المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌رفع أجهزة الإنعاش الصناعي - بحوث لبعض النوازل الفقهية المعاصرة - جـ ٢٢

[-]

الفصل: ‌رفع أجهزة الإنعاش الصناعي

‌رفع أجهزة الإنعاش الصناعي

أولاً: تعريف الإنعاش: الإنعاش في عالم الطب هو: المعالجة المكثفة التي يقوم بها الفريق الطبي (طبيب أو مجموعة من الأطباء ومساعدوهم) لمساعدة الأجهزة الحياتية حتى تقوم بوظائفها أو لتعويض بعض الأجهزة المعطلة بقصد الوصول إلى تفاعل منسجم بينها (1)(والأجهزة الحياتية الأساسية للإنسان هي: المخ ـ القلب ـ التنفس ـ الكلى ـ الدم للتوازن بين الماء والأملاح (2)

ثانياً: أجهزة الإنعاش: تتمثل أجهزة الانعاش في الأشياء التالية:

1) المنفسة: وهو جهاز كهربائي يقوم بإدخال الهواء إلى الرئتين وإخراجه منهما مع إمكانية التحكم بنسبة الأكسجين في الهواء الداخل إضافة لأشياء أخرى عديدة لتساعد في إيصال هذا الغاز للدم، وسحب غاز ثاني أكسيد الفحم منه. فيوصل الجهاز بالمريض بأن يقوم الطبيب بإدخال أنبوب إلى الرغامي ثم يوصل ذلك الأنبوب بالمنفسة. وتستعمل المنفسة عند توقف التنفس عند المريض أو إذا أوشك على التوقف، كما تستعمل خلال العمليات الجراحية التي يحتاج المريض فها للتخدير العام (3) .

2 ـ مزيل رجفات القلب: وهو جهاز يعطي صدمة كهربائية لقلب اضطرب نظمه أو توقف توقفاً بسيطاً، فيوضع الجهاز على الصدر ويمرر تيار كهربائي محدثاً تنبيهاً للقلب فيؤدي ذلك لانتظام ضربات القلب، أو يعيد القلب للعمل من جديد في حال التوقف (4) .

(1) الإنعاش للشيخ محمد المختار الإسلامي ضمن مجلة مجمع الفقه الإسلامي ع2/1/481، موت الدماغ لندى الدقر ص211.

(2)

الإنعاش للشيخ السلامي ضمن مجلة مجمع الفقه الإسلامي ع2/ج1/481.

(3)

أجهزة الإنعاش للبار ضمن مجلة مجمع الفقه الإسلامي ع2/ج1/436، موت الدماغ لندى الدقر ص212.

(4)

المصدران السابقان.

ص: 1

3-

جهاز منظم ضربات القلب " ناظم الخطى "يستخدم إذا كانت ضربات القلب بطيئة جداً مما يؤدي لهبوط ضغط الدم أو توقف تام للقلب. وهو عبارة عن جهاز صغير موصول بسلك يتم إدخال هذا السلك إلى أجواف القلب وبعدها يبدأ الجهاز بتوليد شرارات كهربائية بشكل منتظم مما يؤدي لتحريض ضربات القلب بشكل منتظم (1) .

4-

أجهزة الكلية الصناعية:

وهي تعوض عن وظيفة الكلى في تنقية الدم والجسم من السموم والماء المحتبس فيه (2) .

5-

مجموعة العقاقير: هي التي يستخدمها الطبيب لإنعاش التنفس أو القلب أو تنظيم ضرباته إلى آخر القائمة الطويلة من العقاقير التي تستخدم في إنعاش المرضى (3) .

ثالثاً: حكم الإنعاش: الذي يبدو أن حكم الإنعاش الوجوب لأن المريض في في حالة خطرة وحاجته لأجهزة الإنعاش أصبحت أمراً ضرورياً كحاجته للطعام والشراب بحيث لو تركه فقد عرض نفسه للهلاك، لذا فإن إقدامه على أجهزة الإنعاش يعتبر واجباً شرعياً يأثم بتركه (4) . قال شيح الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن التداوي:" وقد يكون منه ما هو واجب وهو ما يعلم أنه يحصل به بقاء النفس لا بغيره كما يجب أكل الميتة عند الضرورة فإنه واجب عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء (5) . وقال الشيخ محمد المختار السلامي: أما الإنعاش فإنه يبدو لي أنه واجب ذلك أنه لا تختلف حالة الانعاش عن أية حالة من حالات الاضطرار التي تقلب حتى حكم التحريم إلى الوجوب حفاظاً على الحياة ثاني المقاصد الضرورية الخمسة على أن المصاب في كثير من حالات الإنعاش يكون فاقداً للوعي أو هو تحت تأثير وطأة الإصابة لا يتمكن من أخذ القرار المبني على التأمل (6) "

(1) المصدران السابقان.

(2)

موت الدماغ لندى الدقر ص212

(3)

أجهزة الإنعاش للبار ضمن مجلة مجمع الفقه الإسلامي ع2/ج1/438

(4)

التداوي والمسؤولية الطبية ص99 ـ 100.

(5)

مجموع الفتاوى 18/12

(6)

الإنعاش للشيخ السلامي ضمن مجلة مجمع الفقه الإسلامي ع2/ج1/482.

ص: 2

.. أما حكم إسعاف المريض بأجهزة الإنعاش بالنسبة للمجتمع المسلم فهو واجب كفائي إن قام به بعضهم سقط الإثم عن الباقين وإن لم يقم به أحد أثم الجميع ذلك أن الإنعاش هنا أشبه ما يكون بإنقاذ غريق أو من وقع تحت الهدم (1) .

قال ابن حزم رحمه الله: " وبيقين يدري كل مسلم في العالم أن من استقاه مسلم وهو قادر على أن يسقيه فتعمد ألا يسقيه إلى أن مات عطشاً فإنه قد اعتدى عليه بلا خلاف (2) " ونقل الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله الاتفاق على أن من يكون معه فضل زاد وهو في بيداء وأمامه شخص يتضور جوعاً يكون آثماً إذا تركه حتى مات (3) . وأصل هذا الحكم قول النبي صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليم: رجلٌ على فضل ماءٍ بالفلاة يمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع رجلاً بسلعة بعد العصر فحلف له لأخذها بكذا فصدقه وهو على غير ذلك، ورجل بايع إماماً لا يبايعه منها إلا لدنيا فإن أعطاه منها وفّى وإن لم يعطه منها لم يف متفقٌ عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . وحيث أن المريض المشرف على الهلاك نظير الجائع والظمآن في البيداًء فإن إسعافه يعد أمراً واجباً متحتماً (4) .

رابعاً: حكم رفع أجهزة الإنعاش:

يختلف حكم رفع أجهزة الإنعاش من مريضٍ لآخر حسب الأحوال التالية:

الحالة الأولى: عودة أجهزة المصاب إلى حالتها الطبيعية بحيث لا يحتاج معها لأجهزة الإنعاش فهنا يقرر الطبيب رفع أجهزة الإنعاش لسلامة المريض وعدم حاجته إليها. ولا ينبغي الاختلاف في هذه الحالة فقد اتفق عليها الشرع والقانون في جميع دول العالم (5) .

(1) المصدر السابق ع2/ج1/481، موت الدماغ لندى الدقر ص214

(2)

المحلي 10/523

(3)

الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي ص122.

(4)

التداوي والمسئولية الطبية ص229.

(5)

الإنعاش للسلامي ضمن مجلة مجمع الفقه الإسلامي ع2/ج1/482، فقه النوازل 1/231، موت الدماغ لندى الدقر ص215

ص: 3

الحالة الثانية: تحسن المريض مع حاجته لأجهزة الإنعاش وهو في طريقه إلى النقاهة والسلامة فهنا تبقى أجهزة الإنعاش عليه حتى يستغنى عنها ويبرأ البرء التام وحنئذٍ ترفع عنه أجهزة الإنعاش كما في الحالة الأولى (1) .

الحالة الثالثة: مريض ميئوس من حالته الطبية أي لا أمل في شفائه طبياً: فهنا لا يجوز رفع أجهزة الإنعاش عن هذا المريض وذلك لما يلي:

1-

أن سحب الأجهزة عنه كترك إنقاذ غريق في البحر وحريق يحترق في النار (2) .

2-

لأن علائم الحياة لا تزال موجودةً فيه فلا يجوز رفع أجهزة الإنعاش عنه (3) .

3 ـ لأن في رفع أجهزة الإنعاش قتل لهذا المريض أو زيادة في مرضه وكلاهما لا يجوز.

4 ـ أن الرأي الطبي في البلاد العربية والإسلامية بالنسبة إلى سحب أجهزة الإنعاش من مريض ميئوس من حالته أي لا أمل في شفائه طبياً يعتبر جريمة لا تغتفر (4) .

(1) مجلة مجمع الفقه الإسلامي ع2/ج1/499 ـ 500، 501، 503.

(2)

مجلة مجمع الفقه الإسلامي ع2/ج1/500.

(3)

4- المصدر السابق عدد 2 ج 1/501- عدد 3 ج 2/788.

(4)

المصدر السابق ع2/ج1/503،504، ع3/ج2/774، 788

ص: 4

الرابعة: وهي حالة موت الدماغ: حيث تظهر فيها علامات موت الدماغ من الإغماء وعدم الحركة وغيرها من العلامات، لكن بواسطة أجهزة الإنعاش لايزال القلب ينبض، والنفس مستمر نبضاً وتنفساً صناعيين لا حقيقيين. ففي هذه الحالة صدر قرار كل من مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (1) والمجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي (2) بجواز رفع أجهزة الإنعاش عن هذا المريض. ذلك لأنه لا يوقف علاجاً يرجى منه شفاء المريض وإنما يوقف إجراء لا طائل من ورائه في شخص محتضر، بل يتوجه أنه لا ينبغي إبقاء آلة الطبيب والحالة هذه لأنه يطيل عليه ما يؤلمه من حالة النزع والاحتضار (3) .

فاختلف في حكم الرفع في هذه الحالة بالنظر إلى حال المريض فمن نظر إليه باعتباره ميتاً أجاز الرفع لأنه رأى أن هذا العمل (أي: عمل القلب والرئتين) لاينسب إليه وإنما للأجهزة فهي حركة لا إرادية كحركة المذبوح الذي لا يقتل قاتله وإنما يعزر لأنه لم يقتل شخصاً به حياةٌ مستقرة، وكما لو خرج البول منه يقول ابن الماجشون: يكون الريح والبول من استرخاء المواسك.وقد قال بعض الفقهاء: الطفل ولو بال لا يعتبر حياً إذا لم يستهل صارخاً. وقال الأطباء: العضو قد يعمل لساعات وهو منفصلٌ عن صاحبه وقد يقطع الرأس ويبقى الدم يتدفق من عروقه أي: القلب ولا يدل ذلك على حياة صاحبه. وكبقاء حياة الأنسجة فإنها لا تموت بموت صاحبها مباشرة وهو ما عبر عنه الفقاء قديماً بقولهم: آثار الحياة الغريزية كما قاله الرملي.

(1) مجلة مجمع الفقه الإسلامي ع3/ج2/809.

(2)

في دورته العاشرة المنعقدة في مكة المكرمة (1408هـ) بواسطة الطبيب أدبه وفقهه ص198.

(3)

فقه النوازل 1/234، موت الدماغ لندى الدقر ص216 ـ 217.

ص: 5

ومن نظر إليه باعتباره حياً حرم رفع الأجهزة، مستدلاً بأن الأصل هو الحياة، وبناءً على قاعدة: اليقين لا يزول بالشك، خاصةً وأن الإقدام على رفعها يؤدي إلى الموت والقتل مفسدةٌ عظيمة، ثم إنه قد يحدث أن يحكم بموته ثم يتبين خلاف ذلك.

ونوقش بأنه إذا حدث شيءٌ من ذلك فهو خطأ في التشخيص قد يحدث مثله في العلامات التي ذكرها الفقهاء قديماً، ثم إن الحكم بموته حكمٌ بغلبة الظن وهو معمولٌ به كالحكم بموت المفقود.

وأجيب بأن هذا فيما لو لم تعارض أمارة الموت أمارات الحياة والله تعالى أعلم.

الحالة الخامسة: وهي حالة موت القلب والدماغ:

وفيها تتعطل الأجهزة الحياتية ويحدث الموت فيتعطل الدماغ والقلب فلا يتحرك القلب للقبول والضخ ولا يقبل المخ ما يرد إليه من غذاء. فهنا يقرر الطبيب رفع أجهزة الإنعاش لتحقق موت المريض ومع الموت لا فائدة من مواصلة العلاج المكثف. ولا ينبغي الخلاف في هذه الحالة فقد اتفق عليها الشرع والقانون في جميع دول العالم (1) .

التزاحم على استخدام الأجهزة الطبية المساعدة وأجهزة الإنعاش في حالات المرض (2) .

رفع الأجهزة الطبية عن المريض لإنقاذ مريضٍ آخر يغلب على الظن إنقاذه بهذه الأجهزة له جانبان:

الجانب الأول: ألا يغلب على الظن موت المريض الميئوس من شفائه بسبب رفع الأجهزة عنه وإنما قد يتأثر بمضاعفة المرض، فهل يجوز رفعها سواء كان الدافع لذلك إنقاذ مريضٍ آخر بحاجةٍ إليها أو بلا سبب وإنما لليأس من الشفاء لطول المدة؟.

(1) الإنعاش للسلامي ضمن مجلة مجمع الفقه الإسلامي ع2/ج1/483، فقه النوازل 1/231، موت الدماغ لندى الدقر ص215. ومجلة البحوث الفقهية 42/43.

(2)

- هذا البحث مأخوذٌ من بحثٍ لشيخنا الدكتور/ عبد الله الطريقي (حفظه الله) . وانظر أيضاً مجلة البحوث الفقهية 42/52.

ص: 6

والجانب الثاني: أن يغلب على الظن موت المريض الأول الميؤوس من شفائه بسبب رفع تلك الأجهزة عنه فهل يجوز رفعها عنه لأن مرضه ميئوس من شفائه لإنقاذ من يغلب على الظن إنقاذه بهذه الأجهزة؟ أو يجب إبقاؤها لأنه أحق بها ولأن في إبقائها إبقاء لحياته وفي رفعها عنه قتلاً لمعصوم؟

هنا تختلف وجهات النظر أيضاً بين مؤيد للرفع ومؤيد لترك الرفع:

ولو أمكن التوفيق بين المصلحتين لكان أولى فقد نقل الشوكاني عن المحصول " العمل بكل منهما من وجه أولى من العمل بالراجح من كل وجه وترك الآخر".

لكن العمل بكل منهما من وجه غير وارد في مسألتنا؛ لأن فيها مريضين وجهاز واحد لا يكفي لهما معاً فلم يبق إلا الترجيح بينهما.

من المؤيدات لترك رفع الأجهزة عن المريض الميئوس من شفائه ما يأتي:

أولاً: استناداً إلى جملةٍ من القواعد الفقهية ومنها:

قاعدة: "درء المفاسد أولى من جلب المصالح " فإذا تعارض مفسدة مع مصلحة قدم دفع المفسدة غالباً (1) .

والمصلحة في مسألتنا هي نزع الأجهزة عن المريض الميئوس من شفائه لوضعها على المريض الآخر لاستبقاء حياته فبناءً على القاعدة درء المفسدة أولى فتبقى الأجهزة على الأول.

(1) 1- الأشباه والنظائر للسيوطي ص 87 القاعدة الخامسة.

ص: 7

فإن قيل: لم لا يعطى الآخر أجهزة أخرى وتترك أجهزة الأول عليه، فنقول: لو أمكن تحصيل المصالح ودفع المفاسد معاً لكان أجود لكن هذا في مسألتنا غير ممكن؛ لأن ذلك في حال ما إذا كانت الأجهزة محدودة ولا تكفي للجميع. يقول العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام ص 83: " إذا اجتمعت مصالح ومفاسد فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك امتثالاُ لأمر الله تعالى فيهما لقوله سبحانه وتعالى (فاتقوا الله ما استطعتم (وإن تعذر الدرء والتحصيل فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة. وذكر أن الطب كالشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد عن الجسد، والتخيير عند التساوي، والتوقف عند الجهل بالمرجح.

القاعدة الثانية ذكرها السيوطي في الأشباه والنظائر ص 83: فقال" القاعدة الرابعة الضرر يزال، أصلها قوله صلى الله عليه وسلم : " لاضرر ولا ضرار " وقال ابن نجيم ص85 وفسره في المغرب بأن لا يضر الرجل أخاه ابتداء ولا جزاء " قال السيوطي ص86: " الضرر لا يزال بالضرر. قال ابن السبكي: وهو كعائد يعود على قولهم: الضرر يزال ولكن بلا ضرر. فشأنهما شأن الأخص مع الأعم بل هما سواء؛ لأنه لو أزيل بالضرر لما صدق " الضرر يزال " ومن فروع هذه القاعدة.. لو سقط على جريح فإن استمر قتله وإن انتقل قتل غيره، فقيل: يستمر؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر. وقيل: يتخير للاستواء. وقال الإمام: لا حكم في هذه المسألة.

ص: 8

.. قلت: لا شك أن المريض المتأخر في مسألتنا فيه ضرر فضرره يزال لكن بإزالة ضرره يلحق الآخرين الضرر، وإنما يزال الضرر بدون إضرار. لكن قد يستثنى من هذه القاعدة ما لو كان أحدهما أعظم ضرراً فيزال الضرر الأعظم ولو ترتب على إزالته ضررٌ أقل منه إلا أن هذا يستقيم فيما لو كان ذلك في شخصٍ واحد فيزال الأعظم ولو ترتب ضرر أصغر كما في اليد المتآكلة، أما أن يزال ضرر شخص على حساب شخص آخر فهذا غير مستقيم لتعارضه مع قاعدة "درء المفاسد أولى من جلب المصالح"

ثانياً: أنه يغلب على الظن موت من يتم رفع الأجهزة عنه ويندر أن يسلم ومثل هذا لا يجوز الإقدام عليه لغلبة الظن أن هذا المريض يموت عند نزع هذه الأجهزة عنه. قال العز بن عبد السلام ج1/85: " القسم الثاني ما يغلب ترتب مسببه عليه وقد ينفك عنه نادرا فهذا أيضاً لا يجوز الإقدام عليه؛ لأن الشرع أقام الظن مقام العلم في أكبر الأحوال".

ثالثاً: أن نزع الأجهزة عن الأول مفسدة عظيمة وهي القتل، وقد قال العلماء: لو أُكره على القتل فيصبر ولا يقدم على القتل لعظم مفسدته فكذلك هنا، لأن الإقدام على نزع الأجهزة عن الأول إقدامٌ على القتل. قال العز بن عبد السلام 1/79: " ولاجتماع المفاسد أمثلة أحدها أن يكره على قتل مسلم بحيث لو امتنع منه قُتل فيلزمه أن يدرأ مفسدة القتل بالصبر على القتل؛ لأن صبره على القتل أقل مفسدة من إقدامه عليه، وإن قدر على دفع المكره بسبب من الأسباب لزمه ذلك لقدرته على درء المفسدة، وإنما قدم درء القتل بالصبر لاجتماع العلماء على تحريم القتل واختلافهم في الاستسلام للقتل، فوجب تقديم درء المفسدة المجمع على وجوب درئها على درء المفسدة المختلف في وجوب درئها.

ص: 9

وهذا لا يبعد كثيراً عن مسئلتنا حيث إن في مسألتنا مصلحة إحياء نفس ومصلحة درء المفسدة عن المريض الميئوس من شفائه، فدرء المفسدة عن المريض الميئوس من شفائه مقدمة على مصلحة المريض الذي يحتاج إلى هذه الأجهزة وعلى الأخير الصبر؛ لأن صبره على المرض أقل مفسدة من الإقدام على نزع الأجهزة عن مريض قد يكون هذا النزع مميتاً له.

ومما يدل على عظم مفسدة القتل قول بعض العلماء: إذا وكل وكيلاً في القصاص ثم عفا ولم يعلم الوكيل أو أخبره فاسقٌ بالعفو فلم يصدقه وأراد الاقتصاص فللفاسق أن يدفعه بالقتل إذا لم يمكن دفعه إلا به دفعاً لمفسدة القتل من غير حق (1) .

قلت: وفي نزع الأجهزة من الأول نوع من القتل بغير حق وهو أمر عظيم، كيف وقد قال هؤلاء البعض من العلماء: إن للفاسق دفع الوكيل البريء ولو بالقتل خوفاً من وقوع القتل بغير حق. قلت: وفي دفع الفاسق للوكيل ولو أدى إلى القتل نوع من القتل بغير حق أيضاً. والله أعلم.

ومما يدل على استعظام مباشرة القتل ولو لنفسه ما ذكره ابن رجب في القواعد ص 247 رقم 112 حيث قال: إذا ألقي في السفينة نار واستوى الأمران في الهلاك أعني المقام في النار وإلقاء النفوس في الماء فهل يجوز إلقاء النفوس في الماء أو يلزم المقام على روايتين. والمنقول عن أحمد في رواية مهنا أنه قال: أكره طرح نفوسهم في البحر. وقال في رواية أبي داود: يفعل كيف شاء، قيل له: هو في اللج لا يطمع في النجاة. قال: لا أدري، فتوقف. ورجح ابن عقيل وغيره وجوب المقام مع تيقن الهلاك فيها؛ لئلا يكون قاتلاً لنفسه بخلاف ما إذا لم يتيقنوا ذلك لاحتمال النجاة بالإلقاء ".

(1) - قواعد الأحكام 1/103.

ص: 10

فقوله في رواية مهنا (أكره طرح نفوسهم في البحر) فلأن في ذلك مباشرة منهم للقتل وإلا فقد يكون إلقاء أنفسهم في البحر أهون عليهم من حرارة النار لذا قال العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام ص85: " ولو وقع بركاب السفينة نار لا يرجى الخلاص منها فعجزوا عن الصبر على تحملها مع العلم بأنه لا نجاة لهم من آلامها إلا بالإلقاء في الماء المغرق فالأصح أنه لا يلزمهم الصبر على ذلك إذا استوت مدتا الحياة في الإحراق والإغراق؛ لأن إقامتهم في النار سبب مهلك لا انفكاك عنه وكذلك إغراق أنفسهم في الماء لا انفكاك عنه وإنما يجب الصبر على شدة الآلام إذا تضمن الصبر على شدتها بقاء الحياة وههنا لا يفيد الصبر على ألم النار شيئاً من الحياة فتبقى مفسدة لا فائدة فيها"

وقال ابن نجيم في الأشباه والنظائر ص91: " وأصله أن الحريق إذا وقع في سفينة وعلم أنه لو صبر فيها يحترق ولو وقع في الماء لا يغرق فعنه يختار أيهما شاء وعندهما يصبر".

رابعاً: أن قتل المسلم بمباشرة أو تسبب من قريبٍ أو من بعيدٍ منهيٌ عنه شرعاً، وعلاج المريض الذي يتطلب علاجه هذه الأجهزة مأمورٌ به شرعاً وما أمر به أهون مما نهي عنه وقد نقل علي بن سعد عن الإمام أحمد أنه قال:(وما أمر به النبي –صلى الله عليه وسلم عندي أسهل مما نهى عنه) وكذلك نقل عنه الجويني (الأمر أسهل من النهي) قال السيوطي في الأشباه والنظائر ص87: اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه مااستطعتم وإذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه متفقٌ عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . وقال ابن نجيم في الأشباه والنظائر ص90-91: إذا تعارضت مفسدة ومصلحة قدم دفع المفسدة غالباً، لأن عتناء الشرع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات

ومن ثم جاز ترك الواجب دفعاً للمشقة ولم يسامح في الإقدام على المنهيات خصوصاً الكبائر.

ص: 11

فنحن في حال نقل الأجهزة من الأول إلى الآخر نكون قد باشرنا قتل الأول لمعرفتنا أنه يموت برفع تلك الأجهزة عنه، وهذا قد يكون من قبيل المباشرة للقتل، وهو وإن لم يكن فيه قصاص فقد دريء القصاص للشبهة ولكن في ترك الأجهزة على الأول لا يكون هناك مباشرة لقتل المريض المتأخر فكان تركها على الأول أولى.

خامساً: أننا في حال ترك الأجهزة على المريض الأول لا يكون لنا فعل تجاه المريضين وفي حال نزعها عن الأول يكون لنا فعل، وهذا الفعل يقتضي رجحان أحدهما على الآخر ولا مرجح سوى المبادرة لإنقاذ حياة المتأخر على حساب حياة المتقدم وهل يجوز لنا قتل نفسٍ لإحياء نفسٍ أخرى.

سادساً: أن المريض الأول يقدم لسبقه، إذ لو لم يوجد مرجح لقلنا بالتخيير. يقول الغزالي في المستصفى 2/381:" وأما إذا تعارض الموجب والمحرم فيتولد منه التخيير المطلق كالولي إذا لم يجد من اللبن إلا ما يسد رمق أحد رضيعيه ولو قسم عليهما أو منعهما لماتا، ولو أطعم أحدهما مات الآخر، فإذا اشرنا إلى رضيع معين كان إطعامه واجباً؛ لأن فيه إحياءه وحراماً؛ لأن فيه هلاك غيره، فنقول هو مخير بين أن يطعم هذا فيهلك ذاك أو ذاك فيهلك هذا فلا سبيل إلا التخيير".

فانتفاع المريض الأول بالأجهزة التي وضعت عليه هو من قبيل ملك الانتفاع لا المنفعة فيكون أحق بها كقطاع الأرفاق كمقاعد الأسواق ونحوها (1) . وهذا يندرج تحت قولهم: الأصل بقاء ما كان على ما كان. قال الزركشي في المنثور 1/294: قاعدة في التزاحم على الحقوق "لا يقدم أحد على أحد إلا بمرجح، وله أسباب الأول: السبق"

(1) -قواعد ابن رجب ص197 رقم 86.

ص: 12

.. قلت وفي مسألتنا لدينا أجهزة طبية متقدمة لا تكفي للمريضين بسبب كونها مشغولة لمرضى آخرين فأي المريضين نقدم؟ لو كانا على حالة واحدة وجاءا في آن واحد لكان لنا التخيير كما قال العز بن عبد السلام في القواعد 1/145: " الفصل الرابع فيما يقدم من حقوق بعض العباد على بعض ترجيح التقديم على التأخير في جلب المصالح ودرء المفاسد وله أمثلة.. منها تقديم ذوي الضرورات على ذوي الحاجات فيما ينفق من الأموال العامة وكذلك التقديم بالحاجة الماسة على مادونها من الحاجات".

سابعاً: أنه نظيرٌ لمسائل ذكرها الفقهاء وحكموا فيها بالتحريم لأنها تحتوي على إنقاذٌ لنفسٍ بقتل أخرى وهذا لا يجوز، ومن هذه المسائل:

أ- جاء في تكلمة البحر الرائق (8/205) : امرأة حامل اعترض الولد في بطنها ولا يمكن إلا بقطعه أرباعاً ولو لم يفعل ذلك يخاف على أمه من الموت فإن كان الولد ميتاً في البطن فلا بأس به وإن كان حياً لا يجوز؛ لأن إحياء نفس بقتل نفس أخرى لم يرد في الشرع".

قلت: قوله إحياء نفس بقتل نفس أخرى لم يرد في الشرع " دليل لما نحن فيه فنزع الأجهزة من الأول المؤدي إلى موته لوضعها على الآخر من قبيل قتل نفس لإحياء نفس أخرى.

ويجاب بأن هذه المسألة مختلفٌ فيها فقد قال بعض العلماء بالجواز لأن حياة الأم متيقنة فهي أعظم حرمةً وحياة الجنين متوهمة.

ب- وقال العز بن عبد السلام (عبد العزيز بن عبد السلام السلمي ت 660 هـ) في قواعد الأحكام ص82: إذا اغتلم بحيث علم ركبان السفينة أنهم لا يخلصون إلا بتغريق بعض الركبان لتخف بهم السفينة فلا يجوز إلقاء أحد منهم في البحر بقرعة ولا بغير قرعة لأنهم مستوون في العصمة وقتل من لا ذنب له محرم، ولو كان في السفينة مال أو حيوان محترم لوجب إلقاء المال ثم الحيوان المحترم؛ لأن المفسدة في فوات الأموال والحيوانات المحترمة أخف من المفسدة في فوات أرواح الناس". انتهى.

ص: 13

ومن المؤيدات لرفع الأجهزة عن المريض الميئوس من شفائه لوضعها على من تدرك حياته ما يأتي.

أولاً: عملاً بقاعدة " إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما (1) " فإذا نظرنا إلى تعارض المصالح والمفاسد فيكون من يرجى شفاؤه أولى باستخدام الأجهزة الطبية.

ويجاب بأن ذلك معارض بقاعدة " درء المفاسد مقدم على جلب المصالح " ومعارض كذلك بأن الأول أسبق باستخدام هذه الأجهزة فهو أولى بغض النظر عن حالة الآخر، ولعل تعارض المصالح والمفاسد وارتكاب أخفهما إذا لم يكن هناك أقدمية أما وقد وجدت فلا تعارض.

ثانياً: أننا مخيرون لتساوي المصالح قال العز بن عبد السلام: " إذا تساوت المصالح مع تعذر الجمع تخيرنا في التقديم والتأخير بين المتساوين ولذلك أمثلة: أحدها إذا رأينا صائلاً يصول على نفسين من المسلمين متساويين وعجزنا عن الدفع عنهما فإنا نتخير (2) ".

والجواب أن هذا صحيح فيما لو تساوت المصالح مع تعذر الجمع لكنها في مسألتنا غير متساوية والجمع متعذر.

ثالثاً: أن الترجيح لا بد منه ما دام الجمع غير ممكن، ومصلحة الثاني أعظم فتقدم لأنها تتمثل في إنقاذ حياته بإذن الله بينما مصلحة الأول لا تتجاوز حال ميئوسٍ منه فالإبقاء على تلك الحياة إبقاءٌ لحياةٍ شبيهةٍ بالموت. قال الشوكاني:" ومن شروط الترجيح التي لا بد من اعتبارها أن لا يمكن الجمع بين المتعارضين بوجه مقبول فإن أمكن ذلك تعين المصير إليه ولم يجز المصير إلى الترجيح (3) ".

وهنا في مسألتنا يترجح لنا إنقاذ من يمكن إنقاذه إذ ترك الأجهزة على الأول الميئوس من شفائه محاولة لإنقاذ من لا يمكن إنقاذه على حساب من يمكن إنقاذه.

(1) 4- ذكرها السيوطي ص87.

55-

1/75 ـ 76.

(2)

6- إرشاد الفحول ص276.

ص: 14

فمصلحة الأول من بقاء الأجهزة لا تتجاوز حال ميئوس منه حسب كلام أهل الخبرة ومصلحة الثاني منها الشفاء من مرض من الممكن تداركه بإذن الله تعالى. يقول ابن القيم في مفتاح دار السعادة ص 347: " الشريعة الإسلامية مبناها على تحصيل المصالح بحسب الإمكان وأن لا يفوت منها شيء فإن أمكن تحصيلها كلها حصلت. وإن تزاحمت ولم يمكن تحصيل بعضها إلا بتفويت البعض قدم أكملها وأهمها وأشدها طلباً للشارع".

والجواب أن القول بأنه يقدم أكملها وأهمها وأشدها طلباً للشارع، فهذا هو عين الدعوى وأصل منشأ الخلاف فأي المريضين في مسألتنا أشد طلباً للشارع؟.

رابعاً: استفادة المتأخر من الأجهزة معلومة واستفادة الأول منها مظنونة ومن المعلوم أن تقديم ما هو معلوم على ما هو مظنون أولى. يقول الغزالي في المستصفى 2/400 ـ 401: " وكذلك علة مركبة من وصفين أحدهما ضروري والآخر نظري أو أحدهما معلوم والآخر مظنون إذا عارضها ما هو ضروري الوصفين أو معلوم الوصفين؛ لأن ما علم مجموع وصفيه أولى مما تطرق الشك أو الظن بحكم العلة.

والجواب أننا نسلم أن استفادة المتأخر من تلك الأجهزة معلومة لكن عارضها معارض قوي وهو الإقدام على إلحاق الضرر بالآخرين، فلو كانت المصلحتان تخصان شخصاً واحداً لحصل الترجيح ومنه تقديم ما هو معلوم على ما هو مظنون لكن الحاصل أن كل مصلحة تخص شخصاً غير الشخص الآخر، وهنا يقال إن هذه من حقوق الآدمين وهي مبنية على المشاحة.

خامساً: إذا نظرنا إلى مصلحة المريض المتأخر من الأجهزة فإذا بها ظاهرة مع أن السابق قد لا يستفيد منها سوى بقاء حاله على ما كانت عليه فرفع الأجهزة عنه ووضعها على المريض المتأخر أولى؛ لأن ما لا يدرك كله لا يترك جله، وهذا شبيه بقولهم: ما لا يمكن تحصيل مصلحته إلا بإفساد بعضه كقطع اليد المتآكلة حفظاً للروح إذا كان الغالب السلامة وإن كان فساداً لها لما فيه من تحصيل المصلحة الراجحة وهو حفظ الروح.

ص: 15

لكن هذا غير مسلم على إطلاقه وإنما هو فيما إذا كانت المصلحة والمفسدة متعلقة بشخص واحد أما إذا اختلفا فلكل حقه.

سادساً: أن تقديم المتأخر شبيهٌ بمسائل ذكرها الفقهاء ومنها:

أ) -: رمي الكفار ولو تترسوا بمسلمين.

فإن قتل المسلم أو التسبب فيه لا يجوز، ومع ذلك فقد أجاز الفقهاء رمي الكفار ولو تترسوا بمسلمين أي تستروا بهم وجعلوهم كالترس (1) ، فقد قال الجمهور أنه لا يجوز فيها قتل المسلمين قصداً ولكنهم أجازوا رمي الكفار في هذه الحال ولو أدى ذلك إلى موت من تترس بهم من المسلمين لكن يقصد الكفار.

وإنما أجازوا ذلك رعاية لمصلحة الإسلام في الجهاد فيقاس على ذلك رفع الأجهزة لوضعها على مريض أو مرضى آخرين أحوج لها.

ونوقش بأن هذا تغليب لمصلحة جيش المسلمين وحرصاً على مصلحة أعم فهو من باب تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ثم إنه ضرورة فيكون عند الخوف من ظهور الكفار ولنصرة الإسلام والمسلمين.

أما في موضوع مسألتنا فليس هناك مصلحة أعم من مصلحة وإنما الأصل في المسلمين أنهم مستوون في العصمة ووجوب المحافظة على الحياة.

ب) -: شق بطن المرأة إذا ماتت وفي بطنها ولد ترجى حياته.

شق بطن المرأة الميتة لإخراج ولدها الحي فيه انتهاكٌ لحرمة الميت ومخالفةً لقول الرسول (:" كسر عظم الميت ككسره حياً " (2)

(1) - المبسوط 10/64 وتحفة الفقهاء 3/295 وبدائع الصنائع 7/100. وبداية المجتهد 1/385 والشرح الكبير على متن خليل 2/178 وحاشية الدسوقي 2/178 والأم 4/287 وروضة الطالبين 10/146 ومنهاج الطالبين 137 والمغني 13/141 وفتاوى ابن تيمية 28/546 والإنصاف 4/129. وأما من منع فاستدل بقوله تعالى (لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً)(الفتح 25) .

(2)

أخرجه النسائي في سننه، كتاب الجنائز، النهي عن كسر عظام الميت: 1/516 (1616) عن عائشة.

وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجنائز باب في الحفار يجد العظم هل يتنكب ذلك المكان: 2/231 (3207

وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 6/58،168 ـ 169، 200، 64)

ص: 16

لكن ذلك ـ أعني شق بطنها ـ فيه الإبقاء على حياة الحمل المعصوم.

فعدم شق بطنها فيه تكريمٌ للميت والمحافظة على حرمته لكن يترتب على ذلك القضاء على حياة الحمل وفيه مخالفة للأدلة الدالة على ذلك.

وقد نشأ من هذا التعارض اختلاف بين الفقهاء، فمنهم من منع شق بطنها رعايةً لمصلحة تكريمها ورأى أنها لا تهان لمصلحة غيرها، مع احتمال أن الحمل قد لا يخرج حياً،ومنهم من أجاز أو أوجب شق بطنها إذا لم يمكن إخراج الولد حياً إلا بذلك إيثاراً لجانب الحي على جانب الميت (1) .

وفيما يلي نذكر نصوص بعض الفقهاء في ذلك:

فمما قاله علماء الحنفية: قال عبد العزيز البخاري (ت730هـ) في كشف الأسرار عن أصول البزدوي (2) : (إذا خاف تلف النفس أو العضو جاز له الترخص بالمحرم صيانة للنفس أو العضو عن التلف) انتهى.

(1) انظر كشف الأسرار عن أصول البزدوي 4/397 وتكملة البحر الرائق 8/205 والأشباه والنظائر لابن نجيم 88 والدر المختار شرح تنوير الأبصار مع حاشية الدسوقي 6/192 والتاج والإكليل للمواق بهامش مواهب الجليل 2/254 والشرح الكبير للدردير 1/429 وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1/429 والتنبيه للشيرازي 52 والمهذب 1/138 والمجموع 5/101 وروضة الطالبين 2/140 ومختصر الخرقي والمغني 3/497 والإنصاف 2/556.وانظر أبحاث هيئة كبار العلماء: 2/27.

(2)

كشف الأسرار عن أصول البزدوي: 4/297.

ص: 17

وقال الطوري (عبد القادر بن عثمان ت نحو 1030هـ) في تكملة البحر الرائق عن النوادر (1) : امرأة حامل اعترض الولد في بطنها ولا يمكن إلا بقطعه أرباعاً ولو لم يفعل ذلك يخاف على أمه من الموت فإن كان الولد ميتاً في البطن فلا بأس به وان كان حياً لايجوز لأن إحياء نفس بقتل نفس أخرى لم يرد في الشرع

امرأة حامل ماتت فاضطرب الولد في بطنها فإن كان أكبر رأيه أنه حي يشق بطنها لان ذلك تسبب في إحياء نفس محترمة بترك تعظيم الميت فالأحياء أولى) انتهى

وقال ابن نجيم (زين العابدين بن إبراهيم ت 970هـ) في الأشباه والنظائر (2)(ومنها جواز شق بطن الميتة لإخراج الولد إذا كانت ترجى حياته وقد أمر به أبو حنيفة رحمه الله فعاش الولد كما في الملتقط، قالوا بخلاف ما إذا ابتلع لؤلؤة فمات فانه لا يشق بطنه لان حرمة الآدمي أعظم من حرمة المال وسوى الشافعية بينهما في جواز الشق) انتهى. وقال الحصكفي (علاء الدين محمد بن علي ت 1088هـ) في الدر المختار (3) تعليقاً على كلام ابن نجيم: (قلت: وقد قدمنا في الجنائز عن الفتح انه يشق أيضاً بلا خلاف، وفي تنوير البصائر أنه الأصح فليحفظ) انتهى.

ونوقش بأن من أجاز ذلك نظر إلى أن رعاية عصمة الدم آكد من حرمة الميت حيث إن الاعتداء على الميت بقطع رقبته أو عضوٍ من أعضائه مثلاً لا يوجب قصاصاً وإنما تعمده يوجب التعزير بخلاف قتل الحي فإن فيه وجوب القصاص أو الدية في الجملة فالتعارض هنا بين حرمة الحي والميت، ثم إن حياة الجنين هنا متوقفة على شق بطن الميتة، وهذا بخلاف ما نحن فيه.

ج) -: أكل المضطر لحم الآدمي الميت إذا لم يجد غيره.

(1) تكملة البحر الرائق: 8/205 0

(2)

الأشباه والنظائر لابن نجيم: 88 0

(3)

الدر المختار شرح تنوير الأبصار مع حاشية ابن عابدين: 6/192 0

ص: 18

إذا خاف الإنسان على نفسه الهلاك من الجوع ولم يجد إلا إنساناً حياً معصوماً لم يبح له قتله إجماعاً (1) ولا قطع عضوٍ من أعضائه، لأنه مثلة فلا يجوز له أن يبقي نفسه بإتلاف غيره، لأن الضرر لا يزال بضررٍ مثله ولا أكثر منه (2) ،وهذا لا خلاف فيه.

وإنما الخلاف فيما لو وجد المضطر آدمياً ميتاً هل يجوز له أكله؟ من نظر إلى الأدلة الصحيحة الدالة على حرمة المسلم ومن في حكمه،وأنه يجب تكريمه حياً وميتاً قال: لا يباح للمضطر أن يأكل منه حياً ولا من جثته ميتاً ولو لم يجد غيره، ولو أدى ذلك إلى هلاكه.

ومن أجاز الأكل نظر إلى الأدلة الصحيحة الدالة على أنه يجب على الإنسان أن يحافظ على حياته حتى أنه قد أبيح له أن يأكل عند الضرورة من المحرمات عليه حال الضرورة من ميتة وسواها، بل قد صرح بعضهم بأنه يجب عليه أن يأكل من ذلك إذا خشي الهلاك فإن امتنع المضطر عن التناول ومات أثم إلا إن كان جاهلاً لأنه قادر على إحياء نفسه بما أحله الله له فلزمه أكله كما لو كان معه طعام حلال (3) ، ولأن ترك تناول الميتة ونحوها حتى يموت يعتبر قتلاً للنفس وإلقاء بها إلى التهلكة لأن الكف عن التناول فعل منسوب للإنسان (4) .

وإليك بعض نصوصهم في هذه المسألة:

الظاهر عند الحنفية أنه لا يجوز الأكل من الآدمي لكرامته.

(1) المبسوط: 24/48، حاشية الدسوقي / 2/ 136،نهاية المحتج: 8/23، مطالب أولي النهى: 6 / 323.

(2)

الضرر لا يزال بضرر مثله، ولا أكثر منه بالأولى، إذاً يشترط بأن يزال الضرر بلا إضرار بالغير إن أمكن وإلا فبأخف منه، انظر درر الحكام شرح مجلة الأحكام: 30 مادة (25)

(3)

المغني والشرح الكبير 11/74.

(4)

انظر أحكام الأطعمة في الشريعة الاسلامية

ص: 19

قال السرخسي (محمد بن أحمد بن سهل ت 483هـ) في المبسوط (1) : (ألا ترى أن المضطر كما لا يباح له قتل الإنسان ليأكل من لحمه لا يباح له قطع عضو من أعضائه) .

وفي حاشية ابن عابدين (2)(محمد أمين بن عابدين ت 1252هـ) : (خاف الموت جوعاً ومع رفيقه طعام أخذ بالقيمة منه قدر ما يسد جوعه،وكذا بأخذ قدر ما يدفع العطش، فإن امتنع قاتله بلا سلاح، فإن خاف الرفيق الموت جوعاً أو عطشاً ترك له البعض، وإن قال له آخر: اقطع يدي وكلها لا يحل، لأن لحم الإنسان لا يباح في الاضطرار لكرامته) انتهى.

ونوقش بأن المسألة مثار خلاف بين الفقهاء حيث منع بعضهم الأكل للمضطر ترجيحاً لحرمة الميت، وأجاز ذلك آخرون إذا لم يجد غيرها إيثاراً لحق الحي على حق الميت (3) . ثم إن من أجازه قيده بأن يكون عند الضرورة لسد الرمق للحي وحفظاً لحياته مع ما فيه من رعايةٍ لعصمة الدم وأنها آكد من رعاية حرمة الميت، وهذا مخالفٌ لمسألتنا.

د) - ومن المسائل القرعة (4)

(1) - المبسوط 24/48 وحاشية ابن عابدين 6/338. وحاشية الدسوقي 2/136 والتاج والإكليل لمختصر خليل بهامش مواهب الجليل 2/254 والشرح الصغير بهامش بلغة السالك 1/323 والشرح الكبير بحاشية الدسوقي1/429. ونهاية المحتاج 8/23 والمجموع 9/44 وروضة الطالبين 3/284 وفتح الوهاب بشرح منهج= الطلاب للشيخ أبي يحيى زكريا الأنصاري 2/193. ومطالب أولي النهى 6/323 والمغني والشرح الكبير 11/74

(3)

المغني 13/338 والإنصاف 10/376 ومعونة أولي النهى شرح المنتهى لابن النجار 8/613.وانظر أحكام الأطعمة في الشريعة الإسلامية للدكتور/ عبد الله الطريقي.

69 -

المبسوط: 24/48.

70-

حاشية ابن عابدين: 6/383.

(4)

1- القرعة: السهم والنصيب، وهي لتطييب القلوب وإزاحة الميل. والفقهاء رحمهم الله قد اختلفوا في القرعة،

فقال بعضهم: لا تجوز لأنها قمارٌ وميسر وجوازها منسوخ، وقال الجمهور: تجوز، ومما يدل على ذلك ما قصه الله لنا في قصة يونس لما وقفت بهم السفينة فقالوا: ما يمنعها أن تجري إلا علة بها، وما علتها إلا ذو ذنب فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس عليه السلام قال تعالى (فساهم فكان من المدحضين) ، وكذا ما قصه الله لنا في المقترعين على كفالة مريم عليها السلام . وقد عمل بها النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقرع بين نسائه كما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها ، وفي صحيح مسلم عن عمران بن حصين في قصة الذي أعتق ستة مملوكين، ولم يكن له مالٌ غيرهم فأقرع بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم . والراجح ما قال به الجمهور من مشروعية القرعة بدليل الكتاب والسنة كما سبق.

ص: 20

لإلقاء أحد ركبان السفينة إذا تعرضوا للغرق.

استعمال القرعة في إلقاء أحد ركاب السفينة إذا خشي عليها العطب لم نظفر على نصوص كافية عن الفقهاء في نفس المسألة (1) ، وهي محتملة للجواز والمنع، فمن أجاز ذلك قال إن مصلحة الجماعة أولى والأخذ بأخف المفسدتين أسلم،ونجاة الجميع مطلوبة.

وإذا لم يمكن نجاة الكل فعلى الأقل نفعل السبب لنجاة البعض،ولا يحصل ذلك إلا عن طريق القرعة لتساوي الجميع في العصمة.

ومن قال بالمنع قال إن ركاب السفينة مستوون في العصمة ومحافظة كل منهم على حياته واجبة فليس لهم إلقاء البعض وإنما عليهم الصبر، لأن مصلحة إنقاذ الباقين جزئية لا كلية. فمن نظر إلى الأخذ بأخف المفسدتين أجاز، ومن نظر إلى وجوب المحافظة على الحياة منع، وكأنه يقول إن موتهم جميعاً لا فعل لهم فيه،وأما إلقاء بعضهم في اليم فهو بفعلهم فلا يجوز مباشرته، لأن موت من ألقي في اليم يكون بمباشرة من نفسه أو من الآخرين وهذا لا يجوز. قال ابن العربي: الاقتراع على إلقاء الآدمي في البحر لا يجوز فكيف المسلم وإنما كان ذلك في يونس وفي زمانه مقدمةً لتحقيق برهانه وزيادةً في إيمانه، ثم إنهم لم يرموه بل رمى هو بنفسه لما خرجت القرعة، فإنه لا يجوز لمن كان عاصياً أن يُقتل ولا يرمى به في النار والبحر.

(1) 2- انظر فتح الباري 5/294 والطرق الحكيمة، لابن القيم 354 وتكملة فتح القدير 8/363 وأحكام القرآن، لابن العربي 4/1623 والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي 15/126 وأبحاث هيئة كبار العلماء 2/38.

73-

قواعد الأحكام 1/82.

ص: 21

وقال العز بن عبد السلام (عبد العزيز بن عبد السلام السلمي ت 660 هـ) في قواعد الأحكام (1) : إذا اغتلم بحيث علم ركبان السفينة أنهم لا يخلصون إلا بتغريق بعض الركبان لتخف بهم السفينة فلا يجوز إلقاء أحد منهم في البحر بقرعة ولا بغير قرعة لأنهم مستوون في العصمة وقتل من لا ذنب له محرم، ولو كان في السفينة مال أو حيوان محترم لوجب إلقاء المال ثم الحيون المحترم؛ لأن المفسدة في فوات الأموال والحيوانات المحترمة أخف من المفسدة في فوات أرواح الناس". انتهى.

وأجيب بأن المسألة مختلفٌ فيها كما سبق، ثم إنها لا تشبه مسألتنا من جميع الجوانب؛ فقد يقال إن من ألقي في البحر قليل فنجاة الأكثر مطلوبة، لكن من قال بجواز الإلقاء لم يشترط عدداً معيناً لإلقائه فلو كان من ألقي في البحر أكثر ممن بقي في السفينة هل يقول بعدم الجواز أو يقول إن نجاة البعض أهون من موت الجميع؟ ثم إن الاستدلال بقصة يونس –عليه السلام لو صح فهو استدلالٌ بشرع من قبلنا وقد ورد من شرعنا ما يخالفه وهو من الاعتداء على النفس لا من الإيثار.

الترجيح:

الراجح ترك الأجهزة على الأول لأن الأصل في المسلمين أنهم مستوون في العصمة ووجوب المحافظة على الحياة ومن هنا فلا يقدم أحدهم على الآخر إلا بسبب وكون انتفاع الثاني أكبر من الأول فهذا من المرجحات لكن مع الاستواء وهو غير متحقق هنا فإن الأول يترجح جانبه بالسبق، ثم إن في رفع الأجهزة عنه ارتكابٌ لمحظور وارتكاب المحظور أعظم حرمةً من ترك المأمور، والقاعدة تقول: درء المفسدة مقدمٌ على جلب المصلحة.

المراجع:

1-

مجلة مجمع الفقه الإسلامي 2/1/481 – عدد 3 ج2.2

2-

دراسات وقرارات مؤتمر الطب الإسلامي بالكويت.

3-

قواعد الأحكام، للعز بن عبد السلام.

4-

فقه النوازل، لبكر أبو زيد.

5-

المنثور في القواعد، للزركشي. 6- الأشباه والنظائر، للسيوطي.

7-

الأشباه والنظائر، لابن نجيم. 8- تكملة البحر الرائق.

ص: 22

9-

المستصفى، للغزالي. 10- مفتاح دار السعادة، لابن القيم.

11-

إرشاد الفحول، للشوكاني. 12- تقرير القواعد، لابن رجب.

ص: 23