الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المملكة العربية السعودية
وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الأمانة العامة
بيان
تلبيس الجهمية
في تأسيس بدعهم الكلامية
تأليف شيخ الإسلام
أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني
(ت 728هـ)
الجزء الرابع
الاستواء - العلو - النزول - الحيز - الجهة
الجسم - الرؤية
حققه
د. محمد العبد العزيز اللاحم
فصل قال الرازي البرهان الخامس هو أن الأرض كرة فإذا
كان كذلك امتنع كونه تعالى في الحيز والجهة بيان الأول أنه إذا حصل خسوف قمري فإذا سألنا سكان أقصى المشرق عن ابتدائه قالوا إنه حصل في أول الليل وإذا سألنا سكان أقصى المغرب قالوا إنه حصل في آخر الليل فعلمنا أن أول الليل في أقصى المشرق هو بعينه آخر الليل في أقصى المغرب وذلك يوجب كون الأرض كرة وإنما قلنا إن الأرض لما كانت كرة امتنع كون الخالق في شيء من الأحياز وذلك أن الأرض إذا كانت كرة فالجهة التي هي فوق بالنسبة إلى سكان أهل المشرق هي تحت بالنسبة إلى سكان أهل المغرب وعلى العكس فلو اختص الباري بشيء من الجهات لكان تعالى في جهة التحت بالنسبة إلى بعض الناس وذلك باطل بالاتفاق بيننا وبين الخصم فثبت أنه يمتنع كونه مختصًّا بالجهة والكلام على هذا أن يقال هذا الذي ذكره مبني على أن الأرض مستديرة والأفلاك مستديرة وهذا القدر قد ينازعه فيه
بعض الناس فإن من أهل الكلام من نازعه فيه ودفع كون الأفلاك مستديرة كما فعل بعض من رد عليهم في كتاب الدقائق وغيرهم وكذلك قد يدفع ذلك بعض من ينتسب إلى العلم ولربما حصل هذا من أقوال المنجمين التي تخالف الشرع وكذلك المتكلم قد ينازع في هذا بطرق جدلية وكذا المتفقه قد ينازع في هذا زعماً منه أن هذا مخالف للشريعة وليس مع واحد منها دليل شرعي ولا عقلي يخالف ذلك ولا يمنع كون الأفلاك مستديرة ولا ينقل عن أحد من أئمة الإسلام وعلمائه النزاع في ذلك بل قد ذكر غير واحد من علماء المسلمين مثل الشيخ أبي الحسيين ابن
المنادي أحد العلماء المشاهير ذوي التصانيف الكثيرة من الطبقة الثانية من أصحاب الإمام أحمد ومثل أبي محمد بن حزم ومثل أبي الفرج ابن الجوزي إجماع المسلمين على أن الأفلاك مستديرة وأبو
الحسين من أعظم الناس إطلاعاً وكذلك هؤلاء وإذا ذكر هو أو غيره إجماع علماء المسلمين على أن الأفلاك مستديرة كان من نازع بعد هذا الإجماع من متكلم ومتفقه وغيرهما مسبوقاً بالإجماع وما علمت منازعاً في ذلك إلا نقل الإجماع الذي ذكره أبو الحسين بن المنادي وإن كان قد نقل عن بعض السلف نزاع في حركة الأفلاك لكن ما علمت عنهم نزاعاً في استدارتها
وقد ذكر العلماء دلالة الكتاب والسنة على أن الأفلاك مستديرة من وجوه كثيرة ليس هذا موضعها وقد كتبنا في ذلك ما تيسر في غير هذا الموضع مثل قوله تعالى في موضعين من كتابه وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ {33} [الأنبياء 33] قال ابن عباس في فلكة مثل فلكة المغزل والفلك في اللغة هو الشيء المستدير ومنه يقال تفلك ثدي الجارية إذا استدار ومنه فلكة المغزل وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنها أعلى الجنة وأوسط الجنة وسقفها عرش الرحمن والأعلى لا يكون الأوسط إلا إذا كان
الشكل مستديراً بخلاف المربع والمثلث ونحوهما من الأشكال فإنه لا يكون أعلاه أوسطه وفي حديث الأطيط الذي رواه أبو داود وغيره عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال
أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أعرابيٌ فقال يا رسول الله جهدت الأنفس وضاعت العيال وهلكت الأنعام فاستسقِ الله لنا فإنا نستشفع بك إلى الله ونستشفع بالله عليك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك أتدري ما تقول وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال ويحك أتدري ما تقول لا يستشفع بالله على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك ويحك أتدري ما الله إن عرشه على سمواته هكذا وقال بأصابعه مثل القبة عليه وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب قال أبو داود وقال ابن بشار في حديثه إن الله فوق عرشه وعرشه فوق سمواته وساق الحديث ولفظ عثمان بن سعيد عن ابن بشار إن الله فوق عرشه فوق سمواته فوق أرضه مثل القبة وأشار النبي صلى الله عليه وسلم بيده مثل القبة وأنه ليئط به
أطيط الرحل بالراكب
وقد قال سبحانه وتعالى وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة 255] وفي حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة والكرسي في العرش مثل تلك الحلقة في الفلاة والعرش
لا يقدر أحد قدره إلا الله وقد روى أبو بكر الخلال في كتاب السنة أخبرني حرب حدثنا محمد بن مهدي بن مالك ثنا إسماعيل بن
عبد الكريم ثنا عبد الصمد بن معقل قال سمعت وهباً فذكر من عظمة الله تعالى قال إن السموات السبع والأرضين السبع والبحار لفي الهيكل وإن الهيكل لفي الكرسي وإن قدميه على الكرسي
وقال الخلال سألت إبراهيم الحربي عن حديث وهب ابن منبه إن السموات والأرض لفي الهيكل فقال الهيكل هو الشيء العظيم وأنت إذا دخلت البيعة ورأيت الشيء العظيم يعني عندهم يسمونه الهيكل وإن الهيكل لفي الكرسي وإن الكرسي لفي العرش قال والعرش أعظم من ذلك وروى عثمان بن سعيد حدثنا الحمّاني حدثنا الحكم ابن ظهير عن عاصم عن زر عن عبد الله هو ابن
مسعود قال ما السموات والأرض في الكرسي إلا مثل حلقة بأرض فلاة وقال ثنا يحيى الحمّاني ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد قال ما السموات والأرض في الكرسي إلا بمنزلة حلقة في أرض فلاة
وقال ثنا موسى بن إسماعيل ثنا حماد وهو ابن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود قال بين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام ومن الكرسي إلى الماء خمسمائة عام والعرش على الماء والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه
وقال ثنا يحيى الحماني وأبو بكر قالا حدثنا وكيع
عن سفيان عن عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر قدره إلا الله
وقد أخبر الله تعالى في كتابه أنه جعل الأرض فراشاً والسماء بناءً والأبنية هي الخيام والفساطيط وفيها استدارة وذكر أنه جعل الأرض مهاداً وأنه بسطها وأخبر أنه جعل الجبال فيها أوتاداً وروى الخلال في كتاب السنة قال
أعطاني محمد بن عوف هذا الحديث وقال اروه عني فإنه بسماعي حدثنا أبو المغيرة قال ثنا أبو مهدي قال ثنا أبو الزاهرية عن أبي شجرة عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الأرض على ما هي قال
الأرضون على الماء وروى الإمام أحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من ليلة إلا والبحر يستأذن ربه أن يغرق بني آدم فينهاه ربه ولولا ذلك لأغرقهم وهذا كله مما يبين أن الماء
محيط بالأرض وأن من شأنه العلو عليها ولكن الله مهَّد الأرض وفرشها وبسطها في الماء وأوتدها بالجبال الراسيات التي ترسيها أن تميد وتضطرب فإن السفينة إذا كانت في البحر لابد لها من شيء يثقلها ويسكنها وإلا مادت واضطربت وليس هذا موضع بسط ذلك وشرحه وما يرد عليه وإنما الغرض أن ما ذكره هذا الرازي من استدارة الفلك لا ننازعه فيه كما قد ينازعه فيه بعض الجهال وكما ينقل هو فإنه تارة يدخل مع المنجمين في الشرك وعبادة الكواكب وتارة ينازعهم في الأمور المعلومة من الحساب وكلاهما خروج عن الحق
وقد احتج هنا بالحجة المشهورة عند أهل الحساب الناظرين في هيئة الأفلاك والأرض وهي صورتها وشكلها فإنهم يستدلون على أن الشمس والقمر والكواكب تطلع في مشرق الأرض قبل طلوعها في المغرب وتغرب في مشرق الأرض قبل غروبها في المغرب ولهذا يكون أوائل الليل والنهار في المشرق قبل المغرب وأما أول الشهر فيكون في المغرب فبل المشرق لأن الشهر هو بظهور الهلال والهلال يعظم ظهوره بقدر مباعدته الشمس واحتجاب الشمس ليرى نوره والشمس يتأخر غروبها في المغرب عن غروبها في المشرق فيبعد بقدر ذلك ما بينها وبين الهلال فيعظم نوره وإذا غربت ضعف بسبب البعد الشعاع الذي تحت الهلال فقوي المقتضي للرؤية وضعف المانع يستدلون على ذلك بالخسوف فإنه يمكن الناس أن يرصدوه بالليل في وقت واحد فيعلمون حدوثه عند أهل المشرق قبل حدوثه عند أهل المغرب ويعلمون قدره في أقطار الأرض وليس الاستدلال على ذلك مختصاً بخسوف القمر بل هو ممكن بكسوف الشمس أيضاًَ بل واقتران الكواكب
وبكسوف الكواكب أيضاً بل وكل أمر يكون في الفلك في درجة واحدة فإن كل درجة من درج الفلك تطلع على الجانب الشرقي قبل الغربي فإذا كان فيها أمر غريب مثل الكسوف والخسوف والقران ونحو ذلك كان وقته من ليل أو نهار في المشرق قبل وقته بالمغرب مثل أن يكون عند هؤلاء في أوائل النهار وعند هؤلاء في أواخره أو عند هؤلاء في أوائل الليل وعند هؤلاء في أواخره كان بمنزلة خسوف القمر ويمكن الاستدلال أيضاً بغير ذلك من الأدلة المعروفة لكنه لم يستوف الحجة ويظهرها بل كلامه في ذلك كلام الشادي فإن القدر المرئي من الخسوف عند أهل المشرق لا يجب أن يكون هو القدر المرئي من الخسوف عند أهل المغرب حتى يقال إن أهل المشرق والمغرب يرون الخسوف في ساعة واحدة ويكون أول ليل هؤلاء آخر ليل هؤلاء بل قد يخسف القمر عند قوم دون قوم وقد يكون الخسوف عند قوم كلياً لجميع القمر وعند بعضهم جزئياً يخسف بعضه ولكن يشترك أهل المشرق والمغرب إذا اشتركوا فيه في طرفيه فإن الخسوف في القمر يبدأ فيه من جانبه الشرقي وفي الشمس من جانبها الغربي وإذا بدأ الخسوف في القمر من جانبه الشرقي لا يخسف
حينئذ عند أهل المغرب وكذلك طلوع الشمس وكسوفها وقد يكون ضد ذلك إذا عرف ذلك فالكلام على هذه الحجة من مقامين كسائر الحجج المذكورة في مع كونه على العرش فإن من يقول إنه فوق العرش ويقول هو مع ذلك ليس بجسم ولا متحيز ولا مركب يمنع ما ذكره من الملازمة كما تقدم ذكره غير
مرة سواء فرض أن العرش يكون تحت بعض الناس أو أن السموات تكون تحت بعض الناس أو لم يفرض من وجوه أحدها أن قوله إن الأرض إذا كانت كرة فالجهة التي هي فوق بالنسبة إلى سكان أهل المشرق هي تحت بالنسبة إلى سكان المغرب فلو اختص الباري بشيء من الجهات لكان في جهة التحت بالنسبة إلى بعض الناس يقال له كان الواجب إذا احتججت بما ذكرته من أمر الهيئة أن تتم ما يقولونه هم وما يعلمه الناس كلهم فإنه لا نزاع بينهم ولا بين أحد من بني
آدم أن الأرض هي تحت السماء حيث كانت وأن السماء فوق الأرض حيث كانت وهذا وهم متفقون مع جملة الناس على أن الجهة الشرقية سماؤها وأرضها ليست تحت الغربية ولا الجهة الغربية سماؤها وأرضها تحت الشرقية ومتفقون على جهل من يجعل إحدى الجهتين في نفسها فوق الأخرى أو تحتها وذلك يتضح بما قدمناه قبل هذا من أن الجهات نوعان جهات ثابتة لازمة لا تتحول وجهات إضافية نسبية تتبدل وتتحول فأما الأول وهي الجهة الثابتة اللازمة الحقيقة فهي جهتا العلو والسفل فالسماء أبداً في الجهة العالية التي علوها ثابت لازم لا يتبدل فكلما علت الجهة اتسعت وكلما سفلت ضاقت فلهذا كان الأعلى هو الأوسع وكان الأسفل
هو الأضيق ولهذا قابل الله تعالى بين عليين وبين سجين في كتابه فقال كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ {18} [المطففين 18] وقال كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ {7} [المطففين 7] ولم يقل في سفلين كما لم يقل هناك في وسعين ليبين الضيق والحرج الذي في المكان كما بين سفوله بمقابلته بعليين وبين أيضاً سعة عليين بمقابلة سجين فيكون قد دل على العلو والسعة التي للأبرار وعلى السفول والضيق الذي للفجار وأما الجهات الست فقد ذكرنا أنها تقال بالنسبة والإضافة إلى الحيوان وحركته ولهذا تتبدل بتبدل حركته وأعضائه فإذا تحرك إلى المشرق كان المشرق أمامه والمغرب خلفه والجنوب يمينه والشمال شماله وعلى هذا بنيت الكعبة لأن وجهها مستقبل مهب الصبا بين المشرق والشمال وأركانها على الجهات الأربع فالحجر الأسود مستقبل المشرق واليماني مستقبل اليمين والغربي مستقبل الغرب والشامي مستقبل الشمالي وهو محاذٍ أرض الجزيرة
كالرقة وحران ونحوهما ولهذا قال من قال من المصنفين في دلائل القبلة كابي العباس بن القاص وغيره إن قبلة هذه البلاد أعدل القبل لأن سكانها يستدبرون القطب الشمالي لا يحتاجون أن ينحرفوا عنه إلى المشرق كما يفعل أهل الشام ولا إلى المغرب كما يفعل أهل العراق فالإنسان تتبدل جهاته بتبدل حركاته مع أن الجهات في نفسها لم تختلف أصلاً ولم يصر الشرقي منها غربياً ولا الغربي شرقياً وكذلك الجهة التي تحاذي رأسه هي علوه والتي تحاذي رجليه هي سفله فإذا كان رجلان في أقصى المشرق منتهى الأرض عند ساحل البحر هناك وفي أقصى المغرب منتهى الأرض عند ساحل البحر هناك فكل منهما تكون السماء فوقه لأنها تحاذي رأسه وتكون الأرض تحته لأنها تحاذي
رجليه كما أن السماء فوق الأرض في نفسها وليس أحد هذين تحت الآخر في نفس الأمر أصلاً بل سجين الذي هو أسفل السافلين تحتهما ولو هبط شيئان ثقيلان من عندهما لانتهى إلى أسفل سافلين وهو سجين لم يلتق ذلك الشيئان الثقيلان لكن لو قدر أن تخرق الأرض ويلتقيان هناك لكانت رجلا أحدهما إلى رجلي الآخر ولو فرض أن أحدهما أخرقت له الأرض حتى يمر في جوفها ويصل إلى الآخر لكانت رجلاه تلاقي رجلي الآخر فبهذا الاعتبار يتخيل كل واحد منهما أن الآخر تحته بمحاذاته ناحية رجليه لكن الحركة السفلية هي إلى أسفل الأرض وقعرها ومن هناك تبقى الحركة صاعدة إلى فوق كحركة الصاعد من الأرض إلى السماء فيكون المتحرك من أسفل الأرض وقعرها إلى ظهرها وعلوها على هذا الوجه كهيئة المعلق برجليه إلى ناحية السماء ورأسه إلى ناحية الأرض وكهيئة النملة المتحركة تحت السقف والسقف يحاذي رجليها فتصير بهذا الاعتبار السماء تحاذي رجليه والأرض تحاذي رأسه فمن هنا يقال إن السماء تحته والأرض فوقه إذا كان
مقلوباً منكوساً فيجتمع من هذا أمران أحدهما أن تكون حركته على خلاف الحركة التي جعلها الله في خلقه والثاني أن تتبدل الجهة تبدلاً إضافيًا لا حقيقياً كما تتبدل اليمين باليسار والأمام بالوراء ومن المعلوم أن المشرق والمغرب لا يتبدلان قط باستقبالهما تارة واستدبارهما أخرى فكيف يتبدل العلو والسفل بتنكيس الإنسان وقلبه على رأسه والمحاذاة حينئذ للسماء برجليه والأرض برأسه بل هذا المنكوس يعلم أن السماء فوقه والأرض تحته ونحن لا نمنع أن هذا قد يسمى علواً وسفلاً بهذا الاعتبار التقديري الإضافي لكن هذا لا يغير الجهة الحقيقة الثابتة وبهذا الاعتبار سمي في هذا الحديث المروي عن أبي هريرة وأبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال فيه لو أدلى أحدكم بحبل لهبط على الله فإنه قدر الإدلاء وهو ممتنع فسماه
هبوطاً على هذا التقدير كما لو قُلبت رجلا الإنسان ورمي إلى ناحية السماء لكان قائماً على السماء وإذا ظهر هذا علم أن الله سبحانه لا يكون في الحقيقة قط إلا عالياً
وذلك يظهر بالوجه الثاني وهو أن يقال هذا الذي ذكرته وارد في جميع الأمور العالية من العرش والكرسي والسموات السبع وما فيهن من الجنة والملائكة والكواكب والشمس والقمر ومن الرياح وغير ذلك فإن هذه الأجسام مستديرة كما ذكرت ومعلوم أنها فوق الأرض حقيقة وإن كان على مقتضى ما ذكرته تكون هذه الأمور دائماً تحت قوم كما تكون فوق آخرين وتكون موصوفة بالتحت بالنسبة إلى بعض الناس وهي التحتية التقديرية الإضافية وإن كانت موصوفة بالعلو الحقيقي الثابت كما أنها أيضاً عالية بالعلو الإضافي الوجودي دون الإضافي التقديري وإذا كان الأمر كذلك ولم يكن في ذلك من الإحالة إلى ما هو مثلما في هذا ودونه لم يكن في ذلك محذوراً فإن المقصود أن الله فوق السموات وهذا ثابت على كل تقدير وهذا يظهر بالوجه الثالث وهو أن يقال هذا الذي ذكرته من هذا الوجه لا يدفع فإنه كما أنه معلوم بالحساب والعقل فإنه ثابت بالكتاب والسنة قال الله تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [الحديد 3] وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي
هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر فأخبر أنه الظاهر الذي ليس فوقه شيء وأنه الباطن الذي ليس دونه شيء فهذا خبر بأنه ليس فوقه شيء في ظهوره وعلوه على الأشياء وأنه ليس دونه شيء فلا يكون أعظم بطوناً منه حيث بطن من الجهة الأخرى من العباد جمع فيها لفظ البطون ولفظ الدون وليس هو لفظ الدون بقوله وأنت الباطن فليس دونك شيء فعلم أن بطونه أوجب أن لا يكون شيء دونه فلا شيء دونه باعتبار بطونه والبطون يكون باعتبار الجهة التي ليست ظاهرة ولهذا لم يقل وأنت السافل ولهذا لم يجيء هذا
الاسم الباطن في قوله وأنت الباطن فليس دونك شيء إلا مقروناً بالاسم الظاهر الذي فيه ظهوره وعلوه فلا يكون شيء فوقه لأن مجموع الاسمين يدلان على الإحاطة والسعة وأنه الظاهر فلا شيء فوقه والباطن فلا شيء دونه ولم يقل أنت السافل ولا وصف الله قط بالسفول لا حقيقة ولا مجازاً بل قال ليس دونك شيء فأخبر أنه لا يكون شيء دونه هناك كما جاء في الأثر الذي ذكره مالك في الموطأ أنه يقال حسبنا الله وكفى سمع الله لمن دعا وليس وراء الله مرمى فلا مرمى وراءه ولا شيء دونه في معنى اسمه الباطن ليبين أنه ليس يخرج عنه من الوجهين جميعاً وذلك لأن ما في هذا المعنى من نفي الجهة شيء دونه هو بالنسبة والإضافة التقديرية وإلا ففي الحقيقة هو عالٍ أيضاً من هناك
والأشياء كلها تحته وهذا كما أن الضار والمانع والخافض لا تذكر إلا مقرونة بالنافع المعطي الرافع لأن ما فعله من الضرر والمنع والخفض فيه حكمة بالغة أوجب أن تكون فيه رحمة واسعة ونعمة سابغة فليس في الحقيقة ضرراً عاماً وإن كان فيه ضرر فالضرر الإضافي بالنسبة إلى بعض المخلوقات يشبه ما في البطون من كونه ليس تحته شيء وأنه لو أدلى بحبل لهبط عليه فإن الهبوط والتحتية أمر إضافي بالنسبة إلى تقدير حال لبعض المخلوقات هذا في قدره وهذا في فعله وضلال هؤلاء الجهمية في قدره كضلال القدرية في
فعله وكلاهما من وصفه ولهذا كانت المعتزلة ضالة في الوجهين جميعاً وقد قابلهم بنوع من الضلال بعض أهل الإثبات حتى نفوا ما أثبتته النصوص والله يهدينا الصراط
المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً وبيان ما في الحديث الصحيح من قوله وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء أنه من المعلوم أن فوق ودون من الأسماء التي تسميها النحاة ظروف المكان لدلالة لفظها على المكان اللغوي فأما لفظ الفوق فظاهر وهو بحسب المضاف إليه فكون الشيء فوق لا ينافي أن يكون تحت غيره وانتفاء أن يكون فوقه شيء لا يمنع أن يكون تحته شيء فقوله وأنت الظاهر فليس فوقك شيء فنفى أن يكون فوق الله شيء وذلك يقتضي أنه سبحانه وتعالى أكمل شيء ظهوراً والظهور يتضمن العلو فلهذا قال فليس فوقك شيء ولم يقل فليس أظهر منك شيء لأنه لو أراد مجرد الانكشاف والتجلي للناس لنَافَى ذلك وصفه بالبطون لأن كون الشيء ظاهراً بمعنى كونه معلوماً أو مشهوداً ينافي كونه باطناً ولكن الظهور يتضمن معنى العلو ومن شأن العالي أبداً أن يكون ظاهرا متجلياً بخلاف السافل فإن من شأنه أن يكون حفياً لأنه إذا علا تراءى للأبصار فرأته فهو سبحانه مع ظهوره المتضمن علوه فلا شيء فوقه وهو أيضاًَ باطن فلا شيء دونه ولفظ الدون ليس المراد به الدون أي الناقص ولكن لما
كان يقال هذا دون هذا أي دونه بمعنى أنه يحصل دونه ويجعل الآخر فوقه صار يفهم من اللفظ هذا بل هذا اللفظ في كتاب الله تعالى في مواضع قال تعالى ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً {89} حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً {90} [الكهف 89-90] إلى قوله ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً {92} حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً {93} [الكهف 92-93] فقوله لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً {90} بين أن الستر إذا كان عليهم كالسقوف كان ذلك من دون الشمس فيكون بينهم وبين الشمس وتكون الشمس محجوبة مستورة عنهم بذلك الستر فتكون هي أبطن عنهم من الستر والستر أدنى غليهم وتكون الشمس من ورائه وكذلك قوله حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً {93} الآية فهؤلاء القوم كان السدان من ورائهم إذاً في قولك هذا فوق هذا وهذا دون هذا ثلاثة أسماء اسم مضاف إليه وظرف مضاف إلى هذا الاسم واسم أول متصل بالظرف ومتعلق به ويقال هذا هو مضاف إليه إضافة معنوية كما يقال حروف الجر تضيف معاني الأسماء إلى الأفعال فإذا قيل وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً فالقوم هم المتعلقون
بالمكان الذي هو دون السدين والسدان هما المضاف إليهما فكونهما دون السدين هو بالنسبة إلى ذي القرنين الذين وجدهما هناك فإنه وجدهم إليه أدنى وأقرب والسدان أبعد والقرب إليه أحق بالظهور والبيان والبعيد عنه أولى بالاحتجاب والاستتار هذه هي العادة فيما يقرب إلينا ويبعد عنا من الأجسام ولو جاء أحد من جهة السد لقال وجدت هؤلاء دون ذي القرنين فالشيء الذي بين اثنين يقول هذا هو دونك ويقول الآخر هذا دونك وكل منهما صادق كما لو كان بينهما حائط أو نهر أو بحر لقال هؤلاء لأهل تلك الناحية هذا دونكم وكذلك يقول الآخرون هذا دونكم كما أن كل أهل جانب يقولون عن الأخرى هم من وراء هذا الحائط ومن خلفه إذ الجهات أمور نسبية إضافية وكذلك قال تعالى وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ {62} [الرحمن 62] فهاتان دون تلك والوليان فوق هاتين وهاتان أدنى إلينا ولهذا صار في هذا اللفظ معنى القرب والبعد من وجه ومعنى الاحتجاب والاختفاء من وجه فقوله وأنت الباطن فليس دونك شيء نفى أن يكون شيء دونه كما نفى أن يكون فوقه ولوقدر فوقه شيء لكان أكمل منه في العلو البيان إذ هذا شأن الظاهر ولو كان دونه شيء لكان أكمل منه في الدنو والاحتجاب إذ هذا شأن الباطن وهذا يوافق قوله إنكم
لا تدعون أصم ولا غائباً إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته وقوله أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد
وتمام هذا بالوجه الرابع وهو أن يقال إذا كان الباري فوق العالم وقلت إنه يلزم من ذلك أن يكون في جهة التحت بالنسبة إلى بعض الناس فلِمَ قلت إن هذا ممتنع وأنت لم تذكر على امتناع ذلاك لا حجة عقلية ولا سمعية ولو قدر أن ذلك نقص فعندك ليس في الأدلة العقلية ما يحيل النقص على الله تعالى مع أنه قد علم بالعقل والشرع أن هذا ليس نقص بل هذا غاية الكمال والإحاطة كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم وأما قوله هذا باطل بالاتفاق بيننا وبين الخصم فيقال في الوجه الخامس مثل هذه الحجة غير مقبولة كما ذكرت ذلك في نهايتك في ترتيب الطرق الضعيفة في أصول الدين وذكرت منها الإلزام وهو الاستدلال بموافقة الخصم في صورة على وجوب موافقته على الأخرى لملازمة بينهما يذكرها
المستدل وقلت هذا النوع من الحجة لا يصلح لإفادة اليقين وهذا ظاهر ولا لإفحام الخصم أيضاً وبيانه هو أن للخصم أن يقول إني إنما اعترفت بالحكم في محل الوفاق لعلة غير موجودة في محل النزاع فإن صحت تلك العلة بطل القياس لظهور الفارق وإن بطلت تلك العلة منعت الحكم في محل الوفاق فهذه الحجة دائرة بين منع الحكم في الأصل وبين ظهور الفارق بينه وبين الفرع وهذا بعينه وارد فيما ذكرته هنا فإن الخصم الذي وافقك على أنه ليس في جهة التحت هو يقول إن الله فوق العرش فوق السموات والعرش فوق السموات والسموات فوق الأرض ولا يوصف بالتحت لأنه يلزم من ذلك أن لا يكون فوق العرش وهذا الخصم قد لا يعلم أو لا يسلم أنه ممكن أن يوصف بعض هذه الأجسام بأنها تكون تحت شيء بوجه من الوجوه فنفى أن يكون الله تحت شيء لمنافاته ذلك فهذا الذي أبديته يقولون إنه لا يوجب أن لا يكون تحت شيء من الأشياء بوجه ولا يخلو إما أن تسلم ذلك أو تمنعه فإن منعت ذلك وقلت بل هذا يستلزم أن يكون تحت بعض
الأشياء مع كونه فوق العرش منعك المقدمة الجدلية وقالوا لا نسلم أنه حينئذ لا يوصف بما لا ينافي علوه من التحتية الإضافية التقديرية وإن قلت إن هذا لا يوجب تحتية حقيقية ولا إضافية موجودة وإنما يوجب تحتية إضافية تقديرية فهذا لا يضر فإن الحكم المقدر معلق بشرط والحكم المعلق بشرط معدوم بعدمه كما في الحديث لو أدلى أحدكم دلوه لهبط على الله ومن المعلوم أن إدلاء شيء إلى تلك الناحية ممتنع فهبوط شيء على الله ممتنع فكون الله تحت شيء ممتنع وإنما الغرض بهذا التقدير الممتنع بيان إحاطته من جميع الجهات وهذا توكيد لكونه فوق السموات على العرش لا منافٍ لذلك وهذا الكلام مع أنه في غاية الإنصاف في المناظرة ففيه
كمال تحقيق الحقائق على ما هي عليه وتبيين تطابق ما علم بالفطرة العقلية الضرورية وبالحساب العقلي الهندسي وما جاءت به الرسل وكمال ما بعث الله به رسله من بيان أسمائه وصفاته وهذا هو شأن الحق أن يتيقن ويتشابه ولايختلف كما يختلف كلام هذا المؤسس وأمثاله الذي هو من عند غير الله فلذلك يكون فيه اختلاف كثير ومما يوضح ذلك أن المنازع له قد علم علمًا يقيناً بالشرع والعقل أن الله فوق العرش فكل قول نافى ذلك هو باطل فنحن نزهناه عن الوصف بالتحتية لأنه ينافي ذلك ولما فيه من النقص
فهذا الذي ذكرته من التحتية لبعض الناس فيه جوابان أحدهما أن نمنع كون ذلك تحتية والثاني أن نقول مثل هذه التحتية ليس تمتنع والجواب المركب من الجوابين أن يقال لا يخلو إما أن تكون هذه تحتية حقيقة تنافي علوه وتوجب النقص أو لا تكون فإن لم يكن ذلك بطل ما ذكرته هنا وإن كان كذلك فنحن لا نسلم أنه يمتنع أن يوصف بمثل هذه التحتية وهذا منع على تقدير إما أن تأخذ منا مسلماً أنه لا يوصف بالتحتية بحال وتحتج بذلك على أنه لا يوصف بالعلو أيضاً فهذا باطل يظهر بالوجه السادس وهو أن يقال إنك استدللت بموافقة الخصم لك على أنه لا يوصف بالتحتية على أنه لا يوصف بالفوقية فذكرت أن وصفه بالفوقية أو بغيرها يستلزم أن يكون موصوفاً بالتحتية فإن جميع ما يوصف بالفوقية من الموجودات كالسموات والكواكب وغيرها يجب أن يوصف بهذه التحتية التي ذكرتها لما ذكرته من الحجة ثم قلت والتحتية متفق على انتفائها فيجب نفي ملزومها وهو الوصف بالفوقية فيقال لك إذا كان كل ما وصف بالفوقية فلابد من وصفه بهذا المعنى كان هذا لازماً لكل ما هو فوق وعالٍ ولم يكن ذلك
محذوراً فنحن نلتزم هذا المعنى الذي هو لازم لكل ما يوصف بالفوق وهذا خير من أنْ لا يوصف لا بفوقية ولا غيرها فإن ذلك يستلزم عدمه لأن ما لا يكون فوق شيء أصلاً ولا في شيء من جهاته الست ولا داخل العالم ولا خارجه ولا يشار إليه لا يكون إلا معدوماً فثبوت هذا المعنى الذي ذكرته عن سلم أن فيه تحتية تجامع الفوقية الحقيقية خير من سلب الفوقية وسائر المعاني السلبية المستلزمة لعدمه فإنك نزهته مما ادعيت أنه تحتية لتنفي بذلك ما يستحقه من الفوقية وذلك يستلزم عدمه بالكلية فما في قولك من النقص والعيب الذي يجب تنزيه الله تعالى عنه أعظم مما ادعيته في قول مخالفك وإذا قلت له هذه حجة توجب أن مذهبه يستلزم وصفه بالتحتية وهو متفق على نفيها بيننا قال لك ولي أنا حجج أعظم من هذه توجب أن مذهبك يستلزم وصفه بالعدمية التي هي أعظم من التحتية وهي منتفية بالضرورة والاتفاق قال تعالى وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً {33} [الفرقان 33] فمخالفو الرسل ومنهم مخالفو ما جاء به الكتاب والسنة لا يأتون بقياس يردون به بعض ما جاءت به الرسل فيكون
قياساً أقاموا به باطلاً إلا جاء الله فيما بعث به الرسل بالحق وبقياس أحسن تفسيراً وكشفاً وإيضاحاً للحق كما أن الحجج الفطرية الضرورية التي تبين أن مذهب المؤسس يستلزم أن يكون الله معدوماً هي مع أنها حق فهي أحسن بياناً وإيضاحاً وتفسيراً للمطلوب من قياسه هذا الذي بين به أن وصفه بالعلو والفوقية يستلزم وصفه بالسفول والتحتية وكذلك قول من يقول هذا يوجب أن يكون فلكاً من الأفلاك فيقال لهم أنتم قد جعلتم لكل فلك عقلاً على حدة والأفلاك بعضها فوق بعض وقلتم إن لكل فلك عقلاً ونفساً حتى ينتهي الأمر إلى العقل الفعال الذي لهذا الفلك
القريب منا ومع هذا فلم تجعلوا هذه العقول والنفوس المختصة بفلك فلك من جنس الأفلاك بل زعمتم أنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا تحت مع جعلهم لها درجة بعد درجة فكيف ينكرون أن يكون خالق الجميع فوق الجميع ومحيطاً به من جهته المحيطة جميعها ليس هو من جنسها حتى يقال فيه ما يقال في فلك فلك وإن كان بعض متأخري أهل الحديث قد جعله بمنزلة ذلك فهذا خطأ
لأن الله ليس كمثله شيء والمخلوقات كلها كما قال ابن عباس ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدهم فهي في
قبضته أقل من أن تكون نسبتها إليه نسبة الفلك إلى ما فيه الوجه السابع أنه قد ثبت في الصحيحين عن أبي ذر قال دخلت المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فلما غابت الشمس قال يا أبا ذر هل تدري أين تذهب هذه الشمس قال قلت الله ورسوله أعلم قال إنها تذهب تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها وكأنها قد قيل لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أنها تسجد كل ليلة تحت العرش فقد علم اختلاف حالها بالليل والنهار مع كون سيرها في فلكها من جنس واحد وأن كونها تحت العرش لا يختلف في نفسه وإنما ذلك اختلاف بالنسبة والإضافة علم أن تنوع النسب والإضافات لا يقدح فيما هو ثابت في نفسه لا مختلف ومن هنا يظهر الجواب عما ذكره ابن حزم وغيره في حديث النزول حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا
حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له حتى يطلع الفجر فقالوا قد ثبت أن الليل يختلف بالنسبة إلى الناس فيكون أوله ونصفه وثلثه بالمشرق قبل أوله ونصفه وثلثه بالمغرب قالوا فلو كان النزول هو النزول المعروف للزم أن ينزل في جميع أجزاء الليل إذ لا يزال في الأرض ليل قالوا أو لا يزال نازلا وصاعداً وهو جمع بين الضدين وهذا إنما قالوه لتخيلهم من نزوله ما يتخيلونه من نزول أحدهم وهذا عين التمثيل ثم إنهم بعد ذلك جعلوه كالواحد العاجز منهم الذي لا يمكنه أن يجمع من الأفعال ما يعجز غيره عن جمعه وقد جاءت الأحاديث بأنه يحاسب خلقه يوم القيامة
كل منهم يراه مخلياً به يتجلى ويناجيه لا يرى أنه متخلياً لغيره ولا مخاطباً لغيره وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال العبد الحمد لله رب العالمين يقول الله حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم قال الله أثنى على عبدي فكل من الناس يناجيه والله تعالى يقول لكل منهم ذلك ولا يشغله شأن عن شأن وذلك كما قيل لابن عباس كيف يحاسب الله تعالى الخلق في ساعة واحدة فقال كما يرزقهم
في ساعة واحدة ومن مثل مفعولاته التي خلقها بمفعولات غيره فقد وقع تمثّل المجوس القدرية فكيف بمن مثل أفعاله بنفسه أو صفاته بفعل غيره وصفته يقال لهؤلاء أنتم تعلمون أن الشمس جسم واحد وهي متحركة حركة واحدة متناسبة لا تختلف ثم إنها بهذه الحركة الواحدة تكون طالعة على قوم وغاربة عن آخرين وقريبة من قوم وبعيدة عن آخرين فيكون عند قوم عنها ليل وعند قوم نهار وعند قوم شتاء وعند قوم صيف وعند قوم حر وعمد قوم برد فإذا كانت حركة واحدة يكون عنها ليل ونهار في وقت واحد لطائفتين وشتاء وصيف في وقت واحد لطائفتين فكيف
يمتنع على خالق كل شيء الواحد القهار أن يكون نزوله إلى عباده ونداؤه إياهم في ثلث ليلهم وإن كان مختلفاً بالنسبة إليهم وهو سبحانه لا يشغله شأن عن شأن ولا يحتاج أن ينزل على هؤلاء ثم ينزل على هؤلاء بل في الوقت الواحد الذي يكون ثلثاً عند هؤلاء وفجراً عند هؤلاء يكون نزوله إلى سماء هؤلاء الدنيا وصعوده عن سماء هؤلاء الدنيا فسبحان الله الواحد القهار سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ {180} وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ {181} وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {182} [الصافات 180-182] ويقال لهؤلاء كما قيل للرازي وأمثاله هل حكم الحس والخيال والعقل الذي به تعلم الجسمانيات مقبول في الربوبية
أو مردود فإن كان مقبولاً بطل قوله كله حيث أثبت حياً عالماً قادراً لا يتحرك ولا يسكن ولا يقرب ولا يبعد ولا يفعل بنفسه فعلاً وزعمت مع ذلك أنه غير عاجز ولا مقيد ولا ممنوع وإن كان مردوداً بطل ما ضربته من الأمثال في رد حقيقة ما أخبر به عنه الصادق المصدوق الذي هو أعلم به منك ومن أمثالك
فصل قال الرازي البرهان السادس لو كان تعالى مختصاً بشيء من الأحياز والجهات لكان مساوياً للمتحيزات وهذا محال فذلك محال بيان الملازمة أنه تعالى لو كان مختصاً بحيز لكان معنى كونه شاغلاً لذلك الحيز كونه بحيث يمنع غيره أن يكون بحيث هو ولو كان كذلك لكان متحيزاً وقد بينا في الفصل المتقدم أن المتحيزات بأسرها متماثلة في تمام الماهية
فثبت أنه تعالى لو كان متحيزاً لكان مثلا لسائر المتحيزات وإنما قلنا إن ذلك محال لأن المثلين يجب تساويهما في جميع اللوازم فلزم إما حدوث الكل وإما قدم الكل وذلك محال فإن قيل حصول الشيء في الحيز وكونه مانعاً لغيره أن يحصل بحيث هو حكم من أحكام الذات ولا يلزم من الاستواء في الأحكام واللوازم الاستواء في الماهية والجواب عنه من وجهين الأول أن المتحيز حصل له أحكام ثلاثة أحدها أنه حاصل في الحيز شاغل له
والثاني كونه مانعاً لغيره بأن يحصل بحيث هو والثالث كونه بحال لو ضم إليه أمثاله حصل حجم كبير ومقدار عظيم ولاشك أن كلما يحصل في الحيز فقد حصل له هذه الأمور الثلاثة إلا أن الذات الموصوفة بهذه الأحكام الثلاثة لابد وأن يكون لها في نفسها الحجمية والمقدار وهذا المعنى معقول مشترك بين كل الأحجام ثم إنا قد دللنا على أن هذا المفهوم المشترك يمتنع أن يكون صفة لشيء آخر بل لابد وأن يكون ذاتياً وإذا كان كذلك فالمتحيزات في ذواتها متماثلة والاختلاف إنما وقع في الصفات وحينئذ يحصل التقريب المذكور والوجه الثاني أن السؤال الذي ذكرتم إن صح فحينئذ لا يمكنكم القطع بتماثل الجواهر لاحتمال أن يقال الجواهر
وإن اشتركتم في الحصول في الحيز إلا أن هذا اشتراك في حكم من الأحكام والاشتراك في الحكم لا يقتضي الاشتراك في الماهية وإذا لم يثبت كون الجواهر متماثلة فحينئذ لا يبعد في العقل وجود جواهر مختصة بأحيازها على سبيل الوجوب بحيث يمتنع خروجها عن تلك الأحياز وحينئذ لا يطرد دليل حدوث الأجسام في تلك الأشياء وعلى هذا التقدير لا يمكنكم القطع بحدوث كل الأجسام فيقال هذه الحجة قد تقدم الكلام على موادها غير مرة والكلام عليها من المقامين المتقدمين أحدهما قول من يقول إنه فوق العرش وهو مع ذلك ليس بجسم ولا هو متحيز كما ذكرنا أن هذا قول طوائف كثيرة من أهل الكلام والفقهاء ومن تبعهم من أهل الحديث والصوفية وغيرهم وهذا قول
ابن كلاب والأشعري وأئمة أصحابه وغيرهم فعلى هذا
لا يلزم من نفي كونه متحيزاً نفي كونه على العرش وقد تقدم ما في ذلك من دعوى الضرورة من الجانبين المقام الثاني من لا ينفي ذلك بل يسلم إثباته أو لا يتكلم فيه بنفي ولا إثبات والكلام في هذا المقام من وجوه أحدها لا نسلم أنه لوكان مختصّاً بشيء من الأحياز والجهات لكان مساوياً للمتحيزات وما ذكره من الحجة مبني على تماثل المتحيزات وقد تقدم إبطال ذلك بما لا حاجة إلى إعادته وأن القول بتماثلهما من أضعف الأقوال بل من أعظمها مخالفة للحس والعقل ولما عليه جماهير العقلاء الوجه الثاني قوله لو كان مختصّاً بحيز لكان معنى كونه شاغلاً للحيز كونه بحيث يمنع غيره عن أن يكون بحيث هو
يقال قد تقدم أن الحيز قد يراد به ما يحوز الشيء وهي نهاياته وحدوده الداخلة فيه وقد يراد به الشيء الذي يكون منفصلاً عنه وهو محيط به وكلاهما أمر وجودي وليس كونه مختصّاً بالحيز بهذا المعنى أن يكون شاغلاً لحيز بل الحيز هنا إما بعضه وإما ما يلاقيه من خارج وليس في شيء من هذين كونه شاغلاً للحيز وقد يراد بالحيز ما هو تقدير المكان وهذا هو الحيز عند كثير من أهل الكلام الذين يفرقون بين الحيز والمكان والحيز على هذا أمر عدمي كما تقدم تقرير ذلك وقوله إنا نعلم بالضرورة أن الأحياز بأسرها متساوية لأنها فراغ محض وخلاء وصرف وقوله قبل خلق
العالم ما كان إلا الخلاء الصرف والعدم المحض وبينا ذلك ويكفي أن يقال هنا لا نسلم أن الحيز أمر موجود وإذا لم يكن هناك موجود فقوله شاغل لذلك الحيز ليس فيه معنى زائد على كونه موجوداً بنفسه بحيث يشار إليه وقوله لو كان مختصّاً بحيز لكان معنى كونه شاغلاً لذلك الحيز كونه بحيث يمنع غيره لا يستقيم حتى يبين أن الاختصاص بالحيز كونه هو الشغل لذلك الحيز وهو لم يفعل ذلك فإذا قيل الاختصاص بالحيز هو الاختصاص بما يحوزه من الجوانب لم يكن معناه ذلك وإذا قيل هو الاختصاص بتقدير المكان بالمتحيز فالاختصاص بالحيز بهذا المعنى يوجب كونه متحيزاً فلا حاجة إلى ما ذكره من الدليل على كونه متحيزاً وأما كونه منع غيره أن يكون بحيث هو فهذا مبني على تداخل الأجسام وليس هذا داخلاً في حقيقة المتحيز فإن المتحيز يعلم أنه متحيز قبل العلم بكونه بحيث يمنع غيره أن يكون بحيث هو الوجه الثالث قوله الذات الموصوفة بهذه الأحكام الثلاثة لا بد وأن يكون لها في نفسها الحجمية والمقدار
وهذا المعنى معقول مشترك بين كل الأحكام ثم إنا دللنا على أن هذا المفهوم المشترك يمنع أن يكون صفة لشيء آخر بل لابد وأن يكون هو الذات يقال هذا هو الذي أحلت عليه الاحتجاج على تماثل المتحيزات فإيرادك لذلك السؤال ثم كونك تذكر في الجواب من ما قد أحلت عليه تكرير محض بلا فائدة فالواجب إما ذكر الحجة الدالة على التماثل إما ابتداء وإما جواباً وأما ترك هذا السؤال للجواب فإنه لم يحصل به التقريب ثم يقال في الوجه الرابع قد قدمنا أن هذا المشترك وهو
المقدار صفة المقدر قائم به لا أنه نفس المقدار وحقيقته قال تعالى وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ {8} [الرعد 8] وقال قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً {3} [الطلاق 3] فجعل المقدار القدر للأشياء ولم يجعل ذلك أعيان الأشياء وذواتها كما قال تعالى وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَاّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ {21} [الحجر 21] وبينا أن كل واحد من المشترك والمميز يجوز أن يكونا سواء بالنسبة إلى الذات الموصوفة بهما فليس جعل أحدهما ذاتاً والآخر صفة بأولى من العكس وبينا أنه وإن قيل إنه الذات فليس هو تمام الحقيقة بل الحقيقة مؤلفة مما به الاشتراك وما به الامتياز فالمتحيز وإن كان جنساً كما قيل في الجوهر بالجنس لا يجب أن يكون متماثل الأنواع فإن التماثل يحتاج إلى الاشتراك في جميع الصفات الذاتية وهو قد سلم أن المتحيزات مختلفة في الصفات فيجوز أن يكون كل جسم وإن كان التقدير ذاته
فله صفات ذاتية مختصة به كما يقول من يقول من المتكلمين المنطقيين وغيرهم إن الجوهر جنس وتحته أنواع إضافية وتحت كل نوع أنواع إلى النوع الشامل الخاص الذي تتفق أفراده في تمام الماهية الحقيقية وقد تقدم بسط هذا فلا نعيده إذا
لم يذكر هو الحجة على ذلك بل أحال على ما تقدم الوجه الخامس قوله إن صح هذا السؤال لم يمكن القطع بتماثل الجواهر لاحتمال أن يقال الجواهر وإن اشتركت في الحصول في الحيز إلا أن هذا اشتراك في حكم من الأحكام والاشتراك في الحكم لا يقتضي الاشتراك في الماهية يقال لك هذا أولاً مبني على ثبوت الجوهر الفرد وهذا فيه من النزاع المشهور ما قد عرف وأنت قد اعترفت بأنك مع الأذكياء
المتوقفين عن نفيه وإثباته وإذا لم يعلم وجود جوهر منفرد لم يصح هذا الكلام ثم وإن كان الجوهر الفرد موجوداً فلا ريب أنه ليس مما يحس به حتى يعلم بالحس أن الجوهر مماثل له أو غير مماثل وحينئذ فلا يمكن العلم بكون الجواهر متماثلة بل يقال هي غير متماثلة كما قيل في الأجسام وقد قدمنا تنازع الناس هل الجواهر جنس أو جنسان أو ثلاثة أو خمسة أو أكثر من ذلك مع أن الذين يقولون إنها جنس واحد لا يقولون هي متماثلة كما أن الحيوان عندهم جنس وليس متماثلاً قوله فحينئذ لا يبعد في العقل وجود جواهر مختصة بأحيازها على سبيل الوجوب فلا يطرد دليل حدوث الأجسام في تلك الأشياء يقال لا ريب أن المسلك الذي سلكته في حدوث العالم بنيته على هذا الأصل ولكن تأمل ما يذكره من الأدلة في هذه المسألة ونحوها تبين له أن الذي يذكره من
جانب المنازعين أقوى من الذي يذكره من جانب المسلمين وعلم بالاضطرار أن اعتقاد حدوث العالم على هذا الدليل ونحوه في غاية الفساد وهذا من أخبث الكلام الذي كان السلف يذمونه ويذمون أصحابه بل مثل هذه الحجج لا تصلح للمسائل الظنية فكيف تصلح لأصول الدين وقواعد الإيمان وأنت تعترف بهذا في مواضع لكن إنما تحتج هنا بذلك تهويلاً على من لا يعرف القضية وتوهم الناس أن هذا يقدح في قاعدة من قواعد الدين وليس الأمر كذلك وإنما تظهر له فساد ما سمعته أنت وأصحابك أدلة الدين وأصولاً له وأنت دائماً تقدح فيها فإن كانت هذه الأدلة هي أصول دين المسلمين فأنت من أعظم الناس هدماً لها في مواضع وإلا فلا يضر القدح فيها
ثم يقال كون الجواهر متماثلة أمر غير معلوم قطعاً فإن كان دليل الحدوث مبنيّاً على تماثلها فهو مبني على مقدمة فاسدة أو غير معلومة الوجه السادس قوله لا يبعد في العقل وجود جواهر مختصة بأحيازها على سبيل الوجوب يقال له الأحياز التي هي تقدير المكان ليست أموراً وجودية وإذا لم تكن أموراً وجودية لم يجز أن يختص بعضها بمعنى يقتضي اختصاص جوهر به وحينئذ فالعلم بكون الجواهر لا يجب اختصاصها بأحياز معينة لا يحتاج أن يبني على تماثلها بل يعلم ذلك بدون العلم بتماثلها كما أن كثيرًا من أهل الكلام الذين أثبتوا جواز الحركة والسكون والاجتماع والافتراق على الجواهر من غير بناء على تماثلها مع أن هذه الجواهر المشهودة في السموات والأرض يشهد انتقالها على أحيازها وهذه كافية في إثبات العلم بالصانع لمن سلك هذه الطريق وقد تسلك هنا طرق أخرى ليس هذا موضعها الوجه السابع قوله وحينئذ لا يطرد دليل حدوث
الأجسام في تلك الأشياء يقال له هب أن دليلك لم يطرد لكن من أين قلت إن سائر أدلة الناس تحتاج إلى ذلك ثم غاية ما في هذا أن يكون بعض الأجسام غير معلوم الحدوث بهذا الدليل فإن كان هؤلاء ممن لا يقول بأن الله جسم فيمكنه العلم بحدوث سائر الأجسام بأدلة أخرى ولو بالسمع وإن كانوا ممن يقولون بأنه جسم فلا ريب أن الأجسام عندهم ليست كلها محدثة كما أن الذوات ليست كلها محدثة والموصوفات ليست كلها محدثة لاسيما وأنت تقول عن كل من قال إنه متحيز وأنه في جهة لزمه القول بأنه جسم منقسم بل تقول لكل من قال إنه فوق العرش لزمه أن يقول بأنه جسم فإذا كان المنازعون لك القائلون بأنه على العرش يلزمهم كلهم القول بأنه جسم فكيف تحتج عليهم بأن هذا يستلزم أن لا يقطع بحدوث كل الأجسام وهذا عندك حقيقة المذهب فهل تحتج على إبطال المذهب بنفس حكاية المذهب مع ظهور القول بالنزاع فيه
فصل قال الرازي البرهان السابع أنه تعالى لو كان مختصّاً بالجهة والحيز لكان عظيماً لأنه ليس في العقلاء من يقول إنه مختص بجهة ومع ذلك فإنه في الحقارة مثل النقطة التي لا تنقسم ومثل الجزء الذي لا يتجزأ بل كل من قال إنه مختص بالجهة والحيز قال إنه عظيم في الذات وإذا كان كذلك فنقول الجانب الذي منه يحاذي يمين العرش إما أن يكون هو الجانب الذي منه يحاذي يسار العرش أو غيره والأول باطل لأنه إذا عقل ذلك فلِمَ لا يعقل أن يقال إن يمين العرش عين يسار العرش حتى يقال العرش على عظمته مثل الجوهر الفرد والجزء الذي لا يتجزأ وذلك لا يقوله عاقل والثاني باطل لأن على هذا التقدير تكون ذات الله مركبة من الأجزاء ثم تلك الأجزاء إما أن تكون متماثلة الماهية أو مختلفة الماهية والأول محال لأن على هذا التقدير تكون بعض تلك الأجزاء
المتماثلة متباعدة وبعضها متلاقية والمثلان يصح على كل واحد منهما ما يصح على الآخر فعلى هذا يلزم القطع بأنه يصح على المتلاقيين أن يصيرا متباعدين وعلى المتباعدين أن يصيرا متلاقيين وذلك يقتضي جواز الاجتماع والافتراق على الله وهو محال والقسم الثاني وهو أن يقال إن تلك الأجزاء مختلفة في الماهية فنقول كل جسم مركب من أجزاء مختلفة في الماهية فلابد وأن ينتهي تحليل تركيبه إلى أجزاء يكون كل واحد منها مبرأ عن التركيب لأن التركيب عبارة عن اجتماع الوحدات ولولا حصول الوحدات لما عقل اجتماعهما إذا ثبت هذا فنقول إن كل واحد من تلك الأجزاء البسيطة لابد وأن يماس كل واحد منها بيمينه شيئاً ويساره شيئاً آخر لكن يمينه مثل يساره وإلا لكان هو نفسه مركباً وقد فرضناه
غير مركب وهذا خلف وإذا ثبت أن يمينه مثل يساره وثبت أن المثلين لابد وأن يشتركا في جميع اللوازم لزم القطع بأن ممسوس يمينه يصح أن يصير ممسوس يساره وبالعكس ومتى صح ذلك التفرق والانحلال عن تلك الأجزاء فحينئذ يعود الأمر إلى جواز الاجتماع والافتراق على ذات الله وهو محال فثبت أن القول بكونه في جهة من الجهات يفضي إلى هذه المحالات فيكون القول به محالاً فيقال هذه الحجة هي حجة على نفي كونه جسماً فكان ذكره في الفصل الأول على نفي كونه جسماً أجود من ذكرها هنا ولكن ذكرها هنا لتكون حجة على من قال إنه على العرش وذكر فيها قول من يقول إنه عظيم وليس بجسم فإن النزاع في هذا مشهور لو صرح به لاحتاج إلى كلام آخر وإذا ثبت أنه ليس على العرش أمكن أن ينفي عنه الجسم فيقول لو كان جسمًا لجاز أن يكون على العرش مع أن هذا فيه نزاع بين مثبتة الجسم
كما تقدم ذكره فإن النزاع في كونه على العرش بين مثبتة الجسم وبين نفاته أيضاً فالقائلون بأنه جسم منهم من يقول هو فوق العرش ومنهم من يقول هو في كل مكان بذاته أو أنه ذاهب في الجهات إلى غير غاية وكذلك القائلون بأنه ليس بجسم منهم من يقول إنه على العرش ومنهم من يقول في كل مكان متناهٍ أو غير متناهٍ ومنهم من يقول غير داخل في العالم ولا خارجه فالأقوال أربعة في اختصاصه بما فوق العرش أنه فوق العرش وهو جسم وفوق العرش وليس بجسم وإن كان الخواص من أهل السنة لا يثبتون الجسم ولا ينفونه وأنه ليس فوق العرش وليس
بجسم وأنه ليس فوق العرش وهو جسم وإذا ظهر ما في هذه الحجة فالكلام فيها في المقامين المتقدمين أحدهما قول من يقول إنه فوق العرش وهو عظيم وليس بجسم أو يقول هوجسم وليس بمنقسم ولا مركب وقد تقدم ذكر ذلك وأما المقام الثاني فالكلام فيه من وجوه أحدها قولك والجانب الذي يحاذي يمين العرش إما أن يكون هو الجانب الذي يحاذي يساره أو غيره يقال لا نسلم الحصر بلا لا هو هو ولا هو غيره أو يقال لا نقول إنه هو ولا نقول إنه غيره فإن كثيرًا من متكلمي الصفاتية أو أكثرهم
من الكلابية والأشعرية وطوائف من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية منهم من يقول أقول هي هو ولا أقول هي غيره ولا أقول لا هي هو ولا هي غيره وتوجيه الكلام أنه إما أن يريد بالغيرين ما جاز وجود أحدهما دون الآخر أو ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بمكان أو زمان أو وجود أو يريد بالغيرين ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر فإن أراد بالغيرين الأول لم يسلم أن هذا الجانب هو
ذاك الجانب ولا هو غيره إلا إذا بيَّن جواز أحدهما دون الآخر وهو يحتج بهذا الامتياز على جواز التفرق فيكون هذا دورًا باطلاً لأنه لا يثبت أنهما غيران بهذا التفسير حتى يثبت جواز انفصالهما ولا يثبت جواز انفصالهما حتى يثبت أنهما غيران وذلك دور وإن قيل في جوانب الأجسام المخلوقة إن هذا غير هذا فذلك لجواز وجود أحدهما دون الآخر والله سبحانه وتعالى صمد لا يجوز عليه التفرق والانفصال كما تقدم بيانه وأن هذا الاسم يقتضي الاجتماع والقوة ويمنع التفرق والانفصال وإذا كانت الصمدية واجبة له كان الاجتماع واجباً له والافتراق ممتنعاً على ذاته وقد تقدم في ذلك كلام موجز ومن قال الغيران ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بزمان أو مكان أو وجود فإنه قد يقول إن الصفات مثل العلم والقدرة والحياة ليست كل صفة هي الأخرى ولا هي غيرها لأن محل الصفات واحد وأما الحدود فقد يقولون إن هذا الجانب فارق ذلك
الجانب في المكان وإن كان لا يفارقه في الزمان والوجود فقد يقال إن هذا ليس بافتراق في المكان وهذه منازعات لفظية اصطلاحية وأيضاً فإن المغايرة بين الصفة والموصوف وبين البعض والكل أبعد من المغايرة بين صفة وصفة وبعض وبعض ولهذا يقولون إن الواحد من العشرة ليس هو العشرة ولا غيرها وأن يد الإنسان ليست هي الإنسان ولا غيره وما يقولون إن الواحد من العشرة ليس هو الواحد الآخر ولا غيره وأن يد الإنسان ليست هي رجله لا غيرها بل هي غيرها لجواز وجود أحدهما دون الآخر بخلاف وجود الجملة دون أجزائها فإنه ممتنع وهذا فيما يجوز عليه التفرق من الأجسام المخلوقة وأما الخالق سبحانه فلا يجوز عليه التفرق فلا يقولون إن هذا الجانب منه غير هذا الجانب فيمنعون المقدمة الأولى وإن قال أريد بالغير ما هو أعم من هذا وهو ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر أو ما أمكن الإشارة الحسية إلى أحدهما دون الآخر كما قال من قال من السلف لمن سأله عن قوله تعالى لَاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام 103] ألست ترى السماء قال بلى قال
فكلها ترى قال لا قال فالله أعظم فيقال له وإذا كان يمين الرب غير يساره بهذا التفسير فقولك تكون ذات الله مركبة من الأجزاء أتعني به ورود المتركب عليها بمعنى أن مركباً ركبها كما قال فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ {8} [الانفطار 8] أو أنها كانت متفرقة فتركبت أم تعني أن اليمين متميزة عن اليسار وهو التركيب في الاصطلاح الخاص كما تقدم بيانه
فإن أراد الأول لم يلزم ذلك وهو ظاهر فإن الأجسام المخلوقة أكثرها ليس بمركب بهذا الاعتبار فكيف يجب أن يقال إن الخالق مركب بهذا الاعتبار وهذا مما لا نزاع فيه وهو يسلم أنه لا يلزم من التصريح بأنه جسم هذا التركيب إذ عدم لزومه ظاهر وأما إن أراد بالتركيب الامتياز مثل امتياز اليمين عن شماله قيل له هذا التركيب لا نسلم أنه يستلزم الأجزاء فإن هذا مبني على إثبات الجزء الذي لا ينقسم والنزاع فيه مشهور وقد قررت أن الأذكياء توقفوا في ذلك وإذا لم يثبت أن الأجسام المخلوقة فيها أجزاء بالفعل امتنع أن يجب ذلك في الخالق
وأيضًا فالقائلون بثبوت الأجزاء يعلمون أن الجسم البسيط لم يكن مركباً من الأجزاء بمعنى أنها كونت ثم ركب منها فيكون قوله مركباً من الأجزاء امتياز شيء من شيء وغايته أن يقال امتياز بعض عن بعض كما ورد عن طائفة من السلف التكلم بلفظ البعض فقوله بعد ذلك إما أن تكون متماثلة في الماهية أو مختلفة والأول محال لأنه على هذا التقدير يكون بعض تلك الأجزاء المتماثلة متباعدة وبعضها متلاقية والمثلان يصح على كل واحد منهما ما يصح على الآخر فيلزم القطع بأنه يصح على المتلاقيين أن يصيرا متباعدين وعلى المتباعدين أن يصيرا متلاقيين يقال التماثل في الماهية لا يوجب أن يكون أحدهما عين الآخر ولا أن يساويه في الأحكام اللازمة للتعيين وما يتبع ذلك وبيان ذلك أنه إن قيل المتماثلان يجوز على عين كل منهما
ما يجوز على عين الآخر فليس في العالم شيئان متماثلان بهذا الاعتبار فإن عامة ما يقدر من المتماثلين مثل الحبتين من الحنطة والهبائين ونحو ذلك قد علم أن عين هذا ليست عين هذا وأن الحيز الذي لهذه العين ليس عين الحيز الذي للعين الأخرى ولا الأعراض التي قامت بها هي عين تلك الأعراض وأن ما امتازت به أحدهما عن الأخرى من عينها وصفتها وحيزها لا يجوز أن يكون للأخرى حيز يكون لتلك فإن هذا يستلزم أن يصير عين هذه عين تلك وحيزها حيزها وصفتها صفتها بعينها وذلك يرفع تعددهما ويوجب اتحادهما
ومن المعلوم أن التماثل يوجب التعدد فإن المتماثلين ليسا شيئاً واحداً بل هما عدد فإذا كان التماثل يوجب التعدد فلو اقتضى اتحاد عينهما لكان التماثل يوجب الاتحاد ويوجب التعدد وذلك يقتضي الجمع بين النقيضين فإن العدد إثبات ما زاد على الواحد والاتحاد نفي ما زاد على الواحد والجمع بين النفي والإثبات جمع بين النقيضين فعلم أن إثبات كون عين هذا المثل هو عين ذلك المثل أو كونه في حيزه وصفته ينافي التماثل وهذا ظاهر وإذا كان كذلك فمعلوم أن الجسم الواحد الذي يقال له إن له أبعاضاً وأجزاءً كالجوانب والوسط إذا فرض في غاية البساطة التي توجب تماثل أبعاضه وأجزائه كالنار البسيطة والهواء البسيط والفلك البسيط وما هو أعظم بساطة من ذلك لابد أن يتميز
جوانبه عن وسطه لابد أن يتميز جانب عن جانب ولو بالحيز والصفة وأنه مع مماثلته للجانب الآخر لا يستلزم أن يكون هذا في حيز ذاك وذاك في حيز هذا وعين صفة هذا عين صفة الآخر كما لا يستلزم أن يكون عينه عين الآخر إذ لابد من امتياز أحدهما عن الآخر بعينه وصفته وحيزه وهذا يخصه دون الآخر والامتياز الذي يوجبه التعدد لا يرفعه التماثل فلو جوزنا أن يصير لكل منهما للآخر من أعيان الصفات والأحياز لزم زوال التعدد
وإذا كان لا بد من هذا الامتياز مع التماثل فما هو لازم للشيئين المتغايرين مع تماثلهما ومع اختلافهما من امتياز أحدهما على الآخر بعين ذاته وعين صفاته التي منها التحيز لا يجب أن يشاركه الآخر فيها لأن ذاك يرفع المغايرة وإذا كان كذلك لم يجب في كل جسم مخلوق وإن كان بسيطاً أن يكون طرفه في موضع وسطه ووسطه في موضع طرفه وما لهذا من الصفة المعينة والحيز المعين لهذا وما لهذا لهذا لاسيما إذا لم تكن تلك الأبعاض المتماثلة منفصلة ولا يتميز بعضها عن بعض بالمباينة وإنما هوشيء واحد متصل وأيضا فإذا كانت أبعاضه متماثلة فجواز تفرق المتباعدين وتباعد المتفرقين مشروط بجواز التفرق عليه وإلا فإذا قدر جسم بسيط لا يجوز تفريقه وأبعاضه متماثلة لم يجز أن يقال في هذا إنه يجوز على المتباعدين أن يصيرا متلاقيين وعلى المتلاقيين أن يصيرا متباعدين فإن جواز ذلك مشروط بجواز الافتراق وأيضاً فإذا كانا متماثلين ومن حقيقة أحدهما امتناع المفارقة
عليه لزم أن يكون من حقيقة الآخر امتناع المفارقة عليه فيكون تماثلهما مانعاً من جواز تباعد المتلاقيين وتلاقي المتباعدين فإن أحدهما إذا فارق ملاقيه ثبت جواز المفارقة عليه وذلك يمنع أن يكون مثلاً لما لا يجوز المفارقة عليه وأيضا فالمتماثلان في الحقيقة والصفة إذا كانت مقاديرها متفاوتة لم يجب أن يساوي أحدهما الآخر فيما هو من حكم المقدار كالدينار الصغير مع الدينار الكبير ومما يوضح ذلك أن هذا الافتراق يغير حقيقة الشيء كما يغير ويبدل صفته فإن النار والهواء إذا تبدلت صفة النارية والهوائية فيه خرج عن أن يكون ناراً وهواءً أو أن تكون الأجزاء النارية ناراً وهواءً وكذلك متى تفرق المجتمع الذي حقيقته باجتماعه متى تفرق وتمزق خرج عن حقيقته لجميع المركبات مثل بدن الإنسان إذا قطع قطعاً صغاراً جداً بل كثير من الأجسام تتبدل حقيقته بالتفريق كما تتبدل بالتحويل وإن كان في نفسه بسيطاً وفي الجملة فأصل هذا الكلام أنه فرض تماثلاً وقال فيه يلزم أن يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر فيقال له التماثل الذي سلمناه لم يدخل فيه ما يستلزم جواز التفريق أو جواز حلول كل بعض محل الآخر ولا يدخل هذا في مسمى
التماثل المفروض وإن قلت بل هو داخل في مسمى التماثل الذي فرضته كان النزاع لفظياً وعاد الكلام إلى القسم الثاني فيقال لك لا يكون مماثله بهذا الاعتبار الذي ذكرته كما قد يقال ابتداءً لا يجب أن تكون الأبعاض متماثلة بل يجوز أن تكون غير متماثلة فيقول هؤلاء في القدر ما قاله الباقون في الوصف ويقولون أبعاض المقدار كآحاد الصفات وإذا كان حاملاً لصفات ليست متماثلة كان أيضاً جامعاً لأبعاض ليست متماثلة فما الدليل على بطلان ذلك ونفي ذلك مما ذكره الأئمة من قول الجهمية حيث قالوا عنهم إنهم قالوا لا يكون شيئين مختلفين وليس له أعلى ولا أسفل ولا نواحي ولا جوانب ولا يمين ولا شمال ولا هو خفيف ولا ثقيل ولا له لون ولا له جسم مع ما في الكتاب والسنة وفي اتفاق سلف الأمة وأئمتها من وصفه باليدين والوجه بل وغير ذلك من الصفات التي تقتضي أن لها حقائق لا تسد هذه مسد هذه ولا يسد العلم مسد القدرة فكذلك الوجه واليد لا يسد أحدهما مسد الآخر
قوله والقسم الثاني وهو أن يقال إن تلك الأجزاء مختلفة في الماهية فنقول كل جسم مركب من أجزاء مختلفة في الماهية فلابد وأن ينتهي تحليل تركيبه إلى أجزاء يكون كل واحد منها مبرءاً عن هذا التركيب لأن التركيب عبارة عن اجتماع الوحدات يقال هب أنه تحلل تركيبه إلى أجزاء يكون كل واحد مبرءاً عن هذا التركيب لكن لا يجب أن تكون تلك الأجزاء متماثلة في الصفة والحقيقة وإن كانت جواهر منفردة بل قد يقال إنها متساوية في المقدار بمعنى أنها غير قابلة الانقسام وليست مستوية في الصفة والحقيقة بل حقيقة كل جزء من تلك الأجزاء مخالف لحقيقة الآخر وهذا فيه أن الجواهر المنفردة تكون مستوية في القدر غير مستوية في الحقيقة وهذا قول كثير من الناس أو أكثرهم بل أكثر العالمين على أن الجواهر ليست متماثلة في الحقيقة بل مع تنازعهم في الجوهر هل هو جنس أو جنسان أو ثلاثة أو أكثر من ذلك فإن عامتهم متفقون على أن الجنس الواحد ليس متماثلاً بل هو متنوع إلى أنواع مختلفة فإذا كان القائلون بأنها جنس واحد
لا يقولون بتماثلها فالقائلون بأنها أجناس كثيرة مختلفة أبعد عن القول بتماثلها وقد تقدم حكاية النزاع في ذلك كما حكاه الأشعري وغيره إذا ظهر هذا فقوله بعد ذلك إذا ثبت هذا فنقول إن كل واحد من تلك الأجزاء البسيطة لابد وأن يماس كل واحد منها بيمينه شيئاً وبيساره شيئاً آخر لكن يمينه مثل يساره وإلا لكان هو نفسه مركباً وقد فرضناه غير مركب وهذا خلف وإذا ثبت أن يمينه مثل يساره وثبت أن المثلين لابد وأن يشتركا في جميع اللوازم لزم القطع بأن ممسوس يمينه يصح أن يصير ممسوس يساره وبالعكس ومتى صح هذا فقد صح التفرق والانحلال عن تلك الأجزاء فحينئذ يعود الأمر إلى جواز الاجتماع والافتراق على ذات الله تعالى وهو محال يقال له عن هذا جوابان هب أنك قد فرضته جزءاً بسيطاً لا تركيب فيه بحال ومثل هذا يقال له فيه إنه لابد أن يماس بيمينه شيئاً وبيساره شيئاً آخر فإن هذا يقتضي أن فيه شيئين يميناً ويساراً وهذا يوجب تركيبه وقد فرضته غير مركب فهذا جمع بين النقيضين يوضح ذلك أن مماسته بيمينه شيئاً وبيساره شيئاً هي من
حجج نفاة الجوهر الفرد فإنهم احتجوا بذلك على جواز انقسام ذلك فقد تقدم ذكر ذلك في كلامك وذكرت أن هذا الكلام حجتهم وإذا كان هذا حجة على نفي الجوهر الفرد لم يصح الاستدلال به مع القول بثبوت الجوهر الفرد وهو الجزء البسيط الذي لا تركيب فيه بحال بل يقال لك من رأس قولك كل جسم مركب من أجزاء مختلفة في الماهية فلابد وأن ينتهي تحليل تركيبه إلى أجزاء يكون كل واحد منها مبرءاً عن هذا التركيب لا يخلو إما أن تقول بثبوت الجوهر الفرد الذي لا تركيب فيه أو تقول بأنه ما من شيء من المتحيزات إلا وفيه تركيب يقبل لأجله الانقسام فإن قلت بالأول لم يصح أن تقول لابد وأن يماس بيمينه شيئاً وبيساره شيئاً آخر فإن هذا قول بانقسامه وتركيبه إلى أجزاء يكون كل واحد منهما مبرءاً عن التركيب بل يقال هذا أبداً فيه من التركيب ما يقبل لأجله الانقسام في الكم والكيف لكن هذا الجواب يصح إذا أراد بالأجزاء البسيطة الجوهر الفرد وأما إن أراد البسيطة عن ذلك التركيب وإن كانت مركبة من
أجزاء متشابهة فنذكر الجواب الثاني فيقال هب أن كل جزء من تلك الأجزاء يصح أن يكون ممسوس يمينه وممسوس يساره وبالعكس لكن لمَ قلت إن كل واحد من تلك الأجزاء يصح أن يماس بيمينه ويساره ما يصح أن يماسه الجزء الآخر بيمينه ويساره وذلك لأن تلك الأجزاء إذا كانت مختلفة في الحقيقة مع تساويها في المقدار لم تكن مستوية في الحقيقة والصفة فلا يجب أن يكون حكم كل واحد منها حكم الآخر وإن كان حكم جانب كل واحد حكم الجانب الآخر لاسيما والذي يجب أن ينتهي إليه تحليل المركب من أجزاء مختلفة الحقائق إنما هي المبرأة عن ذلك التركيب إلى أجزاء بسيطة وإن كانت أجساماً بسيطة لا يجب أن تنتهي إلى الجوهر الفرد والأجزاء البسيطة تكون مختلفة الحقائق كما هو التقدير أنه مركب من أجزاء مختلفة الحقائق وقد تقدم أنه إذا سلم لك وجود الجوهر الفرد الذي ينتهي إليه تحليل التركيب لم يسلم لك أن الجواهر مستوية في الحقيقة وهذا أمر يشهد له الحس فإن أجزاء الماء وإن تفرقت وتصاغرت ليست في الحقيقة مثل أجزاء التراب ولا أجزاء الذهب وإن تصاغرت مثل أجزاء الفضة وإن كانت هذه الأجزاء
الصغار ليست هي الجواهر المنفردة بل تلك أصغر منها فإما أن يستدل بما شهد في المحسوسات على ما لم يعلم منها وبقياس غائبها عن الإدراك على شاهدها فهذا من أوضح القياس وأثبته وهو قياس الأجزاء المتساوية في الحقيقة بعضها على بعض في حكم تلك الحقيقة فإن تفاوتها بالصغر والكبر لا يوجب اختلاف حقيقتها وصفتها وإما أن لا يقال إن ذلك الجزء الذي لا ينقسم لا يعلم حكمه أما أن يقال إن الأمور المختلفة في الحقيقة يجب أن تكون أجزاؤها المساوية لها في الحقيقة متماثلة في الحقيقة فهذا مما يعلم ببديهة العقل بطلانه وهذا المستدل قد فرض أجزاء مختلفة في الحقيقة وقال لابد أن ينتهي تحليل تركيبها إلى أجزاء صغار لا تنقسم فيقال هب أن الأمر كذلك إلا أن أجزاء الأجسام المختلفة في الحقيقة لا يقال يجب أن تكون متماثلة بل إذا قيل يجب أن تكون مختلفة لأن بعض الجسم مساوٍ لكله في الحقيقة كان هذا الكلام أصح وأولى بالقبول من أن يقال يجب أن تكون أجزاء الأجسام المختلفة متماثلة في الحقيقة ولهذا كان من قال إن الأجسام متماثلة قال إن الجواهر متماثلة ومن قال إنها مختلفة قال إن الجواهر مختلفة إما أن يقال إن الجواهر متماثلة في الحقيقة ولكن
مجرد ضم بعضها إلى بعض حتى زادت بعد الجمع منها اختلفت في الحقيقة أو يقال إنها كانت متماثلة في الحقيقة فبتفريقها اختلفت في الحقيقة الوجه الثاني أن يقال لا ريب أن مضمون هذه الحجة أنه لو كان على العرش لكان جسماً عظيماً وإذا كان جسماً وجب جواز التفرق عليه وقد تقدم أن القائلين بأنه على العرش منهم من يمنع المقدمة الأولى ومنهم من يمنع الثانية ثم يقال قد أخبر الله تعالى في كتابه أنه الصمد وقد قال عامة السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم إن الصمد هو الذي لا جوف له وقالوا أمثال هذه العبارات التي تدل على أن معناه أنه لا يتفرق واللغة تدل على ذلك فإن هذا اللفظ وهو لفظ الصمد يقتضي الجمع والضم كما يقال صمدت المال إذا جمعته وقد قال من قال من حذاق أهل الكلام وغيرهم إن
هذا تفسير المجسمة لأن الأجسام نوعان أجوف ومصمت كالعظام منها أجوف ومنها مصمت فالحجر ونحوه مصمت قالوا وهذا يقتضي أنه جسم مصمت لا جوف له وهذا يدل على أن صمديته تنافي جواز التفرق والانحلال عليه فلا يخلو إما أن تكون هذه الآية قد دلت على ذلك أو لم تدل عليه فإن كانت دلت على ذلك وعلى أنه مصمت لا جوف له يمتنع عليه التفرق بطل قولك إن كل جسم يصح عليه التفرق والانحلال وإن لم تكن دلت على ذلك فأنت لم تذكر دليلاً عقلياً على امتناع التفرق عليه ولا نصًّا ولا إجماعاً وإذا كان كذلك لم تكن حجتك تامة فإن هذه إحدى مقدمات الدليل فإذا لم يكن مدلولاً عليها لم يكن المذكور دليلاً وإذا لم يكن دليلاً لم يصح نفي كونه جسماً بهذا الدليل فإن قال أنا أثبت امتناع التفريق عليه بالإجماع أو موافقة الخصم قيل له الذي يوافقك على دليل وافقك على أنه مجتمع يمتنع عليه الافتراق ولم يوافقك على أنه لا يوصف باجتماع ولا افتراق وحينئذ فهو يقول أنا ما علمت امتناع الافتراق عليه إلا بوجوب اجتماعه كما أني لم أعلم امتناع
الموت عليه إلا لوجوب حياته ولم أعلم امتناع الجهل والعجز عليه إلا لوجوب علمه وقدرته ولم أعلم امتناع العدم عليه إلا لوجوب وجوده فإن نازعني منازع فيما أثبته وقال ليس بمجتمع أو ليس بعالم أو ليس بحي ولا قادر أو ليس بموجود وطلب مني أن أوافقه على أنه لا يجوز عليه الافتراق والعدم والموت والجهل والعجز ونحو ذلك كان قد طلب مني موافقته على امتناع أحد الضدين دون ثبوت الآخر الذي هو من صفات الكمال أو الذي ليس هو من صفات النقص أو الذي ليس هو عندي من صفات النقص وكان حينئذ من جنس الملاحدة الذين يطلبون أن أوافقهم على أنه ليس بميت ولا عاجز ولا جاهل مع منازعتهم لنا في أنه حي عالم قادر ومن طلب الموافقة على ثبوت الشيء بدون لازمه ليحتج بذلك على نفي اللازم لم يكن علينا أن نوافقه بل لم يكن لنا أن نوافقه فإن نفي اللازم يقتضي نفي الملزوم فإذا وافقناه على ثبوت الملزوم كنا في الحقيقة موافقين له على نفي الملزوم الذي قد وافقناه في الظاهر على ثبوته وإذا كانت الموافقة على ثبوت الشيء تقتضي نفيه لم تجز الموافقة عليه فإذا قال الملحد أنتم توافقون على أنه ليس بميت ولا جاهل ولا عاجز وأنا لا أوافقك على أنه حي عالم قادر وغرضه أن يستدل بنفي هذه الصفات على انتفائها وانتفاء أضدادها بأن يقول كونه حيًّا عالماً قادراً وميتاً جاهلاً عاجزاً يقتضي أنه
موصوف بالحياة والموت والعلم والجهل والقدرة والعجز وهذه أعراض والموصوف بالأعراض يجب أن يكون ممكناً أو يكون جسماً متحيزاً وذلك يقتضي حدوثه وهو محال لم يكن علينا أن نوافقه على ثبوت هذا السلب المستلزم لثبوت كونه حياً عالماً قادراً مع منعه لذلك فإن تحقق هذا السلب بدون هذا الإثبات محال وليس علينا أن نوافقه على شيء يتوسل به إلى القول الباطل بل ليس لنا ذلك إذا كان يتوسل به إلى إبطال حق علمناه فإن هذه الموافقة مثل مصالحة الكفار على ما فيه فساد الإسلام وهذا لا يجوز وهذا كما يذكر عن أبي الهذيل العلاف أنه قال دخلت دار النظر وفيها يهودي قد ناظر قوماً من المتكلمين في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم ألستم توافقوني على أن موسى رسول الله فقالوا بلى قال وأنا أخالفكم على أن محمداً رسول الله والمتفق على نبوته خير من المختلف في نبوته أو نحو هذا
الكلام قال فقلت تعالَ ناظرني قال قد انقطع شيوخك معي فقلت ناظرني فأعاد حجته فقلت له من موسى الذي وافقتك على نبوته أموسى بن عمران الذي أنزل الله عليه التوراة التي فيها خبر محمد صلى الله عليه وسلم وموسى الذي بشر بمحمد صلى الله عليه وسلم وأخذ الله عليه الميثاق ليؤمن نبه ولينصرنه وأخذ الميثاق على قومه ليؤمن نبه ولينصرنه قال أبو الهذيل أو نحو هذا الكلام أم موسى الذي قال تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض وذكر أن شريعته لا تنسخ أبداً أما الأول فإني أوافقك على نبوته ونبوته مستلزمة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأما الثاني فلا أؤمن به ولا أوافقك على نبوته ومثل هذا كثير في المناظرة وقد ذكر هذا المؤسس أبو عبد الله الرازي في نهايته أنه لا يجوز الاحتجاج بهذه الإلزامات كما تقدم بيانه وهو
الاحتجاج بموافقته على مقدمة لمأخذ إن سلّمت ذلك المأخذ بطل الاحتجاج بالمقدمة وإن لم تسلم المأخذ منعت المقدمة وهكذا الأمر هنا فإن المنازع الذي يسلم لك أنه لا يجوز الافتراق والانحلال عليه إنما سلم لك ذلك لأنه صمد يجب أن يكون سيداً مجتمعاً ويمتنع أن يكون متفرقاً فإن كان هذا المأخذ صحيحاً بطل احتجاجك بذلك على امتناع كونه مجتمعاً وإن كان هذا المأخذ فاسداً لم يكن قد سلم لك امتناع الافتراق عليه فلا ينفعك هذا التسليم لا في النظر ولا في المناظرة وكان له أن يقول أنا لا أسلم لك امتناع الافتراق عليه لوجوب كونه صمداً والصمد يوجب الاجتماع وإن فرض أنه لا يقتضي الاجتماع فهو لا ينفي الافتراق أو لا ينفي الاجتماع والافتراق جميعاً فإن أحداً من الناس لايمكنه أن يدعي أن هذا الاسم يدل على نفي الاجتماع والافتراق جميعاً أو على نفي الافتراق وحده إلا بناءً على أن المجتمع يفتقر إلى أجزائه أو نحو ذلك مما تقدم الكلام عليه وأما القياس فلم يذكر حجة على امتناع الافتراق عليه فظهر أن هذا الذي ذكره ليس بحجة أصلاً وهذا يتقرر بالوجه الثالث وهو أن يقال لاريب أن الله سبحانه مقدس منزه عن جواز الافتراق والتمزق عليه سبحانه لكن إقرار الفطر بذلك ليس بأعظم من إقرارها بتنزهه عن العدم والتلاشي بل
علم القلوب بوجوب وجوده وامتناع عدمه أعظم من إقرارها بامتناع تفرقه وانحلاله وهي لما يستلزم عدمه أعظم نفياً منها لما يقال إنه يستلزم تفرقه وانحلاله وإذا كان كذلك فقد استقر في الفطر أن القول بكونه لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق العالم ولا يشار إليه ولا يمكن الإحساس به أدل على عدمه من دلالة كونه مجتمعاً على جواز التفرق عليه فإن الأول عند عامة الناس بديهي فطري وأما الثاني فلا تمكن معرفته إلا بدقيق النظر إن كان صحيحاً فإن كان كذلك فالمتناظران في هذه المسألة يقول النافي فيها للمثبت كون ما نفيته من أنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق العالم ولا كذا ولا كذا يستلزم عدمه إنما هو من حكم الوهم والخيال وأما كون وجوده فوق العرش يستلزم جواز الانحلال عليه فمعلوم بالقياس العقلي البرهاني والمثبت
يقول أما لزوم ما ذكرته للعدم فمعلوم بالفطرة الضرورية العقلية وأما لزوم ما ذكرته أنا للانحلال فإنما هو شبهات مركبة من ألفاظ مشتركة وحينئذ فإن تحاكما إلى فطر العالم السليمة قضت للمثبت على النافي لأن إقرار الفطر بما يقول المثبت معلوم وإقرارها بما يقوله النافي غير معلوم وإن تحاكما إلى المقاييس العقلية فيقال قول هذا الرازي وأمثاله المتقدم في مقدمته إن الإنسان إذا تأمل في أحوال الأجرام السفلية والعلوية وتأمل في صفاتها ذلك له قانون فإذا أراد أن ينتقل منها إلى معرفة الربوبية وجب أن يستحدث لنفسه فطرة أخرى ونهجاً آخر وعقلاً آخر بخلاف العقل الذي اهتدى به إلى معرفة الجسمانيات إما أن يكون هذا الكلام حقًّا وإما أن يكون باطلاً فإن كان حقًّا بطلت هذه الحجة وأمثالها مما بناه على الجوهر الفرد نقياً وإثباتاً وعلى كون الأجسام توصف
بالاجتماع والافتراق وأن الجواهر والأجسام متماثلة أو مختلفة لأن هذه الأمور كلها جسمانيات فالعقل الذي به ينظر في هذه الأمور لا يجوز أن ينظر به في الإلهيات وهذا المؤسس وأمثاله من هؤلاء المتفلسفة والمتكلمة إنما يتكلمون في التجسيم نفياً وإثباتاً بالنظر الذي نظروا به في الجسمانيات المخلوقة فيكون كلامهم كله في ذلك باطلاً ولهذا اعترف أساطين الفلاسفة أن كلامهم لا يفيد في الإلهيات العلم واليقين وإنما ينظر فيها بالأولى والأحرى والأخلق وإن كان هذا الكلام باطلاً لم يصح أن يبطل به ما استقر في الفطر استقراراً ضروريًّا من أن رب العالمين فوق العالم وأنه يمتنع وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه وهذا الكلام في غاية الإنصاف فإن هؤلاء القوم يريدون أن
يبطلوا ما استقر في الفطر بما لا يصح إلا بما استقر في الفطر وربما هو دونه فإن كان ما استقر حقًّا لم يكن لهم دفعه وإن كان باطلاً لم يكن لهم الاحتجاج به على إبطال ما استقر في الفطر فإن هذا يكون قدحاً في الأصل بإثبات الفرع والقدح في الأصل قدح في الفرع وهذه عادة القوم المخالفين للفطرة والشرعة ولهذا كلامهم كله كما قيل حجج تهافت كالزجاج تخالها حقاً وكلٌ كاسر مكسور ومما يوضح هذا أن عامة هذه الحجج التي احتج بها على نفي كونه جسماً ونفي كونه على العرش مثل تماثل الأجسام وتماثل الجواهر ومثل كون الجسم المتناهي يقبل الزيادة والنقصان ويكون ممكناً ومثل كون الجسم مركباً إما تركيب الصفات وإما تركيب المقادير مثل كون الصفة الواحدة لاتقوم بالجسم مثل كون الجسم لا يخلو عن الحركة والسكون ومثل كون تحيز الجسم أمراً وجوديًّا أو أمرًا عدمياً ومثل كون الجسم أو البعد لابد وأن يكون متناهياً أو غير متناهٍ ومثل كون علو بعض الأجسام يستلزم أن يكون تحت قوم ومثل أن الجسم يجوز عليه الافتراق والانحلال ومثلما يأتي من كون الجهة
أعلى من الشيء بل جميع ما يتكلمون به في هذا الباب من لفظ المتحيز والتحيز والجهة والجسم والجوهر والاجتماع والافتراق والحركة والسكون سواء تكلموا به في صفات الباري نفياً وإثباتاً أو تكلموا به في المخلوقات وصفاتها نفياً وإثباتاً أو في أدلة حدوثها وإمكانها أو غير ذلك كل هذه الأمور إنما هو كلام في الجسم وأحكام الجسم وما يتبع ذلك فإن كان هذا الكلام والعقل الذي يعرف به مثل هذا الكلام غير مقبول في العلم الإلهي بطل جميع ما ذكره الفلاسفة والمتكلمون جميعاً مما يتعلق بهذا وإذا بطل لم يصح أن ينفوا بمثل هذا الكلام لما علم بالفطرة ولا ما دلت عليه الشرعة وهذا من أعظم المقاصد وحينئذ فلا يصح قولهم إنه ليس بجسم ولا متحيز ولا في جهة وأنه ليس فوق العالم يشار إليه
وإن كان مثل الكلام والعقل الذي به ينظر في الأجسام وصفاته مقبولاً في العلم الإلهي بطلت مقدمته كلها وكان من أعظم العلوم في العقل أن الباري فوق العالم وأنه يمتنع أن يكون لا داخل العالم ولا خارجه بل يمتنع أن يكون شيء من الموجودات كذلك كما تقدم وهذا بيِّن ولله الحمد والمنة وأما أن يخالفوا ما فطر الله عليه عباده وما أنزل به كتبه وأرسل به رسله بمقاييس لا تدل لهم إلا بمقدمات كثيرة مركبة لابد فيها من الاستدلال بما هو في الفطرة دون ما دفعوه أو مثله مع ما فيها من الألفاظ المشتركة وغيرها فهذا لا يفعله إلا جاهل أو ظالم أو من جمع الأمرين بل هو من أعظم العالمين جهلاً وظلماً لكونه تكلم في الله وأسمائه وآياته بمثل هذا العقل الفاسد وكان من أعظم المطففين في أصول الدين فإذا كان المطففون في الأموال قد قال الله تعالى فيهم وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ {1} الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ {2} وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ {3} أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ {4} لِيَوْمٍ عَظِيمٍ {5} يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ {6} [المطففين 1-6] وقد جاء في الحديث الصلاة مكيال فمن وفَّى وُفِّي له ومن طفّف فقد علمتم ما قال الله في المطففين فكيف في أصول الدين بل في أعظم
أبواب أصول الدين وهو الكلام في رب العالمين وأسمائه وصفاته يكون فيه هذا التطفيف والإخسار العظيم فيبطلون ما فطر الله عباده عليه وأنزل به كتبه بمقاييسهم ويمنعون غيرهم أن يحتج بها عليهم وهي عليهم أدل منها لهم وهذا من أعظم الجهل والظلم والحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيراً من عباده وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً يقرر هذا أن الكلام في الشيء نفياً وإثباتاً مسبوق بتصوره فليس للإنسان أن ينفي شيئاً عن شيء أو يثبته له إلا بعد تصوره تصوراً يمكن معه النفي والإثبات فإذا قال القائل عن موجود إنه جسم أو هو جوهر أو متحيز أو في جهة أو فوق العالم أو غير ذلك أو قال ليس بجسم ولا جوهر ولا متحيز ولا في جهة ولا فوق العالم أو قال إن له علماً وقدرة وحياة أو قال ليس له علم ولا قدرة ولا حياة فكل واحد
من هذين لابد أن يتصور ما نفاه وما أثبته فمن أثبت لله سبحانه وتعالى أمراً من الصفات فإنما أثبته بعد أن فهم نظير ذلك من الموجودات وأثبت به القدر المطلق مع وصفه له بخاصة تمتنع فيها الشركة ومن نفى عن الله شيئاً من هذه الأمور فإنما نفى ما علم نظيره في الموجودات ونفى عن الله أن يكون له مثل ما للمخلوق من ذلك لم ينفِ ما يختص به الرب مما لم يعلم نظيره فإن هذا لم يتصوره حتى يحكم عليه بالنفي فالنافي لا ينفي شيئاً قط إلا ما له نظير فيما أدركه لأن نفس المنفي ما علمه أصلاً لأن النفي المحض لا يعلم بنفسه فإن النفس لا تباشر المعدوم حتى تشعر به وإنما تباشر الموجود وتقيس له نظيراً فينفي ذلك النظير عما هو منتفٍ عنه مثل نفيها لجبل ياقوت وبحر زئبق ونحو ذلك بعد أن علمت البحر والزئبق والجبل والياقوت ثم قدرت معلوماً مؤلفاً من شيئين نظيرهما
موجود ثم نفته وكذلك النفي عن الله من الشركاء والأولاد والنوم وغير ذلك يعلم وجوده في العالم ثم يقدر نظير هذا الموجود في حق الله تعالى في الذهن وينفي عن الله تعالى فأما نفيه قبل العلم به من جهة القياس فممتنع فإنه لا يكون معلوماً ولا يعلم بالمعدوم إلا بنوع قياس فإذاً كل نافٍ فلابد له من القياس على ما في الموجودات الجسمانية وأما المثبت فإنه وإن احتاج إلى نوع قياس فإنه يثبت معه الفارق الذي يقطع المماثلة بالأمور المخلوقة فهو وإن كان جامعاً فمعه فارق أقوى من جامعه بخلاف الثاني فإن عمدته على الجامع وهو القدر المشترك الذي ينفيه وإذا ظهر ذلك فيقال لأرسطو الذي ذكر عنه هذا
المؤسس الذي قال من أراد النظر في العلم الإلهي فليحدث لنفسه فطرة أخرى وقد قرره المؤسس بأن الإنسان إذا تأمل في أحوال الأجرام السفلية والعلوية وتأمل في صفاتها فذلك له قانون فإذا أراد أن ينتقل مكنها إلى معرفة الربوبية وجب أن يستحدث لنفسه فطرة أخرى ونهجاً آخر وعقلاً آخر بخلاف العقل الذي به اهتدى إلى معرفة الجسمانيات أنت يا معلم هؤلاء الصابئة الفلاسفة المبتدعين لما تكلمت
في أقسام العلم بالمقولات العشر وهي الجوهر وأعراضه التسعة الكم والكيف والإضافة والأين ومتى والوضع وأن يفعل وأن ينفعل والملك فهذا وإن كان
كلاماً في الوجود المطلق الذي قد يقولون إنه العلم الأعلى وهو الناظر في الوجود ولواحقه من حيث هو وجود ومنه العلم الإلهي ويجعلون العلم الإلهي يعم هذا كله فهذا نزاع بينكم فهذه المقولات العشر إذا أثبتها للعقول والنفوس ونفس الإنسان ونفيتها عنها أو نفيت شيئاً منها أو نفيتها عن واجب الوجود أو أثبتها أو شيئاً منها له أتحكم في هذا النفي والإثبات بالفطرة التي علمت بها هذه الأمور أم بفطرة أخرى فإن قال بفطرة أخرى كان هذا اعترافاً بأن الفطرة التي
يحكم فيها على الشيء بنفيه وإثباته غير الفطرة التي يتصور بها الشيء فتكون فطرة التصديق غير فطرة التصور ومن المعلوم أن الحاكم بالتصديق العالم به الناطق به إن لم يكن هو العالم بالتصور المدرك له الناطق به كان حكمه باطلاً فيلزم أن يكون جميع ما ذكروه في العلم الإلهي باطلاً لكون الحاكم بالتصديق فيه ليس هو المتصور وإن قلتم بل بالفطرة التي عرفت بها هذه الأمور يحكم بنفيها أو إثباتها بطلت تلك القعقعة التي تشبه قعقعة الشنان التي يقعقع بها للصبيان ليخوفوا بما لا حقيقة له عند الإنسان وعلم أن ما خالفتم به الفطرة والشرعة فكله هذيان بل من الإفك والبهتان الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا {1} قَيِّماً لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً {2} مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً {3} وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً {4} مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً {5} [الكهف 1-5] وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ {100} بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {101} ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ
إِلَاّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ {102} لَاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ {103} [الأنعام 100-103] وليس هذا موضع استقصاء الكلام في هذا وإنما الغرض التنبيه على تناقض هؤلاء وإبطال حججهم وحينئذ يقال في الوجه الرابع قوله إنه إذا كان على العرش وكان عظيماً فلابد أن يكون له جانبان جانب عن يمين العرش وجانب عن يساره ويكون أحدهما غير الآخر العلم بهذا إما أن يكون من العقل الجسماني ومقتضى الحس والخيال أو
لا يكون فإن كان من هذا القسم وهو مقبول قبل نظيره وما هو أولى منه فتبطل هذه الحجة لأن هذا العقل يحكم بأن الموجود لابد أن يكون داخل العالم أو خارجه وإن لم يكن مقبولاً بطلت هذه الحجة وإن قيل إن هذا ليس من حكم العقل الجسماني ومقتضى الحس والخيال وهو قد حكم بأن الموجود العظيم الذي فوق غيره لابد أن يكون جسماً يتميز منه جانب عن جانب بأن يقال إن الحكم بأن الموجود إما أن يكون داخل العالم أو خارجه وأنه يمتنع وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه أولى بأن لا يكون من حكم العقل الجسماني ومقتضى الحس والخيال لأن الحكم الأول فيه تصريح بأنه جسم فإن كان الحكم بأن الشيء جسم ليس من مقتضى العقل الجسماني ومقتضى الحس فالحكم بما لم يصرح فيه بالجسم بل حكم فيه على الوجود مطلقاً أولى بذلك ولهذا يكون مثل هذا الحكم من العلم الأعلى عندهم ومن العلم الإلهي وأما الأول ففيه
نوع من العلم الطبيعي الجسماني قطعاً الوجه الخامس أنه إذا كان جسماً فأنت قد ذكرت في نهايتك النزاع بين الناس في الجسم هل هو في نفسه واحد أو منقسم بعد اتفاقهم على قبولية الانقسام وهي مسألة الجوهر الفرد فقلت في مسائل المعاد المسألة الأولى في الجزء الذي لا يتجزأ لاشك في أن الأجسام التي شاهدناها قابلة للانقسامات والانقسامات التي يمكن حصولها فيها إما أن تكون متناهية أو لا تكون فيخرج من هذا التقسيم أربعة
أقسام أولها أن الانقسامات حاصلة وتكون متناهية وثانيها أن تكون حاصلة وتكون غير متناهية وثالثها أن لا تكون حاصلة ولكن ما يمكن حصوله منها يكون متناهياً ورابعها أن لا تكون حاصلة ولكن ما يمكن حصوله منها يكون غير متناهٍ قال والأول مذهب جمهور المتكلمين والثاني هو مذهب النظام والثالث هو مذهب بعض المتأخرين وهذا
الذي أشار إليه هو الشهرستاني والرابع وهو مذهب الفلاسفة قال فتلخص من هذا أن الخلاف بيننا وبين الفلاسفة في هذه المسألة يقع في مقامين أحدهما أن الجسم مع كونه
قابلاً للانقسام هل يعقل أن يكون واحداً وثانيها أنه بتقدير أن يكون هل يعقل أنه يكون قابلاً للانقسامات الغير المتناهية قال فنحن نتكلم في كل واحد من القسمين ثم نذكر بعده شبه النفاة ونتكلم عليها قال والمعتمد في أن ما يكون قابلاً للانقسام لابد أن يكون منقسماً هو أن وحدة الجسم إما أن يكون غير كونه جسماً أو جزءاً داخلاً فيه أو أمراً خارجاً عنه فإن كان الأول أو الثاني لزم أن يكون تفريق الجسم إعداماً له وذلك محال وإن كان الثالث كانت الوحدة صفة قائمة بالجسم والعرض لا يحدث في المحل ولا يحصل فيه إلا إذا كان المحل متعيناً متميزاً عن غيره ولا يعقل من وحدته إلا تعينه في نفسه وتميزه عن غيره فيلزم أن يكون قيام الوحدة بالجسم متوقفاً على كون الجسم واحداً ثم الكلام في تلك الوحدة كالكلام في الأول ويلزم التسلسل وهو محال وبتقدير إمكانه فلابد أن
ينتهي إلى وحدة تقوم بالذات لا بتوسط وحدة أخرى وإلا لم تكن الذات موصوفة بالوحدة أصلاً وذلك هو المطلوب فهذا الدليل الذي ذكره على امتناع أن يكون شيء من الأجسام واحداً أو على امتناع أن يكون شيء من الموجودات واحداً ومعلوم أن ذلك خلاف الكتاب والسنة وإجماع المسلمين بل إجماع العقلاء قال الله تعالى وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ [النساء 11] وقال ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً {11} [المدثر 11] والقول بأن هذا واحد عن
الإنسان الواحد والحيوان الواحد والشجرة الواحدة والدرهم الواحد من أشهر الأمور عند العامة والخاصة ومن أعرف الأمور عند بني آدم وهو من أوائل العلوم البديهية الحسية عندهم وهو علم العدد وأن الواحد نصف الاثنين فلو لم يكن في الأجسام ما يوصف بأنه واحد والناس لم يشهدوا الأجسام مع أن العلم بأن الواحد المطلق نصف الاثنين موقوف على أن الواحد في الخارج نصف الاثنين إذ العلوم الكلية الذهنية مسبوقة بالعلوم المعينة الوجودية فلو لم يكن في الأجسام ما هو واحد امتنع حكم الذهن بان الواحد نصف الاثنين وهذا من أوائل العلوم البديهية التي يضرب بها المثل في النظر والمناظرة فيكون احتجاجه على أن الجسم لا يكون
واحداً في مقابلة ذلك فيكون من أفسد حجج السوفسطائية لقدحها في أظهر الأمور الحسية البديهية ثم يقال هذه الحجة تستلزم أن لا يكون الله واحداً ولا يكون الجوهر الفرد واحداً إلا به ثم يقال في وحدة ذلك مثل ما قلته في وحدة الجسم وذلك يستلزم أن تكون الوحدة بالذات وبالجوهر الفرد متوقفاً على كونه واحداً فالكلام في تلك الوحدة كالكلام في الأولى وذلك يستلزم التسلسل وهو محال وإذا كانت هذه الحجة تستلزم هذا الكفر فهي تستلزم أيضاً
نقيض المطلوب لأن المقصود بنفي وحدة الجسم إثبات تركيبه من الأجزاء المفردة التي كل منها واحداً فإذا نفيت وحدة الجوهر الفرد استلزمت إبطاله وإذا بطل الجوهر الفرد امتنع كون الجسم مركباً من الجواهر المنفردة فيلزم أن يكون واحداً فصارت هذه الحجة المذكورة لنفي وحدة الجسم مستلزمة لوحدته ونافية لوحدة الجوهر الفرد أيضاً وكل هذا تناقض واعجب من هذا ثم من العجب قولك بعد أن ثبت أن الوحدة تستلزم التسلسل وهو محال ثم قلت وبتقدير إمكانه فلابد وأن ينتهي إلى وحدة تقوم بالذات لا بتوسط وحدة أخرى وإذا كانت الوحدة مستلزمة للتسلسل المحال فكيف يكون تقدير إمكانه مبيناً لك جواز اتصاف شيء بالوحدة من غير توسط وحدة أخرى وكذلك من العجب قولك فلابد وأن ينتهي إلى وحدة تقوم بالذات لا بتوسط وحدة أخرى وإلا لم تكن الذات موصوفة بالوحدة وهو المطلوب فليس هذا هو المطلوب لأن هذا الذي قدرته مع قولك إنه محال يفيد أن الذات توصف بالوحدة من غير أن تتوقف هذه الوحدة على وحدة أخرى للذات وهذا لم ينازعك فيه أحد ولا ينفي وحدة الجسم فإن
وحدة الجسم ليست موقوفة على وحدة أخرى تقوم بالجسم غاية ما في هذا الباب أن وحدة الجسم معها وحدات أخر تقوم بالجوهر إذا أفردت وهذه الوحدة ليست شرطاً في ثبوت الأولى ولا هي سابقة عليها ولا تلك متوقفة عليها ولا هي وحدة الجسم التي وصفت بها الأولى والتسلسل الذي ذكرته إنما يمنع أن تكون وحدة الشيء متوقفة على وحدة أخرى لذلك الشيء وليس الأمر كذلك هنا لكن مع وحدة الجسم وحدة كل موصوف بالوحدة من الأجسام والجواهر وغير ذلك والموصوف بأنه واحد إذا كان مستلزماً إمكان أن ينقسم إلى ما يوصف بأنه واحد لم يكن وحدة موقوفة على وحدة أخرى تقوم به فليتدبر اللبيب كيف ذكر الحجة التي مضمونها نفي كل وحدة في العالم وإحالتها ثم أخذ ثبوت الوحدة مسلماً وادعى أن ثبوت الوحدة بلا واسطة ينفي وحدة الجسم وكلاهما عجب نفي الوحدة مطلقاً ودعوى أن الوحدة بلا واسطة وحدة أخرى تنفي وحدة الجسم ثم يقال عن هذه الشبهة الفاسدة الباردة تعين الواحد جسماً كان أو غيره وتميزه عن غيره لا يخلو إما أن تكون هي وحدته أو لا تكون فإن لم يكن هو وحدة الجسم بطل قولك لا نعقل من وحدته إلا تعينه في نفسه وتميزه عن غيره فبطلت الحجة وإن كان هو وحدته بطل قولك لا تحصل فيه
الوحدة إلا إذا كان متعيناً متميزاً عن غيره تعني قبل ذلك وحينئذ فقد بطلت الحجة أيضاً فسواء كانت الوحدة هي التعين والتميز أو كانت غيره لم يلزم أن يكون قيام الوحدة بالجسم متوقفاً على وحدة أخرى وهذا ظاهر وسواء كانت الوحدة أمراً وجوديّاً أو عدمياً فليس المقصود هنا بسط الكلام على هذا وإنما الغرض من التنبيه على أن ما يستدل به على أن الجسم فيه انقسام وتركيب وكثرة وأنه ليس بواحد من أفسد الحجج فإنه قد بنى على هذا الأصل الفاسد كثيراً من تجهمه وتعطيله الذي جحد فيه حقيقة أسماء الله وصفاته وما هو عليه في ذاته أما كون الجسم قابلاً للانقسامات التي لا تناهى أو غير قابل فهذا ليس لنا فيه هنا غرض وهو احتج على نفي ذلك بالحركة وأنها موجودة في الحاضر وإلا لم تكن موجودة في
الماضي والمستقبل وأن وجودها الحاضر لا ينقسم وإلا لكان الحاضر ماضياً ومستقبلاً وإذا لم تنقسم الحركة إلى غير نهاية لم تنقسم المسافة التي تكون الحركة عليها فلا يكون في الجسم الذي هو مسافة انقسام لا يتناهى وعارض ذلك بعشرة أوجه مثل تميز اليمين عن الشمال وانقسام الجزء الموضوع على جزأين وغير ذلك من الوجوه ثم قال في الجواب وأما المعارضات التي ذكروها فاعلم أنا نميل إلى التوقف في هذه المسألة بسبب تعارض الأدلة فإن إمام الحرمين صرح في كتاب التلخيص في
أصول الفقه أن هذه المسألة من محارات العقول وأبو الحسين البصري وهو أحذق المعتزلة توقف فيها فنحن أيضاً نختار الوقف فإذن لا حاجة إلى الجواب فهذا قوله
في الانقسام الممكن هو متوقف فيه وقوله ونقول في نفي وحدة الجسم وثبوت الانقسام الحاصل قد ظهر فساده لكل أحد وإذا كان الأمر كذلك فقوله لو كان على العرش لكان منقسماً مركباً أو لكان جسماً لكان منقسماً مركباً أو لو كان العرش لكان عظيماً ولكان منقسماً مركباً إلى الأجزاء قد تبين فساده وظهر أن قوله إذا كان عظيماً فلابد أن يكون أحد جانبيه غير الآخر ويكون على هذا التقدير ذات الله مركبة من الجزاء كلام باطل لم يقرر تركيباً موجوداً في الأجسام المشاهدة ولا أن فيها أجزاءً موجودة بل ادعى فيها ما يضحك عليه الصبيان وأما قبولها للتجزئة إلى غير غاية فقد توقف فيه فأكثر ما يبقى معه أن الجسم وإن كان واحداً لكنه يقبل التجزئة إلى حد
محدود وهذا قول الشهرستاني مع أنه يستخف بهذا القول أحياناً وقد اضطر إلى موافقته لكن هذا أكثر ما فيه أنه يمكن في الجسم من حيث الجملة أن ينقسم بمعنى أن ذات الجسم من حيث هو جسم لا تكون مانعة من الانقسام وهذا حق فإن من الأجسام ما ينقسم حقيقة فلو كان حقيقة الجسم مانعة من الانقسام لم يصح الانقسام على شيء من الأجسام لكن هذا لا يثبت له قبول كل جسم للانقسام فضلاً أن يكون العلي العظيم الكبير المتعال الذي هو على عرشه العظيم مركباً من الأجزاء كما ادعاه فإنه إذا كان الجسم واحداً وقبول القسمة لم يثبت إلا لبعض الأجسام لم يلزم أن يكون رب العالمين منقسماً ولا قابلاً للقسمة فلا يكون مركباً من الأجزاء لا الأجزاء الموجودة ولا الأجزاء المقدرة الممكنة ثم إذا كانوا في الأجسام المشهودة قد اضطربوا أو تحيروا في تركيبها وانقسامها وعدوا ذلك من محارات العقول كيف يصح منهم الحكم على رب العالمين بمثل هذه الأمور نفياً وإثباتاً وهذا بيِّنٌ ولا حول ولا قوة إلا بالله
الوجه السادس أن يقال هب أنه يلزم أن يكون فيه أجزاء وأبعاض بمعنى أن فيه ما يميز منه شيء عن شيء كما أن الفلك يتميز منه شيء من شيء وجانب من جانب وهذا هو المعنى بالتركيب من الأجزاء فهذا يكون بمنزلة الصفات القائمة من العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر وسائر الصفات فقولك في تلك الأمور التي سميتها أجزاءً إما أن تكون متماثلة أو مختلفة فيقال لك مثله في الصفات التي سمتها نفاة الصفات كابن سينا وغيره أجزاءً ويقولون واجب الوجود ليس فيه أجزاء لا أجزاء حد ولا أجزاء كم وإن كانت
هذه تسمية باطلة كما قد قررناه في غير هذا الموضع فتسميته أيضاً تشبهها كما قد قررناه والنزاع هنا ليس في اللفظ بل في المعنى فيقال لك في تلك الصفات إن كانت متماثلة وجب أن تقوم كل صفة مقام الأخرى فيقوم العلم مقام القدرة والحياة مقام الكلام وهذا باطل وإن كانت مختلفة فكل صفة تشارك الأخرى في كونها صفة وتفارقها في خصوصيتها وما به الاشتراك غير ما به الافتراق فتكون كل صفة مركبة من جزأين جزء به الاشتراك وجزء به الامتياز ثم كل واحد من ذينك الجزأين يشارك غيره في جزء ويفارقه في جزء وهلم جرا فالقول في تركب كل مركب من جزأين وتركب كل جزء من جزأين يعم ما يقال إنه مركب تركيب المقدار والكم وما هو مركب تركيب الصفة والكيفية فإن أوجب أحد التركيبين
الانحلال إلى ما لا تركيب فيه أوجبه الآخر وإلا فلا وحينئذ فيعارض ما ذكرته في تركيب المقدار مثله سواء فيقال لك إن لم يوجب التركيب والانحلال إلى ما لا تركب فيه لم يجب ذلك في الموضعين فبطلت الحجة وإن أوجب ذلك بانحلال المقدار إلى جزء لا تركب فيه فانحلال الصفة إلى جزء هو صفة لا تركب فيها وإذا قيل في أجزاء المقدار إنها متماثلة وإلا كانت مركبة قيل في أجزاء الكيفية إنها متماثلة وإلا كانت مركبة وإذا قيل إن تماثلها يوجب أن يجوز على كل واحد ما يجوز على الآخر قيل إن تماثل تلك يوجب أن يجوز على كل واحد ما يجوز على الآخر وحينئذ فيجب أن يوصف العلم بما توصف به القدرة وتوصف الحياة بما يوصف به الكلام ويسد كل منهما مسد الآخر وهذا مع أنه محال فذلك يستلزم جواز الاكتفاء بصفة عن سائر الصفات وذلك يستلزم عدم وجوب هذه الصفات للذات وهذا أبلغ مما ألزمه في المقدار من جواز انحلال الذات وتفرقها فإن عدم كيفيات الموجود أو الجسم أبلغ في عدمه
وتلاشيه من تفرق أجزائه ولهذا كثير من الأجسام يفترق ثم يجتمع كما يتفرق الماء ثم يجتمع وأما إذا بطلت كيفيته مثل بطلان المائية والنارية فإنه يكون فاسداً مستحيلاً وهذا وإن كان إلزاماً لمن يثبت الصفات فهو لازم لكل أحد أيضاً فإنه لابد من إثبات وجود ووجوب ونحو ذلك أي معنى أثبت جعل فيه نظير هذا التركيب وهذا لازم لابن سينا ونحوه من الملاحدة أيضاً فإنه يقال في الوجود والوجوب إن الموجود يشارك غيره من الموجودات في مسمى الوجود ويفارقها في خصوصه والوجوب بالذات يشارك الوجوب بالغير في مسمى الوجوب ويفارقه في كونه بالذات وكذلك يقال في العاقل والمعقول والعقل والعناية وكونه فاعلاً أو مبدأ أو
علة أو غير ذلك إذ لا بد لكل من أثبت موجوداً من أن يثبت وجوداً واجباً ويلزمه فيه هذه اللوازم وقد بينا هذا فيما تقدم وابن سينا كان من الملاحدة وكان أبوه من دعاتهم
وذكر هو أنه بسبب ذلك اشتغل فيما اشتغل به من علوم الفلاسفة الصابئة الأوائل فإن أصول الملاحدة مبنية على ما أخذوه من هؤلاء الصابئة وما أخذوه من المجوس وهؤلاء الصابئة المبتدعون يقولون إن العالم متولد عن الله والمجوس يجعلون له شريكاً في خلقه فالطائفتان كما قال تعالى وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام 100] وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ [الإسراء 111] وهو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد فإن المجوس تجعل إبليس وهو أصل الظلمة هو شريك النور في التخليق فيجعلون الجن شركاءه وليس هذا موضع بسط هذا ولكن ننبه على أن كتاب الله لما كان دعوة لجميع الخلق ففيه تفصيل كل شيء وهو
الحاكم بين جميع الناس فيما اختلفوا فيه ولهذا أراد النصير الطوسي ونحوه من ملاحدة المسلمين واليهود على أن يضعوا للدولة الكافرة المشركة الجاهلة دولة هولاكو عقيدة واتفقوا على أن تكون عقيدة ابن سينا ولهذا كانت الملاحدة تميل إلى هؤلاء المشركين كثيراً وكان ملكهم هولاكو يقرب الملاحدة ويستعين بهم على المسلمين لما عرف مباينتهم في الباطل للإسلام وأهله مع منافقتهم لهم
في الظاهر الوجه السابع قوله إن تلك الأجزاء إما أن تكون متماثلة الماهية أو مختلفة الماهية يقال قد تبين أن ما ذكرته لا يستلزم أن تكون هنا أجزاء موجودة وغاية ما يلزم ما ذكرته تمييز شيء عن شيء وجانب عن جانب والذي يكون كذلك يقال في صفاته ما يقال فإذا قيل إنه مع أنه واحد فهو ذو أبعاض يتميز منه شيء من شيء فكذلك يقال في صفاته القائمة به وفي حيزه وفيما يلاقيه ففي الجملة متى فرض تميز شيء منه عن شيء وقيل إن ذلك أبعاض ولكل بعض خاصة تميز بها ثم يقال وساء كان هناك أجزاء وأبعاض موجودة يتميز بعضها عن بعض أو لم يكن فإذا قيل كل بعض إما أن يماثل الآخر أو لا يماثله قيل إن أردت بالمماثلة أن يقوم مقامه فيما يختص بعينه فلا يكون في العالم شيئان متماثلان وإن أردت بالتماثل أن يقوم مقامه فيما يكون لنوعه لا لعينه قال لك المنازع إنها متماثلة وإذا قال ذلك لم يجز أن تقول فيصح أن يكون الملاقي مباعداً والمباعد ملاقياً لأن ذلك الملاقي في صفات عينه مجاورته
لما جاوره وحيزه المعين وتلك الصفة لا يقوم فيها غيره مقامه وإن كان مثله كما تقدم فلا يلزم من كونهما متماثلين أن يصير الملاقي مباعداً والمباعد ملاقياً وقولنا المثلان يصح على كل منهما ما صح على الآخر إنما هو فيما ليس من خصائص العين والملاقاة والمباعدة من خصائص العين فإن الملاقي إذا صار مباعداً خرج عن حيزه المعين وعن أن يكون ملاقياً لما كان ملاقياً له ووجب أن يصير ملاقياً لغيره وكذلك المباعد وحينئذ فتختلف صفات عينه بالتفريق فلا يكون ذلك لازماً لكونهما مثلين فلا يلزم من التماثل ذلك الوجه الثامن أن يقال هذه التي سميتها أجزاءً سواء كانت أجزاءً مقدرة أو هي متميزة تميزاً حقيقيّاً لا يخلو إما أن تريد بكل واحد منها الجزء الذي لا يتجزأ وهو الجوهر الفرد أو ما هو اكبر من ذلك فإن أردت بالأجزاء الجواهر المنفردة وقد قلت إما أن تكون متماثلة الماهية أو مختلفة فيقال لك هب أنها مختلفة في الماهية ما الذي يلزم قولك والقسم الثاني وهو أن يقال إن تلك الأجزاء مختلفة في الماهية فنقول كل جسم مركب من أجزاء مختلفة الماهية فلابد وأن ينتهي تحليل
تركيبه إلى أجزاء ويكون كل واحد منها مبرءاً عن هذا التركيب يقال لك هذا باطل على هذا التقدير لأن كل واحد من تلك الأجزاء المختلفة الماهية إذا كان جزءاً لا ينقسم وهو الجوهر الفرد امتنع حينئذ أن يكون مركباً وأن يتحلل إلى أجزاء أخر فإنه لا تركيب فيه بحال أكثر ما يمكنك أن تقول فيه ما قلته في الأجزاء التي يتحلل إليها من لزوم مماسته بيمينه شيئاً وبيساره شيئاً آخر لكن يقال لك هذا أولاً باطل في الجزء الذي لا ينقسم وقولك لكن يمينه مثل يساره وإلا لكان هو نفسه مركباً وقد فرضناه غير مركب كلام متناقض ينقض بعضه بعضاً فإنه إذا كان له يمين ويسار كان مركباً وقولك يمينه مثل يساره والمثلان غيران يقتضي أن فيه غيرين وهذا تركيب أيضاً وتماثل جانبيه لا يخرجه عن أن يكون مركباً فقولك وقد فرضناه غير مركب تناقض وكذلك قولك ودعواك أنه تماثل يمينه يساره وإلا لكان هو نفسه مركباً يقتضي أنه مع تماثل جانبيه يكون غير
مركب ومع عدم تماثلهما يكون مركباً وليس الأمر كذلك بلا نزاع وأيضاً فإنه على هذا التقدير الأجزاء المختلفة في الحقيقة وإذا كانت مختلفة في الحقيقة لم يلزم أن يجوز على كل واحد منها ما جاز على الآخر بل يمتنع تساويهما فيما يجب ويجوز ويمتنع فلو وجب أن يقوم كل منهما مقام الآخر لكانت متماثلة والتقدير أنها مختلفة هذا تناقض فعلم أنه يمتنع مع كون الأجزاء غير منقسمة وهي مختلفة في الحقيقة أن يقوم بعضها مقام البعض وحينئذ فيبطل لزوم تفرقها بل يقال إذا كان تفرقها يوجب قيام بعضها مقام بعض امتنع تفرقها مع كونها مختلفة لأن الحقائق المختلفة يمتنع أن يقوم بعضها مقام بعض هذا إن أراد بالأجزاء الجواهر المنفردة وهو المفهوم من إطلاق تفرقها وإن أراد بالأجزاء الأجزاء الكبار قيل الوجه التاسع وهو أن المعنى أنه مركب من أجزاء كبار بحيث يلزم إذا كانت مختلفة أن يكون الجزء منها ينحل إلى أجزاء لا تنقسم وقد قلت إما أن تكون متماثلة أو مختلفة فيقال لك نقدر أنها متماثلة وهي وإن كانت متماثلة في الصفة
فلها قدر في نفسها ليست أجزاء منفردة إذ التقدير كذلك وإذا كانت كذلك لم يلزم أن يكون الطرف منها وسطاً لأن الطرف يكون غير منقسم وغير المنقسم لا يسد مسد الجزء الكبير الذي قد ينقسم وإذا لم يكن كذلك لم يلزم جواز تباعد المتلاقيين وتلاقي المتباعدين لتباين مقاديرهما وأشكالهما وأن الذي يقوم مقام غيره لابد أن يكون مساوياً له في الصفة والقدر جميعاً لاسيما وعلى هذا التقدير فيمكن أن يكون بعضها أكبر من بعض لأنه أكثر ما يلزم أن يكون كل جزء منها يمكن انقسامه ليصح الحكم عليها بالتحليل إلى الذي لا ينقسم حتى يتوجه كلامه في القسم الثاني وإذا لم يجب إلا ذلك لم يلزم تساويها في المقدار وإذا لم يلزم تساويها في المقدار لم يجب أن يقوم بعضها مقام بعض فلا يلزم جواز التفرق والانحلال فحاصله أن هذه الأجزاء إن قدرها منقسمة جاز اختلاف مقاديرها وأحكامها قلم يلزم قيام بعضها مقام بعض وعلى التقديرين يبطل ما ذكره من لزوم التفرق والانحلال الوجه العاشر أن يقال الذات التي هي واجبة الوجود بنفسها وصفاتها لازمة لها لا يجوز أن توصف بما توصف به الذات الممكنة الجائزة وذلك لأن الأجسام المخلوقة لها أبعاض وصفات فيجوز أن الله يفرق بين أبعاضها ويجوز أن يزيل صفاتها عنها كما يجوز أن يعدمها والله سبحانه وتعالى
لا يجوز عليه العدم ولا يجوز أن تفارقه صفاته الذاتية فبتقدير أن يكون على العرش وهو عظيم يتميز منه جانب عن جانب يكون ما هو داخل في مسمى اسمه من الأمور اللازمة التي لا يجوز أن تفارق ذاته ويكون ما هو موصوف به من الاجتماع والاتصال أمراً واجباً لذاته لأنه الصمد كما تقدم وهذا ظاهر وإن كان واجباً فبتقدير تماثل الأبعاض مع هذا لا يستلزم جواز التفرق لأن وجوب الاجتماع والاتصال يوجب أن يكون مكان كل واحد وحيزه داخلاً في عينه الحاصلة والمثلان لا يجب أن يوصف أحدهما بما يوصف به خصوص عينه ولأن الموجب للاجتماع والاتصال ما تستحقه الذات من وجوب وجودها بصفاته اللازمة وإذا كان كذلك فصار المتلاقيان متباعدين والمتباعدان متلاقيين بغير اجتماع الذات واتصالها عما كان عليه فلم يقم أحدهما مقام الآخر ولا يسد مسده فلا يكونان مثلين وهذا يتقرر بالوجه الحادي عشر وهو أن يقال هب أن الأجزاء متماثلة فقولك والمثلان يصح على كل واحد منهما ما يصح على الآخر فعلى هذا يلزم القطع بأنه يصح على المتلاقيين أن يصيرا مباعدين وعلى المتباعدين أن يصيرا
متلاقيين وذلك يقتضي جواز الاجتماع والافتراق وإنما يكون كذلك لو كانا بعد تغيرهما بالتباعد والتلاقي يبقى تماثلهما وليس كذلك بل إذا تفرق أجزاء الذات المجتمعة تغيرت الأجزاء ولم تبق بعد الافتراق كما كانت حال الاجتماع وهذا مشهود في الأجرام المخلوقة فإن اجتماع بعضها ببعض يوجب لها من القوة وغيرها من الصفات ما لا يوجد عند الافتراق حتى إن من أحكامها وأحكام الذات التي هي أبعاضها ما لا يصح إلا عند الاجتماع والتفرق يبطل ذلك وإذا كانت بالتفرق تخرج عما كانت عليه حين الاجتماع لم يلزم من تماثلهما جواز تفرقها لأن التفرق يخرجها عن المماثلة فيكون التقدير إذا كانت متماثلة وجب أن تصير غير متماثلة يقرر هذا بالوجه الثاني عشر وهو أن كل جسم مؤلف هو يشتمل على جواهر منفردة كما ذكر وهي متماثلة كما ذكر والمثلان يصح على كل واحد منهما ما صح على الآخر فيقال لا يخلو إذا تفرقت هذه الأجزاء أن تكون حين افتراقها كما كانت حين اجتماعها أو لا تكون فإذا كانت كذلك لزم أن يكون كل جسم في العالم إذا افترقت أجزاؤه إلى الجوهر المنفرد أن يكون حال تلك الجواهر حينما كانت متصلة وهي تلك الذات كحالها حين تفرقها وفساد هذا معلوم بالحس والبديهة فإن
الجسم ليس هو إلا تلك الجواهر وتركيبها فإذا فرض أن حالها مع زوال التركيب كحالها مع التركيب وجب أن تكون موصوفة حال افتراقها بما كانت موصوفة به حال اجتماعها وهذا معلوم الفساد بالحس والبديهة لأن عامة الأجسام إذا تفرقت أجزاؤها بطل عامة صفاتها وأحكامها وإذا كانت حين افتراقها بخلاف ما كانت حين اجتماعها لم يلزم من تماثلها جواز افتراقها لأن ذلك يقتضي اختلاف حالها وليس الشيء إلى مثله بأقرب منه إلى نفسه فإذا كان الشيء إذا خالف غيره بشيء لم يجب أن يكون مثله فالشيء الواحد إذا وجب بانتقاله من حيز إلى حيز اختلاف حقيقته أن لا يجب ذلك فيه بطريق الأولى وحينئذ فيقال الوجه الثالث عشر وهو أن تماثلهما يوجب اشتراكهما فيما يجب ويجوز ويمتنع عليها والواحد منها يمتنع عليه أن يفارق عينه لأن ذلك يقتضي استحالته وتغيير حقيقته والواجب الوجود لا يجوز عليه ما يفضي إلى استحالته وتغيير حقيقته فإذاً مع تماثلهما يجب اشتراكها في امتناع استحالتها وتغيير حقيقتها وذلك يقتضي تماثلها في امتناع الافتراق عليها لأن الافتراق يبطل حقيقتها وهذا يظهر بالوجه الرابع عشر وهو أن صفات الجسم
المخلوق وأعراضه يجوز أن يفرقها الله تعالى فإن اقتضى ذلك استحالته وتغير حقيقته لأن الله تعالى قادر على ذلك ف محذور فيه وأما صفات الرب كحياته وعلمه وقدرته فلا يجوز أن تفارق ذاته لأن ذلك يلزم استحال الرب وتغير حقيقته وذلك محال فزوال صفاته الذاتية محال ولا يلزم إذا كان غيره من الموجودات يجوز أن تفارقه صفاته أن يقال في حق الله تعالى يجوز أن تفارقه صفاته وكذلك إذا كان غيره من ذوات الأقدار يجوز أن تتفرق أبعاضه لأن ذلك يقتضي تغير حقيقته وهو محال وإذا قيل الأبعاض متماثلة كان هذا مما يوجب اشتراكها فيما يمتنع عليها من العدم وتغير الحقيقة كما أن الصفات مشتركة في ذلك وإن كانت غير متماثلة فالأبعاض المتماثلة أولى بالاشتراك في ذلك الوجه الخامس عشر أن يقال قولك إما تكون متماثلة الماهية أو مختلفة الماهية تقسيم غير حاصر لأن التماثل والاختلاف فرع التغاير ونحن لا نسلم أن الواحد منها يقال إنه عين الآخر حتى يقال إنه مثله أو خلافه ولا يقال هو هو كما يقوله كثير من الصفاتية أو أكثرهم في العلم والقدرة والحياة إن أحدها وإن
لم يكن عين الآخر فلا يقال إنه غيره ولا أنه مثله ولا خلافه لأن التماثل والاختلاف فرع التغاير فإن الغيرين إما أن يكونا مثلين أو خلافين والخلافان إما أن يكونا ضدين أو خلافين غير ضدين وإذا كان كذلك فالمتغايران ما يجوز وجود أحدهما دون الآخر ولا ينقض هذا بالخالق والمخلوق فإن الله يجوز وجوده بدون المخلوق وصفات الحق لا يجوز وجود بعضها دون بعض فلا تكون متغايرة ولا توصف بتماثل ولا اختلاف الوجه السادس عشر هب أن يقال إنها غير متماثلة بل هي مختلفة أو بعضها مختلف وبعضها غير مختلف حيث وردت النصوص بأسماء تقتضي حقائق غير متماثلة كقوله تعالى مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص 75] وقوله وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ {27} [الرحمن 27] وقوله وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي {39} [طه 39] وقول النبي صلى الله عليه وسلم المقسطون
على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين وقوله يقبض السموات بيمينه والأرض بيده الأخرى وفي رواية
في الصحيح والأرض بشماله إلى سائر ما ورد في هذا الباب مما يطول وصفه فإما أن يجب تحللها إلى أجزاء متماثلة أو لا يجب فإن وجب ذلك جاز على كل شيئين مختلفين أن يصيرا متماثلين بل وجب منهما أن يكونا متماثلين فإنه إذا وجب تحللهما إلى الأجزاء المتماثلة التي يجوز على كل واحد منهما ما يجوز على الآخر فقد وجب أن يجوز على أجزاء كل واحد ما جاز على الآخر ومن الجائز على أجزاء كل واحد التباعد والتلاقي كما ذكره فيجب فيه جواز تفرق أجزائه وجواز أن يسد كل واحد منهما مسد الآخر وذلك يستلزم أن يجوز على كل مختلفين أن يكونا متماثلين فقد اشتركا في أنه يجوز أن يجب ويمتنع ويجوز على أحدهما ما جاز على الآخر فإذا اشتركا في جواز ذلك لزم من ذلك محالات منها أن يشتركا في جواز الممتنع والجائز لا يكون ممتنعاً بل هو نقيضه فيكونا قد اشتركا في جواز النقيضين عليهما
وأيضاً فإنه إذا جاز على أحدهما ما يجوز على الآخر ووجب ما يجب له وامتنع عليه ما يمتنع عليه ولو بواسطة يتماثلان فيها لزم أن يكونا متماثلين وذلك يقتضي أن يكون كل مختلفين متماثلين وهذا قلب للحقائق وتبديلها وهو من أعظم السفسطة وهذا على أصله لازم من وجه آخر فإن عنده جميع الأجسام متماثلة فإذن ليس في الأشياء التي لها أجزاء أشياء مختلفة بحال فقوله تلك الأجزاء إما أن تكون متماثلة أو مختلفة إنما هو تقدير وإلا فعلى أصله لا تكون إلا متماثلة ليس في الأجسام عنده ما هو غير متماثل وإن كان في هذا من السفسطة ومكابرة الحس والعقل ما فيه مع مخالفة نصوص القرآن التي تثبت عدم تماثل الأجسام كقوله تعالى يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ {38} [محمد 38] ونحو ذلك مما تقدم ذكره وإن لم يجب تحللها إلى أجزاء غير منقسمة بطل ما ذكرته الوجه السابع عشر أن يقال قولك كل جسم مركب من أجزاء مختلفة الماهية فإنه لابد أن ينتهي تحليل تركيبه إلى أجزاء لا تركب فيها يصح أن يمس كل منهما بيمينه ما يمسه
بيساره لا يخلو إما أن يدخل رب العالمين في هذه القضية على تقدير كونه على العرش أو لا يدخله فإن لم يدخله لم يكن هذا حجة ولم يكن في هذا الكلام فائدة وإن أدخله في هذا القياس الشمولي فقد ضرب لله مثلاً بكل جسم حقير وغير حقير حين مثَّله بالبعوضة ونحوه مما فيه أجزاء مختلفة وهذا فيه إشراك بالله تعالى وعدل لله وجعل أنداد له وجعل سمي له وكل ذلك ممتنع على الله تعالى ولا يقال هذا إنما هو إشراك به وتمثيل على هذا التقدير لأنه يقال بطلان هذا التقدير يكون ممكناً إمكاناً ذهنيّاً فيجوز أن يكون ثابتاً في نفس الأمر فلا يجوز أن يُجعل لله شريكٌ على تقدير يجوز أن يكون ثابتاً في نفس الأمر قبل أن يعلم انتفاؤه وإذا علم انتفاؤه لم يكن هذا موجباً للعلم بانتفائه لكن قد يقال هذا دليل ثانٍ فيقال هذا التقدير عند منازعيك حق لأن القرآن والعقل قد دل على أن الله فوق العرش فإذا كنت قد جعلت لله أنداداً وأمثالاً وسميّاً على هذا التقدير الذي ثبت بالكتاب والعقل فقد ثبت بالكتاب والعقل أنك جعلت لله عدلاً وسميّاً ومثلاً أيضاً فيقال لك في
الوجه الثامن عشر من أين لك إذا كان الله فوق العرش وقلت كونه يجب أن يكون جسماً فيه حقائق غير متماثلة أن يكون مساوياً لجميع الأجسام المؤلفة من أجزاء مختلفة ليس العلم بهذا إلا محض قياس الله تعالى على خلقه وتمثيله بهم وهو باطل وتقرير ذلك بالوجه التاسع عشر وهو أن يقال ما تنازع فيه الناس من الصفات نفياً وإثباتاً هل يسوغ لمن يثبته أن يمثل الله بما ثبت له من تلك الصفات من جميع المخلوقات أم لا يسوغ ذلك فإن ساغ ذلك ساغ أن يقال لو كان عالماً لكان بمنزلة جميع العلماء ولو كان حيّاً لكان بمنزلة جميع الأحياء بل يقال هذا فيما لا نزاع فيه مثل أن يقال لو كان موجوداً لكان بمنزلة سائر الموجودات بل يقال لو كان في الوجود موجود واجب لكان بمنزلة سائر الموجودات ومعلوم أن هذا باطل بالبديهة والحس فبطل إذا كان جسماًَ فيه حقائق أن يكون كسائر الأجسام المختلفة الأجزاء فإن قلت الفرق بينهما أن الأجسام متماثلة بخلاف العالمين والقادرين والموجودات قيل هذا باطل كما تقدم ثم إنه غير نافع لأن غاية هذا التقدير الذي نتكلم عليه أن
تكون فيه أجزاء مختلفة الماهية وإذا كانت أجزاء الجسم مختلفة الماهية فهي مخالفة لغيره من الأجسام بطريق الأولى والأحرى وإذا كان الكلام على تقدير أن لا تكون الأجسام أجزاؤها متماثلة لم يجز أن تحتج على هذا التقدير بما يستلزم تماثل الأجسام لأنه يكون جمعاً بين النقيضين فظهر أنه إذا قيل هذا التقدير فكل جسم مركب من أجزاء مختلفة لم تعلم هذه القضية الكلية إلا بمحض تمثيل الله بخلقه المستلزم أن يمثل إذا سمي باسم أو وصف بوصف بكل مسمى أو موصوف بذلك الاسم والصفة وأن يكون مثله في حقيقته وفساد هذا معلوم بالبديهة والحس وهو من أعظم وأغلظ الكفر ولهذا كانت الأمثال المستعملة في جانب الربوبية في الكتاب والسنة وكلام العلماء هي من باب الأولى وهو أن ينزه بعض خلقه عن بعض كالشريك والبنات والفقر فيقال الله أحق بهذا التنزيه عن ذلك أو يوصف بعض خلقه بصفة كمال كالعلم والقدرة والكلام فيقال الله أحق بذلك وهذه طريقة الأنبياء وأتباعهم أما إدخال الله وغيره من المخلوقات تحت قضية كلية تتضمن قياس
شمول وكل قياس شمول متضمن لقياس تمثيل فإن هذا
لا يجوز لا لما يثبت من الصفات ولا لما ينفي الوجه العشرون يقال لك لا نسلم أن كل جسم مركب من أجزاء مختلفة الماهية فلابد وأن ينتهي تحليل تركيبه إلى أجزاء مبرأة عن التركيب يصح أن يماس كل واحد ما يماسه الآخر فإن اعتصمت في هذا بقياس الغائب على الشاهد ذكرت لك الفوارق من وجوب وجود احدهما وقدمه وغناه وغير ذلك دون الآخر كما يفعل في سائر الأقيسة الفاسدة وليس معك حجة على هذا العموم سوى ما يحتاج فيه إلى القياس وهذا يظهر بالوجه الحادي والعشرين وهو أن يقال ما تعني بتحليل تركيبه إلى أجزاء أتعني به أنه لابد أن يتفرق أو يقبل التفرق إلى تلك الأجزاء فهذا ممنوع وهو محل النزاع فكيف تحتج بالشيء على نفسه فتصادر على المطلوب أم تعني بالتحليل اشتماله على الأجزاء كاشتمال الأصل على هذا الجزء وغيره فلا يخلو إما أن يريد بالجزء المبرأ عن التركيب أن يكون بسيطاً عن ذلك التركيب وإن كان أجزاءً متشابهة أو يريد به
أنه لا تركيب فيه بحال فإن أردت هذا فيكون مضمون الكلام أنه لابد وأن يكون فيه الجوهر الفرد وأنت قد وافقت أذكياء العالم على التوقف في إثبات الجوهر الفرد وإن كان ثبوته غير معلوم لك لم يجز أن تدعي في جسم من الأجسام المختلفة وجوب اشتماله على الأجزاء التي لا تركب فضلاً عن أن تدعي ذلك في رب العالمين وأيضاً فإنك قد ذكرت بعد هذا أن كل واحد من تلك الأجزاء البسيطة لابد أن يماس كل واحد بيمينه شيئاً وبيساره شيئاً آخر لكن يمينه مثل يساره وهذا تصريح منك بأنه يقبل القسمة وأنه يشتمل على شيئين متماثلين وهذا ينفي الجوهر الفرد فقوله لابد وأن ينتهي تحليل تركيبه إلى أجزاء يكون كل واحد منها مبرءاً عن هذا التركيب لأن التركيب عبارة عن اجتماع الوحدات مع قوله إذا ثبت هذا فنقول إن كل واحد من تلك الأجزاء البسيطة لابد وأن يماس كل واحد منها بيمينه شيئاً غير ما يماسه بيساره إثبات التركيب في البسيط المبرأ عن التركيب وهو الجوهر الفرد فيكون لازمه بين إثبات الجوهر
ونفيه وذلك تلازم بين النقيضين وإن أراد المبرأ من التركيب من الأجزاء المختلفة وبالبسيط بما ليس فيه ذلك التركيب وذلك لا يستلزم أن يكون كل جزء جوهراً فرداً بل يكون كل من تلك الأجزاء بسيطا بحيث يكون في البسيط أجزاء مختلفة وهذا هو اقرب إلى إرادته فيقال لك تلك الأجزاء البسيطة هي في أنفسها مختلفة الحقائق كما ذكرت وإذا كانت مختلفة الحقائق لم يمتنع أن تشترك فيما يجب ويجوز ويمتنع وإذا امتنع أن تشترك في ذلك لم يلزم أن يماس أحدهما ما يماس الآخر وإذا فرض أن جوانب أحدهما متساوية إما لاستدارتها وإما لتساوي يمينها ويسارها لكن إن ما يجب أن يمس بيمينه ما يمس بيساره إذا كان ذلك الممسوس يجوز أن ينتقل عن يمين هذا على يساره وينتقل عن مماسة ما كان يماسه إذا كان عن يمين هذا إلى مماسة ما يماسه إذا صار عن يساره فإنه مع مماسته لهذا لابد أن يماس غيره وذلك إنما يصح أن لو كان يمين الأول ويساره من الآخر متماثلة والتقدير أن الأجزاء مختلفة في الحقائق فلا يلزم وإن كان كل منها بسيطاً متشابه الأجزاء إنما يباين جوهراً منها ما باين غيره إذ هذا غير معلوم إلا إذا كانت متماثلة والتقدير أنها
مختلفة فوجب القطع بأن ما كان عن يمين أحدهما لا يلزم جواز كونه عن يساره نقيض ما ذكره فإنه إنما ذكر تساوي جانبي الممسوس لا الوسط وأغفل اختلاف جانبي المماسين وأن هذا المنتقل لابد أن يزيل واحداً عن حيزه وأن يماس حيزاً يخالف في الحقيقة الحيز الذي كان يماسه وهذا بيِّنٌ ولا حول ولا قوة إلا بالله
فصل قال الرازي البرهان الثامن لو كان علو الباري على العالم بالحيز والجهة لكان علو تلك الجهة أكمل من علو الباري وذلك لأنه بتقدير أن تحصل ذات الله في يمين العالم أو يساره لم يكن موصوفاً بالعلو على العالم أما تلك الجهة التي في جهة العلو فلا يمكن فرض وجودها خالية عن هذا العلو فثبت أن تلك الجهة عالية على العالم لذاتها وثبت أن الحاصل في تلك الجهة يكون عالياً لا لذاته لكن تبعًا لكونه حاصلاً في تلك الجهة العالية على العالم وإذا كان كذلك فحينئذ يلزم أن يكون الباري ناقصاً لذاته مستكملاً بغيره وذلك محال فثبت أنه يمتنع أن يكون علوه على العالم بالجهة والحيز وذلك هو المطلوب والكلام على هذا من وجوه أحدها أن يقال ومن الذي قال إن علو الباري على العالم شيء موجود منفصل عنه أو بشيء منفصل عنه مطلقاً هذا
لا يقوله المنازع ولا يحتاج أن يقوله بل عندهم أن ذات رب العالمين فوق العالم وأنه سبحانه وتعالى العلي الأعلى المتعال بذاته لا يحتاج علوه إلى شيء غيره أصلاً ولا يكون علوه بشيء منفصل عنه وما علمت أحداً من هؤلاء يقول إنه يحتاج في علوه إلى شيء منفصل عنه وقول القائل إنه على العالم بالجهة والحيز لا يقتضي وجود شيء غير نفسه وغير العالم فإن الجهة من الأمور الإضافية كما تقدم والحيز يراد به ما هو داخل في مسمى اسمه وليس شيئاً خارجاً عنه ويراد به تقدير المكان وليس ذلك شيئاً وجوديًّا بل لا حقيقة له بحال إلا أنه مقدر مفروض كما يقدر الزمان قبل العالم وإنما يقصدون بهذه العبارة أنه بذاته فوق العالم ليست فوقيته مجرد القدرة كما تقوله الجهمية وإذا كان كذلك فليس هناك شيء هو أعلى من الله تعالى أو شيء يحتاج الله إليه في علوه بل الأمر عندهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنت الظاهر فليس فوقك شيء وقد تقدم
الكلام على هذا غير مرة اعتراف هذا بأن الجهة والحيز ليس أمراً وجوديًّا وأنه ليس وراء العالم إلا العدم المحض فكيف يقال إن علو العدم المحض أكمل من علو الباري والعدم المحض لا حقيقة له بحال ولا وجود بل أحقر حقير في العالم وأسفل سافل هو خير منه ولا يوصف لا بعلو في الحيز ولا بسفول ولا شيء من ذلك الوجه الثاني قوله إنه بتقدير أن يحصل ذات الله في يمين العالم أو يساره لم يكن موصوفاً بالعلو على العالم وتلك الجهة لا يمكن فرض وجودها خالية عن هذا العلو يقال له قد قررت فيما تقدم أن العالم كري الشكل وإذا كان كذلك لم يكن له يمين ولا يسار بل ليس له إلا جهة المحدب وهو المحيط والباري خارج العالم فيمتنع أن يكون الباري إلا فوق العالم
فقولك بعد هذا إذا كان عن يمين العالم أو يساره أسقط من قولك إذا كان داخل العالم فإن العالم له داخل وأما يمين أو يسار فليس له وفرض وجود موجود داخل العالم ممكن وفرض وجود موجود عن يمينه ويساره غير ممكن كما قررته الوجه الثالث هب أن سطوح العالم سميته يميناً أو يساراً مع كونه مستديراً بالنسبة والإضافة لكن سطوح العالم مستوية في العلو فليس شيء أعلى مما تقدره يميناً أو يساراً وقد ذكرنا فيما مضى قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة وسقفها عرش الرحمن فجعل الأعلى هو الأوسط وذكرنا أن هذا لا يتأتى إلا في الجسم المستدير لأنه يمكن أن يجعل وسطه أعلاه وكذلك ما يفرض متيامناً فيه أو متياسراً هو أيضاً يكون أعلاه وإن لم يكن وسطه فقوله بتقدير أن تحصل ذات الله في يمين العالم أو يساره لم يكن موصوفاً بالعلو على العالم كلام باطل قد قرره هو وكما اتفق عليه أهل الحساب بل قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن عرشه على سمواته مثل القبة وقد قدمنا دلالة الكتاب والسنة والإجماع من الحساب العقلي على أن الأفلاك
مستديرة فبطل ما ذكره الوجه الرابع هب أنه يمكن فرض متيامناً عن العالم أو متياسراً وأنه لا يكون حينئذ فوق العالم فقد لا يسلم المنازع أن هذا الفرض يمكن في حق الله تعالى لأنه العلي الأعلى الذي يستحق العلو لذاته ولا يلزم من جواز انخفاض غيره عن بعض الموجودات جواز انخفاضه هو وإذا كان هذا الفرض غير معلوم الجواز أو هو ممتنع في حق الله تعالى لم يكن ما يلزم عليه لازماً لأن التقدير الممتنع يلزمه حكم ممتنع كما لو فرض أنه معدوم أو أنه غير عالم أو أن العالم فوقه أو أنه محتاج إلى خلقه وغير ذلك الوجه الخامس أن هذا الفرض هب أنه ممكن أو يقدر تقديراً فلِمَ قيل إن ما يكون متيامناً عن العالم أو متياسراً ولو كان غير الله يكون فوقه شيء قوله لأن تلك الجهة التي في جهة العلو لا يمكن فرض وجودها خالية عن هذا العلو يقال هذا تخليط فقولك الجهة التي في جهة العلو يقتضي شيئين أحدهما في الآخر وقولك لا يمكن فرض وجودها يقتضي أنها شيء موجود وقولك خالية عن العالم يقتضي أن فوق العالم شيء غير الله وهو موجود موصوف في العلو وهذا باطل بل كفر بإجماع المسلمين فإن الله خالق كل شيء
والعالم اسم لكل موجود سوى الله تعالى فلو كان فوقه شيء موجود غير الله لكان ثَمّ موجود غير الله لم يخلقه الله بل هو مستغنٍ عن الله لا سيما وقد جعلت الله محتاجًا إليه وهذا لا يقوله عاقل فضلاً عن أن يقوله مسلم وقد تقدم الكلام على هذا بأبسط من هذا لما ذكر أن الله يحتاج إلى حيز في الأدلة العقلية ولما ذكر أن الحيز منها في الأدلة السمعية وفي غير ذلك الوجه السادس أنا قد قررنا غير مرة أنه ليس فوق العالمين إلا رب العالمين وليس هناك غيره ولا شيء يشاركه في العلو غيره بوجه من الوجوه فضلاً عن أن يكون هناك ما هو عالٍ عليه فقوله الجهة التي في جهة العلو لا يمكن فرض وجودها خالية عن هذا العلو يقال له لا جهة هناك إلا الله فهو الذي يشار إليه موجوداً والإشارة إلى موجود غيره هناك ممتنعة فإن كنت تعتقد أن هناك موجوداً يشار إليه فأبطل ما تعتقده وإلا فالناس لا يعتقدون هذا ومنازعة الإنسان فيما لا يعتقده تضييع زمان ونوع من الكذب والبهتان الوجه السابع قولك إن الحاصل في الجهة يكون عالياً
لا لذاته لكن تبعاً لكونه حاصلاً في تلك الجهة العالية على العالم ممنوع بل باطل لأنه استحق العلو بذاته لا لأمر منفصل عنه كما استحق الأزلية بنفسه لا لأمر منفصل عنه فقول القائل إن علوه تبع لعلو الجهة كقوله إنه قديم لقدم الزمان وكلٌ من الخيالات الفاسدة بل هو الأول بنفسه الذي ليس قبله شيء وهو الآخر بنفسه الذي ليس بعده شيء وهو الظاهر بنفسه الذي ليس فوقه شيء وهو الباطن بنفسه الذي ليس دونه شيء الوجه الثامن هب أن الجهة في العلو أو الدهر في القدم شيء موجود تبع له فوجوده تبع لوجود الحق لا أن علو الحق وقدمه تبع له فإن ذلك يكون داخلاً في مسمى نفسه كما يقال إن الحيز هو جوانب المتحيز فإن كون الدهر هو عبارة عن قدمه فقدمه وحيزه داخل في مسماه وصفة من صفاته فلا يكون هو سبحانه تبعًا لصفاته ولو قدر شيئاً خارجاً عن صفاته لكان وجوده تابعاً لوجود الحق وكان الحق
هو الموجب له فكيف يكون عالياً لا لذاته لكن تبعاً لكونه حاصلاً في تلك الجهة وهو الغني عن كل ما سواه وكل ما سواه مفتقر إليه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والعادلون به علوًّا كبيراً فإن كلام هذا وأمثاله عدل بالله وإشراك به وجعل أنداد له وضرب أمثال له حيث جعل علوه وفوقيته على العالم بمنزلة علو الملك على سريره أو هو في هواء سطحه الذي قد سفل الرجل عنه فيكون دونه ويكون ذاك باقياً على علوه وجعل علوه محتاجاً إلى ما يعلوه به كما يحتاج الإنسان إلى السطح أو السرير فكلامه في علو الله تعالى يوجب أنه جعله مثل هذا العلو يجمع من التمثيل لله والعدل به ابتداءً ومن جحد علوه المستلزم لجحود ذاته انتهاءً ولهذا كان السلف والأئمة يصفون هؤلاء بالأمرين بأنهم ممثلون عادلون بالله
وبأنهم معطلون جاحدون لله ولا حول ولا قوة إلا بالله وهذا الذي قاله السلف والأئمة يلزمهم لزوماً لا محيد عنه وقد يظهر هذا تارة وكثيراً ما يظهر الأمران ولا ريب أنهم إنما عدلوا به في هذه المعاني لينفوها عنه ظانين أن هذا تنزيه لله وتقديس لم يقصدوا أن يثبتوا له مثلاً ولكن قدر المثل لينفوه لكن لزمهم التمثيل من وجهين أحدهما أنهم سووا بين الله وبين غيره في هذه المقاييس الشمولية المنطقية وهي الأمثال التي ضربوا له فجعلوه فرداً من أقراد تلك الأمور العامة وحكموا عليه بمثل ما حكموا به على سائر الأفراد حيث قالوا كل ما كان فوق غيره فلابد أن يكون كذا أو كل ما كان كذا فلابد أن يكون كذا وأيضا فإنهم مثلوه بغيره على ذلك التقدير وهو لا يكون مثلاً لغيره لا تحقيقاً ولا تقديراً من التقادير التي يقع فيها شبهة ونزاع على ذلك التقدير فـ علم أن له من الخصوص ما يقطع مماثلته لغيره الوجه الثاني أن هذه المعاني التي ينفونها هي ثابتة في نفس الأمر معلومة بالكتاب والسنة وبالفطرة والعقل وبالقياس أيضاً فإذا مثلوه فيها بالمخلوقات فقد صرحوا بجعل الأنداد
له الأمثال والأسماء ثم إنهم عطلوا فجحدوا الحقائق التي هي ثابتة للرب وعطلوا ما في الكتاب والسنة والإجماع من بيان ذلك والدلالة عليه وعطلوا ما في القلوب من المعرفة الفطرية والقياسية فصاروا معطلين للحقيقة الخارجية والعلوم الثابتة بالنبوات المعروفة بالقلوب فعطلوا الشرع والعقل جميعاً مع دعواهم العقليات كما عطلوا التوحيد مع دعواهم أنهم هم الموحدون الوجه التاسع أن يقال قد قلت لو كان علو الباري على العالم بالحيز والجهة لكان علو الجهة أكمل من علو الباري ولم تذكر على ذلك حجة إلا قولك لأنه بتقدير أن تحصل ذات الله في يمين العالم أو يساره لم يكن موصوفاً بالعلو على العالم أما تلك الجهة التي في جهة العلو لا يمكن فرض وجودها خالية عن هذا العلو فثبت أن تلك الجهة عالية عن العالم لذاتها وثبت أن الحاصل في تلك الجهة يكون عالياً لا لذاته لا تبعاً لكونه حاصلاً في الجهة
فيقال لك أنت قد قدرت تقديراً أن الباري عن يمين العالم أو عن يساره ولم تذكر دليلاً على امتناع ذلك في الجهة وكل واحدة من هاتين الدعوتين ممنوعة فلا نسلم لك إمكان هذا التقدير في حق الباري ولا امتناعه في الجهة أو لا أسلم لك مجموع إمكان هذا وامتناع هذا بل قد يشتركان في الإمكان أو الامتناع فهذا المنع له ثلاث موجبات أحدها إمكانهما جميعاً والثاني امتناعهما جميعاً والثالث إمكان تيامن الجهة وتياسرها وامتناع تيامن الباري وتياسره فلم تذكر حجة تنفي واحداً من هذه الوجوه ونحن نذكر توجيه هذه الأجوبة فنقول الوجه العاشر أن الجهة والحيز إما أن تكون وجودية أو عدمية فإن كانت عدمية لم يجز أن توصف بعلو على العالم ولا سفول ولا يقال إن علو الباري تبع لها ولا أنه محتاج إليها ولا شيء من هذه الأمور فبطلت الحجة وإن كان الحيز والجهة أمراً وجوديًّا فمن المعلوم أنه إذا قدر تيامن الرب وتياسره فتقدير تيامن ذلك الشيء الموجود المسمى بالحيز والجهة أولى بالتيامن والتياسر فإن ذلك إن كان من صفات الرب الداخلة في مسمى اسمه فهي تبع له وإن كان
شيئاً منفصلاً كالعماء أو العرش أو ما يقدر فإن تقدير التحول على هذا أولى من تقديره على الله فإن انتقال هذا وتحوله أولى بالجواز من انتقال الله تعالى وتحوله ولهذا لم ينازع في هذا المسلمون الذين ينازعون في جواز الحركة والانتقال على الله بل يجوزون ذلك على العرش وغيره وينازعون في جوازه على الله فظهر أن تقدير تيامن الحيز والجهة وتياسره أولى من
تقدير ذلك في الرب وإذا كان كذلك فقوله إنه بتقدير أن يحصل ذات الرب في يمين العالم أو يساره لا يكون موصوفاً بالعلو وتلك الجهة التي في جهة العلو لا يمكن فرضها خالية عن العلو باطل قطعاً بل إن كانت شيئاً يحتمل الصفات بوصف العلو ويكون في الجهة فإن خلوه عن صفة العلو أولى من خلو الله عن صفة العلو على كل تقدير وإن كان شيئاً لم يحتمل هذه الصفة ولا يكون في جهة فهذا عدم لا يقال فيه إنه عالٍ عن العالم فضلاً عن أن يقال إن علوه لذاته وعلو الباري تبع له الوجه الحادي عشر أن كثيراً من المسلمين من الصفاتية الذين يقولون إن الرب فوق العالم وفوق العرش يقولون إنه لا يجوز عليه الحركة والانتقال ولا يتصور أن يتيامن أو يتياسر فضلاً عن أن يكون خالياً عن صفة العلو فيكون ما قدرته في حق الباري ممتنعاً بل أصحابك الذين يقولون إنه فوق العرش يقولون بذلك وإذا كان هذا التقدير ممتنعاً عندهم
كان أدنى أحواله أن يكون كما ادعيته من علو الجهة أنها عالية لذاتها لا يمكن فرضها خالية عن هذا العلو فكيف وقد تقدم بيان أن الأمر ليس كذلك وإذا كان على أسوأ التقديرين يكون كل منهما مما يمنع زواله فيكون علو كل منهما لذاته فلا يكون علو الجهة أكمل من علو الله ولا يكون مستكملاً بها بل إن امتنع عليه الحركة والزوال امتنع تحوله عن العلو فإذا كنت في هذا المقام لو أشركت بالله فجعلت الجهة له عدلاً وشبهاً في مشاركتها له في العلو الذاتي لكان هذا الإشراك خيراً من أن يفضل علو الجهة على علوه ويجعل علوها بنفسها وعلوه بها يتبين أن الذي قلته أقبح من هذا الشرك ومن جعل الأنداد لله كما أن جحود فرعون الذي وافقتموه على أنه ليس فوق السموات رب العالمين إله موسى جحود لرب العالمين ولأنه في السماء كان أعظم من شرك المشركين الذين كانوا يقرون بذلك ويعبدون معه آلهة آخرى كحصين الخزاعي لما كان مشركاً وأمثاله الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم كم تعبد اليوم
إلهاً قال سبعة آلهة ستة في الأرض وواحد في السماء فلا ريب أن شرك هذا أخف من جحود فرعون مع أن هذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك قال الذي في السماء فهو يعتقد أن الإله الذي في السماء أعظم من تلك
الآلهة فأنتم لم ترضوا أن تجعلوا علو الله أكمل من علو غيره ولا جعلتموه مثل علوه بل جعلتم علو الغير أكمل من علوه وهو يحتاج إلى ذلك الغير الذي هو مستغنٍ عنه وكل هذا إفك وبهتان على رب العالمين الوجه الثاني عشر أن المسلمين الذين يجوزون عليه النزول والمجيء والإتيان والحركة قد يوافقون الأولين في أنه لا يكون إلا عالياً حتى يقولوا إنه ينزل إلى السماء الدنيا ولا يخلو منه العرش ويقولون وصفه بهذه الصفات لا ينافي علوه فهؤلاء أيضاً يوجبون له العلو ويقولون إنه عالٍ بذاته ويمتنع أن يكون غير عالٍ وإن جوزوا عليه الحركة والانتقال وإذا كان كذلك فهؤلاء يقولون لا نسلم إمكان خروج الله عن صفة العلو
بوجه من الوجوه حتى يقدر له تيامن أو تياسر يخرجه عن يكون موصوفاً بالعلو بل هذا ممتنع عندهم فإذا كان كذلك كان قولهم مثل قول إخوانهم المتقدمين في توجيه المنع فيقولون لا نسلم أن علو الجهة يكون أكمل من علوه وأنه محتاج إليها هذا لوكانت الجهة أمراً يمكن وصفه بالعلو بحيث يحتمل أن يكون في ذاته عالياً وإلا فإذا لم يكن كذلك بطل أصل الكلام الوجه الثالث عشر أن يقال هب أنه سلم لك أنه قد يتيامن أو يتياسر بحيث لا يكون موصوفاً بالعلو لكن لا يسلم أن الجهة التي توصف بالعلو لا يمكن فرض وجودها خالية عن العلو فإن الذي يحتمل صفة العلو لا يكون إلا موجوداً إذا المعدوم لا يحتمل الصفات ولا يقال إنه في جهة العلو ولا في جهة السفل ولا في شيء من الجهات وإذا كان موجوداً كان تقدير خروجه عن صفة العلو أولى من تقدير كون الله ليس موصوفاً بالعلو على كل وجه من الوجوه فإن التحول والانتقال وجوازه على المخلوق أولى من جوازه على الخالق الوجه الرابع عشر أن كونه موصوفاً بعلو ذاته على العالم إما أن يكون واجباً له أو لا يكون فإن كان واجباً له فأنتم معاشر الجهمية من أعظم الناس سلباً لهذا الواجب عنه
وتقولون إن علوه إنما هو بالقدرة فقط فإن الذي يقول إنه تارة يكون عالياً بذاته على العالم وتارة يكون غير عالٍ بل إما متيامناً متياسراً أو غير ذلك مع كونه عالياً بالقدرة التي أثبتموها في الحالين هو أعظم وصفاً لله بصفة الكمال منكم حيث أثبت له العلو الذي أثبتموه وزاد عليكم بأن أثبت له من العلو الذي هو كمال ما لم تثبتوه أنتم ثم هو مع هذا إذا وصفه وزاد عليكم بأن أثبت له من الذي هو كمال ما لم تثبتوه أنتم ثم هو مع هذا إذا وصفه بما يقتضي أن يكون علو الجهة أكمل منه مثل تجويز عدم العلو عليه بعض الأوقات هو أحسن حالاً منكم فليس لكم أن تبطلوا قوله بتصحيح قولكم فإن كان علو ذاته على العالم ليس بصفة الكمال لم يصح أن يقال علو الجهة أكمل من علوه لأن التفضيل في الكمال يقتضي الاشتراك
فيه فإذا كان كل واحد من علو ذاته على العالم ومن علو الجهة على العالم ليس هو صفة كمال لم يكن أحدهما أكمل من الآخر فبطلت هذه الحجة وظهر أن هذه الحجة باطلة على التقديرين ولله الحمد الوجه الخامس عشر أن يقال أنتم تقولون ليس علوه إلا علو القدرة فإذا قدر أنه جعل نفسه متيامناً عن العالم أو متياسراً بل جعل نفسه في غمام بل جعل نفسه تحت العرش ونحو ذلك مما فيه علو شيء فوقه مع كونه مقتدراً على ذلك وعلى كل شيء ومقتدراً على تغيير كل شيء وتحويله وجعل العالي سافلاً وجعل السافل عالياً لم يخرج بذلك عما يستحقه من صفة العلو عندكم وخروجه عن العلو بالجهة لا ينافي الكمال عندكم فلا يكون في ذلك نقص بحال حتى يكون مستكملاً وغير مستكمل ولو قيل إنه في الجهة أو قيل إنه واجب أن يكون في الجهة أو واجب أن يكون متحيزاً فإن الذي قد يقول هذا قد لا يقول إن ذلك صفة كمال بل هو جائز عليه كما يجوز ما يجوز من أفعاله وكما تجوز رؤيته وذلك ليس بنقص فأنتم موافقون على أن كونه غير عالٍ بالجهة ليس بصفة نقص فالذي يقول إنه عال إذا قال لكم سواء في حقه علا على العالم أو لم يعل وسواء كان في الجهة أو لم يكن هو في
الحالين غير موصوف بصفة نقص بل هو موصوف بالقدرة على هذا كله فإن هذا القائل أثبت له من صفة القدرة التي هي العلو عندكم أعظم مما أثبتموه ولم يثبت له نقصاً بحال وإذا كان كذلك لم يجب أن يكون علوه بالجهة لا كمالاً ولا نقصاً إذا كانت قدرته كاملة على التقديرين وهو العلو عندكم وإذا كان كذلك لم يكن ما هو أعلى منه لو كان موجوداً أكمل منه ولم يكن هو مستكملاً بذلك الغير لأن ذلك فرع كون ذلك كمالاً وهذا قد وافقتموه على أنه ليس بكمال وهو قد وافقكم على ما هو كمال وأثبته أكمل مما أثبتموه فلا يلزم من قال إنه على العرش أن يكون غيره أكمل منه ولا أنه مستكمل بغيره الوجه السادس عشر أن يقال هب أن العلو بالجهة كمال فأنتم تقولون إن العلو بالقدرة أكمل منه فإذا وافقكم موافق على هذا وقال علو القدرة أكمل من علو بالجهة وكل شيء موجود سواء كان حيزاً أو جهة أو شيئاً غير ذلك فإن الله قادر عليه مدبر له قاهر له فإذا قدر أنه تيامن أو تياسر أو نزل حتى يجعل شيئاً أعلى منه بالجهة فهو أعلى من ذلك الشيء بالقدرة والربوبية والتدبير وهو الذي جعله في تلك الجهة بمشيئته واختياره وذلك الشيء مفتقر إلى الله عز وجل والله غني عنه وإذا كان كذلك لم يلزم أن يكون أكمل من الله في العلو ولا أن يكون الرب مستكملاً به وأن الرب خرج عن صفة العلو
مع لزومها لذلك بل الرب موصوف بالعلو الحقيقي عندكم على ذلك والقهر له والتدبير وذلك موصوف بأنه تحت حكم الله وأمره فإذا شاء الرب أن يرفع جهته مع كونه مدبراً له لم يلزم أن يكون هذا نقصاً على الأصول التي سلمتموها كما يضربون به المثل فيقولون إن الملك هو أعلى من رعيته وإذا كان مكان بعض رعيته فوق مكانه ولهذا يقال لمجلسه المجلس العالي والسامي وإن كان مجالس بعض رعيته أعلى حيزاً منه فإذا كان الأمر كذلك فقولك لو كان علو الباري على العالم بالحيز والجهة لكان علو تلك الجهة أكمل من علو الباري أتريد به أن علوه ليس إلا بالجهة فقط ليس هو قادراً على العالم مدبراً له أم تريد أن علوه بالجهة مع ما له من العلو بالقدرة فإن أردت الأولى فهو أعظم الكفر وأبطل الباطل ولا يقوله مسلم ولا عاقل يقر بالصانع بل المؤمنون متفقون على أن الله قادر على العالم وليس العالم قادراً عليه فإذا ضموا إلى ذلك أنه عال بالجهة والحيز وفرض أن من العالم ما علا عليه بعض الأعيان بالجهة فقط بل لو علا عليه دائماً بالجهة فقط مع علو الرب عليه بالقدرة لكان علو الرب أكمل من علو ذلك فكيف إذا كان الرب هو الذي دبره وهو الذي علاه
وبمشيئته وأمره يكون جميع شئونه الوجه السابع عشر قولك يلزم أن يكون الباري ناقصاً بذاته مستكملا بغيره إنما يصح إذا كان الحيز والجهة غيراً له وذلك إنما يصح لو كان الحيز والجهة أمراً منفصلاً عنه فأما إذا كان الحيز هو حده ونهايته فالجهة كونه بحيث يشار إليه لم يكن هناك غيراً له عند الصفاتية الذين يقولون ليست صفاته غيره ومن سمى هذا غيراً كان قوله مستكملاً بغيره كقوله مستكملاً بعلمه وقدرته وحياته وذلك مثل قوله مستكملاً بنفسه وهذا ليس بممتنع بل هو واجب كالكلام في كماله كالكلام في وجوده وقد تقدم الكلام في قول القائل هو واجب بنفسه وما يدخل في ذلك من صفاته وأنه لا يكون موجوداً إلا بما تستحقه ذاته من صفاته بل لا يكون موجود قط إلا كذلك ففرض عدم ذلك جحد لجميع الموجودات وتكلمنا على لفظ الغير والحيز والافتقار ونحو ذلك وكذلك القول في
قول القائل هو مستكمل بغيره إذا فسر ذلك الغير بما هو من صفاته اللازمة لم يكن ذلك ضارًّا بل أمر واجب فإن الكمال لا يكون بأمور وجودية لا يكون بالأمور العدمية وهو سبحانه كامل بتلك الأمور الوجودية التي حقيقته وذاته عليها الوجه الثامن عشر أن ذلك الغير الذي جعلته مستكملاً به أو غير غني عن الله أم غير مفتقر إلى الله إن قلت إنه غني عن الله فليس في الوجود شيء غني عن الله بل جميع الكائنات مفتقرة إليه وإن قلت بل هو المفتقر إلى الله كان معنى قولك إنه يكون مستكملاً بما هو مفتقر إليه والأمر المفتقر إليه إما أن يكون من لوازم ذاته وإما أن يكون كائناً بمشيئته واختياره فيعود الأمر إلى أنه مستكمل بذاته ومشيئته التي هي من لوازم ذاته فيكون ذلك الاستكمال بذاته كما تقدم وحينئذ فلا يصح قولك ناقص لذاته ومستكمل بغيره لأن ذاته مستلزمة لذلك الكمال فلا يتصور نقصها الوجه التاسع عشر أنك زعمت في نهايتك أن امتناع النقص على الله لم يعلم بالعقل وإنما ثبت امتناع النقص عليه إذا أثبته بالإجماع وقد تقدم بعض حكاية ألفاظه في ذلك وقال في مسألة السمع والبصر لما احتج أصحابه بأن ضد ذلك
نقص وقال في الأسولة على الحجة ولئن سلمنا أن ضد السمع والبصر نقص فلما قلتم إن النقص على الله محال قال واعلم أن أجود ما قيل في بيان هذه المقدمة بالإجماع وعلى هذا تصير الدلالة السمعية لأن الذي يدل على كون الإجماع حجة إما الآيات وإما الأخبار وإذا كان الأمر كذلك كان المستمسك في الابتداء بالآيات الدالة على كونه سميعاً بصيراً أولى من ذكر هذه الطريقة الطويلة والإجماع لم ينعقد على أمور معينة بل كل مسلم ينزه الله عما يعتقده نقصاً وإذا كان هذا فالجهة فيها نزاع عظيم بين الناس وأكثر المسلمين بل أكثر العالمين بل سلف الأمة وأئمتها يقولون بأن الله تعالى فوق العالم وعلى العرش فإن كان هذا نقصاً لم يكن قد انعقد الإجماع على نفيه وأنت قد زعمت أن العقل ينفي عنه النقص فلا يكون معك حجة على نفي هذا الذي سميته نقصاً لا من عقل ولا من سمع ولا يصح قولك وذلك محال هذا لو كان هذا الذي سميته نقصاً مستمراً
فكيف إذا كان فيه استكمال بالغير فإنه من المعلوم أن الناقص المستكمل بغيره خير من الناقص الذي ليس مستكملاً لا بنفسه ولا بغيره وبهذا الوجه وأمثاله يتبين أن هؤلاء الجهمية مع ما هم عليه من التعطيل الذي زخرفوه بثوب التنزيه فإنهم لا ينزهون الله تعالى عما يجب تنزيهه عنه من النقايص والعيوب بل يصفونه بالفقر والحاجة وبغير ذلك من الصفات كما بيناه في غير هذا الموضع ويعترف أئمة كلامهم أن العقل لا يقتضي تنزيه الله عن النقص وإنما يأخذون مقدمات سلمها لهم المسلِّمون فيحتجون بها على المسلِّمين في إبطال دينهم وهذا شأن المنافقين الذين يجادلون بكتاب الله تعالى كما في الحديث موقوفا على عمر ومرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما أخاف على أمتي زلة عالم وجدال منافق بالقرآن والأئمة المضلين وكما في حديث عبد الملك بن عمير عن ابن أبي ليلى
عن معاذ بن جبل قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إني أخاف عليكم ثلاثاً وهي كائنة زلة العالم وجدال منافق بالقرآن ودنيا تفتح عليكم ورواه أن أبي حاتم والنجاد وغيرهما من حديث يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد ما أتخوف على أمتي ثلاث زلة عالم وجدال منافق
بالقرآن ودنيا تقطع أعناقكم فاتهموها على أنفسكم وهذا مشهور من حديث كثير بن عبد الله بن عمر بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال سمعت رسول اله صلى الله عليه وسلم يقول إني أخاف على أمتي من بعدي من أعمال ثلاثة قيل وما هي يا رسول الله قال زلة العالم وحكم جائر وهوى متبع وروي من حابر وحديث الأئمة والمضلين محفوظ وأصله في الصحيح فروى ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أخوف ما أخاف على أمتي بعدي الأئمة المضلون
ويروى من حديث أبي الدرداء وشداد ابن أوس وأما اللفظ الذي ذكرناه فهو محفوظ عن عمر بن الخطاب من حديث ابن المبارك ووكيع وغيرهما عن مالك بن
مِغوَل سمعت أبا حصين يذكر عن زياد بن حدير قال قال عمر بن الخطاب يهدم الإسلام زلة عالم وجدال منافق بالقرآن وأئمة مضلون وفي مسند الإمام أحمد ثنا يزيد بن هارون ثنا ديلم بن غزوانا لعبدي ثنا ميمون
الكردي عن أبي عثمان النهدي قال إني لجالس تحت منبر عمر بن الخطاب وهو يخطب الناس فقال في خطبته سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إني أخوف ما أخاف على هذه الأمة كل منافق عليم اللسان وفي رواية أخرى يتكلم
بالحكمة ويعمل بالفجور ورواه من حديث مالك بن دينار عن ميمون ولفظه حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كل منافق عليم ورووا عن عمر بن الخطاب أنه قال أخوف ما أخاف على هذه الأمة الذين يتأولون القرآن على غير تأويله
ومن المشهور عن عمر أنه قال إذا جادلكم أهل البدع بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن فإن أهل السنن أعلم بكتاب الله تعالى منهم فإن المنافق لا يعتقد وجوب اتباع الكتاب والسنة واتباع الإجماع إذ ليس في باطن الأمر متدين باتباع النص والإجماع بل يأخذ من النص والإجماع ما يحتج به
على المؤمنين في تنفيق نفاقه وترويج غشه وتلبيسه وإذا كان كذلك فما يرفع الله به الدرجات كما رفع درجات إبراهيم ويوسف عليهما السلام أن يحتج عليهم بالحجج الدافعة لهم وأن يكيدوا كيداً حسناً لدفع كيدهم وعدوانهم على الإيمان وأهله فلا يمكنون من القدح في الإيمان بما يسلمه لهم المؤمنون بل إذا عارضوا ما يقوله المؤمنون من الحق بحجج يسلم لهم المؤمنون بعض مقدماتها بين لهم أن تلك الحجج عليهم لا لهم أو أنها على فساد قولهم وفعلهم أدل منها على ما عارضوه من الحق بل لو كان المتنازعان مبطلين كأهل الكتاب والمشركين إذا تجادلوا أو تقاتلوا كان المشروع نصر أهل الكتاب على المشركين بالقدر الذي يوافقهم عليه المؤمنون إذا لم يكن في ذلك مفسدة تقاوم هذه المصلحة فإن ذلك من الحق الذي يفرح به المؤمنون كما قال تعالى الم {1} غُلِبَتِ الرُّومُ {2} فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ {3} فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ {4} بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ {5} [الروم 1-5] فإنها نزلت كما استفاض في التفسير والمغازي والحديث في اقتتال الروم النصارى والفرس
المجوس كانت المجوس قد غلبت النصارى على أرض الشام وغيرها فغلبت الروم وفرح بذلك مشركو قريش لأن المجوس إليهم أقرب من النصارى لأن كليهما لا كتاب له واغتم لذلك المؤمنون لأن النصارى إليهم أقرب لأنهم أهل كتاب فذكر ذلك أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فأخبره لنبي صلى الله عليه وسلم أن الروم سوف تغلب فارس بعد ذلك في بضع سنين وخاطرهم أبو بكر على هذا قبل تحريم ذلك وظهرت الروم على فارس بعد ذلك فهؤلاء الجهمية قد سلم لهم المؤمنون أن الله غني عن كل ما سواه فإنه سبحانه مقدس عن كلا نقص وأنه أحد لا مثل له والجهمية في الحقيقة لا يعتقدون فيه هذا المعنى ولا هذا التنزيه ولا هذه الوحدانية بل يثبتون له أمثالاً ويصفونه بالحاجة وما تستلزم الحاجة ولا ينزهونه عن النقائص والعيوب وقد يصرحون بذلك تارة وتارة بأنه ليس على ذلك دليل عقلي فالاتحادية منهم كصاحب
الفصوص وغيره يصرحون بأنه موصوف بكل ما يوصف به كل موجود من عيب ونقص وغير ذلك وهؤلاء المتكلمون منهم كالرازي يصرحون بأن العقل لا ينفي عنه النقائص وبذلك يظهر أن تسميته لما عطله من الصفات تقديساً كتسمية
الملاحدة تعطيلهم تقديساً وقد علموا أن المسلمين يقولون إنه منزه عن النقص فأخذوا هذا اللفظ يجحدون به ما يستحق من صفات الحمد زاعمين أن ذلك نقص كما زعم أن علوه على العرش نقص أو مستلزم للنقص كما زعم أنه مستلزم للحاجة وأنه مستلزم لعدم الوحدانية فتبين لهم صورة الحال وهو أن هذه الأمور التي يوافق المسلمون على نفيها وإن كنتم لا تقيمون على نفيها حجة عقلية هي على فساد قولكم أدل منها على فساد قول من ينازعكم من أهل الإثبات وإن كان مخطئاً في بعض ما يقوله إذا كان خطؤه أقل من خطئكم وهو مع ضلاله عن بعض الهدى أقرب إليه منكم وإذا كان الأمر كذلك قيل لك أولاً فهؤلاءالذين يزعمون أنهم ينفون عن الله النقص بكونه على العرش قد بينا أنهم يصفونه بالنقص إما تصريحاً وإما لزوماً ويصرحون بأن العقل لا ينفي النقص عن الله كانوا لم ينفوا ذلك إلا بالإجماع فلم يجمع المسلمون على قولهم فلا يكون معهم حجة على نفي كونه على العرش لو كان فيه ما زعموه من النقص
والاستكمال بالغير فكيف والنقص إنما هو لازم على قولهم كما قد بين ذلك غير مرة وقيل لك ثانياً هب أن هذا متناقض لكن إذا كانوا قد جمعوا في قولهم من إثبات كونه على العرش وبين نفي كونه جسماً فإما أن يكون إثبات هذا ونفي هذا متناقضاً أو لا يكون فإن لم يكن متناقضاً صح قولهم وبطل قولك في نفي الجهة فإذا كان هذا متناقضاً لم يكن إلزامهم لوازم أحد النقيضين بأولى من إلزامهم النقيض الآخر فإن حقيقة هذا عند من يقول إنهم تناقضوا أنهم قد قالوا هو فوق العرش ليس فوق العرش وهو جسم وهو ليس بجسم ومثل هذا إما أن يجعل لهم قولين فيكون لهم قول بأنه فوق العرش ولوازمه وهو أنه جسم وقول بأنه ليس بجسم ولوازمه وهو أنه ليس فوق العرش أو يذكر قولهم المتناقض على جهته ولا يلزمون لوازم النفي دون لوازم الإثبات ولا لوازم الإثبات دون لوازم
النفي بل يثبت اللازم كما أثبت الملزوم وإن قيل إن فيها تناقضاً وإذا كان كذلك لم يجز أن يلزموا بلوازم نفي الجسم المستلزمة نفي لوازم كونه على العرش فلا يلزموا بأن يكون متحيزاً أو غير متحيز فإن ذلك لا يلزمهم ما داموا جامعين بين النفي والإثبات وهذا بين ولهذا لا يزال هؤلاء وأمثالهم يميلون إلى النفاة من وجه وإلى المثبتة من وجه وقيل لك ثالثاً هب أن هؤلاء متناقضون في إثبات موجود ليس بجسم فوق العالم فقولك بإثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه أعظم تناقضاً فإن قولك موجود يقضي ثبوت أحد الأمرين فإذا نفيتهما فقد نفيت لازم الوجود المعلوم بالفطرة الضرورية لاسيما وقد علم بالضرورة الفطرية أن الله فوق العالم وأن ما يكون لا داخل العالم ولا خارجه فإنه لا يكون إلا معدوماً وقالوا لك رابعاً لا نسلم أن هذا تناقض بل قد علمناه بالضرورة الفطرية والضرورة الدينية والأدلة السمعية والعقلية أنه فوق العرش وعلمنا بما وافقتنا عليه من الأدلة العقلية وما
تذكر في موافقتنا من الأدلة الشرعية أنه ليس بجسم وموجب الأدلة الصحيحة لا تتناقض وإذا لم تتناقض فإذا قدرنا فوق العالم ما ليس بجسم لم يمكن أن يكون في حيز كما تكون الأجسام وحينئذ ما تذكره من اللوازم في هذه الحجة وفي نظائرها من الحجج مثل لزوم كونه منقسماً أو جوهراً فرداً وكونه في حيز أو أكثر من حيز ممنوعة
فصل وقد ذكر في نهايته على نفي الجهة حجة أخرى فنذكرها وإن كانت موادها داخلة فيما ذكرناه ليكمل ما ذكره في ذلك فقال المسألة الثانية في أنه ليس في الجهة قال وقبل الخوض في الاستدلال لابد من البحث عما لا يكون جسماً هل يعقل حصوله في الجهة أم لا فإن لم يعقل حصوله كانت الدلالة على نفي الجسمية كافية في نفي الجهة قال وزعم من أثبت الجهة ونفى الجسمية أنّا نعلم بالضرورة اختصاص الأكوان بالجهات المخصوصة مثل الكون القائم بأعلى الجدار والكون القائم بأسفله
ولا يضرنا في ذلك ما يقال الأكوان إنما تحصل في الجهات على طريق التبعية لمحلها لأنا نقول الحصول في الجهة أعم من الحصول في الجهة بالاستقلال أو التبعية وتسليم الخاص يتضمن تسليم العام فإذا سلمتم اختصاص الأكوان بالجهات على سبيل التبعية فقد سلمتم اختصاص الأكوان بالجهات ومتى ثبت ذلك ثبت أنه لا يلزم من نفي كون الشيء جسماً نفي اختصاصه بالجهة والحيز وإذا ثبت ذلك وجب علينا بعد الفراغ من نفي الجسمية عن الله إقامة الدليل على نفي حصوله في الجهة والحيز يقال هذا الذي ذكره يمكن الجواب عنه بأن يقال لا يحصل في الجهة إلا الحيز أو ما قام به أو يقال لا يحصل في الجهة على سبيل الاستقلال إلا الجسم أو لا يحصل في الجهة على سبيل الاستقلال أو التبعية إلا الجسم أو ما قام به وأي هذه
العبارات قيل لم يكن ما ذكره دليلاً على إمكان أن يكون في الجهة قائم بنفسه غير الجسم ونحن نذكر حجته قال فنقول الباري تعالى لو كان حصوله في جهة لكان إما أن يكون في أكثر من حيز واحد أو لا يكون إلا في حيز واحد والأول باطل لأن الحاصل في أحد الحيزين إما أن يكون هو الحاصل في الحيز الثاني أو غيره والأول باطل وإلا لكان الشيء الواحد حاصلاً دفعة واحدة في حيزين وهو محال ولو عقل ذلك فليعقل مثله في الجسم حتى يحصل الجسم الواحد دفعة واحدة في حيزين وأنه محال والثاني أيضاً محال أما أولاً فلأنه يلزم منه انقسام ذاته وهو محال على ما مر وأما ثانياً فلأن اختصاص كل جزء منه بحيزه إما أن يكون واجباً أو جائزاً والقسمان باطلان على ما سيأتي وأما إن قيل بأنه في حيز واحد فهو باطل لوجهين الأول بأنه يكون أقل القليل ويتعالى الله عنه والثاني فلأن حصوله في ذلك الحيز إما أن يكون واجباً أو غير واجب والأول باطل إذ لو صح حصوله في ذلك الحيز وامتنع حصوله في سائر الأحياز
لكانت حقيقة ذلك الحيز مخالفة لحقيقة سائر الأحياز ولو كان كذلك لكانت الأحياز أموراً وجودية لأن العدم الصرف يستحيل أن يخالف بعضه بعضاً ولو كانت الأحياز أموراً وجودية لكان إما يمكن الإشارة الحسية إليها أو لا يمكن فإن أمكن فذلك الشيء إما أن يكون منقسماً فيكون الباري الحال فيه منقسماً أو لا يكون منقسماً فيكون ذلك الشيء مختصاً بجهة دون جهة فيكون للحيز حيز آخر ويلزم التسلسل وإن لم يمكن الإشارة الحسية إلى الحيز الذي حصل الباري تعالى فيه وجب استحالة الإشارة الحسية إلى الباري تعالى لأنا نعلم بالضرورة أن ما لا يمكن الإشارة الحسية إلى جهته استحالت الإشارة الحسية إليه فإذاً لا يكون الباري في الجهة وهو المطلوب وأما إن لم يكن حصول الباري واجباً فاختصاصه بها لابد وأن يكون لفاعل مختار سواء إن كان بواسطة معنى أو لا بواسطة معنى وكل ما كان فعلاً لفاعل مختار فهو محدث فاختصاص الباري بالحيز محدث فهو إذاً في الأزل ما كان حاصلاً في الحيز والشيء الذي لا يكون كذلك استحال أن يصير محتاجاً إلى الحيز فثبت أن الباري يمتنع
أن يكون في الأحياز والجهات قال ويمكن أن يعتمد في هذه المسألة أيضاً على أنه لو كان في الجهة لكان منقسماً لأن الجانب الذي منه يلينا غير الجانب الذي لا يلينا وذلك يوجب انقسام ذاته لكنا بينا أن الانقسام عليه تعالى محال فحصوله في الجهة والحيز أيضاً محال قال وهذا الكلام إنما يدفع القول بنفي الجزء الذي لا يتجزأ ولم يذكر في نهايته على نفي الجهة إلا هذا الكلام وقد تقدم ما ذكره على نفي الجسم وهذه الحجة هي مثل الحجة الرابعة التي ذكرها في تأسيسه لكن فيها حشواً وزيادة مستغنى عنها لا حاجة إليها وهؤلاء القوم من أعظم الناس إتياناً بحشو القول الكثير الذي تقل فائدته أو تعلم مضرته كما يروى فيهم عن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال أنا ضمين وذمتي
رهينة لا يهيج على التقوى زرع قوم ولا يظمأ على الهدى سنخ أصل وإن أبغض الناس إلى الله تعالى رجل قمش علماً حتى إذا ارتوى من ماء آجن وامتلأ من غير طائل سماه أشباهه من الناس عالماً فإن نزلت به إحدى الشبهات هيأ له حشو الرأي من قيله فلا هو سكت عما
لا يعلم فيسلم ولا تكلم بما يعلم فيغنم تصرخ منه الدماء وتبكي منه الفروج الحرام ومن أحق الناس بهذا هؤلاء المتكلمون في أصول الدين بغير كتاب الله وسنة رسوله ويوقعون بين الأمة العداوة والبغضاء بما لا أصل له حتى قد يكفرون من خالفهم ويبيحون قتلهم وقتالهم كما يفعل أهل الأهواء من الخوارج
والرافضة والجهمية والمعتزلة كما فعله هذا المؤسس في كتابه هذا وأمثاله حيث كفر الذين خالفوه وهم أحق بالإيمان بالله ورسوله منه بدرجات لا تحصى ولا حول ولا قوة إلا بالله ولهذا كان التكفير لمن يخالفهم من أهل السنة والجماعة من شعار المارقين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما استفاض عنه من الأحاديث الصحيحة في صفة الخوارج يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية وفي رواية يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل
الأوثان وهؤلاء الذين يدعون الإيمان لأنفسهم دون أهل السنة والجماعة من المسلمين كالخوارج والروافض والجهمية والمعتزلة لهم نصيب من قوله تعالى وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَاّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ {111} بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ {112} [البقرة 111-112] وبعضهم مع بعض كما قال الله تعالى وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ {113} [البقرة 113] فهم كما قال الإمام أحمد مختلفون في الكتاب مخالفون
للكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب قد جمعوا وصفي الاختلاف الذي ذمه الله في كتابه فإنه ذم الذين خالفوا الأنبياء والذين اختلفوا على الأنبياء فآمن كل منهم ببعض وكفر ببعض قال في الأولين جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ {253} [البقرة 253] وقال في الثاني قال تعالى ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ {176} [البقرة 176] وقال تعالى وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ {105} [آل عمران 105] وقال إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ [الأنعام 159] وقال وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ {118} إِلَاّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ {119} [هود 118-119] وهؤلاء الجهمية معروفون بمفارقة السنة والجماعة وتكفير من خالفهم واستحلال دمه كما نعت النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج لكن قولهم في الله أقبح من قول الخوارج وإن كان للخوارج من المباينة للجماعة والمقاتلة لهم ما ليس لهم مع أن أهل المقالات ذكروا أن قول الخوارج في الصفات هو قول الجهمية والمعتزلة هذا ذكره الأشعري وغيره من المعتزلة وهذا
والله أعلم يكون قول من تأخر من الخوارج إلى أن حدث التجهم في أول المائة الثانية وأما الخوارج الذين كانوا في زمن الصحابة وكبار التابعين فأولئك لم يكن قد ظهر في زمنهم التجهم أصلاً ولا عرف في الأمة إذ ذاك من كان ينكر الصفات أو ينكر أن يكون على العرش أو يقول إن القرآن مخلوق أو ينكر رؤية الله تعالى ونحو ذلك مما ابتدعته الجهمية من هذه الأمة وقد تكلمنا على هذه الحجة في غير هذا الموضع بما فيه كفاية ونذكر ما يليق بهذا الموضع وذلك من وجوه أحدها أن قوله لو كان حصوله في جهة لكان إما أن يكون في أكثر من حيز واحد أو لا يكون إلا في حيز واحد
يقال له أما الذين يقولون إنه فوق العرش وليس بجسم وهو أئمة أصحابك والكلابية وطوائف كثيرة من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وقد ذكر الأشعري أنه قول أهل السنة وأصحاب الحديث فيمنعون التلازم ويقولون لا نسلم أنه إذا كان في جهة بمعنى أنه نفسه فوق العرش لكان إما أن يكون في حيز واحد أو في أكثر من حيز فإن هذا التلازم إنما فيما إذا كان الذي فوق العالم جسماً أما إذا وافقتمونا على أنه ليس بجسم فإن التقدير يكون إذا كان فوق العالم ما ليس بجسم أو إذا كان في الجهة ما ليس بجسم فإنه إما أن يكون في حيز واحد أو أكثر ومعلوم أن ما ليس بجسم لا يكون في الحيز الاصطلاحي لا في واحد ولا في أكثر وهذا ظاهر واضح فإن قلت هذا متناقض فإنه إذا كان فوق العالم أو في الجهة وجب أن يكون جسماً قيل لك أولاً قد صدرت الكلام في هذه المسألة بأنه لا يلزم من نفي كون الشيء جسماً نفي اختصاصه بالحيز وإذا سلمت لهم لم يكن لك أن تنازعهم فيه فإن هذا رأس المسألة فيكون التقدير باتفاق منك ومنهم أن
ما ليس بجسم إذا كان في الجهة بمعنى أنه يكون فوق العالم هل يكون في حيز واحد أو في حيزين يعني الحيز الاصطلاحي وهم يقولون إنه لا يكون في الحيز الاصطلاحي مع كونه فوق العالم ومع كونه في الجهة وهي جهة العلو الوجه الثاني أن يقال قولك في حيز واحد أو في أكثر من حيز يقتضي تعدد الأحياز وذلك ممنوع فإن الأحياز إما أن تكون وجودية أو عدمية وهي ليست وجودية كما قررته في هذه الحجة وفي غيرها وإذا كانت عدمية فالعدم المحض لا يتعدد ولا يقال فيه إما أن يكون واحداً أو اثنين فامتنع أن يقال إما أن يكون في حيز واحد أو في حيزين ويتقوى هذا بالوجه الثالث وهو أن الحيز إما أن يكون وجودياً أو عدمياً فإن كان وجودياً جاز اختصاصه بأمر وجودي على سبيل الوجوب كاختصاصه بصفاته الواجبة له
الوجودية وحينئذ فيبطل ما ذكره في الحجة من امتناع كونه في الحيز واجباً أو جائزاً وإن كان الحيز عدمياً لم يصح أن يقال إما أن يكون في حيز واحد أو في حيزين وهذا يقتضي بطلان أحد طريقيه اللذين ذكرهما في هذه الحجة أحدهما إما أن يكون في حيز أو حيزين والثاني امتناع كونه واجباً أو جائزاً يوضح هذا الوجه الرابع وهو أن أحياز المتحيز الوجودية اللازمة له هي حدوده ونهايته والعدمية هي ما يقال إنه تقدير المكان فإن أراد بالحيز الأمر الوجودي منعت الحجة التي منع فيها أن يكون له حيز واجب وإن أراد به الأمر العدمي منع انقسامه إلى واحد وكثير فإن قيل الحيز العدمي الذي هو تقدير المكان يتحدد ويتعدد باتحاد الحال وتعدده فإذا كان الحال فيه جوهراً واحداً كان واحدا وإن كان جواهر متعددة كان متعدداً قيل الجواب عن هذا هو الوجه الخامس وهو أن هذه المسألة قد صدّرها بالكلام في الحيز مع من يقول إنه ليس بجسم ومع هذا فإنه يكون مختصاً بالجهة وقد قال هو لما ذكر الحجة إذا ثبت ذلك ثبت أنه لا يلزم من نفي كون الشيء جسماً نفي اختصاصه بالجهة والحيز
وإذا كان كذلك فيقال إما أن يكون الحيز مستلزماً لكون الحال فيه جسماً أو جوهراً فرداً أو لا يستلزم ذلك فإن كان الحيز مستلزماً لذلك لم يكن المختص بالحيز إلا جسماً أو جوهراً فرداً وحينئذ فيلزم من نفي كونه جسماً وكونه جوهراً فرداً أن لا يكون متحيزاً كما قد بفعله المؤسس وغيره أحياناً وهو خلاف الفرض فإن الفرض نفي الحيز والجهة بدون البناء على نفي الجسمية خلافاً لمن يقول ليس بجسم ولكنه في الحيز والجهة فإذا كان هذا الدليل لا يتم إلا بنفي الجسمية بطل هذا الدليل من أصله ومتى كان الحيز مستلزماً للجسم أو للجوهر الفرد لزم من نفي اللازم وهو الجسم والجوهر الفرد نفي الملزوم وهو الحيز وإن كان الحيز ليس مستلزماً للجسم والجوهر الفرد لم يلزم أن يكون الحال فيه جسماً ولا جوهراً فرداً وحينئذ فلا يلزم أن يقال ينقسم بانقسام الحال فيه إن كان جوهراً فرداً كان الحيز واحداً وإن كان جسماً كان أو أكثر من واحد فإن الحال فيه على هذا التقدير لا يكون جسماً ولا جوهراً فرداً وإن كان كذلك ظهر أن تقسيمه الحيز إلى واحد أكثر من واحد غير لازم على هذا التقدير ولا يصح الدليل على التقدير الأول وذلك يظهر بطلانه على التقديرين الوجه السادس أن يقال هب أنه لم يسلم أن الحيز مستلزم لكون الحال فيه جسماً ولم يسلم أن نفي الجسم لا يستلزم نفي
الحيز لكن يقال انقسام الحيز إلى واحد أو أكثر من واحد إما أن لا يعلم إلا بأن يعلم أن محله جسم أو جوهر أو يعلم قبل العلم بحاله محله فإن لم يعلم اتحاده وتعدده إلا بالحال فيه لم يلزم إذا قيل إن الله في حيز أن يكون الحيز منقسماً إلى واحد وعدد حتى يثبت أنه يجب أن يكون الله جسماً أو جوهراً فرداً فيكون العلم بانقسام الحيز إلى واحد وعدد متوقفاً على العلم بأن الباري تعالى يجب أن يكون على هذا التقدير جسما أو جوهراً فرداً وهو لم يبين ذلك وإذا تبين ذلك كان نفي الجسم كافياً له في نفي كونه متحيزاً فلم يحتج حينئذ إلى تقسيم الحيز إلى واحد أو أكثر من ذلك فظهر أن هذا الذي ذكره لم يذكر عليه حجة ولو ذكر عليه حجة لم يحتج إلى ذكره وعلى التقديرين فلا يصلح ذكره لا مع الحجة ولا بدون الحجة على هذا التقدير وإن كان العلم بانقسامه إلى واحد أو عدد يعلم بدون أن يعلم أن محله جوهر أو جسم فليذكر ذلك أو لم يذكره فيتوجه المنع ثم إنه لا يصلح أن تحتج على ذلك إلا بكون الحيز ينقسم بانقسام الحال فيه والحال فيه لا يكون إلا جوهراً أو جسماً لأن التقدير أن انقسامه لا يتوقف العلم به على هذه الحجة الوجه السابع أن يقال وصف الشيء بأنه واحد وبأنه أكثر من واحد إما أن يستلزم كونه موجوداً أو لا يستلزم كونه موجوداً فإن استلزم كونه موجوداً لزم من هذا التقسيم أن يكون وجودياً وأنت قد ذكرت في تمام الحجة أنه ليس بوجودي وإن كان الوصف بأن وجودي وإن كان الوصف بأنه واحد وبأكثر من
واحد لا يستلزم أنه موجود بطل ما ذكره فيما تقدم حكايته عنه من أن الجسم منقسم ليس بواحد فإنه بنى ذلك على أن الوحدة صفة قائمة بالجسم قال والعرض لا يحدث في المحل ولا يحصل فيه إلا إذا كان المحل متعيناً متميزاً عن غيره فإنه إذا ثبت أن كون الموصوف واحداً أو أكثر لا يستلزم ان يكون موجوداً لم يلزم أن تكون الوحدة والكثرة صفة وجودية فإن المعدوم لا يوصف بالصفة الوجودية فإذا لم يجب أن تكون الوحدة وجودية لم يجب أن تقوم بالجسم ولا أن يكون عرضاً فلا يمتنع أن يكون الجسم واحداً وإذا كان الجسم واحداً مع عظمته ولم يكن فيه كثرة وجودية لم يصح أن يستدل بحلوله في الحيز على انقسام الحيز وتعدده وحينئذ فإذا لم يلزم من حلول الجسم في الحيز أن يكون الحيز متعدداً منقسماً في نفسه لم يلزم من حلول الرب في الحيز أن يكون منقسماً وجاز حلوله في الحيز الذي لا يقال إنه أكثر من واحد ولا يكون أقل القليل ولا يكون جوهراً فردًا وبالجملة فإذا لم يكن الجسم مشتملاً على كثرة مع كونه في الحيز فالباري أولى أن يكون كذلك وحيزه أولى بذلك وهو يبطل ما ذكره الوجه الثامن أن يقال الحيز في نفسه ليس إلا واحداً
وليس هو في نفسه منقسماً ولا متكثراً وإذا كان كذلك لم يصح أن يكون الحال فيه إما أن يحل في حيز واحد أو في أحياز متعددة فإن هذا مقتضى أن الحيز فيه كثرة وهذا ممنوع وتوجيه ذلك أن الناس قد تنازعوا في الجسم هل هو واحد في نفسه أو هو متكثر فيه انقسامات حاصلة على قول كما تقدم حكايته وتقدم أن المؤسس لم يذكر على انقسامه وعدمه وحدته حجة وإذا كان الأمر كذلك مع أن الجسم يقبل الانقسام بلا نزاع فالحيز الذي لا يعقل فيه وجود الانقسام أولى أن لا يكون فيه كثرة ولا انقسام وهذا ظاهر بل يقال في الوجه التاسع إن انقسام الحيز في نفسه قبل حلول شيء فيه ممتنع قطعاً سواء قيل إن الجسم واحد أو منقسم في نفسه وذلك لأن الحيز هنا ليس المراد به شيئاً موجوداً كما قد قرره وإنما هو تقدير المكان وهذا هو مسمى الحيز في اصطلاح كثير من المتكلمين وإذا كان كذلك فمن الممتنع أن يتميز بعضه عن بعض قبل حلول ما يتقد ربه وهذا معلوم بالحس والضرورة العقلية ولا يقول قائل إن ذلك يتميز بالإشارة فإن الإشارة إلى العدم محال وإنما يشار إلى موجود وإذا كان الحيز لا يتعدد ولا ينقسم قبل حلول الحال
فيه كان تعدده تابعاً لتعدد الحال فيه فإن لم يثبت كون الحال فيه جسماً منقسماً لم يكن منقسماً وإذا كان المنازع له يقول إن الحال فيه ليس هو جسماً أو هو جسم وليس بمنقسم في نفسه بطل انقسام الحيز ومن المعلوم أن القائلين بأنه متحيز يقولون هذا تارة وهذا تارة كما تقدم ذكر ذلك عنهم ومن قال إنه منقسم بمعنى يتميز بعضه عن بعض فجوابهم ما يقال في الوجه العاشر أن يقال الحيز الواحد هو ما يحل فيه الجوهر الفرد كما فسرته فيما بعد فإن الحال فيه يكون أقل القليل ويتعالى الله عن ذلك وإذا كان كذلك كان ثبوته مبنياً على ثبوت الجوهر الفرد وأنت قد اعترفت أنك وأذكياء الطوائف متوقفون فيه لتعارض الأدلة فيه وإذا لم يعلم ثبوت الجوهرالفرد لم يعلم ثبوت حيز واحد بهذا الصغر وإذا لم يعلم ذلك بطل العلم بأن الحيز إما واحداً بهذا التفسير وإما أكثر من واحد
الوجه الحادي عشر أن يقال لك ما مرادك بالحيز الواحد وبأي شيء يتميز الحيز الواحد عما هو أكثر منه فإن أردت به ما يحله الجوهر الفرد لم يثبت توحد الحيز حتى يثبت الجوهر الفرد ويثبت حلوله فيه ومن المعلوم أن الجوهر الفرد لو كان ثابتاً في نفس الأمر فليس هو مما يحس به حتى يعلم حلوله في الحيز أو عدم حلوله بل أكثر ما يقال إنه داخل الجسم في حيز قد علمنا أن الجواهر التي خلقت فيه أيضاً لكن هذا لا يفيد تميز الحيز الواحد عن غيره ولا العلم به وإذا كان الحيز الواحد الذي أردته لا يتميز ولا يعلم به كان العلم بحلول الشيء فيه أو عدم حلوله باطلاً لأن العلم بحلول الشيء في محله فرع تصور المحل فإذا كان المحل لا يعلم توحده ولا يتميز كان الحكم بثبوت الحلول فيه أو عدمه حكماً باطلاً فيكون الدليل باطلاً الوجه الثاني عشر أن يقول لك المنازع إما أن تريد بالحيز الواحد ما يحل فيه الجوهر الفرد أو ما هو أكبر منه فإن أردت الأول فحلول الرب فيه محال كما ذكرته وكان المنازع يقول لك يحل في أكثر من واحد بهذا التفسير
وأما قولك الحاصل في أحد الحيزين إما أن يكون هو الحاصل في الآخر أو غيره يقال لك لا هو هو ولا هو غيره أو لا يقال هو هو ولا هو غيره كما تقدم تقرير ذلك على اصل كثير من متكلمي الصفاتية أو أكثرهم غير مرة بأن الغيرين ما جاز وجود أحدهما دون الآخر أو ما جاز مفارقته له في مكان أو زمان أو وجود فحينئذ لا يرد ما ذكرته على كونه هو هو وكونه غيره وإن أردت بالواحد ما هو أكبر من محل الجوهر الفرد لم يكن الحال مستلزماً لأن يكون أقل القليل وقد بطل حجة الصغير وسيأتي الكلام على الوجوب والجواز الوجه الثالث عشر أن يقال هذه الحجة مشتملة على حجتين إحداهما حجة الانقسام أو الصغر وهي تعم الأقسام والثانية ما يخص قسماً قسماً مع ذلك ونحن نتكلم على الحجتين جميعاً فإحداهما حجة الانقسام والتركيب والأخرى هي من جنس حجة تماثل الأجسام وهاتان الحجتان هي جماع ما يذكره النفاة في هذا الباب فإنه يعود إلى ما يذكره من التركيب وإلى ما يذكره من التمثيل وقد تقدم فيما يمتنع من ذلك وما لا يمتنع وبينا أن سورة الإخلاص قُلْ هُوَ اللَّهُ
أَحَدٌ {1} اللَّهُ الصَّمَد ُ {2} [الإخلاص 1-2] تنزهه عن الممتنع من هذين فاسمه الأحد منع التشبيه الممتنع عليه واسمه الصمد منع الانقسام والتركيب الممتنع عليه ولكن هؤلاء النفاة غلوا في ذلك وتعدوا حدود الله فيه فزادوا على الحق من الباطل شيئاً كثيراً كما أن من المثبتة من غلا في الإثبات وتعدى حدود الله حتى زاد على إثبات الحق زيادات باطلة والله يهدينا الصراط المستقيم وليس هذا موضع الشرح والبسط لما تضمنته هذه السورة العظيمة من أصول التوحيد والإيمان فإنها كثيرة عظيمة إذ الأحدية والصمدية ينتظمان أصول التوحيد والإيمان والدين فأسماء الله وصفاته من دينه إذ دينه الحق يتبع ما هو عليه سبحانه في نفسه ولما كان الدين عند الله هو الإسلام والإسلام هو الاستسلام لله وحده وله ضدان الإشراك والاستكبار فالمستكبر استكبر عن الإسلام له والمشرك استسلم لغيره وإن كان قد استسلم له فمعنى الأحد يوجب الإخلاص لله المنافي للشرك ومعنى الصمد يوجب الاستسلام لله وحده المنافي للاستكبار فإن الصمد يتضمن صمود كل شيء إليه وفقره إليه وأيضاً فدين الله واحد لا تفرق فيه والصمد يناسب اجتماعه فالله سبحانه وتعالى هو الإله الواحد ودينه واحد
وعباده المؤمنون مجتمعون يعتصمون بحبله غير مفترقين واسمه الأحد يقتضي التوحيد والصمد يقتضي الاجتماع وعدم التفرق فإن الصمد فيه معنى الاجتماع وعدم التفريق والتوحيد أبداً قرين الاجتماع لأن الاجتماع فيه الوحدة والتفرق لابد فيه من التثنية والتعدد كما أن الإشراك مقرون بالتفرق قال
تعالى فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ {30} مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ {31} مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ {32} [الروم 30-32] ولهذا كان شعار الطائفة الناجية هو السنة والجماعة دون البدعة والفرقة فإن أصل السنة توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له وأصل البدع الإشراك بالله شركاً أصغر أو أكبر وهؤلاء الملبسون يقولون لا ينقسم أو لا يتجزأ أو لا يتبعض ونحو ذلك ولو لم يريدوا إلا ما هو حق لكانوا محسنين لكن حقيقة قولهم إنه ليس هناك شيء يتصور أن يكون مجتمعاً فضلاً أن يكون متفرقاً ولا شيء موجود يتميز عن غيره فضلاً عن أن يكون منقسماً فأخذوا لفظ التفرق والانقسام فوضعوه على غير المعاني المعروفة ونفوا به ما يستلزم نفي الحقيقة بالكلية كما فعل غيرهم في نفي العلم والقدرة ونحوهما أو نفي الأسماء كالحي والعليم والقدير ونحو ذلك فنفي الصفات يستلزم نفي الأسماء كما قد ذكرناه في غير هذا الموضع
والمقصود هنا الكلام على هاتين الحجتين الانقسام والحيز بحسب ما ذكره في نهايته وإن كان قد تقدم الكلام عليها فنقول قوله إذا كان في أكثر من حيز لزم انقسامه لا نسلم أنه يستلزم انقسامه ولا نسلم أيضاً أن الحيز ينقسم حتى يكون ما فيه منقسماً ولو كان هو منقسماً لم نسلم أن كل ما كان في المنقسم يجب أن يكون منقسماً الوجه الرابع عشر أنه قد تقدم غير مرة أن هذا الانقسام أكثر ما يراد به امتياز بعضه عن بعض وبينا أن هذا مثل امتياز الصفات وبينا أن هذا مما يجب أن يقر به كل أحد في كل موجود وأن نفي هذا يستلزم جحد الموجودات جميعها الواجب والممكن وبينا أن ما يذكر في ذلك من الافتقار
والغير والحيز فهي ألفاظ مجملة مشتركة مشتبهة يراد بها حق وباطل فيجب أن ينفي ما فيها من الباطل دون الحق الذي يريده بعض الناس بهذه الألفاظ وقد تقدم بسط ذلك بما يغني عن إعادته وهو أحال على ما تقدم فأحلنا أيضاً عليه الوجه الخامس عشر أن المنازع يقول له هب أنه في حيز واحد فلم قلت إن ذلك محال قولك إنه يكون أقل القليل ويتعالى الله عنه يقال لا نسلم أن ما هو حيز واحد لا يتسع إلا مقدار الجوهر الفرد بل يكون واحداً وهو عظيم وهذا في الحيز أولى منه في الجسم فإذا كان قد قال
طوائف إن الجسم يكون عظيماً ويكون واحداً فالحيز أولى وأيضاً فمن قال إنه فوق العرش وهو عظيم وليس بجسم أو هو جسم وليس بمركب فإنه يقول بثبوت حيز واحد عظيم الوجه السادس عشر أن المنازع يقول الجوهر الفرد لا يخلو إما أن يكون ثابتاً أو لا يكون فإن كان ثابتاً لم تكن قد ذكرت دليلاً عقلياً على نفي كونه بقدره كما اعترفت بذلك فيما تقدم في نهايتك في المسلك الثاني على نفي الجسم أن المنازع إذا أصر على المطالبة بالدليل على أنه حال كونه بقدر الجوهر فطريق دفعه أن يتمسك بالوجوه التي يستدل بها على نفي الجزء الذي لا يتجزأ حتى تنقطع المطالبة وإذا
لم يكن لك طريق إلا هذا فهذا الطريق باطلة إذا قدر ثبوت الجوهر الفرد فإنه بتقدير ثبوته تكون الوجوه التي احتج بها على نفيه باطلة وإذا لم يكن الجوهر الفرد ثابتاً لم يجز أن يقال إن الحال في الجزء الواحد هو أقل القليل بل لم يكن للحيز الواحد إذا فسر بذلك وجود أصلاً وإذا كان كذلك فعلى التقديرين لا تكون قد ذكرت حجة على أنه لا يكون في الحيز الواحد وإنما تعتصم في مثل ذلك بالإجماع إجماع العقلاء وإجماع المسلمين داخل في ذلك فيقال لك هؤلاء المنازعون يقولـ ون إنه عظيم في نفسه أعظم من كل عظيم وأكبر من كل كبير وأعلى من كل عال قد وسع كرسيه السموات السبع والأرضين السبع ويقولون لك وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر 67] قال ابن عباس ما السموات السبع والأرضون السبع وما بينهما في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم أو كما قال فهذا مستند ثان نفي كونه بقدر الجوهر الفرد فإن سلمت ذلك لم يكن لك
أن تقول ليس فوق العرش ولا هو في نفسه كبير وعظيم ولم يكن ما سلمتموه يستلزم أن لا يكون فوق العرش وإن قيل إنه في حيز واحد أو جهة واحدة وإن لم تسلم ذلك بل زعمت أنما فوق السموات رب ولا هناك إله أصلاً وأن محمداً لم يعرج به إلى الله تعالى بل صعد إلى علو العالم فقط وأن رب العالمين ليس داخل العالم ولا خارجه قالوا لك نحن نقول إن من وصفه بهذا فقد جعله معدوماً والمعدوم أحقر من الجوهر الفرد وإذا كان كذلك لم نسلم لك ما دمت مصراً على هذا النفي أنه أحقر من الجوهر الفرد فإن ذلك يستلزم تسليم النقيضين فنكون قد سلمنا أنه معدوم وأنه أحقر من الجوهر الفرد وذلك باطل وإذا لم نسلم له على هذا التقدير أنه أحقر من الجوهر الفرد لم يكن له أن يحتج بالإجماع كما تقدم نظير هذا وتقدم ما قرره في أول نهايته أن الاحتجاج بمثل هذا الإجماع الذي يختلف فيه المأخذ لا يصح نظراً ولا مناظرة فإن المناظر ليس له أن يحتج بموافقة موافق بناء ً على مأخذ لا يعتقد صحته والمناظر يجيبه خصمه بأنك إن وافقتني على المأخذ وإلا منعتك الحكم على هذا التقدير لأنه عندي تقدير غير واقع فلا يكون له حجة بحال ولو احتج بها في الفطرة في
إعظام الله أن يكون كذلك قيل له هذه الفطرة التي فيها أن الله تعالى فوق العالم وهي تحيل أن يقال إنه ليس فوق العالم ولا داخله ولا خارجه كما تحيل أن يقال هو بقدر الجوهر الفرد فإن كان ما في الفطرة من هذا حقاً فكذلك الآخر وحينئذ فلا يبقى معه حجة على نفي كونه بقدر الجوهر الفرد لا عقلية ولا سمعية لأن السمع إما نص وإما إجماع والسمعيات التي وصف الله فيها نفسه بأنه علي وعظيم وكبير معناها عندهم القدرة والقهر لا يعنون بها عظم قدره في نفسه فلا ينافي ما زعموه صغر المقدار لاسيما مع ما يعتمدونه من القول بأن الملك العظيم والآدمي العظيم يكون بقدر الجوهر الفرد لأن الحياة ولازمها لا تحل إلا في قدر ذلك كما تقدم وإذا لم يكن لهم على ذلك حجة بطلت هذه الحجج التي ذكرها وظهر عجزهم عن تنزيه الله عن صغر القدر كما عجزوا عن تنزيه الله تعالى أن يكون فيه نقص فلا يقدرون أن ينزهوه على أصولهم العقلية عن نقص ولا عن صغر الوجه السابع عشر قوله في الحجة الثانية حصوله في ذلك الحيز إما واجب وإما جائز يقال إن أريد بالحيز ما
هو داخل في مسمى اسمه مثل ما يدخل في صفاته في مسمى اسمه ومثل ما يدخل حدود الشيء ونهايته في مسمى اسمه فيقال حصوله فيه واجب ويكون وجودياً والكلام في قوله يكون منقسماً قد تقدم غير مرة بأن الانقسام لفظ مجمل تختلف فيه الاصطلاحات فهو منفي بالمعنى الذي لا يلزم من هذا والمعنى الذي يلزم لا محذور فيه بل هو واجب لكل موجود الوجه الثامن عشر قول من يقول لا يجوز عليه الحركة والانتقال فإنه يقول حصوله في الحيز المعين يكون واجبًا وأما قوله لو كان كذلك لكانت حقيقة ذلك الحيز مخالفة لحقيقة غيره فيكون وجودياً يقول لا نسلم وذلك لأن الاختصاص لا يجب أن يكون لمعنى في الحيز بل يجوز أن
يكون لمعنى في الرب وهو ما توافقهم عليه من امتناع الحركة والانتقال وعدم ذلك ليس بنقص عندك ولا عندهم كما تقدم وتقدم أن ما ألزمتهم من كونه يكون كالزمن هو لك ألزم أيضاً فأنت وهو مشتركون في ذلك وهو بك ألصق منه بهم الوجه التاسع عشر أن يقال هب أن وجودي وحقيقته مخالفة لحقيقة غيره وأنه يمكن الإشارة الحسية إليه فقولك إنه إن كان منقسماً كان الباري فيه الحال منقسماً يمنعون الملازمة كما تقدم ويقولون في الانقسام بما تقدم من الجواب المفصل الوجه العشرون قولك أو لا يكون منقسماً فيكون مختصاً بجهة دون جهة فيكون للحيز حيز آخر ويلزم التسلسل يقال هب أن هذا الحيز أمر وجودي فلم لا يجوز أن يكون حيز هو عدمي والتسلسل إنما يلزم أن لو كان لكل حيز وجودي حيز وجودي الوجه الحادي والعشرون قولك وإن لم تمكن الإشارة
الحسية إلى الحيز الذي حصل فيه الباري وجب استحالة الإشارة إلى الباري لأنا نعلم بالضرورة أن ما لا تمكن الإشارة الحسية إلى جهته استحالت الإشارة الحسية إليه فإذاً لا يكون الباري في الجهة يقال لك الضروري بأن ما لا يشار إلى جهته لا يشار إليه ليس بأعظم من أن ما لا يشار إليه لا يشار إلى جهته ثم كثير من الناس وأنت من هؤلاء في كثير من المواضع يقولون ذلك مثل العلم الضروري بأن ما يشار إليه وإلى جهته لا يكون إلا جسماً وكثير من الناس بل أكثرهم يقولون إن ذلك مثل العلم الضروري بأن ما لا يشار إليه ولا إلى جهته ولا يكون داخل العالم ولا خارجه لا يكون إلا معدوماً بل المقرون بأن هذا علم ضروري أعظم من المقرين بذلك وإذا كان كذلك فإن نازعتهم في هذا العلم الضروري لم يكن عليهم أن يسلموا لك ذلك العلم الضروري الذي يلزمهم بتسليمه نفي هذا العلم الضروري لأن تسليم العلم الضروري الذي يستلزم نفي علم ضروري تسليم لتنافي العلمين الضروريين وذلك باطل فلا يجب تسليم الباطل وإن لم
تنازعهم في هذا العلم الضروري لم يكن ما ذكرته حجة عليهم فإنه إذا سلم أنه فوق العالم وأنه يمتنع أن يكون لا داخل العالم ولا خارجه حصل المطلوب الوجه الثاني والعشرون قولك وإن لم يكن حصوله في الجهة واجباً فاختصاصه بها لابد أن يكون لفاعل مختار فاختصاص الباري به محدث فهو في الأزل ما كان في الحيز والذي يكون كذلك يستحيل أن يصير حاصلاً في الحيز وفي نسخة محتاجا إلى الحيز فيقال لك إذا كان الحيز أمراً وجودياً كالعرش والغمام كان اختصاص الله بكونه فوق العرش تابعاً لخلقه العرش وذلك حاصل بمشيئته واختياره وهو محدث وهو إن لم يكن في الأزل على العرش لكن لم قلت إذا لم يكن في الأزل على العرش أنه يستحيل أن يصير بعد ذلك على العرش هذا لم تذكر عليه دليلاً وأما إن كان المدعي أنه يستحيل أن يصير محتاجاً إلى الحيز فهذا حق لكن كونه فوق العرش لا يوجب
احتياجه إلى شيء بل هو الحامل بقدرته للعرش ولكل شيء الوجه الثالث والعشرون أن يقال العلو على العرش للناس فيه قولان مشهوران أحدهما أنه نسبة وإضافة بينه وبين العرش من غير فعل محدث يقوم بذات الرب وهؤلاء قد يقولون الاستواء من صفات الذات وعلى هذا التقدير فتجديده بخلق العرش كتجديد سائر النسب والإضافات وذلك جائز باتفاق العقلاء كتجدد المعية والثاني أنه استوى على العرش بعد أن لم يكن مستوياً عليه كما دل على ذلك القرآن والذي قال هذا يقول في استوائه إلى السماء ونزوله ومجيئه وإتيانه ونحو ذلك مثلما يقول في الاستواء وأن ذلك من أفعال ذات الله تعالى وهؤلاء هم جمهور أهل الحديث وكثير من أهل الكلام والفقهاء والصوفية
وغيرهم وعامة كلام السلف يدل على هذا وهذا متصل بمسألة حلول الحوادث به وهو قد ذكر أنه ليس في الأدلة العقلية ما ينفي حلول الحوادث به وذكر أن الطوائف جميعهم يلزمهم القول به وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يستوي عليه بعد أن لم يكن مستوياً وإذا كان على القولين لا يمتنع أن يصير فوق العرش وإن لم يكن في الأزل عرش يكون الله فوقه بطل ما ادعاه من أنه إذا كان اختصاص الباري بالحيز محدثاً فهو إذاً في الأزل ما كان حاصلاً في الحيز والشيء الذي يكون كذلك استحال أن يصير
حاصلاً في الحيز فإن ذلك لا يستحيل على الوجه الذي بيناه وأما إن كان قد قال استحال أن يصير محتاجاً إلى الحيز فهذا حق لكن تجدد الأمور الجائزة لا يقتضي أنه محتاج إليها الوجه الرابع والعشرون أنه يقال قولك في أصل هذه الحجة الثانية حصوله في الحيز إما أن يكون واجباً أو غير واجب يقال لك أتريد بالحيز نوع الحيز أم تريد الحيز المعين فإن اللام تكون للجنس وتكون للحيز المعين فإن أردت به النوع لم يصح ما ذكرته في القسم الأول وهو قولك لو صح حصوله في ذلك الحيز وامتنع حصوله في سائر الأحياز لكانت حقيقته مخالفة لحقيقة غيره لأن الحيز على هذا التقدير هو النوع ولا يختص بشيء دون شيء كما أن القائل إذا قال لو كان الجسم مختصاً بالحيز لم يرد به حيزاً بعينه بل يريد به أنه مختص بأنه لا يكون إلا متحيزاً فيمتنع أن يكون غير متحيز وإن أردت به الحيز المعين لم يصح ما ذكرته في القسم الثاني وهو إنما كان كذلك ما كان في الأزل حاصلاً في
الحيز المعين والذي يكون كذلك يستحيل أن يصير حاصلاً في الحيز وذلك أن الحيز تقدير المكان ليس أمراً موجوداً فلم قلت إنه إذا لم يكن في الأزل في حيز معين امتنع أن يكون بعد ذلك في حيز معين فإن هذا مبني على مسألة حلول الحوادث وقد تقدم القول فيه الوجه الخامس والعشرون أن قولك والشيء الذي يكون كذلك استحال أن يصير حاصلاً في الحيز يمنعه المنازع ويقول لا نسلم أن كل اختصاص بحيز معين وهو تقدير المكان يكون محدثاً وأنه يمتنع أن يصير في حيز لم يكن فيه بل الحي القادر سبحانه يختص بما يشاء من الأحياز ولا يلزم من ذلك اختصاصه بحيز معين ولا يلزم من ذلك أن أصل التحيز محدث بل هو سبحانه وتعالى يخلق ما يشاء من الأجسام ولا يكون الجسم مخلوقاً في حيز ولا يختص بحيز بل له أن ينقله من حيز إلى حيز وهؤلاء يقولون حياته وقدرته توجب ذلك ونفي إمكان
ذلك يقتضي نفي حياته وقدرته كما تقدم حكاية قولهم ويقولون اختصاصه بحيز دون حيز هو نسبة وإضافة إلى ذلك الحيز والأمور الإضافية لا يمنع تجددها ولا زوال المتقدم منها باتفاق العقلاء فإن الحيز العدمي الذي هو تقدير المكان يجري فيه القولان في العرش ونحوه فمن قال الاستواء عليه مجرد نسبة أمكن أن يقول ذلك هنا ومن قال إن فيه حركة قال بذلك هنا الوجه السادس والعشرون قولك حصوله في الحيز إما أن يكون واجباً وإما أن يكون غير واجب يقول لك المنازع قولاً مفصلاً الاختصاص بأصل الحيز واجب أما تعين حيز دون حيز فهو ممكن ليس بواجب وذلك لأن الحيز في الاصطلاح المشهور للمتكلمين هو تقدير المكان وهم يقولون إن كل متحيز يستلزم نوع التحيز وأما الحيز المعين فيجوز أن ينتقل عنه المتحيز كما لو شاء الله تحويل العالم من حيز إلى حيز ثم لهم هنا قولان
أحدهما أن اختصاصه بذلك الحيز المعين مجرد نسبة وإضافة وإذا كان تجدد النسب والإضافات له وزوالها من الأمور الموجودة جائز باتفاق العقلاء فحدوث هذه النسب وزوالها عما هو تقدير المكان بطريق الأولى والأحرى الثاني أن يقال أكثر ما في ذلك الحركة وهذا جائز كما تقدم في قولهم استوى على العرش بعد أن لم يكن مستوياً عليه وأنه يجيء يوم القيامة ويأتي ونحو ذلك
فصل قال الرازي الفصل الخامس في حكاية الشبه العقلية في كونه تعالى مختصاً بالحيز والجهة الشبهة الأولى لهم أنهم قالوا العالم موجود والباري موجود وكل موجودين فلابد أن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه بجهة من الجهات الست ولما لم يكن الباري محايثاً للعالم وجب كونه تعالى مبايناً عن العالم بجهة من الجهات الست وإذا ثبت ذلك وجب كونه تعالى مختصاً بجهة الفوق
أما قولهم إن كل موجودين فلابد أن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه بجهة فلهم فيه طريقان الطريق الأولى ادعاء البديهة إلا أنه سبق الكلام على هذه الطريقة في أول الكتاب الطريق الثاني أنهم يستدلون عليه وهو الطريق الذي اختاره ابن الهيصم في المناظرة التي حكاها عن نفسه مع ابن فورك قال الرازي أنا أذكر محصل تلك الكلمات على
الترتيب الصحيح من أحسن وجه يمكن تقرير تلك الشبهة به وهو أن يقال لا شك أن كل موجودين في الشاهد فإن أحدهما لابد وأن يكون محايثاً للآخر أو مبايناً عنه بالجهة وكون كل موجودين في الشاهد كذلك إما أن يكون لخصوص كونه جوهراً أو لخصوص كونه عرضاً أو لأمر مشترك بين الجوهر والعرض وذلك المشترك إما الحدوث وإما الوجود والكل باطل سوى الوجود فوجب أن تكون العلة لذلك الحكم هو الوجود والباري تعالى موجود فوجب الجزم بأنه تعالى إما أن يكون محايثاً للعالم أو مبايناً عنه بالجهة قال واعلم أن هذا الكلام لا يتم إلا بتقرير مقدمات نحن نذكرها وتلك الوجوه التي يمكن ذكرها في تقرير تلك المقدمات أما المقدمة الأولى وهي قولنا إن كل موجودين في الشاهد فلابد وأن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه
بالجهة لابد له من علة والدليل عليه هو أن المعدومات لا يصح فيها هذا الحكم وهذه الموجودات يصح فيها هذا الحكم فلولا امتياز ما صح فيه هذا الحكم عما لا يصح فيه هذا الحكم بأمر من الأمور وإلا لما كان هذا الامتياز واقعاً وأما المقدمة الثانية فهي في بيان أن هذا الحكم لا يمكن تعليله بخصوص كونه جوهراً ولا بخصوص كونه عرضاً فالدليل عليه أن المقتضي لهذا الحكم لو كان هو كونه جوهراً لصدق على الجوهر أن ينقسم إلى ما يكون محايثاً لغيره وإلى ما يكون مبايناً عنه ومعلوم أن ذلك محال لأن الجوهر يمتنع أن يكون محايثاً لغيره وبهذا الطريق تبين أن المقتضي لهذا الحكم ليس كونه عرضاً لامتناع أن يكون العرض مبايناً لغيره بالجهة المقدمة الثالثة في بيان أن هذا الحكم غير معلل بالحدوث ويدل عليه وجوه الأول أن الحدوث عبارة عن وجود سبقه عدم والعدم غير داخل في العلة وإذا سقط العدم عن درجة الاعتبار لم يبق
إلا الوجود والثاني وهو الذي عوّل عليه ابن الهيصم في المناظرة التي زعم أنها دارت بينه وبين ابن فورك فقال لو كلن هذا الحكم معللاً بالحدوث لكان الجاهل بكون السماء حادثة جاهلاً بأن السماء بالنسبة إلى سائر الموجودات التي في العالم إما أن تكون محايثة لها أو مباينة عنها بالجهة لأن المقتضي للحكم إذا كان أمراً معيناً فالجاهل بذلك المقتضي يجب أن يكون جاهلاً بذلك الحكم ألا ترى الوجود لما كان هو المستدعي للتقسيم إلى القديم والمحدث لا جرم كان اعتقاد أنه غير موجود مانعاً من التقسيم بالقدم والحدوث فلما كان التقسيم إلى الأسود والأبيض معلقاً بكونه كان ملوناً كان اعتقاد أن الشيء غير ملون مانعاً من اعتقاد التقسيم إلى الأسود والأبيض ولما رأينا الدهري الذي يعتقد قدم السموات
والأرض لا يمنعه ذلك من اعتقاد أن السموات والأرضين إما أن تكون محايثة وإما أن تكون مباينة بالجهة علمنا أن هذا الحكم غير معلل بالحدوث الوجه الثالث في بيان أن المقتضي هذا الحكم ليس هو الحدوث وقد ذكره ابن الهيصم أيضاً في تلك المناظرة وتقريره أن كونه محدثاً وصف يعلم بالاستدلال وكونه بحيث يجب أن يكون إما محايثاً أو مبايناً بالجهة حكم معلوم بالضرورة والوصف المعلوم الثبوت بالاستدلال لا يجوز أن يكون أصلاً للحكم الذي يعلم ثبوته بالضرورة فثبت بهذه
الوجوه أن المقتضي لهذا الحكم ليس هو الحدوث المقدمة الرابعة وهي في بيان أنه لما كان المقتضي لهذا الحكم في الشاهد هو الوجود والباري موجود وكان المقتضي لكونه تعالى إما محايثاً للعالم أو مبايناً عنه بالجهة حاصلاً في حقه فكان هذا الحكم حاصلاً هناك واعلم أنا نفتقر في هذه المقدمة إلى بيان أن الوجود حقيقة واحدة في الشاهد والغائب وذلك يقتضي كون وجوده تعالى زائداً على حقيقته فإنه ما لم يثبت هذا الأصل لم يحصل المقصود فهذا غاية ما يمكن ذكره في تقرير هذه الشبهة ومن نظر في تقريرنا لهذه الشبهة وتقريرهم لها علم أن التفاوت بينهما كبير قال والجواب أن مدار هذه الشبهة على أن كل موجودين في الشاهد فلابد أن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو
مبايناً عنه بالجهة وهذه المقدمة ممنوعة وبيانه من وجوه الأول أن جمهور الفلاسفة يثبتون موجودات غير محايثة لهذا العالم الجسماني ولا مبايناً عنه بالجهة وذلك لأنهم يثبتون العقول والنفوس الفلكية والنفوس الناطقة
ويثبتون الهيولي ويزعمون أن هذه الأشياء موجودات غير متحيزة
ولا حالة في المتحيز فلا يصدق عليها أنها محايثة لهذا العالم ولا مباينة عنه بالجهة وما لم يبطلوا هذا المذهب بالدليل لا يصح القول بأن كل موجودين في الشاهد إما أن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه الثاني أن جمهور المعتزلة يثبتون إرادات وكراهات موجودة لا في محل ويثبتون فناءً لا في محل وتلك الأشياء لا يصدق عليها أنها محايثة للعالم أو مباينة عن العالم بالجهة فما لم يبطلوا ذلك لا تتم دعواهم الثالث أنا نقيم الدليل على أن الإضافات أعراض موجودات في الأعيان ثم نبين أنها تمتنع أن تكون محايثة للعالم أو مباينة عنه بالجهة وذلك يبطل كلامهم وإنما قلنا إن
الإضافات أعراض موجودات في الأعيان وذلك لأن المعقول من كون الإنسان أباً لغيره مغاير لذاته المخصوصة بدليل أنه يمكن أن يعقل ذاته مع الذهول عن كونه أباً وابناً والمعلوم غير ما هو غير معلوم وأيضاً فإنه يمكن ثبوت ذاته منفكة عن الأبوة والبنوة مثل عيسى عليه السلام فإنه ما كان أباً لأحد ولا ابناً لأحد من الذكور والثابت غير ما هو غير ثابت فكونه أباً وابناً مغايراً لذاته المخصوصة ثم هذا المغاير إما أن يكون وصفاً سلبياً أو ثبوتياً والأول باطل لأن عدم الأبوة هو الوصف السلبي والأبوة رافعة له ورافع العدم الوجود فثبت أن
الأبوة وصف وجودي مغاير لذات الأب إذا ثبت هذا فنقول إنه مستحيل أن يقال الأبوة محايثة لذات الأب وإلا لزم أن يقال إنه قائم بنصف الأب نصف الأبوة وبثلثه ثلث الأبوة ومعلوم أن ذلك باطل ومحال أن يقال إنها مباينة عن ذات الأب مباينة بالجهة والحيز وإلا لزم كون الأبوة جوهراً قائماً بذاته مبايناً عن ذات الأب بالجهة وذلك أيضاً محال فثبت بهذا الدليل وجود موجود لا يمكن أن يقال إنه محايث للعالم ولا أن يقال مباين عنه بالجهة وإذا ثبت هذا بطل قولهم السؤال الثاني سلمنا أن كل موجودين في الشاهد فلابد أن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه بالجهة لكن كون الشيء بحيث يصدق عليه قولنا إما أن يكون وإما أن لا يكون إشارة إلى كونه قابلاً للانقسام إليهما لكن قبول القسمة حكم عدمي والعدم لا يعلل وإنما قلنا إن قبول القسمة حكم عدمي لأن أصل القبول حكم عدمي فوجب أن يكون قبول القسمة حكماً عدمياً وإنما قلنا إن أصل القبول حكم عدمي لأنه لو كان أمراً ثابتاً لكان صفة من صفات الشيء المحكوم عليه
بكونه قابلاً والذات قابلة للصفة القائمة بهاق يكون قبول ذلك القبول زائداً عليه ولزم التسلسل وإنما قلنا إنه لما كان أصل القبول عدمياً كان قبول القسمة أيضاً كذلك لأن القبول للقسمة قبول مخصوص فتلك الخصوصية إن كانت صفة موجودة لزم قيام الوجود بالعدم وهو محال وإن كانت عدمية لزم القطع بأن قبول القسمة عدمي وإذا ثبت أنه حكم عدمي امتنع تعليله لأن العدم نفي محض فكان التأثير فيه محالاً فثبت أن قبول القسمة لا يمكن تعليله السؤال الثالث هب أنه من الأحكام الوجودية فلم لا يجوز أن يكون معللاً بخصوص كونه جوهراً أو بخصوص كونه عرضاً قوله لأن كونه جوهرياً يمنع من المحايثة وكونه عرضاً بمنع من المباينة بالجهة وما كان علة لقبول الانقسام إلى قسمين يمنع كونه مانعاً من أحد القسمين قلنا ما الذي تريدون بقولكم الوجود في الشاهد ينقسم إلى المحايث وإلى المباين بالجهة إن أردتم أن الوجود في الشاهد قسمان
أحدهما أن يكون محايثاً لغيره بالجهة وهو العرض والثاني أن يكون مبايناً لغيره بالجهة وهو الجوهر وهذا مسلم لكنه في الحقيقة إشارة إلى حكمين مختلفين معللين بعلتين مختلفتين فإن عندنا وجوب كونه محايثاً لغيره معلل بكونه عرضاً ووجوب كون القسم الثاني مبايناً عن غيره بالجهة معلل بكونه جوهراً فبطل قولكم إن خصوص كونه عرضاً وجوهراً لا يصلحان لعلة هذا الحكم وإن أردتم به أن إمكان الانقسام إلى هذين القسمين حكم واحد وأنه ثابت في جميع الموجودات التي في الشاهد فهو باطل لأن إمكان الانقسام إلى هذين القسمين لم يثبت في شيء من الموجودات التي في الشاهد فضلاً عن أن يثبت في جميعها لأن كل موجود في الشاهد فهم إما جوهر وإما عرض فإن كان جوهراً امتنع أن يكون محايثاً لغيره بالجهة فلم يكن قابلاً لهذا الانقسام فثبت بما ذكرنا أن الذي قالوه مغالطة والحاصل أن هذا المستدل أوهم أن
قوله الموجود في الشاهد إما أن يكون محايثاً لغيره أو يكون مبايناً عنه بالجهة إشارة إلى حكم واحد ثم بنى عليه أنه لا يمكن أن يعلل هذا الحكم بخصوص كونه جوهراً لا بخصوص كونه عرضاً ونحن بينا أنه إشارة إلى حكمين مختلفين معللين بعلتين مختلفتين السؤال الرابع سلمنا أنه لا يمكن تعليل هذا الحكم بخصوص كونه جوهراً ولا بخصوص كونه عرضاً فلم قلتم إنه لابد من تعليله إما بالحدوث وإما بالوجود وما الدليل على هذا الحصر أقصى ما في الباب أن يقال سبرنا وبحثنا فلم نجد قسماً آخر إلا أنا بينا في الكتب المطولة أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود وشرحنا أن هذا السؤال هادم لكل دليل مبني على تقسيمات منتشرة غير محصورة بين النفي والإثبات
السؤال الخامس سلمنا أن عدم الوجدان يدل على عدم الوجود لكن لا نسلم قولكم أنا ما وجدنا لهذا الحكم علة سوى الحدوث والوجود بيانه من وجهين أحدهما أن من المحتمل أن يقال المقتضي لقولنا إن الشيء إما أن يكون محايثاً للعالم أو مبايناً عنه هو كونه بحيث تصح الإشارة الحسية إليه وذلك لأن كل شيئين تصح الإشارة الحسية إليهما فإما أن تكون الإشارة إلى أحدهما عين الإشارة إلى الآخر وذلك كما في اللون والمتلون وهذا هو المحايثة وإما أن تكون الإشارة إلى أحدهما غير الإشارة إلى الآخر وهذا هو المباينة بالجهة فثبت أن المقتضي لقبول هذه القسمة هو كون الشيء مشاراً إليه بحسب الحس وعلى هذا التقدير ما لم يقيموا الدلالة على أنه تعالى مشار إليه بحسب الحس لا يمكن أن يقال إنه يجب أن يكون محايثاً للعالم أو مبايناً عنه بالجهة لكن كونه تعالى مشاراً إليه بحسب الحس وهو مما وقع النزاع فيه وحينئذ يتوقف صحة الدليل على صحة
المطلوب وذلك يفضي إلى الدور وهو باطل الثاني لاشك أن ما سوى الله تعالى إما أن يكون محايثاً لغيره أو مبايناً عن غيره بالجهة ولا شك أن الله تعالى مخالف لهذين القسمين بحقيقته المخصوصة إذ لو لم يكن مخالفاً لهما بحقيقته المخصوصة لكان مثلاً للجواهر والأعراض ويلزم منه كونه تعالى محدثاً كما أن الأعراض والجواهر محدثة وذلك محال وإذا ثبت هذا فنقول إن الجواهر والأعراض يشتركان في الأمر الذي وقعت به المخالفة
بينهما وبين ذات الباري فلم لا يجوز أن يكون المقتضي لقبول الانقسام إلى المحايث وإلى المباين هو ذلك الأمر وعلى هذا التقدير سقط هذا السؤال لأنه لا مشترك بين الجواهر والأعراض إلا الحدوث السؤال السادس سلمنا الحصر فلِمَ لا يجوز أن يكون المقتضي لهذا الحكم هو الحدوث قوله أولاً الحدوث ماهية مركبة من العدم والوجود قلنا كل محدث فإنه يصدق عليه كونه قابلاً للعدم والوجود وأيضاً كون الشيء منقسماً إلى المحايث والمباين معناه كونه قابلاً للانقسام إلى هذين القسمين فالقابلية إن كانت صفة وجودية كانت في الموضعين كذلك وإن كانت عدمية فكذلك ولا يبعد تعليل عدم بعدم أما قوله ثانياً لو كان المقتضي لهذا الحكم هو الحدوث لكان الجهل بحدوث الشيء يوجب الجهل بهذا الحكم قلنا الكلام عليه من وجهين الأول لِمَ قلتم إن الجهل بالمؤثر يوجب الجهل بالأثر ألا ترى أن جهل الإنسان بأسباب المرض والصحة وجهل نفاة الأعراض بالمعاني الموجبة لتغير أحوال الأجسام لا يوجب جهلهم بتلك التغيرات وجهل الدهري بكونه تعالى قادراً على الخلق والتكوين لا يوجب
جهله بوجود هذا العالم الثاني لوكان الجهل بالعلة يوجب الجهل بالمعلول لكان العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول وعلى هذا التقدير لو كان المقتضي لكون الموجودين في الشاهد إما متحايثين أو متباينين بالجهة هو الوجود لزم أن من علم كون الشيء موجوداً أن يعلم وجوب كونه محايثاً للعالم أو مبايناً له لكن الجمهور الأعظم وهم أهل التوحيد يعتقدون أنه تعالى موجود ولا يعلمون أنه تعالى لابد وأن يكون إما محايثاً للعالم أو مبايناً له فوجب على هذا المساق أن لا يكون المقتضي لهذا الحكم هو كونه موجوداً وهذا السؤال قد أورده الأستاذ ابن فورك من أصحابنا على ابن الهيصم ولم يقدر أن يذكر عنه جواباً سوى أن قال يمتنع أن يحصل العلم بالأثر مع الجهل بالمؤثر وطال كلامه في تقرير هذا الفرق ولم يظهر منه شيء معلوم يمكن حكايته قوله ثالثاً كونه محدثاً وصف استدلالي وكونه إما
محايثاً أو مبايناً أمر معلوم بالبديهة والوصف الاستدلالي لا يجوز أن يكون علة للحكم المعلوم بالبديهة قلنا ممنوع فإنا بينا أن المؤثر في كثير من الأشياء استدلالي والأثر بديهي السؤال السابع سلمنا أن المؤثر في هذا الحكم ليس هو الحدوث وأنه هو الوجود لكن لِمَ قلتم إنه يلزم حصوله في حق الله تعالى وبيانه أن المطلوب إنما يلزم لوكان الوجود أمراً واحداً في الشاهد والغائب أما إذا لم يكن الأمر كذلك بل كان وقوع لفظ الوجود على الشاهد والغائب ليس إلا بالإشراك اللفظي كان هذا الدليل ساقطاً بالكلية ثم إن الكرامية لا يمكنهم أن يقولوا بأن الوجود في
الغائب الشاهد واحد إذ لو كان كذلك لزمهم إما القول بكون الباري تعالى مثلاً للمحدثات من جميع الوجوه أو القول بأن وجوده زائد على ماهيته والقوم لا يقولون بهذا الكلام السؤال الثامن سلمنا أن ما ذكرتم يدل على أن الوجود هو العلة لهذا الحكم لكن هاهنا دليل آخر يمنع منه وهو أن المقتضي لقبول الانقسام في الجوهر والعرض لو كان هو الوجود لزم في الجوهر وحده أن يقبل الانقسام إلى الجوهر والعرض وأنه محال ولزم أيضاً في العرض وحده أن يقبل الانقسام إلى الجوهر والعرض ومعلوم أن ذلك محال فإن قالوا إن كل جوهر وعرض فإنه يصح كونه منقسماً إلى هذين القسمين نظراً إلى كونه موجوداً وإنما يمتنع ذلك الانقسام نظراً إلى مانع منفك وهو خصوصية ماهيته قلنا هذا اعتراف بأنه لا يلزم من كونه الوجود علة لصحة أمر من الأمور أن يصح ذلك الحكم على كل ما كان موصوفاً بالوجود لاحتمال أن
تكون ماهيته المخصوصة مانعة من ذلك الحكم وإذا كان كذلك فلِمَ لا يجوز أن يقال الوجود وإن اقتضى كون الشيء إما محايثاً لغيره أو مبايناً عنه إلا أن خصوصية ذاته تعالى كانت مانعة من هذا الحكم فلِمَ يلزم من كونه تعالى موجوداً كونه بحيث يكون إما محايثاً للعالم أو مبايناً عنه بالجهة السؤال التاسع أن ما ذكرتموه من الدليل قائم في صور كثيرة مع أن النتيجة اللازمة عنه باطلة قطعاً وذلك يدل على أن هذا الدليل منقوض وبيانه من وجوه الأول أن كل ما سوى الله فهو محدث فتكون صحة الحدوث حكماً مشتركاً بينهما فنقول هذه الصحة حكم مشترك فلابد لها من علة مشتركة والمشترك إما الحدوث أو الوجود ولا يمكن أن يكون المقتضي لصحة الحدوث هو الحدوث لأن صحة الحدوث سابقة على الحدوث بالرتبة والسابق بالرتبة على الشيء لا يمكن تعليله بالمتأخر عن الشيء فثبت أن صحة الحدوث غير معللة بالحدوث فوجب كونها معللة بالوجود والله تعالى موجود فوجب أن يثبت في حقه صحة الحدوث وهو محال الثاني أن كل موجود في الشاهد فهو إما حجم أو قائم
بالحجم ثم يذكر التقسيم إلى آخره حتى يكون الباري تعالى إما حجماً أو قائماً بالحجم والقوم لا يقولون به الثالث أن كل موجودين في الشاهد فلابد وأن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه في أي جهة كان ثم يذكر التقسيم المتقدم حتى يظهر أن هذا الحكم معلل بالوجود والباري تعالى موجود فوجب أن يصح على الباري كونه محايثاً للعالم أو مبايناً عنه في أي جهة كان من الجوانب التي للعالم وذلك يقتضي أن لا يكون اختصاص الله بجهة فوق بل يلزم صحة الحركة على ذات الله تعالى من الفوق إلى السفل وكل ذلك عند القوم محال الرابع أن كل موجودين في الشاهد فإنه يجب أن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه بالجهة والمباين بالجهة لابد وأن يكون جوهراً فرداً أو يكون مركباً من الجواهر وكون كل
موجودين في الشاهد على أحد هذه الأقسام الثلاثة أعني كونه عرضاً أو جوهراً فرداً أو جسماً مؤتلفاً لابد وأن يكون معللاً بالوجود فوجب أن يكون الباري تعالى على أحد هذه الأقسام الثلاثة والقوم ينكرون ذلك لأنه تعالى عندهم ليس بغرض ولا بجوهر ولا بجسم مؤتلف مركب من الأجزاء والأبعاض الخامس أن كل موجود يفرض مع العالم فهو إما أن يكون مساوياً للعالم أو زائداً عليه في المقدار أو أنقص منه في المقدار وانقسام الوجود في الشاهد إلى هذه الأقسام الثلاثة حكم لابد له من علة ولا علة إلا بالوجود والباري تعالى موجود فوجب أن يكون الباري تعالى على أحد هذه الأقسام الثلاثة والقوم لا يقولون به فثبت بما ذكرنا أن هذه الشبهة منقوضة قال واعلم أنا إنما طولنا في الكلام على هذه الشبهة لأن القوم يعولون عليها ويظنون أنها حجة قاهرة ونحن بعد أن بالغنا في تنقيحها وتقريرها أوردنا عليها هذه الأسولة
القاهرة والاعتراضات القادحة ونسأل الله تعالى أن يجعل هذه التحقيقات والتدقيقات سبباً لمزيد الأجر والثواب بمنه وفضله اهـ قلت والكلام على هذا مع العلم بأن المقصود ذكر القول الفصل والحكم العادل فيما يذكره النفاة من الحجج والجواب عما ذكره من جهة منازعيه ليس المقصود استيفاء حجج المثبتة بل إذا تبين أن هذا الذي هو الإمام المطلق في المتأخرين من هؤلاء النفاة المتكلمين والفلاسفة وعرف فرط معاداته لهؤلاء المثبتة الذين ذكرهم وذكر حججهم مع ما هم عليه من ضعف الحجج وقلة المعرفة بالسنن ومذاهب السلف ومع ما فيهم من الانحراف ثم تبين ظهور حججهم العقلية التي ذكرها مع السمعية على ما استوفاه من حجج النفاة العقلية والسمعية مع استعانته بكل من هو من النفاة حتى المشركين الصابئين مثل أرسطو وأبي معشر وشيعتهما من الفلاسفة
والمنجمين والمعتزلة وغيرهم ومع أنه لم يبق ممكناً فيما فيه شبهة حجة عرف من الحق ما يهدي به الله من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ولا حول ولا قوة إلا بالله وقد ذكر أن لهم طريقين على أن كل موجودين فلابد وأن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً له أحدهما ادعاء البديهة وقد ذكر أنه سبق الكلام في ذلك فأحال على ما تقدم وقد قدمنا القول على ما ذكره هناك في مقدمة كتابه مما يبين الحق لمن له أدنى نظر ولاحول ولا قوة إلا بالله وما ذكره هنا من حكاية كلام ابن الهيصم في مناظرته لابن فورك لم يبلغنا على الوجه المفصل لكن ذكر بعض المصنفين من النفاة أيضاً أنهما تناظرا بحضرة ولي السلطان محمود بن
سبكتكين وكان من أحسن ملوك أهل المشرق إسلاما ً وعقلاً وديناً وجهاداً وملكاً في آخر المائة الرابعة وكانت ملوك في خلافة القادر وكانت قد انتشرت إذ ذاك دعوة الملاحدة المنافقين الذين كانوا إذ ذاك بمصر وفد بنوا القاهرة وغيرها ولهم دعاة من أقاصي الأرض بالمشرق وغيره وكان والد ابن
سينا منهم وقال ابن سينا وبسبب ذلك اشتغلت في علوم الأوائل وكان بعض المشرق وكثير من جنده يميل إليهم وفي ذلك الوقت صنف الناس الكتب في كشف أسرارهم وهتك أستارهم مثل الكتاب الذي صنفه القاضي أبو بكر
الباقلاني وغيره وقد صنف مثل ذلك وبعضه كتب أخر وإنماالمقصود التنبيه على ما يتعلق بما نحن فيه وكان هذا مما دعا القادر إلى إظهار السنة وقمع أهل البدع فكتب الاعتقاد القادري المنسوب إليه وهو في الأصل من جمع الشيخ أبي أحمد القصاب وهو من أجل المشايخ
وأعلمهم وله لسان صدق عظيم وأمر القادر باستتابة من خالف ذلك من المعتزلة وغيرهم وقام الشيخ أبوحامد الأسفراييني إمام الشافعية والشيخ أبو عبد الله بن حامد إمام الحنابلة على
ابن الباقلاني بسبب ما ينسب إليه من بدعة الأشعري وجبت أمور بلغتنا مجملة غير مفصلة وصنف ابن الباقلاني كتابه المعروف في الرد على من ينسب إلى الأشعري خلاف قوله واعتمد السلطان محمود بن سبكتكين في مملكته نحو هذا وزاد عليه بأن أمر بلعنة أهل البدع على المنابر فلعنت الجهمية والرافضة والحرورية والمعتزلة والقدرية ولعنت أيضاً الأشعرية حتى جرى بسبب ذلك نزاع وفتنة بين الشافعية
والحنفية وغيرهم قوم يقولون هم من أهل البدع فيلعنون وقوم يقولون ليسوا من أهل البدع فلا يلعنون وجرت لابن فورك محنة بأصبهان وجرت له مناظرة مع ابن الهيصم بحضرة هذا السلطان محمود وكان يحب الإسلام والسنة مستنصراً بالإسلام عارفاً به غزا المشركين من أهل الهند وفتح الهند وروي أنه قتل عشرة آلاف زنديق فكان مما حكاه ميمون النسفي الحنفي في
كتابه وهو من نفاة العلو أن السلطان فهم كلام الطائفتين وفهم ما ذكرته المثبتة من أن أقوال النفاة توجب تعطيله وأنهم قالوا لو أردنا أن نصف المعدوم لم نصفه إلا بهذه الصفة بأنه لا داخل العالم ولا خارجه أو كلاماً هذا معناه وابن فورك عجز عن جواب هذا حتى كتب فيه على أبي إسحاق الأسفراييني وأن الأسفراييني لم يجب أيضاً بما يدفع به ذلك
إلا أن قال يلزم من الإثبات أن يكون جسماً أو نحو هذا مع أن المعروف عن أبي بكر بن فورك هو ما عليه الأشعري وأئمة أصحابه من إثبات أن الله فوق العرش كما ذكر ذلك في غير موضع من كتبه وحكاه عن الأشعري وابن كلاب وارتضاه وذكر البيهقي عنه في كتاب الصفات أنه قال استوى بمعنى علا وقال في قوله أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء [الملك 16]
أي من فوق السماء واحتج البيهقي لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ حين حكم في بني قريظة لقد حكمت فيهم
بحكم الله الذي حكم به فوق سبع سموات وبقول ابن عباس إن بين السماء السابعة إلى كرسيه سبعة آلاف نور وهو فوق ذلك
وأبو بكر محمد بن الحسن الحضرمي القيرواني الذي له
الرسالة التي سماها برسالة الإيماء إلى مسألة الاستواء لما ذكر اختلاف المتأخرين في الاستواء وذكر أقوالاً متعددة قول الطبري أبي جعفر محمد بن جرير صاحب التفسير وأبي محمد بن أبي زيد والقاضي
عبد الوهاب وجماعة من شيوخ الحديث والفقه قال وهو ظاهر بعض كتب القاضي أبي بكر وأبي الحسن يعني الأشعري وحكاه عنه أعني القاضي أبي بكر والقاضي عبد الوهاب نصاً وهو أنه سبحانه وتعالى مستوٍ على عرشه بذاته قال وأطلقوا القول في بعض الأماكن فوق عرشه قال أبو بكر الحضرمي وهو الصحيح الذي أقول به من غير تحديد ولا تمكن في مكان ولا كون فيه ولا مماسة
قال أبو عبد الله القرطبي صاحب التفسير الكبير في كتاب شرح الأسماء الحسنى بعد أن حكى كلام الحضرمي هذا قول القاضي أبي بكر في كتاب تمهيد الأوائل له وقاله الأستاذ ابن فورك في شرح أوائل الأدلة وهو قول أبي عمربن عبد البر
والطلمنكي وغيرهما من الأندلسيين وقول الخطابي في شعار الدين ثم قال بعد أن ذكر في الاستواء أربعة عشر
قولاً وأظهر الأقوال ما تظاهرت عليه الآي والأخبار والفضلاء الأخيار أن الله على عرشه كما أخبر في كتابه وعلى لسان نبيه بلا كيف بائن من جميع خلقه هذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم الثقاة ونقل أبو بكر بن فورك في كتاب مقالة أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب وموافقته الأشعري وما بينهما من النزاع اليسير أو اللفظي فقال الفصل الأول في ذكر ما حكى شيخنا أبو الحسن رضي الله عنه في كتاب المقالات من جمل مذاهب أصحاب الحديث وأبان ما أبان في آخره أنه يقول بجميع ذلك ثم سرد ابن فورك المقالة التي تقدم ذكرنا لها من كلام الأشعري بعينها وما قيها من ذكر العرش واستواء الله عليه والصفات الخبرية وغير ذلك كما تقدم ثم قال في آخرها فهذا يحقق لك من ألفاظه أنه يعتقد لهذه الأصول التي هي قواعد أصحاب الحديث وأساس توحيدهم ولا ريب أن هذا قول الأشعرية المتقدمين وأئمتهم كلهم
ما علمت بينهم في ذلك نزاعاً وإنما أنكر ذلك من أنكره من متأخريهم وجميع كتب الأشعري تنطق بذلك كما ذكرناه فيما تقدم من كتبه وفيما لم يصل إلينا مما يحيل هو عليه مثل ما ذكره أبو القاسم بن عساكر في تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعري بعد أن قال فلا بد أن نحكي عنه معتقده على وجهه بالأمانة ليعلم حاله في صحة عقيدته في الديانة فاسمع ما ذكره في الإبانة فإنه قال الحمد لله الواحد العزيز الماجد المتفرد بالتوحيد المتمجد بالتمجيد الذي لا تبلغه صفات العبيد وليس له مثل ولا نديد وذكر تمام الخطبة إلى أن قال فإن قال قائل قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة فعرفونا
قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون قيل له قولنا الذي نقول به وديانتنا التي بها ندين التمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون وبما كان عليه الإمام أحمد بن حنبل نضّر الله وجهه قائلون ولمن خالف قوله مخالفون لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين فرحمة الله عليه من إمام مقدّم وكبير مفهم وعلى جميع أئمة المسلمين وذكر تمام الاعتقاد كما ذكرناه عنه فيما تقدم لما ذكر ما ذكره الأشعري في الإبانة ثم قال ابن عساكر بعد أن فرغ من سياق ذلك فتأملوا رحمكم الله هذا الاعتقاد ما أوضحه وأبينه واعترفوا بفضل هذا الإمام الذي شرحه وبينه قال الحافظ ابن عساكر قال أبو الحسن في كتابه الذي سماه العمد في الرؤية ألفناً كتابأ كبيراً في الصفات تكلمنا
فيه على أصناف المعتزلة والجهمية في فنون كثيرة من الصفات في إثبات الوجه لله واليدين وفي استوائه على العرش ولشهرة هذا من مذهب الأشعري قال أبوالحسن علي بن مهدي الطبري المتكلم صاحب أبي الحسن الأشعري في كتابه الذي ألفه في مشكل الآيات في باب قوله الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى {5} [طه 5] اعلم أن الله سبحانه وتعالى في السماء فوق كل شيء على عرشه بمعنى أنه عالٍ عليه ومعنى الاستواء الاعتلاء كما تقول العرب استويت على ظهر الدابة واستويت على السطح بمعنى علوته واستوى الشمس على رأسي واستوى الطير على قمة رأسي بمعنى علا في الجو فوجد فوق رأسي فالقديم جل جلاله عالٍ على عرشه قوله أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء [الملك 16] وقوله يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران 55] وقوله إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ
[فاطر 10] وقوله يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ [السجدة 5] قال وزعم البلخي أن استواء الله على العرش هو الاستيلاء عليه مأخوذ من قول العرب استوى بشر على العراق استولى عليها وقال إن العرش يكون الملك
فيقال ما أنكرت أن يكون عرش الله جسماً خلقه وأمر ملائكته بحمله قال وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ {17} [الحاقة 17] وأمية يقول مجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيراً بالبناء الأعلى الذي سبق الناس وسوى فوق السماء سريراً قال ومما يدل على أن الاستواء هاهنا ليس بالاستيلاء لأنه لو كان كذلك لم ينبغ أن يخص العرش بالاستيلاء عليه دون سائر خلقه إذ هو مستول على العرش وعلى سائر خلقه وليس للعرش مزية على ما وصفته فبان بذلك فساد قوله ثم يقال له أيضاً إن الاستواء ليس هو الاستيلاء الذي من قول العرب استوى فلان على كذا أي استولى إذا تمكن فيه بعد أن لم يكن متمكناً فلما كان الباري لا يوصف بالتمكن بعد
أن لم يكن متمكناً لم يصرف معنى الاستواء إلى الاستيلاء ثم قال حدثنا أبو عبد الله نفطويه ثنا أبوسليمان قال كنا عند ابن الأعرابي فأتاه رجل فقال ما معنى
الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى {5} [طه 5] قال هو على عرشه كما اخبر فقال ليس هو كذلك إنما معناه استولى قال ابن الأعرابي اسكت ما يدريك ما هذا العرب لا تقول للرجل استولى على الشيء حتى يكون له فيه مضاد فأيهما غلب قيل استولى عليه والله لا مضاد له وهو على عرشه كما أخبر
قال أبو الحسن بن مهدي الطبري فإن قيل فما تقولون في قوله أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء [الملك 16] قيل له معنى ذلك أنه فوق السماء على العرش كما قال فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ [التوبة 2] بمعنى على الأرض وقال وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه 71] أي على جذوع النخل فكذلك قوله أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء قال فإن قيل فما تقولون في قوله تعالى وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ [الأنعام 3] قيل له إن بعض القراء يجعل الوقف في السَّمَاوَاتِ ثم يبتدي وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وكيفما كان فلو أن قائلاً قال فلان بالشام والعراق ملك لدل على الملك بالشام والعراق لا أن ذاته فيهما قال فإن قيل ما تقول في قوله مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة 7] الآية قيل له كون
الشيء مع الشيء على وجوه منها بالنصر ومنها بالصحبة ومنها بالمماسة ومنها بالعلم فمعنى هذا عندنا أن الله تعالى مع كل الخلق بالعلم قال قال البلخي فإن قيل لنا ما معنى رفع أيدينا إلى السماء وقوله وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر 10] قلنا تأويل ذلك أرزاق العباد لما كانت تأتي من السماء جاز أن نرفع أيدينا إلى السماء عند الدعاء وجاز أن يقال أعمالنا ترفع إلى الله لما كان حفظة الأعمال إنما مساكنهم في السماء قيل له إن كانت العلة في رفع أيدينا إلى السماء أن الأرزاق فيها
وأن الحفظة مساكنهم في السماء جاز أن نخفض أيدينا في الدعاء نحو الأرض من أجل أن الله يحدث فيها النبات والأقوات المعاش وأنها قرارهم ومنها خلقوا أو لأن الملائكة معهم في الأرض فلم تكن العلة في السماء بما وصفه وإنما أمرنا الله تعالى برفع أيدينا قاصدين إليه لرفعها نحو العرش الذي هو مستوٍ عليه فإذا كان ابن فورك وسائر أئمة الأشعرية موافقين الكرامية وغيرهم على أن الله عز وجل نفسه فوق العرش وهم جميعاً متفقون على مخالفة المعتزلة الذين ينفون ذلك ويتأولون الاستواء بمعنى الاستيلاء ونحو ذلك وهم جميعاً متفقون على الاستدلال على أن الله فوق العالم بالآيات التي ذكرها هذا الرازي من ناحية مخالفيه مثل قوله إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر 10] وقوله يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ [آل عمران 55] وقوله أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ [الملك 16] ومثل ذلك في الآيات كما ذكرنا بعض ذلك وقد تنازع ابن فورك وأصحابه مع ابن الهيصم وأصحابه فإما
أن يكون نزاعهم لفظياً أو معنوياً فإن كان لفظياً لم يكن ذلك منافياً لاتفاقهم من جهة المعنى وإن كانت المعاني متفقة لم يضر اختلاف الألفاظ إلا إذا كان منهياً عنها في الشريعة وإن كان النزاع معنوياً فهو أيضاً قسمان أحدهما اختلاف تنوع بأن يكون هؤلاء يثبتون شيئاً لا ينفيه هؤلاء وهؤلاء ينفون شيئاً لا يثبته هؤلاء فهذا أيضاً ليس باختلاف معلوم إلا إذا كان كل منهما يدفع ما يقوله الآخر من الحق فإذا كان أحدهما يثبت حقاً والآخر ينفي باطلاً كان على كل منهما أن يوافق الآخر وإذا اختلفا كانا جميعاً مذمومين وهذا من الاختلاف الذي ذمه الله تعالى في كتابه حيث قال سبحانه وتعالى وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ {176} [البقرة 176] وقال وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ [آل عمران 105] وأمثال ذلك وإن كانا قد تنازعاً حقيقياً هما فيه متناقضان على حقيقة التناقض بحيث أن يكون أحدهما ينفي ما أثبته الآخر فهذا بعد اتفاقهم على إثبات أنه فوق العرش فوق العالم ومخالفتهم جميعاً للمعتزلة الذين سلك هذا الرازي وأمثاله مسلكهم في كتابه هذا التأسيس إنما يكون بأن يقول المثبت كونه فوق
العرش يستلزم أن يكون في جهة أو يكون متحيزاً أو أن يكون منقسماً ونحو ذلك ويقول الثاني كونه على العرش لا يستلزم ذلك بل يجوز أن يكون على العرش ولا يكون جسماً وهذا الثاني قول الأشعرية فالخلاف بينهم وبين الأشعرية أنه إذا كان على العرش هل يستلزم ذلك أن يكون جسماً أو لا يستلزم ذلك فإن كان هذا هو الخلاف المحقق بين ابن فورك وأصحابه وبين ابن الهيصم وأصحابه فإما أن يكون الصواب مع ابن فورك أو مع ابن الهيصم فإن كان الصواب مع ابن فورك ثبت حينئذ أنه إذا كان على العرش لم يستلزم ذلك أن يكون جسماً ولا يكون مركباً ولا منقسماً ولا غير ذلك وإذا صح هذا بطل ما ذكره هذا المؤسس وأمثاله من أن كونه فوق العرش يستلزم التجسيم وحينئذ فيبطل جميع ما ذكره من الحجج في هذا الكتاب على إبطال كونه على العرش وإذا أقر بأنه فوق العرش فهو أعظم المقصود وحينئذ يكون كلامه من جنس الأشعرية الأكابر
المتقدمين وإن كان الصواب مع ابن الهيصم وهو أن كونه فوق العرش يستلزم أن يكون جسماً وهذا هو الذي يقوله هذا المؤسس وأمثاله من الأشعرية المتأخرين وهو الذي يقوله المعتزلة والفلاسفة والجهمية وأمثالهم فيكون هذا المؤسس وهؤلاء كلهم متفقون على أن الصواب في المناظرة كان لابن الهيصم دون ابن فورك ومعلوم أن أهل الإثبات الذين يقولون هو على العرش ولا يتكلمون في الجسم بنفي ولا إثبات لا ينفون هذا الكلام أيضاً وإن خالفهم بعضهم لفظاً فيها ولا ينازع في ذلك نزاعاً معنوياً فيكون جماهير الخلائق من مثبتة الصفات ونفاتها مع ابن الهيصم فقد ظهر بما ذكره أن تصويب ابن فورك ومتقدمي الأشعرية يقتضي تخطئة الرازي ومتأخري الأشعرية الذين خالفوا متقدميهم في قولهم إن الله ليس على العرش وأن تصويب ابن الهيصم وتخطئة ابن فورك هو أولى بتخطئة هؤلاء المتأخرين النفاة لكونه على العرش وإذا كان كذلك ثبت خطأ هذا الرازي وذويه سواء كان المصيب هو ابن فورك أو هو ابن الهيصم وثبت اتفاق الطائفتين المتقدمتين من الأشعرية
والكرامية على خطا هؤلاء المتأخرين من الأشعرية الموافقين للمعتزلة في نفي أن يكون الله فوق العرش وهذا هو المقصود الأكبر فيما ذكرناه وأيضاً فهذا الرازي وذووه يقولون هم وغيرهم إن العلم بأن كونه على العرش يستلزم أن يكون متحيزا أو أن يكون جسماً علم ضروري وإذا كان كذلك كانوا مقرين بأن الكرامية أصوب من شيوخهم المتقدمين وأن ذلك معلوم بالاضطرار وإذا كان كذلك ثبت أن قول الكرامية هو الصواب دون قولهم وقول شيوخهم المتقدمين وذلك أيضاً يستلزم أن يكون الله فوق العرش وهذا يبين أن ما تنازع فيه متقدمو الأشعرية ومتأخروهم ثبت به خطأ إحدى الطائفتين منهم ولم يثبت خطأ الكرامية في قولهم إن الله فوق العرش فإنه إن كان الصواب مع متقدميهم فهم والكرامية متفقون على أن الله فوق العرش وإن كانت الكرامية مخطئة على هذا التقدير في قولهم هو جسم فهذا لا يضر وإن كان الصواب مع متأخريهم أن كونه على العرش يستلزم التجسيم فهم والمتقدمون من الأشعرية متفقون على أن الله تعالى فوق العرش فيكون التجسيم حينئذ لازماً للطائفتين جميعاً فلا تكون إحداهما مصيبة والأخرى مخطئة وإذا ثبت خطأ إحدى طائفتي الأشعرية تيقنا بالاتفاق أن
الصواب مع إما مثبتو العلو وإما الملازمون بين العلو والجسم ولم يثبت خطا الكرامية المنازعين لهم في قولهم إنه على العرش لا على قول الأولين المثبتين العلو ولا على قول الآخرين الملازمين بين العلو والجسم ظهر أن الكرامية المنازعين الأشعرية في مسالة العلو والجسم أقرب إلى الصواب منهم فإن من ظهر خطؤه على كل تقدير أولى بالخطأ ممن لم يظهر خطؤه في المسألة الواحدة وهي المقصودة الكبرى على التقديرين جميعاً وخطؤه في المسألة الأخرى وهي مسألة الجسم إنما يظهر على إحدى التقديرين فقط وهذا بين ظاهر فإن الأشعرية قد ثبت لزوم الخطأ لهم بالضرورة إما لأوليهم وإما لآخريهم إذا كان النزاع معنوياً تضاداً كما تقدم وأما الكرامية فهم في مسألة كونه على العرش لم يظهر خطؤهم على التقديرين جميعاً وفي مسألة الجسم إنما يكونون مخطئين على قول الأولين فقط إذ الآخرون من الأشعرية يوافقونهم على أن العلو يستلزم التجسيم وظهر بذلك أن كل ما تنازع فيه هؤلاء لم يظهر فيه نفي أن يكون الله على العرش وذلك لأن هذا هو الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وهو القائل سبحانه وتعالى هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [الصف 9] الآية ودين الحق الذي بعث به رسوله ظاهر على كل تقدير
وأيضاً فإن هذا معلوم بالفطرة والبديهة وقد ظهر بذلك أن متقدمي الأشعرية وأئمتهم هم أولى بالحق والصواب من متأخريهم وإن كان فو قولهم ما يذكر أنه خطأ فالخطأ الذي مع المستأخرين أعظم وأكثر وهذا لأن الكلام الذي فيه بدعة كلما كان أقرب إلى الفطرة والشرعة كان أقرب إلى الهدى ودين الحق وكلما بعدت البدعة عن ذلك تغلظت وهذا مما يبين أن فطر الناس وبدائههم ممن ليس به هوى ولا تقليد سواء كان في الأمراء أو الملوك أو غيرهم فإنهم يعرفون بفطرتهم وبديهة عقولهم أن ما ذكره من أنه لا داخل العالم ولا خارجه إنما هو صفة المعدوم وأن الموجودين لابد أن يكون أحدهما قائماً بالآخر محايثاً له أي يكون حيث هو يكون أو يكون مبايناً له منفصلاً عنه في جهة غير جهته وما زال أئمة السنة يذكرون هذا مثل ما ذكره عبد العزيز الكناني صاحب الشافعى صاحب الحيدة المشهور بالرد
على الجهمية والقدرية وغيرهم قال في رده على الجهمية باب قول الجهمي في قول الله عز وجل الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى {5} [طه 5] زعمت الجهمية أنما قول الله الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى {5} إنما المعنى استولى كقول العرب استوى فلان على مصر استوى فلان على الشام يريد استولى عليها باب البيان لذلك يقال له هل يكون خلق من خلق الله أتت عليه مدة ليس الله بمستولٍ عليه فإذا قال لا قيل له فمن زعم ذلك فهو كافر ويقال له يلزمك أن تقول إن العرش قد أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه وذلك أن الله أخبر أنه خلق العرش بل خلق السموات والأرض قال الله تعالى وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء [هود 7] فأخبر
أن العرش كان على الماء قبل خلق السموات والأرض ثم قال الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً {59} [الفرقان 59] وقوله الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [غافر 7] وقوله عز وجل ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ [فصلت 11] وقوله عز وجل ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ [البقرة 29] فأخبر أنه استوى على العرش فيلزمك أن تقول المدة التي كان العرش فيها قبل خلق السموات والأرض ليس الله بمستول عليه إذا كان استوى على معناه عندك استولى فإنما استولى بزعمه في ذلك الوقت لا قبل قال وقد روى عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اقبلوا البشرى يا بنى تميم قالوا قد بشرتنا فأعطنا قال اقبلوا البشرى يا أهل اليمن قالوا قد قبلنا فأخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان قال كان الله قبل كل شيء وكان عرشه على الماء وكتب في اللوح ذكر كل شيء وروي عن أبي
رزين العقيلي وكان يعجب النبي صلى الله عليه وسلم من مسألته أنه قال يا رسول الله أين كان الله قبل أن يخلق السموات والأرض قال كان في عماء فوقه هواء وتحته هواء ثم خلق عرشه على الماء
قال فقال الجهمي أخبرني كيف استوى على العرش أهو كما تقول العرب استوى فلان على السرير فيكون السرير حوى فلاناً وحده إذا كان عليه فيلزمك أن تقول إن العرش قد حوى الله وحده إذا كان عليه لأنا لا نعقل الشيء على الشيء إلا هكذا باب من البيان لذلك يقال له أما قولك كيف استوى فإن الله لا يجري عليه كيف وقد أخبرنا أنه استوى على العرش ولم يخبرنا كيف استوى فوجب على المؤمنين أن يصدقوا ربهم باستوائه على العرش وحرم عليهم أن يصفوا كيف استوى لأنه لم يخبرهم كيف كذلك ولم تره العيون في الدنيا فتصفه بما رأت وحرم عليهم أن يقولوا عليه من حيث لا يعلمون فآمنوا بخبره عن الاستواء ثم ردوا علم كيف استوى إلى الله ولكن يلزمك أنت أيها الجهمي أن تقول إن الله محدود وقد حوته الأماكن إذ زعمت في دعواك أنه في الأماكن لأنه لا يعقل شيء في مكان إلا والمكان قد
حواه كما تقول العرب فلان في البيت والماء في الحب فالبيت قد حوى فلاناً والحب قد حوى الماء ويلزمك أشنع من ذلك لأنك قلت أشنع من ذلك لأنك قلت أفظع مما قالت به النصارى وذلك أنهم قالوا إن الله حل في عيسى وعيسى بدن إنسان واحد فكفروا بذلك وقيل لهم ما أعظمتم الله تعالى إذ جعلتموه في بطن مريم وأنتم تقولون إنه في كل مكان وفي بطون النساء كلهن وبدن عيسى وأبدان الناس كلهم ويلزمك أيضاً أن تقول إنه في أجواف الكلاب والخنازير لأنها أماكن وعندك أنه في كل مكان تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً قال فلما شنعت مقالته قال أقول بأن الله في كل مكان لا كالشيء في الشيء ولا كالشيء على الشيء ولا كالشيء مع
الشيء خارجاً عن الشيء ولا مبايناً للشيء باب البيان لذلك يقال له إن أصل قولك القياس والمعقول على أنك لا تعبد شيئاً لأنه لو كان شيئاً داخلاً فمن القياس والمعقول أن يكون داخلاً في الشيء أو خارجاً عنه فلما لم يكن في ذلك شيئاً استحال أن يكون كالشيء أو خارجاً عن الشيء فوصفت لعمري ملتبساً لا وجود له وهو دينك وأصل مقالتك التعطيل وأما الحجة التي ذكرها عن ابن الهيصم فلم يذكر ألفاظها لكن ذكر أنه نظمها أحسن من نظمه ونحن في جميع ما نورده نحكي ألفاظ المحتجين بعينها فإن التصرف في ذلك قد يدخله خروج عن الصدق والعدل إما عمداً وإما خطأ فإن الإنسان إن لم يتعمد أن يلوي لسانه بالكذب أو يكتم بعض ما يقوله غيره لكن المذهب الذي يقصد الإنسان إفساده لا يكون في قلبه من المحبة له ما يدعوه إلى صوغ أدلته على الوجه الأحسن حتى ينظمها نظماً ينتصر به فكيف إذا كان مبغضاً
لذلك والله اعلم بحقيقة ما قاله ابن الهيصم ومانقله هذا عنه لكن نحن نتكلم على ما وجدناه مع العلم بأن الكرامية فيهم نوع بدعة في مسألة الإيمان وغيرها كما في الأشعرية أيضاً بدعة لكن المقصود في هذا المقام ذكر كلامهم وكلام النفاة ولا ريب أن أئمة الأشعرية وهم الذين كانوا أهل العراق كأبي الحسن الكبير وأبي الحسن الباهلي وأبي عبد الله بن
مجاهد وصاحبه القاضي أبي بكر وأبي علي بن شاذان ونحوهم لم يكونوا في النفي كأشعرية خراسان مثل أبي بكر ابن فورك ونحوه بل زاد أولئك في النفي أشياء على مذهب أبي الحسن ونقصوا من إثباته أشياء ولهذا يوجد في كلام أبي الحسن الأشعري وكلام أبي سعيد بن كلاب الذي ذكره أبو بكر ابن فورك فيما جمعه من كلامهما وبيان مذهبهما أشياء تخالف
ما انتصر له ابن فورك في مواضع وهذه الحجة القياسية التي ذكرها عن ابن الهيصم هي
مأخوذة من حجة أهل الإثبات في مسألة رؤية الله وأنهم كانوا يحتجون على جواز رؤية الله بأن الله قادر على أن يرينا نفسه لأنه موجود وما لم تمكن رؤيته لا يكون إلا معدوماً وهذه الحجة كانوا يتكلمون فيها كنحو كلام أهل الإثبات في مسألة العلو تارة يحتجون فيها بالعلم الضروري بأن الله تعالى قادر على ذلك وتارة يثبتون ذلك بالقياس فإن الرؤية مما يشترك فيها الجواهر والأعراض فيكون عليها أمر مشترك بينهما ولا مشترك إلا الوجود والحدوث لا يكون علة فثبت أن المصحح للرؤية هو الوجود وهذه الطريقة القياسية مشهورة عن أبي الحسن الأشعري وللناس عليها اعتراضات معروفة كما ذكر ذلك الشهرستاني وغيره ولذلك عدل طائفة من اتباعه كالقاضي
أبي لكر إلى أن أثبتوا إمكان الرؤية بالسمع كما أن وقوعها معلوم بالسمع بلا نزاع وأبو عبد الله الرازي قد ذكر طريقة الأشعري هذه في الرؤية في نهايته وذِكْرُ ما فيها من القوادح التي تظهر معها وَهّاهَا وإذا علم ذلك فينبغي أن يعلم الأمران أحدهما أن الطريقة التي سلكها أهل الإثبات في مسألة العلو بدعوة الضرورة تارة وبالقياس الذي احتج به ابن الهيصم وغيره تارة أصح من الطريقة التي يسلكونها في مسألة الرؤية بدعوى الضرورة تارة وبالقياس أخرى كما قد ذكرنا فيما قبل أن العلم بأن الله تعالى فوق خلقه أعرف في الفطرة وأشهر في الشريعة وأعظم استقراراً عند سلف الأمة وأئمتها من العلم بأنه يرى وأن الجهمية كانوا يكتمون إنكار ذلك ويتظاهرون بإنكار الرؤية ونحوها ليتوسلوا بما يظهرونه من إنكار الرؤية والقول بخلق القرآن على ما يكتمونه من إنكار وجود الله فوق العرش وكان أئمة السلف يعلمون ذلك منهم فيعرفونهم في لحن القول ويستدلون بما
أظهروه على ما أسروه لعلمهم بأصل كلامهم وأنهم إنما أنكروا رؤيته وأنكروا أنه يتكلم حقيقة لأن رؤيته وكلامه مستلزم لوجوده فوق العالم فإذا سلموا الكلام والرؤية وغيرهما لزمهم تسليم أنه فوق العرش إذا أنكروا ذلك ووافقهم عليه من وافقهم توسلوا بذلك لإنكار علوه على العرش وغير ذلك إذ يقال لو كان على العرش لجازت رؤيته ولكان متكلماً وما لا يجوز أن يرى يمتنع أن يكون فوق العرش فلما كانت مسألة العلو هي في نفسها أعظم وأدلتها أقوى وأكثر والمقرون بها أكثر وأكثر من السلف والأئمة والعامة كانت الطريقة التي يسلكها أهل الإثبات فيها أقوى من الطريقة التي يسلكونها في مسألة الرؤية وبيان ذلك أن اعتراف الفطر بأن الله فوق العالم أعظم من اعترافها بأنه يرى ودلالة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة على ذلك أعظم من دلالة هذه الأصول على رؤية الله تعالى واعتراف القلوب بأن ما لا يكون داخل العالم ولا خارجه لا يكون إلا معدوماً أعظم من اعترافها بأن ما لا يمكن رؤيته لا يكون إلا معدوماً وما في القلوب من البديهة والضرروة إلى الأول أعظم مما فيها من الضرورة والبديهة إلى الثاني كذلك اعترافها بديهة وضرورة بأن كل موجودين لابد أن يكونا متباينين
أو متحايثين أعظم من اعترافها بأن كل موجود فلابد وأن تمكن رؤيته وإذا كان الأمر كذلك ظهر أن الطريقة القياسية التي سلكها ابن الهيصم ونحوه في مسألة العلو أقوى من الطريقة التي سلكها الأشعري ونحوه وابن الهيصم أيضاً في عين مسألة الرؤية وكلاهما سلك طريقة ينصر بها الإثبات الذي جاء به الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وكل ما ذكره الرازي من القوادح في هذه الطريقة التي سلكها ابن الهيصم فإنما هي قدح في الأصول العقلية التي سلكها أئمة الأشعرية وغيرهم فهدمه وهدم ابن فورك ونحوه بما ذكروه لأصول أصحابهم وأئمتهم أعظم من هدمهم للأصول التي تذكرها الكرامية وغيرهم في مسألة العرش وهذا بيِّنٌ يعرفه من شدى شيئاً من النظر في هذه المواضع ومن عرف ما اعتمده
من الأصول في مسألة الرؤية وعلم ما اعتمده هؤلاء في مسألة العرش الأمر الثاني أنا نذكر أن الطريقة التي سلكها أهل الإثبات في الرؤية ليست من الضعف كما يظنه أتباع الأشعري مثل الشهرستاني والرازي وغيرهما بل لم يفهموا قعرها ولم يقدروا الأشعري قدره بل قدروا مقدار كلامه وحججه وكان هو أعظم منهم قدراً وأعلم بالمعقولات والمنقولات ومذاهب الناس من الأولين والآخرين كما تشهد به كتبه التي بلغتنا دع ما لم يبلغنا فمن رأى ما في كتبه من ذكر المقالات والحجج ورأى ما في كلام هؤلاء رأى بوناً عظيماً وإذا ظهر أن طريقهم في الرؤية أقوى مما يظنه هؤلاء كان ذلك تنبيهاً على أن طريقة ابن الهيصم في العلو أولى أن تكون أقوى منها وأن يكون القدح فيها دون القدح في تلك ثم نبين إن شاء الله تعالى بالكلام المفصل أن عامة ما ذكره الرازي من
القدح فيها قدح باطل ولا حول ولا قوة إلا بالله والله هو المسئول أن يوفقنا للكلم الطيب والعمل الصالح وهو الذي يقوله وإن كان فيه حكم بين هؤلاء الذين يخوضون أحياناً بكلام مذموم عند السلف لكن قد ذكرنا غير مرة أن من حكم الشريعة إعطاء كل ذي حق حقه كما في السنن عن عائشة قالت أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم وأن من كان منهم أقرب إلى الحق والسنة عرفت مرتبته ووجب تقديمه في ذلك الأمر على ما كان أبعد عن الحق والسنة منه قال تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ [الشورى 15] وقال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ [النساء 135] وقال في حق أهل الكتاب وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ [المائدة 42] وقال فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ [المائدة 48] فكيف الحال بين طوائف أهل القبلة بل الحكم بين من فيه فجور ومن فيه بدعة بالعدل ووضعهم مراتبهم وترجيح هذا من الوجه
الذي هو فيه أعظم موافقة للشريعة والحق أمر واجب ومن عدل عن ذلك ظاناً أنه ينبغي الإعراض عن الجميع بالكلية فهو جاهل ظالم وقد يكون أعظم بدعة وفجوراً من بعضهم قال أبو الحسن الأشعري في الإبانة بعد أن احتج بحجج كثيرة جيدة على إثبات الرؤية من الكتاب والسنة والإجماع ومقصوده الأكبر في الإبانة ذكر الحجج السمعية دون القياسية المبنية على الكلام في الجواهر والأعراض فإنه يختصرها فقال بعد ذلك ومما يدل على جواز رؤية الله بالأبصار أنه ليس موجوداً إلا وجايز أن يريناه وإنما لا يجوز أن يرى المعدوم فلما كان الله موجوداً مثبتاً كان غير مستحيل أن يرينا نفسه عز وجل وإنما أراد من نفي الرؤية لله عز وجل بالأبصار التعطيل فلما لم يمكنهم ذلك صراحاً أظهروا ما يؤول إلى التعطيل وجحدوا الله تعالى تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً قال ومما يدل على جواز رؤية الله تعالى بالأبصار أن الله تعالى يرى الأشياء وإذا كان للأشياء رائياً وليس يجوز أن يرى الأشياء من لا يرى نفسه وإذا كان لنفسه رائياً فجائز أن يرينا
نفسه وذلك أنه من لا يعلم نفسه لا يعلم شيئاً فما كان الله تعالى عالماً بالأشياء كان عالماً بنفسه فكذلك من لا يرى نفسه لا يرى الأشياء فلما كان الله رائياً للأشياء كان رائياً لنفسه وإذا كان رائياً لها فجائز أن يرينا نفسه كما أنه لما كان عالماً بنفسه جاز أن يعلمناها وقد قال الله عز وجل إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى {46} [طه 46] فأخبر أنه سمع كلامهما ويراهما ومن زعم أن الله لا يرى بالأبصار يلزمه أن لا يجوز أن يكون الله عز وجل عالماً ولا قادراً ولا رائياً لأن العالم القادر الرائي جائز أن يرى قلت وهذا المعنى الذي ذكره الأشعري من أن الموجود يقدر الله على أن يريناه وأن المعدوم هو الذي لا يجوز رؤيته فنفي الرؤية يستلزم نفي الوجود هو مأخوذ من كلام السلف والأئمة كما ذكره حنبل عن الإمام أحمد ورواه الخلال عن
في كتاب السنة قال القوم يرجعون إلى التعطيل في كونهم ينكرون الرؤية وذلك أن الله على كل شيء قدير وهذا لفظ عام لا تخصيص فيه فأما الممتنع لذاته فليس بشيء باتفاق العقلاء وذلك أنه متناقض لا يعقل وجوده فلا يدخل في مسمى الشيء حتى يكون داخلاً في العموم مثل أن يقول القائل هل يقدر أن يعدم نفسه أو يخلق مثله فإن القدرة تستلزم وجود القادر وعدمه ينافي وجوده فكأنه قيل هل يكون موجوداً معدوماً وهذا متناقض في نفسه لا حقيقة له وليس بشيء أصلاً وكذلك وجود مثله يستلزم أن يكون الشيء موجوداً معدوماً فإن مثل الشيء ما يسد مسده ويقوم مقامه فيجب أن يكون الشيء موجوداً معدوماً قبل وجوده مفتقراً مربوباً فإذا قدر أنه مثل الخالق تعالى لزم أن يكون واجباً قديماً لم يزل موجوداً غنياً رباً ويكون الخالق فقيراً ممكناً معدوماً مفتقراً مربوباً فيكون الشيء الواحد قديماً محدثاً فقيراً مستغنياً واجباً ممكناً موجوداً معدوماً رباً مربوباً وهذا متناقض لا حقيقة له وليس بشيء أصلاً فلا يدخل في العموم وأمثال ذلك أما خلق قوة في العباد يقدرون به على رؤيته فإن ذلك يقتضي كمال قدرته وما من موجود قائم بنفسه إلا والله قادر على أن يرينا إياه بل قد يقال ذلك في كل موجود سواء قام بنفسه أو قام بغيره
وهنا طريقة أخرى وهي أن نقول كل موجود فالله قادر على أن يجعلنا نحسه بأحد الحواس الخمس وما لا يكون مكناً إحساسه بإحدى الحواس الخمس فإنه معدوم وهذه الطريقة مما بين الأئمة أن جهماً يقول إن الله معدوم لما زعم أنه لا يحس بشيء من الحواس لأن الموجود لابد أن يمكن إحساسه بإحدى الحواس كما ذكر الإمام أحمد أصل قوم جهم قال وكذلك الجهم وشيعته دعوا الناس إلى المتشابه من القرآن والحديث وأضلوا بكلامهم بشراً كثيراً فكان مما بلغنا من أمر الجهم عدو الله أنه كان صاحب خصومات وكلام وكان أكثر كلامه في الله فلقي أناساً من المشركين يقال لهم السمنية فعرفوا الجهم فقالوا نكلمك فإن ظهرت حجتنا
عليك دخلت في ديننا وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك وكان مما كلموا به الجهم أن قالوا ألست تزعم أن لك إلهاً قال الجهم نعم فقالوا له فهل رأيت إلهك قال لا قالوا فهل سمعت كلامه قال لا قالوا فشممت رائحة قال لا قالوا فوجدت له حساً قال لا قالوا له فوجدت له مجساً قال لا قالوا فما يدريك أنه إله قال فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يوماً ثم إنه استدرك حجة مثل زنادقة النصارى وذلك أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح الذي في عيسى هي روح الله من ذات الله فإذا أراد أن يحدث أمراً دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان خلقه فيأمر بما شاء وينهي عما شاء وهو روح غائب عن الأبصار فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة فقال للسمني ألست تزعم أن فيك روحاً قال نعم فقال هل رأيت روحك قال لا قال فهل سمعت كلامه قال لا قال فوجدت له حساً أو مجساً قال لا قال فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت ولا يشم له رائحة وهو غائب عن الأبصار ولا يكون في مكان دون مكان ووجد ثلاث آيات من المتشابه من القرآن قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى 11] وَهُوَ
اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام 3] لَاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام 103] فبنى أصل إضلاله على هؤلاء الآيات وتأول القرآن على غير تأويله وكذب بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث به رسوله كان كافراً وكان من المشبهة فأضل بكلامه بشراً كثيراً واتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة ووضع دين الجهمية فإذا سألهم الناس عن قول الله عز وجل لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى 11] يقولون ليس كمثله شيء من الأشياء وهو تحت الأرضين السابعة كما هو على العرش ولا يخلو منه مكان ولا يكون في مكان دون مكان
ولا يكلم ولا يتكلم ولا ينظر إليه أحد في الدنيا ولا في الآخرة ولا يوصف بصفة ولا بفعل ولا له غاية ولا له منتهى ولا يدرك بعقل وذكر تمام كلامه وقد كتبناه قبل هذا إلى أن قال فعند ذلك تبين لناس أنهم لا يثبتون شيئاً ولكن يدفعون عن أنفسهم الشنعة بما يقرون في العلانية وذكر تمام الكلام والمقصود أنه بين أن وصفه بأنه لا يعرف بشيء من الحواس هو أصل كلامه الذي لزم به التعطيل وأنه لا يثبت شيئاً لأن ما يكون كذلك لا يكون شيئاً وهذا أمر مستقر في فطر المؤمنين لا يشكون في أن الله تعالى قادر على أن يريهم نفسه وإنما يشكون هل يكون ذلك أو لا يكون كما سأل المؤمنون النبي صلى الله عليه وسلم هل نرى ربنا يوم القيامة فقال نعم هل تضارون في رؤية الشمس وهذا ثابت في الأحاديث الصحيحة المستفيضة المتواترة فإنما كانوا شاكين هل يرون ربهم لم يكونوا شاكين هل يقدر على أن يريهم نفسه وكذلك في المعاد يعلمون أنهم عاجزون عن رؤيته كما أنهم عاجزون عن أن
يقدروا بسمعهم وببصرهم على أكثر مما هم قادرون عليه كما يعجزون عن رؤية الأشياء البعيدة والأشياء اللطيفة مع علمهم أن الله قادر أن يريهم ذلك وكذلك من قبلهم من الأمم ولهذا سأل موسى ربه الرؤية وسأل قومه أن يروا الله جهرة كما سألوا سائر الآيات فإنهم وإن كانوا مذمومين على مسألة الآيات فليسوا مذمومين على علمهم بأن الله قادر عليها كما قد يسأل الرجل ما لا يصلح وهو من الاعتداء في الدعاء مثل أن يسأل منازل الأنبياء ونحو ذلك فإن الله قادر على ذلك ولكن مسألة هذا عدوان ولهذا لا يوجد أحداً من الأمم السليمة الفطرة قال إن رؤية الله ممتنعة عليه يعني أنه لا يجوز أن يكون مرئياً بحال وليس في مقدوره أن يري أحداً نفسه بل هم إذا نفوا الرؤية كان لعظمته من جهة القدر أو الوصف مثل قوله لَاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام 33] أي لا تحيط به ومثل قوله صلى الله عليه وسلم نور أنّى أراه وقال رأيت
نوراً وهذا في المخلوقات فالخالق أعظم فإن السماء ينتفي عنها إدراك البصر لسعتها والشمس لبرهانها وشعاعها الذي يعشي البصر فيكون ذلك لعجز البصر عن وصف المرئي وقدره أما أن يقال إن موجوداً عظيماً يمتنع في نفسه أن يكون مرئياً كما يمتنع ذلك في المعدوم فهذا خلاف ما فطر الله عليه عباده بل حيث كان الوجود أكمل كان أحق بأن يجوز أن يرى ويشهد لكن بشرط قوى الرائي وكماله ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة إنكم ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر لا تضامون في رؤيته وفي رواية كما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب فقوله لا تضامون
ولا تضارون نفي أن يلحقهم ضيم أو ضير كما يلحقهم في الدنيا في رؤية الشيء إما لظهوره كالشمس أو لخفائه كالهلال وأما المعدوم فالإحساس به برؤية أو غيرها يقتضي أن يكون موجوداً معدوماً فإن كان معدوماً يقتضي أنه ليس في الخارج فرؤيته في الخارج يقتضي أنه في الخارج فيقتضي الجمع بين النقيضين الوجود والعدم وهذا باطل ممتنع لا حقيقة له أصلاً فلا يدخل في مسمى الشيء حتى يقال إن الله عليه قدير فإنه سبحانه على كل شيء قدير وهذا ليس بشيء أصلاً نعم صورة المعدوم الثابتة في العلم قد تنازع الناس في
جواز رؤيتها وتنازعوا كذلك في جواز رؤية الله للمعدومات لثبوتها في علمه والنزاع فيها مشهور وأما الحجة القياسية المشهورة في هذا الباب التي احتج بها الأشعري وغيره فإن هذا الرازي قد ذكرها في نهايته وأورد عليها اعتراضات كثيرة تهدمها وكذلك من قبله كالشهرستاني وغيره ولم يقفوا على غورها ولا أعطوها حقها وليس هذا موضع بسطها لكن ننبه عليها فإنا قد قدمنا فيما تقدم أن الأمثال المضروبة إذا كانت من باب الأولى جاز استعمالها في حق الله تعالى كما ورد به القرآن والسنة
واستعملها السلف والأئمة كما يقال إذا كان العبد ينزه نفسه عن شريك أو أنثى فتنزيه ربه أولى وإذا كان العبد عالماً قادراً فالله أولى وكذلك هذه فإن حاصلها أنه إذا جاز رؤية الموجود المحدث الممكن فرؤية الموجود الواجب القديم أولى وإذا كان المخلوق الناقص في وجوده يجوز أن يرى ويحس به فالرب الكامل في وجوده أحق بأن يرى فإن كون الشيء بحيث يرى كمال في حقه لا نقص لأن كونه لا يرى ولا يحس به لا يثبت في الشاهد إلا للمعدوم فكل صفة لم نعلمها تثبت إلا لمعدوم لا تكون صفة كمال بخلاف الصفات التي تثبت للموجود دون المعدوم فإنها لا تكون صفة نقص إلا بالنسبة إلى وجود آخر هو أكمل منها وكل صفة لا تثبت للمعدوم ولا يختص بها الناقص فإنها لا تكون إلا صفة كمال وهذه الطريقة في المسألة يتبين بها أن جواز الرؤية من صفات الكمال التي هو الباري أحق بها من المخلوقات ونظيرها في مسألة العلو أن علة الشيء بنفسه على غيره صفة كمال كما أن قدرته عليه صفة كمال وإذا كامن كذلك فالله أحق بهذه الصفة من جميع ما يوصف بها غيره فيجب أن يكون عالياً بنفسه وكذلك تميزه بذاته عن غيره هي صفة
لا يوصف بها المعدوم ولا تختص بالناقصات فتكون صفة كمال فيجب اتصاف الله بها وذلك يوجب مباينته للعالم لكن قد علمنا أنا لم نكتب هنا ما يحتج به أهل الإثبات ولكن تكلمنا على ما ذكره الرازي ولوازمه فبينا أن هذه الحجة القياسية المذكورة في الرؤية مضمونها أنا إنما نرى الأشياء لكونها موجودة والله سبحانه وتعالى موجود بل هو أكمل في الوجود فيجب أن تكون رؤيته جائزة وتلخيصها أن يقال لا ريب أنا نرى الموجودات من الجواهر والأعراض كالألوان والمقادير مثل الطول والقصر ونحوهما دون المعدومات واختصاص الرؤية الموجود دون المعدوم يقتضي أن المقتضي لجواز الرؤية مختص الوجود ومعنى هذا أنه لا يجوز أن يكون الموجود والمعدوم في الرؤية سواء إذ لو كانا متماثلين في ذلك لم يجز اختلافهما في رؤية أحدهما دون الآخر فليس المراد بقولنا إن علة الرؤية أو المقتضي لها مختص بالوجود إثبات علة أو سبب زائد على حقيقة الموجود مقتضٍ لصحة رؤيته كما توهمه من قال في الأحكام ما يعلل منها وما لا يعلل فيجوز أن تكون الرؤية من الأحكام التي لا تعلل بل المراد أن كون أحد الجنسين تصح رؤيته دون الآخر يقتضي اختلافهما في ذلك وعدم تماثلهما
سواء كان سبب هذا الاختلاف نفس ذات الموجود أو صفة له أو غير ذلك وهذا لا ينازع فيه من فهمه وإذا كان المقتضي بجواز الرؤية مختصاً بالموجود فإما أن يكون قدراً مشتركاً بين المرئيات من الجواهر والأعراض أو أمراً مختصاً ببعضها لكن الثاني باطل فإن الحكم المشترك يجب أن يكون سببه مشتركاً لأنه لو كان سببه مختصاً كان الحكم موجوداً مع وجوده وموجوداً مع عدمه فلا يكون الحكم متوقفاً عليه بل يكون ذلك الوصف عديم التأثير فيه لا أثر له في وجوده إذ هو موجود مع عدمه كوجوده مع وجوده وهذا بين وقد نبهنا عليه فيما تقدم في تمال العلل والمعلولات وتكلمنا على النقض وعدم التأثير وبينا الفرق بين العلة التامة التي لا تتبعض وغير التامة وعلى هذا فرؤية كل
شيء خاص من نوع أو شخص يشارك رؤية غيره في مطلق الرؤية ويفارقها في خصوص رؤية ذلك النوع أو الشخص كما أن المرئي يشارك غيره في كونه موجوداً مرئياً ويفارقها بخصوص نوعه وشخصه فيكون الحكم المطلق المشترك وهومطلق الرؤية معلقاً بالقدر المشترك بين المرئيات والحكم الخاص وهو الرؤية الخاصة معلقاً بالقدر المختص في كل نوع وشخص على حدته وبهذا التحقيق يندفع ما يقال هناك إن الرؤية قد تكون معلقة بخصوص المرئي مثل أن تكون رؤية الجواهر والأعراض معلقة تخص الأعراض فإنه إذا فهم أن الرؤية جنس تحتها أنواع كالمرئيات وأن العام المطلق يضاف إلى العام المطلق والخاص المقيد يضاف إلى الخاص المقيد اندفع هذا وغيره ويزول ما ينقض العلة ويبين عدم تأثيرها وإذا كان كذلك وأن المقتضي لها مشترك فالمشترك بين
المرئيات من العيان القائمة بأنفسها والصفات القائمة بغيرها إما الوجود ولوازمه وإما غير ذلك والذي هو غير ذلك هو أخص من الوجود وما كان غير ذلك فلابد أن يستلزم العدم سواء قيل هو الحدوث أو غير ذلك مثل بعض لوازم الحدث لأن المشترك إذا لم يكن هو الوجود ولا شيئاً من لوازمه التي يلزم من عدمها عدم الوجود كان أخص من الوجود بحيث يكون وجود خاص لئلا يلزم من عدم هذا الوجود الخاص عدم الوجود بالكلية إذ كل ما هو مساوٍ للوجود في العموم أو هو أعم منه كالمعلوم والمذكور يلزم من نفيه نفي الوجود وهو من لوازم الوجود والكلام هنا في القسم الثاني الذي ليس الوجود ولا شيئاً من لوازمه ولم نقل ولا شيئاً من ملازمه وهذا الوجود الخاص الذي يقدر أنه سبب الرؤية لا يجوز أن يكون هو الوجوب الواجب فإنا تكلمنا في رؤية المشهودات المخلوقة مع أن علة الرؤية إذا كان هو الوجود الواجب كان ذلك أبلغ في جواز رؤية الله تعالى فإنه سبحانه هو الوجود الواجب لكن ليس الأمر كذلك
وإذا كان الأمر كذلك فهذا المقتضي للرؤية على هذا التقدير الذي هو أخص من الوجود إما أن يكون ما يدخل فيه الوجود الواجب أو لا يكون فإن كان المقتضي لجواز الرؤية مايتناول الوجود الواجب ثبت أن المقتضي لجواز الرؤية أمر مشترك بين الوجود الواجب وبين غيره من المرئيات وهذا هو المطلوب وإن كان المقتضي الأخص لا يدخل فيه الوجود الواجب وجب أن يكون مختصاً بما عدا الوجود وهذا سواء كان هو الإمكان أو الحدوث أو ما هو أخص من الإمكان والحدوث مثل التحيز أو المقابلة عند من يقول ذلك هو المقتضي للرؤية وهو منتفٍ في حق الله أو المشروط بالثمانية التي يذكرها المعتزلة أو غير ذلك وكل هذه الأمور إذا قيل بانتفائها عن
واجب الوجود واختصاصها بالمخلوق فإنها مستلزمة للعدم وأقل ما يكون لقبول العدم فإن كل ما لا يدخل في الوجود الواجب فهو قابل للعدم بل هو معدوم تارة وموجود أخرى وإذا كان كذلك ظهر أن المقتضي للرؤية إذا لم يكن هو الوجود أو لوازمه كان مستلزماً للعدم وإن شئت لقبول العدم وبهذا التقسيم الدائر بين النفي والإثبات انقطع ما يورد هنا من السؤالات وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون المقتضي لرؤية المرئيات أمراً يشترط فيه العدم أو قبوله لأن كونه معدوماً أو قابلاً للعدم لا يكون مقتضياً لأمر وجودي فالرؤية أمر وجودي والأمر الوجودي لا تكون علته أمراً عدمياً والعلم بهذا بديهي لمن تصوره لكن قد يكون الأمر العدمي مستلزماً لوجود مثل عدم الموانع المستلزمة لكمال العلة بوجود شروطها التي هي أجزاء العلة التامة فيضاف الحكم إلى ذلك العدم ويكون ذلك إضافة إلى علة ناقصة والعلة الناقصة تكون جزءاً وشرطاً من العلة
التامة والعدم وإن كان في الظاهر جزءاً من العلة التامة فلابد أن يستلزم أمراً وجودياً وإلا فيمتنع أن يكون العدم علة للوجود أو جزءاً من علة الحقيقة بوجه من الوجوه وإذا كان كذلك امتنع أن يكون المقتضي للرؤية التي هي أمر موجود أمراً يستلزم العدم أو قبول العدم لأنه يكون العدم أو قبول العدم جزءاً من علة الأمر الموجود وهذا باطل فإن قيل هذا أو قبوله إنما كان علة للأمر الموجود لأنه يستلزم أمراً وجودياً كان ذلك الوجود هو جزء العلة في الحقيقة فلا يكون علة الرؤية إلا الوجود أو لوازم الوجود لا يكون ما يستلزم العدم أو قبوله وإذا لم تكن العلة ما يستلزم العدم أو قبوله بطل أن يكون علة الرؤية الحدوث أو شيئاً يختص بالمحدثات أو ببعضها أو الإمكان أو وصفاً يختص بالممكنات أو ببعضها ووج أن يكون قدراً مشتركاً بين القديم والمحدث بين الواجب والممكن بل أن يكون القديم الواجب أحق به فإنه إن كان هو الوجود فظاهر وإن كان شيئاً من لوازم الوجود فذلك الوصف متى انتفى انتفى الوجود فلا يكون ثابتاً إلا بثبوت الوجود ومن المعلوم أن الوجود وجميع لوازم الوجود مشتركة بين الواجب والممكن والقديم والمحدث وإذا كان كذلك ثبت أن المقتضي للرؤية أمر ثابت في حق الله تعالى القديم الواجب
الوجود فتكون رؤية الله جائزة بل تكون أحق بجواز الرؤية لأن وجوده أكمل من وجود غيره ومن فهم هذه الحجة على هذا الوجه ظهر له أنها برهانية وأمكنه دفع تلك السؤالات الكثيرة التي تورد إذا ذكرت على هذا النظم ولولا أن هذا ليس موضع ذلك وإلا كنا نفعل ذلك مفصلاً لكن فالجواب عما أورده على هذه الحجة في احتجاج ابن الهيصم بها في مسألة العلو فظهر أصل الجواب في مسألة الرؤية وقد ظهر أن حجة ابن الهيصم لم يقررها هو تقريرا ًجيداً فإذا أردت تلخيص هذه الحجة فقل الرؤية مختصة بالموجود دون المعدوم وهذا الاختصاص إما أن يكون للموجود أو لما يساويه في العموم والخصوص أو لما هو أعم منه أو لما هو أخص منه فإن جازت لموجود أو لما
يساويه أو لما هو أعم منه جازت رؤية كل موجود لثبوت الوجود أو ما يساويه أو ما هو أعم منه لكل موجود وإن اكن لما هو أخص من الوجود فإذا كان لما يندرج في الواجب جاز رؤيته أيضاً لوجود نقيضها وهو الوصف الذي يوجد للواجب وغيره وإن كان لا يندرج فيه الواجب فما سوى الواجب فهو محدث عند أهل الملل قد كان معدوماً وهو قابل للعدم بلا نزاع فيكون المقتضي للرؤية لابد أن يشترط فيه العدم أو قبوله ولا يجوز ذلك لأن الأمور الوجودية لا يشترك في علتها العدم ولا قبول العدم وطرد هذه الحجة يوجب ثبوت كل أمر وجودي ويقال على هذا جميع لنقائص التي يجب تنزيهه تعالى عنها فإنما هو لاستلزامها العدم وأما الوجود من حيث هو وجود فهو كمال فلا يجوز نفيه عنه وهذه الطريق توافق قول من يقول الكمال وهو الوجود وتوابعه وهو الخير والشر عدم الوجود وعدم كماله وبها يمكن أن نثبت جميع الصفات كالسمع والبصر والكلام فإنها وجود ليس فيها عدم والنقائص التي هي ضد هذه فيها العدم وهو عدم هذه الأمور وكلام السلف والأئمة موافق لهذه الطريقة حيث كانوا ينزهونه عن النقائص التي يشبه فيها المعدوم أو الموات العادم
لصفات الكمال وهذا موافق ما قدمناه قبل هذا من أن ما كان صفة للعدم لم يجز أن يوصف الله به وإنما يوصف من السلوب بما كان مستلزماً للوجود إذ العدم المحض ليس فيه ثناء وحمد وصفات الله فيها الثناء والحمد وهذا يطابق أن الموجود من حيث هو فيه الثناء والحمد والحمد لله رب العالمين ونكتة هذه الحجة أن كل حكم ثبت لمحض الوجود فالوجود الواجب أولى به من الممكن وكذلك من الأمثال المضروبة وهي الأقيسة العقلية ولله المثل الأعلى أن كل كمال ثبت لموجود فالواجب أولى به من الممكن وكل كمال يوجد في المربوب فالرب أولى به من العبد وهذا مما سلكه الفلاسفة لكن يعبرون بمعنى التولد فيقولون كل كمال
ثبت للمعلول فإنه من أثر العلة والعلة أولى به من المعلول وهذه أقيسة عقلية وأمثال مضروبة ولله المثل الأعلى تستعمل في عامة الأمور الإلهية كما ورد الكتاب والسنة بنحو ذلك كما قد بيناه في غير هذا الموضع وقولنا في هذه الحجة كل حكم ثبت لمحض الوجود يخرج الأحكام التي تتضمن العدم مثل الأكل والشرب فإن ذلك يستلزم كون الآكل والشارب أجوف بحيث يحصل الغذاء الذي هو أجسام في محل خال لاسيما إذا كان قد خرج غيره بالتحلل ويكون بدل المتحلل فيكون متضمناً خروج شيء من الجسم وذلك نقص منه وهو صفة عدمية ووجود أجزاء فيه وذلك يستلزم خالياً وهو نقص فيه وهو صفة عدمية وهذا
ينافي الصمدية فإن الصمد هو الذي لا جوف له فلا يأكل ولا يشرب ولا يلد ولا يخرج منه شيء ولا غيره من جنس الفضلات التي تخرج من الإنسان فإن دخول جسم فيه أو خروج جسم منه يتضمن النقص المستلزم لأمر عدمي وهذا ينافي الصمدية وليس هو من الأحكام الثابتة لمحض الوجود بل من الأحكام المتضمنة وجوداً أو عدماً فلا جرم لم يكن سبب ذلك وصفاً يتناول الواجب والممكن بل وصف يختص بالممكن المحدث وهوالحاجة والافتقار في الطعام لإخلاف بدل ما يتحلل من البدن وفي الإنزال لدفع الضرر الحاصل بسبب المني بمنزلة إخراج الدم عند الحاجة فوجود جسم فيه يضاده ويضاره عجز وفقر من خصائص المخلوق وحاجته إلى جسم خارج منه يتم به وجوده فقر وحاجة من خصائص المخلوق ولهذا كان أهل الجنة يأكلون ويشربون وينكحون ولا يبولون ولا يبصقون ولا يتمخطون ولا يتغوطون ولا يمنون وإنما يتحلل الطعام عنهم برشح كرشح المسك
لأن تلك الفضلات مضادة للبدن مؤذية له وليس في الجنة أذى وأما الأكل والشرب فإنما هو استكمال بعد نقص وهذا من لوازم المخلوقات وهذا مبسوط في غير هذا الموضع ولهذا قال سبحانه مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ [المائدة 75] فأكل الطعام ينافي الصمدية ويوجب الفقر والحاجة المنافي للربوبية من وجوه متعددة وهكذا سائر الأحكام التي تعرض لبعض الموجودات والرب منزه عنها مثل السنة والنوم هما من الحكام المتضمنة أمراً عدمياً فليس هو من أحكام الوجود المحض ولهذا كان أهل الجنة مع كونهم موجودين لا ينامون فإن النوم أخو الموت وهو يتضمن أمراً عدمياً وكذلك العجز والجهل
والصمم والعمى وسائر ما ينافي صفات الكمال وإن وصف به بعض الموجودات فإنه متضمن أمراً عدمياً وهذا معنى النقص فإن النقص يتضمن أمرًا عدمياً وكل مل تضمن عدماً محضاً فإن الله لا يوصف به فإنه يقتضي العدم المحض إذ هو الوجود الواجب وإنما يوصف بالصفات السلبية المتضمنة أمراً وجودياً وأما طرد هذه الحجة في الإدراكات الأربعة هي السمع واللمس والشم والذوق فإنه وإن كان طردها طائفة من الصفاتية كالأشعري وأئمة أصحابه فلا يحتاج إلى ذلك عند التأمل بل يفصل الأمر فيه وإذا فصل تفصيلاً يقتضيه العقل الصريح كان ذلك موافقاً لما جاءت به الآثار وعليه أئمة الحديث وذلك أن السمع لم يتعلق بالجوهر والأعراض كالرؤية وإنما يتعلق بنوع من الأعراض وهو الأصوات مثلاً فإذا لم يكن متعلقاً بشيء قائم بنفسه كيف يمكن طرده في كل موجود قائم بنفسه حتى يقال إنه يمكن سمعه أما اللمس فإنه يتعلق بالجواهر والأعراض وهو الذي أورده من جهة الإلزام فلزم لزوماً واضحاً لكن قاسوا عليه بقية
الإدراكات فلا جرم جاءت الأحاديث بثبوت المماسة كما دل على ذلك القرآن وقاله أئمة السلف وهو نظير الرؤية وهو متعلق بمسألة العرش وخلق آدم يده وغير ذلك من مسائل الصفات وإن كان قد نفاه طوائف من أهل الكلام والحديث من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم وليس هذا موضع الكلام فيه وإنما الغرض التنبيه على مجامع هذه الحجة وأما الذوق فهو مس خاص وكذلك الشم مس خاص فإن الهواء وهو جسم يدخل إلى المنخرين إلى الزائدة التي في الدماغ بخلاف السمع والبصر فإنه ليس فيهما مماسة المرئي والمسموع ولهذا كانت أصول الإحساس ثلاثة السمع والبصر والمس قال تعالى وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ [فصلت 22] ولما كان اللمس جنساً تحته أنواع مختلفة في الحيوان وليس طريقاً عاماً إلى حصول العلم الكلي المجرد في القلب
بل نفس الإحساس وما يتبعه من ملاءمة ومنافرة فيه خصوص في سببه ومقصوده بخلاف السمع والبصر فإنهما طريقان إلى حصول العلم فيهما العلم الكلي في القلب والبصر يحصل به العلم بنفس الحقائق الموجودة والسمع يحصل به العلم بما يقال من أسمائها وصفاتها كان السمع والبصر في كتاب الله مخصوصين بالذكر دون غيرهما من الإحساس فيقال أما قوله في الوجه الأول مدارها على أن كل موجودين في الشاهد فلابد وأن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه بالجهة قوله وهذه المقدمة ممنوعة فنقول منع هذه من أعظم السفسطة فإن الشاهد ما نشهده بحواسنا الظاهرة أو الظاهرة والباطنة وليس فيما نشهده شيء إلا محايث لغيره وهي الصفات التي هي الأعراض أو مجانب له بالجهة وهي الأعيان القائمة بنفسها وهي الجواهر فمن منع أن يكون المشهود لا يخلو عن أحد هذين الوصفين فقد منع أن تنقسم المشهودات إلى الجواهر والأعراض ومعلوم أن هذا خلاف اتفاق الخلائق من الأولين والآخرين وخلاف ما يعلم بالضرورة والحس فإن الشيء المشهود إما قائم بنفسه وهو مباين لغيره وإما قائم بغيره وهو محايث له
وأما الوجوه التي ذكرها فعنها أجوبة أحدها أن الاستدلال على ذلك غير مقبول أنه قدح في أظهر الحسيات الضروريات الثاني أن هذا المؤسس وسائر طوائف أهل الحق متفقون على بطلانها وهو من أعظم الناس إبطالاً لما ذكره الفلاسفة في وجود جواهر غير محايثة لغيرها ولما ذكره المعتزلة من وجود أعراض غير محايثة لغيرها بل ما زال الناس يذكرون أن هذا من أعظم المحالات المتناقضة التي أثبتتها المعتزلة حيث أثبتوا إرادات وكراهات لا في محل وأن قولهم هذا يوجب عليهم وجود بقية الأعراض لا في محل وينقض عامة أصولهم الوجه الثالث أن يقال ما ذكروه من الحجة على أن الموجودين لابد وأن يكونا متباينين أو متحايثين هو حجة على
هؤلاء وغيرهم فيكون التزام بطلان هذه الأقوال طرد الدليل والمستدل إذا استدل بدليل يبطل مذهب منازعيه في الصورة التي تنازعا فيها وفي غيره مما لم يذكره لم يكن للمنازع أن ينقض دليله بمجرد مذهبه في صورة النزاع ولا يجب على المستدل أن يخص كل صورة بدليل خاص إذا كان العام يتناول الجميع وبهذا يظهر خطؤه في قوله ما لم تبطلوا هذا المذهب بالدليل لا يصح القول بأن كل موجودين في الشاهد فإما أن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه وكذلك قوله ما لم تبطلوا قول المعتزلة بثبوت إرادات وكراهات وفناء لا في محل فإن الدليل الذي ذكروه على أن كل موجودين لابد أن يكون أحدهما مبايناً للآخر أو يكون بحيث هو سواء كان هو الضرورة أو الحجة القياسية حجة على هؤلاء وعلى غيرهم فلا يكون مجرد دعوى هؤلاء أو دعوى غيرهم معارضة لما ذكر من الدليل لكن إن أقاموا حجة على جوهر غير مباين لغيره أو ثبوت عرض غير محايث لغيره كان ذلك الدليل معارضاً لكن هذا لم يذكر والجواب عنه إذا ذكر هو جواب المؤسس وسائر بني آدم وذلك يظهر بالوجه الرابع وهو أن قوله إن جمهور
الفلاسفة يثبتون هذه الأشياء ويصفونها بما ذكر بل هذا تثبته طائفة من الفلاسفة وهم المشاؤون أتباع أرسطو ومن وافقهم وهؤلاء هم الذين سلك سبيلهم الفارابي وابن سبنا وهذا المؤسس من كتب ابن سينا يأخذ مذاهب الفلاسفة
وكثيراً ما يقول اتفق الفلاسفة ولا يكون عنده إلا ما ذكر ابن سينا وليس ما يذكره ابن سينا قول جميع الفلاسفة بل الفلاسفة أعظم تفرقاً وأكثر طوائف من أن يحصر قولهم كلام ابن سينا أو غيره وقد حكى من صنف في المقالات من المسلمين مثل أبي الحسن الأشعري والنوبختي والباقلاني وغيرهم من مقالات الفلاسفة أضعاف أضعاف ما يذكره ابن سينا وهذا المؤسس وكذلك حكايته عن جمهور المعتزلة إثبات إرادات وكراهات وفناء لا في محل وهذا إنما هو قول بعض البصريين وهم أبو علي وأبو هاشم ونحوهما وليس هؤلاء جمهور المعتزلة بل لهم في الإرادة والكراهة وفي الفناء أقوال
كثيرة معروفة هذا واحد منها أما الوجه الثالث الذي ذكره على وجود موجودات في الأعيان وهي الإضافات وأنه يمتنع أن تكون محايثة للعالم أو مباينة عنه بالجهة فهذا يعلم فساده بالضرورة والحس واتفاق العقلاء فلا يستحق الجواب فإن بعض الناس قد تنازع في الأمور التي لم يشهدها كالعقول والإرادات أما هذه الأعيان المشهودة فإنه لم يقل عاقل أنه يوجد فيها أمور لا مباينة للغير ولا محايثة له فإذا كان على هذا الوجه لم يستحق الجواب لكنا نبين وجه جهله لتتم الفائدة فنقول الأبوة هي كون الإنسان تولد منه نظيره والبنوة كونه يولد من نظيره أو ما يشبه هذا فإن الولادة داخلة في مسمى الأبوة والبنوة وكون الشيء ولده غيره أو ولد غيره وصف محسوس قائم بالوالد والولد وفي الحقيقة هو صفة ثبوتية فيها إضافة وأما العمومة والخؤولة ففيها ولادتان ولادة الأب للشخص وولادة جده لعمه وبنوة العم فيها ولادة ثالثة وهي ولادة العم لابنه فتفرع النسب يكون متعدد الولادة وقد يكون إحدى الولادات
موجوداً لكن يتوقف الوصف على الأخرى كما يتوقف الأمر في العمومة والخؤولة على نحو ذلك ومن هنا يظن الظان أنها إضافة محضة والتحقيق أن أحد الوصفين وجد قل الآخر ومن المعلوم أن كونه ولد وانفصل عن أبيه وأمه ليس هو سبباً يتبعض حتى يقال ثلث ولادة وربع ولادة أعني إذا خرج جميعه وإذا لم تكن منقسمة لم تكن الأبوة والبنوة منقسمة حتى يقال ثلث الأبوة أو ثلث البنوة كما لا يقال نصف الحيوانية والإنسانية والناطقية ونحو ذلك فظهر أن الأبوة التي هي وجودية محايثة لذات الرب كغيرها وكيف لا يكون ذاك والأبوة من أعظم الصفات القائمة بالأب المغيرة له تغيراً مشهوداً بالحس لما يوجد فيه من محبة الولد والحنو عليه والعطف عليه وأمثال ذلك مما لا يوجبه سائر الصفات فهي بأن تكون قائمة به أولى من غيرها وأما السؤال الثاني وهو قوله كون الشيء بحيث يصدق عليه قولنا إما أن يكون وإما أن لا يكون إشارة إلى كونه قابلاً للإنقسام إليها وقبول القسمة حكم عدمي فلا يكون معللاً فعنه أجوبة
أحدها أن المراد بذلك أن الموجود يلزمه أحد الوصفين أي أن كل موجودين فإنه يلزم أحدهما أن يكون محايثاً للآخر أو مبايناً عنه فلزوم أحد الوصفين للوجود وقيامه به وكونه لا يفارقه هو المعني بقولهم إما أن يكون محايثاً أو يكون مبايناً وهذه القضية التي يسمونها مانعة الخلو مع كونها مانعة الجمع أي أن الموجود لا يخلو عن أحد هذين الأمرين والخلو عن الصفات أمر عدمي فنقيضه يكون وجودياً فثبوت أحد هذين الوصفين للموجود أمر وجودي ليس المراد بهذا التقسيم أن الموجودين ينقسمان إلى ما يكون محايثاً وما يكون مبايناً فإن العرضين القائمين بمحل كل منهما محايثاً للآخر ليس مجانباً له والجوهران كل منهما مجانب للآخر ليس محايثاً له فهذا ليس من باب تقسيم الكلي إلى جزئياته وإنما هو
من باب التقسيم المانع من الجمع بين للقسمين والخلو منهما وبهذا يظهر غلطه في السؤال الثالث أيضاً وإذا كان هذا التقسيم ليس هو القسمة إلى أمرين كتقسيم الكلي والكل وإنما هو بيان لزوم لأحد القسمين ونفي خلو المحلين عنهما جميعاً بطل قوله هذا إشارة إلى كونه قابلاً للإنقسام إليهما بل هذا إشارة إلى لزوم أحدهما الوجه الثاني قوله قبول القسمة حكم عدمي يقال لا نسلم ولا نسلم أن أصل القبول حكم عدمي بل كون الوجود قابلاً لشيء نقيضه عدم كونه ليس بقابل له والقبول رافع لهذا العدم ورافع العدم وجود وهذه الحجة هي التي احتج بها على أن الأبوة وجودية فإن صحت صح أن القبول وجودي وإن بطل ذلك في القبول بطل في الأبوة أيضاً الوجه الثالث قوله لو كان أمراً ثابتاً لكان صفة من صفات الشيء المحكوم عليه بكونه قابلاً والذات قابلة
للصفة القائمة بها فيكون قبول ذلك القبول زائداً عليه ويلزم التسلسل يقال قبول الانقسام ونحوه من الصفات كون ذلك ممكناً في نفس الذات وإمكان الشيء لا يحتاج إلى إمكان آخر وهذه الصفة لازمة للذات ليست الذات قابلتها بمعنى أنه يمكن وجودها ويمكن عدمها بل كونها قابلة أمر لازم لها واجب لها وهذا القبول يراد به عدم الامتناع بمعنى الإمكان العام الذي يدخل فيه الواجب والأولى بمعنى الإمكان الخاص فإذا كان أحد القبولين هو الإمكان الخاص والآخر هو العام وهو بمعنى الوجوب كان ذلك بمعنى الوجوب ووجوب الصفة للموصوف ليس فيه تسلسل وإنما جاء الغلط من لفظ الاشتراك والقبول الوجه الرابع هب أن القبول أمر عدمي فقوله يمتنع تعليله قيل المراد بالتعليل هنا التلازم ليس المراد به أن يكون أحد الأمرين غنياً عن الآخر موجباً له وبهذا الاعتبار يصح أن يكون كل من الأمرين لازماً ملزوماً
فقد تبين بهذه الوجوه الثلاثة أن التقسيم لزوم لا قبول ولو كان قبولاً لم يكن عدمياً ولو كان عدمياً فمعناه أن الموجود لابد له من أن يكون مع غيره من الموجودات إما محايثاً له وإما مبايناً له وهذا لازم لكون الموجود إما قائم بنفسه وإما قائم بغيره وكل قائم بنفسه فهو مباين للقائم بنفسه وكل قائم بغيره فهو محايث لذلك الغير ولما شاركه في القيام بذلك الغير وأما السؤال الثالث فقوله ما الذي تريدون بقولكم الموجود في الشاهد منقسم إلى المحايث والمباين فعنه جوابان أحدهما أن يقال له لم يقولوا هكذا وإنما قالوا الموجودان لابد وأن يكون كل منهما مبايناً للآخر أو محايثاً له والموجود بنفسه مع الموجود الآخر إما مبايناً له أو محايثاً له لم يقولوا إن الموجودات تنقسم إلى قسمين أحدهما مباين والآخر محايث وفرق بين كون الموجود بالنسبة إلى غيره يلزمه أحد الأمرين وبين كون الموجود ينقسم إلى الأمرين وإذا كان كذلك فلزم أحد الأمرين حكم واحد ليس هو حكمين
مختلفين والفرق ظاهر بين أن يكون الموجود ينقسم إلى قائم لنفسه مباين لغيره وهو الجوهر وهو قائم بغيره محايث له وهو العرض وبين أن يقال كل موجود مع غيره فلابد أن يكون مبايناً له أو محايثاً له أو يقال الموجود من حيث هو موجود يلزمه أن يكون قائماً بنفسه أو بغيره فإن هذا حكم واحد لموجود وذاك حكمان مختلفان فهذا الواحد هو ما به الاشتراك وهو مورد التقسيم وذانك الاثنان هما ما به الامتياز وهو ما به يمتاز أحد القسمين عن الآخر بالحكم الواحد المشترك وهو لزوم أحدهما والانقسام إليهما يلزم الوجود المشترك والحكم المختص يلزم القسم الخاص فخصوص كونه قائماً بنفسه حكم النوع الخاص وهو الجوهر وخصوص كونه قائماً بغيره حكم النوع الآخر الخاص وهو العرض ولا ريب أن خصوص كونه جوهراً وعرضاً يصلحان لما يختص بالجوهر والعرض وأما لزوم أحد الحكمين لكل موجودين أو كل موجود وكون الموجود والموجودين لا يخلو عن أحد هذين الوصفين فهذا الحكم المشترك بينهما لا يصلح تعليله بخصوص الجوهر وخصوص العرض وهذا ليس هو أن الموجود في الشاهد منقسم إلى هذين القسمين فليس هو قسمة الكل إلى أجزائه فظهر أن الذي قالوه ليس بغلط ولكن هو
غلط غالًط وهذا مثل أن يقال الموجود لابد أن يكون إما قديماً أو محدثاً وإما أن يكون خالقاً وإما أن يكون مخلوقاً فإن هذا يختص بالموجود فالمعدوم لا يكون قديماً ولا محدثاً ولا خالقاً ولا مخلوقاً فلزوم أحد القسمين حكم مشترك بينهما والموجود من حيث هو مشترك بينهما الجواب الثاني أن يقال هي أنهم قالوا الموجود في الشاهد ينقسم إلى المحايث والمباين فإن انقسام الشيء إلى قسمين حكم واحد ولكن ما يخص أحد القسمين حكم يخالف الآخر فهب أن وجوب المباينة معلل بكونه جوهراً ووجوب المحايثة معلل بكونه عرضاً لكن القدر المشترك وهو لزوم الانقسام وقبوله ووجوب الانقسام إلى جوهر وإلى عرض حكم مشترك بينهما وهذا الحكم المشترك يجب تعليله بالقدر دون الحكم المختص لأن وجوب الانقسام ولزومه وقبوله وكونه بحيث ينقسم إلى قسمين هو مورد التقسيم ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام فيجب تعليله بالمشترك فالمقسوم هو الموجود من حيث هو لا وجود الجوهر خاصة ولا وجود
العرض خاصة والموجود وإن لم يكن في الخارج إلا متميزاً فهذه قسمة الكلي إلى جزئياته فهذا حاله بخلاف الكلي الموجود في الخارج كالإنسان مثلاً إذا قسم إلى أجزائه من الرأس واليد ونحو ذلك وأما قوله في السؤال الرابع لِمَ قلتم أنه لابد من تعليله إما بالوجود وإما بالحدوث وما الدليل على الحصر فإنه يمكن أن يقال هنا ثلاثة أشياء أحدها أن يقال البحث التام والسبر التام والاستقراء
التام قد يفيد اليقين تارة كما يفيد الظن القوي أخرى وهذا مما يقال في مواضع وقول القائل الشهادة على النفي غير معلومة ليس بصحيح بل النفي قد يعلم تارة كما يعلم الإثبات الثاني أن يقال هذا يفيد الاعتقاد القوي والظن الغالب وهذا فيه إنصاف وعدل وهو خير من دعوى البراهين القطعية التي تظهر عند التحقيق أنها شبهات وخيالات فاسدة ومن قال لا يجوز أن يحتج في هذا الباب إلا بالقطعي الذي لا يحتمل النقيض قيل له أولاً أنت أول من خالف هذا فأنت دائماً تحتج بما لا يفيد الظن الغالب فضلاً عن اليقين وقيل له ثانياً لا نسلم بل الواجب على كل إنسان أن يأتي بما هو الحق فإن كان عنده علم قاطع قال به والمسائل التي تنازع بنو آدم فيها لأن يحصل للإنسان فيها ظن غالب خير من أن يكون في الحيرة والجهالة أو يكون في التقليد أو الحجج الفاسدة كما هو الواقع كثيراً وسنتكلم إن شاء الله على هذا في الكلام على
الأحاديث وقيل له ثالثاً هذا إذا انضم إلى غيره حصل من مجموعهما اليقين وإن لم يكن اليقين حاصلاً بأحدهما كغير ذلك منم الأدلة السمعية والعقلية الثالث أن هذا يمكن تقريره بالتقسيم الدائر بين النفي والإثبات كما قررناه في مسألة الرؤية وهو أن يقال المشترك بينهما إما أن يكون هو الوجود أو ما هو من لوازمه أو لا الوجود ولا شيئاً من لوازمه وما ليس الوجود ولا شيئاً من لوازمه يكون أخص من الوجود لأن ما هو مساوٍ له في العموم والخصوص وما هو أعم منه لازم له وأما الأخص منه كالحدوث والإمكان فليس بلازم له لأن الوجود قد لا يكون مكناً ولا محدثاً بخلاف الأعم مثل جواز كونه مذكوراً ومعلوماً فإن ذلك يلزم من انتفائه انتفاء كونه موجوداً لأنه أعم منه وإن شئت قلت إما أن يكون هو الوجود أو ما يساويه في العموم والخصوص أو أعم منه أو أخص فإذا كان أخص منه فإما أن يتناول الوجود الواجب أو لا يتناوله فإن تناوله فهو في ذلك كالوجود وإن لم يتناوله فإنه مستلزم الحدوث فإن كل
ما لا يدخل في مسمى واجب الوجود فهو محدث فثبت أن العلة إما أن تكون هي الحدوث أو ما يشترط فيه الحدوث مثل ما هو أخص من الحدوث وإما أن يكون هو الوجود أو ما يتناول واجب الوجود وهذا التقسيم دائر بين النفي والإثبات وإليه يرجع حقيقة قولهم إما الوجود وإما الحدوث وهذا التحرير يظهر الجواب عن السؤال الخامس وهو قوله لا نسلم أنا ما وجدنا لهذا الحكم علة سوى الحدوث أو الوجود بيانه من وجهين الأول أنه من المحتمل أن يقال المقتضي لقولنا إن الشيء إما أن يكون محايثاً للعالم أو مبايناً عنه بالجهة وهو كونه بحيث تصح الإشارة الحسية لأن كل شيئين صح الإشارة إليهما فإما أن تكون الإشارة إلى أحدهما عين الإشارة إلى الآخر أو غيره فيقال له كونه بحيث تصح الإشارة الحسية إليه إما أن يكون مطابقاً للوجود في العموم والخصوص بحيث يقال
الموجود لابد أن تصح الإشارة الحسية أصلاً أو تبعاً وأن كل موجودين فلابد أن تكون الإشارة إلى أحدهما عين الإشارة إلى الآخر أو غيره أو يكون أخص منه فإن كان مطابقاً له حصل المقصود وكذلك إذا كان أعلم منه بطريق الأولى لأنه حينئذ تكون الحجة دليلاً على شيئين على صحة الإشارة الحسية إليه وعلى كونه مبايناً للعالم وإن كانت صحة الإشارة إليه أخص من الوجود بحيث تصح الإشارة الحسية إلى بعض الموجودات دون بعض فإن كان واجب الوجود داخلاً في ذلك صحة الحجة أيضاً وإن لم يكن داخلاً في ذلك كانت صحة الإشارة مستلزماً للحدوث فيكون التعليل بصحة الإشارة الحسية تعليلاً بما يستلزم الحدوث كما سنبينه إن شاء الله وأما قوله في الوجه الثاني إن الجواهر والأعراض مشتركان في الأمر الذي به وقعت المخالفة بينهما وبين الباري فلم لا يجوز أن يكون هذا هو المقتضي لقبول الانقسام إلى المباين والمحايث وحينئذ يبطل قوله لا مشترك بينهما إلا الحدوث
يقال هذه المخالفة لذات الباري المشتركة بينهما هي مستلزمة للحدوث فإنها من خصائصها لا توجد في الباري وما يختص المحدث مستلزم للحدوث وإذا كان كذلك كان حكمه حكم الحدوث فإن قولهم هو الوجود أو الحدوث كل وصف يستلزم الحدوث فحكمه كحكمه في ذلك وكل وصف لازم للوجود بحيث يلزم من عدمه عدم الوجود هو كالوجود فإن رفع التعليل به يقتضي رفع التعليل بالوجود كما تقدم بيانه قوله في السؤال السادس لِمَ لا يجوز أن يكون المقتضي لهذا الحكم الحدوث قوله الحدوث ماهية مركبة من العدم والوجود قلنا كل محدث فإنه يصدق عليه كونه قابلاً للعدم والوجود وأيضاً كون الشيء منقسماً إلى المحايث والمباين معناه كونه قابلاً للانقسام إلى القسمين فالقابلية إن كانت صفة وجودية كانت في الموضعين كذلك وإن كانت عدمية فكذلك ولا يبعد تعليل عدم بعدم يقال أما الحدوث أو ما يستلزم الحدوث فلا يجوز أن يكون هو علة للأمر الوجودي لأن ذلك مستلزم للعدم وما يستلزم العدم لا يجوز أن يكون علة للأمر الوجودي فلا يعلل
الأمر الوجودي الذي يختص بالموجودات دون المعدومات إلا بأمر وجودي يختص بالموجودات وكذلك لو أريد بالتعليل الملازمة ف5إن الأمر الوجودي لا يكون مستلزماً للأمر المستلزم للعدم لأنه يوجب أن يكون العدم مستلزماً الوجود والعدم لا يكون مستلزماً للوجود فلا تكون الرؤية ولا صحة المحايثة والمبانية مستلزماً لما يتضمن العدم سواء كان هو الحدوث أو ما يستلزم الحدوث إذ كل منهما مستلزم للعدم والوجود لا مستلزم للعدم إلا بطريق استلزامه لوجود يمنع غيره فيكون العدم ضد الوجود أما أن يكون وجود جنس الأمر الوجودي معلقاً بوجود يشترط فيه أن يكون معدوماً فلا قوله كل محدث يصدق عليه كونه قابلاً للوجود والعدم وكذلك كون الشيء منقسماً إلى المحايث والمباين إلى آخره يقال له هذا غلط من وجوه أحدها أن المحدث الذي تجوز رؤيته هو الموجود دون المعدوم فإن المعدوم لا يجوز رؤيته ولا يجوز تعليل رؤية الوجود المنقسم إلى محايث ومباين بأنه محدث منقسم إلى موجود ومعدوم فإن المحدث الذي يدخل فيه المعدوم لا يرى
بحال فهو أعم مما يرى والعلة لا تكون أعم من المعلول وأيضاً فالمحدث الذي يصدق عليه أنه قابل للوجود والعدم إنما هو الحقيقة الذهنية التي لا وجود لها في الخارج فهي تقل أن تكون موجودة وأن تكون معدومة وأما الوجود فلا يقبل ذلك الثاني أنه ليس قبول الحقيقة لأن تكون موجودة ومعدومة مثل قبولها لأن تكون محايثة لغيرها أو مباينة له لأن ذلك القبول لا يقوم بشيء موجود بل هو حكم ذهني وأما هذا الثاني فهو صفة لأمر موجود فإن المحايثة والمباينة صفة لأمر موجود وليس كل واحد من الوجود والعدم صفة لموجود الثالث أن الشيء الذي يقبل الوجود والعدم هو شيء بعينه يقبل الوجود تارة والعدم تارة ليس المحدث ينقسم إلى موجود ومعدوم وأما المحايثة والمباينة فليستا صفتين متعاقبتين على حقيقة واحدة بل الحقيقة الموجودة المطلقة تنقسم إلى محايث موصوفاً بالمباينة وإلى مباين ليس موصوفاً بالمحايثة فليس هذا نظير ذلك الرابع أنا قد بينا أن الحكم الواحد هو لزوم أحدهما للوجود وهذا حكم واحد وجودي ولا يقال إن أحد الأمرين
من الوجود والعدم يلزم المحدث بل المحدث بعد حدوثه لا يكون إلا موجوداً وقبل وجوده لم يكن إلا معدوماً وإن أريد به الحقيقة أنه يلزمها أحد الأمرين فيقال هو يلزمها إما الوجود وإما العدم ولزوم أحد الأمرين واحد وجود والثاني عدم لا يكون وجودياً بخلاف لزوم أحد أمرين وجوديين المباينة والمحايثة فإن لزوم أحد هذين يكون وجودياً الخامس أن الصواب المتفق عليه بين أهل السنة وعقلاء الخلق أن العدم ليس بشيء في الخارج وإنما كان له وجود في العلم وإذا كان كذلك فالمحدث تارة يكون شيئاً وتارة لا يكون شيئاً فلا يكون كونه شيئاً وكونه ليس بشيء علة لكونه محايثاً أو مبايناً فإن هذين يختصان بما هو شيء وما هو شيء لا يكون علة ما يستلزم في أحد حاليه أن لا يكون شيئاً أو لا يكون علة انقسام حالية إلى أن يكون شيئاً تارة وغير شيء أخرى وأما ما أورده على قوله إن الجهل بالعلة يوجب الجهل بالمعلول من معارضة ذلك بأن يقال العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فيقال عنه جوابان أحدهما القول بموجب ذلك فإن كل ذي فطرة سليمة لم يتقلد مذهباً يصده ويغير فطرته إذا علم أن الشيء موجود علم أنه إما أن يكون محايثاً لغيره وإما أن يكون مبايناً له كما يعلمون
أن القائم بنفسه لا يكون إلا داخل العالم أو خارجه وإذا قيل له موجود ولا داخل العالم ولا خارجه أو قيل له شيئان موجودان ليس أحدهما مبايناً للآخر ولا هو بحيث هو وفهم ذلك أنكرته فطرته وقوله الجمهور الأعظم وهم أهل التوحيد يعلمون أن الباري جل وعلا موجود ولا يعلمون أنه لابد وأن يكون محايثاً للعالم أو مبايناً له قلنا ليس الأمر كذلك بل النفاة مغمورون في جانب أهل التوحيد أيضاً فيكون بالنسبة إلى جماهير بني آدم من المسلمين وغيرهم وجمهورهم تقلد هذا القول عن بعض حتى تغيرت فطرته ليس في هؤلاء أحد من سلف الأمة ولا أئمتها ولا فيهم إلا من هو مجروح من المسلمين ببدعة وإن كان متأولاً فيها ومغفوراً له خطؤه أو فيه ما هو أكثر من البدعة وهو الغالب على أئمة هذا القول من نوع ردة عن الإسلام ونفاق فيه وغير ذلك وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أنهم من أضل الخلق وأجهلهم فلا يضرهم خلافهم في ذلك الوجه الثاني أن يقال العلم أمر وجودي وأما عدم العلم
فوصف عدمي والأمر الوجودي يتوقف على السبب التام بخلاف العدمي فإنه يكفي فيه عدم السبب أو نقصه وإذا كان كذلك فليس مجرد علم الإنسان بالدليل علة كان أو غيرها يوجب علمه بالمدلول معلولاً كان أو غيره إن لم يستحضر في ذهنه دلالة الدليل على المدلول ويتفطن لما فيه من الدلالة وهذا كما أن خلقاً يسمعون كلام الله وهو الدليل الهادي ويشهدون آيات الله بالليل والنهار وهم عنها معرضون لعدم التفكير والتدبر أما إذا علم الرجل الحكم فلابد له من سبب يوجب العلم في قلبه وكون الشيء إما محايثاً وإما مبايناً وإما قديماً وإما محدثاً ونحو ذلك وإنما هو الوصف المعقول وهو لزوم أحد الوصفين للموجود وكون الموجود ينقسم إلى هذين فإن الموجود المطلق وجوده ذهني
وكذلك الانقسام إلى قسمين هو حكم عقلي وكذلك لزوم أحد الوصفين لا بعينه حكم عقلي ليس بحسي فإذا كان هذا الحكم يحكم به العقل بمجرد علمه وجود الشيء المحايث والمباين قبل علمه بكونه محدثاً علم أن العلم بهذا الانقسام العقلي لا يتوقف على الحكم بالحدوث بل يعلم بمجرد العلم بكونه موجوداً فلو كان المقتضي له ليس هو الوجود بل هو الحدوث أو ما يشترط فيه الحدوث كان الحكم بذلك يدون العلم بمقتضيه وملزومه حكماً بالذهن بلا حجة فإنه إنما يستدل على الشيء بعلته أو معلوله أو يستدل بأحد المعلولين على الآخر فإذا كانت جميع وجوه الأدلة منتفية انتفى العلم فإذا كان العلم بهذا الانقسام موجوداً بدون هذه الوجوه علم أنها ليس أدلة فلا تكون داخلة في التعليل وكذلك قوله الأمر المعلوم بالبديهة لا يجوز أن يكون علة وصف استدلالي إنما هو العلة التي توجب العلم بالحكم ولكن يجوز أن يكون المؤثر فيما أدركه الحس ما لم
يذكره الحس ولكن هذا الانقسام ليس من الأمور الحسية بل من الأحكام العقلية والعقل لا يحصر شيئاً قبل الإحاطة بأفراده ولا تلازم بين شيئين قبل العلم بوجه الملازمة فإن لم يكن الوجود هو المقتضي لهذا الحصر والتقسيم لهذه الملازمة لم يجز حكم الذهن بذلك حتى يعلم دليلاً يدله على هذا الحصر والتقسيم وهذه الملازمة ولا يجوز أن يكون الحكم بديهياً ودليله نظرياً استدلالياً ومن يدبر عقله علم أنه يحكم بهذا التقسيم وهذا اللزوم بمجرد العلم بالوجود قبل العلم بالحدوث وغيره فإن لم يكن الوجود مقتضياً له لم يكن له أن يحكم إلا بما أحسه وهذان هذا مباين لهذا وهذا محايث له أما أن يحكم حكماً عاماً على جميع الموجودات إما أن يكون محايثاً وإما أن يكون مبايناً قبل علمه بتساويهما في ذلك فهو حكم بلا أصل وهذا الكلام يحتاج إلى تقرير أن العلة الخارجة هي العلة الذهنية وإلا فيمكن النزاع في ذلك وإما قوله في السؤال السابع لو كان الوجود واحداً في الشاهد والغائب ليس إلا بالاشتراك اللفظي وهذا لا يمكن إلا بأن يكون الباري مثلاً للمحدثات أو يكون الوجود زائداً
على الماهية والمخالفون لا يقولون بواحد منهما فيقال مثل هذا الكلام تكرر في تصانيف هذا الرجل وهو غلط عظيم في أظهر الأمور وأول الأمور المعقولة من العلم الكلي وهو وجود الحق ووجود الخلق ولهذا يغلط به من نقل مذاهب الناس فإن مذهب عامة الناس بل عامة الخلائق من الصفاتية كالأشعرية والكرامية وغيرهم أن الوجود ليس مقولاً بالاشتراك اللفظي فقط وكذلك سائر أسماء الله التي سمي بها وقد يكون لخلقه اسم كذلك مثل الحي والعليم والقدير فإن
هذه ليست مقولة بالاشتراك اللفظي فقط بل بالتواطؤ وهي أيضاً مشككة فإن معانيها في حق الله تعالى أولى وهي حقيقة فيهما ومع ذلك فلا يقولون إن كما يستحقه الله تعالى من هذه الأسماء إذا سمي بها مثل ما يستحقه غيره ولا أنه في وجوده وحياته وعلمه وقدرته مثلاً لخلقه ولا يقولون أيضاً إن له أو لغيره في الخارج وجوداً غير حقيقتهم الموجودة في الخارج بل اللفظ يدل على قدر مشترك إذ أطلق وجرد عن الخصائص التي تميز أحدهما وهو لا يستعمل كذلك في أسماء الله فقط ولا هو موضوعاً في اللغة كذلك وإنما يذكر كذلك في مواضع تجرد عن الخصائص كما تجرد في المناظرة لأمور يحتاج إليها فيقدر تجريده عن الخصائص تقديراً كما يقدر أشياء لم توجد وهو حينئذ دال على قدر مشترك بين المسلمين ولكن ذلك المشترك ليس مجموع حقيقة كل منهما الموجودة في الخارج فإن لفظ الموجود إذا جرد يدل على الموجود المطلق لم يكن الوجود المطلق حقيقة إلا في الذهن وأما
الوجود الخارجي فوجود كل موجود معين مميز عن الآخر مختص به وذلك كـ الجسم المطلق والحيوان المطلق والإنسان المطلق وقد تقدم غير مرة أن حقيقة ذلك أن هذه الحيوانية الخارجية المعينة تشبه هذه الحيوانية وهذه الإنسانية الخارجية تشيه هذه الإنسانية فبينهما مشابهة من هذا الوجه وإن كانت بينهما مخالفة من وجوه أخرى وإذا قيل هذا موجود وهذا موجود ففيه إثبات أصل الوجود والثبوت والكون لكل منهما وأن ما لهذا يشبه ما لهذا من هذا الوجه وهذا المعنى الذي اشتركا فيه واشتبها في غاية البعد عن حقيقة كل منهما كما أن حقيقة كل منهما يكون في غاية البعد عن حقيقة الآخر فوجود أحدهما في الخارج هو عين حقيقته فإذا قيل إن سائر الحقائق والماهيات تشاركها في مسمى الحقيقة والماهية أو تشبهها في ذلك كان هذا
الشبه البعيد في غاية البعد عن الحقيقتين ولكن الأمور العظيمة الاختلاف بالحقيقة قد تشتبه في أمر ما وهو الذي اشتركت فيه وأعم هذه الأمور هذا الوجود الثابت والكون فمن كان نظره في هذا نظره في أبعد الأشياء عن حقيقة الرب وكثير من هؤلاء يعتقد أنه قد أدرك حقيقته أو أنه لا حقيقة له إلا ذلك وهؤلاء من أعظم الخلق تمثيلاً لربهم بكل شيء وقد جعلوا كل شيء نداً له وكفواً حيث جعلوا حقيقته هي الوجود المطلق وذلك يثبت لكل موجود فهم أعظم الخلق إشراكاً بالله ومن هنا قال الاتحادية منهم إنه وجود كل شيء وأنه وجود الموجودات كلها ونحو ذلك مما هو من أعظم الإشراك والتعطيل وأصل هذا أن الاشتراك أو الاشتباه في أمر ما لمسمى الوجود أو الحي أو غير ذلك لا يقتضي التماثل بوجه من الوجوه بل يقتضي نوع اشتباه وقد يكون بعيداً عن التماثل وهذا الرازي يظن كثيراً أن الاشتراك في شيء هو التماثل فيحكم على
المشتبهين في شيء بحكم المتماثلين ثم إنه في موضع آخر يناقض ذلك حتى يجعل الأمور المتماثلة في الحكم لا تتماثل في العلة والأمور المتماثلة في العلة لا تتماثل في الحكم إذ هو متناقض في عامة كلامه ثم إن هؤلاء المتفلسفة والمتكلمة والمتصوفة وسائر الملاحدة من القرامطة وغيرهم الذين يقولون حقيقته هي
الوجود المحض أو المطلق أو نحو ذلك يزعمون أنهم أبعد الخلق عن التشبيه وأنهم هم الموحدون المحققون للتوحيد حتى ينفوا الصفات والأسماء نفياً منهم زعموا الشبيه وهم أعظم الخلق تشبيهاً وتمثيلاً وإشراكاً وجعلوا أنداداً لله مع ما هم عليه من التعطيل وأبعد الخلق عن أن يوحدوا الله تعالى بوحدانيته التي انفرد بها عن سائر مخلوقاته فإنهم جعلوا حقيقته الوجود المطلق فهذا القدر ثابت لكل موجودة فقد جعلوا حقيقته ما هو ثابت لكل شيء فقد جعلوا حقيقة الله تشركه فيها البعوضة والنملة بل الكلب والخنزير وقد يصرحون بأن وجود الكلب والخنزير عين وجوده وهذا من أغلظ الإشراك والكفر برب العالمين وهو تعطيل الله إذ لا وجود للوجود المطلق إلا في المعين فإذا لم تثبت له حقيقة موجودة مختصة به منفصلة عن الموجودات لزم
تعطيله ثم إن حقيقته التي اختص بها وامتاز بها عن خلقه لا يثبتونها وبها وجبت له الوحدانية والوجود من حيث هو وجود كالثبوت والكون وكونه حقاً وهذا القدر ثابت لكل ما خلقه وسَوّاه وهو سبحانه رب كل موجود سِوَاه وخالقه وباريه ليس كمثله شيء من ذلك سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً وهذا الموضع قد أوسعنا القول فيه في مواضع غير هذا وهو منشأ الاشتراك والضلال في طوائف من الفلاسفة والاتحادية وسائر الملاحدة الذين يعمهم معنى الجهمية وإن كان لبعضهم عن بعض في ذلك مزية ومنشأ هذا من القياس الفاسد والتمثيل برب العالمين والتسوية بينه وبين غيره كما قال تعالى فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ {94} وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ {95} قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ {96} تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ {97} إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ {98} وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ {99} [الشعراء 94-99] وأصل الإشراك الذي هو من القياس الفاسد هو من إبليس أول من قاس قياساً
فاسداً وهو إمام المشركين وقائدهم ولا ينجو منه إلا المخلصون الذين أثبتوا لله ما يختص به من الصفات والعبادات كما قال فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ {82} إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ {83} [ص 82-83] وقال تعالى إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ {99} إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ {100} [النحل 99-100] وهذا باب واسع ليس هذا موضعه وذلك أنهم يجردون أسماء هذا وصفاته وأسماء هذا وصفاته فيسوون بينهما ويجردون القدر المشترك بينهما فيثبتونه حقيقة خارجة وقد يجعلون هذا الذي جردوه هم بأذهانهم فقدروه في أنفسهم هو الحقيقة الموجودة في الخارج كقولهم هو في كل مكان بذاته وقولهم هو نفس ووجود
الموجودات وهو الوجود المطلق ونحو ذلك وأما السؤال الثامن فقوله في المعارضة إن المقتضي لقبول الانقسام في الجوهر والعرض لو كان هو الوجود لزم في الجوهر وحده أن يقبل الانقسام إلى الجوهر والعرض وكذلك في العرض وهو فيقال هذا غلط ظاهر ومغالطة قبيحة وذلك أن هذا الموجود إما أن يراد به الموجود المعين الخارجي فيكون المعنى أن يلزمه أحد الحكمين إما المحايثة وإما المباينة لا يقال فيها إنه منقسم إليهما وعلى هذا فالجوهر الموجود يلزمه أحدهما والعرض الموجود يلزمه أحدهما وإما أن يراد به الوجود المطلق الكلي الذي هو مورد التقسيم إلى الأقسام فهذا إذا قيل إنه ينقسم إلى محايث ومباين فهو كقولنا ينقسم إلى جوهر وعرض ولا يلزم من قبول القسمة أن يكون أحد قسميه القسمة التي يقبلها هو بل هذا جمع بين النقيضين وأما قوله في السؤال التاسع إن هذا الدليل قائم في صور كثيرة مع أن النتيجة اللازمة عنه باطلة وهذا يدل على أنه منقوض وبيانه من وجوه
الأول أن كل ما سوى الله محدث فتكون صحة الحدوث حكماً مشتركاً فلابد لها من علة مشتركة والمشترك الحدوث أو الوجود والحدوث لا يكون علة صحة نفسه فوجب كونها معللة بالوجود فيلزم أن يكون الله محدثاً فيقال صحة الحدوث ليست من أحكام الأمور الوجودية بل من أحكام الأمور التي يمكن وجودها سواء كانت موجودة أو لم تكن بخلاف المحايثة والمباينة فإنها مختصة بالوجود دون العدم وأما صحة الحدوث فهي مشتركة بين الوجود الممكن وبين كل معدوم ممكن فبينها وبين لزوم المحايثة أو المباينة عموم وخصوص إذ صحة الحدوث يعم المعدوم الممكن بخلاف لزوم المحايثة والمباينة وبخلاف الرؤية وأما لزوم المحايثة أو المباينة والرؤية فلا يعلم انتفاؤه عن الله بخلاف صحة الحدوث فإنه يعلم بالضرورة انتفاؤه في حق الله تعالى وإذا كان كذلك فيجب أن تكون علة صحة الحدوث ما يطابقه في العموم وذلك ليس هو الحدوث فإنه أخص منه إذ ليس كل ما صح حدوثه كان محدثاً ولا الوجود فإنه ليس كل موجود يصح حدوثه والمطابق له هو الإمكان الخاص فصحة الحدوث معللة بعلة مشتركة وهو الإمكان الخاص وهذه علة
مطردة منعكسة كتعليل الموجود بالرؤية وبلزوم المحايثة والمباينة وقوله في الوجه الثاني إن كل موجود في الشاهد فهو إما حجم أو قائم بالحجم ثم نذكر التقسيم إلى آخره حتى يلزم أن يكون الباري إما حجماً أو قائماً بالحجم والقوم لا يقولون به فعنه جوابان أحدهما أن المعنى بالحجم في اللغة الظاهرة هو الشيء الكثيف المتحد كالحجر والتراب خلاف الهواء فإنه لا يسمى في اللغة المشهورة حجماً فإن كان مقصوده هذا فليس كل موجود في الشاهد إما حجماً أو قائماً بالحجم وإن أراد به أن كل موجود في الشاهد قائم بنفسه أو قائم بالقائم في نفسه فهذا مطرد في الغائب وأن حال كل موجود في الشاهد فهو إما جسم وإما عرض أو إما جوهر وإما عرض ويذكر التقسيم إلى آخره فيقال له لفظ الجوهر والعرض في الاصطلاح الخاص ليس نفيهما عن الله من الشريعة كما أنه ليس إثباتهما من
الشريعة بل سلف الأمة وأئمتها أنكروا على من تكلم بنفيها كما أنكروا التكلم بإثباتها أو أكثر وعدوا ذلك بدعة فليس لأحد أن ينفي بهذين اللفظين اللذين ليس لهما أصل لا في نص ولا في إجماع ولا أثر إلا بحجة منفصلة غير هذا اللفظ إذ الحجج التي يستدل فيها باللفظ لابد أن يكون لفظها منقولاً عمن يجب اتباع قوله وهو الكتاب والسنة أو الإجماع فكيف باللفظ الذي لا ينقل عن إمام في الدين ولا أحد من سلف الأمة وأما المعاني المرادة بهذين اللفظين فلابد من تفسيرها فإن الناس متنازعون فيما يريدون بهذه الألفاظ من المعاني ومتنازعون في لزوم تلك المعاني لبعض وغير ذلك وإذ كان كذلك فإن فسر مفسر معنى الجوهر والعرض بما لم يعلم انتفاؤه في حق الله تعالى كان ذلك طرد الدليل فلا ينتقض به ولا ينتقض الدليل حتى يبين أن هذا التقسيم يمكن في بعض المعاني التي يجب نفيها عن الله تعالى ولم يفعل ذلك وذلك يظهر بالوجه الثاني وهو أن قوله وهم لا يقولون به قياس إلزامي وقد تقدم أنه قد قال إن هذا الدليل ليس بحجة لا في النظر ولا في المناظرة وذلك أن هذا الدليل إن كان مستلزماً ثبوت مسمى الجسم والعرض كان حجة عليهم في هذا
الموضع كما هو حجة على أولئك في المواضع الأُخَر فإذا ذكروا فرقاً فإن كان ذلك الفرق صحيحاً لم يصح النقض بالجسم والعرض وإن لم يكن الفرق صحيحاً لم يكن نفيهم لمسمى الجسم والعرض صحيحاً على التقديرين فلا يلزم بطلان هذه الحجة الوجه الثالث وأما قوله في الوجه الثالث إن كل موجودين فلابد وأن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه في أي جهة كان وساق التقسيم إلى آخره حتى يلزم كونه محايثاً للعالم أو مبايناً عنه في أي جهة كان وذلك يقتضي أن لا يختص بجهة فوق بل يلزم صحة الحركة على ذاته من الفوق إلى السفل وكل ذلك عند القوم محال فعنه أجوبة أحدها أنه ليس كل موجودين فلابد وأن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه في أي جهة كان بل من الأجسام الموجودة ما يمتنع من بقاء حقيقته أن يكون من الآخر إلا في جهة معينة كما أن رأس الإنسان يمتنع أن يكون إلا فوق وبطن قدمه يمتنع أن يكون إلا في أسفله ولو غير ذلك خرج عن حقيقته وكذلك العرش يمتنع أن يكون في أسفل سافلين وأسفل سافلين يمتنع أن يكون فوق العرش
الثاني أن يقال ما تعني بقولك فلابد وأن يكون محايثاً له أو مبايناً عنه في أي جهة كان أتعني أن العقل يشهد أنه لابد من وجوب المباينة ولو بأي جهة كان أو تعني أنه لابد مع وجوب المباينة من جواز المباينة من جميع الجهات فهذان معنيان متغايران فإن وجوب مطلق المباينة من غير تعيين جهة غير وجوب المباينة ووجوب جوازها بكل جهة فإن عني أن كل موجودين فإنه ولابد أن يتحايثا أو يباين أحدهما الآخر وأنه لابد مع ذلك أن يجوز مباينته من جميع الجهات فهذا القدر ليس معلوماً بالبديهة ولا بالحس وكثير من الناس ينازع في كثير من ذلك وبالجملة ليس هذا هو العلم البديهي الذي يعلم في المشهودات فإنا لا نعلم أن كل ما هو قائم بنفسه يجوز أن يكون في جميع الجهات من كل قائم بنفسه هذا لا يعلم بالبديهة بحال وإذا لم يكن معلوماً بالبديهة لم يجب أن يعلل بعلة تعم الوجود حتى نعلم ثبوته وحينئذ فمن الناس من يقول ليس هذا ثابتاًً لجميع المخلوقات ومنهم من يثبته للمخلوق دون الخالق وإذا كان الأمر كذلك فإن المنازع يقول قد قام الدليل على أن هذا ليس ثابتاً لجميع الموجودات وليس هو مما علم بالبديهة أنه يشترك فيه جميع
المشهودات فلا يكون نظير حجتنا إذا علم اختصاصه ببعض الموجودات فإنه يعلل بما يختص به الوجه الرابع أن الاستدلال بما يجب لكل موجودين والواجب لكل موجودين أن يكونا متباينين أو متحايثين أما كون أحدهما يصح أن يكون مبايناً للآخر من جميع جهاته فهذا ليس هو الواجب لكل موجودين والحجة كانت فيما يلزم الموجود من المحايثة أو المباينة واللازم له أصل المباينة أما المباينة من جميع الجهات فليس ذلك بلازم وإن كان جائزاً بل يجوز أن يجعل الله بعض الأشياء لا تباين إلا بجهة معينة الخامس أن يقال ليس للعالم إلا جهتان وهي العلو والسفل فأما العلو فهو مختص بالله تعالى وأما أسفل سافلين فذلك سجين وهو المركز الذي لا يسع إلا الجوهرالفرد
وكل قائم بنفسه فإنه يصح أن يكون مبايناً عنه بجميع الجهات لأن كل ما سواه يصح أن يكون فوقه وإن كان كذلك فيقال بموجب المعارضة وهو أن الله تعالى يجوز أن يكون مبايناً للعالم من جميع جهاته لأن جميع جهاته لأن جميع جهاته هي العلو ليس له جهة أخرى فظهر القول بموجب الحجة ألا ترى أن سطح العرش مباين للعالم كذلك السادس أن قوله ذلك يستلزم صحة الحركة عليه من الفوق إلى السفل وهم لا يقولون بذلك فنقول هذا قياس إلزامي وفي صحة الحركة نزاع مشهور
وهم يدعون ثبوت الفارق فإن صح ما يدعونه من الفارق وإلا كانت هذه الحجة حجة عليهم في المسألتين جميعاً ولا يتعضل ذلك كما تقدم نظيره وأما قوله في الرابع إن كل موجودين في الشاهد فإنه يجب أن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه بالجهة والمباين بالجهة لابد وأن يكون جوهراً فرداً أو مركباً من الجواهر وكون كل موجود في الشاهد على أحد هذه الأقسام الثلاثة أعني كونه عرضاً أو جوهراً فرداً أو جسماً مؤتلفاً لابد أن يكون معللاً بالوجود فوجب أن يكون الباري على أحد هذه الأقسام الثلاثة والقوم ينكرون ذلك لأنه عندهم ليس بعرض ولا بجوهر ولا بجسم مؤتلف من الأجزاء والأبعاض فيقال له أما تسمية صفاته عرضاً فإن منهم من سمى صفاته أعراضاً مع أن النزاع في ذلك لفظي وذلك أن الجهمية من المعتزلة وغيرهم الذين ينفون الصفات لما رأوا أن الصفات تقوم بالأجسام وهي الأعراض أيضاً وبها أو ببعضها احتجوا
على حدوث الموصوف الذي قامت به وقالوا به وقالوا إنها لا تقوم إلا بمتحيز ولا تقوم إلا بمحدث نفوها عن الله تعالى وقالوا من أثبتها فقد قالوا إنه يقوم به الأعراض وهي لا تقوم إلا بمتحيز فيكون متحيزاً محدثاً فسلك معهم مثبتة الصفات ثلاثة مسالك أحدها قول من يقول له صفات لكن ليست أعراضاً أو لا تسمى أعراضاً لأن العرض ما يعرض لمحله ويزول عنه وصفاته لازمة لذاته ليست زائلة عنها وهذا مما قوى عند هؤلاء أن يقولوا الأعراض لا تبقى زمانين أصلاً ليكون هذا فرقاً بين صفات الله تعالى وصفات المخلوقين من تسمية صفات المخلوقات أعراضاً دون صفات الخالق وبهذا وأمثاله انتحلوا دعوى السنة في قولهم الأعراض لا تبقى زمانين لأن هذا
مما وكدوا به في اعتقادهم مذهب أهل السنة في ثبوت صفات الله تعالى وهذه طريقة الكلابية والأشعرية ومن وافقهم من الفقهاء من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم والمسلك الثاني طريقة من لا ينازعهم في تسمية صفات الله تعالى أعراضاً كما لا ينازعهم في تسمية من قامت به من الصفات جسماً ولا يقول أيضاً بأن الأعراض لا تبقى بل الأعراض التي في الحس باقية هي باقية كالألوان وغيرها بخلاف ما ليس باقياً كالحركة وهؤلاء يقولون هب أن الأعراض قامت به وهب أنه جسم فليس يلزم من ذلك محذور وهذا قول طوائف من الصفاتية من الكرامية والشيعة ومن وافقهم من الفقهاء وغيرهم والمسلك الثاني أن لا يقولوا صفاته أعراض ولا يقولوا ليست أعراضاً كما لا يقولون إنه جسم ولا أنه ليس بجسم لأن ذلك كله بدعة مذموم عند سلف الأمة وأئمتها ولأن النزاع في ذلك إن كان في معنى وجب إثبات المعنى الحق دون المعنى الباطل فيسأل النفاة المثبتة ما أرادوا بذلك فإن أثبتوا حقاً وباطلاً أقر الحق دون الباطل وكذلك النفاة إن نفوا حقاً
وباطلاً نفى الباطل دون الحق ومن أثبت حقاً أو نفى باطلاً أقر ومن أثبت باطلاً أو نفى حقاً منع وإن كان النزاع في اللفظ فما يوصف به الباري نفياً وإثباتاً من الأسماء والصفات فالمتبع فيه الشريعة فلا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله لا من الإثبات ولا من النفي والله سبحانه وتعالى قد أخبر أنه أحد صمد ونزه نفسه عن الوالد والولد والشريك والكفو والسمي والحاجة والنوم وغير ذلك مما دل عليه القرآن ولم يذكر هو ولا رسوله ولا أهل العلم والإيمان به أنه ليس بجسم ولا جوهر ولا متحيز ولا في جهة ولا أن صفاته ليست بعرض ولا قائمة بالغير ولا نحو ذلك وكذلك في الإثبات له الأسماء الحسنى التي يدعى بها وليس في تلك الأسماء أنه جسم ولا جوهر ونحو ذلك ولا أن صفاته تسمى أعراضاً ونحو ذلك فلم يكن واحد من هذين مشروعاً على الإطلاق ولا هو أيضاً منهياً عنه على الإطلاق بل إذا أثبت الرجل معنى حقاً ونفى معنى باطلاً واحتاج إلى التعبير عن ذلك بعبارة لأجل إفهام المخاطب لأنها من لغة المخاطب ونحو ذلك لم يكن ذلك منهياً عنه لأن ذلك يكون من باب ترجمة أسمائه وآياته بلغة أخرى ليفهم أهل تلك اللغة معاني كلامه وأسمائه وهذا جائز بل مستحب أحياناً بل واجب أحياناً وإن لم يكن ذلك مشروعاً على الإطلاق كمخاطبة أهل هذه الاصطلاحات الخاصة في أسماء الله وصفاته وأصول الدين
باصطلاحهم الخاص إذا كانت المعاني التي تبين لهم هي معاني القرآن والسنة تشبه قراءة القرآن بغير العربية وهذه الترجمة تجوز لإفهام المخاطب بلا نزاع بين العلماء وأما قراءة الرجل لنفسه فهذا لايجوز عند عامة أهل العلم لا في الصلاة ولا في خارج الصلاة وجوَّزه بعضهم مطلقاً لكن لمن لم يحسن العربية لكن المخاطبة ليست كإقراء القرآن لكن تشبه ذكره والثناء عليه والدعاء له بما لم يوِّقت الشارع فيه شيئاً بعينه ولهذا يكره أيضاً عند كثير من العلماء أو أكثرهم تغيير العربية إلا للحاجة ومنهم من لم يكرهه إذا تبيين ذلك فجوابه من وجوه أحدها أن هذا الوجه الذي ذكره هو من الوجوه
الإلزامية وهذه ليست بحجه لا للناظر ولا للمناظر كما تقدم غير مرة وذلك أن هذه الحجة إما أن توجب أن كل موجودين في الشاهد على أحد هذه الأقسام أو لا توجبه فإن لم توجبه فلا يضر وإن أوجب ذلك ولم يذكر الفارق فرقاً بين الموضعين وإلا كانت حجة عليهم في الموضعين وكان له أن يقول أنا إنما أثبت الجسم والجوهر والعرض لكذا وكذا فإن كان هذا فرقاً صحيحا بطل الإلزام وإن لم يكن فرقاً صحيحاً تاماً امتنع الحكم إذ ليس في ذلك نص ولا إجماع عام الوجه الثاني أن يقال كون الموجود في الشاهد جوهراً فرداً أو ليس بجوهر فرد ليس ذلك بمشهود ولا معلوم بحس ولا ضرورة كالعلم بأن الموجود في الشاهد إما مباين وإما محايث بل في ذلك نزاع عظيم بين المتكلمين وهذا المؤسس هو من المتوقفين في إثبات الجوهر الفرد وقد حكى التوقف فيه عمن حكاه من أذكياء الطوائف كأبي الحسين البصري وأبي المعالي الجويني وإذا لم يكن هذا معلوماً بالحس والاضطرار لم يكن نظير تلك الحجة
الوجه الثالث أن من ينكر الجوهر الفرد من أهل الكلام والفلسفة أو من توقف فيه يمنع الانقسام إلى هذه الثلاثة وهؤلاء طوائف كثيرون الوجه الرابع أن قوله إن المباين بالجهة لابد وأن يكون جوهراً فرداً أو يكون مركباً من الجواهر وكون كل موجودين في الشاهد على أحد هذه الأقسام الثلاثة أعني كونه عرضاً أو جوهراً فرداً أو جسماً مؤتلفاً لابد وأن يكون معللاً بالوجود يقال له ليس كون الأشياء القائمة بأنفسها في الشاهد مركبة من الجواهر وإنها إما جوهر فرد وإما جسم مؤتلف مما يعلم لا بحس ولا بضرورة كما يعلم أن الموجود إما أن يقوم بنفسه وإما أن يقوم بغيره بل في ذلك نزاع عظيم بين الناس نفياً وإثباتاً ووقفاً وإذا كان كذلك لم يكن نظيراً له الوجه الخامس أن من يقول الجسم واحد في نفسه ليس مركباً من الجواهر من أهل الكلام والفلسفة سواء قالوا ينقسم إلى جزء لا يقبل القسمة أو قالوا يقبل القسمة إلى ما لا يتناهى ينازعون في هذا الانقسام ويقولون لا نسلم أن القائم بنفسه لا يكون إلا مركباً من الأجزاء أو جوهراً فرداً وهؤلاء طوائف كثيرة
الوجه السادس أن يقال قد مر الكلام على معنى القسمة والتركيب وأن حاصله يعود إلى تميز شيء من شيء كامتياز صفة من صفة وأن ذلك مما يجب الاعتراف به في حق كل موجود فإنه يمتنع أن يكون شيء من الموجودات بدون ذلك وإن كان كذلك لم يكن ما يلزم الوجود مما سموه انقساماً وتركيباً محالاً فإذا أوجبت الحجة القول به قيل به الوجه السابع أن يقال إن عنيت بكونه عرضاً أنه صفة قائمة بالموصوف ويكون منقسماً أي فيه نوع تميز فهذا يلتزمه أهل الإثبات للعلو وإن عنيت بكونه عرضاً أنه يعرض ثم يزول وبكونه منقسماً مركباً أنه يقبل التفرق والاجتماع بعد التفرق فيقال هذا وصف له بعدم بعد الوجود وبوجود بعد عدم وإذا كان هذا كذلك لم يمتنع أن يكون الموجب لذلك متضمناً للعدم فإن الممتنع تعليل الأمر الوجودي كالرؤية ولزوم أحد الوصفين الموجودين بما فيه عدم أما الوصف المشتمل على عدم فلا يمتنع تعليله بالوصف المشتمل على عدم يوضح ذلك الوجه الثامن وهو أن العرض
…
الذي يختص به المخلوق جوهر عند من يقول بذلك ويفرق بين صفة الخالق وصفة المخلوق مما يمتنع بقاؤه ويجب عدم بعد وجوده وأقل ما في ذلك أنه يجوز عدمه بعد وجوده والجسم المخلوق إما
أن يكون متفرقاً في نفسه منقسما قسمة حقيقة بحيث يكون بعضه منفصلاً عن بعض وإما أن يكون قابلاً لذلك وعلى التقديرين فلا يكون هذا الحكم صفة للموجود من حيث هو موجود فإن الموجود من حيث هو موجود لا يكون واجب العدم ولا واجب التفرق والانفصال وإذا كان كذلك كان نفس هذا الوصف المذكور يوجب أن يخص ما يجوز عليه العدم والتفرق الوجه التاسع أن وجوب العدم أو التفرق لا يجوز تعليله بالوجود فإن الوجود نفسه لا يوجب التفرق والعدم فإن العدم ينافى الوجود والشيء لا يكون موجباً لما ينافيه وكذلك التفرق هو نوع من عدم الكمال فإن الاجتماع صفة كمال وقوة والافتراق ينقص تلك القوة والكمال وكذلك يسمى الشيء جميلاً والجمال مشتق من الإجمال الذي هو الجمع والضم ولهذا يقال كل ألم في العالم فأصله من تفرق واجتماع فكون الشيء موجوداً أو مقصوداً بحيث يحصل به الفرح والسرور لا يناسب تفرقه واختلاله وإنما يناسب اجتماعه وإكماله ولهذا كان الاسم الصمد فيه معنى الاجتماع المنافي للتفرق وفيه اجتماع الخلق إليه بحيث يكون هو المقصود لهم في العبادة في الدعاء والعبد لابد له من قصد يقصده والشيء
إنما يقصد لنفسه أو لغيره والله هو المقصود المعبود لنفسه وهو المدعو المسئول الذي يسأل منه كل شيء وإذا كان كذلك تبين أن هذا الحكم لا يجوز تعليله بالوجود المطلق ولا بما يشتمل على الوجود الواجب وأما قوله في الوجه الخامس إن كل موجود يفرض مع العالم فهو إما أن يكون مساوياً للعالم أو زائداً عليه في المقدار أو أنقص منه في المقدار فانقسام الموجود في الشاهد إلى هذه الأقسام الثلاثة للأربعة كذا حكم لابد له من علة ولا علة إلا الوجود والباري تعالى موجود فوجب أن يكون الباري تعالى على أحد هذه الأقسام الثلاثة والقوم لا يقولون به فثبت بما ذكرنا أن هذه الشبهة منقوضة فيقال له عن هذه أيضاً وجوه أحدها أن هذه أيضاً حجة إلزامية لا حقيقية فالذي ينفي هذه الأقسام عن الباري إما أن يذكروا فرقاً صحيحاً أو لا يذكروه فإن ذكروه بطل إلزامهم بذلك في حجة المباينة والمحايثة وإن لم يذكروا فرقاً صحيحاً كان ذلك حجة عليهم
في الموضوعين كما تقدم نظيره وحينئذ فلا يكون هذا حجة لا في نظر ولا في مناظرة فإن هذا ليس متفقاً على نفيه بل أكثر أهل الإثبات يلتزم أحد الأقسام الوجه الثاني أن يقال هذا التقسيم باطل فإن كل ما نشهده فهو جزء من العالم سواء كان قائماً بنفسه أو بغيره فكيف يقال فيما هو بعض العالم إما أن يكون مساوياً للعالم أو أزيد منه أو أنقص منه ومن المعلوم أنه لا يكون إلا أنقص منه وإذا كان لا يصح أن يكون مساوياً له ولا أزيد وبهذا يظهر أن هذا ليس نظير الحجة فإن تلك مضمونها أن كل موجود يلزمه أحد الأمرين إما المحايثة لغيره وإما المباينة له والوجود ينقسم إلى قسمين محايث ومباين ولا يمكن أن يقال الموجود المشهود يلزمه أحد هذه الأقسام إنما يلزمه واحد منها معين وهو النقص الوجه الثالث أن هذا الذي ذكره إنما هو فيما يقدر وجوده ويفرض مع العالم ومعلوم أن ما يقدر وجوده ويفرض لا يعلم حكمه بالحس ولا بالبديهة كما يعلم حكم الموجود المشهود المحسوس مع الموجود المشهود المحسوس فإن تلك الحجة مبناها على ما علم بالحس والضرورة ثم النظر هل ذلك معلل بما يتناول الوجود الواجب أو بما يخص غيره وأما الموجودات المقدرة فحكمها لا يعلم بحس ولا ضرورة وإنما
يعلم بالقياس على ماعلم وجوده الوجه الرابع أن هذا إذا كان في الوجود المقدر مع العالم فذلك الموجود إما أن يكون هو الله أو غيره فإن كان غيره فقد علم أنه معدوم لأن كل مايقدر وجوده سوى الله فهو من العالم فلا يمكن تقدير موجود غير الله خارج عن مجموع خلقه وإن كان المراد بهذا الموجود هو الله كان المعنى أن الله لا يخلو إما أن يكون أكبر من العالم أو أصغر أو بقدره وإذا كان هذا هو المعنى المقدر فاحتجاجه بهذا على أن الباري موصوف بأحد هذه الأقسام هو استدلال بالشيء على نفسه فالدليل هو غير المدلول ويكون التقدير أن الرب الموجود مع العالم إما أن يكون مساوياً له أو أكبر أو أصغر وإذا كان كذلك فهو إما أن يكون مساوياً أو أكبر أو أصغر ومعلوم أن هذا باطل فضلاً أن يكون نظير الحجة وقد ظهر بما نبهنا عليه في الكلام على هذه الحجة أن قوله ونحن بعد أن بالغنا في تنقيحها وتقريرها أوردنا عليه هذه الأسئلة القاهرة والاعتراضات القادحة ليس الأمر كما قاله فإن الحجة لم يستوف تقريرها كما يجب وليس ما ذكره من الاعتراض كما زعم هذا مع أنا لم نستوف الكلام في تقريرها ولا في الأجوبة على أسولته لأن المقصود حكاية ما ذكره هو من الحجة وذكر ما ينبه على الحكم العادل بينه وبين خصومه
فصل قال الرازي الشبهة الثالثة للكرامية في إثبات كونه تعالى ف الجهة قالوا ثبت أن تعالى تجوز رؤيته ولرؤية تقتضي مواجهة المرئي أو مواجهة شيء هو في حكم مقابلته وذلك يقتضي كونه تعالى مخصوصاً بجهة قال والجواب اعلم أن المعتزلة والكرامية توافقوا على أن كل مرئي لابد وأن يكون في جهة إلا أن المعتزلة قالوا لكنه ليس في الجهة فوجب أن لا يكون مرئياً والكرامية قالوا لكنه مرئي فوجب أن يكون في الجهة وأصحابنا نازعوا في هذه المقدمة وقالوا لا نسلم أن كل مرئي فإن مختص بالجهة بل لا نزاع في أن الأمر في الشاهد كذلك فلِمَ قلتم إن كل ما كان كذلك في الشاهد وجب أن يكون في الغائب كذلك وتقريره أن هذه المقدمة إما أن تكون مقدمة بديهية أو استدلالية فإن كانت بديهية لم يكن في إثبات كونه تعالى مختصاً بالجهة حاجة إلى هذا الدليل وذلك لأنه ثبت في الشاهد أن كل قائم بالنفس مختص بالجهة وثبت أن الباري جل وتعالى قائم بالنفس فوجب القطع بأنه تعالى مختص بالجهة لأن العلم الضروري حاصل بأن كل ما ثبت في الشاهد
وجب أن يكون في الغائب كذلك فإذا كان هذا الوجه حاصلاً في إثبات كونه تعالى في الجهة كان إثبات كونه في الجهة بكونه مرئياً ثم إثبات أن كل ما كان مرئياً فهو مختص بالجهة تطويل من غير فائدة ومن غير مزيد شرح وبيان وأما إن قلنا إن قولنا كل مرئي فهو مختص بالجهة ليست مقدمة بديهية بل هي مقدمة استدلالية فحينئذ ما لم يذكروا على صحتها دليلاً تصير هذه المقدمة يقينية وأيضاً فكما أنا لا نعقل مرئياً في الشاهد إلا إذا كان مقابلاً أو في حكم المقابل للرائي فكذلك لا نعقل مرئياً إلا إذا كان صغيراً أو كبيراً أو ممتداً في الجهات أو مؤتلفاً من الأجزاء وهم يقولون إنه تعالى يرى لا صغيراً ولا كبيراً ولا ممتداً في الجهات والجوانب والأحياز فإذا جاز لكم أن تحكموا بأن الغائب مخالف للشاهد في هذا الباب فلم لا يجوز أيضاً أن يقال إن المرئي في الشاهد وإن وجب كونه مقابلاً للرائي إلا أن المرئي في الغائب لا يجوز أن يكون كذلك والكلام على ما ذكره من وجوه
أحدها أن ما ذكره عن المعتزلة والكرامية ليس هو قولهم فقط بل قول عامة طوائف بني آدم من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والمشركين والصابئين وهو قول جماهير مثبتي الصفات ونفاتها ولا يعرف القول بإثبات الرؤية مع نفي كون الله تعالى فوق العالم إلا عن هذه الشرذمة وهم بعض أتباع الأشعري ومن وافقهم وليس ذلك قول أئمتهم كما يقول هؤلاء وإن كانوا هم وغيرهم يقولون إن في كلام أئمتهم تناقضاً أو اختلافاً فقد قدمنا أن تناقض من كان إلى الإثبات أقرب هو أقل من تناقض من كان إلى النفي أقرب وقد قدمنا أن العلم بأنه فوق العالم أعظم من العلم بأنه يرى فعلم ذلك بالعقل أعظم في الطريقة البديهية والقياسية وعلم ذلك بالسمع أعظم لما في الكتاب والسنة من الدلالات الكثيرة التي لا يحيها إلا الله تعالى على أن الله فوق ولهذا تجد هؤلاء الذين يثبتون الرؤية دون العلو عند تحقيق الأمر منفقين لأهل السنة والإثبات يفسرون الرؤية التي يثبتونها بنحو ما يفسرها به المعتزلة وغيرهم من الجهمية فهم ينصبون الخلاف فيها مع المعتزلة ونحوهم ويتظاهرون بالرد عليهم
وموافقة أهل السنة والجماعة في إثبات الرؤية وعند التحقيق فهم موافقون للمعتزلة إنما يثبتون من ذلك نحو ما أثبته المعتزلة من الزيادة في العلم ونحو ذلك مما يقوله المعتزلة في الرؤية أو يقول قريباً منه ولهذا يعترف هذا الرازي بأن النزاع بينهم وبين المعتزلة في الرؤية قريب من اللفظي فعلم أن هؤلاء حقيقة باطنهم باطن المعتزلة الجهمية المعطلة وإن كان ظاهرهم ظاهر أهل الإثبات كما أن المعتزلة عند التحقيق حقيقة أمرهم أمر الملاحدة نفاة الأسماء والصفات بالكلية وإن تظاهروا بالرد عليهم والملاحدة حقيقة أمرهم حقيقة من يجحد الصانع بالكلية هذا لعمري عند التحقيق وأما عوام الطوائف وإن كان فيهم فضيلة وتميز فقد يجمعون بين المتناقضات تقليداً وظناً ولذا لا يكونون جاحدين وكافرين مطلقاً لأنهم يثبتون من وجه وينفون من وجه فيجمعون بين النفي والإثبات قال الأشعري في الإبانة باب الرد على الجهمية
نفيهم علم الله وقدرته قال الله تعالى أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النسا 166] وقال سبحانه وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ [فصلت 47 فاطر 11] وذكر العلم في خمسة مواضع من كتابه فقال سبحانه فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللهِ [هود 14] وقال سبحانه وتعالى وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَاّ بِمَا شَاء [البقرة 255] وذكر تعالى القوة فقال أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فصلت 15] وقال سبحانه ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ {58} [الذاريات 58] وقال الله تعالى وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ [الذاريات 47] قال وزعمت الجهمية والدرية أن الله عز وجل لا علم له ولا حياة ولا سمع ولا بصر وأرادوا أن ينفوا أن الله عالم قادر حي سميع بصير فمنعهم من ذلك خوف السيف من إظهارهم ذلك فأتوا بمعناه لأنهم إذا قالوا لا علم ولا قدرة لله فقد قالوا ليس بعالم ولا قادر ووجب ذلك عليهم إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل لأن الزنادقة قال كثير منهم ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير فلم تقدر المعتزلة أن تفصح
بذلك فأتوا معناه وقالت إن الله عالم قادر حي سميع بصير من طريق التسمية من غير أن نثبت له علماً وقدرة وسمعاً وبصراً وهؤلاء الذين ذكر قولهم قالوا ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير وهؤلاء شر من الملاحدة الذين تقدم ذكرهم وحكاية الرازي قولهم الذين يقولون لا نقول موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل فإن أولئك امتنعوا من التسمية بالضدين لم ينفوا أن يكون هو تعالى في نفسه موصوفاً بأحدهما فهؤلاء الذين نفوا ذلك أعظم من أولئك وقد أخبر أن قول المعتزلة مأخوذ من هؤلاء وكذلك قال في كتاب المقالات لما قال وهذا ذكر اختلاف الناس في الأسماء والصفات فقال الحمد لله لذي بصرنا خطأ المخطئين وعمى العمين وحيرة المتحيرين الذين نفوا صفات الله رب العالمين وقالوا إنه جل ثناؤه وتقدست
أسماؤه لا صفات له وأنه علم له ولا قدرة له ولا حياة له وسمع له ولا بصر له ولا عز له ولا جلال له ولا عظمة له ولا كبرياء له وكذلك قالوا في سائر صفات الله التي يوصف لنفسه قال وهذا قول أخذوه عن إخوانهم من المتفلسفة الذين يزعمون أن للعالم صانعاً لم يزل ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا قديم وعبروا عنه بأن قالوا نقول عين لم يزل ولم يزيدوا على ذلك غير أن هؤلاء الذين وصفنا قولهم من المعتزلة في الصفات لم يستطيعوا أن يظهروا من ذلك ما كانت الفلاسفة تظهره فأظهروا أن يكون للباري علم وقدرة وحياة وسمع وبصر ولولا الخوف لأظهروا ما كانت الفلاسفة تظهره من ذلك ولأفصحوا به غير أن خوف السيف يمنعهم من إظهار ذلك قال وقد أفصح بذلك رجل يعرف بابن الأيادي كان ينتحل قولهم فزعم أن الباري تعالى عالم قادر سميع بصير في المجاز لا في الحقيقة ومنهم رجل يعرف بعباد بن سليمان يزعم أن الباري تعالى عالم قادر سميع بصير
حكيم جليل في حقيقة القياس قال وقد اختلفوا فيما بينهم اختلافاً تَشَتَّتَت فيه أهواؤهم واضطربت فيه أقاويلهم اهـ ثم ذكر بينهم نزاعاً كثيراً يس هذا موضعه وقال شيخ الإسلام أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري في كتاب ذم الكلام في آخره لما عقد باباً في ذكر
هؤلاء الأشعرية المتأخرين فقال باب في ذكر كلام الأشعري ولما نظر المبرزون من علماء الأمة إلا على التعطيل البحت وأن قطب مذهبهم ومنتهى عقيدتهم ما صرحت به رؤوس الزنادقة إنه تعالى في كل موضع وفي كل شيء وما استثنوا جوف كلب ولا جوف خنزير ولا حشا فراراً من الإثبات وذهاباً عن التحقيق وأن ولهم سميع بلا سمع بصير بلا بصر عليم بلا علم قادر بلا قدرة إله بلا نفس ولا شخص
ولا صورة ثم قالوا لا حياة له ثم قالوا لا شيء فإنه لو كان شيئاً لأشبه الأشياء حاولوا حول مقال رؤوس الزنادقة القدماء إذ قالوا الباري لا صفة له ولا لا صفة خافوا على قلوب ضعفاء المسلمين وأهل الغفلة وقلة الفهم منهم إذ كان ظاهر تعلقهم بالقرآن وإن كان اعتصاماً به من بالسيف واجتناباً به منه وإذ هم يرون التوحيد ويخاوضون المسلمين ويحملون الطيالسة فأفصحوا بمعائبهم وصاحوا بسوء ضمائرهم ونادوا على خبايا نكتهم فيا طول ما لقوا في أيامهم من سيوف الخلفاء وألسن العلماء وهجران الدهماء فقد شحنت كتاب تكفير الجهمية من مقالات علماء الإسلام
فيهم ودأب الخلفاء فيهم ودق عامة أهل السنة عليهم وإجماع المسلمين على إخراجهم من الملة ثقلت عليهم الوحشة وطالت عليهم الذلة وأعيتهم الحيلة إلا أن يظهروا الخلاف لأوليهم والرد عليهم ويصبغوا كلامهم صبغاً يكون ألواح للأفهام وأنجع في العوام من أساس أوليهم تحدوا بذلك المساع وليتخلصوا من خزي الشناعة فجاءت بمخازيق تراءى للعين بغير ما في الحشايا ينظر الناظر الفهم في جذرها فيرى مخ الفلسفة يكسي لحاء السنة وعقد الجهمية وينحل ألقاب الحكمة يردون على اليهود قولهم يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة 64] فينكرون الغل وينكرون اليد فيكونون أسوأ حالاً من اليهود لأن الله سبحانه أثبت الصفة ونفى العيب واليهود
أثبتت الصفة وأثبتت العيب وهؤلاء نفوا الصفة كما نفوا العيب ويردون على النصارى في مقالتهم في عيسى وأمه فيقولون لا يكون في المخلوق غير المخلوق فيبطلون القرآن فلا يخفى على ذوي الألباب أن كلام أولهم وكلام آخرهم كخيط السحارة فاسمعوا الآن يا ذوي الألباب وانظروا ما فضل هؤلاء على أولئك أولئك قالوا قبح الله مقالهم إن الله موجود بكل مكان وهؤلاء يقولون ليس هو في مكان ولا يوصف بأين وقد قال المبلغ صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل لجارية معاوية بن الحكم رضي الله عنه أين الله وقالوا هو من فوق كما هو من تحت لا ندري أين هو ولا يوصف بمكان فليس هو في السماء وليس هو في الأرض وأنكروا
الجهة والحد وقال أولئك ليس له كلام إنما خلق كلاماً وهؤلاء يقولون تكلم مرة فهو متكلم به منذ تكلم لم ينقطع الكلام ويوجد كلامه في موضع ليس هو به ثم يقولون ليس هو في مكان ثم قالوا ليس له صوت ولا حروف وقالوا هذا زاج وورق وهذا صوف وخشب وهذا إنما قصد به النفس وأريد به التفسير وهذا صوت القاري أما ترى أن منه حسناً غير حسن وهذا لفظه أو ما تراه مجازاً به حتى قال رأس من رؤوسهم أو يكون قرآن من
لبد وقال الآخر من خشب فراوغوا فقالوا هذا حكاية عبر بها عن القرآن والله تكلم مرة ولا يتكلم بعد ذلك ثم قالوا غير مخلوق ومن قال مخلوق كافر وهذا من فخوخهم يصطادون به قلوب عوام أهل السنة وإنما اعتقادهم أن القرآن غير موجود لفظية الجهمية الذكور بمرة والجهمية الإناث بعشر مرات
وأولئك قالوا لا صفة وهؤلاء يقولون وجه كما يقال وجه النهار ووجه الأمر ووجه الحديث وعين كعين المتاع وسمع كأذن الجدار وبصر كما يقال جداران هما يتراءيان ويد كيد المنة والعطية والأصابع كقولهم خراسان بين أصبعي الأمير والقدمان كقولهم جعلت الخصومة تحت قدمي والقبضة كما قيل فلان في قبضتي أي أنا أملك أمره وقال الكرسي العلم والعرش الملك والضحك والرضى والاستواء والاستيلاء والنزول القبول والهرولة مثله شبهوا من وجه وأنكروا من وجه وخالفوا السلف وتعدوا الظاهر فردوا الأصل ولم يثبتوا شيئاً ولم يبقوا موجوداً ولم يفرقوا بين التفسير والعبارة بالألسنة فقالوا لا نفسرها نجريها عربية كما وردت وقد تأولوا تلك التأويلات الخبيثة وأرادوا بهذه المخرقة أن يكون عوام المسلمين أبعد غياباً عنها وأعيا ذهاباً منها ليكونوا أوحش عند ذكرها وأشمس عند
سماعها وكذبوا بل التفسير أن يقال وجه ثم لا يقال كيف وليس كيف في هذا الباب من مقال المسلمين فأما العبارة فقد قال الله تعالى وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [المائدة 64] وإنما قالوها هم بالعبرانية فحكاها عنهم بالعربية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب كتابه بالعبرانية فيها أسماء الله وصفاته فيعبر بالألسنة عنها ويكتب إليه بالسريانية فيعبر له زيد بن ثابت رضي الله عنه بالعربية والله تعالى يدعى بكل لسان باسمه فيجيب ويحلف بها فيلزم وينشد فيجاز ويوصف فيعرف ثم قالوا ليس ذات الرسول صلى الله عليه وسلم بحجة وقالوا ما هو بعدما مات بمبلغ فلا يلزم به الحجة فسقط من أقاويلهم
على ثلاثة أشياء أنه ليس في السماء رب وفي الروضة رسول ولا في الأرض كتاب كما سمعت يحيى بن عمار يحكم به عليهم وإن كانوا يموهونها وورّوا عنها واستوحشوا من تصريحها فإن حقائقها لازمة لهم وأبطلوا التقليد فكفَّروا آباءهم وأمهاتهم وأزواجهم وعوام المسلمين وأوجبوا النظر في الكلام واضطروا إليه الدين بزعمهم فكفَّروا السلف وقالت طائفة منهم الفرض لا يتكرر فأبطلت الشرائع
وسموا الإثبات تشبيهاً فعابوا القرآن وضللوا الرسول فلا تكاد ترى منهم رجلاً ورعاً ولا للشريعة معظماً ولا للقرآن محترماً ولا للحديث موقراً وسلبوا التقوى ورقة القلب وبركة التعبد ووقار الخشوع واستفضلوا الرسول فانظر فلا هو طالب آثاره ولا تتبع أخباره ولا يناضل عن سننه ولا هو راغب في أسوته يتقلب بمرتبة العلم وما عرف حديثاً واحداً تراه يهزأ بالدين ويضرب له الأمثال ويتلعب بأهل السنة ويخرجهم أصلاً من العلم تنفر لهم عن بطانة إلا خانتك ولا عن عقيدة إلا رابتك وألبسوا ظلمة الهوى وسلبوا هبة الهدى فتنبو عنهم الأعين وتشمئز منهم القلوب قال وقد شاع في المسلمين أن رأسهم علي بن إسماعيل الأشعري كان لا يستنجي ولا يتوضأ ولا يصلي وقد سمعت محمداً العمري النسابة أبا المعالي
يقول سمعت أبا الفضل الحارثي القاضي بسرخس يقول سمعت زاهراً بن أحمد يقول أشهد لما مات أبو الحسن الأشعري متحيراً بسبب مسألة تكافؤ الأدلة فلا جزى الله امرءاً أناط مخاريقه بمذهب الإمام المطلبي رحمه الله تعالى وكان من أبر خلق الله قلباً وأصونهم سمتاً وأهداهم هدياً وأعمقهم علماً وأقلهم تعمقاً وأوقرهم للدين وأبعدهم من التنطع وأنصحهم لخلق الله جزاه خيراً قال فرأيت قوماً منهم يجتهدون في قراءة القرآن وحفظ حروفه والإكثار من ختمه ثم اعتقاده فيه ما قد بيناه اجتهاد روغان كالخوارج وذكر بإسناده من حديث سفيان الثوري
عن الصلت بن بهرام عن المنذر بن هوذة عن خرشة ابن الحر أن حذيفة بن اليمان قال إنا آمنا ولم نقرأ وسيجيء قوم يقرؤون القرآن ولا يؤمنون وبإسناده من حديث زيد بن أبي أنيسة عن القاسم بن
عوف قال سمعت ابن عمر يقول لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا يؤتي الإيمان قبل القرآن وبإسناده من حديث إسماعيل ب مهاجر عن أبيه عن ابن عمر قال إنا كنا صدور هذه الأمة وكان الرجل من خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصالحيهم وما يقيم إلا سورة من القرآن أو شبه ذلك وكان القرآن قد ثقل عليهم رزقوا علماً به وعملاً
وأن آخر هذه الأمة يخفف عليهم القرآن حتى يقرأه الصبي والعجمي لا يعلمون شيئاً منه قلت ومثل ذلك معروف عن جندب بن عبد الله البجلي أنه قال أوتينا الإيمان قبل أن نقرأ القرآن ثم أوتينا القرآن فازددنا إيماناً وإنكم تأتون القرآن قبل الإيمان فتوسل أحدكم
وهذا الرازي لما ذكر مسألة الرؤية في نهايته وذكر فيها حجج النفاة والمثبتة كان ما ذكره من حجج النفاة العقلية والسمعية أظهر مما ذكره من حجج المثبتة وهذه عادته في كثير من مناظرته يحتج بالباطل من السفسطة وفروعها بما لا يحتج بمثله للحق وقال في مسألة الرؤية بعد أن ذكر مسالكها العقلية فظهر من مجموع ما ذكرناه أن الأدلة العقلية ليست قوية في هذه المسألة قال واعلم أيضاً أالتحقيق في هذه المسألة أن الخلاف فيها يقرب أن يكون لفظياً وسنبينه إن شاء الله تعالى الوجه الثاني أن هذا الرجل قد اعترف هو ومن يوافقه أن الرؤية التي دل عليها الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة بل الإدراك المنفي عن الله في قوله لَاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام 103] يدل على أن الله تعالى في الجهة وذلك يقتضي دلالة الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة على شيئين على رؤية الله تعالى وعلى أنه في الجهة وذكر اعتراف فضلاء المعتزلة بأن النبيين كانوا يعتقدون ذلك
أما الأول فإنه لما ذكر الحجج السمعية التي للمعتزلة على نفي الرؤية قال وهذه الشبه أربع الأولى وهي الأقوى التمسك بقوله تعالى لَاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ قال واعلم أن هذه الآية تارة يتمسكون بها على أنه تعالى لا يُرى بالأبصار في الدنيا ولا في الآخرة وتارة على استحالة كوننا رائين له أما الوجه الأول فإنما يتم بإثبات أمور أربعة أحدها أن إدراك البصر هو الرؤية قال ويدل عليه أمران أحدهما أنه لا فرق في اللغة بين أن رأيت فلاناً ببصري وبين أن يقال أدركته ببصري كما لا فرق بين أن يقال أدركته بأذني وسمعته بأذني وثانيهما أن أهل اللسان فهموا من هذه الآية نفي الرؤية وذلك يدل على أن العرب يستعملوا إدراك البصر بمعنى الرؤية
وروي عن عائشة لما بلغها أن كعباً قال إن محمداً رأى ربه أنكرت ذلك وقالت ثلاث من حدثك بهن فقد كذب من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله قال تعالى لَاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام 103] قال وروي عن ابن عباس مثل ذلك ثم قال في الجواب عن هذا لا نسلم أن إدراك البصر عبارة عن نفس الرؤية بيانه هو أن الإدراك غير موضوع بالحقيقة للرؤية أصلاً لكنه مستعمل في رؤية الشيء المحدود بطريق المجاز ومتى كان كذلك لم يلزم من الآية هاهنا نفي الرؤية وإنما قلنا إن
الإدراك غير موضوع للرؤية حقيقة لأن لفظ الإدراك حقيقة في غير الرؤية فوجب أن يكون حقيقة في الرؤية وإنما قلنا إن الإدراك غير حقيقة في الرؤية لأنها حقيقة في اللحوق والبلوغ سواء كان في المكان كما في قوله تعالى قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ {61} [الشعراء 61] أو في الزمان كما يقال أدرك قتادة الحسن أو في صفة وحالة كما يقال أدرك الكلام وأدركت الثمرة إذا نضجت وأيضاً فإنه يقال أدركت ببصري حرارة الليل وإن كانت الحرارة لا ترى فعلمنا أن الإدراك حقيقة في غير الرؤية فوجب أن لا يكون حقيقة في الرؤية لئلا يؤدي إلى الاشتراك الذي هو خلاف الأصل وإنما قلنا إن الإدراك لا يستعمل مجازاً إلا في رؤية الشيء المتناهي لوجهين أحدهما أنا لما أبصرنا الشيء المتناهي فكان البصر على بعده من ذلك المرئي يتناوله ولم يتناوله غيره فجرى ذلك مجرى من قطع المسافة إلى شيء حتى بلغه ووصل إليه فلما توهم في هذا النوع من الإبصار معنى اللحوق سمي إدراكاً فأما إدراكنا لشيء الذي لا يكون في جهة أصلاً فإنه لا يتحقق فيه معنى البلوغ فلا جرم
لا يسمى إدراكاً الثاني أن الاسم إنما يوضع لما يكون معلوماً للواضع والعرب ما كانوا يتصورون إلا رؤية الشيء المحدود أما عند الخصم فلأن الرؤية لا على هذا الوجه مستحيلة وأما عندنا فإنه وإن أمكن ألا يكون كذلك لكنه ما كان معلوماً للعرب ولا متصوراً لهم وإذا ثبت ذلك ثبت أنهم لم يستعملوا الإدراك إلا لرؤية الشيء الذي في جهة فثبت بما ذكرناه أن الإدراك لو أفاد الرؤية لأفاد رؤية الشيء المتناهي وهذا هو المراد من قول قدماء الأصحاب الإدراك هو الإحاطة بالمرئي وإذا ثبت أن الإدراك لا يفيد إ رؤية مخصوصة لم يلزم من نفي الإدراك نفي مطلق الرؤية لأنه لا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم وأما قوله العرب لا تفرق بين الرؤية وبين الإدراك
قلنا إن ادعيتم ذلك في مطلق الرؤية فهو ممنوع ودليله ما مضى وإن ادعيتم ذلك في رؤية مخصوصة فهو مسلم ولا يضرنا قوله أهل اللسان فهموا من هذه الآية نفي الرؤية فدل على أن إدراك البصر هو الرؤية قلنا وقد نقل أيضاً أن كثيراً من السلف فهموا الرؤية من قوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ {22} إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ {23} [القيامة 22-23] مع أن النظر عندكم ليس هو الرؤية وكذلك هاهنا قلت فقد أخبر أن العرب ما كانوا يتصورون إلا رؤية الشيء المحدود وأن رؤية ما ليس في الجهة لم يكن معلوماً لهم ولا متصور لهم وإذا كان كذلك وقد ثبت في النصوص المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنكم سترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته وقال أيضاً إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب وكما ترون القمر صحواً ليس دونه سحاب وثبت اتفاق سلف الأمة على أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة وقد أخبر أن العرب المخاطبين بهذا
الكلام لم يكونوا يتصورون من ذلك إلا رؤية ما كان في الجهة وأن ما سوى ذلك لم يكن معلوماً ولا متصوراً لهم من لفظ الرؤية ومع هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم وأهل الإجماع من الصحابة والتابعين أخبروا الخلق بأنهم يرون ربهم ولم يقولوا برؤية في غير جهة ولا ما يؤدي هذا المعنى بل قال كما ترون الشمس والقمر فمثل رؤيته بالرؤية لما هو في جهة علم بالاضطرار أن الرؤية التي تدل عليها نصوص الرسول وإجماع السابقين هي الرؤية التي كان الناس يعرفونها وهي لما يكون في الجهة وهذا بين وأيضاً فقد أخبر أن ما لا يكون في جهة تسمى رؤيته إدراكاً وأن لفظ الإدراك إذا أريد به الرؤية فهي رؤية مخصوصة وهي رؤية المتناهي الذي يكون في جهة فأما الشيء الذي لا يكون في جهة فلا تسمى رؤيته إدراكاً وإذا كان كذلك فيكون قوله تعالى لَاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ أي متناهياً لا تحيط به ولا تدركه متناهياً محدوداً وهذا الذي ذكره جيد وإن كان لم يستوف حجته فإن أئمة السلف بهذا فسروا الآية وما ذكرته المعتزلة عن ابن عباس أنه تأول الآية على نفي الرؤية كذب على ابن عباس بل قد ثبت عنه بالتواتر أنه كان يثبت رؤية
الله وفسر قوله تعالى لَاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ بأنها لا تحيط وضرب المثل بالسماء فقال ألست ترى السماء فقال بلى فقال أكلها ترى فقال لا قال فالله أعظم وإذا كان كذلك فمعلوم أن الله نفى إدراك الأبصار له ولم ينف إدراكه هو لنفسه ولم ينف مطلق الرؤية فلو كان هو في نفسه بحيث تمتنع رؤيته مطلقاً ليس الممتنع الإحاطة دون الرؤية التي ليست بإحاطة لم ينف هذا الخاص وهو الإدراك من الأبصار دون إدراكه هو ودون رؤية الأبصار لأن نفي العام يستلزم نفي الخاص ونفي الخاص لا يستلزم نفي العام بل يقتضي جواز الخاص أو إبهامه لأن المدح بنفي الخاص مع كونه منتفياً لا يحسن كما لا يحسن أن يقال لا يقدر بنو آدم على إفناء جميعه أو لا يقدرون على إفناء ذاته وصفاته فإن هذا غير مقدور لا لبني آدم ولا لغيرهم بل هو ممتنع في نفسه وكذلك لا يقال الآدميون لا يقدرون على إعدامه أو إماتته أو على سلب قدرته وعلمه ونحو هذا لأن هذه الأمور ممتنعة في
نفسها لا يختص بنو آدم بنفي الاقتدار عليها بل تخصيصهم بذلك يوهم أنه هو يقدر على ذلك وهذا كلام باطل فإن هذا ليس بشيء أصلاً حتى تكون رؤية الله عند النفاة هي من باب الممتنعات مثل عدمه وموته وإحداثه ونحو ذلك ولو كان كذلك لم يحسن نفي هذا عن أبصار العباد كما لا يحسن مدحه بأن العباد لا يعدمونه ولا يميتونه بل تخصيصهم بنفي إدراك أبصارهم له يقتضي أنه هو يدرك نفسه وإذا كان كذلك فإن لفظ الإدراك يقتضي الرؤية الخاصة لمن يكون في جهة علم أن الآية دلت على أنه كذلك وأما ما ذكره عن فضلاء المعتزلة فإنه أورد سؤال أبي الحسين البصري وأتباعه وهو أن موسى عليه السلام يجوز أن يكون عالماً باستحالة الرؤية وقال في الجواب قوله لِمَ لا يجوز أن يقال إن موسى عليه السلام كان جاهلاً باستحالة الرؤية عليه قلنا لوجوه ثلاثة الأول الإجماع على أن علم الأنبياء بالله وصفاته أتم من علم غيرهم بذلك ف يشك أحد أن دعوى الإجماع في ذلك أظهر من دعوى إجماع الصحابة على العمل بالقياس وأخبار
الآحاد فإذا خصنا هذه الأصول بالإجماع فلأن يتمسك بالإجماع هاهنا أولى الثاني أن قبل ظهور أبي الحسين لم ينسب أحد من الأئمة موسى عليه السلام إلى الجهل بل الناس كانوا بين المعترف بصحة الرؤية وبين المنكر لها متأولين لهذه الرؤية إما على سؤال رؤية الآية أو على أنه عليه السلام سأل الرؤية لقومه وإذا كان كذلك كان أبو الحسين مسبوقاً بهذا الإجماع فيكون سؤاله مردوداً الثالث وهو أن أبا الحسين يدعي العلم الضروري بأن المرئي يجب أن يكون مقابلاً للرائي أو لآلة الرؤية والعلم الضروري حاصل بأن ما كان مقابلاً للجسم فهو مختص بجهة وتحيز فهذان العلمان الضروريان إن كانا حاصلين لموسى عليه السلام فيلزم من اعتقاد صحة رؤية الله اعتقاده لكونه جسماً متحيزاً قال وذلك ما لا يجوز بالاتفاق على الأنبياء عليهم السلام لأن تجويزه يمنع من العلم بحكمته عند أبي الحسين وإذا لم يحصل عنده العلمان الضروريان كان ذلك قادحاً في كونه عليه الصلاة والسلام عاقلاً وذلك لا يقوله عاقل فضلا عن
المسلم اهـ قلت فهذا الذي ذكره عن أبي الحسين وأتباعه وهم فضلاء المعتزلة قد تضمن أن موسى عليه السلام سأل الله أن يراه بالبصر وهم يقولون يعلم العاقل بالضرورة أن المرئي لا يكون إ في جهة ويعلم العاقل بالضرورة أنه لا يكون في الجهة إلا الجسم المتحيز وذلك يقتضي أن موسى عندهم كان يعتقد أن الله في جهة وأنه جسم وأما قول هذا بالاتفاق لا يجوز أي بالاتفاق بينه وبين الشيخ أبي الحسين لكن هذا الاتفاق ليس بحجة بالإجماع الوجه الثالث أن كون الرؤية مستلزمة لأن يكون الله بجهة من الرائي أمر ثبت بالنصوص المتواترة ففي الصحيحين وغيرهما الحديث المشهور عن الزهري قال أنا سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد
الليثي أن أبا هريرة أخبرهما أنا الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا قال فهل تمارون في رؤية القمر ليس دونه سحاب قالوا لا يا رسول الله قال فإنكم ترونه كذلك وذكر الحديث بطوله قال أبو سعيد أشهد لحفظته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا هو في الصحيحين من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن
يسار عن أبي سعيد قال قلنا يا رسول اله هل نرى ربنا قال هل تضارون في رؤية الشمس إذا كان صحواً قلنا لا يا رسول الله قال فهل تضارون من رؤية القمر ليلة البدر إذا كان صحواً قلنا لا قال فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤيتهما وساق الحديث بطوله وفي صحيح مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال قال ناس يا رسول الله أنرى ربنا يوم القيامة قال فهل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة ليست في سحاب قالوا لا قال فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحاب قالوا لا قال والذي نفسي بيده لا تضارون في رؤيته إلا كما تضارون في رؤية أحدهما وذكر الحديث بطوله فهذا فيه مع إخباره أنهم يرونه إخبارهم أنه يرونه في جهة منهم من وجوه
أحدها أن الرؤية في لغتهم لا تعرف إلا لرؤية ما يكون بجهة منهم فأما رؤية ما ليس في الجهة فهذا لم يكونوا يتصورونه ولا يعرفونه فضلاً عن أن يكون اللفظ يدل عليه كما قد اعترف هو بذلك فيما تقدم وهو أيضاً فإنك لست تجد أحداً من الناس يتصور وجود موجود في غير جهة فضلاً عن أن يتصور أنه يرى فضلاً عن أن يكون اسم الرؤية المشهورة في اللغات كلها يدل على هذه الرؤية الخاصة الوجه الثاني أنه قال فإنكم ترون ربكم كما ترون الشمس صحواً وكما ترون القمر صحواً فشبه هم رؤيته برؤية الشمس والقمر وليس ذلك تشبيهاً للمرئي بالمرئي ومن المعلوم أنه إذا كانت رؤيته مثل رؤية الشمس والقمر وجب أن يرى في جهة من الرائي كما أن رؤية الشمس والقمر كذلك فإنه لو لم يكن كذلك لأخبرهم برؤية مطلقة نتأولها على ما يتأول من يقول بالرؤية في غير جهة أما بعد أن يستفسرهم عن رؤية الشمس صحواً ورؤية البدر صحواً ويقو إنكم ترون ربكم كذلك فهذا لا يمكن أن يتأول على الرؤية التي يزعمونها فإن هذا اللفظ لا يحتملها لا حقيقة ولا مجازاً
الوجه الثالث أنه قال هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب وهل تضارون في القمر ليس دونه سحاب فشبه رؤيته برؤية أظهر المرئيات إذا لم يكن ثَمَّ حجاب منفصل عن الرائي يحول بينه وبين المرئي ومن يقول إنه يرى في غير جهة يمتنع عنده أن يكون بينه وبين العباد حجاب منفصل عنهم إذ الحجاب لا يكون إلا لجسم ولما يكون في جهة وهم يقولون الحجاب عدم خلق الإدراك في العين والنبي صلى الله عليه وسلم مثَّل رؤيته برؤية هذين النورين العظيمين إذا لم يكن دونها حجاب الوجه الرابع أنه أخبر أنهم لا يضارون في رؤيته وفي حديث آخر لا يضامون ونفي الضير والضيم أن ما يكون لإمكان لحوقه للرائي ومعلوم أن ما يسمونه رؤية وهو رؤية ما ليس بجهة من الرائي لا فوقه ولا في شيء من جهاته لا يتصور فيها ضير ولا ضيم حتى ينفي ذلك بخلاف رؤية ما يواجه الرائي ويكون فوقه فإنه قد يلحقه فيه ضيم وضير إما بالازدحام عليه أو كلال البصر لخفائه كالهلال وإما لجلائه كالشمس والقمر ومثل هذا الحديث المشهور حديث قيس بن أبي حازم
عن جرير بن عبد الله البجلي قال كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر قال إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا لا تضارون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها وقرأ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وهذا لفظ البخاري في بعض طرقه وفيه زيادة لفظ عياناً وإلا فبقية ألفاظ الحديث مستفيضة في الصحيحين وغيرهما وفي الصحيحين من حديث يحيى بن سعيد وثنا سعيد بن أبي عروبة ثنا
قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيلهمون ذلك فيقولون لو استشفعنا على ربنا فأراحنا من مكاننا هذا فيأتون آدم فذكر الحديث إلى أن قالوا ائتوا محمداً عبداً قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيأتوني حتى أستأذن على ربي فيؤذن لي فإذا رأيت ربي وقعت أو خررت ساجداً لربي فيدعني ما يشاء الله أن يدعني ثم يقال لي ارفع محمد قل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه الله ثم أشفع فيحدّ لي حداً فأدخلهم الجنة ثم أعود إليه الثانية فإذا رأيت ربي عز وجل وقعت أو خررت ساجداً فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال لي ارفع رأسك قل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة ثم أعود إليه الثالثة فإذا رأيت ربي وقعت أو خررت ساجداً لربي فيدعني ما شاء الله أن يدعني فذكر الحديث
فكون الرائي وهو النبي صلى الله عليه وسلم يراه والرائي في مكان ولا يراه والرائي في مكان آخر ويعود إلى ذلك المكان دليل على أن المرئي يرى والرائي في مكان ولا يرى إذا كان الرائي في مكان آخر وهذا الاختصاص لا يكون إلا بما يكون بجهة من الرائي بخلاف ما يسمونه رؤية فإنها من جنس العلم اختصاص لها بكون الرائي في مكان دون مكان وأيضاً ففي الصحيحين عن أبي عمران الجوني عن أبي
بكر بن عبد الله بن قيس وهو ابن أبي موسى الأشعري عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن فأخبر أنهم لا يمنعهم من النظر إلا ما على وجهه رداء الكبرياء ومن يقول إنه يرى لا في جهة عنده ليس المانع إلا كون الرؤية لم تخلق في عينه لا يتصور عنده أن يحجب الرائي شيء منفصل عنه أصلاً سواء فسر رداء الكبرياء بصفة من صفات الرب أو بحجاب منفصل عن الرب فعلى التقديرين لا يتصور عند هؤلاء أن يكون ذلك مانعاً من الرؤية ولا يمنع من رؤية الله عندهم إ ما يكون في نفس الرائي وكذلك قوله في جنة عدن سواء كانت ظرفاً له أو للرداء فعلى التقديرين
يخالف مذهب هؤلاء وأيضاً ففي صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه قال فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ويزحزحنا عن النار ويدخلنا الجنة قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئاً هو أحب إليهم ما هو فيه ثم قرأ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس 26] فأخبر أنه
يكشف الحجاب فينظرون إليه ومن يقول يرى لا في جهة لا يقول إن بينه وبين الخلق حجاباً ولا يتصور أن يحتجب عن الخلق وأن يكشف الحجاب وقد صرحوا بذلك كله قالوا لأن ذلك كله من صفة الجسم المتحيز فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بذلك علم أنه يرى في الجهة وليست الرؤية التي أخبر بها ما يزعمونه من الأمر الذي لا يعقل ينافقون فيه أهل الإيمان وعن شعبة بن يعلى بن عطاء عن وكيع بن حدس
عن أبي رزين قال قلت يا رسول الله أنرى ربنا يوم القيامة قال نعم قال وما آية ذلك في خلقه قال أليس كلكم ينظر إلى القمر ليلة البدر وإنما هو خلق من خلق الله الله أعظم وأجل وفي رواية حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع ابن حدس عن عمه أبي رزين قال قلت يا رسول الله كلنا نرى الله يوم القيامة وما آية ذلك في خلقه قال يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر مخلياً قلت بلى قال والله أعظم وذلك آيته في خلقه رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه ولفظ أبي داود قلت يا رسول الله كلنا يرى ربه وفي رواية له مخلياً به يوم القيامة وما آية ذلك في خلقه قال يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر وفي رواية له ليلة البدر مخلياً به قلت بلى قال والله أعظم قال الخلال سمعت أبا
سعيد المصيصي الفقيه قال قال أبو صفوان رأيت
المتوكل في النوم وبين يديه نار مؤججة عظيمة فقلت يا أمير المؤمنين لمن هذه النار فقال هذه لابني المنتصر لأنه قتلني وتدري لِمَ قتلني لأني حدثته أن الله يرى في الآخرة قال أبو سعيد فقال إبراهيم الحربي هذه رؤيا حق وذلك أن المتوكل كتب حديث حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع ابن حدس بيده عن عبد الأعلى وقال لا أكتبه إلا بيدي فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يرى يوم القيامة لما سأله وسأله عن آية ذلك في خلقه والآية العلامة والدلالة وهو ما يعلم به ويدل على جواز ذلك فذكر له النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل بطريق القياس
التنبيه والأولى وقد قدمنا غير مرة أن مثل هذا القياس في قياس الغائب على الشاهد هو مما ورد في الكتاب والسنة فقال أليس كلكم يرى القمر مخلياً به ليلة البدر قال فالله أعظم وأجل وقال إنما هو خلق من خلق الله وذلك آيته في خلقه وإثباته صلى الله عليه وسلم جواز الرؤية لجميع الخلق في وقت واحد وكل منهم يكون مخلياً به بالقياس على رؤية القمر مع قوله والله أعظم وأجل دليل واضح على أن الناس يرونه مواجهة عياناً يكون بجهة منهم وأنه إذا أمكن في بعض مخلوقاته أنه يراه الناس في وقت واحد كلهم يكون مخلياً به فالله أولى أن يمكن ذلك فيه فإنه أعظم وأجل الوجه الرابع أن كون الله يرى بجهة من الرائي ثبت بإجماع السلف والأئمة مثل ما روى اللالكائي عن علي بن
أبي طالب أنه قال إن من تمام دخول الجنة والنظر إلى الله في جنته وعن عبد الله بن مسعود أنه قال في مسجد الكوفة وبدأ باليمين قبل الحديث فقال والله ما منكم من إنسان إلا أن ربه سيخلو به يوم القيامة كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر قال فيقول ما غرك بي يا ابن آدم ثلاث مرات ماذا أجبت المرسلين ثلاثاً كيف علمت فيما علمت وعن أبي موسى الأشعري أنه كان يعلم الناس سنتهم ودينهم قال فشخصت أبصارهم أو قال حرفوها عنه قال فما حرف أبصاركم عني قالوا الهلال أيها الأمير قال فذاك أشخاص أبصاركم عني قالوا نعم قال فكيف إذا رأيتم الله جهرة
وعن معاذ بن جبل قال يحبس الناس يوم القيامة في صعيد واحد فينادي أين المتقون فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب منهم ولا يستتر قلت من المتقون قال قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة
وروى اللالكائي عن ابن وهب قال سمعت مالك بن أنس يقول الناظرون ينظرون إلى الله عز وجل يوم القيامة بأعينهم وعن أشهب قال وسئل مالك عن قوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ {22} إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ {23} [القيامة 22-23] أينظر الله عز وجل قال نعم فقلت إن أقواماً يقولون ينظر ما عنده قال بل ينظر إليه نظراً وقد قال موسى قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن
تَرَانِي [الأعراف 143] وقال الله كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ {15} [المطففين 15] وعن مالك أنه قيل له إنهم يزعمون أن الله لا يرى فقال السيف السيف وقد تقدم كلام ابن الماجشون واحتجاجه أيضاً على الرؤية بحجابه للكفار وعن الأوزاعي أنه قال إني لأرجو أن يحجب الله جهماً
وأصحابه أفضل ثوابه الذي وعده أولياءه حين يقول وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ {22} إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ {23} [القيامة 22-23] فجحد جهم وأصحابه أفضل ثوابه الذي وعد أولياءه وعن الوليد بن مسلم قال سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس والليث بن سعد عن هذه الأحاديث
التي فيها الرؤية فقالوا أمِرّوها بلا كيف وعن الربيع قال حضرت الشافعي وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها ما تقول في قول الله كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ {15} قال الشافعي فلما أن حجب هؤلاء في السخط كان هذا دليلاً عن أنهم يرونه في الرضا قال لربيع قلت يا أبا عبد الله وبه تقول قال نعم وبه أدين الله لو لم يؤمن محمد بن إدريس أنه يرى الله لما عبد الله وعن عبد الله بن المبارك قال ما حجب الله عنه أحداً إلا عذبه ثم قرأ كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ {15} ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ {16} ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ {17} [المطففين 15-17] قال بالرؤية
وقال الشيخ أبو نصر السجزي في كتاب الإبانة له وأئمتنا رحمهم الله كسفيان الثوري ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد
وعبد الله بن المبارك وفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي متفقون على أن الله سبحانه وتعالى بذاته فوق عرشه وأن علمه بكل مكان وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش وأنه ينزل إلى سماء الدنيا وأنه يغضب ويرضى ويتكلم بما شاء فمن خالف شيئاً من ذلك فهو منهم بريء وهم منه برآء
وروى الخلال في كتاب السنة قال حدثنا أبو بكر المروذي قال سألت أبا عبد الله عن أحاديث الرؤية فصححها وقال قد تلقتها العلماء بالقبول لنسلم الخبر كما جاء وعن حنبل بن إسحاق قال سمعت أبا عبد الله يقول أدركنا الناس وما ينكرون من هذه الأحاديث شيئاً أحاديث الرؤية وكانوا يحدثون بها على الجملة يمرونها على حالها غير
منكرين لذلك ولا مرتابين وقال حنبل قال أبو عبد الله قال الله تعالى وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ [الشورى 51] فكلم الله موسى من وراء حجاب وقال رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قال الله تعالى لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف 143] فأخبر الله تعالى أن موسى عليه السلام يراه في الآخرة وقال عز وجل كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ {15} [المطففين 15] ولا يكون حجاب إلا لرؤية فأخبر الله أن من شاء الله ومن أراد يراه والكفار لا يرونه فقال حنبل في موضع آخر القوم يرجعون إلى التعطيل في
قولهم ينكرون الرؤية قال وسمعت أبا عبد الله يقول قال الله عز وجل وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ {22} إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ {23} [القيامة 22-23] قال أحاديث تروى في النظر حديث جرير عن عبد الله وغيره تنظرون إلى ربكم أحاديث صحاح وقال لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس 26] وهي النظر إلى الله عز وجل ثم قال أبو عبد الله نؤمن بها ونعلم أنها حق يعني أحاديث الرؤية ونؤمن أن الله يرى نرى ربنا يوم القيامة لا نشك فيه ولا نرتاب وسمعت أبا عبد الله يقول قالت الجهمية إن الله لا يرى في الآخرة ونحن نقول إن الله يرى لقوله عز وجل وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ {22} إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ {23} وقال الله تبارك وتعالى لموسى فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف 143] فأخبر الله أنه يرى وقال النبي صلى الله عليه وسلم وقال كلكم
يخلو به ربه وإن الله يضع كنفه على عبده فيسأله ما عملت هذه الأحاديث تروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تروى صحيحة وعن الله تبارك وتعالى أنه يرى في الآخرة وهذه أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مدفوعة والقرآن شاهد أن الله يرى في القيامة وقول إبراهيم لأبيه يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً {42} [مريم 42] فثبت أن الله يسمع ويبصر وقال الله تعالى يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى {7} [طه 7] وقال إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى {46} [طه 46] وقال أبو عبد الله فمن دفع كتاب الله ورده والأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
واخترع مقالة من نفسه وتأول برأيه فقد خسر خسراناً مبيناً وسمعت أبا عبد الله يقول من زعم أن الله لا يرى في الآخرة فقد كفر بالله وكذب بالقرآن ورد على الله أمره فيستتاب فإن تاب وإلا قتل الوجه الخامس أن أئمة هذا الرازي كالأشعري وغيره هو أيضاً ممن يثبت الرؤية والاحتجاب وأن الله فوق العرش قال الأشعري في مسألة العرش فقال سبحانه وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً {22} [الفجر 22] وقال عز وجل هَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ [البقرة 210] وقال سبحانه ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى {8} فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى {9} فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى {10} مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى {11} أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى {12} إلى قوله لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى {18} [النجم 8-18] وقال تعالى يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران 55] وقال سبحانه وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً {157} بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ [النساء 157-158] وأجمعت الأمة على أن الله عز وجل رفع عيسى إليه إلى السماء ومن دعاء المسلمين جميعاً إذا هم رغبوا إلى الله عز وجل في الأمر النازل بهم أنهم يقولون يا ساكن العرش ومن خلفهم لا والذي احتجب بسبع
سموات قال الحافظ أبو العباس وهذا مأخوذ من قوله إن الله خلق سبع سموات ثم اختار العليا فسكنها وقال عز وجل وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ [الشورى 51] وقد خصت الآية البشر دون غيرهم ممن ليس من جنس البشر ولو كانت الآية عامة للبشر وغيرهم لكان أبعد من الشبهة وإدخال الشك على من يسمع آية أن يقول ما كان لأحد أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيرفع الشك والحيرة من أن يقول ما كلن جنس من الأجناس أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل
رسولاً ويترك أجناساً لم يعمهم بالآية فيدل ما ذكرناه على أنه خص البشر دون غيرهم وقال عز وجل ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام 62] وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ [الأنعام 30] وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ [السجدة 12] وقال سبحانه وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الكهف 48] قال كل ذلك يدل على أن الله ليس في خلقه ولا خلقه فيه وأنه سبحانه مستوٍ على عرشه جل وعز عما يقول الظالمون علواً كبيراً جل عما يقول الذين لم يثبتوا له في وصفهم حقيقة ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانية إذ كان كلامهم يؤول إلى التعطيل وجميع أوصافهم تدل على النفي في التأويل يريدون بذلك التنزيه ونفي التشبيه فنعوذ بالله من تنزيه يوجب النفي والتعطيل قال الله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ [النور 35] فسمى نفسه نوراً والنور عند الأمة لا يخلو من أحد معنيين إما أن يكون نوراً يسمع أو نوراً يرى فمن
زعم أن الله يسمع ولا يرى كان مخطئاً في نفيه رؤية ربه وتكذيبه لكتابه وقول نبيه صلى الله عليه وسلم قال وروي عن عبد الله بن عباس أنه قال فكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فإن الله ما بين كرسيه إلى السماء ألف عام والله عز وجل فوق ذلك قال وروت العلماء أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن العبد لا تزول قدماه من بين يدي الله حتى يسأله عن ثلاث
وروت العلماء أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم بأمة سواء فقال يا رسول الله إني أريد أن أعتقها في كفارة فهل يجوز عتقها فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم أين الله فقالت في السماء وأومأت بيده إلى فوق فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك أعتقها فإنها مؤمنة قال وهذا يدل على أن الله على عرشه فوق السماء
فهذا كله من كلام الأشعري مثل احتجاجه بما ذكره عن المسلمين جميعاً من قولهم إن الله احتجب بسمع سموات على أنه فوق العرش وهو إنما احتجب عن أن يراه خلقه لم يحتجب عن أن يراهم هو فعلم أن هذا يحجب العباد عن رؤيته وهذا يقتضي أنهم يرونه برفع هذه الحجب وذلك يقتضي أنهم يرونه في الجهة فإن من يثبت رؤيته في غير جهة من الرائي لا يقول بجواز الحجب المنفصلة أيضاً كما تقدم وكذلك احتجابه بقوله وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ [الشورى 51] وأن الآية دلت على أن الله يحجب بعض المخلوقات دون بعض فعلم أنه لا يحتجب عن بعضهم واحتجاجه بذلك على أن الله فوق العرش يقتضي أن يحتجب عمن يراه ببعض مخلوقاته وهذا يستلزم أنه لا يرى إلا في جهة من الرائي وكذلك احتجاجه في مسألة العلو بأن الله نور وأن ذلك يقتضي أنه يرى ويقتضي أن رؤيته توجب علوه وكلام الأشعري في مسألة الرؤية والعلو يقتضي تلازمهما وهذا هو الذي ذكره هذا المؤسس عن الكرامية الوجه السادس أن هذا المؤسس ذكر في نهايته في مسألة الرؤية ما احتج به النفاة من الحجج العقلية والسمعية وذكر أن أعظم حججهم العقلية حجتان
أحدهما حجة الموانع قالوا لو صح منا رؤية الله في حال من الحالات لصح أن نراه الآن ولو صح أن نراه الآن لوجب أن نراه الآن لكنه لم يجب أن نراه الآن فلا يصح أن نراه في حال من الأحوال وإنما قلنا إنه لو صح أن نراه في حال من الأحوال لصح أن نراه الآن لأن كونه بحال يصح أن يرى حكم يثبت له إما لذاته وإما لبعض مل يلزم ذاته وعلى التقديرين فإنه يلزم من استمرار ذاته استمرار هذه الصحة وإنما قلنا إنه لو صح أن نراه الآن لوجب أن نراه الآن لأن الحاسة إن كانت صحيحة والمرئي يكون حاضراً ولا يكون على القرب القريب وعلى البعد البعيد ولا يكون في غاية الصغر واللطافة ويكون مقابلاً للرائي أو لآلة الرؤية أو لا تكون الحجب حائلة فإنه يجب حصول الرؤية إذ لو لم يجب
حصولها عند حصول هذه الأمور لجاز أن يكون بين أيدينا جبال شاهقة ونحن لا ندركها وذلك محال على ما سبق بيانه في مسألة الإدراك فإذا ثبت ذلك فهذه الشرائط لا يمكن اعتبارها في حق الله تعالى لأنها لا تعقل إلا في حق الأجسام أو ما يقوم بها وإذا لم يمكن اعتبار هذه الشرائط في حق الله لرؤيته وجب أن يكون مجرد سلامة الحس وكونه تعالى بحيث يصح رؤيته كافياً في حصول رؤيته فلزم أن تدوم رؤية أصحاب الحواس لله تعالى وذلك باطل بالضرورة فثبت أن القول بأن الله تعالى يصح أن يرى يفضي إلى الباطل وما يفضي إلى الباطل يكون باطلاً ثم قال في الجواب عما تمسكوا به أولاً أن نقول إن مدار هذه الشبهة على أن هذه الحاسة متى كانت سليمة وكان المرئي حاضراً والشرائط تكون حاصلة فإنه يجب حصوله هذه الرؤية قال ونحن قد بينا فيما مضى أن ذلك غير واجب بأدلة
عقلية قاطعة لا يرتاب العاقل فيها وأجبنا عن شكوكهم بأجوبة يقينية لا حاجة بنا إلى إعادتها وإذا كان كذلك سقطت هذه الشبهة وهذا الذي أحال عليه قد ذكره في مسألة السمع والبصر وهي مسألة الإدراك فذكر الفصل الأول في حقيقته ثم قال الفصل الثاني في كيفية حصول هذه المدركية زعمت المعتزلية أنه مهما كانت الحاسة سليمة والمرئي حاضراً ولا يكون على القرب القريب ولا على البعد البعيد ولا يكون صغيراً جداً ولا لطيفاً ولا يكون بين الرائي ولمرئي حجب كثيفة وكان المرئي مقابلاً للرائي أو في حكم المقابلة فعند اجتماع هذه الشرائط يجب حصول الإدراك وعندنا أن ذلك غير واجب وهو مذهب أبي الهذيل من المعتزلة ثم ذكر لهم حجتين ثم قال وأما المخالفون فلهم في هذه المسألة مقامان
تارة بدعوى الضرورة وتارة بدعوى الاستدلال أما الأول فتارة يدعون أن ذلك العلم الضروري حاصل للعقلاء بعد الاختبار ولا حاجة فيه إلى ضرب الأمثال وتارة يثبتون بالاستدلال أن ذلك معلوم بالضرورة وبسط كلامهم في ذلك ثم قال والجواب أن نقول إما أن تدعي الضروري بحصول الإدراك عند حضور هذه الأمور أو بعدمه عند عدمها والأول لا نزاع فيه والثاني فيه كل النزاع فإن زعمت أنا مكابرون في هذا الإنكار حلفنا بالأيمان المغلظة أنا لما رجعنا إلى أنفسنا لم نجد العلم بذلك أكثر من العلم باستمرار الأمور العادية التي توافقنا على جواز تغييرها عن مجاريها فهذا الجواب الذي ذكره يقتضي أنه وافق على أن العلم الضروري حاصل بوجود الرؤية عند وجود هذه الشرائط وهذا هو أول المسألة فإنه حكى عن المعتزلة أنه متى تجتمع هذه الشرائط يجب حصول الإدراك قال وعندنا أن ذلك غير واجب فإذا سلم أن العلم الضروري بحصول الإدراك عند حصول هذه الأمور لا نزاع فيه كان قد وافق على ما ذكر فيه
النزاع وإذا كان كذلك ظهر أن ما ذكره من الجواب في مسألة الرؤية وهو قوله إن مدار هذه الشبهة على أن هذه الحاسة متى كانت سليمة وكان المرئي حاضراً فإنه يجب حصول هذه الرؤية قال ونحن قد بينا فيما مضى أن ذلك غير واجب فيما مضى قد وافق فيه على وجوب الرؤية عند وجود الشروط لكن لم يوافق على وجوب عدمها عند عدم الشروط وإذا لم يذكر جواباً عن حجتهم إلا هذا وهذا ليس بجواب صحيح بقيت حجتهم على حالها وإذا كان كذلك لم يصح نفيه لما اتفقت عليه المعتزلة والكرامية الوجه السابع أنه ذكر الحجة الثانية لنفاة الرؤية وهي حجة المقابلة فقال وهي أن الواحد منا لا يرى إلا ما يكون مقابلاً للرائي أو لآلة الرائي والله تعالى أن يستحيل أن يكون كذلك فيستحيل أن يكون مرئياً لنا واحترزنا بقولنا أو لآلة الرائي عن رؤية الإنسان وجهه في المرآة أما المقدمة الأولى فهي من المعلوم الضرورية الحاصلة بالتجربة وأما المقدمة الثانية فمتفق عليها
ثم قال والجواب عما تمسكوا به ثانياً عن وجوه ثلاثة الأول ما بينا فيما مضى أن لمقابلة ليست شرطاً لرؤيتنا هذه الأشياء وأبطلنا ما ذكروه من دعوى الضرورة والاستدلال في هذا المقام والثاني سلمنا أن المقابلة شرط في صحة رؤيتنا لهذه الأشياء فَلِمَ قلتم إنها تكون شرطاً في صحة رؤية الله تعالى فإن رؤية الله تعالى بتقدير ثبوتها مخالفة لرؤية هذه الأشياء فلا يلزم من اشتراط نوع من جنس اشتراط نوع آخر من ذلك الجنس بذلك الشرط الثالث سلمنا أنه يستحيل كوننا رائين لله تعالى ولكنه لا يدل على أنه لا يرى نفسه وأنه في ذاته ليس بمرئي فأحال على ما تقدم وهو لم يذكر هناك إلا مسلكين الأول أنا نرى الجسم الكبير من البعد صغيراً وذلك
يقتضي أنا نرى بعضه دون بعض ومن المعلوم بالضرورة أن الشرائط المذكورة كما أنها حاصلة بالنسبة إلى الأجزاء التي هي مرئية فكذلك هي حاصلة بالنسبة إلى الأجزاء التي هي غير مرئية ولما كان المرئي من الأشياء المجتمعة لهذه الشروط بعض الأجزاء دون بعض علمنا أن حصول الرؤية عند اجتماع الشرائط غير واجب والمسلك الثاني لو وجب حصول الإدراك عند حصول هذه الشروط لوجب رؤية الجوهر الفرد وذوات الهباء لكن الثاني ظاهر الفساد فالمقدم مثله بيان الأول أنا إذا رأينا جسماً كبيراً فلابد وأن نرى جزءاً صغيراً إذ لو لم نرَ جزءاً صغيراً لم نرَ المجموع الذي هو مجموع تلك الأجزاء ثم رؤية الجزء لا تتوقف على رؤية غيره لئلا يلزم الدور فيجب أن تصح رؤيتنا للجوهر الفرد فهاتان الحجتان إن كانتا باطلتين ف كلام وإن كانتا صحيحتين فهما يدلان على أن الرؤية لا تجب عند وجود
الشروط الثمانية وهو قد سلم في الجواب وجوب الرؤية عند وجود الشروط ف تدل هاتان الحجتان على أن الرؤية لا تمتنع عند عدم بعض الشروط الثمانية وإذا لم يذكر دليلاً على عدم هذا الاشتراط أصلاً بقي ما ذكره منازعوه من العلم الضروري والاستدلال بأن المرئي لابد أن يكون مقابلاً للرائي أو لآلة الرائي سليماً عن المعارض فيجب القول بموجبه وهذا بين واضح ولهذا لما كانت مناظرته لنفاة الرؤية هذه المناظرة الضعيفة كان كلامهم فيها أرجح من كلامه وهذه عادته يعجز عن مناظرة أهل الباطل ويأخذ ما يحتجون به فيحتج به على أهل الحق فلا ينصف أهل الحق ويتبعهم ولا يرد أهل الباطل ويدفعهم وإنما فيه جدال وحجاج لبَّس فيه الحق بالباطل مع هؤلاء وهؤلاء وإذا كان الأمر كذلك لم يكن له الجواب عما اتفقت عليه المعتزلة والكرامية كما تقدم الوجه الثامن أن يقال ما ذكره المعتزلة من شروط الرؤية
وموانعها بعضها حق وبعضه باطل وهؤلاء الذين وافقوهم على نفي العلو وإثبات الرؤية يكابرونهم في الحق كما يدفعون باطلهم ولهذا كان كلا الطائفتين تقول الحق والباطل وإذا كان مثبتة الرؤية مع نفي العلو أقرب إلى الحق من نفاة الرؤية ونفاة العلو وذلك أن كونهم لم يشترطوا في الحاسة إلا مجرد سلامتها ليس بسديد فإن الحواس تختلف بالقوة والضعف فقد يكون بصر أحدَّ من بصر وسمع أقوى من سمع وشم أقوى من شم وذوق أقوى من ذوق وهذا موجود في البهائم وفي الآدميين ولهذا يرى أحدهم من الأشياء الدقيقة اللطيفة ما لا يراه الآخر ويرى من الأمور البعيدة ما يراه الآخر ويرى من النور والشعاع والبياض ما لا يراه الآخر وذلك قد يسمع من الأصوات البعيدة والأصوات القريبة ما لا يمكن الآخر أن يسمعه وإذا كان الأمر كذلك فقوة إدراك العباد وحركاتهم في الآخرة يجعلها الله أعظم من قوى إدراكهم وحركاتهم في الدنيا وهذا ظاهر بين
وقولهم لا يكون على القرب القريب ولا على البعد البعيد ولا يكون صغيراً لطيفاً هذا إنما اشترط لعجز البصر عن إدراك ما يكون كذلك لأن ذلك ممتنع في نفسه وإلا فيمكن أن يقوى البصر العبد حتى يرى القريب والبعيد واللطيف وليس هذا ممتنعاً في ذاته يبين ذلك أن القرب والبعد والصغر والكبر من الأمور الإضافية قد يكون صغيراً بالنسبة إلى بصر هذا الرائي ما ليس بصغير بالنسبة إلى بصر غيره وكذلك في القرب والبعد وكذلك قولهم أن لا يكون بين الرائي والمرئي حجب كثيفة فإن رؤية ما وراء الحجاب ليس بممتنع في نفسه بل لعجز البصر عنه فإن الله يرى كل شيء ولا تحجبه السموات والأرض وسائر الحجب وكذلك قولهم أن يكون مقابلاً للرائي فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود فإني أراكم من خلفي كما أراكم من بين يدي
لكن هذا يدل على أنه لا يشترط في الرؤية أن يكون المرئي أمامه لكن لا يدل على أنه لا يشترط أن يكون بجهة منه فإنما خلفه بجهة منه الوجه التاسع أنه قال هنا إن أصحابه نازعوا في هذه المقدمة وقالوا لا نسلم أن كل مرئي فإنه يختص بالجهة بل لا نزاع أن الأمر في الشاهد كذلك فَلِمَ قلتم إن كل ما كان كذلك في الشاهد وجب أن يكون الغائب كذلك وهذا تسليم لكون الواحد منا لا يرى إلا ما يكون في الجهة فمنازعته لذلك من هذا الباب ودعواه أن ذلك ليس بشرط في رؤية الأشياء المرئية مخالف لما ذكره من تسليم أصحابه وذلك خلاف ما ذكره من أنه لا يشترط شيء من هذه الشروط في رؤية الأشياء المرئية
الوجه العاشر أن قوله لِمَ قلتم إن كل ما كان كذلك في الشاهد وجب أن يكون في الغائب كذلك وتقريره أن هذه المقدمة إما أن تكون مقدمة بديهية أو استدلالية يقال له المنازع يقول إنها بديهية قوله فإن كانت بديهية لم يكن في إثبات كونه تعالى مختصاً بالجهة حاجة إلى هذا الدليل وذلك لأنه قد ثبت في الشاهد أن كل قائم بالنفس فهو مختص بالجهة وثبت أن الباري قائم بالنفس فوجب القطع بأنه مختص بالجهة لأن العلم الضروري بأن كل ما يثبت في الشاهد وجب أن يكون في الغائب كذلك وهذا لا يقوله عاقل والفرق ظاهر بين دعوى الضرورة والبديهة في الشيء المعين الخاص والشيء العام الكلي فإذا قال القائل العلم الضروري بأن كل مرئي في الشاهد والغائب لابد أن يكون بجهة من الرائي أو العلم الضروري حصل بأن الغائب كالشاهد في هذا الأمر الخاص لم يستلزم هذا أن يقول إن العلم الضروري حاصل بأن كل ما يثبت في الشاهد وجب أن يكون في الغائب كذلك والمقدمة المذكورة هي قوله كل
مرئي فلابد وأن يكون في الجهة وهذا قالوه قولاً عاماً مطلقاً لم يثبتوه بقياس الغائب على الشاهد حتى يصوغوه الصوغ الذي ذكره ويدخل فيه تلك القضية العامة الكاذبة الوجه الحادي عشر أن ما ذكره إن كان حجة كان حجة ثانية على المطلوب فإنه من الممكن أن يستدل بكونه قائماً بالنفس على كونه مختصاً بالجهة ويحتج بكونه مرئياً على كونه مختصاً بالجهة ويحتج بكونه موجوداً على أنه إما أن يكون مبايناً لغيره أو محايثاً له وتعدد الأدلة على المطلوب الواحد ليس بممتنع الوجه الثاني عشر أن ما ذكره من الحجة قد يقال فيه نحن نعلم بالاضطرار أنه كل ما يقوم بنفسه فإنه لابد أن يكون مختصاً بجهة بحيث يمتنع أن يكون لا داخل العالم ولا خارجه ولا يختص الكلام بالشاهد ثم يقاس عليه الغائب بل العلم الضروري حاصل بذلك مطلقاً كما تقدم ذكره الوجه الثالث عشر أن ذلك إذا قررنا بالدليل قرر تقريراً يفيد بأن يقال ثبت في الشاهد أن كل قائم بالنفس فهو مختص بالجهة وهذا مما فارق به الموجود المعدوم فالموجب لذلك إما كونه موجوداً قائماً بنفسه أو ما يندرج فيه الموجود الواجب لنفسه أو ما يختص بالممكن أو المحدث ويساق الكلام إلى
آخره كما ذكر في حجة المباينة والمحايثة لا يقول عاقل إن العلم الضروري حاصل بأن كل ما ثبت في الشاهد وجب أن يكون في الغائب كذلك ولكن ذكر الحجة على هذا الوجه القبيح الذي يظهر بطلانه لما في ذلك من التنفير والتقبيح لقول منازعيه وهذه ليست حال أهل العلم والعدل بل حال الجاهل أو الظالم الوجه الرابع عشر قوله فإذا كان هذا الوجه حاصلاً في إثبات كونه تعالى في الجهة كان إثبات كونه في الجهة بكونه مرئياً ثم إثبات أن كل ما كان مرئياً فهو مختص بالجهة تطويلاً من غير فائدة ومن غير مزيد شرح وبيان يقال لو أن ما ذكرته من جهة القيام بالنفس صحيح لم يكن إثبات الجهة بطريق الرؤية تطويلاً من غير فائدة بل هو إثبات لها بطريق آخر غير الأولى فإن الاستدلال على كون الشيء في الجهة بكونه قائماً بنفسه غير الاستدلال على ذلك بكونه مرئياً مشهوداً وإذا كان هذا دليلين متغايرين لم يجز أن يكون ذكر أحدهما متضمناً للآخر ولا أن يكون ذكر الآخر تطويلاً أقصى ما يقال إن العلم بالمقدمتين التي في الدليلين يستفاد من وجه واحد وهو الضرورة أو قياس الغائب على
الشاهد إما مطلقاً كما ذكره أو قياساً صحيحاً ملخصاً بالتقسيم الحاصر الجامع بين النفي والإثبات أو بغيره كما يسلكه أهل الإثبات وإذا كان الدليل على مقدمة في دليل كالدليل على مقدمة في دليل آخر لم يوجب أن يكون أحد الدليلين متضمناً للآخر ويكون ذكر الآخر تطويلاً بلا فائدة الوجه الخامس عشر قوله وأما إن قلنا كل مرئي فهو مختص بالجهة ليست مقدمة بديهية بل هي مقدمة استدلالية فحينئذ ما لم يذكروا على صحتها دليلاً لا تصير هذه المقدمة يقينية فهذا كم صحيح لكن كان ينبغي له إذا كان ذاكراً لحجج منازعيه أن يذكر ما يستدل به الناس على ذلك فتركه لذلك تقصير وخيانة في المناظرة ونحن لم نلتزم الكلام في تقرير هذه المسائل ابتداءً وإنما تكلمنا على ما ذكروه من حججه وحجج منازعيه الوجه السادس عشر قوله وأيضاً فكما أنا لا نعقل مرئياً في الشاهد إلا إذا كان مقابلاً أو في حكم المقابل لرائي فكذلك لا نعقل مرئياً إلا إذا كان صغيراً أو كبيراً أو ممتداً في الجهات مؤتلفاً من الأجزاء وهم يقولون إنه تعالى يرى لا صغيراً
ولا كبيراً ولا ممتداً في الجهات والجوانب والأحياز فإذا جاز لكم أن تحكموا بأن الغائب مخالف للشاهد في هذا الباب فلم لا يجوز أن يقال إن المرئي في الشاهد وإن وجب كونه مقابلاً إلا أن المرئي في الغائب لا يجوز أن يكون كذلك فيقال له هذا إلزام جدلي وليس بحجة في المناظرة ولا النظر كما تقدم فإنه يقال لابد وأن يكون في الجهة ما ذكرته في صورة الإلزام إن كانت مساواته لصورة النزاع فما ذكروه في صورة النزاع حجة في الموضعين وغايته أن يكونوا أخطأوا في صورة الإلزام وهي صورة النقض والمعارضة والإلزام صحيحاً ويقول لك المناظر الفرق بين صورة النقض وصورة النزاع كيت وكيت فإن صح الفرق بطل النقض وإن بطل الفرق منعت
الحكم في صورة النقض إذ ليس ذلك مجمعاً عليه بين الأمة الوجه السابع عشر أنهم يقولون نقول إنه لا يرى إلا كبيراً عظيماً لا نقول إنه يرى لا صغيراً ولا كبيراً بل نقول إنه يرى عظيماً كبيراً جليلاً كما سمى ووصف نفسه بذلك في الكتاب والسنة ومن لم يقل ذلك من المنازعين كان ما ذكره حجة عليه وأما قوله ممتداً في الجهات مؤتلفاً من الأجزاء فلا نسلم أنا لا نعقل مرئياً في الشاهد إلا مؤتلفاً من الأجزاء فإن المرئيات مثل الشمس والقمر ونحو ذلك هو شيء واحد لا نعلم لا بحس ولا ضرورة أنها مركبة من الأجزاء المفردة وهذا مما لا خلاف فيه بين الناس أن هذا التركيب ليس معلوماً بالحس ولا بالضرورة بل هي من أدق مسائل النزاع بين الخلق الوجه الثامن عشر أن يقال ما تريد بقولك ممتد مؤتلف أتريد أنه مركب من الأجزاء وأنه يجوز تفريقه فليس كلما نشاهده كذلك أم تريد به أن منه شيئاً ليس هو الشيء الآخر فنحن نقول كل ما يرى في الشاهد والغائب لابد وأن يكون كذلك الوجه التاسع عشر أن يقال لا يعقل مرئي إلا موصوفاً بما هو المرئي المشهود موصوف به من صفات الوجود التي
استحق بها جواز رؤيته أو ما أبلغ في الوجود واستحقاق الرؤية منه فإذا كنا نرى الموجود الذي يجوز عدمه فما لا يجوز عدمه أولى فإذا كنا نرى ما هو في جهة وهو مجتمع يجوز تفريقه وتقسيمه فالمجتمع الذي لا يجوز تفريقه وتقسيمه أولى بالرؤية لكن لا يمكن أن نقول إذا رأينا ما هو بجهة مرئياً أن يكون ما ليس في الجهة أولى بالرؤية وإذا رأينا ما هو مجتمع فيما ليس بمجتمع ولا متفرق أولى بالرؤية وإذا رأينا ما هو مجتمع فيما ليس بمجتمع ولا متفرق أولى بالرؤية وإذا رأينا ما هو مجتمع فيما ليس بمجتمع ولا متفرق أولى بالرؤية وقد ذكرنا غير مرة أن الأقيسة والأمثال المضروبة في باب الإلهيات إذا كانت من باب التنبيه والأولى في النفي والإثبات فهي من جنس ما ورد به الكتاب والسنة
فصل ثم قال الرازي الشبهة الرابعة تمسكوا برفع الأيدي إلى السماء قالوا وهذا شيء يفعله جميع أرباب النحل فدل على أنه تقرر في عقول جميع الخلق أن إلههم فوق ثم قال الجواب إن هذا معارض بما تقرر في عقول جميع الخلق أنهم عند تعظيم خالق العالم يضعون جباههم على الأرض ولمَّا لم يدل هذا على كون خالق العالم في الأرض لم يدل على ما ذكروه على أنه في السماء وأيضاً فالخلق إنما يقدمون على رفع الأيدي إلى السماء لوجوه أخر وراء اعتقادهم أن خالق العالم في السماء فالأول أن أعظم الأشياء نفعاً للخلق ظهور الأنوار وأنها إنما تظهر من جانب السموات والثاني أن مبنى حياة الخلق على استنشاق النفس وليس ذلك الاستنشاق إلا من الهواء والهواء ليس موجوداً إلا فوق الأرض فلهذا السبب كان ما فوق الأرض أشرف ما تحت الأرض
الثالث أن نزول الغيث من جهة الفوق ولما كانت هذه الأشياء التي هي منافع الخلق إنما تنزل من جانب السموات لا جرم كان ذلك الجانب عندهم أشرف وتعلق الخاطر بالأشرف أقوى من تعلقه بالأخس فهذا هو السبب في رفع الأيدي إلى السماء وأيضاً فإنه تعالى جعل العرش قبلة لدعائنا كما جعل القبلة قبلة لصلاتنا وأيضاً أنه تعالى جعل الملائكة وسائط في مصالح هذا العالم قال الله تعالى فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً {5} [النازعات 5] وقال فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً {4} [الذاريات 4] وأجمعوا على أن جبريل عليه السلام ملك الوحي والتنزيل والنبوة وميكائيل ملك الأرزاق وملك الموت ملك الوفاة وكذلك القول في سائر الأمور وإذا كان الأمر كذلك لم يبعد أن يكون الغرض من رفع الأيدي إلى السماء رفع الأيدي إلى الملائكة وهذه الحجة ذكرها في نهايته فقال وثالثها التمسك
بالاتفاق من الأمم المختلفة الآراء على الإشارة إلى فوق عند الدعاء وطلب الإجابة من الله وأن ذلك يدل على علمهم بالضروري بأن الذي يطلب منه تحصيل المطالب وتيسير العسير في تلك الجهة ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم للأمة أين ربك قال فأشارت إلى السماء فقال إنها مؤمنة وقال والجواب عما تمسكوا به ثالثاً من الإشارة إلى فوق سببه الإلف والعادة وجريان الناس على ذلك فإنهم ما شاهدوا عالماً قادراً حياً إلا جسماً فكما أن من لم يشاهد إلا إنساناً أسود فحين يمثل في نفسه إنساناً يخاطبه إنما يسبق إلى نفسه أنه أسود لا غير ومن لم يسمع من اللغات إلا العربية فحين يمثل في نفسه معنى إنما سبق إلى نفسه التعبير عن ذلك المعنى بلفظ العرب وكذلك سبق إلى الوهم أن من يدعو حياً عالماً قادراً على ما يشاهد عليه الأحياء القادرين ويتبع ذلك أنه في مكان ولأن العلو أشرف لأن الأنوار فيه ولأن الرأس لما كان أشرف الأعضاء كان ما يليه أشرف الجهات فيسبق إلى فهم الداعي أن من يعتقد عظمته إذا كان في جهة وجب أن يكون في جهة العلو فلسبب هذه الأمور وأمثالها وقعت الإشارة
إلى السماء ثم إن الأخلاف أخذوا ذلك عن الأسلاف مع مشاركتهم لهم في هذا التخيل فظهر أن سبب ذلك هو الإلف فلا يكون صواباً وأما حديث الأمة فهو من الآحاد ثم لو صح لكان سببه ما ذكرناه من الإلف اهـ والكلام على ما ذكره من وجوه الأول أن الاستدلال برفع الأيدي والأبصار إلى السماء عند الدعاء على أن الله فوق هو حجة أهل الإثبات المثبتين للصفات من السلف والخلف ليس ذلك مختصاً بالكرامية بل من أشهر المحتجين به أئمة أصحابه الأشعري وذووه وقال أبو الحسن الأشعري فإن قال قائل ما تقولون في الاستواء قيل له إن الله مستوٍ على عرشه كما قال الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه 5] وقال سبحانه إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر 10] وقال سبحانه بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وقال سبحانه يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْه [السجدة 5]
وقال فرعون يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ {36} أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً [غافر 36-37] فأكذب موسى في قوله إن الله فوق السموات وقال سبحانه وتعالى أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ {16} [الملك 16] والسموات فوقها العرش وإنما أراد العرش الذي هو على السموات ألا ترى أن الله ذكر السموات فقال وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً [نوح 16] ولم يرد أن القمر يملؤهن جميعاً وأنه فيهن جميعاً قال ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعوا نحو الأرض وهذا الاحتجاج منه بإجماع المسلمين على رفع أيديهم في الدعاء على أن الله فوق السموات لأنهم إنما يرفعونها إليه نفسه لا إلى غيره من المخلوقات وقال صاحبه أبو الحسن علي بن مهدي الطبري قال البلخي فإن قيل لنا ما معنى رفع أيدينا إلى السماء وقوله وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر 10] قلنا تأويل ذلك أن أرزاق العباد لما كانت تأتي من السماء جاز أن نرفع أيدينا إلى السماء عند الدعاء وجاز أن يقال أعمالنا ترفع إلى الله لما
كانت حفظة الأعمال إنما مساكنهم في السماء قال الطبري قيل له إن كانت العلة في رفع أيدينا إلى السماء أن الأرزاق منها وأن لحفظة مساكنهم فيها جاز أن نخفض أيدينا في الدعاء نحو الأرض من أجل أن الله يحدث فيها النبات والأقوات والمعايش وأنها قرارهم ومنها خلقوا ولأن الملائكة معهم في الأرض فلم تكن العلة في رفعها إلى السماء ما وصفه وإنما أمرنا الله تعالى برفع أيدينا قصدين إليه برفعها نحو العرش الذي هو مستو عليه وقال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه التمهيد وفي الإبانة فإن قال قائل فهل تقولون إنه في كل مكان
قيل له معاذ الله بل هو مستو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى {5} [طه 5] وقال تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر 10] وقال أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ [الملك 16] وقال ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه والحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان واحتيج أن يرغب إليه نحو الأرض وإلى خلفنا وإلى يميننا وإلى شمالنا وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله وهذا تصريح بأن الأيدي إنما ترفع إلى الله نفسه وأنه يجب أن يصح رفعها إليه حيث كان وأنه إنما اختص رفعها بجهة العلو لأن الله هناك إذ لو لم تجب صحة رفعها إلى جهته
لم يجب إذا كان في كل مكان أن يصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض وإلى خلفنا وأيماننا وشمائلنا فإن ذلك إنما يلزم إذا لزم أن يشار إليه حيث كان وذا الذي قاله أبلغ من جواز الإشارة إيه فإنه أوجب أن يصح الإشارة والرغبة إلى غير جهة الفوق لو كان فيها وهذه الحجة إنما تصح إذا كانت الإشارة بالأيدي إلى فوق إشارة إليه نفسه إذ لو لم يكن كذلك لقال له منازعه فعندك الإشارة بالدعاء ليست إليه وإذا كان كذلك لم تكن الإشارة إليه واجبة بحال وإنما هو لمعنى يختص بجهة فوق غير كون الله تعالى هناك وإن كنت موفقي على هذا يلزم إذا كان في كل مكان أن يشار في الدعاء إلى سائر الجهة كالسفل واليمين واليسار لأن عندك الإشارة بالأيدي ليست إليه وإنما هي لأمر يختص بالجهة العالية غير الله وهذا من احتجاج الأولين والآخرين قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة في كتاب
مختلف الحديث له نحن نقول في قوله تعالى مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة 7] أنه معهم يعلم ما هم عليه كما تقول لرجل وجهته إلى بلد شاسع احذر التقصير فإني معك تريد أنه لا يخفى عليَّ تقصيرك وكيف يسوغ لأحد أن يقول إنه سبحانه وتعالى بكل مكان على الحلول فيه مع قوله الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى {5} ومع قوله إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وكيف يصعد إليه شيء وهو معه وكيف تعرج الملائكة والروح إليه وهي معه ولو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرهم وما ركبت عليه خلقتهم من معرفة الخالق لعلموا أن الله هو العلي وهو الأعلى وأن الأيدي ترفع بالدعاء إليه والأمم كلها عربها وعجمها يقولون إن الله في السماء ما تركت على فطرها وفي الإنجيل أن المسيح قال للحواريين إن أنتم غفرتم للناس فإن أباكم الذي في السماء يغفر لكم ظلمكم انظروا
إلى طير السماء فإنهن لا يزرعن ولا يحصدن وأبوكم الذي في السماء هو يرزقهن ومثل هذا في الشواهد كثير وقال الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب لتوحيد باب ذكر البيان أن الله عز وجل في السماء كما أخبرنا في محكم تنزيله وعلى لسان نبيه وكما هو مفهوم في فطر المسلمين علمائهم وجهالهم وأحرارهم
ومماليكهم وذكرانهم وإناثهم بالغيهم وأطفالهم كل من دعا الله عز وجل فإنما يرفع رأسه إلى السماء ويمد يديه إلى الله تعالى إلى الأعلى لا إلى الأسفل وقال أبو سليمان الخطابي في كتاب شعار الدين وهو في أصول الدين القول في أنه مستو على العرش هذه المسألة سبيلها التوقيف المحض ولا يصل إليه دليل من غير هذا الوجه وقد نطق الكتاب به في غير آية ووردت به الأخبار الصحيحة فقبوله من جهة التوقيف واجب والبحث عنه وطلب الكيفية له غير جائز ود قال أبو عبد الله مالك بن أنس رحمه الله وسئل عن قول الله الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى {5} فقال الاستواء معلوم والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وذكر المواضع التي في القرآن من ذكر
العرش وقوله أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ وقال أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً [الملك 17] وقال تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ {4} [المعارج 4] وقال بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ [النساء 158] وقال إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وقال حكاية عن فرعون أنه قال يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ {36} أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى [غافر 36-37] فوقع قصد الكافر إلى الجهة التي أخبره موسى عنها لذلك لم يطلبه في طول الأرض وعرضها ولم ينزل إلى طبقات الأرض سفلاً فدل ما تلوناه من هذه الآيات على أن الله في السماء ومستو على العرش ولو كان بكل مكان لم يكن لهذا الاختصاص معنى ولا فيه فائدة قال وقد جرت عادة المسلمين خاصتهم وعامتهم أن يدعوا ربهم عند الابتهال والرغبة إليه ويرفعوا أيديهم إلى السماء
وذلك لاستضافة العلم عندهم بأن المدعو في السماء سبحانه وتعالى قال واعترض من خالف هذا بقوله وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ [الأنعام 3] وبقوله وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ {84} [الزخرف 84] وبقوله مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ [المجادلة 7] ونحو هذا من آي القرآن وهذا لا يقدح في الآي التي تلوناها قبل ولا يخالفها والخبر عن حال الشيء وصفته من جهة غير الخبر عن نفس الشيء وذاته وإنما هذا كقول القائل فلان في السوق معروف وفي البلاد وجائز أن يكون فلان في بيته وقت هذا الكلام غائباً عن السوق وعن البلاد وإنما المعنى في هذه الآي إثبات علمه وقدرته في السماء والأرض وهو في الآي المتقدم إخبار عن الذات والاستواء على العرش حسب من غير قران لذلك بصلة أو تعليق له بشيء آخر فأحد الكلامين قائم بنفسه والكلام الآخر إنما سيق لغيره وتعدى إلى ما سواه وهو يجمع قضيتين اثنتين والكلام الأول قضية واحدة قال وزعم بعضهم أن معنى الاستواء هاهنا الاستيلاء ونزع فيه
ببيت مجهول لم يقله شاعر معروف يصح الاحتجاج بقوله ولو كان معنى الاستواء هاهنا الاستيلاء لكان الكلام عديم الفائدة لأن الله قد أحاط ملكه وقدرته بكل شيء من الأشياء وبكل قطر وبقعة من السموات والأرض وما تحت الثرى فما معنى تخصيصه العرش بالذكر ثم إن الاستيلاء يتحقق معناه عند المنع عن الشيء فإذا وقع الظفر قيل استولى عليه فأي منع كان هناك حتى يوصف بالاستيلاء بعده وكذلك لو كان بكل مكان كما زعموا لم يكن بتخصيصه العرش بالذكر فائدة فثبت أنه ليس المعنى إلا ما أشار إليه التوقيف فإن قيل إن إضافة العرش إليه كإضافة البيت إليه وهو ل يجعله ليسكنه فكذلك لم يجع العرش للكينونة والاستواء عليه قيل إن العرش لا يشبه البيت فيما ذكرتموه وذلك لأن البيوت تتخذ غرفاً وعادة لتكون وقاية من الحر أو البرد وما أشبههما من وجوه الأذى والله متعالٍ عن هذه الصفات والعرش والسرير إنما يتخذ ليتمجد ويستكبر بهما فقياسكم لجمع بين الاثنين قياس فساد
وقال القاضي أبو يعلى في كتاب إبطا التأويلات لأخبار الصفات لما تكلم على حديث العباس قال فإذا ثبت أنه على العرش فالعرش في جهة وهو على عرشه قال وقد منعنا في كتابنا هذا في غير موضع إطلاق الجهة عليه والصواب جواز القول بذلك لأن أحمد قد أثبت هذه الصفة التي هي الاستواء على العرش وأثبت أنه في السماء وكل من أثبت هذا أثبت الجهة وهم أصحاب ابن كرام وابن
منده الأصبهاني المحدث والدلالة عليه أن العرش في جهة بلا خلاف فقد ثبت بنص القرآن أنه مستو عليه فاقتضى أنه في جهة ولأن كل عاقل من مسلم وكافر إذا دعا فإنما يرفع يديه ووجهه إلى نحو السماء وفي هذا كفاية ولأن من نفى الجهة من المعتزلة والأشعرية يقول ليس هو في جهة ولا خارجاً منها وقائل هذا بمثابة من قال بإثبات موجود مع وجود غيره ولا يكون وجود أحدهما قبل وجود الآخر ولا بعده ولأن العوام لا يفرقون بين قول القائل طلبته فلم أجده في موضع ما وبين قوله طلبته فإذا هو معدوم قال وقد احتج ابن منده على إثبات الجهة بأنه لما نطق القرآن بأن الله على العرش وأنه في السماء وجاءت السنة بمثل ذلك وبأن لجنة مسكنه وبأنه في ذلك وهذه الأشياء أمكنة في
نفسها فدل على أنه في مكان الوجه الثاني أن الإشارة إلى فوق إلى الله في الدعاء وغير الدعاء باليد والأصبع أو العين أو الرأس أو غير ذلك من الإشارات الحسية قد تواترت به السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم واتفق عليه المسلمون وغير المسلمين قال تعالى قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة 144] وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ما من حاكم يحكم بين الناس إلا حبس يوم القيامة وملك آخذ بقفاه حتى يوقفه على جهنم ثم يرفع رأسه إلى الله عز وجل فإن قال ألقه ألقاه في مهوى فيهوي أربعين خريفاً رواه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجه في سننه بمعناه وعن أبي هريرة أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء عجمية فقال يا رسول الله علي عتق رقبة مؤمنة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الله
فأشارت إلى السماء بأصبعها بالسبابة فقال لها من أنا فأشارت بأصبعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى السماء أي أنت رسول الله فقال أعتقها رواه أحمد في مسنده والبرقي في مسنده أيضاً ورواه ابن خزيمة في التوحيد وقد اشترط فيه ألا يحتج فيه إلا بحديث صحيح وإسناده عن يزيد بن هارون أخبرنا المسعودي عن عون بن عبد الله عن
أخيه عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة مثله وقال بجارية سوداء لا تفصح فقال إن علي رقبة مؤمنة وقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربك فأشارت بيدها إلى السماء ثم قال من أنا فقالت بيدها ما بين السماء والأرض تعني رسول الله والباقي مثله ورواه أيضاً من حديث أبي داود الطيالسي عن المسعودي بهذا الإسناد كمثله وقال أيضاً بجارية عجماء لا تفصح وقال أعتقها وقال فقال المسعودي مرة أعتقها فإنها مؤمنة وقد روي نحو هذا المعنى عن عبيد الله بن عبد الله الزهري مسنداً عن أبي هريرة
ومرسلاً ورواه الإمام أحمد وابن خزيمة أيضاً من حديث معمر عن الزهري عن عبد الله بن عبد الله عن رجل من الأنصار أنه جاء بأمة سوداء فقال يا رسول الله إن علي ربة مؤمنة فإن كنت ترى أن هذه مؤمنة فأعتقها فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أتشهدين أن لا إله إلا الله فقالت نعم قال أتشهدين أني رسول الله قالت نعم قال أتؤمنين بالبعث بعد الموت قالت نعم قال أعتقها ورواه مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً قال خزيمة لست أنكر أن يكون خبر معمر ثابتاً صحيحاً لست بمنكر لمثل عبيد الله بن عبد الله أن يروي خبراً عن أبي هريرة عن رجل من الأنصار لو كان متن الخبر متناً
واحداً فكيف وهو متنان وهما في علمي حديثان لا حديث واحد حديث عون بن عبد الله في الامتحان إنما أجابت السوداء بالإشارة لا بالنطق وفي خبر الزهري أجابت السوداء بنطق نعم بعد الاستفهام لما قال لها أتشهدين أن لا إله إلا الله في الخبر أنها قالت نعم وكذلك عند الاستفهام قال لها أتشهدين أني رسول الله قالت نعم نطقاً بالكلام ولإشارة باليد ليست النطق بالكلام وفي خبر الزهري زيادة الامتحان بالبعث بعد الموت لما استفهمها أتؤمنين بالبعث بعد الموت وهذا الذي قاله ابن خزيمة يحققه أن هذا الحديث رواه القاضي أبو أحمد العسال في كتاب المعرفة له من
حديث محمد بن عمرو وعن أبي سلمة عن أبي هريرة ولهذا يقال إنه حديث حسن صحيح ومثله ما روى أبو عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن غريب قال ورواه بعضهم ولم يرفعه وهذا لا يضر
لأنه إذا كان موقوفاً على سلمان فمثل هذا الكلام لا يقال إلا توقيفًا وقد أخبر في هذا الحديث أن العبد يشير بيديه ويرفعهما إلى الله سبحانه وكذلك الحديث الذي في المسند والترمذي عن الفضل بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة مثنى مثنى تشهد في كل ركعتين وتخشع وتضرع وتمسكن ثم تقنع يديك يقول ترفعهما إلى ربك مستقبلاً ببطونهما وجهك وتقول يا رب يا رب ومن لم يفعل ذلك فهو خداج فأخبر فيه أنه يقنع يديه أي يرفعهما وأنه
يرفعهما إلى ربه وفي الحديث المشهور الذي في صحيح مسلم عن جعفر ابن محمد عن أبيه عن جابر في صفة حجة الوداع وهو الحديث الطويل المشهور أكثر حديث روي في حجة الوداع قال فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس وأمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في
بلدكم هذا ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم أضع من دمائنا ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصتم به كتاب الله وأنتم وتُسألون عني فما أنتم قائلون قالوا نشهد بأنك قد بلغت وأديت ونصحت فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاَ ثم ركب حتى أتى الموقف وذكر تمام الحديث فأشار بأصبعه السبابة وحدها إلى فوق بإبلاغ الإشارة اللهم اشهد ثلاث مرات يجمع بين الإشارة
الحسية المرئية والعبارة الحسية المسموعة وفي صحيح البخاري عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر وقال يا أيها الناس أي يوم هذا قالوا هذا يوم حرام قال فأي بلد هذا قالوا بلد حرام قال فأي شهر هذا قالوا شهر حرام قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا فأعادها مراراً ثم رفع رأسه فقال اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت قال ابن عباس والذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته فليبلغ الشاهد الغائب لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض وقد أخبرنا هنا أنه رفع رأسه وقال اللهم اشهد وعن سعد بن أبي وقاص قال مر علي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أدعو بأصبعي فقال أحِّد أحِّد وأشار بالسبابة رواه الإمام أحمد
وأبو داود والنسائي وأخرج الترمذي والنسائي من حديث أبي صالح عن أبي هريرة نحوه وقال حديث حسن غريب قالوا ومعناه أشِّر بواحدة فإن الذي تدعوه
واحد وهذا نص بَيِّن في أن الإشارة إلى الله حيث قال له أحد أحد أي أحد الإشارة فاجعلها بأصبع واحدة فلو كانت الإشارة إلى غير الله لم يختلف الأمر بين أن يكون بواحدة أو أكثر فعلم أن الإشارة لما كانت إلى الله وهو إله واحد أمره أن يشير إ بأصبع واحدة لا باثنين وكذلك استفاضت السنن بأنه يشار بالأصبع الواحدة في الدعاء في الصلاة وعلى المنابر يوم الجمعة وفي غير ذلك فعن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه ورفه أصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها وفي رواية كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى
رواهما أحمد ومسلم والنسائي وروى الثاني أبو داود أيضاً وعن عبد الله بن الزبير قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى تحت فخذه اليمنى وساقه وفرش قدمه اليمنى ووضع يده اليسرى على ركبة فخذه اليسرى ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى وأشار بأصبعه وأشار بعض الرواة بالسبابة رواه أحمد ومسلم وأبو داود
وعن ابن الزبير أيضاً قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في التشهد وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى وأشار بالسبابة ولم يجاوز بصره إشارته رواه أحمد وأبوداود والنسائي وعن وائل بن حجر أنه قال في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم قعد فافترش رجله اليسرى ووضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى ثم قبض ثنتين من أصابعه وحلق حلقة ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها يدعو بها وفي رواية يقول هكذا وحلق الإبهام والوسطى وأشار بالسبابة رواه أحمد وأبو داود والنسائي
وابن ماجة وعن مالك بن نمير الخزاعي عن أبيه قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم واضعاً ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى رافعاً أصبعه السبابة قد حناها شيئاً رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة
وعن حصين بن عبد الرحمن قال رأى عمارة بن رويبة بشر بن مروان وهو يدعو في يوم الجمعة فقال عمارة قبح الله هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ما يزيد على هذه يعني السبابة وفي رواية رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يخطب إذا دعا يقول هكذا فرفع السبابة وحدها وهذا الحديث رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه وفي سنن [ي داود عن ابن عباس
قال المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك أو نحوهما والاستغفار أن تشير بأصبع واحدة والابتهال أن تمد يديك جميعاً وفي رواية والابتهال هكذا ورفع يديه وجعل ظهورهما مما يلي وجهه رواه أيضاً مرفوعاً عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فذكر نحوه وأما رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه في الدعاء فهو في الحديث أكثر من أن يبلغه الإحصاء وأما حديث أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء فإنه كان يرفع يديه حتى يرى
بياض إبطيه رواه الجماعة أهل الصحاح والسنن والمسانيد مثل البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد في مسنده وغيرهم وفي رواية لمسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء رواه أبو داود ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
يستسقي هكذا يعني ومد يديه وجعل بطونها مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه فهذا هو رفعهما إلى فوق رأسه وهو الابتهال المذكور في حديث ابن عباس ومن صوره هذا الرفع إلى فوق الرأس أن تصير كفاه من جهة السماء إذ لا يمكن مع استيفاء الرفع أن تكون بطونهما من نحو السماء الوجه الثالث أنه قد نهى عن رفع البصر في الصلاة إلى فوق أمراً بالخشوع الذي أثنى الله على أهله حيث قال قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ {1} الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ {2} [المؤمنون 1-2] وقال وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَاّ عَلَى الْخَاشِعِينَ {45} [البقرة 45] والخشوع يكون مع تخفيض البصر كما قال تعالى يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ {42} خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ {43} [القلم 42-43] وقال تعالى يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُون َ {43} خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ {44} [المعارج 43-44] وقال فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ {6} خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ {7} مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ {8} [القمر 6-8] كما
وصف الأصوات بالخشوع في قوله يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً [طه 108] وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم فاشتد قوله في ذلك حتى قال لينتهُنَّ عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم رواه البخاري وأكثر أهل السنن وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لتخطفن أبصارهم رواه مسلم وغيره
ولو كان الله ليس فوق بل هو في السفل كما هو في الفوق لا لاختصاص أحد الجهتين به لم يكن رفع البصر إلى السماء ينافي الخشوع بل كان يكون بمنزلة خفضها الوجه الرابع إن الذين يرفعون أيديهم وأبصارهم وغير ذلك إلى السماء وقت الدعاء تقصد قلوبهم الرب الذي هو فوق وتكون حركة جوارحهم بالإشارة إلى فوق تبعاً لحركة قلوبهم إلى فوق وهذا أمر يجدونه كلهم في قلوبهم وجداً ضرورياً إلا من غيرت فطرته باعتقاد يصرفه عن ذلك وقد حكى محمد بن طاهر المقدسي عن الشيخ أبي جعفر الهمذاني أنه حضر مجلس
أبي المعالي فذكر العرش وقال كان الله ولا عرش ونحو ذلك وقام إليه الشيخ أبو جعفر فقال يا شيخ دعنا من ذكر العرش وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا فإنه ما قال عارف قط يا الله إلا وجد في قلبه ضرورة لطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة قال فضرب أبو المعالي على رأسه وقال حيرني الهمذاني فأخبر هذا الشيخ عن كل من عرف الله أنه يجد في قلبه حركة ضرورية إلى العلو إذا قال يا الله وهذا يقتضي أنه في فطرتهم وخلقتهم العلم بأن الله فوق وقصده والتوجه إليه إلى فوق الوجه الخامس أن الناس مع اختلاف عقائدهم وأديانهم
يشيرون إلى السماء عند الدعاء لله تعالى والرغبة إليه وكلما عظمت رغبتهم واشتد إلحاحهم قوي رفعهم إشارتهم وهذا لما كان دعاء الاستسقاء فيه الرغبة والإلحاح ما ليس في غيره كان رفع النبي صلى الله عليه وسلم وإشارته فيه أعظم منه في غيره وهذا يفعلونه إذا دعوا الله مخلصين له الدين عندما يكونون مضطرين إلى الله عند الرغبة والرهبة مثل ركوب البحر وغيره وفي تلك الحال يكونون قاصدين الله قصداً قوياً بل لا يقصدون غيره ويقرنون بقصد قلوبهم وتوجهها إشارتهم بعيونهم ووجوههم وأيديهم إلى فوق ومعلوم أن الإشارة تتبع قصد المشير وإرادته فإذا لم يكونوا قاصدين إلا الله ولا مريدين إلا إياه لم تكن الإشارة إلا إلى ما قصدوه وسألوه فإنه في تلك الحال لا يكون في قلوبهم إلا شيئان لمسئول والمسئول منه ومعلوم أن الإشارة باليد وغيرها ليست إلى الشيء المسئول المطلوب من الله ولا يخطر بقلوبهم أن هذه الإشارة إلى ذلك ولا ادعاه المنازع في ذلك في أكثر الأوقات ولا يكون فوق فلم يبق ما تكون الإشارة إليه إلا المدعو المقصود وإلا كانت الإشارة إلى ما لم يقصده الداعي ولم يشعر به وهذا ممتنع وهذا واضح لمن تدبره الوجه السادس أنهم يقولون بألسنتهم ارفعوا أيديكم إلى الله ونحو ذلك من العبارات وهذا إخبار عن أنفسهم أنهم
يقصدون الإشارة إل الله ورفع الأيدي إليه وإذا كان هذا الخبر لم يتواطؤوا عليه ولم يجمعهم عليه أحد كان اتفاقهم في الخبر عما في نفوسهم كاتفاقهم في سائر الأخبار التي تجري مجرى هذا من الأمور الحسية الضرورية وغير ذلك الوجه السابع أن هذا الرفع يستدل به من وجوه أحدها أن العبد الباقي على فطرته يجد في قلبه أمراً ضرورياً إذا دعا الله دعاء المضطر أنه يقصد بقلبه الله الذي هو عالٍ وهو فوق الثاني أنه يجد حركة عينيه ويديه بالإشارة إلى فوق تتبع إشارة قلبه إلى فوق وهو يجد ذلك أيضاً ضرورة الثالث أن الأمم المختلفة متفقة على ذلك من غير مواطأة الرابع أنهم يقولون بألسنتهم إنا نرفع أيدينا إلى الله ويخبرون عن أنفسهم أنهم يجدون في قلوبهم اضطرارً إلى قصد العلو فالحجة تارة بما يجده الإنسان من العلم الضروري في نفسه وتارة بما يخبر به الناس عن أنفسهم من العلم الضروري وتارة بما يدل على العلم الضروري في حق الناس وتارة بأن الناس لا يتفقون على ضلالة فإنه إذا كان إجماع المسلمين وحدهم لا يكون إلا حقاً فإجماع جميع الخلق الذين منهم المسلمون أولى أن لا يكون إلا حقاً وبهذه المجامع يظهر
الجواب عما تذكر الجهمية وجماعه شيئان أحدهما أن يكون الناس مخطئين في هذا الرفع لاعتقادهم أن الله فوق وليس هو فوق وهذا جوابه في نهايته الثاني أن يكون الرفع إلى بعض المخلوقات إما الملائكة أو الجهة الشريفة أو العرش الذي هو القبلة ومن تدبر ما بيناه علم امتناع هذين الوجهين ونحن نفصل ذلك الوجه الثامن قوله إن الرفع إلى فوق لأن الجهة العالية أشرف من السافلة بظهور الأنوار منها وأن الهواءالذي هو مادة النفس منها وأن النظر إليها مضمونه أن ما يحتاج إليه الآدميون من الرزق الذي هو الماء والهواء ومن النور يأتي من الجهة العالية فكانت أشرف فيقال له أولاً لا ريب أن حاجتهم إلى الأرض وما فيها أكثر فإن عليها قرارهم ومنها تخرج أرزاقهم التي هي النبات وفيها الحيوان وهي كما قال الله تعالى فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ {25} [الأعراف 25] ولهذا كان نظر أبصارهم إلى الأرض وما فيها أكثر من نظرهم إلى السماء وما
فيها فعلم أن النظر الذي يكون لأجل الحاجة إلى المنظور إليه لتعلق القلب به هو إلى الأرض أكثر منه إلى السماء ويقال له ثانياً الاحتجاج إنما هو برفع أيديهم وأبصارهم حين الدعاء لله وحده شريك له فأما دعوى غير الله فإنما يرفعون أيديهم إن رفعوها إلى جهة ذلك المدعو وأما في غير قصد الله ودعائه وذكره فإنهم يلتزمون الإشارة إلى السماء بل إنما يشير أحدهم إن أشار إلى شيء معين مثل الشمس والقمر وغير ذلك وإذا كان الأمر كذلك كان ما ذكره من الإشارة إلى الجهة لشرفها من أبطل الباطل فإن ذلك إنما يتوجه لو كان المذكور هو إشارتهم إلى فوق مطلقاً وهذا خلاف الواقع بل إنما يشيرون الإشارة المذكورة إذا دعوا الله مخلصين له الدين وأين هذا من هذا ويقال له ثالثاً قد تقدم أنهم يعلمون ويخبرون أنهم إنما يشيرون إلى الله إلى محض الجهة الوجه التاسع قوله إن الإشارة قد تكون إلى الملائكة التي هي مدبرة أمر العباد يقال له أولاً إشارة الإنسان إلى الشيء مشروطة بشعوره به وقصد الإشارة إليه فإن لم يشعر به ولم يقصد الإشارة إليه محال أن يشير إليه والداعون لله مخلصين له الدين لا تخطر لهم
الملائكة في تلك الحال فضلاً عن أن يقصدوا الإشارة إليها وكل منهم يعلم من نفسه ويسمع من غيره بل ويعلم منه بغير سمع أنه لم يقصد الإشارة إلى الملائكة وإذا كانوا يعلمون من أنفسهم أنهم لم يشيروا إلى الملائكة ولا إلى محض الجهة كان حمل إشارتهم على هذا مع علمهم أنهم لم يقصدوا ذلك مثل من يحمل سجود المسلمين في أوقات صلواتهم على أنهم يسجدون للكواكب والملائكة بل الإشارة في الدعاء إلى الله أبلغ وذلك أن السجود في الظاهر مشترك بين من يسجد لله ويسجد لغيره وأما الذي يقول بلسانه إنه يدعو الله وهو مع ذلك يشير مع دعائه فالظن به أنه أشار إلى غير الله أقبح من الظن بالمسلمين أنهم يسجدون لغير الله وقال له ثانياً الإشارة إلى الملائكة حين دعاء الله وحده لا شريك له إشراك بالله بل دعاء الملائكة ومسألتهم إشراك بالله فكيف بالإشارة إليهم حين دعاء الله وحده لا شريك له وقيل له ثالثاً الاحتجاج ليس بمطلق الإشارة إلى فوق بل الإشارة عند دعاء الله وحده لا شريك له ومن المعلوم أنه لا يجوز في تلك الحال رفع الأيدي إلى الملائكة فكيف يحمل حال الأنبياء والمرسلين وسائر عباد الله المخلصين على أنهم رفعوا أيديهم إلى غير الله حين مسألتهم لله وحده وقيل له رابعاً لا يجوز لأحد أن يرفع يديه داعياً لا إلى الملائكة ولا إلى غير الملائكة بل هذا من خصائص الربوبية
ومن جوز رفع الأيدي عند الدعاء إلى غير الله فهو من المشركين الذين يدعون غير الله قال تعالى وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً {18} وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً {19} قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً {20} [الجن 18-20] وقال تعالى قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللهُ [الأنعام 71] الآية وقال تعالى وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام 108] وقال وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الفرقان 68] الآية وقال وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ {11} يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ {12} [الحج 11-12] وقال تعالى فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ {213} [الشعراء 213] وقال تعالى وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ [المؤمنون 117] وقال تعالى وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلَائِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً [آل عمران 80] ولهذا كانت الإشارة إليه من تمام دعائه وذلك من تحقيق كونه الصمد الذي يصمد العباد إليه فإنه قصده بالباطن والظاهر والقلب وسائر الجسد أكمل من قصده بالقلب فقط فيكون الإشارة إليه من تمام كونه صمداً ويكون اسم الصمد مستلزماً لذلك فكونه موجوداً يوجب المباينة التي تقتضي
الإشارة إليه وكونه صمداً مقصوداً يقتضي الدعاء المتضمن الإشارة إليه والإشارة إلى غيره بالدعاء إشراك به وإخراج له عن أن يكون أحداً فظهر أن هؤلاء الجهمية منكرون لحقيقة كونه أحداً صمداً وأنهم جاحدون لحقيقة دعائه مسوغين للإشراك به فإن أهل السنة هم الموحدون له والمكملون لحقيقة الإقرار بأنه الأحد الصمد وهذا ظاهر ولله الحمد وبين هذا أن هؤلاء الجهمية ومن دخل فيهم من الملاحدة والفلاسفة والصابئين وغيرهم لا يعتقدون حقيقة الدعاء لله ولا يؤمنون أن الله على كل شيء قدير لاسيما من يقول منهم إنه موجب بالذات لا يمكنه أن يغير شيئاً ولا يحدثه فالدعاء عندهم إنما يؤثر تأثير النفوس البشرية وتصرفها في هيولي العالم وإذا كان كذلك فهم في الحقيقة لا يقصدون الله أن يفعل شيئاً ولا يحدث شيئاً ولا يطلبون منه شيئاً ولكن يقوون نفوسهم قوة يفعلون بها والعلم الضروري حاصل
بالفرق بين ما يفعله الحيوان بنفسه وبين ما يطلبه من غيره فإذا كان دعاء العباد عندهم لا معنى له إلا أنهم يفعلون بأنفسهم لم يكونوا دعين لله قط ومن لم يكن داعياً لله فإنه لا يشير إليه عند الدعاء بل ذلك عبث بل قوله يا الله افعل كذا عبث وهذا حقيقة مذهب القوم إبطال ما بعثت به الرسل من أنواع الأدعية وإبطال ما فطر الله عليه عباده من ذلك وهؤلاء هم أصل التجهم والتعطيل فمن وافقهم في شيء من ذلك كان من الجاحدين لأن يكون الله هو الموجود المقصود المدعو المعبود ولهذا تجد غالب هؤلاء النفاة لأن يكون الله فوق العرش فيهم من الانحلال عن دعاء الله ومسألته وعبادته بقدر ذلك إلا من يكون منهم جاهلاً بحقيقة مذهبهم يوافقهم بلسانه على قول لا يفهم حقيقته وفطرته على الصحة والسلامة فإنه يكون فيه إيمان ونفاق فأما إذا استحوذ على قلبه تغيرت فطرته وهؤلاء يعرضون عن دعاء الله وعبادته مخلصين له الدين عند الاختيار ويجادلون في ذلك لكن عند الاضطرار هم كما قال الله تعالى وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ {32} إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ {33} أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ {34} وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ {35} [الشورى 32-35] لاسيما على أشهر القراءتين وهي قراءة
النصب في قوله وَيَعْلَمَ فإن ذلك من باب قولهم لا تأكل السمك وتشرب اللبن ومثل هذا في الإعراب قوله أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا
يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ {142} [آل عمران 142] ومعنى آية الشورى أنه سبحانه إن شاء أسكن فيظللن رواكد على ظهره وإن شاء أوبقهن بما كسبوا ويعفو عن كثير ويعلم الذين يجادلون في آياتنا وهذا كله في جواب إِن يَشَأْ أي وإن يشأ يهلكهن بذنوبهم ويعفُ أيضاً عن كثير منها ويجتمع مع ذلك علم المجادلين في آياتنا بأنهم ما لهم من محيص فهو إن شاء جمع بين أن يهلك بعضاً ويعفو عن بعض وبين علم المجادلين في آياته حينئذ أنه ما لهم من محيص الوجه العاشر قوله وأيضاً أنه تعالى جعل العرش قبلة لدعائنا كما جعل الكعبة قبلة لصلاتنا يقال له هذا باطل معلوم بالاضطرار بطلانه عقلاً وديناً وذلك يظهر بوجوه أحدها أن المسلمين مجمعون على أن القبلة التي يشرع للداعي استقبالها حين الدعاء هي القبلة التي شرع استقبالها حين ذكر الله كما تستقبل بعرفة والمزدلفة وعلى الصفا والمروة وكما يستحب لكل ذاكر لله وداع أن يستقبل القبلة كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقصد أن يستقبل القبلة حين الدعاء وكذلك هي التي يشرع استقبالها بتوجيه الميت إليها وتوجيه النسائك والذبائح إليها وهي التي ينهى عن استقبالها بالبول والغائط فليس للمسلمين بل ولا لغيرهم قبلتان أصلاً في العبادات التي هي من جنسين
كالصلاة والنسك فضلاً عن العبادات التي هي من جنس واحد وبعضها متصل ببعض فإن الصلاة فيها الدعاء في الفاتحة وغيرها والدعاء نفسه هو الصلاة قد سماه الله في كتابه صلاة حيث قال وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ [التوبة 103] وفي الصحيح عن عبد الله بن أبي أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه قوم بصدقتهم صلى عليهم وإن أبي أتاه بصدقة فقال اللهم صلِّ على آل أبي أوفى وقد قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً {56} وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أمته الصلاة عليه في غير حديث في الصحاح وغيرها في جميعها إنما يعلمهم الدعاء الله بصلاة الله وبركاته كما قال قولوا اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على
إبراهيم وعلى أل إبراهيم إنك حميد مجيد وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع بحيث تكلمنا على مسمى الصلاة في اللغة الذي هو الدعاء وأن الصلاة المشروعة هي دعاء كلها فإن الدعاء هو قصد المدعو تارة لذاته وتارة لمسألته أمراً منه وهذا كالشخص يدعو غيره ويطلبه ويقصده تارة لذاته وتارة لأمر يطلبه منه والصلاة تتضمن هذين النوعين عبادة الله والثناء عليه والسؤال له وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم النوعين في الحديث الذي في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله سبحانه وتعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {2} قال الله حمدني عبدي فإذا قال الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ {3} قال الله أثنى علي عبدي فإذا قال العبد مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ {4} قال الله مجدني عبدي أو قال فوض إليَّ عبدي فإذا قال اعبد إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ {5} قال الله هذه الآية بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد اهدِنَا الصِّرَاطَ
المُستَقِيمَ {6} صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ {7} قال الله فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه أنه قال قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ومسمى الصلاة في اللغة قد قالوا إنه مسمى الدعاء والدعاء نوعان كما تقدم والنصف الذي للرب جل وعلا هو الثناء عليه والمقصود بذلك نفسه سبحانه وتعالى فهو بذلك معبود مقصود مدعو لنفسه والنصف الآخر الذي للعبد هو السؤال والطلب منه وهو بذلك يقصد لذلك الأمر ويسأل ويطلب منه وهو الصمد في الأمرين لا يصح لغيره لا هذا الصمد ولا هذا الصمد وهو أيضاً أحد في هذين لا يصلح لغيره أن يكون هو المعبود ولا أن يكون هو المتوكل عليه المستعان به المسئول منه فهو الأحد الصمد في النصف الذي له كقوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ وهو الأحد الصمد في النصف الذي للعبد كقوله وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ {5} ولهذا قال من قال من السلف إن الله سبحانه أنزل مائة كتاب وأربعة كتب جمع معانيها في الأربعة وجميع معاني الأربعة في القرآن وجميع معاني القرآن في المفصل وجميع معاني المفصل في أم القرآن وجمع معاني أم القرآن في قوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ
نَسْتَعِينُ {5} وقد بسطنا الكلام على هذا في مواضع في غير هذا الكتاب وبينا تعلق العبادة بالإلهية فإن الإله هو المعبود وتعلق الاستعانة بربوبيته فإن رب العباد الذي يربيهم وذلك يتضمن أنه الخالق لكل م فيهم ومنهم والإلهية هي العلة الغائية ولربوبية هي العلة الفاعلية والغائية هي المقصودة وهي علة فاعلية للعلة الفاعلية ولهذا قدم قوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ على قوله وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ {5} وتوحيد الإلهية يتضمن توحيد الربوبية فإنه من لم يعبد إلا الله يندرج في ذلك أنه لم يقر بربوبية غيره بخلاف توحيد الربوبية فإنه قد أقر به عامة المشركين في توحيد الإلهية كما قال تعالى وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَاّ وَهُم مُّشْرِكُونَ {106} [يوسف 106] ذكر البخاري
في صحيحه عن عكرمة وغيره تسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون الله وهم مع هذا يعبدون غيره وقد أخبر عنهم بذلك في قوله وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وفي قوله قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {84} سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ {85} قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ {86} سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ {87} قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {88} سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ {89} بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ {90} مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ {91} عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ {92} [المؤمنون 84-92] فأخبر عن هؤلاء الذين نزه نفسه عن إشراكهم وأخبر أنهم كاذبون في عدولهم عن الحق الذي جاء به ورد عليهم أنه مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ أنه إذا سألهم لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا سَيَقُولُونَ لِلَّهِ وإذا سألتهم مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ {86} سَيَقُولُونَ لِلَّهِ وإذا سألتهم مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {88} سَيَقُولُونَ لِلَّهِ فالأول إقرارهم بأن الأرض وما فيها لله والثاني إقرارهم بأن السموات السبع والعرش العظيم لله
والثالث إقرارهم بأن ملكوت جميع الأشياء بيده وأنه الذي يمنع المخلوق وينصره فيجيره من الضرر والأذى فيجير على من يشاء ولا يجير عليه أحد فإذا أراد بأحد ضرراً لم يمنعه مانع وإذا رفع الضرر عن أحد لم يستطع أحد أن يضره وفي كون ملكوت كل شيء بيده بيان أنه هو المدبر النافع له فهو الذي يأتي بالمنفعة وهو الذي يدفع المضرة كما قال في الآية الأخرى قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ [الزمر 38] وكما قال في الآية الأخرى وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَاّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِ [يونس 107] وإذا كانوا مقرين بهذا فهذا إقرار منهم بعموم ربوبيته وتدبيره لكل شيء وهو أعظم من إقرار القدرية والصابئة والمتفلسفة الطبيعية ونحوهم ممن يجعل الرب لبعض الكائنات شيئاً غير
الله وهو مع هذا قد أخبر أنهم مشركون ونزه نفسه عن شركهم لكونهم عبدوا معه غيره لا لكونهم اعتقدوا أن للعالمين رباً معه وكذلك قوله قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ {59} أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ [النمل 59-60] إلى آخر الآيات يستفهم فيها كلها استفهام إنكار هل يفعل هذه الأمور أحد من الآلهة التي يعبدون من دون الله فإن قوله أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ [النمل 60] اسم واحد وقع صفة لإله يس هو جملة واحدة كما ظنه طائفة من المفسرين واعتقدوا أن المعنى مع الله إله فإن القوم كانوا يجعلون مع الله آلهة أخرى وقد ذكر ذلك في السورة بقولهءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ {59} فلا يفيد استفهامهم عما هم معترفون به وأيضاً فإن جوابهم المستفهم عنه لا يكون إلا مفرداً لا يكون جملة فإذا قيل من فعل هذا فإنه يقال فلان أم فلان لا يذكر جملة بل لو كان ذلك لم ينتظم الكلام ولكن المقصود
أن هذه الآلهة التي تدعونها من دون الله هل هي التي فعلت هذه الأمور أم الله وحده فعلها فإن القوم كانوا مقرين بأن الله وحده هو الفاعل لهذه الأمور وهذا شأن استفهام الإنكار فإنه يتضمن نفي المستفهم عنه والإنكار على من أثبته والقوم كانوا معترفين بذلك لكن كانوا مع ذلك مشركين به الآلهة التي يعلمون أنها لم تفعل ذلك فأنكروا عليهم ذلك وزجروا عنه ومثل هذا في القرآن كثير ومن عرف هذا عرف الشرك الذي ذمه الله في كتبه وأرسل رسله جميعاً بالنهي عنه كما قال تعالى وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ {45} [الزخرف 45] وقال تعالى وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [النحل 36] والعبادة تتضمن كمال المحبة وكمال الخضوع قال تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ [البقرة 165] فهذه السورة يعني الفاتحة التي قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها أعظم سورة في القرآن وأنه لم ينز في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها وقد ذكر فيها جماع الكتب الإلهية بقوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ {5} ومما يشبهها قوله عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ {10}
وقوله فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود 123] وقوله عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ {30} [الرعد 30] وهذان هما نوعا الدعاء كما تقدم وهما جميعاً مختصان بالله حقان له لا يصلحان لغيره بل دعاء غير أحد بالنوعين شرك كما قال تعالى وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً {18} وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً {19} قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً {20} [الجن 18-20] وقال تعالى فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ {213} [الشعراء 213] وقال تعالى قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ [الفرقان 77] وقال وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ {101} [هود 101] فغير الله لا يجوز أن يكون مستعاناً به متوكلاً عليه لأنه لا يستقل بفعل شيء أصلاً فليس من الأسباب ما هو مستقل بوجود المسبب لكن له شريك فيه وما ثم علة تامة إلا مشيئة الله فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وكذلك لا يجوز أن يكون غيره معبوداً مقصوداً لذاته أصلاً فإن ذلك لا يصلح له ولهذا كان الشرك غالباً على بني آدم كما قال تعالى وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَاّ وَهُم مُّشْرِكُونَ {106} [يوسف 106] فيكون أحدهم عبداً لغيرالله متألهاً له مما يحبه ويجله ويكرمه ويخافه ويرجوه حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد الخميصة إن أعطي رضي وإن
منع سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش وهذا باب واسع ليس هذا موضع بسطه وقد قدمنا أن كلا النوعين يوجب اختصاص الرب سبحانه وتعالى بأنه الأحد وبأنه الصمد فإن كونه أحداً يوجب أن لا يشرك به في العبادة والاستعانة فلا يدعى غيره والاسم الصمد جاء معرفاً ليبين أنه هو الصمد الذي يستحق أن يصمد إليه بكلا نوعي الصمد وهذان الاسمان لم يذكرا في القرآن إلا في هذه السورة التي قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنها تعدل ثلث القرآن ثم ما روي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة فشق ذلك عليهم وقالوا أينا يطيق ذلك يا رسول الله
قال قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ {1} ثلث القرآن رواه البخاري وروي عنه أيضاً عن قتادة بن النعمان أن رجلا كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ {1} يرددها لا يزيد عليها فلما أصبح أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن فلاناً بات الليلة يقرأ في السحر قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ {1} يرددها ر يزيد عليها كأن الرجل يتقالّها فقال النبي صلى الله عليه وسلم فوالذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن وروى مسلم عن أبي هريرة قال خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أقرأ عليكم ثلث القرآن فقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ {1}
حتى ختمها وروى مسلم أيضاً عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن قال قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ {1} تعد ثلث القرآن وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فكن يختم ب قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ {1} فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سلوه لأيٍّ يصنع ذلك فسألوه فقال إنها صفة الرحمن وجل فأنا أحب أن أقرأ بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه أن الله يحبه رواه البخاري ومسلم وقد قال من قال من العلماء هي ثلث القرآن لأن القرآن ثلاثة أقسام قسم توحيد وقسم قصص وقسم أمر ونهي وهذه فيها التوحيد وهذا الذي قاله إنما يتم إذا كانت
جامعة للتوحيد والأمر كذلك فإن هذين الاسمين يستلزمان سائر أسماء الله الحسنى وما فيها من التوحيد كله قولاً وعملاً والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذين الاسمين فقال الله الواحد الصمد تعدل ثلث القرآن وذلك أن كونه أحداً وكونه الصمد يتضمن أنه الذي يقصده كل شيء لذاته ولما يطلب منه وأنه مستغنٍ بنفسه عن كل شيء وأنه بحيث لا يجوز عليه التفرق والفناء وأنه لا نظير له في شيء من صفاته ونحو ذلك مما ينافي الصمدية وهذا يوجب أن يكون حياً عالماً قديراً ملكاً قدوساً سلاماً مهيمناً عزيزاً جباراً متكبراً إذا تبين ذلك فالدعاء الذي ذكره الرازي هنا هو أحد نوعي الدعاء وهو دعاء المسألة والطلب منه قال تعالى وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة 186] وهذا في الكلام نظير الذكر الذي هو ثناء وتحميد لله تعالى ولهذا يقال في الفاتحة نصفها ثناء ونصفها دعاء ومن المعلوم أن استقبال القبلة في هذا كاستقبالها في الذكر
أو أوكد والقبلة التي تستقبل بهذا الدعاء هي قبلة الصلاة بعينها ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد في الدعاء يستقبلها كما فعله في أثناء الاستسقاء الذي رفع فيه يديه رفعاً تاماً فعن عباد بن تميم عن عمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بالناس يستسقي فصلى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيهما وحول رداءه ورفع يديه فدعا وستسقى واستقبل القبلة رواه الجماعة أهل الصحاح والسنن والمسانيد كالبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه
وغيرهم فأخبر أنه استقبل القبلة التي هي قبلة الصلاة في أثناء دعاء الاستسقاء وإذا كانت قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة بعينها كان قول الجهمي إن العرش والسماء قبلة للدعاء قول مخالف لإجماع المسلمين ولما علم بالاضطرار من دين الإسلام فيكون من أبطل الباطل الوجه الثاني في ذلك وهو الحادي عشر أن توجه الخلائق بقلوبهم وأيديهم وأبصارهم إلى السماء حين الدعاء أمر فطري ضروري عقلي لا يختص به أهل الملل والشرائع بل يفعله المشركون وغيرهم ممن لا يعرف العرش ويسمع به
ولا يعلم أن فوق السماء لله عرشاً فلو كان الرفع إنما هو إلى العرش فقط الذي هو قبلة لم يقصد ذلك الرفع إلا من علم أن هناك عرشاً كما لا يقصد التوجه إلى القبلة إلا من علم أن الكعبة التي يستقبلها المسلمون هناك لأن القصد والإرادة لا يكون إلا بعد الشعور بالمقصود فمن لم يشعر أن هناك عرشاً امتنع أن يقصد الرفع إلى العرش وهذا تحقيق ما تقدم من أن العلو لله علم بالفطرة والعقل وأما استواؤه على العرش فإنما علم بالسمع الوجه الثالث في ذلك وهو الثاني عشر أن يقال كون العرش أو السماء قبلة للدعاء لا يثبت بغير الشرع فإن اختصاص بعض الجهات والأمكنة بأنه يستقبل دون غيرها هو أمر شرعي
ولهذا افترقت أهل الملل كما قال تعالى وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا [البقرة 148] فلو كان الله قد جعل العرش أو السماء قبلة للدعاء كان في الشريعة ما يبين ذلك ومعلوم أنه ليس في الكتاب والسنة ولا شيء من الآثار عن سلف الأمة ولا أئمتها ولا في الآثار عن الأنبياء المتقدمين كموسى وعيسى وغيرهما من المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين أن العرش أو السماء قبلة للدعاء فعلم أن دعوى ذلك من أعظم الفرية على الله وأن هذا من جملة افتراء الجهمية ونحوهم على الله وعلى رسله ودينه الوجه الرابع وهو الثالث عشر أن القبلة أمر تتميز به الملل ويقبل النسخ والتبديل كما قال تعالى قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ {144} وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ {145} الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ إلى قوله وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً [البقرة 144-148] فأخبر سبحانه أن لكل أمة وجهة يستقبلونها
وولى محمداً قبلة يرضاها فأمره بأن يولي وجهه شطر المسجد الحرام بعد أن كان قد أمره أن يصلي إلى بيت المقدس هو وأمته فصلى إلى بيت المقدس بعد مقدمه المدينة بضعة عشر شهراً وصلى إليها قبل مقدمه المدينة وقد روي أنه كان بمكة يجعل الكعبة بينه وبين المسجد الأقصى وإذا كانت القبلة أمراً يقبل النسخ والتبديل وهو مختلف في أمر الملل فيجب على هذا التقدير إذا كان العرش أو السماء قد جعل قبلة للدعاء أن يجوز تغيير ذلك وتبديله حتى يجوز أن يدعى اله إلى نحو الأرض ويجوز أن يدعوه الإنسان من الجهات الست ويمد يده وعينيه إلى سائر جهاته وأن يكون ذلك قبلة لبعض الداعين دون بعض وهذا مع أنه قد ذكر غير
واحد إجماع المسلمين على تخطئة قائله وفاعله فالعلم بذلك اضطراري فإن بني آدم مفطورون على أن لا يتوجهوا بقلوبهم وأيديهم إلى غير الجهة العالية ولا يقصدوا الله من تحت أقدامهم ويمدوا أيديهم إلى تلك الجهة السافلة ولا إلى غير الجهة العالية الوجه الخامس وهو الرابع عشر أن الله تعالى قد قال وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ [البقرة 115] فأخبر أن العبد حيث استقبل فقد استقبل قبلة الله ليبين أنه حيث أمر العبد بالاستقبال والتولية فقد استقبل وولي قبلة الله ووجهته ولهذا ذكروا أن هذه الآية فيما لا يتعين فيه استقبال الكعبة كالمتطوع الراكب في السفر فإنه يصلي حيث توجهت به راحلته والعاجز الذي لا يعلم جهة الكعبة أو لا يقدر على استقبال
الكعبة فإنه يصلي بحسب إمكانه إلى أي جهة أمكن وذكروا أيضاً أنه نسخ ما تضمنته من تسويغ الاستقبال بيت المقدس كما كان ذلك قبل النسخ وإذا كان هذا في القبلة المعروفة للصلوات التي يجب فيها استقبال قبلة معينة في الفريضة وفي التطوع في المقام فينبغي أن يكون في قبلة الدعاء أولى وأحرى فإن الدعاء لا يجب فيه استقبال قبلة معينة بإجماع المسلمين ولا يجب أن يستقبل القبلة المعروفة ولا أن يرفع يديه لا عند من يقول إن السماء والعرش قبلة الدعاء ولا عند من لا يقول بذلك وإذا كان هذا لازماً اقتضى جواز الإشارة في الدعاء إلى غير فوق فيجب أن تجوز الإشارة بالأيدي حين الدعاء إلى الأرض والتيامن والتياسر وقد تقدم قول من حكى إجماع المسلمين على خلاف ذلك وعلى تخطئة من يجوز
ذلك كالقاضي أبي بكر وأيضاً فمن المعلوم بالفطرة الضرورية أن أحداً لا يقصد ذلك ولا يريده فعلم بطلان ما زعموه من كون العرش أو السماء قبلة الدعاء الوجه السادس وهو الوجه الخامس عشر أن القبلة ما يستقبله الإنسان بوجهه وكذلك يسمى وجهة ووجهاً وجهة لاستقبال الإنسان له بوجهه وتوجهه إليه كما قال تعالى وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا والاستقبال ضد الاستدبار فالقبلة ما يستقبله الإنسان ولا يستدبره فأما ما يرفع الإنسان إليه يده أو رأسه أو بصره فهذا باتفاق لا يسمى قبلة لأن الإنسان لم يستقبله كما لا يستدبر الجهة التي تقابله ومن استقبل شيئاً فقد استدبر ما يقابلها ومعلوم أن الداعي لا يكون مستقبلاً للسماء ومستدبراً للأرض بل يكون مستقبلاً لبعض الجهات إما القبلة أو غيرها مستدبراً لما يقابلها كالمصلي فظهر أن جعل ذلك قبلة باطل في العقل واللغة والشرع بطلاناً ظاهراً لكل أحد الوجه السابع وهو السادس عشر أن القبلة أمر يحتاج إلى توقيف وسماع وليس في الفطرة والعقل ما يخص مكاناً دون مكان باستقباله في الصلاة والدعاء أو غير ذلك فلو كان
الداعون إنما يقصدون برفع أيديهم وأبصارهم وغير ذلك استقبال بعض المخلوقات مثل العرش أو السماء وغير ذلك من غير أن يكون الرفع إلى الخالق تعالى لم يفعلوا ذلك إلا عن توقيف وسماع ومن المعلوم أنهم يفعلون ذلك بفطرتهم وعقولهم من غير أن يوقفهم عليه أحد ولا تلقوه عن أحد الوجه الثامن وهو السابع عشر أن القبلة لا يجد الناس في أنفسهم معنى يطلب تعيينها ولا فرقاً بين قبلة وقبلة ولهذا لما أمر المسلمون باستقبال المسجد الأقصى ثم أمروا باستقبال المسجد الحرام كان هذا جميعه عندهم سائغاً لا يجد المؤمنون في أنفسهم حرجاً من ذلك ولا تفريقاً بينه فلو كان الرفع والتوجه إلى جهة السماء لكونه قبلة لكان ذلك عند الناس مؤمنهم وغير مؤمنهم منزلة التيامن والتياسر والسفل والقفا ومن المعلوم أنهم يجدون في أنفسهم طلباً ضرورياً لما فوق فهذه المعرفة والطلب الضروري الذي يجدونه بطلب العلو دون السفل يمنع أن يكون لونه قبلة وضعية بل ذلك يقتضي أن المطلوب المدعو هناك كما يجدونه أيضاً في أنفسهم ويقرون به بألسنتهم الوجه التاسع وهو الوجه الثامن عشر أنه قد اعترف في
نهايته بأن الناس إنما يرفعون إلى الله وأعرض عن هذه الأجوبة الثلاثة التي ذكرها هنا وهو أن الرفع للجهة التي تتعلق بها منافعهم من الأنوار والأرزاق أو لمن فيها من الملائكة أو لكون العرش قبلة الدعاء وذلك أنه قد علم علماً يقينياً أن الخلائق إنما يقصدون بالرفع الرفع إلى الله لكن تكلم في المقدمة الثانية وهو أن ذلك يدل على علمهم الضروري بأن الذي يطلب منه تحصيل المطالب وتيسير العسير في تلك الجهة بما تقدم ذكره ونحن نتكلم عليه الوجه التاسع عشر أن الإشارة مع العبارة هي لمن ذكر في العبارة سواء كان ذلك في الجمل الخبرية أو الجمل الطلبية وسواء في ذلك إشارة بلفظ هذا أو نحوه من ألفاظ الإشارة وألفاظ الدعاء والنداء وذلك أن المتكلم إذا قال فعل هذا الرجل أو هذا الرجل ينطلق أو أكرم هذا الرجل ونحو ذلك فإن العبارة وهي لفظ هذا يطابق ما يشير إليه المتكلم ولهذا سمى النحاة هذه أسماء الإشارة وهذه الألفاظ بنفسها لا تعيِّن المراد إلا بإشارة المتكلم إلى المراد بها ولهذا من سمع هذا وذاك وهؤلاء وأولئك لم يعرف إلى أي شيء أشار المتكلم لم يفهم المراد بذلك فالدلالة على العين هي بمجموع
اللفظ وبالإشارة إذ هذه الألفاظ ليست موضوعة لشيء بعينه وإنما هي موضوعة لجنس ما يشار إليه وأما تعيين المشار إليه فيكون بالإشارة مع اللفظ كم أن أداة أل التعريف موضوعة لما هو معروف من الأسماء أما كون الشيء معروفاً فذاك يجب أن يكون معروفاً بغير اللام إما بعلم متقدم أو ذكر متقدم وكذلك المعرف بالنداء فإن النداء والدعاء من أسباب التعريف فالمنادي المعرفة يكون مضموماً وإن كان نكرة كان منصوباً فإذا نادى المنادي رجلاً مطلقاً قال يا رجلاً كقول الأعمى يا رجلاً خذ بيدي ومن نادى رجلاً بعينه قال يا رجل كقول موسى عليه السلام ثوبي حجر ثوبي حجر وهذا المنادى المعين يشير إليه الداعي المنادي فيقصده بعينه بخلاف المطلق الذي يدل عليه لفظ النكرة وكقوله رجلاً خذ بيدي فإنه هنا لم يشر إلى شيء بعينه فهذا التعريف بالنداء إنما هو يتعين في الباطن بقصد الداعي وفي الظاهر بإشارته
والمنادى الداعي ونحوه من ذوي الطلب والاستدعاء أو المخبر المحدث قد يشير إشارة ظاهرة إلى المنادى وغيره من المقصودين إما لتعريف المخاطبين إذا لم يعرفوا المعين إلا بذلك مثل من ينادي رجلاً بعينه في رجال فيقول يا رجل أو يا هذا أو يا زيد ويكون هناك جماعة اسمهم زيد ولا بد أن يشير إليه إما بتوجيه وجهه نحوه أو بعينه أو برأسه أو يده أو غير ذلك وتارة يشير توكيداً وتحقيقاً لخطابه إذا كان متميزاً بالاسم ولا يجوز أن يدعو أحداً وتكون الإشارة إلى غير من دعا فلا يجوز أن يقول يا زيد ويشير إلى غير من قصده أو يا هذا ويشير إلى غير من قصده فإذا قال الداعي اللهم وأشار برأسه أو عينه أو وجهه أو يده أو أصبعه لم تكن إشارته إلا إلى الله الذي دعاه وناداه وناجاه لا إلى غيره إذ المدعو المنادى من شأن الداعي أن يشير إليه وليس هنا من يشير إليه الداعي بقوله اللهم أو يا الله ونحو ذلك إلا الله فهو الذي يشير إليه بباطنه وظاهره وإشارته إليه بباطنه وظاهره هي قصده وصمده ذلك من معنى كونه صمداً أي يصمد العباد له وإليه ببواطنهم وظواهرهم وهو من معنى كونه مقصوداً مدعواً معبوداً وهو من كمعنى إلهيته فيدعونه ويقصدونه ببواطنهم وظواهرهم فكما لا يجوز أن يكون القصد بالقلب إذا قالوا يا الله لغيره بل المقصود
بالباطن فكذلك هو أيضاً المقصود بالظاهر إذا قالوا يا الله وأشاروا بظواهرهم بحركة ظاهرة بالإشارة إليه والتوجه نحوه وقصده كحركة بواطنهم بالإشارة إليه والتوجه نحوه وقصده لكن الظاهر تبع للباطن ومكمل له فمن دفع هذه الإشارة فهو كدفع الإشارة إليه بالقلب وذلك دفع لقصده الدافع لدعائه المتضمن لدفع عبادته ولكونه صمداً فهؤلاء المعطلة حقيقة قولهم منع أن يكون صمداً مدعواً معبوداً مقصوداً كما أن حقيقة قولهم منع أن يكون في نفسه حقاً صمداً موجوداً فقولهم مستلزم لعدم نفسه وتعطيله ولعدم معرفته وعبادته وقصده وإن كانوا من وجه آخر يقرون بوجوده وعبادته ودعائه وقصده إذ ليسوا معطلين مطلقاً بل جامعون بين الإقرار والإنكار والإثبات والنفي ولهذا كان أهل المعرفة بالله متفقين على أنه لا يتم معرفة عبد بربه ويتم قصده له وتوجهه إليه ودعاه له إلا بإقراره بأنه فوق العالم وأنه بإقراره بذلك تثبت الإلهية في قلبه ويصير له رب يعبده ويقصده وبدون ذلك يبقى قلبه مستقراً مطمئناً إلى إله يعبده ويقصده بل يبقى عنده من الريب والاضطراب ما يجده من جرب قلبه في هذه الأسباب كما قال الشيخ أبو جعفر الهمذاني ما قال عارف قط يا الله إلا وجد في قلبه
ضرورة تطلب العلو ولا تلتفت يمنة ولا يسرة وكذلك المخاطب له بمثل قوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ {5} هو مثل الداعي بقوله اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيم َ {6} فإن الخطاب كله سواء سواء كان بالأسماء المضمرة منفصلها ومتصلها مرفوعها ومنصوبها ومخفوضها كقوله أنت ربي وأنا أعبدك وقوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ وقوه أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وقوله خلقتني ورزقتني وقوله نستعينك ونستهديك ونستغفرك
الوجه العشرون أن كون الرب إلهاً معبوداً يستلزم أن يكون بجهة من عابده بالضرورة وذلك أن العبادة تتضمن قصد المعبود وإرادته وتوجه القلب إليه وهذا أمر يحسه الإنسان من نفسه في جميع مراداته ومقصوداته ومطلوباته ومحبوباته التي قصدها وأحبها وطلبها دون قصده وحبه وطلبه للآلهة كما قال تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ [البقرة 165] والإنسان يحس من نفسه أنه إذا قصد شيئاً أو أحبه غير نفسه فلابد وأن يكون بجهة منه وأنه إذا قيل له اقصد أو اطلب أو اعبد أو أحب من لا يكون بجهة منك ولا هو فيك ولا فوقك ولا تحتك ولا أمامك ولا وراءك ولا عن يمينك ولا عن شمالك كان هذا أمراً بالممتنع لذاته ليس هو أمراً بممكن لا يطيقه والممتنع لذاته يمتنع الأمر الشرعي به باتفاق المسلمين ويكون حقيقة الأمر اعبد من يمتنع أن يعبد واقصد من يمتنع أن يقصد وادع من يمتنع أن يُدعى ووجه وجهك إلى من يمتنع التوجه إليه وهذا أمر بالجمع بين النقيضين
وقد ذكرنا نظير هذا غير مرة وبينا أن قول الجهمية يستلزم الجمع بين النقيضين وأن يكون موجوداً معدوماً معبوداً غير معبود مأموراً بعبادته منهياً عنها فحقيقته أمر بعبادة العدم المحض والنفي الصرف وترك عبادة الله سبحانه وهذا رأس الكفر وأصله وهو لازم لهم لزوماً لا محيد عنه وإذا كان فيه إيمان لا يقصد ذلك لكن الذي ابتدع هذا النفي ابتداءً وهو عالم بلوازمه كان من أعظم المنافقين الزنادقة المعطلين للصانع ولعبادته ودعائه ولهذا تجد هذا السلب إنما يقع كثيراً من متكلمي الجهمية الذين ليس فيهم عبادة لله ولا إنابة إليه وتوجه إليه وإن صلوا صلوا بقلوب غافلة وإن دعوه دعوه بقلوب لاهية لا تحقق قصد المعبود المدعو فإنها متى صدقت في العبادة والدعاء اضطرت إلى قصد موجود يكون بجهة منها فتنتقل حينئذ إلى حال عباد الجهمية فتجعله في كل مكان أو الوجود المطلق ويتوجه بقلبه إلى الجهات الست فبينما هو كان في نفيه عن الجهات الست صار مثبتاً له في الجهات الست وهذا حال
الجهمية دائماً يترددون بين هذا النفي العام المطلق وهذا الإثبات العام المطلق وهم في كليهما حائرون ضالون لا يعرفون الرب الذي أمروا بعبادته وكل من جرب نفسه وامتحنها من المؤمنين علم من نفسه علماً يقينياً ضرورياً يجده من نفسه كما يجد حبه وبغضه ورضاه وغضبه وفرحه وحزنه أنه متى صدق في عبادة الله ودعائه والتوجه إليه بقلبه لزم أن يقصده بجهة منه فإن كان على فطرته التي فطر عليها أو ممن هو مع ذلك مؤمن بما جاءت به الرسل قصد الجهة العالية وإن كان ممن غيرت فطرته قصد الجهات كلها وقصد ك موجود فلهذا قال الشيخ أبو جعفر الهمذاني لأبي المعالي ما قال عارف قط يا ألله إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب الجهة العالية لا تلتفت يمنة ولا يسرة فتبين أن قوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ {5} بل وقوله اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ {6} لا يصدق في قول ذلك إلا من يقر أن الله فوقه ومن لم يقر بذلك يكون فيه نفاق عنده قصد بلا مقصود وعبادة بلا معبود حقيقي وإن كان مثبتاً له من بعض الوجوه لكن قلبه لا يكون مطمئناً إلى إله يعبده ويوضح ذلك أن عبادة القلب وقصده وتوجهه حركة منه
وحركة الإنسان بل كل جسم لا يكون إلا في جهة وإلى جهة إذ الحركة مستلزمة للجهة وتقدير كمتحرك بلا جهة كتقدير حركة بلا متحرك وهذا مما لا نزاع فيه بين العقلاء لكن غلاة المتفلسفة قد يزعمون أن القلب والروح ليسا جسماً وأنه لا داخل البدن ولا خارجه ولا داخل العالم ولا خارجه وهذا معلوم فساده بالحس والعقل والسمع كما قد بيناه في غير هذا الموضع وغلاة المتكلمين يزعمون أن الروح إنما هو عرض من أعراض البدن ليست شيئاً يفارق البدن ويقوم بنفسه وهذا أيضاً فاسد في الشرع والعقل كما بيناه في غير هذا الموضع وإذا عرف فساد القولين علم أن الروح التي فينا جسم يتحرك ثم نقول القلب الذي هو مضغة يحس الإنسان من نفسه بصعوده وارتفاعه إلى فوق عند اضطراره إلى الله تعالى الوجه الحادي والعشرون قوله في نهايته الإشارة إلى فوق سببها الإلف والعادة وجريان الناس على ذلك وقد ذكر مستند هذه العادة أنه مستند فاسد
يقال هذه المقدمة تقرر بوجوه أحدها أن ذلك يستلزم علماً ضرورياً بأن مدعوهم فوق كما تقدم من أنهم يجدون هذا العلم الفطري الضروري وأنهم يخبرون بألسنتهم أنهم يجدونه وأن أفعالهم وأقوالهم تدل على أنهم يجدونه وهذا العلم يلزم نفوسهم لزوماً لا يمكنهم الانفكاك عنه أعظم من لزوم العلم الضروري بالأمور الحسابية والطبيعية مثل كون الواحد ثلث الثلاثة وأن الجسم لا يجتمع في مكانين وذلك أن ذلك علم مجرد ليسول مضطرين إليه بل قد لا يخطر ذلك ببال أحدهم وأما هذا العلم فهم مع كونهم مضطرين إليه هم مضطرون إلى موجبه ومقتضاه وهو الدعاء والسؤال والذل والخضوع للمدعو المعبود الذي هو فوق فهم مضطرون إلى العلم وإلى العمل الذي يتبع هذا العلم وهو السؤال والطلب وإن كان فيهم من يكون عند ظنه الاستغناء يحمله الاستكبار على الإعراض عن هذا العلم والاعتراف والطلب والإرادة والدعاء أو يحمله عليه اعتقاد فاسد أو عادة فاسدة فهذا لا يخرجه عن أن يكون ضرورياً فإن هذا من أعظم السفسطة التي يدعو إليها أهل التقليد للآباء وطلب العلو والفساد
في الأرض ومن المعلوم أنه مع قوة الصارف المعارض للداعي لا يكون حاله كحال الداعي الذي لم يعارضه صارف وما ذكر من مبادئ العلم الحسابي والطبيعي كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين وأن الجسم لا يكون في مكانين ونحو ذلك ليس الداعي إلى هذا العلم قوياً في النفوس ولا الصارف عنه قوياً في النفس ولهذا تجد عامة من يصير هذا العلم قائماً بنفسه من عنده نوع نظر وبحث فيما يتعلق بذلك وتجد الحاجة لمثل هذا النوع فساد خاص في عقله أو غرض حاء منه وأما العلم الإلهي فهو أجل وأشرف فإنه ضروري لبني آدم علماً وإرادة فُطروا على ذلك فوجود هذا العلم والإرادة الضروريتين في أنفسهم أكثر وأكثر من وجود ذلك والمعارض لهذا لابد وأن يكون قوياً إما اعتقاد فاسد كاعتقاد الجهمية المتأولين الذين لم يكابروا العقل وليس لهم غرض في خلاف الدين وإما إرادة فاسدة قوية كإرادة فرعون وقومه الذين قال الله
فيهم وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ {14} [النمل 14] وقال له موسى قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلَاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ [الإسراء 102] وهذه الإرادة الفاسدة هي الهوى الذي يصد عن معرفة الحق وهو مرض في القلب يمنع ما فطر عليه من صحة الإدراك والحركة كما يمنع مرض العين ما فطرت عليه من صحة الإدراك والحركة وكذلك المرض في سائر الأعضاء فهؤلاء الذين يجدون في أنفسهم علماً ضرورياً وقصداً ضرورياً لمن هو فوق العالم قد مرضت قلوبهم وفسدت فطرتهم ففسد إحساسهم بالباطن كما يفسد الإحساس الظاهر مثل المرة التي تفسد الذوق والحول والعشى الذي يفسد البصر وغير ذلك ولهذا إنما يكون الاعتبار في هذا بذوي الفطر السليمة من
الفساد والإحالة فإن قيل قد تكرر ما ذكرتموه من كون الناس مضطرين إلى الإقرار بأن صانع العالم فوق ولا ريب أن هذا قد قاله طوائف كثيرة من أهل الكلام والحديث والفقه والتصوف وهو من أشهر حججهم وأدلتهم عند خاصتهم وعامتهم لكن هذا مستلزم أن يكون الإقرار بالصانع فطرياً ضرورياً فإنه إذا كان الإقرار بعلوه فطرياً ضرورياً فالإقرار به نفسه أولى أن يكون فطرياً ضرورياَ لأن العلم بالموصوف لا يجوز أن يتأخر عن العلم بالصفة ولعلم بالقضية المرادية لا يجوز أن يتأخر عن العلم بمفردها فإذا كان العلم بمضمون قولنا هو فرق علماً ضرورياً فالعلم به وبمعنى فوق أولى أن يكون ضرورياً وليس الأمر كذلك فإن الإقرار بالصانع إنما هو معلوم بالنظر والاستدلال كما هو مشهور عند العلماء النظار ولهذا تنازعوا في أول الواجبات هل العلم نفسه أو النظر المفضي إليه على قولين
وإن كان النزاع قد يقال إنه لفظي لكون العلم واجباً لنفسه والنظر واجباً وجوب الوسائل التي تجب لغيرها وهذا نزاع مشهور في عامة الطوائف وهو قولان لأصحاب الإمام أحمد وغيرهم
يل له من الناس من قد يقول في مثل هذا إن العلم بالتصديق والقضية المؤلفة إذا كان بديهياً ضرورياً فقد يكون كذلك لكون تصور المفردين بديهياً وهذا هو البديهي تصوراً وتصديقاً وقد يكون تصور المفردين كسبياً نظرياً ولكن بعد حصول تصورهما يكون العلم بنسبة أحدهما إلى الآخر بديهياً ضرورياً لا يفتقر إلى وسط بينهما يكون دليلاً على المطلوب وإذا كان كذلك لم يجب إذا كان العلم بأنه فوق بديهي ضروري أن يكون العلم بمعناه وبمعنى فوق بديهياً ضرورياً لكن هذا القول لم يجب به لأن القائلين بأن العلم بهذا بديهي ضروري قالوا إنه فطري لبني آدم بدون نظر قياسي يكون سابقاً على هذا العلم فهم جعلوه من باب الفطري الضروري البديهي المطلق
ولأن البديهي للتصديق دون التصور إنما يقف على ما يحصل له تصور المفردين لا يقف على ما يحص به وجود المفردين في الخارج فهب أن العلم بمسمى اسم الله فطري لكن العلم بوجوده هو أيضاً علم بتصديق كالعلم بعلوه ولأن دعوى كون التصور مطلوباً يعلم بالحدود باطل كما بيناه في غير هذا الموضع وبينا أن الحدود لا تفيد إلا لتمييز بين المحدود وغيره لا تفيد المستمع تصور ما لم يتصوره بدونها وأن التصورات لو لم تعلم إلا بالحدود لأفضى إلى الدور ولأن الحاد يجب أن يتصور المحدود قبل أن يحده وأن الحد من باب الأقوال والعبارة والقول لا يفيد المستمع إن لم يكن متصوراً لمفردات الكم قبل ذلك بنفسها أو بنظيرها إذ العلم بالمعنى الذي قصده
المخاطب يفتقر إلى العلم بأن اللفظ دال على المعنى موضوع له والعلم بكون اللفظ موضوعاً للمعنى يقف على العلم بالمعنى وباللفظ فلا يجوز أن يكون تصور ذلك المعنى مستفاداً من اللفظ الذي لا يدل إلا بعد أن يعلم المعنى وأن اللفظ موضوع له ودال عليه ولأن المعرف للمفرد بالقول إما أن يعرفه بلفظ مفرد مطابق له وهو الاسم أو يعرفه بذكر صفة مخصوصة به ولفظ تلك الصفة بمنزلة الاسم في العموم والخصوص كالناطق والإنسان وإما أن يعرفه بذكر الخاص بعد العام فتصور العام وشموله لتلك الأفراد مسبوق بتصور تلك الأفراد فلو كان تصور تلك الأفراد مستفاداً من العام لزم الدور إذ علم المتكلم والمستمع بأن الإنسان حيوان مسبوق بتصور الإنسان والحيوان إذ لا يعلم أن الإنسان حيوان إلا من يعلم الإنسان ولا يعلم أن الحيوان جسم إلا من يعلم الحيوان والجسم فلو كانت معرفة الإنسان لا تستفاد إلا بعد معرفة الحيوان ومعرفة الحيوان لا تعلم إلا بعد معرفة مفرداته التي يوصف بها لزم الدور وذلك أن الأجناس الكلية ولا وجود لهل كلية إلا في
الأذهان والذهن إنما يجردها إذا أحس بها معينة موجودة مشخصة في الخارج لكن يقال إنه قد ينتزعها من بعض الأعيان مثل أن يتصور الحيوان من جهة معرفته بالفرس ولا يتصور كون الإنسان هو أيضاً كذلك فيقال له ذلك المعنى الذي يوصف به الفرس بكون نظيره للأمر الذي يحد لك وهو الإنسان لكن هذا أيضاً يلزم الدور فإنه ليس علم الإنسان بانطباق بعض الأنواع بأنه حيوان أولى من العلم باتصاف النوع الآخر به وأهل هذه الحدود لا يقولون المحدود هو نوع الإنسان دون الفرس ولا بالعكس بل الحدود لهذه الأنواع كلها سواء بل علم الإنسان عندهم بنفسه وبنوعه وبصفاته هي عنده أسبق وأظهر من علمه بصفات غيره من الأنواع وبالجملة فليس هذا موضع هذا وإنما المقصود هنا أنا لا نجيب بذلك الجواب بل نقول هب أن العلم بأنه فوق إذا كان فطرياً ضرورياً كان العلم بوجود نفسه أن يكون فطرياً ضرورياً أولى فأي محذور في ذلك قوله المشهور عند النظار أن العلم بالصانع إنما يحصل
بالنظر والاستدلال وهو ترتيب الأقيسة العقلية يقال له ليس هذا قول أحد من سلف الأمة ولا أئمتها ولا قاله أحد من الأنبياء والمرسلين ولا هو قول كل المتكلمين ولا غالبهم بل هذا قول محدث في الإسلام ابتدعه متكلمو المعتزلة ونحوهم من المتكلمين الذين اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمهم وقد نازعهم في ذلك طوائف من المتكلمين من المرجئة والشيعة وغيرهم وقالوا بل الإقرار بالصانع فطري ضروري بديهي لا يجب أن يتوقف على النظر والاستدلال بل قد يقولون يمتنع أن يحصل بالقياس والنظر وهذا قول جماهير الفقهاء والصوفية وأهل الحديث والعامة وغيرهم
بل قد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن معرفة الله والإقرار به لا تقف على هذه الطرق التي يذكرها أهل طريقة النظر بل بعض هذه الطرق لا تفيد عندهم المعرفة فضلاً عن أن يكون الله لا يقر به مقر ولا يعرفه عارف إلا بالطريقة المشهورة له من إثبات حدوث العالم بحدوث صفاته مع دعواهم أن الله لا يعرف إلا بهذه الطريقة وهذه مسألة عظيمة ليس هذا موضع بسطها وقد بسطناها في غير هذا الموضع وبينا أن أصل المعرفة والإقرار بالصانع لا يقف على النظر والاستدلال بل يحصل بديهة وضرورة ولهذا يقر بالصانع جميع الأمم مع عظيم شركهم وكفرهم وأنهم يسلكون من هذه الطرق المشهورة عند النظار مثل الاستدلال بالحدوث على المحدث وبالإمكان على الواجب ولهذا يوجد
له عند كل أمة اسم يسمونه والتسمية مسبوقة بالتصور فلا يسمي أحد إلا ما عرفه ثم المستمع لذلك الاسم يقبل بفطرته ثبوت المسمى به من غير طلب حجة على وجوده ويكون قبوله لذلك كقبوله لأسماء سائر ما أدركه بحسه وعقله مثل الشمس والقمر والواحد والاثنين بل هذا أكمل وأشرف ودلائل هذا كثيرة ليس هذا موضعها ومع هذا فالطرق النظرية تفيد العلم والمعرفة ولا منافاة بين كون الشيء يعلم بالبديهة والضرورة ويكون عليه أدلة وهي نوعان أحدهما الآيات كما يذكر الله ذلك في القرآن والآية هي دليل عليه بعينه لا تدل على قدر مشترك بينه وبين غيره فنفس الكائنات وما فيها وهو عين وجودها في الخارج مستلزم لوجود الرب وهو آية له ودليل عليه وشاهد بوجوده بعينه لا على قدر مشترك بينه وبين غيره الثاني ضرب الأمثال والقياس وهو نوعان أحدهما
قياس الأولى والأحرى فهذا أيضاً مما يذكره الله في القرآن لكن عامة ما يستعمل هذا في صفاته كإثبات وحدانيته في إلهيته وقدرته ونحو ذلك والثاني الأقيسة المطلقة أقيسة الشمول المنطقية وأقيسة التمثيل وهذه التي يسلكها هؤلاء النظار المتكلمون من
المتفلسفة ومتكلمي أهل الملل وهي أضعف الطرق وأقلها فائدة وطريقة المتكلمين أجود فإنهم يثبتون بها أن للعالم محدثاً وأما المتفلسفة فما يثبتون إلا وجوداً واجباً ليس فيه أنه صانع للعالم ولا باريه ثم إن كلاً من الصنفين لا بد أن يستعمل طريقته قضية كلية مثل قول أولئك العالم محدث أو العالم فيه حوادث من جواهر وصفات وغير ذلك
وكل محدث فلابد له من محدث فإن هذه قضية كلية وهي مع كونها معلومة بالبديهة والضرورة فقد يثبتها كثير من المعتزلة بقياس التمثيل وهو القياس على محدثات الآدمي من الدور والبنيان ومن المعلوم أن علم الإنسان بأن كل محدَث لابد له من محدِث هو علم يندرج فيه أن هذا المحدث لابد له من محدث وهذا المحدث لابد له من محدث ومن المعلوم أن علمه بهذه الأفراد المعينة أسبق إلى حسه وعقله من علمه بهذه القضية الكلية العامة كما في نظائر ذلك كما أن علمه هذا الإنسان يحس ويلتذ ويتألم قبل علمه بأن كل إنسان يحس ويلتذ ويتألم إذ الأمور الموجودة الحسية يكون العلم بها قبل أن يعقل قضية عامة كلية وإذا كان كذلك فعلم الإنسان بأن هذا المحدث الذي علم حدوثه كما يشهده من الحوادث أو يعلم حدوثه بدليل أو قياس علمه بأن هذا المحدث لابد له من محدث لا يحتاج إلى أن يعلم قبل ذلك أن كل محدث فلابد له من محدث فلا يحتاج من العلم بالمحدث إلى هذه القضية الكلية
والقياس المشتمل عليها وإن كان ذلك أيضاً من جملة الأقيسة والأمثال المضروبة التي يثبت بها ذلك لكن ينبغي أن يكون على وجه الأولى بأن يقال إذا كان هذا المحدث الصغير لابد له من محدث فهذا المحدث الكبير أولى وأيضاً فنحن لم نشهد محدثاً تاماً مطلقاً إذ لا محدث تام على الحقيقة إلا الله سبحانه فظنوا من ظن من المعتزلة أنه إنما يعرف أن المحدث لا يفتقر إلى محدث إلا بالقياس على إحداث الآدميين غلط وذلك أن حكم الأصل أضعف من حكم الفرع فإن الإنسان وإن زعموا أنه يحدث تصرفاته فلا ريب أنه يفتقر فيما يبنيه وينسجه على آلة خارجة عن قدرته فليس هو نظير حكم الفرع أقوى وأحق وكذلك قول القائل إن الممكن لا يترجح أحدج طرفيه على الآخر إلا بمرجح قضية كلية مضمونها أن جميع الممكنات
وهي التي لا تستحق بنفسها الوجود ولا يمتنع عليها العدم فلا تكون موجودة إلا بمرجح لكن العلم بها ليس بأسبق ولا بأظهر من العلم بأفرادها فإن الإنسان متى تصور أن الشيء الفلاني لا يستحق الوجود في نفسه ولا يمتنع عدمه علم أن ذلك الشيء الفلاني لا يوجد بنفسه بل نفس تصور الممكن يوجب هذا العلم فإنه إذا قيل الشيء يجوز وجوده ولا يكون وجوده بنفسه أو لا يجب وجوده بنفسه كان نفس هذا التصور يقتضي أن وجوده من غيره والشأن إنما هو في تعيين الأمور التي هي ممكنة وهذا قد يعلم بالحدوث المشهود أو المستدل عليه فتكون طريقتهم تابعة لطريقة الأولين وأما علم ذلك بغير هذه الطريق ففيها من الخفاء والنزاع ما ليس هذا موضعه
ولهذا كثر في هؤلاء من يجحد الصانع مع إقراره بوجود واجب ثم مع ذلك فأولئك إنما يستفيدون بطريقهم العلم بالقدر المشترك بينه وبين سائر المحدثين إذ القضية الكلية لا تدل إلا على القدر المشترك فيكونون قد علموا من إحداثه ما علموه من إحداث سائر الحيوانات حتى البعوضة ومعلوم أن هذا علم قليل نزر بما يستحقه الرب ولم يعلموا من إحداث ربهم إلا ما أشركوا به فيه جميع الحيوانات فيكونون أبعد عن معرفة الله تعالى من المشركين الذين قال الله فيهم وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَاّ وَهُم مُّشْرِكُونَ {106} [يوسف 106] ونحن نعلم أن المحدث تعظم قدرته وفعله بـ الأمر المحدث كما يعلم أن باني الدار وناسج الثوب العظيم أعظم من باني الدار الصغيرة وناسج الثوب الصغير لكن القضية الكلية التي ذكروها تفيد أنه أعظم من سائر المحدثين بقدر عظمة العالم على جميع مصنوعات أولئك وهذا بعض ما يستحقه الرب من التعظيم وعدم المماثلة لكن نفس الإحداث أيضاً فيه من التفاوت أعظم من هذا التفاوت فما أحدثه الرب وإن كان أعظم فنفس إحداثه أيضاً وهو ليس من
جنس إحداث المخلوقين وما ذكروه من القياس لا يفيد هذا إلا بدليل آخر إذ القضية الكلية لا تدل إلا على القدر المشترك ثم قياسهم يدل على ذاتٍ ما موصوفة بهذا الإحداث ففي الجملة ليس في هذا القياس علم بخصوص الربوبية ولهذا كان ما ورد به القرآن من كونه رب العالمين وخالق كل شيء ونحو ذلك له من الربوبية على هذا ما لم يتسع هذا الموضع لذكره إذ غيره ليس رباً مطلقاً ولا خالقاً أيضاً فكان ما أثبته له من فعل العالم أثبته على الوجه المختص به لم يثبته باسم لا يفيد إلا القدر المشترك كما فعله هؤلاء الذين قاسوا إحداثه على إحداثهم وأما الآخرون فإنما يستفيدون الإقرار بوجود واجب الوجود بـ قدر مشترك بينه وبين سائر الموجودات فكان معلوم هؤلاء أبعد عن معرفة الله وما يخصه من معلوم أولئك إذ كونه محدثاً فيه تعرض لربوبيته وفعله وإن كانوا قدأشركوا بينه وبين الحيوانات وأما هؤلاء فإنهم أشركوا بينه وبين سائر الموجودات بإثبات وجوده ثم تمييزه بكون وجوده واجباً كتمييز أولئك بأنه محدث العالم
ولا ريب أن تمييز هؤلاء أجود فإن كونه محدث العالم مستلزم غناه ووجوده بنفسه وأما العلم بمجرد كونه موجوداً بنفسه فلا يفيد العلم بأنه صانع العالم ولا بأنه رب السموات والأرض ولا يفيد أيضاً العلم بمغايرته لشيء من الموجودات التي لم يعلم حدوثها إذ كون وجوده واجباً لا ينفي بنفسه أن تكون بعض الذوات ليست محدثة ثم إذا قرروا أن الأجسام كلها ممكنة أو أن السموات والأرض كلها ممكنة وواجب الوجود غيرها أو قرروا أن واجب الوجود لا يكون اثنين لم يستفيدوا بذلك إلا مجرد أن الوجود المشترك بينه وبين غيره وجد بنفسه ولم يحتج إلى فاعل فيكونون قد مثلوه بسائر الموجودات ولكن فرقوا بينه وبينها بالغنى عن الغير فقط وهذا الوصف قد يزعمون أنه عدمي وقد يزعمون أنه إضافي وعلى هذين التقديرين فلا يكونون أثبتوا لرب العالمين إلا ما أثبتوه لسائر الموجودات وهذا يجمع كل شرك في العالمين وإن زعموا أنه ثبوتي نقضوا ما أثبتوه لوحدة واجب الوجود
بحيث أثبتوا لواجب الوجود أمرين ثبوتيين وهذا باب واسع يطول الكلام فيه فظهر أن أقيستهم قد يستغني عنها كما قد يتفطن بها بعض الناس لما كان ذاهلاً عنه لكن مع إمكان أن يتفطن بدونها ومع ذلك فلا تفيد المعرفة الضرورية التي تحصل بالفطرة أو بالآيات أو بقياس الأولى فضلاً عن أن تفيد المعرفة التي تحصل بعد ذلك بالشرعة لكن تفيد نوعاً من المعرفة القاصرة وتبطل ما يقابل ذلك من النكرة والجهل والكفر فتثبت شيئاً من الإقرار بالصانع وتمنع شيئاً من الإنكار له وأما أن ما تفيده الآيات المشهودة والمسموعة وما في ضمن ذلك من الأمثال المضروبة التي مبناها على الأولوية فلا وقد نقلوا عن أساطين الفلاسفة القدماء أنهم قالوا العلم الإلهي لا سبيل فيه إلى اليقين وإنما نتكلم بالأولى والأخلق والأحرى وحملوا ذلك على أنهم أرادوا أنه ليس فيه إلا الظن
الغالب فإن كانوا أرادوا هذا فناهيك بهذا الإفلاس من معرفة الله تعالى ولكن يحتمل أنهم أرادوا أن اليقين الذي يستفاد بالمقاييس الشمولية والتمثيلية المستعملة في الموجودات لا توجد في حق الله تعالى ولكن هؤلاء أحق وأولى وأحرى بما يثبت من صفات الكمال وبما ينفي من صفات النقص ومعلوم أن ذلك الرجحان والفضل غير معلوم قدره ووصفه بالقياس فحيئنذ لا لنا سبيل إلى اليقين بالحقيقة التي دل عليها القياس العقلي فهذا إن أرادوه فهو جيد لهم ومن قال ذلك فقد قال الحق وأعطى النظر القياسي حقه إذ لا يمكن به معرفة الربوبية غير هذا وهو معرفة مجملة وغير مفصلة وبكل حال فقد لا يحتاج إلى هذه المقاييس وهذه الطرق النظرية بل استغنى عنها بالفطرة البديهية الضرورية عاماً وخاصاً وبالآيات المشهودة والمسموعة وعلم جماهير الخلق من هذا الباب وهو أثبت وأرسخ من علم أولئك فإن أولئك عندهم من الشك والارتياب وأنواع التلون والاضطراب ما لا يوجد عند عامة هؤلاء فضلاً عمن كان من ذوي الألباب
والآيات لا يحتاج فيها إلى القياس كما أن الشعاع آية على الشمس وليس ذلك بقياس الشمس عل غيرها من المؤثرات وبقياس الشعاع على غيره من الآثار بل عند الناس علم فطري بالحس والعقل أن نفس الشعاع مستلزم للشمس على وجه لا يشرك الشمس في ذلك غيرها وما من مخلوق إلا وهو نفسه آية على خالقه على وجه لا يشركه فيه غيره كما قيل وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد لكن الكلام في هذا يحتاج إلى بسط طويل ليس هذا موضعه وإنما الغرض التنبيه على أن ما ذكره أهل الإثبات من إقرار العباد بفطرهم أن ربهم فوقهم إذا كان مستلزماً لإقرارهم بربهم بفطرهم وأن الإقرار به فطري فليس في لزوم ذلك شيء من الاستبعاد إذ على القول بذلك جماهير أصناف العباد وإنما يستبعد ذلك من غيَّر مبتدعةُ المتكلمين فطرته وسلكوا به في مسالكهم الحرجة الضيقة وأوهموا أنهم هم العارفون بالحجة والدليل دون الأولين والآخرين من كل صنف وجيل وهذا كما تزعمه القرامطة الباطنية أنهم خلاصة أهل المعرفة
والتحقيق دون من لم يسلك هذا الطريق ويزعم الاتحادية أنهم خلاصة الخاصة من أهل الله دون سائر عباد الله ويزعم الرافضة أنهم هم أولياء الله المتقون فدعاوى هؤلاء المتكلمين والجهمية ودعاوى الرافضة والاتحادية والقرامطة والباطنية هي من دعاوى شر البرية فالحمد لله الذي هدانا بالإسلام ومَنّ علينا
بالقرآن وأرسل إلينا رسولاً من أنفسنا يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة وإن كنا من قبل لفي ضلال مبين والله سبحانه فطر عباده على شيئين إقرار قلوبهم به علماً وعلى محبته والخضوع له عملاً وعبادة واستعانة فهم مفطورون على العلم به والعمل له وهو الإسلام الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة وفي رواية على هذه الفطرة وفي الصحيحين عن الزهري وعن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [الروم 30] وأخرجاه من حديث
همام عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من يولد يولد على هذه الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه كما تنتجون الإبل هل تجدون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها قالوا يا رسول الله أرأيت من يموت صغيراً قال الله أعلم بما كانوا عاملين وروى البخاري من حديث شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال نصلي على كل مولود يتوفى وإن كان لغية من
أجل أنه ولد على فطرة الإسلام يدعي أبواه الإسلام أو أبوه خاصة وإن كانت أمه على غير الإسلام إذا استهل صارخاً ولا نصلي على من لم يستهل من أجل أنه سقط فإن أبا هريرة كان يحدث النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة فطرة الله التي فطر الناس عليها أخرجه البخاري من هذا الوجه وإن
كان منقطعاً لما فيه من كلام الزهري الذي فيه تفسير الحديث بأنه على فطرة الإسلام والبخاري قد أخرجه متصلاً من حديث يونس عن الزهري عن ابي هريرة كما تقدم وأخرجه مسلم من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بنحوه وفي آخره ثم يقول أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا وأخرجه مسلم من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويشركانه فقال رجل يا رسول الله أرأيت لو مات قبل ذلك قال الله أعلم بما كانوا عاملين وفي رواية ابن نمير عن
الأعمش ما من مولود بولد إلا وهو على الملة وفي رواية أبي معاوية عن الأعمش إلا على هذه الملة حتى يبين عنه لسانه لفظ ابن أبي شيبة عنه ولفظ أبي كريب عن أبي معاوية ليس من مولود ولد إلا على الفطرة حتى يعبر عنه لسانه ورواه مسلم من حديث الدراوردي عن العلاء بن
عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال كل إنسان تلده أمه على الفطرة وأبواه بعد يهودانه وينصرانه ويمجسانه فإن كانا مسلمين فمسلم كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضنيه إلا مريم وابنها واعلم أن المتكلمين يحكون هذا القول عمن يذكرونه من أهل الحديث وأهل الكلام لكن يزعمون أن الأكثرين على
قولهم بأن الإقرار بالصانع نظري ونقلهم ذلك بحسب ما يحكونه كما نقل هذا الرازي عن أكثر أهل التوحيد إنكار أن يكون الله فوق العرش ونقل عن أكثر المسلمين إنكار النفس وأنه لا يعاد إلا البدن بل ذكر من نقل إجماع الصحابة على
أن الله ينفي جميع الأجسام ولم يجزم بنفي ذلك وأمثال هذه النقول التي ينقلونها بحسب ما عندهم وأعجب من ذلك أن كثيراً منهم يظن أن هذا مما لا اختلاف فيه بل القول بأن معرفة الله التي هي الإقرار بالصانع لا تحصل إلا بالنظر أمر متفق عليه بين النظار فإذا ذكر له أن في ذلك خلافاً بين أهل الكلام بعضهم مع بعض تعجب من ذلك وذلك لأن من سلك طريقة من هذه الطرائق لا يكاد يعرق غيرها فلهذا تجد في كتب أهل الكلام مما يدل على غاية الجهل بما قاله الرسول والصحابة والتابعون وأئمة الإسلام مما يوجب أن يقال كأن هؤلاء نشأوا في غير ديار الإسلام ولا ريب أنهم نشأوا بين من لم يعرف العلوم الإسلامية حتى صار المعروف عندهم منكراً والمنكر معروف ولبستهم فتن رُبِّيَ فيها الصغير وهرم فيها الكبير وبدلت السنة بالبدعة والحق بالباطل ولهذا أنا أنقل من مقالات كبارهم حكاية الخلاف في ذلك ليستأنس بذلك من يعتمد على نقلهم وإن كان في ذلك النقل من
التحريف ما فيه كما ذكره الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني في بيان ما يدرك عقلاً وما لا يدرك عقلاً قال قال أهل الحق العلم والعقل واحد واختلاف الناس في العقول لكثرة العلوم وقلتها إذا كمل عقل الإنسان وسلم من الآفة أمكنه الاستدلال بما وجد من الأفعال على حدوث العالم إذ في مجرد العقول أدلة عليه وعلى افتقاره إلى محدث أحدثه وفيها أدلة على قدم محدثه وأوصافه التي تدل عليها أفعاله وما يجوز منه
ويستحيل عليه ونفي ما يدل على حدوثه عنه وجواز وصفه بالقدرة عليه وغير ذلك من المسائل التي لا تتعلق بحقيقة يسوغ الرد فيه فإن لصانع العالم أن يبعث الرسل ويأمر الخلق بالشرائع تعبداً وله أن لا يبعثهم ولا يكلفهم استغناءً وليس في العقول بمجردها أدلة على تغيير الشرائع وإيجاد العبادات وكيفية العقود قال وعلى ذلك أهل القبلة إلا في قولهم إن له سبحانه أن لا يبعث الرسل فإنه تحيله القدرية أو بعضهم على تفصيل له رمزنا إليه كما تقدم قال فزعمت طائفة من مقلدي أصحاب الحديث وفرقة من نظارهم وجماعة من المعتزلة أن المعرفة بالمحدث وحاجته إلى المحدث من طريق الضرورة وورود الرسول بإيجاب الإقرار وبيان الشرائع وقال جمهور أهل الحق إن المعرفة من طريق الدلالة قالوا وفي العقل دليل على أنه لا يجب على العاقل الاستدلال عليه ولا يجب شكر الخالق قبل
الشرع ولا يجب ترك الظلم من جهة الصانع على معنى أنه يستحق منه العقوبة أو اللوم قال وزعمت القدرية أن الاستدلال على حدوث العالم وقدم صانعه وأوصافه والشكر لهم بعد معرفته وترك الظلم من جهته واجب عليه بمجرد عقله ووردت الرسل بتأكيد ما فيه أي ما في عقله إيجابه وربما يكون ورود الشرع لطفاً لبعضهم لكون الإيمان عنده اهـ وذكر تمام كلامه قلت وقد ظهر بذلك أن مراده بأهل الحق هم أصحابه
وكذلك عادة أبي المعالي إذا قال قال أهل الحث فهم أصحابه وهذا مما يقوله كثير من الناس في خطابه وهو من باب إخبار الرجل عن اعتقاده إذ كل أحد يمكنه أن يقول عن طائفته ذلك يعرفهم بهذا التعريف والغرض أن ما ذكره من أن المعرفة من طريق الدلالة ذكره عن جمهورهم لا عن جمهور المسلمين وأما قوله ابتداءً على هذا أكثر أهل القبلة فإنه يعني به عن المتكلمين الذين هم عنده علماء أهل القبلة كأصحابه والمعتزلة ونحوهم وإن لم يحمل على ذلك وإلا كان كذباً صريحاً فإن هذا الكلام الذي ذكره لا يقدر هو ولا غيره أن ينقله لا بلفظه ولا بمعناه عن إمام من أئمة المسلمين لا أئمة العلم ولا أئمة العبادة ولا عن أحد من سلف الأمة ولا عن أحد له في الأمة لسان صدق عام بل كلام هؤلاء كله صريح في
إنكار ما أوجبه هؤلاء وجعلوه طريقة المعرفة حتى الأشعري نفسه قد ذكر إجماع السلف على ذلك كما في رسالته إلى أهل الثغر بباب الأبواب كما قد حكينا لفظه عند احتجاج
المنازع بالحركة ونحوها كما تقدم نقول الوجه الثاني في تقرير المقدمة المذكورة أن يقال إجماع المسلمين حجة فكيف بإجماع جميع الأمم من المسلمين واليهود والنصارى والمشركين وغيرهم فمن اعتقد أن الأمم المختلفة الملل والأجناس إذا اجتمعت على مثل هذا الأمر من غير أن يجمعها عليه جامع خاص تكون مخطئة فلا ريب أنه مع أنه قد قدح في إجماع المسلمين مصاب في عقله كما هو مصاب في دينه حيث جوز أن يكون الأولون والآخرون مخطئين وهو المصيب وصار هذا بمنزلة أن يخبر جميع الناس بأنهم رأوا الهلال ويقول بعض الناس إن حسهم غلط ولا هلال هناك أو يخبر جميع الناس برؤية شيء من الكواكب أو سماع شيء من الأصوات أو ذوق شيء من المطعومات ويطعن طاعن فيما يخبر به أصناف الأمم من ذلك فإن هذا من
أعظم السفسطة وفساد العقل الوجه الثالث أن من المجمعين على ذلك الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين فإنه قد تواتر عنهم رفع الأيدي في الدعاء فإن كان مستند ذلك عادة فاسدة أصلها اعتقاد فاسد كان الأنبياء قد وافقوا الناس على الدين الفاسد والاعتقاد الفاسد في الله تعالى وهذا من أعظم الكفر الوجه الرابع أن القدح في هذا يستلزم القدح في جميع العلوم والمعارف فإنه إذا جوز أن يكون الناس كلهم مخطئين فيما يجدونه في قلوبهم من هذه المعرفة والقصد الضروريين كان القدح في سائر العلوم الضرورية أولى وحينئذ فيبطل جميع ما يقوله المتكلمون من القدح في هذا والانتصار لضده إذ غايتهم أن يبنوا ذلك على مقدمات ضرورية الوجه الثاني والعشرون أن يقال لا نسلم أن سبب إشارة الناس إلى فوق هو ما ذكره ولم يذكر على ذلك حجة بل ادعاه دعوى مجردة فقال سبب ذلك الإلف والعادة فإنهم ما شاهدوا عالماً قادراً حياً إلا جسماً فيسبق إلى الوهم أن من يدعو عالماً قادراً حياً على ما يشاهد عليه الأحياء
القادرين ويتبع ذلك أنه في مكان ولأن العلو أشرف فيسبق إلى وهم الداعي أن من يعتقد عظمته إذا كان في جهة وجب أن يكون في جهة العلو فبسبب هذه الأمور وأمثالها وقعت الإشارة إلى السماء ثم إن الأخلاف أخذوا ذلك عن الأسلاف مع مشاركتهم لهم في هذا التخيل فظهر أن سبب ذلك الإلف ولا يكون صواباً اهـ فيقال له هذا الذي قلته مجرد دعوى لم تذكر عليه حجة وما ذكرته من التمثيل بالأسود والعربية إنما غايته تجويز أن يكون للإنسان اعتقاد غير مطابق سببه ذلك فِلمَ قلت إن هذا من ذاك وهذا بمنزلة أن يقال هؤلاء غلطوا في وجدهم طعم هذه الفاكهة مراً لأن الممرور يجد طعم الحلو مراً أو غلطوا في رؤيتهم لهذين الشخصين لأن الأحول يرى الواحد اثنين فيقال له هب أن الحس يغلط لفساد يعرض له فلِمَ قلت إن حس هؤلاء مع كثرتهم قد غلط لفساد عرض له وأعجب من ذلك قوله فظهر أن سبب ذلك الإلف ولم يظهر شيئاً من ذلك إلا أنه ظهر أنه ادعى ذلك وظهور كونه ادعاه غير ظهور صحة دعواه
الوجه الثالث والعشرون أن يقال هب أن سبب ذلك الإلف والعادة التي تلقاها الأخلاف عن الأسلاف لكن العادة التي تعم بني آدم مع تباين حالهم وأديانهم واختلاف علومهم وإراداتهم لا تكون إلا عادة صحيحة كما اعتادوه من الأمور الطبيعية والخلقية فإنهم جميعهم يعتادون الأكل والشرب والنكاح واللباس وكل هذه العادات صحيحة مبنية على علوم صحيحة ولها منافع صحيحة كذلك اعتيادهم مدح الصدق والعدل والعلم ومحبته وتحسينه وذم الكذب والظلم والجهل وبغضه وتقبيحه هذه عادة صحيحة حسنة باتفاق الخلائق لا ينازع في ذلك من يقول بتحسين العقل وتقبيحه ولا من ينفيه إذ هم جميعاً متفقون على أن اعتقاد محبة هذا وحمده وبغض هذا وذمه عادة صحيحة ليست فاسدة ولا مبنية على اعتقاد فاسد سواء كان ذلك لانتفاعهم بذلك في الدنيا أو لغير ذلك
فظهر أن ما أضعف به الحجة أفادها به قوة إذ العادات العامة لجميع الأمم من أعظم العادات وأصحها وبنو آدم لا يأتون من جهة ما اتفقوا عليه فإنهم لا يتفقون إلا على حق وإنما يأتون من جهة تفرقهم واختلافهم كما قال تعالى وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ {118} إِلَاّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ [هود 118-119] ولهذا كانوا مفطورين على الإقرار بالصانع والدين له فهذا الذي اجتمعوا عليه حق ولكن تفرقوا في الشرك فكل قوم لهم رأي وهوى يخالفون به الآخرين قال تعالى فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ {30} مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ {31} مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ {32} [الروم 30-32] ولهذا وصف الله نبيه وأمته بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر والمعروف الذي تطلبه القلوب وتريده بقطرتها إذا علمته والمنكر الذي تبغضه وتكرهه إذا علمته فإذا كان بنو آدم متفقين على هذه العادة التي مضمونها الرفع إلى الله حين الدعاء وكان ذلك يتضمن قصدهم للإله الذي هناك كان هذا من أعرف المعروف عند جميع بني آدم
الوجه الرابع والعشرون أن يقال هذا العمل يتضمن ثلاثة أشياء الرفع الذي في الإشارة الحسية الظاهرة والقصد والإرادة التي في القلب التي يقصد بها الصمد العلى والاعتقاد الذي هو أصل القصد الذي هو أصل العمل فإن كل عمل اختياري لابد فيه من إرادة وشعور وأنت تزعم أن الثلاثة فاسدة وأن هذا العمل التابع للإرادة سبب الإرادة فيه هو تخييل غير مطابق فيقال لك لو كان الأمر كذلك لكان النهي عن ذلك من أعظم الواجبات في الدين إذ ذاك من أعظم المنكرات لتضمنه اعتقاداً فاسداً في حق الله تعالى ودعاءً فاسداً متعلقاً به وعبادة غير صالحة له ومن المعلوم أن الله قد بعث الأولين والآخرين من النبيين مبشرين ومنذرين ولم ينه أحد من الأنبياء والمرسلين لبني آدم عن شيء من ذلك لا عن هذا الرفع ولا عن هذا القصد ولا عن هذا الاعتقاد بل كان الأنبياء موافقين لهم على هذا العمل وذلك يوجب العلم الضروري من دين النبيين أن ذلك عندهم ليس من المنكر بل من المعروف وذلك يبطل كونه مبنياً على اعتقاد فاسد في حق الله تعالى مستلزماً له ودالاً عليه فإن
كل ما كان متفرعاً من الاعتقاد الفاسد أو كان مستلزماً له مثل أن يكون دليلاً عليه فإنه يجب النهي عنه فإن العقائد الفاسدة والمقاصد الفاسدة في حق الله تعالى تجب إزالتها وإزالة فروعها وأصولها التي توجبها وإذا كان كذلك فالجهمية تنهي عن هذا الاعتقاد وهذه الإرادة فهم ناهون عن معرفة الله تعالى وعبادته وليس هذا مختصاً بهذا الموضع بل هم كذلك إذ أصل قولهم هو قول المشركين المنكرين لملة إبراهيم ولهذا كان أولهم الجعد بن درهم الذي ضحى به أمير المشرق يوم النحر وقال ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضحٍ بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ولم يكلم موسى تكليماً ثم
نزل فذبحه وشكره العلماء على ذلك وكان هذا في زمن التابعين وذلك أن الله بعث الرسل تدعو الخلق إلى عبادته الجامعة لمعرفته بأسمائه وصفاته وآياته ولمحبته والإنابة إليه وإخلاص الدين له حتى يكون الدين كله لله والجهمية تصد القلوب عن معرفته ومحبته وعبادته بحسب تجهمهم إذ هم بين المستقل والمستكثر ولا تجد أحداً فيه شعبة من التجهم إلا وفيه من نقص التوحيد والإيمان بحسب ذلك ولهذا كانت المعتزلة من أبعد الناس عن طريقة أولياء الله المتقين العارفين بطريق الله علماً السالكين فيه عملاً وحالاً وقصداً الوجه الخامس والعشرون أن يقال هب أن سببه هذه
العادة هل سببها علم صحيح واعتقاد مطابق أو سببها تخيل فاسد أما الأول فهو حجة في المسألة وأما الثاني فممنوع وهو لم يذكر على ذلك حجة إلا قوله إنهم ما شاهدوا عالماً قادراً حياً إلا جسما إلا أنهم قاسوا العالم القادر الحي الغائب على ما شاهدوه من العلماء والأحياء القادرين فصاروا بمنزلة من لم ير من الناس إلا الأسود ولم يسمع إلا العربية فإذا مثل في نفسه إنساناً أو لغة لم يسبق إلى نفسه إلا الأسود والعربية ومعلوم أن هذا قياس فاسد وذلك أن من لم ير إنساناً إلا أسود ولم يسمع لغة إلا العربية إنما يسبق إلى نفسه الأسود إذا مثل إنساناً يخاطبه وإنما يسبق إلى نفسه العربية إذا مثل في نفسه التعبير لأن الذي مثله في نفسه من جنس الذي شاهده والتخيل يتبع الإحساس وكان الذي تخيله من جنس الذي أحسه لمل علم أن جنسهما واحد والباري سبحانه وتعالى ليس هو عندهم ولا عند غيرهم من جنس الآدميين حتى تكون نسبته إلى ما شاهدوه من الحياء العالمين القادرين نسبة ما لم ير من الآدميين إلى من رئي بل هؤلاء الذين يدعون الله برفع الأيدي إلى فوق عامتهم لم يخطر بقلبهم أن الله من جنس الآدميين مشارك لهم في الحقيقة حتى يكون لحماً ودماً ونحو ذلك بل هؤلاء كلهم ينزهون الله تعالى عن ذلك ولا يعرف في عامة المقرين بالصانع من قال بشيء من ذلك إلا ما ذكره الأرباب
المقالات عن شرذمة من المشبهة ومع هذا فلابد أن يجعل هؤلاء له من المقدار والصفات ما يفرقون بينه وبين الآدميين فعلم أن هذا الذي احتج به باطل الوجه السادس والعشرون أن يقال هذا قد أخبر عن بني آدم الأولين والآخرين الذين يدعون الله برفع أيديهم إليه وتوجه قلوبهم إلى جهته العالية أنهم مثلوه بما شاهدوه من الحياء العالمين القادرين كما يمثل أحدهم ما لم يره من هذا الجنس بما رآه ومن المعلوم أن هذا الضلال الذي ذكره عن بني آدم هو الضال فيه في الأصل المشبه به والفرع الذي قاسه عليه وذلك أن قوله كما أن من لم يشاهد إنساناً إلا أسود فحين يمثل في نفسه إنساناً يخاطبه إنما يسبق إلى نفسه أنه أسود لا غير يقال له هذا على القسمين أحدهما أن لا يعلم وجود إنسان إلا أسود والثاني أن يكون وإن لم يشاهد الأسود قد علم الخبر
أو غيره أن في الأناسي من هو ابيض وكذلك إذ مثل إنساناً يخاطبه قد مثل إنساناً مطلقاً لا يقدره من أحد الصنفين وقد يمثل مخاطبة إنسان من الصنف الأبيض أو يخاطبه إنسان من الصنف السود فيقال له هذا المثل الذي ضربته إنما يسلم لك فيمن لا يعلم وجود إنسان غير أبيض فإنه إذا مثل مخاطبه إنسان إنما يكون مثله بمبلغ علمه فإذا لم يكن عالماً بوجود أبيض لم يتمثل مخاطبه أبيض بل قد يتمثل مخاطبه إنسان مطلق ولا يخطر بقلبه لونه وقد يخطر بقلبه لونه فلا يكون إلا ما علمه من ألوان الناس وهو السواد إما إذا علم وجود البيض من الناس ومثل في نفسه أنه يخاطبهم وإن كان لم يرهم بعد كما لو قيل لملك السودان قد قدم عليك رسل البيض وهم بيض فهنا إذا زور في نفسه ما يخاطبه به لم يمثل أنه يخاطب أسود وكذلك لو علم وجود الصنفين وقدر مخاطبة إنسان مطلق لم يتمثل لونه بل قد يصنف الكتب ويقف الوقوف وقد يكتب ذلك بالعربية وقد لا يكون رأى غير البيض ومع هذه فلا يتمثل حين المخاطبة المطلقة لون المخاطبين ولهذا يندرج في خطابه البيض والسود واللفظ يطابق المعنى وهو ما عناه وقصده فكلامه ولو لم يقصد إلا البيض مثلاً لم يتناول لفظه
لغيرهم وليس الأمر كذلك بإجماع الناس وأما التمثيل باللغة فليس هو من أمثلة هذه المسالة وذلك أن من لم يسمع غير العربية لا يقدر أن يتكلم بغيرها ولا يتمثل في عبارات نفسه لغة غيرها فلا يكون التعبير بغير العربية متمثلاً في نفسه لا سابقاً ولا لاحقاً ولو علم أن للناس لغة غير العربية أو سمعها ولم يحفظها لم يقدر بذلك على التعبير بها ولا على تمثيلها فاللغات بمنزلة ما يعلمه الإنسان من الصناعات والأعمال كالخياطة والنجارة والحراثة إذا لم يكن يحسنها الإنسان إلا على صفة لم يتمثل في نفسه إذا رآها أن يعلمها إلا الصفة التي يحسنها فأين ما يقدره الإنسان ويصوره في نفسه من مراده ومقصوده الذي يفعله بقدرته من الألفاظ والحركات من الأمور الخارجة عن قدرته وإرادته فعلم أن هذا ليس من هذا الباب وأما الأول فإنه يشبهه لكن الحكم المذكور فيه ليس على إطلاقه وإنما هو في حق من لا يعلم وجود إنسان إلا أسود ويقصد خطاب اسود وإذا كان الأمر كذلك ظهر فساد ما ذكره من المثالين الوجه السابع والعشرون أن يقال لو كان ما ذكرته في
المشبه به لم يكن ما ذكرته من المشبه نظيراً له فإن الخلق الذين يدعون الله ويقرون بأنه حي قادر عالم إنما يدعون من يعتقدون أنه رب العالمين الذي يقدر على ما لا يقدر عليه بنو آدم مثل إنزال المطر وإنبات النبات وتسكين الريح إذا هاجت في البحر وغير ذلك مما يطلب من الله فقد علموا أن الحي العالم القادر الذي هو رب العالمين الذي هو يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحاباً ثقيلاً ساقه لبلد ميت وأنزل به الماء فخرج به من كل الثمرات ليس من جنس ما يعهدونه من بني آدم بل المطلوب منه ما لا يقدر عليه هؤلاء وأيضاً فكثير منهم قد لا يتصور أن كلا منهما حي قادر عالم ولا يتمثل في نفسه قدراً مشتركاً بينهما فكيف يجوز أن يحكي عن بني آدم من الأولين والآخرين أنهم قاسوا الله على ما شاهدوه من الآدميين الوجه الثامن والعشرون أنك لو سألت من سألته من الداعين لربهم هل اعتقدت بقلبك أن الله من جنس ما شاهدته في الآدميين الذين هم أحياء قادرون عالمون لقال لك من سألته هذا شيء لم يخطر بقلبي ولكان نفرته عن هذا وإنكاره على من يقول هذا أو يعتقده أعظم من نفرته عمن يجعل الملائكة من جنس الذباب والعصافير وبالجملة فبنو آدم يعلمون من
أنفسهم أنهم لم يكن دفعهم لهذا الاعتقاد المتضمن تمثيل الله بالبشر وأنه من جنسهم فدعمو ذلك عليهم وافترائه عليهم الوجه التاسع والعشرون أن يقال هؤلاء دائماً يسمعون ذكر الملائكة والجن وهم أحياء عالمون قادرون ومع هذا فقد علموا أنهم يتصورون بصور الآدميين كما تمثل جبريل لمريم بشراً سوياً وكما تمثل إبليس في صورة سراقة بن جعشم ومع هذا لما أخبروا بأن جبريل عليه السلام له ستمائة
جناح وسمعوا قول الله في الملائكة أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ [فاطر 1] لم يكن فيهم من يعتقد أن الملائكة والجن من جنس الآدميين مطلقاً لما استشعروه من نوع فرق وقد علم ما بين الله وبين البشر من عدم المماثلة أعظم مما بين البشر والملائكة فكيف يقال إن رفع أيديهم إنما كان لاعتقادهم أن الله من جنس ما يشاهدونه من الأحياء القادرين وهب أن ذلك قد يخطر بقلب الواحد والاثنين منهم فكيف يجعل هذا الاعتقاد شاملاً لبني آدم الذين يرفعون أيديهم إلى الله عز وجل من الأولين والآخرين وأن الآخرين أخذوه عن الأولين وشاركوهم في التخيل الوجه الثلاثون أن يقال سبق إلى الوهم أن من يدعو حياً عالماً قادراً على ما يشاهد عليه الأحياء القادرين أتريد بذلك أنه يسبق إلى وهمه أنه مثله مطلقاً بحيث يجوز عليه ما يجوز عليه ويمتنع عليه ويجب له ما يجب له أو أنه يشابهه من بعض الوجوه أما الأول فأنت وسائر العلماء يعلمون أن هذا
لم يقله أحد قط وقد ذكرت ذلك في كتبك واعترفت بأن أحداً من العقلاء لم يقل بالمماثلة هكذا وإذا كان هذا لم يقله أحد لم يجز أن يجعل هذا اعتقاد الداعين الذين يرفعون أيديهم إلى الله مع العلم بأنه لم يقله أحد من المشبهة ولا من غيرهم وأما إن كان مقصوده أنهم يثبتون المشابهة من بعض الوجوه فهذا حق وقد ذكر هو في نهايته إجماع المسلمين على ثبوت المشابهة من بعض الوجوه فإن ذلك مما لا يمكن النزاع فيه كما حكيناه عنه فيما تقدم وحينئذ فيكون ما عليه بنو آدم من الاعتقاد الذي هو مستند رفع أيديهم إلى الله حين الدعاء اعتقاداً صحيحاً في الأصل ليس بفاسد لكن قد علم أن الناس هنا في طرفي نقيض منهم من يغلو في الإثبات حتى يثبت مماثلة الله لخلقه في بعض الأمور ومنهم من يغلو في التعطيل حتى لا يمثله إلا بالمعوم والموات لكن الاعتقاد الذي يدعوهم إلى رفع أيديهم لا يجب أن يكون من التمثيل الباطل إذ لا يختص أهله بالرفع إلى الله وإذا كان كذلك لم يكن مستند الناس كلهم في الرفع إلى الله باطلاً وإذا لم يكن مستندهم كلهم باطلاً بل كان مستند بعضهم حقاً ثبت أن الله ترفع إليه الأيدي وأن فاعل ذلك يكون اعتقاده صحيحاً
وذلك يقتضي صحة الإشارة الحسية إليه إلى فوق وهو المطلوب الوجه الحادي والثلاثون أن يقال مضمون ما ذكرته أن الناس لما لم يشاهدوا حياً عالماً قادراً إلا جسماً سبق إلى اعتقادهم أنهم إذا دعوا حياً قادراً عالماً كان جسماً ويتبع ذلك أنه في مكان والعلو اشرف من غيره فيسبق إلى فهم الداعي أن من اعتقد عظمته إذا كان في جهة أن يكون في جهة العلو وحاصل هذا أن المم المختلفة من الأولين والآخرين المجمعين على رفع أيديهم إلى الله في الدعاء إنما فعلوا ذلك لاعتقادهم أن الله جسم ووجه هذا الاعتقاد أنهم لم يشهدوا حياً عالماً قادراً إلا جسماً فاعتقدوا فيمن يدعونه ذلك وأثبتوا له المكان إذ الجسم لابد له من حيز وخصوه بالعلو لأنه أشرف فمضمون هذا ذكر مستند العباد في رفع الأيدي فيقال له لا يخلو إما أن يكون هذا مستندهم أو لا يكون فإن لم يكن هذا مستندهم بطل هذا الجواب وصحة الحجة وثبت أنهم إنما رفعوا أيديهم إلى الله لعلمهم الضروري بان الذي يطلب منه تحصيل المطالب وتيسير العسير في تلك الجهة وإن كان هذا مستنداً لهم كان قد حكى اتفاق الأمم الذين يرفعون أيديهم في الدعاء على أن الله جسم إذ لم يشهدوا موجوداً إلا جسماً وحينئذ فهذا أبلغ في الحجة عليه فإن الأمم المتفقين
على رفع الأيدي إذا كانوا يعتقدون أن الله جسم كان هذا من أبلغ حجج القائلين بالجسم لأن هؤلاء الذين يرفعون أيديهم فيهم الأنبياء وفيهم هذه الأمة التي لا تجتمع على ضلالة فصار ما جعله جواباً حجة عليه الوجه الثاني والثلاثون أن يقال هب أن ما ذكرته هو مستندهم فلم تذكر حجة على بطلان هذا أكثر مما قلت فظهر أن سبب هذا الإلف فلا يكون صواباً ومعلوم أن مجرد اعتياد الأمم كلهم للشيء إن لم يدل على أنه حق فلا يدل على أنه باطل فليس في كونهم ألفوا ذلك واعتادوه ما يدل على أنه ليس بصواب حتى تقول فظهر أن سبب ذلك الإلف فلا يكون صواباً الوجه الثالث والثلاثون أنك قد ذكرت أن مستند هذا الإلف هو اعتقاد الدعاة أن الحي العليم القادر لا يكون إلا جسماً ومعلوم أن هذا بلفظه قول طوائف كثيرة من أهل الكلام من الشيعة والكرامية وغيرهم وأما بمعناه فالمؤسس وغيره يقول إن هذا قول من قال إن الله فوق العرش أو أنه يشار إليه
في الدعاء ومعلوم أن القول بكون الله فوق العرش أو أنه يشار إليه بالأيدي في الدعاء قول سلف الأمة وأئمتها وعامتها وإذا كان هؤلاء كلهم يقولون بالمعنى الذي سميته تجسيماً لم يضر القول بذلك ولم يجز رده إلا بحجة وأنت لم تذكر في جواب هذه الحجة ما يصلح أن يكون جواباً وقد قدمنا في الوجه الذي قبل هذا أن الإشارة إلى الله فيه الدعاء إن استلزم اعتقاد الداعي أن الله جسم فقد ثبت أن هذا قول من قوله حجة إلا بطلت حكايته وأما هنا فإن كون الحي القادر لا يكون إلا بائناً عن غيره وهو معنى كونه جسماً عنده وهذا المعنى ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها وإن تنوعت ألفاظهم فيه فكلها متوافقة متطابقة وبالجملة فلا يمكنه أن ينازع أن هذا قول خلق كثير من أهل الحديث والفقه والتصوف والكلام فلا بد من دليل إبطاله فإن قال دليل إبطاله ما ذكره من نفي كون الله جسماً قيل قدمنا ما يتبين معه فساد تلك الأدلة ثم يقال هذا لا يصلح أن يكون جواباً لما تذكره وهو الوجه الرابع والثلاثون يقال له هذا الذي ذكرته مضمونه الدعاة الرافعي أيديهم لاعتقادهم أن الله جسم حيث لم يشهدوا مدعواً حياً عالما قادراً إلا جسماً ومعلوم أن الدعاة الرافعي أيديهم لو لم يكن فيهم من قوله حجة وخلاف قوله كفر
فلا نزاع في أنهم جماهير بني آدم من الأولين والآخرين وفيهم من العلماء والعباد من لايحصيه إلا رب العباد فلو لم يكن هذا دليلاً من أعظم الأدلة على أن الله جسم بمقتضى ما قررته لكان هذا مما يجب الجواب عن حجة قائله فإن مخالفة جماهير بني آدم ليست هينة ولا يصلح أن يكون ما ذكرته من الحجة على نفي الجسم جواباً لأن هذا الدليل الذي ذكرته عنهم يقتضي أنهم احتجوا على كونه جسماً بما ذكرته عنهم وهذه معارضة لما ذكرته فإن لم تبين فساد هذه المعارضة لم يكن بطلان حجتك لحجتهم بأولى من العكس وأنت لم تذكر حجة على فساد حجتهم بحال فإن قيل هذه الحجة مبناها على قياس الغائب على الشاهد وهو باطل قيل قياس الغائب على الشاهد باتفاق الأمم ينقسم إلى حق وباطل فإن لم تبين أن هذا من الباطل لم يصلح رده بمجرد ذلك الوجه الخامس والثلاثون أن تقرير ما ذكرته من مستندهم مثل تقرير المسلك القياسي في العلو وهو أن يقال لم نشهد موجوداً قائماً ينفسه إلا جسماً أو لم نشهد حياً عالماً قادراً إلا جسماً فاختصاص القائم بنفسه أو الحي بكونه جسماً
دون أن يكون عرضاً أو يكون لا جسماً ولا عرضاً إما أن يكون لكونه موجوداً قائماً بنفسه أو لما يندرج فيه واجب الوجود أما لما يختص الممكن المحدث فإن كان الأول والثاني وجب في كل موجود قائم بنفسه أن يكون جسماً وحينئذ فتصح حجتهم والثاني باطل لأنه يوجب تعليل الأمر الوجودي وهو القائم بالنفس أو كون القائم بنفسه حياً عالماً قادراً بما فيه أمر عدمي والعدم لا يصلح أن يكون علة للوجود وقد تقدم الكلام على هذه الحجة وأنه لم يقدح فيها بقادح وإذا كان كذلك كان قد ذكر لهم حجة توجب أنه فوق وأنه جسم غير ما ذكروه من العلم الضروري وإن لم يقدح في ذلك بشيء وذكر أن الأخلاف أخذوا ذلك عن الأسلاف واتفقوا عليه وتسمية ذلك تخيلاً لا يوجب فساده إن لم يبين أنه خيال فاسد فظهر أن ما ذكره تقرير لقولهم بالقياس العقلي والأثر النبوي والإجماع الشرعي مع ما ذكروه من الضرورة العقلية وأنه زاد في التقرير على كونه فوق أنه مع ذلك جسم ولا ريب أن هذا قوله وقول أكثر الناس من النفاة والمثبتة فإنهم يقولون إن كونه فوق العرش يستلزم المعنى الذي يسميه المتكلمون جسماً ويسميه أهل الحديث حداً
الوجه السادس والثلاثون أن العلوم الكلية والعقلية لبني آدم جميعها من هذا الباب فإن الإنسان يشهد بحسه الباطن والظاهر أموراً معينة جزئية على صفات ثم يعقل بما يجعله الله في عقله من العبرة والقياس أن الأعيان التي لم يشهدها هي
كالأعيان المشهودة في تلك الصفات وعلم عقله بالتماثل والاختلاف كإحساسه بالأعيان فقد يكون علماً قطعياً وقد يكون ظناً غالباً وقد يكون صواباً وقد يكون خطأً وكل من الحس والعقل يعرض له الغلط لأسباب والناس متنازعون أي الإدراكين أكمل إدراك الحس أو العقل وأيهما الذي يرجح
على الآخر وبكل حال فلا يقوم بنفسه قضية كلية عقلية ضرورية أو غير ضرورية إلا بتوسط قياس واعتبار حتى مثل علمه بأن الواحد نصف الاثنين وأن الجسم لا يكون في مكانين وأن الضدين لا يجتمعان هو في ذلك كله قد أدرك بحسه ذلك في بعض الأجسام والأجساد والألوان المتضادة وعقل أن من ما لم يحسه مثل ما أحسه في ذلك وأن الحكم لا يفترق واحد وواحد وجسم وجسم ولون ولون وضد وضد يحكم بذلك حكماً عاماً كلياً وإذا كان كذلك لم يكن له حجة عقلية في العلم الإلهي أصلاً إلا ولابد فيها من قضية كلية والقضية الكلية لابد فيها من قياس الغائب على الشاهد فإن كان هذا باطلاً بطل جميع كلامهم بالأدلة العقلية في العلم الإلهي وحينئذ فيبطل ما ذكروه في نفس الجسم وغيره فلا يكون لهم جواب عما احتج به المنازع وإن لم يكن باطلاً لم يكن له إبطال هذه الحجة بما ذكره من أن مضمونها قياس الغائب على الشاهد فحاصله أنه إن
كان ما يسلكونه من الطرق الكلامية العقلية في الإلهيات طرقاً صحيحة فهذه الطريق منها فتكون حجة عليهم وإن لم تكن صحيحة لم تكن حجة لهم كما لا تكون عليهم فلا يكون كلامهم حقاً دون كلام خصومهم ولا يكون ما دفع به الضرورة التي ذكرها منازعوهم حقاً الوجه السابع والثلاثون أن المنازعين لهم يحتجون بالدلائل السمعية الكثيرة وبما يذكرونه من الضرورة العقلية وبما ذكروه من الأقيسة العقلية فإن كانت الأقيسة العقلية فإن كانت الأقيسة العقلية صحيحة كما تقدم ذكرها مقبولة في هذا الباب لم يجز رد ما يذكرونه من الأقيسة العقلية إلا بما يبين فساد القياس الخاص الذي أورده لا بمجرد كونه قياساً للغائب على الشاهد وإن كانت مردودة كان ما يذكره النفاة كله مردوداً وحينئذ فتبقى الأدلة السمعية سليمة عن معارض عقلي فيبطل ما يذكرونه من كونها عارضت القواطع العقلية وحينئذ يمتنع تأويلها ويجب اعتقاد مضمونها ويكون ما ذكروه من الضرورة العقلية لا دليل على فسادها وهذا بينٌ لمن تدبره ومبناه على العدل والإنصاف وقد قدمناه فيما مضى التنبيه على هذا وأن مبنى كلامهم في
الإلهيات غنما هو القياس على ما وجدوه في المشهودات لا طريق لهم غير ذلك أصلاً الوجه الثامن والثلاثون أن القول بأن الله ليس بجسم ولا جوهر ولا متحيز ولا داخل العالم ولا خارجه ونحو ذلك ليس هو قول أحد من سلف الأمة ولا أئمتها ولا له أصل في شيء من كتب الله المنزلة ولا آثار أنبيائه بل متواتر عن السلف والأئمة إنكار هذا الكلام وتبديع أهله كما قال أبوالعباس بن سريج توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتوحيد أهل الباطل الخوض في الأعراض والأجسام وإنما بعث النبي صلى الله عليه وسلم بإنكار ذلك وذلك أن التوحيد الذي بعث الله به رسله هو عبادة الله وحده لا شريك له وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله وذلك يتضمن التوحيد بالقول والاعتقاد وبالإرادة والقصد وأما الخوض في
الأعراض والأجسام كما خاض فيه المتكلمون كقولهم ليس بجسم ولا عرض ونحو ذلك فأول من ابتدعه في الإسلام الجهمية وأتباعهم من المعتزلة لا يعرف في هذه الأمة حدوث القول في الله بأنه ليس بجسم ولا جوهر ونحو ذلك من جهة هؤلاء وكذلك الاستدلال على حدوث العالم بطريق الجسم والعرض إنما ابتدعها في الإسلام هؤلاء وهذا أصل علم الكلام الذي أطبق على ذمه أئمة الإسلام من الأولين والآخرين ولما ابتدع هؤلاء القول بأنه ليس بجسم ولا جوهر عارضهم الطائفة الأخرى من الشيعة وغيرهم فقالوا بل هو جسم والسلف والأئمة لم يثبتوا هذه الأسماء لله ولا نفوها عنه لما في كلٍّ من الإثبات والنفي من الابتداع في الدين من إجمال واشتراك ويثبت به باطل وينفي به حق مع أن السلف والأئمة لم يختلفوا أن نفاة الجسم أعظم ضلالاً وابتداعاً من مثبتيه بل الأئمة والسلف تواتر عنهم من ذم الجهمية ما لا يحصيه إلا الله ولهم أيضًا كلام في ذم المشبهة لكن أقل من ذم الجهمية بكثير وأما لفظ الجسم فلا يحفظ عن أحد منهم ذمه وإنكاره كما لا يحفظ عنه مدحه وإقراره ولكن المحفوظ عنهم من الألفاظ الإثبات فقول نفاة الجسم إنها هي التجسيم ويعدون أعلام الدين وأئمة الدين من المجسمين
والمشبهين كما هو موجود في كتب مقالاتهم كما يعدون منهم مالكاً وأصحابه وحماد بن سلمة وأضرابه والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وأمثال هؤلاء الأئمة ولما تكلم بنفي الجسم أبو الهذيل إمام المعتزلة وأتباعه وتكلم بإثباته هشام بن الحكم وأشياعه قال هؤلاء الجسم هو الموجود وهو القائم بنفسه ولا يعني بالجسم إلا القائم بنفسه ولا يعقل قائم بنفسه إلا الجسم وقالوا دعوى
وجود قائم بنفسه ليس بجسم كدعوى قائم بنفسه لا تقوم به صفة فإن المعتزلة يقولون إن الباري تعالى قائم بنفسه وأنه يكون يمتنع أن يكون محلاً للصفات والحوادث قالوا وهذان مثل دعوى قائم بنفسه لا يباين غيره ولا يتميز عنه قالوا وإثبات موجود قائم بنفسه ليس هو جسماً ولا يقوم به صفة مثل إثبات قائم بنفسه ليس حياً ولا ميتاً ولا عالماً ولا جاهلاً ولا قادراً ولا عاجزاً كما يقوله من يقوله من الملاحدة والفلاسفة وهذا كله جحد لما يعلم بضرورة العقل ومخالفة للبديهة والحس وما زال والأئمة يصفون الجهمية بأنها مخالفة للعقول وأن العقل يعلم أنهم يصفون العدم لا الوجود ولهذا عندهم نفاة التجسيم من المجسمة لموافقتهم لهم في أصل الإثبات وإن خالفوهم في بعض التفاصيل وإذا كان كذلك فهذا الذي جعله مستنداً للداعين من الأولين والآخرين أنه هو الرجوع إلى القياس العقلي وهو
قياس ما غاب عنهم من الموجود على ما شاهدوه لا ينافي ما ذكروه من أن ذلك يقتضي علمهم الضروري بأن الذي يدعى ويسأل هو في جهة فوق لأن العلوم الضرورية الكلية لا بد فيها من قياس كما تقدم وهم كما قد يقولون يعلم بالضرورة أن ما لا يكون داخل العالم ولا خارجه فإنه معدوم ويقول من يفهم معنى الجسم على اصطلاح المتكلمين يعلم بالضرورة أنه لا يكون موجود قائم بنفسه إلا ما سميتموه الجسم ويقولون كل من رجع إلى فطرته وفهم معنى ذلك ولم يصده عن موجب الفطرة ظن التقليد أو أقيسة فاسدة وهوى من تعصب للمذهب المألوف فإنه يعلم ذلك ويثبتون ذلك أيضاً بالمقاييس العقلية التي هي أقوى من مقاييس النفاة وإذا كان كذلك فنفي التجسيم لا يمكن أن يكون بنص ولا إجماع بل ولا بأثر عن أحد من سلف الأمة وأئمتها وليس مع نفاته إلا مجرد ما يذكرونه من الأقيسة العقلية فإذا كان رفع الأيدي إلى السماء في الدعاء مستلزماً لاعتقاد الدعاة التجسيم وهم يثبتون ذلك بالأقيسة العقلية أيضاً كان جانبهم أرجح لو لم يجيبوا عن حجج النفاة فكيف إذا أجابوا عنها وإذا بينوا أن نقيض قولهم مستلزم للتعطيل لتعطيل وجود الباري ذاته وصفاته وتعطيل معرفته وعبادته ودعائه
الوجه التاسع والثلاثون أن يقال ليس قول القائل رفع الأيدي إلى السماء مستلزم التجسيم بأعظم مما يقال لكل من أثبت شيئاً من الأسماء والصفات فإن الملاحدة من المتفلسفة واتباعهم الذين يجمعون بين النقيضين فيقولون لا موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت أو يقولون لا يقال موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت يزعمون أن هذه الأسماء لا تقال إلا لما هو جسم ونفاة الصفات من العلم والقدرة وغيرها يقولون إن هذه الصفات لا تقوم إلا بجسم ومنكرو الرؤية والقائلون بخلق القرآن يقولون لا يمكن أن يرى إلا جسم ولا يقوم الكلام إلا بجسم وهم يبينون ذلك أعظم من بيان هذا المؤسس أن الرافعين لأيديهم في الدعاء مستندهم اعتقاد أن المدعو جسم وحينئذ فلا يخلو إما أن يكون ما ذكره النفاة لزوم التجسيم لهؤلاء المثبتة حقاً أو باطلاً فإن كان ذلك حقاً كان التجسيم حقاً إذ الإثبات للأسماء والصفات حق معلوم بالضرورة العقلية وبالنصوص السمعية وقول النفاة مستلزم للجمع بين النقيضين ولغير ذلك من السفسطة وإن كان ما يذكره هؤلاء النفاة من لزوم التجسيم باطلاً فانتفاء هذا اللازم في حق الداعين أولى وأوكد الوجه الأربعون أن يقول ومن المعلوم أن هذا الباب كثيراً ما يقال فيه إن الناس يتناقضون فيه فيثبت أحدهما شيئاً من وجود واجب أو اسم أو صفة وينفي لوازمه أو ينفي الجسم
ونحوه ويثبت ملازمه ولا ريب أن باب الإثبات حجته العقلية الضرورية والنظرية أعظم من حجج النفي فإن النفاة ليس معهم حجج ضرورية وليس نعهم قياس عقلي إلا ومع أولئك ما هو أقوى وأكثر هذا إذا لم يعرف الإنسان القدح في مقاييسهم وإلا فمن عرف القدح فيها تبين له أن حاصلها تهويل لا تحصيل وأما الحجج السمعية فهي مع المثبتة أضعافاً مضاعفة وليس مع النفاة ما يفيد ظناً وإذا كان كذلك فالذي تسميه النفاة تجسيماً إذا كان لازماً أمكن المثبتة أن تلتزمه ويكون مقرره الأدلة العقلية والسمعية وأما النفاة فلا يمكنهم النفي إلا إذا تركوا العقل والسمع وهذه حال أهل النار الذين قالوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ {10} [الملك 10] وإذا لم يكن لازماً لم يحتج إلى إثباته وإن دفع الشك في لزومه وكان في تناقض المثبت مع نفي الجسم قولان فلا ريب أن تناقض المثبت أقل بكثير من تناقض النافي ومتابعته الأدلة السمعية والعقلية أكثر وتقريره للفطرة والشرعة أظهر وإذا كان ما في جانبه من الخطأ أقل لم يجز أن يرجع إلى من خطؤه أكثر بل على ذلك أن يوافقه على ما معه من الصواب ثم إن رجعا جميعا إلى تمام الصواب وإلا كان استكثارهما من الصواب أولى وأوجب من استكثار الخطأ