامة، ويسكنهم معهم مساكنهم في الجنة، ووعدهم من الجزاء على توبتهم الجزيلَ من العطاء فقال: {وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرًا عظيمًا}، يقول: وسوف يُعطي الله هؤلاء الذين هذه صفتهم، على توبتهم وإصلاحهم واعتصامهم بالله وإخلاصهم دينهم له، وعلى إيمانهم، ثوابًا عظيمًا وذلك: درجات في الجنة، كما أعطى الذين ماتوا على النِّفاق منازل في النار، وهي السفلى منها. لأن الله جل ثناؤه وعد عباده المؤمنين أن يؤتيهم على إيمانهم ذلك، كما أوعد المنافقين على نفاقهم ما ذكر في كتابه "(27).
قال السمرقندي: " ثم قال بعد هذا كله: {فأولئك مع المؤمنين}، ولم يقل: هم المؤمنون، ثم قال: {وسوف يؤت الله المؤمنين}، ولم يقل: سوف يؤتيهم الله، بغضا لهم وإعراضا عنهم، والمنافقون هم الزنادقة والقرامطة الذين هم بين المؤمنين، يظهرون من أنفسهم الإسلام وإذا اجتمعوا فيما بينهم يسخرون بالإسلام وأهله، فهم من أهل هذه الآية ومأواهم الهاوية"(28).
عن إبراهيم قال، قال حذيفة: "ليدخلن الجنة قوم كانوا منافقين! فقال عبد الله: وما علمك بذلك؟ فغضب حذيفة، ثم قام فتنحَّى. فلما تفرّقوا، مرَّ به علقمة فدعاه فقال: أمَا إنّ صاحبك يعلم الذي قلت! ثم قرأ
(1) انظر: تفسير المراغي: 5/ 190.
(2)
تفسير السعدي: 211.
(3)
التفسير الميسر: 101.
(4)
تفسير البغوي: 2/ 303.
(5)
تفسير الطبري: 9/ 340.
(6)
التفسير الميسر: 101.
(7)
تفسير البغوي: 2/ 303.
(8)
تفسير الطبري: 9/ 340.
(9)
التفسير الميسر: 101.
(10)
تفسير الثعلبي: 3/ 406، وتفسير البغوي: 2/ 303.
(11)
تفسير الطبري: 9/ 340.
(12)
تفسير الطبري: 9/ 341.
(13)
التفسير الميسر: 101.
(14)
الكشاف: 1/ 581.
(15)
تفسير البغوي: 2/ 303.
(16)
تفسير الطبري: 9/ 341.
(17)
تفسير ابن كثير: 2/ 442.
(18)
تفسير الطبري: 9/ 341.
(19)
الكشاف: 1/ 581.
(20)
تفسير الثعلبي: 3/ 406.
(21)
تفسير ابن كثير: 2/ 442.
(22)
نقل عنه الثعلبي في تفسيره: 3/ 406.
(23)
تفسير الثعلبي: 3/ 406.
(24)
التفسير الميسر: 101.
(25)
الكشاف: 1/ 581.
(26)
تفسير الثعلبي: 3/ 406، وتفسير البغوي: 2/ 303.
(27)
تفسير الطبري: 9/ 340 - 342. [بتصرف بسيط].
(28)
بحر العلوم: 1/ 351.
الفوائد:
1 -
أن التائب من المنافقين مع المؤمنين وله ثوابهم.
2 -
التوبة تجب ما قبلها حتى إن التائب من ذنبه كمن لا ذنب له ومهما كان الذنب الذي غشيه.
3 -
أن الله تعالى خص الاعتصام والإخلاص بالذكر، مع دخولهما في قوله:{وأصلحوا} لأن الاعتصام والإخلاص من جملة الإصلاح، لشدة الحاجة إليهما خصوصا في هذا المقام الحرج الذي يمكن من القلوب النفاق، فلا يزيله إلا شدة الاعتصام بالله، ودوام اللجأ والافتقار إليه في دفعه، وكون الإخلاص منافيا كل المنافاة للنفاق، فذكرهما لفضلهما وتوقف الأعمال الظاهرة والباطنة عليهما، ولشدة الحاجة في هذا المقام إليهما (2).
القرآن
{مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147)} [النساء: 147]
التفسير:
ما يفعل الله بعذابكم إن أصلحتم العمل وآمنتم بالله ورسوله، فإن الله سبحانه غني عمَّن سواه، وإنما يعذب العباد بذنوبهم. وكان الله شاكرًا لعباده على طاعتهم له، عليمًا بكل شيء.
قوله تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} [النساء: 147]، أي:" ما يفعل الله بعذابكم إن أصلحتم العمل وآمنتم بالله ورسوله"(3).
قال مقاتل: " {إن شكرتم}، نعمته، {وآمنتم}، يعني: صدقتم، فإنه لا يعذب شاكرا ولا مؤمنا"(4).
قال الماتريدي: أي: " أن ليس لله عز وجل حاجة في تعذيبه إياكم إن صدقتم وآمنتم، ولكن الحكمة توجب تعذيب من كفر به؛ وإلا ليس له حاجة في تعذيبكم"(5).
قال السمرقندي: " أي: ما يصنع الله بعذابكم إن شكرتم يعني إن آمنتم بالله تعالى ووحدتموه، ويقال: معناه ما حاجة الله إلى تعذيبكم لو كنتم موحدين شاكرين له وآمنتم به وصدقتم رسله"(6).
قال الزمخشري: " أيتشفى به من الغيظ، أم يدرك به الثار، أم يستجلب به نفعا، أم يستدفع به ضررا كما يفعل الملوك بعذابهم، وهو الغنى الذي لا يجوز عليه شيء من ذلك. وإنما هو أمر أوجبته الحكمة أن يعاقب المسيء، فإن قمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب"(7).
قال السمعاني: " هذا استفهام بمعنى التقرير، ومعناه: لا يعذب الله المؤمن الشاكر، وتقدير قوله: {إن شكرتم وآمنتم}، أي: إن آمنتم وشكرتم، والشكر ضد الكفر، والكفر: ستر النعمة والشكر: إظهار النعمة"(8).
قال الراغب: " أي: تعالى الله عن عذابكم، فلا يعذبكم إذا عرفتم ووفيتم حقها"(9).
قال ابن كثير: " قال -مخبرًا عن غناه عما سواه، وأنه إنما يعذب العباد بذنوبهم-، فقال: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} أي: أصلحتم العمل وآمنتم بالله ورسوله "(10).
قال البغوي: " أي: إن شكرتم نعماءه {وآمنتم} به، فيه تقديم وتأخير، تقديره: إن آمنتم وشكرتم، لأن الشكر لا ينفع مع عدم الإيمان، وهذا استفهام بمعنى التقرير، معناه: إنه لا يعذب المؤمن الشاكر، فإن تعذيبه عباده لا يزيد في ملكه، وتركه عقوبتهم على فعلهم لا ينقص من سلطانه، والشكر: ضد الكفر والكفر ستر النعمة، والشكر: إظهارها"(11).
(1) أخرجه الطبري (10747): ص 9/ 342.
(2)
انظر: تفسير السعدي: 211.
(3)
التفسير الميسر: 101.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 417.
(5)
تفسير الماتريدي: 3/ 401.
(6)
بحر العلوم: 1/ 351.
(7)
الكشاف: 1/ 581 - 582.
(8)
تفسير السمعاني: 1/ 495.
(9)
تفسير الراغب الاصفهاني: 4/ 209.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 442.
(11)
تفسير البغوي: 2/ 303.
قال الطبري: أي: " ما يصنع الله، أيها المنافقون، بعذابكم، إن أنتم تُبتم إلى الله ورجعتم إلى الحق الواجب لله عليكم، فشكرتموه على ما أنعم عليكم من نعمه في أنفسكم وأهاليكم وأولادِكم، بالإنابة إلى توحيده، والاعتصام به، وإخلاصكم أعمالَكم لوجهه، وترك رياء الناس بها، وآمنتم برسوله محمد صلى الله عليه وسلم فصدَّقتموه، وأقررتم بما جاءكم به من عنده فعملتم به؟ يقول: لا حاجة بالله أن يجعلكم في الدَّرك الأسفل من النار، إن أنتم أنبتم إلى طاعته، وراجعتم العمل بما أمركم به، وترك ما نهاكم عنه. لأنه لا يجتلب بعذابكم إلى نفسه نفعًا، ولا يدفع عنها ضُرًّا، وإنما عقوبته من عاقب من خلقه، جزاءٌ منه له على جرَاءته عليه، وعلى خلافه أمره ونهيه، وكفرانِه شكر نعمه عليه. فإن أنتم شكرتم له على نعمه، وأطعتموه في أمره ونهيه، فلا حاجة به إلى تعذيبكم"(1).
قال قتادة: " إن الله جل ثناؤه لا يعذِّب شاكرًا ولا مؤمنًا"(2).
وإن قيل: "لم أخر الإيمان عن الشكر؟
قيل: لأنه عني به معرفة النعمة التي يتوصل به إلى معرفة النعم، ومعرفة المنعم هي الإيمان، فإذا الشكر على هذا الوجه مقدم على الإيمان، لأنه أرفع منه وهو لا ينفك عن الإيمان، والإيمان قد ينفك عنه، ووصفه نفسه بالشكر تنبيها أنه يقابلهم بما يكون منهم، فقد تقدم أن الشكر قد يكون من المولى للعبد بمعنى مقابلته بما يكون من خدمته" (3).
قال الزمخشري: " فإن قلت: لم قدم الشكر على الإيمان؟
قلت: لأن العاقل ينظر إلى ما عليه من النعمة العظيمة في خلقه وتعريضه للمنافع، فيشكر شكرا مبهما، فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به ثم شكر شكرا مفصلا، فكان الشكر متقدما على الايمان، وكأنه أصل التكليف ومداره" (4).
قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء: 147]، أي:" وكان الله شاكرًا لعباده على طاعتهم له، عليمًا بكل شيء"(5).
قال الزمخشري: أي: " مثيبا موفيا أجوركم عليما بحق شكركم وإيمانكم"(6).
قال ابن كثير: " أي: من شكر شكر له ومن آمن قلبه به علمه، وجازاه على ذلك أوفر الجزاء"(7).
قال السمرقندي: " أي: شاكرا للقليل من أعمالكم، عليما بأعمالكم وثوابكم. ويقال: شاكرا يقبل اليسير ويعطي الجزيل، عليما بما في صدوركم. ويقال: بمن شكر وآمن فلا يعذب شاكرا ولا مؤمنا"(8).
قال الماتريدي: أي: " يقبل الإيمان بعد الجحود والتكذيب؛ إذا تاب"(9).
وقيل: {شاكرا} ، أي: يقبل القليل من العمل إذا كان خالصا، ليس كملوك الأرض لا يقبلون اليسير من الأشياء" (10).
قال السمعاني: " الشكر من الله قبول العمل"(11).
قال البغوي: " فالشكر من الله تعالى هو الرضى بالقليل من عباده وإضعاف الثواب عليه، والشكر من العبد: الطاعة، ومن الله: الثواب"(12).
قال الراغب: " نبه بقوله: {عليما}، أنه لا يخفى عليه ما يتحراه العبد"(13).
الفوائد:
1 -
لا يعذب الله تعالى المؤمن الشاكر لا في الدنيا ولا في الآخرة، فالإيمان والشكر أمان الإنسان.
(1) تفسير الطبري: 9/ 342 - 343.
(2)
اخرجه الطبري (10748): ص 9/ 343.
(3)
تفسير الراغب الاصفهاني: 4/ 209.
(4)
الكشاف: 1/ 582.
(5)
التفسير الميسر: 101.
(6)
الكشاف: 1/ 582.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 442.
(8)
بحر العلوم: 1/ 351.
(9)
تفسير الماتريدي: 3/ 401.
(10)
تفسير الماتريدي: 3/ 401.
(11)
تفسير السمعاني: 1/ 495.
(12)
تفسير البغوي: 2/ 303.
(13)
تفسير الراغب الاصفهاني: 4/ 209.
2 -
إثبات اسمين من اسمائه سبحانه، وهما:«الشاكر» ، «العليم»:
فمن أسمائه تعالى: «الشاكرُ، الشَّكور» : الذي لا يضيع سعي العاملين لوجهه بل يضاعفه أضعافاً مضاعفة؛ فإن اللَّه لا يُضيع أجر من أحسن عملاً، وقد أخبر في كتابه وسنّة نبيِّه بمضاعفة الحسنات الواحدة بعشر إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، وذلك من شكره لعباده، فبعينه ما يحتمل المتحمّلون لأجله ومن فعل لأجله أعطاه فوق المزيد، ومن ترك شيئاً لأجله عوّضه خيراً منه، وهو الذي وفّق المؤمنين لمرضاته ثم شكرهم على ذلك وأعطاهم من كراماته، ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وكل هذا ليس حقاً واجباً عليه، وإنّما هو الذي أوجبه على نفسه جوداً منه وكرماً (1).
قال الخطابي: " الشكور: هو الذي يشكر اليسير من الطاعة فيثيب عليه الكثير من الثواب، ويعطي الجزيل من النعمة، فيرضى باليسير من الشكر، كقوله -سبحانه-: {إن ربنا لغفور شكور} [فاطر: 34]، ومعنى الشكر المضاف إليه: الرضى بيسير الطاعة من العبد والقبول له. وإعظام الثواب عليه -والله أعلم- وقد يحتمل أن يكون معنى الثناء على الله -جل وعز - بالشكور ترغيب الخلق في الطاعة. قلت أو كثرت لئلا يستقلوا القليل من العمل فلا يتركوا اليسير من جملته إذا أعوزهم الكثير منه"(2).
ومن أسمائه «العليم» ، والْعِلْمُ صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله عز وجل.
قال الخطابي: " «العليم»: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق"(3).
والآدميون -وإن كانوا يوصفون بالعلم- فإن ذلك ينصرف منهم إلى نوع من المعلومات، دون نوع، وقد يوجد ذلك منهم في حال دون حال، وقد تعترضهم الآفات فيخلف علمهم الجهل، ويعقب ذكرهم النسيان، وقد نجد الواحد منهم عالما بالفقه غير عالم بالنحو وعالما بهما غير عالم بالحساب وبالطب ونحوهما من الأمور، وعلم الله -سبحانه- علم حقيقة، وكمال:{قد أحاط بكل شيء علما} [الطلاق: 12]، {وأحصى كل شيء عددا} [الجن/ 28](4).
القرآن
{لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148)} [النساء: 148]
التفسير:
لا يُحِبُّ الله أن يَجهر أحدٌ بقول السوء، لكن يُباح للمظلوم أن يَذكُر ظالمه بما فيه من السوء; ليبيِّن مَظْلمته. وكان الله سميعًا لما تجهرون به، عليمًا بما تخفون من ذلك.
في سبب نزول الآية وجهان:
أحدهما: قال مجاهد: "نزلت في رجل ضاف رجلا بفلاةٍ من الأرض فلم يضفه، فنزلت: {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ}، ذكر أنه لم يضفه، لا يزيد على ذلك"(5).
والثاني: قال مقاتل: " نزلت في أبي بكر- رضي الله عنه شتمه رجل والنبي- صلى الله عليه وسلم جالس فسكت عنه مرارا ثم رد عليه أبو بكر- رضي الله عنه فقام النبي- صلى الله عليه وسلم عند ذلك، فقال أبو بكر- رضي الله عنه: يا رسول الله، شتمني وأنا ساكت، فلم تقل له شيئا حتى إذا رددت عليه قمت. قال: «إن ملكا كان يجيب عنك، فلما أن رددت عليه ذهب الملك وجاء الشيطان، فلم أكن لأجلس عند مجيء الشيطان» (6) "(7).
(1) انظر: الحق الواضح المبين: 70.
(2)
شأن الدعاء: 1/ 65 - 66.
(3)
شأن الدعاء: 1/ 57، والأسماء والصفات للبيهقي: 1/ 121.
(4)
انظر: شأن الدعاء، الخطابي: 1/ 57.
(5)
أخرجه الطبري (10761): ص 9/ 347. وانظر: اسباب النزول للواحدي: 186، ولباب النقول للسيوطي: 73 - 74.
(6)
أخرجه أحمد: (9622): ص 2/ 436، وأبو داود:(4897)، ونص الحديث: عن أبي هريرة: "أن رجلا شتم أبا بكر والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعجب ويتبسم، فلما أكثر رد عليه بعض قوله، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقام، فلحقه أبو بكر، فقال: يا رسول الله، كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت، قال: إنه كان معك ملك يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان، ثم قال: يا أبا بكر، ثلاث كلهن حق: ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله، عز وجل، إلا أعز الله بها نصره، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة، إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة، إلا زاده الله، عز وجل، بها قلة".
(7)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 418.
قال الماتريدي: " وقيل: نزلت الآية في أبي بكر رضي الله عنه شتمه رجل بمكة، فسكت عنه ما شاء الله، ثم انتصر؛ فقام النبي صلى الله عليه وسلم – وتركه"(1).
قوله تعالى: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء: 148]، أي:" لا يُحِبُّ الله أن يَجهر أحدٌ بقول السوء، لكن يُباح للمظلوم أن يَذكُر ظالمه بما فيه من السوء; ليبيِّن مَظْلمته"(2).
قال الزجاج: " المعنى: أن المظلوم جائز أن يظهر بظلامته تشكيا، والظالم يجهر بالسوء من القول ظلما واعتداء"(3).
قال الزمخشري: " استثنى من الجهر الذي لا يحبه الله جهر المظلوم. وهو أن يدعو على الظالم ويذكره بما فيه من السوء"(4).
قال ابن عطية: " المحبة في الشاهد إرادة يقترن بها استحسان وميل اعتقاد، فتكون الأفعال الظاهرة من المحب بحسب ذلك، والجهر بالسوء من القول لا يكون من الله تعالى فيه شيء من ذلك، أما أنه يريد وقوع الواقع منه ولا يحبه هو في نفسه. والجهر: كشف الشيء، ومنه الجهرة في قول الله تعالى: {أرنا الله جهرة} [النساء: 53]، ومنه قولهم: جهرت البير، إذا حفرت حتى أخرجت ماءها"(5).
وفي قوله تعالى: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء: 148]، وجوه:
أحدها: يعني إلا أن يكون مظلوماً فيدعو على من ظلمه، وهذا قول ابن عباس (6)، والحسن (7)، واختاره الثعلبي (8).
قال ابن عطية: " قول الحسن دعاء في المدافعة، وتلك أقل منازل السوء من القول، وقول ابن عباس الدعاء على الظالم بإطلاق في نوع الدعاء"(9).
والثاني: إلا أن يكون مظلوماً فيجهر بظلم من ظلمه، وهذا قول مجاهد (10).
والثالث: إلا من ظلم فانتصر من ظالمه، وهذا قول الحسن (11)، والسدي (12).
والرابع: إلا أن يكون ضيفاً، فينزل على رجل فلا يحسن ضيافته، فلا بأس أن يجهر بذمه، وهذا مروي عن مجاهد أيضا (13)، واختاره الفراء (14).
قال الماتريدي: " وإلى هذا يذهب أكثر المتأولين، لكنه بعيد"(15).
قال الجصاص: " قال أبو بكر: إن كان التأويل كما ذكر فقد يجوز أن يكون ذلك في وقت كانت الضيافة واجبة، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الضيافة ثلاثة أيام فما زاد فهو صدقة» (16)، وجائز أن يكون فيمن لا يجد ما يأكل فيستضيف غيره فلا يضيفه فهذا مذموم يجوز أن يشكى"(17).
والخامس: هو الرجل يشتمك فتشتمه، ولكن إن افترى عليك فلا تفتري عليه. وهذه رواية ابن عمر عن عبدالكريم (18).
(1) تفسير الماتريدي: 3/ 403.
(2)
التفسير الميسر: 101.
(3)
معاني القرآن: 2/ 125.
(4)
الكشاف: 1/ 582.
(5)
المحرر الوجيز: 2/ 129.
(6)
انظر: تفسير الطبري (10749) - (10751): ص 9/ 344.
(7)
انظر: تفسير الطبري (10752): ص 9/ 344.
(8)
انظر: الكشف والبيان: 3/ 407.
(9)
المحرر الوجيز: 2/ 129.
(10)
انظر: تفسير الطبري (10756) - (10757): ص 9/ 346
(11)
انظر: النكت والعيون: 1/ 540.
(12)
انظر: تفسير الطبري (10762): ص 9/ 348.
(13)
انظر: تفسير الطبري (10753) - (10755): ص 9/ 345 - 346.
(14)
انظر: معاني القرآن: 1/ 293.
(15)
تفسير الماتريدي: 3/ 403.
(16)
أخرجه ابن أبي شيبة: (33461): ص 12/ 477، وأحمد:(7860): ص 2/ 288، و (9560) ص: 2/ 431، و"البخاري" في "الأدب المفرد (742).
(17)
أحكام القرآن: 3/ 281.
(18)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (6172): ص 4/ 1101.
والسادس: أن المعنى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول لأهل النفاق، إلا من أقام على نفاقه، فإنه لا بأس بالجهر له بالسوء من القول. وهذا قول ابن زيد (1). اعترض عليه الطبري (2).
والسابع: قال ابن المستنير: " {إلا من ظلم}، معناه: إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول كفرا أو نحوه فذلك مباح، والآية في الإكراه"(3).
والراجح-والله اعلم- أن المعنى: "لا يحب الله، أيها الناس، أن يجهر أحدٌ لأحد بالسوء من القول {إلا من ظلم}، بمعنى: إلا من ظلم، فلا حرج عليه أن يخبر بما أسيء عليه، وإذا كان ذلك معناه، دخل فيه إخبار من لم يُقْرَ، أو أسيء قراه، أو نيل بظلم في نفسه أو ماله"(4).
قرأ العامة: {مَنْ ظُلِمَ} ، بضم "الظاء"، وقرأه بعضهم:«إِلا مَنْ ظَلَمَ» ، بفتح" الظاء"(5).
قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا} [النساء: 148]، أي:" وكان الله سميعًا لما تجهرون به، عليمًا بما تخفون من ذلك"(6).
قال الماتريدي: أي: {سميعا} " بجهر السوء، {عليما} به"(7).
قال الثعلبي: أي: " {سميعا}، لدعاء المظلوم، {عليما}، بعقاب الظالم"(8).
قال السمعاني: أي: " {سميعا}، لأقوالكم: {عليما}، بنياتكم"(9).
قال الباقلاني: " وقالوا: ومن الإحالة في الكلام قولُه: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} ، فكأنَّه يُحبُّ من المظلوم أن يجهرَ بالسوء.
وهذا متناقض جدا - زعموا - فيقال لهم: ليس ذلك على ما توهمتم، ومعنى هذه اللفظة الذي هو لفظ الاستثناء لكن لا يُحبُّ اللهُ الجهرَ بالسوء من القول ولكن من ظُلمَ فله أن يُخبرَ بظلمِ من ظلمَهُ ودخول الضرر عليه، ولا يجب الكشفُ عن عورات الناس وزلاتهم وكثرةُ التتبع لهم والتجسسُ عليهم.
وقال بعضهم: قولُه: {إلا من ظُلِمَ} ، فإنّه يحل له أن يدعو اللهَ على ظالمه ويستكفَّه شرَّه، ويرغبُ إليه في منعه من ظلمه، وقد قال قومٌ قولُه:{لا يُحبُّ اللهُ الجهرَ بالسوء من القول} ، كلام تام، ثم ابتدأ فقال:{إلا من ظُلمَ} ، فإن له أن ينتصرَ ويمنعَ الظلمَ ويدفَعَه فبطل بذلك ما قالوه" (10).
الفوائد:
1 -
في قوله: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} ، دليل على أنه ليس في إباحة الشيء في حال - يوجب حظره في حال أخرى؛ لأنه نهي عن الجهر بالسوء من القول، ثم لم يدل ذلك على أنه لا ينهى عن ذلك في غير حال الجهر (11).
2 -
حرمة الجهر بالسوء والسر به كذلك فلا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن ينطق بما يسوء إلى القلوب والنفوس إلا في حالة الشكوى وإظهار الظلم لا غير.
3 -
في هذه الآية دلالة على وجوب الإنكار على من تكلم بسوء فيمن كان ظاهره الستر والصلاح لأن الله تعالى قد أخبر أنه لا يجب ذلك وما لا يحبه فهو الذي لا يريده فعلينا أن نكرهه وننكره وقال: {إلا من ظلم} ، فما لم يظهر لنا ظلمه فعلينا إنكار سوء القول فيه (12).
4 -
إثبات اسمين من أسماءه: «السميع» ، و «البصير»:
قال الخطابي: " السميع: بمعنى السامع، إلا أنه أبلغ في الصفة، وبناء فعيل: بناء المبالغة. كقولهم: عليم: من عالم، وقدير: من قادر، وهو الذي يسمع السر والنجوى. سواء عنده الجهر، والخفوت، والنطق، والسكوت، وقد يكون السماع بمعنى القبول والإجابة"(13).
(1) انظر: تفسير الطبري (10763)، و (10764): ص 9/ 348 - 349.
(2)
انظر: تفسير الطبري: 9/ 351 - 352.
(3)
المحرر الوجيز: 2/ 129 - 130.
(4)
تفسير الطبري: 9/ 349 - 350.
(5)
انظر: تفسير الطبري: 9/ 344.
(6)
التفسير الميسر: 101.
(7)
تفسير الماتريدي: 3/ 404.
(8)
تفسير الثعلبي: 3/ 407.
(9)
تفسير السمعاني: 1/ 496.
(10)
الانتصار للقرآن: 2/ 741.
(11)
انظر: تفسير الماتريدي: 3/ 404.
(12)
انظر: أحكام القرآن للجصاص: 3/ 281.
(13)
شأن الدعاء: 1/ 59.
و «البصير» : "هو المبصر. فعيل بمعنى: مفعل، ويقال: البصير: العالم بخفيات الأمور"(1).
القرآن
{إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149)} [النساء: 149]
التفسير:
إِن أظهرتم أيها الناس عمل الخير أو أخفيتموه أو عفيتم عمن أساء إِليكم، فإن الله تعالى كان مبالغا في العفو عن عباده مع قدرته عليهم (2).
قوله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ} [النساء: 149]، أي:" إِن أظهرتم أيها الناس عمل الخير أو أخفيتموه"(3).
قال مقاتل: " يعني: تعلنوه، {أو تخفوه}، يعني: تسروه"(4).
قال ابن كثير: " أي: إن تظهروا - أيها الناس - خيرًا، أو أخفيتموه"(5).
قال الطبري: " يقول: إن تقولوا جميلا من القول لمن أحسن إليكم، فتظهروا ذلك شكرًا منكم له على ما كان منه من حسن إليكم، أو تتركوا إظهار ذلك فلا تبدوه"(6).
وعن مجاهد: " {إن تبدوا}، قال: من اليقين والشك"(7).
قوله تعالى: {أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ} [النساء: 149]، أي:" أو عفيتم عمن أساء إِليكم"(8).
قال ابن كثير: " أو عفوتم عمن أساء إليكم"(9).
قال الطبري: " يقول: أو تصفحوا لمن أساءَ إليكم عن إساءته، فلا تجهروا له بالسوء من القول الذي قد أذنت لكم أن تجهروا له به"(10).
قوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} [النساء: 149]، أي:" فإن الله تعالى كان مبالغا في العفو عن عباده مع قدرته عليهم"(11).
قال مقاتل: " يقول: فإن الله أقدر على عفو ذنوبك منك على العفو عن صاحبك"(12).
قال ابن كثير: أي: " فإن ذلك مما يقربكم عند الله ويجزل ثوابكم لديه، فإن من صفاته تعالى أن يعفو عن عباده مع قدرته على عقابهم"(13).
قال الطبري: " يقول: لم يزل ذا عفوٍ عن خلقه، يصفح عمن عصَاه وخالف أمره، ذا قدرة على الانتقام منهم"(14).
قال ابن عباس: " أخبر الله عباده بحكمه وعفوه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنبا صغيرا أو كبيرا ثم استغفر الله يجد الله غفورا رحيما ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال"(15).
قال الزمخشري: "ثم حثّ على العفو، وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء وإن كان على وجه الانتصار، بعد ما أطلق الجهر به وجعله محبوبا، حثا على الأحب إليه والأفضل عنده والأدخل في الكرم والتخشع والعبودية، وذكر إبداء الخير وإخفاءه تشبيبا للعفو، ثم عطفه عليهما اعتدادا به وتنبيها على منزلته، وأن له مكانا في باب
(1) شأن الدعاء: 1/ 61.
(2)
انظر: صفوة التفاسير: 290.
(3)
صفوة التفاسير: 290.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 418.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 444.
(6)
تفسير الطبري: 9/ 350 - 351.
(7)
أخرجه ابن ابي حاتم (6173): ص 4/ 1101.
(8)
صفوة التفاسير: 290.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 444.
(10)
تفسير الطبري: 9/ 350 - 351.
(11)
صفوة التفاسير: 290.
(12)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 418.
(13)
تفسير ابن كثير: 2/ 444.
(14)
تفسير الطبري: 9/ 351.
(15)
أخرجه ابن ابي حاتم (6174): ص 4/ 1101.
الخير وسيطا، والدليل على أن العفو هو الغرض المقصود بذكر إبداء الخير وإخفائه قوله:{فإن الله كان عفوا قديرا} ، أى: يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام، فعليكم أن تقتدوا بسنة الله" (1).
وقد جاء في الحديث الصحيح: "ما نقص مال من صدقة، ولا زاد الله عبدا بعفو إلا عزًّا، ومن تواضع لله رفعه الله"(2).
ويحتمل الآية أن العفو والتجاوز خير عند الله من الانتصار، وذلك من وجهين (3):
أحدهما: أن يكون على الترغيب: رغبهم عز وجل بالعفو عن السوء والمظلمة، فكما أنه يعفو عن خلقه، ويتجاوز عنهم مع قدرته على الانتقام - فاعفوا أنتم عن ظالمكم أيضا، وإن أنتم قدرتم على الانتصار والانتقام منهم، فيكون لكم بذلك عند الله الثواب.
والثاني: أن يأمرهم بالعفو عن مظالمهم؛ ليعفو عز وجل عن مظالمهم التي فيما بينهم وبين ربهم؛ وعلى ذلك يخرج قوله: {فإن الله كان عفوا قديرا} ، فإن الله عز وجل أقدر على عفو ذنوبكم منكم على عفو صاحبكم المسيء إليكم.
الفوائد:
1 -
استحباب فعل الخير وسره كجهره لا ينقص أجره بالجهر ولا يزيد بالسر.
3 -
استحباب العفو عن المؤمن إذا بدا منه سوء، ومن يعف يعف الله عنه.
3 -
إثبات اسمين من اسمائه تعالى، وهما:«العفو» ، و «القدير»:
و«العفو» : "الصفح عن الذنوب، وترك مجازاة المسيء وقيل: إن العفو مأخوذ من عفت الريح الأثر إذا درسته، فكان العافي عن الذنب يمحوه بصفحه عنه"(4).
و«القدير» : "من القدرة على الشيء. يقال: قدر يقدر قدرة فهو قادر وقدير، كقوله تعالى: {وكان الله على كل شيء قديرا} [الأحزاب: 27] ووصف الله نفسه بأنه قادر على كل شيء، أراده: لا يعترضه عجز ولا فتور، وقد يكون القادر بمعنى المقدر للشيء، يقال: قدرت الشيء وقدرته بمعنى واحد كقوله: {فقدرنا فنعم القادرون} [المرسلات: 23] أي: نعم المقدرون. وعلى هذا يتأول قوله -سبحانه-: {فظن أن لن نقدر عليه} [الأنبياء: 87] أي: لن نقدر عليه الخطيئة أو العقوبة إذ لا يجهز على نبي الأن يظن عدم قدرة الله -جل وعز- عليه فى حال من الأحوال"(5).
القرآن
التفسير:
إن الذين يكفرون بالله ورسله من اليهود والنصارى، ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله بأن يؤمنوا بالله ويكذبوا رسله الذين أرسلهم إلى خلقه، أو يعترفوا بصدق بعض الرسل دون بعض، ويزعموا أنَّ بعضهم افتروا على ربِّهم، ويريدون أن يتخذوا طريقًا إلى الضلالة التي أحدثوها والبدعة التي ابتدعوها.
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} [النساء: 150]، أي:" إن الذين يكفرون بالله ورسله من اليهود والنصارى"(6).
قال القرطبي: " لما ذكر المشركين والمنافقين ذكر الكفار من أهل الكتاب، اليهود والنصارى، إذ كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبين أن الكفر به كفر بالكل، لأنه ما من نبي إلا وقد أمر قومه بالايمان بحمد صلى الله عليه وسلم وبجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام"(7).
(1) الكشاف: 1/ 582.
(2)
رواه مسلم في صحيحه برقم (2588) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
انظر: تفسير الماتريدي: 3/ 404.
(4)
شأن الدعاء: 1/ 91.
(5)
شأن الدعاء: 1/ 186.
(6)
التفسير الميسر: 102.
(7)
تفسير القرطبي: 6/ 5.
قال ابن عرفة: " عبر عنهم بلفظ المضارع، ثم قال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} [النساء: 152]، فعبر بلفظ الماضي؛ لأن الإيمان مأمور مطلوب به فجعل كالواقع المحقق، والكفر منهي محنه فجعل كأنه لم يقع"(1).
قوله تعالى: {وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ} [النساء: 150]، أي:" ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله"(2).
قال ابن عطية: " وفرقوا بين الله ورسله في أنهم قالوا: نحن نؤمن بالله ولا نؤمن بفلان وفلان من الأنبياء"(3).
قال القرطبي: " أي: بين الإيمان بالله ورسله، فنص سبحانه على أن التفريق بين الله ورسله كفر، وإنما كان كفرا لأن الله سبحانه فرض على الناس أن يعبدوه بما شرع لهم على ألسنة الرسل، فإذا جحدوا الرسل ردوا عليهم شرائعهم ولم يقبلوها منهم، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية التي أمروا بالتزامها، فكان كجحد الصانع سبحانه، وجحد الصانع كفر لما فيه من ترك التزام الطاعة والعبودية. وكذلك التفريق بين رسله في الإيمان بهم كفر"(4).
قال ابن جريج: " اليهود والنصارى. آمنت اليهود بعُزَير وكفرت بعيسى، وآمنت النصارى بعيسى وكفرت بعزَير، وكانوا يؤمنون بالنبيّ ويكفرون بالآخر"(5).
قال السدي: " يقولون: محمد ليس برسولٍ لله! وتقول اليهود: عيسى ليس برسولٍ لله! فقد فرَّقوا بين الله وبين رسله"(6).
قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} [النساء: 150]، أي: ويقولون: " نؤمن ببعض الرسل ونكفر ببعض"(7).
قال ابن عطية: " قيل: معناه من الأنبياء، وقيل: هو تصديق بعضهم لمحمد في أنه نبي، لكن ليس إلى بني إسرائيل، ونحو هذا من تفريقاتهم التي كانت تعنتا وروغانا"(8).
قال القرطبي: " وهم اليهود آمنوا بموسى وكفروا بعيسى ومحمد، وقد تقدم هذا من قولهم في «البقرة». ويقولون لعوامهم: لم نجد ذكر محمد في كتبنا"(9).
قال السدي: " فهؤلاء يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض"(10).
قوله تعالى: {وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [النساء: 150]، أي:" ويريدون أن يتخذوا طريقًا إلى الضلالة التي أحدثوها والبدعة التي ابتدعوها"(11).
قال ابن جريج: " {ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا}، قال: دينًا يدينون به الله"(12).
قال ابن كثير: {سبيلا} : " أي: طريقًا ومسلكًا"(13).
قال ابن عطية: " أي: بين الإيمان والإسلام والكفر الصريح المجلح"(14).
قال القرطبي: " أي: يتخذوا بين الإيمان والجحد طريقا، أي دينا مبتدعا بين الإسلام واليهودية"(15).
قال البيضاوي: أي: " طريقا وسطا بين الإيمان والكفر، ولا واسطة: إذ الحق لا يختلف فإن الإيمان بالله سبحانه وتعالى لا يتم إلا بالإيمان برسله وتصديقهم فيما بلغوا عنه تفصيلا أو إجمالا، فالكافر ببعض ذلك كالكافر بالكل في الضلال كما قال الله تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس: 32] "(16).
(1) تفسير ابن عرفة: 2/ 67.
(2)
التفسير الميسر: 102.
(3)
المحرر الوجيز: 2/ 130.
(4)
تفسير القرطبي: 6/ 5.
(5)
أخرجه الطبري (10767): ص 9/ 354.
(6)
أخرجه الطبري (10766): ص 9/ 354.
(7)
صفوة التفاسير: 290.
(8)
المحرر الوجيز: 2/ 130.
(9)
تفسير القرطبي: 6/ 5.
(10)
أخرجه الطبري (10766): ص 9/ 354.
(11)
التفسير الميسر: 102.
(12)
أخرجه الطبري (10767): ص 9/ 354.
(13)
تفسير ابن كثير: 2/ 445.
(14)
المحرر الوجيز: 2/ 130.
(15)
تفسير القرطبي: 6/ 5.
(16)
تفسير البيضاوي: 2/ 106.
قال الطبري: " يقول: ويريد المفرِّقون بين الله ورسله، الزاعمون أنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، أن يتخذوا بين أضعاف قولهم: {نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعض}، {سبيلا}، يعني: طريقًا إلى الضلالة التي أحدثوها، والبدعة التي ابتدعوها، يدعون أهل الجهل من الناس إليه"(1).
قال الزمخشري: " معنى «اتخاذهم بين ذلك سبيلا»: أن يتخذوا دينا وسطا بين الإيمان والكفر كقوله: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلً} [الإسراء: 110]، أى: طريقا وسطا في القراءة وهو ما بين الجهر والمخافتة. وقد أخطؤا، فإنه لا واسطة بين الكفر والإيمان"(2).
قال قتادة: " أولئك أعداء الله اليهود والنصارى. آمنت اليهود بالتوراة وموسى، وكفروا بالإنجيل وعيسى. وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى، وكفروا بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم. فاتخذوا اليهودية والنصرانية، وهما بدعتان ليستا من الله، وتركوا الإسلام وهو دين الله الذي بعث به رُسله"(3).
الفوائد:
1 -
تقرير كفر اليهود والنصارى لفساد عقيدتهم وبطلان أعمالهم.
2 -
كفر من كذب بالله ورسوله ولو في شيء واحد مما وجب الإيمان به.
3 -
بطلان إيمان من يؤمن ببعض الرسل ويكفر ببعض.
القرآن
{أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (151)} [النساء: 151]
التفسير:
أولئك هم أهل الكفر المحقَّق الذي لا شك فيه، وأعتدنا للكافرين عذابًا يخزيهم ويهينهم.
قوله تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا} [النساء: 151]، أي:" أولئك هم أهل الكفر المحقَّق الذي لا شك فيه"(4).
قال البيضاوي: أي: " هم الكاملون في الكفر لا عبرة بإيمانهم هذا"(5).
قال النسفي: اي: " هم الكاملون في الكفر، لأن الكفر بواحد كفر بالكل"(6).
قال ابن عرفة: " أي كفرا محققا يقينا لَا شك فيه بخلاف من وحد الله وجحد بعض الصفات كالمعتزلة، فإن في كفرهم نظر، أو لذلك اختلف العلماء فيهم"(7).
قال ابن كثير: " أي: كفرهم محقق لا محالة بمن ادعوا الإيمان به؛ لأنه ليس شرعيًّا، إذ لو كانوا مؤمنين به لكونه رسول الله لآمنوا بنظيره، وبمن هو أوضح دليلا وأقوى برهانًا منه، لو نظروا حق النظر في نبوته"(8).
قال الزمخشري: " أى: هم الكاملون في الكفر. و {حقا}، تأكيد لمضمون الجملة، كقولك: هو عبد الله حقا، أى حق ذلك حقا، وهو كونهم كاملين في الكفر، أو هو صفة لمصدر الكافرين، أى هم الذين كفروا كفرا حقا ثابتا يقينا لا شك فيه"(9).
قال ابن عطية: " ثم أخبر تعالى عنهم أنهم الكافرون حقا، لئلا يظن أحد أن ذلك القدر الذي عندهم من الإيمان ينفعهم، وباقي الآية وعيد"(10).
قال القرطبي: " تأكيد يزيل التوهم في إيمانهم حين وصفهم بأنهم يقولون نؤمن ببعض، وأن ذلك لا ينفعهم إذا كفروا برسوله، وإذا كفروا برسوله فقد كفروا به عز وجل، وكفروا بكل رسول مبشر بذلك الرسول، فلذلك صاروا الكافرين حقا"(11).
(1) تفسير الطبري: 9/ 352 - 353.
(2)
الكشاف: 1/ 582.
(3)
اخرجه الطبري (10765): 9/ 354.
(4)
التفسيير الميسر: 102.
(5)
تفسير البيضاوي: 2/ 106.
(6)
تفسير النسفي: 1/ 410.
(7)
تفسير ابن عرفة: 2/ 67.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 445.
(9)
الكشاف: 1/ 582.
(10)
المحرر الوجيز: 2/ 130.
(11)
تفسير القرطبي: 6/ 5 - 6.
قال الطبري: " يقول: أيها الناس، هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم، هم أهل الكفر بي، المستحقون عذابي والخلود في ناري حقًّا. فاستيقنوا ذلك، ولا يشككنَّكم في أمرهم انتحالهم الكذب، ودعواهم أنهم يقرُّون بما زعموا أنهم به مقرُّون من الكتب والرسل، فإنهم في دعواهم ما ادعوا من ذلك كَذَبَةٌ. وذلك أن المؤمن بالكتب والرسل، هو المصدّق بجميع ما في الكتاب الذي يزعم أنه به مصدق، وبما جاء به الرسول الذي يزعم أنه به مؤمن. فأما من صدّق ببعض ذلك وكذَّب ببعض، فهو لنبوة من كذب ببعض ما جاء به جاحد، ومن جحد نبوة نبي فهو به مكذب. وهؤلاء الذين جحدوا نبوة بعض الأنبياء، وزعموا أنهم مصدقون ببعض، مكذبون من زعموا أنهم به مؤمنون، لتكذيبهم ببعض ما جاءهم به من عند ربهم، فهم بالله وبرسله الذين يزعمون أنهم بهم مصدقون، والذين يزعمون أنهم بهم مكذبون كافرون، فهم الجاحدون وحدانية الله ونبوّة أنبيائه حق الجحود، المكذبون بذلك حق التكذيب. فاحذروا أن تغتروا بهم وببدعتهم"(1).
قوله تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 151]، أي:" وأعتدنا للكافرين عذابًا يخزيهم ويهينهم"(2).
قال الطبري: " يعني: {وأعتدنا} لمن جحد بالله ورسوله جحودَ هؤلاء الذين وصفت لكم، أيها الناس، أمرَهم من أهل الكتاب، ولغيرهم من سائر أجناس الكفار {عذابًا}، في الآخرة {مهينًا}، يعني: يهين من عُذِّب به بخلوده فيه"(3).
قال السعدي: : " كما تكبروا عن الإيمان بالله، أهانهم بالعذاب الأليم المخزي"(4).
قال ابن كثير: " أي: كما استهانوا بمن كفروا به إما لعدم نظرهم فيما جاءهم به من الله، وإعراضهم عنه وإقبالهم على جمع حطام الدنيا مما لا ضرورة بهم إليه، وإما بكفرهم به بعد علمهم بنبوته، كما كان يفعله كثير من أحبار اليهود في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث حسدوه على ما آتاه الله من النبوة العظيمة، وخالفوه وكذبوه وعادوه وقاتلوه، فسلط الله عليهم الذل الدنيوي الموصول بالذل الأخروي: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} [البقرة: 61] في الدنيا والآخرة"(5).
الفوائد:
1 -
بطلان اليهودية والنصرانية حيث أوعد تعالى اليهود والنصارى بالعذاب المهين.
2 -
أن وجه كونهم كافرين - حتى بما زعموا الإيمان به- أن كل دليل دلهم على الإيمان بمن آمنوا به موجود هو أو مثله أو ما فوقه للنبي الذي كفروا به، وكل شبهة يزعمون أنهم يقدحون بها في النبي الذي كفروا به موجود مثلها أو أعظم منها فيمن آمنوا به (6).
فلم يبق بعد ذلك إلا التشهي والهوى ومجرد الدعوى التي يمكن كل أحد أن يقابلها بمثلها
3 -
ومن الفوائد الآية والتي قبلها: أن الكافرين بالرسل فريقان (7):
- فريق لا يؤمن بأحد منهم، لإنكارهم النبوات وزعمهم أن ما أتى به الأنبياء من الهدى والشرائع هو من عند أنفسهم لا من عند الله، وأكثر الملحدين فى هذا العصر من ذلك الفريق.
- وفريق آخر يؤمن ببعض الرسل دون بعض كقول اليهود نؤمن بموسى ونكفر بعيسى ومحمد فهما ليسا برسولين، وقول النصارى نؤمن بموسى وعيسى ونكفر بمحمد، والفريقان كافرون مستحقون للعذاب، ولا عبرة بما يدعونه إيمانا.
القرآن
التفسير:
(1) تفسير الطبري: 9/ 353.
(2)
التفسيير الميسر: 102.
(3)
تفسير الطبري: 9/ 353 - 354.
(4)
تفسير السعدي: 212.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 445.
(6)
انظر: تفسير السعدي: 212.
(7)
انظر: تفسير المراغي: 6/ 6.
والذين صَدَّقوا بوحدانية الله، وأقرُّوا بنبوَّة رسله أجمعين، ولم يفرقوا بين أحد منهم، وعملوا بشريعة الله، أولئك سوف يعطيهم جزاءهم وثوابهم على إيمانهم به وبرسله. وكان الله غفورًا رحيمًا.
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} [النساء: 152]، أي:" والذين صَدَّقوا بوحدانية الله، وأقرُّوا بنبوَّة رسله أجمعين"(1).
قال الطبري: أي: " والذين صدقوا بوحدانية الله، وأقرّوا بنبوة رسله أجمعين، وصدّقوهم فيما جاءوهم به من عند الله من شرائع دينه"(2).
قوله تعالى: {وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} [النساء: 152]، أي:" ولم يفرقوا بين أحد من رسل الله"(3).
قال مقاتل: " يعني: بين الرسل وصدقوا بالرسل جميعا"(4).
قال أبو السعود: " بأن يؤمنوا ببعضهم ويكفروا بآخرين كما فعله الكفرة"(5).
قال الطبري: "يقول: ولم يكذّبوا بعضهم ويصدقوا بعضهم، ولكنهم أقرُّوا أن كل ما جاءوا به من عند ربهم حق"(6).
قال الماتريدي: " يعني: من الرسل، وقالوا: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ
…
} [البقرة: 136] إلى آخر ما ذكر" (7).
قال السمرقندي: أي: " في الإيمان والتصديق، يعني لم يكفروا ولم يجحدوا بأحد من الأنبياء والرسل عليهم السلام، ويصدقون بجميع الكتب"(8).
قال ابن كثير: "قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} يعني بذلك: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم يؤمنون بكل كتاب أنزله الله وبكل نبي بعثه الله، كما قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285] "(9).
وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: " يعني به النبي صلى الله عليه وسلم وأمته"(10).
قال الزمخشري: " فإن قلت: كيف جاز دخول بين على أحد وهو يقتضى شيئين فصاعدا؟
قلت: إن أحدا عام في الواحد المذكر والمؤنث وتثنيتهما وجمعهما، تقول: ما رأيت أحدا، فتقصد العموم، ألا تراك تقول: إلا بنى فلان، وإلا بنات فلان فالمعنى: ولم يفرقوا بين اثنين منهم أو بين جماعة ومنه قوله تعالى: {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} [الأحزاب: 32] " (11).
قوله تعالى: {أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ} [النساء: 152]، أي:" أولئك سوف يعطيهم جزاءهم وثوابهم"(12).
قال مقاتل: " يعني: جزاء أعمالهم"(13).
قال السمرقندي: " أي: سنعطيهم ثوابهم في الجنة"(14).
قال ابن كثير: أي: "على ما آمنوا بالله ورسله"(15).
قال الطبري: " يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم من المؤمنين بالله ورسله، سوف يعطيهم جزاءهم وثوابهم على تصديقهم الرسل في توحيد الله وشرائع دينه، وما جاءت به من عند الله"(16).
(1) التفسير الميسر: 102.
(2)
تفسير الطبري: 9/ 355.
(3)
التفسير الميسر: 102. [بتصرف].
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 418.
(5)
تفسير أبي السعود: 2/ 249.
(6)
تفسير الطبري: 9/ 355.
(7)
تفسير الماتريدي: 3/ 406.
(8)
بحر العلوم: 1/ 353.
(9)
تفسير ابيبن كثير: 2/ 445.
(10)
تفسير القرطبي: 6/ 6.
(11)
الكشاف: 1/ 583.
(12)
التفسير الميسر: 102.
(13)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 418.
(14)
بحر العلوم: 1/ 353.
(15)
تفسير ابيبن كثير: 2/ 445.
(16)
تفسير الطبري: 9/ 355.
قال الزمخشري: " معناه: أن إيتاءها كائن لا محالة وإن تأخر فالغرض به توكيد الوعد وتثبيته لا كونه متأخرا"(1).
قال السمعاني: " إنما سماه أجرا مجازا؛ لأنه ذكره بإزاء العمل، لأن العمل يوجبه، وهذا نحو قوله - تعالى - في قصة موسى: {إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص: 25]، سماه «أجرا» على مقابلة العمل؛ لأن موسى عمل؛ ليؤجر عليه"(2).
قال الشوكاني: " الإشارة بقوله: أولئك إلى {الذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم} "(3).
قال أبو السعود: " وتصديره بـ {سوف}، لتأكيد الوعد والدلالة على إنه كائن لا محالة وإن تراخى"(4).
وقرأ حمزة وعاصم-في رواية أبي بكر-، وابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر والكسائى:{نؤتيهم} ، بالنون (5).
قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 152]، أي: وكان الله" غفوراً لما سلف منهم من المعاصي والآثام متفضلاً عليهم بأنواع الإِنعام"(6).
قال ابن كثير: " أي: لذنوبهم، أي: إن كان لبعضهم ذنوب"(7).
قال البيضاوي: " {وكان الله غفورا}، لما فرط منهم. {رحيما}، عليهم بتضعيف حسناتهم"(8).
قال الطبري: "يقول: ويغفر لمن فعل ذلك من خلقه ما سلف له من آثامه، فيستر عليه بعفوه له عنه، وتركه العقوبة عليه، فإنه لم يزل لذنوب المنيبين إليه من خلقه غفورًا، {رحيمًا}، يعني ولم يزل بهم رحيمًا، بتفضله عليهم بالهداية إلى سبيل الحق، وتوفيقه إياهم لما فيه خلاص رِقابهم من النار"(9).
قال الماتريدي: " أخبر عز وجل أنه لم يزل غفورا رحيما، وهم يقولون: لم يكن غفورا رحيما ولكن صار غفورا رحيما، وبالله العصمة"(10).
قال الراغب: " ونبه بذكر الغفران على غفران ذنوبهم وبالرحمة على مجازاتهم بالإحسان"(11).
الفوائد:
1 -
صحة الدين الإسلامي إذ وعد المؤمنين بتوفية أجورهم والمغفرة والرحمة لهم.
2 -
وفي الآية دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم لا يسمون صاحب الكبيرة مؤمنا، وهو قد آمن بالله ورسله ولم يفرق بين أحد من رسله؛ فدخل في قوله - تعالى -:{أولئك سوف يؤتيهم أجورهم} وهم يقولون: لا يؤتيهم أجورهم (12).
3 -
إثبات اسمين من أسمائه تعالى، وهما:«الغفور» و «الرحيم» :
«الغفور» : "هو الذي تكثر منه المغفرة"(13).
وأن اقتران اسم «الغفور» باسم «الرحيم» يفيد أنه سبحانه يغفر للمستغفرين والتائبين لأنه واسع الرحمة. بمعنى أنه يغفر لمن تاب إليه وأناب رحمة منه لهذا العبد، لأنه لو لم يرحمه ويتداركه بمغفرته لهلك وخسر (14).
و«الرحيم» : يتضمن صفة الرحمة التي تعم عباده المؤمنين فحسب بأن هداهم إلى الإيمان في الدنيا، وهو يثيبهم في الآخرة الثواب الدائم الذي لا ينقطع، إذ يقول سبحانه:{وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} [الأحزاب آية 43].
(1) الكشاف: 1/ 583.
(2)
تفسير السمعاني: 1/ 497.
(3)
فتح القدير: 1/ 613.
(4)
تفسير أبي السعود: 2/ 249.
(5)
انظر: السبعة في القراءات: 240.
(6)
صفوة التفاسير: 290.
(7)
تفسير ابيبن كثير: 2/ 445.
(8)
تفسير البيضاوي: 2/ 106.
(9)
تفسير الطبري: 9/ 355.
(10)
تفسير الماتريدي: 3/ 406.
(11)
تفسير الراغب الاصفهاني: 4/ 213.
(12)
انظر: تفسير الماتريدي: 3/ 406.
(13)
شأن الدعاء للخطابي: 1/ 65.
(14)
انظر: مفهوم الأسماء والصفات، سعد ندا، مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ع 45: ص 94، وع 46: ص 72 - 73.
القرآن
التفسير:
يسألك اليهود -أيها الرسول- معجزة مثل معجزة موسى تشهد لك بالصدق: بأن تنزل عليهم صُحُفًا من الله مكتوبةً، مثل مجيء موسى بالألواح من عند الله، فلا تعجب -أيها الرسول- فقد سأل أسلافهم موسى عليه السلام ما هو أعظم: سألوه أن يريهم الله علانيةً، فَصُعِقوا بسبب ظلمهم أنفسهم حين سألوا أمرًا ليس من حقِّهم. وبعد أن أحياهم الله بعد الصعق، وشاهدوا الآيات البينات على يد موسى القاطعة بنفي الشرك، عبدوا العجل من دون الله، فعَفونا عن عبادتهم العجل بسبب توبتهم، وآتينا موسى حجة عظيمة تؤيِّد صِدق نُبُوَّتِه.
في سبب نزول الآية قولان:
أحدهما: عن محمد بن كعب القرظي؛ قال: "جاء أناس من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن موسى جاء بالألواح من عند الله؛ فأتنا بالألواح من عند الله؛ حتى نصدقك؛ فأنزل الله: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ} إلى قوله: {وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا} [النساء: 156] "(1). [ضعيف جداً].
والثاني: عن ابن جريج في قوله: " {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ}؛ وذلك أن اليهود والنصارى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لن نبايعك على ما تدعونا إليه؛ حتى تأتينا بكتاب من عند الله إلى فلان أنك رسول الله. قال الله -جل ثناؤه-: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} "(2). [ضعيف جداً].
قوله تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ} [النساء: 153]، أي:" يسألك اليهود -أيها الرسول- معجزة مثل معجزة موسى تشهد لك بالصدق: بأن تنزل عليهم صُحُفًا من الله مكتوبة من عند الله"(3).
قال الزجاج: " وهذا حين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: {وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ} (4) "(5).
قال السمعاني: " هم اليهود، قالوا للنبي لن نؤمن لك حتى تنزل علينا كتابا من السماء جملة، كما أنزلت التوراة على موسى جملة"(6).
وفي تفسير قوله تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ} [النساء: 153]، وجوه:
أحدها: أن اليهود سألوا محمداً صلى الله عليه وسلم، أن ينزل عليهم كتاباً من السماء مكتوباً، كما نزل على موسى الألواح، والتوراة مكتوبة من السماء، وهذا قول السدي (7)، ومحمد بن كعب (8).
والثاني: أنهم سألوه نزول ذلك عليهم خاصة، تحكماً في طلب الآيات، وهذا قول الحسن (9)، وقتادة (10).
(1) أخرجه الطبري (10769): ص 9/ 356. وهذا سند ضعيف جداً؛ فيه ثلاث: أحدها: عبد العزيز بن أبان الأموي السعيدي؛ متروك، وكذبه ابن معين؛ كما في "التقريب" 1/ 508. والثاني: أبو معشر نجيح السندي؛ ضعيف، أسن واختلط؛ كما في "التقريب": 2/ 298. والعلة الثالثة: الإرسال.
(2)
أخرجه سُنيد في "تفسيره" -ومن طريقه الطبري في "جامع البيان": (10771): ص 9/ 357.
وهذا سند واه بمرة؛ فيه علتان:
الأولى: الإعضال.
الثانية: وضعف سنيد صاحب "التفسير".
وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(2/ 726)، وزاد نسبته لابن المنذر.
(3)
التفسير الميسر: 102.
(4)
[سورة الإسراء: 93].
(5)
معاني القرآن: 2/ 126.
(6)
تفسير السمعاني: 1/ 497.
(7)
انظر تفسير الطبري (10768): ص 9/ 356.
(8)
انظر تفسير الطبري (10769): ص 9/ 356.
(9)
انظر: النكت والعيون: 1/ 540.
(10)
انظر تفسير الطبري (10770): ص 9/ 357.
والثالث: أنهم سألوه أن ينزِّل على طائفة من رؤسائهم كتاباً من السماء بتصديقه، وهذا قول ابن جريج (1).
والصواب من القول أن يقال: "إن أهل التوراة سألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن يسأل ربه أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، آيةً معجزةً جميعَ الخلق عن أن يأتوا بمثلها، شاهدةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدق، آمرة لهم باتباعه، وجائز أن يكون الذي سألوه من ذلك كتابًا مكتوبًا ينزل عليهم من السماء إلى جماعتهم وجائز أن يكون ذلك كتبًا إلى أشخاص بأعينهم. بل الذي هو أولى بظاهر التلاوة، أن تكون مسألتهم إياه ذلك كانت مسألة لتنزيل الكتاب الواحد إلى جماعتهم، لذكر الله تعالى في خبره عنهم «الكتاب» بلفظ الواحد بقوله: {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابًا من السماء}، ولم يقل «كتبًا» "(2).
قوله تعالى: {فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء: 153]، أي:" فلا تعجب -أيها الرسول- فقد سأل أسلافهم موسى عليه السلام ما هو أعظم: سألوه أن يريهم الله علانيةً"(3).
قال الزجاج: " أي فقد سألوا موسى بعد أن جاءهم بالآيات، فقالوا: {أرنا الله جهرة} "(4).
عن قتادة: " {فقد سألوا موسى أكبر من ذلك} [النساء: 153]، قولهم أرنا الله جهرة"(5).
وعن قتادة أيضا في قوله: " {جهرة} [النساء: 153]، أي: عيانا"(6). وروي عن الربيع بن أنس مثل ذلك (7).
قال ابن عباس: "إنما قالوا جهرةً: {أرنا الله}، قال: هو مقدّم ومؤخر"(8).
وعن ابن عباس أيضا ، "أنه قال في قول الله:{جهرة} [النساء: 153] أي: علانية" (9).
قال الطبري: " يعني: فقد سأل أسلافُ هؤلاء اليهود وأوائلهم موسى عليه السلام، أعظم مما سألوك من تنزيل كتاب عليهم من السماء، فقالوا له: " أرنا الله جهرة "، أي: عِيانًا نعاينه وننظر إليه، [وهذا] توبيخ من الله جل ثناؤه سائلي الكتابَ الذي سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزله عليهم من السماء، في مسألتهم إياه ذلك وتقريعٌ منه لهم. يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: يا محمد، لا يعظُمَنَّ عليك مسألتهم ذلك فإنهم من جهلهم بالله وجراءَتهم عليه واغترارهم بحلمه، لو أنزلت عليهم الكتاب الذي سألوك أن تنزله عليهم، لخالفوا أمر الله كما خالفوه بعد إحياء الله أوائلهم من صعقتهم، فعبدوا العجل واتخذوه إلهًا يعبدونه من دون خالقهم وبارئهم الذي أرَاهم من قدرته وعظيم سلطانه ما أراهم، لأنهم لن يعدُوا أن يكونوا كأوائلهم وأسلافهم"(10).
ويحتمل قوله تعالى: {فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء: 153]، وجهين (11):
أحدهما: أن الله تعالى بيَّن بذلك أن سؤالهم للإعْنَاتِ لا للاستبصار كما أنهم سألوا موسى أن يريهم الله جهرة، ثم كفروا بعبادة العجل.
والثاني: أنه بيَّن بذلك أنهم سألوا ما ليس لهم، كما أنهم سألوا موسى من ذلك ما ليس لهم.
وفي قوله تعالى: {قَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء: 153]، قولان:
أحدهما: أنهم سألوه رؤيته جهرة، أي معاينة، وهذا اختيار الزجاج (12).
والمعنى: "أرنا رؤية بينة منكشفة ظاهرة، لأن من علم الله عز وجل فقد زاد علما، ولكن سألوه رؤية يدركونها بأبصارهم، ودليل هذا القول قوله عز وجل: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: 55] "(13).
(1) انظر: تفسير الطبري (10771): ص 9/ 357.
(2)
انظر: تفسير الطبري: 9/ 357 - 358.
(3)
التفسير الميسر: 102.
(4)
معاني القرآن: 2/ 126.
(5)
أخرجه ابن ابي حاتم (6188): ص 4/ 1103.
(6)
أخرجه ابن ابي حاتم (6190): ص 4/ 1103.
(7)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6190): ص 4/ 1103.
(8)
أخرجه الطبري (10772): ص 9/ 359.
(9)
أخرجه ابن ابي حاتم (6189): ص 4/ 1103.
(10)
تفسير الطبري: 9/ 358.
(11)
انظر: النكت والعيون: 1/ 540.
(12)
انظر: معاني القرآن: 2/ 126 - 127.
(13)
معاني القرآن للزجاج: 2/ 126، وانظر: النكت والعيون: 1/ 540.
والثاني: أنهم قالوا: جهرة من القول: أّرِنا الله، فيكون على التقديم والتأخير، وهذا قول ابن عباس (1)، واختيار أبي عبيدة (2).
قال ابو عبيدة: " قالوا جهرة: أرنا الله، لأنهم إذا رأوا الله فالسر جهرة، فإنما جهرة صفة لقولهم"(3).
قوله تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} [النساء: 153]، أي:" فجاءتهم من السماء نار فأهلكنهم بسبب ظلمهم"(4).
قال أبو السعود: " أي: النار التى جاءت من السماء فأهلكتهم"(5).
قال الطبري: " يقول: فصُعقوا بظلمهم أنفسهم. وظلمهم أنفسهم، كان مسألَتهم موسى أن يريهم ربهم جهرة، لأن ذلك مما لم يكن لهم مسألته"(6).
قال قتادة: " أخذتهم الصاعقة ، أي ماتوا"(7).
قال الربيع بن انس: " هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه ، قال: سمعوا كلاما فصعقوا ، يقول: ماتوا"(8).
قال ابن شابور: "سمعت عروة بن رويم ، يقول: سأل بنو إسرائيل موسى يعني أن يريهم الله جهرة ، فأخبرهم أنهم لن يطيقوا ذلك ، فأبوا ، فسمعوا من الله فصعق بعضهم وبعض ينظرون ، ثم بعث هؤلاء وصعق هؤلاء"(9).
وعن السدي، قوله:" {جهرة فأخذتهم الصاعقة} [النساء: 153]، والصاعقة: نار"(10).
ويحتمل قوله تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} [النساء: 153]، وجهين (11):
أحدهما: بظلمهم لأنفسهم.
والثاني: بظلمهم في سؤالهم.
قال النسفي: " {بِظُلْمِهِمْ} على أنفسهم بسؤال شيء في غير موضعه أو بالتحكم على نبيهم في الآيات وتعنتهم فى سؤل الرؤية لا بسؤال الرؤية لأنها ممكنة كما نزل القرآن جملة ولو كان ذلك بسبب سؤال الرؤية لكان موسى بذلك أحق فإنه قال رب أرنى انظر اليك وما أخدته الصاعقة بل أطمعه وقيده بالممكن ولا يعلق بالممكن إلا ما هو ممكن الثبوت ثم أحياهم"(12).
وقرئ: " «الصعقة» (13).
قوله تعالى: {ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ} [النساء: 153]، أي:" ثم اتخذوا العجل إِلهاً وعبدوه"(14).
قال السمعاني: " يعنى: إلها"(15).
قال الطبري: "يعني: ثم اتخذ هؤلاء الذين سألوا موسى ما سألوه من رؤية ربهم جهرةً، بعد ما أحياهم الله فبعثهم من صعقتهم العجلَ الذي كان السامريُّ نبذ فيه ما نبذ من القبْضة التي قبضها من أثر فرس جبريل عليه السلام إلهًا يعبدونه من دون الله"(16).
قال أبو العالية: " إنما سمي العجل ، لأنهم عجلوا فاتخذوه قبل أن يأتيهم"(17).
(1) انظر: تفسير الطبري (10772): ص 9/ 359.
(2)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 126.
(3)
معاني القرىن للزجاج: 2/ 126.
(4)
صفوة التفاسير: 291.
(5)
تفسير ابي السعود: 2/ 249.
(6)
تفسير الطبري: 9/ 359.
(7)
أخرجه ابن ابي حاتم (6194): ص 4/ 1104.
(8)
أخرجه ابن ابي حاتم (6191): ص 4/ 1104.
(9)
أخرجه ابن ابي حاتم (6192): ص 4/ 1104. قال ابن أبي حاتم: " والسياق لمحمد وفي حديث عيسى بن يونس: ثم بعث الذين صعقوا أو صعق الآخرون ثم بعثوا ، فقال الله تعالى: {فأخذتهم الصاعقة} [النساء: 153] ".
(10)
أخرجه ابن ابي حاتم (6193): ص 4/ 1104.
(11)
انظر: النكت والعيون: 1/ 541.
(12)
تفسير النسفي: 1/ 411.
(13)
انظر: تفسير أبي السعود: 2/ 249.
(14)
صفوة التفاسير: 291.
(15)
تفسير السمعاني: 1/ 497.
(16)
تفسير الطبري: 9/ 359.
(17)
أخرجه ابن ابي حاتم (6195): ص 4/ 1104.
عن مجاهد ، "قوله:{العجل} [النساء: 153] حسيل البقر: ولد البقرة" (1).
قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [النساء: 153]، أي:"من بعد ما جاءتهم المعجزات والحجج الباهرات"(2).
قال الطبري: " يعني: من بعد ما جاءت هؤلاء الذين سألوا موسى ما سألوا، البينات من الله، والدلالاتُ الواضحات بأنهم لن يروا الله عيانًا جهارًا"(3).
و{البينات} : "آيات تبين عن أنهم لن يروا الله في أيام حياتهم في الدنيا جهرة، وكانت تلك الآيات البينات لهم على أن ذلك كذلك: إصعاقُ الله إياهم عند مسألتهم موسى أن يريهم ربه جهرة، ثم إحياءه إياهم بعد مماتهم، مع سائر الآيات التي أراهم الله دلالةً على ذلك"(4).
قوله تعالى: {فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ} [النساء: 153]، أي:" فعفونا عن عبادتهم العجل"(5).
قال البغوي: أي: " ولم نستأصلهم"(6).
قال النسفي: " تفضلاً ولم نستأصلهم"(7).
عن أبي العالية ، "قوله:{عفونا} [النساء: 153]، يعني: من بعد ما اتخذوا العجل" (8). وروي عن الربيع بن أنس مثل ذلك (9).
قال السمعاني: فيه استدعاء للتوبة، ومعناه: أن أولئك الذين اجترموا ذلك الإجرام، عفونا عنهم؛ فتوبوا أنتم، حتى نعفو عنكم" (10).
قوله تعالى: {وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا} [النساء: 153]، أي:" وآتينا موسى حجة عظيمة تؤيِّد صِدق نُبُوَّتِه"(11).
قال النسفي: " حجة ظاهرة على من خالفه"(12).
قال ابن ابي زمنين: أي: "حجة بيّنة"(13).
قال البغوي: " أي: حجة بينة من المعجزات، وهي الآيات التسع"(14).
قال السمعاني: أي: " حجة بينة من المعجزات"(15).
عن مجاهد ، "قوله:{وآتينا موسى سلطانا مبينا} [النساء: 153] يقول: حجة" (16).
الفوائد:
1 -
تعنت أهل الكتاب إزاء الدعوة الإسلامية وكفرهم بها على علم إنها دعوة حق.
2 -
بيان قبائح اليهود وخبثهم الملازم لهم طوال حياتهم.
القرآن
التفسير:
(1) أخرجه ابن ابي حاتم (6196): ص 4/ 1104.
(2)
صفوة التفاسير: 291.
(3)
تفسير الطبري: 9/ 360.
(4)
تفسير الطبري: 9/ 360.
(5)
التفسير الميسر: 102.
(6)
تفسير البغوي: 2/ 306.
(7)
تفسير النسفي: 1/ 411.
(8)
أخرجه ابن ابي حاتم (6197): ص 4/ 1104.
(9)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6196): ص 4/ 1104.
(10)
تفسير السمعاني: 1/ 497.
(11)
التفسير الميسر: 102.
(12)
تفسير النسفي: 1/ 411.
(13)
تفسير ابن ابي زمنين: 1/ 418.
(14)
تفسير البغوي: 2/ 306.
(15)
تفسير السمعاني: 1/ 497.
(16)
أخرجه ابن ابي حاتم (6198): ص 4/ 1105.
ورفعنا فوق رؤوسهم جبل الطور حين امتنعوا عن الالتزام بالعهد المؤكد الذي أعطوه بالعمل بأحكام التوراة، وأمرناهم أن يدخلوا باب «بيت المقدس» سُجَّدًا، فدخلوا يزحفون على أستاههم، وأمرناهم ألا يَعْتَدُوا بالصيد في يوم السبت فاعتدَوا، وصادوا، وأخذنا عليهم عهدًا مؤكدًا، فنقضوه.
قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ} [النساء: 154]، أي:" ورفعنا فوق رؤوسهم جبل الطور حين امتنعوا عن الالتزام بالعهد المؤكد الذي أعطوه بالعمل بأحكام التوراة ليقبلوه"(1).
قال محمد صديق خان القِنَّوجي: " أي: الجبل المسمى بالطور بسبب ميثاقهم ليعطوه لأنه روي أنهم امتنعوا من قبول شريعة موسى فرفع الله عليهم الطور فقبلوها"(2).
قال الطبري: يعني: الجبل، وذلك لما امتنعوا من العمل بما في التوراة وقبول ما جاءهم به موسى فيها {بميثاقهم} ، يعني: بما أعطوا الله الميثاق والعهد: لنعملن بما في التوراة" (3).
قال النسفي: أي: " بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه"(4).
قال ابن كثير: " وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاءهم به موسى، عليه السلام، ورفع الله على رؤوسهم جبلا ثم ألزموا فالتزموا وسجدوا، وجعلوا ينظرون إلى فوق رؤوسهم خشية أن يسقط عليهم، كما قال تعالى: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأعراف: 171] "(5).
قال أبو السعود: " {بميثاقهم}، أي: بسبب ميثاقهم ليعطوه على ماروى أنهم امتنعوا عن قبول شريعة التوراة فرفع الله تعالى عليهم الطور فقبلوها أو ليخافوا فلا ينقضوه على ما روي أنهم هموا بنقضه فرفع الله تعالى عليهم الجبل فخافوا وأقلعوا عن النقض وهو الأنسب بما سيأتي من قوله عز وجل: {وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} "(6).
قال السمعاني: " الطور: جبل الطور، والميثاق: العهد المؤكد باليمين"(7).
عن مسلم البطين ، في قوله:" {ورفعنا فوقهم الطور} [النساء: 154] قال: رفعته الملائكة"(8).
قال عطاء: " رفع فوقهم الجبل على بني إسرائيل ، فقال: لتؤمنن به أو ليقعن عليكم"(9).
قال مجاهد: "رُفِعَ الجبل فوقهم كالسحابة، فقيل لهم: لتؤمِنُنَّ أو ليقعن عليكم، فآمنوا"(10).
قال السدي: " فلما أبوا أن يسجدوا ، أمر الله الجبل أن يقع عليهم ، فنظروا إليه وقد غشيهم ، فسقطوا سجدا على شق ونظروا بالشق الآخر فرحمهم ، فكشفه عنهم ، فقالوا: ما سجدة أحب إلى الله من سجدة كشف بها العذاب عنهم ، فهم يسجدون كذلك ، وذلك قول الله تعالى: {ورفعنا فوقهم الطور} [النساء: 154] "(11).
وذكر أهل التفسير في {الطُّورَ} [النساء: 154]، أقاويل (12):
أحدها: إنه اسم جبل بعينه، ثم اختلفوا في تحديده على وجهين:
الأول: أنه اسم الجبل، الذي كلم الله عليه موسى، وأنزلت عليه التوراة دون غيره، وهذه رواية ابن جريج عن ابن عباس (13).
وقال الفراء في تفسير قوله تعالى: {وَالطُّورِ} [الطور: 1]، قال:" وهو الجبل الذي بمدين، الذي كلّم الله جلَّ وَعزَّ مُوسَى عليه السلام عنده نكليما"(14).
والثاني: إنه جبل بالشام (15)، قال ذو الرمة (16):
(1) انظر: التفسير الميسر: 102، وصفوة التفسير:291.
(2)
فتح البيان في مقاصد القرآن: 3/ 286.
(3)
تفسير الطبري: 9/ 361.
(4)
تفسير النسفي: 1/ 412.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 446.
(6)
تفسير أبي السعود: 2/ 250.
(7)
تفسير السمعاني: 1/ 498.
(8)
أخرجه ابن ابي حاتم (6199): ص 4/ 1105.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (6202): ص 4/ 1105.
(10)
أخرجه الطبري (1116): ص 2/ 158.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (6203): ص 4/ 1105.
(12)
أنظر: تفسير الطبري: 2/ 157 - 158، وتفسير ابن كثير: 1/ 287،والنكت والعيون: 1/ 134.
(13)
أنظر: تفسير الطبري (1224): ص 2/ 159.
(14)
معاني القرآن: 3/ 91.
(15)
أنظر: تفسير البسيط: 2/ 629، والمحرر الوجيز: 1/ 330، و 15/ 502.
(16)
ورد البيت في "التهذيب"(طور) 3/ 2229، "اللسان"(طرأ) 5/ 2649، و (طور) 5/ 2718، "الخزانة" 7/ 355، و"ديوان ذي الرمة" 3/ 1698، وفي بعضها (قرية) بدل (بلدة).
أَعاريبُ طُورِيُّونَ عن كُلِّ بلدة
…
يَحيدونَ عنها مِنْ حِذَارِ المَقادِرِ
قوله «طوريون» ، أي:"وحشيون، يحيدون عن القرى حذار الوباء والتلف، كأنهم نسبوا إلى الطور وهو جبل بالشام"(1).
والثالث: أن الطور ما أَنْبَتَ من الجبال خاصة، دون ما لم ينبت (2)، وهذه رواية الضحاك عن ابن عباس (3).
والرابع: أن الطور اسم لكل جبل، وهو قول قتادة (4)، وورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس (5)، وعطاء (6)، وعكرمة (7) والحسن (8)، والضحاك (9)، والربيع بن أنس (10)، وأبي صخر (11)، ومجاهد (12)، وابن زيد (13).
واختلف في الأصل اللغوي لكملة «الطور» ، على وجهين:
الأول: أنها كلمة عربية، قال العجاج (14):
داني جناحيه من الطور فمر
…
تقضّي البازي إذا البازيُّ كر
والثاني: أنها كلمة سريانية تعني: «الجبل» . قاله مجاهد (15)، وابن زيد (16).
والقول الأول أقرب إلى الصواب، لأنه جاء «الطور» بمعنى الجبل في كلام العرب، كما سبق الاستشهاد بقول العجاج، وبه قال الإمام الطبري (17)، ومنه قول جرير (18):
فإن ير سليمان الجنّ يستأنسوا بها
…
وإن ير سليمان أحب الطّور ينزل
قال القفال رحمه الله: إنما قال: «ميثاقكم» ، ولم يقل: مواثيقكم، لوجهين (19):
أحدهما: أراد به الدلالة على أن كل واحد منهم قد أخذ ذلك كما قال: {ثم يخرجكم طفلا} [غافر: 67] أي كل واحد منكم.
والثاني: أنه كان شيئا واحدا أخذ من كل واحد منهم كما أخذ على غيره فلا جرم كان كله ميثاقا واحدا ولو قيل مواثيقكم لأشبه أن يكون هناك مواثيق أخذت عليهم لا ميثاق واحد، والله أعلم.
قوله تعالى: {وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} [النساء: 154]، أي:" وأمرناهم أن يدخلوا باب «بيت المقدس» سُجَّدًا، فدخلوا يزحفون على أستاههم"(20).
(1) التفسير البسيط: 2/ 630.
(2)
هذا قول لم نجده في كتب اللغة في مادته.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (651): ص 1/ 129، وتفسير الطبري (1125): ص 2/ 159.
(4)
أنظر: تفسير الطبري (1118): ص 2/ 158.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (652): ص 1/ 129.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (653): ص 1/ 129.
(7)
أنظر: تفسير الطبري (1121): ص 2/ 159.
(8)
تفسير ابن ابي حاتم: ص 4/ 1105 ..
(9)
تفسير ابن ابي حاتم: ص 4/ 1105 ..
(10)
تفسير ابن ابي حاتم: ص 4/ 1105 ..
(11)
تفسير ابن ابي حاتم: ص 4/ 1105 ..
(12)
أنظر: تفسير الطبري (1116)، و (1117): ص 2/ 158.
(13)
أنظر: تفسير الطبري (1123): ص 2/ 159.
(14)
ديوانه: 17، ومجاز القرآن: 2/ 300، وغريب الحديث: 180، وهو من قصيدة جيدة يذكر فيها مآثر عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، وقد ولي الولايات العظيمة، وفتح الفتوح الكثيرة، وقاتل الخوارج. والضمير في قوله:" دانى " يعود إلى متأخر، وهو " البازي " المذكور في البيت بعده. فإن قبله، ذكر عمر بن عبيد الله وكتائبه من حوله:
حول ابن غراء حصان إن وتر
…
فات، وإن طالب بالوغم اقتدر
إذا الكرام ابتدروا الباع ابتدر
…
دانى جناحيه من الطور فمر
يريد: " ابتدر منقضا انقضاض البازي من الطور، دانى جناحيه. . فمر " فقدم وأخر. وهو من جيد التقديم والتأخير. وقوله: " دانى " أي ضم جناحيه وقر بهما وضيق ما بينهما تأهبا للانقضاض من ذروة الجبل. ومر: أسرع إسراعا شديدا. وقوله: " تقضى " أصلها " تقضض "، فقلب الضاد الأخيرة ياء، استثقل ثلاث ضادات، كما فعلوا في " ظنن " " وتظنى " على التحويل. وتقضض الطائر: هوى في طيرانه يريد الوقوع. والبازي: ضرب من الصقور، شديد. وكسر الطائر جناحيه: ضم منهما شيئا - أي قليلا - وهو يريد السقوط.
(15)
أنظر: تفسير الطبري (1116)، و (1117): ص 2/ 158.
(16)
أنظر: تفسير الطبري (1123): ص 2/ 159.
(17)
انظر: تفسيره: 2/ 157. وانظر: مفردات ألفاظ القرآن: 494.
(18)
البيت من شواهد الثعلبي في تفسيره: 1/ 212.
(19)
انظر: تفسير الرازي: 2/ 100.
(20)
التفسير الميسر: 102.
قال أبو السعود: أي: " على لسان موسى عليه السلام والطور مظل عليهم: {ادخلوا الباب سجدا}، أي: متطامنين خاضعين"(1).
قال الطبري: " يعني: «باب حِطّة»، حين أمروا أن يدخلوا منه سجودًا، فدخلوا يزحفون على أستاههم"(2).
قال النسفي: أي: " والطور مظل عليهم: {ادخلوا الباب سُجَّداً}، أي: ادخلوا باب ايلياء مطأطئين عند الدخول رؤسكم"(3).
قال ابن كثير: " أي: فخالفوا ما أمروا به من القول والفعل، فإنهم أمروا أن يدخلوا باب بيت القدس سجدا، وهم يقولون: حطة. أي: اللهم حط عنا ذنوبنا في تركنا الجهاد ونكولنا عنه، حتى تهنا في التيه أربعين سنة. فدخلوا يزحفون على أستاههم، وهم يقولون: حنطة في شعرة"(4).
قال السمعاني: " قيل: إنهم سجدوا على أنصاف وجوههم، حتى دخلوا الباب، وفي القصة: أنهم قالوا: بهذا السجود رفع العذاب عنا، فلا نترك هذا السجود، وكانوا يسجدون بعد ذلك على أنصاف وجوههم"(5).
عن ابن عباس ، في قوله:" {ادخلوا الباب سجدا} [النساء: 154] قال: من باب صغير"(6).
وروي عكرمة: عن ابن عباس: "كان الباب قبل القبلة"(7).
قال مجاهد: " باب الحطة من باب إيلياء من بيت المقدس"(8). وروي عن الضحاك ، والسدي نحو ذلك (9).
عن ابي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال الله تعالى لبني إسرائيل: {ادخلوا الباب سجدا} [النساء: 154] فدخلوا الباب يزحفون على أستائهم "(10).
قال ابن عباس: " ركعا من باب صغير ، فدخلوا من قبل استائهم"(11).
وفي رواية عكرمة عن ابن عباس: " فدخلوا على شق"(12).
وقال الربيع: " وكان سجود أحدهم على خده"(13).
وقال ابن مسعود: ": قيل لهم: {ادخلوا الباب سجدا} ، فدخلوا مقنعي رءوسهم"(14).
واختلفوا في «الباب» في قوله تعالى: {وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} [النساء: 154]، على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه باب في بيت المقدس يعرف اليوم بـ (باب حِطَّةَ)، وهذا قول ابن عباس (15)، ومجاهد (16)، والسدي (17)، والضحاك (18)، وقتادة (19)، واختاره الطبري (20)، وهو المشهور.
والثاني: أنه باب القبة التي كان يصلي إليها موسى وبنو إسرائيل.
والثالث: أنه باب القرية، التي أمروا بدخولها (21).
(1) تفسير أبي السعود: 2/ 250.
(2)
تفسير الطبري: 9/ 361.
(3)
تفسير النسفي: 1/ 412.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 447.
(5)
تفسير السمعاني: 1/ 498.
(6)
أخرجه ابن ابي حاتم (6204): ص 4/ 1105.
(7)
أخرجه ابن ابي حاتم (6205): ص 4/ 1105.
(8)
أخرجه ابن ابي حاتم (6206): ص 4/ 1106.
(9)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6206): ص 4/ 1106.
(10)
أخرجه ابن ابي حاتم (6207): ص 4/ 1106.
(11)
أخرجه ابن ابي حاتم (6208): ص 4/ 1106.
(12)
أخرجه ابن ابي حاتم (6209): ص 4/ 1106.
(13)
أخرجه ابن ابي حاتم (6210): ص 4/ 1106.
(14)
أخرجه ابن ابي حاتم (6211): ص 4/ 1106.
(15)
أنظر: تفسير الطبري (1006): ص 2/ 104.
(16)
أنظر: تفسير الطبري (1003): ص 2/ 103، وتفسير ابن أبي حاتم (574): ص 1/ 117.
(17)
أنظر: تفسير الطبري (1005): ص 2/ 104.
(18)
أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: 1/ 117.
(19)
انظر: تفسير الطبري (10773): ص 9/ 361.
(20)
أنظر: تفسير الطبري: 2/ 103.
(21)
أنظر: النكت والعيون: 1/ 125.
واختلفوا في قوله {وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} [النساء: 154]، على وجهين (1):
أحدهما: أن معناه: رُكَّعاً، منحنين ركوعا. وهذا قول ابن عباس (2).
والثاني: أن معناه: متواضعين خشوعا، لا على هيئة متعينة.
والقول الأول أشبه بالصواب: وأصل (السجود) الانحناء لمن سُجد له معظَّما بذلك. فكل منحن لشيء تعظيما له فهو (ساجد) ومنه قول زيد الخيل بن مهلهل الطائي (3):
بَجَمْعٍ تَضَلُّ الْبَلْقُ في حُجُرَاتِهِ
…
تَرَى الأكْمَ فِيهِ سُجَّداً لِلْحَوافِرِ
فقوله: "سجدا"، أي: خاشعة خاضعة، ومن ذلك قول أعشى بني قيس بن ثعلبة (4):
يُرَاوِحُ مِنْ صَلَواتِ الْمِلَيـ
…
كِ طَوْراً سُجُوداً وَطَوْراً حِوَاراً
فذلك تأويل ابن عباس قوله: {سجدا} ، ركعا، لأن الراكع منحن، وإن كان الساجد أشد انحناء منه (5).
قوله تعالى: {وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ} [النساء: 154]، أي:" وأمرناهم ألا يَعْتَدُوا بالصيد في يوم السبت فخالفوا واصطادوا"(6).
قال الطبري: أي: " لا تتجاوزوا في يوم السبت ما أبيح لكم إلى ما لم يبح لكم"(7).
قال أبو السعود: " أي: لاتظلموا باصطياد الحيتان {فى السبت} "(8).
قال ابن كثير: " أي: وصيناهم بحفظ السبت والتزام ما حرّم الله عليهم، ما دام مشروعًا لهم"(9).
قال النسفي: أي: " لا تجاوزوا الحد"(10).
قال الماتريدي: لا" تعملوا في السبت عملا من الدنيا، وتفرغوا فيه للعبادة"(11).
قال قتادة: " أمر القوم أن يأكلوا الحيتان يوم السبت ولا يعرضوا ، وأحلت لهم ما خلا ذلك"(12).
عن صفوان بن عسال المرادي: " أن يهوديا قال لصاحبه: تعال حتى نسأل هذا النبي فقال الآخر: لا تقل نبي فإنه لو سمع صارت أربعة أعين فأتياه فسألاه عن هذه الآية: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} فقال لا تشركوا بالله شيئا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تزنوا ولا تأكلوا الربا ولا تسحروا ولا تمشوا بالبريء إلى سلطان ليقتله ولا تسرفوا ولا تقذفوا المحصنة ولا تفروا من الزحف وعليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا في السبت فقبلا يده وقالا نشهد أنك نبي قال: فما يمنعكم أن تتبعوني؟ قالا إن داود دعا ربه أن لا يزال في ذريته نبي وإنا نخاف إن تبعناك أن يقتلنا اليهود"(13).
(1) انظر: تفسير الطبري: 2/ 104، وتفسير القرطبي: 1/ 410.
(2)
أنظر: تفسير الطبري (1006)، و (1007)، و (1008): ص 2/ 104.
(3)
الكامل 1: 258، والمعاني الكبير: 890، والأضداد لابن الأنباري: 256، وحماسة ابن الشجري: 19، ومجموعة المعاني: 192، وغيرها. والباء في قوله " بجمع " متعلقة ببيت سالف هو:
بَنِي عَامِرٍ، هَلْ تَعْرِفُونَ إِذَا غَدَا
…
أَبُو مِكْنَفٍ قَدْ شَدَّ عَقْدَ الدَّوَابِرِ؟
والبلق جمع أبلق وبلقاء: الفرس يرتفع تحجيلها إلى الفخذين. والحجرات جمع حجرة (بفتح فسكون): الناحية. والأكم (بضم فسكون، وأصلها بضمتين) جمع إكام، جمع أكمة: وهي تل يكون أشد ارتفاعا مما حوله، دون الجبل، غليظ فيه حجارة. قال ابن قتيبة في المعاني الكبير:" يقول: إذا ضلت البلق فيه مع شهرتها فلم تعرف، فغيرها أحرى أن يضل. يصف كثرة الجيش، ويريد أن الأكم قد خشعت من وقع الحوافر ". وفي المطبوعة هنا " فيه " والجيد ما أثبته، والضمير في " منه " للجيش أو الجمع.
(4)
ديوانه: 41. راوح يراوح مراوحة: عمل عملين في عمل، يعمل ذامرة وذا مرة، قال لبيد يصف فرسا:
وولّى عامدا لِطِيات فَلْج
…
يراوح بين صون وابتذال
وقوله: " من صلوات "" من " هنا لبيان الجنس، مثل قوله تعالى: يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس واستبرق ". وحذف " بين " التي تقتضيها " يراوح "، لدلالة ما يأتي عليها، وهو قوله: " طورا. . وطورا ". والجؤار: رفع الصوت بالدعاء مع تضرع واستغاثة وجزع. جأر إلى ربه يجأر جؤارا.
(5)
انظر: تفسير الطبري: 2/ 105.
(6)
انظر: التفسير الميسر: 102، وصفوة التفسير:291.
(7)
تفسير الطبري: 9/ 361.
(8)
تفسير أبي السعود: 2/ 250.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 447.
(10)
تفسير النسفي: 1/ 412.
(11)
تفسير الماتريدي: 3/ 408.
(12)
أخرجه ابن ابي حاتم (6213): ص 4/ 1107.
(13)
أخرجه الترمذي في التفسير سورة الإسراء: 8/ 580، وقال:"هذا حديث حسن صحيح" والنسائي في تحريم الدم باب السحر: 7/ 111 - 112 والإمام أحمد في المسند: 4/ 239 - 240، والطبري في التفسير: 15/ 172، وأخرجه ابن ماجه مختصرا عن صفوان بن عسال أن قوما من اليهود قبلوا يد النبي صلى الله عليه وسلم ورجليه. قال الحافظ ابن كثير:(3/ 68): "وهو حديث مشكل وعبد الله بن سلمة في حفظه شيء وقد تكلموا فيه ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات فإنها وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون والله أعلم".
قرأ نافع {لا تَعَدُّوا} ، بتسكين العين وتشديد الدال، من الاعتدا، وروى عنه ورش:{لا تعدوا} ، بفتح العين وتشديد الدال، وقرأ الباقون:{لا تعدو} ، خفيفة ساكنة العين، من عَدَوت، وعدوهم فيه تجاوزهم حقوقه، فيكون تعديهم فيه - على تأويل القراءة الثانية - ترك واجباته (1).
قوله تعالى: {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 154]، أي:" وأخذنا عليهم عهدًا مؤكدًا، فنقضوه"(2).
قال أبو مالك: " {غليظا}، يعني: شديدا"(3).
قال النسفي: أي: " عهداً مؤكداً"(4).
قال ابن عرفة: " أي: لَا يقبل الحل شرعا"(5).
قال ابن كثير: " أي: شديدا، فخالفوا وعَصَوْا وتحيلوا على ارتكاب مناهى الله، عز وجل، كما هو مبسوط في سورة الأعراف عند قوله: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ} [الأعراف: 163 - 166] الآيات"(6).
قال أبو السعود: أي: " على الامتثال بما كلفوه {ميثاقا غليظا} مؤكدا وهو العهد الذي أخذه الله عليهم في التوراة، قيل إنهم أعطوا الميثاق على أنهم إن هموا بالرجوع عن الدين فالله تعالى يعذبهم بأي أنواع العذاب أراد"(7).
ويحتمل قوله تعالى: {غَلِيظًا} [النساء: 154]، وجهين (8):
أحدهما: أنه العهد بعد اليمين.
والثاني: أن بعض اليمين ميثاق غليظ.
قال الطبري: " يعني: عهدًا مؤكدًا شديدًا، بأنهم يعملون بما أمرهم الله به، وينتهون عما نهاهم الله عنه، مما ذكر في هذه الآية، ومما في التوراة"(9).
الفوائد:
1 -
بيان عناد اليهود وعصيانهم على الرغم من رؤيتهم للآيات.
2 -
أن نقض اليهود للعهود والمواثيق أصبح طبعاً لهم لا يفارقهم أبداً، ولذا وجب عدم الثقة في عهودهم ومواثيقهم.
3 -
ويستفاد من الآية: ان الله عز وجل أرسل الرسل والأنبياء ليذكروا العباد بالميثاق الغليظ، وهو أعظم ميثاق على الإطلاق، ألا وهو ميثاق الإيمان والتوحيد، والله عز وجل أخذ الميثاق الأول على بني آدم حينما أخرجهم جميعاً من صلب آدم: أن يكونوا موحدين لا مشركين.
قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172].
القرآن
التفسير:
(1) انظر: السبعة في القراءات: 240، والنكت والعيون: 1/ 541.
(2)
التفسير الميسر: 102.
(3)
أخرجه ابن ابي حاتم (6214): ص 4/ 1107.
(4)
تفسير النسفي: 1/ 412.
(5)
تفسير ابن عرفة: 2/ 69.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 447.
(7)
تفسير أبي السعود: 2/ 250.
(8)
انظر: النكت والعيون: 1/ 541. .
(9)
تفسير الطبري: 9/ 362.
فلعنَّاهم بسبب نقضهم للعهود، وكفرهم بآيات الله الدالة على صدق رسله، وقتلهم للأنبياء ظلمًا واعتداءً، وقولهم: قلوبنا عليها أغطية فلا تفقه ما تقول، بل طمس الله عليها بسبب كفرهم، فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلا لا ينفعهم.
قوله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} [النساء: 155]، أي:" فبسبب نقضهم للعهود لعنّاهم وأذللناهم"(1).
قال الفراء: " المعنى: فبنقضهم"(2).
قال قتادة: " فبنقضهم ميثاقهم"(3).
قال مقاتل: " يعني: فبنقضهم إقرارهم بما في التوراة"(4).
قال الطبري: أي: " فبنقض هؤلاء الذين وصفتُ صفتهم من أهل الكتاب، عهودهم التي عاهدوا الله أن يعملوا بما في التوراة"(5).
قال القرطبي: " ونقضهم الميثاق أنه أخذ عليهم أن يبينوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم"(6).
قال الزجاج: " وتأويل «نقضهم ميثاقهم»، أن الله عز وجل أخذ عليهم الميثاق في أن يبينوا ما أنزل عليهم من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم – وغيره، قال الله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} [آل عمران: 187] "(7).
قوله تعالى: {وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ} [النساء: 155]، أي:"وبجحودهم بآيات الله الدالة على صدق رسله"(8).
قال مقاتل: " يعني: الإنجيل والقرآن، وهم اليهود"(9).
قال السمرقندي: " يعني: بكفرهم بآيات الله لعنهم الله وخذلهم"(10).
قال الطبري: "يقول: وجحودهم بأعلام الله وأدلته التي احتج بها عليهم في صدق أنبيائه ورسله وحقيقة ما جاءوهم به من عنده"(11).
قال مجاهد: " الآيات: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ويده وعصاه"(12).
وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه: " وكفرهم بآيات الله من بعد ما تبينت "(13).
قوله تعالى: {وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} [النساء: 155]، أي:" وقتلهم للأنبياء ظلمًا واعتداءً"(14).
قال السمرقندي: " يعني: وبقتلهم الأنبياء بغير جرم"(15).
قال الطبري: " يقول: وبقتلهم الأنبياء بعد قيام الحجة عليهم بنبوّتهم، بغير استحقاق منهم ذلك لكبيرة أتوها، ولا خطيئة استوجبوا القتل عليها "(16).
قال ابن مسعود: " كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي، ثم يقوم سوق لهم من آخر النهار"(17).
ذكر الماتريدي عن ابن عباس رضي الله عنه: قال: " كانوا يقتلون الأنبياء، وأما الرسل عليهم السلام فكانوا معصومين، لم يقتل رسول قط؛ ألا ترى أنه قال: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا} (18)، وقال عز وجل: {إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ} (19) "(20).
(1) صفوة التفاسير: 291، والتفسير الميسر:103.
(2)
معاني القرآن: 1/ 244.
(3)
أخرجه ابن أبي حاتم (6215): ص 4/ 1107.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 419.
(5)
تفسير الطبري: 9/ 363.
(6)
تفسير القرطبي: 6/ 8.
(7)
معاني القرآن: 2/ 127.
(8)
التفسير الميسر: 103، وصفوة التفاسير:291.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 419.
(10)
بحر العلوم: 1/ 354.
(11)
تفسير الطبري: 9/ 363.
(12)
أخرجه ابن أبي حاتم (6216): ص 4/ 1107.
(13)
تفسير الماتريدي: 3/ 408.
(14)
التفسير الميسر: 103.
(15)
بحر العلوم: 1/ 354.
(16)
تفسير الطبري: 9/ 363.
(17)
أخرجه ابن أبي حاتم (6217): ص 4/ 1107.
(18)
[سورة غافر: 51].
(19)
[سورة الصافات: 172].
(20)
تفسير الماتريدي: 3/ 408.
قوله تعالى: {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} [النساء: 155]، أي:" وقولهم: قلوبنا عليها أغطية فلا تفقه ما تقول"(1).
قال السمرقندي: " يعني: ذا غلاف ولا نفقه حديثك"(2).
قال الطبري: " يعني: وبقولهم: {قلوبنا غلف}، يعني: يقولون: عليها غِشاوة وأغطِية عما تدعونا إليه، فلا نفقَه ما تقول ولا نعقله "(3).
قال مقاتل: " وذلك حين سمعوا من النبي- صلى الله عليه وسلم {وقتلهم الأنبياء}، عرفوا أن الذي قال لهم النبي- صلى الله عليه وسلم حق، وقالوا: {قلوبنا غلف}، يعني: في أكنة عليها الغطاء فلا تفقه ولا تفهم ما تقول يا محمد، كراهية ما سمعوا من النبي- صلى الله عليه وسلم من كفرهم بالإنجيل والفرقان"(4).
قال ابن عباس: " إنما سمي القلب لتقلبه"(5).
وفي تفسير قوله تعالى: {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} [النساء: 155]، وجوه:
أحدها: أنها في غطاء ومحجوبة عن فهم الإعجاز ودلائل التصديق، وهذا قول ابن عباس في رواية علي بن ابي طلحة، ومجاهد (6)، وسعيد بن جبير (7)، وعكرمة (8)، والسدي (9)، وقتادة في رواية معمر (10)، وهو بعض البصريين (11).
والثاني: يعني: أنها أوعية للعلم ومملوءة علما، لانحتاج إلى علم محمد ولا غيره. وهذا قول ابن عباس (12)، وعطية العوفي (13)، وعطاء الخرساني (14)، والزجاج (15).
قال الماوردي: "فيكون ذلك منهم على التأويل الأول إعراضاً، وعلى التأويل الثاني إبطالاً"(16).
والثالث: أنها لا تفقه. وهذا قول أبي العالية (17)، وقتادة في رواية ابن أبي عروبة (18).
والرابع: أنها أوعية للمنكر. وهذا قول عطية (19).
والخامس: أنها لم تختن. وهذا قول الحسن (20).
والسادس: أن عليها طابع. وهذا قول عكرمة (21).
والسابع: أنها أوعية للخير. وهذا قول عوف (22).
وقرأ بعضهم: «غلف» ، بضم اللام (23).
قوله تعالى: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء: 155]، أي:" بل طمس الله عليها بسبب كفرهم"(24).
(1) التفسير الميسر: 103.
(2)
بحر العلوم: 1/ 354.
(3)
تفسير الطبري: 9/ 363.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 419 - 420.
(5)
أخرجه ابن ابي حاتم (6218): ص 4/ 1108.
(6)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6221): ص 4/ 1108.
(7)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6221): ص 4/ 1108.
(8)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6221): ص 4/ 1108.
(9)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6221): ص 4/ 1108.
(10)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6221): ص 4/ 1108.
(11)
انظر: النكت والعيون: 1/ 542.
(12)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6219): ص 4/ 1108.
(13)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6220): ص 4/ 1108.
(14)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6220): ص 4/ 1108.
(15)
انظرك معاني القرآن: 2/ 127.
(16)
النكت والعيون: 1/ 542.
(17)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6223): ص 4/ 1108.
(18)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم 36222): ص 4/ 1108.
(19)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6224): ص 4/ 1108.
(20)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6222): ص 4/ 1108.
(21)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6225): ص 4/ 1108.
(22)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6227): ص 4/ 1108.
(23)
انظر: بحر العلوم: 1/ 354.
(24)
التفسير الميسر: 103.
قال أبو مالك: " {بل طبع الله}، يعني: ختم الله"(1).
قال السمرقندي: " يعني: ختم الله على قلوبهم بكفرهم"(2).
قال عوف: "بلغني في قول الله تعالى: {وقالوا قلوبنا غلف}، قال: قالوا: قلوبنا أوعية للخير، فأكذبهم الله وقال: {بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا} "(3).
قال قتادة: " لما بدل القوم أمر الله وقتلوا رسله وكفروا بكتابه ونقضوا الميثاق الذي عليهم، طبع الله على قلوبهم حين فعلوا ذلك"(4).
وفي تفسير قوله تعالى: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء: 155]، وجهان:
أحدهما: أنه جعل فيها علامة تدل الملائكة على كفرهم كعلامة المطبوع، وهو قول بعض البصريين (5).
الثاني: ذمهم بأن قلوبهم كالمطبوع عليها التي لا تفهم أبداً ولا تطيع مرشداً، إذ جعل الله مجازاتهم على كفرهم أن طبع على قلوبهم. وهذا قول الزجاج (6).
قال الزمخشري: قوله: " {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} ، رد وإنكار لقولهم (قلوبنا غلف) فكان متعلقا به، وذلك أنهم أرادوا بقولهم:{قلوبنا غلف} أن الله خلق قلوبنا غلفا، أى في أكنة لا يتوصل إليها شيء من الذكر والموعظة، كما حكى الله عن المشركين وقالوا:{لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} [الزخرف: 20]
…
، فقيل لهم: بل خذلها الله ومنعها الألطاف بسبب كفرهم، فصارت كالمطبوع عليها، لا أن تخلق غلفا غير قابلة للذكر ولا متمكنة من قبوله" (7).
قوله تعالى: {فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 155]، أي:" فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلا لا ينفعهم"(8).
قال السمرقندي: " أي" لا يؤمنون إلا قليل منهم" (9).
قال النسفي: " كعبد الله بن سلام وأصحابه"(10).
قال القرطبي: " أي: إلا إيمانا قليلا، أي: ببعض الأنبياء، وذلك غير نافع لهم"(11).
وفي قوله تعالى: {فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 155]، ثلاثة وجوه:
أحدها: أن القليل منهم يؤمن بالله. وهذا قول قتادة (12).
الثاني: لا يؤمنون إلا بقليل، وهو إيمانهم ببعض الأنبياء دون جميعهم (13).
والثالث: وقال مقاتل: " يقول: ما أقل ما يؤمنون، فإنهم لا يؤمنون البتة"(14).
الفوائد:
1 -
بيان جرائم اليهود.
2 -
نقضهم العهود والمواثيق وخاصة عهدهم بالعمل بها في التوراة.
3 -
قولهم قلوبنا غلف حتى لا يقبلوا دعوة الإسلام، وما أراد الرسول إعلامهم به وكذبهم الله تعالى في هذه الدعوى، وأخبر أن لا أغطية على قلوبهم، ولكن طبع الله تعالى عليها بسبب ذنوبهم فران عليها الران فمنعها من قبول الحق اعتقاداً وقولاً وعملاً، هذا ما تضمنته الآية الأولى، وهي قوله تعالى:{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} والباء سببية والميم صلة والأصل، فبنقضهم، أي: بسبب نقضهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم. {فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلاً} أي: إيماناً قليلاً؛ كلإيمانهم بموسى وهارون والتوراة والزبور مثلاً.
(1) أخرجه ابن ابي حاتم (6226): ص 4/ 1109.
(2)
بحر العلوم: 1/ 354.
(3)
أخرجه ابن ابي حاتم (6227): ص 4/ 1109.
(4)
أخرجه ابن ابي حاتم (6228): ص 4/ 1109.
(5)
انظر: النكت والعيون: 1/ 542.
(6)
انظر: معاني القرآن: 2/ 127.
(7)
الكشاف: 1/ 586.
(8)
التفسير الميسر: 103.
(9)
بحر العلوم: 1/ 354.
(10)
تفسير النسفي: 1/ 413.
(11)
تفسير القرطبي: 6/ 8.
(12)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6229): ص 4/ 1109.
(13)
انظر: بحر العلووووم: 1/ 354، والنكت والعيون: 1/ 542 - 543.
(14)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 420.
القرآن
{وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156)} [النساء: 156]
التفسير:
وكذلك لعنَّاهم بسبب كفرهم وافترائهم على مريم بما نسبوه إليها من الزنى، وهي بريئة منه.
سبب النزول:
قال السمرقندي: " ثم قال تعالى: {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما}، وذلك أن مريم كانت متعبدة لله تعالى ناسكة، اصطفاها الله تعالى بولد بغير أب، فعيرها اليهود واتهموها وقذفوها بيوسف بن ماثان، وكان يوسف خادم بيت المقدس ويقال: كان ابن عمها، فأنزل الله تعالى إكذابا لقولهم وبين بهتانهم فقال: {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما} "(1).
قوله تعالى: {وَبِكُفْرِهِمْ} [النساء: 156]، أي:" وكذلك لعنَّاهم بسبب كفرهم"(2).
قال السمرقندي: " يعني: لعنهم الله وخذلهم بذلك"(3).
قال البيضاوي: يعني: " بعيسى عليه الصلاة والسلام، وهو معطوف على بكفرهم لأنه من أسباب الطبع، أو على قوله: فبما نقضهم ويجوز أن يعطف مجموع هذا وما عطف عليه على مجموع ما قبله ويكون تكرير ذكر الكفر إيذانا بتكرر كفرهم، فإنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد عليهم الصلاة والسلام"(4).
قوله تعالى: {وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا} [النساء: 156]، أي:" وافترائهم على مريم بما نسبوه إليها من الزنى، وهي بريئة منه"(5).
قال ابن عباس: "يعني: أنهم رموها بالزنا"(6).
قال السدي: " حين قذفوها بالزنا"(7).
قال جوبير: " قالوا: زنت"(8).
قال البيضاوي: " يعني: نسبتها إلى الزنا"(9).
قال الطبري: " يعني: بفريتهم عليها، ورميهم إياها بالزنا، وهو «البهتان العظيم»، لأنهم رموها بذلك، وهي مما رموها به بغير ثَبَتٍ ولا برهان بريئة، فبهتوها بالباطل من القول"(10).
قال مقاتل: " وذلك أن اليهود قذفوا مريم- عليها السلام بيوسف بن ماثان بالزنا وكان ابن عمها وكان قد خطبها، ومريم ابنة عمران بن ماثان"(11).
قال الزجاج: " البهتان: الكذب الذي يحير من شذته وعظمه، وذلك أن إليهود - لعنها
الله - رمت مريم، وهي صفوة الله على نساء العالمين، بأمر عظيم" (12).
الفوائد:
1 -
كفرهم بآيات الله والمنزلة على عبد الله عيسى ورسوله والمنزلة على محمد صلى الله عليه وسلم.
2 -
قولهم على مريم بهتاناً عظيماً حيث رموها بالفاحشة، وقالوا عيسى ابن مريم ابن زنى لعنهم الله.
القرآن
التفسير:
(1) بحر العلوم: 1/ 354.
(2)
التفسير الميسر: 103.
(3)
بحر العلوم: 1/ 354.
(4)
تفسير البيضاوي: 2/ 107.
(5)
التفسير الميسر: 103.
(6)
أخرجه الطبري (10776): ص 9/ 367.
(7)
أخرجه الطبري (10777): ص 9/ 367.
(8)
أخرجه الطبري (10778): ص 9/ 367.
(9)
تفسير البيضاوي: 2/ 107.
(10)
تفسير الطبري: 9/ 366.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 420.
(12)
معاني القرآن: 2/ 128.
وبسبب قولهم -على سبيل التهكم والاستهزاء-: إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله، وما قتلوا عيسى وما صلبوه، بل صلبوا رجلا شبيهًا به ظنًّا منهم أنه عيسى. ومن ادَّعى قَتْلَهُ من اليهود، ومن أسلمه إليهم من النصارى، كلهم واقعون في شك وحَيْرَة، لا عِلْمَ لديهم إلا اتباع الظن، وما قتلوه متيقنين بل شاكين متوهمين.
قوله تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ} [النساء: 157]، أي:" وبسبب قولهم -على سبيل التهكم والاستهزاء-: إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله"(1).
قال ابن كثير: " أي: هذا الذي يدعي لنفسه هذا المنصب: قتلناه. وهذا منهم من باب التهكم والاستهزاء، كقول المشركين: {يَا أَيُّهَا الَّذِي نزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} [الحجر: 6] "(2).
قال قتادة: " أولئك أعداء الله ابتهروا بقتل نبي الله عيسى، وزعموا أنهم قتلوه وصلبوه"(3).
وفي قوله تعالى: {رَسُولَ اللَّهِ} [النساء: 157]، قولان (4):
أحدهما: أنه من قول اليهود، بمعنى رسول الله في زعمه.
والثاني: أنه من قول الله تعالى لا على وجه الإخبار عنهم، وتقديره: الذي هو رسولي. وهذا قول مقاتل (5).
قوله تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء: 157]، أي:" وما قتلوا عيسى ولا صلبوه ولكن قتلوا وصلبوا من أُلقي عليه شَبَههُ"(6).
قال ابن كثير: " أي: رأوا شبهه فظنوه إياه"(7).
قال مجاهد: " صلبوا رجلا غير عيسى يحسبونه إياه"(8).
عن الحسن قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-لليهود: «إن عيسى لم يمت وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة» "(9).
وفيمن ألقي عليه شبهه قولان:
أحدهما: أنه بعض من أراد قتله من اليهود. وهذا قول ابن عباس في رواية أبي صالح (10)، مقاتل (11)، وأبي سليمان (12).
قال مقاتل: " وكان الله- عز وجل قد جعله [أي: الشبيه المقتول] على صورة عيسى فقتلوه، وكان المقتول لطم عيسى، وقال لعيسى حين لطمه: أتكذب على الله حين تزعم أنك رسوله. فلما أخذه اليهود ليقتلوه قال لليهود: لست بعيسى أنا فلان، واسمه يهوذا فكذبوه، وقالوا له: أنت عيسى، وكانت اليهود جعلت المقتول رقيبا على عيسى- صلى الله عليه وسلم فألقى الله- تعالى ذكره- شبهه على الرقيب فقتلوه"(13).
قال محمد بن مروان: "ويقال أن الله وضع في شبه من عيسى على وجه ططيانوس ولم يلق عليه شبه جسده وخلقه، فلما قتلوه نظروا إليه، فقالوا: إن الوجه وجه عيسى وإنما هو ططيانوس، وقد قيل إن الذي شبه لعيسى وصلب مكانه رجل إسرائيلي وكان يقال له إيشوع بن مدين"(14).
والثاني: أنه رجل من أصحاب عيسى، وذلك عندما سأل عيسى من كان معه في البيت أن يلقى على بعضهم شَبهه، فانتدب لذلك رجل، فألقي عليه شبهه، فقتل ذلك الرجل، ورفع عيسى ابن مريم عليه السلام. وهذا قول ابن عباس (15)، وقتادة (16)، ووهب بن منبه (17)، والسدي (18)، وابن أبي بزة (19)، وابن إسحاق (20)، وابن جريج (21).
(1) التفسير الميسر: 103.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 448.
(3)
أخرجه ابن ابي حاتم (6231): ص 4/ 1109 - 1110.
(4)
انظر: النكت والعيون: 1/ 543.
(5)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 420.
(6)
صفوة التفاسير: 291.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 449.
(8)
أخرجه ابن ابي حاتم (6234): ص 4/ 1110.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (6232): ص 4/ 1110.
(10)
انظر: زاد المسير: 1/ 494.
(11)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 420.
(12)
انظر: زاد المسير: 1/ 494.
(13)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 420.
(14)
الكشف والبيان: 3/ 410.
(15)
أخرجه ابن ابي حاتم (6233): ص 4/ 1110. قال ابن كثير: 2/ 450: " وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس".
(16)
انظر: تفسير الطبري (10781)، و (10782): ص 9/ 370.
(17)
انر: تفسير الطبري (10779): ص 9/ 368.
(18)
انظر: تفسير الطبري (10783): ص 9/ 371.
(19)
انظر: تفسير الطبري (10784): ص 9/ 371.
(20)
انظر: تفسير الطبري (10785): ص 9/ 371 - 373.
(21)
انظر: تفسير الطبري (10786): ص 9/ 373.
قال ابن عباس: " لما أراد الله تعالى أن يرفع عيسى إلى السماء، .، فخرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين يعني فخرج عيسى من عين في البيت ورأسه يقطر ماء، فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي، فقام شاب من أحدثهم سنا، فقال له: اجلس، ثم أعاد عليهم فقام الشاب، أنا، فقال: أنت هو ذاك فألقي عليه شبه عيسى ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه، فقتلوه ثم صلبوه، فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق. فقالت فرقة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء، فهؤلاء اليعقوبية. وقالت فرقة: كان فينا ابن ما شاء الله ثم رفعه إليه، فهؤلاء النسطورية. وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه وهؤلاء المسلمون. فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم"(1).
قال وهب بن منبه: "أُتِي عيسى ومعه سبعة عشر من الحواريين في بيت، وأحاطوا بهم. فلما دخلوا عليهم صوَّرهم الله كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتمونا! لتبرزنّ لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعًا! فقال عيسى لأصحابه: من يشتري نفسه منكم اليوم بالجنة؟ فقال رجل منهم: أنا! فخرج إليهم، فقال: أنا عيسى وقد صوّره الله على صورة عيسى، فأخذوه فقتلوه وصلبوه. فمن ثَمَّ شُبِّه لهم، وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى، ورفع الله عيسى من يومه ذلك"(2).
وروي عن وهب بن منبه أيضا: " إن عيسى ابن مريم عليه السلام لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا، جزع من الموت وشقَّ عليه، فدعا الحواريِّين فصنع لهم طعامًا، فقال: احضروني الليلة، فإن لي إليكم حاجة. فلما اجتمعوا إليه من الليل، عشَّاهم وقام يخدمهم. فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضِّئهم بيده، ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك وتكارهوه، فقال: ألا مَن ردَّ علي شيئًا الليلة مما أصنع، فليس مني ولا أنا منه! فأقرُّوه، حتى إذا فرغ من ذلك قال: أمَّا ما صنعت بكم الليلة، مما خدمتكم على الطعام وغسلت أيديكم بيدي، فليكن لكم بي أسوة، فإنكم ترون أنّي خيركم، فلا يتعظَّم بعضكم على بعض، وليبذل بعضكم لبعض نفسه، كما بذلت نفسي لكم. وأما حاجتي التي استعنتكم عليها، فتدعون لي الله وتجتهدون في الدعاء: أن يؤخِّر أجلي. فلما نَصَبوا أنفسهم للدعاء وأرادوا أن يجتهدوا، أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاءً. فجعل يوقظهم ويقول: سبحان الله! ما تصبرون لي ليلة واحدة تعينوني فيها! قالوا: والله ما ندري ما لنا! لقد كنا نسمر فنكثر السَّمَر، وما نطيق الليلة سمرًا، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه! فقال: يُذْهَب بالراعي وتتفرق الغنم! وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعَى به نفسه. ثم قال: الحقَّ، ليكفرنَّ بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات، وليبيعنِّي أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلن ثمني! فخرجوا فتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه، فأخذوا شمعون أحد الحواريين، فقالوا: هذا من أصحابه! فجحد وقال: ما أنا بصاحبه! فتركوه، ثم أخذه آخرون فجحد كذلك. ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه، فلما أصبح أتى أحدُ الحواريين إلى اليهود فقال: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهمًا، فأخذها ودلَّهم عليه. وكان شبِّه عليهم قبل ذلك، فأخذوه فاستوثقوا منه، وربطوه بالحبل، فجعلوا يقودونه ويقولون له: أنت كنت تحيي الموتى، وتنتهر الشيطان، وتبرئ المجنون، أفلا تنجّي نفسك من هذا الحبل؟ ! ويبصقون عليه، ويلقون عليه الشوك، حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها، فرفعه الله إليه، وصلبوا ما شبِّه لهم، فمكث سبعًا.
ثم إنّ أمَّه والمرأة التي كان يداويها عيسى فأبرأها الله من الجنون، جاءتا تبكيان حيث المصلوب، فجاءهما عيسى فقال: علام تبكيان؟ قالتا: عليك! فقال: إني قد رفعني الله إليه، ولم يصبني إلا خير، وإن هذا شيء شبِّه لهم، فأْمُرَا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا. فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر. وفقَد الذي كان باعه ودلَّ عليه اليهود، فسأل عنه أصحابه، فقالوا: إنه ندم على ما صنع، فاختنق وقتل نفسه.
(1) أخرجه ابن ابي حاتم (6233): ص 4/ 1110. قال ابن كثير: 2/ 450: " وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس".
(2)
أخرجه الطبري (10779): 9/ 368.
فقال: لو تابَ لتابَ الله عليه! ثم سألهم عن غلام يتبعهم يقال له: يُحَنَّى فقال: هو معكم، فانطلقوا، فإنه سيصبح كلّ إنسان منكم يحدِّث بلغة قوم، فلينذِرْهم وَلْيدعهم " (1).
قال ابن كثير: "وكان من خبر اليهود - عليهم لعائن الله وسخطه وغضبه وعقابه - أنه لما بعث الله عيسى ابن مريم بالبينات والهدى، حسدوه على ما آتاه الله من النبوة والمعجزات الباهرات، التي كان يبرئ بها الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، ويصور من الطين طائرًا ثم ينفخ فيه فيكون طائرًا يشاهَدُ طيرانه بإذن الله، عز وجل، إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه الله بها وأجراها على يديه، ومع هذا كذبوه وخالفوه، وسَعَوْا في أذاه بكل ما أمكنهم، حتى جعل نبي الله عيسى، عليه السلام، لا يساكنهم في بلدة، بل يكثر السياحة هو وأمه، عليهما السلام، ثم لم يقنعهم ذلك حتى سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان - وكان رجلا مشركًا من عبدة الكواكب، وكان يقال لأهل ملته: اليونان - وأنهوا إليه: أن ببيت المقدس رجلا يفتن الناس ويضلهم ويفسد على الملك رعاياه. فغضب الملك من هذا، وكتب إلى نائبه بالقدس أن يحتاط على هذا المذكور، وأن يصلبه ويضع الشوك على رأسه، ويكف أذاه على الناس. فلما وصل الكتاب امتثل مُتَولِّي بيت المقدس ذلك، وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى، عليه السلام، وهو في جماعة من أصحابه، اثنا عشر أو ثلاثة عشر - وقيل: سبعة عشر نفرًا - وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السبت، فحصروه هنالك. فلما أحس بهم وأنه لا محالة من دخولهم عليه، أو خروجه عليهم قال لأصحابه: أيكم يُلْقَى عليه شبهي، وهو رفيقي في الجنة؟ فانتَدَب لذلك شاب منهم، فكأنه استصغره عن ذلك، فأعادها ثانية وثالثة وكل ذلك لا يَنْتَدبُ إلا ذلك الشاب - فقال: أنت هو - وألقى اللهُ عليه شبه عيسى، حتى كأنه هو، وفُتحَت رَوْزَنَة من سقف البيت، وأخذت عيسى عليه السلام سِنةٌ من النوم، فرفع إلى السماء وهو كذلك، كما قال الله تعالى:{إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية [آل عمران: 55]، فلما رفع خرج أولئك النفر فلما رأى أولئك ذلك الشاب ظنوا أنه عيسى، فأخذوه في الليل وصلبوه، ووضعوا الشوك على رأسه، فأظهر اليهود أنهم سعوا في صلبه وتبجحوا بذلك، وسلم لهم طوائف من النصارى ذلك لجهلهم وقلة عقلهم، ما عدا من كان في البيت مع المسيح، فإنهم شاهدوا رفعه، وأما الباقون فإنهم ظنوا كما ظن اليهود أن المصلوب هو المسيح ابن مريم، حتى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت، ويقال: إنه خاطبها، والله أعلم.
وهذا كله من امتحان الله عباده؛ لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وقد أوضح الله الأمر وجلاه وبينه وأظهره في القرآن العظيم، الذي أنزله على رسوله الكريم، المؤيد بالمعجزات والبينات والدلائل الواضحات، فقال تعالى - وهو أصدق القائلين، ورب العالمين، المطلع على السرائر والضمائر، الذي يعلم السر في السموات والأرض، العالم بما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون -:{وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} " (2).
قوله تعالى: {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ} [النساء: 157]، أي:" وإِن الذين اختلفوا في شأن عيسى لفي شك من قتله"(3).
قال ابن كثير: " يعني بذلك: من ادعى قتله من اليهود، ومن سَلَّمه من جهال النصارى، كلهم في شك من ذلك وحيرة وضلال وسُعُر"(4).
قال محمد بن إسحاق: " أي: حين اختلفوا في العدة من أصحابه"(5).
وفي «المختلفين» في قوله تعالى: {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ} [النساء: 157]، قولان:
القول الأول: أنهم اليهود، فعلى هذا في هاء «فيه» قولان:
أحدهما: أنها كناية عن قتله، فاختلفوا هل قتلوه أم لا؟ وفي سبب اختلافهم في ذلك ثلاثة أقوال (6):
أحدها: أنهم لما قتلوا الشخص المشبه كان الشبه قد ألقي على وجهه دون جسده، فقالوا: الوجه وجه عيسى، والجسد جسد غيره، ذكره ابن السائب (7).
(1) أخرجه الطبري (10780): 9/ 368 - 370
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 448 - 449.
(3)
صفوة التفاسير: 291.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 449.
(5)
أخرجه ابن ابي حاتم (6236): ص 4/ 1111.
(6)
انظر: النكت والعيون: 1/ 543، وزاد المسير: 1/ 495
(7)
انظر: زاد المسير: 1/ 495.
والثاني: أنهم قالوا: إن كان هذا عيسى، فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا، فأين عيسى؟ يعنون الذي دخل في طلبه، هذا قول السدي (1)، والكلبي (2).
والثالث: أن ختلافهم فيه: فاليهود قالت: نحن قتلناه وصلبناه. وقالت طائفة من النصارى: بل نحن قتلناه، وقالت طائفة منهم: ما قتلوه هؤلاء ولا هؤلاء بل رفعه الله إليه [ونحن ننظر إليه] وقال الذين لما قتل ططيانوس: ألم تروا إنه قتل وصلب فهذا اختلافهم وشكهم. وهذا قول الكلبي أيضا (3).
والثاني: أن «الهاء» كناية عن عيسى، واختلافهم فيه قول بعضهم: هو ولد زنى، وقول بعضهم، هو ساحر.
والقول الثاني: أن المختلفين النصارى، فعلى هذا في هاء «فيه» قولان (4):
أحدهما: أنها ترجع إلى قتله، هل قتل أم لا؟
والثاني: أنها ترجع إليه، هل هو إله أم لا؟
وفي الهاء في قوله تعالى: {لَفِي شَكٍّ مِنْهُ} [النساء: 157]، قولان (5):
أحدهما: أنها ترجع إلى قتله.
والثاني: إلى نفسه، هل هو إله، أم لغير رشدة (6)، أم هو ساحر؟
قوله تعالى: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} [النساء: 157]، أي:" لا عِلْمَ لديهم إلا اتباع الظن"(7).
قال الحسن: " ما استيقنته أنفسهم، ولكن ظنا منهم"(8).
قال محمد بن إسحاق: " أي: ما استيقنوا بقتله إلا اتباع الظن"(9).
قوله تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} [النساء: 157]، أي:" وما قتلوه متيقنين أنه هو، بل شاكين متوهمين"(10).
قال ابن عباس: " يعني: لم يقتلوا ظنهم يقينا"(11).
قال محمد بن إسحاق: " وما قتلوه يقينا عندهم علمهم"(12).
قال الطبري: " يقول: وما قتلوا - هذا الذي اتبعوه في المقتول الذي قتلوه وهم يحسبونه عيسى - يقينًا أنه عيسى ولا أنه غيره، ولكنهم كانوا منه على ظنّ وشبهةٍ"(13).
وفي قوله تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} [النساء: 157]، أربعة وجوه:
أحدها: ما قتلوا ظنهم يقينا، ً كقول القائل: ما قتلته علماً، وهذا قول ابن عباس (14)، وجويبر (15).
والثاني: ما قتلوا العلم به يقينا، تقول: قتلته يقينا، وقتلته علما للرأي والحديث. هذا قول الفراء (16)، وابن قتيبة (17).
قال ابن قتيبة: "يعني: العلم، لم يتحقّقوه ويستيقنوه، وأصل ذلك أن القتل للشيء يكون عن قهر واستعلاء وغلبة. يقول: فلم يكن علمهم بقتل المسيح علما أحيط به، إنما كان ظنّا، قوله سبحانه: وَعَلَى الَّذِينَ
(1) انظر: الكشف والبيان: 3/ 410، وأخرج الطبري (10792): ص 9/ 377: " {وما قتلوه يقينًا}، وما قتلوا أمره يقينًا أن الرجل هو عيسى، {بل رفعه الله إليه} ".
(2)
انظر: بحر العلوم: 1/ 217.
(3)
انظر: الكشف والبيان: 3/ 410.
(4)
انظر: زاد المسير: 1/ 495.
(5)
انظر: زاد المسير: 1/ 495.
(6)
في «اللسان» : وهو لرشدة، وهو نقيض زنية. هذا ولد رشدة: إذا كان لنكاح صحيح.
(7)
التفسير الميسر: 103.
(8)
أخرجه ابن ابي حاتم (6237): ص 4/ 1111.
(9)
أخرجه ابن ابي حاتم (6238): ص 4/ 1111.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 449.
(11)
أخرجه ابن ابي حاتم (6239): ص 4/ 1111.
(12)
أخرجه ابن ابي حاتم (6240): ص 4/ 1111.
(13)
تفسير الطبري: 9/ 377.
(14)
انظر: تفسير الطبري (10790): ص 9/ 377.
(15)
انظر: تفسير الطبري (10791): ص 9/ 377.
(16)
انظر: معاني القرآن: 1/ 294.
(17)
انظر: تاويل مشكل القرآن: 98.
هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ [الأنعام: 146]، أي: كلّ ذي مخلب من الطير، وكلّ ذي حافر من الدّواب كذلك قال المفسّرون" (1).
والثالث: وما قتلوا أمره يقيناً أن الرجل هو المسيح أو غيره، وهذا قول السدي (2).
والرابع: وما قتلوه حقاً، وهو قول الحسن (3).
وقال ابن الأنباري: " «اليقين» مؤخر في المعنى، فالتقدير: وما قتلوه، بل رفعه الله إليه يقينا"(4).
الفوائد:
1 -
قتلهم الأنبياء؛ كزكريا ويحي وغيرهم وهو كثير في عهود متباينة.
2 -
بطلان اعتقاد النصارى في أن عيسى صلب وقتل، أما اليهود فإنهم وإن لم يقتلوا عيسى فهم مؤاخذون على قصدهم حيث صلبوا وقتلوا من ظنوه أنه عيسى عليه السلام.
القرآن
{بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)} [النساء: 158]
التفسير:
بل رفع الله عيسى إليه ببدنه وروحه حيًّا، وطهَّره من الذين كفروا. وكان الله عزيزًا في ملكه، حكيمًا في تدبيره وقضائه.
قوله تعالى: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158]، أي:" بل رفع الله عيسى إليه ببدنه وروحه حيًّا"(5).
قال الطبري: " يعني: بل رفع الله المسيح إليه. يقول: لم يقتلوه ولم يصلبوه، ولكن الله رفعه إليه فطهَّره من الذين كفروا"(6).
قال مجاهد: " رفع الله إليه عيسى حيا"(7).
عن أبي زرعة الشيباني: " أن عيسى بن مريم رفع من جبل طور زيتا، قال: بعث الله ريحا فخفقت به حتى هرول، ثم رفعه الله إلى السماء"(8).
قال ابن عباس: " {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} (9)، قال: ثلاثة وثلاثين سنة، وهو الذي رفع عليه عيسى بن مريم عليه السلام"(10).
وفي تفسير قوله تعالى: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158]، وجهان:
أحدهما: أنه رفعه إلى موضع لا يجري عليه حكم أحد من العباد، فصار رفعه إلى حيث لا يجري عليه حكم العباد رفعاً إليه، وهذا قول بعض البصريين (11).
والثاني: أنه رفعه إلى السماء، وهو قول الحسن (12)، ومجاهد (13).
قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 158]، أي:" وكان الله عزيزًا في ملكه، حكيمًا في تدبيره وقضائه"(14).
قال القرطبي: " أي قويا بالنقمة من اليهود فسلط عليهم بطرس بن أستيسانوس الرومي فقتل منهم مقتلة عظيمة. {حكيما}، حكم عليهم باللعنة والغضب"(15).
(1) تأويل مشكل القرآن: 98.
(2)
انظر: تفسير الطبري (10792): ص 9/ 377.
(3)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6237): ص 4/ 1111، والنكت والعيون: 1/ 543، وزاد المسير: 1/ 495.
(4)
زاد المسير: 1/ 495.
(5)
التفسير الميسر: 103.
(6)
تفسير الطبري: 9/ 378.
(7)
أخرجه ابن ابي حاتم (6242): ص 4/ 1112.
(8)
أخرجه ابن ابي حاتم (6243): ص 4/ 1112.
(9)
[سورة الأحقاف: 15].
(10)
أخرجه ابن ابي حاتم (6241): ص 4/ 1111.
(11)
انظر: النكت والعيون: 1/ 544.
(12)
انظر: النكت والعيون: 1/ 544.
(13)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6242): ص 4/ 1112.
(14)
التفسير الميسر: 103.
(15)
تفسير القرطبي: 6/ 10.
قال ابن كثير: " أي منيع الجناب لا يرام جنابه، ولا يضام من لاذ ببابه {حَكِيمًا} أي: في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، والسلطان العظيم، والأمر القديم"(1).
قال الطبري: " يعني: ولم يزل الله منتقمًا من أعدائه، كانتقامه من الذين أخذتهم الصاعقة بظلمهم، وكلعنه الذين قصّ قصتهم بقوله: {فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله}، {حكيمًا}، يقول: ذا حكمة في تدبيره وتصريفه خلقَه في قضائه، يقول: فاحذروا أيها السائلون محمدًا أن ينزل عليكم كتابًا من السماء، من حلول عقوبتي بكم، كما حل بأوائلكم الذين فعلوا فعلكم، في تكذيبهم رسلي وافترائهم على أوليائي"(2).
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتاه رجل فقال: أرأيت قول الله: {وكان الله عزيزا حكيما} ، قال ابن عباس: كذلك كان ولم يزل" (3).
وفي رواية اخرى: " أما قوله: {وكان} ، فإنه لم يزل ولا يزال وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن
…
، بكل شيء عليم" (4).
وفي رواية اخرى: " {وكان الله عزيزًا حكيمًا}، قال: معنى ذلك: أنه كذلك"(5).
وعن ابن عباس أيضا: "قال يهودي: إنكم تزعمون أن الله كان عزيزا حكيما، فكيف هو اليوم؟ قال ابن عباس: إنه كان من نفسه عزيزا حكيما"(6).
الفوائد:
1 -
تقرير رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ونزوله في آخر أيام الدنيا.
2 -
إثبات اسمين من أسمائه تعالى: «العزيز» ، «الحكيم»:
ومعنى "العزة"؛ أي: المنعة والغلبة، ومنه قوله تعالى:{وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} [ص: 23]؛ أي: غلبني وقهرني، ومن أمثال العرب:"من عز بز"؛ أي: من غلب استلب (7).
و«الحكيم» : إما فعيل بمعنى فاعل؛ أي: ذو الحكم، وهو القضاء على الشيء بأنه كذا أو ليس كذا، أو فعيل بمعنى مفعل، وهو الذي يحكم الأشياء ويتقنها، وقيل: لحكيم ذو الحكمة، وهي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم " (8).
وهو تعالى «الحكيم» : الموصوف بكمال الحكمة وبكمال الحكم بين المخلوقات، فالحكيم هو واسع العلم والاطّلاع على مبادئ الأمور وعواقبها، واسع الحمد، تام القدرة، غزير الرحمة، فهو الذي يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها في خلْقه وأمره، فلا يتوجه إليه سؤال، ولا يقدح في حكمته مقال، وحكمته نوعان (9):
النوع الأول: الحكمة في خلقه؛ فإنه خلق الخلق بالحق ومشتملاً على الحق، وكان غايته والمقصود به الحق، خلق المخلوقات كلها بأحسن نظام، ورتبها أكمل ترتيب، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به.
لنوع الثاني: الحكمة في شرعه وأمره، فإنه تعالى شرع الشرائع، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل ليعرفه العباد ويعبدوه.
القرآن
التفسير:
وإنه لا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب بعد نزول عيسى آخر الزمان إلا آمن به قبل موته عليه السلام، ويوم القيامة يكون عيسى عليه السلام شهيدًا بتكذيب مَن كذَّبه، وتصديق مَن صدَّقه.
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 449.
(2)
تفسير الطبري: 9/ 378.
(3)
أخرجه ابن ابي حاتم (6244): ص 4/ 1112.
(4)
أخرجه ابن ابي حاتم (6245): ص 4/ 1112.
(5)
أخرجه الطبري (10793): ص 9/ 378.
(6)
أخرجه ابن ابي حاتم (6246): ص 4/ 1112.
(7)
انظر: معاني القرآن للنحاس: 2/ 219.
(8)
انظر: شرح نونية ابن القيم، الهراس: 2/ 75.
(9)
انظر: شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة: 102 - 103.
قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: 159]، أي:" وإنه لا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب بعد نزول عيسى آخر الزمان إلا آمن به قبل موته عليه السلام"(1).
قال ابن عباس: " يعني: أنه سيدرك أناسٌ من أهل الكتاب حين يبعث عيسى، فيؤمنون به {ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا} "(2).
قال الزمخشري: " المعنى: وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى، وبأنه عبد الله ورسوله، يعنى: إذا عاين قبل أن تزهق روحه حين لا ينفعه إيمانه لانقطاع وقت التكليف"(3).
وفي رواية عكرمة عن ابن عباس: "لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى ابن مريم. قال: وإن ضُرب بالسيف، يتكلم به. قال: وإن هوى، يتكلم به وهو يَهْوِي"(4).
وفي قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: 159]، ثلاثة أقوال:
أحدها: إلا ليؤمنن بالمسيح قبل موت المسيح، إذا نزل من السماء لقتل الدجّال، وهذا قول ابن عباس (5)، وأبي مالك (6)، والحسن (7)، وقتادة (8)، وابن زيد (9).
والثاني: إلا ليؤمنن بالمسيح قبل موت الكتابي عند المعاينة، فيؤمن بما أنزل الله من الحق وبالمسيح عيسى ابن مريم، وهذا قول ابن عباس أيضا (10)، والحسن (11)، ومجاهد (12)، والضحاك (13)، وعكرمة-في إحدى الروايات- (14)، وابن سيرين (15)، والسدي (16)، وجويبر (17).
والثالث: إلا ليؤمنن بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل موت الكتابي، وهذا قول عكرمة (18).
ورجّح الطبري القول الاول، وقال:"وأولى الأقوال بالصحة والصواب، قول من قال: تأويل ذلك: «وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى»، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من غيره من الأقوال، لأن الله جل ثناؤه حكم لكل مؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم بحكم أهل الإيمان، في الموارثة والصلاة عليه، وإلحاق صغار أولاده بحكمه في الملة. فلو كان كل كتابيّ يؤمن بعيسى قبل موته، لوجب أن لا يرث الكتابيّ إذا مات على مِلّته إلا أولاده الصغار، أو البالغون منهم من أهل الإسلام، إن كان له ولد صغير أو بالغ مسلم. وإن لم يكن له ولد صغير ولا بالغٌ مسلم، كان ميراثه مصروفًا حيث يصرف مال المسلم يموت ولا وارث له، وأن يكون حكمه حكم المسلمين في الصلاة عليه وغَسْله وتقبيره، لأن من مات مؤمنًا بعيسى، فقد مات مؤمنًا بمحمد وبجميع الرسل. وذلك أن عيسى صلوات الله عليه، جاء بتصديق محمد وجميع المرسلين صلوات الله عليهم، فالمصدّق بعيسى والمؤمن به، مصدق بمحمد وبجميع أنبياء الله ورسله. كما أن المؤمن بمحمد، مؤمن بعيسى وبجميع أنبياء الله ورسله. فغير جائز أن يكون مؤمنًا بعيسى من كان بمحمد مكذِّبًا"(19).
قال ابن كثير: " فأما من فسر هذه الآية بأن المعنى: أن كل كتابي لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد، عليهما الصلاة والسلام فهذا هو الواقع، وذلك أن كل أحد عند احتضاره يَتَجَلي له، كان جاهلا به،
(1) التفسير الميسر: 103.
(2)
أخرجه الطبري (10807): ص 9/ 381.
(3)
الكشاف: 1/ 588.
(4)
أخرجه الطبري (10815): ص 9/ 383.
(5)
انظر: تفسير الطبري (10794)، و (10795): ص 9/ 380، و (10807): ص 9/ 381.
(6)
انظر: تفسير الطبري (10796): ص 9/ 380.
(7)
انظر: تفسير الطبري (10797)، و (10798): ص 9/ 380، و (10808): ص 9/ 381 - 382.
(8)
انظر: تفسير الطبري (10799) - (10801): ص 9/ 380 - 381.
(9)
انظر: تفسير الطبري (10806): ص 9/ 381.
(10)
انظر: تفسير الطبري (10809): ص 9/ 382 - رواية علي بن ابي طلحة، و (10814): ص 9/ 383. رواية سعيد بن جبير عنه، و (10815)، و (10816): ص 9/ 383 - 384. رواية عكرمة عنه.
(11)
انظر: تفسير الطبري (10823)، و (10824): ص 9/ 385.
(12)
انظر: تفسير الطبري (10810) - (10812): ص 9/ 382 - 383.
(13)
انظر: تفسير الطبري (10822): ص 9/ 385.
(14)
انظر: تفسير الطبري (10817): ص 9/ 384.
(15)
انظر: تفسير الطبري (10825): ص 9/ 385.
(16)
انظر: تفسير الطبري (10826): ص 9/ 385.
(17)
انظر: تفسير الطبري (10828): ص 9/ 386.
(18)
انظر: تفسير الطبري (10829): ص 9/ 386.
(19)
تفسير الطبري: 9/ 386 - 387.
فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانا نافعا له، إذا كان قد شاهد الملك، كما قال تعالى في أول هذه السورة:{وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} الآية [النساء: 18] وقال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأَسَنَا قَالُوا آمَنَّا بَاللهِ وَحْدَهُ [وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} الآيتين: [غافر: 84، 85]، وهذا يدل على ضعف ما احتج به ابن جرير في رد هذا القول، حيث قال:«ولو كان المراد بهذه الآية هذا، لكان كل من آمن بمحمد أو بالمسيح، ممن كفر بهما - يكون على دينهما، وحينئذ لا يرثه أقرباؤه من أهل دينه؛ لأنه قد أخبر الصادق أنه يؤمن به قبل موته» (1) " (2).
قال ابن كثير: "فهذا ليس بجيد؛ إذ لا يلزم من إيمانه في حالة لا ينفعه إيمانه أنه يصير بذلك مسلمًا، ألا ترى إلى قول ابن عباس: ولو تردى من شاهق أو ضُرب بسيف أو افترسه سَبُع، فإنه لا بد أن يؤمن بعيسى" فالإيمان في مثل هذه الحالات ليس بنافع، ولا ينقل صاحبه عن كفره لما قدمناه.
ومن تأهل هذا جيدًا وأمعن النظر، اتضح له أن هذا، وإن كان هو الواقع، لكن لا يلزم منه أن يكون المرادُ بهذه الآية هذا، بل المراد بها ما ذكرناه من تقرير وجود عيسى، عليه السلام، وبقاء حياته في السماء، وأنه سينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة؛ ليكذب هؤلاء وهؤلاء من اليهود والنصارى الذين تباينت أقوالهم فيه وتضادّت وتعاكست وتناقضت، وخلت عن الحق، ففرّط هؤلاء اليهود وأفرط هؤلاء النصارى: تَنَقَّصه اليهود بما رموه به وأمه من العظائم، وأطراه النصارى بحيث ادعوا فيه بما ليس فيه، فرفعوه في مقابلة أولئك عن مقام النبوة إلى مقام الربوبية، تعالى الله عن قول هؤلاء وهؤلاء علوًّا كبيرًا، وتنزه وتَقَدّس لا إله إلا هو" (3).
وعن شهر بن حوشب: قال لي الحجاج: "آية ما قرأتها إلا تخالج في نفسي شيء منها، يعنى: هذه الآية، وقال إنى أوتى بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه فلا أسمع منه ذلك، فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه وقالوا يا عدو الله، أتاك موسى نبيا فكذبت به فيقول: آمنت أنه عبد نبى. وتقول للنصراني: أتاك عيسى نبيا فزعمت أنه الله أو ابن الله، فيؤمن أنه عبد الله ورسوله حيث لا ينفعه إيمانه. قال: وكان متكئا فاستوى جالسا فنظر إلى وقال: ممن؟ قلت: حدثني محمد بن على بن الحنفية، فأخذ ينكت الأرض بقضيبه ثم قال: لقد أخذتها من عين صافية، أو من معدنها. قال الكلبي: فقلت له: ما أردت إلى أن تقول حدثني محمد بن على بن الحنفية. قال: أردت أن أغيظه، يعنى بزيادة اسم على، لأنه مشهور بابن الحنفية"(4).
روي عن أبي هريرة: "أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم قال: الأنبياء إخوة لعَلاتٍ، أمهاتهم شتى ودينهم واحدٌ. وإنيّ أولى الناس بعيسى ابن مريم، لأنه لم يكن بيني وبينه نبيٌّ. وإنه نازلٌ، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربُوع الخَلق، إلى الحمرة والبياض، سَبْط الشعر، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بَلل، بين ممصَّرتين، فيدُقّ الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله في زمانه الملل كلَّها غير الإسلام، ويهلك الله في زمانه مسيحَ الضلالة الكذابَ الدجال، وتقع الأمَنَة في الأرض في زمانه، حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الغِلمان أو: الصبيان بالحيات، لا يضرُّ بعضهم بعضًا. ثم يلبث في الأرض ما شاء الله وربما قال: أربعين سنة ثم يتوفَّى، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه"(5).
قال الزمخشري: [إن] قلت: ما فائدة الإخبار بإيمانهم بعيسى قبل موتهم؟
قلت: فائدته الوعيد، وليكون علمهم بأنهم لا بد لهم من الإيمان به عن قريب عند المعاينة، وأن ذلك لا ينفعهم، بعثا لهم وتنبيها على معاجلة الإيمان به في أوان الانتفاع به، وليكون إلزاما للحجة لهم" (6).
قوله تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} [النساء: 159]، أي:" ويوم القيامة يكون عيسى عليه السلام شهيدًا بتكذيب مَن كذَّبه، وتصديق مَن صدَّقه"(7).
(1) انظر: تفسير الطبري: 9/ 386 - 387. [بتصرف في العبارات].
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 455.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 454 - 455.
(4)
الكشاف: 1/ 588.
(5)
أخرجه الطبري (10830): ص 9/ 388 - 389.
(6)
الكشاف: 1/ 589.
(7)
التفسير الميسر: 103.
قال ابن كثير: " أي: بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء وبعد نزوله إلى الأرض"(1).
قال الطبري: أي: " ويوم القيامة يكون عيسى على أهل الكتاب {شهيدًا}، يعني: شاهدًا عليهم بتكذيب من كذَّبه منهم، وتصديق من صدقه منهم، فيما أتاهم به من عند الله، وبإبلاغه رسالة ربه"(2).
قال الزمخشري: "يشهد على اليهود بأنهم كذبوه، وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله"(3).
وفي تفسير قوله تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} [النساء: 159]، وجهان:
أحدهما: أن المسيح-عليه السلام يكون شهيداً بتكذيب من كذبه وتصديق من صدقه من أهل عصره (4).
والثاني: أنه يكون شهيداً أنه بلَّغ رسالة ربه، وأقر بالعبودية على نفسه، وهذا قول قتادة (5)، وابن جريج (6).
الفوائد:
1 -
أن الإيمان؛ كالتوبة عند معاينة ملك الموت لا تنفع ولا تقبل وجودها كعدمها.
2 -
أن عيسى-عليه السلام سوف ينزل في آخر هذه الأمة، عند اقتراب الساعة وظهور علاماتها الكبار، يقتل الدجال، ويضع الجزية، ويؤمن به أهل الكتاب مع المؤمنين (7)، وكما جاء في الحديث: " وإنيّ أولى الناس بعيسى ابن مريم، لأنه لم يكن بيني وبينه نبيٌّ، وإنه نازلٌ، فإذا رأيتموه فاعرفوه
…
" (8) الحديث.
3 -
أن عيسى-عليه السلام-سوف يشهد يوم القيامة على أهل الكتاب ببطلان كل ما هم عليه، مما هو مخالف لشريعة القرآن ولما دعاهم إليه محمد صلى الله عليه وسلم، علمنا بذلك، لعلمنا بكمال عدالة المسيح عليه السلام وصدقه، وأنه لا يشهد إلا بالحق، إلا أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق وما عداه فهو ضلال وباطل (9).
القرآن
التفسير:
فبسبب ظلم اليهود بما ارتكبوه من الذنوب العظيمة حَرَّم الله عليهم طيبات من المأكل كانت حلالا لهم، وبسبب صدِّهم أنفسهم وغيرهم عن دين الله القويم.
قوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا} [النساء: 160]، أي:" أي بسبب ظلم اليهود وما ارتكبوه من الذنوب العظيمة"(10).
قال قتادة: " عوقب القوم بظلم ظلموه وبَغْيٍ بَغَوْه"(11).
قال مقاتل: " يعني: اليهود"(12).
قوله تعالى: {حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160]، أي:"حرمنا عليهم أنواعاً من الطيبات التي كانت محلّلة لهم"(13).
قال قتادة: " حرمت عليهم أشياء ببغيهم وبظلمهم"(14).
قال الشَّافِعِي: "يعني - والله تعالى أعلم - طيبات كانت أحِلت لهم"(15).
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 454.
(2)
تفسير الطبري: 9/ 390.
(3)
الكشاف: 1/ 589.
(4)
انظر: النكت والعيون: 1/ 544.
(5)
انظر: تفسير الطبري (10832): 9/ 390.
(6)
انظر: تفسير الطبري (10831): 9/ 390.
(7)
انظر: تفسير السعدي: 213.
(8)
أخرجه الطبري (10830): ص 9/ 388 - 389.
(9)
انظر: تفسير السعدي: 213.
(10)
صفوة التفاسير: 292.
(11)
أخرجه الطبري (10833): ص 9/ 391.
(12)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 421.
(13)
صفوة التفاسير: 292.
(14)
أخرجه الطبري (10833): ص 9/ 391.
(15)
تفسير الإمام الشافعي: 1/ 480.
قال مقاتل: " يعني في الأنعام: يعني اللحوم والشحوم وكل ذي ظفر لهم حلال فحرمها الله- عز وجل عليهم بعد موس"(1).
قال الماتريدي: " لولا آية أخرى سوى هذه؛ وإلا صرفنا قوله سبحانه وتعالى: {حرمنا عليهم طيبات} على المنع، دون حقيقة التحريم؛ لأنهم أهل كفر؛ فلا يبالون ما يتناولون من المحرم والمحلل، ولا يمتنعون عن التناول من ذلك؛ فإذا كان ما ذكرنا - فيجيء أن يعود تأويل الآية إلى المنع؛ كقوله - تعالى -:{وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ} [القصص: 12]، فليس هو على التحريم؛ ولكن على المنع؛ أي: منعناه؛ فلم يأخذ من لبن المراضع دون لبن أمه؛ فعلى ذلك يجب أن يكون الأول.
ثم المنع لهم يكون من وجهين:
أحدهما: منع من جهة منع الإنزال؛ لقلة الأمطار والقحط؛ كسني يوسف عليه السلام وسني مكة، على ما كان لهم من القحط.
والثاني: منع من جهة الخلق: ألا يعطوا شيئا، لا بيعا ولا شراء ولا معروفا.
ولكن في آية أخرى بيان أن قوله: {حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} - أنه على التحريم، ليس على المنع، وهو قوله:{وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ} [الأنعام: 146]، أخبر عز وجل أن ذلك جزاء بغيهم؛ فدل ما ذكرنا في الآية أن ذلك على حقيقة التحريم؛ لما يحتمل أن يكونوا لا يستحلون ما ذكر في الآية، ولكن كانوا يتناولون الربا على غير الاستحلال؛ فحرم ذلك عليهم" (2).
وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه وحرف ابن عباس رضي الله عنهما: «حرمنا عليهم طيبات كانت أحلت لهم» (3).
قوله تعالى: {وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} [النساء: 160]، أي:" وبسبب منعهم كثيراً من الناس عن الدخول في دين الله"(4).
قال الطبري: " يعني: وبصدّهم عبادَ الله عن دينه وسبله التي شرعَها لعباده، صدًّا كثيرًا، وكان صدُّهم عن سبيل الله: بقولهم على الله الباطل، وادعائهم أن ذلك عن الله، وتبديلهم كتاب الله، وتحريف معانيه عن وجوهه. وكان من عظيم ذلك: جحودهم نبوة نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتركهم بيانَ ما قد علِموا من أمره لمن جَهِل أمره من الناس"(5).
روي عن مجاهد في قول الله: " {وبصدّهم عن سبيل الله كثيرًا}، قال: أنفسَهم وغيرَهم عن الحق"(6).
ويحتمل قوله تعالى: {وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} [النساء: 160]، وجهين (7):
أحدهما: أنهم صدوا من يستجهلون ويستسفهون عن سبيل الله: كانوا يدلون على الباطل وعلى غير سبيل الله، فذلك الصد محتمل.
والثاني: أنهم كانوا يصدون عن سبيل الله بالقتال والحرب.
قال الراغب: " واعلم أن تحريم الله على ثلاثة أضرب:
الأول: تحريمه الخبائث وكل ما ليس له هذا بوجه والبدن تعافه كالذباب، والخنافس، والأشياء المخلوقة من فضول البدن وهذا الجنس يحرم عقلا وشرعا.
الثاني: ما يعلم ضره أكثر من نفعه وقد يظن بعض الناس فيه نفعا كثيرا، فهو مترد من التحريم والتخيل في العقل.
والثالث: ضرب نافع في الأحوال الدنيوية جدا، إلا أن نفعه ليس بضروري، والعقل لا يقتضي بتحريمه، والشرع قد حرمه في حال دون حال، تهذيبا للنفوس عبادة، ودفعا لسلطان شهوتهم كتحريم الشحم على بني إسرائيل، وهو ما قال تعالى:{وعلى الذين هادوا حرمنا} الآية، فنبه تعالى أنهم لما أسرفوا وصاروا يظلمون، ويصدون عن سبيل الله، حرم عليهم بعض الأطعمة، ليكون في ذلك عقوبة لهم من وجه وتهذيب يقمع شهوتهم
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 421.
(2)
تفسير الماتريدي: 3/ 413 - 414.
(3)
انظر: تفسير الماتريدي: 3/ 414.
(4)
صفوة التفاسير: 292.
(5)
تفسير الطبري: 9/ 391.
(6)
أخرجه الطبري (10834): ص 9/ 391.
(7)
انظر: تفسير الماتريدي: 3/ 414.
من وجه، فقلة الطعم سبب لتوهين الشهوة، ولتوهينها أمر تعالى في كل شرع بصوم، ليكون ذلك سببا لمنعها عما تدعو إليه، فلا تكون كالبهائم التي تأكل ما تشتهي، وإلى نحو هذا أشار قوله عليه الصلاة والسلام:«صوموا تصحوا» (1)، فإن في الصوم صحة للبدن، وصحة النفس" (2).
الفوائد:
1 -
المعاصي تورث الحرمان من خير الدنيا والآخرة.
2 -
حرمة الصد عن الإسلام ولو بالسلوك الشائن والمعاملة الباطلة.
القرآن
التفسير:
وبسبب تناولهم الربا الذي نهوا عنه، واستحلالهم أموال الناس بغير استحقاق، وأعتدنا للكافرين بالله ورسوله مِن هؤلاء اليهود عذابًا موجعًا في الآخرة.
قوله تعالى: {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ} [النساء: 161]، أي:" وبسبب تناولهم الربا الذي نهوا عنه"(3).
قال الطبري: " وهو أخذهم ما أفضلوا على رءوس أموالهم، لفضل تأخير في الأجل بعد مَحِلِّها، {وقد نهوا عنه}، يعني: عن أخذ الربا"(4).
قال مقاتل بن حيان: " كان الله حرم على أهل التوراة حين أقروا بها أن يأكلوا الربا ، فأكلوا الربا"(5).
قال النسفي: " كان الربا محرماً عليهم كما حرم علينا وكانوا يتعاطونه"(6).
قوله تعالى: {وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 161]، أي:" واستحلالهم أموال الناس بغير استحقاق"(7).
قال السمعاني: " يعنى: الرشا"(8).
قال السيوطي: أي: " بالرشا في الحكم"(9).
قال النسفي: أي: " بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة"(10).
قال الطبري: " يعني: ما كانوا يأخذون من الرُّشَى على الحكم، كما وصفهم الله به في قوله: {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة المائدة: 62]، وكان من أكلهم أموال الناس بالباطل، ما كانوا يأخذون من أثمان الكتب التي كانوا يكتبونها بأيديهم، ثم يقولون: "هذا من عند الله"، وما أشبه ذلك من المآكل الخسيسة الخبيثة، فعاقبهم الله على جميع ذلك، بتحريمه ما حرَّم عليهم من الطيبات التي كانت لهم حلالا قبل ذلك، وإنما وصفهم الله بأنهم أكلوا ما أكلوا من أموال الناس كذلك بالباطل، لأنهم أكلوه بغير استحقاق، وأخذوا أموالهم منهم بغير استيجاب"(11).
قال مقاتل بن حيان: " قوله: {بالباطل}، قال: ظلما"(12)، قال:" كان الله حرم على أهل التوراة حين أقروا بها أن يأكلوا أموال الناس ، فأكلوا أموال الناس ، فلما فعلوا ذلك حرم الله عليهم ما كان أحل لهم في التوراة"(13).
(1) أخرجه الطبراني في الكبير (8312)، وانظر كشف الخفاء (1/ 539)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (3504)، والضعيفة (253).
(2)
تفسير الراغب الاصفهاني: 4/ 226.
(3)
التفسير الميسر: 103.
(4)
تفسير الطبري: 9/ 391 - 392.
(5)
أخرجه ابن ابي حاتم (6263): ص 4/ 1115.
(6)
تفسير النسفي: 1/ 415.
(7)
التفسير الميسر: 103.
(8)
تفسير السمعاني: 1/ 501.
(9)
تفسير الجلالين: 131.
(10)
تفسير النسفي: 1/ 415.
(11)
تفسير الطبري: 9/ 392.
(12)
أخرجه ابن ابي حاتم (6265): ص 4/ 1116.
(13)
أخرجه ابن ابي حاتم (6264): ص 4/ 1115.
قوله تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 161]، أي:" وهيّأنا للكافرين بالله ورسوله مِن هؤلاء اليهود عذابًا موجعًا في الآخرة"(1).
قال مقاتل: قوله: " {وأعتدنا للكافرين منهم}}، يعني: من اليهود"(2).
قال ابن عباس: " {عذابا أليما}، يقول: نكالا موجعا"(3).
قال السيوطي: أي: " مؤلما"(4).
قال الطبري: " يعني: وجعلنا للكافرين بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم من هؤلاء اليهود، العذاب الأليم، وهو الموجع من عذاب جهنم عنده، يصلونها في الآخرة، إذا وردوا على ربهم، فيعاقبهم بها"(5).
قال الراغب: " لما نبه بما تقدم أنهم كفروا، ذكر ما أعد للكافرين ليكون فيه إشارة إلى أنهم يستحقون ذلك العذاب، أنهم من جملتهم"(6).
الفوائد:
1 -
حرمة الربا وأنه موجب للعقوبة في الدنيا والآخرة.
2 -
حرمة أكل أموال الناس بالباطل؛ كالسرقة والغش والرشوة.
(1) التفسير الميسر: 103. [بتصرف].
(2)
أخرجه ابن ابي حاتم (6266): ص 4/ 1116.
(3)
أخرجه ابن ابي حاتم (6267): ص 4/ 1116.
(4)
تفسير الجلالين: 131.
(5)
تفسير الطبري: 9/ 392.
(6)
تفسير الراغب الاصفهاني: 4/ 226.
القرآن
التفسير:
لكنِ المتمكنون في العلم بأحكام الله من اليهود، والمؤمنون بالله ورسوله، يؤمنون بالذي أنزله الله إليك -أيها الرسول- وهو القرآن، وبالذي أنزل إلى الرسل من قبلك كالتوراة والإنجيل، ويؤدُّون الصلاة في أوقاتها، ويخرجون زكاة أموالهم، ويؤمنون بالله وبالبعث والجزاء، أولئك سيعطيهم الله ثوابًا عظيمًا، وهو الجنة.
سبب النزول:
قال ابن عباس: " نزلت في عبد الله بن سلام وأسيد بن سعية وثعلبة بن سعية وأسد بن عبيد، حين فارقوا يهود وشهدوا أن الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم حق من الله، وأنهم يجدونه مكتوبا عندهم"(1).
وفي السياق نفسه قال مقاتل: " وذلك أن عبد الله بن سلام وأصحابه قالوا للنبي- صلى الله عليه وسلم: إن اليهود لتعلم أن الذي جئت به حق، وإنك لمكتوب عندهم في التوراة. فقالت اليهود: ليس كما تقولون: وإنهم لا يعلمون شيئا وإنهم ليغرونك ويحدثونك بالباطل، فقال الله- عز وجل: {لكن الراسخون في العلم} "(2).
قوله تعالى: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ} [النساء: 162]، أي:" لكن المتمكنون في العلم منهم والثابتون فيه"(3).
قال مقاتل: " يعني: ابن سلام وأصحابه من اليهود"(4).
قال الطبري: " وهم الذين قد رَسخوا في العلم بأحكام الله التي جاءت بها أنبياؤه، وأتقنوا ذلك، وعرفوا حقيقته"(5).
قال ابن كثير: " أي: الثابتون في الدين لهم قدم راسخة في العلم النافع"(6).
قال الراغب: " الراسخ في العلم: هو الذي لا يعترضه شبهة لتمكنه في معرفته وتحققه بها، وكونه من الذين قال فيهم: {الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} [الحجرات: 15]ـ فنبه أن الراسخين في العلم يعرفون معنى النبوة ويعتبرونه، فحيث ما وجدوه يتبعوه، فالحق لا ينافي بعضه بعضا"(7).
عن فياض الرقي، عن عبد الله بن يزيد -وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنسا وأبا الدرداء، وأبا أمامة-، قال:"حدثنا أبو الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن: «الراسخين في العلم»، فقال: من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه ومن عف بطنه وفرجه، فهو من الراسخين في العلم"(8).
وإن قيل: "ما وجه لكن ها هنا؟ وهو لإبطال الشيء وإثبات آخر، فما الذي أبطل ها هنا؟
قيل: لكن وإن كان كما قلت، فتارة تجيء بعد نفي، ما جاءني زيد ولكن عمرو، وتارة تجيء بعد إيجاب، والإبطال فيه مقدر، نحو جاءني زيد لكن أخوه أحسن إلي، والتقدير: أخوه لم يجئني لكن أحسن إلي، فأغنى عن الإبطال بذكر الإيجاب، ولما اقتص عن اليهود ما كان منهم، وألزمهم المذمة، بين أن الراسخين لم يذهبوا مذهبهم، لكن يؤمنون بكل ذلك ويستحقون به الثواب، بخلاف هو لا الذين يستحقون العقاب" (9).
قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ} [النساء: 162]، أي:"والمؤمنون بالله ورسوله"(10).
قال مقاتل: " يعني: أصحاب محمد- صلى الله عليه وسلم من غير أهل الكتاب"(11).
(1) أخرجه ابن ابي حاتم (6269): ص 4/ 1116، وانظر: تفسير ابن كثير: 2/ 468.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 422. وأسلوب العبارة ركيك ومضمونها: أن اليهود كذبت عبد الله بن سلام وأصحابه وأخبرت النبي أنهم جهلة لا يعلمون شيئا وأنهم يغرون النبي ويحدثونه بالباطل.
(3)
صفوة التفاسير: 292.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 422.
(5)
تفسير الطبري: 9/ 393.
(6)
تففسير ابن كثير: 2/ 468.
(7)
تفسير الراغب الاصفهاني: 4/ 226.
(8)
اخرجه ابن ابي حاتم (6268): ص 4/ 1116.
(9)
تفسير الراغب الاصفهاني: 4/ 227.
(10)
انظر: التفسير الميسر: 103، وصفوة التفاسير:292.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 422.
قال ابن كثير: " عطف على الراسخين، وخبره: {يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ} "(1).
قال الطبري: " يعني: والمؤمنون بالله ورسله، هم يؤمنون بالقرآن الذي أنزل الله إليك، يا محمد، وبالكتب التي أنزلها على من قبلك من الأنبياء والرسل، ولا يسألونك كما سألك هؤلاء الجهلة منهم: أن تنزل عليهم كتابًا من السماء، لأنهم قد علموا بما قرأوا من كتب الله وأتتهم به أنبياؤهم، أنك لله رسول، واجبٌ عليهم اتباعك، لا يَسعهم غير ذلك، فلا حاجة بهم إلى أن يسألوك آية معجزة ولا دلالة غير الذي قد علموا من أمرك بالعلم الراسخ في قلوبهم من إخبار أنبيائهم إياهم بذلك، وبما أعطيتك من الأدلّة على نبوتك"(2).
قوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} [النساء: 162]، أي:" يؤمنون بالذي أنزله الله إليك -أيها الرسول- وهو القرآن"(3).
قال الطبري: أي: " يؤمنون بك وبما أنزل إليك من الكتاب، وبما أنزل من قبلك من سائر الكتب"(4).
قال قتادة: " استثنى الله أُثْبِيَّةً من أهل الكتاب، وكان منهم من يؤمن بالله وما أنزل عليهم، وما أنزل على نبي الله، يؤمنون به ويصدّقون، ويعلمون أنه الحق من ربهم"(5).
قوله تعالى: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ} [النساء: 162]، أي:" يؤدُّون الصلاة في أوقاتها"(6).
قال مقاتل: " ثم نعتهم فقال- سبحانه-: {والمقيمين الصلاة} "(7).
قال الحسن: " فريضة واجبة لا تنفع الأعمال إلا بها والزكاة فريضة واجبة لا تنفع الأعمال إلا بها"(8).
قال الزهري: "إقامتها: أن تصلي الصلوات الخمس لوقتها"(9).
واختلفوا في نصب {الْمُقِيمِينَ} [النساء: 162]، على أربعة أقوال (10):
أحدها: أنه خطأ من الكاتب، وهذا قول عائشة (11)، ووأبان بن عثمان (12).
وروي عن عثمان بن عفان أنه قال: "إن في المصحف لحنا ستقيمه العرب بألسنتها، فقيل له: ألا تغيره؟ فقال: دعوه فإنه لا يحل حراما ولا يحرم حلالا"(13).
وقد قرأ ابن مسعود، وأبي، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والجحدري:«والمقيمون الصلاة» بالواو (14).
قال الأنباري: "حديث عثمان لا يصح، لأنه غير متصل، ومحال أن يؤخر عثمان شيئا فاسدا، ليصلحه من بعده"(15).
(1) تففسير ابن كثير: 2/ 468.
(2)
تفسير الطبري: 9/ 393 - 394.
(3)
انظر: التفسير الميسر: 103، وصفوة التفاسير:292.
(4)
تفسير الطبري: 9/ 394.
(5)
أخرجه الطبري (10836): ص 9/ 394.
(6)
التفسير الميسر: 103.
(7)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 422.
(8)
أخرجه ابن ابي حاتم (6272): ص 4/ 1117.
(9)
أخرجه ابن ابي حاتم (6272): ص 4/ 1117.
(10)
انظر: تفسير الطبري: 9/ 395 - 399، وتفسير ابن كثير: 2/ 468، وزاد المسير: 1/ 497 - 498.
(11)
انظر: تفسير الطبري (10838): ص 9/ 395.
(12)
انظر: تفسير الطبري (10837): ص 9/ 395.
(13)
لا يصح مثل هذا عن عثمان بن عفان رضي الله عنه. أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» ص (159 - 160) ح 20/ 49 وابن أبي داود في «المصاحف» ص (42) كلاهما عن الزبير بن خريت، عن عكرمة، وهذا مرسل، فهو ضعيف، وأخرجه ابن أبي داود ص 41 عن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر القرشي، وهذا معضل مع جهالة القرشي هذا، وكرره من وجه آخر، عن قتادة، وهو مرسل ومع إرساله فيه من لم يسم، وكرره ص 41 - 42 من وجه آخر عن قتادة، عن نصر بن عاصم الليثي، عن عبد الله بن خطيم، عن يحيى بن يعمر، عن عثمان به، وهذا إسناد ضعيف لجهالة بن خطيم هذا، وهذه الروايات جميعا واهية لا تقوم بها حجة وهذا الخبر باطل لا أصل له عن عثمان، والذي صح في ذلك ما أخرجه البخاري 4984 عن الزهري، عن أنس، قال: فأمر عثمان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وقال لهم: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن، فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن أنزل بلسانهم ففعلوا» وهو بعض حديث اختصره البخاري في هذه الرواية، وكرره 4987 عن أنس، عن حذيفة بن اليمان فذكر حديثه، وفيه «وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا .... » فهذا الذي صح عن عثمان رضي لله عنه، وهو يدفع ما تقدم ويبطله، فإن عثمان بن عفان قد اختار ثلاثة من قريش وهم أفصح العرب، وأمر زيدا أن يكتب بلغتهم- أي لغة قريش- كل ما اختلفوا فيه، فإذا عثمان لم يترك شيئا لمن بعده من العرب، وهل هناك أفصح من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم آنذاك أم هل يخفى لحن على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسكتون على ذلك، وقد كان أبي بن كعب يقوم فيهم رمضان وهم متوافرون؟ ! .
(14)
انظر: تفسير الطبري: 9/ 395 - 399، وتفسير ابن كثير: 2/ 468، وزاد المسير: 1/ 497 - 498.
(15)
زاد المسير: 1/ 498.
قال البغوي: "وعامة الصحابة وأهل العلم على أنه صحيح"(1).
قال مكي بن أبي طالب: " وهذا القول قد طعن فيه، لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد أجمعوا على صحة ما بين اللوحين، فلا يمكن أن يجتمعوا على غلط"(2).
قال الزجاج: " وقال بعضهم: في كتاب الله أشياء ستصلحها العرب بألسنتها، وهذا
القول عند أهل اللغة بعيد جدا، لأن الذين جمعوا القرآن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أهل اللغة وهم القدوة وهم قريبو العهد بالإسلام فكيف يتركون في كتاب الله شيئا يصلحه غيرهم، وهم الذين أخذوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمعوه، وهذا ساقط عمن لا يعلم بعدهم وساقط عمن يعلم، لأنهم يقتدى بهم فهذا مما لا ينبغي أن ينسب إليهم رحمة الله عليهم، والقرآن محكم لا لحن فيه، ولا تتكلم العرب بأجود منه في الإعراب، كما قال عز وجل:{تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد} [فصلت: 42]، وقال:{بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 195]، ولسيبويه والخليل وجميع النحويين في هذا باب يسمونه باب المدح قد بينوا فيه صحة هذا وجودته" (3).
قال الزبير: "قلت لأبان بن عثمان بن عفان: ما شأنها كتبت: {لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة}؟ قال: إن الكاتب لما كتب: "لكن الراسخون في العلم منهم"، حتى إذا بلغ قال: ما أكتب؟ قيل له: اكتب: {والمقيمين الصلاة}، فكتب ما قيلَ له"(4).
وعن هشام بن عروة، عن أبيه: أنه سأل عائشة عن قوله: "والمقيمين الصلاة"، وعن قوله:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ} [سورة المائدة: 69]، وعن قوله:{إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} [سورة طه: 63](5)، فقالت: يا ابن أختي، هذا عمل الكاتب، أخطئوا في الكتاب" (6).
قال أبو الحسن: " وهذان الخبران لا يصححهما أهل النظر"(7).
والثاني: أنه مخفوض عطفا على قوله: {بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ} ، يعني: وبالمقيمين الصلاة، وكأنه يقول: وبإقامة الصلاة، أي: يعترفون بوجوبها وكتابتها عليهم، أو أن المراد بالمقيمين الصلاة الملائكة، يعني: يؤمنون بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك، وبالملائكة (8). وهذا اختيار الطبري (9).
قال ابن كثير: "وفي هذا نظر"(10).
والثالث: أنه نسق على الهاء والميم من قوله: {منهم} ، فالمعنى: لكن الراسخون في العلم منهم، ومن المقيمين الصلاة يؤمنون بما أنزل إليك (11).
(1) تفسير البغوي: 1/ 721.
(2)
الهداية إلى بلوغ النهاية: 7/ 4663.
(3)
معاني القرآن: 2/ 131.
(4)
أخرجه الطبري (10837): ص 9/ 395.
(5)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "الفتاوى" 2/ 252: وقد زعم قوم أن قراءة من قرأ: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} لحن وأن عثمان رضي الله عنه قال: إن في المصحف المصحف لحنًا ستقيمه العرب بألسنتها. وهذا خبر باطل لا يصح.
وقال في "تفسيره" 5/ 209: ومن زعم أن الكتاب غلط فهو الغالط غلطًا منكرًا، فإن المصحف منقول بالتواتر وقد كتبت عدة مصاحف وكلها مكتوبة بالألف فكيف يتصور في هذا غلط".
وقال الألوسي في "روح المعاني" 16/ 224: والذي أجنح إليه تضعيف جميع ما ورد مما فيه طعن بالمتواتر، ولم يقبل تأويلاً ينشرح له الصدر ويقبله الذوق، وإن صححه من صححه، والطعن في الرواية أهون بكثير من الطعن بالأئمة الذين تلقوا القرآن الذي وصل إلينا بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يألوا جهدًا في إتقانه وحفظه. وقال الدكتور عبد الحي الفرماوي في كتابه "رسم المصحف" ص 131 بعد أن ضعف هذه الرواية: وقد ذكر بعض العلماء هذه الرواية في كتبهم بحسن قصد من غير تحر ولا دقة فاتخذها أعداء الإسلام من المارقين والمستشرقين للطعن في الإسلام وفي القرآن، لتوهين فقه المسلمين بكتاب ربهم - .. ثم قال-: ويجاب عن تصحيح السيوطي: بأن هذه الرواية على فرض صحتها، فهي رواية آحادية لا يثبت بها قرآن، وهي معارضة للقطعي الثابت بالتواتر فهي باطلة مردودة، فإن من قواعد المحدثين أن مما يدرك به وضع الخبر ما يؤخذ من حال المروي كأن يكون مناقضًا لنص القرآن أو السنة أو الإجماع أو صريح العقل، حيث لا يقبل شيء من ذلك التأويل أو لم يحتمل سقوط شيء منه يزول به المحذور، وهذه الرواية مخالفة للمتواتر القطعي الذي تلقته الأمة بالقبول فيها باطلة لا محالة.
انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 106، "جامع البيان" 16/ 180، "الجامع لأحكام القرآن" 6/ 14، "دقائق التفسير" 5/ 202، "الإتقان" 1/ 182، "مناهل العرفان" 1/ 186، "رسم المصحف بين المؤيدين والمعارضين" ص 131.
(6)
أخرجه الطبري (10838): ص 9/ 395.
(7)
النكت في القرآن الكريم: 320.
(8)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 130.
(9)
انظر: تفسير الطبري: 9/ 397.
(10)
تفسير ابن كثير: 2/ 468.
(11)
انظر: معاني القرآن للفراء: 2/ 131، وزاد المسير: 1/ 498.
قال الزجاج: " وهذا عند النحويين رديء، أعني العطف على الهاء والميم لأنه لا يعطف بالظاهر المجرور على المضمر المجرور إلا في شعر"(1).
والرابع: أنه منصوب على المدح، فالمعنى: اذكر المقيمين الصلاة، وهم المؤتون الزكاة، كما جاء في قوله:{وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا} [البقرة: 177]، قالوا: وهذا سائغ في كلام العرب، كما قال الخرنق بنت بدر بن هفان (2):
لا يَبْعَدَن قومي الذين همُو
…
سُمّ العداة وآفة الجُزرِ
النازلين بكل مُعْتركٍ
…
والطَّيّبُونَ مَعَاقِدَ الأزْرِ
وهذا على معنى: اذكر النازلين، وهم الطيبون، ومن هذا قولك: مررت بزيد الكريم، إن أردت أن تخلصه من غيره. فالخفض هو الكلام، وإن أردت المدح والثناء، فإن شئت نصبت، فقلت: بزيد الكريم، كأنك قلت: اذكر الكريم، وإن شئت رفعت على معنى: هو الكريم. وتقول: جاءني قومك المطعمين في المحل، والمغيثون في الشدائد على معنى: اذكر المطعمين، وهم المغيثون، وهذا القول اختيار الخليل (3)، وسيبويه (4).
فهذه الأقوال حكاها الزجاج، واختار القول الأخير (5).
قوله تعالى: {وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [النساء: 162]، أي:" ويخرجون زكاة أموالهم"(6).
قال مقاتل: " يعني: المعطون الزكاة"(7).
قال ابن كثير: " يحتمل أن يكون المراد زكاة الأموال، ويحتمل زكاة النفوس، ويحتمل الأمرين"(8).
قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 162]، أي:" ويؤمنون بالله وبالبعث والجزاء"(9).
قال مقاتل: " أنه واحد لا شريك له، والبعث الذي فيه جزاء الأعمال"(10).
قال ابن كثير: " أي: يصدقون بأنه لا إله إلا الله، ويؤمنون بالبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال خيرها وشرها"(11).
قال النضر بن شميل: "تفسير «المؤمن»: أنه أمن من عذاب الله"(12).
قال قتادة: " المؤمنون: هم العجاجون بالليل والنهار، والله ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجيب لهم"(13).
قال سعيد بن جبير: " {واليوم الآخر}، يعني: ويصدقون بالغيب الذي فيه جزاء الأعمال"(14).
قال الراغب: " وقد ذكر تعالى عامة الإيمان الاعتقادي، فإن جماعة ذلك هي المذكورة في قوله تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [النساء: 136] الآية، ولم يذكر «الملائكة» ها هنا في ضمن الإيمان {وما أنزل} إيمانا بالملائكة الذين نزلوا به وإنما قدم الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم على الإيمان بالله ها هنا لأن القصد من الآية إليه، والمذكور بعده على سبيل التبع، وذكر من الإيمان العملي إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأنهما ركنا العبادة، وعلى هذا يخصهما في عامة الآيات من بين العبادات"(15).
قوله تعالى: {أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 162]، أي:" أولئك سيعطيهم الله ثوابًا عظيمًا، وهو الجنة"(16).
(1) معاني القرآن: 2/ 131.
(2)
ديوانه: 29.
(3)
انظر: مجاز القرآن لابي عبيدة: 1/ 142 - 143، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 132 - 133، وزاد المسير: 1/ 498.
(4)
انظر: مجاز القرآن لابي عبيدة: 1/ 142 - 143، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 132 - 133، وزاد المسير: 1/ 498.
(5)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 132 - 133.
(6)
التفسير الميسر: 103.
(7)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 422.
(8)
تفسير ابن كثير: 2/ 468.
(9)
التفسير الميسر: 103.
(10)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 422.
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 468.
(12)
أخرجه ابن ابي حاتم (6273): ص 4/ 1117.
(13)
أخرجه ابن ابي حاتم (6274): ص 4/ 1117.
(14)
أخرجه ابن ابي حاتم (6275): ص 4/ 1117.
(15)
تفسير الراغب الاصفهاني: 4/ 230.
(16)
التفسير الميسر: 103.
قال ابن كثير: " يعني: الجنة"(1).
قرأ حمزة: «سيؤتيهم» ، بالياء، والباقون بالنون (2).
الفوائد:
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 468.
(2)
انظر: تفسير البوغي: 2/ 310.
1 -
أن من أهل الكتاب صلحاء ربانيون وذلك؛ كعبد الله بن سلام وآخرين.
2 -
الرسوخ في العلم يأمن صاحبه الزلات والوقوع في المهلكات.
3 -
فضل إقام الصلاة لنصب "والمقيمي الصلاة" في الآية على المدح والتخصيص.
القرآن
التفسير:
إنا أوحينا اليك -أيها الرسول- بتبليغ الرسالة كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده، وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط -وهم الأنبياء الذين كانوا في قبائل بني إسرائيل الاثنتي عشرة من ولد يعقوب- وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان. وآتينا داود زبورًا، وهو كتاب وصحف مكتوبة.
سبب النزول:
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما؛ قال: "قال عدي بن زيد: يا محمد! ما نعلم الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى؛ فأنزل الله: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} الآيات كلها"(1). [ضعيف].
وفي المعنى نفسه قال مقاتل: " وذلك أن عدي بن زيد وصاحبيه اليهود قالوا للنبي- صلى الله عليه وسلم والله ما أوحى الله إليك، ولا إلى أحد من بعد موسى فكذبهم الله عز وجل فقال: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} "(2).
قوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: 163]، أي:" إنا أوحينا اليك -أيها الرسول- بتبليغ الرسالة كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده"(3).
قال الربيع: " أوحى الله إليه كما أوحى إلى جميع النبيين من بعده"(4).
قال مقاتل: " يعني {من بعد نوح}: هود وصالح"(5).
قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ} [النساء: 163]، أي:" وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط -وهم الأنبياء الذين كانوا في قبائل بني إسرائيل الاثنتي عشرة من ولد يعقوب- وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان"(6).
قال مقاتل: " {والأسباط}، يعني: بني يعقوب يوسف وإخوته"(7).
قال ابو العالية: " {والأسباط}، هو يوسف وأخوته بنو يعقوب اثنا عشر رجلا، ولد كل رجل منهم أمة من الناس فسموا الأسباط"(8). وروي عن قتادة (9)، والربيع بن أنس (10) نحو ذلك.
قال السدي: " {والأسباط}: هم بنو يعقوب يوسف وبنيامين وروبيل ويهوذا وشمعون ولاوي ودان وقهاب"(11).
(1) أخرجه الطبري (10840): ص 9/ 400. ورواية الطبري: " قال سُكَين وعدي بن زيد: يا محمد، ما نعلم الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى! فأنزل الله في ذلك من قولهما: " إنا
…
".
والبيهقي في "دلائل النبوة": 2/ 535، وابن مردويه في "تفسيره" -ومن طريقه الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (379): ص 10/ 353، 354، -جميعهم من طريق ابن إسحاق -وهذا في "المغازي" له (2/ 191 - سيرة ابن هشام).
وأخرجه أيضا ابن ابي حاتم (6278): ص 4/ 1118، وروايته:" قال سكين ومحمد وعدي بن يزيد: يا محمد".
وهذا سند ضعيف؛ لجهالة محمد بن أبي محمد شيخ ابن إسحاق.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 423.
(3)
التفسير الميسر: 104.
(4)
أخرجه ابن ابي حاتم (6276): ص 4/ 1117.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 423.
(6)
التفسير الميسر: 104.
(7)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 423.
(8)
اخرجه ابن أبي حاتم (6279): ص 4/ 1118.
(9)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (6279): ص 4/ 1118.
(10)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (6279): ص 4/ 1118.
(11)
اخرجه ابن أبي حاتم (6280): ص 4/ 1118.
قوله تعالى: {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [النساء: 163]، أي:" وآتينا داود زبورًا، وهو كتاب وصحف مكتوبة"(1).
قال ابن كثير: " الزبور: اسم الكتاب الذي أوحاه الله إلى داود، عليه السلام"(2).
عن الربيع: "قوله: {وآتينا}، قال: أعطاه الله"(3)، " «الزبور»: ثناء على الله ودعاء وتسبيح" (4).
قال مقاتل: " ليس فيه حد ولا حكم ولا فريضة ولا حلال ولا حرام، خمسين ومائة سورة، فأخبره الله بهن ليعلموا أنه نبي"(5).
قرأ حمزة وحده: {زبورا} ، بضم الزاى حيث وقع هذا الحرف، وقرأ الباقون:{زبورا} ، مفتوحتين (6).
الفوائد:
1 -
تقرير مبدأ الوحي الإلهي.
2 -
أول الرسل نوح عليه السلام، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم.
القرآن
التفسير:
وأرسلنا رسلا قد قصصناهم عليك في القرآن من قبل هذه الآية، ورسلا لم نقصصهم عليك لحكمة أردناها. وكلم الله موسى تكليمًا؛ تشريفًا له بهذه الصفة.
سبب النزول:
قال مقاتل: " فقالت اليهود: ذكر محمد النبيين ولم يبين لنا أمر موسى أكلمه الله أم لم، يكلمه؟ فأنزل الله- عز وجل في قول اليهود: {ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل} "(7).
قوله تعالى: {وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ} [النساء: 164]، أي:" وأرسلنا رسلا قد قصصناهم عليك في القرآن"(8).
قال مقاتل: " هؤلاء بمكة في الأنعام (9) وفي غيرها، لأن هذه مدنية"(10).
قال ابن كثير: " أي: من قبل هذه الآية، يعني: في السور المكية وغيرها، وهذه تسمية الأنبياء الذين نُصَّ على أسمائهم في القرآن، وهم: آدم وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى، وهارون، ويونس، وداود، وسليمان، وإلياس، والْيَسَع، وزكريا، ويحيى، وعيسى -عليهم الصلاة والسلام- وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين، وسيدهم محمد صلى الله وعليه وسلم"(11).
قوله تعالى: {وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ} [النساء: 164]، أي:" ورسلا لم نقصصهم عليك لحكمة أردناها"(12).
قال ابن كثير: " أي: خلقا آخرين لم يذكروا في القرآن"(13).
قال علي: " بعث الله نبيا عبدا حبشيا فهو ممن لم يقصه على محمد صلى الله عليه وسلم"(14).
(1) التفسير الميسر: 104.
(2)
تفسير ابن كثير: 2/ 469.
(3)
اخرجه ابن أبي حاتم (6282): ص 4/ 1118.
(4)
اخرجه ابن أبي حاتم (6281): ص 4/ 1118.
(5)
التفسير الميسر: 104.
(6)
انظر: السبعة في القراءات: 240.
(7)
التفسير الميسر: 104.
(8)
التفسير الميسر: 104.
(9)
يشير إلى الآيات: (83 - 87)، من سورة الأنعام وبدايتها:{وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه .. } الآيات.
(10)
التفسير الميسر: 104.
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 469.
(12)
التفسير الميسر: 104.
(13)
تفسير ابن كثير: 2/ 469.
(14)
أخرجه ابن ابي حاتم (6184): ص 4/ 1119، وفي رواية (6285): ص 4/ 1119: " بعث نبي من الحبش فهو ممن لم يقصه على محمد صلى الله عليه وسلم".
عن أبي أمامة قال: "قلت: يا نبي الله، كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا"(1).
وعن أنس قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعث الله ثمانية آلاف نبي، أربعة آلاف إلى بني إسرائيل، وأربعة آلاف إلى سائر الناس» "(2).
وعن عن أنس أيضا قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت على إثر من ثلاثة آلاف نبي من بني إسرائيل» "(3).
قوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، أي:" وكلم الله موسى تكليمًا؛ تشريفًا له بهذه الصفة"(4).
قال مقاتل: " يعني: مشافهة وهو ابن أربعين سنة ليلة النار، ومرة أخرى حين أعطي التوراة"(5).
قال الزجاج: " أخبر الله عز وجل بتخصيص نبي ممن ذكر، فأعلم عز وجل أن موسى
كلم بغير وحي، وأكد ذلك بقوله تكليما، فهو كلام كما يعقل الكلام لا شك في ذلك" (6).
قال ابن كثير: " وهذا تشريف لموسى، عليه السلام، بهذه الصفة؛ ولهذا يقال له: الكليم"(7).
عن جابر بن عبد الله قال: "لما كلم الله تعالى موسى يوم الطور، كلمه بغير الكلام الذي كلمه يوم ناداه، فقال له موسى: يا رب هذا كلامك الذي كلمتني به؟ قال: لا يا موسى، إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسنة كلها وأنا أقوى من ذلك، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا: يا موسى، صف لنا كلام الرحمن، فقال: لا أستطيعه. قالوا: فشبه. قال:
ألم تروا إلى صوت الصواعق فإنها قريب منه وليس به" (8).
وقال كعب: " إن الله تعالى لما كلم موسى بالألسنة كلها سوى كلامه، فقال له موسى:
أي رب هذا كلامك؟ قال: لا، ولو كلمتك بكلامي لم تستقم له. قال: أي رب فهل من خلقك شيء يشبه كلامك؟ قال: لا. قال: وأشد خلقي شبها بكلامي أشد ما تسمعون من الصواعق" (9).
وروي عن كعب ايضا، قال:"كلم الله موسى مرتين"(10).
وروي عن ابن داود في قول الله تعالى: " {وكلم الله موسى تكليما} قال: مرارا"(11).
وعن أبي عصمة في قول الله تعالى: " {وكلم الله موسى تكليما}، قال: مشافهة"(12).
عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَما كلم الله موسى كان يُبْصِرُ دبيبَ النمل على الصفا في الليلة الظلماء» "(13).
الفوائد:
1 -
من فوائد الآية الكريمة: إثبات صفة الكلام لله -تعالى- كما يليق بجلاله، وأنه سبحانه كلم نبيه موسى عليه السلام حقيقة بلا وساطة.
2 -
ذكر أن الرسل منهم من قصه الله على رسوله ومنهم من لم يقصصه عليه وهذا يدل على كثرتهم.
(1) أخرجه ابن ابي حاتم (6283): ص 4/ 1118.
(2)
مسند أبي يعلى: 7/ 160، ورواه أبو نعيم في الحلية: 3/ 53. قال الهيثمي في المجمع (8/ 210): "فيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف جدًا".
(3)
رواه ابن كثير في تفسيره: 2/ 471، وقال:" وهذا غريب من هذا الوجه وإسناده لا بأس به، رجاله كلهم معروفون إلا أحمد بن طارق هذا، فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح".
ورواه أبو نعيم في الحلية: 3/ 162، وقال:"غريب".
(4)
التفسير الميسر: 104.
(5)
التفسير الميسر: 104.
(6)
معاني القرآن: 2/ 133.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 474.
(8)
أخرجه ابن ابي حاتم (6286): ص 4/ 1119. قال ابن كثير: 2/ 475: " وهذا إسناد ضعيف".
(9)
أخرجه ابن ابي حاتم (6287): ص 4/ 1119.
(10)
أخرجه ابن ابي حاتم (6288): ص 4/ 1120.
(11)
أخرجه ابن ابي حاتم (6289): ص 4/ 1120.
(12)
أخرجه ابن ابي حاتم (6290): ص 4/ 1120.
(13)
ورواه الطبراني في المعجم الصغير برقم (77)، من طريق أحمد بن الحسين بن بهرام به، وقال الهيثمي في المجمع (8/ 203):"فيه الحسين بن أبي جعفر الجفري: وهو متروك"، قال ابن كثير: 2/ 474: " وهذا حديث غريب، وإسناده لا يصح، وإذا صح موقوفًا كان جيدًا".
القرآن
التفسير:
أرسَلْتُ رسلا إلى خَلْقي مُبشِّرين بثوابي، ومنذرين بعقابي; لئلا يكون للبشر حجة يعتذرون بها بعد إرسال الرسل. وكان الله عزيزًا في ملكه، حكيمًا في تدبيره.
قوله تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [النساء: 165]، أي:" أرسَلْتُ رسلا إلى خَلْقي مُبشِّرين بثوابي، ومنذرين بعقابي"(1).
عن ابن عباس: " قوله: {مبشرا}، قال: مبشرا بالجنة"(2)، " قوله:{نذيرا} ، قال: نذيرا من النار" (3).
قال مقاتل: " {مبشرين} بالجنة، {ومنذرين} من النار"(4).
قال ابن كثير: " أي: يبشرون من أطاع الله واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره وكذب رسله بالعقاب والعذاب"(5).
قال السمرقندي: " أي: أرسلنا رسلا مبشرين بالجنة ومنذرين بالنار"(6).
قال الثعلبي: " سمى الله تعالى النبيين بهذين الاسمين، فقال: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [البقرة: 213]، ثم سمى المرسلين خاصة بهذا الإسم، فقال: {مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [النساء: 165]، ثم سمى نبينا خاصة بهذين الاسمين، فقال: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ (9)} [الفتح: 8 - 9] "(7).
قوله تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165]، أي:" لئلا يكون للبشر حجة يعتذرون بها بعد إرسال الرسل"(8).
قال السدي: " فيقولوا: ما أرسلت إلينا رسلا"(9).
عن أبي مالك قوله: " {لئلا}، يعني: لكيلا"(10).
قال مقاتل: " فيقولوا يوم القيامة: لم يأتنا لك رسول"(11).
قال مكي بن أبي طالب: " أي: كيلا يقولوا: هلا {أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ} [طه: 134 - القصص: 47] "(12).
قال الثعلبي: أي: " فيقول: ما أرسلت إلينا رسولا فنتبع وما أنزلت علينا كتابا. وقال في آية أخرى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] "(13).
قال الزجاج: أي: " يبين، لأن الشاهد هو المبين لما يشهد به، فالله جل وعز يبينه ويعلم مع إبانته أنه حق"(14).
قال ابن كثير: " أي: أنه تعالى أنزل كتبه وأرسل رسله بالبشارة والنذارة، وبين ما يحبه ويرضاه مما يكرهه ويأباه؛ لئلا يبقى لمعتذر عذر، كما قال تعالى:{وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} [طه: 134]، وكذا قوله تعالى: {وَلَوْلا أَنْ
(1) التفسير الميسر: 104.
(2)
أخرجه ابن ابي حاتم (6291): ص 4/ 1120.
(3)
أخرجه ابن ابي حاتم (6292): ص 4/ 1120.
(4)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 423.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 475.
(6)
بحر العلوم: 1/ 358.
(7)
الكشف والبيان: 3/ 416.
(8)
التفسير الميسر: 104.
(9)
أخرجه الطبري (10849): ص 9/ 408.
(10)
أخرجه ابن أبي حاتم (6293): ص 4/ 1120.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 423.
(12)
الهداية إلى بلوغ النهاية: 2/ 1535.
(13)
الكشف والبيان: 3/ 416.
(14)
معاني القرآن: 2/ 134.
تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص: 47] " (1).
وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود، رضي الله عنه قال:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أحَدَ أغَيْرَ من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظَهَر منها وما بطن، ولا أحدَ أحبَّ إليه المدحُ من الله، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحدَ أحَبَّ إليه العُذر من الله، من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين" وفي لفظ: "من أجل ذلك أرسل رسله، وأنزل كتبه» "(2).
قال السمرقندي: " ولو إن الله تعالى لم يرسل رسولا كان ذلك عدلا منه إذ أعطى كل واحد من خلقه من العقل ما يعرفه، ولكن أرسل تفضلا منه، ولكي يكون زيادة في الحجة عليهم"(3).
قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165]، أي:" وكان الله عزيزًا في ملكه، حكيمًا في تدبيره"(4).
قال السمرقندي: أي: " {عزيزا} بالنقمة لمن يجحده، {حكيما}، حكم إرسال الرسل والأنبياء عليهم السلام"(5).
قال الطبري: " يقول: ولم يزل الله ذا عِزة في انتقامه ممن انتقم منه من خلقه، على كفره به، ومعصيته إياه، بعد تثبيته حجَّتَه عليه برسله وأدلَّتَه " حكيمًا "، في تدبيره فيهم ما دبّره"(6).
الفوائد:
1 -
بيان الحكمة في إرسال الرسل، وهي الحجة على الناس يوم القيامة.
قال السعدي: " فلم يبق للخلق على الله حجة لإرساله الرسل تترى يبينون لهم أمر دينهم ومراضي ربهم ومساخطه وطرق الجنة وطرق النار فمن كفر منهم بعد ذلك فلا يلومن إلا نفسه"(7).
2 -
أن الله أرسل الرسل مبشرين لمن أطاع الله واتبعهم بالسعادة الدنيوية والأخروية ومنذرين من عصى الله وخالفهم بشقاوة الدارين.
3 -
أن من كمال عزته تعالى وحكمته، أن أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب وذلك أيضا من فضله وإحسانه حيث كان الناس مضطرين إلى الأنبياء أعظم ضرورة تقدر فأزال هذا الاضطرار فله الحمد وله الشكر ونسأله كما ابتدأ علينا نعمته بإرسالهم أن يتمها بالتوفيق لسلوك طريقهم إنه جواد كريم (8).
4 -
ومن اسمائه تعالى: «العزيز» : " هو المنيع الذي لا يغلب"(9)، و «الحكيم»:" هو المحكم لخلق الأشياء"(10).
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 475.
(2)
صحيح البخاري برقم (4634) وصحيح مسلم برقم (2760).
(3)
بحر العلوم: 1/ 358.
(4)
التفسير الميسر: 104.
(5)
بحر العلوم: 1/ 358.
(6)
تفسير الطبري: 9/ 408.
(7)
تفسير السعدي: 214.
(8)
انظر: تفسير السعدي: 214.
(9)
شأن الدعاء: 1/ 47.
(10)
شأن الدعاء: 1/ 73.
القرآن
التفسير:
إن يكفر بك اليهود وغيرهم -أيها الرسول- فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أَنْزَلَ عليه القرآن العظيم، أنزله بعلمه، وكذلك الملائكة يشهدون بصدق ما أوحي إليك، وشهادة الله وحدها كافية.
في سبب نزول الآية وجهان:
أحدهما: عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما؛ قال: "دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من يهود، فقال لهم: «إني والله أعلم أنكم لتعلمون أني رسول الله»، فقالوا: ما نعلم ذلك؛ فأنزل الله -تعالى-: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} "(1). [ضعيف].
والثاني: ونقل الواحدي عن الكلبي: "إن رؤساء أهل مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سألنا عنك اليهود فزعموا أنهم لا يعرفونك، فأتنا بمن يشهد لك أن الله بعثك إلينا رسولا، فنزلت هذه الآية: {لكن الله يشهد} "(2).
قوله تعالى: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ} [النساء: 166]، أي:" إِن لم يشهد لك هؤلاء بالنبوة فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أَنْزَلَ عليه القرآن العظيم"(3).
قال مكي بن ابي طالب: " المعنى: إن جحدوا ما أنزل إليك يا محمد بأن قالوا: {مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} فإن الله يشهد أنه أنزله إليك"(4).
قال الطبري: أي: " إن يكفر بالذي أوحينا إليك، يا محمد، اليهود الذين سألوك أن تنزل عليهم كتابًا من السماء، وقالوا لك: «ما أنزل الله على بشر من شيء» فكذبوك، فقد كذبوا. ما الأمر كما قالوا: لكن الله يشهد بتنزيله إليك ما أنزل من كتابه ووحيه"(5).
قال ابن كثير: " لما تضمن قوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} إلى آخر السياق، إثبات نبوته صلى الله عليه وسلم والرد على من أنكر نبوته من المشركين وأهل الكتاب، قال الله تعالى: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزلَ إِلَيْكَ}، أي: وإن كفر به من كفر به ممن كذبك وخالفك، فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أنزل عليه الكتاب، وهو: القرآن العظيم الذي {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42] "(6).
قوله تعالى: {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النساء: 166]، أي:" أنزل ذلك إليك بعلمه"(7).
قال مكي بن ابي طالب: أي: "بعلم منه أنك خِيرته من خلقه"(8).
قال الزجاج: " أي: أنزل القرآن الذي فيه علمه"(9).
قال الطبري: اي: " أنزل ذلك إليك بعلم منه بأنك خِيرَته من خلقه، وصفِيُّه من عباده"(10).
قال ابن كثير: "أي: فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه، من البينات والهدى والفرقان وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل، وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة، التي لا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب، إلا أن يُعْلِمَه الله به، كما قال تعالى: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ} [البقرة: 255]، وقال {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] "(11).
(1) أخرجه ابن إسحاق، ومن طريقه الطبري (10850)، و (10851): 9/ 409، وذكره السيوطي في "الدر المنثور"(2/ 750)، وزاد نسبته لابن المنذر.
وسنده ضعيف؛ لجهالة شيخ ابن إسحاق.
(2)
أسباب النزول: 187.
(3)
صفوة التفاسير: 295، والتفسير الميسر:104.
(4)
الهداية إلى بلوغ النهاية: 2/ 1535.
(5)
تفسير الطبري: 9/ 409.
(6)
تفسير ابن كثير: 2/ 476.
(7)
انظر: تفسير الطبري: 9/ 409.
(8)
الهداية إلى بلوغ النهاية: 2/ 1535.
(9)
معاني القرآن: 2/ 134.
(10)
تفسير الطبري: 9، 409.
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 476.
قوله تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ} [النساء: 166]، أي:" وكذلك الملائكة يشهدون بصدق ما أوحي إليك"(1).
قال مكي بن ابي طالب: أي: "ويشهد بذلك ملائكته"(2).
قال ابن ابي زمنين: اي: " أنه أنزله إليك"(3).
قال الطبري: أي: " ويشهد لك بذلك ملائكته، فلا يحزنك تكذيبُ من كذَّبك، وخلافُ من خالفك"(4).
قال الواحدي: أي: يشهد " لك بالنُّبوَّة إنْ جحدت اليهود وشهادة الملائكة إنَّما تُعرف بقيام المعجزة فمَنْ ظهرت معجزته شهدت الملائكة بصدقه"(5).
قوله تعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [النساء: 166]، أي:" وشهادة الله وحدها كافية"(6).
قال الواحدي: "أَيْ: كفى الله شهيدا"(7).
قال الطبري: أي: " وحسبك بالله شاهدًا على صدقك دون ما سواه من خلقه، فإنه إذا شهد لك بالصدق ربك، لم يَضِرْك تكذيب من كذَّبك"(8).
قال الزجاج: " معناه: وكفى الله شهيدا، و «الباء» دخلت مؤكدة، المعنى: اكتفوا بالله في شهادته"(9).
قال السمعاني: " فإن قيل: إذا شهد الله له بالرسالة، فأي حاجة إلى شهادة الملائكة؟
قيل: لأن الذين حضروا عند النبي، كان عندهم أنهم علماء الأرض؛ فقالوا: نحن علماء الأرض، ونحن ننكر رسالتك، فقال الله تعالى: إن أنكره علماء الأرض، يشهد به علماء السماء، وهم الملائكة، على مقابلة زعمهم وظنهم؛ لا للحاجة إلى شهادتهم؛ فإنه قال:{وكفى بالله شهيدا} " (10).
الفوائد:
1 -
شهادة الرب تبارك وتعالى والملائكة بنبوة خاتم الأنبياء ورسالته صلى الله عليه وسلم.
2 -
إن ما حواه القرآن من تشريع وما ضمه بين دفتيه من معارف وعلوم أكبر شهادة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة.
3 -
و «الشهيد» : اسم من أسمائه تعالى، أي:"المطَّلع على جميع الأشياء. سمع جميع الأصوات، خفيّها وجليها. وأبصر جميع الموجودات، دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، وأحاط علمه بكل شيء، الذي شهد لعباده، وعلى عباده، بما عملوه"(11).
قال الخطابي: " الشهيد: هو الذي لا يغيب عنه شيء. يقال: شاهد وشهيد كعالم، وعليم. أي: كأنه الحاضر الشاهد الذي لا يعزب عنه شيء، وقد قال -سبحانه -: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة/185]، أي: من حضر منكم في الشهر فليصمه، ويكون الشهيد، بمعنى: العليم. كقوله: {شهد الله أنه لا إله إلا هو} [آل عمران: 18]، قيل: معناه: علم الله"(12).
القرآن
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (167)} [النساء: 167]
التفسير:
إن الذين جحدوا نُبُوَّتك، وصدوا الناس عن الإسلام، قد بَعُدوا عن طريق الحق بُعْدًا شديدًا.
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 167]، أي:" إن الذين جحدوا نُبُوَّتك"(13).
(1) التفسير الميسر: 104.
(2)
الهداية إلى بلوغ النهاية: 2/ 1535.
(3)
تفسير ابن أبي زمنين: 1/ 424.
(4)
تفسير الطبري: 9، 409.
(5)
الوجيز: 302.
(6)
التفسير الميسر: 104.
(7)
الوجيز: 302.
(8)
تفسير الطبري: 9، 409.
(9)
معاني القرآن: 2/ 134.
(10)
تفسير السمعاني: 1/ 504.
(11)
تفسير السعدي: 948.
(12)
شأن الدعاء: 1/ 75 - 76.
(13)
التفسير الميسر: 104.
قال ابن كثير: " أي: كفروا في أنفسهم فلم يتبعوا الحق"(1).
قال الطبري: أي: " الذين جحدوا، يا محمد، نبوتك بعد علمهم بها، من أهل الكتاب الذين اقتصصت عليك قصتهم، وأنكروا أن يكون الله جل ثناؤه أوحى إليك كتابه"(2).
قوله تعالى: {وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء: 167]، أي:" وصدوا الناس عن الإسلام"(3).
قال السمرقندي: " يعني: صرفوا الناس عن دين الله"(4).
قال ابن كثير: أي" وسَعوْا في صد الناس عن اتباعه والاقتداء به"(5).
قال السمعاني: " صدهم عن سبيل الله كان بكتمان نعت محمد"(6).
قال الطبري: " يعني: عن الدين الذي بعثَك الله به إلى خلقه، وهو الإسلام. وكان صدهم عنه، قِيلُهم للناس الذين يسألونهم عن محمد من أهل الشرك: «ما نجد صفة محمد في كتابنا! »، وادعاءهم أنهم عُهِد إليهم أن النبوّة لا تكون إلا في ولد هارون ومن ذرية داود، وما أشبه ذلك من الأمور التي كانوا يثبِّطون الناس بها عن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم والتصديق به وبما جاء به من عند الله"(7).
عن مجاهد قوله: " {عن سبيل الله}، عن الحق"(8).
قوله تعالى: {قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 167]، أي:" قد بَعُدوا عن طريق الحق بُعْدًا شديدًا"(9).
قال مقاتل: " يعني: طويلا"(10).
قال الطبري: " يعني: قد جاروا عن قصد الطريق جورًا شديدًا، وزالوا عن المحجّة"(11).
قال ابن كثير: أي: "قد خرجوا عن الحق وضلوا عنه، وبَعُدُوا منه بعدًا عظيما شاسعًا"(12).
قال السمعاني: " أي: هلكوا، والضلال: الهلاك"(13).
الفوائد:
1 -
شر الكفر ما كان مع الصد عن سبيل اله والظلم، وهذا كفر اليهود، العياذ بالله.
قال السعدي: " وأي ضلال أعظم من ضلال من ضل بنفسه وأضل غيره، فباء بالإثمين ورجع بالخسارتين وفاتته الهدايتان"(14).
2 -
أن أشد الناس ضلالا من كان ضالا ويعتقد فى نفسه أنه محق، ويتوسل بذلك الضلال إلى اكتساب المال، فهو قد سار فى سبيل الشيطان، وبعد عن سبيل الله، فلم يعد يفقه أنها هى الموصلة إلى خير العاقبة (15).
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 476.
(2)
تفسير الطبري: 9/ 410.
(3)
التفسير الميسر: 104.
(4)
بحر العلوم: 1/ 359.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 476.
(6)
تفسير السمعاني: 1/ 504.
(7)
تفسير الطبري: 9/ 410.
(8)
أخرجه ابن ابي حاتم (6297): ص 4/ 1121.
(9)
التفسير الميسر: 104.
(10)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 424.
(11)
تفسير الطبري: 9/ 410.
(12)
تفسير ابن كثير: 2/ 476.
(13)
تفسير السمعاني: 1/ 504.
(14)
تفسير السعدي: 215.
(15)
انظر: تفسير المراغي: 6/ 25.
القرآن
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168)} [النساء: 168]
التفسير:
إن الذين كفروا بالله وبرسوله، وظلموا باستمرارهم على الكفر، لم يكن الله ليغفر ذنوبهم، ولا ليدلهم على طريق ينجيهم.
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 168]، أي:" إن الذين كفروا بالله وبرسوله"(1).
قال السمرقندي: " أي: جحدوا "(2).
قال مقاتل: " يعني: اليهود كفروا بمحمد والقرآن"(3).
قوله تعالى: {وَظَلَمُوا} [النساء: 168]، أي:" وظلموا باستمرارهم على الكفر"(4).
قال مقاتل: " يعني: وأشركوا بالله"(5).
عن إبراهيم قوله: " {وظلموا}، قال: الظلم: الفاحشة"(6).
قال السمعاني: " فإن قال قائل: أي معنى لقوله: {وظلموا} وقد قال: {كفروا} وظلمهم كفرهم؟
قيل: معناه: كفروا بالله، وظلموا محمدا بكتمان نعته" (7).
قال السعدي: " وهذا الظلم هو زيادة على كفرهم، وإلا فالكفر عند إطلاق الظلم يدخل فيه، والمراد بالظلم هنا أعمال الكفر والاستغراق فيه، فهؤلاء بعيدون من المغفرة والهداية للصراط المستقيم"(8).
قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} [النساء: 168]، أي:" لم يكن الله ليغفر ذنوبهم"(9).
قال السمرقندي: " أي: ما داموا على كفرهم"(10).
قال ابن كثير: " أخبر تعالى عن حكمه في الكافرين بآياته وكتابه ورسوله، الظالمين لأنفسهم بذلك، وبالصد عن سبيله وارتكاب مآثمه وانتهاك محارمه، بأنه لا يغفر لهم"(11).
قال السمعاني: " قيل: ذكره تأكيدا {لم يكن الله ليغفر لهم} في هذا إشارة إلى أن الله - تعالى - لو غفر للكافرين أجمع، كان يسع ذلك رحمته، لكنه قطع القول بأن لا يغفر لهم"(12).
قوله تعالى: {وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا} [النساء: 168]، أي:" ولا ليدلهم على طريق ينجيهم"(13).
قال ابن كثير: " أي: سبيلا إلى الخير"(14).
قال السمرقندي: " يعني: لا يوفقهم لطريق الإسلام"(15).
قال السمعاني: "يعني: الإسلام"(16).
الفوائد:
1 -
سنة الله تعالى في أن العبد إذا أبعد في الضلال، وتوغل في الشر والفساد يتعذر عليه التوبة فيموت على ذلك ويهلك.
2 -
أنه انسدت عليهم طرق الهداية بما كسبوا وبسبب استمرارهم في طغيانهم وازديادهم في الكفر، فطبع على قلوبهم بذلك، قال تعالى:{وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد} [فصلت: 46].
(1) التفسير الميسر: 104.
(2)
بحر العلوم: 1/ 359.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 424.
(4)
التفسير الميسر: 104.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 424.
(6)
أخرجه ابن ابي حاتم (6298): ص 4/ 1121.
(7)
تفسير السمعاني: 1/ 504.
(8)
تفسير السعدي: 215.
(9)
التفسير الميسر: 104.
(10)
بحر العلوم: 1/ 359.
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 476.
(12)
تفسير السمعاني: 1/ 504.
(13)
التفسير الميسر: 104.
(14)
تفسير ابن كثير: 2/ 476.
(15)
بحر العلوم: 1/ 359.
(16)
تفسير السمعاني: 1/ 505.
القرآن
{إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (169)} [النساء: 169]
التفسير:
إلا طريق جهنم ماكثين فيها أبدًا، وكان ذلك على الله يسيرًا، فلا يعجزه شيء.
قوله تعالى: {إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ} [النساء: 169]، أي:" لن يهديهم إِلا إِلى الطريق الموصلة إِلى جهنم"(1).
قال السمرقندي يعني: يتركهم ويخذلهم في طريق الكفر عقوبة لكفرهم ولجحودهم وهو طريق جهنم. ويقال: إلا العمل الذي يجبرهم إلى جهنم" (2).
قال مقاتل: " يعني: طريق الكفر، فهو يقود إلى جهنم"(3).
قال السمعاني: " يعنى: اليهودية"(4).
قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [النساء: 169]، أي:" ماكثين فيها أبدًا"(5).
قال سعيد بن جبير: " يعني: لا يموتون"(6).
وعن ابن عباس: " {خالدين فيها أبدا}، قال: لا انقطاع له"(7).
قال السمرقندي: " أي: دائمين فيها"(8).
قال المراغي: " أي: يدخلونها ويذوقون عذابها حال كونهم خالدين فيها أبدا لا يخرجون منها"(9).
قوله تعالى: {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 169]، أي:" وكان ذلك على الله يسيرًا، فلا يعجزه شيء"(10).
قال مقاتل: " يعنى: عذابهم على الله هينا"(11).
قال السمرقندي: " أي: خلودهم وعذابهم في النار هيّن على الله تعالى"(12).
قال المراغي: " أي: وكان ذلك الجزاء سهلا على الله دون غيره، لأنه مقتضى حكمته وسننه، وليس بالعزيز على قدرته"(13).
قال الطبري: " يقول: وكان تخليدُ هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم في جهنم، على الله يسيرًا، لأنه لا يقدر من أراد ذلك به على الامتناع منه، ولا له أحد يمنعه منه، ولا يستصعب عليه ما أراد فعله به من ذلك، وكان ذلك على الله يسيرًا، لأن الخلق خلقُه، والأمرَ أمرُه"(14).
قال البغوي: " وهذا في حق من سبق حكمه فيهم أنهم لا يؤمنون"(15).
الفوائد:
1 -
أن طريق جهنم هى الطريق التي ينتهى إليها من دسى نفسه بالكفر والظلم، وأوغل فى السير فيها طول عمره، واستمرأ الشرور والمفاسد، حتى هوت به إلى واد سحيق.
2 -
أن الآية تحقير لأمر اليهود وبيان، لأن الله لا يعبأ بهم ولا يبالى بشأنهم.
القرآن
(1) صفوة التفاسير: 296.
(2)
بحر العلوم: 1/ 359.
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 424.
(4)
تفسير السمعاني: 1/ 505.
(5)
التفسير الميسر: 104.
(6)
أخرجه ابن ابي حاتم (6300): ص 4/ 1121.
(7)
أخرجه ابن ابي حاتم (6301): ص 4/ 1121.
(8)
بحر العلوم: 1/ 359.
(9)
تفسير المراغي: 6/ 26.
(10)
التفسير الميسر: 104.
(11)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 424.
(12)
بحر العلوم: 1/ 359.
(13)
تفسير المراغي: 6/ 26.
(14)
تفسير الطبري: 9/ 411 - 412.
(15)
تفسير البغوي: 2/ 313.
التفسير:
يا أيها الناس قد جاءكم رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم بالإسلام دين الحق من ربكم، فَصَدِّقوه واتبعوه، فإن الإيمان به خير لكم، وإن تُصرُّوا على كفركم فإن الله غني عنكم وعن إيمانكم; لأنه مالك ما في السموات والأرض. وكان الله عليمًا بأقوالكم وأفعالكم، حكيمًا في تشريعه وأمره.
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ} [النساء: 170]، أي:" يا أيها الناس قد جاءكم رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم بالإسلام دين الحق من ربكم"(1).
قال مقاتل: " يعنى: محمدا، {بالحق}، يعنى: بالقرآن {من ربكم} "(2).
قال ابن كثير: " أي: قد جاءكم محمد - صلوات الله وسلامه عليه - بالهدى ودين الحق، والبيان الشافي من الله، عز وجل"(3).
قال السمرقندي: " أي: بشهادة أن لا إله إلا الله، ويقال: ببيان الحق. ويقال: للحق، يعني للعرض والحجة"(4).
قال ابن عباس: " {يا أيها الناس}، أي: الفرقين جميعا من الكافرين والمنافقين"(5).
وعنه أيضا: " يعني: أهل مكة"(6).
قوله تعالى: {فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ} [النساء: 170]، أي:" فَصَدِّقوه واتبعوه، فإن الإيمان به خير لكم"(7).
قال مقاتل: " يعني: صدقوا بالقرآن فهو خير لكم من الكفر"(8).
قال ابن كثير: أي: " فآمنوا بما جاءكم به واتبعوه يكن خيرًا لكم"(9).
قال الطبري: " فصدِّقوه وصدّقوا بما جاءكم به من عند ربكم من الدين، فإن الإيمان بذلك خير لكم من الكفر به"(10).
قال السمرقندي: " أي: صدقوا بوحدانية الله تعالى، والقرآن الذي جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم خيرا لكم من عبادة الأوثان، لأن عبادة الأوثان لا تغنيكم شيئا"(11).
قوله تعالى: {وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النساء: 170]، أي:" وإن تُصرُّوا على كفركم، فإن الله غني عنكم وعن إيمانكم; لأنه مالك ما في السموات والأرض"(12).
قال مقاتل: " من الخلق"(13).
قال الطبري: " يقول: وإن تجحدوا رسالتَه وتكذّبوا به وبما جاءكم به من عند ربكم، فإن جحودكم ذلك وتكذيبكم به، لن يضرَّ غيركم، وإنما مكروهُ ذلك عائدٌ عليكم، دون الذي أمركم بالذي بعث به إليكم رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، وذلك أن لله ما في السموات والأرض، ملكًا وخلقًا، لا ينقص كفركم بما كفرتم به من أمره، وعصيانكم إياه فيما عصيتموه فيه، من ملكه وسلطانه شيئًا"(14).
قال السمرقندي: " أي: إن تجحدوا بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله غني عنكم فإن لله ما في السماوات والأرض كلهم عبيده وإماؤه"(15).
(1) التفسير الميسر: 104.
(2)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 424.
(3)
تفسير ابن كثير: 2/ 476.
(4)
تفسير السمرقندي: 1/ 359.
(5)
أخرجه ابن ابي حاتم (6302): ص 4/ 1122.
(6)
تفسير السمرقندي: 1/ 359.
(7)
التفسير الميسر: 104.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 424.
(9)
تفسير ابن كثير: 2/ 476.
(10)
تفسير الطبري: 9/ 412.
(11)
تفسير السمرقندي: 1/ 359.
(12)
التفسير الميسر: 104.
(13)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 424.
(14)
تفسير الطبري: 9/ 412.
(15)
تفسير السمرقندي: 1/ 359.
قال ابن كثير: " أي: فهو غني عنكم وعن إيمانكم، ولا يتضرر بكفرانكم، كما قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [إبراهيم: 8] "(1).
قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 170]، أي:" وكان الله عليمًا بأقوالكم وأفعالكم، حكيمًا في تشريعه وأمره"(2).
قال السمرقندي: أي: " {وكان الله عليما} بخلقه، {حكيما}، في أمره"(3).
قال ابن كثير: "أي: [{عَلِيمًا}] بمن يستحق منكم الهداية فيهديه، وبمن يستحق الغَوَاية فيغويه {حَكِيمًا}، أي: في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره"(4).
الفوائد:
1 -
في الآية دليل على عموم رسالة نبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، لان المعنى: فإذا كانت السموات والأرض قد خضعتا لله تعالى كونًا وقدرًا خضوع سائر ملكه، فأولى بكم أن تؤمنوا بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وبالقرآن الذي أنزله عليه، وأن تنقادوا لذلك شرعًا حتى يكون الكون كلُّه خاضعًا لله قدرًا وشرعًا.
2 -
إثبات صفتي: «العلم» و «الحكمة» لله تعالى. وبموجبهما يتم الجزاء العادل الرحيم.
فالله هو «العليم» ، أي: المحيط علمه بكل شي، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (5).
قال الخطابي: " العليم: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق"(6).
وأما «الحكيم» ، فيدل هذا الاسم الكريم على أن الحكم لله، ويدل على أن الله موصوف بالحكمة، لأن الإحكام هو الإتقان، والإتقان وضع الشيء في موضعه. ففي الآية إثبات حكم وإثبات حكمة:
فالله عز وجل وحده هو الحاكم، وحكم الله إما كوني وإما شرعي:
- فحكم الله الشرعي ما جاءت به رسله ونزلت به كتبه من شرائع الدين، قال تعالى:{ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} [الممتحنة: 10].
- وحكم الله الكوني: ما قضاه على عباده من الخلق والرزق والحياة والموت ونحو ذلك من معاني ربوبيته ومتقتضياتها، {فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [يوسف: 80] (7).
ومن فوائد اقتران الاسمين: «العليم، والحكيم» : أن الإيمان بعلم الله وحكمته يستلزم الطمأنينة التامة لما حكم به من أحكام كونية وشرعية، لصدور ذلك عن علم وحكمة، فيزول عنه القلق النفسي وينشرح صدره (8).
القرآن
التفسير:
يا أهل الإنجيل لا تتجاوزوا الاعتقاد الحق في دينكم، ولا تقولوا على الله إلا الحق، فلا تجعلوا له صاحبةً ولا ولدًا. إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله أرسله الله بالحق، وخَلَقَه بالكلمة التي أرسل بها جبريل إلى مريم، وهي قوله:«كن» ، فكان، وهي نفخة من الله تعالى نفخها جبريل بأمر ربه، فَصدِّقوا بأن الله واحد وأسلموا له، وصدِّقوا رسله فيما جاؤوكم به من عند الله واعملوا به، ولا تجعلوا عيسى وأمه مع الله شريكين. انتهوا عن هذه المقالة خيرًا لكم مما أنتم عليه، إنما الله إله واحد سبحانه. ما في السموات والأرض مُلْكُه،
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 476.
(2)
التفسير الميسر: 104.
(3)
تفسير السمرقندي: 1/ 359.
(4)
تفسير ابن كثير: 2/ 476.
(5)
انظر: شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين: 1/ 188.
(6)
شأن الدعاء: 1/ 57.
(7)
انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين: 1/ 188.
(8)
انظر: شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين: 1/ 190.
فكيف يكون له منهم صاحبة أو ولد؟ وكفى بالله وكيلا على تدبير خلقه وتصريف معاشهم، فتوكَّلوا عليه وحده فهو كافيكم.
سبب النزول:
قال الواحدي: " نزلت في طوائف من النصارى حين قالوا عيسى ابن الله، فأنزل الله تعالى: {لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق} الآية"(1).
قال البغوي: " نزلت في النصارى وهم أصناف: اليعقوبية والملكانية والنسطورية والمرقوسية فقالت اليعقوبية: عيسى هو الله، وكذلك الملكانية، وقالت النسطورية: عيسى هو ابن الله، وقالت: المرقوسية ثالث ثلاثة، فأنزل الله تعالى هذه الآية"(2).
قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [النساء: 171]، أي:" يا أهل الإنجيل لا تتجاوزوا الاعتقاد الحق في دينكم"(3).
قال البغوي: أي: " لا تشددوا في دينكم فتفتروا على الله"(4).
عن قتادة: في قوله: " {لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ}، قال: لا تبتدعوا"(5).
وقال الحسن: " لا تعتدوا (6).
وقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم: " الغلو: فراق الحق وكان مما غلوا فيه أن دعوا لله صاحبة وولدا سبحانه وتعالى"(7).
قال التستري: " أي لا تجاوزوا دينكم بالبدع، وتعدلوا عن الحق، وهو الكتاب والسنة والإجماع، ميلا إلى هوى نفوسكم"(8).
قال الزجاج: " الغلو: مجاوز القدر في الظلم"(9).
قال الماوردي: "والغلو: مجاوزة الحد، ومنه غلاء السعر، إذا جاوز الحد في الزيادة، وغلا في الدين، إذا فرط في مجاوزة الحق"(10).
قال السمعاني: "الغلو: غير محمود في الدين"(11).
روى ابن عباس عن النبي-صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم بالغلو"(12).
قال الماتريدي: " والغلو في الدين: هو المجاوزة عن الحد الذي حد لهم، وكذلك الاعتداء: هو المجاوزة عن الحد الذي أحد لهم، في الفعل وفي النطق جميعا.
وقال بعضهم: تفسير الغلو ما ذكر: {ولا تقولوا على الله إلا الحق} ؛ فالقول على الله بما لا يليق به غلو.
وقيل: لا تغلوا: أي: لا تعمقوا في دينكم، ولا تشددوا؛ فيحملكم ذلك على الافتراء على الله، والقول بما لا يحل ولا يليق" (13).
وفي الخطاب الموجه في قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [النساء: 171]، قولان:
أحدهما: أنه خطاب للنصارى خاصة (14)، اختاره السمعاني (15).
(1) أسباب النزول: 187.
(2)
تفسير البوغي: 2/ 313.
(3)
التفسير الميسر: 105.
(4)
تفسير البغوي: 2/ 314.
(5)
أخرجه ابن ابي حاتم (6303): ص 4/ 1122.
(6)
أخرجه ابن ابي حاتم (6305): ص 4/ 1122.
(7)
أخرجه ابن ابي حاتم (6304): ص 4/ 1122.
(8)
تفسير التستري: 57.
(9)
معاني القرىن: 2/ 135.
(10)
النكت والعيون: 1/ 546.
(11)
تفسير السمعاني: 1/ 505.
(12)
أخرجه أحمد "1854"، والنسائي "3059"، وابن ماجه "3029". وصححه بن خزيمة وابن حبان والحاكم.
(13)
تفسير الماتريدي: 3/ 424.
(14)
انظر: النكت والعيون: 1/ 546.
(15)
انظر: تفسير السمعاني: 1/ 505.
والثاني: أنه خطاب لليهود والنصارى، لأن الفريقين غلوا في المسيح، فقالت النصارى: هو الرب، وقالت اليهود: هو لغير رشدة، وهذا قول الحسن (1).
قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} [النساء: 171]، أي:" ولا تقولوا على الله إلا الحق"(2).
قال الماوردي: " يعني: في غلوهم في المسيح"(3).
قال الثعلبي: أي: " لا تقولوا أن لله شركاء أو ابنا"(4).
قال البغوي: أي: " لا تقولوا إن له شريكا وولدا"(5).
قال الزمخشري: " وهو تنزيهه عن الشريك والولد"(6).
قال أبو حيان: " وهو تنزيهه عن الشريك والولد والحلول والاتحاد"(7).
قال أبو السعود: " أي: لا تصفوه بما يستحيل اتصافه به من الحلول والاتحاد واتخاذ الصاحبة والولد بل نزهوه عن جميع ذلك"(8).
قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ} [النساء: 171]، أي:" إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله أرسله الله بالحق"(9).
قال الزجاج: " أي، فكيف يكون إلها وهو ابن مريم، وكيف يكون إلها وأمه قبله
والله عز وجل القديم الذي لم يزل" (10).
قال إبراهيم: ": المسيح: الصديق"(11).
وروي عن يحيى بن عبد الرحمن الثقفي: " أن عيسى ابن مريم كان سائحا، ولذلك سمي المسيح. قال: يمشي بأرض، ويصبح بأخرى"(12).
قال ابن عباس: " لم يكن من الأنبياء من له اسمين إلا عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم"(13).
وقرأ جعفر بن محمد: «إنما المسيح» ، بوزن: السكيت (14).
قوله تعالى: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ} [النساء: 171]، أي:" وخَلَقَه بالكلمة التي أرسل بها جبريل إلى مريم، وهي قوله: «كن»، فكان"(15).
قال البغوي: "وهي قوله {كن} فكان بشرا من غير أب"(16).
قال قتادة: " قال له: كن فكان"(17).
قال شاذ بن يحيى: " ليس الكلمة صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى"(18).
قال البغوي: " {ألقاها إلى مريم}، أي: أعلمها وأخبرها بها، كما يقال: ألقيت إليك كلمة حسنة"(19).
قال الزمخشري: " وقيل لعيسى: {كلمة الله}، {وكلمة منه} لأنه وجد بكلمته وأمره لا غير، من غير واسطة أب ولا نطفة، ومعنى: {ألقاها إلى مريم}، أوصلها إليها وحصلها فيها"(20).
(1) انظر: النكت والعيون: 1/ 546، وتفسير السمعاني: 1/ 505.
(2)
التفسير الميسر: 105.
(3)
النكت والعيون: 1/ 546.
(4)
الكشف والبيان: 3/ 418.
(5)
تفسير البغوي: 2/ 314.
(6)
الكشاف: 1/ 593.
(7)
البحر المحيط في التفسير: 4/ 142.
(8)
تفسير أبي السعود: 2/ 259.
(9)
التفسير الميسر: 105.
(10)
معاني القرىن: 2/ 135.
(11)
أخرجه ابن ابي حاتم (6306): ص 4/ 1122.
(12)
أخرجه ابن ابي حاتم (6307): ص 4/ 1122.
(13)
أخرجه ابن ابي حاتم (6308): ص 4/ 1123.
(14)
انظر: الكشاف: 1/ 593.
(15)
التفسير الميسر: 105.
(16)
تفسير البغوي: 2/ 314.
(17)
أخرجه ابن ابي حاتم (6309): ص 4/ 1123.
(18)
أخرجه ابن ابي حاتم (6310): ص 4/ 1123.
(19)
تفسير البغوي: 2/ 314.
(20)
الكشاف: 1/ 593.
قال أبو السعود: " {ألقاها إلى مريم}، أي: أوصلها إليها وحصلها فيها بنفخ جبريل عليه السلام وقيل أعلمها إياها وأخبرها بها بطريق البشارة"(1).
وفي تفسير قوله تعالى: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ} [النساء: 171]، ثلاثة أقوال:
أحدها: لأن الله كَلَّمَه حين قال له كن، وهذا قول الحسن (2)، وقتادة (3).
الثاني: لأنه بشارة الله التي بشر بها، فصار بذلك كلمة الله (4).
والثالث: لأنه يهتدى به كما يُهْتَدَى بكلام الله (5).
قوله تعالى: {وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171]، أي:" وهو ذو روح مبتدأةٍ من الله، أثر نفخة من الله تعالى نفخها جبريل بأمر ربه"(6).
قال مجاهد: " رسول منه"(7).
قال الزمخشري: " وقيل له: روح الله، وروح منه، لأنه ذو روح وجد من غير جزء من ذى روح، كالنطفة المنفصلة من الأب الحى وإنما اخترع اختراعا من عند الله وقدرته خالصة"(8).
قال أبو السعود: " قيل هو الذي نفخ جبريل عليه السلام في درع مريم فحملت بإذن الله تعالى سمي النفخ روحا لأنه ريح تخرج من الروح"(9).
قال القرطبي: " قوله تعالى: {وَرُوحٌ مِنْهُ}، هذا الذي أوقع النصارى في الإضلال، فقالوا: عيسى جزء منه فجهلوا وضلوا"(10).
وفي تفسير قوله تعالى: {وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171]، ثلاثة أوجه (11):
أحدها: سُمِّي بذلك لأنه رُوح من الأرواح، وأضافه الله إلى نفسه تشريفاً له.
والثاني: أنه سُمِّي روحاً؛ لأنه يحيا به الناس كما يُحْيَون بالأرواح.
والثالث: أنه سُمِّي بذلك لنفخ جبريل عليه السلام، لأنه كان ينفخ فيه الروح بإذن الله، والنفخ يُسَمَّى في اللغة روحاً، فكان عن النفخ فسمي به.
يحكى: "أن طبيبا حاذقا نصرانيا للرشيد ناظر علي بن حسين الواقدي المروزي ذات يوم فقال له إن في كتابكم ما يدل على إن عيسى عليه السلام جزء منه تعالى وتلا هذه الآية، فقرأ الواقدي: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13]، فقال: إذن يلزم أن يكون جميع تلك الأشياء جزءا من الله تعالى علوا كبيرا، فانقطع النصراني فأسلم وفرح الرشيد فرحا شديدا"(12).
قوله تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} [النساء: 171]، أي:" فَصدِّقوا بأن الله واحد وأسلموا له، وصدِّقوا رسله فيما جاؤوكم به من عند الله واعملوا به"(13).
قال المراغي: " أي: فآمنوا بالله إيمانا يليق به، وهو أنه واحد أحد تنزه عن صفات الحوادث، وأن كل ما فى الكون مخلوق له، وهو الخالق له، وأن الأرض فى مجموع ملكه أقل من حبة رمل بالنسبة إلى اليابس منها، ومن نقطة ماء بالنسبة إلى بحارها وأنهارها، وآمنوا برسله كلهم إيمانا يليق بشأنهم وهو أنهم عبيد له خصهم بضروب من التكريم والتعظيم، وألهمهم بضرب من العلم والهداية بالوحى ليعلموا الناس كيف يوحدون ربهم ويعبدونه ويشكرونه"(14).
(1) تفسير أبي السعود: 2/ 259.
(2)
انظر: النكت والعيون: 1/ 546.
(3)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6309): ص 4/ 1123.
(4)
انظر: النكت والعيون: 1/ 546.
(5)
انظر: النكت والعيون: 1/ 546.
(6)
انظر: التفسير الميسر: 105، وصفوة التفاسير:296.
(7)
أخرجه ابن ابي حاتم (6311): ص 4/ 1123.
(8)
الكشاف: 1/ 593.
(9)
تفسير أبي السعود: 2/ 259.
(10)
تفسير القرطبي: 6/ 22.
(11)
انظر: النكت والعيون: 1/ 546، وتفسير البغوي: 2/ 314.
(12)
تفسير أبي السعود: 2/ 259.
(13)
التفسير الميسر: 105.
(14)
تفسير المراغي: 6/ 30.
قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ} [النساء: 171]، أي:" ولا تقولوا الآلهة ثلاثة: الله، والمسيح، ومريم، انتهوا عن هذه المقالة خيرًا لكم مما أنتم عليه"(1).
قال المراغي: أي: " ولا تقولوا: الآلهة ثلاثة: الآب والابن وروح القدس، انتهوا عنه وقولوا قولا آخر خيرا لكم منه، وهو قول جميع النبيين والمرسلين الذين جاءوا بتوحيد الله وتنزيهه "(2).
قال القرطبي: " كأنه قال: ائتوا خيرا لكم، لأنه إذا نهاهم عن الشرك فقد أمرهم بإتيان ما هو خير لهم"(3).
ويحتمل قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ} [النساء: 171]، وجهين:
أحدهما: هو قول النصارى: أب وابن وروح القدس، وهذا قول بعض البصريين (4).
والثاني: هو قول من قال: آلهتنا ثلاثة، وهو قول الزجاج (5).
قوله تعالى: {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [النساء: 171]، أي:" إنما الله منفرد في ألوهيته ليس كما تزعمون أنه ثالث ثلاثة"(6).
قال الزجاج: " أي: ما هو إلا إله واحد"(7).
قال المراغي: أي: " منزه عن التعدد، فليس له أجزاء ولا أقانيم، ولا هو مركب ولا متحد بشىء من المخلوقات"(8).
قوله تعالى: {سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ} [النساء: 171]، أي:" تنزّه الله عن أن يكون له ولد"(9).
قال الطبري: " يقول: علا الله وجل وعز وتعظمَّ وتنزه عن أن يكون له ولد أو صاحبة"(10).
قال ابن كثير: " أي: تعالى وتقدس عن ذلك علوا كبيرا"(11).
قال الزمخشري: أي: " سبحه تسبيحا من أن يكون له ولد"(12).
قال النسفي: أي: " أسبحه تسبيحاً من أن يكون له ولد"(13).
قال القرطبي: " أي تنزيها عن أن يكون له ولد، أي كيف يكون له ولد؟ وولد الرجل مشبه له، ولا شبيه لله عز وجل"(14).
قال المراغي: " أي: تقدس عن أن يكون له ولد كما قلتم فى المسيح إنه ابنه، أو إنه هو عينه، فإنه تبارك وتعالى ليس له مماثل فيكون له منه زوج يتزوجها فتلد له ولدا"(15).
قال الفراء: " معنى «سبحانه»: تبرئته من أن يكون له ولد، وهذا قول أهل العربية"(16).
روي عن ابن عباس قال: "سبحان الله، قال: تنزيه الله نفسه عن السوء، قال: ثم قال عمر لعلي وأصحابه عنده: لا إله إلا الله قد عرفناه فما سبحان الله؟ فقال له علي: كلمة أحبها الله لنفسه ورضيها وأحب أن تقال"(17).
عن النضر بن عربي قال: "سأل رجل ميمون بن مهران عن سبحان الله، فقال: اسم يعظم الله به ويحاشا به من السوء"(18).
(1) صوة التفاسير: 296، والتفسير الميسر:105.
(2)
تفسير المراغي: 6/ 31.
(3)
تفسير القرطبي: 6/ 25.
(4)
انظر: النكت والعيون: 1/ 546 - 547.
(5)
انظر: معاني القرآن: 2/ 135.
(6)
صفوة التفاسير: 296.
(7)
معاني القرآن: 2/ 135.
(8)
تفسير المراغي: 6/ 31.
(9)
صقوة التفاسير: 296.
(10)
تفسير الطبري: 9/ 423.
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 479.
(12)
الكشاف: 1/ 593.
(13)
تفسير النسفي: 1/ 419.
(14)
تفسير القرطبي: 6/ 25.
(15)
تفسير المراغي: 6/ 31.
(16)
معاني القرآن: 2/ 135.
(17)
أخرجه ابن أبي حاتم (6314): ص 4/ 1123 - 1124.
(18)
أخرجه ابن أبي حاتم (6315): ص 4/ 1124.
قال الحسن: " «سبحان الله»: اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه"(1).
وقرأ الحسن: «إن يكون» ، بكسر الهمزة ورفع النون: أى: سبحانه ما يكون له ولد (2).
قوله تعالى: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [النساء: 171]، أي وله ما في السماوات والارض" خلقاً وملكاً وعبيدا، فكيف يكون له منهم صاحبة اول ولد"(3).
قال الطبري: " لله ما في السموات وما في الأرض من الأشياء كلها ملكًا وخلقًا، وهو يرزقهم ويَقُوتهم ويدبِّرهم، فكيف يكون المسيح ابنًا لله، وهو في الأرض أو في السموات، غيرُ خارج من أن يكون في بعض هذه الأماكن؟ "(4).
قال ابن كثير: " أي: الجميع ملكه وخلقه، وجميع ما فيها عبيده، وهم تحت تدبيره وتصريفه، وهو وكيل على كل شيء، فكيف يكون له منهم صاحبة أو ولد؟ كما قال في الآية الأخرى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام: 101]، وقال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا. تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا. وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا. لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 88: 95] "(5).
قال الزمخشري: " بيان لتنزهه عما نسب إليه، يعنى أن كل ما فيهما خلقه وملكه، فكيف يكون بعض ملكه جزأ منه، على أن الجزء إنما يصح في الأجسام وهو متعال عن صفات الأجسام والأعراض"(6).
قال أبو حيان: " إخبار لملكه بجميع من فيهن، فيستغرق ملكه عيسى وغيره. ومن كان ملكا لا يكون جزءا من المالك على أن الجزئية لا تصح إلا في الجسم، والله تعالى منزه عن الجسم والعرض"(7).
قوله تعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء: 171]، أي:" وكفى بالله وكيلا على تدبير خلقه وتصريف معاشهم، فتوكَّلوا عليه وحده فهو كافيكم"(8).
قال القرطبي: " أي: لأوليائه"(9).
قال الزمخشري: أي: " يكل إليه الخلق كلهم أمورهم، فهو الغنى عنهم وهم الفقراء إليه"(10).
قال أبو حيان: " أي كافيا في تدبير مخلوقاته وحفظها، فلا حاجة إلى صاحبة ولا ولد ولا معين"(11).
قال النسفي: أي: " حافظاً ومدبراً لهما ولما فيهما ومن عجز عن كفاية أمر يحتاج إلى ولد يعينه"(12).
قال المراغي: " أي: كفى به حافظا ووكيلا إذا وكلوا أمورهم إليه، فهو غنى عن الولد، فإن الولد إنما يحتاج إليه أبوه ليعينه فى حياته، ويقوم مقامه بعد وفاته، والله تعالى منزه عن كل ذلك"(13).
قال البيضاوي: " تنبيه على غناه عن الولد فإن الحاجة إليه ليكون وكيلا لأبيه والله سبحانه وتعالى قائم بحفظ الأشياء كاف في ذلك مستغن عمن يخلقه أو يعينه"(14).
الفوائد:
1 -
حرمة الغلو في الدين إذ هي من الأسباب الموجبة للابتداع والضلال.
2 -
تضمنت الآية إثبات الوحدانية لله تعالى.
3 -
حرمة القول على الله تعالى بدون علم مطلقاً والقول عليه بغير الحق بصورة خاصة.
4 -
نفي الولد لله سبحانه وتعالى.
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (6316): ص 4/ 1124.
(2)
انظر: الكشاف: 1/ 594.
(3)
صقوة التفاسير: 296، والتفسير الميسر:105.
(4)
تفسير الطبري: 9/ 424.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 480.
(6)
الكشاف: 1/ 594.
(7)
البحر المحيط في التفسير: 4/ 145.
(8)
التفسير الميسر: 105.
(9)
تفسير القرطبي: 6/ 25.
(10)
الكشاف: 1/ 594.
(11)
البحر المحيط في التفسير: 4/ 145.
(12)
تفسير النسفي: 1/ 419.
(13)
تفسير المراغي: 6/ 32.
(14)
تفسير البيضاوي: 2/ 111.
5 -
بيان المعتقد الحق في عيسى عليه السلام، وأنه عبد الله ورسوله كان بكلمة الله ونفخة جبريل-عليه السلام.
6 -
إثبات الصفات ما تضمنه قوله {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} فإنه يقتضي الحياة والقدرة والعلم والإرادة، فاقتضت الآية أيضا إثبات الكلام فإن هذا من القرآن وهو كلام الله، أما القدرة فخلقه السماوات والأرض وتخصيص أحدهما بصفة دون الأخرى دليل على الإرادة وكون فاعلها عالما (1).
7 -
إثبات اسمه تعالى «الوكيل» ، فهو سبحانه المتولّي لتدبير خلقه، بعلمه، وكمال قدرته، وشمول حكمته، الذي تولى أولياءه، فيسَّرهم لليُسرى، وجنّبهم العُسرى، وكفاهم الأمور، فمن اتخذه وكيلاً كفاه:{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ} [البقرة: 257]، وقال:{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر: 62](2).
قال الفراء: " وقوله: {أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا} [الإسراء: 2]، يقال: ربا، ويقال: كافيا"(3)، .. وقوله:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} [الإسراء: 54]، يقول: حافظا وربا" (4)
…
وقوله عز وجل: {فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} [المزمل: 9]، كفيلا بما وعدك" (5).
قال الخطابي: " ويقال معناه: أنه الكفيل بأرزاق العباد، والقائم عليهم بمصالحهم، وحقيقته أنه الذي يستقل بالأمر الموكول إليه ومن هذا قول المسلمين: {حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173] أي: نعم الكفيل بأمورنا والقائم بها"(6).
القرآن
التفسير:
لن يَأْنف ولن يمتنع المسيح أن يكون عبدًا لله، وكذلك لن يأنَفَ الملائكة المُقَرَّبون من الإقرار بالعبودية لله تعالى. ومن يأنف عن الانقياد والخضوع ويستكبر فسيحشرهم كلهم إليه يوم القيامة، ويفصلُ بينهم بحكمه العادل، ويجازي كلا بما يستحق.
سبب النزول:
نقل الواحدي عن الكلبي: "إن وفد نجران قالوا: يا محمد تعيب صاحبنا؟ قال: «ومن صاحبكم؟ » قالوا: عيسى، قال: «وأي شيء أقول فيه؟ » قالوا تقول إنه عبد الله ورسوله، فقال لهم: «إنه ليس بعار لعيسى أن يكون عبد الله»، قالوا: بلى، فنزلت: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله} الآية"(7).
قوله تعالى: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ} [النساء: 172]، أي:" لن يَأْنف ولن يمتنع المسيح أن يكون عبدًا لله"(8).
قال ابن قتيبة: " أي: لن يأنف"(9).
قال الزجاج: " أي: ليس يستنكف الذي تزعمون أنه إله أن يكون عبدا لله، فتأويل {لن يستنكف}: لن ينقبض "(10).
قال الطبري: أي: " لن يأنف ولن يستكبر المسيح من أن يكون عبدًا لله"(11).
قال قتادة: " لن يحتشم المسيح أن يكون عبدًا الله"(12).
وقال الكلبي: " {لن يستنكف}: لن يتعظم"(13).
(1) انظر: تفسير ابن عرفة: 2/ 75.
(2)
انظر: شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة: 176.
(3)
معاني القرآن: 2/ 116.
(4)
معاني القرآن: 2/ 125.
(5)
معاني القرآن: 3/ 198.
(6)
شأن الدعاء: 1/ 77.
(7)
اسباب النزول: 187.
(8)
التفسير الميسر: 105.
(9)
غريب القرآن: 137.
(10)
معاني القرآن: 2/ 135.
(11)
تفسير الطبري: 9/ 424.
(12)
أخرجه الطبري (10856): ص 9/ 424.
(13)
انظر: "بحر العلوم" 1/ 458، ولم أقف عليه عن الكلبي.
وقال مقاتل: "لن يأنف"(1).
وقال ابن عباس: " لن يستكبر"(2). وروي عن عطاء الخراساني نحو ذلك (3).
ومعنى «يستنكف» : أي: لن يأنف، وأصله في اللغة من «نكفت الدمع» ، إذا
نحيته بإصبعك من خدك، قال الشاعر (4):
فبانوا فلولا ما تذكر منهم
…
من الخلف لم ينكف لعينيك مدمع (5)
قوله تعالى: {وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [النساء: 172]، أي:" وكذلك لن يأنَفَ الملائكة المُقَرَّبون من الإقرار بالعبودية لله تعالى"(6).
قال الطبري: أي: " ولن يستنكف أيضًا من الإقرار لله بالعبودة والإذعان له بذلك، رسلُه {المقربون}، الذين قرَّبهم الله ورفع منازلهم على غيرهم من خلقه"(7).
قال مقاتل: " ولايستنكف ملائكة المقربون أن يكونوا عبيدا لله ليعتبروا بكون الملائكة أقرب إلى- الله عز وجل منزلة من عيسى ابن مريم وغيره، فإن عيسى عبد من عباده"(8).
عن الأجلح قال: "قلت للضحاك: ما {المقربون}؟ قال: أقربهم إلى السماء الثانية"(9).
قوله تعالى: {وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ} [النساء: 172]، أي:" ومن يأنف عن الانقياد والخضوع لله تعالى"(10).
قال الطبري: أي: " ومن يتعظّم عن عبادة ربه، ويأنفْ من التذلل والخضوع له بالطاعة من الخلق كلهم، ويستكبر عن ذلك"(11).
قال مقاتل: " يعني: ومن يأنف عن عبادة الله، يعني: التوحيد، {ويستكبر}، يعنى: ويتكبر عن العبادة"(12).
قال السمرقندي: " أي يتعظم ن عبادته ويستكبر، والاستكبار هو الاستنكاف، يقال: استنكف واستكبر يعني استكبر عن طاعته"(13).
قال السمعاني: " الفرق بين الاستنكاف والاستكبار: أن الاستنكاف هو التكبر مع الأنفة، والاستكبار: هو الغلو، والتكبر من غير أنفة"(14).
قوله تعالى: {فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا} [النساء: 172]، أي:" فسيحشرهم كلهم إليه يوم القيامة، ويفصلُ بينهم بحكمه العادل، ويجازي كلا بما يستحق"(15).
قال الطبري: " يقول: فسيبعثهم يوم القيامة جميعًا، فيجمعهم لموعدهم عنده"(16).
قال النسفي: أي: " فيجازيهم على استنكافهم واستكبارهم"(17).
عن الضحاك ، في قوله:" {جميعا} [البقرة: 29] قال: البر والفاجر"(18).
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 425.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم 6317): ص 4/ 1124.
(3)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم 6317): ص 4/ 1124.
(4)
البيت في "تهذيب اللغة" 4/ 3664، و"اللسان" 9/ 340 (نكف)، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 135، دون نسبة، ولم أقف على قائله.
(5)
انظر: تهذيب اللغة: 4/ 3664، واللسان: مادة"نكف": ص 9/ 340، ومعاني القرآن للزجاج: 2/ 135.
(6)
التفسير الميسر: 105.
(7)
تفسير الطبري: 9/ 425.
(8)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 425.
(9)
أخرجه الطبري (10857): ص 9/ 425.
(10)
التفسير الميسر: 105. [بتصرف].
(11)
تفسير الطبري: 9/ 425.
(12)
أخرجه الطبري (10857): ص 9/ 425.
(13)
بحر العلوم: 1/ 361.
(14)
تفسير السمعاني: 1/ 507.
(15)
التفسير الميسر: 105.
(16)
تفسير الطبري: 9/ 425.
(17)
تفسير النسفي: 1/ 420.
(18)
أخرجه ابن أبي حاتم (6319): ص 4/ 1124.
قال ابن عطية: " أخبر تعالى عمن يستنكف أي يأنف عن عبادة الله ويستكبر، بأنه سيناله الحشر يوم القيامة والرد إلى الله، وقوله {سيحشرهم}، عبارة وعيد"(1).
قرأ جمهور الناس: «فسيحشرهم» بالياء، وقرأ الحسن بن أبي الحسن:«فسنحشرهم» بنون الجماعة، وقرأ مسلمة:«فسيحشرهم» (2).
الفوائد:
1 -
حرمة الاستنكاف عن الحق والاستكبار عن قبوله.
2 -
ومن هذه الآية يفهم أن الملائكة أعظم من المسيح خلقا وأفعالا، ومنهم روح القدس الذي بنفخة منه خلق المسيح، ومن ثم استدل بها كثير من العلماء على تفصيل الملائكة المقربين على الأنبياء (3).
القرآن
التفسير:
فأمَّا الذين صَدَّقوا بالله اعتقادًا وقولا وعملا واستقاموا على شريعته فيوفيهم ثواب أعمالهم، ويزيدُهم من فضله، وأما الذين امتنعوا عن طاعة الله، واستكبروا عن التذلل له فيعذبهم عذابًا موجعًا، ولا يجدون لهم وليًّا ينجيهم من عذابه، ولا ناصرًا ينصرهم من دون الله.
قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [النساء: 173]، أي:" فأمَّا الذين صَدَّقوا بالله اعتقادًا وقولا وعملا واستقاموا على شريعته"(4).
قال الطبري: " فأما المؤمنون المقرّون بوحدانية الله، الخاضعون له بالطاعة، المتذلِّلون له بالعبودية، والعاملون الصالحات من الأعمال، وذلك: أن يَرِدُوا على ربهم قد آمنوا به وبرسله، وعملوا بما أتاهم به رسله من عند ربهم، من فعل ما أمرهم به، واجتناب ما أمرهم باجتنابه"(5).
قوله تعالى: {فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ} [النساء: 173]، أي:" فيوفيهم ثواب أعمالهم"(6).
قال الطبري: " يقول: فيؤتيهم جزاءَ أعمالهم الصالحة وافيًا تامًّا"(7).
قال ابن الجوزي: " أي: ثواب أعمالهم"(8).
قال الأعمش: " {أجورهم}، أن يدخلهم الجنة"(9).
قوله تعالى: {وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 173]، أي:" ويزيدُهم من فضله وإحسانه وسعة رحمته"(10).
قال ابن الجوزي: أي: "مضاعفة الحسنات"(11).
قال الثعلبي: " في التضعيف ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"(12).
قال الطبري: أي: " ويزيدهم على ما وعدهم من الجزاء على أعمالهم الصالحة والثواب عليها، من الفضل والزيادة ما لم يعرّفهم مبلغه، ولم يحدّ لهم منتهاه. وذلك أن الله وعد من جاء من عباده المؤمنين بالحسنة الواحدة عشرَ أمثالها من الثواب والجزاء. فذلك هو أجر كلِّ عامل على عمله الصالح من أهل الإيمان المحدود مبلغه، والزيادة على ذلك تفضُّل من الله عليهم، وإن كان كل ذلك من فضله على عباده. غيرَ أن الذي وعد عبادَه المؤمنين أن يُوفيهم فلا ينقصهم من الثواب على أعمالهم الصالحة، هو ما حَدُّ مبلغه من
(1) المحرر الوجيز: 2/ 140.
(2)
انظر: المحرر الوجيز: 2/ 140.
(3)
انظر: تفسير المراغي: 6/ 34.
(4)
التفسير الميسر: 105.
(5)
تفسير الطبري: 9/ 426.
(6)
التفسير الميسر: 105.
(7)
تفسير الطبري: 9/ 426.
(8)
زاد المسير: 1/ 502.
(9)
أخرجه ابن أبي حاتم (6320): ص 4/ 1124.
(10)
انظر: أيسر التفاسير: 666، والتفسير الميسر:105.
(11)
زاد المسير: 1/ 502.
(12)
تفسير الثعلبي: 3/ 420.
العَشْر، والزيادة على ذلك غير محدود مبلغها، فيزيد من شاء من خلقه على ذلك قدر ما يشاء، لا حدّ لقَدْره يوقف عليه" (1).
عن الأعمش: " قوله: {ويزيدهم من فضله}، قال: الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا"(2).
وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم -في قوله تعالى: {فيوفيهم أجورهم} ، قال:"يدخلون الجنة ويزيدهم من فضله الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا"(3).
قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا} [النساء: 173]، أي:" وأما الذين امتنعوا عن طاعة الله"(4).
قال مقاتل: " يعنى: أنفوا"(5).
قال الطبري: أي: " وأما الذين تعظَّموا عن الإقرار لله بالعبودة، والإذعان له بالطاعة"(6).
قال ابن كثير: " أي: امتنعوا من طاعة الله وعبادته"(7).
قوله تعالى: {وَاسْتَكْبَرُوا} [النساء: 173]، أي:" واستكبروا عن التذلل لله "(8).
قال مقاتل: " واستكبروا عن عبادة الله بالتوحيد"(9).
قال الطبري: أي: " واستكبروا عن التذلّل لألوهته وعبادته، وتسليم الربوبيّة والوحدانية له"(10).
قال ابن كثير: أي: "واستكبروا عن طاعة الله وعبادته"(11).
قال الماتريدي: " والاستنكاف والاستكبار واحد في الحقيقة، وقال الكساني: وإنما جمع بينهما؛ لاختلاف اللفظين، وهذا من حسن كلام العرب: كقول العرب: كيف حالك؟ وبالك؟ والحال والبال واحد، ومثله في القرآن والشعر كثير، لكن الاستنكاف -والأنفة- لا يضاف إلى الله تعالى، والاستكبار يضاف، فهما من هذا المعنى مختلفان، وأما في الحقيقة فهما واحد"(12).
قوله تعالى: {فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 173]، أي:" فيعذبهم عذابًا موجعًا"(13).
قال مقاتل: " يعني: وجيعا"(14).
قوله تعالى: {وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 173]، أي:" ولا يجدون لهم وليًّا ينجيهم من عذابه، ولا ناصرًا ينصرهم من دون الله"(15).
قال مقاتل: " {وليا}: يعني قريبا ينفعهم، {ولا نصيرا}، يعني: مانعا يمنعهم من الله- عز وجل "(16).
قال السمرقندي: " يعني من عذاب الله {وليا} يعينهم، {ولا نصيرا}، مانعا يمنعهم"(17).
قال الطبري: " يقول: ولا يجد المستنكفون من عبادته والمستكبرون عنها، إذا عذبهم الله الأليم من عذابه، سوى الله لأنفسهم وليًّا ينجيهم من عذابه وينقذهم منه، {ولا نصيرًا}، يعني: ولا ناصرًا ينصرهم فيستنقذهم من ربهم، ويدفع عنهم بقوّته ما أحلَّ بهم من نقمته، كالذي كانوا يفعلون بهم إذا أرادهم غيرهم من أهل الدنيا في الدنيا بسوء، من نصرتهم والمدافعة عنهم"(18).
(1) تفسير الطبري: 9/ 426.
(2)
أخرجه ابن أبي حاتم (6321): ص 4/ 1125.
(3)
ضعيف. أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» 846 والطبراني 10462 من حديث ابن مسعود، وفيه إسماعيل بن عبد الله الكندي، وهو ضعيف وقال الذهبي في «الميزان» أتى بخبر منكر. وقال ابن كثير في «تفسيره» 1/ 605: لا يثبت. وصوب الوقف فيه. والمرفوع ضعفه أيضا السيوطي في «الدر» 2/ 440 ووافقه الشوكاني وهو كما قالوا. وانظر «تفسير الشوكاني» 735 بتخريجنا.
(4)
التفسير الميسر: 105.
(5)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 425.
(6)
تفسير الطبري: 9/ 427.
(7)
تفسير ابن كثير: 2/ 481.
(8)
التفسير الميسر: 105.
(9)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 425.
(10)
تفسير الطبري: 9/ 427.
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 481.
(12)
تفسير الماتريدي: 3/ 430.
(13)
التفسير الميسر: 105.
(14)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 425.
(15)
التفسير الميسر: 105.
(16)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 425.
(17)
بحر العلوم: 1/ 361.
(18)
تفسير الطبري: 9/ 427.
عن ابن عباس ، قوله:{ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا} [النساء: 173] إلا أن يتوب قبل موته فيتوب الله عليه" (1).
قال ابو حيان: " هذا وعيد شديد للذين يتركون عبادة الله أنفة تكبرا"(2).
قال ابن عطية في هذه الآية: " هذا وعيد للمستنكفين الذين يدعون عبادة الله أنفة وتكبرا، وهذا الاستنكاف إنما يكون من الكفار عن اتباع الأنبياء وما جرى مجراه، كفعل حيي بن أخطب وأخيه أبي ياسر بمحمد عليه السلام، وكفعل أبي جهل وغيره، وإلا فإذا فرضت أحدا من البشر عرف الله تعالى، فمحال أن تجده يكفر به تكبرا عليه، والعناد المجوز إنما يسوق إليه الاستكبار عن البشر، ومع تقارب المنازل في ظن المتكبر"(3).
الفوائد:
1 -
بيان الجزاء الأخروي وهو إما نعيم وإما جحيم.
2 -
إثبات اسمين من أسماءه تعالى، وهما:«الولي» : و"هو الناصر. ينصر عباده المؤمنين"(4).
يوصف الله عز وجل بأنه ولي الذين آمنوا ومولاهم، و «الولي» و «المولى»: اسمان لله تعالى، قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى:{الله ولي الذين آمنوا} [البقرة: 257]: "نصيرهم وظهيرهم؛ يتولاهم بعونه وتوفيقه"(5).
جاء في الحديث: "اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها"(6).
ويوصف الله عز وجل بأنه «الناصر» و «النصير» ، واللَّه عز وجل هو النصير الذي ينصر عباده المؤمنين ويعينهم.
و«النصير» : فعيل بمعنى فاعل أو مفعول؛ لأن كل واحد من المتناصرين ناصرٌ ومنصورٌ وقد نصره ينصره نصراً، إذا أعانه على عدوه وشدّ منه (7)، واللَّه عز وجل النصير، ونصره ليس كنصر المخلوق:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11](8).
القرآن
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174)} [النساء: 174]
التفسير:
يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم، وهو رسولنا محمد، وما جاء به من البينات والحجج القاطعة، وأعظمها القرآن الكريم، مما يشهد بصدق نبوته ورسالته الخاتمة، وأنزلنا إليكم القرآن هدًى ونورًا مبينًا.
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [النساء: 174]، أي:" يا أيها الناس قد أتاكم حجة من ربكم، وهو رسولنا محمد رسول الله المؤيد بالمعجزات الباهرة"(9).
قال السمرقندي: " أي: بيانا من ربكم وحجة من ربكم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن"(10).
عن مجاهد ، قوله:" {برهان من ربكم} قال: حجة"(11). وروي عن السدي مثل ذلك (12).
وعن قال سفيان في قوله: " {قد جاءكم برهان من ربكم} [النساء: 174] قال: النبي صلى الله عليه وسلم"(13).
وقال قتادة: " بينة من ربكم (14).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم (6322): ص 4/ 1125.
(2)
البحر المحيط: 4/ 148.
(3)
المحرر الوجيز: 2/ 140 - 141.
(4)
شأن الدعاء للخطابي: 1/ 78.
(5)
تفسير الطبري: 5/ 424.
(6)
رواه مسلم (2722).
(7)
انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، 5/ 64 ..
(8)
الأسماء والصفات للبيهقي، بتحقيق الشيخ عماد الدين أحمد، 1/ 127 - 128.
(9)
صفوة التفاسير: 296، التفسير الميسر:105.
(10)
بحر العلوم: 1/ 362.
(11)
أخرجه ابن أبي حاتم (6323): ص 4/ 1125.
(12)
انظر: تفسير الطبري (10861): ص 9، 428، وتفسير ابن أبي حاتم (6323): ص 4/ 1125.
(13)
أخرجه ابن أبي حاتم (6324): ص 4/ 1125.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (6325): ص 4/ 1125.
قال الراغب: " عنى بالـ {برهان}: الآيات القاهرة المبنية عن المعجزات"(1).
قال الزمخشري: " البرهان: القرآن. أو أراد بالبرهان دين الحق أو رسول الله صلى الله عليه وسلم "(2).
قال ابن عطية: " الآية إشارة إلى محمد رسول الله، و «البرهان»: الحجة النيرة الواضحة التي تعطي اليقين التام، والمعنى: قد جاءكم مقترنا بمحمد برهان من الله تعالى على صحة ما يدعوكم إليه وفساد ما أنتم عليه من النحل"(3).
قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [النساء: 174]، أي:" وأنزلنا إليكم القرآن هدًى ونورًا مبينًا"(4).
قال السمرقندي: " أي: بيانا من العمى وبيان الحلال من الحرام، وهو القرآن"(5).
قال قتادة: " وهو هذا القرآن"(6). وروي عن ابن جريج نحو ذلك (7).
قال الراغب: " عنى بالـ {نور}: القرآن، لأنه به يعرف الطريق إلى الله"(8).
قال ابن الجوزي: " وإنما سماه: نورا، لأن الأحكام تبين به بيان الأشياء بالنور"(9).
الفوائد:
1 -
أن الدعوة الإسلامية دعوة عامة فهي للأبيض والأصفر على حد سواء.
2 -
إطلاق لفظ البرهان على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه بأميته وكماله الذي لا مطمع لبشري أن يساميه فيه برهان على وجود الله وعلمه ورحمته.
القرآن
التفسير:
فأمَّا الذين صدَّقوا بالله اعتقادًا وقولا وعملا واستمسكوا بالنور الذي أُنزل إليهم، فسيدخلهم الجنة رحمة منه وفضلا ويوفقهم إلى سلوك الطريق المستقيم المفضي إلى روضات الجنات.
قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ} [النساء: 175]، أي:" فأمَّا الذين صدَّقوا بالله اعتقادًا وقولا وعملا"(10).
قال السمرقندي: " أي: صدقوا بوحدانية الله تعالى"(11).
قال الطبري: أي: " فأما الذين صدَّقوا الله وأقرّوا بوحدانيته، وما بعث به محمدًا صلى الله عليه وسلم من أهل الملل"(12).
قوله تعالى: {وَاعْتَصَمُوا بِهِ} [النساء: 175]، أي:" واستمسكوا بالنور الذي أُنزل إليهم"(13).
قال مقاتل: " يعني احترزوا بالله- عز وجل"(14).
قال الماتريدي: " جعل الاعتصام به ما به ينال رحمته وفضله. و «الاعتصام»: هو أن يلتجأ إليه في كل الأمور، وبه يوكل، لا يلتجأ بمن دونه"(15).
(1) تفسير الراغب الأصفهاني: 4/ 243.
(2)
الكشاف: 1/ 598.
(3)
المحرر الوجيز: 2/ 141.
(4)
التفسير الميسر: 105.
(5)
بحر العلوم: 1/ 362.
(6)
أخرجه ابن أبي حاتم (6326): ص 4/ 1125.
(7)
انظر: تفسير الطبري (10862): ص 9/ 428.
(8)
تفسير الراغب الأصفهاني: 4/ 243.
(9)
زاد المسير: 1/ 503.
(10)
التفسير الميسر: 105.
(11)
بحر العلوم: 1/ 362.
(12)
تفسير الطبري: 9/ 429.
(13)
التفسير الميسر: 105.
(14)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 426.
(15)
تفسير الماتريدي: 3/ 431.
قال الطبري: " يقول: وتمسكوا بالنور المبين الذي أنزله إلى نبيه"(1).
قال السمرقندي: " أي: تمسكوا بدينه"(2).
ويحتمل قوله تعالى: {وَاعْتَصَمُوا بِهِ} [النساء: 175]، وجهين:
أحدهما: اعتصموا بالقرآن، وهذا قول ابن جريج (3)، واختيار النحاس (4).
قال النحاس: " أي: امتنعوا بكتابه عن معاصيه وإذا اعتصموا بكتابه فقد اعتصموا به"(5).
والثاني: اعتصموا بالله من زيغ الشيطان وهوى الإنسان. وهذا معنى قول مقاتل (6)، واختيار البغوي (7).
قال ابن عطية: " ثم وعد تبارك وتعالى المؤمنين بالله، المعتصمين به، والضمير في به يحتمل أن يعود على الله تعالى، ويحتمل أن يعود على القرآن الذي تضمنه قوله تعالى: نورا مبينا و «الاعتصام» به التمسك بسببه وطلب النجاة والمنعة به، فهو يعصم كما تعصم المعاقل"(8).
وهذا قد فسره قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كتاب الله: هو حبل الله المتين» (9).
قال قتادة: "حبل الله المتين الذي أمر أن يُعتصم به: هذا القرآن"(10).
قوله تعالى: {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ} [النساء: 175]، أي:" فسيدخلهم الجنة رحمة منه وفضلا"(11).
قال الزمخشري: أي: "في ثواب مستحق وتفضل"(12).
قال ابن عطية: " «الرحمة» و «الفضل»: الجنة وتنعيمها"(13).
قال الطبري: أي: " فسوف تنالهم رحمته التي تنجيهم من عقابه، وتوجب لهم ثوابه ورحمته وجنته، ويلحَقهم من فضله ما لَحِق أهل الإيمان به والتصديق برسله"(14).
وفي تفسير «الرحمة» في الآية، قولان:
أحدهما: أنها الجنة، قاله ابن عباس (15)، ومقاتل (16).
والثاني: أنها نفس الرحمة، والمعنى: سيرحمهم، قاله أبو سليمان (17).
وفي تفسير «الفضل» في الآية، قولان:
أحدهما: أنه الرزق في الجنة، قاله مقاتل (18).
والثاني: أنه الإحسان، قاله أبو سليمان (19).
قوله تعالى: {وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء: 175]، أي:" ويوفقهم إلى سلوك الطريق المستقيم المفضي إلى روضات الجنات"(20).
قال الواحدي: أي: " ديناً مستقيماً"(21).
قال ابن الجوزي: " أي: يوفقهم لإصابة الطريق المستقيم"(22).
(1) تفسير الطبري: 9/ 429.
(2)
بحر العلوم: 1/ 362.
(3)
انظر: تفسير الطبري (10863): ص 9/ 429.
(4)
انظر: إعراب القرآن: 1/ 254.
(5)
إعراب القرآن: 1/ 254.
(6)
انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 426، والنكت والعيون: 1/ 547.
(7)
انظر: تفسير البغوي: 2/ 316.
(8)
المحرر الوجيز: 2/ 141.
(9)
أخرجه ابن ابي حاتم (3914): ص 3/ 723.
(10)
أخرجه الطبري (7564): 7/ 71.
(11)
التفسير الميسر: 105.
(12)
الكشاف: 1/ 598.
(13)
المحرر الوجيز: 2/ 141.
(14)
تفسير الطبري: 9/ 429.
(15)
انظر: زاد المسير: 1/ 503.
(16)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 426.
(17)
انظر: زاد المسير: 1/ 503.
(18)
تفسير مقاتل بن سليمان: 1/ 426.
(19)
.
(20)
التفسير الميسر: 105.
(21)
الوجيز: 304.
(22)
زاد المسير: 1/ 503.
قال الطبري: " يقول: ويوفقهم لإصابة فضله الذي تفضل به على أوليائه، ويسدِّدهم لسلوك منهج من أنعم عليه من أهل طاعته، ولاقتفاء آثارهم واتباع دينهم. وذلك هو «الصراط المستقيم»، وهو دين الله الذي ارتضاه لعباده، وهو الإسلام"(1).
قال الزمخشري: " {ويهديهم إليه}، إلى عبادته، {صراطا مستقيما}، وهو طريق الإسلام. والمعنى: توفيقهم وتثبيتهم."(2).
قال ابن عطية: " معناه: إلى الفضل، وهذه هداية طريق الجنان، كما قال تعالى: {سيهديهم ويصلح بالهم} [محمد: 5]، لأن هداية الإرشاد قد تقدمت وتحصلت حين آمنوا بالله واعتصموا بكتابه"(3).
قال النحاس: " {ويهديهم إليه}، أي: إلى ثوابه"(4).
قال علي-رضي الله عنه: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول: «الصراط المستقيم كتاب الله» "(5).
وفي تفسير «الهداية» في قوله تعالى: {وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء: 175]، وجهان:
أحدهما: أن يعطيهم في الدنيا ما يؤديهم إلى نعيم الآخرة، وهذا قول الحسن (6).
والثاني: هو الأخذ بهم في الآخرة إلى طريق الجنة، وهو قول بعض المفسرين البصريين (7).
قال السمرقندي: " أي يرشدهم إلى دينه، ويوفقهم لذلك. وفي الآية تقديم وتأخير فكأنه يقول: يهديهم في الدنيا صراطا مستقيما أي دينا لا عوج فيه، ويثيبهم على ذلك ويدخلهم في الآخرة في رحمة منه وفضل وهو الجنة والكرامة"(8).
الفوائد:
1 -
تصدير الخطاب بالنداء للتنبيه والعناية والاهتمام.
2 -
القرآن نور لما يحصل به من الإهتداء إلى سبيل النجاة وطرق السعادة والكمال.
3 -
ثمن السعادة ودخول الجنة الإيمان بالله ورسوله ولقائه والعمل الصالح وهو التمسك بالكتاب والسنة المعبر عنه بالاعتصام.
(1) تفسير الطبري: 9/ 429.
(2)
الكشاف: 1/ 598.
(3)
المحرر الوجيز: 2/ 141.
(4)
إعراب القرآن: 1/ 254.
(5)
أخرجه ابن أبي حاتم (6327): ص 4/ 1125.
(6)
انظر: النكت والعيون: 1/ 548.
(7)
انظر: النكت والعيون: 1/ 548.
(8)
بحر العلوم: 1/ 362.
القرآن
التفسير:
يسألونك -أيها الرسول- عن حكم ميراث الكلالة، وهو من مات وليس له ولدٌ ولا والد، قل: الله يُبيِّن لكم الحكم فيها: إن مات امرؤ ليس له ولد ولا والد، وله أخت لأبيه وأمه، أو لأبيه فقط، فلها نصف تركته، ويرث أخوها شقيقًا كان أو لأب جميع مالها إذا ماتت وليس لها ولد ولا والد. فإن كان لمن مات كلالةً أختان فلهما الثلثان مما ترك. وإذا اجتمع الذكور من الإخوة لغير أم مع الإناث فللذكر مثل نصيب الأنثيين من أخواته. يُبيِّن الله لكم قسمة المواريث وحكم الكلالة، لئلا تضلوا عن الحقِّ في أمر المواريث. والله عالم بعواقب الأمور، وما فيها من الخير لعباده.
في سبب نزول الآية أقوال:
أحدها: أنها نزلت في جابر بن عبد الله.
أخرج البخاري (1)، وأحمد (2)، ومسلم (3)، وأبو داود (4)، والترمذي (5)، والنَّسَائِي (6)، وابن ماجه (7)، وغيرهم (8)، عن جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنه قال:" مرضت، فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وهما يمشيان، فأغمي علي، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فتوضأ، ثم صبه علي فأفقت، فقلت: يا رسول الله، كيف أقضي في مالي، كيف أصنع في مالي؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى نزلت آية الميراث". [صحيح].
والثاني: وقال قتادة: " {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة}، فسألوا عنها نبيَّ الله، فأنزل الله في ذلك القرآن: {إن امرؤ هلك ليس له ولد}، فقرأ حتى بلغ: {والله بكل شيء عليم} "(9). [مرسل صحيح الإسناد].
والثالث: وقال سعيد بن المسيب: "سأل عمر بن الخطاب النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الكلالة، فقال: أليس قد بيَّن الله ذلك؟ قال: فنزلت: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} "(10). [ضعيف].
والراجح- والله أعلم- أن سبب نزول الآية قصة جابر، وذلك لصحة سندها، وصراحة لفظها، وموافقتها للفظ الآية، وقواعد الفرائض، واتفاق أكثر المفسرين على ذلك (11).
واختلف في مكان الذي نزلت فيه هذه الآية على قولين:
أحدها: أنها نزلت في المدينة. وهذا قول جابر بن عبدالله (12).
والثاني: أنها أنزلت في مسيرٍ كان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وهذا قول ابن سيرين (13).
(1) صحيح البخاري (194)، و (4577)، و (5651)، و (5676)، و (6723)، و (6743)، و (7309)، وفي الادب المفرد:(511) باب عيادة المغمى عليه.
(2)
المسند (14235): ص 3/ 298، و (14349): ص 3/ 307.
(3)
صحيح المسلم (1616): ص 3/ 1234 - 1235. باب ميراث الكلالة.
(4)
سنن أبي داود (2886).
(5)
سنن الترمذي (2096)، و (2097)، و (3015).
(6)
سنن النسائي: 1/ 87، والسنن الكبرى (71)، و (6287)، و (6288)، و (6289)، و (7456)، و (7470)، و (11025).
(7)
سنن ابن ماجة (1436)، و (2728).
(8)
أخرجه أيضا الحميدي في مسنده (1264): ص 2/ 322، والدارمي (733)، وابن خزيمة (106).
(9)
أخرجه الطبري (10865): 9/ 431.
(10)
أخرجه الطبري في تفسيره (10866): 9/ 431، وأخرجه إسحاق بن راهويه في "مسنده"؛ مطولا كما في "المطالب العالية":(1645): ص 4/ 132، 133. [وسنده ضعيف لإرساله].
قال الحافظ: "صحيح؛ إن كان ابن المسيب سمعه من حفصة رضي الله عنها".
والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور"(2/ 753)، وزاد نسبته لابن مردويه.
(11)
انظر: المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة: 1/ 455.
(12)
انظر: صحيح البخاري (194)، و (4577)، و (5651)، و (5676)، و (6723)، و (6743)، و (7309)، وفي الادب المفرد:(511) باب عيادة المغمى عليه، وصحيح المسلم (1616): ص 3/ 1234 - 1235. باب ميراث الكلالة، وغيرهما كما بيّناه في سبب النزول.
(13)
انظر: تفسير الطبري (10874) - (10876): ص 9/ 435 - 436.
قال ابن سيرين: " نزلت: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة}، والنبيّ في مسير له، وإلى جنبه حذيفة بن اليمان، فبلَّغها النبي صلى الله عليه وسلم حُذيفة، وبلّغها حذيفة عمر بن الخطاب وهو يسير خلفه. فلما استُخلف عمر سأل عنها حذيفة، ورجا أن يكون عنده تفسيرها، فقال له حذيفة: والله إنك لعاجز إن ظننت أن إمارتك تحملني أن أحدِّثك فيها بما لم أحدِّثك يومئذ! فقال عمر: لم أرِد هذا، رحمك الله! "(1).
وفي رواية اخرى: "فقال: والله إنك لأحمق إن كنت ظننت أنه لقّانيها رسول الله فلقَّيْتُكها كما لقَّانيها، والله لا أزيدك عليها شيئًا أبدًا! قال: وكان عمر يقول: اللهم مَن كنتَ بيّنتها له، فإنها لم تُبَيَّن لي"(2).
قوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} [النساء: 176]، أي:" يسألونك -أيها الرسول- عن حكم ميراث الكلالة، وهو من مات وليس له ولدٌ ولا والد، قل: الله يُبيِّن لكم الحكم فيها"(3).
قال الطبري: أي: " يسألونك، يا محمد، أن تفتيهم في الكلالة"(4).
قال ابن كثير: " وكأن معنى الكلام - والله أعلم - {يَسْتَفْتُونَكَ}: عن الكلالة قل: الله يفتيكم فيها، فدل المذكور على المتروك"(5).
واختلفوا في الكلالة على أقوال:
أحدها: أن الكلالة: من لا ولد له، رواه ابن عباس، عن عمر بن الخطاب (6)، وهو قول طاوس (7).
والثاني: أن الكلالة ما عدا الوالد، وهو قول الحكم بن عيينة في أحد قوليه (8).
والثالث: أن الكلالة ما عدا الولد والوالد، وهو قول أبي بكر (9)، وعمر (10)، والمشهور عن ابن عباس (11)، وسليم بن عبد (12)، وقتادة (13)، والحكم (14)، وابن زيد (15)، والزهيري (16)، وأبي إسحاق (17)، والضحاك (18)، والحسن (19)، وسعيد بن جبير (20)، واختيار الفراء (21)، والزجاج (22).
والرابع: أن الكلالة: بنو العم الأباعد، ذكره ابن فارس، عن ابن الأعرابي (23).
والخامس: أنهم الأخوة للأم. قاله عطية (24).
والسادس: أنهم الأخوة للأب. قاله عبيد بن عمير (25).
والسابع: وقيل: هم الأخوة والأخوات (26).
قال الواحدي: " والذي عليه الأكثرون وهو الصواب أن الكلالة ما عدا الوالد والولد"(27).
قال الزجاج: " زعم أهل اللغة أن الكلالة من قولك: تكلله النسب، أي: لم يكن الذي يرثه ابنه ولا أباه. والكلالة سوى الولد والوالد، والدليل على أن الأب ليس بكلالة قول الشاعر (28):
فإنّ أَبَا الْمَرْء أحْمَى لَهُ
…
ومَوْلَى الكَلالَة لَا يَغضَبُ
وإنما هو كالإكليل الذي على الرأس" (29).
ويجدر القول بأن الوارث يسمى "كلالة". قاله سعيد بن جبير (30)، وكما جاء في حديث جابر أنه قال:"ليس يرثني إلا كلالة"(31).
وكذلك أن الموروث أي: الميت، يسمى "كلالة"، قاله الضحاك والسدي (32)، ومنه قول الفرزدق (33):
ورثتم قناة الملك لا عن كلالة
…
عن ابني مناف: عبد شمس وهاشم
وقال الطرماح (34):
يهز سلاحا لم يرثه كلالة
…
يشك به منها جلود المغابن
يصف ثورا وقرنه وأنه ورثه من أبيه، وجعل القرن له كالرمح من الأسلحة، وأنه يشق به مغابن الكلاب. فالكلالة في هذا البيت يحتمل أنه الوارث، ويحتمل أنه الموروث (35).
وقال النضر بن شميل: أن الكلالة "هو المال"(36).
نستنتج بأن كل من مات ولا ولد له ولا والد فهو كلالة ورثته، وكل وارث ليس بوالد للميت ولا ولد له فهو كلالة موروثه (37).
قال ابن عطية: " ان المترجح أن «الكلالة»، هي: الوراثة التي خلت من أب وابن وابنة ولم يكن فيها عمود نسب لا عال ولا سافل، وبقي فيها من يتكلل، أي: يحيط من الجوانب كما يحيط الإكليل"(38).
قال الشافعي: " والكلالة في هاتين الآيتين (39): الميت لا الوارث، وقد قيل للورثة الذين يرثون الميت وليس فيهم أب ولا ولد: كلالة أيضاً، ألا ترى أن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: مرضت فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: "إني رجل لا يرثنى إلا كلالة" (40) الحديث، فجعل الكلالة: ورثته، فأما الآيتان: فالكلالة فيهما - الميت - الموروث لا الوارث"(41).
وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الكلالة، فقرأ آخر سورة النساء، فرد عليه السائل فقال صلى الله عليه وسلم:«لست بزائدك حتى أزاد» (42).
(1) أخرجه الطبري (10874): ص 9/ 435.
(2)
أخرجه الطبري (10876): 9/ 435 - 436.
(3)
التفسير الميسر: 106.
(4)
تفسير الطبري: 9/ 430.
(5)
تفسير ابن كثير: 2/ 482.
(6)
انظر: زاد المسير: 1/ 380، ونسبه الماوردي الى ابن عباس، انظر: النكت والعيون: 1/ 460.
(7)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 269.
(8)
انظر: تفسير الطبري (8765): ص 8/ 67 - 58.
(9)
انظر: تفسير الطبري (8745): ص 8/ 53.
(10)
انظر: تفسير الطبري (8747): ص 8/ 54، وابن أبي حاتم (4933): ص 3/ 887
(11)
انظر: تفسير الطبري (8750) - (8755): ص 8/ 55 - 56.
(12)
انظر: تفسير الطبري (8756) - (8759: ص 8/ 56 - 57.
(13)
انظر: تفسير الطبري (8760): ص 8/ 57.
(14)
انظر: تفسير الطبري (8761): ص 8/ 57.
(15)
انظر: تفسير الطبري (8762): ص 8/ 57.
(16)
انظر: تفسير الطبري (8763)، و (8764): ص 8/ 57.
(17)
انظر: تفسير الطبري (8763)، و (8764): ص 8/ 57.
(18)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4933): ص 3/ 887.
(19)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4933): ص 3/ 887.
(20)
انظر: تفسير ابن أبي حاتم (4935): ص 3/ 887.
(21)
انظر: معاني القران: 1/ 257.
(22)
انظر: معاني القرآن: 2/ 25 - 26.
(23)
انظر: زاد المسير: 1/ 380.
(24)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 269.
(25)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 269.
(26)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 269.
(27)
التفسير البسيط: 6/ 367.
(28)
لم أعرف قائله وهو من "شواهد الزجاج في معانيه" 2/ 26، "الكشف والبيان" 4/ 24 أ، "اللسان مادة"كلل"" 7/ 3918، وتهذيب اللغة، مادة"كلل": ص 9/ 331، أراد الشاعر: أن أبا المرء أغضب له إذا ظلم، وموالي الكلالة وهم الإخوة والأعمام وبنو الأعمام وسائر القرابات لا يغضبون للمرء غضب الأب. [انظر: التفسير البسيط للواحدي: 6/ 371
(29)
معاني القرآن: 2/ 25 - 26.
(30)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 269.
(31)
حديث جابر من "تهذيب اللغة" 9/ 247، أخرجه الطبري (8731): ص 8/ 34 بنحوه، وذكره -بنصه- السمين في: عمدة الحفاظ: 501 (كلل) ..
(32)
انظر: تفسير الثعلبي: 3/ 269.
(33)
البيت في "الكشف والبيان" 4/ 24 أ، "اللسان" 7/ 3918 (كلل) فيه الشطر الأول، "عمدة الحفاظ" ص 501 (كلل)، "الدر المصون" 3/ 607، وقد ذكر د. أحمد الخراط في تحقيقه للأخير أن البيت ليس في "ديوان الفرزدق"، هذا مع أني لم أجده في "معجم شواهد العربية" رغم اتفاق من عزوت إليهم على نسبته إلى الفرزدق، فقد يكون سقط من "ديوان الفرزدق" و"منتهى الطلب"، والله أعلم ..
(34)
ديوانه: 133، و"البحر المحيط" 3/ 352، و"أساس البلاغة"(كلل) و"الصحاح"(سلح)، و"المحكم" (سلح) و"اللسان" (سلح):(بزغ). والمغابن جمع مغبن، وهو الإبط والرفغ (باطن الفخذ)، وتطلق المغابن على معاطف الجلد أيضا. انظر:"اللسان" 6/ 3211 (غبن) ..
(35)
انظر: التفسير البسيط: 6/ 370.
(36)
تفسير الثعلبي: 3/ 269.
(37)
تهذيب اللغة" 4/ 3176 (كل) بتصرف، والتفسير البسيط للواحدي: 6/ 369.
(38)
المحرر الوجيز: 2/ 141.
(39)
يقصد الآية (12) و (176) من سورة النساء، قال تعالى:{يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} .
(40)
حديث جابر من "تهذيب اللغة" 9/ 247، أخرجه الطبري (8731): ص 8/ 34 بنحوه، وذكره -بنصه- السمين في: عمدة الحفاظ: 501 (كلل) ..
(41)
تفسير الإمام الشافعي: 2/ 546.
(42)
تفسير الثعلبي: 3/ 269، وانظر: مختلف الحديث: 185، بتفاوت ..
والكلالة: " مأخوذة من الإكليل الذي يحيط بالرأس من جوانبه؛ ولهذا فسرها أكثر العلماء: بمن يموت وليس له ولد ولا والد، ومن الناس من يقول: الكلالة من لا ولد له، كما دلت عليه هذه الآية: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ}، أي: مات، {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} "(1).
وقد أُشْكِل حُكْم الكلالة على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كما ثبت عنه في الصحيحين أنه قال:"أيها الناس، ثلاثٌ ودِدت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفارِقنا حتى يعهد إلينا فيهن عهدًا يُنتهى إليه: الجدّ، والكلالة، وأبواب الربا"(2).
عن معدان بن أبي طلحة: "أن عمر بن الخطاب خطب الناس يوم الجمعة فقال: إنيّ والله ما أدع بعدي شيئًا هو أهمّ إليّ من أمر الكلالة، وقد سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها، حتى طعن في نحري وقال: «تكفيك آية الصيف التي أنزلت في آخر سورة النساء»، وإن أعِش أقض فيها بقضية لا يختلف فيها أحدٌ قرأ القرآن"(3).
وعن سعيد بن المسيب: "أن عمر بن الخطاب كتب في الجدّ والكلالة كتابًا، فمكث يستخير الله فيه يقول: اللهم إن علمت فيه خيرًا فأمضه، حتى إذا طُعِن، دعا بكتاب فَمُحي، فلم يدر أحدٌ ما كتب فيه، فقال: إني كنت كتبت في الجدّ والكلالة كتابًا، وكنت أستخير الله فيه، فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه "(4).
وعن طارق بن شهاب قال: "أخذ عمر كتِفًا وجمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قال: لأقضين في الكلالة قضاءً تحدَّثُ به النساء في خدورهن! فخرجت حينئذ حيَّة من البيت، فتفرَّقوا، فقال: لو أراد الله أن يتم هذا الأمر لأتمَّه"(5).
قوله تعالى: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ} [النساء: 176]، أي:" إن مات امرؤ ليس له ولد ولا والد، وله أخت لأبيه وأمه، أو لأبيه فقط"(6).
قال الطبري: أي: " إن إنسان من الناس مات {ليس له ولد}، ذكر ولا أنثى، {وله أخت}، يعني: وللميت أخت لأبيه وأمه، أو لأبيه "(7).
عن السدي: قوله: " {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ}، يقول: مات"(8). وروي عن سعيد بن جبير مثل ذلك (9).
عن سعيد بن جبير ، في قول الله تعالى:" {ليس له ولد وله أخت}: من أبيه وأمه ، أو من أبيه"(10).
قال ابن كثير: " {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ}، أي: مات، قال الله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ} [القصص: 88] كل شيء يفنى ولا يبقى إلا الله، عز وجل، كما قال: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ} [الرحمن: 26، 27] "(11).
وقوله: {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} "تمسك به من ذهب إلى أنه ليس من شرط الكلالة انتفاء الوالد، بل يكفي في وجود الكلالة انتفاء الولد"(12).
قوله تعالى: {فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} [النساء: 176]، أي:"فلها نصف تركته"(13).
قال سعيد بن جبير: " من الميراث، والبقية للعصبة"(14).
قوله تعالى: {وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} [النساء: 176]، أي:" ويرث أخوها شقيقًا كان أو لأب جميع مالها إذا ماتت وليس لها ولد ولا والد"(15).
(1) تفسير ابن كثير: 2/ 482.
(2)
أخرجه الطبري (10883): ص 9/ 439، وابن المنذر (1440): ص 2/، 591 ورواه البخاري في صحيحه برقم (5588) ومسلم في صحيحه برقم (3032)، والبيهقي في السنن 6: 245/ 8: 289، وذكره السيوطي في الدر المنثور 2: 249، وزاد نسبته لعبد الرزاق.
(3)
أخرجه الطبري (10886): ص 9/ 441.
(4)
أخرجه الطبري (10878): ص 9/ 437.
(5)
أخرجه الطبري (10882): ص 9/ 439.
(6)
التفسير الميسر: 106.
(7)
تفسير الطبري: 9/ 430.
(8)
أخرجه ابن ابي حاتم (6330): ص 4/ 1126.
(9)
انظر: تفسير ابن ابي حاتم (6330): ص 4/ 1126.
(10)
أخرجه ابن ابي حاتم (6331): ص 4/ 1126.
(11)
تفسير ابن كثير: 2/ 483.
(12)
تفسير ابن كثير: 2/ 483.
(13)
التفسير الميسر: 106.
(14)
أخرجه ابن ابي حاتم (6332): ص 4/ 1126.
(15)
التفسير الميسر: 106.
قال الطبري: أي: " وأخو المرأة يرثها إن ماتت قبله، إذا وُرِثت كلالة، ولم يكن لها ولد ولا والد"(1).
قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} [النساء: 176]، أي:" فإن كان لمن مات كلالةً أختان فلهما الثلثان مما ترك"(2).
قال الطبري: أي: " فإن كانت المتروكة من الأخوات لأبيه وأمه أو لأبيه {اثنتين}، فلهما ثلثا ما ترك أخوهما الميت، إذا لم يكن له ولد، وورث كلالة "(3).
قال سعيد بن جبير: " فلو مات الأخ وكانت له أختان فصاعدا من أبيه وأمه أو من أبيه"(4)، " {فلهما الثلثان مما ترك} [النساء: 176] يعني: الأخ" (5).
قوله تعالى: {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 176]، أي:" وإذا اجتمع الذكور من الإخوة لغير أم مع الإناث، فللذكر مثل نصيب الأنثيين من أخواته"(6).
قال الطبري: " يعني: وإن كان المتروكون من إخوته {رجالا ونساء فللذكر} منهم بميراثهم عنه من تركته مثل نصيب اثنتين من أخواته، وذلك إذا ورث كلالةً، والإخوة والأخوات إخوته وأخواته لأبيه وأمه، أو: لأبيه"(7).
عن سعيد: " {وإن كانوا إخوة}، يعني: إخوة الميت"(8)، " {رجالا ونساء} من أبيه وأمه ، أو من أبيه فللذكر مثل حظ الأنثيين"(9).
عن ابن عباس ، قوله:" {فللذكر مثل حظ الأنثيين}، صغيرا أو كبيرا"(10).
قال السدي: " {حظ}: يقول: نصيب"(11).
قوله تعالى: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [النساء: 176]، أي:" يُبيِّن الله لكم قسمة المواريث وحكم الكلالة، لئلا تضلوا عن الحقِّ في أمر المواريث"(12).
قال ابن جريج: " في شأن المواريث"(13).
قال سعيد بن جبير: " يقول أن لا تحطوا قسمة الميراث"(14).
قال مقاتل بن حيان: " يقول: أن تحفظوا قسمة المواريث ، فهذه الضلالة التي يكون فيها الإخوة عصبة ، إذا لم يكن ولد فيرثون مع الجد في الكلالة"(15).
قال مالك: " فهذه الضلالة التي يكون فيها الإخوة عصبة إذا لم يكن ولد فيرثون مع الجد في الكلالة"(16).
قال الطبري: أي: " يبين الله لكم قسمة مواريثكم، وحكم الكلالة، وكيف فرائضهم، لئلا تضلوا في أمر المواريث وقسمتها، أي: لئلا تجوروا عن الحق في ذلك وتخطئوا الحكم فيه، فتضلّوا عن قصد السبيل"(17).
قال ابن كثير: "أي: يفرض لكم فرائضه، ويحدّ لكم حدوده، ويوضح لكم شرائعه، لئلا تضلوا عن الحق بعد البيان "(18).
(1) تفسير الطبري: 9/ 444.
(2)
التفسير الميسر: 106.
(3)
تفسير الطبري: 9/ 444.
(4)
أخرجه ابن ابي حاتم (6334): ص 4/ 1126.
(5)
أخرجه ابن ابي حاتم (6336): ص 4/ 1127.
(6)
التفسير الميسر: 106.
(7)
تفسير الطبري: 9/ 444.
(8)
أخرجه ابن ابي حاتم (6337): ص 4/ 1127.
(9)
أخرجه ابن ابي حاتم (6338): ص 4/ 1127.
(10)
أخرجه ابن ابي حاتم (6339): ص 4/ 1127.
(11)
أخرجه ابن ابي حاتم (6340): ص 4/ 1127.
(12)
التفسير الميسر: 106.
(13)
أخرجه الطبري (10891): 9/ 445.
(14)
أخرجه ابن أبي حاتم (6342): ص 4/ 1127.
(15)
أخرجه ابن أبي حاتم (6343): ص 4/ 1128.
(16)
أخرجه ابن أبي حاتم (6344): ص 4/ 1128.
(17)
تفسير الطبري: 9/ 445.
(18)
تفسير ابن كثير: 2/ 485.
قال السعدي: أي: " يبين لكم أحكامه التي تحتاجونها، ويوضحها ويشرحها لكم فضلا منه وإحسانا لكي تهتدوا ببيانه، وتعملوا بأحكامه، ولئلا تضلوا عن الصراط المستقيم بسبب جهلكم وعدم علمكم"(1).
قال الماتريدي: " قيل: ألا تضلوا في قسمة المواريث. وقيل: ألا تخطئوا. وقيل: ألا تخلطوا، وهو واحد"(2).
قال ابن سيرين: " كان عمر إذا قرأ: {يبين الله لكم أن تضلوا}، قال: اللهم مَنْ بَيَّنت له الكلالة، فلم تُبَيَّن لي"(3).
وفي تفسير قوله تعالى: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [النساء: 176]، وجهان (4):
أحدهما: أن المعنى: يبين الله لكم أن لا تضلوا، فأضمرت «لا» . وهذا قول الفراء (5)، والكسائي (6)، وابن قتيبة (7)، والطبري (8)، والزجاج (9)، والماتريدي (10)، والنحاس (11)، وغيرهم.
ومثل هذا قوله: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا} [فاطر: 41] أي: لئلا تزولا، ومثله:{كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ} [الحجرات: 2]. ومنه قول القطامي في صفة ناقة (12):
رَأَيْنَا مَا يَرَى البُصَراءُ فِيهَا
…
فَآلَيْنَا عَلَيْها أَنْ تُبَاعَا
بمعنى: أن لا تباع.
والثاني: أن المعنى: يبين الله لكم كراهة أن تضلوا، وحذفت " كراهة "، لأن في الكلام دليلا عليها، وإنما جاز الحذف عندهم على أحد، ومن ذلك قوله:{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82]، والمعنى واسأل أهل القرية. وهذا قول البصريين (13).
قال الواحدي: " وهذا القول يبعد، لأنه لم يدل على الاجتناب شيء"(14).
والذي عليه البصريون أظهر، وفي حديث ابن عمر:«لا يدعو أحدكم على ولده أن يوافق من الله ساعة إجابة» (15)، قيل: معناه: لئلا يوافق ساعة إجابة، والأظهر تقدير البصريين: أي كراهة أن يوافق ساعة إجابة، وفي معنى الكراهة الحذر والتفادي، وهو استعمال معروف وتكرر في القرآن (16).
قوله تعالى: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النساء: 176]، أي:" والله عالم بعواقب الأمور، وما فيها من الخير لعباده"(17).
قال سعيد بن جبير: " يعني: من قسمة المواريث وغيرها عليم"(18).
قال الطبري: أي: "من مصالح عباده في قسمة مواريثهم وغيرها، وجميع الأشياء، فهو بذلك كله ذو علم"(19).
قال ابن كثير: " أي: هو عالم بعواقب الأمور ومصالحها وما فيها من الخير لعباده، وما يستحقه كل واحد من القرابات بحسب قربه من المتوفى"(20).
(1) تفسير السعدي: 3/ 318.
(2)
تفسير الماتريدي: 3/ 434.
(3)
أخرجه الطبري (10892): 9/ 445.
(4)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 136 - 137.
(5)
انظر: معاني القرآن: 1/ 223.
(6)
انظر: معاني القرآن للفراء: 1/ 223، وإعراب القرآن للنحاس: 1/ 165، والدر المصون: 4/ 176.
(7)
انظر: تاويل مشكل القرآن: 143.
(8)
انظر: تفسير الطبري: 9/ 445.
(9)
انظر: معاني القرآن: 1/ 43، و 2/ 13، و 2/ 162.
(10)
انظر: تفسير الماتريدي: 1/ 606، و 3/ 434
(11)
انظر: إعراب القرآن: 1/ 165.
(12)
ديوانه" ص 43، و"تفسير الطبري" 9/ 118، و"الدر المصون" 5/ 513، وهو يصف ناقته يقول: لا تباع لما رأينا من حسنها.
(13)
انظر: معاني القرآن للزجاج: 2/ 137.
(14)
التفسير البسيط: 7/ 214.
(15)
.
(16)
انظر: تفسير المنار: 6/ 92.
(17)
التفسير الميسر: 106.
(18)
أخرجه ابن أبي حاتم (6346): ص 4/ 1128.
(19)
تفسير الطبري: 9/ 445.
(20)
تفسير ابن كثير: 2/ 485.
قال الشوكاني: أي: " والله بكل شيء من الأشياء التي هذه الأحكام المذكورة منها {عليم} ، أي: كثير العلم (1).
قال السعدي: " أي: عالم بالغيب والشهادة والأمور الماضية والمستقبلة، ويعلم حاجتكم إلى بيانه وتعليمه، فيعلمكم من علمه الذي ينفعكم على الدوام في جميع الأزمنة والأمكنة"(2).
قال المراغي: أي: " فهو لم يشرع لكم من الأحكام إلا ما علم أن فيه الخير لكم لصلاح أنفسكم، وذلك شأنه فى جميع أفعاله وأحكامه، فكلها موافقة للحكمة، دالة على واسع العلم وعظيم الرحمة"(3).
قال الماتريدي: "وعيد"(4).
قال الخطابي: " إن الله سبحانه أنزل في الكلالة آيتين؛ إحداهما في الشتاء، وهي الآية التي في سورة النساء -يعني في أولها [آية: 12]- وفيها إجمال وإبهام لا يكاد يتبين هذا المعنى من ظاهرها، ثم أنزل الآية الأخرى في الصيف وهي التي في آخر سورة النساء [آية: 176] وفيها من زيادة البيان ما ليس في آية الشتاء، فأحال السائل عليها ليتبين المراد بالكلالة المذكورة فيها"(5).
قال البراء: " آخر سورة نزلت: «براءة»، وآخر آية نزلت: {يَسْتَفْتُونَكَ} "(6). والمراد -والله أعلم- آخر آية نزلت في الميراث.
الفوائد:
1 -
جواز سؤال من لا يعلم من يعلم للحصول على العلم المطلوب له.
2 -
إثبات وجود الله تعالى عليماً قديراً سميعاً بصيراً، وتقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، إذ سؤال الأصحاب وإجابة الرب تعالى بواسطة وحيه المنزل على رسوله يقرر ذلك ويثبته.
3 -
بيان قسمة تركة من يورث كلالة من رجل أو امرأة؛ فالأخت الواحدة لها من أخيها نصف ما ترك، والاختان لهما الثلثان، والأخوة مع الأخوات للذكر مثل حظ الأنثيين، والأخ يرث أخته إن لم يكن لها ولد ولا ولد ولد، والإخوة والأخوات يرثون أختهم للذكر مثل حظ الأنثيين إذا لم تترك ولداً ولا ولد ولد.
4 -
ومن صفاته تعالى: «العليم» ، قال الخطابي:" «العليم»: هو العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق"(7).
------------------------------------------------------
انتهى المجلد السابع من التفسير بحمد الله تعالى، ويليه المجلد الثامن بإذن الله تعالى وبدايته تفسير الآية (1) من سورة المائدة.
(1) فتح القدير: 1/ 627.
(2)
تفسير السعدي: 3/ 318.
(3)
تفسير المراغي: 6/ 40.
(4)
تفسيرالماتريدي: 3/ 434.
(5)
معالم السنن: 4/ 86.
(6)
صحيح البخاري برقم (2605).
(7)
شأن الدعاء: 1/ 57، والأسماء والصفات للبيهقي: 1/ 121.