الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولا حسن، بل يكون ضعيفاً أو منكراً أو واهياً، كما صرح به الترمذي على قطعة من حديثه، وبيّنه الأئمة النقاد في كثير من أحاديث أبي داود وابن ماجه.
وقد بسطت الكلام على هذا الموضع بسطاً شافياً في مقدمة كتاب نهاية الأحكام1.
الثالثة: لا يلزم من كون سند الحديث ضعيفاً أن يكون كذلك في نفس الأمر، بل قد يكون له سند آخر رجاله ممن يحتج بهم، وقد ينجبر بسند آخر ضعيف تنتهي بمجموعها إلى درجة الحسن.
وذلك أن ضعف الرواة تارة يكون لاتهامهم بالكذب، وتارة يكون لنقص إتقانهم وحفظهم2.
فالقسم الأول لا ينجبر بسند آخر فيه مثل رجال الأول، لأنه انضم كذاب إلى مثله، فلا يفيد شيئاً، بل ربما يكون بعضهم سرق ذلك الحديث من بعض، وادعى سماعه3.
وقال مسلم: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هنا، إنما وضعت ما أجمعوا عليه.
مقدمة ابن الصلاح ص 10، تدريب الراوي 1/98.
1 لم أقف عليه.
2 وبالمقابل لا يلزم من كون السند صحيحاً أن يكون المتن صحيحاً، لأنه قد يصح السند أو يحسن لثقة رجاله، دون المتن لشذوذ أو علة.
تدريب الراوي 1/161.
3 قال السيوطي: وأما الضعيف لفسق الراوي أو كذبه، فلا يؤثر فيه موافقة غيره له إذا كان الآخر مثله، لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر. نعم يرتقي بمجموع طرقه عن كونه
أما إذا كان النقص دخل من جهة اتهامهم بالغلط والوهم، فإنه إذا جاء ذلك الحديث من وجه آخر عن رجال مقاربين لها، ولا علم أن الوهم بعيد منه انجبر أحد السندين بالآخر، وارتقى الحديث إلى درجة الحسن، وسيأتي في بعض الأحاديث ما هو مثال لهذا.1
وكذلك الحديث الحسن لقصور رجال إسناده عن درجة رجال الصحيح في الحفظ والإتقان. إذا روى ذلك بسند آخر مثله في الحسن، ارتقى بمجموعها إلى درجة الصحة لاعتضاد كل منهما بالآخر.
1 منكراً أو لا أصل له. صرح به شيخ الإسلام، قال: بل ربما كثرت الطرق حتى أوصلته إلى درجة المستور السيء الحفظ، بحيث إذا وجد له طريق آخر فيه ضعف قريب محتمل ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن. تدريب الراوي 1/177.
قد صححه بعض الأئمة كما سيأتي في حديث صلاة التسبيح1.
وفيها ما له طريقين أخرى يقوى بها الحديث، لم يطلع عليها، كما سيأتي – إن شاء الله تعالى – في بعض الأحاديث.
فدخلت الآفة عليه من هذه الوجوه وغيرها.
ويجيء بعده من لا يد له في علم الحديث فيقلده فيما حكم به من الوضع.
وهذا بخلاف الأئمة المتقدمين الذين منحهم الله التبحر في علم الحديث، والتوسع في حفظه كشعبة ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ونحوهم.
ثم أصحابهم مثل أحمد بن حنبل وعلي بن المديني2، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهوية، وطائفة منهم.
ثم أصحابهم مثل البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي.
وكذلك إلى زمن الدارقطني والبيهقي ممن لم يجيء بعدهم مساو لهم بل ولا مقارب – رحمة الله عليم.
فمتى وجد في كلام أحد من المتقدمين الحكم على حديث بشيء كان معتمداً لما أعطاهم الله من الحفظ العظيم، والإطلاع الغزير، وإن اختلف النقل عنهم عدل إلى الترجيح، وهذا التعذر إنما يجيء في الأحاديث المحتملة، وإلا فكثير من الأحاديث جداً يشهد القلب بوضعها، ويسهل الحكم عليها بذلك، ممن كثرت ممارسته لهذا الفن.
وهو حال كتاب الموضوعات لابن الجوزي، والله أعلم.
1 الحديث رقم: 3.
2 في الأصل: المقدسي، وهو خطأ، والصواب ما أثبته.
الحكم على الحديث بالوضع
…
الرابعة: الحكم على الحديث بكونه موضوعاً من المتأخرين عسر جداً، لأن ذلك لا يتأتى إلا بعد جمع الطرق وكثرة التفتيش، وإنه ليس لهذا المتن سوى هذه الطريق الواحد، ثم يكون في رواتها من هو متهم بالكذب إلى ما ينضم إلى ذلك من قرائن كثيرة، يقتضي للحافظ المتبحر الجزم بأن هذا الحديث كذب.
ولهذا انتقد العلماء على الإمام أبي الفرج بن الجوزي في كتابه الموضوعات، وتوسعه بالحكم بذلك على كثير من الأحاديث ليست بهذه المثابة، بل فيها ما فيه ضعف يحتمل ويمكن التمسك به في الترغيب والترهيب، وفيها ما هو حديث حسن، أو