الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدمة
…
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فإن علماءنا الأخيار في العصور الماضية، والأزمنة العابرة، قد قضوا أيامهم وأفنوا أعمارهم في طاعة الله تعالى، وتعلم العلوم الشرعية وتعليمها، والتصنيف في شتى أنواع العلوم والفنون من تفسير وحديث، وأصول وفقه، وأدب، وغير ذلك.
وكانت مصنفاتهم تلك هي الثروة الباقية لهم، التي خلفوها لمن وراءهم، فكانت نعم التركة، ونعم الموروث، ونعم ما اشتملت عليه.
ولقد امتلأت خزائن المخطوطات في مختلف المكتبات في أنحاء العالم بمئات الألوف من تلك المخطوطات التي احتوت على الثروة العلمية الحقيقية لهذه الأمة.
ولم يغفل طلبة العلم في هذا العصر عن تركة أسلافهم الماضين، فامتدت أيدي الباحثين منهم تنقب عن تلك المخطوطات، وتتبعها في
كل مكان من هذا العالم المترامي الأطراف، فأخرجوا إلى النور منها ما أخرجوه، إلا أن ما رأى النور منها لا يمثل إلا نسبة ضئيلة إلى جانب تلك المخطوطات المكدًسة والقابعة في خزائن المخطوطات.
ولقد شاء الله تعالى أن أدلي بدلوي مع أولئك الباحثين، فوقع نظري على واحد من تلك المخطوطات في الفقه، لعالم جليل بعنوان (المسائل المهمة فيما يحتاج إليه العاقد عند الخطوب المدلهمة) لمصنفه محمد بن أحمد بن سعيد المقدسي الحنبلي، فعقدت العزم على تحقيقه وإخراجه، ليستفيد منه القارئ الكريم.
وإن العمل التحقيقي الذي أقوم به في هذا الكتاب، هو العمل الأول الذي أخوض به هذا الميدان، وإني لأسأل الله تعالى أن يكون عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم، وأن يكون نافعاً لكل من اطلع عليه، كما وأسأله تعالى أن يجعل خير أعمالي خواتمها، وخير أيامي يوم ألقاه، وأن يجعل آخر كلامي من الدنيا شهادة أن لا إله الله.
وهو حسبي ونعم الوكيل. المحقق
أولاً: مصادر ترجمته:
وردت ترجمة المصنف في المصادر الآتية 1:
الدر الكمين بذيل العقد الثمين، لابن فهد (ورقة 5/ب) مخطوط.
التبر المسبوك في ذيل السلوك: للسخاوي:393.
الضوء اللامع لأهل القرن التاسع: للسخاوي أيضاً:309:6.
الجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب أحمد: لابن عبد الهادي 145-146.
- الدر المنضد في ذكر أصحاب الإمام أحمد، للعليمي (ورقة 185/أ) مخطوط.
- المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد، للعليمي أيضاً (143/2/ب) مخطوط.
- كشف الظنون على أسامي الكتب والفنون: لحاجي خليفة 992:2،1492.
- شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لابن العماد الحنبلي 286:7.
السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة: لابن حميد النجدي: 245،344-345.
(1) أوردت مصادر ترجمته هنا مرتبة حسب أسبقية وفاة مؤلفيها.
-إيضاح المكنون: لإسماعيل باشا أيضاً2: 39، 476.
- هدية العارفين: لإسماعيل باشا 199:2.
- الأعلام: للزركلي: 332:5.
- معجم المؤلفين: لعمر رضا كحالة:265:8.
- مصطلحات الفقه الحنبلي: للثقفي201.
- مفاتيح الفقه الحنبلي للثقفي أيضاً 169:2.
ثانيا: اسمه ونسبه وكنيته:
هو الشيخ الإمام العلامة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد ابن سعيد النابلسي الدمشقي، الحلبي، المقدسي، المكي الحنبلي1.
فالنابلسي: بفتح النون وضم الباء واللام، وكسر السين هذه النسبة إلى (نابلس) 2 وهي مدينة معروفة في فلسطين اليوم تتوسط إقليم المرتفعات الجبلية بفلسطين، وتبعد عن القدس بحوالي تسعة وستين كيلاً
(1) انظر: المصادر السابقة.
(2)
نابلس: يقال: إن سبب تسميتها بهذا الاسم هو أنه كانت هناك حية كبيرة في أحد أوديتها قد امتنعت فيه، وكانوا يسمونها بلغتهم (لُس) فاحتالوا عليها حتى قتلوها وانتزعوا نابها، وجاؤوا بها فعلقوها على باب هذه المدينة، فقيل: هذا (ناب لس) أي ناب الحية، ثم كثر استعماله حتى كتبوها متصلة (نابلس) هكذا، وغلب هذا الاسم عليها.
انظر معجم البلدان248:5.
إلى الشمال منها 1 وينسب إليها المصنف لأنه ولد في قرية (كفر الّلبد) إحدى القرى التابعة لنابلس 2.
والدمشقي: نسبة إلى مدينة دمشق المعروفة، حيث بدأ المصنف رحلاته العلمية بها، فتتلمذ على عدد من علمائها في المدرسة الصالحية فيها 3.
والحلبي: بفتح الحاء واللام ونسبة إلى حلب المدينة المشهورة الواقعة في شمال سورية اليوم، ونسب إليها المصنف لكونه أقام بها قريباً من إحدى وعشرين سنة، حيث ناب بها في القضاء والخطابة وقرأ على عدد من علمائها4.
المقدسي: بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال والسين، نسبة إلى بيت المقدس، ونسب إليها المصنف لتتلمذه على عدد من علمائها، وبقائه فيها حوالي ست سنوات 5 وإليها ينسب عدد كبير من العلماء قديماً وحديثاً 6.
المكي: نسبة إلى مكة المكرمة، حيث كانت هي آخر محط رحال المصنف، وقد القضاء بها ومات فيها.
1 معجم بلدان فلسطين 697، الموسوعة الفلسطينية 415:4.
2 الأنساب للسمعاني 441:5.
3 انظر الكلام عن هذه المدرسة في: القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية 64وما بعدها، والدارس في أخبار المدارس 316:1.
4 الضوء اللامع 309:6، التبر المسبوك 393.
5 السحب الوابلة 345.
6 الأنساب 363:5.
الحنبلي: نسبة إلى مذهب الإمام الشهير أحمد بن محمد حنبل رحمه الله.
وأما لقبه: فالذي اشتهر به والذي نص عليه جميع من ترجم له والذي ذكره في مقدمة كتابه هذا هو (شمس الدين) 1 وذكر حاجي خليفة وإسماعيل باشا والزركلي أن لقبه (عز الدين) ولم يذكر هذا أحدهم غيرهم 2
وأما كنيته: فلم أجد من ذكرها في أي من المصادر التي ترجمت له، إلا أن المصنف – رحمه الله – قد نص عليها في مقدمة كتابه عندما ذكر اسمه ونسبه فقال:.... أبو عبد الله محمد
…
.
ثالثا: مولده ونشأته:
ولد القاضي شمس الدين الحنبلي سنة إحدى وسبعين وسبعمائة للهجرة، كما كتب ذلك بخط يده 3 وكان مولده في (كفر اللّبد) وهي قرية من القرى التابعة لمدينة نابلس، والواقعة على بعد حوالي سبعة وعشرين كيلاً إلى الشرق من شاطئ البحر الأبيض المتوسط وينسب إليها عدد من العلماء باسم اللبدي4.
ونشأ المصنف بهذه القرية وشغف منذ صغره بحب العلم ومجالسة
1 انظر مصادر ترجمته.
2 كشف الظنون 992:2:1492، إيضاح المكنون 476:2، الأعلام 332:5.
3 التبر المسبوك 363، الضوء اللامع: 309، السحب الوابلة 344.
4 معجم بلدان فلسطين 629، الأنساب441:5.
العلماء، فحفظ القرآن كاملاً في صباه ثم بدأ بعد ذلك برحلاته لطلب العلم خارج بلده.
رابعاً: رحلاته العلمية:
تعتبر الرحلات العلمية من قطر إلى آخر واحدة من أهم الوسائل المهمة لتلقي العلوم والمعارف ونقلها من بلد إلى آخر، وهي طريق من الطرق التي بواسطتها ينمي الإنسان معلوماته، ويغذي بها أفكاره، ويحفظ لنا التاريخ أعلاماً كباراً على مر العصور، اشتهروا برحلاتهم وتنقلاتهم إلى سائر الأمصار وحين عادوا تبوءوا مركز الصدارة والريادة العلمية.
ولقد كانت بلاد الشام مركزاً هاماً من مراكز العلم، وموطناً للعلماء يتوافد عليها طلاب العلم من كل حدب وصوب، ويقصدونها من سائر البلدان.
والإمام العلامة شمس الدين الحنبلي شأنه شأن غيره من طلبة العلم، فإنه بعد أن حفظ القرآن في مسقط رأسه (كفر اللّبد) بدأ يجوب البلاد وأخذ يطوف في بلاد الشام ينتقل من مدينة إلى أخرى متتبعاً لكبار علماء عصره، يحضر مجالسهم، ويسعد بسماع دروسهم ويزاحم غيره من الطلاب ويسابقهم في الحضور إلى سائر الحلقات العلمية التي كانت تقام في المساجد أو في المدارس التي كانت منتشرة في ذلك الوقت لا سيما في دمشق.
وقد بدأت رحلته العلمية المباركة بالانتقال إلى مدينة دمشق سنة (789هـ) حيث المدرسة الصالحية التي كانت تغص بالعلماء والتي
تعتبر من أكثر المراكز ازدهاراً بهم في تلك الفترة، فتفقه على عدد من علمائها، وقام بها قريباً من سنتين، ثم شد رحاله إلى مدينة حلب سنة (791هـ) فسمع على عدد من علمائها، وحفظ بها (عمدة الأحكام) لموفق الدين ابن قدامة و (مختصر الخرقي) وتفقه بها على القاضي شهاب الدين ابن فياض 1 وقرأ على برهان الدين إبراهيم بن محمد بن صُديق من صحيح البخاري من أول باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد إلى آخر باب صلاة الكسوف جماعة 2، وناب بحلب في القضاء والخطابة بجامعها الكبير، وكانت إقامته بحلب حوالي إحدى وعشرين سنة 3
ثم رحل إلى بيت المقدس سنة (812هـ) وأقام بها قريبا من ست سنوات، ثم عاد إلى دمشق مرة أخرى ثم رحل إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة واستجازه الأعيان فيها 4 حتى استقر به المطاف في آخر الأمر فأقام بمكة سنة (852هـ) وبقي بها إلى أن توفي.
خامساً: شيوخه:
تتلمذ المصنف خلال رحلته العلمية تلك في مختلف البلدان على عدد من علمائها وتفقه بهم وقرأ عليهم شتى العلوم والفنون.
1 الضوء اللامع 4309:6، السحب الوابلة 344-345.
2 انظر: صحيح البخاري 21:1-186.
3 التبر المسبوك 363.
4 شذرات الذهب 286:7.
ومن أبرز شيوخه:
1.
إبراهيم بن محمد بن صّديق الدمشقي، برهان الدين، ويعرف بابن صّديق، وبابن الرسام، ولد بدمشق، ونشأ بها فحفظ القرآن وسمع من شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن جماعة وغيرهما، وأجاز له خلق من الشاميين والمصريين، وحدث بحلب فقرئ عليه صحيح البخاري فيها أربع مرات، وبمكة المكرمة أكثر من عشرين مرة، وكان خيراً ديناً مواظباً على الجماعات، متعبداً لطيفاً يستحضر الكثير من المتون، وكان يأخذ أجرا على حديثه لفقره وحاجته مات سنة (806هـ)
2-
إبراهيم بن محمد بن مفلح تقي الدين، ويقال برهان الدين الصالحي الحنبلي، شيخ الحنابلة ورئيسهم في زمنه، أخذ عن جماعة منهم والده، وجده جمال الدين المرداوي، وأفتى ودرس بالصالحية، وصنف واشتهر ذكره وذاع صيته، وولى قضاء الحنابلة بدمشق فحمدت سيرته، وأخذ عنه جماعات منهم ابن حجر العسقلاني، وكان يحضر مجلسه الفقهاء من كل مذهب، من مصنفاته: شرح المقنع، وطبقات أصحاب أحمد، وغيرهما، مات سنة (803هـ)
1 الضوء اللامع 147:1، شذرات الذهب 54:7.
2 الدارس 47:7، القلائد الجوهرية 161، الضوء اللامع 167:1، شذرات الذهب 22:7، السحب الوابلة 36.
3.
أحمد بن موسى بن فياض بن عبد العزيز بن فياض، شهاب الدين المقدسي قاضي حلب وابن قاضيها تنازل له أبوه عن القضاء باختياره سنة (774هـ) فاستمر قاضيا إلى أن مات، وكان عالماً عادلاً خيراً متواضعاً ديناً كثير السكون محمود الطريقة، مشكوراً في أحكامه، مات في شعبان سنة (796هـ)1.
4.
عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، زين الدين أبو الفرج الدمشقي، أحد كبار فقهاء الحنابلة في عصره، وأحد الأعلام حفاظ الحديث، ولد في بغداد سنة (736هـ) ونشأ بدمشق وسمع علماءها وأكثر الاشتغال بالعلوم حتى مهر وبرع وصنف، وكان يحفظ كثيراً من كلام السلف زاهداً خيراً منجمعاً عن الناس لا يخالط ولا يتردد إلى أحد من الولاة وولي تدريس الحنابلة وكان فقيراً متعففاً غني النفس.
من مصنفاته: فتح الباري في شرح صحيح البخاري، وصل فيه إلى كتاب الجنائز، وطبقات أصحاب الإمام أحمد جعله ذيلاً على طبقات ابن أبي يعلي، والقواعد الفقهية، وكتاب الخواتيم، وغير ذلك من المصنفات النافعة، مات بدمشق سنة (795هـ)2.
1 الدرر الكامنة 344:1، السحب الوابلة 108.
2 الدرر الكامنة 428:2 الدارس 86:2 ، شذرات الذهب 339:6، طبقات الحفاظ للسيوطي 540، الجوهرة المنضد 46، السحب الوابلة 179، المدخل 414.
5.
عبد الله بن محمد بن مفلح المقدسي الصالحي الحنبلي الإمام العلامة، مات أبوه وهو صغير فحفظ القرآن وكثيراً من المتون في الفقه وغيره، وكان أستاذاً في الأصول بارعاً في التفسير والحديث علامة في الفقه، قال عنه السخاوي: وأما استحضار فروع الفقه فكان فيه عجباً مع استحضار كثير من العلوم بحيث انتهت إليه رئاسة الحنابلة في زمانه. مات بدمشق سنة (834هـ)1.
6.
علي بن محمد عباس، أبو الحسن، علاء الدين ابن اللًحام الحنبلي الدمشقي، الفقيه الزاهد، الواعظ الأصولي قرأ على ابن رجب وغيره وكان حسن الكتابة وكتب أكثر كتب ابن رجب بخطه، وكان محباً لابن تيمية وناب في القضاء ثم تركه في آخر عمره واشتغل بالتصنيف.
من مصنفاته: تجريد العناية في تحرير أحكام النهاية، والقواعد الأصولية، واختيارات الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وغيرها، مات سنة (803هـ) . 2
7 -
محمد بن عبد الله بن ظهيرة، أبو حامد جمال الدين القرشي
1 الجوهر المنضد 72، الضوء اللامع 67:5، شذرات الذهب 208:7، السحب الوابلة 268.
2 الجوهر المنضد 81، الدارس 124:3، الضوء اللامع320:5، شذرات الذهب 31:7 ، السحب الوابلة 308، المدخل 457.
المخزومي الشافعي الإمام العلامة الحافظ، رحل إلى عدد من البلدان طلباً للعلم وبرع في الفقه والحديث وأقام بمكة نحواً من أربعين سنة فانتفع الناس به، وكان كثير الاستحضار للفقه، مع التمييز في الحديث متناً وإسناداً ولغة وفقها، ومعرفة حسنة بالعربية وغيرها من فنون العلم، وكان ورعاً متواضعاً طارحاً للتكلف، كثير المروءة والبر والنصح والمحبة لأصحابه، وافر العقل حسن الأخلاق توفي قاضياً بمكة سنة (817هـ)1.
سادساً: تلاميذه:
على الرغم من أن المصنف رحمه الله كان أحد المعمرين حيث أن سنه كانت عند وفاته أربعاً وثمانين سنة، وأنه قضى معظم حياته في طلب العلم والسعي إليه، والحث عليه، والاشتغال في تصنيف الكتب النافعة، وأنه قضى معظم حياته في بلاد الشام التي كانت من أهم مراكز العالم الإسلامي آنذاك، ومن منابع الثقافة والنهضة العلمية، ومركز إشعاع لسائر العلوم والفنون، على رغم من ذلك كله لم تسعفنا المصادر التي ترجمت له ودوّنت حياته، بكثير من أسماء تلاميذه مع أنه في ذلك الوقت كان من الأعلام المشهورين شهرة واسعة، وذاع صيته في سائر البلاد، وكل ما عثرت عليه بعد البحث والتنقيب عن تلاميذه في بطون المصادر المطبوعة والمخطوطة هم:
1 الضوء اللامع 92:8، طبقات الحفاظ للسيوطي 548، شذرات الذهب 125:7،
1.
حمد بن إبراهيم بن نصر الله بن أحمد، أبو البركات عز الدين الكنائي العسقلاني الصالحي، ولد في القاهرة سنة ثمانمائة للهجرة ونشأ بها وتوفي والده وهو رضيع، فحفظ القرآن في صباه ومختصر الخرقي، وألفية ابن مالك وغير ذلك، وولي القضاء بمصر وكان ورعاً زاهداً، باشر القضاء بعفة ونزاهة وصيانة مع لين جانب وتواضع، وعلت كلمته وأكثر من الجمع والتأليف والإنتقاد والتصنيف حتى إنه قل فن إلا وصنف فيه، إما نظماً وإما نثراً.
من مصنفاته: مختصر المحرر في الفقه وتصحيحه ونظمه، وطبقات الحنابلة، وشرح ألفية ابن مالك.
مات بالقاهرة سنة (876هـ)1.
2.
محمد بن عبد الرحمن بن محمد شمس الدين السخاوي، الحافظ المؤرخ طاف البلاد طلباً للعلم، فسمع من كبار العلماء في حلب ودمشق والخليل ونابلس وغيرها من البلدان، ومن أشهر شيوخه الحافظ ابن حجر، وأجاز له كبار علماء عصره منهم المصنف 2 وصنف التصانيف العديدة منها: الضوء اللامع لأهل
1 الضوء اللامع 205:2، شذرات الذهب 321:8، الجوهر المنضد6، القلائد الجوهرية 374، السحب الوابلة42، الأعلام 88:1.
2 الضوء اللامع 309:6، التبر المسبوك 363، السحب الوابلة 345، أجاز كتابة كما ذكره السخاوي نفسه.
القرن التاسع، المقاصد الحسنة، الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر، وغيرها.
مات بالمدينة المنورة سنة (902هـ)
3.
محمد بن محمد بن عبد المنعم بن داود بدر الدين البغدادي المصري الحنبلي، الإمام القاضي العلامة ولد بالقاهرة سنة (801هـ) فنشأ بها وحفظ القرآن، وأفتى ودّرس واشتغل بسائر العلوم، وكان كريماً، محباً للفقراء، عرف بالديانة والأمانة، والأوصاف الحميدة، وكان بارعاً في المذهب، وولي القضاء فسار فيه سيرة حسنة جداً بعفة ونزاهة وصيانة وأمانة، وتثبت وإمعان، مات بالقاهرة سنة (857هـ)2.
4.
يوسف بن أحمد بن نصر الله، جمال الدين أبو المحاسن البغدادي المصري الحنبلي، ولد سنة (819هـ) بالقاهرة، ونشأ بها في كنف أبيه فحفظ القرآن وكثيراً من المتون، ثم رحل إلى الشام وغيرها، وتفقه على عدد من علمائها، وبرع وذاع شهرته، وشهد له بالفضل معاصروه، وكان يكتب على الفتاوى كتابة جيدة للغاية، وولي القضاء وكانت وفاته بالقاهرة سنة (889هـ)3.
1 الضوء اللامع 2:8، البدر الطالع 184:2، شذرات الذهب 15:8، هدية العارفين 219:6،
2 الضوء اللامع 131:9، شذرات الذهب 292:7، السحب الوابلة 438.
3 الضوء اللامع 10: 299، شذرات الذهب 349:8 ، السحب الوابلة 485.
سابعاً: تقلده منصب القضاء:
يعد القضاء إحدى الوسائل الهامة المتصلة اتصالا وثيقاً بحياة الناس، ومن أهم الولايات المرتبطة بتيسير أمور المجتمع، وفض النزاعات، والفصل في الخصومات الدائرة بين الناس في حياتهم، وإظهار حقوق الله تعالى، وحقوق العباد، فهو مسؤولية كبيرة، وأمانة عظيمة ذات خطورة متناهية.
وقد تولى النبي صلى الله عليه وسلم القضاء وكذلك خلفاؤه الراشدون من بعده، ونصبوا القضاة في سائر الأمصار ليقيموا موازيين العدل بين الناس، إذ أن تحقيق العدل في المجتمع من أهم الأمور التي ينبغي تحقيقها، فهو عمل جليل بحد ذاته.
ولذلك فإنه لابد لمن يتولى منصب القضاء أن يكون مؤهلاً للقيام بتلك المسؤولية وتحمل أعبائها وتبعاتها، والصبر على ما يواجهه من الخصوم، وقبل ذلك كله علمه بالأحكام الشرعية وكيفية استنباطها فيما يجد عنده من القضايا، متحليا بصفة العدل والإنصاف، ذكيا فطناً ذا قدرة على كشف الحقائق وتمييز الأمور، أمينا وضيء الفكر ثاقب النظر بعيداً عن مواضع التهمة والشك والريب.
ولقد كان المصنف رحمه الله واحداً ممن تولوا منصب القضاء حيث عمل نائبا في القضاء عند إقامته بمدينة حلب، ثم لما قدم مكة واستقر بها ولي قضاء الحنابلة فيها بعد موت القاضي عبد اللطيف بن محمد الفاسي المتوفي سنة (853هـ) 1 وقد سعى له في ذلك تلميذه
1 السحب الوابلة345،245.
القاضي بدر الدين البغدادي1 وقد تولى القضاء في يوم الخميس الثالث عشر من شهر ربيع الأول سنة أربع وخمسين وثمانمائة للهجرة، واستمر فيه إلى أن مات وكانت مدة ولايته للقضاء عشرة أشهر كاملة، وقد سار القاضي شمس الدين في القضاء سيرة حسنة وبرع فيه، حيث أثنى عليه معاصروه وشهدوا له بالنزاهة والعفة وتوخي العدل والدقة في أحكامه وقضائه.
فقال عنه ابن فهد: وسار في القضاء سيرة حسنة بعفة ونزاهة وتواضع وحسن خلق 2.
وقال عنه الحافظ شمس الدين السخاوي: كان متواضعا حسن الخلق عفيفاً نزيهاً محمود السيرة في قضائه3.
ثامناً: مصنفاته:
كان المصنف رحمه الله من المشتغلين بالتأليف والتصنيف إلى جانب ما كان يقوم به من التدريس والخطابة والدعوة والقضاء، إلا أنه لم يذكر لنا من مصنفاته الشيء الكثير، ولم يصل إلينا إلا النزر اليسير منها، والذي يبدو أن مصنفاته قد أحرقت وعبث بها، فإنه قال في مقدمة أحد مصنفاته 4: (إني لما عدمت كتبي فيما جرى به
1 انظر ترجمته ص 22.
2 الدر الكمين (ورقة 5/ب) .
3 التبر المسبوك 363، الضوء اللامع 309:6.
4 انظر مقدمة تكملته لكتاب (منازل السائرين) في فهارس مكتبة كوبريلي282:1.
تمرلنك1 وحصل ما حصل من التفرقة والشتات..) ، فيظهر من هذا أنها قد فقدت في حياته.
وبعد الاستقراء والتتبع والبحث وقفت على مصنفاته الآتية:
1.
الآداب 2.
2.
الرسالة في الفقه.
وهذا الكتاب يقع في (86) ورقة، تشتمل على أحكام مختلفة في أصول الدين وفروعه، وهي محفوظة بمكتبة (كوبريلى) باستانبول بتركيا 3.
ولم ينسب هذه الرسالة له أحد ممن ترجم له، سوى ما اطلعت عليه في فهارس المكتبة المذكورة.
3.
سفينة الأبرار الجامعة للآثار والأخبار في المواعظ وهي في ثلاثة مجلدات4.
(1) للاستزادة من أخبار الطاغية (تمرلنك) الذي عاث في الأرض فساداً. انظر: شذرات الذهب 62:7.
(2)
الضوء اللامع 309:6، المنهج الأحمد (2/143/ب) الدر المنضد (185/ب)، شذرات الذهب 286:7) ، الأعلام 332:5.
(3)
فهارس مخطوطات مكتبة كوبريلى 281:1.
(4)
الدر الكمين (5/ب) ، التبر المسبوك363، الضوء اللامع 309:6، الجوهر المنضد 146، الدر المنضد (185/ب) المنهج الأحمد (2/143/ب) كشف الظنون 2/992، شذرات الذهب 286:7، السحب الوابلة 345، هدية العارفين 199:2، الأعلام 332:5، معجم المؤلفين 265:8، مصطلحات الفقه الحنبلي 201، مفاتيح الفقه الحنبلي 169:2.
وتوجد نسخة من هذا الكتاب في دار الكتب المصرية بالقاهرة 1.
4.
شرح ملحة الإعراب في النحو2، وملحة الإعراب منظومة في النحو نظمها أبو محمد القاسم بن علي الحريري المتوفي سنة (516هـ)3.
وتوجد نسخة من شرح المصنف في دار الكتب المصرية 4.
5.
قوت النفس في معرفة الأركان الخمس.
وتوجد نسخة من هذا الكتاب في مكتبة كوبريلى بتركيا، ويقع في خمس وعشرين ورقة 5.
6.
كشف الغمة بتيسير الخلع لهذه الأمة 6.
وتوجد نسخة منه في مكتبة كوبريلى بتركيا، ويقع في ست عشرة
(1) ملحق الجزء الأول من فهرس دار الكتب المصرية 43:1، تاريخ التراث العربي لبروكلمان 225:2.
(2)
الدر الكمين: لابن فهد (5/ب) .
(3)
كشف الظنون 1817:2، الأعلام 177:5.
(4)
فهرس دار الكتب المصرية 73:3.
(5)
فهرس مخطوطات مكتبة كوبريلى 282:1.
(6)
الدر الكمين (5/ب) ، التبر المسبوك 363، الضوء اللامع 309:6، الدر المنضد (185/ب) ، المنهج الأحمد (2/143/ب)، كشف الظنون1492:2، شذرات الذهب 286:7، السحب الوابلة 345، هدية العارفين 199:2، معجم المؤلفين 265:8، مصطلحات الفقه الحنبلي 201، مفاتيح الفقه الحنبلي 169:2.
ورقة، وهو يشتمل على أقوال العلماء المتعلقة بمسائل الخلع 1.
7-
المسائل المهمة فيما يحتاج إليه العاقد عند الخطوب المدلهمة.
وهو كتابنا هذا وسيأتي الكلام عنه بالتفصيل إن شاء الله تعالى.
8-
أكمل كتاب (منازل السائرين) وهذا الكتاب لمؤلفه: عبد الله ابن محمد بن علي الأنصاري الحنبلي المتوفي سنة (481هـ)2.
وقد قال المصنف رحمه الله في مقدمة إكماله لهذا الكتاب:.. إني رأيت أوراقا قليلة جمعت فوائد جليلة من كلام الشيخ العلامة صاحب (منازل السائرين) لكني وجدتها مخرومة ورقة من أولها فشرعت في تكميلها.. ويقع هذا الكتاب في خمس عشرة ورقة 3.
9-
المنتخب الشافي من كتاب الوافي4.
اختصر فيه كتاب الكافي في الفقه، لموفق الدين ابن قدامة الحنبلي.
(1) فهرس مخطوطات مكتبة كوبريلى 282:1.
(2)
كشف الظنون 1828:2، الأعلام 122:4.
(3)
فهرس مخطوطات مكتبة كوبريلى 282:1.
(4)
الدر الكمين (5/ب) ، التبر المسبوك 363، الضوء اللامع 309:6، الدر المنضد (185/ب)، المنهج الأحمد (2/143/ب) شذرات الذهب 286:7، السحب الوابلة 345، إيضاح المكنون39:2، الأعلام 333:5، معجم المؤلفين 265:8، مصطلحات الفقه الحنبلي 201، مفاتيح الفقه الحنبلي 169:2.
تاسعاً: وفاته:
بعد حياة حافلة بالعلم والتعلم والتدريس والفتوى والخطابة والوعظ والقضاء والتصنيف، توفي قاضي مكة، العلامة شمس الدين محمد بن أحمد بن سعيد المقدسي الحنبلي، وكانت وفاته بمكة المكرمة ليلة الخميس الرابع عشر من شهر صفر سنة خمس وخمسين وثمانمائة للهجرة، عن أربع وثمانين سنة، وصلَّي عليه عند باب الكعبة بعد صلاة الصبح، ودفن بمقبرة المٌعلاة بمكة وخلف دنياً ولا وارث له، رحمنا الله وإياه1.
عاشراً: ثناء العلماء عليه:
السيرة الحسنة والطريقة المثلى القويمة التي يتصف بها الإنسان بها في حياته، هي التي تبقى له بعد وفاته، فإذا جمع مع ذلك كله صفة العلم التي يطمح كل إنسان لأن يتصف بها، يكون بذلك قد استوفى الصفات التي يستحق ثناء الناس عليه بها، لاسيما إذا جاءت الشهادة له بالثناء من العلماء المشهورين والموثوقين.
والقاضي شمس الدين الحنبلي جمع كل تلك الصفات من التفقه في الدين والعلم الغزير، والعدل في القضاء، والسيرة الحسنة، فاستحق بذلك ثناء معاصريه ومن جاء بعدهم له بالثناء الحسن.
فقال عنه ابن فهد: وسار في القضاء سيرة حسنة بعفة ونزاهة، وتواضع وحسن خلق، وكان إماماً عالما دينا خيراً ساكناً منجمعاً عن
(1) المصادر السابقة.
الناس يستحضر مذهب الإمام أحمد كثيراً لا يخل بالصلاة في الجماعة مع كبر سنه وله كتابة مليحة 1.
وقال السخاوي: وكان إماماً عالماً كثير الاستحضار لفروع مذهبه، مليح الحظ، خيراً ديناً، ساكناً منجمعاً عن الناس، مديما للجماعة مع كبر سنه، متواضعاً، حسن الخلق، عفيفاً، نزهاً، محمود السيرة في قضائه2.
وقال ابن عبد الهادي: الشيخ، الورع، الزاهد، أثنى عليه الناس بالخير3.
وقال العليمي: الشيخ، الإمام، العلامة،
…
كان رجلاً جيداً خيراً عالماً.. وصنف التصانيف الجيدة 4.
وقال ابن العماد: كان عالماً خيراً.. وصنف التصانيف الجيدة 5.
(1) الدر الكمين (5/ب) .
(2)
التبر المسبوك 363، الضوء اللامع 309:6، السحب الوابلة 345.
(3)
الجوهر المنضد 145-146.
(4)
الدر المنضد (185/أ) المنهج الأحمد (2/143/ب) .
(5)
شذارت الذهب 386:7.
نسبة الكتاب إلى المؤلف:
هذا الكتاب من مؤلفات المصنف – رحمه الله – ونسبته إليه أكيدة لا يعتريها أدنى شك، ولا يرد عليها أي تردد أو احتمال، فقد ذكر المصنف في خطبة الكتاب أنه من مصنفاته، وأكد ذلك كل من ترجم له، وعدّد مصنفاته، وقد نسب الكتاب له كل من:
السخاوي في: الضوء اللامع 309:6.
العليمي في: الدر المنضد (185/ب) .
وفي المنهج الأحمد (2/143/ب) .
وابن العماد في: شذرات الذهب 286:7.
وابن حميد النجدي في: السحب الوابلة 345.
وعمر رضا كحالة في: معجم المؤلفين 265:8.
والثقفي في: مصطلحات الفقه الحنبلي201.
وفي: مفاتيح الفقه الحنبلي169:2.
فنسبة كتاب (المسائل المهمة فيما يحتاج إليه العاقد عند الخطوب المدلهمة) ثابت ثبوتاً جازماً لمؤلفه شمس الدين محمد بن أحمد ابن سعيد الحنبلي.
وقد سبق أن أشرت عند ذكر لقب المصنف إلى أن جُل من ترجم له أن لقبه (شمس الدين) الحنبلي، وأن هناك من ذكر أن لقبه (عز الدين)، ومن هؤلاء إسماعيل باشا صاحب كتابي: إيضاح المكنون، وهدية العارفين.
ومن هنا فإن إسماعيل باشا لما ذكر هذا الكتاب ونسبه إلى مصنفه
في إيضاح المكنون746:2 قال: لعز الدين عبد العزيز المقدسي الحنبلي، صاحب بديع المعاني، ولا شك أن هذا سهو منه شذ به عن جميع من ترجم للمصنف ومن ذكر مؤلفاته، ثم إن عز الدين عبد العزيز المقدسي لم ينسب له هذا الكتاب أحد ممن عدد مصنفاته عند الترجمة له 1 ولعله اختلط عليه اللقبان لاتحادهما فنسب الكتاب إلى هذا سهواً منه.
موضوع الكتاب
يتحدث المصنف في كتابه هذا عن المسائل الفقيهة المتعلقة بالأحكام الشرعية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً وتاماً بعقد النكاح، والتي لا يستغنى عن معرفتها والإلمام بها العاقد للنكاح، أو مأذون الأنكحة بصورة خاصة.
وقد افتتح المصنف كتابه بالكلام عن خطبة النكاح التي يقولها عاقد النكاح قبل العقد، ثم أعقبها ببيان الأحكام الخاصة بعقد النكاح ابتداء وما يتعلق بذلك من أركانه وشروطه، ثم ما يتعلق بكل منها من شروط، فذكر الولي ثم ما يلزم أن يتوفر فيه من الصفات، ثم الشهود وما يتعلق بهم، والتوكيل في النكاح، والصور التي يزوج فيها الحاكم ثم
(1) انظر ترجمة عز الدين عبد العزيز بن علي المقدسي المتوفي سنة (846هـ) في كل من: الجوهر المنضد67 ، التبر المسبوك 54، الضوء اللامع 222:4، شذرات الذهب259:7، السحب الوابلة 221، الأعلام23:4.
حالات الإجبار وعدمه المتعلقة بالكبيرة أو الصغيرة بكراً كانت أو ثيبا وحقيقة الكفاءة في النكاح، وشروطها ووقت تسليم الزوجة لزوجها، وما يتعلق بذلك كله.
وتحدث بعد ذلك عن الشروط التي يشترطها الولي على الزوج والحالات التي يلزم الوفاء بها والتي لا يلزم وبيّن عند ذلك الأنكحة المحرمة بأنواعها، ثم أوضح العيوب المجوزة لفسخ النكاح سواء كانت مشتركة بين الزوجين أو ما ينفرد بها أحدهما عن الآخر.
وأتبع ذلك ببيان حكم النكاح من غير تسمية صداق، وتأثير الخلوة في استقرار الصداق وعدمه.
ثم سرد المصنف المحرمات في النكاح وجميع ما يتعلق بذلك مفصلاً ومبيناً بياناً كافياً وشاملاً.
وذكر بعد ذلك الخلع وما يتعلق به من أحكام، والألفاظ الخاصة به، وحكمه عند وجود العوض المعلوم أو المجهول وكل ما يتصل بذلك.
ثم أعقب ذلك بعقد باب خاص بالمسائل المتعلقة بالطلاق والرجعة، وبيّن فيها الأحكام المتصلة بالطلاق وألفاظه، وأحكام المطلقات على اختلاف أنواعهن، وما يرتبط بذلك من مراجعة الزوج لزوجته المطلقة.
ثم عقد المصنف بعد ذلك باباً تحدث فيه عن العدّة، وذكر أقسام المعتدات، وذكر ما يتعلق بكل قسم بالتفصيل مبيناً ما يتعلق به من فروع وجزئيات، وختم المصنف كتابه بذكر باب خاص يتعلق بأحكام
الشهادات وما يتصل بها وكيفية أدائها ومن تقبل شهادته ومن ترد، والصفات المخلة بالشهادة وحكم شهادة الأقارب أو الأعداء بعضهم على بعض، والحالات التي تكون التهمة فيها مانعة من قبول الشهادة.
وقد بيّن المصنف تلك الأحكام المذكورة بياناً مفيداً مختصراً محرراً ذلك كله على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، ويذكر في أغلب الأحيان القول المعتمد في المذهب، ويشير إلى الروايات الأخرى في بعض الأحيان وقد يذكر الدليل في بعض المواضع معتمداً في ذلك كله على كتابي المغني، والكافي لموفق الدين ابن قدامة رحمه الله.
وقد ذكر المصنف رحمه الله في مسائل كثيرة من كتابه هذا أقوال الأئمة الثلاثة الآخرين أبي حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله، وربما تطرق أحياناً إلى اثنين منهم أو واحد دون الإشارة إلى البقية وهكذا.
فالكتاب قد دوّن المصنف فيه أحكام النكاح بأسلوب بيّن مختصر واضح خال من التكلف مصدراً كل حكم يذكره بقوله (مسألة) .
فهو كتاب مختصر في ذلك على مذهب الحنابلة مع الإشارة إلى المذاهب الأخرى في بعض الأحيان.
وهذا الكتاب ـ حسب معرفتي ـ هو الفريد من نوعه الذي أفردت فيه المسائل التي يحتاج إليها عاقد الأنكحة بمؤلف منفرد بأسلوب سهل مبسط واضح.
وصف النسخة المعتمدة في التحقيق
بعد البحث والتنقيب في الفهارس المكتبات المختلفة لم أعثر لهذا الكتاب إلا على نسخة خطية واحدة فاعتمدت عليها في التحقيق، وهي النسخة المحفوظة في مكتبة شستربتي بمدينة دبلن بإيرلندا، ولا أعلم للكتاب سوى هذا المخطوط.
وهي موجودة في المكتبة المذكورة ضمن مجموع برقم (3292) وتوجد في هذا المجموع ثمان رسائل مخطوطة وهذا الكتاب هو السابع حسب تسلسل تلك الرسائل، من (ورقة 157-169) 1 وتوجد صورة من هذا الكتاب في معهد المخطوطات العربية بالكويت 2 حيث قام المعهد مشكوراً بتزويدي بنسخة مصورة من الكتاب المذكور.
وتقع نسخة هذا الكتاب في ثلاث وعشرين صفحة وقد نسخت بقلم معتاد بخط أحمد بن محمد ابن الحراني فرغ منها في أوائل القرن التاسع الهجري تقديراً.
وقد ألحق بآخر النسخة ورقتان وضع لهما عنوان (فائدة) وهي من فوائد المؤلف وتكملة للكلام على ثبوت الشهادة وما يتعلق بها وقد رأيت إتماماً للفائدة وليطلع القارئ على بعض الأحكام الأخرى المتعلقة بالشهادة غير التي ذكرها المصنف في صلب الكتاب رأيت إكمال تحقيق هاتين الورقتين ليعم النفع وتشمل الفائدة.
(1) انظر: فهرس ذخائر التراث العربي في مكتبة شستربتي:إعداد كوركيس عواد.
(2)
فهرس المخطوطات المصورة (الفقه وأصوله) بمعهد المخطوطات العربية بالكويت 1: 411-412.
عملي في التحقيق
يتخلص عملي في تحقيق هذا الكتاب بما يلي:
1-
قمت بنسخ الكتاب حسب قواعد الإملاء والخط الحديثة.
2-
صححت ما وجدت في الأصل من تصحيف، وأضفت إلى الأصل ما كان فيه من سقط، حيث اعتمدت في ذلك على المصدرين الذين اعتمدهما المصنف في هذا الكتاب وهما كتابا المغني والكافي لابن قدامة.
3-
وضعت أرقاماً متسلسلة للمسائل حيث أن المصنف يعنون لكل حكم يذكره بقوله (مسألة) فأثبت لكل مسألة رقماً مستقلاً حتى بلغت أرقام المسائل عشرين ومائة مسألة.
4-
عند اقتضاء سياق الكلام في بعض المواضع إضافة كلمة ما لا يستقيم المعنى إلا بها أضفتها في الأصل وأشرت إلى ذلك في الحاشية، وهذا قليل جداً.
5-
رقمت الآيات القرآنية الموجودة في الكتاب، وتثبّت منها في مواضعها من المصحف الشريف، فأذكر في الحاشية رقم الآية واسم السورة ليسهل الرجوع إليها.
6-
خرّجت الأحاديث النبوية الشريفة التي ورد ذكرها في الكتاب، فإن كانت الأحاديث في الصحيحين أو في أحدهما، اكتفيت بتخريجه منهما أو من أحدهما، وأما إن لم يوجد فيهما فإنني أجتهد في تخريجه من كتب الأحاديث الأخرى كالسنن والمسانيد
والمصنفات، ثم أبحث عن قوة ذلك الحديث وضعفه في الكتب التي تهتم بهذا الشأن، ثم أبين درجة الحديث.
7-
وثقت المسائل الفقهية التي ذكرها المصنف بعزوها إلى مصادرها الأصلية من كتب الحنابلة، وأبين ما في تلك المسألة من روايات أخرى في المذهب لم بذكرها المصنف، كما نسبت كل قول ذكره المصنف من أقوال أئمة المذاهب الأخرى إلى مصادره الأصلية وبيان الصواب المعتمد في المذهب إذا كان المذكور في هذا الكتاب غيره.
8-
شرحت المصطلحات والألفاظ والكلمات الغريبة الواردة في الكتاب والتي تحتاج إلى بيان معتمداً في ذلك على الكتب التي تهتم بهذا الشأن.
9-
ترجمت لجميع الأعلام الذين ذكرهم المصنف في كتابه ترجمة مختصرة عند ذكر العلم أول مرة، ثم أتبعه بذكر المصادر التي ترجمت لذلك العلم.
10-
ضعت فهارس عامة للكتاب في آخره تعين القارئ عند الرجوع إلى ما يريد من الكتاب، وتُسهل عليه كثيراً وهذه الفهارس هي:
1.
فهرس الآيات القرآنية الكريمة مرتبة حسب ترتيب السور في المصحف الشريف.
2.
فهرس الأحاديث النبوية الشريفة مرتبة على الحروف الهجائية.
3.
فهرس للأعلام المترجم لهم مرتبة ترتيباً هجائياً.
4-
فهرس للمصطلحات والكلمات الغريبة المشروحة في داخل الرسالة
5-
فهرس للمصادر والمراجع التي اعتمدت عليها في تحقيق الكتاب مرتبة حسب الحروف الهجائية.
6-
فهرس تفصيلي بيّنت فيه المسائل الأصلية والفرعية التي ذكرها المصنف.
وفي الختام أحمد الله تعالى وأشكره على ما أمدنّي به من عون حتى أتممت تحقيق هذا الكتاب، فإن كنتُ قد وفقت إلى الصواب فذلك بفضل من الله وكرمه، وإن كان غير ذلك فحسبي أني بذلت جهدي وأبحرت بقاربي في بحر التحقيق لأول مرة، وإن كنت من غير أهله.
والله أسأل أن يكون عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى أله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه: الفقير إلى عفو ربه
عبد الكريم بن صنيتان العمري الحربي
المدينة المنورة ص. ب 89