الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقدمة
يستغرق هذا الجزء الحديث عن الأدب الأندلسي، شعره ونثره، إبان سيادة قرطبة، حين كانت الأندلس ولاية تابعة لدمشق (92 - 138) ثم حين أصبحت دولة مستقلة عن خلافة المشرق يحكمها أمراء فخلفاء من بني أمية (138 - 399) . وفي عهد الخليفة هشام المؤيد أصبح صاحب السلطان الفعلي هو الحاجب، وذلك ما يسمى في التاريخ الأندلسي باسم " الدولة العامرية " ثم تكون الفتنة البربرية ومحاولات متكررة لاسترداد السادة الأموية؛ وكلها تبوء بالإخفاق ويقتسم الطامحون مدن الأندلس ويحكمونها باسم ملوك الطوائف وتضيع سيادة قرطبة بذهاب الخلافة الأموية.
1
- كان الفاتحون الأول الذين دخلوا الأندلس مع طارق ومغيث وموسى ابن نصير من البربر والعرب، وكان استيطانهم في البلاد قائما على استحسان ما يلائمهم من المناطق ولذلك آثر العرب البوادي والمفاوز (1) ، وقد اتخذوا زوجات لهم من أهل البلاد الذين يدعوهم العرب باسم " عجم الأندلس " فان قسما كبيرا منهم دخل الإسلام وهم الذين يدعون " المسالمة "، وقد
(1) النفح 1: 131.
نشأ الصراع أولاً بين العرب والبربر وبين اليمنية والمضرية من العرب أنفسهم، ثم دخل بلج بن بشر بن عياض القشيري الأندلسي وفي صحبته عشرة آلاف، ألفان من الموالي والباقي من بيوت العرب، ويسمى هؤلاء الطالعة الأولى من الشاميين، أما الطالعة الثانية فهي العدد وقد وصلت بصحبة أبي الخطار الكلبي. وقد أضاف هؤلاء الشاميون عنصرا جديدا إلى عناصر الخصومة في الأندلس، إذ اتحد ضدهم البلديون من العرب والبربر، وأخذوا يحاربونهم ويقولون: بلدنا يضيق بنا فاخرجوا عنا (1) ويبدو انهم يعنون ببلدهم مدينة قرطبة وحدها، لان أبا الخطار حين قدم الأندلس فرق الشاميين في الكور فأنزل أهل دمشق بالبيرة وأهل الأردن برية وأهل فلسطين بشذونة وأهل حمص بأشبيلية وأهل قنسرين بجيان وأهل مصر بباجة وقطيعا بتدمير، وكان إنزالهم على أموال أهل الذمة من العجم (2) ولعل هؤلاء هم الذين يسميهم ابن حزم:" الأجناد الستة "، في قوله في رسالة فضل الأندلس:" ومنها كتب مؤلفة في أصحاب المعاقل والأجناد الستة بالأندلس "، وهذه هي الأقسام التي أصبحت تسمى أيضا " كورا "(3) وأضيفت إليها غيرها من الكور، فاستعمال ابن حزم لكلمة الأجناد قد يشير إلى أن الكلمتين مترادفتان في معناهما.
وهؤلاء الشاميون كونوا مع الأمويين عصبية واحدة، وقد تضم كلمة " الأمويين " في هذه القرينة من كان أمويا صليبية ومن كان من موالي الأمويين، ولهؤلاء الموالي مركز اجتماعي رفيع ومنهم بيوت مشهورة بالأندلس مثل بني أبي عبدة وبني شهيد وبني حدير وغيرهم، وقد نالوا مقام الحظوة عند أمراء بني أمية، ودونهم في المنزلة " الخلفاء " وهم فتيان القصر في العهد الأموي، وهم أول من تؤخذ منهم البيعة (4) وكان
(1) ابن القوطية: 17.
(2)
ابن القوطية: 19.
(3)
الإحاطة 1: 109.
(4)
النفح 1: 182.
الشاميون يسمون " السادة " ويرجع هذا التمييز إلى وضعهم في الجندية. إذ كان الواحد من الشاميين يرزق بعد انقضاء الغزاة عشرة دنانير ان كان من بيوتات العقد، فان لم يكن منها رزق خمسة دنانير، وللواء الغازي من الشاميين مائتا دينار، وللواء الغازي من البلديين مائة. ولم يكن الديوان والكتبة إلا من الشاميين وكانوا أحرارا من العشر، أما العرب البلديون فيؤدون العشر (1) .
وبالإضافة إلى هذه العناصر من بلديين ومولدين ومسالمة وشاميين وأمويين كان هناك عنصران آخران من أهل الذمة هما: اليهود والنصارى الذين لم يسلموا، أما اليهود فقد وثق المسلمون عند الفتح وضمهم في كل بلد مفتوح مع حامية إسلامية، وقد تركوا لهم حرية العقيدة وحرية التنظيم الداخلي للجماعة اليهودية، وأما أهل الذمة من النصارى فقد ذكرنا كيف ان العرب الشاميين نزلوا على أموالهم، وكان لهم قضاتهم كما كان لهم مطران مركزه طليلة، وحفظ العرب لهم أديرتهم وأكثر كنائسهم، غير انه لم يطل بهم حتى استعربوا لسانا وزيا. وكان بعض رجالهم مثل أرطباس مقدما في عهد الولاة يستشيرونه في كثير من الأمور وقد ولاه عبد الرحمن القماسة أي جعله قومسا (2) وهو الذي نصح أبا الخطار بتفريق الشاميين على الكور. وعلى وجه الإجمال كان التسامح مع أهل الذمة هو الطابع العام للسياسة بالأندلس الا حين كان الذميون يوالون العناصر المعادية للحكم العربي.
أما تملك الفاتحين للأرض في الأندلس فقد جرى على وجهتين:
أ - اعتبر العرب ما فتحوه من الأرض غنيمة وهذا ما يدل عليه نص فريد لابن حزم في رسالة " التلخيص لوجوه التلخيص " حيث قال: " هذا مع ما لم نزل نسمعه سماع استفاضة موجب للعلم الضروري ان الأندلس لم تخمس وتقسم كما فعل رسول الله فيما فتح ولا استطيبت أنفس
(1) الإحاطة 1: 110.
(2)
ابن القوطية: 38.
المستفتحين وأقرت لجميع المسلمين كما فعل عمر رضي الله عنه فيما فتح، بل نفذ الحكم فيها بأن لكل يد ما أخذت. ووقعت فيها غلبة بعد غلبة البربر والأفارقة والمصريين فغلبوا على كثير من القرى دون قسمة ثم دخل الشاميون في طالعة بلج بن بشر بن عياض فأخرجوا أكثر العرب والبربر المعروفين بالبلديين عما كان بأيديهم " (1) . وهذا النص دقيق بعض الدقة في القول بعدم تخمس الارض، ولكنه غير دقيق فيما يتعلق بإخراج البلديين عن أرضهم، لأن أبا الخطار أنزل الشاميين على أموال أهل الذمة، إلا قلة منهم كانت قد سكنت مع البلديين ولم ترتحل من منازل استطابتها.
ب - ثم اعتبرت بقية الأرض التي تؤخذ عنوة أرض صلح تؤدي عنها الجزية.
وإلى ابن حزم نرجع مرة أخرى حين نريد ان نتصور توزيع القبائل العربية في الأندلس، حيث نثر المعلومات المتصلة بهذه المسألة في كتاب الجمهرة. ويتجلى من كلام ابن حزم شدة اختلاط القبائل في المدن الكبيرة أمثال قرطبة وأشبيلية، وانما نذكر ثبتا ببعض القبائل على سبيل التمثيل لا الإقصاء ليتصور القارئ صلة هذا التوزيع بالحياة الأندلسية عامة (2) :
بنو صخر من غطفان بناحية قرمونة.
بنو مرة بالبيرة ولهم بأشبيلية بيت واحد وهم بنو عوف بن مرة.
بنو منذر بن الحارث من ثقيف بباجة.
بنو سلول جماعة منهم بالموسطة من عمل لبلة.
بنو نمير بالبراجلة.
بنو قشير بجيان ومنهم بالبيرة عدد.
(1) رسائل ابن حزم الورقة: 250.
(2)
أخذت هذه الجريدة من موطن متفرقة في كتاب الجمهرة لابن حزم، ويمكن مقارنتها بما في نفح الطيب 1:138.
بنو عقيل بمنتيشة وجيان ووادي آش.
النمر بن قاسط بحصن وضاح من عمل ريه.
عك في الجوف شمالي قرطبة.
دوس بتدمير.
بجيلة بجهة أربونة.
خثعم بشذونة ومنهم بالبيرة قوم.
همدان: بالبيرة.
بنو الأشعر: بريه.
طيء: ببسطة وتاجلة وغليار.
عنس: بجهة قلعة يحصب.
خولان: بقرطبة والبيرة.
المعافر: ببلنسية وجيان ومنهم العامريون بقرطبة.
جذام: بشذبونة والجزيرة وتدمير وأشبيلية.
لخم: بشذبونة والجزيرة وأشبيلية ومنهم بنو عباد وبنو نمارة.
ذو رعين: بالفحص المنسوب إليهم بريه. بنو هوازن: بالقريتين المذكورتين بهما بأشبيلية.
بلي: شمال قرطبة.
بنو عذرة: بدلاية وبجيان منهم، وبالثغر منهم بنو فوارتش ولهم عدد بسرقسطة.
بنو قين: بريه عدد عظيم منهم.
بنو خشين: بجيان واعمال البيرة ومنهم بلبلة عدد.
وبين ابن حزم كذلك أهم بيوتات البربر ومنازلهم بالأندلس (1) وهم بالثغر اكثر من العرب كما ان بعض مواطنهم تكاد تكون مستقلة منعزلة عن مساكن القبائل العربية، ومنهم اسماء البيوت المشهورة التي سيكون
(1) الجمهرة: 463 وما بعدها.
لها دور في التاريخ الأندلسي بعد انقضاء الدولة الأموية مثل: بني رزين وبني ذي النون وبني مضا وبني عميرة ومنهم بنو الزجالي الذين تميزوا أيام الحكم الأموي وغيرهم (1) .
2
- وفي عهد الخلافة الأموية ظل ما نسميه " سيادة قرطبة " شيئا نسبيا، لان الحكام لم يستطيعوا ان يضبطوا جميع الجهات الأندلسية ولا انتهت بهم الحروب الخارجية إلى استقرار، ولذلك كانت تلك السيادة تنبسط حينا على رقعة واسعة ويتقلص ظلها حينا آخر. واذا كان عهد الولاة قد مضى في توسيع الحدود وفي الحروب القائمة على العصبيات فان عهد الدولة الأموية شغل كثيرا بتثبيت الحدود وبالقضاء على الفتن التي يثيرها الطامحون في الداخل. وقد جاء كثير من الثائرين من المولدين والمسالمة، كما تجددت العصبية بين العرب والمولدين. وفي أيام الأمير عبد الله كانت الأحوال تنذر بتفكك الأندلس إلى دويلات صغيرة، إذ نجم الثوار وذر قرن العصبية في كثير من النواحي. وقد بقيت قطعة من كتاب المقتبس لابن خاصة بحكم الأمير عبد الله تصور هذه الناحية من إسهاب (2) . فثار من المولدين عبد الرحمن بن الجليقي واتخذ بطليموس دار مملكته وكان يدعو لعصبية المولدين على العرب، واقتعد بكر بن يحيى بن بكر مدينة شنت مرية بكورة أشكونية يدعو بمثل دعوة ابن الجليقي وكان جده زدلف عجميا، وثار محمد من بني قسي المولدين أمراء الثغر وبلغ به الحال ان تملك طليطلة. وثار كذلك السرنباقي صاحب ابن الجليقي ونظيره في التمرد؛ وكان أشد الثوار شوكة عمر
(1) من شاء التوسيع في دراسة الحياة الاجتماعية في عصر الولاة فليراجع كتاب " فجر الأندلس " للدكتور حسين مؤنس، فهو المؤرخ الحجة في التاريخ الأندلسي.
(2)
أنظر ثبت المراجع.
ابن حفصون وهو أيضاً من المسالمة، هذا إلى ثوار آخرين من بيوتات البربر والعرب. واشتعلت الفتنة بين العرب والمولدين بكورة البيرة واجتمع العرب إلى زعامة سوار بن حمدون القيسي ثم إلى سعيد بن جودي من بعده، وترأس المولدين رجل يدعى " نابل " ونشبت بين العرب والمولدين ثورة أخرى بأشبيلية وهكذا حتى كان كل شيء ينذر بتصدع أمر الأندلس. ومن هنا نرى ان نواة الانقسام الذي تم بعد الفتنة البربرية كانت موجودة في تكوين الدولة نفسها. ولقد استطاع الناصر ان يحقق للدولة شيئا من النصر في الداخل والخارج، وان ينعم ابنه الحكم بثمرات السلم وينصرف إلى الاهتمام بالعلوم، ولكن ما كاد المنصور بن أبي عامر يقبض على زمام الأمور حتى صرف همه من جديد إلى تحقيق السيادة بالغزو المتواصل، ومشى ابنه المظفر في آثاره، ثم عاد الأمر ابان الفتنة إلى الفوضى واشرأبت الميول الانفصالية من جديد. هل كانت طبيعة التفكك ناشئة عن الخلل في الإدارة الأموية؟ هل كانت من كثرة الأعداء الخارجيين؟ هل نشأت عن عدم الانصهار بين الأجناس المتباينة في الداخل؟ هل للوضع الجغرافي أثر في كل ذلك؟ هذه وغيرها أسئلة من حق المؤرخ ان يجد الأجوبة عليها ولكن هذه المقدمة الصغيرة تضيق عنها.
على أنا يجب ان ننصف هؤلاء الأمويين في أشخاصهم وفي مدى إخلاصهم غير المصطنع ليمثلوا دور الحكام المسؤولين، العارفين بحدود ما يجب عليهم نحو رعاياهم. فربما كانوا في جملتهم خير مثل للحكام الذين يعملون لخير الرعية دون أثره واستبداد، ويغلبون الجانب الديمقراطي على جانب الحكم المطلق، وينظرون إلى الأمور؟ في الأكثر - من خلال العدالة والتقوى أكثر من نظرهم إلى المصالح الذاتية، ويقدمون جانب الشورى على رأي الفرد. وإذا استثنينا الحكم الربضي الذي ساءت سيرته في نظر الأتقياء لأنه أوقع بأهل الربض حين ثاروا عليه، فإنا نجد المصادر
تفيض بالثناء على خصائص العدل في أولئك الحكام، فكانوا يتحررون أحوال الرعية ويجلسون للمظالم، ويقدسون حكم القضاء، ويحاربون في أنفسهم ما قد يجدونه من هوى جامح؟ كان عبد الرحمن الداخل على سيرة جميلة من العدل (1) وكان هشام ابنه حسن السيرة متحيزا للعدل (2) يحاول التشبه بعمر بن عبد العزيز في سياسته (3) . وكان يبعث إلى الكور قوما عدولا يسألون الناس عن سير العمال (4) . وكان الأمير محمد عظيم الأناة متنزها عن القبيح، يؤثر الحق وأهله ولا يسمع من باغ ولا يلتفت إلى قول زائغ، محبوبا في جميع البلدان مراقبا لمصالح الرعية. أما عبد الله فكان مقتصدا في ملبسه وشكله وجميع أحواله، مشيعا للصدقات، محبا للخير وأهله، كثير الصلاة دائم الخشوع، شديد الوطأة على أهل الظلم والجور، وقد خصص يوما في الأسبوع يقعد فيه على باب قصره للنظر الظلامات (5) . ومن خلال هذه الأوصاف لهؤلاء الأمراء وغيرهم، نستشف البساطة في تناول الأمور، وقلة الانغماس في نعيم الدنيا، أو إهمال أمور الرعية، وقد ظل الأمر كذلك على درجات متفاوتة حتى انقضى عهد الأمويين والعامريين بقرطبة.
3
- ومع تردد السيادة السياسية بين الامتداد والتقلص، كان هناك شيئان آخذان بالنمو المطرد، وهما مدينة قرطبة نفسها في عمرانها وأبهتها، والطابع الحضاري العام للبلاد الأندلسية. وقد ساعدت طبيعة الأندلس وكثرة خيراتها الزراعية والمعدنية ونشاط تجارتها على ذلك، كما ساعد
(1) الجذوة: 10.
(2)
الجذوة: 11.
(3)
النفح 1: 160.
(4)
ابن عذاري 2: 98.
(5)
ابن عذاري 2: 228 - 229.
عليه الاستمداد من المشرق في شؤون العلم والأدب والحضارة المادية. فكان التجار ينقلون مواد الحضارة المشرقية إلى الأندلس دون انقطاع. وفي أيام عبد الرحمن الثاني دخل الأندلس نفيس الوطاء وغرائب الأشياء من بغداد وغيرها. وعندما قتل محمد الأمين وانتهب ملكه سيق إلى الأندلس كل نفيس غريب وجوهر نفيس من متاعه (1) . وبقدوم زرياب دخلت الأندلس الموسيقى والأغاني المشرقية كما دخلها كثير من صور الحضارة وتقاليدها والتقت هذه الحضارة مع الثراء ورخص الأسعار والشغف بالعمران فأصبحت قرطبة في هذا العصر تنافس المشرق في روعة عمرانها وفي طمأنينة الحياة في ربوعها، وبلغت الأوج في الاتساع والتحضير أيام عبد الرحمن وابنه الحكم حتى قال ابن حوقل حين زارها في خلافة الناصر (337) :" وهي أعظم مدينة بالأندلس، وليس بجميع المغرب لها عندي شبه ولا بالجزيرة والشام ومصر ما يدانيها في كثرة أهل وسعة رقعة وفسحة أسواق ونظافة محال وعمارة مساجد وكثرة حمامات وفنادق "(2) . واشتهرت بمسجدها الجامع، وبساتينها الكثيرة، وكان لها من الأرباض واحد وعشرون. كما عرفت بكثرة علمائها ومكتباتها ورغبة أهلها في العلوم واقتناء الكتب، وهي بهذا تتميز على سائر المدن الأندلسية.
وأخذت الموجة الحضارية تمتد إلى نواحي الأندلس، ومع أن اكثر المدن الأندلسية كان موجودا قبل دخول العرب، فان اكثر المدن قد اتسع بقدوم المهاجرين واخذ بحظ من الانتعاش الاقتصادي، وبنى المهاجرون بعض المدن كالمرية وغرناطة وكثيرا من القلاع، ولذلك فان دور هذه المدن في الناحية الأدبية كان أقل من دور قرطبة لأن موجة التفاعل الحضاري كانت تسير وئيدة، ولم تتسع بحيث تكون عامة، هذا إلى
(1) المغرب 1: 46.
(2)
ابن حوقل 1: 111.
انجذاب بعض الناس إلى قرطبة لأنها دار الخلافة. ولما زار ابن حوقل بلاد الأندلس ذكر ان بها غير ضيعة فيها الألوف من الناس لم تمدن، وهم على دين النصرانية، روم، وربما عصوا في بعض الأوقات ولجأ بعضهم إلى حصن، فطال جهادهم لأنهم في غاية العتو والتمرد (1) .
ونشط المستوطنون في التعلق بالزراعة، وجلبوا إلى الأندلس أنواعا من المزروعات والفواكه المشرقية، ومع الزمن أصبحت بلاد الأندلس كأنها بستان واحد متصل، كثيرة المبنى والثمار؛ وإذا سافر المرء من مدينة إلى أخرى، سار ي مناطق عامرة مأهولة تتخللها قرى كثيرة نظيفة مبيضة الدور من الخارج، ولم يحتج المسافر أن يحمل معه زادا أو ماء وربما في اليوم الواحد على أربع مدائن كبيرة عدا القرى والحصون (2) . وهذا جعل المنتوجات المحلية والمستهلكات اليومية رخيصة الأسعار. ولولا سنوات من القحط والمجاعات لما شاب هذا الرخاء الأندلسي ما يعكره. وقد نوه ابن حوقل بالرخص والسعة والتملك الفاشي في الخاصة والعامة (3) . وأطنبت كتب الجغرافيا في تمييز كل بلد أندلسي بما فيه من الحاصلات النباتية والمعدنية والمصنوعات، وكلها يدل علة ما يفيض عن حاجة أهلها.
4
- والى جانب هذا النمو الحضاري في المجتمع كان هنالك مظهر آخذ بالتقلص، ذلك هو الروح العسكرية العربية. ولهذا سببان: الأول: محاولة الحاكمين أن يتخلصوا من العصبية التي كان يثيرها الجنس العربي على مر الزمن. وقد كانت تلك العصبية بين مضر ويمن في عهد الولاة (92 - 138)
(1) ابن حوقل: 1: 111.
(2)
النفح 1: 97 - 98.
(3)
ابن حوقل 1: 108.
من أسباب ضعف الحكم العربي حينئذ، فلما جاء عبد الرحمن الداخل، وقاومته اليمنية وأوقع بها، استوحش من العرب قاطبة، وعلم انهم على وغل وحقد، فانحرف عنهم إلى اتخاذ المماليك، واخذ يشتري الموالي من كل ناحية واستعان بالبربر، واستجلبهم من بر العدوة واستكثر منهم ومن العبيد حتى كون جيشا كبيرا (1) . ثم كان الحكم الربضي، فاستكثر أيضاً من الخدم والحشم حتى بلغ مماليكه خمسة آلاف، ثلاثة آلاف منهم فرسان يسمون " الخرس " لعجمتهم (2) . غير أن العصبية لم تمت، إذ كانت نواة الأجناد ما تزال قبلية، وكانت الحاجة ماسة إلى إيقاظ هذه العصبية لمقاومة ابن حفصون الذي كان يمثل الانتفاضة " العجمية " بالأندلس. وفي عهد الناصر والحكم الصقالبة، وأصبحوا الحرس الخاص للخليفة حتى إذا جاء المنصور نكبهم وقضى على نفوذهم. ولكنه من ناحية أخرى أراد أن يضعف العصبية العربية فجزأ القبائل وجعل في الهند الواحدة فرقا من كل قبيلة، فخفت الفتن القائمة على العصبية (3) . وأسقط المنصور زعماء العرب لئلا ينازعوه السلطة وجند البرابرة والمماليك واستكثر من العبيد وأسرى الحرب واستدعى البربر ورتب من هؤلاء جميعا جنده (4) . غير ان حكام الأندلس في محاولتهم القضاء على العصبية العربية أوجدوا عيوبا جديدة تسببت في القضاء على السيادة العامة في الأندلس وفي اشتعال الفتنة بين أجناس متنافرة من البرابرة والمولدين وبقايا العرب والأفريقيين السود والصقالبة، وعلى يد البربر جربت قرطبة في الفتنة.
أما السبب الثاني الذي أدى إلى ضعف الروح العسكرية فهو طبيعة الاستقرار الزراعي وحاجة السكان إلى الابتعاد عن الحرب للانصراف
(1) النفح 2: 706.
(2)
المغرب 1: 39.
(3)
النفح 1ك 139.
(4)
النفح 1: 188.
إلى الأعمال العمرانية، بينما كان الحكام في الأندلس بحاجة إلى جيش قوي على قدم الاستعداد دائما، ولذلك ابتعد الأندلسيين عن الحرب، مما حدا بالخلفاء إلى اتخاذ جيش من العبيد والمرتزقة.
5
- وقبل ان تنمو قرطبة نموا بالغا في أيام عبد الرحمن الناصر ومن بعده كان المظهر الغالب على حياة المدن الأندلسية هو الطابع الريفي. ومن مظاهر هذه الحياة الريفية: البساطة والخشونة والطيبة وعدم التصنع في المعاملات بين الناس، والنبر بالألقاب من الجهد اليدوي والزراعي، وكان الكسب الحلال من الزراعة يجتذب إليه كثيرا من العلماء والأتقياء، ولذلك كثيرا ما نرى المحدثين والفقهاء في هذه الفترة يؤثرون حياة القرية، وكان من شأن الخلفاء ان يرسلوا في القرى من يستطلع أحوال الناس ويكشف عن أهل العلم والخير منهم، فإذا احتاجوا إلى رجل في بعض المناصب أرسلوا في طلبه (1) . فمثلا أرسل هشام ابن عبد الرحمن في طلب مصعب بن عمران أحد الفقهاء الأتقياء ليوليه القضاء فوجده الرسول في ضيعته يعين زوجته على عمل الوشائع وهي تنسج في منسج لها (2) . وكان محمد بن سلمة الذي أصبح قاضيا في قرطبة متنزها عن الناس ملتزما للبادية (3) . وكان طلاب الحديث إذا سمعوا بهذا النوع من العلماء رحلوا إليه في قريته ليسمعوا منه ويكتبوا عنه؟ كان احمد بن هشام القرطبي المحدث مستوطنا قرية اختبانة من عمل قبرة فكان طلاب الحديث أمثال ابن بشكوال والفرضي وابن المصعب يسافرون إليه لأخذ الحديث عنه (4) . وحكى أحدهم انه كان يختلف
(1) قضاة قرطبة: 39.
(2)
قضاة قرطبة: 43.
(3)
قضاة قرطبة: 139.
(4)
الصلة: 19.
مع أصحابه إلى إبراهيم بن محمد بن باز إلى المنية فيقرأون عليه وهو يزرع والقفيفة في ذراعه (1) . وكان بعض علماء اللغة كالهواري وخصيب يسكن الأرياف، ويرسل الخلفاء لهؤلاء المبتدين يسألونهم في اللغة أو في شيء من أمور العلم والدين (2) .
6
- وتميزت الحياة الاجتماعية في هذا المجتمع منذ البدء بالفهم الصحيح للمسؤولية الاقتصادية وتقدير الكسب في موازنة الدخل والخرج، على نحو قد يعده المشارقة بخلا. ولكن هذا الوعي الجيد قد حمى البيئة الأندلسية من الكدية، لسقوط الاتكال في نظرهم، كما أبعد عنهم الإغراق في التصوف الاتكالي أو استحداث الدويرات والتكايا. نعم أنشأ الحكم المستنصر دارا سماها دار الصدقة، ولكن يبدو ان التعرض للصدقات في الأندلس كان قاصرا على كل محتاج معذور. أما القادر على الكسب فكان يتجه إلى حرفة تكفيه وتعينه على الحياة. ولذلك انتعشت روح التعاون هنالك. وهذه هي الروح التي يمثلها ابن الكتاني أستاذ ابن حزم حين كان يقول لتلامذته:" ان من العجب من يبقى في هذا العالم دون معاونة لنوعه على مصلحة. أما يرى الحراث يحرث له، والطحان يطحن له، والنساج ينسج له، والخياط يخيط له، والجزار يجزر له، والبناء يبني له، وسائر الناس كل متول شغلا له فيه مصلحة به إليه ضرورة، أفما يستحي أن يكون عيالا على كل العالم، لا يعين هو أيضاً من المصلحة؟ "(3) . ويعلق ابن حزم على هذا بقوله: " ولقد صدق ولعمري أن في كلامه من الحكم لما يستثير الهمم الساكنة
(1) الصلة: 33.
(2)
الزبيدي: 281 والصلة: 34.
(3)
رسائل ابن حزم: 83.
إلى ما هيئت له، وأي كلام في نوع هذا أحسن من كلامه في تعاون الناس " (1) . ولذلك الأندلسيون يبعدون عن كثير من الأمور التي يصبغها المشارقة بلون مثالي. خذ مثلا حال المؤدب وأخذه للأجر المسمى " الحذقة " فقد كان المشارقة يختلفون حول أخذ الأجر على التعليم، أما في الأندلس فلم يقفوا عند المسألة، لأن المؤدب كان يرى ان التعليم وسيلة من وسائل العيش، يكفيه الاعتماد على بدوات الكرماء أو تقلبات الظروف (2) .
7
- وفي ظل هذا المجتمع كانت المرأة الأندلسية واسعة النفوذ بقسط كبير من الحرية. ولا تقل المرأة الأندلسية عن المشرقية في مدى النفوذ السياسي، فكانت " عجب " ذات سلطان واسع في أيام هشام ابن عبد الرحمن وظلت تسيطر كثيرا في أيام عبد الرحمن ابنه، وكان لطروب جارية عبد الرحمن ادلال كثيرة عليه ولكنا لا ندري مدى أثرها في الحياة السياسية. وقد نقم الناس على القاضي محمد بن زياد خضوعه لامرأته كفات (3) ، لا لأن هذا الخضوع كان مستهجنا في حد ذاته، بل لأن القاضي يجب ان يكون فوق هذا المستوى. وفي أيام عبد الرحمن الناصر كانت رسيس مقربة إليه حتى انه جعلها تخرج معه في موكبه وهي لبس قلنسوة وتتقلد سيفا، وشق قرطبة على هذه الحال حتى بلغ الزهراء (4) ولا ننس ما كان لصبح من النفوذ في أيام الحكم وفي عهد ابن أبي عامر.
(1) رسائل ابن حزم: 83.
(2)
الزبيدي: 278.
(3)
قضاة قرطبة: 91.
(4)
نقط العروس: 73 - 74.
وتولت المرأة المناصب أيضاً. فكانت لبنى كاتبة للخليفة الحكم بن عبد الرحمن وهي نحوية شاعرة بصيرة بالحساب عروضية خطاطة (1) . وكانت كزنة كاتبة الخليفة الناصر لدين الله حاذقة في الخط (2) . وشارك بعضهن في رواية الحديث فكانت غالبة بنت محمد المعلمة تروي الحديث، وكذلك كانت فاطمة، وشارك أخريات في الشعر: ومنهن عائشة بنت احمد بن محمد ابن قادم القرطبية وكانت تمدح ملوك زمانها وتخاطبهم بما يعرض لها من حاجاتها، وقد جمعت لنفسها مكتبة قيمة. وصفية بنت عبد الله الربي ومريم بنت أبي يعقوب الفيصولي، والغسانية الشاعرة التي كانت تمدح الملوك، وعارضت ابن دراج في إحدى قصائده حين مدحت خيران العامري (3) .
ولعل هذه المكانة التي بلغتها المرأة هي التي نبهت الأندلسيين إلى التساؤل حول علاقة المرأة بالنبوة وأوقعت الجدل بين الفقهاء القرطبيين في هذه المسألة. وكان من اوائل الذين أثاروا القول في هذه المسألة محمد بن موهب القبر يجد أبي الوليد الباجي لأمه، في الأيام العامرية، فشنع الناس عليه في ذلك (4) . وقال ابن حزم في الإشارة إلى الجدل حول هذه المشكلة:" هذا فصل لا نعلمه حدث التنازع العظيم فيه إلا عندنا بقرطبة، وفي زماننا، فان طائفة ذهبت إلى إبطال كون النبوة بالنساء جملة، وبدعت من قال ذلك وذهبت طائفة إلى القول بأنه قد كانت في النساء نبوة وذهبت طائفة إلى التوقف في ذلك "(5) . وقد أبى ابن حزم نفسه أن يقبل إطلاق الحديث القائل بنقص الدين والعقل في المرأة، في كل الأحوال، وقصره على نقصان حظها في الشهادة وعند الحيض (6) " إذ
(1) الصلة: 653.
(2)
الصلة: 653.
(3)
الصلة " 653 - 658، والجذوة: 388، وما بعدها.
(4)
الجذوة: 85.
(5)
الفصل 5: 17.
(6)
الفصل 4: 131.
بالضرورة ندري ان في النساء من هن أفضل من كثير من الرجال وأتم دينا وعقلا غير الوجوه التي ذكر النبي (ص) " (1) .
8
- إن كثيرا مما تقدم يمنح المجتمع الأندلسي لونا قد يكون فارقا إلى حد ما، ويقربنا كثيرا من الشعور بالتسامح إزاء الحياة ومظاهر النمو الحضاري ولكنا ما نكاد نقترب من الدائرة المذهبية والعلمية حتى نصطدم بروح بالغة من التشدد والتزمت؛ لقد دخلت المذاهب إلى الأندلس ثم اندحرت أمام مذهب مالك، فكان أهل الأندلس على مذهب الاوزاعي قبل دخول بني أمية (2)، ويقال ان الذي ادخله هو صعصعة بن سلام (- 292) وكان زهير بن مالك البلوي فقيها على مذهب الاوزاعي حتى حين اخذ الناس يتحولون عنه (3) . ثم غلب مذهب مالك مع الزمن لسببين ذكر أحدهما ابن حزم وذكر الثاني ابن خلدون. أما ابن حزم فيقول: مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرياسة والسلطان مذهب أبي حنيفة؟ ومذهب مالك عندنا بالأندلس فان يحيى بن يحيى كان مكينا عند السلطان مقبول القول في القضاة وكان لا يلي قاض في أقطار الأندلس إلا بمشورته واختياره ولا يشير إلا بأصحابه ومن كان على مذهبه والناس سراع إلى الدنيا (4)، ويقول ابن خلدون: أن البداوة كانت غالبة على أهل المغرب والأندلس ولم يكونوا يعانون الحضارة التي لأهل العراق فكانوا إلى أهل الحجاز أميل لمناسبة البداوة (5) . ومن الصعب ان نحدد من هو أول من أدخل مذهب مالك إلى الأندلس، فمن قائل انه زياد
(1) الفصل 4: 132.
(2)
ابن الفرضي 1: 181.
(3)
المصدر نفسه.
(4)
النفح 1: 332.
(5)
المقدمة: 449 (ط. المكتبة التجارية بمصر) .
ابن عبد الرحمن المعروف بشبطون لأنه أول من أدخل الموطأ إلى بلده (1) ومن قائل ان الغازي بن قيس دخل الأندلس بالموطأ في أيام عبد الرحمن (2) وفي ذلك الزمان رحل جماعة من أمثال شبطون كقرعوس بن العباس وعيس بن دينار وسعيد بن أبي هند وغيرهم ممن رحل إلى الحج في أيام هشام ابن عبد الرحمن فلما رجعوا وصفوا من فضل مالك وسعة علمه وجلالة قدره ما عظم به صيته بالأندلس فانتشر فيها رأيه وعلمه (3) . وانتشر الفقهاء ببلاد الأندلس على مذهب مالك وكان بالبيرة سبعة سمعوا كلهم من سحنون في زمان واحد (4) ، وأصبح الفقهاء يدورون حول المدونة وكتاب آخر ألفه العتبي الأندلسي ويسمى العتبية أو " المستخرجة "، وضاقت الدائرة فأصبحوا يكرهون الحديث مع أن الحديث أصل في مذهب أستاذهم إلا أنهم شغلوا بالتفريعات والرأي، وكان أكثرهم لا يتجاوز رأي مالك وابن القاسم أو أشهب، وأخذ بعضهم يتنقصون أهل الحديث. وبمثل بقي مخلد التحول إلى الحديث حينئذ فقد ملأ الأندلس حديثا ورواية وانفرد بإدخال مصنف ابن أبي شيبة وكتاب الفقه للشافعي وغير ذلك فأنكر عليه أصحابه الأندلسيون ما أدخله من كتاب الاختلاف وغرائب الحديث وأغروا السلطان به. غير أن السلطان أيده في موقفه، ومن روايته انتشر الحديث بالأندلس. ثم تلاه ابن وضاح فصارت الأندلس دار حديث وإسناد (5) ونشأ بها حفاظ مقدمون منهم خالد بن سعد القرطبي الذي كان المستنصر يقول فيه إذا فاخرنا أهل المشرق بيحيى بن معين فاخرناهم بخالد بن سعد (6) .
(1) النفح 1: 349
(2)
ابن القوطية: 34
(3)
النفح 1: 350
(4)
ابن الفرضي 1: 139
(5)
ابن الفرضي 1 108، 109
(6)
ابن الفرضي 1: 154 - 155
وتمذهب بعض الأندلسيين بمذهب الشافعي وبعضهم بمذهب داود الظاهري، وجاء المذهب الخارجي مع بعض المهاجرين من أفريقية وكان النكارية هم الغالبين على خوارج الأندلس (1) وعرف الاعتزال ومن أوائل القائلين به احمد بن موسى بن حدير السكة الذي كان يقول: ان الله عاقل (2) ، وكان ابن مسرة يخلط مذهبه بآراء المعتزلة ويقول بالقدر، كما كان منذر بن سعيد يتهم بالميل إلى هذا المذهب، وكان حكم ابنه رأس المعتزلة بالأندلس وكبيرهم وأستاذهم ومتكلمهم وناسكهم (3) . وقد واجه فقهاء الأندلس هذا المذهب باستنكار شديد ولما مات خليل بن عبد الله بن كليب وكان مشهورا بالقدر لا يتيسر به أتى أبو مروان بن عيسى وجماعة من الفقهاء واخرجوا كتبه وأحرقت بالنار الا ما كان فيها من كتب المسائل (4) .
وكذلك كان منهم من اتبع المذهب الأشعري ومن زعماء هذا المذهب أبو الوليد الباجي الذي ناظر ابن حزم؟ كل هذه المذاهب لم تكن تنافس مذهب مالك حتى قام ابن حزم يناوئ المذاهب جميعا وينشر بالظاهر. غير ان الأندلسيين من وجهة عامة كانوا يعادون كل جديد عليهم حتى انهم ثاروا على بقي بن مخلد؟ كما تقدم - ونسبوه إلى البدعة ورموه بالإلحاد والزندقه وخاطبوا الأمير محمدا في شأنه، واضطر بقي إلى أن يتيسر خوفا على دمه (5) . ووسم الفقهاء الأندلسيون كل من درس الفلسفة والمنطق وكتاب المجسطي بالزندقة وحرضوا عليه العامة. وتعقبوا أهل القدر من اتباع ابن مسرة واحرقوا كتبهم واستتابوهم وقد أراد ابن حزم؟ وهو الفقيه العالم - ان يحطم الحاجز القائم دون دراسة
(1) الفصل 4: 191.
(2)
الفصل 4: 202.
(3)
طوق الحمامة: 45.
(4)
ابن الفرضي 1: 165.
(5)
ابن عذاري 2: 163.
المنطق والفلسفة، فعرض نفسه لهجوم الخصوم، ولكن ابن حزم نفسه أدركه نوع من التدين جعله يقلل من قيمة كل علم لا يقرب المرء من الله تعالى وحث في رسالتيه " التوقيف على شارع النجاة " و " مراتب العلوم " على الانصراف لدراسة الشريعة. ولقي ابن حزم نفسه اضطهادا كثيرا أدى إلى حرق كتبه. ووقع الطلمنكي الفقيه في محنة أخرى (سنة 425) إذ شهد عليه خمسة عشر فقيها من فقهاء سرقسطة بانه حروري سفاك للدماء يرى وضع السيف على صالحي المسلمين ويعمل بخلاف السنة ولم ينقذه إلا القاضي ابن فرتون الذي أسقط الشهادات وقمع تلك الجماعة (1) . وكان الحسد بين رجال الدين من الأسباب التي تضيق الحرية العلمية. ومع الزمن تعدى الجدل أهل المذاهب الإسلامية وأصبح يقوم بين علماء المسلمين ورجال الدين من أهل الملل الأخرى.
9
- ولم تنشأ عند الأندلسيين مدارس خاصة بل ظل المسجد هو المكان المخصص للدراسة. فان لم يكن المسجد، فبيت الأستاذ نفسه. وقد حدثنا ابن بشكوال عن أستاذ كان يقصده الطلبة في داره وهم نيف على أربعين تلميذا، وانهم كانوا يدخلون داره في شهر نونبر ودجنبر وينير في مجلس قد فرش ببسط الصوف مبطنات والحيطان باللبود ووسائد الصوف، وفي وسط المجلس كانون في طول قامة الإنسان مملوءا فحما يأخذ دفئه كل من في المجلس، فإذا فرغ من تدريسهم قدم لهم الموائد عليها ثرائد بلحوم الخرفان بالزيت العذب أو ثرائد اللبن بالسمن أو الزبد (2) .
وكان تدريس الفقه والحديث والعربية هو الشيء الغالب على جماهير المدرسين والمؤدبين، وهم في تدريسهم يعتمدون الكتاب المشرقي في الغالب،
(1) التكملة: 385.
(2)
الصلة 1: 41.
وكذلك هاجرت كتب المشارقة إلى الأندلس بكثرة، وكرت رحلة الأندلسيين إلى المشرق في طلب العلم وكان الواحد منهم يشرف بين بني قومه حين يروى عن شيوخ مصر وبغداد وغيرهما من بلدان المشرق. وكتاب ابن الفرضي والصلة والتكملة وما أشبهها معرض لهذه الهجرات الأندلسية على مر الزمن. كما ان فيها صورة لما كان يهاجر من الكتب إلى البلاد الأندلسية تباعا، وتستفيض هذه الناحية حتى نعز على الحصر، وتجد النشاط إلى جمع الكتب المصححة المحررة عاما بين المسلمين في اسبانية، ولم تكن قرطبة وحدها مركزا للمكتبات الكثيرة وان تميزت عما عداها في ذلك بل كانت تلك المكتبات في المدن الأخرى مثل طليطلة واشبيلية وفي القرى الصغيرة أيضاً. وقد ترك ابن خير في فهرسته أيضاً صورة أخرى للكتب التي هاجرت إلى الأندلس، ويحسن بنا هنا أن نشير إلى رسالة ابن حزم التي قارن فيها بين بعض المؤلفات الأندلسية والمشرقية في بعض الفنون، وكلها مما أطلع ووقع في يديه (1) . ولذلك وسمت الحياة الثقافية منذ البدء بالاعتماد على المشرق والتقليد لأهله. لأنه كان أرقى حضارة وأوسع ثقافة، واليه يلفت الأندلسيون في تجارتهم ويرونه منبع العلم والدين وموطن القداسة والحج. وقد تنمو روح المنافسة مع الزمن بين المشرق والمغرب ولكنها لن تستطيع ان تكفل استقلال الأندلس في شؤون الحضارة والأدب بل أنها ساعدت على توسيع دائرة التقليد. وقد حاول المستنصر ثم ابن حزم أن يرسما للأندلس حدودا ثقافية، وان يقفا بها على مستوى المشرق، ولكن تقديس الثقافة والأدب المشرقي ظل حادا ساطعا. ومن الخطأ الكبير ألا يخايلنا عند دراسة الأدب الأندلسي إلا هذا الاستقلال في الشخصية الأندلسية لأننا ندرس أدبا يستند إلى حضارة مشتركة في الشرق والغرب،
(1) انظر عن اهتمام الأندلسيين بالمكتبات مقالة للأستاذ خوليان رييرا بمجلة معهد المخطوطات المجلد 4 الجزء الأول والثاني.
فلو لم يكن التقليد مقصودا لكان التشابه أيضا محتوما. نعم كان الشعور " بالأندلسية " أو " المغربية " ينمو مع الايام، وكانت البيئة تعمق خصائصها في الخلق وطرق الحياة، وكان الاختلاط بأمم بعيدة يدعو إلى الابتعاد عن المشرق في الزي وروح الفروسية والعادات واللهجة والأمثال. ولكن التعبير؟ لكن صورة الأدب الذي ندرسه ظلت أوثق شيء صلة بالمشرق. وإذا كان من الخطأ ان نقف أبصارنا على صورة الاستقلال الذاتي في الشخصية الأندلسية، فمن الخطأ أيضاً ألا نرى في الإنتاج الأندلسي إلا صورة مشوهة من أدب المشارقة.
وفي حلقات المؤدبين بدأت تتكون نواة ذلك الأدب فلننصرف إلى دراسته في دور التكوين.
فراغ