الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدمة التحقيق
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن كتاب "السنن الكبرى" للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي -والمشهور بين طلاب العلم في هذا العصر بالسنن الكبرى- من أعظم دواوين الإسلام، وأوسع كتب الحديث التي صنفت على الأحكام، وأحسنها ترتيبًا وجودة وتهذيبًا على مر الأيام.
وكيف لا يكون كذلك وقد جمع فيه مؤلفه أقوال النبي-صلى الله عليه وسلم-وأفعاله وتقريراته، وموقوفات الصحابة، وما أرسله التابعون في الفرائض والنوافل، والحلال والحرام، والحدود والأحكام، وتكلم فيه على تلك الأحاديث والآثار ورواتها جرحًا وتعديلًا وتصحيحًا وتعليلًا، وذَيَّل ذلك بأقوال أئمة المذاهب والأمصار.
فأضحى كتابه موسوعة حديثية وفقهية عظيمة لا يستغني عنها طالب مبتدئ ولا عالم منتهي، وقد شهد له بذلك جمع غفير من العلماء وعَدُّوه من أعظم الدواوين التي صنفت في الإسلام.
فقال الإمام ابن الصلاح: ولا تُخْدعَنَّ عن كتاب السنن الكبير للبيهقي؛ فإنا لانعلم مثله في بابه (1).
وقاله الحافظ الذهبي: فتصانيف البيهقي عظيمة القدر، غزيرة الفوائد، قَلَّ من جَوَّدَ
(1) علوم الحديث (ص 277).
تواليفه مثل الإمام أبي بكر، فينبغي للعالم أن يعتني بهؤلاء سيما "سننه الكبير"(1).
وقال أيضا في السير في ترجمة الإمام ابن حزم بعد أن نقل قول شيخ الإسلام العز بن عبد السلام: ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثل "المحلى" لابن حزم، وكتاب "المغني" للشيخ موفق الدين. فقال الذهبي: قلت: صدق الشيخ عز الدين؛ وثالثهما: "السنن الكبير" للبيهقي، ورابعهما:"التمهيد" لابن عبد البر، فمن حصَّل هذه الدواوين، وكان من أذكياء المفتين، وأدمن المطالعة فيها فهو العالم حقّا (2).
وقال أيضًا رحمه الله وهو ينعي حال أهل العلم في زمانه ويدل على طريق النجاة: وإنما شأن المحدث اليوم الاعتناء بالدواوين الستة، ومسند أحمد بن حنبل، وسنن البيهقي وضبط متونها وأسانيدها، ثم لا ينتفع بذلك حتى يتقي ربه ويدين بالحديث؛ فعلى علم الحديث وعلمائه ليبك من كان باكيًا؛ فقد عاد الإسلام المحصن غريبًا كما بدأ، فَلْيَسْعَ امرؤٌ في فكاك رقبته من النار، فلا حول ولا قوة إلا بالله (3).
وقال أيضًا في ترجمة الحافظ البيهقي: وانقطع بقريته مقبلًا على الجمع والتأليف، فعمل "السنن الكبير" ليس لأحد مثله (4).
وأما الإمام السبكي فقال: ما صنف في علم الحديث مثله تهذيبًا وترتيبًا وجودة (3). وقال الحافظ السخاوي: فلا تحد عنه؛ لاستيعابه لأكثر أحاديث الأحكام، بل لا نعلم -كما قال ابن الصلاح- في بابه مثله، ولذا كان حقه التقديم على سائر كتب السنن، ولكن قدمت تلك لتقدم مصنفيها في الوفاة ومزيد جلالتهم (6).
(1) السير (18/ 165).
(2)
السير (18/ 193).
(3)
السير (13/ 323).
(4)
السير (18/ 165 - 166).
(5)
طبقات الشافعية (3/ 9).
(6)
فتح المغيث (3/ 309، 310).
وقال الحافظ ابن كثير: وجمع أشياء كثيرة نافعة لم يسبق إلى مثلها ولا يدرك فيها، من ذلك كتاب "السنن الكبير"(1).
ولما كان هذا الكتاب بهذه المنزلة عند أهل العلم فقد أقبلوا عليه وانشغلوا به شرحًا وتعقيبًا وتهذيبًا وتلخيصًا.
فصنف الشيخ العلامة علاء الدين بن عثمان المعروف بابن التركماني الحنفي المتوفى سنة 750 هـ عليه كتابًا سماه: "الجوهر النقي في الرد على البيهقي" في مجلد كبير وهو مطبوع بهامش النسخة الهندية المتداولة في عشر مجلدات، وقال في أوله: هذه فوائد علقتها على السنن الكبيرة للبيهقي أكثرها اعتراضات عليه ومناقشات ومباحثات معه.
وقام الشيخ الحافظ زين الدين قاسم بن قطلوبغا الحنفي أيضًا والمتوفى سنة 879 هـ بتلخيص "الجوهر النقي" ورتبه على ترتيب حروف المعجم وبلغ فيه إلى حرف الميم، ثم وافاه الأجل المحتوم ولم يتمه (2).
كما قام الحافظ شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري بعمل كتاب جمع فيه زوائد "السنن الكبير" على الكتب الستة وسماه: "دوائد المنتقي لزوائد البيهقي" وهو في ثلاث مجلدات (3).
واختصره أيضًا الشيخ عبد الوهاب بن أحمد الشعراني المتوفى سنة 974 هـ (2) وكعادته في تلخيص أمهات الكتب في أغلب العلوم قام الحافظ الذهبي بتهذيبه واختصاره والتعليق على أحاديثه وعزو ما كان منها في الكتب الستة إلى مُخرجيها، فأحسن وأجاد وزاد من قيمته
(1) البداية والنهاية (8/ 222، 223).
(2)
انظر: كشف الظنون (2/ 1007) والرسالة المستطرفة (ص 33، 34).
(3)
وهو محفوظ في دار الكتب المصرية تحت رقم [357 - حديث] والموجود منه المجلدان الثاني والثالث فقط وهو بخط المؤلف.
وذكره الحافظ ابن حجر في كتابه أنباء الغمر (7/ 234)، والسخاوي في الضوء اللامع (1/ 251) والسيوطي في تذكرة الحفاظ (379) وفي طبقات الحفاظ (551) وابن العماد في شذرات الذهب (7/ 234) وغيرهم وأسموه:"زوائد السنن الكبير".
العلمية- وهو الكتاب الذي نحن بصدد التقديم له.
وبتحقيق هذا الكتاب العظيم ونشره نكون قد وضعنا لبنة جديدة في بناء صرح نشر التراث الإسلامي، والذي ساهمنا فيه بنشر عدة موسوعات وكتب حديثية جليلة بعد تحقيقها مثل:"شرح صحيح البخاري" للحافظ ابن بطال، و"المطالب العالية" للحافظ ابن حجر العسقلاني، وصنوه "إتحاف الخيرة المهرة" للحافظ البوصيري، و "تفسير القرآن" لأبي المظفر السمعاني، و "تلخيص العلل المتناهية" للحافظ الذهبي، و"تلخيص الموضوعات" للحافظ الذهبي أيضًا، و"شرح سنن أبي داود" لبدر الدين العيني، والزهد لأبي داود السجستاني وغير ذلك آملين من الله تعالى أن ينفعنا بما قدمناه وأن يستخدمنا في طاعته وأن يجعل ذلك في ميزان حسناتنا يوم القيامة، وأن يوفقنا لخدمة السنة والكتاب وإخراج ما أندثر من مصنفاتهما من مخطوط أو كتاب.
ونحن إذ نذكر هذا لا يسعنا إلا أن نتقدم بوافر الشكر إلى كل من ساهم في إخراج هذا الكتاب من إخواننا الباحثين في دارنا دار المشكاة على ما بذلوه من وقت وجهد ونخص بالذكر منهم: أخونا المفضال أحمد بن سليمان محمد والأخ الفاضل أشرف صلاح علي واللذين قاما بجهد كبير في تخريج أحاديث الكتاب وعزوها إلى مصادرها.
ولا يفوتنا أيضًا أن نشكر الأخ الكريم والحبيب الشيخ صبري عبد الخالق الشافعي والذي قام بتحقيق نصف المجلد الأول وحتى آخر كتاب الطهارة، وشارك معنا في وضع خطة العمل في تحقيق الكتاب ثم منعته مشاغله الكثيرة من إتمام العمل معنا وحرمتنا من رفقته.
فالله نسأل أن يجمع بيننا وبينهم في مستقر رحمته، وأن يغفر لنا زللنا وأن يحشرنا في زمرة من قام بخدمة ونصرة دينه آمين.
* * *
ترجمة الإمام البيهقي
هو الإمام الحافظ العلامة الفقيه شيخ الإسلام أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرُوجِردي الخرساني البيهقي.
وخُسْر وجرد: قرية من ناحية بيهق وكانت قصبتها.
وبيهق: عدة قرى من أعمال نيسابور على يومين منها، قال ياقوت: هي ناحية كبيرة وكورة واسعة، كثيرة البلدان والعمارة من نواحي نيسابور، تشتمل على ثلاثمائة وإحدى وعشرين قرية بين نيسابور وقومس وجوين، وبين أول حدودها ونيسابور ستون فرسخًا (1).
مولده:
ولد أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي سنه أربع وثمانين وثلاث مئة من الهجرة في قرية خسروجرد.
شيوخه:
سمع وهو ابن خمس عشرة سنة من أبي الحسن محمد بن الحسين العلوي- وهو أقدم شيوخه- وسمع من أبي عبد الله الحاكم صاحب المستدرك وأكثر عنه جدًا وتخرج به، قال الذهبي: كان عنده عن الحاكم وقْرَ بعير أو نحو ذلك.
وسمع أيضًا من أبي عبد الرحمن السلمي وأبي بكر بن فورك، وأبي علي الروذباري والقاضي. أبي بكر الحيري وأبي الحسين بن بشران وغيرهم كثير.
تلاميذه:
روى عنه خلق كثير منهم: شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري بالإجازة، وولده إسماعيل بن أحمد، وحفيده أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن أحمد، وأبو زكريا يحيى بن منده الحافظ وخلق سواهم.
(1) معجم البلدان (2/ 346).
ثناء العلماء عليه:
قال الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل في تاريخه:
الإمام الحافظ الفقيه الأصولي الدَّيِّن الورع، واحد زمانه في الحفظ، وفرد أقرانه في الإتقان والضبط، من كبار أصحاب الحاكم أبي عبد الله الحافظ والمكثرين عنه، ثم الزائد عليه في أنواع العلوم.
وقال أيضًا: اشتغل بالتصنيف فألف من الكتب ما لعله يبلغ قريبًا من ألف جزء مما لم يسبقه إليه أحد.
وقال أيضًا: وكان على سيرة العلماء قانعًا من الدنيا باليسير، متجملًا في زهده وورعه (1).
وقال إمام الحرمين الجويني: ما من فقيه شافعي إلا وللشافعي عليه منة إلا أبا بكر البيهقي فإن المنة له على الشافعي؛ لتصانيفه في نصرة مذهبه (2).
وقال الإمام الذهبي معقبًا على كلام إمام الحرمين: أصاب أبو المعالي، هكذا هو، ولو شاء البيهقي أن يعمل لنفسه مذهبًا يجتهد فيه لكان قادرًا على ذلك؛ لسعة علومه ومعرفته بالاختلاف، ولهذا تراه يلوح بنصر مسائل مما صح فيها الحديث.
وقال أيضًا: فتصانيف البيهقي عظيمة القدر غزيرة الفوائد، قل من جود تواليفه مثل الإمام أبي بكر (3).
وقال أيضًا: وبورك له في علمه لحسن قصده وقوة فهمه وحفظه (4).
وقال ابن السمعاني: كان إمامًا فقيهًا حافظًا، جمع بين معرفة الحديث وفقهه
…
وسمع
(1) المنتخب من السياق (ص 103 رقم 231).
(2)
تبيين كذب المفتري (ص 266) والسير (18/ 168).
(3)
السير (18/ 169).
(4)
تذكرة الحفاظ (3/ 1132).
الحديث الكثير وصنف فيه التصانيف التي لم يسبق إليها، وهي مشهورة موجودة في أيدي الناس (1).
وقال الإمام السبكي: أحد أئمة المسلمين، وهداة المؤمنين، والدعاة إلى حبل الله المتين، فقيه جليل، حافظ كبير، أصولي نحرير، زاهد ورع، قانت لله، قائم بنصرة المذهب أصولًا وفروعًا، جبلًا من جبال العلم.
وقال أيضًا: ثم اشتغل بالتصنيف بعد أصار أوحد زمانه، وفارس ميدانه، وأحذق المحدثين، وأحدهم ذهنًا، وأسرعهم فهمًا، وأجودهم قريحة، وبلغت تصانيفه ألف جزءٍ ولم يتهيأ لأحدٍ مثلها (2).
وقال الحافظ ابن كثير: أحد الحفاظ الكبار، ومن له التصانيف التي سارت بها الركبان في سائر الأمصار
…
وكان واحد زمانه في الإتقان والحفظ والفقه والتصنيف، كان فقيهًا محدثًا أصوليًا، أخذ العلم عن الحاكم أبي عبد الله النيسابوري، وسمع على غيره شيئًا كثيرًا، وجمع أشياء كثيرة نافعة لم يسبق إلى مثلها ولا يدرك من ذلك: كتاب "السنن الكبير"
…
وغير ذلك من المصنفات الكبار والصغار المفيدة التي لا تسامي ولا تداني، وكان زاهدًا متقللًا من الدنيا، كثير العبادة والورع، رحمه الله تعالى (3).
ومناقب الإمام البيهقي أكثر من أن تعد أو تحصى ولا يتسع المقام لنقل كل ما قيل فيه وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله تعالى.
مؤلفاته:
كما ذكرنا فإن مصنفات الإمام البيهقي كثيرة نجمل بعضًا منها فيما يلي:
1 -
السنن الكبير.
(1) الأنساب (1/ 438).
(2)
طبقات الشافعية الكبرى (4/ 8، 9).
(3)
البداية والنهاية (8/ 222، 223).
2 -
السنن الصغير.
3 -
معرفة السنن والآثار.
4 -
المبسوط.
5 -
دلائل النبوة.
6 -
شعب الإيمان.
7 -
الخلافيات.
8 -
الاعتقاد.
9 -
الأسماء والصفات.
10 -
مناقب الشافعي.
11 -
الدعوات الكبير.
12 -
الدعوات الصغير.
13 -
الزهد الكبير.
14 -
أحكام القرآن.
15 -
إثبات عذاب القبر.
16 -
البعث والنشور.
17 -
المدخل إلى كتاب السنن.
18 -
تخريج أحاديث الأم.
19 -
جزء القراءة خلف الإمام.
20 -
الآداب.
21 -
الأربعون الكبرى.
22 -
الأربعون الصغرى.
23 -
الإسراء.
24 -
جزء في الرؤية.
25 -
الترغيب والترهيب.
26 -
نصوص الشافعي.
27 -
فضائل الأوقات.
28 -
فضائل الصحابة.
29 -
مناقب الإمام أحمد.
وغير ذلك كثير حتى عدها الحافظ عبد الغافر قي تاريخه ألف كتاب.
وفاته:
توفي في عاشر شهر جمادى الأولى ستة 458 هـ في نيسابور، فَغُسِّلَ وكُفن، وعُمل له تابوت فنقل ودفن ببيهق.
وعاش أربعًا وسبعين سنة.
الإمام الذهبي وكتابه المهذب في اختصار السنن الكبير:
هو الإمام الحافظ مؤرخ الإسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قيماز بن عبد الله التركماني الذهبي نسبة إلى صنعة أبيه، وهي صناعة الذهب المدقوق والذي برع فيها وتميز.
ولد في ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وستمائة، وتوفي لثلاث خلون من ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة.
وهو أحد الحفاظ المبرزين والأذكياء المعدودين وآخر النقاد المعتبرين والذي يكفي في ذكر فضله وعلمه ما حكي عن شيخ الإسلام أبي الفضل ابن حجر العسقلاني رحمه الله أنه قال: شربت ماء زمزم لأصل إلى مرتبة الذهبي في الحفظ وما قاله الحافظ السيوطي رحمه الله في ذيله على طبقات الحفاظ حيث قال: إن المحدثين عيال الآن في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة: المزي، والذهبي، والعراقي، وابن حجر.
صدق والله، والحافظ الذهبي رحمه الله أشهر من أن يترجم له أو أن يُعرَّف به، وله ترجمة واسعة في مقدمة كتاب "سير أعلام النبلاء" فليرجع إليها من شاء.
وقد خَلَّف الحافظ الذهبي ورائه ثروة طائلة من المصنفات والمختصرات النافعة التي تمس إليها حاجة طلاب العلوم الشرعية بأنواعها؛ لما حوته من براعة في النقد والتحقيق وتعليقات ونفائس تدل على تبحر هذا الإمام في هذه العلوم فزادها فوائد ومحاسن، ولذا فقد أخذنا على عاتقنا في دار المشكاة بعد أن أخرجنا "تلخيص العلل المتناهية" و"تلخيص الموضوعات" و"تنقيح التحقيق" لابن الجوزي أن نكمل هذه السلسلة بإخراج المهذب في إختصار السنن الكبير، وهو من أحسنها وأجودها، نسأل الله عز وجل أن يوفقنا في العثور على غيرها من مصنفات ومختصرات هذا الإمام النحرير.
منهج المصنف:
أفصح الإمام الذهبي رحمه الله في أول كتابه عن منهجه في "اختصار السنن الكبير" فقال: لم أختصر من أحاديث الكتاب شيئًا، بل اختصرت الأسانيد فإن بها طال الكتاب وبقيت من السند ما يعرف به مخرج الحديث، وما حذفت من السند إلا ما صح إلى المذكور (1).
(1) هذه فائدة عظيمة تعد من أعظم فوائد هذا المختصر؛ حيث إنا غالب ما كانا يعترض طلاب العلم من عقبات في التعامل مع أسانيد البيهقي هي البحث عن تراجم شيوخه وشيوخ شيوخه والطبقة التي تليها نظرًا لعدم توفر المصادر التي تترجم لهم، وفقدان كتاب تاريخ نيسابور وهو أهم مرجع لهذه التراجم ولم يهتم بدراسة تراجمهم كثير من أهل العلم، وبهذه الفائدة يكون الحافظ الذهبي قد كفى طلاب العلم هذه المؤنة فإذا ذكر بداية السند في مختصره دل على صحة الإسناد إليه فلله الحمد والمنة.
فأما متونه فأتيت بها إلا في مواضع قليلة جدًا من المكرر، وقد أحذفها إذا قَرُب الباب من الباب وآتي ببعض المتن.
وقد تكلمت على كثير من الأسانيد بحسب إجتهادي والله الموفق (1).
وقد رمزت على الحديث بمن خرجه من الأئمة الستة (خ م د ت س ق) ولم أتمم هذا (2)؛ فإن فسح الله في الأجل طالعت عليه الأطراف لشيخنا أبي الحجاج الحافظ -إن شاء الله تعالى- وهذا أمر بيِّن هيّن، كل من هو محدث فإنه يقدر على رمز أحاديث الكتاب من الأطراف.
وما خرج عن الكتب الستة فقد بينت لك إسناده ومخرجه فاكشف عليه إن شئت من كتب الجرح والتعديل، فالرجال ثلاثة: إما موثق مقبول، وإما مضعف غير حجة، وإما مجهول. ولكن كل قسم من الثلاثة على مراتب في القوة واللين والجهالة.
هذا آخر ما سطره الحافظ الذهبي وظهرت لنا أثناء عملنا في الكتاب الأشياء الأخرى التي لم ينبه عليها الذهبي نذكر منها:
* يدمج الذهبي بعض الأبواب في باب واحد ويسرد أحاديث هذه الأبواب متصلة دون الفصل بينها.
مثل: باب هدي التمتع، أدخل فيه باب ما تيسر من الهدي، وباب الإعواز من هدي المتعة، وباب وقت الصوم.
وأدخل أيضًا في باب مواقيت الإحرام: باب ميقات أهل المدينة والشام ونجد واليمن، وباب ميقات أهل العراق، وباب المواقيت لأهلها ولكل من مر بها من أراد حجًا أو عمرة،
(1) ويبدأ كلامه وتعليقاته غالبًا بقوله: قلت.
وقد نبه على ذلك على غلاف المجلد الرابع من النسخة الأصل التي هي بخطه حيث قال: تعليق محمد بن أحمد بن عثمان بن الذهبي وله كلام يسير على الحديث أوله: قلت.
وقد أبرزنا هذه التعليقات بالخط الأسود الفاحم لنميزها عن أقوال الحافظ البيهقي رحمهما الله.
(2)
وقد أتممناه بحمد الله وفاءً بما رجاه المصنف رحمه الله.
وباب من كان أهله دون الميقات فميقاته من حيث يخرج من أهله، وتكرر منه هذا كثيرًا في مواضع عدة.
* يختصر المصنف كثيرًا اسم الباب ويبوب بمعنى الترجمة ولا يحافظ على لفظ المصنف فىِ الترجمة، وأحيانًا يبوب ولا يذكر اسم الباب ويكتفي بقوله: باب.
وأحيانًا يحذف كلمة باب ويذكر اسم الترجمة.
* يقوم الذهبي في كثير من الأحيان بتعيين رواة الإسناد بما يزيل اللبس عنهم كأن يأتي في إسناد البيهقي: سفيان مهملًا فيذكره الذهبي وينسبه بالثوري أو ابن عيينة.
أو يكون في الإسناد: أبو داود، فينسبه في المهذب فيكتبه: الطيالسي، وهكذا.
* يضع المصنف في مواطن كثيرة من الإسناد علامة تضبيب فوق مواضع السقط أو الانقطاع أو الاستشكال في الإسناد شأنه شأن كثير من أهل العلم المتقنين وينبه على سبب ذلك عقب سرد الحديث وأحيانًا يكتفي بهذه الإشارة.
* يتكلم البيهقي على بعض الأسانيد أو أحد رواتها بكلام، فيذكر الذهبي بعبارة من عنده ولا يلتزم غالبًا بلفظ البيهقي ولا يذكر قبله: قلت.
* يعلق الذهبي على كثير من الأحاديث بتعليقات نفيسة سواء فقهية أو حديثية أو يحكم على بعض الأحاديث أو الرواة ويبدأ ذلك كله بقوله: قلت؛ ليميز بها كلامه عن كلام البيهقي. كما قدمنا.
* قسم الذهبي كل مجلد مخطوط إلى عدة أجزاء، ورقم على كل جزء برقم أعلى الصفحة، وعدد أجزاء كل مجلد حوالي 40 جزءًا ويحتوي كل مجلد مخطوط على مجلدين من كتاب السنن الكبير والذي يبلغ 10 مجلدات.
* * *
وصف المخطوطات
1 -
نسخة دار الكتب:
وهي التي اتخذناها أصلًا وهي نسخة نفيسة من محفوظات دار الكتب المصرية تحت رقم (467 حديث) كتبت بخط الصنف الإمام الذهبي رحمه الله وفرغ منها سنة 726 هـ وتتكون من خمس مجلدات الموجود منها أربع مجلدات فقط وهم الأول، والثالث، والرابع، والخامس.
وهي من القطع المتوسط ومسطرتها (19، 27 سم) كل ورقة تتكون من وجهين كل وجه يتكون من 23 سطرًا إلا في بعض الورقات التي في آخر كل كتاب ونهاية المجلد، وكتب على غلاف كل مجلد وآخر صفحة منه وقف باسم الملك الظاهر برقوق.
المجلد الأول: عدد أوراقه 299 ورقة وكتب على غلافه: المجلد الأول من كتاب المهذب في اختصار السنن الكبير تأليف الإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي رحمه الله تعالى، اختصار كاتبه محمد بن أحمد بن عثمان بن الذهبي غفر الله له.
ويبدأ من أول كتاب الطهارة وينتهي بآخر باب ذكر البيان أن هذا النهي مخصوص ببعض الصلاة وأنه يجوز في هذه الساعات كل صلاة لها سبب.
وكتب في آخره: تم المجلد الثاني -أي من الكتاب الأصل- وبه تم الجزء الأربعون من الأصل وهو آخر المجلد الأول من المهذب في السنن بخط محمد بن الذهبي -سامحه الله- واختصاره وتنكيته.
ثم كتب عليه وقف نصه:
وقف هذا الجزء وهو مختصر السنن الكبير للبيهقي اختصار كاتبه محمد بن الذهبي مولانا السلطان الملك الظاهر أبو سعيد بن برقوق على طلبة العلم المقيمين بحنتابة التي تعرف بالقاهرة المعزية وهو من خمسة أجزاء، وشرط -أيده الله تعالى- ألا يخرج إلى الدور إلا لمن يوثق بدينه وأمانته.
المجلد الثالث: وعليه وقف من السلطان برقوق أيضًا وعدد أوراقه 321 ورقة.
وكتب على غلافه: المجلد الثالث من المهذب في اختصار السنن الكبير ويبدأ من باب الإفراد والقران والتمتع من أثناء كتاب الحج، وينتهي بآخر باب لا وقت فيما يعطى الفقراء والمساكين من أثناء كتاب الصدقات وكتب في آخره: آخر الجزء العشرين مائة.
وكتب في آخره ثبت سماع للكتاب الأصل "السنن الكبير" من المصنف الذهبي إلى مؤلفه الحافظ البيهقي. ومؤرخ سنة ثمان وثمانين وستمائة.
المجلد الرابع: وعدد أوراقه 321 ورقة، وكتب على غلافه: المجلد الرابع من المهذب في اختصار السنن الكبير تأليف الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، تعليق محمد ابن أحمد بن عثمان بن الذهبي، وله كلام يسير على الحديث أوله: قلت.
ويبدأ من باب الرجل يقسم صدقته على قرابته وجيرانه إذا كانوا من أهل السهمان لما جاء في حق الرحم والجار، من أثناء كتاب الصدقات.
وينتهي بآخر باب: ذكر الأوعية من أثناء كتاب الأشربة والحد فيها.
المجلد الخامس: وعدد أوراقة 346 ورقة وكتب على غلافه: المجلد الخامس من المهذب من السنن الكبيبر للإمام أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي الحاِفظ رضي الله عنه، اختصار كاتبه محمد بن أحمد بن عثمان بن الذهبي عفا الله عنه وسامحه.
ويبدأ من أول باب: الرخصة في أوعية النبيذ بعد النهي من أثناء كتاب الأشربة والحد فيها.
وينتهي بآخر الكتاب عند باب عدة أم الولد من سيدها من أثناء كتاب أمهات الأولاد.
وكتب في آخره: آخر المهذب من السنن بحمد الله وحده. فرغت منه 726 هـ.
النسخة الثانية من دار الكتب:
وهي النسخة التي اعتمدناها أصلًا مكملًا للنسخة الأولى، وهي من محفوظات دار الكتب المصرية أيضا تحت رقم [468 - حديث] وهي نسخة جيدة مقابلة بأصل المؤلف رحمه الله وكتبت سنة أربع وثلاثين وسبعمائة وكتبت بخط نسخي جميل من القطع المتوسط أيضًا ومسطرتها (19، 28 سم) والموجود منها المجلد الثاني فقط وعدد أورقه 366 من كل ورقة تتكون من وجهين كل وجه عدد أسطره 25 سطرًا وأوله مبتور وناقص منه ورقه ويبدأ من الورقة الثانية بقوله: "وطلعت الشمس صلى ركعتين" من أثناء باب: أن النهي قد خُصَّ منه بعض الأمكنة كمكة.
وينتهي بآخر باب: من أحرم من التنعيم أثناء كتاب الحج.
وكتب في آخره: آخر الجزء الثمانين، تم المجلد الرابع من عشرة، آخر المجلد الثاني من المهذب في السنن، والحمد لله رب العالمين.
وبحاشية الورق الأخيرة: بلغت المقابلة حسب الطاقة بحمد الله تعالى على أصل مختصره الشيخ الإمام العلامة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي الذي بخط يده في العشر الأول من رجب سنة أربع وثلاثين وسبعمائة.
وكتب على آخر ورقة منه سماع بخط الذهبي أيضًا لكتاب "السنن الكبير" للبيهقي وسمعه من الشيخ فخر الدين بن علي بن أحمد بن البخاري بإجازته من أبي سعد الصفار بسماعه من زاهر الشحامي.
وبإجازته من منصور الفراوي، بسماعه من أبي المعالي الفارسي، بسماعهما من البيهقي وفي آخره: نقله ابن الذهبي ومؤرخ سنة ثمان وثمانين وستمائة.
النسخة الثالثة:
وهي نسخة المدينة والتي رمزنا لها بالرمز (م). وهي نسخة نفيسة كتبت بخط نسخي جيد نقلًا عن خط المؤلف، وهي من القطع المتوسط ومسطرتها (19، 27 سم) وتتكون كل ورقة من وجهين، كل وجه به 23 سطرًا ويوجد منها المجلد الأول، والثاني، والخامس فقط وكتبت سنة 740 هـ.
وأصاب أكثر أوراقها الطمس وهي بخط أبي أحمد بن عبد الله بن إسماعيل المعروف بابن القوي.
المجلد الأول عدد أوراقه 276 ورقة ورقمه [258 مدينة].
والمجلد الثاني عدد أوراقه 269 ووقة ورقمه [259 مدنيه].
والمجلد الخامس عدد أوراقه 289 ورقة ورقمه [260 مدينه].
والمجلدان الثالث والرابع غير موجودين.
النسخة الرابع:
وهي نسخة دار الكتب المصرية والمحفوظة فيها برقم [743 حديث] والتي رمزنا لها بالرمز (ك)، وهي نسخة كتبت بخط نسخي معتاد من القطع المتوسط ومقياسها (19، 27 سم) كل ورقة تتكون من وجهين كل وجه به 25 سطرًا.
وهي بخط أحمد بن محمد بن أحمد الخليلي بلدًا والشافعي مذهبًا وكتبت سنة 732 هـ والموجود منها المجلدان الأول والرابع فقط.
المجلد الأول عدد أوراقه 307 ورقة، والمجلد الرابع عدد أوراقه 376 ورقه.
النسخة الخامسة:
وهي نسخة الخزانة العامة بالرباط والمحفوظة تحت رقم [191 حديث] وهي نسخة بقلم
نسخي بيِّن قوبلت على أصل المصنف وبعض هذه المقابلة سنة 731 كما في الورقة [227 - ب] وهي من القطع المتوسط ومسطرتها (19، 5، 25 سم).
والموجود منها المجلد الأول فقط وعدد أوراقه 332 ورقة كل ورقة من وجهين كل وجه 25 سطرًا وهي بخط علي بن محمد بن رسلان الحراني سنة 732 هـ.
وآخره مبتور ينتهي أثناء الكلام على أحاديث النهي عن الصلاة إذا انتصف النهار وآخر ما فيه قوله: "لقد كبر سني ورق عظمى واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله".
وألحق بآخر المجلد عشر ورقات من كتاب المكاتبه.
وكب في آخر ورقَة فيها: آخر المهذب من السنن، وافق الفراغ من نسخه في عاشر شهر رجب سنة اثنتين وثلاثينِ وسبعمائه، على يد علي بن محمد بن رسلان الحراني وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
* * *
منهج التحقيق
* اتخذنا من نسخة دار الكتب التي هي بخط المؤلف أصلًا في تحقيق وضبط نص الكتاب فقمنا بقراءتها قراءة متفحصة ثم قمنا بنسخها ورسم الكلمات.
* استكملنا النقص الموجود في النسخة الأصل -وهو المجلد الثاني- من النسخة الثانية المحفوظة في دار الكتب تحت رقم [468 حديث] واتخذناها أصلًا في ضبط الكتاب وأشرنا إليها بالأصل أيضًا.
* اعتمدنا على النسخ الأخرى كنسخ مساعدة في ضبط الكتاب ورمزنا لنسخة المدينة بالرمز (م) ونسخة الرباط بالرمز (ط) ونسخة دار الكتب رقم [743 حديث] بالرمز (ك).
* رجعنا في أحيان كثيرة إلى النسخة المطبوعة من "السنن الكبير" للبيهقي، وهي النسخة الهندية والمطبوعة في عشر مجلدات غير الفهارس لضبط بعض الكلمات والاطمئنان إلى صحة ما في النسخ الخطية ورمزنا لها بالرمز (هـ).
* قمنا بمقابلة المنسوخ على الأصل المخطوط مقابلة دقيقة، وقمنا بإثبات الفروق بينهما وبين النسخ الخطية فإن ترجح لنا أن ما في النسخ الأخرى أصح صوبناه في الأصل ووضعناه بين معكوفين وأثبتنا في الهامش ما في الأصل وذكرنا دليلنا على صحة ما صوبناه.
وإن ثبت لنا أن ما في الأصل هو الصواب أثبتناه بين قوسين وذكرنا في الهامش ما في النسخ المساعدة إن كان له وجه.
* قمنا بتنظيم فقرات النص وكتابته بما هو متعارف عليه في عصرنا من صورة الإملاء ورسم الكلمات، وغيرنا ما اصطلح عليه النساخ من تسهيل الهمزات وحذف الألف الوسطية في بعض الأسماء مثل "سفين" و"صلح" فكتبناها "سفيان" و"صالح" وغير ذلك.
* قمنا بوضع أرقام مسلسلة لأحاديث الكتاب حتى تسهل الاستفادة من نصوصه
والإحالة عليها بيسر عند الحاجة.
* قمنا بوضع أرقام أجزاء وصفحات النسخة المطبوعة من سنن البيهقي بجوار بداية كل باب حتى يسهل الرجوع إلى أصل الكتاب.
* قمنا بوضع أرقام أوراق المخطوط الأصل بين معكوفين حتى يسهل الرجوع إلى المخطوط لمن أراد.
* قمنا بعزو الآيات إلى موضعها من المصحف.
* قمنا بعزو الأحاديث إلى مصادرها التي عزاها إليها المؤلف كما قمنا بعرض أحاديث الكتاب على كتاب تحفة الأشراف في معرفة الأطراف للحافظ المزي وزدنا ما زاد على عزو الحافظ الذهبي وقمنا بعزوه أيضًا إلى مصادره وفاءً بما رجاه المصنف في مقدمته للكتاب.
* قمنا بشرح بعض الكلمات الغريبة التي ساعدت في ضبط النص.
* نبهنا في كثير من الأحيان على سبب تضبيب المصنف على بعض الأسماء والكلمات بحسب الطاقة.
* قمنا بعمل مقدمة علمية للكتاب اشتملت على ترجمة الحافظ البيهقي والإمام الذهبي ومنهجه في كتابه ووصف المخطوطات ومنهجنا في العمل.
* قمنا بعمل فهارس علمية للكتاب، اشتملت على فهرس الآيات، وفهرس لأطراف الأحاديث والآثار، وفهرس للرواة الذين تكلم عليهم الحافظ الذهبي رحمه الله.
هذا وما كان من توفيق فمن الله عز وجل وحده، وما كان من عيب أو تقصير فمنا ومن الشيطان؛ فنسأل الله عز وجل العفو والغفران، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
* * *
وكتبه أبو تميم ياسر بن إبراهيم بن محمد
بدار المشكاة -القاهرة- حلوان
في الأول من محرم سنة 1421 هـ