الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة يوسف
مكية كلها على المعتمد، وروي عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا: إلا ثلاث آيات من أولها، واستثنى بعضهم رابعة، وروي قوله سبحانه: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ [يوسف: 7] وكل ذلك واه جدا لا يلتفت إليه، وما اعتمدناه كغيرنا هو الثابت عن الحبر، وقد أخرجه النحاس وأبو الشيخ وابن مردويه عنه، وأخرجه الأخير عن ابن الزبير وهو الذي يقتضيه ما أخرجه الحاكم وصححه عن رفاعة بن رافع من حديث طويل يحكي فيه قدوم رافع مكة وإسلامه وتعليم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إياه هذه السورة، واقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: 1] وآيها مائة وإحدى عشرة آية بالإجماع على ما نقل عن الداني وغيره، وسبب نزولها على ما
روي عن سعد بن أبي وقاص أنه أنزل القرآن على رسول الله عليه الصلاة والسلام فتلاه على أصحابه زمانا فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا فنزلت،
وقيل: هو تسلية الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم عما يفعله به قومه بما فعلت إخوة يوسف عليه السلام به،
وقيل: إن اليهود سألوه صلى الله تعالى عليه وسلم أن يحدثهم بأمر يعقوب وولده وشأن يوسف وما انتهى إليه فنزلت،
وقيل: إن كفار مكة أمرتهم اليهود أن يسألوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن السبب الذي أحل بني إسرائيل بمصر فسألوه فنزلت
ويبعد القولين الأخيرين فيما زعموا ما
أخرجه البيهقي في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن حبرا من اليهود دخل على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فوافقه وهو يقرأ سورة يوسف فقال: يا محمد من علمكها؟ قال: الله علمنيها فعجب الحبر لما سمع منه فرجع إلى اليهود فقال لهم: والله إن محمدا ليقرأ القرآن كما أنزل في التوراة فانطلق بنفر منهم حتى دخلوا عليه فعرفوه بالصفة ونظروا إلى خاتم النبوة بين كتفيه فجعلوا يستمعون إلى قراءة سورة يوسف فتعجبوا وأسلموا عند ذلك،
وفي القلب من صحة الخبر ما فيه، ووجه مناسبتها للتي قبلها اشتمالها على شرح ما قاساه بعض الأنبياء عليهم السلام من الأقارب، وفي الأولى ذكر ما لقوا من الأجانب، وأيضا قد وقع فيما قبل فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ [هود: 71] وقوله سبحانه: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ [هود: 73] ووقع هنا حال يعقوب مع أولاده وما صارت إليه عاقبة أمرهم مما هو أقوى شاهد على الرحمة، وقد جاء عن ابن عباس وجابر بن زيد أن يونس نزلت ثم هود ثم يوسف وعد هذا وجها آخر من وجوه المناسبة.
الر الكلام فيه وفي نظائره شهير وقد تقدم لك منه ما فيه إقناع، والإشارة في قوله سبحانه: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ إليه في قول: وإلى آياتُ هذه السورة في آخر، وأشير إليها مع أنها لم تذكر بعد لتنزيلها لكونها مترقبة منزلة المتقدم أو لجعل حضورها في الذهن بمنزلة الوجود الخارجي والإشارة بما يشار به للبعيد، أما على الثاني فلأن ما أشير إليه لما لم يكن محسوسا نزل منزلة البعيد لبعده عن حيز الإشارة أو العظمة وبعد مرتبته وعلى غيره لذلك، أو لأنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه صار كالمتباعد.
وزعم بعضهم أن الإشارة إلى ما في اللوح وهو بعيد، وأبعد من ذلك كون الإشارة إلى التوراة والإنجيل أو الآيات التي ذكرت في سورة هود والمراد بالكتاب إما هذه السورة أو القرآن، وقد تقدم لك في يونس ما يؤنسك تذكره هنا فتذكر الْمُبِينِ من أبان بمعنى بان أي ظهر فهو لازم أي الظاهر أمره في كونه من عند الله تعالى وفي إعجازه أو الواضح معانيه للعرب بحيث لا تشتبه عليهم حقائقه ولا تلتبس عليهم دقائقه وكأنه على المعنيين حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فارتفع واستتر ولا يعد هذا من حذف الفاعل المحظور فلا حاجة إلى القول بأن الإسناد مجازي فرارا منه، أو بمعنى بين بمعنى أظهر فهو متعد والمفعول مقدر أي المظهر ما فيه هدى ورشد، أو ما سألت عنه اليهود (1) أو ما أمرت أن تسأل عنه من السبب الذي أحلّ بني إسرائيل بمصر، أو الأحكام والشرائع وخفايا الملك والملكوت وأسرار النشأتين وغير ذلك من الحكم والمعارف والقصص.
وعن ابن عباس ومجاهد الاقتصار على الحلال والحرام وما يحتاج إليه في أمر الدين، وأخرج ابن جرير عن خالد بن معدان عن معاذ رضي الله تعالى عنه أنه قال في ذلك: بين الله تعالى فيه الحروف التي سقطت عن ألسن الأعاجم، وهي ستة أحرف: الطاء والظاء والصاد والضاد والعين والحاء المهملتان والمذكور في- الفرهنك وغيره- من الكتب المؤلفة في اللغة الفارسية أن الأحرف الساقطة ثمانية، ونظم ذلك بعضهم فقال:
هشت حرفست آن كه أندر فارسي نايد همي
…
تا نياموزى نباشى أندرين معنى معاف
بشنو اكنون تا كدام است أن حروف وياد كير
…
ثا وحا وصاد وطا وظا وعين وقاف
ومع هذا فالأمر مبني على الشائع الغالب وإلّا فبعض هذه الأحرف موجود في بعض كلماتهم كما لا يخفى على المتتبع، ولعل الوصف على الأقوال الأول أمدح منه على قول الأخير، والظاهر أن ذلك وصف له باعتبار الشرف الذاتي، قوله سبحانه: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وصف له باعتبار الشرف الإضافي وضمير الغائب للكتاب السابق
(1) وفي الكلام على هذا براعة استهلال فافهم اهـ منه.
ذكره فإن كان المراد به القرآن كله كما هو الظاهر المناسب للحال فذاك وإن كان المراد به هذه السورة فتسميته قرآنا لأنه اسم جنس يقع على الكثير والقليل فكما يطلق على الكل يطلق على البعض، نعم إنه غلب على الكل عند الإطلاق معرفا لتبادره، وهل وصل بالغلبة إلى حد العلمية أو لا؟ فيه خلاف، وإلى الأول ذهب البيضاوي قدس سره فتلزمه الألف واللام ومع ذلك لم يهجر المعنى الأول، ووقع في كتب الأصول أنه وضع تارة للكل خاصة، وأخرى لما يعمه، والبعض أعني الكلام المنقول في المصحف تواترا، ونظر فيه بأن الغلبة ليس لها وضع ثان وإنما هي تخصيص لبعض أفراد الموضوع له، ولذا لزمت العلم بها اللام أو الإضافة إلّا أن يدعى أن فيها وضعا تقديريا كذا قيل وممن صرح- بأن التعيين بالغلبة قسيم للتعيين بالوضع- العلامة الزرقاني وغيره لكن تعقبه الحمصي فقال: إن دلالة الإعلام بالغلبة على تعيين مسماها بالوضع وإن كان غير الوضع الأول فليتأمل.
وعن الزجاج وابن الأنباري أن الضمير لنبأ يوسف وإن لم يذكر في النظم الكريم، وقيل: هو للإنزال المفهوم من الفعل، ونصبه على أنه مفعول مطلق، وَقُرْآناً هو المفعول به، والقولان ضعيفان كما لا يخفى، ونصب قُرْآناً على أنه حال وهو بقطع النظر عما بعده وعن تأويله بالمشتق حال موطئة للحال التي هي عَرَبِيًّا وإن أول بالمشتق أي مقروءا فحال غير موطئة وعَرَبِيًّا إما صفته على رأي من يجوز وصف الصفة، وإما حال من الضمير المستتر فيه على رأي من يقول بتحمل المصدر الضمير إذا كان مؤولا باسم المفعول مثلا، وقيل: قُرْآناً بدل من الضمير، وعَرَبِيًّا صفته، وظاهر صنيع أبي حيان يقتضي اختياره، ومعنى كونه عَرَبِيًّا أنه منسوب الى العرب باعتبار أنه نزل بلغتهم وهي لغة قديمة.
أخرج ابن عساكر في التاريخ عن ابن عباس أن آدم عليه السلام كان لغته في الجنة العربية فلما أكل من الشجرة سلبها فتكلم بالسريانية فلما تاب ردّها الله تعالى عليه، وقال عبد الملك بن حبيب: كان اللسان الأول الذي هبط به آدم عليه السلام من الجنة عربيا الى أن بعد وطال العهد حرف وصار سريانيا وهو منسوب الى أرض سورية وهي أرض الجزيرة. وبها كان نوح عليه السلام وقومه قبل الغرق، وكان يشاكل اللسان العربي إلا أنه محرف وكان أيضا لسان جميع من في السفينة إلا رجلا واحدا يقال له: جرهم فإنه كان لسانه العربي الأول فلما خرجوا من السفينة تزوج إرم بن سام بعض بناته وصار اللسان العربي في ولده عوص أبي عاد وعبيل وجاثر أبي ثمود وجديس وسميت عاد باسم جرهم لأنه كان جدّهم من الأم وبقي اللسان السرياني في ولد أرفخشد بن سام الى أن وصل الى قحطان من ذريته وكان باليمن فنزل هناك بنو إسماعيل عليه السلام فتعلم منهم بنو قحطان اللسان العربي، وقال ابن دحية: العرب أقسام: الأول عاربة وعرباء- وهم الخلص- وهم تسع قبائل من ولد إرم بن نوح، وهي عاد وثمود وأميم وعبيل وطسم وجديس وعمليق وجرهم ووبار ومنهم تعلم إسماعيل عليه السلام العربية، والثاني المتعربة قال في الصحاح: وهم الذين ليسوا بخلص وهم بنو قحطان، والثالث المستعربة وهم الذين ليسوا بخلص أيضا- وهم بنو إسماعيل- وهم ولد معد بن عدنان بن أدد اهـ.
وقال ابن دريد في الجمهرة العرب العاربة سبع قبائل: عاد وثمود وعمليق وطسم وجديس وأميم وجاسم وقد انقرض أكثرهم إلا بقايا متفرقين في القبائل، وأول من انعدل لسانه عن السريانية الى العربية يعرب بن قحطان وهو مراد الجوهري بقوله: إنه أول من تكلم بالعربية، واستدل بعضهم على أنه أول من تكلم بها بما أخرجه ابن عساكر في التاريخ بسند رواه عن أنس بن مالك موقوفا ولا أراه يصح ذكر فيه تبلبل الألسنة ببابل وأنه أول من تكلم بالعربية.
وأخرج الحاكم في المستدرك وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان من طريق سفيان الثوري عن جعفر بن
محمد عن أبيه عن جابر رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا إلخ ثم قال:
«ألهم إسماعيل عليه السلام هذا اللسان العربي إلهاما»
وقال الشيرازي في كتاب الألقاب: أخبرنا أحمد بن إسماعيل المداني أخبرنا محمد بن أحمد بن إسحاق الماشي حدثنا محمد بن جابر حدثنا أبو يوسف بن السكيت قال: حدثني الأثرم عن أبي عبيدة حدثنا مسمع بن عبد الملك عن محمد بن علي بن الحسين عن آبائه رضي الله تعالى عنهم أجمعين عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل عليه السلام وهو ابن أربع عشرة سنة»
وروي أيضا عن ابن عباس أن إسماعيل عليه السلام أول من تكلم بالعربية المحضة، وأريد بذلك- على ما قاله بعض الحفاظ- عربية قريش (1) التي نزل بها القرآن وإلا فاللغة العربية مطلقا كانت قبل إسماعيل عليه السلام وكانت لغة حمير وقحطان وقال محمد بن سلام: أخبرني يونس عن أبي عمرو بن العلاء قال: العرب كلها ولد إسماعيل إلا حميرا وبقايا جرهم وقد جاورهم وأصهر إليهم، وذكر ابن كثير أن من العرب من ليس من ذريته كعاد وثمود وطسم وجديس وأميم وجرهم والعماليق وأمم غيرهم لا يعلمهم إلا الله سبحانه كانوا قبل الخليل عليه السلام وفي زمانه وكان عرب الحجاز من ذريته (2) وأما عرب اليمن- وهم حمير- فالمشهور كما قال ابن ماكولا: إنهم من قحطان واسمه مهزم وهو ابن هود، وقيل: أخوه، وقيل: من ذريته، وقيل: قحطان هو هود، وحكى ابن إسحاق، وغيره أنه من ذرية إسماعيل، والجمهور على أن العرب القحطانية من عرب اليمن وغيرهم ليسوا من ذريته عليه السلام وأن اللغة العربية مطلقا كانت قبله وهي إحدى اللغات التي علمها آدم عليه السلام وكان يتكلم بها وبغيرها أيضا وكثر تكلمه فيما قيل: بالسريانية، وادعى بعضهم أنها أول اللغات وأن كل لغة سواها حدثت بعدها إما توقيفا أو اصطلاحا، واستدلوا على أسبقيتها وجودا بأن القرآن كلام الله تعالى وهو عربي وفيه ما فيه، وهي أفضل اللغات حتى حكى شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام أبي يوسف عليه الرحمة كراهة التكلم بغيرها لمن يحسنها من غير حاجة، وبعدها في الفضل على ما قيل: الفارسية الدرية (3) حتى روي عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه جواز قراءة القرآن بها سواء في ذلك ما كان ثناء كالإخلاص وغيره. وسواء كانت عن عجز عن العربية أم لا، وروي عن صاحبيه جواز القراءة في الصلاة بغير العربية لمن لا يحسنها وفي النهاية والدراية أن أهل فارس كتبوا إلى سلمان الفارسي أن يكتب لهم الفاتحة بالفارسية فكتب فكانوا يقرؤون ما كتب في الصلاة حتى لانت ألسنتهم.
وقد عرض ذلك على النبي عليه الصلاة والسلام ولم ينكر عليه، نعم الصحيح ان الإمام رجع عن ذلك، وفي النفحة القدسية في أحكام قراءة القرآن وكتابته بالفارسية للشرنبلالي ما ملخصه: حرمة كتابة القرآن بالفارسية إلا أن يكتبه بالعربية ويكتب تفسير كل حرف وترجمته وحرمة مسه لغير الطاهر اتفاقا كقراءته وعدم صحة الصلاة بافتتاحها بالفارسية وعدم صحتها بالقراءة بها إذا كانت ثناء واقتصاره عليها مع القدرة على العربية وعدم الفساد بما هو ذكر وفسادها بما ليس ذكرا بمجرد قراءته ولا يخرج عن كونه أميا وهو يعلم الفارسية فقط وتصح الصلاة بدون قراءة للعجز عن العربية على الصحيح عند الإمام وصاحبيه، وأطال الكلام في ذلك، وفي معراج الدراية من تعمد قراءة القرآن او كتابته بالفارسية فهو مجنون أو زنديق والمجنون يداوى والزنديق يقتل، وروي ذلك عن أبي بكر محمد بن الفضل البخاري
(1) وصححوا أن العربية المحضة كانت بتوقيف منه تعالى لاسماعيل عليه السلام فليحفظ اهـ منه.
(2)
ذكر بعضهم أنهم كانوا أربعة إخوة قحطان وقاحط ومقحط وفالغ وفي قحطان الخلاف اهـ منه
(3)
وفي رواية عنه أنه لا فرق في ذلك بين الفارسية وغيرها من اللغات كالهندية اهـ منه
ومع هذا لا ينكر فضل الفارسية،
ففي الحديث «لسان أهل الجنة العربي والفارسي الدري»
وقد اشتهر ذلك لكن ذكر الذهبي في تاريخه عن سفيان أنه قال: بلغنا أن الناس يتكلمون يوم القيامة بالسريانية فإذا دخلوا الجنة تكلموا بالعربية.
وأخرج الطبراني والحاكم والبيهقي وآخرون عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «أحبوا العرب لثلاث لأني عربي والقرآن عربي وكلام أهل الجنة عربي» .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة ما يعضده، ولا يخفى على الخبير بمزايا الكلام أن في الكلام العربي من لطائف المعاني ودقائق الأسرار ما لا يستقل بأدائه لسان (1) ويليه في ذلك الكلام الفارسي فإن كان هذا مدار الفضل فلا ينبغي أن يتنازع اثنان في أفضلية العربي ثم الفارسي مما وصل إلينا من اللغات وإن كان شيئا آخر فالظاهر وجوده في العربي الذي اختار سبحانه إنزال القرآن به لا غير، وقد قسم لنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم من هذا اللسان ما لم يقسم لأحد من فصحاء العرب،
فقد أخرج ابن عساكر في تاريخه عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: «يا رسول الله ما لك أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ قال: كانت لغة إسماعيل قد درست فجاء بها جبريل عليه السلام فحفظنيها فحفظتها» .
وأخرج البيهقي من طريق يونس عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبيه من حديث فيه طول قال رجل «يا رسول الله ما أفصحك ما رأينا الذي هو أعرب منك؟ قال: حق لي فإنما أنزل القرآن علي بلسان عربي مبين» ،
هذا وجوز أن يكون العربي منسوبا إلى عربة وهي ناحية دار إسماعيل عليه السلام قال الشاعر:
وعربة أرض ما يحل حرامها
…
من الناس إلا اللوذعي الحلاحل
والمراد لغة أهل هذه الناحية، واستدل جماعة منهم الشافعي رضي الله تعالى عنه وابن جرير وأبو عبيدة والقاضي أبو بكر بوصف القرآن بكونه عربيا على أنه لا معرب فيه، وشدد الشافعي التكبير على من زعم وقوع ذلك فيه، وكذا أبو عبيدة فإنه قال: من زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول.
ووجه ابن جرير ما ورد عن ابن عباس وغيره في تفسير ألفاظ منه أنها بالفارسية أو الحبشية أو النبطية كذا بأن ذلك مما اتفق فيه توارد اللغات، وقال غيره: بل كان للعرب التي نزل القرآن بلغتهم بعض مخالطة لأهل سائر الألسنة في أسفار لهم فعلقت من لغاتهم ألفاظ غيرت بعضها بالنقص من حروفها واستعملتها في أشعارها ومحاورتها حتى جرت مجرى العربي الفصيح ووقع بها البيان، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن.
وقال آخرون: كل تلك الألفاظ عربية صرفة ولكن لغة العرب متسعة جدا ولا يبعد أن تخفى على الأكابر الأجلة، وقد خفي على ابن عباس معنى فاطر وفاتح، ومن هنا قال الشافعي في الرسالة: لا يحيط باللغة إلا نبي.
وذهب جمع الى وقوع غير العربي فيه، وأجابوا عن الآية بأن الكلمات اليسيرة بغير العربية لا تخرجه عن العربية، فالقصيدة الفارسية لا تخرج عن كونها فارسية بلفظة عربية.
وقال غير واحد: المراد أنه عربي الأسلوب، واستدلوا باتفاق النحاة على أن منع صرف نحو إبراهيم للعلمية والعجمة، ورد بأن الأعلام ليست محل خلاف وإنما الخلاف في غيرها، وأجيب بأنه إذا اتفق على وقوع الأعلام فلا مانع من وقوع الأجناس ونظر فيه، واختار الجلال السيوطي القول بالوقوع، واستدل عليه بما صح عن أبي ميسرة
(1) وكذا في العربي ثم الفارسي من الاتساع ما لا يخفى اهـ منه
التابعي الجليل أنه قال: في القرآن من كل لسان، وروي مثله عن سعيد بن جبير ووهب بن منبه.
وذكر أن حكمة وقوع تلك الألفاظ فيه أنه حوى علوم الأولين والآخرين ونبأ كل شيء فلا بد أن تقع فيه الإشارة الى أنواع اللغات لتتم إحاطته بكل شيء فاختير له من كل لغة أعذبها وأخفها وأكثرها استعمالا للعرب وأيضا لما كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مرسلا الى كل أمة ناسب أن يكون في كتابه المبعوث به من لسان كل قوم شيء، وقد أشار الى الوجه الأول ابن النقيب.
وقال أبو عبد الله القاسم بن سلام بعد أن حكى القول بالوقوع عن الفقهاء: والمنع عن أهل العربية الصواب تصديق القولين جميعا وذلك أن هذه الأحرف أصولها عجمية كما قال الفقهاء لكنها وقعت للعرب فعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت عربية ثم نزل القرآن، وقد اختلطت هذه الأحرف بكلام العرب فمن قال:
إنها عربية فهو صادق، ومن قال: إنها عجمية فهو صادق، ومال الى هذا القول الجواليقي وابن الجزري وآخرون، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة إبراهيم عليه السلام ما يتعلق بهذا المبحث أيضا فليتفطن وليتأمل.
واحتج الجبائي بالآية على كون القرآن مخلوقا من أربعة أوجه: الأول وصفه بالإنزال، والقديم لا يجوز عليه ذلك، الثاني وصفه بكونه عربيا، والقديم لا يكون عربيا ولا فارسيا، الثالث أن قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا يدل على أنه سبحانه قادر على إنزاله غير عربي وهو ظاهر الدلالة على حدوثه.
الرابع أن قوله عزّ شأنه تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ يدل على تركبه من الآيات والكلمات وكل ما كان مركبا كان محدثا ضرورة أن الجزء الثاني غير موجود حال وجود الجزء الأول.
وأجاب الأشاعرة عن ذلك كله بأن قصارى ما يلزم منه أن المركب من الحروف والكلمات محدث وذلك مما لا نزاع لنا فيه، والذي ندعي قدمه شيء آخر نسميه الكلام النفسي وهو مما لا يتصف بالإنزال ولا بكونه عربيا ولا غيره ولا بكونه مركبا من الحروف ولا غيرها، وقد تقدم لك في المقدمات ما ينفعك هنا فلا تغفل.
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي لكي تفهموا معانيه وتحيطوا بما فيه من البدائع أو تستعملوا فيه عقولكم فتعلموا أنه خارج عن طوق البشر مشتمل على ما يشهد له أنه منزل من عند خلاق القوى والقدر، وهذا بيان لحكمة إنزاله بتلك الصفة، وصرح غير واحد أن- لعل- مستعملة بمعنى لام التعليل على طريق الاستعارة التبعية، ومراده من ذلك ظاهر، وجعلها للرجاء من جانب المخاطبين وإن كان جائزا لا يناسب المقام.
وزعم الجبائي أن المعنى أنزله لتعقلوا معانيه في أمر الدين فتعرفوا الأدلة الدالة على توحيده وما كلفكم به، وفيه دليل على أنه تعالى أراد من الكل الإيمان والعمل الصالح من حصل منه ذلك ومن لم يحصل، وفيه أنه بمعزل عن الاستدلال به على ما ذكر كما لا يخفى نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أي نخبرك ونحدثك من قص أثره إذا اتبعه كأن المحدث يتبع ما حدث به وذكره شيئا فشيئا ومثل ذلك تلي أَحْسَنَ الْقَصَصِ أي أحسن الاقتصاص فنصبه على المصدرية إما لإضافته الى المصدر أو لكونه في الأصل صفة مصدر أي قصصا أحسن القصص، وفيه مع بيان الواقع إيهام لما في اقتصاص أهل الكتاب من القبح والخلل، والمفعول به محذوف أي مضمون هذا القرآن، والمراد به هذه السورة، وكذا في قوله عز وجل: بِما أَوْحَيْنا أي بسبب إيحائنا.
إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ والتعرض لعنوان قرآنيتها لتحقيق أن الاقتصاص ليس بطريق الإلهام أو الوحي غير المتلو، ولعل كلمة هذَا للإيماء الى تعظيم المشار اليه.
وقيل: فيها إيماء الى مغايرة هذا القرآن لما في قوله تعالى: قُرْآناً عَرَبِيًّا بأن يكون المراد بذلك المجموع وفيه تأمل، وأحسنيته لأنه قد قص على أبدع الطرائق الرائعة الرائقة، وأعجب الأساليب الفائقة اللائقة كما لا يكاد يخفى على من طالع القصة من كتب الأولين وإن كان لا يميز الغث من السمين ولا يفرق بين الشمال واليمين، وجوز أن يكون هذا المذكور مفعول نَقُصُّ.
وصرح غير واحد أن الآية من باب تنازع الفعلين، والمذهب البصري أولى هنا إما لفظا فظاهر وإما معنى فلأن القرآن كما سمعت السورة وإيقاع الإيحاء عليها أظهر من إيقاع نَقُصُّ باعتبار اشتمالها على القصة وما هو أظهر أولى بإعمال صريح الفعل فيه، وفيه من تفخيم القرآن وإحضار ما فيه من الإعجاز وحسن البيان ما ليس في إعمال نَقُصُّ صريحا، وجوز تنزيل أحد الفعلين منزلة اللازم، ويجوز أن يكون أَحْسَنَ مفعولا به لنقص، والقصص: إما فعل بمعنى مفعول كالنبأ والخبر أو مصدر سمي به المفعول كالخلق والصيد أي نقص عليك أحسن ما يقصه من الأنباء وهو قصة آل يعقوب عليه السلام، ووجه أحسنيتها اشتمالها على حاسد ومحسود ومالك ومملوك وشاهد ومشهود وعاشق ومعشوق وحبس وإطلاق وخصب وجدب وذنب وعفو وفراق ووصال وسقم وصحة وحل وارتحال وذل وعز وقد أفادت أنه لا دافع لقضاء الله تعالى ولا مانع من قدره وأنه سبحانه إذا قضى لإنسان بخير ومكرمة فلو أن أهل العالم اجتمعوا على دفع ذلك لم يقدروا وأن الحسد سبب الخذلان والنقصان، وأن الصبر مفتاح الفرج، وأن التدبير من العقل وبه يصلح أمر المعاش الى غير ذلك مما يعجز عن بيانه بنان التحرير.
وقيل: إنما كانت وأَحْسَنَ لأن غالب من ذكر فيها كان مآله الى السعادة، وقيل: المقصوص أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية لا قصة آل يعقوب فقط، والمراد بهذا القرآن ما اشتمل على ذلك، أَحْسَنَ ليس أفعل تفضيل بل هو بمعنى حسن كأنه قيل: حسن القصص من باب إضافة الصفة الى الموصوف أي القصص الحسن، والقول عليه عند الجمهور ما ذكرنا، قيل: ولكونها بتلك المثابة من الحسن تتوفر الدواعي إلى نقلها ولذا لم تتكرر كغيرها من القصص، وقيل: سبب ذلك من افتتان امرأة ونسوة بأبدع الناس جمالا، ويناسب ذلك عدم التكرار لما فيه من الإغضاء والستر، وقد صحح الحاكم في مستدركه حديث النهي عن تعليم النساء سورة يوسف، وقال الأستاذ أبو إسحاق: إنما كرر الله تعالى قصص الأنبياء وساق هذه القصة مساقا واحدا إشارة إلى عجز العرب كأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال لهم: إن كان من تلقاء نفسي فافعلوا في قصة يوسف ما فعلت في سائر القصص وهو وجه حسن إلا أنه يبقى عليه أن تخصيص سورة يوسف لذلك يحتاج الى بيان فإن سوق قصة آدم عليه السلام مثلا مساقا واحدا يتضمن الإشارة إلى ذلك أيضا بعين ما ذكر، وقال الجلال السيوطي: ظهر لي وجه في سوقها كذلك وهو أنها نزلت بسبب طلب الصحابة أن يقص عليهم فنزلت مبسوطة تامة ليحصل لهم مقصود القصص من الاستيعاب وترويح النفس بالإحاطة ولا يخفى ما فيه، وكأنه لذلك قال: وأقوى ما يجاب به أن قصص الأنبياء إنما كررت لأن المقصود بها إفادة إهلاك من كذبوا رسلهم والحاجة داعية الى ذلك كتكرير تكذيب الكفار للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم فكلما كذبوا أنزلت قصة منذرة بحلول العذاب كما حل بالمكذبين، ولهذا قال سبحانه في آيات: فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ [الأنفال: 38] أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ [الأنعام: 6] وقصة يوسف لم يقصد منها ذلك، وبهذا أيضا يحصل الجواب عن عدم تكرير قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين وقصة موسى مع الخضر وقصة الذبيح، ثم قال: فإن قلت: قد تكررت قصة ولادة يحيى وولادة عيسى عليهما السلام مرتين وليست من قبيل ما ذكرت قلت الأولى في سورة- كهيعص- وهي مكية أنزلت خطابا لأهل مكة، والثانية في سورة آل عمران وهي مدنية
أنزلت خطابا لليهود ولنصارى نجران حين قدموا ولهذا اتصل بهذا ذكر المحاجة والمباهلة اهـ.
واعترض بأن قصة آدم عليه السلام كررت مع أنه ليس المقصود بها إفادة إهلاك من كذبوا رسلهم، وأجيب بأنها وإن لم يكن المقصود بها إفادة ما ذكر إلّا أن فيها من الزجر عن المعصية ما فيها فهي أشبه قصة بتلك القصص التي كررت لذلك فافهم وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ أي قبل إيحائنا إليك ذلك لَمِنَ الْغافِلِينَ عنه لم يخطر ببالك ولم يقرع سمعك، وهذا تعليل لكونه موحى كما ذكره بعض المحققين والأكثر في مثله ترك الواو، والتعبير عن عدم العلم بالغفلة لإجلال شأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وكذا العدول عن- لغافلا- إلى ما في النظم الجليل عند بعض، ويمكن أن يقال: إن الشيء إذا كان بديعا وفيه نوع غرابة إذا وقف عليه قيل للمخاطب: كنت عن هذا غافلا فيجوز أن يقصد الإشارة إلى غرابة تلك القصة فيكون كالتأكيد لما تقدم إلّا أن فيه ما لا يخفى وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن واللام فارقة، وجملة كُنْتَ إلخ خبر- إن- إِذْ قالَ يُوسُفُ نصب بإضمار- اذكر- بناء على تصرفها، وذكر الوقت كناية عن ذكر ما حدث فيه والكلام شروع في إنجاز ما وعد سبحانه، وحكى مكي أن العامل في إِذْ الغافلين.
وقال ابن عطية: يجوز أن يكون العامل فيها نَقُصُّ وروي ذلك عن الزجاج على معنى نقص عليك الحال إِذْ إلخ. وهي للوقت المطلق المجرد عن اعتبار المضي، وفي كلا الوجهين ما فيه.
واستظهر أبو حيان بقاءها على معناها الأصلي وأن العامل فيها قالَ يا بُنَيَّ كما تقول: إذ قام زيد قام عمرو، ولا يخلو عن بعد، وجوز الزمخشري كونها بدلا من أَحْسَنَ الْقَصَصِ على تقدير جعله مفعولا به وهو بدل اشتمال، وأورد أنه إذا كان بدلا من المفعول يكون الوقت مقصوصا ولا معنى له، وأجيب بأن المراد لازمه وهو اقتصاص قول يوسف عليه السلام فإن اقتصاص وقت القول ملزوم لاقتصاص القول.
واعترض بأنه يكون بدل بعض أو كل لا اشتمال، وأجيب بأنه إنما يلزم ما ذكر لو كان الوقت بمعنى القول وهو إما عين المقصوص أو بعضه، أما لو بقي على معناه وجعل مقصوصا باعتبار ما فيه فلا يرد الاعتراض.
هذا ولم يجوزوا البدلية على تقدير نصب أَحْسَنَ الْقَصَصِ على المصدرية، وعلل ذلك بعدم صحة المعنى حينئذ وبقيام المانع عربية، أما الأول فلأن المقصوص في ذلك الوقت لا الاقتصاص. وأما الثاني فلأن أحسن الاقتصاص مصدر فلو كان الظرف بدلا وهو المقصود بالنسبة لكان مصدرا أيضا وهو غير جائز لعدم صحة تأويله بالفعل، وأورد على هذا أن المصدر كما يكون ظرفا نحو أتيتك طلوع الشمس يكون الظرف أيضا مصدرا ومفعولا مطلقا لسدّه مسدّ المصدر كما في قوله:
ولم تغتمض عيناك ليلة أرمد فإنهم صرحوا- كما في التسهيل وشروحه- أن ليلة مفعول مطلق أي اغتماض ليلة، وما ذكر من حديث التأويل بالفعل فهو من الأوهام الفارغة، نعم إذا ناب عن المصدر ففي كونه بدل اشتمال شبهة وهو شيء آخر غير ما ذكر، وعلى الأول أنه وإن لم يشتمل الوقت على الاقتصاص فهو مشتمل على المقصوص فلم لم تجز البدلية بهذه الملابسة؟ ورد بأن مثل هذه الملابسة لا تصحح البدلية، ونقل عن الرضي أن الاشتمال ليس كاشتمال الظرف على المظروف بل كونه دالّا عليه إجمالا ومتقاضيا له بوجه ما بحيث تبقى النفس عند ذكر الأول متشوقة إلى الثاني منتظرة له فيجيء الثاني مبينا لما أجمل فيه فإن لم يكن كذلك يكن بدل غلط وعلى هذا يقال في عدم صحة البدلية: إن النفس إنما تتشوق لذكر وقت الشيء لا لذكر وقت لازمه ووقت القول ليس وقتا للاقتصاص، ويُوسُفُ علم
أعجمي لا عربي مشتق من الأسف وسمي به لأسف أبيه عليه أو أسفه على أبيه أو أسف من يراه على مفارقته لمزيد حسنه كما قيل، وإلّا لانصرف لأنه ليس فيه غير العلمية ولا يتوهمن أن فيه وزن الفعل أيضا إذ ليس لنا فعل مضارع مضموم الأول والثالث، وكذا يقال في يونس، وقرىء بفتح السين وكسرها على ما هو الشائع في الأسماء الأعجمية من التغيير لا على أنه مضارع بني للمفعول أو للفاعل من آسف لأن القراءة المشهورة شهدت بعجميته ولا يجوز أن يكون أعجميا وغير أعجمي قاله غير واحد لكن في الصحاح أن يعفر ولد الأسود الشاعر إذا قلته بفتح الياء لم تصرفه لأنه مثل يقتل.
وقال يونس: سمعت رؤبة يقول: أسود بن يعفر بضم الياء وهذا ينصرف لأنه قد زال عنه شبه الفعل اهـ.
وصرحوا بأن هذا مذهب سيبويه، وأن الأخفش خالفه فمنع صرفه لعروض الضم للاتباع، وعلى هذا يحتمل أن يقال: إنه عربي ومنه من الصرف على قراءة الفتح والكسر للعلمية ووزن الفعل. وكذا على قراءة الضم بناء على ما يقوله الأخفش ويلتزم كون ضم ثالثه اتباعا لضم أوله، وأجيب بأنه لو كان عربيا لوقع فيه الخلاف كما وقع في يعفر، والظاهر أن أعجميته متحققة عندهم ولذا التزموا منعه من الصرف لها وللعلمية ولا الالتفات لذلك الاحتمال.
وقرأ طلحة بن مصرف- يؤسف- بالهمز وفتح السين، وقد جاء فيه الضم والكسر مع الهمز أيضا فيكون فيه ست لغات لِأَبِيهِ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم،
وفي الصحيح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: «قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» .
نسب كأن عليه من شمس الضحى
…
نورا ومن ضوء الصباح عمودا
يا أَبَتِ أصله يا أبي فعوض عن الياء تاء التأنيث لتناسبهما في كون كل منهما من حروف الزيادة ويضم الى الاسم في آخره ولهذا قلبها هاء في الوقف ابن كثير وابن عامر، وخالف الباقون فأبقوها تاء في الوقف وكسرت لأنها عوض عن الياء التي هي أخت الكسرة فحركت بحركة تناسب أصلها لا لتدل على الياء ليكون ذلك كالجمع بين عوضين أو بين العوض والمعوض، وجعل الزمخشري هذه الكسرة كسرة الياء زحلقت الى التاء لما فتح ما قبلها للزوم فتح ما قبل تاء التأنيث، وقرأ ابن عامر وأبو جعفر (1) ، والأعرج بفتحها لأن أصلها وهو الياء إذا حرك حرك بالفتح، وقيل:
لأن أصل يا أَبَتِ يا أبتا بأن قلبت الياء ألفا ثم حذفت وأبقيت فتحتها دليلا عليها، وتعقب بأن يا أبتا ضعيف (2) كيا أبتي حتى قيل: إنه يختص بالضرورة كقوله يا أبتا علك أو عساكا وقال الفراء وأبو عبيدة وأبو حاتم: إن الألف المحذوفة من يا أبتا للندبة، ورد بأن الموضع ليس موضع ندبة، وعن قطرب أن الأصل- يا أبة- بالتنوين فحذف والنداء باب حذف، ورد بأن التنوين لا يحذف من المنادى المنصوب نحو يا ضاربا رجلا، وقرىء بضم التاء إجراء لها مجرى الأسماء المؤنثة بالتاء من غير اعتبار التعويض، وأنت تعلم أن ضم المنادى المضاف شاذ وإنما لم تسكن مع أن الباء التي وقعت هي عوضا عنها تسكن لأنها حرف صحيح منزل منزلة الاسم فيجب تحريكها ككاف الخطاب.
وزعم بعضهم أن الياء أبدلت تاء لأنها تدل على المبالغة والتعظيم في نحو علامة ونسابة والأب والأم مظنة التعظيم فعلى هذا لا حذف ولا تعويض، والتاء حينئذ اسم، فقد صرحوا أن الاسم إذا كان على حرف واحد وأبدل لا
(1) المروي عن ابن عامر أنه قرأ به في القرآن اهـ منه
(2)
لما فيه من الجمع بين عوضين، وفي الثاني الجمع بين العوض والمعوض اهـ منه.
يخرج عن الاسمية، وقال الكوفيون: إن التاء لمجرد التأنيث وياء بالإضافة مقدرة، ويأباه عدم سماع يا أبتي في السعة، وكذا سماع فتحها على ما قيل، وتعقب بأن تاء لات للتأنيث عند الجمهور وكذا تاء ربت، وثمت وهي مفتوحة إِنِّي رَأَيْتُ أي في المنام كما يقتضيه كلام ابن عباس وغيره، وكذا قوله سبحانه: لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ وهذا تأويل رؤياي، فإن مصدر رأي الحلمية الرؤيا ومصدر البصرية الرؤية في المشهور، ولذا خطىء المتنبي في قوله:
ورؤياك أحلى في العيون من الغمض وذهب السهيلي وبعض اللغويين الى أن الرؤيا سمعت من العرب بمعنى الرؤية ليلا ومطلقا، واستدل بعضهم لكون رأي حلمية بأن ذلك لو وقع يقظة وهو أمر خارق للعادة لشاع وعد معجزة ليعقوب عليه السلام أو إرهاصا ليوسف عليه السلام، وأجيب بأنه يجوز أن يكون في زمان يسير من الليل والناس غافلون، والحق أنها حلمية، ومثل هذا الاحتمال مما لا يلتفت إليه.
وقرأ أبو جعفر «أني» (1) بفتح الياء أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وهي جربان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفيلق والمصبح والفزع ووثاب وذو الكتفين والضروج
فقد روي عن جابر أن سنانا اليهودي جاء الى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: أخبرني يا محمد عن النجوم التي رآهن يوسف فسكت فنزل جبريل عليه السلام فأخبره بذلك فقال عليه الصلاة والسلام: هل أنت مؤمن إن أخبرتك؟ قال: نعم فعد صلى الله عليه وسلم ما ذكر فقال اليهودي: أي والله إنها لأسماؤها.
وأخرج السهيلي عن الحارث بن أبي أسامة نحو ذلك إلا أنه ذكر النطح بدل المصبح، وأخرج الخبر الأول جماعة من المفسرين وأهل الأخبار وصححه الحاكم، وقال: إنه على شرط مسلم، وقال أبو زرعة وابن الجوزي: إنه منكر موضوع.
وقرأ الحسن وطلحة بن سليمان وغيرهما أَحَدَ عَشَرَ بسكون العين لتوالي الحركات وليظهر جعل الاسمين اسما واحدا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ عطف على ما قبل.
وزعم بعضهم أن الواو للمعية وليس بذاك وتخصيصهما بالذكر وعدم الاندراج في عموم الكواكب لاختصاصهما بالشرف وتأخيرهما لأن سجودهما أبلغ وأعلى كعبا فهو من باب لا يعرفه فلان ولا أهل بلده، وتقديم الشمس على القمر لما جرت عليه عادة القرآن إذا جمع الشمس والقمر، وكان ذلك إما لكونها أعظم جرما وأسطع نورا وأكثر نفعا من القمر وإما لكونها أعلى مكانا منه وكون فلكها أبسط من فلكه على ما زعمه أهل الهيئة وكثيرين من غيرهم، وإما لأنها مفيضة النور عليه كما ادعاه غير واحد، واستأنس له بقوله سبحانه: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً [يونس: 5] وإنما أورد الكلام على هذا الأسلوب ولم يطو ذكر العدد لأن المقصود الأصلي أن يتطابق المنام ومن هو في شأنهم وبترك العدد يفوت ذلك رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ استظهر في البحر أن رَأَيْتُهُمْ تأكيد لما تقدم تطرية للعهد كما في قوله تعالى: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ واختار الزمخشري التأسيس وأن الكلام جواب سؤال مقدر كأن يعقوب عليه السلام قال له عند قوله: رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كيف رأيتها؟ سائلا عن حال رؤيتها فقال: رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ وكأنه لا يرى أن رأي
(1) قوله: وقرأ أبو جعفر إلخ هكذا بخطه ولعلها من غير المتواتر عنه. [.....]
الحلمية مما تتعدى الى مفعولين كالعلمية ليلتزم كون المفعول الثاني للفعل الأول محذوفا، ويرى أنها تتعدى لواحد كالبصرية فلا حذف، وساجِدِينَ حال عنده كما يشير إليه كلامه، والمشهور عند الجمهور أنها تتعدى الى مفعولين ولا يحذف ثانيهما اقتصارا.
وجوز أن يكون مذهبه القول بالتعدي الى ما ذكر إلا أنه يقول بجواز ما منعوه من الحذف، وأنت تعلم أن ما استظهره في البحر سالم عن المخالفة والنظرية أمر معهود في الكتاب الجليل (1) وإنما أجريت هذه المتعاطفات مجرى العقلاء في الضمير جمع الصفة لوصفها بوصف العقلاء أعني السجود سواء كان المراد منه التواضع أو السجود الحقيقي وإعطاء الشيء الملابس لآخر من بعض الوجوه حكما من أحكامه إظهارا لأثر الملابسة والمقاربة شائع في الكلام القديم والحديث، وفي الكلام على ما قيل: استعارة مكنية بتشبيه المذكورات بقوم عقلاء ساجدين والضمير والسجود قرينة أو أحدهما قرينة تخييلية والآخر ترشيح.
وذهب جماعة من الفلاسفة الى أن الكواكب أحياء ناطقة، واستدل لهم بهذه الآية ونظائرها وكثير من ظواهر الكتاب والسنة يشهد لهم، وليس في القول بذلك إنكار ما هو من ضروريات الدين، وتقديم الجار والمجرور لإظهار العناية والاهتمام مع ما في ضمنه عل ما قيل: من رعاية الفواصل، وكانت هذه الرؤية فيما قيل: ليلة الجمعة، وأخرج أبو الشيخ عن ابن منبه أنها كانت ليلة القدر، ولعله لا منافاة لظهور إمكان كون ليلة واحدة ليلة القدر وليلة الجمعة، واستشكل كونها في ليلة القدر بأنها من خواص هذه الأمة، وأجيب بأن ما هو من الخواص تضعيف ثواب العمل فيها الى ما قص الله سبحانه وكان عمره عليه السلام حين رأى ذلك اثنتي عشرة سنة فيما يروى عن وهب.
وقيل: سبع عشرة سنة، وكان قد رأى قبل وهو ابن سبع سنين أن إحدى عشرة عصا طوالا كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدائرة وإذا عصا صغيرة تثب عليها حتى اقتلعتها وغلبتها فوصف ذلك لأبيه فقال: إياك أن تذكر هذا لأخوتك، وتعبير هذه العصي لإحدى عشرة هو بعينه تعبيرا لأحد عشر كوكبا فإن كلا منهما إشارة الى إخوته، وليس في الرؤيا الأولى ما يشير الى ما يشير إليه الشمس والقمر في الرؤية الثانية، ولا ضرورة الى التزام القول باتحاد المنامين بأن يقال: إنه عليه السلام رأى في كل أحد عشر شيئا إلا أن ذلك في الأول عصي وفي الثاني كواكب، ويكون عطف الشمس والقمر على ما قبله من قبيل عطف ميكائيل وجبريل عليهما السلام على الملائكة كما يوهمه كلام بعضهم، وعبرت الشمس بأبيه والقمر بأمه اعتبارا للمكان والمكانة.
وروى ذلك عن قتادة وعن السدي أن القمر خالته لأن أمه راحيل قد ماتت، والقول: بأن الله تعالى أحياها بعد لتصديق رؤياه لا يخفى حاله، وعن ابن جريج أن الشمس أمّه والقمر أبوه وهو اعتبار للتأنيث والتذكير، وقد تعبر الشمس بالملك وبالذهب وبالزوجة الجميلة والقمر بالأمير والكواكب بالرؤساء وكذا بالعلماء أيضا.
وعن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أن رؤية القمر تؤوّل على أحد سبعة عشر وجها، ملك أو وزير أو نديم الملك أو رئيس أو شريف أو جارية أو غلام أو أمر باطل أو وال أو عالم مفسد أو رجل معظم أو والد أو والدة أو زوجة أو بعل لها أو ولد أو عظمة
ولعل ذلك مبني على اختلاف الرائي وكيفية الرؤية، وزعم بعضهم أنه عليه السلام لم يكن رأي الكواكب ولا الشمس والقمر وإنما رأى إخوته وأبويه إلا أنه عبر عنهم بذلك على طريقة الاستعارة التصريحة وهو
(1) وزعم بعضهم أن أحد الفعلين من الرؤية والآخر من الرؤيا وهو كما ترى اهـ منه.
خلاف الظاهر جدا ويكاد يعدّ من كلام النائم، ويؤيد ظاهر ما نقله كثير من المفسرين أنه عليه السلام رأى الكواكب والشمس والقمر قد نزلت فسجدت له فقص ذلك على أبيه قالَ يا بُنَيَّ صغره للشفقة ويسمي النحاة مثل هذا تصغير التحبيب، وما ألطف قول بعض المتأخرين:
قد صغر الجوهر في ثغره
…
لكنه تصغير تحبيب
ويحتمل أن يكون لذلك لصغر السن، وفتح الياء قراءة حفص، وقرأ الباقون بكسرها، والجملة استئناف مبني على سؤال كأنه قيل: فماذا قال الأب بعد سماع هذه الرؤية العجيبة من ابنه؟ فقيل: قال: يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً أي فيحتالوا لإهلاكك حيلة عظيمة لا تقدر على التقضي عنها أو خفية لا تتصدى لمدافعتها، وإنما قال له ذلك لما أنه عليه السلام عرف من رؤياه أن سيبلغه الله تعالى مبلغا جليلا من الحكمة ويصطفيه للنبوة وينعم عليه بشرف الدارين فخاف عليه حسد الإخوة وبغيهم فقال له ذلك صيانة لهم من الوقوع فيما لا ينبغي في حقه وله من معاناة المشاق ومقاساة الأحزان وإن كان واثقا بأنهم لا يقدرون على تحويل ما دلت عليه الرؤيا وأنه سبحانه سيحقق ذلك لا محالة وطمعا في حصوله بلا مشقة وليس ذلك من الغيبة المحظورة في شيء، والرؤيا- مصدر رأي- الحلمية الدالة على ما يقع في النوم سواء كان مرئيا أم لا على ما هو المشهور، والرؤية- مصدر رأي- البصرية الدالة على إدراك مخصوص، وفرق بين مصدر المعنيين بالتأنيثين، ونظير ذلك القربة للتقرب المعنوي بعبادة ونحوها، والقربى للتقرب النسبي وحقيقتها عند أهل السنة كما قال محيي الدين النووي نقلا عن المازني: إن الله سبحانه يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان وهو سبحانه يخلق ما يشاء لا يمنعه نوم ولا يقظة، وقد جعل سبحانه تلك الاعتقادات علما على أمور أخر يخلقها في ثاني الحال، ثم إن ما يكون علما على ما يسر يخلقه بغير حضرة الشيطان. وما يكون علما على ما يضر يخلقه بحضرته، ويسمى الأول رؤيا وتضاف إليه تعالى إضافة تشريف، والثاني حلما وتضاف الى الشيطان كما هو الشائع من إضافة الشيء المكروه إليه، وإن كان الكل منه تعالى، وعلى ذلك جاء
قوله صلى الله عليه وسلم: «الرؤيا من الله تعالى والحلم من الشيطان»
وفي الصحيح عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنها من الله تعالى فليحمد الله تعالى وليحدث بها وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله تعالى من الشيطان الرحيم ومن شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لن تضره» .
وصح عن جابر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثا وليستعذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم وليتحول عن جنبه الذي كان عليه»
ولا يبعد جعل الله تعالى ما ذكر سببا للسلامة عن المكروه كما جعل الله الصدقة سببا لدفع البلاء وإن لم نعرف وجه مدخلية البصق عن اليسار والتحول عن الجنب الذي كان عليه مثلا في السببية، وقيل هي أحاديث الملك الموكل بالأرواح إن كانت صادقة ووسوسة الشيطان والنفس إن كانت كاذبة، ونسب هذا الى المحدثين، وقد يجمع بين القولين بأن مقصود القائل بأنها اعتقادات يخلقها الله تعالى في قلب إلخ أنها اعتقادات تخلق كذلك بواسطة حديث الملك أو بواسطة وسوسة الشيطان مثلا والمسببات في المشهور عن الأشاعرة مخلوقة له تعالى عند الأسباب لا بها فتدبر.
وقال غير واحد من المتفلسفة هي انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة الى الحس المشترك، والصادقة منها إنما تكون باتصال النفس بالملكوت لما بينهما من التناسب عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ فتتصور بما فيها مما يليق بها من المعاني الحاصلة هناك، ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبها فترسلها الى الحس المشترك فتصير مشاهدة، ثم إن كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت إلا بالكلية والجزئية استغنت عن التعبير وإلا احتاجت اليه.
وذكر بعض أكابر الصوفية ما يقرب من هذا، وهو: أن الرؤيا من أحكام حضرة المثال المقيد المسمى بالخيال وهو قد يتأثر من العقول السماوية والنفوس الناطقة المدركة للمعاني الكلية والجزئية فيظهر فيه صور مناسبة لتلك المعاني وقد يتأثر من القوى الوهمية المدركة للمعاني الجزئية فقط فيظهر فيه صورة تناسبها، وهذا قد يكون بسبب سوء مزاج الدماغ وقد يكون بسبب توجه النفس بالقوة الوهمية الى إيجاد صورة من الصور كمن يتخيل صورة محبوبه الغائب عنه تخيلا قويا فتظهر صورته في خياله فيشاهده، وهي أول مبادئ الوحي الإلهي في أهل العناية لأن الوحي لا يكون إلا بنزول الملك وأول نزوله في الحضرة الخيالية ثم الحسية،
وقد صح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «أول ما بدىء به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح»
والمرئي على ما قال بعضهم: سواء كان على صورته الأصلية أو لا قد يكون بإرادة المرئي. وقد يكون بإرادة الرائي وقد يكون بإرادتهما معا. وقد يكون لا بإرادة من شيء منهما، فالأول كظهور الملك على نبي من الأنبياء عليهم السلام في صورة من الصور وظهور الكمل من الأناسي على بعض الصالحين في صور غير صورهم، والثاني كظهور روح من الأرواح الملكية أو الإنسانية باستنزال الكامل إياه الى عالمه ليكشف معنى ما مختصا علمه به، والثالث كظهور جبريل عليه السلام للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم باستنزاله إياه وبعث الحق سبحانه إياه إليه صلى الله تعالى عليه وسلم، والرابع كرؤية زيد مثلا صورة عمرو في النوم من غير قصد وإرادة منهما، وكانت رؤيا يوسف عليه السلام من هذا القسم لظهور أنها لو كانت بإرادة الأخوة لعلموا فلم يكن للنهي عن الاقتصاص معنى، ويشير الى انها لم تكن بقصده قوله بعد: قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا [يوسف: 100] .
هذا والمنقول عن المتكلمين أنها خيالات باطلة وهو من الغرابة بمكان بعد شهادة الكتاب والسنة بصحتها، ووجه ذلك بعض المحققين بأن مرادهم أن كون ما يتخيله النائم إدراكا بالبصر رؤية، وكون ما يتخيله إدراكا بالسمع سمعا باطل فلا ينافي حقيقة ذلك بمعنى كونه أمارة لبعض الأشياء كذلك الشيء نفسه أو ما يضاهيه ويحاكيه، وقد مر الكلام في ذلك فتيقظ.
والمشهور الذي تعاضدت فيه الروايات أن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، ووجه ذلك عند جمع أنه صلى الله تعالى عليه وسلم بقي حسبما أشارت عائشة رضي الله تعالى عنها ستة أشهر يرى الوحي مناما ثم جاءه الملك يقظة وستة أشهر بالنسبة الى ثلاث وعشرين سنة جزء من ست وأربعين جزءا.
وذكر الحليمي أن الوحي كان يأتيه عليه الصلاة والسلام على ستة وأربعين نوعا: مثل النفث في الروع، وتمثل الملك له بصورة دحية رضي الله تعالى عنه مثلا وسماعه مثل صلصلة الجرس الى غير ذلك، ولذا قال صلى الله تعالى عليه وسلم ما قال، وذكر الحافظ العسقلاني أن كون الرؤيا الصادقة جزء من كذا من النبوة إنما هو باعتبار صدقها لا غير وإلا لساغ لصاحبها أن يسمى نبيا وليس كذلك، وقد تقدم لك أن في بعض الروايات ما فيه مخالفة لما في هذه الرواية من عدة الأجزاء، ولعل المقصود من كل ذلك على ما قيل: مدح الرؤيا الصادقة والتنويه برفعة شأنها لا خصوصية العدد ولا حقيقة الجزئية.
وقال ابن الأثير في جامع الأصول: روى قليل أنها جزء من خمسة وأربعين جزءا وله وجه مناسبة بأن عمره صلى الله تعالى عليه وسلم لم يستكمل ثلاثا وستين بأن يكون توفي عليه الصلاة والسلام بأثناء السنة الثالثة والستين
ورواية أنها جزء من أربعين جزءا
تكون محمولة على كون عمره عليه الصلاة والسلام ستين وهو رواية لبعضهم،
وروي أنها جزء من سبعين جزءا
ولا أعلم لذلك وجها اهـ.
وأنت تعلم أن سبعين كثيرا ما يستعمل في التكثير فلعله هو الوجه، والغرض الإشارة الى كثرة أجزاء النبوة فتدبر،
والمراد- بإخوته- هاهنا على ما قيل: الإخوة الذين يخشى غوائلهم ومكائدهم من بني علاته الأحد عشر، وهم يهوذا وروبيل وشمعون ولاوي وريالون ويشجر ودينه بنو يعقوب (1) من ليا بنت ليان بن ناهر وهي بنت خالته، ودان ويفتالى وجاد وآشر بنوه عليه السلام من سريتين له زلفة وبلهة (2) وهم المشار إليهم بالكواكب، وأما بنيامين الذي هو شقيق يوسف عليه السلام وأمهما راحيل التي تزوجها يعقوب عليه السلام بعد وفات أختها ليا أو في حياتها (3) إذ لم يكن جمع الأختين إذ ذاك محرما فليس بداخل تحت هذا النهي إذ لا تتوهم مضرته ولا تخشى معرته ولم يكن معهم في الرؤيا إذ لم يكن معهم في السجود.
وتعقب بأن المشهور أن بني علاته عليه السلام عشرة وليس فيهم من اسمه دينه، ومن الناس من ذكر ذلك في عداد أولاد يعقوب إلا أنه قال: هي أخت يوسف، وبناء الكلام عليه ظاهر الفساد بل لا تكاد تدخل في الإخوة إلا باعتبار التغليب لأنه جمع أخ فهو مخصوص بالذكور، فلعل المختار أن المراد من الإخوة ما يشمل الأعيان والعلات، ويعد بنيامين بدل دينه إتماما لأحد عشر عدة الكواكب المرئية، والنهي عن الاقتصاص عليه- وإن لم يكن ممن تخشى غوائله- من باب الاحتياط وسد باب الاحتمال، ومما ذاع كل سر جاوز الاثنين شاع، ويلتزم القول بوقوع السجود منه كسائر أهله وإسناد الكيد الى الإخوة باعتبار الغالب فلا إشكال كذا قيل، وهو على علاته أولى مما قيل: إن المراد بإخوته ما لا يدخل تحته بنيامين ودينه لأنهما لا تخشى معرتهما ولا يتوهم مضرتهما فهم حينئذ تسعة وتكمل العدة بأبيه وأمه أو خالته ويكون عطف الشمس والقمر من قبيل عطف جبريل وميكائيل على الملائكة، وفيه من تعظيم أمرهما ما فيه لما أن في ذلك ما فيه، ونصب فَيَكِيدُوا بأن مضمرة في جواب النهي وعدي باللام مع أنه مما يتعدى بنفسه كما في قوله تعالى: فيكيدوني لتضمينه ما يتعدى بها وهو الاحتيال كما أشرنا اليه، وذلك لتأكيد المعنى بإفادة معنى الفعلين المتضمن والمضمن جميعا ولكون القصد الى التأكيد والمقام مقامه أكد الفعل بالمصدر وقرر بالتعليل بعد، وجعل اللام زائدة كجعله مما يتعدى بنفسه وبالحرف خلاف الظاهر، وقيل: إن الجار والمجرور من متعلقات التأكيد على معنى فيكيدوا كيدا لك وليس بشيء وجعل بعضهم اللام للتعليل على معنى فيفعلوا لأجلك وإهلاكك كيدا راسخا أو خفيا وزعم أن هذا الأسلوب آكد من أن يقال فيكيدوك كيدا إذ ليس فيه دلالة على كون نفس الفعل مقصود الإيقاع وفيه نوع مخالفة للظاهر أيضا فافهم.
وقرأ الجمهور رُؤْياكَ بالهمز من غير إمالة، والكسائي «رؤياك» بالإمالة وبغير همز وهي لغة أهل الحجاز إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ أي لهذا النوع عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة فلا يألو جهدا في تسويل إخوتك وإثارة الحسد فيهم حتى يحملهم على ما لا خير فيه وإن كانوا ناشئين في بيت النبوة، والظاهر أن القوم كانوا بحيث يمكن أن يكون للشيطان عليهم سبيل، ويؤيد هذا أنهم لم يكونوا أنبياء، والمسألة خلافية فالذي عليه الأكثرون سلفا وخلفا أنهم لم يكونوا أنبياء أصلا، أما السلف فلم ينقل عن الصحابة منهم أنه قال بنبوتهم ولا يحفظ عن أحد من التابعين أيضا، وأما أتباع التابعين فنقل عن ابن زيد أنه قال بنبوتهم وتابعه شرذمة قليلة، وأما الخلف فالمفسرون فرق: فمنهم من قال بقول ابن زيد كالبغوي، ومنهم من بالغ في رده كالقرطبي وابن كثير، ومنهم من حكى القولين بلا ترجيح كابن الجوزي،
(1) سألت بعض اليهود عن ضبطها فقال: لياء بهمزة بعد الياء والله تعالى أعلم اهـ منه.
(2)
وادعى بعضهم أن السريتين كانتا أختين أيضا، وقد جمع بينهما ولم يحل ذلك لأحد بعده اهـ منه.
(3)
وإلى هذا ذهب اليهود اهـ منه.
ومنهم من لم يتعرض للمسألة لكن ذكر ما يشعر بعدم كونهم أنبياء كتفسيره الأسباط بمن نبىء من بني إسرائيل والمنزل إليهم بالمنزل إلى أنبيائهم كأبي الليث السمرقندي والواحدي، ومنهم من لم يذكر شيئا من ذلك ولكن فسر الأسباط بأولاد يعقوب فحسبه ناس قولا بنبوتهم وليس نصا فيه لاحتمال أن يريد بالأولاد ذريته لابنيه لصلبه، وذكر الشيخ ابن تيمية في مؤلف له خاص في هذه المسألة ما ملخصه: الذي يدل عليه القرآن واللغة والاعتبار أن إخوة يوسف عليه السلام ليسوا بأنبياء وليس في القرآن ولا عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بل ولا عن أحد من أصحابه رضي الله تعالى عنهم خبر بأن الله تعالى نبأهم وإنما احتج من قال: بأنهم نبئوا بقوله تعالى في آيتي [البقرة: 136، 140][والنساء: 163] والْأَسْباطِ وفسر ذلك بأولاد يعقوب والصواب أنه ليس المراد بهم أولاده لصلبه بل ذريته كما يقال لهم: بنو إسرائيل، وكما يقال لسائر الناس: بنو آدم، وقوله تعالى: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [الأعراف: 159] وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً [الأعراف: 160] صريح في أن الأسباط هم الأمم من بني إسرائيل وكل سبط أمة، وقد صرحوا بأن الأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من بني إسماعيل، وأصل السبط كما قال أبو سعيد الضرير: شجرة واحدة ملتفة كثيرة الأغصان فلا معنى لتسمية الأبناء الاثني عشر أسباطا قبل أن ينتشر عنهم الأولاد، فتخصيص الأسباط في الآية ببنيه عليه السلام لصلبه غلط لا يدل عليه اللفظ ولا المعنى ومن ادعاه فقد أخطأ خطأ بينا والصواب أيضا أنهم إنما سموا أسباطا من عهد موسى عليه السلام، ومن حينئذ كانت فيهم النبوة فإنه لم يعرف فيهم نبي قبله إلا يوسف، ومما يؤيد ذلك أنه سبحانه لما ذكر الأنبياء من ذرية إبراهيم قال: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ [الأنعام: 84] الآيات فذكر يوسف ومن معه ولم يذكر الأسباط ولو كان إخوة يوسف قد نبئوا كما نبىء لذكروا كما ذكر، وأيضا إن الله تعالى ذكر للأنبياء عليهم السلام من المحامد والثناء ما يناسب النبوة وإن كان قبلها وجاء
في الحديث «أكرم الناس يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم نبي ابن نبي»
فلو كانت إخوته أنبياء كانوا قد شاركوه في هذا الكرم، وهو سبحانه لما قص قصتهم وما فعلوا بأخيهم ذكر اعترافهم بالخطيئة وطلبهم الاستغفار من أبيهم ولم يذكر من فضلهم ما يناسب النبوة وإن كان قبلها، بل ولا ذكر عنهم توبة باهرة كما ذكر عمن ذنبه دون ذنبهم، ولم يذكر سبحانه عن أحد من الأنبياء قبل النبوة ولا بعدها أنه فعل مثل هذه الأمور العظيمة من عقوق الوالد وقطيعة الرحم وإرقاق المسلم وبيعه الى بلاد الكفر. والكذب البين الى غير ذلك مما حكاه عنهم، بل لو لم يكن دليل على عدم نبوتهم سوى صدور هذه العظائم منهم لكفى لأن الأنبياء معصومون عن صدور مثل ذلك قبل النبوة وبعدها عند الأكثرين، وهي أيضا أمور لا يطيقها من هو دون البلوغ فلا يصح الاعتذار بأنها صدرت منهم قبله وهو لا يمنع الاستنباء بعد، وأيضا ذكر أهل السير أن إخوة يوسف كلهم ماتوا بمصر وهو أيضا مات بها لكن أوصى بنقله الى الشام فنقله موسى عليه السلام ولم يذكر في القرآن أن أهل مصر قد جاءهم نبي قيل موسى غير يوسف ولو كان منهم نبي لذكر، وهذا دون ما قبله في الدلالة كما لا يخفى.
والحاصل أن الغلط في دعوى نبوتهم (1) إنما جاء من ظن أنهم هم الأسباط وليس كذلك إنما الأسباط أمة عظيمة، ولو كان المراد بالأسباط أبناء يعقوب لقال سبحانه ويعقوب وبنيه فإنه أبين وأوجز لكنه عبر سبحانه بذلك إشارة الى أن النبوة حصلت فيهم من حين تقطيعهم أسباطا من عهد موسى عليه السلام فليحفظ.
هذا ولما نبهه عليه السلام على أن لرؤياه شأنا عظيما وحذره مما حذره شرع في تعبيرها وتأويلها على وجه
(1) سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى أن منهم من استدل على نبوتهم بغير ذلك، وأن فيه ما فيه اهـ منه.
إجمالي فقال: وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ أي يصطفيك ويختارك للنبوة كما روي عن الحسن، أو للسجود لك كما روي عن مقاتل، أو لأمور عظام كما قال الزمخشري، فيشمل ما تقدم وكذا يشمل إغناء أهله ودفع القحط عنهم ببركته وغير ذلك، ولعل خير الأقوال وسطها وأصل الاجتباء من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك وفسروه بالاختيار لأنه إنما يجتبي ما يختار.
وذكر بعضهم أن اجتباء الله تعالى العبد تخصيصه إياه بفيض إلهي يتحصل منه أنواع من المكرمات بلا سعي من العبد وذلك مختص بالأنبياء عليهم السلام ومن يقاربهم من الصديقين والشهداء والصالحين، والمشار إليه بذلك إما الاجتباء لمثل تلك الرؤيا فالمشبه والمشبه به متغايران، وإما لمصدر الفعل المذكور وهو المشبه والمشبه به، وَكَذلِكَ في محل نصب صفة لمصدر مقدر وقدم تحقيق ذلك، وقيل هنا: إن الجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وليس الأمر كذلك، ولا يخفى ما في ذكر الرب مضافا إلى ضمير المخاطب من اللطف، وإنما لم يصرح عليه السلام بتفاصيل ما تدل عليه الرؤيا حذرا من إذاعته على ما قيل وَيُعَلِّمُكَ ذهب جمع إلى أنه كلام مبتدأ غير داخل تحت التشبيه أراد به عليه السلام تأكيد مقالته وتحقيقها وتوطين نفس يوسف عليه السلام بما أخبر به على طريق التعبير والتأويل أي وهو يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ أي ذلك الجنس من العلوم، أو طرفا صالحا فتطلع على حقيقة ما أقول ولا يخفى ما فيه من تأكيد ما سبق والبعث على تلقي ما سيأتي بالقبول، وعلل عدم دخوله تحت التشبيه بأن الظاهر أن يشبه الاجتباء بالاجتباء والتعليم غير الاجتباء فلا يشبه به، ونظر فيه بأن التعليم نوع من الاجتباء والنوع يشبه بالنوع، وقيل: العلة في ذلك أنه يصير المعنى ويعلمك تعليما مثل الاجتباء بمثل هذه الرؤيا ولا يخفى سماجته فإن الاجتباء وجه الشبه بين المشبه والمشبه به ولم يلاحظ في التعليم ذلك.
وقال بعض المحققين: لا مانع من جعله داخلا تحت التشبيه على أن المعنى بذلك الإكرام بتلك الرؤيا أي كما أكرمك بهذه المبشرات يكرمك بالاجتباء والتعليم ولا يحتاج في ذلك إلى جعله تشبيهين وتقدير كذلك، وأنت تعلم أن المنساق إلى الفهم هو العطف ولا بأس فيما قرّره هذا المحقق لتوجيهه، نعم للاستئناف وجه وجيه وإن لم يكن المنساق إلى الفهم والظاهر أن المراد من تأويل الأحاديث تعبير الرؤيا إذ هي إخبارات غيبية يخلق الله تعالى بواسطتها اعتقادات في قلب النائم حسبما يشاؤه ولا حجر عليه تعالى، أو أحاديث الملك إن كانت صادقة أو النفس أو الشيطان إن لم تكن كذلك، وذكر الراغب أن التأويل من الأول وهو الرجوع، وذلك ردّ الشيء إلى الغاية المرادة منه علما كان أو فعلا، فالأول كقوله سبحانه: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: 7] والثاني كقوله وللنوى قبل يوم البين تأويل وجاء الأول بمعنى السياسة التي يراعى مآلها يقال: ألنا وائل علينا اهـ.
وشاع التأويل في إخراج الشيء عن ظاهره، والْأَحادِيثِ جمع تكسير لحديث على غير قياس كما قالوا:
باطل وأباطيل، وليس باسم جمع له لأن النحاة قد شرطوا في اسم الجمع أن لا يكون على وزن يختص بالجمع كمفاعيل، وممن صرح بأنه جمع الزمخشري في المفصل، وهو مراده من اسم الجمع في الكشاف فإنه كغيره كثيرا ما يطلق اسم الجمع على الجمع المخالف للقياس فلا مخالفة بين كلاميه، وقيل: هو جمع أحدوثة، وردّ بأن الأحدوثة الحديث المضحك كالخرافة فلا يناسب هنا، ولا في أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام أن يكون جمع أحدوثة، وقال ابن هشام: الأحدوثة من الحديث ما يتحدث به ولا تستعمل إلّا في الشر، ولعل الأمر ليس كما ذكروا، وقد نص المبرد على أنها ترد في الخير، وأنشد قول جميل وهو مما سار وغار:
وكنت إذا ما جئت سعدى أزورها
…
أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ود جليسها
…
إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
وقيل: إنهم جمعوا حديثا على أحدوثة ثم جمعوا الجمع على أحاديث كقطيع أو أقطعة وأقاطيع، وكون المراد من تأويل الأحاديث تعبير الرؤيا هو المروي عن مجاهد والسدي وعن الحسن أن المراد عواقب الأمور، وعن الزجاج أن المراد بيان معاني أحاديث الأنبياء والأمم السالفة والكتب المنزلة.
وقيل: المراد بالأحاديث الأمور المحدثة من الروحانيات والجسمانيات، وبتأويلها كيفية الاستدلال بها على قدرة الله تعالى وحكمته وجلالته والكل خلاف الظاهر فيما أرى وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بأن يصل نعمة الدنيا بنعمة الآخرة، أو بأن يضم إلى النبوة المستفادة من الاجتباء الملك ويجعله تتمة لها، أو بأن يضم إلى التعليم الخلاص من المحن والشدائد وتوسيط ذكر التعليم لكونه من لوازم النبوة والاجتباء ولرعاية ترتيب الوجود الخارجي ولأن التعليم وسيلة إلى إتمام النعمة فإن تعبيره لرؤيا صاحبي السجن ورؤيا الملك صار ذريعة إلى الخلاص من السجن والاتصال بالرئاسة العظمى.
وفسر بعضهم الاجتباء بإعطاء الدرجات العالية كالملك والجلالة في قلوب الخلق وإتمام النعمة بالنبوة، وأيد بأن إتمام عبارة عما تصير به النعمة كاملة خالية عن جهات النقصان وما ذاك في حق البشر إلّا النبوة فإن جميع مناصب الخلق ناقصة بالنسبة إليها.
وجوز أن تعد نفس الرؤيا من نعم الله تعالى عليه فيكون جميع النعم الواصلة إليه بحسبها مصداقا لها تماما لتلك النعمة ولا يخلو عن بعد، وقيل: المراد من الاجتباء إفاضة ما يستعد به لكل خير ومكرمة، ومن تعليم تأويل الأحاديث تعليم تعبير الرؤيا، ومن إتمام النعمة عليه تخليصه من المحن على أتم وجه بحيث يكون مع خلاصة منها ممن يخضع له، ويكون في تعليم التأويل إشارة إلى استنبائه لأن ذلك لا يكون إلّا بالوحي وفيه أن تفسير الاجتباء بما ذكر غير ظاهر، وكون التعليم فيه إشارة إلى الاستنباء في حيز المنع وما ذكر من الدليل لا يثبته، فإن الظاهر أن إخوته كانوا يعلمون التأويل وإلّا لم ينهه أبوه عليه السلام عن اقتصاص رؤياه عليهم خوف الكيد، وكونهم أنبياء إذ ذاك مما لم يذهب إليه ذاهب ولا يكاد يذهب إليه أصلا، نعم ذكروا أنه لا يعرف التعبير كما ينبغي إلّا من عرف المناسبات التي بين الصور ومعانيها وعرف مراتب النفوس التي تظهر في حضرة خيالاتهم بحسبها فإن أحكام الصورة والواحدة تختلف بالنسبة إلى الأشخاص المختلفة المراتب وهذا عزيز الوجود، وقد ثبت الخطأ في التعبير من علماء أكابر،
اللهم إلّا أن يدعي أن المراد التعليم على الوجه الأكمل
بحيث لا يخطىء من يخطىء به، وهو يستدعي كون الرجل بحيث يعرف المناسبات ومراتب النفوس ويلتزم القول بأن ذلك لا يكون إلّا نبيا، واختير أن المراد بالاجتباء الاصطفاء للنبوة، وبتعليم التأويل ما هو الظاهر.
وبإتمام النعمة تخليصه من المكاره، ويكون قوله عليه السلام: يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ إشارة إجمالية منه إلى تعبير الرؤيا كما لا يخفى على من له ذوق وهو أيضا متضمن للبشارة، وهذا إرداف لها بما هو أجل في نظر يوسف عليه السلام ووجه توسيط التعليم عليه لا يخفى.
وحاصل المعنى كما أكرمك بهذه المبشرة الدالة على سجود إخوتك لك ورفعة شأنك عليهم يكرمك بالنبوة والعلم الذي تعرف به تأويل أمثال ما رأيت وإتمام نعمته عليك وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ بالخلاص من المكاره وهي في حق يوسف عليه السلام مما لا يخفى (1) وفي حق آل يعقوب، والمراد بهم أهله من بنيه وغيرهم وأصله أهل، وقيل:
أول، وقد حققناه في غير ما كتاب ولا يستعمل إلّا فيمن له خطر مطلقا ولا يضاف لما لا يعقل ولو كان ذا خطر بخلاف أهل فلا يقال: آل الحجام ولا آل الحرم، ولكن أهل الحجام وأهل الحرم، نعم قد يضاف لما نزل منزلة العاقل كما في قول عبد المطلب وانصر على آل الصليب (2) وعابديه اليوم آلك وفيه رد على أبي جعفر الزبيدي حيث زعم عدم جواز إضافته إلى الضمير لعدم سماعه مضافا إليه، ويعقوب كابنه اسم أعجمي لا اشتقاق له فما قيل: من أنه إنما سمي بذلك لأنه خرج من بطن أمه عقب أخيه العيص غير مرضي عند الجلة الفاقة والقحط وتفرق الشمل، وغير ذلك مما يعم أو يخص، ومنهم من فسر الآل بالبنين وإتمام النعمة بالاستنباء، وجعل حاصل المعنى يمنّ عليك وعلى سائر أبناء يعقوب بالنبوة، واستدل بذلك على أنهم صاروا بعد أنبياء.
وفي إرشاد العقل السليم أن رؤية يوسف عليه السلام إخوته كواكب يهتدى بأنوارها من نعم الله تعالى عليهم لدلالتها على مصير أمرهم إلى النبوة فيقع كل ما يخرج من القوة إلى الفعل من كمالاتهم بحسب ذلك تماما لتلك النعمة لا محالة، وأنت تعلم أن ما ذكر لا يصلح دليلا على أنهم صاروا أنبياء لما علمت من الاحتمالات، والدليل إذا طرقه الاحتمال بطل به الاستدلال ورؤيتهم كواكب يهتدى بأنوارها بمعزل عن أن تكون دليلا على أن مصيرهم إلى النبوة، وإنما تكون دليلا على أن مصيرهم إلى كونهم هادين للناس وهو مما لا يلزمه النبوة
فقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»
ونحن لا ننكر أن القوم صاروا هادين بعد أن منّ الله تعالى عليهم بالتوبة بل هم لعمري حينئذ من أجلة أصحاب نبيهم، وقد يقال أيضا: إنه لو دلّ رؤيتهم كواكب على أن مصيرهم إلى النبوة لكانت رؤية أمه قمرا أدل على ذلك ولا قائل به.
وقال بعضهم: لا مانع من أن يراد- بآل يعقوب- سائر بنيه، وبإتمام النعمة- إتمامها بالنبوة لكن لا يثبت بذلك نبوتهم بعد لجواز أن يراد يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بالنبوة وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ بشيء آخر كالخلاص من المكروه مثلا، وهذا كقولك: أنعمت على زيد وعلى عمرو وهو لا يقتضي أن يكون الإنعام عليهما من نوع واحد لصدق الكلام بأن يكون قد أنعمت على زيد بمنصب وعلى عمرو بإعطائه ألف دينار، أو بتخليصه من ظالم مثلا وهو ظاهر.
(1) قوله: في حق آل يعقوب إلخ هو خبر مقدم، وقوله، الآتي الفاقة والقحط إلخ، مبتدأ مؤخر اهـ منه.
(2)
بناء على أن الصليب اسم لما يعلقه النصارى في أعناقهم ويعبدونه فليفهم اهـ منه.
ورجح بعضهم حمل الآل على ما يعم الأبناء بأنه لو كان المراد الأبناء لكان الأظهر الأخصر وعلى إخوتك بدل ما في النظم الجليل، وقيل إنما اختار ذلك عليه لأنه يتبادر من الإخوة الذي نهى عن الاقتصاص عليهم فلا يدخل بنيامين، والمراد إدخاله، وقيل: المراد- بآل يعقوب- أتباعه الذين على دينه.
وقيل: يعقوب خاصة على أن الآل بمعنى الشخص ولا يخفى ما في القولين من البعد، وأبعدهما الأخير ومن جعل إتمام النعمة إشارة إلى الملك جعل العطف باعتبار أنهم يغتنمون آثاره من العز والجاه والمال هذا.
كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ أي إتماما كائنا كإتمام نعمته على أبويك من قبل هذا الوقت أو من قبلك، والاسمان الكريمان عطف بيان- لأبويك- والتعبير عنهما بالأب مع كونهما أبا جده وأبا أبيه للإشعار بكمال ارتباطه بالأنبياء عليهم السلام وتذكير معنى الولد سر أبيه ليطمئن قلبه بما أخبر به، وإتمام النعمة على إبراهيم إما بالنبوة، وإما باتخاذه خليلا وإما بإنجائه من نار عدوه وإما من ذبح ولده وإما بأكثر من واحد من هذه وعلى إسحاق إما بالنبوة أو بإخراج يعقوب من صلبه أو بإنجائه من الذبح وفدائه بذبح عظيم على رواية أنه الذبيح، وذهب إليه غير واحد، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه، وأمر التشبيه على سائر الاحتمالات سهل إذ لا يجب أن يكون من كل وجه والاقتصار في المشبه به على ذكر إتمام النعمة من غير
تعرض للاجتباء من باب الاكتفاء كما قيل فإن إتمام النعمة يقتضي سابقة النعمة المستدعية للاجتباء لا محالة ومعرفته عليه السلام لما أخبر به مما لم تدل عليه الرؤيا إما بفراسة، وكثيرا ما تصدق فراسة الوالد بولده كيفما كان الوالد، فما ظنك بفراسته إذا كان نبيا أو بوحي؟ وقد يدعي أنه استدل بالرؤيا على كل ذلك إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ بكل شيء فيعلم من يستحق المذكورات حَكِيمٌ فاعل لكل شيء حسبما تقتضيه الحكمة فيفعل ما يفعل جريا على سنن علمه وحكمته، والجملة استئناف لتحقيق الجمل المذكورة.
لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ [يوسف: 22] أي في قصصهم، والظاهر أن المراد بالإخوة هنا ما أريد بالإخوة فيما مرّ، وذهب جمع إلى أنهم هناك بنو علاته، وجوز أن يراد بهم هاهنا ما يشمل من كان من الأعيان لأن لبنيامين أيضا حصة من القصة، ويبعده على ما قيل: قالُوا الآتي آياتٌ علامات عظيمة الشأن دالة على عظيم قدرة الله تعالى القاهرة وحكمته الباهرة لِلسَّائِلِينَ لكل من سأل عن قصتهم وعرفها، أو للطالبين للآيات المعتبرين بها فإنهم الواقفون عليها المنتفعون بها دون من عداهم ممن اندرج تحت قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ [يوسف: 105] فالمراد بالقصة نفس المقصوص، أو على نبوته عليه الصلاة والسلام الذين سألوه عن قصتهم حسبما علمت في بيان سبب النزول فأخبرهم صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك على ما هو عليه من غير سماع من أحد ولا قراءة كتاب، فالمراد بالقصة اقتصاصها، وجمع- الآيات- حينئذ قيل: للإشعار بأن اقتصاص كل طائفة من القصة آية بينة كافية في الدلالة على نبوته صلى الله تعالى عليه وسلّم، وقيل:
لتعدد جهة الإعجاز لفظا ومعنى، وزعم بعض الجلة أن الآية من باب الاكتفاء، والمراد آياتٌ للذين يسألون والذين لا يسألون، ونظير ذلك قوله سبحانه: سَواءً لِلسَّائِلِينَ [فصلت: 10] وحسن ذلك لقوة دلالة الكلام على المحذوف، وقال ابن عطية: إن المراد من السائلين الناس إلّا أنه عدل عنه تحضيضا على تعلم مثل هذه القصة لما فيها من مزيد العبر، وكلا القولين لا يخلو عن بعد.
وقرأ أهل مكة وابن كثير ومجاهد- آية- على الإفراد، وفي مصحف أبي- عبرة للسائلين- إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ بنيامين وتخصيصه بالإضافة لاختصاصه بالأخوة من جانبي الأم والأب وهي أقوى من الأخوة من أحدهما، ولم يذكروه باسمه إشعارا بأن محبة يعقوب عليه السلام له لأجل شقيقه يوسف عليه السلام، ولذا لم يتعرضوه بشيء مما أوقع بيوسف عليه السلام واللام للابتداء، ويوسف- مبتدأ وَأَخُوهُ عطف عليه، وقوله سبحانه: أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا خبر ومتعلق به وهو أفعل تفضيل من المبني للمفعول شذوذا ولذا عدي بإلى حسبما ذكروا من أن أفعل من الحب والبغض يعدى إلى الفاعل معنى بإلى وإلى المفعول باللام، وفي تقول: زيد أحب إلي من بكر إذا كنت تكثر محبته ولي وفيّ إذا كان يحبك أكثر من غيره، ولم يثن مع أن المخبر عنه به اثنان لأن أفعل من كذا لا يفرق فيه بين الواحد وما فوقه ولا بين المذكر وما يقابله بخلاف أخويه فإن الفرق واجب في المحلى جائز في المضاف إذا أريد تفضيله على المضاف إليه وإذا أريد تفضيله مطلقا فالفرق لازم، وجيء بلام الابتداء لتحقيق مضمون الجملة وتأكيده أي كثرة حبه لهما أمر ثابت لا شبهة فيه وَنَحْنُ عُصْبَةٌ أي والحال إنا جماعة قادرون على خدمته والجد في منفعته دونهما، والعصبة والعصابة على ما نقل عن الفراء: العشرة فما زاد سموا بذلك لأن الأمور تعصب بهم أي تشد فتقوى.
وعن ابن عباس أن العصبة ما زاد على العشرة وفي رواية عنه أنها ما بين العشرة والأربعين، وعن مجاهد أنها من عشرة الى خمسة عشرة.
وعن مقاتل هي عشرة، وعن ابن جبير ستة أو سبعة، وقيل: ما بين الواحد إلى العشرة، وقيل: إلى خمسة عشر، وعن ابن زيد والزجاج وابن قتيبة هي الجماعة مطلقا ولا واحد لها من لفظها كالنفر والرهط، وقيل: الثلاثة نفر وإذا زادوا فهم رهط إلى التسعة فإذا زادوا فهم عصبة، ولا يقال لأقل من عشرة: عصبة،
وروى النزال بن سبرة عن علي كرم الله تعالى وجه أنه قرأ بنصب «عصبة»
فيكون الخبر محذوفا، وعصبة حال من الضمير فيه أي نجتمع عصبة، وقدر ذلك ليكون في الحال دلالة على الخبر المحذوف لما فيها من معنى الاجتماع.
وزعم ابن المنير أن الكلام على طريقة: أنا أبو النجم وشعري شعري، والتقدير ونحن نحن عصبة، وحذف الخبر لمساواته المبتدأ وعدم زيادته عليه لفظا ففي حذفه خلاص من تكرار اللفظ بعينه مع دلالة السياق على المحذوف، ولا غرو في وقوع الحال بعد نحن لأنه بالتقدير المذكور كلام تام فيه من الفخامة ما فيه وقدر في هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ [هود: 78] على قراءة النصب مثل ذلك، وفيه أن الفخامة إنما تجيء من التكرار فلا يجوز الحذف على أن الدلالة على المحذوف غير بينة.
وعن ابن الأنباري أن ذلك كما تقول العرب: إنما العامري عمته أي يتعهد ذلك، والدال على المحذوف فيه عمته فإن الفعلة للحالة التي يستمر عليها الشخص فيلزم لا محالة تعهده لها، والأولى أن يعتبر نظير قول الفرزدق: يا
لهذم حكمك مسمطا فإنه أراد كما قال المبرد
…
حكمك لك مسمطا
أي مثبت نافذ غير مردود، وقد شاع هذا فيما
بينهم لكن ذكروا أن فيه شذوذا من وجهين، والآية على قراءة الأمير كرم الله تعالى وجهه أكثر شذوذا منه لا يخفى على المتدرب في علم العربية إِنَّ أَبانا أي في ترجيحهما علينا في المحبة مع فضلنا عليهما وكونهما بمعزل عن كفاية الأمور لَفِي ضَلالٍ أي خطأ في الرأي وذهاب عن طريق التعديل اللائق من تنزيل كل منا منزلته مُبِينٍ ظاهر الحال، وجعل الضلال ظرفا لتمكنه فيه، ووصفه بالمبين إشارة إلى أن ذلك غير مناسب له بزعمهم والتأكيد المزيد الاعتناء، يروى أنه عليه السلام كان أحب إليه لما يرى فيه من أن المخايل وكانت إخوته يحسدونه فلما رأى الرؤيا تضاعفت له المحبة فكان لا يصبر عنه ويضمه كل ساعة إلى صدره ولعله أحس قلبه بالفراق فتضاعف لذلك حسدهم حتى حملهم على ما قص الله تعالى عنهم، وقال بعضهم: إن سبب زيادة حبه عليه السلام ليوسف وأخيه صغرهما وموت أمهما، وحب الصغير أمر مركوز في فطرة البشر فقد قيل لابنة الحسن: أي بنيك أحب إليك؟ قالت:
الصغير حتى يكبر والغائب حتى يقدم والمريض حتى يشفى، وقد نظم بعض الشعراء في محبة الولد الصغير قديما وحديثا، ومن ذلك ما قاله الوزير أبو مروان عبد الملك بن إدريس الجزيري من قصيدة بعث بها إلى أولاده وهو في السجن:
وصغيرهم عبد العزيز فإنني
…
أطوي لفرقته جوى لم يصغر
ذاك المقدم في الفؤاد وإن غدا
…
كفأ لكم في المنتمى والعنصر
إن البنان الخمس أكفاء معا
…
والحلي دون جميعها للخنصر
وإذا الفتى فقد الشباب سماله
…
حب البنين ولا كحب الأصغر
وفيه أن منشأ زيادة الحب لو كانت ما ذكر لكان بنيامين أوفر حظا في ذلك لأنه أصغر من يوسف عليه السلام كما يدل عليه قولهم: إن أمهما ماتت في نفاسه، والآية كما أشرنا إليه مشيرة إلى أن محبته لأجل شقيقه يوسف فالذي ينبغي أن يعول عليه أنه عليه السلام إنما أحبه أكثر منهم لما رأى فيه من مخايل الخير ما لم ير فيهم وزاد ذلك الحب بعد الرؤيا لتأكيدها تلك الإمارات عنده ولا لوم على الوالد في تفضيله بعض ولده على بعض في المحبة لمثل ذلك،
وقد صرح غير واحد أن المحبة ليست مما تدخل تحت وسع البشر والمرء معذور فيما لم يدخل تحته، نعم ظن أبناؤه أن ما كان منه عليه السلام إنما كان عن اجتهاد وأنه قد أخطأ في ذلك والمجتهد يخطىء ويصيب وإن كان نبيا، وبهذا ينحل ما قيل: إنهم إن كانوا قد آمنوا بكون أبيهم رسولا حقا من عند الله تعالى فكيف اعترضوا وكيف زيفوا طريقته وطعنوا فيما هو عليه، وإن كانوا مكذبين بذلك فهو يوجب كفرهم والعياذ بالله تعالى وهو مما لم يقل به أحد ووجه الانحلال ظاهر اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً الظاهر أن هذا من جملة ما حكي بعد قوله سبحانه: إِذْ قالُوا وقد قاله بعض منهم مخاطبا للباقين وكانوا راضين بذلك إلّا من قال: لا تَقْتُلُوا إلخ، ويحتمل أنه قاله كل منهم مخاطبا للبقية، والاستثناء هو الاستثناء، وزعم بعضهم أن القائل رجل غيرهم شاوروه في ذلك وهو خلاف الظاهر ولا ثبت له، والظاهر أن القائل خيرهم بين الأمرين القتل والطرح.
وجوز أن يكون المراد قال بعض: اقْتُلُوا يُوسُفَ وبعض اطْرَحُوهُ والطرح رمي الشيء وإلقاؤه، ويقال:
طرحت الشيء أبعدته، ومنه قول عروة بن الورد:
ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا
…
من المال يطرح نفسه كل مطرح
ونصب أَرْضاً على إسقاط حرف الجر كما ذهب إليه الحوفي ابن عطية أي ألقوه في أرض بعيدة عن الأرض التي هو فيها، وقيل: نصب على أنه مفعول ثان- لاطرحوه- لتضمينه معنى أنزلوه فهو كقوله تعالى: أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً [المؤمنون: 29]، وقيل: منصوب على الظرفية، ورده ابن عطية وغيره بأن ما ينتصب على الظرفية المكانية لا يكون إلّا مبهما وحيث كان المراد أرضا بعيدة عن أرضه لم يكن هناك إبهام، ودفع بما لا يخلو عن نظر، وحاصل المعنى اقتلوه أو غربوه فإن التغريب كالقتل في حصول المقصود مع السلام من إثمه، ولعمري لقد ذكروا أمرين مرين فإن الغربة كربة أية كربة ولله تعالى در من قال:
حسنوا القول وقالوا غربة
…
إنما الغربة للأحرار ذبح
يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ بالجزم جواب الأمر، والوجه الجارحة المعروفة، وفي الكلام كناية تلويحية عن خلوص المحبة، ومن هنا قيل: أي يقبل عليكم إقبالة واحدة لا يلفت عنكم إلى غيركم، والمراد سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها وينازعهم إياها، وقد فسر الوجه بالذات والكناية بحالها خلا أن الانتقال إلى المقصود بمرتبتين:
على الأول وبمرتبة على هذا، وقيل: الوجه بمعنى الذات، وفي الكلام كناية عن التوجه والتقيد بنظم أحوالهم وتدبير أمورهم لأن خلوه لهم يدل على فراغه عن شغل يوسف عليه السلام فيشتغل بهم وينظم أمورهم، ولعل الوجه الأوجه هو الأول وَتَكُونُوا بالجزم عطفا على جواب الأمر، وبالنصب بعد الواو بإضمار أن (1) أي يجتمع لكم خلو وجهه والكون مِنْ بَعْدِهِ أي بعد يوسف على معنى بعد الفراغ من أمره، أو من بعد قتله أو طرحه، فالضمير إما ليوسف أو لأحد المصدرين المفهومين من الفعلين.
قَوْماً صالِحِينَ بالتوبة والتنصل إلى الله تعالى عما جئتم به من الذنب- كما روي عن الكلبي- وإليه ذهب الجمهور، فالمراد بالصلاح الصلاح الديني بينهم وبين الله تعالى، ويحتمل أن المراد ذلك لكن بينهم وبين أبيهم بالعذر
(1) لا يخفى على المتأمل في هذا التفسير حل ما استشكله بعض الناس على تقدير العطف على جواب الأمر من عدم استقامة أن تقتلوا أو تطرحوا تكونوا من بعده صالحين من حيث المعنى، وعندي أن ما أشير إليه من الجواب كالجواب عن نظير هذا الاستشكال في قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً [الفتح: 1] لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: 2] الآية فتأمل ترشد اهـ منه.
وهو وإن كان مخالفا للدين لكونه كذبا لكنه موافق له من جهة أنهم يرجون عفو أبيهم وصفحه به ليخلصوا من العقوق على ما قيل، ويحتمل أن يراد الصلاح الدنيوي أي صالحين في أمر دنياكم فإنه ينتظم لكم بعده بخلو وجه أبيكم، وإيثار الخطاب في لَكُمْ وما بعده للمبالغة في حملهم على القبول فإن اعتناء المرء بشأن نفسه واهتمامه بتحصيل منافعه أتم وأكمل قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ هو يهوذا وكان رأيه فيه أهون شرا من رأي غيره وهو القائل: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ [يوسف: 80] إلخ قاله السدي.
وقال قتادة وابن إسحاق: هو روبيل، وعن مجاهد أنه شمعون، وقيل: دان، وقال بعضهم: إن أحد هذين هو القائل: اقْتُلُوا يُوسُفَ إلخ، وأما القائل، لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ فغيره، ولعل الأصح أنه يهوذا.
قيل: وإنما لم يذكر أحد منهم باسمه سترا على المسيء وكل منهم لم يخل عن الإساءة وإن تفاوتت مراتبها، والقول بأنه على هذا لا ينبغي لأحد أن يعين أحدا منهم باسمه تأسيا بالكتاب ليس بشيء لأن ذلك مقام تفسير وهو فيه أمر مطلوب، والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا كأن سائلا سأل اتفقوا على ما عرض عليهم من خصلتي الصنيع أم خالفهم في ذلك أحد؟ فقيل: قال قائل منهم: لا تَقْتُلُوا إلخ، والإتيان- بيوسف- دون ضميره لاستجلاب شفقتهم عليه واستعظام قتله وهو هو فإنه يروى أنه قال لهم: القتل عظيم ولم يصرح بنهيهم عن الخصلة الأخرى، وأحاله على أولوية ما عرضه عليهم بقوله: وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ أي في قعره وغوره سمي به لغيبته عن عين الناظر، ومنه قيل للقبر: غيابة، قال المنخل السعدي:
إذا أنا يوما غيبتني غيابتي
…
فسيروا بسيري في العشيرة والأهل
وقال الهروي: الغيابة في الجب شبه كهف أو طاق في البئر فوق الماء يغيب ما فيه عن العيون، والجب الركية التي لم تطو فإذا طويت فهي بئر قال الأعشى:
لئن كنت في جب ثمانين قامة
…
ورقيت أسباب السماء بسلم
ويجمع على جبب وجباب وأجباب وسمي جبا لأنه جب من الأرض أي قطع، وسيأتي قريبا إن شاء الله تعالى الكلام في تأنيثه وتذكيره.
وقرأ نافع في- غيابات- في الموضعين كأن لتلك الجب غيابات، ففيه إشارة إلى سعتها، أو أراد بالجب الجنس أي في بعض غيابات الجب، وقرأ ابن هرمز- غيابات- بتشديد الياء التحتية وهو صيغة مبالغة، ووزنه على ما نقل صاحب اللوامح يجوز أن يكون فعالات كحمامات، ويجوز أن يكون فيعالات كشيطانات في جمع شيطانة، وقرأ الحسن غيبة بفتحات على أنه في الأصل مصدر كالغلبة، ويحتمل أن يكون جمع غائب كصانع وصنعة، وفي حرف أبي رضي الله تعالى عنه غيبة بسكون الياء التحتية على أنه مصدر أريد به الغائب.
يَلْتَقِطْهُ أي يأخذه على وجه الصيانة عن الضياع والتلف فإن الالتقاط أخذ شيء مشرف على الضياع كذا قيل، وفي مجمع البيان هو أن يجد الشيء ويأخذه من غير أن يحسبه، ومنه قوله ومنهل وردته التقاطا.
بَعْضُ السَّيَّارَةِ أي بعض جماعة تسير في الأرض وأل في السيارة كما في الجب وما فيهما، وفي- البعض- من الإبهام لتحقيق ما يتوخاه من ترويج كلامه بموافقته لغرضهم الذي هو تنائي يوسف عليه السلام عنهم بحيث لا يدرى أثره ولا يروى خبره، وقرأ الحسن- تلتقطه- على التأنيث باعتبار المعنى كما في قوله:
إذا بعض السنين تعرفتنا
…
كفى الأيتام فقد أبى اليتيم
وجاء قطعت بعض أصابعه وجعلوا هذا من باب اكتساب المضاف من المضاف إليه التأنيث كقوله: كما
شرقت صدر القناة من الدم إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ أي إن كنتم عازمين مصرين على أن تفعلوا به ما يفرق بينه وبين أبيه أو إن كنتم فاعلين بمشورتي ورأيي فألقوه إلخ، ولم بيت القول لهم بل عرض عليهم ذلك تأليفا لقلوبهم وتوجيها إلى رأيه وحذرا من سوء ظنهم به ولما كان هذا مظنة لسؤال سائل يقول: فما فعلوا بعد ذلك هل قبلوا رأيه أم لا؟ فأجيب على سبيل الاستئناف على وجه أدرج في تضاعيفه قبولهم له بما سيجيء إن شاء الله تعالى من قوله سبحانه: وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ فقيل: قالُوا يا أَبانا خاطبوه عليه السلام بذلك تحريكا لسلسلة النسب وتذكيرا لرابطة الأخوة ليتسببوا بذلك استنزاله عن رأيه في حفظه منهم لما أحس بحسدهم فكأنهم قالوا: ما لَكَ أي أيّ شيء لك لا تَأْمَنَّا لا تجعلنا أمناء عَلى يُوسُفَ مع أنك أبونا ونحن بنوك وهو أخونا وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ مريدون له الخير ومشفقون عليه ليس فينا ما يخل بذلك، وجملة لا تَأْمَنَّا في موضع الحال، وكذا جملة وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ والاستفهام- بما لك- فيه معنى التعجب، والكلام ظاهر في أنه تقدم منهم سؤال أن يخرج عليه السلام معهم فلم يرض أبوهم بذلك.
وقرأ الجمهور لا تَأْمَنَّا بالإدغام والإشمام، وفسر بضم الشفتين مع انفراج بينهما (1) إشارة إلى الحركة مع الإدغام الصريح كما يكون في الوقف وهو المعروف عندهم وفيه عسر هنا، ويطلق على إشراب الكسرة شيئا من الضمة كما قالوا في قيل، وعلى إشمام أحد حرفين شيئا من حرف آخر كما قالوا في الصراط، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما وأبو جعفر والزهري وعمرو بن عبيد بالإدغام من غير إشمام، وإرادة النفي ظاهرة، وقرأ ابن هرمز بضم الميم مع الإدغام، وهذه الضمة منقولة إلى الميم من النون الأولى بعد سلب حركتها.
وقرأ أبي والحسن وطلحة بن مصرف والأعمش- لا تأمننا- بالإظهار وضم النون على الأصل، وهو خلاف خط المصحف لأنه بنون واحدة، وقرأ ابن وثاب وأبو رزين- لا تيمنا- بكسر حرف المضارعة على لغة تميم، وسهل الهمزة بعد الكسرة ابن وثاب، ولم يسهل أبو رزين.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن عاصم أنه قرأ بذلك بمحضر عبيد بن فضلة فقال له: لحنت، فقال أبو رزين:
ما لحن من قرأ بلغة قومه أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً نصب على الظرفية الزمانية وهو يطلق على اليوم الذي يلي يومك، وعلى الزمن المستقبل مطلقا، وأصله غدو فحذفت لامه وقد جاء تاما أي ابعثه معنا غدا الى الصحراء يَرْتَعْ أي يتسع في أكل الفواكه ونحوها، وأصل معنى الرتع أن تأكل وتشرب ما تشاء في خصب وسعة، ويقال: رتع أقام في خصب وتنعّم، ويسمى الخصب رتعة بسكون التاء وفتحها، وذكر الراغب ان الرتع حقيقة في أكل البهائم ويستعار للإنسان إذا أريد به الأكل الكثير، وعلى ذلك قوله:
وإذ يخلوا له الحمى رتع وَيَلْعَبْ بالاستباق والانتضال ونحوهما مما يتدرب به لقتال العدو، وليس المراد لعب لهو وإلا لم يقرّهم عليه يعقوب عليه السلام وإنما عبر عن ذلك به لكونه على هيئته تحقيقا لما رموه من استصحاب يوسف عليه السلام بتصويرهم له بصورة ما يلائم حاله عليه السلام من صغر السن، وقرأ الجمهور يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ بالياء والجزم، والابنان وأبو عمرو بالنون والجزم، وكسر العين الحرميان، واختلف (2) عن قنبل في إثبات الياء وحذفها، ويروى عن ابن كثير
(1) قالوا: وهذه الإشارة بعد الإدغام أو قبله، وفي الثاني تأمل اهـ منه.
(2)
روي عنه الإثبات وصلا ووقفا، وفي رواية إثباتها في الوقف دون الوصل، وهو المروي عن البزي اهـ منه.
«نرتع» بالنون وَيَلْعَبْ بالياء، وهي قراءة جعفر بن محمد، وقرأ العلاء بن سيابة «يرتع» بالياء وكسر العين مجزوما محذوف اللام «ويلعب» بالياء أيضا وضم الباء على أنه مستأنف أو خبر مبتدأ محذوف أي وهو يلعب.
وقرأ مجاهد وقتادة وابن محيصن- نرتع- بنون مضمونة وعين ساكنة من أرتعنا- ونلعب- بالنون أيضا، وكذلك أبو رجاء إلا أنه بالياء التحتية فيهما، والقراءتان على حذف المفعول أي نرتع المواشي أو غيرها، والفعلان في هذه القراءات كلها مبنيان للفاعل.
وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما «يرتع ويلعب» بالياء والبناء للمفعول فيهما، وخرج ذلك على أن نائب الفاعل ضمير غد، والأصل يرتع فيه ويلعب فيه، ثم حذف الجار واتسع فعدي الفعل للضمير فصار يرتعه ويلعبه، ثم بني للمفعول فاستتر الضمير الذي كان منصوبا لكونه نائبا عن الفاعل، ومن كسر العين من الفعل الأول فهو عنده من المراعاة على ما روي عن مجاهد أي يراعي بعضنا ويحرسه.
وقال ابن زيد: من رعي الإبل أي نتدرب في الرعي وحفظ المال، أو من رعي النبات والكلأ، والمراد نرعى مواشينا إلا أنه أسند ذلك إليهم مجازا، أو تجوز عن أكلهم بالرعي، وضعف ابن عطية القراءة بإثبات الياء، وقال: إن إثباتها في مثل هذا الموضوع لا يجوز إلا في الشعر كقوله:.
ألم يأتيك والأنباء تنمى
…
بما لاقت لبون بني زياد
وقيل: إن تقدير حذف الحركة في الياء ونحوها للجازم لغة وليس من الضرورة في شيء، وأخرج أبو الشيخ عن مقاتل بن حيان أنه كان يقرأ نلهو ونعلب وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ أي من أن يناله مكروه، والجملة في موضع الحال والعامل فيها فعل الأمر أو الجواب وليس ذلك من باب الأعمال كما قال أبو حيان لأن الحال لا تضمر، وذلك الباب لا بد فيه من الإضمار إذا أعمل الأول، وقد أكدوا مقالتهم بأصناف التأكيد من إيراد الجملة اسمية وتحليتها بأن واللام، وإسناد الحفظ الى كلهم وتقديم لَهُ على الخبر احتيالا في تحصيل مقصدهم قالَ استئناف بياني كأن سائلا يقول: فماذا قال أبوهم لهم؟ فقيل: قال إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ لشدة مفارقته عليّ وقلة صبري عنه، واللام الداخلة على خبر إن إذا كان مضارعا قيل: تقصره على الحال وهو ظاهر كلام سيبويه، وقيل: تكون له ولغيره، واستدلوا بقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [النحل: 124]، وقيل: إنها للحال إن خلت عن قرينة ومعها تكون لغيره، وجعلوا من ذلك ما في الآية، وبعضهم جعلها هنا للحال، واستشكل بأن الذهاب مستقبل فيلزم تقدم الفعل على فاعله وهو غير جائز لأنه أثره ولا يعقل تقدم الأثر على المؤثر.
وأجيب بأن التقدير قصد أو توقع أن تذهبوا به، فالكلام على تقدير المضاف وهو الفاعل وليس ذاك أمرا مستقبلا بل حال، ولا يمتنع في مثل ذلك حذف الفاعل لما صرحوا به أنه إنما يمتنع إذا لم يسدّ مسدّه شيء وهنا قد سدّ، ولا يجب أن يكون السادّ هو المضاف إليه كما ظن بل لو سدّ غيره كان الحذف جائزا أيضا، ومن هنا كان تقدير قصدكم أن تذهبوا صحيحا، ويحتمل أن يكون ذلك تقدير معنى لا تقدير إعراب، وقال بعضهم: إنه يمكن دفع الإشكال من غير حاجة إلى تقدير المضاف بأن يقال: إن الذهاب يحزنه باعتبار تصوره كما قيل نظيره في العلة الغائية، وقال شهاب:
ذلك التحقيق أظن أن ما قالوه في توجيه الإشكال مغلطة لا أصل لها فإن لزوم كون الفاعل موجودا عند وجود الفعل إنما هو الفاعل الحقيقي لا النحوي واللغوي فإن الفعل قد يكون قبله سواء كان حالا كما فيما نحن فيه أو ماضيا كما أنه يصح أن يكون الفاعل في مثله أمرا معدوما كما في قوله:
ومن سره أن لا يرى ما يسوءه
…
فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا
ولم يقل أحد في مثله إنه محتاج إلى التأويل فإن الحزن والغم كالسرور والفرح يكون بالشيء قبل وقوعه كما صرح به ابن هلال في فروقه، ولا حاجة إلى تأويل أو تقدير أو تنزيل للوجود الذهني منزلة الخارجي على القول به، أو الاكتفاء به فإن مثله لا يعرفه أهل العربية، أو اللسان فإن أبيت إلا اللجاج فيه فليكن من التجوز في النسبة إلى ما يستقبل لكونه سببا للحزن الآن اهـ.
وأنت تعلم أنهم صرحوا بأن فعل الفاعل الاصطلاحي إما قائم به أو واقع منه، وقيام الشيء بما لم يوجد بعد ووقوعه منه غير معقول، وحينئذ فالتأويل بما يصح القيام أو الوقوع في فاقد ذلك بحسب الظاهر واجب كذا قيل فتدبر، وقرأ ابن هرمز وابن محيصن- ليحزني- بالإدغام، وبذلك قرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما، وقرأ أيضا تذهبوا به من أذهب رباعيا، ويخرج كما قال أبو حيان على زيادة الباء في بِهِ كما خرج بعضهم تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [المؤمنون: 20] في قراءة من ضم التاء وكسر الباء الموحدة على ذلك أي- ليحزني أن تذهبوه..
وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ هو حيوان معروف وخصه بالذكر لأن الأرض على ما قيل: كانت مذئبة، وقيل:
لأنه سبع ضعيف حقير فنبه عليه السلام بخوفه عليه السلام عليه منه على خوفه عليه مما هو أعظم منه افتراسا من باب أولى، ولحقارة الذئب خصه الربيع بن ضبع الفزاري في كونه يخشاه لما بلغ من السن ما بلغ في قوله:
والذئب أخشاه إن مررت به
…
وحدي وأخشى الرياح والمطرا
وقيل: لأنه عليه السلام رأى في المنام أن ذئبا قد شد عليه فكان يحذره، ولعل هذا الحذر لأن الأنبياء عليهم السلام لمناسبتهم التامة بعالم الملكوت تكون واقعاتهم بعينها واقعة، وإلّا فالذئب في النوم يؤول بالعدو.
وادعى بعضهم أنه عليه السلام ورّى بالذئب عن واحد منهم فإنه عليه السلام أجلّ قدرا من أن لا يعلم أن رؤياه تلك من أي أقسام الرؤيا هي، فإن منها ما يحتاج للتعبير ومنها ما لا يحتاج إليه، والكامل يعرف ذلك.
وتعقب بأنه يحتمل أن يكون الأمر قد خفي عليه كما قد خفي مثل ذلك على جده إبراهيم عليه السلام وهو بناء على ما ذكره شيخنا ابن العربي قدس سره من أن رؤياه عليه السلام ذبح ولده من الرؤيا المعبرة بذبح كبش لكنه خفي عليه ذلك ولا يخفى ما فيه، والمذكور في بعض الروايات أنه عليه السلام رأى في منامه كأنه على ذروة جبل وكأن يوسف في بطن الوادي فإذا عشرة من الذئاب قد احتوشته تريد أكله فدرأ عند واحد ثم انشقت الأرض فتوارى يوسف فيها ثلاثة أيام، وأنا لم أجد لرواية الرؤيا مطلقا سندا يعول عليه ولا حاجة بنا إلى اعتبارها لتكلف الكلام فيها، وبالجملة ما وقع منه عليه السلام من هذا القول كان تلقينا للجواب من غير قصد وهو على أسلوب قوله سبحانه: ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: 6] والبلاء موكل بالمنطق.
وأخرج أبو الشيخ وغيره عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «ولا تلقنوا الناس فيكذبوا فإن بني يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل الناس فلما لقنهم أبوهم كذبوا فقالوا: أكله الذئب»
والحزن ألم القلب لفوت المحبوب والخوف انزعاج النفس لنزول المكروه، ولذلك أسند الأول الى الذهاب به المفوت لاستمرار مصاحبته ومواصلته ليوسف عليه السلام، والثاني إلى ما يتوقع نزوله من أكل الذئب والذئب أصله الهمزة وهي لغة الحجاز، وبها قرأ غير واحد.
وقرأ الكسائي وخلف وأبو جعفر وورش، والأعشى وغيرهم بإبدالها ياء لسكونها وانكسار ما قبلها وهو القياس في مثل ذلك، وذكر بعضهم أنه قد همزه على الأصل ابن كثير ونافع في رواية قالون وأبو عمرو وقفا وابن عامر وحمزة
درجا وأبدلا وقفا، ولعل ذلك لأن التقاء الساكنين في الوقف وإن كان جائزا إلا أنه إذا كان الأول حرف مد يكون أحسن.
وقال نصر: سمعت أبا عمرو ولا يهمزه، والظاهر أنه أراد مطلقا فيكون ما تقدم رواية وهذه أخرى، ويجمع على أذؤب وذئاب وذؤبان واشتقاقه عند الزمخشري من تذاءبت الريح إذا هبت من كل جهة.
وقال الأصمعي: إن اشتقاق تذاءبت من الذئب يفعله في عدوه، قيل: وهو أنسب ولذا عد تذاءبت الريح من المجاز في الأساس لكن قيل عليه إن أخذ الفعل من الأسماء الجامدة- كابل- قليل مخالف للقياس وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ لاشتغالكم بالرتع واللعب أو لقلة اهتمامكم بحفظه.
قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ أي والحال أنا جماعة جديرة بأن تعصب بنا الأمور وتكفى بآرائنا وتدبيراتنا الخطوب، واللام الداخلة على الشرط موطئة للقسم، وقوله سبحانه: إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ جواب مجزىء عن الجزاء، والخسار إما بمعنى الهلاك تجوزا عن الضعف، أو استحقاقه، أو عن استحقاق الدعاء به أي لضعفاء عاجزون أو مستحقون للهلاك لا غناء عندنا ولا نفع في حياتنا، أو مستحقون لأن يدعى علينا بالخسار والدمار فيقال:
خسرهم الله تعالى ودمرهم إذ أكل الذئب أخاهم وهم معه، وجوز أن يكون بمعناه الحقيقي أي إن لم نقدر على حفظه وهو أعز شيء عندنا فقد هلكت مواشينا وخسرناها وإنما اقتصروا على جواب خوف أبيهم عليه السلام من أكل الذئب مع أنه ذكر في وجه عدم مفارقته أمرين: حزنه لمفارقته وخوفه عليه من الذئب لأنه السبب القوي في المنع دون الحزن لقصر زمانه بناء على سرعة عودهم به، أو لأن حزنه بالذهاب به إنما هو للخوف عليه، فنفي الثاني يدل على نفي الأول، أو لكراهتهم لذلك لأنه سبب حسدهم له فلذلك أعاروه أذنا صماء فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أي عزموا عزما مصمما على أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ قيل: هو بئر على ثلاث فراسخ من مقام يعقوب عليه السلام بكنعان التي هي من نواحي الأردن، وقيل: هو بين مصر ومديرين، بنفس أرض الأردن، وزعم بعضهم أنها بئر بيت المقدس، وتعقب بأنه يرده التعليل بالتقاط بعض السيارة ومجيئهم عشاء ذلك اليوم فإن بين منزل يعقوب عليه السلام وبيت المقدس مراحل وجواب- لما- محذوف إيذانا بهوره وإشعارا بأن تفصيله مما لا يحويه فلك العبارة ومجمله فعلوا ما فعلوا، وقدره بعضهم عظمت فتنتهم وهو أولى من تقدير وضعوه فيها، وقيل: لا حذف والجواب أو حينا، والواو زائدة وليس بشيء.
قال وهب وغيره من أهل السير والأخبار: إن إخوة يوسف عليه السلام قالوا: أما تشتاق أن تخرج معنا إلى مواشينا فنتصيد ونستبق؟ فقال عليه السلام: بلى قالوا: فسل أباك أن يرسلك معنا، فقال عليه السلام: أفعل فدخلوا بجماعتهم على يعقوب فقالوا: يا أبانا إن يوسف قد أحب أن يخرج معنا إلى مواشينا، فقال يعقوب: ما تقول يا بني؟
قال: نعم يا أبت إني أرى من إخوتي من اللين واللطف فأحب أن تأذن لي وكان يعقوب يكره مفارقته ويحب مرضاته فأذن له وأرسله معهم فلما خرجوا به جعلوا يحملونه على رقابهم ويعقوب ينظر إليهم فلما بعدوا عنه وصاروا به إلى الصحراء ألقوه إلى الأرض وأظهروا له ما في أنفسهم من العداوة وبسطوا له القول وجعلوا يضربونه فجعل كلما جاء إلى واحد منهم واستغاث به ضربه فلما فطن لما عزموا عليه جعل ينادي يا أبتا لو رأيت يوسف وما نزل به من إخوته لأحزنك ذلك وأبكاك يا أبتاه ما أسرع ما نسوا عهدك وضيعوا وصيتك وجعل يبكي بكاء شديدا فأخذه روبيل فجلد به الأرض ثم جثم على صدره وأراد قتله، فقال له يوسف: مهلا يا أخي لا تقتلني، فقال له: يا ابن راحيل أنت صاحب الأحلام قل لرؤياك تخلصك من أيدينا ولوى عنقه فاستغاث بيهوذا وقال له: اتق الله تعالى فيّ وحل بيني وبين من يريد قتلي فأدركته رحمة الأخوة ورق له فقال: يا إخوتاه ما على هذا عاهدتموني ألا أدلكم على ما هو أهون لكم وأرفق به؟
قالوا: وما هو؟ قال: تلقونه في هذا الجب فإما أن يموت أو يلتقطه بعض السيارة فانطلقوا به إلى بئر هناك واسع الأسفل ضيق الرأس فجعلوا يدلونه فيها فتعلق بشفيرها فربطوا يديه ونزعوا قميصه فقال: يا إخوتاه ردوا على قميصي لأستتر به في الجب فلم يفعلوا ثم ألقوه فيها، فقال لهم: يا إخوتاه ردوا علي قميصي لأستتر به في الجب فلم يفعلوا ثم ألقوه فيها، فقال لهم: يا إخوتاه أتدعوني وحيدا؟ قالوا: ادع الشمس والقمر والكواكب تؤنسك.
وقيل: جعلوه في دلو ثم أدلوه فلما بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم قام على صخرة فيها.
وروي أنهم لما ألقوه في الجب جعل يبكي فنادوه أنها رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا رضخه بصخرة ليقتلوه فمنعهم يهوذا وكان عند يعقوب قميص إبراهيم عليه السلام الذي كساه الله تعالى إياه من الجنة حين ألقي في النار وكان قد جعله في قصبة من فضة وعلقه في عنق يوسف لما خرج مع إخوته فلما صار في البئر أخرجه ملك وألبسه فأضاء له الجب، وعن الجنس أنه لما ألقى فيها عذب ماؤها (1) وكان يغنيه عن الطعام والشراب ونزل عليه جبريل عليه السلام يؤنسه فلما أمسى نهض ليذهب فقال له: إني أستوحش إذا ذهبت، فقال: إذا رمت شيئا فقل: يا صريخ المستصرخين، ويا غوث المستغيثين، ويا مفرج كرب المكروبين قد ترى مكاني وتعلم حالي ولا يخفى عليك شيء من أمري فلما قالها يوسف عليه السلام حفته الملائكة عليهم السلام واستأنس بهم.
وقال محمد بن مسلم الطائفي: إنه عليه السلام لما ألقي في الجب قال: يا شاهدا غير غائب ويا قريبا غير بعيد ويا غالبا غير مغلوب اجعل لي فرجا مما أنا فيه، وقيل: كان يقول: يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ارحم ضعفي وقلة حيلتي وصغر سني،
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «لما ألقي يوسف في الجب أتاه جبريل عليه السلام فقال: يا غلام من ألقاك في هذا الجب؟ قال: إخوتي قال: ولم؟ قال: لمودة أبي إياي حسدوني، قال: تريد الخروج من هاهنا؟ قال: ذاك الى إله يعقوب، قال: قل: اللهم إني أسألك باسمك المكنون المخزون يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام أن تغفر لي وترحمني وأن تجعل من أمري فرجا ومخرجا وأن ترزقني من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب فقالها فجعل الله تعالى له من أمره فرجا ومخرجا ورزقه ملك مصر من حيث لا يحتسب ثم قال عليه الصلاة والسلام: ألظوا بهؤلاء الكلمات فإنهن دعاء المصطفين الأخيار»
وروي غير ذلك، والروايات في كيفية إلقائه وما قال وما قيل له كثيرة، وقد تضمنت ما يلين له الصخر لكن ليس فيها ما له سند يعول عليه، والله تعالى أعلم وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ الضمير ليوسف أي أعلمناه عند ذلك تبشيرا له بما يؤول إليه أمره وإزالة لوحشته وتسلية له، وكان ذلك على ما روي عن مجاهد بالإلهام، وقيل: بالإلقاء في مبشرات المنام، وقال الضحاك وقتادة: بإرسال جبريل عليه السلام إليه والموحى إليه ما تضمنه قوله سبحانه: لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وهو بشارة له بالخلاص أيضا أي لتخلصن مما أنت فيه من سوء الحال وضيق المجال ولتخبرن إخوتك بما فعلوا بك وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بأنك يوسف لتباين حاليك: حالك هذا وحالك يومئذ بعلو شأنك وكبرياء سلطانك وبعد حالك من أوهامهم، وقيل: لبعد العهد المبدل للهيئات المغير للأشكال والأول أدخل في التسلية، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما دخل إخوة يوسف على يوسف فعرفهم وهم له منكرون وجيء بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطن، فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف يدنيه دونكم وأنكم انطلقتم به
(1) وسيأتي رواية أن يهوذا كان يأتيه بالطعام قريبا إن شاء الله تعالى اهـ منه.
فألقيتموه في غيابة الجب فأتيتم أباكم فقلتم: إن الذئب أكله وجئتم على قميصه بدم كذب، فقال بعضهم لبعض: إن هذا الجام ليخبره بخبركم، ثم قال ابن عباس: فلا نرى هذه الآية لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ إلخ نزلت إلّا في ذلك، وجوز أن يتعلق وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بالإيحاء على معنى أنا آنسناه بالوحي وأنزلنا عن قلبه الوحشة التي أورثوه إياها وهم لا يشعرون بذلك ويحسبون أنه مستوحش لا أنيس له.
وروي ذلك عن قتادة، وكان هذا الإيحاء وهو عليه السلام ابن ست عند الضحاك واثنتي عشرة سنة أو ثماني عشرة سنة عند الحسن وسبع عشرة سنة عند ابن السائب- وهو الذي يزعمه اليهود- وقيل غير ذلك، ومن نظر في الآيات ظهر له أن الراجح كونه عليه السلام لم يبلغ الحلم إذ ذاك، وعلى جميع الأقوال أنه عليه السلام لم يكن بالغا الأربعين عند الإيحاء إليه، نعم أكثر الأنبياء عليهم السلام نبئوا في سن الأربعين وقد أوحي إلى بعضهم- كيحيى، وعيسى عليهما السلام قبل ذلك بكثير.
وزعم بعضهم أن ضمير إِلَيْهِ يعود على يعقوب عليه السلام وليس بشيء كما لا يخفى، وقرأ ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لينبئنهم بياء الغيبة وكذا في مصاحف البصرة.
وقرأ سلام بالنون على أنه وعيد لهم، فقوله سبحانه: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ متعلق- بأوحينا- لا غير على ما قاله الزمخشري ومن تبعه، ونظر فيه بأنه يجوز أن يتعلق أيضا بقوله تعالى: لَتُنَبِّئَنَّهُمْ وأن يراد بإنباء الله تعالى إيصال فعلهم به عليه السلام وهم لا يشعرون بذلك، ودفع بأنه بناء على الظاهر وأنه لا يجتمع إنباء الله تعالى مع عدم شعورهم بما أنبأهم به إلّا بتأويل كتقدير لنعلمنهم بعظيم ما ارتكبوه قبل وهم لا يشعرون بما فيه وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً أي في ذلك الوقت وهو- كما قال الراغب- من صلاة المغرب إلى العتمة والعشاءان: المغرب، والعتمة.
وعن الحسن أنه قرأ- عشيا- بضم العين وفتح الشين وتشديد الياء منونا وهو تصغير عشي وهو من زوال الشمس إلى الصباح، وعنه أنه قرأ- عشي- بالضم والقصر كدجى فنصبه على الحال وهو جمع أعشى عند بعض وعاش عند آخرين، وأصله عشاة كماش ومشاة فحذفت الهاء تخفيفا، وأورد عليهما بأنه لا جواز لمثل هذا الحذف وأنه لا يجمع أفعل فعلاء على فعل بضم الفاء وفتح العين بل فعل بسكون العين، ولذا قيل: كان أصله عشوا فنقلت حركة الواو إلى ما قبلها لكونه حرفا صحيحا ساكنا ثم حذفت بعد قلبها ألفا لالتقاء الساكنين وإن قدر ما بكوا به في ذلك اليوم لا يعشو منه الإنسان وأجيب عن هذا بأن المقصود المبالغة في شدة البكاء والنحيب لا حقيقته أي كاد يضعف بصرهم لكثرة البكاء، وقيل: هو جمع عشوة مثلث العين وهي ركوب أمر على غير بصيرة يقال: أوطأه عشوة أي أمرا ملتبسا يوقعه في حيرة وبلية فيكون تأكيدا لكذبهم وهو تمييز أو مفعول له، وجوز أن يكون جمع عشوة بالضم بمعنى شعلة النار عبارة عن سرعتهم لابتهاجهم بما فعلوا من العظيمة وافتعلوا من (1) العضيهة، وجوز أن يكون عِشاءً في قراءة الجمهور جمع عاش مثل راع ورعاء ويكون نصبه على الحال، والظاهر الأول، وإنما- جاؤوا عشاء- إما لأنهم لم يصلوا من مكانهم إلا في ذلك الوقت، وإما ليكونوا أقدر على الاعتذار لمكان الظلمة التي يرتفع فيها الحياء، ولذا قيل: لا تطلب الحاجة بالليل فإن الحياء في العينين ولا تعتذر في النهار من ذنب فتلجلج في الاعتذار وهل جاؤوا في عشاء اليوم الذي ذهبوا فيه أو في عشاء يوم آخر؟ ظاهر كلام بعضهم الأول، وذهب بعضهم إلى الثاني بناء على ما روي أنه عليه السلام مكث في الجب ثلاثة أيام وكان إخوته يرعون حواليه وكان يهوذا يأتيه بالطعام.
(1) البهتان اهـ منه.
وفي الكلام- على ما في البحر- حذف والتقدير وَجاؤُ أَباهُمْ دون يوسف عِشاءً يَبْكُونَ أي متباكين أي مظهرين البكاء بتكلف لأنه لم يكن عن حزن لكنه يشبهه، وكثيرا ما يفعل بعض الكذابين كذلك، أخرج ابن المنذر عن الشعبي قال: جاءت امرأة إلى شريح تخاصم في شيء فجعلت تبكي فقولوا: يا أبا أمية أما تراها تبكي؟! فقال: قد جاء إخوة يوسف أباهم عشاء يبكون، وقال الأعمش: لا يصدق باك بعد إخوة يوسف،
وفي بعض الآثار أن يعقوب عليه السلام لما سمع بكاءهم قال: ما بالكم أجرى في الغنم شيء؟ قالوا: لا قال: فما أصابكم وأين يوسف؟
قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ
أي متسابقين في العدو على الأقدام على ما روى عن السدي، أو في الرمي بالسهام كما قال الزجاج، أو في أعمال نتوزعها من سقي ورعي واحتطاب أو في الصيد وأخذه كما قيل، ورجح ما قاله الزجاج بقراءة عبد الله- إنا ذهبنا ننتضل- وأورد على الأول أنه كيف ساغ لهم الاستباق في العدو وهو من أفعال الصبيان التي لا ثمرة فيها، وأجيب بالمنع وثمرته التدرب في العدو لمحاربة العدو ومدافعة الذئب مثلا وبالجملة نَسْتَبِقُ بمعنى نتسابق وقد يشترك الافتعال والتفاعل فيكونان بمعنى كالانتضال والتناضل ونظائرهما وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا أي ما يتمتع به من الثياب والأزواد وغيرهما فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ عقيب ذلك من غير مضي زمان يعتاد فيه التفقد والتعهد وحيث لا يكاد يطرح المتاع عادة إلّا في مقام يؤمن فيه الغوائل لم يعد تركه عليه السلام عنده من باب الغفلة وترك الحفظ الملتزم لا سيما إذا لم يغيبوا عنه فكأنهم قالوا: إنا لم نقصر في محافظته ولم نفغل عن مراقبته بل تركناه في مأمننا ومجمعنا بمرأى منا وما فارقناه إلّا ساعة يسيرة بيننا وبينه مسافة قصيرة فكان ما كان قاله شيخ الإسلام، والظاهر أنهم لم يريدوا إلّا أن الذئب أكل يوسف ولم يقصدوا بذلك تعريضا فما قيل: إنهم عرضوا وأرادوا أكل الذئب لا يلتفت إليه لما فيه من الخروج عن الجادة من غير موجب وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا أي ما أنت مصدق لنا في هذه المقالة وَلَوْ كُنَّا عندك وفي اعتقادك صادِقِينَ أي موصوفين بالصدق والثقة لفرط محبتك فكيف وأنت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا، قيل: ولا بد من التأويل إذ لو كان المعنى وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ في نفس الأمر لكان تقديره فكيف إذا كنا كاذبين فيه فيلزم اعترافهم بكذبهم فيه، وقد تقدم أن المراد في مثل ذلك تحقيق الحكم السابق على كل حال فكأنه قيل هنا: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا في حال من الأحوال فتذكر وتأمل.
وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ أي ذي كذب أو وصف بالمصدر مبالغة كأنه نفس الكذب وعينه كما يقال للكذاب: هو الكذب بعينه والزور بذاته، ومن ذلك ما في قوله:
أفيضوا على عزابكم من بناتكم
…
فما في كتاب الله أن يحرم الفضل
وفيهن فضل قد عرفنا مكانه
…
فهن به جود وأنتم به بخل
وبعضهم يؤوّل كذب بمكذوب فيه فإن المصدر قد يؤول بمثل ذلك، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما كذبا بالنصب وخرج على أنه في موضع الحال من فاعل جاؤُ بتأويل كاذبين، وقيل: من دم علي تأويل مكذوبا فيه، وفيه أن الحال من النكرة على خلاف القياس، وجوز أن يكون مفعولا من أجله أي جاؤوا بذلك لأجل الكذب، وقرأت عائشة رضي الله تعالى عنها والحسن- كدب- بالدال المهملة وليس من قلب الذال دالا بل هو لغة أخرى بمعنى كدر أو طري أو يابس فهو من الأضداد، وقال صاحب اللوامح: المعنى ذي كدب أي أثر لأن الكدب بياض يخرج في أظافر الشبان ويؤثر فيها فهو كالنقش ويسمى ذلك الفوف ولم يعتبر بعض المحققين تقدير المضاف وجعل ذلك من التشبيه البليغ أو الاستعارة فإن الدم في القميص يشبه الكذب من جهة مخالفة لونه لون ما هو فيه، وقوله سبحانه عَلى قَمِيصِهِ- على ما ذهب إليه أبو البقاء- حال من دم، وفي جواز تقديم الحال على صاحبها المجرور بالحرف
غير الزائد خلاف، والحق كما قال السفاقسي: الجواز لكثرة ذلك في كلامهم، وفي اللباب ولا تتقدم على صاحبها المجرور على الأصح نحو مررت جالسة بهند إلّا أن يكون الحال ظرفا على أن الحق ما اختاره ابن مالك من جواز التقديم مطلقا، وقال الزمخشري ومن تبعه: إنه في موضع النصب على الظرفية أي جاؤوا فوق قميصه كما تقول: جاء على جماله بأحمال، وأراد على ما في الكشف أن عَلى على حقيقة الاستعلاء وهو ظرف لغو، ومنع في البحر كون العامل فيه المجيء لأنه يقتضي أن الفوقية ظرف للجائين، وأجيب بأن الظرفية ليست باعتبار الفاعل بل باعتبار المفعول.
وفي بعض الحواشي أن الأولى أن يقال: جاؤوا مستولين على قميصه، وقوله سبحانه: بِدَمٍ حال من القميص، وجعل المعنى استولوا على القميص ملتبسا بدم جائين، وهو على ما قيل: أولى من جاؤوا مستولين لما تقرّر في التضمين، والأمر في ذلك سهل فإن جعل المضمن أصلا والمذكور حالا وبالعكس كل منهما جائز وإذا اقتضى المقام أحدهما رجح، واستظهر كونه ظرفا للمجيء المتعدي، والمعنى أتوا بدم كذب فوق قميصه ولا يخفى استقامته، هذا ثم إن ذلك الدم كان دم سخلة ذبحوها ولطخوا بدمها القميص- كما روي عن ابن عباس ومجاهد..
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة أنهم أخذوا ظبيا فذبحوه فلطخوا بدمه القميص، ولما جاؤوا به جعل يقلبه فيقول: ما أرى به أثر ناب ولا ظفر إن هذا السبع رحيم، وفي رواية أنه أخذ القميص وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص، وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا أكل ابني ولم يمرق عليه قميصه، وجاء أنه بكى وصاح، وخر مغشيا عليه فأفاضوا عليه الماء فلم يتحرك ونادوه فلم يجب ووضع يهوذا يده على مخارج نفسه فلم يحس بنفس ولا تحرك له عرق، فقال: ويل لنا من ديان يوم الدين ضيعنا أخانا وقتلنا أبانا فلم يفق إلا ببرد السحر قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أي زينت وسهلت أَمْراً من الأمور منكرا لا يوصف ولا يعرف، وأصل التسويل تقدير شيء في النفس مع الطمع في إتمامه.
وقال الراغب: هو تزيين النفس لما تحرص عليه وتصوير القبيح بصورة الحسن.
وقال الأزهري: كأن التسويل تفعيل من سوال الإنسان وهو أمنيته التي يطلبها فتزين لطالبها الباطل وغيره وأصله مهموز، وقيل: من السول بفتحتين وهو استرخاء في العصب ونحوه كأن المسول لمزيد حرصه استرخى عصبه، وفي الكلام حذف على ما في البحر أي لم يأكله الذئب بَلْ سَوَّلَتْ إلخ، وعلمه عليه السلام بكذبهم قيل: حصل من سلامة القميص على التمزيق وهي إحدى ثلاث آيات في القميص: ثانيتها عود يعقوب بصيرا بإلقائه على وجهه، وثالثتها قده من دبر فإنه كان دليلا على براءة يوسف، وينضم إلى ذلك وقوفه بالرؤيا الدالة على بلوغه مرتبة علياء تنحط عنها الكواكب، وقيل: من تناقضهم فإنه يروى أنه عليه السلام لما قال: ما تقدم عن قتادة قال بعضهم: بل قتله اللصوص فقال: كيف قتلوه وتركوا قميصه وهم إلى قميصه أحوج منهم الى قتله؟! ولعله مع هذا العلم إنما حزن عليه السلام لما خشي عليه من المكروه والشدائد غير الموت، وقيل: إنما حزن لفراقه وفراق الأحبة مما لا يطاق، ولذلك قيل:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت
…
لها المنايا الى أرواحنا سبلا
ولا بأس بأن يقال: إنه أحزنه فراقه وخوف أن يناله مكروه فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أي فأمري صبر جميل، أو فصبري صبر جميل كما قال قطرب، أو فالذي أفعله ذلك كما قال الخليل. أو فهو صبر إلخ كما قال الفراء، وصبر في كل ذلك خبر مبتدأ محذوف أو فصبر جميل أمثل وأجمل على أنه مبتدأ خبره محذوف، وهل الحذف في مثل ذلك
واجب أو جائز؟ فيه خلاف، وكذا اختلفوا فيما إذا صح في كلام واحد اعتبار حذف المبتدأ وإبقاء الخبر واعتبار العكس هل الاعتبار الأول أولى أم الثاني؟.
وقرأ أبي والأشهب وعيسى بن عمر- فصبرا جميلا- بنصبهما وكذا في مصحف أنس بن مالك، وروي ذلك عن الكسائي، وخرج على أن التقدير فاصبر صبرا على أن اصبر مضارع مسند لضمير المتكلم، وتعقب بأنه لا يحسن النصب في مثل ذلك إلّا مع الأمر، والتزم بعضهم تقديره هنا بأن يكون عليه السلام قد رجع إلى مخاطبة نفسه فقال:
صبرا جميلا على معنى فاصبري يا نفس صبرا جميلا،
والصبر الجميل على ما روى الحسن عنه صلّى الله تعالى عليه وسلّم- ما لا شكوى فيه
أي إلى الخلق وإلّا فقد قال يعقوب عليه السلام: نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
[يوسف:
86] ، وقيل: إنه عليه السلام سقط حاجباه على عينيه فكان يرفعهما بعصابة فسئل عن سبب ذلك فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان فأوحى الله تعالى إليه أتشكو إلى غيري، فقال يا رب خطيئة فاغفرها.
وقيل: المراد من قوله: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ إني أتجمل لكم في صبري فلا أعاشركم على كآبة الوجه وعبوس الجبين بل أبقى على ما كنت عليه معكم وهو خلاف الظاهر جدا وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ أي المطلوب منه العون وهو إنشاء منه عليه السلام للاستعانة المستمرة عَلى ما تَصِفُونَ متعلق بالمستعان والوصف ذكر الشيء بنعته وهو قد يكون صدقا وقد يكون كذبا، والمراد به هنا الثاني كما في قوله سبحانه: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ [الصافات: 18] بل قيل: إن الصيغة قد غلبت في ذلك ومعنى استعانته عليه السلام بالله تعالى على كذبهم طلبه منه سبحانه إظهار كونه كذبا بسلامة يوسف عليه السلام والاجتماع معه فيكون ذكر الاستعانة هنا نظير عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً [يوسف: 83] بعد قوله فيما بعد: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، وفي بعض الآثار أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت يوم الإفك: والله لئن حلفت لا تصدقوني ولئن اعتذرت لا تعذروني فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وولده والله المستعان على ما تصفون فأنزل الله تعالى في عذرها ما أنزل، وقيل: المراد أنه تعالى المستعان على احتمال ما تصفونه من هلاك يوسف كأنه عليه السلام بعد أن قال: صبر جميل طلب الإعانة منه تعالى على الصبر وذلك لأن الدواعي النفسانية تدعو إلى إظهار الجزع وهي قوية والدواعي الروحانية الصبر الجميل فكأنه وقعت المحاربة بين الصفتين فما لم تحصل المعونة منه جلّ وعلا لا تحصل الغلبة، فقوله: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ يجري مجرى إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة: 5] وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ يجري مجرى وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5] ولعل الأول أسلم من القال والقيل، وللإمام الرازي عليه الرحمة في هذا المقام بحث، وهو: أن الصبر على قضاء الله تعالى واجب وأما الصبر على ظلم الظالمين ومكر الماكرين فغير واجب بل الواجب إزالته لا سيما في الضرر العائد إلى الغير فكان اللائق بيعقوب عليه السلام التفتيش والسعي في تخليص يوسف عليه السلام من البلية والشدة إن كان حيا، وفي إقامة القصاص إن صح أنهم قتلوه قد يقال: إن الواجب المتعين عليه السعي في طلبه وتخليصه لأن الظاهر أنه كان عالما بأنه حي سليم لقوله: وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ [يوسف: 6] فإن الظاهر أنه إنما قاله عن وحي، وأيضا إنه عليه السلام كان عظيم القدر جليل الشأن معظما في النفوس مشهورا في الآفاق فلو بالغ في الطلب والتفحص لظهر ذلك واشتهر ولزال وجه التلبيس فما السبب في تركه عليه السلام الفحص مع نهاية رغبته في حضور يوسف وغاية محبته له، وهل الصبر في هذا المقام إلّا مذموم عقلا وشرعا؟ ثم قال: والجواب أن نقول: لا جواب عن ذلك إلّا أن يقال: إنه سبحانه وتعالى منعه عن الطلب تشديدا للمحنة وتغليظا للأمر، وأيضا لعله عرف بقرائن الأحوال أن أولاده أقوياء وأنهم لا يمكنونه من الطلب والتفحص وأنه لو بالغ في البحث ربما أقدموا على إيذائه وقتله، وأيضا لعله
عليه السّلام علم أن الله تعالى يصون يوسف عن البلاء والمحنة وأن أمره سيعظم بالآخرة ثم لم يرد هتك ستر أولاده وما رضي بإلقائهم في ألسنة الناس، وذلك لأن أحد الولدين إذا ظلم الآخر وقع الأب في العذاب الشديد لأنه إن لم ينتقم يحترق قلبه على الولد المظلوم وإن انتقم يحترق على الولد الذي ينتقم منه، ونظير ذلك ما أشار إليه الشاعر بقوله:
قومي هم قتلوا أميم أخي
…
فإذا رميت يصيبني سهمي
ولئن عفوت لأعفون جللا
…
ولئن سطوت لموهن عظمي
فلما وقع يعقوب عليه السلام في هذه البلية رأى أن الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر بالكلية إلى الله تعالى لا سيما إن قلنا: إنه عليه السلام كان عالما بأن ما وقع لا يمكن تلافيه حتى يبلغ الكتاب أجله. وَجاءَتْ شروع فيما جرى على يوسف عليه السلام في الجب بعد الفراغ عن ذكر ما وقع بين إخوته وبين أبيه أي وجاءت إلى الجب سَيَّارَةٌ رفقة تسير من جهة مدين إلى مصر وكان ذلك بعد ثلاثة أيام مضت من زمن إلقائه في قول، وقيل:
في اليوم الثاني، والظاهر أن الجب كا في طريق سيرهم المعتاد.
وقيل: إنه كان في قفرة بعيدة من العمران فأخطؤوا الطريق فأصابوه فَأَرْسَلُوا إليه وارِدَهُمْ الذي يرد الماء ويستقي لهم وكان ذلك مالك بن ذعر الخزاعي.
وقال ابن عطية: الوارد هنا يمكن أن يقع على الواحد وعلى الجماعة اهـ والظاهر الأول، والتأنيث في جاءَتْ والتذكير في فَأَرْسَلُوا ووارِدَهُمْ باعتبار اللفظ والمعنى، وفي التعبير بالمجيء إيماء إلى كرامة يوسف عليه السلام عند ربه سبحانه، وحذف متعلقه وكذا متعلق الإرسال لظهوره ولذا حذف المتعلق في قوله سبحانه: فَأَدْلى دَلْوَهُ أي أرسلها إلى الجب ليخرج الماء، ويقال: دلا الدلو إذا أخرجها ملأى، والدلو من المؤنثات للسماعية فتصغر على دلية وتجمع على أدل ودلاء ودلى.
وقال ابن الشحنة: إن الدلو التي يستقى بها مؤنثة وقد تذكر، وأما الدلو مصدر دلوت وضرب من السير فمذكر ومثلها في التذكير والتأنيث الجب عند الفراء على ما نقله عن محمد بن الجهم، وعن بعضهم أنه مذكر لا غير وأما البئر مؤنثة فقط في المشهور، ويقال في تصغيرها: بويرة وفي جمعها آبار وأبار وأبؤر وبئار وفي الكلام حذف أي فأدلى دلوه فتدلى بها يوسف فخرج قالَ استئناف مبني على سؤال يقتضيه الحال يا بُشْرى هذا غُلامٌ نادى البشرى بشارة لنفسه أو لقومه ورفقته كأنه نزلها منزلة شخص فناداه فهو استعارة مكنية وتخييلية أي يا بشرى تعالى فهذا أو إن حضورك، وقيل: المنادى محذوف كما في يا ليت أي يا قومي انظروا واسمعوا بشراي، وقيل: إن هذه الكلمة تستعمل للتبشير من غير قصد إلى النداء.
وزعم بعضهم أن بشرى اسم صاحب له ناداه ليعينه على إخراجه، وروي هذا عن السدي- وليس بذاك- وقرأ غير الكوفيين- يا بشراي- بالإضافة، وأمال فتحة الراء حمزة والكسائي، وقرأ ورش بين اللفظين.
وروي عن نافع أنه قرأ- يا بشراي- بسكون ياء الإضافة ويلزمه التقاء الساكنين على غير حده، واعتذر بأنه أجرى الوصل مجرى الوقف ونظائر ذلك كثيرة في القرآن وغيره، وقيل: جاز ذلك لأن الألف لمدها تقوم مقام الحركة، وقرأ أبو الطفيل والحسن وابن أبي إسحاق والجحدري «يا بشري» بقلب الألف ياء وإدغامها في ياء الإضافة- وهي لغة لهذيل ولناس غيرهم- ومن ذلك قول أبي ذؤيب:
سبقوا هوى وأعنقوا لهواهم
…
فتخرموا ولكل جنب مصرع
ويقولون: يا سيدي، ومولى، والغلام- كثيرا ما يطلق على ما بين الحولين إلى البلوغ، وقد يطلق على الرجل الكامل كما في قول ليلى الأخيلية في الحجاج بن يوسف الثقفي:
غلام إذا هز القناة سقاها والظاهر أن التنوين فيه للتفخيم، وحق له ذلك فقد كان عليه من أحسن الغلمان،
وذكر البغوي عنه صلّى الله تعالى عليه وسلّم أنه قال: أعطي يوسف شطر الحسن.
وقال محمد بن إسحاق: ذهب يوسف وأمه بثلثي الحسن، وحكى الثعلبي عن كعب الأخبار أنه قال: كان يوسف حسن الوجه جعد الشعر ضخم العينين مستوي الخلق أبيض اللون غليظ الساعدين والساقين خميص البطن صغير السرة وكان إذا تبسم رأيت النور في ضواحكه وإن تكلم رأيت شعاع النور من ثناياه ولا يستطيع أحد وصفه وكان حسنه كضوء النهار عند الليل وكان يشبه آدم عليه السلام يوم خلقه قبل أن يصيب الخطيئة، ويحكى أن جوانب الجب بكت عليه حين خرج منها، ولعله من باب بكت الدار لفقد فلان، والظاهر أن قول الوارد يا بُشْرى هذا غُلامٌ كان عند رؤيته، وقيل إنه حين وروده على أصحابه صاح بذاك وَأَسَرُّوهُ أي أخفاه الوارد وأصحابه عن بقية الرفقة حتى لا تراه فتطمع فيه، وقيل: أخفوا أمره وكونه وجد في البئر، وقالوا لسائر القافلة: دفعه إلينا أهل الماء لنبيعه لهم بمصر، وقيل: الضمير لإخوة يوسف، وذلك أن بعضهم رجع ليتحقق أمره فرآه عند السيارة فأخبر إخوته فجاؤوا إليهم فقالوا: هذا غلام أبق لنا فاشتروه منا فاشتروه وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه، وفي رواية أنهم قالوا بالعبرانية: لا تنكر العبودية نقتلك فأقر بها واشتروه منهم، وقيل: كان يهوذا يأتيه بالطعام فأتاه يوم أخرج فلم يجده في الجب ووجده عند الرفقة فأخبر إخوته فأتوهم فقالوا ما قالوا، وروي كون الضمير للإخوة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قيل:
وهو المناسب لإفراد قالَ وجمع ضمير- أسروا- وللوعيد الآتي قريبا إن شاء الله تعالى، وليس فيه اختلال في النظم، ولا يخفى أن الظاهر ما أشير إليه أولا، ونصب قوله سبحانه: بِضاعَةً على الحال أي أخفوه حال كونه متاعا للتجارة، وفي الفرائد أنه ضمن أسروه معنى جعلوه أي جعلوه بضاعة مسرين إياه فهو مفعول به.
وقال ابن الحاجب: يحتمل أن يكون مفعولا له أي لأجل التجارة وليس شرطه مفقودا لاتحاد فاعله وفاعل الفعل المعلل به إذ المعنى كتموه لأجل تحصيل المال به، ولا يجوز أن يكون تمييزا وهو من- البضع- بمعنى القطع وكأن البضاعة إنما سميت بذلك لأنها تقطع من المال وتجعل للتجارة، ومن ذلك البضع بالكسر لما بين الثلاث إلى العشرة أو لما فوق الخمس ودون العشرة، والبضيعة للجزيرة المنقطعة عن البر، واعتبر الراغب في البضاعة كونها قطعة وافرة من المال تقتنى للتجارة ولم يعتبر الكثير كونها وافرة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ لم يخف عليه سبحانه أسرارهم، وصرح غير واحد أن هذا وعيد لإخوة يوسف عليه السلام على ما صنعوا بأبيهم وأخيهم وجعلهم إياه، وهو عرضة للابتذال بالبيع والشراء وَشَرَوْهُ الضمير المرفوع إما للإخوة فشرى بمعنى باع، وإما للسيارة فهو بمعنى اشترى كما في قوله:
وشريت بردا ليتني
…
من بعد برد كنت هامه
وقوله:
ولو أن هذا الموت يقبل فدية
…
شريت أبا زيد بما ملكت يدي
وجوز أن يكون على هذا الوجه بمعنى باع بناء على أنهم باعوه لما التقطوه من بعضهم بِثَمَنٍ بَخْسٍ أي نقص وهو مصدر أريد به اسم المفعول أي منقوص، وجوز الراغب أن يكون بمعنى باخس أي ناقص عن القيمة نقصانا ظاهرا،
وقال مقاتل: زيف ناقص العيار، وقال قتادة: بخس ظلم لأنه ظلموه في بيعه، وقال ابن عباس، والضحاك في آخرين:
البخس الحرام وكان ذلك حراما لأنه ثمن الحر وسمي الحرام بخسا لأنه مبخوس البركة أي منقوصها، وقوله سبحانه:
دَراهِمَ بدل من ثمن أي لا دنانير مَعْدُودَةٍ أي قليلة وكنى بالعدّ عن القلة لأن الكثير يوزن عندهم وكانت عدة هذه الدراهم في كثير من الروايات عشرين درهما، وفي رواية عن ابن عباس اثنين وعشرين، وفي أخرى عنه عشرين وحلة ونعلين، وقيل: ثلاثين وحلة ونعلين، وقيل: ثمانية عشر اشتروا بها أخفافا ونعالا، وقيل: عشرة وعن عكرمة أنها كانت أربعين درهما، ولا يأبى هذا ما ذكره غير واحد من أن عادتهم أنهم لا يزنون، إلّا ما بلغ أوقية وهي أربعون درهما إذ ليس فيه نفي أن الأربعين قد تعدّ وَكانُوا فِيهِ أي في يوسف كما هو الظاهر مِنَ الزَّاهِدِينَ أي الراغبين عنه، والضمير في وَكانُوا إن كان للإخوة فظاهر وإن كان للرفقة وكانوا بائعين فزهدهم فيه لأنهم التقطوه والملتقط للشيء متهاون به لا يبالي بما بدعه ولأنه يخاف أن يعرض له مستحق ينتزعه من يده فيبيعه من أول مساوم بأوكس الثمن وإن كان لهم وكانوا مبتاعين بأن اشتروه من بعضهم أو من الإخوة فزهدهم لأنهم اعتقدوا فيه أنه آبق فخافوا أن يخاطروا بما لهم فيه، وقيل: ضمير فِيهِ للثمن وزهدهم لرداءته أو لأن مقصودهم ليس إلّا إبعاد يوسف عليه السلام وهذا ظاهر على تقدير أن يكون ضمير كانُوا للإخوة، والجار- على ما نقل عن ابن مالك- متعلق بمحذوف يدل عليه- الزاهدين- أي كانوا زاهدين فيه من الزاهدين، وذلك أن اللام في الزاهدين اسم موصول ولا يتقدم ما في صلة الموصول عليه، ولأن ما بعد الجار لا يعمل فيما قبله، وهل مِنَ الزَّاهِدِينَ حينئذ صفة لزاهدين المحذوف مؤكدة كما تقول: عالم من العلماء أو صفة مبينة أي زاهدين بلغ بهم الزهد إلى أن يعدّوا في الزاهدين لأن الزاهد قد لا يكون عريقا في الزاهدين حتى يعدّ فيهم إذا عدّوا أو يكون خبرا ثانيا؟ كل ذلك محتمل، وليس بدلا من المحذوف لوجود مِنَ معه، وقدر بعضهم المحذوف أعني وأنا فيه من الزاهدين، وقال ابن الحاجب في أماليه: إنه متعلق بالصلة والمعنى عليه بلا شبهة وإنما فروا منه لما فهموا من صلة الموصول لا تعمل فيما قبل الموصول مطلقا، وبين صلة- أل- وغيرها فرق فإن هذه على صورة الحرف المنزل منزلة الجزء من الكلمة فلا يمتنع تقديم معمولها عليها فلا حاجة إلى القول بأن تعلقه بالمذكور إنما هو على مذهب المازني الذي جعل- أل- في مثل ذلك حرف تعريف وكأنه لا يرى تقدم معمول المجرور ممتنعا وإلا لم يتم ذكره ارتفاع المحذور.
وزعم بعضهم أنه يلزم بعد عمل اسم الفاعل من غير اعتماد من الغفلة بمكان لأن محل الخلاف عمله في الفاعل والمفعول به الصريح لا في الجار والمجرور الذي يكفيه رائحة الفعل وقال بعض المتأخرين: إن الصفة هنا معتمدة على اسم- كانوا- وهو مبتدأ في الأصل، والاعتماد على ذلك معتبر عندهم، ففي الرضى عند قول ابن الحاجب:
والاعتماد على صاحبه ويعني بصاحبه المبتدأ إما في الحال نحو زيد ضارب أخوه أو في الأصل نحو كان زيد ضاربا أخواه. وظننتك ضاربا أخواك وإن زيدا ضارب غلاماه، وعلى هذا لا يحتاج في الجواب إلى إخراج الجار والمجرور عن حكم الفاعل والمفعول به الصريح وإن كان له وجه وجيه خلافا لمن أنكره، ومن الناس من يتمسك بعموم يتوسع في الظرف والجار والمجرور ما لا يتوسع في غيرهما في دفع ما يورد على تعلق الجار هنا بالصفة المجرور الواقعة صلة لآل كائنا ما كان فليفهم.
هذا والشائع أن الباعة إخوته، والزاهدين هم،
وفي بعض الآثار أنهم حين باعوه قالوا للتاجر: إنه لص آبق فقيده ووكل به عبدا أسود فلما جاء وقت ارتحالهم بكى عليه السلام فقال له التاجر: ما لك تبكي؟ فقال: أريد أن أصل إلى الذين باعوني لأودعهم وأسلم عليهم سلام من لا يرجع إليهم، فقال التاجر للعبد: خذه واذهب به إلى مواليه ليوعدهم
ثم ألحقه بالقافلة فما رأيت غلاما أبر من هذا بمواليه ولا قوما أجفى منهم فتقدم العبد به إلى إخوته وكان واحد منهم مستيقظا يحرس الأغنام فلما وصل إليه يوسف وهو يعثر في قيده انكب عليه وبكى، فقال له: لماذا جئت؟ فقال:
جئت لأودعكم وأسلم عليكم فصاح عليهم أخوهم قوموا إلى من أتاكم يسلم عليكم سلام من لا يرجو أن يراكم أبدا فويل لكم من هذا الوداع فقاموا فجعل يوسف ينكب على كل واحد منهم ويقبله ويعانقه، ويقول: حفظكم الله تعالى وإن ضيعتموني آواكم الله تعالى وإن طردتموني رحمكم الله تعالى وإن لم ترحموني. قيل: إن الأغنام ألقت ما في بطونها من هول هذا التوديع، ثم أخذه العبد وطلب القافلة فبينما هو على الراحلة إذ مر بقبر أمه راحيل في مقابر كنعان فلما أبصر القبر لم يتمالك أن رمى بنفسه عليه فاعتنقه وجعل يبكي ويقول: يا أماه ارفعي رأسك من التراب حتى تري ولدك مقيدا يا أماه إخوتي في الجب طرحوني ومن أبي فرقوني وبأبخس الأثمان باعوني ولم يرقوا لصغر سني ولم يرحموني فأنا أسأل الله تعالى أن يجمع بيني وبين والذي في مستقر رحمته إنه أرحم الراحمين. فالتفت العبد فلم يره فرجع فرآه على القبر فقال: والله لقد صدق مواليك إنك عبد آبق ثم لطمه لطمة شديدة فغشي عليه ثم أفاق فقال له: لا تؤاخذني هذا قبر أمي نزلت أسلم عليها ولا أعود بعد لما تكرهه أبدا ثم رفع عينيه الى السماء وقد تمرغ بالتراب والدموع في وجهه فقال: اللهم إن كانت لي خطيئة أخلقت وجهي عندك فبحرمة آبائي الكرام إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن تعفو عني وترحمني يا أرحم الراحمين فضجت الملائكة الى الله تعالى عند ذلك فقال تبارك وتعالى: يا ملائكتي هذا نبي وابن انبيائي وقد استغاث بي وأنا مغيثه ومغيث المستغيثين يا جبريل أدركه فنزل جبريل عليه السلام فقال: يا صديق الله ربك يقرئك السلام ويقول لك: مهلا عليك فقد أبكيت ملائكة السماوات السبع أتريد أن أطبق السماء على الأرض؟ فقال: لا يا جبريل ارفق بخلق ربي فإنه حليم لا يعجل فضرب الأرض بجناحه فهبت ريح حمراء وكسفت الشمس وأظلمت الغبراء فلم ير أهل القافلة بعضهم بعضا، فقال التاجر: انزلوا قبل أن تهلكوا إن لي سنين عديدة أمر بهذا الطريق فما رأيت كاليوم فمن أصاب منكم ذنبا فليتب منه فما أصابنا هذا إلا بذنب اقترفناه فأخبره العبد بما فعل مع يوسف، وقال يا سيدي: إني لما ضربته رفع عينيه الى السماء وحرك شفتيه فقال له التاجر: ويحك أهلكتنا وأهلكت نفسك فتقدم اليه التاجر وقال: يا غلام إنا ظلمناك حين ضربناك فإن شئت أن تقتص منا فها نحن بين يديك؟
فقال يوسف: ما أنا من قوم إذا ظلموا يقتصون ولكني من أهل بيت إذا ظلموا عفوا وغفروا ولقد عفوت عنكم رجاء أن يعفو الله تعالى عني فانجلت الظلمة وسكنت الريح وأسفرت الشمس وأضاءت مشارق الأرض ومغاربها فساروا حتى دخلوا مصر آمنين
وكان هذا التاجر فيما قيل: مالك بن ذعر الذي أخرجه من الجب، وقيل: غيره.
وروي أنه حين ورد به مصر باعه بعشرين دينارا وزوجي نعل وثوبين أبيضين،
وقيل: أدخل السوق للبيع فترافعوا في ثمنه حتى بلغ وزنه مسكا ووزنه ورقا ووزنه حريرا فاشتراه (1) بذلك العزيز الذي كان على خزائن مصر عند ملكها، وقيل: كان خباز الملك وصاحب شرابه ودوابه وصاحب السجن المشهور، والمعول عليه هو الأول، واسمه قطفير أو أطفير أو قنطورا والأول مروي عن ابن عباس، وهو المراد في قوله سبحانه: وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ فهذا الشراء غير الشراء السابق الذي كان بثمن بخس، وزعم اتحادهما ضعيف جدا وإلا لا يبقى لقوله: مِنْ مِصْرَ كثير
(1) أخرج ابن إسحاق وابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس أن مالك بن ذعر لما باع يوسف من العزيز سأله من أنت فذكر له من هو وابن من هو وكان من مدين فعرفه فقال: لو أخبرتني لم أبعك ثم طلب منه الدعاء فدعا له، وقال: بارك الله تعالى لك في أهلك فحملت امرأته اثني عشر بطنا في كل بطن غلامان، وهذا إذ صح يبعد صحة القصة فتأمل اهـ منه.
جدوى، وكان الملك يومئذ الريان بن الوليد العمليقي ومات في حياة يوسف عليه السلام بعد أن آمن به فملك بعده قابوس بن مصعب فدعاه الى الإيمان فأبى.
وقيل: كان الملك في أيامه فرعون موسى عليه السلام عاش أربعمائة سنة بدليل قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ [غافر: 34]، وقيل: فرعون موسى عليه السلام من أولاد فرعون يوسف عليه السلام، والآية من قبيل خطاب الأولاد بأحوال الآباء وهو الصحيح، وظاهر أمر العزيز أنه كان كافرا.
واستدل في البحر على ذلك بكون الصنم في بيته حسبما يذكر في بعض الروايات.
وقال مجاهد: كان مؤمنا، ولعل مراده أنه آمن بعد ذاك وإلا فكونه مؤمنا يوم الاشتراء مما لا يكاد يسلم، نعم إنه اعتنى بأمر يوسف عليه السلام ولذا قال: لِامْرَأَتِهِ راعيل (1) بنت رعابيل، وهو المروي عن مجاهد.
وقال السدي: زليخا (2) بنت تمليخا، وقيل: اسمها راعيل ولقبها زليخا، وقيل: بالعكس، والجار الأول كما قال أبو البقاء: متعلق- باشتراه- كقولك اشتريته من بغداد أي فيها أو بها، أو متعلق بمحذوف وقع حالا من الذي أو من الضمير في- اشترى- أي كائنا من أهل مصر، والجار الثاني متعلق- بقال- كما أشرنا اليه لا- باشتراه- ومقول القول:
أَكْرِمِي مَثْواهُ أي اجعلي محل ثوائه وإقامته كريما أي حسنا مرضيا، وهذا كناية عن إكرامه عليه السلام نفسه على أبلغ وجه وأتمه لأن من أكرم المحل بتنظيفه وفرشه ونحو ذلك فقد أكرم ضيفه بسائر ما يكرم به، وقيل: المثوى مقحم يقال: المجلس العالي والمقام السامي والمعنى أحسني تعهده والنظر فيما يقتضيه إكرام الضيف عَسى أَنْ يَنْفَعَنا في قضاء مصالحنا إذا تدرب في الأمور وعرف مجاريها أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً أي نتبناه ونقيمه مقام الولد، وكان فيما يروى عقيما، ولعل الانفصال لمنع الخلو.
وزعم بعضهم أنه لمنع الجمع على معنى عسى أن نبيعه فننتفع بثمنه وليس بشيء، وكان هذا القول من العزيز لما تفرس فيه من مخايل الرشد والنجابة، ومن ذلك قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه فيما أخرجه سعيد بن منصور والحاكم وصححه وجماعة: أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرس في يوسف فقال لامرأته: أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا إلخ. والمرأة التي أتت موسى فقالت لأبيها: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ [القصص: 26] . وأبو بكر حين استخلف عمر وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ أي جعلنا له فيها مكانا يقال: مكنه فيه أي أثبته فيه، ومكن له فيه أي جعل له مكانا فيه، ولتقاربهما وتلازمهما يستعمل كل منهما في مقام الآخر قال سبحانه: وكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ [الأنعام: 6] والمراد بالمكان هنا المكانة والمنزلة لا البعد المجرد أو السطح الباطن من الحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوي أو غير ذلك مما ذهب إليه من ذهب من الفلاسفة إن حقا وإن باطلا، والإشارة الى ما يفهم مما تقدم من الكلام وما فيه من معنى البعد لتفخيمه، والكاف نصب على المصدرية أي كما جعلنا له مثوى كريما في منزل العزيز أو مكانا عليا في قلبه حتى أمر امرأته دون سائر حواشيه بإكرام مثواه جعلنا له مكانة رفيعة في أرض مصر، وفسر الجعل المذكور بجعله وجيها فيما بين أهل مصر ومحببا في قلوبهم بناء على أنه الذي يؤدي الى الغاية المذكورة في قوله تعالى: وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ أي بعض تعبير الرؤيا التي عمدتها رؤيا الملك وصاحبي السجن، وروي هذا المعنى عن مجاهد، وهو الظاهر كما يرشد اليه قوله عليه
(1) راعيل بوزن هابيل اهـ منه. [.....]
(2)
هو بفتح الزاي وكسر اللام والخاء المعجمة وفي آخره ألف وهو المشهور، وقيل: إنه بضم أوله على هيئة المصغر اهـ منه.
السّلام: ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي [يوسف: 37] سواء جعل معطوفا على غاية مقدرة ينساق إليها الكلام ويستدعيها النظام كأنه قيل: ومثل ذلك التمكين البديع مكنا ليوسف في الأرض وجلنا قلوب أهلها كافة محال محبته ليترتب.
على ذلك ما يترتب مما جرى بينه وبين امرأة العزيز. ولنعلمه بعض تأويل الأحاديث فيؤدي ذلك الى الرتبة العليا والرئاسة العظمى، ولعل ترك المعطوف عليه للإشعار بعدم كونه مرادا أو جعل علة لمحذوف كأنه قيل: ولهذه الحكمة البالغة فعلنا ذلك التمكين لا لشيء غيرها مما ليس له عاقبة حميدة.
واختار بعض المحققين كون ذلك إشارة الى مصدر الفعل المذكور بعده، والكاف مقحمة للدلالة على تأكيد فخامة شأن المشار اليه على ما ذكروا في وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [البقرة: 143] والمراد به التمكين في قلب العزيز أو في منزله وكون ذلك تمكينا في الأرض بملابسة أنه عزيز فيها لما أن الذي عليه يدور تلك الأمور إنما هو التمكين في جانب العزيز وأما التمكين في جانب الناس كافة فتأديته إليها إنما هي باعتبار اشتماله على ذلك التمكين، ولا يخفى أن حمل التمكين في الأرض على التمكين في قلب العزيز. أو في منزله خلاف الظاهر، وكذا حمله على ما تقدم، ولعل الظاهر حمله على جعله ملكا يتصرف في أرض مصر بالأمر والنهي إلا أن في جعل التعليم المذكور غاية له خفاء لأن ذلك الجعل من آثاره ونتائجه المتفرعة عليه دون العكس ولم يعهد منه عليه السلام في تضاعيف قضاياه العمل بموجب الرؤيا المنبهة على الحوادث قبل وقوعها عهدا مصححا لجعله غاية لذلك وما وقع من التدارك في أمر السنين فإنما هو عمل بموجب الرؤيا السابقة المعهودة وإرادة ليظهر تعليمنا له كما ترى، وكأن من ذهب إلى ذلك- لأنه الظاهر- أراد بتعليم تأويل الأحاديث تفهيم غوامض أسرار الكتب الإلهية ودقائق سنن الأنبياء عليهم السلام فيكون المعنى حينئذ مكنا له في أرض مصر ليتصرف فيها بالعدل ولنعلمه معاني كتب الله تعالى وأحكامها ودقائق سنن الأنبياء عليهم السلام فيقضي بها بين أهلها، والتعليم الإجمالي لتلك الأحاديث وإن كان غير متأخر عن تمكينه بذلك المعنى إلا أن تعليم كل معنى شخصي يتفق في ضمن الحوادث والإرشاد الى الحق في كل نازلة من النوازل متأخر عن ذلك صالح لأن يكون غاية له، وأدرج بعضهم الإنجاء تحت الإشارة بذلك، وفيه بحث فتدبر وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ لا يمنع عما يشاء ولا ينازع فيما يريد بل إنما أمره لشيء إذا أراد أن يقول له كن فيكون، ويدخل في عموم المصدر المضاف شؤونه سبحانه المتعلقة بيوسف عليه السلام دخولا أوليا أو متول على أمر يوسف عليه السلام فيدبره ولا يكله إلى غيره، والى رجوع ضمير أمره الى الله تعالى ذهب ابن جبير، والى رجوعه الى يوسف عليه السلام ذهب القرطبي، وأيا ما كان فالكلام على ما في الكشف تذييل أما على الأول فلجريه مجرى قوله تعالى: إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [الإسراء: 81] من سابقه لأنه لما كان غالبا على جميع أموره لا يزاحمه أحد ولا يمتنع عليه مراد كانت إرادته تمكين يوسف وكيت وكيت، والوقوع رضيعي لبان، وأما على الثاني فلأن معناه أنه الغالب على أمره يتولاه بلطيف صنعه وجزيل إحسانه وإذا جاء نهر الله تعالى بطل نهر معقل فأين يقع كيد الإخوة وغيرهم كامرأة العزيز موقعه فهو كقوله:
وعلام أركبه إذا لم أنزل
…
من سابقه أعني
فدعوا نزال فكنت أول نازل والآية على الأول صريحة في مذهب أهل السنة وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أن الأمر كذلك فيما يأتون ويذرون زعما منهم أن لهم من الأمر شيئا، وأنى لهم ذلك؟! وأن الأمر كله لله عز وجل، أو لا يعلمون لطائف صنعه وخفايا فضله، والمراد- بأكثر الناس- قيل: الكفار، ونقل ذلك عن ابن عطية.
وقيل: أهل مصر، وقيل: أهل مكة، وقيل: الأكثر بمعنى الجميع، والمراد أن جميع الناس لا يطلعون على غيبه تعالى، والأولى أن يبقى على ما يتبادر منه ولا يقتصر في تفسيره على ما تضمنته الأقوال قبل، بل يراد به من نفى عنه العلم بما تقدم كائنا ما كان، ولا يبعد أن يندرج في عمومه أهل الاعتزال وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ أي بلغ زمان انتهاء اشتداد جسمه وقوته وهو سن الوقوف عن النمو المعتد به أعني ما بين الثلاثين والأربعين، وسئل القاضي النحوي مهذب الدين محمد بن علي بن علي بن أبي طالب الخيمي عنه، فقال: هو خمس وثلاثون سنة وتمامه أربعون.
وقال الزجاج: هو سبعة عشر عاما الى نحو الأربعين، وعن مجاهد وقتادة- ورواه ابن جبير- عن ابن عباس أنه ثلاثة وثلاثون أو ثلاثون أو أحد وعشرون وقال الضحاك عشرون وحكى ابن قتيبة أنه ثمان وثلاثون.
وقال الحسن: أربعون، والمشهور أن الإنسان يقف جسمه عن النمو إذا بلغ ذلك، وإذا وقف الجسم وقفت القوى والشمائل والأخلاق ولذا قيل:
إذا المرء وفى الأربعين ولم يكن
…
له دون ما يهوى حياء ولا ستر
فدعه ولا تنفس عليه الذي مضى
…
وإن جر أسباب الحياة له العمر
وقيل: أقصى الأشد اثنان وستون، والى كون الأشد منتهى الشباب والقول قبل أن يؤخذ في النقصان ذهب أبو عبيدة وغيره من ثقات اللغويين واستظهره بعض المحققين، وهو عند سيبويه جمع واحدة شدة- كنعمة وأنعم- وقال الكسائي والفراء: إنه جمع شدّ نحو- صك. وأصك وفلس وأفلس- وهذا على ما ذكر أبو حاتم يوجب أن يكون مؤنثا لأن كل جمع على أفعل مؤنث.
وزعم عن أبي عبيدة أنه لا واحد له من لفظه عن العرب، وقال الفراء: أهل البصرة يزعمون أنه اسم واحد لكنه على بناء ندر في المفردات وقلما رأينا اسما على أفعل إلا وهو جمع آتَيْناهُ حُكْماً أي حكمة وهي في لسان الشرع العلم النافع المؤيد بالعمل لأنه بدونه لا يعتدّ به، والعمل بخلاف العلم سفه، أو حكما بين الناس وَعِلْماً يعني علم تأويل الرؤيا، وخص بالذكر لأنه غير داخل فيما قبله، أو أفرد بالذكر لأنه مما له شأن وليوسف عليه السلام به اختصاص تام كذا قيل، وفسر بعضهم الحكمة بالنبوة والعلم بالتفقه في الدين، وقيل: الحكمة حبس النفس عن هواها وصونها عما لا ينبغي، والعلم هو العلم النظري، وقيل: أراد بالحكمة الحكم بين الناس، وبالعلم العلم بوجوه المصالح فإن الناس كانوا إذا تحاكموا الى العزيز أمره بأن يحكم بينهم لما رأى من عقله وإصابته في الرأي.
وعن ابن عباس أن الحكم النبوة والعلم الشريعة وتنكيرهما للتفخيم أي حكما وعلما لا يكتنه كنههما ولا يقادر قدرهما، وتعقب كون المراد بالعلم العلم بتأويل الأحاديث- بأن قوله سبحانه: وَكَذلِكَ أي مثل ذلك الجزاء العجيب نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أي كل من يحسن في علمه- يأباه لأن ذلك لا يصلح أن يكون جزاء لأعماله الحسنة التي من جملتها معاناة الأحزان والشدائد إلا أن يخص بعلم تأويل رؤيا الملك فإن ذلك حيث كان عند تناهي أيام البلاء صح أن يعد إيتاءه من جملة الجزاء وأما رؤيا صاحبي السجن فقد لبث عليه السلام بعد تعبيرها في السجن بضع سنين، وفي تعليق الجزاء المذكور بالمحسنين إشعار بعلية الإحسان له وتنبيه على أنه تعالى إنما أتاه ما آتاه لكونه محسنا في أعماله متقنا في عنفوان أمره، ومن هنا قال الحسن: من أحسن عبادة الله سبحانه في شبيبته آتاه الله تعالى الحكمة في اكتهاله، واستشكل ما أفاده تعليق الحكم بالمشتق من العلية على تقدير أن يراد من الحكمة العلم المؤيد بالعمل مثلا بأن إحسان العمل لا يكون إلا بعد العلم به فلو كان العلم المؤيد به مثلا علة للإحسان بذلك لزم الدور.
وأجيب بأن إحسان العمل يمكن أن يكون بطريق آخر كالتقليد والتوفيق الإلهي فيكون سببا للعلم به عن دليل عقلي أو سمعي، أو المراد الأعمال الغير المتوقفة على السمع فيكون ذلك السبب للعلم بما شرع له من الأعمال، وقال بعض المحققين: الظاهر تغاير العلمين كما
في الأثر «من عمل بما علم يسر الله تعالى له علم ما لم يعلم» ،
وعن الضحاك تفسير الْمُحْسِنِينَ بالصابرين على النوائب وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها رجوع إلى شرح ما جرى عليه عليه السلام في منزل العزيز بعد ما أمر امرأته بإكرام مثواه، وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ إلى هنا اعتراض جيء به أنموذجا للقصة ليعلم السامع من أول الأمر أن ما لقيه عليه السلام من الفتن التي ستحكى بتفاصيلها له غاية جميلة وعاقبة حميدة وأنه عليه السلام محسن في أعماله لم يصدر عنه ما يخل بنزاهته، والمراودة (1) المطالبة برفق من راد يرود إذا ذهب وجاء لطلب شيء، ومنه الرائد لطالب الكلأ والماء، وباعتبار الرفق قيل: رادت الإبل في مشيتها ترود رودانا، ومنه بني المرود ويقال: أرود يرود إذا رفق، ومنه بني رويد، والإرادة منقولة من راد يرود إذا سعى في طلب شيء وهي مفاعلة من واحد نحو مطالبة الدائن ومماطلة المديون ومداواة الطبيب وغير ذلك مما يكون من أحد الجانبين الفعل ومن الآخر سببه فإن هذه الأفعال وإن كانت صادرة عن أحد الجانبين لكن لما كانت أسبابها صادرة عن الجانب الآخر جعلت كأنها صادرة عنهما، قال شيخ الإسلام: وهذا باب لطيف المسلك مبني على اعتبار دقيق تحقيقه أن سبب الشيء يقوم مقامه ويطلق عليه اسمه كما في قولهم: كما تدين تدان، أي كما تجزي تجزى، فإن فعل البادئ وإن لم يكن جزاء لكنه لكونه سببا للجزاء أطلق عليه اسمه، وكذلك إرادة القيام إلى الصلاة وإرادة قراءة القرآن حيث كانتا سببا للقيام، والقراءة عبر عنهما بهما فقيل: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة: 6] فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ [النحل: 98] وهذه قاعدة مطردة مستمرة، ولما كانت أسباب الأفعال المذكورة فيما نحن فيه صادرة عن الجانب المقابل لجانب فاعلها فإن مطالبة الدائن للمماطلة التي هي من جانب الغريم وهي منه للمطالبة التي من جانب الدائن، وكذا مداواة الطبيب للمرض الذي هو من جانب المريض، وكذلك مراودتها فيما نحن فيه لجمال يوسف عليه السلام نزل صدورها عن محالها بمنزلة صدور مسبباتها التي هي تلك الأفعال فبنى الصيغة على ذلك وروعي جانب الحقيقة بأن أسند الفعل إلى الفاعل وأوقع على صاحب السبب فتأمل اهـ.
وكأنه أشار بالأمر بالتأمل إلى ما فيه مما لا يخفى على ذويه، وفي الكشف المراودة منازعة في الرود بأن يكون له مقصد مجيئا وذهابا وللمفاعل مقصد آخر يقابله فيهما، ومعنى المفاعلة هاهنا إما المبالغة في رودها أو الدلالة على اختلافهما فيه فإنها طلبت منه الفعل وهو طلب منها الترك وهذا أبلغ ولما كان منازعة جيء- بعن- في قوله إذا كانت بمعنى تهيأت لا تكون اسم فعل بل تكون فعلا مسندا إلى ضمير المتكلم بل لأنه لما بينت التهيؤ بأنه له لزم كونها هي المتهيأة كما إذا قيل لك: قربني منك فقلت هيهات فإنه يدل على معنى بعدت بالقرينة.
وقرأ ابن كثير وأهل مكة هَيْتَ بفتح الهاء وسكون الياء وضم التاء تشبيها له بحيث.
وقرأ أبو الأسود وابن أبي إسحاق وابن محيصن وعيسى البصرة وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «هيت» بفتح الهاء وسكون الياء وكسر التاء تشبيها له بجير، والكلام فيها على هاتين القراءتين كالكلام فيها على القراءة السابقة.
وقرأ نافع وابن عامر وابن ذكوان والأعرج وشيبة وأبو جعفر «هيت» بكسر الهاء بعدها ياء ساكنة وتاء مفتوحة،
(1) وزعم بعضهم أن «ما» هنا من الرويد وهو الرفق والتحمل فافهم اهـ منه.
وحكى الحلواني عن هشام أنه قرأ كذلك إلا أنه همز، وتعقب ذلك الداني تبعا لأبي على الفارسي في الحجة، وقد تبعه أيضا جماعة بأن فتح التاء فيما ذكر وهم من الراوي لأن الفعل حينئذ من التهيؤ، ويوسف عليه السلام لم يتهيأ لها بدليل وَراوَدَتْهُ إلخ فلا بد من ضم التاء، ورد ذلك صاحب النشر بأن المعنى على ذلك تهيأ لي أمرك لأنها لم يتيسر لها الخلوة به قبل أو حسنت هيئتك، ولَكَ على المعنيين للبيان، والرواية عن هشام صحيحة جاءت من عدة طرق، وروي عنه أيضا (1) أنه قرأ بكسر الهاء والهمزة وضم التاء، وهي رواية أيضا عن ابن عباس وابن عامر وأبي عمرو أيضا وقرأ كذلك أبو رجاء وأبو وائل وعكرمة ومجاهد وقتادة وطلحة وآخرون (2) .
وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما وابن أبي إسحاق كذلك إلا أنهما سهلا الهمزة، وذكر النحاس أنه قرىء بكسر الهاء بعدها ياء ساكنة وكسر التاء، وقرىء أيضا هيا بكسر الهاء وفتحها وتشديد الياء، وهي على ما قال ابن هشام: لغة في هَيْتَ، وقال بعضهم: إن القراءات كلها لغات وهي فيها اسم فعل بمعنى هلم، وليست التاء ضميرا، وقال آخر: إنها لغات والكلمة عليها اسم فعل إلا على قراءة ضم التاء مع الهمز وتركه فإن الكلمة عليها تحتمل أن تكون فعلا رافعا لضمير المتكلم من هاء الرجل يهيء كجاء يجيء إذا حسنت هيئته. أو بمعنى تهيأت، يقال: هئت وتهيأت بمعنى، وإذا كانت فعلا تعلقت اللام بها، ونقل عن ابن عباس أيضا أنه قرأ هييت مثل حببت وهي في ذلك فعل مبني للمفعول مسهل الهمزة من هيأت الشيء كأن أحدا هيأها له عليه السلام قالَ مَعاذَ اللَّهِ نصب على المصدر يقال: عذت عوذا وعياذا وعياذة ومعاذا أي أعوذ بالله عز وجل معاذا مما تريدين مني، وهذا اجتناب منه عليه السلام على أتم الوجوه وإشارة إلى التعليل بأنه منكر هائل يجب أن يعاذ بالله جلّ وعلا للخلاص منه، وما ذلك إلا لأنه قد علم بما أراه الله تعالى ما هو عليه في حد ذاته من غاية القبح ونهاية السوء، وقوله تعالى: إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ تعليل ببعض الأسباب الخارجية مما عسى يكون مؤثرا عندها وداعيا لها إلى اعتباره بعد التنبيه على سببه الذاتي التي لا تكاد تقبله لما سولته لها نفسها، والضمير للشأن، وفي تصدير الجملة به من الإيذان بفخامة مضمونها ما فيه مع زيادة تقريره في الذهن أي إن الشأن الخطير هذا أي هو ربي أي سيدي العزيز أحسن تعهدي حيث أمرك بإكرامي على أكمل وجه فكيف يمكن أن أسيء إليه بالخيانة في حرمه؟! وفيه إرشاد لها إلى رعاية حق العزيز بألطف وجه، وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد والسدي، تعالى: عَنْ نَفْسِهِ كما تقول: جاذبته عن كذا دلالة على الإبعاد وتحصيل الجذب البالغ، ولهذا قال في الأساس: ومن المجاز راوده عن نفسه خادعه عنها.
وقال الزمخشري هنا: أي فعلت ما يفعل المخادع بصاحبه عن الشيء الذي لا يريد أن يخرجه من يده، ولا شك أن هذا إنما يحصل من المنازعة في الرود، ولهذه النكتة جعل كناية عن التمحل لموافقته إياها، والعدول عن التصريح باسمها للمحافظة على الستر ما أمكن أو للاستجهان بذكره، وإيراد الموصول دون امرأة العزيز مع أنه أخصر وأظهر لتقرير المراودة فإن كونه في بيتها مما يدعو إلى ذلك (3) ولإظهار كمال نزاهته عليه السلام فإن عدم ميله إليها مع دوام مشاهدته لمحاسنها واستعصائه عليها مع كونه تحت يدها ينادي بكونه عليه السلام في أعلى معارج العفة، وإضافة البيت إلى ضميرها لما أن العرب تضيف البيوت إلى النساء باعتبار أنهن القائمات بمصالحه أو الملازمات له، وخرج
(1) وانفرد الهذلي عنه برواية ترك الهمز اهـ منه.
(2)
منهم يحيى بن وثاب، والمقري اهـ منه.
(3)
قيل لواحدة: ما حملك على ما أنت عليه مما لا خير فيه؟ قالت: قرب الوساد اهـ منه (2) .
على ذلك قوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب: 33] وكثر في كلامهم صاحبة البيت وربة البيت للمرأة ومن ذلك.
يا ربة البيت قومي غير صاغرة
وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ أي أبواب البيت، وتشديد الفعل للتكثير في المفعول إن قلنا: إن الأبواب كانت سبعة كما قيل، فإن لم نقل به فهو لتكثير الفعل فكأنه غلق مرة بعد مرة أو بمغلاق بعد مغلاق، وجمع الْأَبْوابَ حينئذ إما لجعل كل جزء منه كأنه باب أو لجعل تعدد إغلاقه بمنزلة تعدده، وزعم بعضهم أنه لم يغلق إلا بابان: باب الدار وباب الحجرة التي هما فيها.
وادعى بعض المتأخرين أن التشديد للتعدية وأن كونه للتكثير وهم معللا ذلك بأن غَلَّقَتِ الْأَبْوابَ غلقا لغة رديئة متروكة حسبما ذكره الجوهري، ورد بأن إفادة التعدية لا تنافي إفادة التكثير معها فإن مجرد التعدية يحصل بباب الأفعال فاختيار التفعيل عليه لأحد الأمرين، ولذا قال الجوهري أيضا: وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ شدد للتكثير اهـ.
وفي الحواشي الشهابية أنه لم يتنبه الراد لأن ما نقله عليه لا له لأن الرديء الذي ذكره اللغويون إنما هو استعمال
الثلاثي منه لا أن له ثلاثيا لازما حتى يتعين كون التفعيل للتعدية فتعديه لازم في الثلاثي وغيره سواء كان رديئا أو فصيحا فتعين أنه للتكثير، وقد قال بذلك غير واحد، فالواهم ابن أخت خالة الموهم فافهم.
وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ أي أسرع فهي اسم فعل أمر مبني على الفتح كأين، وفسرها الكسائي والفراء بتعال، وزعما أنها كلمة حورانية وقعت إلى أهل الحجاز فتكلموا بها وقال أبو زيد: هي عبرانية، وعن ابن عباس والحسن هي سريانية، وقال السدي: هي قبطية.
وقال مجاهد وغيره هي عربية تدعوه بها إلى نفسها (1) وهي كلمة حث وإقبال، واللام للتبيين كالتي في سقيا لك فهي متعلقة بمحذوف أي إرادتي كائنة لك أو أقول لك، وجوز كونها اسم فعل خبري كهيهات، واللام متعلقة بها والمعنى تهيأت لك، وجعلها بعضهم على هذا للتبيين متعلقة بمحذوف أيضا لأن اسم الفعل لا يتعلق به الجار، والتاء مطلقا من بنية الكلمة، وليس تفسيرها بتهيأت لكون الدال على التكلم التاء ليرد أنها وابن أبي إسحاق، وتعقب بأن فيه إطلاق الرب على غيره تعالى فإن أريد به الرب بمعنى الخالق فهو باطل لأنه يمكن أن يطلق نبي كريم على مخلوق ذلك، وإذا أريد به السيد فهو عليه السلام في الحقيقة مملوك له، ومن هنا- وإن كان فيما ذكر نظر ظاهر- اختار في البحر أن الضمير لله تعالى، ورَبِّي خبر إن، وأَحْسَنَ مَثْوايَ خبر ثان، أو هو الخبر، والأول بدل من الضمير أي إنه تعالى خالقي أحسن مثواي بعطف قلب من أمرك بإكرامي عليّ فكيف أعصيه بارتكاب تلك الفاحشة الكبيرة؟ وفيه تحذير لها عن عقاب الله تعالى، وجوز على تقدير أن يكون الرب بمعنى الخالق كون الضمير للشأن أيضا، وأيا ما كان ففي الاقتصار على ذكر هذه الحالة من غير تعرض لاقتضائها الامتناع عما دعته إليه إيذان بأن هذه المرتبة من البيان كافية في الدلالة على استحالته وكونه مما لا يدخل تحت الوقوع أصلا، وقوله تعالى: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ تعليل غب تعليل للامتناع المذكور، والفلاح الظفر وإدراك البغية، وذلك ضربان: دنيوي، وأخروي، فالأول الظفر بالسعادات التي تطيب بها حياة الدنيا وهو البقاء والغنى والعز والثاني أربعة أشياء: بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعز بلا ذل وعلم بلا جهل ولذلك قيل: لا عيش إلّا عيش الآخرة، ومعنى أفلح دخل في الفلاح كأصبح وأخواتها، ولعل المراد به هنا الفلاح الأخروي، وبالظالمين كل من ظلم كائنا من كان فيدخل في ذلك المجازون للإحسان بالإساءة والعصاة لأمر الله تعالى دخولا أوليا، وقيل: الزناة لأنهم ظالمون لأنفسهم، وللمزني بأهله، وقيل: الخائنون لأنهم ظالمون لأنفسهم أيضا ولمن خانوه وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ أي بمخالطته إذ الهمّ- سواء استعمل بمعنى القصد والإرادة مطلقا أو بمعنى القصد الجازم والعقد الثابت كما هو المراد هاهنا، لا يتعلق بالأعيان.
والمعنى أنها قصدت المخالطة وعزمت عليها عزما جازما لا يلويها عنه صارف بعد ما باشرت مباديها وفعلت ما فعلت مما قص الله تعالى، ولعلها تصدت هنالك لأفعال أخر من بسط يدها إليه وقصد المعانقة وغير ذلك مما اضطره عليه السلام إلى الهرب نحو الباب، والتأكيد لدفع ما عسى يتوهم من احتمال إقلاعها عما كانت عليه بما في مقالته عليه السلام من الزواجر وَهَمَّ بِها أي مال إلى مخالطتها بمقتضى الطبيعة البشرية كميل الصائم في اليوم الحار إلى الماء البارد، ومثل ذلك لا يكاد يدخل تحت التكليف لا أنه عليه السلام قصدها قصدا اختياريا لأن ذلك أمر مذموم تنادي الآيات على عدم اتصافه عليه السلام به، وإنما عبر عنه بالهم لمجرد وقوعه في صحبة همها في الذكر بطريق
(1) قال أبو حيان: ولا يبعد اتفاق اللغات في لفظة واحدة، وقد وجد ذلك في كلام العرب مع لغات غيرهم، وقال الجوهري: هوت وهيت به صاح به، ودعاء، ولا يبعد أن يكون مشتقا من اسم الفعل كما اشتقوا من الجمل نحو سبح وحمدل اهـ منه.
المشاكلة لا لشبهه به كما قيل، وقد أشير إلى تغايرهما كما قال غير واحد: حيث لم يلزا في قرن واحد من التعبير بأن قيل: ولقد هما بالمخالطة أو هم كل منهما بالآخر وأكد الأول دون الثاني.
لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ أي حجته الباهرة الدالة على كمال قبح الزنا وسوء سبيله، والمراد برؤيته لها كمال إيقانه بها ومشاهدته لها مشاهدة واصلة إلى مرتبة عين اليقين، وقيل: المراد برؤية البرهان حصول الأخلاق وتذكر الأحوال الرادعة من الإقدام على المنكر، وقيل: رؤية وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا [الإسراء: 32] مكتوبا في السقف، وجواب لَوْلا محذوف يدل عليه الكلام أي لولا مشاهدته البرهان لجرى على موجب ميله الجبلي لكنه حيث كان مشاهدا له استمر على ما هو عليه من قضية البرهان، هذا ما ذهب إليه بعض المحققين في معنى الآية وهو قول بإثبات هم له عليه السلام إلّا أنه هم غير مذموم.
وفي البحر أنه لم يقع منه عليه السلام هم بها البتة بل هو منفي لوجود رؤية البرهان كما تقول: قارفت الذنب لولا أن عصمك الله تعالى ولا نقول: إن جواب لَوْلا متقدم عليها وإن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك بل صريح أدوات الشرط العاملة مختلف في جواز تقديم أجوبتها عليها، وقد ذهب إلى الجواز الكوفيون.
ومن أعلام البصريين أبو زيد الأنصاري وأبو العباس المبرد بل نقول: إن جواب لَوْلا محذوف لدلالة ما قبله عليه كما يقول جمهور البصريين في قول العرب: أنت ظالم إن فعلت كذا فيقدرونه إن فعلت فأنت ظالم، ولا يدل قولهم: أنت ظالم على ثبوت الظلم بل هو مثبت على تقدير وجود الفعل، وكذلك هاهنا التقدير لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لهم بها فكان يوجد الهمّ على تقدير انتفاء رؤية البرهان لكنه وجد رؤية البرهان فانتفى الهم، والمراد بالبرهان ما عنده عليه السلام من العلم الدال على تحريم ما همت به وأنه لا يمكن الهم فضلا عن الوقوع فيه، ولا التفات إلى قول الزجاج: ولولا كان الكلام ولهم بها كان بعيدا فكيف مع سقوط اللام لأنه توهم أن قوله تعالى: هَمَّ بِها هو جواب لَوْلا ونحن لم نقل بذلك، وإنما قلنا إنه دليل الجواب على أنه على تقدير أن يكون نفس الجواب قد يقال: إن اللام ليست بلازمة بل يجوز أن يأتي جواب لَوْلا إذا كانت بصيغة الماضي باللام وبدونها فيقال: لولا زيد لأكرمتك ولو زيد أكرمتك، فمن ذهب إلى أن المذكور هو نفس الجواب لم يبعد، وكذا لا التفات أيضا لقول ابن عطية: إن قول من قال إن الكلام قد تم في قوله تعالى: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وأن جواب لَوْلا في قوله سبحانه:
وهَمَّ بِها وأن المعنى، لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لهم بها فلم يهم يوسف عليه السلام يرده لسان العرب، وأقوال السلف لما في قوله: يرده لسان العرب من البحث.
وقد استدل من ذهب إلى الجواز بوجوده في لسان العرب فقد قال سبحانه: إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها [القصص: 10] فقوله سبحانه: إِنْ كادَتْ إلخ إما أن يكون هو الجواب على ما ذهب إليه ذلك القائل، وإما أن يكون دليل الجواب على ما قرّرناه، وأما أقوال السلف فالذي نعتقده أنه لم يصح منها شيء عنهم لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضا مع كونها قادحة في بعض فساق المسلمين فضلا عن المقطوع لهم بالعصمة على أن ما روي لا يساعد عليه كلام العرب لأنه يقتضي كون الجواب محذوفا لغير دليل لأنهم لم يقدروا بناء على ذلك لهمّ بها وكلام العرب لا يدل إلّا على أن يكون المحذوف من معنى ما قبل الشرط لأنه الدليل عليه، هذا وممن ذهب إلى تحقق الهمّ القبيح منه عليه السلام الواحدي فإنه قال في كتاب البسيط: قال المفسرون الموثوق بعلمهم المرجوع إلى روايتهم الآخذون للتأويل عمن شاهد التنزيل: هم يوسف عليه السلام أيضا بهذه المرأة هما صحيحا وجلس منها مجلس الرجل من المرأة فلما رأى البرهان من ربه زال كل شهوة عنه.
قال أبو جعفر الباقر: رضي الله تعالى عنه بإسناده عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: «طمعت فيه وطمع فيها»
وكان طمعه فيها أن هم أن يحل التكة.
وعن ابن عباس أنه حل الهيمان وجلس منها مجلس الخائن، وعنه أيضا أنها استلقت له وقعد بين رجليها ينزع ثيابه، ورووا في البرهان روايات شتى: منها ما
أخرجه أبو نعيم في الحلية عن علي كرم الله تعالى وجهه أنها قامت إلى صنم مكلل بالدر والياقوت في ناحية البيت فسترته بثوب أبيض بينها وبينه، فقال عليه السلام: أي شيء تصنعين؟
فقالت: أستحي من إلهي أن يراني على هذه السوأة فقال: تستحين من صنم لا يأكل ولا يشرب ولا أستحي أنا من إلهي الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت؟ ثم قال: لا تناليها مني أبدا وهو البرهان الذي رأى،
ومنها ما أخرجه ابن جرير وغيره عن ابن عباس أنه عليه السلام مثل له يعقوب عليه السلام فضرب بيده على صدره، ومنها ما أخرجه عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أنه مثل له يعقوب عاضا على إصبعيه وهو يقول: يا يوسف أتهمّ بعمل السفهاء وأنت مكتوب من الأنبياء، ومنها ما أخرجه عن القاسم بن أبي بزة قال: نودي يا ابن يعقوب لا تكونن كالطير له ريش فإذا زنى قعد ليس له ريش فلم يعرض للنداء وقعد فرفع رأسه فرأى وجه يعقوب عاضا على إصبعه فقام مرعوبا استحياء من أبيه إلى غير ذلك، وتعقب الإمام الرازي ما ذكر بأن هذه المعصية التي نسبوها إلى يوسف- وحاشاه- من أقبح المعاصي وأنكرها، ومثلها لو نسب إلى أفسق خلق الله تعالى وأبعدهم عن كل خير لاستنكف منه، فكيف يجوز إسناده إلى هذا الصديق الكريم؟
وأيضا إن الله سبحانه شهد بكون ماهية السوء وماهية الفحشاء مصروفتين عنه، ومع هذه الشهادة كيف يقبل القول بنسبة أعظم السوء والفحشاء إليه عليه السلام، وأيضا إن هذا الهم القبيح لو كان واقعا منه عليه السلام كما زعموا وكانت الآية متضمنة له لكان تعقيب ذلك بقوله تعالى: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ خارجا عن الحكمة لأنا لو سلمنا أنه لا يدل على نفي المعصية فلا أقل من أن يدل على المدح العظيم، ومن المعلوم أنه لا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكي إقدامه على معصية عظيمة ثم إنه يمدحه ويثني عليه بأعظم المدائح والأثنية، وأيضا إن الأكابر كالأنبياء متى صدرت عنهم زلة أو هفوة استعظموا ذلك وأتبعوه بإظهار الندامة والتوبة والتخضع والتنصل فلو كان يوسف عليه السلام أقدم على هذه الفاحشة المنكرة لكان من المحال أن لا يتبعها بذلك، ولو كان قد أتبعها لحكى وحيث لم يكن علمنا أنه ما صدر عنه هذه في هذه الواقعة ذنب أصلا، وأيضا جميع من له تعلق بهذه الواقعة قد أفصح ببراءة يوسف عليه السلام عن المعصية كما لا يخفى على من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ومن نظر في قوله سبحانه: إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ رآه أفصح شاهد على براءته عليه السلام، ومن ضم إليه قول إبليس:
فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص: 82، 83] وجد إبليس مقرا بأنه لم يغوه ولم يضله عن سبيل الهدى كيف وهو عليه السلام من عباد الله تعالى المخلصين بشهادة الله تعالى، وقد استثناهم من عموم لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ.
وعند هذا يقال للجهلة الذين نسبوا إلى يوسف عليه السلام تلك الفعلة الشنيعة: إن كانوا من أتباع الله سبحانه فليقبلوا شهادة الله تعالى على طهارته عليه السلام، وإن كانوا من أتباع إبليس فليقبلوا شهادته، ولعلهم يقولون كنا في أول الأمر من تلامذته إلى أن تخرجنا فزدنا عليه في السفاهة كما قال الحريري:
وكنت امرأ من جند إبليس فانتهى
…
بي الحال حتى صار إبليس من جندي
فلو مات قبلي كنت أحسن بعده
…
طرائق فسق ليس يحسنها بعدي
ومن أمعن النظر في الحجج وأنصف جزم أنه لم يبق في يد الواحدي ومن وافقه إلا مجرد التصلف وتعديد
أسماء المفسرين ولم يجد معهم شبهة في دعواهم المخالفة لما شهد له الآيات البينات سوى روايات واهيات.
وقد ذكر الطيبي طيب الله تعالى ثراه بعد أن نقل ما حكاه محيي السنة عن بعض أهل الحقائق من أن الهم همان: هم ثابت وهو ما كان معه عزم وعقد ورضا مثل هم امرأة العزيز. وهم عارض وهو الخطرة وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم مثل هم يوسف عليه السلام أن هذا التفسير هو الذي يجب ان نذهب اليه ونتخذه مذهبا، وإن نقل المفسرون ما نقلوا لأن متابعة النص القاطع وبراءة المعصوم عن تلك الرذيلة وإحالة التقصير على الرواة أولى بالمصير اليه على أن أساطين النقل المتقنين لم يرووا في ذلك شيئا مرفوعا في كتبهم، وجل تلك الروايات بل كلها مأخوذ من مسألة أهل الكتاب اهـ، نعم قد صحح الحاكم بعضا من الروايات التي استند إليها من نسب تلك الشنيعة إليه عليه السلام لكن تصحيح الحاكم محكوم عليه بعدم الاعتبار عند ذوي الاعتبار.
وفي إرشاد العقل السليم بعد نقل نبذة منها إن كل ذلك إلا خرافات وأباطيل تمجها الآذان وتردها العقول والأذهان ويل لمن لاكها ولفقها أو سمعها وصدقها، ثم إن الإمام عليه الرحمة ذكر في تفسير الآية الكريمة بعد أن منع دلالتها على الهم ما حاصله: إنا سلمنا أن الهم قد حصل إلا أنا نقول: لا بد من إضمار فعل مخصوص يجعل متعلق الهم إذ الذوات لا تصلح ولا يتعين ما زعموه من إيقاع الفاحشة بها بل نضمره شيئا آخر يغاير ما أضمروه، فنقول: المراد هم بدفعها عن نفسه ومنعها عن ذلك القبيح لأنه الذي يستدعيه حاله عليه السلام، وقد جاء هممت بفلان أي قصدته ودفعته ويضمر في الأول المخالطة والتمتع ونحو ذلك لأنه اللائق بحالها، فإن قالوا: لا يبقى حينئذ لقوله سبحانه:
لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ فائدة؟ قلنا: بل فيه أعظم الفوائد وبيانه من وجهين.
الأول أنه تعالى أعلم يوسف أنه لو هم بدفعها لفعلت معه ما يوجب هلاكه فكان في الامتناع عن ذلك صون النفس عن الهلاك، الثاني أنه لو اشتغل بدفعها فلربما تعلقت به فكان يتمزق ثوبه من قدام وكان في علم الله تعالى أن الشاهد يشهد بأن ثوبه لو كان متمزقا من قدام لكان هو الجاني. ولو كان متمزقا من خلف لكانت هي الجانية فأعلمه هذا المعنى فلا جرم لم يشتغل بدفعها وفر عنها حتى صارت الشهادة حجة له على براءته عن المعصية، والى تقدير الدفع (1) ذهب بعض السادة الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم ففي الجواهر والدرر للشعراني: سألت شيخنا عن قوله تعالى وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها ما هذا الهم الذي أبهم فقد تكلم الناس فيه بما لا يليق برتب الأنبياء عليهم السلام؟
فقال: لا أعلم، قلت: قد ذكر الشيخ الأكبر قدس سره أن مطلق اللسان يدل على أحدية المعنى، ولكن ذلك أكثري لا كلي فالحق أنها همت به عليه السلام لتقهره على ما أرادته منه، وهم هو بها ليقهرها في الدفع عما أرادته منه فالاشتراك في طلب القهر منه ومنها والحكم مختلف، ولهذا قالت: أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ [يوسف: 51] وما جاء في السورة أصلا أنه راودها عن نفسها اهـ، وجوز الإمام أيضا تفسير الهم بالشهوة، وذكر أنه مستعمل في اللغة الشائعة فإنه يقول القائل فيما لا يشتهيه: لا يهمني هذا، وفيما يشتهيه: هذا أهم الأشياء الي، وهو ما أشرنا اليه أولا إلا أنه عليه الرحمة حمل الهم في الموضعين على ذلك فقال بعد: فمعنى الآية ولقد اشتهته واشتهاها ولولا أن رأى برهان ربه لفعل وهو مما لا داعي اليه إذ لا محذور في نسبة الهم المذموم إليها، والظاهر أن الهم بهذا المعنى مجاز كما نص عليه السيد المرتضى في درره لا حقيقة كما يوهمه ظاهر كلام الإمام، وقد ذهب الى هذا التأويل أبو علي الجبائي وغيره، وروي ذلك عن الحسن، وبالجملة لا ينبغي التعويل على ما شاع في الأخبار والعدول عما ذهب اليه المحققون الأخيار،
(1) وجوزه من الإمامية السيد المرتضى في الدرر اهـ منه.
وإياك والهم بنسبة تلك الشنيعة الى ذلك الجناب بعد أن كشف الله سبحانه عن بصر بصيرتك فرأيت برهان ربك بلا حجاب كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ قيل: خيانة السيد وَالْفَحْشاءَ الزنا لأنه مفرط القبح، وقيل: السُّوءَ مقدمات الفحشاء من القبلة والنظر بشهوة. وقيل: هو الأمر السيّء مطلقا فيدخل فيه الخيانة المذكورة وغيرها، والكاف على ما قيل: في محل نصب، والإشارة الى التثبيت اللازم للإراءة المدلول عليها بقوله سبحانه: لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه لِنَصْرِفَ إلخ، وقال ابن عطية: إن الكاف متعلقة بمضمر تقديره جرت أفعالنا وأقدارنا كَذلِكَ لِنَصْرِفَ، وقدر أبو البقاء نراعيه كذلك، والحوفي أريناه البراهين كذلك، وجوز الجميع كونه في موضع رفع فقيل: أي الأمر أو عصمته مثل ذلك لكن قال الحوفي: إن النصب أجود لمطالبة حروف الجر للأفعال أو معانيها، واختار في البحر كون الإشارة الى الرؤية المفهومة من رأي أو الرأي المفهوم، وقد جاء مصدر الرأي كالرؤية كما في قوله:
ورأى عيني الفتى أباكا
…
يعطى الجزيل فعليك ذاكا
والكاف في موضع نصب بما دل عليه قوله سبحانه: لَوْلا أَنْ رَأى إلخ، وهو أيضا متعلق لِنَصْرِفَ أي مثل الرؤية أو الرأي يرى براهيننا لِنَصْرِفَ إلخ، وقيل (1) غير ذلك، ومما لا ينبغي أن يلتفت إليه ما قيل: إن الجار والمجرور متعلق بهم، وفي الكلام تقديم وتأخير وتقديره ولقد همت به وهم بها كذلك لولا أن رأى برهان ربه لنصرف عنه إلخ، ولا يخفى ما في التعبير بما في النظم الجليل دون لنصرفه عن السوء والفحشاء من الدلالة على رد من نسب إليه ما نسب والعياذ بالله تعالى.
وقرأ الأعمش- ليصرف- بياء الغيبة وإسناد الصرف إلى ضمير الرب سبحانه إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ تعليل لما سبق من مضمون الجملة بطريق التحقيق، والمخلصون هم الذين أخلصهم الله تعالى واختارهم لطاعته بأن عصمهم عما هو قادح فيها، والظاهر أن المراد الحكم عليه بأنه مختار لطاعته سبحانه، ويحتمل على ما قيل: أن يكون المراد أنه من ذرية إبراهيم عليه السلام الذين قال فيهم جلّ وعلا: إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ [ص: 46] .
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر المخلصين إذا كان فيه أل حيث وقع بكسر اللام وهم الذين أخلصوا دينهم لله تعالى، ولا يخفى ما في التعبير بالجملة الاسمية من الدلالة على انتظامه عليه السلام في سلك أولئك العباد الذين هم من أول الأمر لا أنه حدث له ذلك بعد أن لم يكن، وفي هذا عند ذوي الألباب ما ينقطع معه عذر أولئك المتشبثين بأذيال هاتيك الأخبار التي ما أنزل الله تعالى بها من كتاب وَاسْتَبَقَا الْبابَ متصل بقوله سبحانه: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها إلخ، وقوله تعالى: كَذلِكَ إلخ اعتراض جيء به بين المعطوفين تقريرا لنزاهته عليه السلام، والمعنى لقد همت به وأبى هو واستبقا أي تسابقا إلى الباب على معنى قصد كل من يوسف عليه السلام وامرأة العزيز سبق الآخر إليه فهو ليخرج وهي لتمنعه من الخروج وقيل: المراد من السبق في جانبها الإسراع إثره إلّا أنه عبر بذلك للمبالغة، ووحد الباب هنا مع جمعه أولا لأن المراد الباب البراني الذي هو المخلص واستشكل بأنه كيف يستبقان إليه ودونه أبواب جوانية بناء على ما ذكروا من أن الأبواب كانت سبعة.
وأجيب بأنه روي عن كعب أن أقفال هاتيك الأبواب كانت تتناثر إذا قرب إليها يوسف عليه السلام وتتفتح له
(1) ومما قيل: إن الكاف في موضع نصب، والإشارة إلى الإراءة المدلول عليها بما تقدم أي مثل ذلك التبصير والتعريف عرفناه برهاننا فيما قبل اهـ منه.
ويحتمل أنّه لم تكن تلك الأبواب المغلقة على الترتيب بابا فبابا بل كانت في جهات مختلفة كلها منافذ للمكان الذي كانا فيه فاستبقا إلى باب يخرج منه، ونصب الباب على الاتساع لأن أصل استبق أن يتعدى بإلى لكن جاء كذلك على حد وَإِذا كالُوهُمْ [المطففين: 3] وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا [الأعراف: 155]، وقيل: إنه ضمن الاستباق معنى الابتدار فعدى تعديته وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ يحتمل أن يكون معطوفا على اسْتَبَقَا، ويحتمل أن يكون في موضع الحال كما قال أبو حيان أي وقد قدت، والقدّ القطع والشق وأكثر استعماله فيما كان طولا وهو المراد هنا بناء على ما قيل: إنها جذبته من وراء فانخرق القميص إلى أسفله، ويستعمل القط فيما كان عرضا، وعلى هذا جاء ما قيل في وصف علي كرم الله تعالى وجهه: إنه كان إذا اعتلى قدّ وإذا اعترض قط، وقيل، القدّ هنا مطلق الشق، ويؤيده ما نقل عن ابن عطية أنه قرأت فرقة- وقط- وقد وجد ذلك في مصحف المفضل بن حرب.
وعن يعقوب تخصيص القدّ بما كان في الجلد والثوب الصحيحين، والقميص معروف، وجمعه أقمصة، وقمص، وقمصان، وإسناد القدّ بأي معنى كان إليها خاصة مع أن لقوة يوسف عليه السلام أيضا دخلا فيه إما لأنها الجزء الأخير للعلة التامة، وإما للإيذان بمبالغتها في منعه عن الخروج وبذل مجهودها في ذلك لفوت المحبوب أو لخوف الافتضاح وَأَلْفَيا أي وجدا، وبذلك قرأ عبد الله سَيِّدَها أي زوجها وهو فيعل (1) من ساد يسود، وشاع إطلاقه على المالك وعلى الرئيس، وكانت المرأة إذ ذاك على ما قيل: تقول لزوجها سيدي، ولذا لم يقل سيدهما، وفي البحر إنما لم يضف إليهما لأنه لم يكن مالكا ليوسف حقيقة لحريته لَدَى الْبابِ أي عند الباب البراني، قيل: وجداه يريد أن يدخل مع ابن عم لها قالَتْ استئناف مبني على سؤال سائل يقول: فماذا كان حين ألفيا السيد عند الباب، فقيل، فقالت: ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً من الزنا ونحوه.
إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ الظاهر أن ما نافية، وجَزاءُ مبتدأ، ومِنْ موصولة أو موصوفة مضاف إليه، والمصدر المؤول خبر، وأَوْ للتنويع خبر المبتدأ وما بعد معطوف على ذلك المصدر أي ليس جزاؤه إلّا السجن أو العذاب الأليم، والمراد به على ما قيل: الضرب بالسوط، وعن ابن عباس أنه القيد، وجوز أن تكون ما استفهامية- فجزاء- مبتدأ أو خبر أي أي شيء جزاؤه غير ذلك أو ذلك، ولقد أتت في تلك الحالة التي يدهش فيها الفطن اللوذعي حيث شاهدها زوجها على تلك الهيئة بحيلة جمعت فيها غرضيها وهما تبرئة ساحتها مما يلوح من ظاهر الحال، واستنزال يوسف عليه السلام عن رأيه في استعصائه عليها وعدم مواتاته لها على مرادها بإلقاء الرعب في قلبه من مكرها طمعا في مواقعته لها مكرها عند يأسها عن ذلك مختارا كما قالت: لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ [يوسف: 32] ثم إنها جعلت صدور الإرادة المذكورة عن يوسف عليه السلام أمرا محققا مفروغا عنه غنيا عن الإخبار بوقوعه، وإن ما هي عليه من الأفاعيل لأجل تحقيق جزائها، ولم تصرح بالاسم بل أتت بلفظ عام تهويلا للأمر ومبالغة في التخويف كأن ذلك قانون مطرد في حق كل أحد كائنا من كان، وذكرت نفسها بعنوان أهلية العزيز إعظاما للخطب وإغراء له على تحقيق ما يتوخاه بحكم الغضب والحمية كذا قرّره غير واحد.
وذكر الإمام في تفسيره ما فيه نوع مخالفة لذلك حيث قال: إن في الآية لطائف: أحدها أن حبها الشديد ليوسف عليه السلام حملها على رعاية دقيقتين في هذا الموضع وذلك لأنها بدأت بذكر السجن وأخرت ذكر العذاب لأن المحب لا يسعى في إيلام المحبوب، وأيضا إنها لم تذكر أن يوسف عليه السلام يحب أن يقابل بأحد هذين
(1) وهذا البناء مختص بالمعتل وشذ في غيره اهـ منه.
الأمرين بل ذكرت ذلك ذكرا كليا صونا للمحبوب عن الذكر بالشر والألم، وأيضا قالت: إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ والمراد منه أن يسجن يوما، أو أقل على سبيل التخفيف، فأما الحبس الدائم فإنه لا يعبر عنه بهذه العبارة بل يقال: يجب أن يجعل من المسجونين، ألا ترى أن فرعون كيف قال حين هدد موسى عليه السلام: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء: 29] . وثانيها أنها لما شاهدت من يوسف عليه السلام أنه استعصم منها مع أنه كان في عنفوان الشباب وكمال القوة ونهاية الشهوة عظم اعتقادها في طهارته ونزاهته فاستحيت أن تقول: إن يوسف قصدني بسوء وما وجدت ممن نفسها أن ترميه بهذا الكذب على سبيل التصريح بل اكتفت بهذا التعريض، وليت الحشوية كانوا يكتفون بمثل ما اكتفت به، ولكنهم لم يفعلوه ووصفوه بعد قريب من أربعة آلاف سنة بما وصفوه من القبيح وحاشاه. وثالثها أن يوسف عليه السلام أراد أن يضربها ويدفعها عن نفسه وكان ذلك بالنسبة إليها جاريا مجرى السوء فقولها ما جَزاءُ إلخ جار مجرى التعريض فلعلها بقلبها كانت تريد إقدامه على دفعها ومنعها، وفي ظاهر الأمر كانت توهم أنه قصدني بما لا ينبغي انتهى المراد منه، وفيه من الأنظار ما فيه.
وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما أو عذابا أليما بالنصب على المصدرية كما قال الكسائي: أي أو يعذب عذابا أليما إلّا أنه حذف ذلك لظهوره، وهذه القراءة أوفق بقوله تعالى: أَنْ يُسْجَنَ ولم يظهر لي في سر اختلاف التعبير على القراءة المشهورة ما يعول عليه، والله تعالى أعلم بأسرار كتابه فتدبر قالَ استئناف وجواب عما يقال:
فماذا قال يوسف عليه السلام حينئذ؟ فقيل: قال: هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي أي طالبتني للمواتاة لا أني أردت بها سوءا كما زعمت وإنما قاله عليه السلام لتنزيه نفسه عن التهمة ودفع الضرر عنها لا لتفضيحها.
وفي التعبير عنها بضمير الغيبة دون الخطاب أو اسم الإشارة مراعاة لحسن الأدب مع الإيماء إلى الإعراض عنها كذا قالوا، وفي هذا الضمير ونحوه كلام فقد ذكر ابن هشام في بعض حواشيه على قول ابن مالك في ألفيته:
فما لذي غيبة أو حضور
إلخ لينظر الى نحو هِيَ راوَدَتْنِي فإن هِيَ ضمير باتفاق، وليس هو للغائب بل لمن بالحضرة، وكذا يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ [القصص: 26] وهذا في المتصل وذاك في المنفصل، وقول من يخاطب شخصا في شأن آخر حاضر معه قلت له: اتق الله تعالى وأمرته بفعل الخير، وقد يقال: إنه نزل الضمير فيهن منزلة الغائب وكذا في عكس ذلك يبلغك عن شخص غائب شيء فنقول: ويحك يا فلان أتفعل كذا؟ تنزيلا له منزلة من بالحضرة، وحينئذ يقال: الحد المستفاد مما ذكر إنما هو للضمير باعتبار وضعه اهـ.
وقال السراج البلقيني في رسالته المسماة نشر العبير لطي الضمير المفسر لضمير الغائب إما مصرح به أو مستغنى بحصول مدلوله حسا أو علما فالحس نحو قوله تعالى: هِيَ راوَدَتْنِي ويا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ كما ذكره ابن مالك، وتعقبه شيخنا أبو حيان بأنه ليس كما مثل به لأن هذين الضميرين عائدان على ما قبلهما فضمير هِيَ راوَدَتْنِي عائد على الأهل في قولها: ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً ولما كنت عن نفسها بذلك ولم تقل بي بدل بِأَهْلِكَ كنى هو عليه السلام عنها بضمير الغيبة فقال: هِيَ راوَدَتْنِي ولم يخاطبها بأنت راودتني، ولا أشار إليها بهذه راودتني وكل هذا على سبيل الأدب في الألفاظ والاستحياء في الخطاب الذي لا يليق بالأنبياء عليهم السلام، فأبرز الاسم في صورة ضمير الغائب تأدبا مع العزيز وحياء منه، وضمير اسْتَأْجِرْهُ عائد على موسى فمفسره مصرح بلفظه، وكأن ابن مالك تخيل أن هذا موضع إشارة لكون صاحب الضمير حاضرا عند المخاطب فاعتقد أن المفسر يستغني عنه بحضور مدلوله حسا فجرى الضمير مجرى اسم الإشارة، والتحقيق ما ذكرناه هذا كلامه.
وعندي أن الذي قاله ابن مالك أرجح، مما قاله الشيخ، وذلك أن الاثنين إذا وقعت بينهما خصومة عند حاكم فيقول المدعي للحاكم: لي على هذا كذا: فيقول المدعي عليه: هو يعلم أنه لا حق له علي، فالضمير في هو إنما هو لحضور مدلوله حسا لا لقوله: لي كما هو المتبادر الى الأفهام، وأيضا يرد على ما ذكره في ضمير اسْتَأْجِرْهُ أن موسى عليه السلام لم يسبق له ذكر عند حضوره مع بنت شعيب عليه السلام، وقد قالت: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ وقصدها بالضمير الرجل الحاضر الذي بان لها من قوته وأمانته الأمر العظيم، ثم إن من خاصم زوجته فقال للحاضرين من أهلها. أو من غيرهم: هي طالق تطلق زوجته لوجود ما قرره ابن مالك، ولا يتمشى على ما قرره الشيخ كما لا يخفى، وبالجملة إن التأويل الذي ذكره في الآيتين وإن سلم فيهما لكن لا يكاد يتمشى معه في غيرهما هذا فليفهم وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها ذهب جمع إلى أنه كان ابن خالها (1) ، وكان طفلا في المهد (2) أنطقه الله تعالى ببراءته عليه السلام،
فقد ورد عنه صلى الله تعالى عليه وسلم «تكلم أربعة في المهد وهم صغار: ابن ماشطة ابنة فرعون، وشاهد يوسف عليه السلام، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم عليهما السلام»
وتعقب ذلك الطيبي بقوله: يرده دلالة الحصر
في حديث الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة:
عيسى ابن مريم، وصاحب جريج، وصبي كان يرضع من أمه فمر راكب حسن الهيئة فقالت: أمه اللهم اجعل ابني مثل هذا فترك الصبي الثدي، وقال اللهم لا تجعلني مثله» اهـ،
ورده الجلال السيوطي فقال: هذا منه على جاري عادته من عدم الاطلاع على طرق الأحاديث، والحديث المتقدم صحيح أخرجه أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه وصححه من حديث ابن عباس، ورواه الحاكم أيضا من حديث أبي هريرة، وقال صحيح على شرط الشيخين،
وفي حديث الصحيحين المشار اليه آنفا زيادة على الأربعة «الصبي الذي كان يرضع من أمه فمر راكب» إلخ
فصاروا خمسة وهم أكثر من ذلك، ففي صحيح مسلم تكلم الطفل في قصة أصحاب الأخدود، وقد جمعت من تكلم في المهد فبلغوا أحد عشر، ونظمتها فقلت:
تكلم في المهد النبي محمد
…
ويحيى وعيسى والخليل ومريم
ومبري جريج ثم شاهد يوسف
…
وطفل لذي الأخدود يرويه مسلم
وطفل عليه مر بالأمة التي
…
يقال لها تزني ولا تتكلم
وما شطة في عهد فرعون طفلها
…
وفي زمن الهادي المبارك يختم
اهـ، وفيه أنه لم يرد الطيبي الطعن على الحديث الذي ذكر كما توهم، وإنما أراد أن بين الحديث الدال على الخصر وغيره تعارضا يحتاج الى التوفيق وفي الكشف بعد ذكره حديث الأربعة، وما تعقب به مما تقدم عن الطيبي أنه نقل الزمخشري في سورة البروج خامسا فإن ثبتت هذه أيضا فالوجه أن يجعل في المهد قيدا وتأكيدا لكونه في مبادئ الصبا، وفي هذه الرواية يحمل على الإطلاق أي سواء كان في المبادئ أو بعيدها بحيث يكون تكلمه من الخوارق، ولا يخفى أنه توفيق بعيد.
وقيل: كان ابن عمها الذي كان مع زوجها لدى الباب وكان رجلا ذا لحية ولا ينافي هذا قول قتادة: إنه كان رجلا حكيما من أهلها ذا رأي يأخذ الملك برأيه ويستشيره، وجوز أن يكون بعض أهلها وكان معهما في الدار بحيث
(1) وفي بعض الآثار أنه ابن أخت لها وكان عمره إذ ذاك ثلاثة أشهر اهـ منه.
(2)
ولم ترتض ذلك الجبائي لوجوه ذكرها الإمام، ولا يخفى ما فيها اهـ منه.
لم يشعرا به فبصر بما جرى بينهما فأغضبه الله تعالى ليوسف فقال الحق، وعن مجاهد أن الشاهد هو القميص المقدود وليس بشيء كما لا يخفى، وجعل الله تعالى الشاهد من أهلها قيل: ليكون أدل على نزاهته عليه السلام وأنفى للتهمة وألزم لها، وخص هذا بما إذا لم يكن الشاهد الطفل الذي أنطقه الله تعالى الذي أنطق كل شيء، وأما إذا كان ذلك فذكر كونه من أهلها لبيان الواقع فإن شهادة الصبي حجة قاطعة ولا فرق فيها بين الأقارب وغيرهم، وتعقب بأن كون شهادة القريب مطلقا أقوى مما لا ينبغي أن يشك فيه، وسمي شاهدا لأنه أدى تأديته في أن ثبت بكلامه قول يوسف وبطل قولها، وقيل: سمي بذلك من حيث دل على الشاهد وهو تخريق القميص، وفسر مجاهد فيما أخرجه عنه ابن جرير الشهادة بالحكم أي وحكم حاكم من أهلها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ أي من قدام يوسف عليه السلام، أو من قدام القميص وإِنْ شرطية، وكانَ فعل الشرط وقوله سبحانه: فَصَدَقَتْ جواب الشرط وهو بتقدير قد، وإلا فالفاء لا تدخل في مثله، وعن ابن خروف أن مثل هذا على إضمار المبتدأ، والجملة جواب الشرط لا الماضي وحده، وفي الكشاف إن الشرطية هنا نظير قولك: إن أحسنت إلي فقد أحسنت إليك من قبل لمن يمتن عليك بإحسانه فإنه على معنى إن تمتن علي أمتن عليك، وكذا هنا المراد أن يعلم أنه كان قميصه قدّ ونحوه وإلا فبين أن الذي للاستقبال وكانَ تناف قيل: وهو مبني على ما ذهب اليه البعض من أن كانَ قوية في الدلالة على الزمان فحرف الشرط لا يقلب ماضيها مستقبلا وإلا فكل ماض دخل عليه الشرط قلبه مستقبلا من غير حاجة الى التأويل، وتعقب بأنه لا بد من التأويل هاهنا وجعل حدوث العلم ونحوه جزئي الشرطية كأن يقال: إن يعلم أو يظهر كونه كذلك فقد ظهر الصدق، ويقال نظيره في الشرطية الأخرى الآتية: وإن كانت كانَ مما يقلب حرف الشرط ماضيها مستقبلا كسائر الأفعال الماضية لأن المعنى ليس على تعليق الصدق أو الكذب في المستقبل على كون القميص كذا أو كذا كذلك بل على تعليق ظهور أحد الأمرين الصدق والكذب على حدوث العلم بكونه كذلك وهو ظاهر، وهل هذا التأويل من باب التقدير، أو من غيره؟ فيه خلاف، والذي يشير إليه كلام بعض المدققين أنه ينزل في مثل ذلك العلم بالشيء منزلة استقباله لما بينهما من التلازم كما قيل: أي شيء يخفى؟ فقيل: ما لا يكون فليفهم، ثم إن متعلق الصدق ما دل كلامها عليه من أن يوسف أراد بها سوءا وهو متعلق الكذب المسند إليها فيما بعد، وهما كما يتعلقان بالنسبة التي يتضمنها الكلام باعتبار منطوقه يتعلقان بالنسبة التي يتضمنها باعتبار ما يستلزمه فكأنه قيل: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ في دعواها أن يوسف أراد بها سوءا وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ في دعواه أنها راودته عن نفسه وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ أي من خلف يوسف عليه السلام أو خلف القميص فَكَذَبَتْ في دعواها وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ في دعواه، والشرطيتان محكيتان: إما بقول مضمر أي شهد قائلا أو فقال إِنْ كانَ إلخ كما هو مذهب البصريين، وإما يشهد لأن الشهادة قول من الأقوال مع رعاية زيادة الإيضاح، وجملتا- وهو من الكاذبين. وهو من الصادقين- مؤكدتان لأن من قوله: فَصَدَقَتْ يعلم كذبه، ومن قوله: فَكَذَبَتْ يعلم صدقه، ووجه دلالة قدّ القميص من دبر على كذبها أنها تبعته وجذبت ثوبه فقدته، وأما دلالة قده من قبل على صدقها فمن وجهين: أحدهما أنه إذا كان تابعها وهي دافعته عن نفسه قدت قميصه من قدام بالدفع، وثانيهما أن يسرع إليها ليلحقها فيتعثر في مقام قميصه فيشقه كذا في الكشاف، وتعقب ابن المنير الوجه الأول بأن ما قرر في اتباعه لها يحتمل مثله في اتباعها له فإنها إنما تقد قميصه من قبل بتقدير أن يكون عليه السلام أخذ بها حتى صارا متقابلين فدفعته عن نفسها، وهذا بعينه يحتمل إذا كانت هي التابعة بأن تكون اجتذبته حتى صارا متقابلين ثم جذبت قميصه إليها من قبل بل هذا أظهر لأن الموجب لقدّ القميص غالبا الجذب لا الدفع، والوجه الثاني بأن ما ذكر بعينه محتمل لو كانت هي التابعة وهو فار منها بأن ينقدّ قميصه في إسراعه للفرار اهـ
.
وأجيب عما ذكره أولا بأنه غير وارد لأن تلك الحالة السريعة لا تحتمل إلا أيسر ما يمكن وأسرعه، وعلى تقدير اتباعها له تعين القدّ من دبر لأنه أهون الجذبين، ثم لا نفرض كر الفار ليدفعها أو كما لحقت جذبت فهذا الفرض لا وجه له هنالك فإذا ثبت دلالته في الجملة على هذا القسم تعينت، وعما ذكره ثانيا بأن الظاهر على تقدير أن تكون تابعة أنه إذا تعثر الفار يتعلق به التابع متشبثا وإذا كانا منفلتين بعد ذلك الاحتمال.
وذكر الفاضل المتعقب أن الحق في هذا الفصل أن يقال: إن الشاهد المذكور إن كان صبيا أنطقه الله تعالى في المهد كما ورد في بعض الأحاديث فالآية في مجرد كلامه قبل أوانه حتى لو قال صدق يوسف وكذبت لكفى برهانا على صدقه عليه السلام كما كان مجرد إخبار عيسى عليه السلام في المهد برهانا على صدق مريم، فلا تنبغي المناسبة بين الأمارة المنصوبة وما رتب عليها لأن العمدة (1) في الدلائل نصبها لا مناسبتها، وإن كان قريبا لها قد بصر بها من حيث لا تشعر فهذا- والله تعالى أعلم- كان من حقه أن يصرح بما رأى فيصدق يوسف عليه السلام ويكذبها ولكنه أراد أن لا يكون هو الفاضح لها، ووثق بأن قدّ قميصه إنما كان من دبر فنصبه أمارة لصدقه وكذبها، ثم ذكر القسم الآخر وهو قده من قبل على علم بأنه لم ينقد كذلك حتى ينفي عن نفسه التهمة في الشهادة وقصد الفضيحة وينصفهما جميعا فلذا ذكر أمارة على صدقها المعلوم نفيه كما ذكر أمارة على صدقه المعلوم وجوده، وأخرجهما مخرجا واحدا وبنى قُدَّ لما لم يسم فاعله في الموضعين سترا على من قدّه، وقدم أمارة صدقها في الذكر إزاحة للتهمة ووثوقا بأن الأمارة الثانية هي الواقعة فلا يضره تأخيرها.
والحاصل أن عمدة هذا الشاهد الأمارة الأخيرة فقط والمناسبة فيها محققة، وأما الأمارة الأولى فليست مقصودة وإنما هي كالغرض ذكرت توطئة للثانية فلم يلتمس لها مناسبة مثل تلك المناسبة، وأما إن كان الحكيم الذي كان الملك يرجع الى رأيه فلا بد من التماس المناسبة في الطرفين لأنها عمدة الحكيم، وأقرب وجه في المناسبة أن قدّ القميص من دبر دليل على إدباره عنها، وقدّه من قبل دليل على إقباله عليها بوجهه، ولا يخفى أن مثل هذا الوجه لا يصلح أن يكون مطمح نظر الحكيم الذي لا يلتفت إلا لليقينيات، فالأولى أن يقال: يحتمل أن ذلك الحكيم كان واقفا على حقيقة الحال بطريق من الطرق الممكنة، ويسهل أمر ذلك إذا قلنا: إنه كان ابن عم لها فهو متيقن بعدم مقدم الشرطية الأولى وبوجود مقدم الشرطية الثانية، ومن ضروريات ذلك الجزم بانتفاء تالي الأولى ووقوع تالي الثانية فإذا هو إخبار بكذبها وصدقه عليه السلام لكنه ساق شهادته مساقا مأمونا من الجرح والطعن حيث صورها بصورة الشرطية المترددة ظاهرا بين نفعها ونفعه، وأما حقيقة فلا تردد فيها قطعا كما أشير إليه، وإلى كون الشرطية الأولى غير مقصودة بالذات ذهب العلامة ابن الكمال معرضا بغفلة القاضي البيضاوي حيث قال: إن قوله تعالى: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ إلخ من قبيل المسامحة في أحد شقي الكلام لتعين الآخر عند القاتل تنزيلا للمحتمل منزلة الظاهر لأن الشق بالجذب في هذا الشق أيضا محتمل، ومن غفل عن هذا قال: لأنه يدل على أنه قصدها فدفعت عن نفسها إلى آخر عبارة البيضاوي، وحاصل ذلك على ما قرره بعض مشايخنا عليهم الرحمة أن القائل: يعلم يقينا وقوع الشق من دبر لكنه ذكر الشق من القبل مع أنه محتمل أن يكون بجذبها إياه إلى طرفها كما أن كونه من دفعها إياه من بعض محتملاته تنزيلا لهذا المحتمل منزلة الظاهر تأكيدا ومبالغة لثبوت ما دلت عليه الشرطية الثانية من صدقه وكذبها يعني أنا نحكم بصدقها وكذبه بمجرد وقوع الشق في القبل، وإن كان محتملا لأسباب أخر غير دفعها لكنه ما وقع هذا الشق
(1) قيل: إن التصوير بصورة الشرطية على هذا الشق للإيذان بأن ذلك من العلائم أيضا اهـ منه.
أصلا فلا صدق لها وذلك كما إذا قيل لك: بلغت الى زيد الكلام الفلاني في هذا اليوم؟ فقلت: إن كنت تكلمت في هذا اليوم مع زيد فقولكم هذا صادق مع أن تكلمك معه في هذا اليوم مطلقا لا يدل على صدق دعواهم لاحتمال أنك تكلمت معه بكلام غير ذلك الكلام لكنك قلت ذلك تحقيقا لعدم تبليغك ذلك الكلام إليه، هذا وذكر شيخ مشايخنا العلامة صبغة الله الحيدري طيب الله تعالى ثراه: أن الظاهر أن دلالة كل من الشقين في الشقين على ما يدل عليه من حيث موافقته لما ادعاه صاحبه فإنها كانت تقول: هو طلبني مقبلا عليّ فخلصت نفسي عنه بالدفع أو الفرار وهو كان يقول: هي الطالبة ففررت منها وتبعتني واجتذبت ثوبي فقدته فوقوع الشق في شق الدبر يدل على كونه مدبرا عنها لا مقبلا عليها وعكسه على عكسه، ثم فرع على هذا أن ما ذكره ابن الكمال غفلة عن المخاصمة بالمقاولة وهو توجيه لطيف للآية الكريمة، بيد أن دعوى وقوع المخاصمة بالمقاولة على الطرز الذي ذكره رحمه الله تعالى مما لا شاهد لها، وعلى المدعي البيان على أنه يبعد عقلا أن تقول هو طلبني مقبلا فخلصت نفسي منه فانقدّ قميصه من قبل وهو الذي تقتضيه دعواه أن الظاهر أن دلالة كل من الشقين إلخ لظهور أن ظهور كذبها حينئذ أسرع ما يكون، وبالجملة قيل: إن الاحتمالات المضعفة لهذه المشاهدة كثيرة: منها ما علمت، ومنها ما تعلمه بأدنى التفات، ومن هنا قالوا: إن ذلك من باب اعتبار الأمارة، ولذلك احتج بالآية كما قال ابن الفرس: من يرى الحكم من العلماء بالأمارات والعلامات فيما لا تحضره البينات كاللقطة، والسرقة، والوديعة، ومعاقد الحيطان، والسقوف وغير ذلك.
وذكر الإمام أن علامات كذب المرأة كانت كثيرة بالغة مبلغ اليقين فضموا إليها هذه العلامة الأخرى لا لأجل أن يعوّلوا في الحكم عليها بل لأجل أن يكون ذلك جاريا مجرى المقويات والمرجحات والله تعالى أعلم.
وقرأ الحسن، وأبو عمرو في رواية «من قبل، ومن دبر» بسكون الباء فيهما والتنوين وهي لغة الحجاز، وأسد، وقرأ أبو يعمر، وابن أبي إسحاق، والعطاردي، وأبو الزناد، وآخرون «من قبل، ومن دبر» بثلاث ضمات، وقرأ الأولان، والجارود في رواية عنهم بإسكان الباء فيهما مع بنائهما على الضم جعلوهما- كقبل، وبعد- بعد حذف المضاف إليه ونية معناه، وتعقب ذلك أبو حاتم بأن هذا رديء في العربية وإنما يقع بعد البناء في الظروف، وهذان اللفظان اسمان متمكنان وليسا بظرفين، وعن ابن إسحاق أنه قرأ من- قبل ومن دبر- بالفتح قيل: كأنه جعلهما علمين للجهتين فمنعهما الصرف للعملية والتأنيث (1) باعتبار الجهة فَلَمَّا رَأى أي السيد، وقيل: الشاهد، والفعل من الرؤية البصرية أو القلبية أي فلما علم قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ أي هذا القد والشق كما قال الضحاك مِنْ كَيْدِكُنَّ أي ناشىء من احتيالكن أيتها النساء ومكركن ومسبب عنه، وهذا تكذيب لها وتصديق له عليه السلام على ألطف وجه كأنه قيل: أنت التي راودته فلم يفعل وفرّ فاجتذبتيه فشققت قميصه فهو الصادق في إسناد المراودة إليك وأنت الكاذبة في نسبة السوء إليه، وقيل: الضمير للأمر الذي وقع فيه التشاجر وهو عبارة عن إرادة السوء التي أسندت الى يوسف عليه السلام وتدبير عقوبته بقولها ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إلخ أي إن ذلك من جنس مكركن واحتيالكن، وقيل: هو للسوء وهو نفسه وإن لم يكن احتيالا لكنه يلازمه، وقال الماوردي: هو لهذا الأمر وهو طمعها في يوسف عليه السلام وجعله من الحيلة مجاز أيضا كما في الوجه الذي قبله، وقال الزجاج: هو لقولها ما جَزاءُ إلخ فقط (2) ، واختار العلامة أبو السعود القيل الأول وتكلف له بما تكلف واعترض على ما بعده من الأقوال بما اعترض.
(1) قيل: وكأنه علم جنس وفيه نظر اهـ فتأمل اهـ منه.
(2)
لم يجعل هؤلاء من سببية كما أشرنا إليه اهـ منه. [.....]
ولعل ما ذكرناه أقرب للذوق وأقل مؤنة مما تكلف له وأيا ما كان فالخطاب عام للنساء مطلقا وكونه لها ولجواريها- كما قيل- ليس بذاك، وتعميم الخطاب للتنبيه على أن الكيد خلق لهن عريق:
ولا تحسبا هندا لها الغدر وحدها
…
سجية نفس كل غانية هند (1)
إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ فإنه ألطف وأعلق بالقلب وأشد تأثيرا في النفس ولأن ذلك قد يورث من العار ما لا يورثه كيد الرجال، ولربات القصور منهن القدح المعلى من ذلك لأنهن أكثر تفرغا من غيرهن مع كثرة اختلاف الكيادات إليهن فهن جوامع كوامل، ولعظم كيد النساء (2) اتخذهن إبليس عليه اللعنة وسائل لإغواء من صعب عليه إغواؤه،
ففي الخبر «ما أيس الشيطان من أحد إلا أتاه من جهة النساء»
وحكي عن بعض العلماء أنه قال: أنا أخاف من النساء ما لا أخاف من الشيطان فإنه تعالى يقول: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً [النساء: 76] وقال للنساء: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ولأن الشيطان يوسوس مسارقة وهن يواجهن به، ولا يخفى أن استدلاله بالآيتين مبني على ظاهر إطلاقهما، ومثله مما تنقبض له النفس وتنبسط يكفي فيه ذلك القدر فلا يضر كون ضعف كيد الشيطان إنما هو في مقابلة كيد الله تعالى، وعظم كيدهن إنما هو بالنسبة الى كيد الرجال، وما قيل: إن ما ذكر لكونه محكيا عن قطفير- لا يصلح للاستدلال به بوجه من الوجوه- ليس بشيء لأنه سبحانه قصه من غير نكير فلا جناح في الاستدلال به كما لا يخفى يُوسُفُ حذف منه حرف النداء لقربه وكمال تفطنه للحديث، وفي ندائه باسمه تقريب له عليه السلام وتلطيف.
وقرأ الأعمش «يوسف» بالفتح، والأشبه على ما قال أبو البقاء: أن يكون أخرجه على أصل المنادى كما جاء في الشعر
يا عديا لقد وقتك الأواقي
وقيل: لم تضبط هذه القراءة عن الأعمش، وقيل: إنه أجرى الوقف مجرى الوصل ونقل إلى الفاء حركة الهمزة من قوله تعالى: أَعْرِضْ عَنْ هذا أي عن هذا الأمر واكتمه ولا تتحدث به فقد ظهر صدقك وطهارة ثوبك، وهذا كما حكى الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله بالوصل والفتح، وقرىء «أعرض» بصيغة الماضي فيوسف حينئذ مبتدأ والجملة بعده خبر، ولعل المراد الطلب على أتم وجه فيؤول الى معنى أَعْرِضْ وَاسْتَغْفِرِي أنت أيتها المرأة، وضعف أبو البقاء هذه القراءة بأن الأشبه عليها أن يقال: فاستغفري لِذَنْبِكِ الذي صدر عنك وثبت عليك إِنَّكِ كُنْتِ بسبب ذلك مِنَ الْخاطِئِينَ أي من جملة القوم المتعمدين للذنب، أو من جنسهم يقال: خطىء يخطىء خطأ وخطأ إذا أذنب متعمدا، وأخطأ إذا أذنب من غير تعمد، وذكر الراغب أن الخطأ العدول عن الجهة وهو أضرب: الأول أو يريد غير ما تحسن إراداته فيفعله، وهذا هو الخطأ التام المأخوذ به الإنسان، والثاني أن يريد ما يحسن فعله ولكن يقع منه خلاف ما يريد وهذا قد أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل، ومن ذلك
قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «من اجتهد فأخطأ فله أجر»
والثالث أن يريد ما لا يحسن فعله ويتفق منه خلافه فهذا مخطئ في الإرادة مصيب في الفعل، ولا يخفى أن المعنى الذي ذكرناه راجع إلى الضرب الأول من هذه الضروب، والجملة المؤكدة في موضع التعليل للأمر والتذكير لتغليب الذكور على الإناث واحتمال أن يقال: المراد إنك من نسل الخاطئين فمنهم سرى ذلك العرق الخبيث فيك بعيد جدا، وهذا النداء قيل: من الشاهد الحكيم، وروي ذلك عن ابن عباس، وحمل الاستغفار على طلب المغفرة والصفح من الزوج، ويحتمل أن يكون المراد به طلب المغفرة من الله تعالى ويقال: إن أولئك القوم وإن كانوا يعبدون الأوثان إلّا أنهم مع ذلك يثبتون الصانع ويعتقدون أن للقبائح
(1) هو لأبي تمام من قصيدة اهـ منه.
(2)
وهذا من كيده فافهم اهـ منه.
.
عاقبة سوء من لديه سبحانه إذا لم يغفرها، واستدل على أنهم يثبتون الصانع أيضا بأن يوسف عليه السلام قال لهم:
أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف: 39] ، والظاهر أن قائل ذلك هو العزيز، ولعله كما قيل: كان رجلا حليما، وروي ذلك عن الحسن، ولذا اكتفى بهذا القدر من مؤاخذتها، وروي أنه كان قليل الغيرة وهو لطف من الله تعالى بيوسف عليه السلام، وفي البحر أن تربة إقليم قطفير اقتضت ذلك، وأين هذا مما جرى لبعض ملوك المغرب أنه كان مع ندمائه المختصين به في مجلس أنس وجارية تغنيهم من وراء ستر فاستعاد بعض خلصائه بيتين من الجارية كانت قد غنت بهما فما لبث أن جيء برأس الجارية مقطوعا في طست، وقال له الملك: استعد البيتين من هذا الرأس فسقط في يد ذلك المستعيد ومرض مدة حياة الملك وَقالَ نِسْوَةٌ المشهور- وإليه ذهب أبو حيان- أنه جمع تكسير للقلة كصبية، وغلمة، وليس له واحد من لفظه بل من معناه وهو امرأة.
وزعم ابن السراج أنه اسم جمع، وعلى كل فتأنيثه غير حقيقي ولا التفات إلى كون ذلك المفرد مؤنثا حقيقا لأنه مع طروّ ما عارض ذلك ليس كسائر المفردات ولذا لم يؤنث فعله، وفي نونه لغتان: الكسر وهي المشهورة والضم وبه قرأ المفضل، والأعمش، والسلمي كما قال القرطبي فلا عبرة بمن أنكر ذلك، وهو إذ ذاك اسم جمع بلا خلاف، ويكسر للكثرة على نساء، ونسوان، وكنّ فيما روي عن مقاتل خمسا: امرأة الخباز، وامرأة الساقي، وامرأة البواب، وامرأة السجان، وامرأة صاحب الدواب.
وروى الكلبي أنهن كنّ أربعا بإسقاط امرأة البواب فِي الْمَدِينَةِ أريد بها مصر، والجار والمجرور في موضع الصفة- لنسوة- على ما استظهره بعضهم، ووصفن بذلك لأن إغاظة كلامهن بهذا الاعتبار لا تصافهن بما يقوي جانب الصدق أكثر فإن كلام البدويات لبعدهن عن مظان الاجتماع والاطلاع على حقيقة أحوال الحضريات القصريات لا يلتفت إلى كلامهن فلا يغيظ تلك الإغاظة، والكثير على اختيار تعلقه- بقال- ومعنى كون قولهن في المدينة إشاعته وإفشاؤه فيها، وتعقب بأن ذلك خلاف الظاهر امْرَأَتُ الْعَزِيزِ هو في الأصل الذي يقهر ولا يقهر كأنه مأخوذ من عز أي حصل في عزاز وهي الأرض الصلبة التي يصعب وطؤها ويطلق على الملك، ولعلهم كانوا يطلقونه إذ ذاك فيما بينهم على كل من ولاه الملك على بعض مخصوص من الولايات التي لها شأن فكان من خواصه ذوي القدر الرفيع والمحل المنيع، وهو بهذا المعنى مراد هنا لأنه أريد به قطفير وهو في المشهور كما علمت إنما كان على خزائن الملك- وكان الملك الريان بن الوليد- وقيل: المراد به الملك، وكان قطفير ملك مصر، واسكندرية، وإضافتهن لها إليه بهذا العنوان دون أن يصرحن باسمها او اسمه ليظهر كونها من ذوات الأخطار فيكون عونا على إشاعة الخبر بحكم أن النفوس الى سماع أخبار ذوي الأخطار أميل، وقيل- وهو الأولى- إن ذاك لقصد المبالغة في لومها بقولهن تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ أي تطلب مواقعته إياها وتتمحل في ذلك، وإيثارهن صيغة للدلالة على دوام المراودة كأنها صارت سجية لها، والفتى من الناس الطري من الشبان، وأصله فتى بالياء لقولهم في التثنية- وهي ترد الأشياء الى أصولها- فتيان، فالفتوة على هذا شاذ، وجمعه فتية، وفتيان، قيل: إنه يائي وواوي ككنوت وكنيت، وله نظائر كثيرة، ويطلق على المملوك والخادم لما أن جل الخدمة شبان.
وفي الحديث «لا يقل أحدكم عبدي وأمتي وليقل فتاي وفتاتي»
وأطلق على يوسف عليه السلام هنا لأنه كان يخدمها، وقيل: لأن زوجها وهبه لها فهو مملوكها بزعم النسوة، وتعبيرهن عنه عليه السلام بذلك مظانا إليها لا الى العزيز لإبانة ما بينهما من التباين البين الناشئ عن الخادمية والمخدومية أو المالكية والمملوكية وكل ذلك لتربية ما مر من المبالغة في اللوم فإن من لا زوج لها من النساء أو لها زوج دنيء قد تعذر في مراودة الأخدان لا سيما إذا كان
فيهم علو الجناب، وأما التي لها زوج فمراودتها لغيره لا سيما لمن لم يكن بينها وبينه كفاءة لها وتماديها في ذلك غاية الغي ونهاية الضلال قَدْ شَغَفَها حُبًّا أي شق حبه شغاف قلبها وهو حجابه.
وقيل: هو جلدة رقيقة يقال لها: لسان القلب حتى وصل الى فؤادها، وبهذا يحصل المبالغة في وصفها بالحب له، وقيل: الشغاف سويداء القلب، فالمبالغة حينئذ ظاهرة، والى هذا يرجع ما روي عن الحسن من أن الشغاف باطن القلب، وما حكي عن أبي علي من أنه وسطه والفعل مفتوح الغين المعجمة عند الجمهور.
وقرأ ثابت البناني بكسرها وهي لغة تميم،
وقرأ علي كرم الله تعالى وجه، وعلي بن الحسين، وابنه محمد، وابنه جعفر رضي الله تعالى عنهما، والشعبي، وعوف الأعرابي- شعفها-
بفتح العين المهملة، وهي رواية عن قتادة، وابن هرمز، ومجاهد، وحميد، والزهري، وروي عن ثابت البناني (1) أنه قرأ كذلك أيضا إلا أنه كسر العين، وهو من شعف البعير إذ هنأه فأحرقه بالقطران، فالمعنى وصل حبه الى قلبها فكاد يحترق، ومن هذا قول الأعشى:
يعصي الوشاة وكان الحب آونة
…
مما يزين للمشعوف ما صنعا
وذكر الراغب أنه من شعفة القلب وهي رأسه عند معلق النياط، ويقال: لأعلى الجبل شعفة أيضا، وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس أن الشغف الحب القاتل، والشعف حب دون ذلك، وأخرجا عن الشعبي أن الشغف الحب، والشعف الجنون، وأخرجا أيضا عن ابن زيد أن الشغف في الحب، والشعف في البغض، وهذا المعنى ممتنع الإرادة هنا على هذه القراءة، وفي كتاب أسرار البلاغة في فصل ترتيب الحب أن أول مراتب الحب الهوى، ثم العلاقة وهي الحب اللازم للقلب، ثم الكلف وهو شدة الحب، ثم العشق وهو اسم لما فضل عن المقدار المسمى بالحب، ثم الشعف بالمهملة وهو احتراق القلب مع لذة يجدها، وكذلك اللوعة واللاعج، ثم الشغف بالمعجمة وهو أن يبلغ الحب شغاف القلب، ثم الجوى وهو الهوى الباطن، ثم التيم وهو أن يستعبده الحب، ثم التبل وهو أن يسقمه الحب، ثم التدله وهو ذهاب العقل من الحب، ثم الهيوم وهو أن يذهب الرجل على وجهه لغلبة الهوى عليه اهـ.
ورتب بعضهم ذلك على طراز آخر والله تعالى أعلم، وأيا ما كان فالجملة إما خبر ثان أو حال من فاعل تُراوِدُ أو من مفعوله، والمقصود منها تكرير اللوم وتأكيد العذل ببيان اختلاف أحوالها القلبية كأحوالها القالبية، وجوز أبو البقاء كونها استئنافية فهي حينئذ على ما قيل: في موضع التعليل لدوام المراودة، وليس بذاك لأنه إن اعتبر من حيث الإنية كان مصيره إلى الاستدلال بالأخفى على الأجلى، وإن اعتبر من حيث اللمية كان فيه ميل إلى تمهيد العذر من قبلها وليس المقام له، وانتصاب حُبًّا على التمييز وهو محول عن الفاعل إذ الأصل قد شغفها حبه كما أشير إليه، وأدغم النحويان، وحمزة، وهشام، وابن محيصن دال قَدْ في شين شغفها.
إِنَّا لَنَراها أي نعلمها، فالرؤية قلبية واستعمالها بمعنى العلم حقيقة كاستعمالها بمعنى الإحساس بالبصر، وإذا أريد منها البصرية ثم تجوز بها عن العلمية كان أبلغ في إفادة كونها فيما صنعت من المراودة والمحبة المفرطة مستقرة فِي ضَلالٍ عظيم عن طريق الرشد والصواب أو سنن العقل مُبِينٍ واضح لا يخفى كونه ضلالا على أحد، أو مظهر لأمرها بين الناس، فالتنوين للتفخيم والجملة مقرّرة لمضمون الجملتين السابقتين المسوقتين للوم والتشنيع، وتسجيل عليها بأنها في أمرها على خطأ عظيم، وإنما لم يقلن: إنها لفي ضلال مبين إشعارا كما قيل: بأن ذلك الحكم
(1) وروى ذلك عن أبي رجاء أيضا اهـ منه.
غير صادر منهن مجازفة بل عن علم ورأي مع التلويح بأنهن متنزهات عن أمثال ما هي عليه، وصح اللوم على الشغف قيل: لأنه اختياري باعتبار مباديه كما يشير إليه قوله:
مازحته فعشقته
…
والعشق أوله مزاح
وإلّا فما ليس باختياري لا ينبغي اللوم عليه كما أشار إليه البوصيري بقوله:
يا لائمي في الهوى العذري معذرة
…
مني إليك ولو أنصفت لم تلم
وقيل: اللوم عليه باعتبار الاسترسال معه وترك علاجه فإنهم صرحوا بأن ذلك من جملة الأدواء، وذكروا له من المعالجة ما ذكروا، ومن أحسن ما ذكر له من ذلك تذكر مساوئ المحبوب والتفكر في عواقبه فقد قيل:
لو فكر العاشق في منتهى
…
حسن الذي يسبيه لم يسبه
وتمام الكلام في هذا المقام يطلب في محله فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أي باغتيابهن وسوء مقالتهن، وتسمية ذلك مكرا لشبهه له في الإخفاء، وقيل: كانت استكتمتهن سرها فأفشينه وأطلعن على أمرها، وقيل: إنهن قصدن بتلك المقالة إغضابها حتى تعرض عليهن يوسف لتبدي عذرها فيفزن بمشاهدته والمكر على هذين القولين حقيقة أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ تدعوهن، قيل: دعت أربعين امرأة منهن الخمس أو الأربع المذكورات، وروي ذلك عن وهب، والظاهر عود الضمير على تلك النسوة القائلة ما قلن عنها وَأَعْتَدَتْ أي هيأت لَهُنَّ مُتَّكَأً أي ما يتكئن عليه من النمارق والوسائد كما روي عن ابن عباس، وهو من الاتكاء الميل إلى أحد الشقين، وأصله موتكأ لأنه من توكأت فأبدلت الواو تاء وأدغمت في مثلها، وروي عن الحبر أيضا أن المتكأ مجلس الطعام لأنهم كانوا يتكؤون له كعادة المترفين المتكبرين، ولذلك نهي عنه،
فقد أخرج ابن أبي شيبة عن جابر رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يأكل الرجل بشماله وأن يأكل متكئا،
وقيل: أريد به نفس الطعام قال العتبي: يقال: اتكأنا عند فلان أي أكلنا ومن ذلك قول جميل:
فظللنا بنعمة واتكأنا
…
وشربنا الحلال من قلله
وهو على هذا اسم مفعول أي متكئا له أو مصدر أي اتكاء، وعبر بالهيئة التي يكون عليها الآكل المترف عن ذلك مجازا، وقيل: هو من باب الكناية، وعن مجاهد أنه الطعام يحز حزا بالسكين واختلفوا في تعيينه، فقيل: كان لحما وكانوا لا ينهشون اللحم وإنما يأكلونه حزا بالسكاكين، وقيل: كان أترجا، وموزا، وبطيخا، وقيل: الزماورد وهو الرقاق الملفوف باللحم وغيره أو شيء شبيه بالأترج، وأنه إنما سمي ما يقطع بالسكين بذلك لأن عادة من يقطع شيئا أن يعتمد عليه فيكون متكأ عليه، وقرأ الزهري، وأبو جعفر، وشيبة- متكي- مشدد التاء من غير همز بوزن متقي وهو حينئذ إما أن يكون من الاتكاء وفيه تخفيف الهمزة كما قالوا في توضأت: توضيت، أو يكون مفتعلا من أو كيت السقاء إذا شددته بالوكاء والمعنى اعتدت لهن ما يشتد عليه بالاتكاء أو بالقطع بالسكين، وقرأ الأعرج متكئا على وزن مفعلا من تكأ يتكأ إذ اتكأ، وقرأ الحسن، وابن هرمز متكئا بالمد والهمز وهو مفتعل من الاتكاء إلّا أنه أشبع الفتحة فتولدت منها الألف وهو كثير في كلامهم، ومنه قوله:
وأنت من الغوائل حين ترمي
…
وعن ذم الرجال بمنتزاح
وقوله:
ينباع من ذفرى عضوب حسرة
…
زيافة مثل الفنيق المكرم (1)
(1) ومنه قوله أعوذ بالله من العقراب الشائلات عقد الأذناب اهـ منه.
وقرأ ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وقتادة، وآخرون (1) بضم الميم وسكون التاء وتنوين الكاف، وجاء ذلك عن ابن هرمز أيضا، وهو الأترج- عند الأصمعي، وجماعة- والواحد متكة، وأنشد:
فأهدت متكة لبني أبيها
…
تخب بها العثمثمة الوقاح
وقيل: هو اسم يعم جميع ما يقطع بالسكين- كالأترج، وغيره- من الفواكه، وأنشد:
نشرب الإثم بالصواع جهارا
…
ونرى المتك بيننا مستعارا
وهو من متك الشيء بمعنى بتكه أي قطعه، وعن الخليل تفسير المتك مضموم الميم بالعسل، وعن أبي عمرو تفسيره بالشراب الخالص، وحكى الكسائي تثليث ميمه، وفسره بالفالوذج، وكذا حكى التثليث المفضل لكن فسره بالزماورد، وذكر أنه بالضم المائدة أو الخمر في لغة كندة، وبالفتح قرأ عبد الله، ومعاذ رضي الله تعالى عنهما، وفي الآية على سائر القراءات حذف أي فجئن وجلسن وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً.
وقال بعض المحققين: لا يبعد أن تسمى هذه الواو فصيحة، وإنما أعطت كل واحدة ذلك لتستعمله في قطع ما يعهد قطعه مما قدم بين أيديهن وقرب إليهن، وغرضها من ذلك ما سيقع من تقطيع أيديهن لتبكتهنّ بالحجة.
وقيل: غرضها ذاك والتهويل على يوسف عليه السلام من مكرها إذا أخرج على أربعين نسوة مجتمعات في أيديهن الخناجر توهمه أنهن يثبن عليه فيكون خائفا من مكرها دائما فلعله يجيبها إلى مرادها، والسكين مذكر عند السجستاني قال: وسألت أبا زيد الأنصاري، والأصمعي، وغيرهم ممن أدركناه فكلهم يذكره وينكر التأنيث فيه، وعن الفراء أنه يذكر ويؤنث، وذلك حكي عن اللحياني، ويعقوب، ومنع بعضهم أن يقال: سكينة، وأنشد عن الكسائي ما يخالف ذلك وهو قوله:
الذئب سكينته في شدقه
…
ثم قرابا نصلها في حلقه
وَقالَتِ ليوسف عليه السلام وهن مشغولات بمعالجة السكاكين وإعمالها فيما بأيديهن، والعطف بالواو ربما يشير إلى أن قوله: اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ أي ابرز لهن لم يكن عقيب ترتيب أمورهنّ ليتم غرضها بهن.
والظاهر أنها لم تأمره بالخروج إلّا لمجرد أن يرينه فيحصل مرامها، وقيل: أمرته بالخروج عليهن للخدمة أو للسلام، وقد أضمرت مع ذلك ما أضمرت يحكى أنها ألبسته ثيابا بيضا في ذلك اليوم لأن الجميل أحسن ما يكون في البياض فَلَمَّا رَأَيْنَهُ عطف على مقدر يستدعيه الأمر بالخروج وينسحب عليه الكلام أي فخرج عليهن فرأينه، وإنما حذف على ما قيل: تحقيقا لمفاجأة رؤيتهن كأنها تفوت عند ذكر خروجه عليهن (2) ، وفيه إيذان بسرعة امتثاله عليه السلام بأمرها فيما لا يشاهد مضرته من الأفاعيل، ونظير هذا آت كما مر آنفا أَكْبَرْنَهُ أي أعظمنه ودهشن برؤية جماله الفائق الرائع الرائق، فإن فضل جماله على جمال كل جميل كان كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب.
وأخرج ابن جرير، وغيره عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: رأيت يوسف ليلة المعراج كالقمر ليلة البدر،
وحكي أنه عليه السلام كان إذا سار في أزقة مصر تلألأ وجهه على الجدران كما يرى نور الشمس،
وجاء عن الحسن أنه أعطي ثلث الحسن،
وفي رواية عن أنس مرفوعا أنه عليه السلام أعطي هو وأمه شطر
(1) منهم الضحاك والجحدري والكلبي وأبان اهـ منه.
(2)
كما حذف لتحقيق السرعة في قوله تعالى: فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ اهـ منه.
الحسن (1)
وتقدم خبر أنه عليه السلام كان يشبه آدم عليه السلام يوم خلقه ربه، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن معنى أكبرن حضن، ومن ذلك قوله:
يأتي النساء على أطهارهن ولا
…
يأتي النساء إذا أكبرن إكبارا
وكأنه إنما سمي الحيض إكبارا لكون البلوغ يعرف به فكأنه يدخل الصغار سن الكبر فيكون في الأصل كناية مجازا، والهاء على هذا إما ضمير المصدر فكأنه قيل: أكبرن إكبارا، وإما ضمير يوسف عليه السلام على إسقاط الجار أي حضن لأجله من شدّة شبقهن، والمرأة كما زعم الواحدي إذا اشتدّ شبقها حاضت ومن هنا أخذ المتنبي قوله:
خف الله واستر ذا الجمال ببرقع
…
إذا لحت حاضت في الخدور العوائق
وقيل: إن الهاء للسكت، ورد بأنها لا تحرك ولا تثبت في الوصل، وإجراء الوصل مجرى الوقف وتحريكها تشبيها لها بالضمير كما في قوله:
وأحر قلباه ممن قلبه شبم على تسليم صحته ضعيف في العربية واعترض في الكشف التخريجين الأولين فقال: إن نزع الخافض ضعيف لأنه إنما يجري في الظروف والصفات والصلات، وذلك لدلالة الفعل على مكان الحذف، وأما في مثل هذا فلا، والمصدر ليس من مجازه إذ ليس المقام للتأكيد، وزعم أن الوجه هو الأخير، وكل ما ذكره في حيز المنع كما يخفى.
وأنكر أبو عبيدة مجيء أكبرن بمعنى حضن، وقال: لا نعرف ذلك في اللغة، والبيت مصنوع مختلق لا يعرفه العلماء بالشعر، ونقل مثل ذلك عن الطبري، وابن عطية، وغير واحد من المحققين، ورواية ذلك عن ابن عباس إنما أخرجها ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عبد الصمد، وهو- وإن روى ذلك عن أبيه علي عن أبيه ابن عباس- لا يعول عليه فقد قالوا: إنه عليه الرحمة ليس من رواة العلم.
وعن الكميت الشاعر تفسير أكبرن بأمنين، ولعل الكلام في ذلك كالكلام فيما تقدم تخريجا وقبولا، وأنا لا أرى الكميت من خيل هذا الميدان وفرسان ذلك الشان وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ أي جرحنها بما في أيديهن من السكاكين لفرط دهشتهن وخروج حركات جوارحهن عن منهاج الاختيار حتى لم يعلمن بما عملن ولم يشعرن بمألم ما نالهن، وهذا كما تقول: كنت أقطع اللحم فقطعت يدي، وهو معنى حقيقي للتقطيع عند بعض.
وفي الكشف إنه معنى مجازي على الأصح، والتضعيف للتكثير إما بالنسبة لكثرة القاطعات، وإما بالنسبة لكثرة القطع في يد كل واحدة منهن.
وأخرج ابن المنذر، وغيره عن مجاهد أنه فسر التقطيع بالإبانة، والمعنى الأول أسرع تبادرا إلى الذهن، وحمل الأيدي على الجوارح المعلومة مما لا يكاد يفهم خلافه، ومن العجيب ما روي عن عكرمة من أن المراد بها الأكمام، وأظن أن منشأ هذا محض استبعاد وقوع التقطيع على الأيدي بالمعنى المتبادر، ولعمري لو عرض ما قاله على أدنى الأفهام لاستبعدته وَقُلْنَ تنزيها لله سبحانه عن صفات التقصير والعجز وتعجبا من قدرته جلّ وعلا على مثل ذلك الصنع البديع حاشَ لِلَّهِ أصله حاشا الله بالألف كما قرأ أبو عمرو في الدرج فحذفت ألفه الأخيرة تخفيفا، وهو
(1) قيل: إنه عليه السلام ورث الجمال من جدته سارة اهـ منه.
على ما قيل: حرف وضع للاستثناء والتنزيه معا ثم نقل وجعل اسما بمعنى التنزيه وتجرد عن معنى الاستثناء ولم ينون مراعاة لأصله المنقول عنه، وكثيرا ما يراعون ذلك ألا تراهم قالوا: جلست من عن يمينه؟ فجعلوا- عن- اسما ولم يعربوه، وقالوا: غدت من عليه فلم يثبتوا ألف على مع المضمر كما أثبتوا ألف فتى في فتاة كل ذلك مراعاة للأصل، واللام للبيان فهي متعلقة بمحذوف، ورد في البحر دعوى إفادته التنزيه في الاستثناء بأن ذلك غير معروف عند النحاة، ولا فرق بين قام القوم إلّا زيدا، وحاشا زيدا، وتعقب بأن عدم ذكر النحاة ذلك لا يضر لأنه وظيفة اللغويين لا وظيفتهم، واعترض بعضهم حديث النقل بأن الحرف لا يكون اسما إلّا إذا نقل وسمي به وجعل علما، وحينئذ يجوز فيه الحكاية والإعراب، ولذا جعله ابن الحاجب اسم فعل بمعنى برىء الله تعالى من السوء، ولعل دخول اللام كدخولها في هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ، وكون المعنى على المصدرية لا يرد عليه لأنه قيل: إن أسماء الأفعال موضوعة لمعاني المصادر وهو المنقول عن الزجاج، نعم ذهب المبرد، وأبو علي، وابن عطية، وجماعة إلى أنه فعل ماض بمعنى جانب، وأصله من حاشية الشيء وحشيه أي جانبه وناحيته، وفيه ضمير يوسف واللام للتعليل متعلقة به أي جانب يوسف ما قرف به لله تعالى أي لأجل خوفه ومراقبته، والمراد تنزيهه وبعده كأنه صار في جانب عما اتهم به لما رؤي فيه من آثار العصمة وأبهة النبوة عليه الصلاة والسلام، ولا يخفى أنه على هذا يفوت معنى التعجب، واستدل على اسميتها بقراءة أبي السمال «حاشا لله» بالتنوين، وهو في ذلك على حد: سقيا لك، وجوز أن يكون اسم فعل والتنوين كما في صه، وكذا بقراءة أبي، وعبد الله (1) رضي الله تعالى عنهما- حاشا الله- بالإضافة كسبحان الله، وزعم الفارسي أن حاشَ في ذلك حرف جر مرادا به الاستثناء كما في قوله:
حاشا أبي ثوبان إن أبا
…
ثوبان ليس ببكمة فدم
ورد بأنه يتقدمه هنا ما يستثنى منه، وجاء في رواية عن الحسن أنه قرأ- حاش لله- بسكون الشين وصلا ووقفا مع لام الجر في الاسم الجليل على أن الفتحة اتبعت الألف في الإسقاط لأنها كالعرض اللاحق لها، وضعفت هذه القراءة بأن فيها التقاء الساكنين على غيره حده، وفي رواية أخرى عنه أنه قرأ- حاش الإله- وقرأ الأعمش- حشا لله- بحذف الألف الأولى، هذا واستدل المبرد، وابن جني، والكوفيون على أن- حاش- قد تكون فعلا بالتصرف فيها بالحذف كما علمت في هذه القراءات، وبأنه قد جاء المضارع منها كما في قول النابغة:
ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه
…
ولا- أحاشى- من الأقوام من أحد
ومقصودهم الرد على- س- وأكثر البصرية حيث أنكروا فعليتها، وقالوا: إنها حرف دائما بمنزلة إلّا لكنها تجر المستثنى، وكأنه لم يبلغهم النصب بها كما في قوله
حاشا قريشا فإن الله فضلهم
وربما يجيبون عن التصرف بالحذف بأن الحذف قد يدخل الحرف كقولهم: أما والله، وأم والله، نعم ردّ عليهم أيضا بأنها تقع قبل حرف الجر، ويقابل هذا القول ما ذهب إليه الفراء من أنها لا تكون حرفا أصلا بل هي فعل دائما ولا فاعل لها، والجر الوارد بعدها كما في
حاشاي إني مسلم معذور
والبيت المار آنفا بلام مقدرة، والحق أنها تكون فعلا تارة فينصب ما بعدها ولها فاعل وهو ضمير مستكن فيها وجوبا يعود إما على البعض المفهوم من الكلام، أو المصدر المفهوم من الفعل، ولذا لم يثن، ولم يجمع، ولم يؤنث، وحرفا أخرى ويجر ما بعدها، ولا تتعلق بشيء كالحروف الزائدة عند ابن هشام، أو تتعلق بما قبلها من فعل أو شبهه عند بعض، ولا تدخل عليها إلّا كما إذا كانت فعلا خلافا للكسائي في زعمه جواز ذلك إذا
(1) وروي عنهما أيضا. كما قاله صاحب اللوامح. كقراءة أبي عمرو اهـ منه.
جرت، وأنها إذا وقعت قبل لام الجر كانت اسم مصدر مرادفا للتنزيه، وتمام الكلام في محله ما هذا بَشَراً نفين عنه البشرية لما شاهدن من جماله الذي لم يعهد مثاله في النوع الإنساني، وقصرهن على الملكية بقولهن: إِنْ هذا أي ما هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ أي شريف كثير المحاسن بناء على ما ركز في الطباع من أنه لا حي أحسن من الملك كما ركز فيها أن لا أقبح من الشيطان ولذا لا يزال يشبه بهما كل متناه في الحسن والقبح وإن لم يرهما أحد، وأنشدوا لبعض العرب:
فلست لأنسى ولكن لملأك
…
تنزل من جو السماء يصوب
وكثر في شعر المحدثين ما هو من هذا الباب، ومنه قوله:
ترك إذا قوبلوا كانوا ملائكة
…
حسنا وإن قوتلوا كانوا عفاريتا
وغرضهن من هذا وصفه بأنه في أقصى مراتب الحسن والكمال الملائم لطباعهن، ويعلم مما قرر ان الآية لا تقوم دليلا على أن الملك أفضل من بني آدم كما ظن أبو علي الجبائي، واتباعه، وأيده الفخر- ولا فجر له- بما أيده، وذهب غير واحد إلى أن الغرض تنزيهه عليه السلام عما رمي به على أكمل وجه، وافتتحوا ذلك- بحاشا لله- على ما هو الشائع في مثل ذلك، ففي شرح التسهيل الاستعمال على أنهم إذا أرادوا تبرئة أحد من سوء ابتدؤوا تبرئة الله سبحانه من السوء ثم يبرئون من أرادوا تبرئته على معنى أن الله تعالى منزه عن أن لا يطهره مما يضيمه فيكون آكد وأبلغ، والمنصور ما أشير إليه أولا وهو الذي يقتضيه السياق والسباق، نعم هذا الاستعمال ظاهر فيما يأتي إن شاء الله تعالى من قوله تعالى عن النسوة: حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ [يوسف: 51] وما عاملة عمل ليس وهي لغة للحجازيين لمشابهتها لها في نفي الحال على ما هو المشهور في ليس من أنها لذلك أو في مطلق النفي بناء على ما قال الرضي من أنها ترد لنفي الماضي، والمستقبل، والغالب على لغتهم جر الخبر بالباء حتى إن النحويين لم يجدوا شاهدا على النصب في أشعارهم غير قوله:
وأنا النذير بحرة مسودة
…
تصل الجيوش إليكم قوادها
أبناؤها متكنفون أباهم
…
حنقوا الصدور وما هم أولادها
والزمخشري يسمي هذه اللغة: اللغة القدمى الحجازية، ولغة بني تميم في مثل ذلك الرفع، وعلى هذا جاء قوله:
ومهفهف الأعطاف قلت له انتسب
…
فأجاب ما قتل المحب حرام
وبلغتهم قرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وزعم ابن عطية أنه لم يقرأ بها أحد هنا، وقرأ الحسن وأبو الحويرث الحنفي ما هذا بشرى- بالباء الجارة، وكسر الشين على أن شرى- كما قال صاحب اللوائح- مصدر أقيم مقام المفعول به (1) أي ما هذا بمشرى أي ليس ممن يشترى بمعنى أنه أعز من أن يجري عليه ذلك.
وروى هذه القراءة عبد الوارث عن أبي عمرو أيضا إلا أنه روي عنه أنه مع ذلك كسر اللام من ملك، وروى الكسر بن عطية عن الحسن، وأبي الحويرث أيضا، والمراد إدخاله في حيز الملوك بعد، ففي كونه مما يصلح للملوكية فبين الجملتين تناسب ظاهر، وكأن بعضهم لم ير أن من قرأ بذلك قرأ أيضا «ملك» بكسر اللام فقال:
لتحصيل التناسب بينهما في تفسير ذلك أي ما هذا بعبد مشترى لئيم (2)، وعلى التقديرين لا يقال: إن هذه القراءة
(1) وجوز إبقاءه على المصدرية أي لم يحصل هذا بشرى اهـ منه.
(2)
والأولى أن يقال: أي ما هذا عبد لئيم فيملك بل سيد كريم ما لك فتدبر اهـ منه.
مخالفة لمقتضى المقام، نعم إنها مخالفة لرسم المصحف لأنه لم يكتب ذلك بالياء فيه.
قالَتْ فَذلِكُنَّ الفاء فصيحة والخطاب للنسوة والإشارة- حسبما يقتضيه الظاهر- إلى يوسف عليه السلام بالعنوان الذي وصفته به الآن من الخروج في الحسن والكمال عن المراتب البشرية، والاقتصار على الملكية أو بعنوان ما ذكر مع الأخبار وتقطيع الأيدي بسببه أيضا، فاسم الإشارة مبتدأ والموصول خبره، والمعنى إن كان الأمر كما قلتن فذلكن الملك الكريم الخارج في الحسن عن المراتب البشرية، أو الذي قطعتن أيديكن بسببه وأكبرتنه ووصفتنه بما وصفتنه هو الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ أي عيرتنني في الافتنان فيه أو بالعنوان الذي وصفنه به فيما سبق بقولهن: امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعاني، فاسم الإشارة خبر لمبتدأ محذوف دخلت الفاء عليه بعد حذفه، والموصول صفة اسم الإشارة أي فهو ذلكن العبد الكنعاني الذي صورتن في أنفسكن وقلتن فيه وفيّ ما قلتن، فالآن قد علمتن من هو وما قولكن فينا، وقيل (1) : أرادت هذا ذلك العبد الكنعاني الذي صورتن في أنفسكن ثم لمتنني فيه على معنى أنكن لم تصورنه بحق صورته ولو صورتنه بما عاينتن لعذرتنني في الافتتان به، والإشارة بما يشار به إلى البعيد مع قرب المشار إليه وحضوره قيل: رفعا لمنزلته في الحسن واستبعادا لمحله فيه، وإشارة إلى أنه لغرابته بعيد أن يوجد مثله.
وقيل: إن يوسف عليه السلام كان في وقت اللوم غير حاضر وهو عند هذا الكلام كان حاضرا فإن جعلت الإشارة إليه باعتبار الزمان الأول كانت على أصلها، وإن لوحظ الثاني كان قريبا، وكانت الإشارة بما ذكر لتنزيله لعلو منزلته منزلة البعيد، واحتمال أنه عليه السلام أبعد عنهن وقت هذا الكلام لئلا يزددن دهشة وفتنة ولذا أشير إليه بذلك بعيد.
وجوز ابن عطية كون الإشارة إلى حب يوسف عليه السلام، وضمير فِيهِ عائد إليه، وجعل الإشارة على هذا إلى غائب على بابها ويبعده على ما فيه وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وهو إباحة منها ببقية سرها بعد أن أقامت عليهن الحجة وأوضحت لديهن عذرها وقد أصابهن من قبله ما أصابها (2) أي والله لقد راودته حسبما قلتن وسمعتن فَاسْتَعْصَمَ قال ابن عطية: أي طلب العصمة وتمسك بها وعصاني.
وفي الكشاف أن الاستعصام بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد كأنه في عصمة وهو مجتهد في الاستزادة منها، ونحوه استمسك واستوسع الفتق واستجمع الرأي واستفحل الخطب اهـ.
وفي البحر والذي ذكره الصرفيون في «استعصم» أنه موافق لاعتصم، وأما استمسك واستوسع واستجمع فاستغفل فيه أيضا موافقة لافتعل، والمعنى امتسك واتسع واجتمع، وأما استفحل فاستفعل فيه موافقة لتفعل أي تفحل نحو استكبر وتكبر، فالمعنى فامتنع عما أرادت منه وبالامتناع فسرت العصمة على إرادة الطلب لأنه هو معناها لغة، قيل: وعنت بذلك فراره عليه السلام منها فإنه امتنع منها أولا بالمقال ثم لما لم يفده طلب ما يمنعه منها بالفرار، وليس المراد بالعصمة ما أودعه الله تعالى في بعض أنبيائه عليهم السلام مما يمنع عن الميل للمعاصي فإنه معنى عرفي لم يكن قبل بل لو كان لم يكن مرادا كما لا يخفى، وتأكيد الجملة بالقسم مع أن مضمونها من مراودتها له عن نفسه مما تحدث به النسوة لإظهار ابتهاجها بذلك.
(1) تعقبه المولى أبو السعود بأنه لا يلائم المقام وبين ذلك بما فيه تأمل اهـ منه.
(2)
وكأنها عملت مما قيل:
لا تخف ما صنعت بك الأشواق
…
واشرح هواك فكلنا عشاق
وقيل: إنه باعتبار المعطوف وهو الاستعصام كأنها نظمته لقوة الداعي إلى خلافه من كونه عليه السلام في عنفوان الشباب ومزيد اختلاطه معها ومرادوتها إياه مع ارتفاع الموانع فيما تظن في سلك ما ينكر ويكذب المخبر به فأكدته لذلك وهو كما ترى، وفي الآية دليل على أنه عليه السلام لم يصدر منه ما سود به القصاص وجوه الطروس، وليت السدي لو كان قد سد فاه عن قوله: فَاسْتَعْصَمَ بعد حل سراويله، ثم إنها بعد أن اعترفت لهن بما سمعنه وتحدثهن به وأظهرت من إعراضه عنها واستعصامه ما أظهرت ذكرت أنها مستمرة على ما كانت عليه لا يلويها عنها لوم ولا إعراض فقالت: وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ أي الذي آمر به فيما سيأتي كما لم يفعل فيما مضى- فما- موصولة والجملة بعدها صلة والعائد الهاء، وقد حذف حرف الجر منه فاتصل بالفعل وهذا أمر شائع مع- أمر- كقوله:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ومفعول- أمر- الأول إما متروك لأن مقصودها لزوم امتثال ما أمرت به مطلقا كما قيل، وإما محذوف لدلالة يَفْعَلْ عليه وهو ضمير يعود على يوسف أي ما آمره به.
وجوز أن يكون الضمير الموجود هو العائد على يوسف والعائد على الموصول محذوف أي به، ويعتبر الحذف تدريجا لاشتراطهم في حذف العائد المجرور بالحرف كونه مجرورا بمثل ما جرّ به الموصول لفظا ومعنى ومتعلقا، وإذا اعتبر التدريج في الحذف يكون المحذوف منصوبا، وكذا يقال في أمثال ذلك.
وقال ابن المنير في تفسيره: إن هذا الجار مما أنس حذفه فلا يقدر العائد إلّا منصوبا مفصولا كأنه قيل: أمر يوسف إياه لتعذر اتصال ضميرين من جنس واحد، ويجوز أن تكون ما مصدرية فالضمير المذكور ليوسف أي لئن لم يفعل أمري إياه، ومعنى فعل الأمر فعل موجبه ومقتضاه فهو إما على الإسناد المجازي أو تقدير المضاف، وعبرت عن مراودتها بالأمر إظهارا لجريان حكومتها عليه واقتضاء للامتثال لأمرها لَيُسْجَنَنَّ بالنون الثقيلة آثرت بناء الفعل للمفعول جريا على رسم الملوك.
وجوز أن يكون إيهاما لسرعة ترتب ذلك على عدم امتثاله لأمرها كأنه لا يدخل بينهما فعل فاعل.
وَلَيَكُوناً بالمخففة مِنَ الصَّاغِرِينَ أي الأذلاء المهانين، وهو من صغر كفرح، ومصدر صغر بفتحتين، وصغرا بضم فسكون، وصغار بالفتح، وهذا في القدر، وأما في الجثة والجرم فالفعل صغر ككرم، ومصدره صغر كعنب، وجعل بعضهم الصغار مصدرا لهذا أيضا، وكذا الصغر بالتحريك، والمشهور الأول، وأكدت السجن بالنون الثقيلة قيل: لتحققه، وما بعده بالنون الخفيفة لأنه غير متحقق.
وقيل: لأن ذلك الكون من توابع السجن ولوازمه، فاكتفت في تأكيده بالنون الخفيفة بعد أن أكدت الأول بالثقيلة، وقرأت فرقة بالتثقيل فيهما وهو مخالف لرسم المصحف لأن النون رسمت فيه بالألف- كنسفعا- على حكم الوقف وهي يوقف عليها بالألف كما في قول الأعشى
ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا
…
وذلك في الحقيقة لشبهها
بالتنوين لفظا لكونها نونا ساكنة مفردة تلحق الآخر، واللام الداخلة على حرف الشرط موطئة للقسم وجوابه سادّ مسدّ الجوابين، ولا يخفى شدة ما توعدت به كيف وأن للذل تأثيرا عظيما في نفوس الأحرار وقد يقدمون الموت عليه وعلى ما يجرّ إليه، قيل: ولم تذكر العذاب الأليم الذي ذكرته في ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً [يوسف: 25] إلخ لأنها إذ ذاك كانت في طراوة غيظها ومتنصلة من أنها هي التي راودته فناسب هناك التغليظ بالعقوبة، وأما هنا فإنها في طماعية ورجاء، وإقامة عذرها عند النسوة فرقت عليه فتوعدته بالسجن وما هو من فروعه ومستتبعاته، وقيل: إن قولها: لَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ إنما أتت به بدل قولها هناك: عَذابٌ أَلِيمٌ ذله بالقيد أو بالضرب أو بغير ذلك،
لكن يحتمل أنها أرادت بالذل والعذاب الأليم ما يكون بالضرب بالسياط فقط، أو ما يكون به أو بغيره، أو أرادت بالذل ما يكون بالضرب، وبالعذاب الأليم ما يكون به، أو بغيره أو العكس وكيفما كان الأمر فما طلبته هنا أعظم مما لوحت بطلبه هناك لمكان الواو هنا وأو هناك، ولعلها إنما بالغت في ذلك بمحضر عن تلك النسوة لمزيد غيظها بظهور كذبها وصدقه وإصراره على عدم بلّ غليلها، ولتعلم يوسف عليه السلام أنها ليست في أمرها على خيفة ولا خفية من أحد، فيضيق عليه الحيل ويعيي به العلل وينصحن له ويرشدنه إلى موافقتها فتدبر قالَ استئناف بياني كأن سائلا يقول:
فماذا صنع يوسف حينئذ؟ فقيل: قالَ مناجيا لربه عز وجل رَبِّ السِّجْنُ الذي وعدتني بالإلقاء فيه، وهو اسم للمحبس، وقرأ عثمان مولاه طارق وزيد بن علي والزهري وابن أبي إسحاق وابن هرمز ويعقوب «السّجن» بفتح السين على أنه مصدر سجنه أي حبسه، وهو في القراءتين مبتدأ خبره ما بعده، وقرأ «ربّ» بالضم، و «السّجن» بكسر السين والجر على الإضافة- فرب- حينئذ مبتدأ والخبر هو الخبر، والمعنى على ما قيل: لقاء صاحب السجن أو مقاساة أمره أَحَبُّ إِلَيَّ أي آثر عندي لأن فيه مشقة قليلة نافذة إثرها راحات كثيرة أبدية مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ من مواتاتها التي تؤدي إلى الشقاوة والعذاب الأليم، وصيغة التفضيل ليست على بابها إذ ليس له عليه السلام شائبة محبة لما يدعونه إليه وإنما هو والسجن شران أهونهما وأقربهما إلى الإيثار السجن، والتعبير عن الإيثار بالمحبة لحسم مادة طمعها عن المساعدة لها على مطلوبها خوفا من الحبس، والاقتصار على السجن لكون الصغار من مستتبعاته على ما قيل، وقيل: اكتفى عليه السلام بذكر السجن عن ذكره لوفائه بالغرض وهو قطع طمعها عن المساعدة خوفا مما توعدته به لأنها تظن أن السجن أشد عليه من الصغار بناء على زعمها أنه فتاها حقيقة وأن الفتيان لا يشق عليهم ذلك مشقة السجن، ومتى كان الأشد أحب إليه مما يدعونه إليه كان غير الأشد أحب إليه من باب أولى، وفيه منع ظاهر، وإسناد الدعوة إليهن لأنهن خوفنه عن مخالفتها وزيّن له مطاوعتها، فقد روي أنهنّ قلن له: أطع مولاتك واقض حاجتها لتأمن من عقوبتها فإنها المظلومة وأنت الظالم، وروي أن كلّا منهنّ طلبت الخلوة لنصيحته فلما خلت به دعته إلى نفسها،
وعن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما أن كل واحدة منهن أرسلت إليه سرا تسأله الزيارة،
فإسناد ذلك إليهنّ لأنهن أيضا دعونه إلى أنفسهن صريحا أو إشارة.
وفي أثر ذكره القرطبي أنه عليه السلام لما قال: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ إلخ أوحى الله تعالى إليه: يا يوسف أنت جنيت على نفسك ولو قلت: العافية أحب إلي عوفيت، ولذلك رد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على من كان يسأل الصبر،
فقد روى الترمذي عن معاذ بن جبل عنه عليه الصلاة والسلام أنه سمع رجلا وهو يقول:
«اللهم إني أسألك الصبر فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: سألت الله تعالى فاسأله العافية» .
وَإِلَّا تَصْرِفْ أي وإن لم تدفع عَنِّي كَيْدَهُنَّ في تحبيب ذلك إلي وتحسينه لدي بأن تثبتني على ما أنا عليه من العصمة والعفة أَصْبُ إِلَيْهِنَّ أي أمل على قضية الطبيعة وحكم القوة الشهوية إلى إجابتهن بمواتاتها أو إلى أنفسهن وهو كناية عن مواتاتهن، وهذا فزع منه عليه السلام إلى ألطاف الله تعالى جريا على سنن الأنبياء عليهم السلام والصالحين في قصر نيل الخيرات والنجاة عن الشرور على جناب الله تعالى وسلب القوى والقدر عن أنفسهم ومبالغة في استدعاء لطفه سبحانه في صرف كيدهن بإظهار أنه لا طاقة له بالمدافعة كقول المستغيث: أدركني وإلّا هلكت، لا أنه عليه السلام يطلب الإجبار الإلجاء إلى العصمة والعفة وفي نفسه داعية تدعوه إلى السوء كذا قرّره المولى أبو السعود وهو معنى لطيف وقد أخذه من كلام الزمخشري لكن قال القطب، وغيره: إنه فرار إلى الاعتزال وإشارة إلى جواب استدلال الأشاعرة بهذه الآية على أن العبد لا ينصرف عن المعصية إلّا إذا صرفه الله تعالى وقد قرّر
ذلك الإمام بما قرّره فليراجع وليتأمل، وأصل إِلَّا إن لا فهي مركبة من إن الشرطية ولا النافية كما أشرنا إليه، وقد أدغمت فيه النون باللام وأَصْبُ من صبا يصبو صبوا وصبوة إذا مال إلى الهوى، ومنه الصبا للريح المخصوصة لأن النفوس تميل إليها لطيب نسيمها وروحها مضارع مجزوم على أنه جواب الشرط، والجملة الشرطية عطف على قوله: السِّجْنُ أَحَبُّ وجيء بالأولى اسمية دون الثانية لأن أحبيته السجن مما يدعونه إليه كانت ثابتة مستمرة ولا كذلك الصرف المطلوب، وقرىء «أصب» من صبيت صبابة إذا عشقت، وفي البحر الصبابة إفراط الشوق كأن صاحبها ينصب فيما يهوى، والفعل مضمن معنى الميل أيضا ولذا عدي بإلى أي أصب مائلا إليهن وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ
أي الذين لا يعملون بما يعلمون لأن من لا جدوى لعلمه فهو ومن لا يعلم سواء، أو من السفهاء بارتكاب ما يدعونني إليه من القبائح لأن الحكيم لا يفعل القبيح، فالجهل بمعنى السفاهة ضد الحكمة لا بمعنى عدم العلم، ومن ذلك قوله:
ألا لا يجهلن أحد علينا
…
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ [يوسف: 34- 52] أي أجاب له على أبلغ وجه دعاءه الذي تضمنه قوله: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ إلخ فإنه في قوة قوله: اصرفه عني بل أقوى منه في استدعاء الصرف على ما علمت، وفي إسناد الاستجابة إلى الرب مضافا إلى ضميره عليه السلام ما لا يخفى من إظهار اللطف، وزاد حسن موقع ذلك افتتاح كلامه عليه السلام بندائه تعالى بعنوان الربوبية فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ حسب دعائه بأن ثبته على العصمة والعفة وحال بينه وبين المعصية إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لدعاء المتضرعين إليه الْعَلِيمُ بأحوالهم وما انطوت عليه نياتهم وبما يصلحهم لا غيره سبحانه ثُمَّ بَدا لَهُمْ أي ظهر للعزيز وأصحابه المتصدين للحل والعقد ربما اكتفوا بأمر يوسف عليه السلام بالكتمان والإعراض عن ذلك مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ الصارفة لهم عن ذلك البدا وهي الشواهد الدالة على براءته عليه السلام وطهارته من قد القميص وقطع النساء أيديهن، وعليهما اقتصر قتادة فيما أخرجه عنه ابن جرير، وفيه إطلاق الجمع على اثنين والأمر فيه هين، وعن مجاهد الاقتصار على القد فقط لأن القطع ليس من الشواهد الدالة على البراءة في شيء حينئذ للتعظيم، ويحمل الجمع حينئذ على التعظيم أو أل على الجنسية وهي تبطل معنى الجمعية كذا قيل، وهو كما ترى، ووجه بعضهم عدّ القطع من الشواهد بأن حسنه عليه الصلاة والسلام الفاتن للنساء في مجلس واحد، وفي أول نظرة يدل على فتنتها بالطريق الأولى وأن الطلب منها لا منه، وعدّ بعضهم استعصامه عليه السلام عن النسوة إذ دعونه إلى أنفسهن فإن العزيز وأصحابه قد سمعوه وتيقنوا به حتى صار كالمشاهد لهم، ودلالة ذلك على البراءة ظاهرة.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال: سألت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن الآيات فقال: ما سألني عنها أحد قبلك من الآيات: قد القميص وأثرها في جسده وأثر السكين فعدّ رضي الله تعالى عنه الأثر من الآيات ولم يذكر فيما سبق، ومن هنا قيل: يجوز أن يكون هناك آيات غير ما ذكر ترك ذكرها كما ترك ذكر كثير من معجزات الأنبياء عليهم السلام، وفاعل بَدا ضمير يعود إما للبداء مصدر الفعل المذكور أو بمعنى الرأي كما في قوله:
لعلك والموعود حق لقاؤه
…
بدا لك في تلك القلوص بداء
وإما للسجن بالفتح المفهوم من قوله سبحانه: لَيَسْجُنُنَّهُ وجملة القسم وجوابه إما مفعول لقول مضمر وقع حالا من ضميرهم وإلى ذلك ذهب المبرد، وإما مفسرة للضمير المستتر في بَدا فلا موضع لها.
وقيل: إن جملة لَيَسْجُنُنَّهُ جواب- لبدا- لأنه من أفعال القلوب، والعرب تجريها مجرى القسم وتتلقاها بما يتلقى به، وزعم بعضهم أن مضمون الجملة هو فاعل بَدا كما قالوا في قوله سبحانه: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ [طه: 128]
وقوله تعالى: وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ [إبراهيم: 45] أن الفاعل مضمون الجملة أي كثرة إهلاكنا وكيفية فعلنا، وظاهر كلام ابن مالك في شرح التسهيل أن الفاعل في ذلك الجملة لتأويلها بالمفرد حيث قال: وجاز الإسناد في هذا الباب باعتبار التأويل كما جاز في باب المبتدأ نحو سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [البقرة: 6، يس: 10] وجمهور النحاة لا يجوزون ذلك كما حقق في موضعه.
واختار المازني في الفاعل الوجه الأول، قيل: وحسن- بدا لهم- بداء- وإن لم يحسن ظهر لهم ظهور لأن البداء قد استعمل في غير المصدرية كما علمت، واختار أبو حيان الوجه الأخير وكونه ضمير السجن السابق على قراءة من فتح السين، باستنزال المرأة لزوجها ومطاوعته لها وحبه إياها وجعله زمام أمره بيدها.
روي أنه عليه السلام لما استعصم عنها ويئست منه قالت للعزيز: إن هذا الغلام العبراني قد فضحني في الناس يخبرهم بأني راودته عن نفسه فأبى ويصف الأمر حسبما يختار، وأنا محبوسة محجوبة فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر إلى الناس وأكذبه، وإما أن تحبسه كما أني محبوسة فحبس
، قال ابن عباس: إنه أمر به عليه السلام فحمل على حمار وضرب معه الطبل ونودي عليه في أسواق مصر أن يوسف العبراني راود سيدته فهذا جزاؤه،
وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما قال أبو صالح: كلما ذكر هذا بكى، وأرادت بذلك تحقيق وعيدها لتلين به عريكته وتنقاد لها قرونته لما انصرمت حبال رجائها عن استتباعه بعرض الجمال بنفسها وبأعوانها.
وقرأ الحسن- لتسجننه- على صيغة الخطاب بأن الخاطب بعضهم العزيز ومن يليه أو العزيز وحده على وجه التعظيم، أو خاطب به العزيز ومن عنده من أصحاب الرأي المباشرين للسجن والحبس حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس:
إلى انقطاع المقال وما شاع في المدينة من الفاحشة، وهذا بادي الرأي عند العزيز، وأما عندها فحتى يذلله السجن ويسخره لها ويحسب الناس أنه المجرم، وقيل: الحين هاهنا خمس سنين، وقيل: بل سبع.
وقال مقاتل: إنه عليه السلام حبس اثنتي عشرة سنة، والأولى أن لا يجزم بمقدار، وإنما يجزم بالمدة الطويلة، والحين عند الأكثرين وقت من الزمان غير محدود يقع على القصير منه والطويل، وقد استعمل في غير ذلك كما ذكرناه في شرح القادرية.
وقرأ ابن مسعود- عتى- بإبدال حاء حَتَّى عينا وهي لغة هذيل، وقد أقرأ رضي الله تعالى عنه بذلك إلى أن كتب إليه عمر رضي الله تعالى عنه أن يقرىء بلغة قريش حَتَّى بالحاء وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ غلامان كانا للملك الأكبر الريان بن الوليد: أحدهما خبازه وصاحب طعامه، والآخر ساقيه وصاحب شرابه، وكان قد غضب عليهما الملك بسبب أن جماعة من أشراف مصر أرادوا المكر بالملك واغتياله فضمنوا لهما مالا على أن يسمّاه في طعامه وشرابه فأجابا إلى ذلك، ثم إن الساقي ندم فرجع عن ذلك. وقبل الخباز الرشوة وسمّ الطعام فلما حضر بين يدي الملك قال الساقي: لا تأكل أيها الملك فإن الطعام مسموم فقال للساقي: اشربه فشربه فلم يضره، وقال للخباز: كل من طعامك فأبى فأطعم من ذلك وقال الخباز: لا تشرب فإن الشراب مسموم، لدابة فهلكت فأمر الملك بحبسهما فاتفق أن أدخلا معه السجن، ولعله إنما عبر- بدخل- الظاهر في كون الدخول بالاختيار مع أنه لم يكن كذلك للإشارة على ما قيل: إلى أنهما لما رأيا يوسف هان عليهما أمر السجن لما وقع في قلوبهما من محبته. وهوى كل نفس حيث حل حبيبها. فقد أخرج غير واحد عن ابن إسحاق أنهما لما رأياه قالا له: يا فتى لقد والله أحببناك حين رأيناك، فقال لهما عليه السلام: أنشد كما الله تعالى أن لا تحباني فو الله ما أحبني أحد قط إلّا دخل علي من حبه بلاء، لقد أحبتني عمتي فدخل علي من حبها بلاء، ثم أحبني أبي فدخل علي من حبه بلاء، ثم أحبتني زوجة صاحبي هذا فدخل علي بحبها إياي بلاء فلا تحباني بارك الله تعالى فيكما فأبيا إلّا حبه والله حيث كان، وقيل: عبر بذلك لما أن ذكر مَعَهُ
يفيد اتصافه عليه السلام بما ينسب إليهما، والمناسب في حقه نسبة الدخول لمكان قوله عليه السلام: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لا الإدخال المفيد لسلب الاختيار، ولو عبر بادخل لأفاد ذلك نسبة الإدخال إليه فلم يكن بدّ من التعبير بالدخول ترجيحا لجانبه عليه السلام، والظاهر أن- مع- تدل على الصحبة والمقارنة لفاعل الفعل في ابتداء تلبسه بالفعل، فتفيد أن دخولهما مصاحبين له وأنهم سجنوا الثلاثة في ساعة واحدة، وتعقب أن هذا منتقض بقوله سبحانه: أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ
[النمل: 44] حكاية عن بلقيس إذ ليس إسلامها مقارنا لابتداء إسلام سليمان عليه السلام، وأجيب بأن الحمل على المجاز هنالك للصارف ولا صارف فيما نحن فيه، فيحمل على الحقيقة، ويشهد لذلك ما ذكره الزمخشري في قوله سبحانه: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ [الصافات: 102] من أنه بيان متعلق بمحذوف لتعذر التعلق- ببلغ- أو السَّعْيَ معنى أو لفظا.
وقال صاحب الكشف: إنه لا يتعين المحكي عنها لمعية الفاعل فجاز أن يراد أسلمت لله ولرسوله مثلا، وتقديم مع للإشعار بأنها كانت تظن أنها على دين قبل وأنها كانت مسلمة فيما كانت تعبد من الشمس فدل على أنه إسلام يعتدّ به من أثر متابعة نبيه لا إسلام كالأول فاسد، وهذا معنى صحيح حمل الآية عليه أولى، وإن حمل على معية الفاعل لم يكن بدّ من محذوف نحو مع بلوغ دعوته وإظهار معجزته لأن فرق ما بين المعية ومطلق الجمع معلوم بالضرورة اهـ.
وفرق بعضهم بي الفعل الممتدّ كالإسلام وغيره كالدخول بأن الأول لا يقتضي مقارنتهما في ابتدائه بخلاف الثاني، وهو على ما قيل: راجع إلى الجمع وليس من المعية في شيء على أنه حينئذ يحتاج إلى تأويل في آية فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ واختير أن المقارنة هي الأصل ولا يعدل عنها ما أمكنت فتأمل. وتأخير الفاعل عن المفعول لما مر غير مرة من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ليتمكن عند النفس حين وروده فضل تكمن، ولعل تقديم الظرف على السجن لأن الاهتمام بأمر المعية أشدّ من الاهتمام بأمره لما أنها المنشأ لما كان، وقيل: إنما قدم لأن تأخيره، يوهم أن يكون خبرا مقدما على المبتدأ، وتكون الجملة حالا من فاعل- دخل- وتعقب بأن حاصل التركيب الأول مصاحبة الفتيين له عند دخولهما، وحاصل الثاني مصاحبة الفتيين له عند دخوله، ويؤول الأمران إلى دخولهما ودخوله متصاحبين فإنهم.
والجملة على ما قيل: معطوفة على محذوف ينساق إليه الذهن كأنه قيل: فلما بدا لهم ذلك سجنوه وَدَخَلَ مَعَهُ إلخ، وقرأ السِّجْنَ بفتح السين على معنى موضع السجن قالَ استئناف مبني على سؤال من يقول: ما صنعا بعد ما دخلا؟ فأجيب بأنه قالَ أَحَدُهُما وهو الشرابي واسمه بنو إِنِّي أَرانِي أي رأيتني في المنام والتعبير بالمضارع لاستحضار الصور الماضية أَعْصِرُ خَمْراً أي عنبا، روي أنه قال: رأيت حبلة من كرم حسنة لها ثلاثة أغصان فيها عناقيد عنب فكنت أعصرها وأسقي الملك، وسماه بما يؤول إليه لأن الخمر مما لا يعصر إذ عصر الشيء إخراج ما فيه من المائع بقوة، وكون العنب يؤول إلى الخمر وكون الذي يؤول إليه ماؤه لا جرمه لا يضر لأنه المقصود منه فما عداه غير منظور إليه فليس فيه تجوزان بالنظر إلى المتعارف فيه، وقيل: الخمر بلغة غسان اسم للعنب، وقيل: في لغة أذرعان (1)، وقرأ أبيّ وعبد الله- «أعصر عنبا» - قال في البحر: وينبغي أن يحمل ذلك على التفسير لمخالفته لسواد المصحف، والثابت عنهما بالتواتر قراءتهما أَعْصِرُ خَمْراً انتهى، وقد أخرج القراءة كذلك عن
(1) قال المعتمر: لقيت أعرابيا يحمل عنبا في وعاء فقلت: ما تحمل؟ قال: خمرا أراد العنب اهـ منه.
الثاني البخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق، وذكروا أنه قال:
والله لقد أخذتها من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هكذا فافهم.
وقال ابن عطية: يجوز أن يكون وصف الخمر بأنها معصورة لأن العصر من أجلها فليس ذلك من مجاز الأول، والمشهور أنه منه كما قال الفراء: مؤنثة وربما ذكرت، وعن السجستاني أنه سمع التذكير ممن يوثق به من الفصحاء، ورأي الحلمية جرت مجرى أفعال القلوب في جواز كون فاعلها ومفعولها ضميرين متحدي المعنى، ولا يجوز ذلك في غير ما ذكر، فلا يقال: أضربني ولا أكرمني، وحاصله أرى نفسي أعصر خمرا وَقالَ الْآخَرُ وهو الخباز واسمه مجلث (1) إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً، وفي مصحف ابن مسعود- ثريدا..
تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ وهذا كما قيل أيضا: تفسير لا قراءة، روي أنه قال: رأيت أني أخرج من مطبخة الملك وعلى رأسي ثلاث سلال فيها خبز والطير تأكل من أعلاه، والخبز معروف، وجمعه أخباز وهو مفعول أَحْمِلُ والظرف متعلق- بأحمل- وتأخيره عنه لما مرّ، وقيل: متعلق بمحذوف وقع حالا منه، وجملة تَأْكُلُ إلخ صفة له أو استئناف مبني على السؤال نَبِّئْنا أي أخبرنا بِتَأْوِيلِهِ بتعبيره وما يؤول إليه أمره، والضمير للرؤيتين بتأويل ما ذكر أو ما رؤي وقد أجري الضمير مجرى ذلك بطريق الاستعارة (2) فإن اسم الإشارة يشار به إلى متعدد كما مرت الإشارة إليه غير مرة هذا إذا قالاه معا أو قاله أحدهما من جهتهما معا، وأما إذا قاله كل منهما إثر ما قص ما رآه فالمرجع غير متعدد ولا يمنع من هذا الاحتمال صيغة المتكلم مع الغير لاحتمال أن تكون واقعة في الحكاية دون المحكي على طريقة قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [المؤمنون: 51] فإنهم لم يخاطبوا دفعة بل خوطب كل منهم في زمان بصيغة مفردة خاصة به إِنَّا نَراكَ تعليل لعرض رؤياهما عليه واستفسارهما منه عليه السلام أي إنا نعتقدك مِنَ الْمُحْسِنِينَ أي من الذين يحسنون تأويل الرؤيا لما رأياه يقص عليه بعض أهل السجن رؤياه فيؤوّلها لهم تأويلا حسنا، وكان عليه السلام حين دخل السجن قد قال: إني أعبر الرؤيا وأجيد أو من العلماء كما في
قول علي كرم الله تعالى وجهه: قيمة كل امرئ ما يحسنه
وذلك لما سمعاه يذكر للناس ما يدل على علمه وفضله، أخرج ابن أبي حاتم وغيره عن قتادة قال: لما انتهى يوسف إلى السجن وجد فيه قوما قد انقطع رجاؤهم واشتد بلاؤهم وطال حزنهم فجعل يقول: ابشروا واصبروا تؤجروا إن لهذا لأجرا فقالوا: يا فتى بارك الله تعالى فيك ما أحسن وجهك وأحسن خلقك وخلقك لقد بورك لنا في جوارك ما نحب أنا كنا في غير هذا منذ جئتنا لما تخبرنا من الأجر والكفارة والطهارة، فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف بن صفي الله تعالى يعقوب بن ذبيح الله تعالى إسحاق بن خليل الله تعالى إبراهيم فقال له عامل السجن: يا فتى لو استطعت خليت سبيلك ولكن سأحسن جوارك فكن في أي بيوت السجن شئت، أو مِنَ الْمُحْسِنِينَ إلى أهل السجن أي فأحسن إلينا بكشف غمتنا إن كنت قادرا على ذلك، وإلى هذا ذهب الضحاك، أخرج سعيد بن منصور والبيهقي، وغيرهما عنه أنه سئل ما كان إحسان يوسف؟ فقال: كان إذا مرض إنسان في السجن قام عليه، وإذا ضاق عليه مكان أوسع له، وإذا احتاج جمع له قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ في
(1) وقيل: اسم الفتيين راشان ومرطش، وقيل: شبرهم وشرهم اهـ منه. [.....]
(2)
والسر في المصير إلى هذا الإجراء بعد التأويل أن الضمير إنما يتعرض لنفس المرجع من حيث هو من غير تعرض لحال من أحواله فلا ينبغي تأويله بأحد الاعتبارين إلّا بإجرائه مجرى اسم الإشارة الذي يدل على المشار إليه باعتبار الذي جرى عليه الكلام فتأمل، قاله أبو السعود اهـ منه.
الحبس حسب عادتكما المطردة إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا يأتيكما طعام في حال من الأحوال إلّا حال ما نبأتكما به بأن بينت لكما ماهيته وكيفيته وسائر أحواله قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما، وحاصله لا يأتيكما طعام إلّا أخبرتكما قبل إتيانه إياكما بأنه يأتيكما طعام من صفته كيت وكيت، وإطلاق التأويل على ذلك مع أن حقيقته في المشهور تفسير الألفاظ المراد منها خلاف الظاهر ببيان المراد بطريق الاستعارة فإن ذلك يشبه تفسير المشكل، أو أنه بالنسبة إلى الطعام المبهم بمنزلة التأويل بالنسبة إلى ما رؤي في المنام وشبيه له.
ويحسن هذه الاستعارة ما في ذلك من المشاكلة لما وقع في عبارتهما من قولهما: نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ وكون المراد بالتأويل الأمر الآيل لا المآل بناء على أنه في الأصل جعل شيء آئلا إلى شيء آخر وكما يجوز أن يراد به الثاني يجوز أن يراد به الأول، ويكون المعنى- إلّا نبأتكما بما يؤول إليه من الكلام- والخبر المطابق للواقع في غاية البعد بل لا يكاد يلتفت إليه كما لا يخفى على المنصف، وكأنه عليه السلام أراد أن يعرض عليهما التوحيد ويزينه لهما ويقبح لهما الشرك الله تعالى قبل أن يجيبهما عما سألاه من تعبير رؤياهم ثم يجيبهما عن ذلك.
وهذه طريقة على كل ذي عقل أن يسلكها مع الجهلة والفسقة إذا استفتاه واحد منهم أن يقدم الإرشاد والنصيحة أولا ويدعوه إلى ما هو أولى به وأوجبه عليه مما استفتى فيه ثم يفتيه، ولعل ذلك كان مفترضا عليه عليه السلام فوصف نفسه أولا بما هو فوق علم العلماء وهو الإخبار بالمغيبات وجعله تخلصا لما أراد كالتخلصات المعروفة عندهم فإن الإخبار بالغيب يناسب ما سألاه من تأويل رؤياهما وأن من كان هكذا لا محالة يكون بغيره صادقا، ويقوي أمر المناسبة تخصيص الطعام بالذكر من بين سائر المغيبات كما لا يخفى، ويناسب ما أراده من الدعوة إلى التوحيد لأنه ثبت صدقه ونبوته وكونه من المرتضين عند الله تعالى الصادقين في أقوالهم وأفعالهم، وفي حكاية الله تعالى ذلك إرشاد لمن كان له قلب، وقد أدمج فيه أن وصف العالم نفسه لينتفع به لا يحرم ولا يعد ذلك من التزكية المحظورة، وإلى ما ذكرنا من حمل الإتيان على الإتيان في اليقظة ذهب غير واحد من الأجلة، وروي عن ابن جريج، وحمله بعضهم على الإتيان مناما، قال السدي وابن إسحاق: إنه عليه السلام لما علم من رؤية الخباز أنه يقتل أخذ في حديث آخر تنسية لهما أمر المنام وطماعية في إيمانهما ليأخذ المقتول بحظه من الإيمان وتسلم له آخرته فقال بعظيم علمه بالتعبير:- إنه لا يجيئكما طعام في نومكما تريان أنكما ترزقانه إلّا أعلمتكما بما يؤول إليه أمره في اليقظة قبل أن يظهر ذلك- ولا يخفى أن حديث الطماعية المذكورة مما لا بأس إلّا أن حديث التنسية لا يخلو عن منع، وجاء في رواية أخرى عن ابن جريج أخرجها ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عنه ما يقرب من هذا الحديث من وجه فإنه قال: إنه عليه السلام كره العبارة لهما فأجابهما بأن له علما بما يأتيهما من الطعام ولم يصرح بما تدل عليه رؤياهما شفقة على الهالك منهما، وكان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاما معلوما فأرسل به إليه فلما لم يكتفيا بذلك وطلبا منه التعبير أيضا دعاهما إلى التوحيد كراهة للعبارة أيضا، فلما لم يكتفيا عبر لهما وأوضح ما تدل عليه رؤياهما وهو كما ترى، وأيا ما كان فالضمير في تأويله يعود على الطعام، وجوز عوده على ما قصاه عليه من الرؤيتين على معنى (1) لا يأتيكما طعام ترزقانه حسب عادتكما إلّا أخبرتكما بتأويل ما قصصتما عليّ قبل أن يأتيكما ذلك الطعام الموقت، والمراد الأخبار بالاستعجال بالتنبئة، وفيه أنه خلاف الظاهر مع أن الأخبار بالاستعجال مما ليس فيه كثير مناسبة لما هو
(1) قال في إرشاد العقل السليم في الاعتراض عليه: وأنت خبير بأن النظم الكريم ظاهر في تعدد إتيان الطعام والإخبار بالتأويل وتجددهما وأن المقام مقام إظهار فضله في فنون العلوم بحيث يدخل في ذلك رؤياهما دخولا أوليا اهـ فافهم اهـ منه.
بصدده، وقد يقال: يجوز عود الضمير إلى ما قصاه ويكون المراد من الطعام المرزوق ما رأياه في النوم، ولا يخفى ما فيه أيضا لكن التأويل على هذين الوجهين لا يحتاج إلى التأويل بل يراد منه ما أريد من تأويله في كلامهما، وكذا الضمير المستتر في يَأْتِيكُما يعود على الطعام وعوده على التأويل وإن كان أقرب بعيد، ثم إنه عليه السلام أخبرهما بأن علمه ذلك ليس من علوم الكهنة والمنجمين بل هو فضل إلهي يؤتيه من يشاء فقال: ذلِكُما ويروى أنهما قالا له: من أين لك ما تدعيه من العلم وأنك لست بكاهن ولا منجم؟! وقيل: قالا إن هذا كهانة أو تنجيم، فقال:
أي ذلك التأويل، والكشف عن المغيبات، ومعنى البعد في ذلك للإشارة إلى بعد منزلته وعلو درجته مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي بالوحي أو بنحو ذلك مما يحصل به العلم كما يكون للأولياء أهل الكشف رضي الله تعالى عنهم، واقتصر بعضهم على الأول وادعى أن الآية دليل على أنه عليه السلام كان إذ ذاك نبيا، وأيا ما كان فالمراد أن ذلك بعض مما علمنيه الله تعالى أو من ذلك الجنس الذي لا يناله إلّا الأصفياء، ولقد دلهما بذلك على أن له علوما جمة ما سمعاه قطرة من تيارها وزهرة من أزهارها وقوله: إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ مما تقدم وتعليلا له كأنه قيل: لماذا علمك ربك تلك العلوم الجليلة الشأن؟ فقال: لأني تركت دين الكفر الذي اجتمعوا عليه من الشرك وعبادة الأوثان.
وقيل: تعليل للتعليم الواقع صلة وهو يؤدي إلى معنى أنه مما علمني ربي لهذا السبب دون غيره وليس بمراد.
وقيل: لمضمون الجملة الخبرية، وفيه أن ما ذكر ليس بعلة لكون التأويل المذكور بعضا مما علمه ربه- أو لكونه من جنسه- بل لنفس التعليم، والمراد بالترك الامتناع فإنه لم يتلوث بتلك قط كما يفصح عنه ما يأتي من كلامه عليه السلام قريبا إن شاء الله تعالى لكن عبر به عن ذلك استجلابا لهما لأن يتركا تلك الملة التي هم عليها على أحسن وجه والتعبير عن كفرهم بالله تعالى بسلب الإيمان به سبحانه للتنصيص على أن عبادتهم له تعالى مع عبادة الأوثان ليس بإيمان به تعالى كما يزعمونه، وأراد بأولئك القوم المتصفين بعنوان الصلة حيث كانوا، وقيل: أهل مصر فإنهم كانوا عبدة إذ ذاك وَهُمْ بِالْآخِرَةِ وما فيها من الجزاء هُمْ كافِرُونَ أي على الخصوص دون غيرهم من الكنعانيين الذين هم ملة إبراهيم عليه السلام على ما يفيده توسيط ضمير الفصل هنا عند البعض، وذكر أن تقديم الضمير للتخصيص وتكريره للتأكيد، ولعله إنما أكد إنكارهم للمعاد لأنه كان أشد من إنكارهم للمبدأ فتأمل.
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ داخل في حيز التعليل كأنه قال: إنما فزت بما فزت بسبب أني لم أتبع ملة قوم كفروا بالمبدأ والمعاد واتبعت ملة آبائي الكرام المؤمنين بذلك، وإنما قاله عليه السلام ترغيبا لصاحبيه في الإيمان والتوحيد وتنفيرا لهما عما كانا عليه من الشرك والضلال، وقدم ذكر تركه لملتهم على ذكر اتباعه لملة آبائه عليهم السلام لأن التخلية مقدمة على التحلية.
وجوز بعضهم أن لا يكون هناك تعليل وإنما الجملة الأولى مستأنفة ذكرت تمهيدا للدعوة والثانية إظهارا لأنه من بيت النبوة لتقوى الرغبة فيه، وفي كلام أبي حيان ما يقتضي أنه الظاهر وليس بذاك، وقرأ الأشهب العقيلي والكوفيون «آبائي» بإسكان الياء وهي مروية عن أبي عمرو ما كانَ ما صح وما استقام فضلا عن الوقوع لَنا معاشر (1) الأنبياء لقوة نفوسنا، وقيل: أي أهل هذا البيت لوفور عناية الله تعالى بنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي شيئا أي شيء كان من ملك أو جني أو إنسي فضلا عن الصنم الذي لا يسمع ولا يبصر- فمن- زائدة في المفعول به لتأكيد
(1) قيل: يراد معاشر الأنبياء، ويعتبر التغليب بناء على عدم نبوته عليه السلام إذ ذاك وهو كما ترى اهـ منه.
العموم، ويجوز أن يكون المعنى شيئا من الإشراك قليلا كان أو كثيرا فيراد من شَيْءٍ المصدر وأمر العموم بحاله، ويلزم من عموم ذلك عموم المتعلقات ذلِكَ أي التوحيد المدلول عليه بنفي صحة الشرك مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا أي ناشىء من تأييده لنا بالنبوة والوحي بأقسامه، والمراد أنه فضل علينا بالذات وَعَلَى النَّاسِ بواسطتنا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ أي لا يوحدون، وحيث عبر عن ذلك بذلك العنوان عبر التوحيد الذي يوجبه بالشكر لأنه مع كونه من آثار ما ذكر من التأييد شكر لله عز وجل، ووضع الظاهر موضع الضمير الراجع الى الناس لزيادة التوضيح والبيان ولقطع توهم رجوعه إلى مجموع الناس وما كنى عنه- بنا- الموهم لعدم اختصاص غير الشاكر بالناس، وفيه من الفساد ما فيه، وجوز أن يكون المعنى ذلك التوحيد ناشىء من فضل الله تعالى علينا حيث نصب لنا أدلة ننظر فيها ونستدل بها على الحق، وقد نصب مثل تلك الأدلة لسائر الناس أيضا من غير تفاوت ولكن أكثرهم لا ينظرون ولا يستدلون بها اتباعا لأهوائهم فيبقون كافرين غير شاكرين، والفضل على هذا عقلي وعلى الأول سمعي، وجوز المولى أبو السعود أن يقال: المعنى ذلك التوحيد من فضل الله تعالى علينا حيث أعطانا عقولا ومشاعر نستعملها في دلائل التوحيد التي مهدها في الأنفس والآفاق، وقد أعطى سائر الناس أيضا مثلها ولكن أكثرهم لا يشكرون أي لا يصرفون تلك القوى والمشاعر الى ما خلقت هي له ولا يستعملونها فيما ذكر من أدلة التوحيد الآفاقية والأنفسية والعقلية والنقلية انتهى، ولك أن تقول: يجوز أن تكون الإشارة إلى ما أشير إليه- بذلكما- ويراد منه ما يفهم مما قبل من علمه بتأويل الرؤيا، مِنْ في قوله مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تبعيضية، ويكون قد أخبر عنه أولا بأنه مما علمه إياه ربه وثانيا بأنه بعض فضل الله تعالى عليه وعلى آبائه بالذات وعلى الناس بواسطتهم لأنهم يعبرون لهم رؤياهم فيكشفون لهم ما أبهم عليهم ويزيلون عنهم ما أشغل أذهانهم مع ما في ذلك من النفع الذي لا ينكره إلّا نائم أو متناوم، ومن وقف على ما ترتب على تعبير رؤيا الملك من النفع الخاص والعام لم يشك في أن علم التعبير من فضل الله تعالى على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون فضل الله تعالى مطلقا أو فضله عليهم بوجود من يرجعون إليه في تعبير رؤياهم، ويكون ذلك نظير قولك لمن سألك عن زيد: ذلك أخي ذلك حبيبي، ولكنه وسط هاهنا ما وسط وتفنن في التعبير فأتى باسم الإشارة أولا مقرونا بخطابهما ولم يأت به ثانيا كذلك وأتى بالرب مضافا إلى ضميره أولا وبالاسم الجليل ثانيا، ويجوز أن يكون المشار إليه في الموضعين الإخبار بالمغيبات مطلقا، والكلام في سائر الآية عليه لا أظنه مشكلا، وعلى الوجهين لا ينافي تعليل نيل تلك الكرامة- بتركه ملة الكفرة واتباعه ملة آبائه الكرام- الإخبار بأن ذلك من فضل الله تعالى عليه وعلى من معه كما لا يخفى، نعم إن حمل الإشارة على ما ذكر وتوجيه الآية عليه بما وجهت لا يخلو عن بعد.
ومن الناس من جعل الإشارة إلى النبوة وفيه ما فيه أيضا، هذا وأوجب الإمام كون المراد في قوله: لا يَشْكُرُونَ لا يشكرون الله تعالى على نعمة الإيمان، ثم قال: وحكي أن واحدا من أهل السنة دخل على بشر بن المعتمر فقال: هل تشكر الله تعالى على الإيمان أم لا؟ فإن قلت: لا فقد خالفت الإجماع، وإن شكرته فكيف تشكره على ما ليس فعلا له؟! فقال بشر: إنا نشكره على أن أعطانا القدرة والعقل والآلة، وأما أن نشكره على الإيمان مع أنه ليس فعلا له فذلك باطل، وصعب الكلام على بشر فدخل عليهم ثمامة بن الأشرس، فقال: إنا لا نشكر الله تعالى على الإيمان بل الله تعالى يشكره علينا كما قال سبحانه: فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً [الإسراء: 19] فقال بشر: لما صعب الكلام سهل، وتعقب ذلك عليه الرحمة بأن الذي التزمه ثمامة باطل وهو على طرف الثمام بنص هذه الآية لأنه سبحانه بين فيها أن عدم الإشراك من فضل الله تعالى، ثم بين أن أكثر الناس لا يشكرون هذه النعمة، وقد ذكر سبحانه ذلك على سبيل الذم فدل على أنه يجب على مؤمن أن يشكر الله تعالى على الإيمان لئلا يدخل في الذم وحينئذ تقوى الحجة وتكمل الدلالة اه.
ولعل الوجه في الآية ما تقدم فليفهم يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أي يا صاحبي فيه إلّا أنه أضيف إلى الظرف توسعا كما في قولهم: يا سارق الليلة أهل الدار ولعله إنما ناداهما بعنوان الصحبة في مدار الأشجان ودار الأحزان التي تصفو فيها المودة وتتمحض النصيحة ليقبلا عليه ويقبلا مقالته، ويجوز أن يراد بالصحبة السكنى كما يقال: أَصْحابُ النَّارِ وأَصْحابُ الْجَنَّةِ [الحشر: 20] لملازمتهم لهما، والإضافة من باب إضافة الشيء إلى شبه المفعول عند أبي حيان وإلى المفعول عند غيره ولا اتساع في ذلك، وقيل: بل هناك اتساع أيضا، وأنه أضافهما إلى السجن دونه لكونهما كافرين وفيه نظر، ولعل في ندائهما بذلك على هذا الوجه حثا لهما على الإقرار بالحق كأنه قال لهما: يا ساكني هذا المكان الشاق والمحل الضنك إني ذاكر لكم أمرا فقولوا. الحق فيه ولا تزيغوا عن ذلك فأنتم تحت شدة ولا ينبغي لمن كان كذلك أن يزيغ عن الحق، وإنما حمل الصاحب على ما سمعت لأن صاحب السجن في الاستعمال المشهور السجان أو الملك، والنداء- بيا- بناء على الشائع (1) من أنها للبعيد للإشارة إلى غفلتهما وهيمانهما في أودية الضلال، وقد تلطف عليه السلام بهما في ردهما إلى الحق وإرشادهما إلى الهدى حيث أبرز لهما ما يدل على بطلان ما هما عليه بصورة الاستفهام حتى لا تنفر طباعهما من المفاجأة بإبطال ما ألفاه دهرا طويلا ومضت عليه أسلافهما جيلا فجيلا فقال: أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ متعددون متكثرون يستعبدكما منهم هذا وهذا، والكلام على ما صرح به أبو حيان على حذف مضاف أي أعبادة أرباب متفرقين خَيْرٌ لكما أَمِ اللَّهُ أي أم عبادة الله سبحانه الْواحِدُ المنفرد بالألوهية الْقَهَّارُ الغالب الذي لا يغالبه أحد جلّ وعلا، وهو أولى مما قاله الخطابي من أنه الذي قهر الجبابرة بالعقوبة والخلق بالموت.
وذكر الزمخشري أن هذا مثل ضرب لعبادة الله تعالى وحده ولعبادة الأصنام، واعترضه القطب بأن ذلك إنما يصح لو نسبا تارة إلى أرباب شتى وأخرى إلى رب واحد كما في قوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ [الزمر:
29] الآية لكنهما نسبا إلى أرباب وإلى الله تعالى، فكيف يكون مثلا؟! وأجاب بأن يفسر الله تعالى برب واحد لأنه في مقابلة أرباب، وإنما عبر عن رب واحد بالله تعالى لانحصاره فيه جل جلاله.
وقال الطيبي أيضا: إن في ذلك إشكالا لأن الظاهر من الآية نفي استواء الأصنام وعبادتها بالله تعالى وعبادته فأين المثل؟ ثم قال: لكن التقدير أسادات شتى تستعبد مملوكا واحدا خير من سيد واحد قهار فوضع موضع الرب، والسيد الله لكونه مقابلا لقوله: أَأَرْبابٌ فيكون كقوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ الآية.
وقرر في الكشف ما ادعى معه ظهور كونه مثلا طهورا لا إشكال فيه، والحق أنه ظاهر في نفي الاستواء وإن جعله مثلا يحتاج إلى تأويل حسبما سمعت عن الطيبي إلّا أنه لا يخلو عن لطف ولعله الأولى وإن أحوج إلى ما أحوج، وحمل التفرق على التفرق في العدد والتكاثر مما ذهب إليه غير واحد، وحمله بعضهم على الاختلاف في الكبر والصغر والشكل ونحو ذلك مما يحصل لها بواسطة تأثير الغير فيها، وجعله إشارة الى كونها مقهورة عاجزة.
وأما التعدد فيشير إليه جمع أرباب باعتبار أنه جمع فيكون ذكر الْواحِدُ على هذا في مقابلة ما أشير إليه من التعدد، والْقَهَّارُ في مقابلة ما أشير إليه من المقهورية والعجز، والمعنى أمتعددون سميتموهم أربابا عجز مقهورون متأثرون من غيرهم خير أَمِ اللَّهُ أي صاحب هذا الاسم الجليل الْواحِدُ الذي يستحيل عليه التكثر بوجه من الوجوه الْقَهَّارُ الذي لا موجود إلّا وهو مسخر تحت قهره وقدرته عاجز في قبضته.
(1) والحق أنها للنداء مطلقا بعيدا كان المنادى أو قريبا اهـ منه.
وقيل: المراد من مُتَفَرِّقُونَ مختلفو الأجناس والطبائع كالملك والجن والجماد مثلا، ويجوز أن يراد منه من لا ارتباط بينهم ولا اتفاق، وكثيرا ما يكنى بذلك عن العجز واختلال الحال، وقد استنبط الإمام من الآية غير ما حجة على بطلان عبادة الأصنام، وظاهر كلامه أنه لم يعتبرها مثلا فليتأمل، ثم إنه عليه السلام زاد في الإرشاد ببيان سقوط آلهتهما عن درجة الاعتبار رأسا فضلا عن الألوهية، واخرج ذلك على أتم وجه فقال معمما للخطاب لهما ولمن على دينهما من أهل مصر كما هو الظاهر، وقيل: مطلقا، وقيل: من معهما من أهل السجن: ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ أي من دون الله تعالى شيئا إِلَّا أَسْماءً أي ألفاظا فارغة لا مطابق لها في الخارج لأن ما ليس فيه مصداق إطلاق الاسم عليه لا وجود له أصلا فكانت عبادتهم لتلك الألفاظ فقط سَمَّيْتُمُوها جعلوها أسماء أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ بمحض الجهل والضلالة ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها أي بتلك التسمية المستتبعة للعبادة مِنْ سُلْطانٍ أي حجة تدل على صحتها، قيل: كانوا يطلقون على معبوداتهم الباطلة اسم الآلهة ويزعمون الدليل على ذلك فردوا بأنكم سميتم ما لم يدل على استحقاقه هذا الاسم عقل ولا نقل ثم أخذتم تعبدون ذلك باعتبار ما تطلقونه عليه، وإنما لم يذكر المسميات تربية لما يقتضيه المقام من إسقاطها عن مرتبة الوجود وإيذانا بأن تسميتهم في البطلان حيث كانت بلا مسمى كعبادتهم حيث كانت بلا معبود، ويلحق بهؤلاء الذين يزعمون أنهم يعبدون الله تعالى وهم يتخيلونه جسما عظيما جالسا فوق العرش أو نحو ذلك مما ينزهه العقل والنقل عنه تعالى تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا لأن ما وضع له الاسم الجليل في نفس الأمر ليس هو الذي تخيلوه بل هو أمر وراء ذلك وهو المستحق للعبادة وما وضعوه هم له ليس بآله في نفس الأمر ولا مستحق للعبادة وهو الذي عبدوه فما عبدوا في الحقيقة إلّا اسما لا مطابق له في الخارج لأن ما في الخارج أمر وما وضعوا الاسم له أمر آخر إِنِ الْحُكْمُ أي ما الحكم في شأن العبادة المتفرعة على تلك التسمية وفي صحتها إِلَّا لِلَّهِ عز سلطانه لأنه المستحق لها بالذات- إذ هو الواجب بالذات الموجد للكل والمالك لأمره- أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا أي بأن لا تعبدوا أحدا إِلَّا إِيَّاهُ حسبما يقتضي به قضية العقل أيضا، والجملة استئناف مبني على سؤال ناشىء من الجملة السابقة كأنه قيل: فماذا حكم الله سبحانه في هذا الشأن؟ فقيل:
أَمَرَ إلخ، وقيل: في موضع التعليل لمحذوف كأنه قيل: حيث لم يكن الحكم في أمر العبادة إلّا له فلا تكون العبادة إلا له سبحانه أو لمن يأمر بعبادته وهو لا يأمر بذلك ولا يجعله لغيره لأنه سبحانه أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، وهو خلاف الظاهر.
وجوز أن يكون سرد هذه الجمل على هذا الطرز لسدّ الطرق في توجيه صحة عبادة الأصنام عليهم أحكم سدّ فإنهم إن قالوا: إن الله تعالى قد أنزل حجة في ذلك ردوا بقوله: ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ وإن قالوا: حكم لنا بذلك كبراؤنا ردوا بقوله: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ وإن قالوا: حيث لم ينزل حجة في ذلك ولم يكن حكم لغيره بقي الأمر موقوفا إذ عدم إنزال حجة تدل على الصحة لا يستلزم إنزال حجة على البطلان ردوا بقوله: أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ أي تخصيصه تعالى بالعبادة الدِّينُ الْقَيِّمُ الثابت الذي دلت عليه البراهين العقلية والنقلية وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أن ذلك هو الدين القيم لجهلهم تلك البراهين أو لا يعلمون شيئا أصلا فيعبدون أسماء سموها من عند أنفسهم معرضين عما يقتضيه العقل ويسوق إليه سائق النقل، ومنشأ هذا الإعراض الوقوف عند المألوفات والتقيد بالحسيات وهو مركوز في أكثر الطباع ومن ذلك جاء التشبيه، والتجسيم، ونسبه الحوادث الكونية الى الشمس والقمر وسائر الكواكب. ونحو ذلك، ثم إنه عليه السلام بعد تحقيق الحق وبيانه لهما مقدار علمه الواسع شرع في إنبائهما عما استنبآه عنه، ولكونه بحثا مغايرا لما سبق فصله عنه بتكرير الخطاب فقال: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ
أَمَّا أَحَدُكُما
أراد به الشرابي، وإنما لم يعينه عليه السلام ثقة بدلالة التعبير مع ما فيه من رعاية حسن الصحبة فَيَسْقِي رَبَّهُ أي سيده خَمْراً روي أنه عليه السلام قال له: ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده، وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه، وقرىء «فيسقي» بضم الياء والبناء للفاعل من أسقى، قال صاحب اللوامح: يقال: سقى، وأسقى بمعنى، وقرىء في السبعة «نسقيكم» و «نسقيكم» بالفتح والضم، والمعروف أن سقاه ناوله ليشرب. وأسقاه جعل له سقيا، ونسب ضم الياء لعكرمة، والجحدري، وذكر بعضهم أن عكرمة قرأ «فيسقى» بالبناء للمفعول، وريه- بالياء المثناة والراء المكسورة، والمراد به ما يروى به وهو مفعول ثان- ليسقى- والمفعول الأول الضمير النائب عن الفاعل العائد على أحد، ونصب خَمْراً حينئذ على التمييز وَأَمَّا الْآخَرُ وهو الخباز فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ روي أنه عليه السلام قال له: ما رأيت السلال الآخرة الثلاث ثلاثة أيام تمر ثم تخرج فتصلب قُضِيَ أتم وأحكم الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ وهو ما يؤول إليه حالكما وتدل عليه رؤياكما من نجاة أحدكما وهلاك الآخر، ومعنى استفتائهما فيه سؤالهما عنه، أخرج جماعة منهم الحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئا إنما تحالما ليجربا علمه فلما أول رؤياهما قالا: إنما كنا نلعب ولم نر شيئا، فقال عليه السلام: قُضِيَ الْأَمْرُ إلخ يقول: وقعت العبارة اهـ، وقيل: المراد بالأمر ما اتهما به، والكلام حينئذ على حذف مضاف أي عاقبة ذلك.
وذهب بعض المحققين إلى أن المراد به ما رأياه من الرؤيتين، ونفى أن يكون المراد ما يؤول إليه أمرهما، قال:
لأن الاستفتاء إنما يكون في الحادثة لا في حكمها يقال: استفتى الفقيه في الحادثة أي طلب منه بيان حكمها ولا يقال: استفتاه في حكمها وكذا الإفتاء، يقال: أفتى في الواقعة الفلانية بكذا ولا يقال: أفتى في حكمها بكذا ومما هو علم في ذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ ومعنى استفتائهما فيه طلبهما لتأويله بقولهما نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ وعبر عن ذلك بالأمر وعن طلب تأويله بالاستفتاء تهويلا لأمره وتفخيما لشأنه إذ الاستفتاء إنما يكون في النوازل المشكلة الحكم المبهمة الجواب، وإيثار صيغة المضارع لما أنهما بصدد الاستفتاء إلى أن يقضي عليه السلام من الجواب وطره وإسناد القضاء إليه مع أنه من أحوال مآله لأنه في الحقيقة عين ذلك المآل، وقد ظهر في عالم المثال بتلك الصورة، وأما توحيده مع تعدد رؤياهما فوارد على حسب ما وحداه في قولهما: نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ لا لأن الأمر ما اتهما به وسجنا لأجله من سمّ الملك فإنهما لم يستفتيا فيه ولا فيما هو صورته بل فيما هو صورة لمآله وعاقبته فتأمل اهـ.
وتعقب بأنه لا مانع من أن يراد بالأمر المآل كما يقتضيه ظاهر إسناد إليه وإليه ذهب الكثير، وتجعل- في- للسببية مثلها في
قوله عليه الصلاة والسلام: «إن امرأة دخلت النار في هرة»
ويكون معنى الاستفتاء فيه الاستفتاء بسببه أي طلب بيان حكم الرؤيتين لأجله، وهما إنما طلبا ذلك لتعرف حالهما ومآل أمرهما.
وإن أبيت ذلك فأي مانع من أن يكون الاستفتاء في الأمر مع أن الاستفتاء إنما يكون في الحادثة، وهي هنا الرؤيتان لما أن بين الأمر وتلك الحادثة اتحادا كما ادعاه هو، ووجه به إسناد القضاء إلى الأمر بالمعنى الذي حمله عليه مع أنه من أحوال مآله، وليس له أن يقول بصحة اعتبار العينية في إسناد القضاء وعدم صحة اعتبارها في تعلق الاستفتاء إذ بعد اعتبار العينية بين شيئين يكون صحة نسبة ما هو من أحوال أحدهما إلى الآخر دون صحة نسبة ما هو من أحوال ذلك الآخر إليه ترجيحا بلا مرجح، ومنع ذلك مكابرة، ويرجح ما ذهب إليه الكثير أن فيه سلامة من نزع الخف قبل الوصول إلى الماء كما لا يخفى على من تيمم كعبة الإنصاف، وبأن ما ذكره في تعليل عدم صحة تفسير الأمر بما اتهما به وسجنا لأجله لا يخلو عن دغدغة على أن ذلك كان تعريضا بصاحب الكشاف وهو على ما قال الطيبي: ما
عني بالأمر إلّا العاقبة، نعم صدر كلامه ظاهر فيما ذكر والأمر فيه سهل، ولعل وجه الأمر بالتأمل في كلام هذا المحقق مجموع ما ذكرناه فتأمل، ثم إن هذا الإخبار كما يحتمل أن يكون للرد عليهما حسبما ورد في الأثر يحتمل أن يكون تحقيقا لتعبيره وتأكيدا له، ولا يشكل على الأول أنه لا داعي لجحود الشرابي لأنا نقول على تقدير كذبهما في ذلك:
يحتمل أن يكون لمراعاة جانب صاحبه الخباز.
وجاء
في بعض الآثار «إن الذي جحد هو الخباز»
فحينئذ الأمر واضح. واستدل بذلك على ما هو المشهور من أن الرؤيا تقع كما تعبر، ولذا قيل: المنام على جناح طائر إذا قص وقع وَقالَ أي يوسف عليه السلام.
لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ أوثر على صيغة المضارع مبالغة في الدلالة على تحقيق النجاة حسبما يفيده قوله:
قُضِيَ الْأَمْرُ إلخ، وهو السر في إيثار ما عليه النظم الكريم على أن يقال: للذي ظنه ناجيا مِنْهُمَا أي من صاحبيه، وإنما ذكر بوصف النجاة تمهيدا لمناط التوصية بالذكر بما يدور (1) عليه الامتياز بينه وبين صاحبه المذكور بوصف الهلاك، والظانّ هو يوسف عليه السلام لا صاحبه، وإن ذهب إليه بعض السلف لأن التوصية لا تدور على ظنّ الناجي بل على ظنّ يوسف عليه السلام وهو بمعنى اليقين كما في قوله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [البقرة: 46] ونظائره.
ولعل التعبير به من باب إرخاء العنان والتأدب مع الله تعالى، فالتعبير على هذا بالوحي كما ينبىء عنه قوله:
قُضِيَ الْأَمْرُ إلخ، وقيل: هو بمعناه، والتعبير بالاجتهاد والحكم بقضاء الأمر أيضا اجتهادي، واستدل به من قال: إن تعبير الرؤيا ظني لا قطعي، والجار والمجرور إما في موضع الصفة- لناج- أو الحال من الموصول ولا يجوز أن يكون متعلقا- بناج- لأنه ليس المعنى عليه اذْكُرْنِي بما أنا عليه من الحال والصفة.
عِنْدَ رَبِّكَ سيدك، وروي أنه لما انتهى بالناجي في اليوم الثالث إلى باب السجن قال له: أوصني بحاجتك، فقال عليه السلام: حاجتي أن تذكرني عند ربك وتصفني بصفتي التي شاهدتها فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ أي أنسى ذلك الناجي بوسوسته وإلقائه في قلبه أشغالا حتى يذهل عن الذكر، وإلّا فالإنساء حقيقة لله تعالى، والفاء للسببية فإن توصيته عليه السلام المتضمنة للاستعانة بغيره سبحانه وتعالى كانت باعثة لما ذكر من إنسائه ذِكْرَ رَبِّهِ أي ذكر يوسف عليه السلام عند الملك، والإضافة لأدنى ملابسة، ويجوز أن تكون من إضافة المصدر إلى المفعول بتقدير مضاف أي ذكر إخبار ربه فَلَبِثَ أي فمكث يوسف عليه السلام بسبب ذلك القول أو الإنساء فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ البضع ما بين الثلاث إلى التسع كما روي عن قتادة وعن مجاهد أنه من الثلاث إلى السبع، وقال أبو عبيدة: من الواحد إلى العشرة، ولا يذكر على ما قال الفراء: إلّا مع العشرات دون المائة والألف، وهو مأخوذ من البضع بمعنى القطع والمراد به هنا في أكثر الأقاويل سبع سنين وهي مدة لبثه كلها فيما صححه البعض، وسنتان منها كانت مدة لبثه بعد ذلك القول، ولا يأبى ذلك فاء السببية لأن لبث هذا المجموع مسبب عما ذكر، وقيل: إن هذه السبع مدة لبثه بعد ذلك القول، وقد لبث قبلها خمسا فجميع المدة اثنتا عشرة سنة، ويدل عليه
خبر «رحم الله تعالى أخي يوسف لو لم يقل: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ لما لبث في السجن سبعا بعد خمس» (2) ،
وتعقب بأن الخبر لم يثبت بهذا اللفظ وإنما
(1) ولذا لم يذكره بعنوان التقرب المفهوم من التعبير المذكور وإن كان أدخل وأدعى إلى تحقيق ما وصاه به اهـ منه.
(2)
وقيل: إنه لبث خمس سنين، وقد تقدم هذا للقول فتذكر اهـ منه.
الثابت في عدة روايات ما لبث في السجن طول ما لبث وهو لا يدل على المدعى، وروي ابن حاتم عن طاوس والضحاك تفسير البضع هاهنا بأربع عشرة سنة وهو خلاف المعروف في تفسيره، والأولى أن لا يجوز بمقدار معين كما قدمنا، وكون هذا اللبث مسببا عن القول هو الذي تظافرت عليه الأخبار كالخبر السابق والخبر الذي
وغير ذلك من الأخبار، ولا يشكل على هذا أن الاستعانة بالعباد في كشف الشدائد مما لا بأس به، فقد قال سبحانه: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى [المائدة: 2] فكيف عوتب عليه السلام في ذلك لأن ذلك ما يختلف باختلاف الأشخاص، واللائق بمناصب الأنبياء عليهم السلام ترك ذلك والأخذ بالعزائم، واختار أبو حيان أن يوسف عليه السلام إنما قال للشرابي ما قال ليتوصل بذلك إلى هداية الملك وإيمانه بالله تعالى كما توصل إلى إيضاح الحق لصاحبيه، وإن ذلك ليس من باب الاستعانة بغير الله تعالى في تفريج كربه وخلاصه من السجن، ولا يخفى أن ذلك خلاف الظاهر، وموجب للطعن في غير ما خبر، نعم إنه اللائق بمنصبه عليه الصلاة والسلام.
وجوز بعضهم كون ضمير- أنساه- ورَبِّهِ عائدين على يوسف عليه السلام، وإنساء الشيطان ليس من الإغواء في شيء بل هو ترك الأولى بالنسبة لمقام الخواص الرافعين للأسباب من البين، وأنت تعلم أن الأول هو المناسب لمكان الفاء، ولقوله تعالى الآتي: واذكر بعد أمة وَقالَ الْمَلِكُ وهو الريان وكان كافرا، ففي إطلاق ذلك عليه دلالة على ما قيل: على جواز تسمية الكافر ملكا، ومنعه بعضهم، وكذا منع أن يقال: له أمير احتجاجا بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم كتب إلى هرقل «عظيم الروم» ولم يكتب ملك الروم، أو أميرهم لما فيه من إيهام كونه على الحق، وجعل هذا حكاية اسم مضى حكمه وتصرم وقته، ومثله لا يضر أي قال لمن عنده: إِنِّي أَرى أي رأيت، وإيثار صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ ممتلئات لحما وشحما من سمن كسمع سمانة بالفتح وسمنا كعنبا فهو سامن، وسمين، وذكر أن سمينا وسمينة تجمع على سمان، فهو ككرام جمع كريم وكريمة، يقال: رجال كرام ونسوة كرام يَأْكُلُهُنَّ أي أكلهن، والعدول إلى المضارع لاستحضار الصورة تعجيبا، والجملة حال من البقرات أو صفة لها سَبْعٌ عِجافٌ أي سبع بقرات مهزولة جدا من قولهم: نصل أعجف أي دقيق وهو جمع عجفاء على خلاف القياس، والقياس عجف كحمراء، وحمر فإن فعلاء وأفعل لا يجمع على فعال لكنهم بنوه على سِمانٍ وهم قد يبنون الشيء على ضده كقولهم: عدوة بالهاء لمكان صديقة، وفعول بمعنى فاعل لا تدخله الهاء، وأجرى سِمانٍ على المميز فجر على أنه وصف له، ولم ينصب على أن يكون صفة للعدد المميز لأن وصف تمييزه وصف له معنى، وقد ذكروا أنه إذا وصف التمييز كان التمييز بالنوع وإذا وصف التمييز كان التمييز بالجنس، ولا شك أن الأول أولى وأبلغ لاشتمال النوع على الجنس فهو أزيد في رفع الإبهام المقصود من التمييز، فلهذا رجح ما في النظم الكريم على غيره ولم يقل: سَبْعٌ عِجافٌ بالإضافة، وجعله صفة للتمييز المقدر على قياس ما قبله- لأن التمييز لبيان الجنس والحقيقة والوصف- لا يدل عليه بل على شيء ما له حال وصفة، فلذا ذكروا أن التمييز يكون باسم الجنس الجامد ولا يكون بالوصف المشتق في فصيح الكلام، فتقول: عندي ثلاثة قرشيون ولا تقول قرشيين بالإضافة، وأما قولك: ثلاثة فرسان وخمسة ركبان فلجريان الفارس والراكب مجرى الأسماء لاستعمالها في الأغلب من غير موصوف.
واعترض صاحب الفرائد بأن الأصل في العدد التمييز بالإضافة فإذا وصف السبع بالعجاف فلا بد من تقدير المضاف إليه، وكل واحد من الوصف- وتقدير المضاف إليه- خلاف الأصل أما إذا أضيف كانت الصفة قائمة مقام الموصوف فقولنا: سَبْعٌ عِجافٌ في قوة قولنا: سبع بقرات عجاف، فالتمييز المطلوب بالإضافة حاصل بالإضافة إلى الصفة لقيامها مقام الموصوف، فكما يجوز سبع بقرات عجاف يجوز سبع عجاف، وإنما لم يضف لأنه قائم مقام البقرات وهي موصوفة بعجاف فكانت من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة وهي غير جائزة إلّا بتأويل، وتعقب ذلك القطب بأنه هب أن الأصل في العدد التمييز بالإضافة لكن لما سبق ذكر سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ تبين أن السبع العجاف بقرات فهذا السبع مميز بما تقدم فقد حصل التمييز بالإضافة فلو أضيف إلى العجاف لكان العجاف قائما مقام البقرات في التمييز فيكون التمييز بالوصف وهو خلاف الأصل، وأما إن السبع قائم مقام البقرات فإنما يكون إذا وصف بالعجاف أما إذا أضيف بكون العجاف قائمة مقام البقرات فلا يلزم إضافة الموصوف إلى الصفة اهـ، وفيه تأمل.
وذكر العلامة الطيبي في هذا المقام أنه يمكن أن يقال: إن المميز إذا وصف ثم رفع به الإبهام والإجمال من العدد آذن بأنهما مقصودان في الذكر بخلافه إذا ميز ثم وصف بل الوصف ادعى لأن المميز إنما استجلب للوصف، ومن ثمّ ترك التمييز في القرائن الثلاث والمقام يقتضي ذلك لأن المقصود بيان الابتلاء بالشدة بعد الرخاء، وبيان الكمية بالعدد والكيفية بالبقرات تابع فليفهم، ويعلم من ذلك وجه العدول إلى ما في النظم الكريم عن أن يقال: إني أرى سبع بقرات عجاف يأكلن سبعا سمانا الأخصر منه.
وقيل: إن التعبير بذلك بأنه ما رأى السمان، فقد روي أنه رأى سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس ثم خرج عقيبهنّ سبع بقرات عجاف فابتلعت السمان ولم يتبين عليها منهن شيء.
وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ قد انعقد حبها وَأُخَرَ أي وسبعا أخر يابِساتٍ قد أدركت والتوت على الخضر حتى غلبتها ولم يبق من خضرتها شيء على ما روي، ولعل عدم التعرض لذكر العدد للاكتفاء بما ذكر من حال البقرات، ولا يجوز عطف أخر على سنبلات لأن العطف على المميز يقتضي أن يكون المعطوف والمعطوف عليه بيانا للمعدود سواء قيل: بالانسحاب أو بتكرير العامل لأن المعنى على القولين لا يختلف وإنما الاختلاف في التقدير اللفظي وحينئذ يلزم التدافع في الآية لأن العطف يقتضي أن تكون السنبلات خضرها ويابسها سبعا، ولفظ أُخَرَ يقتضي أن يكون غير السبع وذلك لأن تباينها في الوصف أعني الخضرة واليبس منطوق، واشتراكهما في السنبلية فيكون مقتضى لفظ أُخَرَ تغايرهما في العدد ولزم التدافع، وعلى هذا يصح أن تقول: عندي سبعة رجال قيام وقعود بالجر لأنك ميزت سبعة رجال موصوفين بالقيام والقعود على أن بعضهم كذا وبعضهم كذا، ولا يصح سبعة رجال قيام وآخرين قعود لما علمت، فالآية والمثال في هذا المبحث على وزان واحد كما يقتضيه كلام الكشاف، ونظر في ذلك صاحب الفرائد فقال: إن الصحيح أن العطف في حكم تكرير العامل لا الانسحاب فلو عطف آخرين على رجال قيام لكان سبعة مكررة في المعطوف أي وسبعة آخرين أي رجال آخرين قعود، ويفسد المعنى لأن المفروض أن الرجال سبعة، وأما الآية فلو كرّر فيها وقيل: وسبع أخر أي وسبع سنبلات أخر استقام لأن الخضر سبع واليابسات سع، نعم لو خرج ذلك على المرجوح وهو الانسحاب أدّى إلى أن السبع المذكورة مميزة بسنبلات خضر وسنبلات أخر يابسات، وفسد إذ المراد أن كلا منهما سبعة، لا أنها سبعة، فالمثال والآية ليسا على وزان إذ هو على تكرير العامل يفسد وعلى الانسحاب يصح، والآية بالعكس، ثم بنى على ما زعمه من أن الصحيح قول التكرير جواز العطف.
وادعى أن الأولى أن يكون العطف على خُضْرٍ لا على يابِساتٍ ليدل على موصوف آخر، وهو
سنبلات ولا يقدر موصوفها بقرينة السياق، ولا يخفى أن الكلام إنما هو على تقدير أن يكون مميز السبع ما علمت، وعلى ذلك يلزم التدافع، ولا يبنى على فرض أنهم سبعة أو أربعة عشر فيصح في الآية ولا يصح في المثال فإنه وهم.
ومن ذلك يظهر أنه لا مدخل للتكرير والانسحاب في هذا الفرض، ثم إن المختار قول الانسحاب على ما نص عليه الشيخ ابن الحاجب وحققه في غير موضع، وأما الاستدلال بالآية على الانسحاب لا التقدير وإلّا لكان لفظ أُخَرَ تطويلا يصان كلام الله تعالى المعجز عنه فغير سديد على ما في الكشف لأن القائل بالتقدير يدّعي الظهور في الاستقلال، وكذلك القائل بالانسحاب يدعي الظهور في المقابل على ما نص عليه أئمة العربية فلا يكون التأكيد- بأخر- لإرادة النصوص تطويلا بل إطنابا يكون واقعا في حاق موقعه هذا يا أَيُّهَا الْمَلَأُ خطاب للاشراف ممن يظن به العلم، يروى أنه جمع السحرة والكهنة والمعبرين فقال لهم: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ.
أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ هذه أي عبروها وبينوا حكمها وما تؤول إليه من العاقبة. وقيل: هو خطاب لجلسائه وأهل مشورته، والتعبير عن التعبير بالإفتاء لتشريفهم وتفخيم أمر رؤياه إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ أي تعلمون عبارة جنس الرؤيا (1) علما مستمرا وهي الانتقال من الصورة المشاهدة في المنام إلى ما هي صورة ومثال لها من الأمور الآفاقية والأنفسية الواقعة في الخارج من العبور وهو المجاوزة، تقول: عبرت النهر إذا قطعته وجاوزته، ونحوه أولتها أي ذكرت ما تؤول إليه وعبرت الرؤيا بالتخفيف عبارة أقوى وأعرف عند أهل اللغة من عبرت بالتشديد تعبيرا حتى إن بعضهم أنكر التشديد، ويرد عليه ما أنشده المرد في الكامل لبعض الأعراب وهو:
رأيت رؤيا ثم عبرتها
…
وكنت للأحلام عبارا
والجمع بين الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار كما أشير إليه، واللام قيل: متعلقة بمحذوف والمقصود بذاك البيان كأنه لما قيل: تَعْبُرُونَ قيل: لأي شيء؟ فقيل: للرؤيا فهي للبيان كما في سقيا له إلّا أن تقديم البيان على المبين لا يخلو عن شيء، وقيل- واختاره أبو حيان- إنها لتقوية الفعل المذكور لأنه ضعف بالتأخير، ويقال لها:
لام التقوية وتدخل في الفصيح على المعمول إذا تقدم على عامله مطلقا وعلى معمول غير الفعل إذا تأخر كزيد ضارب لعمرو، وفي كونها زائدة أو لا خلاف، وقيل: إنه جيء بها لتضمين الفعل المتعدي معنى فعل قاصر يتعدى باللام أي إن كنتم تنتدبون لعبارتها، وجوز أن يكون لِلرُّءْيا خبر كان كما تقول: كان فلان لهذا الأمر إذا كان مستقبلا به متمكنا منه، وجملة تَعْبُرُونَ خبر آخر أو حال، ولا يخفى ما في ذلك من التكلف، وكذا فيما قبله.
وقرأ أبو جعفر بالإدغام في الرؤيا وبابه بعد قلب الهمزة واوا ثم قلب الواو ياء لسبقها إياها ساكنة، ونصوا على شذوذ ذلك لأن الواو بدل غير لازم قالُوا استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قال الملأ للملك إذ قال لهم ذلك؟
فقيل: هي أَضْغاثُ أَحْلامٍ أي هي أَضْغاثُ إلخ، وهي جمع ضغث وهو أقل من الحزمة وأكثر من القبضة من أخلاط النبات، وقد يطلق على ما كان من جنس واحد كما في قوله:
خود كأن فراشها وضعت به
…
أضغاث ريحان غداة شمال
وجعل من ذلك ما في قوله تعالى: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ [ص: 44] فقد روي أن أيوب عليه السلام أخذ عثكالا من النخل فضرب به، وفي الكشاف أن «أضغاث الأحلام» تخاليطها وأباطيلها وما يكون منها من
(1) ذكر بعض المحققين أن الرؤيا تكون جمعا فلا تغفل اهـ منه.
حديث نفس أو وسوسة شيطان، وقد استعيرت لذلك، وأصلها ما جمع من أخلاط النبات وحزمه وإضافتها على معنى من أي أضغاث من أحلام، وأورد عليه أن الأضغاث إذا استعيرت للأحلام الباطلة والأحلام مذكورة، ولفظ هي المقدر عبارة عن رؤيا مخصوصة فقد ذكر المستعار والمستعار له، وذلك مانع من الاستعارة على الصحيح عندهم، وقد أجاب الكثير عن ذلك بما لا يخلو عن بحث، وذكر بعض المحققين في تقرير ذاك وجهين.
الأول أنه يريد أن حقيقة الأضغاث أخلاط النبات فشبه به التخاليط والأباطيل مطلقا سواء كانت أحلاما أم غيرها، ويشهد له قول الصحاح والأساس: ضغث الحديث خلطه، ثم أريد هنا بواسطة الإضافة أباطيل مخصوصة فطرفا الاستعارة أخلاط النبات والأباطيل الملفقات، فالأحلام ورؤيا الملك خارجان عنهما فلا يضر ذكرهما كما إذا قلت:
رأيت أسد قريش فهو قرينة أو تجريد، وقوله: تخاليطها تفسير له بعد التخصيص، وقوله: وقد استعيرت لذلك إشارة إلى التخاليط. الثاني أن الأضغاث استعيرت للتخاليط الواقعة في الرؤيا الواحدة فهي أجزاؤها لا عينها فالمستعار منه حزم النبات والمستعار له أجزاء الرؤيا، وهذا كما إذا استعرت الورد للخد، ثم قلت: شممت ورد هند مثلا فإنه لا يقال: إنه ذكر فيه الطرفان اهـ، ولا يخفى ما فيه من التكلف وارتكاب غير الظاهر.
واستظهر بعضهم كون أَضْغاثُ أَحْلامٍ من قبيل لجين الماء، ولا يخفى أنه سالم عما أورد على الزمخشري (1) إلّا أن صاحب الأساس قد صرح بأن ذلك من المجاز، والمتبادر منه المجاز المتعارف الذي لا يطلق على ما ذكر، ولعل الأمر في ذلك سهل، والأحلام جمع حلم بضمة وبضمتين المنامات الباطلة على ما نص عليه جمع، وقال بعضهم: الرؤيا والحلم عبارة عما يراه النائم مطلقا لكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن، وغلب الحلم على خلافه،
وفي الحديث «الرؤيا من الله تعالى والحلم من الشيطان»
وقال التوربشتي: الحلم عند العرب يستعمل استعمال الرؤيا والتفريق من الاصطلاحات التي سنها الشارع صلى الله تعالى عليه وسلّم للفصل بين الحق والباطل كأنه كره أن يسمي ما كان من الله تعالى وما كان من الشيطان باسم واحد فجعل الرؤيا عبارة عن القسم الصالح لما فيها من الدلالة على مشاهدة الشيء بالبصر والبصيرة، وجعل الحلم عبارة عما كان من الشيطان لأن أصل الكلمة لم تستعمل إلّا فيما يخيل للحالم في منامه من قضاء الشهوة بما لا حقيقة له اهـ وهو كلام حسن، ومما يشهد له في دعوى كون الحلم يستعمل عند العرب استعمال الرؤيا البيت السابق الذي أنشده المبرد كما لا يخفى، وإنما قالوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بالجمع مع أن الرؤيا ما كانت إلّا واحدة للمبالغة في وصف ذلك بالبطلان، وهذا كما يقال: فلان يركب الخيل ويلبس عمائم الخز لمن لا يركب إلّا فرسا واحدا وما له إلّا عمامة فردة.
وفي الفرائد لما كانت أَضْغاثُ أَحْلامٍ مستعارة لما ذكر وهي تخاليطها وأباطيلها وهي متحققة في رؤيا واحدة بحسب أنها متركبة من أشياء كل منها حلم فكانت أحلاما، قال الشهاب: وهو واه وإن استحسنه العلامة الطيبي، نعم ليس هذا من إطلاق الجمع على الواحد لوجود ذلك في هذا الجنس إذ الإضافة على معنى في، ثم نقل عن الرضي أنه قال في شرح الشافية إن جمع القلة ليس بأصل في الجمع لأنه لا يذكر إلّا حيث يراد بيان القلة فلا يستعمل لمجرد الجمعية والجنسية كما يستعمل له جمع الكثرة، يقال: فلان حسن الثياب في معنى حسن الثوب ولا يحسن حسن الثوب، وكم عندك من الثوب أو من الثياب ولا يحسن من الأثواب اهـ، ثم قال: وقد ذكره الشريف في
(1) لا يخفى أن صاحب الأساس قد يطلق المجاز على غير ما هو المتعارف فافهم اهـ منه.
شرح المفتاح وهو مخالف لما ذكروه هنا فتأمله، ولعل ما ذكر بعد تسليمه إنما هو في جمع القلة الذي معه جمع كثرة كما ذكره في المثال لا في ذلك وجمع القلة الذي ليس معه جمع كثرة كما هنا، فإنا لم نجد في كتب اللغة جمعا لمفرد هذا الجمع غير هذا الجمع، وقد ذكر غير واحد أن جمع القلة إذا لم يوجد معه جمع كثرة يستعمل استعمال جمع الكثرة، ثم لا يخفى حسن موقع الأضغاث مع السنابل، فيا لله در شأن التنزيل ما أبدع رياض بلاغته.
وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ أي المنامات الباطلة بِعالِمِينَ لأنها لا تأويل لها وإنما التأويل للمنامات الصادقة، وهذا إما لشيوع الأحلام في أباطيلها وإما لكون اللام للعهد والمعهود الأضغاث منها، والكلام وارد على أسلوب. () على لاحب لا يهتدي بمناره () وهو إشارة إلى كبرى قياس ساقوه للعذر عن جهلهم كأنهم قالوا هذه رؤيا باطلة وكل رؤيا كذلك لا نعلم تأويلها أي لا تأويل لها حتى نعلمه ينتج هذه رؤيا لا تأويل لها.
وجوز أن يكون المراد من الأحلام الرؤى (1) مطلقا، وأل فيه للجنس، والكلام اعتراف منهم بقصور علمهم وأنهم ليسوا بنحارير في تأويل الرؤى مع أن لها تأويلا، واختاره ابن المنير وادعى أنه الظاهر (2) ، وأن قول الملك لهم أولا إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ دليل على أنهم لم يكونوا في علمه عالمين بها لأنه أتى بكلمة الشك فجاء اعترافهم بالقصور مطابقا لشك الملك الذي أخرجه مخرج استفهامهم عن كونهم عالمين، وأن قول الفتى: أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ إلى قوله: لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ دليل على ذلك أيضا.
وذكر بعض المحققين أنه يشعر به عدولهم عما وقع في كلام الملك من العبارة المعبرة عن مجرد الانتقال من الدال إلى المدلول حيث لم يقولوا بتعبير الأحلام، أو عبارتها إلى التأويل المنبئ عن التصرف، والتكلف في ذلك لما بين الآيل والمآل من البعد، واعترض بأنه على هذا يبقى قولهم: أَضْغاثُ أَحْلامٍ ضائعا إذ لا دخل له في العذر، وأجيب بأنه يمكن أن يكون المقصود منه إزالة خوف الملك من تلك الرؤيا فلا يبقى ضائعا.
وقال صاحب الكشف: إن وجه ذلك أن يجعل الأول جوابا مستقلا، والثاني كذلك أي هاهنا أمران: أحدهما من جانب الرائي، والثاني من جانب المعبر، ووجه تقديم الظرف على عامله إنا أصحاب الآراء والتدابير وعلمنا بذلك رصين لا بتأويل الرؤى، ووجهه على الأول ظاهر، وادعى أن المقام يطابقه، ووروده على ذلك الأسلوب مقوله لا موهن خلافا لما في الانتصاب، ويقوى عند اختيار الوجه الثاني إذا كان الخطاب لجلسائه وأهل مشورته من أهل الحل والعقد لأن الأغلب على أمثالهم الجهل بمثل هذا العلم الذي لا يعلمه إلّا أفراد من الناس وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما أي صاحبي يوسف عليه السلام وهو الشرابي وَادَّكَرَ بالدال غير المعجمة عند الجمهور، وأصله اذتكر أبدلت التاء دالا وأدغمت الدال فيها.
وقرأ الحسن- اذكر- بابدال التاء ذالا معجمة وإدغام الذال المعجمة فيها، والقراءة الأولى أفصح، والمعنى على كليهما تذكر ما سبق له مع يوسف عليه السلام بَعْدَ أُمَّةٍ أي طائفة من الزمان ومدة طويلة.
(1) هي جمع رؤيا.
(2)
وكذا ادعى أبو حيان في البحر اهـ منه.
وقرأ الأشهب العقيلي «إمة» بكسر الهمزة وتشديد الميم أي نعمة عليه بعد نعمة، والمراد بذلك خلاصه من القتل والسجن وإنعام ملكه عليه، وعلى هذا جاء قوله (1) :
ألا لا أرى إمة أصبحت به
…
فتتركه الأيام وهي كما هي
وقال ابن عطية: المراد به نعمة أنعم الله تعالى بها على يوسف عليه السلام وهي تقريب إطلاقه ولا يخفى بعده، وقرأ ابن عباس وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهم- وأمة (2) - وأمه بفتح الهمزة والميم المخففة وهاء منونة من أمه يأمه أمها إذا نسي، وجاء في المصدر- أمه- بسكون الميم أيضا فقد روي عن مجاهد وعكرمة وشبيل بن عزرة الضبعي أنهم قرؤوا بذلك ولا عبرة بمن أنكر، والجملة اعتراض بين القول والمقول، وجوز أن تكون حالا من الموصول أو من ضميره في الصلة، ويحتاج ذلك إلى تقدير قد على المشهور، وقيل: معطوفة على نجا وليس بشيء- كما قال بعض المحققين- لأن حق كل من الصلة والصفة أن تكون معلومة الانتساب إلى الموصول والموصوف عند المخاطب كما عند المتكلم، ومن هنا قيل: الأوصاف قبل العلم بها أخبار والأخبار بعد العلم بها أوصاف، وأنت تعلم أن تذكره بعد أمة إنما علم بهذه الجملة فلا معنى لنظمه مع نجاته المعلومة من قبل في سلك الصلة أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ أي أخبركم بتأويل ذلك الذي خفي أمره بالتلقي ممن عنده علمه لا من تلقاء نفسي ولذلك لم يقل أفتيكم في ذلك، وعقبه بقوله:
فَأَرْسِلُونِ إلى من عنده علمه، وأراد به يوسف عليه السلام وإنما لم يصرح به حرصا على أن يكون هو المرسل إليه فإنه لو ذكره فلربما أرسلوا غيره وضمير الجمع إما لأنه أراد الملك وحده لكن خاطبه بذلك على سبيل التعظيم كما هو المعروف في خطاب الملوك، ويؤيده ما روي أنه لما سمع مقالة القوم جثى بين يدي الملك وقال: إن في السجن رجلا عالما يعبر الرؤيا فابعثوني إليه فبعثوه وكان السجن- على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما- في غير مدينة الملك، وقيل: كان فيها، قال أبو حيان ويرسم الناس اليوم سجن يوسف عليه السلام في موضع على النيل بينه وبين الفسطاط ثمانية أميال، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن أنه كان يقرأ- أنا آتيكم- مضارع أتى من الإتيان فقيل له: إنما هو أَنَا أُنَبِّئُكُمْ فقال: أهو كان ينبئهم؟! (3)، وأخرج ابن المنذر وغيره عن أبيّ أنه قرأ أيضا كذلك. وفي البحر أنه كذا في الأمام أيضا يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ في الكلام حذف أي فأرسلوه فأتاه فقال: يا يوسف، ووصفه بالمبالغة في الصدق حسبما علمه وجرب أحواله في مدة إقامته معه في السجن لكونه بصدد اغتنام آثاره واقتباس أنواره، فهو من باب براعة الاستهلال، وفيه إشارة إلّا أنه ينبغي للمستفتي أن يعظم المفتي، واستدل بذلك على أنهما لم يكذبا على يوسف في منامهما وأنهما كذبا في قولهما: كذبنا إن ثبت. أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ أي في رؤيا ذلك، وإنما لم يصرح به لوضوح مرامه بقرينة ما سبق من معاملتهما ولدلالة مضمون الحادثة عليه حيث إن مثله لا يقع في عالم الشهادة، والمعنى بين لنا مآل ذلك وحكمه، وعبر عن ذلك بالإفتاء، ولم يقل كما قال هو وصاحبه أولا نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ- تفخيما لشأنه عليه السلام حيث عاين رتبته في الفضل- ولم يقل: أفتني مع أنه المستفتي وحده إشعارا بأن الرؤيا ليست له بل لغيره ممن له ملابسة بأمور العامة وأنه في ذلك
(1) وقوله ثم بعد الفلاح والملك والأمة ووارتهم هناك قبور اهـ منه.
(2)
أي جماعة من التابعين اهـ منه.
(3)
لعله لم يرد إلّا مجرد ترجيح قراءته اهـ منه.
معبر وسفير، ولذا لم يغير (1) لفظ الملك، ويؤذن بهذا قوله: لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ أي إلى الملك ومن عنده، أو إلى أهل البلد فأنبئهم بما أفتيت لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ذلك ويعلمون بمقتضاه، أو يعلمون فضلك ومكانك مع ما أنت فيه من الحال فتتخلص منه، والجملة عند أبي حيان على الأول كالتعليل للرجوع، وعلى الثاني كالتعليل- لأفتنا- وإنما لم بيت القول بل قال: لَعَلِّي ولَعَلَّهُمْ مجاراة معه عليه السلام على نهج الأدب واحترازا عن المجازفة إذ لم يكن على يقين من الرجوع:
فبينما المرء في الأحياء مغتبط
…
إذا هو الرمس تعفوه الأعاصير
ولا من علمهم بذلك فربما لم يعلموه إما لعدم فهمهم أو لعدم اعتمادهم قالَ مستأنف على قياس ما مرّ غير مرة تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً قرأ حفص بفتح الهمزة، والجمهور بإسكانها، وقرىء- دابا- بألف من غير همز على التخفيف، وهو في كل ذلك مصدر- لدأب- وأصل معناه التعب، ويكنى به عن العادة المستمرة لأنها تنشأ من مداومة العمل اللازم له التعب، وانتصابه على الحال من ضمير تَزْرَعُونَ أي دائبين أو ذوي دأب، وأفرد لأن المصدر الأصل فيه الإفراد، أو على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف أي تدأبون دأبا.
والجملة حالية أيضا، وعند المبرد مفعول مطلق- لتزرعون- وذلك عنده نظير قعد القرفصاء وليس بشيء، وقد أول عليه السلام البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة، فأخبرهم بأنهم يواظبون على الزراعة سبع سنين ويبالغون فيها إذ بذلك يتحقق الخصب الذي هو مصداق البقرات السمان وتأويلها، وقيل: المراد الأمر بالزراعة كذلك، فالجملة خبر لفظا أمر معنى، وأخرج على صورة الخبر مبالغة في إيجاب إيجاده حتى كأنه وقع وأخبر عنه، وأيد بأن قوله تعالى: فَما حَصَدْتُمْ أي في كل سنة.
فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ ولا تذروه كيلا يأكله السوس كما هو شأن غلال مصر ونواحيها إذا مضى عليها نحو عامين، ولعله استدل على ذلك بالسنبلات الخضر يناسب كونه أمرا مثله، قيل: لأنه لو لم يؤول ذلك بالأمر لزم عطف الإنشاء على الخبر لأن- ما- إما شرطية أو موصولة متضمنة لمعنى الشرط، وعلى كل حال فلكون الجزء إنشاء تكون إنشائية معطوفة على خبرية.
وأجيب بأنا لا نسلم أن الجملة الشرطية التي جوابها إنشائي إنشائية، ولو سلم فلا نسلم العطف بل الجملة مستأنفة لنصحهم وإرشادهم إلى ما ينبغي أن يفعلوه حيث لم يكن معتادا لهم كما كان الزرع كذلك، أو هي جواب شرط مقدر أي إن زرعتم فَما حَصَدْتُمْ إلخ، وأيضا يحتمل الأمر عكس ما ذكروه بأن يكون ذروه بمعنى تذروه، وأبرز في صورة الأمر لأنه بإرشاده فكأنهم أمرهم به، والتحقيق ما في الكشف من أن الأظهر أن تَزْرَعُونَ على أصله لأنه تأويل المنام بدليل قوله الآتي: ثُمَّ يَأْتِي وقوله: فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ اعتراض اهتماما منه عليه السلام بشأنهم قبل تتميم التأويل، وفيه ما يؤكد أمر السابق واللاحق كأنه قد كان فهو يأمرهم بما فيه صلاحهم وهذا هو النظم المعجز انتهى.
وذكر بعضهم أن- ما حصدتم- إلخ على تقدير كون تَزْرَعُونَ بمعنى ازرعوا داخل في العبارة فإن أكل السبع العجاف السبع السمان وغلبة السنبلات اليابسات الخضر دال على أنهم يأكلون في السنين المجدبة ما حصل في السنين المخصبة، وطريق بقائه تعلموه من يوسف عليه السلام فبقي لهم في تلك المدة، وقيل: إن تزرعون
(1) قيل: لم يغير لفظ الملك لأن التعبير يكون على وفقه فافهم اهـ منه. [.....]
على هذا التقدير وكذا ما بعده خارج عن العبارة، والكل كما ترى إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ أي اتركوا ذلك في السنبل إلّا ما لا غنى عنه من القليل الذي تأكلونه في تلك السنين، وفيه إرشاد إلى التقليل في الأكل.
وقرأ السلمي مما- يأكلون- بالياء على الغيبة أي يأكل الناس، والاقتصار على استثناء المأكول دون البذر لكون ذلك معلوما من قوله عليه السلام: تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي من بعد السنين السبع المذكورات، وإنما لم يقل من بعدهن قصدا (1) إلى تفخيم شأنهن سَبْعٌ شِدادٌ أي سبع سنين صعاب على الناس، وحذف التمييز لدلالة الأول عليه يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ أي ما ادخرتم في تلك السنين من الحبوب المتروكة في سنابلها لأجلهن، وإسناد الأكل إليهن مع أنه حال الناس فيهن مجازي كما في قوله تعالى: وَالنَّهارَ مُبْصِراً [يونس:
67، النمل: 86، غافر: 61] واللام في لَهُنَّ ترشيح لذلك، وكان الداعي إليه التطبيق بين المعبر والمعبر به، ويجوز أن يكون التعبير بذلك للمشاكلة لما وقع في الواقعة.
وفسر بعضهم الأكل بالإفناء كما في قولهم: أكل السير لحم الناقة أي أفناه وذهب به إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ أي تحرزونه وتخبئونه لبزور الزراعة (2) مأخوذ من الحصن وهو الحرز والملجأ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي السنين الموصوفة بما ذكر الشدة وأكل المدخر من الحبوب عامٌ هو كالسنة لكن كثيرا ما يستعلم فيما فيه الراء والخصب، والسنة فيما فيه الشدة والجدب ولهذا يعبر عن الجدب بالسنة، وكأنه تحاشيا عن ذلك وتنبيها من أول الأمر على اختلاف الحال بينه وبين السوابق عبر به دون السنة فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ أي يصيبهم غيث أي مطر كما قال ابن عباس ومجاهد والجمهور فهو من غاث الثلاثي اليائي، ومنه قول الأعرابية: غثنا ماشيتنا وقول بعضهم أذى البراغيث إذا البراغيث، وقيل: هو من الغوث أي الفرج، يقال: أغاثنا الله تعالى إذا أمدّنا برفع المكاره حين أظلتنا فهو رباعي واوي وَفِيهِ يَعْصِرُونَ من العصر المعروف أي يعصرون ما من شأنه أن يعصر من العنب والقصب والزيتون والسمسم ونحوها من الفواكه لكثرتها، والتعرض لذكره كما قال بعض المحققين مع جواز الاكتفاء عنه بذكر الغيث المستلزم له عادة كما اكتفي به عن ذكر تصرفهم في الحبوب: إما لأن استلزام الغيث له ليس كاستلزامه للحبوب إذ المذكورات يتوقف صلاحها على أمور أخرى غير المطر، وإما لمراعاة جانب المستفتي باعتبار حالته الخاصة به بشارة له، وهي التي يدور عليها حسن موقع تغليبه على الناس في قراءة حمزة والكسائي بالفوقانية.
وعن ابن عباس تفسير ذلك بيحلبون وكأنه مأخوذ من العصر المعروف لأن في الحلب عصر الضرع ليخرج الدر وتكرير فيه إما كما قيل: للإشعار باختلاف ما يقع فيه زمانا وعنوانا، وإما لأن المقام مقام تعداد منافع ذلك العام، ولأجله قدم في الموضعين على العامل فإن المقام بيان أنه يقع في ذلك العام هذا وذاك لا بيان أنهما يقعان في ذلك العام كما يفيده التأخير، وجوز أن يكون التقديم للقصر على معنى أن غيثهم في تلك السنين كالعدم بالنسبة إلى عامهم ذلك وأن يكون ذلك في الأخير لمراعاة الفواصل، وفي الأول لرعاية حاله.
(1) وفي إرشاد العقل السليم لم يقل ذلك قصدا إلى الإرشاد إلى وصفهن فإن الضمير ساكت عن أوصاف المرجع بالكلية فتدبر اهـ منه.
(2)
البذر والبزر بمعنى كما في العين، وهو الجب الذي يجعل في الأرض لينبت، وقال ابن دريد على ما في المجمل: البذر بالذال في البقول والبزر بالزاي خلافه اهـ منه.
وقرأ جعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما والأعرج وعيسى البصرة «يعصرون» على البناء للمفعول، وعن عيسى- تعصرون- بالفوقانية مبنيا للمفعول أيضا من عصره الله تعالى إذا أنجاه أي ينجيهم الله سبحانه مما هم فيه من الشدة، وهو مناسب لقوله: يُغاثُ النَّاسُ وعن أبي عبيدة وغيره أخذ المبني للفاعل من العصر بمعنى النجاة أيضا، وفي البحر تفسير العصر والعصرة بالضم بالمنجاة، وأنشد قول أبي زبيد في عثمان رضي الله تعالى:
صاديا يستغيث غير مغاث
…
ولقد كان عصرة المنجود
وقال ابن المنير: معناه عصيرون من أعصرت السحابة عليهم أي حان وقت عصر الرياح لها لتمطر فعلى صلة الفعل كما في عصرت الليمون على الطعام فحذفت وأوصل الفعل بنفسه، أو تضمن أعصرت معنى مطرت فتعدى تعديته، وفي الصحاح عصر القوم أي أمطروا، ومنه قراءة بعضهم، وفيه يَعْصِرُونَ وظاهره أن اللفظ موضوع لذلك فلا يحتاج إلى التضمين عليه، وحكى النقاش أنه قرىء «يعصرون» بضم الياء وكسر الصاد وتشديدها من عصر مشددا للتكثير، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما «وفيه تعصرون» بكسر التاء والعين والصاد وتشديدها، وأصله- يعتصرون- فأدغم التاء في الصاد ونقل حركتها إلى العين، وأتبع حركة التاء لحركة العين، واحتمل أن يكون من اعتصر العنب ونحوه أو من اعتصر بمعنى نجا، ومن ذلك قوله:
لو بغير الماء حلقي شرق
…
كنت كالغصان بالماء اعتصاري
ثم إن أحكام هذا العام المبارك كما أخرج ابن جرير وغيره عن قتادة علم آتاه الله تعالى علمه لم يكن فيما سئل عنه، وروي مثل ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وعنيا أن ذلك بالوحي وهو الظاهر، ولقد أتى عليه السلام بما يدل على فضله في آخر فتواه على عكس ما فعل أولا عند الجواب عن رؤيا صاحبيه حيث أتى بذلك في أولها ووجه ذلك ظاهر، وقيل: إن هذه البشارة منه عليه السلام لم تكن عن وحي بل لأن العادة جارية بأن انتهاء الجدب الخصب، أو لأن السنة الإلهية على أن يوسع على عباده سبحانه بعد ما ضيق عليهم، وفيه أنه لو كان كذلك لأجمل في البشارة، وإن حصر الجدب يقتضي تغييره بخصب مالا على ذكره خصوصا على ما تقتضيه بعض القراءات من إغاثة بعضهم بعضا فإنها لا تعلم إلّا بالوحي، ثم إنه عليه السلام بعد أن أفتاهم وأرشدهم وبشرهم كان يتوقع وقوع ما أخبر به، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم أنه عليه السلام كان بعد ذلك يصنع لرجل طعام اثنين فيقربه إلى الرجل فيأكل نصفه ويدع نصفه حتى إذا كان يوم قربه له فأكله كله، فقال عليه السلام: هذا أول يوم من الشداد، واستدل البلخي بتأويله لذلك على بطلان قول من يقول: إن الرؤيا على ما عبرت أولا فإنهم كانوا قد قالوا: أَضْغاثُ أَحْلامٍ فلو كان ما قالوه مؤثرا شيئا لأعرض عليه السلام عن تأويلها وفيه بحث، فقد روى أبو داود وابن ماجه عن أبي رزين الرؤيا على جناح طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت، ولا تقصها إلّا على وادّ وذي رأي، ولعله إذا صح هذا يلتزم القول بأن الحكم على الرؤيا بأنها أَضْغاثُ أَحْلامٍ وأنها لا ذيل لها ليس من التعبير في شيء، وإلّا فالجمع بين ما هنا وبين الخبر مشكل.
وقال ابن العربي: إنه ينبغي أن يخص ذلك بما يحتمل من الرؤيا وجوها فيعبر بأحدها فيقع عليه، واستدلوا بذلك أيضا على صحة رؤيا الكافر وهو ظاهر، وقد ذكروا للاستفتاء عن الرؤيا آدابا: منها أن لا يكون ذلك عند طلوع الشمس أو عند غروبها أو في الليل، وقالوا: إن تعبيرها مناما هو تعبيرها في نفسي الأمر فلا تحتاج إلى تعبير بعد، وأكثروا القول فيما يتعلق بها، وأكثر ما قيل مما لا يظهر لي سره ولا أرى بعض ذلك إلّا كأضغاث أحلام وَقالَ الْمَلِكُ بعد ما جاء السفير المعبر بالتعبير وسمع منه ما سمع من نقير وقطمير.
ائْتُونِي بِهِ لما رأى من علمه وفضله وأخباره عما لا يعلمه إلّا اللطيف الخبير فَلَمَّا جاءَهُ أي يوسف عليه السلام الرَّسُولُ وهو صاحبه الذي استفتاه، وقال له: إن الملك يريد أن تخرج إليه.
قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ أي سيدك وهو الملك فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ أي فتشه عن شأنهن وحالهن، وإنما لم يقل فاسأله أن يفتش عن ذلك حثا للملك على الجد في التفتيش لتتبين براءته وتتضح نزاهته فإن السؤال عن شيء مما يهيج الإنسان ويحركه للبحث لأنه يأنف من الجهل، ولو قال: سله أن يفتش لكان تهييجا له عن الفحص عن ذلك، وفيه جراءة عليه فربما امتنع منه ولم يلتفت إليه، وإنما لم يتعرض عليه السلام لامرأة العزيز مع أنها الأصل الأصيل لما لاقاه تأدبا وتكرما، ولذا حملها ذلك على الاعتراف بنزاهته وبراءة ساحته، وقيل: احترازا عن مكرها حيث اعتقدها باقية في ضلالها القديم، وأما النسوة فقد كان يطمع في صدعهن بالحق وشهادتهن بإقرارها بأنها راودته عن نفسه فاستعصم، ولذلك اقتصر على وصفهن بتقطيع الأيدي ولم يصرح بمراودتهن له واكتفى بالإيماء إلى ذلك بقوله: إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ مجاملة معهن واحترازا عن سوء مقالتهن وانتصابهن عند رفعهن إلى الملك للخصومة عن أنفسهن متى سمعن بنسبته لهن إلى الفساد، وفي الكشاف أنه عليه السلام أراد بهذا أنه كيد عظيم لا يعلمه إلّا الله تعالى، أو استشهد بعلم الله تعالى على أنهن كدنه وأنه بريء مما قرف به، أو أراد الوعيد لهن- أي عليم بكيدهن- فمجازيهن عليه انتهى.
وكان الحصر على الأول من قربه من زيد يعلم وصلوحه لإفادته عنده (1) أو من اقتضاء المقام لأنه إذا حمله على السؤال ثم أضاف علمه إلى الله تعالى دلّ به على عظمته، وأن الكنه غير مأمول الوصول لكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، وهذا هو الوجه، وفيه زيادة تشويق وبعث إلى تعرف الأمر، فالجملة عليه تتميم لقوله: فَسْئَلْهُ إلخ والكيد اسم لما كدنه به، وعلى الوجه الثاني تكون تذييلا كأنه (2) قيل: احمله على التعرف يتبين له براءة ساحتي فإن الله سبحانه يعلم أن ذلك كان كيدا منهن وإذا كان كيدا يكون لا محالة بريئا، والكيد هو الحدث وعلى الثالث تحتملهما والمعنى بعث الملك على الغضب له والانتقام له والانتقام منهن، وإلّا لم يتلاءم الكلام ولا يطابق كرم يوسف عليه السلام الذي عجب منه نبينا عليه الصلاة والسلام
فقد أخرج غير واحد عن ابن عباس وابن مسعود عنه صلّى الله تعالى عليه وسلّم أنه قال: «لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله تعالى يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى اشترطت أن يخرجوني ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال:
ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت العذر أن كان حليما ذا أناة»
ودعاؤه له صلّى الله تعالى عليه وسلّم قيل: إشارة إلى ترك العزيمة بالرخصة وهي تقديم حق الله تعالى بتبليغ التوحيد والرسالة على براءة نفسه، وجعله العلامة الطيبي من قبيل قولك لمن تعظمه: رضي الله تعالى عنك ما جوابك عن كلامي، وقيل: يمكن أن يقال: إن في براءته النفس من حق الله تعالى ما فيها فإنها إذا تحققت عندهم وقع ما تلاها موقع القبول، وقد ذكر أن الاجتهاد (3) في نفي التهم واجب وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها،
فقد قال صلّى الله تعالى عليه وسلّم: «من كان يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم» .
(1) أي صاحب الكشاف اهـ منه.
(2)
وقال الطيبي: كأنه قال: والله تعالى شاهدي وشهادة الله تعالى تلك الأمارات الدالة على براءته اهـ ولا يحتاج إلى هذا ففي الكيد غنية على أنه حسن اهـ منه.
(3)
وزعم بعضهم أن الآية تدل على ذلك وفيه نظر اهـ منه.
وأخرج مسلم من رواية أنس أن رسول الله عليه الصلاة والسلام «كان مع إحدى نسائه فمرّ به رجل فدعاه، وقال: هذه زوجتي، فقال: يا رسول الله من كنت أظن به فلم أكن أظن بك؟! فقال رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم»
وكأنه لهذا كان الزمخشري وكان ساقط الرجل قد أثبت على القضاة أن رجله لم تقطع في جناية ولا فساد بل سقطت من ثلج أصابها في بعض الأسفار، وكان يظهر مكتوب القضاة في كل بلد دخله خوفا من تهمة السوء (1) فلعله عليه السلام خشي أن يخرج ساكتا عن أمر ذنبه غير متضحة براءة ساحته عما سجن فيه وقرف به من أن يتسلق به الحاسدون إلى تقبيح أمره ويجعلوه سلما إلى حط قدره ونظر الناس إليه بعين الاحتقار فلا يعلق كلامه في قلوبهم ولا يترتب على دعوته قبولهم، وفي ذلك من تعري التبليغ عن الثمرة ما فيه، وما
ذكره صلّى الله تعالى عليه وسلّم «ولو كنت مكانه» إلخ
كان تواضعا منه عليه الصلاة والسلام لا أنه لو كان مكانه بادر وعجل وإلّا فحلمه صلى الله تعالى عليه وسلم وتحمله واهتمامه بما يترتب عليه قبول الخلق أوامر الحق سبحانه وتعالى أمر معلوم لدى الخواص والعموم، وزعم ابن عطية أنه يحتمل أن يكون عليه السلام أراد بالرب العزيز كما قيل في قوله: إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ [يوسف: 23] ففي ذلك استشهاد به وتقريع له وليس بشيء، ومثله ما قيل: إن ضمير كيدهن ليس عائدا على النسوة المذكورات بل عائد على الجنس فافهم.
وقرأ أبو حيوة وأبو بكر عن عاصم في رواية «النسوة» بضم النون، وقرأت فرقة- اللائي- بالياء وهو كاللاء جمع التي قالَ استئناف مبني على السؤال كما سبق كأنه قيل: فما كان بعد ذلك؟ فقيل: قال الملك إثر ما بلغه الرسول الخبر وأحضرهن: ما خَطْبُكُنَّ أي شأنكن، وأصله الأمر العظيم الذي يحق لعظمته أن يكثر فيه التخاطب ويخطب له إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ وخادعتنه عَنْ نَفْسِهِ ورغبتنه في طاعة مولاته هل وجدتن فيه ميلا إليكن؟ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ تنزيها له وتعجيبا من نزاهته عليه السلام وعفته ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ بالغن في نفي جنس السوء عنه بالتنكير وزيادة مِنْ، وفي الكشف في توجيه كون السؤال المقدر في نظم الكلام عن وجدانهن فيه الميل، وذلك لأنه سؤال عن شأنهن معه عند المراودة، وأوله الميل ثم ما يترتب عليه، وحمله (2) على السؤال يدعي النزاهة الكلية فيكون سؤال الملك منزلا عليه إذ لا يمكن ما بعده إلّا إذا سلم الميل، وجوابهن عليه ينطبق لتعجبهن عن نزاهته بسبب التعجب من قدرة الله تعالى على خلق عفيف مثله ليكون التعجب منها على سبيل الكناية فيكون أبلغ وأبلغ، ثم نفيهن (3) العلم مطلقا وطرفا أي طرف دهم من سوء أي سوء فضلا عن شهود الميل معهن اهـ، وهو من الحسن بمكان.
وما ذكره ابن عطية- من أن النسوة قد أجبن بجواب جيد يظهر منه براءة أنفسهن جملة وأعطين يوسف عليه السلام بعض براءة وذلك أن الملك لما قرّرهن أنهن راودنه قلن جوابا عن ذلك وتنزيها لأنفسهن: حاشَ لِلَّهِ ويحتمل أن يكون في جهته عليه السلام، وقولهن: ما عَلِمْنا إلخ ليس بإبراء تام، وإنما هو شرح القصة على وجهها حتى يتقرر الخطأ في جهتهن- ناشىء- عن الغفلة عما قرّره المولى صاحب الكشف قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ وكانت حاضرة المجلس، قيل: أقبلت النسوة عليها يقررنها، وقيل: خافت أن يشهد عليها بما قالت يوم قطعن أيديهن فأقرت قائلة: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أي ظهر وتبين بعد خفاء قاله الخليل، وهو مأخوذ من الحصة وهي القطعة من
(1) ويناسب هذا ما تقدم عن أبي حيان في «اذكرني عند ربك» فتذكر فما في العهد من قدم اهـ منه.
(2)
أي يوسف عليه السلام اهـ منه.
(3)
قد صرح غير واحد أن المراد بالعلم هنا الإدراك اهـ منه.
الجملة أي تبينت حصة الحق من حصة الباطل، والمراد تميز هذا عن هذا، وإلى ذلك ذهب الزجاج أيضا، وقيل: هو من حص شعره إذا استأصله بحيث ظهرت بشرة رأسه، وعلى ذلك قوله:
قد حصت البيضة رأسي فما
…
أطعم نوما غير تهجاع
ويرجع هذا إلى الظهور أيضا، وقيل: هو من حصحص البعير إذا ألقى مباركة ليناخ، قال حميد بن ثور الهلالي يصف بعيرا:
فحصحص في صم الصفا ثفناته
…
وناء بسلمى نوءة ثم صمما
والمعنى الآن ثبت الحق واستقر، وذكر الراغب وغيره أن حص وحصحص- ككف وكفكف وكب وكبكب- وقرىء بالبناء للمفعول على معنى أقر الحق في مقره ووضع في موضعه، والْآنَ من الظروف المبنية في المشهور (1) وهو اسم للوقت الحاضر جميعه كوقت فعل الإنشاء حال النطق به أو الحاضر بعضه كما في هذه الآية، وقوله سبحانه: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ [الأنفال: 66] وقد يخرج عند ابن مالك عن الظرفية
كخبر «فهو يهوي في النار الآن حين انتهى إلى مقرها»
فإن الآن فيه في موضع رفع على الابتداء، و «حين» خبره وهو مبني لإضافته إلى جملة صدرها ماض وألفه منقلبة عن واو لقولهم في معناه: الأوان، وقيل: عن ياء لأنه من آن يئين إذا قرب، وقيل: أصله أو أن قلبت الواو ألفا ثم حذفت لالتقاء الساكنين، ورد بأن الواو قبل الألف لا تقلب كالجواد والسواد، وقيل: حذفت الألف وغيرت الواو إليها كما في راح ورواح استعملوه مرة على فعل وأخرى على فعال كزمن وزمان، واختلفوا في علة بنائه فقال الزجاج: بني لتضمنه معنى الإشارة لأن معناه هذا الوقت، وردّ بأن المتضمن معنى الإشارة بمنزلة اسم الإشارة وهو لا تدخله ال، وقال أبو علي: لتضمنه معنى لام التعريف لأنه استعمل معرفة وليس علما وأل فيه زائدة، وضعف (2) بأن تضمن اسم معنى حرف اختصارا ينافي زيادة ما لا يعتد به هذا مع كون المزيد غير المضمن معناه فكيف إذا كان إياه، وقال المبرد وابن السراج: لأنه خالف نظائره إذ هو نكرة في الأصل استعمل من أول وضعه باللام، وبابها أن تدخل على النكرة وإليه ذهب الزمخشري، ورده ابن مالك بلزوم بناء الجماء الغفير ونحوه مما وقع في أول وضعه باللام، وبأنه لو كانت مخالفة الاسم لسائر الأسماء موجبة لشبه الحرف واستحقاق البناء لوجب بناء كل اسم خالف الأسماء بوزن أو غيره، وهو باطل بإجماع، واختار أنه بني لشبه الحرف في ملازمة لفظ واحد لأنه لا يثنى ولا يجمع ولا يصغر بخلاف حين ووقت وزمان ومدة وردّه أبو حيان بما ردّ هو به على من تقدم، وقال الفراء: إنما بني لأنه نقل من فعل ماض وهو آن بمعنى حان فبقي على بنائه استصحابا على حد أنهاكم عن قيل وقال، وردّ بأنه لو كان كذلك لم تدخل عليه أل كما لا تدخل على ما ذكر، وجاز فيه الإعراب كما جاز فيه، وذهب بعضهم إلى أنه معرب منصوب على الظرفية، واستدل بقوله: كأنهما ملآن لم يتغيرا، بكسر النون أي من الآن فحذفت النون والهمزة وجر فدل على أنه معرب وضعف (3) باحتمال أن تكون الكسرة كسرة بناء ويكون في بناء الآن لغتان: الفتح والكسر كما في شتان إلّا أن الفتح أكثر وأشهر، وفي شرح الألفية لابن الصائغ أن الذي قال: إن أصله أو أن يقول: بإعرابه كما أن وأنا معرب.
واختار الجلال السيوطي بإعرابه لأنه لم يثبت لبنائه علة معتبرة فهو عنده منصوب على الظرفية، وإن دخلت من
(1) والدليل على اسميتها دخول أل وحرف الجر اهـ منه.
(2)
المضعف هو ابن مالك اهـ منه.
(3)
المضعف ابن مالك أيضا اهـ منه.
جرّ وخروجه عن الظرفية غير ثابت، وفي الاستدلال بالحديث السابق مقال، وأيا ما كان فهو هنا متعلق- بحصحص- أي حصحص الحق في هذا الوقت أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ لا أنه راودني عن نفسي، وإنما قالت ذلك بعد اعترافها تأكيدا لنزاهته عليه السلام، وكذا قولها: وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ أي في قوله حين افتريت عليه هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي [يوسف: 26] قيل: إن الذي دعاها لذلك كله التوخي لمقابلة الأعراف حيث لا يجدي الإنكار بالعفو، وقيل: إنها لما تناهت في حبه لم تبال بانتهاك سترها وظهور سرها، وفي إرشاد العقل السليم أنها لم ترد بقولها:
الْآنَ إلخ مجرد ظهور ما ظهر بشهادة النسوة من مطلق نزاهته عليه السلام فيما أحاط به علمهن من غير تعرض لنزاهته في سائر المواطن خصوصا فيما وقع فيه التشاجر بمحضر العزيز ولا بحث عن حال نفسها وما صنعت في ذلك بل أرادت ظهور ما هو متحقق في نفس الأمر وثبوته من نزاهته عليه السلام في محل النزاع وخيانتها، ولهذا قالت: أَنَا راوَدْتُهُ إلخ، وأرادت- بالآن- زمان تكلمها بهذا الكلام لا زمان شهادتهن اهـ فافهم وتأمل هل ترى فوق هذه المرتبة نزاهة حيث لم يتمالك الخصماء من الشهادة بها على أتم وجه:
والفضل ما شهدت به الخصماء وليت من نسب إليه السوء- وحاشاه- كان عنده عشر معشار ما كان عند أولئك النسوة الشاهدات من الإنصاف ذلِكَ لِيَعْلَمَ الذي ذهب إليه غير واحد أن ذلك إشارة إلى التثبت مع ما تلاه من القصة أجمع (1) فهو من كلام يوسف عليه السلام جعله فذلكة منه لما نهض له أولا من التشمر لطهارة ذيله وبراءة ساحته، وقد حكى الله تعالى ما وقع من ذلك طبق الوجود مع رعاية ما عليه دأب القرآن من الإيجاز كحذف فرجع إلى ربه فأنهاه مقالة يوسف فأحضرهن سائلا قال: ما خَطْبُكُنَّ إلخ وكذلك كما قيل في قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ إلخ، وكذلك هذا أيضا لأن المعنى فرجع إليه الرسول قائلا فتش الملك عن كنه الأمر وبان له جلية الحق من عصمتك وأنك لم ترجع في ذلك المقام الدحض بمس ملام فعند ذلك قال عليه السلام: ذلِكَ لِيَعْلَمَ العزيز أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ في حرمته بِالْغَيْبِ أي بظهر الغيب، وقيل: ضمير يعلم للملك، وضمير أَخُنْهُ للعزيز، وقيل: للملك أيضا لأن خيانة وزيره خيانة له، والباء إما للملابسة أو للظرفية، وعلى الأول هو حال من فاعل أَخُنْهُ أي تركت خيانته وأنا غائب عنه، أو من مفعوله أي وهو غائب عني وهما متلازمان، وجوز أن يكون حالا منهما وليس بشيء، وعلى الثاني فهو ظرف لغو لما عنده أي لَمْ أَخُنْهُ بمكان الغيب وراء الإستار والأبواب المغلقة، ويحتمل الحالية أيضا وَأَنَّ اللَّهَ أي وليعلم أن الله تعالى.
لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ أي لا ينفذه ولا يسدّده بل يبطله ويزهقه فهداية الكيد مجاز عن تنفيذه، ويجوز أن يكون المراد لا يهدي الخائنين (2) بسبب كيدهم فأوقع الهداية المنفية على الكيد وهي واقعة عليهم تجوزا للمبالغة لأنه إذا لم يهد السبب علم منه عدم هداية مسببه بالطريق الأولى، وفيه تعريض بامرأة العزيز في خيانتها أمانته، وبه في خيانته أمانة الله تعالى حين ساعدها على حبسه بعد ما رأوا الآيات الدالة على نزاهته عليه السلام، ويجوز أن يكون مع
(1) وفي الكشاف صح ذلك لدلالة المعنى عليه ونحوه قوله تعالى: قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ [الأعراف: 109، 110] ، وفيه دغدغة اهـ منه.
(2)
في عبارة بعضهم بكيدهم فالباء إما متعلقة بالفعل أو متعلقة بالخائنين، وفيه تنبيه على أنه تعالى يهدي كيد من لم يقصد الخيانة بكيده كيوسف عليه السلام في كيده إخوته كذا قيل، فتدبر اهـ منه.
ذلك تأكيدا لأمانته عليه السلام على معنى لو كنت خائنا لما هدى الله تعالى كيدي ولا سدّده، وتوهم عبارة بعضهم عدم اجتماع التأكيد والتعريض، والحق أنه لا مانع من ذلك، وأراد بكيده تشمره وثباته ذلك، وتسميته كيدا على فرض الخيانة على بابها حقيقة كما لا يخفى، فما في الكشف من أنه سماه كيدا استعارة أو مشاكلة ليس بشيء، وقيل: إن ضمير يعلم ولَمْ أَخُنْهُ لله تعالى أي ذلك ليعلم الله تعالى أني لم أعصه أي ليظهر أني غير عاص ويكرمني ويصير سبب رفع منزلتي وليظهر أن كيد الخائن لا ينفذ وأن العاقبة للمطيع لا للعاصي فهو نظير قوله تعالى: لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ [البقرة: 143] وله نظائر أخر في القرآن كثيرة إلّا أن الله تعالى أخبر عن نفسه بذلك وأما غيره فلم يرد في الكتاب العزيز، وفيه نوع إيهام التحاشي عنه أحسن على أن المقام لما تقدم ادعى.